######OpenITI# #META# author: Aristotle #META# title: De anima #META# ed_info: Ed. ʿAbd al-Raḥmān Badawī (1954), Arisṭūṭālīs fi l-nafs. al-Ārāʾ al-ṭabīʿīyah al-mansūb ilā Flūṭarḫas. al-Ḥāss wa-l-maḥsūs li-Ibn Rušd. al-Nabāt al-mansūb ilā Arisṭūṭālīs, Cairo: Maktabat al-nahḍah al-miṣrīyah, pp. 3-88. #META# coll_id: tlg0086.tlg002.alpheios-text-ara1 #META#Header#End# ### | [book 1] ### || [chapter 1: I 1] # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم ### ||| هذا كتاب أرسطاطاليس وفص كلامه فى النفس ترجمة اسحق بن حنين ### ||| المقالة الأولى ### ||| 〈دراسة النفس وأهميتها وصعوبتها〉 # قال: إن المعرفة بالأشياء ذوات السناء والشرف؛ وقد يفضل بعضها بعضا إما ~~لاستقصاء النظر ولطافة المذهب، وإما لجليل فضل بعضها وأعجوبتها. فالواجب ~~علينا تقديم خبر النفس من أجل هاتين الصورتين. وذلك أن المعرفة بها قد ~~توافق كل حق، لاسيما العلم بالفرع، وذلك أنها كأولية للحيوان. — وطلبنا أن ~~نفهم ونعلم طباعها وجوهرها أولا، وبعد ذلك أن نعلم ما الأشياء العارضة لها، ~~وأيها أعراض خاصتها، وأيها مشاعة بينها وبين الحيوان. # وعلى كل حال، إن إثبات الممتنع فيها لمن أشبه الأمور اعتياصا، لأن هذه ~~المطالبة، (أعنى المعرفة بالجوهر وما هو)، يعم أشياء كثيرة، وعسى أن يقول ~~القائل إن التوصل إلى معرفة جميع ما نريد من علم الجواهر إنما يكون بمسلك ~~واحد (كمسلك البرهان الشارح لنا حال أعراض الذات)، من أجل ذلك نطلب ~~PageV01P003 هذا النظر. فانه إن لم يكن طريقا واحدا فى معرفة آنية الشىء، ~~فذلك أحرى أن يكون أعسر فى المخض والنظر، لأنا عند ذلك نحتاج أن نأخذ إلى ~~كل مسلك مأخذا على حياله. وإن كان هذا المسلك واضحا نظرنا: أبرهان هو، أو ~~قسمة، أو مسلك آخر غير هذين. وبعد فان فيه غموضا كثيرا وغلطا فى نفس الطلب ~~كتعلم من أى من الأشياء ينبغى أن يكون: لأن أوائل الأشياء مختلفة، كمثل ~~أوائل الأعداد وأوائل السطوح. # أولى ما يلزمنا من قسمة النفس أن نعلم فى أى الأجناس هى، وما جنسها: ~~أجوهر أو كيفية أم كمية أم ضرب آخر من ضروب لنعوته التى قد جزئت. — وأيضا ~~من أى الأشياء هى: التى تعرف بالقوة، أومن الموجودات بالفعل؟ فان الفصل بين ~~هذين ليس بصغير. — ولننظر أيضا: هل النفس ذات أقسام، أم لا أقسام لها؟ 〈وهل ~~النفوس كلها من نوع واحد أو ليست من نوع واحد〉؟ وهل فصل 〈ما بينها〉 بالصورة ~~هو أم بالجنس؟: فان الذين تكلموا ms01 فى النفس وفحصوا عنها فى برهنتنا هذه لم ~~يفحصوا إلا عن النفس الناطقة وحدها. — ونحن نمتنع من ذلك لئلا يذهب علينا ~~إن كان المعنى فيها وفى غيرها بمعنى واحد جنسا كالمعنى فى الحيوان، أو إنما ~~المعنى فيها معنى خاص مفرد كمعنى الانسان غير معنى الفرس، ومعنى الفرس غير ~~معنى الكلب، 〈وغير معنى الإله؛ وفى هذه الحال الحيوان عامة إما أن يكون ليس ~~بشىء، أو يكون متأخرا لاحقا. والمسألة عينها توضع أيضا بالنسبة إلى كل ~~محمول مشترك نضعه〉. — وأيضا إن تكن الأنفس كثيرة، أو إنما هى أجزاء نفس ~~واحدة؟ فأى الأمرين ينبغى أن نقدم فى طلب الفحص عن النفس كلية أو عن ~~أجزائها؟ وقد يصعب أيضا تفصيل بعضها من بعض إلى أن نعلم أى PageV01P004 ~~الأمرين ينبغى أن نقدم: الفحص عن الأجزاء أو عن أفعالها: كقول القائل ينبغى ~~أن يقدم العقل أو إدراكنا به، ويقدم الجزء الحاس أو يقدم تفاعلنا به، فكذلك ~~يلزمنا القول فيما بعد ذلك. — وإن كانت أعمال أجزاء أولى أن تقدم فى الفحص ~~على غيرها، فجائز لسائل أن يسأل: أيها على اختلافها يقدم: المحسوس أم ~~الحاس؟ والمعقول أم العاقل؟ العلم ببدء الشىء ومائيته معين على معرفة علل ~~الأعراض العارضة فى جوهر (كالتى نرى فى الأشياءالتعليمية: فان العلم بما ~~المستقيم من الخطوط والأعوج وما الخط والسطح معين على معرفة لكم قائمة ~~تساوى زوايا المثلث)، والعلم بحد الشىء وبما هو ليس يعين على هذا فقط، بل ~~يعين على المعرفة بنفس الأعراض، ومعرفة الأعراض جزء عظيم فى علم تحديد ~~الشىء، لأنا إذا وجدنا السبيل إلى الاجابة فى الأعراض: إما عن كلها وإما عن ~~أكثرها، على ما فى التوهم، فعند ذلك ما نجد السبيل إلا أن نقول قولا جيدا ~~فى الجوهر. وما نحن قائلون فى ذلك أن ابتداء كل برهان إنما هو تحديد الشىء ~~والمعرفة بماهيته؛ من أجل ذلك أى حدود لم تقدمها المعرفة بالأعراض، فليس ~~يسهل أن نقيس عليها وإن كانت جميعا بالاتفاق والهذر. # وقد تجد المسألة عن التغيير العارض للنفس لتعلم ms02 إن كانت جميع التغايير ~~والآفات المغيرة لها شائعة بينها وبين ما هو لها، أم منها ما هو خاص للنفس؟ ~~فنحن مضطرون إلى علم هذا، وإن لم يكن بسهل. وأكثر هذا التغيير لايظهر من ~~النفس 〈أنها〉 فعلت أم ألمت بدون الجسد: مثل ما نرى من الغضب والشهوة، ~~وبالجملة لا يكون الادراك بالحس بدون الجسم. كذلك الادراك بالعقل فانه يشبه ~~أن يكون خاصا بالنفس، إن كان عرض بضرب من ضروب التوهم أم لم يكن بغير توهم، ~~فليس يمكن أن يكون دون PageV01P005 الجسد. — فان كان فعل من أفعال النفس ~~خاص هو أو من التغير العارض لها، فيعنى الامكان أن تكون مباينة للجسم؛ وإن ~~لم يكن شىء خاص لها، فليس بمباينة، بل هى بمنزلة الشىء المستقيم الذى تعرض ~~له أشياء كثيرة منها أن يماس كرة الصفر على نقطة: وما كان على حد مباينة ~~فليس بماس، والاستقامة نفسها فليست بمباينة الجرم لأنها أبدا معه. وكذلك ~~يشبه ألا يكون جميع تغيير النفس إلا مع الجرم: كمثل الغضب والهمود والفزع ~~والرحمة والشجاعة والفرح والبغضة والمودة؛ فان البدن قد يتغير بعض التغيير ~~إذا عرضت له هذه الآفات. والدليل على ذلك أنه ربما عرضت لنا أعراض ظاهرة ~~وقوية لم نجزع من أجلها ولم نغضب، ثم يصيبنا ذلك على صغير الأعراض وخفيها ~~إذا كان الجسد هائجا كالذى يكون فى موضع الغضب الصحيح. وهذا أكثر ما يتأتى ~~عند تخوفنا بغير عارض مخيف. إذا كان هذا هكذا، فقد ثبت أن التغيير العارض ~~للنفس إنما هو تضليل فى الهيولى. — ومن أجل ذلك وجب أن تكون الحدود ملائمة ~~لتلك العوارض فى معانيها وعللها: كقول القائل إن الغضب حركة من حركات الكل ~~أو كذا ولجزء من الأجزاء أو لقوة من القوى كانت عن كذا من أجل كذا. — ولذلك ~~لا يليق النظر فى النفس الكلية أو الجزئية إلا بمن كان بحاثا عن الطبيعة ~~〈سواء كان النظر متعلقا بالنفس كلها أو بالنفس كما نصفها〉. والذى يصوب عليه ~~تحديد الطبيعى غير ما يحده صاحب الجدل والبلاغة، لأن أحدهما ms03 يزعم أن الغضب ~~شهوة الانتصار أو ما أشبه ذلك، والآخر يحد الغضب بأنه غليان الحرارة أو ~~غليان دم القلب المحيط به. فأحد هذين إنما قال بالهيولى، والآخر قال ~~بالصورة والمعنى: فأحدهما يقول قوله من معنى، والآخر يقول من نفس الشىء: ~~وما كان كذلك 〈كان〉 بالاضطرار أنه فى هيولى لها حال من الأحوال. وكذلك يحد ~~أحدهما المنزل فيقول: PageV01P006 إنه سترة مانعة من أضرار الرياح والأمطار ~~والحر والبرد. والآخر يحد المنزل فيقول بأنه تأليف من صخور ولبن وخشب؛ ~~وهنالك حد آخر يقال بالصورة وما من أجله كانت الصورة. فمن 〈من〉 هؤلاء ~~العالم بالأشياء الطبيعية؟ القائل بالهيولى، وهو جاهل بمعنى الكيفية وحده، ~~أو القائل بمعنى الكيفية وحده؟ والجامع للأمرين جدير أن يكون أعلم بالأشياء ~~الطبيعية. وأما المتقدمون فليس منهم أحد يدخل فى حده الأعراض المغيرة ~~للهيولى لا الزائلة منها ولا اللازمة الثابتة، ما خلا حد الطبيعى فانه يأتى ~~على جميع ما هو للجرم بما فيه من الكيفية وبما للهيولى من الأفعال ~~والأعراض. وما لم يكن بهذه الحال من الجلوة فهو حد مثل صاحب الصناعة: طبيبا ~~كان أو نجارا، فانه لا يضع حده أحدا من الأجزاء. والرجل العلومى يحد الشىء ~~بتوهم رفع أعراضه عنه التى هى لجرمه، والفيلسوف الأكبر يحد الشىء بمباينة ~~الهيولى وتعريته إياه منها. # ولكن لنرجع إلى مخرج كلامنا أولا: فقد قلنا إن التغيير العارض للنفس ~~والآفات التى تغيرها ليست بمفارقة طينة الحيوان الطبيعية؛ والتغيير هو ~~بالغضب والفزع وما أشبه ذلك وليس حال هذا التغيير من النفس بحال الخط ~~والسطح من الجرم. ### || [chapter 2: I 2] 〈مذاهب الناس فى النفس〉 # فاذا نظرنا وفكرنا فى أمر النفس فواجب أن نحصر آراء القدماء وما رأوا ~~فيها مع الفحص عما تجب المسألة فيه والاستعانة بمن قال فيها قولا قاطعا، ~~فنكون قد أخذنا جيد ما قيل حقا فيها، واستدفعنا ما قيل على خلاف ذلك. # وأول الطلب إثبات ما لا يشك فيه أنه لازم لطباع النفس. فالفرق بين ~~PageV01P007 ذى النفس وما لا نفس له فرقان: أحدهما بالحركة، والآخر بالحس. ms04 ~~وهذان الشيئان أكثر ما أخذنا عن أسلافنا فى النفس. # وقد قال بعضهم إنه أحرى بالنفس أن تكون أول محرك. فلما ظنوا أن ما ليس ~~بمتحرك لا يمكنه أن يحرك غيره، فانهم 〈قالوا〉 إن النفس بعض الأشياء ~~المتحركة. ومن هاهنا قال ذومقراط إن النفس نار وشىء حار، وإن المفردات من ~~الأشياء ذوى الأشكال لانهاية لكثرتها، وليس بين جميعها شىء مستدير كرى ما ~~خلا النار والنفس مثله الهباء المنبث فى الجو الذى يستبين لنا بشعاع الشمس ~~الداخل من الكوى — زعم ذومقراط أنه عنصر لجميع الطبائع (وبهذا القول كان ~~يقول لوقيفوس). فما كان من هذا الهباء مستديرا فى شكله فذلك بزعمه نفس، من ~~أنه [وما كان مثله] مداخلة الأجسام والنفوذ فى الأشياء وتحريكها؛ فظنوا أن ~~هذا الهباء هو النفس معطية الحيوان الحركة، ولذلك وضعوا التنفس حد الحياة. ~~لأن الجو المحدق بالجسوم يجمع الهباء فيدفع منه ما يمكنه الكسور أبدا فى ~~اسطقسه المستدير فيعطى الحيوان الحركة، فالوارد منه معين على التنفس لما ~~تقدم ومانع من أن ينقضى أو يخرج من الحيوان مع حبس جميعها، الجو حابس ~~الجسوم ومجمدها. فالحياة قائمة ما أمكن الهباء أن يفعل هذا الفعل. — ويشبه ~~أن يكون أشياع فيثاغورس أرادت هذا المعنى له: قال بعضهم إن النفس هو الهباء ~~الظاهر فى الجو؛ وقال آخرون منهم إن محرك الهباء ضوء النفس. وقد أخبرنا ~~لأية علة قالوا هذا القول فى الهباء. والعلة لهذه أن الهباء فى ظاهر أمره ~~أبدا يتحرك، ولو كان همود من الريح أولا. — وربما بهذا القول يقول من زعم ~~أن النفس محركة PageV01P008 لنفسها لأن كلهم قالوا بأن الحركة أخص بالنفس ~~وأن الأشياء إنما تتحرك من أجزاء النفس وهى حركة نفسها؛ وهذه حجتهم: زعموا ~~أنهم لم يروا شيئا فاعلا إلا أن يكون أيضا هو متحركا. — وكذلك قال ~~انكساغورس: زعم أن النفس هى الحركة، وغيره ممن قال إن العقل هو محرك الكل. ~~إلا أنهم لم يحتموا حتم ذيمقراط فى قوله: النفس والعقل فى الحقيقة شىء ~~واحد، وأن الظاهر من الأشياء هو الحق؛ ms05 ولذلك أحسن أوميرش فى شعره إذ قال: ~~«إن اقطر متغير بالعقل» وقال ذيمقراط ليس يستعمل العقل كقوة من القوى فى ~~إدراك الحق، ولكنه يقول إن النفس والعقل شىء واحد. أما أنكساغورس فقلما ~~شرحه فى كلامه عن النفس والعقل، وذلك أنه فى مواضع كثيرة يزعم أن العقل علة ~~إدراك حقائق الأشياء وصحتها، 〈و〉فى موضع آخر يزعم أن النفس والعقل شىء واحد ~~وأن العقل موجود فى جميع الحيوان فى الأكابر منها والأصاغر والشريف ~~والوضيع. وليس بينا أن العقل، 〈وهو〉 إدراك مميز الأشياء ومفصلها، موجودا ~~بحال واحدة فى جميع الحيوان أو الناس. # والذين نظروا فى الحركة التى تكون من حيث الأنفس قالوا إن المحرك هو ~~النفس، والذين نظروا فى معرفة ذوات الأنفس وإدراكها للأشياء بحسها قالوا إن ~~الأوائل هى النفس: ومنهم من جعل هذه الأوائل كثرة، ومنهم من قال إن الأولية ~~واحدة كمثل انبادقلس فانه يزعم أن الأولية واحدة من جميع العناصر، وأن كل ~~عنصر نفس على حياله. وهذا قوله: # «تعرف الأرض بالأرض والماء بالماء # «والهواء بالهواء ، والنار بالنار. PageV01P009 # «والمودة — هى الاتفاق — بمثلها، والغلبة — هو الفساد — بفساد ومهلك مثله». # ولذلك يقول أفلاطن فى كتابه إلى «طيماوس» إن النفس من العناصر، وإنما ~~يعرف الشىء غيره بما فيه مما يشبه المعروف عنده، وإن الأشياء إنما تكون عن ~~أوائلها، وكذلك فصل قوله فى الحيوان فى كتابه الذى وضع فى كلام الفلسفة ~~فقال إن الحيوان الذى من صورة الطول الأول والعرض الأول والعمق الأول وسائر ~~الأشياء على مثل هذا النحو. وقد قال أيضا بجهة أخرى إن العقل فرد، وإن ~~العلم اثنان متوحدان، وإن عدد السطح رأى، عدد الكيف حس. فالأعداد يقال إنها ~~أوائل الأشياء وصورها هى من العناصر؛ والأشياء نقبض عليها إما بعقل، وإما ~~بعلم، وإما بالرأى، وإما بحس، فصور الأشياء هذه الأعداد. — ولما كانت النفس ~~محركة ذات معرفة جمع أقوام لهذين الأمرين وأثبتوا [فيهما فى] أنها عدد محرك ~~نفسه. — وقد اختلف أقوام فى الأوائل: فى عددها، وخاصة الذين قالوا بالجسوم ~~فانهم خالفوا على من قال من ms06 بين الحس، وخالف على هذين جميعا الذين خلطوا ~~الأمرين فجعلوا الأوائل منها. — فمنهم من قال إن الأولية واحدة، ومنهم من ~~قال إنهن كثيرات، وألحقوا بهن القول فى النفس فظنوا على غير صحة أن المحرك ~~للأشياء هو الطبائع الأوائل. — وكذلك ظن أقوام أن النفس نار، من أجل أنها ~~دقيقة الأجزاء وحرية أن تكون من بين العناصر لا جسم لها، وأنها تحرك غيرها ~~بالذات لا بالعرض. — فأما ذيمقراط فقد أثبت فى هذا إثباتا غامضا وقال: لو ~~كانت النفس والعقل شيئا واحدا؛ وهذا قوله: زعم أنها من الجسوم الأول التى ~~لا قسمة لها، وأنها محركة من أجل PageV01P010 صغر أجزائها، وأن الشكل ~~المستدير الكرى هو 〈من〉 بين الأشكال جميعا أيسر حركة من غيره، وكذلك العقل ~~والنار فى اسطقسهما واحد. فأما أنكساغورس فيشبه أن يكون قوله فى النفس غير ~~قوله فى العقل، وأن كل واحد منهما كالذى أخبرنا عنه أولا، إلا أنه يستعملها ~~جميعا كطباع واحد، ويقدم العقل على كل شىء؛ وزعم أنه من بين الأشياء مبسوط ~~لا خلط فيه. ثم ينعته بالحركة والمعرفة، ويرفعهما جميعا اليه ويقول إن ~~العقل محرك الكل. — وثاليس الحكيم يشبه أن يكون ظنه بالنفس، على ما نجد من ~~ذكره، بأنها محركة فاعلة، لاسيما إذ كان يثبت نفسا لحجر المغنطيس لمكان ~~جذبها الحديد. — وذيوجانس كان يرى أن النفس جو، كغيره ممن رأى ذلك فيها ~~لرقة أجزاء الجو 〈و〉لطافتها. وقال إن النفس صارت علامة محركة من جنس ~~إحداهما أولية، فبجهة أوليتها تعرف ما خلفها من الأشياء، والجهة الأخرى ~~أنها لطيفة الأجزاء: فبلطافة أجزائها صارت محركة. — وايراقليطس زعم أيضا أن ~~أولية نفس محركة. وكيف لا يقول هذا القول وهو القائل إن البخار ليس بجسم، ~~وعنه تكون سائر الأشياء، وهو أبدا حار سائل؛ والمتحرك إنما يعرفه متحرك ~~مثله، وهكذا كان يرى مع كثير من الناس أن الأشياء فى حركة. — وألقماون ~~الحكيم مقارب لايراقليطس فيما يراه فى النفس. ويزعم أنها ليست بميتة من أجل ~~أنها شبيهة باللائى لا تموت وإنما يثبت ذلك لها لدوام حركتها ms07 وكذلك جميع ~~العالية: الشمس والقمر وسائر النجوم وجميع الفلك — حركها حركة مستديرة ~~متصلة دائمة. — وقال أقوام فى النفس قولا جافيا بمنزلة الوقر الثقيل، وهذا ~~قولهم: زعموا أن النفس ماء، وممن قال بهذا القول رجل يقال له PageV01P011 ~~هيفن والذى أداهم إلى أن قالوا هذا القول ما رأوا من النطفة وحالها فى أنها ~~أرطب جميع الأشياء؛ وبهذا كان يرد هيفن على من قال إن النفس دم، وكان يرى ~~أن النطفة هى النفس الأول. — وقال آخرون إنها دم كما قال اقرطياس: والذى ~~دعاهم أن قالوا هذا القول ظنهم بأن الحس أخص الأشياء بالنفس، وأنه لطباع ~~الدم دون غيره. — وقد نصت الحكماء على جميع العناصر، ما خلا الأرض فانه لم ~~يقل أحد منهم فيها قولا قاطعا، بل زعموا أن الأرض من جميعها. # وجميعهم حدوا النفس بثلاثة أشياء: بحركة، وحس، وأنها ليست بجسم. وكل واحد ~~من هذه الثلاثة يرفع إلى الأوائل. ومن أجل الذين حددوها بالمعرفة جعلوها: ~~إما عنصر، وإما من العناصر. فقارب بعضهم بعضا بالقول ما خلا واحدا منهم، ~~فانه زعم أن المثل يعرف بالمثل؛ فلما كانت النفس عارفة بجميع الأشياء، ~~أثبتوا أنها من جميع الأوائل. — والذين زعموا أن العلة واحدة والعنصر واحد ~~أثبتوا أن النفس شىء واحد: إما نار، وإما هواء. والذين قالوا إن الأوائل ~~كثيرة جعلوا الأنفس هى أيضا كثيرة — إلا أنكساغورس وحده فانه زعم أن العقل ~~لا يألم، وليس تشترك سائر الأشياء فى شىء من حالاته ولم يقل، بعد أن وصفه ~~بهذه الصفة، كيف يعرف الأمور ولأية علة صار عالما بالأشياء، ولا اتضح لنا ~~هذا مما قاله فيه. — والذين جعلوا فى الأوائل تضادا قالوا إن النفس من ~~أشياء متضادة. والذى قال منهم بأحد الأضداد: إما بحرارة، وإما ببرودة، أو ~~بغير ذلك مما أشبهها أجرى كلامه على هذا المجرى: إذ أن النفس واحد منها. ~~واتبعوا الأسماء فى تأويل معانيها: فقال الذين سموا النفس شيئا حارا إنها ~~سميت بهذا من أجل أن الحياة والحركة من الحرارة، وعلى هذا دل اسم الحياة ~~〈ζῆν〉 باليونانية؛ ms08 والذين سموا النفس شيئا باردا PageV01P012 زعموا أنها ~~إنما سميت بهذا الاسم من أجل أن التنسم والتنفس إنما يكون بالبرودة، وتفسير ~~اسم النفس 〈ψυχή〉 باليونانية: الشىء المبرد. # وهذا ما قال القائلون فى النفس مما أدى إلينا عنهم، وما أثبتوا من لعلل فيها. ### || [chapter 3: I 3] 〈نقد نظرية النفس الحركة نفسها〉 # فهلم فلننظر فى حركة النفس أولا. فعسى أن يكون قول القائل فى أن جوهرها ~~محرك نفسه أو محرك غيره كذبا، وليس كذبا فقط بل عمى أن لا يمكن أن تكون لها حركة. # وقد قيل أولا إن المحرك الفاعل ليس بمضطر أن يكون متحركا فى نفسه. — وكل ~~متحرك إنما يتحرك على جهتين: إما بالذات، وإما بالعرض. وكل ما كان فى شىء ~~متحركا — وإنما حركته بسبب ذلك الشىء المحرك له — فحركته بالعرض، ومثل ذلك ~~السائرون فى السفينة فان تحركهم فيها ليس بشبيه بحركة السفينة المحركة لهم، ~~لأن السفينة تتحرك بذاتها، والسائرون فيها يتحركون بحركتها. وأعضاؤنا دليل ~~على هذا: لأن المشى أبين الحركات بالأرجل وأن الناس إذا مشوا تحركوا ~~بذاتهم، وركاب السفينة ليسوا يمشون وهم متحركون. — وإذا كان المتحرك على ~~جهتين، هلم لننظر فى حركة النفس: أبذاتها تتحرك، أو إنما تصير إلى الحركة ~~بغيرها؟ والحركات أربعة: حركة انتقال، واستحالة، واضمحلال، وحركة نماء؛ ~~فالنفس إن تحركت فاما أن تتحرك بواحدة من هؤلاء الأربع حركات، وإما ~~بأكثرها، وإما بجميعها. فان كانت حركتها ليست بالعرض فهى طبيعية. فان ثبت ~~هذا فقد ثبت بحركتها المكان، لأن جميع هذه الحركات التى ذكرنا توجب المكان. ~~— وإن كان جوهر النفس، وهو المحرك لها، فليس تحركها بالعرض كمثل ما نرى ~~تحرك الأبيض وذى الأذرع PageV01P013 الثلاثة، فان هذه ومثلها قد تتحرك، إلا ~~أن حركته بالعرض، لأن الجسم الذى هى له هو المتحرك، ولذلك ليس هو بمكان ~~لها. ويلزم المكان للنفس إن كانت حركتها طبيعية. — وأيضا إن كانت تتحرك ~~بالطباع فحركتها حركة اضطرار، وإن كانت حركة اضطرار فهى حركة طباعية. وعلى ~~هذا النحو يجب القول فى السكون، لأن الموضع الذى تحركت فيه بالاضطرار فيه ~~تسكن ms09 بالاضطرار. — ولو أردنا الادعاء والتجنى، لما وجدنا السبيل إلى أن ~~نقول أية حركات تكون بين النفس باضطرار، وأى سكون منها بالقهر والاضطرار. — ~~وإن كانت حركتها مصعدة فهى نار، وإن كانت هابطة فهى أرض، لأن بهذه الحركات ~~تعرف هذه الأجساد. وهذا القول يلزم الحركات اللاتى بين هاتين. — وإن كان ~~الظاهر من النفس أنها محركة الجرم، فواجب أن تكون تحركه الحركات التى تتحرك ~~هى فى نفسها؛ وإن كان هذا هكذا، فالعكس واجب: أن الحركة التى 〈بها〉 تتحرك ~~الجسوم هى حركة النفس. وقد بين 〈أن〉 الجرم يتحرك حركة الانتقال، فكذلك يجب ~~أن تكون النفس متنقلة فى الجسم: إما كلها، وإما بأجزائها. وإن ثبت هذا ~~القول ففى الامكان أن تخرج من الجسم ثم تعود اليه، ويلحق بهذا القول أن ~~يقوم الحيوان الميت. — وإن كانت حركة النفس حركة عرض، فهى حركة حفز ودفع، ~~كالذى نرى من الحيوان إذا حفز غيره، ليس ينبغى لما كانت حركته من ذاته وفى ~~جوهره أن يكون محركه غيره إلا أن يكون بالعرض، كما أنه لا ينبغى للجواد فى ~~نفسه أن يكون جوادا بسبب شىء آخر، والمرغوب فيه لذاته مطلوب لغير ذاته. وقد ~~يجوز لقائل أن يقوم إن النفس قد تحركها الأشياء المحسوسة إذا كانت فى نفسها ~~متحركة لأنها وإن كانت محركة نفسها إلا أنها حين تحريكها نفسها قد تتحرك ~~لذلك، إذ كانت حركة كل شىء PageV01P014 من الأشياء انتقاله وتزحزحه بجهة ~~حركته التى هى له. فالنفس إذا قد تحول عن جوهرها بذاتها، إذ لم تكن محركة ~~نفسها بالعرض، وكانت حركة جوهرها بذات النفس ثابتة. — وقد قال بعض الناس ~~إنها تحرك جرمها الذى هى فيه بمثل ما تتحرك هى بنفسها. وقد قال ذومقراط ~~قولا مقاربا لقول فيلبس معلم هجاء الناس فانه زعم أن رجلا يقال له دادالس ~~هيأ صنما من خشب للزهرة وكان يتحرك من ذاته من أجل ما صب فيه من الفضة ~~المسبوكة (وهى الزئبق). 〈وكذلك يقول〉 ذومقراط إن الأجزاء المستديرة التى لا ~~تتجزأ، من أجل أنها أبدا تتحرك، كذلك تجتذب ms10 الجرم وتحركه. ونحن نسأله ~~فنقول: إذا كان هذا بعينه من النفس، أتفعل أيضا سكونا؟ والجواب يصعب فى ~~الاخبار عن السكون كيف يكون منها. وعسى أن لا يمكن أن يقال فيه شىء، وذلك ~~أن تحريك النفس للحيوان لا يكون من هذه الجهة ألبتة، وإنما يكون بضرب من ~~ضروب الاختيار والعزم. # وقد قال أفلاطن فى كتابه إلى «طيماوس» عندما فحص الخبر عن طباع النفس ~~إنها [إذا] تحرك الجرم بتحركها من أجل أنها مرابطة له ومقارنة. وإنما كونها ~~من العناصر، وهى ذات أقسام كعدد التأليف، ولكى يكون لها حس طبيعى من ~~التأليف، ولتتفق حركات الكل حنى الخالق خطها المستقيم [...] فجعله دائرة ثم ~~قسم الدائرة الواحدة بدائرتين تلتقيان على قطبين، فقسم أحدهما بسبعة أفلاك ~~فصير حركات الفلك حركات النفس. هذا 〈قول أفلاطن〉 — وقبل كل شىء فانه لا يصح ~~قول القائل إن النفس جسم، لأنه إذا قال هذا القول ألزم نفس الكل معنى ~~الجسم، ونفس الكل هو العقل الذى يسمى عقلا، وليس PageV01P015 هذه حال النفس ~~الحاسة أو النفس النامية، لان حركاتها ليست حركات مستديره فلكية. فأما ~~العقل فحركته حركة مفردة متصلة كمثل الفهم، والفهم هو المعنى. وهذه من جهة ~~التوالى شىء واحد كمثل العدد، وليس مثل العقل، لذلك لم يكن العقل بهذه ~~الجهة متصلا، بل هو فى نفسة لا أقسام له. وليس اتصاله مثل اتصال الجسم. — ~~وإلا فكيف يدرك الجسم وهو جسم؟ ولابد من أن يكون إدراكه إما بجزء من أجزائه ~~(إن جاز أن نقول إن له جزءا ما) 〈أو〉 بنقطة بعد نقطة وإن كان إدراكه الشىء ~~بنقطة بعد نقطة، والنقطة تزيد 〈إلى غير نهاية〉 فليس تنقطع النقط ولا تنفد، ~~فلا يأتى على إدراك ما أراد إدراكه وإن كان إدراكه الشىء إنما يكون بجسم، ~~فهو مدرك الشىء بعينه إما مرارا كثيرة، وإما مرارا غير محصلة. وقد رأينا ~~إدراك الشىء مرة واحدة من الممكن، وإن كان يكتفى فى حد الادراك أن يماس ~~الشىء بجزء من أجزائه، فما حاجته إلى حركة الدور، أو أن يكون له جسم ms11 ألبتة؟ ~~وإن كان فى موضع الادراك مضطرا أن يماس الشىء بحركة دورة، فما معنى مماسة ~~الشىء بحركة دورة؟ وما معنى مماسة الشىء بأجزائه؟ أو كيف يعقل ذو الأقسام ~~ما لا قسم له؟ أوما لا جزء له كيف يدرك ذا الأجزاء؟ وباضطرار، إذا كانت ~~حركة العقل حركة دورة، أن العقل فلك وإنما حركة العقل الادراك، وحركة الفلك ~~الاستدارة؛ فالعقل إذا فلك إن كانت استدارته إدراكا. — ويجب أن يكون أبدا ~~مدركا شيئا، إذ كانت حركة استدارته حركة سرمدية. وقد ينتهى الفكر فى ~~الأعمال ولها نهاية (لأن جميعها إنما تكون من أجل غيرها) ونهايات الفكر فى ~~العلم محدودة بالقول أيضا؛ والقول حد وبرهان، وجميع البراهين لها من ~~ابتدائها مخرج إلى غايتها، وغايتها جمع مقدماتها أو نتائجها وإن لم ينتج ~~البرهان، فليس يحتمل العكس على مقدماته. ومتى ما صار للبراهين واسطة وطرف ~~استقام مذهبها، وإن الاستدارة قد ترجع عاطفة على أو لها. وجميع الحدود لها ~~PageV01P016 غايات ونهاية. — وإذا كانت حركة العقل حركة دور غير منقطعة، ~~فمدرك الشىء قد يدركه بعينه مرارا كثيرة. — والادراك بالعقل، بالسكون أشبه ~~منه بالحركة، وكذلك السلوجسموس وهو القياس. فجميع المقدمات أشبه بالسكون ~~منه بالحركة. وما كان يعسر أمره فلسنا به مغتبطين. فان كانت حركة النفس ليس ~~من جوهرها، فحركتها خارجة من الطباع. — واختلاطها بالجرم يورثها وجعا وأذى، ~~إذ لا يمكنها التخلص منه، وليهرب 〈منه〉 العقل، كما جرى القول فى العادة ~~ورآه الكثير، فلا يكون مع الجسم — خير له وأصلح لشأنه. — وتبقى علة السماء ~~المحركة لها حركة الدور مجهولة غير معروفة، لأنه ليس جوهر النفس بعلة لحركة ~~دورتها، ولكنها تتحرك هذه الحركة بالعرض . والجرم أيضا ليس بعلة لحركة ~~نفسه، بل النفس أحرى أن تكون علة حركة. ولا يمكن أن نقول إن هذه الحركة خير ~~للنفس من غيرها، وإلا رجع القول على الخالق فقلنا: كان ينبغى لله عز وجل أن ~~يجعل حركة النفس حركة دورة، لأن تحركها بهذه الجهة خير من أن تسكن، وأن ~~تكون متحركة بهذه الجهة خير من غيرها. # ولكن ms12 إذا كان هذا ومثله من النظر 〈أجدر〉 بغير هذا القول، 〈فلندعه الآن〉. ~~— وفى قول الأكثرين مما قالوا فى النفس 〈أمر〉 فظيع قبيح، لأنهم ضموا النفس ~~إلى الجرم وأنزلوها منزلة من لم يحدوا له فى ذلك حدا، ولم يبينوا فى ذلك ~~علة لم كان ذلك كذلك، مع أن هذا قد يكون بالاضطرار: وإنما الجسم والنفس من ~~أجل اشتراكهما: بعضها يفعل وبعضها ينفعل، أحدهما محرك والآخر متحرك. وليس ~~من هذين تثبت حجة من رأى هذا الرأى. ومنهم من قصد الخبر عن النفس وما هى ~~ولم يحد حدا فى الجرم القابل للنفس، كالذى قال فيثاغورس وأصحابه من ~~خرافاتهم فى أنه يمكن النفس الانتقال إلى أى جرم وافت من الأجرام، 〈وهذا ~~باطل〉 فان كل شىء له شبح وصورة خاصية. PageV01P017 ومن قال بهذا القول كان ~~مقاربا لقول قائل لو قال إن صناعة النجارة تستعمل آلة الزمير: ولا ينبغى ~~للصناعة أن تتخذ إلا آلتها، فكذلك النفس: أن 〈لا〉 تستعمل إلا جرمها. ### || [chapter 4: I 4] 〈نظرية النفس — تأليف، ونظرية النفس عدد محرك لذاته〉 # وقد قيل فى النفس قول آخر قد أقنع الكثير من الناس، وليس [هو] يرون غيره ~~مما قيل فيها والحجج لازمة له مثل ما يلزم أهل الخصومة فى مواضع الحكومة. ~~وهذا قول من رأى هذا الرأى: زعموا أن النفس من التأليف، والتأليف إنما هو ~~مزاج وتركيب من أشياء مختلفة؛ وكذلك الجرم مركب من أشياء مختلفة. — إلا أن ~~التأليف معنى من المعانى أو تركيب أشياء قد خلطت. وليس يمكن النفس أن تكون ~~أحد هذين. — وأيضا ليس التحريك من التأليف بشىء، والجميع يخص النفس بهذا ~~ويقول إنها محركة. وإنما يحسن أن يشبه التأليف بصحة البدن وبالفضائل التى ~~تعرف بالأجسام، ولا يليق ذلك بالنفس. — وإنما يستبين ذلك جيدا وما فيه من ~~الصعوبة إن أحد رام 〈جعل〉 تغير النفس العارض لها وما يظهر من أفعالها ~~〈قائما〉 على التأليف. # وإذا قلنا تأليفا فانما نقصد شيئين بالحقيقة: أحدهما الجسم الذى له حركة ~~وضرب من ضروب الانتصاب، والآخر نريد به تركيب الأجسام التى ms13 إذا ألفت لم ~~يمكنها أن تقبل بينها شيئا من جنسها؛ ومعنى ذوى الخلط من الأشياء داخل فى ~~هذا. وليس فى هذين شىء يليق بمعنى النفس. وقد يمكننا الفحص إمكانا كثيرا عن ~~تركيب أجزاء الجسم، لأن تراكيبها كثيرة فى عددها، كثيرة فى وجوهها: فأى ~~تركيب ينبغى أن يظن بالعقل؟ وكيف ذلك، إلا أن نقول إن تركيبه من القوة ~~الحاسة والقوة المشتهية؟ — وكذلك قد يغبى على الناظرين كيف يكون معنى 〈أن〉 ~~الخلط نفس، فان معنى خلط العناصر PageV01P018 فى جزء اللحم وفى جزء العظم ~~واحد؛ تم يعرض من ذلك أن يكون فى كلية الجرم أنفس كثيرة، إذ جميع الأعضاء ~~من خلط العناصر، ومعنى خلطها تأليف ونفس. # وقد يمكن [من] أن نؤاخذ أنبادقلس بقوله إن كل واحد من الأعضاء له معنى من ~~معانى الخلط، فنقول له: معنى التأليف هو النفس، أو النفس شىء آخر حال فى ~~الأعضاء؟ ويسأل أيضا أنبدقلس فيقال له: المودة التى قلت بها أهى علة الخلط ~~كيفما كان الخلط، أو إنما هى علة للمحمود منه المقدر؟ وهذه العلة هى بمعنى ~~الخلط أوهى شىء غير ذلك المعنى؟ # هذه المعاضلات والمسائل تلزم من قال بهذا القول. وإن كانت النفس شيئا غير ~~معنى الخلط، فلم، مع فساد صورة اللحم، وتفسد صورة سائر أعضاء الحيوان؟ ومع ~~هذا إن لم تكن نفس لكل واحد من الأعضاء، وليس لمعنى الخلط نفس، فما الذى ~~يفسد عند مفارقة النفس؟ # فقد استبان واتضح مما قد قيل إنه لا يمكن النفس أن تكون تأليفا، ولا أن ~~تتحرك حركة الدور، كما ذكرنا آنفا. — 〈أما〉 أن تتحرك بالعرض، وأن تحرك ~~نفسها: كذلك أنها تتحرك فى الشىء الذى هى فيه، وذلك يتحرك بتحريكها إياه، ~~〈فهذا ممكن〉؛ وليس يمكنها أن تكون متحركة حركة المكان بغير هذه الجهة. — ~~وأحق الأشياء بمن عانى فى المسالة بأمرها وتحريكها النظر فى أحوالها عن ~~الحزن والفرح، والاقدام والتخوف، والغضب والتفكر، والادراك بالحس، فقد ~~نراها فى جميع هذه الأحوال، وبهذه الأحوال لها حركة غير مدفوعة. ولذلك يظن ~~الظان أن النفس تتحرك ms14 فى هذه الأحوال. وليس ذلك باضطرار. لأنه، وإن كان ~~الحزن والفرح والتفكر ضربا من ضروب الحركات، وكل واحد منها بشىء متحرك، إلا ~~أن المتحرك إذا حركته للنفس: PageV01P019 فالغضب والخوف يكونان بنمو القلب ~~وانخفاضه، والتفكر أيضا إما كهذين وإما شىء آخر، وبعض هذه الأعراض قد يكون ~~بانتقال أشياء متحركة، وبعضها باستحالة وتغيير (فأما ما هى وكيف تكون — ~~فذلك قول آخر)؛ وقول القائل إن النفس تغضب بمنزلة قول القائل إن النفس تنسج ~~أو تبنى. وعسى أن يكون الأصلح ألا يقال إن النفس تفرح أو تتعلم أو تفكر، بل ~~يقال: إن الانسان يفعل كل ذلك بالنفس، وليس ذلك لأن الحركة تصير اليها ~~فتصير فيها، بل مرة تنتهى فتبلغها كمثل الحس الذى يؤدى اليها عن الأشياء، ~~ومرة تكون الحركة منها إبتداء مثل التذكر للشىء: فانه يكون منها: فاما بقى ~~فيها فلم ينفذ إلى غيرها، وإما أتى على حركات الحواس فغيرها. — فأما العقل ~~فيشبه أن يكون سببا للنفس ثابتا غير فاسد. ولو فسد لعرض ذلك له فى وقت ~~الكبر. وإنما يعرض العارض كمثل ما يعرض فى الحواس. ولو كان للشيخ الكبير ~~السن بصر جديد لأبصر كمثل ما يبصر الشاب. فالكبر هو العلة. وليس ذلك لأن ~~النفس ألمت ألما، بل إنما ألم الشىء الذى النفس فيه، كالذى ترى من حال ~~الفكر والفهم فى أوقات الأمراض والسكر: فانهما يضعفان. وليس ذلك لفساد ~~الشىء الذى داخل، فان ذلك لا يألم ولا يتغير. وليس التغير فى حد التفكر ~~والود والبغضة أعراضا لذلك، بل إنما هى أعراض للشىء والحامل الذى فيه من ~~الجهة التى يحمله. ولذلك إذا فسد الحامل لم تذكر النفس ولم تود، لأن هذه ~~الأحوال ليست لها، وإنما هى لحاملها التابع الذى إذا فسد أفسدها، فأما ~~العقل فيظهر أنه روحانى لا يألم. # من هذا الكلام قد استبان لنا أنه لا يمكن النفس أن تكون متحركة، وإن كانت ~~لا تتحرك ألبتة فلا شك أنها إن تحركت لم يكن ذلك من تلقائها.— ومن قال إن ~~النفس عدد محرك نفسه فقوله ms15 أكثر جهلا ممن قال بالأقاويل التى PageV01P020 ~~حكينا؛ وذلك أنه ليس فى قوله إمكان: وأول ذلك ما يعرض من قول القائل إنها ~~متحركة، وإنها عدد. — فليقل صاحب هذا القول: كيف ينبغى لنا أن نفهم واحدا ~~عددا متحركا؟ وأى شىء حركته؟ وكيف ليس له أجزاء ولا فصل؟ وإذا كان الواحد ~~بزعمه محركا 〈ومتحركا معا〉، فمن جهة تحريكه ينبغى أن يكون له فصل. — وإذا ~~كانوا يقولون إن الخط إذا تحرك فعل سطحا، والنقطة تفعل خطا، فحركات الآحاد ~~تصير خطوطا، لأن النقطة إنما هى واحد له نصبه؛ فاما عدد النفس فأين هو، وأى ~~نصبة له؟ — والعدد إذا أخرج أحد منه زوجا أو فردا واحدا، فسيبقى عدد ما غير ~~ما أخرج من المخرج. وإن الشجر وكثيرا من سائرالحيوان بعد التجزئة يبقى حيا، ~~وتبقى فيه النفس التى لصورته. — وليس بين قول القائل: آحاد، وبين قوله، ~~أجسام لطاف — فرق، لأن الهباء، وهى الأجزاء المستديرة التى قال بها ذيمقراط ~~متى صارت منها نقط محفوظة كميتها، كان فى تلك الكيفية شىء محرك فاعل، وهى ~~متحرك مفعول به كالذى يكون فى الجسم المتصل. وليس يحدث ذلك من أجل الفرق ~~الذى بينهما فى العظم والصغر، إلا بحالة نفس الكمية. ولذلك وجب بالاضطرار ~~أن يكون شىء محركا للآحاد. وإذا كان المحرك الموجود فى الحيوان هو النفس، ~~فهى إذا محرك العدد. ولسنا نقول: إن بالجسم شيئين: محرك فاعل ومحرك مفعول ~~به، بل إنما هى محركة فاعلة فقط. وكيف يمكن النفس أن تكون أحدا فردا واحدا؟ ~~والواجب أن يكون بينها وبين سائر الآحاد فصل. فأما النقطة الوحدانية فأى ~~فصل لها، ما خلا النصبة؟ — وإن كانت آحاد أخر فى الجسم، فستجتمع الآحاد ~~والنقط فى مكان. وليس من مانع يمنع أن يجتمع منهن اثنان أو ما لا عدد له؛ ~~فما لا قسمة لمكان فهو أيضا لا تجزئة له. وإن كانت النقط التى فى الجرم هى ~~عدد النفس، PageV01P021 والنفس عدد نقط الجرم — إن كان هذا هكذا، فلم 〈لا〉 ~~تكون نفس لجميع الأجرام؟ فجميعها ذوات نقط لا غاية ms16 لها. وأيضا كيف يمكن ~~النقط أن تباين الأجساد وأن تتبرأ منها، إلا أن تتجزأ الخطوط والنقط؟ ### || [chapter 5: I 5] 〈استمرار البحث فى نظرية النفس عدد محرك لذاته — نظرية النفس الحالة فى كل شىء. — وحدة النفس〉 # ثم يعرض لنا ما قلنا من شركة من قال إن النفس جسم لطيف الأجزاء، أو لمن ~~قال بقول ذيمقراط وأتباعه، لأنه إن كان النفس فى جميع الجسد الحاس 〈فمن〉 ~~الاضطرار أن فيه جسمين، إن كانت النفس جسما؛ ويلزم القائلين إن النفس عدد ~~إثبات نقط كثيرة فى نقطة واحدة، وأن لكل جسم نفسا، إلا أن يكون هناك عدد ~~غير عدد النقط الموجودة فى الجرم. — ويعرض أيضا من قولهم إن تحرك الحيوان ~~لا يكون إلا من عدد، كالذى ذكرنا عن قول ذيمقراط، ولا فرق بين من قال إن ~~المحرك للنفس أجسام صغيرة مستديرة، وبين من قال إن الآحاد العظيمة تحركها: ~~لأن قائلى هذين القولين جميعا يوجبان للحيوان التحرك بتحرك الآحاد والهباء ~~المستدير. — هذا وكثير غيره من قبيح القول يعرض لمن أضاف الحركة إلى العدد، ~~فزعم أنهما محركان للنفس. ومثل هذا القول لا يمكن أن يكون حدا للنفس، ولا ~~حدا للعرض. وإنما يستبين ذلك متى طلب أحد استخراج علم أفعال النفس من هذا ~~الحد أو علم الآفات المعترية لها كقولك: الفكر، والادراك بالحس، واللذاذة ~~والحزن PageV01P022 وغير ذلك مما يشاكل هذا الضرب. وليس يسهل هذا ولا يسوغ ~~ولو أردنا المعنى والقصد، كالذى قلنا. # والضروب التى يحدون النفس بها حدود ثلاثة: منهم من حدها فأثبت لها الحركة ~~وأنها محركة نفسها؛ ومنهم من قال إنها جسم ألطف أجزاء من سائر الحيوان. وقد ~~تقدمنا فقلنا ما يلزم من قال بهذا القول من المسائل والمعاياة، وأخبرنا بما ~~فى قوله من التناقض والاختلاف. وقد بقى علينا النظرفى القول الثالث، وهو ~~قول من رأى أن النفس من العناصر. — لنعلم كيف قالوا هذا القول. والذى ~~دعاهم، بزعمهم، إلى أن يقولوا هذا القول إثبات الادراك لها، ليكون إدراك ~~الأشياء عاما لكل واحد منها. وقد يعرض فى هذا القول ms17 بالاضطرار أشياء كثيرة ~~غير ممكنة، وذلك أنهم وضعوا فى أصل كلامهم أن المثل يعرف بالمثل، فجعلوا ~~النفس كأنها هى الأشياء؛ وليست الأشياء المعروفة عند النفس كل الأشياء ولا ~~غيرها، بل هناك غيرها كثير وعسى أن تكون لا غاية لعددها. — فإن جعل النفس ~~تعرف ما منه كانت وتحس بكل جزء منها؛ فجملة الأشياء: بماذا تعرفها وبماذا ~~تحسها؟ كقولك: بأى شىء تعرف الله، أو الانسان، أو جزء اللحم، أو جزء العظم ~~وما شاكل ذلك من ذوى التركيب؟ فان عناصر كل واحد من هذه لم يتواف على البحث ~~أو كيفما جاء، إنما توافى وائتلف بقدر من أقدار التركيب، كما قال أنبادقلس ~~فى العظم: # «إنه توافت ثمانية أجزاء لكونه: أربعة من النار # «واثنان من الأرض # واثنان من الهواء، فصارت العظام من أجل هذه بيضا». # فلا منفعة فى أن تكون العناصر فى النفس، إلا أن تكون فيما صوره الكائنة ~~عنها عند تراكيبها. وإنما يعرف كل شىء مثله، فالعظم أو الانسان إذا ليس ~~PageV01P023 بشىء يعرف إلا أن يكونا فى النفس. ولسنا نحتاج فى أن هذا ~~غيرممكن إلى كلام؛ فمن يراه يستجيز المسألة فى أن كان فى النفس حجرا ~~أوإنسانا؟ وكذلك كان القول فى 〈الخير واللاخير، وفى〉 سائر ما هناك. # فلما كان الموجود الذى يسمى «هو» يقال بوجوه كثيرة (فمرة يدل على آنية ~~الشىء وجوهره، ومرة على الكمية، ومرة على الكيفية، أو على أحد النعوت التى ~~جزئت) طلنا أن نعلم: أمن جميعها النفس، أو ليست من جميعها؟ والاسطقسات ليست ~~اسطقسات لجميع الأشياء. وان كانت أصناف الجواهر إنما هى من هذه العناصر ~~وحدها، فكيف تعرف الجواهر من سائر الأشياء؟ أوإنما يقولون إن لكل جنس عنصرا ~~〈ومبادئ〉 أولية خاصة، وعن هذه الأوائل والعناصر تكون النفس؟ لا محالة، إن ~~كان هذا هكذا، أن النفس كيفية، وكمية، وجوهر. إلا أنه لا يمكن الجوهر أن ~~يكون من عناصر الكمية فتبطل الكمية. لأن هذا وغيره يعرض فى كلام من قال إن ~~النفس مع جميع الاسطقسات. — ومن القبيح أن يقال إن المثل لا يألم ms18 من مثله، ~~وإنما يعرف الشىء بمثله، وهم مقرون بأن الادراك بالحس تحرك وانفعال، وكذلك ~~الادراك بالفهم والمعرفة. # والذى نقول شاهد على أن الاعتياص كثير فى معاياة من قال بمثل قول ~~أنبادقلس إن كل واحد من الأشياء إنما يعرف الأشياء بالعناصر ومما أشبهها ~~فيه من المثل، لأن ما كان بالحقيقة فى أجرام الحيوان من الأرضية عظما كان ~~أو عقبا أو ظفرا فليس لها حس يدرك به شيئا من الأشياء، وكذلك يجب ألا يحس ~~بمثلها. — وبقوله ينبغى أن يكون أيضا الجهل أكثر فى الأوائل من المعرفة، ~~وذلك أن الواحد منهن إنما يعرف شيئا واحدا ويجهل الكثير، من أجل أن الجميع ~~من سائر الأشياء. 〈و〉يعرض فى قول أنبادقلس تجهيل الله، لأنه فرد أحد لا ~~يقبل الفساد ولا يعرفه؛ ويعرف الموات جميع الأشياء لأنها عن PageV01P024 ~~جميعها تكونت. — وفى الجملة، لأية علة لم يكن لجميع الأشياء نفس إذ كان كل ~~شىء إما عنصرا، وإما عن عنصر واحد، أو من كثير، أو من الجميع؟ — فقد يجب ~~لها بالاضطرار أن تعرف إما شيئا واحدا، وإما أشياء، وإما جميع الأشياء. ~~ويجوز لسائل أن يسأل: ما الذى يؤلف العناص؟ ويشبه أن يكون المؤلف للهيولى ~~وممسك الشىء ما كان هو أشرف 〈و〉أفضل وأكرام. فأما النفس فليس يمكن أن يكون ~~شىء أشرف منها رئاسة، وأحرى ألا يكون يكون فى الامكان شىء أفضل من العقل. ~~ونحن 〈نقر〉 له أن يكون بالطباع مالكا متقدما. فأما العناصر فانها متقدمات ~~على الأشياء. # وجميع من قال إن النفس عن العناصر كانت، من أجل معرفتها وإدراكها الأشياء ~~بحسها ومن حدودها بالحركة، لم يقل هذا القول فى كل نفس، لأن كل ذى حس ليس ~~بمتحرك، فقد نرى بعض الحيوان راتبة فى أماكنها؛ والنفس لا تحرك الحيوان من ~~جميع الحركات إلا حركة الانتقال. وعلى هذا أجرى كلام من جعل العقل والحس من ~~العناصر، ومن الظاهر أن النبات حى وليس له حركة انتقال ولا حس، ويرى كثير ~~من الحيوان وليس له فكرة. ولو أضرب أحد عن هذه ثم جعل العقل ms19 جزءا من النفس، ~~وجعل القوة الحاسة كذلك، لما كان قوله قولا عن كل نفس: لا عن الكلية ولا عن ~~الفردية. — وبهذا القول كان يقول أرفيوس، إذ زعم أن الرياح تحمل النفس من ~~الكل فتصيرها إلى داخلها فى حال تنفسها. وليس يمكن أن يعرض هذا لذوات ~~النبات، ولا لطائفة من الحيوان، لاسيما إذا لم يكن جميعها متنفسا، إلا أن ~~هذا ذهب عن أصحاب هذا الرأى. — لكن ينبغى أيضا للنفس إذا فعلت أن يكون ~~فعلها من الاسقطسات، فليس بها حاجة إلى جميعها، ولا أن يكون فعلها من ~~جميعها، فقد تقدم جزء واحد من المختلفة بالقضاء على نفسه وعلى ما خالفه، ~~كالذى يعرف بالخط المستقيم، فانا نعرف بالخط المستقيم نفسه PageV01P025 ~~والأعوج، وذلك أن المسطرة قاضية على الأمرين جميعا؛ فأما الخط الأعوج فليس ~~يقضى على نفسه ولا على الخط المستقيم. # وقد زعم أقوام أن النفس مخالط الكل؛ وأخلق بثاليس الحكيم أن يكون على ظنه ~~بأن الكل مملوء روحانية عالية، من هذه الجهة. — ويلزم هذا القول مسائل عدة: ~~منها أن يقول القائل لأية علة لم تقعل النفس التى فى الجو وفى النار ~~حيوانا، وفعلت ذلك فى ذوى الخلط من الأشياء، وهى فى المبسوطة من الأشياء ~~أفضل وأكرم؟ (وللطالب أن يطلب أيضا فيقول: لم كانت النفس التى فى الجو أفضل ~~من التى فى الحيوان وأشد بعدا من الموت؟). ويعرض للقولين جميعا السماجة ~~والفظاعة، لأن من قال إن الجو والنار حيوان فقد قال فظيعا، ومن ترك إثبات ~~الحيوان عند وجود النفس فقد فعل فعلا قبيحا سمجا. — وأخلق بهم أن يكون ظنهم ~~بالنفس أنها فى النار وفى الجو، ومن أجل أنهما فى كلتيهما مساويان فى ~~الصورة لأجزائهما، ولذلك اضطروا إلى أن قالوا إن النفس مساوية فى الصورة ~~لأجزائها، إذ كان الجزء من الجو إذ صار فى الحيوان جعل الحيوان ذا نفس. فان ~~كان الجو إذا تشرب وتفرق مساويا فى صورته وليست النفس متسابهة الأجزاء، فهو ~~بين أن بعضها موجود وبعضها غير موجود. ويلزمها بالاضطرار إما كانت متسابهة ~~الأجزاء، ms20 وإما ألا تكون فى جزء من أجزاء الكل. # وقد استبان مما قيل أن المعرفة لم تصر للنفس من قبل العناصر، وأن من قال ~~إنها متحركة لم يقل حقا ولا صدقا. # ولكن إذا كانت المعرفة والادراك بالحس والارتياء، والشهوة والارادة ~~والأدب للنفس؛ ومنها حركة الانتقال فى الحيوان، ومنها الغذاء والنماء ~~والضمور، فينبغى أن تعلم إن كان كل واحد من هذه لكلها أو لبعضها. إذا فهمنا ~~〈هذا〉، أفكلها يفهم ويحس ويتحرك ويفعل ويألم، أو بعض هذه PageV01P026 يكون ~~بأجزاء من أجزائها، وغيرها بأجزاء أخر؟ وفى الحياة أيضا نقول كذلك: أفى ~~واحد من هذه الحياة، أو فى أكثرها، أو فى كلها، أو لها علة أخرى؟ — وقد قال ~~أقوم إن النفس ذات أقسام، وإن الجزء الذى تدرك به [معرفة] الأشياء غير ~~الجزء الذى يشتهى به. فما الممسك للنفس إن كانت ذات أجزاء أو أقسام؟ والجرم ~~لا يفعل ذلك بها، بل النفس أحرى أن تكون ممسكة الجرم، وذلك أنها إذا خرجت ~~عنه تحلل ففسد. فان كان الذى فعل النفس فردا شىء غيرها، فذلك أحرى أن يكون ~~نفسا. ثم يحتاج إلى الطلب ليعرف ذلك: أواحد هو أو شىء كثير الأجزاء؟ فان ~~كان واحدا مفردا، فلأية علة لم تجعل النفس واحدة مفردة؟ وإن كان ذا أقسام، ~~فالطلب واجب إلى أن تعلم بالمحيط به الجامع له، ثم تذهب العقول على هذا ~~المجرى إلى ما لا غاية له. وللسائل أن يسأل عن أجزاء النفس فيقول: أية قوة ~~لكل واحدة من هذه التى ذكرنا فى الجرم؟ لأنه إن كانت النفس كلها ممسكة ~~الجرم، فجائز أن تكون الأشياء تمسك شيئا بعد شىء من الجرم. وهذا ما لا ~~إمكان فيه: ولو أردنا أن نبدع فى ذلك قولا فنخبر كيف يمسك العقل جزءا من ~~أجزاء الجرم، اعتاص ذلك علينا أو لم نجد إليه سبيلا. # وقد نرى النبات (حيأ) بعد التجزئة، ونرى طائفة من الحيوان التى تسمى ~~«انطوما» التى لا رئة لها إذا جرئت بقيت أجزاؤها أحياء حافظة النفس التى ~~تصورتها وإن لم تكن قائمة ms21 على حيالها بالعدد، إلا أن الأجزاء لها حس وحركة ~~انتقال إلى وقت من الزمان. ولكن إن لم يكن ذلك منها دائما، فليس تبطل الحجة ~~من أجل أنه ليس لها آلة حافظة طباعها ، ولا يمنع ذلك من أن تكون جميع أجزاء ~~النفس فى كل واحد من أقسام ذلك الحيوان التى جزئت. والأجزاء مساوية بعضها ~~بعضا فى الصورة ومساوية لكليتها، وإنها مساويات PageV01P027 بعضها بعضا من ~~أجل أنها ليست بمباينة ولا مفارقة، ومساواتها لكلية النفس من أجل أنها ذات ~~أقسام. — والأولية التى للنبات والشجر تشبه أن تكون نفسا، لأن النامية ~~والحيوان إنما يشركان بعضها بعضا بهذه النفس فقط، إلا أن النفس الحاسة ~~مفارقة لها؛ وليس لشىء من الأشياء حس بغير النفس النامية. # تمت المقالة الأولى من كتاب «النفس» لأرسطو والحمد لله وحده. PageV01P028 ### | [book 2] ### || [chapter 6: II 1] # بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم ### ||| المقالة الثانية من كتاب النفس ### ||| 〈حد النفس〉 # قد قيل ما ذكر القدماء فى النفس مما تأدى إلينا فعلم أيضا كأنا مبتدئون، ~~ولزم أن نحد النفس ما هى، وما القول الجامع المستفيض فيها. # يزعم أن الجوهر جنس من أجناس الأشياء، وأن بعضه كهيولى غير قائم بنفسه ~~ولا مشار إليه؛ وبعضه شبح وصورة بها يشار إلى الشىء فيقال: هذا! وثالث هذين ~~المجموع منهما. فالهيولى قوة من القوى، والصورة هى انطلاخيا، يعنى التمام. ~~وذلك على جهتين: أحدهما كعلم بوجود، والآخر كالتفكر. # والأجرام حق ما قيل إنها جواهر، ولاسيما الطبيعية منها، لأنها المتقدمة ~~على غيرها. فمن الأجرام الطبيعية ما له حياة، ومنها ما ليس له حياة؛ وإنما ~~تعنى «حياة» لما كان له بنفسه غذاء، ونماء ونقص. فكل جسم طبيعى حى فذلك لا ~~محالة جوهر مركب. فلما كان الجرم نصفه كذا وكذا 〈أى أن فيه〉 حياة، لم يجب ~~أن يكون نفسا، لأن الجرم ليس من المقولة على شىء موضوع، بل هو كموضوع ~~وهيولى. فالنفس بالاضطرار جوهر كصورة جرم طبيعى له حياة بالقوة. والجوهر ~~انطلاشيا. والانطلاشيا على جهتين: PageV01P029 أحدهما كعلم بوجود، لأن ~~النوم ms22 واليقظة إنما يكونان بوجود النفس، واليقظة معادلة التفكر، والنوم ~~معادل للجدة بغير فعل. والعلم من جهة الكون حرى من أن يكون مقدما. من أجل ~~ذلك صارت النفس انطلاشيا، وهو أول تمام جرم طبيعى ذى حياة بالقوة، والجرم ~~له صفة كذا وكذا كقولك إنه آلى. وكذا 〈أجزاء〉 النبات آلات إلا أن آنيته ~~مبسوطة، والورق أغطية ساترة قشور الثمار، والقشور أغطية للثمار؛ والأصول ~~معادلة الأفواه، من أجل أن الأفواه والأصول يجذبان الغذاء كلاهما. — وإن ~~كان ينبغى أن نقول قولا جامعا مستقصى فى كل نفس، فالنفس انطلاشيا الأولى — ~~أى أول تمام — جرم طبيعى آلى. — وليس ينبغى للطالب أن يطلب إن كانت النفس ~~والجرم شيئا واحدا، كما أنه لا ينبغى الطلب فى إن كان الموم وطبعته شيئا ~~واحدا، وكذلك لا ينبغى أن نسأل عن الهيولى وعما هى له إن كانا شيئا واحدا. ~~فالذى هو وأنه مقولان على جهات كثيرة، وأصحها معنى الانطلاشيا. # ففى الجملة قد قيل ما النفس وأنها الجوهر على ما فى الحد، والحد هو ~~الدليل على ما هو الشىء فى آنيته، فانه فى جرم صفته كذا وكذا؛ كالذى يرى من ~~الآلة، فانه ليس من الآلة شىء إلا وهو جرم طبيعى، كمثل المعول فان المعول ~~من جهة هيولاه له آنية، وكذلك النفس. فمتى فارق المعول جوهره وطينته لم يكن ~~معولا إلا بالاسم المشترك، وهو الساعة معول. فصفة الجرم بكذا وكذا ليست ~~بدليلة على ما هو فى آنيته من الحد والنفس، PageV01P030 ولكن ذلك صفة شىء ~~طبيعى له فى نفسه حال من الأحوال فى الحركة والوقوف. # وينبغى أن ننظر كيف يكون هذا فى الأجزاء، لأن العين التى نبصر بها لو ~~كانت حيوانا كانت نفس الحيوان بصرا، لأن ما يجوز فى حد النفس هو دليل على ~~جوهر العين، وإنما العين طينة البصر، متى ما بطلت هذه الطينة لم تكن عين ~~ألبتة إلا باشتراك الاسم، مثل العين التى نقول إنها من حجر أو مصورة فى ~~الحائط. وما قلنا فى الجزء ينبغى أن نقول به على كلية الجرم ms23 الحى: فكما أن ~~الجزء يعادل الجزء، كذلك يعادل الحس جميع البدن المدرك بحسه. # وإذا نحن قلنا فى الشىء إنه ذو قوة ليحيا لم نعن شيئا لا نفس له، بل نعنى ~~بهذا القول ما له نفس. والبذر والثمر هما بالقوة جرم، فانه شىء ذو قوة. ~~وكما أن القطع من القاطع والنظر من العين، كذا اليقظة انطلاشيا؛ والنفس هى ~~مثل البصر والقوة التى هى فى الآلة؛ فأما الجرم فانه شىء ذو قوة. وكما أن ~~الحدقة هى العين والبصر، كذلك النفس والجرم هما الحيوان. # فقد استبان أن النفس ليست مفارقة الجرم ولا شىء من أجزائها، وذلك أن ~~انطلاشيا بعض الحيوان إنما يكون لأجزائها، ولم يستبن بعد إن كانت النفس ~~انطلاشيا للجرم، مثل راكب السفينة. # ولكن يجعل أن النفس على المجاز بهذه الحال بجهة التمثيل. ### || [chapter 7: II 2] 〈تعليل هذا الحد للنفس〉 # والواضح من القول إنما كون من الغامض، والمشروح من المبهم، فلزم الكلام ~~فى النفس أيضا. فانه ينبغى للحد أن لا تكون فيه دلالة على آنية الشىء فقط ~~دون أن يبين عن علته. وأما فى وقتنا هذا فان الكلام إنما هو كنتائج للحدود؛ ~~وكأن سائلا سأل عن ذى الأربع زوايا: ما هو؟ فيقال له إن ذى الأربع زوايا هو ~~المتساوى الطولين قائم الزوايا متساوى الأضلاع. وهذا الحد PageV01P031 هو ~~النتيجة. وأما الحد الذى يقول إن تربيع الزوايا هو وجود الخط الواسطة، ~~فانما يقول نفس العلة. # فنحن مبتدئون بالنظر وقائلون إن الحياة فصل بين ذى النفس وما لا نفس له. ~~وضروب «الحياة» تقال بجهات كثيرة، ولو لم يحضر الشىء منها غير واحد لقلنا ~~إنه حى: وهذه ضروب الحياة: الادراك بالعقل، والادراك بالحس، وحركة الانتقال ~~والوقوف، وحركة الغذاء والنماء والاضمحلال. — وكذلك نرى حياة كل ذى حياة: ~~فقد ظهر للعيان أن للنامية قوى بها تغتذى وبها تضمر فى أما كنها المختلفة. ~~وذلك أن نماءها لا يكون إلى 〈ناحية〉 العلو فقط دون أن يكون إلى ناحية ~~السفل، بل ينمو من الجهتين جميعا ويغتذى من كل ناحية فتبقى أحياء إلى ms24 آخر ~~منتهاها ما كانت بها طاقة لاجتذاب الغذاء. — وهذا الضرب من الحياة قد يمكن ~~مفارقته سائر الضروب، ولا يمكن غيره مفارقته. وهذا ظاهر فى ذى النماء، لأنه ~~ليس فيها قوة واحدة إلا قوة نفس. # فذوو الحياة إنما تحيا من أجل هذه الأولية فيهم. وأما الحيوان فانه يقدم ~~على غيره من الأحياء من أجل حسه. وأما التى لا تتحرك ولا تنتقل عن أماكنها ~~بعد أن يكون لها حس نزعم أنها حيوان ولا نكتفى فى أن نسميها أحياء. واللمس ~~أول ما يكون فى ذوى الأنفس من الحس. وكما أن القوة الغاذية قد يمكنها ~~مفارقة قوة اللمس ومفارقة كل ضرب من ضروب الحس، كذلك يمكن قوة اللمس مفارقة ~~سائر الحواس. وإنما نريد بالقوة الغاذية جزء النفس الموجود فى ذى النماء. ~~وأما الحيوان فظاهر أن لجميعه حس اللمس. وسنخبر أخيرا لأية علة كان هذا هكذا. # وأما الآن فانما نقول بقدر ما يثبت أن النفس أولية لجميع ما ذكرنا، وأنها ~~محدودة بالقوة والحس والتفكر والحركة. ولكن لننظر: هل لكل واحد من هذه ~~PageV01P032 التى ذكرنا نفس على حيالها، أو إنما هو جزء نفس؟ وإن كان جزءا: ~~أمفارق هو بالوهم، أو مفارق بالمكان؟ فالقول فى بعض هذة ليس بعسر، وفى ~~بعضها فيه صعوبة وغموض. وكما أن بعض النامية قد نراها أيضا بعد أن تتصل ~~ويفارق بعضها بعضا (من أجل أن النفس التى فى أجزائها نفس واحدة، بمعنى ~~الانطلاشيا التى هى تمام لجميعها، وهى أيضا بمعنى القوة أنفس كثيرة)، فكذلك ~~نراه يعرض فى الفصل الآخر من فصول أنفس الحيوان الذى يسمى أنطوما، فان هذا ~~الضرب من الحيوان إذا قطع فصار أقساما رأينا لكل جزء من أجزائه حسا وحركة ~~انفعال؛ وإذا كان له حس ففيه توهم وشهوة، لأنه حيثما كان الحس فهناك 〈ألم ~~و〉لذة، وإذن وحيثما كان هذان فهناك بالاضطرار شهوة. — فأما العقل والقوة ~~والتفكر فلم يستبن عنهما شىء بعد. ولكن فى الامكان يشبه أن تكون هذه النفس ~~جنسا آخر، كما أن جنس الأزلى جنس غير جنس الفاسد، وإنه ms25 يمكن أن تكون هذه ~~النفس من بين الأشياء مفارقة الأجرام. — وقد استبان من هذه التى ذكرنا أن ~~سائر أجزاء النفس ليست بمفارقة كما قال أقوام؛ وأما أن يكون كل جزء منها ~~غير الآخر بمعنى من المعانى فذلك بين. وذلك أن بعضها حساس، وبعضها مرو، ~~والفرق بين هذين بين، وكذلك سائر ما قيل منها: الواحد غير الآخر. — ينبغى ~~أن نعلم أنا قد نجد جميعها فى بعض الحيوان، ونجد الواحد منها فى طائفة من ~~الحيوان (وهذا الذى يجعل الفصل بين الحيوان). وسننظر أخيرا لأية علة كان ~~هذا هكذا. وقد يعرض أيضا فى الحواس شىء مقارب هذا، لأنه قد تكون جميع ~~الحواس فى بعض الحيوان، ويكون فى بعضها أكثرها، وفى طائفة لا يكون منها ~~شىء، ما خلا حس اللمس، الذى يكون الحيوان إليه مضطرا. PageV01P033 # فاذا كان «الذى به نحيا ونحس» مقولا على جهتين، كمثل ما يقال بجهتين ~~الشىء الذى به نعلم، فانا نزعم أن الذى به نعلم إما كان علما، وإما نفسا ~~(فنحن نعلم بالأمرين جميعا)؛ وكذلك يقال: «الشىء الذى به تصح أبداننا» إما ~~قيل الصحة وإما عضو من أعضاء النفس، فالعلم والصحة شبح وصورة ومعنى، كقول ~~القائل إن فعل الأشياء قابلة التعليم والتصحيح (وإنما يبدو الفعل من الفاعل ~~فى قابل الفعل الذى يألم به فيصير له حال من الأحوال)؛ والنفس فى هذا الذى ~~نحيا 〈به〉 ونحس ونتفكر ابتداء؛ لذلك وجب أن تكون معنى من المعانى، لا ~~كالهيولى ولا كالشىء الموضوع. — فقد أخبرنا أن الجوهر مقول على ثلاثة أوجه: ~~أحدها الصورة ، والآخر الهيولى، وثالثة المجموع منهما؛ وأن الهيولى قوة من ~~القوى، وأن الصورة انطلاشيا، والذى منهما هو: ذو النفس، وأن الجرم ليس تمام ~~النفس؛ ولذلك لن يقع عليه معنى الانطلاشيا، بل النفس انطلاشيا جرم بصفة كذا ~~وكذا. من أجل ذلك أحسن من رأى أن النفس لا تكون بغير جرم، وأنها ليس بجرم، ~~إلا أنها شىء من جرم. ولذلك صارت فى جرم بصفة كذا وكذا، لا كالذى قال ~~القدماء، إذ ضموها إلى الجرم، ثم ms26 لم يحدوا أى جرم هو ولا كيف حاله مع ما ~~نرى فى الظاهر من الأشياء أن الشىء لا يقبل ما عارضه من الأشياء على البخت ~~أو كيفما هو، لا أن يكون ذلك على معنى موافقة وملائمة: لأن انطلاشيا كل ~~واحد من الأشياء لا يكون إلا لما فيه من قوة لقبول تلك الانطلاشيا، بأن كان ~~فى هيولى ذلك الشىء 〈تهيؤ〉 لقبولها. — فقد استبان من هذه الأقاويل أن الشىء ~~ذا القوة الموصوف بصفة كذا وكذا له انطلاشيا واحدة. PageV01P034 ### || [chapter 8: II 3] 〈قوى النفس فى مختلف الكائنات الحية〉 # فأما قوى النفس التى