######OpenITI# #META#Header#End# ### | تمهيد هذا الكتاب تثبيت الإمامة تأليف الإمام الهمام ظل رب الأنام مولانا إسمعيل المنصور بنصر الله ، صلوات الله عليه وآبائه الطاهرين وأبنائه الأكرمين ### | مقدمة بسم الله الرحمن الرحيم ، وصلى الله على رسوله محمد وآله وسلم . أما بعد ، زادك الله رغبة في العلم ومحبة للفهم ، وأوزعك شكر ما به عليك أنعم ، سألتني ، أرشدك الله ، عن تثبيت إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (صلوات الله عليه) واستحقاقه الأمر دون غيره . وسأبين ذلك بما لا يدفعه الخصماء وأستشهد عليه بما لا ينكره الأضداد والأعداء، (فاستعمله في الفكر) ، رحمك الله ، وصحة النظر فيما يوجبه العقل بالاستدلال قبل النظر في الروايات وفيما يدعي كل فريق ممن أثبت اللإمامة وزعم أن لا بد للناس من إمام . PageV01P001 ### | هل الإمامة بالرأي أم بسلطة لكم أم فريضة ? فأول ذلك أن يسألوا عن قولهم : لا بد للناس من إمام . فيقال لهم أذلك شيء رأيتموه وأمر توهمتموه، أم بحكم منكم على عباد الله، أم فريضة لازمة? ان قلتم هو فرض: فمن المنصوص عليه منكم ومن صاحب الأمر إذا كان الله سبحانه قد نص عليه وأوجب على الخلق طاعته وقرن طاعته بطاعة رسوله (صلى الله عليه وآله) ? فإن قالوا : هو أبو بكر ، قلنا : فقد كذبكم أبو بكر بقوله إذ قال : رضيت لكم أحد هذين الرجلين ، أبا عبيدة بن الجراح أو عمر بن الخطاب. فبايعوا أيما شئتم؛ ثم بقوله : أقيلوني ، أقيلوني ثم بقوله ليتني كنت سألت رسول الله (صلع) لمن الأمر بعده وبقوله :أما بعد ، فإن المسلمين استخلفوني ورضوا بي وبأخذه من بيت مال المسلمين أجرته في كل يوم درهمين. وأكذبكم أيضا عمر بن الخطاب بقوله : كانت بيعة أبي بكر فلتة ، وقى الله شرها ، فمن أرادكم على مثلها فاقتلوه وبقول عمر بن الخطاب أيضا : إن أترككم فقد ترككم من هو خير مني ، وإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني . يريد بذلك أن رسول الله (ص) لم يستخلف أحدا ، وأن أبا بكر قد PageV01P002 استخلفني عليكم قبل موته؛ وبقول الأنصار:منا أمير ومنكم أمير ms01 وقد رويتم عن رسول الله (صلع) أنه قال : لو كنت مستخلفا رجلا من غير مشورة لاستخلفت ابن مسعود. فكيف جاز لأبي بكر أن يغير النص ويزيل الفرض وينقل الشيء من الموضع الذي وضعه الله فيه. وكيف يستقيل من أمر عقده الله (تع) ورسوله بزعمكم ? فكيف يكون العقد من الله ورسوله لأبي بكر وأبو بكر يرى تغييره ووضعه في أبي عبيدة أو عمر بن الخطاب؟ وكيف يكون أمر قد حكم الله به ورضيه فلتة ? والفلتة لا تكون إلا زوالا عن الحق في قول عمر بن الخطاب . فإن كان ذلك رأيا رأيتموه وأمرا توهمتموه . فكيف جاز لكم أن تظنوا بأن الله لم ينظر لخلقه ولا أغناهم عما لا بد لهم منه ، وأنكم في ذلك أنطق وأنصح للأمة من الله (تع) ورسوله (ص) فيما فعلتم . ويقال لهم : أرأيتم إن كان الله أمر نبيه (صلع) أن بنصب لكم رجلا فلم يفعل . أليس قد خالفه وعصاه ? وإن كان قد حظر ذلك عليه فمن أطلق لكم ما حظر على رسول الله (صلع) ? وإن كان ذلك تحكما منكم على الخلق فمن أجاز لكم التحكم عليهم . حتى سفكتم دماء حقنها الله (تع) وأوطأكم فروجا حرمها الله، وأبحتم أموالا حظرها ، وحكمتم في دين الله وعلى عباده بما لم يأذن به الله? فهل على هذا ثواب أم فيه عندكم عقاب ? وهل هذا جائز لكم PageV01P003 في غير الإمامة أيضا كما جاز لكم في الإمامة ? وإلا فمن أجاز لكم ذلك في الإمامة وحظر في سائر الأشياء? ثم يقال لهم: أيما كان أصلح: ما فعل رسول الله (صلع) من ترك ذلك، أو ما فعلتم من نصبكم من نصبتم؟ فإن قالوا ما فعلنا، قيل لهم : فأنتم (أولى وأحق) بالصواب من رسول الله (صلع) في زعمكم ? ثم يقال لهم : خبرونا عن نصب الإمام ، أمن الدين أم ليس من الدين؟ فإن قالوا : ليس من الدين ، قلنا : فما الحاجة بنا إليه? وإن قالوا من الدين ، قلنا : فهل على الله بيانه وعلى رسول الله بلاغه ? فإن قالوا نعم ms02 ، قيل : فهل أخلا فإن قالوا لا ، قيل لهم : هذا فضول منكم في دين الله وتقدم منكم - بين يدي الله ورسوله . أرأيتم إن كان من الدين فتركه الله ولم يبينه أو الرسول فلم يبلغه فهل تدرون ، لعل كثيرا من أمرالدين وما لا بد للمسلمين جميعا منه لم ينزله الله ولا بلغه رسوله? وإلى هذا بعينه جريتم في الفتيا في الفرائض والأحكام والحلال والحرام والدماء والعبادات؛ فرعمتم أن الله افترض عليكم الفرائص وأمركم بأمور ونهاكم عن أشياء لم يبينها في كتابه ولا على لسان رسوله حتى اضطركم ذلك إلى العمل بالقياس والرأي والاستحسان . فهذا غاية الكفر وسوء الثناء على الله ورسوله. PageV01P004 ### | هل تنصيب الإمام فرض أم سنة أم تكلف? ويقال لهم : خبرونا عن نصب الإمام : أ فرض من الله أم سنة? فإن كان فرضا ، فمن المفروض علينا منكم طاعته؟ فإن قالوا : أبو بكر ، قيل لهم : اقد كان أبو بكر يعلم أنه المفروض علينا طاعته أم كان لا يعلم ? فإن كان يعلم ، فلم قال :ليتني كنت سألت رسول الله (صلع) لمن الأمر بعدك? ولم قال :رضيت لكم أحد هذين الرجليت ، فبايعوا أيهما شئتم : أبا عبيدة بن الجراح أو عمر بن الخطاب . ولم قال أقيلوني ، أقيلون، ولم قال : أما بعد فإن المسلمين استخلفوني ورضوا بي . ولم أخذ أجرته من بيت مال المسلمين? ولم قال عمر بن الخطاب : كانت بيعة أبي بكر فلتة ، وقى الله [المسلمين] شرها، فمن أرادكم على مثلها فاقتلوه ، ولم قالت الأنصار : منا أمير ومنكم أمير . ولم قال [أبو بكر]: وليتكم ولست بخيركم. ولم يقل : إن الله ولاني أموركم واسترعاني عليكم وأمرني بسياستكم وأعطاني كذا أو فعل بي كذا . على أنه قد خبر عن نفسه بما لا يجوز على الله أن يسترعي مثله ، مع قوله : إن لي شطانا يعتريني ، فإن رأيتموني قد غضبت عليكم فاجتنبوني . لا أمثل بأشعارهم وأبشارهم . وكيف يجوز من الله أن يسترعي من هذه صفته ، وأن يختار للدين من يري نقصه وتغييره ، ويرضى للمسلمين بغير من رضيه الله لهم ms03 مثل أبي عبيدة PageV01P005 بن الجراح وعمر بن الخطاب، ومن لا يؤمن على أن يمثل (بأشعار مؤمن وأبشار) ومن لا يقوم بأمر المسلمين إلا دون قيامهم لأنفسهم ، إذ ليس عنده ما يفتيهم من أمر حلالهم وحرامهم وفرائضهم وسننهم وأحكامهم وما أوجب الله عليهم من أمر (دينهم ودنياهم . وكيف يجوز على الله تعالى أن يسترعي راعيا يوجب طاعته على خلقه جميعا، ولا يعلمه بذلك ولا يرشده إليه ولا يعلم بذلك رعيته ، وهو مع ذلك، قد افترض عليه القيام بأمرهم وافترض عليهم السمع والطاعة له والقبول لخبره؟ فإن كان يعلم أنه الإمام المفترض الطاعة ، فما دعاه إلى ما ذكرناه من هذه الأمور وما دعاه من هذه الأقاويل ? وكيف لم يحتج على الناس جميعا بنحو ما ذكرنا من نصب الله له وإعلامهم من ذلك ما أعلمه الله ورسوله ، وأن الله ورسوله قد أمره بالقيام بأمور الناس جميعا وافترضا عليهم الطاعة والانقياد لحكمه والقبول لخبره . أو يكون الأمر تكلفا ليس بفرص ؟ فإن كان تكلفا ، فكيف جاز للناس أن يقولوا له يا خليفة رسول الله ? فهل صدقوا أم كذبوا في قولهم له ذلك ? فإن كانوا صدقوا ، فما وجه الكلام الذي تقدم من أبي بكر وغيره ? وإن كانوا كذبوا فلم رضي أبو بكر بذلك وقبله ولم ينكره ولا رده ? وقد علم القوم جميعا، بعد النظر والكشف ، أنها شهادة زور كاذبة (فكيف استجاز PageV01P006 تركهم ومقارنتهم على شهادة زور على رسول الله (صلع) في كل يوم حتى هلك ومضى لسبيله ? وما الفرق عندكم بين الشاهد بألزور والمشهود له ? ويقال لهم : هل تدرون ? لعل كثيرا مما فعلوه ومما هو دون الإمامة عندكم قد غير من موضعه وأزيل عن جهته ونسب إلى غير أهله وترك الفرض فيه إما تعمدا على طريق الخطأ والغلط والنسيان ، إذ كل ذلك جائز في أمر الإمامة وهو الفرض الأكبر الذيي لا يقوم الناس ولا يصلحون إلا به ، فما ظنكم بسائر الفرائض التي دقت على أفهامكم وغمضت عن استخراجكم فلم تجدوا سبيلا إلى معرفتها بقياس ولا بنظر ms04 ولا بفكر حتى حكم بعضكم على بعض في الشيء الواحد بمائة قضية مختلفة . ولو حكم بألف لم يزدد من الحق إلا بعدا ، لأن النظر والقياس والاجتهاد لا يهجم بهم على نفس الحق عند الله ، و لا يغنيهم عن الإمام ، كما لم يغنهم عن الرسول (صلع) . أو لعل أكثر الفرائض قد غيرت عن مواضعها وشبهت بما لا يشبهها . ولو طالت بهم المدة لكان الرجوع عنها كالرجوع عت غيرها مما وصفنا . وإذا جاز هذا في البعض حكم به على الكل ، لأن حكم البعض حكم الكل وحكم الكل حكم البعض . ثم يقال لهم : أتدرون? لعل أكثر ما ألزموا العمل به وجعلوه فرضا كفرض الإمام الذي نصبوه وأوجبوا على PageV01P007 الخلق طاعته مما لم يأمر به الله ورسوله ، إذ كان نصب الإمام عندكم مما لم يأمر الله به ولا رسوله في زعمكم نصا وكانت أمور القوم على مثل هذا تجري وبه يحكمون . ويقال لهم : أخبرونا ، هل يخلو الأمر أن يكون تكلفا أو فرضا؟ فإن كان تكلفا فما الحاجة بنا إلى تكلف أمر كفيناه ولم يأذن الله لنا فيه ولا رسوله مع ما يؤدي إلى صاحبه من الذم القبيح واللوم مع الجرم العظيم والوزر الجسيم ، لأن التكلف مذموم عند الله في جميع الحالات ، سيما في الأمر الذي لا يجوز فيه التكليف ، لأن فيه من الله حكما قد سبق وأمرا قد نفذ وقضاء لا يرد ولا يغير. فمن فعل ذلك منا كان عاصيا لله ولرسوله . أو يكون فرضا لازما وأمرا واجبا . فإن كان فرضا ، فقد فرغ الله منه وكفانا فيه المؤونة ، وإن كان غير فرض سقطت عنا فيه الشبهة . وإن كان في طاعة الله ورسوله. مع ما يدخل على أنفسنا من الراحة العاجلة من ترك المقايسة واجتهاد الرأي في الإحكام والفتيا وبأن هذا حلال وهذا حرام . ونرجع إلى أن الحكم كله لله . وهذا هو التعبد بعينه. ويقال لهم: أخبرونا ، لو وليتم أبا عبيدة بن الجراح أو عمر بن الخطاب ، أكنتم قائلين له يا خليفة رسول الله? فإن ms05 كنتم قائلين له ذلك ، فهل في أنفسكم شك بأن هذا كذب لا خفاء به? وإن كنتم لا تقولون له ذلك PageV01P008 بالتقديم . وهذا الأمر فقد أخطأه كثير من هذا الخلق بهذه الأمور التي قدمنا ذكرها . وقد تقدم بين يدي الله ورسوله (وحكم في دين الله وعلى عباده بما لم يأذن به الله ولا رسوله) . فهل ترون فرقا بين أن يقبض الرجل مالا وهو يعلم أنه لا يملكه ، وينكح فرجا وهو يعلم أن الحكم فيه إلى غيره ، ويريق دمأ محقونا ويعلم أن الله لم يأمره بالتقدم على الحكم في شيء من ذلك ولا جعله إليه، وبأن يأخذ مالا حراما عليه أخذه ويطأ فرجا محرما عليه وطئه ويريق دما محقونا وليس هذا كله من فعله لا عن أمر الله ولا عن رسوله . فسواء في الحكم أخذ مالا لنفسه أو أمر بأخذه أو وطأ فرجا حرام عليه وطئه أو أمر بوطئه أو سفك دما محقونا أو أمر بسفكه . وهو في ذلك كله يعلم أنه ما أصاب جهة من جهات الحق لعند الله ولا يشهد بذلك لنفسه ولا لنظرائه المتكلفين من أصحابه . لأن الخطأ يوجب الخطأ والصواب يوجب الصواب . وهو صفة من قال : سأنزل مثل ما أنزل الله . ومن كان تقدمه وقيامه لا عن أمر الله وأمر رسوله فقد بان خطأه . وكل ما زاد في علمه شيئا زاد ذلك في خطأه وخلافه وعصيانه لله ولرسوله . ويقال لهم: خبرونا عن الأذان، أهو أشهر بين ظهرانيكم أم نصب الإمام ? وفرض الوضوء والصلاة والزكاة وما أشبه ذلك من الفرائض . PageV01P009 والأصول أشهر أم نصب الإمام ? وفرض الخمس أوضح مع سهم المؤلفة قلوبهم أم نصب الإمام ؟ فهل ترون ذلك كله مغيرا مصروفا عن جهته ومتروكا لا يعمل به ? وما الفرق بين تغيير الإمام وتغيير الصلاة وتغيير الخمس وسهم المؤلفة قلوبهم ، وتغيير الحج والتمتع بالعمرة إلى الحج وغير ذلك مما قد بين الله فرضه وأمر بالعمل به نصا ، ولم يختلفوا في تنزيله وصحة فرضه ووجوبه ، قد أحل منه ما كان حراما ms06 وحرم منه ما كان حلالا . وذلك كله مشهور عند أوائلهم وأئمتهم لا يكلمون فيه أحدا و لا يستعملون فيه تقية لعلمهم أن ما قالوا من شيء فهو مقبول وما حكموا به فهو جائز ، ولما جاز لهم تغيير الإمامة جاز لهم تغيير ما ذكرناه جرأة على الله وعلى رسوله. ### | تعيين الرسول أحدهم للصلاة لا يعني تعيينه للإ مامة ثم يقال لهم : أخبرونا عن قولكم: رأينا رسول الله (صلع) قدمه للصلاة فقدمناه ورضيه لهذا فرضيناه ، هل لكم في ذلك إلا ما لغيركم من قول من قال : رأينا رسول الله (صلع) قد عزله عن الصلاة ظاهرا مكشوفا فعزلناه ورأينا الله ورسوله قد رداه عن تبليغ بعض سورة من القرآن فرددناه عن تبليغ الكل ورأينا رسول الله (صلع) قد حذره وكرهه وأمر بإنفاذه مع صاحبه في جيش أسامة فكرهناه . فأي موضع اختيار هذا؟ وهل لكم في ذلك إلا ما لغيركم ممن طعن عليه ورأى أن ليس هو بإمام مستحق للتقدم. PageV01P010 ### | هل الإمامة من الله لواحد دود واحد أم لمن غلب ? ويقال لهم : خبرونا عن الإمامة ، أفرض من الله لواحد دون واحد ، أم لمن غلب؟ فإن كانت فرضا في واحد ثم لا فرض بعد ذلك لواحد ، فالكلام عليكم قائم بحاله ؛ لأن الكلام في الأول كالكلام . في الثاني والثالث والرابع والخامس والعاشر ، وكذلك أبدأ وإن كانت لمن غلب عليها ، فالحكم منكم بأنها لمن غلب عليها بالنص من الله ومن رسوله ، أو رأي رأيتموه وتحكم منكم على الأمة . وما وجه الكلام في الإمامة عندكم إلا على هذه الجهة : إما على جهة فرض أو لطاعة رجل بعينه تعرفونه باسمه أو لمن غلب عليها. ولا بد لكم من مذهب تذهبون إليه في نصب الإمام وإقامته . فأي مذهب ذهبتم فلا بد أن تكون معكم بذلك حجة بأن الله ورسوله أمراكم بذلك قولا وفعلا . فائتونا بالبينة على ما رأيتم من ذلك وما ادعيتم ، و(لا قوة إلا بالله)العلي العظيم . ثم يقال لهم : ما تقولونه في حكم ما غاب عنكم وعنا? أهو حكم ms07 ما شاهدتم وشاهدنا أم هو خلافه؟ فإن كان حكم الغائب حكم الشاهد ، فقد نرى وترون أن الإمامة بغير النص وبغير الاختيار وفي غير موضع الاستحقاق . فهل كان الأمر قديما إلا هكذا ? وإنما يستدل بالشاهد على الغائب بصحة الدلالة . فهل في هذابييان (لقوم يعقلون)؟ PageV01P011 ### | هل تجوز إمامة المفضول ? ثم يقال لهم : خبرونا عن انقياد الناس للإمام في كل عصر وزمان، ودليل على أنه أفضل منهم وأعلمهم وأحقهم بذلك الأمر? وأنهم لا يصلحون ولا ينقادون إلا به وعلى يديه ? أو حذرا من سيفه وسلطانه وتظاهره بالظالمين وإخوانهم؟ فإن كان الأمر كذلك ، فإن معاوية بن أبي سفيان ويزيد بن معاوية ومروان بن الحكم وعبد الملك من مروان والوليد وسليمان وهشام وفلان وفلان وطغاة بني أمية كانوا خير الخلق طرا وأفضلهم وأحقهم بمقام رسول الله (صلع) . وإن كان الأمر بخلاف ذلك والقوم منقادون لمن غلب عليهم وتولى شيئا من أمورهم ، فهل كانت حجتهم قديما في إمام العصر والزمان إلا هكذا ? هل جرت الأمور الا مجاريها ? وهل كانت حجتهم في أي بكر ونصبه واقامته إماما واحتجاجهم عنه إلا كاحتجاج جماعتكم وحكامكم وفقهائكم وقضاتكم ومن تحتجون بقوله من عظمائكم ومحدثيكم في تفضيل من ذكرنا من بني أمية وغيرهم إلا هكذا? وما الفرق بينهم ? ولن تجدوا فرقا أبدا. ### | دوام الإمامة ثم يقال لهم : خبرونا عن الإمامة ؛ وإن اختلفت أوقاتها وأزمانها ، فهل اختلف حكمها عند الله وعندكم ? فإن قالوا ليست بمختلفة في PageV01P012 نفسها ولا في حكمها عند الله - لأن الله (تع) لا يخالف أحكامه قلنا لهم : فإن كان حكم الله في الإمامة غير مختلف وكان الأمر بالنص عندكم فأين النص الآن ? فإن كان بالاختيار منكم ، فأين الاختيار منكم وأين موضعه ? ومن المأمور بذلك الاختيار? فإن زعموا أن الله قد خالف بين أحكامه ودفع الإمام عنهم - إذ كان لا يفرض على خلقه طاعة من لا يطيعه ولا يتعبدهم بالطاعة لمن يعصيه ويخالف أمره ويتعدى حدوده - قلنا فقد بطل الإمام عندكم لا محالة ولا بد من أن يكون الله أبطله ms08 وأمركم بتركه أو يكون ذلك رأيا من رأيكم . فأيما خبرونا ، كان أفضل ? أكان في نصب الإمام الأول أو رأيكم اليوم في ترك الإمام الأخير? ومتى جاز للناس ، (إن صح) ، أن ينصبوا إماما أو يتركوا نصبه? ثم ائتونا بالبينة على ما تدعون من ذلك ؛ أم تزعمون أن الله (تبارك وتعالى) قد كان بخلقه في ذلك الدهر أنظر منه لهم في هذا الدهر? تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ### | هل أوصى الرسول بنصب الإمام ويقال لهم : أخبرونا كيف كان الظن برسول الله (صلع) عندكم أنه يوصي وأن يستخلف ، أو أن لا يوصي ولا يستخلف ? فإن قالوا : أكان الظن به أن يوصي ويستخلف ، قلنا لهم : ما الذي أزال حسن PageV01P013 الظن به حتى زعمتم أنه ترك الوصية والاستخلاف وهل يخلوا ذلك عندكم من أن يكون الله قد أمره بترك الوصية والاستخلاف وحذره ذلك وحظره عليه، فعمل من ذلك ما أمره به . وهذا نقض لما خبر عن ربه؟ أو يكون الغالب عليه الخطأ والنسيان والجهل ? وحاشاه ، لما في ذلك من مصلحة العباد ، والقصد في ذلك مخالفته وعصيانه من حيث يعلم . وقد أجل الله قدر نبيه (صلع) عن أن تزل به قدم أو تثبت عليه حجة. فإذا لم نجد الأمر بما وصفناه ، فما حجتكم في إقامة رجل تزعمون أنه خليفة رسول الله (صلع) قد جمع خلافته ووصيته وأحل أمواله وضياعه ، وحكم في أهله وتراثه وأنتم تشهدون عليه عند الله أنه لم يوص ولم يستخلف ؛ وهذا غاية الطعن منكم على نبي الله (صلع) وسوء الثناء عليه . فهل حجتكم في حكم المحتجين عليه إلا هكذا? قلتم له يا خليفة رسول الله وهو لا يدعي ذلك لنفسه ولا يقول : إن رسول الله استخلفني ، بل يقول : إن المسلمين استخلفوني ورضوا بي ، ويقول : وليتكم ولست بخيركم . ولا يقول أن الله (تع) ورسوله ولياني أموركم . وهو يأخذ أجرته من بيت مال المسلمين في كل يوم درهمين ، وهو مع هذا يقول : إن لي يشطانا يعتريني ، فإذا رأيتموني قد غضبت فاجتنبوني ، لا أمثل بأشعاركم ms09 وأبشاركم. مع علمكم بأنه لا يقرأ القرآن . ومن كان لا يقرأ القرآن فأجدرأن لا يعلم تأويله ولا PageV01P014 ناسخه ولا منسوخه ولا محكمه ولا متشابهه . وكيف يفرق بين الحلال والحرام من هذه صفته . وقد رأيناكم جعلتم الناس طبقات . فلم يدخل في طبقة يوجب له فضلا في دين ولا دنيا . ذكرتم أن النبي (صلع) ذكر أهل الصدق فقال أبو ذر ، وذكر أهل القرآن فقال عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب ، وذكر أهل الفرائض فقال زيد بن ثابت ، وذكر أهل القضاء فقال : علي بن أبي طالب ، وذكر أهل العلم بالحلال والحرام فقال معاذ بن جبل . فكيف رضيتم بان تنصبوا رجلا يقوم عندكم مقام رسول الله (صلع) يحتاج إلى الناس جميعا في حالته ولا يحتاج الناس إليه في شيء من حالاتهم . لقد بلغتم الغاية القصوى في سوء الاختيار وسوء الثناء على رسول الله (صلع) . ### | أسباب أخرى مبطلة لإمامة أي بكر وعمر ويقال لهم : خبرونا ما الذي يجب على الناس بعد الإقرار بإمامة أبي بكر وعمر؟ فإن قالوا : الإئتمام بهما ، قلنا : والائتمام بهما هو السمع والطاعة لهما والقبول لقولهما والانقياد لحكمهما وأن يعتقد أن كل ما قالا به وأفتيا وحكما فهو صواب واجب وأمر لازم كلزوم الفرض . أو يشك فيه فينظر لعلمهما قد أخطيا وحكما بغير الحق وبخلاف التنزيل وما عليه المسلمون . فإن قالوا : ليس علينا ننظر عليهما ولا معهما ، وعلينا أن نقبل قولهما ونصدق أخبارهما ولا نتجاوز حكمهما. قلنا: فمن فعل ذلك منكم فهو آثم أو ظالم أو كافر أو فاسق. ولا شيء عليه ولا PageV01P015 تبعه تلزمه في دين أو دنيا. فإن ألزموا من فعل ذلك اسم آثم أو ظالم أو كافر أو فاسق ، ألزموا ذلك جميع الصحابة ، وأولهم عمر بن الخطاب في خلافة أبي بكر ، ثم الناس جميعا ، لأن الخلاف عليهم قد شملهم ، وإذا كان الناس جميعا بتلك الصفة من الإثم أو الكفر أو ما دون ذلك ، لم تثبت على أحدهم الحجة ولم تقبل لهم شهادة أبدا . فإن زعموا أن لنا أن ms10 ننظر عليهما ونتأمل أحكامهما ونقايسهما. قلنا : فإذا اختلفنا ? فمن ينظر في أمورنا ? وعند من نجد قنوعا وإلى من نفزع مما قد نزل بنا؟ وقول من يلزمنا حتى لا نضل ولا نأثم ولا نفسق ولا نكفر على موافقته على قوله? ومن يرد على ما عزمنا عليه من أخذ وترك? وقد تعبدنا الله بأمر غير مشكل ولا مختلف ، إذ كان الرسول قد جاء برد كل مختلف إلى الله وإلى الرسول وإلى صلحب الأمر . فإن رجعتم إلى صاحب الأمر رجعتم إلى أمر غير مختلف . كما أنكم إذا رجعتم إلى الله وإلى رسوله رجعتم إلى أمر غير مختلف . والعدد الكثير إذا اختلفوا فجائز أن يكونوا كلهم مبطلين وليس بجائز أن يكونوا كلهم محقين ، وجائز أن يكونوا بعضهم محقا وبعضهم مبطلا . وقد رأيتم الناس جميعا مختلفين وليس منهم أحد يزعم أن الله أمره بالعدل ولا أطلق له الحكم ولا جعل إليه من أمر الأمة شيئا . وقد كان القول لرسول الله PageV01P016 (صلع) مطلقا والحكم له جائزا ، وكان لا يقول على الله إلا الحق ولا يحكم إلا بالعدل ولا ينطق عن الهوى . وقد مضى رسول الله (صلع) ، فهل نصب لكم رجلا يقوم مقامه ويحذو مثاله? وأمركم بالسمع والطاعة له ? إذ كان قد أمركم بطاعة رجل بعد النبي وأقامه مقامه وجعل ما كان مردودا إلى النبي مردودا إليه ? وان قالوا : نعم ، قلنا : فمن ذلك الرجل? فإن قالوا : علي ، فقد أقروا بالكفر بالله ، إذ خالفوه بعد النص إليه ولم يرجعوا إلى رأيه ولا حكمه ، ولا رضوا بقوله؛ فإن قالوا: لم ينصب لنا رجلا، قلنا لهم: فلم يكن لقول الله سبحانه : )يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) معنى ولا لقوله (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منكم) معنى . فمن ذلك حكمتم بالرأي والقياس والاجتهاد والاستحسان والتقريب والظن . وقد كان ذلك محظورا على رسول الله (صلع) . فإن زعمتم أن الله قد رفع ذلك الأمر عنكم وأطلق لكم ما كان حظره ms11 على رسول الله ، فهلموا أنبئكم على ما تدعون عليه من ذلك على الله ورسوله ولا تفتروا على الله PageV01P017 الكذب (إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون). ويقال لهم : خبرونا ، هل أمر رسول الله (صلع) بإنفاذ جيش أسامة والذين معه؟ فإن قالوا : نعم ، قلنا لهم : فكيف لم تنفذوا وصيته في إنفاذ الجيش والذين معه وقبلتم بزعمكم وصيته في نصب الإمام ? فخبرونا أن لو أنفذتم الجيش على ما أمركم به رسول الله ، أكنتم مطيعين أم عاصين? وخبرونا ، لو أطعتم الله تعالى ورسوله وأنفذتم الجيش بمن فيه ممن أمرهم رسول الله (صلع) بالنفوذ مع أسامة ، هل كانت الإمامة تحصل لأبي بكر? أو تزعمون أن رسول الله (صلع) لم يعلم أن الله يتوفاه وأن الإمة كانت تحتاج بعده إلى أبي بكر? أو كان علم بذلك مع علمه بأن الناس لا يقومون ولا يصلحون إلا به? فتركه متعمدا وأمر بإنفاذ الجيش مع صاحبه ? وإذا أمر الله ورسوله بإنفاذ أبي بكر وعمر في الجيش . فمن جعل ذلك إليكم ، ردهما ورد غيرهما? وهل علمتم من ذلك ما جهله رسول الله (صلع) ? وهل يقدم رسول الله (صلع) أو يؤخر إلا بأمر ربه ? فهل أطعتم الله ورسوله فيما فعلتم من رد أسامة والذين معه؟ أو ما سمعتم الله يقول : (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا) وقوله: (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول). PageV01P018 ويقال لهم خبرونا أيهما كان أولى برسول الله (صلع) ، وقد علم أنه ميت ، أن يبدأ فيحكم الفرض الأكبر الذي لا شيء أجل قدرا ولا أعظم خطرا منه عنده وما لا يصلح للناس ولا يقومون إلا به ، أو يهمله ويؤخره ويتقدم فيما هو دونه فيحكمه إحكاما لا تنازع فيه ولا شبهة؟ فإن قالوا : كان أولى به أن يحكم الأكبر ثم الأصغر، قلنا: فقد فعل ما كان أولى به . قلنا : فكيف زعمتم أنه أهمل أمر الإمام مع علمه أنه لا بد للناس . من إمام يقوم بأمرهم ويجمع ألفتهم ويحكم بينهم ويجلد زانيهم ويقطع [يد] ms12 سارقهم ويغزو بهم ويقسم الفيء بينهم ويعرفهم ما جهلوا من أمر دينهم وحلالهم وحرامهم ، فلم ينص عليه ولا نصبه ولا بينه حتى لا يخفى مكانه على صغيرهم وكبيرهم ، وهو مع هذا يأمر بإنفاذ جيش أسامة ويترك ما هو أجل وأعظم أمر عنده منه ، هذا مع علمه أن الإمام المفروض الطاعة ينفذ الجيوش ويغزو بالناس ويقوم فيهم مقامه (صلع) غير مقصر ولا متهاون بما قلده الله ورسوله من ذلك . فإن زعمتم أنه ترك نصب الإمام ، وهو ذاكر لما في نصبه من المصلحة والاتفاق ، وعالم بما في تركه من القبح والفساد ، أو تركه نسيا وتهاونا ومقصرا ، فقد يلزمكم أن تجوزوا النسيان بجميع الفرائض التي أمره الله بتبليغها . لأن جواز الخطأ والنسيان عليه في فريضة واحدة دليل على خطأه ونسيانه لجميع الأشياء التي لا بد للناس جميعا منها ، إذ كان الإمام لا بد PageV01P019 للناس جميعا منه . فإن زعمتم أنه تركه بعد الذكر له والعلم بما تركه ما عددنا ووصفنا من القبح والفساد وبعد أن وعد علم أن الله قد أمره بنصبه وأمر جميع الخلق بطاعته وولايته ، فهذا غاية الخلاف والعصيان لله فيما أمره من إرشادكم وصلاحكم، وليس بهذا وصفه الله، بل وصفه بخلاف ذلك من الرأفة بكم والنصيحة لكم والرحمة . وإذا ثبت أن النبي صلى الله عليه وآله أمر بإنفاذ جيش أسامة ، وقد كان عالما بصغير من فيه وكبيرهم مع علمهم أجمعين بأن الله الذي أمره أن يقدم جيش أسامة وإنفاذ من فيه ليحتج عليهم بذلك عند الله تعالى لتكون الأمة شاهدة للنبي (صلع) على من أنكر ذلك منهم ورد أمره وخالفه وعصاه . وهذا من كتاب الله (تع) بين لإخفائه قوله (تع : (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثا) ثم يقال لهم : خبرونا عن الفرائض التي ذكرها الله (تع) في كتابه وأمر بالعمل بها نصا . ولم يختلف الناس في تنزيلها وصحة فرضها ووجوبها، مثل ms13 الحج والجهاد والحدود والقصاص والأحكام في الدماء والفروج والأموال وإنصاف المظلوم وإيتاء ذي القربى حقه وابن السبيل PageV01P020 والمسكين . هل يدرك ذلك أو يطاق العمل به إلا بالإمام العادل الفاضل العالم? فلم قلتم إن لأبي بكر ذلك بعد شهادكم على قوله : ليتني كنت سألت رسول الله (صلع) لمن الأمر بعده ، وبعد قوله: قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين ، فبايعوا أيهما شئتم : أبا عبيدة بن الجراح أو عمر بن الخطاب ، وبعد قوله : أما بعد ، فإن المسلمين استخلفوني ورضوا بي ، وبعد قوله :أقيلوني أقيلوني ! وبعد أخذه من بيت مال المسلمين أجرته ، وبعد قول عمر: كانت بيعة أبي بكر فلتة، وقى الله المسلمين شرها فمن أرادكم على مثلها فاقتلوه، وبعد قول عمر : إن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني، يعني أبا بكر ، وإن أترككم فقد ترككم من هو خير مني يعني النبي صلى الله عليه وآله وسلم . وبعد قول أبي بكر: وليتكم ولست بخيركم ، ولم يقل : إن الله تعالى ولاني أموركم وأمرني بسياستكم . وفي قوله : ليتني كنت سألت رسول الله (صلع) : لمن الأمر بعدك ...، دليل على علمه وعلمكم ومعرفتكم أن الله ورسوله لم يجعل إليه شيئا من أمور الناس وأن لهذا الأمر صاحبا غيره يحكم فيه بأمر الله وأمر رسوله (صلع) ، هذا مع إجماعكم على أنه لا بد للناس من إمام . فإذا كان لا بد منه كان واجبا وإذا كان واجبا لم يجز أن PageV01P021 يتولى نصبه وإقامته إلا الله ورسوله . وأبو بكر مقر بأن الله ورسوله لم يقدماه ولا نصباه ولا أمراه. ثم إن رسول الله (صلع) عقد لأسامة بن زيد عليه وعلى صاحبه ولم يعقد لهما على أسامة بن زيد . فأيهما كان أحق وأولى من طريق النظر والاختيار : من عقد له رسول الله (ص) ، أو من عقد عليه وعقدتم له ووليتموه؟ وكيف جاز لأبي بكر أن يكون أميرا على أسامة بن زيد وقد جعل الله أسامة أميرا عليه ? لأن رسول الله (صلع) لم يأت من ذلك إلا ما أمره الله به . وكيف ms14 حل لكم أن تحلوا عقدا عقده الله ورسوله وتردوا أمرا قد حكم الله به؟ وتزعمون أن الذي رأيتم من رد أبي بكر من جيش أسامة ونصبه إماما خير من الذي رآه الله ورسوله من إنفاذه في الجيش مع صاحبه . وما تنكرون أن كان قد أخطأ رسول الله (صلع) في ترك الإمامة أو لم ينصبه أن يكون قد أخطأ في كل شيء ؛ لأن جواز الخطأ عليه في شيء واحد دليل على جواز خطأه في كل شيء، وأعوذ بالله من هذا القول ! فكيف لم تنكروا ذلك عليه? ولم تركتم مناظرته وتذكيره ? وكيف لم تختاروا رجلا لم يأمره رسول الله بإنفاذه في جيش اسامة (بن زيد) ? إذ كان في المسلمين من يصلح لذلك الأمر عندكم . أو ما كان النبي (صلع) يعلم ما علمتم فيختاره للموضع الذي اخترتموه له أو يخلفه فلا يأمر بإنفاذه في الجيش لما عنده من PageV01P022 القيام والمصلحة للناس? وحيث قد أمره مع الجيش ، فلا يخلو من أن يكون قد أصاب وأخطأتم أو قد أخطأ وأصبتم. ويقال لهم : خبرونا : هل أصبتم ما عند الله بنصبكم من نصبتم وبفعلكم ما فعلتم ، أو أخطأتم ? فإن كنتم قد أصبتم فقد أخطأ رسول الله (صلع) - وحاشاه - وإن كنتم قد أخطأتم - وذلك أولى بكم - فقد أصاب رسول الله (صلع) . فكيف تركتم سنة رسول الله (صلع) بزعمكم وأخذتم بما رأيتم ? وكيف علمتم أن الذي فعله رسول الله (صلع) كان خطأ ومعصية وأن الذي فعلتم كان صوابا وطاعة في إقامتكم من أقمتم ? وهل تشهدون على رسول ألله (صلع) بالخطأ ولأنفسكم بالصواب؟ ولا بد لكم في ذلك من جواب. ### | وجوب نص الرسول على الإمام ثم يقال لهم : خبرونا إذا كان نصب الإمام مرفوعا عن رسول الله (صلع) ، فمن وضعه عليكم ? وسؤالنا لكم في الإمام كسؤالنا لكم ولإخوانكم في الفتيا والأحكام والقضايا في الحلال والحرام وما قد نهى الله ورسوله عن التقدم فيه وعليه ، والقول فيه بالظن وغير الحق . وقد لعن الله الحاكم بغير ما أنزل الله (تع) ، وسماه كافرا ms15 وظالما وفاسقا ، وذلك PageV01P023 كله من دينكم وإليه تدعون وبه تحكمون . وقد سمعتم الله سبحانه يقول : (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام) وقال (إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون) وقال (تع) : (ولا تقف ما ليس لك به علم)، وقال (تع) : (لا تقولوا على الله إلا الحق) ، وقال (قد خاب من افترى) ظلما. ومثل هذا كثير. ويقال لهم : خبرونا لم تركتم الاقتداء برسول الله في ترك الإمام وإسقاط فرضه وحكمه عنكم بزعمكم ? فإن قالوا الأمة لا تصلح إلا بالإمام ولا يقوم الدين ولا يتم الفرض إلا به ؛ وفي تركه فساد الدين وهلاك الأمة والناس أجمعين وزوال الفرض . قلنا : فإن كان رسول الله (صلع) يعلم من ذلك ما علمتم وتركه متعمدا، أليس هذا صفة الجائر الظالم لأمته ? وإن كان لا يعلم من ذلك ما علمتم فهذه صفة الجاهل بأمر الله (ع ج) والمقصر في دينه ، فأيكم أحق وأولى بهذه الصفة ، أنتم أم رسول الله (صلع) ? ويقال للذين احتجوا لأبي بكر بزعمهم أن بلالا أتاهم عن أمر عائشة أن مروا أبا بكر فليصل بالناس. قلنا : أرأيتم لو أن الله ورسوله أوجب على PageV01P024 الخلق قبول قول عائشة ، أكنتم قابلي قول بلال على عائشة ? هذا على أن بلالا عندكم أعدل الخلق وأفضله . فكيف والأمر يجري عندكم والحكم يجري منكم على أنه لو جاءت عائشة ومعها مائة من المهاجرات المؤمنات يشهدن في درهمين لم تجز شهادتهن حتى يكون معهن رجل عدل . ولو أن عائشة أتت قوما فقالت لهم ، إما عن نفسها وإما عن رسول الله (صلع) ، أن مروا أبا بكر فليصل بالناس ، ما وجب عليهم قبول ذلك منها إلا بحجة. ثم يقال لهم : أرأيتم لو أن النبي (صلع) ناداكم فأسمع صغيركم وكبيركم أن مروا أبا بكر فليصل بالناس وفعلتم ذلك عن أمره ، ألم يكن قي خروجه يتهادى بين علي بن أبي طالب (صلع) والفضل بن عباس بن عبد المطلب ، ورجلاه تخدان الأرض خدا ، حتى عزله وصرفه عن الموضع الذي كان فيه ms16 ما يدل على إنكاره ما فعلتم من تقدمته؟ فأيها أبين وأظهر عندكم : ما فعله رسول الله (صلع) من عزله وصرفه وتأخيره ، أو ما فعلتم من تقديمه ? هذا وليس الشهرة في ولايته وتقديمه كالشهرة في عزله وصرفه وتأخيره من الله تعالى ورسوله. ثم قد علمتم أنه (صلع) خرج على حال لا يجب على أحد من الناس أن يخرج على مثلها من العلة والضعف . فكيف جاز لكم أن تزعموا أن إمامته وولايته من الله لا من الأمة جميعا ، وإنما قام بمقام يصلح PageV01P025 عندكم للبار والفاجر، فلم يرضه الله له ولا رسوله ولا ترككم في شبهة من أمره . فكيف رضيتموه ، بزعمكم - إذ لم يرضه رسول الله (صلع) ، أو لم تردوا عزله ورده عن تبليغ الصحيفة من سورة براءة كما رويتم عزله عن الصلاة? أولم ترووا أن النبي (صلع) لم يصل خلفه ، وقد رويتم أنه صلى خلف عبد الرحمن بن عوف ، وهو عندكم دونه ، وأمر عتاب بن أسيد أن يصلي بالناس بمكة ورسول الله (صلع) مقيم بالأبطح وابن أم مكتوم وأبو مجدودة كانا يصليان بالناس وخلق كثير لا يحصى عددهم . على أن التقدمة للصلاة ما صحت له ولا صحت الدعوى بذلك أيضا. ولو صحت ما وجب له فضل ولا علم. وكيف يوجب ذلك له وكلكم يزعم أنه لو قام للصلاة أو قدم غيره فصلى بالناس لكان ذلك جائزا والصلاة تامة ، مع علمكم وإقراركم أن الإمامة وخلافة الرسول (صلع) لا تصلح لكم . فكيف أثبتم ما يجزي فيه أضعفكم دينا وإيمانا وفقها ورأيا وتدبيرا على ما لا يجوز إلا أفضلكم وأعلمكم فيه وأفقهكم أبصركم بأمور الدين والدنيا. فتدبروا ما قد شرحته تجدوه كما وصفت و(لا قوة إلا بالله) (العلي العظيم) ويقال لهم : خبرونا أيما كان أعم نفعا وأبين صلاحا وأجمع للشمل PageV01P026 وأبعد من الفرقة والاختلاف وأصلح في البدء والعاقبة ، أن ينصب الله ورسوله إماما فنعرفه كما نعرف آباءنا وأبناءنا فيطيعه منا من يطيع الله ورسوله ويعصيه منا من يعصي الله ورسوله (ليهلك من هلك عن بينة ms17 ويحيا من حي عن بينة) ويأمرنا بنصبه وإقامته ، ويفرض علينا طاعته مع علمه بما فينا من التحاسد والتباغض والغل والطعن والتعادي والنفاق ، مع العجز عن بلوغ الواجب من استخراجه . فإن قالوا: بل نصب الله لنا ورسوله لأن اختياره لنا خير من اختيارنا لأنفسنا وأصلح في البدء والعقبى فيه . وفي اختياره أيضا لنا قطع التحكم والاختلاف وإلزام التعبد . قلنا : فلأية علة لم يفعل الله بكم ولا رسوله ما هو خير في البدء والعقبي؟ أترون أن الله ورسوله أرادا هلاككم وفسادكم وتباعد ما بينكم ? فقد علمتم الآن يقينا أن الله ورسوله لم يفعلا بكم ما كان خيرا لكم في عاجل الدنيا والآخرة بزعمكم . وأنهما أرادا هلاككم وفسادكم والإغراء بينكم . وهذا مذهبكم وبذلك تشهدون على الله وعلى رسوله (صلع) . إذ لا حجة لهما عليكم في نصب الإمام ولا في شرح ما فرض عليكم من الحلال والحرام . إد كان عندكم غير مشروح . والقصة عليكم في الإمام كالقصة عليكم في الفتيا في الفرائض والأحكام والحلال والحرام . وهذا رد القرآن مجرد غير مشكل. PageV01P027 ويقال لهم وللذين زعموا أن النبي (صلع) قدمه للصلاة فقدمناه وجعلناه إماما . خبرونا : هل كان يجوز للنبي (صلع) أن يؤمر رجلا يصلي بالناس وفيهم من هو خير منه وأقرأ للقرآن وأعلم بالحلال والحرام وأبصر بالتدبير والسياسة ? فإن قالوا لا يجوز أن يصلي بهم رجلا وفيهم من هو خير منه وأقرأ للقرآن وأعلم بالحلال والحرام وأبصر بالتدبير وما يحتاج الناس إليه من أمر الدنيا والآخرة ? قلنا لهم : فهذا خلاف ما قد سبق به إجماعكم، وخلاف ما جئتم به عن النبي (صلع) في الرخصة في الصلاة خلف كل بر وفاجر . وفي قولهم هذا دليل على أن عمرو بن العاص وعبد الرحمن بن عوف وأسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب وعتاب بن أسيد وابن أم مكتوم وأبا مجدورة وكل من صلى بالناس في عصر النبي (صلع) بأمر النبي خير من أبي بكر وعمر ، إذ كان النبي (صلع) أمرهم بالتقدم بالصلاة نصا . فإن قالوا : بلى ، يجوز ms18 أن يقدم النبي (صلع) رجلا يصلي بالناس وفيهم من هو خير منه وأقرأ للقرآن وأعلم بالحلال والحرام، قلنا لهم : فما حجتكم في تقديم أبي بكر على الناس جميعا حتى وليتموه أمرا ما كان للنبي (صلع) أن يتقدم فيه ولا يتأخر إلا (بإذن ربه) . وإذا جعل الله ذلك إليه لم يجز أن يولي على القوم إلا أفضلهم وأقرأهم للقرآن وأعلمهم بالحلال والحرام وأبصرهم بالتدبير والسياسة . لأن الحكيم لا يفرض على الناس طاعة من هم اطوع PageV01P028 له منه ولا يأمرهم بالانقياد لمن هم أعلم بدين الله منه ولا يحوجهم إلى من هو محتاج إليهم . وقد يجوز عندكم في التقدمة بالصلاة رجل من عرض الناس ، فكيف جعلتم ما يجوز عندكم فيه ويجزي به رجل قياسا على ما لا يجوز فيه إلا من لا مثل له فيكم ولا نظير . ويقال لهم : خبرونا هل كان يجوز للنبي (صلع) أن يقدم للصلاة بكم من هو دونكم في الفضل والعلم والسبق إلى الإسلام وقراءة القرآن والمعرفة بالله وبالحلال والحرام؟ فإن قالوا : لا يجوز له ذلك ولا يكون هذا منه ، قلنا لهم : قولكم هذا يدل على أن عمرو بن العاص وعلي بن أبي طالب وأسامة بن زيد وعبد الرحمن بن عوف وعتاب بن أسيد وابن أم مكتوم وأبا مجدودة خير من أبي بكر وعمر ، لأن رسول الله (صلع) أمرهم على أبي بكر وعمر وقدمهم للصلاة . ويدل قولكم أيضا على أن صهيبا عند عمر بن الخطاب أفضل الأمة ، إذ أمره بالصلاة عليه وقدمه للصلاة بالناس جميعا، ويدل على أن أبا طلحة كان أفضل أهل دهر عمر بن الخطاب ، لأن عمر حكمه في دمائهم وأشعارهم وأبشارهم ، وفيهم علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان والزبير وطلحة وسعد وعبد الرحمن وفلان وفلان . وذلك كله بحضرة المهاجرين والأنصار . فإن قالوا : بلى يجوز للنبي (صلع) أن يقدم للصلاة بالناس من فيه خير منه وأقرأ للقرآن وأعلم بالحلال والحرام ، قلنا : فإذا كان هذا جائزا من PageV01P029 رسول الله (صلع) ، فما حاجتكم في فضل أبي بكر ms19 وعمر? إذ كانت دلالتكم على فضله قد بطلت ، لأن الدلالة التي استدللتم بها على فضله كانت التقديم للصلاة فقط . والتقدمة للصلاة عندكم الآن لا توجب فضلا ولا علما ولا سبقا إلى الإسلام ولا معرفة بالحلال والحرام. هذا لو سلم لكم أن النبي (صلع) قدمه للصلاة مع علمكم أن الناس مختلفون عليكم في صلاة أبي بكر بالناس . ذكرتم أن بلالا أتاه عن أمر عائشة ، فهذا الخبر في نفسه لا يصلح بلا برهان ولا حجة ولا بينة . وقد زعم أكثر الناس ان النبي (صلع) لما بلغه ما صنع القوم في تقدمة أبي بكر غضب غصبا شديدا وقال لعائشة : أنتن ! صويحبات يوسف ! ثم خرج على حال لا يخرج على مثلها من العلة والضعف حتى أزاله عن القبلة وصرفه عن الموضع الذي وضعه القوم فيه . وهذا يدل على شدة إنكاره على أن هذا المقام يصلح للجمهور والعامة والبر والفاجر أيضا عندكم دون الخاصة . فكيف جعلتم ما يصلح للعامة منكم دون الخاصة قياسا على ما لا يصلح له إلا من لا مثل له ولا نظير فيكم. وأيضا إنه لو ثبت أن النبي (صلع) قدمه للصلاة لم توجب له الصلاة فضلا ولا علما ولا عملا، إذ كان (ع م) قد قدم الصلاة بالناس من هو دون الجماعة في الفضل والعلم وقراءة القرآن والمعرفة بالحلال والحرام . ولا يجوز أن يستخلف الرسول (صلع) على الناس إلا أعلمهم وأفضلهم وأخصهم بوصيته وخلافته ، وأقومهم بأمرالصلاة والدين PageV01P030 والدنيا ، يقوم فيهم مقامه ويحذو مثاله . كذلك يكون وصيه وخليفته. ### | عدم جواز استخلاف المفضول بوجود الفاضل ويقال لهم : خبرونا ، هل يجوز عندكم للنبي (صلع) أن يستخلف عليكم رجلا وفي الجماعة من هو خير منه وأعلم بالحلال الحرام والفرائض والأحكام ؟ فإن قالوا : بلى يجوز أن يستخلف المفضول العاجز على الفاضل الحازم . قلنا لهم : فلا حجة لكم في تفضيل أبي بكر على غيره ، إذا كان النبي (صلع) يرى أن يستخلف من هو دون ابي بكر على فضله بمائة درجة ودونكم جميعا. وما فضله بذلك المقام الذي ms20 يصلح لكل الناس عندكم ? فإن قالوا لا يجوز للنبي (صلع) أن يستخلف رجلا وفي القوم من هو خير منه ولا أفضل ول أعلم بالحلال والحرام وما يحتاج الناس إليه من أمر الدين والدنيا قلنا لهم فهذا فرق ما بين الصلاة وبين الإمامة والقيام بأمر الأمة والاستخلاف . فلم حجرتم على رسول الله (صلع) وأقمتم مقامه رجلا ليس بأعلمكم ولا أفضلكم ولا أقرأكم ولا أعملكم بالفرائض والأحكام وفرق ما بين الحلال والحرام ? إذ كان كذلك رسول الله (صلع) عندكم ليس بأعلمكم ولا بأفضلكم ولا بأقرأكم ولا أبصركم بالحلال والحرام ? فهذا مثله ونظيره ويقوم عندكم مقامه؟ أو كان لا مثل له ولا نظير؟ فلم جعلتم قياس ما لا مثل له ولا نظير مثل قياس من له المثل والنظير؟ ويقال لهم: خبرونا، هل يجوز أن يقوم بكم بعد الرسول (صلع) رجل PageV01P031 منافق أو كافر في الباطن ? فإن قالوا : نعم ، قلنا لهم : فما حاجتكم في تفضيل من يقوم مقام النبي (صلع) ? إذ كان يصلح لذلك المقام رجل منافق أو كافر في الباطن ، وهذا مقام يصلح لأشر الناس ? فإن قالوا لا يجوز ذلك ، قلنا لهم : فهل يجوز أن تختاروا رجلا منافقا في الباطن مؤمنا في الظاهر? أو مؤمنا في الظاهر كافرا في الباطن ? فإن قالوا هذا لا يجوز علينا ، قلنا لهم : فأنتم تعلمون من الغيب ما لا . يعلمه رسول الله (صلع) ? لأن الرسول (ع م) قد مكث حينا لا يعلم بهم حتى عرفه الله ذلك منهم ، فإن قالوا : بلى، يجوز ذلك علينا ، ويمكن أن نقف باختيارنا على رجل ظاهره الإيمان وباطنه الكفر والنفاق ، قلنا لهم : فمثل هذا يجوز عندكم على الله وعلى رسوله ? فإن قالوا : نعم ، قلنا : فالله ورسوله لا يعلمان من ذلك إلا دون ما تعلمون? فإن قالوا : لا يجوز ذلك على الله ورسوله ؛ فلا يختار الله ورسوله للمسلمين والقيام بأمر الدين إلا من لا مثل له ولا نظير ، ظاهره كباطنه وسره كعلانيته ، لأنه عالم الغيوب لا يخفى عليه خافية فيختاره على علم على العالمين ms21 . قلنا: فمن أمركم بالاختيار? مع عجزكم عن درك الصواب فيمن يصلح للدين والقيام بأمر المسلمين ومن يحتج به على العالمين ? وهو يقول : (لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم) ويقال لهم : خبرونا كيف كانت القصة في نصب الإمام وفرض PageV01P032 طاعته عليكم : قبل النصب أو بعده? بالنص تنصبونه أو بالاستخراج ? فإن كان بالنص ، فمن هو? وإن كان بالاستخراج ، فمن فرض عليكم طاعته ? ومن يتولى نصبه وإقامته؟ وذلك شيء إلى جماعتكم أم إلى بعضكم دون البعض؟ أم إلى قوم يعرفون بأسمائهم? أم إلى أهل بلده دون بلد؟ أم إلى عدد يعرف مبلغهم? فإن كان إلى جماعتكم ، فمن يضبط عددهم مع تبيانهم وتباعد من بينهم؟ وإن كان إلى قوم يعرفون بأسمائهم وأنسابهم، فمن هم ? وأين هم? وإن كال إلى أهل بلد دون بلد ، فهل يجوز ذلك . لغيرهم ؟ أم لا يجوز ذلك إلا لهم ? وإن كانوا بالعدد ، فكم ذلك العدد? وهل يخلو ذلك العدد أن يكون شفعا أو وترا? فإن كان شفعا ، قلنا : فهل يجوز أن يكون وترا؟ وإن قالوا: لا يجوز ذلك، قلنا لهم: فمن جعله وترا أو شفعا ? وهل يجوز في ذلك العدد الزيادة والنقصان ? فإن قالوا : نعم ، يجوز أن ننقص واحدا ، قلنا وكذلك يجوز أن ننقص واحدا بعد واحد . لأن حكم الواحد مثل حكم الاثنين وحكم الثلاثة أبدا حتى يبلغ إلى واحد. ومن جعل الأمر في نصب الإمام إلى ذلك الواحد ، وإذا ثبت أن الأمر إلى واحد فقد بطل قولكم: رأينا كذا ، وقلنا كذا وفعلنا كذا، ومن جعل ذلك الواحد أحق بنصب الإمام من واحد غيره ، وما الفرق بينه وبين غيره ? وكذلك السؤال عليكم فيمن جعل الأمر منكم إلى PageV01P033 جماعتكم ، أو إلى بعضكم دون بعض ، أو إلى أهل بلد دون بلد ، أو إلى قوم يعرفون بأسمائهم وأنسابهم ، أو إلى عدد - وإذا تكامل ذلك العدد نصبوا الإمام - أو إلى واحد دون الناس جميعا . وذلك واحد بالنص ينصبه أم بالاختيار . ولا بد في كل ول قلتم وإلى مذهب ms22 ذهبتم من أن تأتوا على ما تدعون من ذلك بحجة من الله ورسوله . فهل من حجة أو برهان? وهل يردعكم ما ترون من فساد مذهبكم إلى الرجوع عن سوء الثناء على الله ورسوله? وهل في هذا بيان (لقوم يعلمون) ويقال لهم : خبرونا : ما كانت العلة من الله ورسوله في نصب الإمام وإلزام فرضه؟ فإن قالوا : نظرا منه لخلقه وتعبدا لهم بطاعته وطاعة رسوله وطاعة من أمرهم بطاعته ، قلنا فما باله الآن لا ينظر لهم ذلك النظر ولا يتعبدهم ذلك التعبد? ما الذي يمنعه من حسن نظره ? أترونه كان لهم في ذلك العصر والزمان أنظر لهم من هذا العصر والزمان؟ أم ترونه الآن أنظر لهم من حينئذ ؟ وما الذي أزال عنهم فرض الطاعة للإمام المنصوص عليه ? فإذا كان الإمام بعد النبي بالنص فقد نرى الآن بطلان ذلك النص، وإن كان بالاختيار من الأمة وجماعة المسلمين فهذا والنص في البطلان سواء . فقد زال التعبد وسقط الفرض وجرت الأمور على عصيان الله ومخالفته وتعدي أمره وحدوده . ويقال لهم ألسنا وإياكم مجتمعين على أنه لا يخلوا أمر الإمام من PageV01P034 وجوه ثلاثة : إما أن الله قد نصبه وافترض على الخلق طاعته وأمرهم بالانقياد لحكمه والقبول منه وجعل الحكم في الدم والفرج والمال والقيادات إليه دون غيره ولم يجعل لأحد أن ينظر عليه ولا معه - إذ كان الناظر عليه فوقه والناظر معه مثله . فإذا كان في القوم من هو فوقه والمولى عليهم دونه كان ذلك مفسدا لدينهم ودنياهم ، لأن الله لا يحتج بالاقل على الأكثر ولا بالجاهل على العالم ولا بالمفضول على الفاضل والا بالكافر على المؤمن . وإذا كان في القوم مثله لم يكن لهم حاجة إلى مثلهما لأن الحكم المفتري على الناس غير مسلم سيما إذا كانوا لا يرون له فضلا عليهم في دين ولا دنيا . وهذا والأول في سقوط الحجة سواء ؛ فإذا كان فوقهم فلا بد أن يكون أفضلهم وأعلمهم بالدين وأبصرهم بالسياسة والتدبير إذ كانوا مأمورين بطاعته وترك مخالفته وقبول خبره . وفي نصب ms23 الله له قطع الحكم وإلزام التعبد والطاعة له فيطيعه من يطيع الله ورسوله ويعصيه من يعصي الله ورسوله (ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة) . فإن أقروا بهذا أقروا أنهم كلهم قد عصوا الله ورسوله بنظرهم مع الإمام في الدم والفرج والمال وخلافهم عليه في ذلك كله في حياته وبعد وفاته . والخلاف على الإمام العادل المفروض الطاعة كالخلاف على رسول الله (صلع) . وسبيل هذه الأمة سبيل أختها في PageV01P035 النظر بلا حجة والقول بلا برهان والحكم بالظن والشهادة على الله فيما أحل وحرم بغير الحق ، كأن لم يسمعوا قول الله (ع ج) ، (ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب) وقوله (وقد خاب من افترى) وقوله (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا) وقوله (ولا تقولوا على الله إلا الحق) ، وقوله )إن الحكم إلا لله) وقوله (فالحكم لله العلي الكبير). أو يكون الإمام منصوبا لنا ومأمورا بسياستنا ونحن غير مأمورين بطاعته ولا محرم علينا خلافه ومعصيته ولنا أن ننظر عليه ومعه ونتأمل أحكامه وفتياه وقضاياه. فما كان صوابا عندنا أمضيناه وما كان خطأ رددناه. فهذا حينئذ غير مفروض الطاعة ولا محظور الخلاف والمعصية ولا مؤمر على الرعية . وهذا لا يجوز على الله فيمن يختاره للدين ويحتج به على العالمين ويجعله الحكم على الناس أجمعين والفاصل بين المحقين والمبطلين. وما الحاجة بالناس إلى إمام غير مفروض الطاعة ولا محظور الخلاف والمعصية ولا مأمون السريرة ولا يقوم بأمر الدين والدنيا إلا كما وصفتم . وما الفرق بين الراعي والرعية؟ فإذا كان الأمر كذلك فليس لقوله PageV01P036 (تع) (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) معنى ، ولا لقوله (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله) معنى . وكل واحد يقول : سأنزل مثل ما أنزل الله. ويقال لهم خبرونا، هل تشهدون على رسول الله (صلع) أنه استخلف عليكم رجلا بعينه تعرفونه باسمه ونسبه يقوم فيكم مقامه ? أو تشهدون أنه خلاكم ms24 وترككم - ولا بد من شهادتكم أنه خلاكم - فلم يستخلف عليكم رجلا بعينه تعرفونه باسمه ونسبه . فإن كان لم ينصب ولم يستخلف عليكم أحدا فاتركوا عنادكم الإمام ونصبه ، فإن النا ولكم برسول الله أسوة حسنة . فإن كان قد نصب رجلا فاسقطوا الآن ذكر الاحتجاج في نصبكم من نصبتم من طريق العدالة والتفضيل والتقدمة للصلاة وغير ذلك . ثم أسقطوا قوله : أما بعد فإن المسلمين قد استخلفوني ورضوا بي. وقوله : وليتكم ولست بخيركم. وألزموا لأنفسكم الخطأ والعصيان لله ورسوله في ترككم المنصوب لكم والرغبة عنه والخلاف عليه والنظر معه فيما لم يجعله الله و لا رسوله لأحد سواه . وفي اصطلاحكم على نصب رجل لم ينصبه الله ولا رسوله دليل PageV01P037 على خلافكم على الله ورسوله فيمن نصب لكم إذا كنتم قد أجمعتم على أن الله لم يهملكم وأن الرسول لم يترككم حتى نصب لكم رجلا إليه مفزعكم . وهذا هو العدل من فعل الله ورسوله . وترجعون إلى الطعن على رسول الله (صلع) وسوء الثناء على الله سبحانه في أنه خلاكم وأهملكم وترككم. وبأي الأمرين أقررتم فلا حجة لكم ولا عذر عند الله ولا عند رسوله في نصبكم من نصبتم، لا عن أمر الله وأمر رسوله. ### | من إمام هذا العصر? ويقال لهم : خبرونا ، أبحكم من الله ورسوله في نصب الإمام في هذا الدهر? وهل يلزم الخلق فرض الطاعة لأحد معروف ? فإن قالوا: نعم ، وسموا رجلا ، قلنا : فمن افترض طاعته? ومتى أمر الله ورسوله بذلك؟ ثم ما صفته : برا أو فاجرا؟ فإن قالوا : برا، وجب أن يكون الإمام خير الخلق وأفضله ، وإن قالوا فاجرا ، أبطلوا طاعته وأسقطوا حجته ، لأن الله لا يحتج بالفاجر على المؤمن ولا بالجاهل على العالم ولا بالمفضول على الفاضل. ويقال لهم : خبرونا، أيما أولى بنا وبكم ? أن نقبل قول أبي بكر وحكمه فيما خالف فيه عمر ومن قال بقول عمر من المهاجرين والأنصار وجلة أصحاب النبي (صلع) أو قول عمر ومن ذكرنا ? فإن قالوا : نقبل قول أبي بكر وحده ، فإن الحق ما حكم ms25 به ؛ قلنا : أرأيتم? أن لو جاءكم أبو بكر ولا أحد معه فشهد على درهم واحد ، أكنتم قابلي PageV01P038 شهادته ? فإن قالوا : نعم ، فقد خرجوا مما عليه الجماعة وخالفوا حكم الكتاب والسنة ، وإن قالوا : لا نقبل قول رجل واحد ولا نجيز شهادته ، فإن جاء عمر والذين معه من المهاجرين والأنصار شهدوا على ذلك الرجل بذلك الدرهم ، أكنتم قابلي شهادتهم؟ فإن قالوا: نعم، قلنا : فهذا عمر والجماعة ومن قال بقولهم جميعا قد فارقوا أبا بكر في أحكامه وفتياه وفرائضه، وذلك تخطئة له وشهادة منهم عليه أنه قد حكم بخلاف الحق ، وهو عندكم مزكى . والحكم بغير ما أنزل الله يدعو إلى الكفر والفسوق والظلم ، فلو كان الرجل عندكم إماما ومفروض الطاعة ، لا تبع القوم حكمه وفتياه ولرضوا بقضاياه ، إذ كان الله قد نصبه وأوجب على الخلق طاعته والقبول لقوله والانقياد لحكمه ، ولا يجعل لأحد أن ينظر عليه ولا معه . وقد حكم في الدماء والفروج والأموال والقيادات . وقد خالفه القوم وحكموا قيه بغير ما حكم وقالوا بخلاف ما قال . ولن يخلو أمر القوم وأمره أن يكونوا علموا أنه ليس بإمام ولا مستحق لذلك المقام ولا فرض الله طاعته ولا أمر بولايته ولا نهى عن خلافه ومعصيته . وبعد أن علموا أيضا وشهدوا أنه قد حكم بغير الحق وبغير ما أنزل الله تعالى فمن ذلك خالفوه وهذا من فعلهم يدل على أن هذا اعتقادهم فيه . وتركهم الإنكار عليه دليل على ما ذهبوا إليه من ذلك الفعل . أو قد علموا يقينا أنه الإمام الفاضل المستحق الصادق في خبره العالم القائم بأمر الدين والدنيا قد حكم بالحق وبما أنزل الله (تع) ، ثم PageV01P039 خالفوه فيه إلى الضلال عن اليقين والمعرفة . فهم حينئذ ضلال فساق بخلافهم على الإمام الفاضل العادل . فإن زعموا أنهم كانوا أولى بالحق فيما فعلوه من أبي بكر ، قلنا : فاحكموا على أبي بكر بالخطأ والضلال، إذ تعدى حدود الله وحكم بغير ما أنزل الله. فإن كان أبو بكر أولى بالحق فيما فعل فاحكموا على عمر والذين معه بالعصيان ms26 لله والخلاف على الإمام العادل الفاضل . أو تزعموا أنه لا تبعة عليكم جميعا فيما فعلتم ? فنحن أيضا، إن خالفنا الإمام العادل الفاضل المفروض الطاعة فلا تبعة علينا? وكذلك إن لخالفنا الجماعة ، وكذلك إن حكمنا بغير ما أنزل الله ، وكذلك إن تعدينا حدود الله ? ثم ليس الخلاف والإجماع إلا سواء على أهل القياس ، ولا الطاعة ولا المعصية إلا سواء ، ولا الكفر ولا الإيمان إلا سواء على قياسكم هذا ، وإلا فالزموا كل فريق ما يلزمه ، ثم أعلمونا أي الفريقين أصاب وأيهما أخطأ؟ وماذا عليهم من الله فيما فعلوا ، وهل على الناس أن يقتدوا بإحدى الطائفتين أو يخالوهما، ومع هذا فأعلمونا ما على من خالفهما من العقاب وما لمن وافقهما من الثواب . ثم ائتونا بالبرهان على ما تذكرونه من ذلك. (لا قوة إلا بالله) (العلي العظيم). ثم يقال لهم : خبرونا ، هل رأيتم في الحقيقة رجلا يطعن على أبي PageV01P040 بكر وعمر? فإن قالوا : نعم. قلنا: فهل يخلو ذلك الرجل من أن يكون منكرا لعقد ولايتهما أو تقدمهما بين يدي الله ورسوله بلا حجة من الله ولا برهان ، أو يكون قائلا بإمامتهما ثم قد خالفهما في الدم والفرج والمال والقيادات ورغب عن حكمهما وقال بخلاف ما قالا ودان بخلاف ما دانا . وهذا من أعظم الطعن عليهما لأنه ليس بين الحلال والحرام منزلة تصير إليهما ، وإنما غاية الناس فيما تعبدوا به أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام ؛ لا يجدون قولا ثالثا فيصيرون إليه. ونقول فيما ادعي من إجماع الأمة على الرجلين أن الحجة قد قامت بكون ولايتهما بالحد الذيي ذكرناه . ولم ينقل عن رسول الله (صلع) الأمر بولايتهما ولا اجتمعت الأمة اليوم إلا أن الأمة اجتمعت عليهما رأيا لا نصا عن رسول الله (صلع) كما اجتمعت عليهما بأنهما أولى ولا اجتمعت الأمة إلا أن الإمامة ، بل الأمة في ذلك مختلفة والدعوى في ذلك كاذبة ، بوجود الاختلاف على ما ذكرنا في عصرنا . ثم يقال لهم : خبرونا، أليس قد فرض الله تعالى أمورا أوجبها نصا وأغنى فيها عن ms27 الاستنباط والاستخراج والرأي والقياس ، وأوجدها بأعيانها وصفاتها ، ومع هذا لا يقوم ولا يكون ولا يصلح ولا يتم إلا بإمام . فلا بد من نعم . قلنا فلم كان فرض ما نري أنه لا يقوم ولا PageV01P041 يتم ولا يكون إلا بإمام أولا من فرض نص الإمامة على الإمام بعينه حتى يغني فيه عن الاستنباط والاستخراج والرأي والقياس إذ كان المقيم بالدين والحاكم على المسلمين وحجة رب العالمين . ### | وجوب النص بالإمامة كوجوب النص بالدعائم ويقال لهم : خبرونا ، هل كان يجوز عندكم أن يكلفنا الله (ع ج) الصلاة والزكاة وغيرهما من طريق الاستنباط والارتياد من غير أن ينص بهما لنا? فمن قولهم لا ، فيقال لهم : فلم لا كان الأمر الذي لا تقوم هذه الأمور إلا به بأن لا يجوز الأمر فيه إلا به من طريق الاستنباط والقياس والارتياد ولا تكون إلا نصا ، كما لا تكون هذه الأمور إلا نصا. ويقال لهم : أليس الرسول مأمورا بنص هذه الأمور من بعده؟ فلا بد من نعم . فيقال لهم : فلم ما قلتم أنه مأمور بنص من لا يقوم هذه الأمور إلا به من حيث كان مأمورا بنصهما من بعده ? فإن قال قائل إن النبي (صلع) لم ينص على كل الفرائض من ذلك لم ينص على أعيان الدراهم في الزكاة ، ولكن أخبر أن في مائتي درهم خمسة دراهم . وكذلك لم ينص على شخص الإمام ولكن دل على أنه إذا كان عالما فاضلا ، اتخذ إماما طولب بالدليل على أن النبي أوجب إقامة إمام، وإن لم ينص على عينه ، كما أوجب دراهم في الزكاة وإن لم يدل على PageV01P042 أعيانها بإجماع أو بخبر في غير إجماع . ولن يجدوا إلى ذلك سبيلا . أو يقال لهم خبرونا لو كان واجبا على المسلمين إقامة إمام بأن فرضت عليهم هذه الأمور دون أن يكون واجبا على رسول الله (صلع) نصها لهم؟ إذ كان قد أوجب الله عليه نصا لهم ، فإن قالوا : ليس كل الفرائض نصا لنا ، قلنا : هذه دعوى فاسدة ، وسنقول في ذلك في موضعه إن شاء ms28 الله تعالى . ولا ينكر أن الأصولعندكم من الصلاة والزكاة والحج والجهاد وصوم شهر رمضان لأمور قد نصها الله (ع ج) لرسوله (ع س) ونصها الرسول لنا وأمرنا بها في عهده ومن بعده . فلم لا يلزمكم ما قلنا من نص الرسول (صلع) للإمام من بعده? إذ كان مأمورا بنص ما قد أقررتم من الأصول والأمر بها من بعده ولم كان قولكم في إيجاب فرض الإمامة على المسلمين بفرض هذه الأمور عليهم أولى من قولنا في إيجاب فرض نص الإمام على الرسول (صلع) بالفرض عليه في نصها ولا أعلم في ذلك فرقا مع ما لزمكم من إبطال الإمامة إذ كنتم تزعمون أن الرسول (صلع) لم ينص على رجل بعينه ، وأنه لم ينص فرضا، وكان ادعاؤكم فرض ما ذكرتم من فرض هذه الأمور فاسدا لما فيه من تنافيه. ويقال لهم : خبرونا ، هل أمر الرسول من ناءت داره عنه بهذه الفرائض? فلا بد من نعم . فيقال لهم : فإذا كان قد أمر بها وكان في PageV01P043 أمرهم بها أمر إقامة الإمام . فكان علي من شهد رسول الله (صلع) في مواقفه وهو يأمر بإقامة إمام في بلد بعد رجعته إليه ، فإن قالوا نعم ، خرجوا من قول الإمامة ، وإن زعموا أنه لم يكن واجبا عليهم بفرض هذه الأمور فرض لإقامة الإمام لقضوا قولهم ، وإن زعموا أنهم أمروا بذلك على عهد رسول الله (صلع) لم يكن في فرضها عليهم فرض إقامة الإمام بمقام رسول الله (صلع) كان في فرض ذلك عليهم إقامة الإمام ، قيل لهم : ثم لم تنفصلوا ممن زعم أن فرضها بعد الرسول (صلع) غير دال على إقامة إمام كما كان على عهد رسول الله (صلع) غير دال على ذلك إن كان غير جائز فوت الرسول إلا بعد نص من يقوم مقامه في [؟]ته ، لأن ذلك واجب عليه بما ذكرنا بديا ؛ وكان غير جائز ترك الواجب ، لأن في تركه إهمالهم ، وإلا أدى إلى إفسادهم في فرائضهم . فلا يجوز فيهم إلا النص على الإمام كما لم يجز في دين ms29 الله إلا النص على الرسول . وفي نص الرسول لمن ناءت داره عنه على أميرهم وتركه ان يكلهم فيه إلى اختيارهم خوفا من فرقتهم وفساد ذات بينهم وعموم ذلك في جيوشه وبعوثه والحوطة في ذلك على رجل بعينه بعد رجل، كما فعل في غزوة مؤته وفي توليته أحد أصحابه على الجيشين إذا اجتمعا على الجيش . والنص على ولي كل جيش دليل على فساد ترك النص على خليفته وإمام أمته . ولا الفساد في جميع الأمة أصل والصور فيه أهل. PageV01P044 ### | عدم وجود إجماع على الص لا يعني إبطال النص فإن قالوا إن الأمر لو كان على ما ذكرت منه وجوه النص على الإمام لكان قد نصه ، ولو نصه لنقلته الأمة ، وفي أن الأمة لم تنقله ما صح أنه لم ينصه . قيل لهم هذه علة غير العلل الأولى ، وإنما أردنا مطالبتكم بالاستدلال بفرض ما ذكرتم ، على فرض الإمامة وعارضناكم بما تقدم من الكلام ، لتتبينوا أنه لا حجة لكم في الولاية ولا بينة على قولكم فيها . وقولكم لو كان واجبا عليه ، لنصه (صلع) - وإنه قد نصه - ونقلت ذلك طائفة من الأمة ؛ ولم ينقل الباقون أنه لم ينص . ولو لم يقل الباقون أنه لم ينص . لم يكن ذلك نقلا ، لأنه نفي مع كثرة الدلائل لمن نقل أنه نص على صحة قولهم وقرب شبهة النص بأفعاله في حياته من توليته الولاة ونص الكفاه . فإن اعتل بأنهم لم ينقلوه ، فإنه لم ينص . قيل لهم ولما كان في ذلك دليل على ما ذكرت ، دون أن يكون في نقل من نقل أنه نص . وصحة القياس لهم في دلك دليل على فساد عقد من عقد وتكلفهم ما لم يأذن الله به، مع نفينا جماعهم على ما ذكرت ، وإن كان أكثر ما وصفت كافيا في أول الكتاب . ولو أن قائلا قال في إجماع النصارى على أن المسيح PageV01P045 غير عبد وتسميتهم إياه [إلها] دليل على أن المسيح لم ينص لهم أنه عبد لكان في نقل من نقل انه عبد ، مع فساد كونه إلها ms30 ووجوب الإقرار عليه بأنه عبد غير جائز فيه ترك الإقرار بما وجب عليه الإقرار به ما دل على أن إطباق من أطبق منهم فاسد ، وإذا أمكن أن يطبقوا على القول الذي هو ضد ما نص لهم المسيح من أنه عبد وإذا جاز في أمتنا أنه يطبق أكثرها على الفعل الذي هو خلاف لما نص الرسول (صلع) ولا يكون ذلك دليلا أنه لم ينص ، كما لم يكن في إجماع أكثر الأمة التي تبعت المسيح لما اجتمعت على القول الذي ينفي عنه أكثر العبودية دليل على أنه لم ينص لها . فإن قال : إن النصارى ، وإن قالوا في المسيح ما قالوا ، فلم يمتنعوا من النقل عنه أنه قال : إنني عبد ، ولم نجد في أمتنا مجتمعة على أن الرسول نص على رجل ، قلنا له : فهذا أوكد فيما قلنا ، لأنه إذا جاز فيهم مخالفة ما نقلوا عن المسيح (ع م) من ذلك بضرب من الضروب لم يستنكر في مثلهم ومن كان في طبعهم مخالفة ما نص لهم ولم يكن في فعلهم خلاف في ذلك، دليل على أنه لم ينص لهم . فإن قالوا إنه لو كان نص لهم على رجل لنقلوا بأجمعهم أنه نص عليه ، وإن خالفوا ذلك بضرب من التأويل ، كما نقلت النصارى أن المسيح نص على أنه عبد وإن تأولت. قيل : أوليس قد صح أن المسيح نص على محمد باسمه ? والنصارى غير ناقلة لذلك بل PageV01P046 جاحدة له . وهل في جحدها ، على كثرتها وتركها . أن تنقل ما نص؟ فإنه إن لم يكن ترك من ترك أن ينقل النص عن النبي (صلع) في ذلك الرجل وفعلهم في ذلك دليل على إنه لم ينص . فإن قالوا إن النصارى، وإن لم ينقلوا أنه سماه باسمه فقد نقلوا ما يدل على نبوته ، قيل له : لأنا إنما أردنا أن يزول احتجاجكم بأن ترككم أن تنقلوا دليل على أنه لم ينص ؛ فأوجدناكم نصا لا شك فيه ومن نقله ونص له . والأمة ، وإن لم تنقل كلها أن النبي (صلع) نص على رجل ms31 بعينه ، فقد نقلت فيه ما يدل على إمامة ذلك الرجل ، كما أن النصارى ، وإن لم تنقل أن المسيح نص على محمد (صلع) . فقد نقلت ما يدل على نبوته . وإما قول من قال إن في كتاب الله (ع ج) والمجتمع عليه من سنة نبي الله (صلع) مخرجا لما ابتلي به الناس ، او ينقلون ما جاء عن الله، فإنا نقول : إن الأمر على ما قال الله (ع ج) ، وإن ذلك في الكتاب والسنة من علمهما أو جهلهما وجميع الغناء عن غيرها. ولو كانت السنة ليست إلا ما اجتمعوا عليه لخست ونقصت . ولسنا نلتفت ألى إجماع أهل فرقة . إذ قد يجوز التفرق عن الحق والجهل به كيف ما كان ولا يكون ذلك من كتاب الله وسنة نبيه . والله (تع) يقول في كتابه : (ما فرطنا في الكتاب من شيء) وقوله (تع) : (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام PageV01P047 دينا) . فإن فيما قال الله (تع) من ذلك لقطعا للحجة وحظرا على التقول على الله بغير علم ، والارتياب في كتاب الله (تع) ما لم يأذن الله به والقياس في حكمه بما لم يوجد إليه سبيلا ولم يجعل به سلطانا مع قوله : (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون) والكافرون والفاسقون أمرا لنا بالحكم بما حكم الله واختار ما لم يحكم به مع منعه نبيه (صلع) من القول بغير ما نص في فرائضه وأحكامه ، لقوله : (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين ثم لقطعنا منه الوتين) وعيدا له في فضل ذلك وقد جرى له عنده وإذا كان هذا محظورا عليهم (صلع) ، وهو أكمل الناس عدلا وافتق الناس رأيا وأقرب الناس من صواب وأبعدهم من إغفال . كان حظره ذلك على غيره أحرى والله فيه أولى ممن الخطأ عليه أغلب والإغفال منه أقرب والزلل والصواب منه أبعد . ولعمري إن معنى قولهم إنه ليس في كتاب الله (ع ج) ولا في سنته (صلع) كفاية للناس لا سد لحاجتهم ، وزعموا أن الله ينص لهم جميع ms32 ما يحتاجون إليه حتى وكلهم في أكثر ذلك إلى الآراء المتخبطة والأهواء المردية. PageV01P048 ### | السنة أصل آخر بعد الكتاب وأما قولهم : فما وجدنا فيهما، فلا نغير حكم الله جل جلاله. وما لم يوجد فيهما . فعلى ولاية العلماء به النظر فيه والتشاور واجتهاد الرأي . فإنا نقول : قد ثبتنا أن في الكتاب والسنة بيان كل شيء، ثم نقضت ذلك بقولك :وما لم يوجد فيهما، فتناقضت بنفي ما ثبت ، ثم رجعت فثبت مما نفيت من كون البيان في الكتاب والسنة في قولك : فعلى ولاية العلماء به والنظر والتشاور واجتهاد الرأي، فإنا نقول : لو ثبت عليكم بما نفيت كونه ، إذ في كونهم علماء به تثبيت لكونه . إلا أن يكون ذهب إلى أنهم علماؤهم من غير الكتاب والسنة فضلال وبدعة. فإن قال لهم : لم يخرجه من الكتاب والسنة إن لم يكن منصوصا إذا كان معاني نسبته بهما، قيل له : لم لا أخرجه من الكتاب والسنة إن لم يكن منصوصا? إذ لم يجد في كتاب الله أباح للرسو(صلع) الحكم بما لم ينص فيما وافق وخالف وهو أعلم الناس بالتمثيل والتشبيه بل قد حظره عليه ومنعه من الحكم إلا بما أنزل. ثم نسأله فنقول : من أين أوجب عليهم بالنظر والارتياد ، وأبحتم التشاور في جميع الأحكام ، وقد حظر الله ذلك على رسوله (صلع) بما قدمنا وبما حكي عن الأمم الماضية من ضلالهم بالرأي ، فقال حاكيا عنهم وذاما لهم PageV01P049 وقاليا لهم، (وقالوا ما في بطون هذه الأنعام) إلى قوله (قل الله أذن لكم أم على الله تفترون) وهل عدا أولئك أن يكونوا ارتأوا أو قاسوا وهل لتقوله) على الله إلا القول بما ليس في الكتاب والسنة ، ومن الدافع لقول الله سبحانه (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) وقوله (تع) )ما فرطنا في الكتاب من شيء) وقوله (ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة) ومن زعم أن الله قد أخرج في عامة فروضه وأحكامه إلى الأذهان الضعيفة والعقول السخيفة وعرض بذلك خلعه لما ms33 نهاهم من الاختلاف وترك ما أمرهم به من الائتلاف . فإن اعتل بقوله (ع ج) : (وشاورهم في الأمر) ، قيل له : إنما ذلك في طريق يسلك أو منزل ينزل أو ما أشبه ذلك ليس من الحكم والشرائع في شيء يدل على ذلك . إن النبي (صلع) لم يشاور أحدا في فريضة ولا ناظره في سنة فإن اعتل بحديث معاذ بن جبل عن النبي (صلع) أنه قال : بم تحكم? قال :بكتاب الله. قال :فإن لم تجده في كتابه؟ قال :فبسنة رسول الله (صلع). قال :فإن لم تجده PageV01P050 فيها؟ قال :أجتهد برأيي. فقال :الحمد لله الذي وفق بقول النبي (صلع) . قلنا : قد قدمنا لك حديث الأخبار . وهذا خبر لم نقم بصحته الحجة إذ قد وجدنا من الأمة من يدفعه ، مع ما فيه من خلاف الكتاب لما فيه على تأويلك من إلزام الكتاب والسنة بالنقض وذلك خلاف ما أخبر الله في كتابه من الكمال والتمام ، ثم ما فيه من إباحة ما حظره الله ونهى عنه من القول بما لم ينزل الله به سلطانا والحديث الذي لا تدفعه الأمة قول النبي (صلعم) :ما أتاكم عني موافقا لقول الله (ع ج) فأنا (31 ب) قلته وما أتاكم عني مخالفا لكتاب الله فلم أقله. وفي ذلك دليل على باطل هذا الحديث ، إن فيه خلافا للقرآن وإباحة ما منع الله منه وزجر عنه . ولو كان الحديث صحيحا والبرهان بمجيئه عن الرسول (صلع) قائما، كان المعنى غير ما ذهبت إليه، وكان معناه عندنا في قوله :إن لم تجد في قول الله تعالى ولا سنة رسوله اجتهدت برأيي، يعني أن علمه فيها ، كما يعلم بعض الناس من كتاب الله (تع) ما لم يجد من جهل فأعلم هو منه ولا يوجب جهل ذلك ما جهل من الكتاب والسنة أن ليس فيهما . فيكون معنى قوله : اجتهد برأيي بعلم ما جهله والحكم بما علمه من المسائل والتحرز من النسيان . ولذلك قال تبارك وتعالى لنبيه (صلع) : (وأن PageV01P051 احكم بينهم بما أنزل الله) ، وقال (لتحكم بين الناس ms34 بما أراك الله) . وليس ذلك القياس والارتياء ، ولكن احكم بينهم بما علمك الله . يدل على ذلك أمره إياه بالحكم بما أنزل . فإن اعتل في فدى الصيد مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم فذهب إلى أن قوله مثل إباحة الرأي والتمثيل . قلنا : إن الله (ع ج) قد نص أن جزاء الصيد مثله ، ولم يقل : اجتهدوا في المثل ولا الارتياء فيه ولا القياس. فمن أين ثبت قولك إنه أباح القياس في المثل والارتياء? بل الثابت أن يكون الواجب قد عرفه بينة المثل كما عرفه أن عليه المثل . ولن يجد في الآية دليلا على إباحة القياس والرأي في المثل . فإن قال إن الناس لما كانوا لا غناء بهم عن معرفة المثل من الصيد وعن معرفة النوازل ، ولم يكن في الكتاب والسنة من النص على ذلك ما يجمع لهم حاجتهم وجب بذلك القياس والرأي ، قلنا له : من أين زعمت أن ليس في الكتاب والسنة نص جميع ما يحتاج إليه ? وإن اعتل بجهله وجهل أكثر الأمة حاجتهم إليه من ذلك، قلنا : وإن كان في جهلك وإياهم به ما أوجب أن يكون غير منصوص دون أن يكون في جهلك وإياهم به وامتناع ذلك من أن يترك قياسا أو رأيا مع الحاجة إليه دليل على أنه منصوص لمن يقوم بعلمه له علينا الحجة ويقوم مقام الرسول في الأمة . فإن قال قائل : ومن أين امتنع أن يدرك قياسا أو رأيا ? قلنا له : الدليل PageV01P052 على ذلك إجماعنا وإياك وسائر الأمة على امتناع درك ما علمنا نصا من الصلاة والركاة والحج والصوم والجهاد وغير ذلك مما سميت أصلا من غيرأن يدرك قياسا ورأيا ، قلنا : إن كان ذلك كذلك وكانت النوازل داخلة في معانيها في أنها أحكام لله وفرض له كانت لا يجوز أن تدرك قياسا ولا رأيا ولا يكون إلا نصا ، كما لم يجز غير ذلك فيما دخلت في معناه مما سميته أصلا . فإن قال : لم أحكمت لنا أشبه هذه الأصول لحكمها في أنها لا تدرك ms35 إلا نصا دون أن يحكم لها بحكمه في أن ما أشبه الحلال منها فحلال وما أشبه الحرام فحرام? قلنا له : تركنا من ذلك من جهات : منها أن الله لم يبح لنا التحليل والتحريم . بل حظرها علينا بما ذكره منها ، بل رأيناه قد حكم في المتشابهات بأحكام مختلفات . مثل ما حكم في قضاء الحائض الصوم وما وضع عنها من قضاء الصلاة وما أوجب من قضاياهما جميعا إذا تركهما عامدا ، وما أباح من الإفطار في السفر ، فأوجب به القضاء ، ولم يبح ترك الصلاة ، ثم لم يكلف قضاء ما أباح تركه منها . وما وضع عن الذمية من الجزية وأمر به في الدماء وما أمر به من قتال مشركي العرب حتى يؤمنوا وما أمر به من قبول الجزية من مشركي أهل الكتابين وما حكم به في الحر والعبد من الأحكام المختلفة مع اتفاقهما في الأعيان والوجود الحرية مع الذي يحكم له به بحكم ما أشبه ، لا يخلو من أن PageV01P053 يكون شبه من كل وجوهه أو من بعض وجوهه . فإن ادعى اشتباهه من كل وجوهه ، قلنا له : فهو هو ، فما هو حاجتك إلى قياس الشيء على نفسه ، وإن رجعت على أنه موافقة من جهات مخالفة من جهات ، قلنا له : فلم حكمت له بحكمه من الجهة التي أشبهه فيها دون أن تحكم له بخلاف حكمه من الجهة التي خالفه منها؟ فإن رجع إلى أنه كان أكثر وجوهه شبهة له وإن خالفه من جهات هي أقل من الجهات التي يشابهه منها ، قلنا له : هل تكون الموافقة بين شيئين أكثر منها بين ما ذكرنا من الحر والعبد والذمية ? فإن ادعى ذلك أكذبه ، وإن لم يدعه كان في حكم الله سبحانه في هذه المتشابهات بالأحكام المختلفات دليل على أن الأحكام لا تقع بقلة الاشتباه ولا بقلة الاختلاف . وإن رجع إلى أن يقول : لو كانت الأحكام في النوازل منصوصات لكان رسول الله (صلع) قد ألقاها إلى أصحابه . ولو كان ألقاها إلى أصحابه لنقلت إلينا وفي ألا يكون نقل ذلك دليل ms36 على أنه لم يلقه ، وفي ألا يكون ألقى دليل على أنه لم ينص له . لأنه لو نص له لكان لا يعدو واحدا من أمرين : إما أن يكون كتمه الجميع ، وذلك نفي صفته لكثرة تعليم من بعث لتعليمه ، أو يكون ألقاها إلى بعض دون بعض . ففي ذلك ما أدى إلى المحاباة في الدين والأثرة . وهذه خروج من صفة النبوة. PageV01P054 ### | عدم نشر النص على جميع الأمة لا يبطله قلنا له : إن علم النوازل ليس على كافة الناس علمها ، ولا كلهم محتمل لذلك مضطلع به ، لما بني عليه الناس من السهو ولما في تكليف الجزء منه فضلا عن الكل من التشاغل عما لا يجوز لهم التشاغل عنه من معاشهم وما في ذلك ، لو كلفوه من تكليف أكثر من الطاقة إذ هم عاجزون من حمله . وإذا كان كلهم كذلك ، ليس له محمل ولا في طاقته ذلك ، ولم يكن كلهم يعلم ما ليس في طبعه احتماله ، وكان غير جائز أن يكون كلهم ، لجهلهم بقلة حاجتهم إلى من يعلمه تبيان فيهم من يعلمه ولا يكون على رسول الله (صلع) إلقاء ذلك إلى الناس عامة ، لأنه لا يسعهم تركه . فليس ، كما لا يسعهم ترك تعليمه مما لا يجوز ، إلا أن(8) يلقيه إليهم . ونقول : إن رسول الله (صلع) قد أبان الحكم فيما ورد عليه من النوازل ، وليس كلها ترد في عهده . وليس في إعلام النبي (صلع) دلك بعض الأمة دون بعض ما أدى إلى المحاباة ( من حيث 1571) كان يزكي (1٠) بعض الأحكام في النوازل بحضرة نفر م أصحابه، وقد غاب أكثرهم، يعلمه من حضر وجهله من لم يحضر، ولا تكون في ذلك محاباة وقد قلنا إن في حاجة الناس إلى علم الأحكام والنوازل ما أوجب أن ليس كل الناس يحتمله . وفيما ذكرنا من صفتهم PageV01P055 وضعفهم وعجزهم دليل على أن ليس كل الناس يعلمه مع ما وجدنا من جهل أكثر الناس به . وإذا كان ذلك كذلك كان لا بد من عالم لما جهلوه من ذلك محتمل لما لم يحتملوه خارج ms37 من صفتهم ، غير جائز ما يجوز عليهم من الجهل والخطأ وارتكاب الكبائر فيرجع ويرجعوا به من الجهل إلى ما منعوا به . فإن قال : لا تزول المحاباة فيما يخبر به بحضرته بعض أصحابه وفي حال غيبة الأكثر منهم وجهلهم به ؛ لأن الحاضر مؤدي علم ذلك إلى الغائب . قلنا له : وكيف يزيل ما عنه المحاباة في إعلامه واحدا دون الجميع أن جعله معلما ومؤديا علم نازلتهم في وقت حاجتهم . وأما قول من قال : إنه لا يجوز أن يحكموا حتى يعلموا أن الأمر على ما قالوا ، ولا يجيئون بما لا يعلمون ، فإنه لن يعدو غاية العلم عنده بذلك إصابة التشبيه في القياس أو الحكم للشيء عنده بنظره أو الاجتهاد في الرأي . وقد بينا من فساد ذلك ما فيه كفاية . وإذا كان ذلك فاسدا لم يعد أن يكون حاكما بما لا يعلم . إذ كان أمورا بالحكم بما يعلم منهيا عن الحكم بما لا يعلم . إذ كان مأمورا بترك الحكم بالرأي والقياس إذ كان على ما بينا وشرحنا والحمد لله رب العالمين. PageV01P056 ### | كما أن الرسول منصوص عليه كذلك أولو الأمر ثم قالوا وقد قال الله (ج) : (لو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) . ولاة أمورنا علماؤنا . وقد قال تبارك وتعالى : (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم). وأعظم أمور ديننا وإن الذي فرض الله على المسلمين من توليه إمام عليهم من الأمور التي لم تسم بأعيانها ، وإن كان قد سميت من الخصال التي قد ذكرناها ، فإنا نقول : إن الأمر في من أمر الله بالرد إليه والطاعة له ، ووعد العلم بالرد إليه فيما ينبغي استنباطه منهم ما قال الله تعالى على تأويلكم والدليل على ذلك أن الله جل ثناؤه أمر بطاعة نفسه بعد أن عرفنا نفسه ، وبطاعة رسوله بعد أن عرفنا رسوله بالنص عليه ، وكذلك أمر بطاعة ولاة الأمر بعد أن عرفهم بالنص عليهم بأعيانهم كما نص على رسول الله (صلع) بعينه . لأنه لما جعل طاعته لا تتم إلا بطاعة رسول ms38 الله (صلع) لم يجز إلا بنص عليه . وكذلك لما جعل طاعة رسوله لا تتم إلا بطاعة ولاة الأمر ثبت أن لا تتم طاعة رسوله إلا بطاعة ولاة الأمر منصوصا كما نص على الرسول (صلع) . ولو جاز أن يأمر بطاعة ولاة الأمر وولايتهم ولا ينص عليهم لجاز أن يأمر بطاعة الرسول ولا ينص عليه . وكذلك لو جاز أن يكل إلينا اختيار ولاة الأمر ، وقد قرنهم برسوله ، لجاز ان يكون إلينا اختيار رسوله (صلع) . وكذلك لما كان في أمره PageV01P057 إيانا بطاعة النبي (صلع) دليل على خروج النبي من حد من يجوز . عليه المعاصي والجهل والخطأ وكان أمرنا بطاعته بمثل ما أمرنا به من طاعة نبيه غير جائز عليه ما لم يجز على النبي (صلع) ، إلا ما اجتمعنا عليه من القرآن والخبر أنه لا يشركه فيه أحد من النبوة واتصال الوحي والرسالة ، إذ كان الأمر على ما وصفنا وكان لا يجوز عليه ما ذكرنا وكان لا يدرك من طريق الرأي والاختيار إلا من لا يجوز عليه ذلك أو غير مدرك من تلك الطريق وكذلك فوله : (ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستتبطونه منهم) وعدا منه لنا أنا متى رددنا ما جهلنا إلى الرسول علمناه من قبله ، وكذلك إذا رددناه إلى أولي الأمر علمناه . وكما أنا نعلمه من رسول الله (صلع) نصا بلا رأي منه ولا قياس ولكن نصا ، وكذلك نعلمه من ولاة الأمر بلا رأي منهم ولا قياس ولكن نصا ، ولو كان أولي الأمر علماؤكم وكان ردنا إليهم إنما هو ليروا وليقيسوا لم يعد أن يمكن فيهم الاختلاف . فإذا كان الممكن من ذلك فإنا نعلم الحق منه . أوليس في ذلك تكليف الجاهل التمييز من العلماء؟ وذلك ما علم الله عجزهم عنه وأشفق عليهم منه ، والقبول من الجميع . ففي ذلك قول التضاد والذي ذمه الله. وإذا جاز ذلك ثم اختلف خصمان ، فبأي الحكمين يحكم عليهما؟ فأيهما أوجب به الحكم : لمن يكون عليك في إيجابه إلا ان يقول : قال PageV01P058 بعض العلماء ms39 ، قيل لك : بل أحكم بالآخر ، فقد قال به البعض الآخر وإن أوجب عليه الحكم بالقولين جميعا رجعت إلى ما بينا من إثبات المحال . وإن أثبت الحكم الآخر عليه بأحد القولين طولبت بالدليل على ما ادعيت من ذلك ، وقيل لك : من زعم أن ليس عليه ان يحكم بهما؟ بل عليه ان لا يحكم بواحد منهما واعتل بما بيننا مما فسد له الرأي في الأحكام والقياس وأنهما ليسا من أحكام الله (ع ج) لقول الله سبحانه : (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) ونقول : إن أولي الأمر منا هم علماؤنا وائمتنا وخلفاؤه فينا ، وهم الذين كسفينة نوح من ركبها نجا ، الذين أمرنا باتباعهم والتعليم منهم ، ونهى عن تقدمهم ، وأخبرنا نبينا محمد (صلع) أنهم غير مفارقي كتابه حتى يرد معهم حوضه ، وأنا لا نضل ما تمسكنا بهم. PageV01P059 ### | الفرق بن السي والإمام فإن قال : قد أوجبتهم لهم المساواة بالنبي (صلع) إذ زعمتم أنهم لا يدركون إلا نصا كما لا يدرك النبي إلا نصا وأنه لا يجوز على التبي ، قيل له : لا يجب علينا بذلك مساواتهم بالرسول لأمور قد خالفت بينهم وبين الرسول (صلع) منها : عدم الوحي ، وتفضيل النبي (صلع) عليهم وجواز النسخ في عصد النبي (صلع) وامتناعه في عصرهم ، ولو كان ذلك لنا لزما للزمكم مساواة الإمام عندكم بالرسول ، لإ يجابكم م بيى طاعته إذا عدل مثل ما أوجبتم عن طاعة الرسول (صلع) حين استحللتم دم من خالفه وغزوتم من تابذه النا. فإن قال قائل قد صح لما ذكرتم أنه لا بد من مستخلف ينص عليه ، وأنه ليس ينفي استخلافه إلا بأن تكون الأمة لما ذكرتم من العلل في ذلك وإنه لا يكون إلا علما بما تحتاج إليه الأمة عصوما من المعصية ، فما الدليل لنا بأنه علي بن أبي طالب دون غيره من المسلمين؟ PageV01P060 ### | وجوب إمامة علي بن أبي طالب قيل له إذا كان ذلك كذلك ، وكان لا بد أن يكون المنصوص عليه موجودا ، وكان كل من يقصد إليه من قريش ms40 وغيرها خلا علي بن أبي طالب فقد زال عنه بإجماع الأمة أن يكون المنصوص بهذه الصفة ، ولم يزل ذلك عن علي بإجماع الأمة بل قد بينه فيه ونقله له بعض الأئمة . فلما كان ذلك كما وصفناه ، كان لا بد من أن يكون علي (ع م) هو المستخلف ، لأنه لو كان اليس هو ه لم يكن فيهم مستخلفا. وقد بينا فساد عدم المستخلف خلا واحدا بينه أنه هو ذلك المستخلف . وكذلك قد صح في كل واحد منهم أنه ليس معصوما من ذلك ولا عالما بجميع حاجة الأمة خلا علي بن أبي طالب (صلع) . فلم تجمع الأمة أن ليس هو كذلك . وقد بينا أن من لم يكن كذلك فليس بإمام. قال : فلما أوجب الله تبارك اسمه من فرضه في ذلك نفى إقامة الإمام في الدين أشباهه. من ذلك قوله : (وأشهدوا ذوي عدل منكم) . ولم يسم العدول بأسمائهم وأعيانهم . ولكنه إنما أعلمنا بالعدل . فإذا علمناه في أحد شهدنا له بذلك وقبلنا شهادته . قال PageV01P061 فكذلك أولو الأمر علماؤنا وحملة ديننا ورعاة سياستنا . فنقول : قد ألفت بين مفترقات وشبهت بين مختلفات : زعمت أن فرض الإمامة غير منصوص ، وأنها من جهة الاستنباط ، واستدللت في ذلك بما ذكرت ، ثم زعمت أن لها أشباها في الدين ، منها قول الله (تع) : (وأشهدوا ذوي عدل منكم) شبهت بما هو نص عند جميع الأمة بإشهاد العدل فيما يدعي فيه التأويل . فلعلك أن تستطيع أن تدعي أن الله أمر نصا باختيار إمام، فلن تجد ذلك إلا بأن تطاول وتقول له : إذا تم باسم الله عدلا فيقول : فلان عدل فاشهدوه. أوجب بذلك أن يكون الأمر بإشهاد العدول مأمورا به من جهة النظر . فإن قالوا نعم ، أكبرته الأمة بجحد النص ، وإن رجع إلى أنه نص تبين خطأه . وأيضا فيما شبه بغير النص . ويقال له فيما ذهب إليه من أن الله (ع ج) لم ينص عدلا بالعلم ضرورة ، وإنما يظهر من حاله في نفسه وبما يبدو من أفعاله لا يحتاج فيه بعينه ، أن العدالة أمر ms41 ظاهر يدرك بالمشاهدة في من هي أو بالخبر . فيجب بذلك التمييز بينه وبين غيره بأكثر من الظاهر المشاهد كما ميز بين الليل والنهار والحر والبرد والحسن والقبيح والطيب والمنتن . فهذه الأمور علومها ضروريات عندك لا تحتاج فيها إلى رأي اجرك إلى قياس ولا ما يستدل به على استحقاق في PageV01P062 الإمامة عندك مخالف لما ذكرناه ، لأن الإمامة عندك تدرك بالنظر والمقايسة بين الفقهاء والامتحان والسير حتى يتخيروا أعلمهم وأفضلهم وأكثرهم عندك احتمالا لها ؛ مع تقليد الأمة من العدالة فيما يتبين لك فيه الخطأ من غلط ما ذهب إليه من العدالة مع قول الرسول (صلع) : لا تجوز شهادة ظنين ولا متهم ولا كذاب زيادة في نصها وتبيانا لنا مما يدل بالنظر إلا أن يذهب ذاهبة في النظر إلى جهة التعليم والمسألة فيها نظر ، فلا يمنعه ذلك إلا اختيار الاسم. ويقال له : قست الإمامة بعدالة الشهود لأنها فرع لها أم لا? فإن زعم أن الإمامة فرع لعدالة الشهود بان خطأه وقيل له : أنت ممن زعم أن الإمامة أصل العدالة? فإن ذهب أن الإمامة أصل في نفسها وعدالة الشهود أصل في نفسها بان خطأه في قياسه أصلا بأصل. ويقال لهم : أليس الواجب أن يقاس الشيء بما أشبهه من أقل وجوهه ? فلا بد من نعم . يقال له : فإنما أشبه مقام الإمام بمقام الرسول فينا منه مقام الشاهد العدل أشبه بمقام رسول الله (صلع) فينا بان يأضا خطأه لأن ما قام به الإمام مثل ما قام به الرسول من جهاد العدو وقسم الفيء وإنصاف المظلوم وحج البيت وجمع الكلمات وإقامة الحدود وما أشبه ذلك . وما PageV01P063 أوجب الله من طاعة ولاة الأمر به من الرد إليهم . وإن رجع إلى أن مقام الإمام فينا أشبه بمقام الرسول منه من مقام الشاهد العدل بهما قلنا من انه لا يدرك بالتشاور كما كان النبي لا يدرك بالتشاور وبطل تشبيهم إياه بشاهد عدل. قال : وكذلك فرض الله الصلاة. فمن ابتلي فيها بالسفر الذي تقصر فيها الصلاة ، ووقت الصلاة في الغيوم . وقال ms42 (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) . وإنما يعرف الفقير والمسكين والغني بالنظر. وقال : (ليس... على المريض حرج) . وإنما يدرك المريض الذي لا حرج عليه بالنظر فيما يجب من الجهاد وقام في السنة ، ومن بلغ من الصبيان لإقامة الحدود وإقامة السنة في رمي الجمار وقدر الحجارة بالنظر . وفرض القصاص في قتل العمد ، وإنما يدرك ذلك بالنظر . وكذلك ما وجب من إقامة المسلمين فريضة ، ولم يسمها الله (تع ذكره) بعينها لأنها لا تدرك من طريق النظر . فنقول . هل خرجت الصلاة في الحضر والتقصير في السفر والوقت في يوم الغيم - وفرض الصدقات لمن فرضت له من أن يكون منصوصات في الكتاب على غير ما ذهبتم إليه من فرض الإمامة بالتأويل? فإن قال نعم ، أكذبته الأمة ولم يجد سببا إلى إيجاد النص ، إذ لم يكن هذا نصا. فإن أقر بأنها نص - فلا بد من ذلك - بان خطأه في تشبيهه ما هو نص PageV01P064 بما ليس هو بنص . والسفر أمر لا يحتاج فيه المسافر إلى نظر في أنه مسافر ولا يحتاج إلى النظر فيما يجب فيه التقصير ، إذ كان ذلك منصوصا بالخبر وكان اختلاف الناس فيما اختلفوا فيه مما يقصر فيه المسافر إنما هو الخبر لا أنهم أدركوا أن المسافر يقصر في كذا بالنظر . وهذا لا يجهله مفطور على إسلامه . وكذلك الأمر بالصوم برؤية الهلال والإفطار ، وكذلك الزكاة في كذا إبنة مخاض وفي كذا وكذا ، وكذلك الفقراء والمساكين ، فلزم في العلم بظاهر أحوالهم وبما لزم في علم ظاهر العدول يعلم ذلك ممن شوهد بظاهره ويوجب له به الحكم ويعلم ممن غاب بالخبر أن لا حاجة في شيء مما ذكرنا إلى النظر ، وبما يدرك بالسمع ، وكذلك مما أسقط الله من الحرج عن المريض أمر قد نصه وأبان المريض في عينه بما أقام من الحجة بالمشاهدة . وقد يكون من الأمراض ما يشهد ظاهرها على عجز صاحبها عن المرض فيشهد له بزوال الفرض عنه عند الله سبحانه . ويكون منها ما يشكل ، فيجوز فيه العجز . فحكم الله في ذلك برد الأمر فيه ms43 إلى المريض . وهو عالم بحقيقة ذلك ضرورة ، وهو على نفسه فيما علم [ذو عين] بصيرة . ولم يكلف الله (ع ج) علم الباطن في ذلك ، ولو كان يحتاج في علم ما أمر به المريض إلى نظر جاز أن يحتاج في علم ظاهر الصحة إلى نظر . وكذلك لم يجز أن يحتاج المريض في نفسه إلى نظر يدرك به PageV01P065 أنه مريض ؛ ولو كان ذلك مما أدرك بالنظر جاز الخطأ فيه حتى يجهل فيكون المريض لا يعلم أنه مريض وهو صحيح العقل . ولو جاز ذلك جاز في الشبع مثله وفي الجوع مثله ، وكذلك الذي في النطق والسكوت ، وكذلك في النكاح وترك النكاح ، وكذلك في الري والظمأ، حتى يجهل ولا يدري لعله ينكح في حال ترك أو لعله تارك في حال نكاحه . وفي ذلك خروج من المتعارف . وكذلك ما ذهب إليه من بلوغ الصبيان أمرا إذا قامت به الحجة بمشاهدته . وكذلك القول في رمي الجمار أمر قد فرضه الله وعرف نبيه قدر الجمار . وكذلك مثل حصى الحذف. وذلك يدرك بالعيان . لم يكلف الله فيه إلا أن يكون أقل من جزء لا يتجزأ و لا أكثر بمثله ، إنما هو على التوسع . والذي ذكر أيضا من القصاص أمر قد نصه الله وعرفنا ما قتل العمد وما قتل الخطأ ، وما الموضحة وما المأمونة ، وما الجائفة وما السمحاق ، وما الحكم فيهم ؛ لا يحتاج في معرفته إلى نظر أو قياس . فإن اختلف المختلفون في معنى من معاني القتل ، عمدا هو أم خطأ ، أو شجة من أي صنف هي ، كان اختلافهم غير موجب أن الحقيقة ما اختلفوا فيه يدرك بطريق النظر ، وكان الواجب فيه ره إلى أولي الأمر حتى يعلم أنه قتل كذا وشج كذا نصا كما علم فيه نصا . وكل هذه الأمور قد بان فساد PageV01P066 قول من ذهب إليها بحمد الله . ولئن خرجت هذه الأشياء من ان تكون نصا ليخرجن صاحب هذا القول من أن يكون في الوجود ، وليخرجن الليل من معنى الظلام والنهار من معنى الضياء ، وأوضح قياسه ، ثم ms44 قاس الإمام على هذه الأمور ، لأوجب أن الإمام لا يكون إلا منصوصا، كما كانت هذه الفرائض لا تكون إلا نصا. ### | وجوب استخلاف الرسول أماما بعده فإن قال قائل : هل استخلف رسول الله (صلع) ? قيل له : نعم كما أجاز شهادة العدل . وقد اجتمعت الأمة على أنه خليفة رسول الله (صلع) . ومعنى الاستخلاف لا على ما ذكرنا ، لا على أنه نص بعينه ، كما أوجب شهادة العدل ، ولم ينصه بعينه ، ولكنه أعلمنا ما العدل فيما وجدناه في الشاهد أجزنا شهادته بأمر الله وامر رسوله (صلع) وقد أعلمنا بالصلاح والفضل . فإذا ابتلينا بإقامة إمامنا نظر في من ذلك فاتخذناه إماما . فنقول : إنا فيما مضى من جوابنا إغنى عن الكلام فيما ذكرت ، ولن ندع أن نقول إن رسول الله (صلع) قد نص لنا ما العدالة وأجازشهادة العدل . فمن وجدناها فيه شهدنا له بالعدالة . فكذلك نص لنا الفضل والصلاح . فمتى وجدنا فيه شهدنا له به . وقوله : اتخذناه إماما أمر يلزمه الدليل على أن رسول الله (صلع) أمر به وأن الكتاب نصه . فقال : من وجدتموه فاضلا فاتخذوه إماما ، كما قال : PageV01P067 من وجدتموه عدلا فاتخذوه شاهدا ، ولن نجد ذلك . وأما ادعاؤه بأنه خليفة رسول الله (صلع) وأن الأمة اجتمعت على ذلك ، فقد أبطل في دعواه إجماعها على ذلك . وقد قدمنا من الكلام في فساد ما أجمع عليه بالرأي ما يدل على فساد إجماع من أجمع منها عليه ، ولأنه لا تقوم الحجة به، وبينا منه ما يغني عن ذكره، والحمد لله كثيرا. ### | من يعقد الإمامة ويقال له : من الذي يعقد الإمامة ? أجماعة الناس أم طائفة من أهل بلد معروفون ? فإن قال : إن الذي يعقدها علماء المسلمين ، قلنا له: جميعهم حتى لا يبقى منهم أحد أو عدة معلومة ? فإن قال : بل جماعة منهم لا يجوز أن يجمعوا في اختيارهم على باطل . وليس ذلك بعدة محدودة . ونظير ذلك ما علمناه من أخيارالبلدان الغائبة عنا من غير تحديد . وقد يحتاج إلى الخبر من هو كذلك فيستغنى في ذلك بأخبار البعض عن أخبار ms45 الجميع . وإن كان الخبر كذلك قائما عندنا وعند غيرنا مقام العيان ، فهذا وجه قولنا وغيرنا . فإذا اجتمعت جماعة من العلماء على أنه أفضل من يعلمون من الفقهاء عقدوا عليه الخلافة وحرم عليهم الإنباء . فنقول له في ذلك : خبرونا عن الجماعة التي أجزت خبرها وجعلته حجة، ثم جعلت إجماعهم على ما استخرجوه حجة قياسا على كون اختيارهم حجة ، أم جماعة مؤتلفين مجتمعين نقلوا الخبر جملة واحدة? فإن قال : نعم خرج من قوله في الخبر ، وذلك أن هذه PageV01P068 الجماعة ، وإن كثرت ، فليست خارجة من حد من يجوز عليه التواطي والخبر الذي لا تقوم به عندنا وعنده الحجة ما لم يكن في ناقليه التواطي وإذا خرجت هذه الجماعة من أن يكون خبرها حجة ، بما وصفناه ، فسد عليه أن يكون إجماعها على رأي واحد حجة . لأنه إنما قاس في ذلك على قيام الحجة بخبرها . فإن قال قائل : إن هذه الجماعة، وإن كانت لا تقوم بخبرها مجتمعة حجة ، فإنها ، ممن تفوح بخبرها الحجة ، إذا جاءت مجيئا يفوق التواطي . فلذلك جعلت [إجماعهما على أدائه حجة . قلنا : أخطأت القياس من وجوه نحن نبينها، وذلك أن فعلهم إنما كان حجة لأنه محال منهم تقليد بعضهم بعضا . فلما نقل كل واحد منهم من حيث علم مواطاته صاحبه ثم تواتر بذلك الخبر وجاءت الحجة ، فكان على ذلك الوزن يجب أن لا يقبل رأي جماعة ولو كان الارتياء جائزا لا ما رآه رجل ثم رآه بعينه قد علم فيهم المواطاة ، ثم آخر حتى يجتمع عليه من حيث لا يكون أحد منهم واطأ عليه أحد ولا جاهل فيه قلد عالما ولا وضيع اتبع فيه رفيعا فهذا لا يجوز في الرأي . إذ الرأي لا يسلم مرتابه فيه من تقليد أعمهم وأخصهم وأكثرهم وأقلهم . ولا بد من الاجتماع والتناظر . وكل ذلك موجب إنكار PageV01P069 التواطي ، بل لم يكن فيهم عند التواطي . وفي ذلك دليل على فساد قياسه وبطلان مذهبه . ويقال له : أرأيت الخبر هل يقوم يعامة النصارى أو غيرهم من الملحدين؟ أخبرونا أن فلانا كان ms46 أسقفا معظما أم مترهبنا متخشعا أو فلسوفا عارفا إذ فات خبرهم التواطي . فلا بد من نعم . يقال لهم : فهل تقوم الحجة بمدى تلك العدة ? لو استنبطوا مذهبا أو استخرجوا . أوليس قد قامت الحجة بإبطالهم فيما اجتمعوا عليه أيضا من المسيح عليه السلام ، وأن ذلك من أعظم الضلال والكفر? ولم تنفذ لك الحجة بخبرهم عن كون يونس ولوط ومرقس ويحيى ، فإن ذهب إلى أن النصارى كفار والأمة ليس كذلك قلنا : وهل أخرجهم كفرهم من أن يقوم بخبرهم الحجة ، إذ كان فائتا للتواطي ، وإذ قال لنا قلنا له : فإن اجتمعت فيمن ادعيت الحجة بإجماعهم بأن الحجة تقوم بخبرهم فأوجدناك من تقوم بخبرهم الحجة ... ولا برأيهم وقد قامت الحجة بأن خطأه في رأيه بين وضلاله في ذلك بين وفي فساد ما ادعى من قيام الحجة بأن إجماعهم على ما ارتأوه واستخرجوه باطل، ويقال لهم : أليس قد يجوز أن يخبر قوم أن مدينة فلانة أعظم مدينة رأوها ولا يدفع ذلك أن يكون في غير ما شاهدوا مدينة أعظم منها? فلا بد من نعم . يقال له : وكذلك لا يدفع أن تجتمع هذه الأمة على أن رجلا أفضل من علمته ولا يدفع أن يكون فيمن لم يشاهدوا من هو أعلم منه وأفضل? فإذا أن PageV01P070 يولوهما أفضل من تعلمون وأن يكون جائزا] أن يكون غيره أفضل منه . قلنا له : فإذا أجزت في اختياره من لا يدري أن غيره أصلح منه اختار الأخس وترك الأفضل في الدين . قيل له وكذلك اختيارك من لا تدري ، لعل غيره أصلح منه وأفضل إيثارا منك للتفريط واستقامة للتقصير واختيار ما لا تدري لعله الأخس . فلا بد من الإقرار أنه المفضول أو ترك قوله بفقد الجماعة تقوم بخبرهم الحجة حتى لا يرجع الآن إلى أن الحجة لن تقوم باختيار رجل حتى يتخير له منابر البلدان وتجمع عليه علماء الأمة كلها . وهذا ما لا سبيل إلى كوته ؛ ففساد واتباع المفضول واضح وبطلان إمامة المساوئ قائم بما ذكرنا . ووجبت للفاضل الذي علم استحقاقه بنص المستحق ms47 لما قبله عليه ، إذ هو لا يجوز عليه الخطأ ولا المحاباة ولا سوء الظن للأمة. ويقال لهم : أخبرونا عن الجماعة التي اجتمعت على رأي قامت بإجماعها الحجة ما يجوز أن يختلف فيفضل بعضها رجلا وبعضها رجلا . فإن قال : ذلك جائز إلا أنه لا بد من أن يكون أحد الفريقين مصيبا والآخر مخطئا . قيل له : والدليل على إصابة المصيب منها ما هو؟ فإن قال : إجماعهم عليه ، قيل له : فإجماع الآخرين أيضا حجة ولزمه أن النصف الآخر مصيب لأنهم أجمعوا ، فإن قال : ليس إجماعهم حجة ، ولكن أن يعدموا قيام حجة ما أجمعوا عليه حق ، قيل له : فما PageV01P071 اعتلالك بالإجماع ? وقولك الواحد قد تقوم عليه الحجة بأنه حق. فيجب قبولك. ثم يقال له : أي شبهة إجماع من قد يجوز أن يضاده إجماع على باطل ممن يوازي عدة أهله ويجودهم بخبر جماعة لا يجوز أن يضاد خيرها مساويها في العدة ثم حملت ما لا غناء لمن أجمع عليه على الدلالة على أن ما أجمعوا عليه حق ، والخبر الذي هو نفسه الحجة . ثم يقال له : هل يجوز في بعض الجماعة التي اجتمعت على أنه أفضل وأنه مستحق ، وقامت الحجة بإجماعها ترك التقصير في النظر والإغفال حتى يؤدي ذلك طائفة متها إلى الجهل بالفاضل وينابذ طائفة منهم الفاضل بعد علم بفضله ، إما لنفاسته أو لمحبته ، ويقوم بعضها للفاضل بفضله يختارونه على غيره . فإن زعم أن ذلك يجوز ولا يكون إلا علم الجميع بفضله، فأحال الجهل من كلهم ومن بعضهم بفضل الفاضل ، وجعل إدراكهم ذلك إدراكا طبيعيا . وذلك خروج من قوله . ثم أبطل ذلك حاجتهم إلى التشاور والنظر والاستخراج ، لأن ما عملوا طبيعيا لا يحتاج إلى التشاور والنظر والرأي والاستخراج وذلك بمنزلة ما يعلم من ضياء النهار وظلمة الليل . وإن رجع إلى ما يجيز ذلك قيل له يجوز في الدين ، ويقوم بخبرهم حجة الجهل بما عنه أخبروا ، حتى يكونوا قد رأوا مسجد دمشق بعلم من فعل أنه PageV01P072 وجهل ذلك بعضهم. ثم أتو في ذلك مختلفين، فمن مقر ms48 بزخرفته عالم بذلك ومن مصر لها جاهل بذلك ومن جاحد بزخرفته جاهل بها. وكلهم قد عاين ورأى في صحة من عقولهم . فإن أجاز ذلك خرج من الوهم ، وإن منعه خرج تشبيهه الرأي بالخبر . فقد وجب في الرأي ما امتنع في الخبر مما ذكرناه . ثم يقال له : أخبرنا عن هذه الجماعة ، هل يجوز أن تتنافى آراؤها وتختلف أخبارها ويكون كل طائفة عند أمتها مصيبة فلا يكون منهم إجماع ، ثم يجتمعون فيعلم المخطئ أنه أخطأ . فتقوم بإجماعهم الحجة؟ فإن قال : نعم، قيل له : فهل يجوز بأن تقوم بخبرهم الحجة أن يتباين في أخبارها ، فتخبر طائفة أن الخليفة صام يوم الأحد ، ويخبر آخرون أنه أفطر يوم الأحد ، ويعلم الكاذبون أنهم كانوا كاذبين بعد أن لم يكونوا يعلمون ذلك . فإن قال قائل : إن ذلك جائز لنسيان وقع إلى عدة ألف من الناس وأكثر منها ، جاز أن يشك نصف الناس في يوم الفطر والأضحى ، خرج من المعقول ، وإن لم يجز ذلك فرق بين الخبر والرأي وبطل قياسه في ذلك. ثم يقال له : ما دليلك على أن على جماعة أن تعتقد الإمامة ، وعلى الأمة كلها أن تفعل ذلك، وأن على بعضها قبول ذلك إذا عقدته له وأن ذلك واسع لها أو لئن عقدوا له الحكم في كتاب الله أو يقوم من سنة رسول PageV01P073 الله (صلع) أو بإجماع من رأي المسلمين ، أو سوغنا لك الرأي ولم نجده من كتاب الله لأنه إنما فزع من الكتاب إلى التأويل ، وقد بينا فساد تأويله ولم نجده خبرا عن رسول الله (صلع) ، بل أفعال رسول الله (صلع) شاهدة على خلافه لأنه لم يكل ذلك إلى أحد قط في الجمع اليسير ولا قي البلد الصغير فضلا عن جهات الأرض وجميع الأمة ، ولم يصل في الدعوى إلى أن رسول الله (صلع) أمر بذلك. وإن ادعى إجماع المسلمين بانت فضيحته باختلاف الأمة في ذلك وإكفار بعضهم من أجاز ما قال ، وتضليلهم . فإن رجع إلى القلة والكثرة أحد بما تقدم في ذلك وعورض ببما لم ms49 يجمع عليه حرمة الأمة ، من ذلك خلق القرآن ونفي الجسم مع إيجابه الخطأ على من خالفه . وإن ذكر أن الفقهاء ينصبونه سألناه : هل للفقهاء حد يعرفون به من الفقه من بلغه منهم كان فقيها ومن قصر عنه لم يكن فقيها؟ فأجاب أن قال : إن ذلك غير محدود عندنا وعند جميع الأمة وسائر الأمم. ولو كان الفقيه لا يكون فقيها إلا بعلم جميع الدين . - وذلك عندهم ليس إلى من ادعوا له الإمامة ما كان من المسلمين في زمن النبي (صلعم) ولا بعده إلا فقيه واحد وكيف يكون ذلك كذلك وقد قال الله (تع) : (أولم يكن الحي آية أن يعلمه علماء بني إسترائيل)، والآية PageV01P074 حجة . ففي ذلك دليل على أن علماء المسلمين ، إذا علموا فضل الفاضل ، قامت الحجة بولايته . ومن كان عالما بالأصول التي نزلت في الكتاب والسنة فهو فقيه ، وإن زل عنه بعض علم ذلك ما لم يبلغ أن يسمى جاهلا . إذا كان علمه ذلك في علمه . وليس أحد يجمع علم جميع الدين فيكون مساويا للنبي (صلع) في علمه ، وكان إذا طلب إلى الله سبحانه أن يزيده علما كان يطلب مثل علم النبي (صلعم) ولكن قد ترك الخصلة عن العالم ويكون موجودة في الآخر . فنقول في ذلك : إنا لم ندع أن في الأمة فقيها، وإن لم يعلموا جميع العلم ، إذ علموا من ذلك ما يخرجهم من الجهل . ونقول فلان فقه من فلان يدعي أن في الأمة . وليس عن هذا سألناه ، وإنما سألناه عن الفقهاء الذين يختارون الإمام : هل لهم حد معروف مثل أصحاب مالك وأصحاب أبي حنيفة وابن أبي ليلى وغيرهم . فلا بد من أن يكونوا من أصحاب من ذكرنا أو لا يكونوا . فإن زعم أنهم من إحدى هذه الفرق، قلنا له : ومن جعل فقهاء هذه الفرقة أولى من فقهاء غيرها ? وإذا لم يكن معنى يستحق به أحد الفرق اختيارا لإمام دون صاحبها لم يبق إلا مناظرة أهل القرق لبعضها بعضا من المحق في قوله والمصيب في مذهبه . فيجب له في ms50 أقواله اختيار الإمام أو أن يجتمع من اقول الفقهاء كل عصبة فيختارون PageV01P075 جميعا. وفي ذلك رجوع إلى الاجتماع وعدم الإمكان أو لكثرة المقالات واتساع البلدان وسائر الأقوال وتعادي أهلها والموجود من إكفار الأمة بعضها لبعض . ولن يسلم أيضا المجيب بأحد القولين من أن يسأل الدليل في الكتاب والسنة كما سأل قبل ذلك عن قوله أي هذه الفرق يختارون دون هذه ، وأيهما جائز لها جميعا ذلك ، ولن يجده بأكثر من الدعوى . ونقول : إن في علم علماء بني إسرائيل دلائل النبي وجوب الحجة عليهم بنبوته وأن في ذلك أن يعلم أمتنا الدلائل على إمامة إمامنا لوجوب الحجة عليهم بإمامته وأن في ذلك لما كان من النبي (صلعم) ومنه إنما هو بأن نص الله عليه ولم يحوج الناس فيه إلى اختيارهم ولا المقايسة بين الناس فيه كان علم علماء أمتنا باستحقاق ، إنما هو بالنص عليه من رسوله (صلع) ومن يقوم مقام رسوله ، وفي ذلك فساد ما ذهب إليه . وليس في أن خليفة رسول الله (صلع) يعلم ما تحتاج إليه الأمة ما أوجب له لحوق النبي (صلع) ولا مساواته عليه وآله الصلاة كما قد قرأ القرآن أقوام وحفظوه ولم يجب لهم بذلك مساواة النبي في حفظ القرآن ، وقد كان ينزل عليه الوحي فيعلمه أصحابه ولا يكون في ذلك ما أوجب لهم مساواته (صلع) . ولن يدفع أن يكون علوم غير علوم النوازل من لطائف PageV01P076 خلق الله وعجيب صنعه قد علمها رسول الله (صلعم) لم يعلمها غيره ويكون العالم بجميع النوازل ، لدعاء أن يزاد علما ، يعني فحفظا لما علم وفهما لما حفظ ، وقد يحفظ القرآن رجلان ويكون أحدهما أحفظ من الآخر ، وهما لا يحيطان فيه ، ولكن ذكره على أحدهما أسهل منه على الآخر . وقد نزل جبرئيل على النبي (صلع) ولم ينبغ لنا أن نقول حذيفة فمي ذلك الوقت ساوى النبي في العلم وقد اختار بعض أصحابنا أن دعاء القائم بعيد ، كما كان النبي (صلع) يدعو : (اهدنا الصراط المستقيم) وقد هدي. ويقول اغفر لنا، وقد غفر له. ms51 ونقول أيضا: إذا كان الفقيه عند أهل كل فرقة من المعتزلة والخارجة والحشوية والشيعة وغيرهم إنما هو من قال بقولها ودان بمذهبها ، وكذلك أصحاب مالك وأبي حنيفة وغيرهما. ولن تجمع هذه الفرق الفقهاء فرقة أنهم مستحقون لاختيار الإمام دونهم ، وكان التنازع في ذلك قائما والأمر فيه عندهم مشكلا لم يكن لذلك حد أجمعوا عليه وعرفوه ، إذ كان الأمر على ما وصفنا من اختلاف أهل كل فرقة ليكونوا المستحقين لاختيار الإمام غير معلومين ولا معروفين ولا مستحقين لاسم الفقه ، إذ ليس كل فرقة عند مخالفيها بمقبول قولها ولا صواب مذهبها . وإذا كانوا لم يجمعوا لأهل فرقة بالصواب في مذهبها لم يستحق من لم يصح صوابه أن يكون فقيها. وكل فريق منه PageV01P077 بالبدعة والضلالة وليس المختار على أهله للأمة إلا من أجمع على عدله وفقهه ؛ ولم تجمع الأمة لأحد على ذلك . لأنه ليس في اجتماع حل كل فرقة على رجل منهم أو على جماعة منهم ما أوجب هم الحجة . لأن كل فرقة ساوتهم في الاجتماع على من ادعوا أفقه منهم وأنبأ علما ما ادعوه مخالفوهم . وإذا كان الأمر كذلك فقد صح أنه ليس أحد يعلم بإجماع أنه فقيه. ونقول : أنه إذا بان علامة الإمام وجب على الأمة اختياره على من سواه كما وجب عليهم اختيار النبي (ص) على مسلمة وكما وجب اختياره الصلاة على تركها والزكاة والفرائض بالنص عليهم . ونقول : أن عليهم الإقرار بأن غيبه كظاهره إذا صح أنه الإمام ونص عليه الإمام قبله له ، كما كان عليهم الإقرار بذلك في النبي (صلع) وإذا كان عليهم أن لا يقولوا بالظن والرأي كان عليهم ترك إقامة إمام لم ينص لهم الكتاب أنه إمام ولم يخبر الرسول بذلك في ترك تعاطي من لم يفترض عليهم . لأن ما لم ينصه الكتاب عليهم ولا الرسول غير خارج من الظن والرأي. ويقال لهم : خبرونا ، هل أمر الفقهاء بنصب رجل له صفة ليس لأحد مثلها ، عليهم إصابته دون سواه فمن قولهم في ذلك إنهم PageV01P078 مأمورون برجل له صفة ms52 وهو أظن يكون أفضل الفضلاء والعلماء ، معلوم في كتاب الله (ع ج) وسنة النبي (صلعم) . وليست بصفة محدودة من نسب معلوم ، ولكنه الفضل في العلم والعمل والقول . وذلك إذا ابتلوا به فقد جعل الله مخرجا لأنه لا يكلفهم إلا ما إليه لهم السبيل. ونقول لهم : أرأيتم إذا زعمتم أنهم مأمورون بالرجل الذي ذكرتم ، وليس من عشير ولا نسب معلوم ولا بلد معروف ، هل لهم بد من امتحان البلدان والأمصار على بلده ؟ فإن أجازوا الاقتصار على فاضل في بلدهم ، قلنا : ولم قد فرض عليهم الأفضل، وجاز أن يكون الأفضل في غير هذا البلد . ولم يقل الأفضل من غير بلد كذا وكذا ولا قبيلة فلانة وإن أفسد ذلك لم يكن لكم على أصلكم بد من استبراء غير ذلك البلد، ثم غيره حتى سمرقند والأندلس وغيرهما . فإن وقفتم عند غاية قلنا لكم : ومن جعل لكم الوقوف عند هذه الغاية وترك بعض نقص ما بعدها ، ومن جعل هذه أولى من التي قبلها ، حتى يلزمكم امتحان جميع البلدان ، هذا بعد أن يجمع فقهاء الأمة ويختار من جميعهم من جميع الآفاق من يختار الإمام والامتناع في الفقهاء المجتمع على فقههم على ما ذكرنا بديا. وأنى بالإجماع على الفقهاء، ثم أنى لهم ذلك ببعض الأرض !? وامتحان علماء أهلها وتخير الأفضل في العلم والورع . وفي امتناع ذلك دليل على أن الله لم يكلف PageV01P079 خلقه ولم يبتلهم به لأنه لا يكلف إلا ما يوجد إليه السبيل . وهذا ما قد بين الله أنه لا سبيل إليه. كما لم يكلف الله الصلاة إلا بعد أن حدها ، والزكاة إلا بعد أن سماها ، والرسول إلا بعد أن نص عليه بعينه . ولكنه تبارك وتعالى لا يبتلي بفقد الرسول إلا بعد أن يبين خليفته ووصيه، ثم يبتليهم بالإقرار به ، بعد العلم به والنص عليه وفي امتناع إمكان ما لزمه من تفتيش الأرض وعجزهم عن الدلالة على الأمر بذلك غير ممتنع من كتاب الله نصا أو من سنة رسوله المجتمع عليها ما دل على ما ذكرناه ms53 من النص على الإمام كما قدمنا بديا . فإن قال قائل : إنهم قد يعلمون الفاضل من أهل كل مدينة ومبلغ فضله بالخبر حتى يميزوا بين فضله وفضل من شاهده فلا يحتاجون في ذلك إلى النظر ولا دوران البلدان . بذللك حاجة من حضر من أهل الشورى إلى النظر في أفضلهم وجب أن الخبر لا يقع إلا بعد المعرفة بأفضل الناس دون المشاهدة . كما لم يقع بالمشاهدة في أصحاب الشورى دون النظر . فإن كان قد يقع الخبر أن فلانا فاضلولكن حتى يعلم أنه أفضل الناس ، فهذه لا تكون إلا من هذه الجهة . قال : فإن اختلف رأيهم فقال قوم رجل وقال آخرون رجل آخر. قال : فجوابنا في ذلك أنهم إذا اختلفوا، فأحد الفريقين مخطئ والآخر مصيب ، وعلى أهل الخطأ الرجوع إلى المصيبين . وقد جعل الله (تع) لأهل الصواب حجة ودليلا ليست لأهل PageV01P080 الخطأ . فإن كانا جميعا ولا حجة لهما في فضل من ادعيا فكلاهما مخطئ وعليهما أن لا يدعوا إلا لمن قامت له الحجة بتفضيله . فنقول لهم عند ذلك : أخبرونا ، إذا اختلفوا على تحقيق ما يقولون - والأمر من رسول الله (صلع) وبإجماع الأمة ، فإن ادعوا النص لم يجدوا ، وإن فزعوا إلى التأويل لم يكونوا أولى به من خصومهم ، وإن ادعوا أمر الرسول لهم كانوا منه أبعد . واختلاف الأمة دليل على يديهم إن ادعوا الإجماع فإن كان ذلك كذلك تبيين أن تناظرهم في الإمامة وعقد الجميع إن اتفقوا، وعقد كل فرقة إن تفرقوا خطأ، وجب عليهم ترك الخطأ . وقيما قدمنا من صفة الإمام والأمر الذي يجب فيه إمامته وساد غيره ما أوجب إلا الحجة مع جميعهم أو كل فرقة منهم وأن عليهم تكليف ذلك إذا قامت الحجة بابتداعهم وفعل ما لم يؤذن لهم في تكليفه. ويقال لهم : هل يجوز أن يجهل الإمام بعض ما تحتاجون إليه ? فإن جاز في بعض جاز في الكل . فإن قالوا : ليس ذلك لأنه إذا كان الغالب عليه الجهل خرج من اسم الفضل ، كما أنه إذا كان الغالب عليه السوء سمي ms54 رجل سوء وقد ذمه الأنبياء صلوات الله عليهم وإن لم يسموهم بدنوبهم أنهم قوم سوء. وقد أنبأناكم أنه لا يجوز أن يولوا إلا PageV01P081 أفضل الفضلاء . فنقول له : أرأيت إذا أجزت فيه الجهل ببعض الفقه ، أيمتنع أن يعلم منه إلا ما جهل ? فإن منع ذلك أخذ بما لا يدفع من جهل غيره ما يعلمه غيره، فإذا تنبه له رجع عن ذلك ما رده على غيه من رجم المرأة وغيره مما يطول ذكره ، وإن لم يدفع ذلك قليل فليس ممتنع أن يكون غيره أفقه منه ، وإن لم يخرجه ذلك من اسم الفقه. فإن قال نعم - وهو قوله - قيل له :وكذلك ليس بممتنع أن يكون الذي هو أفقه منه أعبد منه . فإن لم يخرجه ذلك إلى الاستخفاف. وكذلك ليس بممتنع أن يكون ذلك العابد أزهد منه ما لم يخرجه ذلك إلى الكلب على الدنيا ، وكذلك أورع منه ما لم يخرجه ذلك إلى انتهاك الحرم ، وكذلك أزكى في الجهاد منه ما لم يخرجه ذلك إلى التفريط في الجهاد والفرار من الزحف ، وكذلك أقرأ للقرآن إذا لم يخرجه ذلك إلى الجهل به . وإذا أجاز ذلك لم يمتنع أن يكون أفضل منه . فإذا قال : قد يجوز أن يفضل افي خصلة من هذه الخصال ولا يجوز أن يفضل في كلها لأنه إذا فضله غيره في هذه الخصال كلها كان مفضولا لا يصلح للإمامة ، وإذا فضل في خصلة وكانت فيه الفضائل في هذه الخصال ما يوازي به في تلك الخصلة ويزيد PageV01P082 عليه، فلم يكن مفضولا قيل له : وكذلك قال خصمك: لما كان في أن تفضل هذه الخصال أوجب بعضه ، فإذا كان إمامه في كلها كانت كل خصلة منها لا غناء بالإمامة على أن يستكملها إمامها ، لم يجز أن يفضل في بعضها، لأنه لو جاز أن يفضل في الفقه كان ناقصا عمن هو أفقه منه . وإمامة الناقص غير جائزة . ولئن جازت إمامة المفضول في الفقه جازت إمامة المفضول في غير الفقه وقول ذلك جائز في الفقه وليس ذلك جائزا ms55 في غير هذه الخصال بحكم لأن العلة التي لها أثبت أن الفضل في كل هذه الخصال إنما هو التقصير . وليس المفضول في الفقه سالما من التقصير في الفقه . فإذا كان إمامة المفضول في كلها غير جائزة لهذه العلة ، كان إمامة المفضول في بعضها غير جائزه لهذه العلة . ثم يقال لهم : ما تقولون لمن عارض? فقال : لا يكون إلا أفقه الناس وقد يجوز أن يكون ليس بأفضل الناس . واعتل بأن الحاجة في الفقه أشد لأنه به تقوم الفرائض وتقسم فيهم . وإنما حاجتهم في الفضل والورع إلى أن لا يخرج إلى الفسق ، فيكون غير مأمون وليس حاجة الأمة إلا أن يكون مأمونا . ولا غناء بهم عن أن يكون أفقه الناس لأن جهله ببعض الفقه ضار بهم فيما ينزل بهم مما جهله ، وكان لا بد للأمة مما ينفي PageV01P083 الضرر عنها في إمامتها. أما قوله : قد أنبأناكم أنه لا يجوز أن يولوا إلا أفضل الفضلاء ، يقال له : وكذلك لا يكون إلا أفقه الفقهاء . قلنا : واعلموا أنه ليس أحد من ضعفة المؤمنين ولا أقويائهم إلا وقد فرض عليه علم صلاته وفسادها ، وذلك أن لا يرى في شيء حتى يتبين له أنه حرام عليه . وإذا لم تقم عليه الحجة بتحريمه فإنه له حلال ، وإن من الأمور التي حرمها الله في كتابه وسنة نبيه (صلع) على من بلغه ذلك وقامت الحجة به عليه ، فمن يعلم فهو آثم ومن لم تقم عليه الحجة بما في الكتاب والسنة فليس عليه فيه وزر. فنقول : إن الله تعالى لا يفترض على كل أحد أن يعلم، لأن العلم صنعة لا يجوز للعباد القدرة عليه . ولو قد فرض على المؤمنين أن يتعلموا شيئا من مصالحهم وأشياء أخرى يعلمها من مصلحتهم لم يفرض الله عليهم تعليمها بما كان من صوم شهر رمضان وصلاة الخمس والحج والزكاة . فهذا ما لم يسع جهله ولا يجوز أن [لا] يعلمه. وما كان من علم النوازل فأمر لم يفرضه الله على كل المسلمين . والله قد جعل لهم إذا علم ms56 حاجتهم إليه وقلة احتماله لهم يعلم جميعه من خلفاء نبيه وأوصيائه من عند شدة حاجتهم . ونقول : الحجة لن تقوم على من لم يعلم ، ولكن أن يعلم هو قيام الحجة وأن تقوم PageV01P084 الحجة هو أن يعلم ، وكل من لم يقم عليه الحجة في صغير من الدين أو جليل فلم يعلم. وإذا لم يعلم لم يجز تكليفه ولا يصلح أمره ونهيه. قالوا : وقد يزل عن والي المسلمين علم شيء من النوازل ، فإذا شاء تشاور وبصر انتبه لموضع ذلك من الكتاب والسنة يعلمه، فإن لم يعلمه بعد قيام الحجة عليه من الكتاب والسنة فهو عاص . فنقول : إنه لن يجوز أن يزل عن والي المسلمين علم شيء من النوازل ، ولا يكون إماما والحجة قائمة عليه يعلم ذلك من غير التشاور والقياس لأنهما مما لم يبحه الرسول (صلع) ولم يوسعه الكتاب . ولو جاز أن يجهل ذلك لجاز أن لا يعلمه ، ولو جاز أن لا يعلمه لكان الدين ناقصا ، وقد أخبرنا الله سبحانه بكماله ، وإذا كان قد أكمله ، معما تبين من فساد القياس والأحكام والارتيا كان كماله وتمامه أن يعلم خليفة نبيه جميع نوازل خلقه في دينهم ، ولا يبتلي بشيء إلا عنده مخرج منه . فالحجة ما مضى الحكم فيه . ولو جاز عليه الجهل بشيء من ذلك لم يجز أن يكون واليا ، أحق بأن يكون مولى عليه ، ولا مؤدبا دون أن يكون مؤدبا ، ولا يجوز أن فيما تحتاج الأمة إلى طاعتهم فيه ولا فيما يجب عليه فيه الحدود ، كما لم يجز ذلك على من PageV01P085 استحق مقعد رجل في أمته بمنزلته (صلع) . قالوا : وهل هو في ذلك إلا بمنزلة من كان النبي يوليه بعض البلدان النائية عنه يعمل بالحكم فيوفقه فيفقهه حتى يأتيه علم ذلك يبتلي به الناس . فإذا ابتلى الوالي عمل على استنباط ذلك واستعان بأهل العلم ، فإذا أرادوا الإصلاح وفقهم الله سبحانه وسددهم لأنه لا يككلف عباده إلا ما يطيقون . ونقول في ذلك لما جعلتم الإمام فيما يبتلى به بمنزلة ولاة . فهل يقولون إن النبي (صلع) ms57 وسع لأحد منهم أن يستنبط في النازلة حكما أو يشاور فيها أحدا. وإذا كان ذلك لم يوسع فيه لأحد لولاة البلدان وكنتم قد أنزلتم الإمام بمنزلة لم يكن ذلك موسعا مع حاجته إلى علمه عند رسول الله (صلع) كان لا يجوز مضى الرسول حتى يعلمه ذلك، فيكون مفزعه إلى ما نص من سنته قياسا على فزع الوالي ما يرد عليه من سنته ويكون ممتنعا في الإمام المشاورة والاستنباط كما امتنع ذلك في والي البلد علم قياس قولكم : ولعمري إن في كتاب الله (ع ج) وسنة رسوله (صلعم) لكمال الدين ونص ما فيه حاجة المسلمين . ولو كان الله (ع ج) وكلنا إلى المقايسة والمشاورة في الأحكام للحق ذلك بالكتاب والسنة النقصان وأوجب فيهما عدم الكمال. PageV01P086 ومن أراد الحق وفقه الله له ومن لم يرد الحق فيمن أعمل في دين الله رأيه وابتدع في أحكامه ما لم يجعل الله به سلطانا ، ولعمري ما كلف الله الإمام من الحكم في النوازل إلا ما يطيق ، إذا أعلمه ذلك ونص له علمه فالحمد لله على نعمه وإحسانه . ويقال لهم : يجوز أن يخطئ في قياسه؟ فقالوا : إن أخطأ فعاص، وقد كلف الصواب، وهو يطيقه لأنه إنما أخطأ قي ترك ما قامت به حجته ، ويقال لهم : أخبرونا ، فما وجه العلم فيما أخطأ وعصى فيه? فإن قالوا بينه العلماء ، قلنا لهم قد اختلفوا في ذلك . فقال بعضهم بقوله وخالفه البعض الآخر، وكل عند تقدمه مصيب . وقد نزلت بالمسلمين نازلة لا بد من إمضاء الحكم فيها . فإن قالوا: ينظرون، قيل لهم: قد نظروا، فثبت لكل قوم على ما قالوا به وإن كان بعضهم مخطئا ، كما قد رأينا بعض القياسيين مختلفين في نازلة من مائة عام وأكثر ، لم يزد كل يوم كثرة النظر إلا تمسكا بقولهم. فإن قالوا: يمضي الحكم رأي، قيل لهم: ولم وهو عاص وكيف [لا] يسع المسلمين تركه وإمضاء الحكم بما هو معصية ? فإن قالوا : بمضي الحكم بقول من خالفه من العلماء ، قيل : وكيف الصواب عند غيره? ms58 وكيف ترك رأيه والذين وافقوه وأمضى القول بخلافه? PageV01P087 فإن قالوا : إنه متى قصد للحق فقد جعل النظر سببا إدراك النازلة . قلنا لهم : وما الدليل على أن الله (ع ج) جعل النظر سببا لذلك ، فإن كان القياس في الأحكام لا دليل عليه وكان الأمر فيه داعيا إلى تعطيل الحكم فإنفاذه بغير الحق ، كما ذكرنا ، كان لا يكون إلا مستغنيا عن القياس بما علمه ونص، وبطل ما قال المبطلون في ذلك. والقوة لله. وقالوا: قلتم لا بد من إمام عادل يعرف كل ما بلينا به . فقالوا : إن الإمام هو رسول الله (صلع) وقد ورثنا كتابا وسنة فيهما بيان كل شيء ، وهو بين أظهرنا ، وهو ما اجتمعت عليه عوام الناس والفرق المنتحلة لدينه. فكما جاز أن على والي من غاب عنه ما لا يعلم جميع علمه ، كان مفزعة إلى رسول الله (صلع) هل كان إلا كتاب الله وسنة رسوله (صلع) نصا لا قياسا ولا رأيا ولا مشورة ، وكذلك يجب على قياسك أن يكون مفزع من ولي إمامة كتاب الله وما نصه رسول الله (صلع) من سنته. ويكون امتناع القياس والمشووة في والي من غاب من رسول الله (صلع) . وقد بينه لمن يقوم بعده مقامه . ولو جاز أن يلينا من لا يعلم جميع نوازل ديننا ، لأنه لو جاز ذلك في والي بلد لجار أن يلينا من ليس بأفضلنا ، لأنه جاز ذلك في والي بلد ، وهذا خكرج من قولهم بإماعة الفاضل. ونقول : إن رسول الله (صلع) إمام الأئمة وإن ما نقلت عوام الفرق PageV01P088 وفات نقلها فيه التوطى ، فمن سنته ، وإن كان في كتاب الله وسنة نبيه (صلعم) غنى عن غيرها ، وأنهما مفزع الإمام كما قلنا قبل هذا . وقد بينا من استحالة إدراكه بالقياس مع منع الله (تع) ذلك في كتابه وحظره بما قد أتينا على ذكره. قالوا : وقلتم : لا يكون معصوما من جميع الذنوب . فهل تزعمون أن ولاة النبي (صلعم) كانوا كلهم على ما تصفونه؟ فقد ولى من ليس عنده جميع العلم ، ولا معلوم أنه ms59 لم يزل ويتبع شهوة . وقد فرض الله على الناس ألا يتبعوه إلا بما يعلمون صوابه ، وأنه قبلة عن رسول الله (صلع) ، ولا يساعدونه على الخطأ . فنقول : إنه إذا كان الدليل عندكم على أن الإمام يكون غير معصوم . ولأن ولاة الأمصار غير معصومين ، فلم لا كان الدليل على جواز كون الإمام غير الفاضل ، لأنه جاز في ولاة الأمصار غير الفاضل . وكذلك يقال لهم : إذا جعلتم الإمام قياسا على والي المصر ، لم يكن إلا بنص الرسول (صلعم) وإن لم يكلفهم إلى اختيار إمامهم ، كما لم يكل أهل المصر إلى اختيار أميرهم . فإن قال : إذا ألزمتني هذا ألزمك مثله . ولم يكن كون والي المصر منصوصا عليه لوجب كون الإمام منصوصا كما لم يكن والي المصر غير منصوص موجبا أن الإمام غير منصوص . قيل له : إذا ألزمنا ذلك على قياسك وارتيائك أنه بك لاحق ، وإنما معنى أن يكون الإمام معصوما PageV01P089 للعلة التي وجب لها ذلك في الرسول (صلع) ، لأن موقف الإمام بمواقف الرسول أشبه من موقفه يموقف والي مصر . وإذا كان الله لم يكلنا في رسولنا إلى أن نستخرجه أو نقيمه حتى نصبه باسمه وعينه ، وكذلك من يقوم مقام الرسول . وإذا كان الله عر وجل فكرامتنا من رسولنا أن يركب بنا خطيئة أو يوبقنا بمعصية أو يبتلينا بتغيير أو تبديل كان ذلك كذلك في خليفته وولي عهده . لأن حاجتنا إلى ذلك في وصيه كحاجتنا فيه إليه (صلعم) . ونقول : إن الله تبارك وتعالى قد افترض على الناس طاعة إمامهم وأخبرهم أن حكمه فيهم حق وأنه عن الرسول قبله ، وأنقذهم من أن يحملهم على خطأ ، إذ نصه لهم رسوله وأمرهم بالانقياد له وأوجب له عليهما ما وجب له (صلعم) . قال : فإن قلتم لا يجوز أن يستخرج رجل يصلح للإمامة باختيار وكان رسول الله (صلع) يولي الرجل على عمل ، فيختار الرجل عاملا له فيوليه على بعض أعماله الغائبة عنه ، وجاز الخيار في عدل الرجل وصلاحه ، فحكم الشهادة والدعاء بالصفة التي وصف النبي صلى الله عليه وآله من ms60 الصلاح والعدل . وكذلك يجوز أن تختار الأمة بالصفة التي وصفت من الصلاح ، وليس على الناس علم ما غاب من عصمة الإمام كما لم يكن عليهم علم ذلك من المشهور PageV01P090 وأمر بإثبات الإيمان للمؤمنين ، وقد علم أن في بعض الناس من يضيع بعض أعماله الغائبة . فهل رأيته سوغ الموالي أن يكل ذلك للمسلمين دون أن ينص عليهم رجلا يتخيره لهم . وكذلك يجب عليك أن يكون النبي (صلع) أو من قام مقامه لا يكل اختيار الإمام إلى المسلمين دون أن ينصبه لهم ويختاره منهم . ولم ننكرالاختيار من هذه الجهة وإنما أنكرنا إهمال الناس وتوكيلهم إلى الاختيار لأنفسهم إذ لم تقم بذلك حجة مع ما قد بان فيه من الفساد . وقد كررتم تشبيه اختيار الإمام الشاهد العدل. وقولكم : وكذلك يجوز أن نختار بالصفة التي وصف من الصلاح . يقال له : هل تجد الرسول (صلعم) أمرك أن تقيم واليا إذا كان صالحا كما أمرك أن تشهد عدلا صالحا ؟ فإن ادعى ذلك بان كذبه. وإن قال : قست الإمام على ذلك في الشاهد. قيل له : فأجز في الإمام أن يكون اغير قارئ للقرآن وغير فقيه ، لأنه جاز ذلك في الشاهد . ويعارض ذلك فيما شبه من عصمة الإمام بالشاهد وبظاهر المؤمنين . وقد قلنا في غير موضع من كتابنا هذا إن الإمام لا يكون إلا معصوما ، باطنه كظاهره . وثبت أن مقام الإمام بمقام الرسول أشبه من مقام الإمام بمقام الشاهد العدل . وأن يحكم على الشيء بحكم ما أشبه أكثر وجوهه. PageV01P091 ### | قرابة النسب بين الرسول والإمام ولا يجوز أن تقوم الحجة بقوله ، ولا يكون إماما إلا وله قرابة من رسول الله (صلعم) وقد يكون أقرب منه فلا يكون له من الفضل ما له ، فيكون الأقرب لا يصلح لها . فقالوا لنا : إذا لم يصلح ذلك أن يكون في العم ، فكان في ابن العم ، فهل يجوز أن يكون لابن ابن العم أو الآخر أبعد منه حتى يكون ذلك قرشيا ولا يكون هاشميا ، ثم يرجع إلى مضري ونزاري إذا جوزتم أن يكون لم ms61 يوجد أقرب منه . وسألوا عن الحد الذي يصلح أن يكون لأمته فإنه يجوز أن يكون الإمام أخاه فيختلط عليهم أمره كما اختلط إذ كان من غير فخذه ، فنقول : إن خروجها من أقرب القرابة لأنه يكون غير موجبة خروجها من جميع القرابة كما أجزتم كونها فيمن زل عنه جميع الأبواب . وكذلك جائزكونها فيمن زل عنه جميع أبواب الفقه وكذلك جائز كونها فيمن زل عنه معاني القرابة . والحد الذي لا يكون الإمام إلا منه القرابة بحد محدود حتى يكون ابن ابن العم وأسفل من ذلك أو أرفع . ولكن هي التي يتعارف الناس ويوقعون على أهلها اسم القريب والقرابة ، وإن كان معنى من المعاني العي يستحق بها الإمام الإمامة فإنه لن يستحق بها ذلك دون أن يراد بها غيرها من الفضل والعصمة . وإذا كان للإمام أخوة أو PageV01P092 قرابة قد تساووا من ولد أو غيره ، لم يجز إلا أن يبين الإمام منهم بالوصية أو بفضل ورع يظهر منه ومعنى من معاني الخير لا يلحق به من ساواه في القرابة أو تقدمه فيها . هذا ما كان في نعته. وأما إذا كانت الدار داره فالنص عليه وعقد ولايته . فإن قال قائل : فإذا كانت القرابة لا يستحق به وحدها الإمامة دون الفضل ، فقد خرجت مما يستحق به الإمامة ، وثبت أن ذلك بالفضل الذي لا يستحق القوم الإمامة إلا منه . وإذا كان الفضل هو المعتى الذي يستحق به كان من وجد فيه ذلك المعنى هو فضل من قريب أو بعيد فهو مستحق. ويقال له : أخبرنا عن الفقه ، هل هو من المعاني الذي يستحق بها عدل الإمامة ? فإذا قال : نعم ، يقال له : هل يجوز أو يولى فقيه ليس بورع? فإذا قال : لا ، قيل ذلك : فإذا كان الفقه مما يستحق به الإمامة وجب تولية الفقيه الذي ليس بورع . فإذا كان الورع هو الذي يستحق به الإمامة لأنه قد يوجد فقيه ليس بورع فلن - يستحق الإمامة . ثبت أن الورع هو المستحق كان فقيها أو غير فقيه . فإن اعتل بأن الفقه على ms62 حالة لا يستحق بها حتى يكون معه الورع ولكن بهما جميعا : فإذا كان ورعا فقيها استحق بهما . ولم يوجب أن الفقيه خارج من المعاني التي يستحق بها الإمامة . فإن لم يستحق به على حالة فأوجب عليه بمثل ذلك في الكتاب . وأن خروجها من أن يجب بها حدها الإمامة غير PageV01P093 مخرج لها من أن يكون وغيرها أن يجب الإمامة. ومالوا أيضا : من كان الإمام في زمن دعوة النبي (صلعم) القابل من عيسى (ع م) ? وقالوا : كيف يجوز أن يعلم بين الأخبار عن الإمام وإن لم يكن قلنا : كما نعلم عن النبي (صلع) وإن لم يكن وكيف جاز أن يعلم من الأخبار عن الإمام في حياته ولا يعلم بعد موته ? ونقول : إنا نعلم أن لعيسى (ع م) وصيا وخليفة تناهت وصيته إلى حجة في زمن النبي (صلع) وإن لم نعلم اسمه ولا من هو بعينه من حيث قلنا إنه لا يجوز في إمام نصبه حتى ينص على من يقوم مقامه . وليس جهلنا لمن هو موجب علينا الجهل بأنه قد علم أن منا كثيرا لم يعلم أيهما هو فلم يوجب جهلنا من هم جهلا بأنهم . ونقول إن خليفة عيسى عليه السلام لم يخل أن يكون قريبا أو أن يكون بعيدا من أنه غير موجب أن يكون في قرب الأم أم من أمه لأن الذي أجاز ذلك في عيسى (ع م) عدم الأب . كما أنه جازت في ابن العم لأنه فيمن هو أقرب منه لم يكن ذلك مجوزا أقربهما في ابن العم إذا زالت الأمة عن أقرب منه . ولو أن مجيزا أجازها فيمن ليس PageV01P094 بقريب من المسيح وغيره من الأنبياء أو عمل بإرسال الأنبياء واتصال الوحي ونسخ الشرائع لكان ذلك سائغا جائزا وكان ذلك غير جائز خروجها من قرابة النبي (ع م) لانقطاع الوحي وعدم الرسل . ولعمري لو خرجت من قرابة النبي (صلعم) مع انقطاع الرسل وغلبة الجبابرة وتقية الأئمة من على خلفائها بعقد الولاية ، لكان ذلك موجبا لإشكال الأمر ولكن لما حصر ذلك ms63 النسب وكانت الدلالة على موته القريب كل القرابة مما ذكرنا من الوصية إليه بالأهل وبفضل علم وورع أو طالبة من الاتكال وعدم [الأخذ] فيمن نصح نفسه في [من] الاخلاط . والحمد لله. وقالوا : إنما يعرف ما غاب من الأشياء بالأخبار المجمع عليها على غيره ، مواطأة كجماع الناس على البلدان والملوك . على ذلك حمل الناس الذي بخبرهم عرفت دعوة النبي وعرف ما جاء به أن النبي (صلعم) لما قبضه الله ولى الناس أبا بكر . وكل الذين حملوا ولايته مجمعون على أن النبي (صلع) لم يوله ، إنما ولاه الناس بآرائهم وأن المسلمين ولوه بعلم منهم ، بأنه أفضلهم ، وأن من دين النبي (صلعم) بفضل الأفضل لم يفعلوا ذلك إلا يعلم وفريضة من الله عليهم. ولو تركوا كانوا قد جاروا عن قصد السبيل . وقد ولى الله ورسوله على هذا PageV01P095 المعنى . كما ذكرتم بسنة النبي ، المؤمنين في كل زمان . فمن كان مؤمنا بالله ورسوله سماه مؤمنا ، وكذلك [من اختاره المؤمنون] سماه الله إماما واليا عن الله ورسوله (صلعم) . قبلوا ذلك كما قبلوا أشباهه مما سميناه . فنقول لهم : ما الدليل على أن كل المسلمين ولوه? وما الدليل على أن من ولاه منهم ولأنه أفضل؟ وما الدليل على أنهم فعلوا ذلك فلم يفضله [أحد] وأنهم لم يخطئوا في ذلك ولم يضلوا؟ وما الدليل على أن ذلك فرض عليهم أو أبيح لهم . فإن علموا بما قدمنا ، ولن يعدوها، حكموا ما مضى من كلامنا . ونقول : إن تولية من ولاه بدعة جاروا بها عن قصد السبيل . وإن الله ورسوله لم يولياه على معنى من المعاني ، وإنما تشبيههم تولية من ذكرنا بتسمية من ينتمي إلى المؤمنين مؤمنا فإنا نقول لهم : أليس الله قد أمر بتسمية من أقر وعمل مؤمنا ، وإن لم يسم رجلا بعينه ? فإذا قالوا : نعم ، قلنا : فهل سمى من اختاره الناس إماما? وان كان لم ينص على عينه ، وهل يجد الرسول (صلعم)؟ قال : فمن وجد فاضلا عالما فهو إمام. كما قال عز وجل : (أولئك هم المؤمنون حقا() . فإن ادعوا ذلك ms64 بان كذبهم في أن لم يجدوا عن رسول الله (صلعم) أنه قال :من كانت صفته كذا وكذا فاتخذوه إماما وسموه واليا، فإن ذلك موجود في المؤمنين ما PageV01P096 أوجب التفرقة بينهم . وقد يجوز هذا المعنى في غير موضع . ودعانا إلى تكرار الجواب أن من ولوا لما كان لم يوله الرسول (صلع) وأجمعوا أن من ولاه إنما مع ما قد بان من فساد الرأي وحكم قيام الحجة بإجماع، كانت ولايته ضلالة ، ومن ولاه بتوليته لهم هم يقبلوها ضلالا لمخالفتهم الرسول (صلعم) ، وتكليف ما لم يأذن الله به . قالوا : وقد أجمعوا على تجويز الرأي والقياس لأصحاب محمد (صلعم) . قالوا وقد يجوز ذلك أن يجتهدوا برأيهم ثم لا يقولون حتى يعلموا أن الحق فيما قالوا . وليس من دين المسلمين أن يقولوا ما لا يعلمون . فنقول لهم : ما الحجة في الإذن في الارتياء في دين الله? أبحكم من كتاب الله عز اسمه ? أو بظاهر من سنة رسول الله (صلع) ? فإن عملوا بنقض ما ذكرناه في أول الكتاب كلفوا بما قدمنا ، وإن عملوا باجتماع أصحاب محمد (ع م) على تجويز اجتهاد الرأي طولبوا الدليل على إجماعهم وإن ذهبوا إلى أن أكثرهم أجازه كلموا الكثير والقلة بما قدمنا . وقيل: ما الدليل على صواب الأكثر أجازوا الاجتهاد لو ثبت الأكثر إجازة. وإن كان من دين المسلمين ترك القول بما لا يعلمون وكان اجتهاد الرأي بما لا يعلمون أنه حق . لأنه لم تقم به حجة وجب إن من أجازه منهم مخطئ قائل ما لا يعلم ضال بذلك عن قصد السبيل . PageV01P097 وزعم أن فيما وصفه دلالة على أن إمامة أبي بكر كانت على وجه الخطأ ، بعد إقراره أنه مستدل على الفائت من الأمور التي وصف . وقد ذكر أن الناس قد أجمعوا على تفضيله واختياره . وفي اختيارهم إياه وتفضيلهم له وإيثارهم أنه خيرهم عندهم مع علمهم وجوه الخير وهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار الذين وصفهم الله عز وجل في كتابه وأوجب لهم أنهم صائرون إلى جنته بقوله في سورة براءة ms65 : (السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان ) إلى آخر الآية، وكيف لا يوقيهم الله الخطأ وقد وصفهم الله ونعتهم بما ذكر . والخبر المرسل في قوم إنما يكون في عامتهم ولا يجوز في خاصتهم . وقد قال الله (ع ج) : (إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما). فمن أولى بإرادة الصلاح ممن وصفه الله بما وصفه? فنقول في ذلك إن الأخبار العامة للتواطي دلالة على الأمر الغائب . من ذلك دلالتها على ولاية أبي بكر ، وأنها عن - غير أمر رسول الله (صلع) ولإجماع الأمة . وأن أكثرهم [ادعوا أنه] قد نص بولايته وقد كذبوا فيما حكموا من إجماع الأمة على تفضيله، ولم يثبت أن من ولاه لأنه أفضل ، بل قد اختلف في ذلك : من أجاز ولاية أبي بكر من أصحاب إمامة المفضول مع خلاف من أبى إمامته وإلزامه من PageV01P098 ولاه فيها الخطأ . وقد فرقنا بين الإجماع على الرأي والإجماع على الخبر . وأخبرنا أنه لو جاز قبول ما اجتمع عليه رأي سموه عالما . لأن لو قد قامت بخبره الحجة لجاز قبول رأي جماعة غير عدول . وقد قامت الحجة بذلك ملبين أو ذميين وهذا ما قد بان فساده . وأما قوله (السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار) وما مدحهم الله به ، ولعمري إن ذلك لفضيلة لمنن لم يبطلها ، كما قال الله عز وجل: (ولا تبطلوا أعمالكم) وقال : (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه). وقد عاتب من ذكرهم بالجملة فقال: (وتظنون بالله الظنونا) فإن قلتم إنما كانت خواصا ، قيل : وكذلك مدح خواصا ، وصح هزيمة أكثرهم في غير موطن عن الرسول (صلع) وثبت أن فيهم النفي ولا يعرفون ، لا شك في انقطاع ولايتهم عند الله . وقد كانت لعمري لهم أفعال جميلة لو أعفوها مما كدروها ولو كان من أسبق له المدح لا يجوز عليه الذم ومن سبق عليه الذم لا يجوز عليه الصواب . وقد ذم الله المشركين ثم آمن منهم خلق كثير فزال PageV01P099 عنهم الذم ولزمهم المدح. كذا من لم يثبت من الممدوحين زال عنه المدح ولزمه الذم فإن قال ms66 قائل : لم يذم الله إلا من علم أنه لم يؤمن وإن كان قد أطلق الذم في الجملة . ولو كان مدح جملة القوم بنص كون الخطأ منهم لا ينفي الخطأ عنهم في ذم بعضهم بعضا ، حتى يكون عثمان وقاتلوه وعلي ومحازبوه مصيبين في ذلك غير مخطئين . ولن يدفعوا أحد الفريقين وفسق أحد الخائنين وبان الوعيد على إحدى الناحيتين . وفيما ذكرنا من كون المنافقين المرتابين المرائين المنهزمين ما دل أن المدح لم يقع على الجملة فيما ذكرنا من أحداث ما قد زالت به عدالته وانقطعت ولايته ووجبت عداوتهما دل على أن ليس ما فعل الممدوحون صوابا ولا حجة وأن الحق أن ينظر فيه ، فإن كان الكتاب موافقا والسنة مشاكلا قبل الأرفض وشهد على أهله بمبلغ الخطأ فيه من كفر أو ضلال أو فسق. ونقول إن الحكمين إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما وإن يكونا مريدين إلا الصلاح إلا باتباع ما أمر الله به وترك ما لم يأمر به ولم يبح فعله. وكذلك غير الحكمين . وكذلك من أراد الصلاح واتبع ما أمر الله به ووفقه الله . ونقول : أن من ذكرتم لم يريدوا إصلاحا إذا ابتدعوا في ذلك PageV01P100 وفعلوا ما لم يأمر الله به وقدموا من أخر الله؛ وكان ذلك من فعلهم ناسخا فضل من سبق له منهم فضل،ودليلا على نفاق من أسر منهم نفاقا وزايدا في كفره وضلالا. إذ لا سبيل لكم إلى الدلالة على أن ما فعلوا مأمور به من الكتاب نصا أو من سنة الرسول (صلعم) . وليس يدفع دافع وجود مؤس عند إجابتهم وطاعتهم ولا زوال المدح ولزوم الذم تغييرهم واتفاقهم على ضلالهم خلا من عصم الله منهم . ولم يباينهم - هذه الأمة في الخلق ولا في وجوب المعصية ولا في رؤية الأولة وفي أقل ما قلناه كفاية. ونقول : إنه لما كان شأن الإمامة على ما وصفنا وأمرها على ما ذكرنا وفساد التشاور فيها على ما بينا ، وكان لا بد من إمام على ما حددنا - وكانت التي أثبتناها قد زالت عن كل ms67 من كان بعد النبي من قريب أو بعيد ، واجتمعت الأمة أنه لم ينصه خليفة ما لم يكن معصوما ولا تجتمع المنصوص في أمر النوازل عالما خلا رجل واحد لم تجمع الأمة أنه ليس كذلك لوجود بعض الأمة يدعي كونه كذلك ويأثر فيه الإخبار ، فلو جاز أن يكون هذا المدعي له هذا هو الإمام ليثبت الإمام وقد بينا أنه لا بد من إمام . فإذا كان قد فسد أن يكون كل من ليست له هذه الصفة إماما وفسد أن لا يكون إماما وفسد أن يكون كل أحد غيره إماما، PageV01P101 لزوال الصفة التي لا يخلو الإمام منها عن كل واحد منهم بإجماع ، لم يبق أحد منهم غير الواحد الذي ذكرنا ، فثبت ما قلنا أنه هو . فأما المدعي بلا بينة فغير ثابت له الحق ولا مزيل باطل. وتقول فيما ادعى من وصية العباس رحمة الله عليه ، فإنا لا نعلم أحدا ادعى للعباس وصية ، وإن ذهبت طائفة إلى أنه كان أولى من طريق التشاور وألزموا من اختار غيره الخطأ في الاختيار واعتلوا له بالوراثة . وكان النقص عليهم شبيه ما ذكرنا من زوال الإمام عنه كان فاضلا خيرا. وقيل لهم في الوراثة لو وجب إن كان وارثا يكون إماما لوجب للورثة الإمامة بالوراثة مع هذا الخلاف في إرث العم مع الإبنة ، وقولنا إنه لا يرث مع الولد بين فيه بنوه غيره فأما من ادعى ذلك عندنا كاذب مبطل على من ادعى ذلك ما رأينا ادعى ذلك ولا سمعناه إلا من ناصب يشيع على شيعة آل محمد (صلع) . وإن يكن أحد قاله وادعاه فقد قلنا إنه لا يجب بها حق ولا يزول بها باطل دون البينة عليها والشهادة بها . وقلنا إن من الدلالة على إمامة علي كرم الله وجهه حديث غدير خم إذ كان مجمعا عليه . فعارضنا قوم وزعموا أن الاجماع على الخبر لا يكون إلا أن يكون مجيئه كعدد الصلاة وعدد الزكاة وعدد رمي الجمار والطواف ، فأما إذا نظر الناظر في أصله PageV01P102 لوجد إلا على ما ms68 روي عن خاص . فليس بمثله تقوم الحجة . قالوا وأشهر منه عشرة من أهل الجنة : الصديق والفاروق وكذا وكذا ، فلم يلتفت ومثله أو أشهر منه كقول أهل الجنة . وأشهر منه أو مثله قول علي (ع م) : خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر وما لا يحصى من الحديث الذي هو أشهر منه ما لم يلتفت إليه . ونقول : إن قائل ذلك فقد أبطل في تشبيه هذه الأخبار يخبر غدير خم ، وذلك ان خبر غدير خم إن كان في علم الصغير والكبير به ليس بعدد الصلاة ، فإنه لا تنازع بين الأمة فيه ، لتواتر الخبر به من النواحي التي لا يحدث مثلها ، بدليل دافع من الأمة . ولا نقل أحد من الأمة من جميع الأصناف لا ينفيه ولا ينقصه ولو لم تقم به الحجة ، لأنه ليس في الناس نقلهم بعدد الصلاة ، وكذلك فروض الله في الزكاة والحج وغيرهما مما لم يستفض في الناس كاستفاضة عدد الصلاة ، ولو لم يكن مفاخر فيها بعدد الصلاة فيما ذكرنا مخرج لها من أن يكون الحجة قد قامت بها عن رسول الله (صلع) من حيث نقلها حملة الروايات ولم يدفعها دافع ، ومثل ذلك أشباه من دلائل الرسول (صلعم) مثل تكليم الذئب له ومخاطبة الذراع وأشباه ذلك وإشباع عالم من سخلة. كل ذلك ليس استفاضة في أيدي الناس مثل استفاضة عدد الصلاة حتى PageV01P103 يعلمه الجاهل والعالم ، وإنما ذهاب من ذهب إلى غدير خم حيلة منهم. وأبطال هذه الأخبار التي يستدل بها المسلمون ، يقيمون بها الحجة . من دلائل النبي (صلعم) دلائله في غدير خم وما كان مثله أم الصلاة لتواتر الفرائض بالصلاة في أوقات من النهار والليل فكثر ذلك في الليل والنهار . والدليل على ذلك علم الناس بعدد الصلاة أشبع من علمهم عدد الزكاة لأنه ليس من علم من جهة عوام الناس أن الظهر أربع ركعات ، يعلم أن في مائتي درهم خمسة دراهم وكذلك العلم أن في مائتي درهم خمسة دراهم في أيدي جهال العوام أكثر من علمهم بأنه يقام في ms69 منى أيام التشريق يذبح بها ، وأنه يقيم لعرفات وأن ذلك بعد زوال الشمس وأنه يزور البيت في وقت كذا وأن عليه صوم عشرة أيام إن لم يجد ما يضحى به . وقد نطق الكتاب بذلك وجاء بجميع ما ذكرنا بالخبر الذي تقوم به الحجة ، وأن من استقامته الصلاة عدد الصلاة . فكان الذي أوجب في هذه الأخبار مساواة مجيء عدد الصلاة ، وإن لم ينقل أحد من فرق الأئمة ضدها ولا من الأخبار ما ينفيها . كذلك خبر غدير خم لم يرده أحد من الأمة ولم ينقل عن رسول الله صلى الله عليه وآله ولا من فعل القول ذلك فيه ما ينفيه. وإنما فزع المعاندون فيه إذ لم يستطيعوا رده إلى التأويل الفاسد ، فإن الأخبار PageV01P104 التي ذكروها فمنها لا يعلم أنه جاز إلا من رجل واحد وهو حديث العشيرة، وجاء عن سعيد بن زيد وقد نقل بعض فرق الأمة ما ينفيه مثل إن بعض العشيرة كان في أصحاب الفقه ، ونقل عن علي أنه كذبه في حديثه ، وقال : أشهد بالله أنك كذبت على رسول الله (صلعم) ، وروي عنه أنه قال : أما أنت شهدت لي وأنا أشهد لك. وكثلك سيد كهول أهل الجنة قد نقل بعض الفرق من الأمة أنهما كانا في أصحاب الفقه، وأبوا الحديث ورموا ناقله بالكذب. وكذلك ما ذكرنا عن علي كرم الله وجهه وصلوات الله عليه من قوله:خير هذه الأمة بعد نبيها ... وروي عن علي (ع م) ضده مثل ما رماه به من ظلمها له واختاره بفضله عليهما الذي نقل من أفعاله الدالة على فضله عليهما وأنه لم يكن كاذبا. أكل ذلك ينفي أن تكون هذه الأخبار ضاهت خبر غدير خم الذي فيه نقله إلى علماء الأمة ولم يأبه أحد من فرقها ولا رده . فكيف يشكل هذا على ذيي علم وفهم? وزعموا أن الأمة جاءت مجمعة بولاية أبي بكر وتأخير علي ودخوله معهم في ذلك ، ثم في زمن الغار ، ومثل ذلك مجتمعون على ذلك . ثم وجه الشورى مع خمسة فوجهاهم إلى غيره ms70 وأخرج نفسه وأخرجوه منها ، ثم في PageV01P105 الرابعة ادعاها وحالفه ثلاثة من أهل الشورى . أما اثنان فحارباه وأما واحد فأبى بيعته ، ثم لم يزالوا في حربه حتى ردها إلى الشورى بحكم الحكمين، فأخرجه منها صاحبه الذي اختاره لنفسه . فكيف يجوز أن يفضل هذا بعد هذا على الصديق والفاروق لولا جهل الجاهلين؟ فنقول في الخبر المجتمع عليه حجة وبحجته بينا إن أبا بكر ولي وكذلك عمر وكذلك أمر الشورى وبحجة الخبر علمنا أن القوم ضلوا بما فعلوا وخالفوا الرسول فيما أرموا . وقد ثبت بالخبر أن ذلك كان من غير أمر الله ولا رسوله (صلعم) . ثم أفعالهم التي ينقض بعضها بعضا أن كان أصلهم أن رسول الله (صلع) وكلهم فاختاروا لأنفسهم أصلحهم ولن نشك أن رسول الله (صلعم) قد كان علم الأصلح. فلئن كان ترك رسول الله (صلعم) تولية الأصلح أصلح لقد ثبت أن الذي فعل أبو بكر من تولية عمر ليس بأصلح ولا كان الذي فعل أبو بكر أصلح ما يخلو ذلك من وجهين : إما أن يكون رسول الله (صلعم) جهل الأصلح بعده وعلم أبو بكر الأصلح من بعده ، أو يكون رسول الله (صلع) علم أصلحهم وترك توليتهم ، وقد علم أن توجم الأصلح أصلح . وهذان المعنيان كفر بالله ، ممن قالهما أو ذهب PageV01P106 إليهما . ثم فعل عمر ما فعل في الشورى ما قد بان فيه خطأه . إذ لا دليل له عليه من كتاب الله ولا شاهد له به من سنة رسوله فعله . وإن أبا بكر أمر به ولم يدفع أن الخبر قد ثبت بأن أكثر القوم قد دفعوا عليا (صلعم)، ولما ثبت - من ذلك عندهم ثبت خطأهم . وقدمنا في أول كتابنا الدلالة على فساد الإمامة من طريق التشاور والرأي . وأما دعواهم دخول علي كرم الله وجهه وصلى عليه فيما دخل فيه القوم فأمر تعدى فيه الحق وتجاوز فيه الصدق . ولو ثبت أنه دخل معهم بينا من فساد عقدهم واستحقاقه الأمر دونهم لأن يكون ذلك إلا تقية وسع الله له فيها . وأما ادعاؤهم بأنه ms71 وجهها مع أصحاب الشورى إلى غيره فادعوا باطلا عليه . بل قد بين لهم خطأهم وأوضح لهم سبيل نجاتهم ودلهم على رشدهم وأعلمهم فساد مذهبهم . فلما أبوا ضعف عن جهادهم ووسعه تركهم، فإن قال : بايعهم قاصر من الفقه فسبيلهم فيها كسبيله فيما قبلها . ونقول : إن من خالفه من أهل الشورى غير مزيل عنه استحقاقها . وكذلك موافقتهم غير مثبتة أشياء لم يكن بغير الموافقة ثابتا . وليس مخالفته أهل الباطل يفسد الحق بل يزداد به أهل الباطل باطلا ويدخل أهل الولاية في منزلة الإغراء . وإنما الأمر الذي ثبت به إمامته (صلعم) ما قدمنا من فساد عقد القوم واستحالة خروج الرسول من غير استخلاف ووجود صفات الإمام التي تزول الإمامة عن PageV01P107 فقدها لعلي (صلعم) ، إذ كان لا بد أن يكون فيهم مستخلف لتلك الصفة ، وكان ذلك زائلا عن جميعهم بإجماع الأمة خلا علي (صلع) وأصول مذهبهم يدعوهم إلى الاحتجاج لخلاف من خالفه وكذلك أبطل فيما ادعوا من رد الأمر إلى الشورى ولها أمر بعض عبيده ورعيته أن يحتج على من ادعى الشك في أمره ، وأظهر حربه ونهض في جهاد عدوه ما أمكنه . ولعمري ما ترك جهاد من كان من أئمة الجور قبله ولا العجز قامت به معذرته ووسعته نفسه من ذلك ظلمهم له وحملهم النار إلى بيت فاطمة حليلته وابنة نبيه (صلعم) ، ثم إجماع الصلاة منهم على قهره وغصبه الحق من شيعته . وأما قولهم : فكيف يجوز أن يفضل بعد ذلك على الصديق والفاروق ، فإن هذا جهل من قائله وعمى عن التفضيل . وهذه أمور تجب بها عندنا ضلالة فاعليها ومبتدعها . وإنما وجه التفضيل التي تجب حجته علينا وعليهم الأمور التي أجمعنا أنها مرضية لله : فيها جهاد العدو والسبق إلى الإسلام والقراءة للقرآن والعلم بألحلال والحرام والقرابة بالرسول فيما أشبه ذلك . والذي أوفر حظا من هذه الأمور هو الأفضل ، والذي هو أوفر من الهزيمة نصيبا أخس في العلم حظا وأكثر في أمر الرسول شكا ، مثل ما كان في يوم الحديبية مع الرسول لحذيفة على نفاقه . فواجب ms72 أن يكون هو الأنقص وغيره الأفضل . ونقو إن في افتتان من افتتن بعلي (صلع) دليل على أنه قد باين من يحصره من الضروب ، كإغلاظهم من أجله ، وذلك أنه لا يتصرف إلا وهم الأغلط في مثل ما غلطوا فيه