######OpenITI# #META# URI: 0350Balawi.SiratAhmadIbnTulun.Hindawi39520625 #META# Tags: history :: biographies #META# ID: 39520625 #META# Title: سيرة أحمد بن طولون #META# AuthorID: 57905741 #META# Author: أبو محمد عبد الله بن محمد المديني البلوي #META# EditorID: 59604649 #META# Editor: محمد كرد علي #META# TranslatorID: None #META# Translator: None #META# Related_books: None #META#Header#End# # | سيرة أحمد بن طولون # الحمد لله وبه أستعين، الحمد لله خالق السموات والأرض وما بينهما من الآيات الدالات على ~~حكمته، الشاهدات على قدرته، المنبهات على وحدانيته، حسن نظم فطرته # لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا # فسبحانه من مليك قدير ~~وإله خبير، وصلى الله على محمد رسوله الأمين وخيرته من العالمين، المبشر بالجنة عباده ~~المؤمنين، وبالنار أعداءه الكافرين، وعلى من تقدمه من النبيين، وعلى آله ~~الطاهرين. # فهمت ما ذكرت، جعلني الله فداك، في سيرة آل طولون، وأنك قرأت كتاب أحمد بن يوسف ذلك، ~~فلم يكن موقعه منك الغرض الذي إليه ذهبت، ولا المعنى الذي له نحوت، وأنك تريد ما هو ~~أكبر منه شرحا وأكمل وصفا، وأن أحمد بن يوسف كان يمر في شرح قصة ثم يرجع إلى ما هو ~~قبلها، وأنه كان يخلط أخباره # 1 # فيأتي بقصة من قصصه التي تدل على ذكاء عقله وفطنته ولطيف حسه، ثم يأتي ~~بضدها، وأنه لم يأت بجميع أخباره ولا أخبار أبي الجيش ابنه، وما كان من جميل أفعاله، وحسن ~~آثاره، ولا أخبار سائر إخوته بعده. # وقلت ما هكذا أرخ الناس الأخبار، ولا عليه نظم العلماء الآثار، وأردت أن يكون ذلك ~~مستقصى جميعه وعلى ترتيب في شرحه، ولا يذكر آخرا قبل أول ولا يقدم سالفا على آنف، ~~وقد امتثلت أمرك فيما أردت وسلكت فيه الذي اخترت. ولم أدع من أخبار جماعتهم شيئا ~~مثله يؤرخ وبه يتأدب وله يستحسن إلا ذكرته، وجعلت ذلك أبوابا [ولم أذكر في] ~~الباب ما ليس منه شكله، ولا خلطت به ما خرج [عن أصله، وإن] ابن آدم لا يخلو من نقص ~~وتقصير، ولم يعر من ذلك العلماء الواصفون لشرائط الدين، والمبلغون سنن المرسلين، وكيف ~~ما إن قصر عنه مقصر لم يوزر، وإن بالغ فيه مجتهد لم يؤجر. # فأول ذلك، أعزك الله، أن المعتصم بالله لما اختص الأتراك ووضع من العرب، فجعل ~~الأتراك أنصار دولته، وأعلام دعوته، وبذلك احتج عليهم العلوي البصري فقال: # واستفتحوا بالترك أمرهم # لم يستفتحوا بالأوس ولا بالخزرج ms001 # 2 # فكان من عظمت عندهم منزلته، وحمدت طريقته، ألزموه خدمتهم، وجعلوه الذاب عن ~~بيضتهم، وقلد الأعمال الجليلة الخارجة عن الحضرة، # 3 # واستخلفوا له عليها الخلفاء، وحمل إليه مالها، ودعي له على منابرها. # فكانت سبيل مصر عندهم أن يحبى بها من صحت فيه هذه الصفة التي قدمنا ذكرها، كما ~~فعل هارون الرشيد بعبد الملك بن صالح، والمأمون بطاهر بن الحسين، والمعتصم بأشناس، والواثق ~~بإيتاخ، والمتوكل ببغا ووصيف، والمهتدي بيارجوخ، وكما قدم بغا وأتامش وغيرهما فقلدت ~~مصر باكباك والتمس له خليفة فوجه به إليها. # وكان أحمد بن طولون قد مات أبوه في سنة أربعين ومائتين ولأحمد عشرون سنة، من جارية كانت ~~لأبيه تعرف بقاسم، ولدت أحمد في سنة عشرين ومائتين، وولدت بعده أخاه موسى وحبسية ~~وسمانة، وكان طولون من طغرغر، حمله نوح بن أسد عامل بخاراى وخراسان إلى المأمون فيما كان ~~موظفا عليه من المال والرقيق والبراذين وغير ذلك في كل سنة، وذلك في سنة مائتين. # وسألت أبا العباس أحمد بن محمد الكوفي، # 4 # وكان خبيرا بأمر الأتراك عارفا بأحوالهم، عن أحمد بن طولون وقلت له: إن ~~الناس في أمره فريقان؛ أحدهما يقول إنه أحمد بن طولون وإن يلبخا كان زوج أمه قاسم، والآخر ~~يقول إنه أحمد بن طولون وإن يلبخا ابن قاسم جارية طولون، فأكذب ذلك وضحك منه، وقال لي: ~~يلبخ هذا تركي سبي مع طولون، وكان خفيف الروح يغني بالتركية مستحلى الكلام، فلما مات ~~طولون ألزمه الوفاء له القيام بأمر ولده والمحافظة عليه، فكان يركب معه حتى يوصله ~~إلى المواضع التي لم يكن أحمد يصل إليها لحداثة سنه وصغره عن ذلك، وكان كل من ~~يراه معه يقول له: هذا ابنك؟ فيقول: نعم، هو ابني وابن سيدي، رحمه الله. # وتوفي يلبخ بعد وفاة طولون بعشر سنين ولم يخلف إلا طفلة، فكان أحمد بن طولون يجري ~~على أمها وعليها ما يسعهما من الرزق حتى ماتتا. # وقال لي: ومما يدل على صحة ذلك أن الموفق لما لعن أحمد بن طولون أسنده إلى طولون ms002 ولم ~~يسنده إلى يلبخ ، ولو كان ابن يلبخ لما زوجه يارجوخ ابنته؛ لأن يلبخا كان عندهم ~~مغنيا وطولون معروف بالستر والصيانة. # فنشأ أحمد بن طولون نشوءا جميلا غير نشوء أولاد العجم، من بعد الهمة وحسن الدين ~~والذهاب بنفسه عما كانت تسف إليه طبقته، وطلب الحديث وأحب الغزو، # 5 # وخرج إلى طرسوس مرات، ولقي شيوخ المحدثين، وسمع منهم، وكتب العلم وحصل ~~له من ذلك قطعة كبيرة. # وألف بطرسوس جماعة من الزهاد، وأهل الدين والورع، فأدبوه بآدابهم، فحسنت ~~طريقته وظهر فضله؛ فتمكن له في قلوب الأولياء ما ارتفع به عن طبقته، وبان فضله على ~~وجوه الأتراك، وصار محله عندهم محل من يوثق به على الأموال والأسرار والفروج، ومثل ~~هذا عند العجم محله عظيم في نفوسهم لو تصنع به متصنع فكيف من مبتدئ غير متصنع؟ ~~فخطب إلى يارجوخ ابنته فزوجه، وكانت أم ابنه العباس [وابنته] فاطمة. # فلما كان في نفسه من محبة الخير ورغبته فيه، سأل الوزير # 6 # أن يكتب له برزقه إلى الثغر، # 7 # وعرفه رغبته في المقام به، فأجابه الوزير عبيد الله بن يحيى إلى ذلك، وكتب ~~له به، وخرج فأقام بطرسوس مدة، وشق على أمه مفارقته لها فكاتبته بما أقلقه، فلما ~~قفل الناس إلى سر من رأى # 8 # قفل معهم بسبب أمه، وكان جملة القافلين نحوا من خمسمائة رجل، والخليفة ~~يومئذ المستعين بالله. # وكان قد اتفق أن المستعين بالله استحسن شيئا يعمل ببلاد الروم من بزيون # 9 # وكراسي حديد منقوشة بأحسن نقش يجري فيها الذهب، وأشياء يضن بها الملك أن ~~تخرج إلى أرض العرب، فأنفذ خادما من خدمه يتكلم بالرومية إلى ملك الروم، برسالة ~~جعلها سببا لما يريده، وأمر الخادم أن يتلطف في ابتياع ما تهيأ له مما قدمنا ~~ذكره وقدر عليه، وخرج الخادم ووصل إلى ملك الروم وأدى الرسالة، وأنزل في دار فرشت ~~له وبلغ في إكرامه كل مبلغ، وجعل يلتمس شراء كل ما يمكنه بضعف ثمنه المبيع منه، ~~فاشترى ما حصل له منه وقر بغل لم يمكنه أكثر ms003 منه. # فأجاب ملك الروم المستعين عن رسالته، وحمل إليه هدايا حسانا، وخلص الخادم ذلك ~~البغل المحمل ذلك المتاع بالحيلة، على محله من أمير المؤمنين في حمله ما حمل معه، ~~وخرج حتى حصل بطرسوس # 10 # وخرج مع القافلين وفيهم أحمد بن طولون. # ومن رسم الغزاة أن يسيروا متفرقين مثل العقبان، فنظرت الأعراب شيئا من سوادهم # 11 # في بعض المواضع فأخذوه، ووقعت الصيحة، وجاء النذير إلى الطائفة التي فيها أحمد ~~بن طولون .. فكان أول من انتدب، وحض على القتال والذهاب خلف الأعراب إلى حيث ~~قصدوا، وسار يريدهم، فلما رآه الباقون اتبعوه، فكان أول من لحق بالأعراب، ووضع ~~فيهم السيف ورمى بنفسه عليهم وحذفهم بالنشاب، وكان حسن الرمي لا يخطئ شيئا، ~~فخلى الأعراب عن جميع ما أخذوه ونجوا بأنفسهم على خيولهم. # وكان فيما أخذه الأعراب البغل المحمل ذلك المتاع الذي لم يوصل إليه إلا بالحيلة، ~~وكانت نفس الخادم قد كادت أن تخرج لذلك؛ خوفا على فوت ما أمله من جائزة أمير ~~المؤمنين، ولما لحقه من التعب والمخاطرة قبل أن وصل إليه، ولما سلم سكن روعه ~~ورجع إليه عقله بعد أن كاد يزول. # وعظم أحمد بن طولون في عينه وقلبه، وصار له كالعبد، وكبر في قلوب أهل القافلة، فلما ~~وصلوا إلى العراق أحضر الخادم ذلك المتاع إلى المستعين، فاستحسنه وسر به كل السرور، ~~فذكر له الخادم ما عاناه في أمره قبل الوصول إليه، وقال له: وأعظم ما جرى يا مولاي أنه ~~لما حصل وسلم إلى طرسوس، وقفلت مع الناس، خرج علينا الأعراب فأخذوه، فلولا أن الله، ~~جل اسمه، من علي بغلام من غلمان مولاي أمير المؤمنين يعرف بأحمد بن طولون؛ فإنه ~~أول من انتدب وخرج إليهم، وحصله وجميع ما أخذوه، لقتلت نفسي أسفا على ~~فواته. # فازداد به المستعين سرورا، وأمر في الوقت لأحمد بن طولون بألف دينار، وقال للخادم: امض ~~أنت بها إليه سرا، وأقرئه مني السلام، وقل له عني: لولا خوفي من أن يعلم محله من قلبي ~~فيحسد ويقتل لبلغته أفضل مراتب أمثاله، ms004 وإذا هو دخل إلي في المسلمين ~~فأرنيه. # فأوصل إليه الخادم المال ، وعرفه الرسالة، فحمد الله، عز وجل، على ذلك. # فلما كان يوم السلام، ودخل مع الأولياء، غمز الخادم المستعين عليه حتى رآه، فأشار إليه ~~المستعين بالسلام، ولم يزل يفعل ذلك كلما دخل إليه في المسلمين، ويوجه إليه بالصلة ~~الوافرة في كل وقت، دفعة بعد دفعة، حتى حسنت حاله بذلك، ووهب له جارية اسمها مياس، ~~فولدت له أبا الجيش في النصف من المحرم سنة خمسين ومائتين. # ولما كان من أمر المستعين ما كان من تنكر الأتراك عليه، واستقر الأمر بعد ذلك على ~~أن يصير المعتز على الخلافة وينفى المستعين إلى واسط # 12 # مع رجل يختار له، يوثق بدينه وأمانته، وترضى به الأتراك، ويأمنه على نفسه، ~~وقع اختيارهم على أحمد بن طولون، فسلم إليه ومضى به إلى واسط، وأحسن عشرة المستعين ~~وشكر له ذلك الجميل في أمره، فأطلق له التنزه والصيد. وكره أحمد بن طولون أن يلحقه ~~منه احتشام، فألزمه أحمد بن محمد الواسطي كاتبه، وكان يومئذ غلاما جريئا، حسن الشاهد، ~~حاضر النادرة، فأنس به المستعين غاية الأنس، وشكر لأحمد بن طولون ما يأتيه في أمره، ولم ~~يأل أحمد بن طولون حرصا في خدمة المستعين وتوفية حقه. # فلما تمت البيعة للمعتز وخلع المستعين أنفذ إليه أهله وولده، فأقام بواسط مدة، ~~واجتمع غلمان المتوكل، وقالوا: نخاف من كيد يلحق المعتز من المستعين، فصاروا إلى قبيحة ~~أمه، فعرفوها ذلك وخوفوها منه، وقوي الخوف في نفسها فاضطربت له، فعزمت على قتله، ~~فحضر الأولياء وتشاوروا في ذلك فأشاروا به، فكتبت قبيحة أم المعتز إلى أحمد بن طولون: ~~«إذا قرأت كتابي فجئني برأس المستعين وقد قلدتك واسط.» فلما وصل الكتاب إليه اغتم ~~غما عظيما، وكتب إليها يقول: «والله لا يراني الله، عز وجل، أقتل خليفة له في رقبتي ~~بيعة وأيمان مغلظة أبدا.» # فلما ورد كتابه بذلك زاد به في قلوب الأتراك محلا كبيرا، ووسموه بحسن التوقف ~~وجميل المذهب، وأحسن أحمد بن طولون في ذلك وأجمل، رحمه الله. ms005 كما أمر الحجاج بن يوسف ~~رجلا من التابعين بقتل رجل اتهم بما أراد قتله بسببه فامتنع وقال: # ولست بقاتل رجلا يصلي # على سلطان آخر من قريش # له سلطانه وعلي إثمي # معاذ الله من جهل وطيش # إذا طاوعته وعصيت ربي # فما فضلي هناك على قميش # وكان قميش هذا رجلا خليعا ماجنا ماردا. # ووجهوا إلى أحمد بن طولون لما امتنع من قتله بسعيد الحاجب، وكتبوا إليه ليسلم ~~المستعين إليه، وينصرف عن واسط إلى سر من رأى، ففعل ذلك، وأحمد الناس كلهم فعل ~~أحمد بن طولون، وشكره عليه الخاص والعام. # حدث أحمد بن محمد الواسطي وقال: وكنت مع المستعين بالله على الرسم، فرأينا غبرة ~~خيل قد أقبلت، فأنفذ غلاما له يركض ليعرف له خبرها، فعاد وقال: هو سعيد الحاجب. ~~فاصفر لونه ووجم، # 13 # فقال لي: يا أبا عبد الله، أنا أستودعك الله، هذا جزار بني هاشم قد جاءني، ~~فحرت وجزعت، وعدنا جميعا. # ووافى سعيد في أثرنا، فأوصل إلى أحمد بن طولون الكتاب، فأحضر قاضي واسط والشهود، ~~فأشهدهم على تسليمه إياه سليما، فتسلمه وأخرجه من وقته إلى الصحراء، وضرب له خيمة ~~فأدخله إليها، فأقام سويعة وخرج، وألقى الخيمة عليه، وركب من وقته دابته، وسار ~~راجعا. # فلما بعد أتينا الخيمة فرفعناها، وأحمد بن طولون معي، فإذا بجثة المستعين مطروحة على ~~الأرض، وقد صرعه وأخذ رأسه ومضى، فأقبل أحمد بن طولون يبكي وينتحب عليه، كما تبكي ~~الثكلى، وأنا معه كذلك؛ لما ورد على قلبه منه، ولم يزل قائما على رجليه حتى غسل ~~وكفن وصلينا عليه وواريناه، ورحل إلى سر من رأى. # ووافق دخوله سر من رأى تقليد باكباك مصر، والتماسه من يخلفه عليها، فقيل له أحمد ~~بن طولون؛ الثقة، الأمين، الحبر، الدين، الخير، فقلده خلافته، وضم إليه ~~الجيش. # ورحل إلى مصر فدخلها يوم الأربعاء لسبع بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين ~~ومائتين مقلدا للقصبة دون غيرها من الأعمال الخارجة عنها، مثل الإسكندرية وغيرها، ودخل ~~معه أحمد بن محمد الواسطي، وكان خليطا به جدا، وأبو يوسف ms006 يعقوب بن إسحاق، كان الوزير قد ~~قرنه به. # فحدثني شيخ من شيوخنا قال : جلست في بعض الدكاكين الشارعة # 14 # مع الناس، لننظر دخول أحمد بن طولون البلد وترتيبه، وكان معي في الدكان رجل ~~مكفوف يعرف بأبي قبيل # 15 # صاحب الملاحم، فسأله رجل كان معنا عما يجده في كتبهم، فقال: هذا رجل نجد ~~صفته كذا وكذا، ويتقلد البلد هو وولده قريبا من أربعين سنة، فما تم كلامه حتى أقبل ~~أحمد بن طولون، فكانت صفته كما وصف في صورته وشمائله، لم يغادر منها شيئا، وكانت مدة ~~الطولونية ثماني وثلاثين سنة. # ودخل أحمد بن طولون مصر، وكان على خراجها أحمد بن محمد بن مدبر، وكان من دهاة الناس، ~~وشياطين الكتاب والعمال الأجلاد؛ فحسبك أنه ابتدع بمصر بدعا صارت سننا إلى اليوم لا ~~تنقض. ولقد حرص أبو الحسن علي بن عيسى بن الجراح عند دخوله مصر أن ينقض شيئا منها فما ~~تهيأ له، على صناعته ودهائه بين الوزراء الذي كان هو باركهم، # 16 # فمما ابتدعه بمصر: النطرون، وكان مباحا لجميع الناس بمصر، فصير لهم ~~ديوانا مفردا، وعاملا جلدا يحظر على الناس أن يبيعوه أو يشتروه إلا من جهته. ~~والمراعي، وهي الكلأ المباح المطلق التي أنبتها الله، عز وجل، لعباده ترعاها بهائمهم. ~~والمصايد، وهي ما أطعم الله، جل اسمه، من صيد البحر. # فلما احتشم ابن مدبر من ذكر المصايد وشناعة القول فيها، أمر بأن يكتب في الديوان: ~~خراج مضارب الأوتاد ومفارش الشباك وغير ذلك بمصر، وله بالشامات # 17 # أمثال هذا. # فحين دخل أحمد بن طولون أهدى إليه ابن مدبر هدايا حسنة، قيمتها عشرة آلاف دينار. وكان ~~ابن مدبر خرج لتلقيه عند دخوله ومعه شقير الخادم # 18 # وكان صاحب البريد # 19 # يومئذ بمصر، وهو غلام قبيحة أم المعتز المعروف بأبي صحبة، فلما تلقياه ~~وسلما عليه بش بهما، وأحسن مخاطبتهما. # ونظر بين يدي أحمد بن مدبر مائة غلام من مولدي الغور # 20 # قد انتخبهم وجعلهم عدة وجمالا، وكان لهم خلق حسن وطول أجسام وبأس ~~يعرفون به شديد، ms007 وعليهم الخفاتين # 21 # والأقبية والمناطق الثقال العراض، وبأيديهم مقارع تامة غلاظ، على كل ~~طرف من أطرافها فضة مقمعة بها، وكانوا يقفون في حافتي مجلس ابن مدبر إذا جلس، ~~وإذا ركب كانوا بين يديه، فكانت له بهم هيبة عظيمة في صدور الناس إذا رأوهم. # فلما أهدى إلى أحمد بن طولون الهدية التي قدمنا ذكرها ردها ولم يقبلها، فقال ابن مدبر: # 22 # إن هذه لهمة عظيمة، ومن كانت هذه همته فغير مأمون على طرف من ~~الأطراف، وكان في ابن مدبر دهاء عظيم ورياء كبير، فخافه # 23 # وكره مقامه معه في البلد، فاجتمع مع شقير صاحب البريد على أن يكتب فيه ~~إلى أمير المؤمنين بما يقدران به إزالته. # فلما كان بعد أيام كتب أحمد بن طولون إلى ابن مدبر: «قد كنت، أعزك الله، أهديت ~~لنا هدية وقع الاستغناء عنها، فلم نجز تغنم # 24 # مالك، كثره الله، فرددناها توفيرا عليك، وأحب أن تجعل العوض منها ~~الغلمان الذين رأيتهم بين يديك؛ فأنا إليهم أحوج منك.» فقال ابن مدبر: هذه أخرى أعظم ~~مما تقدم قد ظهرت من هذا الرجل، كيف آمنه إذا كان يرد الأعراض والأموال ويستهدي ~~الرجال ويستأثر عليهم؟ ولم يجد ابن مدبر بدا من أن يبعثهم إليه، فتحولت هيبته ~~إليه، ونقصت هيبته هو بمفارقتهم مجلسه، وزال جمالهم له بين يديه في ركوبه، وكتب بخبره ~~إلى الحضرة. ونمى الخبر إلى أحمد بن طولون، فأسره في نفسه ولم يبده، فأقام أحمد بن ~~طولون أيام المعتز، فلما مات وجلس المهتدي بالله كان في نفسه على باكباك ما بعثه على ~~قتله إياه، ورد جميع ما كان له وفي يده إلى يارجوخ التركي. وكان بين يارجوخ وبين أحمد ~~بن طولون أجمل مما كان بينه وبين صاحبه باكباك، لما قدمنا ذكره من تزويجه ابنته من ~~زوجته التي كان المتوكل أزوجه إياها، وكانت من جواريه، وكان لها محل وجلالة خطر، فكان ~~يارجوخ من أكبر عدد أحمد بن طولون. # فلما حصلت مصر ليارجوخ في جملة ما حصل له من أمور باكباك، كتب ms008 إلى أحمد بن طولون ~~يعرفه ما جرى ويقول: تسلم من نفسك لنفسك. وزاده جميع الأعمال الخارجة كانت عن مصر. ~~وكتب إلى إسحاق بن دينار # 25 # وهو متقلد الإسكندرية بتسليمها إلى أحمد بن طولون، وعظمت منزلته وورد ~~على ابن مدبر ما زاد في قلقه وغمه، ودعته الضرورة والخوف منه إلى ملاطفته ~~والتقرب من قلبه. # كان موسى أخو أحمد بن طولون رجلا فيه خير، فلما حصلت الإسكندرية لأخيه، وهي بلد ~~ثغر، أحب المقام بها، فسأل يعقوب أبا يوسف الكاتب، الذي كان ضمه الوزير إلى أحمد بن ~~طولون عند رحيله إلى مصر أن يسأل أخاه في تقليده إياها، وكانت بينه وبينه مودة، فقال له: ~~ابتدئ أنت بالقول وأنا أكفيك إذا خلوت به، فخاطب أخاه على مضض منه؛ لأنه كان لما ~~قدما البلد أمر فيه ونهى كما # 26 # يفعل الأخ الشقيق [مع الشقيق] فثقل ذلك على أخيه، حتى إنه قصد قوما كان أخوه ~~يعتني بهم بالأذية. # وأمسك موسى عما كان يعمله ويحمل مسألته، فيخرج من البلد ولا يكون معه فيه لما بينته، ~~فلما سأله رد عليه ردا ضعيفا فأغضبه ذلك، فقال له: تالله لقد أيست منك ومن ~~مرتبة أنالها بك في الدنيا، وإنما طلبت هذا البلد؛ لأنه ثغر من الثغور، اخترت المقام ~~فيه والتعبد، فوعده بتقليده إياه. # وكان أحمد بن طولون يتوقع من يارجوخ إنفاذه إليه الكتب بولاية الثغور الشامية، وقد ~~رشح أخاه موسى لتقليده إياه طرسوس؛ فإنها أجل مما طلب منه، وأسر ذلك إلى أن ترد ~~الكتب به عليه، وأراد أحمد بن طولون بولاية أخيه طرسوس إحياء ذكره بالثغر؛ لأنه كان أغلب ~~البلدان على قلبه محبة وآثرها عنده. # وعزم أحمد بن طولون على الخروج إلى الإسكندرية لمشاهدتها وتسلمها، فسأل موسى ~~أبا يوسف الكاتب معاودة أخيه في أمرها له حسب ما وعده، فخاطبه في ذلك فوعده أيضا. ~~وخرج أحمد بن طولون إليها مرابطا فرحا بما حصل له منها؛ لمحبته الثغور لا غير، وكان ~~ذلك في سنة ست وخمسين ومائتين. # فحدث الواسطي أحمد بن محمد ms009 كاتبه عنه أنه قال لما وردت عليه الكتب برد الأعمال ~~الخارجة إليه: الحمد لله كثيرا. وقال: تركنا لله، عز وجل، شيئا واحدا عوضنا منه ~~أشياء أعظم منه وأجود وأحمد عاقبة، كانت نهاية ما وعدنا به على قتل المستعين بالله ~~تقليد واسط، فخفنا الله، عز وجل، في قتله فلم نقتله، فعوضنا، جل اسمه، مصر ~~وغيرها. # فلما قرب من الإسكندرية تلقاه إسحاق بن دينار، وقد كان وقف على ما جرى، وتوقع ~~صرفه عنها، فخرج إليه حتى لقيه بأبعد المواضع، فلما رآه ترجل له، وأعطاه بحق ~~الرياسة عليه، فأحشم # 27 # ذلك منه أحمد بن طولون وكان حييا رقيق الوجه، فاستحيا منه أن يصرفه عن ~~البلد، فأقره عليه. # وجعل موسى يترقب من أخيه إنجاز وعده له، فلما طال ذلك سأل أبا يوسف أيضا المسألة، ~~وقال له أبو يوسف: أيد الله الأمير، أخوك منتظر لوعدك، فقال له: ويحك قد كان ما وعدت ~~به، وتالله إني لآمل له ما هو أجل منه، وقد ترى ما صنعه هذا الرجل معنا من الجميل، على ~~محله أيضا في نفسه، ولا والله ما يحملني وجهي أصرفه عن عمله، فتلطف لي في أن تصرف ~~رأي أخي عن هذا الأمر، وقل له: إن أخاك يرشحك إلى ما هو أجل من هذه المدينة، واحذر ~~أن تطلعه على شيء مما ذكرته لك من أمر ابن دينار. فلما سأله موسى عن الجواب عرفه ~~أن أخاه يرشحه لما هو أجل مما طلبه فلم يثنه ذلك وقال: ما أريد سوى هذه المدينة، ~~وهي أحب إلي من كل ناحية جليلة. فلما رآه أبو يوسف لا ينتهي عنها كشف له الخبر، ~~لما كان بينه وبينه من المودة، ولأنهما كانا يجتمعان على التعجب من مصادر أمور أحمد ~~بن طولون ومواردها، وأن الحظ قد عمل له ما لم يقدره، حتى إنه قد حسن قبيحه، وأصلح ~~رديئه. # فاغتاظ موسى مما حكاه له أبو يوسف، وصار إلى أخيه وقال له: بخلت علي بما لا مشقة ~~عليك فيه. وخاطبه بدالة الأخوة بكلام فيه غلظ ms010 بحضرة الناس إلى أن قال له: ما ~~أحسبك تخرج من الدنيا سالما؛ لقطعك لرحمك وسوء نيتك وتفضيلك غلمانك ومن تختاره ~~بسوء رأيك على أقرب الناس منك، فلعن الله جوارك وأراحني منه. فأمر به فبطح، وضربه ~~بيده مقارع يسيرة. فعاتب الناس موسى على ما خاطب به أخاه، وقالوا له: ليس أخوك اليوم هو ~~الذي تعهده وتعرفه، فوفه حق الرياسة، واطرح دالة الأخوة. فلم يقبل، وكان فيه ~~لجاج وكبر نفس، فراسله في أن يكتب له جوازا ليخرج عن البلد، فتغنم ذلك أحمد بن ~~طولون منه ليربح قلبه منه ومن دالته عليه، فكتب له الجواز وأمر له بمال كثير فلم ~~يقبله، وخرج غضبان إلى طرسوس، فقبض أحمد بن طولون على أبي يوسف وقال له: أظهرت لأخي ~~ما أمرتك بستره عنه، فأوحشت بذلك ما بيني وبينه. وأنفذه من الإسكندرية إلى المطبق # 28 # بمصر. # وكان أحمد بن عيسى بن شيخ الشيباني يتقلد جندي فلسطين والأردن، فلما مات توثب ابن شيخ ~~عليهما، وقال: هي من عملي. وحمل أحمد بن مدبر مالا إلى السلطان من مصر مبلغه سبعمائة ~~وخمسون ألف دينار، فقبض أيضا عليه ابن شيخ، وقال: إنا نحتاج إليه للرجال. ففرقه في ~~أصحابه. وبلغه اضطراب الأمور بالحضرة فقويت شوكته، فجمع الجموع، وقوي طمعه في ~~التغلب على الشامات بأسرها. وشيع الناس، لما رأوا من قوة أمره أنه على أن يتغلب ~~أيضا على مصر، وأنه مجد في ذلك. # فأنفذ المهتدي بالله حسينا الخادم المعروف بعرق الموت # 29 # ومعه الكريزي وأبو نصر المروزي # 30 # الفقيهان، ومعهما عهد على أنه إن رد ابن شيخ المال الذي أخذه وحمل ما وجب ~~عليه عما كان يتقلده، وانصرف عن الشامات سلما العهد إليه وانصرفا عنه، فإن لم يفعل لم ~~يسلما العهد إليه وكاتبا بخبره ليدبر أمره بما يجب. # فلما وردا عليه وخاطباه في ذلك، احتج في المال بأنه قد استهلك على الرجال، ثم لم ~~يجبهما إلى شيء مما يحبونه، وورد الخبر بقتل المهتدي وجلوس المعتمد فلم يدع له ابن ~~شيخ، ولا أخذ له ms011 بيعة على أصحابه، وأراد أن يوهمهما بذلك منه، فبلغ منهما فعله، واستعمل ~~حسين الخادم مداراته، بأن دفع إليه عهده على أرمينية حتى أقام الدعوة للمعتمد وأخذ له ~~البيعة، وعمل ابن شيخ على أن يستخلف على أرمينية ولا ينصرف عن أعماله، وتخلص حسين ~~الخادم والكريزي والمروزي منه بما فعلوه، وعادوا إلى بغداد فعرفوا المعتمد ما كان من ~~ابن شيخ. # وكتب إلى أحمد بن طولون يأمره بأن يتأهب للخروج إلى ابن شيخ، وأمره أن يزيد في ~~عدته، وكتب إلى ابن مدبر أن يطلق له من المال ما أراد لذلك، فتبعهما أحمد بن طولون ~~فعرض الرجال، وأثبت من يصلح إثباته، واشترى العبيد روما وسودانا، وجدد آلته وكل ما ~~يحتاج إليه، وخرج وراسل ابن شيخ بقيس بن حفص كاتب بكار بن قتيبة وبأحمد بن يحيى ~~السراج، وجعلهما معذرة بينه وبينهم قبل إيقاع الحرب، [وأوعز] إليهما بأن يدعواه إلى ~~طاعة السلطان ورد ما أخذه من ماله المحمول كان من مصر، فأجابه بجواب قبيح، فلقياه ~~بالجواب وقد نزل بالعباسة # 31 # فورد الخبر عليه بأن المعتمد قد أنفذ أيضا إلى ابن شيخ بغلام من غلمانه ~~يعرف بماجور الإفرنجي. # 32 # وأقام أحمد بن طولون بموضعه إلى أن يعلم ما يكون من ماجور مع ابن شيخ، فلما ~~قرب ماجور من دمشق أنفذ [عيسى بن شيخ] إلى ماجور ابنه منصور، وكان من الشجعان الفرسان، ~~وبخليفته، وبجماعة من فرسان عسكره، فوافياه في جيش كثيف، وأمرهما أن يمنعاه دخوله دمشق ~~وأن يحارباه، فالتقى العسكران فأول من قتل منصور بن شيخ وجماعة من وجوه أصحابه ~~وأسر خليفته، فضرب ماجور عنقه وصلبه مع منصور، وانهزم سائر عسكرهم ولم ينج منهم إلا ~~ذو فرس جواد عتيق. # ودخل ماجور دمشق عزيزا مظفرا، فلما اتصل الخبر بابن شيخ وقتل ولده وخليفته وصناديد ~~عسكره، انخزل وفت ذلك في عضده، # 33 # وانكسرت نفسه، وضاقت به الشامات، فرحل عنها على طريق الساحل يريد أرمينية، ~~وبلغ خبره ماجور فوجه بمن قبض على أعماله كلها، واستخلف عليها خلفاء من قبله، ~~وتقلد أعمال ms012 الشامات كلها، وذلك في سنة سبع وخمسين ومائتين. # وعاد أحمد بن طولون إلى مصر وقد استكثر من العبيد والرجال # 34 # والآلات، فضاقت به داره، وكان هو والأمراء من قبله يسكنون في الدار التي ~~تعرف إلى اليوم ببلد الإمارة التي لها بابان؛ أحدهما بالحارة المعروفة بحوض أبي قديرة، ~~والمعروف إلى اليوم بباب الخاصة، وبابها الآخر الملاصق للشرطة الفوقانية، وكان باب الشرطة ~~أيضا أحد أبوابها، وكانت كلها دارا واحدة ولها باب إلى المسجد الملاصق للشرطة، وكان ~~يجمع فيه الجمعة، وفيه منبره ومقصورته إلى اليوم، وإنما فرقت هذه الدار حجرا بعد ~~دخول محمد بن سليمان البلد، وبعد انحلال أمر آل طولون، وكانت في أيام هارون بن خمارويه قد ~~صيرت ديوانا للخراج. # فركب أحمد بن طولون إلى سفح الجبل فاختط فيه قصرا، وأمر أصحابه وغلمانه وتباعه أن ~~يختطوا لأنفسهم حوله وما قرب منه؛ فاختط الناس وبنوا حتى اتصل البناء بعمارة البلد، ~~وهي هذه الدور الشارعة من حد قيسارية بدر إلى سوق الدواب. # واتصل البناء والعمارة من الجانب الآخر إلى أن جاوز المدينة ثم قطعت القطائع، وسميت ~~كل قطيعة باسم من يسكنها، فكانت للنوبة قطيعة مفردة تعرف بهم، وللروم قطيعة أخرى ~~وللفراشين قطيعة مفردة، ولغيرهم من كل صنف من الغلمان، وبنى القواد مواضع متعددة، ~~فعمرت عمارة حسنة تفرقت فيها السكك والأزقة، وبنيت فيها المساجد الحسان والطواحين ~~والحمامات والأفران، وسميت أسواقها فسمي منها سوق العيارين # 35 # يجمع فيه البزازين والعطارين وسوق الفاميين # 36 ~~[يجمع] فيه الجزازين والبقالين والشوائين، وكان في دكاكين الفاميين جميع ~~ما في دكاكين نظرائهم في المدينة وأكثر وأحسن، وسوق الطباخين [يجمع] فيه الصيارفة ~~والخبازين وأصحاب الحلواء، ثم لكل صنف من جميع الصنائع أفرد له سوقا حسنا عامرا ~~نبيلا صينا. # فكانت هذه المدينة أعمر من مدينة كبيرة من مدن الشام وأكبر وأحسن. # وبنى قصره ووسعه وحسنه وبنى فيه ميدانا حسنا يضرب فيه بالصوالجة، # 37 # فسمي القصر كله الميدان من أجل الميدان، فكان كل من أراد الخروج من صغير ~~أو كبير سئل عن ذهابه فيقول: ms013 إلى الميدان. وعمل له أبوابا وسمي كل باب منها باسم؛ ~~فمنها باب الميدان ومنه كان يدخل ويخرج معظم الجيش، وسمي باب الصوالجة، وباب الخاصة لا ~~يدخل منه إلا خاصته، و[ما] كان مما يلي المقطم سمي باب الجبل، وباب للحرم ولا يدخل منه ~~إلا خادم أو حرمة، وباب سمي باسم حاجب كان يجلس عليه يقال له: الدرمون؛ # 38 # لأنه كان رجلا أسود عظيم الخلق، وقلد النظر في جنايات الغلمان السودان ~~والرجالة خاصة فسمي باب الدرمون، وباب آخر سمي باسم حاجب كان عليه يقال له ~~دعناج، وباب عمل من خشب الساج سمي باب الساج، وباب في الشارع الأعظم كان يخرج منه ~~إلى الجامع الذي بناه فسمي باب الصلاة، وصور عليه سبعين من جبس. وهذا الباب ~~قائم بحاله إلى اليوم وهو يعرف بباب السباع أيضا في أول سوق الدواب. وكان الطريق الذي ~~يعرج منه الفاصل إلى قصره طريقا واسعا، ولم يكن يكتنفه باب واحد ولا بابان فقطعه بحائط ~~وعمل فيه ثلاثة أبواب كأكبر ما يكون من الأبواب، [وكانت] الدروب متصلة كلها واحد إلى ~~جانب واحد، يفرق بين الناس الركن الذي ينصفق إليه الدرب. # فكان إذا ركب أحمد بن طولون لعيد أو لغيره يخرج عسكره منه متكاثف الخروج، على حسن ~~ترتيب بغير زحمة، ويخرج هو من الباب الأوسط منها، لا يختلط به أحد، فتلك السكة إلى اليوم ~~تسمى ثلاثة أبواب. ومن هذه الأبواب واحد قائم إلى اليوم، ودخل البابان الآخران بعدهما ~~في بناء الناس لما انقضت أيامهم وخربت القطائع. # وكانت أبواب قصره، التي سمينا قبل هذا، تفتح بعد عرض الجيش أو يوم صدقة، وسائر الأيام ~~تفتح على ترتيب في وقت وتغلق في وقت، وكان له في قصره مجلس يشرف منه يوم العرض ويوم ~~المساكين، فينفذ منه من يدخل إلى جنب الخارج، فكانوا يردون من باب الصوالجة ويصدرون ~~من باب السباع. # وبنى على باب السباع مجلسا يشرف منه ليلة العيد على القطائع، فيرى اضطراب الغلمان في ~~تأهبهم وتصرفهم في حوائجهم، على مقدار كل واحد منهم، ms014 فإذا شاهد من واحد منهم يسيرا ~~من الاختلال أمر له في الوقت بما يتسع به ويزيد في جماله، وكان يشرف منه أيضا على البحر ~~وعلى باب المدينة وما والاهما، وكان متنزها حسنا. # وكان يصلي الجمعة في المسجد القديم الملاصق للشرطة، فلما ضاق عنه بنى الجامع ~~الجديد بما أفاء الله عليه من المال الذي وجده فوق الجبل في الموضع المعروف بتنور فرعون، ~~ومنه بنى العين المعروفة بعين أبي بن خليد، وتولى بناء العين والجامع رجل نصراني حاذق ~~بالهندسة. ونحن نأتي بخبره إن شاء الله. # واتسعت أحواله بعد فراغه من بناء الجامع، وكثرت إصطبلاته لكثرة كراعه، وعظم صوته، فلما ~~بلغ ماجور خبره خافه وهابه وكتب إلى الحضرة يقول: «أما بعد، فإنه قد اجتمع لأحمد بن ~~طولون أكثر مما كان يجتمع لأحمد بن عيسى بن شيخ، والخوف منه أكثر؛ إذ كان فيه من الفضل ~~ما ليس في أحمد بن شيخ.» وكتب أيضا أحمد بن مدبر وشقير الخادم صاحب البريد بمثل ذلك، ~~فكتب [الخليفة] إلى أحمد بن طولون: «أما بعد، فإنا رأينا أن نرد إليك أمر دارنا ~~بالحضرة وتدبير مملكتنا، فإذا قرأت كتابنا هذا فاستخلف على قصرك # 39 # من أحببت، والبلد لك وباسمك، واشخص إلينا لما ندبناك إليه، ورأيناك ~~أهلا له، والسلام.» # فلما قرأ أحمد بن طولون الكتاب علم، بما فيه من الدهاء والذكاء والعقل وحزم الرأي، ~~أنها حيلة توقع عليه، فأنفذ كاتبه أحمد بن محمد الواسطي إلى الحضرة، وحمل معه مالا ~~كثيرا إلى الوزير، وكان يومئذ الحسن بن مخلد، وحمل إليه مع المال كل شيء حسن غريب، ~~من دق # 40 # تنيس ودمياط، ومن الخيل والبغال وغير ذلك ما يجوز الوصف حسنا ومقدارا، ~~وسأله أن تشمله عنايته في أن يطلق له ولده وحرمه، وكتب إلى يارجوخ صاحبه بما كتب به ~~إليه، وعرفه ما كاتب به الوزير وسأله مسألته في أمره، وحمل أيضا إلى يارجوخ مالا ~~ومتاعا، فلما وصل كتابه إلى الوزير وما حمله معه، قال لكاتبه: «لن نزعجه عن عمله، ~~ولا يقبل فيه قول ms015 ساع سعى فيه.» وركب إليه يارجوخ فسأله فأجابه إلى إنفاذ ولده وحرمه، ~~وأقر ولده في عمله وركبا إلى أمير المؤمنين فأحسنا القول فيه، وصغرا ما كتب به ماجور ~~وابن مدبر وصاحب البريد، فأمر بتثبيت يده في عمله، فكتب إليه الوزير ويارجوخ بذلك، وأطلق ~~له حرمه وولده فحملهما كاتبه إليه، ووافاه وقد بلغ له ما يحبه. # فلما ورد كتاب الوزير بذلك عليه سره غاية السرور، وتصدق من وقته بصدقات جليلة ~~كثيرة، وحمل إليه الوزير أيضا هدايا حسانا ومالا كثيرا، وكتب إليه يشكر ما كان من ~~تطوله عليه، واستدعى منه أن ينفذ إليه كتب من يكتب فيه من العمال بمصر وأهل البلد، ~~فلما ملك به قلب الوزير وملأ به عينه بعثه على أن أنفذ إليه ما استدعاه، فأنفذ إليه ~~كتاب شقير صاحب البريد بمصر يقول له: «إن أحمد بن طولون على التغلب على مصر والعصيان ~~بها.» ثم أنفذ إليه كتبا من ابن مدبر بمثل ذلك. # فأحضر أحمد بن طولون شقيرا الخادم راجلا من داره وتقدم بأن يتعتع # 41 # ويكد في عدوه من داره بمصر إلى الميدان، وكان شقير الخادم مبدنا ~~مرفها، وقصد أحمد بن طولون لعلمه بذلك منه أن يقتله التعب، فلم يصل إليه إلا وقد ~~كادت نفسه تخرج، فلما مثل بين يديه أمر بأن تحضر السياط والعقابان # 42 # فأحضرا، وأمر بشده في العقابين وغفل عنه، فاستغاث ساعة، وسقطت قوته ~~ووقع، وتبين فيه الموت فلم يضرب، وأمر برده إلى داره راكبا، فلما حصل فيها مات ~~آخر نهار يومه. # وأنفذ أحمد بن طولون إليه العدول حتى شاهدوه عريانا، وأنه مات من غير ضرب ولا سبب ~~غير فناء أجله، فكان علم أحمد بن طولون بأن ما عمله يبلغ به ما يحب من أمره من غير ~~مكروه ضرب ولا غيره حسنا. # وكان ابن هلال قد تقرب من قلب أحمد بن طولون وتعبد # 43 # له، وكان له بمصر محل ونبل، فسأله أن يكتب إلى الحضرة يطلب له الخراج، ~~فلموضعه منه ولما في نفسه من ابن مدبر ms016 سارع إلى ذلك، وأكد القول فيه إلى يارجوخ وإلى ~~الوزير، فوردت عليه الكتب بتقليد ابن هلال عمل ابن مدبر، فقويت يد أحمد بن ~~طولون على الاستخفاف بابن مدبر، والسعي فيه، وقبض عليه وحبسه في داره بحال ~~سيئة. # وولي المعتمد فرد الخراج، باضطراب أخيه في أمره ببغداد، إلى ابن مدبر، ووردت ~~الكتب بذلك على أحمد بن طولون، فأطلقه وتسلم الخراج، ولم يمكنه الإساءة لابن هلال ~~لموضعه من أحمد بن طولون وانحرافه عنه هو، لما في نفسه منه، فتأمل ابن مدبر أمره، ~~فإذا به يخاف من أحمد بن طولون خوفا لا يأمنه أن يأتي عليه، فكتب إلى أخيه يقول: تلطف ~~لي في التخلص من أحمد بن طولون والخروج عنه، فأورد أخوه عليه الكتاب بتقليده جندي ~~فلسطين والأردن ودمشق، وقلد أبو تراب أحمد بن شجاع # 44 # ابن أخت الوزير الخراج بمصر، وذلك في سنة ثمان وخمسين ومائتين. # فاستعمل أحمد بن مدبر مع أحمد بن طولون التلطف والحيلة في الخلاص منه، ووهب له ~~ضياعا كان يملكها بمصر جليلة المقدار، وعقد نكاحا بين أبي الجيش ابنه وبين ابنته فحلة، # 45 # وخرج، فخرج أحمد بن طولون معه مشيعا له. # واستمال أحمد بن طولون معمر الجوهري، وكان له محل جليل بمصر وببغداد، وأخذ كتبه إلى ~~أخيه ببغداد وإلى حدرى وجباب # 46 # الجوهريين، وكانا أجل أهل سر من رأى، وإلى جماعة من وجوه التجار بها، ~~بأن يدفعوا إلى خليفته بالحضرة كل ما أحب من المال، وإن احتاج إلى ضمانهم عنه في شيء ~~يحتاج إليه من المصانعة ضمنوا وكتبوا له بذلك، ليأخذ العوض منه بمصر. # فكان خليفة أحمد بن طولون بالحضرة طيفور التركي، وكان جلدا شهما ثقة، فكان كلما بلغه ~~عن واحد من القواد أنه قد طلب عمل مصر وندب لها؛ لأن الموفق كان إذا تعذر عليه ~~الرجال أو أكدوه، # 47 # قال: مصر خزانة السلطان وفيها أمواله فليخرج إليها أحدكم. فمن هم بذلك ~~من القواد أخذ طيفور خليفته من التجار ما يريد من المال، على قدر محل الرجل، وركب ms017 ~~إليه وقال له: أخوك أبو العباس أحمد بن طولون كتب إلي يقرأ عليك السلام، ويشكو شوقه ~~إليك، ووحشته منك، ويقول لك: يا أخي وسيدي؛ لبعد الطريق وخوف العوائق امتنعت أن ~~أحمل إليك من هدايا مصر، فتطول ببسط عذري في ذلك، واصرف هذه الدنانير فيما تحتاج ~~إليه ، ولا تخلني من مكاتبتك وأخبارك وأحوالك وحوائجك فإني أسر بذلك، ويدفع إليه ~~المال من ثلاثة آلاف دينار إلى ألفي دينار إلى ألف دينار على مقدار الرجل، فيلحق الرجل من ~~ذلك احتشام ويمتنع من أخذه، حتى يسأله طيفور ويخاطبه عليه بما يزيل احتشامه فيأخذه، ~~وقد كبر أحمد بن طولون في قلبه، وعظم في صدره، وملكه جميل فعله، وإذا ذكرت له مصر ~~استبعد طريقها، وتثاقل عن قبول تقلدها، وإن كان هو الخاطب لها أضرب عن ذكرها. ولا ~~يخلو أيضا من أن يكون بينه وبين التجار الذين قد كاتبهم معمر في أمر أحمد بن طولون ~~معاملة فيصيرون إليه ويطالبونه بما لهم عليه من المال، ويقولون له: أنت قد عزمت على ~~الخروج إلى مصر وهو بلد لا ترجى فيه سلامة من يخرج إليه؛ لأن من قصده إنما يقصده ~~مائة ألف عنان، فمن سمع هذا ولو لم يكن حصل له مال يجب قلبه # 48 # ويقوى امتناعه، فكيف وقد انضاف إلى ذلك ما صار إليه، فإذا حلف لهم أنه لا ~~يخرج، قيل له: جوزيت، ليس تحصل إلا على فساد ما بينك وبين أحمد بن طولون، وقتل أصحابك ~~وذهاب مالك، إن سلمت نفسك، فيزداد بذلك امتناعا، ولما فعل في أمره خوفا واحتشاما، ~~فكانت هذه الأحوال تقوي أمره، ويزول عنه ما يتخوفه؛ لأنه علم أن بلده مذموم ~~مظلوم. # ولما دخلت سنة خمس وخمسين ومائتين خرج رجل علوي لقب نفسه ببغا الكبير، وذكر أنه ~~أحمد بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن طباطبا بين برقة والإسكندرية بموضع يعرف ~~بالبدريين [؟]، ثم صار إلى صعيد مصر، فوجه إليه أحمد بن طولون قائدا يعرف ببهم بن ~~الحسين، فكانت بينهما وقعة قتل العلوي في معركتها، فأخذ ms018 رأسه وانهزم أصحابه ~~وتمزقوا. # ثم خرج بعده في سنة ست وخمسين ومائتين رجل ذكر أنه # 49 # إبراهيم بن محمد بن يحيى بن عبد الله بن علي بن محمد بن عمر بن علي بن ~~أبي طالب، صلوات الله عليهم أجمعين، وكان يعرف بابن الصوفي أيضا. وجاءت الأخبار أنه دخل إسنا # 50 # وعاث وأفسد في نواحيها، # 51 # فوجه إليه أحمد بن طولون بقائد من قواده يعرف بابن يزداد، فظفر به ~~العلوي فقطع يده ورجله وصلبه، فبلغ ذلك أحمد بن طولون، فأنفذ إليه بهم بن الحسين، ~~فالتقيا بنواحي إخميم # 52 # فهزم العلوي ونهب سواده، وقتل خلقا كثيرا من رجاله وانفل أمره، # 53 # وعاد بهم بن الحسين إلى أحمد بن طولون فعرفه بما جرى من أمرهم، فخلع عليه ~~خلعا حسانا، وطوقه بطوق ثقيل من ذهب صامت، وأجازه وقاد بين يديه خيلا حسانا، ~~فكان بهم إذا ركب في الأعياد يركب بذلك الطوق. # ودخل ابن الصوفي # 54 # إلى نواحي الواحات # 55 # وأقام مدة، ثم ظهر في نواحي الأشمونين، # 56 # فأنفذ إليه قائدا يعرف بابن أبي المغيث، # 57 # فوجده قد صاعد إلى الصعيد، لقتال رجل ظهر بالصعيد، زعم أنه عبد الحميد بن ~~عبد الله بن عبد العزيز بن عبيد الله بن عمر بن الخطاب، رحمه الله، يكنى أبا عبد الرحمن. # 58 # وكان السبب في خروجه أن البجة # 59 # أقبلت في يوم عيد يقدمهم رجل أعور مارد، كلهم ركبان على النجب، حتى ~~كبسوا الناس في مصلاهم، وقتلوا فيهم ونهبوا ورجعوا من حيث جاءوا سالمين، وكان لهم ~~قبل ذلك مقدمات كذلك، فخرج هذا العمري غضبا لله، عز وجل، وللمسلمين، فكمن لهم في ~~طريقهم حتى أقبلوا كعادتهم فكبسهم، وقتل رئيسهم الأعور ومن معه؛ ولهذا السبب كانت ~~الطولونية وغيرهم من الأمراء وإلى اليوم يوقفون من سفح الجبل مما يلي الموضع المعروف بالحبش ~~جيشا كثيفا، مراعيا للناس، حتى ينصرفوا من عيدهم في كل عيد. # ثم دخل هذا العمري إلى بلاد البجة، فقتل فيهم مقتلة عظيمة، وضيق عليهم بلادهم، وصار ~~شجا في حلوقهم ms019 حتى أدوا إليه الجزية استكفافا له، وما أدوها لأحد قبله، فكان لا يعرض ~~لأحد من الناس بأذية لا ذمي ولا ملي، وكان مسالما للنوبة للعهد الذي لهم حتى بدا له ~~النوبي الأول الذي بالموضع المعروف بمريس # 60 # فعطف عليه العمري، وأجلاه عن دياره، وحرق مدائنه، وسبى منهم سبيا كثيرا، ~~حتى إنه كان الرجل من أصحابه يشتري الحاجة من البياع أو من البقال بنوبي أو بنوبية؛ ~~لكثرتهم كانوا في أيدي أصحابه. # فلما التقى هو والعلوي كانت بينهما وقعة انهزم فيها العلوي وصار إلى ناحية أسوان؛ # 61 # فعاث بها وأفسد، وكتب بخبره إلى أحمد بن طولون فكتب إلى بهم بن الحسين يأمره ~~بأن يصاعد في طلبه حيث قصد. # فلما اتصل الخبر بالعلوي مضى هاربا إلى عيذاب # 62 # وركب البحر إلى مكة وتفرق عنه أصحابه، فلما حصل بمكة بلغ خبره صاحب مكة، ~~فقبض عليه وحبسه عنده، ثم حمله إلى أحمد بن طولون، فلما وصل إلى مصر طيف به وشهر ~~للناس على جمل، واعتقله عنده مدة، ثم أظهر توبة، فأطلقه وأحسن إليه، وخرج إلى المدينة ~~ومات فيها. # ولما وقف أحمد بن طولون على خبر العمري وشدة شوكته على البجة وغيرهم، خاف من سوء ~~العاقبة في أمره إن أغفله فأنفذ جيشا عليه قائد من قواده يعرف بشعبة بن خركام البابكي، ~~فلما قرب منه خرج إليه العمري وقال لأصحابه: لا تعجلوا فإن هذا رجل أعجمي، وأنا أخاطبه ~~بنفسي وأنظر ما عنده. # فخرج من عسكره وقال لمن قرب من عسكر شعبة: إني أريد أخاطب الأمير قبل وقوع الحرب بيننا. ~~فعرف شعبة ذلك فخرج إليه، فلما قرب منه خرج إليه العمري بحيث يسمع بعضهم كلام بعض، فقال ~~له العمري: إن الأمير أحمد بن طولون لم يبلغه خبري على حقيقته، وقد موه عليه في أمري، ~~إني لم أخرج أبغي فسادا، ويدلك على ذلك أني لم أوذ مسلما [ولا] معاهدا، وإنما ~~خرجت في طلب أعداء المسلمين حتى كفانا الله أمرهم، فاكفف يدك عن القتال حتى أكتب إلى ~~الأمير، أعزه الله، ms020 وأكشف له خبري، وتكتب أنت أيضا، فإن قبل عذري ولم تثقل عليه ~~وطأتي وأمن جانبي، كتب إليك بالكف والانصراف عني، فانصرفت معذورا مشكورا، وإن ~~أمرك غير ذلك امتثلت أمره غير ملوم، فقال له شعبة: لست أنا فيجا # 63 # لك أحمل كتابك، ما بيني وبينك إلا السيف. فقال له العمري: ما أنت بحمد الله ~~شعبة الرجال، بل أنت بلعبة النساء أشبه، وما هذا الفعل السيئ والخلق القبيح إلا لمن هو ~~كذلك. # ورجع إلى أصحابه وقال: هذا رجل جاهل أحمق فدونكم، فعطفوا به وحملوا عليه، فانهزم ~~أقبح هزيمة، وعادة [شعبة] إلى أحمد بن طولون فعرفه ما كان، فقال: أخطأت وأسأت، كنت قد ~~أمهلته، وكتبت إلينا بخبره على صحته، لنرى فيه رأينا، لكنك بغيت عليه فنصر ~~عليك. # وأهمل أحمد بن طولون أمره مدة، فلما كان بعد شهور يسيرة وافى إلى أحمد بن طولون غلامان # 64 # زعما أنهما من غلمان العمري وأنهما أتياه برأسه، فاستحضرهما الرأس فأحضراه، ~~فدعا بجماعة من أهل الصعيد ممن يعرف العمري فأراهم الرأس، فعرفوه وشهدوا أنه رأس العمري ~~لا يشكون فيه، فقال للغلامين: كان صاحبكما مسيئا إليكما؟ قالا: لا. قال: فكان يمنعكما ~~رزقكما؟ قالا: لا. قال: فركب بحضرتكما إثما استحللتما به قتله؟ قالا: لا. قال: فلم ~~قتلتماه؟ قالا: لأنا أردنا بذلك الحظوة عند الأمير والقرب منه. فقال: ذاك والله أبعد ~~لكما مني ومن الله، عز وجل. وأمر بضرب عنقهما فضربت وصلبت جثتاهما، وأمر برأس ~~العمري فغسل وكفن وطيب ودفن. # ثم ورد عليه الخبر بخروج رجل في الصعيد أيضا يكنى أبا روح، واسمه سكن، من بوادي ~~بحيرة الإسكندرية، ذكر له أنه من بقايا أصحاب ابن الصوفي، والتفت به طائفة كبيرة، ~~فقطع الطريق وأخاف السبيل؛ فوجه إليه قائدا من قواده يعرف بيلبق الطرسوسي وكان ~~جل أصحابه طرسوسيين، وكان أبو روح هذا غلاما عيارا قد ربي بالريف وعرف طرقاتها ~~والحرب فيها، فلما اجتمعا للقتال أوقف أصحابه في أرض كثيرة الشقوق، حصيدة قمح، قد بقي من ~~تبنه ما يستر شقوقه، وأهل الريف قد ألفوا ms021 المشي في هذه الأماكن ولا عهد لأهل طرسوس ~~بها، فلما التقوا تطارد أصحاب أبي روح لهم، وطلبتهم خيل يلبق وفرسانه، فوقعت حوافر ~~الخيل في تلك الشقوق فكبت بفرسانها، وسقط بعضهم على بعض، فتراجع أصحاب أبي روح عليهم، ~~فقتل كل من سقط، وانهزم من سلم أقبح هزيمة، فعاد يلبق إلى مصر، فكان الذي لقي هو ~~وأصحابه من غوغاء البلد وعطعطتهم # 65 # أعظم مما لقوه من الهزيمة. # وأهمل أحمد بن طولون أمره هنيهة إلى أن وافاه خبره من نواحي الفيوم، فأنفذ إليه ~~قائدا من قواده يعرف بابن جيغويه، وأمره أن يأخذ على طريق الواحات من ناحية الصحراء، ~~ليملك عليه فم البرية من هناك ففعل، ثم أمر شعبة بن خركام بالخروج إليه فخرج، وظن ~~أصحاب أبي روح أن هذا كالأول فلم يهربوا منهم وصافوه # 66 # بالإبليز # 67 # الكثير الشقوق، فأقبل أصحاب شعبة ينادون: خذوا حذركم من الشقوق فحذروها وهم ~~عليها، وأخذوا عليهم نواحي طرقهم، فلما علموا أنهم قد فطنوا لهم وأن مكيدتهم قد بطلت ~~ولوا منهزمين، فلم يذهب منهم أحد إلا أخذه النشاب فقتل منهم خلق، ومن استسلم ~~أسر، وانهزم أبو روح وولى يريد طريق الواح ولا ملجأ له غيره، فلما أشرف على ابن جيغويه ~~رآه قد ملك فم البرية والطريق، وقف وراسله في الأمان، فظن ابن جيغويه أن شعبة لم يلقه، ~~وأنه وافاه قاصدا يطلب الأمان راغبا فيه فأمنه. # ولما بلغ أحمد بن طولون ذلك اغتاظ على ابن جيغويه غيظا عظيما، ومنعه من الرجوع إلى ~~البلد، وألزمه سكنى الريف شهورا كثيرة؛ عقوبة له على إعطائه الأمان، وكان قد تم له ~~هلاك العدو بأخذه الطريق. # وبعث شعبة بالأسارى وفيهم رجل مخزومي، وكان، فيما زعموا، سيئ المقدرة رديء الظفر، ~~فضربه أحمد بن طولون بالسوط، وحمله على جمل فمات في الطريق، فمكث زمانا مطروحا على ~~رأس الجسر. وكان فيهم رجل يهودي منجم، فقال له أحمد بن طولون: أرأيت هذا في نجومك؟ # 68 # فقال: نعم قد رأيته ونصحت له فلم يقبل نصيحتي، فأمر به فقطعت يداه ms022 ورجلاه ~~وصلب حيا مقابلا للمخزومي حتى مات. # ثم هاج بعد أبي روح أهل برقة ووثبوا بأميرهم محمد بن فروخ # 69 # الفرغاني، وأخرجوه عن البلد، فأنفذ إليهم أحمد بن طولون أبا الأسود الغطريف ~~ويزبك الفرغاني وكان من حجابه، وهو صاحب الرحبة المجاورة لدور الماذرائيين المسماة ~~به، في جيش عظيم، وبعث إليهم أيضا مراكب مشحونة رجالا وسلاحا وبمنجنيق، وأتبعهم ~~بجيش آخر عليه لؤلؤ غلامه، فلما فصل لؤلؤ أتبعه أيضا جيشا آخر عليه شعبة بن خركام، وأمر ~~رئيس كل جيش منهم بالتوقف والتساند وبذل السلامة والأمان، إن قبل، وتقديم المعذرة ~~وترك العجلة، فإن أجابوه وإلا السيف. # ولبرقة حصن منيع، فترك الغطريف يزبك على أحد أبوابه، وترك لؤلؤا على باب آخر، ~~واستعملوا الرفق كما أمروا فأمنوا بذلك، وأطمعهم # 70 # اللين، ففتحوا الباب الذي عليه الغطريف ليلا وأوقعوا بعسكره، فلما وقعت ~~الصيحة تسرع الغطريف وقائد معه يعرف بدعباش وابن لفروخ يعرف بإسرائيل، فقتلوا ~~جميعا في المعركة، وأصبح عسكر أبي الأسود بلا رئيس، فانضم أهله إلى عسكر لؤلؤ، فكان ~~تسرع الغطريف تسرع باسل لزمه فرض وطمع في الظفر وعجل، ولو تثبت وكان في أجله ~~تأخير لم يقتل. كما روي عن هشام بن عبد الملك أنه قال لأخيه مسلمة: أذهلك ذعر قط لحرب ~~أو عدو؟ فقال: ما سلمت في ذلك من ذعر بيته على حيلة تكون معها السلامة، وما غشيني ~~قط فيهما ذعر سلبني رأيي، فقال له هشام: هذه المقالة. # وروي أن عمر بن الخطاب أمر الأحنف بن قيس على جيش وجه به نحو خراسان، فلما قربوا ~~منهم فرقوا جيشهم ثلاث فرق، وأقبلوا تدلهم طبولهم على السبيل، ففزع الناس، فأول من ~~ركب الأحنف فخرج وهو يقول: # إن على كل رئيس حقا # أن يخضب الصعدة أو تندقا # وحمل على صاحب الطبل فقتله، فلما فقد أصحابه ضرب الطبل ولوا منهزمين، وفعل في ~~الفريقين كفعله في الأول فتكامل ركوب الناس، وقد فرغ لهم الأحنف مما أرادوا فتتبعوهم، ~~فكانوا بين قتلى وأسرى. # وأراد الغطريف أن يصنع هكذا فخانه المقدار، ولكل ميتة ms023 سبب، فقال أصحاب الغطريف: ما ~~ننتظر؟ إن لم نناهضهم وإلا عملوا كل ليلة مثل هذا. # فكتب لؤلؤ إلى مولاه بجملة الخبر وما يعمل وما فعلوه، فكتب إليه يأمرهم بقتالهم ويقول: ~~قد أحسنتم في توقفكم، وأنتم الآن تنصرون بمشيئة الله وعونه، فباكرهم لؤلؤ طالبا لثأر ~~صاحبه كما قال الشاعر: # إذا ما وترنا # 71 # لم ننم عن تراتنا # ولم نك أوغالا نقيم البواكيا # 72 # ولكننا نزجي الجياد شوازبا # 73 # فنرمي بها نحو الترات المراميا # وعبأ عسكره ونصب منجنيقاته، وزحف إلى الحصن، فلما جد بهم القتال وأخذتهم الحجارة ~~والنشاب، صاح بعضهم وطلب الأمان، وفتحوا له الباب، ودخلوا عليهم، وقبضوا على جماعة من ~~رؤسائهم فضربهم بالسوط، وقطع أيدي جماعة منهم، وصلب منهم طائفة، وكتب إلى مولاه ~~بالفتح. # ووصل شعبة إلى لؤلؤ بعد الفتح، فاستخلفه لؤلؤ على البلد، ودخل إلى الفسطاط، وحمل معه ~~جماعة من الأسرى ليرى مولاه فيهم رأيه، فلما وصل إلى الجيزة بعث إليه مولاه بالخلع ~~وبطوقين حسنين ثقيلين، فلبس الخلع والطوقين وحمل الأسرى بين يديه، وطاف بهم البلد، ~~فسكنت رهبة أحمد بن طولون في صدور الناس حتى كان يفزع الصبيان [و]الأطفال. # ومن إقباله أن المعتمد لما أنفذ أبا أيوب على الخراج، وكتب إلى أحمد بن طولون في ~~استحثاثه على حمل الأموال، وإدرار الحمل إليه، أجاب المعتمد يقول: إنه لا يستتر ما ~~أحمله من الأموال عن الأولياء، ولا يخفى عن الموالي والمطالبين به، وفيه تأخير كبير من ~~أرزاقهم، ولا يتهيأ أيضا إدرار الحمل والمتابعة به والخراج إلى غيرهم، فأنفذ المعتمد ~~نفيسا الخادم إليه بتقليده الخراج مع المعونة بمصر والثغور الشامية، ووجه مع نفيس بصالح ~~بن أحمد [بن حنبل] # 74 # وكان على قضاء الثغور، وبمحمد بن محمد الجذوعي # 75 # وكان على قضاء واسط، على أن يحمل ما جرى الرسم بحمله من المال والطراز # 76 # وغير ذلك. # فأخرج أحمد بن طولون شيوخ مصر ووجوهها إلى العراق يشكرون سيرته فيهم، وضبطه لبلدهم، ~~وأنفذ معهم أصحاب أخبار من حيث لا يعلمون بهم، يحصون عليهم ما يكون من ms024 واحد واحد، ~~وينهونه إليه عند عودتهم، فعادوا ولم يعرف سيئ منهم، فشكر لهم ذلك وأحسن برهم، وزادت ~~محبته لهم. # وأقر أحمد بن طولون أبا أيوب على الخراج من قبله، وجعل عبد الله بن دشومة أمينا ~~عليه، وجعل نعيما المعروف بأبي الذؤيب عينا عليهما، وقلد الأملاك لسليمان بن ثابت ~~المعروف بأبي ريشة، وكان عبد الله بن دشومة منهم واسع الحيلة، بخيل الكف، لم يكن يعيبه ~~غير بخله وزهده في شكر الشاكرين، ويرى بجهله وما حرمه الله عز وجل من اصطناع الجميل، أن ~~الثناء حيلة من حيل القاصد على المقصود، ولا يهش إلى شيء من أعمال البر فمقته الناس ~~على ذلك، وكثر به الدعاء عليه، وكان فيه مع هذا الشر سعاية. # وكان أحمد بن طولون رقيبا على نفسه يتصدق في أثر الإساءة، إذا جرت منه إلى إنسان، ~~بالصدقات الجزيلة، ويتضرع إلى الله جل اسمه في تمحيص ما جناه، فكان بذلك يوفى ويكفى وينصر. # 77 # ولما ورد عليه كتاب المعتمد بما استدعاه من رد الخراج بمصر إليه، وزاده المعتمد مع ~~ما طلب خراج الثغور الشامية، رغب بنفسه عن أدناس المعاون ومرافقها، فرفضها وأمر ~~بتركها، وكتب بإسقاطها في سائر الأعمال، ومنع المتقبلين # 78 # من الفسخ على المزارعين، وحظر الارتفاق # 79 # على العمال. # وكان قبل إسقاط المرافق بمصر قد شاور عبد الله بن دشومة في ذلك، فقال له: إن أمنني ~~الأمير تكلمت بما عندي. فقال له: قد أمنك الله، عز وجل، مني فقل. فقال: أيها الأمير ~~إن الدنيا والآخر ضرتان، فالحازم من لم يخلط إحداهما مع الأخرى، والمفرط من خلط ~~بينهما؛ فيتلف أعماله ويبطل سعيه. وأفعال الأمير، أيده الله، أفعال الخيرة، وتوكله ~~توكل الزهاد، وليس مثله ركب خطة لم يحكمها، ولو كنا نثق بالنصر دائما طول العمر ~~لما كان شيء آثر عندنا من التضييق على أنفسنا في العاجل بعمارة الآجل، ولكن الإنسان ~~قصير العمر، كثير المصائب، مدفوع إلى الآفات # 80 # فترك الإنسان ما قد أمكنه وحصل في يده تضييع. ولعل الذي حماه نفسه يكون ~~سعادة ms025 لمن يأتي بعده، فيفوز ذلك بما قد حرمه هو. # ويجتمع للأمير، أيده الله، مما قد عزم على إسقاطه من المرافق في السنة بمصر دون غيرها ~~مائة ألف دينار، وإن فسخ ضياع الأمراء والمتقبلين في هذه السنة؛ لأنها سنة ظمأ توجب ~~الفسخ، وألزمت القصبة # 81 # الاثنين زاد مال البلد وتوفر توفرا عظيما ينضاف إلى مال المرافق، فضبط به ~~الأمير، أيده الله، أمر دنياه، وهذه طريقة خدمة الدنيا وإحكام أمور الرياسة والسياسة ~~فيها، وكل ما عدل إليه الأمير، أيده الله، من غير هذا فهو مفسد لدنياه، وهذا رأيي، ~~والأمير، أيده الله، أعلى عينا وما يراه. # 82 # فقال له: ننظر في هذا إن شاء الله. وشغل قلبه كلامه، فبات من تلك الليلة بعد أن مضى ~~أكثر الليل يفكر في كلام ابن دشومة، فرأى في منامه رجلا من إخوانه الزهاد بطرسوس وهو ~~يقول له: ليس ما أشار به عليك من استشرته في أمر الارتفاق والفسخ برأي تحمد عاقبته فلا ~~تقبله، ومن ترك شيئا لله، عز وجل، عوضه الله عنه، فأمض ما كنت عزمت عليه. # ولما أصبح ابن طولون أنفذ الكتب إلى الأعمال بذلك، وتقدم به في سائر الدواوين وأمضاه ~~ودعا بابن دشومة فعرفه ذلك فقال له: قد أشار عليك رجلان؛ أحدهما في اليقظة، والآخر ميت في ~~النوم، وأنت للحي [أوجد] وبضمانه أوثق، فقال: دعنا من هذا فلست أقبل منك، وركب في غد ~~ذلك اليوم إلى الصيد. # فلما أمعن في الصحراء ساخت في الأرض يد فرس بعض غلمانه، وهو رمل، فسقط الغلام لنزول ~~يد الفرس كلها في الرمل، فوقف عليه أحمد بن طولون وأخرجت يد الفرس، فنظر فإذا بفتق ففتح، ~~وأصاب فيه من المال [ما] كان مقداره ألف ألف دينار، وهو المطلب # 83 # الذي شاع خبره، وكتب به إلى العراق، وكتب أحمد بن طولون بخبره إلى المعتمد ~~يستأذنه فيما يصرفه فيه من وجوه البر أو غيرها مما يأمره به، فكتب إليه المعتمد يأمره بأن ~~يصرفه في وجوه البر، فبنى منه البيمارستان، ثم أصاب بعده في ms026 الجبل مالا عظيما فبنى ~~منه الجامع، وأوقف جميع ما بقي من المال في الصدقات، فكانت صدقاته ومعروفه لا تحصى ~~كثرة، بنية قوية وشهوة شديدة. # ولما انصرف أحمد بن طولون من الصحراء وحمل المال أحضر ابن دشومة وأراه المال وقال له: ~~بئس الصاحب والمستشار أنت، هذا أول بركة مشورة الميت في النوم، ولولا أنني أمنتك ~~لضربت عنقك. وتغير عليه أحمد بن طولون وسقط محله عنده، ورفع إليه بعد ذلك أنه قد ~~أجحف بالناس، وألزمهم أشياء ضجوا منها، فقبض عليه وأخذ ماله وحبسه فمات في ~~حبسه. # ومن أفعاله خبره مع موسى بن بغا، وذلك أنه لما زاد أمر صاحب البصرة واستفحل وكان ~~ابتداء خروجه في سنة أربع وخمسين ومائتين أنفذ المعتمد رسولا في حمل أخيه المسمى ~~بالموفق من مكة إليه، وكان المهتدي قد نفاه إليها، فلما وصل إليه عقد العهد بعده لابنه ~~المفوض وله من بعده ولقبه بالموفق، وقسم المملكة بينه وبين ابنه المفوض كما فعل ~~الرشيد في أمر ابنيه، فجعل غرب المملكة لابنه المفوض وشرقها لأخيه الموفق، وكتب ~~بينهما بذلك كتابا ارتهن فيه أيمانهما بالوفاء بما وقعت عليه الشروط على كل واحد منهما ~~وله، وضمن ذلك العهد الثابت في الشرط كل ما يخاف من مثله العاقبة. والمعتمد ما يعلم ~~[ما] في طوية الموفق ولا في سره، وكان يحسد أخاه على الخلافة فلا يراه أهلا لها، ~~ويطعن عليه، وينقص من أمره جدا. # ولما جعل العهد لابنه، ولقبه المفوض، وجعله هو بعده، اشتد ذلك عليه # 84 # وقوي بغضه لابنه، وزاد حقده على أخيه المعتمد، واعتقد فيه، متى ظفر ~~بالأمر، التشفي منه، وبلوغ كل مكروه به، وكان، لعمري، المعتمد بالله منحل الأمر ~~جدا؛ لأنه كان رجلا متشاغلا بملاذ نفسه وطيبة عيشه بالصيد واللعب، والتفرد مع ~~الجواري، فكانت الأمور ضائعة والتدبير فاسدا، وكل متقلد لعمل قد فاز بما يتقلده، ~~ففعل كفعلة [الرشيد] بابنيه المأمون ومحمد بن زبيدة احتياطا وإشفاقا عليهما، ولم يعلم ~~أن ذلك كان منه لثقته بابنيه على نفسه وحاله، فقدر ذلك في أخيه ms027 وولده، ولم يعلم ما في ~~ضميره له، وأنه يخرج عن طاعته ولا يشكر جميله عنده. # وإنما وقع الخلاف بين محمد بن زبيدة وبين المأمون؛ لنقص محمد عن محل المأمون في نفسه ~~وشجاعته وفضله في كل فن من سائر العلوم. # ولقد عاتبت زبيدة الرشيد على تفضيله المأمون على ابنها فقال لها: الساعة أبين لك ~~فضل كل واحد، فوجه إلى ابنها، وقد مضى من الليل وقت، يدعوه إليه، فوافاه وعليه ثياب ~~المنادمة مبخرا مطيبا، فقال له: اشتقت إلى رؤيتك. فسقاه بيده قدحا، ووهب له من ~~جوهر كان بين يديه جوهرة واحدة حسنة وصرفه. ووجه إلى المأمون يدعوه فأبطأ، ثم سمع ~~بعد ذلك للدار ضجة عظيمة وجلبة هائلة، ثم دخل إليه وعليه صدرة السلاح بجوشنه وخوذته # 85 # وآلة الحرب، وعرف الرشيد بأن الجيش قيام له في السلاح فقال له: ما هذا؟ فقال: ~~خفت أن يكون قد حدث حادث احتاج أمير المؤمنين إلى إنفاذي فيه فجئت مستعدا، فقال له: ~~بارك الله عليك، إنما اشتقت إليك، انصرف مصاحبا. ووهب له جميع الجوهر. وقال لها: كيف ~~رأيت؟ فأمسكت عن المأمون. # وكان في الشرط الذي كتبه المعتمد بين الموفق وابنه أنه ما حدث في عمل كل واحد منهما ~~من حدث كانت النفقة عليه من مال خراج قسمه، واستخلف المفوض على قسمه موسى بن بغا، ~~فاستكتب موسى عبيد الله بن سليمان بن وهب، وانفرد الموفق بقسمه، وتقدم إلى كل واحد ~~منهما ألا ينظر في عمل صاحبه، وخلد كتاب الشرط للكعبة، وأفرد الموفق لمحاربة العلوي ~~البصري، وأخرجه إليه وقواه، وضم إليه الجيوش، فلما كبر عليهم أمر العلوي البصري، ~~وطالت محاربته، انقطعت مواد خراج الشرق عن أبي أحمد الموفق، وتقاعد الناس عن حمل ~~المال الذي كان يحمل، واحتجوا في ذلك بأشياء؛ منها خروج العلوي وما لحقهم منه، وأخذه ~~من أموالهم، ومنها خوفهم من أن يؤخذ ما يحملونه في الطريق، لكثرة أصحاب العلوي وانتشارهم ~~في الطرق، ومنهم من يتربص بالحمل لينظر كيف تكون الأمور، ولمن يصح الأمر. # فدعت أبا أحمد الموفق ms028 الضرورة إلى أن كتب إلى أحمد بن طولون في حمل ما يستعين به ~~على أمره، وليتثبت من صدق عمله، إلا أنه شكا في كتابه شدة حاجته إلى المال لما هو ~~بسبيله، وأنفذ إليه لحمل المال نحريرا خادم المتوكل، وورد في عقب الكتاب إليه كتاب ~~من المعتمد يأمره بحمل المال إليه على رسمه، مع ما جرى الرسم بحمله مع المال في كل سنة ~~من الطراز والرقيق والخيل والشمع والخيش وغير ذلك. # وكتب إليه [المعتمد] سرا أن الموفق إنما أنفذ نحريرا الخادم إليك عينا عليك ، ~~ومستقصيا على أخبارك، وأراه أنه قد كاتب بعض أصحابك فاحترس منه، واحمل المال إلينا ~~معه، لئلا تقوى يد الموفق به، وعجل إنفاذه من حضرتك. # ولما وافى نحرير أنزله أحمد بن طولون في دار معه في الميدان، ومنعه من الركوب إلى موضع ~~من المواضع، ولم يمكنه الخروج من الدار التي أنزله فيها، إلى أن أخرجه من البلد، وتلطف ~~في الكتب التي كانت معه فأخذها، وحمل معه ألف ألف ومائتي ألف دينار، # 86 # وحمل جميع ما جرى الرسم بحمله، وخرج بنفسه، وأخرج معه العدول حتى شيعه إلى ~~العريش، ووجه إلى صاحب ماجور بالعريش فأحضره وسلمه والمال إليه، وأشهد عليه بذلك ~~العدول، وعاد إلى مصر ينظر في الكتب، فإذا هي إلى جماعة من قواده، يضريهم عليه، ~~ويستميل قلوبهم إليه، لما كان في نفسه عليه من قوة موالاته للمعتمد، وصحة طاعته ~~له. # وكانت قد قويت شوكة الموفق بمن ضمه إليه المعتمد من الجيوش والعدة لمناوأة ~~العلوي البصري، # 87 # فممن كان كتابه إليه جوابا عن كتابه كان إليه بدر الحفيفي، وهو صاحب ~~القيسارية الوفائية التي تعرف بقيسارية بدر، وإليه كانت ضياع أبي أحمد بن المتوكل والطراز ~~والخيم وصناعتهما، وكان من وجوه غلمانه وكبارهم فضربه بالسوط حتى مات. ومنهم أحمد بن ~~عيسى الصغدي، وكان رجلا من أجلاء أصحابه، فضربه أيضا بالسوط، وحلق رأسه ~~ولحيته وطاف به البلد، وحبسه في المطبق وكان إحسانه إليه وعليه فما شكر ذلك ~~وكفره. # ولما وصل المال كتب أبو ms029 أحمد الموفق إلى أحمد بن طولون كتابا يستصغر فيه المال، ~~ويقول: إن الحساب يوجب أضعافه. وبسط لسانه فيه، والتمس من أصحابه من يخرج متقلدا ~~عمله فأعوزه ذلك، لما كنا قد ذكرناه من ملاطفة أحمد بن طولون لوجوه أهل الدولة الذين ~~يندب أحدهم لمثله، وكتب بذلك إلى أحمد بن طولون أصحاب أخباره، فلما قرأ أحمد بن طولون ~~كتاب الموفق قال: وأي حساب بيني وبينه أو حال توجب مكاتبتي بمثل هذا وغيره؟ وأجابه ~~جوابا نسخته: # 88 # بسم الله الرحمن الرحيم، وصل كتاب الأمير، أيده الله، وفهمته، وكان، ~~أسعده الله، حقيقا بحسن التخير له في اختياره مثلي، وتصييره إياي عمدته التي ~~يعتمد عليها، وسيفه الذي يصول به، وسنانه الذي يتقي الأعداء بحده؛ لأني ~~دأبت في ذلك، وجعلته وكدي، فاحتملت الكلف العظام، والمؤن الثقال، باجتلاب ~~كل موصوف بشجاعة، واستدعاء كل منعوت بغناء وكفاية، بالتوسعة عليهم، وتواصل ~~الصلات والمعاون لهم؛ صيانة لهذه الدولة، وذبا عنها، وحسما لأطماع الشانئين ~~لها، والمنحرفين عنها. وكان من هذه سبيله في الموالاة، ومحله في المناصحة، ~~حريا أن يعرف له حقه، ويوفر من الإعظام قدره، # 89 # ومن كل حال جليلة حظه ومنزلته، فعوملت بضد ذلك من المطالبة ~~بحمل المال مرة، والجفاء في المخاطبة أخرى، بغير حال توجب ذلك، ثم أكلف على ~~الطاعة جعلا، وألزم للمناصحة ثمنا، وعهدي بمن استدعى ما استدعاه الأمير من ~~طاعته يستدعي ذلك بالبذل والإعطاء والإرغاب # 90 # والإرضاء والإكرام، لا أن يكلف ويحمل من أطاعه مئونة وثقلا. ~~على أني لا أعرف السبب الذي ينتج الوحشة، ويوقعها بيني وبين الأمير، أيده ~~الله، ولا ثم معاملة توقع مشاجرة، أو تحدث منافرة؛ لأن العمل الذي أنا ~~بسبيله لغيره، والمكاتبة في أموره إلى سواه [وتقليدي ليس من قبله ولا ولايته] # 91 # فإنه والأمير جعفر المفوض، أيدهما الله، قد اقتسما الأعمال، وصار ~~لكل واحد منهما قسم قد انفرد به دون صاحبه، وأخذت عليه البيعة فيه، أن من ~~نقض عهده أو خفر ذمته ولم يف لصاحبه بما أكد على نفسه، فالأمة بريئة من ~~بيعته، ms030 وفي حل وسعة من خلعه، والذي عاملني به الأمير من محاولة صرفي ~~مرة، وإسقاط رسمي أخرى، وما يأتيه ويسومنيه، ناقض لشرطه، مفسد لعهده، وقد ~~التمس أوليائي، وأكثروا علي الطلب، في إسقاط اسمه، وإزالة رسمه، # 92 # فآثرت الإبقاء وإن لم يؤثره، واستعملت الأناة إذ لم تستعمل ~~معي، ورأيت الاحتمال والكظم أشبه بذوي المعرفة والفهم، وأدنى إلى الظفر والنصر، ~~فصبرت نفسي على أحر من الجمر، وأمر من الصبر، وما لا يتسع له الصدر. ~~والأمير، أيده الله، أولى من أعانني على ما أوثره من لزوم عهده، وأتوخاه ~~من تأكيد عقده، بحسن العشرة والإنصاف ، وكشف الأذى والمضرة، ولا يضطرني إلى ما ~~يعلم الله، عز وجل، كرهي له، وإلى أن أجعل ما قد أعددته لحياطة الدولة من الجيوش ~~المتكاثفة، والعساكر المتضاعفة، التي قد ضرست رجالها من الحروب، وجرت عليهم محن ~~الخطوب، مصروفا إلى نقضها، فعندنا وفي حيزنا من يرى أنه أحق بهذا الأمر ~~وأولى من الأمير. # ولو أمنوني على أنفسهم فضلا عن أن يرجعوا مني إلى ميل لهم أو قيام بنصرتهم، ~~لاشتدت شوكتهم، ولصعب على السلطان معاركتهم، والأمير يعلم أن بإزائه منهم ~~واحدا قد أبر عليه، وفض كل جيش أنهض إليه، على أنه لا ناصر له إلا لفيف البصرة # 93 # وأوباش عامتها، فكيف بمن يجد ركنا منيعا وناصرا مطيعا؟ وما مثل ~~الأمير في أصالة رأيه قصد لمائة ألف عنان عدة له فجعلها عدة عليه # 94 # بغير ما سبب أوجب ذلك، فإن يكن من الأمير إعتاب أو رجوع إلى ما هو ~~أشبه به # 95 # وأولى، وإلا رجوت من الله، عز وجل، كفاية أمره، وحسم مادة ~~شره، وإجراءنا في الحياطة على أجمل عاداته عندنا، والسلام. # فلما وصل الكتاب إلى الموفق أقلقه، وبلغ منه مبلغا عظيما، وأغاظه غيظا شديدا، ~~فأحضر موسى بن بغا، وكان موسى هذا عول الدولة وأشد أهلها بأسا وإقداما، فتقدم ~~إليه في صرف أحمد بن طولون عن مصر وتقليدها ماجورا فامتثل ذلك، وكتب لماجور كتاب التقليد ~~وأنفذه إليه، فلما وصل إليه الكتاب توقف عن إيصاله ms031 إلى أحمد بن طولون؛ لعجزه عن ~~مناهضته. # وخرج موسى بن بغا عن الحضرة مقدرا أنه يدوس عمل المفوض الذي فيه نقض الشرط؛ لما ~~قويت به يد الموفق باستيلائه على الأمر وطاعة الجيوش بأسرها له، فلم يكن له مخالف ~~غير أحمد بن طولون، وقصد بمشارفته الأعمال حمل الأموال منها، وكتب إلى ماجور وإلى ~~أحمد بن طولون، لما علم توقف ماجور عنه في حمل مال أعمالها، وعزم على أن يقصد مصر، ~~لما علمه من قصور حال ماجور عنها، ليتسلمها ويستخلف ماجورا عليها، ويعود إلى الحضرة. ~~وخرج حتى بلغ الرقة، واتصل ذلك بأحمد بن طولون فأقلقه وغمه وبلغ منه، لا لأنه يقصر ~~عن موسى، لكن لتحمله هتك الدولة، وأن يأتي ما يكون سبيله فيه سبيل من قاوم ~~السلطان وكسر جيشه، فعمل على محاربة موسى، وتأمل البلد فعلم أنه لا يفتح إلا من ~~جهة نيله، فأراد لكبر همته و[كثرة] فكره في العواقب أن يبني حصنا # 96 # على الجزيرة التي بين الفسطاط والجيزة؛ ليكون معقلا لحرمه لكثرتهم كانوا ~~ولذخائره، ويستعمل بعد ذلك لحرب من يأتيه. وقد زال فكره فيما سواه مما يشغل قلبه، ~~وأمر ببناء الحصن على الجزيرة، واتخذ مائة مركب عربية كبارا ومائة مركب حربية سوى ما ~~ينضاف إليها من العلابيات والحمائم والعشاريات والسناديل وقوارب الخدمة، وعمل على سد وجه ~~البحر الكبير و[أن] يمنع ما يجيء إليه من مراكب طرسوس وغيرها بنقض مراكبه، ويكون ما ~~فيها يذب عن هذه الجزيرة، وعمل على أن ينفذ إلى الصعيد وأسفل الأرض # 97 # فيمنع من حمل الغلات إلى البلد، ليمنع من يأتي من البر بالميرة. # فأقام موسى بن بغا بالرقة عشرة أشهر، فاضطرب عليه أمر الأتراك، وطالبوا بأرزاقهم ~~مطالبة عظيمة، استتر منها كاتبه عبيد الله بن سليمان؛ لتعذر المال عليه، وخوفه على نفسه ~~منهم، فلما تبين موسى بن بغا عظيم ما جرى ويجري دعته الضرورة إلى الرجوع إلى ~~الحضرة، فرجع وأقام بها شهرين واعتل ومات في صفر سنة أربع وستين ومائتين. ومات عبيد ~~الله بن خاقان في هذه ms032 السنة. # وكان أحمد بن طولون مجدا في بناء الحصن على الجزيرة، وقد ألزم قواده وثقاته ~~أمره وفرقه قطعا، وألزم كلا منهم قطعة يكد نفسه بالفراغ منها، ويتعاهدهم هو ~~بنفسه في كل يوم يشرف عليهم، ولا يعلم أن الله، عز وجل، قد كفاه وأغناه ما يعانيه، وما ~~يشك أحد أن كل طوبة بنيت فيه تقوم على أحمد بن طولون بدرهم صحيح. # ولما تتابعت الأخبار بموت موسى بن بغا كف عن البناء وتصدق بمال كثير، لما ~~وهبه الله، جل اسمه، له من صيانته عما تقبح فيه عنه الأحدوثة، وما رأى الناس شيئا ~~كان أعجب من ذلك الجد العظيم في البناء، ومباكرة الصناع في السحر، حين يخرجون من ~~منازلهم في كل يوم، حتى انقطع ذلك فلم ير أحد من الصناع أحدا يطلبه، فكان كأنه نار ~~صب عليه ماء فخمد من وقته، # 98 # ووهب للصناع كل ما كان سلفا عليهم. # وقبض أحمد بن طولون من وقته على أحمد # 99 # المدائني، صاحب موسى بن بغا، وكان بمصر يتقلد ضياع صاحبه بها التي أقطعه ~~السلطان إياها، وكان رجلا ترفا غذي نعمة، وكان مبدنا # 100 # فمشى راجلا إليه، كما مشى شقير صاحب البريد، وكان يوم شديد الحر وكان أحمد ~~بن طولون يحقد عليه خلافا كان له كبيرا فيما كان يحاوله، ولأنه كان صاحب موسى بن بغا، ~~وكان لثقته بصاحبه وعظم منزلته، يبسط لسانه في أحمد بن طولون بأشياء تبلغه عنه فيغيظه ~~عليه ويحقده له، فلما أحضر أحضر له السياط والعقابين فاستجاب إلى ما طالبه به من المال، ~~وبادر بكتب خطه به خوفا من مكروه يلحقه، إلا أنه لحقه من التعتعة والمشي ما كان ~~أغلظ عليه من الضرب أو مثله، فلما أخذ خطه بالمال رده إلى داره فمات في تلك الجمعة، ~~فاحتاز أحمد بن طولون الضياع بما كان كتب به خطه، وقبض على جميع نعمته، وقبض على ~~أندونة كاتبه، فأخذ منه خمسون ألف دينار. # ولما مات موسى بن بغا كتب الموفق إلى المتعمد يقول: إن الثغور الشامية ضائعة، ms033 وإنها ~~تحتاج إلى من يقيم فيها ويغزو بأهلها، وإن أحمد بن طولون مهمل لأمرها وإنما يبعث ~~إليها من لا يستقل بها، فاستقر الأمر على أن ينفذ إليها محمد بن هارون التغلبي، ~~وكان يتولى الموصل فكتب إليه في الحضور لينفذ إلى الثغور، فركب في دجلة لعلة ~~نالته منعته عن ركوب الظهر، # 101 # وهاجت ريح شديدة فألقته إلى موضع من الشط فيه قوم من أصحاب مساور الشاري # 102 # فقتلوه، وأخذوا كل ما كان معه، وبلغ ذلك الموفق فبقي متحيرا في أمر أحمد ~~بن طولون، وما يأتيه به الإقبال، ووقع اختياره على إنفاذ محمد بن علي بن يحيى # 103 # الأرمني إليها، فأنفذه متقلدا لها ولأنطاكية، وحاول سيما الطويل دخول ~~أنطاكية، فمنعه محمد بن علي بن يحيى منها ومن الثغر، فكتب إلى أهل طرسوس فألبهم ووثبهم ~~عليه، وخوفهم منه فقبضوا يده، ووقعت بينه وبينهم حال غليظة، وقتل في داره ودفن ~~فيها. # وبلغ ذلك الموفق؛ فاشتد غيظه أيضا وحنقه وتعجبه، وقلد الثغور أرخوز بن يولغ بن ~~طرخان التركي، وأمره أن يقبض على سيما الطويل، فلما وصل إلى الثغور تشاغل بالأكل والشرب، ~~وأخذ كل ما لاح له، واستولى على كل ما كان للمرتبين بلؤلؤة، # 104 # مما كان يحمل إليهم من الميرة؛ فضجوا من تأخر ذلك عنهم، وكتبوا إلى أهل ~~طرسوس يعرفونهم أنهم إن لم ينفذوا إليهم بما يحتاجون إليه على رسمهم، سلموا القلعة ~~إلى الروم، فأعظم أهل طرسوس ذلك وخافوه، وجمعوا لهم من البلد خمسة عشر ألف دينار، وعملوا ~~على حملها إليهم، فقال لهم أرخوز: أنا أحمل إليهم المال من قبلي لنصلح بينهم. فأجابوه ~~إلى ذلك فكتب إليهم واعتذر من تأخير ما أخره، فلأنه أميرهم وصاحب الثغور قبلوا عذره، ~~ورجوا استصلاحه، ولما سلم المال شرهت نفسه إليه، وقال: متى يجتمع لي مثل هذا؟ ~~فاستولى عليه وعرفهم أنه قد أنفذه، فلما تأخر عن القوم المال انصرفوا عن لؤلؤة ~~وسلموها، فاضطرب أهل الثغور بأسرهم من ذلك غاية الاضطراب وضجوا في الطرقات. # وبلغ المعتمد ذلك فأنكره، فدعت الضرورة إلى ms034 أن كتب إلى أحمد بن طولون في تدبير أمر ~~الثغور وضبطها كما يرى، فلم يكن للموفق بعد ذلك حيلة في منعه منها، وكتب أحمد بن ~~طولون إلى أخيه موسى وكان مقيما بطرسوس منذ وقعت بينهما تلك الوحشة بتقليده إياه لها ~~فأبى ذلك، لما كان في نفسه منه، فكتب إلى إبراهيم بن عبد الوهاب وكان أيضا مقيما بها ~~فامتنع تصاونا، فأنفذ إليها طخشي بن بلبرده # 105 # ووصاه بحسن العشرة لهم، وجميل السيرة فيهم، واحتمال هفواتهم ففعل، وحسنت ~~سيرته بطرسوس، فأقام بها إلى أن مات، فاغتم عليه أهل طرسوس وسائر الثغور. # ومن إقبال أحمد بن طولون أيضا موت ماجور، وكان أحد من يعرب # 106 # عليه، ويسعى في أذيته فلا تمكنه، فلما بلغه موته حمد الله، عز وجل، على ~~ذلك، واستخلف ابنه العباس على مصر وخرج من وقته، وأيد ابنه بكاتبه أحمد بن محمد الواسطي، ~~ووصى العباس بالاقتداء برأيه، والامتثال لأمره، وألا يجاوز شيئا يرسمه، أو يشير به، ~~وسار في شوال من سنة أربع وستين ومائتين، وقد خلا قلبه من عبيد الله بن خاقان وموسى بن ~~بغا وماجور أعدائه، الذين كانوا يعملون الحيل في أمره وطلب هلاكه. وجد في السير ~~واستكتب أبا الضحاك محبوب بن رجاء، وقدم كتابه إلى ابن ماجور يعزيه بأبيه، وكان ~~صبيا إلا أن أصحاب أبيه قد أقاموه مقام أبيه في الرياسة، وتولى الأمر وتدبيره أحمد ~~بن دعباش # 107 # التركي، وجه أصحاب ماجور والمقدم فيهم، وكان رجلا شهما جلدا عاقلا، ~~سمحا بالمال، سخيا على الطعام، حسن الخلق، حازم التدبير. # ويذكر أحمد بن طولون في كتابه إليه أن أمير المؤمنين قد قلده الشام كله، مضافا إلى ~~الثغور الشامية، وأنه في # 108 # أثر كتابه، ويقول فيه: وينبغي أن تتقدم فيما نحتاج إليه من الميرة والعلف ~~للعساكر وما تحتاج إليه. فأجابه ابن ماجور أحسن جواب، فلما قرب من الرملة تلقاه خليفة ~~أبيه كان بها، وهو محمد بن رافع بالميرة والعلف، وكان قد أقام له الدعوة، لما بلغه خبر ~~رحيله إلى الشام، فلما وقعت ms035 عينه عليه ترجل له، وتقدم إليه فباس يده، فلقيه أحمد بن ~~طولون بجميل، وبش به وساءله عن حاله، فقال له: سلامة، ما أبقي لنا الأمير، أيده الله، ~~فعزاه بصاحبه وأظهر له غما به، وشكر ذلك منه، فأقره أحمد بن طولون على عمله ولم ~~يصرفه، وشخص إلى دمشق فتلقاه علي بن ماجور وأحمد بن دعباش # 109 # وجميع قواد ماجور وأصحابه، فوفوه حق الرياسة، وقد أعدوا له الميرة والعلف ~~وكل ما يحتاج إليه بها. # 110 # واستخلف على دمشق أحمد بن دعباش وأقره عليها. # وكان أحمد بن وصيف مقيما بدمشق على سبيل النفي، نفاه إليها المهتدي، وهو وصيف الكبير ~~التركي الذي يقول فيه الشاعر وفي بغا أبي موسى الذي مضى لنا ذكره فيما تقدم: # خليفة في قفص # بين وصيف وبغا # يقول ما قالا له # كما تقول الببغا # والخليفة الذي قيل هذا فيه هو المستعين بالله؛ لأنه كان يؤثرهما جدا ويقدمهما ~~ويفضلهما ويقول برأيهما. # فلما دخل أحمد بن طولون دمشق انضم إليه ابن وصيف هو وجماعة قواد ماجور، ولما صار ~~أحمد بن طولون إلى حمص تلقاه عيسى الكرخي وكان يتقلدها، وترجل له، وعمل على أن ~~يقره أيضا على عمله، فضج أهل حمص منه، وشكوا سوء سيرته فيهم، فصرفه عنهم ~~وولاها يمن التركي. # وكاتب سيما الطويل، وكان بأنطاكية على جهة التغلب وعصيان السلطان، يدعوه إلى الطاعة ~~للسلطان والسلم، ويقول في كتابه إليه: لست أسومك شيئا غير إقامتك الدعوة، وأنصرف عنك، ~~ويكون البلد لك، تدبره كما ترى، فامتنع سيما من ذلك، ولج فيه لأسباب المنية، وكان قد ~~تحصن بأنطاكية؛ لأن حصنها ما فتح عنوة قط، فسار إليه أحمد بن طولون وعاوده ~~المكاتبة، وراجعه القول الأول ولطف به، وراسله برسل معهم عقل ورأي وتلطف، فأقام ~~على رأيه، وهذا الفعل منه على ما كان بينه وبين أحمد بن طولون من المحبة والمصادقة ~~والموافقة، فلم يثنه ذلك ولا راعاه، فركب إليه أحمد بن طولون ليخاطبه بنفسه ووجه ~~إليه: قد جئتك لتسمع خطابي مشافهة. فأشرف عليه سيما من برج من ms036 أبراج الحصن فجرت ~~بينهما مخاطبات # 111 # كثيرة، بعضها بالتركية وبعضها بالعربية، ولاطفه بكل لطف وكل حيلة، وحلف ~~له بكل يمين، فلم يجبه إلى ما دعاه إليه، وكان آخر قول سيما له: امض واعمل ما شئت؛ فلأن ~~يلعب الصبيان برأسي فأحمد آثر عندي وأحب إلى قلبي من أن تلعب أنت بروحي. وأخطأ ~~سيما الطويل في هذا القول وجهل فيه؛ لأن أحمد بن طولون كان من طبعه أن من لاينه واستسلم ~~إليه، رأى منه كل ما يحبه، وبلغ منه كل ما يريده، ومن خاشنه أو قاومه لم يطقه وكافأه ~~بما يستحق، كما قال الشاعر: # وكالسيف إن لاينته لان متنه # وحداه إن خاشنته خشنان # وكما وصف دعبل بن علي الخزاعي رئيسا كان في زمنه، فقال: # وإذا جالسته صدرته # وتنحيت له [في] الحاشية # وإذا سايرته قدمته # وتأخرت مع المستأنية # وإذا لاينته صادفته # سلس الخلق سليم الناحية # وإذا خاشنته ألفيته # شرس الرأي أبيا داهية # فاحمد الله على صحبته # وسل الرحمن منه العافية # وكانت هذه الأفعال كلها في أحمد بن طولون قد تبينها الناس في علي بن إسحاق وعلي بن ~~ماجور وغيرهما. # فانصرف أحمد بن طولون عن سيما لما سمع ذلك القول منه من وقته، وكان عسكره فيما يلي ~~الباب المعروف بباب فارس، فأقام بقية يومه، وباكره من غد فنصب المنجنيقات، ورمى الحصن ~~بالحجارة وبالنفط، وكان سيما قد أساء العشرة لأهل أنطاكية فكرهوه وأبغضوه، فلما ~~حاصرهم أحمد بن طولون ورمى حصنهم بما لا يأمنون منه المكروه، وعلموا أنهم لا يقاومونه، ~~بعثوا إليه فدلوه على الموضع الذي منه المدخل إليهم، فلما كان الليل دخل أحمد بن طولون ~~وأصحابه الحصن منه، ونصب أعلامه عليه، وركب سيما الطويل فأحرق باب فارس ليشغلهم بالنار ~~فتمكنه النجاة بنفسه، وسقط الباب الحديد ودخل منه إلى بقية أصحاب أحمد بن طولون وهو لا ~~يعلم ذلك، وطلبه أحمد بن طولون وأصحابه والتقوا، فحارب بنفسه ساعة حربا # 112 # شديدا بانت فيه رجلته وجزالته. وقد تقدم أحمد بن طولون إلى جميع من معه ~~ألا يقتل وإن ms037 أمكن قتله، ولا يرمى وإن أخذ أخذ سليما، فلبغض أهل أنطاكية له ~~رمي بالطوب والحجارة من المنازل والمواضع فتحير ولحقه سهم فصرعه، فقتل في ~~المعركة ولم يعلم به، وبقي مطروحا واستأمن أصحابه وغلمانه، وأحمد بن طولون يسأل عنه ~~ويبحث عن خبره، فما وقف عليه حتى اجتاز به آخر النهار وصيف اللاني مولى القصيصيين # 113 # فعرفه، فنزل وأخذ رأسه وأتى به إلى أحمد بن طولون، فنصبه على رمح، فلما ~~رآه من كان بقي من أصحابه منهم من هرب، ومنهم من استأمن. # ولما رأى أحمد بن طولون رأس سيما قال: قد علم الله، جل اسمه، أني كنت أحب لك غير ~~هذا فأبيت، فأنا بريء من دمك. والله ما أمرت بقتلك ولقد نهيت عنه، فأحب الله، جل ~~ذكره، فيك ما أحب فأمضاه. وكان ذلك في المحرم سنة خمس وستين ومائتين، وقبض أحمد بن ~~طولون على جميع ما كان لسيما من مال وعدة وكراع وغير ذلك، وكل شيء عظيم جليل ~~خطير. # ودخل إلى طرسوس في جمع عظيم، وعز منيع، فضاق السعر بها، وضاقت بأصحابه وسواده ~~طرقاتها، فاضطرب أهلها وتأذوا بأصحابه فصاروا إليه، وفيهم غلظة أهل الثغر، ونسوا ~~أنهم في وجه عدو عظيم قد قاوموه فقالوا: عافاك الله، قد ضاق بأصحابك بلدنا، وتعذرت بك ~~معيشتنا، ونقص سعرنا، فإما أقمت في عدة يسيرة تحملها بلدنا وإلا رحلت عنا. وكان ~~كلامهم له كالشغب، فقال لهم برفق وتأن: نرحل عنكم، حفظكم الله. وركب من وقته. # وأطلقوا ألسنتهم في أصحابه، فقال لهم أحمد بن طولون: احذروا أن تنابذوهم. فقالوا له: ~~قد حملوا السلاح يريدوننا. فقال لهم: انهزموا عنهم، وأظهروا الخوف منهم، واخرجوا عن ~~بلدهم؛ فقد ضيقناه عليهم، فشق على أصحابه ما أمرهم به من انهزامهم عنهم، وقالوا له: ~~أيها الأمير، تكسرنا عنهم، وليس عدتهم كعدتنا، ولا حالهم كحالنا، ولا هم وغيرهم ممن ~~يقاومنا. وخاطبه وجوه قواده بمثل هذا، وقالوا له: علينا في هذا مكسرة، ووضع منا عندهم ~~وعند غيرهم. فقال: ويحكم كل ما تقولونه أنا أعلمه، ولي فيه ما ms038 قد علمه الله، جل اسمه، ~~وأنا أتحمل فيه وأحملكم كل مكروه ومشقة مما ذكرتموه تقربا إلى الله، عز وجل، ~~فقالوا له: فيعرفنا الأمير لنسكن إليه، فقال: إنه لم يخف عن متملك الروم العدة ~~التي دخلت هذا البلد، والعدة وما نحن عليه من القوة والنجدة، فأحببت أن يستقر في قلبه ~~وعنده وعند عساكره وجنوده أنا على ما نحن عليه قد ضعفنا عن أهل طرسوس، ولم يمكنا ~~مقاومتهم، فانهزمنا عنهم، وعزهم فهو لله، عز وجل، وعزكم فهو لي، والله، جل اسمه، ~~أولى أن يؤثر. فقالوا: صدق الأمير، الآن طابت نفوسنا. وضرب مضاربه خارجها، حتى فرغ ~~مما احتاج إليه، ومنع أن يدخل إليها أحد من أصحابه حتى رحل عنها. # وركب يوم الجمعة ، وقبل رحيله دخل إلى الجامع ليصلي راجلا برداء ونعل ومعه ثلاثة ~~غلمان، فصلى الجمعة وجلس في الجامع فقضى حوائج أهل البلد، في كل ما سألوه فيه وأرادوه، وبلغ ~~لهم كل ما أحبوه، وتصدق بجملة من المال، وكثر الدعاء له والضجيج بذلك في الجامع ~~والطرقات، وخرج إلى مضربه، وخرج أهل البلد كلهم معه يشيعونه ويدعون له، ورحل عنهم، ~~فبلغ ذلك متملك الروم، وما كان من أهل طرسوس معه، فعظمت هيبة الثغر في قلبه. # حدث أبو العباس [الطرسوسي] المتولي كان لغسل أحمد بن طولون عند وفاته، وكان رجلا ~~خيرا فاضلا زاهدا يتقوت من المباح، قال: كان بطرسوس رجل من خشن الصوفية خير ~~فاضل، قد خرج من طعمة جليلة، ونعمة حسنة إلى الله، عز وجل، يتقوت من عمل الخوص، وكان ~~لا يقطع الخروج إلى الثغور راجلا، وكان أحمد بن طولون، بمقامه في ابتداء أمره بطرسوس، ~~مواصلا له [ومتعجبا من حسن ألفاظه] فحدث قال: لما أراد أحمد بن طولون الانصراف عن ~~طرسوس أحضرني فجئته فساءلني عن حالي، فشكرت الله، جل اسمه، عليها، فقال: قد سررت ~~بنظري إليك، وأنا أريد أن تتقدمني مع العشاء إلى منزل فلان صديقنا، يريد الرجل الذي ~~قدمت ذكره، فتجلس عنده ولا تعرفه مصيري إليه، فإن سألك عني فلا تره في كلامك ms039 هيبة ~~لي، وكن في جوابك له مستكينا خاضعا لذكري، وأقرئه مني السلام، وعرفه أني استدعيت ~~مجيئك لتعرف خبره، وذكرت لك شدة شوقي إليه، وقل له آخر كلامك: وأحسبه يصير إليك ليسلم ~~عليك قبل رحيله، وودعه واخرج فتلقاني وتعرفني ما جرى بينكما. # وكانت قد حصلت بيني وبين أحمد بن طولون، بطول مقامه بالثغر، مودة وعشرة وصحبة ~~على الخير، وكان يطوي أياما ويحيي الليل بالصلاة إلى الصبح، فأحبه قلبي وقلب كل من ~~شاهد ذلك منه، فلم أحب مخالفته، ومضيت فعملت كما رسم لي، فقال لي بانكسار منه وكثرة ~~حياء: يجيء متى شاء. وانصرفت عنه فلقيت أحمد بن طولون في الطريق، وهو يريد المجيء راجلا، ~~وليس معه غلام واحد كان خصيصا به ، فأخبرته بما جرى فردني معه إليه، فلما دخلت إليه ~~قلت: لقيني فردني إليك، فلما قرب منه أحمد قام إليه وقال: هذا ما توجبه الطاعة ~~لأولي الأمر وتاركه يخطئ. فبكى أحمد بن طولون، فقال له لما استقر به المجلس: يا أخي، ~~ما الذي أنكرته من ربك حتى شردت عنه، وأنت مع تباعدك عنه لا تخرج من قبضته، فارحم نفسك ~~من تحميلها ما لا تحتمل، واعلم أن جده يمحص هزلك وطاعته تزيل اجترامك، ولا ~~تستكثر من الدنيا مالا يخف معك حمله، ولا ينفعك إذا دعا بك ربك، وتيقن أنك مردود إليه ~~بعملك وحده، وما سواه متخلف عنك. وأحمد بن طولون لا يزيد على البكاء الكثير شيئا. # قال أبو العباس: فالتفت إلي الشيخ وقال: يا أخي ما ترى الناس كيف يبطرون تحت الأقدار؟ ~~ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم بصره رشده، وارحمه من سخطك عليه، ثم قال له: انصرف ~~في حفظ الله [فإني أخاف أن تعديني بحب الدنيا وطاعة الائتمار]، ولست أنساك عند ذكري إن ~~شاء الله. # فقيل لأبي العباس: كيف حفظت هذا الكلام؟ فقال: كان الغلام الذي كان مع أحمد بن طولون هو ~~الذي كان كاتب السر، الذي كان يكتب كل ما يجري من أحمد بن طولون مع من يخاطبه وما يجري ms040 ~~من مخاطبه له، ولا يسقط من ذلك شيئا، فإذا خلا عرض الغلام عليه مجملا # 114 # بما يجري يوما يوما وليلة ليلة، فكتب الغلام جميع ذلك على الرسم، فلما ~~انصرفت مشيعا له إلى مضربه سألته أن يأمر الغلام أن يطلق لي نسخة فأمره بذلك ~~فنسخته. # قال مؤلف هذا الكتاب: وكذا كان أحمد بن طولون إذا أنفذ رسولا في حاجة برسالة، قال له: ~~أعد علي ما قلت. فإن أعاده ولم يخرم منه حرفا أنفذه، وإن قصر عن ذلك استبدل به ~~وأمر بحبسه. # قال: وكان أحمد بن طولون قد عمل على أن يغزو قبل أن ينصرف من الثغر حتى ورد عليه الخبر ~~بخلاف ابنه العباس عليه، وأخذه كل ما تهيأ له من المال والكراع والسلاح، وذهابه ~~إلى الغرب، وحمله معه أحمد بن محمد الواسطي، كاتب أبيه، مكرها، وأيمن الأسود مقيدين، ~~فانكفأ راجعا إلى مصر قد حيره ما دهاه من مأمنه. # فمن دهائه وجودة رأيه وحزمه، أنه لما عمل على المبادرة إلى مصر، لم يكن الرأي عنده ~~أن يترك أطراف عمله منتشرة، غير مضبوطة ولا محروسة، فتوقف وفي قلبه أحر من الجمر، حتى ~~بعث بأحمد بن جيغويه في جيش كثيف إلى حران # 115 # وما والاها، وبعث بلؤلؤ غلامه في مثل ذلك إلى نواحي الرقة # 116 # والدنارين # 117 # ليضبط ذلك. وهو آخر عمله مما يلي الشرق. # قال مؤلف هذا الكتاب: ومثل هذا بعينه رأيناه مع مؤنس الخادم الذي كان يعرف بالأستاذ ~~لما وجه # 118 # به المقتدر لقتال عبد الرحمن صاحب الغرب، وقد حصل عبد الرحمن هذا بالفيوم، ~~وملك أكثر أعمال مصر، فأقام مؤنس الخادم بالجيزة حتى استتم ما أراد من العدة، وسار ~~إلى الفيوم في جيش لم ير مثله قط، وأخذ أول عرضه الجبل والأهرام، وأخذ آخر عرضه شط ~~النيل، وأخرج في البحر مراكب حربية والعلابيات والعشاريات والسناديل العمالة والقوارب، وكل ~~صنف من السفن مما لا يحصى كثرة، مملوءة رجالا وسلاحا وعلوفة وزادا، حتى كأن البحر كله ~~قد فرش سفنا، وكانت تسير في البحر مسير ms041 الجيش في البر، فلما اتصل خبره بعبد الرحمن ولى ~~هاربا راجعا من حيث جاء، ولحق سرعان مقدمة مؤنس أطراف أصحاب عبد الرحمن، فأسروهم ~~وقتلوا منهم خلقا عظيما، فلما اتصل بمؤنس خبر عبد الرحمن وهربه، أتاح له الفكر ~~والتيقظ أن يكون أظهر ذلك، لما صح عنده خلو البلد من الجيش، فخالف إليه ليملك القصبة ~~عليهم، وأمر تكين # 119 # الخاصة، وكان أمير مصر يومئذ، أن يلحق الجيزة ويضرب مضاربه بها ~~ومصافه، فأقبل تكين ركضا من الفيوم حتى ضرب مضاربه بالجيزة، حيث كانت قبل الرحيل، ~~فساءت ظنون الناس لذلك ولم يعلموا ما السبب فيه حتى انكشف لهم، وهذا التيقظ في سياسة ~~العساكر ومن حزم الرأي وجودة التحفظ، وإنما استدرك مؤنس الرأي بعد، ولأحمد بن طولون ~~فضل السبق؛ لأنه استقبل أمره بحسن التدبير، وضبط الأعمال، قبل دخول آفة عليها وعليه ~~فيها، فكان هذا من إقباله. # ولما وصل ابن جيغويه إلى حران وجد بها محمد بن أتامش # 120 # فطرده عنها وهزمه أقبح هزيمة، فاتصل خبره بأخيه موسى بن أتامش، وكان موسى ~~بن أتامش هذا من الفرسان المعدودين، والشجعان المذكورين، فأغاظه ذلك وخرج تعصبا لأخيه ~~وطالبا له ولثأره، يريد ابن جيغويه، فلما اتصل خبره بابن جيغويه سقط # 121 # في يده، وخاف أن يضعف عنه ووقع بين شرين، كما قال الشاعر: ~~[فقال] غدر وثكل أنت بينهما # فاختر وما فيهما حظ لمختار # مقارعة موسى بن أتامش وليس هو من أنداده، ثم النكوص عنه والرجوع إلى أحمد بن طولون ~~فيلقى منه التلف والبوار، فأحزنه ذلك وحيره، فتأمله بعض أصحابه من الأعراب ~~المضمومين إليه يكنى أبا الأغر، وليس بصاحب ابن الخليج، فقال له: أيها الأمير، ما لي أراك ~~مقطبا مغموما ساهما مفكرا منذ أيام فما الخبر؟ فقال له: لخبر موسى بن أتامش. فقال ~~له: فما هذا وزن ابن أتامش ولا مقداره أن يبلغ منك مبلغه هذا المبلغ العظيم؟ والله إنه ~~لطياش قلق، ولو شاء الأمير أن أمضي فآتي به إليه أسيرا لفعلت، فبقي ابن جيغويه متعجبا ~~من قوله، وقد أغاظه ms042 منه ذلك، فلغيظه قال له: نعم، قد شئت أن تأتيني به أسيرا، ولك ~~السبق الوافر. فقال له: فضم إلي عشرة # 122 # رجال أختارهم، قال: أفعل. فاختار عشرة كما أحب وأمرهم ابن جيغويه بالسمع ~~والطاعة له. # وخرج فكمن أربعة منهم بموضع وثلاثة في موضع آخر وجعل بينه وبين الثلاثة علامة ~~وشعارا، وسار في الثلاثة الباقية معه في زي الأعراب، حتى خالطوا عسكر موسى بن أتامش ليلا، ~~فقصد مضربه فلما قرب منه تعاثر بآري # 123 # فيه خيل مربوطة قريبة من المضرب، فخلع الآري # 124 # فنفرت الخيل وصيح بها فمرت نافرة تعدو بين المضارب وصاح هو ومن معه: ~~الأعراب الأعراب. وأصحاب موسى متفرقون منهم من قد مضى يلتمس علفا لدوابه، وآخرون في ~~حوائجهم ومن في الخيم، فمنهم من يشرب، ومنهم من يضرب بطنبوره ويغني لنفسه، ومنهم ~~من قد سكر ونام. قد أمنوا أنهم لا يقدم عليهم أعراب ولا غيرهم. # فأول من خرج لما سمع الصوت موسى بن أتامش وحده ثقة منه بنفسه وشجاعته وإقدامه، وقد ~~كان كذلك، وما كان يعبيه غير عجلة الإقدام، وهي التي تنسب إليه الطيش، فلما رآه ~~أبو الأغر مر منهزما بين يديه فقصده موسى، وأقبل أبو الأغر يطمعه في نفسه، ويريه أنه ~~قد خافه وهابه، وهو بين يديه يتطارد، ولج موسى في طلبه حتى قرب من موضع الكمناء، ~~فناداهم بالعلامة بينهم، فخرجوا إليه من ها هنا ومن ها هنا، فعطف هو ومن اجتمع معه على ~~موسى بن أتامش، فأخذوه أسيرا، وأقبلوا به يقودونه قودا إلى ابن جيغويه، فورد عليه وعلى ~~الناس من ذلك ما تعجبوا منه وتحيروا له، وقالوا: ليس هذا بتدبير الأعرابي ولا برجلة # 125 # ابن جيغويه، ولكنه بإقبال أحمد بن طولون، تهيأ أخذ مثل هذا الأسد ما لم ~~يطمع في مثله، فحيره إقباله حتى خرج بنفسه مبادرا ولم يعلم به أحد من غلمانه، ولا ~~طلبه ولا استدعاه. وكان لما أن ركب موسى وعلم به بعض غلمانه وأصحابه ركبوا خلفه، ~~فلم يدروا كيف ذهب، وكانت ليلة ظلماء فتفرقوا ms043 يمينا وشمالا، ولم يقدر لواحد منهم ~~أن يسلك طريقه التي قصدها، ليتم القضاء المقدر لأحمد بن طولون، فلما وصل إليه ~~اعتقله في حجرة فرشها له في داره، وفك قيده، وخلع عليه، وبلغ في إكرامه ما يستحق ~~مثله، وخلع على أبي الأغر وأجازه، وزاد في رزقه ونوه باسمه، وقد كان جيغويه أجازه أيضا، ~~وحمله وخلع عليه، قبل إنفاذه موسى بن أتامش إلى أحمد بن طولون. # قال: وعدنا إلى أخباره المشهورة في دهائه وعقله وحزمه، وجعلنا لخبر ابنه العباس ~~بابا مفردا كما شرطنا، فمن ذلك أنه لما وجه بالواسطي إلى العراق كما ذكرنا في أول ~~أخباره، واستكتب جعفر بن عبد الغفار، اضطرب بما حمله من الأمر ولم يكمل له، فقال له حمدان # 126 # بن خاقان: الأمير، أيده الله، يحتاج إلى كاتب أوفى وزنا من هذا الكاتب. ~~فقال له: أنا أحتمله وأقنع به لأنه مصري. فقال له: والأمير، أيده الله، يرى أن الكاتب ~~المصري أكتب من العراقي وأنهض بما يتولاه. قال له: اعلم أن أصلح الأشياء لمن ملك ~~بلدا أن يكون كاتبه منه؛ فإنه يجمع بذلك أشياء تحمد عاقبتها؛ منها أن عيال الكاتب ~~وشمله وكل ما يملكه معه في بلده. ومنها أن جميع ما يكسبه فيه، وإن كان ممن يرغب في تجارة ~~كانت تجارته فيه، أو في شراء عقار أو بناء كان فيه. ومنها أن جميع ما يتجمل به ولده ~~وعياله ويقتصده لهم من قليل وكثير ففي بلده، وما يعتقده # 127 # من ضيعة أو ربع # 128 # أو ماشية فكله عمارة لبلده، وضمنه الجناية إن كانت منه أو جناية أحد من جهته، ~~و[هو] مع هذا وأهله ظاهرون لي، متصرفون في خدمتي. # والكاتب الغريب ليس كذلك؛ لأنه يعتقد المستغلات في البلد النائي عني، وكده عمارة ~~بلده بتخريب بلدي، وهو كذلك في كل حال متطلع إلى بلده، فإن اجتمع علي منه أن يكون رئيس ~~بلده من أميرها أو وزيرها عولى [؟] وهو أحد أهله المقيمين معه في بلده خلطة أو خدمة فاختصار ~~الحبه [؟] أمن الاشتمال عليه، فهذا ms044 الذي زهدني في كتاب العراق، مع علمي بما فيهم من ~~الصناعة وتقدمهم في الكتابة، فقال له: قد أصاب الأمير الرأي، وفقه الله. # ومن ذلك أن طيفور خليفته بالحضرة كتب إليه أن رجلا من الموالي قد أشجاني وضيق علي، ~~وشغل قلبي مما لا يجري ذكرك، أيها الأمير، بحضرته في مجلس الموفق أو غيره إلا بسط ~~لسانه فيك، وحرض عليك، فكتب إليه يقول: قد وجهت إليك كتابا يصل من يدك إليه، ~~فأوصله سرا عن جميع الناس، مع ما قد حملته إليك لتوصله إليه أيضا ليلا، فلا يقف ~~عليه أحد بوجه ولا سبب. # قال: وكان الكتاب يصف فيه شوقه إليه، وتطلعه إلى معرفة خبره، وأنه قد كان منذ مدة ~~طويلة يطلب رجلا يعتمد عليه بالحضرة لمهماته، فعسر عليه ذلك؛ خوفا أن ينكشف أمره، ~~فيتعذر عليه ما يحتاج إلى معرفته من جهته، فلما بلغني مقالاتك في، وبسط لسانك ~~بذكري، بما يسر العدو ويغم الصديق، علمت أن بهذه الحال يتم لي بها منك ما أحبه، ~~وتيقنت أن بمودتك برجوعك إلي يحصل لي ما أستميل به قلبك، وأرغب فيه من مؤاخاتك ~~ومسالمتك، وقال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «تهادوا تحابوا.» وقال أمير المؤمنين علي، عليه ~~السلام: «الهدية عطفة القلوب.» وقد وجهت إليك بما جعلته هدية إليك ألفي دينار ~~تصرفها في بعض مهماتك، ولن أقطع مواصلتك بحسب ما أقف عليه من خلوص طويتك، وصحة نيتك، ~~فلا تخلني يا أخي، أعزك الله، من ذكر أحوالك، حسنها الله، وتكاتبني بجميع ما أحتاج ~~إلى علمه، فإن الذي تأتيه من ذلك يغيب ويستتر عن الخلق كلهم، لما يعرفونك به من الانحراف ~~عني، ولا تقطع ذكري بما جرى رسمك بذكره، بل فزد في ثلبي والطعن علي، فإنك تبلغ لي ~~بذلك ما تحبه لي، وتسرني فيما تأتيه في ذلك إن شاء الله. # فلما وصل الكتاب إلى طيفور ركب به كما أمره، وأوصله إليه والمال، فدعا له وشكره، ~~ووعد طيفورا بأنه يبلغ له في ذلك فوق ما يحبه، وصار من أخص أصحاب أحمد ms045 بن طولون على ~~الأخبار، فكان يكاتبه بجميع ما يجري في دار الموفق ودار المعتمد وسائر البلد، مما يحتاج ~~إلى علمه، واستتر أمره مدة طويلة عن أصحاب أخبار الموفق، ثم انكشف أمره للموفق، ~~فأحضره وضربه بالسوط ورماه [في] المطبق، وأقام فيه أياما ومات، فانتفع به أحمد بن ~~طولون مدة على الضرورة، ثم استراح منه دفعة واحدة بأهون سعي، وذلك الذي قصده ~~فيه. # ومنه ما رواه أبو جعفر بن عبد كان أنه ورد عليه كتاب متملك الروم # 129 # يسأله الهدنة، فأجابه إلى ذلك وقال له: اكتب إلى طخشي بطرسوس أن متملك ~~الروم سألنا الهدنة مدة كذا وكذا، وقد أجبناه إلى ذلك على علم منا أنه لم يدعه إلى ما ~~سأل إشفاق من سفك الدماء، ولا تحوز لطلب السلامة، بل أظن، وهو كذلك، أنه قد خربت له ~~قصور أو استرمت # 130 # أو لحقه من بعض أعدائه اضطراب اضطره إلى الهدنة هذه المدة، ومن الخسران ~~المبين أن يكون بما التمس من ذلك أسعد منا، وإذا قرأت كتابي فتعاهد جميع الحصون التي ~~بقربك، فرم منها ما استرم، واعمر منها ما خرب وجدد منها ما أخلق، وأنفق على ~~ذلك من مالي الذي في أيدي وكلائي في ضياعي التي تقرب منك، وفرق في صعاليك أهل الثغر ممن ~~تضر به هذه الهدنة ما يقيم أودهم ويكفيهم، وأوسع عليهم في ذلك، وطالعني بما يكون منك ~~فيه فإني أراعيه إن شاء الله. # قال ابن عبد كان وكان مضطلعا بالكتابة: فوالله العظيم ما حضرني لهذا الكتاب أحسن من ~~معاني ألفاظه كلها فلم أتجاوزها. وأنفذ الكتاب وعمل به. # ومن ذلك ما حدثت به نعت # 131 # أم ولده قالت: كان عندي له جوار أهدين إلى مولاي، ما رأيت أحسن منهن ولا ~~أجمل، فأقمن عندي مدة لم يطلبهن، فشوقته إليهن بحسن الصفة لهن؛ فذكر لي شغل ~~قلبه عن ذلك، ثم دخل إلي بعد ليال، فتبينت منه انشراح صدر وطيبة نفس، فذكرتهن ~~له فقال لي: اعرضيهن علي واحدة واحدة ففعلت، فنظر إلى الأولة وقال: حسنة ms046 والله، ثم ~~أحضر بعض الخدم ودفعها إليه، وقال له: امض بها إلى غلامي فلان، وقل له: بحياتي عليك، ~~اطلب من هذه الولد [سرك الله وكثرك]، ثم لم يزل يفعل ذلك بواحدة واحدة حتى استوفى ~~عدتهن مني. # فتبين الغيظ في فضحك، وقال: أراك مغيظة؟ فقلت: يا مولاي، آثرت مثل هؤلاء ~~المتعذر مثلهن غلمانك على نفسك، فقال لي: يا ويحك، قد ارتفعت رغبتي في النكاح وما ~~ناسبه، وإنما رغبتي الآن وغرضي ورأيي في حراسة دولتي وضبط نعمتي، ومن اضطر إلى من ~~يضافره على أمره سلك هذا المسلك وآثر هذا الإيثار، وهؤلاء الغلمان فهم عدتي، ~~وينتسبون إلي انتساب الأبناء إلى الآباء وشهواتهم مقصورة على الأكل والشرب والنكاح، ~~فأنا أوثرهم بما يحبون وأرتفع أنا عنه كما أنهم يؤثرونني في أوقات التضايق على ~~نفوسهم؛ فيبذلون في مهجهم دون مهجتي، فقلت: وفق الله الأمير. فقال لي: اعلمي أني ~~أجد في فهم الرجل عني وإفهامه إياي من الالتذاذ أكثر مما يجده مجامع الحسان من لذة ~~جماعها، وحسبك. فدعوت له. # وحدث نسيم الخادم قال: جرى ذكر أخلاق قوم بين يدي مولاي فقال: أما أنا فأرى أن ~~أدفع بمالي عن رجالي، وبرجالي عن نفسي، وما في الأرض عندي أبغض إلي من رجل يزيد ماله ~~على فعاله، وحالته على كفايته. # واستكتب كاتبا فقال له: إني جعلتك صاحب خبر على ألفاظي، فانظر كل ما يجري بيني وبين ~~من يخاطبني، من كان من الناس من صغير وكبير، فاكتب خطابه وجوابي، وخطابي إياه وجوابه ~~لي، واعرضه علي بالعشي، فكان يراعي هذا أشد مراعاة. # وحدث عنه ابن عبد كان قال: كنا ننشئ الكتب إلى السلطان وغيره من أصحاب أعماله، ~~فيرد في الأجوبة غير ما صدرت به الكتب إليهم، فذكرت له ذلك لما كثر، فضحك فقال: ~~هذه أجوبة عن أشياء أضمنها أنا الكتب، لا أطلعكم عليها. # ومن ذلك أن كتابه # 132 # لم يكونوا يختمون كتابا ولا يحررون نسخته حتى يعرضوه عليه، فإن استصابه # 133 # أمضاه وإلا غيره. وكان لما استكتب في خرجته إلى الشام أبا ms047 الضحاك ~~محبوب بن رجاء ولم يكن بالكامل إلا أنه كان حاضر الذهن حلو الألفاظ، فعرض عليه يوما ~~كتابا فلم يقل فيه شيئا، فأنفذه محبوب، فسأله عنه أحمد بن طولون بعد أيام فقال له: قد ~~أنفذته. فحرد واغتاظ، وقال له: ويلك، حق الكتب أن تراجع فيها الأفكار، وقد كان ~~ينبغي أن تؤخر إنفاذه وتراجعني فيه. فكانت كتبه بعد ذلك تؤخر لمراجعة النظر، ~~والتصفح بعد الإنشاء، وجعل لها ديوانا. # فقال له يوما في كتاب قد كان عرضه عليه: أظن ذلك الكتاب قد شارف دمشق. فقال له ~~محبوب: لا والله أيها الأمير، هو مؤخر في ديوان التصفح، # 134 # فقال له: ويل لك، أتشك في رأيي حتى تطلب مراجعة بعد مراجعة؟ وإنما قصدنا ~~مراجعة مرة لا مرتين، كأنك تراني بعين من لا يوثق بخاطره ونظره فكيف مراجعة مرة؟ فحمل ~~محبوب بن رجاء الغيظ والدالة عليه إلى أن قال له: أيها الأمير، ما أدري أي شيء أنت؟ إن ~~قدمنا قلت: أخروا. فإن أخرنا قلت لنا: قدموا. فأمر به فبطح وضربه خمس ~~مقارع، فكانت المقارع تأخذه وهو يقول: اقتلني وقل لي أي شيء أنت؟ فضحك منه ~~وأطلقه. # وهذا كله فإنما كان منه دهاء ولم يكن في كتابه أحد أعرف بخدمته ولا أصبر عليها ~~من أحمد بن محمد الواسطي. لقد عتب عليه يوما فضربه بيده ضربا لا يحتمله المملوك. ومن ~~حسن أفعاله أنه كان لا يضرب أحدا من كتابه إلا هو بيده، كما كان يضرب من يخطئ من ~~ولده بيده. # ولما ضرب الواسطي ضربا بلغ منه أمره بالانصراف عنه، فلما خرج من بين يديه طرح نفسه ~~في دهليز من دهاليزه، فأقام فيه ثلاثة أيام ينام على حصير الدهليز ودواته تحت رأسه، ~~صائما نهاره، فإذا صليت العشاء أفطر على خبز وملح لا غير ذلك، ولم يتهيأ لأحد من ~~حاشيته [أن] يفعل في أمره ما يستحقه ويلزمهم له خوفا منه، وأخبار تنقل إلى أحمد بن ~~طولون في كل ساعة. # ولما مضت له ثلاثة أيام أحضره وخلع عليه، وأجازه وعاتبه ms048 على ما كان منه، حتى ~~أخرجه إلى ما جرى إليه، وأنه جعل ذلك تأديبا له كما يؤدب أحد ولده، فشكر ودعا وزادت ~~حاله عنده. # وحدث الواسطي هذا قال: انصرفت ليلة إلى داري، وكان عندي من آنس به وأتفرج إليه، ~~وأثق بمودته ممن يصحبني، قد خالطني # 135 # بنفسي؛ لأن الإنسان الكامل يتفرج إلى صاحبه بما لا يتفرج به إلى أخيه ولا ~~ولده ولا خاصته وإن كانت حظية عنده. # وكنت قد ألزمته المبيت عندي، وكان انصرفي وقد مضى هزيع من الليل، فدخلت وأنا مقطب ~~مشغول القلب، فتأمل ذلك مني، وقال لي: أطلت عند الأمير الليلة جدا، وأراك قد جئت وعلى ~~قلبك هم، فما الخبر؟ فلم يكن بي فضل لجوابه، وبقيت بثيابي وخفي جالسا، فقال لي: ~~استخر الله يا سيدي، وادخل إلى الحرم، واخلع ثيابك، ونم تهدأ أعضاؤك بما تعطيه نفسك من ~~الراحة . فقلت له: دعني من هذا فقد حيرني أمر هذا الرجل الذي أخدمه وأدهشني، وما أشبه ~~موارد أموره ومصادرها إلا بالآخرة، فلي والله في الفكر فيها ما يشغلني عن الراحة والمطعم ~~والمشرب التي لا بد منها. # فقال لي: قد استعجلت أنا الساعة الحيرة فخبرني ما السبب؟ فقلت له: كنت بين يدي ~~الأمير واقفا أعرض عليه الأعمال، فلم أزل كذلك إلى أن جاء نصف الليل، فرأيته وقد تشاغل ~~عني بشيء آثر الانفراد به، فتأخرت وملت تعبا إلى طرف الزقاق، فطرحت نفسي ~~أغتنم استراحة، وكان موضعا مظلما لا يبين من فيه لكثرة ضوء الشمع، فرأيت غلامي ~~فلانا، وهو كما تعلم أكبرهم وأوثقهم عندي، وهو عدتي وعليه معولي، وقد وقف بإزائه ~~لما لم يرني، وظن الأمير أني قد خرجت من الدار، فاستدناه فدنا منه، فلم يزالا في ~~سرار متصل أكثر من ساعة، ثم خرج من عنده مبتسما، لما لقيه به من محبوبه، فما ظنك ~~بمن أبر غلمانه عنده صاحب خبر عليه؟ أي عيش يطيب له؟ أو أي راحة تنفعه؟ # ومن ذلك ما حدث به أحمد بن أيمن قال: قال لي أحمد بن طولون يوما: ms049 اطلب لي رجلا زكي ~~الروح، صادق اللهجة، صحيح التمييز، لمهم لي أريده، فوعدته بذلك، وقد كان في جواري فتى من ~~أولاد الكتاب فيه ما وصفه لي، فعرضت عليه ما ذكره لي الأمير فقبله، فأدخلته ~~إليه، وقلت له: هذا الرجل الذي طلبه مني الأمير. فتأمله ثم استدناه فدنا منه، وأسر ~~إليه ما لم أقف عليه، فدعا بالسياط والعقابين، فشق عن الفتى وضرب عشرين سوطا، وأمر ~~به للمطبق فلم أستجز أسأله عن أمره، فانصرفت مهموما مغموما، وسألني بعض أسبابه # 136 # عن حاله فقلت: أنفذه الأمير في مهم له من وقته، وأمر له بصلة، وقد أنفذ ~~إليكم هذا منها، ودفعت إليهم من عندي خمسين دينارا، واستتر عني خبره شهرا، فلما ~~انقضى رأيته يوما قد دخل وأنا بين يديه، وقد اتسخت ثيابه وطال شعره، فاستبشرت ~~لرؤيته، وعجبت من حاله. # فدنا من الأمير فخاطبه ساعة، ثم استدعى أيضا السياط فضربه عشرين سوطا، وأمر به إلى ~~المطبق، فازددت حيرة وتعجبا وغما، فلما كان بعد شهر قال لي أحمد بن طولون: ~~يا أحمد. فقمت قائما فقلت: لبيك أيها الأمير. قال لي: قد وافى ذلك الفتى من الموضع ~~الذي كنا أنفذناه إليه، والساعة يدخل فاخرج للقائه، فبادرت مسرورا بذلك، فلقيته بعين شمس ~~وهو راكب على بغل فاره بسرج ثقيل، وجنيبة # 137 # تجنب له، ومعه ثلاثة أبغل تقل محمله إليه، فسلمت عليه، وبدأني فقال: ~~إني لأعلم تعلق قلبك بأمري. فقلت له: ما أحسن أصف ذلك فعرفني حالك، فقال لي: لما ~~نظر إلي عند دخولي إليه واستدناني قال لي: إن قلبي متعلق بما يجري من المعتقلين في ~~المطبق، وقد ندبتك لذلك، وقد عملت على أني أظهر سخطا عليك وآمر بك إلى ~~المطبق، فإذا حصلت فيه فأثبت ما يجري من واحد واحد ساعة بساعة، فإني أنفذ إليك ~~رجلا خفي الشخص يجلس إليك تنفذ إلي معه ما يجري يوما بيوم. فقلت له لما ~~توجبه هذه الحال: فإن ضربني الأمير ولو ضربا يسيرا كان أصح لخبري، فقال: لله درك! ~~فما أخطأت فراستي فيك. ms050 فأمر بضربي كما شاهدت، وأقمت في المطبق شهرا أنفذ إليه كل ~~يوم مجملا بما يجري مع شيخ يأتي كالمسلم علي، وأهل المطبق يسألونني عن حالي ~~فأقول: لا أدري من سعى بي بما لا أعلمه. # ثم أخرجت من المطبق فقال لي: قد قبضت على قوم أخر، وأنا أريد إنفاذهم إلى ~~المطبق، فتعود إليه على رسمك، وتثبت ما يكون منهم أيضا، وتطالعني به. ففعلت، فأنفذ ~~عشرة أنفس ما بين قائد وعامل وكاتب، فجريت على شاكلتي فيهم، وأخرجت أمس إليه، ~~فقال لي: بارك الله عليك وفيك. وأمر لي بألفي دينار وعشرة آلاف درهم، وما ترى من الحملان # 138 # وثياب كثيرة، وتقدم إلى نسيم بأن يسفرني هذا السفر وينفذني إلى عين شمس، ~~لأعود منها كالمسافر، فركبت معه فصرت معه إلى منزله وقد سررت بسلامته، وكثر تعجبي ~~من أفعال أحمد بن طولون، وازداد خوفي ووجلي منه. # ومن ذلك ما رواه رهبان دير القصير # 139 # قالوا: كان كثيرا ما يطرقنا الأمير أحمد بن طولون ويخلو في بعض قلالينا # 140 # يفكر، وكان يأنس براهب منا يقال له أندونة، فشكونا إليه يوما أمر ~~ابن مدبر صاحب الخراج بمصر، وقلنا له: إنه يطالبنا بجزية رءوسنا وقد أسقطت عن أمثالنا ~~على مر السنين. فوقع إليه بخطه توقيعا وقال لنا: احذروا أن تجعلوا توقيعي هذا كالسيف ~~الذي يصول به صاحبه، ولكن استعملوا الاستكانة عند إيصالكم إياه إليه، والمسألة وحسن ~~التلطف. فعجبنا من قوله، وصرنا إلى ابن مدبر وإذا به قد بلغه خبر التوقيع، واستعملنا ما ~~أمرنا به الأمير، فأخذ التوقيع منا وبلغ لنا فوق ما نحبه. # ومن ذلك ما حدث به الفارسي، وكان من ثقات أصحاب أخباره، وخصيصا به جدا قال: دعاني ~~أحمد بن طولون يوما فقال لي: ويحك! قد خفي عني أمر فلان، رجل كان من أصحابه الأتراك، ~~وقال لي: من العجب أن يضبط نفسه، ولا يظهر شيئا من أمره، فابحث لي عن حاله، والطف في ~~ذلك. فمضيت إلى داره، فجلست ناحية، وسألت من قرب من جواره عنه، فعرفت أنه ms051 يركب في كل ~~يوم، ويغلق باب داره فلا يفتح، ولا يقربه أحد إلى موافاته، فإذا وافى ونزل أغلق فلم ~~يخرج منه أحد ولم يدخل إليه أحد إلى غد يومه، فإذا ركب كانت تلك سبيله على هذا ~~دائما. # فاكتريت دارا رأيتها مشرفة على داره وانصرفت، فلما كان غد يومي صرت إليها ومعي ~~حمال، معه ما أجلس عليه وآكله وأشربه ليومي، فدخلت الدار وغلقت علي بابها، ~~وصعدت إلى سطحها فتأملته وإذا فيه موضع أشرف منه فأرى قاعة التركي وبعض مجلسه، ولم ~~أسمع له حسا فعلمت ركوبه، فلم أزل أتوقع عودته حتى عاد من ركوبه، فلما سمعت ~~حركته أشرفت، فرأيته وقد دخل مجلسه، وأقبلت أراعي أمره حتى رأيت الطعام ينقل إليه ~~إلى أن فرغ من أكله، وأدخل إليه الطست والغسل، ولم أسمع بعد ذلك له حركة، فعلمت ~~أنه لما أكل نام، فلم أزل أنتظر ما يكون، وكان ذلك الوقت صيفا. # فرأيت الفراش بعد العصر، وقد كنس القاعة ورشها، وأخرج حصرا حسانا ففرشها، وجعل ~~له مطرحا # 141 # طبريا ومسورتين # 142 # وأربع مخاد ومقعد سامان [؟] مبطن عن يمينه ومخاد بلا مساور، وخرج ~~الفراش فخرجت جارية فعلقت باب القاعة بينهم وبين الغلمان، وخرج التركي فجلس على ~~المطرح وخرجت معه جارية في نهاية الحسن والجمال فجلست على المقعد السامان [؟] وجاءتها ~~جاريتها بعودها فوضعته بين يديها. # وقدم بين يديه صينية فيها ثلاث خرداديات # 143 # وكوز ماء، وقدح نصف، وجعل بين يدي الجارية صينية فيها خردادي وقدح لطيف وكوز ~~ماء ومغسل، وأخذت العود فغنت أحسن غناء وأطيبه وأحذقه، وشرب حتى استوفى الثلاث ~~خرداديات، وشربت الجارية الخردادي الذي بين يديها، فأتي بثلاثة أخر وملئ خردادي ~~الجارية، وغنت وشرب وشربت واستوفاهما، وفي كل واحد منهما نحو الرطلين؛ لأني رأيتهما ~~كبارا وملئوا له، وقد خلط في كلامه، فاستدعى الرطل فملأه، وغنت وشرب، فلما شربه قال ~~لها: ويحك الساعة حصلنا على أن يملك أحمد بن طولون لعاصي لمولاه أمير المؤمنين ~~الموفق هذا البلد الذي ليس في الدنيا أجمل منه، ونحن بين يديه يديرنا ms052 كما يشاء، ويأمر ~~فينا بما يحب، والله لا صبرت له على هذا. فقالت له الجارية: أيضا قد عدت إلى هذا؟ دع ~~عنك ما لا نحتاج إلى ذكره واشرب حتى أغنيك صوتا ما سمعت مني مثله قط. فقال لها: ~~هاتي. فغنت صوتا جودت فيه وأحسنت كل الإحسان، وشرب فما ضبط نفسه فقال لها: ما أدري ~~أي قتلة أقتل هذا العاصي الملعون؟ فقالت له: املأ قدحك حتى أغنيك صوتا أحسن من كل ~~ما غنيته. فلما غنت وشرب زاد الأمر عليه، فقال لها: ويحك والله لا صبرت عن هذا ~~العاصي، ولأدخلن إليه غدا وآخذ سيفي هذا. ثم جرد سيفه ووقف واقفا وقال: ولا أزال ~~أضربه هكذا وهكذا. وأقبل يضرب به المسورة، ويقول: أشتفي منه قلبي هكذا. حتى قطعها قطعة ~~قطعة، فلم تزل ترفق به حتى أخذت السيف منه، وأقبلت تغنيه وتسقيه حتى سكر ونام ونمت ~~موضعي. # ولما كان في السحر بكرت إلى أحمد بن طولون وعرفته ما جرى، وتبينت الغيظ في ~~وجهه، وقال لي: امض، وأمسك حتى دخل إليه في جملة المسلمين من غد، فلما أراد ~~الانصراف أمره بالجلوس، فلما لم يبق أحد من المسلمين استدناه إليه ثم قال: يا هذا ~~أسأت إليك قط؟ قال: لا، أيها الأمير. قال: أليس أنا أدر عليك أرزاقك وجراياتك ~~وأرزاق من معك؟ قال: بلى، أيها الأمير، قال: ولا أخليك في الأوقات من صلة وجائزة؟ ~~قال: بلى. قال: فبأي حال استوجبت منك أن تفعل كذا وكذا. وعرفه بما عرفته، فقام ~~التركي قائما، ورفع رأسه إلى السماء، وقال: رفعته علينا فصبرنا، وملكته رقابنا ~~وأرزاقنا فأطعنا، وأعطيته الدنيا كلها فلم نبال، ما قنعت له بهذا كله حتى صرت له ~~صاحب خير علينا، فرفعت إليه ما تخرجه حماقة النبيذ من الناس إذا هم شربوا؛ كل هذا ~~تتقرب من قلبه. فضحك أحمد بن طولون حتى استلقى على شدة تزمته، # 144 # ثم أمره بالانصراف، وأتبعه بخادم معه خمسمائة دينار، وأمره أن يدفعها إلى ~~الجارية ويقول لها: قد أحسنت في تأديبه فالزمي ذلك. ثم ms053 أخرجه بعد شهر إلى طرسوس، وكتب له ~~بأرزاقه هناك، ووصله بخمسمائة دينار، ولم يحتمل أن يكون معه في بلده وبحيث تراه عينه ~~ويحمل منه ما شق عليه تحمله، ولم ير في مروءته أن يسيء إليه لجميل فعل جاريته وما ~~أصلحته من خطابه، ورميه بطرفه إلى السماء. # وأما فراسته وصحة إزكانه، # 145 # فما رواه أبو العباس المعروف بالطرسوسي صاحب خبره، قال: ما رأيت أصح ~~إزكانا من أحمد بن طولون ولا أقوى فراسة منه، نظر يوما شيخا في جملة من ينظر إليه، وهو ~~راكب سائر في جيشه، فقال لبعض حجابه: دونك ذلك الشيخ. فقبض عليه، فلما صار في داره ~~أحضره، فإذا به رجل خراساني شديد العجمة، فسأله عن أمره فاعترف أنه صاحب خبر عليه ~~للموفق، وأن معه كتبا إلى جماعة من قواده وأصحابه، وأحضر الكتب فأخذها، وأمر به إلى ~~المطبق، فقال له: أيها الأمير، أما وقد أخذتني بحسن فراستك، فقد لزمني نصحك ؛ لما ~~ملك قلبي من ذكاء عقلك واقتصارك بي على الحبس، وعفوك عن عقوبة كنت أتوقع التلف ~~معها، فقال له: قل يا مبارك. قال: معي صاحب خبر آخر، فإن أردت أن تحتاط فاحبسنا جميعا ~~إن رأيت ذاك، أيها الأمير، صوابا. فقال له: بارك الله عليك، وأين يكون؟ قال: في موضع ~~نجتمع فيه من ليل إلى ليل. قال: فخذ معك من تريه إياه حتى يأتيني به. قال: أفعل. ~~فأنفذ معه بعض حجابه ومضى معه، ولم يزل يترقب موافاة صاحبه حتى وافى في آخر النهار، ~~فعرفه معرفة أحمد بن طولون به وقبضه عليه، فسمعه الحاجب وهو يقول: فما الذي قلت له؟ ~~فقال: اعترفت بالصدق، فقال له: جودت، الصدق أحمد عاقبة وإن سألني صدقته، وأحسبك ~~ذكرت له مكاني معك، فوجه هذا الرجل معك ليحضرني إليه، قال: نعم. قال: سمعا وطاعة، امض ~~بنا. ووافيا والحاجب معهما إلى أحمد بن طولون، فعرفه الحاجب بما سمعه منه فأعجبه ذلك، ~~وسأله عن خبره فصدقه، فقال لهما: قد نجوتما مني وتخلصتما بصدقكما، فارجعا الآن إليه ~~وعرفاه بمعرفتنا بكما، وأخذنا ms054 الكتب التي كانت معكما، وإطلاقي لكما. ووصلهما ووجه ~~معهما من يقيهما. # قال أبو العباس: فتحيرنا مما شاهدنا منه، وقلنا: هذا وحي. وفطن لما خامر قلوبنا من ~~ذلك، فقال لنا: قد علمت ما اختلج بأسراركم، ما هو وحي ولكنه إزكان صحيح وذكاء قوي بحمد ~~الله ومنه. إني رأيت هذا الرجل في وسط الناس وهو مشغول بالنظر إلي والتأمل لي، لا ~~يطرف عني بنظر إلى جليس ولا غيره؛ فارتبت به فكان كما ظننت. فقلت له: وفق الله ~~الأمير وكفاه. # قال: وانصرف يوما من الصيد فاجتاز على شارع الحمراء، فتأمل دارا تبنى هناك، فوقعت ~~عينه على بعض الرقاصين، # 146 # فأمر بأخذه فقبض عليه، ووافوا به إلى الميدان، فلما جلس أمر بإحضاره، ~~فلما حضر أمر بإحضار السياط والعقابين، فلما شد صاح: أيها الأمير، لا تعجل علي ~~من قبل أن تسألني وتعلم ما عندي. فقال: صدق، حلوه. فلما حل؟ قال له: ادن. فلما ~~دنا، قال له : عرفني خبرك واصدقني تنج مني. قال: نعم، أيها الأمير، أنا جاسوس للموفق، ~~وكانت معي كتب ففرقتها على أصحابها، فوعدوني بكتب الجواب عنها، فعملت رقاصا ~~ليستتر أمري، وأسمع وأنا في أوساط الناس من أحوال البلد وأخبار الأمير ما أحفظه، حتى ~~أذكره عند عودتي لمن أنفذني، كما يلزم من نصب لهذا المنصب. فقال له: صدقت فعرفني ~~من أصحاب الكتب. فعرفه بهم واحدا واحدا، ووكل به من أخرجه عن البلد من وقته، ~~وقال له: قل له قد أطلعنا الله، عز وجل، على ما سترته وأردت أذيتنا به وأظفرنا ~~ونصرنا، ولم يضرنا فعلك، والحمد لله على ذلك. فلما كان في الليل قبض على أولئك ~~القوم أصحاب الكتب كلهم؛ فمنهم من غرقه، ومنهم من طم عليه الحفر. # فقال له موسى بن طونيق وكان خصيصا به: أيها الأمير، كيف علمت أن هذا الرقاص جاسوس؟ ~~قال: لمحته على الإسقالة # 147 # وعلى كتفه قصرية # 148 # الطين، ورأيت تكة أرمني، فأنكرت ذلك وقلت: رقاص لا تكون تكته إلا خيطا ~~أو كتانا. فقبضت عليه وكان ما شاهدت منه. قال ms055 له: أحسن الله توفيق الأمير. # وحدث موسى بن طونيق قال: رأيت أحمد بن طولون يوما وقد أمر بالقبض على رجل دخل إليه في ~~جملة الأولياء للسلام، ثم أحضر له السياط والعقابين وقال له: اصدقني ويلك من أرسلك ~~إلي، فخبرك عندي منذ البارحة؟ فقال له: صدق الأمير، أيده الله، أنا صاحب خبر ~~لأبي أحمد الموفق فأمر به إلى المطبق. # قال موسى فقلت له: أيها الأمير، هذا وحي لا شك فيه. فضحك وقال لي: ويحك لا تكفر بالله، ~~مات رسول الله # صلى الله عليه وسلم # وارتفع الوحي، ولكن اعلم أنه إذا كان العقل صحيحا قل ما يخطئ ~~وإلا فما منزلتي منزلة من يوحى إليه ولكني أزكن وأستدل فقل ما أخطئ، ومع هذا ~~فإني رأيت البارحة في النوم هذا الشخص بعينه وكأنه يروم الدخول إلي فيمنع من ذلك، ~~فكأنه يتسلق إلى طاق # 149 # في مجلسي ليرى ما أعمل. فكانت عبارة هذه الرؤيا تدل على أنه صاحب خبر ~~لتسلقه علي وتجسسه، وكان ما قدرته. # ومن ذلك ما رواه تركان بن عبد الله بن الإمام، قال: جلس أحمد بن طولون يوما في ~~مستشرف له على بعض بساتينه، وأحضر الطعام ومن يؤاكله من خاصته، فرأى من بعيد سائلا ~~في ثوب خلق وحال سيئة، وهو جالس يتأمل المستشرف ومن فيه، فأخذ رغيفا وكان خبز ~~الطولونية في الرغيف رطلين زائدين، فجعل عليه دجاجة وفرخا وفروجا وشواء لحم وقطع ~~فالوذج كبيرة، ومن جميع ما كان بين يديه، وغطاه برغيف آخر، وجعل فوقه لوزينجا مع ~~الفالوذج وغطاه برقاقتين، ودفع إلى بعض الغلمان، وأراه إياه، وقال له: امض سلمه ~~إليه، وأقبل يراعي الغلام في دفعه إياه إليه وما يكون منه، إلى أن دفعه إليه، وعاد ~~فعرفه ذلك، فلم يزل يتأمل السائل ساعة ثم أمر بإحضاره، فلما مثل بين يديه ~~استنطقه فأحسن الجواب ولم يضطرب من هيبته، فقال له: الكتب التي معك هاتها، واصدقني ~~صدقا ينجيك من ضرب السوط؛ فقد توسمت فيك بحسن عبارتك وثبوت قلبك وصحة عقلك. فاعترف ~~له أنه صاحب ms056 خبر، وأن الكتب معه ما أوصلها ليدبر أمره في إيصالها، فوكل به حتى مضى ~~وأحضرت الكتب. # قال تركان الإمام: فقال له طبارجي [وكان ذا دالة عليه وذا موقع منه]: أيها الأمير، إن ~~لم يكن هذا وحيا فهو سحر، فقال له: لا والله يا هذا، ما هو وحي ولا سحر، ولكنه قياس صحيح، ~~وتوفيق من الله، جل اسمه، وتفضل منه علي؛ رأيت هذا الرجل على ما هو عليه من سوء ~~الحال فأشفقت # 150 # عليه، وعلمت أن مثله لا يصل إلى مثل ما بين أيدينا من الطعام، وأنه يرى في ~~الأسواق ويشم من الروائح ما لا يصل إليه وتتعلق نفسه به، فأردت أن أسره بما ~~أنفذته إليه، فوجهت إليه بما تشره إليه نفس الشبعان الواجد فكيف الفقير؟ فما هش ~~له ولا مد يدا إليه، ولا رأيت من حسن القبول له والشهوة ما قدرته، فنفر قلبي منه، ~~وقلت: هذا عينه ملأى وفي غنى عن هذا، هذا جاسوس لا شك فيه. فأحضرته فكان من أمره ما ~~قد شاهدتموه من صحة خطابه واستيفاء جوابه، فازداد إنكاري لأمره لقوة قلبه واجتماع لبه، ~~وأنه ليس عليه من شواهد الفقر ما يدل على فقره، وبعثه عقله على أن اعترف بأنه صاحب ~~خبر، وصدقني عن أمره، ولا أسيء إليه وأثأثره وأطلقه، ففعل ذلك بعد ثلاثة أيام. # 151 # وحدث تركان بن الإمام عن أبيه قال: قال لي أبي: ركبت مع الأمير أحمد بن طولون يوما ~~في السحر، وكان من عادته أن يركب سحرا في نفر من أصحابه، ويجتاز بالمواضع الشعثة ~~يطالع منها جنايات أهل الشر في الليل، فمن ظفر به منهم أمر بضرب عنقه، فلقينا في ~~الطريق صوائح، فوجه معهن من يخفرهن إلى حيث يقصدن، إلى أن لقينا صوائح أخر، فقال ~~لصندل المزاحمي: انزل إلى هؤلاء الصوائح ففتشهن واحدة واحدة، فأخرج من وسطهن رجلين، ~~وأمر بهما إلى المطبق وكانا ممن قد جد في طلبهما فلم يقدر عليهما، فقال له طبارجي: ~~كيف تبينت، أيها الأمير، هذا من هؤلاء، خاصة وقد لقينا ms057 غيرهن ولم تفعل هذا بهن؟ فقال ~~له: نعم، أولئك اللائي لقيناهن كان صياحهن بجد وحرقة وعلى غير تصنع، وكان صياح ~~هؤلاء بتشاج وتصنع فعلمت أن معهن رجلا؛ لأن من شأن النساء التصنع للرجل، فكان ما ~~ظننت. # وحدث شعيب بن صالح قال: كان لأحمد بن طولون رجل يثق به على كثير من أسراره، # 152 # يطالعه بها وما غاب عنه منها، فعرفه جماعة من الناس بذلك، فكانوا ~~يهادونه استكفافا لشره وبسط يده للارتفاق # 153 # إلى أن كسب مالا عظيما، وانكشف أمره لأحمد بن طولون، وعلم أن قصده الارتفاق ~~في النصيحة، فلما وقف الرجل على علم أحمد بن طولون به هرب منه خوفا على نفسه، فشق ~~ذلك على أحمد بن طولون جدا، لاشتماله على ما عنده من أسراره، فرأى أحمد بن طولون في ~~منامه كأنه حفر قبرا واستخرج منه ثعبانا عظيما، فقبض عليه بعنقه، وأخرجه من القبر، ~~وجعله في جرة عظيمة، وسد رأسها، ثم أصبح فركب على رسمه مغلسا إلى العين التي ~~بناها بالمعافر، فرأى جنازة امرأة وخلفها نحو من عشرة أنفس، وقد أخرجت في ذلك الوقت، ~~فاستراب بها، فقال لمن يحملها: أين حفرتم لهذه الامرأة؟ فاضطرب الجماعة، وحطها وكشف ~~الغطاء، فوجد الرجل الهارب منه، وقد رام الخروج عن البلد فأعجزه ذلك وضاقت به الحيل، ~~فصنع هذا حتى يصل إلى الصحراء، فيذهب متنكرا في زي العباد، ويأخذ طريق الجبل، الصحراء ~~الصحراء، إلى أن يتخلص، فأمر به إلى المطبق، واستصفى جميع ماله، وصحت رؤياه التي ~~رآها، وزال غمه بها. # وحدث شعيب بن صالح قال: كنت مع أحمد بن طولون يوما في الصحراء فرأى حمالا وهو يحمل ~~شيئا قد أثقله، وهو تحته يضطرب اضطرابا شديدا، فقال: لو كان اضطراب هذا الحمال من ثقل ~~الحملة، مع ما أرى فيه، لغاص رأسه في عنقه، وما هذا منه إلا من رعب مما يحمله، فأوقفه ~~وأمر بحط الحملة عنه، فحطت وفتشت، فإذا معه جارية قد قتلت وفصلت، فاستخبر ~~الحمال عن القصة فقال له: أربعة نفر في دار دفعوا إلي ms058 هذه الحملة، وأعطوني دينارا ~~فشرهت نفسي، لسوء حالي، إلى الدينار، فتحملت من حملها ما لا أطيقه. فقال له: فحضرت ~~قتلها؟ قال: لا والله. قال له: أرني الموضع. وعاد مع الحمال إلى أن أراه الموضع الذي ~~حمل منه، ووجد القوم بحالهم لم يهربوا بعد، فقبض عليهم وأمر بضرب أعناقهم، وضرب الحمال ~~مائة مقرعة وأطلقه، وقال له: لو كنت حضرت قتلها لقتلتك. # وحدث حماد بن علي الأزدي، وكان أحمد بن طولون قد جعل إليه منع من هرب منه والتفتيش ~~عنه، قال: تغير أحمد بن طولون على نعيم المعروف بأبي الذيب، فهرب منه، فأمر بطلبه وقال ~~لي: لا تطلبه في داره بالفسطاط ولا في ضيعته سبراساط، # 154 # ولا عند أحد من إخوانه؛ فإنه أضعف قلبا ودينا من أن يقيم في هذه الأماكن، ~~ولكن اطلبه في الديارات وعند النصارى فإنك تجده في زي راهب وقد دخل في جملتهم؛ لأنه ~~حاذق بالقبطية فصيح بها. قال حماد: وطلبته هناك فوجدته كما وصف، فقبضت عليه، ~~وجئته به على هيئته، فلما رآه قال له: إيش هذا الزي؟ أرتداد عن الإسلام؟ السيف والنطع. ~~فقال: لا والله، أيها الأمير، ما ارتددت عن الإسلام وإنما تسترت بهذا الزي لأخفى، ولكن ~~أين يتهيأ لي استتار منك ولغيري؟ وأنت كما قال النابغة الذبياني: # فإنك كالليل الذي هو مدركي # وإن خلت أن المنتأى عنك واسع # فأوقفه هذا القول من أن يجري عليه من المكروه ما كان معتقدا له فيه، لما كان فيه من ~~الكرم والحياء لمن صدقه واستكان بين يديه، وأخذ خطه بمائة ألف دينار، وسلم الخط إلى ~~محبوب بن رجاء كاتبه، وكان [في] محبوب شره ومحبة لأخذ المرافق، فوعده بخمسة آلاف دينار، ~~وكتب له خطه بها، فسأله أن ينجم # 155 # عليه المال ليؤديه قليلا قليلا على حسب ما يتهيأ له وتتسع به حيلته، ~~فكان كلما أحضر ما يؤديه لم يأخذ به براءة، واستدعى خطه فحط منه وكتب بباقيه، وكلما ~~كتب خطه بالباقي صغر الخط ولطفه إلى أن حصل له من الأداء ثلاثون ألف ms059 دينار، وكتب الخط ~~بسبعين في رقعة صغيرة، وأقام أياما وهو يذكر اضطرابه واحتياله بما يؤديه، ثم ذكر ~~أنه أحضر ما يؤديه، واستدعى من محبوب خطه ليحط منه على الرسم، فدفعه إليه محبوب ~~على الاسترسال والثقة والعادة التي قد جرت، ولارتفاقه منه بخمسة آلاف دينار، فلما حصل الخط ~~في يده أكله وقال: ما بقي علي من مصادرتي درهم واحد إلا الخمسة آلاف المرفق التي خطي ~~معك بها. فقامت على محبوب القيامة. ورفع الخبر إلى أحمد بن طولون فأمر بإحضارهما، فلما ~~حضرا قال نعيم: قد أديت، أيد الله الأمير، جميع المال الذي أخذ به خطي إلا خمسة آلاف ~~دينار. فذكر له محبوب حيلته وأكله للخط، فقال أحمد بن طولون لنعيم: احلف برأسي أنك قد ~~أديت المال، ولم يبق عليك منه إلا ما ذكرت، وأن الذي ادعاه محبوب باطل ونحن ~~نصدقك ونزيل المطالبة عنك. فقال: قد أديت جميع ما أخذ به خطي وسلم إلي خطي ~~وحرقته، وإنما لما طولبت بخمسة آلاف دينار مرفقا خطي بها مع محبوب ولم يتهيأ لي ~~أداؤها، ادعى علي بما ادعاه. فقال له أحمد بن طولون: يمكن أن يكون الأمر كما ذكرت، ~~ولكن احلف برأسي على ما حكيت وقد برئت من المال، فقال: يعفيني الأمير، أيده الله، من ~~هذه اليمين؛ فإني لست أحلف بها بوجه ولا بسبب، فقال له: لست أعفيك منها إلا بالصدق. ~~فقال: إذا لم يعفني الأمير، أيده الله، فأنا أجل رأسه أن أحلف به إلا صادقا، ~~والأمر كما حكاه محبوب، وما فعلت ما فعلت وحملت نفسي عليه إلا من إضافة شديدة غليظة، ~~وأنه لم يبق لي شيء أرجع إليه فيما أديته، وقد كشفت حالي للأمير، أيده الله، ~~فيرى في عبده ما يشبه كرمه ورياسته، فثناه هذا الفعل عنه، ورق قلبه له؛ لأنه كان إذا ~~صدق لان وانعطف وأنعم، وبلغ منه فوق المحبوب، فأمر بإطلاقه، وحط ما كان بقي عليه، ~~ورد ما أخذ منه، ورد إليه عملا يتصرف فيه. # وحدث شعيب بن صالح قال: ركب أحمد بن ms060 طولون يوما فسلك شارع الحمراء يريد الجيزة، فلما ~~توسطه وقف ودعا بطخشي فأراه دارا هناك، وقال له: قف على هذه الدار توكل بها، واحذر أن ~~يفوتك أحد ممن فيها، حتى تتصفح وجوههم واحدا واحدا، فإنك تجد شيخا صفته كذا وكذا، ~~رأيته الساعة يتطلع من طاق في عقر # 156 # هذه الدار، فلما رآني أغلق الطاق فخذه وامض به إلى الدار إلى أن أعود إن ~~شاء الله. # قال طخشي: وسار الأمير ووقفت على الدار، وأطفت بها الخيل والرجال، وأنزل إلى جميع من ~~فيها وأتصفح وجوههم واحدا واحدا، فوجدت الشيخ على الصفة التي وصفها لي، فقبضت عليه، ~~وصرت به إلى الميدان، ورجع الأمير فحين نزل دعا بالشيخ، فلما مثل بين يديه قال له: ~~من أين الرجل؟ قال: من بغداد، قال: وما جاء بك إلى ها هنا؟ قال: صاحب خبر عليك، قال له: ~~علي، قال: نعم، عليك. قال: ومن أنفذك متخبرا # 157 # علي؟ قال: الأمير أبو أحمد الموفق. قال: وبمن تعرف يا شيخ؟ قال: بالقطان ~~الطالقاني . قال: فضحك أحمد بن طولون، لما أعجبه من صدقه، وقلة جزعه، وانحل غيظه، وقال ~~له: اجلس. فجلس، فقال له: أبو من؟ قال: أبو جعفر، فقال له: قد سمعت بك يا أيا جعفر ~~وكتب إلي بخبرك، وقد سررتني بصدقك إياي، وحرست نفسك بذلك مني، فمذ كم وردت البلد؟ ~~قال: منذ سنة. قال له: ويحك! ولك هذه المدة منذ دخلت البلد وأمرك مستتر عني؟ قال: نعم. ~~قال: فكيف تقف على أخباري وهذه حالك في الاستتار؟ فقال: معي عشرة يدورون في البلد، ويرفعون ~~إلي أخبارك، وأكتب بها. فقال له: وكيف قدرت على الدخول إلى البلد مع ضبطي طرقه؟ ~~فقال: ركبت البحر من أنطاكية إلى تنيس # 158 # ومنها إلى مصر. فقال: صدقت، أما هذا فما ضبطناه ولكن من الآن. # ثم قال له: يا أبا جعفر، إنك هو ذا تحسن وتجمل إلي وإلى نفسك في صدقك إياي، وقد ~~أمنك الله، عز وجل، وأزال خوفك، فاصدقني أيضا عما أسألك عنه ولا تنافقني متقربا ~~إلي، ms061 هل ترى في سيرتي شيئا تنكره أو في تدبيري سياستي ما تذم؟ مع تأملك لذلك منذ ~~سنة، قال: لا، والله الذي لا إله إلا هو، وبالله إني لأكتب بذلك وبما هو لك لا عليك، وإني ~~لأعلم أنه يسوء من أكاتبه به، ولكن الصدق يبعثني عليه رضي به من رضي، أو سخط من ~~سخط؛ لأني ما أقول فيما أكتب به إلا حقا؛ لأن أفعالك كلها حسنة جميلة، مضبوطة ~~محفوظة مستقيمة، فإن الذي أكتب به من ذلك لمما يزيد به حالك في قلوبهم خوفا وهيبتك في ~~نفوسهم عظما وجزعا وذعرا. فقال له: حسبي يا أبا جعفر، أحسن الله إليك. # ولكن يا أبا جعفر، كتب إلي عنك بستر ودين وصدق لهجة وغنى عما حملت نفسك عليه، ~~فلم رضيت لنفسك بخدمتهم في هذه الحال العظيمة التي يركب صاحبها فيها خطة لا يدري ما ~~عقباها؟ وهذا أيضا مع بعد الطريق وتكلف المشقة العظيمة فيها وعظم المخاطرة. فقال: ~~أيها الأمير، أجبرت وخوفت، فسمعت وأطعت، ولم يمكني الخلاف؛ لأن لي في بلدهم ~~عقارا وعيالا وأهلا وتجارات، ولولا ذلك لاخترت، لما ندبت له، الهرب من بلدهم، ~~ولما استجبت، إلا أني اشترطت عليهم أني إن وقعت في يدك، وسألتني عن شيء، صدقتك فيه، ~~وقدرت أني أدفع بذلك عني ما دعيت له، فلم يثنهم ذلك، وأذنوا لي فيما شرطته عليهم ~~من صدقك عما تسألني عنه من قليل وكثير، فحمدت الله، عز وجل، على ما ابتلاني به من ~~ذلك، وصبرت عليه، وعملت على أنها مصيبة من المصائب التي تلحق الناس لا يمكنهم دفعها ~~عنهم، وعملت على أنك، أيها الأمير، إذا وجدتني لم تستبقني، فما خرجت حتى أوصيت كما ~~يوصي من تحضره الوفاة؛ إذ كنت لم أجد بدا من ذلك، وقد أخلف الله، جل اسمه، ظني، ~~وأزال خوفي، بكرم طباع الأمير، أيده الله، ورأفته؛ فلولا ذكاء الأمير، أيده الله، ~~وحدة خاطره، وقوة حسه، وصحة ذكائه، بما وهبه الله الكريم له من ذلك، لما فطن لي ~~وقد رآني أتطلع من طاق، وما أنكر ms062 عند ردي باب الطاق حين رأيته، فكان ما ظنه ووقع ~~له في حقا. فقال له الأمير: والله يا أبا جعفر كذاك، ما أنكرت غير ردك باب الطاق حين ~~رأيتني، وإن فطنتك يا أبا جعفر لحسنة، ولولا ما فيك من الفضل والذكاء والعقل لما ~~علمت بذلك، فهل لك إلى ما أدعوك إليه؟ فقال: يأمر الأمير، أيده الله، بما أمتثله، إن ~~شاء الله. فقال له: أدعوك إلى خدمتي كما خدمتهم مع مجانبة الخلاف علي. فقال له: قبيح ~~أيها الأمير أن أدع قوما سبقوك إلي وخلطوني بأنفسهم ووثقوا بي، فلا يجوز أن أكون ~~عليهم بعد أن كنت لهم ومعهم، وإذا لم أصلح لصاحبي الأول لم أصلح للثاني. # فاجتهد به أحمد بن طولون فلم تجد فيه في ذلك حيلة، مع ما فيه من البذل والعطاء، وقال ~~له: لأن يقتلني الوفاء أيها الأمير أحب إلي من أن يحييني الغدر، فزاد بذلك في ~~محله عنده، فقال له: إذا كنت يا أبا جعفر قد أبيت فاختر، إن أحببت المقام عندي من غير ~~خدمة تكرهها ولا تختار التصرف فيها فبالرحب والسعة، وإن أحببت الرجوع إلى صاحبك ~~أطلقتك. فقال له: إذا كان الأمير، أيده الله، قد خيرني بكرمه فالرجوع إلى الأهل ~~والوطن آثر عندي مما أوثره من التصرف بين أمره ونهيه، وإن كانت المروءة هي أوجبت علي ~~حسن الوفاء لمن وثق بي فلن أكون بعد منصرفي عن الأمير، أيده الله، إلا متصرفا ~~بين أمره ونهيه هناك، مجازاة لجميله، أيده الله، الذي شملني، وإحسانه الذي قد ~~عمني. فقال له: أحسن الله جزاءك يا أبا جعفر، وكثر في الناس مثلك. # وأمر سوارا الخادم فأخذه إليه على حال تكرمة، فأقام في داره ثلاثة أيام، تقام له في كل ~~يوم مائدة حسنة، ولا يزال أحمد بن طولون يتبعض # 159 # له وهو يأكل من كل ما يستطيبه، مما يقدم إليه من طعام وحلواء وفاكهة، ~~ويستدعيه ليلا، فلا يزال يحادثه ويسائله عن أخبار الموفق، وما يحتاج إلى علمه، ويؤانسه ~~إلى أن يمضي الليل إلا أقله، ms063 فلما كان في اليوم الرابع أحضره فقال له: يا أبا جعفر، ~~الضيافة ثلاثة، ولا أشك في تعلق قلبك بمخلفيك، ويعز علي والله مفارقتك إلا أني لا ~~أحب أذيتك، وأختار مساعدتك، وأمر له بعشرة آلاف دينار وعشرة أسفاط ثيابا، وخمسة أرؤس من ~~الدواب، وثلاثة غلمان وطيب كثير، فكن مقدار ذلك عشرة آلاف دينار أخر، فلم يقبل شيئا من ~~ذلك إلا سفطا واحدا من الثياب، وبغلا واحدا، ودينارا واحدا من المال، وقال: أيد الله ~~الأمير، أنا والله من وراء نعمة عظيمة واسعة، ولي مع ما كنت وصفته للأمير، أيده الله، ~~ضيعة ترد علي في كل سنة عشرين ألف درهم، وفي أخذي من الأمير، أيده الله، ما أمر لي ~~به تغنم لا أستحسن فعله، ويقبح بي وصفه. وقد أخذت مما أمر به الأمير، أيده الله، ~~ما أتشرف بلبسي له، وأتجمل بركوبي بغلا من بغاله، وأنفق يوم أدخل بلدي هذا الدينار، ~~والله لا أنفقت يومي غيره تشرفا به، فإن رأى الأمير، أيده الله، أن يتمم سرور عبده ~~ويدعه وما اختاره، ولا ينقض علي حمله فعل وأحسن بها إلي. فازداد بذلك أيضا في قلب ~~الأمير أحمد بن طولون جلالة ورفعة، ووصاه بما احتاج إليه وودعه، وأنفذ معه من ~~يشيعه، وكتب له جوازا وكتبا إلى سائر أعماله يأمر أصحابه بها بتلقيه وتشييعه وخدمته، ~~وخرج وأحمد بن طولون يتأسف ألا يكون مثله في خدمته، وقد ملأ قلبه وصدره بحسن وفائه ~~لصاحبه. # فلما وصل القطان إلى الحضرة لم يدع جميلا ولا حالا تصلح ما بين الموفق وأحمد بن ~~طولون إلا بلغها، من حسن طاعته، وحسن سيرته، وضبط أمره، وحزمه، وجودة تدبيره، وقوة أمره، ~~فثنى ذلك الموفق إلى الرجوع له، ووقف طيفور خليفة أحمد بن طولون هناك على ذلك وعلى ~~انثناء الموفق له، فكتب إلى أحمد بن طولون بذلك ويقول: أحسن الله جزاء القطان، وكثر في ~~الناس مثله؛ فلقد قويت يدي به منذ ورد إلى الحضرة وبما جرى منه مع الموفق، ويقول في ~~كتابه: ومن العجب أن يحضر مثل ms064 هذا الرجل بحضرة الأمير فيغفل إلزامه قبول بره بكل ~~حال. ولم يعلم طيفور بما عمله أحمد بن طولون معه، فلم تجد فيه حيلة. ويذكر عظم محله ~~عند الموفق، ونبل منزلته منه، فكان أحمد بن طولون يقول: ما أسفت على شيء كتأسفي ألا ~~أكون ألزمت القطان قبول خمسين ألف دينار ومثلها أعراضا ويقول: رزقي الله صاحبا ~~مثله. # ولم يزل أحمد بن طولون يكاتبه في مهماته وحوائجه وما يحتاج إليه من مخاطبة الموفق، فيبلغ ~~له في جميعه ما يحبه إلى أن مات أحمد بن طولون، فلما مات بلغ القطان موته فحزن عليه ~~واغتم غما عظيما، وبلغ الموفق ذلك عنه فلم ينكره عليه، وكان يحضره في كل وقت ويسأله ~~إعادة أخباره عليه، فيذكر كل ما كان يشاهده منه ومن سيرته، وحسن سياسته في داره وحاشيته، ~~وحسن مملكته، وعظيم هيبته، وكثرة صدقاته ومعروفه، وتفقده المستورين وأولاد النعم، وإجرائه ~~عليهم الرزق، وما يعمل من الأطعمة في كل يوم جمعة، وحضور الضعفاء وغير الضعفاء من ~~المستورين، وإشرافه على ذلك بنفسه حتى يأكلوا، ويؤمرون ألا يخرج أحد أو يزل # 160 # معه ما يقدر على حمله، ينصرف به إلى عياله، وما كان يجد في ذلك من اللذة ~~والسرور والفرح، وأنه جعل ذلك عوضا من القصف والشراب وسماع الغناء وما يستعمله مثله من ~~ذلك. وكلما سمعه الموفق يذكر من هذا شيئا يبكي ويترحم عليه، ويبكيان جميعا؛ فلم يكن ~~للموفق أحد يعاضده على الغم بأحمد بن طولون إلا القطان، ويستر ذلك الموفق عن الناس كلهم ~~إلا القطان، فكان هذا الفعل من الموفق للفضل الذي كان في الموفق، فعرف به فضل أحمد بن ~~طولون؛ فإنه ليس لهم في مملكتهم أنصح منه ولا أوثق، ولا أضبط ولا آمن، وإنما كان ذلك الفعل ~~من الموفق من الانحراف عنه، غيرة عليه ألا يكون ما يفعله للمعتمد له. # ولما تواترت الأخبار بموت أحمد بن طولون وصح ذلك عند سائر الناس؛ لأن الذي كان قبل ~~كان بين مصدق ومكذب، كان من الموفق حينئذ ما نأتي به ms065 مشروحا مبينا إن شاء ~~الله. # ومن إنصافه وحسن تأتيه، وبطلان كثير مما يشنع عليه، وإقامته له العذر فيما يأتيه، أن ~~وكيلا له يعرف بابن مفضل صحبه ولا شيء له، ففوض أمره كله إليه، فاستولى عليه، وكان من ~~بين الوكلاء حازما ذكي القلب شهما باذلا كافيا يحسن الخدمة، ولم يكن يقعد به إلا ~~بخل كان فيه، ولجاج في الشيء إذا خوطب فيه يملكه فلا ينحل عنه، حتى إنه كان يتبع ما ~~تضره اللجاجة فكان هذا عيبه، فوصل إليه من الارتفاق ما لم يصل إلى أحد من حاشية أحمد بن ~~طولون ولا أهدي إليه، وكبرت أحوال أحمد بن طولون، فكبرت مرافق ابن مفضل واتسعت ~~أحواله. # وكانت نفقات مطابخ أحمد بن طولون وراتبه من ضياع إقطاعه، فتقدم إلى ابن مفضل في وقت ~~اختاره ألا يضع يده على شيء من مال هذه الضياع، وذكر له أنه يريد مالها لطرسوس، فلما ~~انقضى الشهر وافى نفيس الطباخ إلى ابن مفضل يستدعي منه إطلاق النفقات على الرسم للمطابخ، ~~فقال له: قد حظر الأمير علي الجهة التي كنت أطلق لك مالها، فقال له نفيس: فتحتال لي ~~بما ننفقه اليوم، وتستأذن الأمير الليلة فيما يستأنف. فقال له: ما عندي حيلة. فقال له: إن ~~النهار يمضي. وقال: حدثنا في شيء مما نحتاج إليه مما لا بد للأمير منه. فقال له: كذا ~~اختار إيش في يدي؟ قال: فأعطل؟ قال: ذلك إليك. قال: فأذكر هذا للأمير؟ قال: ذاك إليك، ~~افعل. # فدخل نفيس إلى أحمد بن طولون فعرفه الخبر، فأحضر ابن مفضل فقال له: ويحك ما كانت لك ~~حيلة في إقامة نفقات المطابخ يوما واحدا، إلى أن نطلق لك من جهة نختارها ما تحتاج ~~إليه؟ فقال له: لو تهيأ لي ذلك لما توقفت عنه، وإنه لمتعذر علي. ثم قال له: احلف ~~بالله ثم برأسي أنك ما تملك ذلك. فحلف فدعا سوارا الخادم، وكان خادما جريئا، صفيق ~~الوجه، قاسي القلب، فقال له: امض الساعة واقبض على كل ماله، واحمل إلي الساعة ما تجده ~~من ms066 العين، واختم على ما سواه. فمضى سوار وقبض على كل ما وجده له في داره، فوجد له من ~~العين ثمانين ألف دينار # 161 # فحملها إليه، وختم على ما بقي، وعاد إليه فعرفه بجميعه، فأمره ببيعه كله، ~~فبيع بعشرين ألف دينار سوى ما استهلك وتمزق وتفرق، وسلم ابن مفضل إلى سوار ~~فكان آخر العهد به. # وحدث شعيب بن صالح قال: شنئت نفس أحمد بن طولون استخدام الكتاب، لما وقف على ~~حال ابن مفضل وقبح فعله، وجرأته على اليمين الكاذبة، وكان ذلك يشتد عليه جدا، واحتاج ~~إلى من ينوب منابه، فسنح له ذكر كاتب كان يكتب لحسين الخادم المعروف بعرق الموت، كان ~~لما قدم معه إلى مصر شاهده فخف على قلبه وافترس فيه خيرا فتتبعته نفسه. وكان ~~هذا الخادم حسن العقل، راجح الوزن، يتقلد البريد بمصر، وكان أحمد بن طولون يعرفه من ~~الحضرة، ويعلم منه حسن اختيار فيما هو بسبيله، فتيقن أنه لم يختر من كتابه إلا مختارا، ~~وهو رجل يعرف بحسن بن مهاجر فمال إليه وسأل عنه ، فأحضره وساءله عن بلده وسبب تعلقه ~~بحسين الخادم فقال: ولدت بالرقة وكان والدي يتوكل لحسين هذا في ضياع هناك، فاجتاز ~~به في مسيره إلى مصر، فطالع ما جرى على يديه فأحمد أمره فيه، وتأملني وأنا بين يديه ~~أكتب فمال إلي، فقال لوالدي: خرجت من الحضرة ولم أستصحب منها كاتبا لما أعلمه منهم من ~~الجرأة ولطف الحيلة، وأنهم للعامل الخائن أوفق منهم للناصح، وأحب أن تصحبني ولدك ~~هذا وتؤثرني به فإني أقنع به وأرجو إن يحسن تأديبي له أن يبلغ ما تقعده عنه الحداثة، ~~ويتخرج معي فأبره وأكرمه عن غيره، # 162 # فشق ذلك على والدي لمفارقتي له، ولم يتهيأ له مخالفته، فسلمني إليه، ~~وألزم نفسه تأديبي وتقويمي، كما يتولاه الوالد من ولده، حتى إذا هو تبين اضطلاعي بما ~~يسنده إلي سلم إلي ديوان البريد، وقال لي: يا بني احفظ ما أوصيك به، احذر أن ~~أراك في دار غير داري، ولا تسكن إلى أحد سكونك إلي؛ ms067 فإن تفويضي إليك يوجب لي ذلك ~~عليك، وليكن إيثارك لحسن الذكر أكثر منه لكسب المال، وطلبتك للصواب أكثر منه لحسن ~~الذكر، وإن شق عليك تحمله فإنه أحمد عاقبة فيما تأتيه من غيره، مما لا مشقة عليك ~~فيه، ولا تنزعن إلى إنفاق ما تكتسبه بابتياع الأعراض النفيسة والملابس الرائعة؛ فإنك لا ~~تزيد بذلك إلا في عين ناقص الفهم والحال؛ لأن من قوي تمييزه إنما يطالع ما صدر عنك من ~~فضل، واستعرضه فيك من طبع، فإذا غلب عليك إيثار شيء يحسن به ظاهرك فطالع يمنه في ~~حاصلك، واعلم أنه في يدك متى شئت من غير أن تغري بك كل حاسد أو باغ، ولا تذكرن لأحد ~~من حديثي ما يسهل عليك إذاعته، فيجترئ بذلك على إذاعة ما يقف عليه من سري، واطو ما ~~تستعرضه مني طي الصحيفة، واحذر أن يسبقك أحد إلى مطالعتي بما أتوكفه، # 163 # وقد أمرت لك بكذا وكذا دينارا، لتتأمل بها زيادة عطيتي على عطية خيانتي ~~واشتمل على أمري، وقابل ما ابتدأتك به بما يقصي عنك سوء الفيء لديك، وفقك الله ~~وسددك. # فقال له أحمد بن طولون: فمن خدمت بعده؟ فقال: ما استرحت إلى سواه، ومعولي فيما ~~يقيمني على جزء مما أفادنيه غنيت به عن سواه، فأنا أستغله مع قوم أثق بهم ~~وبموداتهم وحسن معاملاتهم، فأصرف الفضل فيما ينوبني وأرد الأصل إلى موضعه. فقال له: ~~وكم صرف إليك حسين الخادم؟ فقال: أربعة آلاف دينار وهي كانت أكثر ما كان في حاصله في ذلك ~~الوقت، فقال له: فما أحب من كاتبي إلا ما وصاك به صاحبك لا زيادة عليه، وقد أمرت لك ~~بمائة ألف دينار، فإذا جريت على ما وصاك به صاحبك، فهذا المال قليل من كثير لك عندي. ~~وخلع عليه وحمله، وألزمه خدمته، فلم ينكر منه أحمد بن طولون إلا تحامله على الناس له ~~ليحظى بذلك عنده. # فقال له يوما: قد صحت عندي نصيحتك، وأنت غير محتاج أن تتحامل على أحد لتزيد عندي، ~~وأنت تجني على نفسك بذلك من الآثام ms068 واستيحاش الناس مني أكثر مما تحوزه لي من الحظ، واعلم ~~أنك تزرع في قلوب الناس بما تأتيه حقدا لا تفنيه الأيام، بل تتوارثه الأعقاب، فاطلب ~~الشكر من الناس؛ فليس يكرهه إلا ناقص المعرفة، جاهل بما يوجبه حسن السياسة، غير عالم بما ~~في باطن النصيحة، فميز الناس تمييز عادل؛ تلق شرارهم بغلظتك، وخيارهم ~~برأفتك. # قال: فسألت نسيما الخادم عن المائة ألف دينار التي دفعها إليه أحمد بن طولون، فقال: هي ~~المائة ألف من المائة ألف التي أخذها من ابن مفضل، تركها معزولة بحالها ناحية حتى يرى ~~فيها رأيه، فلما استكتب ابن مهاجر أمرني بدفعها إليه. # قال صالح بن علي: جرى في مجلس لابن عبد كان ذكر محبوب بن رجاء وحسن بن مهاجر، فطعن ~~عليهما أكثر الحاضرين، فقال ابن عبد كان: الصدق أجمل ما يؤثر، في كل واحد منهما فضل ~~بين، وإنهما لعلى أفضل طريقة؛ أما محبوب فسريع الجواب، حسن الانتزاع # 164 # حلو المكاتبة، وأما ابن مهاجر فوقور [النفس] مستصغر لنصيحة من ينصحه، بعيد ~~الغور، لا يؤثر على توفير مال صاحبه ، وعلى ما زين حاله عنده شيئا من أعراض الدنيا، ~~ولقد اجتمعا وقت المناظر وكل واحد منهما مغيظ على صاحبه، فقال حسن لمحبوب: أمرني الأمير ~~أن أجلس في حلقك حتى تفصل ما أثبته من الحساب الذي رفعته، فقال له محبوب من وقته: لو ~~جلست في حلقي قذفتك في المخرج، فأضحك جميع من حضر وانقطع ابن مهاجر ساعة ثم تناظرا، ~~فقال محبوب لحسن: أنت شاب حدث غر، والصواب لك أن تستشعر خوف الأمير. فقال له حسن: ~~والله ما أخافه. فقام بها محبوب وقعد، ورفعها أصحاب الأخبار إلى أحمد بن طولون، فدعا بهما ~~وقال: ما هذا الكلام الذي جرى بينكما؟ فقال له محبوب: ذكر حسن أنه لا يخاف الأمير. فقال له ~~أحمد: هو ذا تسمع يا حسن، فقال: كذا قلت أيها الأمير؛ لأني قد استغرقت جهدي في نصيحتك، ~~وقد أمنت جورك وليس مع هذين ما يخيفني منك. فقال له: صدقت، الأمر كما وصفت، بارك ms069 ~~الله عليك وفيك. وذهب حسن بن مهاجر إلى قول الأحوص في عمر بن عبد العزيز: # وأرى المدينة منذ صرت أميرها # أمن البريء بها ونام الأعزل # ولقد أحسن ابن مهاجر في ذلك. # وشبيه بهذا ما روي عن عمر بن الخطاب، رحمه الله، أنه اجتاز ببعض سكك المدينة فرأى ~~صبيانا يلعبون، فيهم عبد الله بن الزبير، فهربوا جميعا غير ابن الزبير، فقال له عمر: ما ~~لك أنت لم تهرب كما هرب أصحابك؟ فقال: لم آت جرما فأخافك، وما بالطريق من ضيق ~~فأوسع لك. فأعجب عمر قوله، ومضى وهو يقول: لله درك! وبارك الله عليك. # قال: وذكر أيضا محبوب بن رجاء في مجلس ابن عبد كان فقال قائل: إنما كان مقبلا بإقبال ~~صاحبه، فلما مات أدبر، فقال ابن عبد كان: دعونا من هذا القول. لقد كان بين الفضل. ~~لقد أمرني أحمد بن طولون يوما بإنشاء كتاب يقرأ على المنبر فأنشأته، ودفعته إلى ~~محبوب ليقرأه وكان فصيحا، فدفعه محبوب إلى غلامه صاحب دواته ليحمله إلى الجامع، ~~وتركه الغلام في منديل العمل، # 165 # وركب الأمير إلى الجامع، وحمل الغلام ثلثا نقيا، وهو يقدر أنه ~~الكتاب، فلما صعد محبوب المنبر ناوله الغلام الثلث النقي، فلما نشره محبوب علم ~~أن الغلام غلط ونسي، فاندفع ومضى به يقرأ، وينشر الثلث ويطوي ليوهم من يراه أنه يقرأ ~~منه، مثل ما كان في الثلث، وما شذ عنه منه شيء، بألفاظ عذبة حسنة المعنى في الذي قصده، ~~وأتى على ما كان نفسه، فلولا أنني الذي أنشأته لشككت فيه، وما فطن به أحد غيري، بل ~~تبين منه الأمير بعض الاضطراب لذكائه وحدة خاطره وقوة حسه. # فلما نزل عن المنبر أمر أن يؤخذ منه الغلام فأخذ، وما خاطبه حتى صار إلى الدار ~~فأحضره وقال له: ويحك! إنك قد أتيت بمثل ما كان في الكتاب، ولولا ما فيك من الفضل ~~لافتضحت، فكيف جرى هذا؟ فعرفه غلط الغلام فقال له: إن لم تؤدبه على هذا أدبا ~~يمنعه من تركه مراعاة أمرك جرى عليك بعده أعظم ms070 منه، وأمر بإحضار الغلام فأحضر، فضرب ~~بين يديه مائة مقرعة، وقال لمحبوب: إن اخترت أن تستبدل به فافعل، وإن علمت هذا الأدب ~~قد أصلحه فدعه على رسمه. ثم قال ابن عبد كان: وإن كان الرجل يقبل بإقبال صاحبه كان، ~~فله فضل طبيعة وحسن صناعة. # وعدنا إلى أخباره الموجبة له العذر فيما يأتيه من العقوبة؛ فمنها خبر ابن شعرة، وكان ابن شعرة # 166 # هذا يضحك المتوكل على الله، وكان يغني أيضا، وكان قد انضوى إلى ابن مدبر ~~لصبابة خراجيات # 167 # كانت له بمصر، فكان لما يعلم من كره أحمد بن طولون لابن مدبر يذكره عنده، ~~فأحضره ونهاه عن ذلك، فكأنه إنما أغراه بنفسه ولم ينته، فأقبل على حملته يتقرب إلى ابن ~~مدبر بذكره كل ما سمعه، يذكر ثقل وطأته عليه، ويتبرم بمكانه معه في البلد، فبلغه ~~أيضا ذلك، فوجه إليه من نهاه فلم ينته، وبلغه عنه ما ينفره مثل ذلك، فأحضره وقال ~~له: ويحك! انته عما يبلغني واحذر مني ويلك، فلن يبلغني عنك بعد هذا شيء أنكره إلا ~~أتيت على نفسك، فعاد إلى ابن مدبر بعد أن حلف له أن جميع ما يبلغه تحيف عليه، فلما ~~عاد إلى ابن مدبر دخل خزانة الكسوة، وليس منها مثل ما كان على أحمد بن طولون، وخرج إلى ~~ابن مدبر فجلس مثل جلوس أحمد بن طولون وحاكاه، وأعاد ما خاطبه به، وأقبل ابن مدبر يضحك ~~منه ويعجبه ذلك، وبلغ ذلك أحمد بن طولون. واتفق في الوقت أن السعر بلغ، واضطرب البلد ~~لذلك. على أن السعر كان إذا تحرك في أيامه كان خمسة أرادب بدينار وأربعة، وإلا فكان من ~~العشرة إلى ما دونها مما ذكرناه، فركب أحمد بن طولون ليهدئ الناس، ويعاقب قوما من ~~القماحين والدقاقين، وينظر فيما يصلح أمر الناس في البلد، فلما بلغ إلى مسجد ~~عبد الله ازدحم النساء من السطوح ينظرن إليه، وأشرفن من كل دار، فاطلعت امرأة من ~~دار ابن شعر من أعلى سطحها من بين مركني # 168 # ريحان، وجاءت أخرى لتنظر ms071 معها، فازدحمتا، فرمت إحداهما أحد المركنين ~~الريحان، فسقط للمقدور على كفل دابة أحمد بن طولون ولم يشعر به، فوثب الفرس ونتره من ~~سرجه، ولولا ثبوته في ظهره لرماه الأرض. # فسأل عن الدار لمن هي؟ فقيل: لحسن بن شعرة، فأحضره في الوقت، وشق عنه، وضربه في موضعه خمسمائة # 169 # سوط، وهدمت داره، وطيف به البلد على جمل، فبلغ ما كان في نفسه منه، ~~مكافأة على قبيح أفعاله به مرة بعد مرة، وهو يحذره فلا يحذر. # وعاد وقد بلغ في أمر السعر ما أحب وأحب أهل البلد، وكثر الضجيج له بالدعاء على ذلك، ~~وتصدق في ذلك اليوم بجملة عظيمة شكرا لله على كفايته. # ومن ذلك أنه كان له بسر من رأى صديق من أولاد الموالي قد برع في الكتابة والأدب، ~~وحسن الافتنان في العلوم، وحلاوة الشاهد، فلما استقلت أحواله بمصر وعظمت، كتب إليه ~~يستزيره ويذكر له أن الحال التي قد هيأها الله، جل ذكره، لا تهنئه إلا بمشاركته ~~فيها، وأتى في ذلك ما يأتيه الكرام مع إخوانهم إذا رزقوا حالا استبدوا بها دونهم، ~~فأجابه أن السفر يشق عليه والبلد بلد شاسع، لا يكاد يعهد السفر إليه، ويذكر من ~~شوقه إليه أضعاف ما ذكره في كتابه، وأن اليسير الذي في يده يقنعه ويغنيه عما سواه، ~~ويشكر له فعله، فغم ذلك أحمد بن طولون وساءه تأخره عنه، لما كان بينه وبينه من ~~المودة والعشرة والأخوة، فأراد الإفضال عليه والأنس به. # فلما سرفت الحال بينه وبين الموفق ورد كتابه عليه يذكر فيه أن شوقه إليه قد ~~تزايد، وأنه ل يطيق الصبر عن زيارته، وأنه قد سهل عليه تحمل مشقة السفر، لما قد استولى ~~على قلبه من محبة النظر إليه ويستأذنه في الرحيل إليه. # فاستبشر أحمد بن طولون بذلك، وأذن له فيه، إلا أن نفسه لقوة ذكائه نفرت بعض النفور. ~~وكتب إلى خليفته طيفور يأمره أن يستكشف له خبره، ويشرح له صورة أمره بالحضرة، وإلى ~~من ينقطع بها، فكتب إليه أن حاله حسنت في دار السلطان، ms072 ومنزلته قد ظهرت، وأن بينه ~~وبين الموفق صلة قوية، وله منه منزلة كبيرة. # ولم يمض إلا مديدة يسيرة حتى وافاه خبره أنه قد قرب من البلد، فأخرج إليه وجوه ~~أصحابه وقواده وتلقوه بالعباسة، # 170 # فلما وصل بلغ منية مال الله # 171 # أقام له الجيش سماطين # 172 # في أحسن زي إلى الميدان، ومن الميدان إلى داره، وأوقف من باب قصره إلى مجلسه ~~الروم والترك والمستوقدات والعمد الحديد، ودخل الرجل يشق هؤلاء كلهم حتى وصل إليه، فكاد ~~عقله يطير مما رأى وشاهد، مما لم يظنه ولا قدره. # فلما قرب منه قام إليه أحمد بن طولون فتلقاه، وأجلسه معه، وأكب عليه يسائله عن ~~أحواله، وقد أعد له حجرة في قصره وفرش له فيها، وأعد له جميع ما يحتاج إلى من كل ~~شيء حسن جليل له خطر وحسن من قليل وكثير، فلما خليا ساعة وتحدثا دعا بالمائدة ~~فأكلا، ولم يزالا في حديث ومؤانسة إلى وقت العشاء الآخرة، فقال له أحمد بن طولون: أنت قد ~~تعبت وتحتاج إلى راحة، فإن نشطت إلى أن تخلو لذلك في دارك فعلت. فقام الرجل إلى تلك ~~الدار، وأتبعه غلمانه وحجبه يسبقونه إليها، فلم يمض من الليل إلا أيسره حتى أمر خاقان ~~الطرسوسي بالقبض عليه، والاحتياط على جميع ما معه، حتى لا يفوته منه شيء. # وكان إذا جرى منه شيء في هذا الباب كشف لأصحابه عن وجه الخبر فيه، ليزول عن قلوبهم ~~التعلق بما يجري منه، فلما انقضى أمر الرجل ومضت له ثلاثة أيام أقبل على جماعة من ~~وجوه أصحابه وقواده، فقال: اسمعوا خبري مع هذا الرجل الذي استدعيته لأقضي حقه وحق ~~الصحبة التي كانت بيني وبينه والمودة، ولما أعلمه من حاله ليشركني في نعمة الله ~~عندنا، فأبى وامتنع علي، واستبعد الطريق إلينا، فغمني ذلك. # ولما كان في هذا الوقت كتب يستدعي ويذكر شوقه إلينا، ويسأل الإذن له في مصيره ~~إلينا، فأذنت له في ذلك، وآثرت مشاهدته، وكتبت إلى خليفتي بالحضرة ليستكشف لي حاله ~~هناك، فكتب يذكر أن حاله قد ms073 حسنت في دار السلطان، ومنزلته قد عظمت عنده، وخلطته ~~بالموفق قد ظهرت، فما قدرت إلا أن الموفق لما بلغه ما بيني وبينه من الإخاء والمودة ~~دسه إلي ليحسن التسديد بيني وبينه حتى يصلح ما تشعث بيننا. # فلما وافى واجتمعنا لم يدع للموفق مثلبة إلا نبشها، ولا قبيحا إلا ذكره، ورأيت ~~صورته قد انقلبت عما كنت أعهده عليه، فتلطفت بأن استحضرت غلامين له رأيتهما ~~مشتملين على أمره، فوعدتهما ورغبتهما، فأحضراني سفطا فيه ثمانون كتابا من الموفق ~~إلى وجوه قوادي وخواص غلماني، يعدهم فيها بأن من فتك بي منهم قلده البلدان ~~الخطيرة، وأسنى له العطية الجزيلة، أفألام على ما فعلته في أمره؟ فقالوا: لا والله، ~~أيد الله الأمير، والحمد لله على ما وفق الأمير له في أمره، والعذر للأمير، أيده ~~الله، والذنب لمن جنى على الأمير، ولم يحفظ المودة ويرع الإخاء، وقد جازاه الله بما ~~يستوجبه. # ولما مات يارجوخ في سنة ثمان وخمسين خلف ستة بنين وبنتا، كان يارجوخ قد زوجها من ~~موسى بن بغا، وبنو يارجوخ؛ عيسى وهو الأكبر، وجعفر طريده، والفتح طريده، وثلاثة صغار؛ ~~صالح ورجاء ونصر لم يبلغوا الحلم، وكان عيسى بن يارجوخ كثير الهبة شرس الأخلاق كبير ~~الهمة، فلما مات أبوه لم يلزم الركوب إلى دار السلطان، ولا واظب على الخدمة، وقدر أن ~~الأمر يجيئه على ما يحبه وهو جالس في داره، فلما ترك الخدمة ولزم منزله اقتصر على رزقه ~~ولم يقلد عملا، ولا ارتفق بزيادة ولا جراية، فأغاظه ذلك، فحمل إخوته وأخته، وخرج بهم ~~على طريق مكة. ووافى إلى أحمد بن طولون من الحضرة فقبله بأحسن قبول، ووفر عليه الرزق، ~~وأجرى على إخوته كلهم وأخته الأرزاق السنية، وأقام لهم الوظائف، وزوج جعفر بن يارجوخ ~~من ابنته الكبرى فاطمة؛ لأن عيسى كانت له امرأة. ولم يزالوا عنده في أجل حال حتى دعت ~~عيسى شراسة أخلاقه إلى السكر، وبلغه عنه مقالات قبيحة، ذكر أنه صنيعة أبيه، فوجه ~~إليه يعذله على ما يبلغه عنه. # فلما علم عيسى أنه قد علم ms074 بمقالاته فيه سأله أن يطلقه إلى طرسوس خوفا منه وحياء ~~من خطئه عليه، ففعل ووصله بمال جزيل، وكتب له جوازا، وحفظ فيه فعل أبيه، ولم يؤاخذه، ~~ومنعه أن يأخذ معه إخوته، وأقرهم عنده على حالهم، حتى دعت جعفرا أيضا حماقته التي ~~كانت فيه، ولأنه كان بينه وبين العباس منادمة لمصاهرة بينهما إلى أن خرج معه إلى برقة، ~~فلما كان من أمره ما كان عاقب الناس جميعا، وقتل من قتل، وأعفى جعفرا من ذلك، ~~غير أنه أمره بالخروج عن البلد. # وحدث محمد بن عبد الله الخراساني الدهان قال: نزل عندنا بحارة الخراسانيين شاب ~~حسن الوجه، فصيح اللسان، حافظ للقرآن وسنة النبي # صلى الله عليه وسلم # من أهل بلخ، فجل في ~~قلوبنا، وحل منا محلا لطيفا، فأمنا في مسجدنا في حارتنا، وتوزعنا ما يكفيه من ~~أموالنا، فكنا نجلس عنده في المسجد كل عشية، ونأنس بحديثه، وحسن فصاحته، وكثرة فوائده، ~~فإنا لجلوس معه يوما في عشية من العشايا، حتى طلع علينا كهل من الخراسانية عليه لباد، ~~وفي يده خنجر مشهور، فلما رآه إمامنا قام مبادرا هاربا، فعدا صاحب اللباد خلفه ~~فلحقه، فلم يزل يتوجؤه # 173 # بخنجره حتى قتله، فقبضنا عليه وسقناه إلى الشرطة وهو مقتاد معنا غير ~~متعاص ولا منكر. # فأوقفنا صاحب الشرطة على أمره، فرفعنا بأجمعنا إلى أحمد بن طولون، فلما حضرنا بين ~~يديه ووقف على صورة القضية، قال له: ما الذي حملك على ما أتيت؟ فقال: أعز الله ~~الأمير، كان هذا الرجل جاري ببخارى، وكان حسن المجاورة، ظاهر الستر، لا نعلم ما في باطنه، ~~فألفته وملت إلى عشرته، فدخلت يوما من الأيام إلى منزلي على غفلة من أهلي، ~~فوجدته مفترشا زوجتي، ففزعت إلى السيف، وإلى أن آخذه فهرب مني، فعدت إلى الامرأة ~~فقتلتها، واشتهر أمري في الجوار، فأحضرني أهل الامرأة إلى السلطان فعرفته قصتي ~~فأطلقني، وأمرني بطلب هذا الفاجر، وأباحني قتله، فطلبته فلم أجده، وأخبرت بخروجه عن ~~بخارى، فتركت شغلي ومعاشي وما أنا بسبيله ببلدي من تجارة وأهل، وخرجت خلفه. # وكنت ms075 لا أدخل بلدا إلا قيل لي إذا سألت عنه إنه قد دخل إلينا ورحل، إلى أن بلغت مصر، ~~ولي ها هنا مدة أسأل عنه في كل يوم، وأدور عليه، وأصف صفته، إلى أن عرفت بالصفة، فعرفت ~~أنه يصلي بقوم في المسجد الذي وافيته فيه، فأخذت بطائلتي # 174 # وشفيت ما في نفسي، فاصنع بي أيها الأمير الآن ما شئت، فقد سهل علي القتل ~~بعدما وصلت إليه. # فسألنا أحمد بن طولون عن المقتول لما رآه ما الذي عمل؟ فقلنا: لما نظر إليه قام يعدو ~~هاربا منه. فقال له أحمد بن طولون: كثر الله في الناس مثلك، انصرف مكلوءا. فأقام ~~عندنا تلك العشية وودعنا من غد وخرج إلى بلده. # ومن ذلك أن صاحب الخبر رفع إلى أحمد بن طولون أن رجلا دعا صديقا له إلى منزله فقتله، ~~فأمر به فأحضر إليه مع أولياء الميت، فسأل أولياء الميت عنه، فقالوا: دعاه هذا الرجل ~~إليه للصداقة بينهما، وجاءونا به مقتولا من منزله، فلا نعلم كيف كانت حاله. فسأله عن ~~القصة، فقال: والله، أيد الله الأمير، ما عندي علم من أمره، وإنه عندي لمثل ناظري ، ~~وعزيز علي بما فجعت به منه، وإني عليه لثكلان موجع. ولقد كان أخص خلق الله ~~عندي، وأحبهم إلى قلبي، وبحسب الأمير، أيده الله، أني أصلحت نبيذا منذ سنتين، ~~وأعوزتني الظروف فقيرت # 175 # ظروفا كبارا، وجعلتها فيها، وتركت الجرار في الشمس، ولي في السطح برج ~~حمام فتهدم منه موضع، ولم يحضرني في الوقت طوب، وخشيت على الفراخ من دخول شيء إليها، ~~فأخذت جرة من تلك الجرار الكبار فسددت بها ما انهدم من البرج وطينتها، وعملت ~~على أن أطلب طوبا فأجعله مكانها وأخذتها، ومضت الأيام ونسيتها بالشغل والعوارض فما ~~ذكرتها، وانقضى النبيذ وفرغ، واعتللت علة قطعتني عن إصلاح غيره، فلما وهب الله، ~~جل اسمه، العافية في هذا الوقت صعدت أفتقد الحمام، فرأيت بعض الطين قد انكشف عن ~~الجرة النبيذ، فذكرتها فأخرجتها وجعلت عوضها طوبا، وسررت بها كل السرور لأجتمع ~~أنا وأخي هذا على ms076 شربها، فخرجت واشتريت لحما وما أحتاج إليه، وصفيتها في [إنا]ئي، ~~فرأيت منظرا ما رأيت أحسن منه، وعبيت # 176 # مجلسي كما يجب، ومضيت إلى أخي فحدثته حديث الجرة، ففرح بها أيضا، وسألته ~~الحضور وأن يحضر معه ثلاثة من إخواننا، وعدت إلى منزلي، وتشاغلت بالطبخ وما أحتاج ~~إليه. # فكان صديقي هذا وأخي أول من وافاني من إخواني وأنا مشغول ما فرغت، فنظر إلى النبيذ ~~فاستحسنه جدا وأعجب به، وحلف أنه ما رأى قط مثله، وشرب منه قدحا واحدا، ووضع رأسه ~~فنام، فلما فرغت من شغلي وحضر إخواني أصلحت المائدة، وتقدمت إليه لأنبهه فوجدته ~~ميتا، فورد علي، أيد الله الأمير، من الأمر ما خشيت معه أن أجن، وحرت وحار ~~القوم، وبقينا لا ندري ما نعمل، ولم أجد بدا من حمله إلى منزله، فحملناه إليهم ~~وعرفناهم خبره. # فقال أحمد بن طولون لأولياء الميت: تشكون في مودته كانت لميتكم؟ فقالوا: لا والله، ~~أيد الله الأمير، لقد كان به عليه من الإشفاق والمحبة مثل ما نحن له عليه وأفضل، وما ~~نتهمه في أمره بوجه ولا سبب. # فقال له أحمد بن طولون: ما فعل النبيذ؟ فقال: هو بحاله، أيد الله الأمير، شغلتنا هذه ~~المصيبة عنه وعن كل حال. فقال له: أحضرني منه شيئا. فوجه معه من أتاه منه بقنينة، ~~فنظر أحمد بن طولون إلى لونه وقال: حسن. فاستحضر كبد خروف فأتي به في غضارة # 177 # صيني فملأ من النبيذ قدحا وصبه على الكبد، وغطاها قليلا، وكشف عنها ~~فأصابها قد تقطعت وتهرأت، ثم استدعى كبدا أخرى فأتي بها، فأخذ من النبيذ قدحا فجعل ~~نصفه نبيذا ونصفه ماء، وصبه عليها وغطاها أيضا، وتركها قليلا، ثم كشف عنها فوجدها ~~تبرق مصقولة حسنة، فقال للرجل: هكذا كان ينبغي أن يشرب هذا النبيذ منصفا. وقال لأولياء ~~الميت: مات ميتكم بأجله وعلى حسب ما قضيت موتته، فشأنكم بميتكم فا[مضوا وادفنوه]، يتولاه ~~الله، جل اسمه، برحمته، ثم قال لصاحب النبيذ: امض واحذر أن تسقي أو تشرب من هذا النبيذ ~~شيئا صرفا فإنه قاتل. فقال: ms077 والله، أيد الله الأمير، لا شربت ولا أسقيت بعد [يومي] ~~نبيذا أبدا ما عشت. فقال له: جودت، انصرف مسلما. # ومن ذلك أنه راح في يوم خطبة فلما رقي الخاطب # 178 # المنبر وخطب دعا للمعتمد ولولده، ونسي أن يدعو لأحمد بن طولون، ونزل عن ~~المنبر مرقاة، فقال سوار الخادم: فأشار إلي أن إذا فرغ من صلاته وخرج فاضربه خمسمائة ~~سوط. فذكر الإمام وهو على المرقاة الثانية، فرجع إلى أعلى المنبر، وقال: الحمد لله، وصلى ~~الله على محمد # ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ~~ولم نجد له عزما ~~، اللهم وأصلح الأمير أبا العباس أحمد بن طولون. ~~وزاد في الدعاء له ثم نزل عن المنبر، قال سوار: فنظر إلي مولاي وقال لي: اجعلها دنانير. ~~ووقف الخاطب على ما كان منه فحمد الله، جل اسمه، على سلامته منه، وهنأه الناس ~~بالسلامة. # ومن ذلك أنه اعتل معمر الجوهري فعاده أحمد بن طولون، وكانت بينه وبين معمر مودة ~~وخلطة وميل شديد ومحبة، فإنه لعنده جالس يتوجع له من علته ويذكر له غمه به، وشغل ~~قلبه بأمره، ويدعو الله له بالعافية؛ إذ سمع صائحا يقول: أنا بالله وبالأمير، فقال ~~للحاجب: ما هذا؟ فخرج وعاد فقال: امرأة. فقال: هاتها. فدخلت إليه عجوز؛ فلما رأته قال: ~~أنا بالله وبالأمير. فقال لها: ما قصتك وممن تتظلمين؟ فقالت: من هذا الذي أنت عنده ~~أيها الأمير. فقال لها، وما خبرك معه؟ فقالت: أنا امرأة من أهل الستر، ولي نصف دار ~~منها معيشتي، وفي بقائها علي نعمتي، فاشترى هذا الرجل من شريكي، وكدني في أن أبيعه ~~النصف الذي لي لتكمل له الدار، فامتنعت لأن في بقائها ستري، وفي بيعها هتكي، فأنا من ~~كده لي ومطالبته إياي بالبيع، وتخويفي منه، في أمر قد عذبني وحيرني، فرد أحمد بن ~~طولون إلى معمر وجها مكفهرا لم ير مثله قط، تكاد أن تطير من عينيه النار، وانقلب في ~~الوقت عن تلك الحال التي كان عليها له إلى غيرها، كل ذلك مراعاة لحق الله، عز وجل، ثم ms078 ~~قال له بعبسة وانقباض وجفاء خطاب: ما تقول فيما قالت هذه المرأة؟ قال معمر: جميع ما ~~أملكه صدقة إن كنت أعرف شيئا مما ذكرته. فقالت الامرأة: وكيلك فلان الذي يعنتني ~~ويؤذيني. وطلب في الوقت فلم يوجد، فقام أحمد بن طولون وقال له: أنصفها ولا تحوجها ~~إلى شكاية بعدها. فبث معمر الرسل يطلبون وكيله حتى أحضر، فسأله عما حكت الامرأة قال: ~~نعم، صدقت، النصف من الدار الفلانية اشتريناها من شريكها، وطلبت منها النصف الذي لها ~~لتكمل الدار بأجمعها فامتنعت. فأمره بإحضار الكتاب بشراء النصف فأحضره، فأقر لها في ~~ظهره أن الشراء لها دونه ووهبه لها ووصلها بجملة دنانير، وقال لها: قد أبقى الله، جل ~~اسمه، عليك النصف الذي لك وزادك النصف الذي لنا هبة منا لك، فأحب أن تمضي وتلقي ~~الأمير وتعرفيه ما فعلته في أمرك وتشكريني عنده. فخرجت إلى الميدان فلقيت أحمد بن ~~طولون فعرفته ما كان من معمر، فحمد الله على ذلك. # 179 # ومن عجيب أخباره أنه لما صرف أبا أيوب عن الخراج، وقلده أحمد بن إبراهيم الأطروش جعل ~~يتجسس عنه فلا يجد له شاكيا ولا به ساعيا، وكان قد استكتب أبا الجيش علي بن أحمد ~~وسنه يومئذ أربعون سنة، واستخلفه على جميع أمره، وكان كل الكتاب يومئذ يحلفون، وهم ~~متوافرون، أنهم ما رأوا ولا شاهدوا أحضر ذهنا منه ولا أقوى حفظا. # فبينا أبو بكر أحمد بن إبراهيم الأطروش يوما في الديوان يناظر المعاملين، إذ نظر [إلى] ~~نصراني كان يعرف بإسحاق كاتب جرجان، وكان معتقلا شيخا من المتقبلين يعرف بابن جمهور، فآدى # 180 # النصراني عليه، فاغتاظ ابن الأطروش من تسلط النصراني على الشيخ، فأمر برده ~~إلى حبسه، فصاح النصراني: نصيحة للأمير أحمد بن طولون. فما تم كلامه حتى وافى صاحب أحمد ~~بن طولون، فأخذ أحمد بن إبراهيم الأطروش والنصراني فأحضرهما بين يدي أحمد بن طولون، فقال ~~لإسحاق النصراني: ما نصيحتك؟ فقال: أخذ أحمد بن إبراهيم الأطروش هذا من مال ضياع البلد في ~~هذه الأيام أربعين ألف دينار. فقال لابن ms079 الأطروش: ما تقول فيما ذكره؟ فأنكره وقال: هذا ~~نصراني أحمق ما يدري ما يقول، وإنما لما طالبته بما يجب عليه من الخراج عمل هذا ~~ليدفع به عن نفسه المطالبة. فاغتاظ أحمد بن طولون وقال له: أنا أسألك عن الحجة فيما ذكره ~~تقيمها تأتيني بخرافات! فبقي ابن الأطروش قد حار وسقط في يده. # 181 # ورفع في الخبر إليه؛ لأن الأخبار ما كانت تغبه في كل ساعة بكل ما يجري من قليل ~~وكثير، فكان في الخبر أن بالباب كاتبا لأحمد بن إبراهيم الأطروش، يسأل الحجاب إدخاله ~~إلى الأمير، فأمر بإحضاره، فدخل على أحمد بن طولون، فكان أول ما ابتدأ به بعد السلام على ~~الأمير أن قال: أيد الله الأمير، جميع ما وجب على صاحبي هذا أحمد بن إبراهيم الأطروش فهو ~~علي دونه بما فوضه إلي من أمره، فإن رأى الأمير، أيده الله، أن يعفيه من ~~المناظرة لهذا النصراني ويجعلها معي ويصغي الأمير، أيده الله، إلى ما يجري فعل. فعجب ~~أحمد بن طولون من تأكيده على نفسه فيما يتبرأ فيه الولد من والده، فقال له: شأنك ~~وإياه. # والتفت إلى النصراني فقال له: ما نصيحتك؟ فقال: أخذ صاحبك من مال ضياع البلد أربعين ~~ألف دينار. فقال له علي بن أحمد: أخذها جملة من حاصل مال كان لها مفردا، أو أخذها ~~مفرقا من الضياع؟ فقال له النصراني: أخذها مفرقا من الضياع. قال: فأحضرنا بها عملا ~~مفصلا تبين فيه ما ذكرت شيئا شيئا. فقال: ما عندي لها عمل بتفصيل، ولكن إذا أحضر ~~الحساب للضياع أخرجت من عرضه ما اختزله ويثبت اقتطاعه له. فقال علي بن أحمد: الله أكبر. ~~وأخرج من خفه عملا وناوله الأمير وقال له: أيد الله الأمير، هذه نسخة ما حمل إلى ~~بيت المال عن هذه الضياع دفعة دفعة وأنا أحفظها ظاهرا، وهو ذا أقرؤه وهو يسمع، فمهما ~~عرف منه هذا النصراني شيئا فيذكره. ثم اندفع يذكر ذلك ضيعة ضيعة ودفعة دفعة، وقد ~~أعجب أحمد بن طولون ذلك منه، وأقبل عليه يستزيده حتى أتى ms080 على العمل، ثم استعاده إياه ~~ثانية إعجابا منه واستحسانا له، فأعاده على ترتيب لم يقدم حرفا ولم يؤخر حرفا، ثم ~~قال للنصراني: أخبرني الآن ما الذي زاد على هذا حتى يكشفه الأمير أيده الله؟ فإن صح ~~علم صدقك، وإن لم يصح وقف على كذبك. فانقطع النصراني، وسكت سكوت منقطع لا حجة ~~معه، وارتعد بين يدي أحمد بن طولون فقال له: يا كلب، أردت أن تحملني على الإساءة لرجل ~~ليس في خدمتي أعف منه ... لولا أن الإسلام يهدر ما قبله ... # 182 # عبرة لغيرك، وأمر بانصرافه، ثم قال لعلي بن أحمد: بارك الله عليك ... منك؛ فقد ~~جمعت بين الذكاء والوفاء، فلا يدخلن إلي صاحبك وقتا إلا وأنت معه، وكان لباس علي بن ~~أحمد الدراعة فنهاه أحمد بن طولون عنها، وأمره بلباس الأقبية والسيف والمنطقة ولبس ~~السواد يوم السلام. # وحدث يحيى بن براقة الحاسب وكان صديق أبي يوسف يعقوب بن إسحاق كاتب أحمد بن طولون، قال: ~~صار إلي غلام أبي يوسف الكاتب، بعد انصرف أحمد بن طولون من الإسكندرية إلى الفسطاط، ~~يدعوني إليه ويذكر شوقه إلي، وكنت قبل نكبته مواصلا له، فلما حبسه أحمد بن طولون ~~[تهيبت] الذهاب إليه خوفا على نفسي، فقلت له: ما تركت زيارته إلا خوفا، فقال: قد ~~علم عذرك، والآن فقد تقدم الأمير إلى الموكل بالمطبق أن يفرده من جملة المحبوسين، ~~ويطلق له دخول من قصده للسلام عليه، من أصدقائه وأصحابه وحاشيته وذوي عنايته، وشوقه ~~إليك شديد، وقد استبطأ تأخرك عنه مع ما جرى من تسهيل أمره، فمضيت مع الغلام إليه ~~فوجدته في غرفة واسعة نظيفة فسلم علي وقال: يا أبا زكريا قد تفرغت الآن للعرض ~~عليك، والاقتباس منك، فالزمني فلزمته. فعمل زيج السندهند بأسره، وعمل صدرا من أحكام ~~النجوم. وأقمت أنقطع إليه في محبسه خمس سنين وكسرا حتى أطلق، فحدث يحيى بن براقة قال: ~~لما دخلت سنة أربع وستين ومائتين # 183 ~~... المسلمين ويتضمن ديارهم ذكر ما ابره في الضيق منك، وقد سلكت في قصيدتي ذلك ~~المسلك، وكتب إلى ms081 أبي عبد الله الواسطي رقعة يشكو بها حاله، ويسأله التلطف في قراءة ~~القصيدة عليه في خلوة، ويتبعها بما يحسن أن يأتيه وهي: # الشعر صعب على المكروب والعاني # وليس أعجب شيء فيض ملآن # ما للزمان لقد حالت حوادثه # بيني وبين حبيب نازح دان # إن قلت جاء أجاب الطرف من كثب # ملكنني بين أبواب وحيطان # ودون عرب وعجم في مجالسهم # موكلين بنا ترك وسودان # إذا تنحنحت قالوا طار صاحبنا # كأنما لي في حبسي جناحان # لكن طيفك يأتيني برغمهم # يا حبذا طيف من أهوى ويهواني # طيف لبيضاء تنقاد القلوب لها # لو خاصمت قمرا جاءت ببرهان # لولا خيالك يا مولاة مالكها # وأنه كلما نومت يغشاني # إذن لما عشت من هم أعالجه # وأحرقت كبدي نيران أحزاني # كيف البقاء على سجن حبست به # كأنه حجر من بين كثبان # إذا مددت يدي مستلقيا بلغت # منه سماوته # 184 # شلت # 185 # يد الباني # وإن علا نفسي نمت سرائره # ثم استقلت بأحزان وأشجان # وإن تروحت منه للخروج فلا # روح سوى مخرج مأوى لشيطان # للجن فيه عزيف كل صاخبة # تنوح فرعون أو تبكي لهامان # تجول فيه بنات الأفعوان مع ال # عقارب [السود] من مثنى ووحدان # قال: فورد جواب أحمد بن محمد الواسطي عليه يقول: قد قرأت القصيدة عليه، وهو منشرح ~~الصدر، فتدمع لبعضها وضحك لبعضها. فقلت: أيد الله الأمير، قد طال حبسه، وبلغ به غضب ~~الأمير حالا رثى له عدوه منها، فإن رأى الأمير، أيده الله، أن يمن عليه بالرضا. ~~فقال: ما غضبت عليه، ولو غضبت لجرى مجرى غيره ممن اصطفيت ماله وأجريت عليه المكروه، حتى ~~خفي خبره واستتر أثره، وقد أطلقت له من يأنس به وهو مشغول بتعلم حساب النجوم وقول ~~الشعر، وقد زال الآن عتبي عليه عن قلبي. فقلت له: الحمد لله، فما يمنع الأمير من ~~التطول عليه بإطلاقه والرضا عنه؟ فقال: كلام ألقاه إلي وحدثني به عن أنوشروان، وهو ~~أنه قال: الملك المتمكن من نفسه لا يغضب سريعا ولا يرضى سريعا؛ لأن ذلك من أخلاق ~~النساء ومن قاربهن؛ ms082 فلذلك أطلت حبسه. فأمسكت عن إعادة قول عليه، فأنت يا أبا يوسف في ~~حبس نفسك بما كنت غنيا عنه من هذا القول. # فلما وصل إليه الجواب من أبي عبد الله قال لمن حضره من إخوانه، أما ترى إلى فظاظة ~~أبي عبد الله في خطابه لي، وأنا في مثل هذه الحال، وذمه إياي فيما كان يجب أن يمدحني ~~به؟ ولكن يا أخي المحن تقلب أعيان الحسنات إلى المساوئ. # فكاتب أبا بكرة # 186 # القاضي وسأله كلام أحمد بن طولون في أمره، ومسألته إطلاقه، فركب إليه ~~القاضي، فأذكره بحرمته عليه، وخدمته له، وطول صحبته له. واتفق له في تلك الساعة ورود خبر ~~عليه يسره، فأمر بإطلاقه، وتخلية سبيله. # وكان وقت الحج فلما أطلقه [جاءه] مسلما عليه، فسأله الإذن له في الحج، وعرفه أنه ~~اعتقد ذلك إذا من الله، عز وجل، عليه برضا الأمير، فأذن له في ذلك، وأطلق له الذهاب ~~إلى منزله بسر من رأى، والاجتماع مع أهله وحرمه، وأطلق له جملة كبيرة من المال ~~وخرج. # فلما حج ووصل إلى منزله كف لسانه بالعتاب، فلم يذكر أحمد بن طولون بكلمة تكره ~~ولا بقبيح، فزاد بذلك عند الموفق، وتقدم به عنده، وكتب طيفور خليفة أحمد بن طولون إليه ~~بذلك، وأنه يكثر الشكر بذلك ويطيل الثناء عليه، فشكر له أحمد بن طولون ذلك، وصار ~~يكاتبه في مهماته وحوائجه، ولا يقطع مواصلته بصلاته. # قال مؤلف هذا الكتاب: حدث نسيم الخادم قال: كان أحمد بن طولون مولاي على غاية من ~~الميل والمحبة لمعمر الجوهري، فلما مات معمر الجوهري حزن عليه أحمد بن طولون حزنا ~~عظيما، حتى ظهر ذلك منه للناس كلهم، فلم يتعز به ولم يسل عنه؛ فلحزنه عليه كان ~~يبكر كل يوم سحرا إلى قبره وأنا معه فيترحم عليه ويقرأ قليلا، ويعود إلى قصره مع ~~الصبح، فكنا عند موافاتنا قبره نجد في كل يوم امرأة قد سبقتنا إلى قبر مقابل قبر معمر، ~~تبكي وتنتحب بحرقة موجعة مؤلمة لقلب من يسمعها، فكانت تزيد في حزن أحمد بن ms083 طولون ~~وتبكيه. # فلما كثر ذلك عليه منها قال لها يوما: يا امرأة، أتبيتين ها هنا؟ فقالت: لا أيها ~~الأمير. فعلم أنها قد عرفته، فقالت: وكيف لي لو تهيأ لي المبيت حتى أبيت ولا أفارق هذا ~~القبر وأدفن فيه مع صاحبه؟ ولكني أسهر ليلي لما أجد في قلبي، فإذا قرب الفجر خرجت وقد ~~شغل الحزن قلبي عن الخوف من وحشة الطريق. فقال لها أحمد بن طولون: وما هذه الحال العظيمة ~~التي استحق بها هذا الفعل منك؟ فقالت: أيها الأمير، إنها حال عظيمة عندي، لا يجوز لي أن ~~أذكرها. فقال لها: لا بد أن تخبريني ذلك، أبنك هو؟ قالت: لا. قال: فأخوك؟ قالت: لا. ~~قال: فزوجك؟ قالت: نعم. قال: أقسمت عليك لتخبرني بما استوجب به منك هذا الفعل. ~~فقالت: أيها الأمير، إني أحتشم من ذكره وأرفع الأمير عن كشفه. قال لها: إلزامي لك ذكره ~~قد أزال حشمتك وأقام عذرك. # فقالت: أزوجني أبي لهذا الرجل وأنا صبية ما بلغت مبالغ النساء، فلما عقد النكاح ~~سافر سفرا طال مدة أيسنا منه معها، فخلا بي من النساء من لا خير فيه، وأنا مع أبي ~~وأمي، وأفسدوني واستولوا على عقلي، وحملوني على أن ساعدتهم فيما كتب علي، مما لم يكن ~~لي منه محيص، وصبوت كما تصبو النساء وحملت، فلما تبين والداي جميعا ذلك ورد عليهما ~~ما يرد مثله من المصائب، فبينما هما يركضان في الحيرة في أمري إذ قدم هذا الرجل من ~~سفره، فطالب بإدخالي عليه، فدافعه أبي وأمي بما يحتاج إلى إصلاحه لي، رجاء أن يزول ما ~~في جوفي، فلم يدعا شيئا يعمل في طرحه حتى عملاه، فما نفع ذلك لما قضى الله، جل اسمه، ~~بكونه. # وقربت ولادتي فوافانا هذا الرجل وقد طالت المدافعة له، فحلف بالطلاق أنه يأخذني بعد ~~ثلاثة أيام، فلم يجد أبي وأمي بدا من إدخالي عليه فدفعت إليه، وأنا على حال قد ~~علمها الله، جل اسمه، غما وقلقا، وأبي وأمي في أعظم مما أنا فيه، فلما أدخلت ~~عليه، وأخليت معه، انصرفت ms084 أمي وسائر أهلي، خوفا من مشاهدة الفضيحة، فلما حصلت معه ~~في الكلة # 187 # ضربني الطلق، وزاد الأمر علي، فوثبت من الكلة، أريد الخروج من البيت إلى ~~أمي وليس عندي أنها هربت، فما بلغت عتبة باب البيت حتى طرحت الولد من بين رجلي إلى ~~الأرض، وسقطت ولا عقل لي، فوثب هذا الرجل يتأمل، فرأى طفلا مطروحا يبكي، فصاح بأخته، ~~فسمعته وأنا في كربي وغمي، يقول لها: يا أختي، اقضي كل حق لي عليك، بما تأتيه في أمر ~~هذه الامرأة. وانصرف عن البيت، وتركني مع أخته، فقامت بي أحسن قيام، وتولت أمري ما لا ~~يتولى مثله أمي؛ برفق وإشفاق، وانبساط وجه، وحسن خلق، ومزح ومداعبة، حتى كأن الولد منهم، ~~وكل ذلك يزيدني خجلا واحتشاما، إلا أنه قد سكن قلبي بعض السكون. # وبلغ أبي وأمي خبري فلم يقربني أحد منهما حياء واحتشاما، وبت ليلتي، فلما كان من ~~الغد دخل إلي بوجه منبسط طلق ضاحك، فجلس عند رأسي، وساءلني عن خبري، وقال لي: ألك ~~حاجة؟ قلت ودموعي تجري: يبقيك الله. فبكى لبكائي، ومضى بنفسه إلى أبي وأمي، فحلف عليهما ~~حتى جاءني بهما، وقال لهما: لا مهرب من قضاء الله، عز وجل، إني ليس في يدي ولا في أيديكما ~~ولا في يدي أحد من عبيده، جل ذكره، منه غير الصبر والحمد له، تبارك وتعالى، على البأساء ~~والضراء، والحمد لله الذي كان هذا من فيض [؟] الله جل اسمه، له الصبر عليه والستر ~~عليكم، واحمدوا الله جل اسمه، فدعيا له وشكراه واستعبدهما بذلك. # فكان كل يوم يدخل إلي بكرة وبالعشي، يسألني عن حالي، ويسألني عن شيء أشتهيه ~~ويستحلفني على ذلك، فأبوس يديه وأدعو له حتى إذا مضى لي أربعون يوما، وهي أيام النفاس، ~~ودخلت الحمام وصلحت له، دخل إلي مستبشرا طيب النفس، فمازحني وجلس عندي، واستحضر ~~أبي وأمي وأنفق نفقة كبيرة واسعة حسنة، حتى كانت مقام عرس ثان، فلما انقضى يومنا ~~وبات عندي، وجرى بيني وبينه ما يجري بين الرجل وزوجته وأنا على غاية الاحتشام والحياء منه، ms085 ~~وأصبح، وهب لي دنانير كثيرة، وقطع لي ثيابا حسانا، فما مضى إلا شهر حتى حملت فولدت ~~غلاما فسر به غاية السرور، فكأني انبسطت قليلا إليه، ودعا أيضا أبي وأمي وحلف عليهما ~~أن يلزماني ولا ينقطعا عني، وصاغ لي حليا حسنا، وما ترك شيئا من إكرامي وسروري حتى ~~بلغه لي، وعاشرتني أخته ولأمي # 188 # أحسن عشرة، وفعلت معنا أجمل فعل، فكنا له ولها كالعبيد. # وما زلت معه على حال ما فوقها مزيد من الإحسان والمحبة، حتى مضت لي عشر سنين، وكبر ~~ابني وحذق القرآن، وعلمه جميع الآداب، وأنجب، فعظم بذلك سروره وسروري، ثم اعتل ~~علته هذه التي مات فيها، فلما أيس من نفسه كتب وصيته، وأحضر الشهود ليشهدوا عليه ~~فيها فسمعتهم يقرءون في الوصية: والذي خلفه من الولد ولدان ذكران، وهما فلان وفلان، ~~وزوجة، وهي فلانة ابنة فلان، يريدني، فلما سمعت ذلك لحق قلبي ما يلحق قلوب النساء من ~~الغيرة، ثم فكرت في خيانتي وقبح فعلي وجميل فعله، فأمسكت، إلا أني لما خرج العدول من ~~عنده، خرجت إليه من وراء مقطع كنت جالسة خلفه، فقبلت رأسه ويده، وقلت له: يا سيدي، ~~لك علي من الإحسان والإنعام وجميل الفعل ما قد استعبدتني به ، حتى لو وقفت على أن لك ~~ثلاث نسوة وعدة جوار لحملتهن لك على رأسي، فكان ذلك أقل واجبك علي، فكيف يكون لك ~~ولد غير ولدي من امرأة غيري أو جارية فلا تعرفني حتى أتولى خدمتها بنفسي، وكان ذلك ~~بعض ما تستحقه مني؟ فقال: كأنك أنكرت ما سمعتيه في وصيتي من ذكري ولدين ذكرين! ~~فقلت: نعم. فحول وجهه عني إلى الحائط فقال لي: ويحك هذا وذاك، وتشهد ومات. # فأحضرتني أخته ذلك الطفل الذي كنت رميته، والله ما قدرته يعيش، ولا سألت عنه ولا ~~فكرت فيه، فقالت له: يا بني، هذه أمك فبس # 189 # رأسها، فانكب على رأسي وبكيت وبكى وبكت أخته، وإذا بها قد اشترت له داية ~~وأفردته في موضع معها، وكبر فعلمته مع ابنه القرآن وجميع ما علمه ابنه ms086 من الآداب وأنجب ~~أيضا، على أنه بعض ولد الجيران وأحضرت أخاه فقالت له: يا ابن أخي، هذا أخوك فتعانقا، ووقف ~~كل واحد منهما على صورة الأمر، واتفقت الحال بينهما، فتسخمت # 190 # أنا وأخته عليه، وجززنا شعورنا، ولزمنا الحزن عليه، فماتت أخته حزنا وبقيت ~~أنا وابني وأخوه معي، وخلف له شيئا يسد حاجتنا، # 191 # فأنا ألزم قبره ولا أنسى جميل فعله، ولا يزول من قلبي حزنه. فقال لها أحمد ~~بن طولون: رحمه الله ورضي عنه، فما في الدنيا أكرم من هذا الرجل ولا أجمل فعلا، وأحسن ~~الله جزاءك إذ عرفت له مقدار فعله بك، وكثر الله في النساء مثلك، فإن يكن لك حاجة ~~أو نابتك نائبة، فعرفيني فقد لزمني حقك، ووجب علي حفظك. فدعت له، وانصرف أحمد ~~بن طولون وقد أبكته وأحزنته. # قال: وحمل أبو الفتح محمد بن الفتح أخته خديجة إلى أحمد بن طولون في آخر سنة خمس وستين ~~ومائتين وكان المعتمد قد عقد بينهما نكاحا، وكانت أخته يومئذ تحت المعتمد بالله، فقلد ~~أحمد بن طولون محمد بن الفتح ديار مضر. وكان الحسن بن مخلد قد نفاه السلطان إلى ~~الرقة؛ لأنه أساء إلى الأولياء والكتاب، فكتب إلى أحمد بن طولون يذكر له رغبته في ~~المقام عنده وفي كنفه، فأنفذ محمد بن الفتح كتابه إليه بذلك، فأجابه أحمد بن طولون: ~~أنا وليك ومقام صنيعتك؛ لأنه كان الوزير، وصوب رأيه فيما انتواه فرحل إليه، فلما قارب ~~أعمال مصر منعه صاحب البذرقة # 192 # وكتب إلى أحمد بن طولون بخبره، وكتب إليه أيضا الحسن بن مخلد، فكتب أحمد بن ~~طولون إلى صاحب البذرقة يأمره بحمله مكرما فحمل إليه، فلما وصل إلى أحمد بن طولون ~~أظهر إكرامه وإعزازه، والتجمل له والبشر به. # ولم يزل عنده على هذه الحال إلى أن تأمل أحمد بن طولون منه أنه يرى أن فعله ذلك به، ~~باستحقاق له عليه، وأقبل يتبسط بين يديه تبسط المتبوع مع التابع، ولم يزده أيضا ~~مهابة، ولا توفية حقه، فأحفظه ذلك عليه، وكان ينادمه فحضر ms087 يوما محبوب بن رجاء معه بحضرة ~~أحمد بن طولون فقال لمحبوب على جهة المداعبة: # فاح ريح الخمائم # 193 # من سراويل قاسم # يعرض بأن أم محبوب بن رجاء اسمها قاسم، وذهب عنه أن اسم أم أحمد بن طولون قاسم، فقال له ~~محبوب بن رجاء؛ لينبه أحمد بن طولون عليه: أويذكر لأمي وقد كانت مهابة [؟] أو يقال ~~فيها هذا؟ إنما المنكر أن يكون الوزير أخيف # 194 # إحدى عينيه زرقاء والأخرى سوداء، وهذا في الدواب مشئوم، فكيف في الوزراء؟ ~~فأحفظ أحمد بن طولون قول الحسن بن مخلد وخبأ ذلك له، فلما كان بعد أيام أحضره أحمد بن طولون لمنادمته على الرسم فغنى، وقد سكر، بالنبطية # 195 # وصفق بيديه، ثم زاد عليه السكر وملكه فقال: # أيا ويحك كم تصعد # لقد جزت مدى الفرقد # ولو زلت بك النعلا # ن لاستوبأت ما تحمد # فاغتاظ أحمد بن طولون غيظا شديدا، وأمر به فجر برجله إلى الحبس، فما زال محبوسا حتى ~~خرج أحمد بن طولون إلى الشام، فحمله معه مقيدا فمات في الطريق، فدفن في قصر عيسى بن ~~شيخ الخشاشي. # وكان ابن مخلد قد خبر ابن طولون عن أحمد بن محمد بن مدبر، بما كان يكتب به أحمد بن ~~محمد بن مدبر في أمره إلى السلطان ، ودفع إليه كتبا منها ما يقول فيه بخطه: وإنه قد عزم ~~على أن يقيم بمصر خليفة، ويصف غدره، ويذكره بكل قبيح ويشير بعزله، ويخيف السلطان منه، ~~ويذكر ما قد اختزله من الأموال، فكتب أحمد بن طولون من وقته إلى سعد الفرغاني، وكان من ~~قواده وثقاته، وهو بالشام مقيم، أن يشخص إليه ابن مدبر فأشخصه، فحبسه في حجرة ~~من داره مكرما، ولم يدر ابن مدبر ما عرفه به الحسن بن مخلد، وقرره له عنده، فكتب ~~ابن مدبر إلى أحمد بن طولون رقعة، وليس عنده صورة الأمر فيما جرى في أمره، ولا أن له ~~ذنبا، وضمن الرقعة أبياتا منها: # أريت # 196 # قبيل الصبح في النوم أننا # جميعا على سطح ينيف بنا السطح # إذا فارس ms088 يهوي إلى السطح معلنا # أخو شكة يزهى به السيف والرمح # 197 # يلوح بالبشرى إليك مبادرا # بنصر وتمكين أجدهما النصح # وعالوا بتبكير من الدار عدوة # بعقب كتاب الفتح إذ قرئ الفتح # فلم أر حلما مثله صدق وافد # على سرعة ما كان يسبقها اللمح # فهنأت بالشكر العطية إنه # تدوم مع الشكر العطية والنصح # وقل لي فدتك النفس من كل حادث # وإن كان للنفس الضنانة والشح # إلى كم يكون العتب في غير معتب # 198 # بتمويه واش شأنه القذف والقدح # يصرح بالبهتان تصريح مازح # ويا رب حتف ساقه الهزل والمزح # أما خلة ترعى ولا طول عشرة # ولا حرمة الندمان تقضى ولا الملح # تبين فإن الحق يجلو دجى العمى # وإن كنت في شك فقد بين الصبح # وما لي ذنب غير أني محسد # وفي زمن تكدي الأمانة والنصح # فإن كان لي ذنب فحلمك واسع # 199 # وحكم الكتاب العفو والكظم والصفح # فقد نالني بالأمس ما مل سمعه # فأجمل فإن القرح ينكؤه القرح # وما كنت ذا شعر ولكن جراحة # من الغم في صدري وقد ثعب الجرح # قال: وكان أحمد بن طولون قد حبس ابن مدبر في حجرة مفروشة ومعه خادمان يخدمانه، ~~ويوجه إليه أحمد بن طولون في كل يوم مائدة حسنة عليها من كل شيء، فلما ورد عليه هذا ~~الشعر أغاظه فأحضره إليه، وقال له: تفككك وتفكهك يدلان على أنك ما وقفت على ~~علمي بما قصدتني به وكاتبت السلطان في مرة بعد أخرى بسوء طبعك، وقبح كيدك، ~~وجرأتك على ربك بأيمانك الكاذبة، هبك ويحك تتوهم بخبثك أنه قد جاز أنها تجوز على عالم ~~الغيب والشهادة، والله لقد أردت قتلك لولا اليمين التي حلفت بها لك، لما صح عندي من ~~سعيك في أذيتي، وقصدك مكروهي، وحيلتك في سفك دمي. فأنكر ذلك فقال: ويلك، تنكر وهذه كتبك ~~بخطك عندي؟ ثم أحضره الكتب التي سلمها إليه الحسن بن مخلد ورماها إليه وقال له: ويلك ~~هذه كتب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويخاف عقوبته، عز وجل، التي يخافها من بغى وأساء؟ ~~والله ms089 لولا ما في قلبي من يميني لضربت عنقك الساعة، وضربتك بالسوط حتى تموت. وأمر به ~~فأخرج من بين يديه سحبا. وعمل أحمد بن محمد الواسطي جوابا لشعر ابن مدبر، ودخل به ~~إلى أحمد بن طولون فقرأه عليه فأعجبه وأمره بإنفاذه إليه، وقيل: إنه لمحمد بن عبيد الغفار. # 200 # أأحمد كان السطح يا ابن محمد # منيفا ولو عاليته خسف السطح # 201 # متى كنت في الأحلام لله صادقا # فتصدق في رؤياك إذ وضح الصبح ~~[فكم ذبحت كفاك من رب نعمة # بلا شفرة [أو] يحتوى الملك والسرح # فأصبح مما خول الله عاريا # فلا جاهه يبقى ولا المال والربح # ومن عدلنا أن قد زويت مضيقا # عليك فلا عفو مرجى ولا صفح # فلو جاءنا الناعي بنعيك جاءنا # بأن جاء نصر الله للناس والفتح] # ولكن أدام الله عز أميرنا # وتمت له البشرى ودام له النجح # فما زال ميمون النقيبة ماجدا # أخا عزمات لا يطيش بها الجمح # وما زال في الهيجاء أول فارس # له يضحك السيف المهند والرمح # فاستجادها أحمد بن طولون وأنفذت إليه، فلما قرأها ندم على ما كان من خطئه على نفسه ~~حيث لم ينفعه، ولم يزل في حبس أحمد بن طولون حتى عمي ومات. # وكان قد أشرك بين علي بن الحسن بن شعيب المدايني وبين ابن الأطروش في الخراج، فوجدت ~~لعلي بن شعيب رقعة إلى ابن مدبر يقول فيها بخطه: «قد علم الله، جل اسمه، زهدي في ~~العمل الذي أتقلده، وكراهتي له، وخوفي منه، وأسأل الله، جل اسمه، أن يكفيك ما ~~أهمك.» فأمر به أحمد بن طولون إلى المطبق فما زال فيه حتى مات، وأفرد ابن الأطروش ~~بالخراج. # وكان أحمد بن إسماعيل بن عمار المعروف بسبع شعرات قد قدم إلى أحمد بن طولون من الشام ~~فقلده الأملاك وما خرج عن الخراج، وصرف به الحسن بن سليمان بن ثابت، وتقدم إلى أحمد ~~بن إسماعيل بمطالبة الحسن بما دفعه علي ابنه، فطالبه بذلك وضربه فمات في الضرب، ونحن ~~نذكر خبره مفردا إن شاء الله. # وكان أحمد ms090 بن إسماعيل هذا قد أشار على أحمد بن طولون بمشورة فتعداها، فبسط لسانه فيه ~~على جهة الإشفاق عليه، وقال: ليس هو ممن تمرن في الرياسة وفيه لجاج لا يؤمن عليه منه. ~~فبلغ ذلك أحمد بن طولون فحبسه في المطبق، ومنع من كان يبسط عليه عائدته حتى ~~مات. # وكل هذه الأحوال التي عددنا فالعذر فيها كلها بين لأحمد بن طولون، والذنب لمن يبسط ~~لسانه في مثله ويتعدى إلى غير ما هو أهله. # وكان قد بقيت لأحمد بن طولون بقية كبيرة من خراج البلد على بعض المتقبلين ذهب عني ~~اسمه فاستتر، وكان قبل استتاره قد عمد إلى ربع له نفيس يفي بما عليه من الخراج، ~~وفضل حبسه على ولده وخرج عن البلد، ورفع خبره إلى أحمد بن طولون فطلب، فقيل له: قد ~~هرب وفات وخرج عن البلد. فأحضر بكار بن قتيبة القاضي وقال له: صاحبك يقول بحل الحبس في ~~الدين فتحل حبس هذا الهارب منا حتى نأخذ مال السلطان منه؟ فقال له بكار: لا تفعل ولا ~~تستن سنة يستن بها فيك؛ لأن لك أوقافا على وجوه فإن حللت حلوا عنك. فتوقف عن ~~ذلك وكف عنه وشكر لبكار مشورته عليه. # 202 # وأما رغبته كانت في أبواب البر التي كانت له فكانت ظاهرة بينة واضحة، بشهوة شديدة ~~ونية صحيحة ؛ فمن ذلك بناء الجامع والبيمارستان # 203 # وما ضمنه خزائنه من العقاقير النفسية الخطيرة والدرياقات المعروفة التي ~~ليست إلا في خزائن الملوك والخلفاء، فلم يكن يعدم في بيمارستانه شيء من الأدوية ولا ~~العقاقير الرئيسة؛ مثل دواء المسك وغيره مما لا يوجد مثله. واشترى له المستغلات ~~النفسية التي يفي بعضها بجميع حوائجه إذا أبقى الله، جل اسمه، من يتولاها. # ثم العين التي بالمعافر بناها بنية صحيحة، ورغبة قوية جميلة، حتى إنها ليس لها نظير، ~~ولقد اجتهد الماذرائيون # 204 # وأنفقوا الأموال الخطيرة ليحكوها فأعجزهم ذلك؛ لأنها وقعت في موضع جيرانه ~~كلهم محتاجون إليها، وهي مفتوحة طول النهار لمن كشف وجهه للأخذ منها، ولمن كان له غلام ~~أو جارية، ms091 والليل كله للضعفاء والمستورين والمستورات، فهي لهم حياة ومعونة. واتخذ لها ~~المستغل الذي فيه فضل عن الكفاية. # حدث ابن قراطغان أن الذي تولى لأحمد بن طولون بناء هذه العين رجل نصراني حسن ~~الهندسة حاذق فيها # 205 # وأنه دخل إلى أحمد بن طولون عشية من العشايا فقال له: فرغت مما تحتاج إليه ~~فيها لنركب إليها نراها. فقال له: يركب الأمير، أيده الله، في غد، فقد فرغت. فركب ~~وتقدم النصراني فتأمل منها موضعا يحتاج إلى قصرية # 206 # جير وأربع طوبات # 207 # فبادر فعمل ذلك. وأقبل أحمد بن طولون يتأمل العين، واستحسن جميع ما شاهده ~~منها، ثم أقبل إلى الموضع الذي فيه قصرية الجير ليقف، فلرطوبة الجير لما وضع الفرس يده ~~على الموضع غاصت فيه، وكبا بأحمد بن طولون فرسه، فلسوء ظنه قدر أن ذلك لمكروه أراده ~~النصراني به، فأمر به وشق عنه وضربه خمسمائة سوط وأمر به إلى المطبق، وكان المسكين ~~يتوقع الجائزة فأنفق له إنفاق سوء، وانصرف أحمد بن طولون. # وأقام النصراني في المطبق إلى أن أراد أحمد بن طولون بناء الجامع، فقدر له ثلاثمائة ~~عمود، وقيل له: ما تجدها أو تنفذ إلى الكنائس في الأرياف وفي الضياع الخراب فتحمل إليه ~~فأنكره ولم يختره وتعذب قلبه بالفكر في أمره، وبلغ النصراني وهو في المطبق الخبر فكتب ~~إليه يقول: أنا أبنيه للأمير ، أيده الله، كما يحب ويختار بلا عمود إلا عمودي القبلة، ~~وأحضره فأدخل إليه وقد طال شعره حتى سقط على وجهه، فقال له: ما تقول ويحك في بناء الجامع؟ ~~فقال له: أنا أصوره للأمير حتى يراه عيانا بلا عمود إلا عمودي القبلة، فأمر بأن تحضر ~~له الجلود # 208 # فأحضرت، وصوره له فأعجب به واستحسنه فأطلقه وخلع عليه وأطلق له النفقة عليه ~~مائة ألف دينار، فقال له: أنفق وما احتجت إليه بعد ذلك أطلقناه لك، فوضع النصراني يده في ~~البناء في الموضع الذي هو فيه وهو جبل يشكر، # 209 # فكان ينشر منه ويسطح ويعمله جيرا ويبني إلى أن فرغ من جميعه وبيضه ms092 وخلقه ~~وفرش في الحصر، وعلق القناديل والسلاسل الطوال الغلاظ الحسان، وحمل إليه صناديق المصاحف ~~ونقل إليه الفقهاء والقراء، وتصدق في ذلك اليوم صدقات عظيمة فيه وعمل طعاما واسعا ~~كبيرا، وحمل إليه فأطعم سائر من حضر، وكان يوما عظيما نبيلا جليلا. # وراح أحمد بن طولون ونزل في الدار التي عملها فيه للإمارة وقد فرشت، وعلق فيها ~~الستور وحمل إلى خزائنها الآلات والأواني التي يحتاج إليها، وصناديق الشراب فيها من كل ~~نوع من الأشربة وما شاكلها، فنزل فيها أحمد بن طولون وجدد طهره وأبدل ثيابه وتبخر، ~~وخرج من بابها إلى المقصورة، فركع وسجد شكرا لله على ما أعانه عليه من ذلك ويسره له، ~~فلما أراد الانصراف خرج من المقصورة حتى أشرف على الفوارة وخرج إلى باب الريح، فصعد ~~النصراني المنارة ووقف إلى جانب المركن النحاس، وصاح بأحمد بن طولون: أيها الأمير، عبدك ~~يريد الجائزة، ويسأل الأمان ألا يجري عليه مثل ما جرى في المرة الأولى. فقال له أحمد بن ~~طولون: انزل ويلك يا كافر. فقال: وحق رأس الأمير لا نزلت أو تؤمنني. فقال له: انزل فقد ~~أمنك الله ولك الجائزة. فنزل وأمر له بعشرة آلاف دينار، وخلع عليه، وأجرى عليه رزقا ~~واسعا. # قال: ومن أفعاله الجميلة ما كان يحمله إلى طرسوس وغيرها من الثغور من المال العين ~~والسلاح والكراع والثياب ما لم يحمله إليها أحد قط، ولم يغيره على أهل طرسوس شيء مما ~~أنكره من فعلهم، فيقصر عن ذلك مجازاة لهم؛ لأنه كان يقصد بفعله الله وحده جل ~~اسمه. # ومن ذلك بناؤه حصن يافا؛ لأنها لم يكن لها حصن، ومات قبل الفراغ منه، وأتمه من بعده ~~ابنه أبو الجيش. # 210 # ومنها ما كان يحمله إلى الحرمين من المال والعين والحنطة و[الشفوف] والثياب وكل ما ~~يحتاج إليه أهلوها. # 211 # ومنها تفقد أهل الستر والمتجملين وضعفاء النواحي ممن يلزم المساجد، ويسأل عن النساء ~~المستورات في منازلهن ومحالهن، فيجريهن مجرى الرجال من معروفه ويفضلهن. # 212 # وحدث أبو جعفر المروزي، قال: دعاني أحمد بن طولون يوما ms093 ودفع إلي رقعة وقال لي: سل ~~عمن فيها فهم سجنة حبس القاضي، وانظر الدارج الحال منهم المستقل، وأثبت لي أسماءهم ~~وأحوالهم وأسماء خصومهم، قال: فمضيت فسألت عنهم، وأثبت أسماءهم وأحوالهم وخصومهم، وذكر ~~الموجد منهم والمعدم، وأحضرته العمل بذلك، فأحضر وكيله ابن مفضل فقال له: اجتمع مع أبي ~~جعفر المروزي حتى تنظر في أمر هؤلاء القوم، وتحضروا خصومهم وترضوهم عنهم، وتثبتا مبلغ ~~ذلك وتعرفاني به. فاجتمعنا وعرضناهم وأرضيناهم عنهم بمصالحة لواحد، وأن يدفع إلى آخر ~~ماله كله لتشدده أو لاختلال حاله أيضا حتى فرغنا من جميعهم، فكان مبلغ ما لزمه من ذلك ~~عشرين ألف دينار، وجئناه بالعمال فأطلق المال باستبشار وفرح وسرور وطيب نفس، وحمد الله، ~~عز وجل، وأمر بأن ينصرف جميع المحبسين إلى منازلهم، فمضينا ودفعنا المال إلى أربابه، ~~فأكثروا له الدعاء والشكر، وأطلقنا الجماعة من حبس القاضي وهم مبتهلون إلى الله، جل ~~اسمه، بالدعاء له، فعدنا إليه فعرفناه ذلك فقال لنا: من أنا لولا توفيق الله، عز ~~وجل، إياي؟ وإنه جل اسمه ليلهمني أن أحنو على الضعيف وأسطو على العنيف، وهكذا وصف ~~الله، عز وجل، خلصه # 213 # فقال: # أشداء على الكفار رحماء ~~بينهم # فالحمد لله على ما من به علي من ذلك. # قال مؤلف هذا الكتاب: وللحجاج بن يوسف حكاية مثل هذه، إلا أن الحجاج زكى نفسه، وأحمد ~~بن طولون استكان لربه. # حدث الحسن بن القاسم الأنباري أن امرأة عارضت الحجاج بن يوسف فقالت له: # تق الله يا حجاج فينا فإننا # بقية شول # 214 # غاب عنها فحولها # وإلا تداركنا ابن يوسف رحمة # بكفيك أمسى صعبها وذلولها # فقال لها: ما خطبك؟ فقالت: غربت زوجي مع ابن أبي بكرة، وقد طالت غيبته وخفنا بعده ~~الضيعة والعار، فأمر بالكتاب إلى ابن أبي بكرة بإقفال زوجها وكل من خرج معه، فولت ~~تقول: # شكونا إلى الحجاج ما قد أصابنا # فكان كريما عالما بالنوائب # بصيرا بما يأتي حليما عن العدى # غيورا على البيض الحسان الكواعب # فقال لها الحجاج: صدقت وكذبت، أنا كريم عالم بالنوائب، بصير ms094 بما يأتي، غيور على البيض ~~الحسان، ولست بحليم على العدى، أنا كما قال حميد الأرقط: # خلقت ثكلا للعدو الجاحد # أضرب منه موضع القلائد # بالسيف ضرب الهندكي الحاقد # 215 # وحدث أبو جعفر المروزي قال: كان أحمد بن طولون من حفاظ القرآن، [المتقنين] حفظه ومن ~~الدارسين الحذاق، فكان يحب حفاظ القرآن ويكثر [مواصلتهم] بصلاته، ويطرقهم سرا ~~في مواضعهم حتى يسمع قراءتهم، فيتبين منزلة واحد واحد في حفظه، ويصلي خلفه إما الصبح ~~وإما العتمة، يركب حمارا ومعه غلام واحد، متنكرا لا يعلم به أحد، ولا يعرفه من ~~يراه، حتى يصلي خلفه، ويعود في السحر إن كان صبحا أو بعد عتمة، ولا يقطع برهم في ~~كل وقت. # فدعاني يوما وقال لي: أتعرف إماما يصلي بالمنامة # 216 # في موضع كذا وكذا؟ فقلت له: نعم، أنا أعرف المسجد، وما أعرف الرجل. فقال لي: ~~إنه حسن الصوت جيد الحفظ، فخذ معك خمسين # 217 # دينارا وامض إليه، فإني لا أشك أنه في ضيقة، فصل خلفه، فإذا فرغ وخلا ~~فوانسه حتى ينبسط إليك، والطف به حتى يأنس بك، فإذا أنس فادفع هذه الدنانير ~~إليه، وسله عن دين إن كان عليه، فإن ذكره لك فاقضه عنه، وعرفني ما يكون منك في أمره ~~فإني أراعيه. # قال أبو جعفر: فعجبت من تغلغله في معرفة هؤلاء القوم واحدا واحدا، وهم في أطراف ~~البلد، وفي مواضع متفرقة لا يكاد يعرف أكثرها أهل البلد ، ثم علمت أن دينه ورغبته في ~~الخير حملاه على ذلك، مع توفيق الله، عز وجل، له، ولن يوفق، جل اسمه، من عبيده لما ~~يرضاه إلا من يختاره، وله عنده منزلة. # فبكرت في السحر إلى المسجد، وصليت خلف الرجل، فسمعت إماما طيبا حسن الصوت، ~~فلما فرغ من الصلاة وانصرف الناس جلست أحادثه، فلم أزال أوانسه وأذكر له أخبار الصالحين، ~~وما يصلح أن أحدثه لمثله حتى أنس وانبسط، وسألني عن حديثي وعن حالي، وقال: قد آنستني ~~فأحب ألا تقطع مؤانستك فقد سررت بك. فسألته عن أحواله وعن تصرف الزمان به، فشكا ~~إضاقة وقال: ms095 أغلظ ما حل بي أني وقفت في المحراب أمس أصلي فغلطت في قراءتي وما جرى ~~علي هذا [قبلا]. فقلت: هذا يدل على شغل قلب وغم. فقال لي: نعم، منزلي خلف قبلة ~~هذا المسجد، فجئت إلى الصلاة وزوجتي تطلق، فلما وقفت في المحراب سمعت صياحها من شدة ~~الطلق، ففكرت أنه ليس لها في البيت دقيق ولا خبز ولا زيت ولا معي شيء أنفقه عليها ~~فغلطت. فقلت: موضع يا سيدي ما تلام على ذلك. فأخرجت إليه الدنانير وقلت له: هذه ~~الدنانير من جهة صالحة ترضاها، فخذها وتفرج بها. فتوقف عن أخذها، فحلفت له أنها من ~~جهة مرضية، ليس عليه فيها تبعة، فأخذها وحمد الله، جل اسمه، وأثنى عليه، وانبسط ~~وجهه بعدما كان كالناعس وأنا أحدثه، وكأنه في موضع آخر مشغول القلب والفكر، ثم سألته ~~عن دين إن كان عليه، فقال: نعم، علي دين، وكان أيضا قلبي به متعلقا لتأخيره عن ~~أصحابه، والساعة أبتدئ بقضائه. فقلت له: كم هو؟ فقال: خمسة عشر دينارا. فدفعتها إليه ~~وقلت له: اقضها ولا تثلم هذه الدنانير، واتسع أنت وعيالك بها. فزاد في حمد الله، ~~عز وجل، وشكرني، وسألني: من أي جهة هي؟ فلم أذكرها له، كما أمرني أحمد بن طولون. # وعدت إليه لأعرفه ما كان، فما وصلت إليه يومي، فلما كان من غد صرت إليه ~~فخبرته بما جرى بيننا، فقال لي: صدق. ولقد وقفت خلفه مرارا فما سمعت منه غلطا إلا ~~أول أمس، فإني رددت عليه في ثلاثة مواضع، وصليت اليوم خلفه فقرأ القراءة التي أعرفها ~~منه، فحمدت الله، جل اسمه، على ما وفقني له في أمره. ثم أمرني بإثبات اسمه في الدفتر ~~الذي فيه أسماء المستورين والمستورات الذين يجري عليهم في كل شهر خمسة دنانير على كل رجل ~~وامرأة، وأجرى عليه مثلهم. # ومن ذلك ما حدث به سعد الفرغاني قال: ركب أحمد بن طولون يوما إلى الجيزة، وكان رسمه ~~إذا قرب من الجسر أخلي له، فلما بلغ إليه أمر الناس بان يسرعوا المجيء عليه وأعجلوا، ~~فلم ms096 يبق عليه إلا شيخ ضعيف على حمار هزيل ومعه صبي له، وقد أقبل من بعض نواحي الجيزة، ~~فلما أعجل الناس وهب ليعجل معهم لم يكن له نهضة ولا لحماره، فسقط عن الحمار، فأقبل ~~أحمد بن طولون ينظر إليه وإلى الصبي معه قد سقطا جميعا، فقال لي: امنعهم من إزعاج هذا ~~الشيخ، وقف عليه وارفق به حتى يركب حماره والحقني به، فما أشك أنه مظلوم وقد وافانا ~~يريد التظلم وسائله في طريقك معه إلي عن خبره، وسبب دخوله إلى مصر، فإن ذكر ظلامته ~~فاسأله ممن يتظلم؟ # قال سعد: فوقفت عليه حتى عبر أحمد بن طولون وعبرت مع الشيخ وقد رددته معي، فلخوفه ~~انقاد معي ولم يسألني عن رده، وأقبلت أسير معه قليلا قليلا، على قدر سير حماره، ~~وساءلته عن خبره وسبب دخوله الفسطاط، فقال: ما ترك لي وكيل ابن دشومة بذات # 218 # الساحل شيئا أرجع إليه، وكنت مستورا فهتكني، وكنت غنيا فأفقرني، حتى ~~صرت بين المزارعين مرحوما فقيرا، بعد أن كنت موجدا موسرا، فدخلت مستغيثا إلى ~~الأمير، أيده الله، وكان ابن دشومة يومئذ أمينا على أبي أيوب # 219 # في الخراج، فلما لحقنا أحمد بن طولون وكلت بالشيخ، ودخلت إليه في مضربه، ~~فعرفته جميع ما عرفني به الشيخ، فوجه من ساعته بمن أحضر إليه ابن دشومة من مصر إلى ~~الجيزة، ولم يصبر إلى أن يعود، لقوة رغبته في الثواب والخير، فأحضر فقال له : ويحك، إن ~~الضياع تشبه البستان والمزارعون شجرة، فإن رفق بهم وأحسن القيام بأمرهم ورعوا ~~بإصلاحهم؛ طلعت الثمرة ونمت وزكت، وإن لم يفعل ذلك هلكت الشجرة وذهب ثمرها، فأحضر ~~كاتبك الساعة الساعة ومختار الناحية إلى ها هنا، ولا تبرحا حتى تنصف هذا الشيخ من ظلامته ~~وتبلغ له ما يحبه وتعرفني، فإني ها هنا أراعي ما يكون منك في أمره. # فطار عقل ابن دشومة، وجعل يتوقع مكروه أحمد بن طولون، ووجه بمن أحضر صاحبه والمختار ~~بالناحية، وابن دشومة كالمعتقل، حتى جمع بينهما وبين الشيخ، وذكر ما جرى عليه، فحطوا عنه ~~ما ms097 كانوا يطالبونه به، وأسقطوا عنه ما شكاه من الغبن عليه، وبلغوا له فوق ما يحبه، وأحمد ~~بن طولون يطالعهم برسله من حيث لا يعلمون، حتى عرف جميع ما جرى بينهم وبينه، وأقبل في ~~خلال ذلك ينفذ إلى ابن دشومة خادما بعد خادم يقول له: أنصف الشيخ، ابلغ له فوق ما ~~يحبه. ويكدهم في الفراغ من أمره، ويعرفهم أن مقامه بالجيزة بسببه، إلى أن ينصف ~~فيعود إلى الفسطاط، فلما فرغوا من أمر الرجل دخل إليه ابن دشومة فعرفه أنه قد بلغ له ~~ما أحب، فأمر بإحضاره، فلما حضر قال لابن دشومة: اشرح لي قصته وكيف ظلم وما عملت في ~~أمره؟ فكان ابن دشومة يعيد عليه أمره، وهو يرعد خوفا من بادرة تلحقه منه، والشيخ ~~واقف يسمع كل ما يجري في أمره. # فلما فرغ من شرح ذلك، قال له: يا شيخ، الأمر كما حكى؟ قال: نعم، أيها الأمير، جعل الله ~~عليك واقية وسترك في الدنيا والآخرة. فلما سمع ابن طولون قوله: «والآخرة» بكى وخر ~~ساجدا لله، ثم قال له: زال عنك ما كرهت وبلغت ما أحببت؟ قال: نعم، أيها الأمير، أحسن ~~الله إليك كما أحسنت إلي. فقال: ما شاء الله فعل بك، ذاك بمنه وكرمه. فقال له؟ كم عمارتك؟ # 220 # فقال: خمسون دينارا، قال له: فتطيقها؟ قال: لا. قال: فكم تطيق؟ قال: ثلاثين ~~دينارا، فأمر بأن تجعل عمارته عشرين دينارا، ووهب له خمسين فدانا يزرعها ما أحب بعماط ~~[؟] وتقوية # 221 # في كل سنة ولا تؤخذ منه التقوية ولا تسترجع، وجعل ذلك كالصدقة، وقال له: ~~يا شيخ، لولا أن حط العمارة عنك يحط من منزلتك في بلدك لحططتها. فدعا له، فقال: ما ~~فعله الأمير، أيده الله، في أمري فهو أكثر من الحطيطة، وجميعه صدقة علي وعلى ولدي ~~وعيالي، فأجاب الله منا فيك صالح الدعاء. فأمر بأن نهب له عشرين دينارا، وقال له: خذ ~~هذه الدنانير فاشتر بها حمارا فارها لا يرميك على الجسر ولا يقف بك إذا عبر الأمير ~~عليك. وضحك أحمد بن ms098 طولون، وانكب الشيخ ليقبل الأرض، فمنعه من ذلك وقال له: احذر ثم ~~احذر أن تفعل هذا بأحد من المخلوقين؛ فإنه لا يؤثره إلا كل جبار عنيد، والسجود لله ~~وحده، عز وجل. فانصرف الشيخ إلى غاية من السرور، بما تم له من إزالة الظلم والمسامحة في ~~العمارة، والإفضال عليه، وهبة الدنانير، وممازحة أحمد بن طولون له في الحمار، فرأيته في ~~انصرافه يبكي فرحا، ويدعو لأحمد بن طولون بنية خالصة، وحصل له بذلك جاه في بلده ووطنه ~~ومحله، ومنزلة وسطوة. # وحدث نسيم الخادم قال: ركب مولاي في غداة باردة إلى المقس # 222 # فأصاب بشاطئ النيل صيادا عليه خلق لا يواريه منه شيء، ومعه صبي له في مثل ~~حاله، وقد ألقى شبكته في البحر، فرآه مولاي فرق له، وقال لي: يا نسيم، ادفع إلى هذا ~~الصياد ثلاثين # 223 # دينارا، فتأخرت حتى دفعتها إليه، ولحقت به فلم يبعد حتى رجع، فوجدنا ~~الصياد ميتا ملقى والصبي يبكي ويصيح، فظن مولاي أن بعض سودانه قتله وأخذ الدنانير ~~منه، فوقف بنفسه عليه، وسأل هذا الصبي عن أبيه فقال له: هذا الغلام، وأشار إلي، دفع إلى ~~أبي شيئا، فلم يزل يبوسه حتى وقع ميتا. # فقال لي مولاي: فتشه. فنزلت وفتشته، فوجدت الدنانير معه بحالها، فحرضنا الصبي ~~أن يأخذها فأبى، وقال: هذه قتلت أبي وإن أخذتها قتلتني. فأحضر مولاي قاضي المقس ~~وشيوخه، وأمرهم بأن يشتروا للصبي دارا بخمسمائة دينار يكون لها غلة # 224 # فاشتريت وحبست عليه، وكتب اسمه في جملة من كان يجري عليه جرايته في كل ~~شهر، وقال لي: يا نسيم نحن قتلناه، الغنى يحتاج إلى تدبير، وإلا قتل صاحبه، كان يحب أن ~~يدفع إليه دينار بعد دينار حتى تحصل له هذه الدنانير ولا تدفع إليه جملة. # وحدث طاهر الكبير قال: كان لمولاي برج حمام هيتي # 225 # فصعد إليه يوما وجلس على كرسي بين يدي البرج يستعرضها، فأخرجت إليه ما كان ~~عندي من الفراخ، فنظر إليها وسرحها تدرج بين يديه، وكان عددها ثمانية، ثم أمرني ~~بردها فرددت سبعة ms099 وإذا بالثامن قد درج فصار خلفه، فقال لي: قد بقي واحد. فقلت: هو خلف ~~مولاي. فقال لي: خذه. فمددت يدي إليه لآخذه فارتعدت هيبة له أن أمد يدي خلفه، فتبين ~~ذلك مني، فقال لي: تنح. فتنحيت فوضع خده على التراب، في الموضع الذي كانت قدمي ~~عليه، وبكى وأقبل يمرغ خديه ولحيته في التراب ويتضرع إلى الله، جل اسمه، ويسأله ~~العفو عنه وإلهامه الشكر على نعمه عنده. # وحدث نسيم الخادم قال: ركب مولاي يوما إلى الأهرام، فأتاه الحجاب بقوم عليهم ثياب ~~صوف وفي أيديهم مساح ومعاول، فسألهم عما يعملون، فقالوا: نحن نقوم نطلب المطالب، # 226 # فقال لهم: لا تخرجوا بعد هذا الوقت إلا بمنشور # 227 # ورجل من قبلي يكون معكم. فقالوا له: سمعا وطاعة للأمير، أيده الله. ~~فسألهم عما رفع إليهم من الصفات، فذكروا له أن في سمت الأهرام # 228 # مطلبا قد عجزوا عنه؛ لأنهم يحتاجون في إثارته إلى جمع كبير ونفقات واسعة؛ ~~فإن فيه مالا عظيما. فنظر مولاي إلى شيخ من أصحابه يعرف بالرافقي من أهل الثغر فضمه ~~إليهم، وتقدم إلى عامل معونة الجيزة في دفع جميع ما يحتاجون إليه من الرجال والنفقات. ~~وانصرف مولاي فأقام القوم مدة يعملون حتى ظهرت لهم العلامات، فوافانا الرافقي وأعلم ~~مولاي بذلك، وأن أمره قد قرب، فركب وسرنا معه حتى وقف على الموضع، فلما رآه ~~الناس جدوا في الحفر، فكشفوا عن حوض كبير عظيم مملوء دنانير، وعليه غطاء مكتوب عليه بالبزنطية، # 229 # فأحضروا من قرأه فكان: أنا فلان بن فلان الملك الذي ميز الذهب من شئونه ~~وغشه وأدناسه، فمن أراد أن يعلم فضل ملكي على ملكه فلينظر إلى فضل عيار ديناري على ~~عيار ديناره، فإن مخلص الذهب من الغش مخلص في محياه وبعد مماته. فقال مولاي: الحمد ~~لله، يا نسيم ما نبهتني عليه هذه الكتابة أحب إلي من المال. ثم أمر لكل رجل كان ~~يعمل فيه بمائة دينار ووفى الصناع أجرتهم، ووهب لكل رجل منهم خمسة دنانير، ودفع إلى ~~الرافقي منه ثلاثمائة دينار، وقال ms100 لي: يا نسيم، خذ لنفسك منه ما شئت، فقلت: ما يأمرني به ~~مولاي. فقال لي: خذ منه ملء كفيك جميعا، وخذ من غيره من بيت المال مثل ذلك مرتين، فإني ~~أشح على هذا. فبسطت كفي فملأهما، فحصل لي منه ألف دينار، وكان عيار الدينار منه ~~أجود من عيار السندي بن شاهك ومن عيار المعتصم، ولم يكن يرى أجود منهما، فتشدد مولاي ~~من ذلك اليوم في العيار، حتى لحق ديناره بالعيار المعروف به، وهو الأحمدي الذي لا يطلى ~~بأجود منه. # 230 # قال: وأما صدقاته فكانت مشهورة متواترة على أهل الضعف والمسكنة والمستورين ~~والمتجملين، وكان راتبها في كل شهر ألفي دينار، سوى ما يطرأ عليه من نذر ينذره أو ~~شكر على تجديد نعمة لله، عز وجل، عنده، أو على خبر يسره، فيقابل ذلك بالصدقات ~~الكبيرة، فيزيد ذلك على راتبه زيادة عظيمة، سوى مطابخه التي يقام بها في كل يوم للصدقات، ~~في داره وغير داره، يذبح فيها البقر الكثير والكباش العداد، ويطعم الناس ويفرق على كل ~~من يأخذ في القدور الفخار مع الخبز على المساكين أربعة أرغفة مع كل قدر، في رغيفين ~~منها فالوذج، وكان من شهوته لذلك، وصحة نيته فيه، ورغبته في الثواب عليه، يعمل الطعام في ~~داره، وينادى من أحب أن يحضر طعام الأمير فليحضر، وتفتح الأبواب ويدخل الناس إلى ~~الميدان، ويجلس هو في المجلس الذي ذكرنا مقدما أنه كان يجلس فيه، يشرف على من يدخل ~~داره ويخرج منها، وينظر إلى المساكين، ويتأمل فرحهم مما يأكلون، فيفرح بذلك ويحمد الله ~~عليه. # فنظر يوما إلى شيخ مستور وقد زل # 231 # في خرقة معه زلة، وزاد فيها حتى لم يكن في الخرقة موضع، فلما قام لشدة ~~الزحمة وقعت من يده لضعفه، فغمز بعض الحجاب بعض الغلمان أن يأخذها، تماجنا لا ~~قصدا، وترد عليه. وتأمل أحمد بن طولون ذلك فأغاظه، فأمر برد الشيخ وإحضار الحاجب، ~~وقال له: ويحك، ما الذي حملك على ما صنعت بهذا الشيخ الضعيف؟ فقال: والله أيها الأمير ما ~~أردت إلا ms101 مداعبته. فقال له: والله العظيم لا حملها له إلى منزله غيرك. وأمر فأصلح ~~للشيخ مائدة عظيمة، فيها من كل شيء حار وبارد وحلو، وأحضره، فقال له: يا شيخ كم سنك؟ ~~قال: ثمانون سنة. قال له: لك عيال؟ قال: نعم، خمس بنات عواتق وثلاثة غلمان وأمهم ومن ~~يخدمنا، ومن يقرب منا نواسيه بما أمكننا. فقال: ففي أي شيء تتجر؟ قال: في المثلث، # 232 # قال: وكم بضاعتك منه؟ قال: عشرة دنانير. قال له: فلم لا تزوج بناتك؟ فقال: ~~لا يرغب فيهن إلا لشيء وما لنا شيء. فأمر له بمائة دينار بضاعة له، وأحضر معمر الجوهري ~~فتقدم إليه بأن يجهز بناته بما يصلح لهن من الجهاز والتجمل ويزوجهن، ودفع إلى ~~الذكور من ولده لكل واحد خمسين دينارا، وأثبت أسماء الجميع في دفتر الجرايات، فذكر معمر ~~الجوهري أنه جهزهم بألف دينار، فعرفه ذلك وسره، وأطلق المال له، وحمل الحاجب مع ~~الشيخ تلك الزلة بين يديه على سرجه، حتى بلغ إلى منزله، ووهب له عشرة دنانير تكرما ~~ورغبة في الثواب. # وحدث إبراهيم بن قراطغان، وكان على صدقات أحمد بن طولون، قال: قلت للأمير: أيد الله ~~الأمير، إنا نقف في المواضع التي جرت العادة بصدقة الأمير على من فيها من المستورين ~~والمستورات فتخرج إلينا الكف الناعمة المخضوبة نقشا أو تظاريف والمعصم الرائع وفي ~~الإصبع الخاتم الذهب والسوار والفنك # 233 # والثوب الرطبة [؟] فقال لي: يا هذا كل من مد يده إليك فأعطه؛ فهذي هي الطبقة ~~المستورة التي ذكرها الله، عز وجل، في كتابه، فقال: # يحسبهم ~~الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون ~~الناس إلحافا # فاحذر أن ترد يدا امتدت إليك، وأعط كل من طلب ~~منك. # قال: ومن حسن أفعاله أنه بلغه عن علي بن طباطبا أنه قد حبس في مال بقي عليه من ~~ضياعه وعجز عن أدائه، فقال: وكم مقداره؟ فقيل له: عشرون ألف دينار. فأمر صاحب الخراج ~~بإسقاطها عنه، وكتب له بالعشرين ألف دينار براءة، ووجه إليه، فأحضره إليه وعرفه بإسقاط ~~ما عليه وصرفه إلى ms102 منزله، فأكثر الدعاء والشكر. ولم يزل وسائر أهله وجيرته يدعون له ~~طول حياتهم. # قال: وأما إشفاقه على أهل مصر فكان يزيد على كل إشفاق، حتى إنه كان يجوز إشفاق الوالد ~~على ولده، يحوطهم ويراعي أحوالهم ومصالحهم، ويدفع كل مكروه عنهم. # حدث سوار الخادم، قال: قلت لمولاي ليلة وقد بات في قبة الهواء خاليا مفكرا، ~~وكانت ليلة قمراء، وهذه القبة بنيت للمأمون وقت موافاته البلد، ويقال: إن العلاء ~~الطائي بناها على قرية من جبل المقطم، وكانت تشرف على داره وعلى جميع البلد: أيها ~~الأمير، قد مضى أكثر الليل ومولاي منتصب، فلو أعطى نفسه حظها من الراحة كان ذلك أعود ~~عليه. فقال: يا بني! إنا كلفنا من القيام بأمر هذه البلدة ما كلفناه، فإن نحن ~~أعطينا أنفسنا حظها من النوم والراحة، وأهملنا الفكر في تدبير أحوالها، والشغل بما يعود ~~به صلاح أمورها، وصيانة أهلها، ليأمنوا في سربهم، ويسكنوا في تقلبهم ضاعوا، فأرى أن ~~أتعب ويناموا أصلح من أن أستريح ويخافوا فيسهروا. فأمسكت عنه. # قال: ولقد أصلح منجنيقات، لما كان في نفسه من المسير إلى حصن أنطاكية، فأراد امتحانها ~~فنصبت في الموضع المعروف إلى اليوم بالمنجنيقات، على شاطئ البركة، وفوق الجبل الذي يعرف ~~بجبل يشكر وهو المعروف بالكبش، ولم يكن بين يديه إلى النيل شيء، وإنما كان جرفا # 234 # يشرف به على الكبش، فركب مولاي ليجرب بين يديه، فنصب في أحدهما حبال ~~ووضع فيه حجر، ووقف الرجال على الحبال وجذبوها، فمر الحجر إلى البستان المعروف ببستان ~~عرق الذي على خليج أمير المؤمنين، وإنما سمي هذا الخليج بأمير المؤمنين؛ لأن عمر بن ~~الخطاب، رحمه الله، أمر عمرو بن العاص بحفر خليج يتصل من النيل إلى القلزم، وتحمل فيه ~~الميرة إلى الحرمين، فحفروه، وكان متصلا بالقلزم فسمي بذلك؛ لأن عمر، رحمه الله، أول ~~من سمي بأمير المؤمنين # 235 # ثم حذف منجنيقا آخر أيضا، وزادوا في رجاله وحباله، وجعل فيه حجرا، وزادوا في ~~جذبه، فلما استوفوا جره انقطعت الكفة وطارت في الهواء. # فلقد رأيت مولاي ولم ms103 يتكل على حاجب ولا غلام يتقدم، وإنه يصيح بنفسه إلى الناس الذين ~~ينظرون، ويشير مع صياحه إليهم بكمه إلى الموضع الذي يقدر أن الكفة وقعت فيه بنجوة # 236 # بصياح شديد؛ كل هذا إشفاقا منه على أهل البلد ورأفة بهم. # وحدث نسيم قال: خرج مولاي ليلة إلى قبة الهواء، فسمع في أطراف المعافر كلبا ينبح ~~فرابه ذلك، فقال للغلمان وهم قيام بين يديه: اركبوا الساعة وامضوا ركضا نحو هذا الكلب ~~فانظروا على أي شيء يصيح، فإن وجدتم أحدا فجيئوني به. فمضى الغلمان نحو صوت الكلب حتى ~~أدركوه، فوجدوا رجلا قد كان عند صديق له من جيرانه، وقد انصرف من عنده يريد منزله، فوجد ~~بابه مغلقا، وهو قائم عليه يدق، وقد منع أهله غلبة النوم عن أن يسمعوا دقه، وكلما ~~دق الرجل نبح الكلب عليه، فأخذوه وأردفه أحدهم خلفه، وأقبلوا به ركضا، فلما رأى ~~الرجل ما حل به طار النبيذ من رأسه، وأقبل يستعين بالله، فلما أوقفوه بين يديه كاد ~~عقله يذهب، حتى ثبته الله، عز وجل، فعرفه الغلمان صورة الأمر، فقال له أحمد بن ~~طولون: ما الذي حملك على الخروج في مثل هذا الوقت؟ فقال له: أنا أحدث عنه الأمير، ~~أيده الله، كنت عند صديق لي من جيرتي، وتمادى بنا الحديث إلى هذا الوقت، وكنا نستعمل ~~الحذر والتحفظ، قبل أيام الأمير، أيده الله، فلما ولينا واشتدت وطأته على أهل ~~الدعارة والفساد، انقمعوا # 237 # من هيبته وخوفا من سطوته، فأمنا لذلك، وصرنا نخرج في مثل هذا الوقت ~~وقبله وبعده آمنين ببركة الأمير، أيده الله. فاستحيا منه أحمد بن طولون لحسن عبارته ~~وبيان قوله، وتوقف عما كان قد عزم عليه من التأديب له في الخروج في مثل هذا الوقت، فقال ~~له: قد كنا على تأديبك على مخاطرتك بنفسك في مثل هذا الوقت، فأزال ذلك عنا جميل عذرك، ~~وحسن عبارتك عن نفسك، وفصاحة لسان، وعلمنا أن ذلك لا يكون إلا في عاقل، وكفى بالعقل ~~واعظا، وقد جعلت العوض من ذلك سرعة ردك إلى منزلك؛ ms104 فلست أشك بأن أهلك لما علموا ~~بأخذنا لك قد قلقوا لذلك. ثم قال لبعض الغلمان: أردفه خلفك ورده إلى منزله. وقام هو ~~فأخذ مضجعه وقد مضى أكثر الليل. # وحدث نسيم الخادم قال: بينا نحن وقوف ليلة بين يدي مولاي، وقد طال سهره وفكره، وكان ~~إذا لحقه مثل هذا وطال وقوفنا بين يديه يقول: تفرقوا واقعدوا. لعلمه بما ينالنا من ~~التعب، ونعانيه من غلبة السهر والنوم، فنغتنم هذا القول منه ونتفرق، فنستلقي في ~~المواضع التي يبعد نظره عنها. # فبينا نحن ليلة وقد نمنا، إلا وبه قائم على رءوسنا ولم نشعر به، فقمنا مبادرين، فقال ~~لنا: ما سمعتم هذا الصياح؟ وتأملنا فإذا صوت عال يقول: يا أحمد بن طولون يا أخا عاد. فقال ~~للغلمان: اركبوا واطلبوا صاحب هذا الصوت حيث كان، حتى تجيئوني به الساعة. وكان كلامه يجيء ~~من ناحية الجبل من بين المقابر هناك، فمضى الغلمان وأبطئوا ثم عادوا فقالوا: ما أبقينا ~~موضعا، فما رأينا أحدا، ولا عرفنا خبرا. وإذا بالصوت ثانية: يا أحمد بن طولون يا أخا ~~عاد. فحرد فقال: ويحكم! اخرجوا فاطلبوه حيث كان. فخرجوا كخرجتهم الأولى وأبطئوا وعادوا، ~~فقالوا: والله ما أبقينا موضعا، ولا تركنا مكانا، حتى طلبناه فما وجدنا أحدا. فقال لهم: ~~ارجعوا قليلا قليلا، وأخفوا سيركم، واكمنوا بين المقابر، فلا بد من الصياح المرة ~~الثالثة، فلقربكم منه تقفون على موضعه فتأخذونه، فمضوا وعملوا كما أمرهم، فلم يشعروا ~~به إلا وقد خرج فنادى: يا أحمد بن طولون يا أخا فرعون. فلقربهم منه عرفوا مكانه فقصدوه ~~فوجدوه ، وقبضوا عليه، فإذا به مجنون كان في أيام أحمد بن طولون يكنى أبا نصر، وكان إذا ~~هاج خلط، وإذا سكن تكلم بكلام بليغ، فأتوه به وعرفوه أنه أبو نصر المجنون، فسكن غيظه، ~~وقال: يا أبا نصر، ما حملك على أن خاطبتنا بمثل هذا الخطاب، وهتفت بنا في مثل هذا ~~الوقت؟ فقال له: لأنك تعظمت وتكبرت وتجبرت ونسيت خلقك من تراب، ثم من نطفة، ثم ~~من علقة، ثم من مضغة، ثم جعلت ms105 المضغة عظاما ثم كسيت لحما، ثم سواك رجلا كاملا. ~~فبكى أحمد بن طولون بكاء كثيرا، ثم قال له: ما أحسبك يا أبا نصر إلا متنطعا # 238 # علينا؟ ومع هذا فأتوهمك جائعا فتأكل شيئا؟ فقال له: ما تطعمني شيئا ولا ~~أنتفع بك. فقال له: ما تغشانا يا أبا نصر ولا تأتينا. فضحك وقال: حتى أجيئك؟ لعن المعروف ~~إن لم يكن ابتداء. ثم قال: # ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله # عوضا ولو نال الغنى بسؤال # فقال له: صدقت يا أبا نصر، هاتوا له شيئا يأكل، فأتي له بطبق فيه ألوان كثيرة وفضلة ~~من جدي ودجاج وفراخ وفالوذج، فأقبل يأكل من كل شيء، وأمعن في الفالوذج فثقلت معدته فنام، ~~ووضع يده تحت رأسه، وتمدد بين يدي أحمد بن طولون، فذهب به النوم وهو يتأمله، حتى علم ~~أنه قد استثقل في نومه، فقام وقال: دعوه لا تنبهوه. ووكل به خادما يراعي أمره، وقال ~~له: لا تكرهه على شيء يريده، فإن طلب ماء أو غيره فأعطه. فمضى أحمد بن طولون فنام، ~~وانتبه قبل انتباه المجنون، وقت ركوبه، فسأل عنه فخبر بنومه، فركب على رسمه ووصى به، ~~وقال: إن أراد الانصراف فلا يكلم ولا يخاطب، ويترك يذهب كيف شاء. فلما انتبه قام ~~مبادرا نحو الباب فلم يكلم وخرج فمضى، فلما عاد أحمد بن طولون سأل عنه فخبر بذهابه ~~فتصدق في ذلك اليوم بصدقات كثيرة. وكان يتعاهده في كل وقت بالطعام والكسوة ~~والبر. # وحدث نسيم الخادم قال: قلد مولاي الشرطة السفلانية قائدا من قواده، وقال له: ارفق ~~بالرعية ، وانشر العدل عليهم، واقض حوائجهم، وأظهر إكرامهم وصيانتهم، وتفقد مصالحهم، ~~فإني أسير بالليل في محالهم فكل موضع أمر به لا يخلو من قارئ أو متهجد أو داع أو ~~ذاكر لله، عز وجل، فوفر علينا دعاءهم لنا، واحرسنا من أن يكون دعاؤهم علينا. # ويقول لمن يقلده الشرطة الفوقانية: تشدد عليهم وأرهبهم منك، ولا تلن لهم واغلظ ~~عليهم، فإني أسير في محالهم فما أمر بموضع فأسمع فيه إلا غناء أو سكران أو ms106 معربدا، ~~قد أخرجته عربدته إلى الوثوب والكفر. # وكان لا يقلد شرطة أسفل إلا الثقات من وجوه قواده. وأما تشدده على قواده ~~وغلمانه فمشهور. # حدث ابن قراطغان قال: وجه أحمد بن طولون بقائد من جملة قواده إلى بعض الأرياف في ~~حمل مال، وإصلاح حال، فلما أقام القائد بالناحية التي نزلها وفرغ مما يحتاج إليه أقبل ~~إليه بعض أقباط الضيعة فسعى إليه براهب في الضيعة لشيء كان يحقده عليه، فأراد التشفي ~~منه، والقبط لا يحسنون أكثر من سعاية بعضهم ببعض، قال له: إن ها هنا راهبا قد وجد كنزا ~~عظيما مملوءا مالا. فحمل القائد الشره والطمع على أن أحضر الراهب فأرهبه وهدده ~~وأخافه، فأخذ منه خمسمائة دينار، وانصرف القائد من الضيعة، فبلغ ذلك من الراهب مبلغا ~~كسفه وأتى عليه، فجعل يبكي ليله ونهاره، فرآه بعض من وافى الضيعة فسأل عن حاله فخبره ~~فرحمه، وقال له: ولم تبكي ولنا أمير عادل منصف؟! ادخل إلى الفسطاط واكتب قصة # 239 # فإذا ركب أحمد بن طولون فادفعها إليه، فإنه يأمر لما يقرؤها برد مالك ~~عليك، وجسره على ذلك وسهله عليه. # فشخص إلى الفسطاط وكتب قصته وأقبل بها إلى الميدان، فوقف على بعض أبوابه يلتمس ركوب ~~أحمد بن طولون، فبصر به حاجب ذلك الباب، فدعا به وسأله عن خبره فشرح له قصته، وأنه ينتظر ~~ركوب الأمير ليوصل إليه قصته، وكان الحاجب صديق القائد الذي يتظلم منه الراهب، فقال له: ~~بينك وبينه شيء غير هذا؟ فقال: لا. قال: فأنا أدفع إليك الخمسمائة دينار، فامض في حفظ ~~الله، والرجل صديق لي وأنا أسترجعها منه أو أتركها لها، وأصونه عن الوقيعة به. ففرح الراهب ~~وقال: ما أطلب يا سيدي غير هذا. فأحضر الحاجب خمسمائة دينار ودفعها إليه، فأخذها ومضى وهو ~~لا يصدق، وجاء فخرج من ساعته وعاد إلى ضيعته. # فوقف بعض أصحاب الأخبار على ما جرى، فكتب به إلى أحمد بن طولون، فأحضر الحاجب فسأله عن ~~الخبر فلم يمكنه ستره، فأحضر القائد واعتقله، وأنفذ الحاجب خلف الراهب إلى ضيعته حتى ms107 ~~أحضره، فلما حضر جمع بينه وبين القائد، وسأله عن الحال كيف جرت، فخبره بما كان، فقال ~~له أحمد بن طولون: كان سبيلك، ويلك، أن تدعي عليه بثلاثة آلاف دينار حتى آخذها لك منه، ~~وأجعل ذلك تأديبا له ولغيره. ثم قال للحاجب: والله لولا أنها مكرمة سارعت إليها، وجميل ~~رغبت فيه، وقال الله عز من قائل: # هل جزاء الإحسان إلا ~~الإحسان # لعمرت بك المطبق، ولكن احذر أن تعاود مثلها، ولا ~~تستبدن بأمر تأتيه دون أن تعرفنا به، ولا تطو عنا خبرا ولا سرا ولا قصة ترفع. ~~فقال له: أقلني أيها الأمير أقالك الله، فوالله لا أعود إلى مثلها أبدا. قال: فانصرف ~~إلى موضعك. # ثم أقبل على القائد فقال له: أفي رزقك تقصير عن مؤنتك؟ قال: لا. قال: فأخر عنك ~~استحقاقك تأخيرا يضطرك إلى ما أتيته؟ قال: لا. قال: فبأي حال استحللت أن تأخذ من ~~هذا البائس الضعيف ما تقطع به قلبه وتبكي عينه، وتفقره وأهله؟ ألك حاجة أوجبت ذلك ~~عليك أو ضرورة دعتك إليه؟ المطبق. فأخرج من بين يديه إلى المطبق على موضعه منه، ~~ومحله في نفسه، فخرج وهو آيس من الحياة، وأمر الراهب بالانصراف. # وحدث أبو كامل شجاع بن أسلم الحاجب، قال: لما أطلقني أحمد بن طولون ألزمني دار الصناعة، # 240 # فدعاني يوما فقال لي: كل ما تعمل [لي من العدة] يكتفى فيه بالقليل، مع ~~[تقدم] هيبتي في صدور الناس إلا المراكب؛ فإن البحر لا يهابني، ولا يخاف سورتي، وليس ~~يعمل في البحر إلا الوثاقة، والجودة في الصنعة، وتقديم الإحسان، فقدم الحزم في ~~الاحتياط، والاستزادة في الإنفاق على المراكب، لتسلم بعون الله، عز وجل، وتوفيقه من ~~معرة البحر. # وحدث قال: دخلت أم عقبة الأعرابية يوما إلى أحمد بن طولون ومعها ابنها عقبة، وكان ~~كثيرا ما يأنس بها، ويحب محادثتها لفصاحتها وحسن كلامها، وكان يكثر برها في كل وقت، ~~فسألته التقدم في تصريف # 241 # ابنها فيما يعود عليه نفعه، فقال لابن مهاجر، وهو بين يديه: انظر له في شغل ~~يعود عليه ms108 فيه خير يبين عليه. وكان البريد إليه، فقلده ابن مهاجر بريد ناحية من ~~النواحي، وأجرى عليه من الرزق عشرة دنانير في كل شهر، فحدث ابن مهاجر قال: إني لقاعد بين ~~يدي أحمد بن طولون بعد ثلاث، حتى دخلت أم عقبة على الأمير فقالت: أنا شاكرة للأمير، ~~أيده الله، ذامة لهذا الرجل، تريدني، فقال لها: ولم ذاك؟ فقالت: أمرته في إشغال ~~ولدي فيما يعود عليه نفعه فشغله فيما لا يرحض # 242 # عن رءوسنا عاره وشناره، والجوع الكريم أنفع من الشبع اللئيم، فقال لها: وما ~~ذاك؟ قالت: وكله بالنميمة يحصيها على المسترسل، ويهتك بها المستتر، فقد تحاماه الناس وتناذروه # 243 # فإذا لم يكن غير هذا تركته، ولم أتعرض لما فيه مقت الله، عز وجل، وسب ~~عباده. فضحك أحمد بن طولون، وأمرني أن أجري العشرة دنانير في كل شهر، وأعفيه من البريد ~~ففعلت، فشكرت ودعت وقالت: هذا الأشبه بك أيها الأمير. وانصرفت. # وحدث نسيم الخادم قال: ما خلت دار مولاي قط من كاتب خفي الشخص، موثق عنده، ~~يعرف بكاتب السر، يرتصد في سائر يومه مناظرته لمن ناظره، فيكتب الابتداء والجواب في ~~كل ما يجري، فإذا انقضى يومه أنفذ جميع ما يثبته مع خاصة يثق به فيقرأ ذلك ويتدبره، ~~فإن كان فيه شيء يحتاج إلى مداركته بتغيير أو زيادة تقدم في ذلك بما يمتثل. # وحدث نسيم الخادم أيضا قال: كان لمولاي في مقرنس # 244 # سقف مجلس بين يديه ألف بدرة، # 245 # قد أحكمت مواضعها واستوثقت منها بالخشب الغليظ والنخل الصلب والعمل ~~المحكم. وكانت بين يديه يراها ولا يراها غيره ممن يكون بين يديه، إذا دخل وباب المجلس ~~مفتوح، ولم يكن يعلم بذلك، فلا يراعيه غيره وغيري قط. وكان قد أكد علي في مراعاته ~~وجعلته اهتمامي. قال: وكان في الدار غراب شديد الأنس، وكان مولاي يعجب بصياحه، وما ~~كان يمضي يوم إلا ومولاي يدخل ذلك المجلس يتأمل البدر، فدخل يوما فرأى بدرة ~~مخلخلة، فتقدم بإنزالها فأنزلت، فأمرني بفتحها ووزنها، فنقصت عما كان فيها أربعين # 246 ms109 # دينارا، فقال لي: يا نسيم من تظن أنه أخذها؟ فقلت: ما يدخل هذا المجلس ~~غيرنا أنا ومولاي، ولكني أراعي هذه الحال. فقال لي: افعل. وشغل ذلك قلبي، فبينا أنا ~~أراعيه يوما إذ نظرت ذلك الغراب قد دخل البيت فنقر البدرة من خياطتها فأخرج منها ~~دينارا واحدا، فمضى به، فمشيت خلفه حتى أتى به إلى شق بين بلاطتين فألقاه فيه، فدخلت ~~إلى مولاي فخبرته بذلك فعجب منه، وقام فأتى الموضع، ودعا بالمبلطين فقلعوا تينك ~~البلاطتين، فوجدنا الدنانير التي نقصت والدينار الآخر، لم يذهب من ذلك شيء، فضحك مولاي ~~وقال لي: يا بني، لو كانت هذه الدنانير لمسكين أو متجمل ما وجدها، ولكن يا بني ~~المقبل محروس. وتصدق في ذلك اليوم صدقة كبيرة. # وحدثت نعت أم ولد أحمد بن طولون قالت: كانت لمولاي زوجة من بنات الموالي تزوجها ~~بمصر، وكانت من أحسن النساء وأجملهن وجها وخلقا، يقال لها: أسماء، قالت: فقلت له ~~يوما: يا مولاي ليست خلوتها معك على قدر محلها منك، وما يقتضيه حسنها وجمالها ~~ومحلها أيضا. فقال لي: ويحك هي صغيرة الكف قصدة الخلق، وأكره أن يكون هذا في ولدي منها؛ ~~فلهذا أتوقف عنها كثيرا. # وحدث أحمد بن القاسم أخو عبد الله بن القاسم كاتب العباس بن أحمد بن طولون قال: حدثني ~~أخي عبد الله قال: بعث إلي أحمد بن طولون بعد أن مضى من الليل نصفه، فوافيته وأنا منه ~~خائف مذعور، فدخل الحاجب بين يدي وأنا في أثره، حتى أدخلني إلى بيت مظلم فقال لي: ~~سلم على الأمير. فقلت: السلام على الأمير ورحمة الله وبركاته. فقال لي من داخل البيت وهو ~~في الظلام: وعليك السلام، لأي شيء يصلح هذا البيت؟ فقلت: للفكر. فقال: ولم؟ فقلت: لأنه ~~ليس فيه شيء يشغل الطرف بالنظر فيه. فقال لي: أحسنت بارك الله عليك، امض إلى العباس فقل ~~له: يقول لك الأمير اغد علي، وامنعه من أن يأكل شيئا من الطعام، إلى أن يجيئني فيأكل ~~معي، واحذر ذلك. فقلت: السمع والطاعة لأمر الأمير، أيده ms110 الله. وانصرفت ففعلت ما ~~أمرني به ومنعته من أن يأكل شيئا. # وكان العباس قليل الصبر على الجوع، فرام أن يأكل شيئا يسيرا قبل ذهابه إلى أبيه، ~~فمنعته فركب إليه، وكان يوم خميس، فجلس بين يديه، وأطال أحمد بن طولون عمدا حتى علم أن ~~العباس قد اشتد جوعه، فأحضرت المائدة ولم يقدم عليها إلا سمانى # 247 # زيرباجا # 248 # فانهمك العباس في أكلها لشدة جوعه، وامتدت يده إلى صغار ما كان من البوارد # 249 # على المائدة فشبع من ذلك الطعام، وأبوه متوقف عن الانبساط في الأكل، فلما علم ~~بأنه قد امتلأ من ذلك الطعام أمرهم بنقل الطعام، فأحضر كل لون طيب، لا يخلو من أن يكون ~~دجاجا ثقيلا وفراخا مسمنة، ثم لبن بالبطة السمينة والجدي الرضيع والخروف النادر وما ~~شاكل ذلك [مما] يؤكل من جميع الحيوان مشويا، فانبسط أبوه في جميع ذلك فأكل، وأقبل يضع ~~بين يدي ابنه منه، فلا يرى فيه حيلة لأكله وشبعه. # فقال له: إنني أردت تأديبك في يومك هذا بما امتحنتك به، لا تلق بهمتك على صغار ~~الأمور بأن تسهل على نفسك تناول يسيرها، فيمنعك ذلك عن كبارها، ولا تشتغل بما يقل ~~قدره فلا يكون فيك فضل لما يعظم قدره، وهذا يا بني نظير تشاغلك بالسمانى وهو من صغار ~~الطير، ولم تتوقف عما تعلم أنه يحضر مائدة أبيك مما هو أجل من السمانى وأطيب وأمتع، ~~فلما حضر لم يكن فيك لشيء منه فضل وقد تتبعته نفسك فما قدرت عليه. # وليس يتصل بي أنك أخذت من رجل على حاجة تقضيها له أقل من خمسمائة دينار، لا يجد ~~صاحبها مسا معها ، ولا إجحافا فيها، إلا غضبت عليك، ونلت كاتبك بغليظ العقوبة، ولا ~~تستدع البر على الحوائج، ولكن أقمه مقام الهدية التي تفيدها إذا جاءت عفوا، واحذر أن ~~تقتضيها إن تأخرت عنك، وكافئ على الهدية بأحسن منها، فإن أعظم الفقر فقرك إلى رعيتك، ~~وقد جعلت بما عملته معك اليوم تأديبا ومعاتبة وتنبيها لك على ما فيه رشدك، وفقك الله ~~وسددك، ولا ms111 ساءني فيك. فقبل يده، وقبل منه، وامتثل أمره. # وحدث هارون بن ملول قال: وقف بعض من ينتحل التصوف من المصريين لأحمد بن طولون، ~~وقد انصرف يوما من صلاة الجمعة، فقال له: أيها الأمير على رسلك. فوقف، فقال له: اتق ~~الله الذي إليه معادك وراقبه؛ فقد أرعبت الناس وأخفتهم خوفا قد منعهم من صدقك عن ~~كل ما يجري مما يكرهه الله، عز وجل، ولا يرضاه، وأنا لسان جماعتهم إليك. فأمر بالقبض ~~عليه، فلما نزل أحضر إليه شيوخ البلد ووجوهه، وكان الناس إذ ذاك متوافرين. # فلما اجتمعوا وافى صاحب خبر السر الذي يكتب كل ما يجري، فدفع إليه رقعة فيما خاطبه ~~به الصوفي، فأمر كاتبه أحمد بن أيمن بقراءتها على الشيوخ فقرأها عليهم، وسألهم عما أنكروه ~~من أمره حتى بعثهم إلى إيفاد الصوفي إليه، فحلفوا له بالله، عز وجل، وبالطلاق والصدقة ~~أنهم ما بعثوا إليه أحدا، ولا أنكروا له فعلا، فأحضر الصوفي وقال له: زعمت أن أهل ~~البلد نصبوك للقول فيما أنكروه، فقال: نصبني لهذا المظلوم والمقهور ممن لحقه جور ~~أصحابك. فقال له: لست أعجل عليك، أخبرني: ما الذي اتضح عندك حتى دعاك إلي؟ فقال: بعض ~~أصحابك منذ ثلاثة أيام أنا أتلطف وأبحث عما قد رابني منه، حتى وقفت على أن امرأة ~~طبالة لا سبيل له عليها تدخل إليه وتبيت عنده كل ليلة، واشترى رجل من أصحابك أيضا ~~غلاما أمرد فنصب له طرة وقرطقه # 250 # بأشياء لا يسمح بها إلا قلب فاسق. # فقال له أحمد بن طولون: أنت الآن في العاجل قد دللتنا على عورتك، وأعلمتنا أن التجسس ~~المنهي عنه، والظن السيئ المكروه استعماله ، وقد نهي عنه أيضا، من شيمتك، ولله، عز ~~وجل، ستر على عباده لا ينتهك بما التمسته، فأنا أرى أنك إلى التأديب أحوج منك إلى ~~التأنيب. ولعل دخائلك الردية أوضح من دخائل من فسقته ورميته بما لا يجوز في الدين ~~أن يقطع مثله على مسلم في الحكم. # قال هارون بن ملول: فقال رجل ممن حضر: أيد الله الأمير، هذا ms112 الرجل أعرفه وقلبي ~~يكرهه؛ لأن قصده أن يترأس لدنيا يصيبها بالكذب على الناس، وأنا أشهد وجماعة من حضر أن ~~مسكنه الذي ينزله غصب، وأن طعمته # 251 # إخافة المستورين. فقال جميع من حضر من الشيوخ: صدق، أيد الله الأمير. ~~فأمر به فضرب مائة سوط وطيف به البلد على جمل، ونودي عليه بما قيل فيه، وحبس في المطبق. # 252 # وحدث أحمد بن أيمن قال: كان لأحمد بن طولون ساع يسعى بالكتاب والمعاملين إليه، وكان ~~من أبناء قبط مصر يعرف بأبي الذؤيب، حسن الموضع منه، وكان قد أجرى عليه وأحسن إليه ~~بنصحه له، وكان ربما أكل معه، وربما جلس ينادمه بين يديه. قال: فاجتمعنا يوما عند أحمد بن ~~طولون، فقال أحمد بن طولون لكنيز المغني: أنا أشتهي صوتا ما سمعته منذ خرجت من سر ~~من رأى. فقال له: وما هو أيها الأمير؟ فقال: # ألا سقيتم بني حزم أسيركم # نفسي فداؤك من ذي غلة صاد # فقال له: ما أعرفه يا سيدي، وما استهواني من تقريب أحمد بن طولون لي وإيناسه لي [دعاني] ~~إلى أن قلت: أنا أحسنه. ففرح بذلك فاندفعت، لما تبينته من سروره، أغنيه إياه، ~~وكان أحمد بن أيمن هذا حسن الصوت، فطرب أحمد بن طولون طربا شديدا، حتى صفق بيديه، ~~قال أحمد: فحملني سخف الطرب لما رأيته من سرور الأمير إلى أن قمت فرقصت على إيقاع ~~اللحن، فزاد سرور أحمد بن طولون بذلك، وغمزني على أبي الذؤيب الساعي أن أسقط عليه، فتزالقت # 253 # على البساط وألقيت نفسي عليه، فأظهر أنه ألم لذلك، فأخذ يبكي كما يبكي ~~الصبي، لعاميته وسوء أدبه، فصاح عليه أحمد بن طولون، فقال له : لم يوجعني ما وقع علي، ~~أيد الله الأمير، من جسمه وعظم جثته، وإنما آلمني ما على ظهره من البدر التي ~~اختانها وحصلها من مال الأمير، أيده الله. فقال له أحمد بن طولون: أمسك، وارفع هذا ~~إلى الصحو، ولا تخلط الجد بالهزل. فتبينت غلطي بفرط الانبساط، فما مضت إلا ~~مديدة حتى قبض علي أحمد بن طولون، ms113 وحبسني، وأخذ جميع ما كان لي، وما خرجت من حبسه ~~إلا بعد وفاته، أطلقني ابنه أبو الجيش. # وحدث العجيفي # 254 # وكان يتولى شرطة أسفل: أن رجلا من التجار يعرف بالستر والسلامة، ابتاع ~~خادما مما أبيع من تركة وكيل أحمد بن طولون الذي قبض عليه، المعروف بابن مفضل، بمائتي ~~دينار، وأنه أخذ جوازا وخرج بالغلام إلى الشام، يؤمل في بيعه هناك ربحا، فلما بلغ ~~العريش، وكان بها وال يعرف بحبيب المعرفي قد نصبه أحمد بن طولون ليتأمل ما يرد من ~~الكتب ونفيس الأمتعة إلى الفسطاط، فقرأ الجواز وقال: قد كان يجب أن يحكى في هذا الجواز ~~حلية هذا الخادم. فقال الرجل: أنا أشتريته من الواسطي. فقال: لست أطلقه إلا بعد الاستئمار # 255 # فيه، فكتب إلى أحمد بن طولون بخبره، فكتب إليه يأمره بإشخاصه إليه، فأشخص ~~التاجر والغلام، فلما وافى وأدخل مع الغلام إليه، قال له: من أين لك هذا الخادم؟ قال: ~~ابتعته من الواسطي كاتبك مما باعه من تركة ابن مفضل. فقال له: أين كنت عازما به؟ قال: ~~أستقري به البلدان حتى أجد فيه ما أؤمله من الربح. فقال: اكتبوا له جوازا وحلوا فيه ~~الخادم، وأطلقوا سبيله. فقال: أيها الأمير، فعلى من نفقتي في مجيئي ورجوعي بغير ذنب ولا ~~جناية وجبت علي حتى أشخصت؟ فقد علم الله، جل اسمه، ما داخل قلبي من ذلك من الغم ~~والجزع وأتكلف نفقة ثانية؟ فقال له أحمد بن طولون: لا، ما نكلفك نفقة، كم كانت نفقتك ~~في خروجك ورجوعك؟ قال: عشرة دنانير. فأمر بدفعها إليه، وتحقق بذلك منه أنه من أهل ~~السلامة، فخرج ولم يدع له، فكتب صاحب الخزانة بما سمعه تكلم لما لحقه من التعب ~~والمشقة في دخوله ورجوعه بما أنكره أحمد بن طولون، فأمر به إلى المطبق، فلما دخله ~~وجد فيه جماعة من غرمائه الكتاب والقواد الذين كان قد أيس أن يرى أحدا منهم أبدا، ~~فسر بهم وسري # 256 # عنه بنظره إليهم وسروا أيضا هم به، وأنس بهم وأنسوا به، وقضوه جملة ~~كبيرة ms114 مما كان له عليهم، واستأنف معاملة ثانية لهم، وباع رجلا منهم الخادم بربح جيد، ~~فوجه به إلى من باعه له بدون ذلك لحاجته إلى الثمن، وأسلف قوما من المحبسين دنانير ~~كثيرة وابتاع في المطبق رحالات # 257 # أبيعت يستغلها، وأقام مع غرمائه مقام مستوطن طيب النفس، حامد لله، ~~عز وجل، على ما قضاه عليه، فذكره أحمد بن طولون يوما بعد سنة وشهور فأمر ~~بإطلاقه. # فحدث يعقوب غلام العجيفي قال: دخلت إلى الرجل وأنا مسرور بإطلاقه، فبشرته بذلك، ~~وقلت له: قم انصرف في حفظ الله، قد أمر الأمير بإطلاقك. فقال لي: وكيف أخرج من موضع ~~أكثر مالي فيه، بل جميع ملكي؟ ومع هذا فلي فيه مستغل وأسلاف على جماعة وديون، ~~فزبرته وأنكرت قوله، فصاح وبكى، وأقبلنا نجاذبه على الخروج وهو يجاذبنا على ~~المقام، فرفع خبره إلى أحمد بن طولون فعجب منه وأمر بإحضاره، وقال له: ويحك تختار ~~المقام في المطبق على إطلاق السرب. # 258 # فقال له: أيها الأمير، لما صار جميع ملكي في حبسك، وحصل لي فيه معاملون، اخترت ~~ذلك، فإن كان لا بد من إخراجي فاتركني حتى أستنظف مالي وأبيع مستغلي. فقال له: وكم ~~تحب أن تقيم كذلك؟ قال: ثلاثة أشهر. فقال له: ويحك أمجنون أنت؟ قال: لا والله، إلا صحيح ~~بحمد الله، ولكن ما تسمح نفسي بترك مالي فيه، مع ما اتفق لي من المعاش مع من فيه. فقال ~~له: فما تشفق على نفسك من شدة الحر فيه والازدحام والضيق؟ فقال له: أيها الأمير، ~~القيسارية إذا ازدحم الناس فيها كانت أشد حرا منه، ويهون ذلك لكثرة الفائدة ولذة ~~الربح، لا سيما ومعاملي فيه ثقات، وأحسن معاملة من التجار وأكرم وأوسع صدرا، وإنه ~~لتسوءني مفارقتهم. فأمر أحمد بن طولون برده إلى المطبق، فلم يزل فيه حتى مات، فكان ~~أمره من العجائب. # قال: ووقف رجل ليوسف بن إبراهيم يوما على باب داره حتى أقبل من الميدان، فلما هم ~~بالنزول صاح به: أنا عائذ بالله وبك، ومستجير من رجل في حاشيتك قريب من ms115 قلبك، أثير # 259 # عندك، فقال له: ومن هو؟ قال: أذكره لك في سر، وأنهي إليك من خبره ما لا ~~يسعك له الصبر عليه. فأدخله معه الدار وخلا به، ففتح كمه فأراه كتابا من موسى بن بغا ~~إليه، وقال له: بعث بي إليك قاصدا وحدك بهذا الكتاب. فصاح به يوسف بن إبراهيم ليسمع من ~~حضره: يا هذا، إن جميع ما ادعيت به، وذكرت أنه ظلمك فيه مائة دينار، ونحن نعطيك ~~إياها، ونزيل ظلامتك. وأمر فأحضرت الدنانير فدفعها إليه، وقال له: امض في حفظ الله، ~~فلم يبق بينك وبينه شيء بعد هذه المائة الدنانير من المطالبات، وأعفنا من تظلمك ~~وتكثرك. فأخذ الرجل المائة الدنانير وخرج، ولم يأخذ منه يوسف بن إبراهيم الكتاب، توقيا ~~وخوفا، ورغبة في السلامة. # فأحضر أحمد بن طولون يوسف بن إبراهيم فقال له: ما الذي كان في كتاب موسى بن بغا إليك؟ ~~فقال له: والله ما قرأت كتابا قط، والذي يجب علي من حق طاعتك فقد عملته. فقال له: ~~فلم لم تقبض على الرجل وتجئني به؟ فقال له: لم يستكفني الأمير، أيده الله، هذا ~~فأكفيه وأمتثل أمره فيه، ومن أتى شيئا من غير أن يندب إليه فساع يتوقع من شره ~~أكثر مما يطلب من خيره. فاعتقله أياما ثم صرفه إلى داره مكرما. # وحدث نسيم الخادم قال: أهدى علي بن ماجور إلى أحمد بن طولون ثلاثة خدم كانوا لأبيه، ~~فأما أحدهم فما خلا من طرفه في وقت من الأوقات، من شدة ملازمته لخدمته، فقال له يوما: أي ~~البلدان أحب إليك أن تكون فيه؟ فقال له: بلد فيه مولاي الأمير. فقال له: ويحك في داري ~~ثلاثمائة خادم، وقد تقدمت عليهم تقدما قصر بجماعتهم في عيني، فأنا أخاف عليك أن ~~تحدث بك حادثة منهم فأغتم بك ولا يمكنني أن أستدرك أمرك، فاختر لنفسك بلدا تكون فيه ~~آمن عليك من حال تلحقك. فقال له: إذا كان الأمر على ما ذكره مولاي الأمير فطرسوس. ~~فوصله بجملة دنانير كثيرة، وأمر له بخيل وبغال وآلة كثيرة، ms116 وأجرى له رزقا واسعا، ~~وأنفذه إليها. # وأما الثاني فكان من أحسن الناس وجها وخلقا، فرآه يوما في خلعة رائعة حسنة وقد زاد ~~حسنه وجماله فيها، فقال له وهو خال: لو لحقتني في شرخ شبابي لما أفلت مني. فقال له: ~~لو كان مولاي الأمير يستأهلني لما أفلت منه. فضحك وقال: يا نسيم، ابعث بهذا الخادم إلى ~~محمد بن أخي، فإني لا أرغب في هزله، فهو يفسده أمر قريب يومه. وكان محمد هذا ابن أخيه ~~موسى عفيف الفرج، ولما بعث به إليه ورآه حسنا بضا # 260 # وهبه للسيدة بنت أحمد بن طولون زوجته، وكان يخدمهما جميعا. # وأما الثالث فإنه سلم إليه رجلا آثر الراحة منه وقال له: إن هذا عدوي وعدوكم، ~~وقدر عليه أنه سيقتله، ثم سأله عنه بعد أيام، فقال له: هو محبوس. فقال له: لو كنت ~~تحبني لقتلته. فقال له: يا مولاي، لو كنت لك وحدك لقتلته، ولكني لك ولخالقي وخالقك، وما ~~أقدر أن أرضيك بسخطه؛ لأنه أقدر علي منك. فنفاه إلى أذنة ولم يقطع رزقه عنه. # وحدث نسيم أيضا قال: كان أصحاب الأخبار يرفعون إلى مولاي رقاعا في أقوام تكون سببا ~~لاصطفائهم وقتلهم، وكنت حربا لأصحاب الأخبار باغضا لهم، وكنت إذا لقيت الرجل منهم ~~لعنته في وجهه جهرا، وكان مولاي إذا رفعت إليه رقعة حفظ معناها، وأمر بقتل صاحبها، ~~ودفعها إلي وأمرني بتحريقها، ولم يثق بغيري في ذلك. # فسعى أصحاب الأخبار في إفساد حالي عنده، فكانوا إذا رفعوا إليه واحدة وعلموا أني قد ~~حرقتها رفعت أخرى إلى مولاي وقالوا له: كيف بقيت هذه الرقعة لم تحرق؟ فيوهموه أني ~~قد أغفلت أمرها، أو أخذتها لأعلم ما فيها ومن رفعت فيه، فأعلمني مولاي بذلك، فحلفت ~~عليه أني ما أغفلت قط تحريق رقعة دفعها إلي، ولكن هؤلاء القوم لما علموا ببغضي لهم، ~~احتالوا في إسقاط منزلتي من مولاي. فقال لي: صدقت، قد علمت ذلك، وأنها حيلة منهم عليك في ~~الرقاع التي آمرك بتحريقها؛ لأن لي فيها علامة، وهي إدخال سبابة يميني حتى ms117 يتحيف فيها ~~اسم أعرفه من الرقاع التي يعيدونها إلي سليمة من علامتي، وهذه يا بني صناع رديئة ~~ليس يصلح لها غير الشرار ومن ليس فيه خير. # وحدث # 261 # سعد الفرغاني قال: ركب أحمد بن طولون يوما، فبينا هو سائر فإذا هو برقاص يعمل ~~في دار، فقال: اقبضوا عليه وامضوا به إلى الدار. فقبض عليه ومضي به إلى الميدان. # 262 # فبقي جماعة أصحاب أحمد بن طولون في حيرة من ذلك، لا يدرون على ما ينزلون أمر الرقاص. ~~ولما عاد إلى داره أحضره وأحضر السياط والعقابين فاعترف أنه جاسوس للموفق، وأنه أنفذ ~~معه كتبا إلى جماعة من القواد، قد أوصل بعضها وبقي بعضها، وأنه عمل رقاصا ليخفي ~~أمره ويختلط بالناس، ويسمع منهم الأخبار، ويسأل عما يحتاج إليه، فوكل به حتى مضى، وأحضره ~~ما بقي من الكتب، فقبض على الجميع وأتى عليهم، وأطلق الجاسوس وقال له: عد إليه وعرفه ~~أنا قد وقفنا، والحمد لله، على ما عمله، ولم يضرنا الله جل اسمه به، بل كشف لنا ~~عن نيات أعدائنا، فاستأصلنا شأفتهم بما مكننا الله عز وجل به فيهم. ووكل به حتى خرج من ~~العريش. # فقال له طبارجي: أيها الأمير، كيف علمت بهذا الرقاص؟ فقال له: يا هذا، إني لمحت ~~تكته وهو يحمل قصرية الطين على كتفه [فرأيتها تكة] أرمني، فقلت: رقاص بتكة أرمني ~~لا يكون. فعلمت أنه جاسوس، فكان من أمره ما قد رأيتم. # وحدث أحمد بن محمد الكاتب، وكان من عقلاء الناس وفهمائهم، وكان فيه دين وخير كثير، ~~[قال]: أتاني رسول أحمد بن طولون و[قد] مضى من الليل أكثره، وأنا نائم في فراشي، فقرع بابي ~~قرعا عنيفا فأشرفت عليهم عيالي، فإذا جماعة من الغلمان بالشمع والمشاعل، فراعهم ذلك ~~وعرفوني فأشرفت عليهم، فعلمت أنه لم يستدع حضوري في ذلك الوقت لخير، فأيست من ~~الحياة، فدخلت المستراح وتطهرت وتطيبت طيب من يفارق الدنيا، ولبست ثيابا نظافا، ~~وقلت: تكون [مشيئة الله] وودعت أهلي، وقد كثر بكاؤهم وضجيجهم، ونزلت إليهم فركبت ~~معهم، فمضوا بي حتى دخلت ms118 إلى أحمد بن طولون. # فرأيت قاعة الدار كلها شمعا يتقد، حتى خلت أنه نهار، وسرت فيها حتى بلغت ~~المجلس الذي هو فيه، وبين يديه شمعتان عظيمتان في كل واحدة منهما قنطار، وهما بعيدتان ~~منه، فسلمت وأنا أرعد خوفا، فرد علي السلام، فسكن بذلك بعض روعي، واستدناني ~~فدنوت، فقال لي: أنت غدا في دعوة فلان، ومعك في الدعوة فلان وفلان، إلى أن أسمى لي ~~جميع من كان وقع الاتفاق على حضوره. فقلت: نعم، أيد الله الأمير. فقال لي: امض ~~واحذر أن يفوتك شيء مما يجري حتى تبينه وتنصرف به إلي تعرفنيه. فقلت: السمع ~~والطاعة لأمير الأمير، أيده الله. فقال لي: انصرف راشدا. فانصرفت وقد حرت في أمري، ~~فقلت: أبعد هذه السن أركب الآثام وما تقبح به الأحدوثة، أسعى بقوم بيني وبينهم مودة ~~وعشرة وأخوة، وأكون السبب في قتلهم وإتلاف نعمهم؟! إنا لله وإنا إليه ~~راجعون. # وتأملت الحال فإذا بي إن خالفت أمره قتلني، وأيتمت ولدي وأرملت زوجتي، فعملت ~~على تحمل ذلك ويعلم الله، جل اسمه، كرهي له، وأني غير مختار لما لا أوثره، وأني ~~صابر على ضيق الحال طلبا للصيانة، وتجنبا للدخول فيما فيه المأثم، ثم فكرت في وقوفه ~~على الدعوة وعلى حالها، ومعرفة من يحضرها، فازداد خوفي منه وحذري، وحيرتي في أمري، ~~وعدت إلى منزلي، وقد يئسوا مني، فلما رأوني تباشروا بي وحمدوا الله، عز وجل، على ~~ذلك، ورأوني قد رجعت إليهم من الآخرة، وأنه، جل اسمه، قد تصدق بي عليهم، ووهبني ~~لهم هبة جديدة. # فلما أصبحت وتعالى النهار، جاءتني رقعة صديقي صاحب الدعوة، يسألني أن أقدم ~~الوقت في المصير إليه، ففعلت، وأظهرت أن بي عسر البول وأخذت معي مكتبا أكتب فيه كل ~~ما يجري، وحضرت الجماعة التي أسماهم لي أحمد بن طولون، فكنت كلما سمعت شيئا يجب أن ~~أثبته أريهم أني أقوم إلى المستراح، فإذا حصلت فيه كتبت كل ما جرى وتهيأ، لما أحب ~~الله، عز وجل، إمضاءه، أنه لم يكن للقوم مذ وقت حضورهم إلى وقت انصرافهم حديث ms119 إلا ذكر ~~أحمد بن طولون بكل قبيحة وعظيمة، والابتهال إلى الله، جل اسمه، بالدعاء عليه، وتمكين ~~الموفق منه، كل ذلك لأمن بعضهم من بعض والثقة بهم، ولما في قلب كل واحد منهم منه، ~~فلم أزل أكتب كل ما يقوله واحد واحد، وفي قلبي من ذلك ما قد علمه الله، عز وجل، إلى بعد ~~العتمة. # وانصرفت الجماعة وكنت أنا آخر من انصرف، فجئت من توي إلى أحمد بن طولون كما أمرني، ~~فأدخلت إليه فأصبته على تلك الحال، وهو كالمنتظر لي، فلما سلمت رد علي السلام، ~~وقال لي: الساعة انصرفت؟ قلت: نعم أيها الأمير، أنا آخر من انصرف. فقال لي: جودت، ~~هات ما معك. فقلت: هو في مكتب، فإن أمر الأمير بنقله نقلته، فأمر لي بدواة وبياض، ~~فتنحيت ناحية، ونقلت جميعه في رقعة، وقمت فدفعتها إليه فقرأها، فلما استوفى ~~قراءتها، قال لي: بارك الله عليك خذ ما تحت المصلى، # 263 # فمددت يدي، وأنا أرعد وأقدر أنها أفعى، قد أعدها لي تضرب يدي فتأتي ~~على نفسي، فأصبت رقعة، فقال لي: اقرأها. فقرأتها، فإذا فيها جميع ما كتبته، ما غادرت ~~منه حرفا واحدا، وإذا به قد استظهر علي، بأن جعل معي واحدا من القوم الذين كانوا معنا ~~في الدعوة لا أعرفه، فعرفت بعد ذلك أنه كان بعض أصحاب صديقي، وأراد أحمد بن طولون [أن ~~يعرف] أينا أصدق وأنصح فيما يرويه له فكانت نسختنا واحدة، فحمدت الله، جل اسمه، ~~إذ لم أدع شيئا قل ولا جل حتى كتبته، وتيقنت أني لو تركت شيئا لاستحل قتلي، ~~فلما قرأتها قال لي: دعها وامض مصاحبا. وأمر لي بألف دينار فأخذتها وانصرفت، ~~وليس لي فكر ولا عقل إلا في أصدقائي، وما يكون منهم ، وما أتخوفه عليهم. # فلما كان من غد ركبت إلى صديقي صاحب الدعوة لأعرف خبره، فلما صرت إلى السكة ~~التي يسكن فيها، لم أر للدار التي كان فيها أثرا، ورأيت موضعها رحبة مكنوسة مرشوشة ~~واسعة نظيفة، لا أعرفها ولا رأيتها قط، وأقبلت أطلب الدار فلا أراها بوجه ms120 ولا سبب، ~~فتحيرت ووقفت أتأمل الرحبة والموضع، فرآني بعض شيوخ الناحية فتقدم إلي وقال لي: ~~أراك، أعزك الله، متحيرا، فقلت له: نعم، أعزك الله، أنا أطلب دار صديق وما ~~أراها، ولولا معرفتي بهذا الموضع لقلت غلطت موضعها، فقد حرت من ذلك. فأخذ بعنان لجامي ~~وقدمني ناحية وخلا بي، وقال لي: امض يا حبيبي في حفظ الله، فرحم الله صديقك، فقد كان ~~حسن المجاورة لنا، وقاضيا لحوائجنا وحقوقنا. فقلت له: عرفني ما وقفت عليه لأعلمه ~~وفرج عني. فقال: أما خبره فما أدري كيف جرى، إلا أنه سعي به إلى أحمد بن طولون، وبجماعة ~~كانوا عنده البارحة في دعوة، فلما كان في أول الليل وافى إلى ها هنا أكثر من خمسمائة رقاص، # 264 # وأكثر من ثلاثمائة بغل عليها المزابل، # 265 # فأنزلت الدار إلى الأرض بأسرها، ونقل جميعها إلى البحر، # 266 # فما أصبح الصباح حتى صارت رحبة كما ترى مكنوسة مرشوشة، كأنه ما كانت ها هنا ~~قط دار، وغرق صاحبها والجماعة الذين كانوا معه عنده؛ لأنه بلغني من جار لبعضهم أن ~~رسل أحمد بن طولون كانوا يخرجون واحدا من منزله فيغرق وتؤخذ نعمته بأسرها، ~~فاذهب في حفظ الله. فزاد غمي وقلقي، وعظمت مصيبتي وحزني، وما انتفعت بنفسي ~~بعدهم. # وحدث # 267 # أحمد بن دعيم، وكان من خاصة قواد أحمد بن طولون، وكان حديثه لي بعد أن ترك ~~الديوان، وحسن انقطاعه إلى الله، جل اسمه، قال: قلدني أحمد بن طولون الصعيد الأوسط ~~في وقت خروج عبد الرحمن العمري # 268 # عليه بالصعيد، فكتب إلي يستخبرني عما أقف عليه من حاله، فكتبت إليه ~~أعرفه ضعف يده، وانتشار أمره، وقلة المال، وقبضت على رئيس من رؤساء الأعراب اتهمته ~~بمكاتبته، وأنهيت خبره إليه، فكتب إلي يأمرني بحمله إليه ، وابتياع ما قدرت عليه من ~~النجب، والشخوص [إليه] لأشرح له أمره مشافهة، فامتثلت أمره، فما سرت إلا مرحلة حتى ~~لحقني وجوه تجار العمل، ومعهم أعرابي شاب، وقالوا لي: جئناك في أمر هذا الأعرابي المحمول ~~معك إلى الأمير، أيده الله، ومعنا من ms121 يبذل في إطلاقه خمسمائة دينار. فقلت لهم: قد ~~أنهيت خبره إلى الأمير. فقال الأعرابي الذي معهم: خذ الخمسمائة دينار واجعلني أنا مكانه، ~~وأطلقه فيحصل لك المال والرجل؛ إذ # 269 # لا يعرف الأمير أيهما كتبت بذكره. فقلت: أفعل. # وكان الأعرابي المحمول من عشيرتي، وكنت مغموما بأمره، إلا أني لم أجد بدا من تعريف ~~أحمد بن طولون ما كان منه، لما كان في قلوب جماعتنا من الخوف منه، فأحضرت الأعرابي ~~وعرفته ما جرى، وقلت له: قد سرني الله بخلاصك. فقال: بماذا؟ فعرفته ما جرى، فقال: ~~بأن تجعل هذا مكاني وتحمله عوضا مني، ليجري عليه المكروه دوني؟ والله لا كان هذا أبدا. ~~ثم قال الأعرابي للشاب الأعرابي: امض لشأنك، أحسن الله جزاءك. والتفت إلي فقال لي: ~~يحسن بشيخ مثلي [أن] يتربح # 270 # في المعروف؟ هذا رجل لقيته وقد أكبت عليه خيل # 271 # لتسلبه نفسه وما كان معه، فطردتها عنه حتى تخلص، فلما رآني في هذا الوقت ~~وما نزل بي، أراد أن يخلصني بحصوله في موضع إن سلمت روحه لا يخرج منه آخر الليالي، ~~ثم يغرم مالا لعله يثقل عليه ويجحف به، ليكون له الفضل علي، والله لا فعلت، ثم ~~أقبل إليه فقال: انصرف في حفظ الله، فلن يضيع عندي فعلك، وقد حصلت لك قبلي مكرمة. فقلت ~~له: قد قضيت يا أخي ما يجب عليك، كثر الله في الناس مثلك، فانصرف مصاحبا، فقد وثق ~~الرجل بالله، عز وجل، في أمره، وهو، جل اسمه، يخلصه بجميل هذا الفعل. # فقال لي: لست أفعل، وعزمت # 272 # على الأول في القبول منه وقلت له: فلست آخذ منه شيئا وأعينه في خلاصك، ولن ~~أدع حالا أبلغ بها خلاصه أيضا إلا بلغت. فامتنع وقال: والله لئن خالفتني وأخذته ~~وحصلت بحضرة الأمير لأعرفنه، فاصرف الرجل ولا تعرضه للهلكة. فبقيت قد تحيرت ~~ودهشت من كرمهما جميعا. فقال له الشاب: إذا كان الأمر على هذا فما أصنع في عارفتك التي ~~في عنقي؟ أنشدك الله إلا قبلت المال وأزلت عني العار؛ فأنت تعلم أنه ms122 عار على الكريم ~~أن يموت وعليه دين من ديون المعروف. فامتنع من قبول المال أيضا وقال له: إذا رأيت ~~رجلا قد أحاطت به خيل تريد تسلبه فذبها عنه، فإذا فعلت ذلك فقد كافأت عارفتي، ~~انصرف في كلاءة الله، عز وجل. # 273 # فانصرف الأعرابي باكيا متأسفا على قد فاته، مما بذله من نفسه وماله، ~~ولم يزل يقبل رأس الأعرابي ويديه ورجليه ويبكي ويعول، ويسأله قبول المال وهو ممتنع ~~من ذلك، حتى أبكى جماعتنا، فلما لم يجد فيه حيلة انصرف. # فلما دخلت إلى أحمد بن طولون وشافهته بخبر العمري، وذكرت له منه ما سره، وعرضت ~~عليه النجب واستحسنها، قلت له: بقي أيها الأمير ما هو أحسن منها. قال: ما هو؟ قلت: ~~الأعرابي الذي كتبت بخبره إلى الأمير، أيده الله، فأمرت بإشخاصه، قال: نعم، وما الذي ~~فعل، وأردت بقولك إنه أحسن مما جئتنا به؟ قلت: كان من خبره كذا وكذا، وشرحت له جميع ما ~~جرى من أوله إلى آخره، وخبر المال الذي بذل لي، ومشورتي عليه بأن يفعل، وصدقته عن ~~جميعه، فأعجبه صدقي، واستحسن فعلهما، وأمرني بإحضار الأعرابي فأحضرته، فلما رآه قال ~~له: يا أعرابي، قد كنا عزمنا في أمرك على ما يسوءك ولا يسرك، حتى وقفنا على ما جرى بينك ~~وبين من أراد مكافأتك على جميلك عنده، وقد قمنا عن ذلك الأعرابي بحق عارفتك عنده بإطلاق ~~سبيلك والإحسان إليك. وأمر أن يخلع عليه وأثبته في ديوانه وأسنى له الرزق، وأمرني بإيفاد ~~رسول قاصد في حمل الأعرابي إليه ففعلت، فلما وافى أدخلته إليه، فقال له: كثر الله في ~~الناس مثلك يا أعرابي وقد قمنا عنك بحق عارفتك، بما أتيناه في أمر صاحبك، وبك نجاه الله، ~~عز وجل، وبجميل فعلك من مكروهنا. وأمر فخلع عليه وأثبته في ديوانه وأجرى له رزقا ~~واسعا. ولم يزالا في خاصته ولا يخليهما في كل عيد من صلة واسعة إلى أن مات. # وحدث نسيم الخادم # 274 # قال: كان مولاي يراعي أمر المحبوس حتى تمضي له سنة فإذا جازها نسيه ms123 ولم ~~يذكره، وكان يقول لي سرا: إذا تبينت من رجل براءة ساحته فسهل علي أمره ~~واستأمرني فيه، فإني أستعمل التشديد للضرورة والقلوب بيد الله، عز وجل. # قال نسيم: فقال لي موسى بن صالح، وكان من الثقات عنده وكان على الشرطتين جميعا: إن في ~~الحبس رجلا قد زاد على سنتين وهو منقطع إلى الله، عز وجل، لا يسألنا شيئا من أمره، وقد ~~أكب على العبادة، وقد جرى في أمره شيء، وهو ذا أشرحه لك فيما بيني وبينك، لثقتي بك وبدينك ~~ومحبتك للخير؛ ولأستعين بك في أمره، حتى يخلصه الله، عز وجل، على يديك، فيحصل لك بذلك ~~ثواب من الله الكريم جزيل. فقلت له: قل. فقال لي: لما رأيت هذا الرجل على هذه الحال، ~~قلت له: يا هذا، إن الناس يضطربون في أمرهم ويسألون الخلاص مما يقاسونه، بكتب رقعة ~~بشفاعة من يعتني بأمرهم، وأراك خارجا عن جملتهم. فجزاني خيرا. # فرق له قلبي وكبر في نفسي فخلوت به وقلت له: إني لو استجزت إطلاقك بغير إذن لفعلت، ~~ولكن أستعن في أمرك بمن يضطرب # 275 # في خلاصك، فقال لي: ما أعرف في هذا البلد غير أبي طالب الخليج # 276 # ولو تهيأ الاجتماع معه لخاطبته بما لا تبلغه الرسالة. فقلت له: والله ~~لأخاطرن فيك بنفسي، أنا أطلقك سرا على أن توثقني بأيمان محرجة أنك تعود إلي ~~ولا تخفرني، # 277 # فقال لي: إذا كنت عندك بمنزلة من تشك فيه حتى تتوثق منه بيمين، فلا حاجة ~~لي في إطلاقك إياي. فقلت: والله لا استحلفتك ثقة بك، فامض في حفظ الله، وأحكم معه ~~ما تريد. # وكان ذلك ليلة الجمعة، وفارقته على أن يصير إلى محبسه ليلة الإثنين، فلما كان في سحر ~~يوم السبت وافاني لما فتحت السجن، فلما دخل حمد الله، جل وعز، وأثنى عليه، وسجد ~~شكرا له جل اسمه، ثم قال لي، وقد حرت من أمره: بعثت إلى أبي طالب الخليج امرأة من ~~أهلنا فهمة، وطويت عنه إطلاقي، وسألته أن يلطف في أمري فوعد بذلك، وقال: أدخل ms124 إلى ~~الأمير وأسأله في أمره، فاجلسي إلى أن أعود إليك أعرفك ما يجري، وأرجو أن يمن الله ~~الكريم بإطلاقه. # وركب عشية الجمعة أمس، فأقام عند الأمير إلى قريب من العتمة، وانصرفت إلي ~~الامرأة فقالت: وافى أبو طالب وهو مغموم فقال لي: كلمت الأمير في أمره، فقال لي: لقد ~~أذكرتني رجلا يحتاج إلى عقوبة. ثم تقدم إلى رجل من أصحابه في المصير به إليه في غد ~~عند جلوسه اليوم، وقال للمرأة: قولي له ارجع يا أخي إلى الله، عز وجل، فليتني ما تكلمت ~~في أمرك. وطال علي بقية ليلي قلقا بأمرك أن يجيئك رسول في إحضاري، فبكرت إليك في ~~هذا الوقت، خوفا من حال تلحقك فتغمني فيك، ورأيت والله جميع ما يوعدني به من ~~المكروه أسهل علي من أن أخفر بك وأبطل ظنك. # فما استوفى كلامه حتى وافاني رسول الأمير، فتسلمه مني ومضى به إليه فلحقته، فرأيت ~~الأمير وقد شغل الساعة عنه، فقال: أنا أسألك أن تدخل الساعة إليه من قبل أن يفرغ شغله ~~فتدعو به حتى تشرح له قصته وتسأله في أمره. فبادرت معه ودخلنا إلى مولاي، وإذ به قد دعا ~~بالرجل وهو بين يديه، وقد ذكر له جنايته فاعترف بها واعتذر إليه منها عذرا قبله ~~منه، فتأملناه فإذا به قد لحقته عليه رقة ورحمة ورأفة ضد ما قدرناه فيه، فعلمنا ~~أن العناية من الله، جل اسمه، قد سبقت عنايتنا، فغنينا عن سؤاله في أمره، وأمر ~~بإطلاقه، وأمر له بجائزة. # قال نسيم: ثم قال لي مولاي: تسلمه يا نسيم مكرما. فأخذته إلي وقد لحقني من السرور ~~بإطلاقه ما علمه الله، جل اسمه، وكذلك موسى بن صالح، فوصلته بدنانير كثيرة سوى ما ~~وصل إليه من مولاي، وصرفته مع موسى بن صالح؛ لأنه اختار انصرافه معه ليبلغ أيضا في أمره ~~ما يحبه، مما توصل به المثوبة من الله جل ثناؤه. # فلما خلوت بمولاي حدثته بقصته من أولها إلى آخرها، فأحضر موسى بن صالح وقال له: ~~لله درك فيما أتيته في أمر الرجل، ms125 فأحضرنيه. فأحضرته، فلما رآه أكرمه وأدنى مجلسه، ~~وجعله أخص أصحابه عنده، ولم يزل يواصله ببره إلى أن مات مولاي، رحمه الله. # وحدث نسيم الخادم # 278 # قال: حبس مولاي يوسف بن إبراهيم في موضع في داره لشيء أنكره منه، وكان إذا ~~حبس رجلا في داره أيس منه. وكان ليوسف بن إبراهيم على جماعة من أهل الستر معروف كبير ~~وتحمل لمؤنهم، فاجتمعوا وكانوا نحوا من مائة رجل، # 279 # لكل رجل منهم محل في نفسه وقديمه وستره ودينه، ووافوا إلى باب الجبل، ~~فاستأذنوا على أحمد بن طولون، فأذن لهم فدخلوا إليه، وعنده محمد بن عبد الله بن الحكم، ~~وجماعة من شيوخ البلد. # فابتدءوا الكلام بعد السلام بأن قالوا: قد اتفق لنا، أيد الله الأمير، من حضور هذه ~~الجماعة مجلسه ما رجونا أن يكون ذريعة لنا إلى ما نأمله، ونحن نرغب إلى مولاي الأمير، ~~أيده الله، في أن يسألها عنا ليقف على منازلنا، فسألهم عنهم فقالوا: نعرفهم بالستر ~~والصيانة والدين والقديم النبيل، وقد عرضت على جماعة منهم العدالة فامتنع صيانة ~~وتواضعا. # فأمرهم بالجلوس فلما جلسوا سألهم تعريفه ما قصدوا له فقالوا: ليس لنا أن نسأل الأمير، ~~أيده الله، مخالفة ما آثره في يوسف بن إبراهيم؛ لأنه أهدى إلى الصواب فيه، لكنا ~~نسأله، أيده الله، أن يقدمنا قبله فيما لعله قد اعتزم عليه في أمره من قتل أو ~~مكروه، وهو في حل وسعة، وأن يفعل في أمره بعد ذاك ما أحب، وقد قضينا حق عارفته ~~عندنا، وكافينا معروفه لدينا، بتحمل المكروه فيه، كما كان يبادر بمعروفه إلينا. فقال ~~لهم: وكيف ذاك؟ فقالوا: ما أحوجنا أن نفكر معه في شيء نبتاعه لسنتنا من مئونة وكسوة ~~وقليل وكثير، ولا وقفنا بباب غيره لما غنينا به عمن سواه، وما نؤثر، أيد الله ~~الأمير، البقاء بعده، ولا السلامة من شيء قد وقع فيه. وعجوا بالبكاء بين يديه، فبكت ~~الجماعة الحضور لبكائهم، ورق قلب أحمد بن طولون حتى تدمع # 280 # معهم وقال لهم: بارك الله عليكم وأحسن جزاءكم فقد كافأتم ms126 إحسانه إليكم، وجازيتم ~~إفضاله عليكم. ثم قال: يوسف بن إبراهيم. فأحضر فقال لهم: خذوا بيد صاحبكم وانصرفوا به ~~معكم؛ فقد وهبت جنايته لكم. فأخذوا بيده وخرجوا من عنده، شاكرين داعين إلى الله، جل ~~اسمه، في إطالة بقائه ودوام عزه. # ولم يزالوا حول يوسف بن إبراهيم حتى أوصلوه إلى داره، فشكر لهم فعلهم، وانصرفوا ~~فرحين بما سهله الله بكرمه لهم من المحنة في أمره. وكان ذلك سبب رضا أحمد بن طولون عن ~~يوسف بن إبراهيم. # 281 # قال مؤلف هذا الكتاب: اتصل بأحمد بن طولون عن القاسم بن شعبة شيء أنكره منه، فقبض ~~عليه وحبسه في داره، ووكل به من يمنع أحدا يدخل إليه، فلا يخرج من عنده إلا غلام يقضي ~~من حوائجه وحوائج حرمه ما لا بد منه في منزله، ولم يمتهنه بحبس في مطبق ولا غيره، ~~وتركه في داره موكلا به، وكان ذلك من جميل أفعال أحمد بن طولون محافظة لأبيه. وكان يصحبه ~~ويتقلب في نعمته رجل يعرف بابن أخت بن الزنق، وكان له عم من الشيوخ الأولين الذين ~~فيهم السلامة والدين، فلما قبض عليه أحمد بن طولون فزع ابن أخت بن الزنق من مكروه يلحقه ~~من أحمد بن طولون، وخافه وانقطع عنه، فبلغ عمه ذلك فأنكره عليه وحثه على المضي ~~إليه، والتوصل إلى قضاء حاجة إن كانت له، فاحتج بأنه لا يصل إليه لمنع الموكلين لمن ~~يجيئه، فقال له: [لأن] يقف على مصيرك إليه ومنعهم لك أحسن من وقوفه على انقطاعك عنه، ~~فقال له: أنا أخاف من مكروه يلحقني، فقال له: كما كنت يا بني تتقلب في نعمته، تصبر ~~على ما يلحقك في محنته، فلا تفضحنا بالقعود عن رجل أحسن إليك، فلم تكافئه على جميله ~~عندك. فقال له: ما أجسر على ذلك. فلما أيس منه قال له: قبحك الله، سرقت معروف ~~الرجل، وتركته يقارع محنته. فلم ينجح فيه قوله. # وركب الشيخ حماره، وصار إلى دار القاسم بن شعبة، وجيرانه يناشدونه الله ألا يتعرض لأحمد ~~بن طولون فلم يقبل، وقال: ms127 والله لا تحملت عارا حملنيه هذا الرجل الجاهل القبيح ~~الفعل. فلما وقف بباب القاسم بن شعبة وعليها الموكلون، وقوم من أصحاب الأخبار، سلم ~~عليهم، فقال: كيف حال القائد أبي محمد، أيده الله؟ فقالوا له: امض يا شيخ في حفظ الله. ~~فقال: ما أمضي حتى أقضي من حقه ما يلزمني؛ إذ كان قد بعد عنه من يلزمه أمره، ممن كان ~~في جملته من أهلي. # فرفع خبره إلى أحمد بن طولون فأحضره فقال له: ما كنت يا شيخ تعمله للقاسم بن شعبة؟ ~~فقال: والله ما عملت له قط عملا، ولا تصرفت له في حال من الأحوال، ولا دخلت له ~~دارا، ولا سلمت عليه قط، ولا أعرفه ولا يعرفني، ولكنه أولاني جميلا في بعض أقاربي، ~~فتوقفت عن معاضدته في محنته، وقضاء حقه على ما أولاه، توقيا وخوفا، فلم تطق نفسي ~~الصبر على ترك مكافأة جميله عنه، فانتصبت الساعة لذلك، والأمير، أيده الله، أحق ~~وأولى بحسن مكافأة أبيه فيه، والصفح له عن ابنه في غلطة إن كان غلطها أو زلة إن كان ~~زلها؛ فقد كان أبوه مشهورا بحسن الموالاة للأمير، أيده الله، جميل النصح له طول ~~حياته. فقال أحمد بن طولون: يا شيخ ما في هذا المجلس أحد يقول فيما اهتديت إليه من ~~إذكارك إياي حق أبيه، ولعمري إنه ليقضي عطفي على ولده، وصفحي عن زلله والتجاوز له عن ~~خطئه، فأحسن الله جزاءك يا شيخ على جميل فعلك، وكثر في الناس مثلك؛ فقد نبهتني على ~~قضاء حق أبيه، رحمه الله. # ثم أمر بإحضاره، فلما حضر خلع عليه خلع الرضا وأجازه، ورده إلى منزلته التي كانت ~~عنده، وقال للشيخ: تسلمه يا شيخ بارك الله عليك، وأحسن إليك. فسبقه الشيخ إلى داره ~~فنزلها، ولم يمض إلى منزله ولم يدخل داره معه، وحرص به واجتهد فما فعل، وقال له : إنما ~~أردت قضاء حقك والقيام فيه بما قعد عنه ابن أخي خوفا وجزعا من الأمير، أيده ~~الله، فلله الحمد على ما سهله لي من ذلك ويسره، وأستودعك الله. ms128 وانصرف إلى منزله، ~~فلما كان من غد ركب إليه القاسم بن شعبة يشكر فعله، وعاد إلى أفضل ما كان عليه لابن ~~أخيه إكراما للشيخ على ما أتاه في أمره. # وحدث نسيم الخادم قال: صار إلي ثابت بن سليمان - وكان سليمان هذا يكتب لشقير الخادم، ~~ثم خدم بعد مولاي - ومعه رقعة وسألني أن أوصلها إلى مولاي، فأخذتها منه وقرأتها، ~~فإذا فيها يذكر أن شقيرا الخادم أودع أباه أربعمائة ألف دينار، فأوصلتها إلى مولاي، ~~وعجبت من سعايته بأبيه، فلما قرأها استحضره وقال له: قد قرأت رقعتك، فالأمر على ما ~~ذكرته من حصول المال عند أبيك؟ قال: نعم، أيد الله الأمير، وإنما خشيت أن تمتد يد ~~أخي إليه، ويتصل خبره للأمير بعد وقت، فيلحقني مكروهه، فقال له: أمسك الآن عن هذا ~~واطوه عن الناس كلهم، ولا يعلم أبوك بمجيئك إلي، حتى أدبر الأمر في ذلك فيما أراه ~~فيه، وانصرف مكلوءا. قال نسيم: فكثر تعجبي من إمساك مولاي عن هذه الجملة العظيمة التي ~~لا يغفل عن مثلها. # فلما مضت سنة مات سليمان فأظهر مولاي غما به، وتفجعا عليه، ثم دعا بابنه الرافع ~~لتلك الرقعة، فرد إليه ما كان في يد أبيه من أملاكه، وضم إليه من الرجال من تقوى بهم ~~يده، وتركه شهرا، ثم دعا به يوما وأنا قائم بين يده، فقال له: كيف حال مخلفي أبيك ~~معك بعد أبيك؟ فقال: الحال صالحة، وما أدع حالا تؤدي إلى مصلحتهم إلا بلغتها ببقاء ~~الأمير، أيده الله، وقد أعز الله، جل اسمه، جانبي به أدام الله عزه. فقال له: ~~احمل إلي تلك الأربعمائة ألف دينار التي لشقير الخادم عندكم. فتلجلج ولم يمكن أن يرد ~~جوابا، فأمرني بتسليمه إلى أحمد بن إسماعيل بن عمار، وأن آمره بمطالبته بها بالسوط، ~~فامتثلت ذلك، وطالبه فبلح # 282 # فضربه خمسمائة # 283 # سوط، وأخذ جميع ملكه وما خلفه أبوه، فلم يوجد عنده بعض ما تقوله على ~~أبيه، فأعاد مطالبته ثانية، وضربه فمات تحت الضرب، فعرف مولاي خبره فقال: ذلك أردت ~~لسعايته كانت ms129 بأبيه - رحمه الله - إلي، فلا رحمه الله. # 284 # | أخبار العباس بن أحمد بن طولون # قال مؤلف هذا الكتاب: لما ضبط أحمد بن طولون أطراف عمله، بلؤلؤ غلامه وابن جيغويه، ~~ومن ضم إليهما من الرجال، أغذ السير من الثغر إلى الفسطاط ليبادر أمر العباس ~~ابنه. وكان سبب خروج العباس إلى الغرب حمقه ونقصه، وإنما قدمه أبوه على سائر ولده ~~لكبر سنه، ولأنه كان أحظاهم عنده، ولهوى كان له فيه من هوى الأبوة، ومن الناس من ~~يعمى عن حظ نفسه وعيب ولده لهواه فيه، وإن كان أبوه حازما لا يطعن عليه، لكنه كما ~~قال الشاعر: # ويسيء بالإحسان ظنا لا كمن # هو بابنه وبشعره مفتون # فخانه أمله فيه وأتاه من المقدور ما ليس في خلده، وهذا لصغر الدنيا عند الله، ~~عز وجل، ولنزارة محلها، ولينبه أولي الألباب على مقدارها، وأنها لا تدوم لأحد ولا ~~تصفو له وإن حسن تدبيره، وصح تمييزه، وقيل هو واحد زمانه. # ولم يزل أحمد بن طولون كذلك مستقيمة أموره كلها مصححة أمانيه، يعطى سؤله وإرادته ~~حتى بلغ الكتاب أجله، فكان أول انحلال أمره وعكس قصته وتنقص الأمور عنه، أمر العباس ~~ابنه، فانعكست العين على من آمن سبلها وأعذب شربها، وذلك ولده وقرة عينه، وأحب ~~الأشياء كلها إلى قلبه، والمؤمل لسد مكانه، و[أن] ينوب منابه، فكان كما قال ~~الشاعر: # أتيت في أمري من مأمني # ولم أكن فيه بمرتاب # وقد يوفى ويلقى الردى # محترس من ضعف أسباب # وذلك أنه اشتملت على العباس ابنه طائفة سوء من صنوف شتى؛ فمنهم قواد استخلصهم، ~~واستحجب كثيرا منهم، كانوا يخافون أباه ويحسدونه بالنعمة عليه، ويتمنون تلفها ~~وزوالها، ودخول النقص عليها من أي وجه تهيأ له، فأشاروا على العباس بالخلاف على أبيه ~~والانحراف عنه، واتفق لهم أنه أرجف بموته لما طالت غيبته بالثغور والشامات. # منهم علي بن ماجور # 1 # وعبد الله بن طغيا وأحمد بن صالح الرشيدي وأحمد بن القاسم بن أسلم و[جعفر] ~~بن حدار # 2 # الكاتب، وكل هؤلاء كان لأحمد بن طولون عنده النعمة الجزيلة، ms130 والإحسان ~~التام، والأشياء الخطيرة، إلا أن الحاسد لا دواء له، ولا يقنعه إلا أن يأتي على نفس ~~من يحسده. # ومنهم طائفة أخرى مذهبهم النحو والغريب وعلم النجوم والشعر وما يجري مجراه. وانضاف ~~إليهم جعفر بن عبد الله وأحمد بن [المؤمل] المعروف بأبي معشر، ومحمد بن أزهر # 3 # المعروف بالمنتوف. وكل هؤلاء حسنوا له التغلب على مصر، والفتك بأحمد بن ~~محمد الواسطي. # وكان العباس ممتلئ القلب من هيبة أبيه، وكل من أشار عليه لا علم له بسياسة جيش، ولا ~~تدبير أمر، فرام العباس أن يظهر التغلب من مصر فمنعه الواسطي، وخاف دخول الخلل في ~~الأعمال، وكان أبوه أمره قبل خروجه إلى الشام واستخلافه إياه في البلد ألا يتجاوز ~~ما يشير عليه به الواسطي، وقال له: يا بني، إن الواسطي قد عجم أمري وعرف ما يصلحه، ~~فأقبل عليه، وفوض الأمر إليه، وتضافرا على ما يحسن معه الأثر فيما أنتما بسبيله، ~~وكانت هذه الطائفة تزري # 4 # على الواسطي عند العباس، وتقع فيه وتوحش بينه وبينه، ويحكون عنه أن ألفاظه ~~عامية، وأنه يغلط في كتبه، ويكثر اللحن فيها - وكان العباس أديبا حسن الأدب إلا ~~أن الكمال لله، عز وجل - وقالوا فيه من هذا المعنى ما لا يضع منه ولا يعكر فيه، ~~لفضله وعقله، لولا عمى قلب العباس وقلب من أشار عليه. أليس البلد في يده وأمره ~~نافذ فيه، وفيما يريده من مال وغيره، متمكن منه مبذول له؟ ولكن نعوذ بالله من ~~الخذلان. # وكتب الواسطي إلى أحمد بن طولون كتبا بخطه، يذكر فيها ما يلحقه من سوء اعتراض ~~العباس، ومنعه له من استيفاء الرسوم السلطانية بمصر، وأنه مقبوض اليد، ويذكر الطائفة ~~التي استولت عليها وتخطيها في البلد إلى ما ليس من عملها، وكان محبوب بن رجاء عدو ~~الواسطي، فكان كلما ورد من الواسطي كتاب إلى أحمد بن طولون ينفذه إليه لموضع كتابته ~~لأحمد بن طولون، وأخذه كل كتاب يرد عليه، وكتب عنه بما يأمره به، فكان ذلك مما يزيد ~~في غيظ العباس على الواسطي ويحقده ms131 له. # ولج العباس وجد فيما اعتزم عليه، فلخوف الواسطي من سوء العاقبة، قال له بما جعله ~~له أبوه من اليد في البلد: إن أضربت أيها الأمير عما قد حملت عليه وإلا منعتك منه. ~~فأجابه العباس بجواب قبيح، وخاف الواسطي تأنيب أبيه في ستر الأمر عنه، وأن يلزمه ~~أحمد بن طولون الذنب فيما يأتيه العباس، فكتب إليه يشرح له القصة، ولم يستر عنه منها ~~شيئا، ويذكر أن حيلته تعجز عن منعه، فأجابه يوصيه بالمداراة له إلى موافاته، ~~فاستعمل معه ذلك حتى زاد أمره، وعجز عن مداراته، فاستتر في داره ولم يحتمل الامتهان، ~~فركب إليه العباس وهجم عليه وأخرجه مكرها، ووجد عنده الأجوبة من أبيه عن كتبه كانت ~~إليه في أمرها، فأخذها فلما وقف عليها اشتد خوفه من أبيه وساء ظنه به، فقيد ~~الواسطي وأيمن الأسود وكان من غلمان أبيه وثقاته؛ لأنه أشار عليه بما يشير به ~~الناصح. # وأظهر العباس لما قوي في نفسه الخوف من أبيه أنه يريد الخروج إلى الإسكندرية، فقال ~~له محمد بن أبا ونظراؤه من قواد أبيه: ما يصنع الأمير بالإسكندرية؟ فقال: بلغني أن ~~الروم تطرقها وأحب أن ألقاهم لعل الله، جل اسمه، أن يظفرني بهم. فقالوا له: ~~بعضنا يكفيك هذا، والصواب ألا تفارق [ما جعلك] الأمير، أيده الله، عليه، والمرتبة ~~التي رتبك فيها؛ فأنت أيها الأمير العوض منه، ومقامه في دار مملكته، فلم يصغ إلى ~~قولهم، واستخلف أخاه ربيعة على البلد وخرج، وكتب هؤلاء القواد إلى أبيه يبلون بينهم ~~وبينه عذرا، ويعرفونه أنه قد غلبهم على رأيهم، ولم يتهيأ لهم منعه إلا على سبيل ~~النصح، لقوة يده وما مكنه منه الأمير. # وأخذ العباس كل ما تهيأ له من المال والمتاع والسلاح والكراع، وأخذ معه الواسطي ~~وأيمن الأسود مقيدين وخرج، فلما صار إلى الإسكندرية أقام بها أياما ثم تجاوزها ~~إلى برقة. # ووافى أحمد بن طولون إلى مصر فوجده قد أخذ من المال ألفي ألف دينار، ولم يقنعه ذلك ~~حتى استسلف من التجار ثلاثمائة ألف دينار، وأمر صاحب الخراج ms132 أن يضمنها لهم ويكتب لهم ~~بها على المعاملين، ففعل ذلك خوفا منه. وأحضر أحمد بن طولون أبا أيوب وقال له: لم ~~يقنعك [ما أخذ] من المال حتى استسلفت له من التجار ثلاثمائة ألف دينار! فقال له: ~~خفته، ولم يكن لي به طاقة. فلم يقبل ذلك منه، وألزمه غرمها للتجار من ماله، فبلغ ~~ذلك منه مبلغا كشفه وأضر به، فشكا ذلك إليه، فقال له: هذا جزاء من عاون عدوي ~~وقوى يده بمالي. فلما انكشف له ما لحقه من ذلك علم أنه لو منعه لأجرى عليه ~~المكروه، فأزال ذلك عنه، وقبل عذره. # قال: وسعى إليه في ذلك الوقت المعروف بأبي مقاتل بن أبي ثابت بأبيه لما رأى انحراف ~~أبيه عنه، وبأخيه المعروف بأبي حفص، لتقديم أبيه أخاه عليه، فغلظ عليه سعايته بأبيه، ~~فقبض عليه وعلى أخيه جميعا وضربهما بالسوط فماتا، فأخذ ما كان لهما، وعطفه ذلك على ~~أبيهما. # قال: وراسل أحمد بن طولون العباس ابنه ولطف به، وأنفذ إليه أبا بكرة بكار بن ~~قتيبة والصابوني القاضيين وأبا محمد معمر الجوهري وزيادا المعدني مولى أشهب، وكان ~~فصيح اللسان، حسن العبارة، قوي الفهم، وأمرهم بملاينته وملاطفته، ووعده في كتابه ~~الصفح عما جناه، وألا يسوءه بمكروه، وحلف له على ذلك بأيمان مغلظة. وخرجوا فلما ~~وصلوا إليه رحب بهم وأكرمهم ورفع مجلسهم، فابتدأ زياد المعدني فقال: يا سيدي، سيدنا ~~الأمير، أيده الله، يقرأ عليك السلام، ويقول لك: يا أقرب الناس إلي، وأبرهم ~~لدي، وأعزهم علي، خفرت ظني بك [أقوى ما كان] أملي فيك، وأرجى ما كنت لك، عن غير ~~إساءة كانت مني إليك، ولا خطيئة ركبتها فيك، ولم ترع حسن تربيتي لك، وعظم إشفاقي ~~عليك، وأني رشحتك لمنزلتي، وقدرت بك حياة ذكري، وصيانة شملي؛ فأرضيت عدوي، ~~وأسخطت وليي، أيا سبحان الله! أما تخاف العقوبة في العقوق وقانيها الله، جل اسمه، ~~فيك، وثمرة المجازاة على الإساءة، صرفها الله بكرمه عنك؟ فإن رجعت إلي فكأنك لم ~~تذنب، وإن تمادى بك الاغترار شخصت إليك بنفسي، ولم أكن بأول من ms133 خسر سعيه وأخلف ~~تقديره. وبكى زياد وبكى معه من حضر، فتدمع العباس، وبلغ قوله من قلبه. # فذكر زياد أنه انصرف مع الجماعة إلى دور قد أعدت لهم، وفرق فيما بينهم، وما ~~يخالجه شك في أنه يرجع معهم إلى أبيه، لما تبينه من انعطافه وبلوغ كلامه من قلبه، ~~فخلت به تلك الطائفة التي أغوته حتى خرج، لخوفها من أبيه، فثنته عن انعطافه. ~~وقال له ابن حدار الكاتب: الله الله فينا وفي نفسك، انظر لنا ولك؛ فأنت تعرف أباك ~~وغدره، فارحمنا وارحم نفسك؛ فأنت تعرف طبع أبيك وشدة غدره، فإنه يرى أن في استئصال ~~شأفتك، وتقطيع قلبه عليك فيما يأتيه من أمرك وأمرنا بعدك، بما السياسة وتوطيد المملكة ~~توجيه، فخف الله فينا وفيك. # وكان كلام زياد له يشبه معنى ما كاتبه [به] أبوه، وكن فيما ذكره في كتابه بعد دعاء ~~الصدر: وراجع بك إلى الحال التي يحصل لك عاجلها، ويتوفر عليك ثواب آجلها، ولا حرمك ~~ثواب بري وطاعتي، وصرف عنك وزر عقوقي ومعصيتي. ثم قال له فيه: أحين فقأت النعمة فيك ~~أعين الأعداء، وبلغت الغاية القصوى من سرور الأولياء، وبلغت السن التي يكون معها ~~انتفاع الوالد بولده، واستحكمت ثقتي بك، وحسن ظني بالأيام فيك، واستكفيت على ~~كفايتك وعنايتك عني، أتيت ما لا يحسن بك، ولا يجمل بمثلك، أستكفي الله، جل ~~اسمه، مئونة من حملك على ذلك، وغلبك على رأيك، فقد سعى في دينك بما ثلمه، وعيشك ~~بما كدره، ودنياك بما نقصها، وآخرتك بما أفسدها، ومروءتك بما أزرى بها، ونعم ~~الله، عز وجل، عليك بما يدعو إلى تبديلها وما، أنا بآيس من أن يثيبه على عظيم ما ~~ركبه منك، وجليل ما جناه عليك في تضييعك حقي، وما ألبسك من ثوب معصيتي، وعرضك إليه ~~من سخط الله، جل ثناؤه، وغضبه في إسخاطي ومخالفتي، فإنك إذا ميزته وتبينته لم ~~تجده إلا أحد رجلين؛ إما رجل أطعنا الله، عز وجل، فيه، فلزمنا أخذ جناية جناها منه، ~~أو رجل طمع في مالك فاغتنم شغل قلبك فقال: أفوز ms134 بحظ من دنياه في هذا الرهج ~~الساطع، فإن أحسست في أمره نقصا لجأت به إلى حيث لا يعرف خبري ولا يدري أين أمري، ~~فميز من شئت من خلصائك ونصحائك، فقد ترى أمرك، فإنك لا تجده يخرج من هذين ~~القسمين، والله المستعان. # قال زياد: فلما غدونا إليه وسلمنا عليه وجدناه قد حال عما كنا شاهدناه منه، فقال ~~لي: يا زياد، والله إن أبي ما نوى لي خيرا. فقلت له: يا سيدي، كيف يليق # 5 # هذا بصدرك وأنت تعلم أنه ما طلعت الشمس على أحب إلى أبيك منك؟! فالتفت ~~إلى بكار القاضي فقال له: يا أبا بكرة المستشار مؤتمن، وأنا أقلدك أمري، أسألك ~~بالله هل تأمنه علي؟ فقال له بكار، لما كان عليه من الدين والورع والزهد: قد حلف ~~أبوك لك ألا يسوءك، فإما يفي لك بما حلف أو لا يفي، وما يعلم الغيب إلا الله جل ~~اسمه. # فلما سمع أصحابه قول بكار، قالوا له: كيف رأيت؟ لو تحقق القاضي ما يثق به منه ~~لما قال هذا. فكتب لنا جوابا للكتاب وشرط فيه شرائط مجحفة، وأغلظ في خطابه لأبيه ~~بإنشاء ابن حدار الكاتب، وانصرفنا إلى أبيه وعرفناه ما جرى بيننا وبينه، ولم تزل ~~بينهما مكاتبات ومراجعات. # ثم دعت العباس حماقته [إلى] الخروج إلى إفريقية، # 6 # ثقة بما معه من المال والعدة والعدة، ورأى أن ذلك يقيمه ويوصله ~~إليها، وحسن ذلك وأطمعه فيه أصحابه، ليبعدوا عن أبيه، وصغروا عنده أمر إبراهيم بن ~~أحمد بن الأغلب صاحب إفريقية، وكاتب وجوه البربر فتسرعت إليه منهم جماعة كبيرة ~~العدة، وفرق فيهم صدرا # 7 # من المال الذي كان معه، وتخلف عنه أكابر القبائل، واعتلوا عليه بأن ~~بينهم وبين قوم ترات، ولا يأمنونهم عند خروجهم عن أوطانهم على أموالهم وحرمهم، فرأى ~~أن من حصل معه كاف له. # وكتب إلى إبراهيم بن أحمد بن الأغلب يقول: إن المعتمد بالله أمير المؤمنين قد قلدني ~~إفريقية، وإنه أمره بالخروج إليها. ويأمره بإقامة الدعوة له، ورحل بأكثر من معه وأكثر ~~المال والذخائر، ms135 حتى انتهى إلى حصن يقال له: «لبدة» ففتحه أهله له، وخرج إليه عامل ~~ابن الأغلب به، فتلقاه بأجمل تلق فقابلهم بضد ما استحقوه منه، وأطلق لأصحابه ~~نهب الحصن، فنهبوا وقتلوا الرجال وسبوا النساء، وهتكوا من لم يصلوا إلى سبيه، فهرب ~~أهل الحصن إلى إلياس بن منصور الزناتي [النفوسي] رئيس الإباضية، # 8 # واستغاثوا إليه، وشكوا ما نالهم منه، فدخلته حمية الإباضية، فغضب من ~~ذلك غضبا شديدا، وكان العباس قد كاتبه يأمره بالسمع والطاعة له، وإلا رحل إليه، ووطئ ~~بلده، وبلد النفوسي بمعزل عن الناس، ممتنع لنجدته وكثرة أهله وقوتهم، ولم يؤد ~~النفوسي إلى الأغلب طاعة قط، فرد الجواب مع رسوله يقول: قل لهذا الغلام إنك أقرب ~~الكافرين مني وأولاهم بمجاهدتي، وقد ظهر من قبيح فعلك ما لا يمكنني معه التخلف عنك ~~وعن جهادك، وأنا على أثر رسالتي إليك. # وكانا ابن الأغلب قد أنفذ إلى محمد بن قرهب عامل طرابلس بخادم له يعرف ببلاغ في ~~جمع من أهل القيروان كثير، فالتقى مع العباس وكان القتال بينهم مناوشة لا مناجزة، ~~فقاتل العباس فيها قتالا شديدا بنفسه، وكان مع نقص عقله من الرجال الفتاك، وكان ~~جيد الشعر [ومن شعره يفتخر]: # لله دري إذ أغدو على فرسي # إلى الهياج ونار الحرب تستعر # وفي يدي صارم أفري الرءوس به # في حده الموت لا يبقي ولا يذر # إن كنت سائلة عني وعن خبري # فها أنا الليث والصمصامة الذكر # من آل طولون أصلي إن سألت فما # 9 # فوقي لمفتخر بالجود مفتخر # ورثت مجد أبي عنه وورثني # مجدا أناف به آباؤه الغرر # لو كنت شاهدة كري بلبدة # 10 # إذ # بالسيف أضرب والهامات تبتدر # يدعون لا أين والعباس يقدمهم # كأنهم حمر والليث مقتسر # إذن لعاينت مني ما تسير به # عني الأحاديث والأنباء والخبر # فلما كان من غد غاداه النفوسي في اثني عشر ألف مستنصر مقاتل، وزحف إليه ~~أيضا بلاغ بعسكره من خلفه، فأطبق عليه العسكران، فقتل من أصحابه خلق كثير، ولولا ~~شجاعته ورجلته # 11 # لأخذ، فدعته الضرورة بقتل من قتل ms136 من أصحابه إلى أن انهزم، ولحق ~~فكاد أن يؤسر، حتى أقيل بجزالته ولطف الله، عز وجل، به وبعونه، وأخذ سواده ~~وذخائره وجميع ما كان معه من المتاع والأموال والسلاح، وما حصله معه له من مصر وعاد ~~إلى برقة أقبح عودة، وكان معه أيمن الأسود مقيدا فتخلص من القتل؛ لأنهم علموا ~~بقيده أنه حرب له، وكان قد أطلق الواسطي بضمان جماعة من التجار ببرقة إحضاره إياه ~~متى طلبه، فكان عندهم مكرما. # وشاع الخبر بمصر أن العباس قتل، فتبين الناس في وجه أحمد بن طولون كآبة شديدة ~~وغما ظاهرا؛ لأنه وقع بذلك بين شرين؛ منها فقد ابنه إن صح، وذهاب جميع ما كان ~~معه، ومنها الترة التي تقع بينه وبين النفوسي وابن الأغلب، إن أمسك عنها انحلت ~~منزلته، وإن نهض إليها فبإنفاق الأموال الجليلة العظيمة التي لم تكن في حسابه، فلم يزل ~~مغموما مهموما حتى صحت عنده سلامته، فحمد الله، جل اسمه، وتصدق بمال ~~كثير. # وكان مما أغاظ أحمد بن طولون من مكاتبات ابنه العباس إليه، حتى استخفه إلى الخروج ~~إلى الإسكندرية بنفسه، قوله في كتابه من إنشاء جعفر بن حدار: إلى الأمير أبي العباس ~~أحمد بن طولون مولى أمير المؤمنين من عبد الله مولى الله، المتمسك بمناجي طاعة الله، ~~المنحرف عن زيغ ظلم المعصية إلى وضوح سر البصيرة، القابل من الله موعظته، والعامل ~~بما أمر به؛ إذ يقول جل ثناؤه: # يا أيها الذين آمنوا ~~اتقوا الله وكونوا مع الصادقين # وقوله عز وجل: # ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع ~~هواه # سلام على الأمير، وعلى من استرجع وادكر، وفكر وازدجر، فأنا ~~أحمد إلى الأمير الله لا إله إلا هو، العاطف بي إلى أرفع سنن الهداية، والعادل بي عن ~~ظلم سنن الجهالة، وأسأله صلاة تامة يخص بها وليه وخيرته من صفوته ورسوله # صلى الله عليه وسلم ~~. # أما بعد، وفق الله الأمير لمحال رشده، وجنبه مقابح أمره ، وسخر له الخلق عن ~~غامض ذكره، فإن كتاب الأمير ورد على الحائد منه عن سبيل العظة ms137 والتذكير، إلى سبيل ~~التهديد والتحذير، فبعد وقرب، وآنس وهدد، وجمع وفرع، يبذل من نفسه باليسير ~~فيها، ويدعو إلى الصلة ويحدث غيرها، ويعرض من ماله الأنفس، ويصير من خطابه الأنزر، ~~ويعدد من واجب حقه، ولازم مفترضه، ما أعترف به مصدقا لمن اعترف بالطاعة محققا، ~~وأذعن به لمن أذعن وحاد عن الشك، ووقفت منه على ما أطنب حاطا وحوف عاما ومهمه [؟] فإن ~~استخذأت لاتباع موافقتك وتطامنت ترغبا عبر محاورتك [؟] فلقد اضطرتني الطاعة، ~~وأنجذتني الحاجة، إلى إقامة عذر يتضح لك في استجلاب مرضاتك ما تجاوزت عما يدهمني، فهبت ~~في جواب الأمير مقام الأمير. # إن فهت ضاع دمي [؟] وإن سكت فمثل النار في كبدي، وبالله أستعين على بلوغ طاعته، ~~وإليه الرغبة، جل اسمه، في استصلاحك، وتحصينك من زيغ شيطانك، وأما ما قرعت بذكره ~~ووبخت موضعه في غير كتاب صدر منك في غير جواب ورد، من انحرافي عن سبيل طاعتك وحنقي ~~عن موالاتك، والتماسي ابتزاز ملكك، فوالذي اضطرني إلى مجادلة من أوجب الله، عز ~~وجل، علي حقه، فإن حججته أوحشته، وإن قصرت عن الحجة نقصت عنده، ما حلت عن ~~مخايل ظنك، ولا كنت مذ نشأت إلا تحت طاعتك، لكنه اكتنفني أمران واجبان مقرون حقهما ~~بحق الله، جل اسمه، وحق رسوله # صلى الله عليه وسلم ~~، وسمعت الله، جل اسمه وعلا، يقول: # وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا ~~بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي ~~تبغي حتى تفيء إلى أمر الله ~~. # فكان أكبر ما عندي في تأدية حقك القعود عن نصرة من لزمني مشايعته، ووجبت علي ~~معاونته، وقبلت من الله، عز وعلا، أدبه في حسن هجرتك، يقول الله، عز وجل: # وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به ~~علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا # فلو ~~ذهبت إلى ذكر ما أتى الله به، عز وجل، في كتابه المنزل على نبيه # صلى الله عليه وسلم # لطال به ~~كتابي، وقامت به عليك حجتي. والآن فقد خليت عما قلدنيه أمير المؤمنين، وما قبلت ~~له تكرمته وإنعامه من ms138 جميع أعمال حضرته؛ خوفا من أن أقوم فيها بالحق فأسخطك، ~~وانكفأت إلى هذه الناحية هربا من موجدتك، وطلبا للقيام بحقك، أيها الأمير، ولا ~~أبين بقيامي فيما جعل إلي ما يخلفك فيه النقيصة، إذا كان حبل أمير المؤمنين قد اضطرب ~~في يدك، فوهت قواه وانحل مبرمه وتداكت # 12 # عساكره في ذلك كما تداك الإبل اللواقح على الحياض الطوافح، وسبلي من اتبع ~~رضاك أيها الأمير، وتوقف عما تكره التصرف فيه أن تعرف له ذلك، ولا تجازي عليه بخلاف ~~ما يستوجب. # وأما تخويفك أيها الأمير إياي بخيلك ورجلك وعددك وعتادك، فلو نظرت بعين النصفة ~~ونطقت بلسان المعدلة؛ لانفرج عن لبك رين الشبهة، وانفتح من سمعك ما استد سمعه ~~بالشهوة، فسمعت بعد وقر، وعرفت بعد نكر، أني لو آثرت ما إليه قصدت من مقاومتك، ~~لدفعتك عن محل عزك، وما انحرفت عن دار ذلك، ولأقمت بها مظهرا الحق داعيا إلى ~~طاعة الله، عز وجل، وفي جواري من يجيب صريخ الحق إذا استصرخته، ثم لو كشف لك عن ~~قناعه، وحسر عن ذراعه، لتطامنت لوطأته الليوث الغضاب، ولتضعضعت لروعته الصم ~~الصلاب، فلو لزمت ما بدر إليه ظنك لغورت مشاربك، ولدثرت مسالكك، ولاستصعب على ~~الراكب مركبه، ولحيل بينهم وبين ما يشتهون، لكني آثرت الله، عز وجل، وما لديه، ~~فألقيت أزمة أمرك سخيا بها، وسوغتكها مطرحا لها زاهدا فيها، وانقطعت إلى ~~ناحيتي هذه لقلة قدرها وبعد محلها، لأخفي شخصي بها لا لما شرطت القول فيه وأطلت ~~الخطب به، والله، جل وعز، يجزي الشاكرين. # وأما عرضك أمانك قبل انجذاذ الحبل، فإن الله تبارك وتعالى يقول: # ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من ~~العلم إنك إذا لمن الظالمين # ويقول جل اسمه: # لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو ~~أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في ~~قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه # ولقد مدح خليله # صلى الله عليه وسلم # في قطعه رحمه فيما حصر دينه فقال: # وما كان ~~استغفار إبراهيم لأبيه إلا ms139 عن موعدة وعدها إياه ~~فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن ~~إبراهيم لأواه حليم ~~. # والكتاب طويل، وإنما اختصرنا منه هذا القول. # فلما ورد كتابه أغاظه وبلغ منه وخرج إلى الإسكندرية وأجابه يقول: # 13 # إلى الظالم لنفسه العاصي لربه المثلم لدينه # 14 # المبخوس من حظ دنياه وآخرته، سلام على كل منيب مستجيب من قريب. # أما بعد فإن مثلك مثل البقرة تثير المدية ~~بقرنها، والنملة يكون حتفها في جناحها، وستعلم، هبلتك # 15 # الهوابل، أيها الأخرق الجاهل الذي ثنى عن الحق عطفه، واغتر بضجيج المواكب ~~خلفه، أي مورد هلكة سلكت، إذ على الله، جل اسمه، تمردت؛ فإنه تعالى قد ضرب لك # مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها ~~رزقها رغدا من كل مكان فكفرت ~~بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا ~~يصنعون # 16 # واعلم أن البلاء بإذن الله قد أظلك، والمكروه قد أحاط بك، والعساكر قد أتتك ~~كالسيل في الليل، تؤذنك بحرب وويل، فإني لأقسم، وأرجو ألا أجور وأظلم، ألا أثني عنك ~~عنانا، ولا أوثر على شأنك شانا، فلا تتوقل ذورة أو تلج بطن واد، إلا تبعتك وطلبتك ~~حيث يممت وسلكت، حتى تستمر من عيشك ما استحليت، وتستدفع من البلايا ما استدعيت، حتى ~~لا دافع، بعون الله، يدفع عنك، فتعرف من قدر الرخاء ما جهلت، وتود أنك هلكت، ولم ~~تأت بما إليه عجلت، ولا رأي من أطاف بك من الغواة قبلت، فحينئذ يتفرى # 17 # لك الليل عن صبحه، ويسفر [لك] الحق عن نصحه، فتنظر بعين لا غشاوة عليها، ~~وتسمع بأذن لا وقر فيها، وتعلم أنك كنت مستمسكا بحبل غرور متماديا، وسالكا سبيل ضلال ~~لا تجد له هاديا، من عقوق لا ينام طالبه، وبغي لا يفوت هاربه، وتقف على سوء رويتك، ~~وعظيم جريرتك، في تركك قبول الأمان، وهو لك مبذول وأنت عليه محمود، واليد عنك كافة ~~والسيف عنك مغمود، فتتلهف واللهف غير نافعك، إلا أن تكون أجبت إليه سريعا وأقبلت نحوه هرعا، # 18 # واعلم أنك لا تقصد موضعا إلا تلوتك، ولا ms140 تأتي بلدا إلا قفوتك، ولا تلوذ ~~بعاصم لينجيك، إلا استعنت بالله عليه وعليك، فما يجيرك إلا أحد رجلين؛ إما لدين أو لدنيا، ~~فأما الدين فأنت بحكمه مفارق؛ لأنك عاق مشاقق، وأما الدنيا فما أحسبه بقي معك من حطام ما ~~سرقته، مما حملت نفسك على الاستبداد به، ما يفي بمكاثرتنا، ~~مع ما وهبه الله، جل اسمه، لنا من جليل نعمه التي ~~نستوزعه الشكر عليها، ونرغب إليه في إدامتها، # 19 # وما دعاني إلى إرفاقك والتسهيل من خناقك طول هذه المدة إلا أمور؛ منها استضعاف ~~أمرك واحتقارك، وقلة الاحتفال به واستصغاره، ومنها أن جعلنا تركك على ما اخترته عقوبة لك ~~من إباقك إلى أقصى البلاد، مبعدا عن الوطن والأهل والراحة والمهاد، وقد فارقت بلدك، ~~وحرمت أهلك وولدك، ومنها أنا علمنا يقينا أن الوحشة دعتك إلى الانحياز حيث انحزت، ~~فأمهلناك ليسكن نفارك، وقلنا إنك تحن إلينا حنين الولد ذي الحسب، وتتوق إلينا توقان ذي ~~الرحم والنسب، # 20 # فلم تسمع من واعظ، ولم تعتد بمحافظ، وأما الآن وقد اضطررنا إلى الانزعاج ~~نحوك، لاستعمالك المواربة والمخادعة فيما يجري عليه تدبيرك، فما أنت بموضع للصيانة، بل حقيق ~~باللعنة والإهانة، فعليك من ولد عاق لعنه الله ولعنه اللاعنين، والملائكة والناس أجمعين، ~~لا قبل الله لك صرفا ولا عدلا، وحاط بك حيث كنت ولا حاطك حيث توجهت، # 21 # وستعلم أيها المخالف القاطع رحمه العاصي ربه، أي جناية على نفسك جنيت، ~~وأي كبيرة أتيت؛ فتندم إن كانت لك روية، وفيك فضل ~~إنسانية، وتود أنك لم تكن ولدت، ولا في الخلق عرفت، إلا أن ترجع # 22 # راغبا، وتسرع خاضعا إلى ما قبلنا، فنقيم الاستغفار لك مقام اللعن، ~~والرقة مقام الغلظة والوهن، والسلام على من سمع الوعظ فوعاه، وذكر بالله ~~فاتقاه. # وسير من الإسكندرية إليه العساكر، وهم بالنفوذ إليه بعدهم، حتى وافاه الواسطي؛ ~~لأنه تهيأت له الحيلة عند انهزام العباس من النفوسي فتخلص بذلك، وعمل الحيلة حتى ~~هرب منه إلى أبيه، فوافاه وقد تم عزمه على اللحوق بالعسكر، فمنعه وقال له: حاله ms141 أصغر ~~من ذلك، وأنا أكفيك أمره مع بعض قوادك، والصواب أن ترجع إلى بلدك ومقر عزك، ~~فقبل منه، وأنفذ الواسطي مع طبارجي وجماعة من وجوه أصحابه، وطبارجي مؤمر على ~~الجيش، وعاد أحمد بن طولون إلى مصر، فلما قرب طبارجي من العباس خرج إليه مدلا ~~بنفسه، ونسي هزيمته في أمسه، فلما التقى العسكران استأمن إلى طبارجي جماعة من وجوه ~~أصحاب العباس فقبلهم، وخلع عليهم، وقامت الحرب بينهم على ساق، وتعارك الفريقان، ~~فصبر أصحاب العباس الباقون هنيهة، حتى دهمهم ما لا طاقة لهم به، ثم ولوا منهزمين لا ~~يلوون على شيء، فذكرت قول البحتري: # لما رأوك تبددت آراؤهم # وغدا مصارع حدهم مصروعا # فدعوتهم بظبا الصفيح # 23 # إلى الردى # فأتوك طرا مهطعين خشوعا # حتى ظفرت بعزهم # 24 # فتركته # للذل جانبه وكان منيعا # فقتل منهم وأسر خلقا كثيرا، وولى العباس منهزما في شرذمة من غلمانه، وسرب ~~طبارجي خلفه الرجال، وبادر فكتب إلى أبيه كتاب الفتح، وكتب بذلك الواسطي نسخته: # بسم الله الرحمن الرحيم، كتابي هذا وقت غروب الشمس، من يوم الإثنين لسبع ~~بقين من جمادى الآخرة، وقد وضعت الحرب أوزارها، وأظفر الله، جل اسمه، ~~عبد الأمير، وجمع أوليائه، وأيدهم ونصرهم وأحسن معونتهم، ودمر على ~~الملعون العاق الشاق الغادر العباس، وضرب وجهه، وقتل أكثر الفجرة الذين ~~كانوا معه، وأمكن من خلق كثير منهم، والحمد لله الذي أجرى الأمير، أيده ~~الله، على عوائده عنده، وجعل أولياءه المنصورين، وحزبه الغالبين، وأعداءه ومن ~~عدل عن أمره المقهورين، حمدا يكون قضاء لحقه، وكفاء لإحسانه، وامتراء ~~للمزيد من فضله، تبارك اسمه وجل ثناؤه. # وكنت عند نزولنا المنزل المعروف بدي حنى [؟] قد أكملت أمر المقدمة والساقة ~~والميمنة والميسرة، وسرنا على تعبئة، حتى وافينا المنزل المعروف بدينار الذي ~~كتبت كتابي هذا منه، وكان اللعين قد وافى هذا المنزل من أول النهار، مستعدا ~~بجموعه وحشوده، فلما توافت الفئتان تسرع إلينا مدلا بنفسه، متماديا في ~~غيه، فحملت ميمنته على ميسرتنا، فأعان الله، جل اسمه وله الحمد، ~~الأولياء على فلها، وحملت ميسرتنا على ميمنته، وحملت ms142 أنا في أثرها من ~~القلب، محتسبين واثقين بنصر الله، عز وجل، متوكلين عليه، فولى القوم ~~منهزمين، قد ضرب الله وجوههم، ومنح أكتافهم، وقذف الرعب في قلوبهم، وأتبعتهم ~~الأولياء يقتلون فيهم ويأسرون منهم، وقبل ذلك ما استأمن إلينا جماعة من ~~مشهوريهم، كتابي يرد على الأمير، أيده الله، بأسمائهم، ولم يصب أحدا من ~~الأولياء بحمد الله شيء يكرهه، ومضى اللعين على وجهه في نفر يسير من غلمانه، ~~فأتبعته بصيرا وأنعج وكنجورا وهم مدركوه بمشيئة الله وعونه، وفي غد نكتب ~~إلى الأمير، أيده الله، بشرح القصة، وبادرت بكتابي بهذه الجملة ليتعجل ~~الله، عز وجل، إليه السرور بما من الله، جل اسمه، ويحمده على ما أولى ~~من إنعامه. # قال مؤلف هذا الكتاب: وورد الخبر بأن الطائفة التي أنفذها طبارجي خلف العباس ~~لحقته، فقتل من غلمانه جماعة وقبضوا عليه أسيرا فأتوا به طبارجي، فقيده وحمله ~~من وقته إلى أبيه، وأمر بصيرا وأنعج وكنجورا أن يتقدموا به إليه، وأنفذ كتابا ~~بالشرح، فلما وصل إليه الكتاب حمد الله كثيرا وتمثل، وما تمثل بشعر قط: # وبعثت # 25 # من ولد الأغر معتب # 26 # صقرا يلوذ حمامه بالعوسج # 27 # فإذا طبخت بناره أنضجتها # وإذا طبخت بغيرها لم تنضج # وهو الهزبر إذا أراد فريسة # لم ينجها منه صياح الهجهج # 28 # ومد طبارجي إلى برقة، فدخلها وأصلح من حالها ما كان فسد، واستخلف فيها خليفة ورجع ~~إلى مصر، وحمل بين يده الأسرى والرءوس، ودخل إلى البلد على تعبئة حسنة وترتيب، فلما ~~وافوا بالعباس إلى الجيزة أخرج إليه جميع الجيش، وذلك في سنة سبع وستين ومائتين، ~~فلما لقوه زفوه # 29 # بين أيديهم وأدخلوه البلد في قبة مكشوفة وهو مقيد وعليه قرطق ملحم، # 30 # وعلى رأسه عمامة # 31 # فشقوا به البلد، حتى إذا وافوا به الثلاثة الأبواب، أمر أبوه بإنزاله عن ~~القبة، وأركب بغلا بإكاف، وساروا به كذلك حتى إذا بلغ إلى باب الميدان أوقف موضعه ~~في الشمس. # وأدخل بصير وأنعج وكنجور وأصحابهم فخلع أبوه عليهم، وأحسن إليهم، وأخرجوا بين يديه ~~وهو يرى ما ms143 فعل بهم من الجميل ، وهم مسرورون فرحون، وأمر به إلى حجرة فاعتقل فيها، ~~ولم يزل معتقلا حتى وافى طبارجي. # فلما وافى أمر أحمد بن طولون بإخراج الجيش لتلقيه، فخرج بأسره وتلقي، ودخل ~~ودخلوا بين يديه في أحسن زي وأجمل تعبية، والأسرى بين يديه والرءوس، فشق البلد ~~حتى وصل إلى الميدان، فلما دخل إلى أحمد بن طولون خلع عليه خلعا حسانا، وحمل بين ~~يديه أكياسا كثيرة دنانير ودراهم، وحمله على فرس نادر بسرجه ولجامه، وخيل تقاد ~~بين يديه، وانصرف إلى داره في أجل حال. # وأمر أحمد بن طولون بالأسرى إلى الحبس، وبالرءوس أن تنصب على القسي ليراها من ~~لم يرها ويشاهدها، ويشاهد منها كل معروف، فيأيس منه من أهله من خفي عنهم أمره. ~~وأمر بأن تبنى دكة عظيمة السمك عالية خارج الميدان، فبنيت فلما فرغ منها ركب ~~إليها وصعد من سلم عمل لها [من] حجارة عظيمة، ففرش له عليها، وجلس عليها وحده، ~~منفردا من سائر أصحابه إلا خواص غلمانه. # فأول من دعا به فقدم أبو معشر فضربه ثلاثمائة سوط، وأمر بالعباس فأحضر، ~~وأوقف بين يديه، فأمره بأن يقطع يدي أبي معشر ورجليه، فدفع إليه سيفا فتقدم ~~فقطع يديه ورجليه، وألقي من أعلى الدكة إلى الأرض، فما وصل إلى القرار حتى مات، ثم ~~قدم إليه المعروف بالمنتوف فأمره أيضا فقطع يديه ورجليه، ورمى به من أعلى الدكة ~~إلى الأرض، ثم قدم ابن حدار # 32 # الكاتب، وكان غيظه عليه أشد وحنقه عليه أعظم؛ لأن كتب العباس إليه كانت ~~بإنشائه، فأمره فقطع يديه ورجليه ورمى به إلى الأرض. # وكان أحمد بن طولون إذا قرأ كتابا من العباس إليه، تمر به اللفظة البشعة فيقول: ~~هذا من كلام أبي معشر، وهذه اللفظة من كلام الشيخ السوء ابن حدار، # 33 # وهذا من كلام فلان وهذا من كلام فلان؛ لأنه كان يعرف كلام كل واحد منهم ~~ومذاهبهم، ثم ضرب أعناق الباقين من الأسرى، أعاذنا الله من البلاء كله، إلا رجلين ~~من عليهما بالعفو لحرمة كانت لهما به؛ أحدهما ms144 جعفر بن يارجوخ؛ لأنه كان زوج ابنته، ~~ولأن أباه كان صاحبه، فأمر بحبسه، ثم أطلقه على أن يطلق ابنته ويخرج عن بلدها ~~فطلقها، وخرج فمات بنواحي الموصل، ورجل يعرف بابن عبيد، ذكر لأحمد بن طولون أنه خلص ~~ابنه العباس من النفوسي بالغرب في وقت محاربته له، وأنه لولاه ودفعه عنه وبذله مجهوده ~~في محاربته عنه، لكان قد أسر وقتل، فحفظ له أحمد بن طولون ذلك في العباس، فعفا ~~عنه وأطلقه، وأحسن إليه واصطنعه. # فلما فرغ العباس من قطع أيدي أصحابه # 34 # دعا به أبوه فقال له: قبح الله هذا من رأي وعقل، ويل لك بهذا العقل ~~وبهذا الرأي قدرت الرياسة؟ يا ويلك لم لم تجعل العوض من مبادرتك وتسرعك إلى ~~قطع أيدي أصحابك هؤلاء، استلقاءك بين يدي وتضرعك إلي ومسألتك إياي الصفح عنهم ~~وعنك، والعفو عن جميعكم؟ فكان ذلك أجل لك وأعظم لمحلك وأكبر لمنزلتك؟ وتقضي بذلك ~~حق من حمل نفسه في طلب مرضاتك ومساعدتك على خطة الهلاك فيها، وقد فارق وطنه ~~وأهله وولده وتبعك في هواك فجعلت، يا ويلك، مجازاته على ما تحمله فيك من المكروه ~~قطع يديه ورجليه بيدك، ثم إيتام ولده وإرمال عياله، ولكن ما وفقت لما تأتيه ~~فتصونهم عما حل بهم منك منة عليك، وعزيز علي أن يكون هذا وزنك، ومقدار ~~عقلك. # فلما تفرق الجمع أمر به فبطح وضربه بيده مائة مقرعة، فكان يضربه ودموعه تنحدر، ~~كأنه [هو] المضروب، وأمر باعتقاله في داره! # قال مؤلف هذا الكتاب: وغلب الحسن بن مهاجر على أحمد بن طولون، فحسن له جمع ~~الأموال، ومنعه من سماحته وجريه على عادات كانت له جميلة؛ فقبل رأيه وتغيرت ~~سماحته، واستقصى ابن مهاجر على الناس، ومنع كل من كان يبسط عليه عائدته، ويشمله ~~معروفه وفائدته، وظهر ذلك فانحرفت عنه القلوب، وتغيرت له النفوس كما قالت الحكماء: ~~ترك العادات ذنب محسوب. # حدث أحمد بن محمد الواسطي أحمد بن إبراهيم الأطروش بعد وفاة أحمد بن طولون، وقد ~~اجتمعا فتفاوضا أخباره فقال: فارقت أحمد بن طولون، رحمه ms145 الله، وقت رجوعه إلى مصر من ~~الإسكندرية ، ورجوعي إلى برقة مع طبارجي للقاء العباس، وهو أمير نبيل سمح واسع الصدر ~~في العطاء والبذل في أبواب الخير على حسب ما رأيتم منه، وعدت من برقة مع طبارجي إليه ~~وهو أمير ممسك ضيق الصدر بخيل مطرح لما جرت به عادته، فتطيرت يشهد الله له ~~بذلك؛ لأني ما رأيت سمحا قط ولا تحدث به انتقل عن سماحته، ودق نظره في توفير ~~ماله، إلا عند حضور منيته. # ولما انقضى أمر العباس ابنه وهو كان ابتداء انحلال أمره، تنكر عليه لؤلؤ غلامه ~~وكان عمدته وعليه كان معوله، لتتم مشيئة الله، عز وجل، فيه بانقضاء عمره، ~~وزوال ملكه، كما يجري حكمه، جل اسمه، على سائر خلقه، عند انقضاء المدة، وتكدير ~~المحنة، وتنغيص العيش، وإذا أراد الله أمرا أتى بعضه يتلو بعضا ليؤدب بذلك ~~المؤمنين، وينبه به المعتبرين، ويخفف به عن قلوب المتقللين كما قال بعضهم: # 35 # إذا ما كساك الدهر سربال صحة # ولم تخل من قوت يحل ويعذب # 36 # فلا تغبطن المكثرين # 37 # فإنه # على قدر ما يكسوهم الدهر يسلب # فلما خلا قلبه من ابنه العباس، واطمأن بالظفر، وأمن ما كان يتخوفه، تحدرت ~~عليه الغير من جهة أخرى، فتنكر عليه لؤلؤ غلامه الذي كان أقربهم إلى قلبه محلا، ~~وأشدهم مكانا وزلفى! رباه صغيرا، ومده كبيرا وكهلا، وعلى حسب ذلك سد به ~~الثلمة التي خاف منها، وجعله المحامي والذاب عنها، فكان دخول الخلل عليه من أوكد ~~احتياطه، وانحلال مبرمه من أوثق رباطه. # حدث أسامة بن حباب وكان مضموما إلى لؤلؤ، قال: حمل أحمد بن طولون غلامه لؤلؤا في ~~خرجته إلى أعماله بديار مضر، # 38 # بما لا يتسمح به لأحد من أولاده، ولا غيرهم من خاصة أصحابه المخصوصين به ~~من مال ومتاع، وكراع وآلة، وكل ما يحتاج إليه وما لا يحتاج، ثم أمر أن ينادى ونحن ~~يومئذ معسكرون بمنية # 39 # مال الله ببراءة الذمة من أي رجل من رجال الأمير أبي محمد لؤلؤ دخل إلى ~~المدينة، وليست معه ms146 حجة منه إلا حل به غليظ المكروه. قال: # نفقت لي دابة، فاستأذنت لؤلؤا في الدخول إلى الفسطاط لأعتاض منها، فأذن لي، فأخذت ~~كتابه إلى أحمد بن طولون مولاه، ودخلت ليلا، فإني لسائر إذ تعثر فرسي بشيء، فنزلت ~~أنظر، فأصبت كيسا فأخذته وركبت، ووافيت منزلي فنظرت الكيس فإذا به مملوء دنانير، ~~وكانت لي امرأة صالحة، فحدثتها بخبره فأحضرت الميزان فوزنت الدنانير، فكانت ~~سبعمائة دينار، فقالت لي: يا هذا لا تشره نفسك إليه، فلعله لمن لا يملك غيره، ~~ولكن عرف به وخذ جعلك منه حلالا موفرا، يجعل الله لك فيه البركة، فسكنت إلى ~~قولها، فلما أصبحت أخفيت شخصي من أن يراني أحد، فيعرف أحمد بن طولون خبري، فأحتاج ~~أن أقيم الحجة في دخولي، فوجهت إلى صديق لي في ابتياع دابة عوضا من دابتي. # فبينا أنا كذلك إذ سمعت النداء: «من دلنا على كيس فيه دنانير جعله مائة دينار ~~حلالا طيبا وأجره على الله.» فقالت لي زوجتي: كيف ترى؟ مائة دينار حلال خير من ~~سبعمائة حرام. فقلت للغلام: أدخل المنادي. فدخل ومعه إنسان من التجار سيماه تدل على ~~أنه خشن الطبع، فقلت للمنادي: أين صاحب الكيس؟ فقال: هذا هو. فقال لي: الكيس عندك؟ ~~قلت: نعم، وجدته في الطريق بموضع كذا وكذا. قال: هاته. فأخرجته إليه، فلما رآه لطم ~~وجهه، وقال: ذهب مالي. وصاح: أنا بالله وبالأمير. ثم قال لي: الأمير بيني وبينك. فخشيت ~~أن يسمع أصحاب الأخبار، فيذهبوا بي إلى أحمد بن طولون، فبادرت بالخروج معه اضطرارا، ~~وقلت لزوجتي: رضيت؟ هذا رأيك الحسن ومشورتك الجميلة، ولكن ليس العجب إلا مني حيث ~~قبلت منك. فقالت لي: لا تخف فإن الله، عز وجل، معك. # فحملت الكيس معي، وأخذت كتاب لؤلؤ إلى أحمد بن طولون حجة في دخولي، فلما ~~توسطنا الطريق قام إلي أصحاب الأرباع، # 40 # فأريتهم كتاب لؤلؤ وعرفتهم ذهابي به إلى الأمير، ومضينا حتى دخلنا إلى ~~أحمد بن طولون فقال لي: ألم تخرج مع لؤلؤ؟ قلت: نعم، أيد الله الأمير. قال: فلم ~~دخلت؟ فعرفته ms147 خبري في دابتي ودفعت إليه كتاب لؤلؤ، فلما قرأه قصصت عليه خبري ~~وخبر الكيس، وما كان من الرجل، فأحضره فقال له: كم كان في كيسك؟ قال: ألف دينار. فأمر ~~بإحضار الميزان ووزن الدنانير بين يديه، فوزنت فكان مبلغها سبعمائة دينار، فأمر ~~بردها إلى الكيس، فقال لي: اقبض أنت الكيس إليك إلى أن يجيئك صاحبه. وقال للرجل، ~~اطلب أنت كيسك جميع الله عليك. فقال: أيها الأمير الله الله في، هو والله كيسي. ~~فقال له: لو كان كيسك لما ادعيت أكثر منه. وأمر بإخراجه فأخرج، وقال لي: امض ~~لشأنك فانصرفت بالكيس وابتعت منه الدابة واتسعت، فقالت لي زوجتي: كيف رأيت مشورتي؟ ~~لو استحقه التاجر لما حرمه الله إياه، وجعله رزقا لك. فتركت باقية عند زوجتي، ~~ورجعت إلى لؤلؤ فحدثته بما جرى، فضحك وأمر لي بفرس. وكانت هذه الخرجة العظيمة التي ~~بلغ أحمد بن طولون بلؤلؤ فيها كل مبلغ جليل هي التي خفر به فيها واستأمن إلى ~~الموفق. # قال مؤلف هذا الكتاب: كان أحمد بن طولون إذا أنكر على لؤلؤ شيئا أوقع بكاتبه محمد ~~بن سليمان، وقال: هذا منك ليس منه. فحمل محمد بن سليمان الخوف من أحمد بن طولون على ~~أن حسن للؤلؤ حمل جملة من المال في الأعمال، والاستئمان إلى الموفق، فمنع عامل ~~الخراج لؤلؤا من المال، واستخف برأي محمد بن سليمان، حتى أخذ جميع ما أراد من أموال ~~الأعمال، فلما حصل له المال قال له محمد بن سليمان: قد علمت ما فعل بابنه العباس، ~~وهو أعز الناس عليه، وقد تخلصنا منه، فإن لم تبادر وإلا لم نأمنه. فأجابه إلى ما ~~أشار به عليه. # فكتب محمد بن سليمان إلى الموفق عن لؤلؤ كتابا يعرفه رغبته في المصير إليه، ~~والتصرف تحت أمره ونهيه، والدخول في طاعته، فاستبشر الموفق لذلك، لما في نفسه من ~~مولاه أحمد بن طولون، وابتهج له، ورأى أن ذلك إحدى الفرص التي ينتهزها ويبادر إليها، ~~فأجابه بأحسن جواب وأنفذ إليه خلعا وحملانا. # وكانت مع لؤلؤ طائفة من خواص أحمد ms148 بن طولون، فقدر فيهم أنهم يساعدونه على ما ~~اختاره، فلما تبينوا حاله أنكروا ذلك ولم يساعدوه، فكان أكثر ما قدروا عليه، لما ~~خرج الأمر من أيديهم، أن تركوه وانصرفوا عنه إلى مولاه بجملة خبره، فلما وردوا عليه ~~وشرحوا له حاله، وما هو عليه، تكدر عليه مشربه الذي كان يشربه فيه، ومر مذاقه الذي ~~كان يستحليه، لنكد الدنيا وأيامها، كما قال ابن الرومي: # تذكر ساعة ألعقت فيها # وأنت وليدها عسلا وصبرا # لتعلم أن هذا الدهر يمسي # ويصبح طعمه حلوا ومرا # وظن أحمد بن طولون أن المخادعة تمكنه من لؤلؤ والملاطفة تثنيه، ولم يعلم أن سبب ~~زوال ملكه يكون على يدي محمد بن سليمان لما حقده عليه من أفعاله به وحققه ~~منه. # فكاتب أحمد بن طولون لؤلؤا [وأرسل إليه] كتابا يلاينه فيه، ويذكره تربيته له، ~~وما يجب من حقه، وكان من بعض ألفاظه في مكاتبته له: «وفقك الله لطاعته، وراجع بك إلى ~~ما هو أعود عليك دينا ودنيا برحمته، إنه ليس شيء يبلغه والد شفيق، ومستصلح رفيق، ~~من مواصلة وعظ، وتنبيه على حظ، أو دلالة على رشد، وحض على سلوك قصد، إلا وقد ~~بلغنا أقصى نهايته [معك] وأبعد غايته فيك، ضنا بك وشحا عليك، وتأميلا لمراجعتك، ~~وما تركنا شيئا ظنناه يؤنس وحشتك، ويرفع محلك، ويتجاوز به حق حرمتك، إلا وقد أتينا ~~منه، على ما نرجو أن يكون لروعتك مسكنا، ولنفسك مؤنسا ومطيبا، ولك من كل خوف ~~موقيا. # وليس يمنعنا ذلك من تكرير القول عليك، رجاء أن تصادف مواعظنا إياك إصغاء إليها ~~وإصاخة لها، لينفعك الله، عز وجل، بها نفعا كبيرا، ويصرف بها عنك شينا كثيرا، وقد ~~تبينت بما كان من مفارقتك لنا ما قارفته من معصية الله، جل اسمه، فينا، وتعرضك ~~لما تعرضته من سخطه بانحرافك عن طاعتنا، واختيارك لنفسك ما كنت عنه غنيا، وعليه ثقة ~~أمينا، فانظر هل نلت بذلك فيما بلغت عاجل دنيا؟ أو آجل صلاح وجزيل [أجر]؟ بل قد ~~سعيت في فسادهما، ثم تأمل الحال التي أنت عليها، والحال ms149 التي انتقلت عنها، في أيهما ~~كنت أرخى بالا وآمن سربا وأروح بدنا وقلبا ، لتعلم أنك لم توفق في ذلك، ولم ~~تسدد في اختيارك؛ لأن الله، عز وجل، وكلك إلى نفسك، فاستفزك الشيطان ~~وأضلك. # لقد تبين لك غرور ما أتيته بتبديد شملك بعد اجتماعه، وانصداع شعبك بعد التئامه، ~~واتضح لك ما كنت أحذرك وقوعه، من قلة رضا جماعة الأولياء والموالي بك، واستنكافهم ~~من رياستك؛ إذ زالت عنك شمسنا، فحرمت هيبتك التي ألبسك الله، عز وجل، بنا، من ~~تنكر[هم] لك وانصرافهم عنك، وما تنتظر الشرذمة الباقية معك إلا إمكان الفرصة بمثل ~~ذلك، محاماة منهم على أديانهم، ووفاء بأيمانهم، فكيف بك إذا صرت إلى العراق بحال مع ~~من لا يدفع عنك عدوا، ولا يصرف عنك سوءا، وقد فارقت العش الذي فيه درجت، وموطنك ~~الذي منه خرجت، ومولاك الذي في حجره ربيت، وفي نعمته غذيت، وصرت إلى من لا يرعى ~~فيك إلا # 41 # ولا ذمة، ولا يوجب لك حقا ولا حرمة، بل يجعلك مغنما وفيئا # 42 # مقتسما، يدنيك ويمنيك، لا حرصا عليك بل ليحتوي على ما معك ~~ويستصفيك. # وقد كتبت إلى أمير المؤمنين وإلى من لعلك تقصده، أعلمهم أن المال الذي ~~اختزلته من أعمالنا هو مما أمرتك بحمله إلى باب السلطان، أعزه الله، ومبلغه ألف ~~ألف دينار، فأي حجة أبلغ لهم من كتابنا إليهم أن المال لهم ومحمول إليهم؟ فهل تكون ~~بعد استنضاف ما معك إلا بين أمرين؛ إما أن يردوك علينا متقربين بك إلينا، أو نبذل ~~لهم في ردك إلينا مالا يرونك عوضا منه؟ فيكون مصيرك إلينا على جهة القهر والأسر ~~ما الموت أيسر منه، أفهذه المنزلة خير لك أو مراجعتك الواجب عليك؟ وإنابتك إلى ما هو ~~أولى بك، مما تختاره ويرجع إلى محصول، ويئول إلى معقول، فيكون مصيرك إلينا بوجه ~~مسفر غير كاسف، وقلب مطمئن غير خائف.» # والرسالة طويلة، وإنما اقتصرنا على هذا منها. # وكان أحمد بن طولون بإقباله [يصيب] فيما يتخوفه من ظن يظنه وحدس يحدسه مما ~~قدمنا ذكره بالمعنى فيه، ms150 المنبه على صلاحه، حتى إذا بلغ الكتاب أجله انقلبت العين، ~~وتتابعت المحن. # حدث نسيم الخادم قال: كان مولاي إذا خرج إلى نزهة يحب الولع بقوس البندق، # 43 # وكانت نزهته حول الجب لا يعدوه، فخرج يوما إلى النزهة ونزل في مرج ~~حسن، وكان قوس البندق بيده، فمر به حمام طائر فضربه فسقط، وأخذناه فإذا في أصل ~~جناحه رقعة كالكتاب فإذا فيها: «قد استراح مولاي محمد فخذوا حذركم، وارفعوا كل شيء ~~فقد عصا الأمير لؤلؤ.» فأمر مولاي من وقته بإحضار خادم كان على مخلفي لؤلؤ فأحضر ~~[وقال له]: من منكم له حمام هدي؟ ومن لكم عليل في عسكر لؤلؤ؟ فقال له: ليس في دارنا ~~يا مولاي حمام هدي، ولكن لعبيد الله بن سليمان أخي كاتبنا محمد طيور تسرح، وقد كان ~~مغموما بعلة أخيه محمد بن سليمان، فأمر مولاي بالقبض على عبيد الله بن سليمان من ~~ساعته. # وأسر وجده بلؤلؤ وأظهر التهاون بأمره، وفي قلبه منه أحر من الجمر، وأظهر أن ~~غمه بالمعتمد، لما بان للناس من غمه بما يلحق المعتمد من الموفق من التقصير في ~~أمره والمهانة، وما يخافه عليه من القتل، وأنه لا يسعه في أيمانه المؤكدة عليه في ~~عنقه بالبيعة أن يغمض في أمره، وأنه يريد الخروج لنصرته، وليفكه من تلاعب أخيه به، ~~واستيلائه على الأمور دونه، وإنما يقصد في خروجه أن يبلغ كل مبلغ يصل به إلى القبض على ~~لؤلؤ، فأنفذ إلى المعتمد بالله رسولا خفي الشخص، رث الهيئة، إلا أنه كامل محصل، ~~وأنفذ إليه معه سفتجة بمائة ألف دينار، وكتب معه إليه كتابا هذا منه، وذلك في سنة ~~ثمان وستين ومائتين: # قد منعني الطعام والشراب والنوم خوفي على أمير المؤمنين من مكروه يلحقه، ~~مع ما له في عنقي من الأيمان المؤكدة، وقد اجتمع عندي مائة ألف عنان أنجاد، ~~وأنا أرى لسيدي أمير المؤمنين الانجذاب إلى مصر، فإن أمره يرجع بعد الامتهان ~~إلى نهاية العز، ولا يتهيأ لأخيه فيه شيء مما يخافه عليه منه في كل لحظة، فإن ~~رأى ms151 أمير المؤمنين، أيده الله، ذلك صوابا قدمه إن شاء الله، وأظهر الخروج ~~لهذه القصبة. # فحدث أحمد بن محمد الواسطي قال: قال لي أحمد بن طولون: أليس الرأي عندك أن أخرج ~~بجميع جيشي وعدتي كلها حتى أنتاش أمير المؤمنين من تلاعب أخيه الموفق به وأنقل كرسي ~~الخلافة إلى مصر؟ فإن بيعته التي في عنقي تقتضي هذا له مني. فقلت له: ما تبلغ معرفتي ~~وفهمي الكلام في هذا الباب، ولكن في محبسك من إن أحضرته واستشرته أشار، لفهمه ~~ورجحان عقله، عليك بالصواب. فقال: ومن هو هذا؟ فقلت: محمد # 44 # بن إسماعيل بن عمار، فقال لي: صدقت إنه لكذلك، ولولا نفوري منه لخوفي من ~~غوائله ودهائه لما كان بحيث هو، وكان معي في أجل حال، فأحضرنيه. فوجهت من وقتي ~~فأحضرته، فأدخل إليه وهو بحاله التي هو عليها من المطبق، وعليه قميص غليظ، ولم يكن ~~يلبسه أحد سواه، وقد اسود من طول دخان السراج، وشعره قد طال حتى سقط على وجهه، ~~لمكثه في المطبق، فاستدناه فدنا قليلا، ثم استدناه ثانية فدنا، وقال: ما أرضى ~~رائحتي للأمير أيده الله. # فقال له: «دعوتك لأستشيرك في أمر أردت أن أفعله، لعلمي بجودة رأيك وصحة فهمك. فقال ~~له: أين الرأي مني اليوم، أيها الأمير، وهذه حالي؟ فقال له: أنت أوفى رأيا، وأذكى ~~قلبا، من أن يختل عليك ما التمسته منك، أو يعتريك ما يعتري ذوي النقص. فقال: ~~يقول الأمير، أيده الله، ما شاء، والله، جل اسمه، الموفق. فقال له: إن أبا أحمد ~~الموفق قد احتوى على أخيه أمير المؤمنين المعتمد بالله، ونفذ أمره في كل ما يريد، ~~وتمكن من إعناته بمن ضم إليه أمير المؤمنين من الرجال والجيش الذي استدعاه منه ~~لقتال البصري، فلما حصل ذلك له صارت له عدة على أمير المؤمنين، وقد خفت حنثي في ~~يميني التي له في عنقي، إن قعدت عنه، وقد عزمت على الخروج إليه بنفسي وجميع جيشي، حتى ~~أنصر دعوته، وأنقله إلي، فما ترى؟» # فقال: «إن من الخطر العظيم أولا خروج الأمير ms152 بنفسه، وجميع جيشه وعدته؛ لأن الحرب سجال، # 45 # والظفر بحسب التوفيق، فأخاف أن يلحق الأمير، وأعيذه بالله ، هزيمة فلا تكون ~~له بعدها قائمة. ولأن يكون الأمير، أيده الله، من وراء من يبعث به إلى هذا الوجه، ~~وهو مادة له، أولى من أن ينفذ بنفسه. وبعد هذا فأرى كلام الأمير كلام من قد لهج ~~من نصرة المعتمد، وما يريده من رد أمره إليه، مما لا يراه له المعتمد، ولا يعتد به ~~له؛ لأنه رجل مشغول بلهوه، منهمك في لذاته، بمعزل عن حسن تدبير، وأن يكافئ عن ~~فعل جميل. # أرأيت أيها الأمير لو انتقل إليك، وتمت للأمير حمايته من أخيه، وأجابك إلى ما ~~دعوته إليه، أكان له في قصرك دار يسكنها غير دارك؟ فأول ما يستعجل الأمير أن ينتقل عن ~~هذه الدار إلى ما لا يقاربها ولا يدانيها، بل يضيق بمن يحوطه، بل لا يسع بعضهم، ثم ~~يكون الأمير إذا دخلها كبعض الزوار. # ثم أنت أيها الأمير الآن المتبوع الأمر، فلا تلبث أن تصير التابع المأمور، ولعله أن ~~يكون عنده آثر الناس مله أو مغن أو نديم، لا يعشر # 46 # غلام الأمير، وليس له منه منفعة في أمر، ولا يحمل عنه شيئا من ثقل، ولا ~~يزيد على أن يلهيه، ويسهل موارد أموره ومصادرها عليه. # وأقل ما في هذا الباب الثاني أنه إذا دخل الأمير للسلام يكون قائما، وذلك النديم ~~أو الملهي جالسا، لموضعه منه، ومنبسطا إليه. ولعل هذا إذا شاهده الأمير أخرجه إلى ~~أكثر مما خرج إليه أخوه الموفق فيه، ثم لا يأمن الأمير أن يسأله بعض غلمانه في ~~ضيعة من ضياعه أو عمل فيه أخص غلمان الأمير، فلا تمكنه مخالفته في كل ما يستدعي ~~منه، ثم اعتراضات حاشيته في البلد وأصحابه، وكذلك في الأعمال، وطلبهم ما يشق على ~~الأمير ويعظم، فلا يتهيأ له منعهم، فإن منع أغضب أمير المؤمنين، ثم الأمير بعد هذا ~~غير آمن من أن تحمله المحافظة لمن يسأله استنزالك عن موضعك فيجيبه، ليكافئه على حال ~~قد تقدمت له ms153 عنده إلى محبته، ولا يخالف إرادته. # وحسبك أيها الأمير أن تستدعي رجلا إلى بلدك وملكك، فإذا بلغته الغاية القصوى، ~~وسوغته كل ما كدحت فيه دهرك، رأى أن ذلك كله له ومن حاله، وأن الذي قد بقي معك ~~مما تتجمل به بين يديه له دونك، وأن إبقاءه لك تفضل عليك. # إن من إقبال الأمير ما يلحق المعتمد من أخيه؛ لأنه يجد بذلك الحجة على خلافه وترك ~~الائتمار له، وإسقاط اسمه والدعوة له وتأليب # 47 # الأولياء عليه، وفي هذا ما يتهيأ له بلوغه من معونة أمير المؤمنين، وما ~~يثني أخاه عليه فيعود له إلى إرادته ويزول عنه ما يكرهه، وما أحب، أيها الأمير، ~~إظهار هذا الاجتهاد العظيم في قهر الموفق ونصرته لأخيه عليه، لما يتخوف من مثله ~~لقوة يده وكبر أمره وتمكنه، والذي أرى، ولرأي الأمير، أيده الله، فضله، ألا ~~يفعل ما إذا فعله جرى الأمير فيه بينه وبين أمير المؤمنين على ما شرحته له، مما يخرج ~~الأمير معه إلى أكثر مما خرج أخوه إليه.» # فقال له أحمد بن طولون: حسبك حسبك. وأمر برده إلى محبسه. # قال أحمد بن محمد الواسطي لأحمد بن طولون: أيها الأمير، أكان جزاء هذا الرجل على هذا ~~الرأي السديد الصحيح الذي قال فيه الحق ومحض النصيحة أن يرد إلى محبسه؟! قال: ~~نعم، إني تأملت أمره فوجدته قد نصحني في دنياي وغشني في ديني وآخرتي، ثم تأملت ~~رأيه وجودته وصحته وما حضره منه بغير فكر ولا استعداد وهو على هذه الحال الصعبة ~~القبيحة المفنية للحس فضلا عن غيره، فكيف لو رأى نفسه مطلقة وهو نافذ الأمر والنهي ~~يأكل طيبا ويلبس لينا ويشم عطرا؟ [إذن] لاستد رأيه، ولبعد غوره، وتمكن من ~~عدوه، بقوة حيلته، وحزم رأيه. إن أجهل الأمراء من أعطى مقادته للكتاب العقلاء؛ ~~لأنهم أسد الناس رأيا وأقلهم دينا، بل يقبل رأيهم من غير أن يظهر لهم فيه ~~استصابة! # قال أحمد بن محمد الواسطي: فعجبت من قوله، وازددت حذرا له وخوفا منه، وكان ابن ~~عمار البائس قد ظن ms154 بإخراجه إياه إليه، ومشاورته له وما محضه من النصيحة في مشورته، أن ~~في ذلك فرجه وخلاصه وانحلال عقدته، فلما رده إلى الحبس أيس مما كان يتوقعه من ~~الفرج، وصدع قلبه الغم فمات. # قال مؤلف هذا الكتاب: وورد كتاب طيفور خليفة أحمد بن طولون من الحضرة يذكر وصول ~~رسول أحمد بن طولون وكتابه إلى المعتمد والمال المسفتج، # 48 # وأنه خارج إليه مع المعتمد، ويذكر في كتابه أن يتأهب لموافاته إليه كما ~~استدعاه، فقد تم عزمه على المسير إليه، وأنا بين يديه أخدمه إلى أن يصل إليك إن شاء ~~الله. # فلما قرأ أحمد بن طولون كتابه بذلك، أحضر شيوخ كتابه وقواده وشيوخ البلد، ~~وأحضر ابنه أبا الجيش فاستخلفه على البلد، وخلف معه جماعة من شيوخ قواده منهم ~~محمد بن أبا وغيره، ووصاه باتباع أمرهم ووصاهم به، وأكد على الجماعة في مراعاة ~~البلد والرعية، والمحافظة على ما يكون منه تمام السياسة واستقامة الحال وحسن ~~الأحدوثة، وحذر ابنه من التشاغل بلهو أو بشيء غير ما قلده إياه، وخرج إلى الشام ~~وحمل معه ابنه العباس مقيدا في قبة، وهو يظهر في قوله وفعله أن خروجه لنصرة ~~المعتمد، والكامن في صدره لؤلؤ غلامه، وهو يود أن الأرض طويت له إليه، أو قذفته ~~بين يديه، وهو على غاية من الكآبة والغم بأمره، وكان قد استقر عنده أن الموفق قد ~~أنفذ إليه الخلع، وأنها قد وصلت إليه، ولم يتحقق وصوله هو إليه، فلما بلغ الرملة ~~صح عنده دخول لؤلؤ العراق، وذلك في آخر سنة ثمان وستين ومائتين. # وكان محمد بن سليمان كاتب لؤلؤ من أحذر الناس من أحمد بن طولون وأشدهم فزعا ~~منه، لمقدمات كان يعرفها منه؛ منها أن أحمد بن طولون كان يؤدب الكاتب كثيرا على ~~ذنب الصاحب، ومنها أنه رأى فيما يرى النائم كأنه يكنس قصره داخله وخارجه بمكنسة في ~~يده، فلما انتبه طلبه ليبدأ به، فلخوف لؤلؤ عليه من حال لعلها تأتيه ولم يعلم ~~بالرؤيا أخفاه، وقال: وجهت به في مهم لي وأنا أوجه أحضره. ms155 وأمره بالخروج إلى ~~الشام يتقدمه. # 49 # وإنما أراد أحمد بن طولون أن يعمل في أمر محمد بن سليمان، كما صنع في أمر صنم كان في ~~عين شمس، # 50 # وذلك أنه كان بعين شمس صنم على مقدار الرجل المعتدل الخلق من كذان # 51 # أبيض حسن الصورة، يخيل لمن استعرضه أنه ينطق. فحدث إبراهيم بن كامل المصور # 52 # أنه وصف لأحمد بن طولون فأحب رؤيته، فقال له خادم له نصراني ثقة عنده ~~في جميع أحواله في داره، يقال له ندوسة: ما أختار [أن] يراه الأمير، أيده الله. فقال ~~له: ولم؟ قال: لأنه ما رآه وال قط إلا عزل. فركب إليه في سنة ثمان وخمسين ~~ومائتين فتأمله، فلما رآه أحضر القطاعين وأمرهم أن يجتثوه من الأرض، فوضعوا ~~الفئوس عليه، فلم يتركوا منه عضوا صحيحا على الأرض، حتى درس وعفا خياله وذرى ما بقي ~~حياله في الصحراء، ثم دعا بندوسة خادمه فقال له: يا ندوسة، من صرف [منا] صاحبه؟ فقال: أنت أيها الأمير، صرف الله عنك كل محذور. وعاش أحمد بن طولون بعده اثنتي عشرة سنة ~~[أميرا]، وإنما حمل محمد بن سليمان الخوف منه والحذر على أن حسن لصاحبه لؤلؤ ~~الذهاب عنه إلى الموفق، لتسلم منه نفسه ويأمن عليها من مكروهه. # قال مؤلف هذا الكتاب: فلما بلغ أحمد بن طولون إلى دمشق، وشاع الخبر بحركة المعتمد ~~إلى مصر، أقام أحمد بن طولون بدمشق مترقبا له، حتى وافاه خبر المعتمد مع رسوله ~~النافذ كان إليه بالمال، يخبره بحركته إليه، وقد فصل من الحضرة، وأنه يسلك على طريق ~~البرية إلى مصر بمن خف معه من ثقاته، فاضطرب أحمد بن طولون لذلك، وتندم على ~~مكاتبته بما حركه على المسير إليه، وتبين كل ما ذكره له ابن عمار أنه يكون كله، ~~فقلق لذلك وتصبر له، حتى أتى من إقباله ما لم يكن في حسبانه، وبما جرت به عادة ~~الله، جل اسمه، عنده. # ورد عليه كتاب طيفور خليفته يقول: قد كنت على المسير إليك مع أمير المؤمنين ~~المعتمد حتى ms156 جرى ما أوجب تأخره، فتأخرت بتأخره، وأرجو أن تكون الخيرة للأمير، ~~أيده الله، في ذلك إن شاء الله؛ وذلك أنه لما قرأ كتابك، ووقف على ما دعوته إليه ~~من المسير إلى ناحيتك، سره ذلك وشكره لك، وأظهر الخروج إلى النزهة، وأخرج معه أخاه ~~أبا عيسى وإبراهيم بن مدبر وأحمد بن خاقان وخطارمش وتينك، # 53 # وسار على كتيبة يريد مصر، فبلغ أخاه أبا أحمد الموفق خبره، فكتب إلى إسحاق ~~بن كنداج الخزري يعرفه أن أخاه قد خرج قاصدا إلى أحمد بن طولون، ومتى تم هذا الأمر ~~استولى أحمد بن طولون على أمره، فلم يكن لكم ولا لأحد منكم مقدار، ولم يلتق اثنان في ~~عسكر الموالي، إن صح ذهابه وتم إلى ابن طولون يتجنب عن وجه العدو، ويتمكن # 54 # من الدخول إلى السلطان، فيكون ذلك سببا لزوال دولة بني العباس. ويناشده ~~الله، جل وعز، في كتابه في تجديد العناية في رده، ووعده إن رد المعتمد أقطعه ~~إقطاعا واسعا ووصله بالمال الجزيل، وزاد في رياسته ومحله، وذلك في جمادى الأولى سنة ~~تسع وستين ومائتين. # فلما قرأ إسحاق بن كنداج الكتاب حركه على ما استدعاه منه الموفق الحسد لك أيها ~~الأمير، والطمع فيما وعده به، ورحل إليه راغبا راهبا في خيل جريدة في أربعة آلاف ~~غلام، من نصيبين # 55 # إلى الموصل، فسأل عن المعتمد، فقيل له إنه قد رحل عنها في أمس ذلك اليوم. ~~ووجد له مراكب وحراقات وسفينتين، فيها متاعه وحرمه بموضع يعرف بالدواليب، ~~ووكل بهم ومنع من سيرهم، وأمر الموكلين ألا يطلقوا لأحد من أسباب المعتمد أن ~~يتجاوز الموصل، وسار حتى لحق المعتمد بين الموصل والحديثة، فضرب مضربه دون مضارب ~~أصحاب المعتمد، وسار إليه فلم يلقه أحد من أصحاب المعتمد، حتى وقف بباب مضربه، فخرج ~~إليه نحرير الخادم فسلم عليه، ودخل فاستأذن له، وأمره بإدخاله إليه، فدخل إليه ومعه ~~محمد ابنه وحبشي ووصيف ابنا أخيه وطيب بن صفوان وجماعة من وجوه قواده، فسلم على ~~المعتمد، ووقف بين يديه، فقال له المعتمد: يا ms157 إسحاق، لم منعت الحشم من دخول ~~الموصل؟ - لأن الخبر بلغه، وكان بين يديه يومئذ أحمد بن خاقان وخطارمش وتينك - فقال: ~~يا أمير المؤمنين، وما دخول الحشم الموصل ؟ قال: لأني آثرت دخولها. قال: لا والله، ~~أيد الله أمير المؤمنين، ما إلى ذلك سبيل؛ أخوك في وجه العدو، عدوك وعدو دولتك يقف ~~على زوالك عن مستقرك، ومدينة آبائك، فينصرف عن مقاومته ويخلي بينه وبين دار ملكك، ~~وبهذا جاءني كتابه. فقال له المعتمد: أفغلامي أنت أم غلامه؟ فقال: كلنا يا أمير ~~المؤمنين غلمانك ما أطعت الله، فإذا عصيته فلا طاعة لك علينا. فقال له: وما معصيته؟ ~~فقال: تخليك عن دار ملكك ودار آبائك وتركك أخاك وهو مجاهد عنك وعن دولتك لعدوك ~~فتظعن عن مستقرك، وفي هذا عصيان الله، عز وجل. ثم خرج من المضرب، وخلف أصحابه معه ~~بين يديه. # ووجه إلى المعتمد يقول: إن رأى مولاي أن يبعث إلى أحمد بن خاقان وخطارمش وتينك ~~لنتشار فيما نحن فيه فعل. فوجه بهم إليه ومعهم إبراهيم بن مدبر، وسار معهم إلى ~~مضربه، فلما حصلوا فيه قال لهم: علمتم أنه ما جنى أحد على الإسلام جناية أعظم من ~~جنايتكم، قالوا: وكيف؟ وما هذه الجناية؟ فقال: أولها إخراجكم الخليفة في عدة يسيرة، ~~وهذا هارون الشاري # 56 # في جمع عظيم ما رآه، فلو علم به لأسره، فكان قد حصل الخليفة مأسورا ~~في يدي الشاري، فكانت تكون فضيحة ليس أعظم منها، فلولا تحصنكم الساعة في عسكري لكان ~~هذا، ولقتلتم وذهب الخليفة. وأحضر القيود وقيد الجماعة، ووجه فقبض على ~~مضاربهم، بجميع ما كان لهم فيها. # فلما أمسى الليل بعث ابنه محمدا وبابني أخيه في جماعة ليحفظوا المعتمد، فلما ~~أصبح دخل على المعتمد فسلم عليه وقال له: يا أمير المؤمنين، الأمر مضطرب بناحية أخيك ~~لانزعاجك عن مستقرك، وما مقام مولاي ها هنا معنا؟ فقال له: احلف لي أنك تنحدر معي ولا ~~تسلمني. فحلف له وانحدر به إلى سر من رأى، فقال المعتمد في ذلك: # أصبحت يملكني من كنت أملكه # وصار يأمرني ms158 جهرا وينهاني # وصرت في حجره طفلا يروعني # أخشاه حقا كما قد كان يخشاني # فالحمد لله شكرا لا شريك له # على الذي خصني منه وأولاني # 57 # فلما بلغوا سر من رأى تلقاه أبو العباس بن الموفق وصاعد بن مخلد فسلمه ~~إسحاق إليهما، وانصرف إلى دار الخليفة ينتظر عودتهم، فأنزلا المعتمد دار أبي أحمد بن ~~الخصيب التي في طرف الجسر، ومنع من نزول الجوسق والمعشوق، # 58 # ووكلا به قائدا في خمسمائة رجل، يمنعون أن يدخل إليه أحد، فقال المعتمد ~~للموكل به: ما أنت؟ قال: أخدم أمير المؤمنين. قال: هذا توكيل مليح. # وعاد أبو العباس بن الموفق وصاعد كاتب الموفق إلى إسحاق بن كنداج، فخلعا عليه خلعا ~~حسانا، وركب من دار الخليفة وعليه تاج ووشاح وسيفان، ولقب بذي السيفين، و[كل] ~~ذلك غرق بالجوهر، # 59 # وعقد له على مصر مكان أحمد بن طولون، وأقطع ضياع القواد الذين كانوا مع ~~المعتمد، ومبلغ مالها عشرة آلاف دينار في السنة، وسلمت إليه نعمهم. # فلما وقف أحمد بن طولون على هذا كله من كتاب صاحبه إليه، وتواترت الأخبار أيضا ~~به، والكتب إلى سائر الناس، أقام بدمشق ووجه فأحضر قضاة أعماله، وفيهم العمري ~~وأبو حازم وبكار بن قتيبة فاستفتاهم في خلع أبي أحمد الموفق، فكل أفتاه بخلعه إلا بكار # 60 # بن قتيبة فإنه تلكأ في ذلك، فتغافل عنه أحمد بن طولون، وحقدها في نفسه، ~~وكتب كتاب الخلع على نسخ، وأنفذ إلى كل عمل من أعماله نسخة تقرأ على المنبر في ~~جميع أمصاره وتخلد، فمن جوامع ذلك: # بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أجمع عليه القضاة والأولياء ووجوه أهل الأمصار، حين ~~أحضرهم أحمد بن طولون مولى أمير المؤمنين مجلسه، بمعسكره في مدينة دمشق سنة تسع وستين ~~ومائتين، وسألهم عما يوجبه ما أقدم عليه الناكث أبو أحمد في أمير المؤمنين المعتمد ~~على الله، من إيقاع الحيل على فض جيوشه، وتشريد حماته، بحملهم على السيف مرة وقتلهم ~~بالسم أخرى، ثم تخطى ذلك إلى إخافة سربه، وحمله على الائتمار له في كثير مما ms159 ~~يؤثره، مما يضع به من منزلته، وينقص من محله، فلما كثر هذا عليه، وخافه على نفسه؛ ~~أجمع على النفوذ إلى أحمد بن طولون للاعتصام به؛ إذ هو ثقته وعمدته وممن خلص له على ~~التجربة، بتوقفه عن مكاره الخلفاء قبله، وإن أبا أحمد لما رأى ذلك خاف أن يظل ~~مأمورا بعد أن كان آمرا، وكتب إلى إسحاق بن كنداج في قصده ورده، فشخص إليه في جمع ~~كثيف حتى وافاه بين الموصل والحديثة فرده، وأمير المؤمنين يناشده الله ويذكره به، ~~ويخوفه مروقه عن الدين، ونقضه ما أكدته عليه البيعة، وإنما قدم عليه وقد فارق ~~الطاعة، وبرئ من الذمة، ووجب جهاده على الأمة، فلم يصغ إلى ذلك، ولا اكترث به، لما ~~جعل له على ما يأتيه من أمره من الحطام، فشرهت نفسه إليه، وإلى ما استباحه من مال ~~من أقام على الطاعة، ووفى بالعهد والذمة، حتى أدخله سر من رأى مأسورا، وسلمه ~~إلى صاعد بن مخلد فحبسه ووكل به، ومنع من جميع أهله وولده وشمله، فأصلح مقبوض ~~اليد، بعيد الناصر، يخاف على نفسه آناء ليله ونهاره، عرضة لسوء القول وقبيح الفعل، ~~فالأمة في حرج من القعود عن نصرته، والأولياء في حنث من نقض بيعته، والسنن دائرة، ~~والأحكام ضائعة، والحق منتبذ، والعدل شارد، وغير الله، عز وجل، تنتظر، فرأى كل من ~~حضر خلعه مما كان أمير المؤمنين بته له من ولاية عهده، والتبري منه، والجهاد له؛ ~~إذ كان قد منع حقوقا ثلاثة؛ أولها حق الإمامة، والثاني حق الأخوة، والثلث حق النعمة ~~عليه. وأوقع من حضر من الحكام شهادته عليه وفتياه به، فكتب بذلك عشر نسخ نسقا ~~واحدا لا يغاير بعضها بعضا، وفيها خطوط القضاة بما نسخته: # يقول عبيد الله بن محمد العمري القاضي بجندي قنسرين والعواصم والثغور الشامية، وجندي حمص # 61 ~~[وأنطاكية]: قد قرئ علي هذا الكتاب، وهو قولي، والحق عندي، والذي ~~أفتيت به، لما صح عندي من غدر الناكث المعروف بأبي أحمد، وتعديه وخروجه عن طاعة ~~أمير المؤمنين، أيده الله، وأنه قد استوجب ms160 بما كان منه، مما سمي، ووصف في هذا ~~الكتاب، إسقاط اسمه وخلعه وترك الدعاء له، وأنه غير مستحق لإمامة المسلمين، ولا ~~مأمون عليهم، ولا موثوق به في ذلك، وأشهدت علي وعلى فتياي من أثبت شهادته في هذا ~~الكتاب. وكتب عبيد الله بن محمد القاضي بخطه، في يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة خلت ~~من ذي القعدة سنة تسع وستين ومائتين. # وكتب عبد الحميد: يقول عبد الحميد بن عبد العزيز القاضي بدمشق والأردن وفلسطين: قد ~~قرئ علي هذا الكتاب وهو قولي، والحق عندي، وهو الذي أفتيت به، وقد صح عندي غدر ~~الناكث المعروف بأبي أحمد، وتعديه وخروجه عن طاعة أمير المؤمنين، أيده الله، وأنه ~~قد استوجب بما كان منه إسقاط اسمه وخلعه، وكتب بخطه. # وكتب أحمد بن أبي العلاء قاضي ديار مصر بمثل ما كتب صاحباه حرفا بحرف. # وتوقف بكار بن قتيبة في شهادته، فغضب أحمد بن طولون لأنه لم يشرح كما شرحوا، ولا ~~شهد كما شهدوا، وتوقفه كان لموضعه من الورع والدين، فكتب: شهد بكار بن قتيبة ~~القاضي بمصر والإسكندرية ونواحيهما على ما سمي ووصف في الكتب من أولها إلى آخرها من ~~إحسان أمير المؤمنين، أيده الله، إلى الناكث أبي أحمد بن جعفر المتوكل على الله ~~وتفضله عليه، وبما كان من تعديه على أمير المؤمنين، وأن الناكث أبا أحمد قد استحق ~~بما كان منه خلعه وترك الدعاء له. وكتب بكار بن قتيبة بيده. # وأنفذت النسخ، فكان الخاطب إذا دعا للمعتمد في أعمال أحمد بن طولون قال بعد ~~ذلك: اللهم استنقذه ممن أسره وجار عليه وقصده، يريد الموفق، ثم يدعو للمفوض ثم ~~لأحمد بن طولون. وكتب إلى ابنه أبي الجيش يأمره بأن يبعث إلى مكة قائدا جلدا في ~~عسكر كثيف، يمنع من أن يدعى لأبي أحمد على منابر مكة أو بالموقف أو عرفات، فأخرج لذلك ~~المعروف بالغنوي وابن السراج في جيش ضخم، وأقبل من العراق مع الحاج قائد يعرف بابن الناعمودي، # 62 # وكان على مكة يومئذ هارون بن محمد العباسي، فعاون أهل ms161 مكة أهل العراق ~~فكانت الهزيمة على المصريين، فجرى من ابن السراج كلام كتب به أصحاب الأخبار إلى أحمد ~~بن طولون فأنكره، فلما قدم أمر به إلى المطبق. # 63 # قال مؤلف هذا الكتاب: فلما بلغ الموفق ما عمله أحمد بن طولون من إسقاط اسمه ~~وترك الدعاء له، أمر بلعنه على المنابر، وخرجت براءة بلعنه إلى سائر الأمصار جميعا، ~~فكانت نسختها: # إن الله، عز وجل، قرن بطاعته طاعة رسوله # صلى الله عليه وسلم # وطاعة أولي الأمر، ~~انتخبهم لإعزاز دينه، وإقامة معالمه، فقال جل من قائل: # يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم # فإن عدو الله المباين لجماعة ~~المسلمين، المعروف بأحمد بن طولون، أظهر ما كان منه من معصية وشقاق، فيما بين ~~أقاصي المغرب إلى أكناف العراق، # 64 # ومرق من الدين، وخالف أمير المؤمنين، وأخرب ثغور المسلمين، ~~وقاتل فيها المجاهدين بأهل الفسق الملحدين، واستباح حريمهم، وسفك دماءهم، ~~فلما تبين أمير المؤمنين أمره، وعرف كفره، تبرأ منه إلى الله، عز وجل، ~~ولعنه لعنا ظاهرا وأمر بلعنه ليلحقه ذلك من خواص الأولياء وعوام الرعية، ~~اللهم فالعنه لعنا يفل حده، ويقل جنده، ويتعس جده، واجعله مثلا ~~للغابرين، إنك لا تصلح عمل المفسدين، يا رب العالمين. # وكان أحمد بن طولون لما أسقط اسمه والدعوة له على المنابر، أمر أن يمحوا اسمه عن ~~الطرز التي قد كتبت قبل ذلك، ولا تكتب فيما يستأنف، فلم يبق بمصر ولا بنواحيها ~~ثوب على طرازه اسم الموفق إلا نقض، فلحق الناس في ذلك مشقة. # وعمل شعراء الشام في حضرة الخليفة أشعارا كثيرة، فمن ذلك ما قاله إسحاق بن طريف ~~المخزومي في شعر له طويل: # كيف يرجى للعهد من نقض العه # د ولم يرع حرمة الأجداد # ناكث قد أضل قوما أطاعو # ه على نكث بيعة وفساد # أي صوم لنا وأي صلاة # وإمام الهدى أسير الأعادي؟! # أي عذر لكم بخذل إمام # لابس ثوب خيفة واضطهاد؟! # وقال عبد الرحمن بن سلامة الشيباني: # هذا الخليفة في فنا أعدائه # متذلل لهم أخو استسلام ms162 # متوقع للقتل كل عشية # وصباح يوم غد من الأيام # يبكي على أولاده وعياله # كبكاء ذات الثكل والأيتام # غدروا به غدر الجحود لكل ما # قد كان أولاهم من الإنعام # وقال منصف بن خليفة الهذلي في شعر طويل له: # أمسى الخليفة بعد العز مأسورا # وأصبح اليوم مقهورا ومحزونا # لم يرع ذمته أهل العراق ولا # حموه حين غدوا لله عاصينا # سلوا عليه سيوف الغدر [مشرعة # لقتله] وأبانوا ما يسرونا # يكلفون ولي الله داهية # والله يكره فيها ما يحبونا # خليفة الله مأسور ومضطهد # والناس في دار لهو ما [يبالونا] # وقال النابلسي الضرير من شعر له طويل يخاطب فيه أحمد بن طولون: # يا سمي النبي لا نسي الله # لك الذب عن حريم النبي # دولة الدين والخلافة عزت # بك لا بالطريد عنها البغي # يعني أبا أحمد الموفق لما نفاه المهتدي فرده المعتمد: # أيزال اسمه على الرغم من كل # مقام امرئ كريم سني # رام ما لن يناله فلقد خا # ف وخاب اعتصامه بالخصي # يعني اعتصامه بيازمان الخادم. # ولبعدا له و[سحقا] لإسحا # ق اليهودي دينه الخزري # يعني إسحاق بن كنداج في معاضدته له على المعتمد. # وقال محمد بن بشر العنسي: # يا بني الدين من مراد وقحطا # ن وأكفائهم من الأقوام # ضاربوا عن خليفة الله بالبي # ض وقوموا به قيام الكرام # حسبكم سبة عليكم وعارا # دائما عيبه مدى الأيام # ما أصاب الإمام يوم ابن كندا # ج وقد [جد] أمر أهل الشآم # قال مؤلف هذا الكتاب: وتواترت الأخبار من الحضرة إلى أحمد بن طولون ظهر أبي أحمد ~~الموفق على الناجم البصري، وأنه قد شارف القبض عليه في آخر سنة تسع وستين ~~ومائتين، فخزله ذلك وأقلقه، وكان الموفق قد أراد لما كان فيه من الفضل والعقل، وجودة ~~التحصيل، أن يستشف أمر لؤلؤ في مولاه أحمد بن طولون، فقال له: تخرج إليه لتقاتله. ~~فأسرع الإجابة إلى ذلك فنقصه ذلك عنده ووضعه من عينه؛ لأن جميع ما كان يفعله الموفق ~~بأحمد بن طولون إنما كان غيرة عليه ألا يكون له كما هو لأخيه، ms163 وكان يقف على فضله ~~ومحله فيتأسف ألا يكون له ومعه. # فتقدم الموفق بأن يكتب جريدة بأسماء من شخص مع لؤلؤ، وأن تكون عدتهم مائة ~~ألف رجل فارس وراجل. وتقدم سرا إلى الكتاب بأن يدافعوا عن ذلك، فظن لؤلؤ أن ~~الأمر حق؛ فجدد آلته واستبدل بدوابه وزاد منها في عدتها، وشمر ذيله ~~لمحاربة مولاه، والموفق يتأمل من حاله في كل وقت ما قد عمي لؤلؤ عنه، ويقدر أنه ~~لا ينتقد عليه قبح ما قد عمل على أن يحمل نفسه عليه. # حدثنا عبد الله بن الفتح عن ابن الداية، وكانت له من أبي أحمد الموفق منزلة، قال: ~~لما تأمل الموفق أمر لؤلؤ وما عزم عليه في أمر مولاه؛ نغصه بعد سروره كان ~~لمجيئه إليه، فتوقف عن إنفاذه، وأمر كاتبه صاعد بن مخلد وجماعة من خاصته بمكاتبة ~~أحمد بن طولون، وتوبيخه على المبادرة بخلعه، وإسقاط اسمه، ويقولون: إنه إنما كان يجب أن ~~تفعل ذلك لو رأيت بالخليفة حادثا، فأما ولم يجر إلا منع أمير المؤمنين من فعل شيء ~~آثره لو بلغه لعاد عليه وعلى مملكته ضرر، فذلك غير منكر يوجب ما تسرعت إليه؛ ~~لأنه ليس قادحا في يمين، ولا مخرجا عن بيعة، ولا عادلا عن طاعة، وأنت تعلم أن ~~خواص الملوك يردون أمرهم في كثير مما يحبونه احتياطا لهم وعليهم، ولا يخرجون به ~~عن طاعة، ولا يحنثون في بيعة، وأنه قد كان يجب عليك أن تصون نفسك عن سوء الظن بنا، في ~~أننا نستجيز أن نحدث في أمير المؤمنين حادثة نبرأ إلى الله الكريم منها، ويحلفون أن ~~اللعن الذي خرج عن غير إرادة مني ولا محبة ولا اختبار، وأني لكاره لما جرى من ذلك، ~~ويشيرون عليه بأن يكاتبني بما يزيل به ما قد وقع بيننا وبينه. # قال: وكتب بما أمرهم به إليه عن أنفسهم، وحلفوا له على كراهية الموفق لما جرى من ~~اللعن وغيره، ويقولون في كتبهم إليه إن الأحسن بك والأجمل، لما خصك الله به من ~~الفضل، والمحل الجليل، والمروءة المقرونة بالدين، ms164 أن تكتب إليه تذكر فيه ما أنت مؤثر ~~له من طاعته، وما توجبه من حقه ورعايته، وما يشاكل ذلك مما أنت، بجميل فعلك ووافر ~~تحصيلك، أهدى إليه إن شاء الله. # وضمنت الكتب ما لا زيادة عليه من استعطافه، وما يبعثه على إجابتهم إلى ما حبوه ~~وأنفذت إليه بذلك، فلما وصلت إلى أحمد بن طولون الكتب علم أنهم لم يكتبوا إلا ~~بما اختاره الموفق وأمرهم به؛ فسره ذلك وأجاب جماعتهم يقول: إن الموفق أحد ~~مواليه، وإنه إنما انحرف عنه لحصره الخليفة وأسره إياه، وأنه لو خلاه مع اختياره، ~~وأزال عنه الموانع التي ألزمه إياها، ولم يحل بينه وبين أمره ونهيه، وامتثل أمره ~~على رسمه كان، ولم ينحرف عن طاعته، ولا عدل عن محبته وإرادته، لكان كبعض خدمه، وإن ~~جميع ما في يده من مال عمله محفوظ للخليفة، وإن أقام على ما هو عليه من حصره إياه في ~~يده وتوكيله به، حاربت عنه ولو لم يبق معي أحد، فإني أرجو أن أرزق الشهادة على ~~حسن الطاعة. # وكانت الكتب قد وردت عليه سرا فأنفذ الجواب عنها سرا، فلما وصلت إلى ~~الموفق ووقف عليها سره ما تضمنته، واستحسن هذا الفعل من أحمد بن طولون، وأن ~~ذلك منه إنما هو عن إرادة قوية في طاعتهم، ونية صحيحة في موالاتهم، وكان الموفق ~~كامل العقل، متمكنا من نفسه، حسن المعرفة، ذكي الروح، فسكن ذلك منه ما كان في ~~نفسه على أحمد بن طولون، وأمال قلبه إليه في كليته، وأيس من أن أحمد بن طولون يتخلى ~~عن القيام بأمر المعتمد، ففعل للمعتمد كل ما اختاره، ونقله إلى قصره، وبلغ له كل ما ~~يحبه، وأزال الموكلين عنه والتشديد عليه، فأضرب عن كل ما قد عزم عليه في أمره، كل ~~ذلك [رعاية] لأحمد بن طولون، ولكبره في نفسه وحاله وقوة يده، وفضله في قلبه، وامتثل كل ~~ما رسمه في كتبه وزيادة عليه رضا له، وراسل الموفق المعتمد يقول له ما اختار ~~لعنه وإنه لنادم عليه، وعلى كل ما جرى في ms165 أمره، وشكر له حسن محافظته عليه، وحسن ~~طاعته له، وسأله مكاتبته بما يزول به ما بينهما، فسر المعتمد هذا من أخيه ~~الموفق. # وكتب إلى أحمد بن طولون كتابا بخطه يسأله الرجوع عما هو عليه لأبي أحمد الموفق، ~~ويعرفه ما جرى في أمره، وما فعله ورجع عنه، ويشكره على ما كان منه حتى عاد له الأمر ~~كما أحب، ويسأله أن يرد الدعوة له على المنابر، وإعادة اسمه إلى الطرز، ويعود إلى ~~ما كان عليه من استقامة الحال، وأنفذ الكتاب إليه مع الحسن بن عطاف، وأنفذ معه كتاب ~~الموفق بخطه بإسقاط اللعن عن أحمد بن طولون، فلما بلغ الحسن بن عطاف الرقة ~~بلغته وفاة أحمد بن طولون فرجع إلى الحضرة. # وكان قد اتصل بلؤلؤ غلامه أن مولاه قد باع نساءه وأولاده في سوق الرقيق بمصر، وقبض ~~على جميع ما كان له في داره، فبلغ ذلك منه كل مبلغ، وأقبل إلى الموفق فبكى بين ~~يديه وقبل الأرض وعرفه ما بلغه عن حرمه وأولاده، وسأله إنفاذ الجيوش معه على ما ~~كان عزم عليه، وضمن له أنه المجهود في طاعته، حتى يأخذ له البلد، وبسط لسانه في ~~مولاه، ولم يدع شيئا يغري به الموفق ويوحش به قلبه على مولاه حتى نقله، ~~فوعده الموفق بإنفاذ الجيوش معه وخلع عليه، وحمل على دابة من دوابه، وتقدم ~~إلى الكتاب بتجريد الجيوش معه، كل ذلك سخرية به ومدافعة، إلى أن يرد الجواب مع ~~الحسن بن عطاف، فيقبض حينئذ على لؤلؤ رضا لأحمد بن طولون لما شاهده من انحرافه عن ~~مولاه، وقبح فعله بمن رباه وأحسن إليه، وكان هذا الفعل من الموفق لما فيه من ~~العقل والرياسة والمروءة، وعمل على أن يوكل به ويرده إلى أحمد بن طولون عند ~~ورود جوابه عليه. # قال مؤلف هذا الكتاب: و[ما] كان فعل لؤلؤ في أمر مولاه كفعل الخارجي في الحجاج بن ~~يوسف، على أن رأي الخوارج في الحجاج وغيره من الولاة معروف، حدث مروان بن الحكم ~~الأردني قال: أتي الحجاج بن يوسف بخارجي ms166 خرج عليه فقال: اضربوا عنق ابن الفاعلة. # 65 # فقال له الخارجي: بئسما أدبك أهلك يا حجاج، أبعد الموت منزلة ~~أصانعك لها؟ ما كان يؤمنك أن ألقاك بمثل ما لقيتني به؟ فقال له الحجاج: صدقت ، لله ~~درك! وأطلقه، فرجع الخارجي إلى [أهله]، فلما كان بعد وقت من الزمان عزم الخوارج على ~~قتال الحجاج، فقالوا لذلك الخارجي: ارجع معنا إلى قتال الحجاج ابن الفاعلة، فوالله ما ~~أطلقك هو بل الله، عز وجل، الذي أطلقك. فقال لهم: هيهات! غل يدا مطلقها، ~~واسترق نفسا معتقها # 66 # وأنشأ يقول: # 67 # أأقاتل الحجاج عن ملكوته # 68 # بيد تقر بأنها مولاته ~~[إني إذن لأخو الدناءة والذي # عفت على عرفانه جهلاته] # ماذا أقول إذا وقفت حياله # في الصف واحتجت له فعلاته # وتحدث الأقوام أن صنيعة # غرست لدي فحنظلت نخلاته # أأقول جار علي؟ إني فيكم # لأحق من جارت عليه ولاته # والله لا خنت الأمير بآلة # وجوارحي وسلاحها آلاته # أجد الخزاية أن أكون مصعرا # خدي أو مكفورة حسناته # 69 # فهذا على أنه خارجي لا عهد له ولا عقد، شكر الحجاج على ما فعله في أمره، وما من ~~به عليه، فمنعه ذلك من الإساءة إليه والعودة إلى ما يكره، ولؤلؤ كفر أيادي مولاه، ~~وإحسانه إليه، وإنعامه عنده، ولم يشكر شيئا منها ولا رعاه، وقد من عليه بالأموال، ~~وصير له الجاه العظيم، بعد أن رباه صغيرا في حجره كأحد ولده، وأوطأ عقبه # 70 # الرجال كثيرا، وأمره على من هو خير منه أما وأبا وحالا ومحلا، ~~لشتان بين الرجلين، والحديث شجون. # قال المنصور للربيع حاجبه ومولاه، وإنما ملكه كبيرا وقدمه واصطفاه رجلا: ~~يا ربيع، سل حاجتك؛ فلقد سكت حتى نطقت، وخففت حتى ثقلت، وقللت حتى كثرت. ~~فقال: والله يا أمير المؤمنين ما أرهب بخلك، ولا أستقصر عمرك، ولا أغتنم مالك، وإن ~~يومي بفضلك علي لأحسن من أمسي، وغدي في تأميلك أحسن من يومي، فلو جاز أن يشكرك ~~شاكر بعين الخدمة والمناصحة لما سبقني إلى ذلك أحد. فقال له: صدقت، علمي بذلك أحلك ~~مني ms167 هذا المحل، فسل حاجتك؛ فإني أقسم عليك لتفعلن. فسأله أشياء، فوقع له بها، ~~وبجائزة حسنة. # وما يشك في أن لؤلؤا قد وصل إليه من مال صاحبه أكثر مما وصل إلى الربيع؛ لأن ~~المنصور كان رجلا متقللا قنوعا، فكان في عطائه على قدر ذلك، ثم ازدادت حال ~~الربيع حتى قلده وزارته بلزومه مناصحته. # قال: ونزلت حال لؤلؤ عند الموفق ببغيه الوبي، وأصله الدني، وفعله الردي، حتى ~~قبض عليه، وأخذ جميع ما كان في يديه، فلما صيره ظرفا فارغا، أطلقه كلبا والغا، # 71 # كل ذلك كان من الموفق غيظا عليه، لما شاهده منه في أمر مولاه. # ولعهدي بلؤلؤ في آخر أيام هارون بن أبي الجيش خمارويه، وقد دخل إلى الفسطاط فما ~~رأوه إنسانا، ولا أولوه إحسانا، ومنعوه أن يلبس سيفا ومنطقة، فكان يركب ~~بدراعة وغلام واحد بين يديه، كأنه من بعض وكلاء الريف، فكان ما نزل به ثمرة العقل ~~السخيف والفعل القبيح. # | سبب موت أحمد بن طولون: ولكل أجل كتاب # قال مؤلف هذا الكتاب: أول ذلك أن يازمان الخادم، لما خلا ذرعه بوفاة موسى أخي ~~أحمد بن طولون وإبراهيم بن عبد الوهاب اليتيم، تمكن من طرسوس وخلت له، [فثار به خلف] # 1 # وكان قد استمال طائفة من مطوعيها، فوثبهم على خليفة طخشي الذي ~~استخلفه موسى عليها، لما حضرته الوفاة فأخرجوه عنها، واتصل خبره بأحمد بن طولون وهو ~~يومئذ بدمشق، وخاف التدبير عليه، فسلك طريقا متجانفة، ووجه إلى المخايض والقناطر ~~بمن يمنع منها أن تقع عليه حيلة فيها حتى بلغ المصيصة # 2 # فأقام بها، وكاتب يازمان وراسله بالشيوخ يدعوه إلى الطاعة وترك ~~المشاقة، والانقياد إلى أمره، ويبذل له الأمان، ويخيره بين الخروج منها سالما ~~مسلما موفورا، ويميت أسباب الشر والمحاربة، أو يقيم عليها غلاما من غلمانه من ~~قبله، فلم يجبه إلى واحد منهما، فدخل إلى أذنة # 3 # وكاتبه أيضا منها فلم يجبه، فزحف إليه فوجده قد تحصن بها ونصب ~~منجنيقاته وعراداته # 4 # على سورها، فنزل أحمد بن طولون بمرجها، وأحاطت عساكره بحيطانها، ففجر ms168 ~~يازمان عليهم نهر البردان، # 5 # وكان ذلك في كانون الأول، وأوان شدة البرد والمطر، فكاد أن يغرق أكثر عسكر ~~أحمد بن طولون، فرحل عنها ليلا بعد أن غرق المرج وما حول مدينة طرسوس، وغرقت المضارب ~~والخيم وكل ما كان في العسكر، فلم يتهيأ له مقام ساعة واحدة، ووافى إلى أذنة ~~فكتب إليه كتابا يقول فيه: # أما والله أيها الناقص الأنذل، # 6 # لولا [إرادة] إبقائي على ثغور المسلمين، وكراهتي أن أفتح عليها للعدو ~~معرة تكون سببا لهلاكها؛ لعلمت أن مثلك لا يقاوم غلاما من غلماني ولا يعشره، ~~فلما انتصرت بما فتحته فغرقت به ما لا يمكنه دفعه إلا بما فيه هلاك الثغر انصرفت ~~كافا يدي، محافظا لله، عز وجل، ولجماعة ساكني الثغر، لا محافظة لك ولا عجزا عن ~~حملتك الضعيفة والسلاح. # وأصبح أحداث طرسوس في حوا [؟] إلى ما غرق من الآلات التي ند عنها أهلها لما غرقت ~~بالماء فنهبوها. # وانصرف أحمد بن طولون عن يازمان، بغيظ عظيم، قد تمكن في قلبه منه، إن شفاه أهلك ثغور ~~المسلمين وبلغ منيته، فرأى أن كظمه وتحمل غيظه لما كان فيه من الدين والخير أعود ~~عليه في آخرته. # وطال مقامه بأذنة، وكان ذلك في عنفوان اشتداد البرد كما ذكرنا متقدما، فمات من ~~سودانه خلق كثير؛ لأنهم بقوا بطول مقامهم عراة في البرد. وتساقط من الدواب مثل ~~ذلك من كثرة الثلوج، فلما زاد الأمر عليه رحل إلى المصيصة، فاجتمع إليه وجوه قواده ~~وكبار أصحابه، فقالوا له: لا تبرح أو يزول هذا البرد، وتعود إلى يازمان ويمكنك ~~الله، جل اسمه، منه. فقال لهم: والله لا يراني الله، عز وجل، وأنا أجهز جيشا ~~لمحاربة طرسوس إذ كانت سكن الإسلام. # فأقام بالمصيصة ثلاثة أيام، وقد نالته علة من البرد، فلم يبلغ أنطاكية حتى زادت ~~علته، وكان بدؤها هيضة؛ أكل لبن جواميس، فاعتراه بعد الهيضة قذف فأعقبه قيء كثير، ~~فكان بدؤه سببا صغيرا كما قال ابن الربعي: # لا تحقرن سببا # كم جر شرا سبب! # وتزايدت علة الذرب، # 7 # وكان طبيبه ms169 سعيد بن توفيل # 8 # فوجده قد خرج إلى بعض الديارات هناك، فاغتاظ لذلك عليه، وضاق له صدره، ~~فزاده الغيظ هيضا، فلما وافاه طبيبه سعيد أغلظ له القول، ومنعته عزة نفسه أن ~~يشكو إليه أمره وما ناله، والعلة تزيد قليلا قليلا وتستحكم، ثم دخل إليه طبيبه ~~في الليلة الثانية فاشتم منه رائحة نبيذ، والنبيذ عند النصارى فهو والله دينهم ~~وعادتهم، وقال له: لي يومان في هذه العلة وأنت لاه شارب وتأتيني متنبذا. فقال ~~له: طلبني الأمير، أيده الله، بالأمس وكنت في بيعة # 9 # يتبرك مثلي بالصلاة فيها، ويسافر إليها من البلدان البعيدة، # 10 # فلما قربت منها استغنمت ذلك، فلما جئت لم يخبرني سيدي الأمير بما ~~جرى بعدي. فقال له: أفما كان يجب أن تسألني عن حالي؟ فقال له: خفت سوء ظن سيدي الأمير، ~~ولم يجز أن أسأل أحدا من الحاشية عما لا يعلمون صحته، وشربي النبيذ فإنما آخذ منه ~~الشيء اليسير؛ لأنا نأخذه في قرباننا دينا، لا أشربه كما يشربه الناس، وأنا مشغول ~~بخدمة الأمير. فقال له الأمير: فما الحيلة الآن؟ قال: تمتنع من الغذاء الليلة، فلا تذوق ~~شيئا قل ولا جل بوجه ولا سبب، ولو قرمت # 11 # إليه بكل نوع من الشهوة له، وتتحمل ذلك على كل حال. فقال له: ويحك فأنا ~~والله الساعة جائع شديد الجوع وما أصبر. فقال له: الله الله أيها الأمير؛ فإن هذا ~~جوع كاذب لبرد معدتك تجده. فلما كان في نصف الليل اشتد به الجوع فلم يصبر، وعاد ~~ذلك الحزم فيه نقصا، فدعا بشيء فأكله، وأتي بطبق فيه فراريج [حارة] مشوية وخروف ~~وجدي بارد، فأكل من كل ما رآه، فلما حصل في معدته انقطع عنه الإسهال. # قال نسيم الخادم: فلما وقفت على ذلك خرجت إلى سعيد بن توفيل وهو قائم في الدار، ~~فقلت له: قد أكل مولاي الساعة من خروف وجدي وفراريج وبزماورد # 12 # ودجاج، فخف عنه القيام وامتسك. فقال: الله المستعان، ولله أمر هو ~~بالغه. ثم قال لي: ضعفت قوة المدافعة بقهر الغذاء لها ms170 قليلا، وستتحرك حركة ~~شديدة. قال: فوالله ما جاء السحر حتى قام أكثر من عشرة مجالس. ورحل عن أنطاكية ~~وعلته تتزايد إلا أن في قوته احتمالا لها. ووافى إلى دمشق فأقام بها لتسكن ~~علته. # وكان ابن أبي الساج قد كاتبه، وعزم على أن يوجه إليه ابنه يكون عنده رهينة ~~بالوفاء، وإظهار الدعاء له في أعماله بالجزيرة، فظن أحمد بن طولون أن رأيه فيما أظهره ~~صحيح، فأنفذ إليه عبد الله بن الفتح وطبارجي ومعهما الخلع والجوائز والخيل، على أنه ~~إن وفى بما ذكره ودخل في طاعته سلما إليه المال والخلع وما حمل إليه، وثبتا اسم ~~أحمد بن طولون على الجزيرة وأعمالها. # ولما قرب طبارجي من ابن أبي الساج خشي أن يكون ذلك حيلة عليه، وكان أحمد بن ~~طولون قد تقدم إليهما بالقبض عليه فولى هاربا، فرجع طبارجي وابن الفتح إليه ~~فعرفاه بما فعل، فعجب من ذلك. # وخاف سعيد بن توفيل عليه من تزايد العلة، فأشار عليه بالرحيل إلى مصر، فاستخلف ~~على دمشق ابن دغباش، وقلد عبد الله بن الفتح الرقة، وجعل أنعج على السيارة بينهما، ~~ورحل على عجلة عملت له موطأة، يجرها الرجال قليلا قليلا؛ لأنه لم يتهيأ له ~~ركوب بغل ولا قبة؛ لئلا تتحرك على ذلك [علته]، فسار بهذه الحال حتى بلغ الفرما، # 13 # فشكا إزعاج العجلة أيضا له، فركب الماء في المركب يخب قليلا قليلا ~~حتى وافى إلى الفسطاط، وركب من ساحل الفسطاط قبة إلى الميدان. # فلم يستقر في داره حينا حتى أحضر بكار بن قتيبة القاضي فسأله عن امتناعه من التصريح ~~كما صنع غيره في أمر الموفق، وقال له: لم توقفت عن خلعه وقد حصر الخليفة وأسره ~~وقهره واستبد بالأمر دونه؟ أفمثل هذا لا يخلع؟ ويؤمر على المسلمين لمخالفته رب ~~العالمين. فقال له بكار: أنت أوردت علي كتابا من الخليفة المعتمد بتوليته العهد، ~~فلو أوردت علي كتابا من الخليفة المعتمد أنه قد [خلعه] خلعته، وأما بخلعك أنت له ~~أخلعه أنا لا يجوز لي غير ما عملته؛ إذ لم يجز ms171 لي أن أقبل الأمر بنصه. فقال له: ~~صدقت، أتيتك لعمري بكتاب منه بتقليده العهد وهو مطاع القول، وهو اليوم محصور مأسور ~~مضيق عليه، قد نكث عهده من قلده إياه، ولم يجازه على جميل فعله به، واستبد ~~بالأمر دونه وحصره وقهره، فوجب بذلك على المسلمين خلعه. فقال له بكار: ما أقول في ~~هذا شيئا إلا بحجة أثبتها. فقال له أحمد بن طولون: أنت شيخ قد خرفت، ونقص ~~عقلك، وأعجبك قول الناس: «بكار بكار» فدعاك ذلك إلى أن خرجت عن جملة من شهد ~~بأنه مستحق للخلع، وخارج عن طاعة أمير المؤمنين ممن فيه الخير والدين، ثم أقامه للناس ~~في الميدان، وأمر بتحريق سواده، فحرق وحبسه في داره، فكان بكار في كل جمعة يلبس ~~ثيابه وطويلته # 14 # ويخرج إلى باب الدار التي هو معتقل فيها، يريد الجامع الجامع لصلاة ~~الجمعة، فيقول له الموكلون: ما إلى الخروج، أيها القاضي، سبيل إلا أن نؤمر. فيقول ~~لهم: الله شهيد على أني أرجع إليكم. فيقولون له: ما إلى ذلك سبيل. فيقول: اللهم اشهد، ~~اللهم اشهد. ويرجع. فرفع ذلك إلى أحمد بن طولون فأرسل إليه يقول: زعمت أن المحجور ~~عليه يأمر وينهى ويكتب ويكاتب، فكيف حال الممنوع؟ فما تريد أنت أيضا؟ أردت علي ~~كتابا من الخليفة بتقليدك القضاء فأنفذت ذلك لك، والآن قد منعتك فتورد علي كتابه ~~بردك حتى أردك. فأقام في الحبس مذ قدمته الأولى من الشام إلى عودته الثانية ~~منها. # وتفرغ [أحمد بن طولون] لأشياء كانت في نفسه، فمنها هرثمة صاحب دار هرثمة، أوقع به ~~واصطفاه جميع ما ملكه وحبسه؛ لأنه كان رفع إليه أنه قال: توهمنا أنا نخدم إمارة، ~~ولم ندر أنها خلافة، إلا إنها خلافة وسخة مخوفة العاقبة. # وأنه اجتاز ببكار بن قتيبة وقد أقيم للناس فقال له: عز علي، كفانا الله وإياك، ~~فما هذا مقامك. فحبسه في المطبق حتى مات فيه. # وأوقع بزياد المعدني؛ لأنه بلغه عنه أنه سمع حسن بن مهاجر كاتبه # 15 # وقد لحن في لفظة، فضحك منها. وكان أيضا القواد ms172 كلهم يبغضونه ويسبونه ~~لفصاحته وعجمتهم؛ ولأن أحمد بن طولون تقدم إليه أن ينتسب إلى ولائه فقال له: أيها ~~الأمير، قال رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~: «ملعون من انتمى إلى غير مواليه.» وجماعة من ~~بالمغرب يشهدون بعتق أشهب لي. فأمسك عنه. وبلغه أيضا أنه كان يعيب ألفاظ أحمد بن ~~طولون، ويقول: كان أشهب مولاي أسد رأيا وأحق بالرياسة منه. فحبسه حتى مات في ~~حبسه. # وقبض على أبي الضحاك محبوب بن رجاء وأخذ جميع ما كان له وحبسه في المطبق، وقال ~~له: أنت كنت السبب في خروج ابني العباس إلى الغرب بالتضريب # 16 # بينه وبين الواسطي، وإنفاذك كتب الواسطي إلى ابني العباس بما كان يطالعني ~~به من أمره، وأغريته به وملأت صدره عليه، لتقتل الواسطي وتنفرد بموضعه. # وكان معمر الجوهري قد حسن له التجارة، فحمل إليه مالا على أن يشغله له في ~~كتان، فرأى فيما يرى النائم كأنه تمشش # 17 # عظما فدعا بالعسال المفسر، وكان حاذقا بالعبارة، # 18 # فقص عليه ما رآه فقال له: أسفت نفس الأمير إلى مكسب لا يشبه خطره ~~ومحله. فدعا بإبراهيم بن قراطغان وكان من أحد ثقاته، ويتقلد صدقاته، فقال له: امض ~~إلى أبي الحسن معمر، فخذ منه ثمن الكتان، وتصدق بجميعه، ففعل ذلك، وكان مالا ~~واسعا. # حدث إسحاق بن إبراهيم قال: قلت لسعيد بن توفيل طبيب أحمد بن طولون وقد صار إلي ~~بعد قدومه بيوم يسلم علي، ويشكو إلي ما عاناه من علة أحمد بن طولون، وكان يخدم ~~أبي وعمي قبله: ويحك، أنت حاذق في صناعتك فاره # 19 # فيها، وليس لك عيب إلا أنك مدل بها، غير خاضع لمن تخدمه بها، والأمير ~~وإن كان فصيح اللسان هو أعجمي الطبع، وليس يعرف أسباب الطب، ومقدار صناعته، فتدل ~~فيها عليه # 20 # فيحتمل ذلك لمقدار محل الطب والحاذق فيه، وقد أفسده أيضا عليك إقباله، ~~فالطف له وارفق به وداره، وخاطبه من حيث يشاء، واخدمه كما يختار، وواظب على أمره ~~واحتمل شيئا إن جرى منه، فإن احتمالك يثنيه عما لعلك ms173 تنكره. # فقال لي: والله ما خدمتي له إلا كخدمة الفأر للسنور، والسخلة للذئب، وحذري منه ~~كحذرهن، وإن قتلي لأحب إلي من صحبته؛ لأنه ينكر علي ما لا ينكر، ويخالف من ~~علاجه ما ينفعه، ويسارع إلى ما أحذره منه وأنهاه عنه، فإذا حدث ما يكرهه نسبني ~~إلى أني قصرت في علاجه وجعل الذنب لي. فقلت له: فأنت على هذا مرحوم، أعانك الله ~~بلطفه. # فلما اشتدت علة أحمد بن طولون أرجف إسحاق بن كنداج وابن أبي الساج بموته وأذاعا ~~[ذلك] وطمعا في الوثوب على أعماله التي تقرب منهما. وبلغ ذلك أحمد بن طولون فكتب ~~إلى أنعج يأمره بالمصير إلى عبد الله بن الفتح ليعاضده، وكتب إلى ابن دعباش يأمره ~~بمعاضدتهما إن احتاجا إليه، ووصاهم بأن تكون كلمتهم واحدة، وقلوبهم متفقة، وأمر ~~بمضاربه فأخرجت إلى منية الأصبغ، # 21 # وأنفذ إلى الشام جيشا فيه خاقان ويلبق، وأقام في مضاربه نحوا من شهر، ~~ونفذت بذلك الأخبار إلى ابن كنداج وابن أبي الساج فكف ذلك منهما طمعهما، ومنعهما ~~مما كانا قد عزما عليه. # وكان أحمد بن طولون إذا جرى ذكر إسحاق بن كنداج يقول: قال اليهودي كذا، وفعل ~~اليهودي كذا؛ لأن الخزر # 22 # كلهم يهود. # وأضر بأحمد بن طولون مقامه في مضربه لكثرة الهواء، فدخل إلى داره وعلته تزيد، ~~فأحضر الحسن بن زيرك الطبيب، فشكا إليه سعيد بن توفيل طبيبه. وكان ابن زيرك هذا حاذقا ~~أيضا في صناعته مقدما فيها، وذكر له توانيه في علاجه، فسهل عليه علته، ووعده ~~بالسلامة منها عن قرب، فأنس إلى هذا القول منه وفرح به، وخف عليه بالراحة في داره ~~والطمأنينة، وبملاطفة النساء له بالغمز مرة، وبالهدوء أخرى. ورفق النساء بالعليل ~~يحدث راحة، وكذلك محادثة الصديق المحب أو الصاحب المخلص، واستماع الأخبار ~~والأحاديث من جد وهزل تحدث سلامة وراحة قوية ومرحا في القلب، فهذا أجل ما ~~استعمله العليل. # فلما حصل لأحمد بن طولون هدوءه في داره، واجتماع شمله وسكونه، تبرك [بقول ~~الحسن] بن زيرك، فجعل يخلط فيما يأكله مع الحرم ثقة ms174 بقول ابن زيرك، ويسر عن طبيبه ~~وغيره ما يخلط به على نفسه، ولا يمتنع من شهوة يؤثرها، لقوة قلبه بقول ابن زيرك الطبيب ~~وما أطمعه فيه. وإنما قصد بذلك أن يكسره عن شكواه إليه طبيبه سعيدا، فكانت راحته التي ~~وجدها لا أصل لها، فازدادت علته بتخليطه. وكان قد اشتهى على أم أبي العشائر ابنه ~~سمكا قريصا # 23 # فأحضرته إياه فأكل منه، فما تمكن في معدته حينا حتى تدافع الإسهال ~~عليه وزاد أمره، فأحضر أطباء البلد كلهم وجعل الذنب لهم، وقال لهم: أخطأتم في علاجي. ~~وأرهبهم وأخافهم، وقال للحسن بن زيرك الطبيب، وكان قد سقاه دواء ممسكا: أحسب أن الذي ~~سقيتني إياه أمس كان غير صواب، وكذلك ما أسقيتنيه اليوم أيضا. فقال: والله ما أسقي ~~الأمير إلا ما أجتهد في الصواب فيه، وأتولى عجنه وعمله بيدي، وأعلم أنه علاجه ~~وموافق له، وكل ما تناوله الأمير، أيده الله، أمس واليوم فمحمود زائد في القوة ~~الممسكة ينهضها ويقويها في معدتك وكبدك. # وضاق صدر ابن زيرك من خطابه له، فقال: يحتاج الأمير، أيده الله، إلى إحضار جماعة ~~أطباء البلد كلهم، في غداة كل يوم، حتى يجتمعوا على المشاورة، ويتفقوا في أمره على ما ~~يسقونه، فلا يتناول إلا ما أشارت به الجماعة واتفقت فيه آراؤهم. فضيق هذا القول ~~صدر أحمد بن طولون، فقال: والله لئن لم ينجع في دواؤكم وتدبيركم لأضربن أعناقكم ~~بأسركم، فما أنتم إلا ممخرقون، وعلى الأعلاء متجنون، لا يحصل العليل منكم على ~~شيء في الحقيقة. # فانصرف الحسن بن زيرك من بين يديه وهو قلق بكلامه، [قد فعل] الخوف منه في قلبه ~~وعمل فيه الفكر، وكان شيخا كبيرا فحميت كبده عليه من الغم الشديد، وقوي عليه ~~الفكر فاختلط عقله، فبقي يومه وليلته يهذي بعلة أحمد بن طولون، ويورد كلامه له ~~وما توعد به الجماعة، فمات من الغد، وطلبه أحمد بن طولون فعرف موته فازداد غمه ~~وقلقه، وأمر بجمع الأطباء، فجمع له أطباء البلد الموصوفون في التقدم في الصناعة ~~والحذق، وكانوا إذ ذاك متوافرين، ms175 فكانوا يحضرون في كل يوم بين يديه، ويحضر طبيبه ~~سعيد بن توفيل خشية ما جعله ابن زيرك في نفسه، فيتشاورون في أمره، فإذا اتفقوا على ~~صفة لا يشكون فيها جميعا عملت شربة فيها شربتان، فيشرب أحدهم نصفها بين يديه ~~ويسقى النصف الآخر؛ كل هذا حتى يزول الشك عنده فيهم، فكان من يشرب منهم ما لا يحتاج ~~إليه جسمه ضره وأعقبه علة، فكانوا يحتملون من ذلك أمرا عظيما طول علته. # قال: وكان أحمد بن طولون قد قال لسعيد بن توفيل طبيبه قبل علته: أريد طبيبا يصلح ~~لخدمة الحرم، ويكون بين أيديهم في غيبتي وحضوري. وكان له ابن بارع في صناعته قد حذق ~~الطب، وكان ذكي الروح حسن الوجه، فقال له: لعبد الأمير ابن كيس قد برع في الطب، ~~فإن أمرني بإحضاره أحضرته، قال: أحضره. فلما أحضره نظر إلى حسنه فقال له: ويلك! أقول ~~لك طبيب يصلح للحرم تجيئني بمن يفتنهن ويفسدهن، انظر لي واحدا مقبحا، لا ~~يهش إليه أحد، فحملت سعيد بن توفيل النفاسة والغيرة على موضعه أن يدخل معه فيه ~~غيره، على أن [أخذ] هاشما، وكان شاكريه، # 24 # فألبسه دراعة # 25 # وخفا وعمامة، وقلع ثيابه الوسخة التي كان يخدم فيها، وكان مقبحا ~~جدا، فأدخله إليه، فلما رآه قال له: نعم، هذا يصلح لهن، وقد جودت فيه، فألزمه ~~خدمتهن. وكان لهاشم هذا إقبال قد أزف ونجوم قد طلعت، لم يعلم بها سعيد بن توفيل، ~~ولا أن هلاكه يجري على يديه، فأدخل إلى الحرم فسألوه عن أشياء تنفق عندهن؛ من ~~دواء الشحم وعلاج سواد الشعر وعلاج الحيض وأشباه ذلك. وكان هاشم خبا ملعونا، فاجرا ~~رديء الطبع، فجرى معهن في ميدانهن كما أردن، فقال لهذه: أنا أعمل لك كذا وكذا. ~~وقال لأخرى لما تطلبه منه: أنا أعمل لك في هذا ما لا يعرفه أحد ولا يحسنه. وعمل لكل ~~واحدة منهن ما أرادت، فحظي بذلك عندهن حتى ضرب بعضهن ببعض المثل، وكسب منهن ~~كسبا كثيرا ما كسب صاحبه مثله مع أحمد بن طولون. ولم ms176 يكن يحسن غير دق العقاقير ~~وعجن الأدوية بين يدي سعيد، ونفخ النار تحت الأدوية المطبوخة، ولم يكن يمكنه من ~~عمل شيء من الطب؛ لأنه لم يكن وزنه ذلك ولا محله عنده، وإنما كان يمسك حماره إذا دخل ~~دار الأمير أو بغله وينام في الإصطبل. # وكان جماعة الأطباء قالوا لسعيد لما اصطنع هاشما وأدخله إلى الأمير والحرم: ~~يا سعيد نفست # 26 # على غيرك أن تدخله دار الأمير ، وفيهم من لا يشك فيه أنه يصلح لذلك، ~~حذقا بالصناعة وفهما لها، ثم مع هذا كنت تكون آمنا منه عليك وعلى حالك، والله ~~ليكونن لك من هاشم الذي اخترته يوم يرده إليه طبعه الرديء وأصله الدنيء. # حدث جريج بن الطباخ المتطبب قال: لقي سعيد بن توفيل [عمر] بن صخر الطبيب، فقال له ~~[عمر]: ما الذي نصبت هاشما له؟ فقال: لخدمة الحرم؛ لأن الأمير طلب مني طبيبا ~~مقبحا. فقال له: قد كان في أبناء الأطباء قبيح قد حسنت تربيته وطاب مغرسه ~~يصلح لهذه الحال، ولكنك استرخصت الصنيعة، والله يا أبا عثمان، لئن قويت يد هاشم ~~ليرجعن فيك إلى دناءة منصبه وخساسة محتده. فتضاحك سعيد من قوله وقدر أن ذلك ~~لا يكون. # فلما جمع أحمد بن طولون الأطباء واتفقوا على ما يعالجونه به، دخلت إليه أم أبي ~~العشائر ابنه فقالت له: قد أدخل مولاي إليه اليوم جميع الأطباء ووقفوا على علاجه، ~~وعمل كل واحد منهم بما عنده من الصواب بما سقوك إياه، وأرجو أن يكون فيه الشفاء ~~بمشيئة الله. ولم يحضر مولاي هاشما طبيبا فيمن حضر، والله يا مولاي ما فيهم مثله؛ ~~لأنا قد شاهدنا منه في خدمته لنا ما حمدناه وتبركنا بصفاته، فقال لها - طلبا ~~للفرج لما هو عليه من العلة التي يطمع العليل فيها بكل شيء، وتتعلق نفسه بما توعد به ~~فيها من العافية: أحضرينيه سرا حتى أخاطبه وأسمع ما عنده في مشاهدته حالي. فأدخلته ~~إليه سرا، بعد أن شجعته على كلامه، وسهلت عليه هيبته؛ لأنه جبن من دخوله إليه ~~مما لم يقدر أنه ms177 يراه أبدا، فلما دخل إليه ومثل بين يديه وأخذ مجسه وتأمله ~~قليلا، لطم وجهه وقال: أغفل أمر الأمير، أيده الله، حتى بلغ إلى هذه الحال؟ لا ~~أحسن الله جزاء من تولى أمره. فكان لطم هاشم وجهه بين يدي الأمير وما تكلم ~~به في أستاذه تصديقا لقوة من أنكر على [سعيد] تقديمه وإدخاله إياه إلى الحرم ~~وتركه بحيث لا يستحق، وكان ما خاطبوه فيه حقا، فقال له أحمد بن طولون: يا مبارك، فما ~~الصواب الآن؟ قال: يتناول الأمير، أيده الله، قميحة صفتها كذا وكذا، وعدد فيها ~~قريبا من مائة عقار، ولم يعلم أن سبيل هذه القمائح تمسك [عندما] تتناول ثم تعقب ~~ضررا كبيرا؛ لأنها تتعب القوى الماسكة، وكان استعماله ما اتفق عليه الأطباء مع ~~سعيد وسقوه إياه لو دام عليه أحمد عاقبة وأنفع، فامتنع من شرب ذلك يومه، وتناول ~~القميحة التي أشار بها هاشم، وعملها له بين يديه، فلما تناولها أمسكت وحبست ~~قيامه وقوي قلبه لذلك، وحسن موقع هاشم من قلبه، وظن أن البرء قد تم له، فقال ~~له: ويحك يا هاشم! إن سعيد بن توفيل قد حماني منذ شهر من لقمة عصيدة # 27 # اشتهيتها ومنعني منها، لعنه الله، وأنا والله أشتهيها. فقال له: أيها ~~الأمير، قد أخطأ سعيد، العصيدة مقوية ولها أثر حميد. فأمر أحمد بن طولون بإصلاحها ~~فأصلحت، وجيء منها إليه بجام # 28 # واسع فأكل منه أكثره، وطابت نفسه ببلوغ شهوته ونام، وكان يشتهي النوم ~~فيتعذر عليه، فأثقلت معدته ووجد خفا في انقطاع الإسهال، وطاب له النوم بعد ~~الأكل، وظن أن ذلك صلاحه وعافيته، وطوى ذلك عن طبيبه سعيد ولم يوقفه على شيء ~~منه. # فتبارك الله الخالق البارئ المتفرد بالكمال والبقاء، بينما كان له العقل الصحيح ~~والرأي السديد والفراسة المضيئة والحدس الصادق الذي ما كان يخطئ في أيام إقباله، وما ~~كان يلزمه نفسه ويتفقده منها ومن غيرها، وشدة حذره وتوقيه ... حتى انقلبت العين ~~في هذا كله دفعة واحدة، وصار هو عدو نفسه يطعمها سرا من طبيبه السمك القريص، مع ms178 ~~ما يعلمه الناس كلهم فيه، والعصيدة الثقيلة المتخمة المؤذية في حال الصحة فكيف مع ~~العلة؟ ثم يخادع نفسه ويسخر منها ويكتم طبيبه وغيره حاله في ذلك، حتى [كأن] له في ~~معدته بسوء فعله عدوا قاتلا، ويفضل مثل هاشم على مثل طبيبه سعيد بن توفيل وغيره ~~من حذاق الأطباء إلا أنه إذا أراد الله، عز وجل، أمرا سلب كل ذي لب لبه ~~حتى تتم مشيئته. # فلم أكل العصيدة ونام انتبه من نومه، فأحضر سعيد بن توفيل، فقال له: يا سعيد، ما ~~تقول في العصيدة؟ قال: ثقيلة على الأعضاء، وأعضاء الأمير تحتاج إلى التخفيف لا ~~التثقيل. فقال له: دعنا من مخاريقك، قد أكلتها بحمد الله ولم أر إلا خيرا. فأمسك ~~سعيد حيرة في أمره، وجاءوه في الوقت بسفرجل من الشام وفاكهة، فقال لسعيد: ما تقول ~~في السفرجل؟ فقال: مص منه شيئا يسيرا على خلو من المعدة فإنه صالح. فلما خرج ~~سعيد من عنده أكل سفرجلتين كبيرتين فعصر السفرجل العصيدة فتدافع الإسهال جدا، ~~فدعا بسعيد بن توفيل فقال له: يا ابن الفاعلة، ألم تزعم أن السفرجل صالح؟ ما صلاحه وقد ~~عاودني الإسهال؟ فقام سعيد ينظر إلى النجو # 29 # فرجع إليه فقال: هذه العصيدة التي أحمد الأمير أمرها وذكر أني ممخرق، ~~وأني غلطت في منعه منها، لم تزل قائمة متحيرة في الأحشاء لا تطيق عبورا، ولا ~~تطيق المعدة هضمها لضعف قوتها حتى عصرها السفرجل، ولم أطلق [لك أن تأكل] السفرجل، ~~إنما قلت: تمص منه يسيرا. وكان سعيد قد أخبره الغلمان أنه أكل سفرجلتين، فقال له ~~في خطابه: أكل الأمير السفرجل للشبع، لم يأكله للعلاج. فقال له: يا ابن الفاعلة، ~~أخذت تهاترني وأنت صحيح سوي وأنا عليل مدنف. # 30 # السوط! فأحضر، فضرب بين يديه مائتي سوط، وحمل على جمل وطيف به البلد، ~~ونودي عليه: هذا جزاء من ائتمن فخان. ونهبت داره فمات بعد يومين. # قال مؤلف هذا الكتاب: وكان أحمد بن طولون يحذر سعيدا قديما من قتله له، وكان قد ~~وقع له لتتم المشيئة في ms179 سعيد أيضا أنه قد أغفل علاجه في بدء العلة حتى تزايدت ~~عليه وعظم أمرها، ولم يكن الأمر كما ظنه أحمد بن طولون به، ولا كان الخطأ إلا منه على ~~نفسه، والذنب له دون غيره. وكان سعيد بن توفيل من يوم أكل السمك قد أيس منه، وعرف ~~نسيما الخادم بذلك، وكان غلاما عاقلا محصلا. # حدث نسيم الخادم أن مولاه أحمد بن طولون طلب سعيد بن توفيل يوما من الأيام، فقيل ~~له : مضى يستعرض ضيعة ذكرت له يشتريها. فأمسك، فلما حضر قال له: ويلك يا سعيد! ~~اجعل صحبتي ضيعتك التي تشتريها لتستغلها، وواصل مراعاة خدمتي، واحرص على صحتي ولا ~~تغفل ذلك، واعلم أنك تسبقني إلى الموت إن كان موتي على فراشي، وأني لا أمكنك من ~~الاستمتاع بالحياة بعدي. فقال بعض العلماء حين سمع هذا القول: ما سمعت حثا لمتطبب ~~على مبالغة في نصح أشد من هذا. # قال مؤلف هذا الكتاب: وفي إفاقته من علته أطلق محبوب بن رجاء من محبسه، ورد إليه ~~جميع ما كان أخذ منه، فوجد محبوب ماله مختوما بخاتمه بحاله ... دنانير، ما عرض له ولا ~~نظر إليه. # فلما رأى أحمد بن طولون اشتداد العلة أحضر خواصه من وجوه قواده وابن مهاجر ~~والواسطي، وقال لهم: استهدوا لنا الدعاء من الناس كافة، وسلوهم الخروج إلى الجبل ~~والتضرع إلى الله، جل اسمه، بالمسألة له في عافيته لنا. فشاع هذا القول منه في ~~الناس، فخرج المسلمون بالمصاحف إلى سفح الجبل، وتضرعوا إلى الله في أمره بنيات ~~خالصة لمحبتهم له، وشكرهم لجميل أفعاله، وكثرة معروفه وإحسانه، وصيانتهم عن كل حال ~~يكرهونها منه، أو من أحد من حاشيته، مع أمنتهم ورخص أسعارهم، بمراعاة ذلك وحرصه ~~عليه ومحبته له. # فلما رأى اليهود والنصارى ذلك من المسلمين خرج الفريقان؛ النصارى معهم الإنجيل، ~~واليهود معهم التوراة، وفي أيديهم حزم الآس، وفي أيدي شمامستهم البخور، يبخرون ببخورهم ~~الذي يتبركون به، واجتمعت الجماعة كلها في سفح الجبل، واعتزل كل فريق منهم على ~~حدة يدعون الله، عز وجل، ويتضرعون إليه في ms180 أن يمن عليه بعافيته، فكان يوما ~~عظيما، وارتفعت لهم ضجة عظيمة هائلة حتى سمعها في قصره، فبكى لذلك، وتضرع معهم إلى ~~الله، جل اسمه، والمنية قد قربت، كما قال بعضهم: # وإذا المنية أنشبت أظفارها # ألفيت كل تميمة لا تنفع # قال: ومن شيم النصارى أن يتضرعوا بمثل هذا الفعل في الاجتماع والخروج، إذا قدم ~~البلد وال جديد، وكذلك رأيناهم قد عملوا في قدوم بولس إلى البلد، خرج النصارى إليه ~~وفي أيدي شمامستهم الزبور وغيره ... ومعهم المجامر يبخرون من باب المدينة إلى أن دخل ~~إلى داره، وخرجت إليه، أيضا، اليهود، وفي أيدي أحبارهم وشيوخهم الآس، وفي أيدي بعضهم ~~كتبهم يقرءونها بين يديه، فكان لهم ذلك اليوم ضجيج في البلد. # وحدث نسيم الخادم قال: دعاني مولاي، وقد مضت قطعة من الليل، قبل وفاته بشهر واحد، ~~فقال لي: ادخل إلى بكار بن قتيبة فإن أصبته يصلي فانتظر فراغه من ركوعه وسجوده، ~~فإذا سلم فقل له عني: أنت تعلم ميلي إليك قديما وإكرامي لك مبتدئا، وإنه لم يفسد ~~محلك عندي إلا أمر الخلع وأن شهادتك فيه كانت مباينة لشهادة غيرك مخالفة لها. ~~وقد شاع في عسكري أنك نقمت هذا الخلع علي، ووالله ما انحرفت عن الناكث لإساءة كانت ~~منه إلي اعتدتها له، ولا أردت بخلعه إلا الله، عز وجل؛ لأنه أسر الخليفة ومنعه ~~ما يجري له. والصواب أن تحضر مجلسي في جمع من أوليائي وأولياء أمير المؤمنين، ~~فتتبرأ من الناكث براءة تدل على صدق نيتك لأمير المؤمنين، وترجع إلى عملك، ونرجع ~~لك إلى ما كنا عليه من الإكرام والموالاة والحال التي كانت بيننا، وإن امتنعت من هذا ~~فلا لوم علينا فيما أتيناه في أمرك، مما لم نؤثره ولا نختاره والله فيك. # قال نسيم الخادم: ففتحت باب الحجرة التي كان فيها بكار معتقلا، ودخلت فوجدته ~~قائما يصلي، فقلت من حيث يسمع: رسول الأمير. لأنه كان ثقيل السمع، فوالله ما حركه ~~ذلك ولا فكر فيه ولا أوجز من صلاته، ولم يزل يقرأ حتى فرغ من حزبه، ثم ms181 ركع وسجد وجلس ~~قليلا، وقام وقرأ طويلا، ثم ركع وسجد وجلس يسيرا، ثم سلم، فقلت له: ر[سول ~~الأمير]. فقال: وما يريد الأمير؟ فقصصت عليه الرسالة، فقال: قل له: يعز علي أن ~~يكون حرصك على ما تفارقه أكثر من ميلك إلى ما لا بد لك منه، وقد أعنتني وآذيتني؛ ~~لأنك تكلفني الشهادة بالبلاغات التي لا يعدلها الحكام، فخف الله في أمري فإني ~~شيخ فان وأنت عليل مدنف، ولعل التقاءنا بين يدي الله، عز وجل، قريب، وقد والله ~~نصحت لك والسلام. وقام إلى صلاته. # قال نسيم: فخرجت من عنده وقد أبكى قلبي وأبكى عيني، فدخلت إلى مولاي فأعدت عليه ~~قوله، فبكى وبقي يقول: شيخ فان وعليل مدنف، ولعل التقاءنا بين يدي الله، عز وجل، ~~قريب. وأقبل يكرر ذلك، ثم قال لي: انظر أعرف المضمومين إليك، فوكله به في دار ~~تكتريها له، وأطلق له دخول ابني أخته إليه ومن أحب. فاكتريت له دارا في نواحي ~~الموقف، ووكلت به رشيقا أخا سعد الفرغاني؛ لأنه كان شيخا فيه دين وخير، فلم يزل ~~معتقلا فيها إلى أن مات مولاي، فأطلقه أبو الجيش يوم موته واستحله لأبيه، فكانت هذه ~~الفعلة من أبي الجيش أحد أفعاله الحسان، فأقام بعد مولاي عشرين يوما ومات فلحق ~~به. # حدث شعيب بن صالح قال: أرجف الناس بوفاة أحمد بن طولون قبل أن يموت بشهور، وعلل ~~الخوف، أبدا، تطول على أصحابها، فدخل إليه يوما جماعة من أصحاب أخباره، ومعهم رجل من ~~أهل المدائن فقالوا له: هذا صاحب خبر الموفق. فقال له أحمد بن طولون: ليس [ينجيك] مني ~~ولا يخلصك غير صدقك إياي، فاصدقني تنج. فقال له: نعم، أنا صاحب الموفق، أنفذني ~~إليك قاصدا لأعرف له صحة أمرك في علتك لا غير، لما أرجف بك عنده. فقال: [لقد ~~سلم] الله روحي وجسمي، وأنا صحيح العقل والتمييز لم أمت، بمن الله وطوله، ~~وأوليائي متمسكون بطاعتي، والدليل على ذلك إتيانهم إياي بك، ارجع إليه فقد أمنك ~~الله، جل اسمه، وعرفه ذلك، وقل له: إني لم أنحرف ms182 عنك وأخلعك وأخالف عليك كرها لك، ~~ولا كان ذلك مني إلا طاعة لأمير المؤمنين وما أكدته علي بيعته، فإن رجعت عما ~~أتيته في أمره كنت لك كما أنا له متصرفا بين أمركما ونهيكما وطاعتكما. واحذر أن ~~تقيم. ووكل به حتى أخرج عن البلد من وقته. # قال مؤلف هذا الكتاب: فورد علينا الخبر أنه لما وصل إلى الموفق رسوله هذا، ~~فأدى إليه رسالة أحمد بن طولون، بكى غما منه بعلته ، وقال: صدق والله في قوله. ونذر ~~لله، عز وجل، في عافيته نذرا من قيام وصدقات. # وحدث شعيب بن صالح قال: دخلت يوما إلى نسيم الخادم أسلم عليه، فرأيت عنده ~~شيخا من أهل الدينور # 31 # حسن الظاهر، وذلك بعد وفاة أحمد بن طولون بمديدة يسيرة، فرأيته ~~متمكنا من نفسه حسن الإبانة، # 32 # فقال لي نسيم: تريد أن تقف على أن مولاي قد ختم له بخير؟ سل هذا الشيخ ~~يحدثك بخبره معه فإني حضرته، قال: فترحم الشيخ على أحمد بن طولون، فسألته عن ذلك ~~فقال لي: كنت يوما جالسا في الموقف، في دكان بعض أهل سوق الجهاز، وإلى جانبي رجل ~~حسن الهيئة، فذكر أحمد بن طولون في علته وغلظها، فقال رجل ممن حضر معنا في الدكان: ~~قد مات. فقلت، وما أعرف لي غلطة غيرها: # فما بكت عليهم ~~السماء والأرض وما كانوا منظرين ~~. # فقام ذلك الرجل من جانبي، فما بعد حتى عاد ومعه خمسة رجالة، وقال لهم بيده: خذوه. ~~فطرح ردائي على وجهي [وساقني] سوقا عنيفا حتى أدخلت الميدان، فعرضت على حسن بن ~~مهاجر، فقال لي: يا كلب، بطرت بعيشك بالأمن، ولو شغلت بالخوف لتركت الفضول، فحسست ~~من كلامه قد وشي بي، # 33 # ثم كتب رقعة ووجه بها مع خادم إلى الأمير، فما أبطأ حتى خرج، فخاطبه بما ~~لا أقف عليه، فقام وأدخلني معه، فعججت في سري إلى الله، جل اسمه، وسألته حسن ~~الدفاع عني، ومثلت بين يدي الأمير وقد زاد اضطرابي، وأنا مستعين بالله على ما ~~أتخوفه منه، فسلمت فرد علي السلام بإصبعه، ms183 ورأيت عليه أثر البكاء، فقال لابن ~~مهاجر: ترفق قليلا قليلا، سل هذا الرجل هل سبقت منا إليه إساءة؟ فرد علي بن ~~مهاجر قوله، فقلت: لا والله، أيد الله الأمير. فخاطبني هو وقال لي: فما أخذك، ~~ويحك، بإطلاق لسانك بما لا يجوز لك في ولائك؟ فقلت: أعز الله الأمير لما لا يضبط ~~من المقدار الذي يجري بالمحبوب والمكروه، وخور يلحق الطباع الضعيفة فيمنعها من حسن ~~التحرز. فقال لابن مهاجر: قد أحسن الاحتجاج لنفسه ، وما يسهل علي إصلاحه في تقويمه ~~بفسادي في معادي، على شدة حاجتي في هذا الوقت إلى عفو ربي. ثم التفت إلي فقال لي: ~~حدثني فلان عن فلان عن وهب بن منبه، فقال: أوحى الله، عز وجل، إلى نبي من أنبياء ~~بني إسرائيل: مر عامة أمتك ألا تتأسى بالملوك في ارتكاب الكبائر، فإن للملوك كبائر ~~من الأفعال الجميلة لا يصل إليها عامتهم، تمحص بها آثامهم ويحسن بها صدرهم. # 34 # ثم قال لنسيم: ادفع إليه خمسين دينارا واصرفه مصونا. قال الدينوري: ~~[حفظت الحد]يث ونسيت إسناده لفرط ما لحقني من الخوف والهيبة؛ فقد بقي في نفسي منه ~~جرح لا يندمل، وغم لا يزول إلا بعد وجوده، وقد أحفيت # 35 # الطلب له وأنا كذلك إلى أن أجده بعون الله، فرحم الله أحمد بن طولون؛ فما ~~مر لي وقت إلا وأنا أترحم عليه وأستغفر الله، جل اسمه، له. # قال: وكان أحمد بن طولون كثير الاستقصاء في مال الجيش، فلما اشتدت علته تقدم ~~إلى ابن مهاجر في إطلاق رزق سنة للجيش في بيعة أبي الجيش بعده، فظن ابن مهاجر أن ذلك ~~من اختلاط العلة فأهمل العمل به، فلما كان من غد يومه سأله عما صنع في ذلك، فقال ~~له: ما خرج الحساب من أيدي الكتاب بعد، فقال له: أظننت، ويحك، تخليطا بي من ~~العلة؟ ما أنا كذلك، والحمد لله كثيرا، بل أنا بضده، وإنما لمثل هذا الوقت جمعت ~~الأموال، وإنما أردت أن يعلم الجيش أنه قد حصل لهم ما لا يسمح ببعضه من يحاربهم ms184 ~~ويكاثرهم، فتكون أيديهم وقلوبهم قوية. فسكن ابن مهاجر إلى هذا القول، وأطلق المال ~~للرجال، فعظمت منته عندهم، وكثر شكرهم. # قال مؤلف هذا الكتاب: فلما اشتدت بأحمد بن طولون علته دعا بأحمد بن محمد ~~الواسطي، وقال له: يا بني لمثل هذا اليوم وهذه الحال ربيتك واصطفيتك، وقد علمت ~~حسن موقعك مني، وأني فضلتك على الولد وكل أحد، فلا تخفر الظن بك، واعلم أن الوفاء ~~أحسن لباس وأفضل معقل، والله يشكره، عز وجل، لمن استعمله ، حرمي هن أمهاتك ~~وأخواتك، قال: والواسطي يلطم وجهه ويبكي، وأحمد بن طولون يبكي معه، وهو يحلف له أنه لو ~~تعرض للقتل لما قصر فيما عاد بمصلحة شمله، ويقول: وأرجو أن يهب الله للأمير ~~العافية ولا يرينا فيه سوءا أبدا ويقدمنا جميعا بين يديه. وكل ذلك [وهو] يعج ~~بالبكاء. # فحدث نسيم الخادم، [قال: فلما خرج] الواسطي من حضرة مولاي، قال لي: يا نسيم، والله ~~ما أخاف على حرمي إلا منه وعلى جميع مخلفي؛ لأنه قوي الحيلة فاسد الدين، ولولا أنه ~~وقت استكانة إلى الله، عز وجل، وخضوع، ما كنت آمن على مخلفي منه. قال: فلما ~~كان من غدر الواسطي بأبي الجيش ما كان، وذهابه إلى المعتضد ومعاونته إياه على ~~أبي الجيش، ذكرت قول مولاي، رحمه الله، وفراسته فيه، فما ضر الله، عز وجل، ~~أبا الجيش بغدره، وبقي شريدا طريدا مطرحا بأنطاكية، مذموم الأثر والسيرة، ~~فذكر إحسان مولاي إليه ولم يكافئه على جميل فعله به، وكل أوزار احتقبها فيه، ~~فتصوره الناس بالغدر وقلة الوفاء. ومات بعد مولاي بيسير. # قال نسيم: فلما كنا من غد خطاب مولاي للواسطي وما وصاه به، أحضره وأحضر محمد ~~بن أبا وطبارجي وجماعة من وجوه خاصته وقواده ووجوه دولته وكتابه، فأحضر أبا الجيش ~~فقال له: يا بني إني لم أدفع الحنث في يمين البيعة إلا بما كنت أحمله إلى أمير ~~المؤمنين المعتمد خاصة، وهو مائة ألف دينار في كل سنة، ذكر لي فيما كاتبني به أنها ~~تكفيه، فكان حملي هذا المال يقينا الحنث في يمين ms185 البيعة بيعته، فلا تؤخرها عنه ولا ~~تقطعها، ولو أعيتك الحروب وواصلتك فلا تغفل حملها وما يقاومها، فإنك تدفع بها حنث ~~هذا الجيش بأسره في يمين البيعة، وتشرح بها صدورهم في قتال من قصدك، ممن قهر ~~الخليفة ومنعه أمره وتصرفه في إنفاذ حكمه، وجميع أمره، والله بكرمه يكفيه. ~~[قال أبو جعفر] محمد بن عبد كان: إن أبا الجيش لم يزل يحمل هذا المال إلى المعتمد حتى ~~تقلد إسماعيل بن بلبل الوزارة، فأوقع الصلح بينه وبين الموفق. # قال: فلما فرغ أحمد بن طولون من وصية ابنه في حمل المال إلى المعتمد أقبل على وجوه ~~قواده وغلمانه فقال لهم: قد وطأت لكم المهاد بهذه الدولة، وخلفت لكم من عدتها ~~ما يكفيكم، فاطرحوا الأحقاد بينكم، وأسقطوا التحاسد، واتركوا الاستئثار، ولتكن ~~كلمتكم واحدة، وجماعتكم كرجل واحد، ولا تغتروا بمخاريق أهل العراق، ومواعيد من يطلب ~~سيئاتكم، فليس برأسكم أبدا مثلي، ولا أحنى مني ومن ولدي عليكم، فلا تخفروا ذمتي، ~~واحفظوا صحبتي وتربيتي لأكثركم، وإيثاري وإحساني وتفضيلي لجماعتكم، وهم يحلفون له ~~ويبكون بأجمعهم. # ثم عطف على أبي الجيش فقال له: يا بني، لا تعدلن عن مشورتي عليك، فلن تجد، أبدا، ~~أنصح لك مني، قد خلفت دخل بلدك يزيد على ما ينوبك بجيشك وسائر مئونتك، فلا تطلقن ~~فيه يدا بجور، فيختل أمرك بخرابه، ولا تقبل بنصيحة من يتنصح لك بما يئول إلى خراب ~~بلدك، والإجحاف بمعامليك فيه؛ فإنه عدو مبين من حيث لا تعلم، فانبذه عنك، ولا تقربه ~~منك، وقد خلفت لك رعيتك لا يطلبون منك إلا لين الجانب والأمن من المخاوف، ولم أكن ~~أمنعهم لين جانبي بخلا به عليهم، ولكني آثرتك على نفسي بمنعي لهم لين جانبي والأمن ~~من مخافتي، فاستعمل أنت ذلك معهم فتملك قلوبهم، ويبادروا إلى طاعتك، ويهشوا إلى ~~التصرف بين أمرك ونهيك، في صغير أمرك وكبيره، ولم أترك لك عدو أخافه عليك، واعلم ~~يا بني أن كل سرف يئول إلى اختلال وتلف، فاقصد في ا ... مهماتك، ولا تمد يدك ~~إلى المال المخزون عند خير ms186 الخادم [واجعله] ذخيرة لمملكتك، وأقمه مقام جارحة من ~~جوارحك لا تبذلها إلا في شدة تخاف معها ساد سائر جسدك، أو عندما تقدر بإخراجها صلاح ~~سائر جسدك، وكان خير الخادم هذا خادم المتوكل. # ثم قال له: واسلك يا بني سبيلي واقتف آثاري في سائر من خلفت يأنسوا بناحيتك، ~~ويحسنوا طاعتك، ولا يميلوا إلى عدو يخالفك، ولا تقبلن مقال السعاة فيما تقوى به ~~سوقهم عندك، فكل شر وسوء يئول إلى اضمحلال وزوال، ويهلك في ذلك من سلكه. # قال مؤلف هذا الكتاب: وكانت الوديعة التي عند خير الخادم ألف بدرة، # 36 # وكانت عند نسيم فنقلها إلى خير، وكان يكنى بأبي صالح. وكان أحمد بن طولون ~~قد قرن به أبا الجيش يؤدبه، وكان ثقة مأمونا دينا، كان يعرف بخير الطويل، ~~ولما فرغ أحمد بن طولون من وصيته لأبي الجيش قال له: يا بني وفي حاصلي ألف ألف ~~دينار وسبعمائة ألف دينار، وهو غير الوديعة، يكون ذلك لعطاء جيشك، وما عسى أن يعرض لك ~~عند مقاومة من يقصدك، ومادة الخراج بعد ذلك فغير منقطعة عنك، هذا يا بني ما ~~تملكه الدولة والذي أملكه أنا خاصة من دخل أقطاعي وابتياعي، ما يحصل لي منه في كل ~~سنة في بيت مالي مائتا ألف وخمسون ألف دينار، فاقسمها في ولدي وانظر إليهم بعيني، ~~وتغمد هفواتهم، وسد خللهم، وكفهم عن الفاقة إلى غيرك، وبصرهم رشدهم، وامنعهم ~~من سرف الإنفاق؛ فإنك أبوهم بعدي، جبر الله جماعتكم [وأحسن الخلافة] عليكم، وأنا ~~أكرر عليك القول يا بني لئلا تنسى. ليس المال الذي عند خير الخادم لي [فتشتركوا] ~~بقسمته بينكم، فلا تظنن أن كل ما قويت يدك على أخذه هو لك، فصنه وامنع نفسك منه، ~~واستشعر فيه ما وصيتك، فإن انقادت لك الأمور لم يضرك بقاؤه لك، وإن عارضتك ~~الحوادث كان عدة لك، فلا تغرنك وجميع مخلفي وحاشيتي السلامة، فتنسوا ما في ~~نفوس أهل العراق عليكم؛ فأنتم شجا في حلوقهم فلا تأمنوهم، ولا تناموا # 37 # عن الحزم فيهم، فإن أحسستم بضعف عنهم فابذلوا ms187 جميع ما تملكونه في السلامة ~~منهم، ولا تضعوا أيديكم في أيديهم، فإني أعرف ذنبي لهم، والله أسأل رعاية جماعتكم. ثم ~~بكى وبكت الجماعة، حتى ارتجت الدار لبكائهم. # فلما اشتغل بهذه الوصية لهم انقطع عنه الإسهال، فأمل أصحابه عافيته وبرءه، وذو ~~المعرفة أيس منه. # حدث نسيم الخادم قال: لما استحكم إياس مولاي من السلامة كان يحمل كل ليلة في محفة # 38 # يطوف في الميدان، فلا يرى فيه ثلمة يخاف أن تنفتح، أو تفتح في هيج، ~~فيقتحم منها قوم يدخلون منها إلى القصر [إلا] ويأمر بسدها، حتى سد كل ثلمة كانت ~~فيه، ثم يدعو بثقاته فينعى إليهم نفسه، ويسألهم حسن المكافأة بعده بالطاعة لولده، ~~ويقتضيهم ذلك بسالفه عندهم. # فلما دخل ذو القعدة من سنة سبعين ومائتين دعا بابنه العباس، فأطلقه من قيده وخلع ~~عليه، وقلده جميع الأعمال الخارجة عن أعمال مصر من الشامات والثغور، وقال له: أنا ~~أوصيك يا بني بتقوى الله، عز وجل، ومكافأة أخيك والإمساك عن الاستطالة عليه، بزيادة ~~سنك على سنه، فلا تتركن لمن يقصدكما من العراق مدخلا بينكما يتأتى [منه لكما، ~~ولا] تسمع ممن يطلب صلاح نفسه بفساد ما بينكما، ولا تضمرن لأخيك غير ما تظهره؛ ~~فإن القلوب مجندة. واعلم أن جوار أخيك لك أصلح من جوار غيره، ولا تضمر له خلافا ~~فتبسطا ما بينكما، ويجد عدوكما بذلك سببا إلى هلاككما، وقد تقدمت بإزاحة علل ~~رجالك، فاحرص أن يكون خروجك إلى عملك قبل وفاتي، فإن الراغب عنك كثير أكثر من المائل ~~إليك، وأخاف أن تتلوم # 39 # على الطمع في موضعي وتتريث فتذهب نفسك، بصرك الله رشدك ووفقك، ووقاك ما ~~أخافه عليك وأحاذره فيك بمنه. # ثم شكا بعد ذلك ظلمة في بصره، ثم لم يبصر شيئا، وجعل يخفت # 40 # وتضعف قوته، وينحل جسمه، إلا أن عقله ثابت لم يتغير منه شيء، ~~والدليل على ذلك وصيته هذه، ورأيه فيها الرأي التام الذي لا يكون بأسد منه ولا أقوى ~~ولا أبلغ، إلا ما حرمه الله، جل اسمه، إياه من التوفيق في ms188 علته حتى تنفذ مشيئته، ~~تبارك وتعالى، فلم يحم نفسه من مأكول، ولا وقاها ضارا، كما أراد الله، عز وجل، فلم ~~يملك دفعا. # حدثت نعت أم أبي العشائر ابنه قالت: # كنت جالسة بين يديه والعصابة في يدي، وقد أيست منه وأنا أنتظره أن تقبض روحه ~~فأشد لحييه ولسانه ضعيف إلا أنه طلق إذا تكلم، ففتح عينيه ثم غلقهما ثم فتحهما، ~~ونظر إلي نظر من رجع بصره إليه، فحمدت الله على ذلك، ثم قال بصوت قوي ولسان طلق ذرب: # 41 ~~«يا رب ارحم من جهل مقدار نفسه فأبطره حلمك عنه.» # ثم تشهد أحسن شهادة وأتمها، وقضى في آخر تشهده، وإن ذلك بعد ذهاب [طائفة] من ~~ليلة الأحد، لعشر ليال خلون من ذي القعدة، سنة سبعين ومائتين، فحولت وجهه إلى ~~القبلة، وأخذنا في أمره. # قال مؤلف هذا الكتاب: حدثنا شيخ من صالحي أهل المعافر، قال: جاءني بعض إخواني من ~~كبار المتزهدين الأخيار يعرف بالرمامي، وكان من أحسن الصوفية، فقال: لا تتخلف عن جنازة ~~هذا الرجل. فقلت له: وما في ذاك من الفائدة؟ فقال لي: كل الفائدة. قلت: ما هي؟ قال: ~~ترى انحلال ما عقدته الدنيا من الأمور الجسيمة وتبدده، فيهون عليك ما عاصاك منها، ~~ويزول عنك التهيب لما انساق منها، ويصغر في عينك ما اكتنزه المغرور ورحل عنه، ~~وتعلم أن جميع أحوالها إلى زوال، فقلت: نعم، صدقت. # ومضيت فرأيت جمعا عظيما هائلا، وحالا كبيرة تعجز الصفة عن ذكرها حتى ظننت ~~أنه ما بقي في البلد أحد من رجل ولا امرأة، وكل فرق شتى، كل فرقة على حدتها ~~رجالا ونساء، فتأملت فإذا كل صنف من غلمانه أيضا فرق، وقواده فرق، وكتابه ~~فرق، وسائر أصحابه ومن يلوذ به ويخدمه فرق فرق، ومن كان فضله عليه وجراياته ~~وصدقاته فرق فرق، وقد تميز أيضا النساء من حاشيته وهن أيضا فرق فرق، حرمه ~~منفرد في خلق عظيم، لا يخالطهن أحد من حشمهن، وحشمهن ناحية لا يخالطهن ~~غيرهن، ونساء قواده ونساء غلمانه ونساء كتابه ونساء أصحابه كل صنف منهن ms189 على ~~حدة لا يخالطهن غيرهن، ونساء القطائع فرق فرق، وكل الجماعة عليهم من الكآبة ~~أمر عظيم، وكل منهم مسلم لأمر الله، عز وجل. # ثم أقبل من النساء السودانيات، اللائي كان فضله عليهن، وجراياته القمح والدراهم ~~في كل شهر، خلق عظيم لا يحصيه [ولا] يقوم بمعرفة مبلغه إلا الله جل اسمه، صائحات ~~صارخات، فارتجت الأرض لهن، وعظمت الحال في قلوب من شاهدهن، ثم أقبل بعدهن ~~[من] صالحي من يسكن المعافر ممن فيه الدين والورع والخير نساء ورجال قد كان له في ~~جماعتهم المعروف الواسع. ولو لم يكن إلا العين، الماء، التي صارت حياة لهم، وصيانة ~~ومرفقا إلى اليوم وإلى القيامة، إن أراد الله، جل اسمه، ذلك ووقاها من الغير، ~~فأقبلوا مبتهلين إلى الله، جل اسمه، يسألونه الرحمة له والمغفرة والتجاوز عنه، بخشوع ~~وتضرع واستكانة وبكاء. # فشاهدت من ذلك ما هالني، وذكر جميع من حضر أنه ما رأى مثله لموت خليفة من الخلفاء ~~ولا غيره ممن عظم قدره، ثم أقبلوا به مفردا على سرير، مدرجا في ثوب وشي سعيدي ~~كافوري، وأبو الجيش خلفه وحده راكب، لموضع خلافته والإمارة، والعالم من صغير وكبير ~~وشريف وقاض وعدل، وكل من في البلد يمشون، وبين يديه من غلمانه، وخلفه من كل صنف، ~~ومن قواده وسائر من بقي من أصحابه ما لا يحصيه إلا الله، جل وعز، فأتوا به إلى ~~المصلى الذي كان بناه، فتقدم ابنه أبو الجيش فصلى عليه، وصلى الناس بأجمعهم، ~~وعدلوا به إلى قبره وواروه في لحده، وخلوه وحيدا فريدا، أقرب الناس منه وأحبهم ~~إليه من حثا عليه التراب، وانصرف عنه كل ذلك الجمع العظيم، وذهبوا حتى كأنه لم يكن ~~منهم أحد، فتبارك الله أحسن الخالقين ومالك يوم الدين، [سبحانه لا يموت ولا يزول و]كل ~~نفس ذائقة الموت. # قال مؤلف هذا الكتاب: لما انصرفت من جنازته # 42 # اجتزت بمنزل الواثقية، وكانت من عقلاء النساء، حسنة الدين، كريمة الطبع، ~~وكان أحمد بن طولون محسنا إليها عارفا بمحلها، فاستأذنت عليها فأذنت لي، فدخلت ~~فوجدتها قد أقامت ms190 له مأتما سرا، هي وجواريها وخواصها، يندبنه ويضربن بالعيدان على ~~هذا البيت، ويرقصن على إيقاعه، ولا يزدن عليه شيئا غيره، وهن يبكين أحر بكاء ~~وأحزنه: # يا عين بكي خالدا # ألفا ويدعى واحدا # فما سمعت والله أحر منه ولا آلم للقلب ولا أشجى من أصواتهن به، حتى أبكينني بكاء ~~عظيما، وانصرفت من عندها حزينا كئيبا، فلما كان بعد أيام صرت إليها لأعرف خبرها ~~فأصبتها بحال حزن عظيمة، فسليتها وعزيتها، فجعلت تحدثني بأحاديث أحمد بن ~~طولون، وتصف لي أحواله، وتشكو وجدها به إلى أن قالت لي: # اعلم أنه لما جرى على المعتمد من الموفق ما جرى، من سوء الاعتراض والقدح في ~~السلطان، بلغ ذلك منه مبلغا عظيما، فألف كلاما بالتركية، وقال لي: أريد أن ألقيه ~~على [إحدى] جواريك، وتلحنيه أنت لها، وتغنيه حتى أسمعه منها، فأحضرت جواري ~~فاختار منهن رويعة فألقاه عليها، فوالله ما سمعت أرق منه ولا أشجى، فلحنته لها ~~فكان صوته عليها إلى أن اعتل، وتعلمه أيضا جواريه، فما كان يسمعه أحد إلا أبكاه ~~وأوجع قلبه، فسألتها أن تسمعنيه، وكانت فصيحة بالتركية فقالت لي: ليس تفهمه لأنه ~~كلام بالتركية مؤلف، ولكني إذا أنت سمعته فسرته لك بالعربية، ثم أحضرت رويعة ~~جاريتها فغنته بلحن شجي وإيقاع حسن، فأبكاني وآلم قلبي، وما سمعت [صوتا] من ~~المناحات أحرق منه للقلوب، وفسرته لي فكان: # غلب الضباب على الشمس حتى صار النهار ليلا، # وضعفت الشمس وانطلقت السماء بما لا يحسن منها، # فبكا الرأس من قهر البدر وصاح: ما خوفي؟ اقطعوني، # وأريحوني بالله من الملعونة، يا سيد الملوك طرا، # يا لعين تراك تقلع، ولسان يخاطبك يقطع، إن سيفي # قد خرج من غمده، وليس يرجع حتى ترجع إلى بيتك، # وقد أوترت قوسي وليس أحطه حتى تكفى أعاديك. # ثم قالت لي: قد سمعت حسنه بالتركية، وهو بالعربية فيه كلام - كما رأيت - غير مستحسن ~~إلا عند من يعرفه بالتركية. فودعتها وانصرفت. # قال مؤلف هذا الكتاب: مات أحمد بن طولون وعمره يومئذ خمسون سنة؛ لأني صرت إلى # 43 # نعت أم ms191 ولده يوما للسلام عليها، فأصبت بين يديها رقاعا قد أخرجتها ~~لشيء تطلبه فيها، فوجدت رقعتين فقالت لي: هاتان الرقعتان بخط الماضي، رحمه الله. ~~وبكت، فسألتها أن تريني إياهما ففعلت، فقرأت إحداهما فإذا فيها: دخلت إلى مصر ~~متقلدا معونتها يوم الأربعاء لتسع بقين من شهر رمضان سنة أربع وخمسين ومائتين، ~~وقد مضى من عمري أربع وثلاثون سنة ويوم واحد. # وقرأت الرقعة الأخرى فإذا فيها رءوس أربعة أصوات، كان يقترحها على من يغنيه، لا ~~يختار من الأغاني غيرها. # أحدها: # متى تجمع القلب الذكي وصارما # وأنفا حميا تجتنبك المظالم # والصوت الثاني: # رب من أنضجت غيظا صدره # فتمنى لي موتا لم يطع # والصوت الثالث: # طلعت عليك طوالع الوخط # فرضيتهن رضا على سخط # والصوت الرابع: # قد حصت البيضة رأسي فما # أطعم غمصا غير تهجاع # أسعى على جل بني مالك # كل امرئ في شأنه ساع # فبكيت وبكت ساعة، وجلست عندها طويلا، فلما أردت الانصراف قالت لي: أنا آنس ~~بمحادثتك، لعلمي بغمك على الماضي، رحمه الله، فأحب ألا تغبني. فكنت أصير ~~إليها في كل وقت. # قال: وخلف من الولد ثلاثة وثلاثين ولدا، منهم سبعة عشر ذكرا وست عشرة أنثى، ~~فأما الذكور فأبو الفضل العباس، وهو أكبر ولده، وأبو الجيش خمارويه بعده، وأبو العشائر ~~مضر، وأبو المكرم ربيعة، وأبو المقانب شيبان، وأبو ناهض عياض، وأبو معد عدنان، وأبو ~~الكراديس خزرج، وأبو حبشون عدي، وأبو شجاع كندة، وأبو منصور أغلب، وأبو لهجة ميسرة، ~~وأبو البقاء هدى، وأبو المفوض غسان، وأبو الفرج مبارك، وأبو عبد الله محمد، ~~وأبو الفتح مظفر. # والبنات: فاطمة، ولميس، وتعلب [؟]، وصفية، وخديجة، وميمونة، ومريم، وعائشة، ~~وأم الهدى، ومؤمنة، وعزيزة، وزينب، وسمانة، وسارة، وغريرة. # وخلف من المال العين ما قد ذكرناه متقدما، ومن الغلمان أربعة وعشرين ألف غلام، ~~وأطبقت جريدة مواليه على سبعة آلاف رجل، وخلف من الخيل الميدانية سبعة آلاف رأس، ومن ~~الجمال ثلاثة آلاف جمل، ومن البغال ألف بغل، ومن الخيل لركابه ثلاثمائة وخمسين فرسا، ~~وخلف من المراكب الحربية مائتي مركب حربي كبار بآلتها. # وكان ms192 خراج البلد يومئذ مع ما ينضاف إليه من مال الضياع التي كانت للأمراء بالحضرة ~~أربعة آلاف ألف وثلاثمائة ألف دينار. # 44 # وخلف من الأمتعة والفرش والآلة والأواني وآلات السفر ما لا يحصى كثرة ولا ~~يعد ولا يحد، ولا يدرك كثرة واتساعا. # فأما نفقاته المشهورة المعروفة فما رأينا ولا رأى أحد قبلها مثلها لأحد قبله، ولا ~~يرى بعده، كل ذلك كان منه طلبا للثواب والجزاء من الله جل اسمه. # منها ما أنفق على الجامع # 45 # وهو مائة ألف دينار وعشرون ألف دينار، وعلى البيمارستان # 46 # ومستغله ستون ألف دينار، وعلى العين التي بالمعافر مائة ألف وأربعون ألف ~~دينار، وأنفق على حصن الجزيرة مائتي ألف دينار، وأنفق في بناء الميدان مائة وخمسين ~~ألف دينار، وأنفق على مرمات الثغور وعلى حصن يافا مائتي ألف دينار، وكانت قائمة ~~صدقاته في كل شهر ألف دينار، وكان ما يجريه على جماعة من أهل المسجد أبناء الستر ~~والمتجملين وأولاد النعم، سوى ما [يجري من مال] السلطان عليهم من الرزق الراتب في كل ~~شهر خمسمائة دينار، وما كان يحمله للصدقات في الثغور في كل شهر خمسمائة دينار، وكان ~~راتب مطبخه وعلوفة دوابه في كل يوم ألف دينار، وما كان بقيمه من الأنزال والوظائف في ~~كل يوم خمسمائة دينار، وكانت له وظائف خبز ولحم على قوم مستورين نساء ورجال في كل شهر ~~ألفا دينار. # وكانت لذته وشهوته كلها فيما يصنع في كل جمعة من الأطعمة الواسعة العظيمة لكل ~~صنف من الحلواء، وتنصب الموائد ويحضر الناس من كل نوع من فقير ومستور ومتجمل ~~ومحتاج، ومن يتقرب إليه بأن يراه وقد أكل طعامه، فيقربه ذلك من قلبه، وهو جالس ~~مستشرف له ينظر إليهم، ويفرح بما يراه منهم، فساعة يسجد شكرا لله وساعة يقف فيصلي ~~ركعتين، وساعة يدعو الله، وساعة يبكي ويطالب الناس بأن يزلوا، ولا يخرج أحد إلا ~~ومعه الزلة الكبيرة العظيمة، فإذا انصرفوا حمد الله وشكره. # ووجه بابن قراطغان وهو كان صاحب صدقاته إلى المعافر ومعه حمالو الخبز والقدور ~~اللحم ms193 المطبوخة والفالوذج والخبيص، وخبزه المعروف في كل رغيف رطلان يسمى أبو الوفا والدراهم # 47 # حتى يفرق ذلك بالمعافر على المستورات، ومن لم يكن في طاقته الحضور ~~لطعامه. # قال: حدثنا محمد بن الحسن اليماني، وكان من الصالحين شديد التقشف، وقد جرى ذكر أحمد ~~بن طولون بعد وفاته وقال: رأيت أحمد بن طولون في منامي وكأنه في روضة خضراء وعليه ~~لبسة حسنة رائعة، وقد حسنت صورته وهو جالس يده تحت خده، وعليه [حلة] عظيمة، ~~فقلت: [ما فعل الله] بك؟ فقال لي: إنه لما فارقت روحي جسدي ساقني سائق عنيف في ~~موضع لا أعرفه فاجتزت بجهنم، وقد فغرت فاها وخرج لسانها، فعدلت عن الطريق ~~التي يسوقني السائق فيها خوفا أن تحرقني، فابتدرت إلي امرأة حسنة الوجه عظيمة ~~الخلق، فقالت: لا بأس عليك يا أحمد، قد وهبك ربك لي، ثم مشت بيني وبين النار، فكنت ~~أخاف من عظيم النار أن تسلني وإياها فتحرقنا جميعا، إلا أني قد أمنت على نفسي ~~بها، ثم بدرت إلي امرأة أخرى مثلها في حسنها وعظم خلقها، فقالت لي: أبشر ~~يا أحمد برضا ربك عنك، وصاحت هي وصاحبتها على النار فخمدت وانقطع لسانها وبعدت عنا، ~~فقلت للامرأة الأولى: من أنت؟ فقالت لي: أنا أم الجهاد بطرسوس، الشاكر لمبرتك لنا ~~في الشدائد، وعفوك عن أهل الثغور في الجرائم، فقلت للأخرى: من أنت؟ فقالت: أنا ~~الصدقات التي كنت تبذلها يمينا وشمالا وصباحا ومساء. وانصرفتا عني وهما تقولان ~~لي: لا تنس شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله # صلى الله عليه وسلم ~~، ثم نودي بالسائق: ~~أدخله من باب المغفرة. فأدخلت إلى هذا الموضع. فقلت له: فما هذه الكآبة التي أراها ~~بك؟ فقال: استحياء من الله ربي، عز وجل، لما اقترفته من الآثام وارتكبته من ~~الأمور العظام ... فانتبهت من نومي وأنا أترحم عليه، ولكأنه بين يدي يخاطبني لما ~~شاهدته منه وما تداخل قلبي من خطابه. # قال مؤلف هذا الكتاب: وحدثنا الحسن بن علي العباداني، # 48 # وكان من أهل عبادان، وهو من أهل ms194 التعبد والزهد والورع، دخل إلى مصر وسكن ~~المعافر، وله هناك مسجد معروف، قال: رأيت في منامي كأني في الرحبة التي فيها العين ~~التي بناها أحمد بن طولون بالمعافر، وكأن قائلا يقول لي: الأمير في المسجد - وأومأ ~~بيده إلى مسجد الأقدام - فسلم عليه. فقلت له: نعم. فدخلت المسجد فإذا أنا بأحمد بن ~~طولون، فسلمت عليه فرد علي السلام، فبينا أنا كذلك إذا بنار من وراء المسجد ~~عظيمة، فقال لي: ألا ترى هذه النار؟ فقلت: نعم. فقال لي - وأومأ بيده إلى العين التي ~~بناها: لولا هذه لأكلتني هذه النار. فانتبهت وقد سررت بهذه الرؤيا له. # وحدث محبوب بن رجاء قال: رأيت أحمد بن طولون في منامي بحال حسنة، فسألته عما ~~لقي، فقال لي: غفر لي. فقلت له: مع عظيم ما ارتكبت؟ فقال: خفف ذلك عني أن أكثر ~~من أسأت إليه كان مستحقا من ربه ما نزل به مني، فكنت عقوبة بعثها الله، عز ~~وجل، مني عليه. ثم قال: إنما البلاء ظلم من لا ذنب له ولا ناصر. فقلت له: فمستقرك ~~في الجنة؟ فقال: ما استقر بعد أحد في جنة ولا نار، ولكنه تلوح لنا دلالات المغفرة من ~~طيب النفس وأمن السرب. # قال: ومن الدليل على أنه خفف عنه كما ذكر، ما تحدث به كامل بن سعيد متطبب ~~سعيد الصغير، وكان سعيد هذا من أجلاء قواد الموفق، قال: قال لي سعيد يوما، وقد ~~دخلت إليه فرأيته مغموما، فسألته عن حاله؟ فقال لي: شربت أمس نبيذا فسكرت ~~وعربدت على غلام لي فضربته بالمقارع حتى مات تحت الضرب، فلما كان في السحر من ~~يومي هذا رأيت في نومي كأن آتيا أتاني فقال لي: أنا رسول رب العالمين يقول لك: غضبت ~~على عبد من عبيدي ملكتك رقه، فضربته بغير حجة حتى مات، وعزتي وجلالي ~~[لأعجلن لك] العقوبة في الدنيا. قال: فقلت له: يوقيك الله ويصونك، هذه أضغاث ~~أحلام. فأظهر ندما عظيما، وغما شديدا، وتصدق في يومه بعشرة آلاف درهم دية ~~الغلام وانصرفت، فلما كان من غد ms195 صرت إليه، فقال لي: ويحك رأيت البارحة أشد مما ~~رأيت قبلها. فقلت له: وما هو؟ قال: جاءني ذلك الشخص بعينه البارحة في منامي، فقال لي: ~~يقول لك رب العزة: تقتل عبدي وتصانعني عنه، هيهات! وانتبهت من قوله مرعوبا وجلا ~~خائفا. فقال كامل بن سعيد المتطبب: فما مضى لقوله إلا أيام يسيرة حتى أنفذه الموفق ~~رسولا إلى أحمد بن طولون في حمل مال، وكتب إليه طيفور خليفته بالحضرة يعرفه أن ~~الموفق حمله رسائل إلى وجوه قوادك في تضريبهم عليك وإفساد قلوبهم لك فاحذره، ووصل ~~كتاب طيفور إليه قبل وصول سعيد، فحين وصل إليه ووقعت عينه عليه لم ينهنهه # 49 # حتى قال له: يا ابن كذا وكذا! فرغت من تضريبك الرجال بسر من رأى - ~~وكان أحمد بن طولون يعرفه بذلك - وصرت إلى بلدي حتى تضرب علي رجالي، وتفسد ~~نياتهم بالقشور والمحال، العمد! فأحضرت فقال: دماغه، فلم تزل العمد تأخذ دماغه حتى ~~مات، فجر برجله بين يديه، فصحت رؤياه التي رآها. # قال مؤلف هذا الكتاب: وبهذا الخبر صحت رؤيا محبوب بن رجاء في قوله إنه لما رآه ~~في منامه قال له: خفف عني أن أكثر من أسأت إليه كان مستحقا ذلك من ربه، فجعلني ~~عقوبة له، بعثها الله، عز وجل، عليه مني. قال: وكان بين قتل سعيد الغلام وبين مسيره ~~[إلى ابن طولون والا]قتصاص منه، فكان الوقت الذي بلغ الكتاب فيه أجله. # وحدث عبد الله بن الفتح - وكان من أصحاب سيما الطويل - قال: رأيت في منامي كأن ~~سيما الطويل متعلق بأحمد بن طولون على باب المسجد الجامع الذي بناه بمصر، وهو يصيح ~~بأعلى صوته: يا رسول الله! أعني على أحمد بن طولون فإنه قتلني، واصطفى مالي، واستباح ~~أهلي وولدي. فتأملت فإذا رسول الله # صلى الله عليه وسلم # مقبل إلى المسجد فصاح به: يا سيما! ~~كذبت ما قتلك أحمد بن طولون، قتلك عجيج سهل التاجر الذي قدرت أن عنده مالا ~~وجدة، فضربته حتى كاد أن يموت، ثم دخنت عليه حتى مات من التدخين، وأنت ms196 وأحمد ~~خاطئان أقل أحدكما وزرا أحسنكما سيرة، وأكثركما معروفا أقربكما من الله ~~ومغفرته. # وحدث أحمد بن دعيم، وكان من قواد أحمد بن طولون، وترك الديوان وحسنت طريقته في ~~الخير، قال: رأيت أحمد بن طولون فيما يرى النائم وهو بحال حسنة، فسألته عما فعل الله ~~به؟ فقال لي: يا دعيم، ما ينبغي لمن سكن الدنيا أن يحتقر حسنة يعملها ولا سيئة ~~يأتيها، عدل بي إلى الجنة بتثبتي على رجل متظلم إلي، وكان عي اللسان بعيد ~~البيان منقطع الحجة ضعيف الجسم، وقد ارتاع مني مع ذلك واضطرب ، فوقفت عليه ~~وسكنته حتى سكن روعه، وصبرت عليه في خطابه حتى قامت حجته بتثبتي، فتقدمت ~~بإنصافه، فانصرف وقد أثر فيه السرور. # وحدث أحمد بن عبد العزيز الحريري - وكان في خزانة أحمد بن طولون ومعه قدم من ~~العراق - قال: فرق أبو الجيش كسوة أبيه على حاشيته، فلحقني منها نصيب، فما خلا شيء ~~مما صار إلي من رفء # 50 # ووجدت في بعضها رقاعا. # قال مؤلف هذا الكتاب: [كان أحمد بن طولون] يقول كثيرا: ينبغي للرئيس أن يجعل ~~اقتصاده على نفسه وتسمحه على شمله وقاصديه، فإنه يملكهم بذلك ملكا لا يزول به عن ~~قلوبهم، ولا تفسد معه سرائرهم في نصحه وموالاته وحسن طاعته. وهذه كانت صورته، رحمه ~~الله. # قال: وحدثنا عبد الله بن الفتح أن نحريرا الخادم غلام المعتمد حدثه أنه لما ~~ورد الخبر بوفاة أحمد بن طولون على المعتمد بكى حتى خيف على عينيه، وعج حتى رحمه ~~جماعة خاصته وشمله، وحرم شرب النبيذ. وكان لميله إلى أحمد بن طولون ومحبته إذا قعد ~~للشرب جعلت بين يديه صينية فيها خردادي # 51 # وقدح وكوز ومغسل، كل ذلك بلور على اسم أحمد بن طولون، فإذا شرب ندماؤه ملأ ~~الغلام من الخردادي الذي في تلك الصينية قدحا ومضى به، ولا يزال يفعل ذلك إلى أن ينصرف ~~الندماء، وكلما فرغ الخردادي ملئ إلى أن يسكر المعتمد. # فلما مات وحزن عليه وامتنع من الشرب وأقام كذلك مدة طويلة لم يزل ندماؤه يتلطفون ~~له ms197 ويخاطبونه بما يسليه، ويسهل أمره عليه، ويعاونهم على ذلك أقرب الناس منه، ~~وعياله وولده وخاصته حتى نصب مجلسه، فلما فقد صينية أحمد بن طولون من مجلسه، كانت ~~على رسمها فيه، عاود البكاء عليه والنحيب، وخرج إلى أكثر مما كان خرج إليه في الابتداء، ~~ورفع المجلس والنبيذ بين يديه، ولم يزل على ذلك أيضا مدة طويلة، ورثاه فقال: # إلى الله أشكو أسى # عراني كوقع الأسل # عل رجل أروع # ترى فيه فضل الرجل # شهاب خبا وقده # وعارض غيث أفل # شكت دولتي فقده # وقد كان زين الدول # إذا أمه القاصدو # ن حباهم جميع الأمل ~~[قلت لعبد الله] بن الفتح: ما توهمت أن المعتمد يقيم شعرا؛ لأني أنشدت أشعارا ~~لم أرضها. فقال: كان يمزح بأشعار # 52 # فإذا شاء جود. # وحدث علي بن يحيى بن أبي منصور، وكان خاصا بالموفق ومقدما عنده، قال: رأيت ~~الموفق في الساعة التي ورد عليه فيها وفاة أحمد بن طولون، وقد استرجع ووجم، وظهر ~~منه عليه كآبة لم أرها ظهرت منه قط لموت قريب ولا ولي حميم مخلص، فقلت له: ما ~~توهمت أنه يرد عليك شيء أسر من نعي أحمد بن طولون! فما هذا الغم العظيم الذي قد ~~جرى، وجرى في غير موقعه؟ فقال لي: دعنا من هذا وافهم عني ما أقوله لك: كان هذا الرجل ~~مخالفي، والخلاف يزيد وينقص، وأعظمه خلاف استباح فيه مخالفتي ما أيسر فيه [؟] وغلبني ~~عليه، وأسهله خلاف أحسن فيه مخالفتي بتدبير ما احتازه منه فأدى إلى عمارته، وكان خلاف ~~أحمد بن طولون لي أحب من طاعة من يطيعني ويستبيح أموالي ويخرب بلداني، فخلاف من ~~يحسن تدبير ما في يديه أحب إلي من موالاة من يحتوي على من وكلته إليه ~~وتذم العاقبة فيه بسوء تدبيره وقبح أفعاله. وكان هذا الرجل، رحمه الله، يدبر ما ~~قلده كما يدبر المالك ملكه، ويحوطه حياطته لنفسه، ثم لم يخرج عن طاعة ولا أجرى عن ~~حال مذمومة؛ رعيته شاكرون ومعاملوه حامدون، وبه متبركون، وأعماله عامرة، وأموالها ~~على يديه راخية، وأصحابه مغتبطون ms198 به، حسن السياسة، جميل الفعل، كثير المعروف، فلما ~~قلده أخي نواحيه؛ خراجها ومعاونها، ضبط جميع ذلك ضبط جزل محتاط، فتزايدت أفعاله ~~الجميلة فيها، على ما كان منه متقدما، ثم أقدمني أخي من مكة على كره مني لذلك، ~~وكان مقامي بها أحب إلي وأروح لنفسي ... هذا لما عاينته وما كابدته، فلما قدمت ~~إليه رأيت أمو[ر الدولة] مضطربة على غاية من الاضطراب والانحلال، حتى إنه كاد الأمر ~~أن يخرج عن أيدينا بقلة ضبطه لأمر دولته، وسلوكه ما لا يحب فيها، فاجتهدت في جمع ~~شتات هذه الدولة، ورأيت أمير المؤمنين أخي المؤكد لي البيعة رجلا لاهيا، مقبلا ~~على لذاته، مشتغلا بأفراحه، لا يشغله عن ذلك شيء من أمر دولته ولا يفكر فيه، قد ~~ألقى أموره إلى من استبد بها دونه، واجترأ عليها واشتغل بمصالح نفسه وما عاد لمحبيه، ~~ولا يفكر في عاقبة ولا يتخوف من حادثة. # فتغطرست # 53 # لبقاء هذه الدولة بما ضبطتها به، وصنتها عما كانت قد أشرفت عليه من ~~الزوال. وتأملت أمر غلمانه كلهم فما أحمدت أمر أحد منهم، وتأملت أمر أحمد بن ~~طولون، رحمه الله، فوجدته قد حمل إلى إمامه المنفرد باصطناعه، مذ تقلد هذا البلد، ما ~~كنت أرضى أن يحمل إلي بعضه لإصلاح ما أنا بسبيله، ولضيق الأمر وتعذر الأموال ~~علي، فيما أعانيه ودفعت إليه، وناظرني بما إذا تأمله المتأمل المنصف علم أن ~~عذره في خلعي، أوجب من عذري في لعنه، وما خرج إليه في أمري من انحرافه عني، أوجب مما ~~خرجت إليه في أمره وفي انحرافي عنه، وإن كنت أظهر ذلك بلساني وقلبي ينكره ويعلم ~~خطئي فيه، وعذره فيما يأتيه، وأئمتنا هؤلاء فهم فساد فيما بيننا وبين الناس، هذا ~~المهتدي أشرت عليه أن يمرح [؟] في سيرة أبيه، وأعلمته أن الزمان الذي فسد بما أوجبه ~~ما أجرى إليه من سوء التدبير بما يكون فيه المشقة المجحفة ... د غششته إني إنما أردت ~~وقصدت الطعن على تدبيره ورأيه، وقد علم الله، جل اسمه، أني قد نصحته فضرب بيني ~~وبين الناس، وعمل ms199 في أمري ما شاهدوه ونفاني عن حضرته، وركب خطأه وسوء تدبيره، فلم يزل ~~يركض فيه حتى قتل أقبح قتلة فشمت به عدوه، واغتم به وليه وغم نفسه لاستبداده ~~برأيه، وإن كان كل ما يجري فمن الله، جل اسمه، وقضاؤه ينفذ كما يشاء بسلب كل ذي ~~لب لبه حتى تتم مشيئته، إلا أن مخالفة رسول الله # صلى الله عليه وسلم # في ترك المشاورة خطأ، ~~فأقمت، طول ما أقمت، هادئ القلب، آمن السرب، طيب النفس، غير مفكر إلا فيما عاد ~~بأجري، وحمدته في عاقبتي إلى أن ردني أخي. # ولأحمد بن طولون، رحمه الله، أولاد عداد، وموال وعدد جم، لم يروا غير رياستهم، ولم ~~يكن في جماعتهم من قلبه ممتلئ من هيبتنا غيره؛ لأنه ربي في خدمتنا، وشاهد قوة أمرنا ~~وأحوالنا، فامتلأ من ذلك قلبه، وكبرت سطوتنا في عينه، وخلف الآن أموالا جمة ~~عظيمة، لا يحوط جميعها من قليل وكثير إحصاء محص، ولا ضبط محتاط مكفي، وإذا ~~اجتمع لمن يقوم مقامه من ولده قلة التهيب لنا، إذ لم يشاهد من أحوالنا ما قدمنا ~~ذكره من مشاهدة أبيه من أمرنا، مع كثرة المال والأعراض والعدة الجليلة العظيمة ~~والعدة الكثيرة الوافرة القوية، بالحال الجليلة والجمال والمال والشجاعة والإقدام، حسب ~~ما اختصهم أبوهم، وانتخبهم واختارهم، وملأ أعينهم بما لا نتسمح نحن بمثله لكثير من ~~أصحابنا فكيف غيره؟! فهم على ولده بذلك يحتاطون وفي ... بحالين؛ أحدهما المحافظة لما أتاه ~~أبوهم فيهم من الجميل و... عليه من عظم الأحوال، وثانيه لأنهم تيقنوا أنهم لا يجدون ~~مثله ولا مثل ولده أبدا؛ فلهذه الأحوال تعظم علينا نكايتهم معها، ويبعد علينا في ذلك ~~مرامهم ويطرأ علينا منهم ما لعلنا أن نقصر عنه، وعن بلوغ المراد به؛ لأن الأنصار مع ~~المال حيث كان، ولا سيما أنصار من أنصار، فإن بأيدينا من يقوم منهم كان خليقا ~~بالغلبة، وإذا كان النصر لهم قدحت فينا عليه لنا قدحا عظيما وهدت منا ركنا ~~كبيرا، وكنا مع ذلك قد اضطررناه إلى إتلاف الأموال التي تحتاج إليها المملكة ms200 المجاهدة ~~عدوا إن تحرك، فإن كان انصر لنا عليه لم نجد بدا من أن نستخلف على بلدنا ونواحيه ~~من هم كانوا لنا وللأعمال أصلح وأجود وأوثق وأحسن تدبيرا وأجمل حالا وسياسة ~~فيما تقلده. # وكان بغية المتقلد بعد أحمد بن طولون، رحمه الله، وبعد تركته تحصيل الأموال وجمعها ~~لنفسه واستئثاره بها وبجميع ما تنبسط يده إليه دوننا، ثم بعد ذلك تخريبه بلداننا، ~~وإطلاقه نهبها وإخافة سرب أهلها، ودون فائدة للسلطان، ولا عائدة علينا، إلا ما تبسط ~~به الألسن بالدعاء علينا والوزر لعلم في أعناقنا، وهو غير مفكر في ذلك وليس وكده إلا ~~ما عاد لمحبيه، ثم أقبل يترحم على أحمد بن طولون ويبكي على فقده. # فقال علي بن يحيى بن أبي منصور: فقلت للموفق: ثبت الله عزم سيدي وسدد رأيه، ~~وعوضه منه وحرس له ما منحه به، فهذا والله الرأي السديد والفهم الرشيد ولولا ما خصه ... ~~قد قام الآن سيدي، أيده الله، عندما تبينته مما بينه لي الأمير، أيده الله، ~~وشرحه من حال هذا الرجل، رحمه الله، وكشف منه ما كان عني مغطى وعن سائر الناس ~~الذين لا يعلمون مقدار ما علمه الأمير، مد الله في عمره وبلغه أفضل آماله في دنياه ~~وآخرته، والله بكرمه يهنيه ما خوله، ومن به من رياسته ويجعله عمادا لها بمنه ~~وقدرته. # قال مؤلف هذا الكتاب: وجدت ثبتا # 54 # لابن مهاجر بما حمله أحمد بن طولون إلى المعتمد، وفرق في جماعة من ~~حاشيته لأربع سنين، أولاهن سنة إحدى وستين ومائتين وأخراهن سنة خمس وستين ~~ومائتين، مما كانت به السفاتج تنفذ إليه سرا مع من يثق به ويأمنه على سره وماله، ~~ولا يعلم بذلك أحد ممن يكره علمه به من أصحابهم وغيرهم مما مبلغه ألفا ألف ومائتا ألف ~~دينار. # قال: وكانت نفقات أحمد بن طولون، رحمه الله، جدا لا هزلا، كلها فيما قربه من ~~الله، عز وجل، [و]من صالحي كل بلد تقلده، يرغب في دعائهم ويستجلبه بكل نوع، ويحنو ~~على رعيته ويستجلب به دعاءهم، وكان وكده وشغله ms201 واهتمامه بإسعاد بلده وسائر ما بعد ~~من بلدانه، يسعى فيما يرخص الله، جل اسمه، به أسعارهم، وجميع ما يباع في بلده ~~وسائر بلدانه، فكان الرخص به عاما في كل بلد من سائر الأطعمة. وكان السبيل به ~~آمنا، والأرزاق ببركته دارة، والنعمة من الله، جل وعلا، منه إرادته [؟]، جل ~~اسمه، على سائر الناس مترادفة متكانفة. ~~[تمت سيرة أحمد بن طولون.] ms202