قيلت فجميعها موجودة فى بعض الحيوان كما قلنا؛ ~~وبعضها موجود فى بعضه، 〈و〉لسنا نجد فى طائفة منه غير واحدة من هذه القوى. ~~وإذا قلنا قوى فانما نعنى: القوة الغاذية، والحساسة، 〈و〉المشتهية، والمحركة ~~بالانتقال عن الأماكن، والمفكرة. — فلذى النمو قوة غاذية فقط، ولغيره قوة ~~الحس مع قوة الغذاء. وما كانت له قوة حس ففيه قوة شهوة، وذلك أن الحاسة هى ~~الشهوة والغضب والارادة؛ وقد يجمع جميع الحيوان ضرب واحد من الحس، وهو ~~اللمس، وكل ما كان له حس فله لذة وعليه أذى وله قوة ملذ ومؤذية؛ وما كانت ~~له قوة ملذة فلا محالة أن له شهوة، والشهوة شهوة شىء ملذ. — وأيضا فى ~~الحيوان حس الغذاء، وذلك أن اللمس هو حس الغذاء. والحيوان يغتذى باليابس من ~~الأشياء والرطب والحار والبارد، والحس المدرك لذلك ليس هو غير حس اللمس، ~~وإدراك حس اللمس سائر الأشياء المحسوسة إنما يكون منه بالعرض، وذلك أن ~~القرع فى الهواء وألوان الأجرام ليس لها معنى فى الغذاء، وكذلك أيضا حال ~~الرائحة. فأما الكيموس فانه واحد من الأشياء المدركة باللمس. والجوع والعطش ~~هما شهوة: أما الجوع فشهوة داعية إلى شىء حار ويابس، أما العطش فشهوة داعية ~~إلى شىء بارد ورطب؛ والكيموس كأنه هذه. وسنوضح القول عن جميعها أخيرا. — ~~فأما الآن فى وقتنا هذا فانا نقصد القول بقدر ما يثبت أن ما كان من الحيوان ~~ذا لمس فله أرب وشهوة. وأما التوهم فلم ms27 يستبن لنا الأمر فيه بعد، وسنظر فيه ~~أخيرا. — وقد نجد فى بعض الحيوان مع القوى التى ذكرنا PageV01P035 حركة ~~الانتقال، ونجد فى الناس العقل والتفكر وغير ذلك مما يشبه أن يكون أكرم وأشرف. # وقد استبان أن القول فى النفس وفى الأشاكيم قول واحد، لأنه ليس هناك ~~اشكيم غير اشكيم المثلثة وما بعدها، ولاها هنا نفس غير الأنفس التى قيلت، ~~فالقول فى الأشاكيم شائع ملائم لجميعها غير خاص بواحد منها. وكذلك القول فى ~~الأنفس التى ذكرنا. من أجل ذاك إن نحن قلنا هذا القول الشائع فى هذه وفى ~~غيرها وهو قول ليس يختص بشىء من الأشياء — لا على ما يليق به من معناه ~~الأعلى، ولا على صورة انفراده، فمتى أضربنا عن هذا قلنا بذاك الشائع — كنا ~~أهلا ليهزأ بنا. والقول فى الأشاكيم وفى النفس يقارب بعضه بعضا، لأن الأولى ~~أبدا من الأشكيم من ذوى الأنفس موجود بالقوة فيما يليه من بعده، كقولك إن ~~المثلثة موجودة فى المربعة، والقوة الغاذية موجودة فى ذوى الحس. من أجل ذلك ~~لنطلب نفس كل واحد من الأشياء لنعلم ما نفس النبات وما نفس الانسان، وما ~~نفس البهيمة. — ولننظر لأية علة كانت الأنفس على التوالى بهذه الحال. فان ~~الشىء الحاس لا يكون بغير قوة غاذية، وقد تكون القوة الغاذية فى ذوى النبت ~~مفارقة لقوة الحس. وأيضا لا يكون شىء من الحواس بغير القوة اللامسة، وقد ~~تكون القوة اللامسة موجودة بغيرها من الحواس؛ ومن ذوى الحس ما له حركة ~~انتقال، ومنه ما ليس له هذه الحركة. وآخر ذوى الحس فى المرتبة وأجلها ذوات ~~الفكر والظن، لما كان ما له فكر من ذوى الفساد موجودا فيه جميع ما ذكر من ~~القوى، وليس الفكر فى جميع ما ذكرنا بهذه القوى، بل بعضها ليس له توهم، ~~وبعضها إنما معنى حباته بالتوهم وحده. وأما القول فى العقل البحاثة النظار ~~فهو قول غير هذا. # وقد استبان أن القول الذى قلناه لائق بالنفس وكل واحد مما ذكرنا. PageV01P036 ### || [chapter 9: II 4] 〈فى القوة الغاذية〉 # ومن أراد أن ms28 ينظر فيما قلنا فهو مضطر إلى أن يعلم ما واحد 〈واحد〉 منها، ~~ثم يطلب بعد ذلك ما يتلوها وما خلف ذاك من سائر الأشياء. وينبغى أن نعرف ما ~~كل واحد منها لنعلم ما الحاس وما الغاذى مع تقدمنا أولا معرفة ما الذى ~~يفهم، وما الذى يحس فان الأعمال والأفعال متقدمة فى الحد القوى؛ وأخرى تقدم ~~على ما كان مخالفا لها، ويجب النظر أيضا فيما خالفها، فمن أجل هذه العلة ~~أولى ما نفصل فيه القول أولا: الغذاء، والشىء المحسوس، والمعقول. فلنقل ~~أولا فى الغذاء والتولد. # فان النفس الغاذية هى أول ما يوجد فى سائر الأشياء، وهى قوة شائعة بها ~~يحيا الجميع. وعملها التوليد واستعمال الغذاء. وأحق أعمال الحيوان بالطبيعة ~~إذا كان الحيوان بالغا كاملا غير منقوص وليس كونه منه وبه أن يلد آخر مثله، ~~كقول القائل: الحيوان يلد حيوانا، والنبات نباتا مثله لتشرك الأبدى ~~الروحانى بقدر طاقتها. فان كل شىء له يتشوق 〈و〉إياه يريد، وكل ما فعله فاعل ~~بالطباع فمن أجله يفعله. ومعنى «من أجل» على جهتين: إحداهما له، والأخرى ~~فيه. فلما لم يكن للفاعل الطبيعى أن يشرك الأبدى الروحانى باتصال البقاء، ~~من أجل أنه ليس فى طباع ذوى الفساد البقاء على انفراد الوحدانية، فيكون ~~الشىء باقيا بعينة وشخصه — صار كل واحد من لأشياء إلى مشاركته من حيث ~~استطاع وأمكنه: فبعض أكثر، وبعض أقل؛ PageV01P037 فالشىء كأنه هو الباقى، ~~وليس هو الباقى بعينه فى العدد، إلا أنه داخل فى معنى توحد الصورة. # والنفس علة الجرم الحى. وهذا قول متصرف على أوجه: لأن النفس «علة» على ~~الثلاثة الأنحاء التى ذكرنا آنفا؛ وذلك أنها علة ابتداء الحركة، ومن أجل ~~ذلك كان الجرم، وهى جوهر الأجسام ذوى الأنفس. — ومن الظاهر أنها علة كجوهر ~~من الجواهر، لأن الجوهر علة آنية جميع الأشياء، وماهية الآنية تثبت معنى ~~الحياة للحيوان، والنفس علة الحيوان. أيضا الانطلاشيا هى بمعنى الشىء ذى ~~القوة [الفاسدة]، والنفس هى انطلاشيا الجرم ذى القوة. — وكذلك الأمر بين فى ~~أنه علة الشىء الذى من أجله كان ms29 الجرم. وكما أن العقل لا يعقل شيئا بغير ~~علة، كذلك الطباع لا يعقل شيئا بغير علة، وتلك العلة هى غايته. وهكذا حال ~~النفس فى الحيوان، لأن جميع الأجرام الطبيعة هى آلة النفس، وكما أن هذا ~~موجود فى الحيوان كذلك نجده فى النبات، لأن النبات إنما كان من أجل النفس ~~النامية. وقد أخبرنا أن لفظة «من أجل» مقولة على جهتين. — وأيضا إن الذى ~~منه كان ابتداء حركة المكان ذاك نفس؛ وليس هذه القوة موجودة فى جميع ~~الحيوان. وبالنفس تكون الاستحالة والتربية، لأن الحس إنما هو ضرب من ضروب ~~الاستحالة، وليس يحس ما لا نفس له. وعلى هذا المعنى يجرى القول فى الزيادة ~~والنقصان، لأنه لا يزيد شىء ولا ينقض إلا أن يكون مغتذيا بالطباع، وليس يجب ~~الغذاء لشىء إلا أن تشارك 〈فى〉 معنى الحياة. PageV01P038 # وقد قال فى ذلك أنبادقلس قولا فلم يحسن: زعم أن النبات إنما يزداد تربية ~~من ناحية العمق من أجل أن فى طباع الأرض الهبوط إلى السفل، وكذلك تكون ~~الزيادة فيها إلى ناحية العلو من أجل أن الطباع فى النار يجذبها فى العلو. ~~فتأول ولم يحسن التأويل فى العلو والسفل، لأنهما ليسا بحالة واحدة فى جميع ~~النامية، وإنما أصول الشجر بمنزلة رأس الحيوان، والآلة وإن اختلفت فالعمل ~~يجمعها. ومع هذا للسائل أن يسأل فيقول: ما الذى يحبس النار والأرض من ألا ~~يذهبا على مجراهما؟ فانه إن لم يكن لهما حابس تشذبتا وتفرقتا. وإن كان هناك ~~حابس فذلك هو النفس، وهو علة الغذاء والتربية. # وقد ظن أقوام أن طباع النار علة الغذاء، لأن النار فى ظاهر أمرها تغتذى ~~من بين الجسوم والعناصر وتربو؛ لذلك جاز للظان أن يظن أن هذا من فعلها فى ~~النامية والحيوان. — وإنما النار مع علة الغذاء ليست بنفسها علة الغذاء، بل ~~النفس علة ذلك. والنار، ما أمكنتها الهيولى، كانت زيادتها لا غاية لها؛ ~~وجميع ما ينميه الطباع له غاية معروفة، ولعظمه وتربيته حد من الحدود. وهذا ~~من فعل النفس وليس من فعل النار، ولعله كان ms30 〈من الصورة، لا〉 من الهيولى. # فلما كانت قوة هذه النفس قوة غاذية مولدة، وجب بالاضطرار أن يكون أول ما ~~نحدد الكلام فى الغذاء، من أجل أن انفصال هذه القوة من سائر القوى لا يكون ~~بهذا العمل الذى هو الغذاء. وقد رأى أقوام أن الغذاء إنما يكون من الضد إلى ~~الضد، إلا أن ذلك ليس يكون فى كل شىء ما خلا الأضداد التى يكون بعضها من ~~بعض — وقد بينتها — كذلك قد تكون أشياء كثيرة من أضداد، وليس جميع الأشياء ~~هكذا: من ذلك أنه يكون صحيح من سقيم. والأشياء التى زعموا أنها تغتذى ~~بالتضاد ليس يظهر أنه يغذو بعضها PageV01P039 بعضا بنوع واحد، وذلك أنا نرى ~~الماء غذاء للنار، ولا تغذو النار الماء. وحرى أن يكون هذا فى الأجرام ~~المبسوطة فيصير بعضها غذاء، وبعضها يغتذى. — فهذا القول مسئلة معاناة، لأن ~~بعض الناس رأى أن المثل يغذو المثل ويربيه. ورأى آخرون — كما ذكرنا — خلاف ~~ذلك أن الضد يغذو الضد، وهذه حجهم: زعموا أن المثل لا يألم من مثله، وأن ~~الغذاء لا يكون إلا بالاستحالة، والنضج والاستحالة لا يكون من ضد إلى ضده ~~أو إلى واسطة بين هذين. وأيضا أن الغذاء قد يألم من الشىء المغتذى به، وليس ~~ذلك من قبل الغذاء، كما أن النجار لا يألم من الخشب، بل الخشب الذى يألم من ~~النجار، وأما النجار فانه يستحيل من لا فعل إلى فعل. — وينبغى أن نعلم ما ~~الغذاء: هل الغذاء آخر ما فيه الزائد فى البدن؟ أم الأول منه هو الغذاء؟ ~~فان 〈بين〉 هذين فصلا. وإن كانا جميعا غذاء، وأحدهما ليس ينضج والآخر نضج، ~~يمكن أن يسميا كلاهما غذاء: إلا أن الذى لم ينضج هو الذى يغذى الضد، والنضج ~~منهما هو المثل الذى يغذو مثله. وبهذا اتضح ما قال الفريقان من صواب وغير ~~صواب. فاذا لم يكن شىء يغتذى، ما خلا ذا الحياة، فلا محالة أن الجرم ذا ~~الحياة الذى يغتذى، وأن الغذاء لذى النفس لا بالعرض. # ولهذا معنى غير معنى المربى، فأحدهما من ms31 جهة الكمية صار مربيا ذا نفس، ~~والآخر من أنه جوهر صار غذاء، من أجل أنه يحفظ الجوهر قائما ما كان مغتذيا ~~به. ثم يفعل توليدا: ليس الذى كان يغتذى به، بل مثل الذى ينال الغذاء: وليس ~~شىء يلد نفسه، ولكنه يحفظها لذلك. فيجب أن يكون بدء هذه النفس قوة يمكنها ~~حفظ ما هى فيه، والغذاء معين له على الفعل، من أجل أنه إذا عدم الغذاء بطل ~~كونه. — فلما كانت ثلاثة عددا: المغتذى، والغاذى، والذى يغتذى به قابل ~~الغذاء؛ وكانت النفس الشىء الغاذى، وكان المغتذى حاملها وهو الجرم، وكان ~~الذى يغتذى PageV01P040 به نفس الطعم، صار أول ما سميت به الأشياء التسمية ~~من غايات أفعالها. وغاية فعل هذه النفس أن تولد مثلها. ولذلك وجب أن تكون ~~النفس الأولى فى المرتبة النفس المولدة مثلها. — وأما «الذى يغذو البدن» ~~فهو على جهتين، كما أن سائس السفينة إنما يسوسها بشيئين: أحدهما يده، ~~والآخر سكانه. فأحدهما فاعل ومفعول به جميعا، وآخر فاعل فقط وباضطرار أن ~~كان كل غذاء فيه إمكان للنضج، وفاعل النضج الحرارة: من أجل ذلك وجبت ~~الحرارة لكل ذى نفس. # فقد قيل بالجليل من القول ما الغذاء. وسنوضح القول فيه أخيرا إذا صرنا ~~إلى الكلام الخاص به. ### || [chapter 10: II 5] 〈القوة الحاسة〉 # فإذ قد فصلنا ما قلنا فى هذه وشبهها، فهلم لنقول قولا جامعا فى كل حس. ~~وقد أخبرنا أن الحس إنما يكون إذا ألم وتحرك بالانفعال، وذلك أنه ضرب من ~~ضروب الاستحالة. وقد قال أقوام إن المثل يألم من مثله؛ وقد قيل كيف ذلك ~~〈يمكن〉 أو لا يمكن، ولا سيما فى جوامع الكلام قد قلنا عن الفعل والانفعال. ~~ولسنا بقائلين عنهما شيئا واحدا فى وقتنا هذا. — ولنا فى الحواس مسألة: لم ~~كانت لا تحس أنفسها، ولم لا تفعل حسا بغير وارد يرد عليها من خارج، إذ كان ~~فيها نار وأرض وسائر العناصر التى عنها يكون الحس بذاته، أو بما عرض له؟ ~~وهذا دليل على أن المدرك بالحس ليس هو حارس المدرك له إلا بالقوة ms32 وحدها، لا ~~بالفعل. ولذلك لا يحس منه مثل الشىء المحترق، فان PageV01P041 المحترق لا ~~يحترق فى نفسه دون المحرق له: ولو كان يحرق نفسه لقد كان نارا بالفعل ولم ~~يكن ليحتاج إلى غيره. — والإدراك بالحس مقول على جهتين: (وذلك أنا نقول إن ~~البصير والسميع بالقوة هما بصيران سميعان ولو كانا قائمين) والحس الفاعل ~~أيضا مفعول على جهتين: إحداهما بالقوة، والأخرى بالفعل. # فلنقل أولا إن التحرك والتألم، والفعل الذى لم يصل إليه — شىء واحد؛ وقد ~~قيل فى غير هذا الموضع إن الحركة فعل، إلا أنه ناقص. وإنما يألم كل شىء ~~ويتحرك بقعل يبدو من الفاعل فيصل إليه. لذلك قد يكون الشىء يألم من مثله، ~~ويكون شىء يألم من غير مثله، كالذى ذكرنا آنفا. وإنما يألم الشىء ما كان فى ~~نفسه غير مثل، فاذا وصل إليه التغير فألم، عند ذلك يصير مثلا. # ولنقسم أيضا القوة والفعل، ولنقل فى وقتنا فى هذا [فيها] قولا مجملا. ~~يزعم أن الإنسان من ذوات العلم وممن يتخذ العلم؛ ونقول إن الذى يحسن النحو ~~ذلك «عالم». وليس حال كل واحد من هذين فى التمكين من العلم بحال واحدة، لأن ~~أحدهما إنما قيل «عالم» كجنس من الأجناس وكهيولى، وأنه إذا أراد أمكنه ~~النظر، إلا أن يعوقه عائق من النوائب العارضة له من خارج. والآخر إنما قيل ~~«عالم» كمن قد نظر نظر العقل فعلم بالحقيقة أن هذا الحرف المشار إليه ~~«ألف». فهذان جميعا عالمان علما بالقوة، إلا أن أحدهما استحال ليعلم وانتقل ~~عن حال التضاد، والآخر فيه جدة العلم وحسه، فمثل الآخر ما طبيعته ألا يرى ~~أنه لا ببدأ فعله. — والانفعال أيضا ليس PageV01P042 بحال واحدة ولا ~~مبسوطة، لأن منه ما هو فساد ضده، ومنه ما هو سلامة الذى بالقوة، فسلامته ~~إنما تكون من ذى الفعل الشبيهة به. وليس يكون بحاثا نظارا إلا من كان له ~~علم بذاته، وما كان هكذا لا يجوز أن يستحيل (لأن منه وفيه تكون الزيادة، ~~وإنما ابداء الانطلاشيا وهو الفعل التام) 〈أو〉 ليس من جنس الاستحالة. لذلك ms33 ~~لا يحسن لقائل أن يقول إن الحكيم إذا حكم كان ذلك منه استحالة، كما أنه لا ~~يحسن أن يقول فى البناء إذا بنى: استحال. فليس فى الحق أن تسمى إحالة حركة ~~ذى القوة إلى الانطلاشيا فى موضع العلم والفهم تعليما، بل يجب أن يكسب لها ~~اسم غير التعليم. وأما ذو القوة مستفيد العلم والقابل له من العالم ذى ~~الانطلاشيا فذاك قد قلنا إما أنه لم يألم ولم يتغير بما استفاد كالذى ذكرنا ~~أولا، وإما كان تغيره أحد ضربين: أحدهما الانتقال عن حال العدم، والآخر ~~الانتقال إلى الغزيزة والطباع. # وأما الحاس فأول تغيره فانما يكون عنه من ساعته يصير إلى التعلم، كتغير ~~النفس بالعلم. فأما الإدراك بفعل الحس فحاله مثل الحال من النظر والفكر؛ ~~والفصل بينهما أن دواعى الحس إنما تكون من خارج مثل الشىء المنظور إليه ~~والمسموع به — وعلى هذا يجرى القول فى سائر الحواس. وذلك أن الحس بالفعل لا ~~يكون إلا من الأشخاص المفردة، وأن العلم للكل؛ وهذه ومثلها للنفس. والتفكر ~~إليه إذا شاء، وليس الحس إليه لأن إدراك المحسوس من الحس إنما يكون منه ~~بالاضطرار. وكذلك حالنا فيما ندرك من المحسوسة لعلمنا من أجل هذه العلة ~~بعينها، لأن المدركة بالحس إنما تدركها الأشخاص المفردة. # وسنوضح القول فيها فى غير هذا الوقت. وأما الآن لنفصل بقدر ما نثبت أن ~~«ذا القوة» لا يقال بجهة واحدة: وذلك أن منه ما هو شبيه بقول PageV01P043 ~~القائل إن الصبى تمكنه الفروسية، ويمكن من كان فى قامته مدركا: وكذلك حال ~~الشىء الحاس. ولكن لما كان الفيصل فيه لا تسمية له، لخصناه بالكلام أن ذا ~~غير ذا، وأخبرنا كيف ذاك الغير، وألجئنا إلى استعمال لفظة التألم ~~والاستحالة كأنها أسماء مسوقة على الحقائق. والحاس بالقوة شبيه بالمحسوس ~~بالفعل كما قيل؛ فالشىء يألم ما لم يكن مثل حتى إذا ألم صار شبيها مثل ذلك ~~الذى منه كان الفعل. ### || [chapter 11: II 6] 〈موضوعات الحواس〉 # فلنقل أولا عن كل حس بحياله، وعما تدرك الحواس. والمحسوس المدرك بالحواس ~~مقول على ثلاثة ms34 أوجه: اثنان منها تدرك بالذات، والآخر يدرك بالعرض. — وأحد ~~الاثنين خاص بكل حس، والآخر شائع بين جميعها. وأزعم أن الخاصى هو الذى لا ~~يمكن حسا من الحواس إدراكه غير الحس المختص به، ولا يمكن أن يغلط فيه: ~~كقولك: البصر يدرك اللون، والسمع يدرك الخفق والقرع، والمذاق يدرك الكيموس. ~~واللمس فصول عدة يقضى على جميعها، فلا يغلط؛ وليس يدرك اللمس القرع واللون، ~~وليس يدرك ما المتلون وأين هو، وما القارع والمقروع وأين هو. فهذه ومثلها ~~خواص كل حس. — وأما الشائعة لجميعها فهى الحركة، والسكون، والعدد، والشكل، ~~والعظم؛ وليس يختص شىء من هذه بحس من الحواس، وذلك أنا نجد اللمس والنظر ~~حركة محسوسة. — والمحسوس قد يكون محسوسا PageV01P044 بالعرض كقولك إن ~~الأبيض ابن فلان . فادراك المدرك إياه من هذه الجهة إنما هو يعرض من أجل أن ~~الذى طلب إدراكه عرض فى الأبيض وبالأبيض أدركه. ولذلك لا يزعم أن الحاس ~~يتألم من هذه الجهة بالمحسوس. — فأما المحسوسة بذاتها فلها أشياء خاصة ~~مدركة بغير عرض، وذلك بقدر جوهر كل حس من الحواس. ### || [chapter 12: II 7] 〈البصر والمبصرات〉 # فما اختص من الأشياء بالبصر فذلك منظور إليه. والمبصر لون، أو ما لا شبيه ~~له فى القول: وسيستبين ما نقول إذا تقدمنا إلى ما بين أيدينا. لأن المنظور ~~إليه لون، واللون من الأشياء التى ترى بذاتها. والذات فى هذا الموضع ليس ~~بعلة، بل العلة فيه التى صيرته منظورا إليه. وكل لون فهو محرك صفاء الوجود ~~بالفعل، وكذلك طباعه. من أجل ذلك ليس هو بمبصر بغير ضوء ألبتة كل لون، إنما ~~هو مبصر فى الضوء. لذلك فلنقل أولا ما الضوء. # إنه شىء ذو صفاء. وهذا الصفاء فى الجملة شىء منظور إليه لا بذاته، وإنما ~~ينظر إليه بسبب لون غريب داخل عليه؛ وكذلك الهواء، والماء، وكثير من ~~الأجساد الكثيفة، لأن الهواء والماء ليسا من الجهة التى هما فيهما هواء ~~وماء صار لذوى الصفاء صفاء، ولكن فيهما جميعا طباع له هذه الحال، وكذلك ~~الجسم الأعلى الروحانى. فالضوء فعل هذا الصفاء، وهو أيضا ms35 ظلمة فى القوة. ~~وأما الضوء فهو لون الصفاء إذا صار بالفعل؛ والذى يصيره هكذا إما النار، أو ~~ما أشبه النار كالجرم الأعلى، فان لذلك شيئا مفردا بحال واحدة غير منصرف. — ~~وقد قيل ما الصفاء وما الضوء، وأنه ليس PageV01P045 بنار ولا جرم ألبتة، ~~ولا صبيب من نار (ولوجب أن يكون جرما لو كان بهذه الحال)، ولكنه يظهر فى ~~الصقيل بحضور النار، أو ما أشبه النار: وليس يمكن لجسدين أن يكونا معا فى ~~الشىء بعينه. # وقد يظن أن الضوء ضد الظلمة، وأن الظلمة عدم جدة الضوء من الصقيل؛ ولا ~~محالة أن حضوره هو الضوء. — ولم يحسن أنبادقلس ولا غيره ممن زعم أن الضوء ~~يصير بين الأرض والهواء، فيذهب ذلك علينا ويخفى. وهذا القول يخالف العيان ~~ويخالف معنى الحق لأنه لو كانت المسافة صغيرة جاز أن يخفى، فأما مسافة ~~بعدها ما بين المشرق إلى المغرب فليست بصغيرة. # فما ليس له لون فذلك قابل اللون، وما لا قرع له فذلك قابل القرع. والصفاء ~~لا لون له وليس بمبصر أو مبصر بعد عسر كما ترى الشىء المظلم. وهكذا حال ~~الصقيل ما لم يكن حال صفاء بالفعل، لأن نفس طباعه هى مرة ظلمة، ومرة ضوء. — ~~وليس جميع الأشياء مبصرة فى الضوء، ما خلا لون الشىء الخاص به. وذلك أنا لا ~~نرى طوائف من الأشياء إذا كانت فى الضوء، وقد يمكننا رؤيتها إذا كانت فى ~~ظلمة: وهى الأشياء النارية المضيئة (وليس لمثلها اسم خاص لجميعها) ومنها ~~قرن حيوان يقال له موقس ورؤوس من رؤوس السمك وأعين من أعينها وقشور من ~~قشورها. وليس شىء من هذه يرى لونه فى الضوء، أعنى اللون الذى هو خاص له. ~~فان قال قائل: لأية علة لا تبصر هذه؟ فذلك قول آخر. — وأما فى وقتنا هذا ~~فقذ استبان أن الذى يرى فى الضوء هو اللون، ولذلك لسنا نرى بغير ضوء. ومن ~~هذه الجهة تحد آنية اللون بأنه محرك ذا الصفاء بالفعل؛ وفعل الصقيل الضوء. ~~— والشهادة القاطعة على هذا أنه لو أخذ أحد شيئا ms36 ملونا فوضعه على بصره لما ~~أبصره شيئا، لأن اللون يحرك صقيل الجو، وباتصال الهواء يتحرك الحس. — لم ~~يكن يحسن ذومقراط إذ ظن أن المسافة بين الناظر والمنظور إليه إذا كانت ~~خالية استقصى الناظر النظر، ولو كانت نملة فى السماء. وهذا ما لا يمكن. لأن ~~الحس إذا 〈تألم〉 بضرب من الضروب كان منه النظر؛ وليس يمكن أن يألم ~~PageV01P046 من اللون وحده — فيبقى أنه إنما يألم من الشىء المتوسط ما بين ~~المتلون والناظر: ولهذا يجب أن يكون بالاضطرار شىء واسط. وإذا كان المتوسط ~~خاليا، فالناظر لا يذهب عليه الاستقصاء فقط، بل ألبتة لا يرى شيئا. # قد قيل لأية علة كان اللون، بالاضطرار، غير مبصر إلا فى الضوء. وأما ~~النار فمدركة رؤيتها فى الظلمة والضوء؛ وذلك بالاضطرار، لأن صقل الجو إنما ~~يكون بالنار وما أشبهها. # وهذا القول بعينه يجرى على هذا المجرى فى القرع والرائحة، لأنه ليس منهما ~~شىء يفعل حسا بمماسة العضو الحاس، وإنما تتغير المسافة الواسطة بالرائحة ~~والقرع، ثم تتغير الحواس المدركة لها باتصال المسافة بها. فأما إن وضع أحد ~~شيئا مصوتا على السمع، أو وضع ذا رائحة على منخره لم يدرك بحسه شيئا منها. ~~— وكذلك يجرى القول فى اللمس والمذاق، إلا أنه ليس بظاهر. وسيتضح كيف ذاك ~~أخيرا، ولأية علة كان هذا هكذا. — وأما المتوسط بين الصوت والسامع فانه ~~الهواء، وليس للمتوسط بين الشام والمشموم اسم. وذاك أن هناك عرضا يجمع ~~الهواء والماء فى حال الاشتمام بقدر كما أن الصفاء للون، كذلك ما فى هذين ~~لذى الرائحة. فقد نرى ذوات الماء ولها حس الاشتمام، إلا أن الإنسان وما كان ~~متنفسا من ذوى الأرجل ليس يمكنه إدراك الرائحة بالاشتمام إلا أن يتنفس. ~~وسنخبر بعلة ذلك أخيرا. ### || [chapter 13: II 8] 〈السمع والقرع〉 # وأما الآن فلنفصل القول فى القرع والاستماع. والقرع فرعان: أحدهما ~~بالفعل، والآخر بالقوة. ومن الأشياء ما لا قرع له مثل النشافة PageV01P047 ~~والصوف؛ ومنها ما له قرع كالشبه وما كان كثيفا أملس من الأجساد، لأنه يمكنه ~~القرع، 〈أعنى أنه يمكنه فى الوسط〉 ms37 الذى بينه وبين السمع أن يحدث قرعا ~~بالفعل. — وإنما يكون القرع بالفعل إذا كان شىء يصدم شيئا، وذلك أن الضارب ~~هو الذى يفعل القرع. من أجل ذلك لا يمكن القرع أن يكون شيئا واحدا، والضارب ~~غير المضروب، كذلك المضروب إنما يقرع بصوته شيئا، والقرع لا يكون إلا ~~بحركة. وقد أخبرنا أن ليس كل ما اصطك من الأشياء حدث عنه قرع، لأن الصوف ~~إذا صك أو صك به لايفعل قرعا ألبتة، ويفعل ذلك النحاس وكل ما كان أملس ~~مقعرا: أما النحاس فمن أجل ملوسته، وأما المقعر من الأشياء فانما يحدث ~~الصوت عنه من أجل انطواء الجو فيه، ويفعل خفقات كثيرة بعد الخفقة الأولى، ~~ويبقى مسموعا طويلا، وذلك أن ما دفع القرع من الجو لا يمكنه الخروج سريعا. ~~وفى الماء قد يمكن القرع، إلا أنه قرع ضعيف. — وليس الجو ولا الماء علة ~~للقرع، لأن القرع يحتاج إلى أجسام كثيفة تصدم الهواء فيصدم بعضها بعضا. ~~وإنما يكون ذلك إذا ثبت الجو عند ضرب الضارب فلم يتبدد. لذلك إن ضرب ضارب ~~فأسرع وشدد ضربه أجاب الهواء بخفقة، لأنه ينبغى لحركة ضرب الضارب أن تسبق ~~تبدد الهواء، كمن ضرب شيئا من رمل. # وأما الصدى فانما يكون من جو واحد من أجل الإناء الذى حجز ومنعه أن ~~يتبدد، فيرجع مدفوعا بمنزلة الكرة. ويشبه أن الصدى أبدا كائن، إلا أنه لا ~~يستبين، وذلك أنه يعرض فى القرع ما يعرض فى الضوء إذ شعاع الضوء أبدا ينثنى ~~راجعا (ولولا ذلك لما كان ضوء ألبتة، ولكانت ظلمة فى كل ما كان خارجا عن حد ~~انبساط ضوء الشمس)، إلا أن انثناء الصدى ليس هو PageV01P048 بمثل ما يكون ~~من صدى الماء والنحاس أو سائر ذوى الملوسة، إلا أن يفعل ظلا، فيحد الضوء ~~بذلك الظل. # وأما الخلاء فنعم ما قيل إنه المستولى على السماع، فقد يظن بالهواء أنه ~~خلاء وأنه هو الذى يفعل السماع إذا تحرك باتصال الكل. 〈و〉 لسخافته وتخلخله ~~ما كان ليكون سماع، لو لا أن المضروب أملس: وإذا كان ms38 المضروب أملس كان ~~الهواء واحدا متصلا — وكذلك حال السطح الأملس. # فما كان محركا هواء واحدا متصلا إلى أن ينتهى إلى السمع، فذاك فعال ~~للقرع؛ والهواء مجانس للسمع، والقرع إنما يكون فى الهواء الخارج، فمتى ما ~~تحرك الهواء الخارج فحرك الهواء الداخل فينا، كان سماع. لذاك لم يكن كل ~~حيوان سميعا، وليس ينفذ الهواء الخارج إلى داخل. على كل حال هو لا لكل عضو ~~محرك ذى نفس — هواء [كالرطوبة للحدقة]. والهواء لا يكون له خفق لأجل سخافته ~~و〈لأنه〉 سريع التفرق والتشذب؛ فاذا عاجله الأمر قبل أن يتفرق كانت حركته ~~قرعا. وإذا كبت الهواء فى السمع فلئلا يكون منتقلا ولكى يستقصى بحسب إدراكه ~~جميع فصول الحركات. ولذلك لا نسمع فى الماء لأن الهواء لا يصل إلى الهواء ~~المجانس له المركب فينا، ولا إلى السمع يصل من أجل السماخات. وإذا كان هذا، ~~لم يسمع، ولا 〈أيضا إذا أ〉لم الشغاف، بمثل ما تألم جلدة الحدقة. والدوى ~~الذى يكون أبدا فى الأذن هو القابل على السمع، ولا نسمع: وذاك أن الهواء ~~أبدا محرك فى المسامع حركة خاصة 〈مثل القرن〉. أما القرع فانه 〈يظل〉 غريبا ~~ليس بأهلى. وكذلك يزعمون أن السماع يكون فى الخلاء الذى يحدث عنه وجبة لأنا ~~نسمع حيثما كان الهواء محدودا. PageV01P049 # وينبغى أن نعلم عن أى الأشياء يكون القرع: عن الضارب، أو عن المضروب، أو ~~عنهما جميعا بنوع من الأنواع؟ وإنما القرع حركة شىء يمكنه أن يتحرك حركة ~~واقع على جسم أملس، فبعد صدمه إياه ينبو راجعا عنه. وليس كل ضارب أو مضروب ~~يحدث عن اصطكاكهما قرع: كمثل الإبرة للإبرة. ولكن ينبغى للضارب والمضروب أن ~~يكونا أملسين، لكى ينبو الهواء عنهما فى حد اجتماع منه فيتحرك. # فأما فصول ذوى القرع فانما تعرف من الفعل. وكما أن الألوان لا ترى بغير ~~ضوء، كذلك الثقيل والخفيف لا يعرف بلا قرع. وإنما نقول: خفيف وثقيل فى هذا ~~الموضع باسم عارية من أسماء الأشياء الملموسة. لأن الخفيف الحاد يحرك الحس ~~كثيرا فى زمان قليل، والثقيل يحرك الحس ms39 قليلا فى زمان كثير، والثقيل بطىء ~~إلا أن أحدهما من أجل السرعة هذه حركته، والآخر من أجل الإبطاء. هكذا يشبه ~~أن يكون فى القرع شىء معادل لما يدركه حس اللمس من الحاد — وهو الأملس، ~~والكهام والململم. وذلك أن الحاد يفعل سريعا، والململم ينقل فعله؛ فمن أجل ~~أن أحدهما ينفذ فى قليل من الزمان والآخر فى كثير من الزمان يسمى أحدهما ~~سريعا والآخر ثقيلا. # هذا ما فصلنا فى القرع. فأما الصوت فانه قرع ذى نفس، لأن ما لا نفس له لا ~~يصوت: إنما يقال بالتشبيه كمثل السورناى واللورا وغير ذلك مما لا نفس له ~~وله طنين ولحن ونغمة. فان الصوت له هذه وما أشبهها. وكثير من الحيوان ليست ~~له أصوات، مثل الذى لا دماء لها، أو لها دم ولا تصوت كالسمك. وبحق أن يكون ~~هذا هكذا، إذا كان القرع حركة جو. وما قيل من الحيتان إنها تصوت مثل السمك ~~فى نهر أشالون، PageV01P050 فانها تفعل ذلك بمجارى الصدر التى يقال لها ~~برانخيا أو بشىء مما أشبهه. وإنما الصوت قرع حيوان، لا من كل عضو 〈أيا ~~كان〉. فلما كان الذى يحدث عنه بالقرع ضرب بشىء وهو الهواء، وجب أن يكون من ~~الحيوان مصوتا ما كان قابلا للهواء. وذلك أن الطباع يستعمل الهواء الذى ~~يتنسم به لأمرين، وكذلك استعماله اللسان لأمرين: أحدهما المذاق، والآخر ~~الكلام. فالمذاق لأن الحيوان إليه مضطر (〈ولهذا〉 صار موجودا فى الكثير)، ~~وأما العبارة فمن أجل الوجود صارت فينا، وكذلك حال الهواء الذى نتنسم ~~نستعمله لأمرين: أحدهما لتبريد الحرارة التى فينا (وقد قلت عنه فى موضع غير ~~هذا)، والآخر لحال الصوت ليكون أفضل وأجود. — فآلة النفس الحنجرة، والعضو ~~الذى من أجله كانت الحنجرة هو الرئة؛ وذوات الشىء من الحيوان أكثر حرارة فى ~~هذا العضو من غيرها. وأول ما يحتاج إلى تنسم الهواء من الحيوان موضع القلب ~~وما أحاط بالقلب. لذلك كنا مضطرين إلى اجترار الهواء داخلا. فالضربة التى ~~تفعلها نفس هذه الأعضاء بالهواء الذى نتنسم به فتصدم به الوريد، فهذه ~~الضربة ms40 هى الصوت. وذلك أن ليس كل قرع حيوان صوتا، كالذى قلنا (فقد يكون من ~~اللسان قرع، ويكون من غير اللسان مثل ما يكون حين نسعل)، وإنما يكون الصوت ~~من ضارب ذى نفس مع توهم. وذلك أن الصوت قرع 〈له〉 دليل على شىء، وليس هو قرع ~~الشىء، ولا الذى تنسم به كالسعال: لكنه هو صدمة هواء التنسم هواء الوريد ~~وجرم الوريد. والدليل على ذلك أن المتنفس لا يقدر من الصوت لا فى حد ~~اجتراره الجو، ولا فى حد دفعه إياه. وبهذا يستبين لم كانت السمكة لا صوت ~~لها، لأنه ليس لها حنجرة. وإنما عدمت هذا العضو من أجل أنها لا تقبل الهواء ~~ولا تتنسم به؛ ومن قال إنها متنسمة فقد أخطأ. والكلام فى علة: السمك لم ~~كانت لا تصوت ولا تتنسم — قول غير هذا. PageV01P051 ### || [chapter 14: II 9] 〈الشم والرائحة〉 # وأما القول فى الشىء المشموم وفى رائحته فانه أقل بيانا مما قيل وأعسر ~~تفصيلا. وذلك أنه ليس حال الرائحة يبين أى الأشياء هى، كبيان القرع والضوء ~~واللون. والعلة فى ذلك أن حس الاشتمام ليس بنقى فينا ولا جيد الاستقصاء، بل ~~هو فينا دون ما هو فى كثير من الحيوان. والإنسان يشتم بخسا الأهواء، ولا ~~يدرك بحس اشتمامه إلا ما استلذ أو كره، من أجل أن هذا الحس ليس هو بنقى ~~فيه. وكذلك قاسية الأعين من الحيوان لا تدرك الألوان جيدا، ولا معرفة عندها ~~بفصولها إلا بالخوف وغير الخوف. وكذلك حال بعض الرائحة عند جنس الناس. ~~وأصناف الكيموس معادلة فى المذاق لأصناف الرائحة إلا أن حس المذاق فينا أشد ~~استقصاء، إلا أن ذلك من أجل أنه ضرب من ضروب اللمس فى الإنسان جيد الإدراك. ~~فأما فى سائر أصناف الحس فالإنسان دون كثير من الحيوان ما خلا حس اللمس فان ~~له فضلا فيه على غيره من الحيوان. ولذلك كان الإنسان أحكم الحيوان. والدليل ~~على ذلك ما نراه فى جنس الناس منسوبا إلى حس اللمس من ذكاء الطباع ورداءته، ~~وذلك أن من كان جاسى اللحم فلا ms41 ذكاء لطباعه، ومن كان لين المجسة فى ملامسته ~~دل ذلك على ذكاء الطباع. # وكما أن الكيموس منه حلو ومنه مر، كذلك فى الرائحة: منها ما يعادل ~~الكيموس فتكون رائحته حلوة مثل الكيموس الحلو، ومنها ما هو على خلاف ذلك. ~~وفى الرائحة 〈منها ما هى〉 حريفة، ومنها عفصة، ومنها حامضة، ومنها ~~PageV01P052 دهنية. وقد قلنا إن أصناف الرائحة، لما لم تكن 〈أوضح〉 للتسمية ~~جنسا من أصناف الكيموس، 〈فان〉 ذلك ألجأنا إلى استعارة أسماء الكيموس ~~فوضعناها بالتشبيه أسماء لأصناف الرائحة. فالرائحة الحلوة رائحة زعفران طيب ~~وعسل، والرائحة الحريفة رائحة شىء معادل للصعتر وطعم شىء معادل للصعتر. ~~وكذلك يجرى القول فيما بعد ذلك من الرائحات. — وكما أن كل واحد من الحواس ~~مخصوص بما هو له: فمنها قاض على مسموع وغير مسموع، ومنها قاض على مبصر وغير ~~مبصر، كذلك المنخر يقضى على ذى الرائحة وما لا رائحة له. وإذا قلنا شىء لا ~~رائحة له أو غير مشموم، فذلك إما لأنه لا يمكنه أن تكون له وائحة ألبتة، ~~وإما كانت له رائحة يسيرة. وكذلك يقال 〈ء〉 ما لم يكن بمذوق. # والاشتمام يكون بالمتوسط، من الماء والهواء، وذلك أن ذوات الماء موجود ~~لها حس الاشتمام، وكذلك ما كان له دم من الحيوان وما لا دم له، كالتى فى ~~الجو، فان طائفة منها لمكان اشتمامها قد تنزع الى الطعم من بعد بعيد. — ~~ولذلك ترى كيف صار الجميع يشبه بعضه بعضا فى حد الاشتمام، والإنسان لا يشتم ~~فى حال إخراجه النفس ولا فى إمساكه إياه، لا إن دنا منه المشموم ولا إن بعد ~~، ولا لو وضع على منخره، لكنه يفعل ذلك فى حد استنشاقه (ذهاب الرائحة على ~~الحس الشام إذا وضع عليه المشموم — شىء شائع لجميع الحيوان؛ وأما أن لا ~~يدرك المشموم بغير تنسم فهذا خاص للإنسان: ومن رام ذلك عرف حقيقته). فلما ~~كان الحيوان الذى لا دم له غير متنسم صار له ضرب من الحس غير الضروب ~~المعروفة، إلا أن ذلك لا يمكن إذا كان هذا الضرب من ms42 الحيوان مدرك الرائحة ~~بحسه، لأن الحس بذى الرائحة إنما هو اشتمام لذيذ وكريه. وبدن هذا الحيوان ~~قد يفسره ما يفسد الناس PageV01P053 من شديد الرائحة الكريهة مثل الكبريت ~~والاسفلطوس وما شاكل ذلك. لأنه لا يشتمه إلا بالاضطرار ولا يتنسم. — فهذا ~~الحس من الاشتمام له فى الناس فصل يفرق بينه وبين سائر الحيوان، كالفرق بين ~~سائر الحيوان وبين قاسية الأعين، وذلك 〈أن〉 لأكثر أعين الحيوان حجبا وسترا ~~وأغطية. وما لم يحركها الحيوان ولم يرفعها عن العين لم ير شيئا، 〈أما〉 ذوات ~~القساوة فى أعينها فليست محتاجة إلى شىء من هذا، بل قد تدرك ما كان فى صفاء ~~الجو من ساعتها. وكذاك حس الاشتمام فى بعضها لا حجاب له كالأعين التى ~~ذكرنا، وأما قابل الهواء من الحيوان فلحس اشتمامه حجاب إذا تنسم ارتفع، ~~فتعرض الأوراد وتتسع المجارى. من أجل ذلك لم يكن للمتنسم من الحيوان فى ~~الاشتمام فى الماء: لأنه مضطر إلى الاشتمام بالتنسم، وليس يجد إلى ذلك ~~سبيلا وهو راكد فى الماء. الرائحة إنما هى للشىء اليابس، كما أن الكيموس ~~للرطب؛ فحس الاشتمام يدرك الأشياء بالقوة. ### || [chapter 15: II 10] 〈الذوق والطعم〉 # وأما حس المذاق فانما يدرك بالملامسة، وعلة ذلك أن المحسوس بالمذاق لم ~~يدرك بالمتوسط بين الذائق والمذوق وذلك هو جسم قريب: ولا إدراك اللمس بهذه ~~الجهة. ولا الكيموس المذوق فى الجرم كرطوبة فى هيولى؛ وهذا ملموس كذلك. ولو ~~كنا فى الماء لأحسسنا إذا اختلط به شىء حلو؛ وما كان ليكون إدراكنا ذلك ~~الحلو بشىء متوسط بيننا وبين الماء، بل إنما ذلك يدرك بمخالطة الحلو الرطب، ~~كالذى تراه فى الشراب. وأما اللون فليس يدركه بهذه الجهة من الخلط أو ~~البصيص. كما أن المتوسط ليس هو بشىء؛ وأما اللون فشىء منظور إليه، كذلك ~~الكيموس مدرك بالمذاق. وليس شىء PageV01P054 من الأشياء يجد ريح كيموس بغير ~~رطوبة هى له إما بقوة وإما بفعل: كالشىء المالح، إذ المالح يذوب فى نفسه ~~سريعا، ويذيب اللسان بعض الإذابة. # وكما أن البصر يقضى على المرئى وغير المرئى (مثل الظلمة، فانها ms43 غير مرئية ~~ولا مبصرة) ويقضى على المفرط فى نوره المستضىء جدا (فانه كالظلمة غير مبصر، ~~بضرب من الضروب 〈غير الظلمة〉)، كذلك السمع يقضى على القرع والسكت (وأحد ~~هذين مسموع، والآخر غير مسموع)، ويقضى أيضا على القرع العظيم، كقضاء البصر ~~على المستضىء المستنير، وكما أن القرع الخفى الضعيف والعظيم الفظيع ليسا ~~بمسموعين (أما أحدهما فلضعفه، والآخر فلأضداده)، كذلك الشىء الذى ليس بمبصر ~~إما لم يبصر لأنه لا إمكان فى رؤيته، وإما لم يبصر لغاية قلته كصغير الأرجل ~~من الحيوان يقال لا أرجل له، ومن الثمار ما خفى عجمه قيل لا عجم له، — ~~وكذلك يقضى الذوق على المذوق، 〈وغير المذوق〉 إما لضعفه وقلته، وإما أن يكون ~~فيه كيموس مفسد قوة الذوق، كالنور المفرط للبصر، والقرع العظيم للسمع. ونرى ~~أن قانون هذا الحس 〈هو〉 الشىء المشروب وغير المشروب، وذلك أن كليهما ضرب من ~~المذاق، إلا أن أحدهما مفسد الحس، والآخر يجرى مجرى الطباع. فالمشروب شىء ~~شائع يجمع حس اللمس والذوق. — والحس المدرك له مضطر أن لا يكون رطبا ~~بالفعل، ولا غير ممكن لقبول الرطوبة. وذلك أن حس المذاق يألم من المذوق من ~~جهة طعمه وذوقه. PageV01P055 فالحس المدرك لهذه ومثلها ليس برطب. والدليل ~~على ذلك أن اللسان يدرك الذوق ما لم يكن يابسا جدا ولا رطبا جدا: وهذا ~~الإدراك يكون للرطب الأول، كمن قدم مذاقة كيموس شديد المذاق ثم ذاق غيره ~~بعده، وكالذى يعرض للمرضى فان جميع الأشياء 〈مرة〉 فى أفواههم، من أجل أن ~~اللسان مملوء من رطوبة ذات مرارة. # وأنواع الكيموس كأنواع الألوان: الأطراف منها متضادة كالحلو والمر؛ وأوفى ~~من هذين ويزيدهما: الدسم والمالح؛ وبين هذين الحريف والعفص، والقابض ~~والحامض. فهذه الضروب أكثر ما نجد من فصول الكيموس فالمذاق ما كان بالقوة ~~ذائقا، والمذوق هو المخرج لذلك إلى الفعل. ### || [chapter 16: II 11] 〈اللمس والملموس〉 # والقول يجرى على هذا النحو فى اللمس والملموس، لأن اللمس إن لم يكن حسا ~~واحدا مفردا وكان كثيرا فى العدد، فحرى أن يكون الملموس من جهة الإدراك ~~معادلا له فى ms44 الكثرة. ولسائل أن يسأل: أكثيرة أصناف حس اللمس؟ أو إنما هى ~~واحد مفرد؟ — وما الجزء الحاس المدرك لحس اللمس: اللحم، أو غيره؟ أو إنما ~~هو شىء متوسط، والحاس الأول غيره وهو داخل؟ # وكل حس إنما يقضى على تضاد واحد: كالبصر على الأبيض والأسود، والسمع على ~~الحاد والثقيل، والذوق على المر والحلو؛ فأما الملموس فان فيه تضاد أشياء: ~~حار وبارد، ورطب ويابس، وجاس ولين، وما أشبه ذلك. — ولهذه المسألة جواب، ~~وهذا جوابها: أن سائر الحواس 〈يدرك〉 تضادا كثيرا: 〈مثل〉 الذى نراه فى ~~الصوت، فان السمع يقضى على الحاد PageV01P056 من الأصوات والثقيل، وعلى ~~العظيم والصغير 〈و〉على اللين والخشن، وعلى كثير من فصول الأصوات. واللوان ~~أيضا 〈له〉 فصول كثيرة. إلا أنه ليس يتبين أن موضوع اللمس شىء واحد، كالقرع للسمع. # 〈ولكن، هل عضو الحس〉 موضوع داخل، 〈أو ليس كذلك〉، 〈أو لعله هو اللحم ~~نفسه؟〉 واللحم إذا مس ففعل على ملامسة اللامس إياه لم يكن ذلك بدليل على ~~شىء. وذلك لو أن رجلا مد شغاف اللحم على سطح اللحم، لكان إذا مس مدركا بحسه ~~ما كان يدركه قبل ذلك؛ وهذا يستدل أن الحس فى اللحم. ولو أن الشغاف انشق ~~انشقاقا، كان ذلك أسرع فى نفوذ الحس. لذلك فان هذا الجزء الحاس من الجرم ~~يصير إلى أن يكون ملامسا لنا كاحداق الجو بنا. وقد كان يجوز الظن فى أن ~~إدراكنا حس القرع واللون والرائحة إنما هو لشىء واحد حساس، لو لا أن الذى ~~به تكون حركاتها ظاهر الفصل، فان كل واحد منها غير الآخر. وليس هو ببين فى ~~حس اللمس. — لأنه لا يمكن الجرم ذا النفس أن يكون من هواء وماء، لأنه لابد ~~له من أن يكون كثيفا. والكثيف لابد من أن يكون خلط من أرض وغير ذلك، مما ~~يكون جزء منه اللحم. لذلك وجب بالاضطرار أن يكون الجرم متوسطا بين اللامس ~~والملموس، وبه كانت الحواس كثيرة. والدليل على أنها كثيرة إدراك اللمس ~~وحسه، لأن الحيوان يدرك بهذا العضو جميع الأشياء الملموسة ويدرك الكيموس. ~~ولو ms45 كانت سائر أجزائها من اللحم تدرك الكيموس، أظن أن الذوق واللمس 〈يبدوان ~~لنا حينئذ كأنهما〉 حس واحد: وقد نراهما اثنين، 〈وذلك〉 أن العكس لا يجب. # ولسائل أن يسأل فيقول: لكل جسم عمق، والعمق أحد ثلاثة أنحاء الجسم، وكل ~~جسمين يتوسطهما جسم فليس يماس بعضها بعضا، والرطب PageV01P057 ليس يكون ~~بغير جسم، وكذلك الهواء ليس بغير جسم، بل يلزمه بالاضطرار: إما كان ماء أو ~~يكون فيه شىء من ماء؛ والتى يماس بعضها بعضا فى الماء، إذا لم تكن فى غاية ~~اليبس، يلزم بالاضطرار أن يكون منها ماء، وتكون أطرافها وأواخرها نازلة من ~~ذلك الماء؛ وإن كان هذا حقا فليس يمكن شيئين مماسة بعضهما بعضا فى الماء؛ ~~وعلى هذا النحو يجرى القول فى الهواء (فكذلك حال الهواء عند ما فيه مثل حال ~~الماء عندما فيه؛ إلا أنه يذهب علينا، فلا نعلم أم كل ما فى الهواء يماس ~~بعضه بعضا كمماسة الحيوان الذى فى الماء). # ولكن: هل جميع الحيوان على نحو واحد تدرك بحسها، أم هناك فصول تفرق بعضها ~~من بعض، كالذى يظن بالمذاق واللمس فانهما يدركان الأشياء باللمس، وسائر ~~الحواس لا تدراك الأشياء إلا من بعد؟ إلا أن ذا ليس كذا: لأنا لا ندرك ~~الجاسى واللين بأشياء أخر مثل إدراكنا ذا الصوت والمنظور اليه والمشموم، ~~إلا أن بعضها عن بعد، وبعضها عن قرب: لذلك يخفى علينا، ونحن مدركون جميعها، ~~المتوسط بينها. 〈ونحن على كل حال ندرك الأشياء جميعها عن طريق متوسط〉، إلا ~~أن ذاك خفى فى بعضها. وكما قلنا أولا، لو أن شيئا رقيقا كان بيننا وبين ~~الأشياء الملموسة لأدركناها، ويخفى ذلك الشؤء الدقيق علينا، كالذى يصيبنا ~~فى مماستنا الماء والهواء: فانا نظن أنا نماسها بغير شىء متوسط بيننا ~~وبينها. إلا أن بين الملموس، وبين المنظور اليهما وذوات القرع — فرقا لأن ~~الادراك المنظور اليه والمسموع إنما يكون بما يحدث عن المتوسط مما يفعله ~~بنا. وليس إدراكنا الملموس بالمتوسط وحده، ولكنا ندركه مع المتوسط، كالذى ~~يكون قرع 〈من خلال〉 الترس، فانه لم يقرع ثم ms46 قرع من بعد، لكنه عرض أن أحدنا ~~قرع الفريقين معا. — وفى الجملة كما أن حال الهواء والماء عند البصر والسمع ~~والاشتمام PageV01P058 كذلك حال جزء اللحم واللسان عند حس اللمس. فأما إذا ~~أحس العضو الحاس من البصر والسمع والاشتمام، فليس هناك حس لا من بعيد ولا ~~من قريب، كقولك إن وضع أحد جزءا ما فى غاية البياض على بصره. 〈ومن هذا ~~يتبين أنه〉 فى داخل الحس 〈تكون〉 المدركة لذوات اللمس، 〈وبهذا النحو وحده〉 ~~كان الذى يعرض له كالذى يعرض لغيره من الحواس: لأنه إذا وضع الشىء على ~~العضو الحاس، ما خلا حس اللمس، فليس يدرك؛ وإذا وضع على جزء من أجزاء اللحم ~~أحس به؛ لذلك قلنا إن اللحم متوسط بين اللامس والملموس. # ففصول الجرم، من جهة جرمه، ملموسة جميعا: وأزعم أن هذه الفصول المفرقة ~~بين الاسطقسات: بين الحار والبارد وبين اليابس والرطب التى قيل عليها أولا ~~فيما تكلم من العناصر. وحسها اللمس، والجزء الذى هو الحس له أول بالقوة؛ ~~فأما الادراك به فانه ضرب من ضروب التألم، فكما حال الفاعل على حد فعله ~~كذلك حال ذى القوة فى قوته. ولذلك لسنا نحس بالحار والبارد والجاسى واللين ~~إذا كانت متشابهات، وإنما ندرك ما تأتى فأفرط، لأن الحس كشىء واحد واسط بين ~~تضاد المحسوسة. ولذلك يقضى عليها، والمتوسط أبدا قاض فاصل، لأنه عند كلا ~~الطرفين كواسط واحد منهما بالسواء. وكما أن المهيأ لادراك الأبيض والأسود ~~بحسه فينبغى أن لا يكون بالفعل واحدا منهما بل يجمعهما بالقوة (كذلك ينبغى ~~لسائر الحواس)، 〈فكذلك〉 اللمس خاصة لا يكون حارا ولا باردا. — وكما أن ~~البصر قاض على المنظور اليه وما ليس منظورا (وسائر الحواس على ما أشبه ذلك ~~من التضاد)، فكذلك اللمس يقضى على الملموس وغير الملموس. وإذ قلنا غير ~~ملموس فذاك أحد شيئين: إما شىء ليس له فصل ذوات اللمس، إلا أقل قليل يكون، ~~كالهواء، أو ما كان مفرطا فى حد اللمس مفسدا للحس. PageV01P059 # قد قيل 〈فى كل〉 واحدة من الحواس على المنهاج. ### || [chapter 17: II 12] 〈النظرية ms47 العامة للإحساس〉 # وينبغى أن نقول 〈قولا〉 جامعا فى جميع الحس. إن الحس قابل الصور المحسوسة ~~بغير هيولى، كقبول الموم [على] نقش الخاتم بغير الحديد وغير الذهب، والموم ~~يأخذ المثال الذهبى ومثال الشبه، وليس ذلك 〈على〉 أنه شبه أو ذهب؛ فكذلك ~~الحس: يألم مما كان له لون أو كيموس أو قرع، ليس أنه يصير كواحد منها، لكنه ~~يصير بصفة كذا، وكذا محتمل للحد. — فالحس الأول فيه هذه القوة. وهو بحال ~~واحدة، إلا أن له غيرة من جهة آنيته: وذلك أن المدرك للشىء بحسه له عظم ~~وجسم، وليس الحس فى نفسه كذلك لأنه ليس بجسم ولكنه معنى من المعانى وقوة ~~ذلك الحس. — ومن هذا سيتبين لم كان إفراط الأشياء المحسوسة يفسد الحواس، ~~لأن الحركة التى تصل من المحسوس إلى الحاس إذا كانت أقوى من المدرك لها فسد ~~المعنى الذى هو الحس، مثل طنين الأوتار وصياحها إذا شددتها فارتفع طنينها. ~~— و〈هذا يفسر〉 النامية لم لا تحس، ولها جزء من أجزاء النفس، وقد تألم من ~~الملموسة، وذلك أنها تبرد وتسخن. والعلة فى ذلك أنها لا تحس أنه ليس لها ~~تقدير التوسط والاعتدال، وليس فيها إمكان لقبول الصور المحسوسة، ولكنها ~~تألم مع الهيولى. # وللسائل أن يسأل: هل يألم [الشىء] من الرائحة الذى لا يمكنه الاشتمام، أو ~~يألم من اللون ما ليس فيه إمكان النظر من العين؟ وكذلك يجرى القول فى ~~PageV01P060 سائرها. وإن كان المشموم هو الرائحة، فالرائحة تفعل الاشتمام. ~~وإذا ليس يمكن شيئا لا يمكنه الاشتمام أن يألم من الرائحة، (ومثل هذا يقال ~~عن سائر الحواس)، فليس هذا بممكن 〈حتى بالنسبة إلى الأشياء القادرة على ~~الحس〉 إلا أن يكون كل واحد منها حاسا. وهذا بين من جهة أخرى، لأن الضوء ~~والظلمة والقرع والرئحة لا تفعل أجساما، وإنما تفعل ذلك بالذى هى فيه ~~كالهواء مع الرعد فانه يشق الخشب. — والملموسة والكيموس تفعل ذلك، لأن التى ~~لا أنفس لها إن كانت لا تألم من شىء ولا تستحيل، فلا محالة أنها ولا هى ~~أيضا تفعل؛ ولا يكون كل ms48 جسم يألم من الرائحة والقرع. والذى يألم فيتغير غير ~~محدود وغير ثابت على حاله كالجو، فانه إذا ألم وتغير فاحت رائحته. فما 〈ذا ~~عسى أن يكون〉 الاشمتام، إذا كان غير التألم؟ — إلا أن يكون الاشتمام ~~الادراك بالحس مع تصيير الهواء محسوسا سريعا. # [تمت المقالة الثانية من كتاب «النفس» لأرسطو] PageV01P06 ~~1 ### | [book 3] ### || [chapter 18: III 1] # بسم الله الرحمن الرحيم 〈والصلاة على〉 محمد وآله أجمعين ### ||| المقالة الثالثة من كتاب أرسطاطاليس «فى النفس» ### ||| 〈وجود حس سادس. — الحس المشترك ووظيفته الأولى〉 # من هذا الذى نحن قائلوه يقتنع من طلب علم النفس أنه ليس حس غير الحواس ~~الخمس، أعنى البصر والسمع والشم والذوق واللمس. — وذلك أنه إن كان لكل حى ~~حس لمس ونحن ذوو حس وندرك جميع ما يعرض للملموس، لمسا، فبالاضطرار أنه إن ~~بطل حس واحد بطل من أجله عضو حاس. وإن كل ما أحسسنا به عند مماستنا إياه ~~إنما ندركه باللمس، وما لم ندركه بمماسته إنما ندركه بمتوسط بيننا وبين ~~الملموس، كالهواء والماء. وهذا هكذا، فلذلك إن كنا ندرك بحس واحد أشياء ~~كثيرة مختلفة فى جنسها، فبالاضطرار أن من له كهذا الحس يدرك أشياء كثيرة ~~مختلفة فى جنسها (كقولك إن كان الحس من هواء، فالهواء 〈متوسط〉 القرع ~~واللون)؛ ولغير ذلك إن كانت الحواس شيئا واحدا مدركة شيئا واحدا (كاللون، ~~والهواء والماء شىء واحد لأن كليهما ذو صفاء) فمن انفرد بأحدهما أدرك ما ~~كان مدركا بكليهما. — فتكون PageV01P062 الحواس من هذين المتوسطين فقط، ~~أعنى الماء والهواء (وذلك أن الحدقة من ماء، والسمع من هواء، والشم من ~~كليهما)؛ ثم لا تصير النار حاسة لشىء واحد، بل تكون شائعة بينهما (لأنه ليس ~~يكون شىء حاس بغير حرارة)؛ وكذلك الأرض إما لم تكن لشىء من الحواس، وإما ~~كانت بالحرى للمس مخالطة له مختصة به. وآخر ما تحصل أنه لا يثبت حس من غير ~~هواء وماء. وقد نهى هذان لبعض الحيوان. فلا محالة أن جميع الحواس موجودة ~~فيما لم يكن منقوصا أو معلولا، وقد نرى الخلد وله أعين تحت جلده. ms49 لذلك إن ~~لم يكن 〈جسم〉 آخر أو عرض غير ما يعرف لما شاهدناه من الأبعاد، فليس يتعطل ~~حس من الحواس. # ولا يمكن أيضا أن يكون حس خاص يجمع بالعرض كل ما تدركه الحواس على حال ~~انفرادها: مثل الحركة، والوقوف، والشكل، والعظم، والعدد، والواحد. فجميع ~~هذه تدرك بالحركة، كالعظم فانه لا يعرف إلا بحركة؛ وكذلك الشكل، وهو ~~الاسكيم، لا يعرف إلا بحركة لأنه ضرب من ضروب العظم؛ وأما الوقوف فانما ~~يدرك بلا حركة؛ وأما العدد فانما يدرك بأفوفاسيس الاتصال وبما كان له خاصا، ~~وذلك أن كل حس إنما يحس بشىء واحد. — وبذلك يستبين أنه لا يمكن حسا من ~~الحواس الاختصاص بجميعها، كقولك بالحركة: وإلا جاز أن يدرك الحلو بالبصر. ~~(ولنا فى حسنا إدراك الأمرين، وإنما نعرف ذلك إذا اتفقا). وإلا فلسنا ~~ندركها ألبتة إلا بالعرض كقولك فى فلان: ابن سفرون، فانه ابنه وهو أبيض؛ ~~والبياض إنما هو عرض فى ابن سفرون. فأما الأشياء المشاعة من الحواس فنحن ~~مدركوها بلا PageV01P063 عرض؛ ولا محالة أنه ليس لما ذكرنا حواس خاصة لها، ~~وإلا ما حسنا للحس بها إلا على ما يليق بها من ذلك الحس كالذى قلنا إنما ~~نرى ابن سفرون هو أبيض. وقد يدرك الحس بالعرض ما كان خاصا لغيره من الحواس، ~~وليس ذلك على حال اجتماع من الحواس. بل إنما يكون ذلك فى الحس الواحد إذا ~~اجتمع شيئان فى شىء واحد، كمثل لون المرة وطعم مرارتها، وليس يدرك الحس ~~هذين الشيئين إلا كشىء واحد. ولذلك يغلط: فان كان شيئا أصفر ظن أنه مرة. # وللطالب أن يطلب لم صارت لنا حواس كثيرة، ولم يكن حسا واحدا: وإنما كان ~~ذلك لئلا تذهب علينا لواحق الحواس المشاعة بين جميعها: وهى الحركة والشكل ~~والعظم والعدد. ولو كان الحس واحدا كالبصر، والبصر مدرك البياض، لذهب علينا ~~ما خلف ذلك، و[إن] كان فى الأبيض الجميع، من أجل أن اللون والجسم يلحق ~~أحدهما الآخر فيصيران معا. فلما كانت المشاعة السائحة بين الحواس موجودة فى ~~محسوس آخر، استبان أن كل ms50 واحد منها غير صاحبه. ### || [chapter 19: III 2] 〈الحس المشترك: وظيفتاه الثانية والثالثة〉 # ولكن إذ كنا مدركين لما رأينا وسمعنا، وجب بالاضطرار أن يكون إدراك البصر ~~لما رأى: إما بنفسه، وإما بشىء غيره. أو يكون مدركا نفسه، ومدركا للون ~~الموضوع. من أجل ذلك إما كان شيئان يدركان شيئا واحدا، وإما كان البصر ~~مدركا نفسه. وإن كان للبصر حس هو غيره فذاك ما ذهب على القسمة إلى ما لا ~~غاية له، أو رجع فكان مدركا نفسه؛ ويلزم هذا القول الحس الأول. — وفى هذا ~~أيضا مسألة: لأنه إن كان الادراك بالبصر هو PageV01P064 النظر إلى الشىء، ~~والمنظور اليه لون أو كان له لون، فالانسان إذا نظر إلى المنظور فأول ما ~~ينظر إلى لون، فاللون أول منظور اليه. وبهذا يستبين أن الادراك بالبصر ليس ~~هو شيئا واحدا: لأنا قد نرى وإذا لم نر، فنحن قاضون على الضوء والظلمة، لا ~~على نحو واحد. وأيضا إنما حال الناظر حال بقدر تلونه، لأن الحس يقبل ~~المحسوس بغير هيولى؛ لذلك تثبت فى الحواس صور المحسوس وآثارها بعد مفارقتها إياه. # وصار فعل المحسوس والحس شيئا واحدا، إلا أنه فى حد آنيته ليس بشىء واحد. ~~ومثال ذلك القرع والسمع بالفعل: فقد يكون سمع لسامع فلا يسمع، وقرع لذى قرع ~~فلا يقرع. فاذا فعل الذى يمكنه القرع والسمع قرعا وسمعا، عند ذلك يصير ~~السماع والقرع بالفعل معا. — وإن كانت الحركة والفعل والألم فى المؤلم ~~والمفعول فبالاضطرار أن القرع والسمع بالفعل هما بالقوة فى حد الآنية؛ لأن ~~فعل الفاعل وحركة المحرك إنما تنتهى إلى المفعول به، لذلك لم يكن المحرك ~~مضطرا أن يتحرك. ففعل ذى القرع قرع، وفعل السميع سماع وإنصات: وذلك أن ~~السمع على جهتين، والقرع على جهتين. وعلى هذا النحو يجرى القول فى سائر ~~الحواس والمدركة بالحواس. وكما أن الفعل والانفعال إنما يكونان فى المفعول ~~لا فى الفاعل، كذلك فعل الحس والمحسوس فى الحاس. إلا أن هذا الفعل فى بعض ~~الأشياء مسمى، وفى بعض الأشياء ليس بمسمى. ففعل البصر يسمى نظرا، والفعل ms51 من ~~اللون لا يسمى؛ وفعل حس الذوق يسمى ذوقا، ولا يسمى الذى يكون عن الكيموس. — ~~فاذا كان فعل المحسوس والحاس فعلا واحدا، وليسا من جهة الآنية بشىء واحد، ~~فبالاضطرار أن السماع والقرع والكيموس والذوق على هذا النحو قد يفسد ويحفظ ~~معا 〈وكذلك سائر الحواس والمحسوسات. أما المحسوسات التى〉 حالها بالقوة ~~فليست بمضطرة إلى هذا، وإن 〈الفسيولوجيين〉 القدماء الذين تكلموا به فى ~~الأشياء الطبيعية لم يحسنوا فيما قالوا، وذلك أن الظن غلب عليهم فى أنه لا ~~أبيض PageV01P065 ولا أسود بغير بصر 〈ولا كيموس بغير ذوق〉. فهذا القول من ~~جهة يصح ومن جهة لا يصح. وذلك أن الحس والمحسوس مقول على جهتين: أحدهما ~~بالقوة، والآخر بالفعل، 〈ففى الأخيرة〉 يعرض ما قلنا، ولا يعرض ذلك لغيرها؛ ~~وكان أولئك يقولون قولا كليا فيما لا يجوز عليه معنى الكلية. # وإن كان الاتفاق فى الأصوات صوتا، والصوت والسمع شيئان فى حال واحد، ~~واتفاق الأصوات معنى من المعانى، فبالاضطرار أن السمع معنى. ولذلك صار كل ~~مفرط من حاد وثقيل يفسد السمع، وكذلك المفرط من الكيموس يفسد المذاق، 〈و〉فى ~~الألوان المفرط فى النور والأبيض جدا مفسد للبصر، وكذلك حال الشم كانت التى ~~شديدة: إما فى الشدة من الحلاوة، وإما فى شدة من المرارة فذلك مفسد قوة ~~الشم — وهذا دليل أن الحس معنى من المعانى. من أجل ذلك كانت المحسوسة لذيذة ~~عند الحس، إذا دنت اليها 〈بعد أن كانت نقية〉 وليست مخالطة لغيرها: كالحامض، ~~والحلو والمالح. والخلط فى الجملة 〈أكثر〉 اتفاقا 〈من الخفيف أو الثقيل〉؛ ~~والحار والبارد عند اللمس كذلك. وأما الحس فهو المعنى، ومتى أفرطت هذه ~~أفسدت به وأفسدته. # فكل حس إنما هو لمحسوس موضوع فى عضو خاص، ويقضى على فصول ذلك الموضوع: ~~كقولك البصر يفصل بين الأسود والأبيض، والذوق يفصل بين الحلو والمر. وعلى ~~هذا النحو يجرى القول فى سائر الحواس. ولكنا إذ كنا نقضى على الأبيض والحلو ~~وعلى كل واحد من المحسوسة، فبماذا ندرك فصلها، إلا بالحس إذ كانت محسوسة؟ ~~وهذا دليل أنه ليس فى جزء ms52 PageV01P066 اللحم غاية الحس، وإلا كان يجب ~~بالاضطرار أن يقضى على كل شىء يماسه. ولا يمكن القاضى، فى حد القضاء، أن ~~يقضى على أشياء متفرقة فيقول إن هذا الحلوغير الأبيض، ولكن ينبغى أن يكون ~~الأمران جميعا واضحين له. وكذلك لو أحسست أنا بشىء وأحسست أنت بغيره، لكان ~~يخفى علينا أن هذا غير ذلك فى المدرك منهما، والواجب أن يكون الواحد فاصلا ~~بين الأمرين وقائلا إن الحلو غير الأبيض، وهو قائل لا محالة؛ وكما يقول، ~~كذلك يفكر ويحس. — وقد استبان أنه لا يمكن المنفرد أن يقضى على أشياء ~~متفرقة؛ وكذلك أيضا لا يمكن أن يكون هذا القضاء منه فى زمان متفرق، لأن ~~الواحد يقول إن هذا خير وهذا شر، كما أن يفصل بينهما. كذلك وإذا قال بأحدها ~~لم يقل بعرض من الزمان، وذلك أنه الآن إن هذا غير ذلك، وليس بالآن صار ~~غيره، إلا أنه يقول بالآن من أجل أنه يلزمه ذلك الآن، فلا محالة أنهما معا ~~غير متفرقين فى زمان غير متفرق. # إلا أنه لا يمكن الشىء بعينه أن يتحرك حركات متضادة، وهو غير مجزأ فى ~~زمان لا قسمة له لأن الشىء الحلو — إذا كان — يحرك الحس بضرب من الضروب، ثم ~~يحرك الشىء المر حركة مضادة لحركة الحلو، ثم يتلوه الأبيض يفعل مثل ذلك. — ~~فقد وجب أن يكون القاضى عليها فى العدة والزمان فى حد معا غير مجزأ وغير ~~مقسوم، إلا أنه فى حد الآنية مباين. فادراك الحس لذات الأقسام ربما كان ~~بتجزئة له فى الأضداد؛ ومن جهة آنيته ليست حاله هكذا، بل هو عند الفعل ~~مجزأ. — ولا يمكن أن يكون إدراكه الأبيض والأسود معا ولا التألم بصورها ~~معا، إذا كان الحس والفهم بهذه الحال. — فكما أن النقطة التى سماها أقوام ~~نقطة إنما هى نقطة إذا كانت واحدة أو إذا كانت اثنين، فهى مجزأة من هذه ~~الجهة، كذلك المدرك للأشياء فرد يقضى عليها معا؛ ومن هذه الجهة لا تجزئة ~~له، ومن قبل استعماله النقطة مرة بعد أخرى PageV01P067 يجب له التجزئة؛ ~~فإذا ms53 كانت اثنتان لطرف، كان المقضى عليه اثنتين متباينتين؛ وإذا كانت نقطة ~~واحدة، كان واحدا معا. # هذا ما فصلنا فى أولية الحيوان التى بها صار حساسا دراكا. ### || [chapter 20: III 3] 〈الفكر والإدراك والخيال〉 # والذى حدوا به النفس هو شيئان: حركة الانتقال، وإدراك الأشياء بالفهم ~~والقضاء عليها. وقد يظن أن الإدراك بالفهم يشبه الإدراك بالحس (وذلك أن ~~النفس فى الأمرين جميعا تعرف وتقضى) وكذلك رأت القدماء — منهم أنبادقلس ~~وأوميرش الشاعر — أن الإدراك بالعقل شبيه الإدراك بالحس وأنه شىء جسمانى، ~~وهكذا كان ظن جميعهم ؛ وإن من فهم إنما يفهم بالمثل كالحاس إذا أحس فانما ~~يحس بالمثل كالذى فصلنا فيما تقدم من كلامنا. فالواجب كان عليهم مع هذا أن ~~ينظروا فى الغلط العارض فى الفهم والحس، لأنه أليق بالحيوان لمكان أهليته: ~~فذو النفس قد يقيم فى الغلط زمنا طويلا. ولا بد بالاضطرار إما أن يكون ما ~~قال أقوام حقا: أن جميع ما ظهر من الأشياء حق، وإما أن مماسة غير المثل غلط ~~وكذب، 〈لأن〉 هذا مضاد لإدراك المثل بالمثل. والعلم والغلط شيئان مضادان. ~~وقد استبان بهذا أن الإدراك بالحس والإدراك بالعقل ليست حالهما حالا واحدة: ~~وذلك أن أحد الأمرين موجود فى الجميع، PageV01P068 والآخر لا يكون إلا فى ~~أقل الحيوان. وليس الإدراك بالعقل (دون الإدراك إذا صح أولم يصح إدراكا ~~واحدا، وذلك أن صحة الإدراك بالعقل فهم وعلم وثبت صادق، والإدراك به على ~~غير صحة خلاف لهذا كله)، وليس من هذه شىء مشاكل للإدراك بالحس، ذلك أن الحس ~~أبدا صادق فيما كان خاصا به وموجود فى جميع الحيوان — وقد يمكن أن يكون ~~التفكر 〈كاذبا〉، ولا يكون فى من لا نطق له. — وأما التوهم فانه غير الحس ~~وغير التفكر، ولا يكون ظن بغير توهم. ومن الظاهر البين أن التوهم ليس هو ~~تفكرا ولا ظنا، وذلك أن التوهم إلينا (إذا شئنا نكتسبه من بين أعيننا، ~~كالذى يفعل المذكرون لأنفسهم بنصبهم أوثانا وأمثالا بين أيديهم لئلا يذهب ~~عليهم الذكر)، فأما الظن فليس إلينا، بل نحن مضطرون فى ذلك أن ms54 نكون إما ~~محقين وإما كاذبين. وإذا ظننا ظنا مخيفا أو مشجعا لنا فيغيرنا ذلك الظن من ~~ساعتنا؛ وإنما حالنا فى التوهم كحال من رأى أشياء فى صورة مخيفة أو غير ~~مخيفة.— والظن أيضا فصول: منها علم ومنها رأى، ومنها حكم، وما كان مخالفا ~~لهذه. والكلام فيها قول غير هذا. # ولكن إذ كان الإدراك بالفهم غير الإدراك بالحس، وبعض إدراك العقل توهم ~~وبعضه ظن، فلنحد أولا القول فى التوهم ثم نصير إلى ما بعد ذلك. إن التوهم ~~حال يتخيل لنا فيها شىء ليس بموجود بالحقيقة، ولا نقول إن التوهم شىء منقول ~~اسمه فيكون واحدا من التى يقضى بها: فاما صدقا وإما كذبا. والتى يقضى بها ~~هى الحس والظن والعلم والعقل. PageV01P069 # وقد استبان مما قيل أن التوهم ليس بحس. وذلك أن الحس: إما كان فى حد قوة، ~~وإما فى حد فعل، كقولنا: بصير، والإدراك بالبصر؛ ومن الظاهر أن التوهم ليس ~~بأحد هذين: 〈على نحو〉 ما يكون منا فى النوم. — وأيضا الحس أبدا غير مفقود، ~~وليس التوهم كذلك. ولو كان التوهم أبدا موجودا بالفعل لكان فى الإمكان ~~وجوده فى جميع الدواب ولسنا نراه موجودا فى جميعها مثل النمل والزنبور ~~والديدان فانه ليس لها توهم. — ومن ذلك أيضا أن الحواس أبدا صادقة وأن أكثر ~~التوهم كذب. — ولسنا نقول إذا استقصينا حال الشىء المحسوس إنه فى ظاهر أمره ~~إنسان؛ وإنما نقول هذا القول فنكون إذا كاذبين فى توهمنا، وإما صادقين إذا ~~لم يكن إدراكنا إدراك استقصاء، كالذى قلنا أولا إنه يظهر لنا تخييل عند ~~إغماضنا الأعين. # 〈و〉أيضا ليس التوهم من التى تصدق أبدا كالعقل أو العلم، وذلك 〈أن〉 التوهم ~~قد يمكن أن يكون كذبا. والذى بقى علينا النظر: فعسى أن يكون التوهم خطر ~~بالهاجس، فان الخطر قد يكون صدقا، وقد يكون كذبا، أوعسى أن يكون رأيا، لأن ~~التيقن آية اللاحق بالرأى (وذلك أنه لا يمكن أحدا أن يرى رأيا لا يتيقنه)، ~~وليس لشىء من الدواب تيقن، والتيقن موجود لأكثرها، والتيقن لاحق لكل من يرى ~~〈رأيا〉، ms55 والقنوع لاحق بالتيقن، والنطق يتبع القنوع؛ والتوهم يكون للقليل من ~~الدواب، وليس لها نطق ألبتة. — فبهذا قد استبان أنه ليس التوهم ظنا، لا مع ~~حس ولا بحس ولا التركيب من الظن والحس توهم، ولا شك أن الظن لا يكون إلا ~~لمن له حس؛ وأزعم أن التركيب الذى يكون من الحس بالأبيض، والنطق فيه هو ~~التوهم، وليس التوهم من ظن الخير وإدراك الأبيض، والذى يظهر هو الذى يظن ~~وإياه يدرك حسا بغير عرض. وتظهر أشياء وهى كذب والنطق بها صادق: كما أن ~~الشمس تظهر بمقدار قدم، واليقين بها أنها أعظم من الدنيا. ينتج من ذلك إما ~~أن PageV01P070 يطرح الإنسان الظن الذى كان منه، وهو سالم فى الأمر لم ~~يتألم ولا أنه نسيه ولا أنه قنع بغيره فانتقل عنه، وإما أن يقيم على ذلك ~~الظن فيكون ظنه بالاضطرار صدقا وكذبا 〈معا〉. وإنما يكون ظنه كاذبا إذا ذهب ~~علم الشىء عليه جملة، أو تغير الأمر. فلا محالة أن التوهم لا يكون من هذه ~~التى ذكرنا أولا، ولا هو فى نفسه شىء منها. # ولكن إذا كان فى الإمكان أن يتحرك الشىء فيحرك غيره، والتوهم فيما يرى ~~حركة وليست بكائنة بغير حس، وإنما يكون فى ذوى الحس، وفى الإمكان أن تحدث ~~حركة عن فعل الحس فتكون بالاضطرار شبيهة بالحس — فالتوهم إذا حركة لا ~~يمكنها أن تخلو من الحس فلا تكون فيما لا حس له، ومن كانت له هذه الحركة ~~فعل وتألم بها كثيرا، وفى الإمكان أن تكون هذه الحركة صادقة وكاذبة. — ~~وإنما يعرض هذا فيها من أجل ما نحن قائلوه. إن الحس صادق فيما كان خاصا له ~~وقل ما فيه من الكذب. وإنما يجوز أن يغلط فيكذب إذا عرض له عارض: وليس يغلط ~~فى أن الأبيض أبيض، ويغلط فى أن كان هذا أبيض أم الآخر، فهذا ضرب ثان من ~~الخطأ. والغلط الثالث يكون منه فى الأمور الشائعة التابعة للأعراض: كقولك: ~~الحركة والعظم، فانما تعرض للأشياء المحسوسة، وفى مثلها خاصة يغلط الحس. ~~وبين حركة فعل الثلاثة ms56 الحواس فرق: فالحركة الأولى صادقة ما كان الحس ~~حاضرا، والأخريات كاذبات: حضر الحس المحسوس أو لم يحضر، ولا سيما إذا كان ~~الشىء المحسوس نائيا بعيدا. — فان لم يكن مما قلنا شىء غير التوهم، وهو ~~الذى نتكلم عليه، فالتوهم حركة من فعل الحس. وإذا كان البصر حسا 〈بالمعنى ~~PageV01P071 الأكمل〉، يسمى التوهم باليونانية باسم مشتق من الضوء لأنه بغير ~~ضوء لا يمكن أن يرى أحد شيئا، وليس يكون أكثر التوهم إلا من البصر. فلأن ~~يكون الحيوان باقيا صار أكثر فعله عن التوهم، والبهائم من أجل أنه ليس لها ~~عقل صار لها توهم — 〈و〉كان التوهم لذوى العقول، وهم الناس، من أجل أن العقل ~~ربما عرض له عارض فحجبه، مثلما نراه يعرض له فى وقت المرض والنوم. # وقد قيل عن التوهم ما هو، ولم كان. ### || [chapter 21: III 4] 〈العقل المنفعل〉 # فلننظر فى جزء النفس الذى به تدرك النفس وتعقل: أمفارق هو كمفارقة الجسم ~~الجسم؟ أو إنما مفارقته بالمعنى وليس هو بمفارق ألبتة؟ وأى فصل له؟ وكيف ~~يكون منه الفهم؟ — 〈هل هو〉 كمثل الإدراك بالحس فيألم بالمعقول بضرب من ضروب ~~الآلام، أو هناك نوع آخر؟ و〈لا〉 ألم فيه ولا يحتمل التغير. وكيف قبوله: ~~بالصورة أم بالقوة؟ — لا بحال واحدة، فيكون العقل عند المعقول بمنزلة الحس ~~عند المحسوس، أم قبوله الصورة بضرب آخر؟ وبالاضطرار إذا كان هذا الجزء يعقل ~~الجميع، ألا تكون المعانى يخالط بعضها بعضا فيكون ذلك الجزء ممسكا لها كما ~~قال أنكساغورس، وإنما يكون هذا منه لكى يعرف القريب، فاذا ظهر له منعه ~~ودفعه. لذلك ليس له طباع إلا طباع الامكان. فلا محالة أن عقل النفس المسمى ~~عقلا (وهو الذى يتفكر به فيرى الرأى أيه) ليس بموجود فى شىء من الأشياء ~~بالفعل قبل أن يدرك الشىء بفهمه. ولذلك لا يجب أن يكون مخالطا للجرم ولا ~~يوجب أن يكون متكيفا إما حارا وإما باردا، ولو كان مثل الحاسة وجب ذلك له؛ ~~إلا أنه ليس كشىء منها. وجاد ما قال PageV01P072 القائلون إن النفس مكان ~~«للصور»، إلا أن ms57 هذا المعنى ليس لكل نفس ما خلا النفس العاقلة فقط فانها ~~مكان للصور بحد القوة لا بالفعل. — والدليل على الفرق بين المدرك للأشياء ~~بالعقل، وبين المدرك لها بالحس ما نراه من حال الحاس والأعضاء الحاسة، وأن ~~الحس لا يدرك إدراك الدون إذا أدرك المفرط من المحسوس: قرعا كان، أو ناصعا ~~من الألوان، أو شديدا فى بشاعة رائحته: فلا البصر عند مثل هذا يبصر، ولا ~~المنخر يشم، ولا السمع يسمع. ولا يمتنع الفعل إذا أدرك شيئا من ذوى اللطافة ~~والغموض من أن يكون دراكا لما دونه بأكثر مما أدرك ذاك الأول: والحس لا ~~يكون بغير جسم، فأما العقل فيفارق الجسم. فاذا كان كل ما ذكرنا بالحال التى ~~قلنا قبل: إن العقل مثل العالم الفعال (وإنما يكون هذا إذا أمكنه أن يبدأ ~~به الفعل) وبعد أن يعلم إذ علم أنه عالم فى حد القوة، ولا سواء قبل أن علم ~~وقبل أن وجد العلم؛ ويمكنه فى ذلك الوقت أن يعقل نفسه. # وقول القائل: «جسم» غير قوله: «للجسم» ، وقوله: «ماء» غير قوله «للماء» ~~(ويجرى القول على هذا النحو فى أشياء كثيرة، لا فى الجميع، وفى طوائف من ~~الأشياء 〈يستوى الأمر〉): قول القائل: «جزء اللحم» و «لجزء اللحم» شىء واحد، ~~فالعقل يقضى على الآخر فى الجنس، وعلى الآخر فى حال القسمة، وذلك أن «جزء ~~اللحم» لا يكون بغير هيولى بل يقضى على الأفطس: كشىء مثل شىء فى شىء. ~~فبالحس يقضى على الحار والبارد، وبموضع النطق يقول ما جزء اللحم ويقضى على ~~الغيرية: إما كشىء مفارق وإما كخط أعوج عند نفسه إذا مر هكذا قضاؤه على ما ~~كان لجزء اللحم — 〈وكذلك فيما يتصل بالكائنات المجردة، المستقيم يماثل ~~الأفطس، لأنه مرتبط بالمتصل. ولكن ماهيته شىء آخر، لو كانت ماهية المستقيم ~~مختلفة عن المستقيم: PageV01P073 ولنفرض أنه المثنى. وإذن فنحن ندركه بملكة ~~أخرى، أو بالأحرى ندركه بحال أخرى 〈للملكة نفسها〉. وبالجملة فانه كما أن ~~موضوعات 〈المعرفة〉 منفصلة عن مادتها فكذلك فى عمليات العقل〉. # وللسائل أن يسأل فيقول: إن كان ms58 العقل شيئا مبسوطا لا يحتمل ألما ولا ~~تغيرا، ولا يشرك شيئا من الأشياء كما زعم أنكساغورس، فكيف يفعل شيئا، إذا ~~كان إدراك الشىء بالعقل تألما؟ لأنه يكون يشرك الأمرين فيكون بحال فاعلا، ~~وبحال مفعولا به. — وأيضا إن كان العقل معقولا، فلاشك أن العقل لسائر ~~الأشياء، إلا أن يكون معقولا بجهة غير الجهة التى منها ندرك الأشياء، وما ~~عقل بالصورة فهو واحد من المدركة بالعقل؛ وإما أن يكون له خلط وهو يعقله ~~مخلوطا كسائر الأشياء. — وإنما قيل إنه يألم من قبل التجزئة، وإن العقل هو ~~المعقول بحد القوة، وليس هو عقلا بالفعل قبل أن يدرك ما أدرك. ويجب أن يكون ~~حال العقل مثل لوح ليس فيه كتابة بالفعل. — وهو أيضا معقول مثل سائر ~~المعقولة واللاتى لا هيولى فيها العاقل والمعقول منها شىء واحد، لأن العلم ~~بحاث مفكر. وما كان من هذه الجملة معلوما فحاله حال واحدة (ولكن انظر ما ~~العلة لئلا يكون العقل أبدا مدركا!) وأزعم أن المعقول فى دون الهيولى إنما ~~هو معقول بحد القوة فقط. ولذلك لم يكن للأشياء الهيولانية عقل، لأن العقل ~~من جهة القوة ليس فى هيولى. وأما المعقول فانه للعقل، منسوب إليه. ### || [chapter 22: III 5] 〈العقل الفعال〉 # وكما أن فى جميع الطبائع شيئين أحدهما هيولى كل جنس (و〈هذه〉 الهيولى هى ~~جميع الأشياء فى حد القوة)، والآخر علة فاعلة — وحالهما كحال الصناعة ~~PageV01P074 عند الهيولى — كذلك نجد باضطرار أن هذه الفصول للنفس: فالعقل ~~الموصوف بجهة كذا وكذا يمكنه أن يكون الجميع، والعقل الفعال للجميع كانت فى ~~حده وغريزته مثل حال الضوء: فان الصورة تجعل الألوان التى فى حد القوة ~~ألوانا بالفعل. وهذا العقل الفعال مفارق لجوهر الهيولى، وهو غير معروف ولا ~~مفارق لشىء. والفاعل أبدا أشرف من المفعول به، والأرخيه أكرم من الهيولى؛ ~~وكذلك حال العقل الفعال. فأما العقل الذى حاله حال قوة فانه فى الواحد أقدم ~~بالزمان، وأما فى الجملة فلا زمان. ولست أقول إنه مرة يفعل، ومرة لا يفعل؛ ~~بل هو بعد ما فارقة على حال ما ms59 كان، وبذلك صار روحانيا غير ميت. (والذى ~~دعانا الآن 〈إلى أن〉 قلنا إن هذا العقل لا يستحيل ولا يألم أن التوهم هو ~~العقل الآلم، وإنه يفسد) وليس يدرك العقل ولا يفهم شيئ بغير توهم. ### || [chapter 23: III 6] 〈أفعال العقل: تعقل المركبات، وتعقل البسائط〉 # فالادراك لما لا تجزئة له لا يكون إلا بما لا كذب فيه. والتى فيها كذب ~~وصدق ولها تركيب معان كأنها قائمة فى نفسه؛ مثل ما قال أنبادقلس: لو أن ~~الود يؤلف بين الأشياء، مثل ما نرى من تركيب المفترقة، لكانت «رءوسا كثيرة ~~بلا أعناق»: كقولك «ما لا قدر له» أو «قطر» أو «ذو تقدير وقطر». ومتى كان ~~كونها فى الآن أو سيكون، وتوهمت الزمان وتركيبه لأن الكذب أبدا فى التركيب ~~ومن قال: إن الأبيض ليس بأبيض، وما ليس بأبيض أبيض — فقد جعل تركيبا. وقد ~~يمكن أن نقول إن الجميع قسمة. وليس الحق أو الباطل فى أن يقال إن فلانا ~~أبيض الآن، فقد يجوز أن يكون كان أبيض أو سيكون. والعقل المميز هو الذى ~~يفعل هذا فى كل واحد منهما. # والذى لا تجزئة له مقول على جهتين: إما بقوة، وإما بفعل. وليس يمنع العقل ~~من إدراك ما لا تجزئة له كالطول، فان الطول بالفعل غير منقسم، PageV01P075 ~~وفى الزمان غير متجزئ، وكذلك الزمان ذو قسمة ولا قسمة له من جهة الطول. — ~~وأما الذى لا تجزئة له من جهة الصور لا من جهة الكم فان العقل يدركه فى ~~زمان لا تجزئة له وبجزء لا قسمة له من النفس 〈و〉بالعرض يتجزأ، لا كتلك ~~الأجزاء التى بها أدرك العقل؛ فان فيها ما لا يتجزأ. أو عسى أن يكون فيها ~~جزء غير مفارق، وهو الذى يجعل الزمان والطول واحدا؛ وهذا أمر موجود على هذا ~~النحو فى كل متصل من زمان وطول. # ومن العدم يستبين حال ما كان بهذه الجهة غير مجرى، وحال النقطة وكل قسمة. ~~والقول يجرى على هذا النحو فى سائر ما هناك: كقولك: كيف يعرف العقل السواد ~~والأسود؟ ولا محالة أنه بالضد ms60 يعرفه. ويجب أن تكون المعرفة بحد قوة، وإن ~~أشياء لم يكن فيها ضد عرف ذلك الشىء وكان موجودا بالعقل أنه مفارق. # فكل سالبة إما صادقة وإما كاذبة ؛ وكذلك كل موجبة. وليس كل إدراك عقل ~~صادقا، ما خلا إدراك تحديد مائية الشىء؛ وليس إيجاب الشىء للشىء صدقا، بل ~~كمثل صدق النظر من العين فيما كان خالصا لها من المنظور إليه. فأما إن كان ~~الانسان أبيض أو ليس بأبيض، فليس إدراك العقل لمثل هذا أبدا بصادق، 〈و〉هكذا ~~حال ما كان أبدا معرى من الهيولى. ### || [chapter 24: III 7] 〈العقل العملى〉 # وكذلك حال العلم بالفعل. وأما العلم الذى فى حد القوة فانه فى الواحد ~~أقدم بالزمان، وفى الجملة لا فى الزمان، لأن الجميع كان من شىء قائم ~~بالانطلاشيا. فاذ فى الظاهر قد نرى الشىء المدرك بالحس مبديا بفعله، وإنما ~~كان من الحاس فى حد القوة وليس يألم ولا يستحيل. من أجل ذلك PageV01P076 ~~صار هذا ضرب حركة غير الضروب الأخر، لأن الحركة إنما هى فعل ناقص. وأما ~~الفعل فانه بالجملة غير ذلك، وإنما هو حركة شىء متمم. — فالادراك بالفعل ~~شبيه أن يقال 〈إنه〉 قول فقط؛ فأما إدراك الشىء بأن يتلذذ به أو يكره، فهذا ~~شبيه بالاثبات أو بالنفى، فيكون الانسان إما طالبا وإما هاربا؛ والتلذذ ~~والاستبشاع فعل القوة الحاسة فى الجيد والردىء بموضع الاعتدال والتوسط. ~~وكذلك حال الشهوة والكراهية وحد الفعل ليس هذا ولا هما غير الشىء الحاس، ~~وهما غير من جهة الآنية. — وأما عند النفس الناطقة فالتخييل بمنزلة الأشياء ~~المحسوسة، فاذا ميزته وكان إما جيدا وإما رديئا جاز أن يكون شبيها بالسالبة ~~أو بالموجبة فتطلبه أو تهرب عنه. لذلك لا تفهم النفس شيئا أبدا بغير شىء ~~يتخيل لها عن التوهم، كما أن الهواء جعل الحدقة مثال كذا وكذا، والحدقة ~~جعلت شيئا آخر — كذلك السمع؛ إلا أن الغاية فى الأصل غاية واحدة وتوسط واحد ~~من الاعتدال، وهى من جهة الآنية كثيرة. وقد قيل أولا بماذا يميز العقل ~~الأشياء فيعرف فصل الحلو والحامض، فلنقل عنهما فى هذا ms61 الموضع. فالكلام فى ~~هذا الفن والكلام فى الحد كلام واحد، وذلك لأمرين: إما لأنها يعادل بعضها ~~بعضا، وإما مكان العدد الذى هو لها. ولا فصل فى مسألة السائل إذا قال: كيف ~~يقضى العقل على الأضداد وعلى التى ليست بمشابهة فى أجناسها كالأبيض ~~والأسود؟ فليكن الجسم عند الدال من جهة المثال كمثل حال «الألف» عند ~~«الباء»: و«الألف» دلالة الشىء الأبيض، و«الباء» دلالة الأسود. فنحن إن ~~عكسنا فجعلنا «الجيم» و«الدال» لشىء واحد، كانت «الألف» و«الباء» بمثل تلك ~~الحال، إلا أنهما من جهة الآنية ليسا بشىء واحد. وكذلك حال العقل فى ~~إدراكه: بأن كانت «الألف» دلالة الحلو، و«الباء» دلالة الأبيض. # فالعقل يدرك صور الأشياء بما يصير إليه من تخيل التوهم، فيكون الشىء ~~المدرك إما مطلوبا، وإما مهروبا عنه بغير حس، كالذى يكون منه PageV01P077 ~~فى حال توهمه: 〈مثلا〉 إذا ظهرت النار على المنار منذرة بالحرب، فانه يتحرك ~~كما قد أحس بالنار؛ وبالجملة يعلم إذا رأى النار بأنها منذرة حرب. فأما إذا ~~صار إلى التفكر والارتياء فيما يأتى وفيما حضر فرأى أن أحد الأمرين لذيذ أن ~~يسرع اليه، والآخر كريه، أهل ان يدفع عند ذلك إما هرب وإما جذبه الطلب؛ ~~وإذا كان فى هذا 〈كانت〉 الحركات فى عمل ألبتة. والصدقة والكذب، وإن لم ~~يكونا فى عمل، فهما فى مثل هذا الحس من الخير والشر، إلا أن هناك فصلا فى ~~الجملة. # وإدراك العقل الأشياء المعراة من الهيولى كادراك الشىء ذى الفطوسة من ~~الأفطس، فان الأفطس لا يكون أفطس بغير هيولى. وإذا كان إدراك العقل من ~~الفطوسة غورها وعمقها على حيالها، كان إدراكه إدراكا بغير جزء من اللحم؛ ~~وكذلك الأشياء المعلومية ليست بمفارقة الهيولى إلا بالتوهم. — وفى الجملة ~~العقل يدرك الأشياء إذراك فعل. وسننظر أخيرا إن كان يمكن العقل، وهو فى ~~الجسم، إدراك شىء من مفارقات الأجساد، أو ليس يمكنه ذلك. ### || [chapter 25: III 8] 〈العقل والحس والخيال〉 # أما فى وقتنا هذا، 〈ف〉لنوصل ما لنا فى النفس ولنردد القول فيها: إن النفس ~~هى جميع الأشياء. والأشياء إما محسوسة، وإما ms62 معقولة. فالمعقولة إنما صارت ~~معقولة بالعلم، والمحسوسة محسوسة بالحس. وينبغى أن ننظر كيف يكون هذا. # وأزعم أن العلم والحس ينقسمان على الأشياء: فما كان منها فى حد قوة ~~أنفسهم لما ضاهاه من الأشياء فى حد القوة، وما كان فى حد PageV01P078 الفعل ~~كانت قسمته لذوى الأفعال. — وقوة النفس الحاسة والعلامة هما شىء واحد إذا ~~حملا على المعلوم والمحسوس. ولا بد من: إما كانت تدرك الأشياء بأعيانها، ~~وإما بصورها. وليس يمكن أن تكون الأشياء بأعيانها والعالم بها شيئا واحدا، ~~لأن الصخرة لا تكون فى النفس، وتكون صورتها من أجل ذلك كلية. فالنفس بمنزلة ~~اليد: فان اليد الآلة، والعقل صورة الصور، والحس صورة الأشياء المحسوسة. ~~فلما لم يكن شىء غير الأجسام أو ما فارق الأجسام، كالذى نرى من حال الصور ~~المحسوسة — وجب أن يكون المعقول: إما واحدا من الأشياء المقولة بالتعرى من ~~الهيولى، أو ما كان من غير أمر المحسوسة والآفات المعترية لها. من أجل ذلك ~~لا يستطيع العقل أن يفهم شيئا أو أن يستفيد علما إذا لم يحس. فمتى ما تفكر ~~كان مضطرا مع فكرته إلى التوهم. وذلك أن التوهم طائفة من المحسوس، إلا أنه ~~بغيره أولى. والتوهم غير الاثبات وغير النفى، لأن الحق والباطل إنما يكونان ~~بتركيب المعانى. فأما المعانى الأول فلا فرق فى أن تكون ضربا من التوهم، أو ~~ما تخيل عن التوهم؛ وإن لم تكن تلك المعانى تخيلا من التوهم، فانها لا تكون بغيره. ### || [chapter 26: III 9] 〈القوة المحركة〉 # فالنفس محدودة بقوتين: إحداهما فاصلة 〈فى〉 الأشياء قاضية عليها، وهى فعل ~~الفكر والحس؛ والأخرى حركة الانتقال عن الأماكن. فهذا تفصيل الحس والعقل؛ ~~فلننظر ما المحرك: أجزء واحد من أجزاء النفس يحرك هذه الحركة وهو جزء ~~مفارق، ومفارقته مفارقة معنى أو مفارقة جسم؟ أم النفس محركة كلها؟ وإن كان ~~المحرك جزءا من أجزائها: أخاص هو من غير الأجزاء التى من مرادنا أن نقول ~~بها، وهى غير التى ذكرنا؟ أو إنما هو جزء منها؟ PageV01P079 # وفى هذا الفن مسألة: كيف جاز أن يقول القائل ms63 إن للنفس أجزاء، وكم هى. ~~وأخلق بها من هذه الجهة ألا تكون لها نهاية، وذلك أنها لا تقف على ما حصل ~~أقوام فقالوا إنها ثلاثة: فكر وغضب وشهوة، وما قال آخرون إنها ذات نطق وغير ~~نطق. لأنه بقدر الفصول التى فصلوا لها فعرفوا بعضها من بعض — بقدر ذلك بعدت ~~الأجزاء الباقية بعضها من بعض، ونحن قائلون عنها فى وقتنا هذا: ليس يسهل ~~على أحد إثبات القوة الحاسية فى عداد ذوى النطق، أو فيما لا نطق له؛ ومن ~~يرى القوة الغاذية فى جميع الزمان وفى جميع النامية؛ والمعاياة كثيرة فى ~~القوة المصورة للأشياء فى التوهم كيف كانت فى حال غير سائر القوى — وفى ~~〈أى〉 حال هى وهى شىء واحد، هذا ومثله يلزم من أراد إثبات أجزاء النفس على ~~حد تفرق؛ ومع هذا فانا نجد الشوق وهو الأرب غير هذه الأجزاء جميعا بالمعنى ~~وبالقوة، ومن القبيح أن نقرنها، لأن الروية فى الفكر، والشهوة والغضب فى ~~الجزء الذى لا نطق فيه؛ وإن كانت النفس ثلاثة أجزاء ففى كل واحد منها شوق ~~وهو الأرب. # ولكن لنرجع إلى ما يلزمنا القول فيه فى وقتنا هذا لتعلم بالمحرك للحيوان ~~حركة الانتقال. فان حركة النمو والنقصان موجودة فى الجميع، وما كان موجودا ~~فى الجميع فمظنون به أنه داع إلى الغذاء والتولد. — وسنقول أخيرا فى ~~الاستنشاق وإخراج النفس والنوم واليقظة، فان الفحص عنها عويص و〈فيه〉 معاياة ~~كثيرة. — فلننظر ما المحرك للحيوان حركة السير والانتقال. — والدليل أن ~~القوة الغاذية ليست علة انتقال الحيوان أن هذه الحركة إنما تكون أبدا من ~~أجل شىء واحد، ولا تكون إلا مع توهم أو شهوة، لأنه لا يجوز أن يتحرك شىء ~~غير مشتهى أو هارب عنه، إلا أن تكون حركته حركة حفز تضطره. ولو أن القوة ~~الغاذية كانت علة حركة الانتقال، لكانت الشجر متنقلة PageV01P080 〈و〉لكان ~~لها عضو كآلة تليق بهذه الحركة. — وكذلك ليست القوة الحاسة بعلة لهذه ~~الحركة، لأن الكثير من الحيوان ذو حس، إلا أنها راتبة غير متحركة ولا ~~منتقلة، وهى على حال ms64 واحدة إلى آخر منتهاها. وإذا كان الطباع لا يفعل شيئا ~~باطلا ولا يترك شيئا مما تدعو إليه الحاجة باضطرار ما خلا المنقوص المعلول؛ ~~وليس ما ذكرنا من الحيوان بمنقوص ولا معلول: والشاهد على ذلك أنها تتوالد ~~〈ويجرى عليها〉 النشوء 〈والانحلال〉؛ فلو كانت حركة الانتقال لا تكون إلا عن ~~الحس، وجب أن يكون لهذا الحيوان أجزاء شبيهة بحركة السير والانتقال أيضا. — ~~وليس الفكر والعقل محرك الحيوان حركة الانتقال، لأن النظر فى العقل ليس ~~لعمل ولا يقول شيئا عن المطلوب ولا عن المدفوع، وإنما الحركة أبدا لطالب ~~شىء ولهارب عن شىء. أو لا إذا نظر العقل وفكر فى شىء مثل هذا رأى الأمر ~~بالهرب أو بالطلب؛ وكثيرا ما يتفكر العقل فى شىء مخيف أو فى شىء ملذ فلا ~~يكون الخوف عن أمر ولا للذة حركة؛ فان القلب يتحرك حركة الخوف — وليس ذلك ~~عن العقل؛ وإذا تفكر فى شىء ملذ كان عضوا غير القلب المتحرك حركة اللذة. ~~〈و〉 لو رأى العقل وأمر الفكر بالطلب أو بالهرب لما كان يحرك العضو عما رآه ~~العقل؛ وإنما يعمل بقدر الشهوة، كالرجل الذى لا يضبط نفسه. وبالجملة أيضا ~~قد نرى علم الطب فلا يبرئ من المرض، كأن المالك على فعل الشىء غير الصناعة، ~~ولا يفعل ذلك إلا بالصناعة. — وأيضا ولا الشوق الذى هو أرب فعله حركة ~~الانتقال، لأن الحلماء من الناس قد يشتاقون إلى الشىء يشتهونه ولا يفعلون ~~ما تدعوهم إليه شهوتهم، بل يؤثرون فعل العقل ويتبعونه فينقادون له. PageV01P081 ### || [chapter 27: III 10] 〈علة الحركة فى الكائنات الحية〉 # والذى يظهر لنا أنه محرك الحيوان حركة الانتقال شيئان: أحدهما الشهوة، ~~والآخر العقل (وإن وضع أحد التوهم بموضع الفهم: فكثير من الأشياء يتبع ~~التوهم فيكون عنه بغير علم، وفى سائر الحيوان ليس الادراك إلا بالتوهم ~~وبالفكر). فهذان الاثنان محركان للحيوان الحركة المكانية: وهما الشهوة ~~والعقل. والعقل عقلان: عقل مفكر لعلة ومن أجل شىء، وعقل عن تأمل؛ والفصل ~~بينهما الابتداء من الغاية. وكل شهوة فانما تعرف من أجل، وليس هذه الشهوة ~~بدء ms65 العقل الفعال، بل أجزاء العقل الفعال بدء العقل. من ذلك صح أن هذين هما ~~اللذان يحركان الحيوان حركة الانتقال فيما يظهر، وهما: الشهوة والفكر ~~العملى. والمطلوب المشتهى يحرك أيضا، 〈وما〉 من أجله أن الفكر يحرك، 〈هو أن〉 ~~المشتهى بدء حركة الفكر. — والتوهم إذا حرك لا يحرك بغير شهوة. # والشىء المشتهى محرك واحد؛ ولو كان اثنين (أعنى العقل والشهوة) 〈لكانا〉 ~~يحركان تحريكا بصورة مشتركة. ولسنا نرى هذا كائنا فيهما، ما خلا العقل فانا ~~لا نراه يحرك بغير شهوة، وذلك أن الروية أرب وشهوة، ويحرك العقل بالفكر ~~فانما يتحرك بالروية؛ وأما الشهوة فانما تحرك بغير فكر — لأن الشهوة إنما ~~هى ضرب من الشوق. وكل عقل فان مذهبه مستقيم؛ فأما التوهم والشوق فان ~~مذهبهما مستقيم وغير مستقيم. من أجل ذلك صار كل شىء مشتهى محركا، إلا أنه ~~يحرك فيدعو إما إلى خير هو فى نفسه خير، وإما إلى خير فى ظاهر أمره. وليس ~~كل خير خيرا ما خلا المعمول به؛ والمعمول هو الذى يمكن أن يكون بحال غير ~~الحال الذى عمل بها. PageV01P082 # فقد استبان أن هذه القوة التى تسمى شوقا هى المحركة للحيوان حركة ~~الانتقال. وأما الذين جزأوا أقسام النفس فانهم إن جعلوا قسمتها بقدر القوى ~~جعلوها كثيرة العدد: وهى: قوة غاذية، وقوة حاسية، وقوة إدراك بالفهم، وقوة ~~مروية، وقوة مشتهية؛ وبين هذه القوى من الفصل أكثر مما بين الشهوة والغضب. ~~فالشهوة قد يضاد بعضها بعضا. ويعرض ذلك إذا اختلف الفكر والشهوة (وإنما ~~يكون هذا من الحيوان فى أخذ حس الزمان: والعقل، من أجل العافية، إما منع ~~وإما أمر، فأما الشهوة فمن أجل اللذة إنما تحض عليها أبدا، والشىء اللذيذ ~~إنما يظهر فى الجملة كالجيد، وإنما يكون هذا لترك النظر فى العاقبة) فيرى ~~الشوق محركا بالصورة أولى هذه المحركات، وهو الشىء المشتهى المطلوب، فانه ~~يحرك ولا يتحرك، من أجل أنه مفعول مصور بالوهم — إلا أن الأشياء المحركات ~~كثيرة فى العدد. # وهى ثلاثة: أحدها الفاعل المحرك، والثانى هو الشىء الذى به يفعل المحرك، ~~وثالثها ms66 المتحرك المفعول به. فالحركة على جهتين: أحدهما لا يتحرك فى نفسه، ~~والآخر متحرك منتقل — والخير المعمول به هو الذى لا يتحرك فى نفسه، ~~والمشتاق إليه هو المحرك الفاعل، والمحرك المفعول به، (فالحيوان من أجل جهة ~~الاشتياق متحرك، والشوق ضرب من الحركة ومن الفعل). وآلة الشوق التى بها ~~يحرك الحيوان آلة جسمانية. ومن أجل أنها أجسام فسننظر فيها إذا تكلمنا فى ~~الأعمال التى تجمع حالتى ذى النفس من نفسه وجسده. فأما الآن فإنا نختصر ~~فنقول بايجاز إن المحرك كآلة هو الذى بحال واحدة من بدئه ونهايته، مثل الذى ~~يسمى باليونانية جنجلموس فان فيه أحد وثنية: فأحد هذين نهايته، والآخر ~~بدؤه؛ ولذلك كان أحدهما ساكنا والآخر متحركا، فهما بالمعنى مفترقان، وليسا ~~مفترقين بالجسم. PageV01P083 وكل إنما يتحرك إما بدفع، وإما بجذب. وكذلك ~~ينبغى أن يكون شىء ثابت كالذى نراه فى الفلك، فيكون فيه 〈سكون〉 الحركة منه. # فالحيوان كما قيل شهوانى فى الجملة، ومن هذه صار محركا بغير توهم. وكل ~~توهم إما كان فكريا أو حواسيا. وسائر الحيوان ذو توهم. ### || [chapter 28: III 11] 〈علة الحركة فى الكائنات الحية — تابع〉 # فلننظر فى الباقى منه الذى ليس له حس ما خلا حس اللمس. وما المحرك له؟ ~~وهل يمكن أن يكون لمثله توهم وشهوة أم لا يمكن؟ قد نرى فى الظاهر أن اللذة ~~والكراهة موجودتان فيه. وإذا كانت هاتان موجودتين، كانت فيه الشهوة ~~باضطرار. فأما التوهم — كيف يكون فيه؟ لا تقدر حركة الذى يتحرك على غير عماد. # فالتوهم الحواسى، كالذى قيل، موجود فى سائر الحيوان. وأما التوهم الذى ~~يكون على الروية فإنما هو الذى النطق، فان الاختيار من فعل الفكر: فاما عمل ~~بهذا، وإما بهذا. وهو مضطر فى المثل إلى أحد الأمرين، وإنما عنى الأعظم إلى ~~أن يفعل شيئا واحدا عن توهم كثير. وعلة ذلك أنه ليس له العزم الكائن عن ~~القياس؛ لذلك لم يكن للشوق روية، فربما غلبت الشهوة للروية التى لا روية ~~فيها. وإنما غلبت هذه تلك، فتكون حالها شبيهة بدون تلك، إذا كانت حال النفس ms67 ~~حال تهتك فى رداءة مزاج (ففى الطباع المستظهر من الشوق هو أرأس وأملك). ومن ~~أجل هذا يجب أن تكون مذاهب ثلاثة عند تحركه. # وأما الجزء العلوى فليس يتحرك بل هو ثابت. لأن الرأى إما نعت الكل فقضاء ~~ما، وإما نعت وقضاء على الأشخاص المفردة (وذلك أن أحدهما يقول إنه ينبغى ~~لما كان كذا كذا، والآخر يقول إن هذا فى الوقت يفعل كذا PageV01P084 وكذا ~~بحد محدود، وإنى أنا بحال كذا وكذا) فهذا الرأى الجزئى يحدث الحركة، والرأى ~~الكلى لا يحرك شيئا. فأحدهما ساكن ألبتة، والآخر ليس بساكن. ### || [chapter 29: III 12] 〈عمل الحواس المختلفة فى حفظ الكائن الحى〉 # فالنفس النامية الغاذية مضطرة إلى أن تكون لها حركة ما تحيا بها؛ وإنما ~~يصير لها نفس من ابتداء الكون إلى انتهاء الفساد. وذلك أن الكائن مضطر إلى ~~أن تكون له زيادة وغاية نقصان. ولا يمكن أن يكون هذا بغير غذاء. فلا محالة ~~أن القوة الغاذية قد يجب كونها بالاضطرار فى جميع النامية المضمحلة. — وليس ~~يجب الحس لكل حى باضطرار، لأنه لا يمكن لما كان جسمه مبسوطا أن يصير ذا حس؛ ~~ولا يمكن أيضا الحيوان أن يكون بغير هذا الحس، ولا ما كان قابلا للصور ~~يمكنه أن يكون بغير هيولى. — فأما الحيوان فبالاضطرار صار له حس إذا كان ~~الطباع لا يفعل شيئا باطلا. وإنما يفعل من أجل شىء يقصد قصده، أو يكون ما ~~يفعل أعراضا لتلك التى من أجلها كان الفعل. فكل جسم ذى سير وتنقل قد يفسد ~~ما لم يكن له حس؛ ثم لا ينتهى إلى الغاية التى يقصد إليها الطباع. وإلا ~~فكيف يجوز أن يكون مغتذيا؟ فأما راسية الأجسام والنامية منها فجائز أن لا ~~يكون لها حس وأن تكون ثابتة فى أماكنها غير منتقلة عنها. وليس يمكن جسما ذا ~~نفس وعقل مميز للأشياء ألا يكون له حس؛ وهو ليس من ذوات الكون الراسية، ولا ~~من الذى لا كون لها (فلم يكون له حس — فيكون أكرم إما بالنفس وإما بالجسم؟ ~~فانه متى لم يكن له ms68 حس، لم يكن باحدى هاتين الحالتين، وذلك أن النفس لا ~~تدرك شيئا PageV01P085 بفعلها، والجسم من أجل هذه العلة التى هى عدم والحس ~~لا يساوى شيئا)، فلا محالة أنه لا يمكن جرما غير راس ذا نفس الكون بغير حس. # ولا بد للجسم، إذا كان له حس، إما كان مبسوطا، وإما مخلوطا مركبا. وليس ~~يمكن الجرم أن يكون ميسوطا لأن المبسوط لا يدرك باللمس، ومن الواجب ~~بالاضطرار أن يكون الجسم ملموسا، وما نقول يحقق هذا الرأى: إذا كان الحيوان ~~جسما ذا نفس، وكل جسم ملموس، والملموس محسوس بالمماسة، فبالاضطرار أن جسم ~~الحيوان دراك بحس اللمس ما كان الحيوان قائما محفوظا. — فأما سائر الحواس، ~~كالشم والبصر والسمع، فانما تدرك الأشياء بغيرها؛ وإما شاهد الأشياء بلمسه ~~ولم يجد حس ما يلقى من الأشياء، فليس يستطيع أن يضرب عما كره، أو يتأول ما ~~يريد. وإن كان هذا هكذا، فليس فى الامكان أن يكون الحيوان محفوظا مسلما. من ~~أجل ذلك صار الذوق مثل المماسة لأنه غذاء، والغذاء هو جسم ملموس. وأما ~~القرع واللون والرائحة فليس يفيدون ولا يفعلون زيادة ولا نقصانا. لذلك وجب ~~أن يكون الذوق ضربا من ضروب اللمس، لأنه حس اللامس الغاذى. — فالحيوان إلى ~~هذه الحواس مضطر. وقد استبان أنه لا يمكن الحيوان الكون بغير حس اللمس. ~~وأما سائر الحواس ما خلا اللمس، فانها صيرن فى الحيوان ليجعلن كونه أجود ~~وأفضل؛ وليس هن موجودات فى جنس كل حيوان، وإنما هن فى السيارة المنتقلة من ~~الحيوان، لأنه إن كانت سلامة الحيوان واجبة، فينبغى أن يكون حساسا من بعد، ~~لا إذا أوفى منه فقط. وإنما يكون هذا إذا كان دراكا لما بعد منه بالمتوسط ~~بينهما. فالمتوسط يألم من المحسوس ويحرك فيؤدى إلى الحيوان لاتصاله به. ~~وكما أن المتحرك حركة الانتقال إنما يجد فعله من حيث يبتدئ إلى أن ينتقل عن ~~المكان، والدافع لغيره إنما هو فاعل به إلى أن يدفع والحركة متوسطة بينهما؛ ~~والأول يحرك وليس هو بمدفوع، والآخر مدفوع فقط غير دافع، والأمران يلزمان ~~المتوسط؛ ms69 وقد يجوز أن تكون المتوسطات كثيرة؛ — فكذلك نقول فى الاستحالة، ~~إلا أن المحيل يفعل وهو ثابت فى مكانه PageV01P086 كقول القائل: لو أن ~~إنسانا صنع شيئا فى موم ، فانما كان مبلغ تحركه إلى أن صنع؛ فأما الصخرة ~~فلا تتحرك، والماء قد يتحرك إلى غاية من البعد. والهواء قد يتحرك كثيرا أو ~~يفعل ويألم، إذا ثبت فكان هواء واحدا واصلا. وكذلك صار انثناء الشعاع فيه ~~أجود من كون المنظور خرج فعطف إلى الهواء، لأن الهواء يألم من الشكل ~~واللون، ما كان الهواء ثابتا على حال الانفراد والاتصال. وإنما يكون فردا ~~واحدا إذا كانت ملاقاته جسما أملس؛ ولذلك كان مثل هذا الهواء محرك البصر ~~كالنقطة التى فى الموم لو أنها انتهت إلى آخر طرف من أطرافه. ### || [chapter 30: III 13] 〈الجسم الحى مركب — اللمس ودوره الرئيسى〉 # قد استبان أنه لا يمكن أن يكون جرم الحيوان مبسوطا، لا ناريا ولا هوائيا؛ ~~لأنه لا يمكن الشىء أن يكون له حس من الحواس بغير لمس. وذلك أن ذا النفس من ~~الأجرام لا يكون إلا ملامسا كما قيل أولا. والجميع، ما خلا الأرض، قد تكون ~~حاسة. إلا أن تكون كلها تفعل حسا وتدرك ما كان الهواء لها بالمتوسط بينهما. ~~وإن اللمس يفعل بالملاقاة والمشاهدة، وعلى هذا دل اسم اللمس باليونانية. ~~وسائر الحواس قد تلامس، إلا أنها لا تفعل ذلك بذاتها دون المتوسط بينها ~~وبين ما أدركت، وإن اللمس وحده ليدرك الأشياء بذاته. لذلك لم يكن جرم ~~الحيوان من واحد من الاسطقسات. — فان اللمس كتعديل جميع الأشياء الملموسة، ~~وعضوه يقبل مع فصول الأرض فصولا مثل فصول الحار والبارد وسائر الملموسة ~~كلها. ولذلك لسنا نحس ولا ندرك شيئا بعظامنا أو بأظفارنا، أو ما شاكل هذه ~~الأجزاء لأنها من الأرض وحدها. ومن أجل ذلك لم يكن للشجر 〈شىء〉 من الحس، ~~لأنها أيضا من PageV01P087 الأرض. ولا يمكن شيئا من الحواس الكون دون حس ~~اللمس، وليس هذا الحس للأرض ولا لشىء من سائر الاسطقسات. # وقد استبان أن الحيوان إذا عدم هذا الحس مات. وليس ms70 يمكن شيئا من الأشياء ~~اتخاذ هذا الحس إلا أن يكون حيوانا. ولا يمكن الحيوان أن يكون له حس آخر ~~بغير هذا الحس. ولذلك لم تكن سائر المحسوسة، وإن أفرطت، بمفسدة للحيوان ~~كاللون والقرع والرائحة، ما خلا إفساد الحواس وحدها (إلا أن يعرض عارض ~~فيكون مع القرع دفع فتتحرك أشياء اخر مع الرائحة واللون فيفسد اللمس). ~~والكيموس ، إذا كان مماسا بالعرض، عند ذلك يفسد ويهلك الحيوان فرط جميع ~~ملموسة الحارة والباردة والجاسية. وإذا كان فرط كل محسوس مفسدا حسه المدرك ~~له، ففرط الملموس مفسد اللمس، اللمس الذى يفصل كل ما يحيا: فقد أثبت ~~البرهان أنه لا يمكن الحيوان الحياة بغير حس اللمس. ولذلك صار فرط الملموسة ~~يفسد الحيوان مع فساد الحواس، لأن الحيوان مضطر إلى هذا الحس وحده. # وأما سائر الحواس كالذى قلنا بدءا، 〈ف〉يصرن فيه من أصل الكون بالتجويد ~~للكون، كقول القائل: إن البصر إنما صار فيه ليكون ناظرا فى الجو وفى الماء ~~وفى كل ذى صفاء؛ وإن المذاق كان فيه من أجل اللذيذ والسمج ليكون دراكا له ~~بحسه فى حد الطعم، ويشتهى، ويتحرك؛ وإنما كان السمع فيه ليستدل به على سائر ~~الأشياء ذوات القرع؛ وكذلك صار اللسان فيه ليجيب به غيره بالكلام والحديث. # بحمد الله وحسن توفيقه تمت المقالة الثالثة من كتاب أرسطاطاليس «فى ~~النفس» وهى آخر الكتاب. والحمد لله رب العالمين PageV01P088 ~~ ms71