لا لمعنى فيه غلطوا إلا فيمن دار من الناس مثله ، وعندما شاهدوا شبهه، وكذلك نقول في الأوثان والمسيح (ع م) إن الناس إنما افتتنوا فيه لعلة لا يقوم في الوهم إلا ذلك . وقد تكون العلة حقيقة ومخوفة ومن ذلك ما كان من المسيح (ع م) من أفعاله التي دل بها على نبوته (صلعم) فاستعظمها القوم فأفرطوا فيها ، ومن ذلك ما روي من تخوفه أهل الأوثان واحتيالهم لصنم مجوف يدخلون فيه رجلا يكلم الناس فيه ، وما ذكر عن بعض الأصنام من احتيال أهل فيه حتى أقاموه في بيت بين سقفه وأرضه . وكان سبب وقوفه ذلك من قبل أن سقفو البيت بأحجار مغناطيس ، وفرشوه بمثله ثم أقاموه بين السقف والأرض وجذبه كل واحد ولم يكن أحدهما أكثر فيكون أقوى بيت الصنم بين سقفه وأرضه . ثم ما رواه الأمة من سبب اتخاذ المشركين في ود وسواع أنهما كانا رجلين صالحين يسميان بهذين الاسمين ، فلما ماتا خرج عليهما أهلوهما ، فأتاهم إبليس بهذين الصنمين فقال لهما : هذان مثالهما ، ورضوهما على الأنس بمثل العابدين ، ونشأ جيل آخر فأعطوهما أكثر PageV01P109 من ذلك الإعظام حتى ترقى بهم الأمر إلى العبادة لهما . وكان السبب في ذلك فضل الرجلين والإعظام لمثالهما . قلنا : كان غلط الناس لا يخلو من ذلك : إما بمعنى فضل الله بعض خلقه فغلط فيه من جهة مباينة من بحضرته ، وإما بحيله يحتال بعض الخداعين لعوام الناس . وثبتت أن طائفة قد غلطت في هذا الرجل علمنا ان غلطهم لم يكن إلا لمعنى، إما فضيلة قد أبانها الله بها وعلم ألقاها إليه رسول الله (صلعم) أو غيره أو لضرب من ضروب المخوفة . وإذ كان قد نفي عندنا وعند جميع الأمة عند معاني المخرقين وأمور الخداعين لما ثبت من عدالته واتباع أمر ms73 نبيه (صلع) وفضله وسابقته كان غلط من غلط فيه من الناس . لم يكن إلا ما ذكرنا من الفضل قد بان به مثل ما روي عنه أنه خبر يوم الجمل الوقت الذي يهزمهم فيه وكم يقتل منهم، ثم ما خبر به يوم النهروان وأنه لا ينجو منهم عشرة ولا يقتل من أصحابه عشرة ، ثم ما خبر به من أمر ذي الثدية وشأنه . كل ذلك بان فيه صدقه . ثم ما روي عنه من اقتلاعه الصخرة عن البئر في طريقه إلى العراق ونزول الراهب إليه واختباره أنه يجد في كتبه أنه لا يفتحها إلا نبي أو وصي نبي ومثل ذلكما روي من رجوع الشمس له حتى صلى العصر مرتين في حياة الرسول وبعد وفاته . كل ذلك بعلم علمه من PageV01P110 رسول الله (صله) واسما من أسمائه . تمت عزيمة الله في إجابة من دعاه بها. فمن ههنا غلط القوم . وفي غلطهم لعمري دليل على فضله ، إذ زال عنهم أمر الخداعين كما قلنا. ولعل قائلا يفول : فقد يجوز أن يكون قوم عادوا الإسلام فقالوا فيه ذلك القول يريدون بذلك إضلال الضعفة من الناس عداوة للدين إذ قهرهم الإسلام . فيقال لهم : قد يجوز أن يكون هذا كذلك، ولكن لما وجدنا فيه معنى باين به الناس ، أمكنه ذلك المعنى التمويه والخديعة . فإن قال قائل : فما بال الرسول (صلع) لم يتعد له منزلة ، وقد كان من أفعاله ما لا يجوز لغير نبي ، قلنا له : إنا إذا قلنا إن القوم إنما غلطوا في هذه العجيبة رأوها فليس يجب علينا أن كل من كانت منه عجيبة فواجب ان يغلط فيه ، كما لقال قائل إن عيسى (ع م) إنما غلط من غلط لقلة عجائبه . وقد رأى الناس من موسى وحزقيل عجائب كثيرة لم يغلطوا لها . وبذلك يحتج على من غلط في المسيح . وكذلك يحتج على من غلط في أمير المؤمنين بمباينته ذلك . على أنا نبرأ إلى الله فيمن أفرط فيه أو ألحقه بمنزلة الرسول (صلع) ، بل كان أخاه ووصيه وخليفته في أمته ms74 ووارث علمه . هذه منزلته عندنا ، وإليه PageV01P111 ندعو من خالفنا . قالوا : وقد رأينا من يدعي أنه وصي ، ما وجدنا الكبير منهم أثرا في علم ولا مخرجا من لبس ، ولا ظهر منه فيه بحكم ولا بيان في شيء من لطيف الدين . ونقول في ذلك : ما من أحد تناهت إليه وصية رسول الله (صلعم) الا وعنده الأثر في العلم والمخرج من اللبس والفهم للحكم والبيان في جليل الدين ولطيفه. وليس بأن نقص علم عالمكم عن ذلك ينفي من كان مستحقه ولا بالمحبة تثبت عندنا إمامة الإمام . وذلك أنا قد أفسدنا إدراك الأحكام بالقياس والارتياء وأبطلنا علم غير الإمام بما يعلم الإمام من ذلك ، وأن علمه مما يحتاج إليه لا يكون إلا بنص من قبله عليه . وأما الدلالة على الإمام المثبتة لإمامته إشارة الإمام قبله إليه وإحالة الرعية عليه . وقد قدمنا الكلام أنه لا ينصب إلا أفضل الناس علما وورعا، وثبتنا أنه ذلك الإمام بعد الرسول على ما قدمنا في أول كتابنا فيمن ثبت له وصية علي (ع م) فهو القائم بما قام به علي (ع م) مقامه وكذلك كل من تناهت إليه الوصية من عروض لم ينقصه ولم يفسده جهل من جهله وجحد من جحده ، كما لم ينقص من كان قبله واحتجوا على الإمام . قد أجمعت على من ليس بنبي ولا يعدل بنبي في قول أو علم ، ورموا هذا الحديث بالشذوذ غير منزل PageV01P112 بحجته . والإمامة في هذا الحديث صنفان: ناقل وغير دافع. وليس بمستنكر جهل من جهل منهم في رد خبر أو في قبوله ، وطلب الحجة في إزالة ما لزمه عند الإقرار به وعند جحده إياه ورده أو رميه بالشذوذ فإنا نقول : إنه لا يعدل النبي (صلع) من ليس بنبي في قول أو فعل . وليس في ذلك خلاف الحديث إذ قد استثنى الرسول في الحديث النبوة ، وإذا كانت النبوة زائلة أن يكون نزل من الشيء بها منزلة هرون من موسى . وكذلك الأخوة من الأب والأم . وكانت منزلة هرون من موسى بعد كل المؤازرة ms75 دون قومه وشد العضد دون أهله ، وكان الحق به الشهادة وأكثرهم بعده علما وفضلا وأشدهم لمقعده بعده استحقاقا . ولو كان رسول الله (صلع) قد أنزل عليا بمنزلة هرون من موسى على ما استثنى من النبوة وخلا ما زال بالإجماع من أخوة الأب والأم لم يبق إلا أنه وزيره دون أهله وعضده دون قومه وأقربهم شبها به وأفضلهم بعده وألحقهم بعلمه وأحقهم بمقعده ، وإذا كان الإمام لا يكون إلا كما وصفنا ولا ينص الرسول إلا على مثل ما ذكرنا كان في قول الرسول هذا دليل على أنه هو المنصوص عليه والمشار إليه بالأمر . ونقول إنه غير جائز إطلاق رسول الله (صلع) هذا الأمر الخاص ، لأن ذلك يوجب عقد الأمر لغير الكامل، فلم يكن فيهم أحد يجوز أن يطلق PageV01P113 ذلك فيه غيره ، إذ كلهم قد زالت عنهم صفة الكمال التي أفسدنا خلق الإمام منها . فإذا كان إطلاق ذلك في غير الكامل وفي الأمر الخاص فاسدا وكان إطلاقه في علي ثابتا بينا كماله واستحقاقه الأمر واحتجوا أيضا بأن قالوا قد خولف في ولايته ونوزع وما ثبت له حق لقول الله ، ولعمري ما تعدى القائل بذلك حقا. لقد أتوه طائعين ، وما كان في أمره الغلبة ما كان في أمره غيره فما حد فيه من ولايتهم عليه وأمر من يقتل من عاد إلى مثله ولم يوجب خلاف من خالفه فساد أمره إذ كان الحق ثابتا والبرهان عليه قائما ، وما أكثر من نوزع من أنبياء الله فلم يكن ذلك لدعوته مفسدا ، ومن سلم له وترك منازعته من أئمة الجور قبل الإسلام وبعده فلم يكن ذلك لدعوته مصححا له ولم ينكروا أنه قد كان فضل الأصحاب للنبي (صلع) وعلمائهم وأهل الحزم في حروبهم وآرائهم ، وأنه كان عالما بأخبار الجماعة التي نقلت إلينا . وقد أجمعوا اعلى تفضيل الصديق والفاروق عليه وأنهما كانا أولى بالإمامة منه ، وأنه كان موضعا للشورى . وقالوا إن عليا كان عالما فقيها ورعا فاضلا على ذلك أجمعوا من قبل أن يكون . ثم اختلفوا فيه عند ms76 ولايته فحاربوه جماعة كثيرة وأكثروا أن يكون أولاهم بها . فكنا معهم على ما أجمعوا عليه من أمره ثم وقفنا فيه وفيمن حاربه الاختلاف وتواتر PageV01P114 الشهادات منه ومن أهل حزبه . فنقول إنكم قد أقررتم بفضله وذكر محاسنه ، فأما من زعمتم أن الأمة اجتمعت لهما بما ادعيتم ، فلم نجد الأمة اجتمعت لهما على فضل ولا فقه ولا علم بل قد روى بعضهم أنهما كانا في أصحاب العقبة مع المشهور عند وليهما وعدوهما من خلوهما من حمل الكتاب وبعدهما من نكاية أعداء الله وقرارهما في غير موقف من رسول الله (صلع) وما ظهر من سخفهما على أنفسهما من قول أحدهما : وليتكم ولست بخيركم ، وإن لي شيطانا يعتريني ، ومن رجوع الآخر من غير حكم ربه عنه على حكم قد كان حكم فيه بغير ما أنزل الله (تع) جهلا وتخبطا في كل ذلك يقر بجهله ويقول كل أحد أفقه من عمر مع ما ظهر منه عما ، كان قبل ذلك مستورا في يوم الحديبية من إنكار حكم رسول الله (صلع) والتحريض على دين الله وتشكيك الناس في أمر رسول الله (صلع) . وقد كذبوا فيما ادعوا من إجماع الناس على تفضيلهما عليه وفي اختلاف الناس في ذلك واختلاف رواياتهم عن معنى ما أبان كذبهم . وقد قدمنا أن إمامة علي (عليه السلام وكرم الله وجهه وصلى عليه) لم يثبت عندنا بإقرارهم فيزول خلاف بعضهم . بل إنما ثبت عندنا PageV01P115 فضل من أجابه بأن أطاعه ونقص من فارقه بأن خالفه وقد قلنا في ذلك ودللنا عليه بما فيه كفاية . ولعمري لو كانت الإمامة على ما ذهبتم إليه من الشورى لكانت الحجة بإمامة علي أثبت منها بإمامة أبي بكر ، لأنه قد ثبت أن القوم أجمعواعلى بيعته خلا واحدا ، بل إجماع الجماعة عند شذوذ الواحد والأمر ثم نكث بيعته من يقيم التسوية . قالوا : وجب على أصلكم أن العقد الذي أبرم معهم لا ينتقص إلا بإجماعهم على نقضه . وإذا كان عقد أصحاب الشورى عندكم حجة على غيرهم حتى ولو خالفهم واحد أو اثنين ms77 من غيرهم لم يلتفت إليه كان عقد جمهور محمد صلوات الله عليه وآله أولى بقيام الحجة . ولا أعلم أنكم تأتون على أصل قولكم أن ناكثا لو نكث بيعة أبي بكر وأبى بيعة عتمان أنه كان حلال الدم ، ومن أبى بيعة علي كذلك . فلو أن معتلا اعتل في معاوية على أصحاب هذه المقالة ، فكان معاوية خارجا من أن يجب به خلاف على أن إمامة علي لم تثيت عندنا من هذه الجهة وشبيهها ما قدمنا ذكره ، ولكن كنا أردنا أن نخبر أن محاربته كانت ضلالا وأن إمرته هدى بها من PageV01P116 الوجهين جميعا. وقالوا ما لهدى الصديق والفاروق . وقد اجتمعت الأمة عليهما . ثم وليا فكانا على طريقة الهدى حتى توفاهما الله معروفين بالطهارة والفضل ورضاء المسلمين لهما : لم يقتل في ولايتهما أحد . وقد اختلفوا في علي (ع م) حتى قتل فيه ما بلغكم من الخلق وأسس ممن حكم عليه بأنه كان مخطئا ولا يحكم له للاختلاف . وقد علمنا شجاعته وجرأته وإقدامه في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) ومبارزته ، وأن مثل أبي بكر وعمر يصرفهما عن المبارزة ، فنقول : إنكم قد أبطلتم في دعواكم إجماع الأمة عليهما. ولعمري، لقد وليا ما حرم الله عليهما ان يلياه فكان منهما خلاف الكتاب والسنة مع الذي ظهر منهما في الأحكام وظلم آل بيت رسول الله ومنع الخمس وأشياء كثيرة كراهة وحسبنا ما قد تبين من كذب دعواكم في غير موضع . فأبو بكر في حكمه لكم خالف عليا فإنا قد أخبرناكم أن إمامة علي (ع م) لم تثبت عندنا بموافقتكم فيزول بمخالفتهم وقد قدمنا أن الأمور التي بها ثبت إمامته . وأما القتل فإنه عندنا من بعض فضائله التي تستكمل عند الله رفيع منزلته . وإنما اعهد ديننا ودين PageV01P117 مخالفينا النظر في الجهة التي فيها أثبتنا إمامته . فإذا لم يثبت له لم يكن لهذه الأمور معنى . فأما ما ذكرتم من جرأته ومبارزته فأمر لا يسع جحده . ولعمري لقد ادعيتم من الظن مثل الذي ذكرتم من المبارزة أمر لا يختل ضعفه ms78 . ولقد أجمعت الأمة أن الله سبحانه ندب الناس كافة إلى جهاد عدوه وأن الرسول (صلعم) قد باشر في بعض حربه ، وما فرق الله بين المسلمين في الجهاد والندبة إليه، ولا تجهل الأمة فضله ، ومن بذل مهجته على من ضن بها ، ولا يعلم أحد عن المبارزة ، فكيف يعقد لعمرو بن العاص على من يضن به عن المبارزة مرة ولا سامها مرة ولعمرها سره بل لعمري لقد كان يضن بها عند المبارزة لما خبر منهما من الهزيمة خوفا من توهين الدين لا يعلم غير ذلك يصير ما كان منهما في غير موطن وإلا فلأي علة يضن بهما وأي موقف أعظم من المبارزة قاما به قصا على المبارزة . فعجبا لمن كان له أدنى مسكة كيف يغلط هذا الغلط لولا غلبة الخذلان على قلبه . واحتجوا بأن النبي (صلعم) عقد لابي بكر على الموسم وبعث بعلي (ع م) يقرأ كتابه ، لأن من شأن الولاة يقرأ كتبهم من يكون تحت أيديهم . فنقول : قد أبطلتم فيما ادعيتم ولاية الحج الذي صح من PageV01P118 الخبر أنه توجه ، فهبط جبريل على رسول الله (صلع) فقال : يا محمد إن الله يأمرك (أن لا) يؤدي عنك إلا أنت أو رجل منك . فبعث عليا فلحقه ورده ومضى إلى الموسم فبلغ عن ابن عمه. ولو كان علي على ما ذكرتم من أن ولاة الرسول (صلع) ، قد دل ذلك على أنه أفضل لكانت الدلالة بفضل عمرو بن العاص قائمة . وكذلك أسامة . ولا يدافع بين الناس أن عمر قد ولي عليهما ، وأن الرسول مات وهما في عقد أسامة. وبعضهم قال : كان عمر في جيش أسامة وحده. فأما علي وتوليته عليهما فما لا يحصى . وذكروا أنه كان يخبر بالغيوب ويؤدي الأمانات ، وزعموا أن في أصحابه وشيعته من كان يزعم أنه نبي وأنه إله، ومنهم من روى أنه لا نبي بعدي . كما أنه لم يوص إلى أحد ممن ذكروا . فنقول : إنكم قد كذبتم على من ذكرتم أنه يخبر بالغيوب. والغيب أمر لا يعلمه إلا الله . ولكنا نقول : إن ms79 من فضله أن الرسول (صلعم) علمه أشياء وأخبره بكونها . فكان يخبرها، فيكون كما يخبر . ومع كل خبر منها إخباره بأن الرسول (صلع) أخبره بذلك . وقوله (ع م) : والله ما كذبت ولا كذبت . وأما ما ذكرتم من دعوى من ادعى أنه نبي وأنه إله فإنا نشهد على من قال ذلك بالكفر والشرك ، وإن كنا لم نسمعه من أحد فيما قاله ، فنحن منه براء . ولقد غلت طائفة PageV01P119 من الناس في عمر حتى قالوا فيه قريبا من ذلك . منه ما رووا وكذبوا على رسول الله (صلع) أنه قال : لما نزل عذاب يوم بدرما نجا منه إلا عمر ومنه أن عمر مصباح أهل الجنة وفيها النبيون ، ومنه أنه كتب إلى نيل مصر ففتح عنه ، ومنه أنه رأى سارية وهو في نهاوند ، ومنه أنه رأى شاعرا كان ينشد النبي فدخل عمر فأمره بالإمساك ثم خرج فأمره بالإنشاد فسئل عن ذلك فقال : إنه لا يحب الباطل ، ومنه :ما أبطن عني الوحي إلا خفت أن يخالفني إلى عمر. ومثل هذا كثير . وأما تهمة من روي إنه لا نبي من بعدي كما اتهموه إنه لم يوص فأين هذا من هذا? وهذا أمر نطق به الكتاب ، وأجمعت عليه الأمة عن الرسول (صلع) . قال الله (ع ج) : (وخاتم النبيين) وقال (صلع): لا نبي من بعدي . والوصية أمر قد اختلفت فيه الأمة . ولم نعلم أحدا نقل أن رسول الله (صلع) لم يوص ، ولم ينقل ذلك الناقلوين . لما كان نقل إلا نفى كما لو شهد شاهد أن فلانا لم يعتق عبده لم يكن شاهدا . ثم ساءلونا : أخبرونا عن النبي (صلعم) : أمن تلقائه ولى أم بوحي يوحى إليه ? فالذي يقول إنه جائز أن يكون الله PageV01P120 (تع) قد علمه كيف يختاره ووفقه وأمنه من الخطأ في اختياره وعصمه من الزلل في أمره ، ثم أمره أن يختار ويولي من اختار . فهو مأمون الخطأ فيمن ولى سمى له أو لم يسم له . ثم قالوا في الثاني الذي ولاه الإمام أمن تلقائه أو يوحى من الله إليه ms80 فهو إذا نبي وسماه له النبي (صلع) . قالوا فإن زعم أن النبي سماه? قيل له ذلك وكذلك الثاني والثالث كل ذلك بالتسمية إلى يوم الدين . أو برأي الإمام ، قالوا فإن أخبروا وقال كل واحد منهم فسمى له جميع من يكون إلى يوم القيامة ? قيل : وكذلك قولنا في ذلك قيل : وكذلك كل من ولى أحكامه على البلدان . إذا كان النبي لم يسم له . قيل له : وأيضا في الإمامة مثل ذلك . وقولنا في ذلك : إن الإمام لا يوحى إليه . فان هذه مرتبة لا يبلغها إلا النبيون عليهم السلام . وجائز أن النبي عرف الإمام جميع من يكون إلى يوم القيامة ، وعدهم بأسمائهم ، وجائز ألا يكون فعل ذلك ويكون أمر الإمام بعده أن ينص على الأفضل من أقاربهم ، وقد علمه كيف الخيار . وقد قدمنا أن الإمام لا يكون إلا موفقا مأمونا من الخطأ فاجتباه أنه يحتمل لعلمه ، فعلمه ، نص عليه PageV01P121 بعده، فإن كان الرسول نص على الأئمة بعده ، وليس ذلك يوجب أنه قد نص على من يولى البلدان كما قد ينص على والي البلد ، ولا يجب كذلك أن ينص على عمال والي البلد، وكما ينص على أمير الجيش، ولا يجب أن ينص على صاحب الميمنة والميسرة ولا صاحب العلم . قالو: وسألونا عن النبي (صلع) قبل ذلك أم غيره . قالوا : فإن قلنا لم يقبله عن النبي (صلع) فقد جوزوا له ألا يكون متبعا للنبي (ع م) . وإن قال قبله عن النبي (صلع) بالنظر فقد دخل فيما غاب علينا من تجويز النظر ، وأن ذلك يكون قبولا عن النبي (صلع) . وإن زعم أنه سمى له من تولى له على البلدان إلى يوم القيامة ، قيل وكذلك ما يخبر شهادة الشهود في جميع ما يحكم به من ولاة الأمر إلى يوم القيامة . قالوا : وقد يستقيم بدون هذا من اختلاط الخصوم وادعاء الباطل . فنقول إنه لا يفعل إلا ما قبله عن النبي (صلى الله عليه وآله) وقد قلنا : جائز أن يكون سمى له وجائز أن يكون أمر باختيار من تولى ms81 . فإن كان سمى فعن أمره ولى وإن كلف أمر بالاختيار فعن أمره اختار ولن يخلوا من أن يخبر محتملا لعلمه . فإذا يخبر فوجده مولاه كان قد أطاع الله وكان مأمونا من الخطأء في ذلك وكان على رعيته الانقياد لمن نص له عليه. وكيف كانت الحال في ذلك فقد خرج من أن يكون قبل ذلك نظرا PageV01P122 لأنه يكون مأمورا إما بتولية مسمى وإما مأمورا بالاختيار لمحتمل بعد أن يعلم كيف المحتمل ويؤمن بالله من الخطأ في ذلك . وقد سأله ، وبعد التفسير لهم وبعد قولهم النبي أولى بكم من أنفسكم حتجاجا عليهم ، لأن الرسول لا يجوز أن يقول قولا يحتج به إلا عرف مخاطبه ما معناه إما بأخبار تقدمت أو أمور منه علمت يعلم بها خروج معنى قوله أو دلالة لضرب من الضروب كما علم معنى قول الرسول من قوله المؤمنون بعضهم أولياء بعض ، وأن ذلك قد جمع للنبي وغيره ومعرفة العرب أن قوله مولى الرجل مولى ابن عمه ، قلنا كان هذا معلوما عندهم ، وكان لا يجوز أن يخبرهم النبي (صلى الله عليه وآله) بخبر لا يعلمون ما عنى به وإذا قاله فقد علم أصحابه بما ظهر فيهم من ذكره ، إنما أراد بذلك معنى كذا دون كذا فقد علم القوم جميعا أن الله قد أوجب لرسوله ما لم يوجبه بعضهم على بعض وأن الرسول قد قررهم بذلك وعقد لعلي (ع م) عليهم ما كان يجب له عليهم من الولاية والطاعة والحكم الجائز ما خصه الله وما نطق به الكتاب مما تخلفوا في من طاعة الله PageV01P123 وطاعة رسوله (صلع) ، واحتجوا بأن زعموا بأن اختيار الإمام إلى الفقهاء ، وقد ذكرنا في غير موضع من كتابنا أن الفقهاء مختلفون. ولعمري إن الأمر إذا كان على ما ذكرتم مع الاختلاف بين أهل الفرق ليكون المستحقون لاختيار الإمام غير معلومين ولا معروفين ولا مستحقين لاسم الفقه ، إذا ليس كل فرقة عند مخالفتها بمقبول قولها ولا صواب مذهبها ، إذ كانوا لم يجمعوا لأهل فرقة بالصواب في مذهبها لم ms82 يستحق من لم ينصح صواب أن يكون فقيها ولكل فريق يرميه بالبدعة والضلالة وليس المختار على أصلكم للإمام إلا من أجمع على عدله وفقهه وفضله، ولم يجتمع الأمة لأحد على ذلك. لأنه ليس في إجماع أهل فرقة على رجل منهم أو على جماعة منهم ما أوجب لهم الحجة . لأن كل فرقة تساويهم في الإجماع على من ادعوا فقههم منهم. وأما ادعاؤهم ليخالفوهم ، وذلك إذا كان كذلك راجع إلى ما ذكرت وصح أنه ليس أحد يعلم بإجماع أنه فقيه. ورجع الأمر الآن عليهم ترك إقامة إمام لهم لم ينص له الكتاب أنه إمام . ولم يخبر لرسوله (صلى الله عليه وآله) بذلك وترك تعاطي ما لم يفترض عليهم لأن ما لم ينصه الكتاب والرسول فغير خارج من الظن والرأي . وقد قدمنا من التفرقة بين الإمام والشهود وغيره ما يغني عن إعادة ذكره إن PageV01P124 شاء الله تعالى (حسبنا الله ونعم الوكيل) و(نعم المولى ونعم النصير) ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك (حميد مجيد) . قد وقع الفراغ من هذه النسخة الميمونة نهار الثامن والعشرين من ذي الحجة سنة 1329 بخط الأقل أحمد علي ابن ملا يوسف علي ، غفر الله له ولوالديه بحق الأئمة الأطهار عليهم صلاة الملك الغفار آمين. PageV01P125 ms83