######OpenITI# #META# Author: للإمام الطبراني #META# Title: التفسير الكبير #META# Date: ت 360 ه #META# Tafsir_type: تفاسير أهل السنة #META# Source: altafsir.com #META#Header#End# ### | [1 - سورة الفاتحة] ### || [1.1] # قوله تعالى { بسم الله الرحمن الرحيم } قوله عز ~~وجل: بسم الله الرحمن الرحيم. تعليم منه سبحانه؛ ~~ليذكروا اسمه عند افتتاح القراءة وغيرها؛ تبركا به. ومعناه ~~أبدا: { بسم الله }؛ لأن حرف الباء مع سائر حروف الجر لا يستغني ~~عن فعل مضمر أو مظهر؛ فكان ضمير الباء في هذه الآية: ~~الأمر. # واختلف الناس في معنى اشتقاق الاسم؛ وأكثر أهل اللغة على أنه ~~مشتق من السمو؛ وهو الرفعة. ومعنى الاسم التنبيه على ~~المسمى والدلالة عليه. وقال بعضهم: مشتق من السمة؛ وهي ~~العلامة؛ فكان الاسم علامة للمسمى. # وأما { الله } فقال بعضهم: هو اسم لا اشتقاق له؛ مثل قولك: فرس؛ ~~ورجل؛ وجبل؛ ومعناه عند أهل اللسان: المستحق للعبادة؛ ولذلك ~~سمت العرب أصنامهم: آلهة؛ لاعتقادهم استحقاقها للعبادة. وقال ~~بعضهم: هو من قولهم: أله الرجل إلى فلان يأله إلاهة؛ إذا ~~فزع إليه من أمر نزل به؛ فآلهه أي أجاره وأمنه. ويقال ~~للمألوه إليه: إلها. كما قالوا للمؤتم به: إماما؛ فمعناه ~~أن الخلائق يألهون ويتضرعون إليه في الحوائج والشدائد. # واختلفوا في { بسم الله الرحمن الرحيم } هل هي آية من ~~الفاتحة؟ فقال قراء الكوفة: هي آية منها؛ وأبى ذلك أهل المدينة ~~والبصرة. وأما قوله { الرحمن الرحيم } فهما اسمان مأخوذان من ~~الرحمة؛ وزنهما من الفعل نديم وندمان من المنادمة، ~~وفعلان أبلغ من فعيل، وهو من أبنية المبالغة. ولا يكون إلا ~~في الصفات؛ كقولك: شبعان وغضبان؛ ولهذا كان اسم { الرحمن } ~~مختصا بالله لا يوصف به غيره. وأما اسم { الرحيم } فمشترك. # وعن عثمان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الرحمن العاطف على جميع خلقه بإدرار الرزق ~~عليهم " # فالرحمة من الله تعالى الإنعام على المحتاج؛ ومن الآدميين رقة ~~القلب؛ وإنما جمع بين الرحمن والرحيم للنهاية في الرحمة ~~والإحسان بعد الاحتنان. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه ~~قال: [هما اسمان رقيقان أحدهما أرق من الآخر] ولو ~~قال: لطيفان لكان أحسن. # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكتب في أوائل الكتب في أول ~~الإسلام: ms0001 [بسمك اللهم] حتى نزل # بسم الله مجريها # [هود: 41]. فكتب { بسم الله }. ثم نزل: # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن # [الإسراء: 110] فكتب: { بسم الله الرحمن }. فنزل: # بسم الله الرحمن الرحيم # [النمل: 30] في سورة النمل؛ فكتب حينئذ: { بسم الله ~~الرحمن الرحيم }. # فإن قيل: لم قدم اسم الله على الرحمن؟ قيل: لأنه اسم لا ~~ينبغي إلا لله عز وجل. وقيل في تفسير قوله تعالى: # هل تعلم له سميا # [مريم: 65] أي هل تعرف في السهل والجبل والبر والبحر والمشرق ~~والمغرب أحدا اسمه الله غير الله؟ وقيل: هو اسمه الأعظم. ~~وقدم الرحمن على الرحيم؛ لأن الرحمن اسم خص به الله؛ ~~والرحيم مشترك؛ يقال: رجل رحيم، ولا يقال: رجل رحمن. وقيل: ~~الرحمن أمدح؛ والرحيم أرأف. # وإنما أسقطت الألف من اسم الله وأصله باسم الله؛ لأنها كثرت على ~~ألسنة العرب عند الأكل والشرب والقيام والقعود؛ فحذفت اختصارا من ~~الخط وإن ذكرت اسما غيره من أسماء الله لم تحذف الألف لقلة ~~الاستعمال؛ نحو قولك: باسم الرب، وباسم العزيز؛ وإن أتيت بحرف سوى ~~الباء لم تحذف الألف أيضا؛ نحو قولك: لاسم الله حلاوة في ~~القلوب؛ وليس اسم كاسم الله. وكذلك باسم الرحمن؛ واسم الجليل؛ و # اقرأ باسم ربك # [العلق: 1]. ### || [1.2] # قوله عز وجل: { الحمد لله } ، الحمد والشكر نظيران؛ إلا ~~أن الحمد أعم من حيث إن فيه معنى المدح من المنعم عليه؛ وغير ~~المنعم عليه؛ ولا يكون الشكر إلا من المنعم عليه. والشكر أعم ~~من الحمد من حيث إنه يكون من اللسان والقلب والجوارح؛ والحمد لا ~~يكون إلا باللسان؛ ويتبين الفرق بينهما بنقيضهما. فنقيض الحمد ~~الذم؛ ونقيض الشكر الكفران. # وقوله: { رب العالمين }. الرب في اللغة: اسم لمن يربي ~~الشيء ويصلحه؛ يقال لسيد العبد: رب؛ ولزوج المرأة: رب؛ وللمالك: ~~رب. ولا يقال: الرب معرفا بالألف واللام إلا لله عز وجل. ~~والله تعالى هو المربي والمحول من حال إلى حال؛ من نطفة إلى ~~علقة إلى مضغة إلى غير ذلك إلى أجل مسمى. # وقوله { رب العالمين } العالم: جمع لا واحد له من لفظه؛ ms0002 ~~كالنفر والرهط؛ وهو اسم لمن يعقل مثل الإنس والجن ~~والملائكة؛ لأنك لا تقول: رأيت عالما من الإبل والبقر والغنم؛ إلا ~~أنه حمل اسم العالم في هذه السورة على كل ذي روح دب ~~ودرج لتغليب العقلاء على غيرهم عند الاجتماع. وربما قيل ~~للسماوات وما دونها مما أحاطت به: عالم؛ كما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " إن لله ثمانية عشر ألف عالم؛ وإن دنياكم ~~منها عالم ". ### || [1.3] # وقوله: { الرحمن الرحيم }. قد تقدم تفسيره. ### || [1.4] # وقوله عز وجل: { ملك يوم الدين }. أي يوم الحساب؛ ~~فإن قيل: لم خص يوم الدين؛ وهو ملك الدنيا والآخرة؟ ~~قيل: لأن الله تعالى لا ينازعه أحد في ملكه ذلك اليوم؛ كما ~~قال تعالى: # لمن الملك اليوم لله الواحد القهار # [غافر: 16]. # قرأ عاصم والكسائي: (مالك يوم الدين) بالألف؛ والباقون ~~بغير ألف. قال أهل النحو: (ملك) أمدح من (مالك) لأن ~~المالك قد يكون غير ملك ولا يكون الملك إلا مالكا. وروي ~~أن أبا هريرة رضي الله عنه كان يقرأ: (مالك يوم الدين) على ~~النداء المضاف؛ أي يا مالك يوم الدين. وقرأ أنس بن مالك: ~~(ملك يوم الدين) جعله فعلا ماضيا. ### || [1.5] # قوله عز وجل: { إياك نعبد وإياك نستعين }. لا ~~يحسن إدخال { إياك } في غير المضمرات. وحكي عن الخليل: ~~(إذا بلغ الرجل الستين فإياه؛ وإيا الشواب). ~~فأضافه إلى ظاهر؛ وهو قبيح مع جوازه ولا يكون إلا إذا تقدم، ~~فإن تأخر؛ قلت: نعبد؛ ولا يجوز: نعبد إياك. فإن قيل: ~~لم قدم { إياك نعبد } وهلا قال: نعبدك؟ قيل: إن ~~العرب إذا ذكرت شيئين قدمت الأهم فالأهم؛ ذكر المعبود في ~~هذه الآية أهم من ذكر العبادة فقدمه عليها. # والكاف من { إياك } في موضع خفض بمنزلة عصاك؛ وأجاز ~~الفراء: أن تكون في موضع نصب؛ فكأنه جعل { إياك } بكماله ضمير ~~المنصوب. فإن قيل: لم عدل عن المغايبة إلى المخاطبة؟ قلنا: ~~مثله كثير في القرآن؛ قال الله تعالى: # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح # [يونس: 22]. ### || [1.6] # قوله عز وجل: { اهدنا الصراط ms0003 المستقيم }؛ أي ~~أرشدنا الطريق القائم الذي ترضاه؛ وهو الإسلام. وهذا دعاء؛ ~~ومثله بلفظ الأمر؛ لأن الأمر لمن دونك؛ والمسألة لمن فوقك. # فإن قيل: ما معنى قولكم: إهدنا! وأنتم مهتدون؟ قيل: هذا ~~سؤال في مستقبل الزمان عند دعوة الشيطان. وقيل: معناه: ~~ثبتنا على الطريق المستقيم؛ لا تقلب قلوبنا بمعصيتنا. ~~ونظير قوله تعالى في قصة إبراهيم عليه السلام: # إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب ~~العالمين # [البقرة: 131] أي أثبت على الإسلام. # وفي { الصراط } أربع لغات: صراط بالصاد؛ وسراط بالسين، ~~وبالزاي الخالصة، وبإشمام الصاد والزاي، وكل ذلك قد قرئ به؛ ~~فبالسين قراءة قنبل، وبإشمام الزاي قراءة خلف؛ وقرأ ~~الباقون بالصاد الصافية. ### || [1.7] # قوله تعالى: { صراط الذين أنعمت عليهم }؛ هم ~~الأنبياء وأهل طاعة الله تعالى. واختلاف القراءة في { صراط } ~~كاختلافهم في { الصراط }. # قوله عز وجل: { غير المغضوب عليهم ولا ~~الضآلين } { المغضوب عليهم } هم اليهود؛ و { ~~الضآلين } هم النصارى. # وأما (آمين) فليس من السورة؛ ولكن روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه كان يقوله ويأمر به. وقال: # " لقني جبريل عليه السلام بعد فراغي من فاتحة ~~الكتاب: آمين، وقال: إنه كالطابع على الكتاب " # وقيل: معنى آمين: اللهم استجب. وقيل: معناه: يا ~~آمين؛ أي يا الله. فآمين اسم من أسماء الله. وقيل: معناه: ~~اللهم اغفر لي. وفي آمين لغتان: المد والقصر؛ قال الشاعر ~~في القصر: # تباعد منى فطحل إذ رأيته # أمين فزاد الله ما بيننا بعدا # وقال آخر في المد: # صلى الإله على لوط وشيعته # أبا عبيدة قل بالله آمين # وقال آخر في المد أيضا: # يا رب لا تسلبنى حبها أبدا # ويرحم الله عبدا قال آمينا # قال صلى الله عليه وسلم: # " فاتحة الكتاب رقية من كل شيء إلا السأم " # وهو الموت. وروي أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: # " كنت أخشى العذاب على أمتك فلما نزلت ~~الفاتحة أمنت؛ لأنها سبع آيات؛ وجهنم لها ~~سبعة أبواب، فمن قرأها صارت كل آية طبقا على ~~باب ". ### | [2 - سورة البقرة] ### || [2.1] # قوله عز وجل: { الم }؛ اختلفوا في تفسير ms0004 { الم } وسائر ~~حروف التهجي، وروي عن عمر وعثمان وابن مسعود: (أن الحروف ~~المقطعة من المكتوم الذي لا يفسر). ووافقهم في ~~ذلك الشعبي؛ وقال: (إن لله تعالى سرا في كتبه؛ وإن ~~سره في القرآن الحروف المقطعة) وقال بعضهم: إنها ~~من المتشابهات التي استأثر الله بعلمها فنحن نؤمن بتنزيلها ونكل ~~إلى الله تأويلها. وقال علي رضي الله عنه: (لكل شيء صفوة؛ ~~وصفوة هذا الكتاب حروف التهجي). # وعن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن معنى { الم }: أنا ~~الله أعلم وأرى، و { المص }: أنا الله أعلم وأفصل، و { ~~كهيعص }: الكاف من كاف، والهاء من هاد، والياء ~~من حكيم، والعين من عليم، والصاد من صادق). ~~ويقال: الألف: مفتاح اسمه الله؛ واللام: لطيف، والميم: مجيد، ~~ومعناه اللطيف المجيد أنزل الكتاب. ويقال: الألف: الله، واللام: ~~جبريل، والميم: محمد، معناه: الله أنزل جبريل على محمد بهذا ~~القرآن. وقيل: هذا قسم أقسم الله به أن هذا الكتاب الذي أنزل على ~~محمد هو الكتاب الذي عند الله، وجوابه: # لا ريب فيه # [البقرة: 2]. وقال محمد بن كعب: (الألف آلاء الله، واللام ~~لطفه، والميم ملكه). وقال أهل الإشارة: الألف أنا، ~~واللام لي، والميم مني. # فصل: وهذه الحروف موقوفة؛ لأنها حرف هجاء، وحروف الهجاء لا ~~تعرب كالعدد في قوله: واحد اثنان. ولغاية أدخلوا الواو ~~وحركوه؛ لأنه صار في حد الأسماء، فيقال: ألف ولام كالعدد. وكذلك ~~قال الأخفش: (هي ساكنة لا تعرب). # وقوله: { الم } رفع بالابتداء؛ و { ذلك } خبره؛ و { الكتاب ~~} صلة لذلك. ويحتمل أن يكون (الم) خبرا مقدما تقديره: ذلك ~~الكتاب الذي وعدت أن أوحيه إليك { الم }. ومن أبطل محل الحروف ~~جعل { ذلك } ابتداء و { الكتاب } خبره. و { الم } صلة؛ فيكون ~~لذلك معنيان؛ أحدهما: أن { ذلك } بمعنى، وقد يستعمل { ذلك } ~~بمعنى، (هذا). قال خفاف: # أقول له والرمح يأطر متنه # تأمل خفافا إننى أنا ذلكا # أي إنني هذا أطرأ لعود عطفه. # والثاني: على الإضمار؛ كأنه قال: هذا القرآن # ذلك الكتاب # [البقرة: 2] الذي وعدت في التوراة والإنجيل أن أوحيه إليك. وقيل: { ~~الم } ابتداء؛ و { ذلك ms0005 } ابتداء آخر؛ و { الكتاب } خبره، ~~والجملة خبر الأول. # وقال بعض المفسرين: اختلف في # ذلك الكتاب # [البقرة: 2]، فقال الحسن وابن عباس وقتادة ومجاهد: (هو ~~القرآن). فعلى هذا يكون { ذلك } بمعنى (هذا) كقوله تعالى: # وتلك حجتنآ # [الأنعام: 83] أي هذه حجتنا. وقيل: معناه: # ذلك الكتاب # [البقرة: 2] الذي ذكرته في التوراة والإنجيل. ### || [2.2] # وقوله عز وجل: { ذلك الكتاب لا ريب فيه }؛ أي لا ~~شك فيه. ونصب { ريب } لتعميم النفي؛ ألا ترى أنك تقول: لا رجل ~~في الدار؛ بالنصب، فيكون نفيا عاما. وإذا قلت: لا رجل في الدار؛ ~~بالرفع، جاز أن يكون في الدار رجلان أو ثلاثة. # قوله عز وجل: { هدى للمتقين }؛ نصب على الحال؛ إما من ~~{ ذلك الكتاب }؛ كأنه قال: ذلك الكتاب هاديا. وإما من { لا ~~ريب فيه } كأنه قال { لا ريب فيه } في حال هدايته. ويجوز أن ~~يكون موضعه رفعا على إضمار (هو)، أو (فيه). # فإن قيل: لم خص المتقين؛ وهو هدى لهم ولغيرهم؟ قيل: تخصيص ~~الشيء بالذكر لا يدل على نفي ما عداه، وفائدة التخصيص تشريف ~~المتقين، ومثله: # إنما تنذر من اتبع الذكر # [يس: 11] # إنمآ أنت منذر من يخشها # [النازعات: 45]. ### || [2.3-4] # قوله تعالى: { الذين يؤمنون بالغيب }؛ أي بالبعث ~~والحساب والجنة والنار. وقيل: (الغيب) هو الله. قوله تعالى: ~~{ ويقيمون الصلوة } ، أي الصلوات الخمس بشرائطها في ~~مواقيتها. قوله تعالى: { ومما رزقناهم ينفقون }؛ ~~يعني الزكاة؛ وهو الأظهر؛ لأن الله تعالى قرن بين الصلاة والزكاة ~~في مواضع كثيرة، وإقامة الصلاة طهارة الأبدان؛ وإعطاء الزكاة طهارة ~~الأموال. وبالأموال قوام الأبدان، وقد قيل: هو نفقة الرجل على ~~أهله. # قيل: لما نزل قوله عز وجل: { الذين يؤمنون ~~بالغيب ويقيمون الصلوة } الآية، قالت اليهود: نحن ~~نؤمن بالغيب ونقيم الصلاة وننفق مما رزقنا الله؛ فأنزل الله ~~تعالى: { والذين يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل ~~من قبلك } ، والذي أنزل إليه القرآن والذي أنزل من قبله ~~التوراة والإنجيل وسائر الكتب المنزلة؛ فنفروا من ذلك. فإن ~~قيل: لم قال: { وبالآخرة هم يوقنون } ، ولم يقل ~~يؤمنون؟ قيل: لأن الإيقان توكيد الإيمان؛ واليقين بالآخرة ~~يقين خبر ms0006 ودلالة، ومعنى الآية: وبالدار الآخرة هم يعلمون ويستيقنون ~~أنها كائنة. ### || [2.5] # قوله تعالى: { أولئك على هدى من ربهم ~~وأولئك هم المفلحون }. أي أهل هذه الصفة على رشد ~~وثبات وصواب من ربهم. والمفلحون: الناجون الفائزون بالجنة، ونجوا ~~من النار. وقيل: هم الباقون بالثواب والنعيم المقيم. ### || [2.6] # قوله عز وجل: { إن الذين كفروا سوآء عليهم ~~ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } ، يعني ~~مشركي العرب. وقال الضحاك: (نزلت في أبي جهل وخمسة ~~من أهل بيته). وقال الكلبي: (يعني اليهود) وقيل: ~~المنافقين. والكفر: هو الجحود والإنكار. قوله تعالى: { ~~ءأنذرتهم } الإنذار: التحذير والتخويف. { أم لم ~~تنذرهم لا يؤمنون } وهذه الآية خاصة فيمن حقت عليه ~~كلمة العذاب والشقاوة في سابق علم الله. ### || [2.7] # قوله تعالى: { ختم الله على قلوبهم وعلى ~~سمعهم }. أي طبع على قلوبهم؛ والختم والطبع بمعنى واحد؛ وهو ~~التغطية للشيء. والمعنى طبع الله على قلوبهم؛ أي أغلقها وأقفلها؛ ~~فليست تفقه خيرا ولا تفهمه. (وعلى سمعهم) فلا يسمعون الحق ~~ولا ينتفعون به، وإنما وحده وقد تخلل بين جمعين؛ لأنه مصدر؛ ~~والمصدر لا يثنى ولا يجمع. وقيل: أراد سمع كل واحد منهم كما ~~يقال: أتاني برأس كبشين؛ أراد برأس كل واحد منهما. وقال سيبويه: ~~(توحيد السمع يدل على الجمع؛ لأنه توسط ~~جمعين) كقوله تعالى: # يخرجهم من الظلمات إلى النور # [البقرة: 257] وقوله تعالى: # عن اليمين وعن الشمال عزين # [المعارج: 37] يعني الأنوار والإيمان؛ وقرأ ابن عبلة: { ~~وعلى سمعهم }. # وتم الكلام عند قوله: { وعلى سمعهم } ثم قال: { وعلى ~~أبصرهم غشاوة }. أي غطاء وحجاب فلا يرون الحق. وقرأ ~~المفضل بن محمد: (غشاوة) بالنصب؛ كأنه أضمر فعلا أو جملة ~~على الختم؛ أي ختم على أبصارهم غشاوة، يدل عليه قوله ~~تعالى: # وجعل على بصره غشاوة # [الجاثية: 23]. وقرأ (غشاوة) بضم الغين. وقرأ الجحدري: ~~(غشاوة) بفتح الغين. وقرأ أصحاب عبدالله: (غشوة) بفتح الغين ~~بغير ألف. ومن رفع (غشاوة) فعلى الابتداء. # قوله تعالى: { ولهم عذاب عظيم } ، يعني القتل والأسر. ~~وقال الخليل: (العذاب ما يمنع الإنسان من مراده). ~~وقيل: هو إيصال الألم إلى الحي مع الهوان ms0007 به؛ ولهذا لا ~~يسمى ما يفعل الله بالبهائم والأطفال عذابا؛ لأنه ليس على سبيل ~~الهوان. ### || [2.8] # قوله عز وجل: { ومن الناس من يقول آمنا بالله ~~وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين } ، نزلت هذه الآية في ~~المنافقين: عبدالله بن أبي بن أبي سلول؛ ومعتب بن ~~قشير؛ وجد بن قيس ومن تابعهم، كانوا يقولون للصحابة: ~~آمنا بالذي آمنتم به ونشهد أن صاحبكم صادق؛ وليس هم كذلك ~~في الباطن إذا خلوا، وكانوا يقولون فيما بينهم: هذه خلة ~~نسلم بها عن محمد وأصحابه ونكون مع ذلك متمسكين بديننا؛ ~~فقال الله عز وجل: { وما هم بمؤمنين } وإنما وحد ~~في أول الآية وجمع الضمير في آخرها؛ لأن لفظ { من } ~~للوحدان، ومعناه يصلح للمذكر والمؤنث؛ والاثنين والجماعة؛ ~~فعدل تارة إلى اللفظ وتارة للمعنى؛ ومنه قوله تعالى: # بلى من أسلم وجهه لله # [البقرة: 112] الآية، # ومن يقنت منكن لله ورسوله # [الأحزاب: 31] الآية. ### || [2.9] # قوله عز وجل: { يخادعون الله والذين آمنوا }؛ أي ~~يخالفون الله ويكذبونه ويكذبون المؤمنين. ويخالفونهم في ~~ضمائرهم وهم المنافقون. وأصل الخدع في اللغة الاختفاء؛ ومنه ~~قيل للبيت الذي يخبأ فيه المتاع: مخدع؛ فالمخادع ~~يظهر خلاف ما يضمر. وقال بعضهم: أصل الخداع في اللغة: الفساد. ~~وقال الشاعر: # أبيض اللون لذيذ طعمه # طيب الريق إذا الريق خدع # أي فسد، فيكون المعنى: مفسدون ما أظهروا بألسنتهم مما ~~أضمروا في قلوبهم. وقيل: معناه: يخادعون رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كقوله تعالى: # فلمآ آسفونا انتقمنا منهم # [الزخرف: 55] أي آسفوا نبينا. وقوله تعالى: # الذين يؤذون الله ورسوله # [الأحزاب: 57] أي أولياء الله؛ لأن الله تعالى لا يؤذى ولا ~~يخادع. وقد يكون المفاعلة من واحد كالمسافرة. # فإن قيل: ما وجه مخادعتهم الله؛ وهو لا يخفى عليه شيء؟ وما وجه ~~مخادعة المؤمنين ومخادعة أنفسهم؟ قيل: المخادعة الإخفاء، يقال: ~~انخدعت الضبية في جحرها. والله تعالى لا يخادع في الحقيقة، ولكن ~~أطلق عليه اسم المخادعة لما فعلوا فعل المخادعين. ولو كان ~~يصح لهم خداعهم لقال: يخدعون الله. وقيل: معناه: ~~يخادعون رسول الله. # وأما مخادعة المؤمنين، فإظهارهم لهم الإسلام ms0008 تقية؛ وقيل: ~~إظهار الإسلام لهم ليكرموهم ويبجلوهم. وقيل: أظهروا لهم ذلك ~~ليفشوا إليهم سرهم فينقلوه إلى أعدائهم. وأما مخادعة ~~أنفسهم فضرر ذلك عليهم. قال الله تعالى: { وما يخدعون ~~إلا أنفسهم }؛ لأن وبال الخداع عائد إلى أنفسهم فكأنهم في ~~الحقيقة إنما يخدعون أنفسهم. # قوله تعالى: { وما يشعرون }؛ أي وما يعلمون أنه كذلك. ~~والشعر: هو العلم الدقيق الذي يكون حادثا من الفطنة؛ وهو من شعار ~~القلب؛ ومنه سمي الشاعر شاعرا لفطنته لما يدق من المعنى والوزن، ~~ومنه الشعر لدقته. ويقال: ما شعرت به؛ أي ما علمت به. وليت ~~شعري ما صنع فلان؛ أي ليت علمي. # واختلف القراء في قوله تعالى: { وما يخدعون } فقرأ نافع؛ ~~وابن كثير؛ وأبو عمرو: (يخادعون) بالألف. وقرأ الباقون: ~~(يخدعون) بغير ألف على أشهر اللغتين وأفصحهما؛ واختاره أبو ~~عبيد. ولا خلاف في الأول أنه بالألف. ### || [2.10] # قوله عز وجل: { في قلوبهم مرض }؛ أي شك ونفاق، وسمي ~~النفاق مرضا لأنه يهلك صاحبه؛ ولأنه يضطرب في الدين يوالي ~~المؤمنين باللسان؛ والكفار بالقلب؛ فحاله كحال المريض الذي هو مضطرب ~~بين الحياة والموت. وقيل: إن الشك؛ أي بالقول: ألم القلب، ~~والمرض: ألم البدن. فسمي الشك مرضا لما فيه من الهم ~~والحزن. وقيل: سمي النفاق مرضا؛ لأنه يضعف الدين واليقين كالمرض ~~الذي يضعف البدن وينقص قواه؛ ولأنه يؤدي إلى الهلاك بالعذاب كما أن ~~المرض في البدن يؤدي إلى الهلاك بالموت. # قوله تعالى: { فزادهم الله مرضا }؛ أي شكا ~~ونفاقا وعذابا وهلاكا. والفاء في { فزادهم الله } بمعنى ~~المجازاة. وقيل: على وجه الدعاء، { ولهم عذاب أليم ~~}؛ أي موجع يخلص وجعه إلى قلوبهم؛ وهو بمعنى مؤلم. قوله ~~تعالى: { بما كانوا يكذبون }؛ قال بعضهم: الباء في { بما ~~} صلة؛ أي لهم عذاب أليم بكذبهم وتكذيبهم الله ورسوله في ~~السر؛ فيكون (ما) مصدرية؛ والأولى إعمال الحروف. و(ما) وجد لها ~~مساغ؛ أي بالشيء الذي يكذبون. # وفي قوله: { يكذبون } خلاف بين القراء، فقرأ أهل الكوفة ~~بفتح الياء وتخفيف الذال؛ أي بكذبهم إذ قالوا: آمنا، وهم غير ~~مؤمنين. ### || [2.11] # قوله عز وجل: { وإذا قيل ms0009 لهم لا تفسدوا في ~~الأرض }؛ قرأ الكسائي؛ ويعقوب؛ وهشام: { قيل } و { حيل } ~~[سبأ: 54]، و { سيق } [الزمر: 71]، و { جيئ } ، و { سيء } ~~[هود: 77] بإشمام الضمة. ومعنى الآية: وإذا قيل للمنافقين وقيل ~~لليهود؛ أي إذا قال لهم المؤمنون: لا تفسدوا في الأرض بالكفر ~~والمعصية والمداهنة وتعويق الناس عن الإيمان بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم والقرآن، { قالوا إنما نحن مصلحون }؛ أي ~~عاملون بالطاعة ومصلحون بالمداهنة؛ لأنهم كانوا يقولون: لا ~~نعادي المؤمنين ولا الكفار؛ نداري هؤلاء وهؤلاء؛ حتى إذا غلب أحد ~~الفريقين لا يأتينا من دائرتهم شيء. ### || [2.12] # يقول الله تعالى: { ألا إنهم هم المفسدون } ، { ألا } ~~كلمة تنبيه، والمعنى: ألا إنهم هم المفسدون بالمداهنة ~~والعاملون بالمعصية، وقوله تعالى: { هم } عماد وتأكيد. ~~قوله تعالى: { ولكن لا يشعرون }؛ أي لا يعلمون ما ~~أعد الله لهم من العذاب. وقيل: لا يعلمون أنهم كذلك. ### || [2.13] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم آمنوا كمآ آمن ~~الناس }؛ أي إذا قيل للمنافقين: صدقوا كما صدق أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، { قالوا أنؤمن كمآ آمن ~~السفهآء }؛ أي أنصدق كما صدق الجهال، يقول الله ~~تعالى: { ألا إنهم هم السفهآء }؛ أي هم الجهال ~~بتركهم التصديق في السر؛ { ولكن لا يعلمون }؛ أنهم ~~جهال. وقيل: قالوا: أنصدق { كمآ } صدق الجهال بقول ~~الله تعالى، { ألا إنهم }. وقيل: معناه: آمنوا كما آمن ~~عبدالله ابن سلام وغيره من مؤمني أهل الكتاب. # والسفهاء: جمع سفيه، وهو البهات الكذاب المتعمد بخلاف ما ~~يعلم. وقال قطرب: (السفيه: العجول الظلوم القائل ~~خلاف الحق). ### || [2.14] # قوله عز وجل: { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا ~~آمنا }؛ قال جويبر عن الضحاك عن ابن عباس: (كان عبدالله ~~بن أبي بن سلول الخزرجي عظيم المنافقين من ~~رهط سعد بن عبادة، وكان إذا لقي سعدا قال: نعم ~~الدين دين محمد، وكان إذا رجع إلى رؤساء ~~قومه من أهل الكفر قال: شدوا أيديكم بدين ~~آبائكم. فأنزل الله هذه الآية). # وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس؛ قال: (نزلت هذه ~~الآية في عبدالله ابن أبي وأصحابه، وذلك أنهم ~~خرجوا ذات يوم ms0010 فاستقبلهم نفر من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. فقال عبدالله لأصحابه: أنظروا ~~كيف أرد هؤلاء السفهاء عنكم؟ فذهب فأخذ بيد ~~أبي بكر رضي الله عنه فقال: مرحبا بالصديق وسيد ~~بني تميم وشيخ الإسلام وثاني رسول الله في الغار ~~الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~ثم أخذ بيد عمر رضي الله عنه، وقال: مرحبا بسيد ~~بني عدي بن كعب الصادق القوي في دين الله عز ~~وجل الباذل نفسه وماله لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. ثم أخذ بيد علي كرم الله وجهه؛ فقال: ~~مرحبا يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم وختنه ~~وسيد بني هاشم ما خلا رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~فقال علي رضي الله عنه: اتق الله ولا تنافق؛ فإن ~~المنافقين شر خليقة الله. فقال: مهلا يا أبا ~~الحسن، والله إن إيماننا كإيمانكم وتصديقنا ~~كتصديقكم. وفي رواية: والله إني مؤمن بالله ~~ورسوله. ثم افترقوا، فقال عبدالله لأصحابه: ~~كيف رأيتموني فعلت، فإذا رأيتموهم فافعلوا ~~كما فعلت. فأثنوا عليه؛ وقالوا: لا نزال بخير ~~ما عشت. فرجع المسلمون إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأخبروه بذلك، فأنزل الله هذه الآية). ~~ومعناها: وإذا لقوا الذين آمنوا، أبا بكر وأصحابه؛ قالوا: آمنا ~~كإيمانكم. # وقرأ محمد بن السميقع: (وإذا لاقوا) وهما بمعنى واحد، وأصل { ~~لقوا }: لقيوا؛ فاستثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى القاف ~~وسكنت الواو والياء، فحذفت الياء لالتقاء الساكنين. # قوله تعالى: { وإذا خلوا إلى شياطينهم }؛ أي مع ~~شياطينهم؛ وهم رؤساؤهم في الضلالة. قال الأخفش: (كل عاق ~~متمرد فهو شيطان). ومعنى { خلوا } أي جمعوا. ويجوز أن ~~يكون من الخلوة؛ يقال: خلوت به وخلوت معه وخلوت ~~إليه؛ كلها بمعنى واحد. قال ابن عباس: ((شياطينهم) ~~رؤساؤهم وكبراؤهم وكهنتهم وهم خمسة نفر ~~من اليهود). ولا يكون كاهن إلا ومعه شيطان، منهم كعب بن ~~الأشرف بالمدينة؛ وأبو بردة في بني أسلم؛ وعبد الدار في ~~جهينة؛ وعوف بن عامر في بني أسد؛ وعبدالله بن السوداء في ~~الشام. والشيطان المتمرد العاتي من ms0011 كل شيء؛ ومنه قيل ~~للحية النصناص: شيطان؛ قال الله تعالى: # طلعها كأنه رءوس الشياطين # [الصافات: 65] أي الحيات. # وقوله تعالى: { قالوا إنا معكم }؛ أي على دينكم ~~وأنصاركم، قوله عز وجل: { إنما نحن مستهزئون }؛ أي ~~بمحمد وأصحابه بإظهار قول لا إله إلا الله محمد ~~رسول الله. ### || [2.15] # قوله عز وجل: { الله يستهزىء بهم ويمدهم في ~~طغيانهم يعمهون }؛ أي يجازيهم على استهزائهم فسمى الجزاء ~~باسم الابتداء؛ إذ كان مثله في الصورة؛ كقوله تعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40] فسمى جزاء السيئة سيئة. وقال تعالى: # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه # [البقرة: 194] والثاني ليس باعتداء. # قوله تعالى: { ويمدهم في } أي يمهلهم ويتركهم في ~~ضلالتهم يتحيرون؛ يقال: مد في الشر؛ ويمد في الخير؛ وقال ~~يونس: (المد الترك؛ والإمداد في معنى الإعطاء). ~~وقيل: مده وأمده بمعنى واحد. وقال الأخفش: ( { ويمدهم } أي ~~يمد لهم؛ فحذف اللام). والطغيان: مجاوزة الحد؛ يقال: ~~طغى الماء إذا جاوز حده؛ وقيل لفرعون: # إنه طغى # [طه: 24] أي أسرف في الدعوى حيث قال: # أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24]. # وقرأ ابن محيصن: (ويمدهم) بضم الياء وكسر الميم؛ وهما لغتان. ~~إلا أن المد أكثر ما يجيئ في الشر، قال الله تعالى: # ونمد له من العذاب مدا # [مريم: 79]، والإمداد في الخير قال الله تعالى: # ويمددكم بأموال وبنين # [نوح: 12]، وقال تعالى: # أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين # [المؤمنون: 55]. وقيل: معنى { الله يستهزىء بهم } أي ~~يوبخهم ويغبيهم ويجهلهم. وقيل: معناه: الله يظهر المؤمنين ~~على نفاقهم. # وقال ابن عباس: (هو أن يطلع الله المؤمنين يوم ~~القيامة وهم في الجنة على المنافقين وهم في ~~النار، فيقولون لهم: أتحبون أن تدخلوا الجنة؟ ~~فيقولون: نعم، فيفتح لهم باب إلى الجنة ~~ويقال لهم: ادخلوا، فيأتون يتقلبون في النار، ~~فإذا انتهوا إلى الباب سد عليهم وردوا إلى ~~النار؛ ويضحك المؤمنون منهم. فذلك قوله ~~تعالى: # إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا ~~يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا ~~انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا ~~رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون * ومآ أرسلوا ~~عليهم حافظين * فاليوم الذين آمنوا من ms0012 ~~الكفار يضحكون # [المطففين: 29-34]. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يؤمر بناس من المنافقين إلى الجنة حتى إذا ~~دنوا منها ووجدوا رائحتها ونظروا إلى ما أعد ~~الله لأهلها من الكرامة، نودوا أن اصرفوهم عنها؛ ~~فيرجعون بحسرة وندامة لم ترجع الخلائق ~~بمثلها؛ فيقولون: يا ربنا لو أدخلتنا النار ~~قبل أن ترينا ما أريتنا كان أهون علينا؟ فيقول ~~الله تعالى: هذا الذي أردت بكم؛ هبتم الناس ولم ~~تهابوني؛ أجللتم الناس ولم تجلوني؛ كنتم ~~تراءون الناس بأعمالكم خلاف ما كنتم تروني من ~~قلوبكم، فاليوم أذيقكم من عذابي ما حرمتكم ~~من ثوابي ". # فإن قيل: لم أمر الله تعالى بقتال الكفار المعلنين الكفر ولم ~~يأمر بقتال المنافقين وهم في الدرك الأسفل من النار؛ وخالف بين ~~أحكامهم وأحكام الكفار المظهرين الكفر وأجراهم مجرى المسلمين ~~في التوارث والأنكحة وغيرها؟ قيل: عقوبات الدنيا ليست على قدر ~~الإجرام؛ وإنما هي على ما يعلم الله من المصالح؛ ولهذا أوجب رجم ~~الزاني المحصن ولم يزل عنه الرجم بالتوبة؛ والكفر أعظم من ~~الزنا ولو تاب منه قبلت توبته. وكذلك أوجب الله على القاذف بالزنا ~~الجلد ولم يوجبه على القاذف بالكفر؛ وأوجب على شارب الخمر الحد ~~ولم يوجبه على شارب الدم. ### || [2.16] # قوله عز وجل: { أولئك الذين اشتروا ~~الضللة بالهدى } أي أخذوا الضلالة وتركوا الهدى؛ ~~واختاروا الكفر على الإيمان. وإنما أخرجه بلفظ الشراء والتجارة ~~توسعا؛ لأن الشراء والتجارة راجعان إلى الاستبدال والاختيار؛ لأن ~~كل واحد من المتبايعين يختار ما بيد صاحبه على ما في يده. قوله ~~عز وجل: { فما ربحت تجارتهم }؛ أي فما ربحوا في ~~تجارتهم؛ تقول العرب: ربح بيعك وخسرت صفقتك؛ ونام ليلك؛ ~~توسعا. قال الله تعالى: # فإذا عزم الأمر # [محمد: 21]. وقرأ ابن أبي عبلة: (فما ربحت تجاراتهم) ~~على الجمع. وقوله تعالى: { وما كانوا مهتدين }؛ أي من ~~الضلالة؛ وقيل: معناه وما كانوا مصيبين في تجارتهم. ### || [2.17] # قوله تعالى: { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ~~}؛ أي مثل المنافقين في إظهارهم الإسلام وحقنهم دماءهم ~~وأموالهم كمثل رجل في مفازة في ليلة مظلمة ms0013 يخاف السباع على ~~نفسه، فيوقد نارا ليأمن بها السباع، { فلمآ أضآءت } ، ~~النار، { ما حوله } المستوقد؛ طفئت. فبقي في الظلمة؛ كذلك ~~المنافق يخاف على نفسه من قبل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~فيسلم دماء الناس فيحقن دمه، ويناكح المسلمين فيكون له نور بمنزلة ~~نور نار المستوقد؛ فإذا بلغ آخرته لم يكن لإيمانه أصل في قلبه، ~~ولا حقيقة في عمله، سلب نور الإيمان عند الموت فيبقى في ظلمة ~~الكفر، نستعيذ بالله. وقوله تعالى: { استوقد } يعني ~~أوقد، قال الشاعر: # وداع دعا يا من يجيب إلى الندى # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # وقوله تعالى: { كمثل الذي } بمعنى (الذين) دليله سياق ~~الآية؛ ونظيره قوله تعالى: # والذي جآء بالصدق وصدق به أولئك هم ~~المتقون # [الزمر: 33]. فإن قلت: كيف يجوز تشبيه الجماعة بالواحد؟ قلت: ~~لأن (الذي) اسم ناقص، فيتناول الواحد والاثنين ك (من) و (ما)، ~~وفي الآية ما يدل على أن معناه الجمع، وهو قوله تعالى: { ~~وتركهم }. وقد يجوز تشبيه فعل الجماعة بفعل الواحد مثل قوله ~~تعالى: # أتدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت # [الأحزاب: 19]. وقوله تعالى: { أضآءت } يقال: ضاء القمر ~~يضوء ضوءا، وأضاء يضيء إضاءة؛ وإضاءة غيره يكون ~~لازما ومتعديا. وقرأ محمد بن السميقع: (ضاءت) بغير ألف؛ ~~و { حوله } نصب على الظرف. # قوله تعالى: { ذهب الله بنورهم }؛ أي أذهب الله ~~نورهم. وإنما قال: { بنورهم } والمذكور في أول الآية النار؛ ~~لأن النار فيها شيئان: النور والحرارة؛ فذهب نورهم؛ وبقي ~~الحرارة عليهم، { وتركهم في ظلمت لا يبصرون }. # وفي بعض التفاسير: قال ابن عباس؛ وقتادة والضحاك: (معنى ~~الآية: مثلهم في الكفر ونفاقهم كمن أوقد نارا ~~في ليلة مظلمة في مفازة فاستضاء به، واستدفأ ~~ورأى ما حوله، فاتقى ما يحذر ونجا مما يخاف ~~وأمن؛ فبينما هو كذلك إذ طفئت ناره؛ فبقي ~~مظلما خائفا متحيرا؛ فكذلك المنافقون إذا ~~أظهروا كلمة الإيمان واستناروا بنورها واعتزوا ~~بعزها، فناكحوا المسلمين ووارثوهم وقاسموهم ~~الغنائم وأمنوا على أموالهم وأولادهم؛ فإذا ~~ماتوا عادوا في الظلمة والخوف وبقوا في العذاب ~~والنقمة). ### || [2.18] # وقوله تعالى: { صم بكم عمي ms0014 }؛ أي هم صم عن الهدي ~~لا يسمعون الحق، بكم لا يتكلمون بخير؛ عمي لا يبصرون الهدي؛ ~~أي بقلوبهم كما قال الله تعالى: # وترهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون # [الأعراف: 198]. وقيل: معناه صم يتصامون عن الحق؛ بكم ~~يتباكمون عن قول الحق؛ عمي يتعامون عن النظر ~~إلى الحق؛ يعني الاعتبار. وقرأ عبدالله: (صما بكما عميا) ~~بالنصب على معنى وتركهم كذلك. وقيل: على الذم، وقيل: على ~~الحال. وقوله تعالى: { فهم لا يرجعون }؛ أي من ~~الضلالة والكفر إلى الهدى والإيمان. ### || [2.19] # قوله عز وجل: { أو كصيب من السمآء فيه ~~ظلمت ورعد وبرق }؛ هذا مثل آخر ضربه الله تعالى لهم ~~أيضا؛ معطوف على المثل الأول؛ أي مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ~~ومثلهم أيضا كصيب. قال أهل المعاني: { أو } بمعنى الواو؛ ~~يريد (وكصيب) كقوله: # أو يزيدون # [الصافات: 147] وأنشد الفراء: # وقد علمت سلمى بأني فاجر # لنفسي تقاها أو عليها فجورها # أي: وعليها فجورها. # ومعنى الآية: مثل المنافقين مع النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن ~~{ كصيب } أي كمطر نزل { من السمآء } ليلا على قوم في ~~مفازة { فيه ظلمت ورعد وبرق } كذلك القرآن نزل ~~من الله، { فيه ظلمت } أي بيان الفتن وابتلاء المؤمنين ~~بالشدائد في الدنيا، { ورعد } أي زجر وتخويف، { وبرق } أي ~~تبيان وتبصرة. فجعل أصحاب المطر أصابعهم في آذانهم من ~~الصواعق مخافة الهلاك، كذلك المنافقون كانوا يجعلون أصابعهم في ~~آذانهم من بيان القرآن ووعده ووعيده وما فيه من الدعاء إلى ~~الجهاد مخافة أن يقتلوا في الجهاد. ويقال: مخافة أن تميل ~~قلوبهم إلى ما في القرآن. # وعن الحسن أنه قال: (في الآية تشبيه الإسلام بالصيب؛ ~~لأن الصيب يحيي الأرض، والإسلام يحيي الكفار. ~~قال الله تعالى: # أو من كان ميتا فأحيينه # [الأنعام: 122]. وقوله تعالى: { كصيب } أي كأصحاب ~~الصيب؛ لاستحالة تشبيه الحيوان بالصيب تمثيل العاقل بغير ~~العاقل. # وقوله تعالى: { من الصوعق } جمع صاعقة: وهي صوت ~~وبرق فيه قطعة من النار لا تأتي على شيء إلا أحرقته. وقوله ~~تعالى: { من السمآء } كل ما علاك فهو سماء؛ والسماء ~~تكون واحدا وجمعا، قال الله ms0015 تعالى: # ثم استوى إلى السمآء فسوهن سبع سموت # [البقرة: 29]. وقيل: هو جمع واحده: سماوة؛ والسماوات ~~جمع الجمع، مثل جرادة وجراد وجرادات. والسماء تذكر ~~وتؤنث، قال الله تعالى: # السمآء منفطر به # [المزمل: 18] و # إذا السمآء انفطرت # [الانفطار: 1]. # وقوله تعالى: { فيه ظلمت } أي في الصيب؛ وقيل في ~~الليل: كناية عن غير مذكور. وظلمات: جمع ظلمة؛ وضمه اللام على ~~الاتباع لضمة الظاء. وقرأ الأعمش: (ظلمات) بسكون اللام على أصل ~~الكلام؛ لأنها ساكنة في التوحيد. وقرأ أشهب العقيلي: (ظلمات) ~~بفتح اللام؛ لأنه لما أراد تحريك اللام حركها إلى أخف الحركات؛ ~~كقول الشاعر: # فلما رأونا باديا ركباننا # على موطن لا تخلط الجد بالهزل # قوله تعالى: { ورعد } الرعد: هو الصوت الذي يخرج من ~~السحاب، { وبرق } وهي النار التي تخرج منه. قال مجاهد: (الرعد: ~~ملك يسبح بحمده؛ ويقال لذلك الملك: رعد، ~~ولصوته أيضا رعد). وقال عكرمة: (الرعد: ملك ~~موكل بالسحاب يسوقها كما يسوق الراعي الإبل). وقال ~~شهر بن حوشب: (هو ملك يزجر السحاب كما يزجر ~~الراعي الإبل). والصواعق أيضا المهالك؛ وهي جمع صاعقة؛ ~~والصاعقة والصامعة والمصعمة: كالهلاك. ومنه قيل: صعق ~~الإنسان إذا غشي عليه؛ وصعق إذا مات. # قوله تعالى: { يجعلون أصبعهم في آذانهم من ~~الصوعق حذر الموت }؛ أي مخافة الموت. وهو نصب على ~~المصدر. وقيل: بنزع الخافض. وقرأ قتادة: (حذير الموت). ~~قوله تعالى: { والله محيط بالكفرين }؛ أي عالم ~~بهم؛ يدل عليه قوله تعالى: # وأن الله قد أحاط بكل شيء علما # [الطلاق: 12]. وقيل: معناه: والله مهلكهم وجامعهم في النار؛ دليله # أن يحاط بكم # [يوسف: 66] أي تهلكوا جميعا. ### || [2.20] # قوله عز وجل: { يكاد البرق يخطف أبصرهم }؛ أي ~~يختلس أبصار المسافرين من شدة ضوئه؛ كذلك البيان من القرآن ~~يكاد يذهب بأبصار المنافقين؛ فيأخذهم إلى الله لما قلبوا ~~الدين. ومعنى { يكاد } أي يقرب من ذلك ولم يفعل. وقرأ ابن أبي ~~إسحاق: (يخطف) بنصب الخاء وتشديد الطاء؛ أي يختطف؛ ~~فأدغم. قوله تعالى: { كلما أضآء لهم مشوا ~~فيه }؛ أي كلما أضاء البرق للمسافرين مشوا في ضوئه، { وإذآ ~~أظلم عليهم قاموا } ، بقوا في ظلمة ms0016 القبر. وفي مصحف ~~عبدالله: (مضوا فيه). # قوله تعالى: { ولو شآء الله لذهب بسمعهم ~~وأبصرهم }. أي لذهب بسمع المسافرين بالرعد وأبصارهم بالبرق؛ ~~كذلك لو شاء الله لذهب بسمع المنافقين وأبصارهم بزجر القرآن ~~ووعده ووعيده والبيان الذي فيه وجعلهم صما وعميا في الحقيقة ~~عقوبة لهم. وقوله تعالى: { إن الله على كل شيء ~~قدير }؛ أي من إذهاب السمع والبصر. ### || [2.21] # قوله عز وجل: { يأيها الناس اعبدوا ربكم ~~الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون } ~~، قال ابن عباس: ( { يأيها الناس } خطاب لأهل ~~مكة؛ و { يا أيها الذين آمنوا } خطاب لأهل ~~المدينة). وهو ها هنا عام؛ وقوله تعالى: { اعبدوا ~~ربكم } أي وحدوه وأطيعوه. وقوله تعالى: { الذي ~~خلقكم } أي أوجدكم وأنشأكم بعد أن لم تكونوا شيئا. وقوله ~~تعالى: { والذين من قبلكم } أي وخلق الذين من قبلكم. { ~~لعلكم تتقون } أي لكي تنجوا من العذاب والسخط. قال ~~سيبويه: (لعل وعسى حرفا ترج) وهما من الله تعالى واجبان. ### || [2.22] # قوله تعالى: { الذي جعل لكم الأرض فرشا ~~والسماء بنآء }. أي هو الذي جعل؛ وقيل: اعبدوا ربكم الذي ~~جعل لكم الأرض فراشا أي بساطا؛ وقوله تعالى: { والسماء ~~بنآء } إنما أطلق البناء على السماء دون الأرض؛ لأن خلقها ~~بعد خلق الأرض. قال الله تعالى: # هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى ~~إلى السمآء فسوهن # [البقرة: 29] قال ابن عباس: (كل سماء مطبقة على الأخرى ~~كالقبة؛ وسماء الدنيا ملتزقة أطرافها ~~بالأرض). # قوله تعالى: { وأنزل من السمآء مآء } ، أي من ~~السحاب؛ سمي ماء لقربه من السماء؛ وقيل: معناه من نحو ~~السماء، وقيل: لأن الله تعالى ينزل المطر من السماء إلى السحاب؛ ~~ومن السحاب إلى الأرض، وقيل: يخلق الله المطر في السحاب ثم ينزله ~~منه إلى الأرض. # قوله تعالى: { فأخرج به من الثمرت رزقا ~~لكم }؛ ظاهر المراد. قوله تعالى: { فلا تجعلوا ~~لله أندادا }؛ أي أمثالا ونظراء. { وأنتم تعلمون } ، ~~أن الله خلق كافة الأشياء دون غيره، وأن ليس للأصنام عليكم ~~نعمة تستحق بها عبادتكم. ### || [2.23] # قوله تعالى: { وإن كنتم في ريب }؛ أي في شك، ms0017 { ~~مما نزلنا على عبدنا } ، محمد صلى الله عليه وسلم ~~أنه ليس مني، وأن محمدا يختلقه من نفسه، { فأتوا بسورة ~~من مثله }؛ أي من بشر مثله؛ والهاء في { مثله } عائدة ~~إلى النبي عليه السلام. وقيل: معناه فأتوا بسورة من مثله مما ~~نزلنا. # قوله عز وجل: { وادعوا شهدآءكم من دون الله }؛ ~~أي آلهتكم ومن رجوتم معونته في الإتيان بسورة مثله، { إن كنتم ~~صدقين } ، أنه ليس من الوحي. وقوله تعالى: { فأتوا } ~~أمر تعجيز؛ لأنه تعالى علم عجز العباد عنه. ### || [2.24] # قوله تعالى: { فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا }؛ أي ~~فإن لم تأتوا بمثله ولن تأتوا بذلك أبدا، { فاتقوا النار ~~التي وقودها الناس والحجارة }؛ أي حطبها الناس ~~والحجارة. وقيل: المراد بالحجارة: حجارة الكبريت؛ لأنها أسرع ~~وقودا وأبطأ جمودا وأنتن رائحة وأشد حرا وألصق بالبدن، { ~~أعدت للكفرين }. ### || [2.25] # قوله تعالى: { وبشر الذين آمنوا وعملوا ~~الصلحت أن لهم }؛ أي بأن لهم، موضع أن نصب بنزع ~~الخافض، وقوله تعالى: { جنت }؛ أي بساتين، { تجري من ~~تحتها }؛ أي من تحت شجرها، ومساكنها وغرفها، { الأنهر }؛ ~~أي أنهار الماء والعسل واللبن والخمر. # قوله تعالى: { كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا ~~قالوا هذا الذي رزقنا من قبل }؛ أي كلما أطعموا من ~~أنواع الثمرات بالبكر والعشيات؛ إذا أوتوا به بكرة قالوا: هذا ~~الذي أوتينا به عشية؛ وإذا أوتوا به عشية قالوا: هذا الذي أوتينا به ~~بكرة؛ فإذا طعموه وجدوا طعمه غير الطعم الذي طعموه من قبل. ~~وقوله تعالى: { وأتوا به متشبها }؛ أي في المنظر ~~مختلفا في الطعم. قوله تعالى: { ولهم فيهآ أزوج ~~مطهرة }؛ أي نساء وجوار لا يحضن ولا يستحلمن ولا ~~يلدن ولا يحتجن إلى ما يتطهرن منه؛ ولا يحسدن ولا يغرن ~~ولا ينظرن إلى غير أزواجهن؛ مهذبات في الخلق والخلق؛ طاهرات ~~من كل دنس وعيب. قوله تعالى: { وهم فيها خلدون }؛ ~~أي هم مع هذه الكرامات دائمون لا يموتون ولا يخرجون أبدا. # و # " سئل الرسول صلى الله عليه وسلم مرة: ما بال أهل ~~الجنة عملوا في عمر قصير فخلدوا في الجنة؛ ~~وما بال أهل ms0018 النار عملوا في عمر قصير فخلدوا ~~في النار؟ فقال: " كل واحد من الفريقين يعتقد ~~أنه لو عاش أبدا عمل ذلك العمل " ". # والبشارة المطلقة هو الخبر السار الذي يحدث عند الاستبشار ~~والسرور، وإن كان قد يستعمل مقيدا فيما يسوء، كما قال تعالى: # فبشرهم بعذاب أليم # [آل عمران: 21]. ولهذا قال علماؤنا فيمن قال: أي عبيدي بشرني ~~بقدوم فلان فهو حر، فبشره جماعة من عبيده واحد بعد واحد؛ ~~أن الأول يعتق دون غيره؛ لأن البشارة حصلت بخبره خاصة؛ ~~بخلاف ما إذا قال: أي عبيدي أخبرني بقدوم فلان، فأخبره واحد ~~بعد واحد فإنهم يعتقون جميعا. ### || [2.26] # قوله تعالى: { إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ~~ما بعوضة فما فوقها } ، هذا مثل آخر للمنافقين؛ وسببه ~~لما ذكر الله في المنافقين المثلين المتقدمين قالوا: إن ~~الله تعالى أجل وأعلى من أن يضرب هذه الأمثال؛ فأنزل الله ~~هذه الآية لأن البعوضة تحيى ما دامت جائعة فإذا شبعت هلكت؛ فكذلك ~~المنافقون يحيون ما افتقروا وإذا شبعوا بطروا وهلكوا. ~~فكأنه قال تعالى: كيف أستحي من ضرب المثل في المنافقين ~~وأنا أضربه بالبعوض الذي هو مثلهم. # وقيل: إن المشركين لما نزل قوله تعالى: # إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا # [الحج: 73]. وقوله تعالى: # مثل الذين اتخذوا من دون الله أوليآء كمثل ~~العنكبوت # [العنكبوت: 41] قالوا: إن الله تعالى يضرب المثل بالذباب ~~والعنكبوت؛ فأنزل الله هذه الآية كأنه قال: لا أستحي بضرب المثل ~~بالبعوض والعنكبوت مع صغرهما فإنهما يعجزان آلهتهم. # ومعنى الآية: أن الله لا يمنعه الحياء أن يضرب الحق شبها ~~ما بعوضة فما أكبر منها مثل الذباب وغيره. وقيل: فما فوقها في ~~الصغر. # قوله تعالى: { فأما الذين آمنوا فيعلمون ~~أنه الحق من ربهم }؛ أي فيعلمون أن المثل حق من ~~ربهم؛ وأما الكافرون فيقولون: أي شيء أراد الله بذكر البعوض ~~والذباب مثلا. # قوله تعالى: { وأما الذين كفروا فيقولون ماذآ ~~أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به ~~كثيرا }؛ أي قل لهم يا محمد: يضل ويخذل بالمثل ~~كثيرا من الناس، ms0019 ويوفق لمعرفته كثيرا، { وما يضل به إلا ~~الفسقين }؛ يعني الخارجين عن طاعة الله. قيل: هم اليهود في هذه ~~الآية. # وأما في قوله: { مثلا ما } قيل: نكرة معناه أن يضرب مثالا ~~شيئا من الأشياء بعوضة فما فوقها. وقيل: الأصح أنها زائدة مثل # فبما نقضهم # [النساء: 155] ولا إعراب لها فيتخطاها الناصب والخافض إلى ما ~~بعدها. وقيل: نصب بعوضة على معنى ما بين بعوضة إلى ما فوقها؛ فإذا ~~ألقى (بين) و(إلى) نصب. ويقال في الكلام: هي أحسن الناس ما قرنا، ~~ومد (ما). قوله تعالى { مثلا } نصب على القطع عند ~~الكوفيين؛ غير أنه قطع الإضافة؛ أي بهذا المثل. وعند ~~البصريين على الحال؛ أي ما أراد الله بالمثل في هذه الحالة. ### || [2.27] # قوله تعالى: { الذين ينقضون عهد الله من بعد ~~ميثقه }؛ نعت للفاسقين. ومن جعله مبتدأ وقف على الفاسقين. ~~وقوله تعالى: { ينقضون عهد الله } أي يتركون أمر الله ~~ووصيته من بعد تغليظه وتوكيده. والعهد: ما أخذه الله على النبيين ~~ومن اتبعهم أن لا يكفروا بالنبي صلى الله عليه وسلم ويبينوا ~~نعته وصفته. وقوله تعالى: { ويقطعون مآ أمر ~~الله به أن يوصل } ، يعني الرحم الذي أمرهم بصلته، { ~~ويفسدون في الأرض أولئك هم الخسرون }. ### || [2.28] # قوله تعالى: { كيف تكفرون بالله وكنتم ~~أموتا }؛ أي وكنتم نطفا في أصلاب آبائكم، { فأحيكم } ، في ~~أرحام أمهاتكم، وأخرجكم نسما صغارا، { ثم يميتكم } ، عند ~~انقضاء آجالكم، { ثم يحييكم } ، للبعث، { ثم إليه ~~ترجعون } ، في الآخرة. ### || [2.29] # قوله تعالى: { هو الذي خلق لكم ما في الأرض ~~جميعا }؛ يعني من الشجر والثمار والدواب، { ثم استوى إلى ~~السمآء فسوهن سبع سموت } ، فإن قيل: هذه الآية ~~تقتضي أن خلق السماء بعد الأرض؛ وقال تعالى في آية أخرى: # أم السمآء بناها # [النازعات: 27] ثم قال: # والأرض بعد ذلك دحاها # [النازعات: 30]؟ قيل: مجموع الآيتين يدل على أن خلق الأرض ~~قبل السماء؛ إلا أن بسط الأرض بعد خلق السماء، { وهو ~~بكل شيء عليم }. ### || [2.30-32] # قوله تعالى: { وإذ قال ربك للملئكة إني ~~جاعل في الأرض خليفة }؛ يعني آدم وذريته. واختلفوا في ~~معنى الخليفة، ms0020 فروي: أن رجلا سأل طلحة والزبير ~~وكعبا وسلمان: ما الخليفة؛ وما الملك؟ فقال ~~طلحة والزبير: (ما ندري) وقال سلمان: ~~(الخليفة: هو الذي يعدل في رعيته ويقسم ~~بينهم بالسوية ويشفق عليهم شفقة الرجل ~~على أهله والوالد على ولده؛ ويقضي بكتاب الله ~~تعالى). فقال كعب: (ما كنت أحسب أن أحدا يفرق ~~الخليفة من الملك غيري؛ ولكن الله ملأ سلمان ~~علما وحلما وعدلا). # وروي أن عمر رضي الله عنه قال لسلمان: أملك أنا أم ~~خليفة؟ قال سلمان: (إن أنت جبيت أرض المسلمين ~~درهما أو أكثر أو أقل؛ ووضعته في غير حقه!! ~~فأنت ملك. وإن أنت فعلت بالعدل والإنصاف فأنت ~~خليفة) فاستغفر عمر رضي الله عنه. # وروي أن معاوية كان يقول إذا جلس على المنبر: ~~(يا أيها الناس إن الخلافة ليست بجمع المال ~~ولا تفريقه؛ ولكن الخلافة العمل بالحق؛ ~~والحكم بالعدل؛ وأخذ الناس بأمر الله عز ~~وجل). # قوله تعالى: { قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ~~}؛ أي يعصيك فيها؛ { ويسفك الدمآء ونحن نسبح ~~بحمدك ونقدس لك }؛ أي نبريك من السوء ونصلي لك ~~ونطهر أنفسنا لك. وقيل: اللام في { نقدس لك } زائدة؛ ~~أي نقدسك. # وقوله تعالى: { قال إني أعلم ما لا تعلمون } ، ~~أي أعلم أنه سيكون فيهم أنبياء وقوم صالحون يسبحون بحمدي ~~ويقدسون لي ويطيعون أمري. وروي: (أن الله لما خلق ~~الأرض جعل سكانها الجن بني الجان؛ وجعل سكان ~~السماوات الملائكة؛ لأهل كل سماء عبادة أهون ~~من التي فوقها، وكان إبليس مع جند من ~~الملائكة في سماء الدنيا؛ وكان رئيسهم واسمه ~~عزازيل. فلما أفسدت الجن بني الجان الذين ~~سكنوا الأرض فيما بينهم وسفكوا الدماء ~~وعملوا المعاصي بعث الله إليهم إبليس مع ~~جنده؛ فهبطوا إلى الأرض وأجلوا الجن منها؛ ~~وألحقوهم بجزائر البحار؛ وسكن إبليس والجند ~~الذين معه في الأرض. فلما أراد الله أن يخلق ~~آدم وذريته؛ قال للملائكة الذين كانوا مع ~~إبليس في الأرض: { إني جاعل في الأرض خليفة }. ~~فتعجبوا من ذلك؛ و { قالوا أتجعل فيها من ~~يفسد فيها } كما فعلت الجن بنو الجان { ونحن ~~نسبح بحمدك ms0021 ونقدس لك } فلما قالوا هذا ~~القول خرجت لهم نار من الحجب واحترقت عشرة ~~آلاف ملك منهم وأعرض الرب سبحانه عن ~~الباقين حتى طافوا حول العرش سبع سنين ~~يقولون: لبيك اللهم لبيك اعتذارا إليك. # قوله تعالى: { وعلم ءادم الأسمآء كلها }؛ وذلك ~~أن الله لما قال للملائكة: { إني جاعل في الأرض ~~خليفة } قالوا فيما بينهم: يخلق ربنا ما ~~يشاء؛ فلن يخلق خلقا أفضل ولا أكرم عليه ~~منا. # وإن كان خيرا منا فنحن أعلم منه؛ لأنا خلقنا ~~قبله ورأينا ما لم يره؛ فلما أعجبوا بعملهم ~~وعبادتهم فضل الله آدم عليهم بالعلم فعلمه ~~الأسماء كلها؛ وهي أسماء الملائكة؛ وقيل: ~~أسماء ذريته؛ وقال ابن عباس: [أسماء كل شيء ~~من الدواب والطيور والأمتعة حتى الشاة والبقر ~~والبعير وحتى القصعة والسكرجة]. وقيل: أسماء ~~كل شيء من الحيوان والجمادات وغيرها؛ فقيل: هذا فرس وهذا حمار ~~وهذا بغل حتى أتى على آخرها. # { ثم عرضهم } ، أي عرض تلك الشخوص المسميات، { ~~على الملئكة } ، ولم يقل عرضها رده إلى الشخوص المسميات؛ ~~لأن الأعراض لا تعرض؛ وإن شئت قلت: لأن فيهم من يعقل فغلبهم. وفي ~~قراءة أبي: (ثم عرضها). وقال الضحاك: (علم الله آدم ~~أسماء الخلق والقرى والمدن والأجيال وأسماء ~~الطير والشجر؛ وأسماء ما كان وما يكون وكل ~~نسمة الله باديها إلى يوم القيامة). وعرض تلك الأسماء ~~على الملائكة؛ { فقال أنبئوني بأسمآء هؤلاء إن ~~كنتم صدقين }؛ بأن الخليفة الذي أجعله: يفسد فيها ويسفك ~~الدماء؟ أراد بذلك: كيف تدعون علم ما لم يكن وأنتم لا تعلمون ~~علم ما ترون وتعاينون؟! # وقال الحسن وقتادة: (معناه إن كنتم صادقين أني لا ~~أخلق خلقا إلا كنتم أعلم منه وأفضل!!). فقالت ~~الملائكة أقرارا بالعجز واعتذارا: { قالوا سبحنك لا علم ~~لنآ إلا ما علمتنآ }؛ أي تنزيها لك عن الاعتراض في ~~حكمك وتدبيرك، { إنك أنت العليم الحكيم } ، في ~~أمرك. # و { سبحنك } منصوب على المصدر؛ أي نسبح سبحانا في قول ~~الخليل؛ وقيل: على النداء المضاف؛ أي يا سبحانك. قوله ~~تعالى: { الحكيم } له معنيان؛ أحدهما: المحكم للفعل ~~كقولهم: عذاب أليم؛ أي مؤلم. ms0022 وضرب وجيع؛ أي موجع؛ فعلى هذا هو ~~صفة فعل. والآخر: بمعنى الحاكم؛ فحينئذ يكون صفة ذات. ### || [2.33] # قوله تعالى: { قال يآءادم }؛ الأدمة: لون مشرب ~~بسواد؛ وقيل: هي كل لون يشبه لون التراب؛ فلما ظهر عجز ~~الملائكة قال الله تعالى: يا آدم؛ { أنبئهم ~~بأسمآئهم }؛ أي أخبرهم بأسمائهم؛ فسمى كل شيء باسمه ~~وألحق كل شيء بجنسه، { فلمآ أنبأهم بأسمآئهم ~~قال } ، الله: { ألم أقل لكم } ، يا ملائكتي، { إني ~~أعلم غيب السموت والأرض } ، وما كان فيها وما يكون، { ~~وأعلم ما تبدون } ، من الخضوع والطاعة لآدم، { وما ~~كنتم تكتمون }؛ في أنفسكم له من العداوة؛ وقيل: ما ~~تبدون من الإقرار بالعجز والاعتذار وما كنتم تكتمون من الكراهة ~~في استخلاف آدم عليه السلام. # وقيل: معناه: أعلم ما أظهرتم من الطاعة وما أضمر إبليس من ~~المعصية لله تعالى في الأمر بالطاعة لآدم عليه السلام؛ وذلك أن ~~الله تعالى لما صور آدم ورآه إبليس قال للملائكة الذين معه: ~~أرأيتم هذا الذي لم تروا من الخلائق مثله إن أمركم الله ~~بطاعته ماذا تصنعون؟ قالوا: نطيع. وأضمر الخبيث في نفسه أنه لا ~~يطيع. وقيل: معناه: { أعلم ما تبدون } يعني قولهم: # أتجعل فيها من يفسد فيها # [البقرة: 30]، { وما كنتم تكتمون } يعني قولهم: لن يخلق ~~الله خلقا أفضل ولا أكرم ولا أعلم عليه منا. # فإن قيل في قوله تعالى: # أنبئوني بأسمآء هؤلاء # [البقرة: 31] أمر تكليف ما لا يطاق؛ فهل يجوز تكليف ما لا يطاق؟ ~~قلنا: الصحيح أنه ليس بتكليف. وهذا كمن يلقي المسألة على من ~~يتعلم منه، فيقول: أخبرني بجواب هذه المسألة؟ ولا يريد بذلك أن ~~يأمره بجوابها؛ لأنه يعلم أنه لا يعرفه. بل يقصد أن يقرر عليه أنه ~~لا يعرف جوابها؛ ليكون أشد حرصا على تعلم تلك المسألة. ### || [2.34] # قوله تعالى: { وإذ قلنا للملئكة اسجدوا ~~لأدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من ~~الكفرين }؛ ظاهر الآية: أن إبليس كان من الملائكة؛ لأنه مستثنى ~~منهم، وإلى هذا ذهب جماعة من العلماء، وقالوا: معنى قوله في آية ~~أخرى: # إلا إبليس كان من الجن # [الكهف: ms0023 50] يعني من خزان الجنان. وذهب جماعة آخرون إلى أنه من ~~أولاد الجان؛ لأنه مخلوق من نار وله ذرية، والملائكة من نور وليس ~~لهم ذرية. فعلى هذا يكون مستثنى منقطعا؛ مثل قوله تعالى: # ما لهم به من علم إلا اتباع الظن # [النساء: 157]. # وقيل: سبب كونه مع الملائكة: إن الملائكة لما حاربت الجن ~~سبوا إبليس صغيرا فنشأ معهم؛ فلما أمرت الملائكة بالسجود ~~امتنع وكفر وعاد إلى أصله. # وقوله تعالى: { اسجدوا لأدم } هو سجود تعظيم وتحية لا ~~سجود صلاة وعبادة؛ نظيره في قصة يوسف عليه السلام: # وخروا له سجدا # [يوسف: 100] وكان ذلك تحية الناس وتعظيم بعضهم بعضا؛ ولم يكن وضع ~~الوجه على الأرض وإنما كان الانحناء. فلما جاء الإسلام أبطل ذلك ~~بالسلام؛ وفي الحديث: # " أن معاذ بن جبل لما رجع من اليمن سجد ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فتغير وجه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وقال: " ما هذا؟ " قال: رأيت اليهود ~~يسجدون لأحبارهم والنصارى يسجدون لقسيسهم. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مه يا معاذ! كذب ~~اليهود والنصارى؛ إنما السجود لله عز وجل " ". # وقال بعضهم: سجدوا على الحقيقة؛ جعل آدم قبلة لهم؛ والسجود ~~لله كما جعلت الكعبة قبلة لصلاة المؤمنين والصلاة لله عز ~~وجل. وإنما سمي آدم لأنه خلق من التراب؛ والتراب بلسان ~~العبرانية آدم بالمد؛ ومنهم من قال: سمي بذلك لأنه كان آدم ~~اللون. وكنيته: أبو محمد؛ وأبو البشر. # وقوله: { إلا إبليس } منصوب على الاستثناء؛ ولا ينصرف ~~للعجمة والمعرفة. وقوله تعالى: { واستكبر } أي تكبر ~~وتعظم عن السجود لآدم. # وقوله تعالى: { وكان من الكفرين } أي وصار من ~~الكافرين كقوله تعالى: # فكان من المغرقين # [هود: 43]. وقال أكثر المفسرين: معناه: وكان في علمه السابق من ~~الكافرين الذين وجبت لهم الشقاوة. قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إذا قرأ ابن آدم السجدة وسجد، اعتزل الشيطان ~~يبكي؛ ويقول: يا ويله أمر ابن آدم بالسجود ~~فسجد فله الجنة؛ وأمرت بالسجود فأبيت فلي ~~النار ". ### || [2.35] # قوله عز وجل: { وقلنا يآءادم اسكن أنت وزوجك ~~الجنة }؛ وذلك ms0024 أن آدم كان في الجنة وحشيا؛ لم ~~يكن له من يجالسه ويؤانسه؛ فنام نومة فخلق ~~الله تعالى زوجته حواء من قصيراه؛ من شقه ~~الأيسر من غير أن أحس آدم بذلك ولا وجد له ~~ألما؛ ولو ألم من ذلك لما عطف رجل على امرأة؛ ~~فلما هب آدم من نومه إذ هو بحواء جالسة ~~عند رأسه كأحسن ما خلق الله. قال لها: من أنت؟ ~~قالت: زوجتك! خلقني الله لك. # فقالت الملائكة عند ذلك امتحانا له: ما هذه ~~يا آدم؟ قال: امرأة، قالوا: وما اسمها؟ قال: حواء، ~~قالوا: ولم سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من ~~حي، قالوا: يا آدم أتحبها؟ قال: نعم، قالوا ~~لحواء: أتحبينه يا حواء؟ قالت: لا، وفي قلبها ~~أضعاف ما في قلبه من حبه، فلو صدقت امرأة في ~~حبها لزوجها لصدقت حواء. # قوله تعالى: { وكلا منها رغدا }؛ أي واسعا كثيرا، { ~~حيث شئتما }؛ وأين شئتما وكيف شئتما، { ولا تقربا ~~هذه الشجرة }؛ قيل: هي الكرم؛ وقيل: التين؛ ~~وقيل: شجرة من أحسن أشجار الجنة عليها كل نوع من أطعمة ~~الجنة؛ ثمرها مثل كلية البقرة؛ ألين من الزبد؛ وأحلى من ~~الشهد؛ وأشد بياضا من اللبن. # قوله تعالى: { فتكونا من الظلمين } ، أي فتصيرا ~~من الضارين لأنفسكما بالمعصية؛ وأصل الظلم: وضع الشيء ~~في غير موضعه. ### || [2.36] # قوله تعالى: { فأزلهما الشيطان عنها }؛ أي عن ~~الجنة؛ ومعنى أزلهما استزلهما، وقراءة حمزة: (فأزالهما ~~الشيطان) وهو إبليس؛ وهو فيعال من شطن؛ أي بعد، سمي ~~بذلك لبعده عن الخير وعن رحمة الله. وقوله عز وجل: { ~~فأخرجهما مما كانا فيه }؛ أي من النعيم. # وذلك أن إبليس أراد أن يدخل الجنة ليوسوس ~~لآدم؛ فمنعه الخزنة؛ فأتى الحية وكانت من ~~أحسن الدواب لها أربع قوائم كقوائم البعير، وكانت من خزان ~~الجنة؛ ولإبليس صديقا، فسألها أن تدخله في فمها فأدخلته في فمها؛ ~~ومرت به على الخزنة وهم لا يعلمون. فلما دخل الجنة وقف بين يدي ~~آدم وحواء فناح عليهما نياحة وبكى؛ وهو أول من ناح. فقالا له: ما ~~يبكيك؟ قال: أبكي عليكما تموتان وتفارقان ما ms0025 أنتما فيه من النعيم ~~والكرامة. فاغتما لذلك! فقال: يا آدم هل أدلك على شجرة ~~الخلد؟ فأبى أن يقبل منه. فقاسمهما بالله إني لكما من الناصحين. ~~فاغترا. وما كانا يظنان أن أحدا يحلف بالله كاذبا. فبادرت ~~حواء إلى أكل الشجرة؛ ثم ناولت آدم حتى أكلها. # روي: أن سعيد بن المسيب كان يحلف بالله ما يستثني: ما أكل آدم من ~~الشجرة وهو يعقل، ولكن حواء سقته الخمر حتى إذا سكن ~~مأربه إليها فأكل، فلما أكل تهافتت عنهما ثيابهما؛ وبدت ~~سوءاتهما وأخرجا من الجنة. # قيل: إن آدم دخل الجنة عند الضحوة؛ وأخرج ما بين الصلاتين، ~~مكث نصف يوم من أيام الآخرة؛ وهي خمسمائة عام. # مسألة: قالت القدرية: إن الجنة التي أسكنها آدم لم تكن ~~جنة الخلد، وإنما كانت بستانا من بساتين الدنيا؟ قالوا: ~~لأن الجنة لا يكون فيها ابتلاء؛ ولا تكليف. # الجواب: أنا قد أجمعنا على أن أهل الجنة مأمورون فيها ~~بالمعروف ومكلفون ذلك. وجواب آخر: أن الله قادرا على الجمع بين ~~الأضداد؛ فأري آدم المحنة في الجنة؛ وأري إبراهيم النعيم في ~~النار؛ لئلا يأمن العبد ربه؛ ولا يقنط من رحمته. ~~وليعلم: أن الله له أن يفعل ما يشاء. # واحتجوا بأن من دخل الجنة يستحيل عليه الخروج منها. فالجواب: أن ~~من دخلها للثواب لا يخرج منها أبدا؛ وآدم لم يدخلها للثواب؛ ألا ترى ~~أن رضوان وخزان الجنان يدخلونها ثم يخرجون منها وإبليس كان ~~خازن الجنة فأخرج منها. # قوله عز وجل: { وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض ~~عدو }؛ أي قلنا لآدم وحواء وإبليس والحية والطاووس: انزلوا ~~إلى الأرض { بعضكم لبعض عدو } فإبليس عدو لآدم وذريته؛ ~~والحية تلدغ ابن آدم؛ وابن آدم يشدخ رأسها. # قيل: إن إبليس قال لآدم وحواء: أيكما أكل من الشجرة كان ~~مسلطا على صاحبه؛ فابتدءا إلى الشجرة؛ فسبقت حواء فأكلت منها؛ ~~وأطعمت آدم. وقيل: إن آدم قال لها: يا حواء ويحك ما تعلمين أن ~~الله قد نهانا عنها. فقالت: أما تعلم سعة رحمة الله، فأكلت ~~منها وأطعمته. # قيل: إن إبليس لما دخل إلى ms0026 الجنة في فم الحية سأل الطاووس عن ~~الشجرة التي نهى الله آدم وحواء عنها؛ فدل عليها. فغضب الله ~~على الطاووس فأهبطه بميسان؛ وهو موضع بسواد العراق. وأهبط ~~إبليس بساحل بحر إيلية؛ وهي مدينة إلى جنب البصرة. وأهبطت ~~الحية بأصبهان. # قوله تعالى: { ولكم في الأرض مستقر ومتاع ~~إلى حين }؛ أي إلى وقت انقضاء آجالكم ومنتهى أعماركم. روي: أن ~~إبراهيم بن أدهم كان يقول: (أورثتنا تلك الأكلة حزنا ~~طويلا). ### || [2.37] # قوله تعالى: { فتلقى ءادم من ربه كلمت ~~فتاب عليه }؛ قرأ ابن كثير بنصب (آدم) ورفع (كلمات) بمعنى ~~جاءت الكلمات آدم من ربه. وفي قوله تعالى: { فتاب عليه } ~~اختصار وتقليب المذكور؛ وإلا فهو قد تاب عليه وعلى حواء. # واختلفوا في الكلمات التي تلقاها آدم؛ قيل: نزل بها جبريل؛ وهي # " سبحانك لا إله إلا أنت وبحمدك؛ عملت سوءا ~~وظلمت نفسي فاغفر لي وارحمني وأنت خير ~~الراحمين، سبحانك لا إله إلا أنت وبحمدك؛ ~~عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنك أنت ~~الغفور الرحيم؛ سبحانك لا إله إلا أنت وبحمدك؛ ~~عملت سوءا وظلمت نفسي فتب علي إنك أنت ~~التواب الرحيم " # هكذا روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وعن ابن عباس أنها: [ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم ~~تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين]. وروي ~~أنه قال: [يا رب؛ أرأيت ما أتيت؛ شيء أبتدعه من ~~نفسي، أو شيء قدرته علي قبل أن تخلقني؟ ~~فقال: بل شيئا قدرته عليك قبل أن أخلقك، ~~قال: يا رب فكما قدرته علي فاغفر لي]. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " تحاج آدم وموسى؛ فقال: له موسى: أنت آدم الذي ~~أغويت الناس؛ وأخرجتهم من الجنة إلى الأرض، ~~فقال له آدم: أنت موسى الذي أعطاك الله علم كل ~~شيء؛ واصطفاك على الناس بالرسالة. قال: نعم. ~~قال: أتلومني على أمر كان قد كتب علي أن أفعله ~~من قبل أن أخلق. فحج آدم موسى ". # وعن شهر بن حوشب قال: [بلغني أن آدم لما أهبط إلى ~~الأرض مكث ثلاثمائة سنة لا يرفع رأسه حياء ms0027 ~~من الله عز وجل]. وقال ابن عباس: [بكى آدم وحواء ~~على ما فاتهما من نعيم الجنة؛ ولم يأكلا ولم ~~يشربا أربعين يوما؛ ولم يقرب آدم حواء مائة ~~سنة]. # وقوله تعالى: { فتاب عليه } أي تجاوز عنه، { إنه ~~هو التواب الرحيم }؛ أي يقبل توبة عباده؛ رحيم بخلقه. ### || [2.38] # وقوله تعالى: { قلنا اهبطوا منها جميعا }؛ آدم ~~وحواء وإبليس والحية والطاووس، { فإما يأتينكم مني ~~هدى }؛ أي كتاب ورسول، { فمن تبع هداي فلا خوف ~~عليهم } ، فيما يستقبلهم، { ولا هم يحزنون } ، على ما ~~خلفوا. ### || [2.39] # وقوله تعالى: { والذين كفروا وكذبوا بآيتنآ ~~}؛ يعني القرآن، { أولئك أصحب النار هم فيها ~~خلدون } ، لا يخرجون منها. ### || [2.40] # قوله عز وجل: { يبني إسرائيل }؛ أي يا أولاد يعقوب. ~~ومعنى إسرائيل يعني: صفوة الله، و(إيل) هو الله. وقيل: (إسر) هو ~~العبد، و(إيل) هو الله، فمعناه: عبدالله. وهو خطاب لليهود ~~والنصارى. # وإنما سمي يعقوب؛ لأن يعقوب وعيصا كانا توأمين، فاقتتلا في بطن ~~أمهما؛ فأراد يعقوب أن يخرج فمنعه عيص وقال: والله لإن خرجت قبلي ~~لأعترضن في بطن أمي فأقتلها، فتأخر يعقوب وخرج عيص وأخذ يعقوب ~~بعقبه فخرج بعده فسمي يعقوب؛ فلذلك سمي عيصا لما عصي فخرج قبل ~~يعقوب وكان عيص أحبهما إلى أبيه؛ وكان يعقوب أحبهما إلى أمه؛ وكان ~~عيص صاحب صيد؛ فلما كبر إسحاق وعمي قال لعيص: يا بني أطعمني ~~لحم صيد واقترب مني حتى أدعو لك بدعاء دعا لي به أبي إبراهيم عليه ~~السلام وكان عيص رجلا أشعر؛ وكان يعقوب أجرد، فخرج عيص وطلب الصيد، ~~فقالت أمه ليعقوب: يا بني إذهب إلى الغنم فاذبح شاة منها ثم ~~اشوها والبس جلدها وقدمها إلى أبيك، وقل أنا ابنك عيص، ففعل ذلك ~~يعقوب، فلما جاء قال: يا أبتاه، كل. قال: من أنت؟ قال: ابنك عيص. ~~فمسه فقال: المس مس عيص والريح ريح يعقوب، فقالت أمه: هو ابنك ~~عيص فادع له. قال: قدم طعامك. فقدمه فأكل منه، ثم قال: ادن مني، ~~فدنى منه فدعا له أن يجعل الله في ذريته الأنبياء والملوك. وذهب ~~يعقوب فجاء عيص، ms0028 فقال: قد جئتك بالصيد الذي أردته، قال: يا بني قد ~~سبقك أخوك يعقوب، فغضب وقال: والله لأقتلنه. فقال إسحاق: يا بني قد ~~بقيت لك دعوة فهلم أدعو لك بها، فدعا أن تكون ذريته عدد التراب؛ وأن ~~لا يملكهم أحد غيرهم. # قوله تعالى: { اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم }؛ أي احفظوا واشكروا. قال الحسن: (ذكر النعمة ~~شكرها). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " المتحدث بنعم الله شاكر، وتاركها كافر " # وقوله تعالى: { نعمتي } أراد نعمي؛ لفظها واحد ومعناها جمع؛ ~~نظيرها قوله تعالى: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # [إبراهيم: 34]. والعدد لا يقع على الواحد. # وقوله تعالى: { أنعمت عليكم } أي على أجدادكم ~~وأسلافكم؛ وذلك أن الله تعالى فلق لهم البحر فأنجاهم من فرعون وأهلك ~~عدوهم وأورثهم ديارهم وأموالهم وظلل عليهم الغمام في التيه تقيهم ~~حر الشمس، وجعل لهم عمودا من نور يضيء لهم بالليل؛ إذا لم يكن ضوء ~~القمر، وأنزل عليهم المن والسلوى، وفجر لهم اثني عشر عينا؛ ~~وأنزل عليهم التوراة بيان كل شيء يحتاجون إليه في دينهم ودنياهم، ~~فهذه نعم من الله كثيرة لا تحصى. # وقوله تعالى: { وأوفوا بعهدي }؛ أي الذي عهدت ~~إليكم في التوارة، { أوف بعهدكم } ، أي أدخلكم الجنة وأنجز لكم ~~ما وعدتكم. # وقرأ الزهري: (أوف) بالتشديد على التأكيد؛ يقال: وفى ووافى ~~ووفى بمعنى واحد. قيل: إن الله تعالى كان قد عهد إلى بني ~~إسرائيل في التوراة: إني باعث من بني إسماعيل نبيا أميا ~~فاتبعوه، فمن تبعه وصدق بالنور الذي يأتي به غفرت له ذنوبه ~~وأدخلته الجنة وجعلت له أجرين؛ أجرا باتباعه ما جاء به موسى ~~والأنبياء من بني إسرائيل؛ وأجرا باتباعه ما جاء به محمد صلى الله ~~عليه وسلم. # وقال قتادة: (هو العهد الذي أخذه الله عليهم في ~~قوله: # ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم ~~اثني عشر نقيبا # [المائدة: 12] إلى قوله: # قرضا حسنا # [المائدة: 12] فهذا قوله { وأوفوا بعهدي } ، ثم ~~قال: # لأكفرن عنكم سيئاتكم # [المائدة: 12] الآية، فهذا قوله: { أوف بعهدكم } ). ~~وقيل: معناه: أوفوا إلي بشرط العبودية أوف بشرط ~~الربوبية. ms0029 # وقال أهل الإشارة: أوفوا بعهدي في دار محنتي بحفظ حرمتي أوف ~~بعهدكم في دار نعمتي على بساط كرامتي بقربي ورؤيتي. # قوله تعالى: { وإيي فارهبون } ، أي خافوني في نقض ~~العهد. ### || [2.41] # قوله تعالى: { وآمنوا بمآ أنزلت } ، يعني القرآن، { ~~مصدقا لما معكم }؛ أي موافقا لما معكم من التوراة ~~والإنجيل وسائر الكتب في التوحيد والنبوة وبعض الشرائع. نزلت ~~في كعب بن الأشرف وأصحابه من علماء اليهود ورؤسائهم. { ولا ~~تكونوا أول كافر به }؛ أي لا تكونوا أول من يكفر ~~بالقرآن فيتابعكم اليهود على ذلك. # وقوله تعالى: { ولا تشتروا بآيتي ثمنا قليلا }؛ ~~وذلك أن علماء اليهود ورؤساءهم كانت لهم مآكل يصيبونها من ~~سفلتهم وعوامهم؛ يأخذون منهم شيئا معلوما كل عام من ~~زرعهم وضروعهم ونقودهم؛ فخافوا أنهم إن سمعوا محمدا صلى ~~الله عليه وسلم وتابعوه وآمنوا به تفوتهم تلك المآكل والرئاسة ~~واختاروا الدنيا على الآخرة. والهاء في قوله { كافر به } ~~عائدة إلى ما أنزلت على محمد؛ ويجوز أن تكون عائدة إلى قوله: { ~~لما معكم } لأنهم كتموا نعت محمد صلى الله عليه وسلم ~~وصفته في التوراة؛ فإذا كفروا بالقرآن فقد كفروا بالتوراة. ~~وقوله تعالى: { وإيي فاتقون }؛ أي فاخشون في أمر ~~محمد صلى الله عليه وسلم ولا ما يفوتكم من الرئاسة والمآكل. ### || [2.42] # قوله عز وجل: { ولا تلبسوا الحق بالبطل } ، قال ~~مقاتل: (وذلك لأن اليهود أقروا ببعض صفة محمد ~~صلى الله عليه وسلم وكتموا بعضها ليصدقوا في ذلك؛ ~~فقال الله تعالى: { ولا تلبسوا الحق } الذي ~~تقرون به وتبينونه { بالبطل } الذي ~~تكتمونه. فالحق بيانه والباطل كتمانه). ~~وقيل: معناه: لا تكتموا الحق بالباطل هو إيمانهم ببعض ما جاء ~~به النبي صلى الله عليه وسلم وكفرهم ببعضه. { وتكتموا الحق ~~}؛ يعني نعت النبي صلى الله عليه وسلم وصفته. قوله تعالى: ~~{ وأنتم تعلمون }؛ أي تعلمون أنه نبي مرسل؛ وقوله ~~تعالى: { وتكتموا الحق } يحتمل أن يكون تكتموا جزما على ~~النهي. ويحتمل أن يكون نصبا على معنى: وأن تكتموا؛ أي لا ~~تجمعوا بين اللبس والكتمان، فهذا مثل: # لا تنه عن خلق وتأتي مثله # عار عليك ms0030 إن فعلت عظيم # وقوله: { ولا تلبسوا الحق } أي لا تختلطوا، يقال: ~~لبست عليه الأمر؛ أي خلطته. ### || [2.43] # قوله تعالى: { وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة }؛ ~~أي حافظوا على الصلوات الخمس لمواقيتها بركوعها وسجودها، ~~وأدوا زكاة أموالكم المفروضة. وقوله تعالى: { واركعوا ~~مع الركعين }؛ أي صلوا مع المصلين محمد وأصحابه في ~~الجماعات إلى الكعبة؛ يخاطب اليهود فعبر بالركوع عن الصلاة، إذ كان ~~ركنا من أركانها؛ كما عبر باليد عن الجسد في قوله: # بما قدمت يداك # [الحج: 10] وبالعنق عن النفس كقوله تعالى: # ألزمناه طآئره في عنقه # [الإسراء: 13]. والفائدة في تكرار ذكر الصلاة لئلا يتوهم ~~متوهم أن الصلاة لا تجب إلا على من تجب عليه الزكاة، وقيل: إن ~~اليهود كانوا يصلون بغير ركوع فأمر بالركوع في الصلاة. ### || [2.44] # قوله عز وجل: { أتأمرون الناس بالبر }؛ خطاب ~~لعلماء اليهود، كانوا يخبرون مشركي العرب قبل بعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم: بأن رسولا سيظهر يدعو إلى الحق فاتبعوه وأجيبوا دعوته. فلما ~~بعث النبي صلى الله عليه وسلم؛ حسدوه وكفروا به؛ فأنزل الله هذه ~~الآية مذكرا لهم ما كان منهم. # وقوله تعالى: { وتنسون أنفسكم }؛ أي تتركون أنفسكم ~~فلا تتبعونه، وقوله تعالى: { وأنتم تتلون ~~الكتب } ، يعني التوراة وما فيه، وتعلمون ما فيها من وجوب اتباعه، ~~{ أفلا تعقلون } ، أن ذلكم حجة عليكم وأنه نبي حق ~~فتصدقونه وتتبعونه. ### || [2.45] # قوله تعالى: { واستعينوا بالصبر والصلوة }؛ أي ~~استعينوا على ما استقبلكم من أنواع البلايا. وقيل: على طلب الآخرة ~~بالصبر على أداء الفرائض؛ وبالصلاة على تمحيص الذنوب. وقيل: استعينوا ~~بالصبر والصلاة على ما يذهب منكم من الرئاسة والمأكلة ~~باتباع محمد صلى الله عليه وسلم. # وقال مجاهد: (الصبر في هذه الآية الصوم). وقيل: (الواو) ~~هنا بمعنى (على)؛ تقديره: استعينوا فيما ينوبكم بالصبر على الصلاة؛ ~~كقوله تعالى: # وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها # [طه: 132]. # وروي أن ابن عباس نعيت إليه بنت له وهو في سفر؛ ~~فاسترجع، ثم قال: (عورة سترها الله؛ ومؤنة ~~كفاها الله؛ وأجر ساقه الله). ثم نزل فصلى ~~ركعتين. ثم قال: (صنعنا ما أمرنا الله به: ~~واستعينوا ms0031 بالصبر والصلاة). # وأصل الصبر هو الحبس، يقال: قتل فلان صبرا؛ إذا ~~حبس حيا حتى مات، وقيل: الصبر هو الصوم؛ ويسمى شهر رمضان شهر ~~الصبر، وسمي الصوم صبرا؛ لأن صاحبه يحبس نفسه عن الطعام والشراب. # قوله عز وجل: { وإنها لكبيرة إلا على ~~الخشعين }؛ يحتمل أن الهاء كناية عن الصلاة؛ لأنها أشرف ~~الطاعات، ويحتمل أن تكون عن الاستعانة، ويحتمل أن يكون المراد بها ~~الصبر والصلاة جميعا، كما قال الله تعالى: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة: 62] فاكتفى بذكر أحدهما دلالة على الآخر. ونظير القول ~~الأول قوله تعالى: # والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها # [التوبة: 34] رد الكناية إلى الفضة لأنها أغلب وأعم. وقال تعالى: # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها # [الجمعة: 11] رد الكناية إلى التجارة لأنها الأهم والأفضل. وقال ~~الأخفش: (رد الكناية إلى كل واحدة منهما؛ أراد ~~كل خصلة منهما الكبيرة كقوله تعالى: # كلتا الجنتين آتت أكلها # [الكهف: 33] يعني كل واحدة منهما، وقال تعالى: # وجعلنا ابن مريم وأمه آية # [المؤمنون: 50] ولم يقل آيتين؛ أراد جعلنا كل ~~واحد منهما آية). # قوله تعالى: { وإنها لكبيرة } أي ثقيلة شديدة إلا ~~على الخاشعين؛ أي المؤمنين. وقيل: إلا العابدين المطيعين. وقيل: ~~الخائفين. وقيل: المتواضعين. وقال الزجاج: (الخاشع الذي يرى ~~أثر الذل والخشوع عليه؛ ويقال: خشع؛ إذا رمى ~~ببصره إلى الأرض، وأخشع إذا طأطأ رأسه للسجود). ~~والخشوع والخضوع نظيران؛ إلا أن الخضوع يكون بالبدن والخشوع بالبصر ~~والصوت والقلب كما قال تعالى: # خشعة أبصرهم # [القلم: 43] # وخشعت الأصوات # [طه: 108] # أن تخشع قلوبهم # [الحديد: 16]. ### || [2.46] # قوله تعالى: { الذين يظنون أنهم ملقوا ~~ربهم }؛ أي الذين يعلمون ويستيقنون؛ لأنهم لو كانوا شاكين ~~لكانوا كافرين. ومثله: # إني ظننت أني ملاق حسابيه # [الحاقة: 20] أي أيقنت. قوله تعالى: { وأنهم إليه ~~رجعون }؛ فيجزيهم بأعمالهم. ### || [2.47] # قوله عز وجل: { يبني إسرائيل اذكروا نعمتي ~~التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على ~~العلمين }؛ أي عالمي زمانكم. ### || [2.48] # قوله تعالى: { واتقوا يوما }؛ معناه: واخشوا يوما؛ أي ~~عذاب يوم، { لا تجزي نفس عن نفس شيئا }؛ أي لا تكفي ~~ولا تغني. وفيه إضمار؛ تقديره: ms0032 واتقوا يوما لا تجزي فيه نفس عن ~~نفس شيئا من الشدائد والمكاره. وقيل: معناه: لا تغني نفس مؤمنة ~~ولا كافرة عن نفس كافرة شيئا. # قوله تعالى: { ولا يقبل منها شفعة }؛ لأنها ~~كافرة، وكانت اليهود تزعم أن آباءهم الأنبياء؛ كإبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب يشفعون لهم؛ فآيسهم الله تعالى بهذه الآية. وقرأ أهل مكة ~~والبصرة (تقبل) بتاء التأنيث (الشفاعة). وقرأ الباقون بالياء ~~بتقديم الفعل؛ أو لأن تأنيثه غير حقيقي. وقرأ قتادة: (لا يقبل ~~منها شفاعة) بياء مفتوحة، ونصب ال(شفاعة) يعني لا يقبل ~~الله. # قوله تعالى: { ولا يؤخذ منها عدل }؛ أي فداء كما ~~كانوا يأخذون في الدنيا. وسمي الفداء عدلا؛ لأنه يساوي المفدى ~~ويماثله، قال الله تعالى: # أو عدل ذلك صياما # [المائدة: 95] والفرق بين العدل والعدل: أن العدل بكسر العين: مثل ~~الشيء من جنسه، وبفتحها بدله؛ قد يكون من جنسه أو من غير جنسه، مثل ~~قوله: # طعام مساكين أو عدل ذلك صياما # [المائدة: 95]. وقوله { ولا هم ينصرون }؛ أي لا يمنعون من ~~عذاب الله. ### || [2.49] # قوله عز وجل: { وإذ نجينكم من آل فرعون ~~يسومونكم سوء العذاب }؛ يعني نجينا أسلافكم؛ وإنما ~~عدها منة عليهم؛ لأنهم نجوا بنجاتهم. وقرأ إبراهيم النخعي: ~~(نجيتكم) على التوحيد. و { آل فرعون } أشياعه وأتباعه ~~وأسرته وعشيرته وأهل بيته. وفرعون هو الوليد بن مصعب، وكان من ~~العماليق؛ جمع عملاق، وهي قبيلة. # وقوله عز وجل: { يسومونكم سوء العذاب } أي ~~يكلفونكم ويذيقونكم أشد العذاب وأسوأه؛ وذلك أن فرعون جعل بني ~~إسرائيل خدما وخولا. فصنف يبنون؛ وصنف يحرثون ويزرعون؛ وصنف ~~يخدمونه، ومن لم يكن منهم في عمل من هذه الأعمال فعليه الجزية، فذلك ~~سوء العذاب. وقيل: إنهم كلفوا الأعمال القذرة. # وقيل: تفسيره ما بعده: { يذبحون أبنآءكم ويستحيون ~~نسآءكم }؛ وقرأ ابن محيص: (يذبحون) بالتخفيف. ومن قرأ ~~بالتشديد فعلى التكثير؛ وذلك أن فرعون رأى في منامه نارا أقبلت من ~~بيت المقدس فأحرقت مصر وأحرقت القبط وتركت بني إسرائيل: فسأل ~~الكهنة، فقالوا: يولد في بني إسرائيل غلام؛ يكون هلاكك على ~~يديه. فأمر فرعون بقتل كل غلام يولد في بني ms0033 إسرائيل؛ وترك كل ~~أنثى؛ ففعلوا ذلك. وأسرع الموت في مشيخة بني إسرائيل؛ فقال القبط ~~لفرعون: إن الموت وقع في مشيخة بني إسرائيل وأنت تذبح صغارهم ~~فيوشك أن يقع العمل علينا؛ فأمروا أن يذبحوا سنة ويتركوا سنة؛ ~~فولد هارون في السنة التي لا يذبحون فيها؛ فترك. وولد موسى في ~~السنة التي يذبحون فيها. # قوله: { ويستحيون نسآءكم } أي يتركوهن أحياء فلا يذبحوهن ~~بل يستخدموهن. وقيل: معناه يستحيون من الحياء الذي هو الرحم؛ فإن ~~القوم كانوا ينظرون إلى فروج نساء بني إسرائيل فيعلموا هل هن ~~حبل أم لا!! # قوله: { وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم }؛ يعني في ~~سومهم إياكم سوء العذاب محنة وفتنة عظيمة. وقيل: معناه: وفي إنجاء ~~آبائكم منهم نعمة عظيمة. والبلاء ينصرف على وجهين: النعمة ~~والمحنة. قال الله تعالى: # ونبلوكم بالشر والخير فتنة # [الأنبياء: 35]. ### || [2.50] # وقوله عز وجل: { وإذ فرقنا بكم البحر ~~فأنجينكم } ، وذلك أنه لما دنا هلاك فرعون أمر الله موسى أن ~~يسري ببني إسرائيل من مصر؛ فأمر موسى قومه أن يسرجوا في بيوتهم ~~إلى الصبح. وألقى الله على القبط الموت؛ فاشتغلوا بدفنهم، وخرج ~~موسى في ستمائة ألف وعشرين ألفا سوى الذرية. وكان موسى على ساقتهم ~~وهارون على مقدمتهم، فخرج فرعون على طلبهم وعلى مقدمته هامان في ألف ~~ألف وسبعمائة ألف، وسار بنو إسرائيل حتى وصلوا البحر والماء في ~~غاية الزيادة. ونظروا فإذا هم بفرعون وقومه وذلك حين أشرقت الشمس. ~~فبقوا متحيرين؛ قالوا: يا موسى كيف نصنع؛ وما الحيلة وفرعون خلفنا ~~والبحر أمامنا؟ فقال موسى: (كلا؛ إن معي ربي سيهديني). ~~فأوحى الله إليه: # أن اضرب بعصاك البحر # [الشعراء: 63] فضربه فلم ينفلق. فأوحى الله إليه: أن كنه؛ ~~فضربه بعصاه وقال: انفلق أبا خالد بإذن الله عز وجل. # فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم # [الشعراء: 63]. وظهر فيه اثنا عشر طريقا؛ لكل سبط طريق، وأرسل ~~الله الريح والشمس على قعر البحر فصار يبسا؛ فخاضت بنو إسرائيل ~~البحر كل سبط في طريق، وعن جانبيه الماء كالجبل الضخم لا يرى ~~بعضهم بعضا، فخافوا! وقال كل ms0034 سبط: قد قتل إخواننا، فأوحى الله ~~إلى جبال الماء: تشبكي فصار الماء شبكات يرى بعضهم بعضا ~~ويسمع كلام بعض؛ حتى عبروا البحر سالمين. فذلك قوله تعالى: { ~~وإذ فرقنا بكم البحر } أي فلقناه وصيرنا الماء ~~يمينا وشمالا. وقوله: { فأنجينكم } أي من الغرق ومن آل ~~فرعون. # وقوله: { وأغرقنا آل فرعون }؛ وذلك أن فرعون لما وصل ~~إلى البحر ورآه منفلقا. قال لقومه: أنظروا إلى البحر انفلق من ~~هيبتي حتى أدرك أعدائي وعبيدي الذين أبقوا فأقتلهم؛ ادخلوا البحر. ~~فهاب قومه أن يدخلوه؛ ولم يكن في خيل فرعون أنثى، فجاء جبريل على ~~فرس أنثى ودنا فتقدمهم وخاض البحر، فلما شمت خيول فرعون ريحها ~~اقتحمت البحر في أثرها حتى خاضوا كلهم البحر، وجاء ميكائيل على فرس ~~خلف القوم يحثهم ويقول لهم: إلحقوا بأصحابكم، حتى إذا خرج جبريل ~~من البحر وهم أولهم أن يخرج. أمر الله البحر أن يأخذهم؛ ~~فالتطم عليهم؛ فغرقوا جميعا وذلك بمرأى من بني إسرائيل، فذلك قوله ~~تعالى: { وأغرقنا آل فرعون } { وأنتم تنظرون }؛ ~~إلى مصارعهم. ### || [2.51] # قوله عز وجل: { وإذ وعدنا موسى أربعين ليلة ~~}؛ وذلك أن بني إسرائيل لما أمنوا عدوهم ودخلوا مصر لم يكن لهم ~~كتاب ولا شريعة ينتهون إليها، فوعد الله موسى أن ينزل عليهم ~~التوراة؛ فقال موسى لقومه: إني ذاهب لميقات ربي؛ فآتيكم بكتاب فيه ~~بيان ما تأتون وما تذرون. وواعدهم ثلاثين ليلة من ذي القعدة وعشرا ~~من ذي الحجة؛ واستخلف عليهم أخاه هارون. فلما أتى الوعد جاء جبريل ~~عليه السلام على فرس يقال له فرس الحياة؛ لا يصيب شيئا إلا حيى به، ~~فلما رأى السامري جبريل عليه السلام على ذلك الفرس؛ قال: إن لهذا ~~شأنا؛ وكان رجلا منافقا، قد أظهر الإسلام فأخذ قبضة من تربة حافر ~~فرس جبريل، وكان بنو إسرائيل قد استعاروا حليا كثيرة من قوم فرعون ~~حين أرادوا الخروج من مصر بعلة عرس؛ فأهلك الله قوم فرعون وبقيت ~~تلك الحلي في أيدي بني إسرائيل. فلما لم يرجع موسى، قال ~~السامري لبني إسرائيل: إن الأمتعة والحلي التي استعرتموها من ms0035 قوم ~~فرعون غنيمة لا تحل لكم فاحفروا حفيرة فادفنوها فيها حتى يرجع موسى. ~~ففعلوا ذلك. فلما اجتمعت الحلي صاغها السامري وكان رجلا صائغا، ~~وجعل عليها القبضة التي أخذها من أثر حافر فرس جبريل؛ فأخرج عجلا ~~من ذهب فخار؛ فذلك قوله تعالى: # عجلا جسدا له خوار # [الأعراف: 148]. فعبدوه من دون الله. # قال السدي: (كان يخور والسامري يقول: هذا إلهكم وإله ~~موسى (فنسيه) أي تركه ها هنا وخرج بطلبه). فلما ~~رأوا العجل وسمعوا قول السامري افتتن بالعجل ثمانية آلاف منهم ~~فعبدوه من دون الله. # وقال بعضهم: معنى الآية: واذكروا إذ أخبر الله موسى أن يؤتيه الألواح ~~فيها التوراة على رأس ثلاثين يوما من ذي القعدة، وأمره أن يصومها؛ ~~فوجد من فيه خلوفا؛ أي تغير رائحة، فاستاك، فأمره الله أن ~~يصوم عشرة أخرى من أول ذي الحجة؛ كما قال تعالى في موضع آخر: # وأتممناها بعشر # [الأعراف: 142]. فقال السامري في الأيام العشرة لبني إسرائيل: قد ~~تمت الثلاثون ولم يرجع موسى وإنكم قد استعرتم من نساء آل فرعون ~~حليهم حين سار بكم من مصر؛ فلما لم تردوا عليهن حليهن لم يرد ~~الله علينا موسى، فهاتوا ما معكم من الحلي حتى نحرقه؛ فلعل ~~الله أن يرد علينا موسى، فجمعوا الحلي وكان السامري صائغا فاتخذ ~~من ذلك عجلا، فصار العجل جسدا له خوار، فعبدوه فذلك قوله ~~تعالى: { ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ~~ظلمون }. # قال ابن عباس: (فصار عجلا له لحم ودم وشعر). وقيل: ~~جعل فيه خروقا فكان الريح تقع في تلك الخروق فيسمع منها مثل الخوار. ~~فأوهمهم أن ذلك الصوت خواره. وقوله تعالى: { من بعده ~~وأنتم ظلمون } أي من بعد انطلاق موسى إلى الجبل، { وأنتم ~~ظالمون } أي ضارون لأنفسكم بالمعصية؛ واضعون العبادة في غير ~~موضعها. # وفي قوله: { وعدنا } خلاف بين القراء؛ فقرأ أبو عمرو ويعقوب: ~~(وعدنا) بغير ألف في جميع القرآن. وقرأ الباقون بالألف؛ وهي ~~قراءة ابن مسعود. فمن قرأ بغير ألف؛ قال: لأن الله تعالى هو المنفرد ~~بالوعد. والقرآن ينطق به كقوله: # وعد الله # [النور: ms0036 55] و # إن الله وعدكم وعد الحق # [إبراهيم: 22] ونحوها. ومن قرأ بالألف فقال: قد تجيء المفاعلة ~~من واحد؛ كقولهم: عاقبت اللص؛ وعافاك الله؛ وطارقت ~~النعل؛ وسافر؛ ونافق. # قال أهل اللغة: الوعد في الخير؛ والوعيد في الشر؛ ~~قال الشاعر. # وإني إذا أوعدته أو وعدته # لمخلف إيعادي ومنجز وعدي # والعجل والعجول: ولد البقرة. # إنما قرن التاريخ بالليل دون النهار؛ لأن العرب وضعت التاريخ ~~على سنين القمر؛ وإنما يهل بالليل. وقيل: لأن الظلمة أقدم من ~~الضوء؛ والليل خلق قبل النهار؛ قال الله تعالى: # وآية لهم اليل نسلخ منه النهار # [يس: 37]. ### || [2.52] # قوله تعالى: { ثم عفونا عنكم من بعد ذلك }؛ أي ~~تركناكم فلم نستأصلكم؛ من قوله عليه السلام: # " إعفوا اللحى " # وقيل: محونا ذنوبكم من قول العرب: عفت الرياح المنزل ~~فعفا. وقوله عز وجل: { من بعد ذلك }؛ أي من بعد ~~عبادتكم العجل. وقوله تعالى: { لعلكم تشكرون }؛ أي ~~لكي تشكروا عفوي عنكم وصنيعي إليكم. # واختلف العلماء في ماهية الشكر؛ فقال ابن عباس: (هو الطاعة ~~بجميع الجوارح لرب الخلائق في السر ~~والعلانية). وقال الحسن: (شكر النعمة ذكرها). وقال ~~الفضيل: (شكر كل نعمة أن لا يعصى الله تعالى ~~بعدها). وقال أبو بكر الرازي: (حقيقة الشكر معرفة ~~المنعم؛ وأن لا تعرف لنفسك في النعمة حظا؛ ~~بل تراها من الله عز وجل). قال الله: # وما بكم من نعمة فمن الله # [النحل: 53]. ويدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: # " قال موسى: يا رب كيف آدم أن يؤدي شكر ما ~~أجريت عليه من النعم؟ خلقته بيدك؛ وأسجدت له ~~ملائكتك؛ وأسكنته جنتك. فأوحى الله إليه: أن ~~آدم علم أن ذلك كله مني ومن عندي؛ فذلك ~~شكره ". # وقال الجنيد: حقيقة الشكر العجز عن الشكر. وقال بعضهم: الشكر أن لا ~~ترى النعمة البتة؛ بل ترى المنعم. وقال أبو عثمان الحيري: صدق ~~الشكر أن لا تمدح بلسانك غير المنعم. وروي عن الشبل أنه قال: الشكر ~~التواضع تحتويه المنة. وقيل: الشكر خمسة أشياء: مجانبة السيئات؛ ~~والمحافظة على الحسنات؛ ومخالفة الشهوات؛ وبذل الطاعات؛ ومراقبة رب ~~السماوات. # وسئل أبو الحسن ms0037 علي بن عبدالرحيم: من أشكر الشاكرين؟ فقال: الطاهر ~~من الذنوب يعد نفسه من المذنبين؛ والمجتهد بعد أداء الفرائض يعد ~~نفسه من المقصرين؛ والراضي من الدنيا بالقليل يعد نفسه من الراغبين؛ ~~والقاطع بذكر الله دهره يعد نفسه من الغافلين؛ هذا أشكر الشاكرين. ### || [2.53] # وقوله عز وجل: { وإذ آتينا موسى الكتاب ~~والفرقان لعلكم تهتدون } قال مجاهد والفراء: (هما ~~شيء واحد يعني التوراة؛ وما يفرق به بين ~~الحق والباطل). وقد سمى الله تعالى التوراة فرقانا في موضع ~~آخر وهو قوله تعالى: # ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضيآء # [الأنبياء: 48]، وسمى الله النصرة يوم بدر على الكفار فرقانا ~~كما قال: # ومآ أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان # [الأنفال: 41] أراد به يوم بدر؛ وإنما عطف الشيء على نفسه وكرره؛ ~~لأن العرب تكرر الشيء إذا اختلف ألفاظه، قال عنترة: # حييت من ظلل تقادم عهده # أقوى وأقفر بعد أم الهيثم # وقال الكسائي: الفرقان: بعث الكتاب؛ يريد: { وإذ آتينا موسى ~~الكتاب والفرقان }. والفرقان: فرق بين الحلال والحرام؛ ~~والكفر والإيمان؛ والوعد والوعيد؛ فزيدت الواو فيه كما تزاد في ~~النعوت؛ من قولهم: فلان حسن وطويل. ودليل هذا التأويل: # ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن ~~وتفصيلا لكل شيء # [الأنعام: 154]. وقال قطرب: (أراد بالفرقان: القرآن). # وفي الآية إضمار معناه: وإذا آتينا موسى الكتاب ومحمدا ~~الفرقان. قوله تعالى: { لعلكم تهتدون } أي بهذين الكتابين، ~~وقال بعضهم: أراد بالفرقان انفراق البحر وهو من عظيم الآيات، يدل ~~عليه قوله تعالى: # وإذ فرقنا بكم البحر # [البقرة: 50]. ### || [2.54] # قوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه }؛ يعني الذين ~~عبدوا العجل: { يقوم إنكم ظلمتم أنفسكم }؛ أي ~~أضررتم أنفسكم، { باتخاذكم العجل }؛ إلها. فقالوا: فإيش ~~نصنع، وما الحيلة؟ فقال: { فتوبوا إلى بارئكم }؛ أي ~~فارجعوا إلى خالقكم. وكان أبو عمرو يختلس الهمزة إلى الجزم في قوله: ~~(باريكم، ويأمركم، ويشعركم، وينصركم) طلبا ~~للخفة. # وقوله تعالى: { فاقتلوا أنفسكم }؛ أي يقتل البريء ~~المجرم، قوله تعالى: { ذلكم خير لكم عند ~~بارئكم }؛ يعني القتل: قال ابن عباس: (أبى الله عز وجل ~~أن يقبل توبة بني إسرائيل إلا بالحال الذي ms0038 ~~كرهوا أن يقاتلوهم حين عبدوا العجل). وقال قتادة: ~~(جعل الله توبتهم القتل؛ لأنهم ارتدوا. ~~والكفر يبيح الدم). وقرأ قتادة: (فاقتالوا أنفسكم) ~~من الإقالة؛ أي استقيلوا العثرة بالتوبة. فلما أمرهم موسى بالقتل ~~قالوا: نصبر لأمر الله تعالى، فجلسوا بالأفنية محسبين وأصلب عليهم ~~القوم الخناجر؛ فكان الرجل يرى ابنه وأخاه وأباه وقريبه وصديقه فلا ~~يمكنهم إلا المضي لأمر الله. # وقيل لهم: من حل جيوبه أو مد طرفه إلى قاتله أو اتقى بيده أو ~~رجله فهو ملعون مردودة توبته؛ فكانوا يقتلونهم إلى المساء. فلما ~~كثر فيهم القتل عاد موسى وهارون وبكيا وتضرعا وقالا: يا رب هلكت ~~بنو إسرائيل البقية البقية؛ فأمرهم الله تعالى أن يرفعوا السلاح ~~عنهم ويكفوا عن القتل وقد قتل منهم ألوف كثيرة فاشتد ذلك على ~~موسى، فأوحى الله تعالى إليه أما يرضيك أن أدخل القاتل والمقتول ~~الجنة؛ فكان من قتل منهم شهيدا ومن بقي منهم كفر عنه ذنوبه، ~~وذلك قوله تعالى: { فتاب عليكم }؛ أي ففعلتم ما أمركم ~~به فتاب عليكم؛ أي فتجاوز عنكم، { إنه هو التواب ~~الرحيم }. # وفي بعض التفاسير: أن موسى عليه السلام قال لهم بعدما رجع من الجبل ~~وأعطاه الله التوراة: أنكم ظلمتم أنفسكم بعبادتكم العجل فتوبوا ~~إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم؛ أي ليقتل الذين لم يعبدوا العجل الذين ~~عبدوا العجل. فقالوا: يا موسى نحن نفعل ذلك، فأخذ عليهم المواثيق ~~ليصبرن على القتل، فأصبحوا بأفنية البيوت كل بني أب على حدة ~~فأتاهم هارون والاثنا عشر ألفا الذين لم يعبدوا العجل بالسيوف، فقال ~~لهم هارون: هؤلاء إخوانكم قد أتوكم شاهرين السيوف فاتقوا الله ~~واصبروا، فلعن الله رجلا حل جنوته أو قام من مجلسه أو مد طرفه ~~إليهم أو اتقاهم بيده أو رجله. فقالوا: آمين. فجعلوا يقتلونهم ~~إلى المساء. # وقام موسى يدعو ربه لما شق عليه من كثرة الدماء. فنزلت ~~التوراة، وقيل له: ارفع السيف، فإني قد قبلت توبتهم جميعا من ~~قتل منهم ومن لم يقتل، وجعلت ذلك القتل لهم شهادة وغفرت لمن بقي ~~منهم. فكان القتلى سبعين ألفا والقاتلون اثنا ms0039 عشر ألفا. وكان السبب ~~في امتحانهم بذلك: أنه كان فيهم من عرف بطلان عبادة العجل؛ إلا ~~أنهم لم ينهوا الآخرين لخشية وقوع القتل فيما بينهم، فابتلاهم ~~الله بما تركوا النهي عن المنكر لأجله. ### || [2.55] # قوله عز وجل: { وإذ قلتم يموسى لن نؤمن لك ~~حتى نرى الله جهرة }؛ وذلك أن الله عز وجل أمر موسى ~~أن يأتيه في ناس من بني إسرائيل؛ فاختار موسى من قومه سبعين رجلا ~~من خيارهم؛ وقال لهم: صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم. ففعلوا ذلك، ~~فخرج بهم موسى إلى طور سيناء لميقات ربه؛ فلما بلغوا هنالك أمرهم ~~موسى بالمكث في أسفل الجبل وصعد هو؛ فقالوا لموسى: أطلب لنا نسمع ~~كلام الله؛ فوقع على الجبل غمام أبيض؛ فغشاه كله. # وكان موسى عليه السلام إذا ناجى ربه وقع على وجهه نور ساطع لا ~~يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه؛ فضرب دونه الحجاب؛ ودنا القوم ~~حتى دخلوا في الغمام؛ وخروا سجدا؛ فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره ~~وينهاه، فأسمعهم الله تعالى: # إنني أنا الله لا إله إلا أنا # [طه: 14] أخرجتكم من مصر فاعبدوني ولا تعبدوا غيري؛ فلما فرغ موسى ~~وانكشف الغمام؛ وأقبل إليهم، قالوا: { لن نؤمن لك حتى ~~نرى الله جهرة } أي لا نصدق حتى نرى الله عيانا وعلانية، { ~~فأخذتكم الصعقة }؛ أي فأخذتهم الصاعقة؛ أي نزلت نار من ~~السماء فأحرقتهم جميعا. ويقال: سمعوا صوتا فماتوا. يقال: صعق ~~فلان؛ أي هلك، { وأنتم تنظرون }. # قرأ عمر وعثمان وعلي بغير ألف (الصعقة). وقرأ ابن عباس: ~~(جهرة) بفتح الهاء وهما لغتان. فلبثوا موتى يوما وليلة. ### || [2.56] # قوله تعالى: { ثم بعثنكم من بعد موتكم ~~لعلكم تشكرون }؛ وذلك أنهم لما هلكوا جعل موسى يبكي ~~ويتضرع؛ ويقول: ماذا أقول لبني إسرائيل إذ أتيتهم وقد أهلكت ~~خيارهم؛ لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي، أتهلكنا بما فعل السفهاء ~~منا، فلم يزل يناشد ربه حتى أحياهم الله عز وجل جميعا رجلا ~~بعد رجل؛ ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحيون. # فإن قيل: كيف يقبل الله التوبة بعد الموت قبل البعث في ms0040 دار الدنيا ~~كالانتباه من النوم؛ لأن الله ردهم إلى التكليف في الدنيا وأحياهم ~~ليتوفوا بقية آجالهم وأرزاقهم. ### || [2.57] # قوله تعالى: { وظللنا عليكم الغمام }؛ أي في التيه ~~يقيكم حر الشمس؛ وذلك أنهم كانوا في التيه ولم يكن لهم كن ~~يسترهم؛ فشكوا ذلك إلى موسى؛ فأنزل الله عليهم غماما أبيض؛ أي سحابا ~~رقيقا ليس بغمام المطر؛ لكن أرق وأطيب منه؛ فأظلهم وكان يدلي لهم ~~بالليل عمودا من السماء من نور فيسير معهم بالليل حيث ساروا مكان القمر. ~~فقالوا: هذا الظل قد حصل فأين الطعام؛ فأنزل الله عليهم المن. # قوله تعالى: { وأنزلنا عليكم المن والسلوى } ~~، المن؛ قال مجاهد: (هو شيء كالصمغ كان يقع على ~~الأشجار؛ وطعمه كالشهد). وقال الضحاك: (هو ~~الزنجبين). وقال وهب: (هو الخبز الرقاق). وقال السدي: ~~(عسل كان يقع على الشجر بالليل. وكان ينزل ~~عليهم هذا المن كل ليلة؛ يقع على أشجارهم ~~مثل الثلج؛ لكل إنسان منهم صاع كل ليلة؛ ~~فإن أخذ أكثر من ذلك دود وفسد. ويوم ~~الجمعة يأخذ صاعين كأنه كان لم يأتهم يوم ~~السبت). # وقيل: هو شيء حلو؛ كان يسقط على الشجر كالشهد المعجون بالسمن، ~~وكان يأخذ كل واحد منهم كل غداة صاعا يكفيه يومه وليلته، فإن أخذ أكثر ~~من ذلك فسد عليه. # فقالوا: يا موسى! قتلنا هذا المن بحلاوته، فادعوا لنا ربك ~~يطعمنا لحما، فدعا فأنزل عليهم السلوى: وهو طائر يشبه ~~السماني؛ كذا قال ابن عباس. وأكثر المفسرين بعث الله سحابة ~~مطرت السماني في عرض ميل وقدر طول رمح في السماء بعضهم على بعض. ~~وقال المؤرج: (السلوى هو العسل بلغة كنانة؛ ~~فيأخذ كل واحد منهم ما يكفيه يوما وليلة، ~~ويوم الجمعة يأخذ ما يكفيه يومين). # قوله تعالى: { كلوا من طيبات ما رزقناكم }؛ أي ~~وقلنا لهم: كلوا من حلائل ما رزقناكم ولا تدخروا لغد؛ فادخروا ~~لغد، فقطع الله عنهم ذلك، ودود وفسد ما ادخروا. قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " لولا بنو إسرائيل لم يخبث الطعام، ولم ~~يخنز اللحم، ولولا حواء لم تخن أنثى زوجها ~~". # قوله تعالى: ms0041 { وما ظلمونا }؛ أي ما ضرونا بالمعصية، { ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون }؛ أي يضرون باستيجابهم عذابي ~~وقطع مادة الرزق الذي كان ينزل عليهم بلا كلفة ولا مشقة في الدنيا ~~ولا حساب ولا تبعة في العقبى وهذا كله في التيه. ### || [2.58] # قوله عز وجل: { وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية ~~}؛ أي قلنا لبني إسرائيل بعد انقضاء التيه؛ على لسان يوشع بعد موت ~~موسى وهارون: ادخلوا مدينة أريحا بقرب بيت المقدس؛ وهي قرية الجبارين؛ ~~وكان فيها قوم من بقية عاد يقال لهم العمالقة. قال الضحاك: ~~(هذه القرية يعني الرملة والأردن وفلسطين). ~~وقال مجاهد: (بيت المقدس). وقال مقاتل: (إيليا). # قوله تعالى: { فكلوا منها حيث شئتم رغدا }؛ أي ~~واسعا بلا حساب. وقوله تعالى: { وادخلوا الباب سجدا ~~}؛ يعني بابا من أبواب القرية، وكان لها سبعة أبواب، وقال: باب مسجد ~~بيت المقدس. (سجدا) أي ركعا منحنين متواضعين. وقوله: { ~~وقولوا حطة }؛ أي قولوا: مسألتنا حطة. # قال ابن عباس: (أمروا بالاستغفار). وقيل: أمروا أن يقولوا لا ~~إله إلا الله. وقيل: قولوا إنما قيل لنا حق. وقال قتادة: وحط عنا ~~خطايانا. وعن ابن عباس أيضا: قيل معناه: قولوا: لا إله ~~إلا الله؛ لأنها تحط الذنوب وما كان يحط ~~الذنوب فيصح أن يترجم عنه بحطة. وذلك أنهم كانوا ~~قد أذنبوا بإبائهم دخول أريحا، فلما فصلوا عن التيه أحب الله أن ~~يستنقذهم من الخطيئة. # وحطة: رفع على الحكاية في قول أبي عبيدة. وقال الزجاج: ~~(تقديره: مسألتنا حطة). ومن قرأ (حطة) بالنصب ~~معناه: حط عنا ذنوبنا حطة. # قوله تعالى: { نغفر لكم خطيكم } ، قرأ أهل ~~المدينة بياء مضمومة؛ وأهل الشام بتاء مضمومة، والباقون بنون مفتوحة. ~~{ وسنزيد المحسنين }؛ إحسانا وثوابا. ### || [2.59] # قوله عز وجل: { فبدل الذين ظلموا قولا غير ~~الذي قيل لهم }؛ أي خالفوا فقالوا: حطا سمتانا؛ أي حنطة ~~حمراء بلغتهم. قالوا هذا القول منهم استهزاء وتبديلا مكان القول ~~الذي أمروا به أن يقولوا: حطة. # وقال الحسن: (أمروا أن يقولوا: حطة، فقالوا: حنطة. ~~وأمروا أن يدخلوا الباب ركعا فدخلوا حبوا ~~على أستاههم). وقيل: منحرفين. قال مجاهد: ~~(طوطئ ms0042 لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم فلم يخفضوا ~~ولم يركعوا ودخلوا زحفا). وانتصب (قولا) على المصدر؛ أي ~~وقالوا قولا غير الذي قيل لهم. # وقوله تعالى: { فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا ~~}؛ أي عذابا، { من السمآء } ، أرسل الله عليهم طاعونا فهلك ~~منهم في ساعة واحدة سبعون ألفا فجأة. وقيل: نزلت بهم نار ~~فأحرقتهم لتبديلهم ما أمروا به. وقوله تعالى: { بما كانوا ~~يفسقون }؛ أي يعصون ويخالفون ما أمر الله. ### || [2.60] # قوله تعالى: { وإذ استسقى موسى لقومه }؛ أي سأل ~~لهم السقيا، وذلك أنهم عطشوا في التيه فقالوا: يا موسى من أين ~~لنا الشراب، وكان قولهم له حال نزولهم في الأرض القفر بعد غرق ~~فرعون؛ فاستسقى لهم موسى، { فقلنا }؛ أي فأوحى الله إليه: أن؛ { ~~اضرب بعصاك الحجر }؛ وكانت عصاه من آس الجنة طولها عشرة ~~أذرع على طول موسى؛ ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نورا، وكان آدم ~~حملها معه من الجنة إلى الأرض فتوارثتها الأنبياء صاغرا عن كابر ~~حتى وصل إلى شعيب فأعطاها موسى. # وأما الحجر الذي أمر موسى بضربه فقد اختلف فيه المفسرون، قال وهب ~~بن منبه: كان موسى يضرب لهم أقرب حجر من عرض ~~الحجارة؛ فتفجر عيونا لكل سبط عينا، وكانوا ~~اثنى عشر سبطا، ثم تسيل كل عين في جدول إلى ~~السبط الذي أمر أن يسقيهم. # ثم إنهم قالوا: إن فقد موسى عصاه متنا عطشا، فأوحي إليه: يا ~~موسى، لا تقرعن الحجارة، ولكن كلمها تطعك لعلهم يعتبرون. ~~فقالوا: كيف بنا إذا أفضينا إلى الأرض التي ليس فيها حجارة؟ فحمل ~~موسى معه حجرا، فحيثما نزلوا ألقاه. # وقال آخرون: كان حجرا مخصوصا بعينه؛ والدليل على ذلك إدخال الألف ~~واللام عليه وذلك للتعريف؛ ثم اختلفوا فيه ما هو؟ قال ابن عباس: ~~(كان حجرا خفيفا مربعا مثل رأس الرجل يحمله ~~معه، فإذا احتاجوا إلى الماء وضعه وضربه ~~بعصاه). وروي أنه كان رخاما. وقيل: كان حجرا فيه اثنا عشر حفرة ~~تنبع من كل حفرة عين ماء عذب فرات؛ فإذا اتخذوا حاجتهم من الماء؛ ~~وأراد موسى حمله ضربه بعصاه، فغار الماء وانقطع. ms0043 وكان يسقي كل يوم ~~ستمائة ألف. # وقال سعيد بن جبير: (هو الذي وضع موسى عليه ثوبه ~~ليغتسل حين رموه بالأذرة؛ فنفر الحجر بثوبه ~~ومر به على ملإ من بني إسرائيل حتى علموا ~~أنه ليس بآدر؛ فلما وقف الحجر أتاه جبريل ~~عليه السلام؛ فقال: يا موسى إن الله عز وجل يقول ~~لك: إرفع هذا الحجر فلي فيه قدرة ولك فيه ~~معجزة. وقد ذكر الله تعالى ذلك في قوله: # لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما ~~قالوا # [الأحزاب: 69] فحمله موسى ووضعه في مخلاته، وكان ~~إذا احتاج إلى الماء ضربه بعصاه). # وقصة ذلك الحجر ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " كان بنو إسرائيل يغتسلون عراة؛ ينظر بعضهم ~~إلى سوءة بعض؛ وكان موسى يغتسل وحده. فقالوا: ~~ما يمنع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه أدر، ~~فذهب يغتسل مرة؛ فوضع ثوبه على حجر، ففر ~~الحجر بثوبه، فجمح موسى بأثره يقول: ثوبي يا ~~حجر ثوبي يا حجر، حتى نظرت بنو إسرائيل إلى ~~سوءة موسى؛ فقالوا: والله ما بموسى من بأس فقام ~~بعدما نظر بنو إسرائيل إليه؛ فأخذ موسى ثوبه ~~فطفق بالحجر ضربا ". # قيل: ضربه موسى إثنا عشر ضربة. وكان يظهر على كل ضربة مثل ثدي ~~المرأة ثم يتفجر بالأنهار المطردة، فذلك قوله تعالى: { ~~فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا } ، وفي الآية إضمار ~~واختصار؛ تقديره: { فقلنا اضرب بعصاك الحجر }؛ فضرب؛ { ~~فانفجرت } أي سالت. # وأصل الانفجار: الانشقاق والانتشار، ومنه: فجر ~~النهار؛ لأنه ينشق من الظلام. وأما قوله في موضع آخر: # فانبجست # [الأعراف: 160] فالانبجاس: أول ما يتقاطر من الماء ~~وينشق، والانفجار حين السيلان. وكان الانبجاس في أول القصة؛ ~~والانفجار في آخرها. والانبجاس أقل من الانفجار. وقال بعضهم: هو ~~حجر أمر الله موسى أن يأخذه من أسفل البحر حين مر فيه مع ~~قومه. وقيل: إنه من الجنة. # وقوله تعالى: { قد علم كل أناس مشربهم }؛ أي ~~موضع مشربهم؛ ويكون بمعنى المصدر مثل المدخل؛ والمخرج؛ والمطلع. وكان كل ~~سبط يشربون من عين لا يخالطهم فيها غيرهم للعصبية ms0044 التي كانت بينهم. # قوله تعالى: { كلوا واشربوا من رزق الله }؛ أي ~~قلنا: كلوا من المن والسلوى واشربوا من الماء؛ فهذا كله من رزق ~~الله الذي يأتيكم به بلا مشقة ولا مؤنة ولا تعب. # قوله تعالى: { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } ، ~~العيث والعثواء: شدة الفساد؛ وإنما جمع بين العيث ~~والفساد وإن كان معناهما واحدا تأكيدا كما يقال: كذب وزور؛ ظلم ~~وجور، أي قيل لهم: كلوا واشربوا ولا تسرعوا إلى الفساد في الأرض ~~عاثيين. والدليل على أن العيث هو الفساد قول الشاعر: # لولا الحياء وأن رأسي قد عثى # فيه المشيب لزرت أم القاسم ### || [2.61] # قوله عز وجل: { وإذ قلتم ياموسى لن نصبر على ~~طعام واحد }؛ وذلك أنهم وحموا المن والسلوى وملوهما. ~~قال الحسن: كانوا أناسا أهل كراش؛ كراث؛ وأبصال؛ ~~وأعداس؛ ففزعوا إلى عكرهم عكر السوء؛ واشتاقت ~~طبائعهم إلى ما جرت عليه عاداتهم؛ فقالوا: { لن ~~نصبر على طعام واحد } يعنون به المن والسلوى. وإنما قال: ~~{ طعام واحد } وهما اثنان؛ لأن العرب تعبر عن الاثنين بلفظ ~~الواحد؛ وعن الواحد بلفظ الاثنين؛ كقوله تعالى: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22] وإنما يخرج من الملح دون العذب. وقال عبدالرحمن بن ~~يزيد: (كانوا يعجنون المن والسلوى ليصير طعاما ~~واحدا فيأكلونه). # قوله تعالى: { فادع لنا ربك يخرج لنا مما ~~تنبت الأرض من بقلها وقثآئها } ، قرأ يحيى بن وثاب ~~وطلحة بن مصرف: (وقثائها) بضم القاف، وهي لغة تميم. قوله تعالى { ~~وفومها }؛ قال ابن عباس: (الفوم: الخبز) تقول العرب: ~~فومو لنا؛ أي اخبزوا لنا. ويقال لسائر الحبوب ~~التي تختبز: الفوم. يقول الرجل لجاريته: فومي؛ أي اختبزي. ~~وقال عطاء: هي الحنطة؛ وهي لغة قديمة. وقال الكلبي: هو ~~الثوم. قال حسان: # وأنتم أناس لئام الأصول # طعامكم الفوم والحوقل # يريد: الثوم والبصل. والعرب تعاقب بين الفاء والثاء. فتقول للحقير: ~~حدث وحدف؛ ودليل هذا التأويل أنها في مصحف عبدالله: (وثومها) ~~بالثاء. # قوله تعالى: { وعدسها وبصلها }؛ قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " عليكم بالعدس فإنه مبارك مقدس؛ وإنه ~~يرق القلب ويكثر الدمع، وإنه بارك فيه ms0045 ~~سبعون نبيا آخرهم عيسى عليه السلام " # فقال لهم موسى: { قال أتستبدلون الذي هو أدنى ~~بالذي هو خير }. وفي مصحف أبي: (أتستبدلون الذي ~~هو أدنى) أي أخس وأردى (بالذي هو خير) يعني المن ~~والسلوى. وقوله تعالى: { اهبطوا مصرا فإن لكم ما ~~سألتم }؛ معناه إن أبيتم إلا ذلك فاهبطوا مصرا من الأمصار؛ ~~ولو أراد مصرا بعينها لم يصرفه كقوله تعالى: # ادخلوا مصر إن شآء الله آمنين # [يوسف: 99]. وقال الضحاك: (هي مصر موسى وفرعون). ودليل ~~هذا القول قراءة الحسن وطلحة: (مصر) بغير تنوين جعلاها معرفة؛ ~~فاجتمع فيها التعريف والتأنيث من حيث أراد البقعة فلم ينصرف. # قوله تعالى: { وضربت عليهم الذلة }؛ أي الذل ~~والهوان بالجزية، { والمسكنة }؛ أي زي الفقر فتراهم كأنهم ~~فقراء وإن كانوا مياسير. وقيل: فقراء القبل فلا يرى في أهل ~~الملل أذل ولا أحرص على المال من اليهود. قوله تعالى: { ~~وبآءو بغضب من الله }؛ أي رجعوا؛ وقيل: استحقوا، والباء ~~صلة. وقيل: احتملوا واقروا به، ومنه الدعاء المأثور: [أبوء ~~بنعمتك علي؛ وأبوء بذنبي]. وغضب الله عليهم: ذمه ~~إياهم وتوعده لهم في الدنيا، وإنزال العقوبة بهم العقبى. قوله ~~تعالى: { ذلك }؛ أي ذلك الغضب؛ { بأنهم كانوا ~~يكفرون بآيات الله }؛ أي بصفة محمد وآية الرجم في ~~التوراة والإنجيل والفرقان. # قوله تعالى: { ويقتلون النبيين بغير الحق }؛ ~~قرأ السلمي: (ويقتلون) بالتشديد؛ و(النبيين) في جميع ~~القرآن بالتشديد من غير همزة، وتفرد نافع بهمز ~~(النبيئين) فمن همز فمعناه: المخبر؛ من قول العرب: ~~أنبأ ينبئ إنباء، ومن حذف الهمزة؛ فإنه أراده، لكن حذفه ~~الهمزة طلبا للخفة؛ لكثرة استعمالها. وقيل: لأنه بمعنى ~~الرفيع مأخوذ من النبوة وهي المكان المرتفع. قال: نبا الشيء ~~بغير همز إذا ارتفع. # وقوله تعالى: { ويقتلون النبيين بغير الحق } أي ~~بلا جرم مثل زكريا ويحيى وسائر من قتل اليهود من الأنبياء. وفي ~~الخبر: # " أن اليهود قتلوا سبعين نبيا في أول النهار، وقامت سوق ~~بقلهم في آخر النهار. وقيل: قتلوا في يوم واحد ثلاثمائة نبي " # قوله تعالى: { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون }؛ ~~أي يتجاوزون أمري ويرتكبون محارمي. ### || [2.62] # قوله عز ms0046 وجل: { إن الذين آمنوا }؛ أي إن الذين ~~آمنوا بموسى والتوراة ثم لم يتهودوا؛ والذين آمنوا بعيسى ولم ~~يقسموا بالنصرانية، { والذين هادوا والنصارى ~~والصابئين } ، أي والذين تهودوا وتنصروا وتصابأوا، { من ~~آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم ~~أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون }. # اختلف العلماء في تسمية الذين هادوا بهذا الاسم: فقالوا: بعضهم ~~سموا بذلك لأنهم هادوا؛ أي تابوا من عبادة العجل، قوله ~~تعالى: إخبارا عنهم: # إنا هدنآ إليك # [الأعراف: 156] أي تبنا. وقال بعضهم: لأنهم هادوا؛ أي مالوا ~~عن الإسلام وعن دين موسى عليه السلام؛ يقال: هاد يهود هودا؛ ~~إذا مال. # واختلفوا أيضا في تسمية النصارى بذلك؛ قال مقاتل: (لأن ~~أصلهم من قرية يقال لها ناصرة؛ كان ينزلها ~~عيسى وأمه؛ فنسبوا إليها). وقال الزهري: (سموا ~~بذلك لأن الحواريين قالوا: نحن أنصار الله). # (والصابيين) قرأ أهل المدينة بترك الهمزة. وقرأ الباقون بالهمزة ~~وهو الأصل. يقال: صبا يصبوا صبوا، إذا مال وخرج من دين إلى ~~دين. # واختلفوا في الصابئين من هم؟ فقال عمر: هم طائفة من أهل ~~الكتاب ذبائحهم ذبائح أهل الكتاب؛ وبه قال السدي. ~~وقال ابن عباس: (لا دين لهم؛ ولا تحل ذبائحهم؛ ولا ~~مناكحة نسائهم). وقال: مجاهد: (قبيلة نحو الشام ~~بين اليهود والمجوس لا دين لهم؛ وكان لا ~~يراهم من أهل الكتاب). وقال مقاتل وقتادة: (هم ~~يقرون بالله؛ ويعبدون الملائكة؛ ويقرأون ~~الزبور؛ ويصلون إلى الكعبة، أخذوا من كل دين ~~شيئا). وقال الكلبي: (هم قوم بين اليهود والنصارى ~~يحلقون أوساط رؤوسهم ويحنون مذاكيرهم). وقال ~~عبدالعزيز بن يحيى: (قد انقرضوا فلا عين ولا أثر). # قوله تعالى: { إن الذين آمنوا } أي على التحقيق وعقد ~~التصديق؛ وهم الذين آمنوا بعيسى ثم لم يتهودوا ولم يتنصروا ~~ولم يتصابأوا؛ وانتظروا خروج محمد صلى الله عليه وسلم قبل ~~مبعثه. وقيل: هم طلاب الدين؛ منهم حبيب النجار؛ وقس بن ~~ساعدة؛ وورقة بن نوفل؛ وزيد بن عمرو بن نفيل؛ وأبو ذر الغفاري؛ ~~وسلمان الفارسي؛ وبحيرا الراهب، آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~قبل مبعثه، فمنهم من أدركه ms0047 وتابعه ومنهم من لم يدركه. ~~وقيل: هم مؤمنو الأمم الماضية. وقيل: هم المؤمنون من هذه ~~الأمة. # قوله: { والذين هادوا } أي الذين كانوا على دين موسى ولم ~~يبدلوا ولم يغيروا. { والنصارى } الذين كانوا على دين عيسى ~~ولم يبدلوا وماتوا على ذلك، { والصابئين من آمن ~~بالله واليوم الآخر } من مات منهم وهو مؤمن. # وقوله تعالى: { وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ~~ربهم } ، إنما ذكره بلفظ الجمع؛ لأن لفظة { من } تصلح ~~للواحد؛ والاثنين؛ والجمع؛ والمذكر؛ والمؤنث، قال الله تعالى: # ومنهم من يستمع إليك # [محمد: 16] # ومن يقنت منكن # [الأحزاب: 31]. قال الفرزدق في التثنية: # تعال فإن عاهدتني لا تخونني # نكن مثل من يا ذئب يصطحبان # فإن قيل: ما معنى إعطاء أجر المؤمن وهو عامل لنفسه؟ قيل: ~~لما حمل على نفسه المشقة وحرمها شهواتها؛ فآجره في الآخرة ~~عوضا عما فاته من اللذات في الدنيا. # وقوله تعالى: { ولا خوف عليهم }؛ فيما تعاطوا من ~~الحرام، { ولا هم يحزنون } ، على ما اقترفوا من الآثام، ~~لما سبق لهم في الإسلام. وقيل: { ولا خوف عليهم } في ~~الكبائر فأنا أغفرها، { ولا هم يحزنون } على الصغائر ~~فإني أكفرها. ### || [2.63] # قوله عز وجل: { وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا ~~فوقكم الطور }؛ أي { وإذ أخذنا ميثاقكم } يا معشر ~~اليهود { ورفعنا فوقكم الطور } وهو الجبل بالسريانية في ~~قول بعضهم. وقالوا: ليس من لغة في الدنيا إلا وهي في القرآن! ~~وقال الحذاق من العلماء: لا يجوز أن يكون في القرآن لغة ~~غير لغة العرب؛ لأن الله تعالى قال: # قرآنا عربيا # [الزمر: 28]. # وقال: # بلسان عربي # [الشعراء: 195] وإنما قال هذا وأشباهه وفاقا وقع بين ~~اللغتين؛ وقد وجدنا الطور في كلام العرب، قال جرير: # فإن ترسل ما الجن نسوا بها # وإن يرسل ما صاحب الطور ينزل # والمأخوذ عليهم ميثاقان؛ الأول: حين أخرجهم من صلب آدم كالذر. ~~والثاني: الذي أخذ عليهم في التوراة وسائر الكتب. والمراد في هذه ~~الآية الثاني؛ وذلك أن الله تعالى أنزل التوراة فأمر موسى قومه ~~بالعمل بأحكامها فأبوا أن يقبلوا ويعملوا بها للآصار والأثقال ~~التي كانت فيها، وكانت شريعته ثقيلة ms0048 فأمر الله جبريل فقطع جبلا ~~على قدر عسكرهم؛ وكان فرسخا في فرسخ، فرفعه فوق رؤوسهم مقدار ~~قامة الرجل. # عن ابن عباس: (أمر الله جبلا من جبال فلسطين ~~فانقطع من أصله حتى قام على رؤوسهم مثل ~~الظلة). وقال عطاء: (رفع الله فوق رؤوسهم الطور، ~~وبعث نارا من قبل وجوههم؛ وأتاهم البحر الملح ~~من خلفهم). وقيل لهم: { خذوا مآ ءاتينكم بقوة }؛ ~~أي اقبلوا ما آتيناكم بجد ومواظبة في طاعة الله تعالى. وفيه ~~إضمار؛ أي وقلنا لهم خذوا. # وقوله تعالى: { واذكروا ما فيه }؛ أي احفظوه واعملوا ~~بما فيه. وقيل: معناه: واذكروا ما فيه من الثواب والعقاب. وفي ~~حرف أبي بكر: (وادكروا) بدال مشددة وكسر الكاف. وفي حرف ~~عبدالله. (وتذكروا ما فيه) ومعناهما اتعظوا به. ~~قوله تعالى: { لعلكم تتقون }؛ أي لكي تنجوا من ~~العذاب في العقبى والهلاك في الدنيا إن قبلتموه وفعلتم ما ~~أمرتم به؛ وإلا وضحتكم بهذا الجبل وأغرقتكم في البحر ~~وأحرقتكم بهذه النار. فلما رأوا أن لا مهرب منه قبلوا ذلك ~~وسجدوا خوفا، وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود مخافة أن يقع ~~عليهم؛ فصارت صفة في اليهود لا يسجدون إلا على أنصاف وجوههم؛ ~~فلما رأوا الجبل قالوا: يا موسى سمعنا وأطعنا ولولا الجبل ما ~~أطعنا. ### || [2.64] # قوله عز وجل: { ثم توليتم من بعد ذلك }؛ ~~أي أعرضتم وعصيتم من بعد أخذ الميثاق ورفع الجبل، { فلولا ~~فضل الله عليكم ورحمته } ، بتأخير العذاب عنكم، { ~~لكنتم من الخاسرين }؛ أي لصرتم من المغبونين في العقوبة ~~وذهاب الدنيا والآخرة. ### || [2.65] # قوله عز وجل: { ولقد علمتم الذين اعتدوا ~~منكم في السبت }؛ وذلك أنهم كانوا في زمن داود بأرض ~~يقال لها: إيلية على ساحل البحر بين المدينة والشام، وكانت مسكن ~~بني إسرائيل. وكان الله قد حرم عليهم صيد السمك يوم السبت، ~~وكان إذا دخل يوم السبت لم يبق حوت إلا اجتمع هناك حتى يخرجن ~~خراطيمهن من الماء لأمنها في ذلك اليوم. فإذا مضى يوم السبت ~~تفرقن ولم يخرجن ولزمن لجة البحر، فذلك قوله تعالى: # إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم ms0049 لا ~~يسبتون لا تأتيهم # [الأعراف: 163] فعمد رجال فحفروا حفيرة عشية الجمعة حيث يدخل ~~السمك وساقوا إليها الماء من البحر، فأقبل الموج بالحيتان فحبسوا ~~السمك فيها يوم السبت، وأخذوا منها ليلة الأحد ويوم الأحد، ~~وقالوا: نحن لا نصطاد يوم السبت. # وكان في القرية نحوا من سبعين ألفا؛ فصنف منهم أمسك عن الاصطياد ~~ونهى؛ وصنف أمسك ولم ينه؛ وصنف منهم انتهوا؛ وصنف منهم انتهكوا ~~الحرمة. وكان الذين نهوا اثني عشر ألفا؛ فلما أبى المجرمون ~~قبول نصحهم قال الناهون: والله لا ساكناكم في قرية ~~واحدة، فقسموا القرية بجدار ولعنهم داود عليه السلام وغضب ~~الله لإصرارهم على المعصية، فخرج الناهون ذات يوم من بابهم، ~~والمجرمون لم يفتحوا بابهم ولا خرج منهم أحد؛ فلما أبطأوا ~~تسوروا عليهم الحائط فإذا هم جميعا قردة. فمكثوا ثلاثة أيام ثم ~~هلكوا. ولم يمكث ممسوخ مسخ فوق ثلاثة أيام، ولم يتوالدوا، ~~فذلك قوله تعالى: { فقلنا لهم كونوا قردة ~~خاسئين }؛ أي صاغرين مطرودين بلغة كنانة، قاله مجاهد ~~وقتادة والربيع. # وقال أبو روق: يعني (خرسا لا يتكلمون)، دليله قوله ~~تعالى: # اخسئوا فيها ولا تكلمون # [المؤمنون: 108]. وقيل: مبعدون من كل خير، روي عن ابن مسعود: ~~(أنهم لم يلدوا بعدما مسخوا) قال: (ولذلك ~~الممسوخ لا يكون له نسل). وقيل: إنهم كانوا رجالا ~~ونساء فمسخهم الله تعالى الذكر ذكر والأنثى أنثى؛ وكانوا ~~يتعاوون، وكان تسيل دموعهم ولم يأكلوا ولم يشربوا، ثم أهلكهم ~~الله تعالى. فجاءت ريح فهبت بهم وألقتهم في الماء، وما مسخ الله ~~تعالى أمة إلا أهلكها. ### || [2.66] # قوله عز وجل: { فجعلناها نكالا }؛ أي القردة؛ ~~وقيل: المسخة؛ وقيل: العقوبة؛ وقيل: القرية. ~~وقوله تعالى: { نكالا } أي عقوبة وعبرة وفضيحة، { ~~لما بين يديها وما خلفها }؛ أي عقوبة لما مضى من ~~ذنوبهم وعبرة لمن بعدهم. وقال قتادة: (معناه جعلنا تلك ~~العقوبة جزاء لما تقدم من ذنوبهم قبل نهيهم ~~عن الصيد؛ وما خلفها من العصيان بأخذ الحيتان ~~بعد النهي). وقيل: لما بين يديها من عقوبة الآخرة؛ ~~وما بعدها من فضيحة في دنياهم، فتذكرون بها إلى يوم القيامة. ~~وقوله ms0050 تعالى: { وموعظة للمتقين }؛ أي عظة ~~وعبرة للمؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم الذين ~~يتقون الشرك والكبائر والفواحش، فلا يفعلون مثل فعلهم. ### || [2.67-71] # قوله عز وجل: { وإذ قال موسى لقومه إن ~~الله يأمركم أن تذبحوا بقرة }؛ هذه الآية نزلت بعد ~~قوله تعالى: # وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها # [البقرة: 72] وإن كانت مقدمة في التلاوة؛ لأن قتل النفس كان ~~قبل ذبح البقرة. # والقصة فيه ما روي: أن بني إسرائيل قيل لهم في ~~التوراة: أيما قتيل وجد بين قريتين فليقس ~~إلى أيهما أقرب؛ ثم ليؤخذ لأهل تلك القرية ~~وليحلف خمسون شيخا من شيوخهم بالله ما قتلوه ~~ولا علموا له قاتلا. فقتل رجلان من بني ~~إسرائيل ابن عم لهما اسمه عاميل ليرثاه؛ ~~وكانت لهما ابنة عم حسنة، فخافا أن ينكحها؛ ~~فقتلاه لذلك وحملاه إلى جانب قرية فأخذ أهل ~~تلك القرية به فجاءوا إلى موسى عليه السلام، وقالوا: ~~أدع الله تعالى أن يطلعنا على قاتله، فأوحى الله ~~إليه: امرهم أن يذبحوا بقرة، فأمرهم بذلك ~~ليضرب المقتول ببعض تلك البقرة فيحيى ~~فيخبرهم بمن قتله. ف: { قالوا أتتخذنا هزوا ~~}؛ أي تستهزئ بنا يا موسى حين سألناك عن القتل وتأمرنا بذبح ~~بقرة!! وإنما قالوا ذلك لتباعد الأمرين في الظاهر؛ ولم يدروا ~~ما الحكمة فيه. # وقرأ ابن محيص: (أيتخذنا) بالياء يعنون الله عز وجل. ولا ~~يستبعد هذا من جهلهم؛ لأنهم هم الذين قالوا: # اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة # [الأعراف: 138]. وفي قوله عز وجل: { هزوا } ثلاث لغات: ~~(هزوا) بالتخفيف والهمز ومثله كفوا؛ وهي قراءة الأعمش وحمزة ~~وخلف. و(هزؤا) و(كفؤا) مهموزان مثقلان، وهي قراءة أبي عمرو ~~وأهل الحجاز والشام والكسائي. وهزوا وكفوا مثقلان بغير همز هي ~~قراءة حفص عن عاصم، وكلها لغات صحيحة فصيحة معناها الاستهزاء. # ف: { قال }؛ لهم موسى: { أعوذ بالله أن أكون من ~~الجاهلين }؛ أي أمتنع بالله أن أكون من المستهزئين ~~بالمؤمنين. # فلما علم القوم أن ذبح البقرة عزم من الله، { قالوا ~~ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } ، أي ما هذه البقرة؛ ~~كبيرة أم صغيرة؟ وروي ms0051 عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " والذي نفس محمد بيده؛ لو أنهم عمدوا إلى ~~أدنى بقرة فذبحوها لأجزت، ولكن شددوا على ~~أنفسهم بالمسألة فشدد الله عليهم " # إنما كان تشديدهم تقديرا من الله عز وجل وحكمة منه. # وكان السبب فيه: أن رجلا من بني إسرائيل كان بارا بأبويه، وبلغ ~~من بره أن رجلا أتاه بلؤلؤة فابتاعها بخمسين ألفا، وكان فيها فضل. ~~فقال: إن أبي نائم ومفتاح الصندوق تحت رأسه، فأمهلني حتى يستيقظ وأعطيك ~~الثمن. قال: فأيقظه وأعطني الثمن. قال: ما كنت لأفعل، قال: ~~أزيدك عشرة آلاف إن أيقظت أباك وعجلت النقد. فقال: وأنا أزيدك ~~عشرين ألفا إن انتظرت انتباه أبي؛ ففعل ولم يوقظ الرجل أباه؛ ~~فأعقبه الله ببره أباه أن جعل البقرة تلك بعينها عنده. # وأمر بني إسرائيل أن يذبحوا تلك البقرة بعينها. # وقال ابن عباس: (كان في بني إسرائيل رجل صالح له ~~ابن طفل؛ وكان له عجلة، فأتى بالعجلة إلى ~~غيضة؛ وقال: اللهم إني أستودعك هذه العجلة ~~لابني حتى يكبر. ومات الرجل فنشأت العجلة في ~~الغيضة وصارت عوانا؛ وكانت تهرب من كل من ~~رآها، فلما كبر الابن وكان بارا بأمه، كان ~~يقسم الليلة أثلاثا؛ يصلي ثلثا؛ وينام ثلثا؛ ~~ويجلس عند رأس أمه ثلثا، فإذا أصبح ذهب ~~يحتطب على ظهره ويبيعه في السوق، ثم يتصدق ~~بثلثه؛ ويأكل ثلثه؛ ويعطي أمه ثلثه. # فقالت له أمه يوما: إن أباك ورثك عجلة، ~~وذهب بها إلى غيضة كذا واستودعها الله، فانطلق ~~إليها وادع إله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب أن يردها عليك؛ فإن من علامتها أنك ~~إذا نظرت إليها يخيل إليك أن شعاع الشمس ~~يخرج من جلدها. وكانت تسمى المذهبة لحسنها ~~وصفرتها وصفاء لونها. # فأتى الفتى الغيضة فرآها ترعى؛ فصاح بها وقال: ~~أعزم عليك بإله إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب، فأقبلت تسعى حتى قامت بين يديه؛ ~~فقبض على عنقها وقادها. فتكلمت البقرة بإذن ~~الله تعالى؛ وقالت: أيها الفتى البار بوالديه! ~~اركبني فإن ذلك أهون عليك. قال: إن أمي لم ~~تأمرني بذلك! ولكن قالت: قودها ms0052 بعنقها، فقالت: ~~وحق إله بني إسرائيل؛ لو ركبتني ما كنت تقدر ~~علي أبدا، فانطلق فإنك لو أمرت الجبل أن ~~ينقطع من أصله وينطلق معك لفعل لبرك ~~بأمك! # فجاء بها إلى أمه فقالت: له: يا بني إنك ~~فقير؛ وشق عليك الاحتطاب بالنهار؛ والقيام ~~بالليل، فاذهب وبع هذه البقرة فخذ ثمنها. ~~فقال: بكم؟ فقالت: بثلاثة دنانير؛ ولا تبعها ~~بغير رضاي ومشورتي! وكان ثمن البقرة في ذلك ~~الوقت ثلاثة دنانير. # فانطلق بها إلى السوق، فبعث الله ملكا في صورة ~~بشر ليختبر كيف بر الفتى بوالديه! فقال ~~الملك بكم تبيع هذه البقرة؟ قال: بثلاثة ~~دنانير؛ وأشرط عليك رضى والدتي. فقال الملك: ~~بستة دنانير؛ ولا تستأذن أمك. فقال: لو ~~أعطيتني وزنها ذهبا لم آخذه إلا برضاء والدتي! ~~فردها إلى أمه. فقالت: بعها بستة دنانير على ~~رضى مني. فانطلق بها وقال للملك: إنها أمرتني ~~أن لا أنقصها من ستة دنانير على أن أستأمرها. ~~فقال: الملك: أنا أعطيك اثنى عشر على أن لا ~~تستأمرها، فأبى، ورجع إلى أمه فأخبرها بذلك. ~~فقالت: يا بني إن الذي يأتيك ملك في صورة ~~بشر؛ فقل له: أتأمرنا أن نبيعها أم لا؟ فأتى ~~إليه؛ فقال له ما قالت أمه. فقال له: اذهب إلى ~~أمك وقل لها: أمسكي هذه البقرة، فإن موسى ~~يشتريها منكم لقتيل يقتل من بني إسرائيل، ~~فلا تبيعوها إلا بملئ مشكها ذهبا. وقدر الله ~~على بني إسرائيل ذبحها مكافأة له على بر ~~والديه فضلا منه ورحمة). # وروي أنها كانت لرجل يبيع الجوهر، فجاءه إبليس بجراب من ~~اللؤلؤ يساوي مائتي ألف، فعرضه عليه بمائة ألف، فوجد الجوهري ~~المفتاح تحت رأس أبيه وهو نائم، وقال: كيف أوقظ أبي لربح مائة ~~ألف؟! فكره أن يوقظه، فرجع وقال: إن أبي نائم والمفتاح تحت ~~رأسه. فقال له إبليس: إذهب أيقظه فأنا أبيعك بخمسين ألفا. ~~فذهب فلم يحتمل قلبه ذلك، فرجع، فلم يزل إبليس يحط من الثمن حتى ~~بلغ عشرة دراهم، فلم يوقظ أباه وترك الشراء، فجعل الله في ماله ~~البركة حتى اشتروا بقرته بملئ مشكها ms0053 ذهبا. # قوله عز وجل: { قال إنه يقول إنها بقرة ~~لا فارض ولا بكر }؛ وفي مصحف عبدالله: (سل لنا ربك ~~يبين لنا). ومعنى الآية: { قالوا ادع لنا ربك يبين ~~لنا ما } سنها؟. { قال } موسى: { إنه } يعني الله عز ~~وجل { يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر } لا ~~كبيرة ولا صغيرة. وارتفع { فارض } و { بكر } بإضمار (هي)؛ أي لا ~~هي فارض ولا هي بكر. # قال مجاهد والأخفش: (الفارض: الكبيرة المسنة التي ~~لم تلد. والبكر: الفتية الصغيرة التي لم ~~تلد). قال السدي: (البكر: التي لم تلد قط إلا ~~واحدا). وقيل: معناه لا فارض؛ أي ليست بكبيرة قد ولدت بطونا ~~كثيرة، ولا بكرا؛ أي لم تلد. # قوله تعالى: { عوان بين ذلك }؛ أي وسط بين الصغيرة ~~والكبيرة قد ولدت بطنا أو بطنين؛ وجمعها عون. قوله ~~تعالى: { فافعلوا ما تؤمرون }؛ أي افعلوا ما تؤمرون به من ~~الذبح، ولا تكثروا السؤال. # ثم عادوا في السؤال ف: { قالوا ادع لنا ربك يبين ~~لنا ما لونها }؛ موضع { ما } رفع بالابتداء؛ و { لونها } ~~خبره. وقرأ الضحاك: (ما لونها) نصبا كأنه أعمل فيه التبيين ~~وجعل { ما } صلة. { قال إنه يقول إنها بقرة صفرآء ~~فاقع لونها }؛ قيل: يعني سوداء مثل قوله: # جملت صفر # [المرسلات: 33] أي سود، كذا قال الحسن. والعرب تسمي الأسود أصفر. ~~قال الشاعر: # تلك خيلي منه وتلك ركابي # هن صفر أولادها كالزبيب # والصحيح: أنها صفراء؛ لأن السوداء لا تؤكد بالفاقع، وإنما ~~تؤكد بالحالك، يقال في المبالغة في الوصف: أصفر فاقع؛ وأحمر قان؛ ~~وأسود حالك؛ وأخضر ناضر؛ وأبيض ناصع. ويقال: أبيض نقي، فمعنى { ~~فاقع } أي صاف شديد الصفرة. وقال ابن عباس: (صفراء فاقع ~~لونها شديدة الصفرة). وقال العتيبي: (غلط من قال: ~~الصفراء ها هنا السوداء؛ لأن هذا غلط في نعوت ~~البقر، وإنما هو في نعوت الإبل). # قوله تعالى: { تسر الناظرين }؛ أي تعجب الناظرين ~~إليها؛ لتمام خلقها؛ وكمال حسنها؛ ونصوع لونها. قال علي ~~رضي الله عنه: (من لبس نعلا صفراء قل همه؛ لأن ~~الله تعالى يقول { صفراء فاقع لونها تسر ~~الناظرين } ). فإن ms0054 قيل: لم أمروا بذبح البقرة دون غيرها؟ ~~قيل: لأن القربان تكون من الإبل والبقر والغنم؛ وكانوا يحرمون ~~لحم الإبل؛ كما قال تعالى: # إلا ما حرم إسرائيل على نفسه # [آل عمران: 93] يعني لحوم الإبل؛ وكان ذبح البقرة أفضل من ذبح ~~الغنم فخصت بذلك. # قوله عز وجل: { قالوا ادع لنا ربك يبين ~~لنا ما هي }؛ أسائمة أم عاملة؟ قوله تعالى: { إن ~~البقر تشابه علينا }؛ هذه قراءة العامة؛ وقرأ محمد ~~الأموي: (إن الباقر) هو جمع البقر. قال قطرب: يقال في جمع ~~البقرة: بقر وباقر وباقور وبقور. فإن قيل: لم قال { تشابه ~~} والبقر جمع؛ ولم يقل تشابهت؟ قيل: فيه ثلاثة أقوال: ~~أحدها: أنه ذكر لتذكير لفظ البقر كقوله: # أعجاز نخل منقعر # [القمر: 20]. وسئل عن هذا سيبويه فقال: (كل جمع حروفه ~~أقل من حروف لفظ واحده؛ فإن العرب تذكره). ~~وقال الزجاج: (معناه أنه أراد جنس البقر). # وقوله تعالى: { تشابه } فيه سبع قراءات: (تشابه) بفتح ~~التاء والهاء وتخفيف الشين؛ وهي قراءة العامة. وقراءة الحسن: ~~(تشابه) بالتخفيف وهاء مضمومة؛ يعني تتشابه. وقراءة الأعرج: ~~(تشابه) بفتح التاء والتشديد وضم الهاء على معنى: تتشابه. ~~وقرأ مجاهد: (تشبه) كقراءة الأعرج إلا أنه بغير ألف. وفي مصحف ~~أبي: (تشابهت) أنثه لتأنيث البقر. وقرأ ابن إسحاق: ~~(تشابهت) بالتشديد. وقرأ الأعمش: (متشابه). # قوله تعالى: { وإنآ إن شآء الله لمهتدون }؛ يعني ~~إلى وصفها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " واسم الله لو لم يستثنوا لما بينت لهم إلى ~~آخر الأبد ". # قوله تعالى: { قال إنه يقول إنها بقرة لا ~~ذلول }؛ أي لا مذللة بالعمل، { تثير الأرض }؛ أي ليست ~~بحراثة، { ولا تسقي الحرث }؛ أي ليست ناضحة لا يسقى عليها ~~الزرع. قوله تعالى: { مسلمة }؛ أي برية من العيوب. وقال ~~الحسن: (مسلمة القوائم ليس فيها أثر العمل). ~~قوله تعالى: { لا شية فيها }؛ أي لا عيب فيها. وقال ~~قتادة (لا بياض فيها أصلا). وقال مجاهد: (لا بياض فيها ~~ولا سواد). وقيل: ليس فيها لون يفارق سائر لونها. ~~والذلول في الدواب: بمنزلة الذليل في الناس؛ يقال: رجل ~~ذليل؛ ودابة ms0055 ذلول. # وقوله تعالى: { قالوا الآن جئت بالحق }؛ أي بالوصف ~~البين التام؛ فطلبوها؛ فلم يجدوها بكمال وصفها إلا عند الفتى ~~البار بوالديه؛ فاشتروها منه بملئ مشكها ذهبا. وقال السدي: ~~(بوزنها عشر مرات ذهبا). وقوله تعالى: { ~~فذبحوها وما كادوا يفعلون }؛ أي من غلاء ثمنها. ~~وقيل: وما كادوا يجدونها باجتماع أوصافها. وقيل: لأن كل ~~واحد منهم خشي أن يكون القاتل من قبيلته. ### || [2.72] # قوله عز وجل: { وإذ قتلتم نفسا فادارأتم ~~فيها }؛ يعني: عاميل. وهذه الآية أول القصة؛ ومعناها: ~~واذكروا إذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها؛ أي ~~اختلفتم فيها، كذا قال ابن عباس ومجاهد؛ ومنه قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " كنت خير شريك لا تداري ولا تماري " # وقال الضحاك: (فادارأتم فيها؛ أي اختصمتم). وقال ~~عبدالعزيز بن يحيي: (شككتم). وقال الربيع: (تدافعتم). وأصل ~~الدرئ الدفع. يعني إلقاء ذاك على هذا؛ وهذا على ذاك يدافع كل ~~واحد عن نفسه كقوله: # ويدرءون بالحسنة السيئة # [الرعد: 22]. وقوله تعالى: { والله مخرج ما كنتم ~~تكتمون }؛ أي مظهر ما كتمتم من أمر القاتل. ### || [2.73] # قوله عز وجل: { فقلنا اضربوه ببعضها }؛ أي ~~اضربوا المقتول ببعض البقرة؛ أي بعضو منها. واختلفوا في هذا ~~البعض ما هو؟ فقال ابن عباس: (العضو الذي يلي الغضروف ~~وهو المقتل). وقال الضحاك: (بلسانها). وقال سعيد بن ~~جبير: (معجب ذنبها؛ وهو العصعص؛ لأنه أساس البدن ~~الذي ركب عليه؛ وهو أول ما يخلق وآخر ما ~~يبلى). وقال مجاهد: (بدنها). وقيل: بفخذها. وقيل: فخذها ~~الأيمن. وقال السدي: (البضعة التي بين كتفيها). ~~ففعلوا ذلك، فلما ضربوه قام القتيل حيا بإذن الله تعالى ~~وأوداجه تشخب دما. فسألوه: من قتلك فقال: فلان وفلان؛ لابني ~~عم له. ثم اضطجع ميتا. فأخذا فقتلا. وفي الآية اختصار تقديره: ~~{ فقلنا اضربوه ببعضها } فضربوه فحيى. # قوله تعالى: { كذلك يحيي الله الموتى }؛ أي كما ~~أحيى عاميل بعد موته كذلك يحيي الله الموتى. { ويريكم آياته ~~}؛ أي عجائب قدرته ودلالته، { لعلكم تعقلون }؛ أي لكي ~~تفهموا إحياء الموتى وغير ذلك. قال الواقدي: (كل شيء في ~~القرآن { لعلكم } فهو بمعنى (لكي) غير الذي في ms0056 ~~الشعراء: # وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون # [الشعراء: 129] فإنه بمعنى كأنكم تخلدون فلا ~~تموتون). والله تعالى كان قادرا على إحيائه بغير هذا السبب؛ إلا ~~أن الله أمرهم بذلك؛ لأن إحياء الميت بالميت آكد دليلا وأبين ~~قدرة. ### || [2.74] # قوله تعالى: { ثم قست قلوبكم من بعد ذلك } ، ~~قال الكلبي: قالوا بعد ذلك: لم نقتله نحن؛ ~~وأنكروا؛ ولم يكن أعمى قلبا ولا أشد تكذيبا ~~منهم لنبيهم عند ذلك، فقال الله تعالى: { ثم ~~قست قلوبكم من بعد ذلك }. # قال الكلبي: (قست؛ أي يبست وفسدت). وقال أبو عبيد: ~~(حقدت). وقال الواقدي: (جفت فلم تلن). وقيل: ~~اسودت. وقال الزجاج: (تأويل القسوة ذهاب اللين ~~والخشوع والخضوع). وقيل: قست؛ أي غلظت. # وقوله تعالى: { من بعد ذلك } أي من بعد إحياء الميت: ~~وقيل: من بعد هذه الآيات التي تقدمت من مسخ القردة والخنازير؛ ~~ورفع الجبل؛ وخروج الأنهار من الحجر؛ وغير ذلك. { فهي ~~كالحجارة }؛ في غلظها وشدتها ويبسها؛ { أو أشد }؛ ~~يبسا وغلظا. ومعنى { أو أشد }: بل أشد، كقوله: # كلمح البصر أو هو أقرب # [النحل: 77]. وقيل: (أو) بمعنى الواو؛ أي وأشد، { قسوة } ~~، وقوله تعالى: # بيوتكم أو بيوت ءابآئكم # [النور: 61] ومثل: # لبعولتهن أو آبآئهن أو آبآء بعولتهن # [النور: 31]، وقوله تعالى: # ءاثما أو كفورا # [الإنسان: 24]. وقرأ أبو حيوة: (أو أشد قساوة). # ثم عذر الله الحجارة وفضلها على القلب القاسي، فأخبر أن منها ~~ما يكون فيه رطوبة؛ وأن منها لما يتردى من أعلى الجبل إلى ~~أسفله مخافة الله عز وجل فقال تعالى: { وإن من ~~الحجارة لما يتفجر منه الأنهار } ، وقرأ مالك بن ~~دينار: (نتفجر) بالنون كقوله # فانفجرت # [البقرة: 60]. وفي مصحف أبي (منها الأنهار) رد الكناية ~~إلى الحجارة. { وإن منها لما يشقق فيخرج منه ~~المآء } ، قرأ الأعمش: (يتشقق). # وقوله تعالى: { وإن منها لما يهبط من خشية ~~الله }؛ أي ينزل من أعلى الجبل إلى أسفله من خشية الله؛ ~~وقلوبكم يا معشر اليهود لا تلين ولا تخشع ولا تأتي بخير. قيل: لا ~~يهبط من الجبال حجر بغير سبب ظاهر إلا وهو مجعول فيه التمييز. ~~قوله تعالى: { وما الله بغافل ms0057 عما تعملون }؛ ~~وعيد وتهديد؛ أي ما الله بتارك عقوبة ما تعملون؛ بل يجازيكم به. ### || [2.75] # قوله تعالى: { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم }؛ خطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: أفترجون أيها المؤمنون أن ~~تصدقكم اليهود فيما آتاكم به نبيكم محمد، { وقد كان ~~فريق }؛ أي طائفة، { منهم يسمعون كلام الله }؛ يعني ~~التوراة، { ثم يحرفونه }؛ أي يغيرونه، { من بعد ما ~~عقلوه }؛ أي من بعد فهموه وعلموه كما غيروا آية الرجم ~~وصفة النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: { وهم ~~يعلمون }؛ أي وهم يعلمون أنهم كاذبون، هذا قول ~~مجاهد وعكرمة والسدي وقتادة. # وقال ابن عباس ومقاتل والكلبي: (نزلت هذه الآية في ~~السبعين الذين اختارهم موسى لميقات ربه لما ~~أخذتهم الرجفة وأحياهم الله تعالى بدعاء موسى؛ ~~حين قالوا: يا موسى أسمعنا كلام الله؟ فطلب ذلك؛ ~~فأجابه الله: مرهم أن يتطهروا ويطهروا ~~ثيابهم ويصوموا؛ ففعلوا، ثم خرج بهم موسى ~~حتى أتوا الطور؛ فلما غشيهم الغمام سمعوا ~~صوتا كصوت الشبور؛ فسجدوا، فسمعوا كلام الله ~~يقول: (إني أنا الله ربكم لا إله إلا أنا ~~الحي القيوم، لا تعبدوا إلها غيري ولا تشركوا ~~بي شيئا؛ وأوصيكم ببر الوالدين؛ وأن لا ~~تحلفوني كاذبين؛ ولا تزنوا؛ ولا تسرقوا؛ ولا ~~يقتل بعضكم بعضا؛ ولا يشهد بعضكم على بعض ~~شهادة زور؛ وأطعموا المساكين؛ وصلوا القرابة؛ ~~ولا تظلموا اليتيم؛ ولا تقهروا الضعيف). ~~فلما سمعوا خرجت أرواحهم ثم ردت إليهم: ~~فقالوا: يا موسى إنا لا نطيق أن نسمع كلام الله ~~عز وجل يقول في آخر كلامه: (إن استطعتم أن ~~تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم فلا ~~تفعلوا، ولا بأس). والمعنى بهذه الآية تقر به الصحابة ~~في أن اليهود إن كذبوا النبي فلهم سابقة في الكفر ~~والتحريف. ### || [2.76] # قوله عز وجل: { وإذا لقوا الذين آمنوا ~~قالوا آمنا }؛ قرأ ابن السميقع (وإذا لاقوا) قيل: ~~يعني المنافقين من أهل الكتاب في وقت موسى؛ فإنه كان في قومه ~~منافقون، كما في أمتنا. وقيل: المراد به منافقو هذه الأمة، ~~وإنما ذكرهم الله تعالى هنا مع اليهود؛ لأن أكثرهم كانوا منهم ms0058 من ~~اليهود قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم. # معناه: { وإذا لقوا } المنافقون من اليهود { الذين آمنوا ~~} ، يعني أبا بكر وأصحابه من المؤمنين. قالوا: { آمنا } كإيمانكم ~~وشهدنا بأن محمدا صادق ونجده في كتابنا بنعته وصفته، { وإذا ~~خلا بعضهم إلى بعض } ، أي وإذا خلوا إلى رؤسائهم، { ~~قالوا }؛ قال لهم رؤساؤهم - كعب بن أشرف؛ وكعب بن أسد؛ ووهب بن ~~يهودا - وغيرهم - من رؤساء اليهود: { أتحدثونهم بما فتح ~~الله عليكم }؛ أي تخبرونهم أنهم على الحق ليكون لهم ~~الحجة عليكم عند الله في الدنيا والآخرة إذ كنتم مقرين بصحة أمرهم ~~ولم تتبعوهم. # وقال الكلبي: (معناه: أتحدثونهم بما قضى الله ~~عليكم في كتابكم أن محمدا حق وقوله صدق). ~~ومنه قيل للقاضي: الفتاح. وقال الكسائي: بما بينه ~~الله لكم. وقال الواقدي: بما أنزل الله عليكم؛ نظيره: # لفتحنا عليهم بركت من السمآء # [الأعراف: 96]؛ أي أنزلنا. وقال أبو عبيد والأخفش: (بما من الله ~~عليكم وأعطاكم). # قوله تعالى: { ليحآجوكم به عند ربكم }؛ أي ~~ليخاصموكم ويحتجوا بقولكم عليكم عند ربكم. وقال بعضهم: هو أن الرجل ~~من المسلمين يلقى قرينه وصديقه من اليهود فيسأله عن أمر ~~محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: إنه حق وهو نبي؛ فيرجعون إلى ~~رؤسائهم فيلومونهم على ذلك، وقيل: إن كعب بن الأشرف وغيره من ~~رؤساء الكفار كانوا يقولون لعبدالله بن أبي وأصحابه: إذا أقررتم ~~بنبوة هذا النبي وأن ذكره في التوراة حق؛ تأكدت حجته ~~عليكم. وقال مجاهد: # " إن النبي صلى الله عليه وسلم سب يهود بني قريظة؛ ~~فقال لهم: " يا إخوان القردة والخنازير، ويا ~~عبدة الطاغوت " فقال بعضهم لبعض: من أخبر ~~محمدا بهذا؟ ما سمعه إلا منكم؛ أو ما خرج إلا ~~منكم! ". # وأصل الفتح: فتح المغلق؛ ثم استعمل في مواضع كثيرة من ~~فتح البلدان؛ وفتحك على القارئ. وقد يكون الفتح بمعنى الحكم؛ ~~كما في هذه الآية ومنه قوله: # ربنا افتح بيننا # [الأعراف: 89]. ويسمى القاضي: الفاتح بلغة عثمان. وقد يكون ~~الفتح بمعنى النصر مثل قوله تعالى: # وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا # [البقرة: 89] أي يطلبون النصرة ms0059 عليهم. وقوله تعالى: { ~~أفلا تعقلون }؛ أي أفليس لكم ذهن الإنسانية. ### || [2.77] # قوله تعالى: { أولا يعلمون أن الله يعلم ما ~~يسرون وما يعلنون } أي ما يسرون من تكذيب النبي صلى الله ~~عليه وسلم فيما بينهم؛ وما يعلنون مع الصحابة من التصديق. ### || [2.78] # وقوله تعالى: { ومنهم أميون }؛ أي ومن اليهود من لا ~~يحسن القراءة ولا الكتابة إلا أن يحدثهم كبارهم بشيء فيظنونه حقا؛ ~~فيصدقونهم وهو كذب. قوله تعالى: { لا يعلمون الكتاب ~~إلا أماني }. اختلفوا في معنى الأماني، قال الكلبي: معناه ~~لا يعلمون إلا ما يحدثهم به علماؤهم. وقال أبو ~~روق: (القراءة من ظهر القلب ولا يقرءون في ~~الكتب) ودليل هذا قوله تعالى: # إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته # [الحج: 52] أي إلا إذا قرأ ألقى الشيطان في قراءته. ~~قال الشاعر: # تمنى كتاب الله أول ليلة # وآخره لاقى حمام المقادر # وقال مجاهد: (الأماني الكذب والأباطيل؛ كقول عثمان رضي ~~الله عنه: (ما تمنيت منذ أسلمت) أي ما كذبت). وأراد ~~بالأماني الأشياء التي كتبها علماؤهم من عند أنفسهم ثم أضافوها ~~إلى الله تعالى من تغيير صفة النبي صلى الله عليه وسلم. وقال ~~الحسن: (معنى: يتمنون على الله الكذب والباطل ~~مثل قوله: # لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # [البقرة: 80] وقوله: # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى # [البقرة: 111] وقولهم: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18]). # قوله تعالى: { وإن هم إلا يظنون }؛ أي ما هم ~~إلا يظنون ظنا وتوهما لا حقيقة ويقينا، قاله ~~قتادة والربيع. وقال مجاهد: معناه: (وإن هم إلا ~~يكذبون). ### || [2.79] # قوله تعالى: { فويل للذين يكتبون الكتاب ~~بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله }؛ نزلت هذه ~~الآية في علماء اليهود الذين غيروا صفة النبي صلى الله عليه وسلم ~~في التوراة فكتبوها: محمد سبطا؛ طويلا؛ أزرقا؛ شبط ~~الشعر. وكانت صفته في التوراة: حسن الوجه؛ جعد الشعر؛ أسمر ~~ربعة. فبدلوا وقالوا: هذا من عند الله، وإذا سئلوا عن صفته قرأوا ~~ما كتبوه؛ فيجدونه مخالفا لصفته فيكذبونه. وإنما فعلت ~~اليهود ذلك؛ لأنهم خافوا ذهاب ملكهم وزوال رئاستهم ms0060 حين قدم ~~النبي صلى الله عليه وسلم المدينة؛ فاحتالوا في تغيير صفته ليمنعوا ~~الناس عن الإيمان به. # والويل: الشدة في العذاب. وقيل: الهلاك. وقيل: ~~الخزي؛ ويكنى عنه ب (ويس) و(ويح). وقيل: هو واد في ~~جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفا قبل أن يقع إلى قعره. ~~وقيل: يسيل فيه صديد أهل النار. وقيل: لو جعلت فيه جبال ~~الدنيا لماعت من شدة حره. # وقوله تعالى: { ليشتروا به ثمنا قليلا }؛ يعني ما ~~كان لهم من المأكلة والهدايا من أغنيائهم؛ ألحق الله بهم ~~ثلاث ويلات فيما غيروا من الكتاب. وقوله تعالى: { فويل ~~لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما ~~يكسبون }؛ أي مما يصيبون من المآكل والهدايا. ولفظ الأيدي ~~للتأكيد كقولهم: مشيت برجلي؛ ورأيت بعيني. قال الله تعالى: # ولا طائر يطير بجناحيه # [الأنعام: 38]. ### || [2.80] # قوله تعالى: { وقالوا لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودة }؛ اختلفوا في هذه الأيام ما هي؟ قال ابن ~~عباس ومجاهد: (قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ~~واليهود تقول: مدة الدنيا سبعة آلاف سنة؛ ~~وإنما نعذب بكل ألف سنة يوما واحدا، ثم ~~ينقطع العذاب عنا بعد سبعة أيام. فأنزل الله ~~هذه الآية). # وقال قتادة وعطاء: (يعنون الأربعين يوما التي عبد ~~آباؤهم فيها العجل؛ وهي مدة غيبة موسى عليه ~~السلام). # وفي بعض التفاسير: اختلف في مقدار عبادتهم العجل؛ فقيل: عشرة ~~أيام. وقيل: سبعة أيام. وقيل: أربعون يوما. فقال الله ~~تعالى تكذيبا لهم: { قل }؛ يا محمد: { أتخذتم عند ~~الله عهدا }؛ أي موثقا أن لا يعذبكم إلا هذه المدة، ~~{ فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما ~~لا تعلمون }. # وروي أنه يقال لهم عند مضي الأجل: يا أعداء الله قد مضى ~~الأجل وبقي الأبد. # ولفظ ال { معدودة } للقلة كقوله: # بثمن بخس دراهم معدودة # [يوسف: 20]، وفي الصوم: # أياما معدودات # [البقرة: 184]. واحتج أصحابنا بقوله عليه الصلاة ~~والسلام: # " المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها " # وقوله صلى الله عليه وسلم: # " دعي الصلاة أيام أقرائك " # أن أقل الأيام ثلاثة وأكثرها عشرة؛ لأنه يقال لما دون الثلاثة: ~~يوم ويومان، وفيما ms0061 زاد على العشرة أحد عشر؛ وليس لأحد أن يعترض ~~على هذا بقوله في ليلة الصيام: # أياما معدودات # [البقرة: 184] أراد بها الشهر كله؛ لأنه ظاهر لفظ الأيام من ~~الثلاثة إلى العشرة. إلا أنه قد يذكر ويراد به الزيادة وقد فسر ~~الله تعالى أيام الصوم بالشهر، فانعقد بذلك التفسير. وأما أيام ~~الحيض فمبهمة؛ فلا بد أن تكون محصورة؛ لأن الأحكام تختلف بحال ~~الحيض والطهر، فكان حمل اللفظ على ظاهره وحقيقته أولى. ### || [2.81-82] # وقوله تعالى: { بلى من كسب سيئة }؛ أي ليس كما ~~تقولون. قال الكسائي: (الفرق بين بلى ونعم: أن بلى ~~إقرار بعد جحد؛ ونعم جواب، استفهام لغير ~~جحد. فإذا قيل لك: أليس فعلت كذا؟ تقول: بلى. ~~أو قيل لك: ألم تفعل كذا؟ تقول: بلى). وقال ~~تعالى: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172]. وقال في غير الجحود: # فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم # [الأعراف: 44]. وإنما قال ها هنا: بلى؛ للجحود الذي قبله وهو ~~قوله: # لن تمسنا النار # [البقرة: 80] والسبب هنا الشرك. # قوله تعالى: { وأحاطت به خطيئته }. قرأ أهل ~~المدينة: (خطيئاته) بالجمع. وقرأ الباقون (خطيئته) على ~~الواحد. والإحاطة: الإحداق بالشيء من جميع نواحيه؛ أي سدت ~~عليه طريق النجاة؛ ومات على الشرك. وقيل: السيئة: ~~الذنب الذي وعد عليه العقاب. والخطيئة: الشرك. ولا بد أن ~~تكون الخطيئة أكبر من السيئة؛ لأن ما أحاط بغيره كان أكبر منه. # وأصل بلى: بل؛ وهو لرد الكلام الماضي؛ وإثبات كلام آخر مبتدأ؛ ~~وإنما زيدت اللام لتحسين الوقف. وقيل: أصله: بل لا؛ فخففت. وقال الربيع ~~بن خيثم في معنى قوله: { وأحاطت به خطيئته }: هو الذي ~~يصر على خطيئة قبل أن يموت، ومثله قال عكرمة. وقال ~~مقاتل: يعني أصر عليها. وقال الكلبي: معنى { وأحاطت ~~به خطيئته } أي أوبقته ذنوبه. # قوله تعالى: { فأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون * والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون } ظاهر ~~المعنى. ### || [2.83] # قوله عز وجل: { وإذ أخذنا ميثاق بني ~~إسرائيل }؛ أي أخذنا عليهم في التوراة العهد الشديد: { لا ~~تعبدون إلا الله }؛ بالتاء قرأ ms0062 ابن كثير وحمزة والكسائي؛ ~~وقرأ الباقون بالياء. قال أبو عمرو: والإنزاه { وقولوا ~~للناس } فدلت المخاطبة على التاء. قال الكسائي: ~~إنما ارتفع { لا تعبدون } لأن معناه: أخذنا ~~ميثاق بني إسرائيل أن لا تعبدون إلا الله. فلما ~~ألقى (أن) رفع، ومثله: لا يسفكون دماءكم، ونظيره ~~قوله تعالى: # قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها ~~الجاهلون # [الزمر: 64] يريد: أن أعبد؛ فلما حذف (أن) الناصبة عاد الفعل إلى ~~المضارعة. وقرأ أبي بن كعب: (لا تعبدوا) جزما على النهي؛ ~~أي وقل لهم: لا تعبدوا إلا الله. # ومعنى الآية: أمرناهم بإخلاص العبادة لله عز وجل، { ~~وبالوالدين إحسانا }؛ أي وصيناهم بالوالدين إحسانا برا ~~بهما؛ وعطفا عليهما. وإنما قال: { وبالوالدين } وأحدهما ~~والدة؛ لأن المذكر والمؤنث إذا اقترنا غلب المذكر لخفته ~~وقوته. # قوله عز وجل: { وذي القربى واليتامى ~~والمساكين }؛ أي وبذي القربى. ووصيناهم بصلة الرحم. ~~واليتامى: جمع يتيم؛ وهو الطفل الذي لا أب له. والمساكين: ~~الفقراء. وقوله تعالى: { وقولوا للناس حسنا }؛ ~~اختلف القراء فيه؟ فقرأ زيد بن ثابت وأبو العالية وعاصم وأبو عمرو ~~ونافع بضم الحاء وجزم السين؛ وهي قراءة أبي حاتم، ودليله ~~قوله تعالى: # وبالوالدين حسنا # [النساء: 36] وقوله: # ثم بدل حسنا بعد سوء # [النمل: 11]. # وقرأ ابن مسعود وحمزة والكسائي وخلف: (حسنا) بفتح الحاء ~~والسين؛ وهو اختيار أبي عبيد. قال: إنما آثرناها؛ لأنها ~~نعت بمعنى قولا حسنا. وقرأ عيسى بن عمر بضم الحاء ~~والسين والتنوين؛ وهو لغة مثل (النصب والسحت). وقرأ عاصم ~~الجحدري (إحسانا) بالألف. وقرأ أبي بن كعب وطلحة بن مصرف ~~(حسني) بالتأنيث مرسلة؛ ومجازه كلمة حسنى. # ومعنى الآية: أيها الرؤساء من اليهود قولوا ~~للسفلة قولا حسنا؛ أي حقا وصدقا، وبينوا ~~لهم صفة النبي صلى الله عليه وسلم كما في التوراة، ~~ولا تكتموها، ولا تغيروا صفة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. هذا قول ابن عباس وابن جبير وابن جريج ومقاتل. ودليله ~~قوله تعالى: # ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا # [طه: 86] أي صدقا. وقيل: معناه: مروهم بالمعروف وانهوهم ~~عن المنكر. # قوله تعالى: { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~ثم توليتم إلا قليلا منكم ms0063 وأنتم معرضون ~~}؛ { ثم توليتم } أي ثم أعرضتم عن العهد والميثاق. وقوله ~~{ إلا قليلا منكم } هو عبدالله بن سلام وأصحابه. وانتصب { ~~قليلا } على الاستثناء. ### || [2.84] # وقوله تعالى: { وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون ~~دمآءكم }؛ لا يقتل بعضكم بعضا بغير حق، وإنما قال ذلك ~~لمعنيين: أحدهما: أن كل قوم اجتمعوا على دين واحد فهم كنفس ~~واحدة. والآخر: وهو أن الرجل إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه ~~لأنه يقاد ويقتص منه. وقرأ طلحة بن مصرف: (لا تسفكون) بضم ~~الفاء وهما لغتان، مثل: يعرشون ويعكفون. وقرأ بعضهم: (لا ~~تسفكون) بالتشديد على التكثير. # قوله تعالى: { ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ~~}؛ أي لا يخرج بعضكم بعضا من داره؛ وقوله تعالى: { ثم ~~أقررتم }؛ أي ثم اعترفتم بأن هذا العهد قد أخذ عليكم وعلى ~~آبائكم وأنه حق، { وأنتم تشهدون } ، اليوم على ذلك يا ~~معشر اليهود. ### || [2.85] # قوله تعالى: { ثم أنتم هؤلاء تقتلون ~~أنفسكم }؛ أي ثم أنتم يا هؤلاء؛ فحذف حرف النداء للاستغناء ~~بدلالة الكلام عليه. كقوله تعالى: # ذرية من حملنا مع نوح # [الإسراء: 3]. وقوله: { تقتلون أنفسكم } قرأ الحسن: ~~(يقتلون) بالتشديد. { وتخرجون فريقا منكم من ~~ديارهم } ، والآية خطاب ليهود قريظة والنضير؛ كانت بنو قريظة ~~حلفاء الأوس؛ وبنو النضير حلفاء الخزرج، فكان كل فريق يقاتل ~~الفريق الآخر وإذا غلبهم قتلهم وسبى ذراريهم وأخرجهم من ديارهم. # قوله تعالى: { تظاهرون عليهم بالإثم ~~والعدوان } ، قرأ أهل الشام وأبو عمرو ويعقوب: (تظاهرون) ~~بتشديد الظاء، ومعناه: يتظاهرون؛ فأدغم التاء في الظاء مثل: ~~(اثاقلتم) و(اداركوا). وقرأ عاصم والأعمش وحمزة وطلحة ~~والحسن والكسائي: (تظاهرون) بالتخفيف؛ حذفوا تاء التفاعل ~~وأبقوا تاء الخطاب مثل قوله تعالى: # ولا تعاونوا على الإثم والعدوان # [المائدة: 2] و # ما لكم لا تناصرون # [الصافات: 25]. وقرأ أبي ومجاهد وقتادة: (تظهرون) بالتشديد من ~~غير ألف؛ أي تتظهرون. ومعناهما جميعا واحد: تعاونون. ~~والظهيرة العون؛ سمي بذلك لإسناده ظهره إلى ظهر صاحبه. ~~وقوله تعالى: { بالإثم والعدوان } أي بالمعصية ~~والظلم. # قوله تعالى: { وإن يأتوكم أسارى تفادوهم }؛ ~~متصل بقوله # ولا تخرجون أنفسكم # [البقرة: 84] لأن قوله: { وإن يأتوكم } داخل في الميثاق. ~~ومعناه: فكوا ms0064 أسراكم من غيركم بالفداء. وقرأ السلمي ومجاهد وابن ~~كثير وأبو عمرو وابن عامر: (أسارى) بالألف، و(تفدوهم) بغير ألف. ~~وقرأ الحسن: (أسري) بغير ألف، (تفادهم) بالألف. وقرأ النخعي ~~وطلحة والأعمش وحمزة (أسري تفدوهم) كلاهما بغير ألف. وقرأ شيبة ~~ونافع وعاصم وقتادة والكسائي ويعقوب (أسارى تفادوهم) كلاهما ~~بالألف. # والأسارى: جمع أسير؛ مثل: مريض ومرضى، وقريع وقرعى، وقتيل ~~وقتلى. والأسرى: جمع أسير أيضا، مثل: سكارى وكسالى. ولا فرق بين ~~الأسارى والأسرى في الصحيح. قال بعضهم: المقيدون المشدودون أسارى، ~~والأسرى: هم المأسورون غير المقيدين. قوله تعالى: ~~(تفدوهم) بالمال، و(تفادوهم) أي مفاداة الأسير بالأسير. ~~و(أسرى) في موضع نصب على الحال. # ومعنى الآية ما قال السدي: (إن الله تعالى أخذ على بني ~~إسرائيل في التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضا ~~ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم؛ وأيما عبد ~~أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه ~~وأعتقوه. وكانت قريظة حلفاء الأوس، والنضير ~~حلفاء الخزرج، وكانوا يقتلون في حرب سمير؛ ~~فيقاتل بنو قريظة مع حلفائهم؛ والنضير مع ~~حلفائهم، فإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم ~~منها؛ وإذا أسر رجل من الفريقين كلاهما ~~جمعوا له حتى يفدوه فيعيرونهم العرب بذلك؛ ~~فيقولون: كيف تقاتلونهم وتفدونهم؟ فيقولون: ~~إنا قد أمرنا أن نفديهم؛ وحرم علينا ~~قتالهم. قالوا: فلم تقاتلونهم؟ قالوا: إنا ~~نستحي أن يستذل حلفاؤنا؛ فذلك حين عيرهم ~~الله تعالى). # وقال: { ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم } وفي ~~الآية تقديم وتأخير؛ تقديره: { وتخرجون فريقا منكم من ~~ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان } { ~~وهو محرم عليكم إخراجهم } (وإن يأتوكم ~~أسارى تفدوهم). # وكان الله تعالى أخذ عليهم أربعة عهود: ترك القتل؛ وترك الإخراج؛ ~~وترك المظاهرة عليهم من أعدائهم؛ وفداء أسرائهم. فأعرضوا عن ~~كل ما أمر الله تعالى به؛ إلا الفداء. فقال الله تعالى: { ~~أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض }؛ ~~وإيمانهم الفداء؛ وكفرهم القتل والإخراج والمظاهرة. وقال مجاهد: ~~(يقول: إن وجدته في يد غيرك فديته؛ وأنت ~~تقتله بيدك؟!). # قوله تعالى: { فما جزآء من يفعل ذلك منكم إلا ~~خزي في الحياة الدنيا }؛ أي فما جزاء من يؤمن ببعض ~~الكتاب ويكفر ببعض ms0065 إلا ذل وهوان في الدنيا. يعني بالخزي: قتل ~~بني قريظة وسبيهم وإجلاء بنو النضير عن منازلهم. يقال في السوء ~~والشر: خزي يخزى خزيا. وفي الحياء: خزى يخزي ~~خزاية. # قوله تعالى: { ويوم القيامة يردون إلى أشد ~~العذاب }؛ وهو عذاب النار. وقرأ السلمي والحسن وأبو رجاء: ~~(تردون) بالتاء. كقوله تعالى: { أفتؤمنون }. قوله ~~تعالى: { وما الله بغافل عما تعملون }؛ " قرأ " ~~بالياء مدني ومكي وأبو بكر ويعقوب. والباقون بالتاء. ### || [2.86] # قوله تعالى: { أولئك الذين اشتروا الحياة ~~الدنيا بالآخرة }؛ أي استبدلوا الدنيا بالآخرة، { فلا ~~يخفف عنهم العذاب }؛ أي لا يهون، { ولا هم ~~ينصرون }؛ من عذاب الله. ### || [2.87] # قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب ~~وقفينا من بعده بالرسل } ، أي أعطينا موسى التوراة ~~جملة واحدة، وأردفنا وأتبعنا من بعده رسلا؛ رسولا من بعد ~~رسول؛ يقال: قفى أثره وقفى غيره في التعدية مأخوذ من ~~قفاء الإنسان؛ قال الله تعالى: # ولا تقف ما ليس لك به علم # [الإسراء: 36]. وقيل: إن الله تعالى أنزل التوراة على موسى ~~جملة واحدة، وأمره أن يحملها فلم يطق؛ فبعث الله بكل آية ~~ملكا، فلم يطيقوا حملها؛ فبعث الله بكل حرف ملكا، فلم يطيقوا، ~~فخففها الله على موسى، فحملها وعمل بها. # قوله تعالى: { وآتينا عيسى ابن مريم البينات ~~}؛ يعني من إحياء الموتى؛ وإبراء الأكمه والأبرص؛ ونزول ~~المائدة. ومعنى { البينات }: الدلالات اللائحات والعلامات ~~الواضحات. وقوله تعالى: { وأيدناه بروح القدس }؛ ~~المد (آيدناهما) القوة؛ أي وأعناه بجبريل. خفف ابن كثير ~~(القدس) وثقله الآخرون. وهما لغتان مثل (الرعب والسحت). قال ~~السدي والضحاك وقتادة: (روح القدس: جبريل). قال الحسن: ~~(القدس: هو الله عز وجل، وروحه: جبريل عليه ~~السلام). وأضافه إلى نفسه تكريما وتخصيصا، نحو: بيت الله؛ وناقة ~~الله؛ وعبدالله. وقال السدي: (القدس: البركة) وقد أعظم الله ~~تعالى بركة جبريل إذ نزل عامة وحي أنبيائه على لسانه. وتأييد عيسى ~~بجبريل عليه السلام أنه كان قرينه يسير معه حيثما سار؛ ورفعه ~~إلى السماء حين أراد اليهود قتله. وقيل: سمي جبريل روح ~~القدس؛ لأن بمجيئه يحيي الكفار بالإسلام. # والقدس: الظاهر. وقيل: المبارك. وقال ms0066 ابن عباس وسعيد بن جبير: ~~(روح القدس: اسم الله الأعظم، وبه كان يحيي ~~الموتى؛ ويري الناس تلك العجائب). # وقال ابن زيد: هو الإنجيل جعله الله روحا كما جعل ~~القرآن لمحمد روحا. قال الله تعالى: # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا # [الشورى: 52]. # فلما سمعت اليهود بذكر عيسى؛ قالوا: يا محمد لا مثل عيسى كما ~~تزعم عملت؛ ولا كما تقص علينا من الأنبياء فعلت، فائتنا بما أتى به ~~عيسى إن كنت صادقا. فقال الله تعالى: { أفكلما جآءكم ~~رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم }؛ أي ~~أفكلما جاءكم أيها اليهود رسول بما لا يوافق هواكم { ~~استكبرتم } أي تكبرتم وتعظمتم عن الإيمان به، { ففريقا ~~كذبتم }؛ مثل عيسى ومحمد عليهما الصلاة ~~والسلام، { وفريقا تقتلون } ، مثل زكريا ويحيى وسائر ~~من قتلوا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. والألف ~~في { أفكلما } ألف استفهام معناه التوبيخ والزجر. ### || [2.88] # قوله تعالى: { وقالوا قلوبنا غلف }؛ أي قالت اليهود: ~~قلوبنا ممنوعة من القبول؛ فرد الله عليهم بقوله: { بل لعنهم ~~الله بكفرهم }؛ أي أنهم ألفوا كفرهم فاشتد إعجابهم ~~به ومحبتهم له فمنعهم الله الألطاف والفوائد التي منح الله ~~المؤمنين مجازاة لهم على كفرهم. # قرأ ابن محيصن: (غلف) بضم اللام. وقرأ الباقون بجزمها. فمن ~~خفف فهو جمع الأغلف مثل أصفر وصفر؛ وهو الذي عليه غشاوة ~~وغطاء بمنزلة الأغلف غير المختون؛ والأقلف مثله، أي عليها غشاوة ~~فلا تعي ولا تفقه ما تقول يا محمد! قاله قتادة ومجاهد؛ نظيره ~~قوله تعالى: # وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه # [فصلت: 5]. # ومن ثقل (غلف) فهو جمع غلاف مثل: حجاب وحجب؛ وكتاب ~~وكتب، ومعناه: قلوبنا أوعية لكل علم؛ فلا نحتاج ~~إلى علمك وكتابك؛ فهي لا تسمع حديثا إلا ~~وعته؛ إلا حديثك لا تعيه وكتابك؛ قاله عطاء وابن ~~عباس. وقال الكلبي: (يريدون أوعية لكل علم فهي لا ~~تسمع حديثا إلا وعته؛ إلا حديثك لا تعيه ولا ~~تعقله. فلو كان فيه خير لفهمته ولوعته) قال ~~الله تعالى: { بل لعنهم الله بكفرهم } وأصل ~~اللعن: الطرد والإبعاد؛ فمعناه: طردهم الله؛ أي أبعدهم من ~~كل ms0067 خير. وقال النضر بن شميل: (الملعون: للمخزى ~~وللملك). # قوله عز وجل: { فقليلا ما يؤمنون }؛ قال قتادة: ~~(معناه ما يؤمن منهم إلا قليل؛ وهو عبدالله ~~بن سلام وأصحابه؛ لأن من آمن من المشركين ~~أكثر ممن آمن من اليهود). فعلى هذا القول { ما } صلة ~~معناه: فقليلا يؤمنون. ونصب (قليلا) على الحال، وقيل: على ~~معنى صاروا قليلا يؤمنون. وقيل: معناه: إيمانهم بالله قليل؛ ~~لأنهم يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. وانتصب (قليلا) على هذا ~~التأويل على معنى: إيمانا قليلا يؤمنون. # وقال معمر: (معناه لا يؤمنون إلا بقليل مما في ~~أيديكم ويكفرون بأكثر) وعلى هذا القول يكون (قليلا) ~~منصوبا بنزع الخافض، و(ما) صلة؛ أي فبقليل يؤمنون. وقال الواقدي ~~وغيره: (معناه لا يؤمنون قليلا ولا كثيرا) وهذا ~~كقول الرجل للآخر: ما أقل ما تفعل كذا! يريد لا يفعله البتة. ### || [2.89] # قوله عز وجل: { ولما جآءهم كتاب من عند ~~الله مصدق لما معهم }؛ يعني القرآن موافقا لما معهم؛ ~~يعني التوراة وسائر الكتب في التوحيد والدعاء إلى الله؛ وقوله ~~تعالى: { وكانوا من قبل يستفتحون على الذين ~~كفروا }؛ أي وكانوا من قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يستنصرون بذكر القرآن ونبي آخر الزمان على الذين ~~جحدوا توحيد الله؛ كانوا إذا قاتلوا المشركين؛ قالوا: (اللهم ~~انصرنا عليهم باسم نبيك وبكتابك الذي تنزل ~~على الذي وعدتنا أنك باعثه في آخر الزمان؛ ~~الذي نجد صفته في التوراة) وكانوا يرجون أن ذلك ~~النبي منهم، وكانوا إذا قالوا ذلك نصروا، وكانوا يقولون لأعدائهم ~~من المشركين: أطل زمان يخرج نبي فيصدق ما قلناه فنقتلكم معه ~~قتل عاد وإرم. # وقوله تعالى: { فلما جآءهم ما عرفوا }؛ أي فلما ~~بعث محمد صلى الله عليه وسلم وعرفوه بصفته في كتابهم ولم يكن ~~منهم، { كفروا به }؛ وغيروا صفته بغيا وحسدا لما بعث ~~من غير بني إسرائيل مخافة زوال رئاستهم، { فلعنة الله على ~~الكافرين }. ### || [2.90] # قوله تعالى: { بئسما اشتروا به أنفسهم أن ~~يكفروا } ، أي بئسما باعوا به أنفسهم من الهدايا بكتمان صفة ~~محمد صلى الله عليه وسلم أنهم اختاروا الدنيا ms0068 على الآخرة؛ ~~باعوا أنفسهم بأن يكفروا، { بمآ أنزل الله }؛ يعني القرآن ~~حسدا منهم للنبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: معناه: بئس الذي ~~اختاروا لأنفسهم حتى استبدلوا الباطل بالحق؛ والكفر بالإيمان. ~~وقوله تعالى: { بغيا }؛ أصل البغي: الفساد، يقال: بغى ~~الجرح إذا أفسد. ومعنى قولنا: بغيا؛ أي البغي. # وقوله تعالى: { أن ينزل الله من فضله على من ~~يشآء من عباده }؛ يعني الكتاب والنبوة على محمد صلى الله ~~عليه وسلم. قوله تعالى: { فبآءو بغضب على غضب } ، ~~قال قتادة: (الغضب الأول: حين كفروا بعيسى ~~والإنجيل، والثاني: حين كفروا بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم والقرآن؛ واستوجبوا اللعنة على إثر ~~اللعنة). وقال السدي: (الغضب الأول: بعبادتهم ~~العجل؛ والثاني: كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وتبديل صفته). # قوله تعالى: { وللكافرين عذاب مهين }؛ أي ~~وللجاحدين بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم من الناس كلهم عذاب ~~مهين؛ يهانون فيه فلا يعزون. ### || [2.91] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل ~~الله }؛ أي إذا قيل ليهود المدينة: صدقوا بالقرآن؛ { ~~قالوا نؤمن بمآ أنزل علينا }؛ يعنون التوراة، { ~~ويكفرون بما ورآءه }؛ أي ويجحدون بما سوى الذي أنزل عليهم ~~كقوله تعالى: # فمن ابتغى ورآء ذلك # [المؤمنون: 7] أي سواه. وقوله تعالى: { وهو الحق }؛ ~~يعني القرآن، { مصدقا لما معهم }؛ أي موافقا للتوراة ~~وسائر الكتب. ونصب { مصدقا } على الحال. # وقوله تعالى: { قل فلم تقتلون أنبيآء الله }؛ ~~أي قل لهم يا محمد: إن كنتم تصدقون التوراة فلم تقتلون ~~أنبياء الله، { من قبل }؛ وليس فيما أنزل عليكم قتل الأنبياء، ~~قوله تعالى: { إن كنتم مؤمنين }؛ أي فلم تقتلون ~~أنبياء الله إن كنتم مؤمنين بالتوراة وقد نهيتم فيها عن قتلهم. ~~وقوله (لم) أصله (لما) فحذفت الألف فرقا بين الخبر والاستفهام؛ ~~كقوله (فيم) و(بم) و(مم) و(علام) و(حتى م). ### || [2.92] # وقوله عز وجل: { ولقد جآءكم موسى ~~بالبينات }؛ أي الدلالات الواضحات والآيات التسع، { ثم ~~اتخذتم العجل من بعده }؛ أي من بعد ذلك إلها؛ { ~~وأنتم ظالمون }؛ أي كافرون بالله. وفائدة الآية: أن ~~تكذيب الأنبياء من عادتكم؛ كما أن موسى جاءكم بالبينات ثم ~~اتخذتم العجل ms0069 إلها. ### || [2.93] # قوله تعالى: { وإذ أخذنا ميثاقكم }؛ أي أخذنا عليكم ~~العهد في التوراة، { ورفعنا فوقكم الطور }؛ أي الجبل، { ~~خذوا مآ ءاتينكم بقوة }؛ أي خذوا ما أعطيناكم بجد ~~ومواظبة في طاعة الله تعالى. وقوله تعالى: { واسمعوا }؛ أي ~~اسمعوا ما فيه من حلاله وحرامه؛ وما تؤمرون به؛ أي استجيبوا؛ ~~أطيعوا. سميت الطاعة سمعا؛ لأنها سبب الطاعة والإجابة؛ ومنه ~~قولهم: سمع الله لمن حمده؛ أي أجابه. قال الشاعر: # دعوت الله حتى خفت أن # لا يكون الله يسمع ما أقول # أي يجيب. # وقوله تعالى: { قالوا سمعنا وعصينا }؛ أي سمعنا ~~قولك وعصينا أمرك ولولا مخافة الجبل ما قبلنا. قالوا بعد ذلك ~~بعدما رفع الجبل عنهم. قوله تعالى: { وأشربوا في ~~قلوبهم العجل }؛ أي سقوا في قلوبهم حب العجل، { ~~بكفرهم } ، وخالطها ذلك كإشراب اللون؛ لشدة الملازمة. # قوله تعالى: { قل بئسما يأمركم به إيمانكم }؛ ~~أي قل لهم يا محمد: بشر ما يأمركم به إيمانكم من عبادة العجل ~~من دون الله؛ أي بشر الإيمان إيمان يأمركم بالكفر. وقوله ~~تعالى: { إن كنتم مؤمنين }؛ أي إن كنتم مؤمنين بزعمكم؛ ~~لأنهم قالوا: نؤمن بما أنزل علينا، فكذبهم الله عز وجل. ### || [2.94-95] # قوله: { قل إن كانت لكم الدار الآخرة عند الله ~~}؛ هذا جواب قول اليهود: # لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى # [البقرة: 111] و # لن تمسنا النار إلا أياما معدودة # [البقرة: 80]. وقولهم: # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18] فكذبهم الله وألزمهم الحجة فقال: قل لهم يا ~~محمد: { إن كانت لكم الدار الآخرة }؛ يعني الجنة؛ { ~~خالصة }؛ أي خاصة: وقيل: صافية، { من دون الناس ~~فتمنوا الموت }؛ أي فاسألوا الله الموت؛ فإن من كان ~~بهذه الصفة فالموت خير له ولا سبيل إلى دخول الجنة إلا بعد الموت. # وقوله تعالى: { إن كنتم صادقين }؛ أي في قولكم؛ فقولوا: ~~اللهم أمتنا. فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: بعد نزول هذه الآية: # " إن كنتم صادقين في مقالتكم فقولوا: اللهم ~~أمتنا، فوالذي نفسي بيده لا يقولها رجل منكم ~~إلا غص بريقه فمات مكانه " # فأبوا أن يفعلوا ذلك. # قال ابن ms0070 عباس: عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لو قالوا ذلك ما بقي على وجه الأرض يهودي ~~إلا مات " # فلما لم يقولوا ذلك أنزل الله عز وجل قوله ~~تعالى: { ولن يتمنوه أبدا بما قدمت أيديهم ~~}؛ أي أسلفت من المعاصي وكتمان صفة النبي صلى الله عليه وسلم. ~~وقوله: { أبدا } يعني هي مدة العمر. وأما بعد ذلك فإنهم ~~يتمنونه في الآخرة وقت مشاهدة العذاب. وإنما أضاف إلى ~~الأيدي؛ لأن أكثر المعاصي تكون باليد. { والله عليم ~~بالظالمين }. ### || [2.96] # قوله تعالى: { ولتجدنهم أحرص الناس على ~~حياة }؛ اللام لام القسم؛ والنون توكيد القسم، تقديره: والله ~~لتجدنهم يا محمد - يعني اليهود -. ومعنى الآية: لتعلمن اليهود ~~أحرص الناس على البقاء. وفي مصحف أبي: (على الحياة). ~~قوله تعالى: { ومن الذين أشركوا }؛ قيل: إنه متصل ~~بالكلام الأول؛ معناه: وأحرص من الذين أشركوا. قال الفراء: ~~(وهذا كما يقال: هو أسخى الناس ومن حاتم؛ أي ~~وأسخى من حاتم). وقيل:هو ابتداء؛ وتمام الكلام عند قوله: ~~{ حياة }. ثم ابتدأ بواو الاستئناف وأضمر { يود } اسما تقديره: ~~ومن الذين أشركوا قوم، { يود أحدهم }. وقيل: معناه: ~~ولتجدنهم أحرص الناس على حياة وأحرص من الذين أشركوا؛ وأراد ~~بالذين أشركوا المجوس ومن لا يؤمن بالبعث. وقوله: { لو ~~يعمر ألف سنة }؛ أي أن يعمر. قوله تعالى: { وما ~~هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر }؛ أي وما أحدهم ~~بمباعده من العذاب تعميره، ولا التعمير بمباعده من العذاب. { ~~والله بصير بما يعملون }؛ تمام الآية مفسر. ### || [2.97-99] # قوله عز وجل: { قل من كان عدوا لجبريل فإنه ~~نزله على قلبك بإذن الله } ، قال ابن عباس: # " إن حبرا من الأحبار عالما من علماء اليهود، ~~يقال له ابن صوريا، قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~كيف نومك؟ فإنا نعرف نوم النبي الذي يجتبى ~~في آخر الزمان، قال: " تنام عيناي وقلبي يقظان " ~~قال: صدقت. فأخبرنا عن الولد أمن الرجل أم من ~~المرأة؟ قال: " أما العظم والعصب والعروق فمن ~~الرجل؛ وأما اللحم والدم والظفر والشعر فمن ~~المرأة ". قال: صدقت. فما بال الولد يشبه ~~أعمامه ليس فيه شبه من ms0071 أخواله، ويشبه أخواله ~~ليس فيه شبه من أعمامه؟ فقال: " أيهما علا ~~ماؤه على ماء صاحبه كان الشبه له " قال: صدقت. ~~بقيت خصلة إن قلتها آمنت بك واتبعتك! أي ~~ملك يأتيك بالوحي؟ قال: " جبريل " قال: ذاك ~~عدونا. ينزل بالقتال والشدة ورسولنا ~~ميكائيل ينزل بالسرور والرخاء، فلو كان ~~ميكائيل هو الذي يأتيك آمنا بك وصدقناك. ~~فقال: عمر رضي الله عنه: إشهدوا أن من كان عدوا ~~لجبريل فإنه عدو لميكائيل. فقال: لا نقولن ~~هذا " # فأنزل الله هذه الآية. # وقال مقاتل: إن اليهود قالت: إن جبريل عدونا ~~أمر أن يجعل النبوة فينا فجعلها في غيرنا. ~~وقال قتادة وعكرمة والسدي: كان لعمر رضي الله عنه أرض ~~بأعلى المدينة؛ ممرها على مدارس اليهود، وكان ~~عمر إذا أتى أرضه يأتيهم ويسمع منهم ~~ويكلمهم، فقالوا: يا عمر ما في أصحاب محمد ~~أحب إلينا منك؛ إنهم يمرون بنا فيؤذوننا ~~وأنت لا تؤذينا وإنا لنطمع فيك! فقال عمر رضي ~~الله عنه: (ما أحببتكم كحبكم إياي ولا أسألكم إني ~~شاك في ديني، وإنما أدخل إليكم لأزداد بصيرة ~~في أمر محمد صلى الله عليه وسلم وأرى آثاره في ~~كتابكم). فقالوا: من صاحب محمد الذي يأتيه ~~من الملائكة؟ قال: (جبريل) قالوا: ذاك عدونا ~~يطلع محمدا على سرنا وهو صاحب كل عذاب ~~وخسف وشدة؛ وإن ميكائيل إذا جاء؛ جاء بالخصب ~~والسلامة. فقال عمر: (تعرفون جبريل وتنكرون ~~محمدا صلى الله عليه وسلم!) قالوا: نعم، فقال عمر رضي ~~الله عنه: (أنا أشهد أن من كان عدوا لجبريل فهو ~~عدو لميكائيل؛ ومن كان عدوا لهما فالله عدو ~~له). ثم رجع عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فوجد جبريل قد سبقه بالوحي؛ فقرأ عليه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم هذه الآيات. وقال: [لقد وافقك ~~ربك يا عمر]. فقال عمر رضي الله عنه: (لقد رأيتني ~~في دين الله بعد ذلك أصلب من الحجر). # قال الله تعالى تصديقا لعمر: { قل من كان عدوا ~~لجبريل } أي قل لهم يا محمد: من كان عدوا لجبريل. # وإذ هو المنزل للكتاب ms0072 علي، فإنه إنما أنزله على قلبي بأمر ~~الله لا من تلقاء نفسه، وإنما أنزل ما هو، { مصدقا لما ~~بين يديه } ، من الكتب التي في أيديكم، لا مكذبا لها، وإنه ~~وإن كان فيما أنزل الأمر بالحرب والشدة على الكافرين، { وهدى ~~وبشرى للمؤمنين }. وقيل: معناه: على وجه ~~الترغيم؛ أي فإن جبريل هو الذي نزل عليك رغما لهم. # وفي جبريل سبع قراءات: (جبرئيل) مهموز مشبع مفتوح الجيم ~~والراء؛ وهي قراءة حمزة والكسائي وخلف. قال الشاعر: # شهدنا فما تلقى لنا من كتيبة # مدى الدهر إلا جبرئيل أمامها # و(جبراييل) ممدود مشبع على وزن جبراعيل؛ وهي قراءة ابن عباس ~~وعلقمة ابن وثاب. و(جبرائل) ممدود مختلس على وزن جبراعل؛ وهي ~~قراءة طلحة بن مصرف. و(جبرئل) مقصور مهموز مختلس، وهي قراءة ~~يحيى بن آدم. و(جبرال) مقصور مشدد اللام من غير ياء؛ وهي قراءة ~~يحيى بن يعمر. و(جبريل) بفتح الجيم وكسر الراء من غير همزة؛ وهي ~~قراءة ابن كثير. و(جبريل) بكسر الجيم والراء من غير همزة؛ وهي ~~قراءة علي رضي الله عنه وابن المسيب والحسن وأهل البصرة والمدينة. ~~وقد روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم. # و(جبريل) بلغة السريانية: عبدالله. وإن (جبر) هو العبد، ~~و(ايل) هو الله. وعن معاذ رضي الله عنه قال: (إنما جبريل ~~وميكائيل كقولك: عبدالله وعبد الرحمن). ~~وقيل: جبريل: مأخوذ من جبروت الله؛ وميكاييل من ملكوت ~~الله. # قوله تعالى: { فإنه نزله على قلبك } يعني: ~~فإن جبريل { نزله على قلبك }. (على) كناية عن غير ~~مذكور كقوله تعالى: # ما ترك على ظهرها من دآبة # [فاطر: 45]. و # حتى توارت بالحجاب # [ص: 32] يعني الشمس. # قال الله تعالى: { من كان عدوا لله وملائكته ~~ورسله وجبريل وميكل } معناه: من كان عدوا لهؤلاء ~~فليكن، وهذا على التهديد، { فإن الله عدو للكافرين ~~} ، يعني اليهود. وإنما قال: { عدو للكافرين } ولم يقل: ~~عدو لهم؛ لأنه لو قال ذلك لم يعلم بذلك أن عداوة جبريل تكون ~~كفرا، بل كان يجوز أن يتوهم متوهم أن عداوة جبريل فسقا ولا ~~تكون كفرا؛ فأزال الله هذا الإشكال. # وفي ميكائيل ms0073 أربع لغات: ممدود مشبع على وزن ميكاعيل؛ وهي قراءة أهل ~~مكة والكوفة والشام. و(ميكائل) ممدود مهموز مختلس مثل ميكاعل؛ ~~وهي قراءة أهل المدينة. (وميكئل) مهموز مقصور على وزن ميكعل؛ وهي ~~قراءة الأعمش وابن محيصن. و(ميكال) بغير همز؛ وهي قراءة أبي عمرو. # و(ميكائيل) معناه عبدالله. (ميك) عبد؛ و(ايل) هو الله. ~~وكذلك (إسرائيل) وهذه أسماء أعجمية رفعت إلى العرب فلفظت بها ~~ألفاظ مختلفة. فإنما عطف جبرائيل وميكائيل على الملائكة بعد دخولهما ~~في اسم الملائكة؛ لفضيلتهما، مثل قوله تعالى: # وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن ~~نوح # [الأحزاب: 7] الآية. ومعنى الآية: من كان عدوا لأحد من هؤلاء ~~فإن الله عدو له. الواو فيه بمعنى (أو). يعني: من كفر بالله أو ~~ملائكته أو كتبه؛ لأن الكافر بالواحد كافر بالكل. # فقال ابن صوريا: يا محمد ما جئتنا بشيء نعرفه؟ وما أنزل ~~الله عليك من آية بينة! فأنزل الله قوله تعالى: { ولقد ~~أنزلنآ إليك آيات بينات }؛ أي واضحات مفصلات بالحلال ~~والحرام؛ والحدود؛ والأحكام. # قوله تعالى: { وما يكفر بهآ إلا الفاسقون }؛ وهم ~~اليهود وغيرهم؛ سمى الكفر فسقا؛ لأن الفسق الخروج عن الشيء ~~إلى شيء؛ واليهود خرجوا من دينهم بتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم، ~~والفاسقون هم الخارجون عن أمر الله. ### || [2.100] # قوله تعالى: { أوكلما عاهدوا عهدا } ، (واو) العطف ~~دخلت عليها الألف ألف الاستفهام كما تدخل على الفاء في قوله ~~تعالى: # أفأنت تسمع الصم # [الزخرف: 40] # أفتتخذونه وذريته أوليآء # [الكهف: 50]. وعلى (ثم) كقوله: # أثم إذا ما وقع # [يونس: 51]. # قرأ أبو السمال (أو كلما) ساكنة الواو على النسق. و(كلما) ~~انتصب على الظرف. قوله تعالى: { عاهدوا عهدا } يعني ~~اليهود. قال ابن عباس: [لما ذكر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لهم ما أخذ الله عليهم وما عهده إليهم ~~فيه؛ قال مالك ابن المصفي: والله ما عهد إلينا ~~في محمد عهدا ولا ميثاقا. فأنزل الله هذه ~~الآية]. توضحه قراءة ابن رجاء أبي العطاردي: (أوكلما ~~عوهدوا عهدا) فجعلهم مفعولين. ودليل هذا التأويل قوله ~~تعالى: # وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب ~~لتبيننه # [آل ms0074 عمران: 187] الآية. # وقال بعضهم: هو أن اليهود عاهدوا: لئن خرج محمد لنؤمنن ~~به ولنكونن معه على مشركي العرب وننفوهم من بلادهم. فلما بعث ~~نقضوا العهد وكفروا به، دليله قوله تعالى: # ولمآ جآءهم رسول من عند الله مصدق لما ~~معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتب كتب ~~الله ورآء ظهورهم # [البقرة: 101] أي طرحوه وراء ظهورهم. { نبذه }؛ أي طرحه { ~~فريق منهم }؛ أي طرحوه كأنهم لا يعلمون صدق ما جاء به ~~النبي صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: { بل أكثرهم لا ~~يؤمنون }؛ أي أنهم يعلمون ذلك ولكنهم تجاهلوه كأنهم لا ~~يعلمون. ### || [2.101] # قوله تعالى: { ولمآ جآءهم رسول من عند الله ~~مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا ~~الكتب } ، يعني التوراة، { كتب الله ورآء ظهورهم ~~كأنهم لا يعلمون }؛ يعني القرآن: وقيل: التوراة أيضا؛ ~~لأنهم إذا نبذوا القرآن فقد نبذوا التوراة. والنبذ: الطرح. ~~وقرأ ابن مسعود: (نقضه فريق). وقال عطاء: (هي العهود ~~التي كانت بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين ~~اليهود كفعل قريظة والنضير). والدليل قوله تعالى: # الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل ~~مرة # [الأنفال: 56] وكانوا قد عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم أن لا ~~يعينوا عليه أحدا؛ فنقضوا وأعانوا مشركي قريش عليه يوم الخندق. ~~وإنما قال: # فريق منهم # [البقرة: 100] لأن علماءهم هم الذين نبذوا عنادا مع العلم به؛ وإنما ~~قال: # بل أكثرهم # [البقرة: 100] لأن منهم من آمن وهو ابن سلام وكعب الأحبار وغيرهما. # والنبذ وراء الظهر مثل من يستخف بالشيء ولا يعمل به. تقول ~~العرب: اجعل هذا خلف ظهرك؛ وتحت قدمك؛ ودبر أذنك؛ أي اتركه ~~وأعرض عنه، قال الله تعالى: # واتخذتموه ورآءكم ظهريا # [هود: 92]. وأنشد الزجاج: # نظرت إلى عنوانه فنبذته # كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا ### || [2.102] # قوله عز وجل: { واتبعوا ما تتلوا الشيطين }؛ ~~يعني اليهود. وهو عطف على # نبذ فريق # [البقرة: 101] كأنه قال: انبذوا كتاب الله واتبعوا ما تتلوا ~~الشياطين من السحر، { على ملك سليمن }؛ ومعنى { ما ~~تتلوا } يعني ما تلت قبلهم شياطين الجن والإنس { على ملك ~~سليمن } أي ms0075 على عهد ملك سليمان، قيل: معنى تتلو تكذب، يقال: ~~فلان تلا من فلان؛ إذا صدق في الحكاية عنه، وتلى عليه إذا كذب ~~عليه؛ كما يقال: تال عنه وتال عليه. # وقال ابن عباس: (تتلو؛ أي تتبع وتعمل). وقال عطاء: ~~(تتحدث وتتكلم به). وقرأ الحسن: (الشياطون) بالواو ~~في موضع الرفع في كل القرآن. وسئل أبو حامد الخارجي عن قراءة الحسن ~~هذه فقال: (هي لحن فاحش عند أكثر أهل الأدب). غير أن ~~الأصمعي زعم أنه سمع أعرابيا يقول: بستان فلان حوله ~~(بساتون). # وقصة ذلك: أن الشياطين كتبوا السحر والنيرنجات على لسان آصف: هذا ما ~~علم آصف بن برخيا سليمان الملك. ثم دفنوها تحت مصلاه حين نزع ~~الله ملكه ولم يشعر بذلك سليمان. فلما مات عليه السلام استخرجوها من ~~تحت مصلاه وقالوا للناس: إنما ملككم سليمان بهذا، ~~فتعلموه. وأما علماء بني إسرائيل وصلحاؤهم فقالوا: معاذ الله أن يكون ~~هذا علم سليمان؛ فلا نتعلمه. # وأما السفلة فقالوا: هذا علم سليمان وأقبلوا على تعلمه؛ ~~ورفضوا كتب أنبيائهم وقالوا: إنما تم ملكه بالسحر وبه سحر ~~الجن والإنس والطير والرياح. فلم يزالوا على ذلك الاختلاف وفشت ~~الملامة لسليمان حتى بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم ~~وأنزل عذره على لسانه وأظهر براءته مما رمي به من الكفر تكذيبا ~~لليهود، فقال عز وجل: { وما كفر سليمن ولكن ~~الشيطين كفروا }؛ أي هم الذين كتبوا السحر وهم الذين ~~يعلمونه الناس. هذا قول الكلبي. # وقال السدي: كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتقعد منها مقاعد ~~للسمع؛ فيسمعون كلام الملائكة فيما يكون في الأرض من موت أو غيره؛ ~~فيأتون الكهنة فيخلطون بما سمعوا كذبا وزورا في كل كلمة سبعين كذبة. ~~ويخبرونهم بذلك؛ فالتفت الناس إلى ذلك وفشى في بني إسرائيل أن الجن ~~تعلم الغيب. فبعث سليمان في الناس وجمع تلك الكتب وجعلها في صندوق ~~ودفنها تحت كرسيه، وقال: (لا أسمع أحدا يقول إن ~~الشياطين تعلم الغيب إلا ضربت عنقه). فلما مات ~~سليمان صلوات الله عليه ضل الناس وذهبت العلماء الذين كانوا ~~يعرفون أمر ms0076 سليمان. فتمثل شيطان على صورة إنسان، وأتى نفرا من ~~بني إسرائيل، وقال: هل أدلكم على كنز؟ قالوا: نعم، قال: احفروا ~~تحت الكرسي، وذهب معهم فأراهم المكان فحفروا فوجدوا تلك الكتب؛ ~~فلما أخذوها، قال الشياطين: إن سليمان كان يضبط الجن والإنس ~~والشياطين بهذه الكتب، وأفشى في الناس أن سليمان عليه الصلاة ~~والسلام كان ساحرا. # واتخذ بنو إسرائيل الكتب. ولذلك أكثر ما يوجد السحر في اليهود. ~~فلما جاء محمد صلى الله عليه وسلم خاصمت اليهود بذلك، فبرأ الله ~~سليمان وأنزل هذه الآية. قوله تعالى: { وما كفر ~~سليمن } أي بالسحر؛ فإن السحر كفر { ولكن ~~الشيطين كفروا }. # قرأ أهل الكوفة إلا عاصما؛ وأهل الشام بتخفيف النون ورفع الشياطين؛ ~~وكذلك في الأنفال: # ولكن الله قتلهم # [الأنفال: 17] # ولكن الله رمى # [الأنفال: 17]. وقرأ الباقون بالتشديد ونصب ما بعده. # قوله تعالى: { يعلمون الناس السحر }؛ قال بعضهم: ~~السحر: العلم والحذق بالشيء؛ قال الله تعالى: # وقالوا يأيه الساحر # [الزخرف: 49] أي العالم. وقال بعضهم: هو التمويه بالشيء حتى ~~يتوهم أنه شيء ولا حقيقة له كالسراب عند من رآه، قال الله ~~تعالى: # يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى # [طه: 66]. # قوله تعالى: { ومآ أنزل على الملكين ببابل } ، ~~محل (ما) نصب بإيقاع التعليم عليه، معناه: ويعلمون الذي أنزل ~~على الملكين. ويجوز أن يكون نصبا بالاتباع؛ أي واتبعوا ما أنزل على ~~الملكين. قرأ ابن عباس والحسن والضحاك ويحيى وابن كثير: بكسر اللام ~~من (الملكين) وقال: هما رجلان ساحران كانا ببابل؛ لأن الملائكة ~~لا يعلمون الناس السحر. # قوله تعالى: { ببابل }؛ هي بابل العراق. قوله ~~تعالى: { هروت ومروت } اسمان سريانيان؛ وهما في محل ~~الخفض على تفسير الملكين بدلا منهما، إلا أنهما فتحا لعجمتهما ~~ومعرفتهما. وكانت قصتهما على ما حكاه ابن عباس والمفسرون: أن ~~الملائكة رأوا ما يصعد إلى السماء من أعمال بني آدم الخبيثة وذنوبهم ~~الكثيرة وذلك زمن إدريس عليه السلام، فعيروهم بذلك؛ وقالوا: هؤلاء ~~الذين جعلتهم في الأرض واخترتهم؛ فهم يعصونك! فقال الله تعالى: ~~لو أنزلتكم إلى الأرض وركبت فيكم ما ركبت فيهم لارتكبتم ما ~~ارتكبوا. ms0077 فقالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نعصيك. قال الله تعالى: ~~فاختاروا ملكين من خياركم؛ أهبطهما إلى الأرض. فاختاروا ~~هاروت وماروت؛ وكانا من أعبد الملائكة وأصلحهم. فركب الله ~~فيهما الشهوة وأهبطهما إلى الأرض؛ وأمرهما أن يحكما بين الناس ~~بالحق؛ ونهاهما عن الشرك والقتل بغير حق والزنا وشرب الخمر، فكانا ~~يقضيان بين الناس يومهما، فإذا أمسيا ذكرا اسم الله الأعظم، وصعد ~~به إلى السماء. # قال قتادة: فما مر عليهما شهر حتى افتتنا، وذلك أنه اختصم إليهما ~~ذات يوم الزهرة؛ وكانت من أجمل النساء، وكانت من أهل فارس، ~~ملكة في بلدها. فلما رأياها أخذت بقلوبهما فراوداها عن نفسها فأبت ~~وانصرفت؛ ثم عادت في اليوم الثاني ففعلا مثل ذلك، فأبت وقالت: ~~لا؛ إلا أن تعبدوا ما أعبد وتصليا لهذا الصنم؛ وتقتلا النفس؛ ~~وتشربا الخمر. فقالا: لا سبيل إلى هذا، فإن الله تعالى نهانا عنها؛ ~~فانصرفت. ثم عادت في اليوم الثالث ومعها قدح من الخمر وفي أنفسهما ~~من الميل إليها ما فيها، فراوداها عن نفسها؛ فعرضت عليهما ما ~~قالت بالأمس فقالا: الصلاة لغير الله عظيم؛ وقتل النفس عزيز وأهون ~~الثلاثة شرب الخمر؛ فشربا فانتشيا ووقعا بالمرأة وزنيا، ~~فلما فرغا رآهما إنسان فقتلاه. # قال الربيع بن أنس: وسجدا للصنم. فمسخ الله عز وجل ~~الزهرة كوكبا. # وقال السدي والكلبي: إنهما لما قالت لهما: لن تدركاني حتى ~~تخبراني بالذي تصعدان به إلى السماء؟ فقالا: بالاسم الأكبر. فقالت: ~~ما أنتما مدركاني حتى تعلمانيه؟ قال أحدهما للآخر: علمها؟! ~~قال: إني أخاف الله. قال الآخر: فأين رحمة الله؟ فعلماها ذلك فتكلمت ~~به وصعدت إلى السماء؛ فمسخها الله كوكبا. فعلى قول هؤلاء: هي الزهرة ~~بعينها، وقيدوها فقالوا: هي الكوكب الأحمر. # يدل على صحة هذا القول ما روي عن علي رضي الله عنه قال: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى سهيلا قال: لعن ~~الله سهيلا إنه كان عشارا باليمن، وإذا رأى ~~الزهرة قال: لعن الله الزهرة، فإنها فتنت ~~ملكين " # وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا رأى الزهرة قال: (لا ms0078 مرحبا ~~ولا أهلا). وعن ابن عباس: أن المرأة التي فتنت هاروت وماروت ~~مسخت، فهي هذا الكوكب الحمراء. يعني الزهرة. # وأنكر الآخرون هذا؛ وقالوا: إن الزهرة من الكواكب السبعة السيارة التي ~~أقسم الله تعالى بها؛ فقال: # فلا أقسم بالخنس # [التكوير: 15] وإنما المرأة التي فتنت هاروت وماروت كان اسمها ~~زهرة من جمالها؛ فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم الزهرة ~~ذكر هذه المرأة لموافقة الاسمين؛ فلعنها. وكذلك سهيل كان رجلا ~~عشارا باليمن فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النجم ذكره؛ ~~فلعنه؛ والله تعالى أعلم. # قال المفسرون: فلما أمسى هاروت وماروت بعدما أصابا الذنب هما ~~بالصعود إلى السماء فلم تطاوعهما أجنحتهما، فعلما ما حل ~~بهما، فقصدا إدريس النبي صلى الله عليه وسلم فأخبراه بأمرهما ~~وأمراه أن يشفع لهما؛ وقالا: إنا رأيناك يصعد لك من العبادة مثل ~~ما يصعد لجميع أهل الأرض، فاشفع لنا إلى ربك؟ ففعل إدريس؛ ~~فخيرهما الله تعالى بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب ~~الدنيا؛ إذ علما أنه ينقطع، فهما ببابل يعذبان. # واختلف العلماء في عذابهما؛ فقال ابن مسعود: (هما معلقان ~~بشعورهما إلى يوم القيامة). وقال قتادة: (كبلا من ~~أقدامهما إلى أصول أفخاذهما). وقال مجاهد: (أن جبا ~~مليت نارا فجعلا فيها). وقيل: معلقان منكسان ~~بالسلاسل. وقيل: منكوسان يضربان بسياط الحديد. # وروي أن رجلا أراد تعلم السحر فقصدهما؛ فوجدهما معلقين ~~بأرجلهما؛ مزرقة أعينهما؛ مسودة وجوههما؛ ليس بين ألسنتهما ~~وبين الماء إلا قدر أربع أصابع وهما معذبان بالعطش؛ فلما رأى ذلك ~~هاله مكانهما؛ فقال: لا إله إلا الله. فلما سمعا كلامه، قالا: ~~من أنت؟ قال: رجل من الناس. قالوا: ومن أي أمة؟ قال: من ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم. # قالا: أوقد بعث محمد؟ قال: نعم. قالا: الحمد لله وأظهرا ~~الاستبشار. وقال الرجل: ومم استبشاركما؟ قالا: إنه نبي الساعة، ~~وقد دنا انقضاء عذابنا. # قوله عز وجل: { وما يعلمان من أحد }؛ يعني ~~الملكين؛ و { من } صلة؛ أي لا يعلمان أحدا السحر، { حتى }؛ ~~ينصحاه أولا وينهياه و { يقولا إنما نحن فتنة ms0079 } ، ~~ومحنة؛ { فلا تكفر } ، بتعلم السحر. يقولان له ذلك سبع ~~مرات. قال السدي وعطاء: (فإن أبى إلا التعلم! قالا له: ~~ائت هذه الرماد فبل عليه؛ فإذا بال عليه خرج ~~منه نور يسطع في السماء؛ فتلك المعرفة. ~~وينزل شيء أسود حتى يدخل مسامعه يشبه ~~الدخان؛ وذلك غضب الله). # وقوله عز وجل: { إنما نحن فتنة } { إنما } ~~وحدها لأنها مصدر؛ والمصدر لا يثنى ولا يجمع مثل قوله: # وعلى سمعهم # [البقرة: 7]. وفي مصحف أبي: (وما يعلم الملكان من ~~أحد). وتعلم السحر لا يكون إثما؛ كمن يقول لرجل: علمني ما ~~الزنا، وما السرقة؟ فيقول: هو كذا وكذا؛ ولكنه حرام فلا تفعله. ~~وهما كانا لا يصفان السحر لأحد حتى يقولا: إنما نحن اختبار ~~وابتلاء للناس؛ فلا تكفر أيها المتعلم؛ أي لا تتعلم للعمل به. # وعن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: قدمت علي امرأة من أهل ~~دومة الجندل تبغي رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته ~~لتسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به، فلما لم ~~تجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بكت حتى رحمتها، وقالت: إني ~~أخاف أن أكون قد هلكت؛ كان لي زوج فغاب عني، فدخلت على عجوز فشكوت ~~ذلك إليها، فقالت: إن فعلت ما آمرك فأجعله يأتيك. فلما كان الليل ~~جاءتني بكلبين أسودين فركبت أحدهما وركبت الآخر، فلم يكن كثيرا حتى ~~وقفنا ببابل، فإذا برجلين معلقين بأرجلهما، فقالا: ما جاء بكن؟ ~~قلت: لنتعلم السحر، فقالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري وارجعي، ~~فقلت: لا، قالا: إذهبي إلى ذلك التنور؛ فبولي فيه. فذهبت ففزعت ولم ~~أفعل فجئت إليهما، فقالا لي: فعلت؟ فقلت: نعم، فقالا: هل رأيت شيئا؟ ~~قلت: لا، قالا: كذبت، إنك لم تفعلي، ارجعي إلى بلادك، إنما نحن ~~فتنة فلا تكفري. فأبيت، قالا: إذهبي إلى تلك التنور فبولي فيه، ~~فذهبت فاقشعر جلدي فرجعت إليهما، فقلت: قد فعلت: قالا: هل رأيت ~~شيئا؟ قلت: لا، قالا: كذبت، لم تفعلي ارجعي إلى بلادك فلا تكفري. ~~فأبيت. قالا: إذهبي إلى تلك التنور فبولي فيه، فذهبت ms0080 فبلت فيه، ~~فرأيت فارسا مقنعا بحديد خرج مني حتى ذهب في السماء وغاب عني ~~حتى لم أره، فجئتهما، فقلت: قد فعلت، فقالا لي: ما رأيت؟ قلت: رأيت ~~فارسا مقنعا بالحديد، خرج مني فذهب في السماء حتى غاب، قالا: ~~صدقت، ذاك إيمانك خرج منك، إذهبي. فلما رأيت أني لا أريد شيئا إلا ~~كان سقط في يدي وندمت والله يا أم المؤمنين، ما فعلت شيئا قط ~~ولآ أفعله أبدا. # قوله تعالى: { فيتعلمون منهما ما يفرقون به ~~بين المرء وزوجه } ، قيل: معناه: فيعمل به السامع؛ فيكفر ~~بالعمل؛ فتقع الفرقة بينه وبين زوجته بالردة، إذا كانت مسلمة. ~~وقيل: معناه: يسعى بينهما بالنميمة والإغراء والإفشاء وتمويه ~~الباطل لكي يبغض كل واحد منهما صاحبه فيفارقه. # قرأ الحسن (بين المر) بالتشديد. وقرأ الزهري: بضم الميم ~~والهمزة. وقرأ الباقون بفتح الميم والهمزة. { وما هم بضآرين ~~به }؛ أي بالسحر، { من أحد }؛ أي أحدا؛ وقوله: { إلا ~~بإذن الله }؛ أي بعلمه وقضائه ومشيئته. # قوله تعالى: { ويتعلمون ما يضرهم ولا ~~ينفعهم }؛ أي يضرهم في الآخرة ولا ينفعهم في الدنيا. وقيل: ~~معناه: يضرهم ولا ينفعهم كلاهما في الآخرة؛ لأن السحر كان ينفعهم ~~في دنياهم، لأنهم يكتسبون به. # قوله تعالى: { ولقد علموا }؛ أي علمت اليهود، { ~~لمن اشتراه }؛ أي لمن اختار السحر والكفر على الإيمان، { ~~ما له في الآخرة من خلق }؛ أي من نصيب. وقال الحسن: ~~(من دين ولا وجه عند الله). وقال ابن عباس: (من ~~قوام). # وقيل: من خلاص. قال أمية: يدعون بالويل فيها؛ لا خلاق لهم إلا ~~السرابيل من قطر وأغلال؛ أي لا خلاص لهم. # قوله تعالى: { ولبئس ما شروا به أنفسهم }؛ أي ~~باعو به أنفسهم؛ حيث اختاروا السحر والكفر على الدين والحق. وقيل: ~~لبئس ما باع المستعملون السحر به أنفسهم بعقوبة الآخرة، { لو ~~كانوا يعلمون }. # وذهب جماعة إلى أن قوله: { مآ أنزل على الملكين } عطف ~~على { وما كفر سليمان } في معنى النفي، كأنه قال: لم ينزل ~~على الملكين ولكن الشياطين هاروت وماروت وأتباعهما يعلمان الناس ~~السحر. والغرض من هذه الآية أن بهت ms0081 اليهود وكذبهم؛ حملهم على أخذ ~~السحر من الشياطين، وادعوا أنهم أخذوه من سليمان، وأن ذلك اسم ~~الله الأعظم ليكتسبوا به. ### || [2.103] # قوله تعالى: { ولو أنهم آمنوا واتقوا }؛ أي لو أن ~~اليهود آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن واتقوا اليهودية ~~والسحر، { لمثوبة من عند الله خير }؛ أي لكان ثواب ~~الله خيرا لهم من كسبهم بالكفر والسحر. { لو كانوا يعلمون ~~}. ### || [2.104] # قوله تعالى: { ياأيها الذين آمنوا لا تقولوا ~~راعنا }؛ وذلك أن المسلمين كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: راعنا يا رسول الله، وارعنا سمعك، يعنون من المراعاة؛ وكانت ~~هذه اللفظة شيئا قبيحا باليهودية. قيل: معناها عندهم اسمع لا ~~سمعت؛ فلما سمعها اليهود اغتنموها؛ وقالوا فيما بينهم: كنا ~~نسب محمدا سرا فأعلنوا له الآن بالشتم، وكانوا يأتونه ~~ويقولون: راعنا يا محمد؛ ويضحكون فيما بينهم. فسمعها سعد بن معاذ رضي ~~الله عنه ففطن لها؛ وكان يعرف لغتهم، فقال لليهود: عليكم لعنة ~~الله، والذي نفسي بيده يا معشر اليهود لئن نسمعها من رجل منكم ~~يقولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأضربن عنقه. قالوا: ~~أولستم تقولونها؟! فأنزل الله هذه الآية: { يا أيها ~~الذين آمنوا لا تقولوا راعنا } لكيلا تجد اليهود سبيلا ~~إلى سب رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وقيل معناها: { ياأيها الذين آمنوا لا تقولوا } ~~للنبي صلى الله عليه وسلم { راعنا } أي اسمع إلينا نستمع ~~إليك. وقيل: إن اليهود قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~إسمع إلى كلامنا حتى نسمع إلى كلامك؛ فنهى الله عنه؛ إذ لا ~~يجوز لأحد أن يخاطب أحدا من الأنبياء إلا على وجه التوقير ~~والإعظام. # قوله تعالى: { وقولوا انظرنا }؛ يحتمل أن يكون من ~~النظر الذي هو الرؤية، ويحتمل أن يكون انظرنا حتى تبين لنا ما ~~تعلمنا. وقال مجاهد: (معناه فهمنا) وقال بعضهم: معناه بين ~~لنا. وقوله تعالى: { واسمعوا }؛ أي اسمعوا ما تؤمرون به. ~~والمراد أطيعوا. وقوله تعالى: { وللكافرين عذاب أليم ~~}؛ تفسيره قد تقدم. ### || [2.105] # قوله تعالى: { ما يود الذين كفروا من أهل ~~الكتاب ولا المشركين أن ينزل ms0082 عليكم من خير ~~}؛ أي ما يتمنى الذين كفروا من يهود المدينة ونصارى نجران ولا مشركي ~~العرب عبدة الأوثان أن ينزل عليكم أيها المؤمنون من خير، { من ~~ربكم } ، من الوحي وشرائع الإسلام. قوله تعالى: { ولا ~~المشركين } مجرور في اللفظ بالنسق على (من)، مرفوع في المعنى ~~بفعله، كقوله: # وما من دآبة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه # [الأنعام: 38]. قوله تعالى: { من خير من ربكم } أي خير ~~كما تقول: ما أتاني من أحد، ف (من) فيه وفي إخوانه صلة، وهي كثيرة ~~في القرآن. # قوله تعالى: { والله يختص برحمته من يشآء }؛ ~~أي يختار برحمته للنبوة والإسلام من يشاء، ويختص بها محمد صلى ~~الله عليه وسلم. والاختصاص آكد من الخصوص؛ لأن الاختصاص لنفسك؛ ~~والخصوص لغيرك، { والله ذو الفضل العظيم }؛ على من ~~اختصه بالنبوة والإسلام. ### || [2.106] # قوله عز وجل: { ما ننسخ من آية أو ننسها }؛ قيل: ~~سبب نزول هذه الآية: أن اليهود كانوا يقولون حين حولت القبلة إلى ~~الكعبة: إن كان الأول حقا فقد رجعتم، وإن كان الثاني حقا فقد ~~كنتم على الباطل. وقيل: سببه: أن اليهود كانوا ينكرون نسخ ~~الشرائع؛ ويقولون: إن النسخ سبب الندامة، ولا يجوز ذلك على الله. ~~فنزلت هذه الآية ردا عليهم وبين أنه يدبر الأمر كيف يشاء. # ومعناه: ما نبدل من آية أو نتركها غير منسوخة نأت بخير من ~~المنسوخة؛ أي أكثر في الثواب. وقيل: ألين، وأسهل على الناس؛ أو ~~مثلها في المصلحة والثواب. قيل: إن قوله: { نأت بخير منها } ~~، مثل الأمر بالقتال؛ فرض الله في القتال أول ما فرض في الجهاد بأن ~~يكون كل مسلم بدل عشرة من الكفار، وكان لا يحل له أن يفر من ~~عشرة كما قال تعالى: # إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين # [الأنفال: 65] ثم نسخ بقوله: # الآن خفف الله عنكم # [الأنفال: 66] الآية. ولم يقل أحد إن بعض آيات القرآن خير من بعض في ~~التلاوة والنظم؛ إذ جميعه معجز. # وأما قوله تعالى: { أو مثلها }؛ فهو مثل آية القبلة جعل ~~الله ثواب الصلاة إلى الكعبة بعد النسخ ms0083 مثل ثواب الصلاة إلى بيت ~~المقدس قبل النسخ. وروي أن المشركين: قالوا: ألا ترون إلى محمد ~~يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه، ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم ~~قولا ويرجع عنه غدا، ما هذا القرآن إلا كلام محمد يقوله من ~~تلقاء نفسه، وهو كلام يناقض بعضه بعضا. فأنزل الله تعالى: # وإذا بدلنآ آية مكان آية والله أعلم بما ~~ينزل قالوا إنمآ أنت مفتر بل أكثرهم لا ~~يعلمون # [النحل: 101]. وأنزل أيضا: { ما ننسخ من آية أو ننسها ~~نأت بخير منها أو مثلها }. # قوله تعالى: { ما ننسخ } قرأ ابن عامر (ننسخ) بضم النون ~~وكسر السين، ومعناه على هذه القراءة نجعله نسخة من قولك: نسخت الكتاب؛ ~~إذا كتبته. وقرأ الباقون: (ننسخ) بفتح النون والسين. # وقوله { أو ننسها } قراءة سعيد بن المسيب وشيبة ونافع وابن عامر ~~وعاصم وحمزة والكسائي (ننسيها) بضم النون وكسر السين، ومعناه: نأمره ~~بتركها. وقرأ أبي ابن كعب (أو ننسك). وقرأ عبدالله (ما ننسك ~~من آية أو ننسخها). وقرأ سالم مولى حذيفة: (أو ~~ننسكها). وقرأ أبو حاتم: (أو ننسها) بالتشديد. وقرأ الضحاك: ~~(أو تنسها) بضم التاء وفتح السين. وقرأ سعد بن أبي وقاص: (أو ~~تنساها) بتاء مفتوحة. وعن القاسم بن ربيعة قال: سمعت سعد ~~بن أبي وقاص يقرأ (أو تنسها)، فقلت: إن سعيد ~~ابن المسيب يقرأ (أو تنساها) فقال: (إن القرآن ~~لم ينزل على آل المسيب. قال الله تعالى: لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم: # سنقرئك فلا تنسى # [الأعلى: 6] # واذكر ربك إذا نسيت # [الكهف: 24]). # وقرأ عمر بن الخطاب وابن عباس وعطاء وابن كثير وأبو عمرو والنخعي: (أو ~~ننسأها) بفتح النون الأولى وفتح السين وبعدها همزة مهموزة، ~~ومعناها: نتركها، يقال: نسيت الشيء؛ إذا تركته، ومنه قوله ~~تعالى: # نسوا الله فنسيهم # [التوبة: 67] أي فتركهم. وقيل: معناه نؤخرها فلا نبدلها ولا ~~ننسخها، يقال: نسأ الله في أجله؛ وأنسأ الله في أجله، ومنه ~~النسيئة في البيع. # قوله تعالى: { نأت بخير منها } أي بما هو أسهل ~~وأنفع وأكثر أجرا، لا أن آية خير من آية؛ لأن كلام الله واحد، ms0084 وكله ~~خير. { أو مثلها } يعني في المنفعة والثواب. قوله تعالى: { ~~ألم تعلم أن الله على كل شيء قدير }؛ أي من ~~النسخ والتبديل. قال الزجاج: (لفظه استفهام، ومعناه التوقيف ~~والتقرير). ### || [2.107] # قوله تعالى: { ألم تعلم أن الله له ملك ~~السموت والأرض }؛ أي ألم تعلم يا محمد أن له ملك ~~السماوات والأرض ومن فيهن، وأنه أعلم بوجوه الصلاح فيما يتعبده من ~~ناسخ ومنسوخ ومتروك وغير متروك. ويجوز أن يكون هذا الخطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم والمراد به غيره. كقوله تعالى: # يأيها النبي إذا طلقتم النسآء فطلقوهن # [الطلاق: 1]. # وقوله تعالى: { وما لكم من دون الله من ولي ~~ولا نصير } ، ويجوز أن يكون تطييبا لنفوس المؤمنين، وبيانا أنه ~~وليهم وناصرهم، وأنهم بنصره إياهم يغلبون من سواهم، ويجوز أن يكون ~~وعيدا لمن لا يؤمن بالناسخ والمنسوخ، أي ليس لكم قرائب تنفعكم ولا ~~مانع يمنعكم من عذاب الله. ### || [2.108] # قوله تعالى: { أم تريدون أن تسألوا رسولكم ~~كما سئل موسى من قبل }؛ قال ابن عباس: (نزلت في ~~عبدالله بن أبي أمية المخزومي وفي رهط من ~~قريش أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا محمد ~~إجعل لنا الصفا ذهبا ووسع لنا أرض مكة، ~~وفجر الأنهار خلالها تفجيرا، ونحن نؤمن بك. ~~وقالوا أيضا: # وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ~~ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا # [الإسراء: 90-91] فأنزل الله هذه الآية). ومعناها: أتريدون، ~~والميم صلة. وقيل: معناها: بل؛ وسألوا رؤية الله كما سألها السبعون ~~رجلا من بني إسرائيل موسى. وقوله: { رسولكم } بمعنى محمد صلى ~~الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { ومن يتبدل الكفر بالإيمان }؛ أي ~~من يختار الكفر على الإيمان ويستبدله به، { فقد ضل سوآء ~~السبيل }؛ أي أخطأ قصد الطريق. ### || [2.109] # قوله تعالى: { ود كثير من أهل الكتاب لو ~~يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا } ، أنزلت في ~~نفر من اليهود؛ قالوا لحذيفة بن اليمان وعمار ابن ياسر بعد وقعة ~~أحد: ألم تروا ما أصابكم؟ ولو كنتم على الحق ما ms0085 ~~هزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم ~~وأفضل، ونحن أهدى منكم سبيلا، فقال لهم عمار: ~~(كيف نقض العهد فيكم؟) قالوا: شديد. قال: ~~(فإني عهدت أن لا أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم ما ~~عشت) فقالت اليهود: أما هذا فقد صبأ. وقال حذيفة: ~~(وأما أنا فقد رضيت بالله ربا وبمحمد نبيا ~~وبالاسلام دينا وبالقرآن إماما وبالكعبة قبلة ~~وبالمؤمنين إخوانا). ثم أتيا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأخبراه بذلك فقال: [أصبتما الخير ~~وأفلحتما] فأنزل الله تعالى { ود كثير من أهل ~~الكتاب لو يردونكم } يا معشر المؤمنين { من بعد ~~إيمانكم كفارا } ونصب كفارا بالرد. وقيل: بالحال. ~~وقوله تعالى: { حسدا } أي حسدا لكم لتشريف الله إياكم ~~عليهم بوضع النبوة فيكم بعد ما كان في بني إسرائيل. وانتصب { ~~حسدا } على المصدر؛ أي يحسدونكم حسدا. وقيل: بنزع الخافض. ~~تقديره: للحسد. # قوله تعالى: { من عند أنفسهم } ، راجع إلى { ود ~~كثير من أهل الكتاب } لا إلى قوله { حسدا } لأن حسد ~~الإنسان لا يكون إلا من قبله؛ فكأنه تعالى بين أن مودتهم ~~ردكم إلى الكفر؛ لا لأن دينهم يأمرهم ذلك، ولكن ذلك من عند ~~أنفسهم، { من بعد ما تبين لهم الحق } ، في التوراة ~~وسائر الكتب: أن محمدا صلى الله عليه وسلم صدق، وأن دينه حق. ~~وقيل: معنى { من عند أنفسهم } أي لم يأمرهم الله بذلك. # قوله تعالى: { فاعفوا واصفحوا }؛ أي اتركوهم وأعرضوا ~~عنهم، { حتى يأتي الله بأمره }؛ أي حتى يأذن الله ~~عز وجل لكم في مقاتلتهم وسبيهم وينصركم عليهم. وقد ~~جاء الله تعالى بأمره حين استقرت آيات النبي صلى الله عليه ~~وسلم ومعجزاته ولم يؤمنوا؛ أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقتالهم بقوله: # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر.. # [التوبة: 29] الآية، إلى قوله: # وهم صاغرون # [التوبة: 29] وغير ذلك من الآيات، فقتلوا بني قريظة؛ وأجلوا بني ~~النضير. وقيل: معناه { حتى يأتي الله بأمره }: قيام ~~الساعة ويجازيهم بأعمالهم. { إن الله على كل شيء ~~قدير }. ### || [2.110] # قوله تعالى: { وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } ، ~~لما أمر الله تعالى بالصفح عن ms0086 اليهود، علم أن ذلك يشق على ~~المسلمين، فأمرهم الله بالاستعانة على ذلك بالصلاة والزكاة كما قال ~~الله تعالى: # واستعينوا بالصبر والصلوة # [البقرة: 45]. # قوله تعالى: { وما تقدموا لأنفسكم من خير ~~تجدوه عند الله }؛ يعني من طاعة وعمل صالح تجدوا ثوابه ~~ونفعه عند الله. وقيل: أراد بالخير المال، كقوله تعالى: # إن ترك خيرا # [البقرة: 180] ومعناه: وما تقدموا لأنفسكم من زكاة وصدقة الثمرة ~~واللقمة تجدوه عند الله مثل أحد. { إن الله بما ~~تعملون بصير } ، وفي الحديث: # " إذا مات العبد قال الناس: ما خلف؟ وقال ~~الملائكة: ما قدم؟ ". # روي أن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه دخل المقابر، ~~فقال: (السلام عليكم يا أهل القبور، أموالكم ~~قسمت؛ ودياركم سكنت؛ ونسائكم نكحت، فهذا ~~خبر ما عندنا، فما خبر ما عندكم؟) فهتف به هاتف: ~~وعليكم السلام، ما أكلنا ربحنا؛ وما قدمنا وجدنا، وما خلفنا ~~خسرنا. ### || [2.111-112] # قوله تعالى: { وقالوا لن يدخل الجنة إلا من ~~كان هودا أو نصارى } ، قال الفراء وأراد يهودا فحذفت ~~الياء الزائدة. قال الأخفش: (الهود جمع هاد؛ مثل عائد ~~وعود، وحائل وحول). وفي مصحف أبي: (إلا من كان ~~يهوديا أو نصرانيا). # ومعنى الآية: قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا ولا ~~دين إلا اليهودية. وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان ~~نصرانيا، ولا دين إلا النصرانية. فأنزل الله تعالى: { تلك ~~أمانيهم } ، يجوز أن تكون { تلك } كناية عن الجنة؛ ويجوز أن ~~تكون المقالة. وأمانيهم: أباطيلهم بلغة قريش، وقيل: شهواتهم التي ~~تمنوها على الله بغير الحق. { قل }؛ لهم يا محمد: { ~~هاتوا برهانكم }؛ أي حجتكم على ذلك من التوراة والانجيل، { ~~إن كنتم صادقين }. # ثم قال الله تعالى ردا عليهم وتكذيبا لهم: { بلى }؛ أي ليس كما ~~قالوا، بل يدخل الجنة، { من أسلم وجهه لله }؛ أي من ~~أخلص دينه لله. وقيل: من فوض أمره إلى الله. وقيل: من خضع ~~وتواضع لله. وأصل الإسلام: الاستسلام: وهو الخضوع ~~والانقياد. وإنما خص الوجه؛ لأنه إذا جاد بوجهه في السجود ~~لم يبخل بسائر جوارحه. # وقوله تعالى: { وهو محسن } أي ms0087 محسن في عمله، وقيل: ~~معناه: وهو مؤمن مخلص، { فله أجره عند ربه ولا خوف ~~عليهم }؛ أي فيما يستقبلهم من أهوال القيامة، { ولا هم ~~يحزنون }؛ على ما خلفوا في الدنيا؛ لأنهم يتيقنون بثوابهم عند ~~الله. ### || [2.113] # قوله تعالى: { وقالت اليهود ليست النصارى ~~على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء ~~}. قال ابن عباس: (صدق كل واحد من الفريقين، ولو ~~حلف على ذلك أحد ما حنث، وليس أحد من ~~الفريقين على شيء). قوله تعالى: { وهم يتلون ~~الكتاب }؛ أي وكلا الفريقين يقرأون كتاب الله، ولو رجعوا إلى ما ~~معهم من الكتاب لما اختلفوا. # قوله تعالى: { كذلك قال الذين لا يعلمون مثل ~~قولهم }؛ أي للذين ليسوا من أهل الكتاب؛ نحو المجوس ومشركي ~~العرب. يقولون أيضا: لن يدخل الجنة إلا من كان على ديننا. وقيل: ~~أراد بالذين لا يعلمون آباءهم الذين مضوا. وقال مقاتل: (هم ~~مشركو العرب؛ قالوا في محمد صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه: ليسوا على شيء من الدين). وقال ابن جريج: ~~(قلت لعطاء: كيف قال الذين لا يعلمون؟ من هم؟ ~~قال: أمم كانت قبل اليهود والنصارى) مثل قوم ~~نوح؛ وقوم هود؛ وصالح؛ ولوط؛ وشعيب؛ ونحوهم. ~~قالوا في أنبيائهم: ليسوا على شيء، وإن الدين ~~ديننا. # قوله تعالى: { فالله يحكم بينهم يوم ~~القيامة }؛ أي يقضي بين اليهود والنصارى والمشركين يوم القيامة؛ ~~أي يريهم من يدخل الجنة عيانا؛ ومن يدخل النار عيانا. قوله ~~تعالى: { فيما كانوا فيه يختلفون }؛ يعني من الدين. ### || [2.114] # قوله تعالى: { ومن أظلم ممن منع مساجد ~~الله أن يذكر فيها اسمه }؛ نزلت هذه الآية في ططوس بن ~~استيسيانوس الرومي وأصحابه؛ وذلك أنهم غزوا بني إسرائيل فقتلوا ~~مقاتليهم؛ وسبوا ذراريهم؛ وحرقوا التوراة؛ وخربوا بيت المقدس ~~وألقوا فيه الجيف؛ وذبحوا فيه الخنازير، وكان خرابا إلى أن ~~بناه المسلمون في أيام عمر رضي الله عنه. ولم يدخل بيت المقدس بعد ~~عمارتها رومي إلا خائفا مستخفيا لو علم به لقتل. # وقال قتادة والسدي: (نزلت في بختنصر وأصحابه غزوا ~~اليهود وخربوا بيت المقدس وأعانهم على ذلك ~~ططوس الرومي ms0088 وأصحابه النصارى من أهل الروم؛ وذلك ~~لبغضهم اليهود). إلا أن هذا يشبه الغلط، والأول ~~أظهر؛ لأنه لا خلاف أن بختنصر قبل مولد عيسى عليه السلام بدهر ~~طويل، والنصارى إنما ينتمون إلى عيسى عليه السلام، فكيف يكونون مع ~~بختنصر؟! # ومعنى الآية: { ومن أظلم } أي ومن أكفر عتيا { ممن ~~منع مساجد الله } يعني بيت المقدس ومحاريبه. وقوله: { ~~أن يذكر } موضع { أن } نصب على أنه مفعول ثان؛ لأن المنع يتعدى ~~إلى مفعولين، وإن شئت جعلته نصبا بنزع الخافض؛ أي بأن يذكر. # وقوله تعالى: { وسعى في خرابهآ أولئك ما كان ~~لهم أن يدخلوهآ إلا خآئفين }؛ وقال قتادة ومقاتل: (لم ~~يدخل بيت المقدس أحد من النصارى إلا متنكرا ~~مسارقة لو قدر عليه عوقب ونهك ضربا). قال ~~السدي: (اختفوا بالجزية). وقال أهل المعاني: هذا خبر فيه ~~معنى الأمر، يقول: أجهضوهم بالجهاد لئلا يدخلها أحد منهم إلا ~~خائفا من القتل والسبي. # قوله تعالى: { لهم في الدنيا خزي }؛ أي عذاب وهوان؛ وهو ~~القتل والسبي إن كانوا حربا، والجزية إن لم يكونوا حربا. قوله تعالى: { ~~ولهم في الآخرة عذاب عظيم }؛ وهو النار. قال عطاء: ~~(نزلت هذه الآية في مشركي مكة). # وأرادوا بالمساجد: المسجد الحرام؛ منعوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم والمسلمين عن ذكر الله فيه وصدوهم عنه عام الحديبية، فعلى هذا ~~سعيهم في خرابها هو المنع عن ذكر الله فيها؛ لأن عمارة المساجد ~~بإقامة العبادات فيها. # وقوله تعالى: { أولئك ما كان لهم أن يدخلوهآ إلا ~~خآئفين } يعني أهل مكة، يقول الله: أفتحها عليكم حتى يدخلوها، ~~ويكونوا أولى بها منهم، ففتحها الله عليهم، وأمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مناديا ينادي: # " ألا لا يحجن بعد هذا العام مشرك؛ ولا ~~يطوفن بالبيت عريان " # فمنعوا منها، فهذا خوفهم. { لهم في الدنيا خزي } أي ذل ~~وقتل ونفي { ولهم في الآخرة عذاب عظيم }. # وقيل: المراد بالآية: جميع الكفار الذين منعوا المسلمين من ~~المساجد. وكل موضع يتعبد فيه فهو مسجد، قال عليه الصلاة ~~والسلام: # " جعلت لي الأرض مسجدا " # فعلى هذا تقدير { ومن أظلم } الآية ms0089 ممن خالف ملة ~~الإسلام؛ { أولئك ما كان لهم أن يدخلوهآ إلا ~~خآئفين }؛ أي يظهر الإسلام على جميع الأديان، ولا يدخل الكفار ~~المساجد إلا خائفين بعد أن كانوا لا يتركوا المسلمين أن يدخلوا مساجدهم. ### || [2.115] # قوله عز وجل: { ولله المشرق والمغرب }؛ قيل: ~~معناه لا يمنعكم تخريب من خرب مساجد الله أن تذكروه حيث كنتم من ~~أرضه. وقال ابن عباس: (نزلت هذه الآية في نفر من ~~الصحابة رضي الله تعالى عنهم في سفر قبل ~~تحويل القبلة إلى الكعبة، فأصابهم الضباب، ~~وحضرت الصلاة، فتحروا القبلة فصلوا؛ فمنهم ~~من صلى قبل المشرق؛ ومنهم من صلى قبل ~~المغرب. فلما ذهب الضباب استنار لهم أنهم لم ~~يصيبوا، فلما قدموا؛ سألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن ذلك، فنزلت هذه الآية). وقال عبدالله بن عامر: ~~[كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة سوداء ~~مظلمة؛ فنزلنا منزلا، فجعل الرجل يأخذ ~~الأحجار فيعمل مسجدا فيصلي فيه، فلما ~~أصبحنا إذا نحن قد صلينا إلى غير القبلة، ~~فأنزل الله هذه الآية). # وقال عبدالله بن عمر: نزلت في صلاة المسافر يصلي ~~حيثما توجهت به راحلته تطوعا؛ # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته ~~في السفر أينما توجهت به " # وقال عكرمة: (نزلت في تحويل القبلة إلى الكعبة ~~لما صلى إليها المسلمون بعدما كانت قبلتهم ~~بيت المقدس، قالت اليهود: يصلون مرة هكذا، ~~ومرة يصلون هكذا! فأنزل الله هذه الآية). # فإن قيل: لم قال: { المشرق والمغرب } على التوحيد وله ~~المشارق والمغارب؟ قيل: لأنه أخرجه مخرج الجنس كما يقال: أهلك الله ~~الدينار والدرهم. # قوله تعالى: { فأينما تولوا فثم وجه الله }؛ ~~أي رضى الله كقوله تعالى: # إنما نطعمكم لوجه الله # [الإنسان: 9] أي لرضاه. وقيل: معناه { فثم وجه الله } أي ~~علمه محيط بهم. وقيل: معناه: فأينما تولوا وجوهكم أيها ~~المؤمنون في سفركم وحضركم فثم قبلة الله التي وجهتكم إليها ~~فاستقبلوها؛ يعني الكعبة. # وقال الكلبي: (معناه: فثم وجه الله تعالى يرى ~~ويعلم). والوجه صلة كقوله: # تريدون وجه الله # [الروم: 39] أي تريدونه بالدعاء. ms0090 وقوله: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88] أي إلا هو. وقوله: # ويبقى وجه ربك # [الرحمن: 27] أي يبقى ربك. # قوله تعالى: { إن الله واسع عليم }؛ قال الكلبي: ~~(يعني: واسع المغفرة). وقال أبو عبيدة: (الواسع: ~~الغني). يقال: فلان يعطي من سعته؛ أي من غناه. وقال ~~الفراء: (الواسع: الجواد الذي يسع عطاؤه كل ~~شيء). وقيل: الواسع: الرحيم؛ دليله # ورحمتي وسعت كل شيء # [الأعراف: 156]. وقيل: الواسع: العالم الذي يسع علمه كل شيء. وقال ~~الله تعالى: # وسع كرسيه السموت والأرض # [البقرة: 255]. وقوله { عليم } أي عالم بنياتهم حيثما صلوا ~~ودعوا. ### || [2.116] # قوله تعالى: { وقالوا اتخذ الله ولدا سبحنه ~~}؛ نزلت في يهود المدينة حيث قالوا: عزير ابن الله، وفي نصارى نجران ~~حيث قالوا: المسيح ابن الله، وفي مشركي العرب حيث قالوا: الملائكة بنات ~~الله. وقوله: { سبحنه } تنزيها نزه نفسه. قوله ~~تعالى: { بل له ما في السموت والأرض }؛ عبيد ~~وملك؛ أي من كان مالك السماوات والأرض؛ فإن الأشياء تضاف إليه من ~~جهة الملك. قوله تعالى: { كل له قانتون }؛ أي مطيعون. # وهذا تأويل لا يستغرق الكل، فيكون لفظ عموم أريد به الخصوص. ثم ~~سلكوا في تخصيصه طريقين؛ أحدهما: راجع إلى عزير والمسيح والملائكة، ~~وهذا قول مقاتل. والطريق الثاني: راجع إلى أهل طاعته دون الناس ~~أجمعين، وهذا قول ابن عباس والفراء. وقال بعضهم: هو عام في جميع ~~الخلق. # ثم سلكوا في الكفار طريقين؛ أحدهما: أن ظلالهم تسجد لله ~~وتطيعه؛ وهو قول مجاهد؛ ودليل قوله تعالى: # يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمآئل سجدا ~~لله # [النحل: 48]، وقال تعالى: # وظلالهم # [الرعد: 15]. والثاني: قالوا: هذا في القيامة، قاله السدي؛ ~~وتصديقه قوله تعالى: # وعنت الوجوه للحي القيوم # [طه: 111]. وقال عكرمة ومقاتل: (معنى الآية: كل له ~~مقرون بالعبودية). وقال ابن كيسان: (قائمون ~~بالشهادة، وأصل القنوت القيام). وقيل: مصلون؛ ~~دليله: # أمن هو قانت آنآء اليل # [الزمر: 9]. وقيل: داعون، ويسمى دعاء الوتر: قنوت، الآية يدعو ~~قائما. ### || [2.117] # قوله عز وجل: { بديع السموت والأرض }؛ أي ~~مبتدعهما ومنشؤهما على غير مثال يسبق، { وإذا قضى ~~أمرا }؛ أي إذا أراد شيئا، { فإنما يقول ms0091 له كن ~~فيكون } ، وهذه الآية والتي قبلها جواب # " عن قول جماعة من النصارى ناظروا النبي صلى الله عليه وسلم في ~~أمر عيسى عليه السلام. قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: " هو ~~عبد الله ورسوله " قالوا: هل رأيت من خلق بغير ~~أب؟ " # فأنزل الله هذه الآية وما قبلها جوابا لهم. # ومعناها: إن الله مبتدع السماوات والأرض وخالقهما، وإذا أراد ~~أمرا مثل عيسى بغير أب أو غير ذلك، فإنما يقول له: كن، فيكون ~~كما أراده. والإبداع: إيجاد الأشياء على غير مثال سبق؛ والبديع ~~فعيل بمعنى مفعل، والبديع أشد مبالغة من المبدع. قوله ~~تعالى: { فيكون } من رفعه؛ فمعناه: فهو يكون. ومن ~~نصبه؛ فعلى جواب الأمر بالفاء. فإن قيل: قوله { كن } خطاب ~~للموجود أو للمعدوم، ولا يجوز الأول؛ لأن الشيء الكائن لا يؤمر ~~بالكون، والثاني لا يجوز أيضا؛ لأن المعدوم لا يخاطب؟ قيل: ~~إنما قال ذلك على سبيل المثل، لأن الأشياء لسهولتها عليه وسرعة ~~كونها بأمره بمنزلة ما يقول له كن فيكون. وهذا مثل قوله: # ائتيا طوعا أو كرها # [فصلت: 11] لم يرد بهذا أن السماء والأرض كانتا في موضع فقال ~~لهما: ائتيا، فجاءا من ذلك الموضع، ولكن أراد به تكوينهما، فعلى ~~هذا معنى { كن فيكون } أي يريده فيحدث. ### || [2.118] # قوله تعالى: { وقال الذين لا يعلمون لولا ~~يكلمنا الله }؛ أراد بالذين لا يعلمون يهود المدينة وغيرهم ~~من الكفار، وقيل: النصارى. وقيل: مشركو العرب؛ قالوا: هلا يكلمنا ~~الله عيانا بأنك رسوله. { أو تأتينآ آية }؛ أي علامة ~~دالة على صدقك ونبوتك؛ يعنون قولهم: # لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا # [الإسراء: 90] الآية. # قوله عز وجل: { كذلك قال الذين من قبلهم مثل ~~قولهم }؛ يعني اليهود الذين قالوا لموسى: أرنا الله جهرة. ~~قوله تعالى: { تشابهت قلوبهم }؛ أي قلوب الأولين ~~والآخرين منهم في القسوة والكفر. ويقال: تشابهت قلوب المشركين ~~واليهود والنصارى في القسوة والكفر. قوله تعالى: { قد ~~بينا الآيات لقوم يوقنون } ، أي لمن أيقن وطلب الحق. ~~والآيات مثل بيان نعت النبي صلى الله عليه وسلم وصفته في ms0092 ~~التوراة؛ وانشقاق القمر؛ وإعجاز القرآن وغير ذلك. ### || [2.119] # قوله تعالى: { إنا أرسلناك بالحق }؛ أي أرسلناك ~~يا محمد بالصدق؛ من قولهم: فلان محق في دعواه إذا كان ~~صادقا، دليله قوله تعالى: # ويستنبئونك أحق هو # [يونس: 53] أي صدق. وقال مقاتل: (معناه: لن نرسلك ~~عبثا بغير شيء؛ بل أرسلناك بالحق) دليله قوله ~~تعالى: # وما خلقنا السموت والأرض وما بينهمآ إلا ~~بالحق # [الحجر: 85] وهو ضد الباطل. قال ابن عباس: (بالقرآن) دليله ~~قوله تعالى: # بل كذبوا بالحق لما جآءهم # [ق: 5]. وقال ابن كيسان: (بالإسلام) دليله قوله تعالى: # وقل جآء الحق وزهق الباطل # [الإسراء: 81]. # قوله تعالى: { بشيرا ونذيرا }؛ أي بشيرا للمؤمنين ~~بالثواب، ونذيرا للكافرين بالعقاب. وقوله تعالى: { ولا ~~تسأل عن أصحاب الجحيم }؛ أي لست تسأل في الآخرة عن ~~أصحاب الجحيم، كما قال: # فلا تذهب نفسك عليهم حسرات # [فاطر: 8] وقال: # فإنما عليك البلغ # [آل عمران: 20]. ومن فتح التاء فعلى النهي. وتأويله أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم: # " ليت شعري، ما فعل بأبوي؟ " # فنزلت هذه الآية. # وفيه قراءتان: الجزم على النهي، وهي قراءة نافع وشيبة والأعرج ~~ويعقوب. وقرأ الباقون بالرفع على النفي؛ يعني ولست تسأل عنهم. ~~وقرأ أبي: (وما تسأل). وقرأ ابن مسعود: (ولن تسأل). ~~والجحيم والجحم والجحمة: معظم الدار. ### || [2.120] # قوله تعالى: { ولن ترضى عنك اليهود ولا ~~النصارى حتى تتبع ملتهم }؛ وذلك أنهم كانوا ~~يسألون النبي صلى الله عليه وسلم الهدنة ويطمعونه في أن يتبعوه ~~إن هادنهم، فأنزل الله هذه الآية. وقيل: كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم حريصا على طلب رضاهم طمعا في أن يرجعوا إلى الحق. ~~وقيل: كانوا يطلبون من النبي صلى الله عليه وسلم المسالمة ~~ويطمعونه في أنه إن هادنهم أسلموا؛ فأمر الله النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن لا يطيعهم ما طلبوا من الهدنة، وأخبر أنهم لا ~~يرضون عنه بذلك، وهم يهود أهل المدينة ونصارى نجران. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: ((هذا في القبلة؛ ~~وذلك أن يهود المدينة ونصارى نجران كانوا ~~يرجون أن يصلي النبي صلى الله عليه وسلم ms0093 إلى ~~قبلتهم؛ فلما صرف الله تعالى القبلة إلى ~~الكعبة؛ شق عليهم وآيسوا منه أن يوافقهم ~~على دينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية { ولن ~~ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ~~ملتهم } أي دينهم، وقبلتهم بيت المقدس)). # قوله تعالى: { قل إن هدى الله هو الهدى }؛ أي ~~الصراط الذي دعا الله إليه؛ وهو الذي أنت عليه هو صراط الحق. ~~قوله تعالى: { ولئن اتبعت أهوآءهم }؛ أي إن ~~اتبعت ملتهم وصليت إلى قبلتهم، { بعد الذي جآءك من ~~العلم }؛ أي بعدما ظهر لك أن دين الله الإسلام؛ وأن القبلة ~~قد حولت إلى الكعبة، { ما لك من الله من ولي ولا ~~نصير }؛ أي ما لك من الله من ولي ينفعك ويحفظك عن عقابه، ~~ولا نصير يدفع مضرة عقابه عنك. وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم والمراد به عامة الناس؛ مثل قوله # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65]. وقد علم الله أنه لا يشرك؛ وهذا كما يقال في المثل: ~~(إياك أعني فاسمعي يا جارة). ### || [2.121] # قوله تعالى: { الذين آتيناهم الكتب يتلونه ~~حق تلاوته }؛ قال ابن عباس: (نزلت في أهل السفينة ~~الذين قدموا مع جعفر بن أبي طالب؛ وكانوا ~~أربعين رجلا؛ اثنان وثلاثون من الحبشة؛ ~~وثمانية من رهبان الشام؛ منهم بحيرا). وقال ~~الضحاك: (هم من آمن من اليهود: عبدالله بن سلام، ~~وشعبة بن عمرو، وأسيد وأسد ابنا كعب، وابن ~~يامين، وعبدالله بن صوريا). وقال عكرمة: (هم أصحاب ~~رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم). وقيل: هم المؤمنون عامة. # وقوله تعالى: { يتلونه حق تلاوته } قال الكلبي: ~~(يصفونه في كتبهم حق صفته لمن سألهم من ~~الناس) وعلى هذا القول تكون الهاء راجعة إلى ~~محمد صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: هي عائدة إلى الكتاب. ~~واختلفوا في معناه؛ قال ابن مسعود: { يتلونه حق تلاوته } ~~أي يحللون حلاله ويحرمون حرامه ويقرأونه ~~كما أنزل، ولا يحرفونه عن مواضعه. وقال الحسن: ~~(معناه: يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه؛ ~~ويكلون علم ما أشكل عليهم إلى عالمه). وقال ~~مجاهد: (يتبعونه حق اتباعه). # قوله تعالى: { أولئك يؤمنون به }؛ أي ms0094 بالقرآن ~~ويقرون بمحمد صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: { ومن ~~يكفر به }؛ أي بالقرآن ويجحد نبوة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، { فأولئك هم الخسرون } ، وهم كعب بن الأشرف ~~وأصحابه. ### || [2.122-123] # قوله تعالى: { يابني إسرائيل اذكروا نعمتي ~~التي أنعمت عليكم } ، تقدم تفسيره، وفائدة تكرار ~~القصص والألفاظ: أن الله تعالى أراد برحمته أن يشهر القصص في ~~أطراف الأرض؛ ويلقيها في كل سمع؛ ويثبتها في كل قلب؛ ويزيد ~~الحاضرين إفهاما؛ فإن القرآن نزل بلسانهم، ومن مذهبهم أن ~~التكرار إرادة التوكيد وزيادة الإفهام. { وأني فضلتكم ~~على العالمين * واتقوا يوما لا تجزي نفس عن ~~نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها ~~شفاعة ولا هم ينصرون }. ### || [2.124] # قوله تعالى: { وإذ ابتلى إبراهيم ربه ~~بكلمات فأتمهن }؛ أي اختبره بما بعده من السنن؛ وهي عشر ~~خصال: خمس في الرأس: وهي المضمضمة؛ والاستنشاق والسواك؛ وقص ~~الشارب؛ وفرق الرأس. وخمس في الجسد: التقليم؛ والختان؛ ~~والاستنجاء بالماء؛ وحلق العانة؛ ونتف الإبط. وقيل: معناه: ~~ابتلاه الله بالمناسك التي تعبده بها وهي عرفة والمزدلفة والرمي ~~والطواف والسعي. وقيل: معناه: ابتلاه الله بأمر عظيم؛ فصبر ~~وأحسن الظن بالله. فأول ذلك الكوكب والقمر والشمس، ثم النار؛ ~~فجعلها عليه بردا وسلاما، ثم بالهجرة من أهله وولده، ثم بالختان ~~على رأس ثمانين سنة، ثم بذبح الولد، فاتخذه الله خليلا. # قوله تعالى: { فأتمهن } أي عمل بهن ولم يترك ~~منهن شيئا. قوله تعالى: { قال إني جاعلك للناس ~~إماما }؛ أي مقتدا بك، { قال }؛ إبراهيم: { ومن ذريتي ~~}؛ أي ومن أولادي، فاجعل أئمة يقتدى بهم. # وأصل الذرية الأولاد الصغار؛ مشتق من الذرى ~~لكثرته. وقيل: من الذرء؛ وهو الخلق. وفيه ثلاث لغات: ~~(ذرية) بكسر الذال وهي قراءة زيد بن ثابت. و(ذرية) بفتح ~~الذال وهي قراءة أبي جعفر. و(ذرية) بضم الذال وهي قراءة ~~العامة. # قوله تعالى: { قال لا ينال عهدي الظالمين }؛ ~~أعلمه الله تعالى أن في ذريته الظالم؛ والظالم لا يصلح ~~إماما. وفيه ثلاث قراءات: (عهدي الظالمون) بالواو؛ وهي قراءة ~~ابن مسعود. و { عهدي الظالمين } بإسكان الياء؛ وهي قراءة الأعمش ~~وحفص وحمزة. (وعهدي) ms0095 بفتح الياء؛ وهي قراءة العامة. # واختلفوا في هذا العهد. قال عطاء: (رحمتي). وقال الضحاك: ~~(طاعتي) ودليله قوله تعالى: # وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم # [البقرة: 40]. وقال السدي: (بنبوتي). وقال حذيفة: (أمانتي) ~~ودليله قوله تعالى: # وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم # [النحل: 91]. وقال أبو عبيد: (أماني) دليله قوله تعالى: # فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم # [التوبة: 4] وقال السدي: (ليس للظالم أن يطاع في ~~ظلمه). ### || [2.125] # قوله تعالى: { وإذ جعلنا البيت مثابة للناس ~~وأمنا }؛ أي جعلنا الكعبة مثابة؛ أي مرجعا. وقال ابن عباس: ~~(يعني معاذا وملجأ). وقال ابن جبير ومجاهد والضحاك: ~~(يثوبون إليه من كل جانب، ويحجونه، ولا ~~يملون منه، فما من أحد قصده إلا ويتمنى ~~العود إليه). وقال قتادة وعكرمة: (مجمعا). وقال طلحة: ~~(مثابا يحجون إليه ويثابون عليه). قوله ~~تعالى: { وأمنا } وصف للبيت؛ والمراد به جميع الحرم، كما قال: # بالغ الكعبة # [المائدة: 95] والمراد الحرم لا الكعبة؛ لأنه لا يذبح فيها ولا في ~~المسجد. # ومعنى { وأمنا } أي مأمنا يأمنون فيه. قال ابن عباس: (فمن ~~أحدث حدثا خارج الحرم ثم لجأ إليه أمن من أن ~~يهاج فيه) أي لم يتعرض له، ولكن لا يبالغ ولا يخالط ويوكل ~~به، فإذا خرج منه أقيم عليه الحد فيه. وهذا كانوا يتوارثونه من ~~زمن إسماعيل إلى أيام النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت العرب ~~في الجاهلية تعتقد ذلك في الحرم، ويستعظم القتل فيه. كان الرجل منهم ~~يؤوي إليه قاتل أبيه فلا يتعرض له. ومن الأمن الذي جعله الله ~~فيه: اجتماع الصيد والكلب ولا يهيج الكلب الصيد، ولا ينفر الصيد من ~~الكلب حتى إذا خرجا منه عدا الكلب على الصيد، وعاد الصيد إلى ~~الهرب. # قوله تعالى: { واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ~~}؛ قرأ شيبة ونافع وابن عامر والحسن: (واتخذوا) بفتح الخاء على ~~الخبر. وقرأ الباقون بالكسر على الأمر. قال ابن كيسان: # " ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالمقام ~~ومعه عمر رضي الله عنه؛ فقال: يا رسول الله؛ أليس ~~هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: " بلى ". قال: أفلا ~~تتخذه مصلى؟ قال: " لم ms0096 أومر بذلك ". فلم تغب ~~الشمس من يومه حتى نزل: { واتخذوا من مقام ~~إبراهيم مصلى } ". # وعن أنس بن مالك قال: قال عمر رضي الله عنه: # " وافقني ربي في ثلاث: قلت: لو اتخذت من مقام ~~إبراهيم مصلى؛ فأنزل الله تعالى: { واتخذوا من ~~مقام إبراهيم مصلى }. وقلت: يا رسول الله؛ إنه ~~يدخل عليك البر والفاجر؛ فهلا حجبت أمهات ~~المؤمنين؟ فأنزل الله آية الحجاب. قال: وبلغني ~~شيء كان بين أمهات المؤمنين وبين النبي صلى ~~الله عليه وسلم فاستفز منهن. أقول: لتكفن عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ليبدلنه الله أزواجا ~~خيرا منكن حتى أتيت على آخر أمهات ~~المؤمنين، فقالت أم سلمة: يا عمر؛ ما في أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من يعظ نساءه حتى ~~تعظهن. فأمسكت. فأنزل الله تعالى: { عسى ربه ~~إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن } ". # واختلفوا في قوله تعالى: { من مقام إبراهيم }؛ قال النخعي: ~~(الحرم كله من مقام إبراهيم). # وقيل: المسجد كله مقام إبراهيم. وقال قتادة ومقاتل والسدي: ~~(هو الصلاة عند مقام إبراهيم؛ أمروا بالصلاة ~~عنده ولم يؤمروا بمسحه ولا تقبيله). # وقصة ذلك: ما روي عن ابن عباس: [لما أتى إبراهيم عليه ~~السلام بابنه إسماعيل وأمه هاجر؛ فوضعهما ~~بمكة، ومضى مدة، وتزوج إسماعيل امرأة من ~~الجرهميين، استأذن إبراهيم سارة أن يأتي ~~هاجر، فأذنت له وشرطت عليه أن لا ينزل. ~~فقدم إبراهيم وقد ماتت هاجر، فقال لامرأة ~~إسماعيل: أين صاحبك؟ قالت: ليس هو ها هنا، ذهب ~~يتصيد. وكان إسماعيل يخرج من الحرم فيصطاد، ~~فقال لها إبراهيم: هل عندك من ضيافة من طعام ~~أو شراب؟ قالت: لا!! فقال لها: إذا جاء زوجك ~~فأقرئيه السلام وقولي له: فليغير عتبة ~~بابه؛ فذهب. وجاء إسماعيل فوجد ريح أبيه، فقال ~~لامرأته: هل جاءك أحد؟ قالت: جاءني شيخ صفته ~~كذا وكذا، كالمستخفة بشأنه. قال: فما قال لك؟ ~~قالت: قال: أقرئي زوجك السلام وقولي له: يغير ~~عتبة بابه، فطلقها وتزوج أخرى. # فلبث إبراهيم ما شاء الله، ثم استأذن سارة في ~~زيارة إسماعيل، فأذنت له، واشترطت ms0097 عليه أن لا ~~ينزل. فجاء، فقال: لامرأة إسماعيل: أين ذهب ~~صاحبك؟ قالت: يتصيد وهو يجيء الآن إن شاء الله؛ ~~فانزل يرحمك الله. قال: هل عندك ضيافة؟ قالت: ~~نعم، فجاءت باللبن واللحم فدعا فيها بالبركة. ~~ولو جاءت يومئذ بخبز بر أو شعير أو تمر ~~لكانت أكثر أرض الله برا أو شعيرا أو تمرا. ~~فقالت له: إنزل حتى أغسل رأسك. فلم ينزل، ~~فجاءته بالمقام فوضعته في شقه الأيمن فوضع ~~قدميه عليه، فبقي أثر قدميه عليه، فغسلت ~~رأسه الأيمن، ثم حولت المقام إلى شقه ~~الأيسر فغسلته، وبقي أثر قدميه عليه. فقال: ~~إذا جاء زوجك فأقرئيه السلام وقولي له: قد ~~استقامت عتبة بابك. فلما جاء إسماعيل فوجد ~~ريح أبيه، فقال: لامرأته: هل جاءك أحد؟ قالت: ~~نعم، شيخ أحسن الناس وجها وأطيبهم ريحا. ~~فقال: كذا، وقلت له: كذا، وغسلت رأسه وهذا ~~موضع قدمه على المقام. قال: ذاك إبراهيم]. # قال أنس بن مالك: (رأيت في المقام أثر أصابعه ~~وعقبه وأخمص قدميه، غير أنه أذهبه مسح الناس ~~بأيديهم). وروي عن عبدالله بن عمر أنه قال: أشهد بالله ~~ثلاث مرات سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " الركن والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة ~~طمس الله نورهما، ولولا أن الله طمس نورهما ~~لأضاءا ما بين المشرق والمغرب ". # وقيل: مقام إبراهيم الحج كله: عرفة؛ والمزدلفة؛ والرمي. وقيل: ~~الحرم كله؛ وقيل: الحجر الأسود المعروف الذي وضعته امرأة إسماعيل ~~تحت قدميه فغابت رجليه فيه، وهذا من معجزات إبراهيم عليه السلام. # وقوله عز وجل: { وعهدنآ إلى إبراهيم وإسماعيل ~~}؛ أي أمرناهما وأوصيناهما، { أن طهرا بيتي }؛ أي ~~مسجدي؛ يعني الكعبة من الأوثان والنجاسات. # وعن حذيفة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله أوحى إلي أن أنذر قومك أن لا يدخلوا ~~بيتا من بيوتي إلا بقلوب سليمة؛ وألسنة ~~صادقة؛ وأيد نقية؛ وفروج طاهرة. ولا يدخلوا ~~بيتا من بيوتي ولأحد عندهم مظلمة؛ فإني ~~ألعنه ما دام قائما بين يدي يصلي حتى يرد ~~تلك الظلامة إلى أهلها، فأكون سمعه الذي يسمع ~~به؛ وبصره الذي ms0098 يبصر به؛ ويكون من أوليائي ~~وأصفيائي ". # وعن معاذ بن جبل؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " جنبوا مساجدكم صبيانكم؛ ومجانينكم؛ وسل ~~سيوفكم؛ ورفع أصواتكم؛ وحدودكم؛ وخصومتكم؛ ~~وبيعكم؛ وشراءكم. وجمروها يوم جمعكم؛ ~~واجعلوا على أبوابها مطاهركم ". # وقرأ الحسن وحفص وهشام ونافع: (بيتي) بفتح الياء. والباقون ~~بإسكانها. وإضافة الله عز وجل البيت لنفسه تخصيصا ~~وتفصيلا. # قوله تعالى: { للطائفين }؛ وهم الغرباء؛ وقوله تعالى: { ~~والعاكفين }؛ أي المقيمين والمجاورين؛ وقوله تعالى: { ~~والركع السجود }؛ يعني المصلين. وقيل: أراد بذلك ~~جميع المسلمين. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن لله في كل يوم وليلة عشرين ومائة رحمة ~~ينزل على أهل البيت ستون للطائفين وأربعون ~~للمصلين، وعشرون للناظرين ". ### || [2.126] # قوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا ~~بلدا آمنا }؛ يعني مكة والحرم آمنا من الجدب والقحط، ~~وقيل: من الحرب. قوله تعالى: { وارزق أهله من ~~الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر }؛ لا ~~يكون إلا ويوجد فيه أنواع الثمرات، فأحب إبراهيم أن لا يأكل طعام ~~الله إلا الموحدون؛ فأعلمه الله أن لا يخلق خلقا إلا ~~يرزقه، فذلك قوله تعالى: { قال ومن كفر فأمتعه ~~قليلا }؛ أي سأرزقه في الدنيا يسيرا. قيل: خشي إبراهيم أن لا ~~يستجاب له في الرزق كما لم يستجب له في الإمامة؛ فخض المؤمنين في ~~المسألة في الرزق، فأعلمه الله أن المؤمن والكافر في الرزق ~~سواء. # قوله تعالى: { من آمن منهم } في موضع نصب بدل من { ~~أهله } بدل بعض من كل كقوله تعالى: # ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا # [آل عمران: 97]. وقوله تعالى: { ومن كفر فأمتعه ~~قليلا }؛ أي فسأرزقه إلى منتهى أجله. قرأ ابن عامر: (فأمتعه) ~~بفتح الألف وجزم العين، (ثم أضطره) موصولة الألف مفتوحة ~~الراء على جهة الدعاء من إبراهيم عليه السلام، وقرأ الباقون ~~بالتشديد. وقوله تعالى: { ثم أضطره إلى عذاب ~~النار }؛ أي ألجئه إلى عذاب النار في الآخرة، { وبئس ~~المصير }؛ أي بئس المرجع يصير إليه. # واختلفوا في مكة: هل كانت حرما آمنا قبل دعاء إبراهيم؛ ms0099 أم صارت ~~كذلك بدعائه؟ قيل: إنما صارت كذلك بدعائه، بدليل أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: # " إني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة " # والأصح: أنها كانت حرما آمنا قبل دعائه بدليل قوله عليه ~~الصلاة والسلام: # " إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض ~~ووضعها بين أخشبين " # أي جبلين؛ فعلى هذا كانت أمنا قبل دعائه من الخسف والاصطلام ~~لأهله. # وكان الله قد جعل في قلوب الناس هيبة ذلك المكان حتى كانوا لا ~~ينتهكون حرمة من كان فيه بمال ولا بنفس، ثم بدعاء إبراهيم صارت ~~حرما آمنا بأن أمر الله الناس بتعظيمه على ألسنة ~~الرسل. والواو في قوله { ومن كفر } دليل على إجابة الله ~~دعوة إبراهيم خاصة. ### || [2.127-128] # قوله تعالى: { وإذ يرفع إبرهيم القواعد من ~~البيت وإسمعيل }؛ قيل: إن الله تعالى خلق موضع البيت ~~قبل أن يخلق الأرض بألفي عام، وكان ربوة بيضاء على الماء ~~فدحيت الأرض من تحتها، فلما أهبط الله آدم إلى الأرض كان ~~رأسه يلمس السماء حتى صلع، وأورث أولاده الصلع. ونفرت من طوله ~~دواب الأرض. وكان يسمع كلام أهل السماء وتسبيحهم، ويأنس إليهم. ~~فاشتكت نفسه فقبضه الله إلى ستين ذراعا بذراع آدم. فلما فقد آدم ~~ما كان يسمع من أصوات الملائكة وتسبيحهم استوحش وشكى إلى الله، ~~فأنزل الله ياقوتة من ياقوت الجنة لها بابان من زمردة خضراء؛ ~~باب شرقي وباب غربي، وفيه قناديل من الجنة، فوضعه على موضع البيت ~~الآن. ثم قال: يا آدم إني أهبطت لك بيتا يطوف به كما يطاف ~~حول عرشي، ويصلى عنده كما يصلى عند عرشي. وأنزل عليه الحجر ليمسح ~~به دموعه وكان أبيض. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الحجر ياقوتة من ياقوت الجنة، ولولا ما ~~مسه المشركون بأنجاسهم ما مسه ذو عاهة إلا ~~شفاه الله تعالى " # فتوجه آدم من أرض الهند إلى مكة ماشيا، وقيض له ملك ~~يدله على البيت. # قيل: لمجاهد: يا أبا الحجاج؛ ألا كان يركب؟ قال: وأي شيء ~~يحمله! فوالله إن خطوته مسيرة ثلاثة أيام، وكل ms0100 موضع وضع عليه ~~قدمه صار عمرانا، وما تعداه صار مفاوزا وقفارا. فأتى مكة ~~وحج البيت وأقام المناسك؛ فلما فرغ تلقته الملائكة فقالوا: بر ~~حجك يا آدم، فلقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام. # قال ابن عباس: (حج آدم أربعين سنة من الهند إلى ~~مكة على رجليه؛ فكانت الكعبة كذلك إلى أيام ~~الطوفان، فرفعها الله إلى السماء الرابعة، فهو ~~البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ~~ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة. وبعث الله ~~جبريل حتى جاء الحجر الأسود في جبل أبي قبيس ~~صيانة له عن الغرق، فكان موضع البيت خاليا ~~إلى زمن إبراهيم عليه السلام، ثم أمر الله إبراهيم ~~بعدما ولد إسماعيل وإسحاق عليهما السلام أن ~~يبني بيتا له يعبد ويذكر فيه. فلم يدر ~~إبراهيم أين يبني؟ فسأل الله أن يبين له ~~موضعه، فبعث الله إليه السكينة لتدله على ~~موضع البيت؛ وهي ريح مجوج لها رأسان تشبه ~~الحية، فتبعها إبراهيم حتى أتيا مكة، فجعلت ~~السكينة تطوف على موضع البيت كما تطوف ~~الحية. وأمر إبراهيم أن يبني عليه لتستقر ~~السكينة. فبناه) وهذا قول علي كرم الله وجهه. # قال ابن عباس رضي الله عنه: (بعث الله سحابة على قدر ~~الكعبة فجعلت تسير وإبراهيم يسير في ظلها ~~إلى أن وافت مكة ووقفت على موضع البيت، ~~ونودي: يا إبراهيم إبن على ظلها لا تزيد ولا ~~تنقص، فبنى بخيالها). # وقال بعضهم: أرسل الله جبريل ليدله على موضع البيت وذلك ~~قوله تعالى: # وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت # [الحج: 26]. فبنى إبراهيم وإسماعيل البيت؛ كان إبراهيم يبنيه ~~وإسماعيل يناوله الحجارة والملائكة ينقلون الحجارة من خمسة ~~أجبل: طور سيناء؛ وطور زيناء؛ والجودي؛ ولبنان؛ ~~وحراء. قيل: إن قواعده من حراء. # فلما انتهى إبراهيم إلى موضع الحجر الأسود قال لإسماعيل: ائتني بحجر ~~حسن يكون للناس علما؛ فأتاه بحجر؛ فقال: ائتني بحجر أحسن من ~~هذا؛ فمضى إسماعيل ليأتي بحجر فصاح أبو قبيس: يا إبراهيم إن لك ~~عندي وديعة فخذها، فأخذ الحجر الأسود ووضعه مكانه. # وقيل: إن الله تعالى أمد إبراهيم ms0101 وإسماعيل بتسعة أملاك ~~يعينوهما على بناء البيت، فلما فرغا من بنائه جثيا على ~~الركب وقالا: { ربنا تقبل منآ إنك أنت السميع ~~العليم }. فقيل: قد فعل لكما، فقالا: { ربنا واجعلنا ~~مسلمين لك }؛ فقيل: قد فعل لكما ذلك، فقالا: { ومن ~~ذريتنآ أمة مسلمة لك }؛ أي موحدين مخلصين. # والقواعد هي أساس الكعبة؛ كذا قال الكلبي. وقوله تعالى: { ~~إنك أنت السميع العليم } أي بنياتنا. وقوله ~~تعالى: { واجعلنا مسلمين لك } قرأ عوف: (مسلمين) ~~على الجمع. وقوله تعالى: { ومن ذريتنآ أمة ~~مسلمة لك } أي واجعل من ذريتنا أمة مخلصة لك بالتوحيد ~~والطاعة. { وأرنا مناسكنا }؛ أي عرفنا متعبداتنا ~~وشرائع ديننا وأعلام حجنا. وأصل النسك العبادة، ويقال: ~~للعابد: ناسك. # وقرأ ابن مسعود: (وأرهم مناسكهم) رده إلى الأمة. وقرأ ~~قتادة وابن كثير بسكون الراء في جميع القرآن. وقرأ أبو عمرو باختلاس ~~كسرة الراء. وقرأ الباقون بكسر الراء. # فأجاب الله دعاءهما؛ فبعث الله جبريل عليه السلام فأراهما ~~المناسك في يوم عرفة، فلما بلغ عرفات قال: يا إبراهيم ~~عرفت؟. قال: نعم؛ فسمي الوقت عرفة، والموضع عرفات. # قوله تعالى: { وتب علينآ }؛ أي وتجاوز عن ذنوبنا ~~الصغائر؛ لأن ذنوب الأنبياء لا تكون إلا الصغائر. وقوله ~~تعالى: { إنك أنت التواب الرحيم }؛ أي المتجاوز ~~الرجاع بالرحمة على عباده. ### || [2.129] # قوله تعالى: { ربنا وابعث فيهم رسولا منهم }؛ ~~أي وابعث في ذريتنا الأمة المسلمة؛ أي ذرية إبراهيم وإسماعيل من ~~أهل مكة، { رسولا منهم } أي من أهل نسبهم، { يتلوا ~~عليهم آيتك }؛ أي يقرأ عليهم كتابك، { ويعلمهم ~~الكتب }؛ الذي ينزل عليه ومعانيه، { والحكمة }؛ أي فقه ~~الحلال والحرام. وقال مجاهد: (فهم القرآن). وقال مقاتل: (هي ~~مواعظ القرآن وبيان الحلال والحرام). وقال ابن ~~قتيبة: (هي العلم والعمل، ولا يسمى الرجل ~~حكيما حتى يجمعهما). وقال بعضهم: كل حكمة وعظتك أو ~~زجرتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي ~~حكمة؛ وقيل: الحكمة وضع الأشياء في مواضعها. وقيل: هي السنة ~~البينة. # قوله تعالى: { ويزكيهم }؛ أي يطهرهم من الكفر والفواحش ~~والدنس والذنوب. وقيل: يصلحهم بأخذ زكاة أموالهم. وقال ابن ~~كيسان: (أن يشهد لهم ms0102 يوم القيامة بالعدالة إذا ~~شهدوا للأنبياء بالبلاغ). قوله تعالى: { إنك ~~أنت العزيز الحكيم }؛ العزيز: هو المنيع الذي لا ~~يغلبه شيء. والحكيم: الذي يحكم ما يريد. # وقال ابن عباس: (العزيز: الذي لا يوجد مثله) دليله ~~قوله: # ليس كمثله شيء # [الشورى: 11]. وقال الكلبي: (العزيز: المنتقم ممن ~~أساء) دليله قوله تعالى: # والله عزيز ذو انتقام # [آل عمران: 4]. وقال الكسائي: (العزيز: الغالب) دليله قوله: # وعزني في الخطاب # [ص: 23] أي غلبي. وقال ابن كيسان: (العزيز: الذي لا ~~يعجزه شيء). وقال المفضل: (العزيز: الممتنع ~~الذي لا تناله الأيدي؛ ولا يرد له أمر؛ ولا ~~غالب له فيما أراد). وقيل: العزيز: هو القوي ذو القدرة؛ ~~دليله قوله: # فعززنا بثالث # [يس: 14] أي قوينا. وأصل العزة في اللغة: الشدة؛ ~~يقال: عز علي كذا؛ إذا شق. والمراد بالرسول في هذه ~~الآية محمد صلى الله عليه وسلم. وبالكتاب القرآن. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أنا إنما دعوة أبي إبراهيم، وبشرى أخي عيسى " # يعني قوله تعالى: { ربنا وابعث فيهم رسولا ~~منهم } وقوله: # ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد # [الصف: 6] فاستجاب الله دعاء إبراهيم عليه السلام وبعث فيهم محمدا ~~سيد الأنبياء؛ لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إني عبد الله وخاتم النبيين وإن آدم ~~لمنجدل في طينته ". ### || [2.130] # قوله تعالى: { ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا ~~من سفه نفسه } ، هذا تحريض من الله على ملة نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم التي هي ملة إبراهيم؛ لأن إبراهيم ~~وإسماعيل كانا سألا في دعائهما أن يجعل الله من ذريتهما في مكة ~~رسولا؛ لأن الكلام كان في ذكر مكة ولم يكن أحد من أهل مكة من ~~ذريتهما نبيا سوى محمد صلى الله عليه وسلم. وملة إبراهيم ~~داخلة في ملة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مع الزيادات التي ~~في شرائع هذه الملة. # وسبب نزول هذه الآية: أن عبدالله بن سلام دعا ابني ~~أخيه مسلمة ومهاجر إلى الإسلام، وقال لهما: قد ~~علمتما أن الله تعالى قال في التوراة: (إني باعث ~~من ولد ms0103 إسماعيل نبيا اسمه أحمد، فمن آمن به ~~فقد اهتدى ورشد؛ ومن لم يؤمن به فملعون) ~~فأسلم مسلمة وأبى مهاجر أن يسلم. فأنزل الله ~~تعالى: { ومن يرغب عن ملة إبراهيم } أي يترك ~~دينه وشريعته. # يقال: رغبت في الشيء؛ إذا أردته، ورغبت عنه؛ إذا ~~تركته. والرغبة في اللغة: محبة ما للنفس فيه ~~منفعة. ولهذا لا يجوز في صفات الله: راغب. # قوله تعالى: { إلا من سفه نفسه } أي خسر وهلك. ~~وقال الكلبي: (ضل من قبل نفسه). وقال بعض أهل اللغة: ~~سفه بمعنى يسفه، وقيل: { سفه نفسه } أي جهل نفسه ~~بمعنى لم يتفكر في نفسه أن لها خالقا. وقيل: سفه في ~~نفسه؛ إلا أنه حذف الخافض فنصب، مثل قوله تعالى: # ولا تعزموا عقدة النكاح # [البقرة: 235] أي على عقدة النكاح. ويقال: ضربته الظهر والبطن؛ ~~أي على الظهر والبطن؛ وأصل السفه والسفاهة: الجهل ~~وضعف الرأي. # قوله تعالى: { ولقد اصطفيناه في الدنيا }؛ أي ~~للرسالة. وأصل الطاء فيه التاء، جعلت طاء لقرب مخرجها ولتطوع ~~اللسان به. قوله تعالى: { وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين }؛ أي الفائزين. قاله الزجاج. وقيل: ~~المستوجبين للكرامة. وقيل: في الآية تقديم وتأخير، ~~تقديره: ولقد اصطفيناه في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين، ~~نظيره في سورة النحل: # وآتيناه في الدنيا حسنة وإنه في الآخرة لمن ~~الصالحين # [النحل: 122]. ### || [2.131] # قوله تعالى: { إذ قال له ربه أسلم }؛ أي استقم ~~على الإسلام واثبت عليه؛ لأنه كان مسلما كقوله تعالى: # فاعلم أنه لا إله إلا الله # [محمد: 19] أي اثبت على علمك. وقال ابن عباس: (إنما قال ~~ذلك حين خرج من السرب ورأى الكوكب والقمر ~~والشمس، فألهمه الله الإخلاص فاستدل وعرف ~~وحدانية الله فأسلم حينئذ، وقال: # إني بريء مما تشركون * إني وجهت وجهي ~~للذي فطر السموت والأرض حنيفا ومآ أنا من ~~المشركين # [الأنعام: 78-79]) وليس أنه كان حين أفلت الشمس كافرا؛ لأن الله ~~تعالى لا ينبئ من كان كافرا قط. # ويجوز أن يكون معنى الإسلام: تسليم الأمور إلى الله تعالى والانقياد ~~له من غير امتناع وعصيان. وقال الكلبي: (معناه: أخلص ~~دينك لله ms0104 بالتوحيد). وقال عطاء: (سلم نفسك إلى ~~الله وفوض أمرك إليه). وقيل: اخضع واخشع. # قوله تعالى: { قال أسلمت لرب العالمين }؛ ظاهر ~~المعنى. ### || [2.132-133] # قوله تعالى: { ووصى بهآ إبراهيم بنيه ويعقوب ~~}؛ قرأ أهل المدينة وأهل الشام: (وأوصى) بالألف. وقرأ الباقون ~~بالتشديد. وهما لغتان؛ يقال: أوصيته ووصيته؛ إذا أمرته ~~مثل إنزل ونزل. وقوله تعالى: { بهآ } يعني بكلمة ~~الإخلاص: لا إله إلا الله. وقال أبو عبيدة: (إن شئت رددت ~~الكناية إلى الملة؛ لأنه ذكر ملة إبراهيم؛ ~~وإن شئت رددتها إلى الوصية). وقال المفضل: ~~(بالطاعة كناية عن غير مذكور). وكناية الملة هنا ~~أصح؛ لأن ردها إلى المذكور أولى من ردها إلى المدلول، وكلمة ~~الإخلاص مدلول عليها في ضمن قوله تعالى: { قال أسلمت ~~لرب العالمين }. # وبنو إبراهيم أربعة: إسماعيل؛ وإسحاق؛ ومدين؛ ~~ومدائن. قوله تعالى: { ويعقوب } قيل: سمي بيعقوب؛ لأنه خرج ~~على إثر العيص؛ وقد مضت قصتهما. وقيل: سمي بيعقوب لكثرة ~~عقبه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بعثت على إثر ثمانية آلاف نبي: أربعة آلاف ~~من بني إسرائيل " # ومعنى الآية: وصى بها أيضا يعقوب بنيه الاثني عشر. وحكي عن ~~مجاهد أنه حكى عن بعضهم: (ويعقوب) بالنصب عطفا على بنيه ~~داخلا في جملتها الموصيين. # قوله تعالى: { يابني إن الله اصطفى لكم ~~الدين }؛ أي الإسلام، { فلا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون }؛ أي مؤمنون. وقيل: مخلصون. وقيل: محسنون بربكم الظن. ~~وقيل: مفوضون. # روي أنه لما نزلت هذه الآية قال اليهود للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: ألست تعلم أن يعقوب يوم مات ~~أوصى بنيه بدين اليهودية؟ فأنزل الله تعالى قوله: { ~~أم كنتم شهدآء إذ حضر يعقوب الموت }؛ أي أكنتم ~~أيها اليهود حضورا حين حضر يعقوب الموت، { إذ قال لبنيه ~~ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله ~~آبائك إبراهيم وإسماعيل }؛ الصادق، { وإسحاق }؛ ~~الحليم. # والمراد بحضور الموت: حضور أسبابه؛ لأن من حضره الموت لا يتمكن ~~من القول، وقد سمي سبب الشيء باسمه. كما قال تعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40]. # وقال الكلبي: (معنى الآية: أن يعقوب لما دخل مصر ~~رأى أهلها ms0105 يعبدون الأوثان والنيران؛ فجمع ~~أولاده وخاف عليهم ذلك. وقال لهم: ما تعبدون ~~من بعدي). وقال عطاء: (إن الله تعالى لم يقبض نبيا ~~حتى يخيره بين الحياة والموت، فلما خير ~~يعقوب قال: أنظرني حتى أسأل أولادي وأوصيهم؛ ~~فجمع أولاده وأولاد أولاده وقال لهم: قد حضر ~~أجلي، فما تعبدون من بعدي؟ أي من بعد موتي. { ~~قالوا نعبد إلهك وإله آبائك }. { إلها ~~واحدا ونحن له مسلمون }. # قرأ يحيى بن معمر: (إله أبيك) على التوحيد؛ قال: لأن ~~إسماعيل عم يعقوب لا أبوه. وقرأ العامة: (وإله آبائك) على ~~الجمع. وقالوا: عم الرجل صنو أبيه. وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم للعباس: # " هذا بقية آبائي " # والعرب تسمي العم أبا كما تسمي الخالة أما. قال الله ~~تعالى: # ورفع أبويه على العرش # [يوسف: 100] يعني يعقوب وليان؛ وهي خالة يوسف عليه السلام. ### || [2.134] # قوله تعالى: { تلك أمة قد خلت }؛ أي لا تتكلوا ~~أيها اليهود على آبائكم وأسلافكم اعتمادا منكم على شفاعتهم عنكم ~~فإنهم جماعة قد مضت. قوله تعالى: { لها ما كسبت ~~ولكم ما كسبتم }؛ أي لها جزاء ما عملت من خير أو شر ولكم ~~جزاء ما عملتم. وقوله تعالى: { ولا تسألون عما كانوا ~~يعملون }؛ أي إنما تسألون عن أعمالكم. ### || [2.135] # قوله تعالى: { وقالوا كونوا هودا أو نصارى ~~تهتدوا }؛ قال ابن عباس: (نزلت في رؤوس يهود ~~المدينة كعب بن الأشرف ومالك بن الضيف ووهب ~~بن يهودا وأبي ياسر، وفي نصارى نجران السيد ~~والعاقب وأصحابهما، خاصموا المسلمين في الدين، ~~فقالت اليهود: نبينا موسى أفضل الأنبياء؛ ~~وكتابنا التوراة أفضل الكتب؛ وديننا أفضل ~~الأديان؛ وكفرت بعيسى والإنجيل ومحمد ~~والقرآن. وقالت النصارى: نبينا عيسى أفضل ~~الأنبياء؛ وكتابنا الإنجيل أفضل الكتب؛ وديننا ~~أفضل الأديان؛ وكفرت بمحمد والقرآن. وقال كل ~~واحد من الفريقين للمسلمين: كونوا على ~~ديننا؛ فلا دين إلا ذلك؛ دعوهم إلى دينهم). ~~فقال الله تعالى: { قل بل ملة إبراهيم حنيفا }؛ ~~أي مسلما مخلصا مائلا عن كل دين سوى الإسلام، { وما كان ~~من المشركين }؛ يعني إبراهيم عليه السلام. # والحنف: مثل أصابع القدمين. سمي إبراهيم حنيفا؛ ms0106 لأنه ~~حنف عما كان يعبد آباؤه؛ أي عدل. وقيل: الحنف: الاستقامة، ~~وإنما سمي الرجل الأعرج أحنفا تأولا؛ كما يقال للأعمى ~~بصيرا. # والفائدة في ذكر ملة إبراهيم (كونه) لا شك أنه حق عندنا وعند ~~اليهود والنصارى، ولم يختلف الناس في أن ملته الإسلام والتوحيد. ~~قال ابن عباس: (الحنيف: هو المائل عن الأديان كلها ~~إلا دين الإسلام). وقال مقاتل: (الحنيف: المخلص). ~~وانتصب حنيفا على القطع عند الكوفيين؛ لأن تقديره: بل ملة ~~إبراهيم الحنيف، فلما سقطت الألف واللام لم يتبع النكرة المعرفة ~~فانقطع منه، فنصب. وقال البصريون: انتصب على الحال. ### || [2.136-137] # قوله تعالى: { قولوا آمنا بالله }؛ الآية، وذلك أنه ~~جاء أحبار اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له: بمن ~~نؤمن من الأنبياء؟ فأنزل الله: { قولوا آمنا ~~بالله }؛ { ومآ أنزل إلينا }؛ يعني القرآن، { ومآ ~~أنزل إلى إبراهيم }؛ وهي عشرة صحف، { وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط }؛ يعني أولاد يعقوب واحدهم ~~سبط، سموا بذلك لأنه ولد لكل واحد منهم جماعة من الناس، ~~وسبط الرجل: حافده، ومنه قيل للحسن والحسين: سبطين ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والأسباط من بني إسرائيل كالقبائل من ~~العرب؛ والشعوب من العجم، فكان في الأسباط أنبياء؛ فلذلك قال الله ~~تعالى { ومآ أنزل } إليهم؛ وقيل: هم بنو يعقوب من صلبه صاروا ~~كلهم أنبياء. # وقوله تعالى: { ومآ أوتي موسى }؛ يعني التوراة، { ~~وعيسى }؛ يعني الإنجيل، { وما أوتي النبيون من ~~ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له ~~مسلمون }؛ أي لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود ~~والنصارى، بل نؤمن بجميع أنبياء الله وكتبه؛ فلما نزلت هذه الآية ~~قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليهود والنصارى وقال: # " إن الله أمرني بهذا " # فلما سمعت اليهود بذكر عيسى أنكروا وكفروا وقالوا: لا نؤمن ~~بعيسى. قالت النصارى: إن عيسى ليس بمنزلة الأنبياء ولكنه ~~ابن الله، فأنزل الله تعالى قوله تعالى: { فإن آمنوا بمثل ~~مآ آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما ~~هم في شقاق }؛ أي فإن آمنوا بجميع ما آمنتم به كإيمانكم. ~~قيل: معناه: فإن ms0107 آمنوا بما آمنتم به. # و(مثل) هنا صلة، وهكذا كانوا يقرأونها. كان يقرؤها ابن عباس ~~ويقول: إقرأوا (فإن آمنوا بما آمنتم به) فليس لله ~~مثل. وقيل: بمعنى (على). وقيل: الباء زائدة. ومعنى الآية: إن ~~آمنوا بالله ورسله وكتبه فقد اهتدوا. # وقوله تعالى: { وإن تولوا } أي وإن أعرضوا عن ~~الإيمان بالقرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم { فإنما هم في ~~شقاق } أي خلاف وعداوة، يقال: فلان وفلان تشاقا؛ أي أخذ كل ~~واحد منهم بشق غير شق صاحبه. دليله قوله تعالى حاكيا ~~عن شعيب: # ويقوم لا يجرمنكم شقاقي # [هود: 89] أي خلافي. وقيل: مأخوذ مما أخذ كل واحد فيما يشق ~~على صاحبه. وقال مقاتل: (معناه: فإنما هم في ضلال). وقال ~~الكسائي: (معناه: فإنما هم في خلع الطاعة). وقال ~~الحسن: (معناه: فإنما هم في بعاد وفراق إلى يوم ~~القيامة). # وقيل: لما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى قوله تعالى: { ~~ومآ أوتي موسى وعيسى } قالت النصارى: لن نؤمن بموسى ولا ~~نؤمن بك، فأنزل الله تعالى: # قل يأهل الكتاب هل تنقمون منآ إلا أن آمنا ~~بالله ومآ أنزل إلينا ومآ أنزل من قبل وأن ~~أكثركم فاسقون # [المائدة: 59]. # وإنما أضاف الله الإنزال إلى إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، ~~وإنما كان الإنزال على آبائهم؛ لأنهم كانوا جميعا يعلمون ذلك، ~~فأضاف الإنزال كما قال: { قولوا آمنا بالله ومآ أنزل ~~إلينا } أي إلى نبينا. # قوله تعالى: { فسيكفيكهم الله }؛ يعني اليهود ~~والنصارى؛ أي فسيكفيكهم الله يا محمد وسائر المسلمين ~~شر اليهود والنصارى، { وهو السميع } ، لأقوالهم، { ~~العليم } ، بأحوالهم، فكفاه الله أمرهم بالقتل والسبي في بني ~~قريظة؛ والجلاء والنفي في بني النضير؛ والجزية والذلة ~~في نصارى نجران. ### || [2.138] # قوله تعالى: { صبغة الله }؛ أي دين الله وفطرته؛ ~~لأن دين الإسلام يؤثر في المتدين من الطهور والصلاة ~~والوقار وسائر شعائر الإسلام كالصبغ الذي يكون في الثوب. ولا شيء ~~في الأديان أحسن من دين الإسلام، قال الله تعالى: { ومن أحسن ~~من الله صبغة }؛ وقيل: أراد بالصبغة الختان. وروي أن ~~صنفا من النصارى كانوا إذا ولد لهم ولد وأتى ms0108 عليه سبعة أيام ~~صبغوه؛ أي غمسوه في ماء لهم يقال له: المعمودي ليطهروه ~~بذلك، وقالوا: هذا طهوره ومكان الختان. فقيل: لهم: { صبغة ~~الله } أي التطهر الذي أمر الله به أبلغ في النظافة. # وأول من اختتن إبراهيم عليه السلام بالقدوم؛ وهي موضع ~~ممره بالشام؛ وكان يومئذ ابن مائة وعشرين سنة، ثم عاش بعد ~~ذلك ثمانين سنة. # ونصب { صبغة } على الإغراء؛ أي الزموا صبغة الله، أو ~~اتبعوا. وقال الأخفش: (هو بدل من قوله تعالى: # بل ملة إبراهيم # [البقرة: 135]. وقال ابن كيسان: { صبغة الله } أي وجهة ~~الله؛ بمعنى القبلة). وقال الزجاج: (معناه: خلقة ~~الله، من صبغت الثوب إذا غيرت لونه وخلقته، ~~فيكون المعنى أن الله تعالى ابتدأ الخلقة على ~~الإسلام). دليله قول مقاتل في هذه الآية: # فطرت الله # [الروم: 30] أي دين الله. ويوضحه قول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " " كل مولود يولد على الفطرة، إلا أن أبواه ~~يهودانه ويمجسانه وينصرانه، كما تنتجون ~~البهيمة، فهل تجدون من جدعاء حتى تكونوا ~~أنتم تجدعونها؟ " قالوا: يا رسول الله أرأيت من ~~يموت وهو صغير؟ قال: " الله أعلم بما كانوا ~~عاملين " " # وقال أبو عبيدة: (معناه: سنة الله). قوله تعالى: { ~~ونحن له عابدون }؛ أي مطيعون. ### || [2.139] # وقوله تعالى: { قل أتحآجوننا } ، وذلك أن اليهود ~~كانوا يقولون: نحن أهل الكتاب الأول والعلم القديم. وكانوا يقولون ~~هم والنصارى: نحن أبناء الله وأحباؤه. فأمر الله تعالى النبي ~~صلى الله عليه وسلم بهذه الآية أن { قل } لهم يا محمد: { ~~أتحآجوننا } { في الله }؛ أي أتجادلوننا وتخاصموننا. ~~وقرأ الأعمش والحسن: (أتحاجونا) بنون واحدة مشددة. وقوله ~~تعالى: { في الله } أي في دين الله. وذلك أنهم قالوا: إن ~~الأنبياء كانوا منا وعلى ديننا ولم يكونوا من العرب؛ فلو كنت ~~نبيا لكنت منا على ديننا. # قوله تعالى: { وهو ربنا وربكم ولنآ أعمالنا ~~ولكم أعمالكم }؛ أي لنا ديننا ولكم دينكم. وهذه الآية ~~منسوخة بآية السيف. وقوله تعالى: { ونحن له مخلصون ~~}؛ أي موحدون. قال عبدالواحد بن زيد: # " سألت الحسن عن الإخلاص ما هو؟ قال: سألت ~~حذيفة عن الإخلاص ما هو؟ ms0109 قال: سألت النبي صلى ~~الله عليه وسلم عن الإخلاص ما هو؟ قال: " سألت جبريل ~~عن الإخلاص ما هو؟ قال: سألت رب العزة عن ~~الإخلاص ما هو؟ فقال: سر من سري أودعته قلب ~~من أحببت من عبادي " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " ما بلغ عبد حقيقة الإخلاص حتى لا يحب أن ~~يحمد على شيء من علم الله تعالى ". # وقال سعيد بن جبير: (الإخلاص أن يخلص العبد دينه ~~وعمله لله ولا يشرك به في دينه ولا يرائي ~~بعمله أحدا). وقال الفضيل: (ترك العمل من أجل الناس ~~رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن ~~يعافيك الله منهما). وقال يحيى بن معاذ: (الإخلاص ~~تمييز العمل من العيوب كتمييز اللبن من ~~الفرث والدم). وقال بعضهم: هو ما لا يكتبه الملكان؛ ولا ~~يفسده الشيطان؛ ولا يظلم عليه الإنسان. وقيل: هو أن لا تشوبه ~~الآفات؛ ولا تتبعه رخص التأويلات. وقيل: هو أن تستوي أفعال ~~العبد في الظاهر والباطن. وقيل: هو أن يكتم حسناته كما يكتم ~~سيئاته. قال أبو سليمان: (للمرائي ثلاث علامات: يكسل ~~إذا كان وحده؛ وينشط إذا كان في الناس؛ ويزيد ~~في العمل إذا أثني عليه). ### || [2.140] # قوله تعالى: { أم تقولون إن إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا ~~أو نصارى قل أأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ~~ممن كتم شهادة عنده من الله } ، قرأ ابن عامر وحمزة ~~والكسائي وخلف وحفص بالتاء للمخاطبة التي قبلها (قل ~~أتحاجوننا) والتي بعدها: (قل أأنتم أعلم أم الله). وقرأ ~~الباقون بالياء إخبارا عن اليهود والنصارى أن إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى. ومعنى الآية: ~~أتحاجوننا بقولكم كونوا هودا أو نصارى تهتدوا، وقولكم: لن ~~يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، أم بقولكم: إن إبراهيم ~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى، مع ~~علمكم بخلاف ذلك. وهذا استفهام بمعنى التوبيخ، فإنهم كانوا ~~يزعمون أن الدين الصحيح هو اليهودية والنصرانية؛ وأن هؤلاء ~~الأنبياء تمسكوا بها. # يقول الله تعالى: { قل } لهم يا محمد: { أأنتم أعلم ~~أم الله ms0110 } فإن الله قد أخبر أنهم كانوا مسلمين، وأنهم لم ~~يكونوا يهودا ولا نصارى، فقالوا: ما هو كما قلت، وإنا على دين ~~إبراهيم، وما أنت برسول الله؛ ولا على دينه. فأنزل الله تعالى ~~قوله تعالى: { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده ~~من الله } يعني علماء اليهود والنصارى؛ لأنهم علموا أن ~~إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا حنفاء مسلمين؛ ~~وأن رسالة نبينا حق بينه الله في التوراة والإنجيل، ~~فكتموه حسدا وطلبا للرئاسة. # قوله تعالى: { وما الله بغافل عما تعملون }؛ ~~يعني من كتمان نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته؛ يجازيكم ~~عليه في الآخرة. ### || [2.141] # قوله تعالى: { تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ~~ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون ~~}؛ قد تقدم تفسيرها. فائدة التكرار: أن القرآن أنزل على لغة ~~العرب، ومن عادتهم ذكر الجواب الواحد في أوقات مختلفة لأغراض مختلفة؛ ~~يعدون ذلك فصاحة. وإنما يعاب تكرار الكلام في مجلس واحد لغرض ~~واحد. ### || [2.142] # قوله تعالى: { سيقول السفهآء من الناس }؛ أي ~~الجهال: { ما ولهم عن قبلتهم }؛ أي ما صرفهم ~~وحولهم عن قبلتهم؛ { التي كانوا عليها }؛ يعني بيت ~~المقدس. نزلت في اليهود ومشركي مكة ومنافقي المدينة؛ طعنوا في ~~تحويل القبلة، وقال مشركو مكة: قد تردد على محمد أمره، واشتاق ~~إلى مولده ومولد آبائه؛ وقد توجه نحو قبلتهم؛ وهو راجع إلى دينكم ~~عاجلا. فقال الله تعالى: { قل لله المشرق والمغرب ~~يهدي من يشآء إلى صراط مستقيم }؛ أي لله المشرق ~~والمغرب ملكا وخلقا؛ والخلق عبيد يحولهم كيف يشاء. # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بمكة إلى الكعبة، وكان يجعل ~~الكعبة بينه وبين بيت المقدس، فلما هاجر إلى المدينة أمر بأن ~~يصلي إلى بيت المقدس لئلا يكذبه اليهود؛ لأن نعته في ~~التوراة أن يكون صاحب قبلتين؛ يصلي إلى بيت المقدس نحو مدة سبعة ~~عشر شهرا أو ثمانية عشر شهرا، ثم يأمره الله تعالى بالتحويل إلى ~~الكعبة ليمتحن أهل الإسلام، فيظهر من تبع الرسول من ~~غيرهم من منافقي اليهود. # فلما حولت القبلة إلى الكعبة بعد ms0111 إقامة الحجة على الكفار، ~~علم أنهم يقولون في نسخ القبلة أشياء يؤذون بها النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فأخبر الله تعالى نبيه بما سيقولون في ~~المستأنف؛ ليعجل السكن ويعرف أن ذلك من باب الوحي والغيب كما ~~كان أخبر الله تعالى. # ومعناه: سيقول السفهاء وهم اليهود وكفار مكة: ما الذي صرف ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عن قبلتهم بيت المقدس؛ قل يا ~~محمد: لله المشرق والمغرب { يهدي من يشآء إلى صراط ~~مستقيم } إلى طريق قويم؛ وهو الإسلام وقبلة الكعبة. # وقوله تعالى: { لله المشرق والمغرب } أي من كان ~~مالك المشرق والمغرب لا يعترض عليه في جميع ما يأمر، ويجوز أن ~~يكون معناه: أن الله خالق الأماكن كلها، فليس بعض ما خلق ~~أولى أن يجعل قبلة في العقل من بعض، فوجب الانتهاء إلى أمر الله ~~باستقبال ما شاء الله. ### || [2.143] # قوله تعالى: { وكذلك جعلناكم أمة وسطا }؛ أي ~~عدلا؛ وقيل: خيارا، يقال في صفة النبي صلى الله عليه وسلم: ~~[هو أوسط قريش حسبا] ويقال: فلان وسيط في حسبه؛ أي ~~كامل منته في الكمال؛ ولأن المتوسط في الأمور لا يفرط ~~فيغلو ولا يقصر فيتضع، فهذه الأمة لم تغلو في ~~الأنبياء كغلو النصارى حيث قالوا: المسيح ابن الله! ولم يقصروا ~~كتقصير اليهود حيث كذبوا الأنبياء وقتلوهم. وأصله أن خير ~~الأشياء أوسطها. # قوله تعالى: { لتكونوا شهدآء على الناس }؛ أي ~~شهداء للنبيين صلوات الله عليهم بالتبليغ. وقد يقام مقام اللام في ~~مثل قوله: # وما ذبح على النصب # [المائدة: 3] أي للنصب؛ وقوله تعالى: { ويكون الرسول ~~عليكم شهيدا }؛ أي ويكون محمد صلى الله عليه وسلم عليكم ~~شهيدا معدلا مزكيا لكم، وذلك أن الله تعالى يجمع الأولين ~~والآخرين في صعيد واحد، ثم يقول لكفار الأمم: # ألم يأتكم نذير # [الملك: 8]، فينكرون ويقولون: ما جاءنا من نذير، فيسأل الأنبياء عن ~~ذلك فيقولون: قد بلغناهم. فيسألهم البينة إقامة للحجة عليهم؛ وهو ~~أعلم بذلك، فيؤتى بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فيشهدون لهم ~~بالتبليغ، فتقول الأمم الماضية: من أين علموا ذلك وبيننا وبينهم ~~مدة ms0112 مديدة؟ فيقولوا: علمنا ذلك بإخبار الله تعالى إيانا في كتابه ~~الناطق على لسان رسول الله، فيؤتى بالنبي صلى الله عليه وسلم؛ ~~فيزكي أمته ويشهد بصدقهم. # قوله تعالى: { وما جعلنا القبلة التي كنت ~~عليهآ إلا لنعلم من يتبع الرسول ممن ينقلب ~~على عقبيه }؛ أي ما أمرتك يا محمد بالتوجه إلى بيت المقدس ~~ثم بالتحويل منها إلى الكعبة إلا ليتميز من يتبع الرسول ممن يرجع إلى ~~دينه الأول. وقيل: ومعناه: { وما جعلنا القبلة التي } أنت ~~{ عليهآ } وهي الكعبة لقوله تعالى: # كنتم خير أمة # [آل عمران: 110] أي أنتم؛ إلا لنرى ونميز من يتبع الرسول في القبلة ~~ممن ينقلب على عقبيه فيرتد ويرجع إلى قبلته الأولى. قوله: { ~~لنعلم } أي ليتقرر علمنا عندكم. وقيل: معناه: ليعلم محمد صلى ~~الله عليه وسلم؛ فأضاف علمه إلى نفسه تفصيلا وتخصيصا كقوله تعالى: # إن الذين يؤذون الله # [الأحزاب: 57]. # قوله تعالى: { وإن كانت لكبيرة }؛ أي وإن كان اتباع ~~بيت المقدس ثم الانتقال إلى الكعبة لشديد؛ { إلا على الذين ~~هدى الله }؛ أي حفظ الله قلوبهم على الإسلام. قوله ~~تعالى: { وما كان الله ليضيع إيمانكم }؛ أي تصديقكم ~~بالقبلتين. وقيل: معناه: وما كان الله ليفسد صلاتكم إلى بيت المقدس؛ ~~وذلك أن حيي ابن أخطب وأصحابه من اليهود قالوا ~~للمسلمين: أخبرونا عن صلاتكم إلى بيت المقدس ~~أكانت هدى أم ضلالة؟ فإن كانت هدى فقد تحولتم ~~عنها! وإن كانت ضلالة فقد ذنبتم الله بها. ومن ~~مات منكم عليها فقد مات على الضلالة؛ وكان قد ~~مات قبل التحويل إلى الكعبة سعد بن زرارة من ~~بني النجار؛ والبراء بن معرور من بني سلمة ~~ورجال آخرون. # فانطلقت عشائرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأخبروه بذلك، وقالوا: إن الله تعالى قد حولك ~~إلى قبلة إبراهيم؛ فكيف بإخواننا الذين ماتوا ~~وهم يصلون إلى بيت المقدس؟ فأنزل الله تعالى: ~~{ وما كان الله ليضيع إيمانكم } أي صلاتكم إلى ~~بيت المقدس. # قوله تعالى: { إن الله بالناس لرءوف رحيم } ، ~~الرءوف: شديد الرحمة؛ وهو الذي لا يضيع عنده عمل عامل. ~~رحيم بهم حين ms0113 قبل طاعتهم وتعبدهم في كل وقت بما يصلح لهم. والجمع ~~بين الرحمة والرأفة في الآية للتأكيد كما في قوله: # الرحمن الرحيم # [الفاتحة: 3]. # وفي (رءوف) ثلاث قراءات: مهموز مثقل؛ وهي قراءة شيبة ونافع وابن ~~كثير وابن عامر وحفص، واختاره أبو حاتم. قال الشاعر: # سنطيع رسولنا ونطيع رباه # هو الرحمن كان بنا رءوفا # و(رووف) مثقل غير مهموز؛ وهي قراءة أبي جعفر. و(رؤف) مهموز مخفف؛ وهي ~~قراءة الباقين، واختاره أبو عبيد. قال جرير: # بت ترى للمسلمين عليك حقا # كفعل الوالد الرؤف الرحيم # والرأفة: أشد الرحمة. ### || [2.144] # قوله عز وجل: { قد نرى تقلب وجهك في السمآء ~~}؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجبريل عليه ~~السلام: # " " وددت أن الله تعالى صرفني عن قبلة اليهود ~~إلى غيرها؟ " فقال جبريل: إنما أنا عبد مثلك لا ~~أملك شيئا؛ فاسأل ربك أن يحولك عنها، ~~فارتفع جبريل وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يديم ~~النظر إلى السماء رجاء أن يأتيه جبريل بما ~~سأل؛ فأنزل الله هذه الآية: { قد نرى تقلب ~~وجهك في السمآء } " # ، { فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام }. # وروي: أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا ~~يصلون بمكة إلى الكعبة، فلما هاجروا إلى ~~المدينة أمره الله أن يصلي إلى بيت المقدس؛ ~~ليكون أقرب إلى تصديق اليهود له إذا صلى إلى ~~قبلتهم مع ما يجدون من صفته في التوراة. ~~فروي أنه صلى الله عليه وسلم صلى هو وأصحابه نحو ~~بيت المقدس سبعة عشر شهرا؛ وكانت الكعبة أحب ~~القبلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. # واختلفوا في السبب الذي كان لأجله يكره قبلة بيت المقدس وهوي ~~الكعبة. فقال ابن عباس: (لأنها قبلة أبيه إبراهيم عليه ~~السلام). وقال مجاهد: (من أجل أن اليهود قالوا: ~~يخالفنا محمد في ديننا ويتبع قبلتنا). # وقال مقاتل: # " لما أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى ~~بيت المقدس، قالت: اليهود: يزعم محمد أنه ~~نبي؛ وما نراه أحدث في نبوته شيئا! أليس ~~يصلي إلى قبلتنا، ويستن بسنتنا! فإن كانت ~~هذه نبوة ms0114 فنحن أقدم وأوفر نصيبا. فشق ذلك ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم وازداد شوقا إلى ~~الكعبة وقال: " وددت أن الله تعالى صرفني عن ~~قبلة اليهود إلى غيرها، فإني أبغضهم وأبغض ~~موافقتهم " فقال جبريل عليه السلام: إنما أنا عبد ~~مثلك، ليس لي من الأمر شيء، فاسأل ربك. ثم ~~عرج جبريل عليه السلام؛ فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~يديم النظر إلى السماء رجاء أن ينزل جبريل ~~بما يحب من أمر القبلة، فأنزل الله تعالى: { قد ~~نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ~~ترضاها } " # أي فلنلحقك إلى قبلة تحبها وتهواها، { فول وجهك ~~شطر المسجد الحرام } أي نحوه وقصده. وهو نصب على الظرف. ~~وقيل: شطر الشيء نصفه، فكأن الله أمره أن يحول وجهه إلى نصف ~~المسجد الحرام؛ والكعبة في النصف منه من كل جهة. # قوله تعالى: { وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم ~~شطره }؛ أي أينما كنتم من بر أو بحر أو جبل أو سهل أو شرق أو غرب ~~فولوا وجوهكم نحوه. فحولت القبلة في رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر ~~بشهرين. # وقال مجاهد: (نزلت الآية ورسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~مسجد بني سلمة وقد صلى بأصحابه ركعتين من ~~الظهر، فتحول في الصلاة فاستقبل الميزاب ~~فسمي ذلك المسجد مسجد القبلتين. فلما ~~حولت القبلة إلى الكعبة؛ قالت اليهود: يا ~~محمد ما أمرت بهذا وما هو إلا شيء تبتدعه ~~من نفسك، فتارة تصلي إلى بيت المقدس، وتارة ~~تصلي إلى الكعبة، فلو ثبت على قبلتنا لكنا ~~نرجو أن تكون صاحبنا الذي كنا ننتظره، فأنزل ~~الله تعالى قوله: { وإن الذين أوتوا الكتاب ~~ليعلمون أنه الحق من ربهم } ، يعني أمر الكعبة ~~وأنها قبلة إبراهيم، أي وأن اليهود والنصارى ليعلمون أن ~~استقبال الكعبة حق من ربهم؛ لأن نعت النبي صلى الله عليه وسلم ~~في التوراة أن يكون صاحب القبلتين، ثم هددهم عز وجل: { ~~وما الله بغافل عما يعملون }؛ أي لا يخفى عليه جحودهم. ### || [2.145] # قوله تعالى: { ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب ~~بكل آية ما تبعوا قبلتك }؛ يعني ms0115 يهود المدينة ونصارى ~~نجران، فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ائتنا بآية كما أتى الأنبياء ~~قبلك، فأنزل الله هذه الآية. وقوله { ما تبعوا قبلتك } يعني ~~الكعبة، وقوله: { ومآ أنت بتابع قبلتهم }؛ أي وما أنت ~~بمصل إلى قبلتهم بعد التحويل؛ { وما بعضهم بتابع قبلة ~~بعض }؛ لأن اليهود تستقبل بيت المقدس والنصارى تستقبل المشرق. # قوله تعالى: { ولئن اتبعت أهواءهم }؛ أي إن صليت ~~إلى قبلتهم واتبعت ملتهم، { من بعد ما جآءك من العلم }؛ ~~إنها حق وإنها قبلة إبراهيم، { إنك إذا لمن ~~الظالمين }؛ أي الجاحدين الضارين لأنفسهم، وهذا وعيد على معصية ~~علم الله أنها لا تقع منه كقوله: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65] وقد علم الله أنه لا يشرك. ### || [2.146] # قوله تعالى: { الذين آتيناهم الكتاب }؛ يعني مؤمني ~~أهل الكتاب: عبدالله بن سلام وأصحابه، { يعرفونه }؛ أي يعرفون ~~محمدا صلى الله عليه وسلم، { كما يعرفون أبناءهم } ، ~~من بين الصبيان. روي عن ابن عباس أنه قال: [لما قدم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال عمر رضي الله عنه ~~لعبدالله بن سلام: قد أنزل الله على نبيه عليه ~~السلام: { الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما ~~يعرفون أبناءهم } ، كيف يا عبدالله هذه ~~المعرفة؟ قال: يا عمر لقد عرفته فيكم حين ~~رأيته كما أعرف ابني إذا رأيته مع الصبيان ~~يلعب، وأنا أشد معرفة بمحمد صلى الله عليه وسلم مني ~~لابني، فقال عمر: وكيف ذلك؟ قال: أشهد أنه ~~رسول الله حق من الله تعالى وقد نعته الله في ~~كتابنا. فقال له عمر: وفقك الله يا ابن سلام؛ ~~فقد صدقت وأصبت]. # قوله تعالى: { وإن فريقا منهم ليكتمون الحق }؛ ~~مثل كعب بن الأشرف وأصحابه (يكتمون الحق) يعني محمدا صلى الله ~~عليه وسلم وأمر الكعبة، { وهم يعلمون }؛ أن ذلك حق. روي عن ~~عبدالله بن سلام قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين نزلت هذه الآية: # " كنت يا رسول الله أشد معرفة لك مني بابني. ~~قال له: " وكيف ذلك؟ " قال: لأني أشهد أن محمدا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حقا يقينا؛ ولا ms0116 أشهد ~~بذلك لابني؛ لأني لا أدري ما أحدثت النساء. فقال ~~له عمر: وفقك الله يا عبدالله ". ### || [2.147] # قوله تعالى: { الحق من ربك }؛ أي هذا القرآن حق. ~~وقيل: جاءك بالحق من ربك يا محمد أن الكعبة قبلة إبراهيم تعلمها ~~اليهود. وقرأ علي رضي الله عنه: (الحق) نصبا على الإغراء. ~~قوله تعالى: { فلا تكونن من الممترين }؛ أي لا ~~تكونن من الشاكين في أمر القرآن والقبلة. والخطاب في هذه الآية ~~للنبي صلى الله عليه وسلم؛ والمراد به غيره، وكذلك كل ما ورد عليك من ~~هذا فهذا سبيله. ### || [2.148] # قوله تعالى: { ولكل وجهة هو موليها }؛ أي لكل ~~ملة من اليهود والنصارى قبلة هو موليها، أي مستقبلها؛ ومقبل إليها. ~~يقال: وليته ووليت إليه إذا أقبلت إليه، ووليت عنه إذا ~~أدبرت عنه. وقيل: معناه: الله موليها؛ أي يولي أهل كل ملة ~~القبلة التي يريدونها. وقرأ ابن عباس وابن عامر وأبو رجاء: (ولكل ~~وجهة هو موليها) أي مصروف إليها. وفي حرف أبي: (ولكل ~~قبلة هو موليها). وفي حرف عبدالله: (ولكل جعلنا ~~قبلة هو موليها). # قوله تعالى: { فاستبقوا الخيرات }؛ أي فبادروا ~~بالطاعات أيها المسلمون فقد ظهر لكم الحق، واستبقوا إلى أوامر الله ~~وطاعته مبادرة من يطلب الاستباق إليها، تقديره: فاستبقوا إلى ~~الخيرات، فحذف الخافض كقول الشاعر: # ثنائي عليكم يا آل حرب ومن يمل # سواكم فإني مهتد غير مائل # يعني: ومن يمل إلى سواكم. # قوله تعالى: { أين ما تكونوا يأت بكم الله ~~جميعا }؛ أي أينما تكونوا أنتم وأهل الكتاب يقبض الله أرواحكم ويجمعكم ~~للحساب فيجزيكم بأعمالكم، وإن كانت قد تفرقت بكم البقاع والملل. ~~وقيل: هذا خطاب للمؤمنين الذين قد سبق في علم الله أنهم ~~يصلون إلى الكعبة. ومعناه: أينما تكونوا في شرق الأرض وغربها، في ~~أصلاب الآباء وأرحام الأمهات يجمعكم الله تعالى إلى هذه القبلة. ~~قوله تعالى: { إن الله على كل شيء قدير }؛ أي ~~من الخلق والبعث والحساب وغير ذلك. ### || [2.149] # قوله تعالى: { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام }؛ هذا تأكيد لأمر التحويل إلى الكعبة؛ وبيان ~~أنه ms0117 لا يتغير فينسخ كما تغير بيت المقدس. و(حيث) مبني على الضم ~~مثل (قط). وقيل: رفع على الغاية مثل (قبل، وبعد). وقرأ عبيد ~~بن عمير: (ومن حيث) بالنصب؛ قال: لأنها ساكنة في الأصل، وإذا ~~اجتمع ساكنان حرك الثاني بالفتح، لأنه أخف الحركات مثل (ليت، ~~وكيف). # قوله تعالى: { وإنه للحق من ربك }؛ أي الأمر ~~بالتوجه إلى الكعبة لصدق (من ربك). { وما الله بغافل عما ~~تعملون }. ### || [2.150] # قوله تعالى: { ومن حيث خرجت فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم ~~شطره }؛ بيان أن حكم النبي صلى الله عليه وسلم وأمته في التوجه ~~إلى الكعبة في السفر والحضر سواء؛ لأنه كان يجوز أن يظن ظان الفرق ~~بين المسافر والمقيم كالنفل على الراحلة، فبين الله تعالى أن المسافر ~~كالمقيم في التوجه. # قوله تعالى: { لئلا يكون للناس عليكم حجة }؛ ~~أي لئلا يكون لليهود عليكم حجة، ولأن المسلمين لو لم يصلوا إلى ~~الكعبة لكان ذلك مخالفة للبشارة السابقة؛ فيكون ذلك حجة لهم بأن ~~يقولوا: ليس هو النبي المبشر. # قوله تعالى: { إلا الذين ظلموا منهم }؛ أي لا يحاجكم أحد ~~إلا من ظلم فيما وضح له؛ واحتج بغير الحق. وأراد بالذين ظلموا قريشا ~~واليهود. وكانت حجة قريش الباطلة أن قالوا: إنما رجع إلى الكعبة لأنه ~~علم أنها قبلة آبائه وهو الحق وكذا يرجع إلى ديننا ويعلم أنه حق. ~~وأما اليهود فإنهم يقولون: إن كانت قبلتنا ضلالة فقد صليت إليها سبعة ~~عشر شهرا، وإن كانت هدى فقد انصرفت عنها. وقيل: لأن اليهود يقولون: ~~إن محمدا لم ينصرف عن بيت المقدس مع علمه بأنه حق إلا أنه إنما يفعل ~~برأيه ويزعم أنه أمر به. وقيل: إن من حجة مشركي مكة أنهم قالوا ~~لما قالوا لما صرفت القبلة إلى الكعبة: إن محمدا قد ~~تحير في دينه وتوجه إلى قبلتنا وعلم أنا أهدى سبيلا منه وإنه ~~لا يستغني عنا ولا شك أنه يرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا. فأجابهم ~~الله تعالى بهذه الآية { لئلا يكون للناس عليكم حجة ~~إلا الذين ms0118 ظلموا منهم } نفى أن لا يكون لأحد حجة قبل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. بسبب تحويلهم إلى الكعبة. إلا ~~الذين ظلموا من قريش فإن لهم قبلهم حجة لما ذكرنا. # والحجة: الخصومة والجدال والدعوة الباطلة كقوله تعالى: # لا حجة بيننا وبينكم # [الشورى: 15] أي لا خصومة. وقوله تعالى: # قل أتحآجوننا في الله # [البقرة: 139] و # ليحآجوكم # [البقرة: 76] وحاججتهم؛ كلها بمعنى المخاصمة والمجادلة لا بمعنى ~~الدليل والبرهان. وموضع (الذين) نصب بنزع الخافض، تقديره: إلا ~~الذين ظلموا. وقال الفراء: موضعه نصب بالاستثناء. وإنما ~~قال: (منهم) ردا إلى لفظ الناس؛ لأنه عام وإن كان كل واحد منهم ~~غير الآخر. وقال بعضهم: هذا الاستثناء منقطع من الكلام الأول، ومعناه: ~~لئلا يكون كلهم عليكم حجة؛ اللهم إلا الذين ظلموا فإنهم يحاجونكم ~~بالباطل ويجادلونكم بالظلم، وهذا كما يقدر في الكلام للرجل: الناس ~~كلهم لك حامدون إلا الظالم لك. وقولهم للرجل: ما لك عندي حق ~~إلا أن يظلم. وما لك حجة إلا الباطل. # وقال أبو روق: (معنى الآية: { لئلا يكون للناس } يعني ~~اليهود عليكم حجة). # وذلك أنهم قد عرفوا أن الكعبة قبلة إبراهيم عليه السلام وقد كانوا ~~وجدوا في التوراة أن محمدا صلى الله عليه وسلم يحوله الله إليها ~~لئلا يكون لهم حجة فيحتجوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم الذي نجده ~~سيحول إليها، ولم تحول أنت. فلما حول النبي صلى الله عليه وسلم ~~ذهبت حجتهم. ثم قال: { إلا الذين ظلموا منهم } يعني إلا ~~الذين يظلموكم فيكتموا ما عرفوا من ذلك. وكان أبو عبيدة يقول: (إلا) ~~هنا بمعنى (ولا) كأنه قال: لئلا يكون للناس عليكم حجة ولا الذين ظلموا، ~~والذين ظلموا لا يكونوا حجة لهم. قال الشاعر: # وكل أخ مفارقه أخوه # لعمر أبيك إلا الفرقدان # يعني: والفرقدان أيضا يفترقان. وقال آخر: # ما بالمدينة دار غير واحدة # دار الخليفة إلا دار مروانا # يعني: ولا دار من دار وإنما حسن ذلك بعد قوله غير واحدة. # قوله عز وجل: { فلا تخشوهم واخشوني }؛ أي لا تخشوا ~~الكفار في انصرافكم إلى الكعبة؛ وفي ms0119 تظاهرهم عليكم في المحاجة والمحاربة ~~فإني وليكم أظهركم عليهم بالحجة والنصر، واخشوني في تركها ومخالفتها. ~~قوله تعالى: { ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم ~~تهتدون }؛ عطف على قوله: { لئلا يكون للناس عليكم ~~حجة } أي ولكي أتم نعمتي عليكم بهدايتي إياكم إلى قبلة إبراهيم عليه ~~السلام فيتم لكم الملة الحنيفية، وقال علي كرم الله وجهه: ~~(تمام النعمة الموت على الإسلام). وروي عنه أنه قال: ~~(النعم ست: الإسلام، والقرآن، ومحمد صلى الله عليه ~~وسلم، والسنن، والعافية والغنى عما في أيدي ~~الناس). قوله تعالى: { ولعلكم تهتدون } أي لكي ~~تهتدوا من الضلالة. ### || [2.151] # قوله تعالى: { كمآ أرسلنا فيكم رسولا }؛ هذه الكاف ~~للتشبيه وتحتاج إلى شيء يرجع إليه. واختلفوا؛ فقال بعضهم: هو راجع إلى ~~ما قبله؛ تقديره: # فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم # [البقرة: 150] كما أرسلت فيكم رسولا، { منكم } ، فيكون إرسال ~~الرسل مؤذنا بإتمام النعمة. والآية خطاب للعرب؛ أي ولأتم نعمتي عليكم ~~كما ابتدأت النعمة بإرسال رسول منكم إليكم؛ لأن اختياره من العرب نعمة ~~عظيمة وشرف لهم، واستدعاء إلى الإسلام؛ لأنه لو اختاره من العجم لكانت ~~العرب مع عزمها ونجوتها لا تتبعه. # قوله تعالى: { يتلوا عليكم آياتنا } ، يعني القرآن؛ ~~{ ويزكيكم }؛ أي يصلحكم بأخذ زكاتكم؛ ويأمركم بأشياء تكونوا بها ~~أزكياء؛ { ويعلمكم الكتاب والحكمة }؛ القرآن والفقه ~~والمواعظ ومعرفة التأويل والسنة؛ { ويعلمكم ما لم ~~تكونوا تعلمون }؛ من الأحكام وشرائع الإسلام وأقاصيص الأنبياء ~~وأخبارهم ما لم تكونوا تعلمون قبل إرساله؛ ونعمتي بهذا الرسول ~~محمد صلى الله عليه وسلم. ### || [2.152] # قوله عز وجل: { فاذكروني أذكركم }؛ متصل بما قبله؛ ~~أي كما أنعمنا عليكم برسالة رجل؛ أي منكم إليكم فاذكروني. ومعنى الآية: ~~قال ابن عباس: (تذكروني بالطاعة أذكركم بمعونتي). ~~وقال ابن جبير: (معناه اذكروني بطاعتكم أذكركم ~~بمغفرتي). وقال الفضيل: (اذكروني بطاعتي أذكركم ~~بثوابي). # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من أطاع الله فقد ذكر الله، وإن قل صيامه ~~وصلاته. ومن عصى الله فقد نسي الله وإن كثر ~~صيامه وصلاته وتلاوته القرآن " # وقيل: معناه اذكروني بالتوحيد والإيمان أذكركم بالدرجات والجنان. وقال ~~أبو بكر ms0120 رضي الله عنه: (كفى بالتوحيد عبادة، وكفى ~~بالجنة ثوابا). وقال ابن كيسان: (معناه اذكروني ~~بالشكر أذكركم بالزيادة). وقيل: اذكروني على ظاهر الأرض ~~أذكركم في بطنها. # وقال الأصمعي: (رأيت أعرابيا واقفا يوم عرفة بعرفات وهو يقول: إلهي ~~عجت إليك الأصوات بضروب اللغات يسألونك ~~الحاجات، وحاجتي إليك أن تذكرني عند البلاء إذا ~~نسيني أهل الدنيا). وقيل: معناه: اذكروني في الدنيا أذكركم في ~~العقبى. وقيل: اذكروني بالطاعات أذكركم بالمعافاة، دليله قوله ~~تعالى: # من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن ~~فلنحيينه حياة طيبة # [النحل: 97]. # وقيل: معناه اذكروني في الخلاء والملأ أذكركم في الخلاء والملأ. بيانه: ~~ما روي في الخبر: أن الله تعالى قال في بعض الكتب: # " أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي عبدي ما شاء؛ ~~فأنا معه إذا ذكرني، فمن ذكرني في نفسه ~~ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملإ ذكرته في ~~ملإ خير منهم؛ ومن تقرب إلي شبرا تقربت ~~منه ذراعا، ومن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه ~~باعا، ومن أتاني مشيا أتيته هرولة، ومن أتاني ~~بقراب الأرض خطيئة أتيته بمثلها مغفرة بعد ~~أن لا يشرك بي شيئا ". # وقيل: معناه اذكروني في الرخاء أذكركم في الشدة والبلاء. وقيل: اذكروني ~~بالسلم والتفويض أذكركم بأصلح الاختيار دليله قوله تعالى: # ومن يتوكل على الله فهو حسبه # [الطلاق: 3]. وقيل: اذكروني بالشوق والمحبة أذكركم بالوصل والقربة. ~~وقيل: اذكروني بالتوبة أذكركم بغفران الحوبة. وقيل: اذكروني بالدعاء ~~أذكركم بالعطاء. وقيل: اذكروني بالسؤال أذكركم بالنوال. اذكروني بلا غفلة ~~أذكركم بلا مهلة، اذكروني بالندم أذكركم بالكرم، اذكروني بالمعذرة أذكركم ~~بالمغفرة، اذكروني بالإرادة أذكركم بالإفادة، اذكروني بالإخلاص أذكركم ~~بالخلاص، اذكروني بالقلوب أذكركم بكشف الكروب، اذكروني بلا نسيان أذكركم ~~بالأمان، اذكروني ذكرا فانيا أذكركم ذكرا باقيا، اذكروني بصفاء ~~السر أذكركم بخلاص البر، اذكروني بالصفو أذكركم بالعفو، اذكروني ~~بالتعظيم أذكركم بالتكريم، اذكروني بالمناجاة أذكركم بالنجاة، اذكروني ~~بترك الجفاء أذكركم بحفظ الوفاء، اذكروني بالجهد في الخدمة أذكركم بإتمام ~~النعمة، اذكروني بالاستغفار أذكركم بالاغتفار، اذكروني بالمناجاة أذكركم ~~بإعطاء الحاجات، اذكروني بالاعتراف أذكركم بمحو الاقتراف، ولذكر ms0121 الله ~~أكبر. # قال سفيان بن عيينة: إن الله عز وجل قال: # " لقد أعطيت عبادي ما لو أعطيت جبريل ~~وميكائيل قد أجزلت لهما، قلت: اذكروني ~~أذكركم. قلت لموسى: قل للظلمة لا يذكروني؛ ~~فإني أذكر من ذكرني وإن ذكري إياهم أن ~~ألعنهم " # وقال أبو عثمان الهندي: (إني لأعلم حين يذكرني ربي)، ~~قيل: كيف ذلك؟ قال: (إن الله تعالى قال: { ~~فاذكروني أذكركم } فإذا ذكرت الله ذكرني). # قوله تعالى: { واشكروا لي ولا تكفرون }؛ أي اشكروا ~~لي نعم الدنيا والدين ولا تكفروا نعمتي وإحساني إليكم. ### || [2.153] # قوله تعالى: { يآأيها الذين آمنوا استعينوا ~~بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين }؛ أي ~~استعينوا على ما أكرمتكم من عبادة وشكر بالصبر على أداء الفرائض ~~واجتناب المحارم؛ وبالمواظبة على الصلوات والاستكثار منها { إن ~~الله مع الصابرين } على أداء الفرائض. ### || [2.154] # قوله تعالى: { ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل ~~الله أموات بل أحياء }؛ نزلت في قتلى بدر من المسلمين ~~وكانوا أربعة عشر رجلا؛ ثمانية من الأنصار وستة من المهاجرين، كان ~~الناس يقولون للرجل يقتل في سبيل الله: مات فلان، وكان الكفار يقولون ~~للشهداء على طريق الطعن: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقتلون أنفسهم في الحرب من غير سبب ثم يموتون فيذهبون، فنهى الله ~~المسلمين أن يقولوا مثل هذا، ونبه على أن ذلك كذب بقوله: { بل ~~أحياء }. # واختلفوا في حياتهم؛ والصحيح: أنهم اليوم أحياء على الحقيقة؛ قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أرواح الشهداء في أجواف طير خضر تسرح في ~~رياض الجنة وتأكل وتشرب من أنهارها وتأوي ~~الليل إلى قناديل من نور معلقة بالعرش " # وقال الحسن: (إن الشهداء أحياء عند ربهم يصل ~~إليهم الروح والفرح). وقيل: إن مساكن الشهداء سدرة ~~المنتهى. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " يعطى الشهيد ست خصال عند أول قطرة من ~~دمه: يكفر عنه كل خطيئة؛ ويرى مقعده من ~~الجنة؛ ويزوج من الحور العين؛ ويؤمن من ~~الفزع الأكبر؛ ومن عذاب القبر؛ ويحلى حلية ~~الإيمان " # قوله تعالى: { ولكن لا تشعرون }؛ أي لا يشعرون أنهم ~~كذلك. ms0122 ### || [2.155-156] # قوله تعالى: { ولنبلونكم بشيء من الخوف ~~والجوع }؛ أي ولنختبرنكم يا أمة محمد بشيء من الخوف؛ ~~يعني خوف العدو والفزع في القتال؛ وقحط السنين وقلة ذات اليد؛ { ~~ونقص من الأموال }؛ أي هلاك المواشي وذهاب الأموال. وقوله ~~تعالى: { والأنفس }؛ أراد به الموت والقتل والأمراض، وقوله تعالى: { ~~والثمرات }؛ أي لا يخرج الثمار والزروع كما كانت تخرج من قبل؛ أو ~~تصيبها آفة؛ وأراد بالثمرات الأولاد لأنهم ثمرة القلب وهم إذا هم ~~شغلوا بالجهاد منعهم ذلك عن عمارة البساتين ومناكحة النساء؛ فيقل ~~أولادهم وثمرة بساتينهم. # وقال بعضهم: معناه { ولنبلونكم بشيء من الخوف } ~~أي خوف الله تعالى، { والجوع } يعني صوم رمضان؛ { ونقص من ~~الأموال } أداء الزكاة الصدقات؛ { والأنفس } الأمراض؛ { ~~والثمرات } موت الأولاد؛ لأن ولد الرجل ثمرة فؤاده؛ يدل عليه قوله ~~عليه السلام: # " إذا مات ولد العبد قال الله تعالى للملائكة: ~~أقبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: ~~أقبضتم ثمرة فؤاده، فيقولون: نعم، فيقول: ماذا ~~قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجعك، فيقول الله ~~تعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت ~~الحمد ". # قوله تعالى: { وبشر الصابرين }؛ أي على هذه الشدائد ~~والبلايا بالثواب لتطيب أنفسهم. ثم وصفهم فقال: { الذين إذآ ~~أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنآ إليه ~~راجعون }؛ { الذين } نعت للصابرين؛ ومعناه: الذين إذا أصابتهم ~~مصيبة من هذه المصائب؛ { قالوا إنا لله وإنآ إليه ~~راجعون } عبيد وملك يحكم فينا بما يشاء من الشدة والرخاء، إن ~~عشنا فإليه أرزاقنا، وإن متنا فإليه مردنا، وإنا إليه راجعون في ~~الآخرة. # قال عكرمة: # " طفئ سراج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " إنا لله ~~وإنا إليه راجعون " فقيل: يا رسول الله أمصيبة ~~هي، قال: " نعم، كل شيء يؤذي المؤمن فهو له ~~مصيبة " " # وقال ابن جبير: (ما أعطي أحد في المصيبة ما ~~أعطيت هذه الأمة - يعني الاستراجاع - ولو أعطيها ~~أحد لأعطيها يعقوب عليه السلام، ألا تسمع إلى قوله ~~تعالى في فقد يوسف: # يأسفى على يوسف # [يوسف: 84]). وقال صلى الله عليه وسلم: # " من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته ~~وأحسن عقباه، وجعل له خلفا صالحا ms0123 يرضا ". ### || [2.157] # قوله تعالى: { أولئك عليهم صلوات من ربهم ~~ورحمة وأولئك هم المهتدون }؛ قال ابن عباس: ~~(مغفرة من ربهم ونعمة). قيل: الصلاة هنا الثناء ~~والرحمة والبركة. وجمع الصلوات لأنه عنى بها الرحمة بعد الرحمة. { ~~وأولئك هم المهتدون } إلى الاسترجاع. وقيل: إلى الجنة ~~والثواب. وقيل: إلى الحق والصواب. وقيل: الرحمة التي لا يعلم ~~مقاديرها إلا الله كما قال تعالى في آية أخرى: # إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب # [الزمر: 10]. وعن عمر رضي الله عنه: أنه كان إذا قرأ هذه ~~الآية قال: (نعم العدلان ونعم العلاوة). ويعني ~~بالعدلين: قوله { صلوات من ربهم ورحمة } وبالعلاوة ~~قوله: { هم المهتدون }. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " يقول الله تعالى: إذا وجهت إلى عبد من عبيدي ~~مصيبة في أهله أو ولده أو بدنه فاستقبل ذلك ~~منه بصبر جميل استحيت منه يوم القيامة أن ~~أنشر له ديوانا أو أنصب له ميزانا ". ### || [2.158] # قوله تعالى: { إن الصفا والمروة من شعآئر ~~الله }؛ أي من أعلام دينه ومتعبداته؛ وأراد بالشعائر ها هنا مناسك ~~الحج. وسبب نزول هذه الآية: أن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ~~(كنا نكره الطواف بين الصفا والمروة لأنهما ~~كانا من مشاعر قريش في الجاهلية فتركناه في ~~الإسلام، فأنزل الله هذه الآية). # وقال ابن عباس: (كان على الصفا صنم على صورة رجل ~~يقال له: إسافا، وعلى المروة صنم على صورة ~~امرأة يقال لها: نائلة. وإنما ذكروا الصفا ~~لتذكير إساف، وأنثوا المروة لتأنيث نائلة؛ ~~وزعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة ~~فمسخهما الله، فوضعهما على الصفا والمروة ~~ليعتبر بهما، فلما طالت المدة عبدا من دون ~~الله تعالى. وكان أمر الجاهلية إذا طافوا بين ~~الصفا والمروة مسحوا الصنمين. فلما جاء ~~الإسلام كره المسلمون الطواف بينهما لأجل ~~الصنمين، وقالت الأنصار: إن السعي من أمر ~~الجاهلية، فأنزل الله تعالى هذه الآية { إن ~~الصفا والمروة من شعآئر الله } ). # قوله تعالى: { فمن حج البيت أو اعتمر فلا ~~جناح عليه أن يطوف بهما }؛ أي فلا إثم في الطواف بينهما ~~لمكان ms0124 الأصنام عليهما، فإن الطواف بينهما واجب. والجناح هو الإثم؛ ~~وأصله يتطوف وأدغمت التاء في الطاء. وقرأ أبو حيوة: (يطوف بهما) ~~مخففة. # واختلف العلماء في السعي؛ فقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: هو واجب ~~وينجبر بالدم. وقال مالك والشافعي: هو فرض، ولا ينجبر بالدم كطواف ~~الزيارة. وقال أنس بن مالك وابن الزبير ومجاهد: هو تطوع إن فعله ~~فحسن، وإن تركه لم يلزمه شيء، واحتجوا بقراءة ابن عباس وابن ~~سيرين: (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما). وكذلك هو في ~~مصحف عبدالله؛ ويقوله بعد ذلك: (ومن تطوع خيرا) وهذا دليل ~~على أنه تطوع. # والجواب عنه: أن (لا) صلة كقوله: # ما منعك ألا تسجد # [الأعراف: 12] وقوله: # لا أقسم # [القيامة: 1]. وحجة من أوجبه: أن الله سماهما { من شعآئر ~~الله }. وأما قوله: { ومن تطوع خيرا } فمعناه من زاد على ~~الطواف الواجب. وحجة من قال إنه فرض: فتسمية الله له من شعائره. قلنا: ~~هذا لا يدل على الفريضة؛ فإن الله سمى المزدلفة المشعر الحرام؛ ولا ~~خلاف أن الدم يقوم مقامه. # وسمي الصفا؛ لأنه جلس عليه صفي الله آدم عليه السلام. وسميت ~~المروة؛ لأنها جلست عليها امرأته حواء، وأصل السعي: أن هاجر ~~أم إسماعيل لما عطش ابنها إسماعيل وجاع صعدت على الصفا فقامت ~~عليه تنظر؛ هل ترى من أحد؟ فلم تر أحدا؛ فهبطت من الصفا حتى ~~جاوزت الوادي ورفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى ~~جاوزت الوادي؛ ثم أتت المروة وقامت عليها؛ هل ترى أحدا؟ فلم تر ~~أحدا، فعلت ذلك سبع مرات. # قوله تعالى: { ومن تطوع خيرا }؛ قرأ حمزة والكسائي: ~~(يطوع) بالياء وتشديد الطاء والجزم. وكذلك الثاني بمعنى يتطوع. ~~وقرأ عبدالله: (يتطوع) وقرأ الباقون: (تطوع) بالتاء ونصب ~~العين. ومعنى الآية: ومن زاد في الطواف الواجب. وقال ابن زيد: (ومن ~~تطوع خيرا فاعتمر). وقيل: من تطوع بالحج والعمرة بعد حجته ~~الواجب. وقال الحسن: (فعل غير المفروض عليه من زكاة ~~وصلاة ونوع من أنواع الطاعات كلها)؛ { فإن ~~الله شاكر عليم }؛ أي مجاز له بعمله عليم بنيته يشكر اليسير ms0125 ~~ويعطي الكثير ويغفر الكبير. ### || [2.159] # قوله تعالى: { إن الذين يكتمون مآ أنزلنا من ~~البينات والهدى }؛ هم علماء اليهود الذين كتموا أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم وصفته في التوراة، وكتموا أمر القبلة والأحكام ~~والحلال والحرام؛ { من بعد ما بيناه للناس في ~~الكتاب }؛ أي من بعد ما أوضحناه للناس في التوراة والإنجيل؛ وأراد ~~بالناس بني إسرائيل. قوله تعالى: { أولئك يلعنهم ~~الله }؛ أي يبعدهم الله من رحمته. وأصل اللعن في اللغة: هو ~~الطرد، { ويلعنهم اللاعنون }. # اختلف المفسرون في هؤلاء اللاعنين؛ فقال قتادة: (هم ~~الملائكة). وقال عطاء: (الجن والإنس). وقال الحسن: ~~(عباد الله أجمعون). وقال ابن عباس: (كل شيء إلا ~~الجن والإنس). وقال مجاهد: (اللاعنون: البهائم ~~تلعن عصاة بني آدم إذا اشتدت السنة وأمسكت ~~القطر، ويقولون: هذا لشؤم بني آدم). وقال عكرمة: ~~(دواب الأرض وهوامها حتى الخنافس والعقارب، ~~فيقولون: منعنا القطر لمعاصي بني آدم). # وإنما قال لهذه الأشياء اللاعنون ولم يقل اللاعنات؛ لأن من شأن ~~العرب إذا وصفت شيئا من البهائم والجمادات بما هو صفة للناس من قول أو ~~فعل أن يخرجوه على مذهب بني آدم وجمعهم كقوله تعالى حاكيا عن يوسف ~~عليه السلام: # والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين # [يوسف: 4] ولم يقل ساجدات وأشباه ذلك. وفي الآية دلالة على وجوب إظهار ~~علوم الدين وزجر عن كتمانها؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا السبب ~~المخصوص. ### || [2.160] # قوله تعالى: { إلا الذين تابوا وأصلحوا ~~وبينوا }؛ أي إلا الذين تابوا من اليهودية وأصلحوا أعمالهم فيما ~~بينهم وبين ربهم. وقيل: أصلحوا ما كانوا أفسدوه مما لا علم لهم به، ~~وبينوا صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتابيهم، وشهدوا بالحق ~~فيما عندهم من العلم؛ { فأولئك أتوب عليهم }؛ أي أتجاوز ~~عنهم وأقبل التوبة منهم، قوله تعالى: { وأنا التواب ~~الرحيم }؛ أي المتجاوز عن التائبين، الرحيم بهم بعد التوبة. ### || [2.161] # قوله تعالى: { إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار ~~}؛ هذا عام في جميع الكفار؛ { أولئك عليهم لعنة الله ~~والملائكة والناس أجمعين }؛ أما المؤمنون فيلعنوهم في ~~الدنيا والآخرة؛ وأما الكفار فيلعن بعضهم بعضا في ms0126 الآخرة كما قال تعالى: # ويلعن بعضكم بعضا # [العنكبوت: 25]. وروي: أن الكافر يوقف يوم القيامة فيلعنه الله ثم ~~الملائكة والناس أجمعون. ### || [2.162] # وقوله تعالى: { خالدين فيها }؛ أي في اللعنة والنار مقيمين. وقيل: ~~إن اللعنة هنا النار؛ لأن اللعنة هي إبعاد الله من رحمته وذلك عذابه. ~~قوله تعالى: { لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ~~ينظرون }؛ أي ولا هم يمهلون ويؤجلون. قال أبو العالية: (لا ~~ينظرون فيعتذرون). ### || [2.163-164] # قوله عز وجل: { وإلهكم إله واحد لا إله ~~إلا هو الرحمن الرحيم }؛ قال الكلبي: (نزلت هذه ~~الآية في كفار مكة، قالوا: يا محمد صف لنا ~~وانسب لنا ربك، فأنزل الله سورة الإخلاص وهذه ~~الآية). وقال الضحاك: عن ابن عباس: (كان للمشركين في ~~الكعبة ثلاثمائة وستون صنما يعبدونهم من ~~دون الله إفكا وإثما، فدعاهم الله إلى توحيده ~~والإخلاص في عبادته، فقال: { وإلهكم إله ~~واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم }. ويقال: ~~نزلت هذه الآية في صنف من المجوس؛ ويقال لهم: الملكانية؛ يقولون: هما ~~اثنان: خالق الخير، وخالق الشر. # ومعنى الآية: أن الذي يستحق أن تأله قلوبكم إليه في المنافع والمضار ~~وفي جميع حوائجكم وفي التعظيم له إله واحد لا يستحق الإلهية أحد غيره. ~~فلما نزلت هذه الآية عجب المشركون وقالوا: إن محمدا يقول: إن إلهكم ~~إله واحد، فليأتنا بآية إن كان من الصادقين. فأنزل الله تعالى: { إن ~~في خلق السموت والأرض واختلاف الليل ~~والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع ~~الناس }؛ أي في تعاقب الليل والنهار؛ وفي الذهاب والمجيء. # والاختلاف مأخوذ من خلف يخلف بمعنى أن كل واحد منها يخلف صاحبه ~~وإذا ذهب أحدهما جاء الآخر خلافه؛ أي بعده. نظيره قوله تعالى: # وهو الذي جعل اليل والنهار خلفة # [الفرقان: 62]. وقال عطاء: (أراد اختلاف الليل والنهار في ~~اللون والطول والقصر والنور والظلمة ~~والزيادة والنقصان). والليل: جمع ليلة مثل نخلة ونخل؛ ~~والليالي جمع الجمع. والنهار واحد وجمعه نهر. وقدم الليل على ~~النهار؛ لأنه هو الأصل والأقدم. قال الله تعالى: # وآية لهم اليل نسلخ منه النهار # [يس: 37]. # قوله ms0127 تعالى: { والفلك التي تجري في البحر } يعني ~~السفن، واحده وجمعه سواء، قال الله تعالى في واحده: # وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك ~~المشحون # [يس: 41] وقال في جمعه: # حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم # [يونس: 22]. ويذكر ويؤنث قال الله تعالى في التذكير: # الفلك المشحون # [يس: 41] وقال في التأنيث: { والفلك التي تجري في البحر ~~}. قوله تعالى: { بما ينفع الناس } يعني ركوبها والحمل ~~عليها في التجارات والمكاسب وأنواع المطالب. # قوله تعالى: { ومآ أنزل الله من السمآء من مآء ~~}؛ يعني المطر، { فأحيا به الأرض بعد موتها }؛ أي بعد ~~يبسها وجذوبتها، { وبث فيها من كل دآبة }؛ أي نشر وفرق ~~من كل دابة من أجناس مختلفة، منهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على ~~رجلين، ومنهم من يمشي على أربع، { وتصريف الرياح }؛ أي تقليبها ~~دبورا وشمالا وجنوبا وصبا. وقيل: تصريفها مرة بالرحمة ومرة بالعذاب. # وقرأ حمزة والكسائي وخلف: (وتصريف الريح) بغير ألف على ~~الواحد. وقرأ الباقون: (الرياح) على الجمع. قال ابن عباس: ~~(الرياح للرحمة؛ والريح للعذاب)، وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم إذا هاجت الريح يقول: # " اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا ". # قوله تعالى: { والسحاب المسخر }؛ أي المذلل، { بين ~~السمآء والأرض }؛ سمي سحابا لأنه ينسحب بالسير في سرعة. ~~قوله تعالى: { لآيات لقوم يعقلون }؛ أي لعلامات دالة ~~على وحدانية الله لقوم يعرفون لو كانت هذه الأمور إلى اثنين لاختلفا. ~~وقيل: لآيات لقوم يعقلون فيعلمون أن لهذه الأشياء خالقا وصانعا. ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ويل لمن قرأ هذه الآية ولم يتفكر فيها ~~ويعتبر بها ". # قيل: إن السحاب كالمنخل يخرج منه المطر قطرة قطرة ولا تلتقي منه ~~قطرتان في الجو؛ إذ لو خرج منهمرا سيالا لأغرق ما أتى عليه كما في ~~طوفان نوح عليه السلام قال الله تعالى في طوفان نوح: # ففتحنآ أبواب السمآء بماء منهمر # [القمر: 11]. ### || [2.165] # قوله تعالى: { ومن الناس من يتخذ من دون الله ~~أندادا }؛ وهم المشركون. والأنداد: هم الأصنام المعبودة من دون ~~الله، قاله أكثر المفسرين، وقال السدي: (يعني ms0128 سادتهم ~~وقادتهم الذين كانوا يطيعونهم في معصية ~~الله). # قوله تعالى: { يحبونهم كحب الله }؛ أي كحب ~~المؤمنين الله تعالى يقال: بعت غلامي كبيع غلامك؛ أي كبيعك غلامك. ~~وأنشد الفراء: # أبيت ولست مسلما ما دمت حيا # على زيد كتسليم الأمير # أي كتسليمي على الأمير، وهذا قول أكثر العلماء. وقال الزجاج: ~~(تقدير الآية: يحبونهم كحب الله؛ يعني يسؤون ~~بين هذه الأصنام وبين الله تعالى في المحبة). # قوله تعالى: { والذين آمنوا أشد حبا لله }؛ أي ~~يخلصون في محبة الله لا يشركون به غيره؛ وهم يشركون معه معبوداتهم. ~~وقيل: إن المؤمنين يعبدون الله في كل حال؛ والكفار يعبدون الأوثان ~~في الرخاء فإذا أصابتهم شدة تركوا عبادتها. وقال ابن عباس: ~~(معناه أثبت وأدوم، وذلك أن المشركين كانوا ~~يعبدون صنما فإذا رأوا شيئا أحسن منه تركوه ~~وأقبلوا على عبادة الأحسن). وقال قتادة: (إن ~~الكافر يعرض عن معبوده في وقت البلاء ويقبل ~~على الله تعالى كما قال تعالى: # فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له ~~الدين # [العنكبوت: 65] والمؤمن لا يعرض عن الله تعالى في ~~السراء والضراء والشدة والرخاء). وقيل: لأن ~~الكفار يرون معبودهم مصنوعهم؛ والمؤمنون يرون الله تعالى ~~صانعهم. # قوله تعالى: { ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون ~~العذاب }. قرأ أبو رجاء والحسن وشيبة ونافع وقتادة ويعقوب وأيوب: ~~(ولو ترى) بالتاء على أنه خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. والجواب ~~محذوف تقديره: ولو ترى يا محمد { الذين ظلموا } أي أشركوا { ~~إذ يرون العذاب } لرأيت أمرا عظيما؛ ولعلمت ما يصيرون ~~إليه، أو تعجبت منه. وقرأ الباقون بالياء؛ فمعناه: { ولو يرى ~~الذين ظلموا } أنفسهم عند رؤية العذاب لعلموا، { أن ~~القوة لله جميعا }؛ أو لآمنوا أو لعلموا مضرة الكفر. نظيره ~~هذه الآية في المحذوف: # ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به ~~الأرض # [الرعد: 31] أي لكان هذا القرآن. # وقوله تعالى: { إذ يرون العذاب } قرأ ابن عامر: (إذ ~~يرون العذاب) بضم الياء على التعدي. وقرأ الباقون بفتحه على ~~اللزوم. وقيل: معنى الآية: ولو يرى عبدة الأوثان اليوم ما يرون حين ~~رؤية ms0129 شدة عذاب الله وقوته لتركوا عبادة الأوثان ومحبتها. وهذا التأويل ~~على قراءة الياء. وقوله: { أن القوة لله جميعا } أي لأن ~~القوة لله جميعا؛ { وأن الله شديد العذاب }؛ للرؤساء ~~والأتباع من عبدة الأوثان. # وقرأ الحسن وقتادة وشيبة وسلام ويعقوب: (إن القوة لله جميعا ~~وإن الله) بالكسر فيهما على الاستئناف. والكلام تام عند قوله: { ~~يرون العذاب } مع إضمار الجواب؛ كما ذكرنا. وقرأ الباقون بفتحها ~~على معنى بأن القوة لله جميعا معطوف على ما قبل. وقيل: على معنى ~~لرأوا أن القوة لله جميعا، أو لأيقنوا. ### || [2.166] # قوله تعالى: { إذ تبرأ الذين اتبعوا من ~~الذين اتبعوا } ، متصل بقوله: # شديد العذاب # [البقرة: 165] أي شديد العذاب وقت تبرأ المتبعون من التابعين، { ~~ورأوا العذاب } ، جميعا ودخلوا في النار جميعا وعاينوا ما ~~فيها. قرأ مجاهد بتقديم الفاعلين على المفعولين؛ وقرأ الباقون بالضد. ~~(والتابعون هم الأتباع والضعفاء والسفلة) قاله ~~أكثر المفسرين. وقال السدي: (هم الشياطين يتبرأون من ~~الإنس). # قوله تعالى: { وتقطعت بهم الأسباب } ، قال ابن ~~عباس ومجاهد وقتادة: (يعني أسباب المودة والوصلات ~~التي كانت بينهم في الدنيا، فصارت محبتهم ~~عداوة). وقال الكلبي: (يعني بالأسباب الأرحام). وقال أبو ~~روق: (الحلف والعهود التي كانت بينهم في ~~الدنيا؛ وتقطع بينهم الأسباب؛ أي لا سبب يبقى ~~لهم إلى رحمة الله تعالى بوجه من الوجوه). ### || [2.167] # قوله تعالى: { وقال الذين اتبعوا }؛ أي قال السفلاء ~~والخدم: { لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما ~~تبرءوا منا }؛ أي قالوا: لو أن لنا رجعة إلى الدنيا لتبرأنا ~~منهم كما تبرأوا منا في الآخرة، يقول الله تعالى: { كذلك يريهم ~~الله أعمالهم }؛ التي عملوها في الدنيا لغير الله؛ { حسرات ~~عليهم }؛ أي كما أراهم العذاب؛ وكما تبرأ بعضهم من بعض كذلك ~~يريهم الله أعمالهم التي عملوها في الدنيا لغير الله حسرات عليهم؛ أي ~~ندمات عليهم كما أراهم تبرأ بعضهم عن بعض. وقيل: أراد أعمالهم ~~الصالحة التي عملوها. قال السدي: (ترفع لهم الجنة ~~فينظرون إليها وإلى تبوئهم فيها لو أطاعوا ~~الله، فيقال لهم: تلك منازلكم لو أطعتم الله ~~تعالى؛ ثم يمنعون عنها، ms0130 فذلك حين يندمون). ~~وقوله تعالى: { وما هم بخارجين من النار }؛ أي التابعون ~~والمتبوعون. ### || [2.168-169] # قوله عز وجل: { يأيها الناس كلوا مما في الأرض ~~حلالا طيبا }؛ أي من الزروع والأنعام وغير ذلك مما أحل الله ~~لكم. والطيب صفة للحلال؛ وهما واحد، ويجوز أن يكون الحلال ~~المستلذ. { ولا تتبعوا خطوات الشيطان }؛ أي لا ~~تسلكوا طريقه التي يدعوكم إليها. # وقيل: نزلت هذه الآية في ثقيف وخزاعة وبني عامر بن صعصعة؛ كانوا ~~يحرمون البحيرة والسائبة والوصيلة والحام وبعض الحروث. # ووجه دخول (من) التي هي للتبعيض: أن كل ما في الأرض لا يمكن أكله ولا ~~يحل. وقوله تعالى { حلالا طيبا } انتصبا على الحال. وقيل: على ~~المفعول؛ أي كلوا حلالا طيبا مما في الأرض. # وقوله: { خطوات الشيطان } قرأ شيبة ونافع وعاصم في رواية ~~أبي بكر، والأعمش وحمزة وأبي عمرو؛ وابن كثير في رواية: بسكون الطاء ~~في جميع القرآن. وقرأ قنبل وحفص: بضم الخاء والطاء في جميع القرآن. ~~وقرأ علي رضي الله عنه وسلام عليه: بضم الخاء والطاء وهمزة بعد ~~الطاء. وقرأ أبو السمال العدوي وعبيد بن عمير: (خطوات) بفتح ~~الخاء والطاء. # فمن أسكن الطاء بقاه على الأصل؛ وطلب الخفة؛ لأنه جمع خطوة ~~بإسكان الطاء، ومن ضم الطاء فإنه اتبع ضمة الخاء ضمة الطاء مثل ظلمة ~~وظلمات وقربة وقربات. ومن همز الواو مع الضم ذهب بها مذهب ~~الخطيئة، ومن فتح الخاء والطاء فإنه أراد جمع خطوة مثل ثمرات. # واختلف المفسرون في قوله: { خطوات الشيطان } فعن ابن ~~عباس: (أن خطوات الشيطان عمله). وقال مجاهد وقتادة ~~والضحاك: (خطاياه). وقال الكلبي والسدي: (طاعته). وقال ~~عطاء: (زلاته وشهواته). وقال المؤرج: (آثاره). وقال ~~القتبي والزجاج: (طرقه). # قوله تعالى: { إنه لكم عدو مبين }؛ أي بين ~~العداوة، وقيل: مظهرها قد بان عداوته بإبائه السجود لأبيكم آدم ~~وغروره إياه حين أخرجه من الجنة. ثم بين الله عداوته فقال: { إنما ~~يأمركم بالسوء والفحشآء }؛ أي بالإثم والمعاصي، وقيل: ~~السوء: ما يجب به التعزيز؛ والفحشاء: ما يجب به الحد. وقيل: كل ما كان ~~في القرآن من الفحشاء فهو ms0131 زنا، إلا قوله تعالى: # ويأمركم بالفحشآء # [البقرة: 268] فإنه منع الزكاة. وقيل: الفحشاء: ما قبح من القول ~~والفعل. وقال طاووس: (الفحشاء: ما لا يعرف في شريعة ~~ولا سنة). وقال عطاء: (هي البخل). وقال السدي: (هي ~~الزنا). # قوله تعالى: { وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون }؛ من تحريم الحرث والأنعام وغير ذلك؛ ومن وصفكم الله ~~تعالى بالأنداد والأولاد، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. فإن قيل: ~~كيف يصح أن يأمر الشيطان وهو لا يشاهد ولا يسمع صوته؟ قيل: معنى ~~يأمركم يدعوكم ويرغبكم كما يقول الإنسان: نفسي تأمرني بكذا؛ أي تدعوني ~~إليه. ### || [2.170] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل ~~الله }؛ أي إذا قيل لهؤلاء الكفار: اتبعوا في التحليل والتحريم ما ~~أنزل الله؛ { قالوا بل نتبع مآ ألفينا عليه ~~آبآءنآ }؛ أي ما وجدنا عليه آباءنا من عبادة الأوثان وتحريم البحيرة ~~والسائبة ونحو ذلك. يقول الله تعالى: { أولو كان آباؤهم لا ~~يعقلون }؛ أي أيتبعون آباءهم وإن كانوا جهالا لا يعقلون؛ { ~~شيئا }؛ من الدين، { ولا يهتدون }؛ للسنة. # وقيل: إن هذه الآية قصة مستأنفة؛ وإنها نزلت في اليهود؛ فعلى هذا ~~تكون الهاء والميم في قوله: { لهم } كناية عن غير مذكور. وعن ابن ~~عباس قال: [دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود ~~والنصارى إلى الإسلام ورغبهم فيه وحذرهم ~~عذاب الله، فقال له رافع بن خارجة ومالك بن ~~عوف: بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا فهم كانوا ~~خيرا منا وأعلم؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية]. ### || [2.171] # قوله تعالى: { ومثل الذين كفروا كمثل الذي ~~ينعق بما لا يسمع إلا دعآء وندآء }؛ هذا مثل ضربه ~~الله تعالى للكفار فوصفهم بعدما أمرهم ونهاهم؛ فلم يأتمروا ولم ينتهوا ~~بصفة الدواب، معناه: مثلنا أو مثلك يا محمد مع الكفار أو ~~مثل واعظ الذين كفروا. فحذف اختصارا كمثل الذي يصيح بها بما لا يدري ~~ما يقال له إلا أنه يسمع الصوت، وهو الإبل والبقر والغنم ينزجر بالصوت ~~ولا تفقه ما يقال لها؛ ولا تحسن جوابا؛ فكما أن البهائم لا تفهم ~~كلام من ms0132 يدعوها، فكذا هؤلاء الكفار لا ينتفعون بوعظ النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وهذا قول ابن عباس وعكرمة ومجاهد وقتادة وعطاء والربيع وأكثر ~~المفسرين، فإنهم قالوا المراد (بما لا يسمع إلا دعاء ~~ونداء) البهائم التي لا تعقل كالأنعام والحمير ونحوها. # وأضاف المثل إلى الكفار اختصارا لدلالة الكلام عليه؛ وتقديره؛ مثلك يا ~~محمد ومثل الذين كفروا في وعظهم ودعائهم إلى الله تعالى كمثل الداعي الذي ~~ينعق بهم؛ أي يصوت ويصيح بها، يقال: نعق ينعق نعقا ~~ونعاقا؛ إذا صاح وزجر، قال الشاعر: # فانعق بضأنك يا جرير فإنما # منتك نفسك في الخلاء ضلالا # فكما أن هذه البهائم تسمع الصوت ولا تفهم ولا تعقل ما يقال لها؛ ~~كذلك الكافر لا ينتفع بوعظ إن أمرته بخير أو زجرته عن شر؛ غير أنه يسمع ~~صوتك. وقال الحسن: (معناه: مثله فيما أتيتم به حيث يسمعونه ولا يعقلونه ~~كمثل راعي الغنم الذي ينعق بها، فإذا سمعت الصوت رفعت رأسها فاستمعت ~~إلى الصوت والدعاء ولا تعقل منه شيئا، ثم تعود بعد ذلك إلى مرعاها؛ ~~لم تفقه ما ناداها به). وقال قوم: معنى الآية: مثل الكفار في دعائهم ~~الأصنام وعبادتهم الأوثان كمثل الرجل يصيح في جوف الجبال، فيجيبه ~~فيها صوت يقال لها الصدى؛ يجيبه ولا ينفعه. # قوله تعالى: { إلا دعآء وندآء }. وقيل: إن الدعاء ~~والنداء واحد كما أن الحلال والطيب واحد. وقيل: الدعاء ما يكون ~~للقريب، والنداء إنما يكون مد الصوت للبعيد. # قوله تعالى: { صم بكم عمي فهم لا يعقلون }؛ أي ~~هم صم عن الخير لا يسمعون الحق؛ والعرب تقول لمن يسمع ولا يعمل بما ~~يسمعه: كأنه أصم. وقوله تعالى: { بكم } أي خرس لا يتكلمون ~~بخير؛ { عمي } لا يبصرون الهدى فهم لا يعقلون ما يؤمرون به. ### || [2.172-173] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم }؛ أي من حلال ما رزقناكم من الحرث ~~والأنعام وسائر المأكولات، قال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله سبحانه وتعالى طيب لا يقبل إلا ~~الطيب، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به ~~المرسلين؛ فقال: ms0133 يا أيها الرسل كلوا من ~~الطيبات، وقال: يا أيها الذين آمنوا كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم ". # قوله تعالى: { واشكروا لله إن كنتم إياه ~~تعبدون }؛ أي واشكروا لله على ما رزقكم وأباح لكم من النعم ~~إن كنتم إياه تعبدون؛ أي إن كنتم تقرون أنه إلهكم ~~ورازقكم، وهذا أمر إباحة وتخيير؛ أعني قوله تعالى: { كلوا } لأن ~~تناول المشتهى لا يدخل في التعبد؛ وقد يكون الأكل تعبدا في بعض ~~الأحوال عند دفع ضرر النفس أو تقويتها على الطاعة، وعند مساعدة الضيف ~~إذا امتنع عن الأكل. # فلما نزلت هذه الآية قالت الكفار: إذا لم تكن البحيرة والسائبة ~~والوصيلة محرمة في المحرمات، فأنزل الله تعالى قوله تعالى: { ~~إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير ~~ومآ أهل به لغير الله }؛ قرأ السلمي: (إنما حرم ~~عليكم) براء مضمومة مخففة (الميتة والدم ولحم ~~الخنزير) رفعا. # وروي عن أبي جعفر أن قرأ: (حرم) بضم الحاء وكسر الراء وتشديدها ~~ورفع ما بعدها. وقرأ إبراهيم بن أبي عبيلة: (إنما حرم عليكم ~~الميتة) بنصب الحاء والراء وتشديد الراء ورفع الميتة وما بعدها، ~~وجعل (ما) بمعنى الذي المنفصلة، ويكون موضع (ما) نصبا باسم إن؛ وما ~~بعدها خبرها. كما قال: # إنما صنعوا كيد ساحر # [طه: 69]. وقرأه الباقون (حرم) بنصب الحاء وتشديد الراء ونصب ~~(الميتة) وما بعدها، وجعلوا (إنما) كلمة واحدة تأكيدا وتحقيقا. ~~والميتة: ما لم يذك، والدم: يعني المسفوح الجاري. وهذه الآية ~~مخصوصة بالسنة؛ وهو قوله صلى الله عليه وسلم: # " أحلت لنا ميتتان: السمك والجراد، والدمان: ~~الكبد والطحال ". # قوله تعالى: { ولحم الخنزير } أراد جميع أجزائه وكل ~~بدنه، فعبر ذلك باللحم؛ لأنه معظمه وقوامه. وقوله تعالى: { ومآ ~~أهل به لغير الله } أي ما ذكر عليه عند الذبح اسم غير ~~الله، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: (يعني ما ذبح ~~للأصنام والطواغيت كلها) وأصل الإهلال رفع الصوت، ومنه ~~إهلال الحج؛ وهو رفع الصوت بالتلبية، ومنه إهلال الصبي واستهلاله؛ ~~وهو صياحه عند خروجه من بطن أمه. # قوله تعالى: { فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا ~~إثم عليه ms0134 }؛ قرأ عاصم وحمزة ويعقوب وأبو عمرو: (فمن اضطر) ~~بكسر النون فيه وفيما يشابهه مثل (أن اقتلوا) وأمثاله. وقرأ ابن ~~محيصن: (فمن اضطر) بإدغام الضاد في الطاء حتى يكون طاء خالصة. # ومعنى الآية: فمن أحرج فالتجأ إلى ذلك بالمجاعة والإكراه، { غير ~~باغ } أي غير طالب لذلك؛ أي غير طالب تلذذ، { ولا عاد } أي ولا ~~متجاوز قدر ما يسد به رمقه، وقوله عز وجل: { غير باغ } ~~نصب { غير } على الحال، وقيل: على الاستثناء، وإذا رأيت { غير } ~~لا يقع في موضعها (إلا) فهي حال؛ وإذا يقع في موضعها (إلا) فهي ~~استثناء؛ فقس على هذا. # وقال بعض المفسرين: على معنى { غير باغ } أي غير قاطع للطريق، ~~{ ولا عاد } أي ولا مفارق للأئمة ولا مشاق للأمة خارج عليهم ~~بسيفه، ومن خرج يخيف السبيل؛ أو يفسد في الأرض؛ أو آبق من سيده؛ أو ~~فر من غريمه؛ أو خرج عاصيا بأي وجه كان فاضطر إلى الميتة؛ ~~لم يجز أكلها، واضطر إلى الخمر عند العطش؛ لم يحل له شربها، ~~وهذا قول مجاهد وابن جبير والكلبي، وبهذا التأويل أخذ الشافعي ~~رحمة الله، وقال أبو حنيفة ومالك رحمهما الله: ((يجوز ذلك لهم ~~ولو كانوا بغاة خارجين على المسلمين كما يجوز لأهل العدل)). # قال ابن عباس والحسن ومسروق: (تفسير قوله: { غير باغ } ~~أي غير باغ في الميتة؛ ولا عاد الأكل). وقال مقاتل: ~~(أي غير باغ ومستحل، ولا عاد أي ولا متزود ~~منها). وقال السدي: (غير باغ في أكله بشهوة ~~وتلذذ، ولا عاد أي لا يأكل حتى يشبع منها، ~~ولكن يأكل منها ما يمسك رمقه). وقال بعضهم: غير ~~باغ؛ أي متجاوز للقدر الذي يحل له، ولا عاد؛ أي لا يقصر فيها فيما يحل ~~له منها؛ فلا يأكله. قال مسروق: (بلغني أنه من اضطر إلى ~~الميتة فلم يأكلها حتى مات دخل النار). # واختلف الفقهاء في حد الاضطرار إلى الميتة فيما يحل للمضطر أكله ~~من الميتة، فقال بعضهم: إنه لا يجوز له الأكل إلا عند خوف التلف في آخر ~~الرمق وهو الصحيح، وقال بعضهم: ms0135 إذا كان يضعف عن الفرائض. وقال بعضهم: ~~إذا كان بحيث لو دخل إلى سوق لا ينظر إلى شيء سوى المطعوم. # وأما مقدار ما يأكل عند الضرورة فقال أبو حنيفة: (لا يأكل إلا ما ~~يسد رمقه)، وهو أحد قولي الشافعي.؟ وقال مالك: (يأكل حتى يشبع ~~ويتزود منها، فإن وجد شيئا مباحا طرحها). وقال مقاتل: (لا يزيد ~~على ثلاثة لقم). # قوله: { فلا إثم عليه } أي فلا حرج عليه في أكلها، { إن ~~الله غفور }؛ لمن أكل من الحرام في حالة الاضطرار، { رحيم }؛ ~~به حيث رخص له في ذلك، فإن قيل: قوله تعالى: { فلا إثم ~~عليه } تناقض قوله: { إن الله غفور رحيم }؛ لأن ~~الغفران يقتضي إثبات الإثم؟ قيل: لأنه بالغفران قد يسر بما لولا ~~الإباحة لكانت معصية، وبرحمته جوز عند الضرورة إحياء النفس ~~بتناوله. ### || [2.174] # قوله عز وجل: { إن الذين يكتمون مآ أنزل الله ~~من الكتاب } ، نزل في علماء اليهود والنصارى، قال الكلبي: عن أبي ~~صالح عن ابن عباس: (كان علماء اليهود يأخذون من ~~سفلتهم الهداية، وكانوا يرجون أن يكون ~~النبي المبعوث منهم، فلما بعث الله محمدا صلى ~~الله عليه وسلم من غيرهم، خافوا ذهاب مآكلهم وزوال ~~رئاستهم، فعمدوا إلى صفة محمد صلى الله عليه وسلم ~~فغيروها ثم أخرجوها إليهم وقالوا: هذا نعت ~~النبي الذي يخرج في آخر الزمان، لا يشبه نعت ~~هذا النبي الذي بمكة، فإذا نظرت السفلة إلى ~~النعت المغير وجدوه مخالفا لصفة محمد صلى ~~الله عليه وسلم فلا يتبعونه، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية { إن الذين يكتمون مآ أنزل الله من ~~الكتاب } يعني صفة محمد صلى الله عليه وسلم ~~ونبوته) { ويشترون به }؛ أي بالمكتوب، { ثمنا قليلا ~~}؛ أي عوضا يسيرا؛ يعني المآكل التي كانوا يصيبونها من سفلتهم، { ~~أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار }؛ ذكر ~~البطون ها هنا للتأكيد؛ ما يأكلون إلا ما يوردهم النار؛ وهي ~~الرشوة والحرام، ومن الدين والإسلام، فلما كان عاقبته النار سماه ~~في الحال نارا، كقوله تعالى: # إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا ms0136 # [النساء: 10] يعني أن عاقبته النار، وقال عليه السلام في ~~الذي يشرب في الإناء الذهب والفضة: # " إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " # أخبر عن المال بالحال. # قوله عز وجل: { ولا يكلمهم الله يوم ~~القيامة }؛ أي لا يكلمهم كلاما ينفعهم ويسرهم كما يكلم أولياءه ~~من البشارة والرضا، وأما التهديد فلا بد منه لقوله تعالى: # فوربك لنسألنهم أجمعين # [الحجر: 92]. وقيل: معناه: لا يسمعهم كلام نفسه، بل يرسل إليهم ~~ملائكة العذاب، فيكلمونهم بأمر الله، وإنما أضاف السؤال إلى نفسه؛ ~~لأن سؤال الملائكة بأمره. # قوله تعالى: { ولا يزكيهم }؛ أي لا يطهرهم من دنس ~~ذنوبهم؛ ولا يثني عليهم خيرا؛ ولا يصلح أعمالهم الخبيثة؛ { ولهم ~~عذاب أليم }؛ أي مؤلم. ### || [2.175] # قوله تعالى: { أولئك الذين اشتروا الضلالة ~~بالهدى والعذاب بالمغفرة فمآ أصبرهم على ~~النار }؛ أي الذين مالوا إلى التحريف للتوراة والإنجيل هم الذين ~~استبدلوا الكفر بالإيمان، وقوله تعالى { والعذاب بالمغفرة } ~~معناه: أن الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم يوجب المغفرة؛ والكفر ~~به يوجب العذاب؛ فيكون المستبدل للكفر بالإيمان مشتريا للعذاب ~~بالمغفرة. # قوله تعالى: { فمآ أصبرهم على النار } قال الحسن ~~وقتادة والربيع: (والله وما لهم عليها من صبر؛ ولكن ~~ما أجرأهم على العمل الذي يقربهم إلى النار!). ~~وقال الكسائي وقطرب: (ما أصبرهم على عمل أهل النار؛ أي ~~ما أدومهم عليه). وقيل: معناه: ما ألقاهم في النار. وقال ~~عطاء والسدي: (معناه: ما الذي أصبرهم على النار، ~~وأي شيء صبرهم على النار حين تركوا الحق ~~واتبعوا الباطل). # وقيل: هو لفظ استفهام بمعنى التوبيخ لهم والتعجب لنا، كأنه قال: ~~ما أجرأهم على فعل أهل النار مع علمهم. قالوا: وهذه لغة يمانية. وقال ~~الفراء: (أخبرني الكسائي؛ قال: أخبرني قاضي ~~اليمن: أن خصمين اختصما إليه، فوجبت اليمين ~~على أحدهما؛ فحلف، فقال له خصمه: ما أصبرك على ~~الله! أي ما أجرأك على الله). ### || [2.176] # قوله تعالى: { ذلك بأن الله نزل الكتاب ~~بالحق }؛ أي ذلك العذاب لهم في الآخرة. وقيل: ذلك الضلال { ~~بأن الله نزل الكتاب بالحق } أي بالعذاب والصدق. ~~واختلفوا فيه؛ فحينئذ يكون ذلك في ms0137 موضع الرفع. وقال بعضهم: هو في محل ~~النصب؛ معناه: فعلنا ذلك بهم؛ بأن الله أو لأن الله نزل الكتاب ~~بالحق فاختلفوا فيه وكفروا به؛ فنزع الخافض. # قوله تعالى: { وإن الذين اختلفوا في الكتاب }؛ ~~قيل: هم اليهود والنصارى، وأراد بالكتاب: التوراة والإنجيل وما ~~فيهما من البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم وصحة أمره ودينه. # وقيل: هم الكفار كلهم، وأراد بالكتاب القرآن واختلافهم فيه؛ لأن ~~بعضهم قال: هو سحر، وبعضهم قال: هو قول البشر، وبعضهم قال: هو أساطير ~~الأولين، { وإن الذين اختلفوا في الكتاب } { لفي ~~شقاق بعيد }؛ أي خلاف طويل. ### || [2.177] # قوله عز وجل: { ليس البر أن تولوا وجوهكم ~~قبل المشرق والمغرب }؛ قرأ حمزة وحفص: (ليس البر) ~~بالنصب، ووجه ذلك: أنهما جعلا (أن) وصلتهما في موضع الرفع على اسم ليس، ~~تقديره: ليس توليتكم وجوهكم البر، كقوله تعالى: # فكان عاقبتهمآ أنهما في النار # [الحشر: 17]. وقرأ الباقون بالرفع على أنه اسم (ليس). # واختلف المفسرون في هذه الآية: فقال قوم: أراد بها اليهود والنصارى ~~قبل المشرق، وزعم كل فريق منهم أن البر في ذلك، فأخبر الله تعالى أن ~~البر غير دينهم وعملهم، وعلى هذا القول قتادة والربيع ومقاتل. # وقيل: لما حولت القبلة إلى الكعبة كثر الخوض في أمر ~~القبلة، فتوجهت. النصارى نحو المشرق، واليهود يصلون قبل المغرب إلى ~~بيت المقدس، واتخذوهما قبلة وزعموا أنه البر، فأكذبهم الله تعالى ~~بهذا وبين أن البر في طاعته واتباع أمره، وأن البر يتم بالإيمان. ~~وقيل: معناه: ليس البر كله في الصلاة فقط، { ولكن البر ~~} ، الذي يؤدي للثواب، { من آمن بالله واليوم الآخر } ، ~~والإقرار بالملائكة أنهم عباد الله ورسله؛ لا كما قال بعض الكفار: ~~أن الملائكة بنات الله. والإقرار بالنبيين كلهم. # فإن قيل لهم: جعل (من) خبر (البر) و(من) اسم و(البر) ~~فعل، وهم لا يجبرون: (البر) زيد. قيل: معناه عند بعضهم: ~~ولكن البر الإيمان بالله، والعرب تجعل الاسم خبرا للفعل كقولهم: ~~البر الصادق الذي يصل رحمه ويخفي صدقته، يريدون صلة الرحم ~~وإخفاء الصدقة، فيكون (من) في موضع المصدر كأنه قال: ms0138 ولكن ~~البر من آمن بالله والبر بر من آمن بالله، كما يقال: الجود ~~من حاتم؛ والشجاعة من عنتر؛ أي الجود جود حاتم، والشجاعة شجاعة عنتر، ~~ومثله قوله تعالى: # وسئل القرية # [يوسف: 82] # أي أهل القرية. # ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة # [لقمان: 28]؛ أي كخلق نفس. وقال أبو عبيدة: (معناه: ولكن ~~البار من آمن بالله، كقوله: # والعاقبة للتقوى # [طه: 132] أي للمتقي). وقيل: معناه: ولكن ذا البر من آمن ~~بالله، كقوله: # هم درجت عند الله # [آل عمران: 163] هم ذو درجات. # قوله تعالى: { والملائكة والكتاب والنبيين }؛ ~~أي من آمن بالله والملائكة كلهم والكتاب يعني الكتب، والنبيين أجمع. # قوله تعالى: { وآتى المال على حبه }؛ اختلفوا في ~~الهاء الذي في (حبه)؛ فقال أكثر المفسرين: الهاء في (حبه) راجع ~~إلى المال؛ يعني إعطاء المال في صحته ومحبته إياه وصلته به، وهو ~~صحيح يخشى الفقر ويأمل الغنى، ولا يهمل حتى إذا بلغت الحلقوم ~~فيقول: لفلان كذا أو لفلان كذا. أو قيل: هي عائدة إلى الله؛ أي على حب ~~الله تعالى. وقيل: على حب الأنبياء. # قوله تعالى: { ذوي القربى }؛ أي أهل القربى؛ قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " أفضل الصدقة على ذوي الرحم الكاشح " # و # " عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: أعتقت جارية ~~لي، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته ~~بذلك؛ فقال: " آجرك الله، أما أنك لو أعطيتها ~~بعض أخوالك كان أعظم لأجرك " ". # وقوله تعالى: { واليتامى والمساكين } { وابن ~~السبيل }؛ يعني المجتاز، قال مجاهد: (وهو المسافر ~~والمنقطع عن أهله يمر عليك). وقال قتادة: (وهو ~~الضيف ينزل بالرجل) قال: (لقوله صلى الله عليه وسلم: # " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ~~ضيفه " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " حق الضيافة ثلاث، فما فوق ذلك فهو صدقة " # وإنما قيل للمسافر والضيف: ابن السبيل؛ ~~لملازمته الطريق كما يقال للرجل الذي أتت ~~عليه الدهور: ابن الليالي والأيام). # قوله تعالى: { والسآئلين }؛ يعني المستطعمين الطالبين، ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " للسائل حق وإن جاء على ظهر فرس " # وقال صلى ms0139 الله عليه وسلم: # " هدية الله للمؤمن السائل على بابه " # قوله تعالى: { وفي الرقاب }؛ يعني المكاتبين؛ كذا قال ~~أكثر أهل التفسير. وقيل: فداء الأسارى. وقيل: عتق النسمة هو ~~شراؤها للعتق وفك الرقبة. # قوله تعالى: { وأقام الصلاة }؛ يعني المفروضة، وقوله ~~تعالى: { وآتى الزكاة }؛ يعني الواجبة، وقوله تعالى: { ~~والموفون بعهدهم إذا عاهدوا }؛ يعني فيما بينهم وبين ~~الله، وفيما بينهم وبين الناس إذا وعدوا أنجزوا؛ وإذا حلفوا ~~بروا؛ وإذا نذروا أوفوا؛ وإذا قالوا صدقوا؛ وإذا ائتمنوا أدوا. ~~وقيل: معناه الموفون بالعهود التي أمر الله بأوفائها من سائر ~~المواثيق؛ مدحهم على الوفاء بما عاهدوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من نصرته على الأعداء؛ ومظاهرته بالجهاد. # واختلفوا في رفع الموفين؛ فقال الفراء والأخفش: (هو عطف ~~على محل { من } في قوله { ولكن البر من آمن ~~} كأنه قال: ولكن البر المؤمنون والموفون). ~~وقيل: هو رفع على الابتداء، والخبر تقديره: وهم الموفون. # قوله تعالى: { والصابرين في البأسآء والضرآء }؛ ~~في انتصابه خلاف؛ قال الكسائي: (عطف على ذوي القربى، ~~كأنه قال: وآتى الصابرين). وقال بعضهم: معناه: أعني ~~الصابرين. وقال الخليل والفراء: (نصب على المدح، والعرب ~~تنصب على المدح والذم، فالمدح مثل قوله ~~تعالى: # والمقيمين الصلاة # [النساء: 162]، والذم مثل قوله تعالى: # ملعونين # [الأحزاب: 61]). وقوله تعالى: { في البأسآء } يعني الشدة ~~والفقر، و { والضرآء } يعني المرض والزمانة، وفي هاتين ~~الحالتين يعظم موقع الصبر على العبادة. # قوله تعالى: { وحين البأس }؛ أي وقت القتال وشدة الحرب، ~~يقال: لا بأس عليك؛ أي شدة. وقوله تعالى: { أولئك ~~الذين صدقوا }؛ أي في إيمانهم وجهادهم، { وأولئك هم ~~المتقون }؛ محارم الله تعالى. قيل: [جاء رجل إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن الإيمان؛ فقرأ هذه ~~الآية]. ### || [2.178] # قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا كتب ~~عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد ~~بالعبد والأنثى بالأنثى }؛ نزلت هذه الآية في الأوس ~~والخزرج وكان بينهما قتلى وجراحات في الجاهلية، وكان لأحدهما طول على ~~الآخر في الكثرة والشرف، فأقسموا ليقتلن بالعبد منا الحر منهم؛ ~~وبالمرأة منا الرجل منهم؛ وبالرجل منا الرجلين منهم، ms0140 وجعلوا جراحاتهم ~~ضعفي جراحات أولئك، فلم يأخذها بعضهم من بعض حتى جاء الإسلام، ~~فرفعوا أمرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية وأمرهم بالمساواة؛ فرضوا وسلموا. # قوله تعالى: { فمن عفي له من أخيه شيء }؛ قيل: إن ~~(من) اسم القاتل من ترك له القود وصح عنه من القصاص في قتل ~~العمد؛ فرضي منه بالدية، وقوله: { من أخيه } أي من أخ المقتول ~~منه؛ فيسع العافي بالمعروف؛ أي بترفق في طلب الدية من القاتل ولا يعسر؛ ~~وليؤد القاتل إليه بإحسان؛ أي لا يبخس ولا يماطل، هذا قول أكثر ~~المفسرين. قالوا: العفو: أن يقبل الدية في قتل العمد، وقيل في تأويله: ~~إن العفو في اللغة ما سهل وتيسر، قال الله تعالى: # خذ العفو # [الأعراف: 199]؛ أي ما سهل من الأخلاق، فعلى هذا يكون قوله ~~تعالى: { فمن عفي له } أي ولي القتيل إذا بدل له من بدل ~~أخيه شيء من المال من جانب القاتل؛ ف له { فاتباع ~~بالمعروف }؛ أي فليقبله، { وأدآء }؛ أي ليؤد، { ~~إليه } ، القاتل { بإحسان }. # قوله تعالى: { ذلك تخفيف من ربكم ورحمة }؛ ~~أي أن الصلح عن القصاص على شيء من الدية أو غير ذلك تسهيل من ربكم ~~عليكم، رحمة رحمكم الله بها؛ وذلك أن الله كتب على أهل التوراة في ~~النفس والجراح أن يقيدوا ولا يأخذوا الدية ولا يعفوا، على أهل ~~الإنجيل أن يعفوا ولا يقيدوا ولا يأخذوا الدية، فخير الله هذه الأمة ~~بين القصاص والدية والعفو. # قوله تعالى: { فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب ~~أليم }؛ أي إذا قتل الولي قاتل وليه بعد أخذ الدية منه فله ~~عذاب أليم: القتل في الدنيا والنار في الآخرة، ومن قتل بعد أخذ الدية ~~يقتل ولا يعفى عنه، قال صلى الله عليه وسلم: # " لا أعافي رجلا قتل بعد أخذ الدية ". # وفي هذه الآية دليل على أن القاتل لا يصير كافرا ولا يخلد في النار؛ ~~لأن الله تعالى خاطبهم فقال: { يأيها الذين آمنوا كتب ~~عليكم } وقال في آخر الآية: { فمن عفي له من أخيه ~~شيء ms0141 } فسمى القاتل أخا للمقتول، وقال تعالى: { ذلك تخفيف ~~من ربكم ورحمة } وهما يلحقان المؤمنين دون الكفار. ويروى أن ~~مسروقا: (سئل هل للقاتل توبة؟ فقال: لا أغلق ~~بابا فتحه الله). ### || [2.179] # قوله عز وجل: { ولكم في القصاص حيوة يأولي ~~الألباب }؛ يعني أن الذي يريد قتل غيره إذا علم أنه إذا قتل ~~قتل؛ أمسك عن القتل وارتدع؛ فيكون ذلك حياة له وحياة للذي هم ~~بقتله، وفي بقائهما بقاء لمن يتعصب لهما؛ لأن الفتنة تنبئ بالقتل؛ ~~فتؤدي إلى المحاربة التي لا منتهى لها. وقيل: أراد الآخرة بذلك لا من ~~اقتص منه في الدنيا حي في الآخرة، وإذا لم يقتص منه في الدنيا اقتص ~~منه في الآخرة؛ فمعنى الحياة سلامته في الآخرة. قوله تعالى: { ~~يأولي الألباب } أي يا ذوي العقول، { لعلكم تتقون }؛ ~~أي لكي تتقوا القتل مخافة القصاص. ### || [2.180] # قوله عز وجل: { كتب عليكم إذا حضر أحدكم ~~الموت }؛ أي فرض عليكم إذا حضر أحدكم أسباب الموت من العلل ~~والأمراض، { إن ترك خيرا }؛ أي مالا، { الوصية ~~للوالدين والأقربين بالمعروف }؛ وفي ارتفاع الوصية ~~وجهان؛ أحدهما: اسم ما يسم فاعله؛ أي كتب عليكم الوصية، والثاني: ~~بخبر الجار والمجرور. وفي قوله: { للوالدين }. وقوله ~~تعالى: { بالمعروف } أي لا يزيد على الثلث؛ ولا يوصي للغني ~~ويترك الفقير. كما قيل: الوصية للأحوج فالأحوج. وقوله تعالى: { حقا ~~}؛ أي حقا واجبا وهو نعت على المصدر، معناه: حق ذلك حقا. وقيل: ~~على المفعول؛ أي جعل الوصية حقا. وقوله تعالى: { على المتقين ~~}؛ أي على المؤمنين. # وسبب نزول هذه الآية: أنهم كانوا في ابتداء الإسلام يوصون للأباعد ~~طلبا للرياء، فأمر الله تعالى من { ترك خيرا } أي مالا. ~~نظيره قوله تعالى: # وما تنفقوا من خير # [البقرة: 272] أي من مال، وقوله: # إني لمآ أنزلت إلي من خير فقير # [القصص: 24] أي من مال، # وإنه لحب الخير لشديد # [العاديات: 8]. وقوله تعالى: { إذا حضر أحدكم الموت } أي ~~إذا مرض أحدكم؛ لأنه إذا عاين الموت فقد شغل عن الوصية. # وهذه الآية منسوخة عند أكثر العلماء، واختلفوا بأي دليل نسخت؛ ~~فقال بعضهم: بآية ms0142 المواريث، وهذا لا يصح؛ لأن الله تعالى قال فيها: # من بعد وصية يوصي بهآ # [النساء: 11]. والصحيح: أنها نسخت بقوله عليه السلام: # " لا وصية لوارث " # وهذا الخبر وإن كان خبر واحد فقد تلقته الأمة بالقبول، فقد ~~جرى مجرى التواتر، ويجوز نسخ القرآن بمثل هذه السنة، ولا تجب الوصية ~~إلا على من عليه شيء من الواجبات لله تعالى أو لعباده، وتستحب لما لا ~~شيء عليه بالوصية بالثلث لأقاربه الذين لا يرثونه بالرحم، وفي جهات ~~الخير إذا لم يخف ضررا على ورثته، قال الضحاك: (من مات ولم ~~يوص لذي قرابته، فقد ختم عليه بمعصيته). وقيل: ~~لا يجب على أحد وصية، فإن أوصى فحسن، وإن لم يوص فلا شيء عليه، ~~وهذا قول علي وابن عمر وعائشة وعكرمة ومجاهد والسدي. # قال عروة بن الزبير: (دخل علي رضي الله عنه على مريض ~~يعوده؛ فقال: إني أريد أن أوصي، قال علي رضي الله ~~عنه: إن الله عز وجل قال: { إن ترك خيرا } وإنما ~~تترك شيئا يسيرا فدعه لعيالك، فإنه أفضل). ~~وروى نافع عن ابن عمر: (أنه لم يوص، فقال: أما رباعي ~~فلا أحب أن يشارك ولدي فيها أحد). وروي: (أن رجلا ~~قال لعائشة رضي الله عنها: إني أريد أن أوصي، ~~قالت: كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف، قالت: كم ~~عيالك؟ قال: أربعة، قالت: إنما قال الله تعالى: { ~~إن ترك خيرا } وهذا شيء يسير فاترك لعيالك). ~~وقد روي عن عروة بن ثابت قال للربيع بن خيثم: (أوص لي ~~بمصحفك، فنظر إلى ابنه، وقال: # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب ~~الله # [الأنفال: 75]). ### || [2.182] # قوله تعالى: { فمن خاف من موص جنفا أو إثما }؛ ~~لما توعد الله المبدل؛ خاف الأوصياء من التبديل، فكانوا ~~ينفذون وصية الميت وإن جار في وصيته واستغرقت كل المال، فأنزل ~~الله هذه الآية وبين أن الإثم في تبديل الحق بالباطل، وإذا غير ~~الوصي من باطل إلى حق على طريق الإصلاح فهو محسن فلا أثم عليه. # ومعنى الآية: لمن علم من موص جنفا مثل قوله تعالى: # إلا أن ms0143 يخافآ ألا يقيما # [البقرة: 229] أي إلا أن يعلما. وقوله تعالى: { جنفا } أي ~~ميلا عن الحق على جهة الخطأ. وقوله تعالى: { أو إثما } ~~أي ميلا إلى جهة العمد؛ بأن زاد في الوصية على الثلث؛ أو أقر ~~بغير الواجب؛ أو جحد حقا عليه، { فأصلح بينهم }؛ أي ~~الوصي بين ورثة الموصي وغرمائه، بأن رد الوصية إلى المعروف ~~الذي أمر الله به، { فلا إثم عليه } ، في التبديل. # والهاء والميم في قوله تعالى: { بينهم } كناية عن الورثة، ~~والكناية تصح عن المعلوم وإن لم يكن مذكورا؛ قوله تعالى: { ~~إن الله غفور رحيم }؛ يعني غفور رحيم إذ رخص للوصي في ~~خلاف الوصية على جهة الإصلاح. # قرأ مجاهد وعطاء وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشيبة ونافع وحفص: ~~(موص) بالتخفيف، وقرأ الباقون: (موص) بالتشديد. # وقوله تعالى: { جنفا } أي جورا وعدولا عن الحق، والجنف: ~~الميل في الكلام وفي الأمور كلها. وقرأ علي كرم الله ~~وجهه: (حيفا) بالحاء والياء؛ أي ظلما. قال الفراء: (الفرق ~~بين الجنف والحيف: أن الجنف عدول عن الشيء، ~~والحيف حمل على الشيء حتى ينتقصه، وعلى ~~الرجل حتى ينتقص حقه). قال المفسرون: الجنف ~~الخطأ، والإثم العمد. # ومعنى الآية: من حضر مريضا وهو يوصي، فخاف أن يخطئ في وصيته ~~ليفعل ما ليس له فعله، أو يتعمد جورا فيها فيأمر بما ليس له، فلا ~~حرج على من حضره أن يصلح بينه وبين ورثته؛ بأن يأمره بالعدل في ~~وصيته وينهاه عن الجنف؛ فينظر للموصي وللورثة، وهذا قول مجاهد: قال: ~~(هذا حين يحضره الموت، فإذا أسرف أمره بالعدل، ~~وإذا قصر؛ قال: افعل كذا، أعط فلانا كذا). # وقال آخرون: هو إذا أخطأ الميت في وصيته وأحاف فيها متعمدا، فلا ~~حرج على وليه أو وصيه أو والي أمور المسلمين أن يصلح بعد ~~موته بين الورثة وبين الموصى لهم، ويرد الوصية إلى العدل والحق، ~~وهذا قول ابن عباس وقتادة والربيع. # وروي عن عطاء أنه قال: (هو أن يعطي عند حضور أجله ~~بعض ورثته دون بعض مما سيرثونه بعد موته، ~~فلا إثم على من أصلح ms0144 بين الورثة). # وقال طاووس: (هو أن يوصي لبني ابنه يريد أبنه، أو ~~لبني بنته يريد بنته، أو لزوج ابنته يريد ~~ابنته، فلا حرج على من أصلح بين الورثة). # وقال السدي: (هو في الوصية للآباء والأقربين، ~~يميل إلى بعضهم ويحيف على بعضهم، فالأصلح أن ~~لا ينفذها؛ ولكن يصلح بينهم على ما يرى أنه ~~الحق، ينقص بعضا ويزيد بعضا). # قال ابن زيد: (فعجز الموصي أن يوصي للوالدين كما ~~أمره الله تعالى، وعجز الموصى إليه أن يصلح، ~~فانتزع الله ذلك منهم، وفرض الفرائض). قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله لم يرضى بملك مقرب، ولا بنبي مرسل ~~حتى تولى قسمة مواريثكم ". # وقوله تعالى: { فأصلح بينهم } ولم يخير للورثة ولا ~~للمختانين في الوصية ذكر؛ لأن سياق الآية وما تقدم من ذكر الوصية ~~يدل عليه. # " روي أن سعد بن أبي وقاص قال: مرضت مرضا أشرفت منه ~~على الموت؛ فعادني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: ~~يا رسول الله، إن لي مالا كثيرا، وليس يرثني إلا ~~بنت واحدة لي أفأوصي بثلثي مالي؟ قال " لا " ~~فقلت: بشطر المال؟ قال: " لا ". قلت: فثلث مالي؟ ~~قال: " نعم، والثلث كثير، إنك يا سعد إن تترك ~~ولدك غنيا خيرا من أن تتركهم عالة يتكففون ~~الناس " ". # وروي أن جارا لمسروق أوصى فدعا مسروقا يشهده، فوجده قد زاد ~~وأكثر، فقال: (لا أشهد، إن الله تعالى قد قسم ~~بينكم فأحسن القسمة، فمن يرغب برأيه عن أمر ~~الله فقد ضل، أوص لذي قرابتك الذين لا يرثون؛ ~~ودع المال على قسم الله). # وقال: صلى الله عليه وسلم: # " من حاف في وصيته ألقي في اللواء؛ واللواء ~~واد في جهنم " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين ~~سنة، فإذا أوصى وحاف في وصيته فيختم له بشر ~~عمله فيدخل النار ". ### || [2.183] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا كتب عليكم ~~الصيام }؛ قال الحسن: (إذا سمعت الله تعالى يقول: { ~~يأيها الذين آمنوا } فارع لها سمعك، فإنها ~~لأمر تؤمر به ولنهي تنهى عنه). وقال جعفر ms0145 الصادق: ~~(لذة ما في النداء إزالة تعب العبادة والعناء). # قوله تعالى: { كتب عليكم الصيام } أي فرض عليكم ~~الصيام، { كما كتب على الذين من قبلكم } ، كما فرض ~~على الذين من قبلكم من الأنبياء والأمم، أولهم آدم عليه السلام. ~~وهو ما روي عن علي كرم الله وجهه أنه قال: # " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم عند انتصاف ~~النهار، فسلمت عليه فرد علي السلام ثم قال: ~~" يا علي، هذا جبريل يقرئك السلام " قلت: ~~وعليه السلام يا رسول الله، قال: " يا علي، يقول ~~لك جبريل: صم من كل شهر ثلاثة أيام؛ يكتب ~~لك بأول يوم عشرة آلاف حسنة، وباليوم الثاني ~~ثلاثون ألف حسنة، وباليوم الثالث مائة ألف ~~حسنة " فقلت: يا رسول الله، ثواب لي خاصة أم ~~للناس عامة؟ فقال: " يا علي، يعطيك الله هذا ~~الثواب ولمن يعمل مثل عملك بعدك " قلت: يا ~~رسول الله، وما هي؟ قال: " أيام البيض؛ ثلاثة عشر ~~وأربعة عشر وخمسة عشر " ". # قال عنترة: قلت لعلي رضي الله عنه: لأي شيء سميت هذه الأيام ~~البيض؟ قال: [لما أهبط الله آدم عليه السلام من الجنة ~~أحرقته الشمس، فاسود جسده، فأتاه جبريل عليه ~~السلام، فقال: يا آدم أتحب أن تبيض جسدك، قال: ~~نعم، قال: صم من الشهر ثلاثة عشر وأربعة عشر ~~وخمسة عشر. فصام آدم عليه السلام أول يوم فابيض ~~ثلث جسده، وصام اليوم الثاني فابيض ثلثاه، ~~وصام اليوم الثالث فابيض كل جسده، فسميت ~~أيام البيض]. # قال المفسرون: فرض الله تعالى على رسوله محمد صلى الله عليه ~~وسلم وعلى المؤمنين صيام يوم عاشوراء وصوم ثلاثة أيام من كل ~~شهر حين قدم المدينة، فكانوا يصومون إلى أن نزل صوم شهر رمضان ~~قبل قتال بدر بشهر وأيام. # وقال الحسن: (أراد بالذي من قبلنا النصارى، فشبه ~~صيامنا بصيامهم لاتفاقهما في الوقت والقدر؛ ~~لأن الله تعالى فرض على النصارى صوم شهر ~~رمضان، فاشتد ذلك عليهم؛ لأنهم ربما كان ~~يأتي في الحر الشديد؛ وكان يضرهم في ~~أسفارهم؛ فاجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم على أن ~~يجعلوا صيامهم في ms0146 فصل من السنة بين الشتاء ~~والصيف، فجعلوه في الربيع وزادوا فيه عشرة ~~أيام كفارة لما صنعوا؛ فصار أربعين يوما). قال ~~مجاهد: (أصابهم موتان عظيم؛ فقالوا: زيدوا في ~~صيامكم؛ فزادوا عشرا قبل، وعشرا بعد، فصار ~~خمسين يوما). # قوله تعالى: { لعلكم تتقون }؛ أي لكي تتقوا ~~الأكل والشرب والجماع في زمان الصوم. # وقيل: معناه لتكونوا أتقياء. وأصل الصيام والصوم في اللغة: الإمساك، ~~يقال: صامت الريح إذا سكنت، وصامت الخيل إذا وقفت وأمسكت عن ~~السير. قال النابغة: # خيل صيام وخيل غير صائمة # تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما # ويقال: صام النهار إذا اعتدل وقام قائم الظهيرة؛ لأن الشمس إذا ~~بلغت كبد السماء وقفت وأمسكت عن السير سويعة. قال امرؤ القيس: # فدع ذا وسل الهم عنك بجسرة # ذمول إذا صام النهار وهجرا # وقال آخر: # حتى إذا صام النهار واعتدل # وسال للشمس لعاب فنزل # ويقال للرجل إذا أمسك عن الكلام: صام، قال الله تعالى: # إني نذرت للرحمن صوما # [مريم: 26] أي صمتا. فالصوم: هو الإمساك عن المفطرات. ### || [2.184-185] # قوله عز وجل: { أياما معدودات }؛ يعني شهر ~~رمضان ثلاثين يوما أو تسعة وعشرين. قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " " نحن أمة أمية لا نحسب ولا نكتب، الشهر ~~هكذا وهكذا وهكذا " وعقد الإبهام في الثالثة " والشهر ~~هكذا وهكذا وهكذا " إتمام الثلاثين ". # ونصب { أياما } على الظرف؛ أي في أيام؛ وقيل: على خبر ما لم ~~يسم فاعله؛ أي كتب عليكم الصيام أياما. وقيل: بإضمار فعل؛ أي ~~صوموا أياما. # قوله تعالى: { فمن كان منكم مريضا أو على سفر ~~فعدة من أيام أخر }؛ أي فافطر فعدة كقوله: # فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ~~ففدية # [البقرة: 196] تقديره: فحلق أو قصر ففدية؛ فاختصر وتقديره: فعليه ~~عدة. # قراءة أبي عبيد: (فعدة) بالنصب؛ أي فليصم عدة. و(أخر) في ~~موضع خفض؛ إلا أنها لا تنصرف؛ لأنها معدولة عن جهتها فكان حقها ~~(أخريات) فلما عدل إلى (فعل) لم يجز مثل عمر وزفر. ومعنى ~~الآية: فليصم عدة من أيام أخر غير أيام مرضه أو سفره. # قوله عز وجل: ms0147 { وعلى الذين يطيقونه فدية ~~طعام مسكين }؛ قرأ ابن عباس وعائشة وعطاء وابن جبير وعكرمة ~~ومجاهد (يطوقونه) بضم الياء وفتح الطاء والواو والتشديد؛ أي ~~يكلفونه. وروي عن مجاهد وعكرمة بفتح الياء وتشديد الطاء ~~والواو؛ أي يطوقونه بمعنى يتكلفونه. وروي عن ابن عباس ~~أيضا أنه قرأ: (يطيقونه) بفتح الياء وتشديد الطاء والياء ~~الثانية وفتحها بمعنى يطيقونه. يقال: طاق وأطاق بمعنى واحد. # قوله تعالى: { فدية طعام مسكين } قرأ أهل المدينة ~~والشام (فدية طعام) مضافا إلى (مساكين) جمعا؛ أضاف الطعام ~~إلى الفدية وإن كانا واحدا لاختلاف اللفظين، كقوله تعالى: # وحب الحصيد # [ق: 9]. وقولهم: مسجد الجامع، وربيع الأول. وقرأ ابن ~~عباس: (طعام مسكين) على الواحد، وهي قراءة الباقين غير ~~نافع، فمن وحد فمعناه لكل يوم طعام مسكين واحد، ومن جمع رده إلى ~~الجمع؛ أي عليه إطعام مساكين فدية أيام يفطر فيها. # ومعنى الآية: { وعلى الذين } يطيقون الصوم فلم يصوموا ~~(فدية طعام مسكين) وذلك أنه كان يرخص في الصوم الأول لمن ~~يطيق الصوم أن يفطر ويتصدق مكان كل يوم على مسكين؛ ثم نسخ ~~بقوله: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه } [البقرة: 185]. # قوله عز وجل: { فمن تطوع خيرا فهو خير له }؛ ~~قرأ يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي: (يطوع) بالياء وتشديد الطاء ~~وجزم العين على معنى يتطوع. وقرأ الآخرون بالتاء وفتح العين ~~وتخفيف الطاء على الفعل الماضي. ومعنى الآية: فمن يتطوع خيرا؛ أي ~~زاد على طعام مسكين واحد فهو خير له؛ { وأن تصوموا خير ~~لكم }؛ من أن تطعموا وتفطروا، { إن كنتم تعلمون }؛ ~~ثواب الله في الصوم. # واختلف العلماء في تأويل هذه الآية وحكمها؛ فقال قوم: كان ذلك في ~~أول ما فرض الله الصوم، وذلك أن الله عز وجل لما نزل ~~فرض صيام شهر رمضان على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه ~~بذلك، شق عليهم الصوم؛ وكانوا قوما لم يتعودوا الصوم؛ فخيرهم ~~الله تعالى بين الصيام والإطعام؛ فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر ~~وافتدى بالطعام. # ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: { فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه } ونزلت العزيمة ms0148 في إيجاب الصوم. وعلى هذا القول معاذ ~~بن جبل وأنس بن مالك وسلمة بن الأكوع وابن عمر وعلقمة وعكرمة ~~والشعبي والزهري وإبراهيم والضحاك. وهي إحدى الروايات عن ابن ~~عباس. # وقال آخرون: بل هذا خاص للشيخ الكبير والعجوزة الكبيرة اللذين ~~يطيقان الصوم ولكن يشق عليهما؛ رخص لهما إن شاءا أفطرا مع ~~القدرة ويطعما لكل يوم مسكينا؛ ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: { ~~فمن شهد منكم الشهر فليصمه } وثبتت الرخصة للذين ~~لا يطيقونه. وهذا قول الربيع بن أنس ورواية سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس، قال الحسن: (هذا في المريض، كان إذا وقع ~~عليه اسم المرض وكان يستطيع الصيام، فهو ~~بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر وأطعم حتى نسخ ~~ذلك). # فعلى هذه الأقاويل: الآية منسوخة؛ وهذا قول أكثر الفقهاء ~~والمفسرين. وقال قوم: لم تنسخ هذه ولا شيء منها، وإنما تأويلها: ~~وعلى الذين يطيقونه في حال شفائهم وفي حال صحتهم وقوتهم، ثم ~~عجزوا عن الصوم؛ فدية طعام مسكين؛ وجعلوا هذه الآية ~~محكمة؛ وهذا قول سعيد بن المسيب والسدي؛ وإحدى الروايات عن ~~ابن عباس: فجملة ما ذكرنا من الأقاويل على قراءة من قرأ ~~(يطيقونه) من الإطاقة وهي القراءة الصحيحة التي عليها عامة ~~أهل القرآن ومصاحف البلدان. # وأما على قراءة (يطوقونه) فيأولونه أنه الشيخ الكبير ~~والعجوزة الكبيرة والمريض الذي لا يرجى برؤه؛ فهم مكلفون ولا ~~يطيقونه، فلهم أن يفطروا ويطعموا مكان كل يوم مسكينا؛ وقالوا: ~~الآية محكمة. قوله تعالى: { وأن تصوموا خير ~~لكم } أي خير لكم من أن تفطروا وتطعموا. قوله تعالى: { ~~إن كنتم تعلمون } أي إن كنتم تعلمون ثواب الله تعالى في ~~الصوم. # ثم بين الله تعالى أيام الصيام بقوله عز وجل: { شهر ~~رمضان الذي أنزل فيه القرآن }؛ قرأ العامة (شهر) ~~بالرفع على معنى أتاكم شهر رمضان. وقال الفراء: (ذلكم شهر ~~رمضان). وقيل: ابتداء وما بعده خبر. وقال الأخفش: (هو ~~شهر رمضان). وقال الكسائي: (كتب عليكم شهر ~~رمضان). # وقرأ الحسن ومجاهد: (شهر رمضان) نصب على معنى صوموا شهر ~~رمضان. وقال الأخفش: (نصب على الظرف؛ ms0149 أي كتب عليكم ~~الصيام شهر رمضان). وقيل: نصب على الإغراء؛ أي ~~التزموا شهر رمضان. وقيل: نصب على البدل من قوله: { أياما ~~معدودات }. # وسمي الشهر شهرا لشهرته. واختلفوا في رمضان؛ فقال بعضهم: هو ~~اسم من أسماء الله؛ فيقال: شهر رمضان كما يقال. # شهر الله؛ ويدل على ذلك ما روي عن أنس قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لا تقولوا رمضان، انسبوه كما نسبه الله عز ~~وجل في القرآن فقال: شهر رمضان ". # قال أبو عمر: (وإنما سمي رمضان لأنه رمضت فيه ~~الفصال من الحر). وقيل: سمي بذلك لأنه يرمض الذنوب؛ أي ~~يحرقها. وقيل: لأن القلوب تأخذ فيه من حرارة الموعظة كما يأخذ ~~الرمل والحجارة من حر الشمس. وقال الخليل: (هو مأخوذ من ~~الرمض؛ وهو مطر يأتي في الخريف؛ سمي به هذا ~~الشهر لأنه يغسل الأبدان من الآثام غسلا ~~ويطهر قلوبهم تطهيرا). # قوله تعالى: { الذي أنزل فيه القرآن } روي أن ~~عطية بن الأسود قال لابن عباس: إنه قد وقع الشك في قوله ~~تعالى: { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } ~~وقوله: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1] و # إنآ أنزلناه في ليلة مباركة # [الدخان: 3] وقد نزل في سائر الشهور قال الله تعالى: # وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ~~ونزلناه تنزيلا # [الإسراء: 106]؟ فقال: (أنزل القرآن جملة واحدة من ~~اللوح المحفوظ في ليلة القدر في شهر رمضان، ~~فوضع في بيت العزة في سماء الدنيا، ثم نزل ~~به جبريل عليه السلام على النبي عليه السلام نجوما ~~عشرين سنة، وذلك قوله عز وجل: # فلا أقسم بمواقع النجوم # [الواقعة: 75]). # وقيل: كان ينزل في كل شهر من شهر رمضان إلى سماء الدنيا ~~ما كان ينزل في تلك السنة، فنزل من اللوح المحفوظ في عشرين ~~شهرا، ونزل به جبريل في عشرين سنة. وقال بعضهم: كان ابتداء إنزاله ~~على النبي صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان، فأضيف إنزال الكل ~~إلى ذلك. # وعن واثلة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنزلت صحف إبراهيم في ms0150 ثلاث ليال مضين من ~~شهر رمضان، وأنزلت التوراة في ست ليال مضين ~~من شهر رمضان، وأنزل الإنجيل في ثلاث عشرة ~~مضين من رمضان، وأنزل الزبور في ثماني عشرة ~~ليلة مضت من رمضان. وأنزل الفرقان على ~~محمد صلى الله عليه وسلم في الرابعة والعشرين من ~~شهر رمضان " # وروي أن التوراة أنزلت في اثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان، والإنجيل ~~في ثماني عشرة من رمضان. # قوله تعالى: { هدى للناس }؛ أي أنزل الفرقان هاديا ~~للناس من الضلالة، وانتصب { هدى } على القطع؛ لأن القرآن معرفة ~~وهدى نكرة. قوله تعالى: { وبينات من الهدى ~~والفرقان }؛ أي ودلالات واضحات من الهدى والفرقان بين الحق ~~والباطل. وقيل: معناه: بينات من الحلال والحرام؛ والحدود ~~والأحكام. # وعن سعيد بن المسيب عن سلمان رضي الله عنه قال: # " خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم من ~~شعبان؛ فقال: [يا أيها الناس، قد أظلكم شهر ~~عظيم؛ شهر مبارك؛ شهر فيه ليلة القدر خير ~~من ألف شهر، جعل الله صيامه فريضة؛ وقيام ~~ليله تطوعا، فمن تقرب بخصلة من خصال الخير ~~كان كمن أدى فيه فريضة، ومن أدى فيه فريضة ~~كان كمن أدى سبعين فريضة فيمن سواه. وهو ~~شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، وشهر ~~المواساة، وشهر يزاد فيه رزق المؤمن، وشهر ~~أوله رحمة وأوسطه مغفرة وآخره عتق من ~~النار، من فطر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه ~~وعتق رقبة من النار وكان له مثل أجره من غير ~~أن ينقص من أجره شيئا. # قالوا: يا رسول الله، ليس كلنا يجد ما يفطر ~~الصائم؟ فقال: صلى الله عليه وسلم: " يعطي الله هذا ~~الثواب من فطر صائما على مذقة لبن أو تمر أو ~~بشربة ماء، ومن أشبع فيه صائما سقاه الله من ~~حوضي شربة لا يضمأ بعدها أبدا حتى يدخل ~~الجنة، وكان كمن أعتق رقبة، ومن خفف عن ~~مملوكه فيه غفر الله له فيه وأعتقه من النار. ~~فاستكثروا فيه من أربع خصال؛ خصلتان ترضون ~~بهما ربكم، وخصلتان لا غناء لكم عنهما: فأما ~~اللتان ترضون بهما ربكم: ms0151 فشهادة أن لا إله إلا ~~الله، وتستغفرونه. وأما اللتان لا غناء لكم ~~عنهما: فتسألون الله الجنة، وتعوذون به من ~~النار " ". # وعن أبي سعيد الخدري؛ قال: قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أبواب السماء وأبواب الجنة لتفتح أول ~~ليلة من شهر رمضان، فلا تغلق إلى آخر ليلة ~~منه، وليس من عبد يصلي في ليلة منها إلا ~~كتب الله له بكل سجدة ألف حسنة وسبعمائة ~~حسنة، وبنى له بيتا في الجنة من ياقوتة ~~حمراء له سبعون ألف باب، لكل باب منها ~~مصراعان من ذهب. فإذا صام أول يوم من شهر ~~رمضان غفر الله له كل ذنب إلى آخر يوم من ~~رمضان، وكان كفارة إلى مثله، وله بكل يوم ~~يصومه قصر في الجنة له ألف باب من ذهب، ~~واستغفر له سبعون ألف ملك من غدوه إلى أن ~~تورى بالحجاب، وله بكل سجدة يسجدها من ليل أو ~~نهار شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا ~~يقطعها ". # وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، نادى ~~الجليل جلت قدرته وعظمته: يا رضوان حلي ~~جنتي وزينها للصائمين من أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم ولا تغلقها حتى ينقضي شهرهم. ثم ~~ينادي: يا مالك أغلق أبواب جهنم عن الصائمين ~~من أمة محمد، ثم لا تفتحها حتى ينقضي ~~شهرهم. ثم ينادي: يا جبريل انزل إلى الأرض ~~فغل مردة الشياطين عن أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم حتى لا يفسدوا عليهم صيامهم. ولله عز ~~وجل في كل يوم عند طلوع الشمس وعند وقت ~~الإفطار عتقا يعتقهم من النار عبيد وإماء، وله ~~في كل سماء ملك طرفه تحت العرش وقوائمه في ~~تخوم الأرض السابعة، له جناح بالمشرق وجناح ~~بالمغرب، ينادي: هل من تائب يتاب عليه؟ هل من ~~داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؟ هل ~~من سائل يعطى سؤله؟ ولو أذن الله للسماوات ~~والأرض أن يتكلما لبشرتا من صام رمضان ~~الجنة ". # وقال: صلى الله ms0152 عليه وسلم: # " نوم الصائم عبادة، وصمته تسبيح، وعمله ~~مضاعف ". # قوله عز وجل: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه ~~} ، قرأ العامة بجزم اللام. وقرأ الحسن والأعرج بكسر اللام، وهي لام ~~الأمر، وحقها الكسر إذا انفردت؛ كقوله تعالى: # لينفق ذو سعة من سعته # [الطلاق: 7]؛ وإذا وصلت بشيء ففيه وجهان: الجزم والكسر، وإنما ~~الوصل بثلاثة أحرف؛ بالفاء كقوله تعالى: # فليعبدوا رب هذا البيت # [قريش: 3]، وبالواو كقوله تعالى: # وليوفوا نذورهم وليطوفوا # [الحج: 29] وب (ثم) كقوله تعالى: # ثم ليقضوا تفثهم # [الحج: 29]. # واختلف العلماء في معنى هذه الآية: فقال بعضهم: معناها: فمن شهد ~~بالغا عاقلا مقيما صحيحا مكلفا فليصمه، وبه قال أبو حنيفة ~~وأصحابه. وقال قوم: معناه: فمن دخل عليه شهر رمضان وهو مقيم في داره ~~فليصم الشهر كله غاب بعده فسافر أو أقام فلم يبرح، قاله السدي ~~والنخعي. قال قتادة: (إن عليا كان يقول: إذا أدركه ~~رمضان وهو مقيم ثم سافر فعليه الصوم). # قالوا: والمستحب له أن لا يسافر إذا أدركه رمضان مقيما إن أمكنه ~~حتى ينقضي الشهر. وروي في ذلك عن إبراهيم بن طلحة: (أنه جاء إلى ~~عائشة رضي الله عنها يسلم عليها. فقالت له: ~~فأين تريد؟ قال: أريد العمرة، قالت: جلست حتى ~~إذا دخل عليك شهر رمضان خرجت فيه؟ قال: قد ~~خرج رحلي، قالت: اجلس حتى إذا أفطرت فاخرج، ~~فلو أدركني رمضان وأنا ببعض الطريق لأقمت ~~له). # وقال آخرون: معناه: { فمن شهد منكم الشهر فليصمه ~~} أي ما شهد منه وكان حاضرا؛ فإن سافر فله الإفطار إن شاء، قاله ~~ابن عباس وعامة أهل التفسير؛ وهو أصح الأقاويل؛ ويدل عليه ما ~~روى ابن عباس؛ قال: [خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عام ~~الفتح صائما في رمضان حتى إذا كان بالكديد ~~أفطره]. وعن الشعبي: (أنه سافر في رمضان فأفطر عند باب الجسر). ~~وعن أبي ميسرة: (أنه خرج في رمضان حتى إذا بلغ القنطرة دعا بماء ~~فشرب). # قوله عز وجل: { ومن كان مريضا أو على سفر ~~فعدة من أيام أخر }؛ أي من كان مريضا أو مسافرا فأفطر ms0153 ~~فعليه قضاء ما أفطر فيه. # واختلفوا في المرض الذي أباح الله فيه الإفطار؛ فقال قوم: هو كل ~~مرض يسمى مرضا. قال طريف بن تمام: (دخلت على ابن ~~سيرين في رمضان وهو يأكل، فلما فرغ قال: إنه ~~وجعت إصبعي هذه). # وقال آخرون: هو كل مرض كان الأغلب من أمر صاحبه بالصوم الزيادة ~~في علته زيادة غير محتملة. وقال حسن وإبراهيم: (إذا لم يستطع ~~المريض أن يصلي الفرائض فله أن يفطر). والأصل ~~فيه أنه إذا لم يمكنه الصوم وأجهده أفطر، وإذا لم يجهده فهو بمعنى ~~الصحيح الذي يطيق الصوم. # وقوله تعالى: { أو على سفر } واختلفوا في صيام المسافر، ~~فقال قوم: الإفطار في السفر عزيمة واجبة وليس برخصة، فمن صام في ~~السفر فعليه القضاء إذا أقام؛ وهو قول أبي هريرة وابن عباس ~~وعروة بن الزبير والضحاك، وتمسكوا بقوله صلى الله عليه وسلم: # " ليس من البر الصيام في السفر " # وعن عبدالرحمن بن عوف أنه قال: (الصائم في السفر ~~كالمفطر في الحضر). # وقال آخرون: الإفطار في السفر رخصة من الله عز وجل؛ والفرض ~~الصوم، فمن صام ففرضه أدى؛ ومن أفطر فبرخصة الله أخذ، ولا قضاء ~~على من صام إذا أقام. وهذا هو الصحيح؛ وعليه عامة الفقهاء؛ يدل عليه ~~ما روى جابر قال: [كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~سفر، فمنا المفطر ومنا الصائم؛ فلم يكن ~~بعضنا يعيب ببعض]. # وعن حمزة بن عمرو أنه قال: # " يا رسول الله، إني أجد في قوة على الصوم في ~~السفر، فهل علي جناح؟ قال: " هي رخصة من الله ~~عز وجل، فمن أخذها فحسن، ومن أحب أن يصوم ~~فلا جناح عليه " ". # فأما قوله صلى الله عليه وسلم: # " ليس من البر الصيام في السفر " # فإن أصله ما روى جابر: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر برجل في ظل ~~شجرة يرش عليه الماء، فقال: " ما بال صاحبكم ~~هذا؟ " قالوا: يا رسول الله، هو صائم. فقال: " ليس ~~من البر أن تصوموا في السفر، فعليكم برخصة ~~الله تعالى التي رخص ms0154 لكم فاقبلوها " " # وكذلك تأويل قوله عليه السلام: # " الصيام في السفر، كالفطر في الحضر " # يدل عليه حديث مجاهد: (عن ابن عمر أنه مر برجل ~~ينضح عليه الماء في وجهه وهو صائم، فقال له: ~~أفطر ويحك! فإني أراك إن مت على هذا دخلت ~~النار). # والذي يؤيد ما قلناه ما روي عن عروة وسالم: (أنهما كانا ~~عند عمر بن عبدالعزيز إذ هو أمير على ~~المدينة، فتذاكروا الصوم في السفر، فقال سالم: ~~كان ابن عمر لا يصوم في السفر. وقال عروة: ~~كانت عائشة تصوم في السفر، فقال سالم: إنما ~~أحدثك عن ابن عمر، فقال عروة: إنما أحدثك ~~عن عائشة، فارتفعت أصواتهما، فقال عمر بن ~~عبدالعزيز: اللهم عفوا إن كان يسرا فصوموا ~~وإن كان عسرا فأفطروا). # ثم اختلف في المستحب؛ فقال قوم: الصوم أفضل؛ وهو قول معاذ بن ~~جبل وأنس وإبراهيم ومجاهد؛ وروي أن أنس بن مالك أمر غلامه أو ~~غلاما له بالصوم في السفر، فقيل له في هذه الآية. فقال: (نزلت ~~ونحن نرتحل يومئذ جياعا وننزل على غير ~~شبع، فمن أفطر فرخصته، ومن صام فالصوم ~~أفضل). # وقال آخرون: المستحب الإفطار لما روي عن جابر قال: # " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة عام ~~الفتح في رمضان، فصام حتى إذا بلغ كراع ~~الغميم فصام الناس، فبلغه أن الناس قد شق ~~عليهم الصيام، فدعا بقدح ماء بعد العصر فشرب ~~والناس ينظرون، فأفطر بعضهم وصام بعضهم، ~~فبلغه أن ناسا صاموا، فقال: " أولئك العصاة " ". # وعن يعلى بن يوسف؛ قال: سألت ابن عمر عن الصوم في ~~السفر، فقال: (أرأيت لو تصدقت على رجل فردها ~~عليك، ألم تغضب؟) قلت: بلى، قال: (فإنها صدقة ~~من الله تعالى تصدق بها عليكم). # قوله تعالى: { يريد الله بكم اليسر }؛ أي حين ~~رخص الإفطار للمريض والمسافر؛ { ولا يريد بكم العسر }؛ ~~أي تكليف الصوم في المرض والسفر. # قرأ يزيد بن القعقاع: (اليسر) و(العسر) مثقلين في جميع ~~القرآن. وقرأ الباقون بالتخفيف؛ وهو الاختيار وهما لغتان جيدتان. # قوله تعالى: { ولتكملوا العدة }؛ قرأ أبو بكر: ~~بتشديد الميم. ms0155 وقرأ الباقون بالتخفيف، وهو الاختيار لقوله تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم # [المائدة: 3]. والواو في قوله: { ولتكملوا العدة } واو ~~العطف؛ واللام لام (كي)، تقديره: { يريد الله بكم اليسر } ~~أي يريد لأن يسهل عليكم { ولتكملوا العدة }. # وقال الزجاج: (معناه: فعل الله ذلك ليسهل عليكم ~~ما أفطرتم في مرضكم وسفركم، إذا برأتم وأقمتم ~~فقضيتموها). وقيل: ومعنى { ولتكملوا العدة } أي ~~ولتتمموا مدة ما أفطرتم بالمرض والسفر. وقيل: معناه عدة ثلاثين ~~يوما إذا غم عليكم هلال شوال. # قوله تعالى: { ولتكبروا الله على ما هداكم }؛ ~~أي ولتعظموا الله بقلوبكم وأفواهكم وأعمالكم على ما هداكم لدينه ~~وشريعته. ووفقكم ورزقكم شهر رمضان، وخصكم به دون سائر أهل الملل. # ويقال: أراد بذلك التكبير في صلاة عيد الفطر. وقال بعضهم: أراد به ~~التكبير ليلة الفطر، قال ابن عباس: (حق على المسلمين إذا ~~رأوا هلال شوال أن يكبروا). وروي عن سعيد بن المسيب وأبي ~~سلمة وغيرهما: (أنهم كانوا يكبرون ليلة الفطر ~~يجهرون بالتكبير). # قوله تعالى: { ولعلكم تشكرون }؛ أي لكي تشكروا ~~الله على الرخصة ونعمة الهدى. ### || [2.186] # وقوله عز وجل: { وإذا سألك عبادي عني فإني ~~قريب }؛ إلا أنه اختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية؛ فقال ابن ~~((عباس)): (نزلت في عمر رضي الله عنه وأصحابه حين ~~أصابوا من أهليهم في ليالي رمضان) وستأتي قصتهم إن ~~شاء الله تعالى. # وروى الكلبي عن أبي صالح عنه قال: (قال يهود المدينة: يا ~~محمد، كيف يسمع ربنا دعاءنا وأنت تزعم ~~بيننا وبين السماء مسيرة خمسمائة عام؛ وأن ~~غلظ كل سماء مثل ذلك؟ فأنزل الله هذه الآية). ~~وقال عطاء وقتادة: (لما نزل قوله تعالى: # ادعوني أستجب لكم # [غافر: 60] قال رجل: يا رسول الله! كيف ندعو ربنا؟ ~~ومتى ندعوه؟ فأنزل الله هذه الآية). وقال الضحاك: ~~(سأل بعض الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ ~~فأنزل الله هذه الآية). # قال أهل المعاني: فيه إضمار كأنه قال: فقل لهم يا محمد ~~وأعلمهم أني قريب منهم بالعلم. # قوله تعالى: { أجيب دعوة الداع إذا دعان }؛ فإن ms0156 ~~قيل: ما وجه هذه الآية وقوله: # ادعوني أستجب لكم # [غافر: 60] وقد يدعوه كثير من خلقه فلا يجيب دعاءه؟! قلنا: ~~اختلف العلماء في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى الدعاء هنا الطاعة، ~~ومعنى الإجابة الثواب. كأنه قال: أجيب دعوة الداعي بالثواب ~~إذا أطاعني. # وقيل: معناه الخصوص؛ وإن كان اللفظ عاما، أي أجيب دعوة ~~الداعي إن شئت، وأجيب دعوة الداعي إذا وافق القضاء، وأجيب دعوة ~~الداعي إذا كانت الإجابة له خيرا. ويدل عليه ما روي عن أبي سعيد ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " ما من مسلم دعا الله بدعوة ليس فيها قطيعة ~~رحم ولا إثم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: ~~إما أن يعجل دعوته؛ وإما أن يدخر له في ~~الآخرة؛ وإما أن يدفع عنه من السوء مثلها " ، ~~قالوا: يا رسول الله إذن نكثر؟ قال: " الله أكثر " ~~". # و((قال)) بعضهم: هو عام وليس فيه أكثر من إجابة الدعوة؛ فأما ~~إعطاء الأمنية وقضاء الحاجة، فليس بمذكور. وقد يجيب السيد عبده؛ ~~والوالد ولده، ولا يعطيه سؤاله؛ فالإجابة كائنة لا محالة عند حصول ~~الدعوة؛ لأن قوله: أجيب وأستجيب هو خبر؛ والخبر لا يعترض عليه ~~النسخ؛ لأنه إذا نسخ صار المخبر كذابا، فتعالى الله عن ذلك ~~علوا كبيرا. # ودليل هذا التأويل ما روى ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " من فتح له باب في الدعاء فتحت له أبواب ~~الإجابة " # وأوحى الله إلى داود عليه السلام: [قل للظلمة لا ~~يدعوني، فإني أوجبت على نفسي أن أجيب من ~~دعاني؛ وإني إذا أجيب الظالمين لعنتهم]. # وقيل: إن الله تعالى يجيب دعاء المؤمن في الوقت، إلا أنه يؤخر ~~إعطاء مراده ليدعوه فيسمع صوته. يدل عليه ما روى جابر قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إن العبد ليدعو الله تعالى وهو يجيبه؛ ~~فيقول: يا جبريل اقض لعبدي هذا حاجته وأخرها، ~~فإني أحب أن لا أزال أسمع صوته. وإن العبد ~~ليدعو الله وهو يبغضه؛ فيقول: يا جبريل اقض ~~لعبدي هذا حاجته وأعجلها؛ فإني أكره ms0157 أن أسمع ~~صوته ". # وبلغنا عن يحيى بن سعيد قال: ((رأيت رب العزة في ~~المنام فقلت: يا رب، كم أدعوك فلم تستجب لي؟ ~~فقال: يا يحيى، إني أحب أن أسمع صوتك)). # وقال بعضهم: إن للدعاء آدابا وشرائط هي أسباب الإجابة ونيل ~~الأمنية، فمن راعاها واستكملها كان من أهل الإجابة، ومن أغفلها ~~وأخل بها فهو من أهل الاعتداء في الدعاء. وقيل: ما من أحد يدعو ~~الله تعالى على ما توجبه الحكمة إلا وهو يجيب دعاءه. والدعاء على ~~شرط الحكمة أن يقول: اللهم افعل لي كذا، أو كذا إن لم يكن مفسدة في ~~ديني وفيما يرضيك عني. # ويحكى أن إبراهيم بن أدهم رحمه الله قيل له: ما بالنا ندعو ~~الله عز وجل فلا يستجيب لنا؟ فقال: (لأنكم ~~عرفتم الله فلم تطيعوه؛ وعرفتم رسوله فلم ~~تتبعوه؛ وعرفتم القرآن فلم تعملوا به؛ ~~وأكلتم نعمة الله فلم تؤدوا شكرها؛ وعرفتم ~~الجنة فلم تطلبوها؛ وعرفتم النار فلم ~~تهربوا منها؛ وعرفتم الشيطان فوافقتموه؛ ~~وعرفتم الموت فلم تستعدوا له؛ ودفنتم ~~الأموات فلم تعتبروا بهم؛ وتركتم عيوبكم ~~واشتغلتم بعيوب الناس). # قوله عز وجل: { فليستجيبوا لي }؛ أي فليجيبوا لي ~~بالطاعة؛ يقال: أجاب واستجاب بمعنى. قال الشاعر: # وداع دعاء من يجيب إلى النداء # فلم يستجبه عند ذاك مجيب # وقال رجاء الخرساني: (معناه فليدعوني). والإجابة من ~~الله تعالى الإعطاء؛ ومن العبد الطاعة. وفي بعض ~~التفاسير: الاستجابة أن تقول في بعض صلاتك: لبيك اللهم ~~لبيك... إلى آخر التلبية. # وقوله تعالى: { وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون }؛ ~~الإيمان أن تقول: آمنت بالله وكفرت بالجبت والطاغوت؛ وعدك ~~حق؛ ولقاؤك حق؛ وأشهد أنك واحد فرد لم يلد ولم يولد ولم يكن له ~~كفوا أحد؛ وأشهد أن الساعة آتية لا ريب فيها؛ وأنك تبعث من في ~~القبور. # قال ابن عباس: (ما تركت هذه الكلمات بعد صلاة ~~بعدما نزلت هذه الآية). قال الكلبي: (ما تركتها ~~منذ أربعين سنة). فعلى هذا معنى الاستجابة: الإجابة ~~بالطاعة والانقياد في كل ما ألزمه؛ وقوله: { لعلهم يرشدون ~~} أي ليكونوا على رجاء الرشد في مصالح الدنيا والآخرة. ms0158 ### || [2.187] # قوله عز وجل: { أحل لكم ليلة الصيام الرفث ~~إلى نسآئكم }؛ قال المفسرون: كان الرجل في ابتداء الأمر إذا ~~أفطر أحل له الطعام والشراب والجماع إلى أن يصلي العشاء ~~الأخيرة أو ترقد قبلها، فإذا صلى العشاء ورقد قبل الصلاة ولم ~~يفطر، حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى مثلها من ~~القابلة. ثم # " إن عمر رضي الله عنه واقع أهله بعدما صلى ~~العشاء؛ فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه، ثم ~~أتى النبي صلى الله عليه وسلم؛ فقال: يا رسول الله، إني ~~أعتذر إليك وإلى الله من نفسي هذه الخاطئة، إني ~~راجعت أهلي بعدما صليت صلاة العشاء الأخيرة؛ ~~فوجدت رائحة طيبة فسولت لي نفسي فجامعت ~~أهلي، فهل لي من رخصة؟ فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " ما كنت جديرا بذلك يا عمر! " فقام رجال ~~فاعترفوا بالذي كانوا صنعوا بعد العشاء " # ، فنزلت في عمر وأصحابه { أحل لكم ليلة ~~الصيام الرفث إلى نسآئكم } أي أبيح لكم ليلة ~~الصيام الرفث. # قرأ ابن مسعود والأعمش: (الرفوث) برفع الواو والفاء وبواو. ~~والرفوث والرفث كناية عن الجماع. قال ابن عباس: (إن الله حيي ~~كريم؛ فكل ما ذكر الله تعالى في القرآن من ~~المباشرة والملامسة والإفضاء والدخول، فإنما ~~يريد به الجماع). قال الشاعر: # فضلنا هنالك في نعمة # وكل اللذاذة غير الرفث # وقال القتيبي: (الرفث هو الإفصاح عما تحب أن ~~يكنى به عن ذكر النكاح؛ وأصله الفحش والقول ~~القبيح). وقال الزجاج: (الرفث كل كلمة جامعة ~~لكل ما يريده الرجال من النساء). # قوله عز وجل: { هن لباس لكم وأنتم لباس ~~لهن }؛ أي هن سكن لكم وأنتم سكن لهن؛ قاله أكثر ~~المفسرين. ونظيره قوله تعالى: # وجعلنا اليل لباسا # [النبأ: 10] أي سكنا، ودليله قوله تعالى: # وجعل منها زوجها ليسكن إليها # [الأعراف: 189]. # وقال أهل المعاني: اللباس: الشعار الذي يلي الجلد من الثياب؛ ~~فسمي كل واحد من الزوجين لباسا؛ لتجردهما عند النوم واجتماعهما ~~في ثوب واحد؛ وانضمام جسد كل واحد منهما إلى جسد صاحبه، حتى يصير ~~كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه. وقال بعضهم: يقال: ms0159 لما ~~ستر الشيء وواراه لباسا، فجاز أن يكون كل واحد منهما لصاحبه ~~سترا عما لا يحل، كما روي في الخبر # " من تزوج فقد أحرز نصف دينه ". # قوله عز وجل: { علم الله أنكم كنتم ~~تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم }؛ أي ~~علم الله أنكم كنتم تظلمون أنفسكم بمعصيتكم وجماعكم بعد ~~العشاء الأخيرة في ليالي الصوم فتجاوز عنكم ولم يعاقبكم على ذلك ~~وعفا عنكم ذنوبكم. قوله تعالى: { فالآن بشروهن }؛ أي ~~جامعوهن في ليالي الصوم فهو حلال لكم. سميت المجامعة ~~مباشرة؛ لتلاصق بشرة كل واحد منهما لصاحبه. # وقوله تعالى: { وابتغوا ما كتب الله لكم }؛ أي ~~واطلبوا ما قضى الله لكم من الولد. قال مجاهد: (إن لم تلد ~~هذه فهذه). وقال ابن زيد: ((وابتغوا ما كتب الله ~~لكم) أي " ما " أحل لكم من الجماع). وقرأ معاذ بن جبل: ~~(وابتغوا ما كتب الله لكم من الاتباع) يعني ليلة ~~القدر، وكذلك روى أبو الجوزاء عن ابن عباس. وقرأ الأعمش: (وأتوا ما ~~كتب الله لكم) أي افعلوا. # وأشبه الأقاويل فظاهر الآية في تأويل قوله: (وابتغوا ما كتب ~~الله لكم) قول من تأوله على الولد؛ لأنه عقيب قوله ~~(فباشروهن) وهو أمر بإباحة الطلب وندب كقوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " تناكحوا تكثروا، فإني أباهي بكم الأمم يوم ~~القيامة حتى بالسقط ". # وقال أهل الظاهر: هو أمر إيجاب وحتم يدل عليه ما روى أنس بن ~~مالك: # " أن امرأة كان يقال لها الخولاء عطارة أهل ~~المدينة، دخلت على عائشة رضي الله عنها؛ ~~فقالت: يا أم المؤمنين، زوجي فلان أتزين له ~~كل ليلة وأتطيب كأني عروس زفت إليه، فإذا ~~أوى إلى فراشه دخلت في لحافه ألتمس بذلك رضى ~~الله تعالى، فحول وجهه عني أراه قد أبغضني؟ ~~فقالت: اجلسي حتى يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم. ~~قالت: فبينما أنا كذلك إذ دخل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: " ما هذه الروائح التي أجدها، هل ~~أتتكم الخولاء؟ ابتعتم منها شيئا؟ " قالت ~~عائشة: لا والله يا رسول الله، فقصت عليه ~~الخولاء قصتها، فقال لها: ms0160 " اذهبي واسمعي له ~~وأطيعي " فقالت: أفعل يا رسول الله، فما لي من ~~الأجر؟ قال: " ما من امرأة رفعت من بيت زوجها ~~ووضعته تريد الإحسان إلا كتب الله لها حسنة، ~~ومحى عنها سيئة، ورفع لها درجة. وما من ~~امرأة حملت من زوجها حين تحمل إلا كتب الله ~~لها من الأجر مثل القائم ليلة الصيام نهاره ~~والغازي في سبيل الله. وما من امرأة يأتيها طلق ~~إلا كتب الله لها بكل طلقة عتق نسمة؛ وبكل ~~رضعة عتق رقبة. فإذا فطمت ولدها نادى مناد ~~من السماء: أيتها المرأة قد كفيتي بالعمل ~~فيما مضى، فاستأنفي العمل فيما بقي " ". # قالت عائشة: قد أعطي النساء خيرا كثيرا، فما ~~بالكم يا معشر الرجال؛ فضحك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال: # " ما من رجل أخذ بيد امرأته يراودها إلا كتب ~~الله له حسنة؛ وإن عانقها فعشر حسنات؛ وإن ~~قبلها فعشرون حسنة؛ وإن أتاها كان خيرا من ~~الدنيا وما فيها، فإذا قام ليغتسل لم يمر ~~الماء على شعرة من جسده إلا تمحى عنه سيئة ~~ويعطى له درجة، ويعطى بغسله خيرا من الدنيا ~~وما فيها، وإن الله عز وجل يباهي به الملائكة، ~~يقول: أنظروا إلى عبدي قام في ليلة باردة ~~يغتسل من الجنابة، يتيقن بأني ربه، اشهدوا ~~أني قد غفرت له ". # قوله عز وجل: { وكلوا واشربوا حتى يتبين ~~لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ~~}؛ هذا أمر إباحة مثل # وإذا حللتم فاصطادوا # [المائدة: 2] وشبهه. نزلت في رجل من الأنصار يسمى صرمة بن أنس هكذا ~~قال الكلبي. وقال معاذ بن جبل: (اسمه أبو صرمة). وقال عكرمة ~~والسدي: (اسمه أبو أقيس بن صرمة). وقال مقاتل: (صرمة ~~بن إياس). # وكانت قصته: # " أنه ظل نهاره يعمل في أرض له وهو صائم، ~~فلما أمسى قال لأهله: قدمي الطعام، فأرادت ~~المرأة أن تطعمه شيئا سخنا، فأخذت تعمل له ~~سخنية، وكان ذلك الوقت من صلى العشاء أو نام ~~حرم عليه الطعام والشراب والجماع، فلما ~~فرغت من طبخ طعامه؛ إذ به قد نام فأيقظته ~~فكره أن يعصي ms0161 الله تعالى ورسوله، فأبى أن يأكل ~~فأصبح صائما مجهودا، فلم ينتصف النهار حتى ~~غشي عليه، فلما أفاق أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقد أجهده الصوم، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال له: [يا أبا قيس، ما لك طريحا!] قال: ~~ظللت أمس في النخل نهاري كله أجر بالجريد ~~حتى أمسيت. - وفي بعض النسخ: أجر الجريد - ~~فأتيت أهلي، فأرادت امرأتي أن تطعمني شيئا ~~سخنا، فأبطأت علي فنمت، فأيقظوني وقد حرم ~~الطعام والشراب؟ فطويت فأصبحت قد أجهدني ~~الصوم. فاغتم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل ~~الله تعالى: { وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم ~~الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } " # أي كلوا في ليالي الصوم واشربوا فيها حتى يتبين لكم بياض ~~النهار وضوء يه من سواد الليل وظلمته، كذا قال المفسرون. ~~وقيل: معناه حتى يتبين لكم الفجر الأول من الثاني، قال الشاعر: # الخيط الأبيض قبل الصبح منصدع # والخيط الأسود حين الليل مركوم # وعن عدي بن حاتم قال: # " علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة والصيام ~~فقال: " صل كذا وكذا، وصم كذا وكذا، فإذا غابت ~~الشمس فكل واشرب حتى يتبين لك الخيط ~~الأبيض من الخيط الأسود؛ وصم ثلاثين يوما إلا ~~أن ترى الهلال قبل ذلك " قال: فأخذت خيطين من ~~حرير أبيض وأسود، وكنت أنظر فيهما فلا ~~يتبين لي، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فضحك حتى بدت نواجذه، فقال: " يا عدي، إنما ~~ذلك بياض النهار من سواد الليل " ". # وقوله: { من الفجر } يعني المستطير الذي ينتشر ويأخذ الأفق؛ ~~وهو الثاني؛ وهو الفجر الصادق الذي تحل فيه الصلاة؛ ويحرم فيه ~~الطعام على الصيام. وأما الفجر الأول؛ وهو الذي يستطع في ~~السماء مستطيلا كذنب السرحان ولا ينتشر؛ فذلك من الليل لا ~~تحل الصلاة فيه، ولا يحرم الطعام فيه على الصائم؛ وهو الفجر ~~الكاذب. # وعن سمرة بن جندب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يمنعكم من السحور أذان بلال، ولا الصبح ~~المستطيل؛ ولكن الصبح المستطير في الأفق ". # قوله ms0162 عز وجل: { ثم أتموا الصيام إلى الليل ~~}؛ قال عبدالله بن أبي أوفى: # " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير وهو ~~صائم؛ فلما غربت الشمس قال لرجل: " انزل ~~فأخرج لي ماء؟ " فقال: يا رسول الله، لو أمسيت؟ ~~قال: " انزل فأخرج لي ماء " فقال: يا رسول الله، ~~إن علينا نهارا؟ فقال له الثالثة؛ فنزل فخرج ~~له، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إذا أقبل ~~الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، فقد ~~أفطر الصائم ". وفي بعض الألفاظ: " أكل أو لم يأكل " ". # قوله عز وجل: { ولا تبشروهن وأنتم عكفون ~~في المسجد }؛ أصل العكوف والاعتكاف الملازمة والاقامة؛ ~~يقال: عكف بالمكان إذا أقام به، قال الله تعالى: # فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم # [الأعراف: 138] أي يقيمون. قال الفرزدق يصف القدور: # ترى حولهن المعتفين كأنهم # على صنم في الجاهلية عكف # والاعتكاف: هو حبس النفس في المسجد على عبادة الله تعالى. # واختلف العلماء في معنى المباشرة التي نهى المعتكف عنها؛ فقال ~~قوم: هي المجامعة خاصة؛ معناه: ولا تجامعوهن وأنتم معتكفين في ~~المساجد؛ قاله ابن عباس وعطاء والضحاك والربيع. وقال قتادة ومقاتل ~~والكلبي: (نزلت هذه الآية في نفر من الصحابة ~~كانوا يعتكفون في المسجد، فإذا أعرضت بالرجل ~~منهم حاجة إلى أهله خرج إليها، فجامعها ثم ~~يغتسل ويرجع إلى المسجد، فنهوا أن يجامعوا ~~نساءهم ليلا ونهارا حتى يفرغوا من ~~اعتكافهم). # وقال ابن زيد: (المباشرة: الجماع واللمس والقبلة ~~وأنواع التلذذ). والجماع مفسد للاعتكاف بالإجماع. وأما ~~المباشرة غير الجماع فعلى ضربين: ضرب يقصد به التلذذ بالمرأة فهو ~~مكروه ولا يفسد الاعتكاف عند أكثر الفقهاء؛ وقال مالك: (يفسده). ~~والضرب الثاني: ما لا يقصد به التلذذ بالمرأة؛ فهو مباح كما جاء ~~في خبر عائشة رضي الله عنها # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدخل إليها ~~رأسه فترجله وهو معتكف " # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من اعتكف عشرا في رمضان كان بحجتين ~~وعمرتين ". # قوله عز وجل: { تلك حدود الله }؛ أي المجامعة ~~في ms0163 الاعتكاف معصية: وقيل: جميع ما في هذه الآية إلى آخرها أحكام ~~الله، { فلا تقربوها }؛ يعني المباشر في الاعتكاف. وقيل: ~~أحكام الله لا تقربوها بالخلاف، { كذلك يبين الله } ، ~~لكم هذه الأحكام؛ أي فهكذا يبين للناس سائر أدلته على دينه ~~وشرائعه، وقيل: سائر أوامره ونواهيه لكي تتقوا معاصيه. # و(حدود الله) قال السدي: (شروط الله) وقال شهر بن حوشب: ~~(فرائض الله). وقال الضحاك: (معصية الله). وأصل الحد في ~~اللغة: المنع، وقيل منه للبواب: حداد. وقال الخليل بن أحمد: ~~الحد: الجامع المانع، ومنه حدود الدار والأرض؛ ~~وهي ما تمنع غيرها أن يدخل فيها غيرها. وسمي ~~الحديد حديدا لأنه يمتنع به من الأعداء. ويقال: حدت ~~المرأة وأحدت إذا منعت نفسها من الزينة. فحدود الله هي ما منع ~~الله منها أو منع من مخالفتها والتعدي إلى غيرها. # قوله تعالى: { فلا تقربوها } أي فلا تأتوها، يقال: ~~قربت من الشيء أقربه، وقربته وقربت منه بضم الراء؛ إذا ~~دنوت منه. # وقوله تعالى: { كذلك يبين الله } أي هكذا يبين ~~الله؛ { ءايته للناس لعلهم يتقون }؛ لكي تتقوها ~~وتنجوا من سخط الله والعذاب. ### || [2.188] # قوله عز وجل: { ولا تأكلوا أموالكم بينكم ~~بالباطل }؛ أكل المال بالباطل على وجهين؛ أحدهما: أخذه على ~~وجه الظلم بالغصب والخيانة وشهادة الزور واليمين الفاجرة؛ ~~والثاني: أخذه من جهات محظورة مع رضاء صاحبه؛ مثل القمار وأجرة ~~الغناء والملاهي والنائحة وثمن الخمر والخنزير والربا وأشباه ذلك. ~~ومعنى الآية: ولا يأكل بعضكم أموال بعض بالباطل؛ أي من غير الوجه ~~الذي أباحه الله تعالى. وأصل الباطل: الشيء الذاهب الزائل؛ يقال: ~~بطل يبطل بطولا وبطلانا؛ إذا ذهب. # قوله تعالى: { وتدلوا بها إلى الحكام }؛ أي ولا ~~تظهروا حجتكم للحكام بالباطل، فيحكم الحاكم في الظاهر مع علم ~~المحكوم له أنه غير مستحق في الباطن. وأصل الإدلاء: هو إرساله ~~الدلو في البئر؛ يقال: أدلى دلوه؛ إذا أرسلها، قال الله تعالى: # فأدلى دلوه # [يوسف: 19] ودلاها يدلوها؛ إذا أخرجها ثم جعل كل إلقاء قول ~~أو فعل إدلاء، ومنه قيل للمحتج بدعواه: أدلى بحجته؛ لأن ~~الحجة سبب وصوله إلى ms0164 دعواه كالدلو سبب وصوله إلى الماء. # واختلف النحاة في محل قوله: { وتدلوا بها } قال بعضهم: ~~الجزم لتكرر حرف النهي؛ أي لا تأكلوا ولا تدلوا وكذلك هو في حرف ~~أبي بإثبات (لا). وقيل: هو نصب على الظرف كقول الشاعر: # لا تنه عن خلق وتأتي مثله # عار عليك إن فعلت عظيم # وقيل: نصب بإضمار (إن) المخففة. وقال الأخفش: (نصب على ~~الجواب بالواو). # قوله عز وجل: { لتأكلوا فريقا من أموال ~~الناس بالإثم وأنتم تعلمون }؛ أي لتأكلوا طائفة من ~~أموال الناس بالظلم والجور وأنتم تعلمون أنكم مبطلون في دعواكم. قال ~~ابن عباس: (هذا في الرجل يكون عليه مال وليس ~~عليه فيه بينة؛ فيجحد المال ويخاصمهم فيه ~~إلى الحكام؛ وهو يعرف أن الحق عليه ويعلم ~~أنه إثم أكل حرام). وقال مجاهد: (معنى الآية: لا ~~تخاصم وأنت ظالم). وقال الحسن: (هو أن يكون للرجل ~~على صاحبه حق؛ فإذا طالبه به دعاه إلى الحاكم؛ ~~فيحلف له ويذهب بحقه). وقال الكلبي: (هو أن ~~يقيم شهادة الزور). وقال شريح لبعض الخصوم: (إني أقضي ~~لك وأنا أظنك ظالما؛ ولا يسعني إلا أن أقضي بما ~~يحضرني من البينة؛ وإن قضائي لا يحل لك ~~حراما). # وعن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إنما أنا بشر مثلكم، ولعل بعضكم يكون ~~ألحن بحجته من بعض فأقضي له، فمن قضيت له ~~بشيء من مال أخيه فإنما أقطع له قطعة من نار ~~". ### || [2.189] # قوله عز وجل: { يسألونك عن الأهلة قل هي ~~مواقيت للناس والحج } نزلت هذه الآية في معاذ بن جبل ~~وثعلبة بن غنمة الأنصاريين، سألا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالا: يا رسول الله، ما بال الهلال يبدو رقيقا ~~مثل الخيط، ثم يزداد حتى يمتلئ ويستوي، ~~ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدأ، ولا يكون ~~على حالة واحدة. فأنزل الله تعالى: { يسألونك } يا ~~محمد { عن الأهلة } وعن الحكمة في معناها. وهي جمع هلال مثل ~~رداء وأردية؛ وسمي هلالا لأنه حين يرى يهل الناس بذكر ~~الله. أي يرفعون أصواتهم كما ms0165 يقال: أهل القوم بالحج؛ إذا رفعوا ~~أصواتهم بالتلبية. # قوله تعالى: { قل هي مواقيت للناس } أي هي بيان ~~المواقيت التي يحتاج الناس إليها في صومهم وفطرهم وعدة نسائهم ~~وآجال ديونهم ومدة إجاراتهم وحيض الحائض وعدة الحامل وغير ~~ذلك، أخبرهم الله تعالى عن الحكمة في زيادة القمر ونقصانه ~~واختلاف أحواله؛ فلهذا خالف بينه وبين الشمس التي هي دائمة على حال ~~واحد. وقوله: { والحج } أي وبيان وقت حجهم. ولو جعل القمر ~~مدورا كالشمس أبدا لم تعرف المواقيت ولا السنون ولا الشهور. # وقوله عز وجل: { وليس البر بأن تأتوا البيوت ~~من ظهورها }؛ قال المفسرون: كان الناس في الجاهلية وفي أول ~~الإسلام إذا أحرم الرجل منهم بالحج والعمرة لم يدخل حائطا ولا ~~دارا ولا بيتا من بابه؛ فإن كان من أهل المدر؛ أي البيوت ~~نقب نقبا في ظهر بيته، ويتخذ سلما إليه يدخل منه ويخرج؛ ولا ~~يدخل من الباب. وإن كان من أهل الوبر؛ أي الخيام والفساطيط ~~خرج ودخل من خلف الخيمة والفساطيط؛ ولا يدخل في الباب ولا يخرج منه ~~حتى يحل من إحرامه. ويرون ذلك برا إلا أن يكون الرجل من الحمس ~~وهم: قريش؛ وكنانة؛ وخزاعة؛ وثقيف؛ وجثيم؛ وبنو عامر بن صعصعة؛ وبنو ~~النضر بن معولة؛ سموا حمسا لتشددهم في دينهم وعلى أنفسهم، ~~فإنهم كانوا لا يستظلون أيام منى ولا يسلون السمن ولا ~~يأقطون الأقط. والحماسة الشدة والصلابة، إلا أنهم كانوا مع هذا ~~يدخلون البيوت من أبوابها بخلاف الفريق الأول. # " فلما كان في زمن الحديبية أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالعمرة فدخل بستانا من بابه قد خرب وهو محرم، فأتبعه عطية ~~بن عامر السلمي من غير الحمس؛ فدخل معه من الباب وهو محرم، ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لم دخلت من الباب ~~وأنت محرم من غير الحمس؟ " فقال: رأيتك يا ~~رسول الله دخلت الباب وأنت محرم، فدخلت على ~~أثرك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا من ~~الحمس " فقال الرجل: إن كنت أحمسيا يا رسول ~~الله فأنا أحمسي؛ ms0166 لأن ديننا واحد؛ رضيت بهديك ~~وسنتك يا رسول الله " # ، فأنزل الله هذه الآية. # وقال الزهري: (كان ناس من الأنصار إذا أهلوا ~~بالعمرة لا يستظلون بشيء ولا يدخلون البيت ~~كي لا يحول بينهم وبين السماء شيء ما داموا ~~محرمين، حتى كان زمن الحديبية؛ # " أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة فدخل ~~حجرة؛ فدخل رجل منهم على أثره من الأنصار. ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لم فعلت ذلك؟ ~~" فقال: إني رأيتك يا رسول الله عليك السلام ~~دخلت، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنا ~~أحمس؛ والحمس لا يبالون بذلك " فقال الأنصاري: ~~أنا أحمس؛ يعني أنا على دينك وسنتك " # ، فأنزل الله هذه الآية { وليس البر بأن تأتوا ~~البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا ~~البيوت من أبوابها } أي ليس من خلفها إذا ~~أحرمتم). # قرأ حمزة والكسائي وعاصم ونافع وابن عامر وابن كثير: بكسر الباء (من ~~البيوت) في جميع القرآن. وقرأ الباقون بضمها. # قوله تعالى: { ولكن البر من اتقى }؛ أي ليس ~~البر بأن تأتوا البيوت من خلفها إذا أحرمتم؛ ولكن البر من اتقى ~~الشرك والمعاصي. قوله تعالى: { وأتوا البيوت من ~~أبوابها }؛ أي ائتوا البيوت محرمين ومحلين من أبوابها، ~~وقوله تعالى: { واتقوا الله لعلكم تفلحون }؛ ~~أي اتقوا الله في جميع ما أمركم به ونهاكم عنه لكي تنجوا من ~~العقوبة وتفوزوا بالبقاء في الجنة. # وقد روي عن بعضهم أنه كان يقول في هذه الآية: (ليس البر أن ~~تطلبوا المعروف من غير أهله، ولكن اطلبوه من ~~أهله). ### || [2.190] # قوله عز وجل: { وقاتلوا في سبيل الله الذين ~~يقاتلونكم }؛ أي وقاتلوا في دين الله وطاعته الذين ~~يقاتلونكم. قال الربيع وعبدالرحمن بن زيد: (هذه أول آية ~~نزلت في القتال، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه خرجوا في العام الذي أرادوا فيه ~~العمرة فنزلوا بالحديبية قريبا من مكة). ~~والحديبية اسم للبئر فسمي ذلك الموضع باسم ~~البئر، فصده المشركون عن البيت، فأقام ~~بالحديبية شهرا ثم صالحه المشركون على أن ~~يرجع عامه ذلك ms0167 على أن يخلوا له مكة من العام ~~القابل ثلاثة أيام، فيطوف وينحر الهدي ويفعل ~~ما يشاء؛ وصالحوه على أن لا يكون بينه وبينهم ~~قتال إلى عشر سنين. فرجع النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى المدينة، فلما كان العام المقبل تجهز ~~لعمرة القضاء؛ وكانوا يخافون أن لا تفي قريش ~~بذلك؛ وكانوا يكرهون قتالهم في الشهر الحرام ~~وفي الحرم، فأنزل الله هذه الآية. # ومعناها: وقاتلوا في طاعة الله الذين يبدأونكم بالقتال؛ { ~~ولا تعتدوا }؛ أي ولا تنقضوا العهد بالبداءة بقتالهم قبل ~~تقديم الدعوة، { إن الله لا يحب المعتدين }؛ أي ~~المتجاوزين عن الحدود؛ أي لا يرضى عنهم عملهم. فلما نزلت هذه ~~الآية كان صلى الله عليه وسلم يقاتل من قاتله ويكف عمن كف ~~عنه، حتى نزل قوله تعالى: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] فنسخت هذه الآية وأمر بالقتال مع المشركين كافة. # وقال بعضهم: هذه الآية محكمة أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالقتال ولم ينسخ شيء من حكم هذه الآية؛ فعلى هذا القول ~~معنى قوله: { ولا تعتدوا } أي لا تقتلوا النساء والصبيان ~~والشيخ الكبير ولا من ألقى إليكم السلم وكف يده عن قتالكم؛ ~~فإن فعلتم ذلك فقد اعتديتم؛ وهو قول ابن عباس ومجاهد. فمعنى ~~الآية: { وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم } ~~أي الذين هم من أهل القتال دون النساء والولدان الذي لا يقاتلون. فعلى ~~هذا القول الآية غير منسوخة. # وقال يحيى بن يحيى: (كتبت إلى عمر بن عبدالعزيز ~~أسأله عن قوله تعالى: { وقاتلوا في سبيل الله ~~الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا } فكتب إلي أن ~~ذلك في النساء والذرية والرهبان ومن لم ~~ينتصب للحرب منهم). # وقال الحسن: ( { ولا تعتدوا } أي لا تأتوا من ~~نهيتم عنه). وقال بعضهم: الاعتداء ترك قتالهم. وقال بعضهم: نزلت ~~هذه الآية والقتال كان محظورا قبل الهجرة كما قال تعالى: # وجدلهم بالتي هي أحسن # [النحل: 125] ثم أمر الله بالقتال بعد الهجرة لمن قاتلهم بهذه؛ ثم ~~نزلت آية أخرى في الإذن بالقتال عامة لمن قاتلهم ولمن لم ~~يقاتلهم، وهو قوله تعالى: # أذن للذين ms0168 يقاتلون بأنهم ظلموا # [الحج: 39]. # وعن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث على سرية ~~أو جيش أميرا أوصاه في نفسه خاصة بتقوى الله ~~عز وجل وبمن تبعه من المسلمين خيرا. وقال: " ~~أغزوا باسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر ~~بالله، أغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ~~ولا تقتلوا وليدا " ". ### || [2.191-192] # قوله عز وجل: { واقتلوهم حيث ثقفتموهم }؛ أي ~~اقتلوا الذين يبدأونكم بالقتال من أهل مكة حيث وجدتموهم؛ { ~~وأخرجوهم من حيث أخرجوكم }؛ أي كما أخرجوكم من ~~مكة؛ قوله تعالى: { والفتنة أشد من القتل }؛ ~~أي والشرك الذي هم فيه أعظم ذنبا من قتلكم إياهم في الحرم ~~والأشهر الحرم والإحرام. هكذا قال عامة المفسرين. وقال الكسائي: ~~(الفتنة ها هنا العذاب) وكانوا يعذبون من ~~أسلم. # قوله تعالى: { ولا تقاتلوهم عند المسجد ~~الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم ~~فاقتلوهم }؛ أي إذا بدأوكم في غير الحرم، ثم لجأوا إلى الحرم ~~فكفوا عن قتالهم ولا تقاتلوهم في الحرم حتى يقاتلوكم فيه. ~~فإن بدأوكم بالقتال في الحرم فاقتلوهم فيه، { كذلك جزآء ~~الكافرين }. # قرأ عيسى بن عمر وطلحة بن مصرف ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة ~~والكسائي: (ولا تقتلوهم) بغير ألف من القتل على معنى ولا ~~تقتلوا بعضهم. تقول العرب: قتلنا بني تميم؛ وإنما قتلوا بعضهم. ~~وقرأ الباقون كلها بالألف من القتال. # واختلفوا في حكم هذه الآية؛ فقال بعضهم: هي منسوخة؛ نهوا عن ~~الابتداء بالقتال، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: # وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة # [البقرة: 193]، وهذا قول قتادة والربيع. وقال مقاتل: { ~~واقتلوهم حيث ثقفتموهم } أي حيث أدركتموهم في ~~الحل والحرم. لما نزلت هذه الآية نسخها قوله تعالى: ~~{ ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام } ثم ~~نسختها آية السيف التي في براءة، فهي ناسخة منسوخة). # وقال آخرون: هذه آية محكمة؛ ولا يجوز الابتداء في القتال في ~~الحرم. وهو قول مجاهد وأكثر المفسرين. وسمي الكفر فتنة؛ لأنه ~~يؤدي إلى الهلاك كما أن الفتنة تؤدي إلى الهلاك. قوله تعالى: { ~~فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم ms0169 }؛ أي فإن انتهوا عن ~~القتال والكفر فإن الله { غفور } لما مضى من جهلهم ولما سلف ~~من كفرهم، { رحيم } بهم بعد توبتهم وإسلامهم. ### || [2.193-194] # قوله عز وجل: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ~~}؛ أي قاتلوا المشركين حتى لا يكون شرك؛ أي قاتلوهم حتى ~~يسلموا، فليس يقبل من الوثني جزية ولا يرضى منه إلا بالإسلام، ~~وليسوا كأهل الكتاب الذين يؤخذ منهم الجزية. والحكمة في ذلك: أن ~~مع أهل الكتاب كتبا منزلة فيها الحق وإن كانوا قد أهملوها، ~~فأمهلهم الله بحرمة تلك الكتب من القتل وأمر بإذلالهم بالجزية، ~~ولينظروا في كتبهم وليدبروها فيقفوا على الحق منها فيتبعوه. وأما ~~أهل الأوثان فليس لهم كتب ترشدهم إلى الحق وكان إمهالهم زائدا ~~في شركهم؛ فأبى الله أن يرضى منهم إلا بالإسلام أو القتل. # قوله تعالى: { ويكون الدين لله }؛ أي وتكون الطاعة ~~لله وحده وأن لا يعبدوا دونه شيئا. قوله تعالى: { فإن ~~انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين }؛ أي { فإن ~~انتهوا } عن القتال والكفر { فلا عدوان } أي فلا سبيل ولا ~~حجة في القتل في الحرم والشهر الحرام إلا على الظالمين. قال ~~قتادة وعكرمة: (في هذه الآية الظالم الذي أبى أن يقول ~~لا إله إلا الله). وإنما سمي الكافر ظالما لوضعه العبادة ~~في غير موضعها. وقيل: معناه: فلا عدوان إلا على الذين ~~يبدأون بالقتال. ومن الدليل على أن هذه الآية غير ناسخة ~~للأولى: أنها معها في خطاب واحد، ولا يصح النسخ إلا بعد ~~التمكن من الفعل. # قال ابن عباس: فسار النبي صلى الله عليه وسلم فأخلى له ~~أهل مكة الحرم ثلاثة أيام؛ فدخل هو وأصحابه ~~فطافوا ونحروا الهدي وأقاموا بمكة حتى قضوا ~~حاجتهم من البيت، ثم رجعوا، فأنزل الله قوله ~~تعالى: { الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات ~~قصاص }؛ أي الشهر الذي دخلت فيه مكة وهو ذو القعدة، واعتمرت فيه ~~أنت وأصحابك وقضيتم من مكة فيه وطركم في سنة سبع بالشهر الحرام ~~وهو ذو القعدة أيضا الذي صدوك فيه عن البيت أنت وأصحابك ومنعوكم ~~من مرادكم في سنة ست. # وقوله تعالى: ms0170 { والحرمات قصاص } أي اقتصصت لكم منهم في الشهر ~~الحرام في ذي القعدة كما صدوكم في ذي القعدة مراغمة. { والحرمات ~~قصاص } جمع الحرمة كالظلمات جمع الظلمة، والحجرات جمع حجرة. ~~والحرمة: ما يجب حفظه وترك انتهاكه، وإنما جمع { الحرمات } ~~لأنه أراد الشهر الحرام والبلد الحرام؛ وحرمة الإحرام. والقصاص: ~~المساواة؛ وهو أن يفعل بالفاعل كما فعل. # قوله عز وجل: { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا ~~عليه بمثل ما اعتدى عليكم } أي { فمن اعتدى ~~عليكم } بالقتال في الحرم فكافئوه وقاتلوه كمثل ما فعل. ~~وسمى الجزاء اعتداء على مقابلة اللفظ. # قوله تعالى: { واتقوا الله واعلموا أن الله ~~مع المتقين }؛ أي (اتقوا الله) في كل ما أمرتم به ونهيتم ~~عنه { واعلموا أن الله مع المتقين } بالنصر ~~والمعونة. ### || [2.195] # قوله عز وجل: { وأنفقوا في سبيل الله ولا ~~تلقوا بأيديكم إلى التهلكة }؛ وفي هذه الآية نهي عن ~~البخل. معناه: تصدقوا يا أهل الميسرة ولا تمسكوا عن الإنفاق { ~~في سبيل الله } فإن البخل؛ والإمساك عن ذلك هو الهلاك. وهذا ~~قول حذيفة والحسن وعكرمة وعطاء والضحاك. قال ابن عباس في هذه ~~الآية: (أنفق في سبيل الله وإن لم يكن لك إلا سهم ~~واحد، ولا يقولن أحدكم أني لا أجد شيئا). وقال ~~السدي: (أنفق في سبيل الله ولو عقالا). # وقوله تعالى: { ولا تلقوا بأيديكم إلى ~~التهلكة } معناه: ولا تلقوا أنفسكم، فعبر بالبعض عن الكل ~~كقوله تعالى: # ذلك بما قدمت أيديكم # [آل عمران: 182] و # فبما كسبت أيديكم # [الشورى: 30]. وإنما حذف ذكر النفس هنا لأن في الباء دليلا عليه؛ ~~والباء زائدة كقوله تعالى: # تنبت بالدهن # [المؤمنون: 20]. والعرب لا تقول: ألقى بيده إلا في الشر، ~~والإلقاء في التهلكة معناه: ولا تمسكوا بأيديكم عن الصدقة في الجهاد ~~فتهلكوا. وقيل هو الإسراف في الإنفاق حتى لا يبقي له شيئا يأكله ~~فيتلف. وقيل: هو أن يخرج بين الصفين فيستقتل من غير قصد ~~بنكاية العدو. # وقيل: معنى { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } أي ~~لا يقل: ليس عندي شيء. وقال الحسن: (إنهم كانوا ينفرون ~~للغزو ولا ينفقون من أموالهم، فأنزل الله ms0171 هذه ~~الآية). وقال مقاتل: (لما أمر الله تعالى بالإنفاق؛ قال ~~رجل: أمرنا بالنفقة في سبيل الله؛ فإن أنفقنا ~~أموالنا بقينا فقراء ذوي مسكنة، فقال الله ~~تعالى: { ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ~~يعني أنفقوا ولا تخشوا الفقر فإني رازقكم ~~ومخلف عليكم). # وعن أبي الدرداء وأبي هريرة وعبدالله بن عمر وجابر وأبي أمامة ~~والحسن بن علي بن أبي طالب وعمران بن الحصين؛ كلهم حدثوا عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من أرسل نفقة في سبيل الله وأقام في بيته ~~فله بكل درهم سبعمائة درهم، ومن غزا بنفسه ~~فأنفق فله بكل درهم سبعمائة ألف درهم. ثم ~~تلا هذه الآية { ولا تلقوا بأيديكم إلى ~~التهلكة } " # أي # ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون # [البقرة: 267]. # وقال زيد بن أسلم: (إن رجالا كانوا يخرجون في بعوث ~~يبعثها رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير نفقة؛ ~~فإما أن يعطوهم؛ وإما كانوا عيالا ووبالا. ~~فأمرهم الله تعالى بالإنفاق على أنفسهم في سبيل ~~الله تعالى، فإذا لم يكن عندك ما تنفق فلا ~~تخرج نفسك بغير نفقة ولا قوة فتلقي بيدك ~~إلى التهلكة، فتهلك من الجوع والعطش أو من ~~المشي). التهلكة: مصدر بمعنى الإهلاك؛ وهو تفعلة من ~~الهلاك. ولم يجئ من كلام العرب مصدر على تفعلة بضم العين ~~إلا هذا. وقال بعضهم: التهلكة: كل شيء عاقبته إلى الهلاك. # قوله عز وجل: { وأحسنوا إن الله يحب ~~المحسنين }؛ أي (أحسنوا) في النفقة والإفضال على المحتاج. ~~وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس رضي الله عنه: قال: (التهلكة: ~~عذاب الله). فمعنى قوله: { ولا تلقوا بأيديكم إلى ~~التهلكة } أي لا تتركوا الجهاد فتعذبوا، دليله قوله ~~تعالى: # إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما # [التوبة: 39]. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو، مات ~~على شعبة من النفاق " # وقال ابن سيرين: (الإلقاء في التهلكة: هو القنوط من ~~رحمة الله). وقال أبو قلابة: (هو الرجل يصيب الذنب ~~فيقول: قد هلكت ليس لي توبة فييأس من رحمة ~~الله ms0172 وينهمك في المعاصي، فنهاهم الله عز وجل ~~عن ذلك). # وسئل بعضهم عن الإلقاء في التهلكة؛ أهو الرجل يحمل على الكتيبة وهم ~~ألف بالسيف؟ قال: لا، ولكنه الرجل يصيب الذنب فيقول: قد أهلكت ~~لا توبة لي. وقال الفضيل بن عياض في هذه الآية: { ولا تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة }: (بإساءة الظن بالله، ~~فأحسنوا الظن بالله؛ إن الله يحب المحسنين ~~الظن بالله عز وجل). ### || [2.196] # قوله عز وجل: { وأتموا الحج والعمرة لله ~~}؛ إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك. وقيل: إتمام ~~العمرة إلى البيت، وإتمام الحج إلى آخر الحج كله. وقيل: ~~إتمامهما أن تكون النفقة حلالا وينتهي عن جميع ما نهى الله عنه؛ ~~ويأتي بجميع ما شرع الله من المشاعر والمواقف. وقيل: أتموا ~~الحج والعمرة من المواقيت. { فإن أحصرتم فما استيسر ~~من الهدي }؛ أي إن منعتم من البيت بعدما أحرمتم بحج أو ~~عمرة؛ فأردتم الإحلال فعليكم مما تيسر من الهدي. # قال ابن عباس: (أعلاه بدنة؛ وأوسطه بقرة؛ ~~وأدناه شاة، يبعث المحصر بها إلى مكة ~~ويواعدهم اليوم الذي يذبحوه عنه. فإذا ذبح ~~عنه حل ورجع إلى أهله. ثم يقضي ما كان أحرم ~~به). # قوله عز وجل: { ولا تحلقوا رؤوسكم حتى ~~يبلغ الهدي محله }؛ أي لا يحلق أحدكم رأسه ولا يحل من ~~الإحرام حتى يبلغ الهدي الحرم؛ أي حتى يعلم أن الهدي قد ذبح عنه في ~~الحرم. # قوله عز وجل: { فمن كان منكم مريضا }؛ أي من كان ~~مريضا من المحرمين؛ محصرين أو غير محصرين، فلم ~~يستطع الإقامة على شروط الإحرام، فعجل وفعل شيئا مما يفعله ~~الحلال قبل أن ينحر عنه الهدي، { أو به أذى من رأسه }؛ ~~أي أو كان في رأسه قمل يؤذيه لا يستطيع أن يصبر عليه، فحلق رأسه. # قوله تعالى: { ففدية من صيام }؛ أي فعليه فداء ما ~~صنع صيام ثلاثة أيام، { أو صدقة }؛ على ستة مساكين؛ لكل ~~مسكين نصف صاع من بر أو صاع من تمر، أو صاع من شعير، { أو نسك ~~}؛ أي شاة يذبحها في الحرم. # " روي عن كعب بن عجرة: أنه ms0173 قال: نزلت هذه الآية في؛ مر ~~بي رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على ~~وجهي، فقال له: " أتؤذيك هوام رأسك؟ " قلت: نعم، ~~قال: " احلق رأسك وأطعم ستة مساكين؛ لكل ~~مسكين نصف صاع من حنطة، أو صم ثلاثة أيام، أو ~~أنسك بنسيكة " ". # قوله تعالى: { فإذآ أمنتم فمن تمتع بالعمرة ~~إلى الحج فما استيسر من الهدي }؛ أي فإذا أمنتم ~~الموانع من المرض والعدو وكل مانع. ويقال: في الآية إضمار تقديره: ~~فإذا أمنتم من العدو وبرئتم من المرض، فاقضوا ما كنتم أحرمتم به قبل ~~الإحصار من حج أو عمرة. # قوله تعالى: { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } ~~أي من بدأ بالعمرة في أشهر الحج؛ وأقام بمكة في عامه للحج؛ فحج من ~~غير أن يرجع إلى أهله؛ فعليه ما تيسر من الهدي. وقوله ~~تعالى: { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في ~~الحج وسبعة إذا رجعتم }؛ أي فمن لم يجد الهدي ولا ~~عنه؛ فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج يصومها قبل يوم النحر ~~متتابعات ومتفرقات؛ وصيام سبعة أيام إذا رجع إلى أهله. # ويقال: إذا رجع من منى. ويقال: إذا رجع إلى ما كان عليه؛ أي فرغ ~~من أمر الحج. # قوله تعالى: { تلك عشرة كاملة }؛ أي كاملة للثواب. ~~وقيل: كاملة للهدي. قوله تعالى: { ذلك لمن لم يكن ~~أهله حاضري المسجد الحرام }؛ أي ذلك التمتع والهدي ~~لمن لم يكن أهله حاضري مكة. قوله تعالى: { واتقوا ~~الله واعلموا أن الله شديد العقاب }؛ أي اتقوا ~~الله في جميع ما أمرتم به ونهيتم عنه. # وقد اختلف السلف في وجوب العمرة؛ فروي عن ابن مسعود والشعبي ~~وإبراهيم النخعي: (إنها تطوع)، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ~~ومالك. وعن عائشة وابن عباس وابن عمر ومجاهد: (أنها واجبة)؛ ~~وبه قال الشافعي. ولا دلالة في هذه الآية على الوجوب؛ لأن لفظ ~~الإتمام يقتضي نفي النقصان عنها إذا فعلت؛ لأن ضد الإتمام هو ~~النقصان. # وقرئ (والعمرة لله) بالرفع على معنى الابتداء. ومن نصب ~~العمرة احتمل أن تكون للابتداء؛ لكن نصبها اتباعا للحج، كذا قال ~~الزجاج. ms0174 وقوله تعالى: { لله } فإن أهل الجاهلية كانوا ~~يشركون في إحرامهم؛ كانوا يقولون: (لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك ~~تملكه وما ملك). تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. ~~فأمر الله تعالى بإخلاص القول والعمل لله تعالى. # وأما لفظ الإحصار فقد ذكر الكسائي وأكثر أهل اللغة: (أن ~~الإحصار هو أن يكون بمرض أو عدو، والحصر: أن ~~يكون بحبس عدو، يقال: أحصره المرض أو العدو ~~فهو محصر. وحصره العدو فهو محصور) وهذا على ~~مذهبنا مستمر. وقال الفراء: (لا فرق بين الحصر ~~والإحصار، وهما شريكان في المعنى) وهذا قريب من مذهب ~~الشافعي، فإن عنده لا يكون المريض محصرا ولا يكون الإحصار إلا ~~بالعدو. فأما المريض فلا يتحلل بالهدي وإن لم يقدر على الذهاب. ~~وأنكر المبرد والزجاج على الفراء وقالا: (إن الحصر ~~والإحصار مختلفان في المعنى؛ ألا ترى أنك تقول: ~~حبست الرجل؛ إذا جعلته في الحبس، وأحبسه إذا ~~عرضته للحبس). # والهدي في اللغة: اسم لما يهدى إلى البيت؛ وهو جمع هدية كما ~~يقال: جدي وجدية. وعن عائشة وابن عمر أنهما قالا: (إن ~~الهدي إنما يكون بقرة أو بدنة). وفائدة قوله: { ~~فما استيسر } على هذا القول التخير بين أعيان الإبل والبقر، ~~ولا يجوز من كل شيء إلا الشيء فصاعدا، إلا الجذع من الضأن فإنه ~~يجزي على ما ورد في الأضحية؛ وهو ما مضى له ستة أشهر. ~~والثني: البالغ من كل شيء؛ وهو عند الفقهاء في الغنم ما له ~~سنة؛ وفي البقر ما له سنتان؛ وفي الإبل ما له خمس سنين. # واختلفوا في المذكور في قوله { حتى يبلغ الهدي محله } ~~قال ابن مسعود وابن عباس؛ وعطاء وطاووس ومجاهد: (محله: ~~منحره؛ وهو الحرم) وقال مالك والشافعي: (محله: ~~الموضع أحصر فيه؛ فيكون المعنى حتى يبلغ ~~الهدي محله؛ أي ينحر الهدي فيحل أكله). # وظاهر الآية تقتضي أن (يبلغ الهدي) بعد الإحصار مبلغا لم يكن ~~بالغا قبل ذلك؛ ولو كان موضع الإحصار محلا للهدي لكان بالغا ~~محله لوقوع الإحصار، وأدى ذلك إلى بطلان الغاية المذكورة في ~~الآية. # وأما قوله ms0175 في شأن الحديبية # والهدي معكوفا # [الفتح: 25] أي يبلغ محله فهو حجة في أن المحل هو الحرم؛ وليس في ~~تلك الآية بيان موضع الذبح أنه كان في الحل أو الحرم، فيحتمل أن ~~الهدي كان ممنوعا عن الحرم؛ ولما وقع الصلح أطلقوا الهدي حتى ~~ذبح في الحرم. # وذهب أبو يوسف ومحمد: إلى أن هدي المحصر بالحج مؤقت بيوم ~~النحر؛ وليس في هذه الآية أن المراد بالمحل الزمان؛ لأن قوله ~~تعالى: { فإن أحصرتم } عائد إلى الحج والعمرة المذكورين في ~~أول هذه الآية. ولا خلاف أن هدي المحصر بالعمرة غير مؤقت ~~بيوم النحر، وفي ظاهر قوله تعالى: { ولا تحلقوا ~~رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله } دليل على أن ~~المحصر إذا لم يجد الهدي لا يحل حتى يجد الهدي فيذبح عنه. وقال ~~عطاء: (يصوم عشرة أيام ويحل كالمتمتع إذا لم ~~يجد). # فصل: وإذا لم يصم الثلاثة أيام قبل يوم النحر - أعني المتمتع ~~والقارن - فقد اختلفوا في ذلك؛ فقال عمر وابن عباس وابن جبير: ~~(لا يجزيه إلا الهدي، ولا يحل إلا به). وهو قول ~~أبي حنيفة وأصحابه. وقال ابن عمر وعائشة: (يصوم أيام منى) ~~وهو قول مالك. وقال علي كرم الله وجهه: (يصوم أيام ~~التشريق) وهو قول الشافعي. # والفائدة في قوله: { تلك عشرة كاملة } أنه كان يجوز أن ~~يتوهم متوهم أن البدل لا يلحق بالمبدل في الثواب؛ ~~فبين الله تعالى أنه في الكمال بمنزلة المبدل أن لو فعله. ~~ويقال: إن (الواو) قد جاءت في القرآن بمعنى (أو) التي للتخيير ~~كما في قوله تعالى: # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء مثنى وثلث ~~وربع # [النساء: 3] فربما يتوهم أن هذا مثل ذلك؛ فأكد الله تعالى صوم ~~العشرة كلها بقوله: { تلك عشرة كاملة } لإزالة هذا ~~الإشكال. # فصل: اختلفوا في حاضر المسجد الحرام؛ فقال عطاء ومكحول: (هم ~~كل من دون المواقيت إلى مكة) وهو قول أبي حنيفة ~~وأصحابه؛ إلا أن أبا حنيفة وأصحابه يقولون: (أهل المواقيت ~~بمنزلة من دونها؛ لأنهم في حكم أهل مكة يجوز ~~لهم دخولها بغير إحرام). وقال ابن عباس ms0176 ومجاهد: (هم ~~أهل الحرم) وقال الحسن وطاووس ونافع: (هم أهل مكة). وقال ~~الشافعي: (هم من كان داره دون الليلتين من ~~مكة؛ وذلك مقدار أقرب المواقيت إلى مكة). # وظاهر قوله تعالى: { ذلك لمن لم يكن أهله ~~حاضري المسجد الحرام } يقتضي الإشارة إلى الهدي والمتعة ~~جميعا؛ فلا يباح المتعة والقران لأهل المواقيت ومن دونها إلى مكة. ~~وذهب الشافعي إلى أن قوله: { ذلك } إشارة إلى الهدي دون ~~المتعة والقران، فتجوز عنده المتعة والقران لأهل مكة، ولكن لا ~~هدي عليهم. ### || [2.197] # قوله عز وجل: { الحج أشهر معلومات }؛ في هذه ~~الآية تقدير حذف مبتدأ تقديره: مدة الحج أشهر معلومات. ويقال: ~~الحج في أشهر معلومات. وقوله: # غدوها شهر ورواحها شهر # [سبأ: 12] أي مدة غدوها ومدة رواحها. # واختلفوا في هذه الأشهر: فقال ابن عباس وأكثر المفسرين: (إنها ~~شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة). وأما من ~~قال: إنها شوال وذو القعدة وذو الحجة، فليس باختلاف لأن المراد ~~بعض ذي الحجة؛ لأن الحج كله لا محالة في بعض هذه الأشهر لا في ~~جميعها. ويجوز إضافته إلى جميع هذه الأشهر وإن كان هو في بعضها؛ ~~ألا ترى إنك تقول: لقيت فلانا سنة كذا، وقمت يوم كذا؛ بمعنى بعض ~~المدة. # قوله تعالى: { فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ~~ولا فسوق ولا جدال في الحج }؛ أي من أوجب فيهن الحج ~~بالتلبية أو ما يقوم مقامها من ذكر أو سوق الهدي فلا يرفث ولا ~~يفسق، وهذا لفظ خبر بمعنى النهي؛ كما أن قوله: # يتربصن # [البقرة: 228] و # يرضعن # [البقرة: 233] خبران لفظا؛ وأمران معنى. # والرفث: قال ابن عباس: (هو مراجعة النساء بذكر ~~الجماع). والفسوق: قال ابن عمر: (هو ما نهى الله عنه ~~في الإحرام). واختار بعضهم هذا القول؛ وقالوا: لو كان المراد به ~~جميع المعاصي لكان لا يخص بالنهي عنها حالة الإحرام. # وقال ابن عباس وجماعة من المفسرين: (المراد بها جميع ~~المعاصي). وفائدة تخصيص حالته هذه بالنهي فهو تعظيم حرمة هذه ~~العبادة؛ كما يقال: لا تغتب في صومك؛ وكما قال صلى الله عليه وسلم: ms0177 # " إذا كان يوم صوم أحدكم؛ فلا يرفث؛ ولا يجهل، ~~وإن جهل عليه فليقل: إني صائم ". # قوله تعالى: { ولا جدال في الحج } قال بعضهم: ~~الجدال: أن تجادل صاحبك حتى تغضبه أو يغضبك. ~~وقيل: كانت قريش تقف بالمزدلفة؛ وكانت اليمن وربيعة تقف بعرفة ~~خارج الحرم؛ وكان كل فريق منهم يجادل صاحبه في الموقف؛ ~~فنزلت هذه الآية. # قوله سبحانه وتعالى: { وما تفعلوا من خير ~~يعلمه الله }؛ أي ما تفعلوا من أسباب الحج وترك الرفث ~~والفسوق والجدال يعلمه الله؛ أي يقبله منكم فيجزيكم عليه، والله ~~تعالى عالم من دون أن يفعلوا، ولكن المراد به يعلمه الله ~~مفعولا؛ وكان من قبله يعلمه غير مفعول. وأراد الله بهذا الحث ~~على فعل الخير ودل به على العدل؛ إذ بين أنه لا يجازي العبد على ~~ما يعلمه منه، وإنما يجازيه على ما يقع منه. # قوله عز وجل: { وتزودوا فإن خير الزاد ~~التقوى }؛ أي تزودوا في سفر الحج والعمرة ما تكفون به ~~وجوهكم عن المسألة. نزلت في قوم كانوا يخرجون بأهاليهم بغير زاد ~~ويتكلون على الناس؛ ويسمون أنفسهم المتوكلة، يقولون: ~~نحج بيت ربنا والله رازقنا. # وقيل: نزلت في قوم يتركون أزوادهم ويصيبون في حجهم من أهل ~~الطريق ظلما؛ فبين الله تعالى أن الزاد هو أن تتقوا ما لا ~~يحل، لا أن تلقوا أزوادكم وتصيروا كلا على الناس. # ويقال: في الآية تقديم وتأخير؛ تقديره: وتزودوا من الطاعات، { ~~واتقون يأولي الألباب }؛ { فإن خير الزاد ~~التقوى } ولا يمتنع أن يكون المراد به زاد الدنيا وزاد ~~الآخرة. كأن الله خص على الزادين جميعا وأمر بالتزود لسفر ~~الدنيا بالطعام ولسفر الآخرة بالتقوى؛ فإن النجاة من هلكات ~~سفر الدنيا بالزاد، ومن سفر الآخرة بالعمل الصالح. قال الشاعر: # إذ أنت لم ترحل بزاد من التقى # ولاقيت بعد الموت من قد تزودا # ندمت على أن لا تكون كمثله # وأنك لم ترصد كما كان أرصدا # واختلف العلماء في جواز الإحرام بالحج قبل أشهر الحج؛ فروي عن ~~ابن عباس وجابر وعطاء ومجاهد وعكرمة أنهم قالوا: (لا يحرم ~~الرجل بالحج ms0178 قبل أشهر الحج). وقال عطاء: (من فعل ~~ذلك فيجعلها عمرة). وقال الشافعي: (تكون عمرة). # وعن إبراهيم النخعي: (جواز الإحرام بالحج قبل أشهر ~~الحج) وهو قول أبي حنيفة وأصحابه؛ ومالك والليث؛ والثوري. ~~وحجتهم: قوله عز وجل: # يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس ~~والحج # [البقرة: 189]. وهذا عموم في كون الأهلة كلها وقتا للحج؛ ~~ومعلوم أن الأهلة ليست بميقات لأفعال الحج؛ فوجب أن يكون حكم ذلك ~~اللفظ مستعملا في إحرام الحج. # أما قوله تعالى: { الحج أشهر معلومات } فيحتمل ~~أنه توقيت لأفعال الحج؛ فإن من قدم مكة قبل أشهر الحج محرما ~~وطاف وسعى لم يكن ذلك السعي معتدا به في الحج. وذهب بعض ~~أصحابنا إلى أن قوله تعالى: { الحج أشهر معلومات ~~} توقيت لاستحباب الإحرام؛ لأنه إذا قدم الإحرام على شوال امتد ~~مكثه في الإحرام واضطر إلى شيء من محرمات الإحرام. # فصل: والنصب في قوله تعالى: { فلا رفث ولا فسوق ~~ولا جدال في الحج } على التمييز؛ ويقرأ بالرفع والتنوين؛ ~~فكلا الوجهين جائز في كلام العرب. وأما قوله تعالى: { ولا ~~جدال في الحج } فأكثر القراء على نصبه؛ ولم ينقل فيه الرفع ~~والتنوين إلا في رواية شاذة. ومن رفع الرفث والفسوق جعل ما بعده ~~كلاما مبتدأ. ### || [2.198] # قوله تعالى: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا ~~فضلا من ربكم }؛ # " روي عن عبدالله ابن عمر: أن رجلا سأله فقال: إني ~~لأكري أبلي إلى مكة، أفيجزئ حجي؟ فقال: أولست ~~تلبي وتقف بعرفات وترمي الجمار؟) قال: بلى، ~~قال: سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مثل ما ~~سألتني عنه فلم يجبه حتى أنزل الله هذه ~~الآية: { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ~~ربكم } ، فقال صلى الله عليه وسلم: " أنتم حجاج " ". # ومعنى الآية: ليس عليكم جناح أن تطلبوا رزقا في التجارة في أيام ~~الحج. وكان ابن عباس يقرؤها (ليس عليكم جناح أن ~~تبتغوا فضلا من ربكم في مواسم الحج). وعن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا كان يوم عرفة غفر الله ms0179 للحاج الخالص؛ ~~وإذا كان ليلة المزدلفة غفر الله للتجار، وإذا ~~كان يوم منى غفر الله للجمالين، وإذا كان عند ~~جمرة العقبة غفر الله للسؤال، ولا يشهد ذلك ~~الموقف خلق ممن قال: لا إله إلا الله، إلا غفر ~~الله له ". # قوله عز وجل: { فإذآ أفضتم من عرفت ~~فاذكروا الله عند المشعر الحرام }؛ معناه: إذا ~~دفعتم من عرفات فاذكروا الله باللسان عند المشعر ~~الحرام؛ وهو الجبل الذي يقف عليه الناس بالمزدلفة. وقوله ~~تعالى: { واذكروه كما هدكم }؛ أي اذكروه بالثناء ~~والتوحيد والشكر ذكرا مثل هدايته إياكم؛ أي ذكرا يكون جزاء ~~لهدايته، قوله تعالى: { وإن كنتم من قبله لمن ~~الضآلين }؛ أي وإن كنتم من قبل هدايته إياكم لمن الضالين ~~عن الهدى. # وقيل: إن المراد بالذكر الأول في هذه الآية صلاة المغرب ~~والعشاء التي يجمع بينهما في وقت العشاء بالمزدلفة. والمراد بالذكر ~~الثاني هو الذكر المفعول بالمزدلفة غداة جمع في موقف المزدلفة. ~~فعلى هذا يكون الذكر الأول غير الثاني. وقد سمى الصلاة ذكرا ~~على معنى أن الذكر ركن من أركانها. # والإفاضة: هي الدفع بالكثرة، يقال: أفاض القوم في الحديث؛ إذا ~~تدافعوا فيه وأكثروا التصرف؛ وأفاض المرجل إناه؛ إذا ~~صبه، وفاض الإناء إذا انصب منه الماء للامتلاء، وأفاض ~~البعير بجرته؛ إذا رمي بها متفرقة كثيرة. # وعرفات: جمع عرفة؛ وهي مكان واحد ذكرها بلفظ الجمع؛ وإرادته ~~جمع أجزائها. وسميت عرفات لارتفاعها من بشر الأرض، وقيل: سميت بذلك ~~لأن آدم وحواء تعارفا بها بعد التفاقد. ويقال: لأن جبريل عرفها ~~إبراهيم عليه السلام ليقف عليها حين كان يعلمه أمر المناسك؛ فقال ~~إبراهيم: عرفت. وقال بعضهم: سميت بذلك لأن الناس يعترفون في ~~هذا اليوم على ذلك الموقف بذنوبهم. وقيل: هي مأخوذة من العرف وهو ~~الطيب، قال الله تعالى: # عرفها لهم # [محمد: 6] أي طيبها لهم. ### || [2.199] # قوله عز وجل: { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس ~~واستغفروا الله إن الله غفور رحيم }؛ قال عامة ~~المفسرين: كانت قريش وحلفاؤها ومن دان بدينها وهم الحمس لا ~~يخرجون من الحرم إلى عرفات؛ وكانوا يقفون بالمزدلفة ms0180 يقولون: نحن ~~أهل الله وسكان حرمه؛ فلا يخلف الحرم ولا يخرج منه فلسنا ~~كسائر الناس، كانوا يتعظمون أن يقفوا مع سائر العرب بعرفات. ~~ويقول بعضهم لبعض: لا تعظموا إلا الحرم، فإنكم إن عظمتم غير ~~الحرم تهاون الناس بحرمكم، فقفوا بجمع، فإذا أفاض الناس من ~~عرفات أفاضوا من المشعر وهو المزدلفة. فأمرهم الله أن يقفوا ~~بعرفات ويفيضوا منها إلى المزدلفة مع سائر الناس فيكون المراد ~~بالإفاضة في هذه الآية على هذا القول: الإفاضة من عرفات. # وكان سائر الناس غير الحمس يقفون بعرفات، فأنزل الله هذه الآية ~~وأمر قريشا وغيرهم من الحمس أن يقفوا بعرفة حيث يقف الناس، ~~ويدفعوا منها معهم. وإنما ذكر الناس وأراد قريشا بالإفاضة من ~~حيث أفاض الناس؛ لأن قريشا ومن دان بدينها كانوا قليلا بالإفاضة ~~إلى سائر الناس. # قوله تعالى: { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } ~~على هذا التأويل راجع إلى أول الكلام، كأنه " قال " # فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا ~~جدال في الحج # [البقرة: 197] { ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } # فإذآ أفضتم من عرفت فاذكروا الله عند # [البقرة: 198] المسجد { الحرام }. فيكون في الآية تقديم ~~وتأخير. ويكون الأمر بالإفاضة عطفا على الإحرام دون الإفاضة من ~~عرفات؛ فكأنه قال: أحرموا كما أمركم الله { ثم أفيضوا من ~~حيث أفاض الناس }. وعلى هذا التأويل جمهور المفسرين. # وقال الضحاك: (معنى الآية: ثم أفيضوا من ~~المزدلفة التي تفيض منها قريش). وإنما ذهب ~~الضحاك إلى أن المراد بالإفاضة في هذه الآية الإفاضة من المزدلفة؛ ~~لأن الله تعالى عطف هذه الآية على الإفاضة من عرفات؛ فعلم أن ~~المراد بهذه الإفاضة الإفاضة من المزدلفة؛ إلا أن عامة المفسرين ~~على الوجه الأول. # والمراد بقوله: { من حيث أفاض الناس } هم العرب كلهم غير ~~الحمس، وقال الكلبي: (هم أهل اليمن). وقال الضحاك: ~~(الناس هنا إبراهيم عليه السلام وحده؛ لأنه كان ~~الإمام المقتدى به، فسماه الله ناسا كما قال الله ~~تعالى في آية أخرى: # إن إبراهيم كان أمة # [النحل: 120] وقد يسمى الرجل الواحد باسم الناس كما ~~قال ms0181 الله تعالى: # أم يحسدون الناس # [النساء: 54] يعني محمدا صلى الله عليه وسلم). وكذلك قوله # الذين قال لهم الناس # [آل عمران: 173] يعني نعيم بن مسعود الأشجعي # إن الناس قد جمعوا لكم # [آل عمران: 173] يعني أبا سفيان. وإنما يقال هذا لمن هو ندب ~~يقتدى به أو يكون لسان قومه وإمامهم. # وقال الزهري: (الناس ها هنا آدم عليه السلام) ودليله قراءة ~~ابن مسعود: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس يعني ~~آدم). # وقال: (لأنه نسي ما عهد إليه؛ قال الله تعالى: # ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل فنسي # [طه: 115]. # وقوله تعالى: { واستغفروا الله إن الله غفور ~~رحيم } أي استغفروا الله هناك من ذنوبكم؛ أي في مواطن الحج، ~~فإن الدعاء في تلك المواطن جدير بالإجابة. وقال بعضهم: هذا خطاب ~~للحمس أمرهم الله بالاستغفار مما كان منهم في الجاهلية من ~~مخالفة أمره بترك الوقوف بعرفات. { إن الله غفور } لذنوب ~~عباده إذا تابوا، { رحيم } بهم بعد التوبة ويقال: معناه: إن ~~الله غفور رحيم للحاج. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الحاج والعمار وفد الله تعالى، إن دعوا ~~أجابهم، وإن استغفروا غفر لهم " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " اللهم اغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج ~~". # وقد اختلف العلماء في الوقوف بالمزدلفة، فذهب أكثرهم إلى أنه ليس ~~بركن على ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم # " إنه قدم ضعفة أهله بليل " # وفي بعض الأخبار: # " أنه قدم أغيلمة بني عبدالمطلب بليل، ~~وجعل يلطخهم بيده ويقول: " أي بني، لا ترموا ~~جمرة العقبة إلا مصبحين " # فلو كان الوقوف بها فرضا لما رخص في تركه للضعيف كالوقوف ~~بعرفة. ### || [2.200-201] # قوله عز وجل: { فإذا قضيتم مناسككم ~~فاذكروا الله كذكركم آبآءكم أو أشد ذكرا }؛ ~~أي إذا فرغتم من متعبداتكم { فاذكروا الله } عز ~~وجل بالخير { كذكركم آبآءكم } بل أشد ذكرا. وذلك ~~أنهم كانوا يقفون بعد قضاء المناسك يوم النحر بين المسجد الذي ~~في منى وبين الجبل، يتناشدون الأشعار ويتفاخرون بذكر فضائل ~~آبائهم، يقول أحدهم: يا رب إن عبدك فلانا - يعني ms0182 أباه - كان ~~يفعل كذا وكذا من الخير. فأمرهم الله تعالى أن يذكروه فهو الذي ~~فعل ذلك الخير إلى آبائهم، وأن أياديه عندهم أكثر وأعظم من ~~أيادي آبائهم عليهم. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم بعد نزول هذه الآية: # " إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية ~~وتعظمها بالآباء، إن الناس من آدم وإن آدم من ~~تراب؛ لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى " # ثم تلا # يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى... # [الحجرات: 13] الآية. # وقال بعضهم: معناه أذكروا الله بالتوحيد كما تذكرون آباءكم ~~بذلك؛ فإنكم لا ترضون أن تنسبوا إلى أبوين، وكذلك لا ترضون من ~~أنفسكم باتخاذ إلهين. # وعن عطاء والربيع والضحاك في قوله: { كذكركم آبآءكم }: ~~(هو كقول الصغير أول ما يفقه الكلام (أبه ~~أبه) أي استغيثوا بالله وافزعوا إليه في جميع ~~أموركم؛ كما يفزع الصغير إلى أبيه في جميع ~~أموره ويلتح بذكره). وعن أبي الجوزاء قال: قلت لابن ~~عباس رضي الله عنه: أخبرني عن قول الله عز وجل: { ~~فاذكروا الله كذكركم آبآءكم } وقد يأتي على ~~الرجل اليوم لا يذكر أباه، فقال ابن عباس: ~~(ليس كذلك، ولكن أن تغضب لله إذا عصي أشد من ~~غضبك لوالديك إذا شتما). # وأما وجه نصب { أشد } فقال الأخفش: (اذكروه ذكرا أشد ~~ذكرا). وقال الزجاج: (هو في محل الخفض، ولكنه لا ~~ينصرف لأنه صفة على وزن (أفعل). ونصب { ذكرا ~~} على التمييز). # قوله عز وجل: { فمن الناس من يقول ربنآ آتنا ~~في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق }؛ نزلت في ~~مشركي قريش كانوا يقولون في عادتهم في الحج: اللهم ارزقنا إبلا ~~وبقرا وغنما وعبيدا وإماء وأموالا. ولم يكونوا يسألون لأنفسهم ~~التوبة والمغفرة، كانوا لا يرجون إلا نعيم الدنيا، ولا يخافون ~~البعث والنشور. فبين الله تعالى بقوله: { وما له في الآخرة ~~من خلاق } أي من نصيب ولا ثواب. # والمعنى: من يطلب بحجه أمور الدنيا لا يريد بذلك ثواب الله ~~تعالى، فلا نصيب له في ثواب الآخرة. وقال أنس بن مالك: (كانوا ~~يطوفون بالبيت عراة ms0183 فيدعون ويقولون: اللهم ~~اسقنا المطر وأعطنا على عدونا الظفر). وقال ~~قتادة: (هذا عبد نوى الدنيا؛ لها أنفق ولها عمل ~~ولها نصب). فهي همه وسؤله وطلبه. # ثم بين الله تعالى دعاء المؤمنين بقوله عز وجل: { ~~ومنهم من يقول ربنآ آتنا في الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة حسنة وقنا عذاب النار }؛ واختلفوا في معنى ~~الحسنتين؛ فقال علي كرم الله وجهه: { آتنا في الدنيا ~~حسنة } أي امرأة صالحة، { وفي الآخرة حسنة } ~~الحور العين، { وقنا عذاب النار } المرأة السوء). ~~وقال الحسن: (معناه: آتنا في الدنيا العلم ~~والعبادة، وفي الآخرة الجنة). قال السدي: (معناه: ~~آتنا في الدنيا رزقا حلالا واسعا وعملا صالحا، ~~وفي الآخرة مغفرة وثوابا). وقال عطية: (معناه: { ~~آتنا في الدنيا } العلم والعمل به، { وفي الآخرة } ~~تيسير الحساب ودخول الجنة). وقال مجاهد: (معنى ~~الحسنة: النعمة، فكأنهم سألوا الله نعمة ~~الدنيا والآخرة وأن يقيهم عذاب النار). # وقيل: معناه: آتنا في الدنيا التوفيق والعصمة، وفي الآخرة النجاة ~~والرحمة. وقيل: معناه: آتنا في الدنيا أولادا أبرارا، وفي الآخرة ~~مرافقة الأنبياء. وقيل: معناه آتنا في الدنيا المال والنعمة، وفي ~~الآخرة تمام النعمة، وهو الفوز من النار ودخول الجنة. وقيل: معناه ~~آتنا في الدنيا: الدين واليقين، وفي الآخرة اللقاء والرضاء. وقيل: ~~معناه: آتنا في الدنيا الثبات على الإيمان، وفي الآخرة السلامة ~~والرضوان. وقيل: معناه: آتنا في الدنيا حلاوة الطاعة، وفي الآخرة ~~لذة الرؤية. وقيل: معناه: آتنا في الدنيا الإخلاص، وفي الآخرة ~~الخلاص. # وقال قتادة: (معناه: آتنا في الدنيا عافية، وفي ~~الآخرة عافية). ودليل ذلك ما روي عن أنس: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد مريضا قد أضني ~~ونحل جسمه حتى صار كالفرخ المنتوف، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " هل كنت تدعو الله بشر أو ~~تسأله شيئا؟ " قال: كنت أقول: اللهم ما كنت ~~معاقبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا. فقال: " ~~سبحان الله! إذن لا تستطيعه ولا تطيقه، إنك ~~ضعيف لا تستطيع أن تقوم لعذاب الله، هلا قلت: ~~ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ms0184 ~~وقنا عذاب النار " فدعا الرجل بذلك فشفاه الله ~~عز وجل وأبرأه من مرضه ". # وقال سهل بن عبدالله: معنى الآية: { ربنا آتنا في الدنيا } ~~السنة { وفي الآخرة } الجنة. وعن عبدالله بن عباس رضي ~~الله عنه قال: (عند الركن اليماني ملك قائم منذ ~~خلق الله السماوات والأرض يقول: آمين، فإذا ~~مررتم به فقولوا: { ربنآ آتنا في الدنيا حسنة ~~وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار }. وقال عوف في هذه ~~الآية: (من آتاه الله الإسلام والقرآن ومالا وولدا ~~فقد أوتي في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة). # وروي أن قوما قالوا لأنس بن مالك: أدع لنا؛ فقال: { ~~ربنآ آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ~~وقنا عذاب النار } فقالوا: زدنا، فأعادها، ~~فقالوا: زدنا، فأعادها، فقالوا: زدنا، فقال: (ما ~~تريدون! قد سألت الله لكم خير الدنيا ~~والآخرة). قال أنس: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ~~أن يدعو بها يقول: # " اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة ~~حسنة وقنا عذاب النار ". ### || [2.202] # قوله عز وجل: { أولئك لهم نصيب مما ~~كسبوا والله سريع الحساب } معناه: إن الذين يسألون ~~الله تعالى الدنيا والآخرة لهم حظ ونصيب وافر من الثواب والخير ~~والجزاء اكتسبوه في حجهم؛ وفي هذا بيان استجابة دعائهم على القطع. # وعن ابن عباس في هذه الآية: # " أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أبي ~~مات ولم يحج، أفأحج عنه؟ قال: " أرأيت لو كان ~~على أبيك دين فقضيته، أما كان ذلك يجزي؟ " قال: ~~نعم، قال: " فدين الله أحق أن يقضى " ، قال: فهل ~~لي من أجر؟ فأنزل الله عز وجل: { أولئك لهم ~~نصيب مما كسبوا }. يعني من حج عن ميت كان الأجر بينه ~~وبين الميت ". # وقال سعيد بن جبير: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني ~~أكريت دابتي واشترطت عليهم أن أحج، فهل ~~يجزيني ذلك؟ قال: (أنت من الذين قال الله ~~فيهم: { أولئك لهم نصيب مما كسبوا } ). # قوله تعالى: { والله سريع الحساب } يعني إذا حاسب ~~فحسابه سريع لا يحتاج إلى عقد يد ولا إلى وعي ms0185 صدر ولا رؤية ولا ~~فكر. وقال الحسن: (أسرع من لمح البصر). وفي الخبر: # " أن الله تعالى يحاسب العباد في قدر حلب شاة؛ وأن محاسبة الله ~~تعالى ليست كمحاسبة الناس بعضهم لبعض، يحاسبهم جميعا في لحظة واحدة، ~~يظن كل واحد أنه يحاسبه خاصة، لا يشغله شيء عن شيء " # ومعنى الحساب: تعريف الله تعالى عباده مقادير الخير على أعمالهم، ~~وتذكيره إياهم بما قد نسوه. يدل عليه قوله تعالى: # يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا ~~أحصاه الله ونسوه # [المجادلة: 6]. وقيل: معناه سريع الحساب؛ أي سريع المجازاة، وفيه ~~إخبار عن سرعة فناء الدنيا وقيام الساعة. ### || [2.203] # قوله عز وجل: { واذكروا الله في أيام ~~معدودات }؛ يعني اذكروا الله تعالى بالتكبير إدبار الصلوات وعند ~~الجمرات، يكبر مع كل حصاة؛ وغيرها من الأوقات. واختلفوا في الأيام ~~المعدودات؛ فروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وعطاء والضحاك والنخعي: ~~(أن الأيام المعدودات: أيام التشريق؛ والأيام ~~المعلومات: أيام العشر من ذي الحجة)؛ وهكذا روي عن ~~أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. وروي أيضا عن ابن عباس: (أن ~~الأيام المعدودات: أيام العشر، والأيام ~~المعلومات: أيام النحر). # ولا شك أن في هذه الرواية غلطا وهي خلاف الكتاب؛ لأن الله تعالى ~~عقب الأيام المعدودات بقوله: { فمن تعجل في يومين فلا ~~إثم عليه }؛ وليس في العشر حكم بتعليق يومين دون الثالث. وعن ~~أبي يوسف: (أن المعلومات: أيام النحر، والمعدودات: ~~أيام التشريق)؛ قال هذا القول استدلالا من الآيتين؛ لأن ~~الله تعالى قال في ذكر الأيام المعلومات: # على ما رزقهم من بهيمة الأنعام # [الحج: 28]. وقال في هذه الآية: { فمن تعجل في يومين فلا ~~إثم عليه } ، فيوم النحر على هذه الرواية من المعلومات دون ~~المعدودات؛ وآخر أيام التشريق من المعدودات دون المعلومات؛ واليوم ~~الثاني والثالث من أيام النحر من المعلومات والمعدودات جميعا. # والجواب عن استدلال أبي يوسف من الآيتين: أن لفظ المعلومات يقتضي ~~الشهرة ولفظ المعدودات يقتضي تقليل العدد كما في قوله: # دراهم معدودة # [يوسف: 20] فاقتضى الظاهر أن المعدودات أقل من المعلومات؛ ويحتمل ~~أن يكون معنى # على ما ms0186 رزقهم من بهيمة الأنعام # [الحج: 28] لما رزقهم كما قال الله تعالى: # ولتكبروا الله على ما هداكم # [البقرة: 185] أي لما هداكم، فكأن الله تعالى أراد بالمعلومات ~~أيام العشر؛ لأن فيها يوم النحر وفيه الذبح، ويكون ذلك اليوم ~~بتكرار سنين عليه أياما. # وأما الذكر المذكور في هذه الآية فهو الذكر عند رمي ~~الجمار في أيام التشريق. وقال بعضهم: هو التكبير في إدبار صلاة ~~العصر في هذه الأيام؛ يكبر من صلاة الغداة من يوم عرفة إلى صلاة ~~العصر من آخر آيام التشريق عند جماعة من الفقهاء. والتأويل الأول ~~أصح وأقرب إلى ظاهر القرآن؛ لأن الله تعالى عقب الذكر في هذه ~~الآية بقوله: { فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه } ~~أي من تعجل الرجوع إلى أهله فلا إثم عليه في ترك الرمي في اليوم ~~الثالث؛ { ومن تأخر }؛ إلى آخر النفر وأقام هنالك في اليوم ~~الثالث، { فلا إثم عليه }. # قوله تعالى: { لمن اتقى }؛ أي لمن اتقى الإثم ~~والفسوق والتفريط في حقوق الحج كلها. وأما من لم يتق فغير ~~موعود له الثواب. وقال ابن عمر وابن عباس وعطاء وعكرمة ومجاهد ~~وقتادة والضحاك والنخعي والسدي: (معنى الآية: فمن تعجل ~~في يومين من أيام التشريق فنفر في اليوم ~~الثاني من أيام التشريق؛ فلا إثم عليه في ~~تعجيله، ومن تأخر عن النفر في الثاني من ~~أيام التشريق إلى اليوم الثالث حتى ينفر في ~~اليوم الثالث؛ فلا إثم عليه في التأخير، فإن ~~لم ينفر في اليوم الثاني وأقام حتى تغرب ~~الشمس؛ فليقم إلى الغد من اليوم الثالث فيرمي ~~الجمار ثم ينفر مع الناس). # وقال بعضهم: معنى الآية: فمن تعجل في يومين فهو مغفور له لا إثم ~~عليه ولا ذنب، ومن تأخر فكذلك، وهو قول علي بن أبي طالب وأبي ~~الدرداء وابن مسعود والشعبي. قال معاوية بن قرة: (خرج من ~~ذنوبه كيوم ولدته أمه). وقال يحيى بن إسحاق: سألت ~~مجاهدا عن ذلك فقال: (معناه: فمن تعجل في ~~يومين فلا إثم عليه إلى قابل، ومن تأخر فلا ~~إثم عليه أيضا إلى قابل). ms0187 # وقوله تعالى: { لمن اتقى }؛ قال الكلبي: (معناه: ~~لمن اتقى قتل الصيد، فإنه لا يحل له أن ~~يقتل صيدا حتى يخلف أيام التشريق). وقال قتادة: ~~(معناه: لمن اتقى أن يصيب في حجته شيئا مما ~~نهى الله عنه). وقال أبو العالية: (معناه: فلا إثم ~~عليه لمن اتقى الله فيما بقي من عمره). وكان ابن ~~مسعود يقول: (إنما جعل مغفرة للذنوب لمن اتقى الله ~~في حجه). قال ابن جريج: (وهي في مصحف عبدالله: ~~فلا إثم عليه لمن اتقى الله). وعن ابن عباس: ~~(معناه: لمن اتقى عبادة الأوثان ومعاصي الله). ~~فإن قيل كيف قال الله تعالى: { ومن تأخر فلا إثم ~~عليه }؛ ومعلوم أن من تأخر إنما تأخر لإقامة واجب، فلا ~~يليق بحاله أن يقال: فلا إثم عليه، بل يليق أن يقال: ومن تأخر كان ~~أعظم لأجره؟ قيل: هذا على مزاوجة الكلام. # وقيل: إن رمي الجمار لا يجوز أن يكون تطوعا؛ إذ المتنفل ~~به يكون غائبا؛ فلما قال الله تعالى: { فمن تعجل في ~~يومين فلا إثم عليه } أوهم ذلك كون الرمي في ذلك ~~اليوم الثالث تطوعا؛ لأن هذا تخيير بين فعله وتركه، فقال تعالى: ~~{ ومن تأخر فلا إثم عليه } ليبين أن هذا واجب ~~خير بين فعله. # فصل: والأيام المسماة في الحج ستة أيام: يوم ~~التروية؛ ويوم عرفة؛ ويوم النحر؛ ويوم القر؛ ويوم ~~النفر؛ ويوم الصدر. وسمي يوم التروية لأن جبرائيل عليه ~~السلام قال لإبراهيم عليه السلام: [احمل ريك من الماء]. ~~وأما عرفة فقد ذكرنا لم سمي به، ويوم النحر معلوم؛ ويوم القر ~~لاستقرار الناس بمنى، ويوم النفر لأنهم ينفرون من منى إلى مكة، ~~ويوم الصدر لأنهم يصدرون إلى أهاليهم. ورمي الجمار مشروع في يوم ~~القر والنفر والصدر؛ وهي أيام التشريق. # قوله عز وجل: { واتقوا الله واعلموآ أنكم ~~إليه تحشرون }؛ هذا أمر لهم بالتقوى في مستقبل أعمارهم؛ أي لا ~~تتكلوا فيما أسلفتم من أعمال البر، ولكن زيدوا في الطاعة في باقي ~~العمر. وقوله تعالى: { واعلموآ أنكم إليه ~~تحشرون } أي في الآخرة يجازيكم بأعمالكم؛ إذ الحشر إنما ms0188 يكون ~~للمجازاة، ومن تصور أنه لا بد من حشر ومحاسبة ومساءلة؛ ولا بد ~~من أحد أمرين: إما الجنة وإما النار، يدعوه بذلك إلى التقوى ~~والتشديد. # والحشر في اللغة: هو الجمع للناس من كل ناحية؛ ~~والمحشر هو المجمع؛ فيكون معنى الآية: { واعلموآ ~~أنكم إليه تحشرون } أي تجمعون. ### || [2.204] # قوله عز وجل: { ومن الناس من يعجبك قوله في ~~الحيوة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه ~~وهو ألد الخصام }؛ قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية ~~في الأخنس بن شريق، كان حسن المنظر؛ حلو ~~الكلام؛ فاجر السريرة؛ حلافا شديد الخصومة في ~~الباطل، وكان يجالس النبي صلى الله عليه وسلم فيظهر ~~له الحسن ويحلف بالله أنه يحبه ويتبعه على ~~دينه؛ وكان صلى الله عليه وسلم يسمع كلامه فيعجبه، ~~وكان يدنيه من مجلسه، فأظهره الله على ~~نفاقه). # ومعنى الآية: { ومن الناس من يعجبك } كلامه وحديثه؛ أي ~~يفرح بإظهاره الأيمان وتسر بقوله، { ويشهد الله على ~~ما في قلبه } أي يقول: الله شهيد على ما في قلبي كما هو على ~~لساني من الإيمان. وقوله تعالى: { وهو ألد الخصام } ~~أي شديد الخصومة جدل بالباطل. والألد: مأخوذ من لدتي ~~العنق؛ وهما صفحتاه. وتأويله: أن خصمه في أي وجه أخذ من ~~أبواب الخصومة من يمين أو شمال غلبه في ذلك. ### || [2.205] # قوله تعالى: { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد ~~فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب ~~الفساد }؛ أي إذا أعرض عنك الأخنس يا محمد وفارقك أسرع مشيا في ~~الأرض ليعصي فيها ويضر المؤمنين، وليهلك ما قدر عليه من زرع ~~ونسل، { والله لا يحب الفساد } أي لا يرضى المعاصي. # روي: أن الأخنس خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم فمر ~~بزرع فأحرقه؛ وبحمار فعقره؛ فنزلت هذه الآية بما فيها من الوعيد، ~~فحسبه جهنم، وصارت عامة في جميع المفسدين. وقيل: معنى الآية: ~~{ ليفسد فيها } أي ليوقع الفتنة بين الناس فيشتغلوا عن ~~الزراعة وعن أعمالهم، فيكون في ذلك هلاك الحرث والنسل. وقيل: يخيف ~~الناس حتى يهربوا من شره، فيخرب الضياع وينقطع نسل ms0189 الناس ~~والدواب. # وفي هذه الآية تحذير من الاغترار بظاهر القول وما يبديه الرجل من ~~حلاوة المنطق، وأمر بالاحتياط في أمر الدين والدنيا حتى لا ~~يقتصر على ظاهر أمر الإنسان خصوصا فيمن هو ألد الخصام؛ ~~ومن ظهرت منه دلائل الريبة. ولهذا قالوا: إن علينا استبراء حال من ~~نراه في الظاهر أهلا للقضاء والشهادة والفتيا والأمانة، وأن لا ~~يقبل منهم ظاهرهم حتى يسأل عنهم ويبحث عن أمرهم، إذ قد حذر ~~الله تعالى أمثالهم في توليتهم على أمور المسلمين؛ ألا ترى أنه عقبه ~~بقوله: { وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها } ~~فيحتمل أن يكون المراد بالتولي: أن يتولى أمرا من أمور المسلمين؛ ~~فأعلم الله بهذه الآية أنه لا يجوز الاقتصار على الظاهر دون ~~الاحتياط والاستبراء. ### || [2.206] # قوله عز وجل: { وإذا قيل له اتق الله ~~أخذته العزة بالإثم }؛ أي إذا قيل لها المنافق: احذر ~~عقوبة الله ولا تفسد، أخذته المنعة والحمية والأنفة بسبب ~~الإثم الذي فيه والكفر الذي في قلبه؛ يعني أنه تكبر وقال: أمثلي ~~يقال له: اتق. ويقال: حملته العزة على فعل ما يوجب الإثم. # وقوله تعالى: { فحسبه جهنم }؛ أي كفاه النار في ~~الآخرة عقوبة ونكالا. قوله تعالى: { ولبئس المهاد }؛ ~~أي لبئس القرار النار. والمهاد: الفراش الموطئ للنوم كما ~~يمهد للطفل؛ فلما كان المعذب يلقى في نار جنهم، جعل ذلك مهادا ~~له على معنى: أن جهنم للكافر مكان كالمهاد للمؤمن في الجنة. # ويحكى: أن يهوديا كانت له حاجة إلى هارون الرشيد، فاختلف إلى ~~بابه زمانا فلم يقض حاجته، فوقف يوما على الباب، فخرج هارون ~~وهو يسعى بين يديه، فقال له: اتق الله يا أمير المؤمنين! فنزل ~~هارون عن دابته وخر ساجدا؛ فلما رفع رأسه أمر بحاجته ~~فقضيت. فقيل له: يا أمير المؤمنين، نزلت عن دابتك لقول ~~يهودي؟! قال: لا، ولكن ذكرت قول الله { وإذا قيل له اتق ~~الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم }. ### || [2.207] # قوله عز وجل: { ومن الناس من يشري نفسه ~~ابتغآء مرضات الله }؛ قال ابن عباس: نزلت هذه الآية ~~في صهيب ms0190 بن سنان وعمار بن ياسر وأمه سمية ~~وأبيه ياسر وبلال وخباب بن الأرت وغيرهم، ~~أخذهم المشركون في طريق مكة؛ فعذبوهم، ~~فأما صهيب فقال لهم: أنا شيخ كبير لا يضركم ~~أمنكم كنت أم من عدوكم، أعطيكم جميع مالي ~~ومتاعي وذروني وديني نشتريه منكم بمالي، ~~ففعلوا؛ فأعطاهم ماله وتوجه إلى المدينة. ~~فلما دخل المدينة لقيه أبو بكر فقال: ربح ~~البيع يا صهيب، قال: وبيعك لا يخسر، وما ذاك ~~يا أبا بكر! فأخبره بما نزل فيه؛ وهو قوله: { ~~ومن الناس من يشري نفسه ابتغآء مرضات الله }. # وأما سمية وياسر فقتلا، وكانا أول قتيلين ~~قتلا من المسلمين. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال لهما بمكة: # " اصبروا يا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة " # وأما الآخرون؛ فإنهم أعطوا على العذاب بعض ما ~~أراد المشركون من كلمة الكفر وسب الإسلام؛ ~~وكانت قلوبهم مطمئنة بالإيمان، فتركوا ~~وقدموا المدينة، وفيهم نزل قوله تعالى: # من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالإيمان # [النحل: 106]. # ومعنى قوله: { ومن الناس من يشري نفسه } على هذا التأويل ~~الذي ذكرناه: ومن الناس من يشري نفسه ودينه بماله. وعن عمر ~~وعلي رضي الله عنهما: أنهما قالا في هذه الآية: (هو الرجل ~~يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر فيقتل عليه) ~~فعلى هذا معنى قوله تعالى: { يشري نفسه } أي يبيع نفسه ~~يبذلها في الجهاد في سبيل الله. وهذا من أسماء الأضداد، قال الشاعر ~~في شريت بمعنى بعت: # وشريت بردا ليتني # من بعد برد كنت هامه # أي هلكت. وقوله تعالى: { ابتغآء مرضات الله } نصب ~~على أنه مفعول له؛ كأنه قال: لابتغاء مرضاة الله. وقوله ~~تعالى: { والله رؤوف بالعباد }؛ أي رحيم بهم ~~يرغبهم في الخير، ويثيبهم عليه رأفة بهم. ويقال إنه ~~لرأفته ورحمته أمرهم ببيع أنفسهم لكي ينالوا من كريم ثوابه ما هو ~~خير لهم. ### || [2.208] # قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا ادخلوا في ~~السلم كآفة }؛ قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية فيمن ~~أسلم من أهل الكتاب: عبدالله بن سلام وأصحابه، ~~وذلك أنهم عظموا السبت ms0191 وكرهوا لحوم الإبل ~~وألبانها، واتقوا أشياء كانوا يتقونها قبل أن ~~يسلموا. وقالوا: يا رسول الله، إن التوراة كتاب ~~الله، فدعنا فلنقم في صلاتنا بالليل؟ فأنزل ~~الله هذه الآية وأمرهم أن يدخلوا في جميع ~~شرائع محمد صلى الله عليه وسلم). # ومعناها: { يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم ~~كآفة } أي في الإسلام، وقال مجاهد: (في أحكام الدين ~~وأعماله). وأصله من الاستسلام والانقياد؛ ولذلك قيل للصلح: ~~سلم. وقال حذيفة في هذه الآية: (الإسلام ثمانية أسهم: ~~الصلاة سهم، والزكاة سهم، والصوم سهم، والحج ~~سهم، والعمرة سهم، والجهاد سهم، والأمر ~~بالمعروف سهم، والنهي عن المنكر سهم. وقد ~~خاب من لا سهم له). # وقال الحسن رضي الله عنه: (معنى الآية: { يأيها الذين ~~آمنوا } تكلموا بكلمة الإيمان؛ أي أقيموا على ~~الإيمان) حث الله تعالى بهذه الآية جميع المؤمنين على الإسلام ~~والطاعة لمن يشري نفسه؛ ألا تراه قال بعد ذلك: { ولا تتبعوا ~~خطوات الشيطان }؛ أي لا تفعلوا فعل ألد الخصام. وقيل: { ~~ولا تتبعوا خطوات الشيطان } أي لا تقتفوا آثاره؛ ~~لأن ترككم شيئا من شرائع الإسلام اتباع للشيطان. # قوله تعالى: { إنه لكم عدو مبين }؛ أي إنه عدو ~~لكم ظاهر العداوة، فإن قيل: كيف قال الله تعالى: { إنه لكم ~~عدو مبين } وهو لم يبد لنا شخصه؟ قيل: قد كان إبداؤه ~~العداوة لأبينا آدم عليه السلام حين امتنع من السجود له وقال: أنا ~~خير منه، فكان إبداؤه وإظهاره العداوة لأبينا آدم عليه السلام أبداء ~~وإظهارا لنا. # قوله تعالى: { كآفة } أي جميعا مأخوذ من: ككفت ~~الثوب؛ أي جمعته وضممت بعضه إلى بعض. ومعنى كافة ~~في اللغة: مشتق من كف الشيء يكفه؛ أي منعه. وسميت ~~الراحة مع الأصابع كفا؛ لأنها يكف بها عن سائر البدن. ورجل ~~مكفوف: أي كف بصره عن النظر. ومنه قيل لحاشية القميص: كفة؛ ~~لأنها تمنع الثوب من أن ينتشر. وكل مستطيل فحرفه كفة بالضم، ~~وكل مستدير فحرفه كفة بالكسر نحو: كفة الميزان. # واختلف القراء في السلم؛ فقرأ ابن عباس والأعمش: (السلم) ~~بكسر السين هنا وفي الأنفال وسورة محمد. وقرأ ms0192 أهل الحجاز والكسائي ~~بالفتح، وقرأ حمزة وخلف في الأنفال بالفتح وسائرها بالكسر، وقرأ ~~الباقون هنا بالكسر والباقي بالفتح، وهما لغتان. ### || [2.209] # قوله عز وجل: { فإن زللتم من بعد ما جآءتكم ~~البينات فاعلموا أن الله عزيز حكيم }؛ أي إن ~~زللتم؛ أي إن عدلتم عن الطريق المستقيم بالخروج عن طاعة ~~الله إلى المعصية. وقال ابن عباس: (معناه: فإن ملتم إلى ~~أول شريعتكم من تحريم لحوم الإبل والسبت). { ~~من بعد ما جآءتكم البينات } أي الدلالات ~~والحجج؛ يعني محمدا صلى الله عليه وسلم وشرائعه، { ~~فاعلموا أن الله عزيز حكيم } أي غالب بالنقمة ولا ~~يعجزه شيء من ذلك. # وقوله { حكيم } أي محكم في الفعل، حكيم في أمره. ويقال: ~~عالم ذو حكمة فيما شرع لكم من دينه. وقال ابن حبان: (معنى: ~~فإن زللتم؛ أي أخطأتم). وقال السدي: (فإن ضللتم). ~~وقال ابن عباس: (يعني الشرك). # وقرأ أبو السمال العدوي: (فإن زللتم) بكسر اللام، وفي هذه ~~الآية تشبيه العصيان بزلة القدم. ### || [2.210] # قوله عز وجل: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم ~~الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر ~~}؛ افترق الناس في تفسير هذه الآية على أربعة أقوال؛ فرقة منهم ~~يتأولونها على ظاهرها ويصفون الله بالإيتاء الذي هو زوال من مكان ~~إلى مكان. وهذا القول غير مرض تعالى الله عنه. وفرقة يفسرون ~~الإتيان تفسيرا مجملا لا يعدون ظاهر اللفظ، يقولون: يأتي كيف شاء ~~بلا كيف. وهذا غير مرض أيضا. # وأما الفرقتان الأخريان من أهل السنة والجماعة؛ فإحداهما لا ~~يفسرون هذه الآية ويقولون: نؤمن بظاهرها ونسكت عن الخوض في ~~معناها؛ لما فيه من الاشتباه والتشبيه. وقال الكلبي: (هذا من ~~المكتوم الذي لا يفسر). وقال ابن عباس: (نؤمن بها ~~ولا نفسرها كما قال تعالى في المتشابهات: # وما يعلم تأويله إلا الله # [آل عمران: 7]). # وأما الفرقة الرابعة فيفسرونها ويردون مثل هذه المتشابهات إلى ~~الآيات المحكمات ويقولون: معناها ما ينظر الكفار بعد قيام الحجة ~~عليهم، إلا أن يأتيهم أمر الله وهو الحساب، أو أن يأتيهم عذاب ~~الله؛ لأن الإتيان لفظ مشتبه يحتمل حقيقة ms0193 الإتيان ويحتمل ~~إتيان الأمر، وقد قامت الدلالة على أن الله تعالى لا يجوز عليه ~~الإتيان والمجيء والانتقال والمزاولة؛ لأن ذلك من صفات الأجسام ~~والمحدثين، والله تعالى منزه عن ذلك، قال علي رضي الله ~~عنه: (من زعم أن الله في شيء أو من شيء أو على ~~شيء فقد ألحد؛ لأنه لو كان من شيء لكان ~~محدثا؛ ولو كان في شيء لكان محصورا؛ ولو كان ~~على شيء لكان محمولا). وإذا كان لفظ الإتيان مشتبها وجب ~~رده إلى المحكم نحو قوله تعالى في سورة النحل: # هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ~~أمر ربك # [النحل: 33]. # وقال بعضهم: معناه: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بظلل من الغمام ~~وبالملائكة أو مع الملائكة، فتكون في معنى الباء، فعلى هذا التأويل ~~زال الإشكال وسهل الأمر. وأما ذكر الظلة في الآية، فإن ~~الهول إذا بدا من الظلة المظلمة من الحساب كان أعظم وأشد، ~~يدل قوله تعالى في قصة شعيب: # فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم ~~عظيم # [الشعراء: 189]. # وأما قوله: { والملائكة } قرأ أبو جعفر بخفض (الملائكة) ~~عطفا على الغمام؛ أي (والظلل) من الملائكة؛ أي جماعة من ~~الملائكة. قوله { والملائكة } وسماهم الله ظللا؛ لأن ~~الملائكة لا تسير بالأقدام ولكنها تطير بالأجنحة كما تطير الطير. ~~ومن قرأ: (والملائكة) بالرفع؛ وهي قراءة الجمهور والإجماع ~~فتقديره: وتأتيهم الملائكة في ظلل، يدل عليه قراءة أبي ~~وعبدالله: (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة ~~في ظلل من الغمام). والغمام: هو السحاب الرقيق الأبيض، ~~سمي بذلك لأنه يغم؛ أي يستر. # قوله تعالى: { وقضي الأمر } أي المعنى: الحكم بإنزال ~~الفريقين منازلهم من الجنة والنار. قوله تعالى: { وإلى الله ~~ترجع الأمور }؛ أي عواقب الأمور ومصير الخلائق إلى الله تعالى، ~~ومن قرأ (ترجع) برفع التاء فعلى ما لم يسم فاعله، ومن قرأ بنصب التاء ~~فمعناه: وإلى الله تصير الأمور. ومن قرأ بالياء؛ فلأن تأنيث الأمور غير ~~حقيقي. ### || [2.211] # قوله عز وجل: { سل بني إسرائيل كم آتيناهم ~~من آية بينة }؛ أي سل يا محمد يهود أهل ms0194 المدينة كم ~~أعطيناهم؛ أي أعطينا أسلافهم وإمامهم من علامة واضحة مثل العصا، ~~واليد البيضاء؛ وفلق البحر؛ وتظليل الغمام؛ وإنزال المن ~~والسلوى وغير ذلك مما كان في وقت موسى عليه السلام من المعجزات، كما ~~آتيتك من المعجزات فلم يؤمن أولئك كما لم يؤمن هؤلاء الكفار. # وهذا السؤال سؤال تقريع وإنكار للكفار وتقرير لقلب النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا سؤال استفهام؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لا يحتاج إلى ~~السؤال. والمعنى: كما أن هؤلاء لم يؤمنوا بالآيات البينات التي ~~أعطيتها فلا تغتمن. و { سل بني إسرائيل } أي أنظرها في ~~آيات بني إسرائيل كم أعطيناهم من علامات واضحات في زمن موسى عليه ~~السلام. # قوله عز وجل: { ومن يبدل نعمة الله من بعد ما ~~جآءته فإن الله شديد العقاب }؛ أي من يغير حجة ~~الله الدالة على أمر نبيه صلى الله عليه وسلم من بعد ما جاءته حجة ~~الله بأن يجحدها أو يصرفها عن وجهها، { فإن الله شديد ~~العقاب } أي شديد التعذيب لمن استحقه، وسمى الله تعالى الحج ~~نعمة؛ لأنها من أعظم النعم على الناس في أمر الدين. ### || [2.212] # قوله عز وجل: { زين للذين كفروا الحياة ~~الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا والذين اتقوا ~~فوقهم يوم القيامة }؛ نزلت هذه الآية في مشركي العرب أبي ~~جهل وأصحابه، كانوا يتنعمون بما بسط الله لهم في الدنيا من المال ~~ويكذبون بالمعاد، ويسخرون من المؤمنين الذين يرفضون الدنيا ويقبلون ~~على الطاعة والعبادة، ويقولون: لو كان محمد نبيا لاتبعه أشرافنا، ~~والله ما يتبعه إلا الفقراء مثل ابن مسعود وعمار وصهيب وسالم وأبي ~~عبيدة بن الجراح وبلال وخباب وعامر بن فهيرة وغيرهم، هكذا قال ~~الكلبي. # وقال مقاتل: (نزلت في المنافقين: عبدالله بن أبي ~~وأصحابه)، كانوا يتنعمون في الدنيا بما بسط الله ~~لهم فيها من الخير، ويسخرون من ضعفاء ~~المؤمنين وفقراء المهاجرين، ويقولون: انظروا ~~إلى هؤلاء الذين يزعم محمد صلى الله عليه وسلم ~~أنه يغلب بهم! وكانوا يعيرونهم بقلة ذات ~~أيديهم. وقال عطاء: (نزلت في علماء اليهود ~~ورؤسائهم من بني قريظة والنضير، ms0195 سخروا من ~~فقراء المهاجرين فوعدهم الله تعالى أن ~~يعطيهم أموال بني قريظة والنضير بغير قتال ~~أسهل شيء وأيسره). # وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من استذل مؤمنا أو مؤمنة أو حقره لفقره ~~وقلة ذات يده، شهره الله تعالى يوم القيامة ~~ثم يفضحه، ومن بهت مؤمنا أو مؤمنة أو قال ~~فيه ما ليس فيه، أقامه الله تعالى على تل من ~~نار حتى يخرج مما قال فيه، وإن المؤمن عند ~~الله أعظم من ملك مقرب، وليس شيء أحب إلى الله ~~تعالى من مؤمن تائب أو مؤمنة تائبة، وإن ~~المؤمن يعرف في السماء كما يعرف الرجل أهله ~~وولده " # وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: (لا تحقرن أحدا من ~~المسلمين، فإن صغير المسلمين عند الله ~~كبير). وقال يحيى بن معاذ: (بئس القوم قوم إذا استغنى ~~المؤمن بينهم حسدوه، وإذا افتقر بينهم ~~استذلوه). # قوله عز وجل: { والذين اتقوا فوقهم يوم ~~القيامة } أي فوقهم في الدرجة، يعني الذين اتقوا الشرك ~~والفواحش والكبائر فوق الكفار يوم القيامة، في الجنة يكون المؤمنون في ~~عليين والكفار في الجحيم. # قوله عز وجل: { والله يرزق من يشآء بغير حساب ~~}؛ قال ابن عباس: (يعني كثيرا بغير مقدار؛ أي يرزق ~~رزقا كثيرا لا يعرف حسابه). وقال الضحاك: (يعني ~~بغير تبعة، يرزقه في الدنيا ولا يحاسبه في ~~الآخرة). # وقيل: معناه: أن الله تعالى لا يحاسب على ما يرزق؛ لأنه لا شريك ~~له فيمانعه ولا قسيم فينازعه، ولا يقال له: لم أعطيت هذا ~~وحرمت هذا، ولا لم أعطيت هذا أكثر من هذا؛ لأنه عز وجل لا ~~يسأل عما يفعل. وقيل: معناه: يعطي من غير أن يخاف نفاذ خزائنه، فلا ~~يحتاج إلى حساب ما يخرج منها؛ إذ كان الحساب من المعطي إنما يكون ~~ليعلم قدر العطاء لئلا يتجاوز في عطائه إلى ما يجحف به؛ فهو لا ~~يحتاج إلى الحساب لأنه عالم غني لا يخاف نفاذ خزائنه؛ لأنها بين ~~الكاف والنون. # وقيل: معناه: { والله يرزق من يشآء } من الكفار ms0196 وغيرهم { ~~بغير حساب } أي بغير مقدار لا يعرف حسابه. # وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يقول الله عز وجل: لولا أن يجزع عبدي ~~المؤمن لعصبت الكافر بعصابة من حرير ~~ولصبيت الدنيا عليه صبا " # ومصداق ذلك قوله تعالى: # ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن ~~يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ~~ومعارج عليها يظهرون # [الزخرف: 33]. وقال صلى الله عليه وسلم: # " لو أن الدنيا عند الله تزن جناح بعوضة ما ~~سقى الكافر منها شربة ماء ". # وعن قطرب: في قوله تعالى: { والله يرزق من يشآء ~~بغير حساب }: (أي أن الله يعطي العدد المتناهي ~~لا من عدد أكثر منه كما يفعله العباد، ولكن ~~يعطي المتناهي من غير المتناهي). فإن قيل: أليس الله ~~تعالى قال في آية أخرى: # جزآء من ربك عطآء حسابا # [النبأ: 36] فكيف قال في هذه الآية { بغير حساب }؟ قيل: العطاء ~~من جهة الله عز وجل على ضربين؛ أحدهما: ثواب، والآخر: ~~تفضل، فما كان ثوابا كان له حساب؛ لأنه يكون على قدر الاستحقاق ~~بالعمل. # وأما التفضل فلا يكون له حساب كما قال تعالى: # ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله # [فاطر: 30]. والمراد بقوله: # عطآء حسابا # [النبأ: 36] الثواب دون التفضل، والمراد بقوله: { يرزق من ~~يشآء بغير حساب } التفضل، فإن قيل: كيف قال: بغير حساب؛ ~~وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " حلالها حساب وحرامها عذاب ". # قيل: روي عن عائشة رضي الله عنها في معنى الحساب في المؤمنين: ~~العرض، [ومن نوقش الحساب عذب]. # فإن قيل: من الذي زين للذين كفروا الحياة الدنيا؟ قيل: ذهب بعض ~~المفسرين إلى أن الذي زينها لهم إبليس كما قال الله تعالى في آية ~~أخرى: # وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم # [الأنفال: 48]. وعن الحسن أنه قال: (زينها والله لهم ~~الشيطان، فلا أحد أذم للدنيا ممن خلقها قال ~~الله تعالى: # قل متاع الدنيا قليل # [النساء: 77] وقال تعالى: # وما الحيوة الدنيآ إلا متع الغرور # [الحديد: 20]). # وذهب بعضهم إلى أن الله تعالى هو الذي زينها لهم؛ إذ خلق ms0197 فيها ~~الأشياء المعجبة وركب الشهوات في قلوب العباد؛ فنظر الذين كفروا إلى ~~الدنيا بأكثر من مقدارها؛ فاغتروا بذلك كما قال تعالى: # إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم ~~أيهم أحسن عملا # [الكهف: 7]. قالوا: إنما فعل الله ذلك؛ لأن التكليف لا يتم إلا مع ~~الشهوة، فإن الإنسان لا يجوز أن يكلف إلا بأن يدعى إلى ما تنفر ~~عنه نفسه أو يزجر عما تتوق إليه نفسه، وهو معنى قوله عليه السلام: # " حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات ~~". # وقرأ مجاهد وحميد: (زين للذين كفروا) بفتح الزاء، على ~~معنى زينها الله عز وجل لهم. ### || [2.213] # قوله عز وجل: { كان الناس أمة وحدة }؛ قال ابن ~~عباس: (معناه: كان الناس أهل ملة واحدة: كفارا ~~كلهم في ابتداء عهد نوح عليه السلام وكذلك في ~~عهد إبراهيم) يعني أن أمم الأنبياء عليهم السلام الذين ~~بعث إليهم الأنبياء كانت كفارا كما كانت هذه الأمة. وجائز أن ~~يقال: كانت أمة واحدة على الكفر وإن كان فيهم مسلمون؛ إذا كان المسلمون ~~قليلين مقهورين في البقية؛ لانصراف اسم الأمة على الأعم الأكثر. ~~وقال قتادة والضحاك: { كان الناس أمة وحدة } أي كانوا ~~مؤمنين في زمن آدم عليه السلام وبعد وفاته إلى مبعث نوح عليه السلام، ~~وكان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على شريعة واحدة من الحق والهدى. ~~قم اختلفوا في زمن نوح عليه السلام فبعث الله إليهم نوحا وكان أول ~~نبي بعث، ثم بعث بعده النبيون. وقال الكلبي: (هم أهل ~~سفينة نوح، كانوا كلهم مؤمنين، ثم اختلفوا ~~بعد وفاة نوح، فبعث الله إليهم نبيه هود عليه ~~السلام). # قوله عز وجل: { فبعث الله النبيين مبشرين ~~ومنذرين }؛ أي مبشرين لمن أطاع الله تعالى بالجنة، ومنذرين ~~بالنار والسخط لمن عصاه. قوله تعالى: { وأنزل معهم ~~الكتب بالحق }؛ أي وأنزل عليهم الكتاب؛ إذ الأنبياء صلوات ~~الله عليهم لم يكونوا منذرين حتى ينزل الكتاب معهم، وقوله: { ~~بالحق } أي بالعدل. # وقوله: { ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه }؛ أي ~~ليقضي الكتاب بينهم بالحكمة، وأضاف الحكم إلى الكتاب وإن كان ms0198 الله ~~تعالى هو الذي يحكم على جهة التفخيم لأمر الكتاب. وقوله: { فيما ~~اختلفوا فيه } أي من أمر الدين. # قوله تعالى: { وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه ~~من بعد ما جآءتهم البينت بغيا بينهم }؛ أي ولم ~~يختلف في أمر الدين وبعث النبيين إلا الذين أعطوا الكتاب من بعد ما ~~جاءتهم الدلالات الواضحات من الله. وقوله: { بغيا بينهم } ~~نصب على أنه مفعول له؛ أي لم يختلفوا إلا للبغي والحسد والتفرق؛ ~~وذلك أن أهل الكتاب كانوا علموا حقيقة أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم في كتبهم قبل مبعثه، فلما بعثه الله كفروا به إلا قليلا ~~منهم. # قوله عز وجل: { فهدى الله الذين آمنوا لما ~~اختلفوا فيه من الحق بإذنه }؛ أي فأرشد الله ~~المؤمنين { لما اختلفوا فيه من الحق } الذي اختلف فيه ~~أهل الزيغ، { بإذنه } أي بتوفيقه وقضائه وعلمه. قوله ~~تعالى: { والله يهدي من يشآء إلى صرط مستقيم ~~}؛ أي والله يوفق لمعرفته من يشاء ممن كان أهلا لذلك إلى طريق ~~واضح يرضاه الله تعالى. # والأمة في اللغة على وجوه؛ منها الجماعة كقوله تعالى: # وجد عليه أمة من الناس يسقون # [القصص: 23] وقوله: # أمم قد خلت من قبلكم # [الأعراف: 38] أي جماعات وقرون. ومنها الدين والملة كقوله تعالى: # إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة # [الزخرف: 22]. ومنها الحين والزمان كقوله تعالى: # وادكر بعد أمة # [يوسف: 45]. ومنها الرجل القدوة للناس في الخير قال الله تعالى: # إن إبراهيم كان أمة # [النحل: 120] ويسمى الإمام أمة أيضا؛ لأنه يجمع خصال الخير. # ومنها الرجل المنفرد بدين على حدة لا يشركه فيه غيره قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " يبعث زيد ابن عمرو بن نفيل أمة واحدة " # وكان قد أسلم قبل خروج النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن بمكة يومئذ ~~مؤمن غيره، ثم تابعه بعد ذلك ورقة بن نوفل، وعاش ورقة إلى وقت ~~خروج النبي صلى الله عليه وسلم. # ومنها القامة؛ يقال: فلان حسن الأمة؛ أي القامة. والإمة بالكسر ~~النعمة؛ يقال: فلان ذو إمة؛ أي ذو نعمة. # وأما الكتب المنزلة قبل القرآن فقد روي أن ms0199 الله أنزل على شيث ~~خمسين صحيفة وكان يعمل بها هو ومن معه ومن بعده إلى زمن إدريس، ثم ~~أنزل الله على إدريس عليه السلام ثلاثين صحيفة فكان يعمل بها إلى ~~زمن إبراهيم، ثم أنزل على إبراهيم عشر صحائف، فكان يعمل بها إلى زمن ~~موسى، ثم أنزل على موسى عليه السلام عشر صحائف قبل التوراة، فكان ~~يعمل بها إلى زمن موسى ومن معه إلى غرق فرعون، ثم أنزل الله ~~التوراة، فكان يعمل بها إلى زمن داود، ثم أنزل الله تعالى الزبور ~~على داود، فكان يعمل بها إلى زمن عيسى عليه السلام، ثم أنزل الله ~~الإنجيل فكان يعمل بها إلى بعث محمد صلى الله عليه وسلم، ثم ~~أنزل الله الفرقان ناسخا لما قبله من الكتب. ### || [2.214] # قوله عز وجل: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ~~ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم ~~مستهم البأسآء والضرآء }؛ أي أظننتم أيها المؤمنون ~~أن تدخلوا الجنة ولم تصبكم صفة الذين محنوا من قبلكم؛ أي ولم ~~تبتلوا كما ابتلي الذين من قبلكم، { مستهم البأسآء ~~} أي الشدة وهي القتل، { والضرآء } والبلاء والفقر والمرض. ~~وقيل: البأساء: نقيض النعماء، والضراء: نقيض السراء. # قوله تعالى: { وزلزلوا حتى يقول الرسول ~~والذين آمنوا معه متى نصر الله }؛ أي حركوا ~~وخوفوا { حتى يقول الرسول والذين آمنوا } أي جاهدوا ~~حتى قال كل رسول بعث إلى أمته: متى فتح الله؟ يقول الله تعالى: { ~~ألا إن نصر الله قريب }؛ يعني ألا إن نصر الله لك ~~ولأمتك يا محمد قريب عاجل كما نصرت الرسل قبلك، والمثل قد ~~يذكر بمعنى الصفة كما قال الله تعالى: # مثل الجنة # [الرعد: 35] أي صفة الجنة، ذهب السدي إلى أن هذه الآية نزلت ~~بالمدينة يوم الخندق حين اشتدت مخافة المؤمنين من العدو. # ووجه إيصال هذه الآية بما قبلها: أن الله تعالى قال فيما تقدم: # يأيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كآفة # [البقرة: 208] ثم قال: # فهدى الله الذين آمنوا # [البقرة: 213]. وكان المسلمون اتكلوا على مجرد اهتدائهم، فبين ~~الله في هذه الآية أنه لا يجوز الاتكال على ms0200 مجرد الإيمان من غير ~~مكابدة ما قاساه السلف من المؤمنين كما قال تعالى: # أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا ~~يفتنون # [العنكبوت: 2]. # وأما القراءة في قوله تعالى: { حتى يقول الرسول } من نصب ~~فعلى الأصل؛ لأن { حتى } تنصب الفعل. ومن قرأ بالرفع أدخل (حتى) ~~على جملة ما بعده لا على الفعل خاصة؛ كأنه قال: حتى الرسول يقول، ~~فلا يظهر عمل (حتى). قال الشاعر: # فيا عجبا حتى كليب تسبني # كان أباها نهشل أو مجاشع ### || [2.215] # قوله عز وجل: { يسألونك ماذا ينفقون قل مآ ~~أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل }؛ الآية قال ابن ~~عباس: (نزلت هذه الآية جوابا عن سؤال عمرو بن ~~الجموح الأنصاري لما حث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على الصدقة ورغب فيها الناس، وذلك قبل نزول ~~الفرائض؛ قال عمرو: يا رسول الله، بماذا نتصدق؟ ~~وعلى من يتصدق؟ فأنزل الله هذه الآية). ومعناه ~~يسألونك أي شيء يتصدقون به، فقل لهم: ما تصدقتم به من مال: فعلى ~~الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل؛ والضيف النازل بكم. # قوله تعالى: { وما تفعلوا من خير فإن الله ~~به عليم }؛ أي وما تفعلوه من خير من وجوه البر فإن الله به ~~عليم يحصيه ويجازيكم عليه، لا يضيع عنده عمل عامل، فإن قيل: كيف ~~يطابق في هذه الآية جواب هذا السؤال؛ لأن السؤال إنما وقع على ~~المنفق، والجواب إنما وقع على المنفق عليه؟ قيل: إن الجواب ~~مطابق لهذا السؤال؛ لأن قوله: و { مآ أنفقتم من خير } ~~يتناول القليل والكثير لشمول اسم الخير، فكأن الجواب صدر عن القليل ~~والكثير مع بيان من تصرف إليه النفقة؛ لأن المسؤول إذا كان حكيما ~~يعلم ما يحتاج إليه السائل؛ أجاب عن كل ما يحتاج إليه، كما # " روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ماء ~~البحر؛ فقال: " هو الطهور ماؤه؛ الحل ميتته " # وإنما قال ذلك لأنه علم أنهم لما جهلوا حكم ماء البحر، ~~فإنهم أشد جهلا بحكم ما فيه من المأكول، كذلك هؤلاء ms0201 لما جهلوا ~~المنفق كان جهلهم بالمنفق عليهم أكثر؛ فلهذا ذكر الله ~~المنفق عليهم مع ذكر المنفق. # واختلفوا في هذه النفقة المذكورة؛ هل هي واجبة أم لا؟ قال الحسن: ~~(المراد بها التطوع على من لا يجوز وضع الزكاة ~~فيه كالوالدين والمولودين؛ ووضع الزكاة ~~فيمن يجوز وضعها فيهم). وقال السدي: (هذه الآية ~~منسوخة بآية الزكاة). والصحيح أنها ثابتة الحكم عامة في ~~الفرض والتطوع؛ لأن الآية متى أمكن استعمالها لم يجز الحكم ~~بنسخها، ويحتمل أن يكون المراد بها النفقة على الوالدين والأقربين إذا ~~كانوا محتاجين. ### || [2.216] # قوله تعالى: { كتب عليكم القتال وهو كره ~~لكم }؛ قال ابن ".... ": (لما كتب الله الجهاد على ~~المسلمين شق ذلك عليهم، وكرهته نفوسهم، ~~وقبلته قلوبهم، وأحب الله تعالى أن يطيب ~~نفوسهم بهذه الآية). # وقيل في وجه اتصالها بما قبلها: أن ما قبلها ذكر التعبد ~~بالنفقة التي تشق على البدن، وفي هذه الآية ذكر ما لا شيء في ~~التعبد أشق منه وهو القتال. ومعنى الآية: فرض عليكم القتال وهو ~~شاق عليكم، وأراد بالكراهة كراهة الطبع لا عدم الرضا بالأمر، ~~وهذا كما يكره الإنسان الصوم بالصيف من جهة الطبع، وهو مع ذلك يحبه ~~ويرضاه من حيث إن الله أمره به. # قوله تعالى: { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير ~~لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم }؛ أي ~~لعلكم تكرهون الجهاد وهو خير لكم لما فيه من النصر لدين الله تعالى ~~على أعداء الله؛ والفوز بالغنيمة مع عظم المثوبة، وإدراك محل ~~الشهداء { وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم } أي ~~لعلكم تحبون القعود عن الجهاد وهو شر لكم، تحرمون الفتح ~~والغنيمة والشهادة، ويتسلط عليكم العدو. # قوله تعالى: { والله يعلم وأنتم لا تعلمون }؛ ~~أي يعلم ما فيه مصلحتكم وما هو خير في عاقبة أموركم وأنتم لا تعلمون ~~ذلك، فبادروا إلى ما أمرتم به إذ ليس كل ما تشتهون خيرا، ولا كل ما ~~تحذرون شرا. # وفي هذه الآية دلالة على فرض القتال كما قال تعالى: # كتب عليكم الصيام # [البقرة: 183] وأراد به فرض الصيام. ثم ms0202 لا يخلو القتال المذكور في هذه ~~الآية من أن يرجع إلى معهود قد عرفه المخاطبون وهو قوله ~~تعالى: # وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم # [البقرة: 190] وقوله: # ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى ~~يقاتلوكم فيه # [البقرة: 191]. # وتكون هذه الآية تأكيدا لذلك القتل المعهود الذي علم حكمه، فيكون ~~القتال في هذه الآية راجعا إلى جنس القتال، فتكون هذه الآية مجملة ~~مفتقرة إلى البيان؛ لأن من المعلوم أن الله تعالى لم يأمر بالقتال ~~الناس كلهم، فلا يصح اعتقاد العموم فيه، فكان بيان هذا المجمل ~~بقوله تعالى: # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر # [التوبة: 29] وقوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5]. ### || [2.217-218] # قوله عز وجل: { يسألونك عن الشهر الحرام قتال ~~فيه قل قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر ~~به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر ~~عند الله }؛ قال ابن عباس في سبب نزول هذه الآية: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ابن عمته ~~عبدالله بن جحش قبل قتال بدر، وبعث معه ~~ثمانية رهط من المهاجرين وهو أميرهم، كتب ~~لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابا، وقال له: " إذ ~~نزلت منزلتين، فافتح الكتاب واقرأه على ~~أصحابك، ثم امض لما أمرتك به، ولا تكره أحدا من ~~أصحابك على السير معك ". # فسار عبدالله حتى بلغ منزلتين، ثم فتح ~~الكتاب فإذا فيه: " بسم الله الرحمن الرحيم، أما ~~بعد: فسر على بركة الله بمن اتبعك من أصحابك ~~حتى تنزل بطن نخلة، فترصد بها عير قريش، ~~لعلك تأتينا منهم بخبر. والسلام. ". فقال ~~عبدالله: سمعا وطاعة لأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فانطلق القوم معه حتى وصلوا بطن نخلة ~~بين مكة والطائف فنزلوا هناك. # فبينا هم كذلك إذ مر بهم عمرو بن الحضرمي ~~في عير لقريش في أول يوم من رجب، والمؤمنون ~~يظنون أنها آخر يوم من جمادى الأخرى، فأمر ~~عبدالله أن يحلقوا رأس عكاشة ليشرف على ~~المشركين، فيظنوا أنهم عمار فيأمنوا. ففعل ~~ذلك وأمنه المشركون، وقالوا: قوم عمار لا ~~بأس عليكم منهم. # ورمى واقد ms0203 بن عبدالله عمرو بن الحضرمي ~~فقتله واستأسر بعض المشركين، وهرب بعضهم ~~إلى مكة، واستاق المسلمون العير، فعيرهم ~~المشركون بذلك وقالوا: استحل محمد الشهر ~~الحرام، شهرا يأمن فيه الخائف ويطلق فيه ~~الأسير. ووقف النبي صلى الله عليه وسلم في أمر ~~الغنيمة " # ، فأنزل الله تعالى هذه الآية). ويقال: لما أمر الله ~~المسلمين بالقتال، ظنوا عموم الأمر في جميع الشهور، فسألوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ليعرفوا، فنزلت هذه الآية. والقول الأول أقرب إلى ~~ظاهر القرآن. # ومعنى الآية: { يسألونك } عن قتال في { الشهر الحرام } ~~لأن قوله: { قتال فيه } بدل الاشتمال عن الشهر الحرام، وقوله ~~تعالى: { قل قتال فيه كبير } أي القتال في الشهر الحرام ~~عظيم الذنب عند الله تعالى، ثم استأنف الكلام فقال: { وصد عن ~~سبيل الله } أي منع الناس عن الكعبة أن يأتوها ويطوفوا بها { ~~وكفر به } أي وكفر بالله تعالى، ويقال: بالحج، أو كفر بالمسجد ~~الحرام. # وقيل: فيه تقديم وتأخير، تقديره: وصد عن سبيل الله وعن المسجد ~~الحرام وكفر بالله وإخراج أهل المسجد الحرام منه أعظم عقوبة عند الله ~~من القتال في الشهر الحرام، أي الكفار مع هذا الإحرام أولى بالعنت ~~ممن قتل مشركا في الشهر الحرام كما قال تعالى: { والفتنة ~~أكبر من القتل }؛ أي الشرك بالله أعظم عقوبة وإثما من ~~القتال. # ومعنى كفرهم بالمسجد الحرام: أن الله جعل المسجد الحرام للمؤمنين ~~ولعبادتهم إياه فيه، فلما جعله الكفار لأوثانهم ومنعوا المسلمين منه، ~~كان ذلك كفرا منهم بالمسجد الحرام. # قوله عز وجل: { ولا يزالون يقاتلونكم حتى ~~يردوكم عن دينكم إن استطاعوا }؛ معناه: لا يزال أهل ~~مكة يقاتلونكم أيها المسلمون حتى يصرفونكم عن دينكم الإسلام إلى دينهم ~~الكفر إن قدروا على ذلك، ثم حذر الله المؤمنين ليثبتوا على الإسلام ~~فقال عز وجل: { ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت ~~وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا ~~والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ~~}؛ أي من يرجع منكم عن دين الإسلام فيمت على كفره، { ~~فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة } أي ~~التي عملوها للآخرة؛ ms0204 أي لا يبقى لعمل من أعمالكم ثواب يجازون به في ~~الدارين، الآية: { وأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون } مقيمون دائمون. # والصد والصرف والمنع، يقال: صد يصد صدا؛ إذا صرف ~~غيره عن الشيء، وصد يصد صدودا؛ إذا أعرض بنفسه. ومن قرأ ~~(يرتدد) بدالين فهو لغة أهل الحجاز، أظهروا التضعيف حذرا من ~~التقاء الساكنين، ومن قرأ (يرتد) بالتشديد فهو لغة بني تميم ~~أدغموا الحرفين من جنس واحد وحركوه إلى الفتحة. وقوله: { فيمت } ~~جزم بالعطف على (يرتد) ولو كان جوابا لكان رفعا. وأكثر الأمة ~~على أن النهي عن القتال في الشهر الحرام منسوخ؛ نسخته سورة براءة، وهو ~~قوله تعالى: # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر # [التوبة: 29]؛ لأنها نزلت بعد حظر القتال في الشهر. # فإن قيل: إذا كان نفس الارتداد يحبط العمل حتى يبطل حجة الذي أداه، ~~فأين فائدة قوله: { فيمت وهو كافر }؟ قيل: إنما ذكر الله ~~تعالى في هذه الآية أمر الآخرة لا أمرا يرجع إلى إحباط عمله في ~~الماضي؛ إذ المعلوم من حال المرتد أنه إذا عاد إلى الإسلام والتوبة ~~والعمل الصالح ومات على ذلك لا يعاقب في الآخرة، فلما جمع الله في هذه ~~الآية بين إحباط عمله فيما يتصل بالدنيا والآخرة حتى يزول ثوابه إلى ~~العقاب الدائم، كذلك شرط موته على الكفر. # روي في التفسير: أنه لما نزلت هذه الآية قام عبدالله بن جحش ~~وأصحابه؛ فقالوا: يا رسول الله، أنطمع من ربنا أن تكون لنا هذه غزوة ~~في الجهاد، فنزل قوله تعالى: { إن الذين ءامنوا ~~والذين هاجروا وجهدوا في سبيل الله أولئك ~~يرجون رحمت الله والله غفور رحيم }؛ معناه أن ~~الذين صدقوا وهاجروا من مكة إلى المدينة وجاهدوا في محاربة المشركين ~~في طاعة الله تعالى أهل هذه الصفة، يعطون مغفرة الله تعالى وجنته، ~~{ والله غفور } لما كان منهم من القتال والأسر وأخذ الغنيمة في ~~الشهر الحرام، { رحيم } بهم حين رفع إثم ذلك عنهم. # والمهاجرة: مفاعلة من الهجر، وفي هذا الموضع هجران ~~الموطن والعشيرة في رضا الله تعالى، والهجر نقيض ms0205 الوصل، وأطلق اللفظ ~~في هذه الآية على المفاعلة، ويزاد ما ذكرناه؛ ونظيره المساعدة: وهي ~~ضم الرجل ساعده إلى ساعد أخيه بالتقوية والمعونة. وأما المجاهدة: ~~فهي بذل الرجل الجهد من نفسه مع إخوانه، ويجوز أن يراد بذلك أن يبذل ~~الجهد في قتال عدوه، وقد فعل العدو مثل فعله، فيصير مفاعلة. # وإنما قال الله تعالى: { أولئك يرجون رحمت الله } ~~لأن أحدا لا يعلم أنه صابر إلى أن يبلغ في الطاعة كل مبلغ؛ ~~إلا بخبر الله تعالى أو بخبر محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه لا ~~يدري لعله قصر في شيء من الواجبات، وما يدري ما الذي يكون منه وما ~~بينه وبين موته، ولا يعلم أحد من المسلمين بما يختم له، ختم ~~الله لنا بالسعادة والشهادة. ### || [2.219] # قوله عز وجل: { يسألونك عن الخمر والميسر قل ~~فيهمآ إثم كبير ومنفع للناس وإثمهمآ أكبر ~~من نفعهما }؛ قال ابن عباس: (كان المسلمون يشربون ~~الخمر في بدو الإسلام، وهي لهم حلال، وكان ~~منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم ينادي في اليوم ~~والليلة وقت الصلاة: ألا من كان سكرانا فلا ~~يحضر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجماعة؛ ~~تعظيما للجماعة وتوقيرا لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وأن عمر جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقال: بين لنا أمر الخمر، فإنها مهلكة للمال ~~مذهبة للعقل، فنزلت هذه الآية { يسألونك عن ~~الخمر والميسر }. # وأما الميسر فقد كان جماعة من العرب يجتمعون فيشترون جزورا؛ ثم ~~يجعلون لكل واحد منهم سهما، ثم يقترعون عليها، فمن خرج سهمه برئ ~~من ثمنها وأخذ نصيبه من الجزور وبقي آخرهم عليه ثمن الجزور كله ولا ~~يذوق من لحمها شيئا، فتقتسم أصحابه نصيبه، وربما كانوا يتصدقون بذلك ~~على الفقراء، فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فأنزل ~~الله هذه الآية. # والميسر: هو القمار، ويقال للقمار: ميسر، والمقامر ~~الياسر، وقال مقاتل: (سمي ميسرا لأنهم كانوا ~~يقولون: يسروا لنا ثمن الجزور)؛ وذلك أن أهل الثروة ~~من العرب كانوا يشربون جزورا فينحرونها، ms0206 ويجزئونها أجزاء، قال ابن ~~عمر: (عشرة أجزاء) وقال الأصمعي: (ثمانية وعشرين ~~جزءا) ثم يسهمون عليها بعشرة أقداح ويقال لها الأزلام والأقلام، ~~سبعة منها لها أنصب؛ وهي القذولة نصيب واحد، والتوأم له نصيبان، ~~والرقيب وله ثلاثة، والجليس وله أربعة، والنامس وله خمسة، والمسيل ~~وله ستة، والمعلي وله سبعة. وثلاثة منها لا أنصب لها، وهي المسح ~~والسفيح والوغد، ثم يجعلون القداح في خريطة سميت الربابة، قال أبو ~~ذؤيب: # وكأنهن ربابة وكأنه # يسر يفيض على القداح ويصدع # ويضعون الربابة على يد واحد عدل عندهم ويسمى المجيل ~~والمفيض، ثم يجيلها ويخرج منها قدحا باسم واحد منهم، ~~فأيهم خرج سهمه أخذ نصيبه على قدر ما يخرج، فإن كان خرج له سهم من ~~هذه الثلاثة التي لا أنصب لها، اختلفوا فيه؛ قال بعضهم: كان لا يأخذ ~~شيئا ويغرم ثمن الجزور كله، وقال بعضهم: لا يأخذ شيئا ولا يغرم، ~~ويكون ذلك القدح لغوا فيعاد سهم ثانيا، فهؤلاء الياسرون، ثم ~~يدفعون ذلك الجزور إلى الفقراء ولا يأكلون منه شيئا، وكانوا يفتخرون ~~بذلك ويذمون من لم يفعل منهم ويسمونه البرم. # فهذا أصل القمار التي كانت العرب تفعله، وإنما عنى الله تعالى ~~بالميسر في هذه الآية أنواع القمار كلها، وقال طاووس ومجاهد ~~وعطاء: (كل شيء فيه قمار فهو من الميسر، حتى ~~لعب الصبيان الصغار بالجوز والكعاب). # وعن علي رضي الله عنه قال: (النرد والشطرنج من ~~الميسر). قال القاسم: (كل شيء ألهاك عن ذكر الله ~~وعن الصلاة فهو من الميسر). # قال ابن عباس: (فلما نزلت هذه الآية ترك بعض ~~الناس الخمر، وقالوا: لا حاجة لنا فيما فيه إثم ~~كبير. ولم يتركها بعضهم وقالوا: نأخذ ~~منفعتها ونترك إثمها. وكانوا على ذلك حتى ~~أصاب رجل من الصحابة خمرا فأنشا منها، فحضرت ~~الصلاة فقام يصلي المغرب، فقرأ # قل يأيها الكافرون # [الكافرون: 1] على غير وجهها، قال: أعبد ما تعبدون ~~وأنتم عابدون ما أعبد. فنزل قوله تعالى: # يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلوة ~~وأنتم سكرى حتى تعلموا ما تقولون # [النساء: 43]). وكانوا يشربونها قبل الصلاة؛ وكانوا ms0207 يتناشدون الأشعار ~~في شربها ويفتخرون، فقال عمر: (اللهم بين لنا بيانا ~~شافيا في الخمر، فنزل قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر ~~والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان ~~فاجتنبوه # [المائدة: 90] إلى قوله: # فهل أنتم منتهون # [المائدة: 91]؛ فقال عمر: انتهينا يا رب) فأمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بإراقة الخمر حتى أمر بكسر الدنان تغليظا ~~وتشديدا. # ومعنى الآية: يسألونك يا محمد عن الخمر والميسر، قل فيهما إثم عظيم؛ ~~لأن الخمر يوقع العداوة والبغضاء ويحول بين الإنسان وبين عقله ~~الذي يعرف به ما يجب عليه لخالقه. والقمار يورث العداوة أيضا؛ فإن ~~المقمور إذا رأى غيره قد فاز بماله من غير منفعة رجعت إليه؛ ~~بغضه وعاداه. وقيل: معنى قوله تعالى: { قل فيهمآ إثم ~~كبير } أي وزر عظيم من المشاتمة والمخاصمة وقول الفحش والزور ~~وزوال العقل، والمنع من الصلاة، واستحلال مال الغير بغير حق. # وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما: (قل فيهما إثم كثير) بالثاء؛ ~~وقرأ الباقون بالباء؛ واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لقوله تعالى: { ~~وإثمهمآ أكبر من نفعهما } ولقوله تعالى: # إنه كان حوبا كبيرا # [النساء: 2] # قوله عز وجل: { ومنفع للناس } فالمنفعة في الخمر ~~اللذة في شربها والتجارة فيها قبل التحريم. والمنفعة في ~~الميسر: مصير الشيء الذي يصيبه من المال في القمار بلا كد ولا ~~تعب. # قوله تعالى: { وإثمهمآ أكبر من نفعهما } قال ~~المفسرون: إثم الخمر: هو أنه يشرب ويسكر ويؤذي الناس، وإثم ~~الميسر: هو أن يقامر فيمنع الحق ويظلم. وقال الربيع: (المنافع ~~قبل التحريم؛ والإثم بعد التحريم). # قوله عز وجل: { ويسألونك ماذا ينفقون قل ~~العفو }؛ معناه: يسألونك أي شيء يتصدقون به؟ قل الفضل وما ~~يسهل عليك إنفاقه؛ وهذا نزل جوابا عن قول عمرو بن الجموح: بماذا ~~ننفق؟ وفي الآية المتقدمة جواب عن قوله: لمن نتصدق؟. # واختلفوا في معنى قوله تعالى: { قل العفو }؛ فقال ابن عمر ~~وقتادة وعطاء والسدي: (هو ما فضله من المال عن ~~العيال). وهو رواية عن ابن عباس. وقال الحسن: (هو أن لا ~~يفنى مالك في النفقة، ثم تقعد تسأل ms0208 الناس). # وقال مجاهد: (هو ما كان عن ظهر غنى). وقال الضحاك: (هو ~~قدر الطاقة). وقال الربيع: (هو العفو، هو الطيب؛ ~~كأنه قال: أفضل مالك وأطيبه). # وأصل العفو في اللغة: الزيادة والكثرة. قال الله تعالى: # حتى عفوا # [الأعراف: 95] أي كثروا. وقال صلى الله عليه وسلم: # " أعفوا اللحى " # والعفو أيضا: ما تأخذه وتعطيه سهلا بلا تكلف من قولهم: خذ ~~ما أعفاك؛ أي ما أتاك سهلا من غير إكراه. # ونظيره هذه الآية من الأخبار ما روي: # " أن رجلا قال: يا رسول الله، عندي دينار، قال: " ~~أنفقه على نفسك " قال: عندي آخر، قال: " أنفقه ~~على أهلك " ، قال: عندي آخر، قال: " أنفقه على ~~ولدك " ، قال: عندي آخر، قال: " أنفقه على ~~والديك " ، قال: عندي آخر، قال: " أنفقه على ~~فرسك " ، قال: عندي آخر، قال: " أنفقه على ~~قرابتك " ، قال: عندي آخر، قال: " أنت أبصر به " ". # وعن جابر قال: # " أتى رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببيضة من ~~ذهب أصابها في بعض المعادن، فقال: يا رسول الله، ~~خذ هذه صدقة فوالله ما أصبحت أملك غيرها، ~~فأعرض عنه. فأتى من ركنه الأيمن فقال له ~~مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم أتاه من ركنه ~~الأيسر، فقال له مثل ذلك، فأعرض عنه، ثم قال ~~مثل ذلك، فقال: مغضبا: " هاتها " فأخذها منه ~~فحذفه بها لو أصابه لشجه أو عقره، ثم قال: " ~~يجيء أحدكم بماله كله ليتصدق به ويجلس ~~يتكفف الناس، أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى، ~~وليبدأ أحدكم بمن يعول " ". # قال الكلبي: (كان الرجل بعد نزول هذه الآية إن ~~كان من أهل الزرع والنخيل؛ نظر إلى ما يكفيه ~~وعياله سنة؛ ويتصدق بما فضل. وإن كان من أهل ~~التجارة أمسك رأس ماله ومن الربح ما يتقوت ~~به ويحتاج إليه؛ ويتصدق بما فضل. وإن كان ~~ممن يعمل بيده؛ أمسك ما يكفيه وعياله يومه ~~ذلك ويتصدق بسائره. وكانوا على ذلك إلى أن ~~فرضت الزكاة مقدرة معلومة). # واختلفوا في قراءة قوله: { قل العفو } فقرأ الحسن وقتادة وأبو ~~عمرو: (قل العفو) رفعا على معنى الذي ينفقونه ms0209 هو العفو، أو على ~~معنى قل هو العفو. ودليله قوله تعالى: # وإذا قيل لهم ماذآ أنزل ربكم قالوا أساطير ~~الأولين # [النحل: 24]. وقرأ الباقون (العفو) بالنصب على معنى: قل أنفقوا ~~العفو، ودليله قوله تعالى: # وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا ~~خيرا # [النحل: 30]. # قوله عز وجل: { كذلك يبين الله لكم الآيت ~~لعلكم تتفكرون } أي مثل هذا البيان يبين الله لكم ~~أوامره ونواهيه ودلائله في الدين { لعلكم تتفكرون في ~~الدنيا } أنها دار فناء وبلاء لا يبقى إلا العمل الصالح، (و) ~~في أمر (الآخرة) فإنها دار جزاء وبقاء لا ينفع فيها إلا سابق ~~تقوى الله عز وجل. # وقال المفضل: { كذلك يبين الله لكم الآيت } في ~~أمر النفقة { لعلكم تتفكرون في الدنيا ~~والآخرة } فتحبسون من أموالكم ما يصلحكم في ~~معايش الدنيا، وتنفقون الباقي فيما ينفعكم في ~~العقبى. وقال بعضهم: معناه يبين لكم الآيات في أمر الدنيا ~~والآخرة لعلكم تتفكرون في زوال الدنيا وفنائها، فتزهدوا فيها؛ وفي ~~إقبال الآخرة وبقائها فترغبون فيها؛ وهذا القول قريب من الأول. # قال الزجاج: (إنما قال: { كذلك يبين الله } وهو ~~يخاطب الجماعة؛ وكان ينبغي أن يقول: كذلكم؛ ~~لأن الجماعة معناها القبيل، كأنه قال: كذلك ~~أيها القبيل). ويجوز أن يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم؛ ~~لأن خطابه مشتمل على خطاب أمته كما قال تعالى: # يأيها النبي إذا طلقتم النسآء # [الطلاق: 1]. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " تفكر ساعة خير من عبادة سنة ". ### || [2.220] # قوله عز وجل: { في الدنيا والآخرة ويسألونك عن ~~اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم ~~فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح }؛ قال ~~ابن عباس: (لما نزل في أمر اليتامى # ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن # [الأنعام: 152] وقوله تعالى: # إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا # [النساء: 10] أشفق المسلمون من مخالطتهم؛ وكان ~~كل من في حجره يتيم يجعل لليتيم بيتا ~~وطعاما وخادما على حدة؛ وكانوا لا يخالطون ~~اليتامى في شيء، فشق ذلك عليهم، فجاء عبدالله ~~بن رواحة ms0210 إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن ~~الله تعالى أنزل في أمر اليتامى مما أنزل من ~~الشدة، أفيصلح لنا يا رسول الله أن نخالطهم ~~نستعير منهم الخادم والدابة ونشرب من لبن ~~شاتهم؟ فأنزل الله هذه الآية). { ويسألونك عن ~~اليتامى } أي عن مخالطة اليتامى، { قل إصلاح } لأموالهم خير ~~الأشياء إذ هو خير من الإنفاق. # قوله تعالى: { وإن تخالطوهم فإخوانكم } أي وإن ~~تشاركوهم وتخلطوا أموالهم بأموالكم في نفقاتكم ومطاعمكم ومساكنكم ~~وخدمكم ودوابكم فتصيبوا من أموالهم عوضا من قيامكم بأمورهم ~~وتكافئوهم على ما يصيبون من أموالكم، فهم إخوانكم في الدين. # وقرأ طاووس: (قل إصلاح لهم خير) بمعنى الإصلاح لأموالهم ~~من غير أجرة ولا أخذ عوض منهم خير وأعظم أجرا. وقرأ أبو ~~مخلد: (فإخوانكم) بالنصب؛ أي تخالطوا إخوانكم. قوله ~~تعالى: { والله يعلم المفسد من المصلح } أي يعلم ~~من كان غرضه بالمخالطة إصلاح أمر اليتامى، ومن يكون غرضه إفساد ~~أمرهم. # قوله عز وجل: { ولو شآء الله لأعنتكم }؛ أي ~~لأثمكم في مخالطتهم وضيق عليكم. والعنت: الإثم؛ ويسمى الفجور ~~عنتا؛ لما فيه من الإثم. وأصل العنت: الشدة والمشقة؛ يقال: ~~عقبة عنوت؛ أي شاقة كئود. وقال أبو عبيدة: (معناه: ~~ولو شاء الله لأهلككم). قوله عز وجل: { إن الله ~~عزيز حكيم }؛ أي منيع غالب لا يمانع فيما يفعل من المساهل ~~والمشاق، ذو حكمة فيما أمركم به في أمر اليتامى وغير ذلك. # واسم اليتيم إذا أطلق انصرف إلى الصغير الذي لا أب له. والعرب ~~تسمى المنفرد يتيما؛ يقولون: الدرة اليتيمة؛ يريدون بذلك أنها ~~منفردة لا نظير لها. # وفي الآية ضروب من الأحكام: منها قوله تعالى: { قل إصلاح ~~لهم خير } يدل على جواز خلط الوصي ماله بمال اليتيم في مقدار ~~ما يغلب على ظنه أن اليتيم يأكل قدر طعام نفسه بغالب الظن. ويدل ~~على جواز التصرف في ماله بالبيع والشراء؛ وجواز دفعه مضاربة إذا كان ~~ذلك صلاحا. ويدل على أن لولي اليتيم أن يعاقد نفسه في ماله ~~إذا كان فيه خير ظاهر لليتيم على ما قاله أبو حنيفة رحمه ms0211 الله. ~~ويدل على أن للوصي أيضا أن يؤجر اليتيم ممن يعلمه الصناعات ~~والتجارات، أو يستأجر من يعلمه ما له فيه صلاح من أمر الدين ~~والأدب؛ لأن كل ذلك من الصلاح. # وقوله تعالى: { وإن تخالطوهم فإخوانكم } فيه ~~دليل على أن للولي أن يزوج اليتيم ابنته، أو يزوج اليتيمة ~~ابنه، أو يتزوج اليتيمة لنفسه، فيكون قد خلط اليتيم بنفسه وعياله ~~واختلط أيضا به. يقال: فلان خليط فلان؛ إذا كان شريكا له في المال. ~~ويقال: قد اختلط فلان بفلان؛ إذا صاهره. ولا يكون التزويج إلا ~~للولي الذي يكون ذا نسب من اليتيم؛ لأن الوصاية لا تستحق بها ~~الولاية في النكاح. ### || [2.221] # قوله تعالى: { ولا تنكحوا المشركات حتى ~~يؤمن }؛ قال عبدالله بن عباس: (نزلت هذه الآية في ~~مرثد بن أبي مرثد الغنوي وكان شجاعا فورا، ~~بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ليخرج ~~منها ناسا من المسلمين سرا؛ فلما قدمها ~~سمعت به امرأة مشركة يقال لها: عناق، وكانت ~~خليلته في الجاهلية؛ فأتته وقالت له: يا ~~مرثد، ألا تخلو بي؟ فقال: ويحك يا عناق! إن ~~الإسلام قد حال بيننا وبين ذلك. فقالت: هل لك ~~أن تتزوج بي، فقال: نعم، لكن أرجع إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأستأمره ثم أتزوجك. فقالت: ~~أنت تتبرم، ثم استعانت عليه فضربوه ضربا ~~شديدا ثم خلوا سبيله. فلما رجع إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أعلمه بما كان من أمره وأمر عناق ~~وما لقي بسببها، فقال: يا رسول الله، أيحل لي أن ~~أتزوجها؟ فأنزل الله هذه الآية). ومعناها: ولا تتزوجوا ~~المشركات حتى يصدقن بتوحيد الله. # قال المفضل: (أصل النكاح الوطء، ثم كثر ذلك حتى ~~قيل لعقد التزويج: النكاح). فحرم الله نكاح ~~المشركات عقدا ووطءا، ثم استثنى الحرائر الكتابيات، فقال تعالى: # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم # [المائدة: 5]. # قوله عز وجل: { ولأمة مؤمنة خير من مشركة ~~ولو أعجبتكم }؛ أي نكاح أمة مؤمنة خير من نكاح حرة ~~مشركة ولو أعجبتكم الحرة المشركة بحسنها وجمالها ومالها. نزلت في ms0212 ~~أمة سوداء كانت لحذيفة بن اليمان يقال لها خنساء، فقال لها ~~حذيفة: يا خنساء، قد ذكرت في الملإ الأعلى مع ~~سوادك ورمامتك، وأنزل الله ذلك في كتابه، ~~فأعتقها حذيفة وتزوجها. # وقال السدي: " # " نزلت في أمة سوداء لعبدالله بن رواحة، كان ~~قد غضب عليها عبدالله فلطمها، ثم فزع وأتى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فأخبره بذلك، وقال صلى الله ~~عليه وسلم: " وما هي يا عبدالله؟ " فقال: هي تشهد أن ~~لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وتصوم رمضان، ~~وتحسن الوضوء فتصلي، فقال: " هذه مؤمنة " ، ~~وقال عبدالله بن رواحة: والذي بعثك بالحق ~~نبيا لأعتقها ولأتزوجها؛ ففعل، فطعن عليه ~~ناس من المسلمين وقالوا: أتنكح أمة؛ وقد ~~عرضوا عليه حرة مشركة وكانوا يرغبون في ~~نكاح المشركات رجاء إسلامهن، فأنزل الله هذه ~~الآية ". # قوله تعالى: { ولا تنكحوا المشركين حتى ~~يؤمنوا }؛ أي لا تزوجوا المشركين مسلمة حتى يصدقوا ~~بالله، { ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو ~~أعجبكم }؛ أي ولو أعجبكم الحر المشرك بماله وحسن حاله. # قوله تعالى: { أولئك يدعون إلى النار }؛ يعني ~~المشركين والمشركات يدعون إلى عمل أهل النار. قوله تعالى: { ~~والله يدعوا إلى الجنة والمغفرة بإذنه }؛ أي ~~والله يدعو إلى أسباب الوصول إلى الجنة والمغفرة ومخالطة المؤمنين ~~وغير ذلك، { بإذنه } أي بأمره وعلمه الذي علم أنه به وصولكم ~~إليهما. # قوله عز وجل: { ويبين آياته للناس لعلهم ~~يتذكرون }؛ أي يبين أمره ونهيه في التزويج وغيره للناس ~~لعلهم يتعظون ويرغبون في أهل الديانة والأمانة. واعلم: أن ~~الظاهر أن اسم المشركات يتناول الوثنيات، وقال الله تعالى: # ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا ~~المشركين # [البقرة: 105] ففرق بينهما في اللفظ. وظاهر العطف يقتضي أن ~~المعطوف غير المعطوف عليه؛ فعلى هذا لا يكون تزويج المسلمين ~~بالكتابيات داخلا في هذه الآية، لكن استفيد جوازه لهم بقوله تعالى في ~~سورة المائدة: # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم # [المائدة: 5]. # وعن ابن عباس والحسن ومجاهد: (أن هذه الآية عامة في ~~جميع الكافرات؛ الكتابيات منهم وغير ~~الكتابيات، ثم نسخت منها الكتابيات بآية ~~المائدة). وعن ms0213 ابن عمر: أنه كان إذا سئل عن نكاح اليهودية ~~والنصرانية، قال: (إن الله حرم المشركات على ~~المؤمنين، ولا أعلم شيئا من الشرك أكبر من أن ~~تقول: ربها عيسى عليه السلام، أو عبد من عباد الله، ~~والتكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم عدل في الإثم ~~والجرم والإشراك بالله). # فإن قيل: في هذه الآية نهي عن نكاح المشركات بسبب وهو دعاء أهل ~~الشرك إلى النار، وهذه العلة تعم الكتابيات وغيرهن، فكيف أبيح ~~للمسلمين نكاح الكتابيات والعلة قائمة؟ قيل: يحتمل أن يكون قوله: { ~~أولئك يدعون إلى النار } راجعا إلى قوله: { ولا ~~تنكحوا المشركين } لا إلى قوله: { ولا تنكحوا ~~المشركات }؛ لأن أولئك كناية عن الرجال دون النساء. ولا يجوز ~~تزويج المسلمة من مشرك ولا كتابي. ### || [2.222] # قوله عز وجل: { ويسألونك عن المحيض قل هو أذى ~~}؛ قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار ~~يقال له: أبو الدحداحة، أتى إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: كيف نصنع بالنساء إذا حضن؛ هل ~~نقربهن أو لا؟ فنزلت هذه الآية). فلما نزلت هذه ~~الآية عمد المسلمون إلى النساء الحيض فأخرجوهن من البيوت كما ~~كانت الأعاجم تفعل بنسائهم إذا حضن، وإذا فرغن واغتسلن ردوهن إلى ~~البيوت، فقدم ناس من الأعراب المدينة، فشكوا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عزل النساء عنهم، وقالوا: يا رسول الله، إن ~~البرد شديد والثياب قليلة وقد عزلنا النساء، فإن آثرناهن ~~بالثياب هلك أهل البيت بردا، وإذا آثرنا أهل البيت هلك النساء ~~الحيض، وليس كلنا يجد وسعة فيوسع عليهم جميعا، فقال صلى الله ~~عليه وسلم: # " إنما أمرتم أن تعتزلوا مجامعتهن إذا حضن، ~~ولم تؤمروا أن تخرجوهن من البيوت " # وقرأ عليهم الآية. # وقال بعضهم: كانت العرب في الجاهلية إذا حاضت المرأة، لم يؤاكلوها ~~ولم يشاربوها ولم يساكنوها في بيت، ولم يجالسوها على فراش كفعل ~~اليهود والمجوس، فسأل أبو الدحداح رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن ذلك، وقال: يا رسول الله، كيف نصنع بالحيض؟ فأنزل ~~الله هذه الآية. # ووجه اتصال هذه ms0214 الآية بما قبلها آية أخرى فيما تقدم " من " حديث ~~نكاح من تحرم ومن تحل، فبين الله بعده حال التحليل والتحريم ~~بهذه الآية. # وقال ابن عباس: (ما رأيت قوما كانوا خيرا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ما سألوه إلا عن ثلاثة ~~عشر مسألة حتى قبض، كلهن في القرآن: # يسألونك عن الشهر الحرام # [البقرة: 217] # يسألونك ماذا ينفقون قل مآ أنفقتم # [البقرة: 215] # ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو # [البقرة: 219] # يسألونك عن الأهلة # [البقرة: 189] # يسألونك عن الخمر والميسر # [البقرة: 219] # ويسألونك عن اليتامى # [البقرة: 220] { ويسألونك عن المحيض } [البقرة: 222] # يسألونك عن الساعة أيان مرسها # [الأعراف: 187] # وإذا سألك عبادي عني # [البقرة: 186] # يسألونك عن الأنفال # [الأنفال: 1] # ويسألونك عن الروح # [الإسراء: 85] # ويسألونك عن ذي القرنين # [الكهف: 83] # ويسألونك عن الجبال # [طه: 105]). # ومعنى الآية: { ويسألونك عن المحيض قل هو أذى } أي ~~الدم مستقذر نجس، وقال الكلبي: (الأذى ما يعم ويكره من ~~كل شيء). # قوله تعالى: { فاعتزلوا النسآء في المحيض }؛ أي ~~اعتزلوا مجامعتهن وهن حيض، { ولا تقربوهن حتى يطهرن ~~}؛ أي ولا تجامعوهن حتى ينقطع عنهن الدم. عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من وطئ امرأته وهي حائض فقضي بينهما ولد ~~فأصابه جذام فلا يلومن إلا نفسه؛ ومن احتجم ~~يوم السبت أو الأربعاء فأصابه وضح فلا يلومن ~~إلا نفسه ". # فوطئ النساء الحيض حرام بنص القرآن، فإن وطأها زوجها أثم ~~ولزمته الكفارة، روي عن ابن عباس: # " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في رجل جامع امرأته ~~وهي حائض؛ قال: " إن كان دما غليظا فليتصدق ~~بدينار؛ فإن كان صفرة فنصف دينار " # ولا بأس باستخدام الحائض وبمباشرة بدنها إذا كانت متزرة، ~~والاستمتاع بما فوق الإزار. # قال مسروق: قلت لعائشة رضي الله عنها: ما يحل للرجل من ~~امرأته إذا كانت حائضا؟ قالت: (كل شيء إلا ~~الجماع). # " وروي أن عائشة رضي الله عنها كانت مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مضطجعة في ثوب واحد، وأنها وثبت ~~وثبة شديدة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ms0215 " ~~ما لك؟ لعلك نفست " يعني حضت؛ قالت: نعم، قال: " ~~شدي عليك إزارك وعودي إلى مضجعك " ". # " عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: بينما أنا ~~مضطجعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخميلة ~~إذ حضت، فانسللت منها وأخذت ثياب حيضي، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنفست؟ " قلت: نعم، ~~فدعاني فاضطجعت معه في الخميلة ". # وعن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: [كنت أغتسل أنا ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد ونحن ~~جنبان؛ وكنت أغسل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو معتكف في المسجد وأنا حائض؛ وكان يأمرني ~~إذ كنت حائضا أن أتزر ثم يباشرني]. # وسئلت عائشة رضي الله عنها: هل تأكل المرأة مع ~~زوجها وهي طامث؟ قالت: (نعم، كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يدعوني فآكل معه وأنا عارك؛ وكان ~~يأخذ العرق فيضعه على فيه؛ وأغترف به ثم ~~أضعه، فيأخذه ويشرب منه ويضع فمه حيث ~~وضعت من المعدن، ويدعو بالشراب فيشرب ثم آخذ ~~القدح فأشرب منه، ثم أضعه فيأخذه فيشرب ~~منه ويضع فمه حيث وضعت فمي من القدح). # فدلت هذه الآية أن المراد الاعتزال من الحيض جماعهن، ~~وذلك أن اليهود والمجوس كانوا يجتنبون الحيض في كل شيء؛ وكانت ~~النصارى يجامعونهن ولا يبالون بالحيض، فأمر الله تعالى بالاقتصاد ~~بين هذين الآمرين (وخير الأمور أوسطها). قال أنس رضي الله ~~عنه: # " لما أنزل الله تعالى: { ويسألونك عن المحيض ~~قل هو أذى } الآية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~افعلوا كل شيء إلا الجماع " فبلغ ذلك اليهود، ~~فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا ~~شيئا إلا خالفنا فيه ". # قوله تعالى: { ولا تقربوهن حتى يطهرن } قرأ ~~الأعمش وعاصم وحمزة والكسائي: (يطهرن) بالتشديد؛ أي يغتسلن؛ ~~يدل عليه قراءة عبدالله (حتى يتطهرن) بالتاء على الأصل. ~~وقرأ الباقون (يطهرن) مخففا؛ أي حتى يطهرن من حيضهن ~~وينقطع الدم. # واختلف الفقهاء في الحائض متى يحل وطؤها؛ فقال أبو حنيفة ~~وصاحباه: (إذا طهرت لعشرة أيام جاز وطؤها دون ~~الغسل؛ وإن طهرت ms0216 لأقل من عشرة أيام لم يجز ~~وطؤها حتى تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة ~~كامل). # وقال مجاهد وطاووس وعطاء: (إذا انقطع دمها وغسلت ~~فرجها وتوضأت جاز وطؤها). وقال الشافعي: (لا يحل ~~وطؤها إلا بشرطين: انقطاع الدم والاغتسال). فمن ~~قرأ (يطهرن) بالتشديد كان حجة للشافعي ومن تابعه؛ ومن خفف ~~كان حجة للمبيحين وطأها قبل الغسل. # قوله تعالى: { فإذا تطهرن فأتوهن من حيث ~~أمركم الله }؛ أي فإذا اغتسلن فجامعوهن من حيث أمركم الله ~~تنحية في الحيض وهو الفرج، قاله ابن عباس وقتادة والربيع. وقيل: ~~معناه: فأتوهن من قبل النكاح والجهات التي يحل فيها أن يقرب ~~المرأة في الشريعة. وقال مجاهد: (كانوا على استخارة ~~إيتائهن في الأدبار في أيام الحيض؛ فأنزل الله ~~هذه الآية وحرم بها ما كانوا يفعلونه)؛ فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إتيان النساء في أعجازهن حرام " # وقال ابن كيسان: (معناه لا يأتونهن صائمات ولا ~~معتكفات ولا محرمات؛ وإيتاؤهن وغشيانهن ~~لكم حلال). # قوله عز وجل: { إن الله يحب التوابين ويحب ~~المتطهرين }؛ قال عطاء ومقاتل والكلبي: (معناه: إن الله ~~يرضى عمل التوابين من الذنوب ومن إتيان ~~النساء في وقت الحيض، ويحب المتطهرين ~~بالماء عن الأحداث والحيض والنجاسات ~~والجنابات). وقال مجاهد: (معناه: { إن الله يحب ~~التوابين } عن الذنوب و { المتطهرين } عن أدبار ~~النساء أن يأتوها)، وقال: (من أتى امرأة في دبرها ~~فليس من المتطهرين). # وقال بعضهم: معناه: { التوابين } من الذنوب و { ~~المتطهرين } من الشرك. وقال سعيد بن جبير: { التوابين } ~~من الشرك، و { المتطهرين } من الذنوب). وعن ~~عبدالرحيم: (معناه: { إن الله يحب التوابين } من ~~الكبائر، و { المتطهرين } من الصغائر). وقيل: { ~~التوابين } من الأفعال، و { المتطهرين } من الأقوال. ~~وقيل: { التوابين } من الأقوال والأفعال، و { المتطهرين ~~} من القعود والإضمار. وقيل: { التوابين } من الآثام، و { ~~المتطهرين } من الإجرام. وقيل: { التوابين } من الذنوب، ~~و { المتطهرين } من العيوب. # والتواب: هو الذي كلما أذنب تاب. والمحيض: مصدر يقال: ~~حاضت المرأة حيضا ومحيضا ومحاضا؛ كل ذلك مصدر. ### || [2.223] # قوله عز وجل: { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم ~~أنى شئتم }؛ قال ms0217 ابن عباس: (كانت اليهود يقولون: ~~إنا لنجد في التوراة أن كل إتيان يؤتى النساء ~~غير مستلقيات فإنه دنس عند الله؛ ومنه يكون ~~الحول والخبل في الولد. فأكذبهم الله تعالى ~~بهذه الآية). # وعن جابر بن عبدالله قال: # " كانت اليهود يقولون: من جامع امرأته ضحية ~~من قفاها في قبلها كان ولدها أحولا!؟ فذكرت ~~ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال: " كذبت ~~اليهود " # فأنزل الله تعالى: { نسآؤكم حرث لكم فأتوا ~~حرثكم أنى شئتم }. # وقال الحسن وقتادة ومقاتل والكلبي: (تذاكر المهاجرون ~~والأنصار واليهود إتيان النساء؛ فقال ~~المهاجرون: إنا نأتيهن باركات وقائمات ~~ومستلقيات ومن بين أيديهن ومن خلفهن بعد ~~أن يكون المأتى واحدا وهو الفرج. فقال اليهود: ~~وما أنتم إلا كالبهائم؛ لكنا نأتيهم على ~~هيئة واحدة، وإنا لنجد في التوراة أن كل ~~إتيان يؤتى النساء غير مستلقيات فإنه دنس ~~عند الله، ومنه يكون الحول والخبل. فذكر ذلك ~~المسلمون لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا ~~رسول الله، إنا كنا في جاهليتنا وبعدما أسلمنا ~~نأتي النساء كيف شئنا؛ وإن اليهود عابت ذلك ~~علينا؛ وزعمت أنا كذا وكذا؟ فأكذب الله تعالى ~~اليهود؛ ورخص للمسلمين في ذلك فقال: { ~~نسآؤكم حرث لكم }. # وعن ابن عباس قال: (كان هذا الحي من الأنصار مع هذا ~~الحي من اليهود وهم أهل الكتاب؛ فكانوا يرون ~~لهم فضلا عليهم في العلم؛ وكانوا يقتدون ~~بكثير من فعلهم؛ وكان من شأن اليهود أن لا ~~يأتوا النساء إلا على حرف واحد، وذلك أشد ما ~~يكون على المرأة. وكان هذا الحي من الأنصار قد ~~أخذوا ذلك من فعلهم. وكان هذا الحي من قريش ~~يشرحون النساء شرحا منكرا، ويتلذذون بهن ~~مقبلات ومدبرات ومستلقيات؛ فلما قدم ~~المهاجرون إلى المدينة، تزوج رجل منهم امرأة ~~من الأنصار، فذهب يصنع بها كذلك، فأنكرت ~~عليه! وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف، فإن شئت ~~فاصنع ذلك وإلا فاجتنبني حتى شري أمرهما. ~~فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله ~~عز وجل: { نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم ~~أنى شئتم } مقبلات ومدبرات ومستلقيات). ms0218 ~~والمعنى: { نسآؤكم حرث لكم } أي مزدرع لكم للولد. # وقال الزجاج: (معناه: نساؤكم ذوات حرث لكم؛ ~~فبين كيف يحرثون للولد واللذة) أي { فأتوا ~~حرثكم } كيف { شئتم } وحيث شئتم ومتى شئتم بعد أن يكون في ~~موضع واحد وهو الفرج. قال أبو عبيد: (سميت المرأة حرثا ~~على وجه الكناية؛ فإنها للولد كالأرض ~~للزرع). وفي الآية دليل على تحريم الوطئ في الدبر؛ لأنه موضع ~~الفرث لا موضع الحرث؛ وإنما قال الله تعالى: { نسآؤكم حرث ~~لكم } وهذا من لطف كنايات القرآن. # وقال أهل المعاني: معنى الآية: نساؤكم كحرث لكم، كقوله تعالى: # حتى إذا جعله نارا # [الكهف: 96] أي كنار؛ والعرب تسمي النساء حرثا؛ قال الشاعر: # إذا أكل الجراد حروث قوم # فحرثي همه أكل الجراد # يريد امرأتي. # وأنشد أحمد بن يحيى ثعلب: # حبذا من هبة الل # ه البنات الصالحات # هن النسل والزر # وع وهن الشجرات # يجعل الله لنا في # ما يشاء البركات # إنما الأرحام أرض # ون لنا محرثات # فعلينا الزرع فيها # وعلى الله النبات # قوله تعالى: { أنى شئتم } أي كيف شئتم. وقال سعيد بن ~~المسيب: (هذا في العزل، أي إن شئتم فاعزلوا وإن ~~شئتم فلا تعزلوا). ودليل هذا ما روي عن عبدالله أنه قال: ~~(تستأمر الحرة في العزل؛ ولا تستأمر الأمة). # وقد وهم بعض الناس في تأويل هذه الآية وتعلق بظاهرها وجوز ~~إتيان المرأة في دبرها؛ وهذا لا يصح؛ لأن قوله تعالى: { ~~نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم } ~~يقتضي إباحة إتيان المرأة في قبلها؛ والقول بجواز إتيان المرأة في ~~دبرها باطل. والصحيح: أنه حرام؛ لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ملعون من أتى المرأة في دبرها ". # وعن عبدالله بن الحسن عن أبيه: أنه لقي سالم بن ~~عبدالله؛ فقال له: ما حديث يحدث به نافع عن ~~ابن عمر؟ قال: وما هو؟ قال: زعم أن عبدالله بن ~~عمر لم ير بأسا بإتيان النساء من أدبارهن! ~~قال: كذب العبد وأخطأ، وإنما قال عبدالله: ~~(يؤتون في فروجهن من أدبارهن). # والدليل على ms0219 تحريم الوطئ في الدبر في قوله صلى الله عليه وسلم: # " ولا تأتوا النساء في أدبارهن " # وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا ينظر الله تعالى إلى رجل أتى رجلا أو امرأة ~~في دبرها " # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ملعون من أتى المرأة في دبرها " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " من أتى حائضا أو امرأة في دبرها؛ أو أتى كاهنا ~~فصدقه فيما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على ~~محمد صلى الله عليه وسلم ". # قوله عز وجل: { وقدموا لأنفسكم }؛ أي قدموا من ~~العمل الصالح لآخرتكم. وقيل: معناه: سموا الله تعالى عند الجماع، ~~كما روي عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا أراد أحدكم أن يأتي أهله فليقل: بسم الله، ~~اللهم جنبني الشيطان؛ وجنب الشيطان ما ~~رزقتنا، فإن قدر بينهما ولد لم يضره ~~الشيطان ". # وقيل: معنى: { وقدموا لأنفسكم }؛ النية الصالحة عند ذلك؛ ~~وهو أن ينوي: ربما قضى الله ولدا يعبده. # وقيل: معناه: { وقدموا لأنفسكم } هو التزويج بالعفائف ~~ليكون الولد صالحا طاهرا. # وقيل: هو تقديم الأفراط، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " من مات له ثلاثة من الولد لم يبلغوا ~~الحلم - الحنث - لم تمسه النار إلا تحلة ~~القسم " فقالوا: يا رسول الله، واثنان. قال: " ~~واثنان " ، فظننا أنه لو قيل له وواحد، قال: ~~وواحد ". # وقال السدي والكلبي: (يعني العمل الصالح) دليله سياق ~~الآية: { واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه }؛ ~~قوله تعالى: { واتقوا الله } أي اخشوه ولا تقربوهن ~~في حال الحيض ولا على وجه لا يحل، { واعلموا أنكم ~~ملاقوه } يوم القيامة فيجزيكم بأعمالكم. قوله تعالى: { ~~وبشر المؤمنين }؛ أي المصدقين بالبعث والثواب بالجنة. ### || [2.224] # قوله عز وجل: { ولا تجعلوا الله عرضة ~~لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين ~~الناس }؛ نزلت هذه الآية في عبدالله بن رواحة الأنصاري رضي الله عنه ~~حلف ألا يدخل على ختنه بشير بن النعمان الأنصاري ولا ~~يكلمه ولا يصلح بينه وبين خصمه؛ وجعل يقول: حلفت بالله أن ms0220 ~~أفعل ولا يحل لي إلا أن أبر في يميني؛ فنزلت ~~هذه الآية؛ فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ ~~عليه الآية، وقال: # " من حلف على يمين فرأى أن غيرها خير منها؛ ~~فليأت الذي هو خير؛ وليكفر عن يمينه، ~~افعلوا الخير ودعوا الشر " # وكفر ابن رواحة عن يمينه ورجع إلى الذي هو خير. # ومعنى الآية: { ولا تجعلوا الله } علة { لأيمانكم } ~~أي لا تجعلوا اليمين بالله مانعة لكم من البر والتقوى؛ وهو أن يجعل ~~الرجل اليمين معترضا بينه وبين ما هو مندوب إليه أو مأمور به ~~من البر والتقوى والإصلاح؛ يفعل ذلك للامتناع من الخير؛ لأن ~~المعترض بين الشيئين يمنع وصول أحدهما إلى الآخر. ومعنى { أن ~~تبروا وتتقوا } أي لا تبروا ولا تتقوا القطيعة، ولا ~~تصلحوا بين المتشاجرين كما قال امرؤ القيس: # فقلت يمين الله أبرح قاعدا # ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي # أراد بذلك: لا أبرح؛ وكان أبو العباس ينكر إضمار حرف النفي في هذه ~~الآية ويقول: (هذا إنما يكون في تصريح اليمين) ~~كقولك: والله أقوم؛ بمعنى والله لا أقوم. وأما في مثل هذا الموضع، ~~فلا يجوز حذف حرف النفي. قال: (والصواب أن معناه: لا ~~تجعلوا الله عرضة لأيمانكم كراهة أن تبروا). ~~فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه؛ ونظير هذا قوله ~~تعالى: # ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا ~~أولي القربى والمساكين # [النور: 22]. # وذهب بعض المفسرين إلى أن معنى الآية: { ولا تجعلوا الله ~~عرضة لأيمانكم } أي لا تعترضوا باليمين بالله تعالى في ~~كل حق وباطل؛ وهو نهي عن كثرة الحلف، لما في ذلك من الجرأة ~~على الله عز وجل والابتذال لاسمه في كل حق وباطل. يقال: هذه ~~عرضة لك؛ أي عدة لك تبتذلها فيما تشاء. ومعنى { أن تبروا } ~~على هذا الإثبات؛ أي لا تحلفوا في كل شيء لأن تبروا إذا حلفتم ~~وتتقوا المآثم فيها. # ويجوز أن يكون قوله تعالى: { أن تبروا } مبتدأ، وخبره ~~محذوف تقديره، أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس؛ أي ~~أولى. فعلى هذا يكون موضع { أن تبروا } رفعا. ms0221 وعلى التأويل ~~الأول يكون نصبا؛ لأن معناه: لأن تبروا، موضعه نصب بنزع ~~الخافض. # وقال مقاتل: (نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه ~~حين حلف لا يصل ابنه عبدالرحمن حتى يسلم). ~~وقال ابن جريج: (نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله عنه ~~حين حلف لا ينفق على مسطح حين خاض في حديث ~~الإفك). # قال المفسرون: هذا في الرجل يحلف بالله أن لا يصل رحمه، ولا ~~يكلم قرابته، ولا يتصدق، ولا يصنع خيرا، ولا يصلح بين اثنين. ~~فأمره الله تعالى أن يحنث في يمينه ويفعل ذلك الخير ويكفر عن ~~يمينه. قوله تعالى: { والله سميع عليم }؛ أي سميع ~~لأيمانكم عليم بما تقصدون باليمين عند الحلف. ### || [2.225] # قوله تعالى: { لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم }؛ ~~اختلف العلماء في لغو اليمين المذكور في هذه الآية؛ فقال قوم: هو ~~ما يسبق به اللسان على سرعة وعجلة ليصل به كلامه من غير عقد ~~ولا قصد؛ مثل قول الإنسان: لا والله؛ بلى والله؛ ونحو ذلك. فهذا لا ~~كفارة فيه ولا إثم عليه، وعلى هذا القول عائشة رضي الله ~~عنها والشعبي وعكرمة ومجاهد. # وقال أخرون: لغو اليمين هو أن يحلف الإنسان على شيء يرى أنه ~~صادق فيه، ثم تبين له خلاف ذلك؛ فهو خطأ منه غير عمد، فلا إثم عليه ~~ولا كفارة؛ وعلى هذا القول ابن عباس والزهري والحسن وإبراهيم النخعي ~~وقتادة والربيع وزرارة بن أوفى ومحكول والسدي. وقال علي رضي الله ~~عنه وطاووس: (اللغو اليمين في حالة الغضب والضجر ~~من غير عقد ولا عزم)، ومثله مروي عن ابن عباس. يدل ~~عليه قوله صلى الله عليه وسلم: # " لا يمين في غضب ". # وقال بعضهم: هو اليمين في المعصية، لا يؤاخذه الله بالحنث في يمينه ~~ويكفر، وبه قال سعيد بن جبير. وقال غيره: ليس عليه في ذلك كفارة. ~~وقال مسروق في الرجل يحلف على المعصية: (كفارته أن يتوب ~~عنها، وكل يمين لا يحل له أن يفي بها فليس ~~فيها كفارة؛ ولو أمره بالكفارة لأمرته أن ms0222 ~~يتم على قوله). يدل عليه ما روي عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " من نذر فيما لا يملك فلا نذر له، ومن حلف ~~على معصية فلا يمين له ". # وعن إبراهيم النخعي قال: (لغو اليمين أن يصل الرجل ~~كلامه بالحلف، كقوله: والله ليأكلن؛ والله ~~ليشربن؛ ونحوها، لا يقصد بذلك اليمين ولا ~~يريد به حلفا، فليس عليه فيه كفارة). يدل عليه ~~ما # " روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بقوم ~~ينتضلون ومعهم رجل من أصحابه؛ فرمى رجل من ~~القوم فقال: والله أصبت؛ والله أخطأت. فقال ~~الرجل الذي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم: حنث ~~الرجل يا رسول الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " كل ~~أيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة " ". # وقالت عائشة: (أيمان اللغو ما كان في الهزل ~~والمراء والخصومة والحديث الذي لا يعقد ~~عليه القلب). وقال زيد بن أسلم: (هو دعاء الحالف ~~لنفسه، كقوله: أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا، ~~أخرجني الله من مالي إن لم آتك غدا). # قوله تعالى: { ولكن يؤاخذكم بما كسبت ~~قلوبكم } أي بما تعمدتم الكذب؛ وهو أن يحلف على شيء يعلم أنه ~~ليس كذلك. والمعنى: { ولكن يؤاخذكم } بما عزمتم وقصدتم ~~وتعمدتم؛ لأن كسب القلب العقد والنية. قوله تعالى: { ~~والله غفور حليم }؛ أي { غفور } لمن تاب من اليمين ~~الغموس، { حليم } عن الحالف إذ لم يعجل عليه بالعقوبة. ~~وقيل: معناه: { والله غفور } لمن حنث وكفر عن يمينه، { ~~حليم } حين رخص لكم في الحنث ولم يعاقبكم على اليمين على ترك ~~البر. # واللغو في اللغة: الكلام الساقط الذي لا فائدة ~~فيه ولا حكم له، يقال: ألغيت الشيء إذا طرحته. وقد ~~يذكر اللغو ويراد به الكلام الفاحش القبيح، قال الله تعالى: # وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه # [القصص: 55] وقال تعالى: # وإذا مروا باللغو مروا كراما # [الفرقان: 72]. ### || [2.226] # قوله عز وجل: { للذين يؤلون من نسآئهم ~~تربص أربعة أشهر فإن فآءو فإن الله غفور ~~رحيم }؛ قال ابن عباس: (إن العرب في الجاهلية كان ~~الرجل منهم يكره ms0223 امرأته ويكره أن يتزوجها ~~غيره، فيحلف أن لا يطأها أبدا ولا يخلي سبيلها ~~إضرارا؛ فتبقى معلقة لا ذات زوج ولا مطلقة، ~~حتى يموت أحدهما. فأبطل الله ذلك من فعلهم، ~~وجعل الأجل في هذا بعد هذا القول أربعة أشهر ~~إذا تمت هذه المدة ولم يفئ إليها بانت ~~بتطليقة). # وفي قراءة عبدالله: (للذين آلو من نسائهم) على لفظ ~~الماضي؛ والإيلاء: الحلف؛ يقال: آلى يؤلي إيلاء؛ والاسم ~~الألية، قال الشاعر: # علي الله وصيام شهر # أمسك طائعا إلا يكفي # وجمع الألية الألايا قال الشاعر: # قليل الألايا حافظ ليمينه # إذا نذرت منه الإلية برت # والإيلاء في الشرع: هو الحلف على ترك الجماع الذي يكسب الطلاق ~~بمضي المدة. ومعنى الآية: للذين يحلفون من نسائهم لا يقربوهن ~~أربعة أشهر. والتربص: التوقف. وقال بعضهم: التربص: ~~التصبر. # قوله: { فإن فآءو فإن الله غفور رحيم } فإن رجعوا ~~عما حلفوا عليه؛ فقرب الرجل امرأته أو كان عاجزا عن الوطء ~~ففاء بلسانه، { فإن الله غفور رحيم } لذنب الإضرار ~~بالامتناع عن الجماع، { رحيم } بهم إذ رخص لهم القربان بالكفارة. ~~وفي قراءة ابن مسعود. (فإن فاءوا فيهن). # واختلف العلماء فيما يكون موليا على وجوه؛ ما روي عن علي وابن عباس ~~والحسن رضي الله عنهم: (أن الإيلاء هو الامتناع من ~~الجماع على جهة الغضب؛ والإصرار بتأكيد اليمين ~~حتى لو كان له ولد رضيع يخشى أن يقرب أمه ~~أن تحبل فيضر ذلك بالولد، فحلف أن لا يقربها ~~لم يكن موليا). # وقال النخعي وابن سيرين والشعبي: (هو اليمين على أن لا ~~يجامعها، سواء كان في الغضب أو في الرضا). وبهذا ~~القول قال علماؤنا رحمهم الله تعالى حتى قال أبو يوسف وأبو ~~حنيفة ومحمد: (كل يمين في زوجة منعت جماع أربعة ~~أشهر من غير حنث يلزمه تعيين إيلاء؛ وفي ~~أخرى فهو إيلاء). # والقول الثالث: ما روي عن سعيد بن المسيب: (أن الإيلاء هو ~~اليمين في الجماع وغير ذلك من الضرر حتى لو ~~حلف لا يكلمها كان موليا). # والقول الرابع: قول عبدالله بن عمر: (أنه إذا هجرها فهو ~~إيلاء)، ms0224 ولم يذكر الحلف. # والتربص: انتظار الشيء خيرا أو شرا يحل بك أو به؛ ولذلك ~~سمي المحتكر متربصا لانتظاره غلاء السعر، قال الشاعر: # تربص بها ريب المنون لعلها # تطلق يوما أو يموت حليلها ### || [2.227] # قوله عز وجل: { وإن عزموا الطلاق فإن الله ~~سميع عليم }؛ أي وإن حققوا الطلاق بالإقامة على حكم اليمين ~~إلى تمام أربعة أشهر؛ { فإن الله سميع } لإيلائهم؛ { ~~عليم } بهم وبنياتهم. والعزم في اللغة: هو العقد على فعل ~~في المستقبل؛ يقال: عزم على كذا؛ إذا عقد قلبه عليه. والعزم ~~الشرعي المذكور في هذه الآية على ثلاثة أوجه: قال ابن عباس: ~~(عزيمة الطلاق انقضاء الأربعة أشهر قبل أن ~~يفيء من غير عذر)، وهو قول ابن مسعود وزيد بن ثابت وعثمان ~~بن عفان رضي الله عنهم؛ قالوا: (إنها تبين بعد هذه ~~المدة بتطليقة)، وبه أخذ أبو حنيفة وأصحابه. # وعن علي وابن عمر وأبي الدرداء رضي الله عنهم مثل القول ~~الأول. وروي عنهم أيضا: (أنه يوقف بعد مضي المدة، ~~فإما أن يفيء وإما أن يطلق) وهذا قول عائشة وآخرين. وبه ~~قال مالك والشافعي؛ فإن امتنع عنهما؛ فللشافعي قولان؛ ~~أحدهما: يحبسه الحاكم ولا يجبره على أحد ~~الأمرين. والثاني: يطلق عليه الحاكم. # وقال ابن جبير وسالم والزهري وعطاء وطاووس: (إذا مضت أربعة ~~أشهر فهي تطليقة رجعية). فإن قيل: قوله تعالى: ~~{ فإن الله سميع عليم } يقتضي أن عزيمة الطلاق مسموعة ~~ولا يكون كذلك إلا بقول من الزوج بعد الإيلاء؟ قلنا: هذا القول لا ~~يصح؛ لأن الله تعالى لم يزل سميعا ولا مسموع وقد قال تعالى: # وقتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع ~~عليم # [البقرة: 244] وليس هناك قول. ### || [2.228] # قوله عز وجل: { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ~~ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق ~~الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم ~~الآخر }؛ وقال ابن عباس: (كان أهل الجاهلية يطلق ~~الرجل امرأته، فإن كانت حبلى كان أحق برجعتها ~~وإلا كانت أحق بنفسها، فكانت المرأة إذا أحبت ~~الرجل قالت أنا حبلى، وليست حبلى ليراجعها. ~~وإذا كرهته ms0225 وهي حبلى قالت: لست حبلى؛ لكي لا ~~يقدر على مراجعتها. فجعل الله عدة المطلقات ~~ثلاثة قروء، ونهى النساء عن كتمان ما في ~~أرحامهن من الحيض والحبل). # ومعنى الآية: { والمطلقات } ينتظرن { بأنفسهن } ~~ماذا يصنع بهن أزواجهن من المراجعة وترك المراجعة. وقد ~~اختلف السلف في القرء المذكور؛ قال أبو بكر وعمر وعثمان وابن ~~عباس وابن مسعود وأبو موسى الأشعري: (هو الحيض)، وقالوا: (إن ~~الزوج أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة ~~الثالثة، وبه أخذ أبو حنيفة وأصحابه. وقال ابن عمر وزيد بن ~~ثابت وعائشة: (الأقراء هي الأطهار)، (وإذا دخلت في ~~الحيضة الثالثة، فلا سبيل له عليها)، وبه قال مالك ~~والشافعي. # وإنما اختلف السلف في هذه المسألة؛ لأن القرء في اللغة عبارة ~~عن الحيض وعن الطهر؛ وهو من أسماء الأضداد، قال أبو عبيدة: (هو ~~خروج من شيء إلى شيء؛ يقال: قرأ النجم إذا طلع؛ ~~وقرأ النجم إذا غاب). والمرأة تخرج من الطهر إلى الحيض، ومن ~~الحيض إلى الطهر. قال الشاعر: # يا رب ذي ضغن علي فارض # له قروء كقروء الحائض # وأراد بذلك الحيض؛ يعني: أن عداوته تهيج في أوقات معلومة كما أن ~~المرأة تحيض في أوقات معلومة. وقال آخر: # أفي كل عام أنت جاشم غزوة # تشد لأقصاها عزيم عزائكا # ومورثة عزا وفي الحي رفعة # لما ضاع فيها من قروء نسائكا # وأراد بالقرء في هذا البيت الطهر؛ لأنه خرج إلى الغزو ولم يغش ~~نساءه فأضاع أقراءهن؛ أي أطهارهن. # فلما اختلف السلف واختلفت اللغة في هذا الاسم لم يجب حمله على ~~الأمرين جميعا، ووجب حمله على حقيقته دون مجازه. واسم القرء حقيقة ~~في الحيض؛ مجاز في الطهر؛ لأن كل طهر لا يسمى قرءا وإنما الطهر ~~الذي يكون بين الحيضتين، فسمي بهذا الاسم لمجاوزته الحيض. فلو كان ~~هذا الاسم حقيقة في الطهر لكان لا ينتفي عنه بحال؛ لأن الأسماء ~~الحقائق لا تنتفي عن مسمياتها بحال؛ ووجدنا هذا الاسم ينتفي عن طهر ~~الآيسة والصغيرة، فكان حمله على الحيض أولى من حمله على غيره. # فإذا اختلفت الأمة في ms0226 ذلك كان المرجع إلى لغة النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقد قال صلى الله عليه وسلم: # " المستحاضة تدع الصلاة أيام أقرائها " # وأراد بالأقراء الحيض بالإجماع، واتفق الصحابة أن عدة ~~أم الولد بالحيض وكذلك الاستبراء. # وذهب الزجاج إلى أن القرء الجمع من قولهم: قرأت القرآن؛ ~~أي لفظت به مجموعا. ويقال: قريت الماء في الحوض. ويسمى ~~الحوض مقراة. قال: (وإنما يجتمع الدم في البدن في ~~الطهر فهو القرء) غير أن الأمر لا يظهر في الحقيقة؛ لأن هذا ~~من علم ما في الأرحام، وقد خص الله تعالى نفسه بعلم ما في ~~الأرحام، ولا يمتنع أن يجتمع الدم في حالة الحيض قطرة أو قطرتين ~~كالعبرة ونحوها؛ إذ لو اجتمع جملة لدر درورا لا ينقطع كالبول ~~وسائر المائعات المجتمعة. # والمطلقة قبل الدخول مخصوصة من هذه الآية بآية أخرى وهو قوله ~~تعالى: # إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل ~~أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة ~~تعتدونها # [الأحزاب: 49]. وكذلك الحامل مخصوصة بآية أخرى. # وروي أن رجلا من أشجع قال: يا رسول الله، طلقت ~~امرأتي وهي حامل وقد ذهبت وأنا أخاف أن تنطلق ~~فتتزوج من بعدي فيكون ولدي له، فأنزل الله ~~تعالى: { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~قروء } إلى آخر الآية. فردت امرأة الأشجعي إلى ~~الأشجعي، فقام معاذ بن جبل فقال: يا رسول ~~الله، أرأيت الكبيرة التي يئست من الحيض ما ~~عدتها؟ فنزل: # واللائي يئسن من المحيض من نسآئكم إن ~~ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر # [الطلاق: 4] فقال آخر: يا رسول الله، أرأيت الصغيرة ~~التي لم تبلغ الحلم؛ ما عدتها؟ فأنزل # واللائي لم يحضن # [الطلاق: 4]. فقام آخر فقال: يا رسول الله، والحوامل ~~ما عدتهن؟ فنزل: # وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # [الطلاق: 4]. # قوله تعالى: { ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق ~~الله في أرحامهن } تخويفا من الله تعالى للمعتدات ~~كي لا { يكتمن ما خلق الله في أرحامهن } من ~~الحبل فيخبرن بانقضاء العدة ثم يتزوجن فيلزمن الولد غير ~~أبيه؛ ولا يكتمن الحيض فيمتنعن عن الإخبار بانقضاء العدة ليستوجبن ~~النفقة على أزواجهن. ms0227 # وفي هذه الآية دليل على أن قول المرأة يقبل على أمر رحمها حتى ~~لو قالت: حضت؛ حرم على الزوج وطؤها؛ وإذا قالت: طهرت؛ حل له ~~وطؤها؛ إذ لو لم يجب قبول قولها لم يكن لنهيها عن الكتمان معنى ~~ولا فائدة؛ ولهذا إذا قال لامرأته: إذا حضت فأنت طالق؛ فقالت: ~~حضت؛ طلقت، وكان قولها كالبينة في حق نفسها؛ لأنا قبلنا ~~قولها فيما يخصها من انقضاء عدتها وإباحة وطئها وحظره. # وفرقوا بين هذا وبين سائر الشروط نحو قوله: إذا دخلت الدار أو ~~كلمت زيدا؛ فقالوا: لا يقبل قولها فيه إلا ببينة. فأما إذا علق ~~عتق عبده بحيضة زوجته؛ فقالت: حضت؛ لم تصدق؛ لأن ذلك حكم في ~~غيرها لا يخصها ولا يتعلق بها؛ فهو كغيره من الشروط ولا تصدق. # قوله عز وجل: { وبعولتهن أحق بردهن في ~~ذلك إن أرادوا إصلاحا }؛ أي أزواجهن أحق بمراجعتهن في ~~الأجل الذي أمرن أن يتربصن فيه؛ إن أرادوا بمراجعتهن حسن الصحبة ~~والمعاشرة دون الإضرار والعدوان. # قوله عز وجل: { ولهن مثل الذي عليهن ~~بالمعروف }؛ أي لهن على أزواجهن من الحق والحرمة وحسن ~~المعاشرة مثل ما للزوج عليهن من الحقوق بالمعروف. واسم المعروف عام ~~في كل ما يعرف من إقامة الحق، يسمى بذلك لأن كل واحد يعرف بأنه ~~حق. # قوله تعالى: { وللرجال عليهن درجة }؛ أي لهم ~~زيادة فيما للنساء عليهم وهو الفضل بنفقتهن وقيامهم بما يصلحهن. ~~والفضل في العقل والميراث أن يكون الرجل مسلطا على تأديب المرأة ~~إذا نشزت. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لو أذنت لبشر أن يسجد لبشر ولو صح ذلك؛ ~~لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه ~~عليها والذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى ~~مفرق رأسه لشحب بالقيح والصديد ثم لحسته ~~ما أدت حقه ". # قوله عز وجل: { والله عزيز حكيم }؛ أي ملك غالب ~~يحكم ما أراد ويمتحن بما أحب فينتقم ممن عصاه، وهو ذو حكمة فيما ~~يأمر من أمر الدين والدنيا؛ لا يأمر شيئا إلا لحكمة. ### || [2.229-230] # قوله عز وجل: ms0228 { الطلق مرتان فإمساك بمعروف ~~أو تسريح بإحسن }؛ قال عروة بن الزبير وقتادة في معنى هذه ~~الآية: (إن الطلاق الذي يملك فيه الرجعة ~~مرتان؛ فإنه بعد الطلقة الثالثة لا يملك ~~الرجعة). وفي الآية ما يدل على هذا؛ لأن الله عقبه بقوله: ~~{ فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن }. وعن ابن عباس ~~ومجاهد: (أن المراد بالآية بيان طلاق السنة). # وقوله: { الطلق مرتان } لفظه لفظ الخبر ومعناه الأمر ~~والندب، وفي لفظ المرتين دليل على أن التفريق سنة؛ لأن من ~~طلق اثنتين معا لا يقال طلقها مرتين، وليس في هذه الآية كيفية ~~سنة التفريق. وقد فسره الله تعالى بقوله: # إذا طلقتم النسآء فطلقوهن لعدتهن # [الطلاق: 1] وأراد بذلك تفريق الطلاق على إظهار العدة؛ ألا ترى أنه ~~تعالى خاطب الرجال إحصاء العدة، وذكر الرجعة في سياق الآية بقوله: # لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا # [الطلاق: 1] وعلى هذا قال صلى الله عليه وسلم لابن عمر حين ~~طلق امرأته في حال الحيض: # " ما هكذا أمرك ربك؛ إنما أمرك أن تستقبل ~~الطهر استقبالا، فطلقها لكل قرء تطليقة؛ ~~فإنها العدة التي أمر الله أن يطلق فيها ~~النساء ". # قوله تعالى: { فإمساك بمعروف } أي عليكم إمساكهن ~~بحسن الصحبة والمعاشرة إذا أردتم الرجعة، { أو تسريح ~~بإحسن } أي يتركوهن حتى ينقضي تمام الطهر ويكن أملك ~~لأنفسهن. والإحسان: أن يوفي الزوج حقها في المهر ونفقة العدة؛ ~~وأن لا يطول العدة عليها. # " وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية؛ ~~فقيل له: أين التطليقة الثالثة؟ فقال: " في ~~قوله: { أو تسريح بإحسن } " ". # قوله عز وجل: { ولا يحل لكم أن تأخذوا ممآ ~~آتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما حدود ~~الله }؛ قال ابن عباس: # " نزلت في جميلة بنت عبدالله بن أبي ابن سلول ~~وفي زوجها ثابت بن قيس، كانت تبغضه بغضا ~~شديدا لا تقدر على النظر إليه، وكان يحبها ~~حبا شديدا لا يقدر على أن يصبر عنها؛ وكان ~~بينهما كلام، فأتت أباها فشكت عليه وقالت: ~~إنه يضربني ويسيء إلي! فقال لها: ارجعي إلى ~~زوجك، فأتته ms0229 الثانية وبها أثر الضرب، فشكت ~~إليه فقال لها: ارجعي إلى زوجك. فلما رأت أنه ~~لا يشكيها ولا ينظر في أمرها أتت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فشكت عليه وأرته أثر الضرب بها، ~~فقالت: يا رسول الله، لا أنا ولا هو، فأرسل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى ثابت وقال: " يا ثابت، ما لك ~~ولأهلك؟ " قال: والذي بعثك بالحق نبيا؛ ما على ~~الأرض شيء أحب إلي منها غيرك، لكنها لا ~~تطيعني، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: " ما ~~تقولين؟ " فكرهت أن تكذب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقالت: ما كنت أحدثك اليوم حديثا ينزل ~~عليك خلافه غدا، هو من أكرم الناس لزوجته لا ~~أعيب عليه في دين ولا خلق، ولكني أبغضه لا ~~أنا ولا هو. فقال ثابت: قد أعطيتها حديقة لي، ~~قل لها فلتردها علي وأنا أخلي سبيلها، فقال ~~لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أتردين عليه ~~حديقته وتملكين أمرك؟ " قالت: نعم، وزيادة. ~~فأنزل الله قوله: { ولا يحل لكم أن تأخذوا ~~ممآ آتيتموهن شيئا إلا أن يخافآ ألا يقيما ~~حدود الله } الآية، فقال صلى الله عليه وسلم: " أما ~~الزيادة فلا " ثم قال لثابت: خذ منها ما ~~أعطيتها وخل سبيلها، ففعل " # وكان ذلك أول خلع في الإسلام). # ومعنى الآية: { ولا يحل لكم أن تأخذوا } شيئا مما ~~أعطيتموهن من مهر ولا غيره، { إلا أن يخافآ }. قال أبو عبيد: ~~(معناه: معلما ومؤقتا حقيقته؛ أي إلا أن ~~يكون الأغلب عليها على ما ظهر منهما من أسباب ~~التباعد الخوف من أن لا { يقيما حدود الله } وهو ~~ما فرض الله تعالى للزوج). # ومن قرأ (يخافا) على فعل ما لم يسم فاعله، كان المعنى إلا أن ~~يخافا عليهما أن لا يقيما حدود الله، وهو ما فرض الله تعالى ~~للزوج على المرأة، والمرأة على الزوج، وقد يذكر الخوف في معنى ~~العلم كما قال أبو محجن الثقفي: # إذا مت فادفني إلى أصل كرمة # تروي عظامي بعد موتي عروقها # ولا تدفنني بالفلاة فإنني # أخاف إذا ما ms0230 مت أن لا أذوقها # وأما قوله عز وجل: { فإن خفتم ألا يقيما حدود ~~الله }؛ أي علمتم بغالب ظنكم أن لا يكون بينهما صلاح ولا ~~مقام على النكاح. { فلا جناح عليهما فيما افتدت به ~~}؛ أي لا حرج عليهما في الأخذ والإعطاء. ويقال: معناه: لا حرج على ~~الزوج أن يأخذ ما افتدت به المرأة نفسها مما أعطاها الزوج. قال ~~الفراء: (هذا كقوله: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22] وإنما يخرج ذلك من أحدهما؛ كذلك في ~~هذه الآية أراد بقوله تعالى: { فلا جناح عليهما ~~} نفي الحرج عن الزوج في الأخذ: فأما المرأة ~~فهي مفتدية باختيارها ورضاها). # وإنما يباح للزوج أن يخلعها إذا كان النشوز من قبل ~~المرأة؛ وروي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: (لو اختلعت ~~بكل شيء لها لأخذته). # وروي أن امرأة نشزت فرفعت إلى عمر رضي الله عنه فأباتها في بيت ~~الزبل ثلاث ليال ثم دعا بها فقال رضي الله عنه: (كيف وجدت ~~مبيتك؟) فقالت: ما بت ليالي منذ كنت عنده ~~أقر لعيني منهن. فقال عمر رضي الله عنه لزوجها: ~~(اخلعها، ولو بقرطها). # قوله تعالى: { تلك حدود الله فلا تعتدوها }؛ ~~الآية؛ أي هذه الآيات المنزلة من الأوامر والنواهي فرائض الله ~~وأحكامه { فلا تعتدوها } أي فلا تتجاوزوها، { ومن يتعد ~~حدود الله }؛ أي من يتجاوز أحكام الله ويترك ما أمر الله به أو ~~يعمل بما نهاه، { فأولئك هم الظلمون }؛ الضارون ~~لأنفسهم بمعصيتهم. وإذا كان النشوز من قبل الزوج، فلا يحل له أخذه ~~شيئا منها ديانة؛ لقوله تعالى: # وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم ~~إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا # [النساء: 20]. # واختلف السلف رضي الله عنهم في الخلع؛ هل هو طلاق أو ~~فسخ؛ فذهب بعضهم إلى أنه فسخ؛ وهي رواية عن ابن عباس، واستدلوا ~~بظاهر هذه الآية؛ فقالوا: إن الله ذكر الطلاق الثالث بعد هذا ~~بقوله: { فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى ~~تنكح زوجا غيره }؛ فلو كان الخلع طلاقا لجعل الطلاق أكثر ~~من ثلاث. # وأكثر فقهاء الأمصار قالوا: الخلع طلاق؛ ms0231 وهو " رواية عن " عمر ~~وعثمان وابن مسعود والحسن وإبراهيم النخعي وغيرهم. وليس في ظاهر الآية ~~أن الخلع فسخ؛ لأن قوله تعالى: { ولا يحل لكم أن ~~تأخذوا } حكم مبتدأ؛ إذ (الواو) للاستئناف؛ إلا أن يقوم دليل ~~الجمع، فكأن الله تعالى ذكر في أول هذه الآية حكم الطلاق بغير بدل ~~وخير الزوج بين أن يراجعها في العدة أو يتركها حتى تنقضي عدتها، ثم ~~استأنف بيان حكم الطلاقين إذا كان على وجه الخلع، وأبان عن موضع ~~الحظر والإباحة فيها، ثم ذكر حكم الطلقة الثالثة بالآية التي بعد ~~هذه الآية. وهذا مما يستدل به على أن المختلعة يلحقها الطلاق؛ لأن ~~عامة الفقهاء اتفقوا على أن تقدير الآية وترتيب أحكامها على ما ~~وصفناه؛ فحصلت التطليقة الثالثة بعد الخلع. شرط في إباحتها للأول؛ ~~إلا ما روي عن سعيد بن المسيب رواية شاذة: أنه لم يجعله ~~شرطا؛ ولم يتابعه أحد على ذلك. # وإنما جعل دخول الزوج الثاني بها شرطا لمفهوم الآية وورود ~~السنة أما مفهوم الآية؛ فلأن الله تعالى قال: { حتى تنكح ~~زوجا غيره } والنكاح هو الوطء في الحقيقة، وذكر الزوج يفيد ~~العقد لاستحالة أن يكون زوجا من غير عقد، فكأن قوله { حتى ~~تنكح زوجا } كناية مفهمة مغنية عن التصريح. # وأما السنة: فما # " روي أن رفاعة القرظي طلق امرأته ثلاثا، ~~فتزوجها عبدالرحمن ابن الزبير، فجاءت إلى ~~رسول الله تريد أن ترجع إلى زوجها الأول، فقال ~~صلى الله عليه وسلم: " هل جامعك عبدالرحمن؟ " فقالت: ~~ما الذي معه إلا كهدبة ثوبي هذا. فقال صلى الله ~~عليه وسلم: " أفتريدين أن ترجعي إلى زوجك الأول؟ " ~~قالت: نعم، قال صلى الله عليه وسلم: " لا؛ حتى تذوقي ~~عسيلته ويذوق عسيلتك " فندمت على مقالتها، ~~فقالت: يا رسول الله قد طاف بي، فقال: " لا أصدقك ~~الآن " ". # قوله عز وجل: { فإن طلقها فلا جناح عليهمآ أن ~~يتراجعآ } حكم الطلاقين إذا كان على وجه الخلع، وأبان عن موضع ~~الحظر والإباحة فيها، ثم ذكر حكم الطلقة الثالثة بالآية التي بعد ~~هذه الآية. وهذا مما يستدل به على المختلعة ms0232 يلحقها الطلاق؛ لأن ~~عامة الفقهاء اتفقوا على أن تقدير الآية وترتيب أحكامها على ما ~~وصفناه؛ فحصلت التطليقة الثالثة بعد الخلع؛ أي فإن طلقها الزوج ~~الثاني بعدما دخل بها، فلا حرج على المرأة والزوج الأول أن يتراجعا؛ ~~بأن يتزوجها مرة أخرى بعد انقضاء العدة. # قوله تعالى: { إن ظنآ أن يقيما حدود الله } أي إن ~~علما بغالب ظنهما أنهما يقيمان حدود الله فيما بينهما؛ لأنهما ~~قد افترقا؛ ورأى الزوج وحدته ورأت المرأة غربتها ووحشتها. # والحكمة في شرط دخول الزوج الثاني بها: أن الطلاق لما كان من ~~أبغض المباحات إلى الله تعالى على ما ورد به الخبر عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " إن من أبغض المباحات إلى الله تعالى الطلاق " # شرط الله في حرمة الطلقة الثالثة ما يكبر على الأزواج من غشيان ~~غير تلك المرأة؛ حتى لا يعجلوا بالطلاق عند الغضب ولا يطلقوا إلا على ~~وجه السنة. # قوله عز وجل: { وتلك حدود الله يبينها لقوم ~~يعلمون }؛ أي هذه الآية التي ذكرت أحكام الله وفرائضه يبينها ~~في القرآن لقوم يعلمون أوامر الله تعالى؛ وإن ما يأتي به رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم صدق. وتخصيص العلماء في هذه الآية؛ لأنهم هم ~~الذين يحفظون أوامر الله وأحكامه وينتفعون بالآيات. وقيل: خصهم الله ~~بالذكر على جهة النباهة لهم كما خص جبريل وميكائيل من بين الملائكة ~~على جهة النباهة لهما. ### || [2.231] # قوله عز وجل: { وإذا طلقتم النسآء فبلغن ~~أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن ~~بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا }؛ نزلت في ~~ثابت بن يسار الأنصاري؛ طلق امرأته حتى إذا انقضت عدتها إلا ~~يومين أو ثلاثة؛ وكادت تبين منه راجعها، ثم طلقها ففعل بها مثل ~~ذلك، حتى مضت لها سبعة أشهر مضارا لها بذلك. وكان الرجل إذا أراد ~~ان يضار امرأته طلقها ثم تركها حتى تحيض الثالثة، ثم راجعها، ثم ~~طلقها فتطول عليها العدة، فهذا هو الضرار؛ فأنزل الله هذه ~~الآية. # ومعنى الآية: { وإذا طلقتم النسآء } تطليقة أو تطليقتين { ~~فبلغن أجلهن } أي قاربن وقت انقضاء العدة { ~~فأمسكوهن ms0233 بمعروف } أي احبسوهن بالرجعة على أحسن ~~الصحبة، لا على تطويل العدة، { أو سرحوهن بمعروف } أي ~~اتركوهن بمعروف حتى ينقضي تمام أجلهن، { ولا تمسكوهن ~~ضرارا } أي لا تحبسوهن في العدة إضرارا { لتعتدوا } عليهن؛ ~~أي تظلموهن. # قوله تعالى: { ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه }؛ ~~أي من يفعل ذلك الاعتداء فقد عرض نفسه لعذاب الله بإتيان ما نهى ~~الله عنه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ملعون من ضار مسلما أو ماكره ". # قوله عز وجل: { ولا تتخذوا آيات الله هزوا }؛ ~~أي لا تتركوا ما حد الله لكم من أمر الطلاق وغيره فتكونوا مقصرين ~~لاعبين. وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: كان الرجل يطلق ~~امرأته أو يعتق عبده ثم يقول: إنما كنت ~~لاعبا، فيرجع في العتق والنكاح؛ فأنزل الله ~~هذه الآية، فقال صلى الله عليه وسلم: # " من طلق لاعبا أو أعتق لاعبا فقد جاز عليه " # أي نفذ عليه. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ثلاث جدهن وهزلهن جد: الطلاق، والعتاق، ~~والنكاح " # وفي بعض الروايات: # " الطلاق، والنكاح، والرجعة " # وروي في الخبر: # " خمس جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق، ~~والعتاق، والرجعة، والنكاح، والنذر ". # وعن أبي موسى الأشعري قال: # " غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأشعريين، ~~فأتيته فقلت: يا رسول الله، غضبت على ~~الأشعريين؟ قال: " يقول أحدكم لامرأته: قد ~~طلقتك، ثم يقول: قد راجعتك، ليس هذا طلاق ~~المسلمين، طلقوا المرأة في قبل طهرها " # وقال الكلبي: (معنى { ولا تتخذوا آيات الله هزوا ~~} أي أمسكوا بمعروف أو سرحوا بإحسان). # قوله عز وجل: { واذكروا نعمت الله عليكم ومآ ~~أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به }؛ ~~أي احفظوا منة الله عليكم في أمر الدين. وقيل: { واذكروا ~~نعمت الله عليكم } بالإيمان، { ومآ أنزل عليكم ~~من الكتاب } يعني القرآن، { والحكمة } يعني مواعظ القرآن ~~والحدود والأحكام. وقيل: الحكمة هي فقه الحلال والحرام. وقوله: { ~~يعظكم به } أي ينهاكم عن الإضرار وسائر المعاصي. # قوله تعالى: { واتقوا الله واعلموا أن الله ~~بكل شيء عليم }؛ أي اخشوه فيما أمركم به ونهاكم عنه، ms0234 { ~~واعلموا أن الله بكل شيء } من أعمالكم من العدل ~~والجور، { عليم } أي عالم يجزيكم على الخير والشر. # ومن الناس من يحتج بقوله: # فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن # [البقرة: 229] في إيجاب الفرقة بين المعسر العاجز عن النفقة وبين ~~امرأته؛ لأن الله خيرهم بين أحد شيئين؛ فإذا عجز عن أحدهما تعين ~~عليه الثاني. قلت: هذا الاحتجاج بعيد من الآية؛ لأن العاجز عن نفقة ~~المرأة ممسك بالمعروف إذ لم يكلف الإنفاق في هذه الحالة، قال ~~الله تعالى: # ومن قدر عليه رزقه فلينفق ممآ آتاه الله لا ~~يكلف الله نفسا إلا مآ آتاها # [الطلاق: 7] وغير جائز أن يقال للمعسر: غير ممسك بالمعروف؛ إذ ترك ~~الإمساك بالمعروف ذم؛ والعاجز غير مذموم. ### || [2.232] # قوله عز وجل: { وإذا طلقتم النسآء فبلغن ~~أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا ~~تراضوا بينهم بالمعروف }؛ قال الحسن وقتادة: (نزلت ~~هذه الآية في معقل بن يسار، كانت أخته جميل ~~تحت أبي البداح طلقها تطليقة واحدة ثم ~~تركها حتى انقضت عدتها، ثم ندم على طلاقه ~~إياها؛ فخطبها فرضيت المرأة بذلك وأحبت أن ~~تراجعه، وأبى أخوها معقل وقال لها: إني اخترته ~~على أشراف قومي فطلقك، ثم تريدين أن ~~تراجعيه؟! وجهي من وجهك حرام أبدا لأن ~~تزوجتيه. فأنزل الله هذه الآية ينهى معقلا ~~عما صنع). # وروي أن أبا البداح لما طلقها وتركها حتى ~~انقضت عدتها جاء يخطبها وأراد مراجعتها، ~~وكانت المرأة تحب مراجعته، قال له أخوها: ~~أفرشتك كريمتي وآثرتك على قومي فطلقتها ولم ~~تراجعها حتى انقضت عدتها، وجئت تخطبها؟! ~~والله لا أنكحها أبدا. فأنزل هذه الآية. # ومعناها: { وإذا طلقتم النسآء } واحدة أو اثنتين، { ~~فبلغن أجلهن } يعني انقضت عدتهن، وأراد ببلوغ الأجل في ~~هذه الآية حقيقة البلوغ بانقضاء العدة، { فلا تعضلوهن } ~~أي لا تمنعوهن { أن ينكحن أزواجهن } يعني الذين كانوا ~~أزواجا لهن من قبل. # وقوله تعالى: { إذا تراضوا بينهم بالمعروف } ~~أي إذا تراضوا بنكاح جديد ومهر وشهود؛ وما لا يكون مستنكرا في عقل ~~ولا عادة ولا خلق. # قوله عز وجل: { ذلك يوعظ به من كان منكم ms0235 يؤمن ~~بالله واليوم الآخر }؛ أي ذلك الذي ذكر من النهي عن العضل ~~{ يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله } ويؤمن بالبعث. ~~قوله تعالى: { ذلكم أزكى لكم وأطهر }؛ أي أن لا ~~تمنعوها خير لكم وأفضل وأدخل في التزكية من المنع لهن، وأطهر من ~~الذنب وأبعد من الريبة؛ لأنه إذا كان في نفس كل واحد منهما علاقة ~~حب لم يؤمن أن يتجاوزا ذلك إلى غير ما أحل الله لهما. # وقوله تعالى: { والله يعلم وأنتم لا تعلمون ~~}؛ أي { والله يعلم } حب كل منهما لصاحبه، { وأنتم ~~لا تعلمون } ذلك. { والله يعلم } ما لكم فيه الصلاح في ~~العاجل والآجل، ويعلم ما يزكيكم مما يرديكم { ~~وأنتم لا تعلمون } ذلك. # فلما نزلت هذه الآية دعا النبي صلى الله عليه وسلم معقلا ~~فقرأ عليه الآية وقال: # " " إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، فلا تمنع ~~أختك من أبي البداح " فقال: إني أؤمن بالله ~~واليوم الآخر وأشهدك أني قد أنكحته " # وكفر عن يمينه. # والعضل في اللغة له معنيان؛ أحدهما: المنع؛ يقال: عضل الرجل ~~المرأة يعضلها ويعضلها إذا منعها من الأزواج ظلما. ~~وأعضل الداء الأطباء إذا أعياهم عن معالجته، ويقال: داء عضال؛ ~~ومسألة معضلة. والآخر: التضييق؛ يقال: عضل القضاء ~~بالجيش إذا ضاق بهم، وعضلت المرأة بولدها إذا عسر خروجه. # وفي الآية دليل على جواز نكاح المرأة على نفسها إذا عقدت بغير ~~ولي؛ لأن الله تعالى أضاف العقد إليها ونهى الولي عن ~~عضلها إذا تراضى الزوجان بالمعروف. ويدل على ذلك قوله: # فلا جناح عليهمآ أن يتراجعآ # [البقرة: 230]. وقوله: # فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن ~~بالمعروف # [البقرة: 234]. ### || [2.233] # قوله عز وجل: { والوالدات يرضعن أولادهن ~~حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة }؛ أي ~~والمطلقات اللاتي لهن أولاد من أزواجهن المطلقين ولدنهم قبل ~~الطلاق أو بعده؛ وقوله: { يرضعن أولادهن } لفظه لفظ الخبر ~~ومعناه: الأمر، كأنه قال: لترضع الوالدات أولادهن، كما قال ~~تعالى: # والمطلقات يتربصن بأنفسهن # [البقرة: 228] يدل على ذلك أنه لو كان قوله: { يرضعن } خبرا ~~لما وجد مخبره على خلاف ما أخبر الله به؛ ms0236 فلما كان من ~~الوالدات من لا ترضع؛ علم أنه لم يرد به الخبر؛ فكان هذا ~~محمولا في حال قيام النكاح على الأوامر الواجبة من طريق الدين لا من ~~جهة الحكم؛ فإنها إذا امتنعت من الإرضاع لم يكن للزوج أن يجبرها ~~على ذلك من حيث الحكم، وإن أرضعت لم تستحق نفقة الرضاع مع بقاء ~~الزوجية، ولا يجتمع لها نفقتان. # وفي الآية إثبات حق الرضاع للأم، وبيان مدة الرضاع للمستحق على ~~الولد، فإن الولد لو امتنع من الإرضاع في الحولين أجبر عليه كما قال ~~تعالى في آية المطلقات: # فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن # [الطلاق: 6] وقال: # وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى # [الطلاق: 6]. # فإن قيل: كيف قال الله تعالى: { حولين كاملين } والحولان ~~لا يكونان إلا كاملين؟ قيل: لإزالة الإبهام؛ فإن الإنسان قد يقول: ~~أقمت عند فلان سنتين؛ إذا كان قريبا من سنتين، وسرت شهرا؛ إذا ~~كان قريبا من شهر، فبين الله تعالى أنهما حولان كاملان: أربعة ~~وعشرون شهرا من يوم يولد إلى أن يفطم. # وقوله تعالى: { لمن أراد أن يتم الرضاعة } أي ~~لمن أراد من الآباء أن يتم الرضاعة المفروضة عليه؛ أي هذا منتهى ~~الرضاعة وليس فيما دون ذلك وقت محدود، وإنما هو على مقدار إصلاح ~~الصبي وما يعيش به. # قرأ أبو رجاء: (الرضاعة) بكسر الراء؛ قال الخليل: (وهما ~~لغتان مثل الوكالة والوكالة؛ والدلالة ~~والدلالة). وقرأ مجاهد: (لمن أراد أن يتم الرضعة) ~~وهي فعلة كالمرة الواحدة، وقرأ عكرمة: (لمن أراد أن ~~يتم الرضاعة) على الفاعل. وقرأ ابن عباس: (لمن أراد أن ~~يكمل الرضاعة). # قوله عز وجل: { وعلى المولود له رزقهن ~~وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها ~~}؛ معناه: وعلى الأب نفقتهن وكسوتهن كما يعرف أنه العدل، يكون ~~ذلك أجرة لهن على الرضاع إذا كان إرضاع الولد بعد الفراق. # وقوله تعالى: { لا تكلف نفس إلا وسعها } أي لا ~~يجبر الأب على النفقة والكسوة إلا مقدار طاقته، والتكليف هو ~~الإلزام، قال الضحاك: (هذا في المطلقات دون ~~المزوجات؛ لأن الله تعالى قابل هذه النفقة ~~بالإرضاع، ونفقة الزوجة ms0237 لا تجب بالإرضاع وإنما ~~تجب بسبب الزوجية). # قوله عز وجل: { لا تضآر والدة بولدها ولا ~~مولود له بولده }؛ قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب وسلام ~~برفع الراء مشددة على الخبر منسوقا على قوله: { لا تكلف ~~نفس } وأصله: (لا تضارر) فأدغمت الراء في الراء. # وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي: (لا تضار) مشددة ~~منصوبة على النهي. وأصله (لا تضارر) فأدغمت الراء في الراء وحركت ~~إلى أخف الحركات وهو النصب؛ ويدل عليه قراءة عمر: (لا ~~تضارر) على إظهار التضعيف. # ومعنى الآية: { لا تضآر والدة بولدها } فينزع منها إلى ~~غيرها بعد أن رضيت بإرضاعه؛ وألفها الطفل؛ { ولا مولود له ~~بولده } أي لا تلقيه هي إلى أبيه بعد أن عرفها الولد ~~لتضارر الأب بذلك. وقيل: معناه: { لا تضآر والدة ~~بولدها } فتكره على إرضاعه إذا قبل من غيرها وكرهت هي رضاعه؛ ~~لأن ذلك ليس بواجب عليها. { ولا مولود له بولده } فيحمل ~~على أن يعطي الأم إذا لم يرضع إلا منها أكثر مما يجب لها عليه. ~~وهذان القولان على مذهب الفعل المجهول على معنى أنه يفعل ذلك بهما، ~~والوالدة والمولود له مفعولان. # وأصل الكلمة (تضارر) بفتح الراء الأولى؛ ويحتمل أن يكون الفعل لهما ~~ويكون على مذهب من قد سمي فاعله، والمعنى: لا تضارر والدة بولدها ~~فتأبى أن ترضع ولدها لشفق على أبيه. { ولا مولود له ~~بولده } أي ولا يضار الأب أم الصبي فيمنعها من إرضاعه ~~وينزعه منها؛ وهذا المذهب أصله (لا يضارر) بكسر الراء الأولى. # وجعل الزجاج قوله: (لا تضار) بالنصب نهيا للوالدة عن الإضرار ~~بالولد. وقوله: { ولا مولود له بولده } نهيا للوالد عن ~~الإضرار بولده. ومعنى ذلك: لا تترك الوالدة إرضاع ولدها غيضا على ~~أبيه فتضر بالولد؛ لأن الوالدة أشفق بولدها من الأجنبية، ولا ~~يأخذ الأب الولد من أمه قصدا إلى الإضرار بها فيضر بولده، ~~ولا يمنعها الأجرة فيضر بولده. # قوله عز وجل: { وعلى الوارث مثل ذلك }؛ يعني على ~~وارث الولد إذا لم يكن له أب مثل ما على الأب من النفقة والكسوة ~~وترك ms0238 الإضرار. قال عمر والحسن: (إنه على العصبات دون ~~أصحاب الفرائض). وقال قتادة: (إنه على الوارث من ~~العصبات وأصحاب الفرائض جميعا؛ على كل واحد ~~منهم بمقدار نصيبه من الميراث) إلا أنه لم ~~يشرط أن يكون الوارث ذا رحم محرم من الولد، وقد ~~شرط أصحابنا ذلك. # قوله عز وجل: { فإن أرادا فصالا عن تراض منهما ~~وتشاور فلا جناح عليهما }؛ أي إن أراد الأبوان فطام ~~الولد من اللبن دون الحولين بتراضيهما وبتشاورهما؛ فلا إثم عليهما في ~~ذلك. وعن ابن عباس: (فطام الولد من اللبن دون حولين ~~بتراضيهما وبمشاورتهما فلا إثم عليهما في ~~ذلك). وعن ابن عباس: (معناه: إن أرادا فصالا قبل ~~الحولين أو بعدهما بتراضيهما فلا جناح ~~عليهما؛ فإن تشاقا رجعا إلى الحولين). # وإنما سمي الفطام فصالا؛ لانفصال المولود من الاغتذاء بثدي ~~أمه إلى غير ذلك من الأقوات. # وأصل الفصل: القطع والتفريق. # قوله عز وجل: { وإن أردتم أن تسترضعوا ~~أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم مآ آتيتم ~~بالمعروف }؛ أي { وإن أردتم } يعني الآباء والأمهات { أن ~~تسترضعوا أولادكم } غير الوالدة، فلا إثم عليكم، { إذا ~~سلمتم } من الأجرة ما تراضيتم به. ولهذا قالوا: إن الأم إذا لم ~~تختر أن ترضع الولد بعد الطلاق، واختارت أن يكون الولد عندها، أمر ~~الزوج أن يستأجر ظئرا لترضعه في بيت أم الرضيع. # قوله تعالى: { واتقوا الله واعلموا أن الله ~~بما تعملون بصير }؛ أي (اتقوا الله) في الضرار ومخالفة ~~أمر الله، { واعلموا أن الله بما تعملون } من العدل ~~والجور في أولادكم ونسائكم { بصير } عالم يجزيكم به. # وأما تأويل ذكر الحولين في مدة الرضاع، فأما أكثر مدته على قول ~~أبي حنيفة؛ فعلى بيان مقدار استحقاق نفقة الرضاع وثبوت حكم الحرمة: ~~فثلاثون شهرا على مذهبه. وعن ابن عباس أنه كان يقول في قوله: # وحمله وفصله ثلثون شهرا # [الأحقاف: 15] (بيان أقل مدة الحمل وأكثر مدة ~~الرضاع؛ لأن الله تعالى قال في آية أخرى: # وفصاله في عامين # [لقمان: 14]). وكان يقول: (إذا كان الحمل لستة أشهر ~~كان مدة الرضاع سنتين؛ وإذا كان الحمل تسعة ~~أشهر ms0239 كان الرضاع سنة وتسعة أشهر). وعلى هذا مهما ~~زاد في الحمل شهرا نقص بإزائه من الرضاع؛ وهذا يقتضي أن الحمل إذا ~~بلغ سنتين؛ أن المرأة لا ترضع ولدها إلا ستة أشهر. فكان أبو حنيفة ~~يحمل قوله: # وحمله وفصله ثلثون شهرا # [الأحقاف: 15] على ذكر الحمل على الأيدي مع بيان مدة أكثر الرضاع. ### || [2.234] # قوله عز وجل: { والذين يتوفون منكم ويذرون ~~أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا ~~}؛ معناه: إن الذين يموتون منكم ويتركون نساءهم من بعدهم؛ ينتظرون ~~في عدتهن؛ معنى (أربعة أشهر وعشرا) لا يتزوجن ولا ~~يتزين في هذه المدة. # وقوله تعالى: { فإذا بلغن أجلهن }؛ أي إذا انقضت ~~عدتهن؛ { فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن ~~بالمعروف }؛ أي لا حرج عليكم في تركهن بعد انقضاء المدة ~~ليتزين زينة لا ينكر مثلها، ويتزوجن من الأكفاء ويفعلن كل ~~معروف. قوله تعالى: { والله بما تعملون خبير }؛ أي ~~بما تعملون من الخير والشر عالم يجزيكم به. # فإن قيل: (الذين) اسم موصول و(يتوفون) (ويذرون) من ~~صلته، وجملته مبتدأ؛ و(يتربصن) فعل الأزواج لا فعل (الذين) ~~ولا فيه ضمير عائد إلى (الذين)؛ فيبقى المبتدأ بلا خبر، والمبتدأ ~~لا يخلو من خبر اسما كان أو فعلا؛ وليس من ذلك ها هنا شيء؟ قيل: قال ~~أبو العباس السراج: (في الآية ضمير تقديره: أزواجهم ~~يتربصن) لأن الفعل يدل على الفاعل. وقال الأخفش: ~~(تقديره: يتربصن من بعدهم أربعة أشهر) حتى ~~يكون الضمير عائدا إلى (الذين). وذكر الزجاج: أن النون في ~~قوله (يتربصن) قائم مقام الأزواج كناية عنها ~~لا محالة فصار كالتصريح، وهذا كما يقال: الذي يموت ~~ويخلف ابنتين ترثان الثلثين؛ معناه يرث ابنتاه الثلثين. # قوله تعالى: { وعشرا } ظاهر لفظ العشر يتناول الليالي؛ ألا ~~ترى أنه يقال للأيام: عشرة أيام؛ وإنما غلب لفظ التأنيث في الآية ~~فقيل: (عشرا)؛ لأن العرب تقدم الليل على النهار ويعدون أول ~~كل شهر من الليلة؛ ألا تراهم يصلون التراويح إذا رأوا الهلال ~~ويدعونها إذا رأوا هلال شوال. ومن عادتهم أنهم إذا ذكروا أحد ~~العددين على سبيل الجمع أرادوا مثله ms0240 العدد الآخر؛ كما قال تعالى في ~~قصة زكريا عليه السلام: # قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا ~~رمزا # [آل عمران: 41] وقال في موضع آخر: # ثلاث ليال سويا # [مريم: 10] والقصة واحدة، فعبر تارة بالأيام عن الليالي، وتارة ~~بالليالي عن الأيام. # ويقال: الحكمة في تقدير عدة الوفاة بأربعة أشهر وعشر ما روي عن ~~عبدالله بن مسعود أنه قال: [يجمع خلق أحدكم في بطن ~~أمه أربعين يوما نطفة، وأربعين يوما علقة، ~~ثم أربعين يوما مضغة، ثم ينفخ فيه الروح في ~~عشرة أيام، فيكتب أجله ورزقه وأنه شقي أو ~~سعيد]. فيجوز أن الله قدر هذه في عدة الوفاة؛ ليظهر أنها ~~حامل أو حائل. # واختلفوا في عدة الحامل؛ فقال عمر وابن مسعود وعبدالله بن عمر ~~وأبو هريرة رضي الله عنهم: (أن الحامل تخرج من ~~هذه العدة إذا وضعت. وإن كان زوجها على ~~السرير) حتى قال ابن مسعود: (من شاء باهلته، إن ~~قوله تعالى: # وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن # [الطلاق: 4] نزل بعد قوله: { أربعة أشهر وعشرا } ~~). وقال علي رضي الله عنه: (عدة الحامل المتوفى عنها ~~زوجها تنقضي بأبعد الأجلين). # وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: # " قلت يا رسول الله { وأولات الأحمال أجلهن أن ~~يضعن حملهن } في المطلقة أو المتوفى عنها ~~زوجها؟ قال صلى الله عليه وسلم: " فيهما جميعا " ". # " وروي أن سبيعة بنت الحارث وضعت حملها بعد زوجها ~~بأيام؛ فأرادت أن تتزوج، فمر بها أبو السنابل ~~فقال: أتريدين أن تتزوجي؟ قالت: نعم، قال: ~~كلا، إنه آخر الأجلين، فأتت النبي صلى الله عليه ~~وسلم فذكرت له، فقال صلى الله عليه وسلم: " كذب أبو ~~السنابل، إذا أتاك من يريد ذلك فأعلميني " # وجميع أهل التفسير على أن هذه الآية ناسخة لقوله: # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية ~~لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج # [البقرة: 240] وإن كانت هذه الآية متقدمة على تلك الآية في التلاوة. # وأجمع الفقهاء إلا أبا بكر الأصم أن { أربعة أشهر وعشرا ~~} عدة الحرة دون الأمة؛ وأن عدة الأمة تنقضي بشهرين وخمسة ~~أيام. ms0241 وكان أبو بكر الأصم يقول: (إن عدتهما جميعا ~~تنقضي بأربعة أشهر وعشرا؛ فإن ولد الأمة إنما ~~ينفخ فيه الروح في الوقت الذي ينفخ فيه ~~الروح في ولد الحرة). والجواب عن هذا أن يقال: إن خبر ~~عبدالله بن مسعود رضي الله عنه من أخبار الآحاد لا يوجب حقيقة العلم. ~~ولما أجمعوا على أن الرق ينصف عدد الأقراء وعدة الشهور في ~~الآيسة والصغيرة؛ وجب أن ينصف عدة الوفاة. ### || [2.235] # قوله عز وجل: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم ~~به من خطبة النسآء أو أكننتم في أنفسكم }؛ ~~الآية، قال ابن عباس: (التعريض: هو أن يقول الرجل ~~للمعتدة: إني أريد النكاح وأحب المرأة من ~~صفتها كذا وكذا؛ فيصفها بالصفة التي هي عليها ~~حتى تعلم رغبته فيها). وقيل: هو أن يقول لها: إنك ~~لتعجبينني وأرجو أن يجمع الله بيني وبينك، أو يقول: يا ليت لي مثلك ~~وإن قضى الله أمرا كان. # ومعنى الآية: { ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من ~~خطبة النسآء } اللواتي هن في عدة موت أو طلاق بائن أو ~~ثلاث، قوله عز وجل: { أو أكننتم في أنفسكم } ~~معناه: أو أضمرتم في قلوبكم العزم على النكاح. # قوله تعالى: { علم الله أنكم ستذكرونهن ~~ولكن لا تواعدوهن سرا }؛ أي { علم الله أنكم ~~ستذكرونهن } في العدة لرغبتكم فيهن وخوفكم لسبق غيركم ~~إليهن، { ولكن لا تواعدوهن سرا } أي لا يواعدها ~~الخاطب في السر ولا يواثقها؛ أي أن لا يتزوج غيرها. وقيل: لا ~~يواعدها في السر تصريحا. وقيل: المراد بالسر الجماع؛ لأنه لا ~~يكون إلا في السر، كأنه يقول: لا يتعب الخاطب نفسه لها لرغبتها ~~في نفسه. # قوله عز وجل: { إلا أن تقولوا قولا معروفا }؛ أي ~~إلا أن يعرضوا بالخطبة كناية من غير إفصاح. قوله عز وجل: { ~~ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب ~~أجله }؛ أي لا تعزموا على عقد النكاح، حذف (على) للتخفيف كما ~~يقال: ضربت فلانا ظهره وبطنه؛ أي على ظهره وعلى بطنه. ومعنى: { ~~حتى يبلغ الكتاب أجله } أي حتى يبلغ فرض المطلقات ~~أجله؛ أي حتى تنقضي العدة؛ ms0242 فإن العدة فرض القرآن. # قوله تعالى: { واعلموا أن الله يعلم ما في ~~أنفسكم فاحذروه }؛ أي يعلم ما في قلوبكم من الوفاء وغير ذلك ~~فاحذروا أن تخالفوه فيما أمركم ونهاكم. قوله تعالى: { ~~واعلموا أن الله غفور حليم }؛ أي { غفور } ~~لمخالفتكم إن تبتم، { حليم } حين لم يعجل عليكم بالعقوبة. # والتعريض في اللغة: هو الإيماء والتلويح والدلالة ~~على الشيء من غير كشف ولا تبيين، نحو أن يقول الرجل لغيره: ما ~~أقبح البخل! يعرضه لذلك، والخطبة بكسر الخاء: هي الكلام الذي ~~يستدعي به إلى النكاح. والخطبة بالضم: هو الكلام المؤلف إما ~~بموعظة أو دعاء إلى شيء. # والكناية: هي الدلالة على الشيء مع العدول عن الاسم عن الاسم ~~الأخص إلى لفظ آخر يدل عليه، نحو أن يكني عن زيد فيقول لغيره: ~~ما أبخل صديقك، وما أبخل الذي كنا عنده. والإكنان: هو الستر، ~~يقال في كل شيء سترته أكننته؛ وفيما يصونه كنية. قال الله ~~تعالى: # كأنهن بيض مكنون # [الصافات: 49] أي مصون. ### || [2.236] # قوله عز وجل: { لا جناح عليكم إن طلقتم ~~النسآء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ~~ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ~~}؛ أي لا حرج عليكم إن طلقتم النساء ما لم تجامعوهن أو تسموا ~~لهن مهرا؛ { ومتعوهن } أي متعوا اللاتي طلقتموهن قبل ~~المسيس. والفرض على الغني بمقدار غناه، وعلى الفقير بمقدار طاقته. # قوله تعالى: { متاعا بالمعروف حقا على ~~المحسنين }؛ أي ما تعرفون أنه القصد وقدر الإمكان { حقا ~~على المحسنين } أي واجبا على المؤمنين. وانتصب { متاعا } ~~على المصدر من قوله تعالى: { ومتعوهن }. ونصب { حقا } على ~~الحال من قوله { بالمعروف حقا } تقديره: عرف حقا. ~~ويجوز أن يكون: نصبا على معنى: حق ذلك عليهم حقا. # وفي الآية دلالة جواز النكاح بغير تسمية المهر؛ لأن الله تعالى ~~حكم بصحة الطلاق مع عدم التسمية، والطلاق لا يصح إلا في نكاح ~~صحيح. ومعنى { أو تفرضوا لهن فريضة } أي ما لم ~~تمسوهن ولم تفرضوا لهن فريضة. وقد تكون (أو) بمعنى الواو ~~كقوله: # ولا تطع منهم ءاثما أو كفورا # [الإنسان: 24] وكذلك ms0243 قوله: # وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جآء أحد ~~منكم من الغآئط # [النساء: 43]؛ المعنى: وجاء أحد منكم من الغائط. # وأعلى المتعة: خادم وثياب وورق، وأدناها: خمار ودرع ~~وملحفة. ولا يجاوز بالمتعة نصف المثل بغير رضا الزوج. وقد ~~اختلف السلف في أن هذه المتعة هل يجبر الزوج عليها أم لا؟ قال شريح: ~~(إن القاضي يأمر الزوج بها من غير أن يجبره ~~عليها). وكان شريح يقول للزوج: (إن كنت من المتقين أو ~~من المحسنين فمتعها). # وأما عندنا فإن القاضي يجبر الزوج على المتعة للمرأة التي طلقها ~~قبل المسيس والفرض؛ لأن الله تعالى قال: { حقا } وليس في ألفاظ ~~الإيجاب آكد من قولهم: (حقا عليه). وفي قوله: { على ~~المحسنين } بيان أنها من شروط الإسلام؛ وعلى كل أحد أن يكون ~~محسنا كما قال تعالى: # هدى للمتقين # [البقرة: 2] وهو هدى للناس كلهم. وقيل: إنما خص المحسنين بالذكر ~~تشريفا لهم؛ لأنه لا يجب على غيرهم، فوصف المؤمنين بالإحسان؛ لأن ~~الإحسان أكثر أخلاقهم. ### || [2.237] # قوله تعالى: { وإن طلقتموهن من قبل أن ~~تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما ~~فرضتم إلا أن يعفون }؛ معناه: { وإن طلقتموهن ~~من قبل } أن تجامعوهن وقد سميتم لهن مهرا، فعليكم نصف ما ~~سميتم من المهر، إلا أن يتركن ما وجب لهن من الصداق، بأن تقول ~~إحداهن: ما مسني ولا قربني فأدع له المهر. # قوله: { أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح }؛ ذهب ~~أكثر المفسرين إلى أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج؛ وعفوه أن ~~يترك لها جميع الصداق ولا يرجع عليها بشيء منه إذا كان قد أعطاؤها ~~مهرها؛ وإن لم يكن أعطاها فعفوه أن يتفضل عليها بأن يتم لها ~~جميع مهرها. وقد يكون الصداق عبدا بعينه أو عرضا بعينه لا يمكن ~~تمليكه بالإسقاط والإبراء من واحد من الجانبين، فيكون معنى العفو في ~~ذلك الفضل؛ وفي الآية ما يدل على ذلك وهو قوله: { ولا تنسوا ~~الفضل بينكم }. وإنما ندب الزوج إلى تتميم الصداق؛ لأنه ~~إذا تزوجها ثم طلقها فقد فعل ما يشينها، فكان الأفضل أن ms0244 يعطيها ~~مهرها. # وذهب بعضهم إلى أن { الذي بيده عقدة النكاح } هو ~~ولي المرأة حتى قال مالك لأبي البكر: أن يسقط نصف الصداق عن ~~الزوج بعد الطلاق قبل الدخول. والصحيح: هو الأول؛ لأن قوله { ~~عقدة النكاح } يقتضي عقدة موجودة، والزوج هو الذي يملك ~~استدامة النكاح وحله، وهو الذي يملك العقد على نفسه من غير ~~ولي يحتاج إليه. وتكون عقدة النكاح على الحقيقة بيد الزوج. وأما ~~ولي المرأة فلا يملك العقد عليها إلا برضاها، ولا يملك إسقاط ~~سائر حقوقها. # قوله عز وجل: { وأن تعفوا أقرب للتقوى }؛ ندب ~~الله كل فريق من الزوج والمرأة إلى العفو، كأنه قال: أيهما عفا ~~عن صاحبه فقد أخذ بالفضل. وقوله تعالى: { أقرب ~~للتقوى } أي أقرب إلى أن يتقي أحدهما ظلم صاحبه، فإن من ~~ترك حقه كان أقرب إلى أن لا يظلم غيره بطلب ما ليس له، ومن بذل ~~النفل كان أقرب إلى بذل الفرض. # قوله تعالى: { ولا تنسوا الفضل بينكم }؛ أي لا ~~تتركوا الإحسان والإنسانية فيما بينكم، { إن الله بما ~~تعملون بصير }؛ أي بما تعملون من الفضل والإحسان بصير عالم ~~يجزيكم به. ونسيان الفضل هو الاستقصاء في استيفاء الحق على الكمال ~~حتى لا يترك شيئا من حقه على صاحبه. فظاهر هذه الآية يقتضي أن ~~الزوج إذا كان سمى لها مهرا بعد عقد النكاح ثم طلقها ينتصف؛ ~~وإليه ذهب مالك والشافعي؛ وهو قول أبي يوسف الأول ثم رجع إلى قول ~~أبي حنيفة ومحمد. فكأن المراد بهذه الآية على قولهم: أن يكون الفرض ~~في نفس العقد؛ لأن التسمية بعد تمام عقد النكاح تقدير لمهر المثل ~~أو بدل عنه، فيسقط بالطلاق قبل الدخول؛ فتجب المتعة. # وقد ذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن المراد بقوله تعالى: { من ~~قبل أن تمسوهن } نفس المسيس أو ما يقوم مقامه، فإنه إذا ~~خلا بها خلوة صحيحة نحو أن لا يكون أحدهما محرما ولا مريضا ~~ولا صائما صوم فرض، ولا تكون المرأة حائضا ولا رتقاء، ثم ~~طلقها؛ وجب لها المهر كله وإن لم يدخل بها كما ms0245 روي زرارة بن ~~أوفى أنه قال: (أجمع الخلفاء الراشدون المهديون ~~أن من أغلق على امرأته بابا وأرخى سترا ثم ~~طلقها؛ وجب لها الصداق كاملا، وعليها العدة). ~~وفرق عمر رضي الله عنه بين العنين وامرأته وأوجب عليه المهر، ~~وقال: (ما ذنبهن إذا جاء العجز من قبلكم). ### || [2.238] # قوله عز وجل: { حافظوا على الصلوت والصلوة ~~الوسطى }؛ أي واظبوا وداوموا على الصلوات المفروضة في ~~مواقيتها وشروطها. # قوله تعالى: { والصلوة الوسطى } اختلفوا فيها؛ فعن ~~علي وابن عباس وأبي هريرة وعبدالله والحسن والنخعي وقتادة وأبي ~~أيوب والضحاك والكلبي ومقاتل: (إنها صلاة العصر) يدل ~~عليه ما روى سمرة بن جندب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الصلاة الوسطى هي العصر " # وفي بعض الأخبار: هي التي فرط فيها سليمان. # وعن هشام بن عروة عن أبيه قال: كان في مصحف عائشة رضي ~~الله عنها: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ~~صلاة العصر) { وقوموا لله قنتين }؛ وهكذا كان يقرؤها ~~أبي بن كعب. وعن أبي يونس رضي الله عنه مولى عائشة رضي الله ~~عنها؛ قال: أمرتني عائشة رضي الله عنها أن أكتب ~~لها مصحفا، فقالت: إذا بلغت { حافظوا على ~~الصلوت } فآذني، فلما بلغت أعلمتها فأملت ~~علي: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة ~~العصر). # وروى نافع عن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت ~~لكاتب مصحفها: إذا بلغت ( { حافظوا على الصلوت ~~والصلوة الوسطى } فأخبرني، حتى أخبرك بما ~~سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما بلغ إلى ~~ذلك وأخبرها، فقالت له: اكتب، فإني سمعت من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة ~~العصر ". # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال يوم الخندق: # " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ ~~الله قلوبهم وبطونهم نارا " # وقال علي رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ ~~الله بيوتهم وقبورهم نارا " # ثم صلاها بين العشائين # " وروي أن رجلا قال في مجلس عمر بن ms0246 عبدالعزيز بن مروان: أرسلني ~~أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وأنا غلام صغير ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله عن الصلاة ~~الوسطى، فأخذ بإصبعي الصغيرة وقال: " هذه ~~الفجر " وقبض التي تليها وقال: " هذه الظهر " ، ~~ثم قبض الإبهام وقال: " هذه المغرب " ثم قبض ~~التي تليها وقال: " هذه العشاء " ثم قال: " أي ~~أصابعك بقي؟ " قلت: الوسطى، وقال: " وأي صلاة ~~بقيت؟ " قلت: العصر، قال: " هي العصر " ". # قالوا: وإما كانت العصر هي الوسطى؛ لأنها بين صلاتي ليل وصلاتي ~~نهار؛ وإنما خصها بالذكر لأنها تقع في وقت اشتغال الناس بأمور ~~البيت، فخصها بالذكر للحث عليها. روى بريدة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بكروا بالعصر يوم الغيم، فإنه من ترك ~~صلاة العصر فقد حبط عمله " # وروى نافع عن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله ~~وماله ". # وقال قبيصة بن دويب: (هي صلاة المغرب؛ لأنها أوسط ~~صلاة وجبت على الناس). وقيل: لأنها وسط في عدد الركعات؛ ~~لأنها بين الثنتين والأربع ولا تقصر في السفر، وهي وتر النهار. ~~وإنما خصها بالذكر لأنها أول صلاة الليل الذي يرغب الناس عن ~~الصلاة فيه. # روى هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أفضل الصلوات عند الله صلاة المغرب لم ~~يحطها عن مسافر ولا مقيم، فتح الله بها صلاة ~~الليل وختم بها صلوات النهار، فمن صلاها وصلى ~~بعدها ركعتين بنى الله له قصرا في الجنة، ومن ~~صلى أربع ركعات غفر الله له ذنب عشرين سنة " # أو قال # " أربعين سنة ". # وحكى الشيخ الإمام أبو الطيب السهل بن محمد بن سليمان: (أنها ~~صلاة العشاء؛ لأنها بين صلاتين لا تقصران). روى ~~أبو عمر عن عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ~~ليلة، ومن صلى الفجر مع جماعة كان كقيام ~~ليلة ". # وقال جابر بن عبدالله: (هي ms0247 صلاة الفجر؛ لأنها تقع ~~بين الظلام والضياء). وقال زيد بن ثابت وأبو سعيد الخدري ~~وأسامة وعائشة رضي الله عنهم: (إنها صلاة الظهر) ~~لأنها تقع في وسط النهار. وإنما خصها بالذكر؛ ~~لأنها أول صلاة فرضت على الناس. # روى زيد بن ثابت قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يصلي الظهر، وكانت أثقل الصلوات على أصحابه، ~~فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان من الناس، ~~يكونون في قائلتهم وتجارتهم، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " لقد هممت أن أحرق على قوم لا يشهدون ~~الصلاة بيوتهم " # فنزل قوله تعالى: { حافظوا على الصلوت ~~والصلوة الوسطى }. # وقال علي رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا زالت الشمس سبح كل شيء لربنا، فأمر الله ~~بالصلاة في تلك الساعة " # وهي الساعة التي تفتح فبها أبواب السماء، فلا تغلق حتى تصلى الظهر، ~~ويستجاب فيها الدعاء؛ ولأنها أول صلاة توجه النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيها وأصحابه إلى الكعبة، وهي التي ترفع جميع الصلوات والجماعات ~~لأجلها يوم الجمعة. # وقال بعضهم: هي إحدى الصلوات الخمس ولا نعرفها بعينها. وسئل الربيع ~~ابن خيثم عن الصلاة الوسطى، فقال للسائل: (إذا أنت علمتها ~~أكنت محافظا عليها ومضيعا سائرهن؟) قال: لا، ~~قال: (فإنك إذا حافظت عليهن فقد حافظت عليها). ~~وبه يقول أبو بكر الوراق؛ قال: (لو شاء الله تعالى ~~لعينها، ولكنه سبحانه أراد تنبيه الخلق على ~~أداء جميع الصلوات، فأخفاها الله تعالى في جملة ~~الصلوات ليحافظوا على جميعها رجاء الوسطى كما ~~أخفى ليلة القدر في ليالي شهر رمضان، وأخفى ~~اسمه الأعظم في جميع الأسماء، وأخفى ساعة ~~الإجابة في ساعات الجمعة؛ حكمة منه في فعله، ~~ورحمة لخلقه). # قوله تعالى: { وقوموا لله قنتين } أي طائعين؛ وبه ~~قال الشعبي وعطاء والحسن وابن جبير وقتادة وطاووس وعطية؛ وهو رواية ~~عكرمة عن ابن عباس. قال الضحاك ومقاتل والكلبي: (لكل أهل ~~دين صلاة يقومون فيها عاصين؛ وقوموا أنتم في ~~صلاتكم مطيعين). ودليل هذا التأويل ما روى أبو سعيد ~~الخدري: أن النبي صلى الله عليه وسلم ms0248 قال: # " كل قنوت في القرآن فهو الطاعة ". # وقال عبدالله بن مسعود: (معناه: وقوموا لله ساكتين). كما ~~روي عن زيد بن أرقم قال: [كنا نتكلم في الصلاة على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكلم أحدنا من هو ~~إلى جانبه؛ ويدخل الرجل فيسلم ويردون عليه ~~السلام؛ ويسألهم كم صليتم؟ فيردون عليه ~~كم صلوا؛ ويجيء خادم الرجل وهو في الصلاة ~~فيكلمه بحاجته كفعل أهل الكتاب. وكنا كذلك ~~إلى أن نزل قوله تعالى: { وقوموا لله قنتين } ~~فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام]. قال مجاهد: ~~(معناه: { وقوموا لله قنتين } خاشعين، فنهوا ~~عن العبث والالتفات في الصلاة). # وقيل: معناه مطيلين القيام كما في قوله تعالى: # يمريم اقنتي لربك # [آل عمران: 43]. ويدل عليه أيضا حديث جابر أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم سئل: أي الصلوات أفضل؟ قال: # " طول القنوت " # وقيل: معناه: وقوموا لله مصلين. دليله قوله تعالى: # أمن هو قانت آنآء اليل # [الزمر: 9] أي مصل. وقال صلى الله عليه وسلم: # " مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القانت ~~الصائم " # أي المصلي الصائم. وقال ابن عباس: (وقوموا لله داعين). ~~والقنوت: هو الدعاء في الصلاة. ### || [2.239] # قوله عز وجل: { فإن خفتم فرجالا أو ركبانا }؛ أي ~~إذا خفتم من العدو ولم يمكنكم أن تقوموا قانتين موفين حق ~~الصلاة؛ فصلوا قياما على أرجلكم؛ وحيثما توجهتم بالإيماء إذا ~~يمكنكم استقبال القبلة وإقامة الركوع والسجود. { أو ركبانا } ~~على دوابكم إذا لم يمكنكم استقبال القبلة وإقامة الركوع والسجود؛ ولم ~~تستطيعوا النزول فصلوا ركبانا حيثما توجهت بكم لا عذر لكم في ~~ترك الصلاة حالة الخوف. # وانتصب (رجالا) على الحال. وكان الحسن يقول: (فرجالا) أي ~~قائمين ماشين. # وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنهم لا يصلون وهم يقاتلون أو ~~يمشون؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أنه فاته يوم الخندق ثلاث صلوات، فقضاهن ~~على الترتيب " # فلولا أن الاشتغال بالقتال يفسدها لما ترك الإيماء بها حال ~~القيام. # قوله عز وجل: { فإذآ أمنتم فاذكروا الله كما ~~علمكم ما لم تكونوا تعلمون }؛ أي إذا أمنتم من ~~الخوف فصلوا ms0249 لله تعالى كما أمركم قانتين مؤدين حقوق الصلاة ~~وشرائطها. قوله: { كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون } ~~معناه: ما لم تكونوا تعلمونه قبل التعليم. ### || [2.240] # قوله عز وجل: { والذين يتوفون منكم ويذرون ~~أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير ~~إخراج }؛ قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية قبل نزول ~~آية المواريث وقبل استقرار العدة). وكانت المرأة ~~في ابتداء الإسلام إذا احتضر زوجها أوصى لها في ماله بنفقة سنة من ~~طعامها وشرابها وكسوتها وسكناها، وكان ذلك حظها من الميراث من مال ~~زوجها، وإن كانت من أهل المدر سكنت بيت زوجها حتى تبني بيتا، ~~وإن كانت من أهل الوبر سكنت بيت زوجها حتى تغزل بيتا فتتحول ~~إليه. فإن خرجت من بيت زوجها أو تزوجت فلا نفقة لها ولا سكنى. # ثم نسخت الوصية بآية المواريث وبقوله صلى الله عليه وسلم: # " لا وصية لوارث " # ونسخ حكم الحول باعتبار أربعة أشهر وعشرا عدة الوفاة بقوله: # والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا ~~يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا # [البقرة: 234]. # ومعنى الآية: { والذين يتوفون منكم ويذرون } نساء؛ ~~أي يتركون نساء من بعدهم؛ فعليهم { وصية لأزواجهم }. ويقال: ~~كتب عليهم وصية؛ وكانت هذه الوصية واجبة من الله تعالى لنسائهم ~~أوصى الميت أو لم يوص كما قال تعالى في آية المواريث: # وصية من الله # [النساء: 12]. # قرأ الحسن وأبو عمرو وابن عامر والأصم والأعمش وحمزة وحفص: ~~(وصية) بالنصب على معنى: فلتوصوا وصية. وقرأ الباقون بالرفع ~~على معنى: لأزواجهن وصية، أو كتب عليهم وصية. # وقوله: { متاعا } نصب على المصدر؛ أي متعوهن متاعا، وقيل: جعل ~~الله ذلك لهم متاعا؛ وقيل: نصب على الحال. وقوله: { إلى الحول ~~} أي متعوهن بالنفقة والسكنى والكسوة وما يحتاج إليه حولا ~~كاملا. قوله تعالى: { غير إخراج } أي لا تخرجوهن من بيوت ~~أزواجهن. # وإنما انتصب { غير } لأنه صفة للمتاع، وقيل: على الحال، وقيل: ~~بنزع الخافض؛ أي من غير إخراج، وقيل: على معنى: لا إخراجا، كما ~~يقال: أتيتك غير رغبة إليك. # قوله عز وجل: { فإن خرجن فلا جناح عليكم في ~~ما فعلن في أنفسهن من ms0250 معروف }؛ أي فإن خرجن من ~~قبل أنفسهن قبل مضي الحول غير إخراج الورثة { فلا جناح ~~عليكم } يا أولياء الميت { في ما فعلن في أنفسهن ~~} من النشوز والتزين والتزوج بالمعروف إذا لم تكن المرأة حبلى ~~من الميت. وقيل: معناه: { فإن خرجن } بعد انقضاء عدتهن، { ~~فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن }. # وفي معنى رفع الجناح عن الرجال بفعل النساء وجهان؛ أحدهما: لا ~~جناح عليكم في قطع النفقة إذا خرجن قبل تمام الحول. والثاني: لا ~~جناح عليكم في ترك منعهن من الخروج؛ لأن مقامها حولا في بيت ~~زوجها غير واجب عليها؛ خيرها الله تعالى في ذلك إلى أن نسخت ~~بأربعة أشهر وعشر؛ لأن ذلك لو كان واجبا عليها لكان واجبا على ~~أولياء الزوج منعها من ذلك. # وقوله تعالى: { غير إخراج } يتضمن معنيين؛ أحدهما: ~~وجوب السكنى في مال الزوج؛ وقد نسخ ذلك. والثاني: حظر الخروج ~~والإخراج؛ وهو لزوم اللبث في البيت إلى انقضاء عدتها أربعة أشهر ~~وعشرا؛ وذلك باق لم ينسخ، ولا يجوز لها أن تبيت بالليالي في غير ~~منزلها، ولا يجوز لها أن تتزين؛ لأن # " امرأة جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقالت: إن ابنتي ~~توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها؛ ~~أفتكحلها؟ فرخص لها ثم قال صلى الله عليه وسلم: " ~~كانت إحداكن تجلس في أحلاس بيتها حولا لا ~~تخرج حتى إذا مر بها كلب خرجت ورمته ببعرة، ~~إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا " ". # عن زينب بنت أبي سلمة قالت: دخلت على زينب بنت جحش ~~حين توفي أخوها، فدعت بطيب فمسته ثم قالت: ~~والله ما لي بالطيب من حاجة غير أني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن ~~تحد على ميت فوق ثلاث ليال، إلا على زوجها ~~أربعة أشهر وعشرا " # وعن ابن مسعود رضي الله عنه: # " أن نسوة قتلى أحد شكون إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الوحشة؛ فأمرهم أن يتزاورن بالنهار ولا ~~يبتن بالليل إلا في منازلهن ". # قوله تعالى: ms0251 { والله عزيز حكيم }؛ أي قادر على ~~النقمة ممن خالف أمره وحكمه فيما حكم على الأزواج. ### || [2.241] # قوله عز وجل: { وللمطلقات متاع بالمعروف ~~حقا على المتقين }؛ قال سعيد بن جبير وأبو العالية ~~والزهري: (المراد بالمتاع في هذه الآية: المتعة؛ ~~وهي واجبة لكل مطلقة). وذهب أصحاب أبي حنيفة إلى أن ~~المتعة تجب للمطلقات كلهن من طريق الديانة بحكم هذه الآية؛ ولكن لا ~~يجبر الزوج على المتعة إلا لمطلقة لم يدخل بها ولم يفرض لها مهرا ~~للآية المتقدمة. وقال بعضهم: أراد بالمتاع في هذه الآية نفقة عدة ~~الطلاق؛ لأن الله تعالى عطفه على قوله: # متاعا إلى الحول # [البقرة: 240] والمراد هناك النفقة والسكنى. ### || [2.242] # قوله عز وجل: { كذلك يبين الله لكم آياته ~~لعلكم تعقلون }؛ أي مثل هذا البيان { يبين الله ~~لكم } دلائله في المستقبل كما بين في الماضي من أمور دينكم ~~ودنياكم؛ لكي تفهموا ما أمرتم به. ويقال: لكي تكمل عقولكم؛ فإن ~~العقل الغريزي إنما يكمل بالعقل المكتسب، وحقيقة العاقل أن يعمل ~~ما افترض عليه، وحقيقة العمل استعمال الأشياء المستقيمة. ### || [2.243] # قوله عز وجل: { ألم تر إلى الذين خرجوا من ~~ديرهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله ~~موتوا ثم أحيهم }؛ قال ابن عباس: (وذلك أن ملكا ~~من ملوك بني إسرائيل أمر بالخروج إلى قتال ~~عدوهم؛ فخرجوا للقتال ثم جبنوا وكرهوا ~~القتال، فقالوا لملكهم: إن الأرض التي تريدها ~~فيها الوباء فلا تأتها حتى ينقطع عنها ~~الوباء، فقال لهم الله: موتوا). # واختلفوا في عددهم؛ فقال مقاتل والكلبي: (كانوا ثمانية ~~آلاف). وقال أبو روق: (عشرة آلاف). وقال أبو مالك: ~~(ثلاثون ألفا). وقال السدي: (بضعة وثلاثون ألفا). وقال ~~ابن جريج: (أربعون ألفا) وقال عطاء بن أبي رباح: (تسعون ~~ألفا). وقال الضحاك: (كانوا عددا كثيرا). فقوله ~~تعالى: { ألوف } دليل على كثرتهم؛ إذ لو كانوا كما قال مقاتل ~~والكلبي لقال: وهم آلاف؛ لأن من عشرة آلاف إلى ما دونها يقال ~~فيها: آلاف، ولا يقال فيها: ألوف؛ لأن الألوف جمع الكثير. ~~والآلاف جمع القليل. # فمكثوا موتى ثمانية أيام حتى انتفخوا ms0252 وبلغ بني إسرائيل موت ~~أصحابهم، فخرجوا إليهم ليدفنوهم، فعجزوا عنهم من كثرتهم، فحظروا ~~عليهم الحظائر، ثم أحياهم الله تعالى بعد ثمانية أيام، فبقي ~~فيهم من ريح النتن التي كانت فيهم بعد الموت حتى بقي في أولادهم ~~إلى اليوم. # وقال السدي: (وقع الطاعون في بني إسرائيل، ~~فخرج قوم منهم هاربين من ديارهم حتى انتهوا ~~إلى مكان فماتوا وتفرقت عظامهم وتقطعت ~~أوصالهم، فأتى عليهم مدة وقد بليت ~~أجسادهم، فمر بهم نبي يقال له حزقيل ثالث ~~خلفاء بني إسرائيل بعد موسى عليه السلام؛ لأنه كان ~~بعد موسى يوشع بن نون، ثم كالب بن يوفنا، ثم ~~حزقيل. وكان يقال له: ابن العجوز، وذلك أن ~~أمه كانت عجوزا فسألت الله تعالى الولد وقد ~~كبرت وعقمت، فوهبه الله تعالى لها؛ فلذلك ~~سمي ابن العجوز). # وقال الحسن ومقاتل: (هو ذو الكفل، وإنما سمي حزقيل ~~ذا الكفل؛ لأنه تكفل بسبعين نبيا وأنجاهم من ~~القتل، فقال لهم: اذهبوا فإني إن قتلت كان ~~خيرا من أن تقتلوا جميعا، فلما جاء اليهود ~~وسألوا حزقيل عن الأنبياء السبعين، فقال ~~لهم: ذهبوا ولم أدر أين هم. وحفظ الله ذا الكفل ~~من اليهود. فلما مر حزقيل على أولئك الموتى ~~وقف عليهم وجعل يفكر فيهم متعجبا، فقال: ~~الحمد لله القادر على أن يحيي هذه الأجساد، ~~فأوحى الله إليه: يا حزقيل، أتريد أن أريك كيف ~~أحيي الموتى؟ قال نعم، فقال: له: نادهم، فنادى: ~~أيها العظام، ثم قال: ألا أيتها الأجساد ~~البالية، إن الله يأمركن أن تكتسين لحما، ~~فجعل اللحم يجري عليهن حتى صرن أجسادا من ~~اللحوم، ثم قال: ألا أيتها الأجساد البالية ~~الخاوية، إن الله يأمركن أن تقمن بإذن الله، ~~فقاموا. # فرجعوا إلى بلادهم وأقاموا وتوالدوا، وكان ~~أحدهم إذا اكتسى ثوبا صار عليه كفنا يكون فيه ~~ريح الموت). # وقال وهب: (أصابهم بلاء وشدة من الزمان، فشكوا ~~ما أصابهم فقالوا: يا ليتنا قد متنا فاسترحنا ~~مما نحن فيه. فأوحى الله تعالى إلى حزقيل: إن ~~قومك قد صاحوا من البلاء، وزعموا أنهم لو ~~ماتوا استراحوا، وأي راحة في ms0253 الموت؛ أيظنون ~~أني لا أقدر أن أبعثهم بعد الموت! فانطلق إلى ~~موضع كذا، فإن فيه أمواتا، فقال الله تعالى: (يا ~~حزقيل، نادهم. وكانت أجسادهم وعظامهم قد ~~تفرقت؛ فرقتها الطير والسباع) فنادى حزقيل بالنداء ~~الذي ذكرناه. # ومعنى الآية: ألم يعلم الذين، وقيل معناه: ألم ينته علمك إلى ~~خبر هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم، والمراد بالرؤية رؤية القلب لا ~~رؤية العين. وقوله تعالى: { حذر الموت } أي خرجوا هاربين ~~حذر الموت، وانتصب على أنه مفعول له. وظاهر هذا يقتضي أن ~~خروجهم كان على جهة الفرار من الوباء على ما فسره السدي. # وقيل في معنى: { ألوف } أي مؤتلفوا القلوب لم يخرجوا من ~~تباغض، ومعنى { فقال لهم الله موتوا } أي أماتهم، وقيل: ~~أماتهم الله بشيء يسمعوه، وسمعت الملائكة. # قوله عز وجل: { إن الله لذو فضل على الناس }؛ أي ~~متفضل على جميع الناس كما تفضل على هؤلاء بأن أحياهم بعد ~~الموت وأراهم البصيرة لا غاية بعدها، { ولكن أكثر الناس ~~لا يشكرون }؛ رب النعم. وفي الآية دلالة على أن الموت لا ~~ينفع الهرب منه كما قال تعالى: # أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في ~~بروج مشيدة # [النساء: 78] وقال تعالى: # قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو ~~القتل # [الأحزاب: 16]. وإذا كان الآجال مؤقتة محصورة لا يقع فيها تقديم ~~وتأخير كما قدر الله تعالى؛ لم ينفع الفرار من الطاعون وغير ذلك. # وقد روي: أن عمر رضي الله عنه أراد أن يدخل الشام وبها ~~طاعون، فاستشار أصحابه بذلك، فأشار إليه بعض ~~المهاجرين بالرجوع، فعزم على الرجوع، فقال له ~~أبو عبيدة: (يا أمير المؤمنين، أتفر من قدر ~~الله تعالى؟!) فقال عمر رضي الله عنه: (لو كان غيرك ~~يقولها يا أبا عبيدة! نفر من قدر الله إلى قدر ~~الله، أرأيت لو كان لك إبل فهبطت بها واديا له ~~عدوتان؛ إحداهما خصبة والأخرى جدبة، ألست إن ~~رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت ~~الجدبة رعيتها بقدر الله). فجاء عبدالرحمن بن ~~عوف رضي الله عنه فقال: (عندي في هذا علم، سمعت ~~رسول ms0254 الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إذا وقع هذا الرجز في أرض فلا تدخلوها عليه، ~~وإذا وقع وأنتم بها فلا تخرجوا عنها " # فحمد الله تعالى عمر رضي الله عنه ورجع. # فإن قيل: إذا كانت الآجال مقدرة لا تتقدم ولا تتأخر، فما وجه النهي ~~منه صلى الله عليه وسلم عن دخول أرض بها طاعون؟ وأي فرق بين دخولها ~~وبين إبقائه فيها؟ قيل: وجه النهي عن الدخول أنه إذا دخلها وبها ~~طاعون فجائز أن يدركه أجل بها فيقول قائل: لو لم يدخلها ما مات، ~~كما قال: # يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا ~~وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا ~~غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ~~ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم # [آل عمران: 156] فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدخل أرضا ~~فيها طاعون لما يخشى أن يموت فيها أحد بأجله، فيقول الجهال: لو ~~لم يدخلها لم يمت. ### || [2.244] # قوله عز وجل: { وقتلوا في سبيل الله واعلموا ~~أن الله سميع عليم } قال أكثر المفسرين: هذا خطاب لهذه ~~الأمة، معناه: قاتلوا في طاعة الله تعالى ولا تهربوا من الموت كما هرب ~~هؤلاء الذين سمعتم خبرهم، فلا ينفعكم الهرب واعلموا أن الله سميع ~~لما يقوله المنافق بعلمه: الهرب من القتال، عليم بما يضره. وقال ~~بعضهم: هذه الآية خطاب للذين جبنوا، وهي متصلة بقوله تعالى: # فقال لهم الله موتوا ثم أحيهم # [البقرة: 243] وقال لهم: { وقتلوا في سبيل الله }. ### || [2.245] # قوله عز وجل: { من ذا الذي يقرض الله قرضا ~~حسنا فيضعفه له أضعافا كثيرة }؛ قال: (سبعين): # " لما أنزل الله قوله عز وجل: { من جآء ~~بالحسنة فله عشر أمثالها } قال صلى الله عليه وسلم: " ~~رب زد أمتي " فنزل { من ذا الذي يقرض الله ~~قرضا حسنا } فقال: " رب زد أمتي " فنزل { إنما ~~يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب } ". # وفي الآية استدعاء إلى الانفاق والبر في سبيل الله بألطف الكلام ~~وأبلغه، وسماه الله قرضا تأكيدا لاستحقاق الجزاء؛ لأنه لا يكون ~~قرضا إلا والعوض مستحق فيه. ms0255 ومعنى الآية: من ذا الذي يتصدق بصدقة ~~طيبة من نفس طيبة لا يمن بها على السائل ولا يؤذيه، قال الحسن: ~~(هو النفقة في أبواب البر من النفل). وقال ابن زيد: ~~(هو الإنفاق في الجهاد في سبيل الله). وقال الواقدي: ~~(قرضا حسنا) يكون المال من الحلال. وقال سهل بن ~~عبدالله: (هو أن لا يعتقد بقرضه عوضا). # وقوله تعالى: { فيضعفه له أضعافا كثيرة } قرأ ~~عاصم وأبو حاتم (فيضاعفه) بالنصب، وقرأ ابن عامر ويعقوب بالتشديد ~~والنصب بغير ألف، وقرأ ابن كثير وشيبة بالتشديد والرفع، وقرأ ~~الآخرون بالألف والتخفيف ورفع الفاء. فمن رفعه عطفه على ~~(يقرض)، ومن نصب جعله جواب الاستفهام بالفاء. والتشديد والتخفيف ~~لغتان، ودليل التشديد قوله تعالى: { أضعافا كثيرة } ~~لأن التشديد للتكثير. # قال الحسن والسدي: (هذا التضعيف لا يعلمه إلا ~~الله). قال أبو زيد: (معنى قوله تعالى: { فيضعفه له ~~أضعافا كثيرة } أي يعطيه سبعمائة أمثاله). كما ~~قال تعالى في آية أخرى: # مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ~~كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة ~~مئة حبة # [البقرة: 261]. وعن أبي عثمان النهدي قال: أدخل أبو هريرة ~~إصبعيه في أذنيه وقال: صمتا إن لم أكن سمعت ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " يضاعف الله للمؤمن حسنة إلى ألفي ألف حسنة ". # قوله عز وجل: { والله يقبض ويبسط }؛ أي يقتر ~~ويوسع على من يشاء من خلقه، ومنه قوله تعالى: # ويقبضون أيديهم # [التوبة: 67] أي يمسكوها عن النفقة في سبيل الله، وقوله: # ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض # [الشورى: 27]. وقيل: معناه: يقبض الصدقات ويبسط، والله يسلب النعمة ~~من قوم ويبسطها على قوم. وقيل: معناه: يقبض الصدقات ويبسط عليها ~~الجزاء عاجلا وآجلا. وقيل: القبض والبسط الإحياء والإماتة، فمن ~~أماته الله فقد قبضه، ومن مد له في عمره فقد بسط له. # قوله عز وجل: { وإليه ترجعون }؛ أي ترجعون في الآخرة ~~فيجزيكم بما قدمتم، وقد جهلت اليهود معنى هذه الآية أو تجاهلت حتى ~~قالت: إن الله يستقرض منا فهو فقير ونحن أغنياء كما قال تعالى: ms0256 # لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله ~~فقير ونحن أغنيآء # [آل عمران: 181] وعرف المسلمون معنى الآية ووثقوا بثواب الله ووعده. # قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية # " جاء أبو الدحداحة رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقال: يا رسول الله، أرى ربنا يستقرض ~~مما أعطانا لأنفسنا، وإن لي حديقتين فإن ~~تصدقت بإحداهما فلي مثلاها في الجنة. قال: " ~~نعم ". وأم الدحداحة معي؟ قال: " نعم " قال: ~~والصبية معي؟ قال: " نعم " فتصدق بأفضل ~~حديقتيه وهي تسمى الحبيبة، فلما رجع إلى ~~أهله وجد أم الدحداحة والصبية في الحديقة ~~التي تصدق بها، فقام على بابها وتحرج أن ~~يدخلها، ثم نادى: يا أم الدحداحة؛ يا أم ~~الدحداحة، قالت: لبيك، قال: قد جعلت حديقتي ~~هذه صدقة واشترطت مثليها في الجنة وأم ~~الدحداحة معي والصبية معي، قالت: بارك الله لك ~~فيما اشتريت. ثم خرجوا منها ودفعوها إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~إن الله تعالى قد قبل منك، فأعطه اليتيمين ~~اللذين في حجرك ". وقال: صلى الله عليه وسلم: " كم من ~~نخل مدل عروقها في الجنة لأبي الدحداحة " ". # وعن أبي زيد بن أسلم قال: # " لما نزل قوله تعالى: { من ذا الذي يقرض ~~الله قرضا حسنا } الآية، قال أبو الدحداح: فداك ~~أبي وأمي يا رسول الله، إن الله يستقرضنا وهو ~~غني عن القرض؟! قال: " نعم " ، يريد أن يدخلكم ~~" الجنة " ، قال: فإني إن أقرضت ربي يضمن لي ~~الجنة، قال: " نعم، من تصدق بصدقة فله مثلها ~~في الجنة " ، قال: وزوجتي أم الدحداح معي؟ قال: ~~" نعم " قال: وبنتي الدحداحة؟ قال: " نعم ". قال: ~~والصبية معي؟ قال: " نعم ". قال: ناولني يدك، ~~فناوله النبي صلى الله عليه وسلم يده المباركة، ~~فقال: يا رسول الله، إن لي حديقتين إحداهما ~~بالسافلة والأخرى بالعالية، والله ما أملك ~~غيرهما قد جعلتهما قرضا لله عز وجل، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " اجعل إحداهما قرضا لله عز ~~وجل، والأخرى لك ولعيالك " قال: إشهد يا رسول ~~الله أني قد ms0257 جعلت أحسنهما لله عز وجل، وهو ~~حائط فيه ستمائة نخلة، قال: " إذن يجزيك به ~~الله في الجنة ". قال: فانطلق أبو الدحداح حتى ~~أتى أم الدحداح وهي مع أولادها في الحديقة ~~تدور تحت النخلة فأنشأ يقول: # * هداك ربي سبل الرشاد * إلى سبيل الخير ~~والسداد * # * بيني من الحائط بالوداد * فقد مضى قرضا إلى ~~التناد * # * أقرضته الله على اعتمادي * بالطوع لا من ولا ~~نكاد * # * إلا رجاء الضعف في المعاد * فارتحلي بالنفس ~~والأولاد * # * والبر لا شك فخير زاد * قدمه المرء إلى ~~المعاد * # قالت أم الدحداح: ربح بيعك، بارك الله لك ~~فيما اشتريت. فأجابته أم الدحداح وأنشأت ~~تقول: # * بشرك الله بخير وفرح * مثلك أدى ما لديه ~~ونصح * # * إن لك الحظ إذ الحظ وضح * قد متع الله ~~عيالي ومنح * # * بالعجوة السوداء والزهو البلح * والعبد ~~يسعى وله ما قد كدح * # * طول الليالي وعليه ما اجترح * # ثم أقبلت أم الدحداح على أولادها تخرج ما في ~~أفواههم وتنفض ما في أكمامهم وتطرح ما في ~~ثيابهم حتى أفضت إلى الحائط الآخر، فقال صلى الله ~~عليه وسلم: " كم من عذق رداح ودار فياح في الجنة ~~لأبي الدحداح " ". # قال أهل المعاني: في الآية اختصار وإضمار؛ تقديره: من ذا الذي ~~يقرض عباد الله قرضا حسنا، وجاء في الحديث: # " إن الله تعالى يقول لعبده يوم القيامة: ~~استطعمتك فلم تطعمني، واستسقيتك فلم ~~تسقني، واستكسيتك فلم تكسني. فيقول العبد: ~~وكيف ذلك يا سيدي! فيقول ربك: عبدي فلان ~~الجائع وفلان العاري فلم يعد عليهم من فضلك، ~~فلأمنعك اليوم فضلي كما منعتهم من فضلك ". # وقال يحيى بن معاذ: (عجبت لمن يبقي له مالا ورب ~~العرش يستقرضه). وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " رأيت على باب الجنة مكتوبا: القرض بثمانية ~~عشر، والصدقة عشرة. فقلت: يا جبريل، ما بال ~~القرض أكثر جزاء. قال: لأن صاحب القرض لا ~~يأتيك إلا محتاجا وربما وقعت الصدقة في غير ~~أهلها " # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من أقرض أخاه المسلم، فله ms0258 بكل درهم وزن ~~ثبير وطور سيناء حسنات " # وهما جبلان. ### || [2.246] # وقوله عز وجل: { ألم تر إلى الملإ من بني ~~إسرائيل إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا ~~نقاتل في سبيل الله }؛ أي ألم تعلم يا محمد بالملإ من بني ~~إسرائيل. والملأ من القوم: أشرافهم ووجوههم يجتمعون للمشاورة. ~~وجمعه الأملاء؛ واشتقاقه من ملأت الشيء؛ لا واحد له من لفظه ~~كالإبل والخيل والجيش والقوم والرهط. # قوله تعالى: { من بعد موسى } أي من بعد وفاة موسى، ~~وقوله: { إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا } اختلفوا فيه ~~من هو؟ قال قتادة: (هو يوشع بن نون بن افراتيم بن ~~يوسف بن يعقوب عليهم السلام). وقال السدي: (هو ~~شمعون). وقد كان بعد يوشع، وإنما سمي سمعون لأن أمه دعت الله ~~عز وجل أن يرزقها غلاما فاستجاب الله دعاءها، فولدت غلاما ~~فسمته سمعون، وقالت: قد سمع الله دعائي، فلأجل ذلك سمته سمعون. ~~والسين في لغة العبرانية شين، فهو بالعبرانية شمعون وبالعربية ~~سمعون. وقال الكلبي ومقاتل وسائر المفسرين: (هو إشمويل بن ~~هلقانا، وبالعربية يقال له: إسماعيل بن بالي ~~وهو من نسل هارون عليه السلام). # وقال الكلبي: (وسبب مسألتهم إياه: أنه لما مات ~~موسى عليه السلام خلف بعده في بني إسرائيل يوشع بن ~~نون يقيم فيهم التوراة وأمر الله حتى قبضه ~~الله، ثم خلف فيهم حزقيل كذلك حتى قبضه ~~الله، وعظمت في بني إسرائيل الأحداث فنسوا عهد ~~الله تعالى حتى عبدوا الأوثان، فبعث الله إليهم ~~إلياس عليه السلام نبيا فجعل يدعوهم إلى الله، ثم ~~خلف بعد إلياس عليهم اليسع وكان فيهم ما شاء ~~الله ثم قبضه الله؛ فعظمت فيهم الأحداث وكثرت ~~فيهم الخطايا وظهر لهم عدو يقال له: البلساياء ~~وهم قوم جالوت، وكانوا يسكنون ساحل الروم بين ~~مصر وفلسطين؛ وهم العمالقة. فظهروا على بني ~~إسرائيل وغلبوهم على كثير من أراضيهم وسبوا ~~كثيرا من ذراريهم، فضربوا عليهم الجزية ~~ولقوا منهم بلاء شديدا. ولم يكن لهم نبي ~~يدبر أمرهم، فكانوا يسألون الله تعالى أن يبعث ~~لهم نبيا يقاتلون معه. وكان سبط النبوة ms0259 قد ~~هلكوا ولم يبق منهم إلا امرأة حبلى، فأخذوها ~~وحبسوها في بيت خشية أن تلد أنثى فتبدلها ~~بغلام، لما ترى من رغبة بني إسرائيل في ولدها، ~~فجعلت المرأة تدعو الله أن يرزقها غلاما، ~~فولدت غلاما فسمته اشمويل أي إسماعيل. وكبر ~~الغلام فتعلم التوراة في بيت المقدس وكفله ~~شيخ منهم. فلما بلغ أن يبعثه الله نبيا أتى ~~جبريل والغلام نائم إلى جنب الشيخ، فدعاه: يا ~~اشمويل، إذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك، ~~فإن الله قد بعثك فيهم. فلما أتاهم كذبوه ~~وقالوا: إن كنت صادقا فابعث لنا ملكا نقاتل في ~~سبيل الله). # وإنما سألوا الملك لأنهم علموا أن كلمتهم لا تتفق وأمورهم لا ~~تنتظم، ولا يحصل منهم الاجتماع على القتال إلا بملك يحملهم على ~~ذلك ويجمع شملهم، فكان الملك هو الذي يجمع أمرهم والنبي يشير عليه ~~ويرشده ويأتيه من ربه بالخبر. # فلما قالوا لاشمويل: ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله، قال لهم: ~~لعلكم إذا بعث الله لكم ملكا وفرض عليكم القتال تجبنوا عن ~~القتال فلا تقاتلوا!! # وإنما قال ذلك متعرفا ما عندهم من الحد وذلك قوله تعالى: { ~~قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا ~~تقاتلوا قالوا وما لنآ ألا نقاتل في سبيل الله ~~وقد أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا }؛ ومعناه: قال لهم ~~نبيهم عسى ربكم إن فرض عليكم القتال مع ذلك الملك أن لا تفوا ~~بما تقولون ولا تقاتلون معه، و { قالوا وما لنآ ألا نقاتل ~~}؛ " قالوا: وأي شيء لنا " في ترك القتال في سبيل الله، وقيل ~~معناه: وليس لنا أن نمتنع عن قتال عدونا في طلب مرضاة الله، { ~~وقد أخرجنا من ديارنا وأبنآئنا } أي وقد أخلونا ~~من منازلنا وسبوا ذرارينا. # ومعنى الإخراج من الأبناء: أنه لما كان الإخراج من الديار يؤدي ~~إلى مفارقة الأبناء قالوا: أخرجنا من ديارنا وأبنائنا. ~~ويجوز أن يكون على وجه الاتباع كما يقال: متقلد سيفا ورمحا. # فإن قيل: ما وجه دخول (أن) في قوله { ألا نقاتل } والعرب ما ~~تقول: ما لك أن لا تفعل كذا، وإنما ms0260 يقولون: ما لك لا تفعل؟ قيل: ~~دخول (أن) وجد فيها لغتان فصيحتان. فدليل إثباتها قوله تعالى: # قال ما منعك ألا تسجد # [الأعراف: 12] و # ما لك ألا تكون مع الساجدين # [الحجر: 32]. ودليل حذفها قوله تعالى: # وما لكم لا تؤمنون بالله # [الحديد: 8]. # واختلفوا في قراءة قوله تعالى: { ابعث لنا ملكا نقاتل } ~~قرأ بعضهم (نقاتل) بالرفع على معنى فإنا نقاتل، وأكثرهم على ~~(نقاتل) بالجزم على جواب الأمر. وقرأ أبو عبدالرحمن السلمي: ~~(يقاتل) بالياء والجزم؛ جعل الفعل للملك، كذلك قوله تعالى: ~~{ وقد أخرجنا من ديارنا } قرأ عمر (وقد أخرجنا) ~~بفتح الهمزة والجيم؛ يعني العدو: # وقوله عز وجل: { فلما كتب عليهم القتال ~~تولوا إلا قليلا منهم }؛ فيه حذف؛ معناه: فبعث الله ~~لهم ملكا وكتب عليهم القتال؛ { فلما كتب عليهم القتال ~~}؛ أي لما فرض عليهم أعرضوا عنه وضيعوا أمر الله عز وجل ~~إلا قليلا منهم، وهم ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا؛ هم الذين عبروا ~~النهر، وسنذكرهم إن شاء الله في موضعهم. # قوله تعالى: { والله عليم بالظالمين }؛ أي عالم ~~بالذين ظلموا أنفسهم بالمعصية وبعقوبتهم، وفي هذا تهديد لمن ولى عن ~~القتال. # واختلفوا في قراءة (عسيتم) فقرأ نافع وطلحة والحسن: (عسيتم) ~~بكسر السين في كل القرآن؛ وهي لغة. وقرأ الباقون بالفتح؛ وهي اللغة ~~الفصيحة. ### || [2.247] # قوله تعالى: { وقال لهم نبيهم إن الله قد ~~بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له ~~الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت ~~سعة من المال }؛ وكان السبب فيه على ما ذكره المفسرون: أن ~~اشمويل عليه السلام سأل الله تعالى أن يبعث لهم ملكا، فأتي ~~بعصا وقرن فيه دهن، وقالوا له: إن صاحبكم الذي يكون ملكا طوله ~~طول هذه العصا، وقيل له: انظر إلى هذا القرن الذي فيه الدهن، فإذا دخل ~~عليك رجل فنش الدهن في القرن؛ فهو ملك بني إسرائيل فادهن به ~~رأسه وملكه على بني إسرائيل. فقاسوا أنفسهم بالعصا؛ فلم يكن أحد ~~منهم مثلها. # قال وهب: (وكان طالوت رجلا ديانا). وقال عكرمة والسدي: ~~(كان يسقي على حمار له من النيل، فضل ms0261 حماره؛ ~~فخرج في طلبه). وقال بعضهم: ضلت حمولات لأبيه، فأرسله ~~أبوه مع غلام له يطلبانها، فمرا ببيت اشمويل، فقال الغلام لطالوت: ~~لو دخلنا على هذا النبي فسألناه عن الحمولات ليرشدنا ويدعو لنا ~~بخير. فقال طالوت: نفعل ذلك، فدخلا عليه، فبينما هما عنده إذ نش ~~الدهن الذي في القرن فقام أشمويل وقاس طالوت بالعصا فكان على طوله، ~~فقال لطالوت: قرب رأسك، فقربه، فدهنه بذلك الدهن، ثم قال له: أنت ~~ملك بني إسرائيل الذي أمرني الله أن أملكك عليهم. فقال طالوت: أوما ~~علمت أن سبطي أدنى أسباط بني إسرائيل؟ قال: بلى، قال: فبأي آية ~~أكون أهلا لذلك؟ قال: بآية أنك ترجع إلى أبيك، وقد وجد أبوك ~~حمولاته، فرجع فكان كذلك. # ثم قال أشمويل لبني إسرائيل: (إن الله قد بعث لكم طالوت ~~ملكا فقالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن ~~أحق بالملك منه). وإنما قالوا ذلك لأنه كان في بني إسرائيل ~~سبطان؛ سبط نبوة وسبط مملكة. وكان سبط النبوة لاوي بن ~~يعقوب ومنه موسى وهارون، وسبط المملكة سبط يهودا بن يعقوب ومنه كان ~~داود وسليمان، ولم يكن طالوت من هؤلاء ولا من هؤلاء، وإنما هو من سبط ~~بنيامين بن يعقوب، فمن أين يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك ~~منه. ومع ذلك هو فقير لم يؤت سعة من المال ينفقه علينا كما يفعله ~~الملوك. # { قال } ، أشمويل: { إن الله اصطفاه عليكم }؛ أي ~~اختاره عليكم للملك، { وزاده بسطة في العلم والجسم ~~}؛ أي فضله عليكم بالعلم؛ وذلك أنه كان أعلمهم في وقته، فرفعه الله ~~تعالى بعلمه. وقيل: كان عالما بأمر الحرب، وكان طويلا جسيما وكان ~~يفوق الناس بمنكبيه وعنقه ورأسه. وإنما سمي طالوت لطوله وقوته، ~~فأعلمهم الله تعالى أن العلم هو الذي يجب أن يقع به الاختيار، وأن ~~الزيادة في الجسم مما يهيب به العدو. # وقوله تعالى: { والله يؤتي ملكه من يشآء }؛ أي ~~يعطي ملكه من يشاء، وهو جل وعز لا يشاء إلا الحكمة والعدل، فلا ~~تنكروا ملك طالوت مع كونه من غير أهل الملك، وأن ms0262 الملك ليس ~~بالوراثة وإنما هو بيد الله يؤتيه من يشاء. # قوله تعالى: { والله واسع عليم }؛ أي يوسع على من ~~يشاء ويعلم أين ينبغي أن يكون الملك والسعة، وإنما قال: { واسع } ~~بمعنى موسع، كما يقال: أليم بمعنى مؤلم. وقيل: معناه واسع الفضل، ~~إلا أنه حذف الفضل كما يقال: فلان كبير؛ أي كبير القدر. وأما طالوت ~~وجالوت وداود، فاجتمع فيهم العجمة والتعريف؛ فلذلك لم ينصرف، فلو ~~سميت رجلا باسم جاموس لا ينصرف وإن كان أعجميا؛ لأنه قد تمكن في ~~العربية؛ لأنك تدخل عليها الألف واللام فتقول: الجاموس. ### || [2.248] # قوله عز وجل: { وقال لهم نبيهم إن آية ملكه ~~أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم ~~وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله ~~الملائكة }؛ قال ابن عباس: (هذا جواب عن قولهم لنبيهم: والله ~~ما نصدقك أن الله بعثه علينا، ولكنك أنت بعثته علينا ملكا مضارة ~~لنا حين سألناك ملكا، وإلا فآتنا بآية أن الله قد بعثه علينا. ~~فقال لهم: { إن آية ملكه } أي الدلالة على كون طالوت ملكا، ~~أن يأتيكم التابوت الذي أخذه منكم عدوكم. وكان ذلك التابوت من عود ~~الشمار الذي يتخذ منه الأمشاط المرصعة بالذهب عليه صفائح الذهب، ~~وكانت السكينة في التابوت؛ وهي شبه دابة رأسها كرأس الهرة ~~ولها ذنب كذنبها له رأسان، ووجه كوجه الإنسان ولها جناحان من زبرجد ~~وياقوت، وكان فيها روح تكلمهم بالبيان فيما اختلفوا فيه، وكان لعينيها ~~شعاع إذا نظرت إلى إنسان ذعر). # قال ابن عباس: (كانت بنو إسرائيل إذا حضر القتال قدموا التابوت بين ~~أيديهم إلى العدو، فإذا أتت السكينة في التابوت وسمع من التابوت ~~أنينها أقرب نحو العدو وهم يمضون معه أينما مضى، فإذا استقر ~~ثبتوا خلفه، وكانت السكينة إذا صرخت في التابوت بصراخ هرة أيقنوا ~~بالنصر وجاءهم الفتح، فلما عصت بنو إسرائيل الأنبياء صلوات الله ~~عليهم، سلط الله عليهم عدوهم فقاتلهم وغلبهم على التابوت، ومضوا ~~به إلى قرية من قرى فلسطين، وجعلوه في بيت صنم لهم، وجعلوا التابوت ~~تحت الصنم، فأصبحوا من الغد والصنم ms0263 تحته، وأصنامهم كلها أصبحت ~~مكسرة، فأخرجوا التابوت من بيت الصنم، ووضعوه في ناحية من ~~مدينتهم، فأخذ أهل تلك الناحية وجع في أعناقهم حتى هلك أكثرهم، فقال ~~بعضهم لبعض: أليس قد علمتم أن إله بنو إسرائيل لا يقوم له شيء، ~~فأخرجوا التابوت إلى قرية أخرى، فبعث الله على أهل تلك القرية ~~بلاء حتى كان الرجل منهم يبيت سالما ويصبح ميتا قد أكل ما في ~~جوفه، فأخرجوه منها إلى الصحراء ودفنوه في مخراة لهم، فكان كل من ~~تغوط هنالك منهم أخذه الباسور والقولنج، فتحيروا! فقالت لهم امرأة ~~من بني إسرائيل كانت عندهم قد سبوها: اعلموا أنكم لا تزالون ترون ما ~~تكرهون ما دام التابوت فيكم فأخرجوه عنكم، فأتوا بعجل بإشارة تلك ~~المرأة فحملوا عليها التابوت، ثم علقوها على ثورين ثم ضربوا جنوبها ~~فأقبل الثوران يسيران، ووكل الله أربعة من الملائكة يسوقون ~~الثورين، فلم يمر التابوت بشيء من الأرض إلا كان مقدسا، فأقبلا ~~حتى وقعا على أرض بني إسرائيل فوضعوا التابوت في أرض بني إسرائيل، ~~فلما رأى بنو إسرائيل التابوت كبروا وحمدوا الله وأطاعوا طالوت ~~وأقروا بملكه، فذلك قوله: { تحمله الملائكة } أي ~~تسوقه). # وقال ابن عباس: (جاءت الملائكة بالتابوت تحمله ~~بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى ~~وضعته الملائكة عند طالوت). # وقرأ ابن مسعود ومجاهد والأعمش: (يحمله) بالياء. وعن علي رضي ~~الله عنه: (أن السكينة كان ريحا هفافة لها وجه ~~كوجه الإنسان). # وقوله تعالى: { وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون ~~} يعني أنه كان في التابوت أيضا رضاض الألواح لموسى وعصاه من آس ~~وعمامة هارون وقفيزة من المن وهو الترنجبين الذي كان لبني ~~إسرائيل في طست من ذهب. وقوله تعالى: { تحمله الملائكة } ~~أي تسوقه الملائكة. وقال بعضهم: أرسل الله ريحا انتزعت التابوت من ~~أيدي الكفار، ثم حملته الملائكة فألقته بين يدي طالوت. # قوله تعالى: { إن في ذلك لآية لكم }؛ أي إن في ~~رجوع التابوت إليكم لعلامة أن الله ملك عليكم طالوت، { إن كنتم ~~مؤمنين }؛ أي مصدقين بذلك. ### || [2.249] # قوله عز وجل: { فلما فصل ms0264 طالوت بالجنود قال ~~إن الله مبتليكم بنهر }؛ الآية، أي فلما خرج طالوت من ~~البلد { بالجنود } يعني خرج بهم من بيت المقدس وهم سبعون ألف ~~مقاتل؛ وقيل: ثمانون ألفا، ولم يختلف عنه إلا كبير لهرمه أو مريض ~~لسقمه أو ضرير لضرره أو معذور لعذره. وذلك أنهم لما رأوا ~~التابوت قالوا: قد أتانا التابوت وهو النصر لا شك فيه، فسارعوا إلى ~~الجهاد، فخرج معه خلق كثير؛ فقال: لا حاجة لي في كل ما أرى، ولا ~~أبتغي إلا كل شاب نشيط فارع، ولا يخرج معي صاحب تجارة ولا رجل ~~عليه دين، ولا رجل تزوج امرأة لم يبن بها؛ لأنهم يكونون ~~مشغولين. فاجتمع إليه ثمانون ألفا من شرطه. فخرج بهم في حر شديد، ~~فأصابهم العطش؛ فسألوا الماء؛ فقال لهم طالوت: { إن الله ~~مبتليكم بنهر } أي مختبركم بنهر جار؛ وهو نهر الأردن ~~وفلسطين؛ ليرى طاعتكم وهو أعلم؛ { فمن شرب منه فليس مني ~~}؛ أي فليس من أهل ديني وطاعتي، وليس معي على عدوي، { ومن لم ~~يطعمه }؛ أي ومن لم يشربه، { فإنه مني }؛ ومعي على عدوي، ~~وقد يطلق لفظ الطعم على الشرب، قال الله تعالى: # ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ~~فيما طعموا # [المائدة: 93]. # قوله تعالى: { إلا من اغترف غرفة بيده ~~فشربوا منه }؛ قرأ ابن عباس وأبو الجوزاء وابن كثير وشيبة ~~ونافع وأبو عمرو وأيوب: (غرفة) بفتح الغين، وقرأ الباقون بضمها؛ ~~وهي قراءة عثمان، وهما لغتان. قال الكسائي: (الغرفة بالضم: ~~الذي يجعل في الكف من الماء إذا غرف. والغرفة ~~بالفتح الاغتراف، فالضم اسم والفتح مصدر). وقال ~~أبو حاتم: (الغرفة بالضم: ملئ الكف وملئ ~~المغرفة، وبالفتح الواحدة من القليل ~~والكثير). قال الكلبي ومقاتل: (كانت الغرفة ليشرب ~~منها الرجل وخادمه ودابته). # قيل: ابتلاهم الله بذلك النهر ليميز الصادق من الكاذب، وكان ~~أشمويل هو الذي أخبر طالوت بذلك؛ لأن الله تعالى: # فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من ~~رسول # [الجن: 26-27] فلا يجوز هذا القول إلا من نبي. قوله تعالى: { ~~فشربوا منه } { إلا قليلا منهم }؛ نصب { قليلا ms0265 } ~~على الاستثناء. قرأ ابن مسعود: (إلا قليل) بالرفع، كقول ~~الشاعر: # وكل أخ مفارقه أخوه # لعمرو أبيك إلا الفرقدان # ومعنى الآية: أنه لما عرض لهم النهر وقد اشتد بهم العطش؛ وقعوا ~~فيه فشربوا كلهم أكثر من غرفة إلا قليلا منهم؛ وهم ثلاثمائة وثلاثة ~~عشر رجلا كعدة أهل بدر، قال صلى الله عليه وسلم يوم بدر ~~لأصحابه: # " أنتم على عدد أصحاب طالوت ". # قالوا: فمن اغترف غرفة قوي وصح إيمانه وعبر النهر سالما ~~لكفته تلك الغرفة الواحدة لشربه وخادمه ودوابه. # وأما الذين أخذوا أكثر من ذلك وخالفوا اسودت شفاههم واشتدت ~~عطشتهم فلم يرووا وبقوا على شط النهر وجبنوا عن لقاء ~~العدو ولم يشهدوا الفتح. # قوله تعالى: { فلما جاوزه هو والذين آمنوا ~~معه }؛ يعني لما جاوز طالوت النهر هو والذين صدقوه وهم ~~القليل الذين لم يشربوا إلا مقدار الغرفة، { قالوا }؛ أي قال الذين ~~شربوا وخالفوا أمر الله وكانوا أهل شرك ونفاق: { لا طاقة لنا ~~اليوم بجالوت وجنوده }؛ وانصرفوا عن طالوت ولم يشهدوا قتال ~~جالوت. قال بعض المفسرين: إن القوم كلهم جاوزوا النهر، ثم إن الذين ~~خالفوا في الشرب من النهر اعتزلوا من المطيعين و { قالوا لا ~~طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده }. # قوله تعالى: { قال الذين يظنون أنهم ملاقوا ~~الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن ~~الله }؛ معناه: قال الذين يوقنون ويعلمون أنهم ملاقو الله؛ وهم ~~القليل الذين ثبتوا مع طالوت، { كم من فئة قليلة } أي كم ~~من فرقة قليلة قهرت فرقة عدتها كثيرة بأمر الله ونصرته، وكانت فئة ~~جالوت مائة ألف. والفئة جمع لا واحد له من لفظه. # قوله تعالى: { والله مع الصابرين }؛ أي معهم بالنصر ~~والمعونة. ### || [2.250-251] # قوله تعالى: { ولما برزوا لجالوت وجنوده ~~قالوا ربنآ أفرغ علينا صبرا }؛ معناها: لما خرجوا ~~واصطفوا لمحاربة جالوت وجنوده، قالوا: ربنا أصبب علينا ~~الصبر صبا، { وثبت أقدامنا }؛ في أماكنها في الحرب ~~بتقوية قلوبنا، { وانصرنا على القوم الكافرين }؛ أي ~~أعنا على قوم جالوت بإلقاء الرعب في قلوبهم، { فهزموهم ~~بإذن الله }؛ في هذا الحال؛ لأن ذكر الهزيمة ms0266 بعد سؤال ~~النصر يدل على إجابة الدعاء، كأن الله تعالى قال: فاستجاب الله ~~دعاءهم فهزموهم. # قوله تعالى: { وقتل داود جالوت }؛ قال المفسرون: ~~لما عبر طالوت ومن معه النهر، كان من جملة من عبر معهم أبو داود ~~عليه السلام واسمه إيشا في ثلاثة عشر ابنا له وكان داود أصغرهم، ثم ~~إن جالوت أرسل إلى طالوت: أن أرسل إلي من يقابلني، فإن قتلني ~~فلكم ملكي، وإن قتلته في ملككم. فشق ذلك على طالوت ونادى في ~~عسكره: من قتل منك جالوت زوجته ابنتي وأعطيته نصف مملكتي، فلم ~~يجب أحد منهم وهاب الناس جالوت، فسأل طالوت نبيهم أن يدعو ~~الله، فدعا الله تعالى، فأتى بقرن فيه دهن فقيل له: إن صاحبكم الذي ~~يقتل جالوت هو الذي يضع هذا القرن على رأسه فيغلي الدهن، فدعا ~~طالوت بني إسرائيل فجربهم، فلم يوافق ذلك منهم أحد، فأوحى الله إلى ~~نبيهم أن في أولاد إيشا من يقتل جالوت، فدعا طالوت إيشا وقال ~~له: اعرض علي أولادك، فأخرج له اثنا عشر رجلا أمثال الاسطوانات، ~~وفيهم رجل فارع عليهم، فجعل يعرضهم على القرن، فلم ير شيئا، فلم ~~يزل يردد القرن على ذلك الجسيم حتى أوحى إليه أنا لا نأخذ ~~الرجال على قدر صورهم، بل على إصلاح قلوبهم، فقل لإيشا: هل لك ولد ~~غيرهم؟ فقال: لا، فقال: رب إنه زعم أنه لا ولد له غيرهم، فقال: ~~كذب. فقال له: إن ربك كذبك، فقال: صدق الله، إن لي ابنا ~~صغيرا يقال له داود استحيت أن يراه الناس لقصر قامته ~~وحقارته، فجعلته في الغنم يرعى وهو في شعب كذا، وكان داود عليه ~~السلام قصيرا مشقا أزرقا، فخرج طالوت في طلبه، فوجد الوادي قد ~~سال بينه وبين الزريبة التي كان يريح إليها الغنم، فوجده يحمل ~~شاتين يجوز بهما السيل ولا يخوض بهما الماء، فلما رآه قال: هذا هو ~~لا شك فيه، هذا يرحم البهائم فهو بالناس أرحم. فدعاه فوضع القرن ~~على رأسه؛ ففاض، قال: هل لك أن تقتل جالوت وأزوجك بابنتي وأعطيك ~~نصف مملكتي، ms0267 قال: نعم، قال له: فهل جربت نفسك في شيء، قال: نعم؛ ~~وقع الذئب في غنمي فضربته ثم أخذت برأسه وجسده وقطعت رأسه من ~~جسده، فقال له طالوت: إن الذئب ضعيف، فهل جربت نفسك في غيره، قال: ~~نعم؛ دخل الأسد في غنمي؛ فضربته وأخذت بلحييه فشققتهما. # فمضى به طالوت إلى عسكره، فمر داود بثلاثة أحجار فقلن له: ~~خذنا معك ففينا ميتة جالوت، فأخذهن ثم مضى. فلما تصافوا ~~للقتال وبرز جالوت وسأل المبارزة، انتدب إليه داود، فأعطاه ~~طالوت فرسا ودرعا وسلاحا، فقال داود: إني لم أتعود القتال بهذا، ~~ولكني أقاتله بالمقلاعة كما أريد، فأخذ داود المقلاعة ~~ومضى نحو جالوت. # وكان جالوت من أشد الناس وأقواهم، وكان له بيضة هي ثلاثمائة رطل ~~من حديد، فلما نظر إلى داود ألقى في قلبه الرعب، وكان جالوت على ~~فرس أبلق عليه السلاح التام، قال: برزت إلي بالمقلاعة والحجر ~~لتقتلني كما تقتل الكلب، قال: نعم، لأنك شر من الكلب. قال جالوت: ~~لا جرم لأقسمن لحمك بين سباع الأرض وطيور السماء. فقال ~~داود: بل يقسم الله لحمك، ثم قال داود: باسم إله إبراهيم، ~~وأخرج حجرا ووضعه في مقلاعته، ثم أخرج الحجر الثاني وقال: ~~باسم إله إسحق؛ ووضعه في مقلاعته، ثم أخرج الحجر الثالث، ~~وقال: باسم إله يعقوب؛ ووضعه في مقلاعته، فصارت كلها حجرا ~~واحدا ودور المقلاع ورمى به، فأصاب الحجر أنف البيضة وخلط ~~دماغه وخرج من قفاه، وقتل من ورائه ثلاثين رجلا، وهزم الله الجيش ~~وخر جالوت قتيلا. # فأخذه داود وجره حتى ألقاه بين يدي طالوت ثم قال له: أنجزني ما ~~وعدتني وأعطني امرأتي، فقال له طالوت: أتريد ابنة الملك بغير ~~صداق، قال: ما شرطت علي صداقا، وليس لي شيء. فزوجه ابنته، ~~وأراد أن يدفع إليه نصف ملكه فقال له وزير: إن دفعت إليه ذلك ~~نازعك في الملك وأفسد عليك ملكك، فامتنع طالوت من ذلك وقصد ~~قتله، فهرب داود عليه السلام فندم طالوت فخرج في طلبه حتى أتى على ~~امرأة من قدماء بني إسرائيل وهو يبكي على داود، ms0268 فضرب بابها؛ فقالت: ~~من هذا؟ قال: أنا طالوت، قالت: أنت أشقى الناس؛ طردت داود وقد قتل ~~جالوت وهزم جنوده، قال: إنما أتيتك لأسألك ما توبتي؟ قالت: توبتك ~~أن تأتي مدينة كذا وتقاتل أهلها، فإن فتحتها فهي توبتك، وإن قتلت ~~فهي عقوبتك. # فانطلق طالوت إلى تلك المدينة فقاتل أهلها حتى قتل. فاجمع بنو ~~إسرائيل فملكوا داود عليه السلام من بعده. فذلك قوله تعالى: { ~~وآتاه الله الملك والحكمة }؛ أي جمع له بين الملك ~~والنبوة. والحكمة هي النبوة، ولم يجتمع كلاهما لأحد إلا لداود ~~وسليمان عليهم السلام. قوله عز وجل: { وعلمه مما ~~يشآء }؛ أي علمه الدروع ومنطق الطير وغير ذلك من العلوم، { ~~ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت ~~الأرض }؛ أي ولولا دفع الله بأس المشركين بالغزاة والمجاهدين كما ~~دفع بداود شر جالوت لفسدت الأرض بأهلها لغلبة الكفار. وقيل: معناه: ~~لولا الأنبياء صلوات الله عليهم الداعون إلى سبيله الناهون عن ~~الفساد؛ لفسدت أحوال الناس. # روي في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يقول الله تعالى: لولا رجال ركع؛ وصبيان رضع ~~وبهائم رتع؛ لصب عليكم العذاب صبا " # وقال الحسن: (يزع الله بالسلطان أكثر مما يزع ~~بالقرآن، ولولا السلاطين والأمراء المسلطون ~~على العيارين والدعارة لخرجوا على أهل الصلاح ~~فاستولوا عليهم). # قوله تعالى: { ولولا دفع الله } من قرأ (دفاع) فهو ~~من قولهم: دافع مدافعة ودفاعا؛ والدفع: الصرف. { ~~ولكن الله ذو فضل على العالمين }؛ ذو من عليهم ~~يدفع المفسدين عن المصلحين. ### || [2.252] # قوله عز وجل: { تلك آيات الله نتلوها عليك ~~بالحق }؛ أي القرآن بما فيه من الأخبار الماضية آيات الله ~~بتنزيل جبريل عليه السلام بها عليك لبيان الحق من الباطل، { ~~وإنك لمن المرسلين }؛ لأنك أخبرت بهذه الآيات مع أنك لم ~~تشاهدها ولم تخالط أهلها. وقيل في معنى هذه الآيات: إماتة الله ~~الألوف دفعة واحدة وإحياؤهم دفعة واحدة وإعطاؤه الملك طالوت وهو من ~~أهل الحمول الذي لا ينقاد له الناس، ونصر أصحاب طالوت مع قلة عددهم ~~وضعفهم على جالوت وأصحابه مع شوكتهم وكثرتهم دلاله ms0269 على قدرته ~~وعلى نبوة أنبيائه صلوات الله عليهم. وقوله تعالى: { وإنك ~~لمن المرسلين } لأنك قد أعطيت من الآيات مثل ما أعطي ~~الأنبياء صلوات الله عليهم وزيادة. ### || [2.253] # قوله عز وجل: { تلك الرسل فضلنا بعضهم على ~~بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات }؛ ~~معناه: إن الذي نزلنا عليك خبرهم في القرآن هم الرسل لم يكونوا ~~في الفضل متساوين، ولكن { فضلنا بعضهم على بعض } في ~~الدنيا والعقبى. ثم فسر فضيلة كل واحد منهم فقال: { منهم ~~من كلم الله } وهو موسى عليه السلام كلمه الله من غير ~~سفير، { ورفع بعضهم } فوق بعض { درجات }؛ أي اتخذ الله ~~إبراهيم خليلا، وسخر لسليمان الريح والجن والشياطين وعلمه ~~منطق الطير. وقال مجاهد: (وأراد بهذه الآية فضيلة ~~محمد صلى الله عليه وسلم على جميع الأنبياء صلوات ~~الله عليهم كما قال تعالى: # ورفعنا لك ذكرك # [الشرح: 4]. وقيل: هو إدريس كما قال تعالى: # ورفعناه مكانا عليا # [مريم: 57]. # قوله تعالى: { وآتينا عيسى ابن مريم البينات ~~وأيدناه بروح القدس }؛ أي أعطيناه الدلالات على إثبات ~~نبوته من إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى والإنباء ~~بما غاب عنه، { وأيدناه بروح القدس } أي قويناه ~~وأعناه بجبريل الطاهر حين أرادوا قتله حتى رفعه الله إلى السماء. ~~وقال الحسن: (الروح جبريل، والقدس هو الله تعالى؛ ~~فيصير تقدير الآية: وقويناه بروح الله تعالى). ~~وعن ابن عباس أنه قال: (القدس اسم الله الأعظم الذي ~~كان به عيسى عليه السلام يحيي الموتى). # قوله تعالى: { ولو شآء الله ما اقتتل الذين من ~~بعدهم من بعد ما جآءتهم البينات ولكن ~~اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر }؛ أي لو ~~شاء الله لم يقتتل الذين من بعد الرسل من بعد ما وضحت ~~لهم الحجج والدلائل كما قال تعالى: # ولو شآء الله لجمعهم على الهدى # [الأنعام: 35]. وقيل: معناه: ولو شاء الله لأنزل آية تضطرهم إلى ~~الإيمان وتمنعهم عن الكفر كما قال تعالى: # إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 4]. # وقوله تعالى: { ولكن اختلفوا } أي شاء اختلافهم ~~فاختلفوا. ويقال: لم ms0270 يلجئهم إلى الإيمان؛ لأن التكليف لا ~~يحسن مع الضرورة، والجزاء لا يحسن إلا مع التلجئة. قوله ~~تعالى: { ومنهم من كفر } أي بالكتب والرسل. # قوله تعالى: { ولو شآء الله ما اقتتلوا ~~ولكن الله يفعل ما يريد }؛ أي ولو شاء الله لم يقتتلوا ~~مع اختلافهم بأن يأمر المؤمنين بالكف عن القتال، وبأن يلجئهم ~~جميعا إلى ترك القتال، { ولكن الله يفعل ما يريد ~~} من تقدير الاتفاق والاختلاف وغير ذلك من ما توجبه ~~الحكمة. ### || [2.254] # قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا أنفقوا ~~مما رزقنكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ~~ولا خلة ولا شفاعة }؛ حث على الانفاق في الجهاد في سبيل ~~الله. وقيل: هو الأمر بالزكاة المفروضة. وقوله تعالى: { من ~~قبل أن يأتي يوم } يعني يوم القيامة { لا بيع فيه } ~~أي ليس فيه فداء { ولا خلة } أي ليس فيه خلة لغير ~~المؤمنين. وأما المؤمنون فتكون لهم خلة كما قال تعالى: # الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا ~~المتقين # [الزخرف: 67]. قوله تعالى: { ولا شفاعة } أي لغير ~~المؤمنين، وأما المؤمنون فيشفع بعضهم لبعض ويشفع لهم الأنبياء ~~والرسل عليهم السلام. # قوله تعالى: { والكفرون هم الظلمون }؛ أي هم ~~الذين ظلموا أنفسهم حتى لا خلة لهم ولا شفاعة. وكان عطاء يقول: ~~(الحمد لله الذي لم يقل: والظالمون هم ~~الكافرون؛ لأن كل كافر ظالم وليس كل ظالم ~~كافرا). ### || [2.255] # قوله عز وجل: { الله لا إله إلا هو الحي ~~القيوم }؛ ذكر وحدانية الله تعالى وصفته؛ ليعلم أن من كان ~~بهذه الصفة لا يخفى عليه كفر من كفر ومعصية من عصى؛ فيجازي ~~كل عابد على ما عمل. فأول هذه الآية نفي معبود الكفار ~~وإثبات معبود المؤمنين؛ وإثبات الشيء مع نفي غيره أبلغ في الإثبات، ~~كأنه قال: { الله لا إله إلا هو } دون غيره، وهو ~~المعبود لا معبود للخلق سواه. # ومعنى { الحي القيوم } الدائم الذي لا يموت موصوف بالبقاء ~~على الأبد، وبه حيى كل حي. وأما القيوم فهو القائم بتدبير ~~الخلق في شأنهم وأرزاقهم وأعمالهم وآجالهم ومجازاتهم على عملهم، ~~وقيل: معنى القيوم ms0271 العالم بالأمور من قولهم: فلان يقوم بهذا الكتاب؛ ~~أي يحسنه ويعلم ما فيه. وقيل: معنى { الحي القيوم } الدائم ~~الذي لا يزول. # قوله عز وجل: { لا تأخذه سنة ولا نوم }؛ أي لا ~~يأخذه نعاس ولا نوم. والنعاس: اسم لأول ما يدخل في الرأس من ~~النوم قبل وصوله إلى القلب. والنوم هو الذي يصل إلى القلب ~~فيستثقل. ومعنى الآية: لا يغفل عن تدبير الخلق، فإن قيل: ما معنى ~~نفي النوم بعد نفي النعاس؟ قلنا: مثل هذا اللفظ إنما يكون لنفي ~~قليل النوم وكثيره، ونظيره قول العرب: فلان لا يملك قليلا ولا ~~كثيرا. # قوله تعالى: { له ما في السموت وما في الأرض ~~}؛ أي هو مالك السموات والأرض وما فيهما، كلهم عبيده وإماؤه وتحت قبضته ~~وقدرته. # قوله تعالى: { من ذا الذي يشفع عنده إلا ~~بإذنه }؛ هذا جواب عن قول المشركين في أصنامهم: # هؤلاء شفعاؤنا عند الله # [يونس: 18] و # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # [الزمر: 3]؛ أي لا يشفع أحد لأحد عند الله إلا بأمره ورضائه، كما يشفع ~~المؤمنون بعضهم لبعض بالدعاء، وكما يشفع الأنبياء للمؤمنين. # قوله تعالى: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~}؛ أي { يعلم ما بين أيديهم } من أمر الآخرة، { وما ~~خلفهم } من أمر الدنيا. قال مجاهد: على العكس من هذا. وقيل: ~~يعلم الغيب الذي تقدمهم والذي يكون بعدهم. # قوله تعالى: { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا ~~بما شآء }؛ أي لا يعلمون الغيب لا مما تقدمهم ولا مما ~~يكون بعدهم إلا بما شاء الله أن يعلموه، وهو ما أنبأ به الأنبياء ~~صلوات الله عليهم. # قوله تعالى: { وسع كرسيه السموت والأرض }؛ ~~قال ابن عباس: (كرسيه: علمه)، فلا يخفى عليه شيء ~~مما في السماوات والأرض. وقيل: وسعت قدرته التي يمسك ~~بها السماوات والأرض. وقال الحسن: (الكرسي: هو العرش)، ~~ويقال: هو سرير دون العرش، ويقال: هو مكان خلق الله فيه السموات ~~والأرض. وقال عطاء والكلبي ومقاتل: (السماوات السبع ~~والأرضون السبع تحت الكرسي في الصغر كحلقة ~~في فلاة) # وقال الكلبي: (يحمل العرش أربعة أملاك، لكل ملك ms0272 ~~أربعة أوجه؛ وجه إنسان، ووجه ثور، ووجه أسد، ~~ووجه نسر. # أقدامهم في الصخرة التي تحت الأرضين بمسيرة خمسمائة عام، وبين ~~السماء السابعة وبين الكرسي مسيرة خمسمائة عام، والعرش فوق ~~الماء). # قوله عز وجل: { ولا يؤوده حفظهما }؛ أي لا يثقله ~~ولا يشق عليه حفظ السماوات والأرض، وقوله تعالى: { وهو ~~العلي العظيم }؛ أي العلي عن الأشباه والأمثال وصفات ~~المحدثين، عظيم الشأن والسلطان والبرهان. # روى محمد بن الحنفية قال: (لما نزلت آية الكرسي خر ~~كل صنم في دار الدنيا؛ وخر كل ملك في الدنيا ~~على وجهه؛ وسقطت التيجان عن رؤوسهم، وهربت ~~الشياطين وضرب بعضهم على بعض حتى اجتمعوا ~~إلى إبليس فأخبروه بذلك، فأمرهم أن يبحثوا؛ ~~فجاءوا إلى المدينة فبلغهم أن آية الكرسي ~~نزلت). # وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة؛ ~~أعطاه الله قلوب الشاكرين وأعمال الصديقين ~~وثواب النبيين، وبسط على يمينه بالرحمة، ~~ولم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت ~~فيدخلها، ومن قرأها حين يأخذ مضجعه أمنه ~~الله وجاره وجار جاره والدويرات حوله ". ### || [2.256] # قوله عز وجل: { لا إكراه في الدين }؛ الآية، اختلف ~~المفسرون في هذه الآية على ثلاثة أقوال؛ قال السدي والضحاك: (إن ~~هذه الآية نزلت قبل الأمر بقتال المشركين، ~~كما قال تعالى: # ادفع بالتي هي أحسن # [فصلت: 34]، وكان القتال غير مباح في أول الإسلام ~~إلى أن قامت عليهم الحجة الصحيحة بصحة ~~نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما عاندوا بعد ~~البيان أمر الله المسلمين بقتالهم لقوله ~~تعالى: # فاقتلوا المشركين # [التوبة: 5] وغير ذلك من آيات القتال). # وقال الحسن وقتادة: (إن هذه الآية خاصة في أهل ~~الكتاب أن لا يكرهوا على الإسلام بعد أن يؤدوا ~~الجزية، وأما مشركو العرب فلا يقرون بالجزية ~~ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف). # والقول الثالث: أن معناه: من دخل في الإسلام بمحاربة المسلمين ثم ~~رضي بعد الحرب فليس بمكره؛ أي لا يقولوا لهم: إنما أسلمتم كرها؛ ~~فلا إسلام لكم. ms0273 # ومعنى الآية: { لا إكراه } في الإسلام؛ أي لا تكرهوا على ~~الإسلام، { قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر ~~بالطاغوت ويؤمن بالله }؛ أي قد وضح الطريق المستقيم من ~~الطريق الذي ليس بمستقيم بما أعطاه الله أنبيائه من المعجزات، فلا ~~تكرهوا على { الدين }. ودخول الألف واللام في (الدين) لتعريف ~~المعهود. # قوله تعالى: { فقد استمسك بالعروة الوثقى ~~لا انفصام لها }؛ أي فمن يكفر بما أمر الله أن يكفر به، ~~ويصدق بالله وبما أمر به، فقد عقد لنفسه من الدين عقدا وثيقا لا ~~تحله حجة من الحجج لا انقطاع لها بالشبهة والشكوك. قوله ~~تعالى: { والله سميع عليم }؛ أي سميع لما يعقده الإنسان ~~في أمر الدين، عالم بنيته في ذلك. # والغي: نقيض الرشد. والطاغوت: مأخوذ من الطغيان، والطاغوت ~~اسم للأصنام والشياطين وكل ما يعبد من دون الله تعالى. ### || [2.257] # قوله عز وجل: { الله ولي الذين آمنوا يخرجهم ~~من الظلمات إلى النور }؛ معناه: الله ولي المؤمنين في ~~نصرهم وإظهارهم وهدايتهم في إقامة الحجة في دينهم، ومتولي خزانتهم ~~على حسن عملهم، يخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الهدى. # وقوله تعالى: { والذين كفروا أوليآؤهم ~~الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات ~~أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }؛ معناه: ~~والذين جحدوا توحيد الله أولياؤهم الذين يتولونهم الطاغوت. # ومعنى: { يخرجونهم من النور إلى الظلمات } ، ولم ~~يكن لهم نور؛ قيل: أراد به اليهود والنصارى الذين كانوا على دين عيسى ~~عليه السلام؛ خرجوا من التوحيد الذي كانوا فيه إلى الكفر بمحمد ~~صلى الله عليه وسلم. ### || [2.258] # وقوله عز وجل: { ألم تر إلى الذي حآج إبراهيم ~~في ربه أن آتاه الله الملك }؛ أي ألم تعلم يا محمد ~~بالذي جادل إبراهيم في ربه؛ أي هل رأيت كالذي { حآج إبراهيم ~~في ربه أن آتاه الله الملك } أي بأن أعطاه الله الملك ~~وأعجب بملكه وسلطانه وهو نمرود بن كنعان أول من تجبر في ~~الأرض بادعاء الربوبية فخاصم إبراهيم في توحيده. وقيل: إن ~~الهاء في قوله { آتاه } راجعة إلى إبراهيم عليه السلام، و { ~~الملك } هو النبوة ووجوب طاعته ms0274 على الناس. # قوله تعالى: { إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ~~ويميت }؛ وذلك أن نمرود قال لإبراهيم: من ربك؟ قال: { ~~إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت } عند انقضاء الأجل. ~~ف { قال }؛ نمرود: { أنا أحيي وأميت } قال إبراهيم: ~~ائتني ببيان ذلك؟ فأتى برجلين من سجنه وجب عليهما القتل؛ فقتل ~~أحدهما وترك الآخر. فقال: هذا قد أحييته، وهذا قد أمته. { قال ~~إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق ~~فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر }؛ أي تحير ~~وانقطع بما ظهر عليه من الحجة، { والله لا يهدي القوم ~~الظالمين }؛ أي لا يرشد المشركين إلى دينه وحجته. # فإن قيل: لم لم يثبت إبراهيم على الحجة الأولى؛ والانتقال ~~من الحجة إلى حجة أخرى في المناظرة غير محمود؟ قيل: عنه أجوبة: # أحدها: أن إبراهيم كان داعيا ولم يكن مناظرا، فمى كان يراه أقرب ~~إلى الهداية أخذ به. # والثاني: أنه روي أنه قال لنمرود: إنك أمت الحي ولم تحيي ~~الميت، والانتقال بعد الإلزام محمود. # والثالث: أن نمرود كان عالما أن ما ذكره ليس بمعارضة وكان من حوله ~~من أصحابه يوقنون بكذبه في قوله: { أنا أحيي وأميت } لكن ~~أراد التمويه على أغمار قومه كما قال فرعون للسحرة حين آمنوا: أن هذا ~~المكر مكرتموه في المدينة، كذلك فعل نمرود بقوله: { أنا أحيي ~~وأميت }. فترك إبراهيم إطالة الكلام، وعدل إلى حجة مسكتة ~~لا يمكنه التمويه فيها. # فإن قيل: فهلا قال نمرود لإبراهيم: إن مجيء الشمس هو العادة؟ ~~فقل لربك حتى يأتي بها من المغرب! قيل: علم لما رأى من المعجزات ~~التي ظهرت أنه لو سأله ذلك لأتى به. فكان يزداد فضيحة عند الناس. ~~وقيل: خذله عن هذا القول، فلم يوفق للسؤال. # قوله تعالى: { فبهت الذي كفر } البهت في اللغة: هي ~~مواجهة الرجل بالكذب عليه؛ يقال: بهت يبهت بهتانا، ~~وباهت يباهت مباهتة. وفي الحديث: # " إن اليهود قوم بهت " # أي كذبة. والبهت الحيرة عند انقطاع الحجة أيضا. وفيه لغات: ~~بهت وبهت وبهت، وأجودها بهت بضم الباء. ### || [2.259] # قوله عز وجل: { أو كالذي مر على ms0275 قرية وهي ~~خاوية على عروشها }؛ عطف هذه الآية على معنى الكلام الأول ~~لا على اللفظ، كأنه قال: أرأيت كالذي # حآج إبراهيم في ربه # [البقررة: 258] { أو كالذي مر على قرية }. # قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية في عزير بن ~~شريحيا، وكان من علماء بني إسرائيل، سباه ~~بختنصر من بيت المقدس إلى أرض بابل حين ~~سلطه الله عليه فخرب بيت المقدس، فخرج ~~عزير في أرض بابل ذات يوم على حمار، فمر بدير ~~هرقل على شاطئ دجلة، فطاف بالقرية فلم ير ~~بها ساكنا وعامة شجرها حامل، فجعل يتعجب من ~~خراب القرية وموت أهلها وكثرة حملها وهي ~~ساقطة على سقوفها. وذلك أن السقف يقع قبل ~~الحيطان، ثم تقع الحيطان عليه، فأخذ شيئا ~~من التين والعنب، وعصر العنب فشرب منه، ثم ~~جعل فضل التين في سلة وفضل العنب في الأخرى ~~وفضل العصير في الزق، ثم نظر إلى القرية ف { ~~قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها }؛ أي كيف ~~يحيي الله هذه القرية بعد خرابها وموت أهلها!؟ # لم يكن هذا القول منه إنكارا للبعث، لكن ~~أحب أن يرى كيف يحيي الله الموتى فيزداد بصيرة ~~في إيمانه، فنام في ذلك الدير؛ { فأماته الله } ~~في منامه؛ { مئة عام }؛ وأعمى عنه السباع والطير، ~~ثم أحياه فنودي: يا عزير: { كم لبثت }؟ وكان ~~أميت في صدر النهار، { ثم بعثه }؛ بعد مائة ~~سنة في آخر النهار، فظن أن مقدار لبثه يوم، { ~~قال كم لبثت }؟ ف { قال لبثت يوما } ، فلما ~~نظر إلى الشمس قد بقي منها شيء، فقال: { أو ~~بعض يوم }؛ فنودي؟. { قال بل لبثت مئة عام }؛ ~~ميتا، { فانظر إلى طعامك } ، من التين والعنب، { ~~وشرابك } ، العصير، { لم يتسنه }؛ أي لم ~~يتغير طعمها بعد مائة عام ولم تغيرها ~~السنون؛ فنظر فإذا بالعنب والتين كما شاهده ~~وبالعصير طريا. # ثم قيل له: { وانظر إلى حمارك }؛ فنظر فإذا ~~هو عظام بيض تلوح قد تفرقت أوصاله، فسمع ~~صوتا: (أيتها العظام البالية إني جاعل فيكن ~~روحا فاجتمعن) فارتهشت العظام وسعى بعضها إلى ~~بعض، قال: فرأيت الصلب يسعى كل فقرة ms0276 منها ~~إلى صاحبتها، ثم رأيت الوركين يسعيان إلى ~~مكانهما؛ والساقين إلى مكانهما؛ والعطفين إلى ~~مكانهما، ثم رأيت كل الأضلاع يسعى كل واحد ~~منهم إلى فقرته، ثم رأيت الكعبين سعيا إلى ~~مكانهما؛ والذراعين إلى مكانهما، ثم رأيت ~~العنق يسعى كل فقرة منه إلى صاحبتها، ثم جاء ~~الرأس إلى مكانه، ثم رأيت العصب والعروق ~~واللحم ألقي عليه، ثم بسط عليه الجلد، ثم ~~دري عليه الشعر، ثم نفخ فيه الروح، فإذا هو ~~قائم ينهق. فخر عزير ساجدا لله تعالى؛ وقال ~~عند ذلك: { أعلم أن الله على كل شيء قدير }. # قال ذلك حين تبين له من كمال القدرة ~~البلاء في حماره؛ والموت في نفسه؛ والبقاء في ~~العنب والعصير اللذين هما من أسرع الأشياء ~~فسادا أو تغيرا، ثم مشاهدة البعث بعد ~~الموت. # قال ابن عباس: (وبعث وهو شاب ابن أربعين سنة على ~~السن الذي أميت عليها، وكان ابنه في ذلك ~~الوقت ابن عشرين سنة، فصار لابنه مائة ~~وعشرون سنة، ولعزير أربعين سنة على السن ~~التي أميت عليها، فذلك قوله تعالى: { ~~ولنجعلك آية للناس }؛ ثم إنه رجع إلى بني ~~إسرائيل وهو يقرأ التوراة كلها عن ظهر ~~قلبه، فأملاها عليهم لم يخرم منها حرفا ~~واحدا، وكانت التوراة قد ذهبت عنهم، فجاءهم ~~رجل من بني إسرائيل فانتسب لهم فعرفوه، قال: ~~أخبرني جدي أنه قال: دفنت التوراة يوم سبينا ~~في خابئة كرمي، فأروه كرم جده فأخرج ~~التوراة فعارضوها بما أملاها عزير فما اختلافا ~~في حرف واحد، فتعجبوا من كثرة علمه وحداثة ~~سنه، فقال بعضهم: عزير ابن الله). # وقال الحسن وقتادة والربيع: (إن القرية المذكورة في ~~هذه الآية هي بيت المقدس بعدما خربه ~~بختنصر). وكان وهب بن منبه يقول: (كان المار بهذه ~~القرية أرميا النبي عليه السلام). # وقيل: معنى { خاوية } أي خالية لا أنيس فيها، يقال: خوت ~~الدار إذا خلت، وخوي البطن إذا جاع. وسمي السقف عرشا ~~لارتفاعه عن أرضه، ويسمى السرير عرشا لارتفاعه عن الأرض. # قوله تعالى: { وانظر إلى العظام كيف ننشزها ~~ثم نكسوها لحما } ، { ننشزها } من قرأ بالراء ms0277 المهملة ~~فمعناه يحيها من النشر؛ يقال: أنشره الله إذا أحياه، ومنه ~~قوله تعالى: # ثم إذا شآء أنشره # [عبس: 22]. ومن قرأ (ننشزها) بالزاء المعجمة فمعناه يرفعها ويعلي ~~بعضها على بعض من النشز وهو المكان المرتفع، ومنه نشوز المرأة ~~على زوجها: ترفعها عن طاعته. # قوله تعالى: { فلما تبين له قال أعلم أن ~~الله }؛ من قرأ (أعلم) بقطع الألف؛ أي قال عزير: علمت مشاهدة ما ~~كنت أعلمه غيبا. ومن قرأ (أعلم) بالوصل فمعناه قال لنفسه: { ~~أعلم أن الله } { على كل شيء قدير }. ### || [2.260] # قوله عز وجل: { وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف ~~تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ~~ليطمئن قلبي }؛ تقدير الآية: ألم تر إذ قال إبراهيم؛ ~~ويقال: واذكر إذ قال إبراهيم. قال ابن عباس: ((سبب هذه ~~القصة: أن إبراهيم عليه السلام مر بجيفة على ~~ساحل البحر، تنقض عليها طيور السماء فتأخذ ~~منها بأفواهها فتأكله، ويسقط من أفواهها في ~~البحر فيأكل منه الحيتان، وتجيء السباع ~~فتأخذ منه عضوا. فوقف متعجبا!! وقال: { رب ~~أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن } أي ~~أولم تصدق بأني أحيي الموتى؟ { قال بلى } ~~عرفت، ولكن أحببت أن أعلم كيف تحيي هذه ~~النفس التي أرى بعضها في بطون السباع؛ وبعضها ~~في بطون الحيتان؛ وبعضها في حواصل الطير. ~~فذلك قوله تعالى: { ولكن ليطمئن قلبي } ). ~~وقيل: معنى { ولكن ليطمئن قلبي } أي ليسكن قلبي أنك ~~أعطيتني ما سألتك. وقيل: إنك اتخذتني خليلا. # { قال }؛ الله تعالى: { فخذ أربعة من الطير ~~فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن ~~جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا }؛ وذلك أن إبراهيم عليه ~~السلام لما مر بالجيفة وقد توزعتها الطيور والسباع والحيتان، ~~تعجب وقال: يا رب قد علمت بأنك تجمعها من بطون السباع وحواصل ~~الطير وبطون الحيتان، فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك فأزداد ~~يقينا؟ قال الله تعالى له: { أولم تؤمن قال بلى } يا رب ~~آمنت وليس الخبر كالمعاينة والمشاهدة. # وقال ابن زيد: (مر إبراهيم عليه السلام بحوت ميت ~~نصفه في البحر ونصفه في البر، فما كان في ~~البحر ms0278 فدواب البحر تأكله، وما كان في البر ~~فدواب البر تأكله، فقال إبليس لعنة الله ~~عليه: يا إبراهيم، متى يجمع الله هذا من بطون ~~هؤلاء؟! فقال: { رب أرني كيف تحيي الموتى * ~~قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } ~~بذهاب وسوسة الشيطان ويصير الشيطان خاسئا ~~صاغرا). # وروي أن نمرود قال لإبراهيم: أنت تزعم أن ربك يحيي الموتى ~~وتدعوني إلى عبادته، فقل له يحيي الموتى إن كان قادرا، وإلا ~~أقتلك. فقال إبراهيم: { رب أرني كيف تحي الموتى * قال ~~أولم تؤمن } بأني أحييهم، ف { قال بلى ولكن ~~ليطمئن قلبي } بقوة حجتي ونجاتي من القتل، فإن عدو ~~الله توعدني بالقتل إن لم تحيي له ميتا. # وقال ابن عباس وابن جبير والسدي: (لما اتخذ الله ~~إبراهيم خليلا، سأل ملك الموت ربه أن يأذن ~~له فيبشر إبراهيم بذلك فأذن له، فأتى إلى ~~إبراهيم وقال: يا إبراهيم، جئت أبشرك بأن ~~الله اتخذك خليلا، فحمد الله تعالى؛ وقال: ما ~~علامة ذلك؟ قال: أن يجيب الله دعاءك ويحيي ~~الموتى بسؤالك. ثم انطلق ملك الموت، فقال ~~إبراهيم: { رب أرني كيف تحيي الموتى * قال ~~أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } أي ~~ليعلم أنك تجيبني إذا دعوتك. # وتعطيني إذا سألتك وإنك اتخذتني خليلا). # روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " يرحم الله إبراهيم عليه السلام نحن أحق بالشك ~~منه " # يعني إنما شك إبراهيم أيجيبه ربه إلى ما سأل أم لا؟ # قوله تعالى: { فخذ أربعة من الطير } مختلفة ~~أجناسها وطباعها ليكون أبلغ في القدرة، وخص الطير من سائر ~~الحيوان لخاصية الطيران. واختلفوا في تلك الأربعة من الطيور؛ فقال ~~ابن عباس: (أخذ طاووسا ونسرا وغرابا وديكا). وقال ~~مجاهد وابن جريج: (أخذ غرابا وديكا وطاووسا وحمامة). ~~وعن أبي هريرة: (أنه أخذ الطاووس والديك والغرنوق ~~والحمامة). وقال عطاء: (أخذ قطاة خضرا وغرابا ~~أسودا وحمامة بيضاء وديكا أحمر). # قوله تعالى: { فصرهن إليك } قرأ علي رضي الله عنه ~~وأبو الأسود والحسن وعكرمة والأعرج وشيبة ونافع وابن كثير وابن ~~عامر وعاصم والكسائي وأبو عمرو ms0279 ويعقوب وأيوب: (فصرهن) بضم ~~الصاد، معناه: أملهن إليك. يقال: صرت الشيء أصوره؛ أي ~~أملته. ويقال: رجل أصور إذا كان مائل العنق. ويقال: إني ~~إليكم لأصور؛ أي لمائل مشتاق، وامرأة صوراء أي مشتاقة ~~مائلة. قال الشاعر: # الله يعلم أنا في تلفتنا # يوم الفراق إلى جيراننا صور # وقال عطاء والمورج وعطية: (معنى { فصرهن } أي ~~اجمعهن واضممهن إليك). يقال: صار يصور صورا إذا ~~جمع. قال أبو عبيد وابن الأنباري: (معنى { فصرهن } أي ~~قطعهن ومزقهن، يقال: صار يصير صيرا إذا ~~قطع؛ وانصار الشيء ينصار انصيارا إذا انقطع). ~~وأنشد بعضهم بيتا في اللغز: # وغلام رأيته صار كلبا # ثم في ساعتين صار غزالا # أي قطع. # وقرأ علقمة وسعيد بن جبير وقتادة ويحيى بن وثاب والأعمش وخلف: ~~(فصرهن) بكسر الصاد، معناه قطعهن. قال أبو العباس ~~السراج: (هما لغتان للعرب). وعن ابن عباس روايتان؛ ~~إحداهما: (فصرهن) مفتوحة الصاد مشددة الراء مكسورة من ~~التصرية وهي الجمع ومنه المصراة. والأخرى: (فصرهن) ~~بضم الصاد وفتح الراء والتشديد من الصر وهي في معنى الجمع. # فمن تأوله على القطع والتمزيق ففيه تقديم وتأخير، تقديره: فخذ ~~أربعة من الطير إليك، فصرهن. ومن تأوله على الضم ~~والإمالة؛ ففيه إضمار معناه: فصرهن إليك ثم قطعهن، فحذفه ~~واكتفى بقوله: { ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ~~} لأنه يدل عليه، وهذا كما قال: خذ هذا الثوب واجعل منه على كل ~~رمح علما. # قوله تعالى: { ثم اجعل على كل جبل منهن ~~جزءا } لفظه عام ومعناه خاص؛ لأن { أربعة من ~~الطير } لا تبلغ الجبال كلها، ولا كان إبراهيم يصل إلى ذلك، ~~وهذا كقوله تعالى: # وأوتيت من كل شيء # [النمل: 23] وقوله: # تدمر كل شيء # [الأحقاف: 25]. وقوله: { جزءا } قرئ برفع الزاء مثقل بالهمزة ~~مخففا وهي لغات. # وقال المفسرون: أمر الله إبراهيم أن يذبح تلك الطيور وينتف ريشها ~~ويقطعها ويفرق أجزاءها ويخلط ريشها ودماءها ولحومها بعضها ببعض، ~~ففعل إبراهيم ذلك، ثم أمر أن يجعل أجزاءها على الجبال. # واختلفوا في عدد الأجزاء والجبال، فقال ابن عباس وقتادة والربيع: ~~(أمر أن يجعل كل طائر أربعة ms0280 أجزاء ثم يعمد ~~إلى أربعة أجبل، فيجعل على كل جبل ربعا من ~~كل طائر، ثم يدعوهن: تعالين بإذن الله). وهذا مثل ~~ضربه الله لإبراهيم وأراه إياه، يقول: كما بعثت الطيور من هذه ~~الجبال الأربعة يبعث الناس يوم القيامة من بقاع الأرض ونواحيها. # وقال ابن جريج والسدي: (جزأها سبعة أجزاء ووضعها ~~على سبعة أجبال، وأمسك رؤوسهن عنده ثم ~~دعاهن: تعالين بإذن الله، فجعل الريش كل ريشة ~~تطير إلى الأخرى، وكل قطرة من الدم تطير إلى ~~الأخرى، وكل عظم يطير إلى الآخر، وكل قطعة ~~تطير إلى الأخرى، وإبراهيم ينظر حتى التقت ~~كل جثة بعضها إلى بعض حتى سواهن الله تعالى. ~~ثم جئن يسعين على أرجلهن بغير رؤوس، فعلق ~~عليهن إبراهيم رؤوسهن). # واختلفوا في معنى السعي؛ قال بعضهم: هو الإسراع في المشي. وقال ~~بعضهم: مشيا على أرجلهن. والحكمة في المشي دون الطيران كونه ~~أبلغ في الحجة وأبعد من الشبهة؛ لأنها لو طارت لتوهم ~~متوهم أنها غير تلك الطيور، أو أن أرجلها غير سليمة. # قال أبو الحسن الأقطع: (صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " لكل آية ظهر وبطن " # فظاهر هذه الآية ما ذكره المفسرون، وباطنها ~~أن إبراهيم أمر بذبح أربعة أشياء في نفسه ~~بسكين اليأس كما ذبح في الظاهر الأربعة الطيور ~~بسكين الحديد، فالنسر مثل لطول العمر ~~والأمل؛ والطاووس زينة الدنيا وبهجتها، ~~والغراب الحرص؛ والديك الشهوة). # قوله تعالى: { واعلم أن الله عزيز حكيم }؛ أي ~~غالب على كل شيء لا يمتنع عليه ما يريد؛ { حكيم } فيما يريد ~~لا يفعل إلا ما فيه حكمة، قال بعضهم: كانت هذه القصة قبل أن ~~يولد لإبراهيم ولد؛ وقبل أن تنزل عليه الصحف، وكان يومئذ ~~ابن خمس وتسعين سنة. ### || [2.261] # قوله عز وجل: { مثل الذين ينفقون أموالهم في ~~سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل ~~سنبلة مئة حبة }؛ وجه اتصال هذه الآية بما قبلها آية ~~أخرى فيما تقدم ذكر النفقة في الجهاد بقوله تعالى: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # [البقرة: 245]، ثم ذكر ms0281 ما كان من مسألة قوم أشمويل من الله أن يبعث ~~له ملكا يقاتلون معه أعداءهم، وكانت الغلبة لهم مع قلة عددهم، ثم ~~عقبه الله تعالى بذكر أمور تدل على واحدانيته، فبين أن ~~الكفر بعد هذه الآيات أعظم وأشنع، فمن كفر بعد هذا ~~فقاتلوه وأنفقوا في القتال، فإن النفقة في القتال تكون ~~بسبعمائة. # وعن ابن عباس: (نزلت هذه الآية والتي بعدها في ~~شأن عثمان بن عفان وعبدالرحمن بن عوف رضي ~~الله عنهما. أما عثمان فجاء إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم في غزوة تبوك، فقال: علي جهاز من لا جهاز ~~له، وأشتري بئر رومة وأجعلها سبيلا للمسلمين. ~~وأما عبدالرحمن فكان له ثمانية آلاف، فجاء ~~بأربعة آلاف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن ~~لي ثمانية آلاف؛ أمسكت نصفها لنفسي ولعيالي؛ ~~وأقرضت نصفها لربي وهي هذه. فقال صلى الله عليه ~~وسلم: # " بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت " # وأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبضت منه). # ومعنى الآية: صفة { الذين ينفقون أموالهم في } طاعة ~~الله كصفة { حبة } ألقيت في الأرض وأخرجت { سبع ~~سنابل في كل سنبلة مئة حبة } أي كما تكون الحبة ~~واحدة والمكتسب منها سبعمائة، فكذلك النفقة تكون واحدة والمكتسب بها ~~سبعمائة ضعف. # قوله تعالى: { والله يضاعف لمن يشآء }؛ أي كما ~~يضاعف الله في زرع الزراع الحادث من البذر الجيد في ~~الأرض العامرة، كذلك يضاعف للمرء الصالح ثواب صدقته بالمال ~~الطيب إذا وضعه في موضعه. يضاعف لمن يشاء من السبع إلى ~~السبعين إلى سبعمائة إلى مائة ألف إلى ما شاء الله من الأضعاف ~~مما لا يعلمه إلا هو. # قوله تعالى: { والله واسع عليم }؛ أي غني بتلك ~~الأضعاف { عليم } بمن ينفق. وقيل: معناه: { والله واسع ~~} الفضل، جواد لا ينقصه ما يتفضل به من السعة والمضاعفة؛ { ~~عليم } بمن يستحق الزيادة. # والفائدة في تخصيص السبع في الآية ما قالوا: إن السبع أشرف ~~الأعداد كما روي عن ابن عباس أنه قال: (كادت الأشياء تكون ~~كلها سبعا؛ فإن السماوات سبع؛ والأرضون سبع؛ ms0282 ~~والكواكب السيارة سبع؛ والبحار سبعة؛ وأيام ~~الأسبوع سبعة؛ وسجود العبد على سبعة أعضاء). # وأجمع أهل التفسير إلا السدي: أن العدة المضاعفة بسبعمائة ~~مختصة بالإنفاق في الجهاد؛ وأما غير ذلك من الطاعات؛ فالحسنة ~~بعشر أمثالها كما قال الله تعالى: # من جآء بالحسنة فله عشر أمثالها # [الأنعام: 160]. ### || [2.262] # قوله عز وجل: { الذين ينفقون أموالهم في سبيل ~~الله ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولا أذى }؛ ~~نزلت في شأن النفقة التي يستحق بها الثواب المضاعف؛ ~~معناه: { الذين ينفقون أموالهم في } طاعة الله { ~~ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا } على السائل نحو أن ~~يقول للسائل إذا وقع بينه وبينه خصومة: أعطيتك كذا، وأحسنت إليك، ~~وما أشبهه مما يبغض على السائل. وأصله من القطع؛ يقال: مننت ~~الشيء إذا قطعته؛ ومنه قوله تعالى: # فلهم أجر غير ممنون # [التين: 6] أي غير مقطوع، ويقال: جبل منين؛ أي مقطوع. وقيل: ~~أصل المنة النعمة، يقال: من (يمن) إذا أعطى وأنعم، قال ~~الله تعالى: # هذا عطآؤنا فامنن أو أمسك # [ص: 39] أي أعط أو أمسك. # وقال الكلبي: (نزلت هذه الآية في عثمان ~~وعبدالرحمن بن عوف، أما عثمان رضي الله عنه ~~فجهز المسلمين في غزوة تبوك بألف بعير ~~بأقتابها وأحمالها). # " وروي أن عثمان جاء بألف مثقال في جيش العسرة فصبها في ~~حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان صلى الله عليه وسلم ~~يدخل يده فيها ويقلبها ويقول: " ما يضر ~~عثمان ماذا عمل بعد اليوم ". وقال أبو سعيد الخدري: ~~رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رافعا يديه يدعو ~~لعثمان ويقول: " يا رب، عثمان رضيت عنه فارض ~~عنه " فما زال يدعو رافعا يديه حتى طلع الفجر ~~" # ، فأنزل الله هذه الآية. وأما عبدالرحمن بن عوف فقد ذكرنا ~~صدقته. # قوله تعالى: { ولا أذى } أي لا يؤذي السائل؛ لا يعيره ~~ولا يزجره؛ نحو أن يقول: أنت أبدا في فقر وما أبلانا بك، وأراحنا ~~الله منك، وأعطيناك فما شكرت، وما أشبه ذلك. قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " المان بما يعطي لا يكلمه الله يوم القيامة ~~ولا ينظر ms0283 إليه ولا يزكيه وله عذاب أليم " # فحظر الله المن بالصنيعة على عباده واختص به صفة لنفسه؛ ~~لأنه من العبد تعيير وتكدير؛ ومن الله تعالى إفضال ~~وتذكير. قال بعضهم: # أفسدت بالمن ما قدمت من حسن # ليس الكريم إذا أعطى بمنان # قوله تعالى: { لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون }؛ أي { لا خوف عليهم } فيما ~~يستقبلهم من أهوال يوم القيامة، { ولا هم يحزنون } على ما ~~خلفوا في الدنيا. ### || [2.263] # قوله تعالى: { قول معروف ومغفرة خير من ~~صدقة يتبعهآ أذى }؛ أي كلام حسن ورد جميل على السائل ~~ولطف به ودعاء له بالسعة؛ وتجاوز عن مظلمة؛ وعدة حسنة { خير ~~} عند الله { من صدقة يتبعهآ أذى } لأن الصدقة إذا ~~أتبعها الآذى ذهب المال والثواب جميعا. وقال الضحاك: (معنى ~~الآية: قول في إصلاح ذات البين). # قوله: { ومغفرة }؛ قال ابن جرير: (ومعنى { ومغفرة } ~~أي ستر منه عليه لما علم من خلته وفاقته). ~~وقيل: يتجاوز عن السائل إذا استطال عليه عند رده؛ علم الله أن ~~الفقير إذا رد بغير شيء شق عليه ذلك، فربما دعاه ذلك إلى ~~بذاءة اللسان وإظهار الشكوى، وعلم ما يلحق المانع منه فحثه على ~~العفو والصفح. # روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا سأل السائل فلا تقطعوا عليه مسألته ~~حتى يفرغ منها، ثم ردوها عليه بوقار ولين ~~وببذل يسير أو رد جميل، فإنه قد يأتيكم من ~~ليس بإنس ولا جان ينظر كيف صنعكم فيما ~~خولكم الله من النعم ". # قوله عز وجل: { والله غني حليم }؛ أي { غني } عن ~~صدقات العباد، { حليم } إذا لم يعجل بالعقوبة على الذي " من " ~~بصدقته. روى بشر بن الحارث؛ قال: رأيت عليا رضي الله عنه في ~~المنام، فقلت له: يا أمير المؤمنين، تقول ~~شيئا لعل الله ينفع به؟ فقال لي: ما أحسن عطف ~~الأغنياء على الفقراء رغبة في ثواب الله عز ~~وجل، وأحسن منه صبر الفقراء عن الأغنياء ~~ثقة بالله عز وجل. ### || [2.264-265] # قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا لا تبطلوا ~~صدقتكم بالمن والأذى ms0284 كالذي ينفق ماله رئآء ~~الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر }؛ أي تبطلوا ~~صدقاتكم بذلك كإبطال من ينفق ماله مراءاة وسمعة ليروا ~~نفقته ويقال: إنه سخي كريم صالح، يعني بذلك المنافق الذي ينفق ماله ~~لا رغبة في الثواب ولا رهبة من العقاب، بل خوفا من الناس ورياء لهم ~~أنه مؤمن. { فمثله }؛ أي مثل نفقة هذا المنافق المرائي؛ { ~~كمثل صفوان }؛ أي كحجر أملس؛ { عليه تراب فأصابه ~~وابل }؛ أي مطر كثير شديد الوقع فذهب بالتراب الذي كان " على " ~~الحجر، وبقي الحجر يابسا لا شيء عليه. # قوله تعالى: { فتركه صلدا }؛ أي حجرا صلبا أملسا ~~لا يبقى عليه شيء، وهو من الأرض ما لا ينبت، ومن الرؤوس ما لا شعر ~~عليه. قال رؤبة: # ........................... # براق أصلاد الجبين الأجله # وهذا مثل ضربه الله لنفقة المنافق والمرائي والمؤمن الذي يمن ~~بصدقته ويؤذي؛ يعني أن الناس يرون أن لهؤلاء أعمالا كما ترى التراب ~~على هذا الصفوان، وإذا كان يوم القيامة اضمحل وبطل؛ لأنه لم يكن ~~لله كما أذهب الوابل ما كان على الصفوان من التراب، { فتركه ~~صلدا } لا شيء عليه. # قوله تعالى: { لا يقدرون على شيء مما كسبوا ~~}؛ أي لا يقدر المان بنفقته والمؤذي والمنافق على ثواب شيء مما ~~أنفقوا، كما لا يقدر أحد من الخلق على التراب الذي كان على الحجر ~~الأملس بعدما أذهبه المطر الشديد. # قوله تعالى: { والله لا يهدي القوم الكافرين }؛ ~~أي لا يهديهم حتى يخلصوا أعمالهم. وقيل: لا يهديهم بالمثوبة لهم كما ~~يهدي المؤمنين. # وأصل الوابل من الوبيل وهو الشديد كما قال تعالى: # أخذا وبيلا # [المزمل: 16]. ويقال: وبلت السماء تبل؛ إذا اشتد مطرها. ~~والصلد: الحجر الأملس الصلب، ويسمى البخيل صلدا تشبيها له ~~بالحجر في أنه لا يخرج منه شيء. ويقال للأرض التي لا تنبت شيئا: ~~صلدا، وصلد الزند صلودا إذ لم يور نارا. # وفي الآية دلالة على أن الصدقة وسائر القرب إذا لم تكن خالصة ~~لله تعالى لا يتعلق بها الثواب، ويكون فاعلها كمن لا يفعل؛ ولهذا ~~قال أصحابنا: لا يجوز الاسئتجار على الحج وسائر ms0285 الأفعال التي من ~~شرطها أن تفعل على وجه القربة؛ لأن أخذ الأجرة عليها يخرجها من ~~أن تكون قربة. # ثم ضرب جل ذكره لنفقة المخلصين المثيبين مثلا آخر أعلى من ~~المثل الأول فقال: { ومثل الذين ينفقون أموالهم ~~ابتغآء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل ~~جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين }؛ ~~أي صفة الذين ينفقون أموالهم لطلب رضا الله تصديقا وحقيقة. قال ~~الشعبي والكلبي والضحاك: { يعني تصديقا من أنفسهم، ~~يخرجون الزكاة طيبة بها نفوسهم). # وقال السدي وأبو صالح وأبو روق: (معناه ويقينا من ~~أنفسهم؛ أي على يقين بإخلاف الله عليهم). وقال ~~قتادة: (معناه: واحتسابا، وقيل: ثقة بالله). وقال ~~مجاهد: (معناه: يتثبتون). قال الحسن: (كان الرجل إذا ~~هم بصدقة ثبت؛ فإن كان لله أمضاه، وإن خالطه ~~شك أمسك). وقال ابن كيسان: (معناه: إخلاصا وتوطنا ~~لأنفسهم على طاعة الله). وقال سعيد بن جبير: (وتحقيقا ~~في دينهم). # قوله: { كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت ~~أكلها ضعفين } أي كصفة بستان بمكان مرتفع أصابها مطر كثير ~~شديد، فآتت ثمرتها ضعفين في الحمل. قال عطاء: (حملت في ~~سنة ما يحمل غيرها في سنتين). وقال عكرمة: (حملت ~~في السنة مرتين). قال الفراء: (إذا كان في ~~البستان نخل فهو جنة، وإذا كان فيه كرم فهو ~~فردوس). # وقرأ مجاهد: (كمثل حبة) بالحاء والباء، وقرأ السلمي ~~والعطاردي والحسن وعاصم وابن عامر: (بربوة) بفتح الراء هنا وفي ~~سورة المؤمنين وهي لغة بني تميم. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع وابن ~~كثير والأعمش وحمزة والكسائي وأبو عمرو ويعقوب وأيوب: (بربوة) ~~بضم الراء فيهما، واختاره أبو عبيدة لأنها أكثر اللغات وأشهرها. ~~وقرأ ابن عباس وأبو إسحاق: (بربوة) بكسر الراء. وقرأ أشهب ~~العقيلي: (برباوة) بالألف وكسر الراء. وهن جميعا للمكان ~~المرتفع المستوي، والمطر على الروابي أشد ونبتها أحسن، وإنما ~~سميت ربوة لأنها ربت وعلت فغلظت، من قوله ربى الشيء ~~يربو إذا عظم. # قوله تعالى: { أكلها }. قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ~~بالتخفيف، وقرأ الباقون بضم الكاف. والأكل هو الثمر وهو اسم لما ~~يؤكل. # قوله تعالى: { فإن ms0286 لم يصبها وابل فطل }؛ أي ~~فطل، والطل أضعف المطر مثل الرذاذ وهو المطر الدائم ~~الصغار القطر لا يكاد يسيل منه الميازيب، كذلك المنفق لوجه ~~الله إن كانت نفقته كثيرة فثوابها كثير؛ وإن كانت قليلة شيئا بعد ~~شيء فبعددها. # وقال السدي: (الطل هو الندى). وروي عن زيد بن أسلم في قوله ~~تعالى: { فإن لم يصبها وابل فطل } قال: (هي أرض ~~مصر إن لم يصبها مطر زكت أي أنبتت، وإن أصابها ~~مطر أضعفت أي آتت ضعف ذلك). وهذا مثل ضربه الله لعمل ~~المؤمن المخلص، يقول: كما أن هذه الجنة تصلح في كل حال ولا تخلف ~~ولا تخيب صاحبها، سواء أقل المطر أم كثر، كذلك يضاعف الله ~~ثواب صدقة المؤمن المخلص الذي لا يمن ولا يؤذي؛ سواء أقلت ~~صدقته أو كثرت ولا يخيب بحاله، { والله بما تعملون ~~بصير }؛ أي بصير بما يعملونه من الرياء والإخلاص؛ يجزيكم على قدر ~~نياتكم. ### || [2.266] # قوله عز وجل: { أيود أحدكم أن تكون له جنة ~~من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له ~~فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ~~ضعفآء }؛ الآية؛ هذا استفهام في الظاهر يقتضي في الحقيقة تقديرا: ~~أي لا يود أحدكم كقوله تعالى: # أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا # [الحجرات: 12]. ومعنى الآية: يتمنى أحدكم أن يكون له بستان من نخيل ~~وكرم؛ تجري من تحت شجرها ومساكنها وغرفها الأنهار، له في الجنة ~~من ألوان الثمار كلها، وأصابه الهرم والضعف وله أولاد ضعاف ~~عجزة عن الحيلة، { فأصابهآ إعصار } ، يعني تلك الجنة. ~~والإعصار: ريح عاصف تهب به من الأرض بالشدة كالعمود إلى نحو ~~السماء، وتسميها العرب الزوبعة، وسميت إعصارا لأنها تعلو ~~كثوب عصر. # قوله تعالى: { فيه نار فاحترقت }؛ أي الجنة. وهذا ~~مثل ضربه الله لنفقة المنافق والمرائي، تقول عمل هذا المرائي في ~~حسنه كحسن الجنة ينتفع بها كما ينتفع صاحب الجنة، فإذا كبر ~~وضعف فصار له أولاد صغار ضعاف، أصاب جنته إعصار فيه نار، ~~فاحترقت عندما هو أحوج إليها وضعف عن إصلاحها لكبره وضعف ~~أولاده عن أصلاحها ms0287 لصغرهم؛ وعجزه وعجزهم من أن يغرسوا ~~مثلها، لا يرد عليه شبابه وقوته ليغرس، فيحزن ويغتم ويهلك ~~أسفا وتحسرا على ذلك، فلا هو يجد شيئا يعيشه ولا مع أولاده شيء ~~يعودون به عليه، فبقي هو وأولاده فقراء عجزة متحيرين لا يقدرون على ~~حيلة، فكذلك يبطل الله صدقة هذا المرائي والمنافق والمان ~~بصدقته؛ حيث لا يسمع مستغيث لهما ولا توبة ولا إقالة، يحرم ~~أجرها عند أفقر ما يكون إليها، ويرى في القيامة أعماله هباء ~~منثورا، ولا يؤذن له في الرجوع إلى الدنيا ليتصدق وليكون من ~~الصالحين. # قوله تعالى: { كذلك يبين الله لكم الآيات ~~لعلكم تتفكرون } أي كهذا البيان الذي بين الله لكم ~~فيما تقدم؛ ويبين لكم الدلالات والعلامات لكي تتفكروا فتعتبروا. # فإن قيل: قوله تعالى: { أيود أحدكم } فعل مستقبل، ~~وقوله: { وأصابه الكبر } فعل ماض، فكيف عطف الماضي على ~~المستقبل؟ والجواب من وجهين: # أحدهما: أن (قد) ها هنا مقدرة؛ المعنى وقد أصابه الكبر، فيكون ~~للحال كما قال في آية أخرى: # وإن كان قميصه قد # [يوسف: 27] أي قد قد. # والثاني: أن (يود) يقتضي أن يكون في خبره (لو) كما في قوله: # يود أحدهم لو يعمر # [البقرة: 96] وقوله: # ودوا لو تكفرون # [النساء: 89] ويقتضي أن يكون في أخبره (إن) كما في هذه الآية و(لو) ~~للماضي، و(أن) للمستقبل. ثم قد تستعمل (لو) مكان (إن)؛ و(إن) مكان ~~(لو) يقام أحدهما مقام الآخر، ويقول الإنسان: أنا أتمنى لو كان لي ~~ولد، ويقول: أتمنى إن كان لي ولد. وإذا كان معنى التمني قد يقع ~~على الماضي صح عطف الماضي عليه. ### || [2.267] # قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا أنفقوا ~~من طيبات ما كسبتم وممآ أخرجنا لكم من ~~الأرض }؛ أي أنفقوا من خيار ما كسبتم، وخياره نظيره قوله ~~تعالى: # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # [آل عمران: 92]. وقال ابن مسعود ومجاهد: (من حلال ما كسبتم ~~من الأموال) دليله: # يأيها الرسل كلوا من الطيبات # [المؤمنون: 51] وقال عليه السلام: # " إن الله طيب لا يحب إلا الطيب، لا يكسب ~~عبد مالا من حرام فيتصدق ms0288 به فيقبل منه؛ ولا ~~ينفق فيبارك له فيه، ولا يتركه خلفه إلا ~~كان زاده إلى النار، وإن الله لا يمحو السيء ~~بالسيء، ولكن يمحو السيء بالحسن، وإن الخبيث ~~لا يمحو الخبيث ". # وقوله تعالى: { وممآ أخرجنا لكم من الأرض } أي ~~من أعشار الحبوب والثمار. # قوله تعالى: { ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ~~ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه }؛ أي لا تعمدوا ~~إلى الرديء من أموالكم منه تتصدقون، ولستم بقابضيه وقابليه { ~~إلا أن تغمضوا فيه } ، يقول: لو كان لبعضكم على بعض حق ~~فجاء بدون حقه، لم يأخذ منه إلا أن يتغامض له عن بعض حقه ~~ويتسامح عن عيب فيه، فكيف تعطونه في الصدقة. # وقد روي في سبب نزول هذه الآية # " أن النبي صلى الله عليه وسلم حث الناس على الصدقة ~~وقال: " إن لله في أموالكم حقا ". فكان يأتي أهل ~~الصدقة بصدقاتهم فيضعونها في المسجد، ~~فيقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، فجاء ~~رجل ذات يوم بعدما تفرق عامة أهل المسجد ~~بعذق من حشف فوضعه في الصدقة، فلما أبصره ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " بئس ما صنع صاحب ~~الحشف " فأمر به فعلق، فجعل كل من يراه ~~يقول: بئس ما صنع صاحب الحشف " # ، فأنزل الله هذه الآية. # وقال بعضهم: معنى: { ولا تيمموا الخبيث } أي لا تتصدقوا ~~بالحرام. فيكون معنى { إلا أن تغمضوا فيه } على هذا ~~التأويل: إلا أن تترخصوا في تناوله إن كان حراما. ~~والإغماض: ترك النظر، يقال في المثل: أغمض في هذا ~~وغمض؛ أي لا تستقص وكن كأنك لم تبصر. # قوله تعالى: { واعلموا أن الله غني حميد }؛ ~~أي { غني } عن صدقاتكم محمود في أفعاله، ولم يأمركم بالصدقة عن ~~عوض ولكن بلاكم بما أمركم، فهو مستحق للحمد على ذلك وعلى جميع ~~أمره. # وفي الآية إباحة الكسب وإخبار أن فيه ما هو طيب، قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " والخير عشرة أجزاء أفضلها التجارة إذا أخذ ~~الحق وأعطى الحق " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " تسعة أعشار الرزق في التجارة، ولا يفتقر من ~~التجار إلا ms0289 تاجر حلاف " # " سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي كسب الرزق أفضل؟ ~~قال: " عمل الرجل بيديه، وكل بيع مبرور " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " يا معشر التجار، إن هذا البيع يحضره اللغو ~~والكذب، فشوبوه بالصدقة ". ### || [2.268] # قوله عز وجل: { الشيطان يعدكم الفقر ~~ويأمركم بالفحشآء }؛ أي الشيطان يعدكم بالفقر فحذف ~~الباء كقول الشاعر: # أمرتك الخير لكن ما ائتمرت به # فقد تركت ذا مال وذا نشب # ويقال: وعدته خيرا؛ ووعدته شرا، وقال الله تعالى في ~~الخير: # وعدكم الله مغانم كثيرة # [الفتح: 20] وقال في الشر: # النار وعدها الله الذين كفروا # [الحج: 72] وإذا لم تذكر الخير والشر؛ قلت في الخير: ~~وعدته؛ وفي الشر: أوعدته. قال الشاعر: # وإني إذا أوعدته أو وعدته # لمخلف ميعادي ومنجز موعدي # ومعنى: { يعدكم الفقر } أي يخوفكم الفقر بالنفقة في وجوه ~~البر وإنفاق الجيد من المال، وقوله تعالى: { ويأمركم ~~بالفحشآء } أي بالبخل ومنع الزكاة، وزعم الكلبي أن كل ~~فحشاء في القرآن فهو زنا إلا في هذه الآية، وإنما سمي منع الزكاة ~~فحشاء؛ لأن العرب تسمي البخيل فاحشا؛ والبخل فحشاء. والفقر: سوء ~~الحال وقلة ذات اليد، وفيه لغتان: الفقر والفقر، كالضعف ~~والضعف. # قوله تعالى: { والله يعدكم مغفرة منه ~~وفضلا }؛ أي { مغفرة } لذنوبكم بالإنفاق من خيار الأموال، ~~{ وفضلا } أي خلفا في الدنيا والآخرة، { والله واسع ~~عليم }؛ يوسع الرزق والخلف والمثوبة، ويعلم حيث ينبغي أن تكون ~~السعة، قال ابن عباس وابن مسعود: (ثنتان من الله ~~وثنتان من الشيطان؛ فمن الله المغفرة والفضل، ~~ومن الشيطان الفقر والفحشاء). ووعد الشيطان وساوس ~~وتخيل؛ أي يخيل إليك أنك إن أمسكت مالك استغنيت، ~~وإن تصدقت به افتقرت. ### || [2.269] # قوله تعالى: { يؤتي الحكمة من يشآء }؛ اختلفوا في ~~تفسير الحكمة؛ قال ابن مسعود: (هي القرآن). وقال ابن عباس ~~وقتادة: (علم ناسخ القرآن ومنسوخه؛ ومحكمه ~~ومتشابهه؛ ومقدمه ومؤخره؛ وحلاله وحرامه؛ ~~وأمثاله؛ وغيره). وقال السدي: (هي النبوة). وقال أبو ~~العالية: (هي الفقه). وقال مجاهد وإبراهيم: (هي الإصابة ~~والفهم). وقال الربيع: (هي خشية الله تعالى). وقال سهل ~~بن عبدالله: (هي السنة). وقيل: هي سرعة ms0290 الجواب مع إصابة ~~الصواب، والله أعلم. # وقوله تعالى: { ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا ~~كثيرا }؛ أي من يعط العلم فقد أعطي خيرا كثيرا يصل به إلى ~~رحمة الله تعالى. قال بعض الحكماء: سمى الله العلم خيرا كثيرا، ~~والدنيا متاعا قليلا، فينبغي لمن أوتي العلم أن يعرف قدر ~~نفسه ولا يتواضع لأصحاب الدنيا لدنياهم. وقال الحسن: (ومن يؤت ~~الحكمة؛ يعني الورع في دين الله). # قرأ الربيع: (تؤتي الحكمة ومن يؤت الحكمة) بالتاء، ~~وقرأ يعقوب: (ومن يؤت الحكمة) بكسر التاء، أراد ومن ~~يؤته الله؛ فحذف الهاء. # قوله تعالى: { وما يذكر إلا أولوا الألباب }؛ ~~وما يتعظ إلا ذوو العقول؛ واللب من العقل ما صفي عن دواعي ~~الهوى، وسمي العقل لبا لأنه أنفس ما في الإنسان كما أن لب ~~الثمرة أنفس ما فيها. ### || [2.270] # قوله عز وجل: { ومآ أنفقتم من نفقة أو ~~نذرتم من نذر فإن الله يعلمه }؛ أي ما تصدقتم ~~به من صدقة أو أوجبتموه على أنفسكم من فعل بر مثل صلاة أو ~~صدقة أو صوم، فإن الله لا يخفى عليه ذلك ويقبله ويجازي عليه. # ويقال: معنى { فإن الله يعلمه } أي يحفظه، وإنما قال: ~~{ يعلمه } ولم يقل يعلمها؛ لأنه رده إلى الآخر منهما كقوله ~~تعالى: # ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا # [النساء: 112]. وإن شئت حملته على (ما) التي قبله كقوله تعالى: # ومآ أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم ~~به # [البقرة: 231] ولم يقل: بهما. # قوله تعالى: { وما للظالمين من أنصار }؛ أي وما ~~للواضعين النفقة والنذر في غير موضعهما بالرياء والمعصية ~~ونحوهما (من) أعوان يدفعون عنهم العذاب. والأنصار: جمع نصير ~~مثل جنيب وأجناب وشريف وأشراف. ### || [2.271] # قوله عز وجل: { إن تبدوا الصدقات فنعما هي }؛ ~~وذلك أنهم قالوا: يا رسول الله، من أفضل؛ صدقة السر ~~أو صدقة العلانية؟ فأنزل الله هذه الآية. ومعناها: إن ~~تظهروا الصدقات وتعلنوها؛ فنعما الشيء صدقة العلانية. # وأصل { فنعما هي }: فنعما ما هي؛ فوصلت ~~وأدغمت. وكان الحسن يقرأ: (فنعما ما هي) مفصولة عن الأصل؛ ~~أي نعمت الخصلة. و(ما) في ms0291 موضع الرفع و(هي) في محل النصب كما ~~يقول: نعما الرجل رجلا، فإذا عرفت رفعت وقلت: ~~نعم الرجل زيد. # وقرأ أبو جعفر ونافع وشيبة وعاصم وأبو عمرو بكسر النون وجزم العين، ~~ومثله في سورة النساء، واختاره أبو عبيدة وذلك أنها لغة النبي ~~صلى الله عليه وسلم حين قال لعمرو بن العاص: # " نعم المال الصالح للرجل الصالح ". # وقرأ ابن عامر ويحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وخلف بفتح ~~النون وكسر العين. وقرأ طلحة وابن كثير وورش وحفص ويعقوب وأيوب بكسر ~~النون والعين. وهي لغات صحيحة. # قوله عز وجل: { وإن تخفوها وتؤتوها الفقرآء ~~فهو خير لكم }؛ أي وإن تسروها وتعطوها الفقراء سرا فهو ~~خير لكم وأفضل من العلانية، وكلاهما مقبول منكم إذا كانت النية ~~صادقة، ولكن صدقة السر أفضل، قال صلى الله عليه وسلم: # " صدقة السر تطفئ غضب الرب، وتطفئ الخطيئة ~~كما يطفئ الماء النار، وتدفع سبعين بابا من ~~البلاء ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ~~ظله: الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة الله عز ~~وجل، ورجل قلبه معلق بالمسجد، ورجلان ~~تحابا في الله؛ فاجتمعا عليه وتفرقا عليه، ~~ورجل دعته امرأة ذات حسن وجمال؛ فقال: إني ~~أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا ~~تعلم يمينه ما تنفق شماله، ورجل ذكر الله ~~خاليا ففاضت عيناه ". # قال أهل المعاني: هذه الآية في صدقة التطوع، ولإجماع العلماء ~~أن الزكاة المفروضة إعلانها أفضل كالصلاة المفروضة في الجماعة ~~أفضل من إفرادها، وكذلك سائر الفرائض؛ لمعنيين؛ أحدهما: ليقتدي به ~~الناس، والثاني: لزوال التهمة؛ لئلا يسيء به الناس الظن، ولا ~~رياء في الفرض. # وأما النوافل والفضائل فإخفاؤها أفضل لبعدها عن الرياء، يدل ~~على صحة هذا التأويل ما روي عن أبي جعفر في قوله تعالى: { إن ~~تبدوا الصدقات فنعما هي } قال: (يعني الزكاة ~~المفروضة وقوله تعالى: { وإن تخفوها وتؤتوها ~~الفقرآء } يعني التطوع). وعن ابن عباس أنه قال: (جعل ~~الله صدقة التطوع في السر تفضل علانيتها ~~بسبعين ضعفا، وصدقة الفريضة تفضل علانيتها ~~سرها ms0292 بخمس وعشرين ضعفا). وقال صلى الله عليه وسلم: # " المسر بالقرآن كالمسر بالصدقة، والجاهر ~~بالقرآن كالجاهر بالصدقة " # وذهب الحسن وقتادة إلى أن الإخفاء في كل صدقة أفضل؛ مفروضة كانت ~~أم تطوعا. # قوله عز وجل: { ويكفر عنكم من سيئاتكم }؛ قرأ ~~ابن عباس وعكرمة: (وتكفر) بالتاء؛ يعني الصدقات. وقرأ الحسن ~~وابن عامر وحفص: (ويكفر) بالياء والرفع على معنى ويكفر ~~الله. وقرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو بالنون ورفع الراء على ~~الاستئناف؛ أي ونحن نكفر. وقرأ أبو جعفر وشيبة ونافع والأعمش ~~وحمزة والكسائي بالنون والجزم عطفا على موضع الفاء التي في قوله: { ~~فهو خير لكم } لأن موضعها جزم بالجزاء. # وقوله تعالى: { من سيئاتكم } أدخل (من) للتبعيض؛ ~~ليكون العباد فيها على وجل فلا يتكلوا. وقال نحاة البصرة: ~~معناه الإسقاط؛ ويكفر عنكم سيئاتكم. # قوله عز وجل: { والله بما تعملون خبير }؛ أي بما ~~تعملون من الصدقة عالم يجزيكم به. ### || [2.272] # قوله عز وجل: { ليس عليك هداهم ولكن الله ~~يهدي من يشآء }؛ قال ابن عباس والكلبي: (اعتمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عمرة القضاء، وكانت معه في ~~تلك العمرة أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله ~~عنه، فجاءتها أمها قتيلة وجدها أبو قحافة ~~يسألونها الصلة والعطية، فقالت: لا أعطيكم ~~شيئا حتى أستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ~~فإنكم لستم على دين؛ فاستأذنته في ذلك، ~~فنزلت هذه الآية، فأمرها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالتصدق عليهما). وقال محمد بن الحنفية: (كان ~~يكبر على المسلمين التصدق على اليهود ~~والنصارى، فأمروا بذلك في غير فريضة). # ومعنى الآية: ليس عليك يا محمد تحصيل الهدى لهم بأن تمنعهم من ~~الصدقة لتحملهم على الإيمان، ولكن الله يثبت ويرشد ~~ويوفق للخير من يشاء. وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه رأى رجلا من أهل الذمة يسأل على أبواب ~~المسلمين، فقال: (ما أنصفناك؛ أخذنا منك ~~الجزية وأنت شاب؛ ثم ضيعناك اليوم) فأمر أن ~~يجزي عليه قوته من بيت المال. # قوله تعالى: { وما تنفقوا من خير فلأنفسكم }؛ ~~أي ما تنفقوا من مال على ms0293 بر أو فاجر فلأنفسكم ثوابه ونفعه ~~عائد إليكم، { وما تنفقون إلا ابتغآء وجه الله }؛ ~~أي علم الله أنكم لا تريدون بنفقتكم إلا طلب مرضاة الله وإن ~~كان المتصدق عليه كافرا. # قوله تعالى: { وما تنفقوا من خير يوف إليكم ~~وأنتم لا تظلمون } أي ما تتصدقوا به من مال يوف إليكم ~~ثوابه في الآخرة، { وأنتم لا تظلمون } أي لا تنقصون ~~شيئا من ثواب أعمالكم وصدقاتكم. # وظاهر الآية يقتضي جواز دفع الصدقات إلى الكفار إلا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم خص منها الزكاة؛ فقال: # " أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها ~~على فقرائكم ". ### || [2.273] # قوله عز وجل: { للفقرآء الذين أحصروا في سبيل ~~الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم ~~الجاهل أغنيآء من التعفف }؛ قيل: معناه: ما أنفقتم من ~~نفقة للفقراء، وقيل: معناه: عليكم بالنفقة للفقراء الذين حبسوا في ~~طاعة الله؛ أي أحصرهم فرض الجهاد فمنعهم من التصرف والسير ~~لطلب المعاش، وهؤلاء أصحاب الصفة حبسوا أنفسهم لطلب العلم؛ ~~وفضل الجمعة؛ وخدمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا نحوا من ~~أربعمائة رجل لم يكن لهم مساكن ولا عشائر؛ كانوا معتكفين في المسجد ~~في صفته؛ قالوا: نخرج في كل سرية يبعثها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في سبيل الله، فحث الله على الصدقة عليهم، فكان الرجل ~~إذا بقي عنده فضل أتاهم به. # وقوله تعالى: { لا يستطيعون ضربا في الأرض } الضرب في ~~اللغة: السير، يعني لا يستطيعون سيرا في الأرض للتجارة وطلب ~~المعيشة، ونظيره قوله تعالى: # وإذا ضربتم في الأرض # [النساء: 101] وقوله تعالى: # وآخرون يضربون في الأرض # [المزمل: 20]. وقال الشاعر: # لحفظ المال أيسر من فنائه # وضرب في البلاد بغير زاد # وقال ابن زيد: (من كثرة ما جاهدوا لا يستطيعون ~~ضربا في الأرض، فصارت الأرض كلها حربا عليهم؛ ~~لا يتوجهون فيها جهة إلا ولهم فيها عدو). ~~وكان السدي يقول: (معنى { أحصروا } أي منعهم الكفار ~~بالخوف منهم؛ فلا يستطيعون تفرقا في الأرض ~~لمنع الكفار إياهم عن ذلك). وقيل: هذا لا يصح؛ لأنه ~~لو كان كذلك لقال: ms0294 حصروا، بغير ألف. # وقال سعيد بن جبير: (هؤلاء قوم أصابتهم جراحات مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فصاروا زمنا وأحصرهم ~~المرض والزمانة عن الضرب في الأرض). فاختار ~~الكسائي هذا القول لأنه يقال: أحصروا من المرض والزمانة عن ~~الضرب في الأرض، ولو أراد الحبس قال: حصروا، وإنما الإحصار من ~~الخوف أو المرض، والحصر: الحبس في غيرهما. # قوله تعالى: { يحسبهم الجاهل أغنيآء من ~~التعفف } قرأ الحسن وأبو جعفر وشيبة وابن عامر والأعمش وعاصم ~~وحمزة: (يحسبهم) بفتح السين في جميع القرآن، والباقون بالكسر. # ومعنى الآية: يظنهم الجاهل بأمرهم وشأنهم أغنياء من التعفف عن ~~السؤال؛ لتجملهم باللباس وكفهم عن المسألة. والتعفف ~~يذكر ويراد به ترك المسألة كما قال صلى الله عليه وسلم: # " من استغنى أغناه الله تعالى، ومن استعف أعفه ~~الله ". # قوله تعالى: { تعرفهم بسيماهم }؛ أي تعرفهم أنت يا ~~محمد بعلامة فقرهم ورثاثة حالهم. وقيل: بتخشعهم وتواضعهم. ~~وقيل: بصفرة ألوانهم من الجوع وقيام الليل وصيام النهار. وقيل: ~~بفرحهم واستقامة حالهم عند توارد البلاء عليهم. # قوله تعالى: { لا يسألون الناس إلحافا }؛ قال ~~عطاء: (إذا كان عنده غداء لا يسأل عشاء، وإن كان ~~عنده عشاء لا يسأل غداء). وقال أهل المعاني: { لا ~~يسألون الناس إلحافا } ولا غير إلحاف؛ أي ليس لهم سؤال ~~فيكون إلحافا، والإلحاف: الإلحاح، دليل هذا القول قوله ~~تعالى: { يحسبهم الجاهل أغنيآء من التعفف } أي ~~من القناعة، ولو كانوا يسألون لكان يعرفهم بالسؤال لا بالسيماء. # وإنما يسمى الملح في السؤال ملحفا؛ لأنه يلصق ~~بالمسؤول ويشتمل على وجود الطلب في المسألة كاشتمال اللحاف. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، ~~ويكره البؤس والتباؤس، ويحب الحليم ~~المتعفف، ويبغض الفاحش البذيء السائل ~~الملحف " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " " من سأل وله ما يغنيه، جاءت مسألته يوم ~~القيامة كدوحا أو خموشا أو خدوشا في وجهه " قيل: ~~وما غناؤه؟ قال: " خمسون درهما " ". # قوله تعالى: { وما تنفقوا من خير فإن الله ~~به عليم }؛ أي ما يتصدقوا ms0295 به من مال، { فإن الله به ~~عليم } يجزيكم به. ### || [2.274] # قوله تعالى: { الذين ينفقون أموالهم بالليل ~~والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ~~ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون }؛ قال ابن عباس ~~ومقاتل: (نزلت هذه الآية في علي رضي الله عنه؛ كانت ~~له أربعة دراهم لم يملك غيرها؛ فتصدق ~~بدرهم ليلا؛ وبدرهم نهارا؛ وبدرهم سرا؛ ~~وبدرهم علانية، فنزلت هذه الآية). # وعن ابن عباس قال: (لما نزل قوله تعالى: # للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله # [البقرة: 273] بعث عبدالرحمن بن عوف بدنانير ~~كثيرة إلى أصحاب الصفة حتى أغناهم؛ وبعث علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه في جوف الليل بوسق من ~~التمر - والوسق ستون صاعا فكان أحب ~~الصدقتين إلى الله تعالى صدقة علي رضي الله عنه ~~ونزل فيها قوله تعالى: { الذين ينفقون ~~أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية } أراد ~~بالليل سرا صدقة علي رضي الله عنه وبالنهار علانية ~~صدقة عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه). # وروي أيضا عن ابن عباس في هذه الآية { الذين ينفقون ~~أموالهم بالليل والنهار }: يعني في علف الخيل ~~المرتبطة في سبيل الله. وكان أبو هريرة إذا مر بفرس ~~سمين تلا هذه الآية؛ فإذا مر بفرس أعجف سكت. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من ارتبط فرسا في سبيل الله وأنفق عليه ~~احتسابا؛ كان شبعه وجوعه وريه وظمؤه وبوله ~~وروثه في ميزانه يوم القيامة " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " المنفق في سبيل الله على فرسه كالباسط كفيه ~~بالصرة ". # قوله تعالى: { فلهم أجرهم عند ربهم } قال ~~الأخفش وقطرب: (جعل الخبر بالفاء؛ لأنه في معنى ~~(من)، وجواب (من) بالفاء؛ كأنه قال: من أنفق كذا ~~فله أجره عند ربه). وقوله تعالى: { ولا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون } قد تقدم تفسيره. ### || [2.275] # قوله تعالى: { الذين يأكلون الربوا لا يقومون ~~إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ~~}؛ معناه: { الذين يأكلون الربوا } في الدنيا { لا ~~يقومون } في الآخرة من قبورهم لعظم بطونهم، { إلا كما ~~يقوم } في الدنيا الذي يضربه ويصيبه { الشيطان من ms0296 المس ~~} أي من الجنون. روي أنهم يبعثون يوم القيامة وقد انتفخت بطونهم ~~كلما قاموا سقطوا والناس يمشون عليهم وهم كالمجانين. قال ~~الحسن: (هذه علامة أكل الربا؛ يعرفون بها يوم ~~القيامة). # قوله تعالى: { ذلك بأنهم قالوا إنما البيع ~~مثل الربوا }؛ ومعناه: كان الرجل إذا حل ماله بعد الأجل ~~طلبه؛ فيقول المطلوب: زدني في الأجل وأزيدك في مالك. فيفعلان ~~ذلك؛ فإذا قيل لهم: إن هذا ربا؛ قالوا: هما سواء؛ والزيادة في آخر ~~البيع بعد الأجل كالزيادة في أول البيع إذا بعت بالنسيئة سواء. ~~وليس الأمر كما توهموا؛ لأن الزيادة في الثمن في آخر البيع لأجل ~~الإبعاد في الأجل بعدما صار الثمن دينا في الذمة يكون عوضا عن ~~الأجل؛ والاعتياض عن الأجل باطل، وأما الزيادة في الثمن في أصل ~~العقد فتكون مقابلة للبيع، ويجوز بيع المبيع بثمن قليل وثمن ~~كثير. # قوله تعالى: { وأحل الله البيع وحرم ~~الربوا }؛ أي أحل الزيادة في أول البيع وحرم الزيادة في ~~آخره؛ قوله تعالى: { فمن جآءه موعظة من ربه ~~فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله }؛ أي فمن جاءه ~~زجر من ربه ونهي عن الربا فانتهى فله ما مضى من أكله ~~الربا قبل النهي؛ أي لا إثم عليه في ذلك، وأمره فيما بقي من ~~عمره إلى الله؛ إن شاء عصمه وإن شاء لم يعصمه. وقيل: ~~معناه: { فله ما سلف } أي له ما أخذ من الربا قبل التحريم، { ~~وأمره إلى الله } في المستأنف في العفو والتجاوز. # وإنما لم يقل: فمن جاءته موعظة من ربه؛ لأن تأنيث ~~الموعظة ليس بحقيقي، فيجوز تذكيره ويجوز أن ينصرف إلى المعنى، كأنه ~~قال: فمن جاءه وعظ ونهي من ربه عن الربا. # قوله تعالى: { ومن عاد فأولئك أصحاب النار ~~هم فيها خالدون } أي من عاد إلى أكل الربا { فأولئك ~~أصحاب النار هم فيها } دائمون إلى ما شاء الله. وقيل: ~~معناه: من عاد بعد النهي إلى قوله إنما البيع مثل الربا؛ فأولئك ~~أهل النار هم فيها مقيمون؛ لأن مستحل الربا كافر لإنكاره آية من ~~كتاب الله ms0297 تعالى. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " سيأتي على الناس زمان لا يبقى أحد إلا أكل ~~الربا، وإن لم يأكله أصابه من غباره " # وعن عبدالله بن مسعود قال: (آكل الربا ومؤكله وكاتبه ~~وشاهده إذا علموا به؛ ملعونون على لسان محمد ~~صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة). وقال صلى الله عليه وسلم: # " الربا بضع وسبعون بابا؛ أدناها كإتيان الرجل ~~أمه ". # والخبط في اللغة هو الضرب على غير استواء؛ يقال: خبط البعير ~~إذا ضرب بيده. والمس: الجنون، يقال: رجل ممسوس؛ أي مجنون. ### || [2.276] # قوله عز وجل: { يمحق الله الربوا ويربي ~~الصدقت }؛ معناه: يهلك الله الربا ويذهب ببركته. ~~والمحق: نقصان الشيء حالا بعد حال، ويقال: إن الربا ينقص حالا ~~بعد حال إلى أن يتلف كله. قوله: { ويربي الصدقت } أي ~~يقبلها ويعطي خلفها في الدنيا، ويضاعف ثوابه في الآخرة واحدة إلى ~~عشر إلى سبعين إلى سبعمائة إلى ما شاء الله من الأضعاف. كما روي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الله يقبل الصدقات ولا يقبل منها إلا ~~الطيبة، ويربيها لصاحبها كما يربي أحدكم مهره ~~وفصيله حتى أن اللقمة تصير مثل أحد ". # قوله تعالى: { والله لا يحب كل كفار أثيم }؛ ~~أي يبغض كل جاحد تحريم الربا؛ فاجر عاص بأكله واستحلاله. ~~وإنما قال: { كفار } ولم يقل: كافر؛ ليبين أن مستحل الربا مع ~~كونه كافرا كفار للنعمة. والأثيم: المادي في الإثم، ~~والآثم: الفاعل للإثم. ### || [2.277] # قوله عز وجل: { إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصلحت وأقاموا الصلوة وآتوا الزكوة لهم ~~أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون }؛ معناه: { إن الذين آمنوا } بالله وكتبه ورسله ~~وتحريم الربا { وعملوا الصلحت } فيما بينهم وبين ربهم، ~~وأتموا الصلوات الخمس، وأعطوا الزكاة المفروضة من أموالهم، فلهم ~~جزاؤهم وثوابهم في الآخرة { عند ربهم ولا خوف عليهم } ~~إذا ذبح الموت { ولا هم يحزنون } إذا أطبقت النار على ~~أهلها. ### || [2.278] # قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله وذروا ما بقي ms0298 من الربوا إن كنتم ~~مؤمنين }؛ قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية في نفر ~~من ثقيف ابن مسعود وحبيب وربيعة وعبد ياليل ~~بني عمرو بن عمير الثقفي، كانت لهم ديون على ~~بني المغيرة؛ وكان بنو المغيرة يربوهم، فلما ~~ظهر النبي صلى الله عليه وسلم على أهل مكة وضع ~~الربا كله، وكان أهل الطائف قد صالحوا على أن ~~لهم رباهم من الناس يأخذونه، وما كان عليهم ~~من ربا الناس فهو موضوع عنهم لا يؤخذ منهم، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: # " أكتب في آخر كتابهم: أن لكم ما للمسلمين ~~وعليكم ما عليهم " # فلما حل الأجل طلبت ثقيف من بني المغيرة ~~رباهم؛ فقالت بنو المغيرة: ما بالنا نكون أشقى ~~الناس؛ وضع الربا عن الناس كلهم ويؤخذ منا ~~خاصة! فقالت لهم ثقيف: إنا صالحنا على ذلك، ~~فاختصموا إلى أمين مكة وهو عتاب بن أسيد، ~~فلم يدر ماذا يقضي بينهم، فكتب إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بالمدينة، فأنزل الله هذه الآية ~~خطابا لثقيف). # ومعناها: { يأيها الذين آمنوا اتقوا } اخشوا الله ~~واتركوا { ما بقي من الربوا } فإنه لم يبق غير رباكم { ~~إن كنتم مؤمنين } أي مصدقين بتحريم الربا فهذا حكمه. ### || [2.279-280] # قوله عز وجل: { فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب ~~من الله ورسوله }؛ أي إن لم تقبلوا أمر الله ولم تقروا ~~بتحريم الربا ولم تتركوه، فاعلموا أنكم كفار يحاربكم الله ورسوله؛ ~~أي يعذبكم الله في الآخرة بالنار؛ ويعذبكم رسوله في الدنيا ~~بالسيف. والإذن: الإعلام، ومن قرأ (فأذنوا) أي فأعلموا ~~أصحابكم المتمسكين بمثل ما أنتم عليه: أن من عامل بالربا ~~مستحلا له حاربهم الله ورسوله. # وقيل: معنى الآية: فإن لم تتركوا ما بقي من الربا بعد نزول الأمر ~~بتركه { فأذنوا بحرب من الله ورسوله }. # ومثل هذا اللفظ لا يوجب الإكفار؛ لأن لفظ محاربة الله ورسوله يطلق ~~على ما دون الكفر كما في آية قطاع الطريق. وهذا الحكم في آية ~~الربا إنما هو مستقيم إذا اجتمع أهل بلدة لهم منعة وقوة على ~~المعاملة بالربا وكانوا محرمين له، فإن ms0299 الإمام يستتيبهم؛ فإن تابوا ~~وإلا قاتلهم. وأما إذا عامل واحد أو جماعة قليل عددهم معاملة ~~الربا، فإن الإمام يستتيبهم؛ فإن تابوا وإلا زجرهم وحبسهم إلى أن ~~يظهروا توبتهم. وقد روي عن ابن عباس وقتادة والربيع فيمن أربا: ~~(أن الإمام يستتيبه، فإن تاب وإلا قتله). فهذا ~~محمول على أن يفعله مستحلا له؛ لأنه على خلاف بين العلماء أنه ليس ~~بكافر إذا اعتقد تحريمه. # قوله تعالى: { وإن تبتم فلكم رؤوس أمولكم ~~لا تظلمون ولا تظلمون }؛ أي فإن رجعتم عن استحلال الربا ~~وأقررتم بتحريمه. ويقال: إن تبتم عن معاملة الربا { فلكم ~~رؤوس أمولكم } التي أسلفتموها بني المغيرة، { لا ~~تظلمون } بطلب الزيادة على رأس المال، { ولا تظلمون } بحبس ~~رأس المال عنكم. # قال ابن عباس: (فلما نزلت هاتان الآيتان، كتب بهما ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عتاب، فقرأهما على ~~ثقيف فقالوا: بلى، نتوب إلى الله فإنه لإيذان ~~لنا بحرب الله ورسوله، ثم طلبوا رؤوس أموالهم ~~من بني المغيرة، فقالت بنو المغيرة: نحن ~~اليوم أهل عسر وأخرونا إلى أن تدرك الثمار، ~~فأبوا أن يؤخروهم، فنزل قوله عز وجل: { وإن ~~كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة }؛ أي إن كان المطلوب ~~ذا ضيق وشدة؛ فتأخيره إلى سعة ويسار. # وروي عن ابن عباس وشريح وإبراهيم: (أن الإنظار إنما يجب ~~في الدين، يعني دين الربا خاصة). وكان شريح يحبس ~~المعسر في غيره من الديون. وعن أبي هريرة والحسن والضحاك: (أن ~~ذلك واجب في كل دين) وهذا هو الأصح؛ لأن نزول الآية في ~~رأس مال الربا لا يمنع اعتبار سائر الديون بها بالاستدلال والقياس. # وذهب بعض النحويين: إلى أن الرفع في قوله { ذو عسرة } دليل ~~على أنه ابتداء على معنى: وإن وقع ذو عسرة، أو وجد ذو عسرة، ولو كان ~~مختصا هذا بالربا لقال: وإن كان ذا عسرة، بالنصب. # ويحتمل أن يكون تقدير الرفع { وإن كان ذو عسرة } غريما ~~لكم. # ومن قرأ (ميسرة) بضم السين، فهي لغة. وعن أبي هريرة رضي الله ~~عنه قال: قال رسول الله صلى الله ms0300 عليه وسلم: # " من أنظر معسرا أو وضع له أظله الله في ظل ~~عرشه يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " من أحب أن تستجاب دعوته وتنكشف كربته؛ ~~فلييسر على المعسر " # وعن أبي بريدة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من أنظر معسرا كان له بكل يوم صدقة ". # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من أدان دينا وهو ينوي أن لا يؤديه فهو ~~سارق " # وعن أبي قتادة: # " أن رجلا أتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليصلي عليه؛ فقال: " هل عليه دين؟ " قالوا: ~~نعم، فتأخر وقال: " صلوا على صاحبكم ". قال أبو ~~قتادة: أنا أكفل به، فقال صلى الله عليه وسلم: " ~~بالوفاء؟ " قال: بالوفاء، فصلى عليه وكان عليه ~~ثمانية عشر درهما أو تسعة عشر درهما ". # وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " ما من خطيئة أعظم عند الله عز وجل بعد ~~الكبائر من أن يموت الرجل وعليه أموال الناس ~~دينا في عنقه، لا يوجد لها قضاء ". # قوله عز وجل: { وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم ~~تعلمون }؛ أي وإن تصدقوا من رأس المال فهو أفضل { إن ~~كنتم تعلمون } ثواب من أنظر معسرا أو وضع عنه. ### || [2.281] # قوله تعالى: { واتقوا يوما ترجعون فيه إلى ~~الله }؛ هذا تحذير من الله عز وجل أن يوافي العباد ذلك ~~اليوم على غرة وغفلة وتقصير في أوامر الله ومخالفته فيما أحل ~~الله وحرم، يقول: اخشوا عذاب يوم ترجعون فيه إلى جزاء الله. # قوله تعالى: { ثم توفى كل نفس ما كسبت ~~وهم لا يظلمون }؛ أي توفى كل نفس جزاء ما عملت من خير أو ~~شر، { وهم لا يظلمون } أي لا ينقص من حسناتهم ولا يزاد في ~~سيئاتهم. # قرأ أبو عمرو ويعقوب: (ترجعون) بفتح التاء، واعتبره بقراءة ~~أبي (واتقوا يوما تصيرون فيه إلى الله). وقرأ الباقون ~~(ترجعون) بضم التاء، اعتبارا بقراءة عبدالله: (واتقوا ~~يوما تردون فيه إلى ms0301 الله). # قال ابن عباس: (هذه آخر آية نزلت على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وذلك أنه لما حج البيت نزل عليه ~~جبريل عليه السلام وهو واقف بعرفة بقوله تعالى: # اليوم أكملت لكم دينكم # [المائدة: 3] الآية، ثم نزل بعد ذلك هذه الآية { ~~واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله }. قال: يا ~~رسول الله، ضعها على رأس ثمانين ومائتي آية من ~~سورة البقرة، فقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ~~هذه الآية بتسعة أيام). # قال المفسرون: # " لما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم { إنك ميت ~~وإنهم ميتون } قال: " يا ليتني أعلم متى ذلك " ~~فأنزل الله هذه الآية { إذا جآء نصر الله والفتح } ، ~~قال: " أما إن نفسي نعيت إلي " ثم بكى بكاء شديدا، ~~فقيل له: يا رسول الله، أتبكي من الموت وقد غفر لك ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر؟! فقال: " وأين خوف المطلع، وأين ~~ضيق القبر وظلمة اللحد، وأين القيامة ~~والأهوال " # فعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية عاما؛ ثم ~~نزل قوله: # لقد جآءكم رسول من أنفسكم # [التوبة: 128] فعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه الآية ~~عامها بستة أشهر. # ثم لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حجة الوداع نزل ~~عليه في الطريق # يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة # [النساء: 176] إلى آخرها، ثم نزل بعدها وهو واقف بعرفة # أكملت لكم دينكم # [المائدة: 3] الآية، فعاش بعدها إحدى وثمانين ليلة، ثم نزل بعدها ~~آيات الربا. ثم نزل بعد ذلك { واتقوا يوما ترجعون ~~فيه إلى الله } وهي آخر آية نزلت، فعاش رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعدها إحدى وعشرين ليلة، قال ابن جريج: (تسع ليال). ~~وقال ابن جبير ومقاتل: (سبع ليال). ثم مات يوم الاثنين ~~لليلتين مضت من شهر ربيع الأول حين زاغت الشمس سنة إحدى عشرة من ~~الهجرة. ### || [2.282] # قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا إذا ~~تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه }؛ قال ابن ~~عباس: (لما حرم الربا أباح السلم) وظاهر ms0302 الآية ~~على كل دين من سلم وغيره. ومعنى الآية: { يأيها ~~الذين آمنوا إذا } تبايعتم بالنسيئة إلى وقت معلوم ~~فاكتبوا الدين بأجله وأشهدوا عليه كيلا تحدث نفس أحدكم ~~بالطمع في حق صاحبه، ولا يقع شك في مقداره، ولا جحود ولا نسيان. ~~والدين: ما كان مؤجلا، والعين: ما كان حاضرا. # واختلفوا في هذه الكتابة أنها فرض أو ندب؟ فذهب أبو سعيد ~~الخدري والحسن والشعبي: (أن الكتابة والإشهاد على ~~الديون الآجلة كانا واجبين بهذه الآية، ثم ~~نسخا بقوله تعالى: # فإن أمن بعضكم بعضا # [البقرة: 283]. وقال ابن عباس: (لا والله، إن آية الدين ~~محكمة ما فيها نسخ). وهو قول الربيع وكعب، وهذا هو ~~الأصح؛ لأن الأمر بالكتابة والإشهاد إنما ورد مقرونا بقوله: # فإن أمن بعضكم بعضا # [البقرة: 283]، ويستحيل ورود الناسخ والمنسوخ معا في شيء واحد، ~~فكأن المراد بالأمر الندب. # والفائدة في قوله: { إلى أجل مسمى } بيان إعلام وجوب ~~الأجل؛ فإن جهالة الأجل في المباعات تفسدها. وقال بعضهم: إن ~~الكتابة فرض واجب. # وقال ابن جريج: (من أدان دينا فليكتب، ومن باع ~~فليشهد). يدل عليه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجل كان ~~له دين فلم يشهد، ورجل أعطى سفيها مالا وقد ~~قال تعالى: { ولا تؤتوا السفهآء أموالكم } ، ~~ورجل كانت عنده امرأة سيئة الخلق فلم ~~يطلقها ". # وقال قوم: هو مستحب؛ وإن كتب فحسن وإن ترك فلا بأس، كقوله ~~تعالى: # وإذا حللتم فاصطادوا # [المائدة: 2] وقوله تعالى: # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا # [الجمعة: 10]. # قوله تعالى: { وليكتب بينكم كاتب بالعدل }؛ ~~قرأ الحسن: (وليكتب) بكسر اللام وهذه لام الأمر، وهي إذا كانت ~~مفردة " سكنت " طلبا للخفة، ومنهم من يكسرها فليس فيها إلا ~~الحركة، وإذا كان قبلها (واو) أو (فاء) أو (ثم) فأكثر العرب على ~~تسكينها طلبا للخفة. ومنهم من يكسرها على الأصل. # ومعنى هذه الآية: وليكتب كاتب بين البائع والمشتري؛ والطالب ~~والمطلوب بالحق والإنصاف، فلا يزاد فيه ولا ينقص منه، ولا يقدم ~~الأجل ولا يؤخره. # قوله تعالى: { ولا يأب كاتب أن يكتب ms0303 كما ~~علمه الله }؛ أي لا يمتنع أن يكتب كما ألهمه الله ~~شكرا لما أنعم عليه حيث علمه الكتابة وأحوج غيره إليه؛ { ~~فليكتب }. # واختلفوا في وجوب الكتابة على الكاتب؛ والشهادة على الشاهد؛ فقال ~~مجاهد والربيع: (واجب على الكاتب أن يكتب). وقال الحسن: ~~(ذلك في الموضع الذي لا يقدر فيه على كاتب ~~غيره، فيضر بصاحب الدين إن امتنع، فإن ~~الكتابة حينئذ عليه فريضة. # وإن قدر على كاتب غيره فهو في سعة إذا قام به ~~غيره). وقال الضحاك: (هذا " كان " واجبا، فنسخه ~~قوله تعالى: { ولا يضآر كاتب ولا شهيد }. وقال ~~السدي: (هو واجب عليه في حال فراغه). وقال الشعبي: ~~(هو واجب على الكفاية كالجهاد). والصحيح: أن الكتابة ~~غير واجبة في الأصل على المتداينين، فإذا لم تكن واجبة ~~عليهم؛ فكيف تكون واجبة على الأجنبي الذي لا حكم له في هذا العقد ~~ولا سبب؟! # قوله تعالى: { وليملل الذي عليه الحق ~~وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا }؛ يعني ~~المديون المطلوب يقر على نفسه بلسانه ليعلم ما عليه ~~ويملي على الكاتب. والإملال والإملاء: بمعنى واحد؛ وهما لغتان ~~فصيحتان جاء بهما القرآن. ثم خوفه الله تعالى فقال: { ~~وليتق الله ربه } أي وليخش الله ولا ينقص من ~~الحق الذي عليه شيئا. # قوله عز وجل: { فإن كان الذي عليه الحق سفيها ~~أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل ~~وليه بالعدل }؛ أي فإن كان المطلوب الذي عليه المال سفيها ~~أو ضعيفا؛ أي خفيف العقل جاهلا بالإملاء؛ لا يميز تمييزا ~~صحيحا، قاله مجاهد. وقال السدي: (يعني عاجزا لا يستطيع ~~أن يمل لعجمة أو زمانة). وقوله تعالى: { ضعيفا ~~} أي ضعيفا في العقل مثل الصبي والمرأة أو شيخا كبير السن. ~~وقوله تعالى: { أو لا يستطيع أن يمل هو } يعني ~~لمرض أو خرس أو حبس لا يمكنه حضور الكتاب أو يجهل ما له ~~وعليه. قوله: { فليملل وليه بالعدل } أي وليه ~~الذي يقوم بأمره. # وقوله تعالى: { بالعدل } أي بالحق. وقال ابن عباس ~~والربيع ومقاتل: (فليملل ولي الحق) وهو صاحب الدين؛ ~~لأنه أعلم بدينه ms0304 يمل بالعدل والصدق والحق والإنصاف. # قوله تعالى: { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } ~~يعني أشهدوا على الحق شهيدين من الأحرار البالغين دون الكفار ~~والعبيد والصبيان، وهذا مذهب مالك وأبي حنيفة والشافعي وسفيان ~~وأكثر الفقهاء. وأجاز شريح وابن سيرين شهادة العبيد، وأجاز بعضهم ~~شهادتهم في الشيء التافه. # قوله تعالى: { فإن لم يكونا رجلين فرجل ~~وامرأتان }؛ الآية، أي فإن لم يكن الشاهدان رجلين فليكن رجل ~~وامرأتان. قوله: { ممن ترضون من الشهدآء }؛ أي ممن ~~ترضون عدالته وأمانته. والمرضي: من يجتمع فيه ثلاثة أشياء: # أحدها: العدالة، وأصلها الإيمان واجتناب الكبائر ومراعاة حقوق ~~الله من الواجبات والمسنونات وصدق " الحديث " وأداء الأمانة. # والثاني: نفي التهمة؛ نحو أن لا يكون المشهود له ولدا ولا والدا ~~ولا زوجة ولا زوجا، فإن شهادة هؤلاء غير مقبولة لما ذكرنا، وإن ~~كانوا عدولا مرضيين. # الثالث: التيقظ وقلة الغفلة وأن لا يكون كثير الغلط. # قال النخعي: (الرجل العدل: هو من لم يظهر فيه ~~ريبة. وقال الشعبي: (هو من لا يطعن عليه في بطن ~~ولا فرج). وقال الحسن: (هو من لم يعلم له خيانة). # وقال صلى الله عليه وسلم: # " لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة؛ ولا مجلود؛ ~~ولا ذي حقد على أخيه؛ ولا من جرت عليه شهادة ~~زور؛ ولا الخادم مع أهل البيت " # وعن ابن عباس قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشهادة؟ فقال: ~~" أترى هذه الشمس؟ " فقال: نعم، قال: " على مثلها ~~فاشهد أو دع " ". # قوله تعالى: { أن تضل إحداهما فتذكر ~~إحداهما الأخرى }؛ معناه: أن تذكر الذاكرة الناسية إن ~~نسيت، ومعنى تضل: تنسى، كقوله تعالى: # قال فعلتهآ إذا وأنا من الضالين # [الشعراء: 20]. وقوله تعالى: { فتذكر } معطوف على { ~~تضل }. وقرأ الأعمش: (إن تضل) بكسر الهمزة (فتذكر) ~~بالرفع. ومعناه: الخبر أو الابتداء. وموضع { تضل } جزم ~~بالجزاء، إلا أنه لا تبين فيه للتضعيف، (فتذكر) رفعا؛ ~~لأن ما بعد (فاء) الخبر مبتدأ. وقيل في تفسير الآية: إن امتنعت إحدى ~~المرأتين عن أداء الشهادة تعظها الأخرى حتى تشهد. # ومن قرأ (فتذكر) بالتخفيف فالإذكار والتذكير بمعنى واحد. ~~وقيل ms0305 في معنى التحقيق: تجعلها ذكرا؛ أي يقومان مقام رجل. قرأ زيد ~~بن أسلم: (فتذاكر إحداهما الأخرى) من المذاكرة. وقرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو ويعقوب: (فتذكر) بالتخفيف. وقرأ الباقون ~~(فتذكر) بالتشديد. # قوله تعالى: { ولا يأب الشهدآء إذا ما دعوا }؛ ~~أي لا يمتنعوا إذا دعوا إلى إقامة الشهادة عند الحكام، وهذا قول ~~مجاهد وعطاء وعكرمة وابن جبير والضحاك والسدي. وقال بعضهم: هذا في ~~تحمل الشهادة؛ وهو أمر إيجاب أيضا. # قال قتادة: (كان الرجل يطوف في الحي العظيم فيه ~~القوم؛ فيدعوهم إلى الشهادة؛ فلا يتبعه أحد ~~منهم؛ فأنزل الله هذه الآية). # وقال الشعبي: (هو مخير في تحمل الشهادة إذا وجد ~~غيره، فإذا لم يوجد غيره وجب عليه التحمل). ~~وقال بعضهم: هذا أمر ندب؛ وهو مخير في جميع الأحوال، وهو قول ~~عطاء. وقال المغيرة: (قلت لإبراهيم: إني أدعى إلى ~~الشهادة؛ وإني أخاف أن أنسى، قال: فلا تحمل إن ~~شئت). وقال الحسن: (هذه الآية في التحمل والإقامة ~~إذا كان فارغا). # قوله تعالى: { ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرا أو ~~كبيرا إلى أجله }؛ أي لا تملوا أن تكتبوا الحق قليلا ~~كان أو كثيرا إلى محله، يقال: سأمت أسأم سئامة؛ إذا ~~مللت، قال زهير: # سئمت تكاليف الحياة ومن يعش # ثمانين حولا لا أبا لك يسأم # وقال لبيد: # ولقد سئمت من الحياة وطولها # وسؤال هذا الناس كيف لبيد؟ # و (أن) في موضع نصب من وجهين؛ إن شئت جعلته مع الفعل مصدرا؛ ~~وأوقعت السئامة عليه؛ تقديره: ولا تسأموا كتابته. وإن ~~شئت نصبه بنزع الخافض، و(الهاء) راجعة إلى الحق؛ أي ولا ~~تسأموا من أن تكتبوه. # وقرأ السلمي: (ولا يسأموا) بالياء، وقوله تعالى: { صغيرا أو ~~كبيرا } انتصب من وجهين؛ أحدهما: على الحال من الهاء. # والثاني: أن يجعله خبرا ل (كان) المحذوفة؛ تقديره: صغيرا كان ~~الحق أو كبيرا. # قوله عز وجل: { ذلكم أقسط عند الله وأقوم ~~للشهدة وأدنى ألا ترتابوا } أي الكتاب أعدل عند ~~الله وأحصى للأجل وأحفظ للشهادة وأقرب أن لا يشكوا في مقدار الحق ~~ومقدار الأجل. وفي هذا دليل أنه لا ms0306 يجوز إقامة الشهادة إلا مع زوال ~~الريب، كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " إذا رأيت مثل الشمس فاشهد وإلا فدع ". # قوله تعالى: { إلا أن تكون تجرة حاضرة ~~تديرونها بينكم }؛ قرأ عاصم (تجارة) بالنصب على خبر ~~كان. وأضمر اسمها؛ تقديره: إلا أن تكون المداينة تجارة أو ~~المبايعة تجارة. وقرأ الباقون بالرفع لوجهين؛ أحدهما: أن يكون ~~الكون بمعنى الوقوع؛ تقديره: إلا أن تكون تجارة؛ فحينئذ لا خبر ~~له، والثاني: أن تجعل تجارة اسم يكون، والخبر (تديرونها)؛ ~~تقديره: إلا أن تكون تجارة حاضرة دائرة بينكم. # ومعنى الآية: إلا أن تقع تجارة حالة يدا بيد، { فليس ~~عليكم جناح ألا تكتبوها }؛ في ترك الكتابة في تلك ~~التجارة؛ لأنه ليس فيه أجل ولا نسيئة، وهذا توسعة من الله ~~للعباد كيلا يضيق عليهم أمر بيعاتهم في المأكول والمشروب ~~والأشياء التي تمس حاجتهم إليها في أكثر الأوقات. ويشق عليهم ~~كتابة جميعها. # قوله تعالى: { وأشهدوا إذا تبايعتم }؛ أي ~~أشهدوا على حقوقكم إذا بعتم واشتريتم، وهذا محمول على البياعات ~~النفيسة، فأما القدر اليسير الذي ليس في العادة التوثيق بالإشهاد فيه ~~نحو شراء الخبز والبقل وما جرى مجراه؛ فغير داخل في هذا الخطاب. # قال الضحاك: (قوله: { وأشهدوا إذا تبايعتم } هذا ~~الإشهاد واجب في صغير الحق وكبيره؛ ونقده ~~ونسيئته ولو كان على تافه). وقال آخرون: هو أمر ندب؛ ~~إن شاء أشهد وإن شاء لم يشهد. # قوله تعالى: { ولا يضآر كاتب ولا شهيد }؛ يحتمل ~~وجهين؛ أحدهما: لا يضار الكاتب ولا الشاهد الطالب والمطلوب؛ يعني ~~لا يكتب الكاتب إلا بالحق، ولا يشهد الشاهد إلا بالحق. تقديره: ~~لا يضارر على النهي. والثاني: على اسم ما لم يسم فاعله؛ أي لا ~~يدعى الكاتب وهو مشغول لا يمكنه ترك شغله إلا بضرر يدخل عليه، ~~وكذلك لا يدعى الشاهد ومجيئه يضر به. # قوله تعالى: { وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم }؛ أي ~~لا تقصدوا المضارة بعد نهي الله تعالى عنها، فإنه إثم وخروج ~~من أمر الله. وقوله تعالى: { واتقوا الله ~~ويعلمكم الله }؛ أي { واتقوا الله } في ms0307 الضرار ولا ~~تعصوه فيما أمركم به، { ويعلمكم الله } ما به قوام دينكم ~~ودنياكم، { والله بكل شيء }؛ من أعمالكم، { عليم }؛ يعلم ~~ما تعملون في الكتابة والشهادة. ### || [2.283] # قوله تعالى: { وإن كنتم على سفر ولم تجدوا ~~كاتبا فرهن مقبوضة } الآية، معناه: إذا كنتم مسافرين { ~~ولم تجدوا كاتبا } يكتب الوثيقة بالحق، (ف) الوثيقة ~~(رهان) يقبضها الذي له الحق. # قرأ ابن عباس وأبو العالية ومجاهد: (كتابا) يعني الصحيفة ~~والدواة؛ قالوا: لأنه ربما يجد الكاتب ولا يجد المراد والصحيفة ~~والدواة. وقرأ الضحاك: (كتابا) على جمع الكاتب. وقرأ الباقون: ~~(كاتبا) وهو المختار لموافقة المصحف. # وقوله تعالى: { فرهن مقبوضة } قرأ ابن عباس ومجاهد ~~وابن كثير وأبو عمرو: (فرهن). وقرأ عكرمة وعبدالوارث: (فرهن) ~~بإسكان الهاء. وقرأ الباقون: (فرهان) وهو جمع رهن مثل نعل ~~ونعال؛ وجبل وجبال. والرهن: جمع رهان وهو جمع الجمع، ~~قاله الفراء والكسائي. وقال أبو عبيد: (هو جمع رهن، مثل ~~سقف وسفف). # قوله تعالى: { فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد ~~الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه }؛ أي إن ~~كان الذي عليه الحق أمينا عند صاحب الحق فلم يرتهن منه شيئا ~~لثقته وحسن ظنه؛ { فليؤد الذي اؤتمن أمانته } ~~أي فليؤد المطلوب أمانته بأن لا يبخس ولا يجحد. # قوله تعالى: { ولا تكتموا الشهدة }؛ أي لا ~~تكتموها عند الحكام ولا تمتنعوا عن أدائها، { ومن يكتمها ~~فإنه آثم قلبه }؛ أي فاجر سريرته، وأضاف الإثم إلى ~~القلب وإن كان الآثم هو الكاتم؛ لأن اكتساب الإثم بكتمان الشهادة ~~يقع بالقلب؛ وهذا أبلغ في الوعيد وأحسن في البيان؛ لأن كاتم ~~الشهادة يلحقه الإثم من وجهين؛ أحدهما: العزم على أن لا يؤدي. ~~والثاني: ترك أدائها باللسان. # قوله تعالى: { والله بما تعملون عليم }؛ أي عليم ~~بما تعملون به من كتمان الشهادة وإقامتها؛ وأداء الأمانة والخيانة ~~فيها؛ عالم لا يخفى عليه شيء مما تفعلون. # ولا خلاف بين العلماء في جواز الرهن في الحضر؛ لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم # " اشترى من يهودي طعاما إلى أجل ورهنه درعه " # والفائدة في ذكر السفر في الآية: أن الأغلب من حال ms0308 السفر عدم ~~الشهود والكتاب؛ فخص الرهن بحال السفر. وعن مجاهد: (أنه كان ~~يكره الرهن في الحضر). ### || [2.284] # قوله عز وجل: { لله ما في السموت وما في الأرض ~~وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم ~~به الله }؛ اختلف المفسرون في هذه الآية؛ فقال قوم: هي خاصة؛ ~~واختلفوا في خصوصها، فقال بعضهم: نزلت في كتمان الشهادة وإقامتها. ~~يعني { وإن تبدوا ما في أنفسكم } أيها الشهود من ~~كتمان الشهادة أو تخفوا الكتمان { يحاسبكم به الله }. وهذا ~~قول الشعبي وعكرمة، ورواية مجاهد عن ابن عباس، يدل عليه قوله ~~تعالى فيما قبلها: # ولا تكتموا الشهدة # [البقرة: 283] الآية. # وذهب بعضهم إلى أنها عامة في الشهادة وفي غيرها، ثم اختلفوا في ~~وجه عمومها؛ فقال بعضهم: هي منسوخة. # " وروي أنه لما نزلت هذه الآية جاء أبو بكر ~~وعمر وعبدالرحمن بن عوف ومعاذ بن جبل وناس ~~من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فجثوا على ~~الركب وقالوا: يا رسول الله، ما نزل علينا آية ~~أشد من هذه؛ إن أحدنا ليحدث نفسه بما لا ~~يحب أن يثبت في قلبه - يعني يحدث نفسه بأمر من المعصية ~~ثم لا يعمل بها - وإنا لمؤاخذون بما تحدث به ~~نفوسنا إذا هلكنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " هكذا ~~نزلت " ، فقالوا: كلفنا من العمل ما لا نطيق، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: " أفتقولون كما قالت اليهود: ~~سمعنا وعصينا؟! " فقالوا: بل سمعنا وأطعنا يا ~~رسول الله. واشتد عليهم ذلك؛ فمكثوا حولا، ~~فأنزل الله عز وجل: { لا يكلف الله نفسا إلا ~~وسعها } فنسخت ما قبلها. فقال صلى الله عليه وسلم: " ~~إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم ~~يعملوا أو يتكلموا به " # وهذا قول ابن مسعود وأبي هريرة وعائشة برواية ابن جبير وعطاء ~~وابن سيرين وقتادة والكلبي وشيبان. # وقال بعضهم: لا يجوز أن تكون هذه الآية منسوخة؛ لأنها خبر من ~~عند الله؛ والخبر لا يحتمل النسخ؛ لأنه خلف؛ تعالى الله عن ~~ذلك علوا كبيرا، لكن المراد بالآية إظهار العمل وإخفاؤه. ~~وقال الربيع: (هذه ms0309 الآية محكمة لم ينسخها شيء، ~~فإن الله تعالى يعرف عبده يوم القيامة، ~~يقول: إنك أخفيت في صدرك كذا وكذا، يحاسبه على ~~ما أسر وأعلن من حركة في جوارحه وهمه في ~~قلبه، فهكذا يصنع بكل عباده، ثم يغفر لمن ~~يشاء ويعذب من يشاء). # وقيل: لا يؤاخذ المؤمن بما حاسبه من ذلك، فمعناه: وإن تظهروا ما ~~في أنفسكم من المعاصي أو تضمروا إرادتها في أنفسكم فتخفوها { ~~يحاسبكم به الله } أي يخبركم بها ويحاسبكم عليها، ثم يغفر ~~لمن يشاء ويعذب من يشاء، وهذا قول الحسن والربيع ورواية الضحاك عن ~~ابن عباس، يدل عليه قوله تعالى: # ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر ~~والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا # [الإسراء: 36]. # وقال آخرون: معنى الآية: أن الله يحاسب خلقه بجميع ما أبدوا من ~~أعمالهم وأخفوا ويعاقبهم عليه؛ غير أن معاقبته إياهم على ما أخفوا ~~مما لم يعملوا بها بما يحدث في الدنيا من النوائب والمصائب والأمور التي ~~يحزنون عليها ويألمون بها؛ مثل الحمى وغير ذلك حتى الشوكة يشاكها ~~والشيء يضيع فيفقده ويراع عليه، ثم يجده. وهذا قول عائشة رضي ~~الله عنها. # وقال بعضهم: معناه: { وإن تبدوا ما في أنفسكم } من ~~الأعمال الظاهرة، { أو تخفوه } من الأحوال الباطنة، { ~~يحاسبكم به الله } العائد على أفعال العارف على أحواله. # وقال بعضهم: إن الله تعالى يقول يوم القيامة: هذا يوم تبلى ~~السرائر وتحرج الضمائر، وإن كتابي لم يكتبوا إلا ما ظهر من ~~أعمالكم، وأنا المطلع على سرائركم مما لم يعلموه ولا يكتبوه، فأنا ~~أخبركم بذلك وأحاسبكم؛ لتعلموا أنه لا يعزب عنه مثقال ذرة من ~~أعمالكم، ثم أغفر لمن شئت وأعذب من شئت. فأما المؤمنون فيخبرهم بذلك ~~كله ويغفر لهم، ولا يؤاخذهم بذلك إظهارا لفضله. وأما الكافرون ~~فيخبرهم ويعاقبهم عليها إظهارا لعدله. فمعنى الآية: { وإن ~~تبدوا ما في أنفسكم } فتعملوا به، { أو تخفوه } مما ~~أضمرتم وأسررتم ونويتم. { يحاسبكم به الله } ويعرفكم ~~إياه ويغفر للمؤمنين، ويعذب الكافرين، يدل عليه قوله تعالى: { ~~يحاسبكم به الله } ولم يقل: يؤاخذكم به ms0310 الله. والمحاسبة غير ~~المعاقبة فالحساب ثابت، والعقاب ساقط. وقال الحسن ابن مسلم: ~~(يحاسب الله المؤمن بالمنة والفضل؛ والكافر ~~بالحجة والعدل). # وقيل في تأويل الآية: أنها وردت فيما يؤاخذ به العبد فيما بينه ~~وبين الله تعالى، وتأويل قوله صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما ~~لم يعملوا أو يتكلموا به " # إنما ورد فيما يلزم العبد من أحكام الدنيا، فلا يقع عتقه ولا ~~طلاقه ولا بيعه ولا هبته بالنية ما لم يتكلم. # ومن نظائر هذه الآية: # ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم # [البقرة: 225] وقوله تعالى: # إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين ~~آمنوا لهم عذاب أليم # [النور: 19]. ويدل على ذلك أن من أحب ما يبغضه الله، أو أبغض ما ~~يحبه الله كان معاقبا على ذلك وإن لم يعمل إلا بقلبه. # وقال بعضهم: إن الإخفاء في هذه الآية أن يضمر على السوء ويهم ~~به، ثم لا يصل إليه ولا يتمكن منه. وهذا القول حسن جدا اختاره ~~جماعة من المفسرين. # قوله تعالى: { فيغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء ~~}؛ رفعهما أبو جعفر وابن عامر والحسن وعاصم ويعقوب على الابتداء؛ أي ~~فهو يغفر. ونصبهما ابن عباس على الصرف. وجزمهما الباقون عطفا على ~~{ يحاسبكم }. قوله تعالى: { والله على كل شيء ~~قدير }؛ يعني من المغفرة والعقوبة. ### || [2.285-286] # قوله عز وجل: { ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ~~ربه والمؤمنون كل آمن بالله }؛ الآية، لما سبق ~~في السورة ذكر أحكام كثيرة أثنى الله على من آمن بها وقبلها، وقال ~~عز من قائل: { ءامن الرسول } بجميع الأحكام التي أنزلها ~~الله تعالى، وكذلك المؤمنون كلهم آمنوا بالله، وقوله تعالى: ~~{ وملائكته }؛ إنما أتى بالملائكة لأن حيا من خزاعة كانوا ~~يقولون: الملائكة بنات الله، فقال صلى الله عليه وسلم: # " والمؤمنون يقولون: إن الملائكة عباد الله ". # قوله: { وكتبه }؛ قرأ ابن عباس وعكرمة والأعمش وحمزة والكسائي ~~وخلف: (وكتابه) بالألف. وقرأ الباقون (وكتبه) بالجمع، وهو ~~ظاهر كقوله { وملائكته ورسله }. وللتوحيد وجهان؛ أحدهما: ~~أنهم أرادوا القرآن خاصة، والثاني: أنهم أرادوا جميع الكتب؛ ms0311 ~~كقول العرب: كثر الدرهم والدينار في أيدي الناس، يريدون الدراهم ~~والدنانير. يدل عليه قوله تعالى: # فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل ~~معهم الكتب # [البقرة: 213]. # وقوله تعالى: { ورسله }؛ قرأ الحسن: (ورسله) بسكون ~~السين لكثرة الحركات؛ { لا نفرق بين أحد من رسله }؛ ~~أي لا نفعل كما فعل أهل الكتاب آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض. وفي ~~مصحف عبدالله: (لا يفرقون بين أحد من رسله). وقرأ ~~جرير بن عبدالله وسعيد بن جبير ويحيى بن يعمر ويعقوب: (لا ~~يفرق) بالياء، بمعنى لا يفرق الكل، ويجوز أن يكون خبرا عن ~~الرسول. وقرأ الباقون بالنون على إضمار القول؛ تقديره: قالوا لا ~~نفرق، كقوله تعالى: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام ~~عليكم # [الرعد: 23-24]؛ أي يقولون: سلام عليكم. # قوله عز وجل: { وقالوا سمعنا وأطعنا }؛ أي سمعنا ~~قولك وأطعنا أمرك. وقيل: معنى { وأطعنا } قبلنا ما سمعنا؛ ~~بخلاف ما قالت اليهود. وقوله تعالى: { غفرانك ربنا ~~وإليك المصير }؛ أي اغفر غفرانك يا ربنا. وقيل: ~~معناه: نسألك غفرانك. والأول مصدر، والثاني مفعول. وقوله ~~تعالى: { وإليك المصير } أي نحن مقرون بالبعث. ومعنى ~~قوله: { وإليك } أي إلى جزائك؛ وهذا كما قال عز وجل ~~حكاية عن إبراهيم عليه السلام: # إني ذاهب إلى ربي سيهدين # [الصافات: 99] أي إلى حيث أمر ربي. # قوله عز وجل: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ~~لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت }؛ قرأ إبراهيم بن أبي ~~عبلة: (إلا وسعها) بفتح الواو وكسر السين على الفعل؛ يريد إلا ~~وسعها أمره. # ومعنى الآية: { لا يكلف الله نفسا } فرضا من فروضها من ~~صوم أو صلاة أو صدقة أو غير ذلك من حديث النفس؛ إلا مقدار طاقتها ~~كما قال صلى الله عليه وسلم لعمران بن الحصين: # " صل قائما؛ فإن لم تستطع فقاعدا؛ فإن لم ~~تستطع فعلى جنبك تومئ إيماء ". # قال قوم: لو كلف الله العباد فوق وسعهم لكان ذلك له؛ لأن ~~الخلق خلقه والأمر أمره، ولكنه أخبر أنه لا يفعله. # قوله تعالى: { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } ~~يعني النفس لها جزاء ما عملت من ms0312 الخير والعمل الصالح؛ أي لها أجره ~~وثوابه؛ وعليها وزر ما اكتسبت من المعصية والعمل السيء لا يؤاخذ ~~أحد بذنب أحد؛ ولا تزر وازرة وزر أخرى. # والفرق بين الكسب والاكتساب: أن الكسب فعل الإنسان لنفسه ~~ولغيره، والاكتساب ما يفعله لنفسه خاصة. وقيل: لا فرق بينهما في ~~اللغة. فعلى القول الأول وصف المسيء بالاكتساب؛ لأن وزره لا ~~يعدوه؛ ومعصيته لا تضر غيره، ووصف المحسن بالكسب؛ لأن ~~غيره يشاركه في ثوابه بالهداية والشفاعة. # قوله تعالى: { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينآ أو ~~أخطأنا }؛ أي لا تعاقبنا إن نسينا طاعتك أو أخطأنا في أمرك. ~~وقال الكلبي: (إن جهلنا أو تعمدنا)، فذهب إلى الخطأ الذي ~~هو ضد الصواب لا ضد القصد. يقال: خطأ إذا تعمد؛ وأخطأ إذا ~~سهى، وقد يقال: أخطأ إذا تعمد. وقيل: معنى الآية: إن تركنا ~~أمرا أو اكتسبنا خطيئة. # والنسيان بمعنى الترك معروف في الكلام كما في قوله تعالى: # نسوا الله فنسيهم # [التوبة: 67] أي تركوا ذكر الله وأمره فتركهم في العذاب. ~~والمراد بالمؤاخذة والنسيان سقوط الإثم في الآخرة. فأما في حكم ~~الدنيا فلا يرتفع التكليف منه إذا ذكره بعد النسيان كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ~~" # وكذلك الخطأ مرفوع الإثم في الآخرة وهو تأويل الخبر المروي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ورفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما ~~استكرهوا عليه " # فأما في أحكام الدنيا فيتعلق به الحكم؛ لأن الله نص على لزوم ~~قتل الخطأ في إيجاب الدية والكفارة. # قال الكلبي: (كانت بنو إسرائيل إذا نسوا شيئا مما ~~أمروا به أو أخطأوا عجلت لهم العقوبة، ~~فيحرم عليهم شيء من مطعم أو مشرب على حسب ~~ذلك الدية، فأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين أن يسألوه ترك مؤاخذتهم). وقال ابن ~~زيد: (قوله تعالى: { إن نسينآ } شيئا مما ~~افترضته علينا، { أو أخطأنا } شيئا مما ~~حرمته علينا). # قوله عز وجل: { ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما ~~حملته على الذين من قبلنا }؛ أي لا تحمل علينا ثقلا؛ ms0313 ~~ويقال: عهدا؛ كما حملته على بني إسرائيل بجرم منهم أمرتهم ~~بقتل بعضهم بعضا؛ وحرمت عليهم الطيبات بظلمهم، وكما كانوا ~~مأمورين بأداء ربع أموالهم في الزكاة ونحو ذلك من الأمور التي ~~كانت تثقل عليهم. ومنه قوله تعالى: # وأخذتم على ذلكم إصري # [آل عمران: 81] أي عهدي. # قوله تعالى: { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة ~~لنا به }؛ أي لا تحملنا ما يشق علينا من الأعمال، وهذا كما ~~يقال: لا أطيق كلام فلان، ولا أطيق هذا الأمر؛ أي لا أحمله إلا ~~بمشقة. # هذا هو معنى الآية؛ لأن الله تعالى لا يكلف أحدا شيئا لا يكون ~~ذلك في قدرته. وقيل: معناه: { ما لا طاقة لنا به } من العذاب، ~~وقيل: هو حديث النفس والوسوسة. وعن مكحول أنه (الغلمة). ~~وعن بعضهم أنه كان يقول: اللهم أعذني وإخوتي من شر ~~الغلمة، فإنها ربما جرت إلى جهنم. وقال ابن عبدالوهاب: ~~(يعني العشق). وعن إبراهيم في قوله تعالى: { ربنا ولا ~~تحملنا ما لا طاقة لنا به }: قال يعقوب: (يعني ~~الحب). # وقال بعضهم: حضرت ذا النون المصري في مجلس له، فتكلم ذلك اليوم في ~~محبة الله عز وجل، فمات أحد عشر نفسا في المجلس؛ فصاح رجل ~~من المريدين فقال: ذكرت محبة الله، فاذكر محبة المخلوقين. فتأوه ~~ذو النون تأوها شديدا وشق قميصه نصفين، وقال: آه.. علقت رهونهم؛ ~~واستعبرت عيونهم؛ وخالفوا السهاد؛ وفارقوا الرقاد؛ فليلهم طويل؛ ~~ونومهم قليل؛ أحزانهم لا تتغير؛ وهمومهم لا تفقد؛ باكية عيونهم؛ ~~قريحة جفونهم. # وقال يحيى بن معاذ: (لو كانت العقوبة بيدي يوم ~~القيامة لما عذبت العشاق؛ لأن ذنوبهم ~~اضطرار لا اختيار). وقال بعضهم: { ربنا ولا تحملنا ~~ما لا طاقة لنا به } يعني شماتة الأعداء؛ قال الشاعر: # كل المصائب قد تمر على الفتى # فتهون غير شماتة الحساد # إن المصائب تنقضي أيامها # وشماتة الحساد بالمرصاد # وقيل: هو الفرقة والقطيعة، نعوذ بالله العظيم منهما، يقال: قطع ~~الأوصال أيسر من قطع الوصال. # قوله عز وجل: { واعف عنا واغفر لنا وارحمنآ }؛ ~~أي تجاوز عن تقصيرنا وذنوبنا ولا تفضحنا { وارحمنآ }؛ فإننا ~~لا ننال ms0314 العمل بطاعتك إلا بمعونتك، ولا نترك المعصية إلا برحمتك. ~~وقيل: معنى: { واعف عنا } أي اترك عنا العقوبة، ومعنى العفو: ~~الترك. وقوله تعالى: { واغفر لنا } أي استر لنا ذنوبنا ~~وعيوبنا، { وارحمنآ } أي أنعم علينا بالجنة والثواب، وقيل: ~~معنى الآية: { واعف عنا } من المسخ { واغفر لنا } من ~~الخسف { وارحمنآ } من الغرق؛ أي لا تفعل بنا ما فعلت ببعض من ~~تقدمنا من الأمم. وقيل: معناه: { واعف عنا } الصغائر { ~~واغفر لنا } الكبائر { وارحمنآ } بتثقيل الميزان. وقيل: ~~معناه: { واعف عنا } في سكرات الموت { واغفر لنا } في ~~ظلمة القبور { وارحمنآ } في أهوال القيامة. # قوله تعالى: { أنت مولنا فانصرنا على القوم ~~الكافرين }؛ أنت ولينا وناصرنا ومتولي أمورنا، { فانصرنا ~~على القوم الكافرين } أي أعنا عليهم في إقامة الحجة ~~وإظهار الدين كما وعدتنا. # روي عن عبدالله بن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم # " لما قرأ { غفرانك ربنا وإليك المصير } قال ~~قد غفرت لكم، فلما قرأ: { ربنا لا تؤاخذنا إن ~~نسينآ أو أخطأنا } قال: لا أؤاخذكم، فلما قرأ ~~{ ربنا ولا تحمل علينآ إصرا كما حملته على ~~الذين من قبلنا } ، قال: لا أحمل عليكم، فلما ~~قرأ { ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به } ~~قال: لا أحملكم، فلما قرأ { واعف عنا واغفر ~~لنا وارحمنآ أنت مولنا فانصرنا على القوم ~~الكافرين }. قال: قد عفوت عنكم؛ وغفرت لكم؛ ~~ورحمتكم؛ ونصرتكم على القوم الكافرين ". # وكان معاذ بن جبل إذا ختم هذه السورة، قال: (آمين). # وعن الحسن والضحاك ومجاهد وجماعة من المفسرين: أن قوله تعالى: { ~~ءامن الرسول... } إلى آخر السورة كان في قصة المعراج؛ قالوا: # " لما انتهى النبي صلى الله عليه وسلم إلى سدرة ~~المنتهى قال له جبريل: إني لم أجاوز هذا ~~المكان، ولم يؤمر أحد بالمجاوزة غيرك، فامض ~~أنت. قال النبي صلى الله عليه وسلم: " فمضيت حتى ~~انتهيت إلى ما أراد الله تعالى " فأشار جبريل عليه ~~السلام أن سلم على ربك، فقلت: " التحيات لله ~~والصلوات والطيبات " فقال الله عز وجل: ~~السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: ms0315 فأحببت أن يكون لأمتي ~~حظ في السلام، فقلت: " السلام علينا وعلى عباد ~~الله الصالحين " فقال جبريل وأهل السماوات ~~كلهم: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن ~~محمدا عبده ورسوله. فقال الله تعالى: { ءامن ~~الرسول بمآ أنزل إليه من ربه }. فأراد النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يشرك أمته في الكرامة ~~والفضيلة؛ فقال صلى الله عليه وسلم: { والمؤمنون كل ~~آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله } الآية، قال ~~الله تعالى: { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } ~~الآية، فقال جبريل عليه السلام عند ذلك للنبي صلى ~~الله عليه وسلم: سل تعط، فقال صلى الله عليه وسلم: { ربنا ~~لا تؤاخذنا إن نسينآ أو أخطأنا } إلى آخر ~~السورة. فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوحى ~~الله إليه بهذه الآيات ليعلم أمته بذلك أو ~~يعلمهم كيف يدعون الله تعالى " ". # وقد تقدم فضل السورة والله الموفق. ### | [3 - سورة آل عمران] ### || [3.1-2] # قال ابن عباس معناه: (أنا الله أعلم)، ويقال: هو قسم أقسم ~~الله بأنه واحد لا شريك له ولا معبود للخلق سواه، وقد تقدم ~~تفسير الحروف المقطعة في أول سورة البقرة. # قال أنس رضي الله عنه: # " نزلت هذه الآية في وفد نجران وكانوا ستين ~~راكبا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم ~~أربعة عشر رجلا من أشرافهم، وفي الأربعة عشر ~~ثلاثة يؤول أمرهم إليهم: العاقب أمير الجيش ~~وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون إلا عن رأيه ~~واسمه عبد المسيح، والثاني: اسمه الأيهم صاحب ~~رحلهم، وأبو حارثة بن علقمة إمامهم وصاحب ~~مدارسهم، وكان قد درس كتبهم حتى حسن علمه ~~فيهم في دينهم. # فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده ~~وقت صلاة العصر وعليهم ثياب الحبرات؛ جبب ~~وأردية، فقاموا وأقبلوا في مسجد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وتوجهوا إلى ناحية المشرق، فقال صلى ~~الله عليه وسلم للعاقب والأيهم: " أسلما ". فقالا: قد ~~أسلمنا قبلك، فقال: " كذبتما، يمنعكما عن ~~الإسلام دعواكما لله ولدا وعبادتكما الصليب ~~وأكلكما الخنزير " قالا: فإن لم يكن ولدا لله ~~فمن ms0316 أبوه؟ وخاصموه جميعا في عيسى عليه السلام، فقال ~~صلى الله عليه وسلم: " ألستم تعلمون أنه لا يكون ولدا ~~إلا وهو يشبه أباه؟ " قالوا: بلى، قال: " ألستم ~~تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وأن عيسى يأتي ~~عليه الفناء؟ " قالوا: بلى، قال: " ألستم تعلمون ~~أن ربنا قيم على كل شيء يحفظه ويرزقه؟ " ~~قالوا: بلى، قال: " فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟ ~~" قالوا: لا، قال: " ألستم تعلمون أن الله عز ~~وجل لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟ ~~" قالوا: بلى، قال: " فهل يعلم عيسى من ذلك شيئا ~~غير ما علمه الله؟ " قالوا: لا، قال: " فإن ربنا ~~صور عيسى في الرحم كيف شاء، وربنا لا يأكل ~~ولا يشرب ولا يحدث، ألستم تعلمون ذلك؟ " ~~قالوا: بلى، قال: " ألستم تعلمون أن عيسى ~~حملته أمه كما تحمل الناس المرأة، ثم وضعته ~~كما تضع المرأة، ثم غذي كما يغذى الصبي، فكان ~~يطعم ويشرب ويحدث؟ " قالوا: بلى، قال: " فكيف ~~يكون هذا كما زعمتم؟ " فسكتوا. " # فأنزل الله عز وجل فيهم أول سورة آل عمران ~~إلى بضع وثمانين آية فيها). # فقال الله عز وجل: { الم * الله لا إله إلا هو ~~الحي القيوم } الحي: هو الدائم الذي لا ند له، الذي لا ~~يموت ولا يزول، والقيوم: القائم على كل نفس بما كسبت. # وأكثر القراء على فتح الميم من (الم) وللفتح وجهان؛ أحدهما: ~~أنه لما كانت الميم بعد ياء ساكنة استثقلوا فيها السكون فحركوها ~~إلى الفتح؛ لأن ذلك أخف نحو: أين وكيف. والثاني: أنه ~~ألقي عليها فتحة الهمزة من ألف (الله) وهذا جائز في الهجاء وإن ~~كان لا يجوز مثله في الكلام الموصول من حيث إن حروف الهجاء مبنية ~~على الوقف، ومن قرأ بتسكين الميم فعلى أصل حروف الهجاء أنها مبنية ~~على الوقوف والسكون. ### || [3.3-5] # قوله عز وجل: { نزل عليك الكتب بالحق ~~مصدقا لما بين يديه } ، قرأ ابراهيم بن أبي عبلة: (نزل ~~عليك الكتاب) بتخفيف الزاي، وقرأ الباقون بالتشديد، ونصب الياء ~~لأن القرآن كان ينزل منجما شيئا بعد شيء، والتنزيل مرة ms0317 ~~بعد مرة. قال الله تعالى: { وأنزل التوراة والإنجيل }؛ ~~لأنهما نزلتا دفعة واحدة. ومعنى الآية: نزل عليك يا محمد ~~القرآن بالصدق لإقامة أمر الحق. # قوله تعالى: { مصدقا لما بين يديه }؛ أي ~~موافقا لما تقدمه من التوراة والانجيل وسائر كتب الله تعالى في ~~الدعاء إلى توحيد الله، وبيان أقاصيص الأنبياء والأمر بالعدل ~~والإحسان وسائر ما لا يجري فيه النسخ وبعض الشرائع. وانتصب { ~~مصدقا } على الحال من الكتاب. # قوله تعالى: { وأنزل التوراة والإنجيل } أي أنزل ~~التوراة جملة على موسى، والإنجيل جملة على عيسى { من قبل } القرآن، ~~{ هدى للناس }؛ أي بيانا ونورا وضياء لمن تبعه. وموضع { هدى ~~} نصب على الحال. # قوله تعالى: { وأنزل الفرقان }؛ يعني القرآن، وأما ~~ذكره لبيان أنه يفرق بين الحق والباطل، ومتى اختلف فوائد ~~الصفات على موصوف واحد لم يكن ذكر الصفة الثانية تكرارا، بل ~~تكون الثانية في حكم المبتدلات لكل صفة فائدة ليست للأخرى، ~~والصفة الأولى تفيد أن من شأنه أن يكتب، والصفة الثانية تفيد ~~أن من شأنه أن يفرق بين الحق والباطل. وقيل: إن كل كتاب لله ~~فهو فرقان. # قوله عز وجل: { إن الذين كفروا بآيات الله ~~لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام } ، معناه: ~~إن في كتب الله ما يدل على صدق قولك؛ فمن جحد بآيات الله ~~وهي العلامات الهادية إليه الدالة على توحيده فأولئك لهم ~~عذاب شديد، { والله عزيز ذو انتقام } أي ذو نقمة ~~ينتقم ممن عصاه. # ثم حذرهم عن التلبس والاستتار عن المعصية، فقال: { إن الله ~~لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السمآء } ، أي ~~لا يخفى عليه قول الكفار وعملهم، يحصي كل ما يعملونه فيجازيهم ~~عليه في الآخرة. # وفائدة تخصيص الأرض والسماء وإن كان الله لا يخفى عليه شيء بوجه ~~من الوجوه: أن ذكر الأرض والسماء أكبر في النفس وأهول في الصدر، ~~فذكره على وجه الأهوال، إذ كان الغرض به التحذير. ### || [3.6] # قوله تعالى: { هو الذي يصوركم في الأرحام ~~كيف يشآء }؛ أي خلقكم في أرحام الأمهات كيف يشاء من لون ~~وطول وقصر وعظم وصغر ms0318 وذكورة وأنوثة وحسن وقبح ~~وسعيد أو شقي. # قوله تعالى: { لا إله إلا هو العزيز الحكيم ~~}؛ أي لا مصور ولا خالق إلا هو. ومعنى العزيز: المنيع في ~~سلطانه، لا يغالب ولا يمانع، ومعنى الحكيم: المحكم في ~~تدبيره وقضائه في عباده، وأفعال الله كلها شاهدة بأنه الواحد ~~القديم العالم القادر. ### || [3.7] # قوله عز وجل: { هو الذي أنزل عليك الكتاب ~~منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر ~~متشابهات } ، قال ابن عباس: (معناه: هو الذي أنزل ~~عليك القرآن منه آيات واضحات مبينات للحلال ~~والحرام هن أصل الكتاب الذي أنزل عليك يعمل ~~عليه في الأحكام، وهن أم في التوراة والإنجيل ~~والزبور وكل كتاب) نحو قوله تعالى: # قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم # [الأنعام: 151]. # وقوله تعالى: { وأخر متشابهات } أي ومنه آيات أخر ~~اشتبهت على اليهود مثل { الم } و { المص }. وقيل: يشبه بعضها ~~بعضا. # واختلفوا في المحكم والمتشابه، فقال قتادة والربيع ~~والضحاك والسدي: (المحكم هو الناسخ الذي يعمل به، ~~والمتشابه هو المنسوخ الذي يؤمن به ولا يعمل ~~به). وعن ابن عباس قال: (محكمات القرآن: ناسخه، ~~وحلاله؛ وحرامه، وحدوده؛ وفرائضه؛ وأوامره، ~~والمتشابهات: منسوخه، ومقدمه ومؤخره، ~~وأمثاله وأقسامه). وقال مجاهد وعكرمة: (المحكم: ما ~~فيه الحلال والحرام، وما سوى ذلك متشابه)، وقال ~~بعضهم: المحكم هو الذي لا يحتمل من التأويل إلا وجها ~~واحدا، والمتشابه ما احتمل وجوها. # وقال ابن زيد: (المحكم ما ذكره الله من قصص ~~الأنبياء مثل نوح وهود وصالح وإبراهيم ولوط ~~وشعيب وموسى عليهم السلام، والمتشابه هو ما ~~اختلف فيه الألفاظ من قصصهم عند التكرار كما ~~في موضع من قصة نوح # قلنا احمل # [هود: 40] وفي موضع آخر # فاسلك # [المؤمنون: 27]، وقال تعالى في العصا: # فإذا هي حية تسعى # [طه: 20]، وفي موضع آخر # فإذا هي ثعبان مبين # [الأعراف: 107]، وقوله تعالى: # فبأي آلاء ربكما تكذبان # [الرحمن: 13] ونحو # ويل يومئذ للمكذبين # [المرسلات: 15] ونحو ذلك). # وقال بعضهم: المحكم ما عرف العلماء تأويله وفهموا معانيه، ~~والمتشابه ما ليس لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه، ~~نحو: خروج الدجال؛ ونزول عيسى؛ وطلوع الشمس ms0319 من مغربها؛ وقيام ~~الساعة؛ وفناء الدنيا ونحوها. # وقال ابن كيسان: (المحكمات حججها واضحة؛ ودلائلها ~~واضحة؛ لا حاجة لمن سمعها إلى طلب معناها، ~~والمتشابه هو الذي يدرك علمه بالنظر، ولا ~~تعرف العوام تفصيل الحق فيه من الباطل). # وقال بعضهم: المحكم ما اجتمع على تأويله، والمتشابه ما ليس ~~فيه بيان قاطع. # وقال محمد بن الفضل: (هو سورة الإخلاص لأنه ليس فيها ~~إلا التوحيد فقط، والمتشابه نحو قوله # الرحمن على العرش استوى # [طه: 5] ونحو قوله # خلقت بيدي # [ص: 75]، ونحو ذلك مما يحتاج إلى تأويلها في ~~الإبانة عنها). # ويقال: المحكم: نحو قوله تعالى: # ولقد خلقنا السموت والأرض وما بينهما في ~~ستة أيام # [ق: 38] والمتشابه: نحو قوله: # خلق الأرض في يومين # [فصلت: 9] ثم قال # وقدر فيهآ أقواتها في أربعة أيام # [فصلت: 10] ثم قال: # فقضهن سبع سموت في يومين # [فصلت: 12] فظن من لا معرفة له أن العدد ثمانية أيام ولم يعلم ~~أن اليومين الأولين داخلان في الأربعة التي ذكرها الله من بعد. # وقال الزجاج: (المحكم ما اعترف به أهل الشرك مما ~~أخبر الله به من إنشاء الخلق؛ وجعله من الماء ~~كل شيء حي؛ وما خلق الله من الثمار وسخر لهم ~~من الفلك والرياح. والمتشابه: ما تشابه عليهم ~~من أمر البعث). وقد سمى الله جملة القرآن محكما؛ ~~فقال: # كتاب أحكمت آياته # [هود: 1] فوصفه بالإحكام، وسماه كله متشابها في آية أخرى، فقال: # الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها # [الزمر: 23] أي يشبه بعضه بعضا في الحسن والتصديق. # قوله عز وجل: { فأما الذين في قلوبهم زيغ ~~فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة ~~وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله }؛ ~~معناه: { فأما الذين في قلوبهم } ميل عن الحق والهدى ~~وهم اليهود فيتبعون ما اشتبه عليهم من أمر الحروف المقطعة، ~~يحسبون ذلك بحساب الجمل { ابتغاء الفتنة }؛ أي طلب ~~الكفر والشرك، { وابتغاء تأويله } في طلب تفسير منتهى ما ~~كتب الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم من المدة ليرجع ~~الملك إلى اليهود، { وما يعلم } تفسير ما كتب الله لهذه ~~الأمة { إلا الله }. # وقال ms0320 الربيع: ( # " إن هذه الآية نزلت في وفد نصارى نجران لما ~~حاجوا النبي صلى الله عليه وسلم في المسيح؛ فقالوا: ~~أليس هو كلمة الله وروح منه؟ قال: " بلى " قالوا: ~~حسنا " # ، فأنزل الله هذه الآية). # وقال ابن جريج: (الذين في قلوبهم زيغ؛ أي شك وهم ~~المنافقون). وقال الحسن: (هم الخوارج)، وقال بعضهم: جميع ~~المبتدعة، أعاذنا الله من البدعة. # ومعنى الآية: أن النصارى صرفوا كلمة الله إلى ما يقولون من قدم عيسى مع ~~الله عز وجل، وصرفوا قوله # وروح منه # [النساء: 171] إلى أنه جزء منه كروح الإنسان، وإنما أراد الله ~~تعالى بقوله # وكلمته # [النساء: 171] أن الله تعالى إنما صيره بكلمة منه وهي قوله # كن # [البقرة: 117] فكان، وسماه روحه لأنه خلقه من غير أب، بل أمر ~~جبريل فنفخ في جيب مريم عليها السلام؛ فهو روح من الله ~~أضافه إلى نفسه تشريفا له، كبيت الله وأرض الله. # وقيل: سماه روحا؛ لأنه كان يحيي الموتى، كما سمى القرآن ~~روحا من حيث إن فيه حياة الناس في أمر دينهم، قال الله تعالى # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا # [الشورى: 52] فصرف أهل الزيغ قوله تعالى # وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه # [النساء: 171] إلى مذاهبهم الفاسدة طلب الكفر والضلال، ولم ~~يردوا هذا اللفظ الذي اشتبه عليهم وشبهوه على أنفسهم إلى الآية ~~المحكمة؛ وهو قوله عز وجل: # إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من ~~تراب # [آل عمران: 59] فعلى هذا يكون: { وما يعلم تأويله إلا الله ~~} أي ما يعلم تأويل جميع المتشابه حتى يستوعب علم المتشابهات إلا ~~الله. # واختلف أهل العلم في معنى هذه الآية، فقال قوم (الواو) في قوله ~~تعالى: { والراسخون في العلم } ، واو العطف، يعني أن تأويل ~~المتشابه يعلمه الله ويعلمه الراسخون في العلم، وهم مع علمهم: ~~{ يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر ~~إلا أولوا الألباب }؛ والمعنى والثابتون في العلم يعلمون ~~تأويل ما نصب الله لهم الدلالة عليه إلى المتشابه وبعلمهم يقولون: ~~ربنا آمنا به، فروي عن أبن عباس: { وما يعلم تأويله ~~إلا الله ms0321 والراسخون في العلم } يعلمونه قائلين: ~~آمنا به). # ومنهم من جعل تمام الكلام عند قوله { إلا الله }. وفي قراءة ~~ابن مسعود آمنا (يقول الراسخون في العلم آمنا به) ~~وهو مروي أيضا عن ابن عباس. # ولا يبعد أن يكون للقرآن تأويل ليستأثر الله بعلمه دون خلقه؛ ~~لأنا لا نعلم مراد الله وحكمته في جميع أوامره ونواهيه؛ غير أنه ~~ألزمنا العمل بما أنزله ولم يطالبنا بما لا سبيل لنا إلى ~~معرفته، ولم يخف عنا علم ما غاب عنا، مثل قيام الساعة وغير ~~ذلك إلا لما فيه من المصلحة لنا وما هو خير لنا في ديننا ودنيانا، ~~وما علمناه فلم يعلمناه إلا لمصلحتنا ونفعنا فنعرف بصحة ~~جميع ما أنزل الله؛ والتصديق بذلك كله ما علمنا منه وما لم نعلم. # وكان ابن عباس يقول: (أنا من الراسخين في العلم). وقرأ ~~مجاهد هذه الآية؛ فقال: (أنا ممن يعلم تأويله). وروى ~~عكرمة عن ابن عباس؛ قال: (كل القرآن أعلم تأويله ~~إلا أربعا (غسلين) و (حنانا) و (الأواه) و ~~(الرقيم)). وهذا إنما قاله ابن عباس في وقت ثم علمها بعد ~~ذلك وفسرها. # وممن اختار تمام الكلام عند قوله { إلا الله } واستئناف الكلام ~~بقوله { والراسخون }: عائشة وعروة بن الزبير ورواية طاووس عن ~~ابن عباس كذلك أيضا؛ واختاره الكسائي والفراء ومحمد بن جرير؛ ~~وقالوا: (إن الراسخين لا يعلمون تأويله، ~~ولكنهم يؤمنون به). والآية راجعة على هذا التأويل إلى ~~العلم بمدة أجل هذه الأمة؛ ووقت قيام الساعة وفناء الدنيا؛ ~~ووقت طلوع الشمس من مغربها؛ ونزول عيسى؛ وخروج الدجال ويأجوج ~~ومأجوج؛ وعلم الروح ونحوها مما استأثر الله بعلمه ولم ~~يطلع عليه أحدا من خلقه. # قوله تعالى: { وأخر متشابهات } أخر جمع أخرى، ~~ولم ينصرف لأنه معدول عن أخر مثل عمر وزفر، وقوله ~~تعالى: { والراسخون في العلم } قال بعضهم: هم علماء أهل ~~الكتاب الذين آمنوا منهم؛ مثل عبدالله بن سلام وأصحابه، ودليله ~~قوله تعالى # لكن الراسخون في العلم منهم # [النساء: 162] يعني الدارسين علم التوراة. وعن أبي أمامة قال: ~~سئل رسول الله صلى الله عليه ms0322 وسلم من الراسخون في ~~العلم؟ فقال: # " من بر في يمينه؛ وصدق لسانه؛ واستقام ~~قلبه؛ وعف بطنه وفرجه؛ فذلك الراسخ في ~~العلم ". # وسئل أنس بن مالك عن تفسير الراسخين في العلم من هم؟ فقال: ~~(الراسخ: هو العالم العامل بما علم المتبع). # وقيل الراسخون في العلم: المتواضعون لله، المتذللون في طلب ~~مرضاته، لا يتعاظمون على من فوقهم ولا يحتقرون من دونهم. # وقال بعضهم: الراسخ في العلم من وجد في عمله أربعة أشياء: ~~التقوى بينه وبين الله، والتواضع بينه وبين الخلق، والزهد بينه ~~وبين الدنيا، والمجاهدة بينه وبين نفسه. ### || [3.8] # قوله عز وجل: { ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ ~~هديتنا }؛ أي ويقول الراسخون في العلم ربنا لا تمل قلوبنا عن ~~الحق والهدى كما أزغت قلوب اليهود والنصارى، { بعد إذ ~~هديتنا } أي لا تزغ قلوبنا بعد إذ أرشدتنا ونصرتنا ووفقتنا ~~لدينك الحق، وقوله: { وهب لنا من لدنك رحمة }؛ أي ~~أعطنا من عندك نعمة، وقيل: لطفا يثبت قلوبنا على الهدى. واسم ~~الرحمة يقع على كل خير ونعمة، وقيل معناه: وهب لنا من لدنك ~~توفيقا وتثبيتا على الإيمان والهدى. وقال الضحاك: (معناه: ~~وهب لنا تجاوزا ومغفرة). وقيل: هب لنا لزوم خدمتك على ~~شرط السنة. # وقوله تعالى: { إنك أنت الوهاب }؛ أي أنت المعطي ~~والوهاب الذي من عادته الإعطاء والهبة، وإنما سمي القلب قلبا ~~لتقلبه، وإنما مثل القلب مثل ريشة بفلاة من الأرض، وعن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن قلب ابن آدم مثل العصفور يتقلب في ~~اليوم سبع مرات " ### || [3.9] # قوله عز وجل: { ربنآ إنك جامع الناس ليوم لا ~~ريب فيه }؛ أي يقولون ربنا إنك محيي الناس بأجمعهم بعد الموت ~~جزاء؛ (ل) جزاء { يوم لا ريب فيه } أي لا شك فيه يعني ~~يوم القيامة. # قوله عز وجل: { إن الله لا يخلف الميعاد }؛ أي لا ~~يخلف الله ما وعد من البعث والحساب والميزان والجنة والنار. ### || [3.10] # قوله عز وجل: { إن الذين كفروا لن تغني عنهم ~~أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا }؛ أراد بالذين ~~كفروا اليهود ms0323 الذين تقدم ذكرهم. وقيل: أراد بهم نصارى نجران، ~~ويقال: عامة الكفار، ومعنى: { لن تغني عنهم أموالهم ~~ولا أولادهم من الله شيئا } أي لا يدفع عنهم كثرة ~~أموالهم وأولادهم شيئا من عذاب الله في الدنيا والآخرة؛ لأنه لا ~~يقبل منهم فداء ولا شفاعة. ويسمى المال غنى لأنه يدفع عن مالكه ~~الفقر والنوائب، فأخبر الله أن أموال هؤلاء الكفار وأولادهم لا ~~تقيهم من العذاب. # قرأ السلمي: (لن يغني عنهم) بالياء لتقدم الفعل ودخول ~~الحائل بين الاسم والفعل، وقرأ الحسن (لن تغني) بالتاء وسكون ~~الياء. # قوله تعالى: { وأولئك هم وقود النار }؛ أي حطب ~~النار، والوقود بنصب الواو ما يوقد به النار، وفي هذا بيان أن ~~أهل النار يحترقون في النار احتراق الحطب لا كما يحترق الإنسان بنار ~~الدنيا، فإن نار الدنيا تسيل الصديد من الإنسان ولا تأخذه ~~كما تأخذ الحطب، ومن قرأ (وقود) بضم الواو فهو مصدر وقدت ~~النار وقودا، كما يقال ورد ورودا؛ فيكون المعنى: أولئك هم ~~وقود النار. ### || [3.11] # قوله عز وجل: { كدأب آل فرعون والذين من ~~قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم ~~}؛ الآية؛ المعنى أن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم ~~من الله شيئا عند حلول النقمة والعقوبة مثل آل فرعون وكفار ~~الأمم الخالية أخذناهم وعاقبناهم فلم تغن عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم. وقيل: معناه عادة هؤلاء الكفار في الكفر والتكذيب ~~بالحق كعادة آل فرعون وعادة الذين من قبلهم قوم نوح وعاد ~~وثمود؛ { كذبوا } بكتبنا ورسلنا فعاقبهم الله بكفرهم وشركهم، ~~{ والله شديد العقاب } إذا عاقب، فعقابه شديد على ~~الدوام، والتأبيد لا كعقوبة أهل الدنيا. # والدأب في اللغة: العادة، كذا قال النضر بن شميل ~~والمبرد، فيكون معناه: كعادة آل فرعون. وقال الزجاج: ~~(الدأب: الاجتهاد؛ أي كاجتهاد آل فرعون في كفرهم ~~وتطايرهم على الباطل، يقال: دأب في كذا يدأب ~~دأبا إذا أدام العمل فيه، ثم نقل معناه إلى ~~الشأن والحال والعادة). # وقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والضحاك والسدي: (معناه: ~~كفعل آل فرعون وصنعهم في الكفر والتكذيب) ~~يقول: كفرت اليهود بمحمد ككفر ms0324 آل فرعون ~~والذين من قبلهم. وقال الربيع والكسائي: (معناه: ~~كشبه آل فرعون). وقال سيبويه: (الكاف في { كدأب } في ~~موضع رفع، فخبر المبتدأ تقديره: دأبهم كدأب ~~آل فرعون). ### || [3.12] # قوله عز وجل: { قل للذين كفروا ستغلبون ~~وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد } ، أي قل يا ~~محمد للذين كفروا ستهزمون وتقتلون وتحشرون بعد الموت إلى ~~جهنم وبئس الفراش. قرأ يحيى بن وثاب وحمزة والكسائي وخلف ~~بالياء فيهما، والباقون بالتاء، فمن قرأهما بالياء فعلى الإخبار ~~عنهم أنهم يغلبون ويحشرون، ومن قرأها بالتاء فعلى الخطاب؛ أي قل ~~لهم إنكم ستغلبون وتحشرون. # واختلف المفسرون في هؤلاء الكفار؛ فقال مقاتل: هم كفار ~~مكة، ومعناه: قل لكفار مكة ستغلبون يوم ~~بدر وتحشرون إلى جهنم في الآخرة، فلما نزلت ~~هذه " الآية " قال النبي صلى الله عليه وسلم للكفار ~~يوم بدر # " إن الله غالبكم وحاشركم إلى جهنم " # وقال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: (إن المراد بهم ~~يهود المدينة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما هزم الكفار يوم بدر، قالت اليهود: هذا ~~والله النبي الأمي الذي بشرنا به موسى ونجده ~~في التوراة بنعته وصفته، وإنه لا ترد له ~~راية، وأرادوا تصديقه واتباعه؛ فقال بعضهم ~~لبعض: لا تعجلوا حتى تنظروا إلى وقعة له ~~أخرى، فلما كان يوم أحد وغلب أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم قالوا: والله ما هو به، فغلب عليهم ~~الشقاء فلم يسلموا، وكان بينهم وبين رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عهد إلى مدة فنقضوا ذلك ~~العهد قبل أجله، وانطلق كعب بن الأشرف في ~~ستين راكبا إلى أبي سفيان بمكة ووافقوهم على ~~أن تكون كلمتهم واحدة، ثم رجعوا إلى ~~المدينة، فأنزل الله هذه الآية). # وعن ابن عباس وقتادة أنهما قالا: (لما أهلك الله قريشا ~~يوم بدر، جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود ~~بسوق بني قينقاع، فدعاهم إلى الإسلام وحذرهم ~~مثلما نزل بقريش من الانتقام، فأبوا وقالوا: ~~لسنا كقريش الأغمار الذين لم يعرفوا القتال ~~ولم يمارسوه، لئن حاربتنا لنقتلن رجالا، ~~وتعرف البأس والشدة، ms0325 فأنزل الله هذه الآية). ~~قوله تعالى: { إلى جهنم } اشتقاق جهنم من الجهنام ~~وهي البئر البعيدة القعر. ### || [3.13] # قوله عز وجل: { قد كان لكم آية في فئتين ~~التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة ~~يرونهم مثليهم رأي العين }؛ أي قد كان لكم أيها ~~اليهود عبرة، ويقال: أيها الكفار على صدق ما أقول لكم في فرقتين ~~التقتا يوم بدر؛ فرقة تقاتل في سبيل الله؛ أي في طاعة الله ~~وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ثلاثمائة وثلاثة عشر ~~رجلا، سبعة وسبعون رجلا من المهاجرين، ومائتان وستة وثلاثون من ~~الأنصار، وكان صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرين ~~علي رضي الله عنه، وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة، وكان جملة ~~الإبل التي في جيش رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ سبعين بعيرا، ~~والخيل فرسين؛ فرس المقداد وفرس مرثد بن أبي مرثد، وقيل: فرس ~~علي، وكان معهم من السلاح ستة أدرع وثمانية سيوف، وجميع من ~~استشهد من المسلمين أربعة عشر رجلا، ستة من المهاجرين، وثمانية من ~~الأنصار. # قوله تعالى: { وأخرى كافرة } أي فرقة أخرى كافرة؛ وهم ~~كفار مكة سبعمائة وخمسون رجلا مقاتلين، ورئيسهم يومئذ عتبة بن ~~ربيعة، وكانت خيلهم مائة فرس، وكانت حرب بدر أول مشهد ~~شهده رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { يرونهم مثليهم رأي العين } ~~من قرأ بالياء؛ فالمعنى ترى الفئة المؤمنة الفئة الكافرة مثليهم ~~ظاهر العين؛ أي ظن المسلمون أن المشركين ستمائة ونيف، وإنهم ~~يغلبوا المشركين كما وعدهم الله بقوله: # فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مئتين # [الأنفال: 66] قلل الله المسلمين في أعين المشركين، والمشركين ~~في أعين المسلمين حتى اقتتل الفريقان كما قال الله تعالى: # وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ~~ويقللكم في أعينهم # [الأنفال: 44] ثم قذف الله الرعب في قلوب الكفرة حتى انهزموا ~~بكف من تراب أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم فرماه في وجوههم ~~وقال: [شاهت الوجوه]. # ومن قرأ (ترونهم) بالتاء فهو خطاب لليهود، يعني يرون كفار مكة ~~قريشا والمؤمنين ms0326 رأي العين، فإن قيل لم قال { قد كان لكم ~~آية } ولم يقل قد كانت والآية مؤنثة؟ قيل: لأنه ردها إلى ~~البيان، أي قد كان بيان، فذهب إلى المعنى وترك اللفظ. # قوله تعالى: { يرونهم مثليهم رأي العين } ~~قرأ أبو رجاء والحسن وشيبة ونافع ويعقوب بالتاء، وقرأ الباقون ~~بالياء. # وقوله تعالى: { والله يؤيد بنصره من يشآء }؛ ~~أي يقوي ويشدد بقوته من يشاء. وقوله تعالى: { إن ~~في ذلك لعبرة لأولي الأبصار }؛ أي في غلبة المؤمنين ~~للمشركين مع قلة المؤمنين وشوكة المشركين، { لعبرة } لذوي ~~الأبصار في الدين؛ أي لذوي بصارة القلوب، ويجوز أن يكون معناه: ~~لعبرة لمن أبصر الجيش الجمعين بعينه يومئذ، وفي قوله تعالى: { فئة ~~} قراءتان، من قرأها بالرفع فعلى معنى: إحداهما فئة تقاتل، ومن ~~قرأها بالخفض فعلى البدل من فئتين، كما قال الشاعر: # وكنت كذي رجلين رجل صحيحة # ورجل رماها الدهر بالحدثان ### || [3.14] # قوله عز وجل: { زين للناس حب الشهوات من ~~النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب ~~والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث }؛ ~~بين الله بهذه الآية إن ما بسط للمشركين من زهرة الدنيا ~~وزينتها هو الذي يمنعهم من تصديق النبي صلى الله عليه وسلم فيما ~~يدعوهم إليه. # والمعنى: حسن للناس حب اللذات والشهوات والمشتهيات من النساء ~~والبنين، بدأ بالنساء لأنهن حبائل الشيطان وأقرب إلى الإفتتان ~~ويحملن الرجال على قطع الأرحام والآباء والأمهات وجمع المال من ~~الحلال والحرام. وقوله تعالى: { والبنين } قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " هم ثمرة القلوب وقرة الأعين؛ وإنهم مع ذلك ~~لمجبنة مبخلة " # قوله تعالى: { والقناطير المقنطرة } من ~~القناطير، جمع قنطار، واختلفوا فيه، فقال الربيع: (القنطار ~~هو المال الكثير بعضه على بعض). وقال ابن كيسان: ~~(هو المال العظيم). وعن أبي هريرة: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " القنطار اثنا عشر ألف أوقية " # ، وعن أنس: # " أن القنطار ألف مثقال " # وعن معاذ: # " ألف ومائتا أوقية " # وعن أنس أيضا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ألفا مثقال " # وعن عكرمة: # " مائة ألف ومائة من ومائة رطل ومائة مثقال ~~ومائة درهم " # وقيل القنطار: ms0327 ما بين السماء والأرض من المال، وقيل: ملء ~~مسك ثور ذهبا وفضة، وقال ابن المسيب وقتادة: (ثمانون ~~ألفا). وعن مجاهد: (سبعون ألفا). وعن الحسن أنه قال: ~~(القنطار مثل دية أحدكم). وحاصله أن القنطار: هو المال ~~الكثير. # وقوله تعالى: { المقنطرة }؛ قال قتادة: (أي ~~المنضدة بعضها على بعض). وقال بعضهم: المقنطرة: ~~المدفونة. وقال السدي: (المضروبة المنقوشة). قوله ~~تعالى: { من الذهب والفضة } سمي الذهب ذهبا لأنه يذهب ~~ولا يبقى، والفضة لأنها تنفض أي تتفرق. # قوله تعالى: { والخيل المسومة } الخيل جمع لا ~~واحد له من لفظه، واحده فرس، والمسومة هي الرواتع من ~~السوم وهو الرعي، قال الله: # شجر فيه تسيمون # [النحل: 10] أو تكون من السيما؛ وهي العلامة من الأوضاح ~~والغرة التي تكون في الخيل. وقال السدي: (المسومة: هي ~~الواقفة). وقال مجاهد: (الحسان) وقال الأخفش: (هي ~~المعلمة). وقال ابن كيسان: (البلق). # روي عن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لما أراد الله أن يخلق الخيل قال للريح ~~الجنوب: إني خالق منك خلقا فأجعله عزا ~~لأوليائي؛ ومذلة لأعدائي؛ وجمالا لأهل طاعتي، ~~ثم خلق منها فرسا وقال له: خلقتك وجعلت ~~الخير معقودا بناصيتك؛ والغنائم مجموعة على ~~ظهرك؛ وعطفت عليك صاحبك؛ وجعلتك تطير بلا ~~جناح؛ وأنت للطلب وأنت للهرب، وسأجعل على ~~ظهرك رجالا يسبحونني ويحمدونني ويهللونني ~~ويكبرونني " # وقيل: خلق الله خيلا تلقى أعناقها كأعناق البخت، فلما أرسلها ~~إلى الأرض واستوت أقدامها صهل فرس منها فقيل له: بوركت من ~~دابة، أذل بصهيلك المشركين، أذل به أعناقهم واملأ به آذانهم، ~~وأرعب به قلوبهم، فاختار الفرس، فقيل له: اخترت عزك وعز ~~ولدك، ما خلقت خلقا أعز إلي منك ومنه. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم ~~القيامة " # ، وعن أنس قال: # " لم يكن شيء أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعد النساء من الخيل " # وعن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من فرس عربي إلا يؤذن له عند ms0328 كل فجر ~~بدعوة فيقول: اللهم من خولتني من بني آدم ~~وجعلتني له، فاجعلني أحب أهله وماله إليه " # ، وقال صلى الله عليه وسلم: # " ارتبطوا الخيل وامسحوا بنواصيها، وعليكم ~~بكل كميت أغر محجل أو أدهم أغر محجل " # وعن أبي هريرة: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الشكال من ~~الخيل " # وهو أن يكون له ثلاث قوائم محجلة وأخرى مطلقة، أو يكون الثلاث ~~مطلقة والرابعة محجلة، ولا يكون الشكال إلا في الرجل دون ~~اليد. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " الشؤم في ثلاثة: المرأة والفرس والدار " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " الخيل ثلاثة: فرس للرحمن؛ وفرس للإنسان؛ ~~وفرس للشيطان، فالذي للرحمن ما اتخذ في سبيل ~~الله وقوتل عليه أعداء الله، وأما فرس الإنسان ~~فما استبطن وتحمل عليه، وأما فرس الشيطان ~~فما روهن عليه أو قومر عليه " # قوله تعالى: { والأنعام والحرث } الأنعام جمع ~~النعم، وأشهر النعم أكثر ما يستعمل في الإبل، وقد يقع على ~~سائر المواشي من البقر والغنم والإبل، وقوله تعالى: { والحرث } ~~بمعنى الزرع. # قوله تعالى: { ذلك متاع الحياة الدنيا }؛ أي هذا ~~الذي ذكرت متاع الحياة الدنيا، أي شيء يستمتع به في الدنيا ~~ثم يزول ويفنى. قوله تعالى: { والله عنده حسن ~~المآب } ، أي حسن المرجع والمنقلب للمؤمنين وهو الجنة ~~الباقية، ثم بين الله إنما أعد الله للمؤمنين في الآخرة خير من ~~هبة الدنيا. ### || [3.15] # وقال عز وجل: { قل أؤنبئكم بخير من ذلكم ~~للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها }؛ أي { قل } يا محمد: أخبركم ~~بخير من الذي زين للناس في الدنيا للذين اتقوا الشرك والكبائر ~~والفواحش؛ فلا يشتغلون بالزينة عن طاعة الله، لهم عند ربهم جنات؛ أي ~~بساتين تجري من تحت شجرها ومساكنها أنهار الماء والعسل والخمر ~~واللبن، { خالدين فيها } أي مقيمين دائمين؛ أي ليست تلك ~~المياه كمياه الدنيا تجري أحيانا وتنقطع أحيانا، بل تكون جارية ~~أبدا. # قوله تعالى: { وأزواج مطهرة }؛ أي ولهم نساء ~~مهذبات في الخلق والخلق. قوله تعالى: { ورضوان ~~من الله }؛ أي لهم مع ذلك رضا الله ms0329 عنهم وهو من أعظم النعم، ~~قال الله تعالى: # ورضوان من الله أكبر # [التوبة: 72]، قوله تعالى: { والله بصير بالعباد }؛ ~~أي عالم بأعمالهم وثوابهم. # واختلفوا في منتهى الاستفهام في قوله تعالى: { أؤنبئكم }؛ ~~قال بعضهم: منتهاه عند قوله: { بخير من ذلكم } ~~وقوله تعالى: { للذين اتقوا } استئناف الكلام، وقال ~~بعضهم: منتهاه: { عند ربهم } وقوله تعالى: { جنات } ~~استئناف كلام. # قرأ أبو بكر عن عاصم: (ورضوان) بضم الراء في جميع القرآن وهي ~~لغة قيس وعيلان وتميم؛ وهما لغتان كالعدوان والطمعان والطعنان، ~~وقرأ عامة القراء (ورضوان) بكسر الراء. ### || [3.16] # قوله تعالى: { الذين يقولون ربنآ إننآ آمنا ~~فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار } ، { الذين } ~~في موضع خفض ردا على قوله { للذين اتقوا } أي ~~للمتقين { الذين يقولون ربنآ إننآ آمنا } ~~وصدقنا بالله وبالرسول فاغفر لنا خطايانا، وادفع عنا عذاب ~~النار، ويجوز أن يكون موضع { الذين } رفعا على معنى هم { ~~الذين يقولون ربنآ } كقوله تعالى: # إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم # [التوبة: 111] ثم قال في صفتهم مبتدئا: # التائبون العابدون # [التوبة: 112]. ### || [3.17] # قوله تعالى: { الصابرين والصادقين والقانتين ~~والمنفقين والمستغفرين بالأسحار }؛ { الصابرين ~~} في موضع خفض بدل من { الذين يقولون }. وذهب بعضهم إلى { ~~الصابرين } نصب بالمدح. ومعنى الآية: { الصابرين } على ~~طاعة الله وعلى الشدائد والمصائب وعلى ارتكاب النهي وعلى البأساء ~~والضراء، { والصادقين } في إيمانهم وأقوالهم وأفعالهم، فإن ~~الصدق قد يقع في القول كما يقع في الفعل، يقال: صدق فلان في ~~القتال، وصدق في الجملة أي حقق. قال قتادة في تفسير ~~الصادقين: (هم قوم صدقت نياتهم واستقامت ~~قلوبهم وألسنتهم في السر والعلانية). { ~~والقانتين } أي القائمين بعبادة الله المطيعين، { ~~والمنفقين } يعني في طاعة الله. # وقوله: { والمستغفرين بالأسحار } قال قتادة: (أراد به ~~المصلين بالأسحار) قال أنس بن مالك: (أراد به ~~السائلين المغفرة بالأسحار)، وقال الحسن: (انتهت ~~صلاتهم إلى وقت السحر؛ ثم كان بعدها ~~الاستغفار)، وعن إبراهيم بن حاطب عن أبيه قال: (سمعت ~~صوتا في ناحية المسجد سحرا يقول: إلهي دعوتني ~~فأجبتك؛ وأمرتني فأطعتك؛ وهذا سحر فاغفر لي. ~~فنظرت فإذا هو عبدالله بن مسعود رضي الله عنه). ms0330 # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ثلاثة أصوات يحبهم الله: أصوات الديك، وصوت ~~الذي يقرأ القرآن، وصوت المستغفرين بالأسحار " # وروي أن داود رضي الله عنه سأل جبريل: أي الليل ~~أفضل؟ فقال: لا أدري إلا أن العرش يهتز في وقت ~~السحر. وقال سفيان الثوري: (إن لله ريحا يقال لها ~~الصبحة تهب وقت السحر؛ تحمل الأذكار ~~والاستغفار إلى الملك الجبار)، وقال: (بلغنا أنه ~~إذا كان أول الليل نادى مناد: إلا ليقم العابدون، ~~فيقومون فيصلون ما شاء الله، ثم ينادي مناد في ~~شطر الليل: ألا ليقم القانتون، فيقومون كذلك ~~فيصلون، فإذا كان السحر نادى مناد: أين ~~المستغفرون؟ فيستغفر أولئك؛ فإذا طلع الفجر ~~نادى مناد: ألا ليقم الغافلون؛ فيقومون من ~~فراشهم كالموتى إذا نشروا من قبورهم). وقال لقمان ~~لابنه: (يا بني لا يكونن الديك أكيس منك؛ ينادي ~~بالأسحار وأنت نائم). والسحر: هو الوقت الذي ~~قبل طلوع الفجر. ### || [3.18] # قوله تعالى: { شهد الله أنه لا إله إلا هو ~~والملائكة }؛ روى أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من قرأ شهد الله أنه لا إله إلا هو عند منامه ~~خلق الله تعالى منها سبعين ألف خلق يستغفرون ~~له إلى يوم القيامة " # وعن سعيد بن جبير قال: (كان حول الكعبة ثلاثمائة ~~وستون صنما؛ لكل حي من أحياء العرب صنم أو ~~صنمان، فلما نزلت هذه الآية أصبحت تلك ~~الأصنام كلها وقد خرت سجدا). # وعن ابن مسعود أنه قال: [من قرأ { شهد الله أنه لا ~~إله إلا هو } إلى قوله: { إن الدين عند الله ~~الاسلام } وقال: أنا أشهد بما شهد الله به ~~وأستودع الله هذه الشهادة وهي لي وديعة ~~عنده؛ يجاء صاحبها يوم القيامة فيقول الله ~~تعالى: عبدي عهد لي وأنا أحق من وفى بالعهد، ~~أدخلوا عبدي الجنة]. # ومعنى الآية: قال محمد بن السائب الكلبي: # " لما ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ~~قدم عليه حبران من أحبار اليهود من الشام، ~~فقال أحدهما لصاحبه حين أبصر المدينة: ما ~~أشبه هذه ms0331 المدينة بمدينة النبي الذي يخرج ~~في آخر الزمان، فلما دخلا على النبي صلى الله عليه ~~وسلم عرفاه بالصفة والنعت، فقالا له: أنت محمد؟ ~~قال: " نعم ". قالا: أنت أحمد؟ قال: " أنا محمد ~~وأحمد ". قالا: فإنا نسألك عن شيء فإن أخبرتنا ~~به آمنا بك وصدقناك، قال: " اسألوا ". قالا: ~~أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله تعالى؟ ~~فأنزل الله تعالى على نبيه هذه الآية { شهد الله ~~أنه لا إله إلا هو } إلى آخرها، فأسلم الرجلان ~~وصدقا برسول الله صلى الله عليه وسلم " # قرأ أبو نهيك وأبو الشعث (شهد الله) بالمد والرفع على معنى: ~~هم شهد الله الذين تقدم ذكرهم. وقرأ المهلب: (شهد الله) ~~بالمد والنصب على المد. والآخرون (شهد الله) على الفعل أي ~~قضاء الله، ويقال: أخبر الله. وقال مجاهد: (حكم الله). قرأ ~~ابن السمؤل: (شهد الله أنه لا إله إلا هو). وقرأ ابن ~~عباس: (إنه لا إله إلا الله) بكسر الألف جعله خبرا ~~مستأنفا، وقال بعضهم بكسره لأن الشهادة قول وما بعد القول مكسور ~~على الحكاية، تقديره: قال الله إنه لا إله إلا الله. قال ~~المفضل: (معنى الشهادة { شهد الله }: الإخبار ~~والإعلام، ومعنى الملائكة والمؤمنين بالإقرار؛ ~~كقوله # شهدنا على أنفسنا # [الأنعام: 130] أي أقررنا). # قوله تعالى: { وأولوا العلم }؛ معناه الأنبياء، وقيل: ~~المهاجرون والأنصار، وقيل: علماء المؤمنين أهل الكتاب: عبدالله بن ~~سلام وأصحابه، وقال الكلبي والسدي: (علماء المؤمنين ~~كلهم، فقرن الله شهادة العلماء بشهادته، لأن ~~العلم صفة الله تعالى العليا ونعمته العظمى، ~~والعلماء أعلام الإسلام والسابقون إلى دار السلام ~~وشرح الأمكنة وحجج الأزمنة]. # وعن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ساعة من عالم يتكئ على فراشه، وينظر في ~~علمه خير من عبادة العابدين سبعين عاما " # وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " تعلموا العلم، فإن تعليمه لله خشية، ~~ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه ~~من لا يعلمه صدقة، وبذله لأهله قربة؛ لأنه ~~معالم الحلال والحرام، ومنار سبيل الجنة ~~والنار، وهو الأنس في الوحشة، ms0332 والصاحب في ~~الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على ~~السراء والضراء، والسلاح على الأعداء. يرفع ~~الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة، يقتدى ~~بهم وتقص آثارهم ويقتدى بأفعالهم، وينتهى إلى ~~رأيهم، وترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها ~~تمسحهم، وفي صلاتهم تستغفر لهم، وكل رطب ~~ويابس يستغفر لهم، حتى حيتان البحر وهوامه، ~~وسباع الأرض وأنعامها، والسماء ونجومها، ألا ~~وإن العلم حياة القلوب عن العماء، ونور الأبصار ~~من الظلمات، يبلغ بالعبد منازل الأحرار ~~ومجالس الملوك، والفكر فيه يعدل بالصيام، ~~ومدارسته بالقيام، وبه يعرف الحلال والحرام، ~~وبه يوصل الأرحام، يلهمه الله السعدى، ويحرمه ~~الأشقياء " # قوله تعالى: { قآئما بالقسط }؛ أي بالعدل، ونصب { ~~قآئما } على الحال من شهد، وقيل: من قوله { لا إله إلا ~~هو } ، ويجوز وقوع الحال المؤكد على الاسم في غير الإشارة، ~~يقول: إنه زيد معروفا؛ وهو الحق مصدقا. # فإن قيل: الحال وصف هيئة الفاعل وذلك مما يقبل تغيير؛ فهل يجوز من ~~الله أن يزول عنه قيامه بالقسط؟ قيل: هذا على مذهب الكوفيين لا ~~يلزم؛ لأنهم يسمونه على لفظ القطع، يعنون بالقطع: قطع المعرفة ~~إلى لفظ النكرة، مثل قوله: # الدين واصبا # [النحل: 52] كان أصله الواصب، وهذا كان أصله القائم، فلما قطعت ~~الألف واللام نصب. # وأما عند البصريين فالحال حلال من باب حل في الشيء وصار فيه ~~حال يأتي بعد الفعل يجوز عليه التغيير، وحال يأتي بعد الاسم لا ~~يجوز عليه التغيير، وهذا من ذلك، وكذلك قوله: # وهذا بعلي شيخا # [هود: 72]. # قوله تعالى: { لا إله إلا هو العزيز الحكيم } ~~، قال جعفر الصادق: (إنما كرر الشهادة لأن الأولى ~~وصف وتوحيد، والثانية رسم وتعليم) أي قولوا { ~~لا إله إلا هو العزيز الحكيم } العزيز: الغالب ~~المنيع، والحكيم: ذو الحكمة في أمره وسلطانه، وقوله: { قآئما ~~بالقسط } أي قائم بالتدبير؛ أي يجري أفعاله على الاستقامة. ### || [3.19] # قوله تعالى: { إن الدين عند الله الإسلام }؛ معنى ~~الدين المرتضى؛ نظيره # ورضيت لكم الإسلم دينا # [المائدة: 3]، والإسلام: هو الدخول في السلم والانقياد والطاعة. ~~وعن قتادة: (هو شهادة أن لا إله إلا الله؛ والإقرار ~~بما جاء ms0333 من عند الله؛ وهو دين الله الذي شرع ~~لنفسه؛ وبعث به رسله؛ ودل عليه أولياءه؛ ~~ولا يقبل غيره). # وقرأ الكسائي: (الدين عند الله) بالفتح على معنى: شهد ~~الله أنه لا إله إلا هو، وشهد أن الدين عند الله الإسلام. # قوله تعالى: { وما اختلف الذين أوتوا الكتاب ~~إلا من بعد ما جآءهم العلم بغيا بينهم }؛ أي ~~لم تقر اليهود والنصارى للإسلام ولم يتسموا باليهودية ~~والنصرانية { إلا من بعد ما جآءهم العلم } في كتابهم ~~حسدا بينهم. # روي: أن اليهود كانوا يسمون مسلمين؛ فلما بعث عيسى عليه ~~السلام وسمى أصحابه مسلمين حسدت اليهود مشاركتهم في الاسم ~~فسموا أنفسهم يهودا؛ فكانوا يسمون مسلمين ويهودا، فغيرت ~~النصارى اسمهم وسموا أنفسهم نصارى. والبغي: هو طلب الاستعلاء ~~بغير حق. # وقال بعضهم: معنى الآية: ما اختلف الذين أوتوا الكتاب في نبوة ~~محمد صلى الله عليه وسلم إلا من بعد ما جاءهم بيان ~~نعته وصفته في كتبهم. # قوله تعالى: { ومن يكفر بآيات الله فإن الله ~~سريع الحساب }؛ أي من يجحد بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~والقرآن فإن الله سريع المجازاة، سريع التعريف للعامل ~~عمله لا يحتاج إلى إثبات وتذكير. ### || [3.20] # قوله تعالى: { فإن حآجوك فقل أسلمت وجهي ~~لله ومن اتبعن }؛ أي فإن خاصموك يا محمد في الدين؛ ~~فقل: انقدت لله وحده بلساني وجميع جوارحي، وإنما خص ~~الوجه لأنه أكرم جوارح الإنسان وفيه بهاؤه وتعظيمه، فإذا خضع ~~وجهه لشي فقد خضع له سائر جوارحه التي دون الوجه. قال الفراء: ~~(معناه: أخلصت عملي لله، والوجه العمل). # قوله تعالى: { ومن اتبعن } في موضع رفع عطفا على ~~إني أسلمت؛ أي أسلمت ومن اتبعني أسلم أيضا كما أسلمت، ~~والأصل إثبات الياء في (تبعني) لكن حذفت للتخفيف. # قوله تعالى: { وقل للذين أوتوا الكتب ~~والأميين أأسلمتم }؛ الذين أوتوا الكتاب هم ~~اليهود والنصارى؛ والأميون مشركو العرب؛ أي قل لهم ~~أخلصتم كما أخلصنا، { فإن أسلموا } اخلصوا؛ { فقد ~~اهتدوا }؛ من الضلال؛ { وإن تولوا }؛ عن الإسلام ~~وقالت النصارى المسيح ابن الله، وقالت اليهود ~~عزيز ابن الله؛ { فإنما عليك البلغ }؛ ~~بالرسالة. ms0334 # قوله تعالى: { والله بصير بالعباد }؛ أي عالم بمن ~~يؤمن ومن لا يؤمن، لا يفوته شيء من أعمالهم التي يجازيهم بها. # قال الكلبي: # " لما نزلت هذه الآية ذكر ذلك لهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم؛ فقال أهل الكتاب: أسلمنا، قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم لليهود: " تشهدون أن عيسى كلمة ~~الله وعبده ورسوله؟ " قالوا: معاذ الله؛ ولكنه ~~ابن الله. فذلك قوله تعالى: { وإن تولوا ~~فإنما عليك البلغ } " # { والله بصير بالعباد } أي عليم بصير بمن يؤمن وبمن لا ~~يؤمن؛ وبأهل الثواب وبأهل العقاب. # فإن قيل: قوله: { ومن اتبعن } عطف على المضمر في ~~قوله: { أسلمت } والعرب لا تعطف الظاهر على المضمر؟ قيل: ~~إنما لا تعطف إذا لم يكن بين الكلامين فاصل، أما إذا كان بينهما ~~فاصل جاز. # قوله { أسلمت } لفظه استفهام ومعناه أمر؛ أي أسلموا ~~كقوله تعالى: # فهل أنتم منتهون # [المائدة: 91] أي انتهوا. ### || [3.21] # قوله تعالى: { إن الذين يكفرون بآيات الله ~~ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين ~~يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم ~~}؛ معناه: إن الذين يجحدون بآيات الله وهم اليهود والنصارى. { ~~ويقتلون النبيين بغير حق } قرأ الحسن ~~(ويقتلون) بالتشديد فهما على التكثير، وقرأ حمزة ~~(ويقاتلون الذين يأمرون). # وفي إضافتهم قتل الأنبياء هؤلاء الذين كانوا على عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قولان؛ أحدهما: رضاهم بقتل من سلف ~~منهم النبيين نحو قتلهم زكريا ويحيى، والثاني: أن هؤلاء ~~قاتلوا النبي صلى الله عليه وسلم وهموا بقتله كما قال الله ~~تعالى: # وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو ~~يقتلوك # [الأنفال: 30]، وقرأ بعضهم: (يقاتلون النبيين بغير ~~حق). # وعن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال: # " قلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي الناس أشد ~~عذابا يوم القيامة؟ قال: " رجل قتل نبيا أو ~~رجلا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر " ثم قرأ ~~هذه الآية؛ ثم قال: " يا أبا عبيدة؛ قتلت بنو ~~إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ~~ساعة واحدة، فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من ~~عباد بني اسرائيل؛ فأمروا بالمعروف ms0335 ونهوا عن ~~المنكر فقتلوهم جميعا في آخر النهار من ذلك ~~اليوم " فهم الذين ذكرهم الله في كتابه وأنزل فيهم الآية ". # قوله تعالى: { فبشرهم بعذاب أليم } أي أخبرهم ~~بعذاب وجيع يخلص وجعه إلى قلوبهم. ### || [3.22] # قوله تعالى: { أولئك الذين حبطت أعمالهم في ~~الدنيا والآخرة } ، أي أهل هذه الصفة بطلت حسناتهم فلا ~~يستحقون الثناء عليها في الدنيا، ولا يستحقون الثواب عليها في ~~الآخرة؛ { وما لهم من ناصرين }؛ أي من ناصر يمنعونهم من ~~العذاب إذا نزل بهم. ### || [3.23] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا ~~من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم ~~بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون }. ~~قال الكلبي: # " وذلك أن رجلا وامرأة من أشراف أهل خيبر من ~~اليهود فجرا وكان في كتابهم الرجم؛ فكرهوا ~~رجمهما لشرفهما ورجوا أن يكون لهما عند رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رخصة في أمرهما في الرجم ~~فيأخذوا به. فرفع أمرهما إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فحكم عليهما بالرجم، فقال بعضهم: جرت ~~علينا يا محمد! فقال صلى الله عليه وسلم: " بيني ~~وبينكم التوراة، فمن أعرفكم بها " قالوا: ابن ~~صوريا، فأرسلوا إليه، فلما قدم قال له رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " أنت ابن صوريا؟ " قال: نعم، ~~قال: " أنت أعلم اليهود؟ " قال: كذلك يزعمون. ~~فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا من التوراة ~~فيه آية الرجم - دله على ذلك ابن سلام - فقال ~~لابن صوريا: إقرأ؛ فلما أتى على آية الرجم فوضع ~~كفه عليها؛ ثم قام ابن سلام وقال: يا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؛ قد جاوزها ووضع كفه عليها، ~~ثم قام ابن سلام فرفع كفه عنها، وقرأ على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المحصن والمحصنة إذا ~~زنيا وقامت عليهما البينة؛ فيسأل عن ~~البينة، فإن كانوا عدولا رجم، وإن كانت المرأة ~~حبلى يتربص بها حتى تضع ما في بطنها). فأمر ~~بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم برجمهما فرجما، ~~فغضبت اليهود لذلك غضبا شديدا ورجعوا كفارا ~~" # فذلك قوله تعالى: { ألم تر إلى ms0336 الذين أوتوا نصيبا ~~من الكتاب } معناه: ألم تعلم يا محمد بالذين أعطوا ~~حظا من التوراة. # وقوله: { يدعون إلى كتاب الله } قال ابن عباس: ~~(هو التوراة دعي إليها اليهود فأبوا لعلمهم ~~بلزوم الحجة، وأن فيه البشارة بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم). وقال الحسن وقتادة: (أراد به القرآن، فإنهم ~~دعوا إلى القرآن لموافقته التوراة في أصول ~~الديانة). وعن الضحاك في هذه الآية: (أن الله تعالى جعل ~~القرآن حكما بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؛ فحكم القرآن على اليهود والنصارى بأنهم ~~على غير الهدى فأعرضوا). وقال قتادة: (هم اليهود ~~دعوا إلى حكم القرآن واتباع محمد صلى الله عليه ~~وسلم؛ فأعرضوا وهم يجدونه مكتوبا عندهم في ~~كتبهم). # قوله تعالى: { ثم يتولى فريق منهم } أي ~~يعرض؛ جمع كثر منهم من الداعي وهم معرضون عن العمل ~~بالمدعو إليه، وقيل: معناه: ثم يتولى فريق منهم بعد ~~علمهم أنها في التوراة، وإنما ذكر الإعراض بعد التولي؛ لأن ~~الإنسان قد يعرض عن الداعي ويتأمل ما دعاه إليه فينكر أنه ~~حق أو باطل، وهم لم يتأملوا ولم يتفكروا فيما دعوا إليه. ### || [3.24] # قوله تعالى: { ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا ~~النار إلا أياما معدودات }؛ أي { ذلك } الإعراض ~~والكذب { بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما ~~معدودات } يعنون الأربعين يوما التي عبد آباؤهم فيها ~~العجل. قوله تعالى: { وغرهم في دينهم ما كانوا ~~يفترون }؛ أي غرهم افتراؤهم على الله أنه لا يعذبهم إلا ~~أياما معدودات، ويقال: غرهم افتراؤهم أنهم قالوا نحن أبناء ~~الله وأحباؤه. ### || [3.25] # قوله تعالى: { فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ~~ريب فيه }؛ أي كيف يحتالون وكيف يصنعون إذا جمعناهم بعد الموت ~~لجزاء يوم لا شك فيه. قوله تعالى: { ووفيت كل نفس ~~ما كسبت وهم لا يظلمون }؛ أي أعطيت كل نفس برة ~~وفاجرة جزاء ما عملت من خير أو شر تاما وافيا، { وهم لا ~~يظلمون } أي لا ينقصون من حسنة ولا يزادون على سيئة. قال ~~الضحاك عن ابن عباس: (أول راية ترفع لأهل الموقف ~~ذلك اليوم من رايات الكفار راية ms0337 اليهود؛ ~~فيفضحهم على رؤوس الأشهاد ثم يأمر بهم إلى ~~النار). ### || [3.26] # قوله تعالى: { قل اللهم مالك الملك تؤتي ~~الملك من تشآء وتنزع الملك ممن تشآء وتعز ~~من تشآء وتذل من تشآء }. قال علي رضي الله عنه قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " لما أراد الله تعالى أن ينزل الفاتحة؛ وآية ~~الكرسي؛ وشهد الله؛ وقل اللهم مالك الملك، ~~تعلقن بالعرش وقلن: تهبطنا دار الذنوب وإلى ~~من يعصيك؟! فقال الله تعالى: وعزتي وجلالي؛ ما ~~من عبد قرأكن في دبر كل صلاة مكتوبة إلا ~~أسكنته حضرة العرش على ما كان منه، وإلا ~~نظرت إليه كل يوم سبعين نظرة، وإلا قضيت ~~له كل يوم سبعين حاجة، أدناها المغفرة، ~~وأعذته من كل عدو ونصرته عليه، ولا يمنعه ~~من دخول الجنة إلا أن يموت " # ومعنى الآية: قال ابن عباس: (لما فتح النبي صلى الله عليه ~~وسلم مكة ووعد أمته ملك فارس والروم، قال ~~المنافقون واليهود: هيهات، من أين لمحمد ملك ~~فارس والروم، هم أعز وأمنع من ذلك، ألم يكف ~~محمدا مكة والمدينة حتى أطمع نفسه في ملك ~~فارس والروم). # ويقال في وجه اتصال هذه الآية بما قبلها: إن اليهود قالوا: لا ~~نتبعك؛ فإن النبوة والملك لم يزل في أسلافنا بني إسرائيل، ~~فأنزل الله هذه الآية. ومعناها: قل يا محمد: يا الله يا ~~مالك الملك. # وإنما زيدت الميم لأنها بدل عن (يا) التي هي حرف النداء، ألا ~~ترى أنه لا يجوز في الإخبار إدخال الميم؛ لا يقال: غفر ~~اللهم لي كما يقال في النداء اللهم اغفر ((لي))؛ ولهذا لا ~~يجوز الجمع بين ((ما كان)) الميم في آخره والنداء في أوله، لأنه لا ~~يجوز الجمع بين العوض والمعوض، وإنما شددت الميم لأنها ~~عوض عن حرفين، فإن النداء حرفان، وهذا اختيار سيبويه. وقال ~~الفراء: (معنى قول القائل: اللهم يا الله أم ~~بخير؛ أي أقصد. طرحت حركة الهمزة على الهاء). # قوله تعالى: { مالك الملك } أي مالك كل ملك، هذه ~~صفة لا يستحقها أحد غير الله، وقيل: معناه: مالك أمر الدنيا ms0338 ~~والآخرة. وقال مجاهد: (أراد بالملك هنا النبوة)، وقيل: ~~إن هذا لا يصلح لأنه قال: { وتنزع الملك } والله تعالى لا ~~ينزع النبوة من أحد؛ لأنه لا يريد لأداء الرسالة إلا من ~~يعلم أنه يؤدي الرسالة على الوجه، وأنه لا يغير ولا يبدل، ~~لأنه عالم بعواقب الأمور. # ومعنى: { تؤتي الملك من تشآء } أي تعطي الملك من تشاء أن ~~تعطيه. وقال الكلبي: { تؤتي الملك من تشاء } يعني ~~محمدا وأصحابه، { وتنزع الملك ممن تشاء } أي ~~من أبي جهل وأصحابه). وقيل معناه: { تؤتي الملك من ~~تشاء } يعني العرب، { وتنزع الملك ممن تشاء } يعني ~~الروم والعجم وسائر الأمم. # وقال بعضهم: { تؤتي الملك } أي العافية، قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " من أصبح آمنا في سربه؛ معافى في بدنه؛ عنده ~~قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها " # وقيل: هو القناعة. وقال ابن المبارك: (دخلت على سفيان ~~الثوري بمكة فوجدته مريضا شارب الدواء وبه ~~غم شديد، فسلمت عليه وقلت: ما لك يا أبا ~~عبدالله؟ فقال: أنا مريض شارب الدواء وبي غم ~~شديد، فقلت: أعندك بصلة؟ فقال: نعم، فقلت: ~~ائتني بها، فكسرتها ثم قلت له: شمها؛ فشمها ~~فعطس عند ذلك، فقال: الحمد لله رب العالمين، ~~فسكن ما به، فقال: يا ابن المبارك؛ أنت فقيه ~~وطبيب! فقلت: مجرب يا أبا عبدالله. قال: فلما ~~رأيته سكن ما به وطابت نفسه، قلت: إني أريد ~~((أن)) أسألك حديثا، قال: سل ما شئت، قلت: أخبرني ~~من الناس؟ قال: الفقهاء، قلت: فمن الملوك؟ قال: ~~الزهاد، وقلت: فمن الأشراف؟ قال: الأتقياء، ~~قلت: فمن السفلة؟ قال: الظلمة. ثم ودعته ~~فخرجت). # وقيل: معنى: { تؤتي الملك من تشآء } يعني ملك المعرفة ~~كما أوتي سحرة فرعون، { وتنزع الملك ممن تشآء } كما ~~نزع من إبليس وبلعام. وقيل: معنى الملك: الجنة كما ~~أوتي المؤمنون. قال الله تعالى: # وملكا كبيرا # [الإنسان: 20]. { وتنزع الملك ممن تشآء } كما نزع من ~~الكفار. وقيل: أراد بالملك توفيق الإيمان والطاعة. وقيل: هو ~~قيام الليل. وقال الشلبي: (هو الاستغناء من المكون ~~عن الكونين). # قوله تعالى: { تعز من تشآء وتذل من ms0339 تشآء } قال عطاء: ~~{ تعز من تشاء } يعني المهاجرين والأنصار، { ~~وتذل من تشآء } يعني فارس والروم. وقيل: { تعز ~~من تشاء } محمدا وأصحابه حتى دخلوا مكة بعشرة آلاف ظاهرين ~~عليها { وتذل من تشآء } أبا جهل وأصحابه حتى جزت رؤوسهم ~~وألقوا في القليب. # وقيل: { تعز من تشآء } بالإيمان والمعرفة، { وتذل من ~~تشآء } بالكفر والنكدة، وقيل: { تعز من تشاء } بالطاعة، { ~~وتذل من تشاء } بالمعصية، وقيل: { تعز من تشاء } ~~بالتوفيق والمعرفة، { وتذل من تشاء } بالحرمان والخذلان، ~~وقيل: { تعز من تشاء } بالتمليك والتشديد، { وتذل من ~~تشاء } بسلب الملك وتسليط العدو عليه، وقيل: { تعز من ~~تشاء } بقهر النفس ومخالفة الهوى، { وتذل من تشاء } من ~~أتباع الهوى، وقيل: { تعز من تشاء } بأن يقهر الشيطان، { ~~وتذل من تشاء } بأن يقهره الشيطان، وقيل: { تعز من ~~تشاء } بالطاعة والرضا، { وتذل من تشاء } بالحرص والطمع. # قال بعضهم: الحر عبد ما طمع، والعبد حر ما قنع. ~~وقال الشافعي رحمه الله: # ألا يا نفس إن ترضي بفوت # فأنت عزيزة أبدا غنيه # وقال آخر: # أفاد مني القناعة كل عز # وهل عز أعز من القناعه # فصيرها لنفسك رأس مال # وصير بعدها التقوى بضاعه # وقال بعضهم: معناه: { تعز من تشاء } بالاخلاص، { وتذل ~~من تشاء } بالرياء، وقيل: { تعز من تشاء } بالجنة ~~والرؤية، { وتذل من تشاء } بالنار والحجاب. # وقوله تعالى: { بيدك الخير إنك على كل شيء ~~قدير }؛ أي بيدك الخير والشر، فاكتفى بذكر الخير لأنه الأفضل ~~ولأنه إنما قال ذلك على وجه الرغبة، والرغبة إنما تقع في الخير ~~لا في الشر، وفي ذكر أحد الأمرين دليل على الآخر كما قال تعالى: # سرابيل تقيكم الحر # [النحل: 81] ولم يذكر البرد؛ والمعنى تقيكم الحر والبرد، وقيل: ~~معنى الآية: { بيدك الخير } أي النصر والفتح والفيء والغنيمة ~~وغير ذلك من خير الدنيا والآخرة. قوله تعالى: { إنك على ~~كل شيء قدير } أي من الإعطاء والنزع والعز والذل. ### || [3.27] # قوله تعالى: { تولج الليل في النهار وتولج ~~النهار في الليل } ، أي يدخل من الليل في النهار حتى ~~يصير النهار خمس عشرة ساعة وهو أطول ما يكون، وأقصره ms0340 تسع ~~ساعات، ويدخل النهار في الليل حتى يصير الليل خمس عشرة ساعة ~~وهو أطول ما يكون، وأقصره تسع ساعات، فما نقص من أجزاء أحدهما ~~دخل في الآخر، وهذا قول أكثر المفسرين. وقال بعضهم: معناه: تذهب ~~بالليل وتجيء بالنهار، وتذهب بالنهار وتجيء بالليل. # قوله تعالى: { وتخرج الحي من الميت وتخرج ~~الميت من الحي } ، قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك ~~وابن جبير والسدي: (معناه: تخرج الحيوان من ~~النطفة وهي ميتة، وتخرج النطفة من الحيوان ~~وهي حي، والدجاجة من البيضة، والبيضة من ~~الدجاجة). وقال بعضهم: يخرج النخلة من النواة، والنواة من ~~النخلة، وتخرج السنبلة من الحبة، والحبة من السنبلة. # وقال الحسن: (معناه: يخرج المؤمن من الكافر، ~~والكافر من المؤمن، والعالم من الجاهل؛ ~~والجاهل من العالم). دليله قوله تعالى: # أو من كان ميتا فأحيينه # [الانعام: 122] الآية. # وحكاية عن الزهري: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على بعض نسائه ~~فإذا هو بامرأة حسنة الهيئة، فقال: " من هذه؟ " ~~قالت: إحدى خالاتك، قال: " أي خالاتي هذه؟ " قالت: ~~هذه خالدة بنت الأسود بن عبد يغوث، فقال صلى ~~الله عليه وسلم: " سبحان الذي يخرج الحي من الميت ~~" ، وكانت امرأة صالحة، وكان مات أبوها كافرا ". # قال أهل الإشارة: معناه: يخرج الحكمة من قلب الفاجر حتى لا تسكن ~~فيه، والمسقطة من قلب العارف. قوله تعالى: { وترزق من ~~تشآء بغير حساب } أي بغير تقدير، وقد تقدم تفسير ذلك. ### || [3.28] # قوله تعالى: { لا يتخذ المؤمنون الكافرين ~~أوليآء من دون المؤمنين }؛ قال ابن عباس: (نزلت ~~هذه الآية في عبدالله بن أبي وأصحابه ~~المنافقين؛ كانوا مع إظهارهم الإيمان يتولون ~~اليهود ويأتيهم بأخبار المؤمنين، ويرجون أن ~~يكون لهم الظفر على المؤمنين؛ فأنزل هذه ~~الآية ينهى المؤمنين عن مثل فعلهم، وينهى ~~المنافقين أيضا؛ أي إن كنتم مؤمنين، فلا تتخذ ~~الكفار أولياء من دون المؤمنين). # وقال الضحاك عن ابن عباس: (نزلت في عبادة بن ~~الصامت؛ وكان بدريا نقيبا؛ وكان له حلفاء من ~~اليهود، فلما خرج رسول الله يوم الأحزاب؛ قال ~~عبادة: يا رسول الله؛ إن معي خمسمائة ms0341 رجل من ~~اليهود؛ وقد رأيت أن يخرجوا معي فأستظهر بهم ~~على العدو، فأنزل هذه الآية). # قوله تعالى: { ومن يفعل ذلك فليس من الله في ~~شيء }؛ أي من يواليهم في نقل الأخبار إليهم وإظهارهم على عورة ~~المسلمين، فليس من الله في شيء. قال السدي: (فليس من ~~الولاية في شيء، فقد برئ الله منهم). كما قال ~~الله تعالى في آية أخرى: # ومن يتولهم منكم فإنه منهم # [المائدة: 51] معنى أن ولي الكافر راض بكفره، والرضى بالكفر ~~كفر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنا برئ من كل مسلم مع مشرك " # قوله تعالى: { إلا أن تتقوا منهم تقة }؛ أي ~~إلا أن يحصر المؤمن في أيدي الكفار يخاف على نفسه فيداهنهم ~~فيرضيهم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان فهو مرخص له في ذلك، ~~كما روي: أن مسيلمة الكذاب لعنه الله أخذ رجلين ~~من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال لأحدهما: ~~أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، وقال ~~للآخر: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، ~~قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: إني أصم، فأعاد ~~عليه السؤال ثلاثا، فأجاب في كل مرة هذا ~~الجواب، فضرب مسيلمة عنقه، فبلغ ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: # " أما المقتول فمضى على صدقه ويقينه فهنيئا ~~له، وأما الآخر فقبل رخصة الله فلا تبعة عليه " # فمعنى الآية: إلا أن تخافوا منهم مخافة. قرأ الحسن والضحاك ~~ومجاهد: (تقية). وقرأ حمزة والكسائي بالإمالة. وقرأ الباقون ~~بالتفخم، فكل ذلك لغات فيها، ومعناه واحد. # قوله تعالى: { ويحذركم الله نفسه }؛ أي يخوفكم ~~عقوبته وبطشه على موالاة الكفار وارتكاب المنهي عنه. وقال ~~الزجاج: (معناه: ويحذركم الله إياه). وخاطب الله ~~العباد على قدر عملهم وعقلهم، ومعنى قوله تعالى: # تعلم ما في نفسي # [المائدة: 116] أي تعلم حقيقة ما عندي ولا أعلم حقيقة ما عندك. ~~قوله تعالى: { وإلى الله المصير } ، زيادة في الإبعاد ~~وتذكير بالمعاد؛ أي إن فعلتم ما نهيتكم عنه فمرجعكم إلي. ### || [3.29] # قوله تعالى: { قل إن تخفوا ما في صدوركم أو ~~تبدوه يعلمه الله ms0342 }؛ أي قل إن تسروا ما في قلوبكم من ~~التكذيب بالنبي صلى الله عليه وسلم والعداوة للمؤمنين والمودة ~~للكافرين أو تظهروه بالشتم والطعن والحرب يعلمه الله فيجازيكم ~~عليه، وإنما ذكر الصدر مكان القلب؛ لأنه مشتمل على القلب. # قوله تعالى: { ويعلم ما في السموت وما في ~~الأرض }؛ أي لا يخفى عليه شيء من عمل أهل السموات وأهل الأرض، فلا ~~يغرنكم الإخفاء، فإن الإخفاء والإبداء عنده سواء. قوله ~~تعالى: { والله على كل شيء قدير }؛ أي على جزاء عمل ~~السر والعلانية قادر. ### || [3.30] # قوله تعالى: { يوم تجد كل نفس ما عملت من ~~خير محضرا }؛ نصب { يوم } بنزع الخافض لأن أول هذه الآية ~~منصرف إلى قوله: { ويحذركم الله نفسه } في: { يوم ~~تجد } ، وقيل: بإضمار فعل؛ أي اذكروا { يوم تجد كل ~~نفس ما عملت من خير محضرا } أي حاضرا مكتوبا في ~~ديوانهم لا يقصر فيه. وقرأ عبيدة بن عمر (محضرا) بكسر الضاد، ~~ويعني عمله يحضره الجنة. # قوله تعالى: { وما عملت من سوء تود لو أن ~~بينها وبينه أمدا بعيدا }؛ أي والذي عملت من سوء ~~يتمنى أن يكون بينه وبين ذلك أجل طويل بعد ما بين المشرق والمغرب، ~~ليته لم يعمل، جعل بعضهم (ما) جزاء في موضع النصب واعمل فيه ~~الوجود أي وتجد عملها، وجعل بعضهم جزاء مستأنفا. # قوله تعالى: { ويحذركم الله نفسه والله ~~رؤوف بالعباد }؛ أي رحيم بالمؤمنين خاصة؛ هكذا قال ابن ~~عباس، وقيل: إن أول هذه الآية عدل، وأوسطها تهديد وتخويف، وآخرها ~~رأفة ورحمة. ### || [3.31-33] # قوله تعالى: { قل إن كنتم تحبون الله ~~فاتبعوني يحببكم الله }؛ لما نزلت الآيات المتقدمة ~~قالت اليهود: نحن أبناء الله واحباؤه، وإنما يقول الله مثل ~~هذه الآيات في أعدائه، وأرادوا بقوله أحباؤه: نحبه ~~ويحبنا؛ فأنزل الله هذه الآية. # والمحبة: في الحقيقة هي الإرادة، وهو أن تريد نفع غيرك ~~فيبلغ مراده في نفعك إياه، وأما العشق: وهو إفراط ~~المحبة في هذا المعنى. وأما محبة الطعام والملاذ؛ فهو شهوة ~~وتوقان النفس. وأما محبة العباد لله تعالى، فالله يستحيل ~~عليه المنافع، فلا يصح أن ms0343 يراد بمحبه هذه الطريقة لكي يراد بها ~~إعظامه وإجلاله وطاعته ومحبة رسله وأوليائه، ومحبة الله إياهم ~~إثابته إياهم على طاعتهم؛ وإنعامه عليهم؛ وثناؤه عليهم؛ ومغفرته ~~لهم. # ومعنى الآية: إن كنتم تحبون طاعة الله والرضا بشرائعه ~~فاتبعوني على ديني يزدكم الله حبا، { ويغفر لكم ~~ذنوبكم }؛ في اليهودية؛ { والله غفور رحيم }. # وروى الضحاك عن ابن عباس وقال: # " وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قريش وهم في ~~المسجد الحرام وقد نصبوا أصنامهم، وعلقوا ~~عليها بيض النعام، وجعلوا في آذانها الشنوف ~~وهم يسجدون لها، فقال صلى الله عليه وسلم: " يا معشر ~~قريش؛ والله لقد خالفتم ملة أبيكم إبراهيم " ~~وقالت قريش: إنما نعبد هذه حبا لله ~~ليقربونا إلى الله زلفى؛ فأنزل الله هذه الآية " # ).أي قل لهم يا محمد صلى الله عليه وسلم إن كنتم ~~تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله، فأنا رسول الله ~~إليكم، وحجته عليكم، وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم. فلما ~~نزلت هذه الآية عرضها عليهم فلم يقبلوا. # وقيل: لما نزلت هذه الآية عرضها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على اليهودي، فقال عبدالله بن أبي سلول: ~~إن محمدا صلى الله عليه وسلم يجعل طاعته كطاعة الله، ~~ويأمرنا أن نحبه كما أحبت النصارى عيسى عليه ~~السلام؛ فأنزل الله تعالى قوله عز وجل: { قل ~~أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا ~~يحب الكافرين }؛ أي فإن لم يفعلوا ما تدعوهم إليه من ~~إتباعك وطاعة أمرك فإن الله تعالى لا يحب الكافرين؛ ~~أي لا يغفر لهم ولا يثني عليهم. # فلما نزلت هذه الآية قالت اليهود: نحن أبناء إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب عليهم السلام ونحن على دينهم، فأنزل الله قوله ~~تعالى: { إن الله اصطفى ءادم ونوحا وآل إبراهيم ~~وآل عمران على العالمين }؛ معناه: أن الله اصطفاهم ~~بالإسلام، وإن آدم كما لم ينفع أولاده المشركين كذلك سائر الأنبياء ~~عليهم السلام لا ينفعونهم. وصفوة الله: هم الذين لا دنس ~~فيهم بوجه من الوجوه؛ لا في اعتقاد ولا في الفعل، والاصطفاء: هو ~~الاختيار، والصفوة: هو الخالص من كل شيء، فمعناه: ms0344 { ~~اصطفى ءادم } أي اختاره واستخلصه. # واختلفوا في آل عمران في هذه الآية؛ قيل: أراد بهم موسى وهارون ~~عليهما السلام، وقيل: أراد مريم عليها السلام. ### || [3.34] # قوله تعالى: { ذرية بعضها من بعض }؛ إنتصب على ~~البدل، وقيل: على التكرار، واصطفى ذرية بعضها من بعض، وقيل: ~~على الحال؛ أي اصطفاهم حال كون بعضهم من بعض، { والله سميع ~~عليم }؛ أي سميع لقولهم؛ عليم بهم وبمجازاتهم. ### || [3.35] # قوله تعالى: { إذ قالت امرأت عمران رب إني ~~نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك ~~أنت السميع العليم }؛ قال أبو عبيد: ((إذ) زائدة في ~~الكلام وكذلك في سائر الآي). وقال جماعة من النحويين: ~~معناه: واذكر إذ قالت، وكان اسم امرأة عمران (حنة) وهي أم ~~مريم، وكان لها إبنان احداهما انشاع؛ وعمران بن ماثان؛ بينه ~~وبين عمران أبي موسى عليه السلام ألف وثمانمائة سنة. # قوله تعالى: { رب إني نذرت لك ما في بطني ~~محررا } أي أوجبت لك على نفسي أن أجعله عتيقا لخدمة بيت ~~المقدس، وكانوا يحررون أولادهم أي يعتقونها عن أسباب الدنيا، ~~يجعلون الولد خالصا لله، لا يستعملونها في منافعهم، ولم يكونوا ~~يحررون إلا الذكران، وكان المحررون سكان بيت الله يتعهدونه ~~ويكسونه، فإذا بلغوا خيروا؛ فإن أحبوا أقاموا في البيت، ~~وإن أحبوا ذهبوا. و { محررا } نصب على الحال. # قوله تعالى: { فتقبل مني } أي تقبل مني نذري { ~~إنك أنت السميع } لدعائي، { العليم } بنيتي وإخلاصي. ### || [3.36] # قوله عز وجل: { فلما وضعتها قالت رب إني ~~وضعتهآ أنثى }؛ وذلك أنها كانت تظن وقت النذر أن ما ~~في بطنها ذكرا؛ فلما ولدت أنثى توهمت أن لا تقبل منها؛ ف { ~~قالت رب إني وضعتهآ أنثى } ، وكان هذا القول منها على ~~وجه الاعتذار؛ لأن سعي الأنثى أضعف وعقلها أنقص، { والله ~~أعلم بما وضعت } ، وكانوا لا يحررون النساء لخدمة البيت ~~لما يلحقهن من الحيض والنفاس. # قوله عز وجل: { وليس الذكر كالأنثى }؛ هو من قول ~~المرأة؛ معناه: ليس الذكر كالأنثى في خدمة البيت؛ لأن الأنثى ~~عورة فلا تصلح لما يصلح له الذكر. # قوله تعالى: { وإني ms0345 سميتها مريم }؛ أي خادم ~~الرب بلغتهم. # قوله تعالى: { وإني أعيذها بك وذريتها من ~~الشيطان الرجيم }؛ أي إني أمنعها وولدها بك إن كان لها ~~ولد من الشيطان الرجيم. الرجيم: المرجوم وهو المطرود من رحمة ~~الله تعالى. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما من مولود إلا وللشيطان طعنة في جنبه ~~حين يولد فيستهل صارخا من الشيطان الرجيم، ~~إلا مريم وابنها عليه السلام، إقرؤا إن شئتم: وإني ~~أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم " # قرأ علي والنخعي وابن عامر: (وضعت) بضم التاء. ### || [3.37-38] # قوله عز وجل: { فتقبلها ربها بقبول حسن ~~وأنبتها نباتا حسنا }؛ أي استجاب الله دعاء (حنة)، ~~وقبل نذرها، وجعل مريم صوامة وقوامة، رباها الله تربية ~~حسنة. قوله تعالى: { وكفلها زكريا }؛ أي ضمها ~~للقيام بأمرها، قال صلى الله عليه وسلم: # " أنا وكافل اليتيم كهاتين، وأشار بإصبعيه " # وكان عمران قد مات و(حنة) حاملة بمريم. قرأ الحسن ومجاهد ~~وابن كثير وشيبة ونافع وعاصم وأبو بكر وابن عامر: (وكفلها ~~زكريا) مخففا، وزكريا في موضع رفع؛ أي ضمها إلى نفسه، ~~وتصديق هذه القراءة قوله تعالى: # أيهم يكفل مريم # [آل عمران: 44]. وروي عن ابن كثير: (وكفلها زكريا) بكسر ~~الفاء؛ أي ضمها، وقرأ الباقون: (وكفلها) بالتشديد وزكريا ~~بالنصب؛ أي ضمها الله زكريا فضمها إليه بالقرعة، وفي مصحف ~~أبي: (وأكفلها) بالألف. # وكان زكريا وعمران تزوجا أختين؛ فكانت إشياع بنت فاقود أخت ~~حنة عند زكريا، وكانت حنة بنت فاقود أم مريم عند ~~عمران. # قال المفسرون: فلما وضعت حنة مريم لفتها في خرقة ~~وحملتها إلى المسجد فوضعتها عند الأحبار أبناء هارون عليه السلام ~~وهم يومئذ يلون من بيت المقدس ما يلي الحجبة من الكعبة، ~~فقالت لهم: دونكم هذه النذيرة؛ فتنافس فيها الأحبار ~~لأنها كانت بنت إمامهم، فقال لهم زكريا عليه السلام: أنا أحق ~~بها لأن خالتها عندي، فقالت له الأحبار: لا تفعل؛ فإنها لو ~~تركت لأحق الناس بها لتركت لأمها، ولكنا نقرع عليها ~~فتكون عند من خرج سهمه. # قوله عز وجل: { كلما دخل عليها زكريا ~~المحراب وجد عندها ms0346 رزقا قال يمريم أنى لك ~~هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من ~~يشآء بغير حساب * هنالك دعا زكريا ربه قال ~~رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع ~~الدعآء }؛ أي عندما رأى زكريا أمر الله في مريم طمع أن ~~الذي يأتي مريم بالفاكهة في الشتاء يصلح له عقر زوجته، ~~فدعا عند ذلك وقال: { رب هب لي من لدنك ذرية ~~طيبة } أي ولدا صالحا، والذرية تكون واحدا وجمعا؛ ~~ذكرا أو أنثى، وهو ها هنا واحد، ويدل عليه قوله: # فهب لي من لدنك وليا # [مريم: 5] ولم يقل أولياء، وإنما أتت { طيبة } لأنه على لفظ ~~ذرية كما قال الشاعر: # أبوك خليفة ولدته أخرى # وأنت خليفة ذاك الكمال # فأنث (ولدته) لتأنيث الخليفة. # قوله تعالى: { إنك سميع الدعآء } أي سامع الدعاء ~~ومجيبه، وقولهم: (سمع الله لمن حمده) أي أجاب، وأنشد: # دعوت الله حتى خفت أن لا # يكون الله يسمع ما أقول ### || [3.39] # قوله عز وجل: { فنادته الملائكة وهو قائم ~~يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى }؛ قرأ ~~الأعمش وحمزة والكسائي وخلف وقتادة: (فناداه)، وقرأ الباقون: ~~(فنادته)، وإذا تقدم الفعل فأنت فيه بالخيار؛ إن شئت ~~أنثت؛ وإن شئت ذكرت. # ومعنى الآية: فناداه جبريل عليه السلام وهو قائم يصلي في ~~المسجد بأن الله يبشرك بولد اسمه يحيى. والمراد ~~بالملائكة هنا جبريل وحده؛ ونظيره قوله تعالى: # وإذ قالت الملائكة يمريم # [آل عمران: 42] يعني جبريل وحده، وقوله: # ينزل الملائكة بالروح # [النحل: 2] يعني جبريل وحده، { بالروح } أي بالوحي، يدل عليه ~~قراءة ابن مسعود: (فناداه جبريل وهو قائم يصلي في ~~المحراب). # وقوله تعالى: { أن الله يبشرك } قرأ ابن عامر ~~والأعمش وحمزة: (إن الله) بكسر الألف على إضمار القول؛ تقديره: ~~فنادته الملائكة فقالت: إن الله، لأن النداء قول، ~~وقرأ الباقون بالفتح بوقوع النداء عليه كأنه قال: فنادته ~~الملائكة بأن الله. قوله تعالى: { يبشرك } قرأ ~~حمزة والكسائي (يبشرك) بفتح الياء وجزم الباء وضم الشين، وقرأ ~~الباقون بضم الياء وفتح الباء وتشديد الشين وكسرها. # قوله تعالى: { مصدقا بكلمة من الله ms0347 وسيدا ~~وحصورا }؛ انتصب على الحال في قوله: { بكلمة من الله } ~~يعني عيسى عليه السلام؛ أن يحيى مصدقا بعيسى، وكان يحيى أول ~~من صدق بعيسى وشهد أنه كلمة الله وروحه، وكان يحيى أكبر من ~~عيسى بثلاث سنين، وقيل: بستة أشهر. # واختلفوا في تسمية يحيى بهذا الاسم؛ فقال ابن عباس: (لأن الله ~~تعالى حيى به عقر أمه). وقال قتادة: (لأن الله أحيا ~~قلبه بالإيمان). وقيل: بالنبوة. # وقيل: إن الله تعالى أحيى قلبه بالطاعة حتى لم يعص ولم ~~يهم بمعصية. قال صلى الله عليه وسلم: # " ما من أحد يلقى الله عز وجل إلا وقد هم ~~بخطية أو عملها إلا يحيى بن زكريا فإنه لم ~~يهم بها ولم يعملها " # وقال بعضهم: سمي بذلك لأنه استشهد، والشهداء أحياء عند ربهم ~~يرزقون. قال صلى الله عليه وسلم: # " من هوان الدنيا على الله عز وجل أن عيسى ~~قتلته امرأة، وقتل يحيى قبل رفع عيسى عليه ~~السلام " # قوله تعالى: { بكلمة من الله } إنما سمي عيسى كلمة؛ ~~لأن الله تعالى قال له كن من غير أب فكان، فوقع عليه اسم ~~الكلمة. قوله تعالى: { وسيدا } السيد في اللغة وفي الحقيقة: ~~من تلزم طاعته ويجب على الناس الاقتداء ~~والقفا به في العلم والحلم والعبادة. وقال ~~الضحاك: (السيد: الحسن الخلق). وقال ابن جبير: ~~(السيد: الذي يطيع ربه عز وجل). وقال ابن ~~المسيب: (السيد: الفقيه العالم). وقال سفيان: (هو ~~الذي لا يحسد)، وقال عكرمة: (هو الذي لا يغضب)، وقال ~~ذو النون: (الحسود لا يسود)، وقال الخليل: (سيدا أي ~~مطاعا)، وقيل: السيد: القانع بما قسم الله، وقيل: هو ~~الراضي بقضاء الله، وقيل: المتوكل على الله. # وقال أبو يزيد البسطامي: السيد هو الذي قد عظمت همته؛ ~~ونبل قدره أن يحدث نفسه بدار الدنيا، وقيل: هو السخي. # " قال صلى الله عليه وسلم: " من سيدكم يا بني سلمة؟ " ~~قالوا: جد بن قيس إلا أنه بخيل: قال: " وأي ~~داء أدوى من البخل؟ بل سيدكم عمرو بن الجموح ~~". # قوله تعالى: { وحصورا } الحصور: هو الذي لا يأتي ~~النساء، وهذا قول ms0348 ابن مسعود وابن عباس وابن جبير وقتادة وعطاء ~~والسدي والحسن؛ يعني أنه يحصر نفسه عن الشهوات. وقال ابن ~~المسيب والضحاك: (هو العنين الذي ما له ذكر ~~قوي)، ودليل هذا التأويل ما روى أبو هريرة، قال: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " " كل ابن آدم يلقى الله بذنب قد أذنبه يعذبه ~~عليه إن شاء أو يرحمه إلا يحيى بن زكريا؛ ~~فإنه كان سيدا وحصورا؛ { ونبيا من الصالحين } ~~". ثم أهوى النبي صلى الله عليه وسلم إلى قذاة من الأرض ~~فأخذها وقال: " كان ذكره مثل هذه القذاة " ". # وقال المبرد: الحصور: هو الذي لا يدخل في اللعب ~~والعبث والأباطيل، وقد يسمى كاتم السر حصورا، ~~والذي لا يدخل مع الناس في الميسر حصورا لامتناعه من ذلك، ~~وأصله من الحصير وهو الجسد؛ يقال: حصرت الرجل عن حاجته ~~إذا حبسته، وحصر في قرانه إذا امتنع من اللقواة فلم يقدر ~~عليها، ومنه إحصار العدو، قال الله تعالى: # وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا # [الإسراء: 8] أي محبسا. ويسمى الحصير حصيرا لأنه أدخل بعضه ~~في بعض بالنسج وحبس بعضه على بعض. وأولى ما قيل في تفسير ~~قوله تعالى: { وحصورا }: هو الذي لا يأتي النساء، يحبس ~~نفسه عن ذلك اختيارا، فهذا التأويل أولى من تأويل بعضهم أنه لا ~~شهوة له؛ لما في هذا من إضافة عيب العنة إليه. ### || [3.40] # قوله عز وجل: { قال رب أنى يكون لي غلام وقد ~~بلغني الكبر وامرأتي عاقر قال كذلك الله ~~يفعل ما يشآء }؛ معناه: قال زكريا لجبريل حين سمع البشارة ~~يا سيدي كيف يكون لي غلام وقد أدركني الهرم وامرأتي ذات ~~عقر لا تلد، قال له جبريل مثل ذلك (يفعل الله ما يشاء)؛ أي ~~الذي شاءه. وقال بعضهم: أراد زكريا بالرب الله عز وجل؛ أي ~~قال يا رب كيف يكون لي غلام. # قال الكلبي: (كان زكريا يوم بشر بالولد ابن ~~تسعين سنة). وقيل: ابن تسع وتسعين سنة. وروى الضحاك عن ~~ابن عباس: (أنه كان ابن مائة وعشرين سنة). وكانت ~~امرأته بنت ثماني وتسعين سنة، فذلك ms0349 قوله تعالى حاكيا عنه: ~~{ وامرأتي عاقر } أي عقيم لا تلد. # يقال: رجل عاقر وامرأة عاقر، وقد عقر بضم القاف يعقر ~~عقرا، ويقال: تكلم فلان حتى عقر بكسر القاف؛ إذا بقي لا ~~يقدر على الكلام، وإنما حذف (الهاء) من عاقر لاختصاص الآيات ~~بهذه الصفة كما يقال امرأة مرضع. # وقوله تعالى حاكيا عن زكريا: { وقد بلغني الكبر } ~~هذا المقلوب؛ أي وقد بلغت الكبر وشخت، فإن قيل: هل يجوز ~~أن يقول الإنسان بلغنا البلد كما يقول بلغت البلد؟ ~~قيل: لا يجوز ذلك بخلاف قوله: { بلغني الكبر } بمعنى بلغت ~~الكبر، والفرق بينهما أن الكبر طالب للإنسان لإتيانه عليه ~~بحدوثه فيه، والإنسان كالطالب للكبر لبلوغه إياه بمرور السنين ~~والأعوام عليه، وأما البلد فلا يكون طالبا للإنسان، كما يكون ~~الإنسان طالبا للبلد. # فإن قيل: كيف قال زكريا { أنى يكون لي غلام } فاستبعد ~~أن يعطيه الله ولدا على كبر السن من امرأة عاقر بعدما ~~بشرته الملائكة بذلك؟ قيل: لم يكن هذا القول منه على جهة ~~الاستبعاد ولكن من شأن من بشر بما يتمناه أن يحمله فرط ~~سروره به على الزيادة في الاستكشاف والاستثبات، كما يقول الإنسان ~~إذا رأى شيئا من الأمور العظيمة: كيف كان هذا؟! على جهة الاستعظام ~~لقدرة الله تعالى لا لشك في القدرة. # وقيل: معناه: على أي حال يكون الولد أيردني الله وامرأتي إلى ~~حال الشباب، أم على هذه الحالة؟! وقيل: معناه: أيرزقني الله ~~الولد من امرأتي هذه أو من امرأة غيرها شابة؟ فقيل له { كذلك ~~الله يفعل ما يشآء }؛ أي كإثمار السعفة اليابسة؛ يفعل ~~الله ما يشاء. ### || [3.41] # قوله تعالى: { قال رب اجعل لي آية قال آيتك ~~ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا }؛ أي قال ~~زكريا يا رب اجعل لي علامة إذا حملت امرأتي عرفت ذلك منها، ~~أراد بهذا القول تعجيل السرور قبل ظهور الولد بالولادة. قال: ~~علامة ذلك أن لا تطيق الكلام مع أحد من الناس منذ ثلاثة أيام ~~من غير خرس { إلا رمزا } أي الا إشارة بالعينين والحاجبين ~~واليدين، وقيل: الرمز: ms0350 تحريك الشفتين باللفظ من غير إبانة ~~صوت، فذلك علامة حبل امرأتك. # قوله تعالى: { واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي ~~والإبكار }؛ أي اذكر ربك كثيرا في هذه الأيام الثلاثة؛ { ~~وسبح بالعشي والإبكار } أي صل غدوا وعشيا كما ~~كنت تصلي من قبل، يقال: فرغت من سبحتي؛ أي من صلاتي، ~~وسميت الصلوات سبحا لما فيها من التوحيد والتحميد ~~والتنزيه من كل سوء. وقيل: أراد بالتسبيح التسبيح المعروف ~~فيما بين الناس، وقرأ الأخفش (رمزا) بفتح الميم مصدرا مثل طلبا. ### || [3.42] # قوله تعالى: { وإذ قالت الملائكة يمريم إن ~~الله اصطفك وطهرك واصطفك على نسآء ~~العلمين } ، معطوف على { إذ قالت امرأت عمران } ، ~~والمراد بالملائكة جبريل عليه السلام على ما تقدم. ومعنى { إن ~~الله اصطفك } أي اختارك لطاعته وعبادته، { وطهرك } من ~~الكفر بالإيمان والطاعات، كما قال: # ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم ~~تطهيرا # [الأحزاب: 33] أراد طهارة الإيمان والطاعات، وقيل: معناه: ~~وطهرك من الأدناس كلها؛ من الحيض والنفاس وغير ذلك. # وقوله تعالى: { واصطفك على نسآء العلمين } ~~أي اختارك على أهل زمانك بولادة عيسى من غير أب. وقيل: معنى ~~الآية: وطهرك من مسيس الرجل. # فإن قيل: كيف يجوز ظهور الملائكة لمريم وذلك معجزة لا ~~يجوز ظهورها على غير نبي، ومريم لم تكن نبيا؟ قيل: لأنها وإن ~~لم تكن نبيا؛ فإن ذلك كان في وقت زكريا عليه السلام، ويجوز ظهور ~~المعجزات في زمن الأنبياء عليهم السلام لغيرهم، ويكون ذلك ~~معجزة له. وقيل: كان ذلك إلهاما لنبوة عيسى، كما كانت الشهب ~~وتظليل الغمام وكلام الذئب إلهاما لنبوة نبينا صلى الله ~~عليه وسلم. ### || [3.43] # قوله عز وجل: { يمريم اقنتي لربك واسجدي }؛ أي ~~اخلصي لعبادة ربك، وقيل: أديمي الطاعة لذلك، وقيل: أطيلي ~~القيام في الصلاة. وقيل: معنى قوله تعالى: { واركعي مع ~~الراكعين }؛ أي صلي مع الجماعة في بيت المقدس؛ لأنها كانت ~~تخدم المسجد. # وفي الآية دليل على أن الواو لا توجب الترتيب؛ لأن الركوع ~~مقدم على السجود في المعنى؛ وقد تقدم السجود في هذه الآية في ~~اللغة. ### || [3.44] # قوله عز وجل: { ذلك من أنبآء ms0351 الغيب نوحيه ~~إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم ~~يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون }؛ أي ذلك ~~ما قصصناه عليك يا محمد من أمر زكريا ويحيى ومريم وعيسى ~~من أخبار ما غاب عنك نرسل جبريل به، وما كنت عندهم يا محمد ~~إذ يطرحون أقلامهم في نهر أيهم يضم مريم للقيام بأمرها ~~وما كنت عندهم إذ يختصمون في أمرها للتربية. ### || [3.45] # قوله عز وجل: { إذ قالت الملائكة يمريم إن ~~الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن ~~مريم }؛ أي إعلم واذكر { إذ قالت الملائكة } يعني ~~جبريل { يمريم إن الله يبشرك بكلمة منه } ~~يعني عيسى عليه السلام سماه كلمة؛ لأنه كان بكلمة من الله ~~ألقاها إلى مريم؛ ولم يكن بوالد. قوله تعالى: { اسمه ~~المسيح } إنما ذكر بلفظ التذكير؛ لأن معنى الكلمة الولد ~~فلذلك لم يقل اسمها. # واختلفوا في تسميته مسيحا، قال ابن عباس: (المسيح: ~~الممسوح بالبركة) فالمسيح فعيل بمعنى مفعول، وقال ~~بعضهم: سمي مسيحا بمعنى الماسح، كان يمسح على ذوي ~~العلل فيبرؤن. وقيل: إنه كان يمسح الأرض مسحا ولا يطوفها؛ ~~أي يسيح فيها، وقيل: إنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن. وقيل: ~~مسحه جبريل بجناحيه من الشيطان حتى لا يكون للشيطان عليه ~~سبيل. # وقال الكلبي: (المسيح: الملك الذي لا حاجة له إلى ~~أحد من المخلوقين). روي عن ابن عباس أنه عليه السلام كان ~~يقول: # " الشمس ضياء والقمر سراج " # وإنه كان يقول: # " الشمس سراجي والقمر ضيائي " # ، ويقول: # " البرية طعامي، أبيت حيث يدركني الليل، ~~ليس لي ولد يموت ولا دار تخرب ولا مال يسرق، ~~أصبح ولا غداء لي، وأمسي ولا عشاء لي، وأنا من ~~أغنى الناس " # قوله تعالى: { وجيها في الدنيا والآخرة }؛ أي ذا ~~قدر ومنزلة في الدنيا عند أهلها، وفي الآخرة عند ربه، والوجيه ~~الذي لا يرد قوله، ولا مسألته. قوله تعالى: { ومن ~~المقربين } ، أي من المقربين إلى ثواب الله في جنة ~~عدن وهي الدرجة العليا، والتقرب إلى الله تقرب إلى ثوابه. ### || [3.46] # قوله تعالى: { ويكلم الناس في المهد }؛ أي في ms0352 ~~مضجع الرضاع. قال مجاهد: (قالت مريم: كنت إذا خلوت أنا ~~وعيسى حدثته وحدثني، فإذا شغلني إنسان؛ يسبح ~~في بطني وأنا أسمع). # قوله تعالى: { وكهلا }؛ أي يكلم الناس بعدما دخل في ~~السن؛ يعني قبل أن يرفع إلى السماء. وقال الحسن: (وكهلا أي ~~بعد نزوله من السماء). قوله تعالى: { ومن ~~الصالحين }؛ أي ومن المرسلين. # وقال الكلبي: (أراد بالمهد: الحجر). روي أنهم لما ~~قالوا لها: # يمريم لقد جئت شيئا فريا # [مريم: 27] كلمهم وهو في حجرها فقال: # إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا * ~~وجعلني مباركا أين ما كنت # [مريم: 30-31] ، وكان يومئذ ابن أربعين يوما. # فإن قيل: الكلام في حال كونه في المهد يعجب الناس منه، وأما ~~الكلام في الكهولة فليس بعجب، فكيف ذكره الله؟ قيل: في ذلك ~~الكلام وفي الكهولة بشارة لمريم في أن عيسى يعيش إلى وقت ~~الكهولة. # وقيل: تكلم في المهد ببراءة أمه مما رماها به اليهود، ~~وتكلم بالكهولة بإبطال ما ادعاه النصارى من كونه إلها؛ لأنه ~~كان طفلا ثم صار كهلا، ومن يكون بهذه الصفة لا يكون إلها. # والكهل في اللغة: من جاوز حد الشباب ولم يبلغ ~~حد الشيخوخة، يقال: اكتهل النبات إذا قوي ~~واشتد. وقيل: الكهل: هو الذي يكون ابن أربع وثلاثين ~~سنة. ### || [3.47] # وقوله عز وجل: { قالت رب أنى يكون لي ولد ~~ولم يمسسني بشر }؛ أي ولم يصبني رجل بالنكاح ولا ~~بالسفاح، وكان هذا القول منها على جهة الاستعظام لقدرة الله ~~تعالى، لا على وجه الاستبعاد كما تقدم ذكره. # قال الله تعالى: { قال كذلك الله يخلق ما يشآء }؛ أي ~~يكون لك ولد من غير بشر. قوله تعالى: { إذا قضى ~~أمرا فإنما يقول له كن فيكون }؛ أي إذا أراد أن ~~يخلق ما يشاء وحكم بتكوين شيء فإنما يقول له كن فيكون ~~كما أراده الله تعالى. وهذا إخبار عن سرعة كون مراد الله عز ~~وجل؛ لأنه لا يكون في وهم العباد شيء أسرع من كن، وإنما ~~ذكره بلفظ الأمر لأنه أدل على القدرة، ونصب بعض القراء ~~فيكون على جواب ms0353 الأمر بالألف، ورفعه الباقون على إضمار هو ~~يكون. ### || [3.48] # قوله تعالى: { ويعلمه الكتب والحكمة }؛ قرأ ~~نافع ومجاهد والحسن وعاصم بالياء؛ كقوله تعالى: # كذلك الله يخلق ما يشآء # [آل عمران: 47]. وقال المبرد: ردوه على قوله { إن الله ~~يبشرك }. وقرأ الباقون بالنون على التعظيم، وردوه على قوله: ~~{ نوحيه إليك }. # قوله تعالى: { ويعلمه الكتب والحكمة }؛ أي ~~الخط، وقيل الزبور وغيره من الكتب سوى التوراة والإنجيل. ~~وقوله تعالى: { والحكمة } أي الفقه؛ وهو فهم ~~المعاني. # قوله تعالى: { والتوراة والإنجيل }؛ قيل: علمه ~~الله تعالى التوراة في بطن أمه، والإنجيل بعد خروجه. ### || [3.49] # قوله تعالى: { ورسولا إلى بني إسرائيل }؛ أي ~~ويجعله بعد ثلاثين سنة رسولا إلى بني إسرائيل؛ { أني قد ~~جئتكم بآية }؛ بعلامة؛ { من ربكم }؛ لنبوتي، ~~وقيل: { ورسولا } عطفا على { وجيها }. وكان أول أنبياء بني ~~إسرائيل يوسف عليه السلام وآخرهم عيسى عليه السلام. # قوله تعالى: { أني أخلق لكم من الطين كهيئة ~~الطير فأنفخ فيه }؛ قرأ نافع (إني) بالكسر على الاستئناف ~~وإضمار القول، وقرأ الباقون بالفتح. # ومعنى الآية: أني أقدر لكم من الطين صورة كهيئة الطير فأنفخ في ~~الطين كنفخ النائم فيصير طيرا يطير بين السماء والأرض بأمر الله ~~عز وجل، ويقرأ (طائرا) إلا أن هذا أحسن؛ لأن الطائر ~~يراد به الحال. قرأ الزهري وأبو جعفر (كهية الطير) ~~بالتشديد، وقرأ الآخرون بالهمز. والهيئة: الصورة المهيئة ~~من قولهم: هيأت الشيء إذا أصلحته. وقرأ أبو جعفر: (كهيئة ~~الطائر) بالألف. # قوله تعالى: { فيكون طيرا بإذن الله }؛ قرأ عامة ~~القراء (طيرا) على الجمع لأنه يخلق طيرا كثيرة، وقرأ أهل ~~المدينة (طائرا) بالألف على الواحد ذهبوا إلى نوع واحد من الطير ~~لأنه لم يخلق إلا الخفاش، وإنما خص الخفاش لأنه أكمل ~~الطير خلقا ليكون أبلغ في القدرة لأن لها ثديا وأسنانا؛ ~~وهي تحيض وتطهر، قال وهب: (وهي تطير ما دام الناس ~~ينظرون إليها، فإذا غابت عن أعينهم سقطت، ~~ولأنها تطير بغير ريش وتلد ولا تبيض). # وروي أنهم ما قالوا لعيسى أخلق لنا خفاشا إلا متعنتين له؛ ~~لأجل مخالفته الطيور بهذه الأخبار التي ذكرناها. ms0354 فلما قالوا له ~~أخلق لنا خفاشا؛ أخذ طينا ونفخ فيه فإذا هو خفاش يطير بين ~~السماء والأرض، فقالوا: هذا سحر؛ فقال: أنا؛ { وأبرىء الأكمه ~~والأبرص وأحي الموتى بإذن الله }؛ فقالوا: إن ~~إبراء الأكمه والأبرص يفعله أطباؤنا، فذهبوا إلى جالينوس ~~فأخبروه بذلك، فقال: إن الذي ولد أعمى لا يبصر بالعلاج، ~~والأبرص الذي لو غرزت إبرة لا يخرج منه الدم لا يبرأ بالعلاج، ~~وإن كان يحيي الموتى فهو نبي. فجاؤا بأكمه وأبرص فمسح ~~عليهما فبرءا، فقالوا: هذا سحر؛ فإن كنت صادقا فأحيي الموتى، ~~فأحيا أربعة من الموتى: العازر وكان صديقا له، فأرسلت أخته ~~إلى عيسى: أن أخاك العازر مات فأتاه، وكان بينهما مسيرة ثلاثة ~~أيام، فأتى هو وأصحابه فوجدوه قد دفن منذ ثلاثة أيام؛ فقام على ~~قبره وقال: اللهم رب السماوات السبع والأرضين السبع أحيي ~~العازر من قبره وودكه يقطر، فخرج وبقي مدة طويلة وولد له. ~~وأحيا ابن العجوز، مر به وهو على سرير يحمل على أعناق الرجال ~~إلى المقابر، ودعا الله تعالى أن يجيبه، فجلس على سريره وأنزل عن ~~أعناق القوم، ولبس ثيابه وحمل السرير على عنقه، ورجع إلى أهله ~~فبقي مدة وولد له. # وأحيا ابنة العاشر بعد موتها بثلاثة ليال، فعاشت مدة ~~وولدت. # فقالوا له: إنك تحيي من كان قريبا موته ولعلهم لم يموتوا ~~فأحيي لنا سام بن نوح، فقال: دلوني على قبره فدلوه، فدعا ~~الله تعالى أن يحييه فخرج من قبره، فقال له عيسى عليه السلام: من ~~أنت؟ قال: سام بن نوح، قال: ومن أنا؟ قال: عيسى روح الله ~~وكلمته، قال: كيف شبت يا سام ولم يكن في زمانكم شيب، ~~قال: سمعت صوتا يقول أجب روح الله فظننت أن القيامة قد ~~قامت فشاب رأسي من هول ذلك، وكان سام قد عاش خمسمائة سنة، ~~ومات وهو شاب، فقال له عيسى عليه السلام: يا سام أتحب أن أسأل ~~الله حتى تعيش معنا؟ قال: لا، قال: لم لا؟ قال: لأن مرارة ~~الموت لم تذهب من قلبي إلى الآن. وكان له من يوم ms0355 مات أكثر من ~~أربعة آلاف سنة ثم مات مكانه. # فآمن بعيسى بعضهم وكذبه بعضهم، وقالوا: هذا سحر، فأخبرنا بأكلنا ~~وادخارنا، فكان يقول: أنت يا فلان أكلت كذا وادخرت كذا، وأنت يا ~~فلان أكلت كذا وادخرت كذا. فذلك قوله: { وأنبئكم بما ~~تأكلون وما تدخرون في بيوتكم }؛ أي بما تأكلونه وما ~~تدفعوه في بيوتكم حتى تأكلوه. # قوله تعالى: { وأبرىء الأكمه } اختلفوا في الأكمه، ~~قال مجاهد والضحاك: (هو الذي يبصر بالنهار دون ~~الليل)، وقال ابن عباس وقتادة: (هو الذي ولد أعمى ولم ~~يبصر شيء قط). وقال الحسن والسدي: (هو الأعمى ~~المعروف). (والأبرص): هو الذي به وضح. وقال وهب: ~~(ربما اجتمع على عيسى من المرضى في اليوم ~~الواحد خمسون ألفا من أطاق منهم أن يبلغه ~~بلغه، ومن لم يطق أتاه عيسى يمشي إليه، وإنما ~~كان يداويهم بالدعاء على شرط الإيمان). قال الكلبي: ~~(كان عيسى يحيي الموتى ب (يا حي يا قيوم)). # قوله تعالى: { وأنبئكم بما تأكلون وما ~~تدخرون } أي أخبركم بما تأكلون غدوة وعشيا وما تدفعون ~~من الغداء إلى العشاء، ومن العشاء إلى الغداء. وقرأ مجاهد (وما ~~تذخرون) بذال معجمة ساكنة وفتح الخاء. # قال السدي: (كان عيسى إذا كان في الصبيان مع ~~المعلم يحدث الصيبان بما يصنع آباؤهم ويقول ~~للصبي: انطلق فقد أكل أهلك كذا وكذا وهم ~~يأكلون الساعة كذا، فينطلق الصبي إلى أهله وهو ~~يبكي ويطلب منهم ذلك الشيء حتى يعطوه إياه، ~~فيقولون له: من أخبرك بهذا؟ فيقول: عيسى، ~~فحبسوا أولادهم عنه وقالوا لا تلعبوا مع هذا ~~الساحر، فجمعوهم في بيت، فجاء عيسى يطلبهم، ~~فقالوا له: ليسوا هنا، قال: فما في هذا البيت؟ ~~قالوا: خنازير، فقال عيسى: كذلك يكونون إن شاء ~~الله، ففتحوا عنهم فإذا هم خنازير بأجمعهم، ~~فهموا بعيسى أن يقتلوه، فلما خافت عليه أمه ~~حملته على حمار لها وخرجت به هاربة إلى ~~مفازة). # قوله تعالى: { إن في ذلك لآية لكم إن كنتم ~~مؤمنين }؛ أي إن ما قلت لكم علامة لكم في نبوتي إن ~~كنتم مصدقين بالله عز وجل. ### || [3.50-51] # قوله تعالى: ms0356 { ومصدقا لما بين يدي من ~~التوراة }؛ معناه: وجئتكم { مصدقا لما بين يدي ~~من التوراة } أي أتيت بالتوراة وأحكامها وصدقتها، وقيل: ~~يعني بالتصديق أن في التوراة البشارة بي، فإذا خرجت فقد صدقت ~~ذلك، ولا يجوز أن يكون { ومصدقا } عطفا على { ورسولا } لأنه ~~لو كان ذلك لقال ومصدقا لما بين يديه. # قوله عز وجل: { ولأحل لكم بعض الذي حرم ~~عليكم }؛ لأنه كان في التوراة أشياء محرمة حلل عيسى ~~بعضها وهو العمل في يوم السبت؛ وشحوم البقر والغنم وسائر ما ~~حرم عليهم بظلمهم. وقيل: معناها: ولأحل لكم كل الذي حرم ~~عليكم أحباركم لا ما حرم أنبياؤكم، ويكون البعض بمعنى الكل، ~~واستدل صاحب هذا القول بقول لبيد: # تراك أمكنة إذا لم أرضها # أو يعتلق بعض النفوس حمامها # قيل: معناه: كل النفوس. وقال الزجاج: (لا يجوز أن يكون ~~البعض عبارة عن الكل؛ لأن بعض الشيء جزء ~~منه). قال: (ومعنى قول لبيد: أو ما يعتلق نفسي ~~حمامها؛ لأن نفسه بعض النفوس). وقرأ النخعي: (ولا ~~حل لكم بعض الذي حرم عليكم) أي صار حراما. # قوله عز وجل: { وجئتكم بآية من ربكم }؛ أي ~~أحل لكم شيئا مما حرم عليكم من غير برهان، بل أتيتكم بعلامة ~~نبوتي. قوله تعالى: { فاتقوا الله وأطيعون }؛ ~~أي اتقوا الله فيما أمركم ونهاكم وأطيعون فيما أبينه لكم؛ { ~~إن الله ربي وربكم فاعبدوه }؛ أي قال لهم عيسى ~~إن الله خالقي وخالقكم فوحدوه؛ { هذا صراط مستقيم }؛ ~~أي هذا الذي أدعوكم إليه طريقي في الدين فلا عوج له، من ~~سلكه أداه إلى الحق. ### || [3.52] # قوله عز وجل: { فلمآ أحس عيسى منهم الكفر }؛ ~~أي لما وجد عيسى، وقيل: لما علم منهم الكفر والقصد إلى ~~قتله؛ { قال من أنصاري إلى الله }؛ أي من أعواني مع ~~الله، وقيل: معناه: من أنصاري إلى سبيل الله، وقيل: من أنصاري ~~لله، { قال الحواريون نحن أنصار الله }؛ أي قال ~~المخلصون في النصرة والتصديق: نحن أعوان دين الله ~~معك؛ { آمنا بالله }؛ أي صدقنا بتوحيد الله؛ { واشهد ~~}؛ يا عيسى؛ { بأنا مسلمون }؛ والإحساس هو العلم من ~~خلجاتهم. ms0357 # واختلف المفسرون في الحواريين، قال بعضهم: هم المخلصون ~~الخواص كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الزبير ابن عمتي وحواريي من أمتي " # أي هو من أمتي، وكان الحواريون لعيسى اثنى عشر رجلا من ~~أصحابه، مكان العشرة من النبي صلى الله عليه وسلم، سموا ~~الحواريين من الحور وهو الخلوص. يقال: عين حوراء إذا ~~اشتد بياض بياضها وقلص؛ واشتد سواد سوادها ~~وخلص، ومنه وفيه يقال: دقيق حواري للذي لم يبق منه ~~إلا لبابه. وقال بعضهم: سموا حواريين من الحوار وهو ~~البياض، إلا أنهم اختلفوا في بياضهم. قيل: كانوا قصارين ~~يبيضون الثياب فمر بهم عيسى عليه السلام فقال: ألا أدلكم ~~على تطهير أنفع من هذا؟ قالوا: نعم، قال: تعالوا ~~حتى نطهر أنفسنا من الذنوب، فبايعوه على ذلك. ~~وقيل: كانوا بيض الثياب، وقيل: كانوا بيض القلوب من الفساد. # وقال بعضهم: كانوا صيادين، قال لهم عيسى عليه السلام: ألا ~~أدلكم على اصطياد أنفع من هذا؟ قالوا: بلى، قال: تعالوا حتى ~~نصطاد أنفسنا من شرك إبليس؛ فبايعوه. # كأنهم ذهبوا في هذا إلى اشتقاقه من الحور الذي هو الرجوع، ~~ومنه سمي المحور لأنه راجع إلى المكان الذي زال منه، وقيل: ~~لأنه بدورانه ينصقل حتى يبيض. والمحور عود الخباز، ~~وقيل: المحور الذي تدور عليه البكرة، وربما كان من حديد. # وأما ما روي في الحديث: # " نعوذ بالله من الحور بعد الكور " # فمعناه: من الرجوع والخروج من الجماعة بعد أن كنا فيها، يقال، ~~كار عمامته إذا لفها على رأسه؛ وحارها: إذا نقضها. # قال مصعب: (لما اتبع الحواريون عيسى عليه السلام ~~وهم اثنا عشر رجلا، وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا ~~روح الله جعنا، فيضرب بيده الأرض سهلا كان أو ~~جبلا، فيخرج لكل إنسان رغيفين فيأكلهما. فإذا ~~عطشوا قالوا: يا روح الله عطشنا، فيضرب بيده ~~الأرض فيخرج الماء فيشربون، قالوا: يا روح الله؛ ~~من أفضل منا إذا شئنا أطعمنا وإن شئنا أسقينا، ~~وآمنا بك واتبعناك؟ قال: أفضل منكم من يعمل ~~بيده، ويأكل من كسبه، قال: فصاروا يغسلون ~~الثياب بالكري). # وقال ابن ms0358 المبارك: (سموا حواريين لأنه كان يرى بين ~~أعينهم أثر العبادة ونورها وحسنها). قال النضر بن ~~شميل: (الحواري خاصة الرجل الذي يستعين به ~~فيما ينوبه). وعن قتادة قال: (الحواري: الوزير). ### || [3.53] # قوله تعالى: { ربنآ آمنا بمآ أنزلت واتبعنا ~~الرسول فاكتبنا مع الشهدين }؛ أي قالوا: ربنا ~~آمنا بما أنزلت في كتابك؛ يعني: الإنجيل على عيسى، ~~واتبعنا عيسى { فاكتبنا مع الشهدين } أي مع ~~المصدقين لأنبيائك الذين يشهدون بصدق الأنبياء من قبلنا، ~~وقال عطاء: (معناه: فاكتبنا مع النبيين). وقال ابن ~~عباس: (معناه: محمد صلى الله عليه وسلم وأمته). ### || [3.54] # قوله عز وجل: { ومكروا ومكر الله والله خير ~~الماكرين }؛ يعني مكر الكفار الذين لم يؤمنوا بقصدهم قتل ~~عيسى عليه السلام، والمكر: هو الاحتيال في تدبير ~~الشر. وقوله: { ومكر الله } أي جازاهم الله على ما ~~تقدم أن الجزاء على المكر يسمى مكرا، كما في الاعتداء ~~والسيئة والاستهزاء. # قوله تعالى: { والله خير الماكرين } أي هو أفضل ~~الصانعين حين يجازي الكفار على صنعهم؛ وخلص الممكور به؛ وذلك ~~أن عيسى عليه السلام بعد إخراج قومه إياه وأمه من بين أظهرهم ~~عاد إليهم مع الحواريين، ودعاهم إلى الإسلام فهموا بقتله ~~وتواطأوا عليه، وذلك مكرهم، فلما أجمعوا على قتله هرب ~~منهم إلى بيت فدخله فرفعه جبريل من الكوة إلى السماء. فقال ~~ملك اليهود واسمه يهودا، لرجل خبيث منهم يقال له ~~طيطانوس: أدخل عليه البيت، فدخل فألقى الله عليه شبه ~~عيسى عليه السلام، فلما لم يجد عيسى خرج؛ فرأوه على شبه ~~عيسى فظنوا أنه عيسى؛ فقتلوه وصلبوه، ثم قالوا: وجهه ~~يشبه وجه عيسى، وبدنه يشبه بدن صاحبنا، فإن كان هذا صاحبنا فأين ~~عيسى؟ وإن كان هذا عيسى فأين صاحبنا؟ فوقع بينهم قتال، فقتل بعضهم ~~بعضا. # وقال وهب: (لما طرقوا عيسى في بعض الليل ~~ونصبوا له خشبة ليقتلوه؛ أظلمت عليهم الأرض ~~فصلبوا رجلا منهم يقال له يهودا ظنوا أنه ~~عيسى عليه السلام، وهو الذي دلهم عليه، وذلك أن ~~عيسى جمع الحواريين في تلك الليلة ثم قال: ~~ليمكرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك، ms0359 ويبيعني ~~بدراهم يسيرة. فخرجوا وتفرقوا، وكانت ~~اليهود تطلبه؛ فأتى أحد الحواريين وقال ~~لليهود: ما تجعلون لمن يدلكم على عيسى؟ ~~فجعلوا له ثلاثين درهما، فأخذها ودلهم ~~عليه، فلما دخلوا البيت ورفع عيسى، ألقى الله ~~شبه عيسى على الذي دلهم عليه؛ فقتلوه ~~وصلبوه، فروي أنه لما أخذوه ليقتلوه قال ~~لهم: أنا الذي دللتكم عليه, فلم يقبلوا منه ~~ولم يلتفتوا إليه وصلبوه وهم يظنونه ~~عيسى). # قال أهل التواريخ: (حملت مريم بعيسى ولها ثلاث عشرة سنة، ~~وولدت عيسى لمضي خمس وستين سنة من غلبة الاسكندر على أرض ~~بابل، وأوحى الله إليه على رأس ثلاثين، ورفعه الله من بيت ~~المقدس ليلة القدر من شهر رمضان وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، ~~وعاشت أمه بعد رفعه ست سنين). # والمكر: هو السعي بالفساد في ستر ومناجاة، ~~وأصله من قول العرب: مكر الليل وأمكر؛ إذا أظلم. ~~والمكر من المخلوقين: الخب والخديعة والغيلة، وهو من الله ~~استدراجه العباد، قال الله تعالى: # سنستدرجهم من حيث لا يعلمون # [الأعراف: 182] قال ابن عباس: (كلما أحدثوا خطيئة ~~تجددت لهم نعمة). وقال الزجاج: (مكر الله ~~مجازاتهم على مكرهم، فسمي الجزاء باسم ~~الابتداء كقوله تعالى: # الله يستهزىء بهم # [البقرة: 15] وقوله: # وهو خادعهم # [النساء: 142]). وقال عمرو بن كلثوم: # ألا لا يجهلن أحد علينا # فنجهل فوق جهل الجاهلينا # وسأل رجل جنيدا: كيف رضي الله المكر لنفسه وقد عاب به غيره؟ ~~قال: لا أدري، ولكن أنشدني: # فديتك قد جبلت على هواك # فنفسي لا ينازعني سواكا # أحبك لا ببعض، بل بكل # وإن لم يبق حبك لي حراكا # ويقبح من سؤاك الفعل عندي # وتفعله فيحسن منك ذاكا # فقال الرجل: أسألك عن آية في كتاب الله تعالى وتجيبني بشعر ~~فلان؟! فقال: ويحك! قد أجبتك إن كنت تعقل، ومكر الله بهم ~~خاصة في هذه الآية إلقاؤه الشبه على صاحبهم الذي أراد قتل ~~عيسى عليه السلام. ### || [3.55] # قوله عز وجل: { إذ قال الله يعيسى إني ~~متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين ~~كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا ~~إلى يوم القيامة }؛ أول هذه الآية ms0360 متصل بقوله: { ~~خير الماكرين }. وقيل: معناه: واذكروا { إذ قال الله ~~يعيسى إني متوفيك ورافعك إلي }. قال الضحاك: ~~(كسا الله عيسى الريش وألبسه النور؛ وقطع عنه ~~لذة المطعم والمشرب فطار في الملائكة). # واختلف المفسرون في معنى التوفي في هذه الآية؛ فقال الحسن ~~والكلبي والضحاك وابن جريج: (معناه: إني قابضك ورافعك ~~من الدنيا من غير موت). فعلى هذا القول للتوفي ~~ثلاث تأويلات: أحدها: إني رافعك إلي وافيا لن ينالوا ~~منك شيئا؛ من قولهم: توفيت كذا واستوفيته؛ إذا أخدته ~~تاما، والأخذ معناه: إني مسلمك؛ من قولهم: توفيت ~~كذا إذا سلمته. وقال الحسن: (معناه: إني منيمك ~~ورافعك إلي من نومك). يدل عليه قوله تعالى: # وهو الذي يتوفكم باليل # [الأنعام: 60] أي ينيمكم؛ لأن النوم أخو الموت. # وروي عن ابن عباس أن معنى الآية: (إني مميتك) يدل عليه ~~قوله تعالى: # قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم # [السجدة: 11] وله على هذا القول تأويلان؛ أحدها: قال وهب بن ~~منبه: (توفاه الله ثلاث ساعات من النهار ثم ~~أحياه ورفعه إليه). والآخر: قال الضحاك: (إن في ~~الكلام تقديما وتأخيرا؛ معناه: إني رافعك ~~ومطهرك من الذين كفروا؛ ومتوفيك بعد ~~إنزالك من السماء) قال الشاعر: # ألا يا نخلة من ذات عرق # عليك ورحمة الله السلام # أي عليك السلام ورحمة الله. # قال صلى الله عليه وسلم: # " أنا أولى الناس بعيسى عليه السلام؛ لأنه لم يكن ~~بيني وبينه نبي، وإنه نازل على أمتي ~~وخليفتي فيهم. فإذا رأيتموه فاعرفوه؛ وإنه ~~رجل مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط ~~الشعر كأن شعره يقطر وإن لم يصبه بلل، ~~يدق الصليب ويقتل الخنزير، ويقاتل الناس ~~على الإسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلها، ~~ويهلك الله في زمانه الدجال، ويقع أمنه في ~~الأرض حتى ترتعي الأسود مع الإبل، والنمور مع ~~البقر، والذئاب مع الغنم، ويلعب الصبيان ~~بالحيات لا يضر بعضهم بعضا، ويلبث في الأرض ~~أربعين سنة " # وفي رواية كعب: # " أربعة وعشرين سنة، ثم يتزوج ويولد له ~~ثم يموت، ويصلي عليه المسلمون ويدفنوه في ~~بيت النبي صلى الله عليه وسلم ms0361 ". # وقيل للحسن بن الفضل: هل تجد نزول عيسى من السماء ~~في القرآن؟ قال: (نعم؛ قوله تعالى: # ويكلم الناس في المهد وكهلا # [آل عمران: 46] وهو لم يكتهل في الدنيا، وإنما ~~رفع وهو شاب، وإنما معناه وكهلا بعد نزوله ~~من السماء). # وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كيف تهلك أمة أنا في أولها؛ وعيسى في آخرها؛ ~~والمهدي من أهل بيتي في وسطها؟! " # وقال ابن عمر: # " رأينا النبي صلى الله عليه وسلم يتبسم في الطواف، ~~فقيل له في ذلك؛ فقال: " استقبلني عيسى في ~~الطواف ومعه ملكان " ". # وقوله عز وجل: { ومطهرك من الذين كفروا } أي ~~مخرجك من بين أظهرهم ومنجيك منهم، فإنهم كانوا ~~أرجاسا. وكان تطهير عيسى منهم إزالتهم عنه برفعه، فإن ~~التطهر إزالة الأنجاس عن الثوب والبدن. قوله عز وجل: { ~~ورافعك إلي } أي إلى السماء، وقيل: إلى كرامتي كما قال ~~إبراهيم عليه السلام: (إني ذاهب إلى ربي) أي حيث أمرني ~~ربي. # قوله عز وجل: { وجاعل الذين اتبعوك فوق ~~الذين كفروا إلى يوم القيامة } معناه: جاعل الذين ~~آمنوا بك فوق الذين كذبوا بك؛ أي فوقهم في العز والغلبة؛ لا ~~ترى يهوديا حيث كان إلا أذل من النصراني. قالوا: وهذا يدل ~~على أنه لا يكون لليهود ملك كما هو للنصارى. # وقيل: أراد بقوله { فوق الذين كفروا } فوقهم بالحجة ~~والبرهان، قال ابن عباس والربيع وقتادة والشعبي ومقاتل والكلبي: ~~(المراد بالذين اتبعوا عيسى أمة محمد صلى الله ~~عليه وسلم الذين صدقوه فيما قال؛ فوالله ما تبعه ~~من ادعاه ربا؛ تعالى الله عز وجل وتقدس أن ~~يكون له ولد). قال الضحاك: (يعني الحواريين). # قوله تعالى: { ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم ~~فيما كنتم فيه تختلفون }؛ أي مرجع الكفار والمؤمنين ~~إلي؛ { فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون } ~~من أمر الدين وأمر عيسى عليه السلام. ### || [3.56] # قوله تعالى: { فأما الذين كفروا فأعذبهم ~~عذابا شديدا في الدنيا والآخرة }؛ أي أعاقبهم عقوبة ~~شديدة في الدنيا بالقتل والسبي والجزية، وفي الآخرة بالنار، { ~~وما لهم من ناصرين }؛ أي مانعين يمنعونهم ms0362 من عذاب الله. ### || [3.57] # قوله عز وجل: { وأما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فيوفيهم أجورهم }؛ قرأ الحسن وحفص ~~(فيوفيهم أجورهم) بالياء، ومعناه: الذين صدقوا وعملوا ~~الصالحات نكمل لهم ثواب أعمالهم بالطاعة؛ { والله لا ~~يحب الظالمين }؛ أي لا يرحمهم ولا يغفر لهم. ### || [3.58] # قوله عز وجل: { ذلك نتلوه عليك من الآيات ~~والذكر الحكيم }؛ أي ما جرى من القصص ننزل به عليك ~~يا محمد فيتلوه عليك جبريل بأمرنا. وإنما أضاف التلاوة ~~إلى نفسه؛ لأنه حصل بأمره، { والذكر الحكيم } أي ومن ~~القرآن ومن الحكمة بالتأليف والنظم، وسماه حكيما ~~لأنه بما فيه من الحكمة كأنه ينطق بالحكمة. ويقال: معنى الحكيم ~~المحكم وهو فعيل بمعنى مفعول. ### || [3.59] # قوله عز وجل: { إن مثل عيسى عند الله كمثل ~~ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون }؛ قال ~~ابن عباس: # " وذلك أن وفد نصارى نجران: أسيد والعاقب ~~وغيرهم من علمائهم جاؤوا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: " أسلموا " ~~فقالوا: أسلمنا قبلك، فقال صلى الله عليه وسلم: " ~~يمنعكم من الإسلام ثلاث: أكلكم الخنزير؛ ~~وعبادتكم الصليب، وقولكم لله عز وجل ولد " ~~فقالوا له: ما لك تشتم صاحبنا؟ قال صلى الله عليه ~~وسلم: " وما أقول؟ " قالوا: تقول إنه عبد الله، قال: " ~~أجل؛ هو عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى ~~مريم العذراء البتول " فغضبوا وقالوا: هل ~~رأيت إنسانا قط من غير أب؟! " # فأنزل الله عز وجل: { إن مثل عيسى عند الله ~~كمثل ءادم خلقه من تراب } أي صفة خلق عيسى بلا أب ~~كصفة خلق آدم، خلقه من تراب من غير أب ولا أم ثم قال لآدم: ~~كن؛ فكان. وأراد الله تعالى بهذه الآية أن كون الولد من غير ~~أب ليس بأعجب من كون الإنسان لغير أب وأم، وقد خلق الله ~~آدم من غير أب وأم. # وفي هذه الآية دلالة على صحة القياس؛ لأنه لو لم يصح القياس ~~لم يكن الله يجيب به، وفيها دليل على جواز قياس الشيء بالشيء من ~~وجه دون وجه؛ لأن ms0363 الله عز وجل إنما شبه عيسى بآدم في ~~كونه من غير أب؛ لا في كونه من غير أم؛ ولا في خلقه من ~~التراب. # فإن قيل: هلا قال الله تعالى: (كن فكان) فإن آدم قد ~~انقضى كونه وقد أخبر عنه بالمستقبل؟ قيل: إن الفعل الماضي ~~منقطع والمضارع متصل؛ وذلك يقال: يروى عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه فعل كذا فكان فعل كن لأنه لا يقتضي التكرار، وما روي ~~أنه كان يفعل كذا فإنه على التكرار دون الانقطاع. ثم ~~فعل الله يبنى على المهلة ويحدث على التدريج، ألا ترى ~~أنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وكذلك بدت الحياة في ~~آدم على التدريج، وكذلك أمر عيسى على التدريج كان يبدأ شيئا فشيئا؛ ~~فأخبر الله عز وجل عن ذلك بفعل دائم. ### || [3.60] # قوله عز وجل: { الحق من ربك فلا تكن من ~~الممترين }؛ قال الفراء: (رفع بخبر ابتداء محذوف ~~تقديره: هو الحق أو هذا الحق). وقيل: تقديره: هذا ~~الذي أنبأتك به هو الحق والصدق في أمر عيسى، { ~~فلا تكن من الممترين } أي من الشاكين؛ فالخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته، لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يكن شاكا في أمر عيسى عليه السلام قط، وهذا ~~كما قال تعالى: # يأيها النبي إذا طلقتم النسآء # [الطلاق: 1]. وقال بعضهم: معناه: لا تكن أيها السامع لهذا ~~النبأ من الشاكين. ### || [3.61] # قوله عز وجل: { فمن حآجك فيه من بعد ما جآءك ~~من العلم }؛ أي فمن خاصمك وجادلك يا محمد في أمر عيسى من ~~بعد ما جاءك من البيان بأنه عبد الله ورسوله، ولم يكن ابن ~~الله ولا شريكه؛ { فقل تعالوا }؛ يا معشر النصارى؛ { ~~ندع أبناءنا وأبنآءكم ونسآءنا ونسآءكم ~~وأنفسنا وأنفسكم }؛ لنخرج إلى فضاء من الأرض؛ { ثم ~~نبتهل }؛ أي نلتعن، والبهلة: اللعنة؛ يقال: ~~بهله الله؛ أي لعنه الله وباعده. ويقال: معنى { ~~نبتهل }: نجتهد ونتضرع في الدعاء على الكاذب. ثم ~~فسر الابتهال فقال تعالى: { فنجعل لعنت الله على ~~الكاذبين }؛ أي نقول: لعنة الله على الكاذبين في ms0364 أمر ~~عيسى. # قرأ الحسن وأبو واقد وأبو السمال العدوي: (تعالوا) بضم ~~اللام. وقرأ الباقون: (تعالوا) بفتح اللام، والأصل فيه: ~~تعاليوا؛ لأنه تفاعلوا من العلو، فاستثقلت الضمة ~~على الياء فسكنت ثم حذفت وبقيت اللام على فتحها، ومن ضم ~~فقد نقل حركة الياء المحذوفة إلى اللام. قال الفراء: (معنى ~~تعال: ارتفع). # فلما قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية على ~~نصارى نجران وقال لهم: # " " إن الله أمرني أن أباهلكم إن لم تقبلوا " ~~قالوا له: يا أبا القاسم؛ بل نرجع فننظر في ~~أمرنا ثم نأتيك فنعلمك، فرجعوا وخلا بعضهم ~~ببعض، وقال السيد للعاقب: قد والله علمت أن ~~الرجل نبي مرسل، ولئن لاعنتموه يا معشر ~~النصارى ليستأصلنكم، وما لاعن نبي قوما قط ~~فعاش كثيرهم ولا ثبت صغيرهم، وإن أنتم ~~أبيتم إلا دينكم فواعدوه وارجعوا إلى بلادكم. ~~فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغدو وقد ~~خرج بنفر من أهله محتضنا الحسين آخذا بيد ~~الحسن؛ وفاطمة تمشي على إثرهم وعلي بعدها ~~وهو يقول لهم: " إذا أنا دعوت فأمنوا ". فقال ~~واحد من النصارى: والله إني لأرى وجوها لو سألوا ~~الله أن يزيل جبلا من مكانه لأزاله، فلا ~~تبتهلوا فتهلكوا ولا يبقى على الأرض نصراني ~~إلى يوم القيامة. فقالوا: يا أبا القاسم؛ قد ~~رأينا أن لا نلاعنك ونتركك على دينك ونثبت ~~على ديننا، فقال صلى الله عليه وسلم: " فإن أبيتم ~~المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين ~~وعليكم ما عليهم ". فأبوا؛ فقال: " إني أنابذكم ~~" فقالوا: ما لنا بحرب العرب من طاقة، ولكنا ~~نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا ~~عن ديننا؛ على أن نؤدي إليك كل عام ألفي ~~حلة؛ ألف في صفر وألف في رجب. فصالحهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم على ذلك وقال لهم: " وإن كان ~~كيد باليمن أعنتمونا بثلاثين درعا وثلاثين ~~فرسا وثلاثين بعيرا، والمسلمون ضامنون لها ~~حتى يردوها عليكم ". # وكتب لهم كتاب الأمان والصلح: " بسم الله ~~الرحمن الرحيم، هذا ما كتب محمد رسول الله ~~لنجران في كل صفراء وبيضاء ms0365 وسوداء أو رقيق ~~فاضلا عنهم؛ ترك ذلك كله على ألفي حلة، في ~~كل صفر ألف حلة، وفي كل رجب ألف حلة يمن ~~كل حلة وقية، وما زادت الحلل على الأواق ~~فبحسابها، وما نقص من درع وخيل أو ركاب ~~فبحسابه. وعليهم عارية ثلاثون درعا وثلاثون ~~فرسا وثلاثون بعيرا إن كان كيدا باليمن، ~~ولنجران وحاشيتها جوار الله تعالى وذمة ~~محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنفسهم ~~ومالهم. وكل ما تحت أيديهم من قليل وكثير ~~لا يغير ما كانوا عليه، ولا يغير أسقف من ~~أسقفه، ولا راهب من رهبانيته، ولا يحشرون من ~~بلادهم، ولا يعشرون، ولا يطأ أرضهم حبش. وما ~~سأل منهم حقا فله النصف غير ظالمين ولا ~~مظلومين، ومن أكل الربا من ذي قبل فذمتي منه ~~برية، لا يؤخذ منهم رجل يطلب آخر، لهم جوار ~~الله وذمة رسوله أبدا حتى يأتي الله بأمره ما ~~نصحوا وأصلحوا فيها عليهم غير مثقلين بظلم ~~". # شهد الشهود أبو سليمان بن حرب، وغيلان بن ~~عمرو، ومالك بن عوف وغيرهم. ثم بعث رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم معهم معاذ بن جبل ليقضي ~~بالحق فيما بينهم، ورجعوا إلى بلادهم. فقال صلى ~~الله عليه وسلم: " لو باهلوني لاضطرم الوادي عليهم ~~نارا، ولم ير نصراني ولا نصرانية إلى يوم ~~القيامة " # وفي بعض الروايات أنه قال: # " لو التعنوا لهلكوا كلهم حتى العصافير في ~~سقوفهم " # وفي بعض الروايات أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " والذي نفسي بيده، إن العذاب يدلى على أهل ~~نجران، ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير؛ ~~ولاضطرم الوادي عليهم نارا؛ ولاستأصل الله ~~نجران وأهله حتى الطير والشجر، وما حال ~~الحول على النصارى كلهم حتى هلكوا " # فدل هذا الخبر على أن امتناعهم عن المباهلة لم يكن إلا ~~لعلمهم أن الحق مع النبي صلى الله عليه وسلم، ولو لم يعلموا ذلك ~~لباهلوه. ### || [3.62] # قوله عز وجل: { إن هذا لهو القصص الحق }؛ أي ~~هذا الذي أوحينا إليك من الحجج والآيات لهو الخبر الحق ~~بأن عيسى لم يكن إلها ولا ولد ms0366 الله ولا شريكه. والقصص: هو ~~الخبر الذي يتلوا بعضه بعضا. قوله تعالى: { وما من إله ~~إلا الله }؛ أي ما إله إلا الله واحد بلا ولد ولا شريك. ~~ودخول (من) في قوله { وما من إله إلا الله } لتوكيد ~~النفي في جميع ما ادعاه المشركون أنهم آلهة. # قوله تعالى: { وإن الله لهو العزيز الحكيم }؛ ~~أي العزيز بالنقمة لمن لا يؤمن به، ذو الحكمة في خلق عيسى عليه ~~السلام من غير أب؛ وفي أمره ألا تعبدوا إلا الله تعالى. ### || [3.63-64] # قوله تعالى: { فإن تولوا فإن الله عليم ~~بالمفسدين }؛ أي إن أعرضوا عما أتيت به من البيان؛ فإن ~~الله عالم بالمفسدين الذين يعبدون غير الله ويدعون الناس إلى ~~عبادة غير الله يجازيهم على ذلك. # ثم دعاهم الله إلى التوحيد فقال عز وجل: { قل يأهل ~~الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم ~~ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا }؛ أي قل ~~لهم يا محمد: يا أهل الكتاب هلموا إلى كلمة عدل ~~بيننا وبينكم. # وفي { سوآء } ثلاث لغات: سواء وسوى وسوا، ولا يمد فيها ~~إلا المفتوح، قال الله تعالى: # مكانا سوى # [طه: 58]. ثم فسر الكلمة فقال تعالى: { ألا نعبد إلا ~~الله ولا نشرك به } أحدا من المخلوقين، وموضع (أن) رفع ~~على إضمار (هي). وقيل: موضعها نصب بنزع الخافض، وقيل: موضعها ~~خفض بدلا من الكلمة؛ أي تعالوا إلى أن لا نعبد إلا الله. # قوله تعالى: { ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا ~~من دون الله }؛ أي نرجع إلى معبودنا وهو الله عز وجل ~~لا شريك له؛ وأن عيسى بشر كما أننا بشر فلا تتخذوه ربا، ~~وسمى الله هذه الثلاثة الألفاظ كلمة لأن معناها: نرجع ~~إلى واحد، وهي كلمة العدل: لا إله إلا الله. # قال بعض المفسرين: ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ~~كما فعلت اليهود والنصارى؛ فإنهم اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ~~أربابا من دون الله؛ أي أطاعوهم في معصية الله. قال عكرمة: (هو ~~سجود بعضهم لبعض)، وقيل: معناه: لا نطيع أحدا في المعاصي، ~~وفي الخبر: # " من أطاع ms0367 مخلوقا في معصية الله فكأنما سجد ~~سجدة لغير الله " # قوله تعالى: { فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا ~~مسلمون }؛ أي فإن أبوا التوحيد فقولوا اشهدوا بأنا مقرون ~~بالتوحيد مسلمون لما أتانا به الأنبياء صلوات الله ~~عليهم من الله تعالى. ### || [3.65] # قوله تعالى: { يأهل الكتاب لم تحآجون في ~~إبراهيم ومآ أنزلت التوراة والإنجيل إلا من ~~بعده } ، قال الكلبي: (وذلك أن اليهود والنصارى ~~اجتمعوا في بيت مدرسة اليهود، وكل فريق ~~يقول: إن إبراهيم منا وعلى ديننا، فأتاهم ~~رسول الله عليه السلام فقالوا: اقض بيننا أينا أولى ~~بإبراهيم ودينه، فقال صلى الله عليه وسلم: # " كل الفريقين منكم بريء من إبراهيم ~~ودينه، إن إبراهيم كان حنيفا مسلما وأنا على ~~دينه، فاتبعوا دينه الإسلام " # فأنزل الله هذه الآية). ومعناها: يا أيها اليهود ~~والنصارى لم تتخاصموا في ابراهيم ودينه { ومآ أنزلت ~~التوراة والإنجيل إلا من بعده } { أفلا تعقلون ~~} ، أي أفليس لكم ذهن الإنسانية فتعلموا أن اليهودية ملة ~~محرفة عن شريعة موسى عليه السلام، وأن اليهود سموا بهذا ~~الاسم لأنهم من ولد يهودا، والنصرانية ملة محرفة عن ~~شريعة عيسى عليه السلام، سموا نصارى لأنهم من قرية بالشام يقال ~~لها: ناصرة. ويقال: معناه: أفلا تعقلون وتنظرون أنه ليس في ~~التوراة والانجيل أن إبراهيم عليه السلام كان يهوديا أو نصرانيا. # قوله تعالى: { ومآ أنزلت التوراة والإنجيل إلا ~~من بعده } أي من بعد مهلك إبراهيم عليه السلام بزمان طويل، ~~وكان بين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبين موسى وعيسى ألف سنة. أفلا ~~تعقلون دحوض حجتكم وبطلان قولكم. ### || [3.66] # قوله عز وجل: { هأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم ~~به علم فلم تحآجون فيما ليس لكم به علم } ، ~~معناه: وأنتم يا هؤلاء يا معشر اليهود والنصارى حاججتم فيما لكم ~~به علم من بعث محمد صلى الله عليه وسلم وصفته في كتابكم، ~~فلم تخاصمون فيما ليس لكم به علم وهو أمر إبراهيم عليه السلام، { ~~والله يعلم } ، دين إبراهيم وشأنه، { وأنتم لا ~~تعلمون }. # و (الهاء) في { هأنتم } تنبيه، و { أنتم } اسم للمخاطبين، و ~~{ هؤلاء } إشارة إليهم، كأنه يقول: ms0368 انتبهوا أنتم الذين ~~حاججتم. قرأ أهل المدينة والبصرة بغير همز ولا مد إلا بقدر ~~خروج الألف الساكنة، وقرأ أهل مكة مهموز مقصور على وزن هعيتم، ~~وقرأ أهل الكوفة وابن عامر بالمد والهمز، وقرأ الباقون بالمد ~~دون الهمز. ### || [3.67] # قوله عز وجل: { ما كان إبراهيم يهوديا ولا ~~نصرانيا }؛ هذا تكذيب من الله للفريقين في قولهم: إن ~~إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا. وقوله تعالى: ~~{ ولكن كان حنيفا مسلما }؛ أي مائلا عن اليهودية ~~والنصرانية مخلصا مستسلما لأمر الله عز وجل؛ { وما ~~كان من المشركين }؛ على دينهم. # والحنيف: هو المائل عن كل دين سوى الإسلام، يشبه ~~بالأحنف الذي تكون صدور قدميه مائلة عن جهة ~~الخلقة. وقيل: الحنيف: الذي يوحد الله ويحج ويضحي ~~ويختتن ويستقبل القبلة، وهو أسهل الأديان وأحبها إلى الله ~~تعالى، وأهله أكرم الخلق على الله. ### || [3.68] # قوله عز وجل: { إن أولى الناس بإبراهيم ~~للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا }؛ ~~قال ابن عباس والكلبي: (وذلك أن رؤساء اليهود ~~قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد علمت يا محمد ~~أنا أولى بدين إبراهيم منك ومن غيرك، وأنه ~~كان يهوديا، وما بك إلا الحسد لنا، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية). ومعناها: إن أحق الناس بموالاة إبراهيم ~~للذين اتبعوه في دينه في زمانه، ولم يغيروا ولم ~~يبدلوا، { وهذا النبي } يعني محمدا صلى الله عليه ~~وسلم { والذين آمنوا } يعني أصحابه الذي اتبعوه. قوله ~~عز وجل: { والله ولي المؤمنين }؛ أي في النصر ~~والمعرفة. ### || [3.69] # قوله عز وجل: { ودت طآئفة من أهل الكتاب لو ~~يضلونكم }؛ يعني كعب بن الأشرف وأصحابه دعوا أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: معاذ وحذيفة وعمار بن ياسر الى دينهم ~~اليهودية، وقد مضت قضيتهم في سورة البقرة. ومعناه: تمنت ~~جماعة من أهل الكتاب أن يهلكوكم بإدخالكم في الضلال، { ~~وما يضلون إلا أنفسهم }؛ أي وما يرجع وبال إضلالهم ~~إلا على أنفسهم، { وما يشعرون }؛ وما يعلمون أن وبال ~~ذلك يعود عليهم، وقيل: ما يعلمون أن الله يطلع نبيه صلى ~~الله عليه وسلم على فعلهم. ### || [3.70] # قوله ms0369 عز وجل: { يأهل الكتاب لم تكفرون بآيات ~~الله وأنتم تشهدون }؛ أي لم تجحدون بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم والقرآن وأنتم تعلمون في كتابكم أنه نبي مرسل، ~~يعني أن نعته مذكور في التوراة والإنجيل. والأصل في { لم ~~تكفرون }: لما تكفرون؛ أي لأي شيء تكفرون، حذفت الألف ~~للتخفيف وفتحت الميم دليلا على سقوط الألف، وعلى هذا # لم تقولون # [الصف: 2] و # فبم تبشرون # [الحجر: 54] و # عم يتسآءلون # [النبأ: 1]. ### || [3.71] # قوله عز وجل: { يأهل الكتاب لم تلبسون الحق ~~بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون }؛ معناه: ~~لم تخلطون الإسلام باليهودية والنصرانية، وقيل: إنهم ~~أقروا ببعض أمر النبي صلى الله عليه وسلم وكتموا بعضه، وقيل: ~~معناه: لم تغطون الحق بباطلكم، وتغطيتهم الحق بالباطل ~~تحريفهم للتوارة والإنجيل وتأويلهم على غير وجهه. # وقوله تعالى: { وتكتمون الحق } يعني صفة النبي ~~صلى الله عليه وسلم كتموها وهم يعلمون أنه رسول الله ودينه ~~حق. # قرأ أبو مخلد (تلبسون) بالتشديد، وقرأ عبيد بن عمر: (لم ~~تلبسوا) بغير نون ولا وجه له. ### || [3.72] # قوله عز وجل: { وقالت طآئفة من أهل الكتاب ~~آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه ~~النهار واكفروا آخره }؛ قال مجاهد ومقاتل والكلبي: (هذا ~~في شأن القبلة لما صرفت القبلة إلى الكعبة، ~~شق ذلك على اليهود، فقال كعب بن الأشرف ~~لأصحابه: آمنوا بالذي أنزل على محمد في شأن ~~الكعبة وصلوا إليها أول النهار ثم اكفروا ~~بالكعبة آخر النهار، وارجعوا إلى قبلتكم صخرة ~~بيت المقدس). { لعلهم يرجعون }؛ أي لعلهم يقولون ~~هؤلاء أصحاب كتاب، وهم أعلم منا، فربما يرجعون إلى قبلتنا، ~~فحذر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم مكر هؤلاء ~~القوم وأطلعه على سرهم. # وقال بعضهم: إن علماء اليهود قالوا فيما بينهم: كنا نخبر ~~أصحابنا بأشياء قد أتى بها محمد صلى الله عليه وسلم، فإن نحن ~~كفرنا بها كلها اتهمنا أصحابنا، ولكن نؤمن ببعض ونكفر ببعض ~~لنوهمهم أنا نصدقه فيما نصدقه، ونريهم أنا نكذبه فيما ليس ~~عندنا. ويقال: إنهم أتوا النبي صلى الله عليه وسلم في صدر النهار، ~~فقالوا: أنت الذي أخبرنا في ms0370 التوراة إنك مبعوث، ولكن أنظرنا ~~إلى العشي لننظر في أمرنا. # فلما كان العشي أتوا الأنصار فقالوا لهم: كنا أعلمناكم ~~أن محمدا هو النبي الذي هو مكتوب في التوراة، إلا أنا ~~نظرنا في التوراة فإذا هو من ولد هارون عليه السلام ومحمد صلى الله ~~عليه وسلم من ولد إسماعيل بن إبراهيم، فليس هو النبي الذي هو ~~عندنا. وإنما فعلوا ذلك لعل من آمن به منهم يرجع، لأن هذا ~~يكون أقرب عندهم إلى تشكيك المسلمين. # ووجه الشيء أوله، يقال لأول الثوب وجه الثوب، ويسمى ~~أول النهار وجهه لأنه أحسنه. ### || [3.73] # قوله عز وجل: { ولا تؤمنوا إلا لمن تبع ~~دينكم }؛ حكاية قول كعب بن الأشرف وأصحابه قالوا لليهود: لا ~~تصدقوا إلا لمن تبع دينكم اليهودية، وصلى إلى قبلتكم نحو ~~بيت المقدس. # قوله تعالى: { قل إن الهدى هدى الله }؛ قال ~~بعضهم: هذا كلام معترض بين كلامي اليهود، ويجوز دخول ~~العارض بين الكلامين اذا احتيج إليه كما دخل على قوله تعالى: # إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع ~~أجر من أحسن عملا # [الكهف: 30] ثم عاد إلى أول الكلام فقال تعالى: # أولئك لهم جنات عدن # [الكهف: 31] كذا قوله تعالى: { قل إن الهدى هدى ~~الله } عارض ثم عاد إلى كلام اليهود، فقال تعالى: { أن يؤتى ~~أحد مثل مآ أوتيتم }؛ أي قالوا لا تصدقوا أن يعطى أحد ~~من الكتاب والعلم مثل ما أعطيتم؛ { أو يحآجوكم عند ربكم ~~}؛ أي يحاجكم أحد، { قل }؛ لهم يا محمد إن الهدى هدى ~~الله و؛ { إن الفضل بيد الله }؛ فلا تنكروا أن يؤته ~~غيركم. # وقال بعضهم: ليس في الآية تقديم وتأخير، ومعناه: قالت اليهود: ~~ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم، قل يا محمد إن الهدى ~~هدى الله؛ فلا تجحدوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو ~~يحاجكم أحد عند ربكم، (قل): إن الفضل بيد الله، { ~~يؤتيه من يشآء }؛ أي النبوة والكتاب والهدى بقدرة الله تعالى ~~يعطيه من يشاء، { والله واسع عليم }؛ أي واسع الفضل ~~والقدرة، عليم بمن هو من أهل الفضل. # وقيل معنى ms0371 الآية: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم أي ملتكم، ~~ولا تؤمنوا إلا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من العلم والحكمة؛ ~~والكتاب والحجة؛ والمن والسلوى؛ وفلق البحر وغيرها من ~~الكرامات، ولا تؤمنوا إلا أن يجادلوكم عند ربكم لأنكم أصح دينا ~~منهم، وهذا قول مجاهد. # وقال ابن جريج: (معناه: أن اليهود قالت لسفلتهم: ~~لا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم كراهة أن يؤتى ~~أحد مثل ما أوتيتم؛ فأي فضل يكون لكم عليهم ~~حيث عملوا ما عملتم، وحينئذ يحاجوكم عند ~~ربكم فيقولون: عرفتم أن ديننا حق؛ فلا ~~تصدقوهم لئلا يعلموا مثل ما علمتم فلا ~~يحاجوكم عند ربكم). ويجوز أن تكون (إلا) على هذا القول ~~مضمرة لقوله تعالى: # يبين الله لكم أن تضلوا # [النساء: 176] ويكون تقديره: ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم؛ ~~لئلا يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ لئلا يحاجوكم به عند ربكم. # وقرأ الحسن والأعمش (إن يؤتى) بكسر الألف، وجه هذه القراءة: ~~أن هذا من قول الله عز وجل بلا اعتراض، وأن يكون كلام ~~اليهود منتهيا عند قوله { إلا لمن تبع دينكم }. ومعنى ~~الآية: قل يا محمد إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد ~~مثل ما أوتيتم يا أمة محمد أو يحاجوكم؛ يعني: إلا أن ~~يحاجوكم أي يجادلوكم اليهود بالباطل فيقولوا نحن أفضل منكم. # وقوله تعالى: { عند ربكم } أي عند فعل ربكم ذلك، ~~وتكون (أن) على هذا القول بمعنى الجحد والنفي؛ أي لا يؤتى أحد ~~مثل ما أوتيتم، وما أعطي أحد مثل ما أعطيتم يا أمة محمد صلى ~~الله عليه وسلم من الدين والحجة حتى يجادلوكم عند ربكم. قرأ ابن ~~كثير: (أأن يؤتى أحد) بالمد، وحينئذ في الكلام اختصار ~~تقديره: ألأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم يا معشر اليهود من الكتاب ~~تحسدونهم ولا تؤمنون به، وهذا قول قتادة والربيع؛ قالا: (هذا ~~من قول الله عز وجل: قل يا محمد إن الهدى ~~هدى الله؛ لما أنزل كتابا مثل كتابكم ونبيا ~~مثل نبيكم حسدتموه وكفرتم به). # ويحتمل أن يكون تمام الخبر عن اليهود عند قوله ms0372 تعالى: # لعلهم يرجعون # [آل عمران: 72]، فيكون قوله تعالى: { ولا تؤمنوا إلا ~~لمن تبع دينكم } إلى آخر الآية من كلام الله عز وجل، ~~وذلك أن الله تعالى قال مثبتا لقلوب المؤمنين لئلا يشكوا عند ~~تلبس اليهود في دينكم، ولا تصدقوا يا معشر المؤمنين إلا ~~لمن تبع دينكم، ولا تصدقوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من ~~الدين والفضل، ولا تصدقوا أن يحاجوكم في دينكم عند ربكم، أو ~~يقدرون عليه، فإن الهدى هدى الله، وإن عند تلبس اليهود ~~عليهم لئلا يزلوا أو يرتابوا، يدل عليه قول الضحاك: ~~(إن اليهود قالوا: إنا نحاج عند ربنا من ~~خالفنا في ديننا). بين الله أنهم هم المدحضون ~~المغلوبون، وأن المؤمنين هم الغالبون. وقال أهل الإشارة في ~~هذه الآية: لا تعاشروا إلا من يوافقكم على أحوالكم وطريقتكم، فإن ~~من لم يوافقكم لا يرافقكم. ### || [3.74] # قوله تعالى: { يختص برحمته من يشآء }؛ أي يختص ~~بدينه الإسلام من يشاء، وقيل: يختص بالنبوة من يشاء؛ { ~~والله ذو الفضل العظيم } ، على من اختصه بالإسلام ~~والنبوة. ### || [3.75] # قوله عز وجل: { ومن أهل الكتب من إن تأمنه ~~بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه ~~بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قآئما ~~}؛ في الآية دليل وبيان أن أهل الكتاب فيهم أمانة وفيهم خيانة، ~~فمنهم من إن تأمنه تبايعه بملء مشك ثور تؤده ~~ذهبا، يؤده إليك بلا عناء ولا تعب، ومنهم من إن ~~تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا بعد عناء وتعب. ~~وقال الضحاك: (هو فنحاص بن عازوراء اليهودي؛ أودعه ~~رجل دينارا فخانه). والقنطار عبارة عن المال الكثير، ~~والدينار عبارة عن المال القليل. # وقال الضحاك عن ابن عباس: (معنى الآية: ومن أهل ~~الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك؛ وهو ~~عبد الله بن سلام؛ أودعه رجل ألفا ومائتي ~~أوقية من ذهب فأداه إليه؛ فمدحه الله تعالى، ~~ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك؛ ~~وهو فنحاص ابن عازوراء اليهودي؛ أودعه رجل ~~من قريش دينارا فخانه). وفي بعض التفاسير: أن الذي ~~يؤدي الأمانة في هذه ms0373 الآية هم النصارى؛ والذين لا يؤدونها هم ~~اليهود. # قرأ الأشهب العقيلي (تيمنه بقنطار) بكسر التاء وهي لغة ~~بكر وتميم، وفي حرف ابن مسعود: (ما لك لا تيمنا)، وقراءة ~~العامة (تأمنه) بالألف. # وقوله تعالى { يؤده } فيه خمس قراءات، فقرأها كلها أبو ~~عمرو وعاصم والأعمش وحمزة ساكنة الهاء، وقرأ أبو جعفر ويعقوب ~~مختلسة مكسورة مشبعة، وقرأ سلام مضمومة مختلسة، ~~وقرأ الزهري مضمومة مشبعة، وقرأ الآخرون مكسورة مشبعة. # قوله تعالى: { إلا ما دمت عليه قآئما } قرأ ~~الأعمش ويحيى بن وثاب وطلحة بكسر الدال، ومعنى الآية: { إلا ~~ما دمت عليه قآئما } أي ملحا، كذا قال ابن عباس، وقال ~~مجاهد: { إلا ما دمت عليه قآئما } ملازما. وقال ابن ~~جبير: (مرابطا). وقال الضحاك: (مواظبا). وقال قتادة: ~~(معناه: إلا ما دمت عليه قائما: بقبضه). وقال ~~السدي: (قائما على رأسه، فإن سألته إياه حين ~~دفعته إليه رده عليك، وإن أخرته أنكر). وذهب ~~به ذلك إلى الاستحلال والخيانة، { ذلك بأنهم قالوا }؛ أي ~~فإنهم قالوا: { ليس علينا في الأميين سبيل }؛ أي وقال ~~العرب نظيره قوله تعالى: # هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم # [الجمعة: 2]. والسبيل هو الإثم والحرج؛ دليله قوله تعالى: # ما على المحسنين من سبيل # [التوبة: 91] وذلك أن اليهود قالوا: لا حرج علينا في حبس أموال ~~العرب قد أحلها الله لنا؛ لأنهم ليسوا على ديننا، وكانوا ~~يستحلون ظلم من خالفهم في دينهم. # وقال الكلبي: (قالت اليهود: إن الأموال كلها لنا؛ ~~وما كان في أيدي العرب منها فهو لنا، وإنما ~~ظلمونا وغصبونا عليها ولا سبيل علينا في أخذنا ~~إياها منهم). فأكذبهم الله بقوله: { ويقولون ~~على الله الكذب وهم يعلمون }؛ فلما نزلت هذه الآية ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " كذب أعداء الله، ما من شيء كان في الجاهلية ~~إلا وهو تحت قدمي إلا الأمانة؛ فإنها مؤداة ~~إلى البر والفاجر " # قوله تعالى: { ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في ~~الأميين سبيل } أي ذلك الاستحلال والخيانة منهم بقولهم: ليس ~~علينا في مال العرب والذين لا كتاب لهم حجة ولا مأثم. وقوله تعالى: ~~{ ويقولون ms0374 على الله الكذب } أي يقولون لم يجعل لهم ~~علينا في كتابنا حرمة كحرمتنا، { وهم يعلمون } أن ~~الله تعالى قد أنزل عليهم في كتابهم الوفاء وأداء الأمانة لمن ~~ائتمنهم وخالطهم. ### || [3.76] # قوله عز وجل: { بلى من أوفى بعهده واتقى ~~فإن الله يحب المتقين }؛ أي ليس الأمر كما يزعمون، لكن ~~من أتم عهد الله الذي عاهده الله تعالى في التوراة واتقى ظلم ~~الناس في ترك الوفاء ونقض العهد، فإن الله يحب المتقين ~~لنقض العهد وترك الوفاء. قال صلى الله عليه وسلم: # " ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صلى وصام: ~~من إذا حدث كذب، وإذا أوعد أخلف، وإذا ائتمن خان ~~" # وقال صلى الله عليه وسلم: # " من ائتمن على أمانة فأداها ولو شاء لم ~~يؤدها؛ زوجه الله من الحور العين ما شاء " ### || [3.77] # قوله تعالى: { إن الذين يشترون بعهد الله ~~وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في ~~الآخرة }؛ قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية فيما كان ~~بين امرئ القيس وعبدان بن الأشوع من الخصومة ~~في أرض غلبه عليها امرؤ القيس؛ فاستحلفه ~~عبدان فهم بالحلف؛ فنزلت هذه الآية فامتنع ~~أن يحلف، وأقر لعبدان بحقه ودفعه إليه، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: # " لك عليها الجنة " # ). وقيل: نزلت هذه الآية في اليهود لكتمانهم مبعث النبي صلى ~~الله عليه وسلم. ومعنى الآية: إن الذين يجتازون على عهدي الذي عهدت ~~به في الدنيا، أولئك لا نصيب لهم في الآخرة؛ { ولا يكلمهم ~~الله }؛ بكلام خير ولا رحمة، وقيل: لا يسمعهم كلامه كما ~~يكلم أولياءه بغير سفير. # قوله تعالى: { ولا ينظر إليهم يوم القيامة }؛ ~~أي لا يرحمهم ولا يعطف عليهم ولا يقول لهم خيرا؛ { ولا ~~يزكيهم }؛ أي لا يثني عليهم خيرا؛ { ولهم عذاب أليم ~~} ، في أنها هذه الأحوال { عذاب أليم } أي موجع. روي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " من اقتطع شيئا من مال مسلم بيمينه فقد ~~أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة " قال ~~رجل: ولو كان شيئا يسيرا؟ قال: " ولو كان قضيبا ~~من أراك " " # وقال صلى ms0375 الله عليه وسلم: # " أكبر الكبائر الشرك بالله وعقوق الوالدين ~~واليمين الغموس ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إياكم واليمين الفاجرة، فإنها تدع الديار ~~بلاقع " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " اليمين الفاجرة تسقم الرحم " # ، وهي # " منفقة للسلعة ممحقة للكسب " ### || [3.78] # قوله عز وجل: { وإن منهم لفريقا يلوون ~~ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو ~~من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من ~~عند الله }؛ روي: أن جماعة من اليهود أولي فاقة ~~وفقر قدموا المدينة من الشام ليسلموا، ~~فلقيهم كعب بن الأشرف فقال لهم: أتعلمون أن ~~محمدا نبي؟ قالوا: نعم، وما تعلمه أنت؟ قال: ~~لا، قالوا: فإنه يشهد أنه عبد الله ورسوله، ~~فقال كعب بن الأشرف: لقد منعكم الله خيرا ~~كثيرا، كنت أريد أن أمير لكم وأكسوا عيالكم ~~فحرمكم الله، فقالوا: رويدك حتى نلقاه، ~~فانطلقوا وكتبوا صفة سوى صفته ونعتا سوى ~~نعته، ثم انتهوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فكلموه وسألوه، ثم رجعوا إلى كعب فقالوا: كنا ~~نرى أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو ليس ~~بالنعت الذي نعت لنا؛ وجدنا نعته مخالفا ~~للذي عندنا؛ وأخرجوا الذي كتبوه فنظر إليه ~~كعب ففرح وأخذ إقرارهم وخطوطهم ثم بعث إلى ~~كل واحد منهم ثمانية قمص من الكرباس وخمسة ~~آصع من الشعير، فنزلت الآية. # ومعناها: وإن من أهل الكتاب طائفة يحرفون الكتاب ثم ~~يقرأون ما حرفوه ليظن المسلمون أن ذلك من التوراة؛ وما ~~هو منها، ويقولون هو من عند الله نزل وما هو من عند ~~الله نزل؛ { ويقولون على الله الكذب }؛ بادعائهم ~~أن ذلك المحرف من التوراة؛ { وهم يعلمون }؛ أنهم ~~يكذبون، ولي اللسان هو العدول عن الصدق والصواب. ### || [3.79] # وقوله عز وجل: { ما كان لبشر أن يؤتيه الله ~~الكتب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا ~~عبادا لي من دون الله }؛ وذلك أنه لما كثرت دعوة ~~النبي صلى الله عليه وسلم إياهم إلى الإسلام وقامت عليهم ~~الحجج؛ قالوا: إن هذا الرجل يريد أن نتبعه ونعبده كما ~~كان عيسى من قومه حتى ms0376 عبدوه، فكذا كلم الله عز وجل ~~بهذه الآية، ومعناها: ما كان بشر من الأنبياء مثل عيسى وعزير ~~وغيرهم أن يعطيه الله الكتاب وعلم الحلال والحرام والنبوة؛ { ~~ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله } أي ~~لا يجمع لأحد النبوة والقول للناس: كونوا عبادا لي، وليس هذا ~~على وجه النهي، ولكنه على وجه التنزيه لله عز وجل؛ لأنه ~~لا يختار نبيا يقول مثل هذا القول للناس. ويجوز أن يكون هذا ~~على وجه تعظيم الأنبياء صلوات الله عليهم. # وقال الضحاك ومقاتل: (معناه: { ما كان لبشر } يعني ~~عيسى عليه السلام { أن يؤتيه الله الكتاب } يعني ~~الإنجيل؛ نزلت في نصارى نجران). وقال ابن عباس ~~وعطاء: ( { ما كان لبشر } يعني محمدا صلى الله عليه ~~وسلم { أن يؤتيه الله الكتب } يعني القرآن. وذلك ~~أن أبا رافع القرظي من اليهود، والريس من ~~نصارى نجران، قالوا: يا محمد؛ نريد أن نصيرك ~~ونتخذك ربا؟! فقال صلى الله عليه وسلم: # " معاذ الله أن يعبد غير الله أو نأمر بعبادة ~~غير الله، ما بذلك بعثني الله عز وجل ولا بذلك ~~أمرني " # فأنزل الله هذه الآية). والبشر جمع بني آدم لا واحد ~~له من لفظه، كالقوم والجيش، ويوضع موضع الواحد والجمع. # قوله تعالى { والحكم } يعني الفهم والعلم، وقيل: ~~الأحكام. قوله عز وجل: { ولكن كونوا ربنيين ~~بما كنتم تعلمون الكتب وبما كنتم تدرسون } ، ~~أي ولكن يقول: { كونوا ربنيين } أي علماء عاملين، ~~وقيل: فقهاء معلمين. قفال مرة بن شرحبيل: (كان ~~علقمة من الربانيين يعلمون الناس القرآن). ~~وعن سعيد بن جبير: (معناه: حكماء أتقياء). وقيل: متعبدين ~~مخلصين. وقيل: علماء نصحاء لله عز وجل في خلقه. # وقيل: (الرباني: هو العالم بالحلال والحرام ~~والأمر والنهي؛ والعارف بأنباء الأمة وما كان ~~وما يكون). وقال علي كرم الله وجهه: (هو الذي ~~يرب علمه بعمله) أي يصلح علمه بعمله وعمله بعلمه. ~~وقال محمد بن الحنفية يوم مات ابن عباس: (مات رباني ~~هذه الأمة). # قوله تعالى: { بما كنتم تعلمون الكتب } معناه: ~~بما أنتم تعلمون كقوله: # وكانت امرأتي عاقرا # [مريم: 5] أي ms0377 وامرأتي عاقر. وقوله: # من كان في المهد # [مريم: 29] أي من هو في المهد صبيا. وقوله تعالى: { ~~تعلمون الكتب } ، قرأ السلمي والنخعي وابن جبير ~~والضحاك وابن عامر والكوفيون: (بما كنتم تعلمون) ~~بالتشديد من التعليم، وقرأ الباقون بالتخفيف: من العلم. # قال أبو عمرو: (وتصديق هذه القراءة: (وبما كنتم ~~تدرسون) ولم يقل: تدرسون). وقرأ الحسن: (بما كنتم ~~تعلمون) بفتح التاء والعين وتشديد اللام؛ على معنى: ~~تتعلمون. وقرأ أبو حيوة: (تدرسون) بالتشديد، وقرأ ~~الباقون (تدرسون): من الدرس. # وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من مؤمن ذكر ولا أنثى ولا مملوك إلا ولله ~~عز وجل عليه حق أن يتعلم من القرآن ~~ويتفقه فيه " # ثم تلا هذه الآية: { ولكن كونوا ربنيين ~~بما كنتم تعلمون الكتب وبما كنتم تدرسون }. ~~وإنما قيل للفقهاء: ربانيين؛ لأنهم يربون بالعلم؛ ~~أي يقومون به. وزيدت الألف والنون للمبالغة، كما يقال رجل كثير ~~اللحية: لحياني، والذي جمعه جماني. وعن ثعلب أنه ~~قال: (يقال: رجل ربي ورباني؛ أي عالم عامل ~~معلم). ### || [3.80] # قوله تعالى: { ولا يأمركم أن تتخذوا ~~الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر ~~بعد إذ أنتم مسلمون } ، قرأ الحسن وعاصم وحمزة وابن ~~عامر: (ولا يأمركم) بنصب الراء عطفا على (ثم يقول) ~~مردود على البشر، وقرأ الباقون بالرفع والاستئناف والانقطاع من ~~الكلام الأول. واختلفوا فيه على هذه القراءة. فقال الزجاج: ~~(معناه: ولا يأمركم الله). وقال ابن جريج وجماعة: (ولا ~~يأمركم محمد صلى الله عليه وسلم)، وقيل: ولا يأمركم البشر ~~أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا كفعل قريش وخزاعة؛ ~~حيث قالوا: الملائكة بنات الله. واليهود والنصارى حيث قالوا: ~~عزير والمسيح ابن الله. # قوله تعالى: { أيأمركم بالكفر } استفهام بمعنى ~~الإنكار؛ أي الله عز وجل بعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليدعو الناس إلى الإسلام؛ فكيف يدعو إلى الكفر بعد أن كانت ~~فطرتكم على الإسلام؟. ويقال: إن كنتم مقرين بالتوحيد. ### || [3.81-82] # قوله عز وجل: { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ~~لمآ آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول ~~مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ms0378 }؛ قرأ ~~سعيد بن جبير (لما) بتشديد الميم، وقرأ حمزة (لما) بكسر اللام ~~والتخفيف، وقرأ الباقون بالفتح والتخفيف. فمن فتح وخفف فهي لام ~~الابتداء أدخلت على (ما)، كقول القائل: لزيد أفضل من عمرو، و ~~(ما آتيتكم) اسم، والذي بعده صلة. وجوابه: { لتؤمنن به } ~~، وإن شئت جعلت خبر (ما) من كتاب، وتكون (من) زائدة معناه: لما ~~آتيتكم كتابا وحكمة. ثم ابتدأ فقال: { ثم جآءكم رسول } أي ~~ثم إن جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به، اللام لام ~~القسم؛ تقديره: والله لتؤمنن به، فوكده في أول الكلام بلام ~~التوكيد وفي أجزاء الكلام بلام القسم كأنه استحلفهم: والله ~~لتؤمنن به. وأخذ الميثاق في معنى التحليف؛ لأن الحلف ~~وثيقة، وموضع (ما) في قوله (لما) نصب بقوله (آتيتكم)، ~~كأنه قال: للذي اتيتكموه من كتاب. وقال الزجاج: ~~(هذه لام التخفيف دخلت على (ما) للجزاء؛ ~~ومعناه: لهما آتيتكم). ودخول اللام في الشرط والجواب ~~للتوكيد كما في قوله تعالى: # ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك # [الإسراء: 86] وكما يقول: لئن جئتني لأكرمتك. # ومن قرأ (لما) بالكسر والتخفيف فهي لام الإضافة دخلت على (ما) ~~التي هي بمعنى الذي؛ ومعناه: للذي أتيتكم؛ يعني: الذي أخذ ميثاق ~~النبيين لأجل الذي آتيناهم من كتاب وحكمة؛ ثم جاءكم رسول ~~مصدق لما معكم. # قوله تعالى: (لمآ آتيناكم من كتاب): قرأ نافع ~~بالألف والنون على التعظيم؛ لأن عظم الشأن قد يعبر ~~عن نفسه بلفظ الجمع. وقرأ الآخرون (آتيتكم). واختلف المفسرون ~~في المعني بهذه الآية، فقال قوم: إنما أخذ الميثاق على الأنبياء ~~عليهم السلام: أن يصدق بعضهم بعضا، ويأمر بعضهم ~~بالإيمان ببعض، فذلك معنى النصرة بالتصديق، وهذا قول ابن جبير ~~وطاووس وقتادة والحسن والسدي، يدل عليه ظاهر الآية. قال علي ~~رضي الله عنه: (لم يبعث الله نبيا إلا أخذ عليه ~~العهد من محمد وأمته، وأخذ العهد على قومه ~~ليؤمنن به؛ ولئن بعث وهم أحياء لينصرنه). # وقال بعضهم: إنما أخذ الميثاق على أهل الكتاب؛ وهو قول مجاهد ~~والربيع قالوا: (ألا ترى إلى قوله: { ثم جآءكم رسول ~~مصدق } إنما كان ms0379 محمد مبعوثا إلى أهل الكتاب ~~دون النبيين). وقال بعضهم: إنما أخذ العهد على النبيين ~~وأممهم؛ واكتفى بذكر الأنبياء عن ذكر الأمم؛ لأن أخذ ~~الميثاق على المتبوع دلالة على أخذه على الأتباع، وهذا قول ابن ~~عباس وهو أولى بالصواب. # قوله عز وجل: { قال أأقررتم وأخذتم على ~~ذلكم إصري }؛ أي قال الله تعالى لأنبيائه: أقررتم بما ~~أمرتكم به على ما قلت لكم وقبلتم على ذلكم عهدي. # ومعنى { أخذتم } أي قبلتم؛ نظيره قوله تعالى: # إن أوتيتم هذا فخذوه # [المائدة: 41] أي فاقبلوه، وقوله: # ولا يؤخذ منها عدل # [البقرة: 48] أي لا يقبل، وقوله: # ويأخذ الصدقات # [التوبة: 104] أي يقبلها. # والإصر في اللغة: الثقل؛ لكن يراد به العهد لما فيه من ~~الثقل. وقال بعضهم: لفظ الأخذ يحتمل وجهين؛ أحدهما: قبلتم ~~على ذلكم عهدي، والثاني: أخذتم العهد على ذلكم ~~بذلك على أممكم. # قوله تعالى: { قالوا أقررنا }؛ أي قالت الأنبياء ~~صلوات الله عليهم: أقررنا بالعهد، { قال } الله؛ ~~تعالى؛ { فاشهدوا }؛ أي يشهد بعضكم على بعض بذلك، واشهدوا ~~على أتباعكم. وقيل: معنى { فاشهدوا } أي بينوا لمن يكون ~~بعدكم؛ لأن الشاهد هو الذي يصحح دعوى المدعي، ثم قال تعالى: { ~~وأنا معكم من الشاهدين }؛ أي أنا من الشاهدين عليكم ~~وعلى أممكم. وقيل: معنى: { فاشهدوا } أي قال للملائكة: ~~فاشهدوا على إقرارهم. # وشهادة الله للنبيين تبينة أمر نبوتهم بالمعجزات، { فمن ~~تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون }. ### || [3.83] # قوله عز وجل: { أفغير دين الله يبغون وله ~~أسلم من في السموت والأرض طوعا وكرها وإليه ~~يرجعون }؛ قرأ أبو عمرو: (يبغون) بالياء، و (ترجعون) ~~بالتاء، قال: (لأن الثاني أعم، والأول خاص، ففرق ~~بينهما لافتراقهما في المعنى). وقرأ الحسن ويعقوب ~~وسلام وحفص: (يبغون) بالياء، و (يرجعون) بالياء أيضا. وقرأ ~~الباقون بالتاء فيهما على الخطاب. # ومعنى الآية: أبعد هذه الوثائق الجارية بينهم وبين الله في أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم يطلبون دينا سوى ما عهده الله إليهم. ~~قال الكلبي: (وذلك أنه لما قال لهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم حين اختلفوا في دين إبراهيم عليه؛ كل ~~فرقة قد زعمت ms0380 أنها أولى بدينه، فقال صلى الله عليه ~~وسلم: # " كلا الفريقين بريء من دين إبراهيم " # فغضبوا وقالوا: والله ما نرضى بقضائك ولا نأخذ ~~بدينك؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية). # قوله تعالى: { وله أسلم من في السموت والأرض ~~طوعا وكرها } أي له أخلص وخضع. قال الكلبي: (أما أهل ~~السماوات ومن ولد في الإسلام من أهل الأرض ~~أسلموا طائعين، ومن أبى قوتل حتى يدخل في ~~الإسلام كرها؛ يجاء بهم أسارى في السلاسل ~~ويكرهون على الإسلام). وفي الخبر عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " عجب ربكم من قوم يقادون إلى الجنة ~~بالسلاسل " # قوله تعالى: { وإليه يرجعون } أي إلى جزائه ~~ترجعون في الآخرة، فبادروا إلى دينه ولا تطلبوا غير ذلك، ~~وقيل معنى: { وله أسلم من في السموت والأرض } أي ~~أقروا له بالألوهية كما قال الله تعالى: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف: 87]. وقال الزجاج: (معناه: أن كلهم خضعوا ~~لله من جهة ما فطرهم الله عليه). قال الضحاك: (هذا ~~حين أخذ منه الميثاق وأقر به). # وقال الكلبي: (معناه: الذي أسلم طوعا أي الذي ولد ~~في الإسلام، وبالذي أسلم كرها يعني الذي أجبر ~~على الإسلام، فيؤتى بهم في السلاسل فيكرهون على ~~الإسلام). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كل الملائكة أطاعوا في السماء؛ والأنصار في ~~الأرض " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " ولا تسبوا أصحابي فإنهم أسلموا من خوف الله، ~~وأسلم الناس من خوف سيوفهم " # وقال الحسن: (الطوع: لأهل السماوات خاصة، وأهل ~~الأرض منهم من أسلم طوعا؛ ومنهم من أسلم ~~كرها). # وقرأ الأعمش: (كرها) بضم الكاف. وأما انتصاب (طوعا) و ~~(كرها) فلأنهما مصدران وضعا موضع الحال كما يقال: جئت ~~ركضا وعدوا؛ أي راكضا وماشيا بسرعة؛ كأنه قال: وله ~~أسلم من في السماوات والأرض طائعين وكارهين. وعن ابن ~~عباس أنه قال: (إذا استضعنت دابة أحدكم أو كانت ~~شموسا فليقرأ في أذنها هذه الآية: { أفغير دين ~~الله يبغون } إلى آخرها). ### || [3.84] # قوله عز وجل: { قل آمنا بالله ومآ أنزل علينا ~~ومآ أنزل على إبراهيم وإسماعيل ms0381 وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى ~~والنبيون من ربهم }؛ الآية خطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم وأمر له أن يقول عن نفسه وعن أمته { آمنا بالله }. ~~قوله عز وجل: { لا نفرق بين أحد منهم }؛ أي من ~~الرسل، لا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعضهم كما فعلت اليهود، بل نؤمن ~~بهم جميعا. قوله عز وجل: { ونحن له مسلمون }؛ أي ~~مخلصون لله في التوحيد والطاعة. ### || [3.85] # قوله عز وجل: { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن ~~يقبل منه } الآية، قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية ~~إلى قوله: # لن تنالوا البر # [آل عمران: 92] في عشرة رهط ارتدوا عن الإسلام ~~ولحقوا بمكة، منهم طعمة بن أبيرق ووحوح بن ~~الأسلت والحارث بن سويد وغيرهم، وندم الحارث ~~وأرسل إلى أخيه الحلاس ابن سويد المسلم: أني ~~قد ندمت على ما صنعت، فسل لي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: هل من توبة وإلا أذهب في الأرض. فأنزل ~~الله هذه الآيات). # ومعناها: من يطلب دينا غير دين الإسلام فلن يقبل منه ~~ما أقام عليه؛ أي لن يثاب ولن يثنى عليه. ويقال: هذه الآية ~~نزلت في المرتدين. وقوله تعالى: { وهو في الآخرة من ~~الخاسرين }؛ أي من المغبونين حيث ترك منزله في ~~الجنة، واختار منزله في النار. ### || [3.86] # قوله تعالى: { كيف يهدي الله قوما كفروا بعد ~~إيمانهم }؛ أي كيف يهديهم وقد كفروا بعد إذ آمنوا؛ و؛ بعد ~~أن؛ { وشهدوا أن الرسول حق } يعني محمدا صلى الله ~~عليه وسلم؛ { وجآءهم البينات }؛ أي دلالات صدقه ~~ونبوته، فكيف يستحقون هداية الله تعالى. قوله تعالى: { ~~وشهدوا أن الرسول حق } عطف على قوله { إيمانهم } ~~دون قوله { كفروا } ، وقد يعطف الفعل على المصدر، كما يقال: ~~أعجبني ضرب زيد وإن غضب، وتقدير الآية: بعد أن آمنوا وبعد أن ~~شهدوا أن الرسول حق. # قوله تعالى: { والله لا يهدي القوم الظالمين }؛ ~~أي لا يرشد المشركين ومن لم يكن أهلا لذلك، فإن ظاهر الآية ~~يقتضي أن من كفر بعد إسلامه لا يهديه الله، وأن الظالمين لا ~~يهديهم الله. وكثير من المرتدين أسلموا ms0382 ومن الظالمين تابوا. وقيل: ~~معناه: لا يهديهم الله ما داموا مقيمين على كفرهم، فإذا جاهدوا ~~وقصدوا الرجوع إلى الحق وفقهم الله كما قال تعالى: # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # [العنكبوت: 69]. وقيل: معنى الآية: كيف يرحمهم الله وينجيهم من ~~العقوبة. ### || [3.87-88] # قوله تعالى: { أولئك جزآؤهم أن عليهم ~~لعنة الله }؛ أي أهل هذه الصفة { جزآؤهم أن ~~عليهم لعنة الله } أي عذابه، واللعنة من الله ~~الإبعاد، وأما لعنة الملائكة والناس فدعاؤهم على الكفار بأن ~~يبعدهم الله من رحمته. فإن قيل: كيف قال الله: { والملائكة ~~والناس أجمعين } ومن الناس من يوالي الكافر ويوافقه ولا ~~يلعنه؟ قيل: إنهم في الآخرة يلعن بعضهم بعضا. وقوله ~~تعالى: { خالدين فيها }؛ أي مقيمين في اللعنة، وقيل: في ~~العذاب؛ { لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون }؛ ~~حين ينزل بهم. ### || [3.89-90] # قوله تعالى: { إلا الذين تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا }؛ استثناء من قول الله عز وجل { أن عليهم ~~لعنة الله }؛ ومعناه: { إلا الذين تابوا من } الكفر ~~والشرك بعد ارتدادهم؛ { وأصلحوا } أي لم يكتفوا بمجرد ~~الإيمان. ويقال: أصلحوا أعمالهم بالتوبة، وقيل: أصلحوا ما ~~أفسدوه من الناس ممن تبعهم، { فإن الله غفور رحيم }؛ ~~أي يتجاوز عنهم، رحيم بهم بعد التوبة. # قال ابن عباس: (لما نزلت قال للحارث بن سويد: ~~[الرخصة في التوبة] أرسل أخوه الجلاس إليه: أن ~~الله عز وجل قد فرض عليكم التوبة؛ فارجع إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فاعتذر إليه. فرجع ~~وتاب، وقبل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فبلغ ذلك ~~أصحابه الذين بمكة؛ فقالوا: نتربص بمحمد ~~ريب المنون؛ فإن بدا لنا الرجعة إليه ذهبنا ~~كما ذهب الحارث فيقبل توبتنا) فأنزل الله ~~تعالى: { إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ~~ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم }؛ إن الذين كفروا ~~بالله وبالرسول بعد تصديقهم ثم ازدادوا كفرا بقولهم: ~~نقيم بمكة ما بدا لنا، لن تقبل توبتهم، { ~~وأولئك هم الضآلون }؛ أي عن الإسلام. # وفي هذه الآية دليل على أن هؤلاء لم يكونوا محققين؛ لأنه ~~قال: { وأولئك هم الضآلون }. وكانت هذه الآية خاصة ~~في ms0383 قوم علم الله أنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت، ومات ~~طعمة كافرا، ولو كانوا يحققون التوبة قبل المعاينة ~~لقبلت توبتهم. ويجوز أن يكون بمعنى: { لن تقبل توبتهم ~~} أي التوبة التي يتوبونها عند الموت. قوله عز وجل: { ثم ~~ازدادوا كفرا }. قال الحسن وقتادة وعطاء: (نزلت هذه ~~الآية في اليهود الذين كفروا بعيسى عليه السلام ~~والإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم وكتبهم؛ ثم ~~ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن). ### || [3.91] # وقوله تعالى: { إن الذين كفروا وماتوا وهم ~~كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو ~~افتدى به }؛ أي إن الذين كفروا وماتوا على كفرهم لو ~~كان لأحدهم في الآخرة ملء الأرض ذهبا فافتدى به لن يقبل ~~منه، كما روي: أنه يقال للكافر يوم القيامة: لو كان لك ملء ~~الأرض ذهبا أكنت تفتدي به من العذاب؟ فيقول: نعم، فيقال له: ~~قد سئلت ما هو أيسر عليك من هذا فلم تفعل؟ # وقوله تعالى: { ذهبا } نصب على التفسير في قول الفراء، ومعنى ~~التفسير: أن يكون الكلام تاما وهو مبهم كقوله: عندي عشرون ~~فالعدد معلوم والمعدود مبهم، فإذا قلت: عشرون درهما؛ ~~فسرت العدد؛ ولذلك إذا قلت: هو أحسن الناس؛ فقد أخبرت عن ~~حسنه ولم تبين في أي شيء. فاذا قلت: وجها أو فعلا؛ ~~فقد بينته ونصبت على التفسير، وإنما نصبته لأنه ليس ~~له ما يخفضه ولا ما يرفعه، فلما خلا من هذين نصب؛ لأن النصب ~~أخف الحركات؛ فجعل لكل ما لا عامل له. # وقال الكسائي: (نصب على إضمار (من ذهب) كقوله ~~تعالى: # أو عدل ذلك صياما # [المائدة: 95] أي من صيام). وقد يقال: نصب على التمييز ثلاثة ~~أشياء: تمييز جملة مبهمة كما في قوله: # أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا # [الكهف: 34]، وتمييز عدد مبهم كقولك: عشرون درهما، ~~وتمييز مقدار مبهم كما يقال: عندي ملء زق عسلا. # وأما دخول الواو في قوله: { ولو افتدى به }؛ فقال بعضهم: ~~هي زائدة. وقال الزجاج: (ليست بزائدة؛ وإنما هي ~~لتعميم النفي لوجوه القبول، ولو لم تكن واوا ~~لأوهم الكلام؛ لأن ms0384 ذلك لا يقبل في الإفتداء، ~~ويقبل على غير وجه الإفتداء). # قوله تعالى: { أولئك لهم عذاب أليم }؛ أي أهل ~~هذه الصفة لهم عذاب وجيع في الآخرة، { وما لهم من ~~ناصرين }؛ أي من مانع يمنعهم من العذاب. ### || [3.92] # قوله تعالى: { لن تنالوا البر حتى تنفقوا ~~مما تحبون }؛ قال ابن عباس: (معناه: لن تنالوا ~~الجنة)، وقال عطاء: (لن تنالوا الطاعة). وقال أبو روق: ~~(معناه: لن تنالوا الخير)، وقال مقاتل: (لن تنالوا ~~التقوى)، وقال الحسن: (لن تكونوا أبرارا حتى ~~تتصدقوا مما تحبون من الأموال؛ أي من كرائم ~~أموالكم وأحبها إليكم، طيبة بها أنفسكم؛ ~~صغيرة في أعينكم)، وقال مجاهد والكلبي: (هذه الآية ~~منسوخة؛ نسختها الزكاة). وروى الضحاك عن ابن عباس: ~~(أراد بهذه الآية: حتى تخرجوا زكاة أموالكم)، ~~وقال عطاء: (معناه: لن تنالوا شرف الدين والتقوى ~~حتى تتصدقوا وأنتم أصحاء تأملون الغنى ~~وتخشون الفقر). ويقال: معناه: لن تبلغوا حقيقة التوكل ~~والتقوى حتى تخرجوا زكاة أموالكم طيبة بها أنفسكم. # وذهب أكثر المفسرين إلى أن المقصود من هذه الآية: الحث على ~~صدقة النفل والفرض بأبلغ وجوه القرب؛ لأن قوله: { مما ~~تحبون } يدل على المبالغة فيه. روي عن عبدالله بن عمر: ~~أنه اشترى جارية كان يهواها، فلما ملكها ~~أعتقها ولم يصب منها، فقيل له في ذلك، فقال: { ~~لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون }. وعن ~~عمر بن عبدالعزيز أنه كان يشتري أعدال السكر فيتصدق بها، ~~فقيل له: هلا تصدقت بثمنه؟ فقال: (لا، لأن السكر ~~أحب إلي؛ فأردت أن أنفق مما أحب). # وروي: أن سائلا وقف على باب الربيع بن خيثم؛ فقال: ~~أطعموه سكرا، فقيل له: ما يصنع بالسكر؟ هلا تطعمه ~~خبزا أنفع له؟ قال: ويحكم! أطعموه سكرا فإن الربيع يحب ~~السكر. ووقف سائل على باب الربيع في ليلة باردة؛ فخرج إليه ~~فرآه كأنه مقرور، فقال: لن تنالوا البر حتى تنفقوا ~~مما تحبون، فنزع برنسا فأعطاه إياه. # قوله عز وجل: { وما تنفقوا من شيء فإن الله ~~به عليم }؛ أي ما تتصدقوا من صدقة فإن الله بها ويزيادتكم ~~عليم يجزيكم على ms0385 ذلك في الآخرة. ### || [3.93-95] # قوله تعالى: { كل الطعام كان حلا لبني ~~إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من ~~قبل أن تنزل التوراة }؛ قال ابن عباس: (معناه: كل ~~الطعام الحلال اليوم وهو ما سوى الميتة والدم ~~ولحم الخنزير كان حلا لبني يعقوب عليه السلام، من ~~قبل أن تنزل التوراة على موسى عليه السلام؛ إلا ~~الطعام الذي حرمه يعقوب على نفسه؛ وهو لحم ~~الإبل وألبانها). # وذلك أن يعقوب عليه السلام كان يمشي إلى بيت المقدس فلقيه ~~ملك من الملائكة وهو خلف الأثقال، فظن يعقوب أنه لص؛ ~~فعالجه ليصارعه فكان كذلك حتى أضاء الفجر، فضمر الملك فخذ ~~يعقوب فهاج به عرق النسا، فصعد الملك إلى السماء، وجاء ~~يعقوب يعرج حتى لحق الأثقال؛ فكان يبيت الليل ساهرا من ~~وجعه وينصب نهاره، فأقسم لئن شفاه الله ليحرمن ~~أحب الطعام والشراب على نفسه؛ فشفاه الله من ذلك، فحرم أحب ~~الطعام والشراب إليه، وكان ذلك لحوم الإبل وألبانها، ثم استن ~~ولده سبيله. فذلك قوله: { إلا ما حرم إسرائيل على ~~نفسه من قبل أن تنزل التوراة }. # فلما نزلت هذه الآية؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم لليهود: # " ما الذي حرم إسرائيل على نفسه؟ " قالوا: كل ~~شيء حرمناه اليوم على أنفسنا؛ فإنه كان ~~محرما على نوح عليه السلام فهلم جرا حتى انتهى ~~إلينا، وأنت يا محمد وأصحابك تستحلونه، ~~وادعوا أن ذلك مسطور في التوراة ". # وقال الكلبي: (كان هذا حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " " أنا على ملة إبراهيم عليه السلام " قال اليهود: ~~كيف وأنت تأكل الإبل وألبانها؟! فقال صلى الله عليه ~~وسلم: " كان ذلك حلالا لإبراهيم فنحن نحله ". ~~قالت اليهود: كل شيء أصبحنا اليوم نحرمه؛ ~~فإنه كان حراما على إبراهيم ونوح، وهلم جرا ~~حتى انتهى إلينا. " # فأنزل الله تعالى هذه الآية تكذيبا لهم: { كل ~~الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم ~~إسرائيل على نفسه } # . قوله تعالى: { قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن ~~كنتم صادقين } ، وذلك أن اليهود قال لهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " " ما الذي حرم ms0386 إسرائيل على نفسه؟ " قالوا: ~~كل شيء نحرمه اليوم على أنفسنا. قال الله ~~تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم: { قل فأتوا ~~بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين } " # أي فاقرأوها؛ هل تجدون فيها تحريم كل ذي ناب وظفر وتحريم ~~شحوم البقر والغنم وغير ذلك مما حرم الله عليكم من ~~الطيبات بعد نزول التوراة بظلمكم وبغيكم، كما قال تعالى: # فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم # [النساء: 160]. # فأبوا أن يأتوا بالتوراة خوفا من الفضيحة لعلمهم بصدق ~~النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى قوله تعالى: { فمن ~~افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك ~~هم الظالمون }؛ أي من اختلق على الله الكذب بأن ينزل ~~عليه ما لم ينزله في كتاب من بعد ذلك، يقال من بعد قيام ~~الحجة عليه: فأولئك هم الظالمون لأنفسهم. # قوله عز وجل: { قل صدق الله فاتبعوا ملة ~~إبراهيم حنيفا }؛ أي قل لهم يا محمد صدق الله في أن ~~كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على ~~نفسه، { فاتبعوا ملة إبراهيم } في استباحة لحوم الإبل ~~وألبانها وافعلوا ما كان يفعله من الصلاة إلى الكعبة وحج البيت، { ~~وما كان من المشركين }؛ أي لم يكن إبراهيم على دين ~~المشركين، ولم يفعل كما كان يفعله اليهود في ادعائهم أن ~~عزيرا ابن الله؛ ولا كما يقول النصارى إن المسيح ابن الله. وهذه ~~الآيات حجة على اليهود في إنكارهم نسخ الشريعة. ### || [3.96] # قوله تعالى: { إن أول بيت وضع للناس للذي ~~ببكة مباركا وهدى للعالمين }؛ قال مجاهد: (تفاخر ~~المسلمون واليهود؛ فقالت اليهود: بيت المقدس ~~أفضل وأعظم من الكعبة؛ لأنها مهاجر الأنبياء ~~وهي الأرض المقدسة، وقال المسلمون: بل ~~الكعبة أفضل، فأنزل الله هذه الآية: { إن أول ~~بيت وضع للناس }. وقرأ ابن السميقع: (وضع) بفتح الواو ~~والضاد بمعنى وضعه الله. { للذي ببكة مباركا وهدى ~~للعالمين } # فيه ءايت بينت مقام إبرهيم # [آل عمران: 97]؛ وليس ذلك بيت المقدس، وكتب على الناس حج البيت ~~وليس ذلك بيت المقدس. # واختلفوا في قوله تعالى: { إن أول بيت وضع ms0387 للناس }؛ ~~قال بعضهم: هو أول بيت وضع على وجه الماء عند خلق الله ~~السماوات والأرض، خلقه الله تعالى قبل الأرض بألفي عام، وكان ~~ربوة بيضاء على الماء فدحيت الأرض من تحته، وهذا قول ابن ~~عمر ومجاهد وقتادة والسدي. وقيل: معناه: أول بيت بناه آدم في ~~الأرض، قاله ابن عباس. وقال الضحاك: (معناه: أول بيت ~~وضع فيه البركة واختير من الفردوس الأعلى). # وقيل: هو أول بيت جعل قبلة للمسلمين. وعن أبي ذر قال: # " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أول بيت وضع ~~للناس، فقال: " المسجد الحرام؛ ثم بيت المقدس ~~" فقيل له: كم بينهما؟ قال: " أربعون عاما " ". # وقال الحسن: (معناه: إن أول بيت وضع لعبادة ~~الناس على وجه الأرض الكعبة؛ بناها إبراهيم عليه ~~السلام كما قال تعالى: # وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت # [الحج: 26]. وأما بناء بيت المقدس فقد كان بعد ~~الكعبة بدهر طويل؛ بناه سليمان بن داود ~~عليهما السلام). # قال الكلبي: (كان آدم عليه السلام حين أخرج من ~~الجنة بنى الكعبة فطاف بها، فلما كان في زمن ~~طوفان نوح عليه السلام رفعها الله إلى السماء السادسة ~~بحيال موضع الكعبة؛ وهي البيت المعمور يقال ~~له الضراح؛ يدخله كل يوم سبعون ألف ملك). ~~وروي أن الله تعالى أنزل الكعبة من السماء وهي من ياقوتة ~~حمراء، وكانت الملائكة تحجها قبل آدم عليه السلام، فلما ~~كثرت الخطايا رفعها الله تعالى. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الكعبة كانت خشعة على وجه الماء فدحيت ~~الأرض من تحتها " # والخشعة: مثل الصبرة متواضعة. # قوله تعالى: { ببكة } ، قال الضحاك: (هي مكة، ~~والعرب تعاقب بين الباء والميم فتقول: ضربة ~~لازب، وضربة لازم). وقال ابن شهاب: (بكة المسجد ~~والبيت، ومكة الحرم كله) ومثله قال الزهري. وسمي ~~المسجد بكة؛ لأن البك هو الرحمة، في اللغة يقال: ~~بكه إذا رحمه. وسمي المسجد بكا لأن الناس يتباكون ~~فيه؛ أي يزدحمون للطواف. وقال أبو عبيد: (بكة اسم لبطن ~~مكة، ومكة لما بقي). # وقال عبدالله بن الزبير: (سميت البلد بكة لأنها ~~تبك ms0388 أعناق الجبابرة؛ ما قصدها جبار إلا قصمه ~~الله كأصحاب الفيل وغيرهم). وسميت مكة لاجتذابها ~~الناس من كل أفق. يقال امتك الفصيل في ضرع ~~الناقة اذا استقصى فلم يدع شيئا منه. # قال ابن عباس رضي الله عنه: (ما أعلم على وجه الأرض ~~بلدة الحسنة فيها بمائة ألف إلا مكة، ولا ~~درهما يتصدق به يكتب لديه ألف درهم إلا ~~بمكة، وما أعلم على وجه الأرض بلدة فيها شراب ~~الأبرار ومصلى الأخيار إلا مكة، وما أعلم على ~~وجه الأرض بلدة إذا دعا الرجل فيها بدعاء أمن ~~الملائكة على دعائه إلا مكة, ولا أعلم على ~~وجه الأرض بلدة يموت فيها الميت فيكون ~~تكفيرا لخطاياه إلا مكة، وما أعلم على وجه ~~الأرض بلدة صدر إليها جميع النبيين ~~والمرسلين إلا مكة، وما أعلم على وجه الأرض ~~بلدة ينزل فيها كل يوم من روح الجنة ~~ورائحتها ما ينزل إلا بمكة، والركعة الواحدة ~~فيها بمائة ألف ركعة). # قوله تعالى: { مباركا } نصب على الحال؛ أي الذي ~~استقر بمكة، والبركة بثوب الخير ونموه. وقوله ~~تعالى: { وهدى للعالمين } أي قبلة للمؤمنين. وقيل: ~~بيان ودلالة للعالمين على الله بإهلاك من قصده من الجبابرة، ~~وباستئناس الطير فيه بالناس، وبأن لا يعلوه طائر إعظاما ~~له، وبإمحاق ما يرمى فيه من الجمار في كل سنة، فلولا أن ~~ما يقبل منها يرفع كما قال ابن عباس، وإلا كان قد اجتمع ~~هناك من الحجارة مثل الجبال. ويجوز أن يكون المراد بالهدى ~~أنه طريق الجنة. ### || [3.97] # قوله عز وجل: { فيه ءايت بينت مقام ~~إبرهيم }؛ أي فيه علامات واضحات، وهن ما تقدم ذكره ومقام ~~إبراهيم أيضا، والآية في مقام إبراهيم: أن قدميه دخلتا في حجر ~~صلد بقدرة الله تعالى صار الحجر كالطين حتى غاصت قدماه فيه ~~ثم عاد حجرا صلدا ليكون ذلك دلالة على صدق نبوته عليه ~~السلام. قرأ ابن عباس: (فيه آية بينة) على الواحد وأراد ~~مقام إبراهيم وحده. وقرأ الباقون بالجمع أرادوا مقام إبراهيم ~~والحجر الأسود والحطيم وزمزم والمشاعر كلها. # قوله تعالى: { ومن دخله كان آمنا }؛ قال ms0389 الحسن: ~~(عطف الله قلوب العرب في الجاهلية على أن كل ~~من لاذ بالحرم وإن كان جانيا لا يهاج فيه، وذلك ~~بدعاء إبراهيم عليه السلام حيث قال: # رب اجعل هذا بلدا آمنا # [البقرة: 126] وكان في الجاهلية من دخله أمن من ~~القتل؛ ولم يزده الإسلام إلا شدة. وقيل: إن أول من ~~لاذ بالحرم: الحيتان الصغار من الكبار في الطوفان، وقيل: من ~~دخله عام عمرة القضاء مع النبي صلى الله عليه وسلم كان آمنا، ~~بيانه: قوله تعالى: # لتدخلن المسجد الحرام إن شآء الله آمنين # [الفتح: 27]. # قال أهل المعاني: صورة الآية خبر؛ ومعناها: أمر؛ تقديرها: ومن ~~دخله فأمنوه، لقوله: # فلا رفث ولا فسوق ولا جدال # [البقرة: 197] أي لا ترفثوا ولا تفسقوا ولا تجادلوا. وقيل: ~~معناه: من دخله لقضاء النسك معظما لله عارفا بحقوقه ~~متقربا إلى الله تعالى كان آمنا يوم القيامة. وقال الضحاك: ~~(معناه: من حجه فدخله كان آمنا من الذنوب التي ~~اكتسبها قبل ذلك). وقال جعفر الصادق: (من دخله على ~~الصفاء كما دخله الأنبياء والأولياء كان آمنا ~~من عذابه). # قال أبو النجم القرشي: كنت أطوف بالبيت؛ فقلت: (يا سيدي قد ~~قلت: (ومن دخله كان آمنا) من أي شيء؟ فسمعت قائلا ~~من ورائي يقول: آمنا من النار؛ فالتفت فلم أر شيئا). يدل ~~على هذا ما روى أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من مات في أحد الحرمين بعثه الله من الآمنين ~~" # وقال صلى الله عليه وسلم: # " الحجون والبقيع يؤخذ بأطرافهما وينتشران في ~~الجنة " # وهما مقبرتا مكة والمدينة. وقال صلى الله عليه وسلم: # " من صبر على حر مكة ولو ساعة من نهار ~~تباعدت عنه جهنم مسيرة مائتي عام؛ وتقربت ~~منه الجنة مسيرة مائة عام " # وقال وهب بن منبه: (مكتوب في التوراة: أن الله ~~عز وجل بعث سبعمائة ألف من الملائكة ~~المقربين إلى البيت، بيد كل واحد منهم ~~سلسلة من ذهب، فيقول لهم: اذهبوا إلى البيت ~~الحرام، قرموه بهذه السلاسل ثم قودوه إلى ~~المحشر؛ فيأتون به بسبعمائة سلسلة من ذهب؛ ~~ثم ms0390 يقودونه وملك ينادي: يا كعبة الله سيري، ~~فتقول: لست سائرة حتى أعطى سؤلي، فينادي ملك ~~من جو السماء سلي، فتقول: يا رب شفعني في ~~جيرتي الذين دفنوا حولي من المؤمنين، فيقول ~~الله: قد أعطيتك سؤلك، فيحشر موتى مكة من ~~قبورهم بيض الوجوه كلهم محرمون؛ فيجتمعون ~~حول الكعبة ثم يلبون، ثم تقول الملائكة: ~~سيري يا كعبة الله؛ فتقول: لست سائرة حتى أعطى ~~سؤلي، فينادي ملك من جو السماء: سلي، فتقول: ~~يا رب؛ عبادك المذنبين الذين وفدوا إلي من ~~كل فج عميق شعثا غبرا؛ قد تركوا الأهلين ~~والأولاد والأحباب، وخرجوا شوقا زائرين ~~مسلمين طائعين حتى قضوا مناسكهم كما ~~أمرتهم، فأسألك أن تؤمنهم من الفزع الأكبر ~~وشفعني فيهم وتجمعهم حولي، فينادي مناد: ~~إن منهم من ارتكب الذنوب بعدك وأصر على ~~الكبائر حتى وجبت له النار، فتقول الكعبة: ~~إنما أسألك الشفاعة لأهل الذنوب العظام، فيقول ~~الله تعالى: قد شفعتك فيهم وأعطيتك سؤلك. # ثم ينادي مناد: ألا من زار الكعبة، فيعزل من ~~بين الناس فيعتزلون؛ فيجمعهم الله حول البيت ~~الحرام بيض الوجوه آمنين من النار، يطوفون ~~ويلبون. ثم ينادي ملك من جو السماء يا كعبة ~~الله سيري، فتقول الكعبة: لبيك لبيك؛ والخير ~~في يديك؛ لبيك لا شريك لك لبيك؛ إن الحمد ~~والنعمة لك والملك؛ لا شريك لك. ثم ~~يشيعونها إلى المحشر). # قوله عز وجل: { ولله على الناس حج البيت }؛ قال ~~عكرمة: (لما نزل قوله تعالى: # ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه # [آل عمران: 85] قالت اليهود: نحن مسلمون؛ فأمروا ~~أن يحجوا إن كانوا مسلمين). واللام في قوله (لله) ~~لام الإيجاب والإلزام؛ أي لله فرض واجب على الناس حج ~~البيت. # قرأ أبو جعفر والأعمش وحمزة والكسائي وخلف وحفص: (حج ~~البيت) بكسر الحاء هذا الحرف وحده خاصة. وقرأ ابن أبي إسحاق ~~جميع ما في القرآن بالكسر، وهي لغة نجد. وقرأ الباقون بالفتح في ~~كل القرآن، وهي لغة أهل الحجاز، وهما لغتان فصيحتان بمعنى واحد. ~~وقال بعضهم هو بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم. # قوله عز وجل: { من استطاع ms0391 إليه سبيلا }؛ بدل من ~~الناس، وهو بدل البعض من الكل، قال عبدالله بن عمر: سئل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاستطاعة في هذه الآية ~~فقال: # " السبيل إلى البيت: الزاد والراحلة " # ومثله عن ابن مسعود وابن عباس وعائشة وجابر بن عبدالله وأنس بن ~~مالك. # قوله تعالى: { ومن كفر فإن الله غني عن ~~العلمين }؛ معناه: من أنكر فريضة الحج فلم ير واجبا فإن ~~الله غني عن من حج وعن من لم يحج؛ أي لم يتعبد ~~الناس بالعبادات لحاجته إليها، وإنما تعبدهم به لعلمه بمصالحهم ~~فيها. وقد روي: أنه لما نزل فرض الحج؛ جمع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مع المسلمين اليهود والنصارى ~~ومشركي العرب، فقال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله قد فرض عليكم الحج فحجوا " # فلم يقبله إلا المسلمون فأنزل الله تعالى: { ~~ومن كفر فإن الله غني عن العلمين }. # وأما ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من أدرك حجة الإسلام فلم يحج، ولم يمنعه ~~حاجة ظاهرة؛ ولا إمام جائر ظالم؛ ولا سجن حابس ~~حتى يموت على ذلك؛ فليمت على أي حال شاء ~~يهوديا أو نصرانيا " # ولا يجوز الحكم بكفره بأخبار الآحاد، وتأويل الخبر: أنه ~~لم ير الحج فرضا عليه وقد وجد الاستطاعة. وعن ابن عمر رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " معنى ومن كفر؛ أي ومن كفر بالله واليوم الآخر ~~" # وقال صلى الله عليه وسلم: # " من مات ولم يحج لم يقبل الله له يوم ~~القيامة عملا " ### || [3.98] # قوله عز وجل: { قل يأهل الكتاب لم تكفرون ~~بآيات الله والله شهيد على ما تعملون }؛ أي قل يا ~~محمد لليهود والنصارى: لم تكفرون بالحج ومحمد والقرآن ~~والله عالم بما تعملون، وإنما قال في هذا الموضع: { قل ~~يأهل الكتاب } ، وقال من قبل: # يأهل الكتاب # [آل عمران: 65] أنه تعالى خاطبهم أولا على جهة التلطف في ~~استدعائهم إلى الإيمان ثم أعرض عن خطابهم إذلالا وإهانة ~~لهم، وأمر غيره بمخاطبتهم. ### || [3.99] # قوله عز وجل: { قل ms0392 يأهل الكتاب لم تصدون عن ~~سبيل الله من آمن تبغونها عوجا وأنتم شهدآء ~~}؛ نزلت يوم بدر في اليهود كانوا يدعون عمارا وأصحابه ~~رضي الله عنهم إلى اليهودية، وكانوا يسعون في إحياء ~~الضغائن التي كانت بين الأوس والخزرج في الجاهلية وكانت ~~قد ماتت في الإسلام. ومعنى الآية: قل يا محمد: لم ~~تصرفون من آمن عن دين الله وعن الطريق التي هي الموصلة ~~إلى رضا الله من الإسلام والحج وغير ذلك، { تبغونها عوجا } ~~أي تطلبون لها ميلا. قال أبو عبيد: (العوج بالكسر في ~~الدين والقول والعمل، والعوج بالفتح في ~~الجدار والحائط والعصا). # قوله تعالى: { وأنتم شهدآء } أي وأنتم شهداء تقديم ~~البشارة بمحمد صلى الله عليه وسلم في كتبكم، وقيل: معناه: ~~وأنتم عقلاء كما في قوله تعالى: # أو ألقى السمع وهو شهيد # [ق: 37]. قوله تعالى: { وما الله بغافل عما ~~تعملون }؛ تهديد لهم على الكفر أي لا يخفى على الله ~~شيء مما تعملون من الجحد والكتمان. ### || [3.100] # قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا إن تطيعوا ~~فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد ~~إيمانكم كافرين }؛ قال زيد بن أسلم: (أن شاس بن قيس ~~اليهودي وكان شيخا كبيرا عظيم الكفر؛ شديد ~~الطعن على المسلمين؛ شديد الحسد لهم؛ مر ~~على نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون ~~فيه، فغاظه ما رأى من جماعتهم وألفتهم وصلاح ~~ذات بينهم في الإسلام بعد الذي كان بينهم في ~~الجاهلية من العداوة، فقال: والله ما لنا معهم ~~إذا اجتمعوا بها من قرار، فأمر شابا من اليهود ~~كان معهم؛ فقال: اعمد إليهم واجلس إليهم؛ ثم ~~ذكرهم يوم بعاث وما كان قبله؛ وأنشدهم بعض ~~ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار؛ وما كان يعلن ~~- بالعين المهملة - يوم اقتتلت فيه الأوس ~~والخزرج وكان الظفر فيه للأوس على الخزرج؛ ~~ففعل. فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا ~~وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحي؛ أحدهما ~~من الأوس والآخر من الخزرج، وتقولا ثم قال ~~أحدهما لصاحبه: إن شئتم والله رددناها جذعة ms0393 ~~الآن، وغضب الفريقان جميعا وقالا: موعدكم ~~الحرة، فخرجوا إليها بالسلاح، وانضمت الأوس ~~إلى الأوس، والخزرج إلى الخزرج، فبلغ ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؛ فخرج بمن معه من المهاجرين ~~إليهم فقال: # " يا معشر المسلمين أتدعون إلى الجاهلية ~~وأنا بين أظهركم بعد إذ أكرمكم الله بالإسلام، ~~وقطع عنكم أمر الجاهلية، وألف بينكم " # فعلموا أنها نزغة من الشيطان، وكيد من ~~عدوهم، وألقوا السلاح من أيديهم وبكوا ~~وتعانق بعضهم بعضا، ثم رجعوا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سامعين مطيعين. فأنزل الله هذه ~~الآية). # ومعناها: { يأيها الذين آمنوا } يعني الأوس والخزرج، { ~~إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب } يعني ~~شاسا وأصحابه؛ إن تطيعوهم في إحياء الضغائن التي كانت بينكم ~~بالعصبية وجهالة وحمية الجاهلية يردوكم الى الشرك والكفر ~~بعد تصديقكم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. قال جابر بن ~~عبدالله: (ما كان من طالع أكرم إلينا من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم؛ فما رأيت يوما قط أقبح أولا ولا ~~أحسن آخرا من ذلك اليوم). ### || [3.101] # قوله عز وجل: { وكيف تكفرون وأنتم تتلى ~~عليكم آيات الله وفيكم رسوله }؛ هذا على طريق ~~التعجب والاستبعاد أن يقع منهم الكفر مع معرفتهم بدلالات الله؛ ~~أي كيف تكفرون وأنتم يتلى عليكم القرآن ومعكم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بين لكم الآيات؟! قوله تعالى: { ومن يعتصم ~~بالله }؛ أي يستمسك بدينه وطاعته ويمتنع به من غيره؛ { ~~فقد هدي إلى صراط }؛ أي أرشد إلى طريق؛ { مستقيم ~~}؛ قائم يرضاه الله وهو الإسلام، والعصمة: المنع، فكل ~~مانع شيئا فهو عاصم، قال الفرزدق: # أنا ابن العاصمين بني تميم # إذا ما أعظم الحدثان نابا ### || [3.102] # قال عز وجل: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون }؛ ~~معناه: يا أيها الذين صدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~والقرآن أطيعوا الله حق طاعته، واثبتوا على الإسلام حتى لا ~~يدرككم الموت إلا وأنتم مسلمون. قال الكلبي: (حق ~~تقاته: أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، ~~وأن يشكر فلا يكفر). وقال ms0394 ابن عباس: (هو أن لا ~~يعصى طرفة عين). وقال مجاهد: (معناه: جاهدوا في ~~الله حق جهاده؛ ولا يأخذكم في الله لومة لائم؛ ~~وقوموا لله بالقسط ولو على أنفسكم وأبنائكم). # فلما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله من يقوى على ~~تقوى الله حق تقاته، وشق ذلك عليهم، فأنزل الله ~~تعالى: # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16]. # فصار ابتداء هذه الآية منسوخا به، وإلى هذا ذهب قتادة ومقاتل ~~وجماعة من المفسرين. قال قتادة: (وليس في آل عمران من ~~المنسوخ إلا هذه الآية). وقال بعضهم: لا يجوز أن يكلف ~~الله عباده ما لا يطيقون، وليست هذه الآية منسوخة، وإنما معناه: ~~اتقوا الله فيما يحق عليكم أن تتقوه فيه؛ وهو ما فسره ~~الله تعالى في كتابه في مواضع شتى. # قوله تعالى: { ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ~~} أي مؤمنون، وقيل: مخلصون مفوضون أمركم إلى الله ~~تعالى. وقال الفضيل: (محسنون الظن بالله). وعن أنس رضي ~~الله عنه قال: (لا يتقي الله عبد حق تقاته حتى ~~يخزن لسانه). ### || [3.103] # قوله عز وجل: { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا ~~تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم ~~أعدآء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته ~~إخوانا } الآية. قال مقاتل: (كان بين الأوس والخزرج ~~عداوة في الجاهلية وقتال؛ حتى هاجر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فأصلح بينهم، ~~فافتخر بعد ذلك رجلان: ثعلبة بن غنم ~~الأوسي؛ وسعد بن زرارة الخزرجي، فقال ~~الأوسي: منا خزيمة ذو الشهادتين؛ ومنا ~~حنظلة غسلته الملائكة؛ ومنا عاصم بن ثابت ~~حمى الدين؛ ومنا سعد بن معاذ الذي اهتز ~~العرش لموته ورضي بحكمه في بني قريظة. وقال ~~الخزرجي: منا أربعة أحكموا القرآن: أبي بن ~~كعب؛ ومعاذ بن جبل؛ وزيد بن ثابت؛ وأبو زيد ~~سعد بن عبادة خطيب الأنصار ورئيسهم. فجرى ~~الحديث بينهم؛ فغضبوا، فقال الخزرج: أما والله ~~لو تأخر الإسلام قليلا وقدوم النبي صلى الله عليه ~~وسلم لقتلنا سادتكم واستعبدنا أبناءكم ونكحنا ~~نساءكم بغير مهر، فقال الأوس: قد كان والله ~~الإسلام متأخرا كثيرا، فهلا فعلتم ذلك حين ~~ضربناكم ms0395 حتى أدخلناكم البيوت، وتكاثرا ~~وتشاتما ثم تبادءا واقتتلا حتى اجتمع الأوس ~~والخزرج ومعهم السلاح، فبلغ ذلك النبي صلى الله ~~عليه وسلم فخرج إليهم في أناس من المهاجرين وقد ~~نهض بعضهم إلى بعض. قال جابر: فما كان طالع ~~يومئذ أكرم علينا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأومأ إلينا فكففنا فوقف بيننا، فقرأ: # يأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا ~~تموتن إلا وأنتم مسلمون * واعتصموا بحبل ~~الله جميعا ولا تفرقوا # [آل عمران: 102-103] إلى قوله تعالى: # وأولئك لهم عذاب عظيم # [آل عمران: 105] فألقى الفريقان السلاح وأطفأوا ~~الحرب، فلم يكن في الأرض شخص أحب إليهم من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول الآية، ومشى ~~بعضهم إلى بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن ~~المنكر، وعانق بعضهم بعضا يبكون، فما رأيت ~~باكيا أكثر من يومئذ). # قوله تعالى: { بحبل الله } أي تمسكوا بدين الله، ~~وقيل: بالجماعة. وقال مجاهد وعطاء: (بعهد الله). وقال قتادة ~~والسدي والضحاك: (معناه: واعتصموا بالقرآن). وقال ~~علي رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كتاب الله هو الحبل المتين؛ والذكر الحكيم؛ ~~وهو الصراط المستقيم " # وقال ابن مسعود رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن هذا القرآن هو حبل الله المتين؛ وهو النور ~~المبين؛ والشفاء النافع؛ وعصمة من تمسك به؛ ~~ونجاة من تبعه " # وقال مقاتل: (معنى الآية: واعتصموا بأمر الله ~~وطاعته). وقال أبو العالية: (بإخلاص التوحيد لله). وقال ~~ابن زيد: (بالإسلام). # قوله تعالى: { ولا تفرقوا } أي تناصروا في دين الله ~~ولا تتفرقوا فيه كما تفرقت اليهود والنصارى. # قال صلى الله عليه وسلم: # " " إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين ~~فرقة، فإن أمتي ستتفرق على اثنين وسبعين ~~فرقة، كلها في النار إلا فرقة واحدة " فقيل: ~~يا رسول الله؛ وما هذه الفرقة الواحدة؟ فقبض ~~يده وقال: " الجماعة " ثم قرأ: واعتصموا بحبل ~~الله جميعا ولا تفرقوا " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله تعالى رضي لكم ثلاثا وكره لكم ~~ثلاثا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، ms0396 وأن ~~تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا؛ واسمعوا ~~وأطيعوا لمن ولاه الله أمركم. وكره لكم قيل ~~وقال؛ وإضاعة المال؛ وكثرة السؤال ". # قوله تعالى: { واذكروا نعمت الله عليكم } أي ~~احفظوا منة الله عليكم إذ كنتم أعداء في الجاهلية، ~~يقتل بعضكم بعضا، فجمع الله بين قلوبكم بالإسلام المحرم ~~للأنفس والأموال إلا بحقها، فصرتم بنعمة الله إخوانا ~~في الدين. # قال محمد بن اسحاق: (كان الأوس والخزرج ~~أخوين لأب وأم، فوقعت بينهم عداوة بسبب ~~سمير وحاطب، وذلك أن سمير بن زيد أحد بني ~~عمرو بن عوف قتل خليطا لمالك بن العجلان ~~الخزرجي يقال له حاطب بن الحرث؛ فوقع الحرب ~~بين القبيلتين؛ فتطاولت بينهم تلك العداوة ~~مائة وعشرون سنة، ولم يسمع بقوم كان بينهم ~~من العدواة والحرب مثل ما كان بينهم. واتصلت ~~تلك العداوة إلى أن أطفأ الله ذلك بالإسلام، وألف ~~بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لما بعث وظهر بمكة آمن به ~~الأوس والخزرج وهم بالمدينة، فلما هاجر ~~إليهم النبي صلى الله عليه وسلم وقعت الألفة بينهم ~~وزالت العداوة من قلوبهم وقد كادوا يتفانون، ~~وقد كان سبب ألفتهم ما روي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم خرج بالموسم وهو بمكة يعرض نفسه على ~~قبائل العرب، فبينما هو عند العقبة إذ لقي ~~رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا؛ وهم ستة ~~نفر: أسعد بن زرارة؛ وعوف بن عفراء؛ ورافع ~~بن مالك؛ وقطبة بن عامر؛ وعقبة بن عامر؛ ~~وجابر بن عبدالله، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " من أنتم؟ " فقالوا: نفر من الخزرج، فقال: ~~" أفلا تجلسون حتى أكلمكم؟ " قالوا: بلى؛ ~~فجلسوا؛ فدعاهم إلى الله عز وجل فعرض عليهم ~~الإسلام وتلا عليهم القرآن. وكان معهم ~~بالمدينة يهود أهل كتاب ذكروا لهم أن نبيا ~~مبعوثا قد دنا زمانه، فلما كلمهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ودعاهم إلى الله عز وجل، قال ~~بعضهم لبعض: هذا والله النبي الذي ذكره ~~اليهود؛ فلا يسبقنكم إليه أحد، فأجابوه ~~وصدقوه وأسلموا؛ ms0397 وقالوا: يا رسول الله؛ إن معنا ~~قوما بينهم من العدواة والشر ما بينهم، ~~وعسى الله أن يجمع كلمتهم بك؛ فأقدم إليهم ~~وادعوهم إلى أمرك، فإن يجمعهم الله عليك فلا ~~رجل أعز منك، ثم انصرفوا راجعين إلى بلادهم ~~وقد أسلموا، فلما وصلوا المدينة ذكروا لهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الإسلام حتى ~~فشا فيهم؛ فلم يبق دار من دور الأنصار إلا فيها ~~ذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم. # حتى إذا كان العام المقبل وافى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى الموسم منهم اثنا عشر رجلا: أسعد ~~بن زرارة؛ وعوف ومعاذ ابنا عفراء، وعقبة بن ~~عامر؛ وقطبة بن عامر؛ ورافع بن مالك؛ وذكوان ~~بن عبد قيس؛ وعبادة بن الصامت؛ ويزيد بن ~~ثعلبة؛ والعباس بن عبادة، فهؤلاء ~~الخزرجيون، وأبو الهيثم بن التيهان، وعويم ~~ابن ساعدة من الأوس. فاجتمعوا برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالعقبة الأولى؛ فبايعوه على أن لا ~~يشركوا بالله شيئا، " قال: " فإن وفيتم فلكم ~~الجنة. وكان ذلك قبل أن يفرض الجهاد، فلما ~~رجعوا إلى المدينة بعث معهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مصعب بن عمير ابن هاشم، وأمره أن ~~يقرءهم القرآن ويعلمهم الإسلام ويفقههم في ~~الدين. # فكان مصعب يسمى في المدينة (المقرئ) وكان ~~نزوله في بيت أسعد بن زرارة، فقال سعد بن ~~معاذ لأسيد بن حضير: انطلق بنا إلى هذين ~~الرجلين اللذين قد أتيا دارنا فسفها ضعفاءنا ~~وأخرجوهم؛ فإن أسعد ابن خالتي ولولا ذلك ~~لكفيتك، وكان سعد وأسيد بن حضير سيدا ~~قومهما من بني عبد الأشهل وكلاهما مشركان. # فأخذ أسيد بن حضير حربته وأقبل إلى أسعد ~~ومصعب وهما جالسان في حائط، فلما رأى أسعد بن ~~زرارة قال لمصعب: هذا سيد قومه قد جاءك ~~فاصدق الله فيه، قال مصعب: إن يجلس أكلمه. ~~فلما وقف عليهما أسيد شتمهما وقال: ما جاء ~~بكما تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلا إن كان لكما في ~~السلامة حاجة، قال مصعب: إجلس واسمع؛ فإن رضيت ~~أمرا قبلته؛ وإن كرهته كففنا عنك ما تكرهه، ms0398 ~~قال: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس عندهما ~~فكلمه مصعب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، قالا: ~~فوالله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم، ~~ثم قال: ما أحسن هذا وأجله! كيف تصنعون إذا ~~أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا: اغتسل ~~وطهر ثوبك ثم اشهد شهادة الحق (لا إله إلا ~~الله محمد رسول الله) ثم تصلي ركعتين. فقام ~~واغتسل وطهر ثوبه وقال: أشهد أن لا إله إلا ~~الله وأشهد أن محمدا رسول الله، ثم ركع ~~ركعتين. # ثم قال: إن ورائي رجلا إن اتبعكما لم يتخلف ~~أحد من قومه - يعني سعد بن معاذ - وسأرسله ~~إليكما، ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه ~~وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد ~~مقبلا؛ قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير ~~الوجه الذي ذهب من عندكم، فلما وصل إلى ~~عندهم، قال له سعد: ما فعلت؟! قال: كلمت ~~الرجلين؛ فوالله ما رأيت بهما بأسا وقد ~~نهيتهما فقالا: نفعل، وحدثت أن بني حارثة ~~خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه لما عرفوا ~~أنه ابن خالتك ليحقروك. # فقام سعد مغضبا مبادرا للذي ذكره فأخذ ~~الحربة منه ثم قال: والله ما رأيتك أغنيت ~~شيئا؛ ومضى إليهما؛ فلما رآهما مطمئنين عرف ~~أن أسيدا ما فعل ذلك إلا ليستمع منهما، فوقف ~~عليهما متبسما، ثم قال لأسعد بن زرارة: يا ~~أبا أمامة؛ لولا ما بيني وبينك من القرابة ما ~~رمت هذا مني تغشانا في ديارنا بما نكره، فقال ~~له مصعب: أقعد واسمع؛ فإن رضيت أمرا ورغبت ~~فيه قبلته، وإن كرهته عدلنا عنك ما تكرهه، ~~فركز حربته وجلس؛ فعرض عليه الإسلام، وقرأ ~~عليه القرآن، قال: فعرفنا والله في وجهه ~~الإسلام قبل أن يتكلم به، ثم قال: كيف تصنعون ~~إذا أسلمتم؟ قالوا: تغتسل؛ وتطهر ثوبك؛ وتشهد ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله؛ وتصلي ~~ركعتين، فقام واغتسل وغسل ثوبه وشهد أن لا ~~إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وصلى ~~ركعتين. # ثم أخذ حربته ومضى إلى نادي قومه ومعه أسيد ~~بن حضير الأوسي، فلما ms0399 وقف عليهم؛ قال: يا ~~بني عبد الأشهل؛ كيف تعلمون أمري فيكم؟ قالوا: ~~سيدنا وأفضلنا رأيا، قال: فإن كلام رجالكم ~~ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله. ~~قال: فما أمسى في دار بني الأشهل رجل ولا امرأة ~~إلا مسلما ومسلمة، ورجع أسعد ومصعب إلى ~~منزل أسعد بن زرارة فأقاما عنده يدعون الناس ~~إلى الإسلام، فلم يبق دار من الأنصار إلا وفيها ~~رجال ونساء مسلمون. # ثم إن مصعب بن عمير رجع إلى مكة وخرج معه ~~من الأنصار من المسلمين سبعون رجلا من حجاج ~~قومهم من أهل الشرك حتى قدموا مكة، فواعدوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم العقبة من أوسط أيام ~~التشريق؛ وهي بيعة العقبة الثانية، قال كعب ~~بن مالك: فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة ~~التي واعدنا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا ~~عبدالله بن عمرو ابن حرام أبو جابر أخبرناه؛ ~~وكنا نكتم من معنا من المشركين من قومنا ~~إيماننا، فكلمناه وقلنا له: يا أبا جابر؛ إنك ~~سيد من ساداتنا وإنا نرغب لك فيما نرغب ~~لأنفسنا، ودعوناه إلى الإسلام وأخبرناه بميعاد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشهد معنا العقبة وكان ~~نقيا، فبتنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، ~~حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا لميعاد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم نتسلل مستخفين؛ حتى اجتمعنا في ~~الشعب عند العقبة، ونحن سبعون رجلا ومعنا ~~امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب من نساء ~~بني النجار؛ وأسماء بنت عمرو بن عدي من نساء ~~بني سلمة، فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه عمه العباس ~~وهو يومئذ مشرك إلا أنه أحب أن يحضر مع ابن ~~أخيه ويتوثق له، فلما جلس كان أول من ~~تكلم العباس فقال: يا معشر الخزرج - وكانت ~~العرب تسمي الأوس والخزرج باسم الخزرج - ~~إعلموا أن محمدا منا حيث قد علمتم؛ هو في ~~عز من قومه ومنعة في بلده؛ وأراه قد أبى ~~إلا اللحوق بكم والانقطاع إليكم، فلما كنتم ms0400 ~~ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ~~ومانعوه ممن خالفه؛ فإنكم وما تحملتم من ~~ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه ~~بعد الخروج به إليكم؟ فمن الآن فدعوه؛ فإنه في ~~عز ورفعة ومنعة. # قال: فقلنا: سمعنا قولك، فتكلم يا رسول الله؛ ~~وخذ لنفسك وربك ما شئت، فتكلم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وتلى القرآن ودعا إلى الله ورغب في ~~الإسلام، وقال: # " " أبايعكم على أن تمنعوني ما تمنعون أنفسكم ~~ونساءكم وأبناءكم ". قال: فأخذ البراء بن ~~معرور بيده؛ ثم قال: والذي بعثك بالحق نبيا ~~نمنعك مما نمنع أبناءنا، بايعنا يا رسول الله؛ ~~فنحن أهل الحرب ونحن أهل الحلقة ورثناها ~~صاغرا عن كابر. ثم قال أبو الهيثم بن ~~التبهان: يا رسول الله؛ إن بيننا وبين الناس ~~عهودا ونحن قاطعوها، فهل عسيت إن نحن فعلنا ~~ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ ~~فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: " بل الدم ~~الدم؛ والهدم الهدم، وأنتم منا وأنا منكم، ~~أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم ". # ثم قال: " أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا ~~كفلا على قومهم بما فيهم ككفالة الحواريين ~~بعيسى عليه السلام ". فأخرجوا إثني عشر نقيبا، ~~تسعة من الخزرج؛ وثلاثة من الأوس، فلما ~~اجتمعوا لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~عباس بن عبادة الأنصاري: يا معشر الخزرج؛ هل ~~تدرون على ما تبايعون؛ إنما تبايعونه على حرب ~~الأحمر والأسود، فإن كنتم ترون أنكم إذا ~~انتهكت أموالكم بالأخذ، وأشرافكم بالقتل ~~أسلمتموه؟! فمن الآن؛ فهو والله إن فعلتم خزي ~~الدنيا والآخرة، وإن كنتم ترون أنكم وافون له ~~بما دعاكم إليه على نهيكة الأموال وقتل ~~الأشراف، فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة. ~~قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل ~~الأشراف؛ فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن ~~وفينا؟ قال: " لكم الجنة ". قالوا: أبسط يدك؛ ~~فبسط يده، فبايعوه. # فأول من ضرب على يده: البراء بن معرور؛ ثم ~~بايع القوم واحدا واحدا، قال: فلما بايعنا صرخ ~~الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته ms0401 ~~أحياء كثيرة، فقال صلى الله عليه وسلم: " هذا عدو الله ~~شيطان العقبة " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" أمضوا إلى رحالكم ". فقال العباس بن عبادة: ~~والذي بعثك بالحق نبيا؛ لئن شئت لنميلن ~~غدا على أهل منى بأسيافنا، فقال صلى الله عليه وسلم: " ~~لم أؤمر بذلك، إرجعوا إلى رحالكم ". # قال: فرجعنا إلى مضاجعنا فبتنا، فلما أصبحنا ~~غدت علينا جلة قريش، فقالوا لنا: يا معشر ~~الخزرج؛ بلغنا أنكم جئتم صاحبنا هذا ~~لتستخرجوا ابن أخينا من بين أظهرنا ~~وبايعتموه على حربنا، وإنه والله ما حي من ~~العرب أبغض إلينا أن تنشب الحرب بيننا ~~وبينهم منكم، فانبعث من هناك من مشركي ~~قومنا يحلفون لهم بالله ما كان هذا شيء وما ~~علمنا، وصدقوا لأنهم لم يعلموا على بيعتنا، ~~فجعل بعضنا ينظر إلى بعض. # ثم انصرف الأنصار إلى المدينة وقد شدوا ~~العقد، فلما قدموا أظهروا الإسلام بها، وبلغ ~~ذلك قريشا، فآذوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ~~فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: " إن الله قد جعل ~~لكم إخوانا ومنزلا ودارا تأمنون فيها " # فأمرهم بالهجرة إلى المدينة واللحوق ~~بإخوانهم من الأنصار، فأول من هاجر إلى ~~المدينة: أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي؛ ~~ثم عامر بن ربيعة ومعه امرأته ليلى بنت أبي ~~خيثمة؛ ثم عبدالله بن جحش؛ ثم تتابع أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إرسالا إلى المدينة، ~~فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة ينظر أن ~~يؤذن له في الهجرة إلى أن أذن له. # فقدم المدينة؛ فجمع الله أهل المدينة أوسها ~~وخزرجها بالإسلام، وأصلح ذات بينهم برسوله، ~~ورفع عنهم العداوة القديمة، وألف بينهم). ~~وذلك قوله عز وجل: { ولا تفرقوا واذكروا نعمت ~~الله عليكم إذ كنتم أعدآء فألف بين ~~قلوبكم } أي بالإسلام { فأصبحتم بنعمته إخوانا } ~~أي فصرتم، ونظيره: # فأصبح من الخاسرين # [المائدة: 30] # فأصبح من النادمين # [المائدة: 31] # إن أصبح مآؤكم غورا # [الملك: 30]. # وقوله تعالى: { بنعمته } أي بدين الإسلام، وقوله ~~تعالى: { إخوانا } أي في الدين والولاية، نظيره قوله ~~تعالى: # إنما المؤمنون إخوة # [الحجرات: 10]، قال ms0402 صلى الله عليه وسلم: # " لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تنابزوا ولا ~~تناجشوا؛ وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو ~~المسلم؛ لا يظلمه ولا يخذله، التقوى ها هنا - ~~وأشار بيده إلى صدره - حسب امرئ من الشر أن ~~يحقر أخاه المسلم " # قوله عز وجل: { وكنتم على شفا حفرة من النار ~~فأنقذكم منها }؛ أي كنتم في الجاهلية على طرف هوة ~~من النار؛ أي كنتم أشرفتم على النار؛ وكدتم تقعون فيها، ~~أو أدرككم الموت على الكفر؛ فأنقذكم الله منها؛ أي ~~خلصكم من النار والحفرة بالنبي صلى الله عليه وسلم والإيمان. ~~قوله تعالى: { كذلك يبين الله لكم آياته ~~لعلكم تهتدون }؛ التي مثل هذا البيان الذي تلي عليكم ~~يبين الله لكم الدلالات والحجج في الأوامر والنواهي لكي ~~تهتدوا من الضلالة، وتكونوا على رجاء الهداية. ### || [3.104] # قوله عز وجل: { ولتكن منكم أمة يدعون إلى ~~الخير ويأمرون بالمعروف }؛ أي ليكن منكم جماعة ~~يدعون إلى الصلح والإحسان، ويأمرون بالتوحيد واتباع محمد صلى ~~الله عليه وسلم وسائر الطاعات الواجبة؛ { وينهون عن ~~المنكر }؛ والشرك وسائر ما لا يعرف في شريعة ولا سنة، ~~{ وأولئك هم المفلحون } ، أي الناجون من السخط ~~والعذاب، وإنما قال: { ولتكن منكم } ولم يقل: وليكن ~~منكم جميعكم؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض ~~على الكفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين، ويجوز أن ~~يكون المراد بالأمة العلماء في هذه الآية الذين يحسنون ما ~~يدعون إليه. # وذهب بعض المفسرين الى أن المعنى: ولتكونوا كلكم، لكن (من) ~~هنا دخلت للتوكيد وتخصيص المخاطبين من سائر الأجناس كما في قوله ~~تعالى: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج: 30] أي فاجتنبوا الأوثان فإنها رجس؛ لا أن المراد: ~~فاجتنبوا بعض الأوثان دون بعض، واللام في { ولتكن } لام ~~الأمر. # وقوله: { يدعون إلى الخير } أي إلى الإسلام، ثم النهي عن ~~المنكر على مراتب؛ أولها: الوعظ والتخويف، فإن زال بذلك لم ~~يجز للناهي أن يتعدى عنه إلى غيره ما فوقه، ثم بالإيذاء ~~والنعال، ثم بالسوط، ثم بالسلاح والقتال؛ لأن المقصود زوال ~~المنكر. # فأما إذا كان الناهي عن المنكر خائفا ms0403 على نفسه، فقد قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم ~~يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه؛ وذلك ~~أضعف الإيمان " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " من أمر بالمعروف ونهى عن المنكر فهو خليفة ~~الله في أرضه؛ وخليفة رسوله؛ وخليفة كتابه " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " أؤمروا بالمعروف وإن لم تعملوا به كله، ~~وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه كله " # وقال علي رضي الله عنه: (أفضل الجهاد الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر وشنأن الفاسقين). وقال أبو ~~الدرداء: (لتأمرن بالمعروف وتنهون عن ~~المنكر؛ وإلا ليسلطن الله عليكم سلطانا ~~ظالما لا يجل كبيركم ولا يرحم صغيركم، ~~ويدعو أخياركم فلا يستجاب لهم؛ يستنصرون فلا ~~ينصرون؛ ويستغفرون فلا يغفر لكم). وقال حذيفة: ~~(يأتي على الناس زمان لأن يكون فيهم جيفة ~~حمار أحب إليهم من مؤمن يأمرهم بالمعروف ~~وينهاهم عن المنكر)، وقال الثوري: (إذا كان الرجل ~~محبوبا في جيرانه محمودا عند إخوانه، فاعلم ~~أنه مداهن). ### || [3.105-106] # قوله عز وجل: { ولا تكونوا كالذين تفرقوا ~~واختلفوا من بعد ما جآءهم البينات }؛ أي ولا ~~تكونوا كاليهود والنصارى الذين اختلفوا فيما بينهم وصاروا فرقا ~~وشيعا، { من بعد ما جآءهم البينات } الكتاب في أمر ~~محمد صلى الله عليه وسلم؛ { وأولئك لهم عذاب عظيم ~~}؛ على تفريقهم واختلافهم. قال بعضهم: لا تكونوا كالذين ~~تفرقوا واختلفوا، قال: وهم المبتدعة من هذه الأمة. # ثم بين الله تعالى وقت العذاب العظيم الذي يصيبهم؛ فقال تعالى: ~~{ يوم تبيض وجوه وتسود وجوه }؛ معناه: { ~~وأولئك لهم عذاب عظيم يوم تبيض وجوه ~~وتسود وجوه } وهو يوم القيامة، وانتصب على الظرف أي في ~~يوم. قرأ يحيى بن وثاب: (تبيض) (وتسود) بكسر التاء على ~~لغة تميم. وقرأ الزهري (تبياض) و (تسواد). # ومعنى الآية: تبيض وجوه المخلصين لله بالتوحيد؛ أي تشرق ~~فتصير كالثلج بياضا والشمس ضياء، وتسود وجوه الكفار ~~والمنافقين من الحزن حين يدعون إلى السجود فلا يستطيعون. ~~وعن ابن عباس قال: (معناه: يوم تبيض وجوه أهل ~~العلم والسنة، وتسود وجوه أهل البدعة). وقال ~~بعضهم: البياض من ms0404 الوجوه إشراقها واستبشارها وسرورها ~~بعملها وبثواب الله، واسودادها لحزنها وكآبتها ~~وكسوفها بعملها وبعقاب ربها. # قوله عز وجل: { فأما الذين اسودت وجوههم ~~أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكفرون }؛ جوابه محذوف؛ أي يقال لهم: { أكفرتم بعد ~~إيمانكم } قيل: هم قوم من أهل الكتاب كانوا مصدقين بأنبيائهم ~~مصدقين بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، فلما بعث ~~كفروا به، فذلك قوله تعالى: { أكفرتم بعد ~~إيمانكم }. وقيل: هم من كفر بالله يوم الميثاق حين ~~أخرجوا من صلب آدم عليه السلام. وقيل: هم الخوارج وأهل ~~البدع كلها، وقيل: هم أهل الردة. ### || [3.107] # قوله عز وجل: { وأما الذين ابيضت وجوههم ففي ~~رحمة الله هم فيها خالدون }؛ وهم المؤمنون الذين ~~ابيضت وجوههم في الآخرة في جنة الله تعالى، صاروا إليها ~~برحمته هم فيها مقيمون دائمون. وفي الآية بيان أن الجنة لا ~~تنال إلا برحمة الله وإن اجتهد المجتهد في طاعته. ### || [3.108] # قوله عز وجل: { تلك آيات الله نتلوها عليك ~~بالحق }؛ أي هذه حجج الله ينزل بها جبريل عليه السلام ~~فيقرأها عليك بالصدق؛ { وما الله يريد ظلما للعالمين ~~}؛ أي للجن والإنس. ### || [3.109] # قوله عز وجل: { ولله ما في السموت وما في ~~الأرض وإلى الله ترجع الأمور }؛ معناه: جميع ما في ~~السماوات والأرض من الخلق عبيد الله ومخلوقه فلا يريد ظلمهم، ~~فإن من بلغ غناه هذا المبلغ لا يحتاج إلى الظلم. قوله ~~تعالى: { وإلى الله ترجع الأمور } أي عواقب الأمور في ~~الآخرة. ### || [3.110] # قوله عز وجل: { كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون ~~بالله }؛ خطاب لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يعم ~~سائر أمته. قال الحسن: (نحن آخر الأمم وأكرمها ~~على الله). وقيل معنى { كنتم خير أمة } أي كنتم في ~~اللوح المحفوظ، وقيل: كنتم مذ كنتم، وقيل: الكاف ~~زائدة؛ أي أنتم خير أمة. قوله تعالى: { تأمرون ~~بالمعروف } أي بالتوحيد واتباع الشريعة، { وتنهون ~~عن المنكر } أي عن الشرك والظلم. # وقوله تعالى: { وتؤمنون بالله } أي توحدون الله ~~تعالى بالإيمان بالله وتصديق رسله ms0405 ورسوله صلى الله عليه ~~وسلم؛ لأن من كفر بالنبي صلى الله عليه وسلم لم يوحد ~~الله تعالى، ودليل هذا التأويل قوله تعالى: { ولو آمن ~~أهل الكتاب لكان خيرا لهم }؛ أي لو صدق اليهود ~~والنصارى مع إيمانهم بالله تعالى إيمانهم بنبيه صلى الله عليه ~~وسلم لكان خيرا لهم من الإقامة على دينهم. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أنتم تتمون على سبعين أمة؛ أنتم خيرها ~~وأكرمها على الله عز وجل " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " أهل الجنة عشرون ومائة صف، ثمانون منها من ~~هذه الأمة " # وقال صلى الله عليه وسلم: # إن الجنة محرمة على الأمم حتى تدخلها ~~أمتي # وقال صلى الله عليه وسلم: # " أمتي أمة مرحومة؛ إذا كان يوم القيامة أعطي ~~كل رجل من هذه الأمة رجلا من الكفار؛ فيقال ~~له: هذا فداؤك من النار " # وقيل لعيسى عليه السلام: يا روح الله؛ هل بعد هذه ~~الأمة أمة؟ قال: نعم؛ أمة أحمد صلى الله عليه وسلم ~~علماء حكماء حلماء؛ أبرار أتقياء كأنهم من ~~العفة أنبياء؛ يرضون من الله باليسير من ~~الرزق؛ ويرضى الله تعالى منهم باليسير من ~~العمل؛ يدخلهم الجنة بشهادة أن لا إله إلا ~~الله. # قوله عز وجل: { منهم المؤمنون }؛ يعني أهل الكتاب ~~منهم المؤمنون عبدالله بن سلام وأصحابه، وسائر من أسلم ~~من أهل الكتاب. { وأكثرهم الفاسقون }؛ أي الكافرون ~~الخارجون عن أمر الله، وهم الذين لم يسلموا منهم. ### || [3.111] # قوله عز وجل: { لن يضروكم إلا أذى }؛ أي لن يصلوا ~~إلى ضرركم أيها المسلمون إلا أن يؤذوكم باللسان بقولهم: ~~عزير ابن الله؛ والمسيح ابن الله؛ وثالث ثلاثة؛ ~~والبهت والتحريف. وقال مقاتل: (إن رؤساء اليهود: ~~كعب بن الأشرف؛ وأبو رافع، وأبو ياسر؛ وابن ~~صوريا وغيرهم عمدوا إلى مؤمنيهم كعبدالله ابن ~~سلام وأصحابه فآذوهم لإسلامهم، فأنزل الله عز ~~وجل { لن يضروكم إلا أذى } أي باللسان؛ يعني ~~وعيدا وطعنا بألسنتهم ودعاء إلى الضلالة ~~وكلمة كفر تسمعونها منهم فتتأذون بها). # قوله تعالى: { وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ~~ثم لا ينصرون }؛ أي يعطوكم الأدبار منهزمين؛ يعني ms0406 لا ~~يمنعكم أحد من سبيكم إياهم وقتلكم نفوسهم، وقوله تعالى: { ~~ثم لا ينصرون } جواب الشرط، إلا أنه استئناف لأجل رأس ~~الآي؛ لأنها على النون كقوله تعالى: # ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات: 36] وتقديره: ثم هم لا ينصرون، وقال في موضع ~~آخر: # لا يقضى عليهم فيموتوا # [فاطر: 36] إذ لم يكن رأس آية. قال الشاعر: # ألم تسأل الربع القديم فينطق # ........................ # أي فهو ينطق. ### || [3.112] # قوله عز وجل: { ضربت عليهم الذلة أين ما ~~ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس }؛ ~~معناه: جعلت عليهم مذلة القتل والسبي أينما وجدوا ~~أخذوا. قوله تعالى: { إلا بحبل من الله } أي إلا ~~أن يعتصموا بعهد الله وهو الإسلام. وقوله: { وحبل من ~~الناس } أي عهد وأمان وعقد ذمة المسلمين عليهم؛ يؤدون ~~إليهم الخراج ليؤمنوهم. وفي الآية اختصار؛ تقديره: إلا أن ~~يعتصموا بحبل من الله. # قوله تعالى: { وبآءوا بغضب من الله }؛ أي انصرفوا ~~بغضب؛ أي استوجبوه من الله عز وجل. قوله تعالى: { ~~وضربت عليهم المسكنة }؛ أي جعل عليهم زي الفقر ~~والبؤس حتى صاروا من الذلة إلى ما لا يبلغه أهل ملة بعد ~~أن كانوا ذوي عز ويسار ومنعة، فترى الرجل منهم عليه البؤس ~~والمسكنة وأنه لغني، ولم يبق لليهود منعة في موضع من المواضع. # قوله تعالى: { ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات ~~الله ويقتلون الأنبيآء بغير حق ذلك بما ~~عصوا وكانوا يعتدون }؛ أي ذلك الذل والغضب عليهم من ~~الله بكفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ورضاهم بقتل ~~الأنبياء بغير حق وعصيانهم ومجاوزاتهم الحد. ### || [3.113] # قوله عز وجل: { ليسوا سوآء من أهل الكتاب أمة ~~قآئمة يتلون آيات الله آنآء الليل وهم يسجدون ~~}؛ قال ابن عباس ومقاتل: (لما أسلم عبدالله ابن سلام؛ ~~وثعلبة بن سعية؛ وأسيد بن سعية؛ وأسد بن ~~عبيد ومن أسلم من اليهود؛ قالت أحبار اليهود: ~~ما آمن بمحمد إلا أشرارنا، لو كانوا من أخيارنا ~~ما تركوا دين آبائهم، ثم قالوا لهم: قد ~~خسرتم حين استبدلتم دينكم بدين غيره. ~~فأنزل الله هذه الآية). # وقيل: لما ذكر الله في الآيات المتقدمة ms0407 من آمن من أهل ~~الكتاب، ومن لم يؤمن. قال عز وجل: { ليسوا سوآء } ~~أي ليس الفريقان سواء، وهذا وقف تام، ثم استأنف قوله تعالى: ~~{ من أهل الكتاب أمة قآئمة } أي عادلة مستقيمة ~~مهتدية. وقال الأخفش: (ذو أمة قائمة؛ أي ذي طريقة ~~قائمة)، قال: (والأمة الطريقة). # ومعنى قوله: { يتلون آيات الله آنآء الليل } يعني ~~يقرأون القرآن في ساعات الليل، { وهم يسجدون } أي ~~وهم يصلون؛ لأن القرآن لا يكون في السجود، نظيره قوله ~~تعالى: # وله يسجدون # [الأعراف: 206] أي يصلون، وقوله تعالى: # وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن # [الفرقان: 60] أي صلوا. وإنما ذكرت الصلوات باسم السجود، لأن ~~السجود نهاية ما فيها من التواضع. قال ابن مسعود رضي الله عنه: ~~(أراد به صلاة العتمة). وقيل: أراد به ما بين المغرب ~~والعشاء. واختلف النحاة في واحد الأنا؛ قال بعضهم: أناء مثل ~~معاء وأمعاء. وقال بعضهم: إني مثل نحى وأنحى. # وقال بعض المفسرين: في الآية اختصار وحذف؛ تقديره: من أهل ~~الكتاب أمة قائمة وأخرى غير قائمة، وترك الأخرى اكتفاء بذكر أحد ~~الفريقين؛ قالوا: وهذا فعل مجموع مقدم كقولهم: أكلوني ~~البراغيث، وذهبوا أصحابك. وقال آخرون: تمام الكلام عند ~~قوله { ليسوا سواء } يعني المؤمنين والفاسقين؛ لأن ذكر ~~الفريقين قد جرى في قوله: # منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون # [آل عمران: 110]. ثم وصف الفاسقين فقال: # لن يضروكم إلا أذى # [آل عمران: 111]، ووصف المؤمنين فقال { أمة قآئمة } الآية. ### || [3.114] # قوله عز وجل: { يؤمنون بالله واليوم الآخر }؛ قال ~~ابن عباس: (لما أسلم عبدالله بن سلام ومن معه؛ ~~قالت اليهود: ما آمن بمحمد إلا أشرارنا، فأنزل ~~الله هذه الآية، إلا أنها وإن نزلت فيهم فمن ~~حق كل مسلم أن يكون على هذه الصفة). ومعنى الآية: ~~يصدقون بالله وبالبعث بعد الموت. { ويأمرون ~~بالمعروف }؛ أي باتباع محمد صلى الله عليه وسلم، { ~~وينهون عن المنكر }؛ أي عن اتباع الجبت والطاغوت ~~ومخالفة النبي صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { ويسارعون في الخيرات }؛ أي ~~يبادرون إلى الطاعات والأعمال الصالحة، { وأولئك من ~~الصالحين }؛ أي من المؤمنين المخلصين وهم أبو بكر وعمر ms0408 ~~وسائر الصحابة. ### || [3.115] # قوله عز وجل: { وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ~~}؛ أي فلن تجحدوه، يعني تجزون به وتثابون عليه. قرأ ~~الأعمش ويحيى وحمزة والكسائي وحفص وخلف: { وما يفعلوا من ~~خير فلن يكفروه } بالياء فيهما إخبارا عن الأمة القائمة. ~~وقيل: راجع إلى قوله { الصالحين }. وقرأ الباقون بالتاء فيهما ~~على الخطاب كقوله # كنتم خير أمة # [آل عمران: 110]. قوله تعالى: { والله عليم ~~بالمتقين }؛ أي عالم بأعمالهم وثواب أعمالهم. ### || [3.116] # قوله عز وجل: { إن الذين كفروا لن تغني عنهم ~~أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا }؛ معناه: ~~إن الذين جحدوا بمحمد والقرآن لن تغني عنهم ~~أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئا، { ~~وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }؛ أي ~~مقيمون دائمون. ### || [3.117] # قوله عز وجل: { مثل ما ينفقون في هذه الحياة ~~الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ~~ظلموا أنفسهم فأهلكته }؛ معناه: مثل ما ينفق ~~اليهود في اليهودية على رؤسائهم وعلمائهم، وما ينفق أهل الأوثان ~~على أصنامهم في تظاهرهم على النبي صلى الله عليه وسلم وإهلاكهم مال ~~أنفسهم { كمثل ريح فيها } برد شديد. ويقال: الصر: ~~صوت لهب النار التي تحرق الزرع، وقيل: الصر: ريح ~~فيها صوت ونار. # قوله تعالى: { أصابت حرث قوم } أي زرع قوم ظلموا { ~~أنفسهم } بالكفر والمعصية. ومنع حق الله عليهم { ~~فأهلكته } أي أحرقته الريح فلم ينتفعوا منه بشيء في ~~الدنيا، كذلك من ينفق في غير طاعة الله لا ينتفع بنفقته في ~~الآخرة، كما لا ينتفع صاحب هذا الزرع من زرعه في الدنيا. ~~قوله تعالى: { وما ظلمهم الله }؛ بإهلاك زرعهم؛ { ~~ولكن أنفسهم يظلمون }؛ بمنع حق الله فيه وكفرهم ~~ومعصيتهم. ### || [3.118] # قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا }؛ نزلت الآية في ~~الأنصار؛ كانوا قد ظاهروا اليهود حتى صار كأن بينهم نسبا، ~~وكانوا يواصلونهم ويعاطفونهم حتى كان الرجل من الأنصار يتزوج فيهم ~~فيختارهم على قومه، فلما جاء الله بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~والإسلام وآمن الأنصار بغضهم اليهود، وكان الأنصار يخالطونهم ~~ويشاورونهم، كما كانوا يفعلون قبل ms0409 الإسلام للرضاعة والمصاهرة التي ~~كانت بينهم، فنهى الله الأنصار بهذه الآية وما بعدها. # ومعناها: لا تتخذوا دخلا من غيركم يعني اليهود. وبطانة ~~الرجل: خاصته وأهل سره الذين يستبطنون أمره، ~~سموا بذلك على جهة التشبه ببطانة الثوب التي تلي جلد ~~الإنسان. وحرف { من } في قوله: { من دونكم } للتبيين؛ أي ~~لا تتخذوا الذين هم أسافل وأراذل بطانة. قوله تعالى: { ~~لا يألونكم خبالا } أي لا يبقون غاية، ولا يتركون ~~الجهد في إلقائكم في الفساد، يقال: ما ألوت في الحاجة ~~جهدا؛ أي ما قصرت، ونصب { خبالا } على المفعول الثاني؛ لأنه ~~يتعدى إلى مفعولين، وإن شئت على المصدر، وإن شئت بنزع الخافض؛ أي ~~بالخبال. والخبال: الفساد، ومثله الخبل أيضا؛ يقال: ~~رجل خبل الرأي؛ فاسد الرأي؛ والانخبال: أي الجنون. ~~وقال مجاهد: (نزلت في قوم مؤمنين كانوا يصافحون ~~المنافقين ويخالطوهم؛ فنهاهم الله عز وجل عن ~~ذلك). # قوله عز وجل: { ودوا ما عنتم }؛ أي تمنوا إثمكم ~~وضركم وهلاككم، والعنت في اللغة: المشقة، يقال: ~~أكمة عنوت؛ أي طويلة شاقة المسلك. وقرأ عبدالله: (قد ~~بدأ البغضاء من أفواههم) بالتذكير؛ لتقدم الفعل؛ ولأن ~~معنى البغضاء: البغض. قوله تعالى: { قد بدت البغضآء ~~من أفواههم }؛ أي قد ظهرت العداوة من ألسنتهم بالشتم ~~والطعن، { وما تخفي صدورهم أكبر }؛ أي وما يضمرون ~~في قلوبهم من القتل لو ظفروا بكم أعظم مما أظهروا لكم. ~~قوله تعالى: { قد بينا لكم الآيات }؛ أي أخبرناكم ~~بما أخفوا وأبدوا بالدلالات والعلامات، { إن كنتم ~~تعقلون }؛ العدو من الولي. ### || [3.119] # قوله تعالى: { هآأنتم أولاء تحبونهم ولا ~~يحبونكم }؛ أي أنتم يا هؤلاء المؤمنين تحبون اليهود ~~الذين نهيتكم عن مباطنتهم للأسباب التي بينكم من المصاهرة ~~والرضاع والقرابة والجوار، { ولا يحبونكم } لما بينكم ~~وبينهم من مخالفة الدين، هذا قول أكثر المفسرين. وقال بعضهم: ~~معناه: تحبونهم؛ أي تريدون لهم الإسلام وهو خير الأشياء، ~~ولا يحبونكم لأنهم يدعونكم إلى الكفر وهو الهلاك. ~~قوله تعالى: { وتؤمنون بالكتاب كله }؛ أي تؤمنون ~~بالتوراة والانجيل وسائر كتب الله، ولا يؤمنون هم بذلك كله، ~~يعني لا يؤمنون بكتابكم. # قوله تعالى: { وإذا لقوكم ms0410 قالوا آمنا }؛ يعني ~~منافقي أهل الكتاب، إذا لقوهم قالوا آمنا بمحمد أنه ~~رسول صادق فيما يقول، { وإذا خلوا }؛ فيما بينهم؛ ~~{ عضوا عليكم الأنامل من الغيظ }؛ أي أطراف الأصابع ~~من الحنق عليكم لما يرون من ائتلافكم وإصلاح ذات ~~بينكم، وهذا مثل ضربه الله لشدة عداوة اليهود للمؤمنين. ~~وواحد الأنامل: أنملة بفتح الميم وضمها. قوله تعالى { ~~قل موتوا بغيظكم }؛ ليس على طريق الإيجاب؛ لأنه لو كان على ~~طريق الإيجاب لماتوا كلهم من ساعتهم، لكن معناه: ~~تموتون بغيظكم ولا تبلغون أمانيكم من قهر محمد صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه. قوله تعالى: { إن الله عليم بذات ~~الصدور }؛ أي عالم بما في القلوب من البغض والعداوة وغير ذلك. ~~وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا تستضيئوا بنار المشركين " # أي لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم. ### || [3.120] # قوله تعالى: { إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن ~~تصبكم سيئة يفرحوا بها }؛ قرأ السلمي: بالياء، ومعنى ~~الآية: إن تصبكم أيها المؤمنون حسنة بظهوركم على عدوكم ~~وغلبتكم لهم أو الغنيمة والخصب تسؤهم تلك الحسنة؛ أي ~~تحزنهم؛ يعني اليهود، وإن تصبكم محنة من جهة أعدائكم ~~ونكبة أو جدب يعجبوا بها. # قوله تعالى: { وإن تصبروا وتتقوا }؛ أي وإن تصبروا ~~على أذى اليهود والمنافقين وتتقوا معصية الله وتخافوا ربكم، { ~~لا يضركم كيدهم شيئا }؛ أي لا يضركم احتيالهم ~~لإيقاعكم في الهلاك، { إن الله بما يعملون محيط }؛ أي ~~أحاط علمه وقدرته بأعمالكم وبأعمالهم. # قرأ أبو عمرو وابن كثير: (لا يضركم) بكسر الضاد والتخفيف، ~~وهو جزم على جواب الجزاء. وقرأ الضحاك: (لا يضركم) بالضم ~~وجزم الراء؛ من ضار يضار يضور. وذكر القراء عن ~~الكسائي: أنه سمع بعض أهل العالية يقول: لا ~~ينفعني ولا يضورني. وقرأ الباقون بضم الضاد وتشديد ~~الراء: من ضر يضر ضرا. وفي رفع { يضركم } وجهان؛ ~~أحدهما: أنه أراد الجزم؛ وأصله (يضرركم) فأدغمت الراء في ~~الراء، ونقلت ضمة الراء الأولى إلى الضاد، وضمت الراء ~~الأخيرة اتباعا لأقرب الحركات إليها وهي الضاد طلبا للمشاكلة، ~~والوجه الثاني: أن (لا) بمعنى (ليس)، ويضمر ms0411 الفاء فيه؛ ~~تقديره: وإن تصبروا فليس يضركم، والضير والضر ~~والضرر بمعنى واحد؛ قال الله تعالى: # قالوا لا ضير # [الشعراء: 50] وقال: # وإذا مسكم الضر # [الاسراء: 67]. وقوله تعالى (إن الله بما تعملون محيط) ~~أي عالم. قرأ الحسن والأعمش بالتاء. وقرأ الباقون بالياء. ### || [3.121] # قوله عز وجل: { وإذ غدوت من أهلك تبوىء ~~المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم }؛ قال ~~مجاهد والكلبي: # " غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم من منزل عائشة ~~يمشي على رجليه إلى أحد، وصف أصحابه للقتال ~~كما يصفهم للصلاة، وذلك أن المشركين نزلوا ~~بأحد يوم الأربعاء، فلما سمع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بنزولهم استشار أصحابه؛ فقال أكثرهم: يا ~~رسول الله؛ أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فإن ~~أقاموا هناك أقاموا في شر مجلس، وإن دخلوا ~~إلينا قاتلهم الرجال في وجوههم ورماهم النساء ~~والصبيان بالحجارة من فوقهم ورجعوا كما ~~جاءوا، فأعجب رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الرأي. ~~وقال: بعض الصحابة: يا رسول الله؛ أخرج بنا إلى ~~هؤلاء الأكلب لا يرون أنه جبنا عنهم وضعفا. ~~وأتاه النعمان بن مالك الأنصاري فقال: يا رسول ~~الله؛ لا تحرمني الجنة، فوالذي بعثك بالحق ~~نبيا لأدخلن الجنة، فقال له: " بم؟ " قال: بأني ~~أشهد أن لا إله إلا الله وأني لا أفر من الزحف، ~~فقال: " صدقت " فقتل يومئذ شهيدا. # فقال صلى الله عليه وسلم: " إني قد رأيت في منامي أن ~~في ذبابة سيفي ثلما فأولتها هزيمة، ورأيت أني ~~أدخل يدي في درع حصينة فأولتها المدينة، ~~فكرهت الخروج إليهم، فإن رأيتم أن تقيموا ~~بالمدينة وتدعوهم، فإن أقاموا أقاموا على شر ~~مقام، وإن دخلوا المدينة قاتلناهم فيها " وكان ~~صلى الله عليه وسلم يعجبه أن يدخلوا المدينة ~~فيقاتلوا في الأزقة، فقال رجال من المسلمين ~~ممن فاتهم يوم بدر وأراد الله لهم الشهادة ~~يوم أحد: أخرج بنا إلى أعدائنا يا رسول الله، ~~فكره الخروج إليهم وأمر بتبوئة المقاعد ~~للقتال إلى أن يوافيهم المشركون - والمقاعد هي ~~المواطن والأماكن - فلم يزالوا برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يحثونه على لقائهم ms0412 حتى دخل بيته، ~~فلبس لامته وعزم على الخروج، فندم المسلمون ~~وقالوا: بئسما صنعنا؛ نشير على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والوحي يأتيه، فقاموا واعتذروا إليه ~~وقالوا: اصنع ما رأيت يا رسول الله، فقال: " لا ~~ينبغي لنبي أن يلبس لامته فيضعها حتى يقاتل ~~" # وكان قد أقام المشركون بأحد يوم الأربعاء والخميس، فخرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة بعدما صلى بأصحابه الجمعة، ~~فأصبح بالشعب من أحد يوم السبت من النصف من شوال سنة ~~ثلاث من الهجرة، وكان من أمر حرب أحد ما كان؛ فذلك قوله عز ~~وجل: { وإذ غدوت من أهلك تبوىء المؤمنين ~~مقاعد للقتال } أي واذكر إذ غدوت من أهلك؛ من ~~عند أهلك من المدينة تهيئ للمؤمنين مواضع للحرب لقتال ~~المشركين يوم أحد. وقال الحسن: (نزلت هذه الآية في يوم ~~الأحزاب؛ الأكلب: موضع منها قريب من المدينة). ### || [3.122] # قوله عز وجل: { إذ همت طآئفتان منكم أن تفشلا ~~والله وليهما }؛ أي أن تجبنا وتضعفا ويتخلفا ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم: بنو سلمة من الخزرج؛ ~~وبنو حارثة من الأوس، وكانوا جناحي العسكر، وذلك أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أحد في ألف رجل، وقيل: في ~~تسعمائة وخمسين رجلا، وقد وعد أصحابه بالنصر والفتح إن ~~صبروا، فلما بلغوا إلى بعض الطريق اعتزل عبدالله بن أبي سلول ~~بثلث الناس ورجع بهم، فرجع في ثلاثمائة؛ وقال: علام نقتل ~~أولادنا وأنفسنا، فتبعهم أبو جابر وقال: أنشدكم الله في ~~نبيكم وأنفسكم، فقال عبدالله: لو نعلم قتالا ~~لاتبعناكم، وهمت بنو سلمة وبنو حارثة بالإنصراف ~~معه، فعصمهم الله تعالى ولم ينصرفوا، ومضوا مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وثبت الله قلوبهما فلم يرجعا، فذكرهم الله ~~تعالى عظيم نعمته فقال: { إذ همت طآئفتان منكم أن ~~تفشلا والله وليهما } أي حافظهما وناصرهما. # وقرأ ابن مسعود: (وليهم)؛ لأن الطائفة جمع كقوله تعالى: # هذان خصمان اختصموا في ربهم # [الحج: 19]، { وعلى الله فليتوكل المؤمنون }؛ في ~~أمورهم. قال جابر بن عبدالله: (والله ما سرنا أنا ms0413 لم ~~نهم بالذي هممنا به؛ ولقد أخبرنا الله تعالى ~~أنه ولينا). ### || [3.123] # قوله عز وجل: { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم ~~أذلة }. بدر: اسم موضع بين مكة والمدينة وهو من بلاد ~~غفار، كان وقعة بدر أول قتال قاتله رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بنفسه، وجملة مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة ~~وعشرون غزوة، وكان غزوة بدر الخامسة منهن؛ قاتل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في أحد عشر غزوة منهن بدر الكبرى؛ وأحد؛ ~~والخندق، وغزوة بني قريظة؛ وغزوة بني المصطلق؛ وغزوة بني ~~لحيان؛ وخيبر والفتح؛ وحنين؛ والطائف؛ وتبوك. # فأما بدر الكبرى فكانت يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة ~~اثنتين من الهجرة على رأس تسعة عشر شهرا من هجرة النبي صلى الله ~~عليه وسلم. وغزوة أحد في شوال سنة ثلاث، والخندق وبني قريظة ~~في شوال سنة أربع، وبني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة ~~خمس، وخيبر سنة ست، والفتح في رمضان سنة ثمان، وحنين والطائف ~~في شوال سنة ثمان. فأول غزوة غزاها بنفسه وقاتل فيها بدر ~~الكبرى، وآخرها تبوك، وكانت سراياه ستا وثلاثين سرية. # ومعنى الآية: { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم ~~أذلة } وأنتم قليل في العدد، وذلك أن المسلمين كانوا ~~ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، كان المهاجرون منهم سبعة وسبعين، ومن ~~الأنصار مائتين وستة وثلاثين، وكان علي رضي الله عنه صاحب راية ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسعد بن معاذ صاحب راية الأنصار، وكان ~~عدد الكفار تسعمائة ونيفا. قوله عز وجل: { فاتقوا ~~الله لعلكم تشكرون }؛ أي أطيعوه فيما يأمركم لتقوموا ~~بشكر النعم التي أنعمها الله عليكم. ### || [3.124] # قوله تعالى: { إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم ~~أن يمدكم ربكم بثلاثة ءالف من الملائكة ~~منزلين }؛ وذلك أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا ~~يوم أحد بعد انصراف عبدالله بن أبي سلول بثلث الناس: ~~سبعمائة؛ وكان المشركون ثلاثة آلاف، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من ~~الملائكة منزلين من السماء " # قرأ الحسن ms0414 ومجاهد وابن عامر (منزلين) بالتشديد، وقرأ الباقون ~~بالتخفيف. ### || [3.125] # قوله تعالى: { بلى إن تصبروا وتتقوا ~~ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم ~~بخمسة ءالف من الملائكة مسومين }؛ معنى قوله: { ~~بلى } تصديق لوعد الله تعالى، وقول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، { تصبروا } لعدوكم مع نبيكم { وتتقوا } مخالفته { ~~ويأتوكم } أهل مكة من وجههم هذا؛ { يمددكم ربكم ~~بخمسة ءالف من الملائكة مسومين } أي ~~معلمين بالصوف الأبيض، وقيل: بالأحمر في نواصي الخيل ~~وأذنابها؛ أي بين لهم من السماء معلمين بهذه العلامة. ~~ويجوز أن يكون معنى (مسومين) مرسلين من الإسامة وهي ~~الإرسال. ومن قرأ (مسومين) بكسر الواو فلأنهم سوموا ~~خيولهم. # وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه يوم ~~أحد: # " تسوموا؛ فإن الملائكة قد تسومت بالصوف ~~الأبيض في قلانسهم ومغافرهم " # وقال قتادة: (كان على الملائكة يوم بدر سيماء ~~القتال، وكانوا على خيل بلق). وقال ابن عباس: ~~(كانت يوم بدر سيماء الملائكة عمائم بيض ~~مرخية على أكتافهم)، قال: (ولم يصبر المؤمنون ~~يوم أحد للقتال إلا قليل منهم، ولو صبروا ~~لنزلت عليهم الملائكة وأتاهم ما وعدهم الله، ~~ولكنهم لم يصبروا، فلم تنزل عليهم ~~الملائكة). قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم: (مسومين) بكسر ~~الواو، وقرأ الباقون بالفتح. ### || [3.126] # قوله تعالى: { وما جعله الله إلا بشرى لكم ~~ولتطمئن قلوبكم به }؛ أي ما جعل الله إمدادكم ~~بالملائكة إلا بشارة لكم؛ ولتطمئن قلوبكم به، فلا تجزع من ~~كثرة عددهم وقلة عددكم حتى تثبتوا لأعدائكم. قوله ~~تعالى: { وما النصر إلا من عند الله العزيز ~~الحكيم }؛ أي وإن أمدكم بالملائكة وقوى قلوبكم، فليس النصر ~~لكثرة العدد وقلته، ولكنه { من عند الله العزيز ~~الحكيم } أي المنيع في سلطانه، الحكيم في أمره. # وفي الآية بيان أن الإنسان لا يستغني في حال من الأحوال عن الله ~~وإن كثر عدده واجتمع ماله. قال ابن عباس: (إن الملائكة ~~لم يباشروا القتال إلا يوم بدر، فأما ما سوى ~~ذلك فإنها تحضر الصف وتكثره ولا تقاتل). وقال ~~بعض المفسرين: إن الملائكة لم تقاتل أصلا ولم يبعثوا ms0415 إلا ~~بالبشارة، فلو بعثوا للقتال لكان ملك واحد يكفيهم، كما فعل ~~جبريل عليه السلام يوم لوط. وقال بعضهم: إن الملائكة كانت تقاتل ~~وكان علامة ضربهم اشتعال النار في موضع ضربهم، والله أعلم. ### || [3.127] # قوله تعالى: { ليقطع طرفا من الذين كفروا ~~أو يكبتهم }؛ معناه: ينصركم ليقتل ويستأسر جماعة من الذين ~~كفروا بنقضهم ذلك أو بهزمهم، { فينقلبوا خآئبين }؛ أي ~~فيرجعوا منقلبين منقطعين عن آمالهم. والكبت: هو ~~الوهن في القلب، ويصرع المرء على وجهه لأجله. ونظم الآية: ~~ولقد نصركم الله ببدر { ليقطع طرفا من الذين ~~كفروا } أي لكي يهلك طائفة من الذين كفروا. وقال السدي: ~~معناه: (ليهدم ركنا من أركان المشركين بالقتل ~~والأسر، فقتل من ساداتهم يوم بدر سبعون ~~وأسر منهم سبعون). # وقوله تعالى: { فينقلبوا خآئبين } أي لم ينالوا ~~شيئا مما كانوا يرجون من الظفر بكم. وقوله تعالى { أو ~~يكبتهم } قال الكلبي: (أو يهزمهم)، وقال النضر بن ~~شميل: (يغيظهم). وقال السدي: (يلعنهم). وقال أبو عبيدة: ~~(يهلكهم). وقرئ في الشاذ: (أو يكبدهم)، يقال: كبده؛ ~~إذا رماه فأصاب كبده، والمكبود: المتلهف. ### || [3.128] # قوله عز وجل: { ليس لك من الأمر شيء أو يتوب ~~عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون }؛ وذلك أنه ~~لما شج النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وكسرت ~~رباعيته، وقتل سبعون من أصحابه، جعل يمسح الدم عن ~~وجهه وهو يقول: # " كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم، وهو ~~يدعوهم إلى ربهم " # وهم أن يلعنهم ويلعن الذين انصرفوا مع عبدالله بن أبي سلول، ~~فأنزل الله هذه الآية ينهاه عن اللعن، وبين أن فلاحهم ~~ليس إليه وأنه ليس له من الأمر شيء إلا أن يبلغ الرسالة ~~ويجاهد حتى يظهر الدين. # قال عكرمة وقتادة: # " أدمى رجل من هذيل يقال له عبدالله بن قمئة ~~وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد؛ فدعا ~~عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فسلط الله عليه ~~تيسا فنطحه حتى قتله. وشج عتبة بن أبي وقاص ~~وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكسر رباعيته؛ ~~فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0416 عليه فقال: " ~~اللهم لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرا " ~~قال: فما حال عليه الحول حتى مات كافرا " # ، فأنزل الله هذه الآية. # وقال الكلبي: (لما شج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~أحد وأصيبت رباعيته؛ هم أن يلعن المشركين ~~ويدعو عليهم، فأنزل الله هذه الآية لعلمه أن ~~كثيرا منهم سيتوبون). يدل عليه ما روى أنس أنه قال: ~~لما كان يوم أحد شج رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~قرن حاجبه، وكسرت رباعيته، وجرح في وجهه، ~~فجعل يمسح الدم عن وجهه، وسالم مولى أبي ~~حذيفة يغسل عن وجهه الدم ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم وهو ~~يدعوهم إلى ربهم " # فأنزل الله هذه الآية. # وقال سعيد بن المسيب: لما قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " اشتد غضب الله على من أدمى وجه نبيه وعلت ~~عالية من قريش على الجبل، فقال عليه السلام: " لا ~~ينبغي لهم أن يعلونا " فأقبل عمر رضي الله عنه ~~ورهط من الأنصار حتى أهبطوهم من الجبل، ونهض ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى صخرة ليعلوها وقد ~~ظاهر بين درعين فلم يستطع، فجلس تحته ~~طلحة، فنهض حتى استوى عليها، فقال صلى الله عليه ~~وسلم: " أوجب طلحة " ". # ووقفت هند والنسوة اللاتي معها يمثلن ~~بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجذعن ~~الآذان والأنوف حتى اتخذت هند من ذلك قلائد ~~وأعطتها وحشيا، وبقرت عن كبد حمزة رضي الله عنه ~~فلاكتها؛ فلم تستطع فلفظتها ثم علت صخرة ~~مشرفة؛ فصرخت ثم قالت: # نحن جزيناكم بيوم بدر # والحرب بعد الحرب ذات سعر # ما كان عن عتبة لي من صبر # ولا أخي وعمه وبكري # شفيت صدري وقضيت نذري # شفيت وحشي غليل صدري # فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ما ~~نزل بأصحابهم من جذع الآذان والأنوف، وقطع ~~المذاكير؛ قالوا: لئن أنالنا الله فيهم لنفعلن ~~مثل ما فعلوا؛ ولنمثلن مثلة بهم لم ~~يمثلها أحد قط، فأنزل الله عز وجل هذه ~~الآية. ms0417 # وقال عطاء: # " أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أحد يدعو على ~~بطن من هذيل يقال لهم بني لحيان، وعلى بطن من ~~سليم يقال لهم رعل وذكوان، وكان يقول: " ~~اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم ~~سنين كسنين يوسف " فقحطوا حتى أكلوا ~~أولادهم، وأكلوا الميتة والعظام المحرقة، " # ثم أنزل الله هذه الآية. # وعن أبي سالم قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث ~~بن هشام، اللهم العن صفوان بن أمية " # فأنزل الله تعالى { ليس لك من الأمر شيء أو ~~يتوب عليهم } فأسلموا وحسن إسلامهم). # ومعنى قوله { ليس لك من الأمر شيء } أي ليس إليك من ~~الأمر بهواك شيء، وقد تكون اللام بمعنى (إلى)، كقوله تعالى: # مناديا ينادي للإيمان # [آل عمران: 193] أي إلى الإيمان، وقوله: # الذي هدانا لهذا # [الأعراف: 43] ونحوه. وقال بعضهم: قوله: { ليس لك من الأمر ~~شيء } اعتراض بين الكلام؛ وتقدير الآية: ليقطع طرفا من ~~الذين كفروا أو يكبتهم أو يتوب عليهم أو ~~يعذبهم فإنهم ظالمون؛ ليس لك من الأمر شيء، ~~وهذا وجه حسن. وقال بعضهم: (أو بمعنى (حتى). وقال بعضهم: نصب ~~بإضمار (أن) تقديره: أو أن يتوب عليهم. ### || [3.129] # قوله عز وجل: { ولله ما في السموت وما في ~~الأرض }؛ أي له جميع ما فيهم من الخلائق؛ كلهم عباد الله وفي ~~ملكه، { يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء }؛ على ~~الذنب الصغير إذا أصر على ذلك، { والله غفور رحيم }؛ في ~~قبول توبتهم، وتأخير العذاب عنهم، وإنما ختم الله هذه الصفة ~~بالمغفرة والرحمة؛ لأنه وإن كان على التعذيب قادرا، لكن الغالب على ~~أمره ما يريد بخلقه الرحمة والمغفرة. ### || [3.130] # قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا ~~الربوا أضعفا مضعفة } قال ابن عباس: (نزلت ~~هذه الآية في أهل الطائف، كانت بنو المغيرة ~~يربون لهم، فإذا حل الأجل وعجزوا عن ذلك، زادوا ~~في المال، وازدادوا في الأجل؛ فنهاهم الله عن ~~ذلك). ومعنى { مضعفة }: هو أن الرجل إذا كان له على آخر ~~مال، فإذا حل الأجل ms0418 طالبه به فيعجز عنه، فيقول المطلوب: أخر ~~عني وأزيدك في مالك، فيفعلان ذلك؛ فنهاهم الله عنه. ومعنى { ~~أضعفا }: لا تأكلوا أضعاف ما أوتيتموه؛ أي لا تأخذوا إلا ~~المثل. ومعنى { مضعفة }: لا تضعفوا المال بالزيادة في ~~الأجل. # وقوله: { واتقوا الله لعلكم تفلحون }؛ أي اتقوا ~~الله في الربا، ولا تستحلوه لكي تنجوا من العذاب في الآخرة، ثم ~~صارت هذه الآية عامة في جميع الناس، وإنما أعاد الله تحريم ~~الربا بعد ما ذكره في سورة البقرة لتأكيد التحريم بتصريح ~~النهي عنه، ويجوز أن يكون المراد في سورة البقرة: ربا ~~النسيئة؛ وهنا ربا الفضل. ### || [3.131] # قوله تعالى: { واتقوا النار التي أعدت ~~للكافرين }؛ أي اخشوا النار في أكل الربا التي خلقت ~~للكافرين بالله، وبتحريم الربا. فإن قيل: إذا كانت النار معدة ~~للكافرين؛ فكيف يعذب بها غير الكافرين؟ قيل: فائدة تخصيص ~~الكافرين بالذكر؛ لأنهم هم العمدة في إعداد النار لهم وقد ~~يدخلها غير الكافرين على طريق التبع، كما قال في الجنة # أعدت للمتقين # [آل عمران: 133] وإن كان الأطفال والمجانين يدخلونها تبعا ~~للمتقين. وقيل: معناه: واتقوا النار في استحلال الربا، فإن من ~~استحله فهو كافر. ### || [3.132-133] # قوله تعالى: { وأطيعوا الله والرسول لعلكم ~~ترحمون }؛ أي أطيعوا الله ورسوله في تحريم الربا لكي ~~ترحموا فلا تعذبوا. قوله عز وجل: { وسارعوا إلى ~~مغفرة من ربكم }؛ معناه بادروا إلى ما يوجب لكم مغفرة ~~من ربكم وهو التوبة. وقال ابن عباس: (الإسلام). وقال أبو ~~العالية: (معناه: سارعوا إلى الهجرة). وقال علي رضي الله ~~عنه: (إلى أداء الفرائض). وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: ~~(إلى الإخلاص) وقال أنس: (إلى التكبيرة الأولى). وقال ~~سعيد بن جبير: (إلى أداء الطاعة). وقال الضحاك: (إلى ~~الجهاد). وقال عكرمة: (إلى التوبة). وقال الوراق: (إلى ~~ائتمار الأوامر والإنتهاء عن الزواجر). وقال سهل بن ~~عبدالله: (إلى السنة). وقال بعضهم: إلى الصلوات الخمس. وقال ~~بعضهم: إلى الجمعة والجماعات. قرأ نافع وابن عامر: (سارعوا) ~~بحذف الواو على سبيل الابتداء لا على سبيل العطف. # قوله عز وجل: { وجنة عرضها السموت والأرض }؛ ~~قال ms0419 ابن عباس: (الجنان أربع: جنة عدن وهي ~~العليا، وجنة المأوى، وجنة الفردوس، وجنة ~~النعيم، ثم في كل جنة منها جنات عدد نجوم ~~السماء، قطر المطر كل جنة منها في العرض ~~والسعة لو ألصقت السماوات السبع والأرضون ~~السبع بعضهن ببعض لكانت الجنة الواحدة ~~أعرض منها). # وإنما خص العرض على المبالغة لأن طول كل شيء في الغالب ~~أكثر من عرضه، يقول: هذه صفة عرضها فكيف طولها! يدل عليه قول ~~الزهري: (إنما وصف عرضها، فأما طولها فلا ~~يعلمه إلا الله). وهذا مثل قوله تعالى: # على فرش بطآئنها من إستبرق # [الرحمن: 54] فوصف البطانة بأحسن ما يعلم من الزينة، إذ ~~معلوم أن الظواهر تكون أحسن وأنفس من البطائن. # وقال بعض المفسرين: ليس المراد بهذه الآية التقدير، لكن ~~المراد بها أوسع شيء رأيتموه. قال إسماعيل السدي: (لو ~~كسرت السماوات والأرض وصرن خردلا كان بكل ~~خردلة لله تعالى عرضها السماوات والأرض). # قوله تعالى: { أعدت للمتقين }؛ أي خلقت للمتقين ~~الشرك والمعاصي، فإن قيل: إذا كانت الجنة عرضها السماوات ~~والأرض، فأين النار؟ قيل: إن الله خلق الجنة عالية، والنار ~~سافلة، والشيئان إذا كان أحدهما عاليا والآخر سافلا لا ~~يمتنعان؛ لأنهما يوجدان في مكانين متغايرين. وروي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم سئل عن هذا السؤال فقال: # " سبحان الله! إذا جاء النهار فأين الليل " ### || [3.134] # قوله تعالى: { الذين ينفقون في السرآء ~~والضرآء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس }؛ ~~أول هذه الآية نعت للمتقين، ومعناها: الذين يتصدقون في حال اليسر ~~والعسر والضراء والشدة والرخاء، يعني أنهم ينفقون على ~~الدوام لا يمنعهم قلة المال ولا كثرته عن الإنفاق، فأول ~~ما ذكر الله من أخلاق المتقين الموجبة لهم الجنة: السخاء؛ ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " الجنة دار الأسخياء، والسخي قريب من الله؛ ~~قريب من الجنة؛ بعيد من النار، والبخيل ~~بعيد من الله؛ بعيد من الجنة؛ قريب من النار. ~~والجاهل السخي أحب إلى الله من العالم البخيل ~~" # قوله تعالى: { والكاظمين الغيظ } أي الكافين ~~غيظهم عن إمضائه، يردون غيظهم في أجوافهم ويصبرون، ~~والكظم: الحبس والشد، يقال: ms0420 كظمت القربة؛ إذا ~~ملأتها ثم شددت رأسها على الإمتلاء. والغيظ: ~~هو انتفاض الطبع ما يكرهه، ولهذا لا يجوز الغيظ على ~~الله وإن كان يجوز عليه الغضب؛ لأن الغضب هو إرادة العقاب. # قوله تعالى: { والعافين عن الناس } معناه: الذين ~~يعفون عن المذنبين من الأحرار والمملوكين. وقد روي عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من كظم غيظا وهو يقدر على أن ينفذه فلم ~~ينفذه؛ زوجه الله من الحور العين حيث شاء، وما ~~عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزا، ولا ~~نقصت صدقة مالا قط؛ فتصدقوا، ولا فتح رجل ~~على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب ~~فقر، وأعظم الناس عفوا من عفا عن قدرة " # قوله تعالى: { والله يحب المحسنين }؛ أي يثني ~~على المحسنين إلى الناس، ويرضى عملهم. قال عيسى عليه السلام: ~~ليس الأحسن أن تحسن إلى من أحسن إليك، ذاك ~~مكافأة! إنما الأحسن أن تحسن إلى من أساء ~~إليك. وعن أبي هريرة رضي الله عنه: # " أن أبا بكر رضي الله عنه كان مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في مجلس، فجاء رجل؛ فكان يشتم أبا بكر ~~وهو ساكت والنبي صلى الله عليه وسلم يتبسم، ثم رد ~~أبو بكر على الرجل بعض الذي قال، فغضب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقام، فلحقه أبو بكر رضي الله عنه ~~فقال: يا رسول الله؛ شتمني وأنت تبتسم، فلما ~~رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت؟! فقال صلى الله ~~عليه وسلم: " إنك حين كنت ساكتا كان معك ملك يرد ~~عليه، فلما تكلمت وقع الشيطان، فلم أكن ~~لأقعد في مقعد فيه الشيطان " # وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " رأيت قصورا مشرفة على الجنة، فقلت: يا ~~جبريل لمن هذه!؟ قال: للكاظمين الغيظ ~~والعافين عن الناس والله يحب المحسنين " ### || [3.135] # قوله عز وجل: { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ~~ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا ~~لذنوبهم }؛ متصل بقوله # والعافين عن الناس # [آل عمران: 134]. قال ابن مسعود رضي الله ms0421 عنه: # " قال المسلمون: يا رسول الله؛ كانت بنو إسرائيل ~~أكرم على الله منا، كان أحدهم إذا أذنب ذنبا ~~أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة على بابه: إجدع ~~أنفك؛ إجدع أذنك؛ إفعل كذا إفعل كذا. فسكت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فأنزل الله هذه الآية، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ألا أخبركم بخير ~~من ذلك " وقرأ عليهم هذه الآيات " # وقال عطاء: (نزلت في أبي مقبل التمار؛ أتته امرأة ~~حسناء تبتاع منه تمرا، فقال: إن هذا التمر ~~ليس بجيد وفي البيت أجود منه، فهل لك فيه؟ ~~فقالت: نعم، فذهب بها إلى بيته وضمها ~~وقبلها، فقالت له: اتق الله سبحانه، فتركها ~~وندم على ذلك، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فذكر له ذلك؛ فنزلت هذه الآية). # وقال ابن عباس ومقاتل والكلبي: (آخا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بين رجلين؛ أحدهما من الأنصار؛ والآخر من ~~ثقيف، فخرج الثقفي في غزاة مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم واستخلف الأنصاري على أهله، فاشترى ~~لهم لحما ذات يوم، فلما أرادت المرأة أن تأخذ ~~منه؛ دخل على إثرها؛ فدخلت بيتا فتبعها، ~~فاتقته بيديها، فقبل ظاهر كفها، ثم ندم ~~واستحيا؛ فانصرف، فقالت له: والله ما حفظت ~~غيبة أخيك؛ ولا والله تنال حاجتك. فخرج ~~الأنصاري ووضع التراب على رأسه، وهام على ~~وجهه يسيح في الجبال ويتعبد، فلما رجع ~~المسلمون من غزاهم لم ير الثقفي أخاه، فسأل ~~امرأته فقالت: لا كثر الله في الإخوان مثله، ~~وأخبرته فعله، فخرج الثقفي في طلبه، فسأل ~~عنه الرعاء في الجبال والفيافي حتى دل عليه، ~~فوافاه ساجدا وهو يقول: رب ذنبي ذنبي، فقال: يا ~~فلان؛ قم فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لعل الله أن يجعل لك مخرجا. فأقبل معه حتى ~~قدم المدينة، فسأل أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالوا: لا توبة لك، أما تعلم أن الله يغار ~~للغازي في سبيله ما لا يغار للمقيم، فقام على ~~باب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال له: يا رسول ms0422 الله؛ ~~الذنب الذنب، فقال له مثل ما قال الصحابة، فخرج ~~يسيح في الجبال؛ لا يمر على حجر ولا مدر ولا ~~سهلة حارة إلا تجرد وتمرغ فيها، حتى كان ~~ذات يوم عند العصر نزل جبريل بتوبته بهذه ~~الآية). # ومعناها: { والذين إذا فعلوا } كبيرة { أو ظلموا ~~أنفسهم } بفعل الصغيرة مثل النظرة واللمس والغمز ~~والتقبيل، ذكروا مقامهم بين يدي الله وعقابه. # وقيل: معناه: ذكروا اسم الله، فقالوا ربنا ظلمنا أنفسنا ~~فاغفر لنا. وقال السدي: (قوله: { فعلوا فاحشة } ~~يعني الزنا) وقوله { أو ظلموا أنفسهم } قال ~~الكلبي: (يعني لما دون الزنا مثل القبلة واللمس ~~والنظرة فيما لا يحل). وقيل: { فعلوا فاحشة } أي ~~فعلوا الكبائر؛ وقوله { أو ظلموا أنفسهم } يعني ~~الصغائر. وقيل: { فعلوا فاحشة } فعلا { أو ظلموا ~~أنفسهم } قولا. # قوله تعالى: { ومن يغفر الذنوب إلا الله }؛ أي ~~ليس أحد يقدر على غفران الذنب إلا الله. قوله عز وجل: { ~~ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون }؛ معناه: ~~ولم يقيموا على ما فعلوا من المعصية، فإن الاستغفار ~~باللسان بغير ندامة القلب توبة الكذابين. قوله تعالى: ~~{ وهم يعلمون } أي يعلمون أنها معصية، فإنهم اذا لم ~~يعلموا أنها خطيئة كان إثما موضوعا عنهم؛ مثل أن يتزوج ~~أمه من الرضاعة أو أخته من الرضاعة وهو لا يعلم، أو يشتري ~~جارية فيطأها، ثم تستحق الجارية كان إثم ذلك موضوعا عنه. ~~وقيل: معناه: وهم يعلمون أن لهم ربا يغفر الذنوب. # قال قتادة: (إياكم والإصرار، فإنما هلك المصرون ~~الماضون قدما لا ينهاهم مخافة الله عن حرام حرمه ~~الله؛ ولا يتوبون من ذنب أصابوه حتى أتاهم الموت ~~وهم على ذلك). وقال السدي: (الإصرار السكوت وترك ~~الاستغفار). قال صلى الله عليه وسلم: # " لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار " # وأصل الإصرار الثبات على الشيء. وقال صلى الله عليه وسلم: # " من أذنب ذنبا وعلم أن له ربا يغفر الذنوب؛ ~~غفر له الله وإن لم يستغفر " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين ~~مرة، يقول الله تعالى: من علم أني ms0423 ذو قدرة على ~~المغفرة غفرت له ولا أبالي " ### || [3.136] # قوله عز وجل: { أولئك جزآؤهم مغفرة من ~~ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين ~~فيها ونعم أجر العاملين }؛ أي أهل هذه الصفة ثوابهم ~~ستر من ربهم لذنوبهم؛ وحط العقاب عنهم، وبساتين تجري من تحت ~~شجرها وغرفها الأنهار مقيمين دائمين فيها، ونعم أجر ~~التائبين في التوبة، فوضع عنهم ما كان مكتوبا على بني ~~إسرائيل؛ فإنه كان إذا أذنب أحدهم يرى توبته مكتوبة على بابه: ~~إجذع أنفك؛ إجذع أدنك، فوضع ذلك عن هذه الأمة واكتفى ~~منهم بالندم والاستغفار. # قوله تعالى: { ونعم أجر العاملين } أي ثواب ~~المطيعين. قيل: أوحى الله تعالى إلى موسى عليه السلام: (يا موسى؛ ~~ما أقل حياء من يطمع في جنتي بغير عمل، يا ~~موسى؛ كيف أجود برحمتي على من يبخل بطاعتي). وقال ~~شهر بن حوشب: (طلب الجنة بلا عمل ذنب من ~~الذنوب). ### || [3.137] # قوله عز وجل: { قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في ~~الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين }؛ ~~معناه: { قد خلت } مضت { من قبلكم سنن } وهي الطرائق ~~في الخير والشر. وقيل: معناه: { قد خلت من قبلكم سنن ~~} بإهلاك المكذبين لرسلنا، فسافروا في الأرض، فانظروا ~~كيف صار آخر المكذبين بالرسل والكتب؛ أي اتعظوا بالآثار ~~التي بقيت منهم في الأرض مثل ديار قوم لوط وعاد وغيرهم. ### || [3.138] # قوله عز وجل: { هذا بيان للناس وهدى وموعظة ~~للمتقين }؛ أي هذا القرآن بيان للناس من الضلالة وهدى من ~~العمى ونهي للمتقين من الفواحش. والبيان: كل ما يظهر ~~به المعنى، والهدى: بيان طريق الرشد دون طريق ~~الغي، والموعظة: ما يدعو إلى فعل الحسنة من ~~ترغيب أو ترهيب. ### || [3.139] # قوله عز وجل: { ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم ~~الأعلون }؛ هذا عائد إلى ما تقدم ذكره من حديث حرب أحد، ~~معناه: لا تضعفوا ولا تجبنوا يا أصحاب محمد عن قتال ~~عدوكم لما نالكم يوم أحد من القتل والجرح والهزيمة، ~~وكان قتل يؤمئذ خمسة من المهاجرين: حمزة بن عبد ~~المطلب؛ ومصعب بن عمير؛ وعبدالله بن جحش ابن ~~عمة النبي ms0424 صلى الله عليه وسلم؛ وعثمان بن شماس؛ وسعد ~~مولى عتبة، والأنصار سبعون رجلا. # وقوله تعالى: { وأنتم الأعلون } أي في الحجة، وقيل: ~~وأنتم الغالبون في العاقبة؛ أي تكون لكم العاقبة بالنصر. ~~قوله تعالى: { إن كنتم مؤمنين }؛ أي مصدقين ~~بوعد الله بالنصر. ### || [3.140] # قوله عز وجل: { إن يمسسكم قرح فقد مس القوم ~~قرح مثله }؛ أي إن يمسسكم قرح يوم أحد فقد مس ~~القوم قرح مثله يوم بدر، وذلك أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه كانوا قتلوا من المشركين يوم بدر سبعون ~~رجلا وأسروا سبعين، وقتل يوم أحد من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم سبعون وجرح سبعون. # وقرأ محمد بن السميقع (قرح) بفتح القاف والراء على ~~المصدر. وقرأ الأعمش وعاصم وحمزة والكسائي وخلف: بضم القاف فيهما؛ ~~وهي قراءة ابن مسعود. وقرأ الباقون بفتح القاف وهي قراءة عائشة ~~رضي الله عنها، وهما لغتان مثل الجهد والجهد، وقال ~~بعضهم: (القرح) بفتح القاف: الجراحات واحدتها قرحة، ~~و(القرح) بالضم وجع، يقال قرح الرجل إذا وجع. # قوله عز وجل: { وتلك الأيام نداولها بين ~~الناس }؛ أي تارة لهم وتارة عليهم، وأدال المسلمون على ~~المشركين يوم بدر، حتى قتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين، وأدال ~~المشركون يوم أحد، حتى جرحوا سبعين وقتلوا خمسة وسبعين. قال ~~أنس بن مالك رضي الله عنه: (أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بعلي رضي الله عنه يومئذ، وعليه نيف وستون ~~جراحة من طعنة وضربة ورمية، فجعل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يمسحها بيده وهي تلتئم بإذن الله ~~فكأنها لم تكن). # قوله تعالى: { وليعلم الله الذين آمنوا }؛ ~~بين الله عز وجل المعنى الذي لأجله يداول الأيام بين ~~المؤمنين والكفار، فقال { وليعلم الله الذين آمنوا } ~~معناه: ليرى من يقيم على الإيمان ممن لا يقيم؛ فيظهر ~~المؤمن المخلص؛ والذي في قلبه مرض. وقال الزجاج: (معناه: ~~ليعلم الله علم مشاهدة بعد ما كان علمه علم ~~الغيب؛ لأن العلم الذي علمه الله قبل وقوع ~~الشيء لا يجب به المجازاة ما لم يقع). وأما الواو في ~~قوله: ms0425 { وليعلم }: واو العطف على خبر محذوف؛ تقديره: { ~~وتلك الأيام نداولها بين الناس } بضروب من ~~التدبير، { وليعلم الله } المؤمنين متميزين من ~~المنافقين. # وقوله تعالى: { ويتخذ منكم شهدآء }؛ أي ~~يكرمهم بالشهادة، وقال بعضهم: معناه: ويجعلكم شهداء على ~~الناس على معاصيهم لإجلالكم وتعظيمكم، ثم قال تعالى: { والله ~~لا يحب الظالمين }؛ أي لا يفعل الله ذلك لحب الظالمين، ~~فإنه لا يحب الظالمين، وفي هذا بيان أن الله لا ينصر الكافرين ~~على المسلمين، إذ النصرة تدل على المحبة، والله لا يحب ~~الكفار، ولكن قد ينصر المسلمين في بعض الأوقات على الكفار، وفي ~~بعض الأوقات يكل المسلمين إلى حولهم وقوتهم لذنب كان ~~حصل منهم، وإنما جعل الله الدنيا متقلبة لئلا يطمئن ~~المسلمون إليها لتقلبها، ولكنهم يسعون للآخرة التي يكون ~~نعيمها إلى الأبد. ### || [3.141] # قوله تعالى: { وليمحص الله الذين آمنوا }؛ ~~معطوف على قوله # ويتخذ منكم شهدآء # [آل عمران: 140]؛ ومعناه: ويطهر الذين آمنوا من ذنوبهم، يقال: ~~محصت الشيء أمحصه محصا؛ إذا أخلصته من العيب، ~~ومحص الجمل يمحص محصا إذا ذهب عنه الوبر لكد العمل ~~فصار أملس. قوله تعالى: { ويمحق الكافرين }؛ أي ~~يعنيهم ويهلكهم وينقصهم؛ لأنهم يحتربون ~~فيخرجوا للحرب مرة أخرى فيستأصلهم، وهذا تأويل مداولة ~~الأيام. ### || [3.142] # قوله عز وجل: { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ~~ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم ~~الصابرين }؛ معناه: أظننتم يا معشر المؤمنين { أن تدخلوا ~~الجنة ولما يعلم الله } جهاد المجاهدين ولا صبر ~~الصابرين واقعا فيهم مشاهدة، وهذا استفهام بمعنى الإنكار ~~لظنهم وحسبانهم. قوله تعالى: { ولما يعلم ~~الله } أي ولم يعلم الله، يقول الرجل لما يفعل معناه: ~~لم يفعل؛ انضم إليه حرف (ما)، وقرأ الحسن (ويعلم ~~الصابرين) بالكسر عطفا على قوله { ولما يعلم }. وأما ~~قراءة النصب فهو نصب على الظرف؛ يعني على صرف آخر الكلام عن ~~أوله على تقدير: وأن يعلم الصابرين، وهو قول الكوفيين. وأما ~~البصريون فيسمونه نصبا على الجمع. قال الشاعر: # لا تنه عن خلق وتأتى مثله # عار عليك إذا فعلت عظيم # أي لا يكن منك النهي عن خلق مع إتيان مثله، ms0426 ويقال: لا تأكل ~~السمك وتشرب اللبن؛ أي لا يكون منك الجمع بينهما. ### || [3.143] # قوله عز وجل: { ولقد كنتم تمنون الموت من ~~قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون }؛ ~~قال ابن عباس: (ذلك لما أخبرهم الله على لسان ~~نبيه صلى الله عليه وسلم ما فعل شهداؤهم يوم بدر ~~من الكرامة والثواب في الجنة رغبوا في ذلك ~~وقالوا: اللهم أرنا قتالا لعلنا نستشهد به ~~فنلحق بإخواننا في الجنة، فأراهم الله تعالى ~~يوم أحد فلم يثبتوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ~~وانهزموا إلا من شاء الله منهم ممن ثبت مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقتل بعضهم وجرح ~~بعضهم؛ فأنزل الله هذه الآية). # ومعناها: ولقد كنتم تمنون الموت بعد وقعة بدر ~~من قبل أن تنظروا إليه يوم أحد؛ { فقد رأيتموه ~~وأنتم تنظرون } إلى السيوف فيها الموت، وهذا تعيير ~~لهم لفشلهم عند الحرب مع صدق رغبتهم في الشهادة. ومعنى { فقد ~~رأيتموه } رأيتم أسبابه. ### || [3.144] # قوله عز وجل: { وما محمد إلا رسول قد خلت من ~~قبله الرسل }؛ الآية، قال المفسرون: خرج رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إلى أحد حتى نزل بالشعب من أحد في سبعمائة رجل، ~~وأمر عبدالله بن جبير من بني عمرو بن عوف على الرماة وهم ~~خمسون رجلا، وقال: (أقيموا بأصل الجبل وأنضحوا عنا ~~بالنبل لا يأتون من خلفنا، وإن كانت لنا أو ~~علينا فلا تبرحوا من مكانكم، فإنا لا نزال ~~غالبين ما ثبتم مكانكم) فجاءت قريش وعلى ~~ميمنتهم خالد بن الوليد وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل ~~ومعهم النساء يضربن بالدفوف ويقلن الأشعار، وكانت هند تقول: # نحن بنات طارق # نمشي على النمارق # إن تغلبوا نعانق # أو تدبروا نفارق # فراق غير وامق # فحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه على المشركين فهزموهم، ~~وقتل علي بن أبي طالب طلحة بن أبي طلحة وهو يحمل لواء ~~المشركين، وأنزل الله نصره على المؤمنين. # قال الزبير: فرأيت هندا وصواحباتها هاربات مصعدات في ~~الجبل، فلما نظرت الرماة إلى القوم قد انكشفوا ورأوا أصحاب ~~النبي ms0427 صلى الله عليه وسلم ينتهبون الغنيمة؛ أقبلوا يريدون النهب ~~واختلفوا فيما بينهم، فقال بعضهم: لا نترك أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وقال بعضهم: ما بقي في الأمر شيء. ثم انطلق ~~عامتهم ولحقوا بالعسكر، فلما رأى خالد بن الوليد قلة ~~الرماة واشتغال المسلمين بالغنيمة؛ صاح في المشركين ثم حمل على ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من خلفهم فهزموهم وقتلوهم، ~~ورمى عبدالله بن قميئة الحارثي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بحجر فكسر أنفه ورباعيته فشجه في وجهه وأنفه، وتفرق ~~عنه أصحابه صلى الله عليه وسلم. # " وكان مصعب بن عمير يذب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقتل، فظن قاتله أنه قتل النبي صلى الله عليه وسلم؛ ~~فنادى: قتلت محمدا، وأقبل عبدالله بن قميئة يريد قتل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وقال: إني قتلت محمدا؛ وصرخ ~~إبليس لعنه الله: ألا إن محمدا قد قتل. وانكفأ ~~الناس عنه، وجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الناس: " إلي ~~عباد الله؛ إلي عباد الله " فاجتمع إليه ثلاثون رجلا ~~فحموه وكشفوا المشركين عنه، وأصيبت يد طلحة بن عبدالله ~~فيبست وبها كان يقي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصيبت ~~عيني قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته؛ فردها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مكانها فعادت أحسن ما كانت. # فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركه أبي بن خلف ~~الجمحي وهو يقول: لا نجوت إن نجا، فقال القوم: ألا يعطف عليه ~~رجل منا يا رسول الله؟! فقال: " دعوه ". حتى إذا دنا منه ~~تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارث بن ~~الصمة؛ ثم استقبله فطعنه في عنقه وخدشه ~~خدشة فتدهده عن نفسه وهو يخور كما يخور ~~الثور، وهو يقول: قتلني محمد، وحمله أصحابه وقالوا ~~له: ليس عليك بأس، قال: لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر ~~لقتلتهم، أليس قال: " أقتلك ": فلو بزق علي بعد ~~تلك المقالة قتلني، فلم يلبث إلا يوما حتى ~~مات ". # " وكان أبي قد قال ms0428 للنبي صلى الله عليه وسلم قبل هذا: عندي ~~فرس أعلفها كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليها، فقال صلى ~~الله عليه وسلم: " بل أنا أقتلك إن شاء الله " " # فأصدق الله قول نبيه صلى الله عليه وسلم. # وفشا في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل، قال بعض ~~المسلمين: ليت لنا رسولا إلى عبدالله بن أبي فيأخذ لنا ~~أمانا من أبي سفيان؟! وبعض الصحابة جلسوا وألقوا بأيديهم. وقال ~~أناس من أهل النفاق: إن كان قد قتل محمد ~~فالحقوا بدينكم الأول، فقال أنس بن النضر عم أنس بن ~~مالك: يا قوم؛ إن كان محمد قد قتل؛ فإن رب ~~محمد حي لم يقتل وهو الله عز وجل، وما ~~تصنعون بالحياة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ~~فقاتلوا على ما قاتل عليه؛ وموتوا على ما مات ~~عليه. ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول ~~هؤلاء القوم - يعني المسلمين - وأبرأ مما جاء ~~به هؤلاء المنافقون. ثم حمل سيفه فقاتل حتى ~~قتل. # ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلق إلى الصخرة وهو يدعو ~~الناس، وأول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم كعب بن مالك، ~~قال: عرفت عينه تحت المغفر تزهران، فناديت ~~بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين؛ أبشروا هذا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. فأشار إلي: أن اسكت، فانحازت ~~الطائفة إليه من أصحابه فلامهم على الفرار، فقالوا: يا رسول ~~الله؛ أتانا الخبر بأنك قتلت؛ فرغبت قلوبنا ~~فولينا مدبرين. فأنزل الله تعالى هذه الآية { وما محمد ~~إلا رسول قد خلت من قبله الرسل }. # أكرم الله محمدا صلى الله عليه وسلم بهذا الاسم اشتق من ~~اسمه المحمود، فسماه محمدا وأحمد، وفيه يقول حسان: # ألم تر أن الله أرسل عبده # ببرهانه والله أعلا وأمجد # شق له من اسمه ليجله # فذو العرش محمود وهذا محمد # نبي أتانا بعد يأس وفترة # من الدين والأوثان في الأرض تعبد # فأرسله نورا منيرا وهاديا # يلوح كما لاح الصقيل المهند # روي عن رسول الله صلى الله عليه ms0429 وسلم أنه قال: # " إذا سميتم محمدا فأكرموه ووسعوا له في ~~المجلس ولا تقبحوا له وجها، وما من قوم كانت ~~لهم مشورة؛ فحضر معهم من اسمه محمد وأحمد ~~فأدخلوه في مشورتهم إلا خار الله لهم، وما من ~~يد وضعت مخصرها من كان اسمه محمدا وأحمدا ~~إلا قرس في كل يوم ذلك المنزل مرتين " # قوله تعالى: { أفإن مات أو قتل انقلبتم على ~~أعقابكم } معناه: أفإن مات على فراشه، أو قتل في طاعة ~~الله رجعتم إلى دينكم الأول وقلتم: إن كان نبيا لما قتل. # قوله تعالى: { ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر ~~الله شيئا }؛ أي من يرجع إلى دينه الشرك فلن ينقص من ~~ملك الله شيئا ومن سلطانه، وإنما يضر نفسه، { وسيجزي ~~الله الشاكرين }؛ أي المؤمنين المجاهدين، وإنما سمي ~~الإرتداد انقلابا على العقب؛ لأن الردة رجوع إلى أقبح ~~الأديان، كما أن الانقلاب على القهقري أقبح ما يكون من المشي. ~~ويسمى المطيع شاكرا؛ لأن الطاعات كلها شكر لله عز ~~وجل. # قال أبو هريرة رضي الله عنه: (لما توفي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قام عمر رضي الله عنه وقال: إن رجالا من ~~المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~مات، وإن رسول الله لم يمت، والله ليرجعن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم ~~يزعمون أنه مات، فأقبل أبو بكر رضي الله عنه حين ~~بلغه الخبر؛ فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في بيت عائشة رضي الله عنها؛ ورسول الله صلى الله ~~عليه وسلم مسجى بردة؛ فكشف عن وجهه ثم انكب ~~عليه فقبله؛ وقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم؛ أما الموتة التي كتبها الله عليك ~~فقد ذقتها، ثم رد الثوب على وجهه وخرج، فإذا ~~هو بعمر يكلم الناس، فقال له: على رسلك يا ~~عمر؛ أنصت، فأبى إلا أن يتكلم، فلما رآه أبو ~~بكر لا ينصت؛ أقبل على الناس؛ فحمد الله وأثنى ~~عليه؛ وقال: أيها الناس؛ من كان يعبد محمدا ~~فإن محمدا ms0430 قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله ~~حي لا يموت، ثم تلا هذه الآية { وما محمد إلا ~~رسول قد خلت من قبله الرسل } قال عمر: ما هو ~~إلا أن سمعت أبا بكر يتلوها إلا عقرت حتى ~~وقعت على الأرض ما تحملني رجلاي؛ وعرفت أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات). ### || [3.145] # قوله تعالى: { وما كان لنفس أن تموت إلا ~~بإذن الله كتبا مؤجلا }؛ قال الأخفش: (اللام في ~~النفس منقولة)، تقديره: وما كانت نفس لتموت إلا ~~بإذن الله، كتب الله عز وجل { كتبا مؤجلا } أي إلى ~~أجل لرزقه وعمره، فكل نفس لها أجل تبلغه ورزق ~~تستوفيه؛ لا يقدر أحد على تقديمه وتأخيره. في هذه تحريض ~~للمؤمنين على القتال؛ أي لا تتركوا الجهاد خشية الموت ~~والقتل؛ فإنهم لم يملكوا قتلكم. وانتصب قوله { كتبا ~~مؤجلا } على المصدر كقوله تعالى: # وعد الله حقا # [النساء: 122] و # رحمة من ربك # [الكهف: 82 ، والقصص: 46 ، والدخان: 6 ، وغيرها] و # صنع الله # [النمل: 88] و # كتب الله عليكم # [النساء: 24]. قوله تعالى: { ومن يرد ثواب الدنيا ~~نؤته منها }؛ يعني من يرد بعمله وطاعته المدحة ~~والرياء لا يحرم حظه المقسوم له في الدنيا من غير أن يكون ~~له حظ في الآخرة، يعني نؤته من الدنيا ما شاء مما قدرنا ~~له، نزل ذلك في الذين تركوا المركز يوم أحد طلبا ~~للغنيمة. # قوله تعالى: { ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ~~}؛ أي من يرد بعمله الآخرة نعطه منها ما نقسم له في ~~الدنيا من الرزق، نزل في الذين ثبتوا مع أميرهم ~~عبدالله بن جبير حتى قتلوا. قوله تعالى: { وسنجزي ~~الشكرين }؛ أي المطيعين، يجزيهم الجنة في الآخرة. وقرأ ~~الأعمش: (وسيجزي الشاكرين) بالياء، يعني الله عز ~~وجل. ### || [3.146] # قوله تعالى: { وكأين من نبي قاتل معه ~~ربيون كثير }؛ قرأ الحسن وأبو جعفر: (وكاين) مقصورا من ~~غير همز ولا تشديد حيث وقع. وقرأ مجاهد وابن كثير ممدودا ~~مهموزا خفيفا على وزن فاعل. وقرأ الباقون مشددا مهموزا على وزن ~~كعين، وكلها لغات صحيحة بمعنى واحد. ومعناه: ms0431 وكم من ~~نبي قاتل معه جماعات كثيرة، { فما وهنوا }؛ أي فما فروا ~~فيما بينهم { لمآ أصابهم في سبيل الله }؛ في طاعة الله، ~~{ وما ضعفوا وما استكانوا }؛ أي ما جبنوا عن قتال ~~عدوهم وما خضعوا لعدوهم؛ { والله يحب الصابرين }؛ على ~~قتال عدوهم لدين الإسلام. # وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو: (قتل معه). وقرأ الباقون: ~~(قاتل معه)، لقوله { فما وهنوا } ويستحيل وصفهم بقلة ~~الوهن بعد ما قتلوا. # وأما تأويل قتله فله ثلاثة أوجه؛ أحدها: أن يكون القتل ~~واقعا على النبي صلى الله عليه وسلم وحده؛ وحينئذ يكون تمام الكلام ~~عند قوله (قتل)، ويكون هناك إضمار، وتقديره: و { معه ~~ربيون كثير }. والثاني: أن يكون القتل بالنبي ومن ~~معه من الربيين، ويكون معناه: قتل بعض من كان معه. يقول ~~العرب: قتلنا بني تميم؛ وإنما قتل بعضهم. وقوله { فما ~~وهنوا } راجع إلى الباقين. والثالث: أن يكون القتل ~~للربيين لا غير. # وقوله تعالى: { ربيون }: قرأ ابن مسعود والحسن وعكرمة: ~~(ربيون) بضم الراء، وقرأ الباقون بالكسر وهي لغة فاشية، وهي ~~جمع الربة وهي الفرقة. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: ~~(جموع كثيرة). وقال ابن مسعود: (الربيون: الألوف). وقال ~~الضحاك: (الربية الواحدة ألف). وقال الكلبي: (الربية ~~الواحدة عشرة آلاف). وقال الحسن: (الربيون هم ~~العلماء الفقهاء الصبراء). وقال ابن زيد: ~~(الربانيون الولاة، والربيون الرعية). وقال ~~بعضهم: الربيون الذين يعبدون الرب، كما ينسب البصريون إلى ~~البصرة. وقيل: الربيون المنيبون إلى الله تعالى. ### || [3.147] # قوله تعالى: { وما كان قولهم إلا أن قالوا ~~ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا }؛ ~~حكاية قول الربيين؛ أي ما كان قولهم عند قتالهم (إلا أن ~~قالوا: ربنا اغفر لنا ذنوبنا) الصغائر والكبائر. ~~والإسراف في اللغة: مجاوزة الحد بارتكاب الذنوب ~~العظام. قوله تعالى: { وثبت أقدامنا }؛ أي ثبتها ~~للقتال بتقوية قلوبنا. { وانصرنا على القوم ~~الكافرين }؛ أي أعنا عليهم بإلقاء الرعب في قلوبهم أي هلا ~~قلتم أيها المؤمنون كما قال الربيون؛ وهلا قاتلتم ~~كما قاتلوا. # قرأ الأعمش: (وما كان قولهم) بالرفع على أنه اسم (كان) ~~والخبر ما بعد (إلا). ms0432 وقرأ الباقون بالنصب على خبر (كان)، والاسم ~~ما بعد (إلا) كما في قوله: # وما كان جواب قومه إلا أن قالوا # [الأعراف: 82] و # ما كان حجتهم إلا أن قالوا # [الجاثية: 25] ونحوهما. ### || [3.148] # قوله تعالى: { فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ~~ثواب الآخرة }؛ أي أعطاهم الله النصر والغنيمة والفتح والثناء ~~الحسن في الدنيا؛ والجنة في الآخرة. { والله يحب ~~المحسنين }؛ أي المجاهدين. وفي الآية دلالة: أنه قد ~~يجوز اجتماع الدنيا والآخرة لواحد، وعن علي رضي الله عنه ~~أنه قال: (من عمل لدنياه أضر بآخرته، ومن عمل ~~لآخرته أضر بدنياه، وقد يجمعهما الله تعالى ~~لأقوام). ### || [3.149-150] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا ~~الذين كفروا }؛ يعني اليهود والنصارى فيما يقولون لكم أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم لو كان حقا لما ظهر عليه ~~المشركون، { يردوكم على أعقابكم }؛ أي دين الشرك، { ~~فتنقلبوا خاسرين }؛ أي فترجعوا مغبونين إلى دينكم ~~الأول؛ { بل الله مولاكم }؛ أي وليكم وناصركم، { ~~وهو خير الناصرين }؛ المانعين من الكفار، لأن أحدا لا ~~يقدر أن ينصر كنصره، ولا أن يدفع كدفاعه. وقرئ في ~~الشواذ: (بل الله) بالنصب على معنى: بل أطيعوا الله. ### || [3.151] # قوله تعالى: { سنلقي في قلوب الذين كفروا ~~الرعب بمآ أشركوا بالله ما لم ينزل به ~~سلطانا }؛ قال السدي: (ارتحل أبو سفيان ~~والمشركون يوم أحد متوجهين نحو مكة، ~~فلما بلغوا بعض الطريق ندموا؛ وقالوا: بئس ما ~~صنعنا؛ قتلناهم حتى لم يبق منهم إلا اليسير ~~ثم تركناهم، ارجعوا فاستأصلوهم. فلما عزموا ~~على ذلك؛ ألقى الله الرعب في قلوبهم حتى رجعوا ~~عما هموا به - وستأتي هذه القصة بتمامها إن شاء الله تعالى - ~~فأنزل الله هذه الآية). # وقرأ أبو أيوب: (سيلقي) بالياء يعني (الله مولاكم). وقرأ ~~الباقون بالنون على التعظيم؛ أي سنقذف في قلوب الذين كفروا ~~الخوف، وثقل (الرعب) ابن عامر والكسائي، وخففه الآخرون. ~~قوله تعالى: { بمآ أشركوا بالله } بإشراكهم بالله ما ~~لم ينزل به كتابا فيه عذر وحجة لهم. وقيل: معنى قوله { ~~سلطانا } أي حجة وبيانا وبرهانا. # قوله تعالى: { ومأواهم النار وبئس مثوى ~~الظالمين ms0433 }؛ أي مصيرهم في الآخرة النار، وبئس مقام الظالمين ~~النار في الآخرة. وروي في الخبر: # " أن أبا سفيان صعد الجبل يوم أحد؛ فقال صلى ~~الله عليه وسلم: " اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا " ~~فمكث أبو سفيان ساعة، ثم قال: أين ابن أبي ~~قحافة؟ أين ابن الخطاب؟ أين محمد؟ فقال عمر رضي ~~الله عنه: هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أبو بكر، ~~وها أنا عمر، فقال أبو سفيان: نشدتك الله يا ابن ~~الخطاب؛ أمحمد في الأحياء؟ قال: إي والله يسمع ~~كلامك، فقال: أين الموعد؟ يعني أين نحارب بعد ~~هذا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " قل: ببدر الصغرى " " # وكانت وقعة بدر الصغرى بعد أحد بسنة، فخرج ~~النبي صلى الله عليه وسلم لبدر الصغرى على الموعد، ~~ورعب المشركون فلم يتجاسروا على الحضور. # وروي أن أبا سفيان ركب الجبل يوم أحد فقال: ~~أعل هبل؛ أعل هبل! فقال عمر رضي الله عنه: الله أعلا ~~وأجل، فقال أبو سفيان: يوم بيوم؛ وإن الأيام ~~دولة والحرب سجال، فقال عمر: لا سواء قتلانا ~~في الجنة وقتلاكم في النار. ### || [3.152] # قوله تعالى: { ولقد صدقكم الله وعده إذ ~~تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في ~~الأمر وعصيتم من بعد مآ أراكم ما تحبون }؛ ~~وذلك: أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه إلى المدينة وقد أصابهم ما أصابهم: ~~قال أناس منهم: من أين أصابنا هذا وقد وعدنا ~~الله النصر؟! فأنزل الله هذه الآية { ولقد ~~صدقكم الله وعده } الذي وعد بالنصر والظفر يوم أحد ~~وهو قوله: # وإن تصبروا وتتقوا # [آل عمران: 120] الآية. # " وقول النبي صلى الله عليه وسلم للرماة: " لا تبرحوا ~~من مكانكم " ، وكان صلى الله عليه وسلم قد جعل أحدا ~~خلف ظهره واستقبل المدينة، وأقام الرماة ~~فيما يلي خيل المشركين، وأمر عليهم عبدالله ~~بن جبير الأنصاري، وقال لهم: " احموا ظهورنا، ~~وإن رأيتمونا قد عشنا فلا تشركونا، وإن ~~رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا " " # وأقبل المشركون وأخذوا في القتال، فجعل ~~الرماة يترشقون خيل المشركين بالنبل، ~~والمسلمون يضربونهم بالسيف؛ حتى ولوا ms0434 هاربين ~~وانكشفوا مهزومين، فذلك قوله { إذ تحسونهم ~~بإذنه } أي تقتلونهم قتلا ذريعا شديدا في أول الحرب بأمره ~~وعلمه { حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر ~~وعصيتم من بعد مآ أراكم ما تحبون } أي إلى أن ~~فشلتم جعلوا (حتى) بمعنى (إلى) فحينئذ لا جواب له، وقيل: ~~(حتى) بمعنى: فلما، وفي الكلام تقديم وتأخير. # قالوا: وفي قوله { وتنازعتم } مقحمة تقديره: حتى اذا ~~تنازعتم في الأمر وعصيتم فشلتم؛ أي جبنتم وضعفتم. وكان { ~~تنازعتم } أن الرماة لما انهزم المشركون وقع ~~المسلمون في الغنائم؛ قالوا: قد انهزم القوم ~~وأمنا، وقال بعضهم: لا تجاوزوا أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فثبت عبدالله بن جبير في نفر يسير ~~من الصحابة دون العشرة؛ قيل: ثمانية، وانطلق ~~الباقون ينتهبون، فلما نظر خالد بن الوليد ~~وعكرمة بن أبي جهل إلى ذلك؛ حملوا على الرماة ~~من قبل ذلك الشعب في مائتين وخمسين فارسا من ~~المشركين، وكان خالد يومئذ مشركا؛ فقتل ~~عبدالله بن جبير ومن بقي معه من الرماة، ~~وأقبلوا على المسلمين من خلفهم، وتفرق ~~المسلمون وانتقضت صفوفهم واختلطوا، وحمل ~~عليهم المشركون حملة رجل واحد، وصار ~~المسلمون من بين قتيل وجريح ومنهزم ~~ومدهوش، ونادى إبليس: ألا إن محمدا قد قتل، ~~فذلك قوله تعالى: { حتى إذا فشلتم وتنازعتم في ~~الأمر } أي لما اختلفتم في الأمر الذي أمركم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من الثبات على المركز، وعصيتم الرسول من بعد ما ~~أراكم ما تحبون من النصر على عدوكم والظفر والغنيمة. قال بعض ~~المفسرين: جواب { إذا فشلتم } ها هنا مقدر، كأنه ~~قال: إذا فشلتم وتنازعتم امتحنتم بما رأيتم من ~~القتل والبلاء. # قوله تعالى: { منكم من يريد الدنيا ومنكم من ~~يريد الآخرة }؛ معنى: من الرماة من يريد الحياة؟ وهم ~~الذين تركوا المركز ولم يثبتوا فيه ووقعوا في الغنائم، { ~~ومنكم من يريد الآخرة } يعني: الذين ثبتوا في المركز مع ~~عبدالله بن جبير وباقي الرماة حتى قتلوا. # قال ابن مسعود رضي الله عنه: (ما شعرنا أن أحدا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد ms0435 الدنيا وعرضها ~~حتى كان يوم أحد). # قوله تعالى: { ثم صرفكم عنهم ليبتليكم }؛ أي ~~صرفكم الله عن المشركين بالهزيمة ليبتليكم، قبل: ~~المراد بالصرف في هذه المواضع رفع النصر. قوله تعالى: ~~{ ولقد عفا عنكم }؛ أي لم يعاقبكم عند ذلك فلم ~~تقتلوا جميعا. وقال الكلبي: (تجاوز عنكم فلم ~~يؤاخذكم بذنبكم)، { والله ذو فضل على المؤمنين ~~}؛ أي ذو من عليهم بالعفو والتجاوز. ### || [3.153] # قوله تعالى: { إذ تصعدون ولا تلوون على أحد ~~والرسول يدعوكم في أخركم فأثبكم غما ~~بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا مآ ~~أصبكم }؛ راجع إلى قوله # ولقد عفا عنكم # [آل عمران: 152] لأن عفوه عنهم لا بد أن يتعلق بذنب منهم؛ ~~وذلك الذنب ما بينه بقوله { إذ تصعدون ولا تلوون ~~على أحد } أي ولقد عفا عنكم { إذ تصعدون } أي إذ ~~تبعدون هربا في الأرض بالهزيمة. والإصعاد: السير ~~في مستوى الأرض. # وقرأ الحسن وقتادة: (تصعدون) بفتح التاء والعين. قال أبو حاتم: ~~يقال: أصعدت؛ إذا مضيت حيال وجهك، وصعدت؛ إذا ~~رقيت على جبل أو غيره. والإصعاد: السير في ~~مستوى الأرض وبطون الأودية والشعاب. والصعود: ~~الارتفاع على الجبل والسطوح والسلالم والمدرج، وكلا القراءتين ~~صواب. وقد كان يومئذ منهم صاعد مصعد؛ أي صاعد إلى الجبل، ~~ومصعد هارب على وجهه، والرسول يدعوهم: # " إلي يا معشر المسلمين؛ ويا أصحاب البقرة ~~وآل عمران أنا رسول الله " # فلم يلتفت إليه منهم أحد حتى أتوا على ~~الجبل. ويحتمل أنهم ذهبوا في بطن الوادي أولا؛ ثم ~~صعدوا الجبل، فلا تنافي حينئذ بين القرائتين. # قوله تعالى: { ولا تلوون على أحد } أي لا ~~تعرجون ولا تقيمون على رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا ~~يقيم بعضكم على بعض ولا يلتفت بعضكم إلى بعض. وقرأ الحسن: ~~(ولا تلون) بواو واحدة، كما يقال: استحيت واستحييت. ~~قال الكلبي: (يعني بقوله (على أحد) النبي صلى الله عليه ~~وسلم). قوله تعالى: { والرسول يدعوكم في أخركم ~~} أي من خلفكم، وذلك أنه لما انهزم المسلمون لم ~~يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا ثلاثة عشر ~~رجلا، خمسة من المهاجرين: ms0436 أبو بكر؛ وعلي؛ ~~وعبدالرحمن بن عوف؛ وطلحة بن عبدالله؛ ~~وسعد، وثمانية من الأنصار. # قوله تعالى: { فأثبكم غما بغم لكيلا ~~تحزنوا على ما فاتكم ولا مآ أصبكم } أي جزاكم ~~غما متصلا بغم؛ فأحد الغمين الهزيمة وقتل ~~أصحابهم، والثاني: إشراف خالد في فم الشعب مع خيل ~~المشركين. وقيل: الغم الأول هو القتل والجراح، والثاني: ~~سماعهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل؛ فأساءهم الغم ~~الأول بقوله { لكيلا تحزنوا على ما فاتكم } أي إذ ~~أنالكم غم النبي صلى الله عليه وسلم نلتم به كل غم من ~~فوت الغنيمة والهزيمة. وقيل: معناه: من ترادفت عليه ~~الغموم واعتاد في ذلك يقل حزنه وتأسفه على ما يفوته من ~~الدنيا. # وقال الزجاج: (معنى قوله { غما بغم } أي جزاكم ~~غما بما غممتم النبي صلى الله عليه وسلم بمفارقة ~~المكان الذي أمركم بحفظه). وقال الحسن: (معنى هذا ~~الغم بغم المشركين يوم بدر). ويقال: { لكيلا ~~تحزنوا على ما فاتكم } متصل بقوله # ولقد عفا عنكم # [آل عمران: 152]، وقيل: معناه: { لكيلا تحزنوا على ما ~~فاتكم } بمعنى الغنيمة والفتح. { لا مآ أصبكم }: (ما) ~~في موضع خفض؛ أي ولا ما أصابكم من القتل والهزيمة. ~~وقال بعضهم: (لا) زائدة؛ معناه: لكي تحزنوا على ما ~~فاتكم وما أصابكم؛ عقوبة لكم في خلافكم وترككم ~~المركز. قوله تعالى: { والله خبير بما تعملون ~~}؛ أي عالم بأعمالكم من إغتمام المسلمين وشماتة المنافقين. ### || [3.154] # قوله تعالى: { ثم أنزل عليكم من بعد الغم ~~أمنة نعاسا }؛ الآية؛ وذلك أنه لما افترق ~~الفريقان؛ # " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه في ~~إثر المشركين وقال له: " انظر؛ فإن هم جنبوا ~~الخيل وركبوا الإبل فهم يريدون مكة، وإن ~~ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة ~~". فخرج علي في إثرهم فإذا هم ركبوا الإبل ~~وقادوا الخيل، فرجع علي رضي الله عنه وأخبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: سمعتهم يقولون إنا قد ~~اجتمعنا لنحارب ثانيا، فقال صلى الله عليه وسلم: " ~~كذبوا؛ فإنهم أرادوا الإنصراف إلى مكة " " # فكان كما قال رسول الله صلى الله ms0437 عليه وسلم وأمن ~~المسلمون، وألقى الله عليهم النوم؛ فما بقي ~~منهم أحد إلا وقد ضرب ذقنه صدره؛ إلا معتب ~~بن قشير وأصحابه الذين كانوا يشكون في أمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم؛ لما علم الله من باطنهم ~~خلاف ما علم من باطن المؤمنين منعهم ما أعطى ~~المؤمنين؛ فترددوا في الخوف على أنفسهم وسوء ~~الظن بربهم؛ يئسوا من نصره وشكوا في صادق ~~وعده وصادق عهده. # ومعنى الآية: { ثم أنزل عليكم من بعد الغم } الذي ~~كنتم فيه أمنا. قوله: { نعاسا } بدل من { أمنة } أي ~~أمنكم أمنا تنامون معه؛ لأن الخائف لا ينام، ومن هنا ~~قال ابن مسعود رضي الله عنه: (النعاس في الصلاة من ~~الشيطان، وفي القتال من الرحمن). # قوله تعالى: { يغشى طآئفة منكم }؛ قرأ الأعمش ~~وحمزة والكسائي وخلف: (تغشى) بالتاء؛ ردوه إلى الأمنة، وقرأ ~~الباقون بالياء؛ ردوه إلى النعاس؛ لأن النعاس يلي الفعل، ~~فالتذكير أوفى منه مما بعد منه، وهذا قوله تعالى: # ألم يك نطفة من مني يمنى # [القيامة: 37] بالياء والتاء، والمراد بالطائفة التي غشيهم ~~النعاس أهل الصدق واليقين. قال أبو طلحة رضي الله عنه: ~~(رفعت رأسي يوم أحد؛ فجعلت ما أرى أحدا من ~~الناس إلا وهو يميل تحت حجفته من النعاس) قال ~~أبو طلحة: (كنت ممن أنزل الله عليه النعاس ~~يومئذ؛ وكان السيف يسقط من يدي ثم آخذه؛ ثم ~~يسقط من يدي ثم آخذه). # والمراد بقوله تعالى: { وطآئفة قد أهمتهم أنفسهم ~~}؛ المنافقون: معتب ابن قشير وأصحابه أمرتهم أنفسهم ~~وحملتهم على الغم، يقال لكل من خاف وحزن في غير موضع ~~الحزن والخوف: أهمته نفسه. # قوله: { يظنون بالله غير الحق ظن ~~الجهلية }؛ يعني هذه الطائفة التي قد أهمتهم أنفسهم؛ ~~يظنون بالله أن لا ينصر محمدا وأصحابه، وقيل: ظنوا أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم قد قتل، وقوله تعالى: { ظن ~~الجهلية } أي كظن أهل الجاهلية والشرك، وقيل: ~~كظنهم في الجاهلية، { يقولون هل لنا من الأمر من ~~شيء }؛ أي ما لنا من الأمر من شيء، لفظة استفهام ومعناها: ~~الجحد؛ يعنون النصر. # وقيل: معناه: هل ms0438 نطمع أن يكون لنا شيء من الظفر والدولة. ~~وقيل: معناه: لو كان الأمر إلينا ما خرجنا، ولكن أخرجنا إلى ~~القتال مكرهين. # قوله تعالى: { قل } ، لهم يا محمد: { إن الأمر ~~كله لله } ، إن النصر والظفر والدولة كل ذلك لله عز ~~وجل. # من نصب (كله) جعله توكيدا للأمر، ومن رفعه جعله خبر ~~(إن). قرأ أبو عمرو ويعقوب (كله) بالرفع على الإبتداء؛ وخبره ~~(لله)، وهذا المبتدأ وخبره خبر ل (إن). وقرأ الباقون بالنصب. # وروى الضحاك عن ابن عباس في قوله { يظنون بالله غير ~~الحق ظن الجهلية }: (يعني التكذيب بالقدر) ~~لأنهم تكلموا بالقدر فقال الله تعالى: { قل إن الأمر ~~كله لله } يعني القدر خيره وشره من الله؛ وهو قولهم: (لو ~~كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا). # وذلك أن المنافقين قال بعضهم لبعض: لو كان لنا عقول ما خرجنا مع ~~محمد لقتال أهل مكة؛ ولم يقتل رؤساؤنا، فقال الله: (قل) ~~لهم: { لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب ~~عليهم القتل } أي لخرج الذين قضي عليهم القتل { إلى ~~مضاجعهم } إلى مصارعهم. # قوله تعالى: { يخفون في أنفسهم ما لا يبدون ~~لك }؛ أي المنافقون يسرون ويضمرون في قلوبهم ما لا يظهرون لك ~~بألسنتهم؛ { يقولون }؛ سرا: { لو كان لنا من الأمر ~~} ، من النصر والدولة، { شيء } ، وكان دين محمد حقا، { ~~ما قتلنا ههنا } ، ما قتل أصحابنا هنا في اتباعه. ~~وقيل: معناه: لو لم يخرجنا رؤساؤنا إلى الحرب { ما قتلنا }. # قوله تعالى: { قل لو كنتم في بيوتكم }؛ أي قل ~~للمنافقين: لو تخلفتم أنتم في بيوتكم، { لبرز الذين كتب ~~عليهم القتل إلى مضاجعهم }؛ لخرج الذين كتب ~~عليهم القتل إلى مصارعهم ومواضع قتلهم لا محالة لنفوذ قضاء ~~الله. ويقال: معناه: لو كنتم في بيوتكم لما أخطأكم ما كتب ~~عليكم. وقيل: معناه: لو كنتم أيها المنافقين في بيوتكم لبرز ~~الذين فرض عليهم القتال وهم المؤمنون المخلصون إلى مواضع القتال ~~صابرين محتسبين. قرأ أبو عبلة: لبرز بضم الباء وتشديد ~~الراء. قرأ قتادة: (القتال). # قوله تعالى: { وليبتلي الله ما في صدوركم ~~وليمحص ما ms0439 في قلوبكم }؛ أي وليختبر الله ويظهر ~~ما في قلوبكم بأعمالكم؛ لأنه علمه غيبا فيعلمه مشاهدة. ومعنى { ~~وليمحص ما في قلوبكم } أي يبين ما في قلوبكم، ~~فيذهب نفاق من شاء منكم، { والله عليم بذات الصدور }؛ ~~أي بما في القلوب من خير وشر. ### || [3.155] # قوله تعالى: { إن الذين تولوا منكم يوم ~~التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ~~ما كسبوا }؛ أي إن الذين انهزموا منكم يا معشر المؤمنين يوم ~~التقى الجمعان؛ جمع المسلمين وجمع المشركين، إنما ~~استزلهم الشيطان عن أماكنهم ببعض ما كسبوا؛ وهو مفارقة ~~المكان الذي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظه. # قوله تعالى: { ولقد عفا الله عنهم }؛ حين لم ~~يستأصلهم. ويقال في معنى هذه الآية: إنهم لم يفروا على جهة ~~المعاندة والفرار من الزحف، ولكن أذكرهم الشيطان خطاياهم ~~التي كانت منهم؛ فكرهوا لقاء الله إلا على حالة يرضونها، ~~ولذلك عفا الله عنهم. # قوله تعالى: { إن الله غفور حليم }؛ أي متجاوز ~~لذنوبهم لم يعجل بالعقوبة عليهم. روي: (أن رجلا من ~~الخوارج أتى عبدالله بن عمر رضي الله عنه فسأله عن ~~عثمان رضي الله عنه: أكان شهد بدرا؟ قال: (لا)، قال: ~~شهد بيعة الرضوان؟، قال: (لا)، قال: فكان من ~~الذين تولوا يوم التقى الجمعان؟ قال: (نعم). ~~فولى الرجل يهز فرحا، فلما علم ابن عمر ~~بغضه لعثمان قال له: (ارجع)؛ فرجع، فقال له: ~~(أما تخلفه يوم بدر؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~خلفه على ابنته رقية يقوم عليها، كانت ~~مريضة فتوفيت يوم بدر، فكان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه في الغزو، وعثمان رضي الله عنه في ~~تكفين ابنة رسول الله ودفنها والصلاة عليها؛ ~~فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم جعل أجره ~~كأجرهم وسهمه كسهمهم. # وأما بيعة الرضوان؛ # " فقد بايع له رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده ~~اليسرى على اليمنى، وقال: " هذه عن عثمان " ~~ويسار رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من يمين ~~عثمان رضي الله عنه " # )). وأما الذين تولوا يوم التقى الجمعان؛ ~~فقد عفا الله عنهم ms0440 والله غفور حليم؛ فاجهد على ~~جهدك، فقام الرجل حزنان ناكسا رأسه. ### || [3.156] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تكونوا ~~كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في ~~الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا ~~وما قتلوا }؛ معناه: { يأيها الذين آمنوا لا ~~تكونوا } كمنافقي أهل الكتاب عبدالله بن أبي وأصحابه؛ ~~قالوا لإخوانهم في النفاق إذا ساروا في الأرض تجارا ~~مسافرين فماتوا في سفرهم أو كانوا في الغزو فقتلوا لو ~~كانوا عندنا ما ماتوا في سفرهم، وما قتلوا في الغزو. # وغزا جمع غاز مثل راكع وركع، وقد يجمع غاز على ~~غزاة، مثل قاض وقضاة. # وقوله: { ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم }؛ ~~أي ليجعل الله ما ظنوا حزنا يتردد في أجوافهم. ثم أخبر ~~الله أن الموت والحياة إليه لا يقدمان لسفر ولا ~~يؤخران لحضر. قوله تعالى: { والله يحيي ~~ويميت }؛ يحذرهم عن التخلف عن الجهاد وخشية الموت ~~والقتل؛ لأن الإحياء والإماتة إلى الله تعالى في السفر ~~والحضر؛ وحال القتال وحال غير القتال. # قوله تعالى: { والله بما تعملون بصير }؛ ترغيب في ~~الطاعة، وتحذير من المعصية. قرأ ابن كثير والأعمش والحسن وحمزة ~~والكسائي وخلف: بالياء، والباقون بالتاء. ### || [3.157] # قوله تعالى: { ولئن قتلتم في سبيل الله أو ~~متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما ~~يجمعون }؛ معناه: لو قتلتم في طاعة الله أو متم فيها { ~~لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون } من ~~الأموال. وإنما قال هكذا وإن كان هو معلوما؛ لأن من الناس من ~~آثر الدنيا على الجهاد وخشية القتل. # قرأ حفص: (يجمعون) بالياء على الخبر؛ خير لكم أيها ~~المؤمنون مما يجمع المنافقون في الدنيا. وقرأ نافع وأكثر أهل ~~الكوفة: (متم) بكسر الميم من مات يمات. وقرأ الباقون ~~بضمها من مات يموت. ### || [3.158] # قوله تعالى: { ولئن متم أو قتلتم لإلى الله ~~تحشرون }؛ معناه: لئن متم على فرشكم، أو قتلتم في ~~الغزو فإلى الله ترجعون في الآخرة، كيف ما دارت القصة ~~فإن مصيركم إلى الله، ولئن تصيروا إلى الله بالقتل الذي ~~تستحقون عليه العوض خير من أن ms0441 تصيروا إليه بالموت الذي لا ~~يستحقون عليه العوض. قال علي رضي الله عنه: # فإن تكن الأبدان للموت أنشئت # فمقتلها بالسيف في الله أفضل # واللام في (لئن) لام القسم، وتصلح أن تكون للابتداء ~~والتأكيد، واللام في { لمغفرة } جواب القسم، وتصلح أن تكون ~~مؤكدة جواب الشرط. ### || [3.159] # قوله تعالى: { فبما رحمة من الله لنت لهم }؛ ~~أي فبرحمة عظيمة من الله لنت لهم حتى صار لينك لهم ~~سببا لدخولهم في الدين؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أتاهم ~~بالحجج والبراهين مع لين وخلق عظيم، ولهذا قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " إنما أنا لكم مثل الوالد لولده " # و (ما) في قوله زائدة لا يمنع الباء من عملها، مثل قولهم # فبما نقضهم ميثاقهم # [النساء: 155] قال بعضهم: يحتمل أن تكون (ما) استفهامية للتعجب؛ ~~تقديره: فبما رحمة من الله سهلت لهم أخلاقك وكثرة ~~احتمالك؛ فلم تغضب عليهم فيما كان منهم يوم أحد. # قوله: { ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من ~~حولك }؛ أي لو كنت يا محمد خشنا في القول سيء ~~الخلق قاسي القلب لتفرقوا من حولك، فلم تر منهم أحدا، ~~ولكن الله جعلك سمحا سهلا طلقا لطيفا لينا برا ~~رحيما. # قوله تعالى: { فاعف عنهم واستغفر لهم }؛ أي ~~فاعف عنهم ما أتوه يوم أحد؛ وتجاوز عنهم الجريمة ~~التي تكون بينك وبينهم، وكانوا عصوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~في ترك المركز، وترك الآية لدعوته: [ارجعوا ارجعوا]، ~~فندب الله النبي صلى الله عليه وسلم إلى العفو عنهم. قوله ~~تعالى: { واستغفر لهم } أي في الذنب الذي يكون منهم حتى ~~أشفعك فيهم. # قوله تعالى: { وشاورهم في الأمر }؛ أي إذا أردت أن ~~تعمل عملا مما لم يكن عندك فيه وحي فشاورهم فيه، واعمل ~~أبدا بتدبيرهم ومشورتهم، وكان صلى الله عليه وسلم مستغنيا عن ~~مشورتهم، فإنه كان أرشدهم وأكملهم رأيا، لكن الله إنما أمره ~~بالمشاورة لتقتدي به الأمة، وليكون فيه تطييب لنفوس ~~المؤمنين، ورفع لأقدارهم وثناء عليهم. قال مقاتل وقتادة: (كانت ~~سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق ~~عليهم، فأمر النبي صلى الله ms0442 عليه وسلم بمشاورتهم في ~~الأمر؛ فإنه أطيب لأنفسهم، وإذا شاورا عرفوا ~~إكرامه لهم). # قوله تعالى: { فإذا عزمت فتوكل على الله }؛ أي ~~أعزمت على شيء فثق بالله، وفوض إليه ولا تتكل على ~~مشورتهم، { إن الله يحب المتوكلين }؛ على الله. # واختلف العلماء في معنى التوكل، فقال سهل بن عبدالله: (أول ~~مقام التوكل: أن يكون العبد بين يدي الله ~~كالميت بين يدي الغاسل، يقلبه كيف يشاء، ~~والرجاء لا يكون له حركة ولا تدبير، ~~والمتوكل لا يسأل ولا يرد ولا يحبس). وقال ~~إبراهيم الخواص: (التوكل إسقاط الخوف والرجاء ~~مما سوى الله). # قال بعضهم: المتوكل الذي إذا أعطي شكر، وإذا منع صبر، ~~وأن يكون العطاء والمنع عنده سواء، والمنع مع الشكر أحب ~~إليه لعلمه باختيار الله ذلك. وقال ذو النون: (التوكل ~~إنقطاع المطامع مما سوى الله)، وقال: (هو معرفة ~~معطي أرزاق الخلائق، ولا يصح لأحد حتى تكون ~~السماء عنده كالصفر؛ والأرض كالحديد؛ لا ~~ينزل من السماء مطر؛ ولا يخرج من الأرض نبات، ~~ويعلم أن الله لا ينسى له ما ضمن من رزقه بين ~~هذين). # قال بعضهم: حسبك من التوكل أن لا تطلب لنفسك ناصرا غير ~~الله؛ وأن تقبل بالكلية على ربك، وتعرض عمن دونه. # وقال الثوري: (إن تيقن تدبيرك في تدبيره، وترضى ~~بالله وكيلا ومدبرا). وقال بعضهم: هو السكون عن الحركات ~~اعتمادا على خالق السموات. وقيل لحاتم الأصم: على ما ~~بنيت أمرك هذا من التوكل؟ قال: (على أربع ~~خصال؛ علمت أن رزقي ليس يأكله غيري؛ فلست ~~أشتغل به، وعلمت أن عملي ليس يعمله غيري ~~فأنا مشغول به، وعلمت أن الموت يأتيني بغتة ~~فأنا أبادره، وعلمت أني بعين الله في كل حال ~~فأنا أستحي منه). ### || [3.160] # قوله: { إن ينصركم الله فلا غالب لكم }؛ معناه: ~~إن يمنعكم الله تعالى من عدوكم فلا غالب لكم من العدو، ~~مثل يوم بدر؛ { وإن يخذلكم }؛ بأن يكلكم إلى ~~أنفسكم ويرفع نصره عنكم كيوم أحد؛ { فمن ذا الذي ~~ينصركم من بعده }؛ أي من بعد خذلانه إياكم، { ~~وعلى الله فليتوكل المؤمنون }؛ في النصرة. ms0443 ### || [3.162] # قوله تعالى: { أفمن اتبع رضوان الله كمن بآء ~~بسخط من الله }؛ استفهام بمعنى تقدير حال الفريقين، يقول: ~~ليس من اتبع رضوان الله؛ أي من ترك الغلول والحرام ~~وأخذ الحلال من الغنيمة كمن استوجب سخط الله بأخذ الغلول ~~والحرام، وقيل: معنى الآية: { أفمن اتبع رضوان الله } ~~بالجهاد في سبيل الله { كمن بآء بسخط من الله } بالفرار ~~من الجهاد. قوله تعالى: { ومأواه جهنم }؛ راجع إلى { ~~من باء بسخط من الله }. { وبئس }؛ النار؛ { المصير ~~}. ### || [3.163] # قوله تعالى: { هم درجت عند الله }؛ معناه: إن ~~الذين يتبعون رضوان الله ذوو درجات رفيعة، والآخرون ذوو ~~دركات خسيسة، فإن لأحد الفريقين درجات في الجنة، وللآخر ~~دركات في النار، والمعنى: أن من اتبع رضوان الله، ومن ~~باء بسخط من الله مختلفو المنازل عند الله، فلمن اتبع ~~رضوان الله الكرامة والثواب العظيم، ولمن باء بسخط من الله ~~المهانة والعذاب الأليم. وقال بعضهم: هذه الآية خاصة في المؤمنين؛ ~~أي هم طبقات بعضهم أرفع من بعض في الجنة. قوله تعالى: { ~~والله بصير بما يعملون }؛ أي عالم بمن غل ومن لا ~~يغل. ### || [3.164-165] # قوله تعالى: { لقد من الله على المؤمنين إذ ~~بعث فيهم رسولا من أنفسهم }؛ أي لقد أنعم على ~~المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا منهم، وهو النبي صلى الله عليه ~~وسلم؛ بعثه الله من العرب، معروف النسب، عرفوه بالصدق ~~والأمانة، وكان يسمى (الأمين) قبل الوحي، وقيل: بعثه الله من ~~جنس بني آدم، ولم يبعثه من الملائكة؛ لأنه إذا كان من ~~جنسهم كان تعلمهم منه أسهل عليهم. وقرأ في الشواذ: ~~(من أنفسهم) بنصب الفاء؛ أي أشرفهم؛ لأن العرب أفضل من ~~غيرهم، وقريش أفضل العرب. # قوله تعالى: { يتلوا عليهم آياته }؛ أي يقرأ عليهم ~~القرآن بما فيه من أقاصيص الأمم السالفة، وهو أمي لم يقرأ ~~الكتب. قوله تعالى: { ويزكيهم }؛ أي يطهرهم من ~~الشرك والذنوب، ويأخذ منهم الزكاة التي يطهرهم بها. ~~قوله تعالى: { ويعلمهم الكتاب والحكمة }؛ أي ~~القرآن والفقه، { وإن كانوا من قبل }؛ أن يأتيهم ~~محمد صلى الله عليه وسلم { لفي ضلال مبين }؛ من ms0444 الهدى. # والخطاب يبين قوله تعالى: { أو لما أصابتكم ~~مصيبة قد أصبتم مثليها }؛ أي لما أصابتكم مصيبة ~~يوم أحد قد أصبتم مثليها يوم بدر؛ أي قتلتم يوم بدر ~~سبعين، وأسرتم سبعين، وقتل منكم يوم أحد سبعون، ولم يؤسر ~~منكم أحد. # قوله تعالى: { قلتم أنى هذا }؛ القتل ~~والهزيمة ونحن مسلمون ورسول الله صلى الله عليه وسلم فينا ~~والوحي ينزل علينا، وهم مشركون، { قل }؛ يا محمد: { هو ~~من عند أنفسكم }؛ لمخالفتكم أمر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالخروج عن المدينة، وقد كان أمركم بالمقام فيها ~~ليدخل عيلكم الكفار فتقلوهم في أزقتها. وقيل: إنما أصابكم ~~هذا من عند قومكم بمعصية الرماة بتركهم ما أمرهم به النبي ~~صلى الله عليه وسلم، { إن الله على كل شيء قدير }؛ أي ~~على كل شيء من النصر وغير ذلك قادر. ### || [3.166-167] # قوله تعالى: { ومآ أصابكم يوم التقى الجمعان ~~فبإذن الله }؛ معناه: ما أصابكم يا معشر المسلمين يوم ~~أحد يوم التقى جيش المسلمين، وجيش المشركين يوم أحد من ~~القتل والجروح والهزيمة فبعلم الله وقضائه وإرادته، ~~ويقال: أراد بالإذن: التخلية بين المؤمنين والكفار، وإلا ~~فالله لا يؤذن بالمعصية. # قوله تعالى: { وليعلم المؤمنين * وليعلم ~~الذين نافقوا }؛ أي ليري المؤمنين؛ وقيل: لتعلموا أنتم ~~أن الله قد علم نفاقهم، وأنتم لم تكونوا تعلمون ذلك، ~~والمعنى: ليرى الله إيمان المؤمنين بثبوتهم على ما نالهم، ~~ويرى المنافقين بفشلهم، وقلة صبرهم على ما ينزل به في ذات ~~الله تعالى. { وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل ~~الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا ~~لاتبعناكم }؛ ذلك أن عبدالله بن أبي وأصحابه لما ~~رجعوا إلى المدينة قال لهم عبدالله بن جبير: (تعالوا إلى أحد ~~وقاتلوا في طاعة الله وادفعوا في أنفسكم ~~وأهلكم وحريمكم)، فقال المنافقون: لا يكون قتال اليوم، ~~ولو نعلم أن يكون قتال لكنا معكم. # قوله تعالى: { هم للكفر يومئذ أقرب منهم ~~للإيمان }؛ أي كانوا قبل ذلك القول عند المؤمنين أقرب إلى ~~الإيمان بظاهر حالهم؛ ثم هتكوا سترهم وأظهروا ميلهم ~~إلى الكفر؛ فصاروا في ذلك اليوم أقرب إلى ms0445 الكفر. قوله ~~تعالى: { يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم }؛ ~~كناية عن كذبهم في قولهم { لو نعلم قتالا ~~لاتبعناكم }. قوله تعالى: { والله أعلم بما ~~يكتمون }؛ أي بما يخفون من الشرك. ### || [3.168] # قوله تعالى: { الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا ~~لو أطاعونا ما قتلوا }؛ معناه: الذين قالوا لإخوانهم من ~~المنافقين بالمدينة وقعدوا بأنفسهم عن الجهاد: لو أطاعونا ~~المسلمون الذين خرجوا إلى القتال ما قتلوا في الغزو، { قل ~~}؛ لهم يا محمد: { فادرءوا عن أنفسكم الموت إن ~~كنتم صادقين }؛ في مقالتكم: لو لم يخرجوا إلى القتال ما ~~قتلوا. قال الفقيه أبو الليث: (سمعت بعض المفسرين ~~يقول: لما نزلت هذه الآية مات يومئذ سبعون ~~نفسا من المنافقين). ### || [3.169] # قوله تعالى: { ولا تحسبن الذين قتلوا في ~~سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ~~}؛ قال ابن عباس وابن مسعود وجابر رضي الله عنهم: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لما أصيب إخوانكم يوم أحد؛ جعل الله ~~أرواحهم في أجواف طيور خضر ترد أنهار الجنة؛ ~~وتأكل من ثمارها؛ وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت ~~العرش، فلما رأوا طيب منقلهم ومطعمهم ~~ومشربهم، وما أعطى الله من الكرامة؛ قالوا: يا ~~ليت إخواننا علموا ما أعد الله لنا من الكرامة، ~~وما نحن فيه من النعيم، فلم ينكلوا عند ~~اللقاء ولم يجبنوا في الحرب، قال الله تعالى: أنا ~~أبلغهم عنكم؛ فأنزل الله هذه الآية " # " وقال جابر بن عبدالله الأنصاري: قتل أبي يوم أحد وترك ~~علي ثلاث بنات؛ فقال صلى الله عليه وسلم: " ألا ~~أبشرك يا جابر؟! " قلت: بلى يا رسول الله، قال: " ~~إن أباك حين قتل أحياه الله تعالى وكلمه ~~كفاحا؛ فقال: يا عبدالله؛ سلني ما شئت، قال: ~~أسألك أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل فيها ثانية، ~~فقال: يا عبدالله؛ إني قضيت أن لا أعيد إلى ~~الدنيا خليقة قبضتها، قال: يا رب فمن يبلغ ~~قومي ما أنا فيه من الكرامة؟ قال الله: أنا، ~~فأنزل الله هذه الآية " ". # ومعنى الآية: ولا تظنن يا محمد الشهداء المقتولين في ~~طاعة الله. { أمواتا } نصب على المفعول؛ لأن ms0446 الحسبان ~~يتعدى إلى مفعولين، { بل أحياء عند ربهم يرزقون } ~~الجنة، سماهم أحياء؛ لأنهم يأكلون ويتمتعون ويرزقون ~~كالأحياء. وقيل: سماهم أحياء؛ لأنهم يكتب لهم في كل سنة ~~ثواب غزوة، ويشركون في فضل كل جهاد إلى يوم القيامة. ~~وقيل: لأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش إلى يوم ~~القيامة كأرواح الأحياء. وقيل: لأن الشهيد لا يبلى في الأرض ~~ولا يتغير في القبر. ويقال: أربعة لا تبلى أجسادهم: ~~الأنبياء؛ والعلماء؛ والشهداء؛ وحملة القرآن. # وعن عبدالله بن عبدالرحمن: (أنه بلغه أن عمرو بن ~~الجموح، وعبدالله بن عمرو بن الحرام ~~الأنصاريين كانا قد أخرب السيل قبريهما وكانا ~~في قبر واحد؛ وهما ممن استشهد يوم أحد، وكان ~~قبرهما مما يلي السيل، فوجدا في قبرهما لم ~~يتغيرا كأنما ماتا بالأمس، وكان بين أحد ~~وبين خراب السيل ست وأربعون سنة). # وقيل: سموا أحياء؛ لأنهم لم يغسلوا كما تغسل الأحياء. ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " زملوهم بدمائهم وكلومهم؛ فإنهم يحشرون ~~يوم القيامة بدمائهم؛ اللون لون الدم؛ ~~والريح ريح المسك " # قرأ الحسن وابن عامر (قتلوا) بالتشديد. ### || [3.170] # قوله تعالى: { فرحين بمآ آتاهم الله من فضله }؛ ~~أي من رزقه وثوابه، وانتصب على الحال. وقرأ ابن السميقع: (فرحين) ~~وهما لغتان كالفرة والفارة، والطمع والطامع، والحذر والحاذر. ~~قوله تعالى: { ويستبشرون بالذين لم يلحقوا ~~بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ~~}؛ أي يطلبون السرور بقدوم من لم يقدم عليهم من إخوانهم، ~~يقولون: ليت إخواننا قتلوا كما قتلنا؛ فينالوا من الكرامة ~~والثواب ما نلنا. وقال السدي: (يؤتى الشهيد بكتاب ~~فيه من يقدم عليه من إخوانه وأهله؛ فيقال: ~~يقدم عليك فلان يوم كذا؛ ويقدم عليك فلان ~~يوم كذا؛ فيستبشر بذلك كما بشر إنسان بقدوم ~~غائب؛ يتعجل السرور به قبل قدومه). # وأصل الاستبشار: من البشرة؛ لأن الإنسان إذا فرح ظهر ~~أثر السرور في بشرة وجهه. ومعنى الآية: يستبشرون بأن لا ~~خوف عليهم وعلى إخوانهم الذين يأتونهم من بعدهم؛ وأنهم لا ~~يحزنون في الآخرة. ### || [3.171] # قوله تعالى: { يستبشرون بنعمة من الله ~~وفضل }؛ أي بجنة وكرامة، ms0447 ويستبشرون أن الله لا ~~يضيع ثواب الموحدين. قوله تعالى: { وأن الله لا ~~يضيع أجر المؤمنين }؛ قرأ الكسائي والفراء: (وإن ~~الله) بالكسر على الاستئناف ودليله قراءة ابن مسعود (والله لا ~~يضيع أجر المؤمنين). # وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما يجد الشهداء من القتل في سبيل الله إلا ~~كما يجد أحدكم من القرصة " # وفي حديث آخر: # " عضة النملة أشد على الشهيد من مس السلاح ~~" # وفي حديث آخر: # " إن الضربة والطعنة على الشهيد مثل شرب ~~الماء البارد " ### || [3.172] # قوله تعالى: { الذين استجابوا لله والرسول من ~~بعد مآ أصابهم القرح }؛ يجوز أن يكون أول هذه الآية ~~في موضع الخفض على النعت للمؤمنين، والأحسن أن يكون في موضع ~~الرفع على الابتداء أو خبره للذين أحسنوا. ومعنى الآية: الذين ~~أجابوا الله بالطاعة والرسول بالخروج إلى بدر الصغرى من بعد ما ~~أصابهم الجراح؛ { للذين أحسنوا منهم }؛ أي وافوا ~~الميعاد، { واتقوا }؛ سخط الله ومعصيته، { أجر عظيم } ~~، لهم ثواب وافر في الجنة. # قال ابن عباس: # " وذلك أنهم تواعدوا يوم أحد أن يجتمعوا ~~ببدر الصغرى في العام القابل، فلما حضر الأجل ~~ندم المشركون، فلقي أبو سفيان نعيم بن ~~مسعود؛ وكان يخرج إلى المدينة للتجارة؛ فقال: ~~إذا أتيت المدينة فخوفهم كيلا يخرجوا ولك ~~عشر من الإبل إن رددتهم، فلما قدم نعيم إلى ~~المدينة؛ وكان أصحاب رسول الله يريدون موافاة ~~أبي سفيان؛ قال: بئس الرأي رأيتم، أتوكم في ~~دياركم وقراركم، ولم ينفلت منهم إلا ~~الشريد؛ تريدون أن تأتوهم في ديارهم وقد ~~جمعوا لكم، أما إن الرجل الواحد منهم يطيق ~~عشرة منكم، إذا والله ما ينفلت منكم إلا ~~الشريد. فكره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الخروج إليهم وتثاقلوا، فلما رأى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ذلك منهم قال: " والذي نفسي بيده ~~لأخرجن إليهم، وإن لم يخرج معي منكم أحد " ~~فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم للميعاد، ومعه أبو ~~بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير ~~وسعد وعبدالله بن مسعود وحذيفة وأبو عبيدة ~~في سبعين رجلا ms0448 حتى انتهوا إلى بدر؛ فلم يخرج أبو ~~سفيان ولم يلقوا بها أحدا من المشركين، ~~فتسوقوا من السوق حاجتهم ثم انصرفوا، فذلك ~~قوله تعالى: { الذين استجابوا لله والرسول من ~~بعد مآ أصابهم القرح } " # قالت عائشة رضي الله عنها لعبدالله بن الزبير: (يا ~~ابن أختي؛ أما والله إن أباك وجدك - تعني أبا بكر ~~- لمن الذين قال الله فيهم { الذين استجابوا ~~لله والرسول } الآية). ### || [3.173] # قوله تعالى: { الذين قال لهم الناس إن الناس ~~قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا }؛ معناه: ~~الذين قال لهم نعيم بن مسعود إن أبا سفيان وأصحابه قد ~~جمعوا لكم فاخشوهم ولا تخرجوا إليهم؛ فزادهم هذا ~~القول تصديقا ويقينا وجرأة على القتال. { وقالوا حسبنا ~~الله }؛ أي يقينا بالله، وكافينا الله أمرهم. { ونعم ~~الوكيل }؛ أي الناصر الحافظ، وموضع (الذين) خفض مردود ~~على (الذين) الأول. وقد ذكر الله نعيما بلفظ الناس؛ ~~لأن الواحد قد يذكر بلفظ الجماعة على معنى الحسن، ولهذا قالوا: من ~~حلف وقال: إن كلمت الناس فعبدي حر، فكلم رجلا واحدا ~~حنث. ### || [3.174] # قوله تعالى: { فانقلبوا بنعمة من الله وفضل ~~لم يمسسهم سوء }؛ أي فانصرفوا بأجر من الله ~~وفضل؛ وهو ما تسوقوا به من السوق. وروي أنهم اشتروا ~~أدما وزيتا وأشياء وغير ذلك بسعر رخيص فربحوا على ذلك. ومعنى { ~~لم يمسسهم سوء } لم تصبهم جراحة ولا قتل، { ~~واتبعوا رضوان الله }؛ في الخروج إلى المشركين؛ { ~~والله ذو فضل عظيم }؛ بدفع المشركين عن المؤمنين. ### || [3.175] # قوله تعالى: { إنما ذلكم الشيطان يخوف ~~أولياءه }؛ أراد بالشيطان نعيم بن مسعود؛ وكل عات ~~متمرد فهو شيطان. وقيل: معناه: ذلك التخويف من عمل الشيطان ~~ووسوسته، وقوله { يخوف أولياءه } يعني المنافقين ~~ومن لا حقيقة في إيمانه. { فلا تخافوهم وخافون إن ~~كنتم مؤمنين }؛ أي خافوني في ترك أمري. # وذهب بعض المفسرين إلى أن قوله تعالى: # الذين استجابوا # [آل عمران: 172] أنزلت في حرب أحد، وذلك: # " أنه لما رجع المسلمون إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بعد الهزيمة؛ قال لهم: " رحم الله قوما ~~انتدبوا لهؤلاء المشركين ليعلموا أنا لم ~~نستأصل ms0449 " فانتدب قوم ممن أصابهم الجراح في ~~ذلك اليوم فشدوا على المشركين حتى كشفوهم ~~عن القتلى بعد أن مثلوا بحمزة، وقد كان هموا ~~بالمثلة بقتلى المسلمين، فقذف الله في قلوبهم ~~الرعب؛ فانهزموا. # وصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على القتلى ~~ودفنهم، فجاء أناس من العرب وقد مروا بأبي ~~سفيان وأصحابه بموضع يسمى حمراء الأسد، ~~فقالوا للمسلمين: تركناهم متأهبين للرجوع ~~إلى المدينة لقتل بقيتكم، فعند ذلك قال ~~المسلمون: حسبنا الله ونعم الوكيل، فأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بالمسير إليهم، فلما ~~ساروا إلى حمراء الأسد وهي على رأس ثمانية ~~أميال من المدينة لم يروا المشركين هناك؛ ~~فانصرف المسلمون إلى المدينة بنعمة من الله ~~وفضل؛ وهي كفايته لهم شر قريش حتى لم ~~ينلهم منهم سوء " # وفي قوله # والله ذو فضل عظيم # [آل عمران: 174] بيان أنه تعالى تفضل عليهم من بعد بنعيم الدنيا ~~والآخرة. ### || [3.176] # قوله تعالى: { ولا يحزنك الذين يسارعون في ~~الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا }؛ قرأ نافع ~~(يحزنك) بضم الياء وكسر الزاي في جميع ما كان في هذا الفعل ~~في جميع القرآن إلا آية في الأنبياء # لا يحزنهم الفزع # [الأنبياء: 103]. وقرأ الباقون بفتح الياء وضم الزاي وهما لغتان. ~~وقرأ طلحة بن مصرف: (يسرعون في الكفر) والباقون ~~(يسارعون). # ومعنى الآية: لا يحزنك يا محمد الذين يبادرون الجحد ~~والتكذيب؛ وهم اليهود كانوا يكتمون صفة النبي صلى الله عليه ~~وسلم في التوراة، وكان يشق على النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: ~~يعني كفار قريش كانوا يكذبونه، وكان الناس يقولون: لو كان ~~حقا لاتبعه أقرباؤه، وكان ذلك يشق عليه. وقيل: نزلت هذه ~~الآية في قوم ارتدوا عن الإسلام فاغتم النبي صلى الله عليه ~~وسلم. # قوله تعالى: { إنهم لن يضروا الله شيئا } أي لم ~~ينقصوا شيئا من ملك الله وسلطانه؛ { يريد الله ألا ~~يجعل لهم حظا في الآخرة }؛ نصيبا من الجنة؛ { ~~ولهم عذاب عظيم }. ### || [3.177] # قوله عز وجل: { إن الذين اشتروا الكفر ~~بالإيمان لن يضروا الله شيئا }؛ أي الذين اختاروا ~~الكفر على الإيمان ms0450 لا ينقص من ملك الله شيئا، وإنما أضر من ~~أنفسهم حيث استوجبوا العذاب؛ { ولهم عذاب أليم }؛ أي ~~وجع في الآخرة. ### || [3.178] # قوله تعالى: { ولا يحسبن الذين كفروا أنما ~~نملي لهم خير لأنفسهم }؛ قرأ حمزة بالتاء على الخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم؛ أي لا تظنن يا محمد اليهود ~~والنصارى والمنافقين إن إملاءنا لهم خير لهم من أن يموتوا كما ~~مات شهداء أحد. وقيل: معناه: لا تحسبن يا محمد أملى لهم ~~لخير وتوبة تقع منهم، { إنما نملي لهم ليزدادوا ~~إثما } ، إنما إملاؤنا لهم لتكون عاقبة أمرهم أن ~~يزدادوا بذلك معصية على معصية؛ { ولهم عذاب مهين }؛ ~~يهانون فيه. # وقيل: إن المراد بالذين كفروا كفار مكة؛ أي لا تظنن ما ~~أصابوه يوم أحد من الظفر خير لأنفسهم، وإنما كان ذلك ليزدادوا ~~معصية فيزاد في عقوبتهم. وقرأ الباقون: (ولا تحسبن) بالتاء ~~معناه: لا تحسبن الكفار إملاءنا إياهم خير لهم، والإملاء في ~~اللغة: إطالة المدة والإمهال والتأخير، ومنه ~~قوله # واهجرني مليا # [مريم: 46] أي دهرا طويلا. قال ابن مسعود: (ما من نفس ~~برة ولا فاجرة إلا والموت خير لها من ~~الحياة، أما الفاجرة فقد قال الله: { إنما نملي ~~لهم ليزدادوا إثما }؛ وأما البرة فقد قال ~~الله تعالى: # وما عند الله خير للأبرار # [آل عمران: 198]. ### || [3.179] # قوله تعالى: { ما كان الله ليذر المؤمنين ~~على مآ أنتم عليه حتى يميز الخبيث من ~~الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ~~ولكن الله يجتبي من رسله من يشآء }؛ اختلفوا في ~~تأويلها؛ قال الكلبي: (قالت قريش: يا محمد؛ تزعم ~~أن من خالفك فهو في النار؛ والله عليه غضبان، ~~ومن اتبعك على دينك فهو في الجنة؛ والله عنه ~~راض، فخبرنا بمن يؤمن بك ومن لا يؤمن بك، ~~فأنزل الله هذه الآية). ومعناها: لم يكن الله ليترك من ~~كان في علمه السابق أنه يؤمن، على ما أنتم عليه من ~~الكفر حتى يميز الكافر والمنافق من المؤمن المخلص { وما ~~كان الله ليطلعكم } يا أهل مكة على من يصير منكم ~~مؤمنا قبل أن يؤمن، ولكن ms0451 الله يصطفي بالنبوة والرسالة من يشاء ~~فيوحي إليه بما يشاء؛ لأن الغيب لا يطلع عليه إلا الرسل ~~بوحي من الله ليقيموا البرهان على أن ما أتوا به من عند الله؛ { ~~فآمنوا بالله ورسله }؛ أي صدقوا، { وإن تؤمنوا ~~وتتقوا }؛ الشرك والمعصية؛ { فلكم أجر عظيم }؛ في ~~الجنة. # وقال بعضهم: الخطاب للكافرين والمنافقين، معنى الآية: { ما كان ~~الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه } يا معشر ~~الكفار والمنافقين من الكفر والنفاق { حتى يميز الخبيث ~~من الطيب }. وقيل: الخطاب للمؤمنين؛ أي ما كان الله ~~ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من التباس ~~المؤمن بالمنافق حتى يميز الخبيث. # قرأ الحسن وقتادة والكوفيون إلا عاصما: (يميز) بضم الياء ~~والتشديد، وكذلك في الأنفال. والباقون بالتخفيف وفتح الياء من ~~الميز وهو الفرق، ويسمى العاقل مميزا لأنه يفرق بين ~~الحق والباطل، معناه: حتى تميز المنافق من المخلص، ~~فيميز الله المؤمنين يوم أحد من المنافقين حين أظهروا النفاق ~~وتخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال بعضهم: معنى ~~الآية: { ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم ~~عليه } من الإقرار حتى يفرض عليهم الجهاد والفرائض ~~ليميز بها من يثبت على إيمانه ممن ينقلب على عقبيه، ~~وما كان ليطلعكم على الغيب؛ لأنه لا يعلمه إلا الله، ولكن ~~الله يختار من رسله من يشاء، فيطلعه على بعض علم ~~الغيب. # وروي: أن الحجاج بن يوسف كان عنده منجم، فأخذ الحجاج ~~حصيات بيده قد عرف عددها، فقال للمنجم: كم في ~~يدي؟ فحسب المنجم فأصاب، ثم اغتفله الحجاج فأخذ ~~حصيات لم يعدها، قال للمنجم: كم في يدي؟ فحسب ~~المنجم فأخطأ، ثم حسب فأخطأ، فقال: أيها الأمير: أظنك ~~لا تعرف عدده، قال: لا، فقال: إن ذلك الأول أحصيت عدده فخرج ~~عن حد الغيب، فأصبت في حسابه. وهذا لم تعرف عدده فصار ~~غيبا، والغيب لا يعلمه إلا الله. ### || [3.180] # قوله تعالى: { ولا يحسبن الذين يبخلون بمآ ~~آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر ~~لهم }؛ من قرأ: { ولا تحسبن } بالتاء فمعناه: ولا ms0452 ~~تظنن يا محمد بخل الذين يبخلون بما أعطاهم الله من ~~المال؛ فيمنعون من ذلك حق الله في الزكاة والجهاد وسائر وجوه ~~البر التي وجبت عليهم، لا تظنن ذلك خيرا لهم. وقوله ~~(هو خير) للفصل، ويسميه الكوفيون العماد، ومعنى { بل ~~هو شر لهم } أي بخلهم بحق الله شر لهم. ومن قرأ ~~بالياء والفعل المباخلين؛ كأنه قال: ولا يحسبن الذين ~~يبخلون البخل خيرا لهم. # قوله تعالى: { سيطوقون ما بخلوا به يوم ~~القيامة }؛ أي سيأتون يوم القيامة بما بخلوا به من الزكاة ~~ونفقة الجهاد كهيأة الطوق في أعناقهم، قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " يأتي كنز أحدكم شجاعا أقرع فيتطوق في ~~عنقه يلدغه؛ حية في عنقه يطوق بها؛ وتقول: ~~أنا الزكاة التي بخلت بي في الدنيا " # وقال بعضهم: يجعل ما بخل به من الزكاة حية في عنقه ~~يطوق بها - أي يوم القيامة - تنهشه من قرنه إلى قدمه؛ ~~وتنقر رأسه وتقول: أنا مالك، ولا يزال كذلك حتى يساق ~~إلى النار ويغل، وهذا قول ابن مسعود وابن عباس والشعبي ~~والسدي. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " ما من ذي رحم يأتي إلى ذي رحمه يسأله من ~~فضل ما أعطاه الله فيبخل به عليه؛ إلا أخرج الله ~~له من جهنم شجاعا يتلمظ حتى يطوقه. ثم ~~تلا هذه الآية " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " مانع الزكاة في النار " # وذهب بعضهم إلى أن المراد بهذه الآية اليهود؛ بخلوا بيان ~~صفة النبي صلى الله عليه وسلم، ومعنى { سيطوقون } على هذا ~~القول: وزره ومأثمه. والأظهر في هذه الآية: أنه البخل ~~بالمال. # قوله تعالى: { ولله ميراث السموت والأرض }؛ ~~تحريض الإنفاق؛ ومعناه: يموت أهل السموات وأهل الأرض كلهم ~~من الملائكة والجن والإنس ولا يبقى إلا الله، وإذا كانت الأموال ~~لا تبقى للإنسان ولا يحملها مع نفسه إلى قبره؛ فالأولى به أن ~~ينفقها في الوجوه التي أمر الله بها؛ فيستوجب بها الحمد ~~والثواب. قوله تعالى: { والله بما تعملون خبير }؛ ~~أي عالم بمن يؤدي الزكاة ومن يمنعها. ### || [3.181] # قوله تعالى: { لقد سمع الله قول الذين ~~قالوا ms0453 إن الله فقير ونحن أغنيآء }؛ قال مجاهد: ~~(لما نزل قوله تعالى: # من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا # [البقرة: 245] قالت اليهود: إن الله يستقرض منا ~~ونحن أغنياء). قال الحسن: (إن قائل هذه المقالة ~~حيي ابن أخطب). قال عكرمة والسدي ومقاتل: # " كتب النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر رضي الله عنه ~~إلى اليهود يدعوهم إلى الإسلام وإلى إقامة الصلاة ~~وإيتاء الزكاة وأن يقرض الله قرضا حسنا، فدخل ~~أبو بكر مدارسهم؛ فوجد ناسا كثيرا منهم قد ~~اجتمعوا على رجل يقال له فنحاص بن عازورا؛ ~~وكان من علمائهم، فقال أبو بكر رضي الله عنه ~~لفنحاص: إتق الله وأسلم، فوالله إنك تعلم أن ~~محمدا رسول الله تجدونه مكتوبا عندكم في ~~التوراة والإنجيل؛ فآمن وصدق وأقرض الله قرضا ~~حسنا يدخلك الجنة. فقال فنحاص: يا أبا بكر ~~تزعم أن ربنا يستقرض منا أموالنا، وما ~~يستقرض إلا الفقير من الغني، فإن كان ما ~~تقول حقا فإن الله فقير ونحن أغنياء. فغضب ~~أبو بكر رضي الله عنه وضرب وجه فنحاص ضربة شديدة، ~~وقال: والذي نفسي بيده؛ لولا العهد الذي ~~بيننا وبينكم لضربت عنقك يا عدو الله. فذهب ~~فنحاص إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا ~~محمد؛ انظر ما صنع بي صاحبكم؟ فقال صلى الله عليه ~~وسلم لأبي بكر: " ما حملك على ما صنعت؟ " فقال: يا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قال قولا عظيما زعم أن ~~الله فقير وهم أغنياء، فغضبت لله تعالى وضربت ~~وجهه. فجحد فنحاص، فأنزل الله هذه الآية ردا ~~على فنحاص، وتصديقا لأبي بكر رضي الله عنه: { لقد ~~سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ~~ونحن أغنيآء } ". # قوله تعالى: { سنكتب ما قالوا }؛ أي سيكتب ~~الكاتبون الكرام عليهم بأمرنا قولهم؛ { وقتلهم الأنبياء ~~بغير حق }؛ بلا جرم لهم فيجازيهم به. وقرأ حمزة والأعمش ~~(سيكتب) بياء مضمومة وفتح التاء (وقتلهم الأنبياء) ~~بالرفع. { ونقول }؛ بالياء اعتبارا بقراءة ابن مسعود، وقال: { ~~ذوقوا عذاب الحريق }؛ أي النار، وإنما قال (الحريق) ~~لأن النار اسم للملتهبة وغير الملتهبة، ms0454 والحريق اسم منها. ### || [3.182] # قوله تعالى: { ذلك بما قدمت أيديكم وأن ~~الله ليس بظلام للعبيد }؛ أي يقال للكافرين ذلك بما ~~قدمت أيديكم على الكفر وقتل الأنبياء صلوات الله ~~عليهم، وقوله: { وأن الله ليس بظلام للعبيد } ~~لا يعذب أحدا بغير ذنب ولا يمنع أحدا جزاءه حسب ~~استحقاقه خيرا فعله أو شرا. ### || [3.183] # قوله تعالى: { الذين قالوا إن الله عهد ~~إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان ~~تأكله النار }؛ قال الكلبي: (نزلت في كعب بن ~~الأشرف ومالك ابن الصيف ووهب بن يهوذا وفنحاص ~~بن عازورا؛ أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: ~~أتزعم يا محمد أن الله بعثك إلينا رسولا، ~~وأنزل عليك كتابا، وأن الله قد عهد إلينا في ~~التوراة: أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان ~~تأكله النار، فإن جئتنا به صدقناك. فأنزل الله ~~هذه الآية). # ومعناها: وسمع الله قول الذين قالوا إن الله عهد ~~إلينا، ومحل { الذين } خفض ردا على { الذين } ~~الأول؛ ومعناها: عهد إلينا: أمرنا وأوصانا في كتبه ~~وعلى ألسنة رسله أن لا نصدق رسولا يزعم أنه جاء ~~من عند الله { حتى يأتينا بقربان } وهو ما يتقرب ~~به إلى الله من صدقة، وكانت القرابين والغنائم لا تحل ~~لبني إسرائيل، وكانوا إذا قربوا قربانا أو غنموا غنيمة ~~فتقبل منهم؛ جاءت من السماء نار ولها دخان ولها دوي ~~وخفيق فتأكل ذلك القربان وتلك الغنيمة، فيكون ذلك علامة ~~القبول، واذا لم يقبل بقي إلى حاله، فقال هؤلاء اليهود: (إن ~~الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا ~~بقربان تأكله النار) كما كان في زمن موسى وزكريا ~~ويحيى وغيرهم عليهم السلام. # وكان هذا القول منهم كذبا على الله واعتلالا ومدافعة في ~~الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم لا إحتجاجا صحيحا؛ فاحتج ~~الله عليهم بقوله: { قل قد جآءكم رسل من قبلي ~~بالبينات وبالذي قلتم }؛ أي قل يا محمد قد ~~جاءكم رسل من قبلي بالعلامات الواضحات والمعجزات { ~~وبالذي قلتم } من أمر القربان، { فلم قتلتموهم إن ~~كنتم صادقين }؛ في مقالتكم. وكانوا قتلوا زكريا ويحيى ~~وغيرهم، ms0455 وأراد بذلك أسلافهم فخاطبهم بذلك لأنهم رضوا بفعل ~~أسلافهم. ### || [3.184] # قوله تعالى: { فإن كذبوك فقد كذب رسل من ~~قبلك }؛ فإن كذبوك يا محمد فلست بأول رسول كذب، ~~فقد كذب نوح وهود وصالح وغيرهم؛ { جآءوا بالبينات }؛ أي ~~بالعلامات الواضحات؛ { والزبر }؛ وهو جمع زبور؛ وهو كل ~~كتاب ذي حكمة؛ يقال: زبرت إذا كتبت؛ وزبرت إذا قرأت. ~~وأما { والكتاب المنير }؛ فهو الكتاب المبين للحلال ~~والحرام. ### || [3.185] # قوله تعالى: { كل نفس ذآئقة الموت وإنما ~~توفون أجوركم يوم القيامة }؛ قرأ الأعمش: (ذائقة) ~~بالتنوين، ونصب (الموت)، قال ابن عباس: (لما نزل قوله ~~تعالى: # كل من عليها فان # [الرحمن: 26] قالت الملائكة: هلك أهل الأرض. فلما ~~نزلت هذه الآية أيقنت الملائكة بالهلاك). وعن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لما خلق الله آدم اشتكت الأرض إلى ربها لما أخذ ~~منها؛ فوعدها أن يرد إليها ما أخذ منها، فما من ~~أحد إلا يدفن في التربة التي أخذ منها " # ورأى أبو هريرة قبرا جديدا، فقال: (سبحان الله! ~~انظروا كيف سبق هذا العبد إلى تربته التي خلق ~~منها). # قوله تعالى: { وإنما توفون أجوركم يوم ~~القيامة } أي تعطون جزاء أعمالكم يوم القيامة، إن خيرا ~~فخير؛ وإن شرا فشر، لا تغتروا بنعم الكفار، ولا ~~تحزنوا لشدائد المؤمنين، فإن كلا الفريقين يتفرقون؛ ~~فلا بؤس يبقى ولا نعيم في الدنيا. # قوله تعالى: { فمن زحزح عن النار }؛ أي أبعد ~~عنها؛ { وأدخل الجنة فقد فاز }؛ أي نجا وسعد ~~وظفر بما يرجو. قوله تعالى: { وما الحياة الدنيا إلا ~~متاع الغرور }؛ متاع الدنيا مثل القدر والقصعة والفأس، ~~يتمتع بهذه الأشياء؛ أي ينتفع بها ثم تذهب فتفنى، كذلك الحياة ~~الدنيا. وقيل: { متاع الغرور } ما يغر به الإنسان في ~~الحال، فكما أن التاجر يهرب من متاع الغرور وهو ما يسرع إليه ~~الفساد مثل الزجاج، والذي يسرع إليه الكسر ويصلحه الجبر؛ كذلك ~~ينبغي للحي أن يهرب من الدنيا الفانية إلى متاع الآخرة. # وعن عبد الله بن عمر؛ قال: (لما توفي رسول الله صلى ~~الله عليه ms0456 وسلم سجيناه بثوب، وجلسنا حوله نبكي، ~~فأتانا آت نسمع صوته ولا نرى شخصه، فقال: ~~السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقلنا: ~~وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فقال: { ~~كل نفس ذائقة الموت } إلى آخر الآية، ثم قال: إن ~~في الله خلفا لكل هالك؛ وعزاء من كل مصيبة؛ ~~ودركا من كل فائت، فبالله فاتقوا وإياه ~~فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب). قال: ~~(فتحدثنا أنه جبريل عليه السلام). ### || [3.186] # قوله تعالى: { لتبلون في أموالكم وأنفسكم ~~}؛ وذلك أن الله تعالى لما ذكر الجنة أتى عقبها بما يدعو ~~إليها ويوجبها فقال: { لتبلون في أموالكم ~~وأنفسكم } أي لتختبرن بالنقص والذهاب في الأموال، وفي ~~أبدانكم بالأمراض والأوجاع. ويقال: إن المراد بالإبتلاء ~~فرائض الدين مثل الجهاد في سبيل الله والإنفاق فيه. # قوله تعالى: { ولتسمعن من الذين أوتوا ~~الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا ~~}؛ معناه: ولتسمعن من اليهود والنصارى ومشركي العرب كلام أذى ~~كثيرا. أما من اليهود فقولهم: عزير ابن الله، وقولهم: إن ~~الله فقير ونحن أغنياء. ومن النصارى قولهم: المسيح ~~ابن الله، وقولهم: إن الله ثالث ثلاثة. ومن المشركين ~~قولهم: الملائكة بنات الله، وعبادتهم الأوثان ونصبهم ~~الحرب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. والأذى: ما يكره الإنسان ~~ويغتم به. # قال الزهري: # " نزلت في كعب بن الأشرف؛ وذلك أنه كان يهجو ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ويسب المسلمين ويحرض ~~المشركين على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في ~~سمره حتى آذاهم، فقال صلى الله عليه وسلم: " من لي بابن ~~الأشرف؟ " فقال محمد بن مسلمة الأنصاري: أنا ~~لك به يا رسول الله أنا أقتله، قال: " أفعل إن قدرت ~~على ذلك " ، قال: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه لا ~~بد لنا أن نقول؟ قال: " قولوا ما بدا لكم فأنتم ~~في حل من ذلك ". # واجتمع محمد بن مسلمة، وأبو نائلة وهو أخو ~~كعب من الرضاعة، وهو سلكان بن سلامة بن وقش، ~~وعباد بن بشر بن وقش، والحارث بن أوس، وأبو ~~عبس ابن جبر، ومشى معهم رسول الله صلى الله ms0457 عليه وسلم ~~إلى بقيع الغرقد ثم وجههم، فقال: " انطلقوا ~~على اسم الله، اللهم أعنهم ". # ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته، وهو ~~في ليلة مقمرة، فأتوا حتى انتهوا إلى حصنه؛ ~~فقوموا أبا نائلة لأنه أخوه من الرضاعة، ~~فجاءه فتحدث معه ساعة ثم قال: يا كعب؛ إني ~~جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فاكتمها علي، قال: ~~أفعل، قال: كان قدوم هذا الرجل بلادنا بلاء ~~علينا؛ عادتنا العرب فرمونا عن قوس واحدة؛ ~~وانقطعت عنا السبيل حتى ضاعت العيال وجهدت ~~الأنفس. فقال كعب ابن الأشرف: أما والله لقد ~~أخبرتك أن الأمر سيصير إلى هذا. فقال أبو ~~نائلة: إن معي أصحابا أردنا أن تبيعنا من ~~طعامك ونرهنك ونوثق لك سلاحا، وقد علمت ~~حاجتنا اليوم إلى السلاح، فقال: هاتوا سلاحكم، ~~وأراد أبو نائلة يذكر السلاح حتى لا ينكر ~~السلاح إذا رآه، فرجع أبو نائلة إلى أصحابه ~~فأخبرهم خبره، فأقبلوا إليه حتى انتهوا ~~إليه، وكان كعب حديث عهد بعرس. # فبادأه أبو نائلة فوثب في ملحفه؛ فأخذت ~~امرأته بناصيته وقالت: إنك رجل محارب وصاحب ~~الحرب لا ينزل في مثل هذه الساعة، فقال: إن ~~هؤلاء وجدوني نائما ما أيقظوني؛ وإنه أبو نائلة ~~أخي، قالت: فكلمهم من فوق الحصن، فأبى عليها، ~~فنزل إليهم فتحدث معهم ساعة ثم قالوا له: ~~يا ابن الأشرف؛ هل لك أن نتماشى ونتحدث ساعة؟ ~~فمشى معه ساعة، ثم إن أبا نائلة جعل يده على ~~رأس كعب ثم شمها وقال: ما شممت طيب عرس قط ~~مثل هذا! قال كعب: إنه طيب أم فلان؛ يعني ~~امرأته. # ثم مشى ساعة، فعاد أبو نائلة لمثلها حتى ~~اطمأن ثم مشى ساعة، ثم عاد بمثلها، ثم أخذ ~~بفود رأسه حتى استمكن، ثم قال لأصحابه: ~~اضربوا عدو الله؛ فاختلفت عليه أسيافنا فلم ~~تغن شيئا، قال محمد بن مسلمة فركزت مغولا ~~في ثنته، ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته، ~~فصاح صيحة لم يبق من حولها حصن إلا وقد ~~أوقد نارا، فوقع عدو الله على الأرض، وقد أصيب ~~الحارث بن أوس بجرح ms0458 في رأسه؛ أصابه بعض ~~أسيافنا، فنزفه الدم وأبطأ علينا؛ فوقفنا له ~~ساعة، ثم احتملناه وجئنا به إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم آخر الليل وهو قائم يصلي، فسلمنا ~~عليه فخرج إلينا؛ فأخبرناه بقتل كعب وجئنا ~~برأسه إليه، وتفل على جرح صاحبنا فبرأ، ورجعنا ~~إلى أهلنا، فأصبحنا وقد خافت اليهود لوقعتنا ~~بعدو الله، فقال صلى الله عليه وسلم: " من ظفرتم به من ~~رجل يهود فاقتلوه ". # قوله تعالى: { وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك ~~من عزم الأمور }؛ أي إن تصبروا على أذى الكفار وتتقوا ~~معصية الله فإن ذلك من عزم الأمور وخيرها؛ أي من حقيقة الإيمان. ### || [3.187] # قوله تعالى: { وإذ أخذ الله ميثاق الذين ~~أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه }؛ ~~أي قد أخذ الله ميثاق أهل الكتاب ليبين الكتاب بما فيه من ~~نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته للناس ولا يخفون شيئا ~~من ذلك. قرأ عاصم وأبو عمرو وابن كثير بالياء فيهما. وقرأ الباقون ~~بالتاء فيها. # قوله تعالى: { فنبذوه ورآء ظهورهم }؛ أي ضيعوه ~~وتركوا العمل به، يقال للذي ترك العمل به: جعله خلف ~~ظهره. قوله تعالى: { واشتروا به ثمنا قليلا }؛ ~~أي اختاروا بكتمان نعت النبي صلى الله عليه وسلم وصفته ~~عرضا يسيرا من المآكل والهدايا التي كانت لعلمائهم من ~~رؤسائهم، { فبئس ما يشترون }؛ أي يختارون الدنيا على ~~الآخرة. ### || [3.188] # قوله تعالى: { لا تحسبن الذين يفرحون بمآ ~~أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا }؛ قرأ ~~اهل الكوفة: (يحسبن) بالياء، وقرأ غيرهم بالتاء، فمن قرأ ~~بالياء فمعناه: لا يحسبن الفارحون فرحهم منجيا لهم ~~من العذاب، ومن قرأ بالتاء فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقوله: { فلا تحسبنهم } إعادة توكيد. قرأ الضحاك بالتاء ~~وضم الباء أراد محمدا وأصحابه. وقرأ مجاهد وابن كثير وأبو عمر ~~بالياء وضم الباء خبرا عن الفارحين؛ أي لا يحسبن ~~أنفسهم. # واختلفوا فيمن نزلت، فقال مجاهد وعكرمة: (نزلت في اليهود ~~وكانوا يقولون: نحن أهل الصلاة والصوم والكتاب ~~الأول والعلم الأول، يريدون الفخر والسمعة ~~والرياء لكي يثني عليهم ويحمدهم سفلتهم ~~على ما ms0459 يفعلون من بيان صفة كتابهم). وقال عطاء: ~~(نزلت في المنافقين؛ كانوا يأتون النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويخالطون المسلمين ويراؤن بالأعمال ~~التي يحبون أن يحمدوا ويمدحوا على ذلك). # قوله تعالى: { فلا تحسبنهم بمفازة من ~~العذاب }؛ أي لا تظنهم يا محمد بمنجاة؛ أي بعد من ~~العذاب، { ولهم عذاب أليم }؛ وجيع في الآخرة، وتكرار { ~~لا تحسبن } لطول القصة. ويجوز أن يكون خبر { لا تحسبن ~~} الأول مضمرا تقديره: لا يحسبن الذين يفرحون بما ~~أوتوا ويحبون أن يحمدوا بما لن يفعلوا ناجين، ومن قرأ ~~(بما أوتوا) بالمد؛ فمعناه: بما أعطوا من النفقة والصدقة. ~~ومن قرأ (بما أتوا) بما أعطوا من الدنيا. ### || [3.189] # قوله تعالى: { ولله ملك السموت والأرض ~~والله على كل شيء قدير }؛ أي ولله خزائن السماوات ~~والأرض، فخزائن السماوات المطر، وخزائن الأرض النبات، ووجه اتصال ~~هذه الآية بما سبق أن في هذا تكذيب اليهود في قولهم: إن الله ~~فقير، ونحن أغنياء، وبيان أن من كان مالك السماوات ~~والأرض قادر على الانتقام من الكفار، والإثابة للمؤمنين وعلى كل ~~شيء. ### || [3.190] # قوله تعالى: { إن في خلق السموت والأرض ~~واختلاف اليل والنهار لآيات لأولي الألباب }؛ ~~معناه إن في خلق السماوات بما فيها من الشمس والقمر والنجوم، ~~والأرض بما فيها من الجبال والشجر والنبات والدواب واختلاف ~~الليل والنهار في المجيء والذهاب واللون لعلامات واضحات ~~لذوي العقول على توحيد الله. ### || [3.191] # قوله تعالى: { الذين يذكرون الله قياما ~~وقعودا وعلى جنوبهم }؛ بيان لصفة أولي الألباب، ومعنى ~~الذكرالمطلق؛ أي يذكرون الله في جميع أحوالهم، وقيل: ~~المراد به الصلاة؛ أي لا يتركون الصلاة؛ صحوا أو مرضوا، ~~يصلون قياما إن استطاعوا؛ أو جلوسا إن لم يستطيعوا ~~القيام؛ ومضطجعين إن لم يستطيعوا الجلوس. # قوله تعالى: { ويتفكرون في خلق السموت ~~والأرض }؛ أي في عظم شأنهما ومن فيهما من الآيات ~~والعبرات؛ القائلين: { ربنآ ما خلقت هذا باطلا }؛ أي ~~ما خلقت هذا الخلق للباطل والعبث؛ بل خلقته ~~دليلا على وحدانيتك وصدق ما أتت به أنبياؤك. # قوله تعالى: { سبحانك }؛ أي تنزيها لك وبراءة لك من ~~أن تكون ms0460 خلقتهما باطلا؛ { فقنا }؛ فادفع؛ { عذاب ~~النار }؛ قال صلى الله عليه وسلم: # " من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر ذكر ~~الله " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " ذكر الله علم الإيمان؛ وبراءة من النفاق؛ ~~وحصن من الشيطان؛ وحرز من النيران " # قوله تعالى: { ويتفكرون في خلق السموت ~~والأرض } أي لهما صانع قادر مريد حكيم، وكان سفيان الثوري ~~يبول الدم من طول حزنه وفكرته، وكان إذا رفع ~~رأسه إلى السماء فرأى الكواكب غشي عليه. # وانتصب قوله { باطلا } بنزع الخافض؛ أي ما خلقته ~~للباطل، فقيل على المفعول الثاني، وقوله: { ما خلقت هذا ~~باطلا } ذاهبا به إلى لفظ الخلق، ولو رده إلى السماء ~~والأرض لقال: هذه. ### || [3.192] # قوله تعالى: { ربنآ إنك من تدخل النار فقد ~~أخزيته }؛ أي فقد أهنته وذللته؛ وقيل: أهلكته؛ ~~وقيل: فضحته؛ { وما للظالمين من أنصار }؛ أي ما ~~لهم من مانع يمنعهم مما يراد دونهم من العذاب. ### || [3.193] # قوله تعالى: { ربنآ إننآ سمعنا مناديا ينادي ~~للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا }؛ أي يقولون ربنا ~~إننا سمعنا محمدا صلى الله عليه وسلم يدعو الخلق إلى ~~الإيمان أن آمنوا بربكم فأجبنا إلى ما دعانا إليه وأمرنا ~~به. وقال محمد بن كعب القرظي: المنادي هو ~~القرآن؛ يدعو الناس كلهم إلى شهادة أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله، وقوله: { للإيمان } ~~أي إلى الإيمان، كقوله # لما نهوا عنه # [الأنعام: 28]. # قوله تعالى: { ربنا فاغفر لنا ذنوبنا }؛ أي ~~اغفر لنا الكبائر وما دونها؛ { وكفر عنا سيئاتنا }؛ ~~أي شركنا في الجاهلية، { وتوفنا مع الأبرار }؛ أي ~~اجعل أرواحنا مع أرواح الأنبياء والصالحين الذين كانوا ~~قبلنا. ### || [3.194] # قوله تعالى: { ربنا وآتنا ما وعدتنا على ~~رسلك }؛ أي أعطنا ما وعدتنا على ألسنة رسلك، { ولا ~~تخزنا يوم القيامة }؛ أي لا تعذبنا، { إنك لا ~~تخلف الميعاد }؛ من الثواب والجنة للمؤمنين، فإن قيل: ~~ما فائدة قولهم { ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك } ~~وقد علموا أن الله لا يخلف الميعاد؟ قيل: فائدته ~~التعبد والخضوع ورفع الحاجة إليه في عموم الأحوال. ### || [3.195] # قوله تعالى: { فاستجاب لهم ربهم ms0461 أني لا أضيع ~~عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من ~~بعض }؛ قال الكلبي: (معنى في الدين والنصرة ~~والموالاة). وقيل: حكم جميعكم في الثواب واحد، وقيل: كلكم ~~من آدم وحواء. وقال مجاهد: قالت أم سلمة: يا رسول ~~الله؛ إني أسمع الله يذكر الرجال في الهجرة، ولا ~~يذكر النساء بشيء، فأنزل الله هذه الآية { ~~فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل ~~منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض }. قال ~~الضحاك: (معناه: رجالكم شكل نسائكم في الطاعة، ~~ونساؤكم شكل رجالكم في الطاعة). # قوله تعالى: { فالذين هاجروا وأخرجوا من ~~ديرهم وأوذوا في سبيلي }؛ الآية أي الذين هاجروا من ~~مكة إلى المدينة، وأخرجوا من أوطانهم وأوذوا في طاعتي، { ~~وقتلوا }؛ المشركين مع محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وقتلهم العدو. # قوله تعالى: { وقتلوا لأكفرن عنهم ~~سيئاتهم }؛ ذنوبهم، { ولأدخلنهم جنت تجري ~~من تحتها الأنهر }؛ أي بساتين تجري من تحت شجرها ومساكنها ~~الأنهار، { ثوابا }؛ جزاء، { من عند الله }؛ انتصب ~~(ثوابا) على المصدر؛ معناه: لآتينهم ثوابا. قوله ~~تعالى: { والله عنده حسن الثواب }؛ أي حسن الجزاء ~~للموحدين المطيعين. # قرأ محارب بن دثار: (وقاتلوا وقتلوا) بالفتح. وقال يزيد ~~بن حازم: (سمعت عمر بن عبدالعزيز يقرأ: وقتلوا ~~وقتلوا؛ يعني أنهم قتلوا المشركين، ثم ~~قتلهم المشركون). وقرأ أبو رجاء وطلحة والحسن: ~~(وقتلوا وقتلوا) بالتشديد. وقرأ عاصم وأبو عمرو ونافع: ~~(وقاتلوا وقتلوا) بالتخفيف أي قاتلوا ثم قتلوا. ~~وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي وخلف: (وقتلوا وقاتلوا) أي ~~وقاتل من بغى منهم، وقيل معناه: وقاتلوا وقد قاتلوا؛ ~~وأضمر فيه (قد). ### || [3.196-197] # قوله تعالى: { لا يغرنك }؛ أي لا يحزنك ولا ~~يعجبك، { تقلب الذين كفروا في البلاد * متاع ~~قليل }؛ إمتداد هذه الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم؛ ~~والمراد به أصحابه؛ كأنه قال: لا يغرنك أيها السامع ~~ذهاب اليهود ومجيئهم في تجاراتهم ومكاسبهم في الأرض؛ منفعة يسيرة ~~في الدنيا تنقطع وتفنى؛ { ثم مأواهم }؛ مصيرهم إلى؛ { ~~جهنم وبئس المهاد }؛ أي بئس الفراش النار. # وقيل: كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يغره شيء لتحذير الله ~~إياه عن ms0462 الاغترار بشيء وتأديبه إياه. وقيل: نزلت في مشركي العرب؛ ~~كانوا في رخاء من العيش، وكانوا ينحرون ويتنعمون، فقال بعض ~~المؤمنين: إن أعداء الله فيما نرى من الخير؛ ونحن قد هلكنا من ~~الجوع والجهد، فنزلت هذه الآية. # وقرأ يعقوب: (لا يغرنك) بإسكان النون. قوله تعالى: { لا ~~يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد } أي ~~تصرفهم في الأرض للتجارات والبياعات وأنواع المكاسب. وقوله: { ~~متاع قليل } أي متاع قليل فان. قال النخعي: (إن الدنيا ~~جعلت قليلا؛ وما بقي منها إلا قليل من ~~قليل). ### || [3.198] # قوله تعالى: { لكن الذين اتقوا ربهم لهم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا ~~من عند الله }؛ تقدير هذه الآية مع ما قبلها: لا يعجبك يا ~~محمد تقلب أولئك الكفار في نعيم الدنيا، بل ما أعطي ~~المتقون في الآخرة أفضل، فإن { الذين اتقوا ربهم } ~~أي وحدوه وأطاعوه { لهم جنات } أي بساتين تجري من تحت ~~أشجارها ومساكنها الأنهار مقيمين فيها. # قوله تعالى: { نزلا } أي رزقا وثوابا لهم، وهذا نصب ~~على التفسير؛ كما يقال للشيء: هبة أو صدقة. ويجوز أن يكون ~~نصبا على المصدر على معنى: انزلوا نزلا، والنزل: ما يهيأ ~~للنازل من كرامة وبر وطعام وشراب ومنظر حسن. # قوله تعالى: { وما عند الله خير للأبرار }؛ أي ~~من عند الله من الجزاء والثواب خير للصالحين من ما لهم في ~~الدنيا. قرأ أبو جعفر: (لكن الذين) بالتشديد. وقرأ الحسن ~~والنخعي: (نزلا) ساكنة الزاي. # روى أنس بن مالك قال: # " دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ~~سرير، وتحت رأسه وسادة من أدم وحشوها ليف، ~~فدخل عليه عمر رضي الله عنه فانحرف النبي صلى الله ~~عليه وسلم انحرافة؛ فرأى عمر أثر الشريط في جنبه ~~فبكى، فقال له: " ما يبكيك يا عمر؟ " فقال: وما ~~لي لا أبكي يا رسول الله! وكسرى وقيصر يعيشان ~~فيما يعيشان فيه من الدنيا، وأنت على الحال ~~الذي أرى، فقال: " يا عمر! أما ترضى أن تكون لهم ~~الدنيا ولنا الآخرة؟ " فقال: بلى، قال: " هو كذلك ~~" ". ### || [3.199] # قوله تعالى: ms0463 { وإن من أهل الكتب لمن يؤمن ~~بالله ومآ أنزل إليكم ومآ أنزل إليهم }؛ معناه: ~~إن من أهل الكتاب لمن يصدق بالله والقرآن والتوراة ~~والإنجيل والزبور وسائر كتب الله، وهم: عبدالله بن ~~سلام وأصحابه؛ { خشعين لله }؛ أي ذليلة أنفسهم ~~لله؛ { لا يشترون بآيت الله }؛ بمحمد والقرآن؛ ~~{ ثمنا قليلا }؛ عرضا يسيرا كما فعله رؤساء اليهود؛ { ~~أولئك لهم أجرهم عند ربهم }. وقال قتادة: # " نزلت هذه الآية في النجاشي ملك الحبشة؛ ~~لما مات نعاه جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؛ أي في اليوم الذي مات فيه؛ فقال صلى ~~الله عليه وسلم لأصحابه: " اخرجوا فصلوا على أخ لكم ~~مات بغير أرضكم ". قالوا: ومن هو؟ قال: " ~~النجاشي " فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~البقيع، وكشف له من المدينة إلى أرض الحبشة؛ ~~فأبصر سرير النجاشي فصلى عليه واستغفر ~~له؛ وقال لأصحابه: " استغفروا له ". فقال ~~المنافقون: انظروا إلى هذا يصلي على علج حبشي ~~نصراني لم يره قط، وليس على دينه! " # فأنزل الله هذه الآية. # قوله تعالى: { خشعين لله } تنصب على الحال. ~~قوله تعالى: { لا يشترون بآيت الله ثمنا ~~قليلا } أي لا يحرفون كتبهم، ولا يكتمون صفة محمد ~~صلى الله عليه وسلم لأجل المآكل والرئاسة، كما فعلت رؤساء ~~اليهود. قوله تعالى: { إن الله سريع الحساب }؛ فقد ~~تقدم تفسيره. ### || [3.200] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اصبروا ~~وصابروا ورابطوا واتقوا الله }؛ أي { اصبروا ~~وصابروا ورابطوا } أي اصبروا على أداء الفرائض، واجتناب ~~المحارم، وصابروا أعداءكم في الجهاد في مقاتلتهم، ورابطوا ~~خيولكم على الجهاد. والرباط والمرابطة: أن يربط ~~كل واحد من الفريقين خيولهم في الثغر. وقيل: المرابطة: ~~المحافظة على الصلوات. # قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " ألا أخبركم بما يمحو الله به الخطايا، ويرفع ~~به الدرجات؟ " قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " إسباغ ~~الوضوء على المكاره؛ وكثرة الخطا إلى المساجد؛ ~~وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط " ". # وقال الضحاك: (معنى الآية: يا أيها الذين آمنوا ~~اصبروا على أمر الله). وقال ms0464 الكلبي: (اصبروا على ~~البلاء)، وقالت الحكماء: الصبر ثلاثة أشياء: ترك ~~الشكوى؛ وصدق الرضا؛ وقبول القضاء. وقيل: الصبر: ~~هو الثبات على أحكام الكتاب والسنة. # قوله تعالى: { وصابروا } الكفار { ورابطوا } بمعنى ~~داوموا وأثبتوا. قال صلى الله عليه وسلم: # " من رابط يوما في سبيل الله كان كصيام شهر ~~وقيامه، ومن توفي في سبيل الله أجرى الله له ~~أجره حتى يقضي بينه وبين أهل الجنة وأهل ~~النار، ومن رابط يوما في سبيل الله جعل الله ~~بينه وبين النار سبعة خنادق؛ كل خندق منها ~~كسبع سماوات وسبع أرضين " # قال بعضهم في هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا اصبروا ~~} عند قيام النفير على احتمال الكرب، { وصابروا ~~} على مقاساة العناء والتعب، { ورابطوا } في دار ~~أعدائي بلا هرب، واتقوا عدوكم من الألتفات الى السبب لكي ~~تفلحوا غدا بلقائي عند بساط القرب. وقال السري السقطي: ~~(اصبروا على الدنيا رجاء السلامة، وصابروا عند ~~القتال بالثبات والاستقامة، ورابطوا هوى النفس ~~اللوامة، واتقوا ما يعقب لكم الندامة، { ~~لعلكم تفلحون }؛ غدا على بساط الكرامة. # وقيل: معناه: اصبروا على بلائي، وصابروا بالشكر على نعمائي، ~~ورابطوا في دار أعدائي، واتقوا محبة من سواي لعلكم ~~تفلحون بلقائي. وقيل: اصبروا على البغضاء؛ وصابروا على ~~البأساء والضراء؛ ورابطوا في دار الأعداء؛ واتقوا إله ~~الأرض والسماء؛ لعلكم تفلحون في دار البقاء. وعن جعفر ~~الصادق قال: (معنى هذه الآية: اصبروا على المعاصي؛ ~~وصابروا مع الطاعات؛ ورابطوا الأرواح بالمساجد، ~~واتقوا الله لكي تبلغوا مواقف أهل الصدق؛ فإنها ~~محل الفلاح). والله أعلم. ### | [4 - سورة النساء] ### || [4.1] # { يأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من ~~نفس واحدة وخلق منها زوجها }؛ قال ابن عباس: (قد ~~يكون { يأيها الناس } عاما؛ وقد يكون خاصا ~~لأهل مكة؛ وهو ها هنا عام لجميع الناس، ~~ومعناه: أجيبوا ربكم وأطيعوه). وقوله تعالى: { ~~خلقكم من نفس واحدة } يعني آدم، وإنما أتت النفس ~~لاعتبار اللفظ دون المعنى. قال الشاعر: # أبوك خليفة ولدته أخرى # وأنت خليفة ذاك الكمال # فقال: ولدته أخرى؛ لأن لفظ الخليفة مؤنث. # وإنما من الله علينا بأن خلقنا من نفس واحدة؛ ms0465 لأن ذلك أقرب إلى ~~أن يعطف بعض على بعض، ويرحم بعضنا بعضا لرجوعنا في القرابة ~~إلى أصل واحد. # قوله تعالى: { وخلق منها زوجها } أي وخلق من نفس ~~آدم زوجها حواء؛ خلقها من ضلع من أضلاعه اليسرى وهي ~~القصرى بعد ما ألقي عليه النوم فلم يؤذه، ولو آذاه لما ~~عطف عليها أبدا. قال صلى الله عليه وسلم: # " إن المرأة خلقت من ضلع أعوج، فإن أردت أن ~~تقيمها كسرتها، وإن تركتها وفيها عوج ~~استمتعت بها على عوج " # قوله تعالى: { وبث منهما رجالا كثيرا ونسآء }؛ ~~أي بشرا وفرقا، وأظهر من آدم وحواء خلقا كثيرا من الرجال ~~والنساء. قوله تعالى: { واتقوا الله الذي ~~تسآءلون به والأرحام }؛ أي اتقوا معاصي الله، { ~~#1649;لذي تسآءلون به } أي يتساءل بعضكم بعضا من الجوارح ~~والحقوق؛ يقول الرجل للرجل: أسألك بالله افعل لي كذا. # قرأ أهل الكوفة: (تساءلون) مخففا، وقرأ الباقون بالتشديد. ~~قوله تعالى: { والأرحام } قرأ عامة القراء بنصب ~~(الأرحام) على معنى: واتقوا الأرحام أن تقطعوها. # وقرأ النخعي وقتادة والأعمش وحمزة بالخفض على معنى: وبالأرحام على ~~معنى: تساءلون بالله وبالأرحام؛ فيقول الرجل: أسألك بالله ~~وبالرحم. والقراءة الأولى أفصح؛ لأن العرب لا تعطف بظاهر على ~~مضمر مخفوض إلا بإعادة الخافض، لا يقولون: مررت به وزيد، ~~ويقولون: به وبزيد، وقد جاء ذلك في الشعر، قال الشاعر: # قد كنت من قبل تهجونا وتشتمنا # فاذهب فما بك والأيام من عجب # قوله تعالى: { إن الله كان عليكم رقيبا }؛ أي ~~حفيظا لأعمالكم، والرقيب هو الحافظ، وقال بعضهم: عليما؛ ~~والعليم والحافظ متهاديان؛ لأن العليم بالشيء حافظ له. ### || [4.2] # قوله تعالى: { وآتوا اليتامى أموالهم ولا ~~تتبدلوا الخبيث بالطيب }؛ قال مقاتل والكلبي: # " نزلت هذه الآية في رجل من غطفان؛ كان في يده ~~مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم ~~طلب ماله، فمنعه العم فترافعا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فنزلت هذه الآية إلى قوله تعالى: ~~{ إنه كان حوبا كبيرا }. فقرأها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقال الرجل: أطعنا الله وأطعنا الرسول ~~ونعوذ بالله من ms0466 الحوب الكبير، فدفع ماله إليه، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: " من يوق شح نفسه ويطيع ~~ربه هكذا فإنه يحل داره إلى جنة " فلما قبض ~~الصبي ماله أنفقه في سبيل الله، فقال صلى الله عليه ~~وسلم: " ثبت الأجر وبقي الوزر " فقالوا: يا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، عرفنا أنه ثبت الأجر، فكيف ~~بقي الوزر وهو ينفق في سبيل الله؟ فقال: " ثبت ~~الأجر للغلام؛ وبقي الوزر على والده " لأن ~~الوالد كان مشركا ". # وإنما سمى الله تعالى البالغ يتيما، ولا يتم بعد البلوغ ~~استصحابا بالاسم الأول، كما قال تعالى: # وألقي السحرة ساجدين # [الأعراف: 120] ولا سحر مع السجود، ولأنه قريب عهد باليتم. # قوله تعالى: { ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } ~~أي لا تبذروا أموالكم الحلال وتأكلوا الحرام من أموال اليتامى. ~~قال سعيد بن المسيب والنخعي والزهري والسدي والضحاك: (كان ~~أوصياء اليتامى وأولياؤهم يأخذون الجيد من ~~مال اليتيم، ويجعلون مكانه الرديء، وربما ~~كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من مال ~~اليتيم، ويجعل مكانها المهزولة، ويأخذ ~~الدرهم الجيد ويجعل مكانه الزيف ويقول: ~~درهم بدرهم؛ فذلك تبديلهم، فنهاهم الله ~~تعالى عن ذلك). # وقال مجاهد: (معنى الآية: لا تجعل رزقك الحلال ~~حراما؛ تتعجله بأن تستهلك مال اليتيم، ~~فتنفقه على نفسك، وتحر فيه لنفسك وتعطيه ~~غيره، فيكون ما يأخذه من مال اليتيم حراما ~~خبيثا، وتعطيه مالك الحلال، ولكن آتوهم ~~أموالهم بأعيانها). وفي هذا دليل على أنه لا يجوز لولي ~~اليتيم أن يستقرض مال اليتيم ولا أن يستبدله من نفسه، وقيل: معنى { ~~ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب } أي لا تجعل الزيف بدل ~~الجيد؛ ولا المهزول بدل السمين. # قوله تعالى: { ولا تأكلوا أموالهم إلى ~~أموالكم }؛ كقوله تعالى: # من أنصاري إلى الله # [آل عمران: 52] أي مع الله، وقيل معناه: لا تأكلوا أموالهم ~~مضيفين إلى أموالكم؛ لأنهم كانوا يخلطون أموال اليتامى ~~بأموالهم حتى يصير دينا عليهم، ثم كانوا يبيعونها مع أموالهم ~~ويربحون عليها ويستبدون بتلك الأرباح. قوله تعالى: { ~~إنه كان حوبا كبيرا }؛ أي إثما عظيما، وفيه ثلاث ~~لغات: قراءة العامة: (حوبا) بالضم وهي قراءة النبي صلى ms0467 الله ~~عليه وسلم وهي لغة أهل الحجاز، وقراءة الحسن (إنه كان حوبا) ~~بفتح الحاء وهي لغة تميم، وقراءة أبي بن كعب: (حابا) على المصدر ~~مثل القال، ويجوز أن يكون اسما مثل الزاد، ويقال للذنب: حوب ~~وحوب وحاب. ### || [4.3] # قوله تعالى: { وإن خفتم ألا تقسطوا في ~~اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النسآء مثنى ~~وثلث وربع }؛ قال ابن عباس: (لما نزل قوله ~~تعالى: # إن الذين يأكلون أموال اليتمى ظلما # [النساء: 10] الآية، خاف الناس أن لا يعدلوا في أموال ~~اليتامى - وكانوا يتزوجون من النساء ما شاءوا - ~~فنزلت هذه الآية). # ومعناها: إن خفتم أن لا تعدلوا في أموال اليتامى؛ فخافوا ~~في النساء إذا اجتمعن عندكم أن لا تعدلوا بينهن، فتزوجوا ~~ما حل لكم من النساء، ولا تنكحوا إلا ما يمكنكم ~~إمساكهن: ثنتان ثنتان؛ وثلاث ثلاث؛ وأربع أربع، ولا ~~يزيدوا على أربع حرائر. وقيل: معنى الآية: إن خفتم أن لا تعدلوا ~~يا معشر الأولياء في اليتامى إذا تزوجتم بهن؛ فانكحوا ما حل ~~لكم من النساء غيرهن. وقال مجاهد: (معناه: إن خفتم في ~~ولاية اليتامى إيمانا وتصديقا؛ فخافوا في الزنا، ~~وانكحوا الطيب من النساء). # وقال بعضهم: كانوا يتحرجون عن أموال اليتامى، ويترخصون في ~~النساء، ولا يعدلون فيهن ويتزوجون منهن ما شاءوا فربما عدلوا، ~~وربما لم يعدلوا، فلما سألوا عن أموال اليتامى، أنزل الله تعالى # وآتوا اليتامى أموالهم # [النساء: 2]، وأنزل { وإن خفتم ألا تقسطوا في ~~اليتامى } ، أي كما خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى ~~وهمكم ذلك؛ فخافوا في النساء أن لا تعدلوا فيهن؛ ولا تزوجوا ~~أكثر مما يمكنكم إمساكهن والقيام بحقهن؛ لأن النساء كاليتامى ~~في الضعف والعجز، فما لكم تراقبون الله في شيء، ~~وتعصونه في مثله، وهذا قول سعيد بن جبير وقتادة والربيع ~~والضحاك والسدي، ورواية ابن عباس. # والإقساط في اللغة: العدل، يقال: أقسط؛ إذا عدل، وقسط؛ ~~إذا جار، وإنما قال: (ما طاب) ولم يقل من طاب؛ لأن (ما) مع ~~الفعل بمنزلة المصدر، كأنه قال: فانكحوا الطيب، يعني الحلال من ~~النساء. وقرأ ابن أبي عبلة: (من ms0468 طاب)؛ لأن (ما) لما لا يعقل و ~~(من) لمن يعقل، إلا أن عامة القراء والعلماء يقولون: إن العرب ~~تجعل (ما) بمعنى (من)؛ و (من) بمعنى (ما)، وقد جاء القرآن بذلك: ~~قال الله تعالى: # والسمآء وما بناها # [الشمس: 5]، وقال تعالى: # فمنهم من يمشي على بطنه # [النور: 45]، وقال تعالى: # قال فرعون وما رب العالمين # [الشعراء: 23]. # قوله تعالى: { مثنى وثلث وربع } بدل من (طاب ~~لكم) وهو مما لا ينصرف، لأن { مثنى } معدول عن اثنين وذلك ~~نكرة، و (ثلاث) معدول عن ثلاثة. # وذهب بعض الروافض إلى استحلال تسع استدلالا بهذه الآية، ~~وليس ذلك بشيء، فإن الواو هنا بمعنى (أو)، # " وروي عن قيس بن الحارث: أنه كان عنده ثماني نسوة، ~~فلما نزلت هذه الآية أمره رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يمسك أربعا ويفارق أربعا، وقال صلى الله عليه ~~وسلم لغيلان حين أسلم وتحته عشر نسوة: " أمسك ~~منهن أربعا؛ وفارق سائرهن " ". # قوله تعالى: { فإن خفتم ألا تعدلوا فوحدة ~~أو ما ملكت أيمنكم }؛ معناه: وإن خفتم أن لا تعدلوا ~~في القسمة والنفقة بين النساء الأربع التي أحل الله لكم؛ ~~فتزوجوا امرأة واحدة لا تخافون الميل في أمرها، واقتصروا على ~~الإماء حتى لا تحتاجوا إلى القسم بينهن يعني السراري. وقول ~~الحسن وأبي جعفر: (فواحدة) بالرفع؛ أي فواحدة كافية؛ ~~أو فلتكن واحدة. وقرأ العامة نصبا أي فانكحوا واحدة. ~~قوله تعالى: { أو ما ملكت أيمنكم } ذكر ~~الأيمان توكيدا؛ تقديره: أو ما ملكتم. # قوله تعالى: { ذلك أدنى ألا تعولوا }؛ أي ~~التزوج بالواحدة، والإقتصار على ملك اليمين أقرب إلى أن لا ~~تعولوا. قال: أن لا تجوروا وأن لا تميلوا: ألا تجور. ~~والعول: مجاوزة الحد، ومنه العول في الفرائض: ~~مجاوزة مخرج الفرائض. روت عائشة رضي الله عنها ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: { ألا ~~تعولوا } قال: # " ألا تجوروا، أو أن لا تميلوا " # وأما من قال معنى: أن لا تعولوا: لا تكثر عيالك، وهذا ~~محكي عن الشافعي رحمه الله، فقد قيل: إنه خطأ في اللغة؛ ~~لأنه لا يقال في كثرة ms0469 العيال: عال يعول، وإنما يقال: عال ~~يعيل إذا صار ذا عيال، وفي الآية ما يبطل هذا التأويل وهو ~~قوله تعالى: { أو ما ملكت أيمنكم } لأن إباحة كل ~~ما ملك اليمين أزيد في العيال من أربع نسوة. وقرأ طاووس: ~~(أن لا يعيلوا) من العيلة؛ يقال: عال الرجل يعيل؛ ~~إذا افتقر، والعيلة: الفقر. قال الشاعر: # وما يدري الفقير متى غناه # وما يدري الغني متى يعيل ### || [4.4] # قوله تعالى: { وآتوا النسآء صدقتهن }؛ قال ~~الكلبي: (هذا خطاب للأولياء، كان الولي إذا زوج ~~امرأة، فإن كان زوجها معهم في العشيرة لم ~~يعطها الولي من مهرها قليلا ولا كثيرا، وإن ~~كان زوجها غريبا حملوها على بعير إلى زوجها، ~~ولا يعطونها من مهرها غير ذلك البعير، ~~فنهاهم عن ذلك وأمرهم أن يعطوها الحق أهله). ~~وقال مقاتل وأكثر أهل التفسير: (هذا خطاب للأزواج، كان ~~الرجل يتزوج المرأة فلا يعطيها مهرها، ~~فأمروا أن يعطوا نساءهم مهورهن التي هي ~~أثمان فروجهن) وهذا القول أضح وأوضح. والصدقات: ~~المهور، واحده صدقة بضم الدال. # وقوله تعالى: { نحلة } قال قتادة: (فريضة واجبة)، ~~وقال ابن جريج: (فريضة مسماة)، وقال الكلبي: (عطية ~~وهبة)، وقال أبو عبيدة: (عن طيب نفس)، قال الزجاج: ~~(تدينا). وقيل: معناه: عطية من الله تعالى للنساء حيث ~~جعل المهر لهن، ولم يوجب عليهن شيئا من القوم مع كون ~~الاستمتاع مشتركا بينهن وبين الأزواج. وقيل معنى { نحلة }: ~~ديانة، فانتصب { نحلة } على المصدر، وقيل: على التفسير. # وروي عن رسول الله أنه قال: # " من ادان دينا وهو ينوي أن لا يؤديه لقي ~~الله سارقا، ومن أصدق امرأة صداقا وهو ينوي أن لا ~~يوفيها لقي الله زانيا " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن أحق الشروط أن توفوا ما استحللتم به ~~الفروج " # قوله تعالى: { فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ~~فكلوه هنيئا مريئا }؛ أي إن أحللن لكم عن شيء من ~~المهر، وإن وهبن لكم منه شيئا. ونصب { نفسا } على التمييز ~~إذا قيل { طبن لكم } لم يعلم في أي صنف وقع الطيب، فكأنه ~~قال: إن طابت أنفسهن بهبة ms0470 شيء من المهر فكلوا الموهوب لكم ~~هنيئا لا إثم فيه، مريئا لا ملامة فيه. قال الحضرمي: (إن ~~ناسا كانوا يتأثمون أن يرجع أحدهم في شيء ~~مما ساق إلى امرأته). قال الله تعالى: { فإن طبن لكم ~~عن شيء منه نفسا } من غير إكراه ولا خديعة { فكلوه ~~هنيئا مريئا } أي شافيا طيبا. # وقيل معناه: فكلوه دواء شافيا، وقيل: الهنيء: الطيب ~~المساغ الذي لا يغصه شيء، والمريء: المحمود ~~العاقبة الذي لا يضر ولا يؤذي، تقول: لا تخافون في ~~الدنيا منه مطالبة، ولا في الآخرة بتبعة، يقال: هنأني لي الطعام ~~ومرأني، فإذا أفرد يقال: أمرأني ولا يقال إهنأني، ~~وهنيئا مصدر. # وعن علي رضي الله عنه أنه قال: (إذا كان أحدكم مريضا ~~فليسأل امرأته درهمين من مهرها تهب له ~~بطيبة نفسها؛ فليشتر بذلك عسلا، ويشربه مع ~~ماء المطر، فقد اجتمع الهنيء والمريء والشفاء ~~والماء المبارك). لأن الله تعالى سمى المهر هنيئا ~~مريئا إذا وهبته المرأة لزوجها؛ وسمى العسل شفاء؛ ~~وسمى المطر ماء مباركا، فإذا اجتمعت هذه الأشياء يرجى له ~~الشفاء. ### || [4.5] # قوله تعالى: { ولا تؤتوا السفهآء أموالكم ~~التي جعل الله لكم قيما }؛ أي لا تعطوا الجهال ~~بمواضع الحق - وهم النساء والصبيان - أموالكم التي جعل الله لكم ~~قوام أمركم ومعيشتكم؛ أي جعلكم تقومون به قياما إذا علم ~~الرجل أن امرأته سفيهة مفسدة، وأن ولده سفيه مفسد، ~~فلا ينبغي له أن يسلط أحدا منهما على ماله الذي هو قوام ~~أمره. ومن قرأ (قيما) فمعناه: التي جعلها الله لكم قيمة ~~للأشياء فبها تقوم أموركم. # وقال مجاهد: (نهى الرجال أن يؤتوا النساء أموالهم ~~وهن سفهاء؛ كن أزواجا، أو بنات أو أمهات). وعن ~~الضحاك: (النساء من أسفه السفهاء) يدل على هذا ~~التأويل قوله صلى الله عليه وسلم: # " ألا إنما خلقت النار للسفهاء - قالها ثلاثا - ~~ألا إن السفهاء النساء إلا امرأة أطاعت قيمها " # وعن أنس رضي الله عنه قال: # " جاءت امرأة سوداء جريئة المنطق إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقالت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله؛ ~~بلغني أنك تقول ms0471 فينا كل شيء، قال: " أي شيء ~~قلت فيكن؟ " قالت: سميتنا السفهاء، قال: " الله ~~تعالى سماكن السفهاء في كتابه " قالت: ~~وسميتنا النواقص، قال: " فكفى نقصا أن تترك ~~كل واحدة منكن الصلاة في كل شهر خمسة أيام ~~لا تصلي فيها " - يعني أيام حيضها - ثم قال صلى ~~الله عليه وسلم: " أما يكفي إحداكن إذا حملت كان لها ~~كأجر المرابط في سبيل الله، وإذا وضعت كانت ~~كالمتشحط بدمه في سبيل الله، فإذا أرضعت كان ~~لها بكل جرعة عتق رقبة من ولد إسماعيل، فإذا ~~سهرت كان لها بكل سهرة عتق رقبة من ولد ~~إسماعيل، وذلك للمؤمنات الخاشعات الصابرات ~~اللاتي لا يكفرن العشير " فقالت السوداء: أيا ~~له فضلا لولا ما تبعه من الشروط ". # وروي: أن امرأة مرت بعبدالله بن عمر لها شارة ~~وهيئة، فقال لها ابن عمر: { ولا تؤتوا السفهآء ~~أموالكم }. وقال معاوية بن مرة: (عودوا نساءكم ~~(لا)، فإنهن سفيهات، إن أطعت المرأة أهلكتك). # وعن أبي موسى الأشعري قال: (ثلاثة يدعون الله فلا ~~يستجيب لهم: رجل كانت تحته امرأة سيئة ~~الخلق فلم يطلقها، ورجل كان له على رجل دين ~~فلم يشهد عليه، ورجل أعطى سفيها ماله، وقد ~~قال الله تعالى: { ولا تؤتوا السفهآء أموالكم } ~~أي الجهال بمواضع الحق). # قوله تعالى: { التي جعل الله لكم قيما }. قرأ ~~ابن عمر (قواما) بفتح القاف والواو، وقرأ عيسى بن عمر (قواما) ~~بكسر القاف وهما لغات. وقرأ الأعرج ونافع وابن عامر (قيما) بكسر ~~القاف من غير ألف. وقرأ الباقون (قياما) بالألف. # قوله تعالى: { وارزقوهم فيها واكسوهم }؛ أي ~~أطعموا النساء والأولاد واكسوهم من أموالكم. { وقولوا لهم ~~قولا معروفا }؛ أي عدوهم عدة حسنة، نحو أن يقول ~~الرجل: سأفعل كذا إن شاء الله، وقيل: ردوا عليهم ردا جميلا، ~~وقولوا لهم قولا لينا تطيب به أنفسهم. والرزق من الله ~~تعالى: العطية غير المحدودة، ومن العباد الشيء الموظف ~~لوقت محدود. وإنما قال { فيها } ولم يقل: منها؛ لأنه أراد: ~~اجعلوا لهم حظا فيها أي رزقا فيها. ### || [4.6] # قوله تعالى: { وابتلوا اليتامى }؛ أي اختبروهم في ~~عقولهم وتدبيرهم وديانتهم ms0472 حتى إذا بلغوا مبلغ النكاح وهو ~~الحلم، وهذا دليل جواز الإذن للصبي في التجارة. قوله ~~تعالى: { حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم ~~منهم رشدا }؛ أي علمتم منهم ووجدتم إصلاحا في عقولهم ~~وحفظا في أموالهم { فادفعوا إليهم أموالهم }؛ ~~التي عندكم. نزلت هذه الاية في ابن رفاعة وعمه، وكان ~~رفاعة قد توفي، وترك ابنه صغيرا، فأتى عمه ثابت إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: إن ابن أخي يتيم في ~~حجري، فمتى أدفع إليه ماله؟ فأنزل الله هذه ~~الآية. # قوله تعالى: { ولا تأكلوهآ إسرافا وبدارا أن ~~يكبروا }؛ أي لا تأكلوا أموال اليتامى بغير حق. ~~والإسراف: مجاوزة الحد. قوله تعالى: { ومن كان ~~غنيا فليستعفف }؛ أي ليتورع بغناه عن مال اليتيم، ~~ولا ينقص شيئا من ماله، والعفة: الامتناع عما لا ~~يحل فعله. قوله تعالى: { ومن كان فقيرا ~~فليأكل بالمعروف }؛ اختلفوا في معنى ذلك، قال عمر بن ~~الخطاب وسعيد بن جبير وعبيدة السلماني: (معناه: فليأخذ ~~من مال اليتيم على جهة القرض مقدار حاجته، ~~فإذا أيسر رد عليه مثله). وهكذا روى الطحاوي عن أبي ~~حنيفة، فمعنى قوله تعالى: { بالمعروف } بالقرض، نظيره ~~قوله تعالى: # إلا من أمر بصدقة أو معروف # [النساء: 114] أي أو قرض. # وقال مكحول وعطاء وقتادة: (إن لولي اليتيم أن يأخذ ~~من مال اليتيم قدر ما يستر عورته ويسد ~~جوعته لا على جهة القرض). قال الشعبي: (لا يأكل ~~إلا أن يضطر إليه كأن يضطر إلى الميتة). وقال ~~بعضهم: (فليأكل بالمعروف) أي يأكل من غير إسراف، ولا ~~قضاء عليه فيما أكل. # واختلفوا في كيفية هذا بالمعروف، فقال عكرمة والسدي: ~~(يأكل ولا يسرف في الأكل ولا يكتسي منه). وقال ~~النخعي: (لا يلبس الكتان ولا الحلل، ولكن ما ~~يسد الجوعة ويواري العورة). وقال بعضهم: معنى: { ~~فليأكل بالمعروف } هو أن يأكل من تمر نخيله ولبن ~~مواشيه بالمعروف ولا قضاء عليه، فأما الذهب والفضة إذا أخذ ~~منه شيئا رد بدله. قال الضحاك: (المعروف ركوب ~~الدابة وخدمة الخادم، وليس له أن يأكل من ماله ~~شيئا). # وعن ابن عباس: (أن رجلا ms0473 جاء إليه فقال له: إن في ~~حجري أموال أيتام؛ أفتأذن لي أن أصيب منها؟ ~~فقال: إن كنت تبغي ضالتها، وتهنا جرباها، ~~وتلوط حوضها فاشرب غير مضر بالنسل ولا ناهك ~~في الحلب). عن ابن عباس رواية أخرى أن معنى الآية: ~~(فليأكل من مال نفسه بالمعروف حتى لا يصيب ~~من مال اليتيم شيئا). # وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (لا يأكل من مال ~~اليتيم قرضا وغيره) وهذا قول أبي حنيفة. وروى بشر عن ~~أبي يوسف أنه قال: (لا يأكل من مال اليتيم إذا كان ~~مقيما، فإن خرج في تقاض دين لليتيم أو إلى ~~ضياع له، فله أن ينفق ويكتسي ويركب، فإذا رجع ~~رد الثياب والدابة إلى اليتيم). # وعنه لأبي يوسف رواية أخرى: (أن قوله { فليأكل ~~بالمعروف } يجوز أن يكون منسوخا بقوله تعالى: # لا تأكلوا أمولكم بينكم بالبطل إلا أن ~~تكون تجرة عن تراض منكم # [النساء: 29]). # فحاصل هذه الروايات؛ أن الأصح على مذهب أبي حنيفة وأصحابه: أنه ~~ليس للوصي أن يأكل من مال اليتيم قرضا ولا غيره؛ إلا أن ~~يضطر إلى شيء منه فيأخذه بالضرورة، ثم يرد إذا وجد. وعن ابن ~~عباس قال: # " جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ~~الله؛ إن في حجري يتيما فأضربه، قال: " ما كنت ~~ضاربا منه ولدك ". # قوله تعالى: { فإذا دفعتم إليهم أموالهم }؛ ~~إذا دفعتم إليهم أموالهم بعد بلوغهم وإيناس الرشد، ~~{ فأشهدوا عليهم }؛ وثيقة لكم، { وكفى بالله ~~حسيبا }؛ أي شهيدا ومجازيا لها إلا أن الإشهاد فيما بين ~~الناس من أحكام الدنيا لضروب من المصلحة، وانتصب { حسيبا } على ~~القطع، وكفى بالله الحسيب حسيبا. ### || [4.7] # قوله تعالى: { للرجال نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون وللنسآء نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا ~~مفروضا }؛ وذلك أن العرب كانت لا تورث إلا من طاعن ~~بالرماح وذاد عن المال وحاز الغنيمة، فأعلم الله تعالى أن ~~حق الميراث للرجال والنساء. قال ابن عباس: # " " توفي أوس بن ثابت الأنصاري وترك ثلاث ~~بنات له، وترك امرأة يقال ms0474 لها أم كجة وهي ~~أمهن، فقام رجلان من بني عمه قتادة وعرفطة ~~وكانا وصيين له فأخذا ماله، ولم يعطيا ~~امرأته ولا بناته شيئا من المال، فجاءت أم ~~كجة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول ~~الله؛ إن أوس بن ثابت توفي وترك ثلاث بنات، ~~وليس عندي ما أنفق عليهن، وقد ترك أبوهن ~~مالا حسنا وهو عند قتادة وعرفطة ولم يعطياني ~~ولا لبناتي شيئا، هن في حجري لا يطعمن ولا ~~يسقين ولا يرفع لهن رأس، فقال صلى الله عليه وسلم: " ~~ارجعي إلى بيتك حتى أنظر ما يحدث الله فيهن " ~~فرجعت إلى بيتها، فأنزل الله هذه لآية " ". # ومعناه: للرجال حظ مما ترك الولدان والأقربون، وللنساء كذلك ~~أيضا، مما قل من المال أو كثر، { نصيبا مفروضا } أي ~~معلوما مقدرا، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى قتادة ~~وعرفطة: # " " أن لا تقربا من مال أوس شيئا، فإن الله قد أنزل ~~لبناته نصيبا، ولم يبين كم هو، أنظركم ~~يبين الله تعالى لهن " فأنزل الله بعد ذلك { يوصيكم ~~الله في أولدكم } إلى قوله { ذلك الفوز العظيم } ~~فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى قتادة وعرفطة: " أن ادفعا ~~إلى أم كجة ثمن جميع المال إدفعا إليها ~~لبناتها الثلثين ولكم باقي المال " ". # وانتصب قوله تعالى (نصيبا) لخروجه مخرج المصدر كقول ~~القائل: عندي حقا؛ ولك معي درهم هبة. ### || [4.8] # قوله تعالى: { وإذا حضر القسمة أولوا القربى ~~واليتامى والمساكين فارزقوهم منه }؛ أي حضر ~~قسمة المواريث ذو قرابة الميت في الرحم الذين لا يورثون ~~واليتامى المحتاجون والمساكين فأعطوهم شيئا من المال قبل القسمة، ~~{ وقولوا لهم قولا معروفا }؛ أي عدوهم عدة حسنة، ~~وقيل: اعتذروا عند قلة المال وقولوا لهم: كنا نحب أن ~~يكون أكثر من ذلك. # وعن ابن عباس روايتان؛ إحداهما: (أن هذه الآية محكمة ~~غير منسوخة) وهو قول عطاء ومجاهد والزهري وجماعة، حتى روي ~~عن عبيدة السلماني: (أنه ذبح للأقرباء شاة من ~~أموال اليتامى وأعطاهم؛ وقال: إني أحب أن يكون ~~ذلك من مالي لولا هذه الآية). وعن ابن ms0475 سيرين أنه ~~فعل مثل ذلك. وقال قتادة عن الحسن: (ليست منسوخة، ~~ولكن الناس شحوا وبخلوا، وكان التابعون يعطون ~~الأواني والشيء الذي يستحيا من قسمته). # والرواية الثانية: (أن هذه الآية منسوخة بآية ~~المواريث) وهو قول سعيد بن المسيب والسدي وأبي مالك وأبي ~~صالح والضحاك؛ لأنها لو كانت واجبة مع كثرة قسمة المواريث في ~~عهد النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة ومن بعدهم لنقل ~~وجوب ذلك واستحقاقه لهؤلاء كما نقلت المواريث للزوم الحاجة إلى ~~ذلك، لكن يستحب ذلك في حق الورثة لحضور البالغين. وحديث ~~عبيدة السلماني محمول على أن الورثة كانوا بالغين؛ فذبح ~~الشاة من جملة المال بإذنهم. ### || [4.9] # قوله تعالى: { وليخش الذين لو تركوا من ~~خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا ~~الله وليقولوا قولا سديدا }؛ قال عامة المفسرين: ~~(كان الرجل إذا حضره الموت يقول له من حضره ~~عند وصيته: أنظر لنفسك؛ فإن أولادك ~~وذريتك لا يغنون عنك شيئا، قدم لنفسك، ~~أعتق وتصدق، أوص لفلان بكذا ولفلان بكذا، فلا ~~يزالون كذلك حتى يذهب عامة ماله، ويبقى ~~عياله بغير شيء، فنهاهم الله تعالى عن ذلك ~~وأمرهم أن يتركوا أموالهم لورثتهم). # " روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه دخل على سعد ~~بن أبي وقاص يزوره، فقال سعد: " يا رسول الله؛ ~~إني ذو مال وليس لي إلا بنت واحدة، أفأوصي ~~بالثلثين؟ قال: " لا " قال: فبالشطر؟ قال: " لا " ~~فبالثلث؟ قال: " والثلث كثير، إنك إن تدع ~~ورثتك أغنياء خيرا من أن تدعهم فقراء ~~يتكففون الناس " ". # قال بعض المفسرين: هذه الآية خطاب لمن يتصرف بأموال اليتامى؛ ~~معناه: وليخش الذين يخافون الضياع على ورثتهم الضعاف ~~بعد موتهم، فلا يفعلون في أموال اليتامى إلا بما يحبون أن ~~يفعل في أولادهم من بعد موتهم. والقول السديد: هو الذي لا ~~خلاف فيه من جهة الفساد، مأخوذ من سد الثلمة، وهو العدل ~~والصواب من القول. ### || [4.10] # قوله تعالى: { إن الذين يأكلون أموال ~~اليتمى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا }؛ ~~نزلت في حنظلة بن الشمردل؛ كان يأكل من مال ~~اليتيم في حجره ms0476 ظلما. ومعناها: إن الذين يأكلون ~~أموال اليتامى بغير حق، إنما يأكلون في بطونهم ~~حراما. ويسمى الحرام نارا؛ لأن الحرام يوجب النار فسماه ~~باسمها على معنى أن أجوافهم تمثل نارا في الآخرة. قال ~~السدي: (من أكل من مال اليتيم ظلما يبعث يوم ~~القيامة، ولهب النار يخرج من فيه وأذنيه ~~وعينيه وأنفه، كل من رآه عرف أنه أكل مال ~~اليتيم ظلما). # قوله تعالى: { وسيصلون سعيرا }؛ أي سيصلون ~~النار في الآخرة ويلزمونها، والصلاء: ملازمة النار ~~للاحتراق والإنضاج. قرأ العامة: (وسيصلون) بفتح الياء ~~أي يدخلونها كقوله تعالى: # إلا من هو صال الجحيم # [الصافات: 163] وقوله تعالى: # لا يصلاهآ إلا الأشقى # [الليل: 15]. # وقرأ أبو رجاء والحسن وابن عامر وأبو بكر عن عاصم بضم الياء على ~~معنى: وسيدخلون النار على ما لم يسم فاعله، ونظيره # سأصليه سقر # [المدثر: 26] و # فسوف نصليه نارا # [النساء: 30]. وقرأ حمزة بن قيس: (وسيصلون) بتشديد اللام من ~~التصلية لكثرة الفعل؛ أي مرة بعد مرة، نظيره # ثم الجحيم صلوه # [الحاقة: 31] والكل صواب، يقال: صلت شياء إذا شويته. وفي ~~الحديث: (أتي بشاة مصلية) وأصليته: ألقيته في ~~النار، وصليته مرة بعد مرة. # السعير: النار المسعورة أي الموقودة. قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " رأيت ليلة أسري بي قوما لهم مشافر كمشافر ~~الإبل؛ إحداهما قالصة على منخره، والأخرى على ~~بطنه، وخزنة النار يلقمونهم جمر جهنم ~~وصخرها ثم يخرج من أسافلهم، فقلت: يا جبريل ~~من هؤلاء؟ قال: الذين يأكلون أموال اليتامى ~~ظلما " ### || [4.11] # قوله تعالى: { يوصيكم الله في أولدكم للذكر ~~مثل حظ الأنثيين }؛ قال ابن عباس: (كان المال ~~للبنتين؛ وكانت الوصية للوالدين والأقربين ~~إلى أن نزلت هذه الآية ثم صار ذلك منسوخا بها). ~~ومعناها: يعهد الله إليكم ويفرض عليكم في أولادكم إذا ~~متم: للذكر الواحد من الأولاد مثل نصيب الأنثيين في ~~الميراث، واسم الولد يتناول ولده من صلبه حقيقة ولد ~~ولده في النسبة والتعصيب، ولكنهم من ذوي الأرحام مجازا، ~~فإذا كان للميت ولد من صلبه وجب حمل اللفظ على الحقيقة، وإن لم ~~يكن له ولد من صلبه حمل على ms0477 من كان من صلب بنيه ~~مجازا، وأما ولد البنات فلا يعد من ولده في النسبة ~~والتعصب، ولكنهم من ذوي الأرحام. قال الشاعر: # بنونا بنوا أبنائنا وبناتنا # بنوهن أبناء الرجال الأباعد # وعن هذا قال أصحابنا: فمن أوصى لولد فلان أن ذلك لولده ~~لصلب، فإن لم يكن له ولد من صلبه فهو ولد ابنه، ولا يدخل أولاد ~~البنات في هذه الوصية على أظهر الروايتين. # قوله تعالى: { فإن كن نسآء فوق اثنتين }؛ أي إن ~~كان الأولاد نساء أكثر من اثنتين ليس معهن ذكر؛ { فلهن ~~ثلثا ما ترك }؛ من المال، والباقي للعصبة. قوله ~~تعالى: { وإن كانت واحدة فلها النصف }؛ قرأ ~~العامة بالنصب على خبر كان، وقرأ نافع وحده بالرفع على أن ~~معناه: وإن وقعت واحدة؛ فحينئذ لا خبر له، وقراءة النصب ~~أجود، وتقديره: فإن كانت المولودة واحدة. # فإن قيل: لم أعطيتم البنتين الثلثين وفي الآية ~~إجاب الثلثين لأكثر من الابنتين؟ قيل: في فحوى ~~الآية دليل على أن فرض الابنتين الثلثان؛ لأن في أولها { ~~للذكر مثل حظ الأنثيين } ، فيقتضي أن للابنة ~~الواحدة مع الابن الثلث، فإن كان لها معه الثلث كانت تأخذ ~~الثلث مع عدمه أولى، فاحتجنا إلى بيان حكم ما فوق ~~الأنثيين؛ فذلك نص على حكم ما فوقهما، ويدل عليه أنه اذا كان ~~للابن الثلثان، وللابنة الثلث دل أن نصيب الأنثيين ~~الثلثان بحال؛ لأن الله تعالى جعل للذكر مثل حظ ~~الأنثيين. # وجواب آخر: أن الله تعالى جعل للأخت من الأب والأم النصف في ~~آخر هذه السورة، كما جعل للابنة النصف في هذه الآية، وجعل للأختين ~~هناك الثلثين، فأعطينا الاثنين الثلثين قياسا على الأختين ~~في تلك الآية؛ وأعطينا جملة الأخوات الثلثين قياسا على ~~البنات في هذه الآية. # قوله تعالى: { ولأبويه لكل واحد منهما ~~السدس مما ترك }؛ أي لأبوي الميت كناية عن غير المذكور ~~لكل واحد منهما السدس؛ { إن كان له ولد }؛ أو ولد ~~ابن. قوله تعالى: { فإن لم يكن له ولد وورثه ~~أبواه فلأمه الثلث }؛ أي إن لم يكن للميت ولد ذكر ولا ~~أنثى، ولا ms0478 ولد ولد فلأمه الثلث، والباقي للأب. # وروي عن ابن مسعود: (أن الولد يحجبون الأم من ~~الثلث إلى السدس، وإن لم يرثوا نحو أن يكونوا ~~كفارا أو مملوكين أو قاتلين؛ لأن الله لم ~~يفرق في الآية بين الولد الكافر والمسلم، ~~فقال: (ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ~~ترك إن كان له ولد). # وقال عمر وعلي وزيد بن ثابت: (للأم الثلث)، وجعلوا ~~الكافر والرقيق بمنزلة الميت، وحملوا الآية على ولد يحوز ~~الميراث. قرأ أهل الكوفة إلا عاصما وخلفا: (فلإمه) بكسر ~~الهمزة استثقالا لضمة بعد كسر. وقرأ الباقون بالضم على الأصل. # قوله تعالى: { فإن كان له إخوة فلأمه السدس ~~}؛ ذكره بلفظ الجمع، وأقله ثلاثة ولا خلاف، وإن الحجب يقع ~~بثلاثة من الإخوة والأخوات وإن ذلك لا يقع بالواحد، ثم قال عامة ~~الصحابة: (إن حكم الاثنين في هذا حكم الثلاثة كما ~~في أنثيين والأختين). وعن ابن عباس: (أنه كان لا ~~يحجب الأم عن الثلث إلى السدس بأقل من ثلاثة ~~إخوة)، وهذا القول غير مأخوذ به. وروي عنه أيضا: أنه جعل ~~للابنتين النصف كنصيب الواحدة بظاهر قوله ~~تعالى { فوق اثنتين } ولم يقل بهذا آخر غيره فلا يعتد ~~به. # وروي أن جدة جاءت إلى أبي بكر رضي الله عنه، وطلبت ~~ميراثها؛ فقال أبو بكر رضي الله عنه: (لا أجد لك في ~~كتاب الله شيئا) فقام المغيرة بن شعبة وشهد ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطى جدة أم الأم ~~السدس، فقال: (إئت معك بشاهد آخر) فجاء محمد ~~بن مسلمة وشهد بمثل شهادته، فأعطى أبو بكر ~~رضي الله عنه السدس. # قوله تعالى: { من بعد وصية يوصي بهآ أو دين }؛ ~~إن هذه القسمة بعد فضل المال على الدين، وبعد إمضاء الوصية ~~من الثلث إن كان الميت أوصى بها. قرأ ابن كثير وابن عامر: (يوصى ~~بها) بفتح الصاد. وقرأ الباقون بكسر الصاد. # فإن قيل: كيف ذكر الله الوصية قبل الدين؛ والدين ~~مقدم على الوصية؟ قيل: إن كلمة (أو) لا توجب الترتيب، ~~لكنها توجب تأخير قسمة الميراث في هذه ms0479 الآية عن أحدهما إذا ~~انفرد، وعن كل واحد منهما إذا اجتمعا. روى علي كرم الله ~~وجهه عن رسول الله # " أنه قضى بالدين قبل الوصية " # وهذا شيء قد اجتمعت عليه الأمة حتى روي عن ابن عباس: أنه قيل ~~له: ما لنا نقدم أفعال العمرة على أفعال الحج ~~وقد قال الله تعالى: # وأتموا الحج والعمرة لله # [البقرة: 196]؟ كما تقدمون الدين على الوصية، ~~وقد قال الله تعالى: { من بعد وصية يوصي بهآ أو ~~دين }. # قوله تعالى: { آبآؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم ~~أقرب لكم نفعا }؛ معناه: إن المذكورين في الآية ~~آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم ~~نفعا في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الدنيا فقد يكون الولد ~~أكثر نفعا لوالده، وقد يكون الوالد أكثر نفعا لولده. # وأما في الآخرة، فإن الأب أرفع درجة في الجنة يسأل الله ~~تعالى أن يرفع ابنه إليه فيرفع، وإن كان الابن أرفع سأل ~~الله أن يرفع أباه إليه. # وفي هذا جواب طعن الملحدين عن قولهم: هلا كان الرجال أولى ~~بالميراث لكونهم قوامين على النساء؟ وعن جواب آخرين منهم لم جاز ~~تفضيل الذكر على الأنثى في قسمتها الميراث؛ والأنثى أولى بالزيادة ~~بعجزها عن التصرف؟ فبين الله تعالى أنه فرض الفرائض على ما هو ~~عنده حكمة ومصلحة لهم، ولو وكل ذلك إليكم لما تعلموا أيهم ~~أنفع، فوضعتم الأموال في غير حكمة. وقيل معناه: لا يدري أحدكم ~~أهو أقرب وفاة فينتفع ولده بماله، أم الولد أقرب وفاة فينتفع ~~والده بماله. # قوله تعالى: { فريضة من الله }؛ نصب على الحال ~~والتوكيد من قوله { يوصيكم } ، وقيل: مصدر. قوله تعالى: { ~~إن الله كان عليما حكيما }؛ أي لم يزل عالما ~~بالمواريث وغيرها، حكيما حين بين قسمة المواريث على الحكمة. وعن ~~الحسن أن معناه: (كان الله عالما بالأشياء قبل ~~خلقها، حكيما فيما يقدر من تدبيره فيها). ### || [4.12] # قوله تعالى: { ولكم نصف ما ترك أزوجكم إن ~~لم يكن لهن ولد }؛ أي لكم يا معشر الرجال: نصف ما ~~ترك نساؤكم إن لم يكن لهن ولد ذكر أو أنثى ms0480 أو من ~~غيركم أو ولد ولده؛ { فإن كان لهن ولد }؛ أي ذكر أو أنثى ~~منكم أو من غيركم أو ولد ولده؛ { فلكم الربع مما تركن ~~}؛ من المال، { من بعد وصية يوصين بهآ أو دين }؛ أي ~~من بعد قضاء الدين عليهن أو إمضاء وصية أوصين بها من ~~الثلث. # قوله تعالى: { ولهن الربع مما تركتم }؛ أي ~~مما تركتم أيها الأزواج من المال، { إن لم يكن لكم ~~ولد }؛ ذكر أو أنثى أو ولد ابن منهن أو غيرهن؛ { فإن كان ~~لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم }؛ ذلك، { من ~~بعد وصية توصون بهآ أو دين }؛ قضاء دين عليكم، إو ~~إمضاء وصية أوصيتم بها من الثلث. # قوله تعالى: { وإن كان رجل يورث كللة أو ~~امرأة }؛ الآية وإن كان رجل، أو امرأة يورث { كللة } وهو ~~نصب على المصدر، وقيل على الحال، وقيل: على خبر ما لم يسم ~~فاعله؛ تقديره: وإن كان رجل يورث ماله كلالة، قاله ابن ~~عباس. وقرأ الحسن: (يورث) بكسر الراء؛ جعل الفعل له. # واختلفوا في الكلالة، قال ابن عباس: (هو من لا ولد له ~~ولا والد). وعن ابن عباس وعمر وجابر وأبي بكر وقتادة ~~والزهري: (الكلالة اسم لما عدا الوالد والولد). ~~وقال الشعبي: (سمعت أن أبا بكر رضي الله عنه قال في ~~الكلالة: أقضي فيها، فإن كان صوابا فمن الله ~~تعالى، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ~~بريء منه: هو ما دون الوالد والولد، يقول كل ~~وارث دونهما كلالة). قال: (فلما كان عمر بعده، ~~قال: إني أستحي من الله أن أخالف أبا بكر رضي الله ~~عنه، هو ما خلا الوالد والولد). وقال طاووس: (هو ما ~~دون الولد) وقال الحكم: (هو ما دون الأب). # قوله تعالى: { وله أخ أو أخت }؛ إنما لم يقل ~~ولهما؛ لأن من عادة العرب أن الرجل والمرأة ربما أضافت ~~إليهما، وربما أضافت إلى أحدهما، وكلاهما جائز، ومعنى: وله أخ أو ~~أخت من أم، وفي قراءة أبي وسعد بن أبي وقاص: (وله أخ أو ~~أخت من أم)، { فلكل واحد منهما السدس ms0481 }؛ مما ترك ~~الميت من المال. # قوله تعالى: { فإن كانوا أكثر من ذلك فهم ~~شركآء في الثلث }؛ أي أكثر من واحد فهم كلهم سواء في ~~الثلث لا يفضل الذكر على الأنثى. قوله تعالى: { من ~~بعد وصية يوصى بهآ أو دين }؛ قد تقدم. # قوله تعالى: { غير مضآر }؛ نصب على الحال؛ أي يوصي ~~بها الميت غير مضار في حال وصية بأن يزيد على الثلث، ~~ويفضل بعض الورثة على بعض. قال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه؛ فلا وصية ~~لوارث إلا أن يجيزها الورثة " # قوله تعالى: { وصية من الله }؛ نصب على المصدر؛ { ~~والله عليم حليم }؛ عليم بما دبره من هذه الفرائض؛ ~~حليم على من عصاه بأن أخره وقبل التوبة. ### || [4.13] # قوله تعالى: { تلك حدود الله }؛ أي هذه فرائض الله ~~التي أمركم بها في المواريث وأموال اليتامى. والحدود: هي ~~الأمكنة التي لا ينبغي أن يتجاوزها. قوله ~~تعالى: { ومن يطع الله ورسوله }؛ أن من يقيم حدود ~~الله، وحدود رسوله في أمر الميراث وغيره، { يدخله جنات ~~تجري من تحتها الأنهار }؛ قرئ (ندخله) بالنون في ~~الموضعين، والياء أقرب من لفظ الآية. # قوله تعالى: { خالدين فيها }؛ نصب على الحال أي ~~ندخل المقدرين للخلود فيها. { وذلك الفوز العظيم }؛ ~~أي النجاة الوافرة فازوا بها في الجنة. ### || [4.14] # قوله تعالى: { ومن يعص الله ورسوله ويتعد ~~حدوده }؛ أي قسمة الميراث فلن يقسمها؛ لأن المنافقين ~~كانوا لا يقرون للنساء والصبيان الصغار من قسمة المواريث ~~بشيء. قوله تعالى: { يدخله نارا خالدا فيها وله ~~عذاب مهين }؛ ظاهر المعنى. ### || [4.15] # قوله تعالى: { واللاتي يأتين الفحشة من ~~نسآئكم }؛ أي اللاتي يزنين من حرائركم الثيبات ~~المحصنات، { فاستشهدوا عليهن أربعة منكم } ، ~~فاطلبوا عليهن أربعة من الشهود من أحراركم المسلمين العدول، ~~{ فإن شهدوا }؛ عليهن بالزنا، فاحبسوهن في البيوت، ~~وهي السجون، بيوت معروفة في المدينة، { فأمسكوهن في ~~البيوت }؛ بالحبس، { حتى يتوفاهن الموت أو ~~يجعل الله لهن سبيلا } ، مخرجا من الحبس قبل ~~الموت. # وإنما كان هذا قبل نزول الحدود؛ كانت المرأة في أول الإسلام إذا ~~زنت حبست ms0482 في البيت حتى تموت، وإن كان لها زوج كان مهرها ~~له، حتى نزل قوله تعالى: # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة ~~جلدة # [النور: 2] فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " خذوا عني؛ خذوا عني: قد جعل الله لهن سبيلا، ~~الثيب بالثيب جلد مائة والرجم، والبكر بالبكر ~~جلد مائة وتغريب عام " # فنسخت تلك الآية بعض هذه الآية، وهو الإمساك في البيوت، ~~وبقي منها محكما وهو الإشهاد. # وكان في هذا النسخ نسخ القرآن بالسنة، ثم تغريب في ~~البكر بقوله تعالى: # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة ~~جلدة # [النور: 2] لأن ظاهر تلك الآية يقتضي أن الجلد بيان لجميع ~~الحكم المتعلق بالزنا، إذ لو لم يجعل ذلك كذلك لكان قصورا في ~~البيان في مواضع الحاجة، ونسخ جلد الزنا المحصن الثيب ~~بحديث ماعز: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم رجمه ولم يجلده ". # وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: (لولا أن الناس ~~يقولون زاد عمر في كتاب الله؛ لكتبت في حاشية ~~المصحف: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ~~نكالا من الله ويتوب الله على من تاب). وقال ~~الشافعي رحمه الله: (جلد الثيب المحصن منسوخ، ~~وتغريب البكر غير منسوخ)، وعند داود ومن تابعه من ~~أصحاب الظواهر: (ليس بشيء منهما منسوخ). ### || [4.16] # قوله تعالى: { واللذان يأتيانها منكم فآذوهما ~~}؛ يعني الرجل والمرأة إلا أن المذكر والمؤنث إذا اجتمعا ~~غلب المذكر، والهاء راجعة إلى الفاحشة. قال المفسرون: ~~(هاء) البكر إن يزنيان فآذوهما بالشتم والتعيير؛ ~~يقال لهما: زنيتما؛ فجرتما؛ انتهكتما حرمات ~~الله. وقيل: بهاء اللذين لم يحصنا. وقال عطاء وقتادة: (معنى: ~~{ فآذوهما } أي عنفوهما باللسان: أما خفتما الله! ~~أما استحييتما منه!). قال ابن عباس: (أراد بالأذى ~~الضرب بالنعال والأيدي). # قوله تعالى: { فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهمآ ~~}؛ أي فإن تابا عن الزنا واصلحا العمل بعد التوبة فأعرضوا ~~عنهما؛ لا تسبوهما ولا تعيروهما. # " وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلين اختصما إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال أحدهما: إقض بيننا ~~بكتاب الله، وقال الآخر: أجل يا رسول الله ms0483 صلى الله ~~عليه وسلم؛ اقض بيننا بكتاب الله وأذن لي أن أتكلم، ~~قال: " تكلم " فقال: إن ابني كان عسيفا على هذا - ~~أي أجيرا - فزنا بامرأته، فأخبروني أن على ابني ~~الرجم فافتديته بمائة شاة وجارية، ثم سألت ~~أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة ~~وتغريب عام، وإنما الرجم على امرأته! فقال صلى ~~الله عليه وسلم: " أما والذي نفسي بيده؛ لأقضين ~~بينكما بكتاب الله، أما غنمك وجاريتك فرد ~~عليك " وجلد ابنه بمائة وغربه عاما، وأمر ~~أنيسا الأسلمي أن يأتي امرأة الرجل؛ فاعترفت ~~فرجمها " # قوله تعالى: { إن الله كان توابا رحيما }؛ أي ~~لم يزل متجاوزا عن الناس رحيما بهم بعد التوبة. ### || [4.17] # قوله تعالى: { إنما التوبة على الله للذين ~~يعملون السوء بجهالة }؛ معناه: إنما التجاوز من ~~الله للذين يعملون المعصية بجهالة، { ثم يتوبون من ~~قريب }؛ أي ثم يتوبون من قبل أن ينزل بهم سلطان الموت لا في ~~وقت المعاينة، { فأولئك يتوب الله عليهم }؛ ~~يقبل الله توبتهم؛ { وكان الله عليما }؛ بأهل التوبة؛ { ~~حكيما }؛ حكم بقبول التوبة، قيل: إن (على) في قوله: { على ~~الله } بمعنى (عند) أي إنما التوبة عند الله. وقيل: بمعنى ~~(من) أي من الله. # واختلفوا في قوله: { بجهالة }. قال مجاهد والضحاك: ~~(الجهالة العمد). وقال الكلبي: (لم يجهل أنه ذنب، ~~ولكنه جهل عقوبته). قال سائر المفسرين: (يعني ~~المعاصي كلها، فكل من عصى ربه فهو جاهل حتى ~~ينزع عن معصيته). وقال قتادة: (أجمع الصحابة أن ~~كل من عصى ربه فهو جاهل عمدا كان أو خطأ). وقال ~~الزجاج: (معنى قوله { بجهالة }: اختيارهم اللذة ~~الفانية). # قوله تعالى: (ثم يتوبون من قريب فأولئك ~~يتوب الله عليهم) أي ثم يتوبون قبل إصابتهم بأسباب ~~الموت، سمى ذلك قريبا لأن كل ما هو آت قريب؛ لأن ~~المرء لا يأمنه في كل وقت وساعة، وكل ما يكون هذا صفته فهو ~~موصوف بالقرب. # قال صلى الله عليه وسلم: # " " من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه " ثم ~~قال: " إن السنة لكثير، من تاب قبل موته بشهر ~~تاب الله عليه " ثم قال: ms0484 إن الشهر لكثير، ثم ~~قال: " من تاب قبل موته بجمعة تاب الله عليه " ~~ثم قال: " إن الجمعة لكثير، من تاب قبل موته ~~بيوم تاب الله عليه " ثم قال: " إن اليوم ~~لكثير، من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه " ~~ثم قال: " إن الساعة لكثير، من تاب من قبل أن ~~يغرغر نفسه تاب الله عليه " ". # وقال الكلبي: (قوله: { من قريب } القريب ما دام في ~~الصحة قبل المرض والموت). وقال أبو موسى الأشعري: ~~(هو أن يتوب قبل موته بفواق ناقة). ### || [4.18] # قوله تعالى: { وليست التوبة للذين يعملون ~~السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني ~~تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار }؛ أي وليس ~~قبول التوبة للذين يعملون المعاصي مقيمين عليها حتى إذا ~~عاين أحدهم أسباب الموت والسوق والنزع ومعاينة الموت، ~~إني تبت الآن، ولا على الذين يموتون على الكفر، { ~~أولئك أعتدنا لهم }؛ هيأنا لهم؛ { عذابا ~~أليما }؛ مؤلما وهو النار التي مصيرهم إليها. # وذهب الربيع إلى أن المراد بالذين يعملون السيئات: المنافقون، ثم ~~عطف الكافرين المجاهرين بالكفر على المنافقين. وحاصل هذه ~~الآية أن من وقع في النزع وقال: إني تبت الآن، فحينئذ لا ~~يقبل من كافر إيمانه، ولا من عاص توبته، وقوله: ولا ~~الذين يموتون موضع خفض. ### || [4.19] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم ~~أن ترثوا النسآء كرها }؛ الآية، قال ابن عباس: # " كانوا في الجاهلية وأول الإسلام إذا مات رجل ~~وله امرأة؛ جاء ابنه من غيرها أو قريبه من ~~عصبته الذي يرثه، فألقى ثوبه على تلك ~~المرأة فورث نكاحها بصداق الأول، يقول: أنا ~~ولي زوجك فورثتك، فإن كانت جميلة أمسكها ~~ودخل لها، وإن لم تكن جميلة طول عليها ~~لتفتدي بنفسها منه بما ترث من الميت أو تموت ~~فيرثها، فإن ذهبت إلى أهلها قبل أن يلقي عليها ~~ثوبه فهي أحق بنفسها. # فكانوا يفعلون ذلك حتى توفي أبو قيس بن ~~الأسلت، وترك امرأته كبشة بنت معن ~~الأنصارية، فقام لها ابن من غيرها يقال له ~~حصين بن أبي قيس؛ فطرح ثوبه عليها ms0485 فولي ~~نكاحها ثم تركها ولم يقربها ولم ينفق ~~عليها فضارها بذلك لتفتدي منه بمالها، فأتت ~~كبشة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول ~~الله؛ إن أبا قيس توفي وورث ابنه نكاحي؛ وقد ~~أضرني وطول علي، فلا هو ينفق علي، ولا هو ~~يخلي سبيلي، فقال صلى الله عليه وسلم: " أقعدي في بيتك ~~حتى يأتيني فيك أمر الله " فانصرفت، وسمع بذلك ~~نساء المدينة، فأتينا رسول الله عليه السلام فقلن: ~~يا رسول الله؛ ما نحن إلا كهيئة كبشة، فأنزل ~~الله هذه الآية ". # ومعناها: يا أيها الذين أقروا وصدقوا لا يحل لكم أن ~~ترثوا النساء جبرا؛ { ولا تعضلوهن لتذهبوا ~~ببعض مآ آتيتموهن }؛ أي لا تمنعوهن تخلية ~~سبيلهن حتى يفتدين ببعض ما لهن؛ { إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة }؛ فحينئذ يحل لكم ضرارهن ~~ليفتدين منكم، وهو أنها إذا زنت المرأة جاز لزوجها أن يسألها ~~الخلع. # قال عطاء: (كان الرجل إذا زنت امرأته أخذ منها ما ~~يساق إليها وأخرجها، فنسخ الله ذلك بالحدود). قال ~~قتادة والضحاك: (الفاحشة النشوز؛ يعني إذا نشزت ~~المرأة حل لزوجها أن يأخذ منها الفدية). ~~وقوله تعالى: (مبينة)؛ بخفض الياء أي مبينة فحشها. # قرأ حمزة والكسائي وخلف والأعمش: (كرها) بضم الكاف هنا وفي ~~التوبة، وقرأ الباقون بالفتح وهما لغتان. وعن الضحاك: (أن هذه ~~الآية نزلت في الرجل يكون في حجره يتيمة؛ ~~فيكره أن يزوجها لمالها، فيتزوجها لأجل ~~مالها، أو يكون تحته عجوز، ونفسه تتوق إلى ~~شابة فيكره فراق العجوز ويتوقع موتها ~~ليرثها وهو يعزل فراشها). # قوله تعالى: { وعاشروهن بالمعروف }؛ أمر للأزواج ~~بعشرة نسائهم بالجميل، وهو أن يوفيها حقها من المهر ~~والنفقة والمبيت وترك أذاها بالكلام الغليظ، والإعراض عنها ~~والعبوس في وجهها بغير ذنب منها. # قوله تعالى: { فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا ~~شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا }؛ فيه بيان أن ~~الخيرة ربما كانت للعبد في الصبر على ما يكرهه؛ يقول: لعلكم ~~أيها الأزواج أن تكرهوا صحبتهن ويجعل الله في ذلك خيرا ~~كثيرا بأن يرزقكم منهن الأولاد، فتظهر بعد ذلك الألفة ~~والموافقة، ms0486 وتنقلب الكراهة صحبة؛ والنفور ميلا. # وقيل: يعني بالخير الكثير: ما يحصل له من الثواب في الآخرة في ~~الإنفاق عليها. وقيل: معناه: عسى الله أن يقضي بالفراق على وجه ~~يحمد، فيستبدل به المرأة من هو خير لها منه، ويستبدل هو بها من ~~هي خير له منها. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " اتقوا الله في النساء؛ فإنهن عوان عندكم، ~~أخذتموهن بأمانة الله؛ واستحللتم فروجهن ~~بكلمة الله؛ لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم ~~أحدا تكرهونه، فإن فعلن فاضربوهن ضربا غير ~~مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " أبغض الحلال إلى الله تعالى الطلاق " # قال صلى الله عليه وسلم: # " تزوجوا، ولا تطلقوا، فإن الله لا يحب ~~الذواقين والذواقات " ### || [4.20] # قوله تعالى: { وإن أردتم استبدال زوج مكان ~~زوج }؛ الآية؛ أي إن أردتم تخلية امرأة، ولم يكن من قبلها ~~نشوز وإتيان فاحشة؛ { وآتيتم إحداهن قنطارا }؛ أي ~~مالا عظيما، وتقدم تفسير القنطار؛ { فلا تأخذوا منه ~~شيئا }؛ مما أعطيتموها، { أتأخذونه بهتانا وإثما ~~مبينا }؛ أي ظلما وذنبا ظاهرا، والبهتان: هو الباطل ~~الذي يتحير من بطلانه، ومن ذلك سمي الكذب العظيم ~~لأنه يباهت به محيره، ويتحير المكذوب عليه ~~لعظمه، وأصل البهت: التحير: قال الله تعالى: # فبهت الذي كفر # [البقرة: 258] أي تحير لانقطاع حجته، وإنما سمى الله ~~تعالى أخذ المهر بغير حق بالبهتان؛ لأن الزوج لما استعمل ~~المكر والخداع في أخذ ما أعطاها، صار في الوزر بمنزلة من ~~يكذبوهم أن الذي قاله حق. ### || [4.21] # قوله تعالى: { وكيف تأخذونه وقد أفضى ~~بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا }؛ أي ~~كيف تستحلون أخذ شيء منه، وقد وصل بعضكم إلى بعض. قال ابن ~~عباس: (الإفضاء كناية عن الجماع). # وقال جماعة من أهل التفسير: إذا كان معها في لحاف ~~واحد، جامعها أو لم يجامعها فقد وجب المهر. وعن ~~زرارة بن أوفى أنه قال: (قضى الخلفاء الراشدون ~~المهديون: أنه من أغلق على امرأة بابا، أو أرخى ~~سترا، وكشف خمارا فقد وجب المهر والعدة). وذكر ~~الفراء: (الإفضاء هو الخلوة ms0487 وإن لم يقع دخول) ~~كأنه ذهب إلى أن الإفضاء مأخوذ من الفضاء، وهو المكان ~~المتسع الذي ليس فيه بناء ولا حاجز عن إدراك ما فيه، فسميت ~~الخلوة فضاء لحصول الزوج إلى جميع ما يقصده من الوطئ، والدخول ~~في موضع لا مانع فيه من ذلك. # قوله تعالى: { وأخذن منكم ميثاقا غليظا } أي ~~عهدا وثيقا وهو ذكر المهر في النكاح، وقيل: هو ما أشرط ~~الله تعالى للنساء على الرجل من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان. ~~وقال الشعبي وعكرمة والربيع: هو قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " أخذتموهن بأمانة الله؛ واستحللتم فروجهن ~~بكلمة الله " # فصل: فيما ورد من الأخبار في الرخصة في المغالاة بالمهور، ~~قال عطاء: # " خطب عمر رضي الله عنه إلى علي كرم الله وجهه ~~ابنته أم كلثوم وهي من فاطمة بنت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال له علي رضي الله عنه: إنها صغيرة، ~~فقال عمر: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول: " إن كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة ~~إلا نسبي وصهري " فلذلك رغبت في هذا، فقال علي ~~كرم الله وجهه: فإني مرسلها إليك حتى تنظر ~~إلى صغرها، فأرسلها إليه، فجاءته فقالت: إن أبي ~~يقول لك هل رضيت هذه الحلة؟ فقال: قد ~~رضيتها، فأنكحه علي؛ فأصدقها عمر أربعين ~~ألف درهم " # وعن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه: (أنه كان يزوج ~~المرأة من بناته على عشرة آلاف درهم). وتزوج ~~ابن عباس امرأة على عشرة آلاف درهم. # فصل: في أقل المهر. روي عن عمر رضي الله عنه: أنه خطب ~~الناس؛ فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: (ألا لا ~~تغالوا في صداق النساء؛ فإنها لو كانت مكرمة ~~في الدنيا، أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم). من يمن المرأة أن يسر ~~صداقها وأن يسر رحمها. وعن أبي هريرة قال: (كان ~~صداقنا منذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عشر أواق أربعمائة درهم). وعن أبي سعيد الخدري: (أن ~~رسول الله صلى الله ms0488 عليه وسلم تزوج أم سلمة على ~~عشرة دراهم). ### || [4.22] # قوله تعالى: { ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من ~~النسآء إلا ما قد سلف }؛ روي أنهم كانوا بعد قوله: # يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا ~~النسآء كرها # [النساء: 19] إذا رضيت المرأة أمسكها ولي الميت، وبرضاها ~~على حكم النكاح، فإذا سخطت تركها فحرم الله ذلك عليهم بهذه ~~الآية. ومعناها: لا تزوجوا ما تزوج آباؤكم من النساء، ~~ويقال: لا تطأوا ما وطئ آباؤكم. # واسم النكاح يقع على العقد والوطئ جميعا. قوله تعالى: { ~~إلا ما قد سلف } معناه إلا ما قد سلف في الجاهلية من نكاح ~~منكوحة الأب كان ذلك معفوا لكم لا تؤاخذون به. وقال قطرب: ~~(هو استثناء منقطع؛ تقديره: لكن ما قد سلف ~~فدعوه فاجتنبوا). # قوله تعالى: { إنه كان فاحشة ومقتا }؛ يعني أن ~~نكاح امرأة الأب كان فاحشة فيما سلف؛ لأنهم كانوا يسمونه في ~~الجاهلية (نكاح المقت) وكان المولود يقال له المقتي، ~~فأعلمهم الله تعالى أن هذا الذي حرم عليهم لم يزل منكرا في ~~قلوبهم ممقوتا عندهم، والمقت: هو البغض على أمر ~~قبيح ركبه صاحبه، وقيل المقت: هو أشد البغض، ~~والفاحشة اسم لما يرتفع ذكر قبيحته فيما بين الناس. قوله ~~تعالى: { وسآء سبيلا }؛ أي نكاح امرأة الأب طريق سوء؛ لأنه ~~يؤدي إلى جهنم، و { سبيلا }؛ نصب على التمييز. ### || [4.23] # قوله تعالى: { حرمت عليكم أمهتكم ~~وبنتكم وأخوتكم وعمتكم وخالتكم وبنات ~~الأخ وبنات الأخت } ، قال ابن عباس: (حرم الله من ~~النساء أربعة عشر صنفا؛ سبعة بالنسب؛ وسبعة ~~بالسبب، وتلا هذه الآية ثم قال: والسابعة في ~~قوله تعالى: # ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النسآء # [النساء: 22]). والجدات - وإن بعدت - محرمات؛ لأن اسم ~~الأمهات يشملهن، كما أن اسم الآباء يتناول الأجداد وإن ~~بعدوا، واسم البنات يتناول بنات الأولاد وإن سفلن، ~~وقوله تعالى: { وأخوتكم } يشمل الأخوات من الأب ~~والأم ومن الأب ومن الأم، قوله تعالى: { وعمتكم ~~وخالتكم } يتناول عمات الأب والأم وخالات الأم والأب. # قوله تعالى: { وأمهتكم التي أرضعنكم ~~وأخوتكم من الرضعة }؛ قال صلى الله ms0489 عليه وسلم: # " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " تحرم الجرعة والجرعتان ما يحرم الحولان ~~الكاملان " # " وعن عائشة رضي الله عنها: أن أفلح أخا أبي القعيس ~~جاء يستأذن عليها بعد نزول آية الحجاب وكان ~~عمها من الرضاعة؛ قالت: فأبيت أن آذن له حتى ~~أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " ليلج عليك؛ ~~فإنه عمك " فقالت: إنما أرضعتني المرأة، ولم ~~يرضعني الرجل! فقال صلى الله عليه وسلم: " ليلج عليك ~~فإنه عمك " ، وكان أبو القعيس زوج المرأة التي ~~أرضعت عائشة رضي الله عنها ". # قوله تعالى: { وأمهت نسآئكم }؛ قال ابن عباس ~~وعطاء وسعيد بن جبير: [إن أم المرأة مبهمة تحرم على ~~زوج ابنتها بنفس العقد]. قوله تعالى: { ~~وربائبكم التي في حجوركم من نسآئكم التي ~~دخلتم بهن }؛ لا خلاف بين أهل العلم أن كونها في ~~حجوره لا يكون شرطا في تحريمها وإنما ذكره الله تعالى على ~~عادة الناس أن الربيبة تكون في حجر زوج الأم، فخرج ~~الكلام على وفق العادة دون الشرط، وهذا كقوله: # ولا تبشروهن وأنتم عكفون في المسجد # [البقرة: 187] ومعلوم أن المعتكف لا يحل له الجماع وإن كان قد خرج ~~من المسجد لحاجة، إلا أن الغالب من حال العاكف أن يكون في ~~المسجد، فقرنه بذكر المسجد. # وأما قوله تعالى: { من نسآئكم التي دخلتم ~~بهن } فمن الناس من رد هذا الشرط على قوله { من ~~نسآئكم } وعلى قوله { وأمهت نسآئكم } فشرط الدخول ~~بالنساء في المسألتين في بيوت التحريم المذكور في الآية؛ على معنى ~~أن الله عطف حكما على حكم وعقبهما بشرط الدخول بقوله: { ~~التي دخلتم بهن } وهو قول بشر بن غياث؛ إلا أن هذا ~~لا يصح؛ لأن قوله { وأمهت نسآئكم } جملة مستقلة ~~بنفسها. # وقوله تعالى: { وربائبكم } بما فيه من شرط الدخول ~~جملة أخرى مستقلة بنفسها فلم يجز بناء إحدى الجملتين على الأخرى، ~~ولو جعلنا شرط الدخول راجعا إلى الأول، لخصصنا عموم اللفظ ~~الأول بالشك. # قوله تعالى: { فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا ~~جناح عليكم }؛ أي فإن لم تكونوا دخلتم ms0490 نساءكم، فلا حرج ~~عليكم في تزويج الربائب إذا طلقتم أمهاتهن قبل الدخول، أو ~~ماتت أمهاتهن قبل دخول الزوج بهن. قوله تعالى: { ~~وحلئل أبنائكم }؛ أي ونكاح نساء أبنائكم؛ { الذين ~~من أصلبكم }؛ وإنما سميت امرأة الابن حليلة؛ لأنها ~~تحل معه في الفراش، وقيل: لأنها حلال له، وأما أمة الابن ~~فلا تسمى حليلة، ولا تحرم على الأب ما لم يطأها الابن. # وقوله تعالى: { من أصلبكم } ليس هو على ما ظن بعض ~~الناس أنه من شرط الصلب في هذه الآية؛ أخرج امرأة الابن في ~~الرضاع من التحريم، بل امرأة الابن في الرضاع بمنزلة امرأة الابن ~~من الصلب في الحرمة، وإنما شرط الله تعالى كون الابن من ~~صلبه لإخراج امرأة الابن من التبني عن التحريم. فإن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لما تزوج امرأة زيد بن الحارثة ~~بعدما فارقها زيد؛ تكلم فيه المشركون ~~وقالوا: إن محمدا تبنى هذا ثم تزوج امرأته، ~~وكانوا يجعلون المتبنى بمنزلة ابن الصلب في ~~الميراث والحرمة، فأنزل الله هذه الآية، وقوله: # ادعوهم لآبآئهم # [الأحزاب: 5]. قوله تعالى: { وأن تجمعوا بين ~~الأختين }؛ في موضع رفع؛ ومعناه: وحرم عليكم أن تجمعوا ~~بين الأختين، وصورة الجمع أن يتزوج أختين، أو في عقدين لا ~~يدري أيتهما كانت هي الأولى، وأما إذا تزوج امرأة ثم ~~تزوج بعد ذلك أختها وهو يعلم الثانية؛ فنكاح الثانية حرام دون ~~الأولى؛ لأن الجمع حصل بالثانية، ويحرم عليه أيضا بين وطئ ~~الأختين بملك اليمين، ويحرم عليه أيضا تزوج إحداهما والأخرى ~~معتدة منه في طلاق بائن، أو رجعي. قوله تعالى: { إلا ~~ما قد سلف }؛ إلا ما مضى في الجاهلية فإنه معفو لكم إذا ~~تبتم عنه. قوله تعالى: { إن الله كان غفورا ~~رحيما }؛ أي لا يؤاخذكم بما كان منكم قبل التحريم. ### || [4.24] # قوله تعالى: { والمحصنت من النسآء إلا ما ~~ملكت أيمنكم }؛ هذه الآية عطف على ما تقدم؛ أي وحرم ~~عليكم المحصنات وهن ذوات الأزواج اللاتي أحصن بالأزواج، { ~~إلا ما ملكت أيمنكم } أي إلا ما أفاء الله عليكم من ~~السبايا. وروي عن أبي سعيد الخدري: ms0491 # " أن المسلمين أصابوا يوم أوطاس سبايا لهن ~~أزواج من المشركين؛ فتأثم المسلمون من ~~وطئهن؛ وقالوا: لهن أزواج في دار الحرب فأنزل ~~هذه الآية، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~ألا لا توطأ الحبال حتى يضعن، ولا غير الحبال ~~حتى يستبرئن بحيضة " ". # وذهب بعض الصحابة وهو أبي بن كعب، وأنس وجابر رضي الله ~~عنهم: (أن الأمة إذا خرجت من ملك مولاها إلى ~~ملك رجل آخر؛ حرمت على زوجها بأي سبب خرجت) ~~حتى روي عن ابن عباس أنه قال: (طلاق الأمة يثبت ~~طلاقها وبيعها وهبتها وميراثها وسبيها ~~وصدقتها). # وأنكر ذلك علي وعمر وعبدالرحمن بن عوف رضي الله عنهم؛ ~~وقالوا: (إنما نزلت الآية في السبايا خاصة بدليل ~~ما روي أن عائشة رضي الله عنها اشترت بريرة ~~وأعتقتها؛ فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ~~زوجها عبدا أسود يسمى مغيثا). # قوله تعالى: { كتب الله عليكم }؛ نصب على المصدر؛ ~~أي كتب الله عليكم كتاب الله، وقيل نصب على الإغراء؛ أي ~~إلزموا كتاب الله، واتبعوا كتاب الله. قوله تعالى: { ~~وأحل لكم ما وراء ذلكم }؛ قرأ أهل الكوفة (وأحل) ~~على ما لم يسم فاعله، نسقا على قوله (حرمت)، وقرأ الباقون ~~بالفتح على أنه قد ذكر الله بقوله: (كتاب الله)، والمعنى: أحل ~~لكم نكاح ما سوى ما ذكرت لكم من المحرمات. # قوله تعالى: { أن تبتغوا بأمولكم محصنين ~~غير مسفحين }؛ بدل من (ما)، فمن رفع أحل فموضعها رفع، ومن ~~نصب فموضعها نصب. وقال الكسائي: (موضعه نصب في ~~القرائتين بنزع الخافض، يعني لئن تبتغوا ~~بأموالكم؛ أي تطلبوا بأموالكم إما بنكاح أو ~~بملك يمين محصنين؛ أي ناكحين أعفاء غير ~~زناة، وأصله من: سفح المذي والمني). في هذا دليل ~~أن بدل البضع لا يجوز أن يكون صداقا، وكذلك خدمة الزوج لا ~~يكون صداقا عند أبي حنيفة وأبي يوسف. # وأصل الإحصان في اللغة: ما يمنع، ومنه يسمى الحصن ~~حصنا؛ لأنه يمنع من العدو، ومنه الدرع الحصينة؛ أي ~~المنيعة، والحصان بكسر الحاء: الفحل من الخيل يمنعه ~~راكبه من الهلاك، والحصان بفتح ms0492 الحاء: العفيفة من ~~النساء لمنعها فرجها؛ منه قال حسان في عائشة: # حصان رزان ما تزن بريبة # وتصبح غرثى من لحوم الغوافل # والإحصان في القرآن يقع على معان مختلفة منها: نكاح كما في ~~أول هذه الآية؛ ومنها: الجزية كما في قوله تعالى: # والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم # [المائدة: 5]، ومنها الإسلام كما في قوله تعالى: # فإذآ أحصن فإن أتين بفحشة # [النساء: 25] أي اذا أسلمن، ومنها: الفقه كما في قوله تعالى: # والذين يرمون المحصنات # [النور: 4]. # قوله تعالى: { فما استمتعتم به منهن فآتوهن ~~أجورهن }؛ اختلفوا في معنى ذلك. قال الحسن ومجاهد: (يعني ~~فما استمتعتم وتلذذتم بالجماع من النساء ~~بالنكاح الصحيح فآتوهن مهورهن) وهو قول ابن عباس: ~~أنه سئل عن المتعة؛ أسفاح أم نكاح؟ فقال: (لا ~~سفاح ولا نكاح) قيل: فما هي؟ قال: (المتعة كما ~~قال الله تعالى) قيل له: هل لها من عدة؟ قال: ~~نعم؛ حيضة) قيل: هل يتوارثان؟ قال: (لا). ثم روي ~~عنه أنه رجع عن القول بالمتعة، وقال عند موته: (اللهم ~~إني أتوب إليك من قولي بالمتعة، وقولي من ~~الصرف في درهم بدرهمين يدا بيد). # وعن عمر رضي الله عنه أنه خطب حين ولي فقال: ~~(أيها الناس؛ إن الله تعالى أحل لنا المتعة ~~ثلاثا ثم حرمها؛ وأنا أقسم بالله لا أحد تمتع ~~إلا رجمته). وعنه أيضا أنه قال: (لا أوتى برجل تزوج ~~امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة). وعن ابن مسعود: ~~(أن المتعة كانت رخصة لأصحاب محمد صلى الله عليه ~~وسلم في غزاة شكوا فيها الغربة، ثم نسختها آية ~~النكاح). # وقد أجمع سائر الفقهاء والعلماء والتابعين والسلف الصالحين على ~~أن هذه الآية منسوخة، ومتعة النساء حرام. روى الربيع عن ~~سبرة الجهني عن أبيه قال: # " كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة؛ ~~فشكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الغربة، فإذا ~~هو يقول: " يا أيها الناس؛ إن الله سبحانه حرم ~~ذلك إلى يوم القيامة ". قال بعضهم: سألت الحسن عن ~~نكاح المتعة، فقال: " إنما كان ثلاثة أيام على ms0493 ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نهى عنه " ". # قوله: { فآتوهن أجورهن } أي مهورهن، يسمى المهر ~~أجرا؛ لأنه ثمن البضع، أو لأنه بدل من المنافع، كما يسمى ~~بدل منفعة الدار والدابة أجرا. وقوله تعالى: { فريضة }؛ ~~أي أعطوهن أجورهن فريضة من الله لهن عليكم، والفرض ما يكون ~~في أعلى مراتب الإيجاب عن الله تعالى، ولهذا لا يجوز إسقاط المهر ~~في ابتداء العقد. # قوله تعالى: { ولا جناح عليكم فيما ترضيتم ~~به من بعد الفريضة }؛ أي لا إثم عليكم فيما تراضيتم به ~~من الزيادة والنقصان في المهر من بعد الفريضة في ابتداء النكاح. ~~قوله تعالى: { إن الله كان عليما حكيما }؛ أي ~~عليما بما يصلح أمر العباد، حكيم فيما أمركم به ونهاكم ~~عنه. ### || [4.25] # قوله تعالى: { ومن لم يستطع منكم طولا أن ~~ينكح المحصنت المؤمنت فمن ما ملكت ~~أيمنكم من فتيتكم المؤمنت }؛ قال ابن عباس وابن ~~جبير وقتادة ومجاهد: (الطول الغنى والسعة) أي ومن لم ~~يستطع منكم غنى وقدرة، ولم يجد مالا يتزوج به الحرائر؛ ~~فليتزوج بعضكم من إماء بعض. وقال جابر ابن زيد وربيعة ~~والنخعي: (الطول الهوى) أي من لم يقدر منكم على نكاح ~~الحرائر هوى وعشقا بأمة من الإماء لا يتسع قلبه لنكاح ~~الحرة، فليتزوج بالأمة التي يهواها من الإماء المؤمنات. قرأ ~~الكسائي: (المحصنات) بكسر الصاد في كل قراءة إلا الأول ~~وهو قوله: # والمحصنت من النسآء # [النساء: 24]. # قوله تعالى: { والله أعلم بإيمنكم }؛ أي بحقيقة ~~الإيمان وأنتم تعرفون الظاهر، وليس عليكم أن تبحثوا عن ~~الباطن. قوله تعالى: { بعضكم من بعض }؛ أي في الدين، ~~وقيل: من النسب؛ أي كلكم ولد آدم عليه السلام، وإنما قال ~~ذلك؛ لأن العرب كانت تطعن في الأنساب، وتفخر بالأحساب وتعير ~~بالهجنة، وتسمي ابن الأمة (الهجين)، فأعلم الله أن ~~الأمة في جواز نكاحها كالحرة لذلك. # قوله تعالى: { فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن ~~أجورهن }؛ أي انكحوا الإماء بإذن مواليهن واعطوهن ~~مهورهن؛ يعني بإذن أهلهن، وقوله تعالى: { بالمعروف }؛ ~~أي مهر غير مهر البغي وهو أن يكون عشرة دراهم فما فوقها. ~~قوله تعالى: ms0494 { محصنت غير مسفحت }؛ أي عفائف ~~غير زوان معلنات بالزنا، { ولا متخذت أخدان }؛ ~~أي أخلاء في السر؛ وذلك لأن أهل الجاهلية كان فيهم زوان ~~بالعلانية لهن رايات مضروبة، وبعضهن اتخذت أخدانا في ~~السر حتى قال ابن عباس: (كان فيهم من يحرم ما ~~ظهر من الزنا، ويستحل ما خفي فيه، فنهى الله ~~تعالى عن نكاح الفريقين جميعا.) # قوله تعالى: { فإذآ أحصن فإن أتين بفحشة ~~فعليهن نصف ما على المحصنت من العذاب }؛ ~~معناه: أن الإماء إذا أسلمن وتزوجن، ومن قرأ (أحصن) بضم ~~الهمزة فمعناه: اذا زوجن وأحصن بالأزواج، { فإن أتين ~~بفحشة } يعني الزنا فعليهن نصف قدر الحرائر: خمسون ~~جلدة. والمراد بهذه الآية: نصف الجلد؛ لأن الرجم لا نصف له. # وذهب عامة الفقهاء إلى أن الإسلام والتزوج لا يكونا ~~شرطا في وجوب الجلد على الأمة؛ فإنها وإن لم تكن محصنة ~~بالإسلام والتزويج أقيم عليها نصف حد الحرة إن زنت؛ ~~فقال صلى الله عليه وسلم: # " إن زنت فاجلدوها؛ ثم إن زنت فاجلدوها؛ ثم إن ~~زنت فبعها " # واستدلوا بما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " أنه سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن ~~(فبيعوها) " # قوله تعالى: { ذلك لمن خشي العنت منكم }؛ أي ~~تزويج الإماء والرضا بنكاحهن عند عدم طول الحرة لمن ~~خشي الزنا منكم، وقيل: لمن خشي الضرر في الدين والدنيا، { ~~منكم }؛ عن نكاح الإماء، { وأن تصبروا خير لكم } ، ~~وإنما قال ذلك؛ لأن ولد الأمة رقيقا لمولى الأمة، وله ~~استخدام الأمة في الحاجات وبين أيدي الرجال الأجانب. # قوله تعالى: { والله غفور رحيم }؛ أي غفور لما ~~أصبتم من الحرمات يغفر لكم بعد التوبة، رحيم لا ~~يعجل بالعقوبة على المذنبين. # فإن قيل: ما فائدة شرط الإحصان في قوله تعالى: { فإذآ ~~أحصن } والأمة تحد حد الزنا سواء كانت محصنة ~~بالإسلام والزوج أم لا؟ قيل: فائدة ذكر إحصان الإماء في الآية: أن ~~حد الحرة يختلف بالإحصان وعدم الإحصان، فكان يجوز أن يتوهم ~~متوهم أن حد الأمة يختلف أيضا بالإحصان بالإسلام والزوج، ~~كما يختلف ms0495 حد الحرة بذلك؛ فأوجب الله تعالى ذلك الحد بالجلد ~~في الحالة التي يوجب فيها الرجم على الحرة؛ ليعلم أن الإماء ~~لا مدخل لهن في الرجم. # قوله تعالى: { من فتيتكم المؤمنت } الفتاة ~~في اللغة: الشابة؛ إلا أن الأمة تسمى فتاة؛ عجوزا كانت أم ~~شابة؛ لأنها لا توقر توقر الحرة الكبيرة. والأخدان: ~~جمع الخدن؛ والخدين: الصديق. والعنت في اللغة: ~~المشقة، ويسمى الزنا به لأن فاعله يلقى الإثم العظيم في ~~الآخرة، ويقام عليه الحد في الدنيا. # وقد تعلق أصحاب الشافعي بظاهر هذه الآية؛ فقالوا: إذا كان ~~عند الرجل من المال ما يمكنه أن يتزوج به الحرة؛ لا يجوز ~~له أن يتزوج أكثر من أمة واحدة. وقالوا: ويجوز للعبد أن يتزوج ~~الأمة. قالوا: لا يجوز أن يتزوج الأمة اليهودية ولا ~~النصرانية، ولا يجوز أن يتزوج أكثر من أمة واحدة. قالوا: ويجوز ~~للعبد أن يتزوج أمة على الحرة؛ لأن هذه الآية خطاب للأحرار، ~~قال الله تعالى: { فمن ما ملكت أيمنكم }. # وليست هذه الآية عند أصحابنا على طريقة الشرط، ولكن معناها: من لم ~~يبسط الله له في الرزق فليرض بما قسم الله له، ~~وليعقد أدون نكاحين إن لم يقدر على أعلاهما، وفي قوله { من ~~فتيتكم المؤمنت } بيان أن المؤمنة خير من الحرة ~~الكتابية، ولو كان جواز نكاح الأمة للحر مقيدا لحال الضرورة ~~وخوف العنت لكان الحر إذا تزوج حرة على الأمة يبطل نكاح ~~الأمة، ولا خلاف إن كان نكاح الحرة إذا طرأ على نكاح الأمة لم ~~يبطل النكاح. وعن أبي يوسف أنه تأول هذه الآية: على أن وجود ~~الطول هو كون الحرة في نكاحه على ما ورد به الحديث عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا تنكح الأمة على الحرة، وتنكح الحرة على ~~الأمة " # وهذا تأويل صحيح؛ لأن من لا يكون عنده حرة فهو غير مستطيع ~~للطول إليها؛ لأن القدرة على المال لم يوجب له ملك الوطئ ~~إلا بعد وجود النكاح. ### || [4.26] # قوله تعالى: { يريد الله ليبين لكم ~~ويهديكم سنن الذين من قبلكم ms0496 }؛ أي يريد الله ~~أن يبين لكم ما تحتاجون إلى معرفته من الحلال والحرام، وكيفية ~~الطاعة، ويبصركم طريق الذين من قبلكم من أهل التوراة ~~والانجيل، يدلكم على طاعة الله، كما دل من قبلكم، { ~~ويتوب عليكم }؛ أي يتجاوز عنكم ما كان منكم في ~~الجاهلية؛ { والله عليم }؛ بما فعلتم وبمن يتوب؛ { حكيم ~~}؛ فيما أمركم به ونهاكم عنه في قوله { ليبين } بمعنى (أن)، ~~والعرب تعاقب بين لام كي وبين (أن)، فيقع أحدهما مكان الآخر، ~~كقوله # وأمرت لأعدل بينكم # [الشورى: 15] وقوله # وأمرنا لنسلم # [الأنعام: 71] وفي موضع آخر: # وأمرت أن أسلم # [غافر: 66] وقال: # يريدون ليطفئوا # [الصف: 8] وفي موضع آخر # أن يطفئوا # [التوبة: 32]، وقال الشاعر: # أريد لأنسى ذكرها فكأنما # تمثل لي ليلى بكل سبيل # يريد أن أنسى. # ومعنى الآية: يريد الله ليبين لكم شرائع دينكم ومصالح ~~أمركم. وقال الحسن: (معناه: يبين لكم ما تأتون وما ~~تذرون). وقال عطاء: (يبين لكم ما يقربكم إليه). ~~وقال الكلبي: (معناه: يبين لكم أن الصبر على ~~نكاح الإماء خير لكم { ويهديكم سنن الذين من ~~قبلكم } أي شرائع الذين من قبلكم في تحريم ~~البنات والأمهات والأخوات). ### || [4.27] # قوله تعالى: { والله يريد أن يتوب عليكم }؛ أي ~~يريد أن يدلكم على ما يكون سببا لتوبتكم، { ويريد ~~الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما }؛ ~~اختلفوا في { الذين يتبعون الشهوات } من هم؟ قال ~~السدي: (هم اليهود والنصارى)، وقال بعضهم: هم ~~المجوس لأنهم كانوا يحلون نكاح الأخوات وبنات الأخ وبنات ~~الأخت، فلما حرمه الله تعالى؛ قالوا: إنكم تنكحون بنات ~~الخالة وبنات العمة، والخالة حرام عليكم، فانكحوا بنات الأخ ~~وبنات الأخت كما تنكحوا بنات الخالة والعمة، فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية. وقال مجاهد: (هم الزناة؛ يريدون أن تميلوا ~~عن الحق فتكونوا مثلهم تزنون كما يزنون). ### || [4.28] # قوله تعالى: { يريد الله أن يخفف عنكم }؛ أي في ~~نكاح الأمة إذا لم تجدوا طول الحرة، وفي كل أحكام الشرع. ~~وقيل: معناه: يريد الله ليسهل عليكم فيضع أوزاركم ~~ويحط ذنوبكم، { وخلق الإنسان ضعيفا }؛ أي أسيرا ~~للشهوة، وقيل: ضعيفا في كل شيء # وقال طاووس ms0497 والكلبي: (معناه لا يصبر على النساء، ~~ليس يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر ~~النساء). وقال سعيد بن المسيب: (ما آيس الشيطان من ~~ابن آدم إلا أتاه من قبل النساء، وقد أتى علي ~~ثمانون سنة وذهبت إحدى عيني، وأنا أخوف ما ~~أخاف على فتنة النساء). وقال عبادة بن الصامت: (ألا ~~تروني ما آكل إلا ما لوق لي - أي لين وسخن - ~~ولا أقوم إلا ما قد مات صاحبي - يعني ذكره - وما ~~يسرني أني خلوت بامرأة لا تحل لي مخافة أن ~~يأتيني الشيطان فيحركه علي؛ أنه لا سمع له ~~ولا بصر). # وقال الحسن: (معنى { وخلق الإنسان ضعيفا } أي خلق ~~من ماء مهين). وقال ابن كيسان: (معناه: تستميله ~~شهوته ويستلينه خوفه وحزنه). قال ابن عباس: ~~(ثماني آيات في سورة النساء؛ هن خير لهذه ~~الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت: # يريد الله ليبين لكم # [النساء: 26]؛ # والله يريد أن يتوب عليكم # [النساء: 27]، { يريد الله أن يخفف عنكم }؛ # إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم # [النساء: 31]؛ # إن الله لا يظلم مثقال ذرة # [النساء: 40]؛ # إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشآء # [النساء: 48]؛ # ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه # [النساء: 110]؛ # ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم # [النساء:147]؛ # والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين ~~أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم # [النساء: 152]. ### || [4.29] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تأكلوا ~~أمولكم بينكم بالبطل }؛ أي لا يأكل بعضكم مال ~~بعض بالظلم وشهادة الزور واليمين الفاجرة والربا والقمار وغير ~~ذلك من الغصب والسرقة والخيانة، وقوله تعالى: { إلا أن ~~تكون تجرة عن تراض منكم }؛ استثناء منقطع؛ لأن ~~الاستثناء خلاف المستثنى منه؛ لأن التجارة ليست بباطل، كأنه ~~قال: لكن كلوا ما ملكتم بالمبايعة عن تراض منكم. # قرأ أهل الكوفة (تجارة) بالنصب على معنى: إلا أن تكون الأموال ~~تجارة، وقرأ الباقون بالرفع على معنى: إلا أن تقع تجارة. روي: ~~أنه لما نزلت هذه الآية امتنع الناس عن أكل ~~الأموال بالهبة والهدية والضيافة حتى نزل ~~قوله تعالى: ms0498 # ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت ~~ءابآئكم # الآية. [النور: 61]. # قوله تعالى: { ولا تقتلوا أنفسكم }؛ أي لا ~~يقتل بعضكم بعضا فإنكم أهل دين واحد، وأنتم كنفس واحدة. ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " المؤمنون كلهم كنفس واحدة؛ إذا ألم عضو ~~تداعى سائر الأعضاء للحمى والسهر " # وقيل: معناه: لا يقتلن الرجل نفسه عند الضجر والغضب. ~~قال صلى الله عليه وسلم: # " إن رجلا ممن كان قبلكم أخذته قرحة في يده ~~فقطعها فأراق دمها حتى مات، فقال الله تعالى: ~~بادرني ابن آدم بنفسه فقتلها بيده، فقد حرمت ~~عليه الجنة " # وعن جابر بن سمرة: [أن رجلا ذبح نفسه فلم يصل ~~عليه صلى الله عليه وسلم]. # وقال بعضهم: معنى الآية: لا تقتلوا أنفسكم لطلب المال بما يؤدي ~~إلى التلف. قوله تعالى: { إن الله كان بكم رحيما ~~}؛ لا يرضى منكم قتل بعضكم بعضا، ولا أكل المال بالباطل، ~~فيرجع ضرره عليكم في الدنيا والدين. ### || [4.30] # قوله تعالى: { ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما ~~فسوف نصليه نارا }؛ أي من يأكل المال بالباطل أو يقتل ~~النفس بغير الحق { عدوانا } أي اعتداء وجورا بغير حل. ~~والعدوان: بأن يعدو غير ((ما)) أمر به، والظلم: ~~أن يضع الشيء في غير موضعه، معنى: إذا فعل ذلك على ~~وجه التعدي { فسوف نصليه نارا }؛ أي ندخله النار، { ~~وكان ذلك }؛ التعذيب، { على الله يسيرا }؛ لا يمنع كثرة ~~رحمته من تعذيب من يستحق العذاب. ### || [4.31] # قوله تعالى: { إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون ~~عنه نكفر عنكم سيئاتكم }؛ معناه: إن تتركوا ~~كبائر الذنوب نكفر عنكم الصغائر، كما روي عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات ~~لما بينهن ما جنبت عن الكبائر " # ، { وندخلكم مدخلا كريما }؛ يعني الجنة. قرأ أهل ~~المدينة: (مدخلا) بفتح الميم، وهو موضع الدخول. وقرأ الباقون ~~بالضم على المصدر، بمعنى الإدخال. # واختلفوا في الكبائر التي جعل الله تعالى اجتنابها تكفيرا ~~للصغائر، فقال ابن عباس: (هي كل شيء سمى الله فيه ~~النار لمن عمل بها أو شيء نزل فيه حد في ms0499 ~~الدنيا). ويروى: أن رجلا أتى ابن عمر رضي الله عنه فقال: ~~إني أصبت ذنبا فأحب أن تعد علي الكبائر؛ ~~فعد عليه سبعا؛ فقال: (الإشراك بالله؛ وعقوق ~~الوالدين؛ وقتل النفس؛ وأكل الربا؛ وأكل مال ~~اليتيم؛ وقذف المحصنات؛ واليمين الفاجرة). وعن ~~ابن مسعود قال: (الكبائر أربع: اليأس من روح الله؛ ~~والقنوط من رحمة الله؛ والأمن من مكر الله؛ ~~والشرك). # قال مقاتل: (الكبائر: ما نهى الله تعالى عنه من ~~أول هذه السور). ويقال: لا كبيرة مع الاستغفار ولا صغيرة مع ~~الإصرار. # وعن ابن مسعود قال: قلت: # " يا رسول الله؛ أي الذنب أعظم؟ قال: " أن تجعل لله ~~أندادا وهو خلقك " قلت: ثم ماذا؟ قال: " أن تقتل ~~ولدك خشية أن يأكل معك " قلت: ثم ماذا؟ قال: " ~~أن تزني بحليلة جارك " " # وتصديق ذلك قوله تعالى: # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له ~~العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا # [الفرقان: 68-69]. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أكبر الكبائر الإشراك بالله؛ واليمين الغموس؛ ~~وعقوق الوالدين؛ وقتل النفس " # وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أربع من الكبائر: الشرك بالله؛ وقتل النفس ~~وعقوق الوالدين؛ وشهادة الزور " # وسئل ابن عباس رضي الله عنه عن الكبائر: أسبع هي؟ قال: ~~(هن إلى سبعين لأقرب منهن إلى السبع) ثم قال: ~~(الكبائر: الشرك؛ وعقوق الوالدين؛ وقتل ~~المؤمن؛ والقنوط من رحمة الله؛ والأمن من مكر ~~الله؛ واليأس من روح الله؛ والسحر؛ والربا؛ ~~والزنا؛ والسرقة؛ وأكل مال اليتيم؛ وترك ~~الصلوات؛ ومنع الزكاة؛ وشهادة الزور؛ وقتل ~~الولد خشية أن يأكل معه؛ والحسد؛ والكبر؛ ~~والحيف في الوصية؛ وتحقير المسلمين). وقال ~~سعيد بن جبير: (كل ذنب أوعد الله تعالى عليه النار ~~فهو كبيرة). قال الضحاك: (ما وعد الله عليه حدا في ~~الدنيا وعذابا في الآخرة فهو كبيرة). # قال بعضهم: ما سماه الله في القرآن كبيرا أو عظيما فهو كبيرة، ~~نحو قوله: # إنه كان حوبا كبيرا ms0500 # [النساء: 2] # إن قتلهم كان خطئا كبيرا # [الإسراء: 31] # إن الشرك لظلم عظيم # [لقمان: 13] # سبحانك هذا بهتان عظيم # [النور: 16] # إن كيدكن عظيم # [يوسف: 28] # إن ذلكم كان عند الله عظيما # [الأحزاب: 53]. # وقال سفيان الثوري: (الكبائر ما كان من المظالم ~~بينكم وبين العباد، والصغائر ما كان بينك ~~وبين الله لأن الله كريم يعفو). وقيل: الكبير ما ~~نهى الله عنه من الذنوب الكبائر والسيئات مقدماتها وأتبعها مثل ~~النظرة واللمسة والقبلة وأشباهها. وقيل: الكبيرة ما قبح في ~~العقل والطبع مثل القتل والظلم والزنا والكذب والنميمة ونحوها. ~~وقال بعضهم: الكبائر ما يستحقره العبد، والصغائر ما يستقطعه فيخاف ~~منه. ### || [4.32] # قوله تعالى: { ولا تتمنوا ما فضل الله به ~~بعضكم على بعض }؛ أي لا يتمنى الرجل مال أخيه ولا ~~شيئا من الذي لغيره؛ ولكن ليقل: اللهم ارزقني مثله، ~~ولا يتمنى الرجل امرأة أخيه ولا خادمه ولا دابته. # قوله تعالى: { للرجال نصيب مما اكتسبوا }؛ أي ~~حظ من الأجر ما اكتسبوا من العمل الصالح { وللنسآء نصيب ~~مما اكتسبن }؛ حظ من الأجر مما عملن من العمل الصالح. # قوله تعالى: { واسألوا الله من فضله }؛ أي من ~~رزقه، { إن الله كان }؛ لم يزل، { بكل شيء } ، من ~~أعمال الرجال والنساء، { عليما }؛ عالما. # وعن جابر بن عبدالله قال: بينما نحن عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهو في نفر من الصحابة؛ # " إذ أقبلت امرأة حتى قامت عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؛ ثم قالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أنا ~~وافدة النساء إليك، إن الله عزوجل رب النساء ~~ورب الرجال، وآدم أبو النساء وأبو الرجال، ~~وحواء أم النساء وأم الرجال، وأنت بعثك الله ~~رسولا إلى النساء والرجال، ثم الرجال إذا خرجوا ~~في سبيل الله، فقتلوا فهم أحياء عند ربهم ~~فرحين، ونحن نحتبس عليهم ونخدمهم، فهل لنا ~~من الأجر شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~أقرئي النساء مني السلام؛ وقولي لهن: إن طاعة ~~الزوج واعترافا لحقه يعدل ما هنالك، وقليل ~~منكن يفعله " ". # وقال قتادة والسدي: (لما نزل قوله تعالى: # للذكر مثل ms0501 حظ الأنثيين # [النساء: 11] فقالت الرجال: إنا لنرجوا أن يفضلنا ~~الله على النساء بحسناتنا في الآخرة كما فضلنا ~~عليهن بالميراث؛ فيكون أجرنا مثلي أجر النساء، ~~وقال النساء: إنا لنرجوا أن يكون الوزر علينا ~~نصف ما على الرجال كما لنا في الميراث النصف من ~~نصيبهم، فأنزل الله تعالى { ولا تتمنوا ما ~~فضل الله به بعضكم على بعض } { للرجال ~~نصيب مما اكتسبوا } من الميراث والعقاب، ~~وللنساء نصيب كذلك منه). قال قتادة: (يجزى ~~الرجل بالحسنة عشر أمثالها، والمرأة تجزى عشر ~~أمثالها أيضا). # قوله تعالى: { واسألوا الله من فضله } وقرأ ابن ~~كثير والكسائي وخلف: (وسلوا الله من فضله) (وسل من ~~أرسلنا) و (فسل الذين) يقرأون بغير الهمزة، وقرأ الباقون ~~بالهمزة. قال صلى الله عليه وسلم: # " من لم يسأل الله من فضله غضب عليه " # وقال سفيان بن عيينة: (لم يأمر بالمسألة إلا ~~ليعطي). ### || [4.33] # قوله تعالى: { ولكل جعلنا مولي مما ترك ~~الولدان والأقربون }؛ أي ولكل واحد من الرجال والنساء ~~جعلنا موالي عصبة يرثونه مما تركه والده وأقرباؤه من ~~ميراثهم، والوالدان والأقربون على هذا التأويل هم الموروثون. ~~وقيل: معناه: ولكل جعلنا موالي؛ أي ورثة من الذين ~~تركهم، ثم فسرهم فقال: الوالدان والأقربون، على هذا ~~التأويل هم الوارثون. # قوله تعالى: { والذين عقدت أيمنكم فآتوهم ~~نصيبهم }؛ في محل الرفع بالابتداء، والمعاقدة هي ~~المعاهدة بين اثنين. وقرأ أهل الكوفة (عقدت) بغير ألف أراد ~~عقدت لهم أيمانهم. قال ابن عباس: (كان الرجل في ~~الجاهلية إذا أعجبه ظرف الرجل عاقده وحالفه؛ ~~وقال: أنت ابني ترثني؛ خدمتي خدمتك؛ وذمتي ~~ذمتك؛ وثأري ثأرك، فيكون به ببعض ورثته مثل ~~نصيب أحدهم، إلا أن ينقص نصيبه عن السدس ~~لكثرة الورثة؛ فيعطى السدس خاصة لا ينقص ~~منه شيء، ثم نسخت بقوله تعالى # وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض # [الأنفال: 75]). # قال قتادة: (أراد بقوله: { والذين عقدت أيمنكم ~~}: الحلفاء؛ كان الرجل يعاقد الرجل فيقول: ~~ديني دينك؛ وثأري ثأرك؛ وحزبي حزبك؛ وسلمي ~~سلمك؛ ترثني وأرثك؛ تعقل عني وأعقل عنك؛ ~~وتطلب بي وأطلب بك، فيكون للحليف السدس ثم ~~نسخ ذلك بقوله: # وأولوا ms0502 الأرحام بعضهم أولى ببعض # [الأنفال: 75]). وقال مجاهد: (أراد بقوله: { فآتوهم ~~نصيبهم } النصر والعقل والرفادة دون ~~الميراث). # فعلى هذا تكون الآية غير منسوخة لقوله تعالى: # أوفوا بالعقود # [المائدة: 1] ولقوله صلى الله عليه وسلم: # " أوفوا للحلفاء بعهودهم التي عقدت أيمانكم " # وليس معنى قول ابن عباس أن هذه الآية منسوخة، نسخ حكمها من ~~الأصل، ولكن معناه: تقديم ذوي الأرحام على أهل العقد، وهو كحدوث ~~ابن لمن له أخ لا يخرج الأخ من أن يكون أهلا للميراث إلا أن ~~يكون الابن أولى منه، كذلك أولي الأرحام أولى من الحليف، فإذا لم يكن ~~للميت رحم ولا عصبة فالميراث للحليف، ولهذا قال أصحابنا: فمن ~~أسلم على يدي رجل ووالاه - عاقده - ثم مات ولا وارث له غيره ~~أن ميراثه له، ولهذا قالوا: إن من أوصى بجميع ماله ولا وارث له ~~صحت الوصية. # قوله تعالى: { إن الله كان على كل شيء شهيدا ~~}؛ أي لم يزل شاهدا على كل شيء من إعطاء النصيب ومنعه. ### || [4.34] # قوله تعالى: { الرجال قومون على النسآء بما ~~فضل الله بعضهم على بعض وبمآ أنفقوا من ~~أمولهم }؛ قال ابن عباس ومقاتل: # " نزلت هذه الآية في سعد بن الربيع - وكان من ~~النقباء - وفي امرأته ابنة محمد بن مسلمة ~~وهما من الأنصار، نشزت عليه فلطمها، فانطلق ~~أبوها معها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~رسول الله؛ أفرشته كريمتي فلطمها، فقال لها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اقتصي منه " وكان ~~القصاص يومئذ بينهم في اللطمة والشجة ~~والجراح، فانصرفت مع أبيها ليقتص منه، فقال ~~صلى الله عليه وسلم: " ارجعوا؛ هذا جبريل أتاني " فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية، فقال صلى الله عليه وسلم: " أردنا ~~أمرا؛ وأراد الله أمرا، والذي أراد الله خير " ورفع ~~القصاص. " # ومعناها: الرجال مسلطون على أدب النساء بالحق، والقوامون ~~المبالغون بالقيام عليهن بتعليمهن وتأديبهن وإصلاح أمورهن، ~~وقوله تعالى: { بما فضل الله بعضهم على بعض } أي ~~جعل الله ذلك للرجال بفضلهم على النساء في العقل والرأي، ~~وقيل: بزيادة الدين واليقين، وقيل: بقوة العبادة والجهاد، ms0503 ~~وقيل: بالجمعة والجماعة وبإنفاقهم أموالهم في المهور ~~وأقوات النساء. # قوله تعالى: { فالصلحت قنتت حفظت ~~للغيب بما حفظ الله }؛ أي فالمحصنات المطيعات لله ~~في أمر أزواجهن، وقيل: قائمات بحقوق أزواجهن. وأصل القنوت: ~~مداومة الطاعة، وقوله تعالى: { حفظت للغيب } أي ~~يحفظن فروجهن وأموال أزواجهن في حال غيبة أزواجهن. ~~ويدخل في حفظ المرأة لغيب الزوج أن تكتم عليه ما لا يحسن إظهاره ~~مما يقف عليه أحد الزوجين على الآخر. وقوله تعالى: { بما حفظ ~~الله } أي يحفظ الله إياهن من معاصيه وبتوفيقه لهن، ويقال: ~~بما حفظهن الله تعالى في مهورهن وإلزام الزوج النفقة عليهن. قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " خير النساء من إذا نظرت إليها سرتك؛ وإذا ~~أمرتها أطاعتك؛ وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ~~ونفسها " # قوله تعالى: { والتي تخافون نشوزهن فعظوهن ~~واهجروهن في المضاجع واضربوهن }؛ أي النساء التي ~~تعلمون عصيانهن لأزواجهن فعظوهن، والنشوز: الرفع عن ~~الصاحب، مأخوذ من النشز وهو المكان المرتفع، المراد من ~~الوعظ والهجر والضرب في الآية أن يكون ذلك على الترتيب ~~المذكور فيها؛ لأن هذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا ~~أمكن الاستدراك بالأسهل والأخف لا يصار إلى الأثقل، فالأولى ~~أن يبدأ الزوج فيقول لامرأته الناشزة: إتق الله وارجعي إلى ~~فراشي، فأطاعته وإلا سبها، هكذا قال ابن عباس رضي الله عنه. # والهجر: الكلام الفاحش، يقال: هجر الرجل يهجر، ~~إذا هدأ، وأهجر الرجل في منطقه بهجر هجارا إذا تكلم ~~بقبيح. وقال الحسن وقتادة: (قوله: { واهجروهن في ~~المضاجع } من الهجر؛ وهو أن لا يقرب فراشها ~~ولا ينام معها؛ لأن الله تعالى قرنه بقوله ~~تعالى { في المضاجع }. # إذا لم ينفعها الوعظ هجرها زوجها في المضجع، فإن كانت ~~تحب زوجها شق عليها الهجران، وإن كانت تبغضه وافقها ذلك، ~~فكان دليلا على النشوز من قبلها؛ فيضربها الزوج ضربا غير ~~مبرح ولا شائن، كما يؤدب الرجل ولده، ويكون ذلك موكولا إلى ~~رأيه واجتهاده على ما يرى من المصلحة، ولهذا قيل: إن هذا الضرب ~~مقيد بشرط السلامة، فالأولى أن يضربها بالنعل واللطم ~~ضربتين أو ثلاثا ms0504 على حسب ما يراه. # قوله تعالى: { فإن أطعنكم }؛ أي فيما تلتمسون ~~منهن؛ { فلا تبغوا عليهن سبيلا }؛ أي لا تطلبوا ~~عليهن عللا ولا تكلفوهن الحب لكم، فإنهن لا يملكن ذلك، { ~~إن الله كان عليا كبيرا }؛ أي علا فوق كل شيء كبيرا ~~فلا شيء أكبر منه، أراد بالعلي: العلو في القهر والقدر لا ~~علو المكان، وأراد بالكبير الجلال والعظمة. والمعنى: أني ~~مع علوي وكبريائي، أرضى من عبادي بالطاعة ولا آخذهم بالحب ~~الذي لا غاية بعده، فإن أكبر عبادي من يؤثر نفسه علي، ولا ~~يخلص حبه لي كل الإخلاص. # وقد روي: # " أنه لما شكا الرجال نساءهم إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأمرهم بالضرب؛ أصبح بباب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم سبعون امرأة يشكون أزواجهن، فأقبل ~~على أصحابه بعد الصلاة وقال: " إن المرأة خلقت ~~من ضلع أعوج، فإن أردتم إقامتها كسرتموها، وإن ~~رفقتم بها استمتعتم بها على عوج " ثم قال: " ~~خيركم خيركم لأهله " ". ### || [4.35] # قوله عز وجل: { وإن خفتم شقاق بينهما ~~فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلهآ إن ~~يريدآ إصلحا يوفق الله بينهمآ }؛ أي وإن علمتم ~~أيها المؤمنون بعد العظة والهجران تباعد الزوجين عن الحق، وهو ~~أن يكون كل واحد منهما في شق على حدة، ولم يدروا من أيهما ~~جاء النشوز فابعثوا عدلا ذا رأي وعقل من أهل الزوج؛ وعدلا ~~من أهل المرأة؛ يختار الحاكم حكما من أهله وحكما من أهلها، ~~فيخلوا حكم الزوج به؛ فيقول: أخبرني ما في نفسك أتهواها أم ~~لا؟ فأنا لا أدري ما أقول وما أعمل به حتى أرى ما تريد، فإن قال: ~~أهواها؛ ولكنها تسيء معاشرتي، فعظها وأرضها عني، علم ~~أن الرجل ليس بناشز، وإن قال: لا حاجة لي بها؛ فرق بيني ~~وبينها وخذ لي منها ما استطعت؛ علم أنه ناشز، وكذلك يفعل ~~حكم المرأة بالمرأة. # ثم يلتقي الحكمان، فيصدق كل واحد منهما صاحبه فيما سمع، ~~فيقبلان على الزوج إن كان ناشزا فيقولان له: يا عدو الله؛ ~~أنت العاصي لله، الظالم على امرأتك، ويعظانه ويزجرانه، ms0505 ~~وكذلك يفعلان بالمرأة إن كانت هي الناشزة، فذلك قوله: { ~~إن يريدآ إصلحا يوفق الله بينهمآ } أي أن ~~الحكمين إذا أرادا عدلا ونصيحة ألف الله بين الزوجين، ~~ويقال: وفق الله بين أقوال الحكمين، { إن الله كان ~~عليما }؛ بأمر الحكمين، { خبيرا }؛ بنصيحتهما، ~~ويقال: عليما بما فيه صلاح الحق، خبيرا بذلك. # وذهب بعض العلماء: إلى أن الحكمين إذا رأيا أن يفرقا ~~بينهما فرقا بينهما، وكذلك إذا رأى الحاكم أن يفرق فعل إذا ~~وقع اليأس عن زوال الشقاق، واعتبروا بالغاية فما عند أصحابنا ~~رحمهم الله فليس للحكمين أن يفرقا إلا أن يكونا وكيلين ~~في الخلع من جانبين، أو يرضى الزوج بتفريقها. ### || [4.36] # وقوله عز وجل: { واعبدوا الله ولا تشركوا به ~~شيئا وبالولدين إحسانا }؛ أي وحدوا الله تعالى، ~~وأطيعوه ولا تعبدوا معه غيره، فإن ذلك يفسد عبادته. قالت ~~الحكماء: العبودية ترك الاختيار وملازمة الافتقار. وقيل: ~~العبودية أربعة أشياء: الوفاء بالعهود؛ والحفظ للحدود؛ ~~والرضا بالموجود؛ والصبر على المفقود. قوله تعالى: { ~~وبالولدين إحسانا } أي أحسنوا بالوالدين إحسانا، ~~وقيل: استوصوا بالوالدين إحسانا، وقد يذكر المصدر المنصوب ~~على تقدير فعل محذوف كقوله تعالى: # فضرب الرقاب # [محمد: 4]، ومعناه الأمر. # قوله تعالى: { وبذي القربى واليتمى ~~والمسكين }؛ أي وأحسنوا بذوي القرابة واليتامى ~~والمساكين. والإحسان إلى ذوي القربى هو مواساة الفقير منهم إذا ~~خاف عليه ضرر الجوع والعري وحسن العشرة وكف الأذى عنه ~~والمحاباة دونه ممن يريد ظلمه. وعن أبي هريرة رضي الله ~~عنه: # " أن رجلا شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسوة ~~في قلبه؛ فقال: " إن أردت أن يلين قلبك فأطعم ~~المساكين وامسح برأس اليتيم وأطعمه " ". # قوله تعالى: { والجار ذي القربى والجار الجنب ~~والصاحب بالجنب }؛ قال صلى الله عليه وسلم: # " الجيران ثلاثة: جار له ثلاثة حقوق؛ وهو الجار ~~القريب المسلم، وجار له حقان؛ وهو الجار ~~الأجنبي المسلم، وجار له حق واحد؛ وهو الجار ~~الكافر " # فعلى هذا يكون معنى (الجار الجنب): هو الجار الذي هو من قوم ~~آخرين لا قرابة بينك وبينه. ويقال: إن الجار ذوي القربى هو الذي ~~يقاربك في ms0506 الجوار، تعرفه ويعرفك، والجار الجنب: هو الجار ~~الغريب المتباعد. # والجنب في اللغة: البعيد. وقرأ الأعمش: (والجار ~~الجنب) بفتح الجيم وإسكان النون، وهما لغتان. يقال: رجل ~~جنب وجنب؛ إذا لم يكن قريبا، وجمعه: أجانب، وقيل ~~للجنب جنب لاعتزاله الصلاة وبعده من المسجد حتى يغتسل. وقال ~~بعضهم: (الجار الجنب) الكافر. # قوله تعالى: { والصاحب بالجنب } هو الرفيق في السفر؛ ~~المنقطع إلى الرجل رجاء خيره، كذا قال ابن عباس ومجاهد وابن ~~جبير وعكرمة وقتادة، وقال بعضهم: الصاحب بالجنب هو الملاصق ~~داره بدارك؛ فهو إلى جنبك، ويقال: هو جار الرجل في البيت ~~الواحد. وقال علي وعبدالله وأبن أبي ليلى والنخعي: (هي ~~الزوجة تكون معه إلى جنبه). # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " " ليس بمؤمن من لا يأمن جاره بوائقه، وأيما ~~رجل أغلق بابه دون جاره مخافة على أهله وماله ~~فليس جاره ذلك بمؤمن " قالوا: يا رسول الله؛ ما ~~حق الجار؟ قال: " إن دعاك أجبته؛ وإن أصابته ~~فاقة عدت عليه؛ وإن استقرضك أقرضته؛ وإن ~~أصابه خير هنيته؛ وإن مرض عدته؛ وإن أصابته ~~مصيبة عزيته؛ وإن مات شهدت جنازته، ولا ~~تستعلي عليه بالبنيان لتحجب عنه الريح إلا ~~بإذنه، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له ~~منها، وإن اشتريت فاكهة فاهد له منها؛ وإن لم ~~تفعل فأدخلها سرا ولا يخرج ولدك منها شيئا ~~فيغيظ ولده به " # قال صلى الله عليه وسلم: # " من آذى جاره فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله " # قوله تعالى: { وابن السبيل }؛ قال مجاهد والربيع: (هو ~~المسافر)، ومعناه: صاحب الطريق. وقال قتادة والضحاك: (هو ~~الضيف ينزل بك، سمي ابن السبيل لأنه كالمجتاز ~~الذي لا يقيم، والضيافة ثلاثة أيام وما زاد ~~صدقة). وقال الشافعي: (هو الذي يريد السفر ولا ~~نفقة له). # قوله سبحانه وتعالى: { وما ملكت أيمنكم }؛ ~~يعني المماليك أحسنوا إليهم ولا تكلفوهم إلا طاقتهم، قال ~~صلى الله عليه وسلم: [أطعموهم مما تأكلون؛ واكسوهم ~~مما تلبسون؛ ولا تكلفوهم ما لا يطيقون؛ ~~فإنهم لحم ودم وخلق أمثالكم]. وقال ms0507 أنس: كانت ~~وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاته: ~~[الصلاة وما ملكت أيمانكم] جعل رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يغرغر بهذه الكلمة في صدره وما يفيض ~~بها لسانه. # قوله عز وجل: { إن الله لا يحب من كان مختالا ~~فخورا }؛ أي لا يرضى عمل من يختال في مشيته ويفتخر على ~~الناس بكبره، وإنما ذكر المختال في آخر هذه الآية؛ لأن ~~المختال يأنف من ذوي القربى قرابته إذا كانوا فقراء؛ ومن جيرانه ~~إذا كانوا كذلك ولا يحسن عشرتهم. ### || [4.37] # قوله تعالى: { الذين يبخلون ويأمرون الناس ~~بالبخل ويكتمون مآ آتاهم الله من فضله ~~وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا }؛ يجوز أن يكون ~~أول هذه الآية في موضع نصب بدلا من قوله (من كان) ويحتمل أن ~~يكون نصبا على الذم، على معنى: أعني الذين يبخلون، ~~ويحتمل أن يكون رفعا على الاستئناف على إضمار (هم) الذين يبخلون. ~~قال ابن عباس ومجاهد: (المراد بالآية اليهود، بخلوا بما ~~كان عندهم من العلم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأمروا قومهم بالبخل وهو الكتمان)، ويقال: كانوا لا ~~يعطون من أموالهم شيئا، ويأمرون الناس بذلك. # وقال بعضهم: الآية عامة في كل من يبخل بما أوتي من المال ~~ويكتم ما أعطاه الله من النعيم لا يخرج زكاته، فعلى هذا يكون ~~المراد بالكافرين في هذه الآية: كافري النعم دون الكفار بالله. ~~فأما على التأويل الأول فالمراد بالكافرين اليهود. # والبخل: منع الواجب. قرأ يحيى بن يعمر ومجاهد وحمزة والكسائي ~~وخلف: (بالبخل) بفتح الباء والخاء، وقرأ قتادة وأيوب بفتح الباء ~~وسكون الخاء، وقرأ عيسى ابن يعمر: بضم الباء والخاء، وقرأ الباقون بضم ~~الباء وسكون الخاء، وكذلك في سورة الحديد، وكلها لغة معروفة فيه ~~إلا أن اللغة العالية: ضم الباء وسكون الخاء، وبفتح الباء والخاء ~~لغة الأنصار. ### || [4.38] # قوله عز وجل: { والذين ينفقون أموالهم رئآء ~~الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر }؛ في ~~محل نصب عطفا على { الذين يبخلون } وإن شئت جعلته عطفا ~~على قوله: { وأعتدنا للكافرين } [النساء: 37]. قال ~~السدي: (نزلت هذه الآية ms0508 في المنافقين الذين ~~يراؤن الناس في الإنفاق، ولا يتصدقون في السر). ~~قيل: المراد به كفار مكة أنفقوا على الناس وقت خروجهم إلى حرب ~~بدر. # قوله تعالى: { ومن يكن الشيطان له قرينا فسآء ~~قرينا }؛ أن من يفعل ما يدعوه إليه الشيطان وسول له فبئس ~~قرينه الشيطان يغويه في الدنيا ويكون قرينا معه في السلسلة في ~~النار. و { قرينا } نصب على التمييز، وقيل: على القطع؛ أي ~~قطع الألف واللام. ### || [4.39] # قوله عز وجل: { وماذا عليهم لو آمنوا بالله ~~واليوم الآخر وأنفقوا مما رزقهم الله }؛ أي ماذا ~~عليهم لو صدقوا الله واليوم الآخر وتصدقوا مما رزقهم الله من ~~الأموال، وما فرض عليهم من الصدقة، { وكان الله بهم عليما ~~}؛ أي أنهم لا يؤمنون، وفي الآية بيان أنهم إنما كفروا لسوء ~~اختيارهم وقلة تأملهم مع قدرتهم على الإيمان؛ لأنه لا ~~يحسن أن يقال لمن لا يقدر على الشيء: ماذا عليك لو فعلت كذا. ### || [4.40] # قوله تعالى: { إن الله لا يظلم مثقال ذرة }؛ ~~أي لا ينقص من جزاء الأعمال زنة نملة حميراء صغيرة. ~~والمثقال مفعال من الثقل؛ وهو ما يوزن به الشيء، من ذلك ~~يسمى ما يوزن به الدينار مثقالا؛ لأنه يعادله في الثقل. وقرأ ~~عبدالله: (إن الله لا يظلم مثقال نملة) والمعنى: إن ~~الله لا ينقص أحدا من خلقه من ثواب عمله وزن ذرة، بل ~~يجازيه عليها ويثيبه بها. وقال بعضهم: الذر الهباء في الكوة، ~~فكل جزء منها ذرة. # قوله تعالى: { وإن تك حسنة يضعفها }؛ قرأ العامة ~~(حسنة) بالنصب على معنى: وإن تك الفعلة حسنة: وقرأ أهل ~~الحجاز: بالرفع على معنى: إن تقع حسنة، أو يؤخذ حسنة. ~~قوله تعالى: { يضعفها } قرأ الحسن بالنون، والباقون ~~بالياء، وهو الصحيح لقوله: (ويؤت من لدنه)؛ وقرأ أبو رجاء ~~وابن كثير وابن عامر: (يضعفها) بتشديد العين وهما لغتان. # وقال أبو عبيد: (يضاعفها؛ أي يجعلها أضعافا كثيرة، ~~ويضعفها بالتشديد يجعلها ضعفين). وقال الضحاك: ~~(أراد بالحسنة: التوبة ومن لم يكن له إلا ~~حسنة واحدة مقبولة غفر الله له). وقيل: معناه: ~~إن أزاد ms0509 على سيئاته مثقال ذرة من الحسنة يضاعفه الله حتى ~~يجعله مثل أحد، ويوجب له الجنة، ويعطيه من عنده الزيادة على ما ~~يستحقه من جزاء عمله، فذلك الأجر العظيم لا يعلم مقداره إلا الله. ~~قوله تعالى: { ويؤت من لدنه أجرا عظيما }؛ وهو ~~الجنة. ### || [4.41] # قوله عز وجل: { فكيف إذا جئنا من كل أمة ~~بشهيد }؛ معناه: كيف يصنع الكفار؟ وكيف يكون حالهم يوم ~~القيامة؟ إذا جئنا من كل جماعة بنبيها شهيدا عليهم ولهم، { ~~وجئنا بك }؛ يا محمد { على هؤلاء }؛ الذين ~~أرسلت إليهم؛ { شهيدا }؛ أتشهد لمن صدق بالتصديق، ~~وعلى كل من كذب بالتكذيب. ### || [4.42] # قوله تعالى: { يومئذ يود الذين كفروا ~~وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون ~~الله حديثا }؛ معناه: يوم وقوع الشهادة تمنى الذين كفروا ~~بالله، وعصوا الرسول أن الأرض تسوى بهم: يمشي عليها أهل ~~الجمع ويودون أنهم لم يكتموا الله حديثا؛ وذلك حين ~~ميز الله أصحاب اليمين من أصحاب الشمال، ويقول للوحوش ~~والطيور والبهائم: كوني ترابا؛ أي ويرى الكفار ذلك ويرون ما ~~أكرم الله به المسلمين، فيقول بعض الكفار لبعض: هلموا نقول ~~إذا سئلنا: والله ربنا ما كنا مشركين، فيقولون ذلك، ~~فيختم الله على ألسنتهم، ويأذن لجوارحهم في الكلام، فتشهد ~~عليهم عند ذلك؛ فيقولون: يا ليتنا كنا ترابا، ويتمنون أنهم ~~لم يكتموا الله حديثا؛ لأنهم كانوا كذبوا في قولهم: ما ~~كنا مشركين. # وقال بعضهم: معنى: { ولا يكتمون الله حديثا } كلام ~~مستأنف غير داخل في التمني؛ ومعناه: لا يقدرون على ~~كتمان شيء مما عملوه؛ لظهور ذلك عند الله؛ أي لا يفيد ~~كتمانهم. وقال الكلبي: (يقول الله للبهائم ~~والوحوش والطير: كوني ترابا؛ فتسوى بهم الأرض؛ ~~فعند ذلك يتمنى الكافر أن يكون كذلك). وقال عطاء: ~~(معناه: يود الذين كفروا لو تسوى بهم الأرض، ~~ولم يكتموا أمر محمد صلى الله عليه وسلم ولا نعته). # قرأ أهل المدينة والشام (تسوى) بفتح التاء والتشديد على معنى ~~وتتسوى؛ فأدغمت التاء الثانية في السين. وقرأ أهل الكوفة إلا ~~عاصما بفتح التاء والتخفيف على حذف أحد التاءين مثل قوله: ms0510 # لا تكلم نفس # [هود: 105] وقرأ الباقون بضم التاء والتخفيف على المجهول؛ أي لو ~~سويت بهم الأرض وصاروا هم والأرض شيئا واحدا. ### || [4.43] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا ~~الصلوة وأنتم سكرى حتى تعلموا ما تقولون ~~ولا جنبا }؛ قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية في ~~جماعة من الصحابة؛ كانوا يشربون الخمر قبل ~~التحريم، ثم يأتون الصلاة مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيصلون معه؛ فنهاهم الله تعالى عن ذلك). # وتأويل الآية على هذا: لا تقربوا مواضع الصلاة وهو المسجد ~~وأنتم سكارى، حتى تعلموا ما تقولون وما يقرأ إمامكم ~~في الصلاة. وسكارى: جمع سكران، وهذا خطاب لمن لم يبلغ به ~~السكر إلى حد لا يفهم الكلام كله، لأن الذي لا يفهم شيئا ~~لا يصح أن يخاطب، فكانوا بعد نزول هذه الآية يجتنبون السكر ~~أوقات الصلاة حتى نزل تحريم الخمر في سورة المائدة. # وقال مقاتل: (نزلت في جماعة من الصحابة؛ كانوا ~~يشربون الخمر في دار عبدالرحمن بن عوف قبل ~~التحريم؛ فحضرت صلاة المغرب؛ فقدموا رجلا ~~فقرأ # قل يأيها الكافرون # [الكافرون: 1] وقال: أعبد ما تعبدون؛ وحذف (لا) في ~~جميع السورة، فأنزل الله هذه الآية). # فمعناها على هذا: لا تقربوا نفس الصلاة، وأنتم سكارى حتى ~~تعلموا ما تقرأون. وعن عمر رضي الله عنه أنه قال بعد نزول هذه ~~لآية: (اللهم إن الخمر يضر بالعقول والأموال؛ ~~فأنزل فيها أمرك) فصبحهم الوحي بآية ~~المائدة. # قوله تعالى: { ولا جنبا } أي لا تقربوا مواضع الصلاة ~~وأنتم جنبا، { إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا }؛ إلا ~~أن تكونوا مجتازين، وإذا لم يكن الماء إلا في المسجد، ~~تيمم الجنب ودخل المسجد وأخذ الماء ثم خرج واغتسل. وقال ~~الشافعي: (يجوز للجنب العبور في المسجد بغير ~~تيمم، ولا تجوز له الإقامة فيه). وقيل: معنى ~~الآية: لا تصلوا وأنتم جنب إلا أن تكونوا مسافرين لا تجدون ~~الماء فتيممون وتصلون، هكذا روي عن علي كرم الله وجهه ~~ومجاهد والحاكم. وانتصب قوله { جنبا } على الحال؛ أي لا تقربوا ~~الصلاة وأنتم جنب. # قوله تعالى: { وإن كنتم ms0511 مرضى أو على سفر }؛ ~~أي إذا كنتم مرضى فخفتم الضرر باستعمال الماء أو كنتم ~~مسافرين، { أو جآء أحد منكم من الغآئط }؛ معناه: ~~وجاء أحدكم من الغائط: هو المكان المطمئن من الأرض؛ يقال: ~~تغوط الرجل إذا دخل المكان المطمئن لقضاء الحاجة، ويجعل ~~هذا اللفظ كناية عن ذلك. # قوله تعالى: { أو لمستم النسآء }؛ قال علي وابن ~~عباس رضي الله عنهما: (معناه: أو جامعتم النساء) ~~وبه قال الحسن ومجاهد وقتادة. وقال ابن مسعود وابن عمر والنخعي ~~والشعبي: (أراد به اللمس باليد، وكانوا لا يبيحون ~~للجنب التيمم). # واختلف العلماء في هذا، فقال الشافعي: (إذا مس الرجل بدن ~~المرأة نقض وضوءه سواء كان باليد أم بغيرها من ~~الأعضاء). وقال الأوزاعي: (إن مسها باليد نقض؛ وإن ~~كان بغير اليد لم تنقض). # وقال مالك وابن حنبل والليث بن سعد: (إن كان اللمس ~~بشهوة نقض وإلا فلا). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: (إن ~~كان ملامسة فاحشة يحدث الانتشار في التجرد ~~نقض؛ وإلا فلا). وقال محمد: (لا تنقض الملامسة ~~بحال)، وبه قال ابن عباس والحسن البصري. # دليل الشافعي ما روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الملامسة ~~" # واللمس أكثر ما استعمل في لمس اليد. وحجة من لم يوجب ~~الوضوء بالملامسة ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: ~~[كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~يصلي ورجلاي في قبلته، فإذا سجد وغمزني ~~فضممت رجلاي فإذا قام بسطتهما]، والبيوت يؤمئذ ليس ~~فيها مصابيح. # وعن عائشة رضي الله عنها أيضا قالت: افتقدت النبي ~~صلى الله عليه وسلم ذات ليلة؛ فجعلت أطلبه بيدي؛ ~~فوقعت يدي على قدميه وهما منصوبتان وهو ~~ساجد يقول: # " " أعوذ برضاك من سخطك؛ وبمعافاتك من عقوبتك؛ ~~وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت ~~على نفسك " فلما فرغ من الصلاة فقال لي: " أتاك ~~شيطانك؟ ". قالوا: فلمسته عائشة وهو في الصلاة فمضى ~~فيها. وعن عائشة رضي الله عنها: " أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا ms0512 يتوضأ ~~" # ومذهب الشافعي في الملامسة على ثلاثة أوجه: اللمس ينقض ~~الوضوء قولا واحدا؛ وهو لمس الشابة الأجنبية بأي جزء من ~~أجزائه؛ ساهيا كان أم متعمدا؛ حية كانت أم ميتة. ولمس ~~لا ينقض قولا واحدا؛ وهو مس الشعر والظفر والسن. ولمس ~~فيه قولان: وهو لمس الصغيرة والعجوز الكبيرة وذوات محارمه؛ ~~أحدهما: ينقض الوضوء؛ لأنهن من جملة النساء، والثاني: أنه لا ~~ينقض؛ لأنه لا مدخل للشهوة فيهن، دليله: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وهو حامل ~~لأمامة بنت زينب وأبوها أبو العاص " # ولو كان اللمس من خلف حائل لا ينقض؛ سواء كان الحائل صفيقا ~~أم رقيقا. وفي الملموس للشافعي قولان؛ أحدهما: ينقض؛ ~~لاشتراكهما في الإلتذاذ به، والثاني: لا ينقض؛ لخبر عائشة ~~(فوقعت يدي على أخمص رسول الله صلى الله عليه وسلم). # قوله عز وجل: { فلم تجدوا مآء فتيمموا }؛ أي إذا ~~لم تقدروا على استعمال الماء وقد يذكر الموجود، ويراد به القدرة ~~على استعمال الماء، فإن كان بينه وبين الماء سبع أو عدو لم ~~يكن واجدا للماء في الحكم. ومعناه: فتيمموا، { صعيدا ~~طيبا }؛ أي فاقصدوا ترابا طاهرا، ويقال: إن الصعيد ما يتصاعد ~~على وجه الأرض ترابا كان أم صخرة ولا تراب عليها؛ لأن الله تعالى ~~قال: # فتصبح صعيدا زلقا # [الكهف: 40] وإذا كان على الصخرة تراب لا يكون زلقا، ولهذا ~~جوز أبو حنيفة ومحمد التيمم بكل ما كان من جنس ~~الأرض. # وقال مالك: (يجوز التيمم بالأرض وبكل ما اتصل ~~بها؛ حتى لو ضرب بيده على شجرة ثم تيمم بها ~~أجزاه). وقال الشافعي: (لا يجوز إلا بالتراب الذي ~~يعلق باليد). والتيمم من خصائص هذه الأمة. # وسبب نزول هذه الآية ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: ~~(كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان معي عقد ~~استعرته من أسماء؛ فانقطع؛ حتى إذا كنا ~~بالبيداء افتقدته؛ فأخبرت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأناخ وأناخ الناس معه؛ فأمرنا بالتماسه ~~فلم يوجد؛ فباتوا ليلتهم تلك وليس عنده ~~ماء. فجاء الناس إلى أبي بكر ms0513 رضي الله عنه فقالوا: ألا ~~ترى إلى عائشة حبست الناس على غير ماء، فجاء ~~أبو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع رأسه على ~~فخذي قد نام؛ فعاتبني وقال: قبحها الله من ~~قلادة حبست المسلمين على غير ماء وقد حضرت ~~الصلاة، ثم طعن بيده على خاصرتي فما منعني من ~~التخوف إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~واضعا رأسه على فخذي، فأصبحنا على غير ماء، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية، ثم وجدنا القلادة ~~تحت البعير الذي كنت عليه، فقال أسيد بن ~~حضير: ما هذا بأول بركتكم يا آل أبي بكر، جزاك ~~الله خيرا؛ فوالله ما نزل بك أمر تكرهينه إلا ~~جعل الله لك وللمسلمين فيه خيرا). # قوله تعالى: { فامسحوا بوجوهكم وأيديكم }؛ ~~معناه بعد ضرب الأيدي على الصعيد الطيب، قوله عز وجل: { ~~إن الله كان عفوا غفورا }؛ أي متفضلا عليكم ~~بتسهيل الأوامر وتخفيفا؛ لأنه نقلكم من الوضوء إلى ~~التيمم، غفورا متجاوزا عنكم، يغفر لكم بهذه الطاعات ~~السهلة ذنوبكم. # وروى جابر قال: # " خرجنا في سفرنا فأصاب رجلا منا شجة في ~~رأسه ثم احتلم، فسأل أصحابه: هل تجدون لي ~~رخصة؟ قالوا: لا؛ أنت تقدر على الماء، فاغتسل ~~فمات، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أخبرناه بذلك، فقال: " قتلوه قتلهم الله، هلا ~~سألوا إذا لم يعلموا؛ إنما شفاء العي السؤال، ~~إنما كان يكفيه أن يتيمم " ### || [4.44] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا ~~من الكتب يشترون الضللة }؛ قال ابن عباس: (هم ~~اليهود؛ كانوا يستبدلون الضلالة بأخذ الرشا ~~بكتمان صفة النبي صلى الله عليه وسلم، يأخذون ~~الرشوة على كتمانهم بعدما أوتوا العلم). قوله ~~تعالى: { ويريدون أن تضلوا السبيل }؛ أي يريدون أن ~~تضلوا أنتم طريق الهدى كما ضلوا هم بأنفسهم. ### || [4.45] # قوله تعالى: { والله أعلم بأعدائكم }؛ أي هو ~~أعلم بهم، يعلمهم ما هم عليه، { وكفى بالله وليا وكفى ~~بالله نصيرا }؛ أي أن عداوة اليهود لا تضر المسلمين إذ ~~ضمن لهم النصر والولاية؛ أي اكتفوا بولاية الله ونصرته. وقرأ ~~الحسن: ms0514 (أن تضلوا السبيل) بفتح الضاد؛ أي عن السبيل، ~~وقيل: معناه: (والله أعلم بأعدائكم) أي أعلم بهم منكم ~~فلا تستنصحوهم، ويجوز أن يكون أعلم بمعنى علم. ### || [4.46] # قوله تعالى: { من الذين هادوا يحرفون الكلم ~~عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا }؛ إن شئت ~~جعلته متصلا بقوله # الذين أوتوا نصيبا من الكتاب # [آل عمران: 23] { من الذين هادوا } ، وإن شئت جعلتها ~~منقطعة مستأنفة. قال ابن عباس: (كانوا يأتون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فيسألونه عن الأمر فيخبرهم، ويرى ~~أنهم كانوا يأخذون به فإذا انصرفوا حرفوا كلام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقولون له: سمعنا ~~قولك، ويقولون في أنفسهم: وعصينا أمرك). وقال ~~بعضهم { من الذين هادوا } راجع إلى قوله # والله أعلم بأعدائكم # [النساء: 45] على جهة التبيين للأعداء كما يقال: هذا الثوب من ~~القطن. # قوله تعالى: { واسمع غير مسمع ورعنا }؛ معناه: ~~أنهم كانوا إذا كلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء ~~قالوا: اسمع؛ وقالوا في أنفسهم: لا أسمعت ولا سمعت. وقيل: ~~معناه: غير مجاب له بشيء مما يدعو إليه، وكانوا يقولون: ~~راعنا؛ يوهمون أنهم يريدون بهذا القول: انظرنا حتى ~~نكلمك بما نريد، وكانوا يريدون بذلك السب بالرعونة ~~بلغتهم. ويقال: كانوا يقولون هذه الكلمة على وجه التجبر ~~والتكبر، كما يقول المتكبر لغيره: افهم كلامي واسمع ~~قولي، وكانوا يقولون: أرعنا سمعك وتأمل كلامنا ومثل ~~هذا مما لا يخاطب به الأنبياء صلوات الله عليهم، إنما ~~يخاطبون بالإجلال والإعظام. # قوله تعالى: { ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ~~}؛ أي كانوا يلوون ألسنتهم بالسب والتعيير والطعن في ~~الدين. قوله تعالى: { ولو أنهم قالوا سمعنا ~~وأطعنا واسمع وانظرنا }؛ معناه: لو قالوا سمعنا ~~قولك وأطعنا أمرك مكان قولهم سمعنا وعصينا، وقالوا: ~~واسمع وانظرنا نسمع قولك ونفهم كلامك مكان ~~قولهم: واسمع غير مسمع، { لكان خيرا لهم ~~وأقوم }؛ وأصوب، { ولكن لعنهم الله بكفرهم }؛ أي ~~خذلهم وأبعدهم من رحمته مجازاة بكفرهم. { فلا يؤمنون إلا ~~قليلا }؛ فلا يؤمنون إيمانا إلا قليلا، وقيل: معناه: لا ~~يؤمنون إلا قليلا منهم وهم: عبدالله بن سلام ومن تابعه. ### || [4.47] # قوله تعالى: ms0515 { يا أيهآ الذين أوتوا الكتب ~~آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم }؛ أي يا أيها ~~الذين أعطوا علم التوراة، صدقوا بهذا القرآن الذي ~~نزلنا على محمد صلى الله عليه وسلم موافقا لما معكم من ~~التوراة، { من قبل أن نطمس وجوها }؛ أي من قبل أن ~~نمحو آثارا لوجوه منها: فنخسف بالعين والأنف وغير ذلك من ~~آثار الوجوه فنحولها إلى الأقفية فتمشون القهقرى. # روي: أنه لما نزلت هذه الآية قدم عبدالله بن ~~سلام من الشام؛ فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ~~أن يأتي أهله، فقال: يا رسول الله؛ ما كنت أرى أن ~~أصل إليك حتى تحول وجهي في قفاء. # ويقال معنى: { فنردها على أدبارهآ }؛ نجعل وجوههم على ~~هيأة أقفائهم، ومعنى: { أو نلعنهم كما لعنآ ~~أصحب السبت }؛ أو نجعلهم قردة كما مسخنا أصحاب السبت، ~~{ وكان أمر الله مفعولا }؛ قضاؤه كائنا لا شك فيه، ~~فإن قيل: كيف قال الله تعالى آمنوا { من قبل أن نطمس ~~وجوها } وأوعدهم بطمس الوجوه إن لم يؤمنوا، ثم لم ~~يؤمنوا، ولم يقع الطمس؟ قيل: يحتمل أن يكون هذا وعيدا لهم ~~على ترك جميعهم الإسلام، وقد آمن منهم جماعة بعد هذه الآية ~~كعبدالله بن سلام وعبدالله بن ثعلبة وأسيد بن ثعلبة وأسيد بن ~~عبيد وغيرهم، ويحتمل أن يكون المراد بالآية: الطمس في الآخرة، ~~وسيفعل الله ذلك بهم. ### || [4.48] # قوله عز وجل: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء }؛ قال الكلبي: # " نزلت في المشركين؛ في شأن وحشي وابن حرب ~~وأصحابه، وكان قد جعل لوحشي إن قتل حمزة أن ~~يعتقه مولاه، فلم يوف له بذلك، فلما قدم ~~مكة ندم هو وأصحابه على ما فعلوا من قتل ~~حمزة؛ فكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا ~~قد ندمنا على ما صنعنا، وأنه ليس يمنعنا عن ~~الإسلام إلا أنا سمعناك تقول إذ كنت عندنا ~~بمكة { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ~~ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ~~ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق ms0516 أثاما * يضاعف له ~~العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا } وقد ~~دعونا مع الله إلها آخر وقتلنا النفس وزنينا، ~~ولولا هذه الآية لاتبعناك، فنزل { إلا من تاب ~~وآمن وعمل عملا صالحا } الآية، فبعث بها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى وحشي وأصحابه، فلما ~~قرأوها كتبوا إليه: إن هذا شرط شديد نخاف أن لا ~~نعمل عملا صالحا فلا نكون من أهل هذه الآية، ~~فنزل قوله: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ~~ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء } فبعث بها إليهم ~~فقالوا: نخاف أن لا نكون من أهل المشيئة، فنزل ~~قوله تعالى: { قل يعبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله ~~يغفر الذنوب جميعا } فبعث بها إليهم فوجدوها ~~أوسع مما كان قبلها، فدخل هو وأصحابه في ~~الإسلام ورجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل ~~منهم ثم قال صلى الله عليه وسلم لوحشي: " أخبرني كيف ~~قتلت حمزة؟ " فلما أخبره، قال له: " ويحك! ~~غيب وجهك عني " فلحق وحشي بالشام فكان فيها ~~إلى أن مات. قالوا: مات وفي بطنه الخمر ". # قوله تعالى: { ومن يشرك بالله فقد افترى ~~إثما عظيما }؛ أي ومن يشرك بالله سواه فقد اختلق على ~~الله ذنبا عظيما غير مغفور له. ### || [4.49] # قوله عز وجل: { ألم تر إلى الذين يزكون ~~أنفسهم بل الله يزكي من يشآء }؛ قال ابن عباس: # " نزلت هذه الآية في بحرى بن عمرو ومرحب بن ~~زيد؛ أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعهما طائفة ~~من اليهود بأطفالهم؛ فقالوا: يا محمد؛ هل على ~~أولادنا هؤلاء من ذنب؟ قال: " لا " فقالوا: والذي ~~نحلف به؛ ما نحن إلا كهيئتهم ما من ذنب ~~نعمله بالنهار إلا كفر عنا بالليل، وما من ~~ذنب نعمله بالليل إلا كفر عنا بالنهار. فهؤلاء ~~الذين يزكون أنفسهم، برؤها من الذنوب، ~~وزعموا أنهم أزكياء " # يقول الله تعالى: { بل الله يزكي من يشآء } أي يطهر ~~من الذنوب من يشاء من كان أهلا لذلك. # قوله تعالى: { ولا يظلمون فتيلا }؛ أي لا ينقصون ~~من جزاء ms0517 ما يستحقونه قدر الفتيل وهو ما تفتله بين إصبعيك ~~من الوسخ إذا مسحت إحداهما بالأخرى، وقيل: الفتيل: ما ~~في بطن النواة في شقها من لحائها. ### || [4.50] # قوله عز وجل: { انظر كيف يفترون على الله الكذب ~~}؛ أي انظر يا محمد كيف يختلق اليهود الكذب على الله، { ~~وكفى به }؛ بما يفعلونه، { إثما مبينا } ، ذنبا بينا. ### || [4.51] # قوله عز وجل: { ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا ~~من الكتب يؤمنون بالجبت والطغوت }؛ قرأ السلمي: ~~(ألم تر) ساكنة الراء في كل القرآن كما قال الشاعر: # من يهده الله يهتد لا مضل له # ومن أضل فما يهديه من هادي # قال ابن عباس: (ركب كعب بن الأشرف في تسعين ~~راكبا من اليهود؛ فيهم حيي بن أخطب وجدي بن ~~أخطب ومالك بن الصيف وغيرهم إلى أهل مكة ~~ليحالفوهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينقضوا ~~العهد الذي كان بينهم وبينه قبل أجله، فقال ~~أبو سفيان: يا معشر أهل الكتاب؛ أنشدكم بالله ~~أيهم أقرب للهدى؛ نحن أم محمد وأصحابه، فإنا ~~نعمر مسجد الله، ونسقي الحجيج، ونحجب ~~الكعبة، ونصل الرحم، ومحمد قطع أرحامنا ~~واتبعه شرار الحجيج بنو غفار، فنحن أهدى أم ~~هم؟ فقالت اليهود: أنتم أهدى منهم. فأنزل هذه ~~الآية). # ومعناه: ألم ينته علمك يا محمد إلى { الذين أوتوا ~~نصيبا من الكتاب } أي علما بالتوراة وما فيها من نعت ~~محمد وصفته يصدقون بالجبت والطاغوت. قال ابن عباس: ~~(الجبت: حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن ~~الأشرف). وقيل الجبت: الكهنة، والطاغوت: الشياطين. ~~وقيل: الجبت والطاغوت: صنمان كان المشركون يعبدونهما من ~~دون الله. وقيل الجبت: الصنم، والطاغوت: مترجمة الصنم على ~~لسانه. # وقال أهل اللغة: كل معبود سوى الله تعالى من حجر أو ~~مدر أو صورة فهو جبت وطاغوت، دليله قال تعالى: # أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت # [النحل: 36]؛ وقوله تعالى: # والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها # [الزمر: 17]. وقال مجاهد: (الجبت: السحر، والطاغوت: ~~الشيطان). يدل عليه قوله: # والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت # [البقرة: 257] # والذين كفروا يقتلون في سبيل الطغوت ~~فقتلوا أولياء الشيطن # [النساء: 76]. # وقال بعض المفسرين: ms0518 لما خرج كعب بن الأشرف هو ومن ~~معه إلى مكة بعد وقعة أحد ليحالفوا قريشا ~~على عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ نزل كعب على ~~أبي سفيان فأحسن مثواه، ونزل اليهود في دور ~~قريش، فقال أهل مكة: إنكم أهل كتاب ومحمد ~~صاحب كتاب، ولا نأمن أن يكون هذا مكر منكم، ~~فإن أردت يا كعب أن نخرج معك فاسجد لهذين ~~الصنمين وآمن بهما؛ ففعل هو وأصحابه، فذلك ~~قوله تعالى: { يؤمنون بالجبت والطغوت }. # قال كعب لأهل مكة: يجيء منكم ثلاثون؛ ومنا ~~ثلاثون؛ فنلزق أكبادنا بالكعبة فنعاهد رب ~~البيت لنجهدن على قتال محمد، ففعلوا ذلك، ~~ثم قال أبو سفيان: يا كعب؛ إنك امرؤ تقرأ ~~الكتاب ونحن أميون لا نعلم، فمن أهدى سبيلا، ~~وأقرب إلى الحق نحن أم محمد، فقال كعب: والله ~~أنتم أهدى سبيلا من الذي عليه محمد. فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية { ألم تر إلى الذين أوتوا ~~نصيبا من الكتاب }. يعني كعبا وأصحابه يؤمنون ~~بالجبت والطاغوت يعني الصنمين، { ويقولون للذين ~~كفروا }؛ أي لأبي سفيان وأصحابه: { هؤلاء أهدى من ~~الذين آمنوا سبيلا }. ### || [4.52] # قوله عز وجل: { أولئك الذين لعنهم الله ومن ~~يلعن الله }؛ أي أبعدهم من رحمته، ومن يبعده الله من ~~رحمته، { فلن تجد له نصيرا }. ### || [4.53] # قال تعالى: { أم لهم نصيب من الملك فإذا لا ~~يؤتون الناس نقيرا }؛ أي ألهم نصيب، والميم زائدة، وهذا ~~على وجه الإنكار؛ أي ليس لهم من الملك شيء، { فإذا لا ~~يؤتون الناس نقيرا } يعني محمدا وأصحابه لا يعطونهم ~~شيء من حسدهم وبخلهم وبغضهم، ورفع قوله: { يؤتون ~~} لاعتراض (لا) بينه وبين (إذا). وفي قراءة عبدالله: (فإذا لا ~~يؤتوا) بالنصب، ولم يعمل ب (لا). وقال بعضهم: معناه: أن اليهود ~~لو كان لهم نصيب من الملك ما أعطوا الناس مقدار النقير؛ ~~وهو النقطة التي تكون في ظهر النواة. ### || [4.54] # قوله تعالى: { أم يحسدون الناس على مآ آتهم ~~الله من فضله }؛ أي بل يحسدون محمدا صلى الله عليه وسلم ~~على ما أعطاه الله تعالى من النبوة. وقيل: على ما أحل ms0519 الله له ~~من النساء، وقالوا: لو كان نبيا لشغلته النبوة عن النساء. وقال ~~قتادة: (أراد بالناس العرب، حسدوهم على النبوة ~~أكرمهم الله بها بمحمد صلى الله عليه وسلم)، وقال علي ~~رضي الله عنه: (أراد بالناس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي ~~بكر وعمر رضي الله عنهما). # قوله تعالى: { فقد آتينآ آل إبرهيم الكتب ~~والحكمة }؛ أي لما قالت اليهود: لو كان محمد نبيا ما ~~رغب في كثرة النساء؛ حسدوه على كثرة نسائه وعابوه بذلك ~~فأكذبهم الله بقوله { قد آتينآ آل إبرهيم الكتب ~~والحكمة } أراد بالحكمة النبوة، { وآتيناهم ملكا ~~عظيما }؛ قال ابن عباس: # " هو ملك سليمان بن داود، وكان لسليمان ~~سبعمائة مهرية - أي ممهورة - وثلاثمائة ~~سرية ولداؤد مائة امرأة، فأقرت اليهود لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال لهم: " ألف امرأة ~~عند رجل ومائة امرأة عند رجل أكثر أم تسع ~~نسوة عند رسول الله " فسكتوا ". ### || [4.55] # قال الله تعالى: { فمنهم من آمن به ومنهم من ~~صد عنه }؛ معناه: من اليهود من آمن بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم: عبدالله بن سلام وأصحابه؛ ومنهم من أعرض عن الإيمان ~~به. وقيل: معناه: منهم من آمن بهذا الخبر عن داود ~~وسليمان، ومنهم من كذب به، { وكفى بجهنم سعيرا }؛ أي ~~وقودا لمن كفر به؛ أي إن صرف الله عن اليهود بعض العذاب ~~في الدنيا مثل الطمس وغيره، فقد أبدلهم عذاب جهنم في ~~الآخرة. ### || [4.56] # قوله عز وجل: { إن الذين كفروا بآيتنا سوف ~~نصليهم نارا }؛ أي إن الذين كفروا بمحمد ~~والقرآن سوف ندخلهم نارا. وقرأ حميد بن قيس: ~~(نصليهم) بفتح النون؛ أي نشويهم من قولهم: شاة ~~مصلية؛ أي مشوية، ونصبت النار بنزع الخافض على هذه ~~القراءة؛ تقديره: بنار. # قوله تعالى: { كلما نضجت جلودهم بدلنهم ~~جلودا غيرها }؛ أي كلما أحرقت جلودهم جددنا لهم ~~جلودا غيرها بيضاء كالقراطيس، وذلك أنهم كلما احترقوا ~~حست عليهم النار ساعة ثم تزايدت سعيرا وبدأوا خلقا ~~جديدا فيهم الروح ثم عادت النار تحرقهم؛ فهذا دأبهم ~~أبدا. قال الحسن: (تنضج جلودهم كل يوم سبعين ms0520 ألف ~~مرة، كلما أكلتهم النار وأنضجتهم؛ قيل لهم: ~~عودوا؛ فيعودون كما كانوا). وعن مجاهد قال: (ما بين ~~جلده ولحمه دود لها حلبة كحلبة حمر الوحش). ~~وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " غلظ جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعا، وضرسه ~~مثل أحد " # قيل: كيف جاز أن يعذب الله جلدا لم يعصه؟ قيل: إن ~~العاصي والمتألم واحد وهو الإنسان لا الجلد؛ لأن الجلود إنما ~~تألم بالأرواح، والدليل على أن القصد تعذيب الإنسان لا تعذيب ~~الجلود قوله تعالى: { ليذوقوا العذاب }؛ ولم يقل ليذوق ~~العذاب، وقيل: معناه: تبدل جلود هي تلك الجلود المتحرقة، وذلك ~~أن (غير) على ضربين: بتضاد و (غير) بلا تضاد، فالتضاد مثل ~~قولك: الليل غير النهار، والذكر غير الأنثى، والثاني مثل قولك ~~لصائغ: صغ لي من هذا الخاتم خاتما غيره، فيكسره ويصوغ لك ~~خاتما، والخاتم المصوغ هو الأول، إلا أن الصياغة قد تغيرت، ~~والقصة واحدة. # وقالت الحكماء: كما أن الجلد بلي قبل البعث كذلك يبدل بعد ~~النضج. وقال السدي: (يبدل من لحم الكافر يعاد ~~الجلد لحما ويخرج من اللحم جلد آخر؛ لأنه ~~جلد لم يعمل خطيئة). قوله تعالى: { إن الله ~~كان عزيزا حكيما }؛ أي غالبا في أمره، لا يملك أحد ~~منعه من إنزال وعده، ذو حكمة فيما حكم من النار للكفار. ### || [4.57] # قوله عز وجل: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار }؛ أي ~~بساتين تجري من تحت شجرها وغرفها الأنهار، { خالدين فيهآ ~~أبدا لهم فيهآ أزواج مطهرة }؛ في الخلق، { ~~وندخلهم ظلا ظليلا }؛ أي ظلا دائما وهو ظل الأشجار ~~والقصور؛ ظل لا حر معه ولا برد، وليس كل ظل يكون ظليلا. ~~وقيل: الظليل الكثيف الذي لا تنسخه الشمس. ### || [4.58] # قوله تعالى: { إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها }؛ وذلك: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة أتى ~~البيت ليدخله؛ فسأل عن المفتاح؛ فقيل: هو مع ~~عثمان بن طلحة بن عبد الدار وكان سادن ~~الكعبة، فأرسل إليه؛ فقال له: " هات المفتاح " ~~فأبى، فلوى علي ms0521 رضي الله عنه يده وأخذه منه ~~وفتح الباب ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت، ~~وصلى فيه ركعتين، فلما خرج قال له عمه ~~العباس: بأبي أنت وأمي يا رسول الله؛ إجعل لي ~~السدانة مع السقاية - يعني اجعل لي مفتاح ~~البيت - فأنزل الله هذه الآية { إن الله ~~يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها } فأمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه أن يرد ~~المفتاح إلى عثمان بن طلحة؛ فرد عليه فقال ~~عثمان: أنا أشهد أن محمدا رسول الله؛ وأسلم، ~~فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما دام هذا ~~البيت أرى اللبنة من لبناته قائمة؛ فإن ~~المفتاح في أولاد عثمان بن أبي طلحة ". # روي: # " أنه لما طلب المفتاح من عثمان أبى: فقال صلى ~~الله عليه وسلم: " يا عثمان؛ إن كنت تؤمن بالله ~~واليوم الآخر فهات المفتاح " فقال: هاك أنت يا ~~رسول الله؛ خذه بأمانة الله. فأخذ النبي صلى الله عليه ~~وسلم المفتاح ففتح الباب ومكث في البيت ما شاء ~~الله، فلما خرج نزل جبريل بهذه الآية " # ويدخل في هذا جملة الأمانة. # قوله تعالى: { وإذا حكمتم بين الناس أن ~~تحكموا بالعدل }؛ خطاب للأئمة؛ أي ويأمركم الله ~~أن تحكموا بين الناس بالحق، { إن الله نعما يعظكم به ~~}؛ أي نعم الذي يأمركم به من أداء الأمانة والحكم بالحق، ~~{ إن الله كان سميعا }؛ لمقالة العباس؛ { بصيرا ~~}؛ بأمانة عثمان. ### || [4.59] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم }؛ أي ~~أطيعوا الله تعالى فيما أمر؛ وأطيعوا الرسول فيما بين. ~~وقيل: أطيعوا الله في الفرائض، وأطيعوا الرسول في السنن. # وقوله تعالى: { وأولي الأمر منكم } قال عكرمة: (هو أبو ~~بكر وعمر) لقوله صلى الله عليه وسلم: # " اقتدوا من بعدي بأبي بكر وعمر " # ، # " وإن لي وزيرين في الأرض؛ ووزيرين في السماء، ~~فبالسماء جبريل وميكائيل، وبالأرض أبو بكر ~~وعمر " # ، " عندي بمنزلة الرأس من الجسد ". وقال الوراق: ~~هم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي لقوله صلى الله عليه ~~وسلم: # " الخلافة بعدي في أربعة ms0522 من أمتي: أبي بكر ~~وعمر وعثمان وعلي " # وقال عطاء: هم المهاجرون والأنصار والتابعون ~~بإحسان لقوله تعالى: # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار ~~والذين اتبعوهم بإحسان # [التوبة: 100] الآية. وقيل: هم أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم كما قال: # " أصحابي كالنجوم؛ بأيهم اقتديتم اهتديتم " # وقال جابر بن عبدالله والحسن والضحاك ومجاهد: (هم الفقهاء ~~والعلماء أهل الدين والفضل) الذين يعلمون ~~الناس معالم دينهم؛ ويأمرونهم بالمعروف ~~وينهون عن المنكر، فأوجب الله على العباد ~~طاعتهم. قال ابن الأسود: (ليس شيء أعز من العلم، ~~فالملوك حكام على الناس، والعلماء حكام على ~~الملوك). وقال أبو هريرة: (هم ولاة المسلمين). وقال ~~الكلبي ومقاتل: (هم أمراء السرايا، كان صلى الله عليه وسلم ~~إذا بعث سرية أمر عليهم رجلا، وأمرهم أن ~~يطيعوه ولا يخالفوه). # والأظهر من هذه الأقاويل: أن المراد بهم العلماء لقوله تعالى: { ~~فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ~~}؛ أي فإن اختلفتم في شيء من الحلال والحرام والشرائع ~~والأحكام، فردوه إلى أدلة الله وأدلة رسوله، وهذا الرد لا يكون ~~إلا بالاستدلال والاستخراج بالقياس؛ لأن الموجود في نص الكتاب اذا ~~علم وعمل به لا يوصف بأنه رد إلى الكتاب، وإنما يقال: هو ~~اتباع للنص، وغير العلماء لا يعلمون كيفية الرد إلى ~~الكتاب والسنة ولا دلائل الأحكام، والجواب قوله تعالى: { إن ~~كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر }؛ دليل على أن ~~الإيمان اتباع الكتاب والسنة والإجماع. # قوله تعالى: { ذلك خير وأحسن تأويلا }؛ أي رد ~~الخلاف إلى الله والرسول خير من الإصرار على الاختلاف وأحسن عاقبة ~~لكم، ويقال: أحسن تأويلا من تأويلكم الذي تؤولونه من غير ~~رد ذلك إلى الكتاب والسنة. وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: ~~(الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل). ### || [4.60] # قوله عز وجل: { ألم تر إلى الذين يزعمون ~~أنهم آمنوا بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك ~~}؛ الآية. قال الكلبي: (نزلت في رجل من المنافقين ~~يقال له بشر، كان بينه وبين يهودي خصومة، ~~فقال اليهودي: انطلق نتحاكم إلى محمد - لأنه ~~علم أنه لا يقبل الرشوة ms0523 ولا يجور في الحكم -. ~~وقال المنافق: ننطلق إلى كعب بن الأشرف - وهو ~~الذي سماه الله الطاغوت - فأبى اليهودي أن ~~يخاصمه إلا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمضى ~~معه المنافق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى ~~لليهودي، فلما خرجا من عنده لزمه المنافق ~~وقال: انطلق بنا إلى عمر ضي الله عنه فقال ~~اليهودي: يا عمر؛ اختصمت أنا وهذا إلى محمد ~~فقضى لي عليه فلم يرض بقضائه، وزعم أنه ~~يخاصمني إليك، فقال عمر للمنافق: أكذلك؟ قال: ~~نعم، قال: رويدكما حتى أخرج إليكما، فدخل ~~عمر وأخذ السيف واشتمل عليه، ثم خرج إليهما؛ ~~فضرب به المنافق حتى مات؛ وقال: هكذا قضائي ~~فيمن لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله، وهرب ~~اليهودي فنزلت هذه الآية. وقال جبريل: إن ~~عمر فرق بين الحق والباطل فسمي الفاروق). # ومعنى الآية: ألم تر يا محمد إلى الذين يزعمون ~~أنهم آمنوا بالقرآن وبالكتب التي أنزلت من قبلكم وهم ~~المنافقون، { يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت }؛ وهو ~~كعب بن الأشرف، { وقد أمروا أن يكفروا به }؛ ~~بالطاغوت، { ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا ~~بعيدا }؛ عن الحق. ### || [4.61] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ ~~أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنفقين يصدون ~~عنك صدودا }؛ قال ابن عباس: (اختصم الزبير بن ~~العوام وثعلبة بن حاطب إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم في أمر بينهما؛ فقضى للزبير؛ فخرجا من ~~عنده؛ فمرا على المقداد فقال: لمن كان القضاء ~~يا ثعلبة؟ فقال: قضى لابن عمته؛ ولوى شدقه، ~~ففطن يهودي كان مع المقداد فقال: قاتل الله ~~هؤلاء؛ يشهدون أنه رسول الله ثم يتهمونه في ~~قضاء بينهم، وأيم الله لقد أذنبنا في حياة موسى ~~عليه السلام فقال لنا: اقتلوا أنفسكم؛ فقتلنا فبلغ ~~قتالنا سبعين ألفا في طاعة الله حتى رضي عنا. ~~فأنزل الله تعالى في شأن ثعلبة وليه شدقه { ~~وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ أنزل الله وإلى ~~الرسول } أي هلموا إلى التحاكم إلى أوامر الله في كتابه ~~وإلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليحكم بينكم رأيت ms0524 المنافقين ~~يعرضون عن حكمك إعراضا. ### || [4.62] # قوله عز وجل: { فكيف إذآ أصبتهم مصيبة بما ~~قدمت أيديهم }؛ أي كيف يكون حالهم من ندم وجرأة إذا ~~أصابتهم مصيبة بقتل عمر لصاحبهم وظهور نفاقهم بما فعلوه من رد ~~حكم النبي صلى الله عليه وسلم ولي الشدق، { ثم جآءوك ~~يحلفون بالله }؛ معتذرين، { إن أردنآ إلا ~~إحسنا }؛ تسهيلا كيلا تشغلك خصومتنا، { وتوفيقا }؛ ~~بين الخصوم بالإلتماس ما يقارب التوسط دون الحمل على الإعراض عن ~~الحكم. ### || [4.63] # قال الله تعالى: { أولئك الذين يعلم الله ما في ~~قلوبهم فأعرض عنهم }؛ عن عقوبتهم في الدنيا، ويقال: ~~أعرض عن قبول عذرهم، { وعظهم }؛ مع ذلك بلسانك { وقل ~~لهم في أنفسهم قولا بليغا } وأعلمهم أنهم إن ~~عادوا فحقهم العقوبة والقتل، والقول البليغ أن يبلغ صاحبه ~~بعبارته كنه ما في قلبه. ### || [4.64] # قوله عز وجل: { ومآ أرسلنا من رسول إلا ليطاع ~~بإذن الله }؛ أي ليطاع ذلك الرسول بأمر الله، { ولو ~~أنهم إذ ظلموا أنفسهم }؛ بمطالبة الحكم إلى ~~الطاغوت، { جآءوك }؛ أيها الرسول، { فاستغفروا الله ~~}؛ وتابوا إليه، { واستغفر لهم الرسول }؛ عند ذلك، { ~~لوجدوا الله توابا }؛ قابلا للتوبة، { رحيما }؛ بهم ~~بعد التوبة. ### || [4.65] # قوله تعالى: { فلا وربك لا يؤمنون حتى ~~يحكموك فيما شجر بينهم }؛ أي لا يكونوا مؤمنين عند ~~الله حتى يحكموك فيما وقع من الاختلاف بينهم، { ثم لا ~~يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت }؛ أي ثم لا ~~تضيق صدروهم مما قضيت، وقيل: لا يجدون شكا في ~~حكمك، { ويسلموا تسليما }؛ أي يقادوا لحكمك انقيادا. # والمشاجرة في المخاصمة مأخوذ من الشجر؛ تشبيها للخصومة في ~~دخول بعض الكلام في بعض الأشجار بالتفاف بعضها على بعض. ### || [4.66] # قوله عز وجل: { ولو أنا كتبنا عليهم أن ~~اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما ~~فعلوه إلا قليل منهم }؛ (نزلت في ثابت بن قيس لأنه قال: ~~أما والله إن الله يعلم مني الصدق أن محمدا صلى ~~الله عليه وسلم لو أمرني بقتل نفسي لقتلت نفسي)، وكان ~~ثابت من القليل الذين استثناهم الله في الآية. # ومعنى الآية: لو أنا فرضنا عليهم كما فرضنا ms0525 على بني إسرائيل ~~أن اقتلوا أنفسكم، أو أمرناهم أن يخرجوا من ديارهم لشق ذلك ~~عليهم ولم يفعله إلا قليل منهم. ورفع ال (قليل) على ~~البدل من الواو، ومعنى ما فعله إلا قليل منهم، وقرأ أبي ابن ~~كعب وابن عامر (إلا قليلا منهم) بالنصب على معنى استثنى ~~قليلا منهم. # قوله تعالى: { ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ~~}؛ أي لو فعل المنافقون ما يؤمرون به من الرضى بحكمك، { ~~لكان خيرا لهم }؛ من المحاكمة إلى غيرك، { وأشد ~~تثبيتا }؛ لقلوبهم على الصواب؛ لأن الحق يبقى والباطل يذهب. ### || [4.67-68] # قوله تعالى: { وإذا لأتينهم من لدنآ أجرا ~~عظيما }؛ أي إذ لو يفعلون ما يؤمرون به لأعطيناهم من عندنا ~~ثوابا جزيلا في الجنة، { ولهديناهم صراطا مستقيما ~~}؛ أي إلى صراط مستقيم، وقيل: معناه: لهديناهم في ~~الآخرة إلى طريق الجنة. ### || [4.69] # قوله عز وجل: { ومن يطع الله والرسول ~~فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من ~~النبيين والصديقين }؛ # " نزلت في ثوبان مولى النبي صلى الله عليه وسلم وكان ~~شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر ~~عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل ~~جسمه، فقال صلى الله عليه وسلم: " ما غير لونك؟ " ~~فقال: يا رسول الله؛ ما بي مرض ولا وجع، غير أني ~~لم أرك فاشتقت إليك فاستوحشت، فهذا الذي نزل ~~بي من أجل ذلك، ثم ذكرت الآخرة فأخاف أن لا أراك ~~هناك فإنك ترفع مع النبيين، وإني إذا دخلت ~~الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم ~~أدخل الجنة فذاك حين لا أراك أبدا، فأنزل الله ~~هذه الآية، فقال صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي ~~بيده؛ لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من ~~نفسه وابنه وأهله وولده والناس أجمعين " # ومعنى الآية: ومن يطع الله في الفرائض والرسول في السنن؛ ~~فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين، ~~وهم أفاضل الصحابة، { والشهدآء }؛ هم الذين استشهدوا في ~~سبيل الله، { والصالحين }؛ وهم الذين استقامت أحوالهم ~~بحسن عملهم، والمصلح المقوم بحسن عمله. وقال ~~عكرمة: (النبيون: ها هنا ms0526 محمد صلى الله عليه وسلم، ~~والصديقون: أبو بكر، والشهداء: عمر وعثمان ~~وعلي، والصالحون: سائر الصحابة). # فإن قيل فكيف يكون المطيعون لله ورسوله مع النبيين ودرجتهم في ~~أعلى عليين؟ قيل: إن الأنبياء ولو كانوا في أعلى ~~عليين؛ فإن غيرهم من المؤمنين يرونهم ويزرونهم ~~ويستمتعون برؤيتهم، فيصلح اللفظ أن يقال إنهم معهم. # قوله تعالى: { وحسن أولئك رفيقا }؛ أي حسن ~~الأنبياء ومن معهم رفقاء في الجنة؛ أي ما أحسن ~~مرافقتهم فيها، فذكر الرفيق بلفظ التوحيد؛ لأنه نصب على ~~التمييز، كما في قوله تعالى: # فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا # [النساء: 4] ويجوز أن يكون معناه: حسن كل واحد من أولئك ~~رفيقا، كما قال تعالى: # ثم يخرجكم طفلا # [غافر: 67] ولم يقل أطفالا. ### || [4.70] # قوله تعالى: { ذلك الفضل من الله }؛ أي ذلك المن ~~من الله على المطيعين، { وكفى بالله عليما }؛ بهم وبأعمالهم ~~ومجازيا لهم بما يستحقونه من ثواب وكرامة. ### || [4.71] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا خذوا ~~حذركم }؛ أي أسلحتكم، { فانفروا ثبات }؛ أي من عدوكم ~~بالأسلحة والرجال، ولا تخرجوا متفرقين، ولكن اخرجوا ~~ثبات، { أو انفروا جميعا }؛ أي اخرجوا جماعات جماعات؛ ~~سرية سرية كما يأمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~جهاد عدوكم، واخرجوا كلكم جميعا مع النبي صلى الله عليه وسلم إن ~~أراد الخروج، والثبات: الجماعات في تفرقة واحدها ثبة؛ أي ~~انفروا جماعة بعد جماعة، ويجوز أن يكون معنى: الحذر: ~~السلاح. # واستدل أهل القدر بهذه الآية قالوا: إن الحذر ينفع ويمنع عنكم ~~مكايدة العدو، وإلا لم يكن لأمره تعالى آتاهم بالحذر، معناه: ~~فيقال لهم الائتمار بأمر الله والإنتهاء بنهيه واجب عليهم؛ ~~لأنهم به يسلمون من معصية الله تعالى؛ لأن المعصية ترك ~~الأوامر والنواهي. وليس في الآية دليل على أن حذرهم ينفع من ~~القدر شيئا، بل المراد منه طمأنينة النفس لا أن ذلك يدفع ~~القدر. ### || [4.72] # قوله تعالى: { وإن منكم لمن ليبطئن }؛ أي ~~ممن أظهر الإيمان ليتشاغلن عن الجهاد، ويثقلن غيره وهو ~~عبدالله بن أبي وجد بن قيس، وأصحابهما من المنافقين الذين ~~كانوا يشاركون ms0527 المسلمين في ظاهر الإسلام كانوا ينتظرون هلاك ~~المسلمين وهزيمتهم ويتثاقلون عن الجهاد، يقال: أبطأ الرجل اذا ~~تأخر عن العمل بإطالة المدة. # قوله تعالى: { فإن أصبتكم مصيبة قال قد ~~أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا }؛ أي إن ~~أصابتكم نكبة أو هزيمة أو قتل، قال هذا المبطئ: قد ~~من الله علي إذ لم أكن معهم حاضرا في تلك الغزوة ~~فيصيبني مثل الذي أصابهم. ### || [4.73-74] # قوله تعالى: { ولئن أصبكم فضل من الله }؛ أي وإن ~~أصابكم أيها المؤمنون ظفر وغنيمة، { ليقولن }؛ هذا ~~المبطئ نادما، { كأن لم تكن بينكم وبينه ~~مودة يليتني كنت معهم }؛ في الغزو فأصيب حظا وافرا ~~وغنائم كثيرة. قوله تعالى: { كأن لم تكن بينكم ~~وبينه مودة }؛ قال بعضهم: هو معرض بين اليمين وما قبله؛ ~~تقديره: ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن يا ليتني ~~كنت معهم، { فأفوز فوزا عظيما }؛ كأن لم يكن ~~بينكم وبينه مودة؛ أي يتمنى أن ينال من غير أن يريد ~~الجهاد والقتال، وقيل: هو متصل بقوله { قد أنعم الله ~~علي إذ لم أكن معهم شهيدا } كأن لم يكن ~~بينكم وبينه مودة؛ أي صلة في الدين ومعرفة في ~~الصحبة، كأنه لم يعاقدكم قبل أن يجاهد معكم. # ثم أمر الله تعالى كل من عقد الإيمان بالقتال؛ فقال ~~عز وجل: { فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون ~~الحياة الدنيا بالآخرة }؛ أي ليقاتل في طاعة الله ~~ورضائه الذين يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة وهم المؤمنون. ~~وقيل: معناه: إن الخطاب للمبطئين؛ ومعنى { يشرون }: ~~يختارون الحياة الدنيا على الآخرة. وهذا اللفظ من الأضداد، ~~يقال: شريت بمعنى بعت، وشريت بمعنى اشتريت، فيكون ~~معنى الآية على هذا: آمنوا ثم قاتلوا، لإنة لا يجوز أن يكون ~~الكافر مأمورا بشيء يتقدم على الإيمان. # ثم ذكر الله تعالى فضل المجاهدين؛ فقال: { ومن ~~يقاتل في سبيل الله }؛ أي في الجهاد الذي هو طاعة الله ~~تعالى؛ { فيقتل }؛ هو؛ { أو يغلب }؛ العدو؛ { فسوف ~~نؤتيه أجرا عظيما }؛ فسوف نعطيه في كلا الوجهين ~~ثوابا وافرا في الجنة، وسمى الله تعالى الثواب عظيما؛ لأنه ~~نال ثمنا من ms0528 العزيز بأغلى الأثمان، وقد يكون ثمن الشيء ~~مثله، ويكون وسطا من الأثمان. ### || [4.75] # قوله تعالى: { وما لكم لا تقتلون في سبيل ~~الله }؛ معناه: أي شيء لكم أيها المؤمنون في ترك الجهاد مع ~~اجتماع الأسباب الموجبة للتحريض عليه، وقوله تعالى: { لا ~~تقتلون } في موضع نصب على الحال كأنه قال: وما لكم ~~تاركين الجهاد؟ كما قال تعالى في آية أخرى # فما لهم عن التذكرة معرضين # [المدثر: 49]. # وقوله تعالى: { والمستضعفين }؛ في موضع خفض بإضمار ~~(في)؛ معناه: وفي بيان المستضعفين؛ أي وفي نصرة المستضعفين، ~~ويجوز أن يكون معناه: وعن المستضعفين؛ أي للذب عن ~~المستضعفين، { من الرجال والنسآء والولدن }؛ الذين هم ~~بمكة ويلقون فيها أذى كثيرا وهم: سلمة بن هشام ~~والوليد بن الوليد وعباس بن ربيعة وغيرهم، كانوا ~~أسلموا بمكة فأراد عشائرهم من أهل مكة بعد هجرة النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يفتنوهم عن الإسلام. يقول الله تعالى: ما ~~تقاتلون المشركين في خلاص هؤلاء الضعفاء؛ { الذين }؛ ~~يسألون الله؛ { يقولون ربنآ أخرجنا من هذه ~~القرية }؛ أي خلصنا من هذه القرية؛ يعنون مكة؛ { ~~الظالم أهلها }؛ أي الكفار أهلها، { واجعل لنا من ~~لدنك وليا }؛ أي من عندك حافظا يحفظنا من أذاهم، { ~~واجعل لنا من لدنك }؛ من عندك؛ { نصيرا }؛ أي ~~مانعا يمنعنا منهم. فاستجاب الله دعاءهم، وجعل لهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم حافظا وناصرا بفتح مكة على يديه، واستعمل ~~عليهم عتاب بن أسيد، عتاب ينصف الضعيف من الشديد. ### || [4.76] # قوله عز وجل: { الذين آمنوا يقتلون في سبيل ~~الله }؛ معناه: الذين آمنوا بمحمد والقرآن، يقاتلون ~~في طاعة الله بأمر الله، { والذين كفروا }؛ أبو سفيان ~~وأصحابه، { يقتلون في سبيل الطغوت }؛ يقاتلون في طاعة ~~الشيطان، { فقتلوا أولياء الشيطن إن كيد ~~الشيطن كان ضعيفا }؛ وضعفه بالوسوسة إلى أوليائه بأن ~~الظفر يكون لهم كيد ضعيف، وإنما أدخل على هذا اللفظ { كان } ~~لتبين أن صفة الضعف لازمة له، وأنه { كان ضعيفا } فخذل ~~أولياءه، كما خذلهم يوم بدر حيث قال لهم: إني بريء منكم إني ~~أرى ما لا ترون. ### || [4.77] # قوله عز وجل: { ألم ms0529 تر إلى الذين قيل لهم ~~كفوا أيديكم وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة ~~}؛ قال ابن عباس وقتادة والحسن والكلبي: # " نزلت هذه الآية في قوم من الصحابة وهم: ~~عبدالرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وطلحة ~~بن عبدالله والمقداد وغيرهم، كانوا يلقون من ~~المشركين أذى كثيرا وهم بمكة قبل أن يهاجروا ~~إلى المدينة؛ فشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ~~وقالوا: يا رسول الله ءأذن لنا في قتال هؤلاء ~~فإنهم قد آذونا، فقال صلى الله عليه وسلم: " كفوا ~~أيديكم؛ فإني لم أؤمر بقتالهم، وأقيموا ~~الصلاة الخمس، وأدوا زكاة أموالكم " فلما ~~خرجوا إلى المدينة وأمرهم الله تعالى بقتال ~~المشركين، وأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالمسير إلى بدر، كره بعضهم وشق ذلك عليهم ~~". # ومعنى الآية: { فلما كتب عليهم القتال }؛ بالمدينة أي ~~فرض؛ { إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية ~~الله }؛ وقيل معناه: { أو أشد خشية }؛ كقوله # مئة ألف أو يزيدون # [الصافات: 147]. # قوله تعالى: { وقالوا ربنا لم كتبت علينا ~~القتال }؛ يعني مشركي مكة لم فرضت علينا ~~القتال؛ أي الجهاد؛ { لولا أخرتنا إلى أجل قريب ~~}؛ أي هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا. قال الحسن: (لم ~~يقولوا هذه لكراهة أمر الله، ولكن لدخول الخوف ~~عليهم بذلك)، وقال بعضهم: نزلت في المنافقين، لأن قوله: { ~~لم كتبت علينا القتال } لا يليق بالمؤمنين، وكذلك ~~الحسنة من غير الله. وقيل: نزلت في قوم من المؤمنين لم ~~يكونوا راسخين في العلم، قالوا هذا القول؛ لأنهم ركنوا إلى ~~الدنيا وآثروا نعيمها على القتال. # قوله تعالى: { قل متاع الدنيا قليل }؛ أي قل ~~لهم يا محمد: منفعة الدنيا يسيرة تنقطع وتقضى، والاستمتاع ~~بها قليل؛ لأن الجديد منها إلى البلى، والشاب منها إلى الهرم ~~والإنقضاء. # قوله تعالى: { والآخرة خير لمن اتقى }؛ أي وثواب ~~الآخرة أفضل لمن اتقى المعاصي، { ولا تظلمون فتيلا }؛ أي ~~ولا ينقصون من جزاء أعمالهم الذي استحقوه مقدار الفتيل، وقد ~~تقدم تفسير الفتيل. ### || [4.78] # قوله تعالى: { أينما تكونوا يدرككم الموت ~~ولو كنتم في بروج مشيدة }؛ أي أينما تكونوا يا ~~معشر المؤمنين والمنافقين في بر ms0530 أو بحر أو سفر أو حضر ~~يلحقكم الموت، وإن كنتم في حصون محصنة من حديد ~~وغيره، مرتفعة إلى عنان السماء، والمعنى: أنكم وإن سومحتم ~~وأخذتم بترك القتال، فإن آخر أعماركم موت لا تنجون منه. وقال ~~عكرمة: (مشيدة: محصنة). وقال العيني: (مطولة). # قوله تعالى: { وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه ~~من عند الله }؛ هذا حكاية قول المنافقين واليهود، كانوا ~~يقولون: ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومراعينا مذ قدم هذا ~~الرجل علينا - يعنون النبي صلى الله عليه وسلم - بعد قدومه ~~المدينة، فذلك قوله: { وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه ~~من عند الله } أي إن يصبهم خصب ورخص سعر وتتابع ~~أمطار يقولوا: هذه من فضل الله؛ { وإن تصبهم سيئة }؛ ~~قحط وجدوبة وغلاء سعر، { يقولوا هذه من عندك }؛ ~~هذه من شؤم محمد وأصحابه. # يقول الله تعالى: { قل كل من عند الله }؛ أي قل لهم ~~يا محمد: الحسنة والسيئة كلها بقضاء الله وتقديره، { ~~فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا }؛ ~~اليهود والمنافقين لا يقربون من فهم حديث عن الله. والفقه: هو ~~الفهم، ثم اختص من جهة العرف بعلم الفتوى. وقال الحسن: ~~(أراد بالحسنة في هذه الآية: الظفر والغنيمة، ~~وبالسيئة: القتل والهزيمة) وكانوا إذا غلبوا ~~قالوا: هذه من عند الله، وإذا غلبهم العدو ~~قالوا: هذه من خطأ رأيك وتدبيرك. ### || [4.79] # قوله تعالى: { مآ أصابك من حسنة فمن الله ~~ومآ أصابك من سيئة فمن نفسك }؛ واختلف المفسرون في ~~المخاطب بهذه الآية، قال أكثرهم: هو النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمراد له عامة الناس. وقال قتادة: (المخاطب بها ~~الإنسان) كأنه قال: ما أصابك أيها الإنسان من ~~حسنة؛ أي من خصب ورخص سعر وفتح وغنيمة ~~فالله تعالى هداك له وأعانك عليه ووفقك له، ~~وما أصابك من قحط وجدبة وهزيمة ونكبة وكل ~~أمر تكرهه؛ فإنما أصابك ذلك بما كسبت يداك ~~بقضاء الله وقدره، كما قال تعالى # ومآ أصبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم # [الشورى: 30]. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما من خدشة عود ولا اختلاج عرق ولا ms0531 عثرة ~~قدم إلا بذنب، وما يعفو الله أكثر " # وقال بعض المفسرين: بين هذه الآية وبين التي قبلها إضمار ~~تقديره: فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون ~~حديثا يقولون ما أصابك من حسنة فمن الله، وما ~~أصابك من سيئة فمن نفسك؛ لأنه مستحيل أن يأمر ~~الله تعالى بإضافة الحسنة والسيئة إلى أمره وقضائه في آية ثم ~~يتلوها بآية تفرق بينهما بعد أن ذم قوما على التفرقة في ~~الأولى، فكيف يجوز أن يذم على الجمع في الآية الثانية، ومثل هذا ~~الإضمار كثير في القرآن. # وقرئ في الشواذ بنصب الميم (فمن نفسك) أي كل من الله، ~~فمن أنت ونفسك حتى يضاف إليك شيء، غير أن القراءة سنة ~~متبعة؛ فلا يقرأ إلا بما تصح به الرواية، وحاصل المعنى على ~~قراءة العامة: أي ما أصابك من خير ونعمة فمن الله، ~~وما أصابك من بلية، أو شيء تكرهه فمن نفسك؛ ~~أي بذنوبكم، وأنا الذي قدرتها عليك. قال الضحاك: (ما حفظ ~~الرجل القرآن ثم نسيه إلا بذنب) ثم قرأ # ومآ أصبكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم # [الشورى: 30]، قال: (فنسيان القرآن من أعظم المصائب). # قوله تعالى: { وأرسلناك للناس رسولا }؛ أي ومن ~~نعمة الله عليك إرساله إياك رسولا إليهم، { وكفى بالله ~~شهيدا }؛ على أنك رسول صادق يشهد لك بالرسالة والصدق، ~~وقيل: شهد على مقالة القوم أن الحسنة من الله، والسيئة من ~~عندك: وقيل: معناه: يشهد أن الحسنة والسيئة كلها من ~~الله. ### || [4.80] # قوله عز وجل: { من يطع الرسول فقد أطاع الله ~~}؛ أي من يطع الرسول فيما يأمره فقد أطاع الله؛ لأن الرسول ~~إنما يأمر به من عند الله، { ومن تولى }؛ أي أعرض عن ~~طاعته، { فمآ أرسلناك عليهم حفيظا }؛ أي ليس عليك إلا ~~البلاغ وما أرسلناك عليهم مسلطا تجبرهم على الإيمان ~~والطاعة وتمنعهم عن الكفر والمعصية؛ فإنك مبلغ وأنا العالم ~~بسرائرهم، وهذه الكلمة من آخر الآية منسوخة بآية السيف. ### || [4.81] # قوله تعالى: { ويقولون طاعة }؛ معناه: أن المنافقين ~~كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم أمرك طاعة وقولك ~~متبع، { فإذا برزوا من ms0532 عندك }؛ فإن خرجوا من ~~عندك يا محمد، { بيت طآئفة منهم غير الذي ~~تقول }؛ أي غيرت جماعة منهم الأمر الذي أمرتهم به على وجه ~~التكذيب، يقال لكل أمر قضي بليل: قد بيت به، وإنما لم ~~يقل للبيت؛ لأن كل تأنيث غير حقيقي يجوز تعبيره بلفظ التذكير، ~~وقيل: معناه: قدروا ليلا غير ما أعطوك نهارا. # قوله تعالى: { والله يكتب ما يبيتون }؛ أي ~~يحفظ عليهم ما يفترون من أمرك، وقيل: ما يسرون من ~~النفاق. قوله تعالى: { فأعرض عنهم } أي لا ~~تعاقبهم يا محمد واستر عليهم إلى أن يستقيم أمر ~~الإسلام { وتوكل على الله }؛ أي ثق بالله وفوض أمرك ~~إليه، { وكفى بالله وكيلا }؛ أي حافظا، والوكيل: هو ~~العالم بما يفوض إليه من التدبير. ### || [4.82] # قوله عز وجل: { أفلا يتدبرون القرآن }؛ أي أفلا ~~يتفكرون في القرآن أنه يشبه بعضه بعضا ويصدق بعضه ~~بعضا، وأن أحدا من الخلائق لا يقدر على مثله، فيعلمون أنه ~~حق ويعلمون أنه من عند الله، { ولو كان من عند غير ~~الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا }؛ أي تعارضا ~~وتباينا وبعضه بليغا وبعضه ساقطا. ### || [4.83] # قوله تعالى: { وإذا جآءهم أمر من الأمن أو ~~الخوف أذاعوا به }؛ يعني المنافقين كانوا إذا أتاهم خبر ~~من أمر السرايا الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~ظفر ودولة وغنيمة؛ أو أتاهم عنهم خبر نكبة أو ~~هزيمة أفشوا ذلك الخبر، وأظهروه قبل أن يحدث به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ليحذر بخبر الظفر من ينبغي أن يحذر ~~من الكفار ويقوى بخبر هزيمة المسلمين قلب من كان يبتغي ~~نكبة المسلمين منهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية. # ومعناه: اذا جاء المنافقين { أمر من الأمن }؛ يعني الغنيمة ~~والفتح، { أو الخوف } أي الهزيمة والقتل { أذاعوا به }؛ ~~أي أشاعوه وأفشوه، { ولو ردوه إلى الرسول وإلى ~~أولي الأمر منهم }؛ أي لم يتحدثوا به ولم يفشوه حتى ~~يكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يتحدث به. والمعنى: لو ~~تركوا أمر السرايا والعسكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وإلى أولي الأمر ms0533 من المؤمنين وهم: أبو بكر وعمر وعثمان ~~وعلي وأكابر الصحابة حتى يكونوا هم الذين يفشونه، { ~~لعلمه الذين يستنبطونه منهم }؛ يطلبون الخبر ~~ويستخبرونه من النبي صلى الله عليه وسلم وأكابر الصحابة أن ذلك ~~الخبر صحيح أم لا. # قال الكلبي: (لعلمه الذين يستنبطونه أي ~~يتبعونه). وقال عكرمة: (يسألون عنه، أي لو تركوا ~~إذاعته حتى يتحدث به النبي لعلمه الذين ~~يسألون عنه). وقال القتيبي: (لعلمه الذين ~~يستخرجونه، يقال: استنبطت الماء إذا أخرجته). # قوله تعالى: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~}؛ أي لولا ما أنزل الله عليكم من القرآن، وبين لكم الآيات على ~~لسان نبيه صلى الله عليه وسلم، { لاتبعتم الشيطان ~~إلا قليلا }؛ أي كان أقلكم ينجوا من الكفر، والمراد ~~بالفضل ها هنا النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن، وقيل: في ~~الآية تقديم وتأخير؛ معناه: أذاعوا به إلا قليلا من الخبر ~~لم يذيعوه، أو قليلا من المنافقين لم يذيعوه. ### || [4.84] # قوله تعالى: { فقاتل في سبيل الله لا تكلف ~~إلا نفسك }؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ~~التقى هو وأبو سفيان يوم أحد وكان من أمرهم ما ~~كان، ورجع أبو سفيان إلى مكة وواعده رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بدر الصغرى في ذي القعدة، فلما ~~بلغ النبي صلى الله عليه وسلم الميعاد، قال للناس: ~~اخرجوا إلى العدو، فكرهوا ذلك كراهة شديدة أو ~~بعضهم، فأنزل الله هذه الآية { فقاتل في سبيل ~~الله } أي لا تدع بجهاد العدو ولو وحدك. # وقيل: لا تؤاخذ بفعل غيرك، وإنما تؤاخذ بفعل نفسك ~~وليس عليك ذنب غيرك، { وحرض المؤمنين }؛ على القتال ~~لعل الله أن يكف عنك قتال الكفار، وعسى من الله واجب؛ ~~لأنه في اللغة الإطماع، وإطماع الكريم لا يكون إلا إنجازا. # والفاء: في قوله: { فقاتل } جواب عن قوله: # ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف ~~نؤتيه أجرا عظيما # [النساء: 74] فقاتل وحرض المؤمنين على القتال؛ أي حرضهم ~~على القتال ورغبهم فيه. فتثاقلوا ولم يخرجوا معه؛ ~~فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبعين راكبا ~~حتى ms0534 أتي بدر الصغرى؛ فكفاهم الله بأس العدو ~~ولم يوافقهم أبو سفيان؛ ولم يكن قتال يومئذ، ~~فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فذلك ~~قوله تعالى: { عسى الله أن يكف بأس الذين ~~كفروا }؛ أي قتال المشركين وصولتهم، { والله أشد بأسا ~~وأشد تنكيلا }؛ أي عقوبة. ### || [4.85] # قوله عز وجل: { من يشفع شفعة حسنة يكن له ~~نصيب منها ومن يشفع شفعة سيئة يكن له }؛ أي ~~من يصلح بين اثنين يكن له أجر وثواب من ذلك الإصلاح، ومن ~~يمشي بالغيبة والنميمة له حظ من وزرها وعقوبتها، ~~هكذا روي عن ابن عباس، وقيل: معناه: من يوحد ويأمر بالتوحيد ~~يكن له أجر من ذلك، ومن يشرك ويأمر بالشرك يكن له وزر من ~~ذلك. ويقال: الشفاعة الحسنة هي للمؤمنين، والشفاعة ~~السيئة الدعاء عليهم، فإن اليهود كانوا يدعون على المؤمنين ~~فتوعدهم الله بذلك. # قوله تعالى: { كفل منها }؛ قال ابن عباس وقتادة: ~~(الكفل: الإثم والوزر). قال الفراء وأبو عبيد: (الكفل: ~~الحظ والنصيب). # قوله تعالى: { وكان الله على كل شيء مقيتا }؛ ~~قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: (مقيتا أي مقتدرا ~~مجازيا بالحسنة والسيئة)، قال الشاعر: # وذي ضعن كففت النفس عنه # وكنت على مساءته مقيتا # أي مقتدرا. وقال الزجاج: (المقيت: الحفيظ). قال ~~الشاعر: # ألي الفضل أم علي إذا حو # سبت أني على الحساب مقيت # وقال مجاهد: (المقيت الشاهد). وقال الفراء: (المقيت ~~الذي يعطي كل إنسان قوته). وجاء في الحديث: # " كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت - أو يقيت ~~- " ### || [4.86] # قوله عز وجل: { وإذا حييتم بتحية فحيوا ~~بأحسن منهآ أو ردوهآ }؛ قال ابن عباس: (أراد ~~بالتحية السلام؛ أي إذا سلم عليكم أحد ~~فأجيبوا بتحية أحسن منها؛ وهو أن تزيدوا في ~~التحية فتقولوا: وعليك السلام ورحمة الله ~~وبركاته، يحيي بذلك المسلم عليه، والملكين ~~الحافظين معه بأبلغ التحية). # قوله تعالى: { أو ردوهآ } معناه: وأجيبوا بمثل الذي ~~سلم عليكم. وقال بعضهم: معناه: وإذا حييتم بتحية؛ أي ~~إذا أهدي إليكم هدية فكافئوا بأفضل منها أو مثلها؛ لأن ~~التحية في اللغة الملك، وكانوا يقولون ms0535 قبل الإسلام: حياك ~~الله؛ أي ملكك الله؛ ثم أبدلوا بهذا اللفظ بالسلام بعد ~~الإسلام، وأقيم السلام مقام قولهم: حياك الله. قوله ~~تعالى: { إن الله كان على كل شيء حسيبا }؛ أي ~~مجازيا يعطي كل شيء من العلم والحفظ والجزاء مقدارا ~~يحسبه؛ أي يكفيه، يقال: حسبك هذا؛ أي اكتف به، ~~وقوله تعالى: # عطآء حسابا # [النبأ: 36] أي كافيا. ### || [4.87] # قوله تعالى: { الله لا إله إلا هو ~~ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه }؛ أي ~~لا إله في الأرض وفي السماء غيره، واللام في (ليجمعنكم) ~~لام أنفسهم، كأنه قال الله: يجمعكم في الحياة والموت في قبوركم، ~~إلى يوم القيامة لا ريب فيه؛ أي لا شك فيه أنه ~~كائن لا محالة. قوله تعالى: { ومن أصدق من الله ~~حديثا }؛ استفهام بمعنى النفي، ليس أحد أوفى من الله تعالى ~~وعدا ولا أصدق منه قولا، ولا صادقا إلا ويوجد غيره على ~~خلاف مخبره وقتا من الأوقات إلا الله عز وجل؛ فمن ~~أصدق من الله حديثا. ### || [4.88] # قوله عز وجل: { فما لكم في المنافقين فئتين }؛ ~~قال ابن هشام: (هاجر أناس من قريش فقدموا على ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأسلموا، ثم ~~ندموا على ذلك وأرادوا الرجعة، فقال بعضهم ~~لبعض: كيف نخرج؟ قالوا: نخرج كهيأة ~~المتنزهين، فقالوا للمسلمين: إنا قد ~~اجتوينا المدينة فنخرج ونتنزه - أي نتفسح - ~~فصدقوهم، فخرجوا فجعلوا يباعدون قليلا حتى ~~بعدوا، ثم أسرعوا في السير إلى مكة حتى ~~لحقوا بها، وكتبوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أنا على ما فارقناكم عليه من التصديق، ولكنا ~~اشتقنا إلى أرضنا واجتوينا المدينة. # ثم أنهم أرادوا أن يخرجوا في تجارتهم إلى ~~الشام، فاستبعضهم أهل مكة وقالوا: أنتم على ~~دين محمد، فإن لقوكم فلا بأس عليكم منهم. ~~فخرجوا من مكة متوجهين إلى الشام، فبلغ ذلك ~~المسلمين، فقالت طائفة منهم: ما يمنعنا أن ~~نخرج إلى هؤلاء الذين رغبوا عن ديننا ~~وتركوه، نخرج إليهم فنقتلهم ونأخذ ما ~~معهم، وقالت طائفة: كيف نقتل قوما على ~~دينكم، وكان بحضرة رسول الله صلى الله ms0536 عليه وسلم وهو ~~ساكت لا ينهى أحد الفريقين. فأنزل الله تعالى ~~هذه الآية والتي بعدها يبين لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم شأنهم). # ومعناها: فما لكم من هؤلاء المنافقين حتى صرتم في أمرهم ~~فرقتين من محل لأموالهم ومحرم، { والله أركسهم ~~بما كسبوا }؛ أي ردهم إلى كفرهم وضلالتهم بما كسبوا ~~من أعمالهم السيئة، ونفاقهم وخبث نياتهم، وانتصاب { ~~فئتين } على الحال؛ يقال: ما لك قائما؛ أي لم قمت في ~~هذه الحالة، وقيل: على خبر (صار). # قوله تعالى: { أتريدون أن تهدوا من أضل الله ~~}؛ أي تريدون يا معشر المخلصين أن ترشدوا من خذله الله عن ~~دينه وحجته، وقيل: معناه: أتقولون إن هؤلاء مهتدون، { ومن ~~يضلل الله فلن تجد له سبيلا }؛ أي لن تجد له ~~هاديا، وقيل: لن تجد له طريقا إلى الهدى. وقرأ ~~عبدالله وأبي: (والله ركسهم) بالتشديد. ### || [4.89] # قوله عز وجل: { ودوا لو تكفرون كما كفروا ~~فتكونون سوآء }؛ أي تمنى المنافقون والكفار أن تكفروا ~~أنتم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن كما كفروا، فتكونوا ~~أنتم وهم سواء في الكفر، { فلا تتخذوا منهم أوليآء }؛ ~~أي أحباء، { حتى يهاجروا في سبيل الله }؛ في طاعة ~~الله، { فإن تولوا }؛ فإن أعرضوا عن الإيمان ~~والهجرة فأسروهم، { فخذوهم واقتلوهم حيث ~~وجدتموهم }؛ في الحل والحرم، { ولا تتخذوا منهم ~~وليا ولا نصيرا }؛ أي حبيبا في العون والنصرة. # وهذه الآية محمولة على حال ما كانت الهجرة فرضا كما قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " أنا بريء من كل مسلم أقام بين أظهر ~~المشركين " # ثم نسخ ذلك يوم فتح مكة كما روى ابن عباس قال: قال رسول ~~الله عليه السلام يوم الفتح: # " لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإن ~~استنفرتم فانفروا ". # وقوله تعالى: { فتكونون سوآء } لم يدخل جواب ~~التمني؛ لأنه جوابه بالفاء منصوب، وإنما أراد العطف على ~~معنى: ودوا لو تكفرون وودوا لو تكونوا سواء، مثل قوله: # ودوا لو تدهن فيدهنون # [القلم: 9] أي ودوا لو تدهن وودوا لو تدهنون، ومثله # ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم ~~وأمتعتكم فيميلون # [النساء: 102] أي وودوا ms0537 لو تميلون. ### || [4.90] # قوله تعالى: { إلا الذين يصلون إلى قوم ~~بينكم وبينهم ميثاق }؛ هذا استثناء لمن اتصل من ~~الكفار بقوم بينهم وبين المسلمين ميثاق، قال ابن عباس: (أراد ~~بالقوم الأسلميين، وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أبا بردة هلال بن عويمر الأسلمي وأصحابه على ~~أن لا يعينوه ولا يعينوا عليه، فمن وصل إليهم ~~ولحق بهم بالأنساب أو بالولاء) يعني: لجأ أحد من الكفار ~~في عهد الأسلميين على حسب ما كان بين يدي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وبين قريش من الموادعة؛ فدخلت خزاعة في عهد النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ودخلت بنو كنانة في عهد قريش. # قوله تعالى: { أو جآءوكم حصرت صدورهم أن ~~يقاتلوكم }؛ معناه: ويصلون إلى قوم جاؤكم ضاقت صدورهم ~~أن يقاتلوكم مع قومهم، { أو يقاتلوا قومهم }؛ معكم وهم ~~بنو مدلج، { ولو شآء الله لسلطهم عليكم }؛ ~~لسلط قوم هلال بن عويمر، وبني مدلج عليكم، { ~~فلقاتلوكم }؛ كما قتلتموهم ظالمين لهم، { فإن ~~اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم ~~}؛ أي فإن تركوكم فلم يقاتلوكم مع قومهم، واستسلموا أو خضعوا ~~بالصلح والوفاء، { فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ~~}؛ أي حجة في القتال وقال أهل النحو: معنى { أو جآءوكم ~~حصرت صدورهم } أي حصرت. و { حصرت } لا يكون حالا إلا ~~بعد؛ قالوا: ويجوز أن يكون { حصرت صدورهم } خبرا بعد خبر؛ ~~كأنه قال: أو جاؤكم، ثم أخبر بعد فقال: { حصرت صدورهم أن ~~يقاتلوكم }. وفي الشواذ: (أو جاؤكم حصرة صدورهم). # وأما اللام في { لسلطهم } فجواب { لو شاء الله } ، ~~واللام في { فلقاتلوكم } للبدلية، والفاء فاء عطف بمنزلة ~~الواو. # وقد روي عن عطاء عن ابن عباس: (أن هذه الآية منسوخة ~~بقوله # واقتلوهم حيث وجدتموهم # [النساء: 89] بآية السيف، هي معاهدة المشركين ~~وموادعتهم منسوخة بقوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5]). ولأن الله تعالى أعز الإسلام وأهله؛ فلا يقبل ~~من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف بهذه الآية، وقد أمرنا ~~الله تعالى في أهل الكتاب بقتالهم حتى يسلموا أو يعطوا الجزية ~~بقوله تعالى: # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ms0538 ~~الآخر # [التوبة: 29] إلى قوله تعالى: # وهم صاغرون # [التوبة: 29] فلا يجوز مداهنة الكفار وترك أحدهم على الكفر ~~من غير جزية إذا كان بالمسلمين قوة على القتال، وأما إذا ~~عجزوا عن مقاومتهم وخافوا على أنفسهم وذراريهم جاز لهم مهادنة ~~العدو من غير جزية يؤدونها إليهم؛ لأن حظر الموادعة كان لسبب ~~القوة؛ فإذا زال السبب زال الحظر. ### || [4.91-92] # قوله عز وجل: { ستجدون آخرين يريدون أن ~~يأمنوكم }؛ معناه: ستجدون قوما آخرين يريدون أن يأمنوكم، ~~أي يظهرون لكم الصلح، يريدون أن يأمنوكم بكلمة التوحيد، ~~يظهرونها لكم، { ويأمنوا قومهم }؛ أي ويأمنوا من قومهم ~~بالكفر في السر، { كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا ~~فيها }؛ كلما دعوا إلى الكفر رجعوا فيه. # قال ابن عباس: (هم أسد وغطفان؛ كانوا حاضري ~~المدينة، وكانا يتكلمان بالإسلام وهما غير ~~مسلمين، وكان الرجل منهم يقول له قومه: بماذا ~~آمنت؟ ولماذا أسلمت؟ فيقول: آمنت برب العود، ~~وبرب العقرب وبرب الخنفساء. يريدون به ~~الاستهزاء، فإذا لقوا محمدا صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه قالوا: إنا على دينكم؛ وأظهروا ~~الإسلام، فأطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم ~~والمؤمنين على ذلك بهذه الآية). # قوله عز وجل: { فإن لم يعتزلوكم ويلقوا ~~إليكم السلم ويكفوا أيديهم }؛ أي فان لم ~~يتركوا قتالكم ولم يستديموا لكم في الصلح، ولم يمنعوا ~~أيديهم عن قتالكم، { فخذوهم }؛ أي إسروهم، { واقتلوهم ~~حيث ثقفتموهم }؛ أي حيث وجدتموهم، { وأولئكم ~~جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا }؛ أي أهل هذه الصفة ~~جعلنا لكم عليهم حجة ظاهرة بالقتال معهم، قوله تعالى: { وما ~~كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا } أي ما كان ~~لمؤمن في حكم الله أن يقتل مؤمنا بغير حق إلا أن يكون ~~وقوع القتل منه على وجه الخطأ، وهو ألا يكون قاصدا قتله ~~فيكون مرفوع الإثم والعقاب. # واختلف المفسرون فيمن نزلت هذه الآية؛ قال ابن مسعود: (في ~~عياش بن ربيعة المخزومي؛ أتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بمكة قبل أن يهاجر إلى المدينة فأسلم ~~معه، فخاف أن يعلم أهله بإسلامه، فخرج هاربا ~~إلى المدينة؛ فاختفى في جبل من جبالها؛ ms0539 فجزعت ~~أمه جزعا شديدا حين بلغها إسلامه وخروجه إلى ~~المدينة؛ فقالت لأبيها الحريث وأبي جهل بن ~~هشام - وهما أخواه لأمه -: والله لا يظلني سقف ~~ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتى تأتوني به، فخرجا ~~في طلبه، وخرج معهما الحرث بن زيد حتى أتيا ~~المدينة، فوجدا عياشا في أطم - أي جبل - فقالا ~~له: إنزل؛ فإن أمك لم يأوها سقف بيت بعدك، ~~وقد حلفت لا تأكل طعاما ولا تشرب شرابا حتى ~~ترجع إليها، ولك علينا ألا نكرهك على شيء؛ ~~ولا نحول بينك وبين دينك، فحلفوا له على ذلك ~~فنزل إليهم، فأوثقوه بنسعة ثم جلده كل ~~واحد منهما مائة جلدة. # ثم قدموا به على أمه، فلما أتاها قالت له: ~~والله لا أحلك من وثاقك حتى تكفر بالذي آمنت ~~به، ثم تركوه مطروحا موثوقا في الشمس ما شاء ~~الله، ثم أعطاهم الذي أرادوا، فأتاه الحريث بن ~~زيد، فقال له: يا عياش؛ هذا الذي كنت عليه، ~~فوالله لئن كان الهدى لقد تركت الهدى، ولئن ~~كان ضلالة لقد كنت عليها، فغضب عياش من ~~مقالته، قال: والله لا ألقاك خاليا إلا قتلتك. # ثم إن عياشا أسلم بعد ذلك، وهاجر إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، ثم أسلم بعد ذلك ~~الحريث بن زيد وهاجر إلى المدينة، ولم يعلم ~~عياش بإسلامه، فبينما عياش يسير بظهر قباء ~~إذ لقي الحريث بن زيد فقتله، فقال الناس: ~~ويحك يا عياش! إنه قد أسلم، فرجع عياش إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله؛ قد ~~كان من أمري وأمر الحريث ما علمت؛ وإني لم ~~أعلم بإسلامه حتى قتلته، فنزل قوله تعالى: { ~~وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن ~~قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية ~~مسلمة إلى أهله }؛ أي ما كان لمؤمن أن يقتل ~~مؤمنا البتة إلا خطأ ولا عمدا بحال، لكن إن قتله ~~خطأ على غير قصد، أو قتله على ظن أنه مباح الدم فعليه ~~عتق رقبة مؤمنة في ماله، وعليه وعلى عاقلته تسليم دية ms0540 ~~كاملة إلى أولياء المقتول، ويكون القاتل كواحد من العاقلة، وإذا لم ~~يكن به عاقلة كانت الدية في بيت المال في ثلاث سنين. قوله ~~تعالى: { إلا أن يصدقوا }؛ معناه: إلا أن يتصدق ~~أولياء المقتول، فيتركوا الدية ويعفوا. # قوله تعالى: { فإن كان من قوم عدو لكم وهو ~~مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة }؛ أي إن كان المقتول خطأ ~~من قوم حرب لكم، فقتل في دار الحرب وهو مؤمن أسلم في دار الحرب ~~ولم يهاجر حتى قتل، فعلى قاتله عتق رقبة مؤمنة، ولم يذكر ~~الدية لأن دم المقتول لا قيمة له، إذ لم يحرز نفسه ~~بدار الإسلام، وليس هو في صلح المسلمين. وقيل: ~~إنما لم يذكر الدية؛ لئلا يسلم إلى أهل الحرب دية ~~فيقوون بها علينا، وهذا القول يقتضي أن الدية واجبة، ~~إلا أنها لا تسلم إليهم. وفي وجوب هذه الدية خلاف بين ~~العلماء. # قوله عز وجل: { وإن كان من قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة ~~مؤمنة }؛ أي إن كان المقتول خطأ من قوم بينكم وبينهم عهد أو ~~صلح، فعلى القاتل وعاقلته تسليم دية كاملة إلى أولياء ~~المقتول، وعلى القاتل عتق رقبة مؤمنة. والفائدة في إعادة ذكر ~~المؤمنة: أنه لو لم يعد ذكرها لكان يتوهم متوهم أنه ~~لما وجب في المؤمن رقبة في مثل صفته تجب أيضا قي قتل الكافر ~~رقبة في مثل صفة المقتول. # قوله تعالى: { فمن لم يجد فصيام شهرين ~~متتابعين }؛ أي من لم يجد رقبة مؤمنة، فعليه صيام شهرين ~~متواليين لا يفصل بين صيامهما. وقوله تعالى: { توبة من ~~الله }؛ أي اعملوا ما أمركم الله به للتوبة يتوب الله ~~عليكم، وهذا نصب على ما يقال: فعلت كذا حذرا من الشراء. # وإنما سميت الكفارة توبة؛ لأن قاتل الخطأ كان عاصيا في سبب ~~القتل من حيث إنه لم يحترز، وإن لم يكن عاصيا في نفس القتل. ~~ويقال: معنى التوبة: التوسعة والتخفيف من الله. قوله ~~تعالى: { وكان الله عليما حكيما }؛ أي عليم بكل ~~شيء حكيم بما يأمركم به من الدية والكفارة، وقال ms0541 بعضهم: ~~نزلت الآية في أبي الدرداء حين قتل راعيا خطأ. ### || [4.93] # قوله عز وجل: { ومن يقتل مؤمنا متعمدا ~~فجزآؤه جهنم خلدا فيها }؛ قال ابن عباس: (نزلت ~~في مقيس بن خبابة؛ وجد أخاه قتيلا في بني ~~النجار؛ فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ~~ذلك، فأرسل معه رجلا من بني فهر، وقال له: # " إئت بني النجار فأقرئهم مني السلام؛ وقل ~~لهم: رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمركم إن علمتم ~~قاتل هشام أن تدفعوه إلى مقيس يقتص منه، وإن ~~لم تعلموا له قاتلا أن تدفعوا إليه ديته " # فأبلغهم الفهري ذلك، فقالوا: سمعا وطاعة لله ~~ولرسوله؛ والله ما نعلم له قاتلا؛ ولكنا نؤدي ~~ديته، فأعطوه مائة من الإبل، وانصرفا راجعين ~~نحو المدينة وبينهما وبين المدينة قريب، ~~فوسوس الشيطان إلى مقيس وقال له: أي سبب ~~صنعت بقبول دية أخيك فتكون عليك سبة، أقتل ~~الذي معك تكون نفس مكان نفس وفضل الدية، ~~فرمى الفهري بصخرة فشدخ رأسه فقتله، ثم ~~ركب بعيرا منهما وساق بقيتها راجعا إلى مكة ~~كافرا، وجعل يقول: # قتلت به فهرا وحملت عقله # سراة بني النجار وأرباب فارع # فأدركت ثأري واضطجعت موسدا # وكنت إلى الأوثان أول راجع # فنزلت هذه الآية، وقتل مقيس يوم فتح مكة. # ومعناها: ومن يقتل مؤمنا متعمدا في قلته مستحلا ~~له فجزاؤه جهنم خالدا فيها باستحلاله له وارتداده ~~عن إسلامه، { وغضب الله عليه }؛ بقتله غير قاتل أخيه؛ ~~{ ولعنه }؛ أي باعده من رحمته، { وأعد له عذابا ~~عظيما }؛ بجرأته على الله بقتل نفس بغير حق. # واختلف الناس في حكم هذه الآية، قالت الخوارج والمعتزلة: ~~(إنها في المؤمن إذا قتل مؤمنا، وهذا الوعيد ~~لاحق به). وقالت المرجئة: (إنها نزلت في كافر قتل ~~مؤمنا، فأما المؤمن إذا قتل مؤمنا فإنه لا ~~يخلد في النار). # وقالت طائفة من أصحاب الحديث: كل مؤمن قتل مؤمنا فهو ~~خالد في النار غير مؤبد يخرج بشفاعة ~~الشافعين، وزعمت: أنه لا توبة لمن قتل ~~مؤمنا متعمدا. # والصحيح: أن المؤمن إذا قتل مؤمنا متعمدا لا يكفر بذلك ~~ولا ms0542 يخرج من الإيمان؛ إلا إذا فعل ذلك مستحلا له، فإن ~~أقيد بمن قتله فذلك كفارة له، وإن كان تائبا من ذلك ولم يكن ~~معادا كانت التوبة أيضا كفارة له، فإن مات بلا توبة ولا ~~قود فأمره إلى الله؛ إن شاء غفر له وإن شاء عذبه على فعله ثم ~~يخرجه بعد ذلك إلى الجنة التي وعده بإيمانه؛ لأن الله تعالى ~~لا يخلف الميعاد، وترك المجازاة بالوعيد يكون منه ~~تفضلا، وترك المجازاة بالوعد يكون خلفا، تعالى الله عن ~~الخلف علوا كبيرا. # والدليل على أن المؤمن لا يصير بقتله المؤمن كافرا، ولا خارجا ~~عن الإيمان قوله تعالى: # يأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص # [البقرة: 178] ولا يكون القصاص إلا في قتل العمد، فبينما هم ~~مؤمنين وآخى بينهم بقوله # فمن عفي له من أخيه شيء # [البقرة: 178] ولم يرد به إلا الأخوة في الإيمان، والكافر لا ~~يكون أخا للمؤمن، ثم قال: # ذلك تخفيف من ربكم ورحمة # [البقرة: 178] ولا يجعل ذلك للكافر, ثم أوجب على المعتدي بعد ذلك ~~عذابا أليما لقوله تعالى: # فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم # [البقرة: 178] ولم يوقع الغضب ولا التخليد في النار ولا يسمي هذا ~~العذاب نارا، والعذاب قد يكون نارا، وقد يكون غيرها في الدنيا، ~~قال الله تعالى: # يعذبهم الله بأيديكم # [التوبة: 14] يعني القتل والأسر، ولو كان القتل يخرجهم من ~~الإيمان لما خاطبهم بقوله: # ياأيها الذين آمنوا # [البقرة: 104]، وقال تعالى: # وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا # [الحجرات: 9] الآية واقتتالهم على وجه العمد. # وروي: # " أن مؤمنا قتل مؤمنا على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فلم يأمر القاتل بالإيمان، ولو كان كافرا ~~لأمره أولا بالإيمان، وقال لطالب الدم: " أتعفو؟ " ~~قال: لا، قال: " أتأخذ الدية؟ " قال: لا، فأمر ~~بقتله، ثم أعاد عليه مرتين أو ثلاثا حتى قبل ~~الدية، ولم يحكم عليه بالكفر، " # فلو كان ذلك كفرا لبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن ~~ذلك كان ردة تحرم بها زوجته عليه، ولم يجز على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم الإغفال عنه؛ لأنه ms0543 الناصح الشفيق ~~المنعوت بالتأديب والتعليم. # ودليل آخر أن القاتل لا يصير كافرا: هو أن الكفر والجحود ~~والإباء والشرك إضافة، والقاتل لم يجحد ولم يأب قبول ~~الفرائض، ولا أضاف إلى الله تعالى شريكا، ولو جاز أن يكون ~~كافرا ولم يأت بالكفر لجاز أن يكون مؤمنا من لم يأت ~~بالإيمان. # قال: تعلقت الخوارج والمعتزلة بهذه الآية؛ وقالوا: إن ~~المؤمن إذا قتل مؤمنا متعمدا يبقى في النار مؤبدا؛ لأن ~~الله تعالى قال (خالدا فيها). يقال لهم: إن هذه الآية نزلت في ~~كافر قتل مؤمنا متعمدا وقد ذكرنا القصة فيه، وسياق الآية ~~يدل عليه؛ وروايات المفسرين تدل على أنها لو سلمنا ~~بأنها نزلت في مؤمن قتل مؤمنا فإنا نقول لهم: لو ~~قلتم إن الخلود التأبيد فأخبرونا عن قوله تعالى: # وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد # [الأنبياء: 34] هنا في الدنيا، فإن قلتم: إنه أراد التأبيد؛ ~~فالدنيا تزول وتفنى، ومثله # أفإن مت فهم الخالدون # [الأنبياء: 34]، وقوله تعالى: # يحسب أن ماله أخلده # [الهمزة: 3]. # وإن قلتم: لم يرد به التأبيد؛ وذلك القول منكم لا بد منه؛ ~~فقد ثبت أن معنى الخلود غير معنى التأبيد، وكذلك العرب تقول: ~~لأدخلن فلانا في السجن، فإن قلتم: المراد به التأبيد؛ ~~فالسجن ينقطع ويفنى ويموت المسجون أو يخرج منه، فإن قالوا: إن ~~الله تعالى لما قال { وغضب الله عليه ولعنه } دل ~~على كفره؛ لأن الله تعالى لا يغضب إلا على من كان كافرا، ~~قلنا: هذه الآية لا توجب عليه الغضب؛ لأن معناه: { فجزآؤه ~~جهنم } ، وجزاؤه أن يغضب الله عليه ويلعنه، وما ذكره ~~الله وجعله جزاء الشيء فليس يكون ذلك واجبا؛ لأنه لو كان على الوجوب ~~لكان كقوله: # ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك ~~نجزيه جهنم # [الأنبياء: 29] وهي لغة العرب إذا قال القائل: جزاؤه كذا؛ ثم لم ~~يجازه لم يكن كاذبا، وإذا قال: أجزيه ذلك ولم يفعل كان كاذبا، ~~فعلم أن بينهما فرقا واضحا. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ~~تعالى: # " { ومن يقتل مؤمنا ms0544 متعمدا فجزآؤه جهنم } ~~قال: " هي جزاؤه أن جازاه " " # فإن قيل: قوله: { وغضب الله عليه ولعنه } من ~~الأفعال الماضية، ومتى قلتم إن المراد به: فجزاؤه ذلك أن ~~جازاه كان من الأفعال المستقبلة؟ يقال لهم: قد يرد الخطاب ~~باللفظ الماضي والمراد منه المستقبل كقوله تعالى # وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله # [البروج: 8] أي إلا أن آمنوا بالله، ومثله كثير. # وأما قول من زعم: أنه لا توبة لمن قتل مؤمنا متعمدا، ~~فإنه مخالف للكتاب والسنة، وذلك أن الله تعالى يغفر الذنوب ~~جميعا، وأمر بالتوبة منها، فقال عز وجل # وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون # [النور: 31] ولم يفصل بين ذنب وذنب، وإذا كان الله تعالى يقبل ~~التوبة من الكفر فقبولها من القتل أولى، وقال تعالى: # والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق... # [الفرقان: 68] إلى قوله تعالى: # إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا # [الفرقان: 70] وقال إخوة يوسف: # اقتلوا يوسف # [يوسف: 9] ثم قالوا: # وتكونوا من بعده قوما صالحين # [يوسف: 9]. أي تائبين. # " وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: أمن كل ذنب يقبل ~~التوبة؟ قال: " نعم " ". # ثم المقتول إذا اقتص منه الولي فذلك جزاؤه في الدنيا، وفيما ~~بين المقتول والقاتل الأحكام باقية في الآخرة؛ لأن الولي وإن ~~قتله فإنما أخذ حق نفسه، وأما المقتول فلم يكن له في ~~القصاص منفعة. ### || [4.94] # قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا إذا ~~ضربتم في سبيل الله فتبينو }؛ قال ابن عباس: # " نزلت في مرداس بن نهيك؛ كان مسلما لم ~~يسلم من قومه غيره، فسمعوا بسرية لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم تريدهم فهربوا كلهم، وأقام ~~الرجل في غنمه؛ لأنه كان على دين المسلمين، ~~فلما رأى الخيل خاف أن يكونوا من غير أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فألجأ غنمه إلى عاقول ~~من الجبل وهو العوج، فلما سمعهم يكبرون عرف ~~أنهم الصحابة؛ فكبر ونزل وهو يقول: لا إله ~~إلا الله محمد رسول الله؛ السلام عليكم، فغشاه ~~أسامة بن زيد فقتله وساق غنمه، وكان ms0545 أمير ~~السرية غالب بن فضالة الليثي، ثم رجعوا إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه الخبر، فوجد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك وجدا شديدا وقال: ~~" قتلتموه إرادة ما معه " فأنزل الله هذه الآية؛ ~~فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أسامة فقال: ~~يا رسول الله؛ استغفر لي، قال: " فكيف بلا إله إلا ~~الله!؟ " قال ذلك ثلاث مرات، ثم استغفر له بعد ~~ثلاث مرات، وأمره أن يعتق رقبة ". # وعن الحسن: (أن أناسا من المسلمين لقوا أناسا من ~~المشركين فحملوا عليهم، فشد رجل منهم ~~ومعه متاع، فلما غشيه السيف قال: إني مسلم، ~~فكذبه ثم أوجر السنان وأخذ متاعه، وكان والله ~~قليلا، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال جندب بن سفيان: # " ولقد كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~جاء السيف، وقال: يا رسول الله؛ بينما نحن نطلب ~~القوم وقد هزمهم الله تعالى إذ لحقت رجلا ~~بالسيف، فلما أحس السيف واقع به، قال: إني ~~مسلم؛ إني مسلم؛ فقتلته، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " قتلت مسلما! " قال: يا نبي الله؛ إنه ~~قال ذلك متعوذا، فقال: " فهلا شققت عن قلبه! ~~فنظرت أصادقا هو أم كاذبا " قال: لو شققت عن ~~قلبه ما كان يعلمني؛ هل قلبه إلا بضعة من ~~لحم، قال: " فأنت قتلته؛ لا ما في قلبه علمت؛ ~~ولا لسانه صدقت؛ إنما يعبر عنه لسانه " فقال: ~~يا رسول الله؛ استغفر لي، قال: " لا أستغفر لك " ~~قال: فما لبث القاتل أن مات فدفنوه؛ فأصبح على ~~ظهر الأرض إلى جانب قبره، فعادوا فحفروا له ~~وأمكنوا فدفنوه؛ فأصبح على ظهر الأرض ثلاث ~~مرات، فلما رأى ذلك قومه استحيوا وحزنوا ~~وأخذوا برجله فألقوه في شعب من الشعاب، فقال ~~صلى الله عليه وسلم: " لا؛ إنها لتنطبق على من هو أعظم ~~جرما منه، ولكن أراد الله أن يبين لكم حرمة ~~الدم ". # ومعنى الآية: يا أيها الذين آمنوا إذا خرجتم مسافرين ~~في طاعة الله فتبينوا؛ أي ميزوا الكافر من المؤمن بالدلائل ms0546 ~~والعلامات، ولا تعجلوا بالقتل حتى يتبين لكم ذلك. ومن قرأ ~~(فتثبتوا) بالثاء فمعناه: قفوا في أمر من أظهر لكم ~~الإسلام ولا تعجلوا بقتله، { ولا تقولوا لمن ألقى ~~إليكم السلام }؛ أي الانقياد والمتابعة وأسمعكم كلام ~~الإسلام؛ { لست مؤمنا تبتغون عرض الحيوة الدنيا ~~}؛ فتقتلوه وتطلبون برد إسلامه استغنام ما معه من المال، { ~~فعند الله مغانم كثيرة }؛ يظهركم عليها، ويبيح لكم ~~أخذها. # ومن قرأ (السلام) بالألف فمعناه: لا تقولوا لمن سلم عليكم، ~~ودعاكم لست مؤمنا، والتسليم من علامات الإسلام، به يتعارف ~~المسلمون، وبه يحيي بعضهم بعضا. # قوله تعالى: { تبتغون عرض الحيوة الدنيا }؛ ~~يعني تطلبون بذلك الغنم والغنيمة وسلبه، وعرض الدنيا منافعها ~~ومتاعها. قوله تعالى: { كذلك كنتم من قبل }؛ أي من ~~قبل الهجرة تأمنون في قومكم بين المؤمنين بلا إله إلا الله؛ ~~فكيف تخيفون وتقتلون من قالها، فنهاهم الله تعالى أن يخيفوا أحدا ~~يأمن بما كانوا يأمنون بمثله وهم في قومهم. وقيل: معناه: ~~كنتم تقتلون وتؤخذ أموالكم قبل الهجرة، { فمن ~~الله عليكم }؛ بتوفيق الإيمان والهجرة، { فتبينوا }؛ ~~ولا تخيفوا أحدا بأمر كنتم تأمنون بمثله، { إن الله كان ~~بما تعملون خبيرا }؛ من القتل وغير ذلك خبيرا. ### || [4.95] # قوله عز وجل: { لا يستوي القعدون من ~~المؤمنين غير أولي الضرر }؛ أي لا يستوي في الفضل ~~والثواب القاعدون عن الجهاد من المؤمنين الأصحاء؛ الذين لا ضرر ~~بهم من المرض والزمانة؛ ولا عذر يمنعهم من الجهاد، { ~~والمجهدون }؛ في طاعة الله بالإنفاق من أموالهم والخروج ~~بأنفسهم. # روي: أنه نزل أولا (لا يستوي القاعدون من ~~المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) فجاء ابن أم ~~مكتوم ورجل آخر معه وهما أعميان، فقالا: يا ~~رسول الله؛ أمر الله بالجهاد وفضل المجاهدين ~~على القاعدين، وحالنا على ما ترى، فهل لنا من ~~رخصة؟ والله لو استطعنا لجاهدنا، فأنزل الله { ~~غير أولي الضرر } أي غير أولي الضرر في البصر، فجعل ~~لهم من الأجر ما للمجاهدين. # وروى ابن أبي ليلى؛ قال: (لما نزل قوله (لا يستوي ~~القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) ~~قال ابن أم مكتوم: اللهم أنزل ms0547 عذري، فنزل ~~قوله { غير أولي الضرر } فوضعت بينهما، وكان ~~بعد ذلك يغزو ويقول: إدفعوا إلي اللواء؛ ~~ويقول: أقيموني بين الصفين). # وعن زيد بن ثابت قال: كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم وفخذه على فخذي، وقد أملى علي قوله: { لا ~~يستوي القعدون من المؤمنين } فعرض ابن أم ~~مكتوم فثقلت فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~فخذه حتى كادت تنحطم، فنزل عليه { غير أولي ~~الضرر }. # ومن قرأ (غير أولي الضرر) بالنصب فهو نصب على الاستثناء، ~~كأنه قال: إلا أولي، كما يقال: جاءني القوم غير زيد. ~~ويجوز أن يكون على الحال؛ أي لا يستوي القاعدون في حال ~~صحتهم والمجاهدون، وهذا كما يقال: جاءني زيد غير مريض؛ ~~أي صحيحا. # ومن قرأ (غير) بالرفع، فيجوز الرفع في استثناء الإثبات من ~~النفي، ويجوز أن يكون (غير) صفة للقاعدين، وإن كان أصل ~~(غير) أن تكون صفة كما هو نكرة. المعنى: لا يستوي القاعدون ~~الذي هم غير أولي الضرر والمجاهدون في الفضل والثواب، ~~وإن كانوا كلهم مؤمنين. # واختار بعضهم قراءة الرفع؛ لأن معنى الصفة على لفظة (غير) ~~أغلب من معنى الاستثناء، واختار بعضهم قراءة النصب لأن قوله { ~~غير أولي الضرر } نزل بعد قوله: (لا يستوي ~~القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) ~~فيكون معنى الاستثناء به أليق. # قوله تعالى: { في سبيل الله بأمولهم ~~وأنفسهم فضل الله المجهدين بأمولهم ~~وأنفسهم على القعدين درجة }؛ أي فضيلة ~~ومنزلة؛ { وكلا وعد الله الحسنى }؛ أي وكلا ~~الفريقين المجاهد والقاعد وعدهم الله الحسنى يعني ~~الجنة بالإيمان. وفي هذا دليل أن الجهاد فرض على الكفاية؛ ~~لأنه لو كان فرضا على الأعيان لم يجز أن يكون القاعد عنه ~~موعود بالحسنى. # قوله تعالى: { وفضل الله المجهدين على ~~القعدين أجرا عظيما }؛ أي فضل الله المجاهدين على ~~القاعدين عن الجهاد بغير عذر ثوابا حسنا في الجنة، فقوله ~~تعالى: (أجرا) نصب على التفسير. وقال الأخفش: (على ~~المقدر؛ تقديره: آجرهم الله أجرا). # والفائدة في تكرار لفظ التفضيل: أن في الأول بيان تفضيل من جاهد ~~بالمال والنفس جميعا؛ ms0548 وفي آخر الآية بيان تفضيل المجاهد ~~مطلقا، ويدخل فيه المجاهد بالمال والنفس، والمجاهد ~~بالمال دون النفس، وبالنفس دون المال. ### || [4.96] # قوله تعالى: { درجات منه ومغفرة ورحمة }؛ هذا ~~بدل من قوله تعالى (أجرا) أو صفة له؛ وهو موضع نصب. وعن ابن ~~محيريز أنه قال: (فضل الله المجاهدين على ~~القاعدين سبعين درجة؛ بين كل درجتين ~~مسيرة سبعين خريفا للجواد المضمر). # قوله: { وكان الله غفورا رحيما }؛ أي غفورا لذنب من ~~جاهد، رحيما إذ ساوى في وعد الحسنى بين من له العذر وبين من ~~جاهد. # فإن قيل: كيف ذكر التفضيل في هذه الآية بدرجات، وفي الآية التي ~~قبلها بدرجة؟ قلنا: قال بعضهم: أراد بذكر الدرجة في الآية ~~الأولى: الفضيلة والكرامة في الدنيا، وبذكر الدرجات درجات ~~الجنة منال في النعيم، بعضها أعلى من بعض، وذكر المغفرة لبيان ~~خلوص نعيمهم عن الكدر، كما روي في الخبر: (أن الله ~~ينسيهم في الجنة ما كان منهم من الذنوب في ~~الدنيا حتى لا يلحقهم الحياء)، وذكر الدرجة لبيان ~~أن الله أعطاهم ذلك النفع العظيم على جهة النعمة مع ما يضاف ~~إليه من الفضل بالزيادة في النعمة. وقال بعضهم: أراد بالتفضيل في ~~الدرجة في الآية الأولى تفضيل المجاهدين على القاعدين ~~المعذورين، وبالآية الثانية تفضيلهم على القاعدين الذين لا عذر ~~لهم. ### || [4.97] # قوله عز وجل: { إن الذين توفاهم الملائكة ~~ظالمي أنفسهم }؛ قال ابن عباس: (نزلت في قوم من ~~أهل مكة تكلموا بالإسلام ولم يهاجروا - أي ~~أظهروا الإسلام وأسروا النفاق - فلما كان يوم ~~بدر خرجوا مع المشركين إلى المسلمين، فلما ~~رأوا قلة المسلمين قالوا وهم مع المشركين: ~~غر هؤلاء دينهم، فقتلوا يومئذ فضربت ~~الملائكة وجوههم وأدبارهم)، وقالت لهم: ~~لماذا خرجتم مع المشركين وتركتم الهجرة؟! ~~فكان سؤال الملائكة لهم بهذا على سبيل ~~التقريع. # ويجوز أن يكون معناه: فيم كنتم في المشركين أم في ~~المسلمين؟ { قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين ~~في الأرض }؛ أي مقهورون في أرض مكة، فأخرجونا معهم ~~كارهين، قالت الملائكة: { قالوا ألم تكن أرض الله ~~واسعة }؛ يعني أرض المدينة واسعة أمينة، ms0549 { فتهاجروا ~~فيها }؛ أي إليها، وتخرجوا من بين أظهر المشركين. # وقوله تعالى: { ظالمي أنفسهم } نصب على الحال ~~بمعنى تتوفاهم الملائكة في حال ظلمهم لأنفسهم ~~بالشرك والنفاق، والأصل (ظالمين) إلا أن النون حذفت ~~استخفافا وهي ثانية في المعنى، فيكون هذا في معنى النكرة وإن أضيف ~~إلى المعرفة، كما في قوله تعالى: # هديا بالغ الكعبة # [المائدة: 95]. وقوله تعالى: { توفاهم الملائكة } أي ~~تقبض أرواحهم عند الموت، وإنما حذفت التاء الثانية لاجتماع ~~التاءين. # قوله تعالى: { فأولئك مأواهم جهنم }؛ أي أهل ~~هذه الصفة مصيرهم ومنزلتهم جهنم؛ { وسآءت مصيرا }؛ لمن ~~صار إليها، واختلفوا في خبر: { إن الذين توفاهم ~~الملائكة }؛ قال بعضهم: خبره: { قالوا فيم كنتم } ، أي ~~قالوا لهم: فيما كنتم، قال بعضهم خبره: { فأولئك مأواهم ~~جهنم }. وفي قوله تعالى: { ألم تكن أرض الله واسعة ~~فتهاجروا فيها } دليل أنه لا عذر لأحد في المقام على ~~المعصية في بلده لأجل المال والولد والأهل، بل ينبغي أن ~~يفارق وطنه إن لم يمكنه إظهار الحق فيه، ولهذا روي عن ~~سعيد بن جبير أنه قال: (إذا عمل بالمعاصي في أرض فاخرج ~~منها)، وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من فر بدينه من أرض إلى أرض، وإن كان شبرا ~~استوجب به الجنة، وكان رفيق ابراهيم ومحمد ~~صلى الله عليه وسلم " ### || [4.98] # قوله عز وجل: { إلا المستضعفين من الرجال ~~والنسآء والولدان لا يستطيعون حيلة }؛ استثناء من ~~قوله تعالى: # فأولئك مأواهم جهنم # [النساء: 97] والمعنى: إلا من صدق أنه مستضعف من الشيوخ ~~والولدان ونساء لا يجدون نفقة الخروج إلى المدينة ولا ~~يمكنهم الخروج إليها، ولا يعرفون الطريق حتى يهاجروا، والمعنى: ~~إلا المستضعفين المخلصين المقهورين بمكة لم ~~يستطيعوا الهجرة، ومنعوا من اللحوق بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم وهم يريدون اللحوق به. # وقوله تعالى: { ولا يهتدون سبيلا }؛ قال مجاهد: ~~(معناه لا يعرفون طريق المدينة). وقال ابن عباس: ~~(كنت أنا وأمي من الذين لا يستطيعون حيلة ~~ولا يهتدون سبيلا، وكنت غلاما صغيرا يومئذ، ~~فنحن ممن استثنانا الله عز وجل). ### || [4.99] # قوله تعالى: { فأولئك عسى الله ms0550 أن يعفو ~~عنهم }؛ أي أهل هذه الصفة من المستضعفين، عسى الله أن ~~يتجاوز عنهم، و { عسى } من الله كلمة إيجاب؛ لأنه أرحم ~~الراحمين، والفائدة في ذكر هذا اللفظ أن يكون العبد بين ~~الخوف والرجاء. وقوله تعالى: { وكان الله عفوا ~~غفورا }؛ أي لم يزل عفوا عن عباده غفورا لهم. ### || [4.100] # قوله عز وجل: { ومن يهاجر في سبيل الله يجد ~~في الأرض مرغما كثيرا وسعة }؛ أي من يخرج في سبيل ~~الله الذي أمر الله بالهجرة فيه وهو سبيل المدينة؛ يجد في ~~الأرض متحولا كثيرا ومتزحزحا عما يكره. وقوله تعالى: ~~{ وسعة } أي سعة في الرزق. وقال قتادة: (سعة في إظهار ~~الدين) وإنما قال ذلك لما كان يلحقهم من الضيق من جهة ~~الكفار في إظهار دينهم. # قوله تعالى: { ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى ~~الله ورسوله }؛ قال ابن عباس: لما نزل قوله ~~تعالى: { ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض ~~مرغما كثيرا وسعة } سمعها رجل من بني الليث ~~شيخ كبير يقال له جندع بن ضمرة فقال: أنا ~~والله ممن استثنانا الله تعالى فإني لا أجد ~~حيلة، والله لا أبيت ليلة بمكة، فخرجوا به ~~يحملونه على سريره؛ فأتوا به التنعيم ~~فأدركه الموت، فصفق بيمينه على شماله ثم ~~قال: اللهم إن كان هذه لك وهذه لرسولك أبايعك ~~على ما بايعك عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فمات ~~حميدا. # فبلغ ذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكانوا ~~يقولون: لو بلغ إلينا لتم أجره، وضحك ~~المشركون وقالوا: ما أدرك ما طلب، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية { ومن يخرج من بيته مهاجرا }. أي ~~مهاجرا قومه وأهله وولده إلى طاعة الله وطاعة رسوله؛ { ثم ~~يدركه الموت }؛ في الطريق؛ { فقد وقع أجره على ~~الله }؛ فقد وجب ثوابه على الله المليء الوفي بوعده، { ~~وكان الله غفورا }؛ بما كان منه في الشرك؛ { رحيما }؛ ~~به في الإسلام. ### || [4.101] # قوله عز وجل: { وإذا ضربتم في الأرض فليس ~~عليكم جناح أن تقصروا من الصلوة }؛ أي إذا سافرتم ~~في الأرض؛ لأن الخروج إلى الصحراء ms0551 أو القصد إلى القرية القريبة لا ~~يسمى ضربا في الأرض، وقوله تعالى: { ليس عليكم ~~جناح } أي ليس عليكم حرج ومأثم في أن تقصروا من الصلاة، ~~يعني من أربع ركعات إلى ركعتين، { إن خفتم أن يفتنكم ~~}؛ أي إن علمتم أن يغتالكم، { الذين كفروا }؛ ~~ويقتلوكم، { إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا }؛ ~~أي عدوا ظاهر العداوة، يبدون عداوتهم لكم. # وفي الآية ذكر القصر من الصلاة بين شرطين، وأجمعت الأمة ~~أن أصل القصر لا يتعلق بهما وأن كل واحد منهما يؤثر في ~~القصر نوع تأثير، فتأثير السفر في القصر في العدد في الصلاة ~~الرباعية، وتأثير الخوف في القصر في أركان الصلاة إذا خاف إن ~~قام في الصلاة أن يراه العدو، أو خاف أن ينزل عن الدابة أن يدركه ~~العدو، وكان له ترك القيام، وأن يؤمئ على الدابة، فيحتمل أن ~~حرف العطف مضمرا في قوله: { إن خفتم } كأنه قال: وإن ~~خفتم أن يفتنكم الذين كفروا فليس عليكم جناح ~~أن تقصروا من الصلاة. # وقال الحسن: (صلاة السفر ركعتان، فإذا قام الحرب ~~فركعة) وهذا اللفظ يقتضي القصر الذي هو في غاية في القصر متعلق ~~بشرطين على مذهبه. وروي: # " أن رجلا سأل عمر رضي الله عنه عن هذه الآية ~~فقال: كيف يقصر الناس وقد أمنوا؟ فقال عمر: ~~عجبت مما عجبت منه؛ حتى سألت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن ذلك فقال: " صدقة تصدق بها ~~عليكم ألا فاقبلوا صدقة الله علينا " " # يقتضي إسقاط الفرض عنا. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: # " فاقبلوا صدقته " # دليل أن القصر عزيمة لا رخصة؛ لأن ظاهر الأمر على ~~الوجوب، ولهذا قال أصحابنا: إن المسافر إذا صلى الظهر أربعا، ~~ولم يقعد في الثانية قدر التشهد فسدت صلاته، كمصلي ~~الفجر أربعا. ### || [4.102] # قوله عز وجل: { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم ~~الصلاة فلتقم طآئفة منهم معك وليأخذوا ~~أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورآئكم }؛ ~~الآية، قال ابن عباس: (لما رأى المشركون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه قاموا إلى صلاة الظهر وهو ~~يؤمهم؛ ندموا على تركهم ms0552 الإقدام على قتالهم، ~~فقال بعضهم: دعوهم؛ فإن بعدها صلاة هي أحب ~~إليهم من آبائهم وأولادهم - يريدون العصر - ~~فإذا رأيتموهم قاموا إليها فشدوا عليهم، فنزل ~~جبريل عليه السلام بهذه الآية وأطلع الله النبي صلى ~~الله عليه وسلم على قصدهم ومكرهم، وعن هذا كان ~~إسلام خالد بن الوليد حين عرف أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم اطلع على ما كان من قصد المشركين ~~في السر فيما بينهم). # ومعنى الآية: وإذا كنت يا محمد مع المؤمنين في الغزو ~~فابتدأت في صلاة الخوف؛ فليقم جماعة منهم معك في الصلاة؛ ~~ولتكن أسلحتهم معهم في صلاتهم؛ لأن ذلك أهيب للعدو، فإذا ~~سجدت الطائفة التي معك وصلت ركعة، فلينصرفوا إلى المصاف ~~وليقفوا بإزاء العدو؛ { ولتأت طآئفة أخرى لم ~~يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم ~~وأسلحتهم }؛ وهم الذين كانوا بإزاء العدو، ولم يصلوا معك ~~في الركعة الأولى؛ فليصلوا معك الركعة الأخرى، ولتكن أسلحتهم ~~معهم في الصلاة، ولم يذكر في الآية لكل طائفة إلا ركعة واحدة. # وفي صلاة الخوف خلاف بين العلماء؛ قال بعضهم: إنها غير مشروعة ~~بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهو رواية عن أبي يوسف وهو قول ~~الحسن بن زياد؛ لأن في هذه الآية ما يدل على كون النبي صلى الله ~~عليه وسلم شرط في إقامة صلاة الخوف؛ ولأنها إنما جازت للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ليستدرك الناس فضيلة الصلاة خلفه؛ لأن ~~إمامة غيره لم تكن لتقوم مقام إمامته. # وذهب أكثر العلماء إلى أن صلاة الخوف مشروعة بعد النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وأن الخطاب في هذه الآية وإن كان للنبي صلى الله عليه ~~وسلم فالأئمة بعده يقومون مقامه كما في قوله تعالى: # خذ من أموالهم صدقة # [التوبة: 103] ونحو ذلك من الآيات. # واختلفوا في كيفية صلاة الخوف، فقال أبو حنيفة ومحمد: ~~(يجعل الإمام الناس طائفتين؛ طائفة بإزاء ~~العدو، وطائفة معه؛ فيصلي بهما ركعة ركعة، ~~ثم تنصرف هذه الطائفة إلى وجه العدو؛ ~~وتجيء الأخرى فيصلي بهم ركعة، ويتشهد ~~ويسلم. ثم ترجع هذه الطائفة إلى وجه العدو ms0553 ~~بغير سلام، وتأتي الأولى فتقضي الركعة ~~الثانية وحدانا بغير قراءة، فإذا سلمت وقفت ~~بإزاء العدو، وجاءت تلك الطائفة فتقضي ~~الركعة الأولى وحدانا بقراءة). # وعن أبي يوسف: (إذا كان العدو في وجه القبلة؛ وقف ~~الإمام وجعل الناس خلفه صفين؛ فافتتح بهم ~~الصلاة معا، فصلى بهم ركعة؛ فإذا سجد الإمام سجد ~~معه الصف الأول، ووقف الثاني يحرسونهم، فإذا ~~رفعوا رؤوسهم من السجود سجد الصف الثاني؛ ~~وتأخر الأول، ويقوم الصف الثاني فيركع بهم ~~جميعا، ثم يرفعون رؤوسهم ويسجد الصف ~~المتقدم سجدتين، والصف الآخر يحرسونهم، ثم ~~يسجد الصف المؤخر سجدتين لأنفسهم؛ ثم ~~يتشهد الإمام ويسلم بهم جميعا). # وهكذا قال ابن أبي ليلى. # وقال مالك: (يجعل الإمام الناس طائفتين، فيصلي ~~بطائفة ركعة وسجدتين، ثم ينتظر الإمام حتى ~~يصلوا بقية صلاتهم ويسلموا وينصرفوا إلى ~~وجه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى فيصلي بهم ~~ركعة وسجدتين، ويسلم الإمام، ويقومون ~~فيتمون صلاتهم). وقال الشافعي مثل ذلك إلا أنه ~~قال في الطائفة الأخرى: (لا يسلم بهم الإمام؛ ولكن ~~ينتظر حتى يقوموا فيتموا صلاتهم، ثم يسلم ~~بهم). # وإنما وقع بهم هذا الاختلاف لاختلاف الأخبار الواردة في هذا الباب. ~~روى علي وابن مسعود وجماعة من الصحابة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم صلاها كما قال أبو يوسف، ذكرنا عن أبي حنيفة ~~ومحمد وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها كما ~~قال أبو يوسف، وعن سهل بن أبي حثمة أنه صلى الله عليه وسلم صلاها ~~كما قال الشافعي. # فدلت هذه الأخبار على جواز الجميع، وإنما يقع الكلام في ~~الأول، والأقرب إلى ظاهر القرآن وظاهره يشهد للرواية التي ~~رواها علي وابن مسعود؛ لأن في قوله تعالى: { فلتقم ~~طآئفة منهم معك } دليل على أن الإمام لا يصلي ~~بالطائفتين معا، وفي قوله تعالى: { فإذا سجدوا فليكونوا ~~من ورآئكم } دليل على أن الطائفة الأولى تنصرف عقب ~~السجود. وعند مالك والشافعي: لا تنصرف الطائفة الأولى إلا بعد ~~تمام الصلاة. # وفي قوله: { ولتأت طآئفة أخرى لم يصلوا } دليل ~~أن الطائفة الثانية تأتي وهي غير مصلية، وهذا خلاف ms0554 ما قال ~~أبو يوسف. وهذا كله إذا أمكنهم إقامة الصلاة بالجماعة، أما ~~إذا لم يمكنهم الجماعة لقيام القتال وكثرة العدو، وصلى كل ~~واحد لنفسه على حسب ما أمكنه، إما إلى القبلة وإما إلى غيرها إذا ~~لم يمكنه التوجه إليها أو راكبا يؤمئ إيماء، كما قال تعالى: # فإن خفتم فرجالا أو ركبانا # [البقرة: 239]. # قوله عز وجل: { ود الذين كفروا لو تغفلون ~~عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة ~~واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر ~~أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا ~~حذركم }؛ قال ابن عباس: # " غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم محاربا بني أنمار ~~فهزمهم الله تعالى؛ فنزل النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمون ولا يرون من العدو أحدا، فوضعوا ~~أسلحتهم وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي ~~لحاجة له قد وضع سلاحه، حتى قطع الوادي ~~والسماء ترش، فحال الوادي بين رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه، فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~ظل شجرة، فبصر به غورث بن الحارث المحاربي، ~~فانحدر من الجبل ومعه السيف، وقال لأصحابه: ~~قتلني الله إن لم أقتل محمدا، فلم يشعر به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو قائم على رأسه ~~وفي يده السيف مسلولا. # فقال: يا محمد؛ من يعصمك مني الآن؟ فقال: " ~~الله عز وجل " ثم قال صلى الله عليه وسلم: " اللهم ~~اكفني غورث بن الحرث بما شئت " فأهوى بالسيف ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضربه، فانكب ~~لوجهه وبدر سيفه، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فأخذ السيف وقال: " من يمنعك ويعصمك مني يا ~~غورث؟ " قال: لا أحد. قال: " إشهد أن لا إله إلا ~~الله وأني رسول الله وأعطيك سيفك " قال: لا، ~~ولكن لا أقاتلك أبدا، ولا أعين عليك عدوا، ~~فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه، فقال ~~غورث للنبي صلى الله عليه وسلم: أجل؛ لأنت خير مني، ~~فقال: " أجل؛ أنا أحق بذلك منك ". # فرجع إلى أصحابه؛ قالوا له: ويلك! رأيناك ms0555 قد ~~أهويت بالسيف قائما على رأسه، ما منعك منه؟ ~~فقال: لقد أهويت لكن والله لا أدري من زلخني ~~بين كتفي، فخررت لوجهي، وخر سيفي من يدي، ~~فسبقني إلى سيفي فأخذه. ثم رجع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فقطع الوادي وأتى أصحابه فأخبرهم ~~بالقصة " # ، فأنزل الله تعالى: { ولا جناح عليكم إن كان ~~بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا ~~أسلحتكم }. أي لا مأثم عليكم في ذلك، وخذوا حذركم من ~~عدوكم؛ { إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا }؛ ~~يهانون فيه وهو القتل في الدنيا والنار في الآخرة. ### || [4.103] # قوله عز وجل: { فإذا قضيتم الصلوة فاذكروا ~~الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم }؛ يعني صلاة ~~الخوف إذا فرغتم منها فاذكروا الله؛ أي صلوا قياما ~~للصحيح؛ وقعودا للمريض؛ وعلى جنوبكم للمرضى والجرحى الذين ~~لا يستطيعون الجلوس. وقيل: معناه: فاذكروا الله بتوحيده ~~وتسبيحه وشكره على كل حال. قال ابن عباس: (لم يعذر الله ~~أحدا في ترك ذكره إلا المغلوب على عقله). # وقوله تعالى: { فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلوة ~~}؛ أي رجعتم من سفركم وزال عنكم الخوف والمرض والقتال { ~~فأقيموا الصلوة } أي أتموها أربعا بركوعها وسجودها ~~وسائر شروطها، { إن الصلوة كانت على المؤمنين ~~كتبا موقوتا }؛ أي فرضا مفروضا موقتا أوقاته، ~~ويقال: معلوما فرضه للمسافرين ركعتان وللمقيم أربع ركعات. ~~وقال الأعمش: (موقوتا؛ أي مؤقتا). ### || [4.104] # قوله تعالى: { ولا تهنوا في ابتغآء القوم }؛ أي ~~لا تضعفوا في طلب ابتغاء القوم أبي سفيان وأصحابه لما أصابكم من ~~القتل والجراحات يوم أحد. وقوله تعالى: { إن تكونوا ~~تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من ~~الله ما لا يرجون }؛ أي إن كنتم تألمون من الجراح ~~فلهم مثل ذلك، والمعنى: إن كان لكم صارف عن الحرب وهو أنكم ~~تألمون من الجراح فلهم مثل ذلك من الصارف، ولكم أسباب داعية ~~إلى الحرب ليست لهم، وهو أنكم ترجون الثواب والنصر من الله، { ~~وكان الله عليما }؛ بمصالحكم { حكيما }؛ فيما يأمركم ~~به. ### || [4.105] # قوله عز وجل: { إنآ أنزلنا إليك الكتاب ~~بالحق لتحكم بين الناس بمآ أراك الله }؛ قال ~~ابن ms0556 عباس: (نزلت هذه الآية في رجل من الأنصار ~~يقال له طعمة بن أبيرق؛ سرق درعا من جار له ~~يقال له: قتادة بن النعمان، وكانت الدرع في ~~غرارة وجراب فيه دقيق، فانتثر الدقيق من ~~المكان الذي سرقه إلى باب منزله، ففطن به أنه ~~هو السارق؛ فمضى بالدرع إلى يهودي يقال له ~~زيد بن السمين فأودعه إياها، فالتمست الدرع ~~عند طعمة فلم توجد عنده، فحلف لهم ما أخذها ~~ولا له علم، فقال أصحاب الدرع: لقد أدلج ~~علينا وأخذها، وطلبنا أثره حتى دخلنا داره، ~~ولقينا الدقيق منتثرا، فلما حلف تركوه ~~واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل ~~اليهودي وطلبوه، فقال: دفعها إلي طعمة بن ~~أبيرق، وشهد له ناس من اليهود على ذلك، فقال ~~قوم طعمة: انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فنكلمه في صاحبنا نعذره ونتجاوز عنه، فإن ~~صاحبنا بريء معذور. فأتوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وكانوا أهل لسان وبيان، فسألوه أن يعذره ~~عند الناس؛ فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يعذره ويعاقب اليهودي، فأنزل الله هذه ~~الآية). # وفي رواية عن ابن عباس: (أن طعمة سرق درعا؛ وكان ~~الدرع في جراب فيه نخالة، فخرق الجراب حتى ~~كان يتناثر النخالة بطول الطريق، فجاء به إلى ~~دار زيد بن السمين اليهودي وتركه على باب ~~داره، وحمل الدرع إلى بيته، فلما أصبح صاحب ~~الدرع جاء إلى زيد بن السمين على أثر النخالة، ~~وحمله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن يقطع يده، فأنزل الله هذه ~~الآية). إنا أنزلنا إليك يا محمد القرآن إنزالا بالحق، ~~وقيل: { بالحق } أي بالأمر والنهي والفصل لتحكم بين الناس ~~بما أعلمك الله وأوحى إليك، { ولا تكن }؛ يا محمد؛ { ~~للخآئنين خصيما }؛ أي لطعمة وقومه معينا. ### || [4.106] # قوله تعالى: { واستغفر الله }؛ أي تب إلى الله ~~واستغفره مما هممت به من قطع يد زيد بن السمين. وقال ~~الكلبي: (من همك باليهودي أن تضربه). وقال مقاتل: ~~(واستغفر الله من جدالك الذي جادلت ms0557 عن طعمة)، ~~{ إن الله كان غفورا }؛ لمن يستغفره؛ { رحيما }؛ ~~بالتائبين. ### || [4.107] # قوله عز وجل: { ولا تجادل عن الذين يختانون ~~أنفسهم }؛ ولا تخاصم عن الذين يظلمون أنفسهم بالخيانة ~~والسرقة ورمي اليهودي بها، { إن الله لا يحب من كان ~~خوانا }؛ أي خائنا في الدرع؛ { أثيما }؛ في رميه ~~اليهودي. وقيل: الخوان: المكتسب للإثم، والآثم الفاجر ~~بالكذب ورمي البريء، وإنما قال: { يختانون أنفسهم } وإن ~~كانوا خانوا غيرهم؛ لأن مضرة خيانتهم راجعة إليهم، كما يقال: ~~فمن ظلم غيره ما ظلم إلا نفسه، وإنما قال: { ~~خوانا } ولم يقل خائنا لعظيم أمر الخيانة. ### || [4.108] # قوله تعالى: { يستخفون من الناس ولا يستخفون ~~من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من ~~القول }؛ معناه: يستخفي قوم طمعة؛ أي يسرون من الناس ~~وهم يعلمون أنه سارق ولا يستترون من الله؛ أي لا يمكنهم ~~الاستخفاء منه، فإن سرهم وعلانيتهم عند الله ظاهر. # قوله تعالى: { وهو معهم } وهو شاهد لأفعالهم { إذ ~~يبيتون ما لا يرضى من القول } أي يدبرون، ويقولون ~~بالليل قولا لا يرضاه الله؛ وهو اتفاق قول طعمة على أن ~~يرموا اليهودي. وقوله تعالى: { وكان الله بما ~~يعملون محيطا }؛ أي عالما لا يفوته شيء كما لا يفوت ~~المحيط بالشيء. ### || [4.109] # قوله عز وجل: { ها أنتم هؤلاء جادلتم ~~عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم ~~يوم القيامة }؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن ~~يقطع طعمة في السرقة بعد هذه الآيات؛ فجاء قومه شاكين في ~~السلاح فجادلوا عنه وهربوا به، فأنزل الله هذه الآية، ومعناها: ها ~~أنتم يا قوم طعمة خاصمتم النبي صلى الله عليه وسلم عن طعمة ~~وعن خيانته في دار الدنيا. # وفي قراءة أبي: (جادلتم عنه فمن يجادل الله عالم ~~الغيب والشهادة يوم القيامة إذا أخذه بعذابه ~~وأدخله النار)؛ { أم من يكون عليهم وكيلا }؛ ~~يتوكل بهم ويصلح أمرهم ويحفظهم من عذاب الله. ### || [4.110] # قوله عز وجل: { ومن يعمل سوءا أو يظلم ~~نفسه }؛ أي ومن يعمل سوءا " ويرمي " به غيره نحو السرقة ~~والقتل والقذف، أو أنه يظلم ms0558 نفسه نحو الكذب الكذب واليمين ~~الفاجرة وشرب الخمر وترك الفرائض؛ { ثم يستغفر الله ~~}؛ بالتوبة؛ { يجد الله غفورا }؛ للمستغفرين التائبين؛ { ~~رحيما }؛ بهم بعد التوبة. وإنما شرطت التوبة؛ لأن الاستغفار لا ~~يكون توبة بالإجماع ما لم يقل معه: تبت وأسأت ولا أعود إليه ~~أبدا؛ فاغفر لي يا رب. وقيل: معناه: من يعمل سوءا بسرقة ~~الدرع، أو يظلم نفسه برميه البريء بالسرقة. # وقيل: معناه: من يعمل سوءا أو شركا { أو يظلم نفسه ~~} يعني بما دون الشرك، { ثم يستغفر الله } أي يتوب إلى ~~الله، { يجد الله غفورا رحيما }. وقيل: أراد ~~بالسوء: الكبيرة، ويظلم النفس: الصغيرة. # وعن علي كرم الله وجهه؛ قال: (حدثني أبو بكر ~~وصدق أبو بكر رضي الله عنه قال: ما من عبد يذنب ~~ذنبا ثم يتوضأ ويصلي ركعتين ويستغفر الله ~~إلا غفر الله له، وتلا هذه الآية { ومن يعمل ~~سوءا أو يظلم نفسه } الآية). ### || [4.111-112] # قوله عز وجل: { ومن يكسب إثما فإنما ~~يكسبه على نفسه }؛ أي من يعمل معصية فإنما عقوبته ~~على نفسه، { وكان الله عليما حكيما }؛ أي لم يزل ~~عليما بكل ما يكون، حكيما فيما حكم به من القطع على ~~السارق. وقيل: معنى الآية: { ومن يكسب إثما } يعني ~~بيمينه بالباطل، فإنما يضر به نفسه، { وكان الله ~~عليما } بسارق الدرع، { حكيما } حكم بالقطع على طعمة ~~بالسرقة. # وقد روي: أنه لما نزلت هذه الآية؛ عرف قوم ~~طعمة كلهم أنه هو الظالم، فأقبلوا عليه ~~وقالوا له: اتق الله وائت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تبوء بالذنب، فقال: لا؛ والذي يحلف به ما سرقها ~~إلا اليهودي. فنزل قوله تعالى: { ومن يكسب ~~خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا فقد احتمل ~~بهتانا وإثما مبينا }؛ أي ومن يعمل معصية بغير عمد أو ~~متعمدا ثم يرم بريئا؛ فقد استوجب عقوبة البهتان ~~برميه غيره بشيء لم يفعله { وإثما مبينا } أي ذنبا ~~بينا ظاهرا. # وقيل: معناه: { ومن يكسب خطيئة } أي بيمينه الكاذبة { ~~أو إثما } بسرقة الدرع ورمي اليهودي. والبهتان: بهت ~~الرجل بما لم يفعله. وقال الزجاج: (البهتان الكذب ~~الذي ms0559 يتحير من عظمه). ### || [4.113] # قوله تعالى: { ولولا فضل الله عليك ورحمته ~~لهمت طآئفة منهم أن يضلوك }؛ أي لولا فضل ~~الله عليك يا محمد بالنبوة والإسلام؛ ورحمته بإرسال ~~جبريل عليه السلام إليك بالقرآن الذي فيه خبر ما غاب عنك لقصدت ~~من قوم طعمة أن يخطئوك ويحملوك أن تحكم بما هو غير واجب ~~في الباطن، وأن تبرئ الخائن من غير حقيقية؛ { وما يضلون ~~إلا أنفسهم }؛ أي وما يكون إضلالهم إلا على أنفسهم، { ~~وما يضرونك من شيء }؛ ولا ينقصونك شيئا مع عصمة الله ~~تعالى إياك؛ { وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة ~~}؛ أي القرآن ومعرفة الحلال والحرام؛ { وعلمك }؛ بالوحي؛ ~~{ ما لم تكن تعلم }؛ قبله؛ { وكان فضل الله ~~عليك عظيما }؛ بالنبوة والإسلام. # وفي هذه الآيات دلالة أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن غيره في ~~إثبات حق أو نفيه وهو غير عالم بحقيقة أمره، وأنه لا يجوز ~~للحاكم الميل إلى أحد الخصمين، وإن كان أحدهما مسلما والآخر ~~كافرا، وأن وجود السرقة في يدي إنسان لا يوجب الحكم بها عليه. ### || [4.114] # قوله عز وجل: { لا خير في كثير من نجواهم ~~إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين ~~الناس }؛ أي لا خير في كثير من أسرار قوم طعمة فيما يريدون ~~بينهم إلا نجوى من أمر بصدقة فتصدق بها، ويجوز أن يكون معنى { ~~إلا من أمر } الاستثناء ليس من الأول على معنى (لكن) فيكون موضع { ~~من أمر } نصبا على الإضمار، والأول موضعه خفض. # وذهب الزجاج: (إلى أن النجوى في اللغة: ما تفرد به ~~الجماعة والاثنان؛ سرا كان ذلك أو ظاهرا). وقال: ~~(معنى: نجوت الشيء إذا خلصته وأفردته، ونجوت ~~فلانا إذا استسرته). # قوله تعالى: { أو معروف } أي أو أمر بمعروف، ويسمى ~~البر كله معروفا، قال صلى الله عليه وسلم: # " كل معروف صدقة، وأول أهل الجنة دخولا أهل ~~المعروف، وصنائع المعروف تقي مصارع السوء " # قوله تعالى: { أو إصلاح بين الناس } يعني الإصلاح ~~بين المتخاصمين، وإصلاح ذات البين، قال صلى الله عليه وسلم: # " " ألا أخبركم بأفضل درجة من الصلاة والصدقة؟ ms0560 ~~" قالوا: بلى يا رسول الله، قال: " إصلاح ذات البين، ~~وفساد ذات البين هي الحالقة، فلا أقول تحلق ~~الشعر ولكن تحلق الدين " ". # قوله تعالى: { ومن يفعل ذلك ابتغآء مرضات ~~الله }؛ معناه: من يفعل ذلك البر والصلاح والصدقة لطلب مرضاة ~~الله تعالى، لا للرياء والسمعة، { فسوف نؤتيه }؛ ~~نعطيه؛ { أجرا عظيما }؛ أي ثوابا وافرا في الجنة. ### || [4.115] # قوله تعالى: { ومن يشاقق الرسول من بعد ما ~~تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين }؛ ~~نزلت في طعمة؛ وذلك أنه لما نزل فيه ~~القرآن، وعلم قومه أنه ظالم، وخاف هو على ~~نفسه القطع والفضيحة؛ هرب إلى مكة؛ فأنزل ~~الله هذه الآية، ومعناها: ومن يخالف الرسول في التوحيد ~~والحدود معاندا من بعد ما تبين له حكم الله، ويتبع دينا ~~غير دين المؤمنين وهو دين أهل مكة؛ { نوله ما تولى }؛ ~~أي نكله في الآخرة إلى ما تولى. قيل: ونتركه إلى ما ~~اختار لنفسه في الدنيا؛ أي لا يتولى الله نصره ولا معونته، { ~~ونصله جهنم }؛ أي ونلزمه دخول جهنم في الآخرة، { ~~وسآءت }؛ جهنم؛ { مصيرا }؛ أي لمن صار اليها. # فلم يتب طعمة ولم يندم، وأقام على كفره، ~~ثم إنه نقب بيت رجل من بني سليم من أهل ~~مكة؛ فسقط عليه حجر فنشب فيه، فلم يستطع ~~أن يدخل ولا يخرج حتى أصبح؛ فأخذه ليقتله، ~~فقال بعضهم: دعوه؛ فإنه قد لجأ إليكم ~~وتحرم بكم فاتركوه؛ فأخرجوه من مكة، فخرج ~~مع قوم من التجار نحو الشام؛ فنزلوا منزلا ~~فسرق بعض متاعهم وهرب، فطلبوه فوجدوه؛ ~~فرموه بالحجارة حتى قتلوه؛ فصار قبره تلك ~~الحجارة. ### || [4.116] # قوله عز وجل: { إن الله لا يغفر أن يشرك ~~به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء }؛ قال ابن عباس: ~~(نزلت هذه الآية في وحشي قاتل حمزة رضي الله عنه). ~~والمعنى: إن الله لا يغفر شرك المشرك به إن مات بغير توبة؛ ~~ويغفر ما دون الشرك لمن يشاء من أهل الإسلام من غير توبة. # وقال الضحاك عن ابن عباس: إن شيخا من الأعراب جاء إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ms0561 فقال: يا نبي الله؛ إني ~~شيخ منهمك في الذنوب والخطايا؛ إلا أني لا أشرك ~~به شيئا مذ عرفته وآمنت به؛ ولم أتخذ من ~~دونه وليا، ولم أقع على المعاصي جرأة على الله ~~ولا مكابرة له، ولا توهمت طرفة عين أن أعجز ~~الله هربا، إني لنادم تائب مستغفر، فما لي عند ~~الله؟. فأنزل الله هذه الآية { إن الله لا يغفر ~~أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء }. { ومن ~~يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا }؛ أي فقد ذهب عن ~~الصواب والهدى ذهابا بعيدا، وحرم الخير كله. # والفائدة في قوله { بعيدا } أن الذهاب عن الجنة على مراتب ~~أبعدها الشرك بالله تعالى. ### || [4.117] # قوله تعالى: { إن يدعون من دونه إلا إنثا }؛ أي ~~إن يعبد أهل مكة من دون الله إلا الأصنام والأوثان، وسماها ~~إناثا؛ لأنهم سموها باسم الإناث: اللات والعزى ~~ومنات، فعبدوها مع اعتقادهم بنقصان مراتب الإناث عن الذكور؛ ~~لأن الإناث من كل جنس أراذلة، ويقال: إناثا؛ أي مواتا؛ ~~لأن الموات كلها يخبر عنها كما يخبر عن الإناث، يقال: هذه ~~الأحجار تعجبني؛ ((كما تقول: هذه المرأة تعجبني)). # قوله تعالى: { وإن يدعون إلا شيطنا مريدا }؛ ~~أي ما يريدون بعبادة الأوثان إلا عبادة الشيطان، ~~والمريد: العاتي الخارج عن الطاعة، ويسمى ~~المريد مريدا لتعريه عن الخير، يقال: شجرة ~~مرداء؛ أي لا ورق عليها، وغلام أمرد: إذا لم يكن على وجهه ~~شعر. ### || [4.118] # قوله تعالى: { لعنه الله وقال لأتخذن من ~~عبادك نصيبا مفروضا } أراد به الشيطان أبعده من رحمته ~~إلى عقابه بالحكم له بالخلود في جهنم، ويسقط بهذا قول من قال: ~~كيف يصح أن يقال: { لعنه الله } وهو في الدنيا لا يخلو من ~~نعمة تصل إليه من الله في كل حال؟ الجواب لا يعتد بتلك النعمة ~~مع الحكم له بالخلود في النار. # قوله تعالى: { لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا } أي ~~قال إبليس: لأتخذن من عبادك نصيبا معلوما، فكل ما ~~أطيع فيه إبليس فهو مفروض له. # والفرض في اللغة: القطع؛ ومنه الفرضة أي الثلمة، ~~والفرض في القوس: ms0562 ما شد به الوتر، والفريضة في العبادات: الأمر ~~الحتم القاطع، وقوله تعالى: # وقد فرضتم لهن فريضة # [البقرة: 237] أي جعلتم لهن قطيعة من المال، وأما قول الشاعر: # إذا أكلت سمكا وفرضا # ذهبت طولا وذهبت عرضا # فالفرض هنا التمر، سمي فرضا لأنه يؤخذ من فرائض الصدقة. ### || [4.119-120] # قوله تعالى: { ولأضلنهم ولأمنينهم }؛ حكاية ~~قول إبليس؛ أي لأضلنهم عن الحق ولأمنينهم أنه لا ~~جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب، ولأريحنهم طول الحياة في ~~الدنيا، { ولأمرنهم فليبتكن آذان الأنعم }؛ أي ~~بتشقيق آذان الأنعام؛ وهي البحيرة التي كانوا يفعلونها ~~نسكا وعبادة للأوثان، والقطع. { ولأمرنهم فليغيرن ~~خلق الله }؛ قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن والضحاك: ~~(فليغيرن دين الله) نظيره # لا تبديل لخلق الله # [الروم: 30] أي لدين الله، كقوله: # لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم # [الروم: 30]. وقال عكرمة: (معناه: فليغيرن خلق الله ~~بالخصي والوشم وقطع الآذان وفقئ العيون). قال ~~مجاهد: (كذب عكرمة؛ إنما هو دين الله). # قوله تعالى: { ومن يتخذ الشيطن وليا من دون ~~الله فقد خسر خسرانا مبينا }؛ أي من يتخذه ~~ناصرا من دون الله فقد غبن غبنا ظاهرا؛ لأنه خسر الجنة ~~والنعيم الذي فيها. # فإن قيل: (كيف علم إبليس أنه يتخذ من عباد الله نصيبا؟ فيه ~~أجوبة؛ منها: أن الله لما خاطبه بقوله # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # [هود: 119] علم إبليس أنه ينال من ذرية آدم ما تمنى. ~~ومنها: أنه لما وسوس لآدم فنال منه ما نال، طمع في ~~ذريته. ومنها: أن إبليس لما عاين الجنة والنار علم أن ~~لها سكانا من الناس). # وقوله: { يعدهم ويمنيهم }؛ أي يعدهم أن لا جنة ~~ولا نار؛ ويمنيهم طول البقاء في الدنيا ودوام نعيمها ~~ويؤثروها على الآخرة، { وما يعدهم الشيطان إلا ~~غرورا }؛ أي باطلا، والغرور: إيهام النفع فيما فيه ~~ضرر. ### || [4.121] # قوله تعالى: { أولئك مأواهم جهنم }؛ أي أهل ~~هذه الصفة مستقرهم جهنم، { ولا يجدون عنها محيصا }؛ ~~أي مخلصا، يقال: حاص يحيص حيصا؛ إذا عدل عن الشيء. ### || [4.122] # قوله تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~سندخلهم جنات تجري من ms0563 تحتها الأنهار }؛ أي ~~أنهار الماء واللبن والخمر والعسل؛ { خالدين فيهآ ~~أبدا }؛ أي مقيمين في الجنة إلى الأبد، وإنما ذكر الطاعة مع ~~الإيمان وجمع بينهما: فقال: { والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات } يبين بطلان من يتوهم أنه لا يضر ~~المعصية والإخلال بالطاعة مع الإيمان؛ كما لا تنفع الطاعة مع ~~الكفر أو ليبين استحقاق الثواب على كل واحد من الأمرين. # قوله تعالى: { وعد الله حقا }؛ انتصب { وعد } على ~~المصدر، تقديره: وعد لهم الله هذا وعدا حقا كائنا؛ { ~~ومن أصدق من الله قيلا }؛ أي ليس أحد أصدق من الله ~~قولا ووعدا. ### || [4.123] # قوله عز وجل: { ليس بأمانيكم ولا أماني ~~أهل الكتاب }؛ أي ليس ثواب الله تعالى بأمانيكم، فإن { ~~ليس } يقتضي اسما، واختلفوا في المخاطبين بهذه الآية. قال ~~قتادة والضحاك: (إن أهل الكتاب والمسلمين ~~افتخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم؛ ~~وكتابنا قبل كتابكم؛ ونحن أولى بالله منكم. ~~وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم؛ نبينا ~~خاتم النبيين؛ وكتابنا يقضي على الكتب التي ~~كانت قبله، فأنزل الله تعالى هذه الآية). # وقال مجاهد: المخاطبون بها عبدة الأوثان؛ فإنهم ~~قالوا: لا نبعث ولا نحاسب، وقال أهل الكتاب: لن ~~تمسنا النار إلا أياما معدودة، فأنزل الله ~~تعالى: { ليس بأمانيكم ولا أماني أهل ~~الكتاب }. { من يعمل سوءا يجز به }؛ ولا ينفعه ~~تمنيه، والمراد بالسوء الكفر. # وقال بعضهم: المخاطب بها المسلمون؛ أي { من يعمل سوءا يجز ~~به } أي ليس بأمانيكم يا معشر المسلمين أن لا تؤاخذوا ~~بسوء بعد الإيمان، { ولا أماني أهل الكتاب }: لا ~~يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى، من يعمل ~~معصية يجز بذلك ولا ينفعه تمنيه. # روي: أنه لما نزلت هذه الآية؛ قال أبو بكر رضي ~~الله عنه: # " يا رسول الله؛ كيف الفلاح بعد هذه الآية؟ فقال ~~صلى الله عليه وسلم: " غفر الله لك يا أبا بكر؛ ألست ~~تمرض؟ ألست تنصب؟ ألست تصيبك اللأواء؟ " قال: ~~بلى، " فهو ما تجزون به " ". # وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: # " لما نزلت هذه الآية شق ذلك على المسلمين، ~~فشكوا إلى ms0564 رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " قاربوا ~~وسددوا ". يقال: كل ما يصيب المؤمن كفارة حتى الشوكة ~~يشاكها في قدميه، والنكبة ينكبها ". # قال عطاء: لما نزل قوله تعالى: { من يعمل سوءا ~~يجز به } قال أبو بكر رضي الله عنه: # " هذه قاصمة الظهر يا رسول الله؛ وأينا لم ~~يعمل سوءا، وإنا لمجزيون بكل سوء عملناه؟! ~~قال: " إنما هي المصيبات تكون في الدنيا ". فقال ~~أبو هريرة: فلما نزل قوله تعالى: { من يعمل ~~سوءا يجز به } بكينا وحزنا وقلنا: يا رسول ~~الله؛ ما أبقت هذه الآية من شيء، " أما والذي ~~نفسي بيده؛ لكما أنزلت؛ ولكن يسروا وقاربوا ~~وسددوا؛ إنه لا يصيب أحدكم مصيبة في الدنيا ~~إلا كفر عنه بها خطيئة؛ حتى الشوكة يشاكها في ~~قدمه " ". # وقال الحسن في قوله تعالى: { من يعمل سوءا يجز به } قال ~~(الكافر، وأما المؤمن فلا يجازى يوم القيامة ~~إلا بأحسن عمله ويتجاوز عنه سيئاته) ثم ~~قرأ # ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ~~ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون # [الزمر: 35] وقرأ # وهل نجزي إلا الكفور # [سبأ: 17]. # ولولا السنة لأمكن أن يقال: إن الآية نزلت في الكفار؛ لأن في ~~سياق الآية: { ولا يجد له من دون الله وليا ولا ~~نصيرا }؛ ومن لم يكن له يوم القيامة ولي ولا نصير كان ~~كافرا؛ لأن الله تعالى قد ضمن نصر المؤمنين في الدارين فقال ~~تعالى: # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا ويوم يقوم الأشهاد # [غافر: 51]. ولكن الخطاب إذا ورد مجملا، وبين الرسول ~~عليه السلام كان الحكم لبيانه لا للآية؛ إذ البيان ~~إليه صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: # لتبين للناس ما نزل إليهم # [النحل: 44]. ### || [4.124] # قوله عز وجل: { ومن يعمل من الصلحت من ~~ذكر أو أنثى وهو مؤمن }؛ أي وهو مصدق بالثواب ~~والعقاب، { فأولئك يدخلون الجنة }؛ في الآخرة، { ~~ولا يظلمون نقيرا }؛ أي ولا ينقصون مما استحقوه من جزاء ~~أعمالهم مقدار النقير، وهو النقرة التي تكون في ظهر النواة. ### || [4.125] # قوله تعالى: { ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه ~~لله وهو محسن ms0565 واتبع ملة إبرهيم حنيفا }؛ معناه: ~~أي أحد منكم أصوب طريقة وسيرة، ممن أخلص عمله ~~وطاعته لله وهو محسن في الاعتقاد والعمل فيما بينه وبين ربه ~~واتبع دين إبراهيم حنيفا؛ أي مائلا عن كل دين سوى ~~الإسلام. # وقيل: الحنيف: المستقيم في سلوك الطريق الذي أمر ~~بسلوكه. ومعنى المحسن: ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~سئل عن الإحسان فقال: # " أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه ~~فإنه يراك " # قوله تعالى: { واتخذ الله إبراهيم خليلا }؛ قال ~~الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: (خليلا أي صفيا). ~~وقيل: في معنى قوله: { خليلا } وجهان: أحدهما الإصطفاء ~~بالمحبة، والإختصاص بالإسراء دون من لم تكن له تلك المنزلة، ~~والثاني: من الخلة وهو الحاجة، فخليل الله: المحتاج إليه؛ ~~المنقطع بحوائجه إلى الله تعالى دون غيره، وقد يسمى الفقير ~~خليلا، قال زهير: # وإن أتاه خليل يوم مسغبة # يقول لا غائب مالي ولا حرم # أي ولا ممنوع. # فإذا أريد به الوجه الأول؛ جاز أن يقال: إبراهيم خليل الله؛ ~~والله خليل إبراهيم. وإذا أريد الوجه الثاني؛ لم يجز أن ~~يوصف الله تعالى بأنه خليل إبراهيم، وجاوز وصفه بأنه خليل ~~الله. # وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " اتخذ الله إبراهيم خليلا لإطعامه الطعام؛ ~~وإفشائه السلام؛ وصلاته بالليل والناس نيام " # فإن قيل: لم كان اتباع ملة إبراهيم أولى من اتباع ~~ملة غيره من الأنبياء مثل عيسى وموسى؟ قيل: إن الفرق ~~كلهم متفقون على تعظيمه، ووجوب اتباع ملته، وهو كان ~~يدعو إلى الحنيفية دون اليهودية والنصرانية. ### || [4.126] # قوله عز وجل: { ولله ما في السموت وما في ~~الأرض }؛ إما قال هكذا ليبين أن إبراهيم مع كونه خليل ~~الله وأنه لم يتخذه لحاجته إليه، لكنه اتخذه خليلا ~~جزاء على عمله. وقال بعضهم: إنما قال ذلك لأنه لما أمر ~~الناس بطاعته حثهم على الطاعة بما يوجب الرغبة فيها؛ وهو ~~كونه مالك السماوات والأرض. قوله تعالى: { وكان ~~الله بكل شيء محيطا }؛ أي عالما بكل ms0566 شيء، قادرا ~~على كل شيء من كل وجه، فلا يخرج شيء عن مقدوره. ### || [4.127] # قوله عز وجل: { ويستفتونك في النسآء قل ~~الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتب ~~في يتمى النسآء التي لا تؤتونهن ما كتب لهن ~~}؛ قال ابن عباس: (نزلت في أم كجة امرأة أوس بن ~~ثابت وبناتها منه؛ لما أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بتوريثهن من أوس، أقبل عيينة بن حصين ~~الفزاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقال: يا ~~رسول الله؛ إنك قد ورثت النساء والبنات ~~والصغار؛ ولم نكن نحن نورث إلا من قاتل على ~~ظهور الخيل وحاز الغنيمة، فأنزل الله هذه ~~الآية). # ويقال: إنها نزلت بعد نزول قوله تعالى: # يوصيكم الله في أولدكم # [النساء: 11] إلى قوله # عليما حكيما # [النساء: 11] قبل نزول فرض الزوجات، فجاؤوا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يستفتونه في ميراث أم كجة امرأة ~~المتوفى، فأنزل الله هذه الآية ووعدهم أن يفتيهم في ~~ميراث الزوجات؛ فأفتاهم في ذلك بقوله تعالى: # ولكم نصف ما ترك أزوجكم # [النساء: 12] إلى آخر الآية. # ومعنى الآية: يستفتونك يا محمد في أمر النساء وما يجب ~~لهن من الميراث؛ قل الله يبين لكم ميراثهن، والذي يقرأ ~~عليكم في كتاب الله في أول هذه السورة، يفتيكم ويبين ~~لكم ما سألتم عنه في بنات أم كجة اللاتي لا تعطوهن ما ~~فرض لهن من الميراث وهو قوله تعالى: # يوصيكم الله في أولدكم # [النساء: 11]. # قوله تعالى: { وترغبون أن تنكحوهن }؛ أي ترغبون ~~عن نكاحهن لدمامتهن فلا تعطوهن نصيبهن من الميراث ~~لمن يرغب فيهن غيركم؛ وذلك أن بني أعمام تلك ~~البنات كانوا أولياءهن؛ وكانوا لا يعطونهن ~~حظهن من الميراث، ويرغبون أن يتزوجونهن، ~~وهذا قول ابن عباس وابن جبير وقتادة ومجاهد. وعن عائشة رضي ~~الله عنها والحسن: (أن معناه: وترغبون في أن ~~تتزوجونهن لجمالهن ولا تعطوا لهم ما أوجب ~~الله لهن من الصداق). وفي كلا القولين دليل على جواز ~~نكاح الأولياء لليتامى. # قوله تعالى: { والمستضعفين من الولدن }؛ أي وفي ~~(المستضعفين من الولدان) أي ms0567 في ميراث اليتامى. ~~وقوله تعالى: { وأن تقوموا لليتمى بالقسط }؛ أي ~~وفي (أن تقوموا لليتامى بالقسط) في أموالهم وحقوقهم ~~بالعدل. # قوله تعالى: { وما تفعلوا من خير فإن الله ~~كان به عليما }؛ أي ما تفعلوا من خير في أمر ~~اليتامى والضعاف؛ { فإن الله كان به عليما } ~~يجزيكم على ذلك. # واختلف أهل النحو في موضع { وما يتلى عليكم } فذهب ~~أكثرهم إلى أنه موضع رفع؛ تقديره: وما يتلى عليكم ~~في الكتاب يفتيكم. وقال بعضهم: هو في موضع خفض تقديره: وفي ~~ما يتلى عليكم، إلا أن هذا الوجه أضعف من الأول؛ لأنه لا ~~يصح عطف الظاهر على المضمر بحرف الجر من دون إعادة حرف الجر. ### || [4.128] # قوله عز وجل: { وإن امرأة خافت من بعلها ~~نشوزا أو إعراضا فلا جناح عليهمآ أن يصلحا ~~بينهما صلحا }؛ الآية نزلت في خويلة ابنة محمد بن ~~مسلمة وفي زوجها سعد بن الربيع؛ تزوجها وهي شابة؛ فلما ~~علاها الكبر جفاها وتزوج عليها شابة آثرها عليها، ~~فشكت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فنزلت هذه الآية، هذا ~~قول الكلبي وجماعة من المفسرين. # وقال سعيد بن جبير: (كان رجل له امرأة قد كبرت؛ ~~وكان لها ستة أولاد، فأراد أن يطلقها ~~ويتزوج عليها، فقالت: لا تطلقني ودعني على ~~أولادي؛ واقسم لي في كل شهرين أو أكثر إن شئت، ~~وإن شئت لا تقسم، فقال: إن كان يصلح ذلك فهو ~~أحب إلي، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ~~ذلك، فأنزل الله هذه الآية). # ومعناها: { وإن امرأة خافت } أي علمت من زوجها بغضا، ~~أو إعراضا بوجهه عنها لإيثار غيرها عليها. قال الكلبي: ~~(يعني: ترك مجامعتها ومضاجعتها ومجالستها ~~ومحادثتها؛ فلا جناح على الزوج والمرأة أن ~~يصالحا بينهما صلحا معلوما بتراضيهما؛ وهو أن ~~يقول لها الزوج: إنك امرأة قد دخلت في السن؛ ~~وأنا أريد أن أتزوج عليك امرأة شابة أوثرها ~~عليك في القسم لها لشبابها أو أزيد في نصيبها من ~~القسم، فإن رضيت وألا سرحتك بالأحسن وتزوجت ~~أخرى. فإن رضيت بذلك فهي المحسنة، وحل للزوج ms0568 ~~ذلك). # كما روي # " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه طلق امرأته ~~سودة؛ فسألته لوجه الله أن يراجعها وتجعل ~~يومها لعائشة ففعل " # ومثل هذا الصلح لا يقع لازما؛ لأنها إذا أبت بعد ذلك إلى ~~المقاسمة على السؤال كان لها ذلك. # قوله تعالى: { والصلح خير }؛ أي خير من الإقامة على ~~النشوز. وقيل: خير من الفرقة. ودخول حرف الشرط على ~~الاسم في قوله تعالى: { وإن امرأة } فعلى تقدير فعل ~~مضمر؛ أي: وإن خافت امرأة خافت، أو على التقديم ~~والتأخير، كأنه قال: وإن خافت امرأة من بعلها نشوزا، ~~وعلى هذا قوله تعالى: # إن امرؤ هلك # [النساء: 176]، # وإن أحد من المشركين استجارك # [التوبة: 6] وهذا لا يكون إلا في الفعل الماضي؛ كما يقال: إن الله ~~أمكنني ففعلت كذا، فأما في المستقبل فيصح أن يفرق بين ~~التي للجزاء وبين لفظ الاستقبال، فيقال: إن امرأة تخف؛ لأن ~~(إن) تحرم المستقبل فلا يفصل بين العامل والمعمول. # قوله تعالى: { وأحضرت الأنفس الشح }؛ أي جبلت ~~الأنفس على الشح، فشح المرأة الكبيرة منعها من الرضا ~~بدون حقها، وترك بعض نصيبها من الرجل لغيرها، وشح الرجل ~~بنصيبه من الشابة يمنعه من توقير نصيب الكبيرة من القسم ~~عليها. قوله تعالى: { وإن تحسنوا وتتقوا }؛ أي إن ~~تحسنوا العشرة وتتقوا الظلم على النساء؛ { فإن الله ~~كان بما تعملون خبيرا }؛ من الإحسان والجود، عالما ~~بخير عملكم، والسوء فيجزيكم على ذلك. ### || [4.129] # قوله تعالى: { ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين ~~النسآء ولو حرصتم }؛ أي ولن تقدروا أن تساووا بين ~~النساء ولو اجتهدتم في العدل، كما روي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول: # " اللهم إن هذا قسمي فيما أملك؛ فلا تؤاخذني ~~بما لا أملك " # وأراد به التسوية والمحبة. # قوله تعالى: { فلا تميلوا كل الميل فتذروها ~~كالمعلقة }؛ أي لا تميلوا إلى الشابة والجميلة بالفعل ~~كل الميل في النفقة والقسمة والإقبال عليها، فتتركوا العجوز بغير ~~قسمة كالمنبوذة والمحبوسة لا أيم ولا ذات بعل. وعن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من ms0569 كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما؛ جاء ~~يوم القيامة وأحد شقيه مائل " # قوله تعالى: { وإن تصلحوا وتتقوا }؛ أي وإن ~~تصلحوا ما أفسدتموه بإفراد الميل، فتعدلوا في القسمة ~~بينهن، وتتقوا الجور والعقوبة فيه، { فإن الله كان ~~غفورا رحيما }؛ لما سلف منكم من الظلم عليهن ~~رحيما بكم بعد التوبة. ### || [4.130] # قوله عز وجل: { وإن يتفرقا يغن الله كلا ~~من سعته }؛ أي معناه: أن الزوج والمرأة إذا تفرقا دون ~~ترك حقوق الله التي أوجبها عليهما؛ أغنى الله كلا من سعته ~~من رزقه؛ الزوج بامرأة أخرى، والمرأة بزوج آخر؛ { وكان الله ~~واسعا }؛ لهما في النكاح؛ { حكيما }؛ حكم على الزوج ~~بالإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان. وقيل: معناه: وكان الله ~~واسع الملك جوادا لا يعجزه شيء، وحكمه فيما يحكم ~~من الفرقة يجعل لكل واحد منهما من يسكن إليه ويتسلى به ~~عن الأول. # ومن حكم هذه الآية: أن الرجل إذا قسم لنسائه لا يجب عليه ~~وطئ واحدة منهن؛ لأن الوطء لذة له فهي حقه، فإذا تركه لم ~~يجبر عليه، وليس هو كالمقام والنفقة. وعماد القسم الليل، ~~ولا يجامع المرأة في غير يومها، ولا يدخل بالليل على التي لم ~~يقسم لها، ولا بأس أن يدخل عليها بالنهار في حاجة ويعودها في ~~مرضها في ليلة غيرها، فإن فعلت فلا بأس أن يقيم حتى تشفى أو ~~تموت، فإن أراد أن يقسم ليلتين ليلتين أو ثلاثا ثلاثا كان ~~له ذلك. ### || [4.131] # قوله عز وجل: { ولله ما في السموت وما في ~~الأرض }؛ كلهم عبيده وإماؤه، { ولقد وصينا ~~الذين أوتوا الكتاب من قبلكم }؛ أي أمرنا أهل ~~التوراة في التوراة، وأهل الإنجيل في الإنجيل، وأهل كل كتاب ~~في كتابهم، { وإياكم } أي ووصيناكم يا أمة محمد في ~~كتابكم؛ { أن اتقوا الله }؛ وأطيعوه في النساء واليتامى ~~وأحكامهم. # قوله تعالى: { وإن تكفروا }؛ أي وإن تجحدوا وصية ~~الله سبحانه وتعالى فلم تعملوا بها، { فإن لله ما ~~في السموت }؛ من الملائكة، { وما في الأرض }؛ من ~~الجن والإنس وسائر الخلق، { وكان الله غنيا }؛ عن ~~عبادتكم، لا يضره كفر من كفر ms0570 منكم، ولا ينفعه طاعة من ~~أطاع منكم، { حميدا }؛ محمودا في ذاته وفي خواص ملائكته ~~وعباده، حمدتموه أو لم تحمدوه. وقيل: حامدا لمن ~~وحده وأطاعه. ### || [4.132] # قوله عز وجل: { ولله ما في السموت وما في ~~الأرض }؛ تنبيه بعد تنبيه؛ كأنه تعالى نبههم عن ~~غفلتهم بأنه حفيظ على أعمالهم كي يتحفظوا ولا ~~يتهاونوا لما أمروا من أمر الله تعالى، وليس شيء من هذه ~~الألفاظ تكرار في كتاب الله تعالى، ولكن كل واحد منها ~~مقرون بفائدة جديدة، والفائدة في قوله تعالى: { ولله ~~ما في السموت وما في الأرض } بأنها الأمر بالاتكال ~~على الله تعالى، والثقة به وتفويض الأمور إليه، ولذلك ~~عقبه بقوله تعالى: { وكفى بالله وكيلا }؛ أي حافظا ~~لأعمالكم كفيلا بأرزاقكم. ### || [4.133] # قوله تعالى: { إن يشأ يذهبكم أيها الناس ~~ويأت بآخرين }؛ أي كما يملك الموجود من السموات والأرض ~~يملك أيضا الاستبدال بإفناء الخلق وإنشاء الآخرين. وقيل: ~~هو خطاب للكفار؛ لأنه تعالى قال من قبل: { إن تكفروا } فكأنه ~~قال: إن يشأ يذهبكم أيها الكفار ويأت بقوم ~~آخرين أطوع منكم، { وكان الله على ذلك قديرا }؛ ~~وكان الله على إهلاككم وخلق غيركم قادرا. ### || [4.134] # قوله عز وجل: { من كان يريد ثواب الدنيا ~~فعند الله ثواب الدنيا والآخرة }؛ أي من كان يريد ~~بعمله منفعة الدنيا، فليعمل لله ولا يقتصر على طلب ~~الدنيا، فإن ثواب الدنيا واصل إلى البر والفاجر، والمؤمن ~~والكافر، ولكن ليتكلف طلب الآخرة التي لا تنال إلا بالعمل، { ~~وكان الله سميعا }؛ لكلام عباده، { بصيرا }؛ بما في ~~قلوبهم، وفي الآية تهديد للمنافقين المرائين. وفي الحديث: # " إن في النار واديا تتعوذ منه جهنم كل يوم ~~أربعمائة مرة أعد للقراء المرائين " # وقيل: معنى الآية: من كان يريد بعمله عوضا من الدنيا ولا ~~يريد به وجه الله؛ أثابه الله عليه من عرض الدنيا ما ~~أحبه؛ ودفع منه فيها ما أحب. ### || [4.135] # قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا كونوا ~~قومين بالقسط شهدآء لله ولو على أنفسكم ~~أو الولدين والأقربين }؛ أي قوموا بالعدل وقولوا ~~الحق، والقوام بالقسط المستعمل له على حسب ms0571 ما يجب من ~~إنصافه من نفسه، وإنصاف كل مظلوم من ظالمه، ومنع كل ظالم من ~~ظلمه، ولفظ القوام لا يكون إلا للمبالغة. # والقسط والإقساط: العدل، يقال: أقسط الرجل إقساطا ~~إذا عدل، وأتى بالقسط وقسط يقسط قسطا إذا جار، قال ~~الله تعالى: # وأقسطوا إن الله يحب المقسطين # [الحجرات: 9] أي اعدلوا، وقال تعالى: # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا # [الجن: 15] أي الجائرون. # وقوله تعالى: { شهدآء لله } نصب على أحد ثلاثة ~~أوجه؛ أحدها: أنه خبر ثان، كما يقال: هذا حلو حامض. ~~والثاني: على الحال، كما يقال: هذا زيد راكبا. والثالث: على أنه ~~صفة القوامين، فإن قوامين نكرة، وشهداء نكرة، ~~والنكرة تنعت بالنكرة. ومعنى { شهدآء لله } أي شهدوا ~~بالحق لله على ما كان من قريب أو بعيد. # وقيل: معنى الآية: كونوا قوامين بالعدل في الشهادة على ~~من كانت ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين في ~~الرحم؛ فأقيموها عليهم لله ولا تخافوا غنيا لغناه، ولا ~~ترحموا فقيرا لفقره؛ فذلك قوله تعالى: { إن يكن ~~غنيا أو فقيرا }؛ أي فلا تتركوا الحق. # قوله تعالى: { ولو على أنفسكم } أي قولوا الحق ~~ولو على أنفسكم، والشهادة على النفس إقرار. قوله ~~تعالى: { أو الولدين والأقربين } أي على والديكم ~~وعلى أقربائكم، وفي هذا بيان أن شهادة الابن على الوالدين لا تكون ~~عقوقا، ولا يحل للابن الامتناع عن الشهادة على أبويه؛ ~~لأن في الشهادة عليهما بالحق منعا لهما عن الظلم. # قوله تعالى: { إن يكن غنيا أو فقيرا فالله ~~أولى بهما }؛ معناه: إن يكن المشهود عليه غنيا أو فقيرا ~~فالله أحق بالغني والفقير من عباده من أحدهم بوالديه ~~وقراباته وأرحم وأرأف، فأقيموا الشهادة لله، لا تميلوا في ~~الشهادة رحمة للفقير، ولا تقصدوا إقامتها لاحتمال غنى الغني؛ أي ~~لأجل غناه، وعن هذا قال صلى الله عليه وسلم: # " أنصر أخاك ظالما أو مظلوما " قيل: يا رسول الله؛ ~~كيف ينصره ظالما؟ قال: " أن ترده عن ظلمه ~~فإن ذلك نصره ". # قوله تعالى: { فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا }؛ ~~معناه: ولا تتبعوا الهوى لتعدلوا، وهذا كما يقال: لا تتبع ~~الهوى ms0572 لرضى ربك. ويقال: معناه: لا تتبعوا أن لا ~~تعدلوا، ويقال: كراهة أن تعدلوا، وهذا كقوله تعالى: # يبين الله لكم أن تضلوا # [النساء: 176] ويقال: معنى تعدلوا: تميلوا من الحق إلى ~~الهوى. # قوله تعالى: { وإن تلووا أو تعرضوا }؛ من قرأ ~~(تلووا) بواوين فمعناه: أن تماطلوا في إقامة الشهادة ~~وتقلبوا اللسان لتفسدوا الشهادة، أو تعرضوا عن إقامة ~~الشهادة مأخوذ من لوى فلان في دينه؛ أي دافع، ومنه ~~قوله صلى الله عليه وسلم: # " لي الواجد ظلم " # والمعنى: (إن تلووا) اللسان لتحرفوا الشهادة لتبطلوا ~~الحق، وتعرضوا عنها فتكتموها ولا تقيموها عند الحكام، { ~~فإن الله كان بما تعملون } ، من إقامتها وكتمانها، { ~~خبيرا }. # ومن قرأ (تلوا) بواو واحدة فهو من الولاية، معناه: إن أقمتم ~~الشهادة وأعرضتم، وعن ابن عباس: (أن المراد بالآية: ~~القاضي؛ يتقدم إليه الخصمان، فيعرض عن ~~أحدهما ويدافع في إمضاء الحق؛ أو لا يسوي ~~بينهما في المجلس والنظر والإشارة). ولا يمنع ~~أن يكون المراد بالآية القاضي والشاهد وعامة الناس؛ لاحتمال ~~اللفظ للجميع. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال عند نزول هذه ~~الآية: # " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقم ~~شهادته على من كانت، ومن كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فلا يجحد حقا هو عليه؛ ~~وليؤديه عفوا ولا يلجؤه إلى سلطان وخصومة ~~فليقطع بها حقه. وأيما رجل خاصم إلي فقضيت ~~له على أخيه بحق ليس عليه فلا يأخذ به؛ ~~فإنما أقطع له قطعة من نار جهنم " ### || [4.136] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا آمنوا ~~بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله ~~والكتاب الذي أنزل من قبل }؛ قال الكلبي عن أبي صالح ~~عن ابن عباس: # " نزلت هذه الآية في عبدالله بن سلام؛ وأسد بن ~~كعب وأخيه أسيد؛ وثعلبة بن قيس؛ وسلام ابن ~~أخت عبدالله بن سلام؛ وسلمة ابن أخيه؛ ويامين ~~بن يامين، فهؤلاء مؤمنو أهل الكتاب، أتوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله؛ إنا نؤمن ~~بك وبكتابك وبموسى والتوراة وبعزير، ونكفر بما ~~سواه من الكتب والرسل، فقال رسول الله ms0573 صلى الله عليه ~~وسلم: " بل آمنوا بالله وبرسوله محمد وبالرسل ~~كلهم وبكتابه القرآن وبكل كتاب أنزله الله " ~~قالوا: لا نفعل، فأنزل الله هذه الآية ". # ومعناها: { يا أيها الذين آمنوا } بمحمد والقرآن ~~وموسى والتوراة { آمنوا بالله ورسوله } محمد { ~~والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي ~~أنزل من قبل } يعني الكتب المتقدمة التوراة ~~والإنجيل والزبور وسائر الكتب المنزلة، { ومن ~~يكفر بالله وملآئكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا }؛ أي أخطأ خطأ بعيدا، ~~فلما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله؛ إنا ~~نؤمن بالله وبرسوله والقرآن؛ وكل كتاب كان ~~قبل القرآن؛ وكل رسول كان من قبل؛ والملائكة ~~واليوم الآخر لا نفرق بين أحد منهم، كما فرقت ~~اليهود والنصارى. # ومعنى الآية: يا أيها الذين آمنوا بموسى والتوراة وعيسى ~~والإنجيل آمنوا بمحمد والقرآن. قال أبو العالية وجماعة ~~من المفسرين: (هذه الآية خطاب للمؤمنين، ~~وتأويلها: يا أيها الذين آمنوا آمنوا؛ أي ~~أقيموا واثبتوا على الإيمان). وقال بعضهم: إنها خطاب ~~للمنافقين؛ ومعناها: يا أيها الذين آمنوا في الملأ آمنوا في ~~الخلاء. وقوله تعالى: { ومن يكفر بالله ~~وملآئكته وكتبه ورسله } أي من يجحد بوحدانية ~~الله تعالى وبملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت؛ فقد ~~أخطأ خطأ بعيدا عن الحق والصواب. ### || [4.137] # قوله عز وجل: { إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم ~~آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا }؛ اختلف ~~المفسرون في هذه الآية، فقيل: إن المراد بهم اليهود. قال ~~الكلبي: (آمنوا بموسى؛ ثم كفروا بعد موته، ثم ~~آمنوا بعزير عليه السلام، ثم كفروا بعد عزير ~~بعيسى عليه السلام، ثم ازدادوا كفرا بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم والقرآن). وقال مقاتل: (آمنوا بموسى عليه السلام، ~~ثم كفروا بعد موته، ثم آمنوا بعيسى عليه السلام، ~~ثم كفروا بعد ما رفع إلى السماء، ثم أقاموا ~~على كفرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن). ~~وقيل: آمنوا بموسى عليه السلام، ثم كفروا بعده بعيسى عليه ~~السلام، ثم كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، ثم ~~كفروا به بعد ما بعث، ثم أقاموا على ms0574 كفرهم. وقال قتادة: (آمن ~~اليهود بموسى ثم كفروا به بعبادة العجل، ثم ~~آمنوا بالتوراة، ثم كفروا بعد ذلك بعيسى، ثم ~~ازدادوا كفرا بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم). # قوله تعالى: { لم يكن الله ليغفر لهم }؛ أي ما ~~داموا على كفرهم؛ { ولا ليهديهم سبيلا }؛ أي ولا ~~يوفقهم طريقا إلى الإسلام، ولكن يخذلهم مجازاة لهم ~~على كفرهم. فإن قيل: إن الله لا يغفر كفر مرة؛ فما ~~الفائدة في قوله { ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا }؟ ~~قيل: إن الكافر إذا آمن غفر له كفره، فإذا كفر بعد ~~إيمانه لم يغفر له كفره الأول، وهو مطالب بجميع ~~كفره. ### || [4.138] # قوله تعالى: { بشر المنافقين بأن لهم عذابا ~~أليما }؛ خوف المنافقين عبدالله بن أبي وأصحابه، ومن ~~يكون على سبيلهم إلى يوم القيامة بأن لهم عذابا وجيعا يخلص ~~وجعه إلى قلوبهم. ### || [4.139] # قوله عز وجل: { الذين يتخذون الكافرين ~~أوليآء من دون المؤمنين }؛ أي هم الذين يتخذون اليهود ~~أحباء في العون والنصرة من دون المؤمنين المخلصين الموحدين. ~~قوله تعالى: { أيبتغون عندهم العزة }؛ هذا ~~استفهام بمعنى الإنكار؛ أي كيف يطلبون عند الكفار العزة وهم ~~أذلاء في حكم الله تعالى: { فإن العزة لله جميعا }؛ ~~أي فإن القوة والمنعة لله جميعا، فمن أراد طلب العزة ~~فليطلبها من الله تعالى؛ لأنه المقدر بجميع من له العزة من ~~خلقه لجميع العزة له. ### || [4.140] # قوله عز وجل: { وقد نزل عليكم في الكتب أن ~~إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها ~~فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره }؛ ~~أي قد نزل عليكم في القرآن سورة الأنعام بمكة ~~أن سمعتم آيات الله يجحد بها، ويسخر منها فلا ~~تجلسوا معهم حتى يكون خوضهم في حديث غير القرآن، ~~وأراد بذلك المذكور في الأنعام قوله تعالى: # وإذا رأيت الذين يخوضون في ءاياتنا فأعرض ~~عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره # [الأنعام: 68]. # قوله تعالى: { إنكم إذا مثلهم }؛ أي من جالسهم ~~راضيا بما هم عليه من الكفر والاستهزاء بآيات الله فهو ~~مثلهم في الكفر؛ لأن الرضا بالكفر والاستهزاء كفر، ومن ms0575 ~~جلس معهم ساخطا لذلك منهم لم يكفر، ولكنه يكون عاصيا ~~بالقعود معهم؛ فيكون معنى قوله تعالى: { إنكم إذا مثلهم ~~} أي في أصل العصيان وإن لم تبلغ معصية المؤمنين معصية ~~الكفار، إذا لم يكن جلوس المؤمنين معهم لإقامة فرض أو سنة، ~~أما إذا كان جلوسه هنالك لإقامة عبادة وهو ساخط لتلك الحال لا ~~يقدر على تغييرها، فلا بأس بالجلوس. كما روي عن الحسن: (أنه حضر ~~هو وابن سيرين جنازة وهناك نوح؛ فانصرف ابن ~~سيرين؛ فذكر ذلك للحسن فقال: إنا كنا متى ~~رأينا باطلا تركنا حقا؛ أشرع ذلك في ديننا!). # قوله تعالى: { إن الله جامع المنفقين ~~والكفرين في جهنم جميعا }؛ أي يجمعهم في جهنم ~~مجازاة لهم لاجتماعهم في الدنيا للاستهزاء، فمن شاء لا يكون معهم ~~في جهنم فلا يكون معهم في الدنيا. ### || [4.141] # قوله تعالى: { الذين يتربصون بكم }؛ أي هم الذين ~~ينتظرون بكم الدوائر، ويرامون أحوالكم يعني المنافقين، ~~والمتربص للشيء: هو المتوقع لأسبابه، ويسمى ~~المحتكر متربصا لتوقعه غلاء السعر. # قوله تعالى: { فإن كان لكم فتح من الله }؛ أي ~~اذا كان لكم ظفر ودولة وغنيمة، { قالوا ألم نكن ~~معكم }؛ أي قال المنافقون: ألم نكن معكم على دينكم ~~فأعطونا من الغنيمة، { وإن كان للكافرين نصيب }؛ أي ~~ظهور على المسلمين؛ { قالوا ألم نستحوذ عليكم ~~ونمنعكم من المؤمنين }؛ أي قال المنافقون: ألم ~~نخبركم بعزيمة محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ~~ونطلعكم على سرهم ونكتب ذلك إليكم ونحذركم عنهم ~~ونجبهم عنكم ونواليكم، { فالله يحكم بينكم يوم ~~القيامة }؛ فالله يقضي بين المؤمنين والمنافقين والكفار { ولن ~~يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا }؛ أي لم ~~يجعل الله لليهود ظهورا على المؤمنين. # وقيل السبيل: الحجة، ولن يجعل الله للكافرين من اليهود ~~وغيرهم حجة على المسلمين في الدنيا والآخرة، وقيل: معنى ~~السبيل: الدولة الدائمة. وقيل: معناه: لن يدخل ~~الله الكافرين الجنة؛ فيقولون للمؤمنين: ما أغنى عنكم تعبكم في ~~الدنيا، وما ضرنا كفرنا بعد أن تساوينا. ### || [4.142] # قوله عز وجل: { إن المنافقين يخادعون الله ~~وهو خادعهم }؛ أي يخادعون أولياء الله بإظهارهم الإيمان ~~وإبطانهم ms0576 الكفر؛ ليحقنوا بذلك دماءهم ويشاركوا المسلمين في ~~غنائمهم، وجعل الله مخادعة أوليائه مخادعة له كما قال تعالى # إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله # [الفتح: 10]. # قوله تعالى: { وهو خادعهم } أي مجازيهم جزاء ~~أعمالهم؛ وذلك أنهم على الصراط يعطون نورا كما يعطى ~~المؤمنون؛ فإذا مضوا به على الصراط طفئ نورهم، ويبقى المؤمنون ~~ينظرون بنورهم، فينادون المؤمنين: أنظرونا نقتبس من نوركم، ~~فيناديهم الملائكة على الصراط: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا، وقد ~~علموا أنهم لا يستطيعون الرجوع، قال: فيخاف المؤمنون حينئذ أن ~~يطفأ نورهم، فيقولون: ربنا أتمم لنا نورنا، واغفر لنا ~~إنك على كل شيء قدير. # قوله تعالى: { وإذا قاموا إلى الصلاة }؛ يعني ~~المنافقين؛ { قاموا كسالى }؛ أي متثاقلين لا يريدون بها ~~وجه الله تعالى، { يرآءون الناس }؛ ولا يريدون الصلاة إلا ~~مراءة للناس خوفا منهم، { ولا يذكرون الله إلا ~~قليلا }؛ أي لا يصلون لله إلا قليلا رياء وسمعة، ولو ~~كانوا يريدون بذلك القليل وجه الله لكان كثيرا. ### || [4.143] # قوله تعالى: { مذبذبين بين ذلك }؛ نصب على الذم؛ ~~ومعناه: مترددين بين كفر السر وإيمان العلانية، ~~ليسوا من المؤمنين فيجب لهم ما يجب للمسلمين؛ وليسوا من الكفار ~~فيجب عليهم ما يجب على الكفار. وقيل: معناه: متحيرين ~~بين الكفر والإيمان، { لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ~~}؛ أي ليسوا من المؤمنين فيجب عليهم ما يجب عليهم، وليسوا من ~~الكفار فيؤخذ منهم ما يؤخذ من الكفار؛ أي ما هم بمؤمنين مخلصين، ~~ولا مشركين مصرحين بالشرك. # وكان صلى الله عليه وسلم يضرب مثلا للمؤمنين ~~والمنافقين والكافرين كمثل ثلاثة دفعوا إلى ~~نهر؛ فقطعه المؤمن؛ ووقف الكافر؛ ونزل فيه ~~المنافق، حتى إذا توسطه عجز؛ فناداه الكافر: ~~هلم إلي لا تغرق، وناداه المؤمن: هلم إلي ~~لتخلص. فما زال المنافق يتردد بينهما حتى ~~إذا أتى عليه ماء فغرقه، فكان المنافق لم يزل ~~في شك حتى يأتيه الموت. قوله تعالى: { ومن ~~يضلل الله فلن تجد له سبيلا }؛ أي من يخذله الله ~~عن الهدى، فلن تجد له يا محمد طريقا إلى الهدى. ### || [4.144] # قوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا ms0577 لا تتخذوا ~~الكافرين أوليآء من دون المؤمنين }؛ أي لا تفعلوا ~~أيها الؤمنون كفعل المنافقين، { أتريدون أن تجعلوا لله ~~عليكم سلطانا مبينا }؛ أي أتريدون أن تجعلوا لله ~~عليكم حجة ظاهرة توجب العقوبة عليكم في الدنيا والآخرة. ~~والسلطان في اللغة: هو الحجة؛ يقال للأمير: سلطان؛ ~~يراد بذلك أنه حجة. ### || [4.145] # قوله عز وجل: { إن المنافقين في الدرك ~~الأسفل من النار }؛ أي في الطبق الأسفل؛ وهي الهاوية ~~لمكرهم وخيانتهم للنبي صلى الله عليه وسلم مع إبطان الكفر، ~~قال أبو عبيد: (جهنم أدراك منازل، كل منزلة منه ~~درك). ومن قرأ (الدرك) بإسكان الراء، وهو لغة؛ وأكثر القراء ~~على فتحها. والدركات في النار مثل الدرجات في الجنة، كل ما ~~كان من درجات الجنة أعلى؛ فثواب من فيه أعظم، وما كان من ~~دركات النار أسفل؛ فعقاب من فيه أشد. وسئل ابن مسعود عن ~~الدرك الأسفل؛ فقال: (هو توابيت من حديد؛ مبهمة ~~عليهم لا أبواب لها). # قوله تعالى: { ولن تجد لهم نصيرا }؛ أي مانعا يمنع ~~عنهم العذاب، وعن عبدالله بن عمر؛ (أن أشد الناس عذابا ~~يوم القيامة ثلاثة: المنافقون؛ ومن كفر من ~~أصحاب المائدة؛ وآل فرعون). قال الله تعالى في أصحاب ~~المائدة: # فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من ~~العالمين # [المائدة: 115] وقال: # أدخلوا آل فرعون أشد العذاب # [غافر: 46] وقال: { إن المنافقين في الدرك الأسفل ~~من النار }. # فإن قيل: ما وجه التوفيق بين هذه الآية وبين قوله تعالى: # أدخلوا آل فرعون أشد العذاب # [غافر: 46]؟ قيل: لا يمتنع أن يجتمع القوم في موضع واحد ويكون ~~عذاب بعضهم أشد من عذاب بعض، ألا ترى أن البيت الداخل في ~~الحمام يجتمع فيه الناس، فيكون بعضهم أشد أذى بالنار؛ لكونه ~~أدنى إلى موضع الوقود. وكذلك يجتمع القوم في القعود في الشمس، ~~ويتأذى الصفراوي منها أشد وأكثر من تأذي السوداوي. # والمنافق في اللغة: مأخوذ من النفق؛ وهو السرب؛ أي استتر ~~بالإسلام كما يستتر الرجل بالسرب. وقيل: هو مأخوذ من ~~قولهم: نافق اليربوع؛ إذا دخل نافقاءه؛ فإذا طلب من ~~النافقاء خرج من النافقاء؛ والنفقاء؛ ms0578 والقاصعة؛ ~~والراهطاء؛ والداماء حجرة اليربوع. ### || [4.146] # قوله عز وجل: { إلا الذين تابوا وأصلحوا ~~واعتصموا بالله }؛ أي إلا الذين تابوا من النفاق، ~~وأصلحوا العمل فيما بينهم وبين ربهم وتمسكوا بتوحيد الله ودينه، { ~~وأخلصوا دينهم }؛ وأخلصوا توحيدهم وعملهم، { لله }؛ أي ~~أخلصوا ذلك من شوب الرياء، وطلب عرض الدنيا، { ~~فأولئك مع المؤمنين }؛ في الجنة والثواب، لا يضرهم ~~النفاق السابق إذا أصلحوا وتابوا. قوله عز وجل: { ~~وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما }؛ وهو ~~الجنة. # ولما حذفت الياء من (يؤت) في الخط، كما حذفت في اللفظ ~~بسكونها وسكون اللام في اسم الله، فكذلك # سندع الزبانية # [العلق: 18] و # يدع الداع # [القمر: 6]. ويحتمل أن يكون معنى الآية: بيان زيادة الثواب لمن ~~يسبق منه كفر ولا نفاق، فذلك قوله تعالى: { وسوف يؤت ~~الله المؤمنين أجرا عظيما }. { وسوف } كلمة ~~ترجية وإطماع؛ وهي من الله سبحانه وتعالى إيجاب؛ لأنه ~~أكرم الأكرمين، ووعد الكريم إنجاز. ### || [4.147] # قوله تعالى: { ما يفعل الله بعذابكم إن ~~شكرتم وآمنتم }؛ يبين الله تعالى أن المنافقين هم ~~الذين أوقعوا أنفسهم في الدرك الأسفل من النار، واستحقوا ذلك ~~بنفاقهم، وإنه ليس في حكمة الله تعذيب من شكر وآمن، وإنما في ~~حكمته أن يجزي كل عامل بما عمل، فذلك قوله تعالى: { ~~ما يفعل الله بعذابكم } أي ما حاجته إلى تعذيبكم ~~أيها المنافقون إن وحدتم في السر وصدقتم في إيمانكم. # ويقال معنى: { إن شكرتم } نعم الله { وآمنتم } به ~~وبكتبه ورسله. وقيل: فيه تقديم وتأخير؛ أي إن آمنتم وشكرتم؛ ~~لأن الشكر لا يقع مع عدم الإيمان. وبين الله تعالى أن ~~تعذيب عباده لا يزيد في ملكه، وأن ترك عقوبتهم على فعلهم لا ~~ينقص من سلطانه. # قوله عز وجل: { وكان الله شاكرا عليما }؛ أي ~~شاكرا للقليل من أعمالكم؛ مثيبا عليها؛ يقبل اليسير؛ ويعطي ~~الجزيل عليها بأضعافها لكم؛ واحدة إلى عشرة إلى سبعمائة إلى ما شاء ~~الله من الأضعاف. والشكر من العبد: هو الاعتراف بالنعمة ~~الواصلة إليه مع صدق من التعظيم، والشكر من الله تعالى: هو ~~مجازاته العبد على طاعته. ### || [4.148] # قوله عز ms0579 وجل: { لا يحب الله الجهر بالسوء ~~من القول إلا من ظلم }؛ قال ابن عباس: (معناه: لا ~~يحب الله الجهر بالدعاء الشر على أحد إلا أن ~~يظلم فيه؛ فيدعو على ظالمه فلا يعاب على ذلك، ~~وهو مأذون له في أن يشكو ظالمه ويدعو عليه). # ويقال: { إلا من ظلم } استثناء منقطع؛ معناه: لكن المظلوم ~~يجهر بظلامته تشكيا. وفي تفسير الحسن: (لا يحب الله ~~المشتم في الانتصار إلا من ظلم، فلا بأس له أن ~~ينتصر ممن ظلمه بما يجوز له الانتصار به في ~~الدين). ونظيره قوله تعالى: # وانتصروا من بعد ما ظلموا # [الشعراء: 227]. قال الحسن: (لا يجوز للرجل " إذا قيل له ~~": يا زاني، أن يقول بمثل ذلك أو نحوه من أنواع ~~الشتم). وقال مجاهد: (نزلت هذه الآية في الضيف إذا ~~لم يضف ومنع حقه، فقد أذن له أن يشكو)، ~~والضيافة ثلاثة أيام. # ومن قرأ (إلا من ظلم) بنصب الظاء، فمعناه: لكن الظالم يجهر ~~بذلك ظلما واعتداء. وقيل: لكن الظالم إجهروا له بالسوء ~~من القول. قوله تعالى: { وكان الله سميعا عليما }؛ ~~أي { سميعا } لدعاء المظلوم؛ { عليما } بعقوبة الظالم. ~~ويقال: { سميعا } لجميع المسموعات؛ { عليما } لجميع المظلومات. ~~فقوله تعالى: { إلا من ظلم } في موضع نصب على الاستثناء ~~المنقطع. ### || [4.149] # قوله تعالى: { إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو ~~تعفوا عن سوء فإن الله كان عفوا قديرا }؛ معناه: ~~إن تظهروا خيرا أو تسروه أو تعفوا عن مظلمة ظلمتم ~~بها؛ فإن الله كان عفوا. العفو: كثير العفو من ~~غير حصر، والقدير والقادر بمعنى واحد؛ أي أن الله قادر على ~~العقوبة به، ثم يعفو عن عباده مع قدرته على الانتقام. وقيل: معنى ~~الآية: إن تردوا جوابا حسنا أو تسكتوا عن الظالم ولا ~~تحقروه ولا تؤاخذوه بظلمه؛ فإن يعف عن الظالم ذنوبه؛ فإن ~~عفو الله عن معاصيكم أكثر من عفوكم عمن ظلمكم. ### || [4.150] # قوله عز وجل: { إن الذين يكفرون بالله ~~ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ~~ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن ~~يتخذوا بين ذلك سبيلا }؛ نزلت هذه الآية ms0580 في اليهود ~~والنصارى؛ آمنت اليهود بموسى والتوراة؛ وكفرت بعيسى والإنجيل، ~~وآمنت النصارى بعيسى والإنجيل؛ وكفرت بموسى والتوراة وبمحمد ~~والقرآن؛ وكلهم كفر بمحمد والقرآن، فأعلم الله: ~~أن ليس من الإيمان بالبعض، والكفر بالبعض دين يتخذ ذلك ~~طريقا. ### || [4.151] # قوله عز وجل: { أولئك هم الكافرون حقا ~~وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا }؛ أي أهل هذه الصفة ~~هم الكافرون البتة، وانتصب قوله { حقا } على المصدر؛ ~~والفائدة في قوله: { حقا } بيان أن إيمانهم بالبعض لا ينفعهم، ~~ولا يسلب اسم الكفر عنهم. ### || [4.152] # قوله عز وجل: { والذين آمنوا بالله ورسله ~~ولم يفرقوا بين أحد منهم }؛ يعني في الإيمان ~~والتصديق؛ { أولئك سوف يؤتيهم أجورهم }؛ أي ~~ثوابهم، وسمي الثواب أجرا؛ لأنه مستحق كالأجرة، { وكان ~~الله غفورا رحيما }. ### || [4.153] # قوله عز وجل: { يسألك أهل الكتاب أن تنزل ~~عليهم كتابا من السمآء }؛ أي يسألك يا محمد كعب بن ~~الأشرف وجماعة من اليهود أن تنزل عليهم كتابا من ~~السماء جملة واحدة كما أنزلت التوراة على موسى، وهذا حين ~~قولوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لن نؤمن لك حتى تنزل ~~علينا كتابا نقرؤه. # قوله تعالى: { فقد سألوا موسى أكبر من ذلك }؛ ~~أي لا تعجب من مسألتهم إنزال الكتاب من السماء بعد أن جاءتهم ~~البينات على نبوتك، فإنهم سألوا موسى بعدما رأوا الآيات أعظم ~~من ذلك، { فقالوا أرنا الله جهرة }؛ أي معاينة ~~ظاهرة مكشفة؛ وهم السبعون الذين كانوا معه عند الجبل حين كلمه ~~الله، فسألوه أن يروا ربهم رؤية يدركونه بأبصارهم في الدنيا. ~~وقال أبو عبيد: (معنى الآية: قالوا جهرة أرنا الله) ~~فجعل جهرة صفة لقولهم؛ قال: (لأن الرؤية لا ~~تكون إلا جهرة). قوله تعالى: { فأخذتهم ~~الصاعقة بظلمهم }؛ أي أخذتهم النار عقوبة لهم بسؤالهم ~~موسى ما لم يستحقوه. # قوله تعالى: { ثم اتخذوا العجل من بعد ما ~~جآءتهم البينات }؛ أي عبدوا العجل من بعد ما جاءتهم ~~الدلالات على توحيد الله، وفي هذا بيان جهل اليهود ~~وتعنتهم وعنادهم، وأي جهل أعظم من اتخاذ العجل ~~إلها، بعد ظهور المعجزات وثبوت الآيات البينات. # قوله تعالى: { فعفونا عن ذلك ms0581 }؛ أي تجاوزنا عنهم ~~بعد توبتهم مع عظم جنايتهم وجريمتهم ولم نستأصلهم، دل ~~الله تعالى بذلك على سعة رحمته ومغفرته وتمام نعمته ~~ومنته، بين ذلك أنه لا جريمة تضيق عنها مغفرة الله، وفي هذا ~~منع من القنوط واستدعاء إلى التوبة. قوله تعالى: { ~~وآتينا موسى سلطانا مبينا }؛ أي أعطيناه حجة على من ~~خالفه بينة ظاهرة؛ وهي اليد والعصا. ### || [4.154] # قوله تعالى: { ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم ~~}؛ أي ورفعنا فوق رؤوسهم الجبل بإقرارهم بالله وبنبوة موسى، وذلك ~~حين أبوا قبول التوراة، فرفع الله فوقهم الطور، فقبلوها ~~فخروا سجدا، فرفع الله الطور عنهم. # قوله تعالى: { وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا }؛ ~~أي قلنا لهم: ادخلوا باب أريحيا إذا دخلتموها خاشعين لله ~~منحنية أصلابكم، فدخلوا زحفا وبدلوا ما قيل لهم. ويقال ~~أراد بالباب: الباب الذي عبدوا فيه العجل، أمرهم الله أن ~~يدخلوه بعد توبتهم عن عبادة العجل ساجدين لله عز وجل، ~~فيصير ذلك كفارة لعبادة العجل. # قوله تعالى: { وقلنا لهم لا تعدوا في السبت }؛ ~~أي قلنا لهم مع هذا أيضا: لا تستحلوا أخذ السمك في يوم ~~السبت. ومن قرأ (لا تعدوا) بتشديد الدال؛ فأصله: لا ~~تعتدوا؛ فأدغمت الدال في الدال وأقيم التشديد مقامه. ~~والقراءة بالتخفيف من عدا يعدو عدوانا. قوله تعالى: { ~~وأخذنا منهم ميثاقا غليظا } ، أي إقرارا وثيقا ~~شديدا يعني العهد الذي أخذه الله في التوراة فأبوا إلا ~~مضيا على المعصية وخروجا عن الطاعة استخفافا بأمر الله. ### || [4.155] # قوله عز وجل: { فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم ~~بآيات الله وقتلهم الأنبيآء بغير حق }؛ أي ~~فبنقضهم الميثاق الذي أخذ عليهم في التوراة وبجحدهم ~~القرآن والإنجيل وبما في التوراة من نعت الإسلام وصفة ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقتلهم الأنبياء بغير جرم، { ~~وقولهم قلوبنا غلف }؛ أي في أوعية لا تعي شيئا، ~~يقول الله تعالى: { بل طبع الله عليها بكفرهم }؛ أي ~~ليس كما قالوا، ولكن ختم الله على قلوبهم مجازاة على كفرهم، { ~~فلا يؤمنون إلا قليلا }؛ أي إلا إيمانا قليلا لا يجب ~~أن يسموا به مؤمنين، فذلك أنهم آمنوا ببعض الرسل والكتب ms0582 دون ~~البعض. # وقال الحسن: (في هذا تقديم وتأخير؛ معناه: بل طبع ~~الله عليها بكفرهم إلا قليلا فلا يؤمنون، ~~والمراد بالقليل عبدالله بن سلام ومن تابعه). ~~أما دخول (ما) في قوله تعالى { فبما نقضهم } فمعناه التأكيد؛ ~~كأنه قال: فبنقضهم العهد، وجواب قوله تعالى { فبما ~~نقضهم } مضمر في الآية؛ تقديره: فبما نقضهم ميثاقهم ~~لعناهم، هذا لأن أول الآية ذم على الكفر، ومن ذمه الله ~~فقد لعنه، يعني من ذمه على الكفر. ويقال: إن الجالب للباقي ~~قوله: { فبما } قوله تعالى من بعد # فبظلم من الذين هادوا # [النساء: 160] فقوله تعالى { فبظلم } بدل من { فبما نقضهم ~~} ، وجوابهما جميعا # حرمنا عليهم طيبات # [النساء: 160]. ### || [4.156] # قوله عز وجل: { وبكفرهم وقولهم على مريم ~~بهتانا عظيما }؛ عطف على ما تقدم؛ أي وبجحدهم عيسى ~~والإنجيل ومحمدا صلى الله عليه وسلم ورميهم مريم ~~بالزنا؛ وهو البهتان العظيم. # وذلك: أن عيسى عليه السلام استقبل رهطا من اليهود؛ ~~فقال بعضهم لبعض: قد جاء الساحر بن الساحرة؛ ~~والفاعل بن الفاعلة، فقذفوه وأمه، فلما سمع ~~بذلك عيسى، قال: اللهم أنت ربي وأنا عبدك؛ ~~بقدرتك خرجت وبكلمتك خلقتني، ولم أتهم من ~~تلقاء نفسي، اللهم العن من سبني وسب ~~والدتي. فاستجاب الله دعاءه ومسخ ذلك الرهط ~~الذين سبوه وسبوا أمه خنازير، وكانوا رموا ~~أمه بيوسف بن يعقوب بن مانان. ### || [4.157] # قوله تعالى: { وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ~~ابن مريم رسول الله }؛ قال ابن عباس: (وذلك أنه ~~لما مسخ الرهط الذين سبوا عيسى وأمه، فمسخ ~~الله من سبهما قردة وخنازير؛ فزعت اليهود ~~وخافت دعوته؛ فاجتمعوا على قتله؛ فثاروا إليه ~~ليقتلوه؛ فهرب منهم ودخل بيتا في سقفه ~~روزنة - أي كوة - فرفعه جبريل عليه السلام إلى ~~السماء؛ وأمر يهوديا ملك اليهود رجلا يقال له ~~طيطانوس أن يدخل البيت فيقتله؛ فدخل فلم ~~يجده، فألقى الله عليه شبه عيسى عليه السلام، ~~فلما خرج إلى أصحابه قتلوه وهم يظنون أنه ~~عيسى، ثم صلبوه. # فقال بعضهم: قتلناه، وقال بعضهم: إن وجهه ~~وجه عيسى وجسده جسد صاحبنا، فإن كان هذا عيسى ~~فأين صاحبنا؟ وإن كان ms0583 هذا صاحبنا فأين عيسى؟ ~~فاشتبه عليهم واختلفوا فيه، ثم بعث عليهم ~~طاطوس بن استيبانيوس الرومي فقتل منهم ~~مقتلة عظيمة). # وقوله تعالى: { رسول الله } قول الله خاصة لا قول ~~اليهود، وكانت اليهود تقول: عيسى بن مريم، قال الله تعالى: { ~~رسول الله } أي يعنون الذي هو رسول الله. # قوله تعالى: { وما قتلوه وما صلبوه ولكن ~~شبه لهم }؛ أي وما قتلوا عيسى وما صلبوه ولكن ألقى ~~الله على طيطانوس شبه عيسى فقتلوه؛ ورفع عيسى إلى ~~السماء. قال الحسن: (إن عيسى عليه السلام قال ~~للحواريين: أيكم يرضى أن يلقى عليه شبهي ~~فيقتل فيدخل الجنة؛ فقام رجل من الحواريين ~~فقال: أنا يا رسول الله، فألقى الله عليه شبه ~~عيسى؛ فقتل وصلب، ورفع الله عيسى إلى السماء). # قوله تعالى: { وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك ~~منه }؛ أي من قتله، قال الكلبي: (اختلافهم فيه: ~~أن اليهود قالوا: نحن قتلناه وصلبناه، وقال ~~طائفة من النصارى: بل نحن قتلناه وصلبناه، ~~فما قتله هؤلاء ولا هؤلاء، بل رفعه الله إليه ~~إلى السماء). # ويقال: إن الله تعالى لما ألقى شبه عيسى على طيطانوس ألقاه ~~على وجهه دون جسده، فلما قتلوا طيطانوس؛ نظروا إليه فإذا ~~وجهه وجه عيسى وجسده غير جسد عيسى، فقالوا: إن كان هذا عيسى، ~~فأين صاحبنا؟ وإن كان صاحبنا فأين عيسى؟ فقال الله تعالى: { ما ~~لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه ~~يقينا }؛ نعت كمصدر محذوف تقديره: وما علموه علما ~~يقينا. ### || [4.158] # قوله تعالى: { بل رفعه الله إليه }؛ أي بل ~~رفعه الله إلى السماء، وإنما سمى ذلك رفعا إليه؛ لأنه ~~رفع إلى موضع لا يملك فيه أحد شيئا إلا (الله). قوله عز ~~وجل: { وكان الله عزيزا حكيما }؛ قد ذكرنا معناه غير ~~مرة، وفائدة ذكره ها هنا: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى ~~على نجاة من يشاء، وبيان حكمته فيما فعل ويفعل وحكم ويحكم، ~~فلما رفع الله عيسى عليه السلام كساه الريش وألبسه النور ~~وقطع عنه شهوات المطعم والمشرب وطار مع الملائكة؛ فهو معهم ~~حول العرش فكأنه إنسيا ملكيا ms0584 سماويا أرضيا. قال وهب بن ~~منبه: (يبعث عيسى على رأس ثلاثين سنة، ورفعه ~~الله وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وكانت نبوته ~~ثلاث سنين). ### || [4.159] # قوله عز وجل: { وإن من أهل الكتاب إلا ~~ليؤمنن به قبل موته }؛ لما ذكر الله تعالى اختلاف ~~اليهود والنصارى في عيسى؛ بين بعده أن هذا الشك سيزول عن ~~كل كتابي، فقال تعالى: { وإن من أهل الكتاب إلا ~~ليؤمنن به } أي ما أحد من أهل الكتاب إلا ليؤمنن ~~بعيسى قبل أن يموت الكتابي يعني: إذا عاين اليهودي أمر ~~الآخرة وحضرته الوفاة؛ ضربت الملائكة وجهه ودبره؛ ~~وقالت: أتاك عيسى نبيا فكذبت به؛ فيؤمن حين لا ينفعه إيمانه، ~~ويقول للنصراني: أتاك عيسى عليه السلام نبيا فكذبت عبدالله ~~ورسوله، فزعمت أنه هو الله وابن الله، فيؤمن بأنه عبدالله حين ~~لا ينفعه إيمانه. # وقيل: معناه: قبل موت عيسى، وهذا قول الحسن وقتادة والربيع؛ ~~جعلوا هاتين الكنايتين في (به) و (موته) راجعين إلى عيسى عليه ~~السلام، والقول الأول هو قول عكرمة ومجاهد والسدي؛ جعلوا ~~الهاء في قوله (به) راجعة إلى عيسى، وفي قوله (موته) راجعة إلى ~~الكتابي الذي يؤمن به إذا عاين الموت، وهي رواية عن ابن عباس؛ ~~قالوا: (لا يموت يهودي ولا صاحب كتاب حتى يؤمن ~~بعيسى؛ وإن احترق أو غرق أو تردى أو سقط عليه ~~جدار أو أكله سبع أو أي ميتة كانت) حتى قيل ~~لابن عباس: (أرأيت إن خر من فوق بيت؟ قال: تكلم ~~به في الهوي؛ قيل له: رأيت لو ضربت عنق ~~أحدهم؟ قال: تلجلج به لسانه). يدل على صحة هذا ~~التأويل قراءة أبي (قبل موتهم). # قال شهر بن الحوشب: (قال لي الحجاج يوما: إن آية ~~من كتاب الله ما قرأتها إلا تلجلج لي في نفسي ~~منها شيء، قلت: وما هي؟ قال: { وإن من أهل ~~الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته } وإني ~~لأوتى بالأسير من اليهود والنصارى فأضرب عنقه، ~~فما أسمعه يقول شيئا. # قلت: إن اليهودي إذا حضره الموت؛ ضربت ~~الملائكة وجهه ودبره؛ وتقول له: يا عدو الله؛ ms0585 ~~أتاك عيسى عبدا نبيا فكذبت به، فيقول: إني ~~آمنت به إنه عبد نبي، فيؤمن به حين لا ينفعه ~~إيمانه، وتقول الملائكة للنصراني: يا عدو ~~الله؛ أتى عيسى عبدا نبيا فكذبت به وقلت: إنه ~~الله وابن الله، فيقول: إنه عبد الله ورسوله حين ~~لا ينفعه إيمانه. # قال الحجاج: ومن حدثك بهذا الحديث؟ قلت: ~~حدثني به محمد بن الحنفية، قال: - وكان ~~متكئا فجلس - ثم نكث في الأرض بقضيبة ساعة، ~~ثم رفع رأسه إلي وقال: أخذتها من عين ~~صافية، أخذتها من معدنها. # قال الكلبي: فقلت لشهر بن حوشب: وما الذي ~~أردت بقولك للحجاج: حدثني بذلك ابن الحنفية ~~وهو يكرهه، ويكره من جاء من قبله؟ قال: أردت ~~أن أغيظه). # وحجة من قال: إن الهاء في قوله { موته } راجعة إلى عيسى: ~~ما روي في الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أنا أولى الناس بعيسى؛ لأنه لم يكن بيني ~~وبينه نبي، ويوشك أن ينزل فيكم حكما عدلا، ~~فإذا رأيتموه فاعرفوه، فإنه رجل مربوع الخلق ~~إلى الحمرة والبياض، كأن رأسه يقطر وإن لم ~~يصبه بلل، فيقتل الخنزير؛ ويريق الخمر؛ ~~ويكسر الصليب؛ ويذهب السحرة؛ ويقاتل الناس ~~على الإسلام؛ وتكون السجدة واحدة لله رب ~~العالمين، ويهلك الله في زمانه مسيح الضلالة ~~الكذاب الدجال؛ حتى لا يبقى أحد من أهل الكتاب ~~وقت نزوله إلا يؤمن به، وتقع الأمنة في زمانه ~~حتى ترتع الإبل مع الأسود؛ والبقر مع النمور؛ ~~والغنم مع الذئاب، ويلعب الصبيان بالحيات، لا ~~يؤذي بعضهم بعضا، ثم يلبث في الأرض أربعين ~~سنة ثم يموت، ويصلي عليه المسلمون ويدفنوه ~~" # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن المسيح جاء، فمن لقيه فليقرؤه مني ~~السلام " # وروي: أنه خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته ~~ينزل على ثمانية جبال بيت المقدس وفي يده عصى من حديد، فيمكث ~~في الأرض أربعين سنة إماما مهديا، وقيل: إن المراد بقوله { ~~ليؤمنن به } محمد صلى الله عليه وسلم يؤمن به أهل الكتاب ~~في وقت المشاهدة ولكن لا ينفعهم، والقول الأول أصح؛ لأن ms0586 الآية في ~~قصة عيسى عليه السلام. # قوله تعالى: { ويوم القيامة يكون عليهم ~~شهيدا }؛ أي يشهد عيسى عليه السلام على نفسه يوم القيامة ~~بالعبودية، وعلى النصارى بأنهم عبدوه بغير حق، وعلى ~~اليهود بأنهم كذبوه. ### || [4.160-162] # قوله عز وجل: { فبظلم من الذين هادوا ~~حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم }؛ أي فبكفر ~~اليهود وجرمهم حرمنا عليهم أشياء كانت طيبة لهم في التوراة؛ ~~منها: لحوم الإبل وألبانها والشحوم، وكانوا إذا أصابوا ذنبا ~~عظيما حرم الله عليهم طعاما طيبا، { وبصدهم عن ~~سبيل الله كثيرا }؛ معناه: بسبب منعهم الناس عن دين ~~الله وهو الإسلام، و؛ بسبب؛ { وأخذهم الربا وقد نهوا ~~عنه }؛ وقد نهوا عن ذلك في التوراة، و؛ بسبب؛ { وأكلهم ~~أموال الناس بالباطل }؛ أكل أموال الناس بالظلم، وأخذ ~~الرشا في الحكم. # وقوله تعالى: { وأعتدنا للكافرين منهم عذابا ~~أليما }؛ أي خلقنا وهيأنا للكافرين منهم عذابا وجيعا ~~يخلص وجعه إلى قلوبهم، وإنما خص الكافرين لبيان أن من يؤمن ~~منهم غير داخل في هذا الوعيد. # ثم استثنى الله تعالى منهم من آمن، فقال تعالى: { لكن ~~الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون ~~بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك }؛ أي لكن التائبون ~~من أهل الكتاب وهم عبدالله بن سلام وأصحابه، وسماهم { ~~الراسخون في العلم } لثباتهم في العلم وتبحرهم فيه؛ ~~لا يضطربون ولا تميل بهم الشبه، بمنزلة الشجرة الراسخة ~~بعروقها في الأرض. # قوله تعالى: { والمؤمنون يؤمنون } أي والمؤمنون من ~~غير أهل الكتاب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصدقون بما ~~أنزل إليك من الفرقان، وما فيه من تحريم هذه الأشياء عليهم، ~~ويصدقون بما أنزل من قبلك على الأنبياء من الكتب، { ~~والمقيمين الصلاة }؛ يجوز أن يكون معناه: يؤمنون ~~بالنبيين المقيمين الصلاة، فيكون قوله { والمقيمين } نسقا ~~على قوله { بمآ أنزل إليك }. # ويجوز أن يكون نصبا على المدح على معنى: أعني المقيمين ~~الصلاة؛ وهم: { والمؤتون الزكاة }؛ كما يقال: جاءني ~~قومك المطعمون في المحل؛ والمعينون في ~~الشدائد. وقوله تعالى: { والمؤمنون بالله ~~واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما }؛ أي ~~المصدقون بالله وبالبعث بعد الموت أولئك ms0587 سنعطيهم ثوابا ~~وافرا في الجنة. ### || [4.163] # قوله جل وعز: { إنآ أوحينآ إليك كمآ ~~أوحينآ إلى نوح والنبيين من بعده }؛ أي أنزلنا ~~جبريل عليك بهذا القرآن كما أوحينا إلى نوح؛ فأمر بالاستقامة ~~على التوحيد ودعوة الخلق إليه، وكما أوحينا إلى النبيين من ~~بعد نوح أوحينا إليك. قيل: إن نوحا عليه السلام عمر ألف ~~سنة لم تنقص له سن ولا قوة، ولم يشب له شعر، ولم يبلغ ~~أحد من الأنبياء في الدعوة ما بلغ، ولم يصبر على أذى قومه ما ~~صبر، وكان يدعو قومه ليلا ونهارا، وسرا وإعلانا، وكان ~~الرجل من قومه يضربه فيغمى عليه، فإذا أفاق دعا وبلغ، ~~وقيل: هو أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة بعد ~~محمد صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { وأوحينآ إلى إبراهيم وإسماعيل ~~وإسحاق ويعقوب والأسباط }؛ وهم بنو يعقوب عليه السلام ~~وهم اثنا عشر رجلا، و؛ إلى؛ { وعيسى وأيوب ويونس ~~وهارون وسليمان وآتينا }؛ أي أعطينا؛ { داوود ~~زبورا }؛ والزبور: هو الكتاب، مأخوذ من الزبر؛ وهو ~~الكتابة، ومن قرأ زبورا بضم الزاي وهو الأعمش وحمزة وابن ~~وثاب؛ فمعناه: الكتب على الجمع. # فإن قيل: كيف قدم الله ذكر عيسى على ذكر أيوب ويونس ~~وهارون وسليمان وداود، وهو من بعدهم؟ قيل: لأن الواو للجمع ~~دون الترتيب، فتقديم ذكره في الآية لا يوجب تقديمه في ~~الخلق والإرسال، والفائدة في تقديمه في الذكر: الرد على ~~اليهود، ولغلوهم في الطعن فيه وفي نسبه، فقدمه الله ~~في الذكر؛ لأن ذلك أبلغ في كتب اليهود وفي تنزيهه مما ~~رمي به ونسب إليه. ### || [4.164] # قوله جل وعز: { ورسلا قد قصصناهم عليك من ~~قبل }؛ عطف على # إنآ أوحينآ إليك # [النساء: 163]، كأنه قال: إنا أرسلناك موحين إليك، وأرسلنا ~~رسلا قد قصصنا عليك، ويجوز أن يكون منصوبا بالفعل الذي ~~بعده، كأنه قال: وقد قصصنا رسلا عليك، ومعناه: قصصناهم؛ ~~أي سميناهم لك في القرآن، وعرفناك قصتهم، { ~~ورسلا لم نقصصهم عليك }؛ أي وأرسلنا رسلا لم ~~نسمهم لك وأمرناهم بالاستقامة على التوحيد ودعوة ~~الخلق إلى الله. # وعن أبي ذر قال: قلت: ms0588 يا رسول الله؛ كم كانت ~~الأنبياء؟ وكم كان المرسلون؟ قال: [كانت ~~الأنبياء صلوات الله عليهم مائة ألف وأربعة ~~وعشرين ألفا، وكان المرسلون ثلاثمائة وثلاثة ~~عشر). # وعن كعب الأحبار أنه قال: (الأنبياء صلوات الله عليهم ألفا ~~ألف ومائتا ألف وخمسة وعشرون ألفا، والمرسل ثلاثمائة وثلاثة عشر. ~~وكان داود عليه السلام قد أنزل عليه الزبور، وكان ينزل إلى ~~البرية ويقرأ الزبور؛ فيقوم معه علماء بني إسرائيل خلفه؛ ~~ويقوم الناس خلف العلماء، وتقوم الجن خلف الناس، وتجيء ~~الدواب التي في الجبال إذا سمعت صوت داود فيقمن بين يديه ~~تعجبا لما يسمعن من صوته، وتجيء الطير حتى يظللن على ~~داود في خلائق لا يحصيهن إلا الله يرفرفن على رأسه، وتجيء ~~السباع حتى تحيط بالدواب والوحش لما يسمعن، ولما قارن الذنب ~~لم ير ذلك، فقيل له: ذلك أنس الطاعة، وهذه وحشة المعصية. # وعن أبي موسى الأشعري قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " " لو رأيتني البارحة وأنا أستمع لقراءتك، ~~لقد أعطيت مزمارا من مزامير آل داود " فقال: ~~فقلت: أما والله يا رسول الله؛ لو علمت أنك ~~تستمع لحبرته تحبيرا. وكان عمر رضي الله عنه اذا رأى ~~أبا موسى عليه السلام قال: " ذكرنا يا أبا موسى " فيقرأه ~~عنده " # وعن أبي عثمان النهدي؛ قال: (ما سمعت قط بربطا ولا ~~مزمارا ولا عودا أحسن من صوت أبي موسى، وكان ~~يؤمنا في صلاة الغداة فنود أنه يقرأ سورة ~~البقرة من حسن صوته). # وفي تفسير الكلبي: (أن الله تعالى لما أنزل الآية ~~التي قبل هذه الآية؛ وقرأها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على الناس؛ قال اليهود فيما بينهم: ما نرى ~~محمدا يقرأ بما أنزل الله على موسى؛ ولقد أوحي ~~إليه كما أوحي إلى النبيين من قبله. فأنزل ~~الله هذه الآية فقراها رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ~~فقالوا؛ إن محمدا قد ذكره فيمن ذكره وفضله ~~بالكلام عليهم). # قوله تعالى: { وكلم الله موسى }؛ وفائدة تخصيص موسى ~~عليه السلام بالكلام مع أن الله تعالى كلم غيره من الأنبياء،؛ ~~لأنه ms0589 تعالى كلمه من غير واسطة؛ وكلم غيره من الأنبياء ~~بالوحي إليهم على لسان بعض الملائكة. قوله تعالى: { ~~تكليما }؛ يدل على التأكيد كيلا يحمل كلام الله إياه على ~~معنى الوحي إليه. ### || [4.165] # قوله عز وجل: { رسلا مبشرين ومنذرين }؛ ~~معناه: فأرسلنا هؤلاء رسلا مبشرين بالجنة لمن أطاع ~~ومخوفين بالنار لمن عصى؛ { لئلا يكون للناس على ~~الله حجة بعد الرسل }؛ لئلا يكون للناس على الله ~~حجة يوم القيامة بعد إرسال الرسل إليهم؛ فيقولوا: ربنا ~~لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك، { وكان الله ~~عزيزا حكيما }؛ ظاهر المراد. ### || [4.166] # قوله تعالى: { لكن الله يشهد بمآ أنزل ~~إليك }؛ قال ابن عباس: (وذلك أن رؤساء مكة أتوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: سألنا اليهود عن ~~نعتك وصفتك؛ فزعموا أنهم لا يعرفونك في ~~كتبهم، فأتنا بمن يشهد لك أن الله بعثك إلينا ~~رسولا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأنزل قوله ~~تعالى: # قل أي شيء أكبر شهدة قل الله شهيد بيني ~~وبينكم # [الأنعام: 19]). # قوله تعالى: { أنزله بعلمه }؛ أي على علم منه ~~بأنك أهل لإنزاله عليك، وعلم من يقبل ومن لا يقبل كما ~~قال الله تعالى: # الله أعلم حيث يجعل رسالته # [الأنعام: 124]. وقيل: معناه: { أنزله بعلمه } أي علم ~~ما فيه من الأحكام وما تحتاج إليه العباد من أمر دينهم ودنياهم ~~ثم أنزله. وقيل: معناه: أنزله إليك من عنده لم يبدل ~~ولم يغير، بل وصل إليك كما كان في اللوح المحفوظ. # قوله تعالى: { والملائكة يشهدون }؛ أي يشهدون على ~~شهادة الله، وعلى شهادتك بأن الذي شهدت به حق، وقوله ~~تعالى: { وكفى بالله شهيدا }؛ أي اكتفوا بالله شهيدا ~~في شهادته أن تشهد اليهود بما في كتابهم. ### || [4.167-169] # قوله عز وجل: { إن الذين كفروا وصدوا عن ~~سبيل الله قد ضلوا ضللا بعيدا }؛ معناه: إن الذين ~~جحدوا وحدانية الله ومحمدا صلى الله عليه وسلم ~~والقرآن، وصرفوا الناس عن دين الله وطاعته فقد أخطأوا ~~خطأ بعيدا عن الهدى والثواب. بين الله تعالى في هذه الآية ~~ضلالتهم في الدنيا. # ثم بين عقوبتهم في الآخرة فقال ms0590 تعالى: { إن الذين كفروا ~~وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم }؛ أي إن الذين ~~كفروا بما يجب الإيمان به وظلموا أنفسهم بكفرهم لم يكن ~~الله ليغفر لهم ما داموا على كفرهم، { ولا ~~ليهديهم طريقا }؛ إلى الإسلام، { إلا طريق جهنم ~~}؛ لكن تركهم على طريق جهنم وهو الكفر. وقيل: معناه: لا ~~يرشدهم في الآخرة إلى طريق غير طريق جهنم، كما في قوله تعالى: # فاهدوهم إلى صراط الجحيم # [الصافات: 23]، { خالدين فيهآ أبدا }؛ التخليد ~~والتعذيب، { وكان ذلك على الله يسيرا }؛ سهلا ~~هينا. ### || [4.170] # قوله عز وجل: { يأيها الناس قد جآءكم ~~الرسول بالحق من ربكم }؛ خطاب لعامة الخلق، { ~~قد جآءكم الرسول } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم بكلمة ~~التوحيد والقرآن من عند ربكم، { فآمنوا خيرا ~~لكم }؛ فصدقوا بالله ورسوله، وبما جاء به من عنده يكن خيرا ~~لكم من التكذيب. # قال الخليل والبصريون: (انتصب قوله تعالى: { خيرا } ~~لأنك إذا أمرت بفعل دخل في معناه؛ تقديره: ~~إئتوا خيرا لكم، وإذا نهيت عن فعل دخل في ~~معناه؛ تقديره: إئت بدله خيرا لكم). وقال ~~الفراء: (انتصب لأنه متصل بالأمر وهو من ~~صفته) تقديره: هو خير لكم، فلما سقط هو ~~اتصل بما قبله، وعلى هذا: انتهوا خيرا لكم. وقال ~~الكسائي: (انتصب لخروجه من الكلام) وقال: (هذا إنما ~~تقوله العرب في الكلام التام، نحو قولك: ~~لتقومن خيرا لك، وانته خيرا لك، وإذا كان ~~الكلام ناقصا رفعوا، فقال: أن انتهوا خير لكم). # قوله تعالى: { وإن تكفروا فإن لله ما في ~~السموت والأرض }؛ أي إن تكفروا يعاقبكم الله، ~~فإن لله ما في السماوات والأرض. وقيل: إن تكفروا ~~فإن الله غني عنكم، لكونه مالك السماوات والأرض، { وكان ~~الله عليما حكيما }؛ أي لم يزل عليما بخلقه، بمن ~~يؤمن وبمن لا يؤمن، حكيما في أمره، حكم بالإسلام على عباده. ### || [4.171] # قوله تعالى: { يأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ~~ولا تقولوا على الله إلا الحق }؛ نزلت في نصارى ~~نجران وهم: النسطورية: الذين يقولون عيسى ابن الله، ~~والماريعقوبية: الذين يقولون عيسى هو الله، ~~والمرقوسية: الذين يقولون ثالث ثلاثة؛ ويقال ms0591 هم الملكانية. ~~ومعنى الآية: يا أهل الكتاب لا تجاوزوا الحد في الدين ~~فتغيروا فيه. والغلو في الدين: مجاوزة الحد فيه، وقد ~~غلت النصارى في أمر عيسى حتى جاوزوا به منزلة الأنبياء ~~فجعلوه إلها. # ويقال: إن الآية خطاب لليهود والنصارى؛ لأن اليهود أيضا ~~غلوا في أمر عيسى حتى جاوزوا به منزلة من ولد على غير ~~الطهارة فجعلوه لغير رشده. قوله تعالى: { ولا ~~تقولوا على الله إلا الحق } أي لا تصفوا الله إلا ~~بالحق، والحق أن يقال: إله واحد لا شريك له ولا ~~صاحبة ولا ولد، وينزهه عن القبائح والنقائص وعن جميع ~~صفات المحدثين. # قوله تعالى: { إنما المسيح عيسى ابن مريم ~~رسول الله }؛ أي ليس المسيح إلا رسول الله؛ لأن (إنما) ~~تقتضي تحقيق المذكور وتمحيق ما سواه، كقوله تعالى: { إنما ~~الله إله واحد } ، وفي قوله: { عيسى ابن مريم } ~~بيان أنه لا يجوز أن يكون إلها؛ أي كيف يكون إلها وهو ابن ~~مريم أمة الله؟ وكيف يكون إلها وأمه قبله. قوله ~~تعالى: { وكلمته ألقاها إلى مريم }؛ أي إنه كان ~~بكلمته عز وجل وهو قوله: (كن) فكان. # قوله تعالى: { وروح منه }؛ قال ابن عباس: (معناه: ~~أمر من الله عز وجل؛ أتاها جبريل بأمر الله ~~فنفخ في جيب درعها؛ فدخلت تلك النفخة ~~بطنها؛ فخلق الله عيسى بنفخة جبريل عليه السلام). ~~والنفخ في اللغة: يسمى روحا. وقيل: سماه الله تعالى ~~روحا؛ لأنه كان يحيي به الناس في الدين كما يحيون ~~بالأرواح. وقيل: لأنه روح من الأرواح أضافه الله إليه ~~تشريفا له، كما يقال: بيت الله. وقال السدي: (معناه ~~(وروح منه) أي مخلوق منه؛ أي من عنده). # وقيل: معناه: ورحمة منه؛ أي جعله الله رحمة لمن آمن به، ~~يدل عليه قوله تعالى: # وأيدهم بروح منه # [المجادلة: 22] أي قواهم برحمة منه. وقيل: الروح: ~~الوحي؛ أوحى إلى مريم بالبشارة، وأوحى إلى جبريل ~~بالنفخ، وأوحى إليه أن كن؛ فكان، يدل عليه قوله ~~تعالى: # ينزل الملائكة بالروح # [النحل: 2] أي بالوحي، # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا # [الشورى: 52] أي وحيا. # وروي: أنه ms0592 كان لهارون الرشيد طبيب نصراني، ~~وكان غلاما حسن الوجه جدا، وكان كامل الأدب ~~جامعا للخصال التي يتوسل بها إلى الملك، وكان ~~الرشيد مولعا بأن يسلم وهو يمتنع، وكان ~~الرشيد يمنيه الأماني إن أسلم، فقال له ذات ~~يوم: ما لك لا تؤمن؟ قال: إن في كتابكم حجة ~~على من انتحله، قال: وما هي؟ قال: قوله تعالى: { ~~وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه } فعبر ~~بهذا أن عيسى جزء منه. # فضاق قلب الرشيد، وجمع العلماء فلم يكن ~~فيهم من يزيل شبهته حتى قيل له: قد وفد ~~حجاج خراسان وفيهم رجل يقال له علي بن ~~الحسين بن الحسين بن واقد من أهل مرو؛ وهو ~~إمام في علم القرآن؛ فدعاه؛ فجمع بينه وبين ~~الغلام، فسأله الغلام عن ذلك، فاستعجم عليه ~~الجواب في الوقت، وقال: قد علم الله؛ يا أمير ~~المؤمنين؛ في سابق علمه أن الخبيث يسألني في ~~مجلسك عن هذا؛ وأنه لم يخل كتابه من جوابه، ~~وأنه ليس يحضرني الآن، ولله علي أن لا أطعم ~~ولا أشرب حتى أؤدي الذي يجب من الحق إن شاء ~~الله. # ودخل بيته مظلما؛ وأغلق عليه بابه؛ واندفع ~~في قراءة القرآن؛ حتى بلغ سورة الجاثية إلى ~~قوله: # وسخر لكم ما في السموت وما في الأرض جميعا ~~منه # [الجاثية: 13] فصاح بأعلى صوته: افتحوا الباب؛ فقد ~~وجدت الجواب، ففتحوا ودعا الغلام؛ فقرأ عليه ~~الآية بين يدي الرشيد وقال: إن كان قوله { روح ~~منه } يوجب أن يكون عيسى بعضا منه؛ وجب أن ~~يكون ما في السماوات وما في الأرض بعضا منه. # فانقطع النصراني وأسلم؛ وفرح الرشيد فرحا ~~شديدا، ووصل علي بن الحسين بصلة جيدة. ~~فلما عاد علي بن الحسين إلى مرو؛ صنف كتابا ~~سماه (كتاب النظائر في القرآن) وهو كتاب لا ~~يوازيه كتاب. # قوله عز وجل: { فآمنوا بالله ورسله }؛ أي ~~صدقوا بوحدانية الله بما جاءكم به الرسل من الله؛ { ولا ~~تقولوا ثلاثة }؛ أي تقولوا آلهتنا ثلاثة: أب؛ وابن؛ ~~وروح قدس، { انتهوا }؛ عن الكفر، عن هذه المقالة، وتوبوا ~~إلى الله هو؛ { خيرا لكم }؛ من ms0593 الإصرار على الكفر. # قوله تعالى: { إنما الله إله واحد }؛ أي ما الله ~~إلا إله واحد؛ { سبحانه أن يكون له ولد }؛ كلمة ~~تنزيه عن السوء؛ أي تنزيها له أن يكون له ولد؛ { له ~~ما في السموت وما في الأرض }؛ كلهم عبيده وإماؤه ~~وفي قبضته؛ ويستحيل أن يكون المملوك ابنا للمالك؛ أي لا ~~يجتمع الملك مع الولادة، ونظير هذا قوله تعالى: # وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا * إن كل من ~~في السموت والأرض إلا آتي الرحمن عبدا # [مريم: 92-93]. قوله تعالى: { وكفى بالله وكيلا }؛ أي ~~اكتفوا بربوبيته وبكفالته، فلا ولد له ولا شريك؛ ~~سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. ### || [4.172] # قوله عز وجل: { لن يستنكف المسيح أن يكون ~~عبدا لله ولا الملائكة المقربون }؛ نزل في ~~وفد نجران؛ # " ناظروا النبي صلى الله عليه وسلم في أمر عيسى، فقال ~~لهم: " هو عبد الله ورسوله ". فقالوا: لا تقل ~~هكذا؛ فإن عيسى يأنف من هذا القول؛ " # فنزل تكذيبا لقولهم: { لن يستنكف المسيح أن ~~يكون عبدا لله } أي لن يأنف، ولم يتعظم عن الإقرار ~~والعبودية لله عز وجل، { ولا الملائكة المقربون ~~} أي ولن يستنكف الملائكة المقربون عن العبودية وهم حملة ~~العرش. وإنما خص الملائكة بعد عيسى؛ لأن النصارى كانوا ~~يقولون: عيسى ابن الله، وبنو مدلج كانوا يقولون: الملائكة بنات ~~الله، فرد الله على الفريقين جميعا. # قوله تعالى: { ومن يستنكف عن عبادته ~~ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا }؛ أي من يأنف ~~ويمتنع عن توحيده وطاعته ويتعظم عن الإيمان؛ ~~فسيجمعهم إليه جميعا: المستنكف والمستكبر؛ ~~والمقر والمطيع. ### || [4.173] # قوله تعالى: { فأما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله }؛ ~~أي فالذين آمنوا بمحمد والقرآن وعملوا الصالحات ~~فيوفر عليهم جزاء أعمالهم في الجنة، ويزيدهم من عطائه ~~ما لا عين رأت؛ ولا أذن سمعت؛ ولا خطر على قلب ~~بشر. # قوله تعالى: { وأما الذين استنكفوا ~~واستكبروا }؛ أي وأما الذين أبوا وامتنعوا عن الإيمان ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن؛ { فيعذبهم عذابا ~~أليما }؛ وجيعا، { ولا يجدون لهم من دون الله ~~وليا ولا نصيرا }؛ ولا ms0594 يجدون لهم سوى الله قريبا ~~ينفعهم، ولا مانعا يمنعهم من النار. ### || [4.174] # قوله عز وجل: { يا أيها الناس قد جآءكم برهان ~~من ربكم وأنزلنآ إليكم نورا مبينا }؛ خطاب ~~للناس كلهم، والبرهان هو النبي صلى الله عليه وسلم، سماه ~~برهانا لظهور المعجزة، والنور المبين القرآن؛ سماه نورا ~~مبينا؛ لأن النور هو الذي يبين الأشياء حتى ترى، والقرآن ~~مبين الأشياء كلها. ### || [4.175] # قوله تعالى: { فأما الذين آمنوا بالله ~~واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل }؛ ~~أي فأما الذين صدقوا بوحدانية الله وتمسكوا بدينه ~~وكتابه، وسألوا العصمة من معاصيه؛ فسيدخلهم في الآخرة ~~جنته وكراماته التي أعدها لهم فيها، { ويهديهم إليه ~~صراطا مستقيما }؛ أي ويعرفهم في الدنيا سبيل الهدى ~~وهو الإسلام، ويثبتهم عليه، وتقدير الآية: ويهديهم في ~~الدنيا ويرحمهم في الآخرة. ### || [4.176] # قوله عز وجل: { يستفتونك قل الله يفتيكم ~~في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد }؛ نزلت في ~~جابر بن عبدالله حين جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ~~إن لي أختا؛ فما لي فيها بعد موتها، فأنزل الله هذه ~~الآية، وقد تقدم تفسير الكلالة، وابتدأ بالرجل، فيقال: إنه ~~مات قبل أخته. قوله تعالى: { وله أخت فلها نصف ما ~~ترك وهو يرثهآ إن لم يكن لهآ ولد }؛ يعني من ~~أم وأب أو من أب. # قوله تعالى: { فإن كانتا اثنتين فلهما ~~الثلثان مما ترك }؛ وحكم الثلاث والأربع فصاعدا حكم ~~الاثنين كالبنات، وإن كانوا إخوة؛ { وإن كانوا إخوة ~~رجالا ونسآء }؛ أي وإن كان الورثة إخوة من أم وأب، أو من ~~أب ذكورا وإناثا؛ { فللذكر مثل حظ الأنثيين }. # قوله تعالى: { يبين الله لكم أن تضلوا }؛ أي ~~يبين الله لكم قسمة المواريث؛ لئلا تخطئوا في ~~قسمتها، وقد حذف (لا) في الكلام ويراد إثباتها كما في قوله ~~تعالى: # وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم # [لقمان: 10]، ويقال في القسم: والله أبرح قاعدا؛ أي لا ~~أبرح، وتذكر (لا) ويراد طرحها كما في قوله تعالى: # لا أقسم # [القيامة: 1] و # ما منعك ألا تسجد # [الأعراف: 12]. # وذهب البصريون إلى أن معناه: ms0595 كراهة أن تضلوا، فحذف ~~المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كما في قوله تعالى: # وسئل القرية # [يوسف: 82]. وقال الفراء: (موضعه نصب بنزع الخافض). ~~قوله تعالى: { والله بكل شيء عليم }؛ ظاهر المعنى. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من قرأ سورة النساء: أعطي من الأجر كمن ~~اشترى ذا رحم واعتقه، وبرئ من الشرك، وكان في ~~مشيئة الله من الذين يتجاوز عنهم " ### | [5 - سورة المائدة] ### || [5.1] # { يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود }؛ أي أوفوا ~~بالعقود التي كتبها الله عليكم مما أحله لكم حرمه عليكم، ~~وقيل: معناه: أتموا العهود التي بينكم وبين المشركين ولا ~~تنقضوها حتى يكون النقض من قبلهم، هكذا روي عن ابن عباس ~~والضحاك وقتادة. وقال الحسن: (معناه أوفوا بعقود الدين؛ ~~يعني أوامر الله ونواهيه). وقيل: معناه: أوفوا بكل ~~عقد تعقدونه على أنفسكم من نذر أو يمين. وقيل: أوفوا ~~بالعقود التي يعقدها بعضكم لبعض، نحو عقد البيع والإجارة ~~والنكاح والشركة، ولا تنافي بين هذه الأقوال؛ إذ كل هذه ~~العقود يجب الوفاء بها. # قوله تعالى: { أحلت لكم بهيمة الأنعام }؛ أي ~~رخصت لكم الأنعام نفسها، وأضاف البهيمة إلى الأنعام، كما ~~يقال: مسجد الجامع؛ ونفس الإنسان. والأنعام: هي الإبل ~~والبقر والغنم، ودخل في هذه الآية إباحة الظباء وبقر ~~الوحش وحمار الوحش؛ لأنها أبهم في التميز من ~~الأهلية، ولهذا استثنى الله الصيد في حالة الإحرام في قوله ~~تعالى: { غير محلي الصيد وأنتم حرم }. والبهيمة في ~~اللغة يتناول كل حي لا يميز، استبهم عليه الجواب؛ أي ~~استغلق. # قوله تعالى: { إلا ما يتلى عليكم }؛ أي إلا ما ~~يقرأ عليكم في القرآن مما حرم عليكم في هذه السورة من ~~الميتة والدم ولحم الخنزير والموقوذة والمتردية ~~والنطيحة الآية. # قوله تعالى: { غير محلي الصيد }؛ نصب على الحال ~~من الكاف والميم التي في قوله: { أحلت لكم } كما يقال: جاء ~~زيد راكبا؛ وجاء غير راكب. والمعنى: أحلت لكم بهيمة ~~الأنعام غير محلي الصيد؛ أي من أن تستحلوا قتل ~~الصيد وأنتم محرمون. وقيل: نصب على الحال من قوله { ~~أوفوا بالعقود } أي ms0596 أوفوا بالمعقود غير محلي ~~الصيد، هذا قول الأخفش، والأول قول الكسائي. # ومعنى الآية: أحلت لكم الأنعام إلا ما كان وحشيا، فإنه ~~صيد لا يحل لكم إذا كنتم محرمين، فذلك قوله: { وأنتم ~~حرم }. قوله تعالى: { إن الله يحكم ما يريد }؛ ~~أي يقضي على عباده بما شاء من التحليل والتحريم على ما توجبه ~~الحكمة. ### || [5.2] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا لا تحلوا ~~شعآئر الله }؛ أراد به المناسك؛ أي لا تستحلوا مخالفة ~~شيء منها، ولا تجاوزوا مواقيت الحرم غير مؤدين حقوقها؛ وذلك: ~~أن الأنصار كانوا لا يسعون بين الصفا والمروة، وكان أهل ~~مكة لا يخرجون إلى عرفة فأمر الله تعالى أن لا يتركوا شيئا ~~من المناسك. وقال الحسن: (شعائر الله دين الله)؛ أي لا ~~تحلوا في دين الله شيئا مما لم يحله الله. ~~ويقال: هي حدود الله في فرائض الشرع. # والشعائر في اللغة: المعالم، والإشعار: الإعلام، ~~والشعيرة واحدة الشعائر؛ وهي كل ما جعل علما ~~لطاعة الله تعالى. # قوله تعالى: { ولا الشهر الحرام }؛ أي ولا ~~تستحلوا القتل والغارة في الشهر الحرام، وأراد بذلك ~~الأشهر الحرم كلها؛ وهي رجب؛ وذو القعدة؛ وذو ~~الحجة؛ والمحرم، إلا أنه ذكر باسم الجنس كما في قوله ~~تعالى: # إن الإنسان لفى خسر # [العصر: 2] أراد به جنس الإنسان، ولذلك استثنى المطيع بقوله: # إلا الذين آمنوا # [العصر: 3]. وكان في ابتداء الإسلام لا تجوز المحاربة في ~~الأشهر الحرم كما قال تعالى: # قل قتال فيه كبير # [البقرة: 217]، ثم نسخ حرمة القتال في الشهر الحرام بقوله تعالى: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5]. # قوله تعالى: { ولا الهدي ولا القلائد }؛ أي لا ~~تحلوا الهدي؛ أي لا تذبحوه قبل محله؛ ولا تنتفعوا ~~به بعد أن جعلتموه لله، ولا تمنعوه أن يبلغ البيت. قوله ~~تعالى: { ولا القلائد } أي ولا تحلوا القلائد التي تكون ~~في أعناق الهدايا؛ أي لا تقطعوها قبل الذبح وتصدقوا بها بعد ~~الذبح كما قال صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه: # " تصدقوا بجلالها وخطامها، ولا تعطي الجزار ~~منها شيئا " # قوله تعالى: { ولا آمين ms0597 البيت الحرام }؛ معناه: ~~ولا تستحلوا القتل والغارة على القاصدين المتوجهين نحو ~~البيت الحرام، وعن ابن عباس رضي الله عنه: # " أن الآية وردت في شريح بن ضبيعة بن هند ~~اليمامي، دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالمدينة وقال: أنت محمد النبي؟ قال: " نعم " ~~قال: إلام تدعو؟ قال: " أدعو إلى شهادة أن لا إله ~~إلا الله؛ وأني رسول الله ". فقال: إن لي أمراء ~~أرجع إليهم وأشاورهم، فإن قبلوا قبلت. ثم ~~انصرف من عند النبي صلى الله عليه وسلم، فلما خرج ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لقد دخل بوجه كافر ~~وخرج بعقبي غادر ". فمر بسرح لأهل المدينة ~~فاستاقها، وانطلق نحو اليمامة وهو يرتجز ~~يقول: # * باتوا نياما وابن هند لم ينم * بات يقاسيها ~~غلام كالزلم * # * خدلج الساقين خفاق القدم * قد لفها الليل ~~بسواق حطم * # * ليس براعي إبل ولا غنم * ولا بجزار على ظهر ~~وضم * # * هذا أوان الحرب فاشتدي زلم * # وقد كان عند دخوله على النبي صلى الله عليه وسلم ~~خلف خيله خارج المدينة ودخل وحده. فلما ~~كان في العام القابل؛ خرج شريح نحو مكة في ~~تجارة عظيمة في حجاج بكر بن وائل من أهل ~~اليمامة وهم مشركون، وكانت العرب في ~~الجاهلية يغير بعضهم على بعض، فإذا كان أشهر ~~الحج أمن الناس بعضهم بعضا، وإذا سافر أحدهم في ~~غير الأشهر الحرم نحو مكة قلد هديه من ~~الشعر والوبر، ومن لم يكن له هدي قلد ~~راحلته، ومن لم يكن معه راحلة جعل في عنقه ~~قلادة، وكانوا يأمنون بذلك، فإذا رجعوا من مكة ~~جعلوا شيئا من لحاء شجر الحرم في عنق الراحلة ~~فيأمنوا، فلما سمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بخروج شريح وأصحابه استأذنوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية ". # قوله تعالى: { يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا ~~}؛ في موضع نصب على الحال، معناه: قاصدين طالبين رزقا ~~بالتجارة، { ورضوانا } أي رضى من الله تعالى على ~~عملهم، ولا يرضى عنهم حتى يسلموا. وقال الحسن وقتادة: ~~(معنى رضوانا؛ أي يرضى الله عنهم؛ فيصلح ms0598 معاشهم ~~ويصرف عنهم العقوبات في الدنيا إذا كانوا لا ~~يقرون بالبعث، ثم نسخ قوله تعالى بعد ذلك ~~تعرض المشركين بقوله تعالى: # فاقتلوا المشركين # [التوبة: 5] كافة، وبقوله تعالى: # فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا # [التوبة: 28]). وقرأ الأعمش (ولا آمين) أي البيت الحرام ~~بالإضافة. # قوله تعالى: { وإذا حللتم فاصطادوا ولا ~~يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد ~~الحرام أن تعتدوا }؛ أي لا يحملنكم ويكسبنكم بغض قوم ~~وعداوتهم بأن صرفوكم عام الحديبية عن المسجد الحرام ~~على أن تظلموهم، وتتجاوزوا الحد للمكافأة. وموضع: { أن ~~تعتدوا } نصب لأنه مفعول، و { أن صدوكم } مفعول له، ~~كأنه قال: لا يكسبنكم بغض قوم الاعتداء عليهم بصدهم ~~إياكم. # قرأ أهل المدينة إلا قالون ابن عامر والأعمش: (شتآن) بجزم ~~النون الأولى. وقرأ الآخرون بالفتح وهما لغتان؛ إلا أن الفتح ~~أجود لأنه أفهم اللغتين، ولأن المصادر أكثر ما تجيء على ~~(فعلان) مثل النفيان والرتقان والعسلان ونحو ذلك. # قال ابن عباس: (معنى: { ولا يجرمنكم } أي ولا ~~يحملنكم). وقال الفراء: (ولا يكسبنكم)، قال: ~~(يقال: فلان جريمة أهله؛ أي كاسبهم). قوله ~~تعالى: { أن صدوكم } قرأ ابن كثير وأبو عمرو بكسر الألف على ~~الاستئناف والجزاء، وقرأ الباقون بالفتح؛ أي لئن صدوكم، والفتح ~~أجود؛ لأن الصد كان واقعا من الكفار يوم الحديبية قبل نزول ~~هذه السورة. # قوله تعالى: { وتعاونوا على البر والتقوى }؛ أي ~~تحاثوا على الطاعة وترك المعصية، قال أبو العالية: (البر: ~~ما أمرت به، والتقوى: ترك ما نهيت عنه). وظاهر ~~الأمر يقتضي وجوب المعاونة على الطاعة، وظاهر الأمر على ~~الوجوب. # قوله تعالى: { ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ~~}؛ أي لا يعن بعضكم بعضا على شيء من المعاصي والظلم، وقال ~~بعضهم: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإثم ~~والبر؛ فقال: # " البر: حسن الخلق، والإثم: ما حاك في صدرك، ~~وكرهت أن يطلع عليه الناس " # قوله تعالى: { واتقوا الله إن الله شديد ~~العقاب }؛ أي اخشوه وأطيعوه فيما أمركم به ونهاكم عنه، { ~~إن الله شديد العقاب } إذا عاقب، فعقابه شديد. ### || [5.3] # قوله عز وجل: { حرمت عليكم الميتة ms0599 والدم ~~ولحم الخنزير ومآ أهل لغير الله به }؛ ~~الميتة: اسم لكل ذي روح فارقه روحه حتف أنفه، ~~والمراد بالدم: الدم المسفوح، وحرم عليكم لحم ~~الخنزير لعينه لا لكونه ميتة حتى لا يحل تناوله مع وجود ~~الذكاة فيه. # وفائدة تخصيص لحم الخنزير بالذكر دون لحم الكلب ~~وسائر السباع: أن كثيرا من الكفار ألفوا لحم الخنزير، ~~واعتادوا أكله وأولعوا به ما لم يعتادوا به أكل غيره. ~~وقيل: فائدته: أن مطلق لفظ التحريم يدل على نجاسة ~~عينه مع حرمة أكله، ولحم الخنزير مختص بهذا الحكم؛ ~~وذلك: أن سائر الحيوانات المحرم أكلها إذا ذبحت كان ~~لحمها طاهرا لا يفسد الماء إذا وقع فيه، وإن لم يحل أكله ~~بخلاف لحم الخنزير. # قوله تعالى: { ومآ أهل لغير الله به } أي ~~وحرم عليكم ما ذكر عليه عند الذبح اسم غير الله، وذلك أنهم ~~كانوا يذبحون لأصنامهم يتقربون بذبحها إليهم، فحرم الله ~~كل ذبيحة يتقرب بذبحها إلى غير الله تعالى، ولذلك قال ~~الفقهاء: إن الذابح لو سمى النبي صلى الله عليه وسلم مع ~~الله تعالى فقال: بسم الله ومحمد؛ حرمت الذبيحة. # قوله تعالى: { والمنخنقة والموقوذة ~~والمتردية }؛ أي حرم عليكم أكل لحم المنخنقة؛ وهي ~~التي تنخنق بحبل أو شبكة فتموت من غير ذكاة، ~~وأما الموقوذة؛ فهي المضروبة بالخشب حتى تموت، ~~قوله تعالى: { والمتردية } هي التي تتردى من جبل ~~أو سطح أو في بئر فتموت قبل الذكاة. والتردي: هو ~~السقوط، مأخوذ من الرداء وهو الهلاك، قال صلى الله عليه ~~وسلم لعدي بن حاتم: # " إذا تردت رميتك من جبل فوقعت في ماء فلا ~~تأكل؛ فإنك لا تدري أسهمك قتلها أم الماء " # فصار هذا الكلام أصلا في كل موضع اجتمع فيه معنيان: أحدها ~~حاظر، والآخر مبيح فأنه تغلب جهة الحظر، ولهذا قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور ~~مشبهة، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك، ألا ~~وإن لكل ملك حمى، وإن حمى الله محارمه، فمن ~~رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه " # وعن عمر رضي الله عنه ms0600 أنه قال: (كنا ندع تسعة أعشار ~~الحلال مخافة الربا). # قوله عز وجل: { والنطيحة }؛ هي التي تنطح حتى تموت، ~~وإذا تناطحت الحيوانات فقتل بعضها بعضا في النطاح فهي حرام ~~بالآية، قال ابن عباس: (كان أهل الجاهلية يخنقون ~~الشاة حتى إذا ماتت أكلوها وكذلك الموقوذة)، قال ~~قتادة: (كان أهل الجاهلية يضربون الشاة بالبعض ~~حتى إذا ماتت أكلوها)، يقال منه: وقده يقده إذا ~~ضربه حتى أشفا على الهلاك. قال الفرزدق: # شغارة تقذ الفصيل برجلها # فطارة لقوادم الأبكار # قوله تعالى: { النطيحة } إنما دخلت الهاء فيها وإن كان ~~الفعل بمعنى المفعول يسوى فيه المذكر والمؤنث كقولهم: ~~لحية دهين وعين كحيل وكف خضيب؛ لأن النطيحة لم ~~يتقدمها اسم، فلو أسقطت الهاء منها لم يدر أهي مذكر أم مؤنث، ~~فنظير ذلك لو قيل: شاة نطيح لم تذكر الهاء المذكر الشاة. # قوله تعالى: { ومآ أكل السبع }؛ وقرأ ابن أبي زائدة: ~~(وأكيلة السبع). وقرأ الحسن وطلحة: (السبع) بسكون الباء ~~وهي لغة في السبع، ومعنى قوله تعالى: { ومآ أكل السبع } ~~هو فريسته. # قوله تعالى: { إلا ما ذكيتم }؛ أي إلا ما ذكرتم ~~ذكاته مما أكل منه السبع فذكيتم، فإن ذلك يحل لكم، أو ما ~~أبين من الصيد قبل الذكاة فهو ميت، ويحتمل أن يكون قوله ~~تعالى: { إلا ما ذكيتم } راجعا إلى المنخنقة ~~والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل ~~السبع، فإنها كلها في الحكم بمعنى واحد. وعن الحسن أنه كان ~~يقول في هذه الجملة: (إذا طرفت بعينها؛ أو وكصت ~~برجلها؛ أو حركت بدنها فذكها وكل). وشرط أكثر ~~العلماء في إباحة أكلها بالذكاة: أن تكون حياتها وقت الذكاة أكثر ~~من حياة المذبوح، فإن كانت بهذه الصفة أثرت الذكاة في ~~إباحتها وإلا فلا. # والتذكية: تمام فري الأوداج وإنهار الدم، ومنه ~~الذكاء في الفم إذا كان تام العقل، وذكيت النار إذا ~~أتممت إشعالها. # قوله تعالى: { وما ذبح على النصب }؛ أي وحرم ~~عليكم ما ذبح على النصب، هي جمع النصب، والنصاب: وهي ~~الحجارة، كانوا ينصبونها فيعبدونها من دون الله تعالى ~~ويقربون لها الذبائح، والفرق بين النصب والأصنام: ms0601 أن ~~الصنم اسم لما كان على صورة الإنسان، والنصب ما لا نقش ~~له ولا صورة ولكنه يعبد. والوثن ما كان منقوشا، والحائط ~~لا شخص له. وقيل: النصب واحد وجمعه أنصاب، مثل عنق ~~وأعناق. # وقرأ الحسن بن صالح وطلحة بن مصرف: (على النصب) بجزم الصاد، ~~وقرأ الجحدري: بفتح النون والصاد؛ جعله اسما موحدا كالجبل ~~والجمل، والجمع الأنصاب كالأجبال والأجمال، وكلها لغات ~~وهي الشيء المنصب، ومنه قوله تعالى: # كأنهم إلى نصب يوفضون # [المعارج: 43]. # واختلفوا في معنى النصب ها هنا؛ قال ابن جريج ومجاهد وقتادة: ~~(كان حول البيت ثلاثمائة وستون حجرا، وكان ~~أهل الجاهلية يذبحون عليها، ويشرحون اللحم ~~عليها، وكانوا يعظمونها ويعبدونها ويذبحون ~~لها، وكانوا مع هذا يبدلونها إذا رأوا حجارة هي ~~أعجب إليهم منها). وقالوا: (ليست أصناما إنما ~~الصنم ما ينقش). وقال آخرون: النصب هي الأصنام ~~المنصوبة. قال الأعشى: # وذا النصب المنصوب لا تنسكنه # ولا تعبد الأوثان والله فاعبدا # قال قطرب: (معنى الآية: وما يذبح للنصب؛ أي ~~لأجلها، واللام و (على) يتعاقبان في الكلام، قال ~~الله تعالى: # فسلام لك # [الواقعة: 91] أي عليك، وقال تعالى: # وإن أسأتم فلها # [الاسراء: 7] أي فعليها). وقال بعضهم: معناه: وما ذبح على ~~اسم النصب. # قوله تعالى: { وأن تستقسموا بالأزلام }؛ وهي ~~القداح؛ أي حرم عليكم الاستقسام؛ وهو طلب القسم ~~بالأزلام؛ وهي القداح التي كانوا يجلبونها عند ~~العزم على الميسر ويقتسمون بها لحم الجزور على ما تقدم ~~ذكره في قوله تعالى: # يسألونك عن الخمر والميسر # [البقرة: 219]. # وقال الحسن: (كانوا يتخذون السهام؛ فإذا أراد الرجل ~~أن يخرج إلى سفر أو تجارة أو سروح؛ أجال السهام ~~بيده، وكان مكتوبا على بعضها: أمرني ربي، وعلى ~~بعضها: نهاني ربي، فإن خرج الذي عليه: أمرني ~~ربي؛ قال: قد أمرت بالخروج ولا بد لي من ذلك؛ ~~فيخرج، وإن كره الخروج خرج غير بعيد ثم ~~رجع، ولا يدخل من باب بيته، ولكن ينقب ظهر ~~بيته منه يدخل ومنه يخرج إلى أن يتفق له ~~الخروج. وإن خرج الذي عليه: نهاني ربي، قال: قد ~~نهيت عن الخروج، ولا يسعني. ms0602 فنهى الله تعالى عن ~~ذلك). # فعلى هذا لا يجوز أن يكون معنى الاستقسام طلبهم في الخروج ~~والجلوس، والخروج في قسم الرزق والحوائج، وظاهر هذه الآية ~~يقتضي أن العمل على قول المنجمين: لا تخرج من أجل نجم ~~كذا؛ واخرج من أجل نجم كذا؛ فسق لأن ذلك دخول في ~~علم الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله. # ومعنى الفسق: الخروج من الطاعة؛ وقوله تعالى: { ~~ذلكم فسق }؛ إشارة إلى ما تقدم ذكره من المعاصي والحرام. ~~قوله تعالى: { وأن تستقسموا } في موضع رفع؛ أي ~~وحرم عليكم الاستقسام بالأزلام، والأزلام: هي القداح ~~التي لا ريش لها ولا نصل، واحدها زلم، مثل عمر ~~وزفر، وقيل: زلم مثل قلم. وقال ابن جبير: (هي حصى ~~بيضاء كانوا يضربون بها). # قوله تعالى: { اليوم يئس الذين كفروا من ~~دينكم }؛ قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية يوم دخل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ومعه المسلمون وهو ~~يوم الفتح، يئس الكفار يومئذ من رجوع ~~المسلمين إلى دينهم بما ظهر من علو الإسلام ~~والمسلمين على سائر الأديان). وقال بعضهم: أراد به ~~يوم حجة الوداع، وقال الحسن: (أراد باليوم جميع ~~زمان النبي صلى الله عليه وسلم وعصره، كما يقال: ~~كانت حادثة كذا في يوم فلان، يراد به عصره). # قوله تعالى: { فلا تخشوهم واخشون }؛ أي ليكن ~~خوفكم لله وحده؛ فقد أمنتم، وحول الله الخوف الذي كان يلحقكم ~~إليهم بإظهار الإسلام. وقيل معناه: لا تخشوهم بإظهار تحريم ~~ما كانوا يبيحونه، وأسرعوا في ترك إظهار المحرمات. # قوله عز وجل: { اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلم دينا ~~}؛ قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية على النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو واقف بعرفة يوم عرفة؛ والناس ~~وقوف رافعون أيديهم بالدعاء، فبركت ناقة ~~النبي صلى الله عليه وسلم من ثقل هذه الآية بعد أن ~~كاد عضدها يندق، ولم ينزل بعدها آية حلال ~~ولا حرام، وعاش النبي صلى الله عليه وسلم بعدها واحدا ~~وثمانين يوما، ثم قبضه الله تعالى إلى رحمته). # قال طارق بن شهاب: (جاء ms0603 يهودي إلى عمر رضي الله عنه ~~فقال: يا أمير المؤمنين! آية تقرأونها لو ~~أنزلت علينا لاتخذنا يوم نزولها عيدا، فقال: ~~وأي آية؟ قال: { اليوم أكملت لكم دينكم ~~وأتممت عليكم نعمتي } الآية، قال عمر: هل ~~علمت في أي يوم نزلت وفي أي مكان نزلت؟ إنها ~~نزلت يوم الجمعة يوم عرفة ونحن مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف، وكلاهما بحمد الله ~~لنا عيد، ولا يزال ذلك اليوم عيدا). قال ابن عباس: ~~(إنها نزلت في يوم عيدين: يوم جمعة ويوم ~~عرفة). # " روي عن عمر رضي الله عنه أنه بكى يوم نزلت هذه ~~الآية، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ما يبكيك ~~يا عمر؟! " قال: أبكاني أنا كنا في زيادة من ~~ديننا، فأما إذا أكمل، فإنه لا يكمل شيء إلا ~~نقص، قال: " صدقت " # واختلفوا في معنى الآية؛ قال بعضهم: معناها: اليوم أكملت لكم ~~شرائع دينكم من الفرائض والسنن والأحكام والحدود والحلال ~~والحرام، فلم ينزل بعدها حلال ولا حرام ولا شيء من الفرائض، ~~وثبت لكم جميع ما كنت أريد أن أبينه لكم في الأزل، فأما ~~دين الله فلم يزل كاملا لا ينقص فيه، وهذا قول ابن عباس ~~والسدي. وقال قتادة وسعيد: (معناه: أكملت لكم ~~دينكم؛ فلم يحج معكم مشرك). ويحتمل أن يكون المراد ~~بالأكمل للدين أظهره على سائر الأديان بالنصرة والغلبة، و ~~(اليوم) نصب على الظرف، كما يقال: الآن، وفي هذا الزمان. # قوله تعالى: { وأتممت عليكم نعمتي } أي أتممت ~~عليكم منتي بإظهار الدين حتى لم يحج معكم مشرك، وقيل: ~~نعمة الله بيان فرائضه، وقيل: هي إيجاب الجنة، ~~وقيل: معناه: وأنجزت لكم وعدي في قولي: # ولأتم نعمتي عليكم # [البقرة: 150]، فكان من تمام نعمته أن دخلوا مكة آمنين ~~وعليها ظاهرين، وحجوا مطمئنين، ولم يخالطهم أحد من المشركين. # قوله تعالى: { ورضيت لكم الإسلم دينا } أي ~~اخترت لكم الإسلام من الأديان كلها دينا، فمن دان بالإسلام، ~~فقد استحق ثوابي ورضاي. # والدين: اسم لجميع ما يعبد الله به خلقه، وأمرهم ~~بالإقامة عليه، وهو الذي أمروا أن ms0604 يكون ذلك عادتهم والذي به يجزون، ~~فإن الدين في اللغة: العادة، والدين الجزاء. # قوله تعالى: { فمن اضطر في مخمصة غير ~~متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم }؛ أي من ~~دعته الضرورة إلى أكل شيء مما حرم الله عليه في مجاعة ~~غير مائل إلى إثم؛ أي زائد على ما يسد به رمقه { ~~فإن الله غفور رحيم } أباح ذلك رحمة منه وتسهيلا على ~~خلقه. والمخمصة: مأخوذة من المخص وهو شدة ~~ضمور البطن، والمتجانف من الجنف وهو الميل. ### || [5.4] # قوله تعالى: { يسألونك ماذآ أحل لهم قل أحل ~~لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين ~~}؛ قال ابن عباس: (لما نزل قوله تعالى: # حرمت عليكم الميتة والدم # [المائدة: 3] جاء عدي بن حاتم إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال: إن لنا كلابا نتصيد بها فتأخذ ~~البقر والظباء والحمر، فمنها ما ندرك ذكاته، ~~ومنها ما لا ندرك، وقد حرم الله الميتة. ~~فأنزل الله هذه الآية). # ومعناها: يسألونك يا محمد: أي شيء أحل لهم من الصيد ~~وغيره؟ قل أحل لكم المباحات. يقال: هذا يطيب لفلان؛ ~~أي يحل، قال الله تعالى: # فانكحوا ما طاب لكم من النسآء # [النساء: 3] أي ما حل لكم. وكل شيء لم يأت تحريمه ~~في كتاب أو سنة فهو من الطيبات. وقال بعضهم: أراد ~~بالطيبات المستلذات والمشتهيات، وهو عام أريد به غير ما ~~تضمنته الآية المتقدمة. # قوله تعالى: { وما علمتم من الجوارح ~~مكلبين } أي وأحل صيد ما علمتم، فحذف ذكر الصيد ~~لأن في الكلام دليلا عليه، والجوارح: هي الكواسب من ~~الفهد؛ والصقر؛ والباز؛ والعقاب؛ والنسر؛ ~~والباشق؛ والشاهين وسائر ما يصطاد به الصيد. قال ~~الله تعالى: # ويعلم ما جرحتم بالنهار # [الأنعام: 60] أي كسبتم، وقيل: معنى الجوارح: الجارحات ~~بنات أو مخلب. قوله تعالى: { مكلبين } حال ~~للمعلمين؛ أي في حال إغرائهم الكلب على الصيد، ~~والتكليب: إغراء السبع على الصيد وإرساله. # ومن قرأ (مكلبين) بفتح اللام فهو حال من الكواسب ~~المعلمين. وقرأ ابن مسعود والحسن: (مكلبين) بإسكان الكاف ~~وتخفيف اللام، فعلى هذا المعنى يجوز أن يكون من قولهم: أكلب ms0605 ~~الرجل إذا كثرت كلابه، وأمشى إذا كثرت ماشيته، ~~ولذلك ذكر الكلاب؛ لأنها أعم وأكثر، والمراد به جميع ~~الجوارح. # قوله تعالى: { تعلمونهن مما علمكم الله }؛ ~~أي تؤدبوهن أن يمسكن الصيد عليكم كما أدبكم الله ~~تعالى: { فكلوا ممآ أمسكن عليكم واذكروا اسم ~~الله عليه }؛ أي على الإرسال، كما روي عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال لعدي بن حاتم: # " إذا أرسلت كلبك المعلم، وسميت الله تعالى ~~فكل، وإن أكل منه فلا تأكل، فإنه إنما أمسك ~~على نفسه " # وفي بعض الروايات: # " وإن شارك كلبك كلب آخر فلا تأكل، فإنك ~~إنما سميت على كلبك، ولم تسم على كلب غيرك " # وذهب بعض أهل العلم إلى أن معنى الإمساك في هذه الآية أن ~~يحفظ الكلب الصيد حتى يجيء صاحبه، فإن تركه حتى غاب عن ~~صاحبه ثم وجده صاحبه بعد ذلك ميتا لم يحل أكله. قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " كل ما أصميت، ودع ما أنميت " # ، قيل: الإصماء: ما رأيت؛ والإنماء ما توارى عنك. # واختلف أهل العلم في حد التعليم؛ قال أبو حنيفة رحمه ~~الله: (ليس فيه حد مؤقت، وإنما يرجع فيه إلى ~~أهل الصنعة، فإن حكموا بتعليمه حل صيده بعد ~~ذلك وإلا فلا؛ لأن الاصطياد للكلاب بمنزلة ~~الحرف والصناعات للناس، وليس في معرفة كون ~~الإنسان عالما بصنعته متقدما على حرفته حد ~~يؤمن عليه، ولكن يرجع في كل إلى أهلها). # وقال أبو يوسف ومحمد وكثير من الفقهاء: (إذا دعي الكلب ~~ثلاث مرات على الولاء فأجاب؛ وأرسل ~~فاسترسل، وأخذ الصيد ولم يأكل، حكمنا بكونه ~~معلما؛ لأن التعليم لا يحصل بالمرة الواحدة، ~~ويحصل بالمرات الكثيرة، فجعل الحد الفاصل ~~بين القليل والكثير بالثلاث التي هي أقل ~~الجمع الصحيح). # قوله تعالى: { واتقوا الله إن الله سريع ~~الحساب }؛ قد تقدم تفسيره، وروى أبو رافع قال: # " جاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فاستأذن؛ فأذن له فلم يدخل، فأخذ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم رداءه وخرج إليه فقال له: " قد أذنا ~~لك يا رسول الله! " قال: ms0606 أجل؛ ولكنا لا ندخل ~~بيتا فيه كلب ولا صورة. فنظروا فإذا في بعض ~~بيوتهم جرو ". # وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب ~~ولا جنب " # قال أبو رافع: (فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~لا أدع كلبا في المدينة إلا قتلته، فقتلت ~~حتى بلغت العوالي، فانتهيت إلى امرأة في ناحية ~~المدينة عندها كلب يحرس غنمها فرحمته؛ ثم ~~أتيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بأمره ~~فأمرني بقتله، فرجعت إلى الكلب فقتلته). وقال ~~ابن عمر رضي الله عنهما: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رافعا صوته يقول: # " اقتلوا الكلب ". # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " " لا يحل ثمن الكلب، ولا حلوان الكاهن، ولا ~~مهر البغي " ونهى عن اقتنائها وإمساكها، وأمر ~~بغسل الإناء من ولوغها سبع مرات إحداهن ~~بالتراب. قال: " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل ~~الكلب، فجاء أناس فقالوا: يا رسول الله! ما يحل ~~لنا من هذه الأمة التي أمرت بقتلها؟ فسكت ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية " " # فلما نزلت أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~اقتناء الكلاب التي ينتفع بها، ونهى عن اقتناء ~~ما لا ينتفع بها، وأمر بقتل الكلب العقور، وما ~~يضر ويؤذي، ورفع القتل عما سواها مما لا ~~ضرر فيه. # وعن عبدالله بن المغفل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها، ~~فاقتلوا منها الأسود البهيم، وأيما قوم ~~اتخذوا كلبا ليس بكلب صيد أو حرث أو ماشية، ~~فإنه ينقص من أجورهم كل يوم قيراط " # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من اقتنى كلبا ليس بكلب صيد ولا ماشية ولا ~~أرض، فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان " # والحكمة في ذلك: أنه ينبح على الضيف ويروع السائل. ### || [5.5] # قوله تعالى: { اليوم أحل لكم ms0607 الطيبات }؛ أي ~~الآن تمم الله لكم بيان الحلالات؛ وهو كل ما لم يجر ~~ذكره في المحرمات. قوله تعالى: { وطعام الذين ~~أوتوا الكتاب حل لكم }؛ أي ذبائح اليهود والنصارى حلال ~~لكم. # والدليل على أن المراد بالطعام ها هنا الذبائح: أن ما سوى ~~الذبائح من الأطعمة والأشربة حلال للمسلمين؛ سواء كانت لأهل الكتاب ~~أو لغيرهم، فبان المراد به الذبائح؛ لأن ذبائح غير أهل الكتاب ~~من الكفار حرام على المسلمين. قوله تعالى: { وطعامكم ~~حل لهم }؛ أي ذبائحكم حلال لهم؛ أي رخص لكم في أن ~~تطعموهم ذلك. # قوله تعالى: { والمحصنات من المؤمنات ~~والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب }؛ قال الحسن: ~~(أراد بالمحصنات ها هنا الحرائر من المؤمنات ~~والكتابيات). وقال ابن عباس: (أراد به الحرائر ~~العفائف منهن). # وتقدير الآية: وأحل لكم نكاح المحصنات من المؤمنات ~~والكتابيات، وقد استدل بعض الفقهاء بظاهر هذه الآية: على أنه لا ~~يجوز للمسلم نكاح الأمة الكتابية، والصحيح: أنه يجوز بظاهر ~~قوله تعالى: # بإذن أهلهن # [النساء: 25] بدليل حل ذبائحهن. # وإنما خص المحصنات بإباحة نكاحهن مع جواز نكاح غيرهن؛ ~~لأن الآية خرجت مخرج الامتنان والمنة في نكاح الحرائر ~~العفائف أعظم وأتم، يدل على ذلك: أنه لا خلاف في جواز النكاح ~~بين المسلم والأمة المؤمنة، وإن كان في الآية تخصيص ~~المحصنات من المؤمنات، والأفضل لمن أراد النكاح أن لا يعدل ~~عن نكاح الحرائر الكتابيات مع القدرة عليهن؛ وذلك لأن نكاح ~~الأمة يؤدي إلى إرقاق الولد؛ لأن الولد يتبع الأمة في ~~الرق والحرية، ولا ينبغي لأحد أن يختار رق ولده، كما لا ~~ينبغي أن يختار رق نفسه. # قوله تعالى: { من قبلكم إذآ آتيتموهن ~~أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي ~~أخدان }؛ أي ناكحين غير زانين معلنين بالزنا، ولا متخذي ~~صديقات للزنا سرا. قال الحسن: (كان بعض الجاهلية ~~تسافح وتزني بكل من وجد من النساء، وبعضهم ~~يتخذ خليلة يزني بها سرا ويتجنب الزنا ~~علانية، فبين الله تعالى بهذه الآية حرمة ~~الزنا سرا وعلانية). # قوله عز وجل: { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط ~~عمله وهو في الآخرة من الخاسرين ms0608 }؛ قال ابن عباس: ~~(لما رخص الله للمسلمين في نكاح الكتابيات؛ ~~قال أهل الكتاب: لولا أن الله رضي أعمالنا لم ~~يحل للمسلمين تزويج نسائنا. وقال المسلمون: ~~كيف يتزوج الرجل الكتابية وهي كافرة؟ ~~فأنزل { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو ~~في الآخرة من الخاسرين } من المغبونين، غبن ~~نفسه وفسق وصار إلى النار، لا يغني عن المرأة ~~الكتابية إسلام زوجها ولا ينفعها ذلك، ولا ~~يضر المسلم كفر زوجته الكتابية). ### || [5.6] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا إذا ~~قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ~~المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى ~~الكعبين }؛ قال ابن عباس وجماعة من المفسرين: (معناه: إذا ~~أردتم القيام إلى الصلاة، وإنما أضمروا إرادة ~~القيام؛ لأن صحة قيام الصلاة بالطهارة فلا ~~يصح جزء من القيام قبل تقدم الطهارة). # وظاهر الآية يقتضي أن القيام إلى الصلاة يكون سببا لوجوب ~~الطهارة، ولا خلاف بين السلف والخلف أن الطهارة لا تجب ~~سبب القيام إلى الصلاة، إلا أنه روي عن ابن عمر وعلي رضي ~~الله عنهما: (أنهما كانا يتوضأن عند كل صلاة، ~~ويقرآن هذه الآية). فيحتمل أنهما كانا يفعلان ذلك ندبا ~~واستحبابا، فإن تجديد الطهارة لكل صلاة مستحب. وقد روي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من توضأ فهو على وضوء ما لم يحدث " # وقال: # " لا وضوء إلا من حدث " # فثبت أن في الآية إضمار آخر تقديره: أذا أردتم القيام إلى ~~الصلاة وأنتم محدثون فاغسلوا وجوهكم، وهذا نظير قوله ~~تعالى: # فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من ~~أيام أخر # [البقرة: 184] معناه: فأفطر فعليه عدة من أيام أخر، ~~وقوله: # فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ~~ففدية من صيام # [البقرة: 196] معناه فحلق فعليه فدية. وقال بعضهم: معنى ~~الآية: إذا قمتم من نومكم إلى الصلاة، وقال: هذا على أن ~~النوم في حالة الاضطجاع حدث. # قوله تعالى: { فاغسلوا وجوهكم } الغسل: إجراء ~~الماء على المحل وتسييله، سواء وجد معه ~~الدلك أم لا، والوجه: ما يواجهك من الإنسان، ~~وحده من قصاص الشعر ms0609 إلى أسفل الذقن، ومن شحمتي ~~الأذن إلى شحمتي الأذن. وظاهر الآية يقتضي أن المضمضة ~~والاستنشاق غير واجبتين في الوضوء، لأن اسم الوجه يتناول الظاهر ~~دون الباطن. # قوله تعالى: { وأيديكم إلى المرافق } أي مع ~~المرافق، هكذا قال علماؤنا رحمهم الله تعالى، إلا زفر ~~رحمه الله؛ فإنه ذهب إلى ظاهر الآية وقال: (إن حرف (إلى) ~~للغاية، والغاية لا تدخل في الحكم كما في ~~قوله تعالى # ثم أتموا الصيام إلى الليل # [البقرة: 187]). وأما عامة العلماء فقالوا: إن (إلى) تذكر ~~بمعنى (مع) كما قال تعالى # ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم # [النساء: 2]، فاذا احتمل اللفظ الغاية واحتمل معنى المقارنة حل ~~محل المجمل، فكان موقوفا على بيان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. وقد روي: # " أنه كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه " # ، فصار فعله بيانا للمجمل، فحمل على الوجوب. # قوله تعالى: { وامسحوا برؤوسكم } اختلف العلماء في ~~مقدار وجوب المسح منه، فذهب مالك إلى أن مسح جميع الرأس ~~واجب، وقال: (ظاهر الآية يقتضي الجميع دون البعض، ~~لأنك إذا قلت: مررت بزيد؛ أردت جملته لا بعضه، ~~ومثل ذلك قوله تعالى: # وليطوفوا بالبيت العتيق # [الحج: 29] والمراد كل البيت، وكقوله تعالى: { ~~فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } ). وذهب الشافعي: ~~إلى أن الواجب مقدار ما يتناوله الاسم، ومن أصحابه من قدره ~~بثلاث شعرات. وهذا بعيد؛ لأن فاعله لا يسمى ماسحا رأسه ~~ولا برأسه، ولأن ذلك القدر يحصل بغسل الوجه، وفعل ذلك أيضا ~~متعسر. # وقال أصحابنا في الاحتجاج على مالك بأن (الباء) تذكر ويراد ~~بها التبعيض، كما تقول: أخذت برأس فلان، ومسحت برأس اليتيم، ~~فاذا احتمل اللفظ التبعيض كان مجملا فوجب الرجوع فيه إلى ~~فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وقد روي: # " أنه توضأ ومسح على ناصيته " # والناصية: هي الربع المقدم من الرأس، ومعلوم أنه كان ~~لا يترك بعض الواجب، فثبت أن الفرض مقدور على هذا المقدار، إلا ~~أن الأفضل أن يمسح جميع الرأس ليخرج عن الفرض بيقين. وقد روي: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح ومسح ~~جميع رأسه " # واختلف العلماء ms0610 في عدد مسح الرأس. قال علماؤنا: الأفضل أن ~~يمسح جميع رأسه بماء واحد. وروى الحسن عن أبي حنيفة: (أن ~~مسح رأسه ثلاث مرات بماء واحد كان سنة). وقال ~~الشافعي: (الأفضل أن يمسح ثلاثا بثلاث مياه). روي ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنه مسح رأسه مرة واحدة " # ، وقال صلى الله عليه وسلم: # " الوضوء ثلاثا ثلاثا إلا المسح " # وأما مسح الأذنين فهو سنة لا خلاف في ذلك بين أهل ~~العلم، وإنما اختلفوا في كيفية مسحهما. قال أصحابنا: ~~يمسح ظاهرهما وباطنهما مع الرأس بماء واحد، كما روي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنه مسح برأسه وأذنيه بماء واحد " # وفي بعض الروايات: # " مسح رأسه، ومسك شيئا لأذنيه؛ ثم قال: " ~~الأذنان من الرأس " " # وقال الشافعي: (هما عضوان منفردان يمسحان ثلاثا ~~بثلاث مياه). # وأما مسح الرقبة؛ فلم يذكر في شيء من الكتب المشهورة، ~~ويحتمل أن يكون سنة، ويحتمل أن يكون مستحبا؛ لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان يمسح مقدم رأسه؛ فقال بعضهم: إن ~~المقصود من مسح مؤخر الرأس مسح الرقبة. وقد روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من مسح رقبته في الوضوء أمن من الغل يوم ~~القيامة " # قوله تعالى: { وأرجلكم إلى الكعبين } قرأ ابن ~~عامر ونافع والكسائي وحفص ويعقوب: (وأرجلكم) بالنصب، وهي ~~قراءة علي رضي الله عنه، وقرأ الباقون (وأرجلكم) بالخفض وهي ~~قراءة أنس وعلقمة والشعبي، فمن نصب فمعناه: واغسلوا ~~أرجلكم عطفا على الوجه واليدين، ومن خفض فعلى العطف على ~~الرأس أو على الابتداء، والجواز لفظا لا معنى، كقول العرب: جحر ~~ضب خرب، وقولهم: أكلت السمن واللبن، واللبن يشرب ولا ~~يؤكل، ويقال: فلان متقلد سيفا ورمحا، والرمح لا يتقلد ~~به، وإنما يحمل. # وقال لبيد: وأطفلت بالجلهتين ظباؤها ونعامها، ~~النعام لا يطفل وإنما يفرخ، وقولهم: جحر ضب خرب، كان ~~ينبغي أن يقال: خرب لأنه نعت الجحر، وإنما خفض للمجاوزة. # وقال بعضهم: أراد بذلك المسح على الخفين، فإن الماسح على ~~الخفين يسمى ماسحا على الرجلين لقرب الجوار، كما ~~يقال: قبل ms0611 فلان على رجل الأمير ورأسه ويده، وإن كان ~~الرجلان في الخف، والرأس في العمامة، واليد في الكم. وفي ~~الحديث: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع وضع يديه ~~على ركبتيه " # وليس المراد أنه لم يكن بينهما حائل. واختار بعضهم المسح على ~~الرجلين، وهو قول ابن عباس، وقالوا: (الوضوء غسلان ~~ومسحان). وذهب بعضهم إلى أن المتوضئ مخير بين غسل ~~الرجلين ومسحهما. # وإذا احتملت قراءة الخفض المسح على الخفين، واحتملت مسح ~~الرجلين، واحتملت غسلهما، وجب الرجوع إلى فعل النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فقد روي: # " أنه داوم على غسل رجليه " # واتفقت الأمة على فعله. # وروى ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنه توضأ مرة مرة؛ وغسل رجليه؛ وقال: هذا ~~وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " # ، ولأن الله تعالى قال: { وأرجلكم إلى الكعبين } ، ~~وهذا يدل على الغسل كاليدين حدهما إلى المرافق وكان فرضهما ~~الغسل دون المسح. وقال صلى الله عليه وسلم: # " لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور ~~مواضعه، فيغسل وجهه ويديه ويمسح برأسه ~~ويغسل رجليه " # وعن جابر رضي الله عنه قال: # " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نغسل أرجلنا ~~إذا توضأنا " # وقال ابن أبي ليلى: (أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم على وجوب غسل الرجلين). وعن عبدالله بن عمر قال: # " مر النبي صلى الله عليه وسلم على قوم وعراقيبهم ~~تلوح، فقال: " أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من ~~النار " " # " ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أعمى يتوضأ، فقال: " ~~اغسل باطن قدميك " فجعل يغسل حتى سمي أبا ~~غسيل " # وقالت عائشة رضي الله عنها: (لإن يقطع قدماي ~~أحب إلي من أن أمسح عليهما من غير خفين). # وذهبت الروافض إلى أن الواجب في الرجلين المسح. ورووا في ~~المسح خبرا ضعيفا شاذا. # قوله تعالى: { إلى الكعبين } هما الناتئان من ~~جانبي الرجل، وهما مجمع مفصل الساق والقدم، مأخوذ ~~من الكعب وهو النتوء؛ يقال: جارية كاعب إذا خرج ~~ثدياها. # وروى هشام عن محمد: أنه الكعب الذي في وسط ms0612 القدم ~~عند مقعد الشراك. والصحيح: أن محمدا إنما قال ذلك في ~~المحرم بالحج، فإنه يقطع خفيه أسفل من الكعبين، قال ~~(والكعب ها هنا مقعد الشراك)، فنقل هشام ذلك إلى ~~الطهارة، ولا خلاف في الكعب في الوضوء بين العلماء الثلاثة: أنه ~~داخل في غسل الرجلين. # قوله تعالى: { وإن كنتم جنبا فاطهروا } ، أي إن ~~كنتم جنبا وأردتم القيام إلى الصلاة فاغتسلوا، ~~والجنب يوضع موضع الجمع؛ يقال: رجل جنب؛ ورجال جنب؛ ~~وقوم جنب. ولفظ الإطهار يقتضي تطهر جميع البدن في ~~الاغتسال من الجنابة كما قال صلى الله عليه وسلم: # " تحت كل شعرة جنابة، فبلوا الشعر وانقوا ~~البشرة " # ولهذا قال أصحابنا: إن المضمضة والاستنشاق واجبان في غسل ~~الجنابة، وقوله تعالى: { فاطهروا } أي فتطهروا، إلا ~~أن التاء تدغم في الطاء لقرب مخرجهما. وعن أنس رضي الله عنه ~~قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " يا بني! إذا أخذت في الغسل من الجنابة ~~فبالغ فيه، فإن تحت كل شعرة جنابة " فقلت: ~~يا رسول الله! وكيف أبالغ؟ قال: " رو أصول الشعر؛ ~~وانق بشرتك تخرج من مغتسلك وقد غفر لك كل ~~ذنب " ". # قوله تعالى: { وإن كنتم مرضى }؛ أي من جدري أو ~~غيره، فلم تطيقوا غسل هذه الأشياء، { أو على سفر } ، أو ~~كنتم مسافرين، { أو جآء أحد منكم من الغائط }؛ ~~معناه: وجاء أحد منكم من قضاء الحاجة، لأنه لا خلاء، وأن ~~المريض والمسافر إذا لم يكونا محدثين لا يلزمهما الوضوء ولا ~~التيمم، وقد تذكر (أو) بمعنى (الواو) مثل قوله تعالى: # وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون # [الصافات: 147]. # قوله تعالى: { أو لامستم النسآء }؛ معناه: أو ~~جامعتم النساء. { فلم تجدوا مآء }؛ أي تقدرون على ~~ما تتطهرون به من الجنابة والحدث، { فتيمموا ~~صعيدا طيبا }؛ أي اقصدوا ترابا نظيفا، { فامسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم منه }؛ اختلف العلماء في قوله ~~(منه)؛ قال أبو يوسف: (معناه التبعيض؛ أي امسحوا ~~بوجوهكم وأيديكم من بعض الصعيد وهو التراب). ~~وقال أبو حنيفة ومحمد: (معنى (من) ها هنا ابتداء ~~الغاية؛ أي فانقلوا اليد بعد وضعها على الصعيد ~~إلى الوجوه والأيدي ms0613 من غير أن يتخللها ما ~~يوجب الفصل). # قوله تعالى: { ما يريد الله ليجعل عليكم من ~~حرج }؛ أي ما يريد الله أن يجعل عليكم بتكليف العبادات تضييقا ~~في الدين، { ولكن } ، وإنما، { يريد } ، بذلك، { ~~ليطهركم } ، أن يطهركم من الذنوب والأحداث ~~والجنابة، كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أيما رجل قام إلى وضوئه يريد الصلاة ثم ~~غسل كفيه نزلت خطيئة كفيه مع أول قطرة، ~~فإذا تمضمض واستنشق نزلت خطيئة لسانه ~~وشفتيه مع أول قطرة، فإذا غسل وجهه ويديه ~~إلى المرفقين ورجليه إلى الكعبين سلم من كل ~~ذنب هو عليه، وكان كيوم ولدته أمه " # قوله تعالى: { وليتم نعمته عليكم }؛ قال الحسن: ~~(بإدخال الجنة)، وقال ابن عباس: (بجواز التيمم لكم ~~بالتراب في حال عدم الماء). { لعلكم تشكرون }؛ أي ~~لكي تشكروا نعمة الله عليكم في رخصته لكم ~~وتخفيفه عليكم في التكليف. قال عثمان رضي الله عنه: ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما توضأ عبد فأسبغ وضوءه، ثم قام إلى ~~الصلاة إلا غفر الله له ما بينه وبين الصلاة ~~الأخرى " ### || [5.7] # قوله عز وجل: { واذكروا نعمة الله عليكم ~~وميثاقه الذي واثقكم به }؛ أي احفظوا نعم الله ~~عليكم، وإنما ذكره بلفظ النعمة؛ لأنه ذهب فيه مذهب الجنس، { ~~وميثاقه } أي عهده الذي عاهدكم به. قال ابن عباس والحسن: ~~يعني الميثاق الذي أخذه الله تعالى على ذرية ~~آدم حين أخرجهم من صلبه، وقال: # ألست بربكم قالوا بلى # [الأعراف: 172]. # وقال السدي: (أراد بالميثاق هنا مبايعة النبي ~~صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في كل ما أمر ~~به أو نهى في حال العسر واليسر والرضا والكره). ~~وهذا أقرب إلى ظاهر الآية؛ لأن الله تعالى ذكرهم ~~الميثاق وهم لا يحفظون الميثاق الذي من وقت آدم. # وقيل: أراد به العهد الوثيق الذي أخذه الله على جميع عباده ~~في أوامره ونواهيه فسمعوه وقبلوه وآمنوا به على ما فسر ~~الله بقوله: { إذ قلتم سمعنا وأطعنا }؛ قوله ~~تعالى: { واتقوا الله }؛ أي اخشوا عقابه في نقض ~~الميثاق، { إن الله ms0614 عليم بذات الصدور }؛ أي بما في ~~القلوب من الوفاء والنقض، وذات الصدور ما تضمنته ~~الصدور وهي القلوب. ### || [5.8] # قوله عز وجل: { يا أيهآ الذين آمنوا كونوا ~~قوامين لله شهدآء بالقسط }؛ أي كونوا قوامين ~~بأمر الله قائلين له مبينين عن دين الله بالحق والعدل، { ~~ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا }؛ أي ~~لا يحملنكم بغض الكفار على ترك العدل فيه مكافأة لما ~~سلف منهم، ويقال: لا يحملنكم عداوة المشهود له على ~~كتمان ماله عندكم من الشهادة، ولا عداوة المشهود عليه على ~~إقامة الشهادة عليه بغير حق. # قوله تعالى: { اعدلوا هو أقرب للتقوى }؛ أي ~~اعدلوا في جميع أقوالكم وأفعالكم فيما لكم وعليكم، فإن العدل ~~أقرب للتقوى؛ أي أقرب إلى أن تصيروا به مؤمنين، وقيل: أقرب ~~إلى تقوى عذاب الله. { واتقوا الله إن الله خبير بما ~~تعملون }؛ من الخير والشر والعدل والجور. ### || [5.9-10] # قوله تعالى: { وعد الله الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات }؛ أي الذين صدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~والقرآن، وعملوا الصالحات فيما بينهم وبين ربهم، وهذا تمام ~~الكلام، يقال: وعدت الرجل؛ يراد بذلك وعدته خيرا، ~~وأوعدت الرجل؛ يراد بذلك شرا، فكان الله لهم دليلا على ~~عدة الخير، ثم فسر ذلك الخير فقال: { لهم مغفرة ~~وأجر عظيم }؛ أي مغفرة لذنوبهم، وثواب عظيم في ~~الجنة. قوله تعالى: { والذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنآ أولئك أصحاب الجحيم }؛ أي أصحاب النار ~~الموقدة، والجحيم من أسماء جهنم. ### || [5.11] # قوله تعالى: { يا أيهآ الذين آمنوا اذكروا ~~نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا ~~إليكم أيديهم }؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~(وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية ~~سبعين رجلا إلى بني عامر بن صعصعة، وأمر ~~عليهم المنذر بن عمرو الأنصاري، وكان طريقهم ~~على بني سليم، وكانوا يومئذ صلحاء لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وأمر عليه السلام السرية أن ~~ينزلوا على بني سليم فنزلوا عليهم، فبعث بنو ~~سليم إلى بني عامر وأخبروهم بأمرهم وقلتهم، ~~فارتحل المسلمون من عند بني سليم إلى بني ~~عامر، فأضل أربعة ms0615 منهم بعيرا لهم، فاستأذنوا ~~أميرهم أن يطلبوا بعيرهم ثم يلحقوا بهم ~~فأذن لهم، وسار المنذر بمن بقي معه حتى ~~أتاهم وقد جمعوا لهم واستعدوا لهم بالسلاح، ~~فالتقوا ببئر معونة فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم ~~قتل المنذر ومن معه جميعا. # ثم أقبل الأربعة الذين أضلوا البعير، ~~فلقيتهم أمة لبني عامر فقالت لهم: أمن أصحاب ~~محمد أنتم؟ قالوا: نعم، قالت: فإن إخوانكم قد ~~قتلوا جميعا على الماء، فقال: أحد الأربعة: ما ~~ترون؟ قالوا: نرى أن نرجع إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فنخبره بالأمر، قال: لا؛ ولكن والله لم أكن ~~لأرغب بنفسي عن أصحابي، إرجعوا فأقرئوا محمدا ~~صلى الله عليه وسلم مني السلام. ثم أشرف على أصحابه ~~فإذا هم مقتولون، والمشركون قعود يتغدون، ~~فانحدر إليهم من الجبل بسيفه فقاتلهم حتى ~~قتل. # وغشي الثلاثة المدينة، فلقوا رجلين من بني ~~سليم خارجين من المدينة فقالا لهما: من ~~أنتما؟ قالا: من بني عامر، قالا: هذان من الذين ~~قتلوا إخواننا؛ فقتلوهما وأخذوا سلاحهما، ثم ~~دخلوا المدينة فأخبروا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال: # " بئس ما صنعتم، قتلتم رجلين من أهل الميثاق ~~" # وجاء أولياء القتيلين يطلبون القصاص، فقال ~~صلى الله عليه وسلم: # " ليس لكم إلا دية صاحبيكم أغرنا إلى عدونا ~~من بني عامر، ولكنا نؤدي إليكم الدية " # فانطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر ~~وعمر وعثمان وعلي حتى أتى بني قريظة؛ فقال ~~لهم: # " إنكم جيراننا وحلفاؤنا، وقد علمتم ما ~~أصبنا به من دم الرجلين من بني سليم وهما من ~~أهل الميثاق، ونحن نريد أن نؤدي ديتهما، ~~فاتخذوا بها عندنا يدا نجزيكم بها بعد اليوم، ~~فإن الأيام دول " # فقالوا: مرحبا وأهلا يا أبا القاسم، ولكن ~~إخواننا من بني النضير لا نقضي أمرا من دونهم، ~~نعلمهم بذلك حتى تأتينا يوم كذا وقد جمعنا ~~الذي تريد. فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه. # فلما كان يوم الميعاد؛ أتاهم ومعه أبو بكر ~~وعمر وعثمان وعلي وطلحة وعبدالرحمن بن ~~عوف؛ فأجلسوهم في بيت، ثم خرجوا يجمعون ~~السلاح، ms0616 وخلا بعضهم ببعض وقالوا: إنكم لن ~~تجدوا محمدا أقرب منه الآن؛ فمن يظهر على هذا ~~البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه، فقال ~~عمر بن جحاش: أنا، فجاء إلى رحاء عظيمة ~~ليطرحها عليه؛ فأمسك الله أيديهم. # وقيل: لما جمعوا السلاح وهموا بقتل رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وأصحابه، جاء جبريل عليه السلام، ~~فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فخرج النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقام على الباب، وإذا هم مجتمعون ~~ينتظرون قدوم كعب بن الأشرف ليهجموا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وخرج علي رضي الله ~~عنه وإذا هو برسول الله صلى الله عليه وسلم قائما على ~~الباب، فقال: يا رسول الله! أبطأت علينا حتى ~~خفنا أن يكون قد اغتالك أحد، فقال: # " قد أرادوا ذلك، اللهم العنهم " # ثم خرج بقية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فلحقوا جميعا بالنبي صلى الله عليه وسلم، فجاءت ~~اليهود فقالوا: يا رسول الله! إن قدورنا تغلي ~~نريد أن نطعمك، وقد رجعت بغير علمنا. ~~فأخبرهم بما هموا به وعزموا عليه، فأنزل الله ~~هذه الآية). # ومعناها: يا أيها الذين آمنوا بالله وكتبه ورسله ~~احفظوا منة الله عليكم إذ هم قوم - وهم بنو قريظة - ~~أن يبسطوا إليكم أيديهم بالقتل، { فكف أيديهم عنكم ~~}؛ بالمنع عن قتلكم، { واتقوا الله وعلى الله ~~فليتوكل المؤمنون }؛ في جميع أمورهم وأحوالهم. ### || [5.12] # قوله عز وجل: { ولقد أخذ الله ميثاق بني ~~إسرآئيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا }؛ أي أخذ ~~الله العهد على بني إسرائيل أن يؤمنوا به وبجميع كتبه ~~ورسله، وبعث منهم اثني عشر ملكا، من كل سبط منهم ~~رجل ليأخذ على قومه ما يأمرهم الله به من طاعته. وقيل: إن ~~النقيب هو الرسول والأمين، وهم الذين أرسلهم موسى إلى قومه ~~الجبارين عيونا، فوجدوهم يدخل في كم أحدهم أربعة منهم، ولا ~~يحمل عنقود عنب إلا عشرة منهم، ويدخل في شق رمانة إذا نزع ~~حبه خمسة أنفس وأربعة، فرجع النقباء كلهم، ونهى كل نقيب سبطه ~~عن القتال إلا يوشع بن نون وكالب ms0617 بن يوقنا أمرا أقوامهما ~~بالقتال. # وقال الحسن: (النقيب الضمين، وإنما أراد بهذا أن ~~يضمن بها مراعاة أحوالهم)، وقد روي: # " أن النبي صلى الله عليه وسيلم جعل الأنصار ليلة ~~العقبة اثنى عشر نقيبا " # وفائدة النقيب: أن القوم إذا علموا أن عليهم نقيبا كانوا ~~أقرب إلى الاستقامة، والنقيب والعريف نظيران، وقيل: ~~النقيب فوق العريف. # قوله تعالى: { وقال الله إني معكم }؛ خطاب ~~للنقباء، ومعناها: إني حفيظ عليكم في النصر لكم والدفع ~~عنكم. وقيل: هو خطاب لجميع بني إسرائيل ضمن لهم النصر على ~~عدوهم بالشرائط التي شرطها عليهم بقوله تعالى: { لئن ~~أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي ~~وعزرتموهم }؛ أي لو عظمتموهم ونصرتموهم ~~بالسيف على الأعداء، { وأقرضتم الله قرضا حسنا }؛ أي ~~تصدقتم من أموالكم تطوعا صدقة حسنة؛ وهي أن تكون من ~~حلال المال وخياره برغبة وإخلاص لا يشوبها رياء ولا سمعة ~~ولا يكدرها من ولا أذى، { لأكفرن عنكم ~~سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار }؛ من تحت شجرها ومساكنها؛ { فمن كفر بعد ~~ذلك }؛ العهد والميثاق؛ { منكم فقد ضل سوآء ~~السبيل }؛ اي أخطأ قصد الطريق وهو طريق الجنة، فمن ~~أضله وقع في طريق النار إذ لا طريق سواهما. ### || [5.13] # قوله عز وجل: { فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم ~~وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن ~~مواضعه }؛ أي فنقض اليهود ميثاقهم الذي أخذ عليهم في ~~التوراة فباعدناهم من الرحمة، وقيل: عذبناهم ~~بالجزية. وقيل: مسخناهم قردة وخنازير، ودخول ~~(ما) في هذه الآية صلة زائدة. # قوله تعالى: { وجعلنا قلوبهم قاسية } أي ~~صيرناها يابسة خالية من حلاوة الإيمان مجازاة لهم على ~~معصيتهم. قرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي: (قسية) ~~بتشديد الياء من غير ألف، وقرأ الباقون (قاسية) بألف وهما ~~لغتان، مثل زكية وزاكية، وقيل: معنى (قاسية): ~~غليظة متكبرة لا تقبل الوعظ، وقيل: رديئة ~~فاسدة، من الدراهم القسية، وهي المغشوشة. # قوله تعالى: { يحرفون الكلم عن مواضعه }. قرأ ~~السلمي والنخعي: يحرفون الكلام باللف؛ أي يغيرون ~~ألفاظه ولا يقرونه على ما هو عليه في التوراة، كما أخبر الله ~~تعالى عنهم من لي ألسنتهم بالكتاب، وقيل: ms0618 يغيرون ~~تأويله. # قوله تعالى: { ونسوا حظا مما ذكروا به }؛ أي ~~وتركوا نصيبا مما أمروا به في كتابهم من نعت محمد ~~صلى الله عليه وسلم وصفته، ومن رجم الزاني المحصن، وأصل ~~النسيان الترك. # قوله تعالى: { ولا تزال تطلع على خآئنة ~~منهم }؛ أي لا تزال يا محمد تطلع على خائنة ~~ومعصية منهم، وفاعلة من أسماء المصادر مثل: عاقبة ~~وكاذبة، وقد تكون الخائنة من أسماء الجماعة كما يقال: رافض ~~ورافضة، فيكون المعنى: ولا تزال تطلع على فرقة خائنة منهم ~~مثل كعب بن الأشرف وأصحابه من بني قريظة حين نقضوا العهد، ~~وركبوا إلى أبي سفيان بمكة، ولقوه وعاهدوه على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على ما سبق ذكره. # قوله تعالى: { إلا قليلا منهم }؛ لم ينقضوا العهد، ~~وهم عبدالله بن سلام وأصحابه. وقال ابن عباس: (معنى قوله ~~تعالى (خائنة) أي معصية)، وقال بعضهم: أي كذب وفجور، ~~وكانت خيانتهم بنقض العهد، ومظاهرتهم المشركين على حرب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهمهم بقتله. # قوله تعالى: { فاعف عنهم واصفح }؛ أي أعرض عنهم ~~ولا تعاقبهم، { إن الله يحب المحسنين }؛ أي ~~المتجاوزين، وهذا منسوخ بآية السيف بقوله: # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ~~الآخر # [التوبة: 29]. ### || [5.14-16] # قوله تعالى: { ومن الذين قالوا إنا نصارى ~~أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به }؛ ~~بين الله تعالى أن النصارى لم يكونوا بعد أخذ الميثاق ~~أحسن معاملة من اليهود، ومعنى أخذ الميثاق: هو ما أخذ الله ~~عليهم في الإنجيل من العهد المؤكد باتباع ~~محمد صلى الله عليه وسلم وبيان صفته ونعته، كما قال ~~تعالى في آية أخرى: # مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا ~~برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد # [الصف: 6] فنسوا حظا مما ذكروا به؛ أي تركوا بعضا مما ~~ذكروا به، { فأغرينا بينهم العداوة والبغضآء ~~إلى يوم القيامة }؛ أي هيجنا بين فرق النصارى، ~~وهم النسطورية واليعقوبية والملكانية، ~~وألقينا بينهم العداوة في الدين. # وذلك أن الله رفع الألفة بينهم وألقى بينهم العداوة ~~والبغضاء، فهم يقتتلون إلى يوم القيامة. وأصل ~~الإغراء: الإلصاق مأخوذ ms0619 من الغراء الذي يلصق به ~~الأشياء، والعداوة: تباعد القلوب والنيات، ~~والبغضاء: البغض. قوله تعالى: { وسوف ينبئهم ~~الله بما كانوا يصنعون }؛ أي يخبرهم في الآخرة بما كانوا ~~يصنعون من الجناية والمخالفة وكتمان نعت محمد صلى الله ~~عليه وسلم وصفته. # ثم خاطب الله تعالى الفريقين من اليهود والنصارى فقال تعالى: { ~~يا أهل الكتاب قد جآءكم رسولنا يبين لكم ~~كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب }؛ يعني التوراة ~~والإنجيل. قوله تعالى: { تخفون } يعني صفة محمد ~~صلى الله عليه وسلم وآية الرجم، وإضافة اليهود والنصارى إلى ~~الكتاب تعيير لهم، كما يقال: يا عاقل لم تعلم؛ أي يا ~~جاهل. # وقوله تعالى: { ويعفوا عن كثير قد جآءكم من الله ~~نور وكتاب مبين }؛ يعني بالنور محمدا صلى الله عليه ~~وسلم يبين لكم كثيرا مما كنتم تكتمون من الإسلام، وآية ~~الرجم، وتحريم الزنا وغير ذلك. قوله تعالى: { ~~ويعفوا عن كثير } أي يتجاوز عن كثير مما كنتم تكتمونه ~~ولا يعاقبكم عليه، يعني مما لم يؤمر ببيانه، وقوله تعالى: ~~{ وكتاب مبين } يعني القرآن يبين الحلال والحرام ~~والأمر والنهي. ### || [5.16-17] # قوله تعالى: { يهدي به الله من اتبع رضوانه ~~سبل السلام }؛ أي يهدي الله بالقرآن من قبل الحق ~~ورغب في الإسلام، وقوله تعالى: { رضوانه } أي رضا الله، ~~وقوله تعالى: { سبل السلام } أي طرق السلامة، وهي دين ~~الإسلام، والسلام والسلامة، كالرضاع والرضاعة، ويقال: ~~السلام هو الله، وسبل السلام: طرق الله التي دعا إليها. # قوله تعالى: { ويخرجهم من الظلمات إلى النور ~~}؛ أي يخرجهم من ظلمات الكفر، بالتعريف لهم إلى نور الإيمان، ~~{ بإذنه }؛ أي بإذن الله ومشيئته، وسمي الإيمان نورا؛ ~~لأن الإنسان إذا آمن أبصر به طريق نجاته فطلبه، وطريق ~~هلاكه فحذره. قوله تعالى: { ويهديهم إلى صراط ~~مستقيم }؛ أي ويرشدهم إلى طريق الحق. # وقوله عز وجل: { لقد كفر الذين قآلوا إن ~~الله هو المسيح ابن مريم }؛ نزلت في نصارى نجران ~~وهم الماريعقوبية أو اليعقوبية، قالوا: إن الله هو المسيح بن ~~مريم، قال الله تعالى: { قل فمن يملك من الله ~~شيئا }؛ أي قل لهم يا محمد: من ms0620 يقدر أن يدفع شيئا من ~~عذاب الله؛ { إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم ~~وأمه ومن في الأرض جميعا }؛ أي إن أراد أن يهلك ~~عيسى ابن مريم وأمه، وهذا احتجاج من الله تعالى على النصارى بما ~~لا يملكون دفعه، إذ المسيح وأمه بشران يأكلان الطعام ~~ويحتاجان إلى ما يحتاج إليه الناس، وقد علموه ضرورة أنهما ~~كانا بعد أن لم يكونا، وشاهد كثير منهم ميلاد عيسى وحاله ~~من الطفولة والشباب والكهولة. # قوله تعالى: { إن أراد أن يهلك المسيح ابن ~~مريم وأمه } أي إذا أراد الله إهلاك عيسى وأمه لما ~~أعجزه ذلك، ولا هناك دافع، وكيف يكون إلها من لا يقدر على دفع ~~الهلاك عن نفسه ولا عن غيره. # قوله تعالى: { ولله ملك السموت والأرض وما ~~بينهما }؛ أي من ملك السماوات والأرض لا يوصف ~~بالولادة. وقيل: من كان مالك السماوات والأرض يقدر على ~~خلق ولد بلا والد، كما قال تعالى: { يخلق ما يشآء }؛ أي ~~كما يشاء، بأب وبغير أب، ولو كان خلق عيسى من غير أب موجبا ~~كونه إلها وابنه لكان خلق آدم من غير أب ولا أم أولى ~~بذلك؛ لأنه أعجب وأبدع. قوله تعالى: { والله على ~~كل شيء قدير }؛ من خلق عيسى وغيره قادر على عقوبتكم. ### || [5.18] # قوله عز وجل: { وقالت اليهود والنصارى نحن ~~أبناء الله وأحباؤه }؛ وذلك: أن جماعة من اليهود ~~دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فدعاهم إلى الإيمان وحذرهم، ~~فقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه فلا يعذبنا، وكذلك قالت ~~النصارى نحن أبناء الله وأحباؤه، حين حذرهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عذاب الله. وأرادوا بقولهم: نحن ~~أبناء الله وأحباؤه: نحن من الله بمنزلة الأبناء ~~والآباء، وقرابا من الله كقرب الوالد لولده، وحبه ~~إيانا كحب الوالد لولده، وغضب الله علينا كغضب الوالد على ~~ولده، إذا سخط على ولده في وقت يرضى عنه في وقت آخر. # قوله تعالى: { قل فلم يعذبكم بذنوبكم }؛ أي لم ~~عذب من قبلكم من اليهود والنصارى الذين كانوا أمثالكم في ~~الدين فمسخهم الله في الدنيا. ms0621 قوله تعالى: { بل ~~أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشآء }؛ أي لستم ~~بأبناء الله ولا أحبائه، ولكنكم خلق كسائر الخلق، يغفر ~~لمن هداه للإسلام، ويعذب من مات على الكفر. قوله ~~تعالى: { ويعذب من يشآء ولله ملك السموت ~~والأرض وما بينهما }؛ أي له القدرة على أهل ~~السماوات والأرض، وما بينهما من الخلق والعجائب، { ~~وإليه المصير }؛ أي إليه مصير من آمن ومن لم ~~يؤمن. ### || [5.19-20] # قوله عز وجل: { يا أهل الكتاب قد جآءكم ~~رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل }؛ أي يا ~~أهل التوراة والإنجيل قد جاءكم محمد صلى الله عليه وسلم ~~يبين لكم الحلال والحرام على انقطاع من الرسل، ودروس ~~من العلم. قال الكلبي: (كان بين ميلاد عيسى ~~ومحمد صلى الله عليه وسلم خمسمائة وتسعة وتسعون ~~سنة، وبعد ميلاد عيسى أربعة من الرسل في ~~مائة وأربعة وثلاثين سنة، كما قال تعالى: # إذ أرسلنآ إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا ~~بثالث # [يس: 14] قال: ولا أدري الرسول الرابع من هو). قال ~~بعضهم: كان بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما ~~ستمائة سنة. # قوله تعالى: { أن تقولوا ما جآءنا من بشير ولا ~~نذير }؛ معناه: كيلا تقولوا يوم القيامة ما جاءنا من ~~بشير يبشرنا بالجنة، ولا مخوف يخوفنا بالنار، { ~~فقد جاءكم بشير }؛ يبشركم بالجنة إن أطعتموه، { ~~ونذير }؛ ينذركم بالنار إن عصيتموه، { والله على ~~كل شيء قدير }؛ من إرسال الرسل والثواب والعقاب. # وقوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه ياقوم اذكروا ~~نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبيآء ~~وجعلكم ملوكا }؛ فاذكروا يا أهل الكتاب إذ قال موسى ~~لبني إسرائيل احفظوا منة الله عليكم إذ أكرم بعضكم ~~بالنبوة، وهم السبعون الذين اختارهم موسى وانطلقوا معه ~~إلى الجبل. # وإنما من الله عليهم بذلك، لأن كثرة الأشراف والأفاضل في ~~القوم شرف وفضل لهم، ولا شرف أعظم من النبوة، وقوله تعالى: ~~{ وجعلكم ملوكا } أي أحرارا تملكون أمر أنفسكم بعد ~~أن كانت تستعبدكم القبطة في مملكة فرعون، وقيل: ~~ملوكا ذوي خدم، وأهل منازل لا يدخل عليكم فيها إلا بإذن. # قوله تعالى: { وآتاكم ما لم يؤت ms0622 أحدا من ~~العالمين }؛ أي أعطاكم من عالمي زمانكم، ويقال: أراد بذلك ~~جميع العالمين، فإنه تعالى أنزل عليهم المن والسلوى، ~~وظللهم بالغمام، ولم يؤت أحدا مثل هذه النعم قبلهم. # ولا يدخل المستقبل في اللفظ؛ لأن اللفظ خبر عن ما مضى، ولا ~~يدخل ذلك على أنه لم يؤت أمة محمد صلى الله عليه وسلم مثل ~~الفضيلة التي آتاهم أو أكثر، والغرض من هذه الآية أن الله ~~تعالى أراد أن يكلفهم دخول الأرض المقدسة، وكان يشق ذلك ~~عليهم فقدم ذكر نعمه عليهم ليكون بأمتثالهم مثال على ~~امتثال أمر الله تعالى. ### || [5.21] # قوله تعالى: { ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة ~~التي كتب الله لكم }؛ قال ابن عباس: (وذلك أن ~~الاثني عشر نقيبا الذين أرسلهم موسى إلى قرية ~~الجبارين جواسيس؛ لما انتهوا إلى مدينتهم ~~أخذوا فأتي بهم إلى الملك، ويقال أخذهم عوج ابن ~~عنق واحتملهم في ثوبه حتى ألقاهم بين يدي ~~الملك، فقيل للملك: إن هؤلاء يزعمون أنهم ~~يفتحون مدينتك ويظهرون عليك، قال: فطوفوا بهم ~~المدينة فأروهم إياها. # فطافوا بهم، وكانوا يلعبون بهم حتى أن الرجل ~~منهم ليأتي بالقدح والسكرجة والقصعة فيدخل ~~واحد منهم تحتها، ثم ردوهم إلى الملك فأراد ~~قتلهم، فقالت: إيش تصنع بقتل هؤلاء ويكفيهم ~~ما رأوا، ردوهم إلى أصحابهم يحدثونهم بما رأوا، ~~فأرسلوهم. # فلما خرجوا قال بعضهم لبعض: قد علمتم خلاف ~~بني إسرائيل لموسى، وقد وعد الله موسى أن يفتح ~~لهم الأرض، ولن يخلف الله وعده، فهيموا ~~التحالف أن لا يخبر شيئا غير موسى؛ فتحالفوا. # فلما خلوا بنسائهم جعلت المرأة تسأل زوجها ~~عما رأى، فيأخذ عليها المواثيق أن لا تخبر ~~أحدا، ثم يخبرها، وجعلت المرأة يأتيها أبوها ~~وأمها وإخوانها فتأخذ عليهم المواثيق ثم ~~تخبرهم. # فما ارتفع النهار حتى فشا الخبر في البلاد، ~~ولم يخبر يوشع ولا كالب أحدا بشيء من أمرهم، ~~إنما أخبر بذلك العشرة. فجمع موسى عليه السلام بني ~~إسرائيل وخطبهم ثم قال: يا بني إسرائيل ~~اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء...) ~~إلى قوله: { فتنقلبوا خاسرين }. # وأما قوله تعالى: { ادخلوا الأرض ms0623 المقدسة } قال ~~ابن عباس: (هي أرض بيت المقدس). ويقال: هي دمشق وفلسطين ~~وبعض الأردن، وسميت (المقدسة)؛ لأنها طهرت من ~~الشرك، وجعلت مسكنا وقرارا للأنبياء صلوات الله ~~عليهم. # قوله تعالى: { التي كتب الله } أي أمركم بدخولها. ~~وقيل: التي كتب الله لكم في اللوح المحفوظ أنها لكم ~~مساكن، ويقال: التي وهب الله لأبيكم إبراهيم عليه السلام، وجعلها ~~ميراثا لكم، وذلك أن إبراهيم حين ارتفع على الجبل، قيل له: ~~أنظر؛ فلك ما أدرك بصرك وهو ميراث لولدك من بعدك. # وقوله تعالى: { ولا ترتدوا على أدباركم ~~فتنقلبوا خاسرين }؛ أي لا ترجعوا وراءكم وتجبنوا من ~~عدوكم منهزمين منهم فتنصرفوا مغبونين بفوت الظفر في الدنيا ~~والعقوبة في الآخرة. ### || [5.22] # قوله تعالى: { قالوا ياموسى إن فيها قوما ~~جبارين }؛ أي قالت بنو إسرائيل: يا موسى إن فيها قوما ~~عظماء قتالين، { وإنا لن ندخلها حتى ~~يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون }؛ ~~حينئذ. ### || [5.23] # قوله تعالى: { قال رجلان من الذين يخافون }؛ أي ~~قال يوشع وكالب من الاثني عشر الذين أرسلهم موسى إلى قرية ~~الجبارين، وكانوا يخافون الجبارين، { أنعم الله عليهما ~~}؛ أي هداهما لقبول أمره ومعرفة صدق وعده: { ادخلوا ~~عليهم الباب }؛ أي باب قرية الجبارين وهي أريحا، { فإذا ~~دخلتموه }؛ أي فإذا دخلتم ذلك الباب؛ { فإنكم غالبون ~~}؛ عليهم؛ لأنهم إذا رأوا كثرتكم انكسرت قلوبهم فتغلبوهم، { ~~وعلى الله فتوكلوا }؛ أي فوضوا أمركم إليه، { إن ~~كنتم مؤمنين }؛ أي مصدقين بوعد الله. # وفي الآية ثناء على الرجلين إذ لم يمنعهما الخوف من العدو ~~عن قول الحق. وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا يمنعن أحدكم مخافة الناس أن يقول الحق ~~إذا رآه أو عمله، فإنه لا يبعد من رزق الله ولا ~~يدني من أجل " ### || [5.24] # قوله عز وجل: { قالوا ياموسى إنا لن ~~ندخلهآ أبدا ما داموا فيها }؛ وذلك أن موسى لما ~~أمرهم من قول الرجلين أن يدخلوا قرية الجبارين، قالت له ~~بنو إسرائيل: أتكذب العشرة وتصدق الاثنين، إنا لا ~~ندخلها أبدا ما داموا فيها، { فاذهب أنت وربك ~~فقاتلا إنا ms0624 هاهنا قاعدون }؛ منتظرين، فقولهم: ~~اذهب أنت وربك، احتمل أنهم قالوا ذلك على وجه المجاز ~~على معنى: وربك معين لك، وكان هذا القول فسقا منهم من ~~امتناعهم عن المضي إلى أمر الله. # وقيل: يحتمل أنهم عنوا بذلك الذهاب ذهاب النقلة، وهذا ~~تشبيه وكفر من قائله، وهو أقرب إلى معنى كلامهم؛ لأن كلام ~~الله تعالى خرج مخرج الإنكار عليهم، والتعجب من جهلهم. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لما أراد الخروج ~~إلى بعض الغزوات استشار سعد بن معاذ وسعد بن ~~عبادة ذلك؛ فقالا: (إنا لن نقول لك مثل ما قالت ~~بنو إسرائيل لموسى: إذهب أنت وربك فإنا ها هنا ~~قاعدون، ولكنا نقول: إذهب فقاتل عدوك إنا ~~معك مقاتلون). # وفي بعض الروايات قالوا: (أقعد أنت فإنا بأمرك ~~مقاتلون). وقال المقداد ابن الأسود: ((إنا والله لا ~~نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: (إذهب أنت ~~وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون) ولكنا نقول: ~~نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك ~~وخلفك، ولو خضت بنا البحر لخضناه معك، ولو ~~علوت جبلا لعلوناه معك. فأشرق وجه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لذلك وسره)). ### || [5.25-26] # قوله عز وجل: { قال رب إني لا أملك إلا ~~نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين ~~}؛ قال ابن عباس: (وذلك أن موسى عليه السلام غضب من ~~مقالة قومه، وكان رجلا حديدا فقال: { رب إني ~~لا أملك إلا نفسي } ولا أملك إلا أخي، يعني لا ~~يطيعني من هؤلاء إلا أخي هارون، { فافرق بيننا ~~وبين القوم الفاسقين } أي اقض وافصل بيننا وبين ~~القوم العاصين. # وكانت عجلة عجلها موسى عليه السلام، فأوحى الله إلى ~~موسى: إلى متى يعصيني هذا الشعب وإلى متى لا يصدقون ~~بالآيات، لأهلكنهم واجعلن لك شعبا أشد وأكثر ~~منهم. فقال: إلهي لو أنك أهلكت هذا الشعب من أجل أنهم لن ~~يستطيعوا أن يدخلوا هذه الأرض فتقتلهم في البرية وأنت عظيم ~~عفوك كثير نعمتك وأنت تغفر الذنوب، فاغفر لهم. # فقال الله تعالى: قد غفرت لهم بكلمتك، ولكن بعدما ~~سميتهم فاسقين، ms0625 ودعوت عليهم في عجلة لأحرمن عليهم ~~دخول الأرض المقدسة، فذلك قوله: { قال فإنها محرمة ~~عليهم أربعين سنة يتيهون }؛ يتحيرون؛ { في ~~الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين }. # وقيل: إن قولهم لموسى: { فافرق بيننا وبين القوم ~~الفاسقين } كان سؤالا منه الفرق في الحقيقة دون القضاء، وكان ~~دعاؤه منصرفا إلى الآخرة، أي أدخلنا الجنة إذا أدخلتهم ~~النار، ولم يعن بذلك في الدنيا؛ لأنه لو عنى ذلك لأجاب الله ~~تعالى دعاءه وأهلكهم جميعا؛ لأن دعاء الأنبياء لا يرد من ~~أجل أنهم يدعون بأمر الله تعالى. # ويقال: كان هذا دعاء راجعا إلى الدنيا، وقد أجاب الله تعالى ~~دعاءه؛ لأنه عاقب قومه في التيه، ولم يكن موسى وهارون ~~محبوسين في التيه؛ لأن الأنبياء عليهم السلام لا يعذبون. ~~قال الحسن: (لا يجوز أن يكون موسى معهم فيها لا ~~حيا ولا ميتا، ولا يجوز إذا عذب الله بنبي إلا أن ~~ينجي ذلك النبي ومن آمن معه). ويقال: إن هذا ~~الدعاء كان من موسى عليه السلام عند الغضب؛ لأنه عنى به الحقيقة، ~~ألا ترى أنه ندم على دعائه وجزع من تحريم قرية الجبارين عليهم جزعا ~~شديدا حتى قيل له: لا تأس على القوم الفاسقين. # قوله عز وجل: { فإنها محرمة عليهم أربعين ~~سنة } أي قال الله تعالى: فإن الأرض المقدسة محرمة ~~عليهم؛ أي هم ممنوعون من دخولها أربعين سنة، وأصل ~~التحريم المنع. قال الله تعالى: # وحرمنا عليه المراضع من قبل # [القصص: 12] وأراد: به المنع. # قوله تعالى: { يتيهون في الأرض } أي يتحيرون. قال ~~ابن عباس: (يتحيرون في ستة فراسخ أربعين سنة، ~~كانوا يسيرون في أول النهار فيمسون في مكانهم، ~~ويسيرون في أول الليل، فتدور بهم الأرض ~~فيصبحون في مكانهم). قال الحسن: (عمي عليهم ~~السبيل وأخفي عليهم الأعلام التي يهتدون إلى ~~الطريق فلم يستطيعوا الخروج منها). # وذهب بعضهم أن قوله: { أربعين سنة } منصوب ب { ~~يتيهون } ، قالوا: كانت الأرض المقدسة حراما على أولئك ~~القوم الذين عصوا الله عز وجل أبدا، ولم يبق منهم أحد ~~بعد أربعين سنة، إنما بقي يوشع بن نون وكالب. ms0626 وقيل: ~~مات من النقباء العشرة الذين فشوا الخبر وهم ثمانية، ومعهم ~~سبعمائة ألف مقاتل، فكان كل من دخل التيه ممن جاوز ~~عشرين سنة مات في التيه غير يوشع وكالب، ولم يدخل أريحا ممن ~~قالوا إنا لن ندخلها، ومات موسى وأخوه هارون حين انقضاء ~~التيه. # وفاة هارون عليه السلام: # قال السدي: (أوحى الله تعالى إلى موسى: أني متوف ~~هارون فأت به جبل كذا. فانطلق موسى وهارون نحو ~~ذلك الجبل، فإذا هما بشجرة لم ير مثلها، فإذا ~~سرير عليها فرش وريح طيبة، فلما نظر هارون ~~إلى ذلك أعجبه، فقال: يا موسى إني أحب أن أنام ~~على هذا السرير، قال له: نم عليه، فلما نام ~~عليه جاءه ملك الموت، فقال: يا موسى خدعتني. # فلما توفي ذهب إلى تلك الشجرة ورفع ~~السرير إلى السماء. فلما رجع موسى عليه السلام إلى ~~بني إسرائيل وليس معه هارون قالوا: فإن موسى ~~قتل هارون وحسده على حب بني إسرائيل. فقال ~~موسى: ويلكم أفتروني أقتل أخي! فلما كثروا عليه ~~صلى ركعتين ثم دعا، فنزل السرير حتى نظروا ~~إليه فصدقوه). # وقال عمر بن ميمون: (مات هارون في بعض الكهوف، ~~فدفنه موسى فرجع إلى بني إسرائيل؛ فقالوا: أين ~~هارون؟ قال: مات، قالوا: لا؛ ولكنك قتلته لحبنا ~~إياه. فتضرع موسى إلى ربه وشكى ما قال بنو ~~إسرائيل، فأوحى الله إليه: انطلق بهم إلى قبره ~~فأنا باعثه حتى يخبرهم بأنه مات. فانطلق بهم ~~إلى قبر هارون؛ فناداه: يا هارون! فخرج من قبره ~~ينفض التراب عن رأسه، فقال له موسى: أنا ~~قتلتك؟! قال: لا، ولكني مت، قال: فعد إلى ~~مضجعك، وانصرف). # وفاة موسى عليه السلام: # قال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " جاء ملك الموت إلى موسى عليه السلام فقال له: أجب ~~ربك، فلطم عين ملك الموت ففقأها، فرجع ملك ~~الموت قال: يا رب! إنك أرسلتني إلى عبد لا يريد ~~الموت، فقأ عيني، فرد الله عليه عينه، وقال: ~~ارجع إلى عبدي وقل له: إن كنت تريد الحياة ~~فضع يدك على متن ms0627 ثور فما دارت عليه من شعرة ~~فلك بها سنة، قال: ثم ماذا؟ قال: ثم الموت، قال: ~~فالآن من قريب، قال: رب أدنيني من الأرض ~~المقدسة قدر رمية حجر، فقال صلى الله عليه ~~وسلم: لو أني عنده لأريتكم قبره إلى جانب ~~الطريق عند الكثيب الأحمر " # قال محمد بن يحيى: (قد صح حديث ملك الموت ~~وموسى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يرده إلا ~~كل مبتدع). # وفي حديث آخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن ملك الموت كان يأتي الناس عيانا، حتى أتى ~~موسى عليه السلام ليقبضه فلطم ففقأ عينه، فجاء ~~ملك الموت بعد ذلك خفية " # وقال وهب: (خرج موسى لبعض حوائجه، فمر برهط من ~~الملائكة يحفرون قبرا لم ير أحسن منه نظرة ~~وبهجة، فقال: يا ملائكة الله لمن هذا القبر؟ ~~قالوا: لعبد كريم، فقال: ما رأيت مضجعا أحسن ~~من هذا! قالوا: يا كليم الله أتحب أن يكون لك؟ ~~قال: وددت، قالوا: فانزل واضطجع فيه، ففعل ~~ذلك، ثم تنفس وقبض الله روحه، ثم سوت عليه ~~الملائكة التراب). # وروي: أن يوشع رآه بعد موته في المنام؛ فقال: كيف وجدت الموت؟ ~~قال: كشاة تسلخ وهي حية. وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة، ~~فلما مات موسى عليه السلام وكان قد استخلف يوشع، سار يوشع ~~بالناس حتى انتهوا إلى مدينة الجبارين وحاصروهم. فلما كان يوم ~~الجمعة وكادت الشمس تغرب، توضأ يوشع وصلى ودعا ربه ~~وسأله أن ينجز له ما وعده. # وذكر أن الشمس تغرب ليلة السبت لا يقاتل فيها، فرد الله ~~الشمس حتى كانت في مقدار صلاة الظهر، فجمع يوشع بني إسرائيل ~~وجعل في سبط منهم سورا فصاحوا سبابيرهم، ودخلوا مدينة أعدائهم ~~فقتلوهم حتى أتى الثمانين رجلا من أصحاب يوشع كانوا يقعدون على ~~الرجل، ويحزون رأسه فلا يطيقونه من عظمه، وكان طول كل ~~واحد من الجبارين ثمانين ذراعا، وكان موسى عليه السلام قد قتل ~~عوج بن عنق قبل ذلك، وكان طوله ثلاثة وعشرين ألف ذراع ~~وثلاثمائة وثلاثين ذراعا وثلث ذراع، قاله ابن ms0628 عمر رضي الله ~~عنهما، وكان يحتجز بالسحاب ويشرب منه، ويتناول الحوت من قرار ~~البحر فيشويه بعين الشمس ويأكله. # يروى أن طوفان نوح عليه السلام غمر جميع جبال الدنيا وما ~~بلغ إلا إلى ركبتيه - وعاش عوج ثلاثة آلاف سنة وسبعمائة سنة - ~~وأهلكه الله تعالى على يدي موسى عليه السلام. وسبب ذلك أنه كانت ~~محطة عسكر موسى عليه السلام فرسخا في فرسخ، فجاء عوج حتى ~~نظر إليهم ثم جاء الجبل وقد منه صخرة على قدر العسكر، ثم ~~حملها ليطبقها عليهم، فبعث الله طيرا حتى قور الصخرة ~~بمنقاره فأنقبها فوقعت في عنق عوج فطوقته فصرعته، وأقبل ~~موسى عليه السلام وطوله عشرة أذرع وعصاه عشرة، ووثب عشرة أذرع ~~إلى جهة السماء، فما أصاب إلا كعبه وهو مصروع في الأرض ~~فقتله، وأقبل جماعة كثيرة معهم سكاكين وخناجر حتى حزوا رأسه، ~~وكانت أمه عنقا، ويقال لها: عناق، وكانت إحدى بنات آدم عليه ~~السلام وهي أول امرأة زنت على وجه الأرض، وكان كل إصبع من ~~أصابعها طوله ثلاثة أذرع وعرضها ذراعين، في كل إصبع ظفران مثل ~~المخلبين، فلما زنت بعث الله عليها أسودا كالفيلة، وذبابا ~~كالإبل، ونمورا كالحمر، وسلطهم عليها فأكلوها. ### || [5.27] # قوله عز وجل: { واتل عليهم نبأ ابني ءادم ~~بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم ~~يتقبل من الآخر قال لأقتلنك }؛ معناه: واقرأ يا ~~محمد على قومك خبر ابني آدم بالصدق؛ إذ وضعا على الجبل ~~قربانا، والقربان: ما يتقرب به إلى الله تعالى. ~~وقيل: معناه: واقرأ على أولاد هؤلاء الذي تقدم ذكرهم من ~~أهل الكتاب حتى يقروا برسالتك. قوله تعالى: { فتقبل ~~من أحدهما } أي قبل القربان من أحدهما، ولم يتقبل من ~~الآخر، ومعنى القبول: إيجاب الثواب. # قال ابن عباس: (وذلك أن حواء كانت تلد كل بطن ~~ولدين ذكر وأنثى؛ إلا شيث فإنها ولدته منفردا، ~~فولدت أول بطن قابيل وأخته إقليما، ثم ~~ولدت في البطن الثاني هابيل وأخته لبودا. ~~فلما أدركوا، أمر الله آدم أن يزوج قابيل أخت ~~هابيل، ويزوج هابيل أخت قابيل، فرضي هابيل ~~وكره ms0629 قابيل؛ لأن أخته كانت أحسنهما، فقال آدم: ~~ما أمر الله إلا بهذا يا بني؛ ولا يحل لك. فأبى ~~أن يقبل؛ وقال: إن الله لم يأمر بهذا وإنما هو ~~من رأيك. فقال لهما: قربا قربانا؛ فأيكما ~~يقبل قربانه فهو أحق بها. # وكان هابيل صاحب غنم، وقابيل صاحب حرث، ~~فقرب هابيل كبشا سمينا ولبنا وزبدا، وقرب ~~قابيل سنبلا من شر زرعه، وأضمر في قلبه ما ~~أبالي أتقبل مني أم لا، لا يتزوج أختي أبدا، ~~وأضمر هابيل في نفسه الرضا لله عز وجل. ~~فوضعا قربانهما على الجبل، فنزلت نار من ~~السماء فما أكلت شيئا من السنبل بعد، ثم ~~أكلت الكبش واللبن والزبد، فذلك قوله تعالى { ~~فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر }. # فنزلوا الجبل وتفرقوا، وكان آدم عليه السلام ~~معهم، فذهب هابيل إلى غنمه، وقابيل إلى زرعه ~~غضبان وأظهر الحسد لهابيل، وقال: يا هابيل ~~لأقتلنك! قال: وذلك لأن الله تعالى تقبل ~~قربانك ورد علي قرباني، وتنكح أختي الحسنة، ~~وأنكح أختك القبيحة، فيحدث الناس أنك خير ~~مني. { قال }؛ هابيل: ما ذنبي في ذلك؟!). { إنما ~~يتقبل الله من المتقين }؛ أي من الزاكية قلوبهم ~~الذين يخافون على حسناتهم أن لا تقبل، ولم تكن أنت زاكي ~~القلب، فرد الله قربانك حيث نيتك. # وقيل: أراد بالمتقين الذين يتقون الشرك. قال ابن ~~عباس: (كان قابيل كافرا) وفي أكثر الروايات أنه كان ~~رجل سوء. قال الحسن: (كان الرجل إذا أراد أن يقرب ~~القربان؛ تعبد وتاب وتطهر من الذنوب ولبس ~~الثياب البيض، ثم قرب وقام يدعو الله، فإن قبل ~~الله قربانه جاءت النار فأكلته، وذلك علامة ~~القبول، وإن لم تجئ نار فذلك علامة الرد). ### || [5.28] # قوله تعالى: { لئن بسطت إلي يدك لتقتلني مآ ~~أنا بباسط يدي إليك لأقتلك }؛ أي قال هابيل ~~مجيبا لقابيل: لئن مددت يدك إلى القتل ظلما ما أنا ~~بالذي أمد يدي إليك لأقتلك ظلما، قال قابيل: ولم ذلك؟ ~~قال: { إني أخاف الله رب العالمين }؛ بقتلك ظلما. # واختلف العلماء في وقت مولد قابيل وهابيل، قال بعضهم: غشي ~~آدم حواء ms0630 بعد ما هبط إلى الأرض بمائة سنة، فولدت له قابيل ~~وتوأمته في بطن، ثم بعد ذلك البطن هابيل وتوأمته. قال ~~ابن عباس: (ولم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ~~ولده أربعين ألفا). # وقال بعضهم: كان آدم يغشى حواء في الجنة، فحملت بقابيل ~~وتوأمته، فلم تجد عليهما وحما ولا وصبا ولا طلقا ولا ~~نفاسا لطهر الجنة، فلما هبط إلى الأرض تغشاها فحملت ~~بهابيل وتوأمته، فوجدت عليهما الوحم والوصب والطلق ~~والدم. ### || [5.29-31] # قوله عز وجل: { إني أريد أن تبوء بإثمي ~~وإثمك }؛ أي قال هابيل لقابيل: إن كنت تريد قتلي فلا ~~ترجع عنه، فإني أريد أن ترجع إلى الله بإثم دمي وإثم ~~ذنبك الذي من أجله لم يتقبل قربانك، { فتكون من ~~أصحاب النار }؛ في الآخرة؛ { وذلك جزآء الظالمين }؛ ~~أي وذلك عقوبة من لم يرض بحكم الله. # قوله تعالى: { فطوعت له نفسه قتل أخيه ~~فقتله فأصبح من الخاسرين }؛ أي طاوعته نفسه، ~~وقيل: زينت له قتله فقتله. قال السدي: (لما ~~قصد قابيل قتل هابيل أتاه في رأس جبل وهو نائم ~~وغنمه ترعى، فأخذ صخرة فشدخ بها رأسه فمات). # وقال الضحاك: (كان قابيل لا يدري كيف يقتله حتى ~~جاء إبليس وبيده حية فوضعها بين حجرين، ~~فرضخ رأسها بالحجر وقابيل ينظر، فلما نظر ذلك ~~جاء إلى هابيل فلم يزل يضرب بالحجارة على رأسه ~~حتى قتله، وكان لهابيل يوم قتل عشرون سنة). ~~واختلفوا في موضع قتله، قيل: قتل على جبل ثور. وقيل: ~~بالبصرة. # فلما مات هابيل قصدته السباع لتأكله، فحمله قابيل على ~~ظهره حتى انتن ريحه، فعكف الطيور والسباع حواليه تنتظر متى ~~يرمي به فتأكله، { فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ~~ليريه كيف يواري سوءة أخيه }؛ فبعث الله غرابين ~~فاقتتلا، فقتل أحدهما صاحبه، ثم حفر له بمنقاره ورجله، ثم ألقاه في ~~الحفيرة وواراه، وقابيل ينتظر إليه ف؛ { قال ياويلتا ~~أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة ~~أخي فأصبح من النادمين }. # وعن ابن عباس قال: (لما قتل قابيل هابيل رجع إلى أبيه ~~قبل أن يدفنه، فلما أبطأ هابيل ms0631 قال آدم عليه ~~السلام: يا قابيل أين أخوك؟ قال: ما رأيته؛ وكأنني به ~~أرسل غنمه في زرعي فأفسده، فلعله خاف أن ~~يجيء من أجل ذلك، قال: وحست نفس آدم، فبات ~~ليلته تلك محزونا، فلما أصبح قابيل غدا إلى ~~ذلك الموضع، فإذا هو بغراب يبحث في الأرض على ~~غراب ميت ليواريه). # وقيل: بعث الله الغراب إكراما لهابيل، وكان الغراب يحثي ~~التراب على هابيل ليري قابيل كيف يواريه؛ أي كيف يغطي عورته. ~~وفي الخبر: أنه لما قتله سلبه ثيابه، وتركه عريانا. وقيل: ~~أراد بالسوءة جسد المقتول، سماه سوءة لأنه لما بقي على ~~وجه الأرض تغير ونتن، والسوءة في اللغة: عبارة عن كل شيء ~~مستنكر. # قوله تعالى: { فأصبح من النادمين }؛ الخاسرين، أي ~~صار من المغبونين بالوزر والعقوبة. قال الكلبي: (كان قابيل ~~أول من عصى الله في الأرض من ولد آدم، وهو أول ~~من يساق إلى النار). # وقال مقاتل: (كان قبل ذلك تستأنس الطيور والسباع ~~والوحوش به، فلما قتل قابيل نفروا، فلحقت ~~الطيور بالهواء؛ والوحوش بالبرية؛ والسباع ~~فالفيافي وشاك الشجر، وتغيرت الأطعمة وحمضت ~~الفواكه واغبرت الأرض). # وقال عبدالله المخزومي: (لما قتل هابيل رجفت الأرض ~~بما عليها سبعة أيام). وقال سالم بن أبي الجعد: (مكث ~~آدم عليه السلام حزينا على قتل ولده هابيل مائة ~~سنة لا يضحك). # قوله تعالى: { ليريه كيف يواري سوءة أخيه } أي ~~أرسل الله غرابا يثير التراب على غراب آخر ميت بمنقاره وبرجله، ~~فلما أبصر قابيل الغراب يبحث في الأرض دعا بالويل على نفسه، فقال: ~~(يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب) والويل: ~~كلمة تستعمل عند الوقوع في الشدة والهلكة. # قوله تعالى: { فأصبح من النادمين } يحتمل أنه ~~ندم ندم توبة عن جميع ما قال وفعل، ويحتمل أنه ندم على ترك ~~مواراة سوءة أخيه، فإن كانت الأولى فالله تواب رحيم، وإن ~~كانت الثانية فإثم القتل في عنقه. قال ابن عباس: (لو كانت ~~ندامته على قتله لكانت توبة منه). وقيل: إنه ~~إنما ندم لأنه لم ينتفع بقتله ولم يحصل له مراده، فكان ندمه ms0632 ~~لأجل ذلك لا بقبح فعله، ولو كان ندمه تقربا إلى الله عز ~~وجل. # قال ابن عباس: (فقال الله تعالى لقابيل: كن خائفا لا ~~ترى شيئا إلا خفت منه أن يقتلك، قال: وكان كل ~~من رأى قابيل رماه بالحجارة، فأبصره بعض ولد ~~ولده فرماه بالحجارة حتى قتله) ويقال: كان على جبل ~~فنطحه ثور فوقع إلى سفح الجبل فتفرقت أوصاله. وعن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم كفل ~~من دمها، لأنه أول من سن القتل " # قال مقاتل: (وتزوج شيث بإقليما). وقال الضحاك: (لما ~~قتل قابيل هابيل حمله على ظهره، ولم يدر كيف ~~يصنع به، فمكث ثلاثة أيام يحمله على ظهره لا ~~يدري ماذا يصنع به، فبعث الله غرابين يقتتلان، ~~فقتل أحدهما صاحبه، ثم أخذ يحفر في الأرض، وأخذ ~~برجل الغراب القتيل وألقاه في الحفيرة) فذلك قوله ~~تعالى: { فبعث الله غرابا يبحث في الأرض }. ### || [5.32] # قوله تعالى: { من أجل ذلك كتبنا على بني ~~إسرائيل }؛ أي من أجل ذلك القتل الذي عرفه بنو إسرائيل واشتهر ~~عندهم، فرضنا وأوجبنا عليهم في التوراة: { أنه من قتل ~~نفسا بغير نفس }؛ أي من غير أن يجب عليه القود، { أو }؛ ~~بغير؛ { فساد في الأرض }؛ نحو الشرك وقطع الطريق والزنا ~~عند الإحصان، { فكأنما قتل الناس جميعا }؛ أي استوجب ~~النار بقتل النفس الواحدة، كما يستوجبها من قتل الناس جميعا، ~~وقيل: معناه: إن على الناس كلهم معونة ولي القتيل حتى ~~يفتدوه، ويكونوا كلهم خصما للقاتل حتى يقاد. وقيل: إن ~~المراد به استحقاق القتل عليه بقتل النفس الواحدة. # قوله تعالى: { ومن أحياها فكأنما أحيا الناس ~~جميعا }؛ أي من استنقذ نفسا من غرق أو من حرق أو مما يميتها ~~لا محالة، أو استنقذها من كفر أو ضلالة فأحياها بالنعيم الدائم في ~~الجنة، أو عفى عن دمها بعد ما وجب عليها القصاص استوجب الجنة، ~~كما استوجبها من أحيا الناس جميعا. وعن ابن عباس قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من سقا مؤمنا ms0633 شربة من ماء والماء موجود ~~فكأنما أعتق سبعين رقبة، ومن سقاها في غير ~~موطنها فكأنما أحيا نفسا، ومن أحياها فكأنما ~~أحيا الناس جميعا " # قوله تعالى: { ولقد جآءتهم رسلنا بالبينت ~~}؛ أي لقد جاءت بني إسرائيل رسلنا بالأوامر والنواهي والعلامات ~~الواضحات، { ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك }؛ بعد أن ~~جاءتهم الدلائل والمعجزات، { في الأرض لمسرفون }؛ مشركون ~~تاركو أمر الله تعالى. ### || [5.33] # قوله تعالى: { إنما جزآء الذين يحاربون الله ~~ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو ~~يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ~~أو ينفوا من الأرض }؛ قال ابن عباس: # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وادع أبا بردة هلال ~~بن عويمر الأسلمي: " على أن لا يعينه ولا ~~يعين عليه، ومن أتاه من المسلمين فهو آمن، ~~ومن أمن المسلمين منهم فهو آمن، ومن مر ~~بهلال بن عويمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو ~~آمن ". # فمر قوم من بني كنانة يريدون الإسلام على ~~قوم ممن أسلم من قوم هلال، ولم يكن هلال ~~يومئذ حاضرا، فخرج أصحابه إليهم فقتلوهم ~~وأخذوا أموالهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأنزل الله فيهم هذه الآية ". # ومعناها: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ~~ويسعون في الأرض) الفساد نحو القتل والنهب والتخريب وقطع ~~الطريق { أن يقتلوا } إن قتلوا أحدا ولم يأخذوا المال { ~~أو يصلبوا } مقتولين إن قتلوا وأخذوا المال، { أو ~~تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف } اليد اليمين من ~~الرسغ، والرجل اليسرى من الكعب إن أخذوا المال ولم يقتلوا ~~أحدا، { أو ينفوا من الأرض } إن أخافوا الطريق ولم ~~يفعلوا سوى ذلك. # واختلفوا في معنى النفي، قال بعضهم: يعني الحبس، وقال بعضهم: هو ~~الطلب حتى لا يستقر بهم مكان. والتوفيق بين القولين: أنهم إن ~~أخذوا بعد ما أخافوا الطريق؛ أودعهم الإمام السجن حتى يتوبوا ~~أو يموتوا، وإن لم يؤخذوا أمر بطلبهم، وأمر أن ينادى في الناس: ~~أن من قتلهم لا سبيل عليه. # وإنما سمي الحبس نفيا؛ لأنه يمنع المحبوسين من التردد والتصرف ~~في الأرض، ويكون ذلك ms0634 بمنزلة النفي من الأرض. # واختلفوا في كيفية الصلب مع القتل. قال أبو حنيفة: (يصلب ~~حيا ليرى الناس ويروه؛ ويكون ذلك زيادة عقوبة ~~له، ثم تبعج بطنه بالرمح؛ يطعن في خاصرته ~~حتى يموت). وقال أبو يوسف والشافعي: (يقتل ثم يصلب). ~~قوله تعالى: { ذلك لهم خزي في الدنيا }؛ أي فضيحة ~~في الدنيا، { ولهم في الآخرة عذاب عظيم }؛ أعظم من هذا. # وقال مقاتل وسعيد بن جبير: (نزلت هذه الآية في قوم من ~~بني عرينة، قدموا المدينة على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وبايعوه على الإسلام، وهم كذبة وليس ~~يريدون الإسلام، فاجتووا المدينة وعظمت ~~بطونهم واصفرت وجوههم، فأمرهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يخرجوا إلى إبل الصدقة فيشربوا من ~~أبوالها وألبانها، ففعلوا ذلك حتى صحوا، ثم ~~قتلوا الرعاة واستاقوا الإبل وارتدوا عن ~~الإسلام. # فصاح الصائح: يا خيل الله اركبي. فركبوا لا ~~ينتظر فارس فارسا، فأسرعوا في طلبهم، وبعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب كرم ~~الله وجهه في طلبهم، فجاءوا بهم، فقطع أيديهم ~~وأرجلهم من خلاف، وسمل أعينهم، وتركهم ~~بالحياة حتى ماتوا، فأنزل الله هذه الآية، ~~فصارت عامة في قطاع الطرق ناسخة لتسميل ~~العين). # وقال الليث بن سعد: (نزلت هذه الآية معاتبة لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وتعليما لهم عقوبتهم، فقال ~~تعالى: { إنما جزآء الذين يحاربون الله ~~ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو ~~يصلبوا } ولم يكن جزاؤهم هذه المثلة التي ~~هي السمل، فقام رسول الله خطيبا ونهى عن ~~المثلة). ### || [5.34] # قوله تعالى: { إلا الذين تابوا من قبل أن ~~تقدروا عليهم }؛ معناه: أن يقتلوا أو يصلبوا إلا ~~الذين تابوا من قطع الطريق من قبل أن يقدر عليهم الإمام، { ~~فاعلموا أن الله غفور }؛ لعباده، { رحيم }؛ بهم بعد ~~التوبة. # روى الشعبي: أن حارثة بن زيد خرج محاربا في عهد ~~علي رضي الله عنه، فأخاف السبل وسفك الدماء وأخذ ~~الأموال، ثم جاء تائبا فأتى الحسن بن علي ~~فطلب إليه أن يستأمن له عليا كرم الله وجهه ~~فأبى، فأتى ms0635 عبدالله بن جعفر فأبى عليه، فأتى ~~سعد بن قيس الهمداني فقبله وضمه إليه، ~~فلما صلى علي رضي الله عنه صلاة الغداة، أتى سعد ~~بن قيس الهمداني وقال: يا أمير المؤمنين؛ ما ~~جزاء الذين يحاربون الله ورسوله؟ قال: أن ~~يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم ~~من خلاف. قال: ما تقول فيمن تاب من قبل أن ~~تقدر عليه؟ قال: أقول كما قال الله تعالى: { إلا ~~الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا ~~أن الله غفور رحيم } فقال سعد بن قيس: وإن ~~كان حارثة بن زيد؟ قال: نعم، فجاء به إليه، ~~فبايعه وأمنه وكتب له أمانا منشورا، فقال ~~حارثة: # ألا أبلغن همدان إما لقيتها # على النأي لا يسلم عدو يعيبها # لعمرو أبيها إن همدان تتقى ال # إله ويقضى بالكتاب خطيبها ### || [5.35] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله وابتغوا إليه الوسيلة }؛ أي يا أيها الذين ~~آمنوا اخشوا عذاب الله واحذروا معاصيه، واطلبوا إليه القربة ~~بالأعمال الصالحة، { وجاهدوا في سبيله }؛ أعداء الله في ~~طاعته، { لعلكم تفلحون }؛ أي لعلكم تظفرون بعدوكم في ~~الدنيا، وتنجوا من النار في العقبى. والوسيلة: القربة: وهي ~~فعيلة من: توسل إلى فلان بكذا؛ أي تقرب إليه، وجمعها ~~وسائل. قال الشاعر: # إذا غفل الواشون عدنا لوصلنا # وعاد التصافى بيننا والوسائل # وقال عطاء: (الوسيلة: أفضل درجات الجنة)، قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " سلوا الله لي الوسيلة، فإنها درجة في الجنة ~~لا ينالها إلا عبد واحد، وأرجو من الله أن أكون ~~أنا هو " ### || [5.36] # قوله عز وجل: { إن الذين كفروا لو أن لهم ~~ما في الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من ~~عذاب يوم القيامة ما تقبل منهم }؛ وفي الآية إزالة ~~طمع الكفار عن التخلص من عذاب الآخرة، يقول: لو ماتوا على ~~الكفر، وكان لهم ما في الأرض جميعا من الأموال بأسرها وضعفه معه ~~ليشتروا به أنفسهم من عذاب الله ما تقبل ذلك الفداء منهم لو فادوا، ~~{ ولهم عذاب أليم }؛ وجيع يخلص وجعه إلى قلوبهم. ### || [5.37] # قوله تعالى: { يريدون أن ms0636 يخرجوا من النار وما ~~هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم }؛ قيل: معناه: ~~كلما رفعتهم النار بلهبها يتمنوا أن يخرجوا منها، يقول الله ~~تعالى: { وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم } ~~دائم لا ينقطع. ### || [5.38] # قوله عز وجل: { والسارق والسارقة فاقطعوا ~~أيديهما }؛ قال ابن عباس: (نزلت في طعمة بن ~~أبيرق سارق الدرع) وقد مضت قصته في سورة النساء، ثم صارت ~~عامة في جميع الناس. ومعنى الآية: والسارق من الرجال والسارقة من ~~النساء فاقطعوا أيديهما أي إيمانهما كذا تأوله ابن عباس. ~~وفي قراءة ابن مسعود: (فاقطعوا أيمانهما). # وقرأ عيسى بن عمر: (والسارق والسارقة) بالنصب على إضمار ~~اقطعوا السارق والسارقة، كما تقول: زيدا اضربه، والقراءة ~~المختارة: الرفع؛ لأن القطع على الأيدي لا على السارق. وقال ~~المبرد: (ليس القصد من الكلام إلى واحد بعينه، ~~وإنما معناه: من سرق فاقطعوا يده، بخلاف ~~قولك: زيدا اضربه. ولو أراد سارقا بعينه لكان ~~وجه الكلام النصب). وعلى هذا قوله تعالى: # الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما # [النور: 2] ولو أراد زانيا بعينه لنصب. # وإنما ذكر أيديهما بلفظ الجمع؛ لأنه أراد أيمانهما؛ لأن ما ~~كان واحدا فبينه بلفظ الجمع والإضافة إلى الاثنين، ومثل ذلك # فقد صغت قلوبكما # [التحريم: 4]، والإضافة إلى الاثنين يدل على أن المراد به التثنية ~~دون الجمع. # فإن قيل: لأي معنى قدم الله ذكر السارق على السارقة، ~~وقدم ذكر الزانية على الزاني؟ قيل: لأن السرقة في الرجال ~~أكثر، والنساء هي أصل الفتنة للرجال بالتعريض لهم، ولو لزمت ~~المرأة بيتها كما أمر الله تعالى لم تقع هي، ولا الرجال في ~~الزنا. # واختلفوا في كم تقطع يد السارق من المال إذا سرقه، فقال بعضهم: ~~في عشرة دراهم فصاعدا، ولا يقطع فيما دون ذلك، وإليه ذهب أبو حنيفة ~~وأصحابه، وكان سليمان بن يسار لا يقطع الخمس إلا في خمسة دراهم. ~~وقال مالك: (يقطع في ثلاثة دراهم فصاعدا)، وقال ~~الأوزاعي والشافعي: (يقطع في ربع دينار فصاعدا). # وقال بعضهم: يقطع في القليل والكثير ولو كان دانقا، وهو قول ابن ~~عباس. وقال بعضهم: في ms0637 درهم. # ولو قطع السارق ثم عاد فسرق، قطعت رجله اليسرى، فإن سرق ثالثا ~~قال أبو حنيفة وأصحابه: (لا يقطع، لما روي أن عليا ~~كرم الله وجهه أتي بسارق فقطع يده اليمنى، ثم ~~أتي به مرة أخرى فقطع رجله اليسرى، ثم أتي به ~~ثالثة فضربه وحبسه وقال: إني أستحي من الله أن ~~لا أدع له يدا يستنجي بها ولا رجلا يمشي بها). # قوله تعالى: { جزآء بما كسبا }؛ أي عقوبة على ما ~~فعلا، وانتصب { جزآء } لأنه مفعول له، كأنه قال: فاقطعوهما ~~لجزاء فعلهما. قوله تعالى: { نكالا من الله }؛ أي ~~عقوبة وفضيحة من الله. والنكال: هو أن ينكل به ليعتبر به ~~غيره فينكل؛ أي لا يفعل مثل فعله. قوله تعالى: { ~~والله عزيز حكيم }؛ أي منيع بالنقمة من السارق، ذو حكمة ~~فيما حكم من القطع لما في ذلك من زجر السارق عن غيهم صيانة ~~لأموال الناس. # وظاهر الآية يقتضي وجوب القطع على السارق في القليل والكثير، وهو ~~قول الخوارج، إلا أنه قد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " لا قطع في أقل من عشرة دراهم " # وبه أخذ أصحابنا، وروي عن علي وابن مسعود مثل قولنا. # وعن عمر رضي الله عنه أنه قال: (لا تقطع الخمس إلا في ~~خمس) أي الخمس أصابع لا تقطع إلا في خمسة دراهم. وعن عائشة ~~رضي الله عنها؛ أنها قالت: (لا قطع إلا في ربع ~~دينار) وهو قول الشافعي. وقال عبدالله بن عمر: (ثلاثة ~~دراهم). ### || [5.39] # قوله تعالى: { فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح }؛ أي ~~من تاب من السراق من بعد سرقته وأصلح العمل فيما بينه وبين الله تعالى، { ~~فإن الله يتوب عليه }؛ أي يتجاوز عنه ولا يؤاخذه في ~~الآخرة، ولا تقطع يده إذا رد المال قبل المرافعة إلى الحاكم، { ~~إن الله غفور رحيم }؛ بمن مات على التوبة. # وأما إذا رفع إلى الحاكم ثم تاب فالقطع واجب، فإن كانت توبته ~~حقيقة كان ذلك زيادة درجات له، كما أن الله تعالى ابتلى الصالحين ~~والأنبياء بالبلايا والمحن والأمراض ms0638 زيادة لهم في درجاتهم، وإن ~~لم تكن توبته حقيقة كان الحد عقوبة له على ذنبه، وهو مؤاخذ في ~~الآخرة إن لم يتب. # وعن عبدالله بن عامر قال: # " سرقت امرأة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فجاءوا بها إليه، قالوا: يا رسول الله إن هذه ~~المرأة سرقتنا، فقال قومها: نحن نفديها، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: " اقطعوا يدها " قالوا: ~~نحن نفديها بخمسمائة مثقال، فقال: " اقطعوا ~~يدها " فقطعت يدها اليمنى، فقالت المرأة: هل ~~من توبة يا رسول الله؟ قال: " نعم إن التوبة ~~تخرجك عن خطيئتك كيوم ولدتك أمك " " # فأنزل الله هذه الآية { فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح ~~فإن الله يتوب عليه }. # وعن عائشة قالت: # " كانت امرأة مخزومية تستعير المتاع ~~وتجحده، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقطع ~~يدها، فأتى أهلها أسامة فكلموه، فكلم النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: " يا أسامة لا أراك تكلمني ~~في حد من حدود الله " ثم قام خطيبا فقال: " إنما ~~هلك من قبلكم بأنهم كانوا إذا سرق فيهم ~~الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه، ~~والذي نفسي بيده، لو كانت فاطمة ابنة محمد ~~لقطعت يدها " " # أعاذها الله من ذلك، فقطع يد المخزومية. ### || [5.40-41] # قوله عز وجل: { ألم تعلم أن الله له ملك ~~السموت والأرض }؛ أي له القدرة على أهل السماوات والأرض، ~~والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: { يعذب ~~من يشآء ويغفر لمن يشآء }؛ أي يعذب من يشاء على ~~الذنب الصغير وهو عدل منه، ويغفر لمن يشاء الذنب العظيم وهو فضل ~~منه؛ أي يعذب من توجب الحكمة تعذيبه، ويغفر لمن توجب الحكمة ~~مغفرته، { والله على كل شيء قدير }. # وقوله تعالى: { يأيها الرسول لا يحزنك الذين ~~يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا ~~بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم }؛ أي لا يحزنك يا ~~محمد فعل الذين يسارع بعضهم بعضا في الإقامة على الكفر والحث ~~عليه. # قرأ نافع: (يحزنك) بضم الياء، ومعناهما واحد. وقرأ السلمي: ~~(يسرعون في الكفر)، وقوله تعالى: { من الذين قالوا ~~آمنا بأفواههم ms0639 ولم تؤمن قلوبهم } وهم المنافقون { ~~ومن الذين هادوا }؛ أي ومن يهود المدينة الذين هم أهل ~~الصلح للنبي صلى الله عليه وسلم. وفي هذا تسلية للنبي صلى الله ~~عليه وسلم وتثبيت لفؤاده بوعد النصرة والظفر، وإعلام أن اليهود ~~والنصارى والمنافقين لا يضرونه. # قوله تعالى: # " { سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين }؛ أي قابلون ~~للكذب، يعني بني قريظة هم سماعون لقوم آخرين لم يأتوك، يعني ~~يهود خيبر، وذلك: أن رجلا وامرأة من أشراف أهل خيبر ~~زنيا، وكانت خيبر حربا لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وكان الزانيان محصنين، وكان حدهما الرجم ~~في التوراة، فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما، ~~وقالوا: إن هذا الرجل الذي في يثرب ليس في ~~كتابه الرجم ولكنه الضرب، فأرسلوا إلى ~~إخوانكم بني قريظة، فإنهم صلح له وجيرانه ~~فيسألونه عن ذلك، فبعثوا رهطا منهم مستخفين، ~~وقالوا لهم: اسألوا محمدا عن الزانيين محصنين ~~ما حدهما؟ فإن أمركم بالجلد فاقبلوا منه، وإن ~~أمركم بالرجم فاحذروه ولا تقبلوا منه، ~~وأرسلوا الزانيين معهم. # فقدم الرهط إلى بني قريظة والنضير، وذكروا ~~لهم ذلك وقالوا: اسألوا لنا محمدا عن قضائه، ~~فقال لهم بنو قريظة: إذا والله يأمركم بما ~~تكرهون، ثم انطلق منهم قوم مثل كعب بن ~~الأشرف وكعب بن أسد وسبعة بن عمر ومالك بن ~~الصيف وعازوراء وغيرهم، وقالوا: يا محمد ~~أخبرنا عن الزانية والزاني إذا أحصنا ما حدهما ~~وكيف تجد في كتابك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " وهل ~~ترضون بقضائي في ذلك؟ " قالوا: نعم، فنزل جبريل ~~عليه السلام بالرجم، فأخبرهم فأبوا أن يأخذوا به. # فقال جبريل عليه السلام: اجعل بينك وبينهم ابن ~~صوريا فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " هل ~~تعرفون شابا من الربيين أعور سكن فدك؟ " ~~قالوا: نعم، قال: " فأي رجل هو فيكم؟ " قالوا: ~~هو أعلم من على وجه الأرض من اليهود بالتوراة، ~~قال: " فأرسلوا له " ، ففعلوا، فأتاهم ابن ~~صوريا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " أنت ابن ~~صوريا؟ " قال: نعم، قال: " أنت أعلم اليهود؟ " قال: ~~كذلك يزعمون، قال: " أتجعلونه بيني وبينكم؟ " ~~قالوا: نعم ms0640 قد رضينا به إذا رضيت به. # فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " أنشدك بالله الذي ~~لا إله إلا هو القوي، إله بني إسرائيل الذي ~~أنزل التوراة على موسى، والذي فلق لكم البحر ~~فأنجاكم وأغرق آل فرعون، والذي ظلل عليكم ~~الغمام، وأنزل عليكم المن والسلوى، هل تجدون ~~في كتابكم الرجم على من أحصن؟ " قال ابن صوريا: ~~نعم والذي ذكرتني به؛ ولولا خشية أن تحرقني ~~التوراة إن كذبت أو غيرت لما أعرفت لك، ولكن ~~كيف في كتابك يا محمد؟ قال: " إذا شهد أربعة ~~عدول أنه أدخل فيها، كما يدخل الميل في ~~المكحلة وجب عليه الرجم " ، قال ابن صوريا: ~~والذي أنزل التوراة على موسى لهكذا أنزل على ~~موسى. # فقال له قومه: ما أسرع ما صدقته، أما كنت لما ~~أتينا عليك بأهل وما أنت بأعلمنا، فقال لهم: ~~أنشدني بالتوراة، ولولا خشية التوراة أن ~~تهلكني لما أخبرته، وخفت إن كذبته أن ينزل ~~بنا عذاب شديد. # فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجم اليهوديين ~~الزانيين، وقال: " أنا أول من يحيي سنة إذا ~~أماتوها " ، فنزل قوله تعالى: { يا أهل الكتاب ~~قد جآءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم ~~تخفون من الكتاب ويعفوا عن كثير } فلا يخبركم ~~به. # فقال ابن صوريا: أنشدك بالله يا محمد أن تخبرنا ~~بالكثير الذي أمرت أن تعفو عنه، فأعرض رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقال ابن صوريا: أخبرنا عن ~~ثلاث خصال، قال: " ما هن؟ " قال: أخبرني عن نومك؟ ~~قال: " تنام عيناي وقلبي يقظان " ، قال: صدقت. # قال: فأخبرني عن شبه الولد بأبيه ليس فيه من ~~شبه أمه شيء، وعن شبه أمه ليس فيه من شبه ~~أبيه شيء، قال: " أيهما علا وسبق ماؤه ماء صاحبه ~~كان الشبه له " ، قال: صدقت. # فأسلم ابن صوريا حينئذ وقال: يا محمد من ~~يأتيك من الملائكة بالوحي؟ قال: " جبريل " قال: ~~صفه لي، قال: فوصفه له النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: أشهد أنه في التوراة كما قلت، وإنك ~~رسول الله، فلما أسلم ابن صوريا شتموه ". # قوله تعالى: ms0641 { لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد ~~مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم ~~تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك ~~له من الله شيئا }؛ أي من يرد الله بليته وعقوبته ~~وفضيحته، فلن تقدر يا محمد أن تدفع عنه شيئا مما أراد الله ~~به. # قوله عز وجل: { أولئك الذين لم يرد الله ~~أن يطهر قلوبهم }؛ أي أهل هذه الصفة لم يرد الله أن ~~يفتح قلوبهم ليبصروا الحق. وقيل: معناه: لم يطهر قلوبهم ~~من علامات الكفر، مثل الختم والطبع والضيق، كما شرح صدور ~~المؤمنين، وطهر قلوبهم بكتابة الإيمان فيها. # وقال الحسن: (لم يرد الله أن يطهر قلوبهم؛ أي لا ~~يبرئ قلوبهم من الكفر وهم مقيمين على دينهم ~~واعتقادهم) { لهم في الدنيا خزي }؛ أي فضيحة بما ~~أظهر الله من كذبهم، وقيل: أراد بالخزي القتل والسبي والجزية، ~~{ ولهم في الآخرة عذاب عظيم }؛ أعظم مما في الدنيا. ### || [5.42] # قوله تعالى: { سماعون للكذب أكالون للسحت }؛ ~~أول هذه الآية راجع إلى صفة اليهود والمنافقين الذين سبق ذكرهم، ~~والفائدة في إعادة وصفهم بسماعين للكذب: بيان أنهم إنما ~~يستحقوا الخزي بإصرارهم على الكذب واستماعه، وضمهم إلى ذلك ~~السحت. # واختلفوا في المراد بالسحت، فقال ابن مسعود والحسن: (أراد ~~به الرشوة على الحكم) وقال علي وأبو هريرة: (هو ~~الرشوة على الحكم؛ ومهر البغي؛ وعسب التيس؛ ~~وحلوان الكاهن؛ وثمن الخمر). # والسحت: اسم لما لا يحل أخذه، وأصل السحت من الهلاك، ~~يقال: سحته وأسحته؛ إذا استأصله، ومنه قوله ~~تعالى: # فيسحتكم بعذاب # [طه: 61] أي يهلككم، وسمي الحرام سحتا؛ لأنه يؤدي إلى ~~الهلاك والاستئصال. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " " كل لحم نبت من سحت فالنار أولى به " قيل: ~~ما السحت يا رسول الله؟ قال: " الرشوة في الحكم " ~~" # وعن مسروق عن ابن مسعود قال: ((الرشوة سحت، قلت له: في ~~الحكم؟ قال: لا؛ ذاك الكفر؛ ثم قرأ # ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون # [المائدة: 44])). وأراد بهذا استحلال الرشوة وجحد الحق. # والرشوة تنقسم على وجوه؛ منها: الرشوة على الحكم، ms0642 وذلك حرام على ~~الراشي والمرتشي؛ لأنه لا يخلو إما ليحكم له الحاكم بحقه، ~~فيكون المرتشي آخذا للأجرة على أداء ما هو فرض عليه، ويكون ~~الراشي محاكما إلى من لا يصلح للحكم ولا ينفذ حكمه، وإما أن ~~يرشي فيقضي له بما ليس له بحق، فيكون الإثم أعظم ويفسق الحاكم من ~~وجهين، وكذلك المرتشي، والرائش: أراد بالرائش الذي يمشي بينهما. # ومنها: الرشوة في غير الحكم، كما روي عن وهب بن منبه: (أنه قيل ~~له الرشوة حرام في كل شيء؟ قال: إنما نكره أن ~~ترشي لتعطى ما ليس لك، أو تدفع حقا لزمك، ~~فأما أن ترشي لتدفع عن دينك ودمك ومالك، ~~فليس بحرام، وإنما الإثم على القابض). # قرأ عاصم ونافع وحمزة وابن عامر: (للسحت) بضم السين وجزم الحاء، ~~وقرأ أبو عمرو وابن كثير والكسائي بضمهما جميعا، وقرأ أبو العباس: ~~(للسحت) بفتح السين وجزم الحاء، وقرأ عبيد بن عمر: (للسحت) ~~بكسر السين وجزم الحاء، وكله بمعنى واحد وهو الحرام. # وقيل: يقال رجل مسحوت المعدة؛ إذا كان أكولا لا ~~يلفى أبدا إلا جائعا، قيل: نزلت هذه الآية في حكام ~~اليهود كعب بن الأشرف وأمثاله، كانوا يرتشون ويقضون لمن رشاهم. ~~وعن الحسن في قوله: (سماعون للكذب أكالون للسحت) قال: ~~(ذلك الحكام؛ يسمع كذبه ويأخذ رشوته، فيكون ~~الحاكم قد سمع الدعوة الكاذبة ويأكل رشوته). # وروي: أن مسروقا شفع لرجل في حاجة، فأهدى له جارية، فغضب ~~غضبا شديدا وقال: لو علمت أنك تفعل هذا ما تكلمت ~~في حاجتك ولا أتكلم فيما بقي من حاجتك، سمعت ~~ابن مسعود رضي الله عنه: يقول: ((من شفع في حاجة ~~ليرد بها حقا أو يدفع بها ظلما فأهدي إليه ~~شيء فهو سحت)، فقيل له: يا أبا عبدالرحمن ما ~~كنا نرى ذلك إلا أخذ رشوة على الحكم؟ فقال: ~~(الأخذ على الحكم كفر، قال الله تعالى: # ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون # [المائدة: 44] وإذا أرشى الحاكم انعزل من ساعته وإن ~~لم يعزل)). # ومن السحت: ثمن الخمر والخنزير والميتة، وعسب الفحل، وأجرة ~~النائحة ms0643 والمغنية والساحر، وهدية الشفاعة، ومهر البغي، ~~وحلوان الكاهن. هكذا قال عمر وعلي وابن عباس رضي الله عنه. وقال ~~ابن كيسان: سمعت الحسن يقول: (إذا كان لك على رجل دين، ~~فأكلت في بيته، فهو سحت). # قوله تعالى: { فإن جآءوك فاحكم بينهم أو ~~أعرض عنهم }؛ وذلك أن اليهود لما أرادوا أن ينهضوا من عند ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعد قصة الزنا، تعلقت بنو قريظة ببني ~~النضير، # " فقالوا: يا محمد إخواننا بنو النضير أبونا واحد وديننا واحد ~~وكتابنا واحد، إذا قتلوا منا قتيلا أعطونا سبعين وسقا من تمر، ~~وإذا قتلنا منهم قتيلا أخذوا منا أربعين ومائة وسق، وجراحاتنا ~~على النصف من جراحاتهم، فقال صلى الله عليه وسلم: " دم القرظي ~~وفاء بدم النضير " " # فأنزل الله تعالى هذه الآية؛ أي فإن جاءك الفريقان كأنهم راضين ~~بحكمك، فاحكم بما أنزل الله، وإن شئت فأعرض عنهم. # وقيل: معناه: فإن جاءك أهل خيبر في حكم الزنا، فاقض بينهم ~~بالرجم في هذه الحادثة، وفي نظيرها من الحوادث التي تقع من بعد، ~~أو أعرض عنهم، ولا تحكم بينهم، خيره الله تعالى بين أن يحكم بينهم ~~وبين أن يعرض عنهم، وهذا التخيير منسوخ بقوله تعالى: # وأن احكم بينهم بمآ أنزل الله # [المائدة: 49]. # قوله تعالى: { وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا ~~}؛ لإعراضك عنهم، { وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ~~}؛ أي بالعدل؛ { إن الله يحب المقسطين }؛ أي العادلين. ### || [5.43] # قوله تعالى: { وكيف يحكمونك وعندهم ~~التوراة فيها حكم الله }؛ أي كيف يرضون بحكمك وعندهم ~~التوراة فيها حكم الرجم والقصاص وغير ذلك { ثم يتولون } ، ~~يعرضون عن العمل بها، { من بعد ذلك }؛ من بعد البيان الذي في ~~كتابهم، { ومآ أولئك بالمؤمنين }؛ ليسوا بمصدقين بما ~~عندهم، يزعمون أنهم مؤمنون بالتوراة وهم كاذبون. وفي هذه الآية ~~بيان على أن هؤلاء اليهود كانوا لا يحكمون النبي صلى الله عليه ~~وسلم بحكم رضى وانقياد، ولولا طلبهم الترخص واتباع ما لا يغني في ~~كتابهم لما جاءوه. ### || [5.44] # قوله تعالى: { إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ~~ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين ms0644 ~~هادوا }؛ أي إنا أنزلنا التوراة على موسى فيها بيان من الضلالة ~~ونور لمن آمن به، يقضي بها النبيون الذين أخلصوا، وهذه صفة ~~الأنبياء؛ لا أن فيهم من لم يخلص، كما يقال: صلى الله على ~~محمد وعلى آله الطيبين، لا يراد بذلك أن في أهله غير طيب. # والمراد بالنبيين موسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ~~وغيرهم من الذين كانوا من وقت موسى إلى وقت نبينا عليهم السلام. ~~ويقال أراد بالنبيين محمدا صلى الله عليه وسلم فإنه كان ~~كالنائب عن أنبياء بني إسرائيل في أن يحكم في الزنا بينهم بحكم ~~التوراة. # وقيل: معنى { الذين أسلموا } أي انقادوا لأحكام الله لا ~~على أن غيرهم من النبيين لم يكونوا مسلمين. وقيل: معنى ~~(أسلموا) أي صاروا إلى السلامة، كما يقال: أصبحوا وأمسوا: ~~وادخلوا في الصباح والمساء. وقيل: معناه: الذين أسلموا ~~أنفسهم إلى الله. # " كما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا آوى إلى ~~فراشه: " أسلمت نفسي إليك " " # قوله عز وجل { للذين هادوا } يعني لليهود، ~~وقيل: معنى الآية: للذين تابوا من الكفر، كما في قوله تعالى: # وإنا هدنآ إليك # [الأعراف: 156]. # قوله تعالى: { والربانيون }؛ هم العلماء العاملون، ~~يربون العلم؛ أي يقومون به، { والأحبار }؛ سائر العلماء دون ~~الأنبياء والربانيين، وإنما سمي العالم حبرا لكثرة ما يكتب ~~بالحبر، ويقال: هو من التحبير وهو تحسين العلم، وتقبيح الجهل. # قوله تعالى: { بما استحفظوا من كتاب الله }؛ من ~~الرجم وسائر الأحكام، { وكانوا عليه شهدآء }؛ إنه كذلك، ~~ومعنى (استحفظوا): استودعوا. # قوله تعالى: { فلا تخشوا الناس واخشون }؛ خطاب ~~لعلماء اليهود؛ أي لا تخشوا السفلة والجهال في إظهار نعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم وآية الرجم، واخشوا عقابي في كتمانها، ~~{ ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا }؛ أي لا تختاروا ~~عرضا يسيرا من الدنيا، فإن الدنيا ما فيها قليل. # قوله تعالى: { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله }؛ ~~ذهب الخوارج إلى أن معنى الآية: (ومن لم يحكم بما نزل ~~الله وحكم بخلافه كان كافرا بفعل ذلك، اعتقادا ~~كان أو غير ذلك)، وكفروا بذلك كل ms0645 من عصى الله تعالى ~~بكبيرة أو صغيرة، وأداهم ذلك إلى الضلال والكفر تكفيرهم ~~الأنبياء صلوات الله عليهم بصغائر ذنوبهم! # وأما عامة أهل الإسلام قالوا: إن المراد بهذه الآية: أن من ~~جحد شيئا مما أنزل الله مثل ما فعله اليهود من التحريف ~~والتبديل وإنكار بعض آيات الله تعالى، { فأولئك هم ~~الكافرون }؛ أي أهل هذه الصفة بمنزلة الكافر بالكتب وبالرسل ~~كلها. # يدل على هذا أنه لا خلاف أن من لم يقض بينهم بما نزل الله ~~لا يكفر بأن لم يحكم؛ لأن أكثر الناس بهذه الصفة، والحاكم بين ~~الناس في كثير حالاته لا يحكم، فإذا صلح الخوارج أن يزيدوا في ~~ظاهر اللفظ فيقولوا معناه: (من لم يحكم بما نزل الله ~~وحكم بخلافه) صلح لغيرهم أن يقولوا معناه: ومن لم يحكم ~~بصحة ما نزل الله { فأولئك هم الكافرون } ، وهذا ~~عام في اليهود وغيرهم. ### || [5.45] # قوله عز وجل: { وكتبنا عليهم فيهآ أن ~~النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف ~~والأذن بالأذن والسن بالسن }؛ قال ابن عباس: ~~(نزلت هذه الآية في الجراحات التي كانت بين بني ~~قريظة وبني النضير، كان لبني النضير مقتل على ~~بني قريظة، والدية والدم ضعف ما كان لبني ~~قريظة) فأنزل الله هذه الآية. # ومعناها: وأوحينا على بني إسرائيل في التوراة: { أن النفس ~~بالنفس } يعني أن نفس القاتل بنفس المقتول وفاء، { والعين ~~بالعين } بفقئهما، { والأنف بالأنف } يجدع به، { ~~والأذن بالأذن } يقطع به { والسن بالسن } يقلع ~~به، وخفف نافع الأذن في جميع القرآن، وثقله غيره. # قوله عز وجل: { والجروح قصاص }؛ أي يجزئ فيها ~~القصاص، والقصاص: عبارة عن المساواة، وهذا مخصوص فيما يمكن ~~القصاص فيه، فأما ما كان من رضة أو هشمة لعظم، وهذه ركن لا ~~يحيط العلم به، ففيه أرش أو حكومة. # قرأ الكسائي: (والعين) رفعا إلى آخره، وكذلك قوله ~~(والجروح) رفعه ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر، ونصبوا سائر ~~الحروف قبله، قالوا: لأن لها نظائر في القرآن؛ منها ~~قوله تعالى: # أن الله بريء من المشركين ورسوله # [التوبة: 3] و # إن الأرض لله يورثها من يشآء ms0646 من عباده ~~والعاقبة للمتقين # [الأعراف: 128] و # وإذا قيل إن وعد الله حق والساعة # [الجاثية: 32]. وقرأ نافع وعاصم وحمزة وخلف كلها بالنصب. # قوله تعالى: { فمن تصدق به فهو كفارة له ~~ومن لم يحكم بمآ أنزل الله فأولئك هم ~~الظالمون }؛ أي من عفا عن مظلمة في الدنيا، فهو كفارة ~~للجراح لا يؤاخذ به في الآخرة، كما أن القصاص كفارة له، وأما ~~أجر العافي فعلى الله، قال الله تعالى: # فمن عفا وأصلح فأجره على الله # [الشورى: 40] وهذا قول إبراهيم ومجاهد وزيد بن أسلم، ورواية عن ابن ~~عباس. # وقيل: معناه: فهو كفارة للمجروح وولي القتيل، وهو قول ابن ~~عمر والحسن والشعبي وقتادة وجابر بن زيد. ودليل هذا قوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من تصدق من جسده بشيء كفر الله بقدره من ~~ذنوبه " # فمن عفا كان عفوه كفارة لذنوبه يعفو عنه الله ما أسلف من ذنوبه، ~~وأما الكافر إذا عفا لا يكون عفوه كفارة له مع إقامته على الكفر. ~~وقال صلى الله عليه وسلم: # " من أصيب بشيء من جسده فتركه لله كان كفارة ~~له " # وروي: أن رجلا طعن رجلا على عهد معاوية رضي الله عنه؛ ~~فأعطوه ديتين على أن يرضى، فلم يرض، فحدث رجلا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من تصدق بدم فما دونه كان كفارة له من ~~يوم ولد إلى يوم تصدق به " # فتصدق به. وقال صلى الله عليه وسلم: # " " ثلاث من جاء بهن يوم القيامة مع الإيمان ~~دخل الجنة من أي أبوابها شاء، وتزوج من الحور ~~العين حيث شاء: من عفا عن قاتله، ومن قرأ دبر ~~كل صلاة مكتوبة { قل هو الله أحد } عشر ~~مرات، ومن أدى دينا خفيا " قال أبو بكر الصديق رضي ~~الله عنه: أو إحداهن يا رسول الله، قال: " أو إحداهن ~~" ". # فأما القصاص في العين، فلا يجب إلا إذا ضربها رجل فأذهب ضوءها ~~وهي قائمة، فإنه يسد العين الأخرى وحول إلى العين التي يجب فيها ~~القصاص من الضارب بثوب أو قطن مبتل، ويحمى مره ويقرب ms0647 ~~إلى العين حتى يذهب ضوءها. وأما إذا قلعها فلا قصاص فيه؛ لتعذر ~~استيفائها على المماثلة؛ لأنا لا نعلم للقلع حدا معلوما ينتهي ~~إليه، وهذا كمن قطع لحما من فخذ رجل أو ذراعه، فإنه لا يجب ~~القصاص. # وأما الأنف؛ فمعناه: إذا قطع المارن؛ وهو ما لان منه وجب فيه ~~القصاص؛ أما إن قطعه من أصله فلا قصاص فيه؛ لأنه عظم لا يمكن ~~استيفاؤه على المساواة، كمن قطع يد رجل من نصف الساعد. وعن أبي ~~يوسف: (إن الأنف إذا استوعب ففيه القصاص، وكذلك ~~الذكر واللسان). # وأما الأذن؛ فمعناه: إذا استوفيت بالقطع، وأما إذا قطع بعضها ~~فلا قصاص فيها. # وأما السن؛ فمعناه: القلع وكسر البعض، لأن القلع يمكن استيفاؤه ~~على المساواة، ولا يجوز استيفاء اليمنى باليسرى، ولا اليسرى ~~باليمنى، وإن تراضيا على ذلك لأنه لا مساواة بينهما. # وأما المساواة في النفس فلا يشترط، ألا ترى أن الرجل يقتل ~~بالمرأة، فعلم أن التساوي من الرجل والمرأة في الأنفس غير ~~معتبر في القصاص، وفي الأطراف معتبر، ولهذا لا يجزئ عندنا بين ~~الرجل والمرأة في الأطراف قصاص، ولا بين الحر والعبد لعدم التساوي ~~بين الطرفين في البدل، وكذلك بين العبد والعبد لا يمكن معرفة التساوي ~~بين أطرافهما في البدل. # قوله تعالى: { والجروح قصاص } يعني التي لها حد معلوم ~~مثل الموضحة ونحوها، وأما ما ليس له حد معلوم لا يمكن مراعاة ~~التساوي فيه، ففيه الأرش دون القصاص. ### || [5.46] # قوله عز وجل: { وقفينا على آثارهم بعيسى ~~ابن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراة }؛ ~~الآية أي اتبعنا النبيين الذين ذكرناهم بعيسى عليه السلام وجعلناه ~~ممن يقفوهم، يقال: قفوت أثر فلان؛ إذا اتبعته. ~~وحقيقة التقفية: الإتيان بالشيء في قفا غيره. # قوله: { مصدقا لما بين يديه } نصب على الحال من ~~عيسى، كان مصدقا بالكتاب الذي أنزل قبله وهو التوراة. قوله ~~تعالى: { وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا ~~لما بين يديه }؛ أي أعطيناه الإنجيل فيه هدى من الضلالة، ~~وبيان الأحكام، قوله تعالى: { فيه هدى ونور ومصدقا } ~~نعت الإنجيل الذي أعطيناه ذلك ms0648 كتابا، أو وموافقا لما تقدمه، { ~~من التوراة وهدى }؛ أي بيانا لنعت النبي صلى الله عليه ~~وسلم وصفته، { وموعظة للمتقين }؛ أي نهيا للذين يتقون ~~الفواحش والكبائر. ### || [5.47] # قوله عز وجل: { وليحكم أهل الإنجيل بمآ ~~أنزل الله فيه }؛ أي وليقض أهل الإنجيل، وهذا جزم ~~بالأمر؛ أي قلنا لهم: احكموا بما أنزل الله في الإنجيل. قال ~~الكلبي: (بين الله حكم الرجم على الزاني المحصن، ~~وحكم القصاص في النفس والأطراف، وحكم القطع ~~على السارق في التوراة والإنجيل وفيما أنزل على ~~نبينا صلى الله عليه وسلم، وجميع هذه الكتب يصدق ~~بعضها بعضا). # قرأ الأعمش وحمزة: (وليحكم) بكسر اللام وفتح الميم؛ أي آتيناه ~~الإنجيل لكي يحكم، وقرأ الباقون بجزم اللام والميم. قال مقاتل: ~~(أمر الله الربانيين أن يحكموا بما في التوراة، ~~وأمر القسيسين والرهبان أن يحكموا بما في ~~الإنجيل، فكفروا وكذبوا محمدا صلى الله عليه وسلم؛ ~~وقالوا: العزير ابن الله، وقالوا: المسيح ابن ~~الله). # قوله تعالى: { ومن لم يحكم بمآ أنزل الله ~~فأولئك هم الفاسقون }؛ أي من لم يحكم بما أنزل الله ~~في كتبه على رسله، فأولئك هم الخارجون عن أمر الله. ### || [5.48] # قوله تعالى: { وأنزلنآ إليك الكتاب بالحق ~~مصدقا لما بين يديه من الكتاب }؛ أي وأنزلنا إليك ~~يا محمد القرآن بالصدق، وموافقا لما تقدم من الكتب في ~~التوحيد، وبيان الحق من الباطل، { ومهيمنا عليه }؛ أي ~~أمينا ومؤتمنا على ما قبله من الكتب. ويقال: شاهدا على الكتب ~~كلها، وهذا وصف خاص للقرآن دون ما سواه. # وأصل مهيمن: مؤتمن، على وزن مفيعل من الأمانة، إلا أن ~~الهاء أبدلت من الهمزة كما قالوا: أرقت الماء وهرقت الماء، ~~وأناك وهناك، وهيهات وأيهات، ونظير المهيمن: مسيطر. ~~قال الشعبي والكسائي ورواية الكلبي عن ابن عباس معنى قوله { ~~ومهيمنا عليه } أي شاهدا، قال الشاعر: # إن الكتاب مهيمن لنبينا # والحق يعرفه ذوو الألباب # أي شاهدا. وقال ابن جبير وأبو عبيد والحسن: (أمينا)، وهي رواية ~~العوفي عن ابن عباس. وأمانة القرآن أنه أمين على ما قبله من الكتب ~~وهي فيما أخبر به أهل الكتاب ms0649 في كتبهم، فإن كان ذلك في القرآن ~~فصدقوا وإلا كذبوا. وقال الضحاك: (مهيمنا؛ أي قاضيا). ~~وقال عكرمة: (دالا). وقال ابن زيد: (مصدقا). وقال الخليل: ~~(رقيبا وحافظا). # ويقال: هيمن فلان على كذا إذا شاهده وحفظه. تقول العرب ~~للطائر إذا طار، وحول وكره، ورفرف على فرخه صيانة له: ~~هيمن الطير يهيمن، وكذلك يقال للطائر إذا أرخى جناحيه ~~يسعهما بيضه وفرخه ورفرف على فرخه صيانة له. ومنه قيل لله ~~عز وجل: المهيمن، أي الرقيب الرحيم. # قوله تعالى: { فاحكم بينهم بمآ أنزل الله }؛ أي ~~فاحكم في الزاني والزانية بالرجم، ويقال: احكم بين بني قريظة وبني ~~النضير في الجراحات التي بينهم في التسوية بين الفريقين، { ولا ~~تتبع أهوآءهم }؛ أي لا تتبع مرادهم، { عما جآءك من ~~الحق }. # قوله تعالى: { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ~~}؛ أي جعلنا لكل نبي منكم يا معشر الأنبياء فرائض وسننا، ~~والشرعة والشريعة: هو التخلص إلى الجنة كشريعة الأنهار ~~والحياض في الدنيا، وهو التخلص إلى الشرب والاستقامة، وأصل ~~الشرعة من قولهم: شرع فلان يشرع شروعا إذا دخل في الأمر ~~دخولا ظاهرا، ويقال: الشرعة والمنهاج كلاهما الطريق، ~~والطريق ها هنا الدين، وقد يعبر عن الشيء الواحد بلفظين ~~مختلفين تأكيدا للكلام. # وقال المبرد: (الشرعة: ابتداء الطريق، والمنهاج: ~~الطريق المستمر). ويقال: عنى المنهاج: الدلائل الواضحة ~~التي يستدل بها على الفرائض من كتاب وسنة، وقيل: معناه: ~~لكل جعلنا منكم سبيلا وسنة. والمنهاج: الطريق المبين ~~الواضح. # قال المفسرون: عنى بذلك جميع أهل الملل المختلفة، جعل الله ~~لكل ملة شرعة ومنهاجا، فلأهل التوراة شريعة، ولأهل الإنجيل ~~شريعة، ولأهل القرآن شريعة، يحل فيها ما شاء ويحرم فيها ما ~~شاء، فالدين واحد والشريعة مختلفة. # قوله تعالى: { ولو شآء الله لجعلكم أمة ~~واحدة }؛ أي لجعلكم على أمر واحد في دعوة جميع الأنبياء، { ~~ولكن ليبلوكم }؛ أي ولكن ليختبركم، { في مآ آتاكم }؛ ~~فيما أعطاكم من الكتب، وفيما أمركم من السنن والشرائع المختلفة، ~~فيتبين من يطيع الله ومن يعصيه. # قوله تعالى: { فاستبقوا الخيرات }؛ أي بادروا يا ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالخيرات والطاعات والأعمال ms0650 ~~الصالحة قبل الفوت والموت. قال صلى الله عليه وسلم: # " اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، ~~وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وغناك ~~قبل فقرك، وحياتك قبل موتك " # قوله تعالى: { إلى الله مرجعكم جميعا }؛ أي إلى ~~الله مرجع من آمن، ومن لم يؤمن، { فينبئكم }؛ فيجزيكم ~~يوم القيامة، { بما كنتم فيه تختلفون }؛ من أمر الدين ~~والشريعة. ### || [5.49] # وقوله عز وجل: { وأن احكم بينهم بمآ أنزل ~~الله ولا تتبع أهوآءهم }؛ معناه: أنزلنا إليك الكتاب ~~بالحق، وبأن تحكم بين اليهود بما أنزل الله من رجم الزاني ~~المحصن، والقصاص بين الشريف والوضيع، ولا تعمل بهواهم في ~~الجلد، وترك الرجم، { واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ~~مآ أنزل الله إليك }؛ أي أن يستزلوك عن بعض ما بين ~~الله في كتابه. # قال ابن عباس: (وذلك أن يهود بني النضير مثل ابن ~~صوريا وكعب بن أسد وغيرهم، قالوا فيما بينهم: ~~اذهبوا بنا إلى محمد لعلنا نفتنه عن دينه، ~~فإنما هو بشر! فأتوه فقالوا له: يا محمد ~~إنك قد عرفت أنا أحبار اليهود وأشرافهم ~~وساداتهم، وإنا إن اتبعناك اتبعك كلهم ولن ~~يخالفونا، وإن بيننا وبين قومنا خصومة ~~فنحاكمهم إليك فاقض لنا عليهم فنؤمن بك، ~~فأبى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان حريصا على ~~إسلامهم، فأنزل الله تعالى { واحذرهم أن ~~يفتنوك عن بعض مآ أنزل الله إليك } ). # قوله عز وجل: { فإن تولوا فاعلم أنما ~~يريد الله أن يصيبهم }؛ أي إن أعرضوا عن حكمك، فاعلم ~~إنما يريد الله أن يعاقبهم بالقتل في بني قريظة، ~~وبالجلاء إلى الشام في بني النضير، { ببعض ~~ذنوبهم }؛ أي بما سلف من ذنوبهم، وهو جحودهم لدينك ~~ونعتك وصفتك والتوراة والإنجيل، { وإن كثيرا من ~~الناس لفاسقون }؛ أي خارجون عن الطاعة ناقضون للعهد. ### || [5.50] # قوله عز وجل: { أفحكم الجاهلية يبغون }؛ قرأ ~~ابن عامر (تبغون) بالتاء، وقرأ الباقون بالياء. ومعنى الآية: ~~تطلبون من حكم الزنا والقصاص، وهم أهل الكتاب شيئا فيما لم ~~ينزله الله عليكم كما يفعله أهل الجاهلية، وأي أحد أعدل في ~~الحكم من الله تعالى. قوله سبحانه وتعالى: ms0651 { ومن أحسن ~~من الله حكما لقوم يوقنون }؛ أي من أيقن بين له ~~عدل الله في حكمه. ### || [5.51] # قوله سبحانه وتعالى: { يأيها الذين آمنوا ~~لا تتخذوا اليهود والنصارى أوليآء بعضهم ~~أوليآء بعض }؛ وذلك: أنه لما كانت وقعة أحد خاف ~~الناس من المسلمين أن يظهر عليهم الكفار، ~~فأراد من كان بينه وبين اليهود والنصارى ~~صحبة أن يتولاهم ويعاقدوهم، فنهاهم الله عن ~~ذلك. ومعناه: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى ~~أحباء في العون والنصرة، بعضهم على دين بعض، { ومن ~~يتولهم منكم فإنه منهم }؛ إذا تولاه لأجل كفره ~~صار كافرا مثله، وأما إذا تولاه لا لأجل كفره صار من جملة ~~المستحقين العذاب لمخالفة أمر الله ولموالاته من أوجب الله ~~عليه أن يعذبه. وقال عكرمة: (نزلت هذه الآية في أبي ~~لبابة حين قال لبني قريظة حين رضوا بحكم سعد: ~~إنه الذبح). # قوله سبحانه وتعالى: { إن الله لا يهدي ~~القوم الظالمين }؛ أي لا يرشد اليهود والنصارى إلى دينه، ~~وحجته ما داموا على كفرهم. ### || [5.52] # قوله سبحانه وتعالى: { فترى الذين في قلوبهم ~~مرض يسارعون فيهم }؛ وذلك أن المنافقين كانوا يودون ~~يهود عرينة ونصارى نجران؛ لأنهم كانوا أهل ريف، وكانوا ~~يمرون بهم فيقرضونهم، فقال المنافقون: كيف نقطع مودة قوم ~~إن أصابتنا سيئة، واحتجنا إليهم وسعوا علينا في المنازل، ~~وعرضوا علينا الثمار في القابل، فنزل قوله سبحانه وتعالى: ~~{ فترى الذين في قلوبهم مرض } أي ترى يا محمد ~~الذين في قلوبهم شك ونفاق يبادرون إلى ولاية الكفار ومعاقدتهم، { ~~يقولون نخشى أن تصيبنا دآئرة }؛ شدة وجدوبة. # ويقال: أراد بهذا القول أنهم يخشون أن لا يتم أمر محمد ~~صلى الله عليه وسلم بأن يدور الأمر على الحالة التي هم عليها فيحتاجون ~~إلى الكفار. يقول الله سبحانه وتعالى: { فعسى الله أن ~~يأتي بالفتح }؛ أي عسى أن يظهر المسلمون، و { عسى } من ~~الله واجبة. وسمى النصر فتحا؛ لأن فيه الأمر المغلق. # قوله سبحانه وتعالى: { أو أمر من عنده }؛ ~~معناه: أو يقضي بالخصب لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويقال ~~هو أن يؤمر ms0652 النبي صلى الله عليه وسلم بإظهار أمر المنافقين ~~وقتلهم، { فيصبحوا على مآأسروا في أنفسهم ~~نادمين }؛ فيصبح المنافقون على ما أضمروا في أنفسهم من ولاية ~~رؤوس اليهود والنصارى إليهم نادمين، فلا تنفعهم الندامة حينئذ. ### || [5.53] # قوله عز وجل: { ويقول الذين آمنوا أهؤلاء ~~الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم ~~لمعكم }؛ قرأ أهل الكوفة: (ويقول) بالواو والرفع على ~~الاستئناف، وقرأ أهل البصرة بالنصب والواو عطف على (أن يأتي)، ~~وقرأ الباقون برفع اللام وحذف الواو. # ومعنى الآية: يقول المؤمنون المخلصون عندما أظهر الله نفاق ~~المنافقين: (أهؤلاء الذين أقسموا بالله) يعنون المنافقين ~~الذين حلفوا بالله أنهم لمعكم على دينكم، { حبطت ~~أعمالهم } ، بطل ما أظهروه من الإيمان والأعمال الصالحة, { ~~فأصبحوا خاسرين }؛ فصاروا مغبونين في الوزر والعقوبة. # قوله سبحانه وتعالى: { جهد أيمانهم } تفسير ~~للقسم بالله تعالى، فإن من يحلف بالله فقد بذل جهد يمينه، ~~إذ لا يمين أعظم من اليمين بالله، ولا حرمة أكبر من حرمة الله. قال ~~ابن عباس رضي الله عنه: (فجاء الله بالفتح ونصر ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، وجاء أمر الله من عنده بإجلاء بني ~~النضير، وقتل مقاتلة بني قريظة وسبي ذراريهم)، فندم المنافقون ~~حين ظهر نفاقهم، وقال المؤمنون: { أهؤلاء الذين أقسموا ~~بالله جهد أيمانهم }. ### || [5.54] # قوله سبحانه وتعالى: { يأيها الذين آمنوا من ~~يرتد منكم عن دينه }؛ قرأ أهل المدينة والشام (يرتدد) ~~بدالين، وفي الآية تهديد لمن لا ثبات له على الإيمان. قال ابن ~~عباس: (هم أسد وغطفان وأناس من كندة، ارتدوا ~~بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم في عهد أبي بكر رضي ~~الله عنه). # وكان من المرتدين فرقة يقال لهم بنو حنيفة ~~باليمامة، ورئيسهم مسيلمة الكذاب وكان يدعي ~~النبوة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر ~~سنة عشر، وزعم أنه أشرك مع محمد صلى الله عليه ~~وسلم في النبوة، وكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم: # " من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله؛ أما ~~بعد: فإن الأرض نصفها لي ونصفها لك! وبعث ~~بذلك رجلين من أصحابه نهشلا ms0653 والحكم بن ~~الطفيل، وكانا من سادات اليمامة، فقال لهما ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " أتشهدان أن مسيلمة رسول ~~الله؟ " قالا: نعم، فقال: " لولا أن الرسل لا ~~تقتل لضربت أعناقكما " ، ثم أجاب: " من محمد ~~رسول الله إلى مسيلمة الكذاب؛ أما بعد: فإن ~~الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة ~~للمتقين " ". # ومرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوفي، وجعل مسيلمة يغلو ~~أمره باليمامة يوما بعد يوم، فبعث أبو بكر رضي الله عنه خالد بن ~~الوليد في جيش عظيم حتى أهلكه الله على يدي وحشي قاتل حمزة بن ~~عبد المطلب بعد حرب شديدة، فكان وحشي يقول: (قتلت خير ~~الناس في الجاهلية، وقتلت شر الناس في ~~الإسلام). # ومن المرتدين أيضا طلحة بن خويلد رئيس بني أسد، وكان قد ادعى ~~النبوة أيضا في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقاتله أبو بكر ~~رضي الله عنه بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعث إليه خالد ~~ابن الوليد، فقاتله قتالا شديدا، وهرب طلحة على وجهه نحو ~~الشام، فلجأ إلى بني حنيفة فأجاروه، ثم أسلم بعد ذلك وحسن ~~إسلامه. # وارتد أيضا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير من العرب ~~منهم: فزارة ورئيسهم عيينة بن حصين، وبنو سليم وبنو يربوع، ~~وطائفة من بني تميم، ورأسوا عليهم امرأة يقال لها سجاح بنت ~~المنذر، وادعت النبوة ثم زوجت نفسها من مسيلمة الكذاب. # وارتدت كندة ورئيسهم الأشعث بن قيس، وارتدت بنو بكر بن وائل ~~بأرض البحرين، وكفى الله المسلمين أمر هؤلاء المرتدين، ونصر ~~دينه على يد أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وأخبار أهل الردة ~~طويلة مشهورة فلا نطول بذكرها الكتاب. # قوله سبحانه وتعالى: { فسوف يأتي الله بقوم ~~يحبهم ويحبونه }؛ قال علي والحسن وقتادة: (هم أبو ~~بكر وأصحابه)، وقال مجاهد: (هم أهل اليمن). # وقال عياض بن غنيم: # " لما نزلت هذه الآية أومأ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى أبي موسى الأشعري وقال: " هم قوم هذا ". ~~وقال صلى الله عليه وسلم: " أتاكم أهل اليمن، ms0654 هم ألين ~~قلوبا وأرق أفئدة؛ الإيمان يمان، والحكمة ~~يمانية " ". # وقال الكلبي: (هم أحياء من اليمن: ألفان من ~~النجع، وخمسة آلاف من كمدة وبحيلة، وثلاثة ~~آلاف من أحياء الناس، فقاتلوا الذين ارتدوا عن ~~الإسلام وهم الذين أثنى الله عليهم بقوله سبحانه وتعالى: ~~{ أذلة على المؤمنين }؛ يلينون لهم جانبهم ليس هذا من ~~الهوان، إنما هو من اللين والرفق، كما في قوله سبحانه ~~وتعالى: # واخفض لهما جناح الذل من الرحمة # [الإسراء: 24]. # قوله سبحانه وتعالى: { أعزة على الكافرين }؛ ~~أي أشداء أقوياء غلظاء على الكافرين، يغازون الكفار ~~ويغالبونهم، ونظير هذه الآية قوله سبحانه وتعالى: # محمد رسول الله والذين معه أشدآء على ~~الكفار رحمآء بينهم # [الفتح: 29] قال عطاء: (أذلة على المؤمنين: كانوا ~~كالوالد لولده، وكالعبد لسيده، أعزة على ~~الكافرين: كالسبع على فريسته). وقال السدي: (معنى ~~قوله: { فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ~~ويحبونه } يعني الأنصار). # " وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية، ~~فضرب بيده على عاتق سلمان الفارسي فقال: " هذا ~~وذووه " ، ثم قال: " لو كان الدين معلقا ~~بالثريا لناله رجال من أبناء فارس " ". # قوله سبحانه وتعالى: { يجاهدون في سبيل الله ~~ولا يخافون لومة لائم }؛ أي يقاتلون العدو في طاعة ~~الله، ولا يخافون ملامة اللائمين، { ذلك فضل الله يؤتيه ~~من يشآء }؛ أي ذلك التمكين والتوفيق فضل من الله يكرم به من ~~يشاء من كان أهلا لذلك، { والله واسع }؛ الفضل والرحمة، { ~~عليم }؛ من يصلح للهدى. ### || [5.55] # قوله عز وجل: { إنما وليكم الله ورسوله ~~والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون ~~الزكاة وهم راكعون }؛ قال ابن عباس: # " نزلت هذه الآية في مسلمي أهل الكتاب: عبدالله ~~بن سلام وأصحابه، قالوا: يا رسول الله، بيوتنا ~~قاصية، ولا نجد متحدثا دون هذا المسجد، وإن ~~قومنا من بني قريظة والنضير لما رأونا قد ~~آمنا بالله ورسوله وتركناهم ودينهم، أظهروا ~~لنا العداوة، وأقسموا أن لا يناكحونا ولا ~~يواكلونا ولا يخالطونا، ولا نستطيع أن نجالس ~~أصحابك لبعد الموضع. # فبينما هم يشكون على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~والناس في المسجد يصلون فيه ms0655 من قائم وراكع ~~وساجد، إذا بمسكين يطوف يسأل الناس، فدعاه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فأتاه، فقال له: " أعطاك أحد ~~شيئا؟ " قال: نعم، قال: " ماذا؟ " قال: خاتم فضة، ~~قال: " من أعطاكه؟ " قال: ذاك الرجل، فإذا هو علي ~~رضي الله عنه، قال: " على أي حال أعطاكه؟ " قال: ~~أعطانيه وهو راكع، فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~هذه الآية على عبدالله بن سلام وأصحابه ". # وألبسهم بما أبدلهم الله به من ولايته وولاية رسوله وولاية ~~المؤمنين، ومعنى الآية: إنما حافظكم وناصركم الله ورسوله ~~والمؤمنون الذي يقيمون الصلاة بحقوقها ويؤتون الزكاة في حال ~~ركوعهم. وفي الآية دليل على إباحة العمل اليسير في الصلاة، فلما ~~قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم الآية قال عبد الله بن سلام ~~وأصحابه: (رضينا بالله وبرسوله وبالمؤمنين أولياء). # " وروي أن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما كان ذات يوم ~~جالسا عند شفير زمزم يقول: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، إذا أقبل رجل متعمم بعمامة قال: فهلا ابن ~~عباس لا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا قال ~~ذلك الرجل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال ابن ~~عباس: سألتك بالله من أنت؟ فكشف العمامة عن ~~وجهه وقال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ~~ومن لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة البدري، ~~أنا أبو ذر الغفاري، سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بهاتين وإلا فصمتا، ورأيته بهاتين وإلا ~~فعميتا، يقول على قائد البردة وقاتل الكفرة: ~~" منصور من نصره، مخذول من خذله " ". # أما إني صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ~~من الأيام صلاة الظهر، فسأل سائل في المسجد ~~فلم يعطه أحد، فرفع السائل رأسه إلى السماء ~~وقال: اللهم اشهد أني سألت في مسجد رسولك صلى ~~الله عليه وسلم يوما من الأيام فلم يعطني أحد، وكان ~~علي راكعا فأومأ إليه نحوه بخنصره اليمنى ~~وكان فيها خاتم، فأخذ السائل الخاتم من خنصره ~~وذلك بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما فرغ ms0656 من ~~صلاته رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه إلى ~~السماء قال: # " اللهم أخي موسى سألك قال: { رب اشرح لي صدري ~~* ويسر لي أمري * واحلل عقدة من لساني * ~~يفقهوا قولي * واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون ~~أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري }. ~~فأنزلت عليه { سنشد عضدك بأخيك ونجعل ~~لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنآ } ، ~~اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك، اللهم فاشرح ~~لي صدري، ويسر لي أمري، واجعل لي وزيرا من أهلي ~~عليا اشدد به ظهري " # قال أبو ذر: فما استتم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الكلام حتى نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية { ~~إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ~~الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم ~~راكعون }. ### || [5.56] # قوله سبحانه وتعالى: { ومن يتول الله ~~ورسوله والذين آمنوا }؛ أي من تخير طاعة الله ورسوله ~~ومحبة المؤمنين، { فإن حزب الله }؛ فإن جند الله، { هم ~~الغالبون }. ### || [5.57] # قوله سبحانه وتعالى: { يأيها الذين آمنوا ~~لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا ~~من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم }؛ وذلك أن ~~اليهود كانوا إذا قام بلال للأذان يضحكون، ويستهزئون ويقولون: قام ~~الغراب لا قام! وإذا قام المؤمنون للصلاة قالوا: قد قاموا لا ~~قاموا! وإذا رأوهم ركعا وسجدا استهزأوا بهم، وتغامزوا فيما ~~بينهم تنفيرا للناس عن الصلاة وعن الداعي إليها. # ومعنى الآية: لا تتخذوا اليهود والنصارى الذين يتخذون { دينكم ~~هزوا ولعبا } أي استهزاء وسخرية، يسخرون منكم إذا أذن ~~مؤذنكم، ويضحكون من صلاتكم إذا صليتم. # قوله سبحانه وتعالى: { والكفار }؛ فيه قراءتان: ~~النصب والخفض، فمن نصبه فمعناه: لا تتخذوا الكفار، { ~~أوليآء } ، وأراد بهم مشركي العرب، ومن خفضه فمعناه: من الذين ~~أوتوا الكتاب ومن الكفار. وقوله سبحانه وتعالى: { ~~واتقوا الله إن كنتم مؤمنين }؛ أي اخشوه في ولاية ~~الكافرين إن كنتم مؤمنين بالله وبرسوله. ### || [5.58] # قوله سبحانه وتعالى: { وإذا ناديتم إلى ~~الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا }؛ أي إذا ناديتم الناس إلى ~~الصلاة بالأذان والإقامة اتخذوها سخرية واستهزاء وضحكا ~~وباطلا، و { ذلك }؛ الاستهزاء واللعب، { بأنهم قوم لا ~~يعقلون }؛ ثواب الله تعالى ms0657 في إقامة الصلاة، ولا عقابه في ~~إضاعته. # وروي: ((أن يهوديا كان إذا سمع المؤذن يقول: (أشهد أن ~~محمدا رسول الله) قال: أحرق الله الكاذب، فدخل خادمه ~~البيت بنار، فوقعت شرارة منها في البيت فالتهب، واحترق اليهودي ~~هو وأهله، واستجيب دعاؤه على نفسه)). # وفي الآية دليل أن للصلاة أذانا يدعو به الناس إليها، ونظير هذا ~~قوله تعالى: # إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة # [الجمعة: 9]. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ثلاثة لا يكترثون من الحساب، ولا تفزعهم ~~الصيحة، ولا يحزنهم الفزع الأكبر: حامل ~~القرآن العامل به، يقدم على الله سيدا شريفا، ~~ومؤذن أذن سبع سنين لا يأخذ على أذانه طعاما، ~~وعبد مملوك أحسن عبادة ربه وأدى حق مولاه " # وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من أذن سنة من نية صادقة، أجلس يوم ~~القيامة على باب الجنة، فقيل له: إشفع لمن ~~شئت " # وعن أبي هريرة رضي الله عنه: قال ابن عباس: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " من أذن خمس صلوات إيمانا واحتسابا غفر له ما ~~تقدم من ذنبه وما تأخر " # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " المؤذن المحتسب كالشهيد المتشحط في دمه ~~ما دام في أذانه، ويشهد له كل رطب ويابس، فإذا ~~مات لم يدود في قبره " # قال عمر رضي الله عنه: لو كنت مؤذنا لكمل أمري، وما ~~باليت أن لا أتنصب لقيام ولا لصيام، سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " اللهم اغفر للمؤمنين، اللهم اغفر ~~للمؤذنين " ### || [5.59] # قوله عز وجل: { قل يأهل الكتاب هل تنقمون ~~منآ إلا أن آمنا بالله ومآ أنزل إلينا ومآ ~~أنزل من قبل }؛ أي قل يا محمد: يا أهل الكتاب هل تطعنون ~~علينا إلا لإيماننا بالله تعالى والقرآن، { وأن أكثركم ~~فاسقون }؛ أي إنما كرهتم إيماننا وأنتم تعلمون أننا على ~~حق؛ لأنكم فسقتم بأن أقمتم على دينكم لمحبتكم الرئاسة ~~وكسبكم بها الأموال، فهل تدرون شيئا يعاب علينا إلا هذا؟ فلماذا ~~تطعنون. # وأما قوله ms0658 سبحانه وتعالى: { وأن أكثركم ~~فاسقون } ، قال بعضهم: أراد بالأكثر كلهم، وأكثر الشيء يقوم ~~مقام الكل. وقيل: إنما ذكر لفظ الأكثر؛ لأن الآية خرجت مخرج ~~التلطف للدعاء إلى الإيمان، وكان في سابق علم الله سبحانه ~~وتعالى أن فيهم من يسلم، وكان في القوم من يطعن بنفسه في دين ~~الإسلام، وإن كان سكت عن طعن الطاعنين. ### || [5.60] # قوله سبحانه وتعالى: { قل هل أنبئكم بشر ~~من ذلك مثوبة عند الله }؛ وذلك أن اليهود قالوا ~~للمسلمين: ما نعلم أهل دين أقل حظا منكم في الدنيا، ونرجو أن ~~تكونوا في الآخرة! فأنزل الله هذه الآية؛ أي قل يا محمد ~~لهؤلاء اليهود: هل أخبركم بسوء من الذي قلتم جزاء، { من لعنه ~~الله وغضب عليه }؛ أي أبعده عن رحمته، وسخط عليه وهم ~~اليهود، فيكون موضع { من لعنه } رفعا على معنى (هو) ويجوز أن ~~يكون خفضا بدلا من (شر) على معنى: هل أنبئكم بمن لعنه ~~الله. # قوله سبحانه وتعالى: { وجعل منهم القردة ~~والخنازير }؛ أي مسخ بعضهم قردة في زمن داود عليه السلام ~~بدعائه عليهم حين اعتدوا في السبت واستحلوه، ومسخ بعضهم ~~خنازير في زمن عيسى عليه السلام بعد أكلهم من المائدة حين كفروا ~~بعد ما رأوا الآيات البينة. وروي: أنه لما نزلت هذه الآية قال ~~المسلمون لليهود: (يا إخوة القردة والخنازير) فنكسوا ~~رؤوسهم وفضحهم الله تعالى. # قوله سبحانه وتعالى: { وعبد الطاغوت }؛ فيه عشر ~~قراءات، قرأ العامة (وعبد الطاغوت) بفتح العين والباء والدال ~~على الفعل؛ ومعناها: وجعل منهم من عبد الطاغوت؛ أي بالغ في ~~طاعة الشيطان والكهان ورؤساء المعصية. وقرأ ابن مسعود: ~~(وعبدوا الطاغوت) أي ومن عبد الطاغوت، وقرأ يحيى بن وثاب ~~وحمزة: بفتح العين وضم الباء وكسر التاء من الطاغوت، وهو لغة في ~~عبد، مثل سبع وسبع. وقرأ أبو جعفر الفراء: (وعبد ~~الطاغوت) على الفعل المجهول، وقرأ الحسن: (وعبد الطاغوت) ~~على الواحد. # وقرأ يزيد الأسلمي: (وعابد الطاغوت) بالأف، وقرأ ابن عباس: ~~(وعبيد الطاغوت) بالجمع، وقرأ أبو واقد الليثي: (وعباد ~~الطاغوت) مثل كفار، وقرأ عون العقيلي وإبان بن ثعلب: ms0659 ~~(وعبد الطاغوت) مثل راكع وركع، وقرأ عبيد بن عمير: ~~(أعبد الطاغوت) مثل كلب وأكلب، وقرأ الأعمش: (وعبد ~~الطاغوت) بضم العين والباء وكسر التاء من الطاغوت. قال الشاعر: # انسب العبد إلى آبائه # أسود الجلد من قوم عبد # قوله سبحانه وتعالى: { أولئك شر مكانا ~~وأضل عن سوآء السبيل } فإن قيل: كيف معنى هذا ليس في ~~الإيمان شر وضلال؟ قيل: سمة المشركين شر مكانا لا يوجب أن ~~يكون في الإيمان شر وتطير. قوله سبحانه وتعالى: # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن ~~مقيلا # [الفرقان: 24] ومعلوم أنه لا خير في مستقر الكفار ومنقلبهم، ~~فلما نزلت هذه الآية قال المسلمون ليهود: (يا إخوان ~~القردة والخنازير) فسكتوا وأفحموا، وفيهم يقول الشاعر: # فلعنة الله على اليهود # إن اليهود إخوة القرود ### || [5.61] # قوله عز وجل: { وإذا جآءوكم قالوا آمنا وقد ~~دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به }؛ ومعناه: وإذا ~~جاءكم المنافقون من أهل الكتاب قالوا آمنا بك، ونحن نعرف نعتك ~~وصفتك، يقول الله: وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به؛ اي ~~دخلوا عليكم، وخرجوا من عندكم كافرين في السر كما دخلوا خرجوا، ~~وقوله: (وهم) للصلة والتأكيد؛ { والله أعلم بما كانوا ~~يكتمون }؛ أي بما كانوا يضمرون في قلوبهم من الكفر والنفاق، ~~فأعلمكم به وأطلعكم عليه. ### || [5.62] # قوله سبحانه وتعالى: { وترى كثيرا منهم ~~يسارعون في الإثم والعدوان }؛ أي وترى يا محمد ~~كثيرا من اليهود والمنافقين يبادرون في المعصية والاعتداء والظلم، ~~{ وأكلهم السحت }؛ وأكل الرشوة والحرام في تغيير ~~الأحكام، { لبئس ما كانوا يعملون }؛ من المعصية ومجاوزة ~~الحد. ### || [5.63] # قوله سبحانه وتعالى: { لولا ينهاهم ~~الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم ~~السحت لبئس ما كانوا يصنعون }؛ معناه: هل ينهاهم ~~العاملون بالعلم والعلماء الذين هم دونهم عن قول الشرك والكذب على ~~الله، وأكل الحرام والرشوة في الحكم. قال الحسن: (الربانيون ~~علماء النصارى، والأحبار علماء اليهود). ويقال: ~~هو كله في اليهود، وقرأ أبو واقد الليثي: (لولا ~~ينهاهم الربيون) كقوله تعالى: # وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير # [آل عمران: 146]. # وقوله: { لبئس ما كانوا يصنعون } أي بئس ما ms0660 يصنع ~~علماؤهم من كتمانهم الحق، وتركهم النهي عن المعصية. قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما والضحاك: (إن هذه الآية أشد ~~الآيات في تخويف من ترك الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر)، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من رجل يجاور قوما فيعمل بالمعاصي بين ~~أظهرهم، فلا يأخذون على يديه، إلا أوشك أن ~~الله تعالى يعمهم منه بعقاب " ### || [5.64] # قوله عز وجل: { وقالت اليهود يد الله ~~مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا }؛ قال ابن ~~عباس: (نزلت هذه الآية في فنحاص بن عازوراء ~~اليهودي وأصحابه، كان الله تعالى قد بسط لهم في ~~الرزق، فكان من أخصب الناس، وأكثرهم خيرا ~~وأموالا، فلما عصوا الله تعالى في محمد صلى الله ~~عليه وسلم وبالغوا في تكذيبه، كف الله عنهم بعض ~~الذي كان بسط عليهم، فعند ذلك قالوا: يد الله ~~مغلولة). أي قالوا على سبيل الهزء: إن إله محمد الذي ~~أرسله ممسكة يده عنان الرزق لا يبسط علينا كما كان يبسط. وهذا ~~اللفظ في كلام العرب عبارة عن البخل، كما قال تعالى: # ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك # [الإسراء: 29] أي لا تمسكها عن الإنفاق. # قال بعضهم: إنما قال هذه المقالة فنحاص ولم ينهه الآخرون، ~~ورضوا بقوله فأشركهم الله فيها، وأرادوا باليد العطاء، لأن عطاء ~~الناس وبذلهم في الغالب بأيديهم، فاستعمل الناس اليد في وصف الناس ~~بالجود والبخل. ويقال للبخيل: جعد الأنامل؛ مقبوض الكف؛ ~~مكفوف الأصابع؛ مغلول اليدين، قال الشاعر: # كانت خراسان أرضا إذ يزيد بها # وكل باب من الخيرات مفتوح # فاستبدلت بعده جعدا أنامله # كأنما وجهه بالخل منضوح # وقوله تعالى: { غلت أيديهم } جواب عن كلامهم على طريق ~~المقابلة في الازدواج؛ أي أمسكت أيديهم عن الإنفاق في الخير، ~~وجعلوا بخلاء واليهود أبخل الناس، ولا أمة أبخل منهم. ~~ويقال: معنى { غلت أيديهم } أي غلت إلى أعناقهم في نار ~~جهنم، ويقال: لا يخرج يهودي من الدنيا إلا وتصير يده مغلولة إلى ~~عنقه. # قوله تعالى: { ولعنوا بما قالوا } أي عذبوا ~~بالجزية، وطردوا عن رحمة الله تعالى لقولهم: { يد الله ms0661 ~~مغلولة }. # قوله تعالى: { بل يداه مبسوطتان }؛ عبارة عن الجود ~~وكثرة العطية لمن يشاء، كما يقال: فلان بسط اليدين، وباسط ~~اليدين إذا كان جوادا يعطي يمنة ويسرة، وعن ابن عباس: (أن ~~معناه: بل نعمتاه مبسوطتان)، وأراد نعمة الدين ~~والدنيا، وقيل: نعمته الظاهرة ونعمته الباطنة. وقيل: أراد ~~بالتثنية في هذا للمبالغة في صفة النعمة. قال الأعشى: # يداك يدا مجد فكف مفيدة # وكف إذا ما ضن بالمال تنفق # وهذا كله لأن اليهود قصدوا تبخيل الله، فحوسبوا على قدر ~~كلامهم. # قوله تعالى: { ينفق كيف يشآء }؛ دليل على أن المراد ~~بجواب اليهود بيان بسط النعمة، وأن الله يرزق كيف يشاء بحسب ~~المصالح، فربما كان الصلاح في أن يعتبروا، وربما كان في أن ~~يوسع، ولا يخلو حكمه عن الحكمة. # واعلم أن اليد في اللغة تتصرف على وجوه؛ منها: الجارحة وهي معروفة، ~~وتعالى الله عن الجوارح. ومنها: النعمة كما يقال: لفلان علي يد؛ ~~أي نعمة. ومنها: القوة كما قال تعالى: # أولي الأيدي والأبصار # [ص: 45] وقال تعالى: # والسمآء بنيناها بأييد # [الذاريات: 47]. # ومنها: الملك # أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح # [البقرة: 237] أي يملكه. ومنها: القدرة كقوله # بيدي # [ص: 75] أي توليت خلقه، وفائدته التشريف. ومنها التصرف كما ~~يقال: هذه الدار في يد فلان؛ أي هو يتصرف فيها بالسكنى والإسكان، ~~وقد يقال: أسلم فلان على يد فلان؛ أي كان سببا في إسلامه. # قوله عز وجل: { وليزيدن كثيرا منهم مآ ~~أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا }؛ معناه: ليزيدن ~~القرآن الذي أنزل إليك، وما فيه من الإسلام، وحكم الرجم كثيرا من ~~اليهود طغيانا وكفرا؛ أي كلما أنزل عليك شيء من القرآن ~~كفروا به فيزيد كفرهم. # قوله تعالى: { وألقينا بينهم العداوة ~~والبغضآء إلى يوم القيامة }؛ أي جعلناهم مختلفين في ~~دينهم متباغضين كما قال تعالى: # تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى # [الحشر: 14]. # وقوله تعالى: { كلمآ أوقدوا نارا للحرب أطفأها ~~الله }؛ أي كلما أجمعوا على قتالكم وأعدوا للحرب، فرق الله ~~جمعهم وأطفأ مكرهم وخالف بين كلمتهم. وقوله تعالى: { ويسعون ~~في الأرض فسادا }؛ أي يجتهدون في دفع الإسلام { والله ms0662 لا ~~يحب المفسدين }؛ أي لا يرضى عمل أهل الفساد. ### || [5.65-66] # قوله تعالى: { ولو أن أهل الكتب ءامنوا ~~واتقوا لكفرنا عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم ~~جنت النعيم * ولو أنهم أقاموا التوراة ~~والإنجيل }؛ أي ولو أنهم عملوا بما في التوراة والإنجيل، ولم ~~يكتموا ما علموا من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم فيها، وعملوا ~~ب؛ { ومآ أنزل إليهم من ربهم }؛ يعني القرآن الذي ~~أنزل على كافة الناس، { لأكلوا من فوقهم ومن تحت ~~أرجلهم }؛ أي لوسعنا عليهم الرزق بإنزال المطر من السماء، ~~وإخراج النبات من الأرض والشجر والنبات. وفي الآية بيان أن التقى ~~سبب لتوسعة الرزق، واستقامة الأمر في الدنيا والآخرة، ونظير هذا ~~قوله تعالى: # ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركت من السمآء والأرض # [الأعراف: 96] وقوله تعالى: # ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من ~~حيث لا يحتسب # [الطلاق: 2-3]. # قوله تعالى: { منهم أمة مقتصدة }؛ أي من أهل ~~الكتاب أمة عادلة، يعني جماعة عادلة في القول، وهم الذين أسلموا ~~منهم، وهم ثمانية وأربعون رجلا: النجاشي وأصحابه من النصارى، ~~وبحيرا الراهب وأصحابه، وسلمان الفارسي وأصحابه، وعبدالله بن ~~سلام وأصحابه، وجبر مولى قريش، { وكثير منهم سآء ما ~~يعملون }؛ أي كثير من أهل الكتاب ساء ما يعملون من كتمان نعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم وتكذيبه، وهم: كعب بن الأشرف وأصحابه ~~وسوف تسوؤهم أعمالهم يوم القيامة إذا رأوا وبالها. ### || [5.67] # قوله عز وجل: { يأيها الرسول بلغ مآ أنزل ~~إليك من ربك }؛ خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمر له ~~أن يبلغ الناس جميع ما أنزل إليه من ربه من القرآن. قوله ~~تعالى: { وإن لم تفعل فما بلغت رسالته }؛ ~~معناه: إن لم تبلغ آية مما أنزل إليك، أو حكما أمرت بتبليغه ~~إليهم، فكأنك لم تبلغ شيئا من الرسالة؛ أي يحصل لك الثواب ~~الموعود على تبليغ الرسالة من قبل، وإن كتمان آية واحدة تحبط ~~ثواب ما بلغ من الرسالة. # يقال: إن في هذه الآية دليلا على أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~كان إذا أمر بشيء خاص ms0663 تأنى قليلا عن تبليغه حذرا وخوفا أن ~~يبتليه الله، كما ابتلى قبله إبراهيم بالنار وإسماعيل بالذبح ~~وزكريا ويحيى بالقتل، وكان صلى الله عليه وسلم عازما على فعل ما ~~أمر به مع خوفه، فقيل له إن لم تفعل ما أمرت به من دعوتهم إلى ~~الإسلام، وعبت دينهم فقد بطل جميع ما فعلت من قبل التبليغ، ~~كأنك لم تبلغ شيئا من الرسالة، ولهذا قرأ نافع وابن عامر وعاصم: ~~(رسالاته) بلفظ الجمع، وقد يذكر الواحد ويراد به الجماعة. # قوله تعالى: { والله يعصمك من الناس }؛ أمان من ~~الله للنبي صلى الله عليه وسلم كيلا يخاف ولا يحذر، كما روي في ~~الخبر: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل المدينة ~~قالت له اليهود: يا محمد إنا ذوو عدد وناس، ~~فإن لم ترجع قابلناك، وإن رجعت زودناك ~~وأكرمناك. فكان عليه السلام يحرسه مائة من ~~المهاجرين والأنصار يبيتون عنده، ويخرجون معه ~~خوفا من اليهود، فلما نزل قوله: { والله ~~يعصمك من الناس } علم أن الله يحفظه من كيد ~~اليهود وغيرهم، فقال للمهاجرين والأنصار: " ~~انصرفوا إلى رجالكم، فإن الله قد عصمني من ~~اليهود " " # فكان صلى الله عليه وسلم عند ذلك يخرج وحده في أول ~~الليل وعند السحر إلى أودية المدينة وحيث ما ~~شاء، فعصمه الله مع كثرة أعدائه وقلة أعوانه، ~~فعاش حميدا ومات سعيدا صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { إن الله لا يهدي القوم ~~الكافرين }؛ أي لا يرشدهم إلى دينه وحجته، ولا يهديهم إلى ~~طريق الجنة في الآخرة. ### || [5.68] # قوله تعالى: { قل يأهل الكتاب لستم على ~~شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل ومآ أنزل ~~إليكم من ربكم }؛ أي لستم على شيء من الدين والثواب ~~إلا أن تقروا بما في التوراة والإنجيل من نعت محمد صلى الله ~~عليه وسلم ومبعثه ونبوته وسائر الأحكام التي فيها، وتقروا ~~بالقرآن الذي أنزل على كافة الناس من ربهم. # قوله تعالى: { وليزيدن كثيرا منهم مآ أنزل ~~إليك من ربك طغيانا وكفرا }؛ قد ذكرنا تفسيره، { ~~فلا تأس على القوم الكافرين }؛ أي ليس عليك إلا ms0664 ~~تبليغ الرسالة فلا تحزن عليهم إن كذبوك؛ أي لا تحزن على هلاكهم ~~إذا أهلكناهم. ### || [5.69] # قوله تعالى: { إن الذين آمنوا والذين هادوا ~~والصابئون والنصارى من آمن بالله واليوم ~~الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون }؛ معنى الآية: إن الذين آمنوا بألسنتهم ولم تؤمن ~~قلوبهم، والذين مالوا عن الإسلام وسموا باليهودية، والذين ~~صبت قلوبهم، وهم صنف من النصارى يقال لهم السابحون يحلقون ~~أوساط رؤوسهم. # ويقال: الصابئ هو الخارج من ملة فيها أمة عظيمة إلى ملة فيها ~~شرذمة قليلة. # قوله تعالى: { من آمن بالله } أي من آمن من هذه الفرق ~~بالله وبجميع ما أنزل الله، والبعث بعد الموت، وعمل صالحا فيما ~~بينه وبين الله، فلا خوف عليهم، حيث يخاف أهل النار، ولا هم ~~يحزنون حيث يحزن أهل النار. # وأما الرفع في قوله: { والصابئون }: فقال الكسائي: هو نسق ~~على المضمر في { هادوا } تقديره: هادوهم والصائبون. وقال الخليل ~~وسيبويه والبصريون قوله: { والذين هادوا والصابئون } ~~مرفوع بالابتداء؛ تقديره: إن الذين آمنوا ومن آمن من الذين ~~هادوا والصابئون والنصارى، من آمن بالله واليوم الآخر. وقيل: ~~إنما رفع لأنه عطف على { الذين } قبل دخول { إن }؛ لأنه لا ~~يحدث معنى، كما تقول: زيد قائم، وإن زيدا قائم معناهما ~~واحد. وقرأ الحسن: (إن الله وملائكته) برفع التاء. # وأما نفي الحزن عن المؤمنين ها هنا، فقد ذهب بعض المفسرين إلى أنه ~~لا يكون عليهم حزن في الآخرة ولا خوف، ونظيره قوله تعالى: # تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا ~~تحزنوا # [فصلت: 30]. # وقال بعضهم: إن المؤمنين يخافون ويحزنون لقوله تعالى: # يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمآ أرضعت # [الحج: 2] وقوله تعالى: # يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه # [عبس: 34-35]. وقال صلى الله عليه وسلم: # " " يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة " فقالت ~~عائشة: واسوأتاه! فقال صلى الله عليه وسلم: " أما سمعت ~~قوله تعالى: { لكل امرىء منهم يومئذ شأن ~~يغنيه } " " # قالوا: وإنما نفى الله تعالى في هذه الآية الحزن عن المؤمنين؛ لأن ~~حزنهم لما كان يعرض الزوال، ولم يكن له بقاء معهم ms0665 لم يعتد بذلك. ### || [5.70] # قوله عز وجل: { لقد أخذنا ميثاق بني ~~إسرائيل }؛ أي أخذنا عهد بني إسرائيل على أن يعملوا بما في ~~التوراة والإنجيل، وكل نبي يبعثه الله إلى قومه فآمنوا به، فذلك ~~أخذ ميثاقهم، { وأرسلنآ إليهم رسلا كلما جآءهم ~~رسول بما لا تهوى أنفسهم }؛ أي كلما جاءهم رسول بما ~~لا يوافق هواهم ولا ما هم عليه، { فريقا كذبوا }؛ أي كذبوا ~~جماعة من الرسل مثل عيسى ومحمد صلوات الله عليهما، { ~~وفريقا يقتلون }؛ مثل زكريا ويحيى عليهما السلام. ### || [5.71] # قوله تعالى: { وحسبوا ألا تكون فتنة }؛ أي ~~ظنوا ألا يكون عذابا وعقوبة، وقيل: ابتلاء بسبب قتلهم ~~الأنبياء وتكذيبهم الرسل. من قرأ (يكون) بالنصب فمعنى (أن يكون)، ~~ومن قرأ بالرفع فمعناه: (أنه لا يكون) أي فحسبوا أن فعلهم ~~غير فاتن لهم، { فعموا وصموا }؛ عن الحق؛ أي عملوا ~~معاملة الأعمى الذي لا يبصر، والأصم الذي لا يسمع، فصاروا كالعمي ~~والصم. { ثم تاب الله عليهم }؛ أي تجاوز عنهم بأن ~~أرسل إليهم محمدا صلى الله عليه وسلم يعلمهم أنه قد تاب عليهم ~~إن آمنوا وصدقوا فلم يؤمن أكثرهم، ويقال: دانوا بعد ذلك ~~وتابوا من الكفر فقبل الله توبتهم، فلما بعث الله محمدا ~~صلى الله عليه وسلم وجاءهم ما عرفوا كفروا به، فذلك قوله: { ~~فعموا وصموا } أي عموا عن الهدى، وصموا عن الحق بعد أن ~~ازداد لهم الأمر وضوحا بالنبي صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { ثم عموا وصموا كثير منهم }؛ ~~بدل من الواو في قوله { عموا } كأنه قال: عمي وصم كثير منهم، ~~وهذا كما يقال: جاءني قومك أكثرهم، وقوله: { كثير منهم } ~~يقتضي في المرة الثانية أنهم لم يكفروا بأكملهم، وإنما كفر ~~أكثرهم، كما قال تعالى: # ليسوا سوآء من أهل الكتاب أمة قآئمة # [آل عمران: 113] وقال تعالى: # منهم أمة مقتصدة # [المائدة: 66]. # ويحكى عن بعض أهل اللغة جواب جمع الفعل متقدما على الاسم، كما ~~يقال: أكلوني البراغيث، ويجوز أن يكون { كثير } خبر مبتدأ ~~محذوف؛ معناه: العمي والصم كثير منهم. # وقوله: { والله بصير بما يعملون }؛ أي بما تعملون من ms0666 ~~التكذيب ونقض الميثاق وتحريف الكلام. ### || [5.72-73] # قوله تعالى: { لقد كفر الذين قالوا إن الله ~~هو المسيح ابن مريم }؛ نزلت في نصارى نجران السيد ~~والعاقب ومن معهما، وهم الماريعقوبية؛ قالوا: إن الله هو المسيح ~~بن مريم. # قوله تعالى: { وقال المسيح يابني إسرائيل ~~اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله ~~}؛ إعلام من الله تعالى أن المسيح دعاهم إلى توحيد الله تعالى، ~~وأعلمهم أن شيئا حاله في أمه مربوب كحالهم، وأعلمهم أن من أشرك ~~مع الله شيئا غيره فهو كافر من أهل النار، فذلك قوله تعالى: ~~{ اعبدوا الله ربي وربكم } أي وحدوه، فهو خالقي ~~وخالقكم ورازقي ورازقكم. { فقد حرم الله عليه الجنة ~~}؛ أن يدخلها، { ومأواه النار }؛ ومصيره في الآخرة النار، { ~~وما للظالمين من أنصار }؛ أي ما للمشركين من مانع يمنعهم ~~من عذاب الله. # ثم بين الله كفر الفريق الآخر من النصارى، وهم المرقوشية، ~~فقال عز وجل: { لقد كفر الذين قالوا إن الله ~~ثالث ثلاثة }؛ أي أحد ثلاثة: أب؛ وابن؛ وروح قدس، { وما ~~من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا }؛ أي ~~المنافقون؛ { عما يقولون }؛ من مقالتهم الأولى والثانية، { ~~ليمسن الذين كفروا }؛ أي ليصيبن الذين أقاموا على ~~مقالة الكفر، { منهم عذاب أليم }؛ وجيع يخلص وجعه إلى ~~قلوبكم. ### || [5.74] # قوله تعالى: { أفلا يتوبون إلى الله ~~ويستغفرونه }؛ أول هذه الآية استفهام، ومعناها الآمر؛ أي ~~توبوا إلى الله عن النصرانية، واستغفروه من هذه المقالة الشنيعة، ~~{ والله غفور }؛ لمن تاب وآمن، { رحيم }؛ بمن مات على ~~التوبة. ### || [5.75] # قوله عز وجل: { ما المسيح ابن مريم إلا ~~رسول قد خلت من قبله الرسل }؛ أي ما المسيح إلا ~~رسول من رسل الله، فإن إبراء الأكمه والأبرص، وإتيانه ~~بالمعجزات كما أتى موسى بالمعجزات؛ أي الآيات، وكما أتى إبراهيم ~~عليه السلام وغيرهما من الأنبياء، فلو وجبت عبادة الأنبياء لظهور ~~المعجزات عليه لوجبت عبادة سائر الأنبياء واتخاذهم آلهة بسبب ~~المعجزات، { وأمه صديقة }؛ أي كثيرة الصدق والتصدق، ~~وذلك أن جبريل عليه السلام أتاها فقال لها: إنما أنا رسول ~~ربك؛ فصدقته، كما قال تعالى: # وصدقت ms0667 بكلمات ربها # [التحريم: 12]. # قوله عز وجل: { كانا يأكلان الطعام }؛ بيان ~~أنهما كانا محدثين محتاجين، وهذا احتجاج بين على القوم في أنه ~~لم يكن إلها؛ لأن الله تعالى وصفه في الآية بصفات تنافي ~~الآلهية، منها: أنه رسول بعد أن لم يكن، ومنها: أنه كسائر ~~الرسل فيما ظهرت منه وعليه، ومنها: أنه مولود من أم، ومنها: ~~أنهما كانا يعيشان بالغداء كما يعيش سائر الآدميين، وكيف يكون ~~إلها من تكون حياته بالحيلة ولا يقيمه إلا أكل الطعام. # ومنها ما قالوا: إن أكل الطعام في الآية كناية عن قضاء الحاجة؛ ~~لأن الذي يأكل الطعام لا بد له من قضاء الحاجة. فكل هذه الصفات ~~دلالة على كونه عبدا مخلوقا مربوبا مستحيلا أن يكون إلها ~~قديما، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # قوله تعالى: { انظر كيف نبين لهم الآيات }؛ أي ~~انظر يا محمد كيف نبين لهم العلامات في أمر عيسى أن لم يكن ~~إلها ولا ابنا له ولا ثالث ثلاثة، { ثم انظر }؛ يا محمد، ~~{ أنى يؤفكون }؛ أي من أين يصرفون عن الحق الواضح إلى ~~الباطل. # والإفك: هو الصرف، كل شيء صرفته فهو مأفوك، تقول: ~~أفكته عنه أفكه إفكا، ويسمى الكذب إفكا؛ لأنه يصرف عن ~~الحق. ### || [5.76] # قوله تعالى: { قل أتعبدون من دون الله ما لا ~~يملك لكم ضرا ولا نفعا }؛ أي قل يا محمد لهؤلاء ~~النصارى ومن سلك طريقتهم واتخذ غير الله إلها: أتعبدون من ~~دون الله ما لا يقدر على دفع ضر عنكم ولا جر نفع إليكم، { ~~والله هو السميع }؛ لمقالتكم في عيسى عليه السلام وأمه، { ~~العليم }؛ بكم وبعقوبتكم. ### || [5.77] # قوله عز وجل: { قل يأهل الكتاب لا تغلوا ~~في دينكم غير الحق }؛ أي قل لهم يا محمد: لا ~~تتجاوزوا الحد في دينكم إلى غير الحق فتقولوا: هل فعل أحد ~~مثل فعل عيسى؟ وتجعلوا لله ولدا؟ فإنه ليس بحق، ويقال: هذا ~~خطاب لليهود والنصارى؛ أي لا ترفعوا عيسى عليه السلام عن درجة ~~النبوة إلى درجة الربوبية، ولا تحطوه عن درجته فتقولوا: ~~إنه مولود على غير ms0668 رشده. # قوله تعالى: { ولا تتبعوا أهوآء قوم قد ~~ضلوا من قبل }؛ أي لا تتبعوا شهوات أوليائكم ~~ورؤسائكم، ولا تؤثروا الهوى على البيان والبرهان، { ~~وأضلوا كثيرا }؛ من السفلة الذين أطاعوهم، { وضلوا عن ~~سوآء السبيل }؛ وأصروا على ضلالتهم عن قصد الطريق. ### || [5.78-79] # قوله تعالى: { لعن الذين كفروا من بني ~~إسرائيل }؛ أي طرد الذين كفروا من بني إسرائيل وبوعدوا من ~~رحمة الله، { على لسان داوود }؛ أي بدعائه عليهم حين اعتدوا ~~في السبت، فمسخهم الله قردة. { وعيسى ابن مريم } ، أي ~~ولعنوا بدعاء عيسى حين كفروا بعد ذلك بالمائدة فمسخهم الله ~~خنازير، { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون }؛ ذلك ~~اللعن والتعذيب بعصيانهم واستحلالهم المعاصي وقتلهم الأنبياء ~~عليهم السلام بغير حق. # ثم بين الله تعالى سبب المعصية والكفر، فقال تعالى: { كانوا لا ~~يتناهون عن منكر فعلوه }؛ أي لا ينهى بعضهم بعضا عن ~~قبيح يعملونه، واصطلحوا على الكف عن نهي المنكر، { لبئس ما ~~كانوا يفعلون }؛ ودخول اللام في (لبئس) للقسم والتوكيد. ### || [5.80] # قوله عز وجل: { ترى كثيرا منهم يتولون ~~الذين كفروا }؛ ترى يا محمد كثيرا من اليهود يوالون ~~مشركي العرب على معاداتك ومحاربتك، يعني كعب بن الأشرف ~~وأصحابه. وقيل: معناه: ترى كثيرا من المنافقين يتولون ~~اليهود، { لبئس ما قدمت لهم أنفسهم }؛ أي بئس ما ~~عملوا لأنفسهم حين، { أن سخط الله عليهم }؛ وموضع (أن ~~سخط) نصب على تأويل بئس الشيء ذلك لإن أكسبهم السخط، ~~فانتصب (أن) بلام (كي)، ويجوز أن يكون موضعه رفعا على إضمار ~~(هو) تقديره: هو أن سخط الله عليهم، { وفي العذاب هم ~~خالدون }؛ أي مقيمون دائمون. ### || [5.81] # قوله تعالى: { ولو كانوا يؤمنون بالله }؛ معناه: لو ~~كان اليهود يصدقون بوحدانية الله تعالى: { والنبي } ، ~~وبمحمد صلى الله عليه وسلم، { وما أنزل إليه }؛ أي ~~والقرآن الذي أنزل إليه؛ { ما اتخذوهم أوليآء } ، ما ~~اتخذوا كفار قريش وسائر عبدة الأوثان أحباء في العون ~~والنصرة على حرب النبي صلى الله عليه وسلم { ولكن كثيرا ~~منهم }؛ من اليهود؛ { فاسقون }؛ خارجون عن الطاعة، ناقضوا ~~العهد. ### || [5.82] # قوله عز وجل: { لتجدن أشد الناس عداوة ~~للذين ms0669 آمنوا اليهود والذين أشركوا }؛ أي لتجدن ~~يا محمد أشد الناس عداوة لك وللذين آمنوا اليهود، وهم يهود ~~بني قريظة وبني النضير وفدك وخيبر، كانوا أشد اليهود عداوة ~~للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين. وروي عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " ما خلا يهوديان بمسلم إلا هما بقتله " # قوله تعالى: { والذين أشركوا } يعني مشركي العرب ~~كانوا في العداوة مثل اليهود. # قوله تعالى: { ولتجدن أقربهم مودة ~~للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى }؛ لم يرد ~~جميع النصارى مع ما هم فيه من عداوة المسلمين، وتخريب بلادهم وهدم ~~مساجدهم وقتلهم وأسرهم وأخذ مصاحفهم. وإنما نزلت هذه الآية في ~~النجاشي وأصحابه. قال ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي: (نزلت ~~هذه الآية في النجاشي وأصحابه، وكان النجاشي ~~ملك الحبشة نصرانيا قبل ظهور الإسلام، ثم ~~أسلم هو وأصحابه). # قال المفسرون: ائتمرت قريش أن يفتنوا المسلمين عن دينهم، ~~فوثبت كل قبيلة على من فيهم من المسلمين، يؤذونهم ويعذبونهم ~~فافتتن كثير، وعصم الله من شاء منهم، ومنع الله النبي صلى ~~الله عليه وسلم بعمه أبي طالب، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما بأصحابه، ولم يقدر على منعهم ولم يؤمر بالجهاد، أمرهم ~~بالخروج إلى أرض الحبشة، وقال: # " إن بها ملكا صالحا لا يظلم ولا يظلم عنده ~~أحد، فاخرجوا إليه حتى يجعل الله للمسلمين ~~فرجا " # ، وأراد به النجاشي واسمه أصحمة، وهو بالحبشية عطية، وإنما ~~النجاشي اسم الملك، كقولهم: كسرى وقيصر. # فخرج إليه سرا أحد عشر رجلا وأربع نسوة، وهم عثمان بن عفان ~~وامرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والزبير، ~~وعبدالله بن مسعود، وعبدالرحمن بن عوف، وأبو حذيفة بن عقبة ~~وامرأته سهلة بنت سهيل، ومصعب بن عمير، وأبو سلمة وامرأته ~~أم سلمة، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت ~~جثمة، وحاطب بن عمر، وسهيل بن بيضاء. فخرجوا إلى البحر ~~وأخذوا سفينة بنصف مثقال إلى الحبشة، وذلك في رجب في السنة ~~الخامسة من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه الهجرة ms0670 الأولى. # ثم خرج جعفر بن أبي طالب وتتابع المسلمون، وكان جميع من هاجر إلى ~~الحبشة من المسلمين اثنين وثمانين رجلا سوى النساء والصبيان، ~~فلما علمت قريش بذلك وجهت عمرو بن العاص وصاحبه بالهدايا إلى ~~النجاشي وإلى بطارقته ليردوهم إليهم، فعصمهم الله تعالى، وقد ~~ذكرنا هذه القصة في سورة آل عمران. # فلما انصرفا خائبين أقام المسلمون هناك بخير دار وأحسن جوار ~~إلى أن هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلا أمره، وذلك في سنة ~~ست من الهجرة. # كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي على يد عمرو بن ~~أمية الضمري ليزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، وكانت ~~هاجرت إليه مع زوجها، فأرسل النجاشي إلى أم حبيبة جارية يقال ~~لها برهة، فأخبرتها بخطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها، ~~فأعطتها أوضاحا لها سرورا بذلك، وأمرها أن توكل من ~~يزوجها، فوكلت خالد بن سعيد بن العاص، فأنكحها على صداق أوزن ~~بمائة مثقال، وكان الخاطب لرسول الله صلى الله عليه وسلم النجاشي، ~~وأنفد الصداق إلى أم حبيبة على يدي برهة، فلما جاءتها ~~بذلك أعطتها خمسين مثقالا، فقالت برهة: إن الملك أمرني أن لا ~~آخذ منك شيئا، فردته إليها ولم تأخذه. # ثم قالت لها برهة: أنا صاحب دهن الملك وبناته، وقد صدقت ~~بمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم وآمنت به، فحاجتي إليك أن ~~تقرئيه مني السلام، ثم أمر الملك نساءه أن يبعثن إلى أم ~~حبيبة بما عندهن من عود وعنبر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يراه عليها ولا ينكره. # وقالت أم حبيبة: فخرجنا في سفينتين، وبعث معنا النجاشي ~~الملاحين، فلما خرجنا من البحر ركبا الظهر إلى المدينة ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فخرج من خرج إليه، فأقمت بالمدينة ~~حتى قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فدخلت عليه، فكان يسألني عن ~~النجاشي فبلغته سلام برهة فرد عليها السلام، وأنزل الله ~~تعالى: # عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم ~~منهم مودة # [الممتحنة: 7] يعني أبا سفيان، (ومودة): ms0671 تزويج أم حبيبة. ثم ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا أدري أيا بفتح خيبر أسر أم بقدوم جعفر " # وبعث النجاشي بعد أن قدم جعفر المدينة ابنه أرهى بن أصحمة في ~~ستين راكبا من الحبشة، وكتب إليه: يا رسول الله، إني أشهد ~~أنك رسول الله صادقا ومصدقا، قد بايعتك ~~وبايعت ابن عمك، وأسلمت لله رب العالمين، وقد ~~بعثت إليك ابني، وإن شئت أن آتيك بنفسي، فعلت. ~~والسلام عليك يا رسول الله. فركبوا سفينة في إثر ~~جعفر وأصحابه، فلما بلغوا وسط البحر غرقوا. # وكان جعفر يوم وصل المدينة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصل ~~في سبعين رجلا منهم اثنان وستون من الحبشة، وثمانية من أهل ~~الشام منهم بحيرا الراهب، قرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~سورة يس إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا وقالوا: ما ~~أشبه هذا بما كان أنزل على عيسى عليه السلام، فأنزل الله تعالى ~~فيهم، { لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا ~~اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم ~~مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى } ~~ووفد النجاشي الذين قدموا مع جعفر وهم سبعون. # وقال مقاتل والكلبي: (كانوا أربعين رجلا، اثنان ~~وثلاثون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام). ~~وقال عطاء: (ثمانون رجلا، أربعون من أهل نجران، ~~واثنان وثلاثون من الحبشة، وثمانية من أهل ~~الروم من أهل الشام). # قال قتادة: (نزلت هذه الآية في النصارى الذين هم ~~متمسكون بشريعة عيسى عليه السلام) يعني أن النصارى كانوا ~~أقل مظاهرة للمشركين من اليهود، فقوله: (وإذا سمعوا) على هذا ~~التأويل معناه: وإن منهم من إذا سمعوا، أو منهم قوم إذا سمعوا. # وفي الآية ما يشهد لهذا القول أيضا؛ لأن الله تعالى وصفهم بقرب ~~مودتهم للمسلمين، ولم يصفهم بأنهم يوادون المسلمين، ولا يجوز ~~أن يعتقد أحد أن في الآية مدحا للنصارى، وإخبارا أنهم خير ~~من اليهود إلا في معنى شدة العداوة، لأن من أمعن النظر في مقالة ~~اليهود والنصارى علم أن مقالة النصارى أظهر فسادا من مقالة ~~اليهود، لأن اليهود ms0672 يقرون بالتوحيد في الجملة، وإن كانت فيهم ~~مشبهة تنقض القول بالتوحيد بالشبه، والنصارى لا يكونون مقرين ~~بالتوحيد بوجه من الوجوه. # قوله عز وجل: { ذلك بأن منهم قسيسين ~~ورهبانا }؛ معناه: إن قرب مودة النصارى للمسلمين،؛ وقلة ~~مظاهرتهم للمشركين بأن من النصارى قسيسين؛ أي علماء وعباد ~~أصحاب الصوامع، { وأنهم لا يستكبرون }؛ عن اتباع ~~الحق إذا تبين لهم. # والقسيسين في اللغة مأخوذ من القس وهو الشر، يقال: قس فلان ~~الأذى إذا تبعه، والقس: النميمة أيضا. والرهبان: العباد ~~أصحاب الصوامع. وقال قطرب: (القسيس: العالم) بلغة ~~الروم، والرهبان: جمع راهب مثل فارس وفرسان ~~وركبان، وقد يكون رهبان واحد وجمعه رهابين ~~مثل قربان وقرابين. وهو من قول القائل رهب ~~الله أي خافه. ### || [5.83-84] # قوله عز وجل: { وإذا سمعوا مآ أنزل إلى ~~الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا ~~من الحق }؛ قال ابن عباس: (هم أربعون رجلا قدموا ~~مع جعفر ابن أبي طالب، واثنان وثلاثون من ~~الحبشة، وثمانية من الشام، فلما قرأ عليهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم القرآن عرفوه، فرقوا له ~~ففاضت أعينهم ولم يستكبروا أن يدخلوا في ~~دينه). # ومعنى الآية: وإذا سمعوا القرآن ترى الدمع يسيل من أعينهم ~~بمعرفتهم الحق من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ونعته في كتابهم، ~~{ يقولون ربنآ آمنا }؛ أي صدقنا بوحدانيتك وكتابك ~~ورسولك، { فاكتبنا مع الشاهدين }؛ أي مع من شهد من ~~أنبيائك ومؤمني عبادك بأنك واحد لا إله غيرك؛ أي اجعلنا في ~~جملتهم. # قال ابن عباس: فلما رجعوا إلى قومهم لاموهم على ~~الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن وقالوا لهم: ~~تركتم ملة عيسى عليه السلام ودين آبائكم، فردوا ~~عليهم كما قال الله عز وجل: { وما لنا لا نؤمن ~~بالله وما جآءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ~~ربنا مع القوم الصالحين }؛ أي نحن نرجو أن يدخلنا ~~ربنا في الآخرة مع صالحي أمة محمد صلى الله عليه وسلم. ### || [5.85] # قوله تعالى: { فأثابهم الله بما قالوا }؛ أي ~~جازاهم الله بأن أوجب لهم الجنة في الآخرة بقولهم (ربنا ~~آمنا)، وقولهم: (وما لنا ms0673 لا نؤمن بالله). { جنات }؛ أي ~~بساتين، { تجري من تحتها الأنهار }؛ تجري من تحت شجرها ~~ومساكنها وغرفها أنهار الماء والعسل والخمر واللبن، { خالدين ~~فيها وذلك جزآء المحسنين }؛ أي ذلك الثواب جزاء ~~الموحدين المخلصين. ### || [5.86] # قوله تعالى: { والذين كفروا وكذبوا بآيتنآ } ~~أي الذين جحدوا وكذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن فماتوا ~~على ذلك، ف { أولئك } ، هم، { أصحب } ، أهل، { الجحيم ~~}؛ النار الشديدة الوقود. ### || [5.87] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تحرموا ~~طيبات مآ أحل الله لكم }؛ قال المفسرون: (جلس ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، فذكر النار ووصف ~~القيامة، فرق الناس وبكوا، فاجتمع جماعة من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم أبو بكر؛ وعمر؛ ~~وعلي؛ وعبدالله بن مسعود؛ وعثمان بن مظعون ~~الجمحي؛ والمقداد؛ وعبدالله بن عمر؛ وأبو ذر؛ ~~وسالم مولى أبي حذيفة؛ وسلمان الفارسي؛ وعمار ~~بن ياسر؛ ومعقل بن مصرف رضي الله عنهم، ~~تواثقوا في دار عثمان بن مظعون أن يصوموا النهار ~~ويقوموا الليل، ويرفضوا الدنيا، ويسيحوا في ~~الأرض، ويجبوا مذاكيرهم ويعتزلوا النساء، ولا ~~يأكلوا لحما ولا دسما، ويلبسوا المسوح. فبلغ ~~ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله فيهم ~~هذه الآية). # ومعناها: لا تحرموا على أنفسكم طيبات ما أحل الله لكم من ~~الطعام والشراب واللباس والجماع، ولا تظلموا أنفسكم بقطع المذاكير، ~~{ ولا تعتدوا }؛ أي لا تجاوزوا حدود الله بتحريم حلاله، فإن ~~محرم ما أحل الله، كمحل ما حرم الله. قوله تعالى: ~~{ إن الله لا يحب المعتدين }؛ أي لا يرضى عمل ~~المعتدين على أنفسهم المتجاوزين حدود الله. ### || [5.88] # قوله تعالى: { وكلوا مما رزقكم الله حللا ~~طيبا }؛ أي كلوا مما رزقكم الله من الطعام والشراب ~~حلالا أحله الله لكم، { واتقوا الله الذي أنتم به ~~مؤمنون }. وقيل: # " أنه لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم خبرهم؛ أتى دار ~~عثمان بن مضعون فلم يجده، فقال لامرأة عثمان ~~بن مضعون - أم حكيم بنت أمية واسمها الخولة ~~وكانت عطارة -: " أحق ما بلغني عن زوجك ~~وأصحابه؟ " فكرهت أن تكذب على رسول الله صلى ms0674 الله ~~عليه وسلم؛ وكرهت أن تبدي خبر زوجها؛ فقالت: يا ~~رسول الله! إن كان أخبرك عثمان فقد صدق، فرجع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فلما جاء عثمان أخبرته زوجته بذلك، فعني إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن ذلك، فقال: نعم. فقال عليه السلام: " أما أنا؛ ~~فلم أومر بذلك، إن لأنفسكم عليكم حقا؛ فصوموا ~~وأفطروا؛ وقوموا وناموا، فأنا أقوم وأنام، وأصوم ~~وأفطر، وآكل اللحم والدسم، وآتي النساء، من رغب ~~عن سنتي فليس مني ". # ثم جمع الناس وخطبهم وقال: " ما بال قوم ~~حرموا النساء والطعام الطيب والنوم، أما أنا ~~فلا آمركم أن تكونوا قسيسين أو رهبانا، فإنه ~~ليس من ديني ترك اللحم والنساء، واتخاذ ~~الصوامع، فإن سياحة أمتي الصوم، ورهبانيتهم ~~الجهاد، فاعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، ~~وحجوا واعتمروا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~وصوموا رمضان، واستقيموا ليستقيم لكم، فإنما ~~هلك من كان قبلكم بالتشديد، شددوا على ~~أنفسهم فشدد الله عليهم " ". # وعن سعيد بن المسيب؛ قال: # " جاء عثمان بن مضعون إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا رسول الله! إن نفسي تحدثني بأن ~~أختصي، قال: " مهلا يا عثمان! إن اختصاء أمتي ~~الصيام ". قال: يا رسول الله! إن نفسي تحدثني أن ~~أترهب في رؤوس الجبال، قال: " مهلا يا عثمان! ~~فإن ترهب أمتي الجلوس في المساجد لانتظار ~~الصلاة ". # قال: يا رسول الله! إن نفسي تحدثني أن أخرج من ~~مالي كله. قال: " مهلا يا عثمان! فإن صدقتك ~~يوم بيوم، وتعف بنفسك وعيالك، وترحم ~~المساكين واليتيم، فتعطيهما أفضل من ذلك ". ~~قال: يا رسول الله! إن نفسي تحدثني أن أطلق ~~امرأتي خولة. قال: " مهلا يا عثمان! فإن الهجرة ~~في أمتي من هجر ما حرم الله عليه، أو هاجر إلي ~~في حياتي، أو زار قبري بعد وفاتي، أو مات وله ~~امرأة أو امرأتان أو ثلاث أو أربع ". # قال: يا رسول الله! فإن نهيتني أن لا أطلقها ~~فإن نفسي تحدثني أن لا أغشاها. قال: " مهلا يا ~~عثمان! فإن المسلم ms0675 إذا غشي امرأته أو ما ملكت ~~يمينه فلم يكن له من رقعته تلك ولد، كان له ~~وصيفة في الجنة. وإن كان من وقعته تلك ولد، ~~فمات قبله كان له فرطا وشفيعا يوم القيامة. ~~وإن مات بعده كان له نورا يوم القيامة ". # قال: يا رسول الله! نفسي تحدثني أن لا آكل ~~اللحم. قال: " مهلا يا عثمان! فإني أحب اللحم ~~وآكله إذا وجدته، ولو سألت ربي أن يطعمنيه في ~~كل يوم لأطعمنيه ". قال: يا رسول الله! فإن ~~نفسي تحدثني أن لا أمس الطيب. قال: " مهلا يا ~~عثمان! فإن جبريل عليه السلام أمرني بالطيب غبا " ، ~~وقال: " يوم الجمعة لا تركه، يا عثمان لا ترغب ~~عن سنتي، فإن من رغب عن سنتي ثم مات قبل أن ~~يتوب، صرفت الملائكة وجهه عن حوضي يوم ~~القيامة " ". # عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: # " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل لحم ~~الدجاج، ورأيته يأكل الرطب والبطيخ " # وعن ابن عباس؛ قال: (كل ما شئت، والبس ما شئت ما ~~أخطأتك ثنتان: سرف ومخيلة). وعن عائشة رضي الله ~~عنها: # " " أن النبي صلى الله عليه وسلم: كان يأكل الدجاج ~~والفالوذج، وكان يعجبه الحلواء والعسل "؛ وقال: " ~~إن المؤمن حلو يحب الحلاوة " " # وقال: # " إن في بطن المؤمن زاوية لا يملأوها إلا ~~الحلواء ". # وروي: أن الحسن كان يأكل الفالوذج، فدخل عليه فرقد السبخي، فقال: ~~(يا فرقد، ما تقول في هذا؟) قال: لا آكله ولا أحب أكله، ~~فأقبل الحسن على من عنده كالمتعجب؛ فقال: (لعاب النحل ~~ولباب القمح، وسمن البقر أحل بعينه لكل ~~مسلم). # وجاء رجل إلى الحسن فقال له: إن لي جارا لا يأكل الفالوذج، قال: ~~(ولم؟) قال: لا يؤدي شكره، قال: (أفيشرب الماء ~~البارد؟) قال: نعم، قال: (إن جارك هذا جاهل، إن نعمة ~~الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه ~~في الفالوذج). ### || [5.89] # قوله عز وجل: { لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم }؛ قال ابن عباس: (هو أن يحلف الرجل بالله ~~في الشيء يرى أنه كذلك). وقالت عائشة: (هو ms0676 قول ~~الرجل: لا والله، وبلى والله، يصل به كلامه ولا ~~يعقد عليه قلبه). واللغو في اللغة: هو الكلام الساقط ~~الذي لا يعتد به. # قوله تعالى: { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم ~~الأيمان }؛ أي بما وكدتم الأيمان. قرأ أهل الحجاز وحفص وأبو عمرو: ~~(عقدتم) بالتشديد، وقرأ أهل الكوفة إلا حفصا: بالتخفيف ~~(عقدتم). ومعناه: أن يحلف الرجل على أمر في المستقبل ليفعله ~~ثم لا يفعله، أو يحلف أن لا يفعله ثم يفعله. فمن قرأ (عقدتم) ~~بالتشديد فمعناه المبالغة والتأكيد. وفائدته أن يعتقدها في قلبه، ~~ولو عقدها في أحدهما دون الآخر لم يكن معتقدا، وهو كالتعظيم. # وكان أبو الحسن الكرخي رحمه الله تعالى يقول: (قراءة ~~التشديد لا تحتمل إلا العقد بالقول، وقراءة ~~التخفيف تحتمل عقد القلب، وهو العزيمة ~~والقصد إلى القول). ويحتمل عقد اليمين قولا؛ يقال: عقدت ~~على أمر كذا؛ إذا عزمت عليه. # وقيل: الأصح أن المراد بالعقد القول؛ لأنه لا خلاف بين ~~الأئمة أن القصد من اليمين لا يتعلق به وجوب الكفارة، وإن ~~وجوبها متعلق باللفظ دون القصد. ويحتمل أن يكون معنى التشديد: أنه ~~متى أعاد اليمين على وجه التكرار، وهو يريد التكرار لا يلزمه إلا ~~كفارة واحدة. # وقرأ أهل الشام: (عاقدتم) بألف وهو من المعاقدة، وهو أن يحلف ~~الرجل لصاحبه على مسألته، أو يحلف كل واحد منهما لصاحبه. # قوله تعالى: { فكفارته }؛ أي كفارة ما عقدتم من ~~الأيمان عند الحنث، { إطعام عشرة مساكين من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم }؛ أي من أعدل ما تطعمون أهليكم ~~غداء وعشاء ولا وكس ولا شطط. # وقيل: معناه: من أوسطه في الشبع، ولا تفرط في الأكل، ولا ~~يكون دون المغنى عن الجوع، فإن أراد أن يطعمهم الطعام أعطى لكل ~~مسكين نصف صاع من حنطة عند أصحابنا، هكذا روي عن عمر وعلي وعائشة. ~~وقال الشافعي ومالك: (مدا بمد النبي صلى الله عليه وسلم). # والمد: رطل وثلث، وهكذا روي عن زيد بن ثابت وابن عباس ~~وابن عمرو رضي الله عنهم أجمعين. وأما غداؤهم وعشاؤهم فلا ~~عبرة بمقدار الطعام، إلا أن يكون فيهم ms0677 صبي صغير لا يستوفي الأشياء ~~يسيرا فلا يعتد به حينئذ، وإنما قال: يغديهم ويعشيهم؛ لأن ~~ذلك أوسط طعام الأهل؛ لأن أكثر الأكل ثلاث مرات، وأقله وجبة، ~~والغالب الأوسط؛ والأوسط الغالب مرتان. وقال سعيد بن جبير: (يعطي ~~لكل مسكين مدين؛ مد لطعامه ومد لإدامه). # وسئل شريح عن الكفارة؛ فقال: (الخبز والزيت). فقال له ~~السائل: رأيت إن أطعمت الخبز واللحم، فقال: (ذلك أرفع طعام ~~أهلك وطعام الناس). # وعن ابن مسعود وابن عمرو: (أن أعلا ما بطعام الأهل ~~الخبز واللحم، والأدون الخبز البحت بغير إدام، ~~والأوسط الخبز مع السمن ونحوه). # ظاهر الآية يقتضي أنه إذا أعطى مسكينا واحدا طعام العشرة لا يقع ~~إلا عن الواحد، إلا أن أصحابنا إنما اختاروا دفع ذلك إلى الواحد ~~في العشرة أيام على أعشار، والمعنى: لأنه جوز على الحانث سد ~~عشر خلات، ولا فرق بين سد خلة الواحد في عشرة أيام، وسد خلة ~~العشرة في يوم واحد. # قوله تعالى: { أو كسوتهم }؛ قرأ السلمي (أو ~~كسوتهم) بضم الكاف وهما لغتان. ومعنى الآية: أو كسوة عشرة ~~مساكين، وأدنى ما يجوز في الكسوة ثوب واحد أو رداء أو قميص أو إزار ~~وقباء أو كساء. وأما القلنسوة والخمر والعمامة والسراويل، ~~فلا تجوز عن الكسوة في ظاهر الرواية. # وروي عن محمد أن السراويل تجزئ لجواز الصلاة فيها للرجل. وعند ~~الشافعي تجوز السراويل والعمامة. وعند سعيد بن المسيب والضحاك: ~~(يجب لكل مسكين ثوبان). # قوله تعالى: { أو تحرير رقبة }؛ معناه: أو إعتاق ~~مملوك يستوي فيه الذكر والأنثى؛ والصغير والكبير. وظاهر اللفظ يقتضي ~~رقبة مسلمة من العاهات؛ لأن اسم الشخص بكماله، إلا أن ~~الفقهاء اتفقوا أن النقص اليسير لا يمنع جوازها. # ولا يجوز عتق أم الولد، والمعتق بعضه بالإجماع، وأما ~~المدبر فالخلاف فيه كالخلاف في بيعه، وأما المكاتب فيجوز عتقه ~~عن الكفارة إذا لم يؤد شيئا من الكتابة عندنا. وقال الشافعي: ~~(لا يجوز). # ويجوز عندنا عتق الرقبة الكافرة والمؤمنة في كفارة اليمين ~~والظهار؛ لأن الرقبة مبهمة فيهما، إلا العبد المرتد؛ فإنه لا ~~يجوز؛ لأنه غير محقون ms0678 الدم. وقال الشافعي: (لا يجوز قياسا ~~على كفارة القتل). # قوله تعالى: { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ~~}؛ معناه: إذا لم يكن له فضل عن كسبه وثياب بدنه وما يقتات به في ~~منزله مقدار ما يطعم عشرة مساكين أو يكسوهم ويعتق رقبة، فعليه ~~صيام ثلاثة أيام. وظاهر الآية: يقتضي أنه يجزئ في الصيام التفريق، ~~وهو قول مالك والشافعي. وفي قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب: ~~(فصيام ثلاثة أيام متتابعات). وعن ابن عباس ومجاهد ~~وإبراهيم وقتادة وطاووس؛ أنهم قالوا: (هي متتبعات). # قوله تعالى: { ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم ~~}؛ أي ذلك الذي ذكرت لكم، وأمرتكم به كفارة أيمانكم إذا ~~حلفتم. وقوله تعالى: { واحفظوا أيمانكم }؛ أي ~~احفظوها من الحنث، وهذا إذا لم يقع اليمين على منع واجب أو فعل ~~معصية، أما إذا كان اليمين على منع واجب أو فعل معصية، فعلى الحالف أن ~~يحنث نفسه ويكفر عن يمينه. # ويقال: معناه: (احفظوا أيمانكم) راعوا ألفاظ إيمانكم ~~ليعلم الرجل ما حلف عليه فيكفره إذا حنث. ويقال: معناه: لا ~~تحلفوا، كما قال الشاعر: # قليل الألايا حافظ ليمينه # إذا بدرت منه الألية برت # والتأويل الأول أقرب إلى ظاهر الآية؛ لأن الإنسان لا يؤمر بحفظ ~~شيء معدوم، لا يقال لمن لا مال له: احفظ مالك. # وقوله تعالى: { كذلك يبين الله لكم آياته ~~لعلكم تشكرون }؛ أي هكذا يبين الله لكم أمره ونهيه ~~كما بين كفارة اليمين؛ لكي تشكروا إنعامه وبيانه. ### || [5.90] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إنما الخمر ~~والميسر والأنصاب والأزلام رجس }؛ الميسر: هو ~~القمار كله. والأنصاب: هي الأحجار؛ كانوا ينصبونها ~~ويعبدونها. والأزلام: هي الأزلام التي كانوا يخيلونها عند ~~المعزم على المسير. # نهى الله عن هذه الأشياء، وحرمها بأبلغ أسباب التحريم؛ لأنه ~~تعالى سماها كلها رجسا، والرجس: هو الشيء المستقذر النجس، ~~الذي يرتفع " في القبح " ، ذكره بالفتح؛ يقال: رجس الرجل ~~يرجس، ورجس يرجس. والرجس بفتح الراء: شدة الصوت، ~~ورعد رجاس إذا كان شديد الصوت. وسميت هذه المعاصي رجسا؛ لوجوب ~~اجتنابها كما يجب اجتناب الشيء المستقذر. # قوله عز وجل: { من عمل ms0679 الشيطان }؛ أي من تزيينه؛ ~~لأنه هو الداعي إليه والمرغب فيه والمرنن له في قلوب فاعليه. ~~وقوله تعالى: { فاجتنبوه لعلكم تفلحون }؛ أمر ~~باجتنابه وهو تركه باطنا، وظاهر الأمر على الوجوب. وروي عن عثمان ~~بن عفان رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن الله تعالى يجمع الخمر والإيمان في قلب ~~مؤمن أبدا " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " مدمن الخمر كعابد الوثن، ومن شرب الخمر في ~~الدنيا ولم يتب منها، حرمها في الآخرة " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " من شرب الخمر في الدنيا سقاه الله من سم ~~الأساود، وسم العقارب، إذا شربه تساقط لحم ~~وجهه في الإناء قبل أن يشربها، فإذا شربها ~~يفسخ لحمه بالجيفة، يتأذى به أهل الموقف. ومن ~~مات قبل أن يتوب من شرب الخمر كان حقا على الله ~~أن يسقيه بكل جرعة شربها في الدنيا شربة من ~~صديد أهل جهنم " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " لعن الله الخمر وساقيها؛ وشاربها؛ وبائعها؛ ~~ومبتاعها؛ وعاصرها؛ ومعتصرها؛ وحاملها؛ ~~والمحمولة إليه؛ وآكل ثمنها " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " اجتنبوا الخمر، فإنها مفتاح كل شر " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " من شرب الخمر بعد أن حرمها الله على لساني، ~~فليس له أن يزوج إذا خطب، ولا يصدق إذا حدث، ~~ولا يشفع إذا شفع، ولا يؤتمن على أمانة؛ فمن ~~ائتمنه على أمانة فاستهلكها فحق على الله ~~تعالى أن لا يخلف عليه " ### || [5.91-93] # قوله عز وجل: { إنما يريد الشيطان أن يوقع ~~بينكم العداوة والبغضآء في الخمر والميسر }؛ ~~وذلك أن من شرب الخمر وسكر زال عقله وارتكب القبائح، وربما ~~عربد على جلسائه، فيؤدي ذلك إلى العداوة والبغضاء، وكذلك القمار ~~يؤدي إلى ذلك. قال قتادة: (كان الرجل يقامر غيره على ~~ماله وأهله، فيقمره ويبقى حزينا سلبا، ~~فيكسبه العداوة والبغضاء لذهاب ماله عنه ~~بغير عوض ولا منة). # قوله تعالى: { ويصدكم عن ذكر الله وعن ~~الصلاة }؛ أي يريد الشيطان أن يصرفكم عن طاعة الله وعن ~~الصلوات الخمس على ما هو معلوم في العادة من أحوال ms0680 أهل الشراب ~~والقمار. # قوله تعالى: { فهل أنتم منتهون }؛ معناه: انتهوا ~~عنهما، وهذا نهي بألطف الوجوه؛ ليكون أدعى إلى تنهاكما، كما قال ~~تعالى: # فهل أنتم مسلمون # [هود: 14] معناه: أسلموا. فلما نزلت هذه الآية قالوا: ~~(انتهينا يا رب). فأنزل الله تعالى هذه الآية: # قوله تعالى: { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~واحذروا }؛ أي أطيعوا الله والرسول في ترك جميع المعاصي ~~عموما، واحذروا شرب الخمر وتحليلها وسائر المعاصي، { فإن ~~توليتم }؛ أي أعرضتم عن طاعة الله وطاعة الرسول، { ~~فاعلموا أنما على رسولنا البلاغ المبين }؛ أي ~~تبليغ الرسالة عن الله بأوامره ونواهيه بلغة تعرفونها. وأما ~~التوفيق والخذلان والثواب والعقاب، فإلى الله عزوجل. # فلما نزل تحريم الخمر والميسر قال الصحابة: (يا رسول الله! ~~فكيف بإخواننا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟) ~~حتى قال المهاجرون: (يا رسول الله! قتل أصحابنا يوم ~~بدر وماتوا فيما بين بدر وأحد وهم يشربون ~~الخمر؛ فما حال من مات منهم؟) فأنزل الله قوله ~~تعالى: { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~جناح فيما طعموا }؛ أي فيما شربوا من الخمر، { إذا ما ~~اتقوا }؛ الشرك، { وآمنوا وعملوا الصالحات ثم ~~اتقوا }؛ وصدقوا واجتنبوا الخمر والميسر بعد تحريمها، { ~~وآمنوا ثم اتقوا }؛ ما حرم الله كله، { وأحسنوا ~~}. # وقيل: معناه: (ليس على الذين آمنوا - بالله ورسوله - ~~وعملوا الصالحات) يعني الطاعات (جناح) أي حرج ومأثم ~~(فيما طعموا) من الحرام وشربوا من الخمر قبل تحريمها، وقبل العلم ~~بتحريمها إذا ما اجتنبوا الكفر والشرك وسائر المعاصي فيما مضى، { ~~وآمنوا } أي وصدقوا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن { ~~وعملوا } الطاعات { ثم اتقوا } شرب الخمر بعد التحريم { ~~وآمنوا } أي أقروها بتحريمها { ثم اتقوا وأحسنوا } ~~أي ثم داوموا على ذلك وضموا إلى ذلك الإحسان في العمل. # وقيل: أراد بالاتقاء الأول: اتقاء جميع المعاصي فيما مضى، ~~وأراد بالثاني: اتقاء المعاصي في المستقبل، وأراد بالثالث: اتقاء ~~ظلم العباد في المعاملات. وقيل: أراد بقوله: (إذا ما ~~اتقوا وآمنوا) إذا ما اجتنبوا شرب الخمر بعد تحريمها ~~وصدقوا بتحريمها، { ثم اتقوا } سائر المعاصي، وأقروا بتحريم ~~ما يحدث تحريمه من بعد مجانبته، ثم جمعوا ms0681 بين اتقاء المعاصي ~~وإحسان العمل والإحسان إلى الناس. # قوله تعالى: { والله يحب المحسنين }؛ أي يرضى عمل ~~الذين يفعلون الأفعال الحسنة، ويجتنبون قبائحها. # وروي عن ابن عبدالرحمن السلمي أنه قال: (شرب نفر من أهل ~~بدر الخمر وعليهم يومئذ يزيد بن أبي سفيان، ~~وقالوا: هي لنا حلال! وتأولوا قوله تعالى: { ~~ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ~~فيما طعموا } إلى آخر الآية. وكتب يزيد بذلك إلى ~~عمر رضي الله عنه، فكتب عمر: ابعثهم إلي من قبل ~~أن يفسدوا من معك، فبعثهم إليه، فلما قدموا، ~~جمع عمر رضي الله عنه جماعة " من الصحابة " فقال ~~لهم: ما ترون فيهم؟ قالوا: إنهم افتروا على الله، ~~وشرعوا في دينه ما لم يأذن؛ فاضرب أعناقهم. ~~وكان في القوم علي كرم الله وجهه وهو ساكت، ~~فقال له عمر: ما ترى؟ قال: أرى أن تستتيبهم، فإن ~~تابوا فاضربوهم ثمانين جلدة، وإن لم يتوبوا ~~فاضرب أعناقهم. فاستتابهم فتابوا، فضربهم ~~ثمانين وأرسلهم). # وروي: (أن قوما شهدوا عند عمر رضي الله عنه على ~~قدامة بن مضعون أنه شرب الخمر، فأراد عمر أن ~~يجلده؛ فقال قدامة: ليس لك ذلك؛ لأن الله تعالى ~~يقول: { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~جناح فيما طعموا } وقرأ الآية. فقال عمر رضي الله ~~عنه: إنك أخطأت التأويل يا قدامة؛ لو اتقيت الله ~~ما شربت). وفي بعض الروايات: (لو اتقيت الله لاجتنبت ~~ما حرم عليك. ثم أمر بإقامة الحد عليه). # وإنما لم يحكموا بكفر قدامة ولم يستتيبوه؛ لأنه كان يتأول ~~الآية على الحال الذي هو فيها، ووجود الصفة التي ذكرها الله تعالى ~~في هذه الآية مكفرة لذنوبه، وأنه لا يستحق العقوبة على شربها ~~مع اعتقاده بتحريمها، وإن إحسانه كفر سيئاته، فردت ~~الصحابة عليه هذا التأويل، فأقيم عليه الحد. ### || [5.94] # قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا ~~ليبلونكم الله }؛ أي ليعاملنكم الله معاملة المختبر ~~ليجازيكم على ما يظهر منكم. قوله تعالى: { بشيء من ~~الصيد }؛ اختلفوا فيه؛ فقال بعضهم: (من) ها هنا للتبعيض، ~~وأراد بذلك صيد البر دون صيد البحر، وصيد الإحرام ms0682 دون الإحلال. # وقال بعضهم: (من) ها هنا للجنس كقوله تعالى: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج: 30] معناه: اجتنبوا الرجس الذي هو وثن. وقال بعضهم: ~~أراد بقوله: (بشيء من الصيد) بما يكون من جزاء الصيد وإن لم ~~يكن صيدا كالبيض والفرخ والريش، والآية شاملة لجميع هذه المعاني. # قوله تعالى: { تناله أيديكم ورماحكم }؛ أي ~~تأخذونه بأيديكم من فراخ الطير وصغار والوحش والبيض، وما تصيبه ~~رماحكم من كبار الصيد التي لا تصاد باليد. قوله تعالى: { ~~ليعلم الله من يخافه بالغيب }؛ أي ليميز الله من ~~يخافه ممن لا يخافه في السر بينه وبين الله تعالى. # قوله تعالى: { فمن اعتدى بعد ذلك }؛ أي من تجاوز ~~الحد في أخذ صيد البر مع الإحرام، وأخذ الصيد في الحرم بعد البيان ~~له والنهي عنه، { فله عذاب أليم }؛ يعني التعزير والكفارة ~~في الدنيا؛ يفرق الضرب على أعضائه كلها ما خلا الوجه والرأس ~~والفرج، فيضرب ضربا وجيعا ويؤمر بالكفارة، ويكون هذا المتعدي ~~مأخوذا بعذاب الآخرة إن مات قبل التوبة. ### || [5.95] # قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا لا ~~تقتلوا الصيد وأنتم حرم }؛ روي أن هاتين الآيتين ~~نزلتا بالحديبية، وكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمين، ~~وكان الصيد من الوحش والطير يغشى رحالهم. وفي قوله { وأنتم ~~حرم } وجهان؛ أحدهما: وأنتم محرمون بحج أو عمرة، والثاني: ~~وأنتم داخلون في الحرم. # وقوله تعالى: { لا تقتلوا الصيد } دليل على أن كل ما ~~يقتله المحرم من الصيد لا يكون ملكا؛ لأن الله تعالى سمى ذلك ~~قتلا، ولا يجوز أكل المقتول وإنما يجوز أكل المذبوح على شرط ~~الذكاة. # والصيد في اللغة: اسم لكل ممتنع متوحش، فلا يفرق الحكم في وجوب ~~الحل بين المأكول منه وبين غيره، إلا أنه روي عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية؛ ~~والعقرب؛ والغراب؛ والفأرة؛ والكلب العقور " # وأراد بالكلب العقور: الذئب على ما ورد في بعض الروايات. # قوله تعالى: { ومن قتله منكم متعمدا فجزآء ~~مثل ما قتل من النعم }؛ روي أنه نزل في ms0683 كعب بن عمرو؛ ~~عرض له حمار وحش فطعنه برمحه فقتله، ولم يكن علم بنزول ~~التحريم. # واختلفوا في صفة العمل الموجب للجزاء والكفارة في قتل الصيد، ~~فقال الأكثرون من أهل العلم: سواء قتل المحرم الصيد عمدا ~~أو خطأ فعليه الجزاء، وجعلوا فائدة تخصيص العمل بالذكر في هذه ~~الآية ما في نسخها بقوله: { ومن عاد فينتقم الله منه ~~}؛ لأن المخطئ لا يجوز أن يلحقه الوعيد. # والقول الثاني: ما روي عن قتادة وطاووس وعطاء؛ أنهم قالوا: (لا ~~شيء على الخاطئ) وهو رواية عن ابن عباس. # والقول الثالث: وهو قول مجاهد والحسن: (أن المراد به إذا ~~قتله ناسيا لإحرامه، وحصل القتل عمدا). وهذا ~~القول يقتضي أن غير العامد الذاكر لإحرامه لا يؤمر بالكفارة، ~~ولكن الله يعاقبه في الآخرة على ما فعله. وعلى هذا التأويل ~~قالوا: إن معنى قوله: { ومن عاد فينتقم الله منه } ~~أي عاد إلى هذا الفعل من بعد العلم بالنهي، كان عقوبته النقمة ينتقم ~~الله منه. # وقال آخرون: هو القتل عمدا وهو ذاكر لإحرامه، فحكم عليه في العمد ~~والخطأ الكفارة والجزاء، وهو اختيار الشافعي. وقال الزهري: (نزل ~~القرآن بالعمد، وجرت السنة بالخطأ). وقال ابن ~~عباس: (إن قتله عمدا سئل: هل قتل قبله شيئا ~~من الصيد؟ فإن قال: نعم؛ لم يحكم عليه، ويقال ~~له: اذهب، فينتقم الله منه، وإن قال: لم أقتل ~~قبله شيئا، حكم عليه، فإن عاد إلى قتل الصيد ~~ثانيا وهو محرم بعدما حكم، ولم يحكم عليه ~~ثانيا، ويملأ بطنه وظهره ضربا وجيعا). وعندنا إذا ~~عاد حكم عليه ثانيا، وعليه الجمهور. # وقال بعضهم: إذا قتله عمدا وهو ذاكر لإحرامه، فلا حكم عليه، ~~وأمره إلى الله تعالى؛ لأنه أعظم من أن يكون له كفارة. والقول ~~الأول أصح هذه الأقاويل كلها؛ لأن سائر جنايات الإحرام لا تختلف ~~بين المعذور وغير المعذور، وإن الله تعالى أحل للمحرم والمريض ~~حلق الرأس على الأذى، وأوجب عليه الفدية. # قوله تعالى: { فجزآء مثل ما قتل من النعم } ~~نونه أهل الكوفة، ورفعوا ال (مثل) على البدل من الجزاء، ~~كأنه ms0684 فسر الجزاء؛ أي فعليه جزاء مثل الصيد المقتول من النعم. ~~وقرأ الباقون بالإضافة، ومعناه: عليه أن يجزي بمثل المقتول؛ أي يشتري ~~بقيمته من النعم فيذبح. وقد تجوز إضافة الشيء إلى نفسه كما يقال: ~~ثوب جزوبات جديد، ويوم الجمعة. # ويحتمل أن يكون معناه: عليه جزاء مثل النعم المقتول، ومثل ~~النعم المقتول: قيمته من جهة الحكم، { يحكم به ذوا ~~عدل منكم }. # وقوله تعالى: { هديا }؛ منصوب على الحال؛ أي يحكمان بقدر أن ~~يهدي. وقوله تعالى: { بالغ الكعبة }؛ لفظه لفظ المعرفة ~~ومعناه النكرة، كأنه قال: بالغا الكعبة، إلا أن التنوين حذف ~~استخفافا، وكنى بالكعبة عن الحرم؛ لأن حرمته لأجل الكعبة. في ~~ذكر بلوغ الكعبة بيان اختصاص من هذا الجزاء بالحرم، وأنه لا ~~يجوز ذبحه إلا فيه. ومعنى قوله تعالى: { فجزآء مثل ما قتل ~~من النعم } أي فعلى القاتل الفداء مثل المقتول من النعم. # والنعم في اللغة: من الإبل والبقر والغنم، فإذا انفردت الإبل ~~قيل: إنها نعم، وإذا انفردت البقر والغنم لم تسم نعما. # واختلف أهل العلم في كيفية الجزاء، فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: ~~(ينظر الحكمان العدلان من أهل المعرفة إلى ~~الصيد المقتول، فيقومانه حيا في ذلك المكان ~~وذلك الزمان، فإذا عرفت القيمة خير القاتل، ~~فإن شاء اشترى بتلك القيمة هديا من النعم ~~فذبحه في الحرم، وإن شاء اشترى بها طعاما ~~فأطعمه مساكين الحرم وغيرهم؛ كل مسكين نصف ~~صاع من بر، أو صاع من تمر أو شعير كما في ~~الكفارات. وإن شاء صام مكان كل صاع من بر ~~نصف يوم، وإن لم يبلغ قيمة الصيد إطعام ~~مسكين، صام يوما كاملا إذا اختار الصوم؛ لأن ~~الصوم مما لا تبعيض فيه). # وقال محمد والشافعي: (إن كان للصيد المقتول مثل ~~من النعم من جهة الخلقة، كان على القاتل ~~النظير في الخلقة؛ فيجب عليه في النعامة ~~بدنة؛ وفي بقر الوحش بقرة؛ وفي الظبي شاة؛ ~~وفي الغزال عنز؛ وفي الأرنب عناق؛ وفي اليربوع ~~جفرة. وإن لم يكن للصيد مثل من جهة الخلقة، ~~كان عليه قيمته). وعن محمد الخيار في ms0685 هذا إلى الحكمين دون ~~التعيين، وهو قول مالك. # قوله تعالى: { يحكم به ذوا عدل منكم } أي يحكم ~~بالجزاء فقيهان عدلان ينظران إلى أشبه الأشياء به، فيحكمان به. # وروي عن قبيصة بن جابر قال: (خرجنا حجاجا، وكنا إذا ~~صلينا الغداة أوقدنا نارا، وأحلنا بشيء ~~ونتحدث، فبينما نحن ذات يوم إذ سنح لنا ~~ظبي، فابتدرته ورميته بحجر فأصبت حشاه، ~~فوكب درعه فمات، فلما قدمنا مكة سألنا عمر ~~رضي الله عنه وكان حاجا، وكان عبدالرحمن بن عوف ~~جالسا عنده، فسألته عن ذلك فقال ~~لعبدالرحمن: ما ترى؟ قال: عليه شاة، قال: وأنا ~~أرى ذلك، قال: فاذهب فاهد شاة. # قال: فخرجت إلى صاحبي فقلت: إن أمير المؤمنين ~~لم يدر ما يقول حتى سأل غيره، قال: فلم ~~يفجأنا إلا عمر ومعه الدرة، فعلاني بالدرة، ~~قال: أتقتل في الحرم وتغمض الفتوى؟! قال الله ~~تعالى: { يحكم به ذوا عدل منكم } فأنا عمر، ~~وهذا عبدالرحمن). # قوله تعالى: { أو كفارة طعام مساكين }؛ فيه ~~قراءتان؛ أحدهما: الرفع والتنوين في (كفارة)، والرفع في ~~(طعام) من غير تنوين. والأخرى: الرفع في (كفارة) بغير تنوين، ~~والخفض في (طعام) على الإضافة. # قوله تعالى: { أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال ~~أمره }؛ أي ليذوق عقوبة صنعه. والوبال: تقبل الشيء في ~~المكروه، مأخوذ من الوبيل، يقال: طعام وبيل؛ وماء وبيل؛ إذا كانا ~~ثقيلين، قال الله تعالى: # فأخذناه أخذا وبيلا # [المزمل: 16] أي ثقيلا شديدا. # قوله تعالى: { عفا الله عما سلف }؛ أي تجاوز الله ~~عما مضى من قتل الصيد قبل التحريم. قوله تعالى: { ومن عاد ~~فينتقم الله منه }؛ أي من عاد إلى قتل الصيد بعد العلم ~~بالتحريم متعمدا لقتله يعذبه الله في الآخرة ويعاقبه على فعله. ~~وأصل الانتقام: الانتصار والانتصاف، وإذا أضيف إلى الله تعالى أريد ~~به المعاقبة والمجازاة. قوله تعالى: { والله عزيز ذو ~~انتقام }؛ أي منيع بالنقمة ينتقم ممن عصاه. ### || [5.96] # قوله عز وجل: { أحل لكم صيد البحر }؛ أي ~~أحل لكم اصطياد ما في البحر، { وطعامه }؛ أي ما لفظه ~~البحر وحسر عنه الماء، وهذا قول أبي بكر وعمر وأبي ms0686 هريرة. وقال ~~بعضهم: (طعامه) هو الملح؛ وهو قول سعيد بن جبير وعكرمة والنخعي ~~وقتادة. # وقوله تعالى: { متاعا لكم }؛ أي منفعة لكم. وهو مصدر مؤكد ~~للكلام؛ أن تمتعوا متاعا لكم. وقوله تعالى: { وللسيارة }؛ ~~أي ومنفعة للمارة في السفر. قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية ~~في قوم من بني مدلج، كانوا أهل صيد البحر، أتوا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنا نصطاد في ~~البحر، وربما يعلو البحر وربما مد البحر، ~~فيعلو الماء كل شيء، ثم يرجع ويبقى السمك ~~بالأرض، ويذهب الماء عنه فنصيبه مدا، فحلال ~~لنا أكله أم لا؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية). # قوله تعالى: { وحرم عليكم صيد البر ما ~~دمتم حرما }؛ أي وحرم عليكم اصطياد ما في البر. ويقال: ~~عين صيد البر ما دمتم محرمين، ولا خلاف في الاصطياد أنه حرام ~~على المحرم في البر، فأما عين الصيد فإن صاده حلال بأمر ~~المحرم أو بإعانته أو دلالته وإشارته حرم على المحرم تناوله، ~~وإن صاده حلال بغير أمر المحرم حل للمحرم تناوله كما روي في ~~حديث أبي قتادة؛ قال: # " كنت في رهط من المحرمين وأنا حلال، فبصرت ~~بحمار وحش فقلت: ناولني الرمح، فأبوا، ~~فأخذته وأتيت الصيد، فسألوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عن أكله فقال: " هل أعنتم؟ هل أشرتم؟ هل ~~دللتم؟ " فقالوا: لا؛ فقال: " إذا فكلوا " ". # قوله تعالى: { واتقوا الله الذي إليه ~~تحشرون }؛ أي اتقوا الله في أخذ الصيد في الإحرام الذي إلى ~~موضع جزائه تبعثون. ### || [5.97] # قوله عز وجل: { جعل الله الكعبة البيت ~~الحرام قيما للناس والشهر الحرام }؛ أي جعل الله ~~الكعبة أمنا للناس، بها يقومون ويأمنون، وذلك أن الرجل كان إذا ~~أصاب ذنبا في الجاهلية والإسلام، أو قتل قتيلا لجأ إلى الحرم ~~فأمن بذلك، وكانت الكعبة قواما بمعايشهم وعمادا لهم في أمر ~~دينهم ودنياهم؛ لما يحصل في ذلك من الحج والعمرة والتجارات، وما ~~يجيء إلى الحرم من ثمرات كل شيء. # وقيل: معنى قوله: { قيما للناس } أي قبلة لهم، أمروا ~~أن يقوموا في الصلاة متوجهين إليها. قوله ms0687 تعالى: { والشهر ~~الحرام } أي جعل الشهر الحرام آمنا أيضا، كانوا إذا دخل ~~الشهر الحرام لم يقتلوا فيه أحدا حتى يمضي. # قوله تعالى: { والهدي والقلائد }؛ جعل الهدي الذي ~~يهدى إلى البيت أمنا للرفقة، وجعل القلائد أمنا، والقلائد ~~البدن من البقر والإبل كانوا يقلدونها بنعل أو خف، وربما ~~كانوا يقلدون رواحلهم إذا رجعوا من مكة من لحاء شجر الحرم ~~فيأمنون بذلك، وكان أهل الجاهلية يأكل الواحد منهم القضيب والشجر من ~~الجوع وهو يرى الهدي والقلائد فلا يتعرض له تعظيما له. # قوله تعالى: { ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما ~~في السموت وما في الأرض وأن الله بكل شيء ~~عليم }؛ معناه: ذلك أمر الجاهلية دليل أنه تعالى يعلم ما في ~~السموات وما في الأرض وما فيه صلاح الخلق إذ جعل في أعظم الأوقات ~~فسادا يؤمن به، وشرع الحج وفيه مصالح الخلق على نحو ما ~~تقدم. ### || [5.98-99] # قوله تعالى: { اعلموا أن الله شديد العقاب }؛ ~~لمن استحل ما حرم الله، { وأن الله غفور رحيم }؛ لمن ~~تاب. قوله تعالى: { ما على الرسول إلا البلاغ }؛ ~~أي ما على محمد صلى الله عليه وسلم إلا تبليغ الرسالة في أمر ~~الثواب والعقاب، { والله يعلم ما تبدون }؛ أي ما تظهرون ~~من القول والعمل، { وما تكتمون }؛ وليس على محمد طلب ~~سرائركم، ولا يعلم السرائر إلا الله عز وجل. ### || [5.100] # قوله تعالى: { قل لا يستوي الخبيث والطيب }؛ أي ~~قل يا محمد: لا يستوي الحلال والحرام، { ولو أعجبك ~~كثرة الخبيث }؛ ولو أعجبك كثرة الحرام، فمثقال حبة من ~~الحلال أرجح عند الله من جبال الدنيا من حرام. # وقيل: معناه: ولا يستوي الكافر والمؤمن ولو أعجبك كثرة ~~الكافر، والعدل والفاسق وإن كان في الفساق كثرة، ولا يبارك في ~~الحرام وإنما يبارك في الحلال، { فاتقوا الله يأولي ~~الألباب لعلكم تفلحون }؛ أي اخشوا عذاب الله في أخذ ~~الحرام يا ذوي العقول، لكي تفوزوا بالنجاة والسعادات في الآخرة. ### || [5.101] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تسألوا ~~عن أشيآء إن تبد لكم تسؤكم }؛ قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: # " لما ms0688 نزل قوله تعالى: { ولله على الناس حج ~~البيت } قام رجل من بني أسيد فقال: يا رسول الله ~~أفي كل عام؟ # فوجد من قول ذلك الرجل وجدا شديدا، ثم قال ~~له: " ما كان يؤمنك أن أقول: نعم، فيجب عليكم ~~في كل عام فلا تطيقوه، فإن لم تفعلوه كفرتم، ~~ذروني ما تركتكم " ". # وفي بعض الروايات: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قام خطيبا، فسأله ~~الناس عن أشياء، فقال: " لا تسألوني عن شيء إلا ~~حدثتكم به " ، فأكثروا عليه السؤال حتى سأله ~~رجل عن الحج: أفي كل عام؟ فسكت النبي صلى الله ~~عليه وسلم فأعاد الرجل عليه ثالثا، فقال صلى الله عليه ~~وسلم: " لو قلت لكم: نعم، لوجبت ولما استطعتم " ~~فقام رجل آخر فقال: أفي الجنة أنا أم في النار؟! ~~فاشتد ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~تغير لونه، فقال عمر: رضينا بالله ربا ~~وبالإسلام دينا وبك نبيا، نعوذ بالله من غضب الله ~~وغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسرى عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم الغضب ". # وروي: # " أن رجلا قال يا رسول الله أين أبي؟ فقال: " في النار " ، ~~فقام عمر رضي الله عنه وقال: رضينا بالله ربا ~~وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقرآن إماما، إنا ~~يا رسول الله حديثو عهد بالجاهلية فاعف عنا ~~عفا الله عنك، فسكن غضبه ". # وروي: # " أن رجلا من قريش يقال له عبدالله بن حذافة، ~~وكان يطعن في نسبه إذا لاحى؛ أي يدعى لغير أبيه، ~~فقال: يا رسول الله من أبي؟ قال: " أبوك حذافة ". قال ~~الزهري: فقالت أمه: ما رأيت ولدا أعق منك ~~قط! أكنت تأمن أن تكون أمك قارفت ما قارف " ~~نساء " أهل الجاهلية، فيفضحها على رؤوس الناس ~~". # وفي رواية أخرى: # " أنه لما قال له: " أبوك حذافة " ، قال: يا رسول ~~الله أبي فلان، قال: " إنك ولد الزانية، وإن الذي ~~ولدت على فراشه كان كثير المال، فتعرضت أمك ~~لحذافة فجامعها فاشتملت بك " " # فأنزل الله هذه الآية. # ومعناها: يا أيها الذين آمنوا بالله ورسوله لا تسألوا النبي صلى ms0689 ~~الله عليه وسلم عن أشياء إن أظهر لكم جوابها ساءكم، ذلك { وإن ~~تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم }؛ وإن ~~تسألوا عنها عند نزول القرآن أظهر لكم جوابا، { عفا الله ~~عنها }؛ أي عن مسألتكم لم يؤاخذكم بالبحث عنها. ويقال: أراد ~~بالعفو الستر عليهم، { والله غفور حليم }؛ أي متجاوز عن ~~العباد، حليم عن الجهال لا يعجل عليهم بالعقوبة. ### || [5.102] # قوله عز وجل: { قد سألها قوم من قبلكم ثم ~~أصبحوا بها كافرين }؛ أي قد سأل نحو هذه المسائل من ~~قبلكم، قال ابن عباس: (كانت بنو إسرائيل يسألون ~~أنبياءهم عن أشياء لم تكتب عليهم ولم ~~يؤمروا بها، فإذا بينوا لهم حكمها لم يفعلوا، ~~فعذبهم الله وأهلكهم بسبب ذلك، كما سأل قوم ~~عيسى المائدة ثم كفروا، وسأل قوم صالح الناقة ~~ثم عقروها وكفروا). ### || [5.103] # قوله تعالى: { ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ~~ولا وصيلة ولا حام }؛ أي لم يجعل الله ما يقوله كفار قريش ~~من تحريم البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، { ولكن ~~الذين كفروا يفترون على الله الكذب } ، ولكنهم ~~هم الذين جعلوا من ذات أنفسهم، واختلقوا على الله بأنه حرم هذه ~~الأشياء، { وأكثرهم لا يعقلون } وهم السفلة والعوام ~~لا يعقلون، بل يقلدون رؤساءهم فيما يقولون. # وأما تفسير البحيرة: كانت الناقة إذا نتجت خمسة أبطن نظروا، ~~فإن كان البطن الخامس ذكرا ذبحوه لآلهتهم، وكان لحمه للرجال ~~من سدنة آلهتهم ومن أبناء السبيل دون النساء، وإن مات قبل ~~الذبح أكله الرجال والنساء، وإن كان الخامس أنثى نحروا ~~أذنها؛ أي شقوها شقا واسعا وهي البحيرة: لا تركب ولا ~~تذبح ولا تطرد من ماء ولا أكل، وألبانها ومنافعها للرجال من ~~السدنة وأبناء السبيل دون النساء حتى تموت، فاذا ماتت اشترك ~~فيها الرجال والنساء. # وأما السائبة: فكان إذا قدم الرجل من سفر أو برئ من مرض أو ~~بنى بناء، سيب شيئا من إناث الأنعام وسلمها إلى سدنة ~~آلهتهم، فيطعمون منه أبناء السبيل من ألبانها وأسمانها إلا ~~النساء، فإنهم كانوا لا يطعمونهن منها شيئا حتى تموت، فإذا ماتت ~~أكلها الرجال ms0690 والنساء جميعا. # وأما الوصيلة: فهي من الغنم كانت الشاة إذا نتجت سبعة أبطن، ~~فإن كان البطن السابع ذكرا ذبحوه لآلهتهم، وإن كانت أنثى صنعوا ~~بها ما يصنعون بالأنثى من البحيرة، وإن كان ذكرا وأنثى قالوا: ~~إنها وصلت أخاها، فلم تذبح الذكر لمكانه منها، وكان منافعهما ~~للرجال دون النساء من السدنة وأبناء السبيل الى أن يموت ~~واحد منهما فيشترك فيه الرجال والنساء. # وأما الحامي: فهو الفحل إذا ركب ولد ولده قالوا: قد حمى ~~ظهره فلا يركب ولا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى حتى يموت، ~~فيأكله الرجال والنساء. # وقد روي عن زيد بن أسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " " إني لأعرف أول من سيب السوائب، وأول من ~~غير عهد إبراهيم خليل الله " ، قالوا: من هو يا ~~رسول الله؟ قال: " عمرو بن لحي، ولقد رأيته يجر ~~قصبه في النار يؤذي أهل النار بريح قصبه. وإني ~~لأعرف أول من بحر البحائر " ، قالوا: من هو؟ ~~قال: " رجل من بني مدلج، كانت له ناقتان فجدع ~~أذنيهما وحرم ألبانها، ثم شربه بعد ذلك، ~~ولقد رأيته في النار يعضانه بأفواههما ~~ويخبطانه بأخفافهما " ". # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأكثم الخزاعي: " ~~رأيت عمرو ابن لحي يجر قصبه في النار، فما ~~رأيت من رجل أشبه برجل منه بك ولا بك منه، ~~وهو أول من غير دين إبراهيم عليه السلام، ونصب ~~الأوثان، وبحر البحيرة، وسيب السائبة، ووصل ~~الوصيلة، وحمى الحامي، ولقد رأيته في النار ~~يؤذي أهل النار بريح قصبه " ، قال أكثم: يا رسول ~~الله أيضرني شبهه؟ فقال: " إنك مؤمن وهو كافر ~~" ". ### || [5.104] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم تعالوا إلى مآ ~~أنزل الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا ~~عليه آباءنآ }؛ معناه: إذا قيل لأهل مكة هلموا إلى تحليل ~~وتحريم ما أنزل الله في كتابه وبينه الرسول في سننه، قالوا: ~~يكفينا ما وجدنا عليه آباءنا من الدين والسنة، يقول الله تعالى: ~~{ أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا ms0691 }؛ من الدين ~~والسنة، { ولا يهتدون }؛ الطريق المستقيم. ### || [5.105] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا عليكم ~~أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم }؛ أي ~~الزموا أنفسكم واحفظوها كما يقال: عليك زيدا، فتنصب زيدا على ~~الإغراء بمعنى: الزم زيدا، كأنه تعالى قال: عليكم أيها ~~المؤمنون بإصلاح أنفسكم، ومتابعة سنة نبيكم، فإنكم إذا فعلتم ~~ذلك لا يضركم ضلالة من ضل من أهل مكة إذ هديتم أنتم، { إلى ~~الله مرجعكم }؛ في الآخرة، { جميعا }؛ البر والفاجر، ~~والمؤمن والكافر، { فينبئكم }؛ فيجزيكم؛ { بما كنتم ~~تعملون }؛ من خير أو شر. # وروي عن السلف في تأويل هذه الآية أحاديث مختلفة الظواهر، وهي ~~متفقة في المعنى، فمنها ما روي عن أبي بكر رضي الله عنه قال على ~~المنبر: أيها الناس، إني أراكم تتأولون هذه ~~الآية: { يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم } ~~وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " ما من قوم يعمل بين أظهرهم بالمعاصي فلم ~~يغيروها إلا يوشك أن يعمهم الله بعقابه " # وعن أبي أمامة قال: سألت أبا ثعلبة الخشني عن ~~هذه الآية فقال: لقد سألت عنها خبيرا، سألت ~~عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي: # " يا أبا ثعلبة ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن ~~المنكر، فإذا رأيت دنيا مؤثرة وشحا مطاعا، ~~وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، فإن من ~~بعدكم أيام الصبر، والصابر فيها كالقابض على ~~الجمر، والصبر فيها كالقبض على الجمر، ~~والمتمسك فيها بمثل الذي أنتم عليه له ~~كأجر خمسين عاملا منكم ". # ففي هذه الأخبار دليل على أن فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~لا يسقط إلا عند العجز عن ذلك. كما روي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " إذا رأى أحدكم منكرا واستطاع أن يغيره ~~فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم ~~يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " # وحكي: أنه لما مات الحجاج قال الحسن رضي الله عنه: ~~(اللهم أنت أمته فاقطع عنا سنته، فإنه ~~أتانا أخيفش أعيمش، يمد بيد قصيرة، والله ما ~~عرق فيها في سبيل الله عنان، يرجل جمته ~~ويتبختر ms0692 في مشيته، ويصعد المنبر فيهدر ~~حتى تفوته الصلاة، لا من الله يتقي ولا من ~~الناس يستحيي، فوقه الله عز وجل، وتحته مائة ~~ألف أو يزيدون، لا يقول له قائل: الصلاة أيها ~~الرجل. ثم جعل الحسن يقول: هيهات، والله حال ~~دون ذلك السيف والسوط). وفي هذا الخبر دليل أن السلف ~~كانوا معذورين في ذلك الوقت في ترك الإنكار باليد واللسان. ### || [5.106-108] # قوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا شهادة ~~بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية ~~اثنان ذوا عدل منكم }؛ قال ابن عباس: (نزلت هذه ~~الآية في ثلاثة نفر، خرجوا من المدينة إلى الشام ~~لتجارة، أحدهم:عدي بن بداء، والآخر عامر بن ~~أوس الداري، وهما نصرانيان، والثالث بديل بن ~~ورقاء مولى عمرو بن العاص، وكان مسلما مهاجرا، ~~فحضر بديل بن ورقاء الوفاة وكان مسلما، ~~فأوصى إلى صاحبيه، وأمرهما أن يدفعا متاعه إلى ~~أهله إذا رجعا، فمات بديل ففتشا متاعه، وأخذا ~~منه إناء من فضة منقوشا بالذهب كان فيه ~~ثلاثمائة مثقال. # فلما قدما المدينة وسلما المتاع إلى أهله، ~~وجد أهله كتابا في درج الثياب فيه أسماء ~~الأمتعة، قالوا لهما: هل باع صاحبكما شيئا من ~~متاعه؟ قالا: لا، فهل طال مرضه فأنفق شيئا؟ ~~قالا: لا، إنما مرض حين قدم البلد، فلم يلبث ~~أن مات. فقال لهما عمرو بن العاص والمطلب ابن ~~أبي وداعة: فإنا وجدنا في متاعه صحيفة فيها ~~تسمية متاعه، وفيها إناء منقوش مموه بالذهب ~~فيه ثلاثمائة مثقال. قالا: ما ندري، إنما أوصى ~~إلينا بشيء وأمرنا أن ندفعه إليكم فدفعناه. ~~فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكروا ذلك ~~له، فأنزل الله هذه الآية. # ومعناها: يا أيها الذين آمنوا شهادة الحال الذي بينكم إذا حضر ~~أحدكم الموت فأراد الوصية شهادة اثنين ذوي عدل منكم؛ أي من أهل ~~دينكم. وهذه جملة تامة تتناول حكم الشهادة على الوصية في الحضر ~~والسفر. # قوله تعالى: { أو آخران من غيركم }؛ مقيد ~~بالسفر خاصة، معناه: أو آخران من غير أهل دينكم، { إن أنتم ~~ضربتم في الأرض }؛ إن أنتم ms0693 سافرتم في الأرض، { ~~فأصابتكم }؛ في السفر، { مصيبة الموت }؛ ولم يكن ~~يحضركم مسلمون. # قوله تعالى: { تحبسونهما من بعد الصلاة }؛ أي ~~تقفونهما وهما النصرانيان، والمراد بقوله: { بعد الصلاة } ~~بعد صلاة العصر كان النبي صلى الله عليه وسلم يقضي بعد صلاة العصر ~~وهو وقت اجتماع الناس، وأهل الكتاب يعظمونه، { فيقسمان ~~بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا }؛ أي الشاهدان ~~النصرانيان يحلفان بالله إذا ادعى عليهما ورثة الميت بسبب شأنهم ~~في جنايتهما، ويقولان في اليمين: لا نشتري بهذا القول الذي نقوله ~~بأنا دفعنا المال جميعه إليكم عرضا يسيرا من الدنيا، { ولو ~~كان ذا قربى }؛ أي وإن كان الميت ذا قرابة منا في الرحم؛ ~~أي لم نخن في التركة لقرابته منا. روي أنه كان بين الميت ~~المسلم وبين هذين النصرانيين قرابة في الرحم، ومعنى قوله: { إن ~~ارتبتم } أي شككتم. # قوله تعالى: { ولا نكتم شهادة الله }؛ أي ويقولون ~~في اليمين: ولا نكتم شهادة الله، { إنآ إذا لمن ~~الآثمين }؛ أي العاصين إن كتمناهما كما قال تعالى في آية أخرى # ومن يكتمها فإنه آثم قلبه # [البقرة: 283]. # وإنما أضاف الشهادة إلى الله تعالى تعظيما لها وتهويلا لأمرها، ~~وقرأ بعضهم: (شهادة الله) بتنوين (شهادة) ونصب اسم (الله) ~~على معنى: لا نكتم لله شهادة، وقرأ الشعبي: (شهادة الله) ~~بتنوين (شهادة)، وخفض الهاء من اسم (الله) موصولا على القسم، ~~تقديره: إي والله. # وقرأ أبو جعفر (شهادة) بالتنوين (الله) بقطع الألف وكسر الهاء ~~على معنى: ولا نكتم شهادة الله، بالاستفهام وكسر الهاء فجعل ~~الاستفهام عوضا عن حرف القسم. # قال ابن عباس: (فلما نزلت هذه الآية، صلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر وحلفهما بعد ~~الصلاة عند المنبر بالذي لا إله إلا هو أنهما ~~لم يختانا - يخونا - شيئا مما دفع إليهما بديل، ~~فحلفا، فخلى عليه الصلاة والسلام سبيلهما. ~~فمكثا بعد ذلك ما شاء الله ثم ظهر الإناء، فبلغ ~~الورثة ذلك، فسألوا الذي بيده الإناء فقال: ~~اشتريته من تميم وعدي). # قيل: إنه لما طالت المدة أظهرا الإناء ولم ~~يبيعاه، فقال لهما الورثة: إنما ms0694 حلفتما فما ~~بال الإناء معكما؟ فقالا: إنا كنا اشتريناه منه ~~ولم يكن لنا بينة، فكرهنا أن نقر به لكم ~~فتأخذوه. فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأنزل الله تعالى قوله تعالى: { فإن عثر على ~~أنهما استحقآ إثما فآخران يقومان مقامهما من ~~الذين استحق عليهم الأوليان فيقسمان بالله ~~}. # معناه: فإن اطلع على أن الوصيين استوجبا ذنبا بالخيانة واليمين ~~الفاجرة حيث قالا: إن الميت لم يبع شيئا من متاعه، ثم قالا بعد ~~ظهور الإناء في أيديهما أنهما ابتاعاه منه، فآخران من أولياء ~~الميت وهما عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة، يقومان مقام ~~النصرانيين الخائنين في اليمين، فيحلفان بالله، { لشهادتنا ~~أحق }؛ بأن الإناء لصاحبنا، وأنهما لا يعلمان بأن الميت ~~باعه في حياته، { من شهادتهما }؛ أي أعدل وأحق بالقبول من ~~شهادة النصرانيين، { وما اعتدينآ }؛ فيما ادعينا وحلفنا، { ~~إنا إذا لمن الظالمين }؛ على أنفسنا لو اعتدينا. # وقوله: { من الذين استحق عليهم الأوليان } راجع ~~إلى قوله { فآخران } ، و { الأوليان } بدل من (آخران) كأنه ~~قال: وآخران من الذين استحق عليهم الوصية، وهم ورثة الميت ~~وأولياؤه، وهما الأوليان بالميت. ويقال: الأوليان باليمين يقومان ~~مقام النصرانيين في اليمين، # ويقال: معنى { استحق عليهم } أي استحق فيهم الإثم وهم ~~الورثة، استحق النصرانيان الإثم بسببهم، وقد تقام على مقام (في)، ~~كما في قوله تعالى: # ولأصلبنكم في جذوع النخل # [طه: 71]. واحد الأوليان: الولى، والجمع: الأولون، والأنثى ~~الولياء، والجمع الوليات والولي. # وقرأ الحسن وحفص: (من الذين استحق عليهم) بفتح التاء ~~والحاء؛ أي وجب عليهم الإثم، ثم قال { الأوليان } راجع إلى قوله ~~{ فآخران } الأوليان، ولم يرتفع بالاستحقاق. وقرأ الباقون ~~(استحق) بضم التاء وكسر الحاء على المجهول، يعني الذين ~~استحق فيهم ولأجلهم الإثم وهم ورثة الميت، استحق الحالفان ~~بسببهم وفيهم الإثم. # وقرأ الحسن: (من الذين استحق عليهم الأولان). # قوله تعالى: { لشهادتنا أحق من شهادتهما } أي ~~يميننا من يمينهما، ونظيره # فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله # [النور: 6] أراد الأيمان. # فلما نزلت هذه الآية حلف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عمرو بن العاص والمطلب بن ms0695 أبي وداعة، ~~فحلفا فدفعا المتاع إلى أولياء الميت. قال ابن ~~عباس: (فذكرت هذه الآية لتميم بعد ما أسلم ~~فقال: صدق الله وبلغ رسوله، أنا أخذت الإناء، ~~فأتوب إلى الله وأستغفره). # وإنما نقلت اليمين إلى الأولياء؛ لأن الوصيين صح عليهما ~~الإناء، ثم ادعيا أنهما ابتاعاه، وكذلك إذا ادعى رجل على رجل ~~مالا، فأقر المدعى عليه بذلك، وادعى أنه قضاه، فالقول قول صاحب ~~المال مع يمينه، وكذلك إذا ادعى سلعة في يد رجل فاعترف بذلك، ثم ~~ادعى أنه اشتراها من المدعي أو وهبه منه المدعي. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما: (عن تميم الداري قال: ~~بعنا الإناء بألف درهم، فاقتسمناه أنا وعدي، ~~فلما أسلمت تأثمت من ذلك بعدما حلفت كاذبا، ~~فأتيت أولياء الميت فأخبرتهم أن عند صاحبي ~~مثلها، فأتوا به إلى النبي فسألهم البينة، ~~فلم يكن لهم بينة، فأمر الأولياء أن يحلفوا، ~~فحلفوا، فأخذت الخمسمائة من عدي ورددت أنا ~~الخمسمائة). # فلذلك قوله تعالى: { ذلك أدنى أن يأتوا ~~بالشهادة على وجههآ }؛ أي ذلك لكم أقرب إلى أن تقوم شهود ~~الوصية على وجهها، { أو يخافوا أن ترد أيمان بعد ~~أيمانهم }؛ وأقرب إلا أن يخافوا أن ترد عليهم أيمانهم بعد ~~أيمان المسلمين، ويقال: أن يرد الأيمان إلى المدعين المسلمين بعد ~~أيمان المدعى عليهم الكفار. # قوله تعالى: { واتقوا الله }؛ أي اخشوه أن تحلفوا ~~أيمانا كاذبة أو تخونوا أمانة، { واسمعوا }؛ أي أقبلوا ~~الموعظة، { والله لا يهدي القوم الفاسقين }؛ أي لا ~~يصلح أمر الخائنين عن طاعة الله. # روي عن مجاهد أنه أخذ بظاهر الآية وقال: (إذا مات المؤمن في ~~السفر، ولا يحضره إلا كافر، إن أشهدهما على ~~ذلك، فإن رضي ورثته بذلك، وإلا حلف الشاهدان ~~أنهما صادقان، فإن ظهرا أنهما خانا، حلف اثنان ~~من الورثة، وأبطلت أيمان الشاهدين). وعن هذا قال ~~شريح: (لا تجوز شهادة اليهودي والنصراني على ~~المسلم إلا في السفر، ولا يجوز في السفر إلا ~~على الوصية). # وذهب أكثر الفقهاء إلى أن شهادة الكافر لا تقبل على المسلم بوجه ~~من الوجوه؛ لأنه روي أن آية الدين ms0696 من آخر ما نزل من القرآن، ~~وتلك الآية تقتضي جواز نسخ شهادة الكافر على المسلمين لا محالة؛ ~~لأن قوله تعالى: # واستشهدوا شهيدين من رجالكم # [البقرة: 282] يتناول المؤمنين؛ لأن الخطاب في تلك الآية يوجه ~~إليهم باسم الإيمان وهو قوله تعالى: { يا أيها الذين ~~آمنوا }. ### || [5.109] # قوله تعالى: { يوم يجمع الله الرسل فيقول ~~ماذآ أجبتم قالوا لا علم لنآ } يعني يوم القيامة، ~~ونصب (يوم) على إضمار اذكروا واحذروا، ويحتمل أنه انتصب بقوله ~~{ واتقوا الله } ، والسؤال للرسل توبيخ للذين أرسلوا إليهم، ~~كما في قوله تعالى # وإذا الموءودة سئلت # [التكوير: 8] إنما تسأل الموءودة لتوبيخ قاتلها. # وأما قول الرسل: (لا علم لنا)، فقال ابن عباس والحسن ~~والسدي ومجاهد: (إن هذا الجواب إنما يكون في بعض ~~مواطن القيامة، وذلك عند زفرة جهنم، وجثو ~~الأمم على الركب، لا يبقى ملك مقرب ولا نبي ~~مرسل إلا قال: نفسي نفسي، فعند ذلك تطير ~~القلوب من أماكنها، فتقول الرسل من شدة هول ~~المسألة وهول الموطن: لا علم لنا) { إنك أنت ~~علام الغيوب }؛ ترجع إليهم عقولهم، فيشهدون على قومهم ~~أنهم بلغوهم الرسالة، وأن قومهم كيف ردوا عليهم. # فإن قيل: كيف يصح ذهول العقل مع قوله تعالى # لا يحزنهم الفزع الأكبر # [الأنبياء: 103] قيل: إن الفزع الأكبر دخولهم جهنم. وعن ابن ~~عباس: (أن معنى: لا علم لنا؛ أي لا علم لنا إلا ~~ما علمتنا)، فحذف الاستثناء. وقيل: معناه: لا علم ~~لنا بتفصيل الأمور. ### || [5.110] # قوله تعالى: { إذ قال الله يعيسى ابن مريم ~~اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك }؛ معناه: واذكروا ~~أيها المؤمنون { إذ قال الله يعيسى } ، ويجوز أن يكون ~~عطفا على قوله: { يوم يجمع الله الرسل } تقديره: إذ ~~يقول الله: يا عيسى بن مريم، إلا أنه ذكره بلفظ الماضي لتقديم ~~ذكر الوقت. # ومعنى الآية: أظهر منتي عليك بالنبوة وعلى أمك بأن ~~طهرتها واصطفيتها على نساء العالمين؛ ليكون حجة على من كفر ~~وادعاك إلها، فيكون ذلك حسرة وندامة عليهم يومئذ. والفائدة في ~~ذكر أمه: أن الناس تكلموا فيها كما تكلموا فيه. # ثم عد الله نعمة ms0697 نعمة: { إذ أيدتك بروح القدس }؛ ~~أعنتك وقربتك بجبريل الطاهر حين حاولت بني إسرائيل قتلك، ~~ويقال: أيدتك به في الحجة في كل أحوالك. # وقوله تعالى: { يعيسى ابن مريم } انتصب (ابن مريم) لأنه ~~منادى مضاف؛ أي يا عيسى يا ابن مريم، قوله تعالى: { اذكر ~~نعمتي عليك } معناه: اذكر نعمتي، لفظة واحدة ومعناها الجمع، ~~كقوله تعالى: # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # [إبراهيم: 34] أي نعم الله، لأن العدد لا يقع على الواحد. # قوله تعالى: { تكلم الناس في المهد وكهلا }؛ أي ~~تكلم الناس في حجر أمك في حال صغرك، وتخاطبهم كهلا بعد ~~ثلاثين سنة، على صفة واحدة واحدا واحدا، وذلك من أعظم الآيات. # ويقال: أراد بالمهد الذي يربى فيه الطفل حين قال لهم وهو في ~~المهد: # إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا # [مريم: 30]. قال الكلبي: (مكث في رسالته بعد ثلاثين ~~سنة ثلاثين شهرا، ثم رفعه الله إليه). وقيل: ~~ثلاث سنين، ثم رفع إلى السماء وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. # قوله تعالى: { وإذ علمتك الكتاب والحكمة ~~والتوراة والإنجيل }؛ أي علمتك كتب الأنبياء قبلك ~~والفهم، ويقال: أراد بالكتاب الخط بالقلم، وأراد بالحكمة كل ~~صواب منهن من قول أو فعل. # قوله تعالى: { وإذ تخلق من الطين كهيئة ~~الطير بإذني }؛ معناه: إذ تصور من الطين كشبه ~~الخفاش بأمري، { فتنفخ فيها }؛ أي في الهيئة، { فتكون ~~طيرا بإذني }؛ يطير بين السماء والأرض بأمر الله، ويكون ~~النفخ كنفخ الراقي. # قوله تعالى: { وتبرىء الأكمه والأبرص بإذني }؛ ~~الأكمه: الذي ولد أعمى، والأبرص: الذي لا تعالجه الأطباء، ~~وهو الذي إذا غرز الإبرة لا يخرج منه الدم. # قوله تعالى: { وإذ تخرج الموتى بإذني }؛ أي ~~الموتى تخرجهم من قبورهم احياء بإرادتي، والمراد أن الله تعالى ~~كان يأذن له في المسألة والدعاء، فيقع ذلك عن الله. # قوله تعالى: { وإذ كففت بني إسرائيل عنك }؛ ~~معناه وإذ صنعت (صرفت) أولاد يعقوب عنك حين هموا بقتلك، { ~~إذ جئتهم بالبينات }؛ أي بالمعجزات الدالة على ~~رسالتك، { فقال الذين كفروا منهم إن هذا }؛ أي ما ~~هذا الذي يرينا عيسى، { إلا سحر مبين ms0698 }؛ سحر ظاهر. ومن ~~قرأ (ساحر مبين) أراد به عيسى عليه السلام. ### || [5.111] # قوله عز وجل: { وإذ أوحيت إلى الحواريين ~~أن آمنوا بي وبرسولي }؛ معناه: وإذ ألهمت الحواريين ~~وهم خواص عيسى، وألقيت في قلوبهم: أن صدقوا بتوحيدي وبرسولي، { ~~قالوا آمنا }؛ وصدقنا، { واشهد }؛ يا عيسى، { بأننا ~~مسلمون }؛ أي مخلصون بالعبادة والتوحيد. ### || [5.112] # قوله عز وجل: { إذ قال الحواريون يعيسى ابن ~~مريم هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مآئدة ~~من السمآء قال اتقوا الله إن كنتم مؤمنين }؛ ~~كأنه قال: اذكر نعمتي عليك إذ قال الحواريون. # وقوله تعالى: { هل يستطيع ربك }. قرأ الكسائي (هل ~~تستطيع ربك) بالتاء بإدغام ونصب الباء من ربك، أي هل ~~تقدر أن تسأل ربك؟. # وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كان ~~الحواريون أعلم بالله من أن يقولوا: هل يستطيع ~~ربك؟) وفيه ثلاثة أقوال: # أحدهم: أن هذا السؤال كان في ابتداء أمرهم قبل أن تستحكم ~~معرفتهم بالله تعالى ولذلك أنكر عليهم عيسى عليه السلام فقال: ~~(اتقوا الله إن كنتم مؤمنين) لأنه لم يستكمل ~~إيمانهم في ذلك الوقت. # والقول الثاني: أن معناه: هل يفعل ذلك كما يقول الرجل لآخر: هل ~~تستطيع أن تقوم معي في أمر كذا؟ أي هل أنت فاعله؟ # والقول الثالث: أن معناه: هل يستجيب لك ربك؟ وهل يطيعك إن ~~سألته؟ كما تقول: استجاب بمعنى أجاب. # والحواريون: خواص أصحاب عيسى عليه السلام. قال الحسن: ~~(كانوا قصارين) وقال مجاهد: (كانوا صيادين) وقيل: ~~كانوا ملاحين. وقال قتادة: (الحواريون: الوزراء) وقال ~~عكرمة: (هم الأصفياء) وكانوا اثنى عشر رجلا. ### || [5.113] # قوله تعالى: { قالوا نريد أن نأكل منها ~~وتطمئن قلوبنا }؛ أي قال الحواريون: نريد بما سألناك أن ~~نأكل من المائدة، وتسكن قلوبنا بما جئتنا به من المعجزات، { ~~ونعلم أن قد صدقتنا }؛ بأنك رسول الله، وقيل: ~~صدقتنا في دعائك، وفيما دعوتنا من كفاية الله تعالى إيانا، { ~~ونكون عليها }؛ على المائدة؛ { من الشاهدين }؛ إذا ~~رجعنا إلى قومنا. ### || [5.114] # قوله تعالى: { قال عيسى ابن مريم اللهم ربنآ ~~أنزل علينا مآئدة من السمآء تكون لنا عيدا ms0699 ~~لأولنا وآخرنا }؛ أي قال عيسى: يا الله، إلا أنه أقيم الميم ~~في آخره مقام النداء في أوله، وقوله: { أنزل علينا ~~مآئدة من السمآء } أي طعاما، { تكون لنا عيدا } أي ~~نتخذ اليوم الذي تنزل فيه المائدة يوم سرور لأزماننا ولمن ~~يكون خلفنا. وروي: (أن نزول المائدة كان في يوم ~~الأحد، فاتخذت النصارى ذلك اليوم عيدا). وقرأ زيد ~~ابن ثابت: (لأولانا وأخرانا). # وقوله تعالى: { وآية منك }؛ أي تكون المائدة دلالة وحجة ~~لمن آمن على من كفر، { وارزقنا }؛ أي اجعل ذلك رزقا لنا، ~~وقيل: ارزقنا الشكر عليه، { وأنت خير الرازقين }؛ ~~وأنت أفضل المعطين والموفقين. ### || [5.115] # قوله تعالى: { قال الله إني منزلها عليكم }؛ ~~أي قال الله: يا عيسى إني منزل المائدة عليكم. قرأ أهل المدينة ~~والشام وقتادة وعاصم: (منزلها) بالتشديد؛ لأنها نزلت مرارا، ~~والتفعيل يدل على التكثير مرة بعد مرة كقوله تعالى # ونزلناه تنزيلا # [الإسراء: 106], وقرأ الباقون بالتخفيف كقوله: (أنزل علينا). # قوله تعالى: { فمن يكفر بعد منكم فإني ~~أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين }؛ ~~أي فمن يكفر بعد نزول المائدة، وقيل: بعد ما أكل من ~~المائدة، فإني أعذبه بجنس من العذاب لا أعذب أحدا من عالمي ~~زمانهم بذلك العذاب، وهو أن جعل الله من كفر منهم بعد نزول ~~المائدة خنازير. وقيل: أراد بهذا عذاب الآخرة، كما روي عن ابن ~~عمر أنه قال (أشد الناس عذابا يوم القيامة ثلاثة: ~~المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل ~~فرعون). # وروي عن ابن عباس في سبب نزول المائدة: (أن عيسى كان إذا ~~خرج اتبعه خمسة آلاف رجل أو أكثر من أصحابه ~~الذين يقتدون به، وأهل الزمانة والمرضى ~~والبطارة، فسلك بهم ذات يوم القفار، ففني طعامهم ~~وجاعوا جوعا شديدا، فأعلم الناس تلاميذه ~~الحواريين قالوا: إن كان صاحبكم حقا فليدع ~~ربه ينزل علينا مائدة من السماء، فكلمه في ~~ذلك رجل من الحواريين يقال له: شمعون الصفار، ~~فقال: قل لهم يتقوا الله ولا يسألوا لأنفسهم ~~البلاء، فإنهم إن كفروا بعد نزولها عاقبهم ~~الله. فأخبرهم شمعون بذلك، فقالوا: (نريد أن ~~نأكل ms0700 منها وتطمئن قلوبنا ونعلم أن قد ~~صدقتنا). # فقام عيسى عليه السلام فصلى ركعتين، فأوحى الله ~~إليه: (قال الله إني منزلها عليكم فمن يكفر ~~بعد منكم فإني أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا ~~من العالمين)، ثم أنزل الله مائدة من السماء ~~فوقها منديل، والناس ينظرون إليها وعيسى يبكي، ~~حتى استقرت المائدة بين يدي عيسى وهو يقول: ~~اللهم اجعلها رحمة، ثم كشف المنديل وقال: ~~بسم الله، فإذا على المائدة سمكة مشوية لا شوك ~~فيها، والودك يسيل منها، والخل عند رأسها، ~~والملح عند ذنبها، وعليها أربعة أرغفة، ~~وعليها البقول إلا الكراث - قال عطية: (كان في ~~السمكة طعم كل شيء). # فقال لهم عيسى: كلوا من رزق ربكم، فأكلوا ~~منها، ورجعت المائدة كما كانت، فلما فرغ ~~القوم إلى قرارهم، وبشروا هذا الحديث لسائر ~~الناس، ضحك من لم يشهد، وقال: ويحكم! إنه قد ~~سحر أعينكم وأخذ بقلوبكم. فمن أراد الله به ~~الخير ثبته على الصبر، ومن أراد فتنته رجع إلى ~~كفره، فلعنهم عيسى فباتوا ليلتهم، ثم أصبحوا ~~خنازير ينظر الناس إليهم، الذكر ذكر والأنثى ~~أنثى ويلعنوهم، فمكثوا كذلك ثلاثة أيام ثم ~~هلكوا، ولم يتوالدوا ولا طعموا ولا شربوا). # وقال بعضهم: لما دعا عيسى ربه أن ينزل عليهم مائدة من ~~السماء، أقبلت الملائكة بمائدة يحملونها، عليها سبعة أرغفة ~~وسبعة أحوات حتى وضعوها بين أيديهم، فأكل منها آخرهم كما أكل ~~أولهم. # وقال الكلبي: (دعا عيسى عليه السلام شمعون الصفار، ~~وكان أفضل الحواريين، فقال: هل معك طعام؟ قال: ~~نعم؛ معي سمكتان وسبعة أرغفة، قال: علي بها، ~~فقطعها عيسى قطعا صغارا، ثم قال: اقعدوا ~~وترافقوا رفقة، كل رفقة عشرة، ثم قام عيسى ~~فدعا الله فاستجاب له، وأنزل فيه البركة، فصار ~~خبزا صحاحا وسمكا صحاحا، ثم قال: كلوا بسم الله، ~~فجعل الطعام يكثر حتى بلغ ركبهم، فأكلوا ~~كلهم وفضل شيء كثير. # وكان الناس يومئذ خمسة آلاف ونيفا، فقال ~~الناس جميعا: نشهد أنك عبد الله ورسوله. ثم ~~سألوه مرة أخرى، فدعا عيسى فأنزل الله خبزا ~~وسمكا وخمسة أرغفة وسمكتين، فصنع بها ما صنع ms0701 ~~بالمرة الأولى، فلما رجعوا إلى بيوتهم ونشروا ~~هذا الحديث، ضحك منهم من لم يعاين ذلك، وقالوا ~~لهم: إنما سحر أعينكم، فمنهم من ثبته الله ~~تعالى على بصيرته، ومنهم من رجع إلى كفره، ~~فمسخوا خنازير). # وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: (لما سألت الحواريون ~~عيسى أن ينزل عليهم مائدة، لبس صوفا وبكى؛ ~~وقال: اللهم أنزل علينا مائدة من السماء، ~~وارزقنا عليها طعاما نأكله وأنت خير ~~الرازقين، فنزلت سفرة حمراء بين غمامتين، ~~غمامة من فوقها، وغمامة من تحتها، وهم ~~ينظرون إليها منقضة تهوي حتى نزلت بين ~~أيديهم. # فبكى عيسى وصلى وقال: اللهم اجعلني من ~~الشاكرين، واليهود ينظرون إليها لم يروا مثله ~~قط، ولم يجدوا ريحا أطيب من ريحه. فقام عيسى ~~فتوضأ وصلى ركعتين صلاة طويلة، وبكى كثيرا. # وكشف المنديل عنها وقال: بسم الله خير ~~الرازقين، فإذا هي سمكة طويلة مشوية ليس ~~عليها فلوسها ولا شوك فيها، تسيل سيلا من ~~الدسم، وعند رأسها ملح وعند ذنبها خل، ~~وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث، وإذا ~~خمسة أرغفة على واحد منها زيتون، وعلى الآخر ~~عسل، وعلى الثالث بيض، وعلى الرابع خبز، وعلى ~~الخامس قديد. # فقال شمعون: يا روح الله أمن طعام الدنيا هذا أم ~~من طعام الآخرة، فقالوا: لا من طعام الدنيا ولا ~~من طعام الآخرة، ولكنه شيء أنشأه الله بقدرته ~~العالية، فكلوا مما سألتم يمددكم ربكم ~~ويزيدكم من فضله، فقالوا: يا رسول الله لو ~~أريتنا آية أخرى؟ # فقال عيسى عليه السلام: يا سمكة احيي بإذن الله، ~~فاضطربت السمكة وعاد عليها فلوسها وشوكها، ~~ففزعوا من ذلك. فقال: ما لكم تسألون أشياء فإذا ~~أعطيتموها كرهتموها؟ ما أخوفني عليكم أن ~~تعذبوا، يا سمكة عودي كما كنت بإذن الله تعالى، ~~فعادت مشوية كما كانت. # فقالوا: يا روح الله كن أنت أول من يأكل منها ~~ثم نأكل نحن، فقال: معاذ الله أن آكل منها، ~~ولكن يأكل منها من سألها. # فخافوا أن يأكلوا منها، فدعا عيسى أهل الفاقة ~~والمرضى وأهل البرص والجذام والمقعدين ~~والمبتلين، فقال: كلوا من رزق ms0702 الله لكم المهنأ ~~ولغيركم البلاء، فأكلوا منها فصدر عنها ألف ~~وثلاثمائة من رجل وامراة وفقير وزمن وأبرص ~~ومبتلى كلهم شبعان يتجشأ. # ثم نظر عيسى إلى السمكة فإذا هي كهيأتها، ~~وطارت الملائكة بالمائدة صعدا وهم ينظرون ~~إليها حتى توارت عنهم، فلم يأكل يومئذ ~~منهم زمن إلا صح، ولا مريض إلا برئ، ولا ~~مبتلى إلا عوفي، ولا فقير إلا استغنى ولم يزل ~~غنيا حتى يموت، وندم من لم يأكل منها من ~~الحواريين. # وكانت إذا نزلت اجتمع الأغنياء والفقراء ~~والضعفاء والكبار والصغار والرجال والنساء، ~~يزدحمون عليها، فلما رأى ذلك عيسى جعلها نوبة ~~بينهم، فلبثت أربعين صباحا تنزل صبحا، فلا ~~تزال منصوبة يأكلون منها حتى إذا فاء الفيء ~~طارت صعدا وهم ينظرون، وكانت تنزل يوما ولا ~~تنزل يوما، يعني كانت تنزل غبا كناقة صالح ~~عليه السلام، فأوحى الله تعالى إلى عيسى عليه السلام: اجعل ~~مائدتي ورزقي للفقراء دون الأغنياء، فعظم ذلك ~~على الأغنياء حتى شكوا وشككوا الناس فيها، ~~وقالوا: ترون المائدة حقا نزلت من السماء؟! # فقال لهم عيسى عليه السلام: هلكتم بعذاب الله تعالى، ~~فأوحى الله إليه: أني شرطت على المكذبين شرطا ~~أن من كفر بعد نزولها عذبته عذابا لا أعذبه ~~أحدا من العالمين. فقال عيسى: إن تعذبهم ~~فإنهم عبادك، وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز ~~الحكيم. # فمسخ الله منهم ثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ~~رجلا، باتوا من ليلتهم على فرشهم مع نسائهم، ~~فأصبحوا في ديارهم خنازير يسعون في الطرقات ~~والكناسات، ويأكلون العذرة، فلما رأى الناس ~~ذلك فزعوا إلى عيسى عليه السلام، وبكى على الممسوخين ~~أهلوهم، فلما أبصرت الخنازير عيسى عليه السلام بكت ~~وجعلت تطيف بعيسى، وجعل عيسى يدعوهم بأسمائهم ~~واحدا واحدا، فيبكون ويشيرون برؤوسهم ولا ~~يقدرون على الكلام، فعاشوا ثلاثة أيام وهلكوا). ### || [5.116] # قوله عز وجل: { وإذ قال الله يعيسى ابن ~~مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين ~~من دون الله }؛ أول هذه الآية معطوف على قوله: # إذ قال الله يعيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك # [المائدة: 110] ويجوز أن يكون عائدا على ما تقدم من ms0703 قوله: # يوم يجمع الله الرسل # [المائدة: 109] كأنه قال: إذ يقول الله يوم القيامة، وفي آخر ~~السورة ما يدل على هذا، وهو قوله تعالى: # قال الله هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم # [المائدة: 119] وذكر اللفظ على صيغة الماضي؛ لتحقق أمره كأنه قد ~~وقع وشوهد، ونظيره # ونادى أصحاب الجنة # [الأعراف: 44] وقوله: # وقال الشيطان لما قضي الأمر # [إبراهيم: 22] أي سيقول. # وقال السدي وقطرب: (إن الله تعالى قال لعيسى عليه السلام ~~هذا القول حين رفعه)، واحتجا بقوله: # إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم # [المائدة: 118]، ولا خلاف أن الله لا يغفر لمشرك مات على ~~شركه، وإنما معنى الآية: وإن تغفر لهم بتوبتهم. # وقال أكثر المفسرين: إنما يقول الله تعالى هذه المقالة يوم ~~القيامة، بدليل ما ذكرنا من قوله: # يوم يجمع الله الرسل # [المائدة: 109]، # يوم ينفع الصادقين صدقهم # [المائدة: 119]، فإن قالوا (إذ) للماضي، قلنا قد تكون بمعنى (إذا) ~~كقوله: # ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت # [سبأ: 51] أي إذا فزعوا. # قوله تعالى: { أأنت قلت للناس } يعني أأنت قلت لهم ~~في الدنيا: { اتخذوني وأمي إلهين من دون الله ~~}؟ فإن قيل: ما وجه سؤال الله تعالى لعيسى مع علمه بأنه لم يقل؟ ~~قيل: ذلك توبيخ لقوم عيسى وتحذير لهم عن هذه المقالة. وقيل: ~~أراد الله بذلك أن يقر عيسى بالعبودية على نفسه، فيظهر منه ~~تكذيبهم بذلك، فيكون حجة عليهم. # قال أبو روق وميسرة: (إذ قال الله لعيسى عليه السلام: أأنت ~~قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله؟ ~~ارتعدت مفاصله، وانفجرت من كل شعرة من ~~جسده عين من الدم). # ثم يقول عيسى عليه السلام مجيبا الله عز وجل: { قال ~~سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق }؛ أي ~~تنزيها لك يا رب، ما ينبغي لي أن أدعي شيئا لست بجدير له، { إن ~~كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي }؛ عندي وما ~~في ضميري، وما كان مني في الدنيا، { ولا أعلم ما في ~~نفسك }؛ غيبك، { إنك أنت علام الغيوب }؛ لا يعلم ~~الغيب أحد غيرك. وقيل: معناه: تعلم ms0704 ما أريد، ولا أعلم ما ~~تريد، { إنك أنت علام الغيوب } أي ما كان وما يكون. # وأما ذكر النفس في قوله: { ولا أعلم ما في نفسك } ~~فعلى من أوجه الكلام: بأن الغيب من الله تعالى في حكم الضمير من ~~الآدميين، والنفس في كلام العرب على ضروب؛ تذكر ويراد بها ~~ذات الشيء، كما يقال: جاءني زيد نفسه؛ أي ذاته، وقتل فلان ~~نفسه، وأهلك فلان نفسه، ويراد بذلك الذات بكمالها. # وتذكر ويراد بها الروح، كما يقال: خرجت نفس فلان؛ أي روحه. ~~وتذكر ويراد بها ما في القلب، كما يقال: أضمر فلان ما في نفسه ~~كذا وكذا. # فإذا احتمل اللفظ هذه الوجوه كلها وجب حمل الآية على أصح ~~الوجوه؛ لقيام الدلالة على وجوب تنزيه صفات الله تعالى عما لا ~~يجوز. ولو كانت النفس لا تستعمل إلا في أمر كائن في غيره لوجب في ~~قوله تعالى: # يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها # [النحل: 111] أن يقال: إن النفس نفسا، فإذا بطل ذلك صح أن ~~المراد به الجملة والذات، كأنه قال: يوم يأتي كل أحد يجادل عن ~~نفسه، فكان المراد بقوله: { ولا أعلم ما في نفسك } جملة ~~الأمر، وحقيقية ما عند الله تعالى. # فإن قيل: ليس في النصارى من اتخذ مريم إلها فما معنى هذا ~~القول؟ قيل: إن لم يكن فيهم من يقول هذا القول اليوم، فلا بد ~~أن يكون فيهم من قال ذلك؛ لأن هذه الآية تدل على أنهم قد قالوا ~~ذلك، وتصديق لكتاب الله تعالى أوجب من التصديق لنقل ناقل. ### || [5.117] # قوله عز وجل: { ما قلت لهم إلا مآ أمرتني ~~به }؛ أي ما قلت لهم شيئا إلا القول الذي أمرتني به، { أن ~~اعبدوا الله ربي وربكم }؛ أو وحدوه وأطيعوه، { ~~وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما ~~توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم }؛ معناه: فلما ~~قبضتني إليك من بينهم، ورفعتني إلى السماء كنت أنت الحفيظ ~~عليهم، { وأنت على كل شيء شهيد }؛ من مقالتي ومقالتهم، ~~مطلع عالم مشاهد. # وذهب بعض المفسرين إلى أن معنى قوله: { فلما توفيتني ms0705 } ~~أمتني، وقالوا: إن عيسى ليس بحي في السماء. إلا أن القول ~~الأول أشهر، ويحتمل أن الله تعالى أماته، ثم أحياه ورفعه إلى ~~السماء. # وقال الحسن: (الوفاة في كتاب الله تعالى على ثلاثة ~~أوجه: وفاة الموت كقوله تعالى: # الله يتوفى الأنفس حين موتها # [الزمر: 42]، ووفاة النوم كقوله تعالى: # وهو الذي يتوفكم باليل ويعلم ما جرحتم ~~بالنهار # [الأنعام: 60] أي ينيمكم، ووفاة الرفع كقوله: # يعيسى إني متوفيك # [آل عمران: 55]. ### || [5.118] # قوله تعالى: { إن تعذبهم فإنهم عبادك }؛ قرأ ~~الحسن: (عبدك)، قيل: معناه التبعيض؛ أي إن تعذب الذين ~~أقاموا على الكفر فإنهم عبادك، { وإن تغفر لهم }؛ للذين ~~أسلموا وتابوا، { فإنك أنت العزيز الحكيم }؛ لأنه قال: # أأنت قلت للناس # [المائدة: 116]، وما قلت لهم، وفيهم المسلمون والمشركون، فقوله: { إن ~~تعذبهم } راجع إلى الكافرين، وقوله: { وإن تغفر لهم } ~~راجع إلى المؤمنين. # عن ابن عباس رضي الله عنهما في معنى هذه الآية: (وإن ~~تعذبهم على هذه المقالة التي أجزموها فإنهم ~~عبادك، وإن يتوبوا فتغفر لهم). قوله: { فإنك ~~أنت العزيز الحكيم } ، أي المنيع في مغفرتك لهم لا يمنعك ~~أحد مما تريد، الحكيم في أمرك. # فإن قيل: ظاهر الآية يقتضي سؤال المغفرة للكفار، والله لا ~~يغفر أن يشرك به، فما معنى هذا السؤال؟ قيل: يحتمل أنه لم يكن ~~في كتابه: إن الله لا يغفر أن يشرك به، ويحتمل أن يكون معناه: ~~إن تغفر لهم كذبهم الذي قالوا علي. # وقيل: إن عيسى علم أنه منهم من آمن، ومنهم من أقام على ~~الكفر، فكأنه قال: إن تعذب الكفار منهم فإنهم عبادك، وأنت ~~القادر عليهم، وإن تغفر لمن تاب منهم فذلك تفضل منك؛ لأنه كان ~~لك أن لا تفعل ذلك بهم بعد عظيم فريتهم عليك، وكان هذا القول من ~~عيسى عليه السلام على وجه الخضوع والانقياد والاستسلام على معنى ~~أنك أنت المالك والقادر على كل شيء، فلذلك قال: { فإنك ~~أنت العزيز الحكيم } ولو كان قال: فإنك أنت الغفور الرحيم، ~~لأوهم الدعاء بطلب المغفرة والرحمة. # وروي: أنه لما نزلت هذه الآية، # " أحيا رسول الله صلى ms0706 الله عليه وسلم ليلته بها، وكان ~~بها يقوم وبها يقعد وبها يسجد، ثم قال: " أمتي ~~أمتي يا رب " ، فنزل عليه جبريل فقال: إن الله ~~تعالى يقرؤك السلام ويقول لك: " إنا سنرضيك في ~~أمتك ولا نسوءك ". ### || [5.119] # قوله عز وجل: { قال الله هذا يوم ينفع ~~الصادقين صدقهم }؛ من قرأ (يوم) بالرفع فمعناه: قال ~~الله لعيسى عليه السلام هذا يوم ينفع النبيين صدقهم بتبليغ ~~الرسالة، والمؤمنين إيمانهم الذي هو صدق في الدنيا والآخرة، ولا ينفع ~~الكفار صدقهم في الآخرة. # ومن قرأ (يوم) بالنصب فعلى الظرف، على معنى: قال الله لعيسى هذا ~~القول الذي تقدم ذكره في يوم ينفع الصادقين صدقهم. وقال ~~الكلبي: (معنى الآية: قال الله: هذا يوم ينفع ~~المؤمنين إيمانهم)، وقيل: ينفع الصادقين في الدنيا ~~صدقهم وفي الآخرة. وقرأ الأعمش (هذا يوم) بالتنوين. # قوله تعالى: { لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار }؛ أي بساتين تجري من تحت شجرها وغرفها الأنهار، { ~~خالدين فيهآ أبدا }؛ أي إلى الأبد، { رضي الله عنهم ~~}؛ بإيمانهم وطاعتهم، { ورضوا عنه }؛ بإكرامهم في الجنة ~~النجاة الوافرة. وحقيقة الفوز نيل المراد. قوله عز وجل: { ~~ورضوا عنه } أي بما أكرمهم به من الثواب، { ذلك الفوز ~~العظيم } أي ذلك الثواب والخلود في الجنة النجاة الوافرة، ~~وحقيقة الفوز نيل المراد. ### || [5.120] # قوله عز وجل: { لله ملك السموت والأرض ~~وما فيهن }؛ أي لله خزائن السماوات والأرض، وما فيهن من ~~الخلق، يعطي من شاء ما شاء، ويغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء، ~~{ وهو على كل شيء قدير }؛ مما يريد بعباده من المغفرة ~~والعذاب قادر. # والغرض من هذه الآية نفي الربوبية عن عيسى عليه السلام، وبيان ~~أن الله تعالى هو المستحق للعبادة دون غيره، فإنه هو القادر على ~~كل شيء من الجزاء؛ ترغيبا في الطاعة؛ وتحذيرا عن المعصية. # وعن أبي بن كعب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " من قرأ سورة المائدة أعطي من الأجر بعدد كل ~~يهودي ونصراني يتنفس في الدنيا عشر حسنات، ~~ومحي عنه عشر سيئات، ورفع له عشر درجات " ### | [6 - سورة ms0707 الأنعام] ### || [6.1] # قوله تعالى: { الحمد لله الذي خلق السموت ~~والأرض }؛ قال كعب الأحبار: وأول مفتاح التوراة (الحمد لله الذي ~~خلق السماوات والأرض)، وخاتمتها خاتمة سورة هود # ولله غيب السموت والأرض # [هود: 124]. قال مقاتل: (قال المشركون للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: من ربك؟ قال: { الذي خلق السموت ~~والأرض } فكذبوه، فأنزل الله تعالى حامدا نفسه ~~دالا على توحيده: { الحمد لله الذي خلق ~~السموت والأرض } أي خلق السماوات بما فيها من الشمس ~~والقمر والنجوم، والأرض بما فيها من البر والبحر؛ والسهل والجبل؛ ~~والنبات والشجر، خلق السماوات وما فيها في يومين؛ يوم الأحد ويوم ~~الاثنين؛ وخلق الأرض وما فيها في يومين؛ يوم الثلاثاء ويوم الأربعاء. # قوله تعالى: { وجعل الظلمت والنور }؛ قال السدي: ~~(ظلمة الليل ونور النهار). وقال الواقدي: (كل ما في ~~القرآن من الظلمات والنور فهو الكفر والإيمان؛ ~~إلا في هذه الآية فإنه يريد به الليل ~~والنهار). قال قتادة: (يعني الجنة والنار). وقال ~~الحسن: (يعني الكفر والإيمان). # وقيل: خلق الليل والنهار لمصالح العباد؛ يستريحون بالليل ويبصرون ~~معايشهم بالنهار. وإنما جمع (الظلمات) ووحد (النور) لأن ~~النور يتعدى، والظلمة لا تتعدى. # وقال أهل المعاني: (جعل) ها هنا صلة؛ والعرب تزيد (جعل) في ~~الكلام كقول الشاعر: # وقد جعلت أرى الاتنين أربعة # والواحد اثنين لما هدني الكبر # وتقدير الآية: { الحمد لله الذي خلق السموت ~~والأرض } والظلمات والنور. وقيل: معناه: (خلق ~~السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور)؛ لأنه خلق ~~الظلمة والنور قبل السماوات والأرض. وقال قتادة: (خلق الله ~~السماوات قبل الأرض، والظلمة قبل النور، ~~والجنة قبل النار). # وقال وهب: (أول ما خلق الله مكانا مظلما، ثم خلق ~~جوهرة فأضاءت ذلك المكان، ثم نظر إلى ~~الجوهرة نظر الهيبة، فصارت ماء وارتفع ~~بخارها ونبذ زبدها، فخلق من البخار السماوات؛ ~~ومن الزبد الأرضين). # قوله عز وجل: { ثم الذين كفروا بربهم ~~يعدلون }؛ أي { ثم الذين كفروا } بعد هذا البيان { ~~بربهم يعدلون } الأوثان؛ أي يشركون. وقيل: معناه: { ~~يعدلون } أي يجعلون لله عديلا ويعبدون الحجارة والأموات؛ وهم ~~يقرون بأن الله خالق هذه الأشياء، فالأصنام لا تعقل ms0708 ~~شيئا من ذلك. ### || [6.2] # قوله تعالى: { هو الذي خلقكم من طين ثم قضى ~~أجلا }؛ معناه: خلقكم من آدم عليه السلام، فأخرج الخطاب له؛ ~~لأنهم ولده، قال السدي: (لما أراد الله خلق آدم، ~~بعث جبريل إلى الأرض ليأتيه بطائفة منها، ~~فاستعاذت الأرض بالله أن ينقص مني، فرجع ولم ~~يأخذ. فبعث ميكائيل؛ فاستعاذت، فبعث ملك ~~الموت؛ فاستعاذت بالله منه؛ فقال: وأنا أعوذ ~~بالله أن أخالف أمره، فأخذ من وجه الأرض، فخلط ~~السوداء والبيضاء والحمراء؛ فلذلك اختلفت ~~الألوان؛ ألوان بني آدم، ثم عجنها بالماء العذب ~~والملح والمسك؛ فلذلك اختلفت أخلاقهم، فقال ~~الله تعالى لملك الموت: رحم جبريل وميكائيل ~~الأرض ولم ترحمها؛ لا جرم أن أجعل أرواح من ~~أخلق من هذا الطين بيدك). # وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الله تعالى خلق آدم من تراب، وجعله طينا، ~~ثم تركه حتى كان حمأ مسنونا، ثم خلقه ~~وصوره، ثم تركه حتى إذا كان صلصالا كالفخار؛ ~~مر به إبليس لعنه الله، فقال: خلقت لأمر ~~عظيم. ثم نفخ الله فيه الروح ". # قوله تعالى: { ثم قضى أجلا } أي خلقكم من آدم ~~عليه السلام { ثم قضى أجلا } أي جعل لحياتكم وفاة تحيون ~~فيه وهو مدة كل واحد منا من يوم يولد إلى يوم يموت. ~~قوله تعالى: { وأجل مسمى عنده }؛ أي مدة انقضاء ~~الدنيا إلى أن تقوم الساعة؛ ولا يعلم وقت قيامها إلا الله. ~~وقال مجاهد وابن جبير: { ثم قضى أجلا } يعني أجل ~~الدنيا { وأجل مسمى عنده } وهو الآخرة. قوله ~~تعالى: { ثم أنتم تمترون } أي ثم أنتم بعد هذا البيان ~~تشكون في موضع ليس هو موضع الشك. والمرية هي الشك ~~المجلب بالشبهة؛ أصلها من: مريت الناقة إذا مسحت ~~ضرعها لينز لبنها، ويجلبه للحلب. ### || [6.3] # قوله عز وجل: { وهو الله في السموت وفي ~~الأرض يعلم سركم وجهركم }؛ معناه: هو الله المعبود ~~المنفرد بالتدبير في السماوات والأرض، العالم بما يصلحهما وبما ~~يعمل فيهما. يعلم جهركم وسر أعمالكم وعلانية أموركم، { ويعلم ~~ما تكسبون }؛ أي ما تعملون من خير ms0709 وشر. وعن جابر بن عبدالله ~~رضي الله عنهما؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من قرأ من أول سورة الأنعام ثلاث آيات إلى ~~قوله: { ويعلم ما تكسبون } وكل الله به ~~أربعين ملكا يكتبون له مثل عبادتهم إلى يوم ~~القيامة، وينزل ملك من السماء السابعة معه ~~مرزبة من حديد، فإذا أراد الشيطان أن يوسوس ~~له؛ ضربه بها ضربة كان بينه وبينه سبعون ~~حجابا، فإذا كان يوم القيامة يقول الله تعالى: ~~امش في ظلي؛ وكل من ثمار جنتي؛ واشرب من ماء ~~الكوثر؛ واغتسل من ماء السلسبيل؛ وأنت عبدي ~~وأنا ربك ". ### || [6.4] # قوله عز وجل: { وما تأتيهم من آية من آيت ~~ربهم إلا كانوا عنها معرضين }؛ أي ما تأتي كفار ~~مكة من دلائل التوحيد والنبوة؛ مثل كسوف الشمس والاستسقاء، ~~وكسوف القمر والدخان؛ إلا كانوا عن هذه الآيات والعلامات معرضين ~~مكذبين تاركين لها. ### || [6.5] # قوله تعالى: { فقد كذبوا بالحق لما جآءهم ~~فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزءون }؛ أي ~~فقد كذب أهل مكة بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن؛ وبما ~~رأوه من انفلاق القمر بمكة، كما روي عن ابن مسعود (أن القمر ~~انفلق فلقتين حتى رأوا اجرابي فلقتي القمر، ~~ثم ذهبت فلقة وبقيت فلقة). # وقوله تعالى: { فسوف يأتيهم أنباء ما كانوا ~~به يستهزءون } هذا وعيد لهم؛ أي سيعلمون ما يؤول إليه ~~عاقبة استهزائهم بالرسل والكتب والآيات التي كانت تأتيهم، ~~فقتلهم الله يوم بدر بالسيف، ويأتيهم خبر استهزائهم حين ~~يرون العذاب معاينة. والنبأ عبارة عن خبر الذي له عظم ~~وشأن. ### || [6.6] # قوله عز وجل: { ألم يروا كم أهلكنا من ~~قبلهم من قرن }؛ أي ألم يعلم أهل مكة كم أهلكنا من قبلهم ~~من قرن بكفرهم، مثل قوم نوح وعاد وثمود, { مكنهم في ~~الأرض ما لم نمكن لكم }؛ وأمهلناهم في العمر والولد ~~ورفع الموانع ما لم نمهل لكم، { وأرسلنا السمآء ~~عليهم مدرارا }؛ أي فأنزلنا عليهم المطر دارا دائما يتبع ~~بعضه بعضا، { وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم }؛ " أي ~~من تحت " أشجارهم وبساتينهم، فلم يشكروا وعصوا ربهم ms0710 وكذبوا ~~رسلهم، { فأهلكنهم بذنوبهم }؛ بكفرهم وتكذيبهم، { ~~وأنشأنا من بعدهم }؛ أي من بعد هلاكهم، { قرنا }؛ ~~قوما، { آخرين }؛ فسكنوا ديارهم، ثم بعثت إليهم الرسل، ~~فمن لم يأخذ بملة الرسل ومنهاجهم أهلكهم الله. # والقرن - في قول أكثر المفسرين -: أهل عصر واحد، سموا ~~قرنا؛ لاقترانهم في قرن واحد. ويقال: أهل كل عصر فيهم نبي ~~أو عالم، لاقترانهم بالنبوة والعلم، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم " # وأراد بالقرن، الأول: الصحابة، وبالثاني: التابعين، وبالثالث: ~~تابعي التابعين. واختلفوا في مدة القرن؛ قال بعضهم: ثمانون ~~سنة، وقيل: مائة سنة، وبين القرنين ثماني عشرة سنة. ### || [6.7] # قوله عز وجل: { ولو نزلنا عليك كتبا في ~~قرطاس فلمسوه بأيديهم }؛ قال ابن عباس: (نزلت هذه ~~الآية في عبدالله بن أبي أمية المخزومي؛ قال: ~~يا محمد؛ لن نؤمن لك حتى تأتينا بكتاب من ~~عند الله ومعه أربعة من الملائكة يشهدون ~~أنه من عند الله وأنك رسوله). وقال مقاتل والكلبي: ~~(نزلت في النضر بن الحارث، وعبدالله ابن أبي ~~أمية، ونوفل بن خويلد؛ قالوا للنبي صلى لله ~~عليه وسلم: لن نؤمن لك حتى تاتينا بكتاب من عند ~~الله، ومعه أربعة من الملائكة يشهدون أنه من ~~عند الله وأنك رسوله، فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية). # ومعناها: { ولو نزلنا عليك كتبا في } صحيفة ~~وعلقناه بين السماء والأرض ينظرون إليه ويعاينونه ويلمسونه ~~بأيديهم، { لقال الذين كفروا }؛ كفار مكة بعد معاينة ~~ذلك: { إن هذآ }؛ ما هذا؛ { إلا سحر مبين }؛ أي كما ~~قالوا في انشقاق القمر: # سحر مستمر # [القمر: 2] وفي الآية بيان أنهم كانوا معاينين مصرين على التكذيب. ### || [6.8] # قوله عز وجل: { وقالوا لولا أنزل عليه ملك ~~ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون }؛ ~~أي قالوا: لولا نزل على محمد ملك نشاهده ونعاينه يخبرنا ~~بأنه نبي، يقول تعالى: { ولو أنزلنا ملكا } كما سألوه ~~فكذبوا لعذبناهم بعذاب الاستئصال { ثم لا ينظرون } أي لا ~~يؤجلون ولا يمهلون بعد نزول الآية المقترحة، نحو ما ذكر الله ~~تعالى في قصة قوم صالح وغيرهم. قال الضحاك: (معناه: لو ms0711 ~~أتاهم ملك في صورته لماتوا). ### || [6.9] # قوله عز وجل: { ولو جعلنه ملكا لجعلنه ~~رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون }؛ أي لو أرسلنا ~~إليهم رسولا من الملائكة لأرسلناه في صورة الإنسان؛ لأنهم لا ~~يستطيعون النظر إلى الملائكة؛ لأن ذلك يؤدي إلى هلاكهم؛ وليكون ~~الشكل إلى الشكل أميل، وبه الذهن إلى الفهم عنه أقرب، وإلى القبول ~~منه أسرع، ولو نظرنا إلى الملك على هيبته لصعقنا. # وقد كانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة الإنسان؛ من ذلك أن ~~جبريل عليه السلام كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة دحية ~~الكلبي، وجاءت الملائكة إلى إبراهيم عليه السلام في صورة ~~الضيفين، وجاءت الملائكة إلى داود عليه السلام في صورة رجلين ~~يختصمان إليه، وذلك قوله تعالى: { ولو جعلنه ملكا ~~لجعلنه رجلا } أي لو أنزلنا إليهم ملكا لجعلنا ذلك في ~~صورة الرجل أيضا. # قوله تعالى: { وللبسنا عليهم ما يلبسون } أي ~~اختلطنا وشبهنا عليهم ما يخلطون على أنفسهم حتى شكوا؛ ~~فلا يدرون أملك هو أم رجل؟ وهذا لأنهم أنكروا نبوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم بعدما عرفوه بالصدق والأمانة، ثم لبسوا على ~~أنفسهم وعلى ضعفتهم؛ فقالوا: إنما هو بشر، فلو نزل الملك ~~على صورة رجل للبسوا على أنفسهم أيضا فلم يقبلوا منه وقالوا: ~~إنه في مثل صورتنا! ### || [6.10] # قوله عز وجل: { ولقد استهزىء برسل من ~~قبلك }؛ أي استهزأت الأمم الماضية بأنبيائهم كما استهزأ ~~بك يا محمد قومك، { فحاق بالذين سخروا منهم ما ~~كانوا به يستهزءون }؛ أي نزل بهم وحل بالمستهزئين من ~~الكفار عقوبة استهزائهم بالكتاب والرسول عليه الصلاة ~~والسلام. # وقال الضحاك: (كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسا في ~~المسجد الحرام مع جماعة من المستضعفين: بلال ~~وصهيب وعمار وغيرهم، فمر بهم أبو جهل في ~~ملإ من قريش؛ فقال: تزعم يا محمد أن هؤلاء ~~ملوك الجنة. فأنزل الله تعالى هذه الآية ليثبت ~~فؤاده ويصبر على أذى المشركين). أي إن سخر أهل ~~مكة من أصحابك، فقد فعل ذلك الجهلة برسلهم قبلك. # والحيق في اللغة: ما اشتمل على الإنسان من ~~مكروه ms0712 فعله، ومنه قوله تعالى: # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # [فاطر: 43]. وأما الاستهزاء فهو إيهام التفخيم بمعنى ~~التحقير. ### || [6.11] # قوله تعالى: { قل سيروا في الأرض ثم انظروا ~~كيف كان عقبة المكذبين }؛ أي قل لهم يا محمد ~~سافروا في الأرض، ثم انظروا بأبصاركم وتأملوا بقلوبكم كيف صار ~~إجرام المكذبين بالرسل والكتب مثل عاد وثمود وغيرهم، ~~الذين عذبهم الله تعالى بعذاب الاستئصال، وكانت آثار ديارهم باقية ~~قريبة من مكة. وقال الحسن: (معنى { سيروا في الأرض } أي ~~اقرأوا القرآن وتفكروا فيه، فإن من قرأ ~~القرآن وتفكر فيه فكأنه سار في الأرض). ### || [6.12] # قوله عز وجل: { قل لمن ما في السموت ~~والأرض قل لله كتب على نفسه الرحمة }؛ أي قل يا ~~محمد لكفار مكة: لمن ملك ما في السماوات والأرض، فإن ~~أجابوك وقالوا: لله، وإلا فقل لهم " لله " إذ هم يعلمون ~~ويقرون أن الأصنام لا تملك خلق شيء، وإنما الله يملك ~~ذلك. # وقوله تعالى: { كتب على نفسه الرحمة } أي أوجب ~~على نفسه الرحمة فضلا وكرما. أو قيل: معناه: أوجب على نفسه ~~الثواب لمن أطاعه؛ وقيل: أوجب على نفسه الرحمة بإمهال من ~~عصاه؛ ليستدرك ذلك بالتوبة ولم يعاجله بالعقوبة، وهذا استعطاف ~~من الله عز وجل للمتولين عنه إلى الإقبال، وإخبار بأنه ~~رحيم بعباده لا يعجل عليهم بالعقوبة، ويقبل منهم الإنابة ~~والتوبة. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لما خلق الله تعالى الخلق؛ كتب فوق العرش: ~~إن رحمتي سبقت غضبي ". # وقال عمر رضي الله عنه لكعب الأحبار: (ما أول شيء ابتدأ ~~الله به؟ فقال كعب: كتب الله كتابا لم يكتبه ~~بقلم ولا مداد؛ كتابه الزبرجد واللؤلؤ ~~والياقوت: إني أنا الله لا إله إلا أنا، سبقت ~~رحمتي غضبي). # وفي الخبر: أن لله تعالى مائة رحمة كلها ملىء السماوات ~~والأرض، فأهبط الله تعالى منها رحمة واحدة لأهل الدنيا، فهم بها ~~يتراحمون؛ وبها يتعاطفون؛ وبها يتراحم الإنس والجن وطير السماء ~~وحيتان الماء؛ وما بين الهواء ودواب الأرض وهوامها، وأخر تسعا ~~وتسعين ms0713 رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة. # قوله تعالى: { ليجمعنكم إلى يوم القيمة لا ~~ريب فيه }؛ بدل من الرحمة وتفسير لها، فكأنه قال: ~~ليجمعن بين المؤمنين والكفار، بين المؤمن والكافر في الرزق ~~والنعمة والدولة إلى يوم القيامة، لا شك فيه عند المؤمنين ~~أنه حق كائن، ثم تكون العاقبة بدل البعث للمؤمنين. # قوله تعالى: { الذين خسروا أنفسهم }؛ ابتدأ ~~كلامه؛ وجوابه { فهم لا يؤمنون }؛ لأن { الذين } في ~~موضع شرط؛ وتقدير الآية: الذين غبنوا أنفسهم وأهليهم ومنازلهم ~~وخدمهم في الجنة في سابق علم الله لا يؤمنون؛ أي لا ~~يصدقون بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. # وذهب بعضهم إلى أن قوله تعالى: { ليجمعنكم } كلام مبتدأ ~~على وجه القسم، و { الذين } بدل من الكاف والميم في { ~~ليجمعنكم } ، كأنه قال: ليجمعن هؤلاء المشركين { ~~الذين خسروا أنفسهم } إلى هذا اليوم الذي يجحدونه ~~ويكفرونه. ويحتمل أن يكون قوله: { الذين خسروا ~~أنفسهم } راجعا إلى المكذبين، كأنه قال: عاقبة المكذبين { ~~الذين خسروا أنفسهم }. ### || [6.13] # قوله عز وجل: { وله ما سكن في الليل ~~والنهار وهو السميع العليم } قال ابن عباس: (وذلك ~~أن كفار مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: يا محمد؛ قد علمنا ما يحملك على ما ~~تدعونا إليه إلا الحاجة، فنحن نجعل لك من ~~أموالنا حتى تكون أغنانا رجلا، وترجع عما أنت ~~عليه. فأنزل الله تعالى هذه الآية). # ومعناه: ولله ملك ما استقر { في الليل والنهار } من ~~الخلائق كلهم، وهذا اللفظ يشتمل على جميع المخلوقات؛ لأن من ~~الحيوانات ما يتصرف بالنهار ويسكن بالليل، ومنها ما يتصرف بالليل ~~ويسكن بالنهار. وقال محمد بن جرير: (كل ما طلعت عليه ~~الشمس وغربت فهو من ساكن الليل والنهار، ~~والمراد: جميع ما في الأرض؛ لأنه لا شيء من خلق ~~الله تعالى إلا وهو ساكن في الليل والنهار). # وقال أهل المعاني: في الآية إضمار تقديره: وله ما سكن ~~وتحرك في الليل والنهار. فإن قيل: فلم قال: { وله ما ~~سكن } ولم يقل: وله ما تحرك؟ قيل: لأن الساكن في ~~الأشياء أعم؛ لأنه ما من متحرك ms0714 إلا وسكن؛ وفي الأشياء ~~الساكنة ما لا يتحرك البتة. قوله تعالى: { وهو السميع ~~العليم } معناه: السميع لمقالة الكفار، العليم بهم ~~وبعقوبتهم. ويقال: هو السميع للأصوات والأقوال، العليم بالأشياء ~~والأرزاق. ### || [6.14] # وقوله عز وجل: { قل أغير الله أتخذ وليا ~~فاطر السموت والأرض }؛ أي قل لهم يا محمد: أسوى ~~الله أعبد ربا وأتخذ ناصرا، وقوله تعالى: { فاطر ~~السموت والأرض } أي خالقهما ومبدعهما، قال ابن ~~عباس: (ما كنت أدري ما { فاطر السموت والأرض } ~~حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال ~~أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها، أي ابتدأتها، يعني ~~ابتدأت حفرها). # قوله تعالى: { وهو يطعم ولا يطعم }؛ أي يرزق ولا ~~يرزق ولا يعاون على الرزق. وقرأ الأعمش: (ولا يطعم) بفتح ~~الياء؛ أي يرزق ولا يأكل؛ أي لا يجوز عليه الحاجة. قوله ~~تعالى: { فاطر السموت } انخفض لأنه نعت لا اسم لله ~~تعالى، ويجوز نصبه على معنى: أعني فاطر السماوات، ويجوز رفعه ~~على إضمار (هو). # قوله تعالى: { قل إني أمرت أن أكون أول من ~~أسلم }؛ أي قل لهم يا محمد: إني أمرت أن أكون أول ~~من أخلص لله بالتوحيد والعبادة من أهل هذا الزمان. # قوله تعالى: { ولا تكونن من المشركين }؛ لا يجوز ~~أن يكون عطفا على قوله: { قل إني أمرت أن أكون أول ~~من أسلم } لأنه غير مأمور بأن يقول: { ولا تكونن من ~~المشركين } وإنما هو نهي معطوف على أمر من حيث المعنى دون ~~اللفظ؛ لأن معنى الآية: قيل لي كذا: أول من أسلم ولا ~~تكونن من المشركين. ### || [6.15] # قوله عز وجل: { قل إني أخاف إن عصيت ربي ~~عذاب يوم عظيم } أي قل يا محمد: إني أعلم أني إن ~~عصيت ربي وعبدت غيره، أن ينزل بي عذاب يوم عظيم ~~شأنه وهو يوم القيامة. ### || [6.16] # قوله تعالى: { من يصرف عنه يومئذ فقد رحمه ~~}؛ أي من يصرف الله عنه العذاب العظيم يوم القيامة فقد ~~رحمه، { وذلك الفوز المبين }؛ أي النجاة الوافرة ~~الظاهرة. قرأ أهل الكوفة إلا حفصا: (من تصرف) بفتح التاء ~~وكسر الراء؛ وتفسيره ما ذكرناه. وقرأ الباقون (يصرف) ms0715 على ما لم ~~يسم فاعله؛ أي من يصرف عنه العذاب بأمر الله؛ فقد سبقت رحمة ~~الله له بإيجاب الثواب. ### || [6.17] # قوله تعالى: { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف ~~له إلا هو }؛ إن يصبك الله بفقر أو مرض أو بلاء، فلا ~~يقدر أحد من الأصنام وغيرها على كشف ذلك الضر إلا الله، ~~وإنما أطلق هذا اللفظ وإن كان يتصور أن يكشف الإنسان عن صاحبه ~~كربة من الكرب؛ لأن كاشف الضر في الحقيقة هو الله تعالى، ~~إما أن يكشفه بفضله أو نسبة له. # قوله تعالى: { وإن يمسسك بخير }؛ أي بفضل وسعة ~~في الرزق وصحة في الجسم، فلا مزيل لها إلا هو. إلا أنه لم ~~يقل: فلا مزيل لها إلا هو؛ لأنه لما أكد هذا في الضر ~~دل على هذا في الخير فاستغنى عن إعادته. وإنما قال { يمسسك } ~~مع أن كون المس المعين من صفة الأجسام؛ لأن المعنى يمسسك ~~الله تعالى الضرر. قوله تعالى: { فهو على كل شيء ~~قدير }؛ أي لا يقدر أحد أن يمنعه عن فعل ما أراد فعله من ~~كشف ضر أو غيره. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: # " أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم وراءه وهو ~~راكب على بغلة، فلما سار بي مليا التفت إلي ~~وقال لي: " يا غلام ". قلت: لبيك يا رسول الله، ~~قال: " احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، ~~تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإذا ~~سألت فسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله، وقد ~~مضى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة، فلو ~~جهد الخلائق أن ينفعوك بما لم يقض الله لك؛ ما ~~قدروا على ذلك، ولو جهدوا أن يضروك بما لم ~~يكتب الله عليك؛ لما قدروا عليه. واعلم: أن ~~النصر مع الصبر، وأن مع الكرب الفرج، وأن مع ~~العسر يسرا " ". ### || [6.18] # قوله عز وجل: { وهو القاهر فوق عباده }؛ أي هو ~~الغالب على أمر عباده. والقهر: هو الاستعلاء بالاقتدار ~~على الغلبة. وأراد بقوله: { فوق } أنهم تحت التسخير ~~والتذليل عما علاهم من الاقتدار عليهم، ms0716 لا ينهاك أحد منهم. قوله: ~~{ وهو الحكيم الخبير }؛ أي المحكم لصنعه؛ الخبير ~~بأعمال الخلق. ### || [6.19] # قوله تعالى: { قل أي شيء أكبر شهدة قل الله ~~شهيد بيني وبينكم }؛ قال ابن عباس: (وذلك أن ~~رؤساء مكة أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فقالوا: ~~يا محمد؛ أما وجد الله رسولا يرسله غيرك؟! ما ~~نرى أحدا يصدقك بما تقول؛ ولقد سألنا عنك ~~اليهود والنصارى؛ فزعموا أنه ليس لك عندهم ~~ذكر ولا صفة ولا نعت، فأرنا من شهد أنك رسول ~~الله كما تزعم. فأنزل الله هذه الآية). # ومعناها: قل لهم يا محمد: أي أحد أعظم وأعدل برهانا ~~وحجة؟ فإن أجابوك وقالوا: الله، وإلا فقل: الله أكبر ~~شهادة من خلقه، وهو شهيد بيني وبينكم، بأني رسول ~~الله، وأن هذا القرآن كلامه. والشاهد هو المبين للدعوى، وقد ~~بين الله تعالى دعوى رسوله بالبراهين والمعجزات والآيات ~~الدالة على توحيد الله ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { وأوحي إلي هذا القرآن ~~لأنذركم به ومن بلغ }؛ معناه: أنزل إلي هذا ~~القرآن لأخوفكم به بما فيه من الدلائل؛ وأخبار الأمم ~~السالفة؛ والإنباء بما يكون؛ والتأليف الذي عجز عنه العرب. ~~قوله تعالى: { ومن بلغ } أي وأنذر من بلغه ~~القرآن سواكم من العجم، وغيرهم من الجن والإنس إلى أن تقوم ~~الساعة؛ لأنه ليس من بعد القرآن كتاب، ولا من بعد محمد ~~رسول. # قوله تعالى: { أئنكم لتشهدون أن مع الله ~~ءالهة أخرى قل لا أشهد }؛ استفهام بمعنى الإنكار؛ أي ~~إن كنتم تشهدون بإثبات شريك لله؛ فأنا لا أشهد بما تشهدون به. ~~وإنما قال: (أخرى) ولم يقل أخر؛ لأن الجمع تذكر بلفظ ~~وحدان التأنيث، كما قال تعالى: # قالت الأعراب # [الحجرات: 14] ومثله كثير. # قوله تعالى: { قل إنما هو إله واحد }؛ لا شريك ~~له ولا ولد، { وإنني بريء مما تشركون }؛ به من ~~الأصنام والأوثان. ### || [6.20] # قوله عز وجل: { الذين آتيناهم الكتاب ~~يعرفونه كما يعرفون أبنآءهم }؛ أي الذين أعطيناهم ~~التوراة والإنجيل يعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم بما يجدونه ~~مكتوبا عندهم من صفته ونعته، كما ms0717 يعرفون أبناءهم ~~إذا رأوهم بين الغلمان. كما روي في الخبر: (أن عمر رضي الله ~~عنه قال لعبدالله بن سلام: يا أبا حمزة؛ أتعرف ~~محمدا صلى الله عليه وسلم كما تعرف ابنك؟ قال: يا ~~عمر؛ إن معرفتي به أشد من معرفتي بابني؛ لأن ~~أمين السماء - يعني جبريل قد جاء بنعته إلى ~~أمين الأرض وهو موسى عليه السلام. فقال عمر: وكيف ~~ذلك؟ قال: أشهد أنه رسول الله حق من الله تعالى، ~~وقد نعته الله تعالى في كتابنا فعرفته، وأما ~~ابني فلا أدري ما أحدث النساء بعدي. فقال عمر رضي ~~الله عنه: وفقك الله يا ابن سلام). # قوله تعالى: { الذين خسروا أنفسهم فهم لا ~~يؤمنون }؛ ابتداء كلام معناه: والذين غبنوا أنفسهم ~~بذهاب الدنيا والآخرة عنهم، وهم المعاندون الذين يعرفون ويجحدون ~~من رؤساء اليهود والنصارى، فهم لا يقرون بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم والقرآن. ### || [6.21] # قوله عز وجل: { ومن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا أو كذب بآيته }؛ معناه: أي أحد أظلم ~~في فاحشة أتاها ممن اختلق على الله كذبا بإضافته إلى الله ما ~~لم يضفه إلى نفسه من صفة أو أمر وقول، وهم الذين إذا فعلوا ~~فاحشة قالوا: وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا ~~بها؛ قل: إن الله لا يامر بالفحشاء. قوله تعالى: { ~~أو كذب بآيته } أي بدلائله؛ { إنه لا يفلح ~~الظلمون }؛ أي لا يؤمن من عذاب الله ولا يصل إلى مراده؛ ~~وبغيته القوم الكافرون. ### || [6.22] # قوله تعالى: { ويوم نحشرهم جميعا }؛ أي واذكروا ~~يوم نبعث الكفار وآلهتهم جميعا للحساب والجزاء. وقال ~~بعضهم: الواو عاطفة على قوله: # لا يفلح الظلمون # [الأنعام: 21] كأنه قال: لا يفلحون في الدنيا ويوم ~~نحشرهم. والحشر: جمع الناس إلى موضع معلوم. # قوله تعالى: { ثم نقول للذين أشركوا }؛ معناه: ~~ثم نقول للذين أشركوا بالله غيره: { أين ~~شركآؤكم }؛ آلهتكم: { الذين كنتم }؛ التي كنتم ~~تعبدون من دون الله؛ و؛ { تزعمون } ، أنهم شركاء الله ~~وشفعاؤكم. ### || [6.23] # قوله تعالى: { ثم لم تكن فتنتهم إلا أن ~~قالوا والله ربنا ما كنا مشركين }؛ أي ثم لم تكن ~~معذرتهم ms0718 يوم القيامة إلا مقالتهم: { والله ربنا ما كنا ~~مشركين } في دار الدنيا. وإنما سميت المعذرة فتنة؛ لأنها ~~عين الفتنة. # ومن قرأ (فتنتهم) بالنصب فعلى خبر (لم تكن) واسمها (أن ~~قالوا). ومن قرأ (ربنا) بالنصب فمعناه النداء. وقراءة حفص على ~~البدل، ويجوز الرفع على إضمار (هو). وقيل: المراد بالفتنة محبتهم ~~للأوثان التي كانوا مفتتنين بها في الدنيا، فأعلم الله تعالى ~~أنه لم يكن افتتانهم بشركهم وإقامتهم عليه، إلا أن تبرأوا منه ~~وانتهوا عنه، فحلفوا أنهم ما كانوا مشركين. ### || [6.24] # قوله تعالى: { انظر كيف كذبوا على أنفسهم }؛ أي ~~انظر يا محمد كيف صار وبال الكذب عليهم؟ { وضل عنهم }؛ ~~أي عزب عنهم افتراؤهم بما لحقهم من الذهول والدهش، قال ~~الضحاك: (وذلك حين نطقت الجوارح، وشهدت عليهم ~~أيديهم وأرجلهم بعد حلفهم # والله ربنا ما كنا مشركين # [الأنعام: 23] يقول الله تعالى: { انظر كيف كذبوا على ~~أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون }. ### || [6.25] # قوله تعالى: { ومنهم من يستمع إليك وجعلنا ~~على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ءاذانهم ~~وقرا }؛ قال ابن عباس: (وذلك أن أبا سفيان والوليد ~~بن المغيرة وعتبة وشيبة والنضر بن الحارث ~~وأبي بن خلف وجماعة من أهل مكة؛ كانوا ~~يسمعون إلى حديث النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا ~~للنضر: ما يقول محمد؟ قال: لا أدري ما يقول؟ ~~إلا أني أراه محركا شفتيه ويتكلم بشيء ولا ~~يقول إلا أساطير الأولين مثل ما كنت ~~أحدثكم عن القرون الماضية. وكان النضر كثير ~~الحديث عن القرون الأولين وأخبارهم، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية). # ومعناها: ومن أهل مكة من يستمع إلى حديثك وقراءتك، وجعلنا ~~على قلوبهم أغطية كراهة أن يفقهوه؛ وفي آذانهم ~~ثقلا وصمما، فلا يسمعون الهدى. وموضع { أن يفقهوه } ~~نصب على أنه مفعول له؛ أي جعلنا على قلوبهم أكنة ~~لكراهة أن يفقهوه. والوقر بفتح الواو: الثقل في ~~الأذن، والوقر بكسر الواو: ما يحمل على الظهر. # قوله تعالى: { وإن يروا كل ءاية لا يؤمنوا ~~بها }؛ أي وإن يروا كل حجة ودلالة لا يقروا ولا يصدقوا ~~بها. # قوله تعالى: { حتى ms0719 إذا جآءوك يجدلونك }؛ أي ~~يخاصمونك بالباطل؛ { يقول الذين كفروا إن هذآ ~~إلا أسطير الأولين }؛ أي يقول النضر بن الحارث ~~وأصحابه: ما هذا إلا أحاديث الأولين وأباطيلهم. ### || [6.26] # قوله عز وجل: { وهم ينهون عنه وينأون ~~عنه }؛ قال مقاتل: نزلت في أبي طالب، كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى الإسلام، فاجتمعت قريش ~~إلى أبي طالب يريدون سوءا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال أبو طالب: # والله لن يصلوا إليك بجمعهم # حتى أوسد في التراب دفينا # فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة # وأبشر بذاك وقر منك عيونا # ودعوتني وزعمت أنك ناصحي # فلقد صدقت وكنت ثم أمينا # وعرضت دينا لا محالة أنه # من خير أديان البرية دينا # لولا الملامة أو حذار مسبة # لوجدتني سمحا بذاك يقينا # فأنزل الله تعالى: { وهم ينهون عنه } وينهون الناس ~~عن أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم { وينأون عنه } أي ~~يتباعدون عما جاء به من الهدى، فلا يصدقونه. # وقال السدي والضحاك: (نزلت الآية في جميع كفار ~~مكة) يعني وهم ينهون الناس عن اتباع محمد صلى الله ~~عليه وسلم والإيمان؛ ويبعدون أنفسهم عنه. { وإن يهلكون ~~}؛ بذلك، { إلا أنفسهم وما يشعرون }؛ وما يعلمون أنهم ~~يهلكون أنفسهم. ### || [6.27] # قوله عز وجل: { ولو ترى إذ وقفوا على النار ~~فقالوا يليتنا نرد ولا نكذب بآيت ربنا }؛ أي ~~ولو ترى يا محمد كفار قريش إذ حبسوا على النار؛ إذ ~~عاينوها ودخلوها وعرفوا عذابها؛ فقالوا يا ليتنا نرد ولا ~~نكذب بآيات ربنا؛ تمنوا الرجعة إلى الدنيا. # وقرأ ابن السميقع: (وقفوا) فبفتح الواو والقاف من الوقوف. ~~والقراءة الأولى من الوقف، وجواب (لا) محذوف وتقديره: ولو ~~تراهم في تلك الحالة لرأيت عجبا، وقيل: لعلمت ماذا ~~ينزل بهم من الخزي والندامة، ورأيت حسرة يا لها من حسرة. # قوله تعالى: { ولا نكذب بآيت ربنا } { ونكون ~~من المؤمنين }؛ قرأ حمزة ويعقوب وحفص: (ولا نكذب) ~~(ونكون) بالنصب على جواب التمني، والعرب تنصب جواب التمني ~~بالواو كما تنصبه بالفاء، كما قالوا: يا ليتك تصير إلينا ونكرمك، ~~أو فنكرمك فكلاهما بالنصب. # وقرأ ms0720 ابن عامر (ولا نكذب) بالرفع (ونكون) بالنصب؛ لأنهم ~~تمنوا الرد وأن يكونوا مؤمنين وأخبروا أنهم لا يكذبون بآيات ~~ربهم وإن ردوا إلى الدنيا. ومعناه: يا ليتنا نرد، ويا ليتنا لا ~~نكذب، كأنهم تمنوا الرد والتوفيق بالتصديق. ويجوز أن يكون ~~ذلك رفعا على معنى: ونحن لا نكذب بآيات ربنا، رددنا أو لم ~~نرد. ### || [6.28] # قوله عز وجل: { بل بدا لهم ما كانوا يخفون ~~من قبل }؛ أي بل ظهر للذين يتبعون الغواة ما كان الغواة ~~يخفون عنه من أمر البعث والنشور، وما كان رؤساؤهم يخفون من ~~سفلتهم. # وقوله تعالى: { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ~~}؛ أي لو ردوا إلى الدنيا كما سألوا لعادوا لما نهوا عنه من ~~الكفر والشرك. قوله تعالى: { وإنهم لكاذبون }؛ يعني ~~وإنهم لكاذبون في قولهم: # ولا نكذب بآيت ربنا ونكون من المؤمنين # [الأنعام: 27] لأنهم لا يؤمنون لسابق علم الله تعالى فيهم أنهم ~~خلقوا للنار. ### || [6.29] # قوله تعالى: { وقالوا إن هي إلا حياتنا ~~الدنيا }؛ أي قال كفار مكة: ما حياتنا إلا كحياة الدنيا، ~~{ وما نحن بمبعوثين }؛ بعد الموت. ### || [6.30] # قوله تعالى: { ولو ترى إذ وقفوا على ربهم }؛ ~~أي لو ترى يا محمد إذ حبسوا عند ربهم للسؤال والحساب. ويقال: ~~عرفوا ما وعدهم ربهم من البعث والقيامة والجنة والنار. { ~~قال }؛ يقول الله تعالى لهم: { أليس هذا }؛ البعث والعذاب، ~~{ بالحق }؛ أي بالصدق، { قالوا بلى وربنا }؛ إنه ~~لحق؛ أي لصدق، { قال }؛ يقول الله تعالى: { فذوقوا ~~العذاب بما كنتم تكفرون } في الدنيا. # وإنما ذكر الذوق بمعنى الخلود؛ ليبين أن حالهم في كل ~~وقت كحال من يعذب بالعذاب المبتدأ. ومعنى { وقفوا على ~~ربهم } أي على حكم ربهم وقضائه، فتقول لهم الملائكة بأمر ~~الله تعالى: أليس هذا العذاب بالحق، قالوا بلى وربنا إنه ~~حق. ### || [6.31] # قوله تعالى: { قد خسر الذين كذبوا بلقآء ~~الله }؛ أي قد غبن الذين كذبوا بالبعث بعد الموت، { حتى ~~إذا جآءتهم الساعة بغتة }؛ أي فجأة ندموا في وقت ~~لا ينفعهم الندامة. وسميت القيامة ساعة؛ لتوهم قيامها في ~~كل ساعة. # وقوله تعالى: { قالوا يحسرتنا ms0721 على ما فرطنا فيها }؛ ~~أي على ما قصرنا وضيعنا في الدنيا من عمل الآخرة، { وهم ~~يحملون أوزارهم على ظهورهم }؛ معناه: والكفار ~~يحملون أثقال آثامهم فوق ظهروهم بذنوبهم، والذنب من أثقل ما يحمل. ~~وقيل: معناه { على ما فرطنا فيها } أي في الصفقة. # وقوله تعالى: { وهم يحملون أوزارهم على ~~ظهورهم } قال السدي: (ليس من رجل ظالم يموت ~~فيدخل قبره إلا أتاه رجل قبيح الوجه؛ أسود ~~اللون؛ منتن الرائحة؛ عليه ثياب دنسة، فإذا ~~رآه الظالم قال له: ما أقبحك! فيقول: أنا عملك ~~في الدنيا، فيكون معه في قبره، فإذا بعث يوم ~~القيامة قال له: طالما كنت أحملك على اللذة ~~والشهوات، فأنت اليوم تحملني. فيركبه وفي ~~يده مقمعة فيضرب بها رأسه؛ فيفضحه على رؤوس ~~الخلائق حتى يدخله النار، فذلك قوله: { ~~يحملون أوزارهم على ظهورهم }. # قوله تعالى: { ألا سآء ما يزرون }؛ أي بئس الشيء ~~الذي يحملون من الآثام. ويقال: بئس الشيء شيئا يزرونه؛ أي ~~يحملونه. ### || [6.32] # قوله عز وجل: { وما الحيوة الدنيآ إلا لعب ~~ولهو }؛ معناه: ما زينة الدنيا وزهرتها إلا استمتاع؛ يعني من ~~قريب، ثم يعقبه حسرة وندامة. وسمي ذلك لعبا تشبها بلعب ~~الصبيان، يبنون بناء ثم يهدمونه، يلعبون بشيء فيلهون به، كذلك ~~أهل الدنيا يجمعون ما لا يأكلون؛ ويبنون ما لا يسكونون؛ ويأملون ~~ما لا يدركون. # وهذا مثل ضربه الله تعالى لكفار مكة، يفعلون ما لا ~~يرجون به الثواب، ولا يخشون منه العقاب، ولا يتفكرون في ~~العاقبة كالصبيان والبهائم. واللعب شغل النفس عما لا ~~حقيقة له ولا قصد. واللهو: طلب المزح بمثل ~~ذلك. # قوله تعالى: { وللدار الآخرة خير للذين ~~يتقون }؛ يعني الجنة أفضل للذين يتقون الشرك والكبائر ~~والفواحش، { أفلا تعقلون }؛ أن الآخرة الباقية خير من الدنيا ~~الفانية. قرأ ابن عامر: (ولدار الآخرة) بلام واحدة على ~~الإضافة. ### || [6.33] # قوله تعالى: { قد نعلم إنه ليحزنك الذي ~~يقولون }؛ معناه: قد نعلم إنه ليحزنك ما يقول كفار ~~مكة من تكذيبهم إياك في العلانية وجحودهم بالله، { فإنهم ~~لا يكذبونك }؛ في السر ولا بقلوبهم؛ أي هم يعلمون أنك صادق ms0722 ~~وكنت تسمى فيهم (الأمين) قبل الرسالة، فلا يحزنك تكذيبهم ~~إياك فيما يعلمون صدقك فيه، { ولكن الظلمين }؛ المشركين، ~~{ بآيات الله يجحدون }؛ بألسنتهم ما تشهد به قلوبهم ~~بكذبهم فيه. # وقال السدي: (التقى الأخنس بن شريق وأبو جهل؛ ~~فقال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم؛ أخبرني عن ~~محمد؛ أصادق هو أم كاذب؛ فإنه ليس ها هنا أحد ~~يسمع كلامنا؟ فقال أبو جهل: والله إن محمدا ~~لصادق؛ وما كذب محمد قط، ولكن إذا ذهب بنو ~~قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة؛ ~~فماذا يكون لسائر قريش. فأنزل الله تعالى هذه ~~الآية). وقال: (معنى: { لا يكذبونك } لا يقدرون أن ~~يقولوا لك فيما أنبأت به مما في كتب الأنبياء ~~قبلك: كذبت!. # وقرأ نافع والكسائي: (يكذبونك) بالتخفيف. ومعناه: لا يجدونك ~~كاذبا، يقال: كذبت فلانا بالتشديد إذا قلت له: كذبت، ~~وأكذبت فلانا؛ إذا رأيت ما أتى به كذبا. وقرأ نافع ~~(ليحزنك) بضم الياء، والمعنى واحد. ### || [6.34] # قوله عز وجل: { ولقد كذبت رسل من قبلك ~~فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم ~~نصرنا }؛ تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم ليصبر على أذى الكفار، ~~ومعناه: أن الرسل قبلك كذبهم قومهم كما كذبك هؤلاء، ~~وآذوهم كما آذوك؛ فصبر الرسل على تكذيبهم وإيذائهم { حتى ~~أتاهم نصرنا } أي أتاهم نصرنا بإهلاك قومهم، فاصبر ~~أنت أيضا على تكذيب قومك إياك وإيذائهم لك حتى يأتيك نصرنا. # قوله تعالى: { ولا مبدل لكلمات الله }؛ أي لا ~~مغير لما وعدك الله من النصر والظفر بقوله: # إنا لننصر رسلنا # [غافر: 51]، { ولقد جآءك من نبإ المرسلين } أي من ~~خبر المرسلين قبلك ما يكون لك فيه سلوة، فاعتبر بأخبارهم. ### || [6.35] # قوله تعالى: { وإن كان كبر عليك إعراضهم }؛ أي ~~إن كان عظم وثقل عليك يا محمد إعراضهم عن القبول منك ~~وقولهم: لولا أنزل عليه ملك، وسؤالهم كل معجزة شاءوا، ~~{ فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما ~~في السمآء فتأتيهم بآية }؛ فإن استطعت أن تطلب ~~مسلكا نافذا في الأرض؛ كنفق اليربوع، فتدخله هاربا ~~متواريا؛ أو تطلب شيئا يسلمك إلى السماء فتأتيهم ~~بالآية التي ms0723 سألوكها، فافعل، وليس في القرآن فافعل؛ لأنه ~~قد يحذف ما يكون في الكلام دليلا عليه مثل قول الرجل: إن رأيت ~~أن تمضي معي إلى فلان، ولا يذكر فافعل. # وقد بين الله تعالى في هذه الآية: إن ما تأتي من الآيات بما ~~أحب، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بشر لا يقدر على الإتيان ~~إلا بما شاء الله، وكان قد علم أنه لو أنزل عليهم الملك ~~وكل آية سألوها لم يؤمنوا، فلم ينزل إلا ما تثبت به ~~الحجة عليهم، فتؤجر بالصبر والثبات على الإيمان بالآية. # قوله تعالى: { ولو شآء الله لجمعهم على ~~الهدى }؛ أي لو شاء الله لاضطرهم إلى الإيمان كما قال: # إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت ~~أعناقهم لها خاضعين # [الشعراء: 4]. وقيل: معناه: ولو شاء الله لأطبقهم على ~~الهدى. وقيل: لوفقهم. # وقوله تعالى: { فلا تكونن من الجهلين }؛ أي لا ~~تكونن من الجاهلين بترك الصبر وإظهار الجزع؛ ~~واستشعار الغم لإعراضهم عنك، فإن هذا من فعال الجاهلين. ويقال: ~~معناه: لا تكونن من الجاهلين بمقدوري عليهم. ### || [6.36] # قوله عز وجل: { إنما يستجيب الذين يسمعون ~~}؛ معناه: إنما يجيب الذين يقبلون الحق، وأما الذي لا يقبل ~~الحق فكأنه أصم أو ميت، قوله تعالى: { والموتى ~~يبعثهم الله }؛ أراد به كفار مكة؛ سماهم موتى لأنهم لم ~~يتدبروا ولم يتأملوا، ولم ينتفعوا بحياتهم، فكانوا بمنزلة ~~الموتى وإن كانوا في صورة أحياء، { ثم إليه يرجعون }؛ ~~في الآخرة فيجازيهم بأعمالهم. ### || [6.37] # قوله تعالى: { وقالوا لولا نزل عليه آية من ~~ربه }؛ أي قال كفار قريش: لولا نزل على محمد علامة ~~لنبوته من ربه؛ يعنون الآيات التي كانوا يقترحونها، { قل }؛ يا ~~محمد؛ { إن الله قادر على أن ينزل آية }؛ على ~~ما تقترحونها أنتم، { ولكن أكثرهم لا يعلمون }؛ ما ~~عليهم من المضرة في إنزال هذه الآية، إذ الحكمة تقتضي التعذيب ~~بعذاب الاستئصال لمن كفر بعد إنزال الآية المقترحة. ### || [6.38] # قوله تعالى: { وما من دآبة في الأرض ولا طائر ~~يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم }؛ أي ما من دابة ~~تدب وتتحرك على ms0724 وجه الأرض، ولا طائر يطير بجناحيه في ~~الهواء، إلا أمم أمثالكم، في الفقر والفاقة والحاجة إلى ~~مدبر يدبرهم في أغذيتهم وأكنتهم وهدايتهم إلى مراشدهم ومصالحهم. # وقيل: معناه: إلا أمم أمثالكم في الخلق والرزق والموت البعث؛ ~~لأنه قال: # والموتى يبعثهم الله # [الأنعام: 36] فيكون معناه: { وما من دآبة في الأرض ولا ~~طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم } في أن ~~الله يميتها ويبعثها للجزاء. وقيل: معناه: { إلا أمم ~~أمثالكم } يفقه بعضه عن بعض، كما يفقه بعضكم عن بعض. # وذكر الجناحين في الآية على جهة التأكيد؛ لأنه يقال: طار فلان ~~في الأمر؛ أي أسرع، وفلان طير من الطيور؛ لسرعته في الأمور. ~~وقيل: ذكر الجناحين في الآية لبيان أن المراد به الطير. # قوله تعالى: { ما فرطنا في الكتب من شيء }؛ ~~معناه: ما تركنا في اللوح المحفوظ شيئا إلا كتبناه فيه. ~~ويقال: ما تركنا بيان شيء في القرآن فيما يحتاجون إليه من أحكام ~~الدين والدنيا، بل قد بينا في الكتاب كل شيء إما مفصلا ~~أو مجملا، أما المفصل كقوله تعالى: # النفس بالنفس والعين بالعين # [المائدة: 45] وأما المجمل كقوله: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7]. # وقوله تعالى: { ثم إلى ربهم يحشرون }؛ معناه: أن ~~الطيور والدواب يجمعون مع سائر الخلق يوم القيامة للحساب ~~والجزاء، كما روي في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " إن الله تعالى يحشر الخلق كلهم يوم ~~القيامة؛ والبهائم والدواب والطير وكل شيء؛ ~~فيبلغ من عدل الله تعالى يومئذ أن يأخذ ~~للجماء من القرناء، فإذا ميز بين أهل ~~الجنة والنار؛ قال للبهائم والوحوش والطيور: ~~كونوا ترابا تستوي بكم الأرض، فتكون ترابا، ~~فعند ذلك يتمنى الكافر فيقول: يا ليتني كنت ~~ترابا ". # والمراد بهذا الإفناء للبهائم بعد أن أحياها أنه إفناء لا يكون ~~فيه ألم. ### || [6.39] # قوله عز وجل: { والذين كذبوا بآياتنا صم ~~وبكم في الظلمات }؛ معناه: الذين جحدوا بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم والقرآن صم عن الخير لا يسمعون الهدى، خرس لا ~~يتكلمون بخير؛ أي يكون حالهم كحال الأصم ms0725 الأبكم. وحذف ~~التشبيه من قوله: { صم وبكم } على جهة المبالغة في الوصف، ~~كما يقال في وصف القوم بالبلادة: هؤلاء حمر. # قوله: { في الظلمات } أي في ضلالات الكفر في ظلمة ~~السمع والبصر والقلب، { من يشإ الله يضلله }؛ أي من شاء ~~الله يتركه في ضلالة الكفر، فلا يخرجه منه، { ومن يشأ ~~يجعله على صراط مستقيم }؛ ومن يشأ يرشده ~~ويوفقه للإسلام فيثبته على ذلك حتى يموت عليه، ويقال: ~~معناه: من يشأ الله يضلله في الآخرة عن طريق الجنة إلى ~~طريق النار، ومن يشأ يجعله على طريق الجنة. ### || [6.40] # قوله عز وجل: { قل أرءيتكم إن أتكم عذاب ~~الله أو أتتكم الساعة }؛ أي قل يا محمد لأهل مكة: ~~أرايتم، والكاف زائدة في بيان الخطاب للتأكيد كما في (ذلك) ~~و(أؤلئك). والمعنى: قل أرأيتم إن أتاكم عذاب الله، ~~كما أتى الأمم الماضين قبلكم المكذبين لرسلهم، أو أئتكم ~~القيامة بأهوالها وشدائدها. ويقال: أراد ب { الساعة } الوقت ~~الذي يصعق فيه العباد، فيموتون كلهم. # قوله تعالى: { أغير الله تدعون }؛ أي أغير الله ~~تدعون في كشف ذلك العذاب ودفع تلك الأهوال عنكم، أم تدعون ~~الله تعالى. وقوله تعالى: { إن كنتم صدقين }؛ أي في ~~مقالتكم أن الأصنام شركاء لله؛ فهلا تدعون الأصنام عند ~~الشدائد. وهو احتجاج من الله عليهم بما لا يدعونه؛ لأنهم ~~كانوا إذا مسهم الضر دعوا الله تعالى. ### || [6.41] # قوله تعالى: { بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون ~~إليه إن شآء }؛ أي بل تدعون الله في كشف العذاب والأهوال، ~~و { بل } للاستدراك بعد النفي، { فيكشف ما تدعون إليه ~~} أي يكشف عنكم الضر الذي من أجله دعوتموه فكشفه. وقوله ~~تعالى: { إن شآء } إنما قرن بالمشيئة؛ لأن كشف العذاب ~~فضل من الله تعالى، وفضل الله يعطيه من يشاء. # وقوله تعالى: { وتنسون ما تشركون }؛ أي وتتركون ~~دعوة آلهتكم عند الشدة إذا أشرفتم على الهلاك؛ واضطربت ~~بكم الأمواج في لجج البحار؛ وفي غير ذلك من السجن والأوجاع التي ~~لا صبر عليها، وقد يذكر النسيان بمعنى الترك كما في قوله: # نسوا الله فنسيهم # [التوبة: 67] أي تركوا ms0726 ذكر الله، فتركهم الله في العذاب. ### || [6.42] # قوله عز وجل: { ولقد أرسلنآ إلى أمم من ~~قبلك فأخذنهم بالبأسآء والضرآء } أي ولقد ~~أرسلنا رسلا إلى أمم من قبلك، كما أرسلناك إلى قومك ~~فلم يؤمنوا، فأخذناهم بالبأساء والضراء. ~~والضراء هي الشدة النازلة؛ والبأساء مأخوذة ~~من البأس، وقيل: من البؤس؛ وهو الفقر. والضراء هي ~~الأمراض والأوجاع؛ وهي مأخوذة من الضرر. وقوله تعالى: { ~~لعلهم يتضرعون }؛ أي لكي تخشع القلوب، وتتضرع ~~النفوس عند الشدة؛ فيرجعون إلى الله فيؤمنون به؛ فيكشف عنهم؛ فلم ~~يفعلوا. ### || [6.43] # قوله عز وجل: { فلولا إذ جآءهم بأسنا ~~تضرعوا }؛ أي فهلا حين جاءهم بأسنا؛ أي عذابنا؛ دعوا ~~الله وآمنوا به، { ولكن قست قلوبهم }؛ أي يبست ~~وجفت قلوبهم؛ فأقاموا على كفرهم؛ إذ لم يكن في قلوبهم رقة، ولا ~~خوف من الله تعالى، { وزين لهم الشيطان }؛ أي حسن ~~لهم، { ما كانوا يعملون }؛ في كفرهم؛ بأن أغواهم ودعاهم ~~إلى اللذة والراحة دون التفكر والتدبر ببيان الحق من ~~الباطل. ### || [6.44] # قوله تعالى: { فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا ~~عليهم أبواب كل شيء }؛ أي فلما تركوا ما وعظوا ~~به وأمروا به { فتحنا عليهم أبواب كل شيء } مما ~~كان مغلقا عليهم من الخير والرزق والخصب والمطر. وأخصبت ~~بلادهم وكثر خيرهم، { حتى إذا فرحوا }؛ أعجبوا؛ { ~~بمآ أوتوا }؛ أي بما أعطوا من النعم والسعة ~~والصحة؛ { أخذناهم بغتة }؛ أي فجأة بالعذاب بعد أن ~~ابتليناهم في النعمة والشدة؛ فلم يزدادوا إلا كفرا، { فإذا هم ~~مبلسون }؛ أي فإذا هم عند نزول العذاب بهم آيسون من كل خير؛ ~~متحسرون غاية الحسرة. والمبلس: البائس الحزين ~~الشديد الحسرة، ويقال: هو المنقطع عن الحجة. # فإن قيل: لم أنعم الله عليهم حين نسوا ما ذكروا به؛ وهذا موضع ~~العقوبة دون الإنعام؟ قيل فيه قولان: أحدهما: أنه أنعم عليهم بالدعاء ~~لهم إلى الطاعة، فإن الدعاء إلى الطاعة تارة يكون بالعنف والتشديد، ~~وتارة باللين والإنعام. # والثاني: أنه إنما فعل ذلك بهم؛ لأن من ينقل من النعمة ~~والراحة إلى العذاب يجمع عليه العذاب والحسرة على ما فاته؛ ~~فيكون ذلك أشد عليه ms0727 ممن ينقل من الشدة إلى العذاب. ### || [6.45] # قوله عز وجل: { فقطع دابر القوم الذين ~~ظلموا }؛ أي استؤصل بالهلاك آخر من بقي من القوم الكافرين. ~~ودابر القوم: آخرهم من نسلهم وغيرهم، بحيث لا يبقى ~~لهم بعد ذلك باقية، { والحمد لله رب العالمين }؛ يجوز ~~أن يكون حمدا من الله تعالى لنفسه على إهلاكه القوم الكافرين ~~والمعاندين بعد أن أعذرهم وأنذرهم. ويجوز أن يكون قوله: { ~~والحمد لله رب العالمين } تعليما من الله " للناس " ~~يحمدونه على إهلاك الظالمين. # وقد قطع الله دابر المعاندين من أهل مكة يوم بدر كما قطع ~~دابر المكذبين قبلهم. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا رأيت الله تعالى يعطي عبدا في الدنيا على ~~معصيته ما يحب؛ فإن ذلك منه استدراج، ثم ~~قرأ صلى الله عليه وسلم: { فلما نسوا ما ذكروا به ~~فتحنا عليهم أبواب كل شيء } الآية ". ### || [6.46] # قوله عز وجل: { قل أرأيتم إن أخذ الله ~~سمعكم وأبصاركم وختم على قلوبكم من إله ~~غير الله يأتيكم به }؛ أي قل يا محمد لكفار مكة: ~~إن سلب الله سمعكم وأبصاركم التي هي أشرف ما قبلكم ~~من الأعضاء، وختم على قلوبكم؛ فإن سلب عقولكم حتى لا ~~تفهموا بها فعاقبكم بذلك على تكذيبكم الرسل؛ هل من إله غير ~~الله يرد عليكم ما سلبه الله تعالى؟ وهل يقدر على ذلك غيره؟ { ~~انظر }؛ يا محمد؛ { كيف نصرف }؛ نبين لهم؛ { ~~الآيات }؛ في القرآن؛ ونخوفهم بها؛ { ثم هم ~~يصدفون }؛ أي يعرضون عما وضح لهم مكذبين به، لا تتحرك ~~أفئدتهم. والتصريف توجيه المعنى في الجهات تظهره أتم ~~الإظهار. ### || [6.47] # قوله عز وجل { قل أرءيتكم إن أتكم عذاب ~~الله بغتة أو جهرة }؛ أي أرأيتم إن أتاكم وهذا ~~حالكم في الإصرار على الكفر عذاب الله فجأة وعلانية؛ نهارا ~~جهارا، { هل يهلك إلا القوم الظلمون }؛ إلا أنتم ~~وما أشبهكم؛ لأنكم كفرتم معاندين، فقد علمتم أنكم ظالمون. ~~وإنما قابل البغتة بالجهرة وإن كان ضد الجهرة الخفية؛ لأن ما ~~يأتي فجأة فإنما يأتي خفية. ### || [6.48] # قوله تعالى: { وما نرسل المرسلين ms0728 إلا ~~مبشرين ومنذرين }؛ أي ليس على الرسل أن يأتوا الناس بما ~~يقترحون عليهم من الآيات، إنما نرسلهم بالتبشير بالجنة للمطيعين؛ ~~والتحذير بالنار للكافرين، { فمن ءامن }؛ بالرسل والكتب؛ { ~~وأصلح }؛ العمل فيما بينه وبين ربه؛ فأقام على إيمانه وتوبته؛ ~~{ فلا خوف عليهم }؛ حين يخاف أهل النار، { ولا هم ~~يحزنون }؛ إذا حزنوا. ### || [6.49] # قوله تعالى: { والذين كذبوا بآياتنا يمسهم ~~العذاب بما كانوا يفسقون } أي يصيبهم العذاب بفسقهم ~~وجحودهم بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. ### || [6.50] # وقوله عز وجل: { قل لا أقول لكم عندي خزآئن ~~الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك }؛ ~~نزلت هذه الآية جوابا عن قول الكفار للنبي صلى الله عليه وسلم: يا ~~محمد؛ لولا أنزل عليك كنز فتستغني به؛ فإنك فقير محتاج! ~~وعن قولهم: لولا أنزل عليه ملك، وقولهم: لولا أنزل عليه ~~آية. # ومعناها: قل لهم يا محمد: { لا أقول لكم عندي خزآئن ~~الله } أي لا أدعي أن مفاتيح الرزق بيدي؛ فأقبض وأبسط، وليس ~~خزائن الله مثل خزائن العباد، إنما خزائن الله مقدوراته التي لا ~~توجد إلا بتكوينه إياها، { ولا أعلم الغيب } أي لا ~~أدعي علم الغيب فيما مضى وما سيكون، { ولا أقول لكم ~~إني ملك } من السماء شاهدت ما لم تشاهد البشر، { إن ~~أتبع إلا ما يوحى إلي }؛ أي لا أعلم ولا أقول إلا ~~بما نزله الله على لسان بعض الملائكة، { قل هل يستوي ~~الأعمى والبصير }؛ أي الكافر والمؤمن، ويقال: الجاهل ~~والعالم، { أفلا تتفكرون }؛ في آيات الله ومواعظه. ### || [6.51] # قوله تعالى: { وأنذر به الذين يخافون أن ~~يحشروا إلى ربهم }؛ أي أنذر بالقرآن وخوف به { ~~الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم } وخوف به ~~الذين يعلمون أن حشرهم إلى ربهم؛ أي إلى موضع لا يملك فيه ~~أحد نفعهم ولا ضرهم إلا الله تعالى. قالوا: والذين يخافون ~~البعث أحد رجلين؛ إما مسلم فينذر ليؤدي حق الله في إسلامه، ~~وإما رجل من أهل الكتاب فهو مقرون بأن الله تعالى خلقهم وأنهم ~~مبعوثون محاسبون. { ليس لهم من دونه ولي ولا شفيع ~~لعلهم يتقون ms0729 }. ### || [6.52] # قوله عز وجل: { ولا تطرد الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه }؛ قال ~~عبدالله بن مسعود: (مر جماعة من المشركين برسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وعنده صهيب وخباب بن الأرت ~~وبلال وعمار بن ياسر وغيرهم من ضعفاء ~~المسلمين؛ فأرادوا الحيلة على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليطردوا أصحابه، فقالوا: يا محمد، ~~لو طردت هؤلاء السفلة والعبيد عنك أتاك ~~أشراف قومك ورؤساؤهم يستمعون مقالتك ~~ويصدقونك، وذكروا ذلك أيضا لعمر رضي الله عنه، ~~فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم حرصا على ~~إسلام أشراف قومه، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يفعل بعض الذي طلبوه، فأنزل الله هذه ~~الآية). يعلمه أنه لا يجب أن يفضل غنيا ولا شريفا على فقير ~~وضعيف؛ لأن طريقه فيما أرسل به الدين دون أحوال الدنيا. # فذلك قوله تعالى: { ولا تطرد الذين يدعون ~~ربهم } أي يعبدون ربهم بالصلاة المفروضة غدوا وعشيا وهم ~~ضعفة الصحابة وصفهم الله بالمواظبة على عبادته في طرفي ~~النهار؛ ثم شهد لهم أنهم مخلصون في الإيمان بقوله: { ~~يريدون وجهه } أي يريدون وجه الله تعالى بذلك؛ ويطلبون رضاه. ~~وذكر الوجه على سبيل التفخيم كقوله تعالى: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88]. معناه: إلا هو. # قوله تعالى: { ما عليك من حسابهم من شيء }؛ أي ~~ما عليك من حساب عملهم وباطن أمرهم من شيء، { وما من حسابك ~~عليهم من شيء }؛ أي ما عليهم من باطن أمرك شيء ولا ~~يسألون عن عملك ولا تسأل أنت عن عملهم. # وقيل: معناه: ما عليك من رزقهم من شيء، وما من رزقك عليهم من ~~شيء. قوله تعالى: { فتطردهم }؛ جواب { ما عليك من ~~حسابهم }. وقوله تعالى: { فتكون }؛ جواب { ولا ~~تطرد }. { من الظالمين } ، ومعناه: فتكون من الضارين ~~لنفسك أن لو طردتهم. # وتقدير الآية: ولا تطرد الذين يدعون ربهم ~~بالغداة والعشي، فتكون من الظالمين، ما عليك ~~من حسابهم من شيء، وما من حسابك عليهم من ~~شيء، فتطردهم. وقال سلمان وخباب: # " فينا نزلت هذه الآية، فجاء الأقرع بن حابس ~~التميمي وعيينة ms0730 بن حصين الفزاري وأصحابهم ~~من المؤلفة، فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم ~~قاعدا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في ناس من ~~ضعفاء المسلمين، فلما رأوهم حوله حقروهم؛ ~~وقالوا: يا محمد؛ لو جلست في صدر المسجد، ~~ونفيت عنا هؤلاء ورائحة جبابهم لجالسناك ~~وحادثناك وأخذنا عنك. وكان عليهم جباب من ~~صوف لم يكن عليهم غيرها. # فقال صلى الله عليه وسلم: " ما أنا بطارد المسلمين " ~~فقالوا: إنا نحب أن تجعل لنا مجلسا تعرف ~~العرب به فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك؛ ~~فنستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد، فإذا ~~نحن جئناك فأقمهم عنا، فإذا نحن قمنا ~~فأقعدهم معك إن شئت. فأجابهم إلى ذلك، ~~فقالوا: أكتب لنا عليك بذلك كتابا. فدعا ~~بصحيفة ودعا عليا رضي الله عنه ليكتب. # قال: فبينما نحن قعود في ناحية المسجد؛ إذ ~~نزل جبريل عليه السلام بهذه الآية: { ولا تطرد ~~الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون ~~وجهه } الآية. فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الصحيفة من يده، ثم دعانا فأتيناه وهو ~~يقول: " سلام عليكم كتب ربكم على نفسه ~~الرحمة " فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم ~~ويتركنا، فأنزل الله تعالى: { واصبر نفسك مع ~~الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون ~~وجهه ولا تعد عيناك عنهم }. # قال: فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد فندنو ~~منه حتى تكاد ركبنا أن تمس ركبته، فإذا بلغ ~~الساعة التي يقوم فيها قمنا وتركناه حتى ~~يقوم، وقال: " الحمد لله الذي لم يمتني حتى ~~أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي، معكم ~~المحيا ومعكم الممات " ". # وقال مجاهد: (قالت قريش: لولا بلال وابن أم عبد ~~لتابعنا محمدا. فأنزل الله هذه الآية). وقال عكرمة: ~~(جاء عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومطعم ~~بن عدي ونوفل ابن الحارث وعمر بن نوفل إلى ~~أبي طالب؛ قالوا له: لو أن ابن أخيك محمدا يطرد ~~عنه موالينا؛ فإنما هم عبيدنا وعتقاؤنا، كان ~~أعظم في صدورنا وأطوع لله عندنا، وأدنى ~~لاتباعنا إياه وتصديقنا. فأتى أبو طالب إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم؛ ms0731 فحدثه بالذي كلموه. # فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لو فعلت ذلك يا ~~رسول الله؛ حتى تنظر ما الذي يريدون؛ وإلى ما ~~يضمرون من قولهم. فأنزل الله تعالى هذه الآية: { ~~ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي ~~}. قال ابن عباس: (يعبدون ربهم بالصلاة المكتوبة ~~(بالغداة والعشي) يعني صلاة الصبح وصلاة ~~العصر). ### || [6.53] # قوله تعالى: { وكذلك فتنا بعضهم ببعض ~~ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننآ }؛ ~~قال ابن عباس: معناه: (وكذلك ابتلينا (بعضهم ببعض): ~~العربي بالموالي؛ والغني بالفقير؛ والشريف ~~بالوضيع؛ ليقول الأغنياء والأشراف مثل عيينة ~~بن حصين الذي دخل على النبي صلى الله عليه وسلم ~~وقال له: لو طردت هؤلاء السفلة، ومثل ~~أصحابه؛ كانوا يقولون: هؤلاء - يعنون سلمان ~~وأصحابه - من الله عليهم بالمغفرة والإسلام ~~من بيننا). وقال الكلبي: (هو أن الشريف إذا نظر إلى ~~الوضيع قد أسلم قبله استنكف أن يسلم، وقال: ~~قد سبقني هذا بالإسلام؛ فلا يسلم). # ومعنى (اللام) في قوله: { ليقولوا } لام العاقبة؛ ومعناه: ~~ليكون عاقبة أمرهما؛ قال الأغنياء والأشراف: أهؤلاء المستضعفون ~~فضلهم الله علينا. ونظير هذه اللام في هذه الآية قوله ~~تعالى: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8]، ومعلوم أنهم لم يلتقطوه لأجل أن يكون لهم عدوا ~~وحزنا، ولكن عاقبة التقاطهم إياه أن صار لهم عدوا وحزنا. # وقال بعضهم: اللام في قوله: { ليقولوا } معناها الاستفهام؛ أي ~~ليقول بعضهم لبعض استفهاما لا إنكارا: أهؤلاء من الله ~~عليهم من بيننا بالإيمان. # والفائدة في ذلك أن الأغنياء كانوا شاكين في أن سبق الفقراء إلى ~~الإيمان وصبرهم على طريقة الدين؛ هل يوجب أن تكون نعمة من الله ~~عظيمة عليهم، فأمرهم الله تعالى أن يستفهموا من الرسول صلى ~~الله عليه وسلم ما لأجله يقوم الفقراء بحضرة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم واستحقوا الإعظام، فيظهر عند الاستفهام جواب النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ويكون في سماعهم لذلك مصلحة عظيمة توجب رضاهم ~~بتقديم النبي صلى الله عليه وسلم أهل الدين. قوله تعالى: { ~~أليس الله بأعلم بالشكرين }؛ استفهام بمعنى التحقيق ~~على معنى أن ms0732 الله أعلم بمن هو من أهل التوحيد والثواب. ### || [6.54] # وقوله تعالى: { وإذا جآءك الذين يؤمنون ~~بآياتنا فقل سلم عليكم كتب ربكم على نفسه ~~الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهلة ثم تاب ~~من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم }؛ اختلفوا فيمن ~~نزلت هذه الآية؛ فقال عكرمة: نزلت في الذين نهى الله ~~نبيه صلى الله عليه وسلم عن طردهم، وكان صلى الله عليه ~~وسلم إذا رآهم بدأهم بالسلام وقال: # " الحمد لله الذي جعل في أمتي من أمرني أن ~~أبدأهم بالسلام ". # وقال ابن عباس والكلبي: (لما نزلت هذه الآية # ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي # [الأنعام: 52] الآية، جاء عمر رضي الله عنه معتذرا من ~~مقالته؛ فأنزل الله تعالى: { وإذا جآءك الذين ~~يؤمنون بآياتنا } الذين يصدقون بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم والقرآن { فقل سلم عليكم } أي قبل الله ~~معذرتهم وتوبتهم). ومعنى السلام: السلامة من جميع ~~الآفات. # وقيل: إن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسلم ~~على المستضعفين إذا جاءوا إليه، وإنما أمره بأن يبدأهم بالسلام ~~مع أن العادة أن يسلم على القاعد حتى ينبسط إليهم بالسلام ~~عليهم؛ لئلا يحتشموا من الانبساط إليه. قال عطاء: (نزلت في ~~أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي عبيدة وبلال ~~وسالم ومصعب بن عمير وحمزة وجعفر وعثمان ~~ابن مضعون وعمار بن ياسر). # وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (أتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رجال فقالوا: إنا أصبنا ذنوبا عظيمة ~~كبيرة، فسكت عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأنزل الله تعالى: { وإذا جآءك الذين يؤمنون ~~بآياتنا فقل سلم عليكم كتب ربكم على نفسه ~~الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهلة ثم تاب ~~من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم }. # واختلفوا في قوله: { سوءا بجهلة } قال مجاهد: (معناه: ~~لا يعرف حلالا من حرام، فمن جهالته ركب ~~الأمر). وقيل: جاهل بما يورثه ذلك الذنب. وقيل: جهل حين ~~آثر المعصية على الطاعة، واللذة اليسيرة الفانية على الكثيرة ~~الباقية الدائمة، فعلى هذا يسمى مرتكب المعصية جاهلا. # واختلف ms0733 القراء في قوله تعالى: { أنه من عمل منكم ~~سوءا بجهلة } وقوله: { فأنه غفور رحيم } فكسرهما ~~جميعا ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف والأعمش على ~~الاستئناف. ونصبهما الحسن وابن عامر وعاصم ويعقوب بدلا من الرحمة. ~~وفتح نافع الأول على معنى: وكتب أنه من عمل، وكسر ~~الثاني على الاستئناف. ### || [6.55] # قوله عز وجل: { وكذلك نفصل الآيات }؛ أي ~~نبين بيانا الأمر والنهي في القرآن من قبل، وكذا نبين ~~وننزل الآيات متفرقة شيئا بعد شيء. وقوله تعالى: { ~~ولتستبين سبيل المجرمين }؛ معطوف على مضمر تقديره: ~~ليظهر الحق من الباطل ولتستبين طريق ~~المجرمين. # وإنما لم يقل: سبيل المؤمنين؛ لأن في الكلام ما يدل عليه؛ لأن ~~معناه ولتستبين سبيل المجرمين من سبيل المؤمنين. ويقرأ: ~~(وليستبين) بالياء؛ لأن السبيل يذكر ويؤنث، فتميم ~~تذكره؛ وأهل الحجاز تؤنثه. # ودليل التذكير قوله تعالى: # وتصدون عن سبيل الله من آمن به # [الأعراف: 86] ولم يقل بها، ودليل التأنيث قوله تعالى: # قل هذه سبيلي # [يوسف: 108] ولم يقل هذا سبيلي. وقرأ أهل المدينة: (سبيل) بالنصب ~~على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم؛ معناه: ولتعرف يا ~~محمد سبيل المجرمين؛ فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~والمراد به عامة المسلمين؛ كأنه ولتستبينوا وتزدادوا معرفة ~~بطريق المجرمين. ### || [6.56] # قوله تعالى: { قل إني نهيت أن أعبد الذين ~~تدعون من دون الله }؛ أي قل يا محمد لعيينة وأصحابه: ~~إني نهيت عن عبادة الذي تعبدون من الأصنام من دون الله، { ~~قل لا أتبع أهوآءكم }؛ فإنكم قد عبدتموه ~~وسألتموه طرد سلمان وبلال وأصحابهما عن طريق الهدى، لا على طريق ~~البينة والبرهان، وقوله تعالى: { قد ضللت إذا }؛ أي قد ~~ضللت إن عبدتها؛ معناه إن فعلت ذلك فقد تركت سبيل الحق، وسلكت ~~غير سبيل الهدى. # وقرأ يحيى بن وثاب وأبو رجاء: { قد ضللت } بكسر اللام؛ وهما ~~لغتان؛ إلا أن الفتح أفصح؛ لأنها لغة أهل الحجاز. وقوله: { ~~ومآ أنا من المهتدين }؛ عطف على { ضللت }؛ أي إن ~~أتبع أهواءكم فما أنا من الذين سلكوا طريق الهدى. ### || [6.57] # وقوله عز وجل: { قل إني على بينة من ms0734 ربي ~~وكذبتم به ما عندي ما تستعجلون به }؛ أي قل يا ~~محمد: إني على بصيرة وبيان من أمر ربي؛ لا متبع ~~للهوى، { وكذبتم به } أي بالبيان، وإنما ذكر الكناية لأن ~~البينة والبيان بمعنى واحد. ويجوز أن يكون معناه: وكذبتم بما ~~آتيتكم به؛ وهو القرآن. ومعنى البينة: الدلالة بين الحق ~~والباطل. # قوله تعالى: { ما عندي ما تستعجلون به } روي: أن ~~رؤساء قريش كانوا يستعجلون العذاب، حتى قام النضر بن الحارث في ~~الحطيم وقال: اللهم إن كان ما يقول محمد حقا ~~فأتنا بالعذاب، فنزلت هذه الآية. # وقيل: معناه: { ما عندي ما تستعجلون به } من الآيات التي ~~تقترحونها. قوله تعالى: { إن الحكم إلا لله }؛ أي ما ~~القضاء وتنزيل الآيات إلا لله، { يقص الحق }؛ أي يحكم ~~بالعدل ويقضي القضاء الحق، { وهو خير الفصلين }؛ أي أعدل ~~الفاصلين. # ومن قرأ (يقض الحق) بالضاد المشددة، فمعناه: يبين ~~ويأمر به، ومن قرأ (يقضي) أي يحكم. وقرأ ابن عباس: (يقضي ~~بالحق). وأما سقوط الياء في قراءة من قرأ (يقض) فإنها سقطت ~~في الخط لالتقاء الساكنين، كما في قوله تعالى: # سندع الزبانية # [العلق: 18] # يوم يدع الداع # [القمر: 6]. وفي جميع المصاحف: (يقض) بغير ياء. ### || [6.58] # قوله تعالى: { قل لو أن عندي ما تستعجلون به ~~}؛ أي قل يا محمد: { لو أن عندي ما تستعجلون به ~~} من العذاب، { لقضي الأمر بيني وبينكم }؛ أي لأهلكتكم؛ ~~وانقطع ما بيني وبينكم من مطالبتي إياكم بالإخلاص في طاعة الله ~~وعبادته، وامتناعكم من ذلك، { والله أعلم بالظالمين }؛ ~~أي بعقوبتكم ووقت عذابكم. ### || [6.59] # قوله عز وجل: { وعنده مفاتح الغيب لا ~~يعلمهآ إلا هو }؛ قرأ ابن السميقع: (مفاتيح ~~الغيب) بالياء. واختلفوا في معنى (مفاتح الغيب) فروى عبدالله ~~بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " مفاتح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله: علم ~~الساعة، ونزول الغيث، وعلم ما في الأرحام، وما ~~تدري نفس ماذا تكسب غدا، وما تدري نفس بأي أرض ~~تموت " # وقال السدي: (مفاتح الغيب: خزائن الغيب) وهي ~~المقدورات التي يفتح بها ما في الغيب، وسميت ~~الخزانة ms0735 مفتاحا؛ لأنه ينفتح منه الأمر). # وقيل: { مفاتح الغيب } ما ينفتح به علم ما في الغيب من وقت ~~نزول العذاب الذي كانوا يستعجلون به وغير ذلك. وقيل: معناه: { ~~وعنده مفاتح الغيب } أي نزول العذاب لا يعلم متى ينزل ~~ما غاب عنكم من الثواب والعقاب، وما يصير إليه من أمري وأمركم إلا ~~هو. وقيل: معناه: { مفاتح الغيب } الآجال وأحوال العباد من ~~السعادة والشقاوة، وعواقب الأمور، وخواتم الأعمال. وقال ابن مسعود ~~رضي الله عنه: (أوتي نبيكم عليه السلام كل شيء إلا ~~مفاتح الغيب). والمفاتح جمع مفتح، والمفاتيح ~~جمع مفتاح؛ وهو معرفة المغيب. # وقوله تعالى: { ويعلم ما في البر والبحر }؛ أي ~~يعلم ما في البر من النبات والخلق؛ وما في البحر من ~~الدواب والعجائب. وقيل: يعلم رزق كل من في البر والبحر، يسوق ~~إلى كل ذي روح رزقه. # وقوله تعالى: { وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ~~}؛ قال ابن عباس: (ما من شجرة في البر إلا وبها ~~ملك موكل يعلم ما يؤكل منها، وما يسقط من ~~ورقها، ويعلم عدد ما بقي على الشجرة من ~~الورق وما يسقط منه). وقيل: معنى الآية: { وما تسقط ~~من ورقة } من أوراق الشجر، { إلا يعلمها } الله ثابتة ~~وساقطة، ويعلم متى سقوطها وموضع سقوطها. # قوله تعالى: { ولا حبة في ظلمت الأرض }؛ أي كل ~~حبة تكون في الأرض حتى الحبة التي تكون تحت الصخرة التي هي أسفل ~~الأرضين يعلمها الله، وقيل: أراد كل حبة تكون في شقوق الأرض ~~مما يخرج منها النبات. ومن قرأ (ولا حبة) بالرفع فعلى ~~الابتداء؛ وخبره { إلا في كتب مبين }. # وقوله تعالى: { ولا رطب ولا يابس إلا في كتب ~~مبين }؛ أراد بالرطب الماء والخضر، وباليابس الحجر والمدر، ~~كل ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ، أثبت الله تعالى فيه كل ما يخلق ~~قبل أن يخلقه، كما قال تعالى: # مآ أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا ~~في كتب من قبل أن نبرأهآ # [الحديد: 22]. # واعلم: أنه قد أثبت ما خلق قبل خلقه. والرطب واليابس عبارة ~~عن جميع الأشياء التي ms0736 تكون في السماوات والأرض؛ لأنها تخلق من أحد ~~هاتين الصفتين. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما زرع على الأرض ولا ثمار على الأشجار؛ إلا ~~عليها مكتوب: بسم الله الرحمن الرحيم، رزق ~~فلان بن فلان ". # فإن قيل: ما الفائدة في كون ذلك مكتوبا في اللوح مع أن الله لا ~~يخفى عليه شيء، وأنه كان عالما بذلك قبل أن يخلقه وقبل أن يكتبه؛ ~~ولم يكتبها ليحفظها ويدريها. قيل: فائدته أن الحوادث إذا حدثت ~~موافقة للمكتوب، ازدادت الملائكة بذلك علما ويقينا بعظم صفات ~~الله عز وجل. ### || [6.60] # قوله عز وجل: { وهو الذي يتوفكم باليل }؛ ~~معناه: هو الذي يقبضكم عن التصرف بالنوم وما تصيرون في منامكم ~~بالليل في قبضته لا تملكون لأنفسكم تصريفا في أموركم. # والتوفي في اللغة: هو القبض؛ إلا أن روح النائم لا تصير ~~مقبوضة في حال نومه على جهة الحقيقة؛ لأن النائم يستمد من الهواء ~~على حسب ما يفعله المنتبه، ولكن الله يحدث في حال النوم من بدن ~~النائم ضربا من الاسترخاء في إغماء منه، إما بسلب عقله، أو ~~بإحداث فعل في البدن يكون ذلك الفعل سببا لراحة البدن، كما قال ~~تعالى: # وجعلنا نومكم سباتا # [النبأ: 9] فلما صار النائم كالميت في أنه لا يعقل وفي أن تصرفه لا ~~يقع على تمييز؛ شبه بالميت من حيث التوفي على هذا الوجه، كما ورد ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " النوم أخو الموت، وأهل الجنة لا يموتون ولا ~~ينامون " # وعلى هذا الوجه يتأول قوله تعالى: # الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت ~~في منامها # [الزمر: 42] إلى آخر الآية. # وذهب بعضهم إلى أن الروح تخرج من البدن في المنام، ولكن لا تنقطع ~~حركة النائم؛ لأن نظر الروح لم ينقطع عن البدن؛ إذ هو على العود ~~في كل وقت وفي كل ساعة؛ وقال: لا يخرج منه الروح، وإنما يخرج منه ~~الذهن. # قوله تعالى: { ويعلم ما جرحتم بالنهار }؛ أي ~~كسبتم من الخير والشر بالنهار، يقال: جرح واجترح؛ بمعنى ~~كسب واكتسب، ms0737 وأصل الاجتراح: عمل الجوارح. قوله ~~تعالى: { ثم يبعثكم فيه }؛ أي ينبهكم من نومكم في ~~النهار على علم منه بما اجترحتم من قبل وما تجترحون من بعد، { ~~ليقضى أجل مسمى } أي لتبلغوا الوقت المقدور الذي قدره ~~الله بحيويتكم؛ فتنقطع أرزاقكم وأعمالكم التي تعملون في ~~الدنيا من خير أو شر. # قوله تعالى: { ثم إليه مرجعكم }؛ أي ثم إلى الله ~~مصيركم ومتقلبكم بعد الموت، { ثم ينبئكم بما كنتم ~~تعملون }؛ أي ثم يخبركم في الآخرة بما كنتم تعملون في ~~الدنيا؛ فيجازي كل عامل ما عمل. ### || [6.61] # قوله عز وجل: { وهو القاهر فوق عباده }؛ أي هو ~~الغالب لعباده المستعلي عليهم بالقدرة، وليس معنى (فوق) ~~معنى المكان؛ لاستحالة إضافة الأماكن إلى الله، وإنما معناه ~~الغلبة والقدرة، ونظيره: فلان فوق فلان في العلم؛ أي ~~أعلم منه. # قوله تعالى: { ويرسل عليكم حفظة }؛ معناه: ~~والمرسل عليكم حفظة، فاكتفى بالفعل عن الاسم. ~~والحفظة: هم الملائكة يحفظون على العباد أعمالهم على ما ~~تقدم. # وقد ورد في الخبر: أن على كل واحد منا ملكين بالليل؛ وملكين ~~بالنهار، يكتب أحدهما الحسنات؛ والآخر السيئات، وصاحب اليمين ~~أمير على صاحب الشمال، فإذا عمل العبد حسنة؛ كتب له بعشر ~~أمثالها؛ وإذا عمل سيئة فأراد صاحب الشمال أن يكتب؛ قال له ~~صاحب اليمين: أمسك، فيمسك عنه ست ساعات أو سبع ساعات، فإن هو ~~استغفر الله تعالى؛ لم يكتب عليه، وإن لم يستغفر يكتب عليه سيئة ~~واحدة. # قوله تعالى: { حتى إذا جآء أحدكم الموت ~~توفته رسلنا وهم لا يفرطون } معناه: حتى إذا حضر ~~أحدكم الموت؛ قبض روحه ملك الموت وأعوانه، وهم لا ~~يقصرون ولا يؤخرونه طرفة عين، فإن قيل: كيف هنا { توفته ~~رسلنا } وقال في آية أخرى: # قل يتوفاكم ملك الموت # [السجدة: 11]؟ قيل: إن ملك الموت هو الذي يقبض الأرواح كلها ~~وهو القائم بذلك؛ إلا أن له أعوانا؛ فتارة أضاف قبض الروح إلى ~~ملك الموت؛ لأنه هو المختص بذلك، وتارة أضافه إليه وإلى غيره؛ ~~لأنهم يصدرون في ذلك عن أمره. # وقال مجاهد: (جعلت الأرض لملك الموت كالطشت ~~يتناول ms0738 من حيث شاء، وله أعوان يتوفون الأنفس، ~~ثم يقبضها منهم). ويقال: إن أعوان ملك الموت يستخرجون ~~الروح من الأعضاء عضوا عضوا، حتى إذا جمعوه في صدره وجعل ~~يغرغر به؛ قبضه حينئذ ملك الموت. # وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنه دخل على مريض يعوده، فرأى ملك الموت ~~عند رأسه؛ فقال: " يا ملك الموت؛ ارفق به، فإنه ~~مؤمن، فقال ملك الموت: يا محمد؛ أبشر وطب ~~نفسا وقر عينا؛ فإني بكل مؤمن رفيق، إني ~~لأقبض روح المؤمن فيصعق أهله فأعتزل في جانب ~~الدار، فأقول: ما لي من ذنب، وإني لمأمور، وإن لي ~~لعودة فالحذر الحذر، وما من أهل بيت مدر ولا ~~وبر، في بحر أو بر، إلا وأنا أتصفحهم في كل ~~يوم خمس مرات، حتى أني لأعلم بصغيرهم ~~وكبيرهم منهم بأنفسهم، والله لو أردت أن أقبض ~~روح بعوضة لما قدرت عليها حتى يأمرني الله ~~تعالى بقبضها " ". ### || [6.62] # قوله عز وجل: { ثم ردوا إلى الله مولاهم ~~الحق }؛ أي ثم ردهم الملائكة إلى الموضع الذي لا يملك أحد ~~الحكم فيه إلا الله تعالى: وقوله: { مولاهم الحق } أي ~~مولاهم من كل جهة، فإنه يملك خلقهم وإنشاءهم وتربيتهم ~~وإماتتهم وإحياءهم وضرهم ونفعهم، وهو الذي دبر في الابتداء ~~أمرهم حيث أنشأهم. ومعنى قوله تعالى: { مولاهم الحق } أي الذي ~~عبادته حق، ويعطي الثواب الحق، ويتولى العقاب بالحق، ~~وقيل: إن هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى؛ لأنه لا مرد للعبد ~~أحسن من مرده إلى مولاه. # قوله تعالى: { ألا له الحكم }؛ كلمة بينة؛ أي ~~اعلموا أن بينة القضاء بين العباد يوم القيامة يحكم فيهم ما ~~شاء وكيف شاء. وقوله تعالى: { وهو أسرع الحاسبين }؛ ~~إذا حاسب فحسابه يسير سريع؛ لأنه لا يحاسب بحقد ولا يتكلم ~~بآلة، ولا يحجزه الكلام مع بعضهم عن الكلام مع غيرهم، بل ~~يحاسب الجميع في دفعة واحدة. ومعنى المحاسبة: تعريف ~~كل واحد ما يستحقه من ثواب أو عقاب؛ حتى روي ~~في الخبر: أنه يكون حسابه في مقدار حلب شاة. ### || [6.63-64] # قوله عز وجل: ms0739 { قل من ينجيكم من ظلمات ~~البر والبحر تدعونه تضرعا وخفية }؛ أي قل لهم ~~يا محمد: من ينجيكم من شدائد البر والبحر ~~وأهوالهما. تقول العرب لليوم الذي فيه شدة: يوم مظلم؛ حتى ~~أنهم يقولون: يوم ذو كواكب؛ إذا اشتدت ظلمته حتى صار ~~كالليل. ويقال: أراد بالظلمات ظلمة الليل، وظلمة الغيم، وظلمة ~~الأمواج. # وقوله تعالى: { تدعونه تضرعا وخفية } أي ~~تدعونه علانية وسرا، والتضرع: إظهار الضراعة؛ ~~وهي شدة الفقر والحاجة إلى الشيء. وقرأ أبو بكر: ~~(وخفية) بكسر الخاء، وقرأ الأعمش: (وخيفة) من الخوف كما في ~~آخر الأعراف. # قوله تعالى: { لئن أنجانا من هذه لنكونن ~~من الشاكرين }؛ في موضع الحال؛ معناه قائلين: لئن أنجيتنا ~~من هذه الشدائد لنكونن من المؤمنين الموحدين المطيعين. ~~وقوله تعالى: { قل الله ينجيكم منها ومن كل ~~كرب }؛ قل الله ينجيكم من شدائد البر والبحر ومن كل ~~غم، { ثم أنتم تشركون }؛ به الأصنام في الرخاء بعد ~~النجاة، وبعد قيام الحجة عليكم. ### || [6.65] # وقوله عز وجل: { قل هو القادر على أن يبعث ~~عليكم عذابا من فوقكم }؛ راجع إلى مشركي مكة؛ أي قل ~~لهم يا محمد: { هو القادر على أن يبعث عليكم ~~عذابا من فوقكم } كما بعث على قوم نوح ولوط من الطوفان ~~والحجارة، { أو من تحت أرجلكم }؛ أي هو القادر على أن ~~يخسف بكم، كما فعل بقارون وقومه. ويقال: أراد بقوله: { ~~عذابا من فوقكم } الظلمة، { أو من تحت أرجلكم } ~~أو يغلب عليكم سفهاءكم. # قوله تعالى: { أو يلبسكم شيعا }؛ معناه: أو ~~يخلطكم فرقا مختلفي الأهواء، بأن يضرب بعضكم ببعض بما ~~يلقيه بينكم من العداوة. وقيل: معنى: { يلبسكم شيعا } ~~يكلكم إلى أنفسكم ويخليكم من الطاعة بذنوبكم؛ فتختلفوا حتى ~~يذوق بعضكم شدة بعض بالحرب والقتال. وقال: { ويذيق بعضكم ~~بأس بعض }؛ يعني بالسيوف يقتل بعضكم بعضا. # وقوله تعالى: { انظر كيف نصرف الآيات }؛ أي انظر ~~يا محمد كيف نبين لهم الآية على إثر آية، { لعلهم ~~يفقهون }؛ أي لكي يفقهوا أوامر الله، ثم هم لا يفقهون. # قال ابن عباس: (لما نزلت هذه الآية؛ شق ذلك على ~~رسول الله ms0740 صلى الله عليه وسلم، فقال: # " " يا جبريل، ما بقاء أمتي على هذه الخصال ~~الأربع؟! " فقال: إنما أنا عبد مثلك، فادع ربك ~~واسأله لأمتك. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ~~فتوضأ وأحسن الوضوء؛ ثم قام فصلى وأحسن ~~الصلاة؛ ثم سأل الله أن لا يبعث على أمته ~~عذابا من فوقهم ولا من تحت أرجلهم، ولا ~~يلبسهم شيعا، ولا يذيق بعضهم بأس بعض، فنزل ~~جبريل عليه السلام؛ فقال: يا محمد؛ إن الله قد سمع ~~مقالتك، وإنه قد أجارهم من خصلتين: أن لا ~~يبعث عليهم عذابا من فوقهم، ولا من تحت ~~أرجلهم، ولم يخرجهم من الخصلتين الأخرتين ~~". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " سألت ربي أن لا يبعث على أمتي عذابا من ~~فوقهم، ولا من تحت أرجلهم؛ فأعطاني ذلك. ~~وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعني ذلك، ~~وأخبرني جبريل أن فناء أمتي بالسيف ". ### || [6.66] # قوله عز وجل: { وكذب به قومك وهو الحق }؛ ~~أي كذب بالقرآن قومك وهو الصدق، { قل لست عليكم ~~بوكيل }؛ أي بحفيظ أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها، وقيل: معناه: ~~لست أقدر أن أحول بينكم وبين الكفر الذي يضركم، كما يدفع ~~الوكيل الضرر عن موكله. وعن ابن عباس: (أن معناه: لست ~~بموكل عليكم؛ أخبركم عن الإيمان، قال: ثم ~~نسخ هذا بآية السيف). ### || [6.67] # وقوله تعالى: { لكل نبإ مستقر }؛ معناه: لكل ~~وعد ووعيد وقت، وأجل غاية؛ منه ما يكون في الدنيا، ومنه ما ~~يكون في الآخرة، { وسوف تعلمون } ، يا أهل مكة ذلك إذا ~~نزل بكم. ### || [6.68-69] # قوله تعالى: { وإذا رأيت الذين يخوضون في ~~ءاياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث ~~غيره }؛ معناه: وإذا رأيت المشركين الذين يكذبون ويستهزئون بك ~~وبالقرآن { فأعرض عنهم } أي اتركهم ولا تجالسهم على ~~وجه الإنكار عليهم، إلا أن يتركوا استهزاءهم ويخوضوا في حديث ~~غير القرآن. وذلك أن المشركين كانوا إذا جالسوا المؤمنين؛ ~~وقعوا في رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبوه واستهزؤا به، فنهى ~~الله المؤمنين عن مجالستهم. # قوله تعالى: { وإما ينسينك الشيطن فلا ~~تقعد بعد الذكرى مع القوم الظلمين }؛ معناه: ms0741 ~~وإما يوقعنك الشيطان في النسيان بعد النهي فتجلس معهم، ~~فلا شيء عليك في تلك الحال التي تكون فيها ناسيا، فلا تقعد ~~بعد الذكرى مع قوم إذا ذكرت، ودع مجالسة المشركين ~~فتأثم. قرأ ابن عباس وابن عامر: (ينسينك) بالتشديد. # فلما نزلت هذه الآية قال المسلمون: يا رسول الله؛ لئن كنا كلما ~~استهزأ المشركون بالقرآن قمنا وتركناهم، لا نستطيع أن نجلس في ~~المسجد الحرام، ولا أن نطوف بالبيت؟ فنزل قوله عز وجل: { ~~وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء } ، أي ما ~~على الذين يتقون الشرك والمعاصي والخوض في آثامهم، ومخالفتهم ~~أمر الله من شيء من العقاب. { ولكن ذكرى }؛ أي ولكن ذكروهم ~~بالقرآن ذكرى إذا فعلوا وعظوهم، { لعلهم يتقون ~~}؛ الشرك والاستهزاء والخوض. فموضع (ذكرى) نصب على المصدر، ~~ويجوز أن يكون في موضع رفع؛ أي هو ذكرى. ### || [6.70] # قوله تعالى: { وذر الذين اتخذوا دينهم لعبا ~~ولهوا وغرتهم الحيوة الدنيا }؛ أي ذر الكفار ~~الذين اختاروا في أنفسهم اللعب والباطل والاستهزاء. ويقال: معناه: ~~الذين اتخذوا دينهم بهوى أنفسهم، ومن اتخذ دينه بهوى نفسه فهو ~~لاعب. وقال الفراء في معنى الآية: (ليس من قوم إلا ولهم ~~عيد يلهون فيه، إلا أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~فإن أعيادهم صلاة وتكبير وبر وخير). وقوله ~~تعالى: { وغرتهم الحيوة الدنيا } معناه: ~~وشغلتهم الحياة الدنيا بما فيها من زهرتها وزينتها. # قوله تعالى: { وذكر به أن تبسل نفس بما ~~كسبت }؛ أي ذكر بالقرآن وعظ به كراهة أن تبسل ~~نفس بما كسبت. ويقال: قبل أن تبسل نفس. ويقال: لئلا ~~تبسل نفس؛ أي لئلا تهلك نفس. وقال الحسن ومجاهد وعكرمة ~~والسدي: (تبسل: أي تسلم للهلكة). # وقال ابن زيد: (معناه: وذكر به أن تبسل؛ أي لئلا ~~تبسل؛ أي لئلا تؤخذ). وعن ابن عباس: (أن تفضح). وقال ~~الأخفش: (أن تبسل: أن تجازى). وقال الفراء: (ترتهن)، ~~وقال عطية العوفي: (من قبل أن تبسل نفس؛ أي من قبل ~~أن تسلم إلى خزنة جهنم). والمتبسل: ~~المستسلم. # قوله عز وجل: { ليس لها من دون الله ولي ~~ولا شفيع }؛ أي ms0742 ليس لتلك النفس من دون الله ولي ولا ~~شفيع؛ أي قريب يمنع العذاب عنها ولا شفيع يشفع لها في الآخرة. ~~قوله تعالى: { وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منهآ ~~}؛ أي لو جاءت مكانها بكل ما كان في الأرض جميعا افتداء عن نفسها ~~لا يقبل منها. وسمي الفداء عدلا؛ لأنه مثل للشيء، ويقال لأحد ~~جانبي الحجل: عدل بالكسر؛ لأن كل واحد من العدلين مثل ~~لصاحبه، فمعنى الآية: وإن تفتدي بكل فداء لا يؤخذ منها. # وقوله تعالى: { أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا ~~لهم شراب من حميم وعذاب أليم }؛ أي وجيع؛ { بما ~~كانوا يكفرون }؛ أي بما كانوا يجحدون في الدنيا ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. ### || [6.71] # قوله عز وجل: { قل أندعوا من دون الله ما لا ~~ينفعنا ولا يضرنا }؛ أي قل يا محمد لكفار مكة الذين ~~يدعونكم إلى دين آبائهم: أنعبد سوى الله من الأصنام ما لا ~~ينفعنا إن عبدناه في رزق ولا معاش، ولا يضرنا إن تركناه ~~في رزق ولا معاش، { ونرد على أعقابنا بعد إذ هدانا ~~الله }؛ عطف على الاستفهام؛ أي كيف نرجع إلى الكفر بعد إذ ~~هدانا الله لدينه، وأكرمنا بمعرفته، فيكون مثلنا؛ ك؛ ~~مثل؛ { كالذي استهوته الشياطين }؛ فأذهبه؛ { في ~~الأرض حيران }؛ ضالا، لا يقال: كالذي زينت له الشياطيين ~~هواه؛ فهو يعمل في الأرض بالمعاصي. وقيل: معناه: كالذي ~~استفرسته الغيلان في المهامة فأضلوه؛ فهو حائر. ~~و(حيران) نصب على الحال. # قرأ الأعمش وحمزة: (كالذي استهواه) بالألف والإمالة، وقرأ ~~طلحة بالألف، وقرأ الحسن: (استهوته الشياطين). وفي مصحف ~~عبدالله: (استهواه الشيطان). قوله تعالى: { له ~~أصحاب يدعونه إلى الهدى ائتنا }؛ أي له أصحاب يدعونه ~~إلى الطريق المستقيم: أن ائتنا واتبعنا؛ فإنا على الطريق، ~~فأبى أن يأتهم ويطيعهم. # وقيل: إن الآية نزلت في عبدالرحمن بن أبي بكر حين دعا أباه إلى ~~الكفر، فأنزل الله تعالى: { قل أندعوا من دون الله ما ~~لا ينفعنا ولا يضرنا }. وقوله: { كالذي استهوته ~~الشياطين } هو عبدالرحمن بن أبي بكر. وقوله تعالى: { ~~له أصحاب يدعونه إلى الهدى } قيل: كان أمه ms0743 وأبوه ~~يدعوانه إلى الإسلام، وكان الشياطين والكفار يزينون له الكفر ~~إلى أن من الله عليه بعد ذلك بقبول الإسلام. وقوله تعالى: ~~{ قل إن هدى الله هو الهدى وأمرنا لنسلم }؛ أي ~~قل لهم: إن دين الله هو الإسلام؛ وأمرنا لنخلص ~~العبادة؛: { لرب العالمين }. ### || [6.72] # قوله عز وجل: { وأن أقيموا الصلاة واتقوه }؛ ~~عطف على قوله: { لنسلم } أي أمرنا لنسلم؛ فقيل لنا: ~~أسلموا وأقيموا الصلاة بركوعها وسجودها، { واتقوه } أي ~~اتقوا سخطه؛ { وهو الذي إليه تحشرون }؛ أي ~~تجمعون يوم القيامة. ### || [6.73] # قوله تعالى: { وهو الذي خلق السموت والأرض ~~بالحق }؛ أي لإقامة أمر الحق؛ وهو الثواب والعقاب في الآخرة، ~~ولم يخلقها باطلا لغير شيء، وقوله تعالى: { ويوم ~~يقول كن فيكون قوله الحق }؛ أي وخلق الخلائق يوم ~~يقول كن فيكون. وقيل: معناه: واتقوه يوم يقول كن ~~فيكون. وقيل: واذكروا يوم يقول ليوم القيامة: كن ~~فيكون مكونا بإذن الله تعالى. # قوله تعالى: { وله الملك يوم ينفخ في الصور }؛ ~~أي الآخرة في أمر يوم القيامة حق كائن لا محالة، وله الملك ~~يومئذ. وتخصيص ذلك اليوم بالملك؛ لأن اليوم الذي لا يظهر فيه ~~من أحد سوى الله نفع ولا ضر كما قال الله تعالى: # والأمر يومئذ لله # [الانفطار: 19]. والصور: قرن ينفخ فيه إسرافيل نفختين؛ ~~فتغشى الخلائق كلهم بالنفخة الأولى؛ ويحيون بالنفخة الثانية، ~~فتكون النفخة الأولى لانتهاء الدنيا؛ والثانية لابتداء الآخرة. ~~قوله تعالى: { علم الغيب والشهدة }؛ أي وعالم ما ~~غاب عن العباد وما علموه؛ { وهو الحكيم }؛ في أمره، { ~~الخبير }؛ بأعمال عباده. ### || [6.74] # قوله عز وجل: { وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ~~أتتخذ أصناما آلهة }؛ أي اذكر يا محمد إذ قال ~~إبراهيم لأبيه آزر، من قرأ (آزر) بالنصب فموضعه خفض بدل من ~~(أبيه) إلا أنه لا ينصرف؛ لأنه اسم أعجمي، ومن رفعه فعلى ~~النداء؛ أي يا آزر. وكان آزر مسكنه (كوت) قرية من سواد ~~الكوفة. # قال السدي والحسن: (آزر اسم لأبي إبراهيم). وقال ~~الفراء: (هو صفة عيب وسب؛ ومعناه في كلامهم: ~~المعوج). وقيل: معناه: الشيخ لهم. وقيل: قال إبراهيم ~~لأبيه المخطىء، أو ms0744 قال لأبيه: يا مخطىء. وكان على هذا القول ~~اسم أندتارخ بن ياجوراء. وقال سعيد بن المسيب ومجاهد: (آزر اسم ~~صنم) وهو على هذا التأويل في موضع نصب، وفي الكلام تقديم وتأخير؛ ~~تقديره: اتخذ آزر أصناما آلهة من دون الله. # وقيل: كان إبراهيم قال لأبيه: لا تتخذوا آزر إلها، ~~أتتخذ أصناما آلهة، { إني أراك وقومك في ضلال ~~}؛ عن الحق؛ { مبين }؛ أي ظاهر الضلالة في ذهاب عن الحق ~~بين. ### || [6.75-79] # قوله تعالى: { وكذلك نري إبراهيم ملكوت ~~السموت والأرض }؛ أي كما أرينا إبراهيم النصرة في دينه ~~والحق في مخالفة قومه؛ نريه ملكوت السماوات والأرض؛ ~~أي ملكها ونريه القدرة التي يقوي بها دلالته على توحيد الله ~~تعالى، وهو ما رأى من السماء والأرض والكواكب والقمر والشمس. # وقال مجاهد وسعيد بن جبير: (معنى: { وكذلك نري ~~إبراهيم ملكوت السموت والأرض } أي آيات ~~السماوات والأرض؛ وذلك أنه أقيم على صخرة ~~وكشف له عن السماوات والأرض حتى العرش وأسفل ~~الأرضين، ونظر إلى مكانه في الجنة؛ وذلك ~~قوله تعالى: # وآتيناه أجره في الدنيا # [العنكبوت: 27] يعني أريناه مكانه في الجنة). # وقيل: معنى الآية: كما أرينا إبراهيم قبح ما كان عليه أبوه وقومه ~~من المذهب؛ كذلك نريه ملكوت السماوات والأرض. والملكوت: ~~عبارة عن أعظم الملك؛ زيدت الواو والتاء للمبالغة؛ كما ~~يقال: رهبوت خير من رحموت، هذا مثل يقوله العرب؛ معناه: ~~لئن ترهب خير من أن ترحم. فملكوت السماوات: الشمس والقمر والنجوم؛ ~~وملكوت الأرض: الجبال والشجر. وقوله تعالى: { وليكون من ~~الموقنين }؛ أي نريه الملكوت ليستدل بذلك على توحيد الله ~~ويثبت على اليقين. # قوله عز وجل: { فلما جن عليه الليل رأى ~~كوكبا قال هذا ربي } قال المفسرون: إن إبراهيم ولد في ~~زمان النمرود بن كنعان، وكان النمرود أول من دعا الناس ~~إلى عبادته، وكان له كهان ومنجمون، فقالوا له: إنه يولد في هذه ~~السنة غلام يغير دين أهل الأرض، ويكون هلاكك وزوال ملكك ~~على يديه. # قال السدي: (رأى النمرود في منامه كأن كوكبا ~~طلع فذهب بضوء الشمس والقمر حتى لم يبق ~~لهما ضوءا، ms0745 ففزع من ذلك ودعا السحرة والكهان؛ ~~وسألهم عن ذلك فقالوا: هو مولود يولد في ~~ناحيتك في هذه السنة، يكون هلاكك على يديه. ~~فأمر بذبح كل غلام يولد في ناحيته في تلك ~~السنة، وأمر الرجال باعتزال النساء، وجعل ~~عليهم الحراس، فمكث كذلك ما شاء الله). # قال السدي: (خرج النمرود بالرجال إلى العسكر، ~~ونهاهم عن النساء مخافة من ذلك المولود، ~~فبدت له حاجة إلى المدينة، فلم يأتمن عليها ~~أحدا من قومه إلا آزر، فدعاه وأمره لحاجته ~~إلى المدينة، وقال له: إنك ثقتي؛ فأقسمت إليك ~~أن لا تدنو من امرأتك ولا تواقعها، ثم أوصاه ~~بحاجته. فلما دخل المدينة وقضى حاجته، قال: ~~لو دخلت على أهلي فرأيت كيف حالهم، فلما نظر ~~إلى امرأته لم يتمالك حتى وقع عليها، وكانت ~~قد طهرت من الحيض، فحملت بإبراهيم عليه السلام، ~~فلما حملت به؛ قالت الكهنة للنمرود: إن ~~الغلام الذي أخبرناك به قد حملت به أمه ~~الليلة، فأمر النمرود بذبح كل ولد من ~~الغلمان. # فلما دنت ولادة أم إبراهيم وأخذها المخاض، ~~خرجت هاربة مخافة أن يطلع عليها فيقتل ~~ولدها، فوضعته في موضع، ثم لفته في خرقة ~~وجعلته في الحلفاء، ثم رجعت إلى زوجها ~~فأعلمته، فانطلق أبوه إليه وحفر له سربا في ~~ذلك المكان وجعله فيه، وسد عليه بصخرة ~~مخافة أن تأكله السباع، وكانت أمه تختلف ~~إليه سرا فترضعه، وكان إذا بكى على أمه أتاه ~~جبريل عليه السلام فوضع إصبعه في فمه فيخرج منها ~~اللبن، فكان يمص سبابة نفسه). # وقال أبو روق: (كانت أم إبراهيم كلما جاءته ~~لتنظر إليه وجدته يمص أصابعه، وقالت: ذات ~~يوم نظرت إلى أصابعه، فوجدته يمص من إصبع ~~ماء؛ ومن إصبع لبنا، ومن إصبع عسلا؛ ومن إصبع ~~سمنا). # وقال بعضهم: لما وضعت أم إبراهيم حملها، ذهبت به وحفرت ~~له حفرة وألقته فيها وسدتها عليه بصخرة، ورجعت فسألها أبوه ~~آزر: ما فعل حملك؟ قالت: وضعت غلاما فمات، فصدقها وسكت ~~عنها. وكان إبراهيم يشب في اليوم مثل ما يشب غيره في الشهر، ~~ويشب في الشهر ما يشب ms0746 غيره في السنة، فلم يمكث إبراهيم في ~~المغارة إلا خمسة عشر يوما، ثم أخبرت أمه أزر بخبره وما ~~صنعت به، فلما شب إبراهيم في المغارة وعقل وتكلم، أتته ~~أمه ذات يوم فقال لها: من ربي؟ قالت: أنا! قال: ومن ~~ربك؟ قالت: أبوك! قال: ومن رب أبي؟ قالت: النمرود! قال: ومن ~~رب النمرود؟ قالت: اسكت! فسكت. # ثم رجعت إلى أبيه وأخبرته بذلك، فأتاه آزر؛ قال له: يا أبتاه من ~~ربي؟ قال: أمك؛ قال: ومن رب أمي؟ قال: أنا! قال: ومن ربك؟ ~~قال: النمرود! قال: ومن رب النمرود؟ فلطمه؛ وقال: اسكت؛ ~~فسكت. # ثم أنه خرج بعد ذلك من السرب حين غربت الشمس، فنظر إبراهيم إلى ~~الإبل والخيل والغنم فقال: لا بد أن يكون لهذه رب وخالق، ثم ~~تفكر في خلق السماوات والأرض، وقال: إن الذي خلقني ورزقني ~~وأطعمني وسقاني هو ربي، ما لي إله غيره. { فلما جن عليه ~~الليل } أي غشيه الليل؛ رأى الزهرة؛ { قال هذا ربي ~~}. { فلمآ أفل } ذلك النجم؛ قال: لا أحب ربا ليس بدائم. ثم ~~نظر؛ فرأى القمر طالعا في آخر الليل؛ { قال هذا ربي } ، ~~فلما رآه يسري وينتقل من مكان إلى مكان، علم أنه محدث ~~لا يصلح أن يكون ربا؛ ف { قال لئن لم يهدني ربي ~~لأكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس } ~~طالعة قد ملأت كل شيء، { قال هذا ربي هذآ أكبر } ~~مما قبله، { فلمآ أفلت } جاء إلى قومه فرآهم يعبدون ~~الأصنام، ف { قال يقوم إني بريء مما تشركون }. # قوله عز وجل: { فلما جن عليه الليل }؛ ~~وأظلم أي غطاه، والتظلم، يقال: يجن جنة الليل؛ وأجنه ~~وجن عليه؛ إذا أظلم، وجنت الميت وأجنته إذا ~~دفنته. وقوله تعالى: { رأى كوكبا قال هذا ربي ~~}؛ في هذا القول ثلاثة أوجه: # أحدها: أنه قال هذا ربي في ظني؛ لأنه كان في حال فكرة واستدلال، ~~وكان في ذلك الوقت مهلة له للتروي والنظر، فلما رأى الكوكب في ~~علوه وضيائه، قرر في نفسه على ما ينقسم حكمه من كونه ربا ~~خالقا أو مخلوقا مربوبا، ms0747 فلما رآه طالعا آفلا ومتحركا ~~زائلا، قضى بأنه محدث بمقارنته، أما ذات الحدث وأنه ليس برب، ~~وأن المحدث غير قادر على إحداث الأجسام، وأن ذلك يستحيل منه، ~~كما استحال ذلك من نفسه إذا كان محدثا، فحكم بمساواته له من جهة ~~الحدوث وامتناع كونه خالقا. # ثم لما طلع القمر فوجد صفته في العظم والإشراق وانبساط النور ~~أكبر، قرر في نفسه أيضا على ما ينقسم حكمه فقال: هذا ربي، فلما رآه ~~وتأمله وجده في معنى الكوكب في الطلوع والأفول، فحكم عليه ~~بحكمه، وإن كان أكثر منه ضوءا. # ثم لما رأى الشمس في عظمها وإشراقها وتكامل ضيائها، قال: هذا ~~ربي؛ لأنها كانت تخالف الكواكب والقمر في هذه الأوصاف، فلما رآها ~~أفلت، حكم لها بالحدوث وأنها في حكم الكوكب والقمر ~~منتقلة؛ لوجود دلالة الحدث في الجميع. قالوا: والذي يؤيد هذا ~~التأويل الذي ذكرناه: أن قول إبراهيم على وجه النظر ~~والتفكر، ما ذكره الله عنه أنه عليه السلام قال: { لئن ~~لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين }. # والثاني؛ وهو الأقرب إلى الصحة: أن إبراهيم إنما قال هذا في حال ~~الطفولة قبل كمال عقله حين حركة الخواطر للفكرة، والنظر في ~~دلائل توحيد الله تعالى. # فإن قيل: كيف يحمل أن هذا القول من إبراهيم كان على ابتداء ~~النظر، وقد تقدم إنكاره على أبيه وقومه عبادة الأصنام لقوله: { ~~أتتخذ أصناما آلهة }؟ قيل: تقدم الآية في التلاوة لا ~~يوجب أنها مقدمة في الحال، ولا يمتنع أن إبراهيم عليه السلام ~~أنكر على أبيه وقومه بعد هذا النظر الذي ذكرناه. # والثالث: أن قوله: { هذا ربي } كان على وجه الإنكار الذي ~~يكون مع إلغاء الاستفهام، وكان قصده من هذا القول استدراج قومه ~~لإقامة الحجة عليهم وتقربهم إلى الهدى، فإنهم كانوا يعبدون ~~الأصنام والشمس والقمر والكواكب، كأنه قال لهم: هذا ربي في زعمكم، ~~كما قال تعالى: # أين شركآؤكم الذين كنتم تزعمون # [الأنعام: 22]. # { فلمآ أفل }؛ الكوكب وتبين " أنه " مسخر مذلل؛ { ~~قال لا أحب الآفلين }؛ أي لا أعظمه تعظيم الرب ~~عز وجل. وقوله تعالى: { قال ms0748 لئن لم يهدني ~~ربي لأكونن } معناه على هذا القول: لئن لم يثبتني ربي على ~~الهدى؛ لأن الله تعالى أثنى على إبراهيم عليه السلام في آية أخرى ~~بقوله: # إذ جآء ربه بقلب سليم # [الصافات: 84] والسليم: الذي لا شك فيه وفي سلامته ~~من كل عيب. # وقوله عز وجل: { فلمآ رأى القمر بازغا }؛ ~~معناه: فلما رأى القمر طالعا؛ { قال هذا ربي }؛ يقال: ~~بزغ القمر إذا ابتدأ الطلوع، وقوله تعالى: { فلمآ أفل } ~~أي فلما غاب، { قال لئن لم يهدني ربي }؛ أي لئن لم ~~يرشدني ربي ويثبتني على الطريق المستقيم، { لأكونن من ~~القوم الضالين } عن الهدي. # قوله عز وجل: { فلما رأى الشمس بازغة قال ~~هذا ربي هذآ أكبر } أي فلما رأى الشمس طالعة؛ قال: ~~هذا الطالع ربي وهذا النور ربي، { فلمآ أفلت }؛ أي غابت ~~الشمس، { قال يقوم إني بريء مما تشركون } بالله ~~من الأصنام والأوثان والشمس والقمر والكواكب. # قالوا: فمن تعبد أنت يا إبراهيم؟ قال: { إني وجهت وجهي ~~للذي فطر السموت والأرض }؛ أي إني أخلصت ديني ~~وعبادتي وجعلت قصدي للذي ابتدأ خلق السماوات والأرض، { ~~حنيفا }؛ أي مائلا من الأديان الباطلة إلى دين الحق ميلا لا ~~رجوع فيه، { ومآ أنا من المشركين }؛ أي لست على دينكم ~~أيها المشركون. ### || [6.80] # قوله عز وجل: { وحآجه قومه قال أتحجوني ~~في الله وقد هدان }؛ وذلك أن قوم إبراهيم خاصموه في ~~مخالفته إياهم في دينهم وخوفوه بآلهتهم، وقالوا: أما تخاف ~~آلهتنا وأنت تشتمها أن تخبلك وتفسدك؟! وقالوا له: إن ~~موضع أهل كذا قد تركوا عبادة الأصنام فأمحنوا وقحطوا، وأهل ~~موضع كذا أحسنوا عبادة الأصنام فرزقوا السعة والخصب، فأجابهم ~~إبراهيم عليه السلام: { أتحجوني في الله } أي أتخاصموني ~~في توحيد الله ودينه، وقد نصرني الله وعرفني دينه وتوحيده بما ~~نصب لي من الدلائل. # قوله تعالى: { ولا أخاف ما تشركون به }؛ أي لا ~~أخاف من هذه الأشياء التي تعبدونها وهي مما لا يسمع ولا يبصر ~~ولا ينفع ولا يضر. قوله تعالى: { إلا أن يشآء ربي ~~شيئا }؛ استثناء منقطع؛ أي ولكن أخاف مشيئة ربي أن ms0749 يعذبني ببعض ~~ذنوبي أو يبلوني بشيء من محن الدنيا. وموضع { أن يشآء } ~~نصب على تقدير: لا أخاف إلا مشيئة الله تعالى. # قوله تعالى: { وسع ربي كل شيء علما }؛ أي أحاط ~~علم ربي بكل شيء، وملأ كل شيء علما، وهو يعلم أنكم على غير ~~الحق، وقوله تعالى: { أفلا تتذكرون }؛ تنبيه على التفكر ~~فيما كان بقوله لهم. ### || [6.81-82] # قوله عز وجل: { وكيف أخاف مآ أشركتم }؛ وكيف ~~أخاف الأصنام التي أشركتموها مع الله، وهي لا تملك الضر ~~والنفع، بل لا تعرف من عبدها ومن ترك عبادتها، { ولا ~~تخافون أنكم أشركتم بالله }؛ الذي يملك النفع ~~والضر ويعلم من عبده ومن لم يعبده، { ما لم ينزل به ~~عليكم سلطنا }؛ أي عذرا وحجة لكم؛ { فأي ~~الفريقين أحق بالأمن }؛ أي الموحدون أم المشركون، { إن ~~كنتم تعلمون } ، ذلك. # فلم يجيبوا فأنزل الله تعالى: { الذين آمنوا ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم }؛ أي الذين أقروا بتوحيد الله ~~ولم يخلطوا إيمانهم بشرك، { أولئك لهم الأمن }؛ ~~من العذاب؛ { وهم مهتدون }؛ إلى الحجة، وقيل: إلى الجنة. ~~وقيل: إن قوله: { الذين آمنوا ولم يلبسوا ~~إيمانهم بظلم } قول إبراهيم عليه السلام. # وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: لما نزلت هذه ~~الآية؛ # " شق ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وقالوا: وأينا لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال صلى ~~الله عليه وسلم: " إنه ليس كذلك، ألا تسمعون إلى قول ~~لقمان: { إن الشرك لظلم عظيم }؟ ". ### || [6.83] # قوله عز وجل: { وتلك حجتنآ ءاتينهآ ~~إبرهيم على قومه }؛ أي تلك المقالة التي حاج بها ~~إبراهيم حجتنا أعطيناها ولقناها إبراهيم؛ ليحتج بها ~~على قومه، { نرفع درجت من نشآء }؛ في الدنيا بالحجة ~~والنصرة، وفي الآخرة بالثواب والفضيلة. ومن قرأ (درجات) ~~بالتنوين لا على الإضافة فمعناه: نرفع من نشاء درجات، { إن ~~ربك }؛ يا محمد: { حكيم عليم }؛ في تفضيل بعض الناس على ~~بعض، وتخصيص بعضهم بالنبوة. ### || [6.84] # قوله عز وجل: { ووهبنا له إسحاق ويعقوب ~~كلا هدينا }؛ أي وهبنا لإبراهيم إسحاق نبيا لصلبه ~~ويعقوب نافلة، { كلا } يعني أن إبراهيم وإسحاق ويعقوب ~~هديناهم للنبوة ms0750 والإسلام { ونوحا هدينا من قبل } من ~~قبل إبراهيم، { ومن ذريته داوود وسليمان ~~وأيوب ويوسف وموسى وهارون }؛ أي ومن ذرية نوح، وهذا ~~قول بعضهم؛ جعلوا الهاء راجعة إلى نوح؛ لأنها أقرب إلى اسمه؛ ~~ولأنه ذكر في جملة المعطوفين على داود وسليمان ممن ليس من ~~ذرية إبراهيم وهو من ذرية نوح كيونس عليه السلام وكلوط عليه ~~السلام الذي كان ابن أخ إبراهيم ولم يكن من ولده. # وقال بعضهم: هي راجعة إلى إبراهيم؛ لأنه هو المقصود بالذكر فيما ~~تقدم من الآية، { وكذلك نجزي المحسنين }؛ أي كما ~~تفضلنا على هؤلاء الأنبياء بالنبوة وما يتصل بها من العز ~~والكرامة، كذلك نتفضل على المحسنين. ### || [6.85] # قوله تعالى: { وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس ~~كل من الصالحين }؛ معناه: ومن ذرية إبراهيم { ~~وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من } المرسلين. ~~قال الضحاك: (كان إلياس من ولد إسماعيل بن ~~إبراهيم). وقال بعضهم: معنى الآية: وهدينا (زكريا ويحيى ~~وعيسى وإلياس). وفي الآية حجة على من أنكر في الحسن ~~والحسين أنهما أبناء رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه تعالى جعل ~~عيسى - ولا أب له - من ذرية إبراهيم. ### || [6.86] # قوله تعالى: { وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا }؛ ~~معناه: وهدينا إسماعيل واليسع؛ وهو تلميذ إلياس وخليفته من ~~بعده. وقال محمد بن إسحاق: (هو ابن أخي موسى عليه السلام). و(اليسع) ~~فيه قراءتان: بالتشديد والتخفيف، { وكلا فضلنا على ~~العالمين }؛ أي وكل هؤلاء الأنبياء فضلناهم بالنبوة ~~والإسلام على عالمي زمانهم. ### || [6.87] # قوله تعالى: { ومن آبائهم وذرياتهم ~~وإخوانهم }؛ أي هدينا بعض آبائهم من قبلهم مثل آدم وشيت ~~وإدريس، وبعض ذرياتهم من بعدهم؛ وهم أولاد يعقوب. ومن جملة ذرياتهم ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. وقوله تعالى: { وإخوانهم } ~~هم أخوة يوسف في عصرهم، ويحتمل أن يكون المراد بهم كل من آمن ~~معهم، فإنهم كلهم داخلون في هداية الإسلام. # وقوله تعالى: { واجتبيناهم }؛ أي اصطفينا هؤلاء الأنبياء ~~بالنبوة والإخلاص، وجمعنا فيهم خصال الاجتباء؛ مأخوذ من ~~قولهم: جبيت الماء في الحوض واجتبيته؛ إذا جمعته. ~~وقوله تعالى: { وهديناهم إلى صراط مستقيم }؛ أي ~~أثبتناهم على طريق الحق ms0751 وهو دين الإسلام. ### || [6.88] # قوله عز وجل: { ذلك هدى الله يهدي به من ~~يشآء من عباده }؛ أي إن ذلك الطريق المستقيم دين الله ~~يوفق له من يشاء ممن كان أهلا لذلك، { ولو أشركوا }؛ ~~أي لو أشرك هؤلاء الأنبياء طرفة عين مع اصطفاء الله تعالى ~~إياهم، { لحبط عنهم ما }؛ أي لبطلت أعمالهم التي؛ { ~~كانوا يعملون }؛ من الطاعة، فكيف أنتم يا أهل مكة؟! ### || [6.89] # قوله تعالى: { أولئك الذين آتيناهم الكتاب ~~والحكم والنبوة }؛ أي أولئك الأنبياء صلوات الله ~~عليهم أعطيناهم الكتاب المنزل، والحكم بين الناس، ~~وأكرمناهم بالنبوة والرسالة، { فإن يكفر بها } أي بملة ~~هؤلاء الأنبياء، { هؤلاء }؛ يعني قريشا؛ { فقد وكلنا ~~بها }؛ أي فقد قام بها، { قوما ليسوا بها بكافرين } ~~وهم أهل المدينة وأتباع النبي صلى الله عليه وسلم. # وقيل: هم الملائكة، وإنما قال: { فقد وكلنا بها } ولم يقل: ~~فقد قام بها، تشريفا للملائكة بالإضافة إلى نفسه على معنى: أكرمنا ~~ووفقنا إلى الإيمان بها. يقال: معناه: فقد أكرمنا بها قوما ~~ليسوا بها بكافرين؛ فقاموا بها. ### || [6.90] # قوله تعالى: { أولئك الذين هدى الله ~~فبهداهم اقتده } ، أي أولئك الأنبياء الذين ذكرناهم من ~~قبل هم الذين أكرمهم الله بالطريقة الحسنة؛ فاقتد بسيرتهم؛ ~~اصبر كما صبروا حتى تستحق من الثواب ما استحقوا. وأما الهاء في ~~(اقتده) فإذا أثبت الهاء في الوقف تتبين بها كسرة الدال، فإن ~~وصلت قلت: { اقتده قل لا أسألكم }. # قوله: { قل لا أسألكم عليه أجرا }؛ معناه: قل ~~يا محمد: لا أسألكم على الإيمان والقرآن جعلا، { إن ~~هو }؛ يعني القرآن، { إلا ذكرى للعالمين }؛ إلا عظة ~~بليغة للجن والإنس. وفي الآية دليل على أن شرائع الأنبياء ~~تلزمنا ما لم نعلم نسخه؛ لأن اسم الهدى يقع على التوحيد ~~والشرائع. ### || [6.91] # قوله تعالى: { وما قدروا الله حق قدره إذ ~~قالوا مآ أنزل الله على بشر من شيء }؛ قال ابن ~~عباس وسعيد بن جبير في معنى هذه الآية: # " جاء رجل من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقال له مالك بن الصيف، وكان رأس اليهود؛ فقال ~~له النبي ms0752 صلى الله عليه وسلم: " أنشدك الله يا مالك ~~بالذي أنزل التوراة على موسى عليه السلام؛ أتجد ~~فيها أن الله يبغض الحبر السمين؟ " قال: نعم. ~~قال: " فأنت الحبر السمين، وقد سمنتك ~~مأكلتك التي تطعمك اليهود، ولست تصوم - أي ~~ولست تمسك - " فضحك به بعض القوم، فغضب مالك، ~~وكان حبرا سمينا، ثم التفت إلى عمر رضي الله عنه ~~وقال: ما أنزل الله على بشر من شيء. فأنزل الله ~~هذه الآية ". # وقال السدي: (نزلت في فنحاص بن زوراء؛ وهو ~~قائل هذه المقالة). وقال محمد بن كعب: (جاء ناس من ~~اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهو محتب، ~~فقالوا: يا أبا القاسم، ألا تأتينا بكتاب من عند ~~الله، كما جاء به موسى من عند الله؟ فأنزل الله ~~تعالى: # يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من ~~السمآء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا ~~أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة # [النساء: 153]. فقال رجل من اليهود: ما أنزل الله ~~عليك، ولا على موسى، ولا على عيسى، ولا على أحد ~~شيئا. فأنزل الله هذه الآية). # ومعناها: ما عظموا الله حق عظمته، ولا عرفوه حق ~~معرفته إذ جحدوا فقالوا: ما أنزل الله على بشر من ~~شيء؛ أي من كتاب ولا وحي، { قل }؛ لهم يا محمد: { من ~~أنزل الكتب الذي جآء به موسى }؛ يعني التوراة؛ { ~~نورا وهدى للناس }؛ أي ضياء للناس وبيانا لهم من ~~الضلالة، { تجعلونه قراطيس }؛ يكتبونه صحائف، { ~~تبدونها }؛ يظهرون ما فيها مما ليس فيه صفة النبي صلى الله ~~عليه وسلم وزمانه ومبعثه ونبوته، { وتخفون كثيرا }؛ أي ~~يسترون ما فيه صفة النبي صلى الله عليه وسلم وبعثه وآية ~~الرجم. # وقوله تعالى: { وعلمتم ما لم تعلموا أنتم ولا ~~ءابآؤكم }؛ يحتمل أن يكون خطابا للمسلمين، أي علمتم أنتم ~~أيها المؤمنون من الأحكام والحدود ما لم تعلموا أنتم ولا ~~آباؤكم. والأظهر: أنه خطاب لليهود؛ لأنه مسوق على ما سبق، ~~معناه: علمتم بالقرآن ما كنتم أخفيتموه قبل نزول ~~القرآن؛ لأنهم قد ضيعوا شيئا كثيرا من القرآن والأحكام، ~~وكانوا يعاندون ولا يعملون حتى ms0753 صاروا كأنهم لم يعلموه. # قوله تعالى: { قل الله }؛ معناه: إن هم أجابوك وقالوا: ~~أعلمنا الله، وإلا فقل: الله علمكم. ويقال معناه: قل ~~الله أنزل الكتاب على موسى، { ثم ذرهم في خوضهم ~~يلعبون }؛ أي دعهم واتركهم في باطلهم يلهون، ويقال لكل ~~من عمل ما لا ينفعه: إنما أنت لاعب. # قال ابن عباس: (فلما رجع مالك بن الصيف من عند ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه، قالوا له: ~~ويلك! ما هذا الذي بلغنا عنك، زعمت أنه ما ~~أنزل الله على بشر من شيء! أرأيت كتابنا من جاء ~~به إلى موسى وهو بشر؟! قال: إنه قد أغضبني، ~~فلذلك قلت ما قلت. قالوا: إذا غضبت قلت غير ~~الحق، والله لا تلي لنا شيئا، فنزعوه عما كان ~~يلي لهم، وولوا مكانه كعب بن الأشرف). قرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو بالياء فيها على الإخبار، وقرأ الباقون بالتاء على ~~الخطاب. ### || [6.92] # قوله عز وجل: { وهذا كتب أنزلنه مبارك }؛ ~~يعني القرآن الذي كذب به أهل الكتاب ومشركو قريش؛ هو { كتب ~~أنزلنه مبارك } أي فيه بركة ومغفرة للذنوب لمن آمن ~~به، والبركة: ثبوت الخير على النماء والزيادة. وقوله تعالى: { ~~مصدق الذي بين يديه }؛ هو موافق للتوراة والإنجيل ~~وسائر كتب الله في أصل الدين، ويقال: المراد ب { الذي بين ~~يديه } النشأة الثانية. # قوله تعالى: { ولتنذر أم القرى ومن حولها }؛ ~~أي أنزلناه للبركة، ولتخوف به أهل أم القرى، وسميت مكة ~~أم القرى لأنها أصل القرى دحيت الأرض من تحتها، ويقال: ~~لأنها أعظم القرى شأنا، وقيل: لأنها قبلة تأمها الناس ~~بالصلوات إليها. # قوله تعالى: { والذين يؤمنون بالأخرة يؤمنون ~~به }؛ أي الذين يقرون ويصدقون بالبعث يؤمنون بالقرآن، وفي ~~هذا بيان أن الإيمان بالحساب والجزاء يقتضي الإيمان بالقرآن، ولا ~~ينفع بدون الإيمان به وبمحمد صلى الله عليه وسلم. وقوله ~~تعالى: { وهم على صلاتهم يحافظون }؛ أي يداومون ~~على الصلوات الخمس بركوعها وسجودها ومواقيتها. ### || [6.93] # قوله تعالى: { ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن ~~قال ms0754 سأنزل مثل مآ أنزل الله }؛ قال ابن عباس: ~~(نزلت هذه الآية في مالك بن الصيف ومسيلمة ~~الكذاب الذي كان يدعي النبوة، وفي عبدالله بن ~~سعد بن سرح القرشي، # " كان عبدالله بن سعد يتكلم بالإسلام، وكان ~~يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم القرآن الذي ينزل ~~عليه في بعض الأحيان، وكان إذا أملى عليه ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عزيز حكيم، كتب ~~من قلبه: أن الله غفور رحيم، وقال: هذا وذاك ~~سواء. # فلما نزلت الآية التي في سورة قد أفلح: { ~~ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين } إلى قوله ~~تعالى { فكسونا العظام لحما } ، ثم أملاها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فلما أملى عليه قوله: { ثم ~~أنشأناه خلقا آخر } عجب عبدالله بن سعد من ~~تفصيل خلق الإنسان، فجرى على لسانه: فتبارك ~~الله أحسن الخالقين، فقال صلى الله عليه وسلم: أكتب، ~~هكذا أنزل علي. فشك عبدالله حينئذ، وقال: ~~لئن كان محمد صادقا فقد أوحي إلي كما أوحي ~~إليه، ولإن كان كاذبا فلقد قلت كما قال. " # فأنزل الله هذه الآية) # ومعناها: أي أحد أكفر وأشد غبنا في كفره ممن اختلق على الله ~~كذبا، بأن جعل له شريكا وولدا كما قال المشركون ومالك بن الصيف: ~~(ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله)، والمراد بالذي { ~~قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء } مسيلمة الكذاب ~~وكان يسجع ويتكهن ويدعي النبوة ويزعم أن الله أوحى ~~إليه. وأما عبدالله بن سرح فارتد ولحق بالمشركين وقال: أنا أعلمكم ~~بمحمد، فلقد كان يملي علي فأغيره واكتب كما شئت. # قوله عز وجل: { ولو ترى إذ الظالمون في ~~غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم ~~أخرجوا أنفسكم }؛ أي لو رأيت الظالمين { في غمرات ~~الموت } لرأيت لهم عذابا عظيما. والظالمون هم الكافرون، وقيل: ~~المنافقون رآهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر في صفوف ~~المشركين، وقد نرى مسلمين بمكة فأخرجهم أهل مكة معهم كرها، فلما ~~رأوا قلة المؤمنين رجعوا إلى الشرك، فقالوا: غر هؤلاء ~~دينهم، عنوا به المؤمنين، وقاتلوا مع المشركين فقتلوا جميعا ms0755 ~~عامتهم. # قوله تعالى: { في غمرات الموت } أي في سكراته ~~ونزعاته وشدائده، وقوله تعالى: { والملائكة باسطوا ~~أيديهم } معناه: أن ملك الموت وأعوانه من ملائكة العذاب ~~يبسطون أيديهم عليهم بالعذاب ويقولون لهم: { أخرجوا ~~أنفسكم } أي خلصوا أنفسكم، ولستم تقدرون على خلاص. وقيل: ~~معناه فارقوا أرواحكم الخبيثة، كما يقول: لأحرقنك بالعذاب، ~~لأخرجن نفسك. # قوله تعالى: { اليوم تجزون عذاب الهون }؛ أي يقال ~~لهم يوم قبض الروح، وقيل: يوم القيامة حين معاينة العذاب: اليوم ~~تجزون العذاب الشديد الذي تهانون فيه، { بما كنتم ~~تقولون } ، بكذبكم، { على الله غير الحق وكنتم ~~عن آياته تستكبرون } ، وبما كنتم تتعظمون عن ~~الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. ### || [6.94] # قوله عز وجل: { ولقد جئتمونا فردى كما ~~خلقنكم أول مرة }؛ أي جئتمونا بلا مال ولا ولد كما ~~خلقناكم في الابتداء، والمعنى: أنه يقال لهم: { ولقد ~~جئتمونا فردى }. وفي الخبر: # " أنهم يحشرون يوم القيامة حفاة عراة غرلا، ~~قالت عائشة رضي الله عنها: (واسوأتاه! الرجل ~~والمرأة كذلك) فقال صلى الله عليه وسلم: " لكل امرئ ~~منهم يومئذ شأن يغنيه، لا ينظر الرجال إلى ~~النساء، ولا النساء إلى الرجال، شغل بعضهم عن ~~بعض ". # قوله تعالى: { وتركتم ما خولنكم وراء ~~ظهوركم }؛ أي وخلفتم ما أعطيناكم من الأموال لغيركم أي خلف ~~عليها غيركم في دار الدنيا، ولم تقدموها لأنفسكم، { وما نرى ~~معكم شفعآءكم } ، آلهتكم، { الذين } ، التي، { ~~زعمتم أنهم فيكم شركآء } ، يشفعون لكم ويقربونكم ~~إلي، { لقد تقطع بينكم }؛ أي وصلكم. # ومن قرأ (بينكم) بالنصب فمعناه: تقطع ما بينكم؛ أي ما كنتم فيه ~~من الشركة، { وضل عنكم ما كنتم تزعمون }؛ أنها ~~شفعاؤكم عند الله حين لم يقدروا عن دفع شيء من العذاب عنكم. # وقال الحسن: (معنى قوله: { ولقد جئتمونا فردى } ~~أي كل واحد على حدة). وقال ابن كيسان: (مفردين من ~~المعبودين). وقيل: (فرادى) أي وحدانا لا مال لكم ولا زوج ~~ولا ولد ولا خدم. فرادى: جمع فرد، مثل سكران وسكارى، ~~كسلان وكسالى. ويقال أيضا: فرادى بجزم الراء وكسرها ~~وفتحها، وجمعه أفراد. وقرأ الأعرج: (فردى) بغير ألف مثل ~~سكرى. # قوله ms0756 تعالى: { كما خلقنكم أول مرة } أي حفاة ~~عراة غرلا، { وتركتم ما خولنكم وراء ~~ظهوركم } أي ما أعطيناكم وملكناكم من الأموال والأولاد والخدم ~~وراء ظهوركم في الدنيا. قوله تعالى: { لقد تقطع ~~بينكم } قرأ أهل الحجاز والحسن ومجاهد والكسائي وحفص بالنصب؛ وهي ~~قراءة أبي موسى الأشعري، وقرأ الباقون بالرفع. ### || [6.95] # قوله عز وجل: { إن الله فالق الحب والنوى ~~}؛ أي خالق الحب والنوى، كقوله تعالى: # فاطر السموت والأرض # [الأنعام: 14] أي خالقهما. وقال الحسن وقتادة: { فالق الحب } ~~أي شاق الحبة عن السنبلة، والنواة عن ~~النخلة. والحب: جمع حبة والنوى: جمع نواة. # وقوله تعالى: { يخرج الحي من الميت ومخرج ~~الميت من الحي }؛ أي يخرج الإنسان من النطفة، والنطفة ~~من الإنسان. وسميت النطفة ميتا؛ لأنها من جملة الموات. وقيل: ~~معناه: يخرج النبات الغض الطري من الحب اليابس، ويخرج الحب ~~اليابس من النبات. # وكل ما يكون ناميا عند أهل اللغة بمنزلة الحي، وما لا يكون ~~ناميا فهو بمنزلة الميت. ويقال: معناه: يخرج المؤمن من الكافر، ~~ويخرج الكافر من المؤمن، وقوله: { ذلكم الله }؛ أي ذلكم الله ~~الذي يفعل هذا الفعل؛ هو الله، { فأنى تؤفكون }؛ أي فمن ~~أين تصرفون عن الحق. والإفك في اللغة: هو قلب ~~الشيء وصرفه. ### || [6.96] # قوله تعالى: { فالق الإصباح }؛ أي شاق عمود الصبح ~~عن سواد الليل، وقال ابن عباس: (معناه: خالق الإصباح). قال ~~الزجاج: (الإصباح والصبح واحد، والأصباح جمع ~~الصبح). ويقال: الإصباح بكسر الألف المصدر؛ ومعناه الدخول في ~~ضوء النهار. # وقوله تعالى: { وجعل الليل سكنا }؛ لتسكنوا فيه من ~~ظلمته في أوطانكم. وقرأ الحسن: (فالق الأصباح) بالفتح جمع ~~صبح، (وجاعل الليل سكنا) يسكن فيه خلقه. وقرأ ~~النخعي: (وجعل الليل سكنا) على الفعل في معناه: نور ~~النهار بالنور؛ لتبتغوا من فضله، وجعل الليل سكنا. # وقوله تعالى: { والشمس والقمر حسبانا }؛ نصب ~~الشمس على معنى: (وجعل)؛ لأن في (جاعل) معنى جعل؛ أي جعل ~~منازل الشمس والقمر بحسبان معلوم لا يختلف، إذا انتهى إلى أقصى ~~منازله رجع، فإن الشمس تدور على الفلك كله في ثلاثمائة ~~وخمسة وستين يوما وربع يوم، ms0757 والقمر يدور على الفلك كله في ~~ثمان وعشرين ليلة، ويكون مستورا في ليلتين، ثم يعود إلى ما كان، ~~فيعرف الناس بذلك آجال عقودهم، وأوقات معاملاتهم وعباداتهم، ~~وسنين أعمارهم. # والحسبان: مصدر، يقال: فلان حسبانه على الله؛ أي ~~حسابه على الله. ويقال: إن الحسبان جمع حساب، كما يقال: ~~شهاب وشهبان. قوله تعالى: { ذلك تقدير العزيز ~~العليم }؛ أي ذلك الذي وصف تدبير العزيز المنيع في سلطانه، ~~الغالب الذي لا يغلب، العالم بمصالح مملكته. ### || [6.97] # وقوله عز وجل: { وهو الذي جعل لكم النجوم ~~لتهتدوا بها في ظلمت البر والبحر }؛ أي هو ~~الذي جعل لكم النجوم التي تختلف مواضعها من جهة الشمال ~~والجنوب والدبور والصبا، لتعرفوا بها الطرق من بلد إلى بلد { في ~~ظلمت البر والبحر } أي في المفاوز ولجج البحار في ~~الليلة المظلمة في السفن. فإن من النجوم ما يجعله السائر ~~تلقاء وجهه، ومنها ما يجعله خلفه، ومنها ما يجعله على يمينه، ومنها ~~ما يجعله على شماله؛ لتظهر له الطريق التي تؤديه إلى بغيته. ~~وقوله تعالى: { قد فصلنا الآيت }؛ أي بينا ~~العلامات مفصلة، { لقوم يعلمون }. ### || [6.98] # قوله تعالى: { وهو الذي أنشأكم من نفس ~~وحدة }؛ أي أنشأ خلقكم من نفس آدم عليه السلام وحدها؛ فإنه ~~خلقنا جميعا منه، وخلق أمنا حواء من ضلع من أضلاع آدم ~~عليه السلام، وإنما من علينا بهذا؛ لأن الناس إذا رجعوا إلى أصل ~~واحد كانوا أقرب إلى أن يألف بعضهم بعضا. # وقوله تعالى: { فمستقر ومستودع }؛ قرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو: (فمستقر) بكسر القاف على معنى فمنكم مستقر، ~~وقرأ الباقون بفتحها على معنى: ذلك مستقر. قال ابن عباس: ~~(معنى قوله: { فمستقر ومستودع } أي مستقر في ~~أرحام الأمهات، ومستودع في أصلاب الآباء). وقال ~~بعضهم على الضد من هذا، إلا أن لفظ ال (مستقر) فيمن ~~خلف، كلفظ المستودع فيمن لم يخلف أقرب. # وقال ابن مسعود: (معناه: فمستقر في الرحم إلى أن ~~يولد، ومستودع في القبر إلى أن يبعث). وقال الحسن: ~~(مستقر في الدنيا، ومستودع في القبر). وقال ~~مجاهد: (فمستقر على ظهر الأرض في ms0758 الدنيا، ~~ومستودع عند الله في الآخرة). وقال أبو العالية: ~~(مستقرها أيام حياتها، ومستودعها حين تموت ~~وحين تبعث). وقال بعضهم: مستقر في الرحم، ومستقر فوق ~~الأرض، ومستقر تحت الأرض، اقرأ: # ونقر في الأرحام ما نشآء إلى أجل مسمى # [الحج: 5] و # ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين # [البقرة: 36]. وقيل: المستقر في القبر، والمستودع في الدنيا. قال ~~الحسن: (يا ابن آدم، أنت وديعة في أهلك، ويوشك أن ~~تلحق بصاحبك، وأنشد قول لبيد: # وما المال والأهلون إلا وديعة # ولا بد يوما أن ترد الودائع # وقال آخر: # فجع الأحبة بالأحبة قبلنا # والناس مفجوع به ومفجع # مستقر أو مستودع قد خلا # والمستقر يزوره المستودع # قوله عز وجل: { قد فصلنا الآيت }؛ أي بينا ~~العلامات الدالات على توحيد الله مفصلة، { لقوم يفقهون ~~}؛ أي لقوم يستدلون بمعاني الآيات. # والفقه في اللغة: هو الفهم لمعنى الكلام، إلا أنه قد ~~جعل في العرف عبارة عن علم الغيب، على معنى أنه استدراك معنى ~~الكلام بالاستنباط عن الأصول، ولهذا لا يجوز أن يوصف الله ~~تعالى بأنه فقيه؛ لأنه يوصف بالعلم، والعلم حجة الاستنباط، ~~ولكنه عالم بجميع الأشياء على وجه واحد. ### || [6.99] # قوله عز وجل: { وهو الذي أنزل من السمآء ~~مآء فأخرجنا به نبات كل شيء }؛ أي أنزل من السماء ~~المطر، فإن الله تعالى منزل المطر من السماء إلى السحاب، ~~وينزل من السحاب إلى الأرض، كما قال تعالى: # ونزلنا من السمآء مآء مبركا # [ق: 9] وقوله تعالى: { فأخرجنا به نبات كل شيء ~~} أي فأخرجنا بالمطر نبات كل صنف من أصناف الحبوب معاشا ~~لهم. # فإن قيل: كيف قال الله تعالى: { فأخرجنا به نبات كل ~~شيء } فجعل المطر سببا للنبات، والفاعل بالسبب يكون مستعينا ~~بفعل السبب، والله تعالى مستغن عن الأسباب؟ # قيل: إنما قال الله تعالى: { فأخرجنا به }؛ لأن المطر سبب ~~يؤدي إلى النبات، وليس بمولود له، والله تعالى قادر على إنبات ~~النبات بدون المطر، وإنما يكون الفاعل بالسبب مستعينا بذلك السبب ~~إذا لم يمكنه فعل ذلك الشيء إلا بذلك السبب، كما أن الإنسان إذا ~~لم ms0759 يمكنه أن يصعد السطح إلا بالسلم، كان السلم آلة ~~الصعود، والطائر إذا صعد السطح بالسلم، لم يكن السلم آلة ~~له؛ لأنه يمكنه أن يصعد السطح بدون السلم. # قوله تعالى: { فأخرجنا منه خضرا }؛ أي أخرجنا من ~~المطر نباتا أخضر؛ وهو ساق السنبلة، وقوله تعالى: { ~~نخرج منه حبا متراكبا }؛ أي نخرج من ساق السنبلة ~~ما قد ركب بعضه بعضا؛ يعني سنابل البر والشعير والأرز ~~والذرة وسائر الحبوب، يركب بعضه بعضا. # قوله تعالى: { ومن النخل من طلعها قنوان ~~دانية }؛ أي عروق قريبة المتناول ينالها القاعد. والقنوان: ~~جمع القنو؛ مثل صنو وصنوان. والقنو: عذق النخلة ~~والعذق؛ بفتح العين: النخلة. قال الزجاج: (في الآية ~~محذوف؛ أي دانية وغير دانية؛ وهي التي تكون ~~بعيدة المتناول). # وقرأ الأعرج: (قنوان) بضم القاف؛ وهي لغة قيس. وقال مجاهد: ~~(معنى قوله: (دانية) أي متدلية). وقال الضحاك: ~~(ملزقة بالأرض). # وقوله تعالى: { وجنت من أعناب }؛ عطف على قوله ~~تعالى: { خضرا } أي وأخرجنا جنات؛ أي بساتين وأشجار ~~ملتفة، وكل نبات متكاتف يستر بعضه بعضا فهو ~~جنة، من جن إذا استتر. وقرأ الأعمش ويحيى بن يعمر وعاصم: ~~(وجنات) بالرفع عطفا على (قنوان) لفظا، وإن لم تكن في المعنى ~~من جنسها، وكذلك قوله تعالى: (والزيتون والرمان ~~مشتبها وغير متشابه) بالرفع أيضا. # وقوله تعالى: { والزيتون والرمان مشتبها ~~وغير متشبه }؛ أي وأخرجنا من شجر الزيتون وشجر ~~الرمان، { مشتبها وغير متشبه } أي منها ما يشبه ~~غيره في الصورة واللون، ومنها ما لا يشبه. وقيل: معناه: ~~متشابها في المنظر واللون، وغير متشابه في الطعم مثل ~~الرمان الحامض والحلو. والفائدة في الجمع بين شجر ~~الزيتون وشجر الرمان في هذه الآية: بأنهما شجرتان يشتمل ~~ورقهما على الغصن من أوله إلى آخره مشتبه بأوراقهما، ومختلف ~~ثمارهما. # قوله تعالى: { انظروا إلى ثمره إذآ أثمر ~~وينعه }؛ أي انظروا إلى خروج الثمر نظر الاعتبار إذا عقد ~~وهو غض، وينعه إذا نضج وأخذ اللون من بين أصفر وأبيض ~~وأحمر، فمعناه: (انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه) أي ~~ونضجه وإدراكه. وقرأ أبو رجاء: (ويانعه) بالألف، ~~وقوله تعالى: ms0760 { انظروا إلى ثمره إذآ أثمر } ~~قرأ أهل الكوفة غير عاصم: (ثمره) بضم الثاء والميم على جمع ~~الثمار، فيكون جمع الجمع؛ لأن الثمر جمع الثمار. # ومعنى الآية: انظروا إلى الثمر في ابتداء طلوعه، وانظروا إليه ~~في انتهاء حاله وقت إدراكه، { إن في ذلكم لأيت لقوم ~~يؤمنون }؛ أي إن في خلق هذه الأشياء، وتصريفها ونقلها من حال ~~إلى حال لعلامات دالة على البعث لقوم يؤمنون بالله. وهذه ~~الآية دالة للمؤمنين وغيرهم، إلا أنه خص المؤمنين بالذكر؛ ~~لأنهم هم الذين ينتفعون بالاستدلال بها. ### || [6.100] # قوله تعالى: { وجعلوا لله شركآء الجن }؛ قال ~~ابن عباس: (نزلت هذه الآية في الزنادقة؛ قالوا: ~~إن الله تعالى وإبليس أخوان؛ فالله تعالى خالق ~~الناس والدواب والأنعام وكل خير، وإبليس خالق ~~السباع والحيات والعقارب وكل شر، فذلك قوله ~~تعالى: { وجعلوا لله شركآء الجن }. وقوله ~~تعالى: # وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا # [الصافات: 158]). وقال مقاتل: (نزلت الآية في جهينة ~~وخزاعة، قالوا: إن صنفا من الملائكة يقال لهم ~~الجن: بنات الله) تعالى عما يقولون علوا كبيرا. # وانتصب (الجن) لكونه بدلا من (شركاء) أو لأنه مفعول ثان ~~على تقدير: وجعلوا الجن شركاء لله؛ كقوله: # وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن ~~إناثا # [الزخرف: 19]. # قوله تعالى: { وخلقهم }؛ يجوز أن يكون الهاء والميم ~~عائدة إلى أهل الشرك، ويجوز أن تكون عائدة على الجن، على أن ~~المعنى: أن الله خالق الجن؛ فكيف يكونوا شركاء له؟! # وقوله تعالى: { وخرقوا له بنين وبنت بغير ~~علم }؛ أي وكذبوا بنسبة البنين والبنات إلى الله تعالى، فإن ~~مشركي العرب قالوا: الملائكة بنات الله، والنصارى قالوا: المسيح بن ~~الله، واليهود قالوا: عزير بن الله. وكذبوا كلهم لعنة الله ~~عليهم، يقال: خرق؛ واخترق؛ واختلق؛ وافترى: إذا ~~كذب. # وقرأ أهل المدينة: (وخرقوا) بالتشديد على التكثير. وقوله ~~تعالى: { بغير علم } أي بجهلهم بلا حجة؛ { سبحنه ~~وتعلى عما يصفون }؛ كلمة تنزيه وتبعيد لله تعالى عن ~~كل سوء؛ أي سبحوه أيها المؤمنون عما يقول عليه الجاهلون. ~~وقوله تعالى: (تعالى) علوا من العلو؛ أي استعلى ~~عما وصفوه به. ويجوز في ms0761 صفات الله تعالى: (علا) ولا يجوز: ~~ارتفع؛ لأن العلو قد يكون بالاقتدار؛ والارتفاع يقتضي الجهة ~~والمكان. ### || [6.101] # قوله عز وجل: { بديع السموت والأرض }؛ أي ~~مبتدع السماوات والأرض ومنشؤهما ابتداء على غير مثال ~~سبق. وقوله تعالى: { أنى يكون له ولد ولم تكن ~~له صحبة }؛ أي من أين يكون له ولد؛ وكيف يكون له ولد ولم ~~تكن له زوجة، ولا يكون الولد إلا من زوجة. # وقوله تعالى: { وخلق كل شيء }؛ نفي للزوجة ~~والولد؛ أي كيف يكون له ولد وصاحبة وقد خلق الأشياء كلها، { ~~وهو بكل شيء عليم }؛ من خلق العباد ومصالحهم؛ وجهل ~~الكفار وعنادهم. ### || [6.102] # قوله تعالى: { ذلكم الله ربكم لا إله إلا ~~هو خلق كل شيء فاعبدوه }؛ معناه: إن الذي خلق ~~الأشياء كلها وعملها وأشركتم به هو الله تعالى ربكم لا إله ~~غيره خالق كل شيء من الخلق فأطيعوه ووحدوه ولا تشركوا ~~بينه وبين غيره في العبادة؛ { وهو على كل شيء وكيل ~~}؛ أي حافظ. ### || [6.103] # قوله تعالى: { لا تدركه الأبصر }؛ أي لا تدرك ~~الأبصار كنهه؛ { وهو يدرك الأبصر }؛ أي يعلم كنهها ~~وماهيتها؛ فإنه لا أحد يعلم أن الإنسان لم صار يبصر ~~من عينيه ولا يبصر بغيرهما؛ وما الشيء الذي يصير به الإنسان ~~مبصرا؛ وكيف حقيقة البصر، فأعلم الله تعالى أن خلقا من ~~خلقه لا يدرك كنهه ولا يحيطون بعلمه؛ فيكف يحيطون ~~بالله؟! # فمن حمل الآية على هذا التأويل؛ لم يكن فيه ما ينفي الرؤية ~~في الآخرة؛ لأن معنى الرؤية غير معنى الإحاطة بحقيقة الشيء. وقال ~~بعض المفسرين: (إن الإدراك إذا قرن بالبصر؛ كان ~~المراد منه الرؤية، فإنه يقال: أدركت ببصري؛ ~~ورأيت ببصري، بمعنى واحد، كما يقال: أدركت ~~بأذني؛ وسمعت بأذني، بمعنى واحد). # قالوا: وأصل الإدراك: اللحوق؛ نحو قولك: أدركت زمان فلان؛ ~~وأدرك فلان أبا حنيفة؛ وأدرك الزرع والثمرة؛ وأدرك الغلام ~~إذا لحق حال الرجال. وإدراك البصر الشيء ولحوقه به ~~برؤيته إياه، إلا أنه لا يمتنع أن تكون هذه الآية ~~عامة من جهة اللفظ والمراد منها الخصوص توفيقا بين هذه الآية ~~وبين ms0762 قوله تعالى: # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22-23]. قوله تعالى: { وهو اللطيف الخبير ~~}؛ أي اللطيف بعباده في التدبير، الخبير بمصالحهم. ### || [6.104] # قوله تعالى: { قد جآءكم بصآئر من ربكم فمن ~~أبصر فلنفسه }؛ أي جاءكم القرآن الذي فيه البيان. ~~والبصائر: جمع البصيرة؛ وهي الحجة البينة، ~~فمن أبصر فلنفسه نفعه، { ومن عمي }؛ عن الحق ~~والقرآن؛ { فعليها }؛ فعلى نفسه ضرر ذلك، { ومآ ~~أنا عليكم بحفيظ }؛ أي برقيب أحفظ أعمالكم وأجازيكم ~~عليها، فإن الله يجازيكم على أعمالكم. # وقيل: معناه: لست عليكم بحفيظ فأحول بينكم وبين ~~إضراركم بأنفسكم، وإنما أنا رسول أبلغكم رسالات ربكم ~~وهو الحفيظ عليكم، لا يخفى عليه شيء من أعمالكم. ### || [6.105] # قوله تعالى: { وكذلك نصرف الآيات وليقولوا ~~درست } أي مثل ما صرفنا الآيات وبيناها فيما تلي ~~عليك؛ نصرف الآيات ونبينها في المستقبل لئلا يقولوا: ~~تختلقه من تلقاء نفسك، ولئلا يقولوا درست؛ أي ~~قرأت كتب أهل الكتاب. ومن قرأ (دارست) فمعناه: ذاكرت ~~أهل الكتاب. وكان أهل مكة يقولون: إنما يتعلمه من جبر ~~ويسار؛ وكانا غلامين عبرانيين بمكة. # ومعنى (درست) أدرست هذه الأخبار التي تتلوها علينا، ~~ومعنى (دارست) أي قارأت أهل الكتاب: تعلمت منهم وقرأت ~~عليهم وقرأوا عليك. # وقرأ قتادة: (درست) أي قريت وتليت، وقرأ الحسن وابن ~~عامر ويعقوب: (درست) بفتح الدال والراء والسين وجزم التاء؛ ~~يعني: تقادمت وانمحت وانمضت، وذكر الأخفش: (درست) ~~بضم الراء؛ ومعناها: درست؛ إلا أن ضم الراء أشد مبالغة. ~~وقرأ ابن مسعود والأعمش: (درس) بفتح السين من غير تاء؛ يعنون ~~النبي صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { ولنبينه لقوم يعلمون }؛ أي ~~ولنبين القرآن والتصريف لقوم يعلمون. ### || [6.106] # قوله تعالى: { اتبع مآ أوحي إليك من ربك }؛ أي ~~اعمل يا محمد بما أنزل إليك من القرآن من حلاله ~~وحرامه؛ { لا إله إلا هو }؛ أنزله. وقوله ~~تعالى: { وأعرض عن المشركين }؛ أي اتركهم في ~~ضلالتهم. وهذا منسوخ بآية السيف. وقيل: معناه: أعرض ~~عنهم استجهالا لهم. ### || [6.107] # قوله عز وجل: { ولو شآء الله مآ أشركوا }؛ أي ~~لو شاء الله لوفقهم إلى الإيمان، { وما جعلناك ms0763 ~~عليهم حفيظا }؛ أي يمنعهم عما يضرهم، { ومآ أنت ~~عليهم بوكيل }؛ أي وما أمرنا أن تلزمهم الإيمان ~~شاءوا أم أبوا، فإنك لا يمكنك أن تفعل ذلك بهم، وإنما هو ~~الذي يقدر على فعل هذا، ولكنه لم يفعل حتى لا يزول التكليف. # وإنما جمع بين حفيظ ووكيل لاختلاف معناهما، فإن ~~الحافظ للشيء هو الذي يصونه عما يضره، والوكيل بالشيء ~~هو الذي يجلب الخير إليه. ### || [6.108] # قوله تعالى: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون ~~الله فيسبوا الله عدوا بغير علم }؛ وذلك حين قال ~~الله تعالى: # إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ~~أنتم لها واردون * لو كان هؤلاء آلهة ما ~~وردوها وكل فيها خالدون # [الأنبياء: 98-99] قال المشركون: لئن لم تنته يا محمد عن ~~سب آلهتنا وعيبها لنسبن إلهك الذي تعبده، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. أي لا تسبوا معبودهم الذي يعبدونه من دون الله ~~فيسبوا الله عدوا وظلما. # ونصب (عدوا) على المصدر؛ أي يعدون عدوا. ويقال: نصب على ~~إرادة اللام؛ أي يسبون بالعدو. وقوله تعالى: { بغير ~~علم } أي بجهلهم يحملهم الغيظ على أن يسبوا معبودكم. # وفي هذا دليل على أن الإنسان إذا أراد أن يأمر غيره بالمعروف، ~~ويعلم أن المأمور يقع بذلك فيما هو أشد مما هو فيه من ~~شتم أو ضرب أو قتل، كان الأولى أن لا يأمره ويتركه على ما ~~هو فيه. وقرأ بعضهم: (عدوا بغير علم) أي أعداء؛ نصب على ~~الحال. وقال قتادة: (كان المسلمون يسبون أصنام ~~الكفار، فنهاهم الله تعالى عن ذلك لئلا يسبوا ~~الله، فإنهم قوم جهلة). # قوله تعالى: { كذلك زينا لكل أمة عملهم }؛ ~~أي كما زينا لك دينك وعملك؛ زينا لهم دينهم وعملهم، { ~~كذلك زينا لكل أمة عملهم } الذي يعملونه بميل ~~الطبائع إليه مجازاة لهم على فعلهم، كما قال تعالى: # بل طبع الله عليها بكفرهم # [النساء: 155]. وقوله تعالى: { ثم إلى ربهم ~~مرجعهم }؛ أي مصيرهم ومنقلبهم إلى الله تعالى، { ~~فينبئهم }؛ فيجزيهم؛ { بما كانوا يعملون }؛ في ~~الدنيا. ### || [6.109] # قوله تعالى: { وأقسموا بالله جهد أيمنهم ~~لئن جآءتهم آية ms0764 ليؤمنن بها }؛ أي حلفوا بالله ~~واجتهدوا في المبالغة في اليمين { لئن جآءتهم آية } أي ~~علامة لنبوتك ليصدقن بها. وعنوا بالآية الآيات التي كانوا ~~يقترحونها عليه، { قل }؛ لهم يا محمد: { إنما الآيت ~~عند الله }؛ إن مجيء الآيات من عند الله؛ إن شاء أنزلها ~~وإن شاء لم ينزلها، وإنما ينزل على حسب المصلحة. # وقوله تعالى: { وما يشعركم }؛ خطاب للمؤمنين؛ { ~~أنهآ إذا جآءت لا يؤمنون }؛ أي وما يدريكم أيها ~~المؤمنون؛ أنها إذا جاءتهم لا يؤمنون لما سبق لهم في ~~علم الله تعالى من الشقاوة. # وقرأ مجاهد وقتادة وأبو عمرو وابن كثير: (إنها) بالكسر على ~~الابتداء؛ وخبره: { لا يؤمنون }. وقرأ الباقون بالفتح؛ ومعناه ~~عند الخليل وسيبويه: لعلها إذا جاءت لا يؤمنون. وقرأ ~~ابن عامر وحمزة: (لا تؤمنون) بالتاء على مخاطبة الكفار؛ ~~أي وما يشعركم يا أهل مكة أنها إذا جاءت لا ~~تؤمنون. وقرأ الباقون بالياء. وقرأ الأعمش: (وما يشعركم ~~أنها إذا جاءتهم لا يؤمنون). ### || [6.110] # قوله تعالى: { ونقلب أفئدتهم وأبصرهم كما ~~لم يؤمنوا به أول مرة }؛ أي نترك أفئدتهم ~~وأبصارهم منقلبة كما هي في الحيرة التي بهم؛ والغفلة التي فيهم؛ ~~فلا نوفقهم مجازاة لهم فلا يؤمنون { كما لم يؤمنوا ~~به أول مرة } أي أول ما رأوا من الآيات. # وقيل: معناه: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم على جمر جهنم ~~ونارها؛ جزاء على ترك الإيمان وعقوبة عليه، { ونذرهم في ~~طغيانهم يعمهون }؛ أي نتركهم في ضلالتهم يتحيرون ~~ويترددون. ### || [6.111] # قوله تعالى: { ولو أننا نزلنآ إليهم ~~الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل ~~شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشآء الله ~~}؛ نزلت هذه الآية في رهط من أهل مكة من المستهزئين، وهم: ~~الوليد بن المغيرة؛ والعاص بن وائل؛ والأسود بن عبد يغوث؛ ~~وغيرهم. قالوا: يا محمد؛ ابعث لنا بعض موتانا حتى نسألهم ~~عنك: أحق ما تقول أم باطل؟ فنؤمن بك، وأرنا الملائكة يشهدون ~~أنك رسول الله، وائتنا بالله والملائكة قبيلا - أي كفيلا ~~- على ما تقول إنه الحق. فأنزل الله تعالى هذه الآية. # ومعناها: { ولو أننا نزلنآ إليهم الملائكة } ~~معاينة للشهادة ms0765 على نبوتك كما سألوك، { وكلمهم ~~الموتى } بأنك رسول الله، وأن القرآن كلامه، وجمعنا ~~عندهم كل شيء من الطير والوحوش والسباع وسائر الدواب كفيلا ~~يكفلون بصحة ما تقول يا محمد، ما كانوا ليؤمنوا بك إلا ~~أن يوفقهم الله للإيمان، { ولكن أكثرهم ~~يجهلون }؛ أن الله قادر على ذلك. # ويجوز أن يكون معنى (قبلا) أي قبيلا يقابلهم ويواجههم من ~~المقابلة، ويقال: جماعة على معنى أن القبل جمع القبيل، ~~والقبيل جمع القبيلة؛ كسفينة وسفن. قرأ أهل المدينة والشام: ~~(قبلا) بكسر القاف وفتح الباء؛ أي معاينة؛ والمعنى: لو ~~ناطقتهم الأرض والسماء والطير والوحوش أن محمدا رسول ~~الله، وأن ما أتاكم به حق، قالوا لهم ذلك معاينة ومشافهة؛ ما ~~كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله. ### || [6.112] # قوله عز وجل: { وكذلك جعلنا لكل نبي ~~عدوا شيطين الإنس والجن } أي كما جعلنا لك ~~ولأمتك أعداء مثل أبي جهل وأصحابه، كذلك جعلنا لمن تقدمك ~~من الأنبياء وأممهم عدوا. و(شياطين) نصب على البدل من ~~(عدوا) ومفسرا له، ويجوز أن يكون مفعولا ثانيا. # قال ابن عباس في معنى هذه الآية: (إن إبليس قسم جنده ~~فريقين، فبعث فريقا منهم إلى الإنس؛ وفريقا ~~إلى الجن. فشياطين الإنس وشياطين الجن يلتقي ~~بعضهم ببعض، فيقول بعضهم لبعض: أضللت صاحبي ~~بكذا وكذا، أتيته من قبل الشهوات واللذات، ومن ~~قبل المراكب والملابس والطعام والشراب، فإن ~~أعياني من وجه أتيته من وجه آخر، فأضلل صاحبك ~~بمثله). # فذلك قوله عز وجل: { يوحي بعضهم إلى بعض }؛ ~~أي يلقي بعضهم إلى بعض ويملي بعضهم إلى بعض؛ { زخرف ~~القول غرورا }؛ أي المموه الذي يكون فيه تزيين ~~الأعمال القبيحة. وقوله تعالى: { غرورا } نصب على المصدر؛ ~~كأنه قال: يغرون به غرورا. # وذهب بعض المفسرين: (إلى أن الشياطين اسم لكل عات ~~متمرد؛ من الجن ومن الإنس شياطين). كما روي عن ~~أبي ذر رضي الله عنه قال: # " دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ~~المسجد، فأمرني أن أصلي ركعتين؛ فصليت ~~وجلست إليه؛ فقال لي: " يا أبا ذر؛ تعوذ بالله ~~من شياطين الإنس والجن ms0766 ". فقلت: يا رسول الله؛ ~~أومن الإنس شياطين؟! فقال: " أوما تقرأ قوله ~~تعالى: { شيطين الإنس والجن }؟ " ". # قوله تعالى: { ولو شآء ربك ما فعلوه }؛ أي لو شاء ~~ربك أن يمنع الشياطين من الوسوسة ما فعلوه، ولكن ~~يمتحن عباده بما يعلم أنه أبلغ في الحكمة وأجزل في الثواب. ~~قوله تعالى: { فذرهم وما يفترون }؛ أي اتركهم ~~وافترائهم وكذبهم على استجهالاتهم، فإني القادر عليهم. ### || [6.113] # قوله تعالى: { ولتصغى إليه أفئدة الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة وليرضوه } عطف على { غرورا }؛ أي ~~يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول الغرور، ~~ولتميل إليه أفئدة الذين لا يقرون بالبعث، ولكن يرضوا ~~القول الزخرف ويكتسبون من الإثم؛ وهو ما قضي عليهم في ~~اللوح المحفوظ، يقال: اقترف فلان ذنبا؛ إذا عمله. ~~وقيل: معنى { وليقترفوا } أي ليختلقوا ويكذبوا. ~~وقرأ النخعي: (ولتصغي) بضم التاء وكسر الغين؛ أي تميل، ~~والإصغاء: الإمالة؛ ومنه الحديث: # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصغي الإناء ~~للهرة ". # والأفئدة: جمع فؤاد؛ مثل أغربة وغراب. { ~~وليقترفوا ما هم مقترفون } أي فليكتسبوا ما هم ~~مكتسبون. وقال ابن زيد: (وليعملوا ما هم عاملون). ~~يقال: اقترف فلان مالا؛ أي اكتسبه، وقارفت الأمر: أي ~~واقعته؛ قال الله تعالى: # ومن يقترف حسنة # [الشورى: 23]. ومن قرأ: (وليرضوه وليقترفوا) بجزم اللام ~~على لفظ الأمر، فمعناه: التهديد؛ أي اعملوا ما شئتم. ### || [6.114] # قوله عز وجل: { أفغير الله أبتغي حكما وهو ~~الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا }؛ وذلك أن نفرا ~~من أهل مكة قالوا: يا محمد؛ اجعل بيننا وبينك حكما من ~~اليهود والنصارى، فإنهم قرأوا الكتب قبلك. فأنزل الله هذه ~~الآية. # ومعناها: قل لهم يا محمد: أفغير الله أطلب ربا ~~ومعبودا يساوي حكمه حكم الله؛ فأجعله حكما وهو ~~الذي أنزل إليكم القرآن مفصلا مبينا أمره ونهيه ~~بلغة تعرفونها. ويقال: متفرقا سورة سورة؛ وآية آية. # قوله تعالى: { والذين آتيناهم الكتاب }؛ أي ~~التوراة؛ هم عبدالله بن سلام وأصحابه؛ { يعلمون ~~أنه }؛ أي القرآن؛ { منزل من ربك }؛ بما تقدم لهم ~~من البشارة في كتبهم بأن الله يبعث في آخر الزمان نبيا ~~من ولد إسماعيل، وينزل ms0767 عليه القرآن. وقوله تعالى: { ~~بالحق }؛ أي بما أقام لهم من البراهين على ذلك. # وقوله تعالى: { فلا تكونن من الممترين }؛ أي لا ~~تكونن يا محمد من الشاكين في أنهم يعلمون ذلك. ~~ويقال: هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره، ~~كأنه قال: لا تكونن أيها الجاهل بأمر محمد صلى الله عليه ~~وسلم من الشاكين في أمره. وقرأ الحسن والأعمش وابن عامر وحفص: ~~(منزل) بالتشديد من التنزيل؛ لأنه أنزل نجوما مرة ~~بعد مرة، وقرأ الباقون بالتخفيف من الإنزال. ### || [6.115] # قوله عز وجل: { وتمت كلمت ربك صدقا ~~وعدلا لا مبدل لكلماته }؛ قرأ أهل الكوفة ويعقوب: ~~(كلمة) على التوحيد، وقرأ الباقون: (كلمات) على الجمع. ومعنى ~~الآية: وتم إلزام الحجة على وجه الحكمة، لا ينقصان في ذلك. ~~قوله (صدقا) أي مخبره على ما أخبر به فيما وعد وأوعد، ~~و(عدلا) أي أحكامه كلها عدل، و { لا مبدل لكلماته ~~} أي لا مغير لحكمه ودينه، فإن اليهود والنصارى - وإن ~~غيروا التوراة والإنجيل - لن يمكنهم أن يأتوا بحكم حتى ~~يقوم مقام حكمه. # وقيل: معناه: { وتمت كلمت ربك } أي وجب قول ربك ~~بأنه ناصر محمدا صلى الله عليه وسلم وأن عاقبة الأمر له صدقا ~~وعدلا؛ لا مغير لقوله: # إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا # [غافر: 51]. وقوله تعالى: { وهو السميع العليم }؛ ~~ظاهر المعنى. ### || [6.116-117] # قوله تعالى: { وإن تطع أكثر من في الأرض ~~يضلوك عن سبيل الله } وذلك أن أهل مكة كانوا يستحلون ~~أكل الميتة، ويدعون المسلمين إلى أكلها، وكانوا يقولون: إنما ذلك ~~ذبح الله؛ فهو أحل مما ذبحتم أنتم بسكاكينكم، فأنزل الله ~~تعالى هذه الآية. ومعناها: إن تطع - يا محمد - أكثر من في ~~الأرض يصرفونك عن دين الله، وإنما قال: { أكثر من في ~~الأرض } لأن أكثرهم كفار ضلال. # قوله تعالى: { إن يتبعون إلا الظن }؛ معناه: إن ~~أكثرهم يتبعون أكابرهم بالشك؛ يتبعونهم فيما يعملون " ويظنون ~~" أنهم على الحق، وإنما يعذبون على هذا الظن؛ لأنهم اقتصروا ~~على الظن والجهل واتبعوا أهواءهم، { وإن هم إلا ~~يخرصون }؛ أي ما هم إلا ms0768 يكذبون في قولهم: ما قتل الله ~~أحق أن تأكلوه مما قتلتم بسكاكينكم. قوله تعالى: { ~~إن ربك هو أعلم من يضل عن سبيله }؛ أي عن دين ~~الإسلام وشرائعه؛ { وهو أعلم بالمهتدين }؛ بمحمد ~~والإسلام، وإنما قال: { أعلم } لأن الله تعالى يعلم الشيء من ~~كل جهاته، وغيره يعلم الشيء من بعض جهاته. ### || [6.118] # قوله تعالى: { فكلوا مما ذكر اسم الله عليه ~~}؛ عطف على ما دل عليه الكلام الذي قبله، كأنه قال: كونوا على ~~الهدى فكلوا مما ذكر اسم الله عليه من الذبائح، { ~~إن كنتم بآياته مؤمنين }؛ هذا للترغيب في اعتقاد صحة ~~إباحته وفي أكله. ### || [6.119] # قوله تعالى: { وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر ~~اسم الله عليه }؛ يعني من الذبائح، وموضع (أن) نصب لأن (في) ~~سقطت، { وقد فصل لكم ما حرم عليكم }؛ أي وقد بين ~~لكم ما حرم عليكم من الميتة والدم والخنزير على ما ~~تقدم في سورة المائدة. # قرأ الحسن وقتادة وأهل المدينة وحفص: (وقد فصل لكم ما ~~حرم عليكم) بالفتح فيهما على معنى: فصل الله. وقرأ ابن ~~عامر وابن كثير وأبو عمرو بضمهما جميعا. وقرأ أهل الكوفة إلا ~~حفصا: (فصل) بالفتح (وحرم) بالضم. وقرأ عطية العوفي: ~~(فصل) بالتخفيف مفتوحا؛ يعني قطع الحكم فيما حرم عليكم. # وقوله تعالى: { إلا ما اضطررتم إليه }؛ أي إلا ما ~~دعتكم الضرورة إلى أكله، فقد رخص لكم حينئذ. قوله ~~تعالى: { وإن كثيرا }؛ يعني الكفار يأكلون الميتة ~~والذبائح التي لم يذكر اسم الله عليها عمدا، والتي يذبحونها ~~لآلهتهم بلا علم عندهم ولا بصيرة، يتبعون الهوى والشهوات ~~في ذلك. # قوله تعالى: { ليضلون بأهوائهم بغير علم }؛ ~~قرأ الحسن وأهل الكوفة بضم الياء لقوله: # يضلوك عن سبيل الله # [الأنعام: 116]. وقرأ الباقون بفتحها لقوله: # هو أعلم من يضل # [الأنعام: 117]. فمعنى من قرأ بضم الياء: أنهم يصرفون الناس ~~عن الهدى بالدعاء إلى أكل الميتة على وجه الجدال ~~والخداع، وقوله: { إن ربك هو أعلم بالمعتدين } ~~أي أعلم بعقوبة المتجاوزين من الحلال إلى الحرام. ### || [6.120] # قوله تعالى: { وذروا ظهر الإثم وباطنه }؛ أي لا ~~تقربوا ما حرم ms0769 الله عليكم جهرا ولا سرا، ويقال: أراد ~~بظاهر الإثم: الزنا الظاهر، وبباطنه: الزنا السر. فالعرب ~~كانوا يرون الزنا ظاهرا معصية، ولا يرونه في الخفية ~~معصية. وقوله تعالى: { إن الذين يكسبون الإثم ~~سيجزون بما كانوا يقترفون }؛ أي إن الذين يعملون ~~المعصية ظاهرا وباطنا سيعاقبون في الآخرة بما كانوا ~~يكسبون في الدنيا من المعاصي والفواحش. ### || [6.121] # قوله عز وجل: { ولا تأكلوا مما لم يذكر ~~اسم الله عليه }؛ يعني الذبائح. روي عن عبدالله بن عمر: ~~(أنه أتى حرا ذبح شاة نسي أن يذكر اسم الله ~~عليها، فأمر ابن عمر غلامه أن يقوم عنده، فإذا ~~جاء إنسان يشتري منه قال: إن ابن عمر يقول: ~~إنه لم يذكر عليها اسم الله، فلا تشتري). # وقال ابن سيرين: (إذا ترك التسمية ناسيا؛ لم تؤكل). ~~إلا أن أكثر أهل العلم على أن نسيانها لا يوجب التحريم. هكذا ~~روي عن علي وابن عباس ومجاهد وعطاء وابن المسيب؛ قالوا: (إن ~~ترك التسمية ناسيا لا بأس بأكلها؛ لأن خطاب ~~الآية يتناول العامد، إذ الناسي في حال نسيانه ~~لا يكون مكلفا). # وقوله تعالى: { وإنه لفسق }؛ أي إن أكله لفسق. ~~وقيل: إن ترك التسمية، وقيل: المذبوح بغير تسمية الله فسق ~~فيه حين ذبح على غير وجه الحق؛ كقوله: # أو فسقا أهل لغير الله به # [الأنعام: 145]. # قوله تعالى: { وإن الشيطين ليوحون إلى ~~أوليآئهم ليجدلوكم }؛ أي إن الشياطين ليوسوسون ~~لأوليائهم من الإنس؛ وهم: أبو الأخوص الخثعمي وبدين ~~ابن ورقاء الخزاعي وغيرهما من أهل مكة؛ كانوا ~~يخاصمون النبي صلى الله عليه وسلم في أكل الميتة ~~واستحلالها. والوحي: إلقاء المعنى إلى النفس في ~~الخفية، { وإن أطعتموهم }؛ في أكل الميتة ~~واستحلالها من غير اضطرار، { إنكم لمشركون }؛ مثلهم. # وفي هذا دليل على أن من استحل شيئا مما حرم الله، أو ~~حرم شيئا مما أحل الله؛ فهو مشرك. وإنما سمي مشركا؛ ~~لأنه اتبع غير الله فأشرك بالله غيره. ### || [6.122] # قوله عز وجل: { أو من كان ميتا فأحيينه } ، ~~قال ابن عباس: (نزلت في عمار بن ياسر، وأبي جهل). ~~ويقال: إن المراد ms0770 بالآية النبي صلى الله عليه وسلم وأبو جهل. ~~ومعنى الآية على القول الأول: أومن كان كافرا، فهديناه إلى ~~المغفرة والإسلام، { وجعلنا له نورا }؛ وهو نور القرآن ~~والإيمان والحكمة؛ { يمشي به في الناس }؛ يضيء بذلك النور ~~فيما بين الناس؛ { كمن مثله في الظلمت }؛ أي كمثل ~~من هو في الضلالة وظلمات الكفر، { ليس بخارج منها ~~}؛ أبدا. # بين الله تعالى بهذه الآية أن أبا جهل ليس بخارج من ~~الضلالة أبدا. وقال بعضهم: المثل زائد؛ تقديره: كمن في ~~الظلمات. # وعن ابن عباس أيضا: (أن معناه: { أو من كان ميتا ~~فأحيينه } يريد حمزة بن عبد المطلب { كمن ~~مثله في الظلمت ليس بخارج منها } أبا جهل؛ ~~رمى رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمزة كافر، فأخبر ~~حمزة بما فعل أبو جهل وهو راجع من قنصه يفوت ~~وبيده قوس، فأقبل وهو غضبان حتى علا أبا جهل ~~بالقوس وهو يتضرع ويستكين ويقول: أما ترى ما ~~جاء به محمدا، قد سفه عقولنا وسب آلهتنا ~~وخالف آباءنا. فقال حمزة: ومن أسفه منكم؟! ~~تعبدون الحجارة من دون الله، أنا أشهد أن لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له؛ وأشهد أن محمدا ~~عبده ورسوله. فأنزل الله تعالى هذه الآية). # قوله تعالى: { كذلك زين للكفرين ما كانوا ~~يعملون }؛ أي كما زين لأبي جهل عمله الذي كان يعمل؛ ~~كذلك زين للكافرين أعمالهم مجازاة لهم على كفرهم. ~~وقال الحسن: (ما زينها لهم إلا الشيطان). ### || [6.123] # قوله تعالى: { وكذلك جعلنا في كل قرية ~~أكبر مجرميها ليمكروا فيها }؛ أي جعلنا في كل ~~قرية ذا نور يمشي به في الناس، كذلك جعلنا في كل ~~قرية رؤساءها وكبراء وعظماء أهلها مجرميها. وقيل: معناه: ~~جعلنا في أهل مكة عظماؤهم مجرميها، كذلك جعلنا في كل ~~قرية. وقوله تعالى: { ليمكروا فيها } أي ليصير ~~أمرهم إلى أن يمكروا بالتكبر وتكذيب الرسل، { وما ~~يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون } ، أن كل ~~وبال أمرهم يرجع إليهم. ### || [6.124-125] # قوله تعالى: { وإذا جآءتهم آية قالوا لن نؤمن ~~حتى نؤتى مثل مآ أوتي رسل الله }؛ أي إذا جاءت ms0771 ~~الأكابر المذكورين، وقيل: أهل مكة؛ إذا جاءتهم دلالة واضحة ~~على نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ قالوا: لا نصدق حتى ~~نعطى من الآيات مثل ما أعطي رسل الله المعجزات والدلائل. # وذلك أن الوليد بن المغيرة قال: والله لو كانت النبوة ~~حقا لكنت أولى بها منك؛ لأني أكبر منك سنا وأكثر منك ~~مالا. وقال مقاتل: (قال أبو جهل: زاحمنا بنوا عبد ~~المطلب في الشرف؛ حتى إذا كنا كفرسي رهان، ~~قالوا: منا نبي يوحى إليه، والله لا نؤمن به ~~ولا نتبعه أبدا؛ إلا أن يأتينا وحي كما ~~يأتيه. فأنزل الله تعالى هذه الآية). # يقول الله تعالى: { الله أعلم حيث يجعل رسالته }؛ ~~أي هو أعلم من يرسل ومن يختص بالرسالة ومن هو أهل لها. ~~وهذا جواب يمنعهم أن يكونوا رسلا حين أنفوا أن يكونوا أتباعا ~~للرسل بعد قيام حجة النبي صلى الله عليه وسلم. # بين الله تعالى أنه إنما يجعل الرسالة عند من يقوم بأدائها، ~~ولا يجعلها عند من يضيع ولا يصبر على المكاره. وقيل: ~~إنما لم يجعل الله الرسل في الرؤساء والأغنياء؛ لأن الناس ~~يتبعونهم وإن لم يأتوا بالحجج، فيقول من بعدهم: إنما اتبعوهم ~~لأنهم كانوا رؤساء وأكابر. # وقوله تعالى: { سيصيب الذين أجرموا صغار عند ~~الله }؛ أي سيصيب الذين اكتسبوا الجرم مذلة وهوان ثابت ~~لهم عند الله؛ { وعذاب شديد بما كانوا يمكرون }؛ أي ~~بكفرهم وتكذيبهم الرسل. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: (ثم رجع إلى ذكر ~~عمار وأبي جهل) فقال عز وجل: { فمن يرد الله ~~أن يهديه يشرح صدره للإسلم }؛ أي فمن يرد الله ~~أن يوفقه للإسلام يوسع قلبه ويلينه لقبول ~~الإسلام، { ومن يرد أن يضله }؛ أي أن يخذله ويجعله في ~~ضلالة الكفر، { يجعل صدره ضيقا }. # { حرجا }؛ قيل: الحرج: موضع الشجر الملتف؛ يعني ~~أن قلب الكافر لا تصل إليه الحكمة كما لا تصل الراعية إلى ~~الموضع الذي التف فيه الشجر. # وقال أهل اللغة: الحرج: أضيق الضيق. وقال مجاهد: ~~(الحرج: الشك) وقال قتادة: (حرجا ملتبسا). وقال ~~النضر بن شميل: (قلقا)، وقال الكلبي: ms0772 (ليس للخير ~~فيه منفذ). قرأ ابن كثير: (ضيقا) بالتخفيف، وشدده ~~الباقون؛ وهما لغتان مثل هين ولين. وقوله تعالى: (حرجا) ~~قرأ أهل المدينة وأبو بكر بكسر الراء، وفتحها الباقون؛ وهما ~~لغتان مثل دنف ودنف. # قوله تعالى: { كأنما يصعد في السمآء }؛ يعني: ~~يشق عليه الإيمان ويمتنع ويعجز عنه، كما يشق عليه صعود ~~السماء. واختلف القراء في قوله تعالى: { يصعد } فقرأ أهل ~~المدينة والبصرة والكوفة إلا أبا بكر: (يصعد) بتشديد الصاد ~~والعين من غير ألف، وقرأ طلحة والنخعي وأبو بكر: (يصاعد) ~~بتشديد الصاد وبألف بعدها، بمعنى يتصاعد. # وقرأ الأعرج وأبو رجاء وابن كثير: (يصعد) مخففا؛ أي لا يجد ~~مخرجا يمينا ولا شمالا، فكأنه من الضيق يصعد إلى السماء ~~ولا يستطيعه. وقرأ عبدالله (كأنما يتصعد). # وقوله تعالى: { كذلك يجعل الله الرجس }؛ أي ~~مثل ما قصصنا عليك يجعل الله اللعنة في الدنيا والعذاب في ~~الآخرة؛ { على الذين لا يؤمنون }؛ أي لا يرغبون ولا ~~يصدقون بالتوحيد. # روي: # " أنه لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله؛ ~~كيف يشرح الله صدره للإسلام؟ قال: " إذا دخل ~~النور في القلب انشرح واستوسع " قالوا: وما ~~علامة ذلك؟ قال: " التجافي عن دار الغرور؛ ~~والإنابة إلى دار الخلود؛ والاستعداد للموت قبل ~~نزول الموت " ". # وقال بعض المفسرين في معنى الآية: { فمن يرد الله أن ~~يهديه } في الآخرة إلى الثواب ونيل الكرامة { يشرح ~~صدره للإسلم } في الدنيا بالدلالات. ومن يرد أن ~~يقيله عن ثوابه ونيل كرامته في الآخرة { يجعل صدره ~~ضيقا حرجا } في الدنيا عقوبة له على كفره. ### || [6.126] # قوله عز وجل: { وهذا صراط ربك مستقيما ~~}؛(هذا) إشارة إلى الإسلام، وقيل: إلى بيان القرآن، سمي ذلك ~~مستقيما؛ لأنه يستقيم بمن يسلكه؛ فلا يعرج فيه حتى ~~يورده إلى الجنة، وقوله تعالى: { قد فصلنا ~~الآيات }؛ أي أتينا بآية على إثر آية مفصلة مبينة؛ { ~~لقوم يذكرون }؛ أي يتعظون بآيات الله، ~~ويتفكرون في دلالات القرآن، فلم يبق لأحد عذر في ~~التخلف عن الإيمان بعد هذا البيان. ### || [6.127] # قوله تعالى: { لهم دار السلم عند ربهم }؛ قال ~~ابن عباس: (الله ms0773 السلام، وداره الجنة). كأنه قيل ~~لهم: جنة الله. وقال الفراء: (معناه: لهم دار ~~السلام الدائمة من كل آفة وبلية). وقوله ~~تعالى: { عند ربهم } أي في الآخرة. وقيل: معناه: ~~مقيمون عند ربهم؛ { وهو وليهم }؛ أي يتولى أمرهم بنصرهم ~~في الدنيا وإكرامهم في الآخرة، { بما كانوا يعملون }؛ من ~~الطاعة. ### || [6.128] # قوله تعالى: { ويوم يحشرهم جميعا يمعشر ~~الجن قد استكثرتم من الإنس } معناه: يوم نحشر ~~الخلائق كلهم إلى الجزاء، يقول: يا معشر الجن قد ~~استكثرتم من الإنس ممن أضللتموهم؛ أي أضللتم ~~كثيرا من الإنس وكثير متبعوكم منهم؛ { وقال أوليآؤهم ~~}؛ أي قرناء الجن؛ { من الإنس ربنا استمتع ~~بعضنا ببعض }. # أما استمتاع الإنس بالجن فما روى الحسن: (أن العرب ~~كانوا إذا سافروا فنزلوا واديا؛ خافوا على ~~أنفسهم فقالوا: نعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء ~~قومه؛ فيبيتون في جوار منهم، وكانوا يرون ذلك ~~استجارة بالجن). # وأما استمتاع الجن بالإنس؛ فكان عظماء الجن يقولون: قد ~~سدنا الإنس مع الجن؛ حتى أن الإنس يعوذون بنا، فيزدادون بنا، ~~فيزدادون بذلك شرفا في قومهم وعظما في أنفسهم. وذلك قوله ~~تعالى: # وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن فزادوهم رهقا # [الجن: 6]. # قوله تعالى: { وبلغنآ أجلنا الذي أجلت لنا ~~}؛ أي أدركنا وقتنا الذي وقت لنا. قيل: إن المراد به ~~وقت البعث، وقيل: إن المراد وقت الموت. وفي هذا دليل على أنه لا ~~يكون للمقتول أجلان بخلاف ما يقول بعض القوم: إن المقتول لو لم ~~يقتل لكان يبقى حيا لا محالة. لأنه قد كان في هؤلاء مقتولون وقد ~~أخبروا كلهم أنهم قد بلغوا أجلهم الذي أجله الله لهم. # قوله تعالى: { قال النار مثوكم }؛ أي قال الله ~~تعالى: النار مقركم ومنزلكم؛ فإنكم قد أقررتم على ~~أنفسكم باستحقاق العذاب ولزوم الحق عليكم، قوله تعالى: { ~~خلدين فيهآ إلا ما شآء الله }؛ قال ابن عباس: ~~(وكان ما شاء الله بقوله: # إن الله لا يغفر أن يشرك به # [النساء: 48]). # وقيل: معناه: { إلا ما شآء الله } ما بين البعث من ~~القبر إلى وقت الفراغ من الحساب؛ فإنه ms0774 لا يكون لهم عذاب في ذلك ~~الوقت. وقيل: معناه: { إلا ما شآء الله } أن يعذبهم من ~~صنوف العذاب. قوله تعالى: { إن ربك حكيم }؛ في ~~عقابه؛ { عليم }؛ بقدر ما يستحقون من العذاب. ### || [6.129] # قوله عز وجل: { وكذلك نولي بعض الظلمين ~~بعضا بما كانوا يكسبون } أي مثل ما قصصنا عليك من ~~تسليط الجن على الإنس؛ كذلك نسلط بعض المجرمين على بعض، ~~ثم ينتقم منهما جميعا في الآخرة بالنار. وقال بعضهم: معناه: ~~يتبع بعضهم بعضا في النار من الموالاة. وقال بعضهم: ~~يسلط بعضهم على بعض، يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: # " من أعان ظالما سلطه الله عليه ". ### || [6.130] # قوله تعالى: { يمعشر الجن والإنس ألم ~~يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي }؛ أي يقول ~~لهم يوم القيامة: يا معشر الجن والإنس؛ لماذا فعلتم ~~ما فعلتم ألم يأتكم رسل منكم يقرأون عليكم القرآن، ~~{ وينذرونكم }؛ أي ويخوفونكم؛ { لقآء يومكم ~~هذا }؛ وهو يوم القيامة. # قال ابن عباس: (كانت الرسل تبعث إلى الإنس؛ وبعث ~~محمد صلى الله عليه وسلم إلى الجن والإنس). قال: (وهذا ~~كقوله: # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22] يخرج من الملح منهما، وكذلك الرسل ~~من الإنس). # وقوله تعالى: { قالوا شهدنا على أنفسنا }؛ يعني ~~أنهم لا يجدون جوابا إلا الاعتراف بذنوبهم؛ ويقولون: ~~أقررنا على أنفسنا، أنهم بلغوا الرسالة، وكفرنا بهم. ~~يقول الله تعالى: { وغرتهم الحياة الدنيا }؛ أي ~~بزهرتها ونعيمها، { وشهدوا على أنفسهم }؛ في ~~الآخرة؛ { أنهم كانوا كافرين }؛ في الدنيا؛ أي أقروا. ### || [6.131] # قوله تعالى: { ذلك أن لم يكن ربك مهلك ~~القرى بظلم وأهلها غفلون } (ذلك) أي ذلك الأمر. ~~وقيل: أراد الإشارة إلى إرسال الرسل. وقوله تعالى: { ~~أن لم يكن ربك } أي معناه: لأجل أنه لم يكن ربك ~~معذب أهل القرى { بظلم } أي بشركهم وذنوبهم { وأهلها ~~غفلون } عن الأمر والنهي وتبليغ الرسل؛ أي لم يكن ~~يهلكهم بذنوبهم قبل أن يأتيهم رسول يبين لهم. وينهاهم ~~عما هم عليه من المعصية، فإن رجعوا وإلا عذبهم الله. وقيل: ~~معناه: لا يهلكهم بظلم منه؛ ولا يعذبهم وهم غافلون لما كلفوا من ~~غير ms0775 إقامة الحجة بما يقبح ويحسن من غير تنبيه لهم من ~~الرسل. ### || [6.132] # قوله تعالى: { ولكل درجت مما عملوا } ، أي ~~لكل عامل من الفريقين مراتب في عمله، لأهل الخير درجات في ~~الجنة بعضها فوق بعض، ولأهل الشرك درجات في النار بعضها ~~أشد عذابا من بعض، { وما ربك بغفل عما يعملون }؛ ~~أي لا يجري عليه السهو عن طاعة المطيعين ومعصية العاصين، ~~فيجزي كل عامل بما عمل. ### || [6.133] # قوله تعالى: { وربك الغني ذو الرحمة }؛ أي هو ~~الغني عن إيمان العباد وطاعتهم. والغني: الذي لا ~~يحتاج إلى شيء؛ فيكون وجود كل شيء عنده ~~وعدمه سواء. وقوله تعالى: { ذو الرحمة } بيان أنه ~~تعالى مع كونه غنيا عن شكر العباد وطاعتهم ذو إنعام ~~عليهم. والمعنى: وربك الغني عن خلقه ذو الرحمة بهم، { إن ~~يشأ يذهبكم }؛ أي إن يشاء يهلكم يا أهل مكة؛ { ~~ويستخلف من بعدكم } ويخلف من بعدكم؛ أي من بعد ~~إهلاككم؛ { ما يشآء }؛ خلقا آخر أطوع لله منكم؛ { كمآ ~~أنشأكم }؛ أي مثل ما ابتدأ خلقكم قرنا بعد قرن؛ { من ~~ذرية }؛ أي من أولاد؛ { قوم آخرين }؛ هالكين. ### || [6.134] # وقوله تعالى: { إن ما توعدون لآت }؛ أي إن الذي ~~تخافون من البعث والعذاب لكائن لا خلف فيه، { ومآ أنتم ~~بمعجزين }؛ أي فائتين لستم تقدرون أن تعجزوا الله عن ~~إدراككم. ### || [6.135] # قوله تعالى: { قل يقوم اعملوا على مكانتكم ~~}؛ أي قل لهم يا محمد: اثبتوا على حالتكم وعلى عملكم ~~القبيح الذي أنتم عليه وعلى منازلكم؛ { إني عامل }؛ في أمري ~~على منزلتي، وهذا على سبيل الوعيد والتهديد، { فسوف ~~تعلمون من تكون له عقبة الدار }؛ أي { فسوف ~~تعلمون } أينا يكون له العاقبة المحمودة في الدنيا؛ ~~وفي الآخرة، { إنه لا يفلح الظلمون }؛ أي لا يظفرون ~~بمرادهم. وقرأ السلمي وعاصم (على مكاناتكم) على لفظ ~~الجماعة. وقرأ مجاهد وأهل الكوفة إلا عاصما: (من يكون) بالياء؛ ~~لأن تأنيث العاقبة غير حقيقي. ### || [6.136] # وقوله عز وجل: { وجعلوا لله مما ذرأ من ~~الحرث والأنعم نصيبا فقالوا هذا لله ~~بزعمهم وهذا لشركآئنا }؛ قال ابن عباس: (وذلك ~~أن أهل الجاهلية ms0776 كانوا إذا حرثوا حرثا؛ جعلوا ~~لله خطا؛ وقالوا: ما دون هذا الخط لآلهتنا ينفق ~~عليها وعلى خدام الأصنام، وما وراء هذا الخط ~~لله يتصدق به على أهل الحاجة والمسكنة ~~والسائلين. # وكانوا إذا أرسلوا الماء فيما سموه لله تعالى، ~~فانفجر منه إلى الذي جعلوه لآلهتهم تركوه؛ ~~وقالوا: هذا أحوج والله غني عنه، وإذا انفجر من ~~الذي جعلوه لأصنامهم؛ ردوه وقالوا: ليس ~~لآلهتنا بد من النفقة. وكانوا إذا هلك الذي ~~لآلهتهم: وكثر الذي لله؛ أخذوا الذي لله ~~وأنفقوه على الأصنام، وإذا هلك الذي لله؛ وكثر ~~الذي للأصنام قالوا: لو شاء الله لأزكى الذي ~~له). # ومعنى الآية: وجعل المشركون من أهل مكة لله ما خلق من ~~الزرع والأنعام نصيبا. وللأصنام نصيبا فقالوا: هذا ~~نصيب الله بقولهم، ولم يأمرهم الله تعالى بذلك، وهذا النصيب ~~الآخر لآلهتنا. وفي الاية إضمار تقديره: وجعلوا لله نصيبا ~~ولشركائهم نصيبا. وقوله تعالى: { بزعمهم } قرأ ~~السلمي والأعمش والكسائي بضم الراء، والباقون بفتحها، وهما ~~لغتان. # وقوله تعالى: { فما كان لشركآئهم فلا يصل ~~إلى الله }؛ أي ما كان من نصيب آلهتهم فلا يرجع إلى الذي جعلوه ~~لله، { وما كان لله فهو يصل إلى شركآئهم }؛ أي ~~يرجع إلى الذي جعلوه لشركائهم، { سآء ما يحكمون }؛ أي ~~بئس ما يقضون؛ يوفون نصيب الأصنام وينقصون نصيب ~~الرحمن، فبئس الحكم حكمهم في الإشراك وبالقسمة. وكانوا ~~يفعلون بالأنعام الثمانية أزواج ونحوها كذلك. ### || [6.137] # قوله تعالى: { وكذلك زين لكثير من ~~المشركين قتل أولدهم شركآؤهم ليردوهم }؛ قال ~~ابن عباس: (كان أهل الجاهلية يدفنون بناتهم ~~أحياء كراهية للبنات، وكان الرجل منهم يحلف ~~لئن ولد له كذا وكذا غلاما لينحر أحدهم كما ~~حلف عبد المطلب على ابنه عبدالله. وكان ~~لآلهتهم خدام يقومون عليهم الذين كانوا ~~يزينون للمشركين قتل أولادهم.). # ومعنى الآية: وكما زين تحريم الحرث والأنعام؛ زين لكثير من ~~المشركين دفن بناتهم أحياء كراهية لهن ومخافة الفقر، وقوله ~~تعالى: { شركآؤهم } أي قرناؤهم وشياطينهم، ~~وقيل: سدنة ألهتهم؛ يعني خدام أصنامهم. # قرأ بعضهم: (زين) على ما لم يسم فاعله، ورفع قوله: { ~~قتل أولدهم شركآؤهم ms0777 } يحمل على المعنى على الفاعل؛ ~~كأنه قال: من زين لهم، ثم قال (شركاؤهم) على إضمار ~~(زينه). وقرأ ابن عامر بضم الزاي، وقيل: بضم اللام ~~(أولادهم) بالنصب و(شركائهم) بالكسر. ومعنى ذلك: على ~~التقديم والتأخير؛ كأنه قال: زين لكثير من المشركين قتل ~~شركايهم أولادهم، فيكون معنى الشركاء الكفار القاتلون، المتقدمون ~~منهم والباقون. # وقوله تعالى: { ليردوهم } أي ليهلكوهم. يجوز أن ~~تكون هذه لام العاقبة، إن لم يكن غرضهم بذلك الأمر إهلاكهم، ويجوز ~~أن تكون لام الغرض؛ لأنه قد كان فيهم معاندون وغير معاندين؛ ~~فغلبت صفة المعاندين. # قوله تعالى: { وليلبسوا عليهم دينهم }؛ أي ~~ليخلطوا ويشبهوا عليهم دينهم دين إسماعيل عليه السلام. ~~قوله تعالى: { ولو شآء الله ما فعلوه }؛ أي لو شاء ~~الله لمنعهم من دفن البنات أحياء، { فذرهم وما ~~يفترون }؛ أي اتركهم وافتراءهم على الله أنه أمرهم بدفن ~~بناتهم أحياء، فإن الله تعالى مع قدرته عليهم تركهم؛ ~~فاتركهم أنت، فإن لهم موعدا يحاسبون فيه. # وقرىء: (قتل أولادهم شركائهم) كلاهما بالكسر، فتكون ~~الشركاء من نعت الأولاد؛ لأن أولادهم شركاؤهم في أموالهم. ### || [6.138] # قوله عز وجل: { وقالوا هذه أنعم وحرث ~~حجر لا يطعمهآ إلا من نشآء بزعمهم }؛ أي قالوا: ~~هذه الأنعام والحرث التي جعلوا بعضها لله وبعضها للأوثان حجر؛ ~~أي حرام لا يأكلها ولا يذوقها إلا من يأذن له في أكلها؛ وهم ~~الرجال دون النساء، { بزعمهم } أي بقولهم. # وقوله تعالى: { وأنعم حرمت ظهورها }؛ هي ~~البحيرة والسائبة والحام؛ حرموا الركوب عليها، وأما ~~الوصيلة فإنها كانت من الغنم خاصة. قوله تعالى: { ~~وأنعم لا يذكرون اسم الله عليها }؛ أي وأنعام ~~أخر كانوا يذبحونها للأصنام تقربا إليها؛ زعموا أن الله ~~أمرهم بذلك. # قوله تعالى: { افترآء عليه }؛ أي على الله، نصب على ~~معنى: { لا يذكرون اسم الله عليها } كذبا على الله ~~أنه أمرهم بذلك. وقيل: نصب على المصدر؛ أي افتروا ~~افتراء. وقوله تعالى: { سيجزيهم بما كانوا ~~يفترون }؛ أي سيكافئهم بكذبهم وافترائهم على الله. ### || [6.139] # قوله تعالى: { وقالوا ما في بطون هذه الأنعم ~~خالصة لذكورنا ومحرم على أزوجنا }؛ أي قال ~~أهل الجاهلية: ms0778 إن الأجنة التي في بطون هذه الأنعام - التي ~~زعموا أنها لأوثانهم - إذا انفصلت عن الأمهات؛ فهي حلال ~~لرجالنا منافعها وألبانها، ومحرم على نسائنا ما دامت تلك ~~حية. وأما تأنيث ال (خالصة)؛ فعلى معنى: سألهم. # قال جماعة: ما في بطون هذه الأنعام أو الأنعام التي في ~~بطون هذه الأنعام. وأما تذكير قوله: { ومحرم } فلأنه ~~مردود على لفظ (ما). وقرأ الأعمش: (خالص لذكورنا) بغيرها، ~~ورده إلى (ما). ومن نصب (خالصة) فعلى القطع؛ تقديره: ما ~~في بطون هذه الأنعام لذكورنا خالصا. وقرأ ابن عباس: ~~(خالصة) بالإضافة إلى الهاء. # قوله تعالى: { وإن يكن ميتة }؛ أي قالوا: وإن تكن ~~أجنة هذه الأنعام ميتة؛ { فهم فيه شركآء }؛ الرجال ~~النساء. قرأ أبو جعفر وابن عامر: (وإن تكن) بالتاء (ميتة) ~~بالرفع على معنى وإن يقع. وقرأ ابن كثير كذلك إلا أنه بالياء، ~~وقرأ أبو بكر التاء (تكن ميتة) بالنصب على معنى: وإن تكن الأجنة ~~ميتة. وقرأ الباقون (يكن) بالياء والنصب، وردوه إلى ما يؤيد ~~ذلك قوله: { فهم فيه شركآء } ولم يقل: فيها. # قوله تعالى: { سيجزيهم وصفهم }؛ أي سيجزيهم في ~~الآخرة بوصفهم الذي وصفوا في هذه الأنعام، إلا أنه لما ~~حذف الباء انتصب، ويجوز أن يكون معناه: سيجزيهم جزاء ~~وصفهم، إلا أنه حذف الجزاء، وأجرى إعرابه على (وصفهم)، { ~~إنه حكيم }؛ في مجازاتهم؛ { عليم }؛ بمقدار جزائهم. والمعنى: ~~سيجزيهم على وصفهم الكذب على الله. ### || [6.140] # قوله عز وجل: { قد خسر الذين قتلوا ~~أولدهم سفها بغير علم }؛ أي الذين قتلوا بناتهم ~~أحياء جهلا منهم، { بغير علم } أي بلا بيان ولا حجة. ~~نزلت في ربيعة ومضر الذين كانوا يدفنون بناتهم أحياء مخافة ~~السبي والفقر، إلا من كان من بني كنانة، فإنهم كانوا لا ~~يفعلون ذلك. وقرأ الحسن والسلمي وأهل مكة والشام: (قتلوا) ~~بالتشديد على التكثير، وخفف الباقون. # قوله تعالى: { وحرموا ما رزقهم الله افترآء ~~على الله }؛ أي حرموا على أنفسهم ما أعطاهم الله من ~~الرزق ومن الأنعام والحرث، يعني: أن هؤلاء الكفار لجهلهم ~~يقتلون البنات أحياء مخافة الفقر والإنفاق، ثم يجعلون طائفة من ms0779 ~~أموالهم للأوثان، ويحرمونها على إناث أولادهم. # وقوله: { افترآء على الله } أي يفترون ذلك افتراء ~~على الله؛ بأن الله حرم هذه الأشياء. قوله تعالى: { ~~قد ضلوا }؛ أي ضلوا في فعلهم هذا عن الهدى، { وما ~~كانوا مهتدين }؛ من الضلالة. ### || [6.141] # قوله تعالى: { وهو الذي أنشأ جنت معروشت ~~وغير معروشت }؛ أول هذه الآية راجع إلى ما قبلها، كأنه ~~قال: افتراء على الله وهو الذي أنشأ جنات؛ أي هو ~~الذي خلق بساتين معروشات؛ وهي الكروم رفع بعض أغصانها ~~على بعض، { وغير معروشت } وهي الشجر والزرع وكل ما ~~لا يرتفع بعضه على بعض، هكذا روي عن ابن عباس والحسن. # ويقال: معنى { معروشت } ما لا يرفع له حيطان، { وغير ~~معروشت } ما لا يجعل له حائط، وقيل: { معروشت } ما ~~انبسط على الأرض وأنبت مما يغرس مثل الكرم والقرع ~~والبطيخ وشبهها، { وغير معروشت } ما قام على ساق ~~فطال مثل النخل والزرع وسائر الأشجار. وقال الضحاك: { ~~معروشت وغير معروشت } الكرم خاصة؛ منها ما ~~غرس؛ ومنها ما لم يغرس). وروي عن ابن عباس رضي ~~الله عنهما أيضا: (أن ال { معروشت } ما نبته ~~الناس، { وغير معروشت } ما أخذ من البراري ~~والجبال من الثمار). يدل عليه قراءة علي رضي الله عنه ~~(مغروسات وغير مغروسات) بالغين والسين. # قوله تعالى: { والنخل والزرع مختلفا أكله }؛ ~~معناه: وأنشأ النخل والزرع، وهذا تخصيص بعض ما دخل في عموم ~~الأول؛ لكونهما أعم نفعا من جملة ما يكون في البساتين. وقوله ~~تعالى: { مختلفا أكله } أي مختلفا جملة من الألوان ~~كلها، ومختلف في الطعم من الحلو والحامض والمر؛ ~~والجيد والرديء. ونصب { مختلفا } على الحال؛ أي أنشأه في ~~حال اختلاف أكله. وقد يقال: ارتفع { أكله } بالابتداء { ~~مختلفا } نعته، إلا أنه لما تقدم النعت على الاسم ~~نصب، كما يقال: عندي طباخا غلام قال الشاعر: # الشر مستتر يلقاك عن غرض # والصالحات عليها مغلقا باب # قوله تعالى: { والزيتون والرمان }؛ أي وأنشأ شجر ~~الزيتون والرمان، { متشبها وغير متشبه }؛ أي ~~منها ما هو متشابه؛ ومنها ما هو غير متشابه. وقيل: { متشبها ~~} بالنظر { وغير متشبه } في الطعم؛ ms0780 نحو: ~~كالرمانتين لونهما واحد؛ وطعمهما مختلف. # قوله تعالى: { كلوا من ثمره إذآ أثمر }؛ هذا أمر ~~إباحة لا أمر إيجاب، والفائدة في قوله تعالى: { إذآ أثمر } ~~إباحة الأكل من قبل إخراج الحق الذي وجب فيه شائعا ~~للمساكين. # قوله تعالى: { وآتوا حقه يوم حصاده }؛ أي أعطوا ~~حق الله تعالى يوم يحصد، أرادوا العشر فيما سقته ~~السماء، ونصف العشر فيما سقي بغرب ودالية. قال ابن ~~عباس والحسن وقال ابن عمر رضي الله عنه: ( { وآتوا حقه } ما ~~يتطوع به الإنسان عند رفع الغلة والتصدق ~~به). # قال مجاهد: (إذا حصدت فحضرك المساكين، فاطرح لهم ~~منه، وإذا درسته وذريته فاطرح لهم منه، فإذا ~~عرفت كيله فأخرج زكاته). قال إبراهيم النخعي: ~~(هذه الآية منسوخة بالعشر ونصف العشر). وفي قوله: ~~{ حصاده } قراءتان بكسر الحاء وفتحها. # قوله تعالى: { ولا تسرفوا إنه لا يحب ~~المسرفين }؛ هذا خطاب للأئمة؛ أي لا تأخذوا فوق ~~حقكم، وقيل: خطاب لأرباب الأموال لا يتصدقوا بالجميع؛ ~~فلا تبقوا للعيال شيئا. # قال ابن عباس: (كانوا يتسرعون بالمعروف عند ~~الحصاد، فيعطون المساكين والفقراء، فعمد ثابت ~~بن قيس بن شماس من بينهم خاصة، فصرم ~~خمسمائة نخلة وقسمها في موضع واحد، ولم ~~يترك لأهله شيئا، فكره الله ذلك وأنزل قوله ~~تعالى: { ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين }. ~~أي لا تجاوزوا الحد فتحتاجوا إلى ما عند الناس. # وقال الأزهري: (الإسراف: هو الإنفاق في معصية الله ~~تعالى). وقال مجاهد: (لو كان أبو قبيس ذهبا فأنفقته ~~في طاعة الله لم تكن سرفا، ولو أنفقت درهما أو ~~دونه في معصية الله تعالى لكنت مسرفا). # قوله تعالى: { إنه لا يحب المسرفين }؛ ظاهر ~~المعنى، فقيل: معنى (لا تسرفوا) لا تنقصوا عن العشر أو ~~نصف العشر؛ فتمنعوا الصدقة وتأكلوا حق المساكين. ### || [6.142] # قوله عز وجل: { ومن الأنعم حمولة وفرشا }؛ ~~الحمولة: كبار الإبل التي يمكن الحمل عليها، ~~والفرش: صغارها التي لا يمكن الحمل عليها، سميت ~~فرشا لاستوائها في الصغر والانحطاط كما سوي ما يفرش. ~~وقيل: سميت فرشا؛ لقربها من الإبل، وتسمى أيضا الغنم: ~~فرشا. # والمعنى: مما نشاء من ms0781 الأنعام حمولة وفرشا. ويقال: أراد ~~بالفرش ما يفرش من الثياب والبسط التي تعمل من الوبر. ~~إلا أن القول الأول أقرب؛ لأن الله تعالى ذكر في الآية بعدها: # ثمنية أزوج # [الأنعام: 143]؛ أي أنشأ الله في الحمولة والفرش ثمانية ~~أزواج. # قوله تعالى: { كلوا مما رزقكم الله }؛ إذن في ~~الأكل من الحرث والأنعام، { ولا تتبعوا خطوت الشيطن ~~}؛ في تحريم الحرث والأنعام؛ أي ولا تتبعوا طرق الشيطان، فإنه ~~لا يدعوكم إلا إلى المعصية، { إنه لكم عدو مبين }؛ أي ~~ظاهر العداوة، وقد بانت عداوته لأبيكم آدم عليه السلام. ### || [6.143] # قوله تعالى: { ثمنية أزوج من الضأن اثنين ~~ومن المعز اثنين }؛ معناه: وأنشأ لكم { ثمنية ~~أزوج } أي أصناف، { من الضأن اثنين } ذكر وأنثى، ~~يعني بالذكر زوجا وبالأنثى زوجا، يقال لكل من له قرين: ~~زوج، كما قال تعالى: # اسكن أنت وزوجك الجنة # [الأعراف: 19]. # قوله تعالى: { ومن المعز اثنين } أي ذكر وأنثى ~~زوجين اثنين. والضأن: ذوات الإلية، وهو جمع ضائن، كما يقال: ~~تاجر وتجر، وقيل: واحده ضائنة. والمعز: ذوات ~~الأذناب القصار، وفيه قراءتان: تسكين العين؛ وفتحها. # قوله: { قل ءآلذكرين حرم أم الأنثيين أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين } أي قل لهم يا محمد: ~~من أين جاء هذا التحريم الذي تذكرونه أيها الكفار في الولد ~~السابع في الغنم أنه حرام على النساء؛ حرم الله الذكر من ~~الضأن؛ والذكر من المعز؛ فحرم ولدهما لحرمة الإناث؟ # فإن جاء هذا التحريم من قبل ذكورهما؛ فيجب أن تكون كل أنثى ~~حرام عليكم، وإن كان من قبل اشتمال أرحام الأنثيين؛ فيجب ~~أن يكون كل أولادهما من الذكر والأنثى حراما عليكم؛ لأن ~~الأرحام تشتمل عليهما جميعا. # قوله تعالى: { نبئوني بعلم إن كنتم صدقين }؛ ~~أي قل للكافرين خبروني وفسروا لي ما حرم عليكم ببيان ~~حجة إن كنتم صادقين في مقالتكم: إن الله حرم ~~الوصيلة ونحوها. وإنما قال: { إن كنتم صدقين } لأن ~~الصدق لا يمكن إلا بعلم. ### || [6.144-145] # وقوله تعالى: { ومن الإبل اثنين }؛ أي وأنشأ من ~~الإبل اثنين؛ ذكر وأنثى من جملة الثمانية الأزواج، { ومن ~~البقر اثنين }؛ ذكر وأنثى، ms0782 { قل ءآلذكرين حرم }؛ ~~أي قل لهم يا محمد: إنكم تحرمون الولد من الجاموس ~~والإبل والبقر على النساء، فمن أين جاء هذا التحريم؛ من قبل ~~الذكور؛ { أم الأنثيين }؛ أي من قبل الإناث؟ { أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين } ، أي من الذي ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين، { أم كنتم شهدآء ~~إذ وصكم الله بهذا }؛ أي أم شاهدتم الله تعالى حرم ~~هذه الأشياء التي تحرمونها وأمركم بتحريمها. # يعني إذا كنتم لا تقرون بنبي من الأنبياء؛ فمن أين ~~علمتم تحريم الله؛ أبالقياس؟ لأن الله تعالى أمر نبيه ~~عليه الصلاة والسلام أن يناظرهم، ويبين ~~بالحجة فساد قولهم وبطلان اعتقادهم، فلما نزلت هذه الآية # " قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي الأحوص ~~الجشمي ومالك بن عوف - وكان هو الذي يحرم لهم، ~~وكانوا يرجعون إليه فيه - فسكت مالك وتحير في الجواب. ~~فقال صلى الله عليه وسلم: " ما لك يا مالك لا تتكلم؟ " ~~فقال له مالك: بل تكلم أنت؛ أنا أسمع ". # فنزل قوله تعالى: { فمن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا ليضل الناس بغير علم }؛ هذا استفهام ~~بمعنى التوبيخ والتعجب؛ معناه: أي أحد أعتى وأجرأ على ~~الله ممن اختلق على الله كذبا { ليضل الناس بغير ~~علم } أي ليصرف الناس عن دينه وحكمه بالجهل، { إن ~~الله لا يهدي القوم الظلمين }؛ أي لا يهديهم إلى ~~الحجة فيما افتروا على الله، ويقال: لا يهديهم إلى حجته ~~وثوابه. # فلما نزلت هذه الآية قال مالك بن عوف: فيم هذا التحريم الذي ~~حرمه آباؤنا من السائبة والوصيلة والحام ~~والبحيرة؟ فأنزل الله عز وجل: { قل لا أجد في ~~مآ أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن ~~يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه ~~رجس أو فسقا أهل لغير الله به }؛ فقرأ النبي صلى ~~الله عليه وسلم الآية، ثم قال: " يا مالك؛ أسلم " فقال: ~~إني امرؤ من قومي فأخبرهم عنك. فأبى قومه؛ ~~فقالوا: كيف رأيت؟ فقال: رأيت رجلا معلما. ~~وذكر لهم؛ فقالوا: إنا وجدنا آباءنا على أمة ~~وإنا على آثارهم مقتدون. # ومعنى الآية: ms0783 قل لهم يا محمد: لا أجد في ما أوحي إلي ~~من القرآن شيئا محرما على آكل يأكله إلا أن يكون ~~ميتة لم يذك؛ وهي تموت حتف أنف. فمن قرأ { إلا أن ~~يكون } بالياء فعلى معنى: إلا أن يكون المأكول ميتة. ومن قرأ ~~بالتاء؛ فعلى معنى: إلا أن تكون تلك الأشياء ميتة. وقرأ علي رضي ~~الله عنه: (يطعمه) بتشديد الطاء، فأدغم التاء في الطاء. # قوله تعالى: { أو دما مسفوحا } أي دما مصبوبا ~~سائلا، فكانوا إذا ذبحوا أكلوا الدم كما يأكلون اللحم. وفي ~~الآية دليل على أن الدم إذا لم يكن سائلا مثل الدم الذي يكون ~~في عروق اللحم المذكى؛ فإنه لا يكون محرما؛ هكذا قال ~~عكرمة وقتادة، وقال عمران بن حدير: (سألت أبا مجلز عما ~~يتلطخ باللحم من الدم حتى يرى فيه حمرة ~~الدم؛ قال: لا بأس به؛ إنما نهي عن الدم ~~المسفوح وهو المهراق السائل، لكن يحرم لعينه). ~~وقوله تعالى: { أو لحم خنزير فإنه رجس } فيه ~~بيان أن لحم الخنزير لا يحرم لكونه ميتة، لكن يحرم لعينه. # وقوله تعالى: { أو فسقا أهل لغير الله به } ~~عطف على قوله: { أو لحم خنزير } والمراد بالفسق: المذبوح ~~للصنم؛ وهو الذي يذكر على ذبحه اسم غير الله. ومعنى: { ~~أهل لغير الله به } أي رفع به؛ مأخوذ من الإهلال ~~الذي هو رفع الصوت؛ ومنه إهلال المحرم في الحج، ومنه ~~قوله صلى الله عليه وسلم: # " إذا استهل الصبي ورث وصلي عليه " # وأما الرجس؛ فمعناه: الحرام، وكل ما استقذرته فهو رجس، ~~والرجس العذاب في غير هذا الموضع. # قوله عز وجل: { فمن اضطر غير باغ ولا عاد }؛ ~~أي من دعته الضرورة إلى أكل شيء من هذه المحرمات؛ غير ~~طالب التلذذ بتناوله، ولا متجاوز قدر المباح منه؛ { فإن ~~ربك غفور رحيم }؛ إذ رخص لكم تناول هذه الأشياء عند ~~الضرورة؛ أي أكل شيء من هذه المحرمات. # فإن قيل: لم قصر التحريم في هذه الآية على الأشياء المذكورة ~~فيه؛ مع أنه تعالى قد حرم أشياء غيرها في أول سورة المائدة؟ ~~قيل: ms0784 لأن هذه الآية مكية؛ نزلت في جواب الذين جادلوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في تحريم البحيرة ونحوها، فكانت هذه ~~الأربع المحرمات المذكورات في هذه الآية محرمة يوم ~~المجادلة، ثم نزلت بعد هذه الآية تحريم غيرها بقوله تعالى: # حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير # [المائدة: 3] في سورة المائدة. # وهذه الآية لا تمنع شيئا آخر لخبر الآحاد، والقياس على ~~المحرمات المنصوصة لاتفاق الفقهاء على تحريم أشياء غير ~~مذكورة في هذه الآية كالخمر ولحم القرد والنجاسات. وأما الخبر ~~المروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه: # " نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع؛ وكل ذي ~~مخلب من الطير " # فهو بمنزلة آية من كتاب الله تعالى؛ لقوله تعالى: # ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه ~~فانتهوا # [الحشر: 7]. ### || [6.146-147] # قوله عز وجل: { وعلى الذين هادوا حرمنا كل ~~ذي ظفر }؛ في هذه الآية بيان ما حرم الله على اليهود. قال ~~ابن عباس: (أراد بقوله: { كل ذي ظفر } الإبل والنعام ~~والبط والإوز وما أشبه ذلك مما لا يكون ~~منفرج الأصابع). وقيل: أراد به ما يصيد بالظفر مثل ~~النسور والبراري وما يشاكل ذلك من السباع والكلاب. وقال ابن ~~زيد: (هي الإبل فقط). قرأ الحسن: (كل ذي ظفر) بكسر ~~الظاء وإسكان الفاء. وقرأ أبو السمال: (ظفر) بكسرهما جميعا؛ ~~وهي لغة. # وقوله تعالى: { ومن البقر والغنم حرمنا ~~عليهم شحومهمآ إلا ما حملت ظهورهما }؛ من ~~الشحم وهو السمن، { أو }؛ ما حملت؛ { الحوايآ }؛ وهي ~~المباعر والأمعاء التي عليها الشحم من داخلها؛ واحدتها ~~حاوية وحاوياء وحوية؛ سميت بذلك لأنها تحوي ما في ~~البطن. وقوله: { أو ما اختلط بعظم }؛ أراد به ما يكون ~~من الشحم المخلط من اللحم على عظم الجنب. وأما ~~الإلية؛ فقد كانت داخلة في التحريم. # قوله تعالى: { ذلك جزينهم ببغيهم }؛ أي ذلك ~~التحريم عاقبناهم بظلمهم، { وإنا لصدقون }؛ فيما نقول إن ~~هذه الأشياء كانت حلالا في الأصل؛ فحرمناها على اليهود بمعصيتهم ~~ومخالفتهم لأنبيائهم، وكانت اليهود مع هذا التحريم يجملون ~~الشحوم فيبيعونها؛ فيستحلون ثمنها؛ كما قال صلى الله عليه ms0785 وسلم: # " لعن الله اليهود؛ حرمت عليهم الشحوم ~~فجملوها وباعوها وأكلو ثمنها؛ إن الله تعالى إذا ~~حرم شيئا حرم بيعه وأكل ثمنه ". # فلما نزلت هذه الآية؛ قال صلى الله عليه وسلم: # " هذا ما أوحى الله تعالى إلي أنه محرم منه على ~~المسلمين، ومنه على اليهود ". # فقال المشركون: إنك لم تصب فيما قلت، فقال الله عز ~~وجل: { فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ~~}؛ أي إن أنكروا ولم يقبلوا قولك؛ فقل: { ربكم ذو ~~رحمة واسعة } بالإمهال بأن لن يعاجلكم بالعقوبة؛ { ~~ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين }؛ أي لا يرد ~~عذابه عن المشركين واليهود إذا جاء وقت العذاب. ### || [6.148] # قوله تعالى: { سيقول الذين أشركوا لو شآء ~~الله مآ أشركنا ولا آباؤنا }؛ أي آباؤنا من قبلنا الذين ~~استننا بهم، { ولا حرمنا }؛ على أنفسنا؛ { من شيء }؛ من ~~الحرث والأنعام، ولكنه شاء لنا الشرك والتحريم. # قال الله تعالى: { كذلك كذب }؛ أي قال؛ { الذين من ~~قبلهم }؛ أي هكذا كذب الذين من قبلهم رسلهم كما كذب ~~قومك، { حتى ذاقوا بأسنا }؛ أي عذابنا. ومن قرأ (كذلك ~~كذب الذين) بالتخفيف؛ فمعناه: كما كذب قومك على الله؛ كذلك ~~كذب من قبلهم من الأمم الخالية على الله؛ حتى ذاقوا عذابنا. # قوله تعالى: { قل هل عندكم من علم فتخرجوه ~~لنآ }؛ أي قل لهم يا محمد: هل عندكم من علم من بيان ~~وحجة غير ما في القرآن؛ فبينوه لنا، { إن تتبعون ~~إلا الظن }؛ يعني ظنهم في تحريم البحيرة والسائبة ~~والوصيلة والحام. قوله تعالى: { وإن أنتم إلا ~~تخرصون }؛ أي ما أنتم إلا تكذبون على الله. # قال المشركون: لو شاء الله ما أشركنا، على وجه الاستهزاء؛ فكذبهم ~~الله في ذلك، وإن كانت المشيئة حقا كما في سورة (المنافقون): # إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد ~~إن المنافقين لكاذبون # [المنافقون: 1] فكذبهم الله في قولهم: إنك لرسول الله؛ وإن ~~كان ذلك حقا؛ لأنهم قالوا على وجه الاستهزاء. # قوله تعالى: { ولا آباؤنا } عطف على المضمر المتصل؛ ~~معناه: ما أشركنا نحن ولا آباؤنا. ms0786 ثم اعلم أن بعضهم قال: ~~إن مشيئة المعاصي إذا أضيفت إلى الله تعالى كان معناها الخذلان ~~مجازاة لهم على سوء أفعالهم، وإصرارهم على المعصية. ### || [6.149] # قوله عز وجل: { قل فلله الحجة البالغة ~~فلو شآء لهداكم أجمعين }؛ أي إن الله قد أبلغكم ~~حجته؛ وهو ما أحله من الثمانية أزواج؛ فلو شاء لوفقكم ~~لدينه وأكرمكم بمعرفته. وقال الحسن: (معناه: قد قامت ~~عليكم الحجة وجاءكم الرسول؛ فلو شاء ~~لوفقكم وأجبركم على الإيمان). و { الحجة البالغة ~~}: التامة الكافية. ### || [6.150] # قوله تعالى: { قل هلم شهدآءكم الذين يشهدون ~~أن الله حرم هذا }؛ أي قل لهم يا محمد: هاتوا ~~شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذه الأشياء، { ~~فإن شهدوا }؛ بأن الله حرمها، { فلا تشهد } ، أنت يا ~~محمد، { معهم }؛ لأنهم لا يشهدون إلا الباطل. # قوله تعالى: { ولا تتبع أهوآء الذين كذبوا ~~بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة }؛ أي لا تعمل ~~بهوى الذين جحدوا بك وبالقرآن؛ ولا بهوى الذين لا يصدقون ~~بالبعث. وإنما فصل بين الفريقين؛ لأن من الكفار من يؤمن ~~بالبعث كأهل الكتاب؛ ومنهم من لا يؤمن بذلك كعبدة الأوثان. ~~قوله تعالى: { وهم بربهم يعدلون }؛ أي يسوون ~~بالله تعالى في الطاعة. ### || [6.151] # قوله عز وجل: { قل تعالوا أتل ما حرم ~~ربكم عليكم }؛ أي قل يا محمد لمالك بن عوف الخشمي ~~ولأصحابه: هلموا واجتمعوا أقرأ عليكم الذي حرم ربكم ~~عليكم. # وقوله تعالى: { ألا تشركوا به شيئا }؛ أي ~~أوصيكم وآمركم أن لا تشركوا. ويقال: أتلوا عليكم أن لا ~~تشركوا كما في قوله: # ما منعك ألا تسجد # [الأعراف: 12]. وقوله تعالى: { وبالوالدين إحسانا ~~}؛ أي وأوصيكم بالوالدين؛ أي بالإحسان إلى الوالدين برا بهما ~~وعطفا عليهما، { ولا تقتلوا أولادكم من إملاق }؛ ~~أي لا تدفنوا بناتكم أحياء مخافة الفقر. # والإملاق في اللغة: نفاد الزاد والنفقة، يقال: أملق ~~الرجل؛ إذا نفد زاده ونفقته ومنه الملق؛ وهو بذل ~~المجهود في تحصيل المراد. قوله تعالى: { نحن ~~نرزقكم وإياهم }؛ أي علينا رزقكم ورزقهم جميعا. # قوله تعالى: { ولا تقربوا الفواحش ما ظهر ~~منها وما بطن }؛ أي لا تقربوا الزنا مسرين ولا ms0787 معلنين، { ولا ~~تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } أي ~~إلا بإحدى ثلاث خلال: زنا بعد إحصان؛ وكفر بعد إيمان؛ وقتل ~~نفس بغير حق. # وروي # " أن عثمان رضي الله عنه حين أرادوا قتله أشرف عليهم وقال: " علام ~~تقتلوني؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا ~~يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: رجل زنى ~~بعد إحصان؛ فعليه الرجم، ورجل قتل عمدا، أو ~~ارتد بعد إسلامه ". فوالله ما زنيت في جاهلية ~~ولا إسلام؛ ولا قتلت أحدا فأفتدي نفسي منه؛ ولا ~~ارتددت منذ أسلمت؛ إني أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ". # قوله تعالى: { ذلكم وصاكم به }؛ أي هذا الذي ذكر ~~لكم أمركم الله في كتابه لكي تفعلوا ما أمركم به، { ~~لعلكم تعقلون }. ### || [6.152] # قوله تعالى: { ولا تقربوا مال اليتيم إلا ~~بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده }؛ أي لا ~~تقربوا مال اليتيم الذي لا أب له إلا لحفظه وتمييزه ~~وإصلاحه، { حتى يبلغ أشده }. قال الشعبي: (هو بلوغ ~~الحلم؛ حيث تكتب الحسنات وتكتب عليه ~~السيئات). # وقال السدي: (الأشد: أن يبلغ ثلاثين سنة). وقال ~~الكلبي: (ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين ~~سنة). وجعل أبو حنيفة غاية الأشد: (خمسا وعشرين ~~سنة؛ فإذا بلغها دفع إليه ماله ما لم يكن ~~معتوها). # قوله تعالى: { وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ~~}؛ أي أتموا الكيل والوزن بالعدل عند البيع والشراء، { لا ~~نكلف نفسا إلا وسعها }؛ أي إلا طاقتها وجهدها. ~~وهذه الآية أصل في جواز الاجتهاد في الأحكام، وإن كل مجتهد ~~مصيب؛ فإذا اجتهد الإنسان في الكيل والوزن، ووقعت فيه زيادة ~~يسيرة أو نقصان يسير لم يؤاخذه الله به إذا اجتهد جهده، وإنه ~~اعتاد الكيل على ذلك فزاد أو نقص أثبت التراجع إذا كان ذلك القدر من ~~التفاوت مما يقع بين الكيلين. # قوله تعالى: { وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا ~~قربى }؛ أي إذا قلتم فاعدلوا في المقالة. قيل: ~~معناه: قولوا الحق إذا شهدتم وحكمتم ولو كان المشهود عليه أولي ~~قرابة من الشاهد. ms0788 # قوله تعالى: { وبعهد الله أوفوا }؛ أي أتموا ~~فرائض الله التي أمركم بها، كما قال تعالى: # ألم أعهد إليكم يبني ءادم # [يس: 60]. ويقال: أراد بالعهد في هذه الآية: النذر واليمين، كما ~~قال تعالى: # وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم # [النحل: 91]. قوله تعالى: { ذلكم وصكم به ~~لعلكم تذكرون }؛ أي في هذا الذي ذكره الله لكم وأمركم ~~الله به في الكتاب لكي تتعظوا فتمتنعوا عن المحرمات. ### || [6.153] # قوله عز وجل: { وأن هذا صراطي مستقيما }؛ في ~~الجنة. وقوله تعالى: { فاتبعوه }؛ أي اعتقدوا حلال ~~هذا الدين وحرامه ومأموره ومنهيه، { ولا تتبعوا ~~السبل }؛ أي ولا تتبعوا اليهودية والنصرانية وسائر ملل ~~الكفر؛ فإنها سبيل الشيطان وهي طريق النار. # قوله تعالى: { فتفرق بكم عن سبيله }؛ أي ~~فيضلكم ذلك السبل الذي تتبعونه بهواكم عن دين الله الذي ~~هو الإسلام، { ذلكم وصاكم به }؛ أي هذا الذي أمركم الله ~~به في القرآن، { لعلكم تتقون }؛ أي لتتقوا السبل ~~المختلفة وتستقيموا على الإيمان. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: (هذه الثلاث آيات ~~من المحكمات؛ وهن إمام في التوراة والإنجيل ~~والزبور والفرقان؛ لم ينسخهن شيء في جميع ~~الكتب؛ وهي محرمات على بني آدم كلهم؛ وهن ~~أم الكتاب؛ من عمل بهن دخل الجنة؛ ومن ~~تركهن دخل النار). قال كعب الأحبار: (والذي نفس ~~كعب بيده؛ إن هذه لأول شيء في التوراة: بسم ~~الله الرحمن الرحيم؛ قل تعالوا أتل ما حرم ~~ربكم عليكم. إلى آخر الآيات الثلاث). ### || [6.154] # قوله تعالى: { ثم آتينا موسى الكتاب تماما على ~~الذي أحسن }؛ معناه: بل آتينا موسى الكتاب. وقيل: ~~معنى (ثم) معنى العطف كأنه قال تعالى: أتل ما حرم ربكم ~~عليكم ثم أتل ما آتاه الله موسى من التوراة. قوله: { ~~تماما على الذي أحسن } أي تماما للأحسن على ~~المحسنين النبي موسى عليه السلام أحدهم. # ويقال: معناه: تماما على ما أحسن موسى عليه السلام. كان موسى ~~عليه السلام محسنا في معرفة العلم وكتب المتقدمين، فأعطيناه ~~التوراة زيادة على ذلك. و(تماما) نصب على القطع. وقيل: على ~~التفسير. وقرأ ابن عمر: (على الذي أحسن) بالرفع على ms0789 معنى: ~~على الذي هو أحسن. # قوله تعالى: { وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة ~~لعلهم بلقآء ربهم يؤمنون }؛ أي تتميما ~~بالإحسان إليهم؛ وتبيينا لكل شيء من الحلال والحرام؛ والهدى من ~~الضلالة؛ والنجاة من العذاب لمن آمن به وعمل بما فيه؛ ~~لعلهم بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال يقرون ويصدقون. ### || [6.155] # قوله تعالى: { وهذا كتب أنزلنه مبارك }؛ أي ~~وهذا القرآن كتاب أنزلناه فيه بركة وخير كثير لمن آمن به. ~~ومعنى البركة: ثبوت الخير وديمومته، { فاتبعوه }؛ أي ~~اقتدوا به في أوامره ونواهيه، { واتقوا } ، مخالفته وسخطه، ~~{ لعلكم ترحمون }؛ لتكونوا على رجاء الرحمة. ### || [6.156] # قوله تعالى: { أن تقولوا إنمآ أنزل الكتاب ~~على طآئفتين من قبلنا }؛ أي كراهة أن يقولوا: إنما ~~أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا؛ أراد به التوراة لليهود؛ ~~والإنجيل للنصارى، { وإن كنا عن دراستهم لغافلين }؛ أي ~~وقد كنا عن قراءة كتبهم التوراة والإنجيل لغافلين عما ~~فيه. وقيل: معناه: وما كنا عن قراءة كتبهم التوراة والإنجيل ~~إلا غافلين عما فيهما. ### || [6.157] # قوله تعالى: { أو تقولوا لو أنآ أنزل علينا ~~الكتاب لكنآ أهدى منهم }؛ أي وكراهة أن يقولوا: لو ~~أنا أنزل علينا الكتاب كما أنزل على اليهود والنصارى، ~~لكنا أسرع إجابة منهم. وذلك: أن أهل مكة كانوا يقولون: قاتل ~~الله اليهود؛ كيف كذبوا على أنبيائهم، والله لو جاءنا نذير وكتاب ~~لكنا أهدى منهم. # قال الله تعالى: { فقد جآءكم بينة من ربكم }؛ ~~أي القرآن بيانا ودلالة من ربكم، { وهدى }؛ من الضلالة؛ { ~~ورحمة }؛ لمن آمن به واتبعه، رحم الله بإنزاله عباده. # قوله تعالى: { فمن أظلم ممن كذب بآيات الله ~~}؛ أي لا أجد أعتى ولا أجرأ على الله ممن كذب بآيات الله، ~~{ وصدف عنها }؛ أي أعرض عنها، { سنجزي الذين ~~يصدفون عن آياتنا سوء العذاب بما كانوا ~~يصدفون }؛ أي سنعاقب الذين يعرضون عن آياتنا بأقبح ~~العذاب وأشده بإعراضهم وتكذيبهم. ### || [6.158] # قوله عز وجل: { هل ينظرون إلا أن تأتيهم ~~الملائكة }؛ أي ما ينظر أهل مكة بعد نزول الآيات وقيام ~~الحجج عليهم إلا إتيان ملك الموت وأعوانه لقبض أرواحهم؛ أي ~~لم يبق إلا ms0790 هذا. قوله: { أو يأتي ربك }؛ معناه: أو ~~يأتي أمر ربك بإهلاكهم والانتقام منهم؛ إما بعقاب عاجل أو ~~بالقيامة. وقوله: { أو يأتي بعض ءايات ربك }؛ يعني ~~طلوع الشمس من مغربها. # قال الحسن: (أو يأتي بعض آيات ربك الحاجة من ~~التوبة)، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " بادروا بالأعمال ستا: طلوع الشمس من مغربها؛ ~~ودابة الأرض؛ وخروج الدجال؛ والدخان؛ وخويصة ~~أحدكم - يعني موته -، وأمر العامة - يعني ~~القيامة ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " باب التوبة مفتوح من قبل المغرب مسيرة ~~أربعين سنة، وملك قائم على ذلك الباب يدعو ~~الناس إلى التوبة، فإذا أراد الله أن تطلع الشمس ~~من مغربها؛ طلعت من ذلك الباب سوداء لا نور ~~لها؛ فتوسطت السماء ثم رجعت، فيغلق الباب ~~وترد التوبة، ثم ترجع إلى شرقها لتطلع بعد ~~ذلك مائة وعشرين سنة، إلا أنها سوداء تمر ~~مرا ". # وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا غربت الشمس؛ رفع بها إلى السماء السابعة في ~~سرعة طيران الملائكة، وتحبس تحت العرش، ~~فيستأذن من أين تطلع؛ أمن مطلعها أم من ~~مغربها، وكذا القمر، فلا يزالا كذلك حتى يأتي ~~الله بالوقت الذي وقته لتوبة عباده. # وتكثر المعاصي في الأرض، ويذهب المعروف فلا ~~يأمر به أحد، ويكثر المنكر فلا ينهى عنه أحد، ~~فإذا فعلوا ذلك حبست الشمس تحت العرش، فإذا مضى ~~مقدار ليلة سجدت، واستأذنت ربها من أين ~~تطلع، فلم يجئ لها جواب حتى يوافقها القمر، ~~فيسجد معها؛ فلا يعرف مقدار تلك الليلة إلا ~~المتهجدون في الأرض؛ وهم يومئذ عصابة قليلة ~~في هوان من الناس. # فينام أحدهم تلك الليلة مثل ما ينام قبلها ~~من الليالي، ثم يقوم فيتهجد ورده؛ فلا يصبح؛ ~~فينكر ذلك، فيخرج وينظر إلى السماء؛ فإذا هي ~~بالليل مكانها والنجوم مستديرة، فينكر ذلك ~~ويظن فيه الظنون، فيقول: خفت قراءتي؛ أو ~~قصرت صلاتي؛ أم قمت قبل حين؟! # ثم يقوم فيعود إلى مصلاه، فيصلي نحو صلاته ~~في الليلة الثانية، ثم ينظر؛ فلا يرى الصبح، ~~فيخرج فإذا هو بالليل كما هو، ms0791 فيخالطه الخوف، ~~ثم يعود وجلا خائفا إلى مصلاه، فيصلي مثل ~~ورده كل ليلة، ثم ينظر فلا يرى الصبح؛ ~~فيشتد به الخوف. # فيجتمع المتهجدون في كل ليلة من تلك ~~الليالي في مساجدهم، ويجأرون إلى الله تعالى ~~بالبكاء والتضرع. فيرسل الله تعالى جبريل عليه ~~السلام إلى الشمس والقمر فيقول لهما: إن الله ~~يأمركما أن ترجعا إلى مغاربكما فتطلعا منه، ~~فإنه لا ضوء لكما عندنا ولا نور، فيبكيان عند ~~ذلك وجلا من الله بكاء يسمعه أهل السماوات ~~السبع وأهل سرادقات العرش، ثم يبكي من فيهما ~~من الخلائق من خوف الموت والقيامة. # فبينما المتهجدون يبكون ويتضرعون ~~والغافلون في غفلاتهم؛ إذا بالشمس والقمر قد ~~طلعتا من المغرب أسودان لا ضوء للشمس ولا نور ~~للقمر كصفتهما في كسوفهما، فذلك قوله تعالى: ~~{ وجمع الشمس والقمر } ، فيرتفعان كذلك مثل ~~البعيرين ينازع كل واحد منهما استباقا، ~~فيتصارخ أهل الدنيا حينئذ ويبكون. # فأما الصالحون فينفعهم بكاؤهم، ويكتب لهم ~~عبادة، وأما الفاسقون فلا ينفعهم بكاؤهم ~~يومئذ، ويكتب ذلك عليهم حسرة وندامة. فإذا ~~بلغ الشمس والقمر سرة السماء ومنتصفها، جاء ~~جبريل فأخذ بقرونهما فردهما إلى المغرب؛ ~~فيغربان في باب التوبة ". # فقال عمر: بأبي وأمي أنت يا رسول الله؛ ما باب ~~التوبة؟ قال: " يا عمر؛ خلق الله بابا للتوبة ~~خلف المغرب؛ له مصراعان من ذهب؛ ما بين ~~المصراع إلى المصراع أربعون سنة للراكب، فذلك ~~الباب مفتوح منذ خلق الله خلقه إلى صبيحة تلك ~~الليلة عند طلوع الشمس والقمر من مغربهما، ~~فإذا غربا في ذلك الباب رد المصراعان والتأم ما ~~بينهما، فيصير كأن لم يكن بينهما صدع. فإذا ~~أغلق باب التوبة لم يقبل للعبد توبة بعد ~~ذلك، ولم ينفعه حسنة يعملها إلا من كان قبل ~~ذلك محسنا، فإنه يجري عليه ما كان يجري قبل ~~ذلك اليوم ". # فذلك قوله تعالى: { يوم يأتي بعض ءايات ربك ~~لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن ءامنت من قبل أو ~~كسبت في إيمنها خيرا } ، قال السدي: (لا ينفع ~~أحدا فعل الإيمان ولا فعل الخير في تلك الحالة، ~~فإنما ينفع فعل ms0792 هذا قبل تلك الحال). # وقيل: معنى (خيرا) إخلاصا؛ أي إذا لم تكن النفس مخلصة ~~قبل مجيء الآيات؛ لا ينفعها الإخلاص بعد مجيء الآيات. { قل ~~انتظروا إنا منتظرون } ، # " فقال أبي بن كعب: يا رسول الله؛ وكيف بالشمس ~~والقمر بعد ذلك؟ وكيف بالناس والدنيا؟ فقال: " ~~يا أبي؛ إن الشمس والقمر يكبتان الضوء بعد ~~ذلك، ثم يطلعان ويغربان كما كانا قبل ذلك ~~يطلعان ويغربان. فإن الناس رأوا ما رأوا في فظاعة تلك ~~الآية، يلحون على الدنيا حتى تجري إليها الأنهار ~~ويغرسوا فيها الأشجار، ويبنوا فيها البنيان " ". # فقال حذيفة بن أسيد والبراء بن عازب: # " كنا نتذاكر الساعة إذ أشرف علينا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم؛ فقال: " ما تتذاكرون؟ " قلنا: ~~الساعة يا رسول الله، قال: " إنها لا تقوم حتى ~~يخرج الدجال؛ ودابة الأرض؛ ويأجوج ومأجوج؛ ~~ونار تخرج من قعر عدن، ونزول عيسى؛ وطلوع ~~الشمس من مغربها " ". # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها؛ ~~فإذا طلعت ورآها الناس؛ آمنوا جميعا، فذلك حين ~~لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو ~~كسبت في إيمانها خيرا " ### || [6.159] # قوله عز وجل: { إن الذين فرقوا دينهم }؛ قرأ ~~حمزة والكسائي: (فارقوا) بالألف؛ أي خرجوا من دينهم وتركوه؛ ~~وهي قراءة علي رضي الله عنه. وقرأ الباقون (فرقوا) بالتشديد ~~بغير ألف؛ وهي قراءة ابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب؛ أي ~~جعلوا دين الله فرقا يتهود قوم، ويتنصر قوم، يدل عليه ~~قوله تعالى: { وكانوا شيعا } أي فرقا مختلفة. # وقال مجاهد: (أراد بهم اليهود) فإنهم كانوا ~~يمالئون المشركين على المسلمين لشدة ~~عداوتهم. وقال قتادة: (هم اليهود والنصارى؛ فإن ~~بعضهم يكفر بعضا). وعن أبي هريرة أنه قال: (هم أهل ~~البدع والضلالة من هذه الأمة، فإن بعضهم ~~يكفر بعضا بالجهالة). # قوله عز وجل: { وكانوا شيعا }؛ أي فرقا مختلفة، ~~والشيع: جمع الشيعة؛ وهي الفرقة التي يتبع بعضها ~~بعضا؛ يقال: شايعه على الأمر؛ إذا اتبعه، وقيل: أصل ~~الشيع الظهور؛ يقال: ms0793 شاع الحديث يشيع، إذا ظهر. # قوله تعالى: { لست منهم في شيء }؛ أي لست من ~~مذاهبهم الباطلة في شيء؛ أي أنت بريء من جميع ذلك، { إنمآ ~~أمرهم إلى الله }؛ أي مصيرهم ومنقلبهم إلى الله، { ~~ثم ينبئهم }؛ ثم يجزيهم في الآخرة، { بما كانوا ~~يفعلون }؛ أي بما كانوا يعملون في الدنيا، فيندم ~~المبطل، ويفرح المحق. ### || [6.160] # قوله عز وجل: { من جآء بالحسنة فله عشر ~~أمثالها }؛ أي من جاء بخصلة من الطاعات فله عشر حسنات، { ~~ومن جآء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها }؛ أي من ~~جاء بخصلة من المعصية فلا يجزى إلا مثلها، { وهم لا ~~يظلمون }؛ بالزيادة على مقدار ما يستحقون من العقاب، وإنما ~~قال ذلك لأن الفضل بالنعم جائز، والابتداء بالعقاب لا يجوز. ~~وقرأ الحسن وسعيد بن جبير ويعقوب: (فله عشر) بالتنوين ~~(أمثالها) بالرفع على معنى: فله حسنات عشر أمثالها. # وقد تكلم أهل العلم بالحسنات العشر التي وعد الله في هذه ~~الآية؛ فقال بعضهم: المراد بها التحديد بالعشرة. وقال بعضهم: ~~المراد بها التضعيف دون التحديد بالعشرة؛ كما يقول القائل: لإن ~~أسديت إلي معروفا لأكافئنك بعشرة أمثاله. # ثم اختلفوا؛ فقال بعضهم: هو كله بفضل وثواب غير ذلك؛ ~~كأنه قال تعالى: من جاء بالحسنة فله عشر حسنات من النعم ~~والسرورة زيادة على ثواب حسنته. قالوا: ولا يجوز أن تساوى ~~منزلة التفضيل بمنزلة الثواب؛ لأن الثواب لا بد أن ~~يقارنه التعظيم والإجلال. # وقال بعضهم: هذه الحسنات العشر تفضل من الله تعالى؛ قالوا: ~~ويجوز أن يتفضل على من لا يعمل مثل ثواب العامل ابتذالا ~~منه؛ وتفضل في فعله على من لا يستحق عليه شيء. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه # " إذا حسن إسلام أحدكم؛ فكل حسنة يعملها ~~يكتب له عشر أمثالها؛ إلى سبعمائة ضعف؛ إلى ما ~~شاء الله. وكل سيئة يعملها؛ يكتب له مثلها ~~إلى أن يلقى الله تعالى " # وعن خريم بن فاتك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الأعمال ستة: موجبتان؛ ومثل بمثل؛ وحسنة ~~بحسنة؛ وحسنة بعشر؛ وحسنة بسبعمائة. فأما ~~الموجبتان؛ فهو من ms0794 مات لا يشرك بالله شيئا دخل ~~الجنة، ومن مات وهو مشرك بالله دخل النار. ~~وأما مثل بمثل؛ فمن عمل سيئة؛ فجزاء سيئة ~~بمثلها. وأما حسنة بحسنة؛ فمن هم بحسنة حتى ~~يشعر بها نفسه ويعلمها الله من قلبه؛ كتب له ~~حسنة. وأما حسنة بعشر؛ فمن عمل حسنة فله ~~عشر أمثالها. وأما حسنة بسبعمائة؛ فالنفقة في ~~سبيل الله " ### || [6.161] # قوله عز وجل: { قل إنني هداني ربي إلى ~~صراط مستقيم }؛ أي قل لهم يا محمد: إنني وفقني ~~ربي وأرشدني إلى دين الحق الذي أدعو الخلق إليه. قوله ~~تعالى: { دينا قيما }؛ أي دينا هو غاية في الاستقامة. # قرأ أهل الكوفة والشام: (قيما) بكسر القاف وفتح الياء ~~مخففا؛ فمعناه: المصدر؛ كالصغر والكبر، ولم يقل: قوما؛ ~~لأنه من قولك: قام يقوم قياما وقيما. وقرأ الباقون ~~بالتشديد. وتصديق التشديد: # ذلك الدين القيم # [التوبة: 36] # وذلك دين القيمة # [البينة: 5]. والقيم: المستقيم. واختلف النحاة في نصبه؛ ~~فقال الأخفش: (هداني دينا قيما). وقيل: عرفني دينا. ~~وقيل: أعني دينا. وقيل: انتصب على الإغراء؛ أي التزموا ~~دينا واتبعوا دينا. # قوله تعالى: { ملة إبراهيم حنيفا }؛ أي دين ~~إبراهيم؛ وهو بدل من قوله (دينا). وقوله (حنيفا) أي مائلا عن ~~الشرك وجميع الأديان الباطلة ميلا لا رجوع فيه، وهو نصب على ~~الحال؛ كأنه قال: عرفني دين إبراهيم في حال حنيفيته. ~~وقوله تعالى: { وما كان من المشركين } ، أي ما كان ~~إبراهيم عليه السلام على دين المشركين. وإنما أضاف هذا الدين إلى ~~إبراهيم؛ لأن إبراهيم كان معظما في عيون العرب، وفي قلوب سائر ~~أهل الأديان؛ إذ أهل كل دين يزعمون أنهم يبجلون دين ~~إبراهيم عليه السلام. ### || [6.162-163] # قوله تعالى: { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ~~ومماتي لله رب العالمين }؛ أي قل لهم يا محمد: ~~إن صلاتي بعد الصلوات الخمس المفروضة، { ونسكي } أي ~~طاعتي، وأصل النسك: كل ما يتقرب به إلى الله ~~تعالى، ومنه قولهم للعابد: ناسك. وقال ابن جبير: (معناه: ~~{ ونسكي } في الحج والعمرة لله رب العالمين). ~~ويقال: أراد بالصلاة صلاة العيد، وبالنسك الأضحية. # وقوله تعالى: { ومحياي ومماتي } أي ms0795 وحياتي وموتي ~~لله رب الخلائق كلهم. وإنما أضاف المحيا والممات إلى الله ~~وإن لم يكن ذلك مما يتقرب به إليه؛ لأن الغرض بالآية ~~التبرئ إلى الله تعالى من كل حول وقوة والإقرار له ~~بالعبودية. وقيل: المراد بذلك أن الله تعالى هو المختص ~~بأن يحييه ويميته؛ لا شريك له في ذلك. # قوله تعالى: { لا شريك له وبذلك أمرت }؛ أي ~~أمرني بذلك، { وأنا أول المسلمين }؛ أي أول من ~~استقام على الإيمان من أهل هذا الزمان. قرأ أهل المدينة: ~~(ومحياي) بسكون الياء. وقرأ الباقون بفتحها كيلا يجتمع ~~ساكنان. وقرأ السلمي: (ونسكي) بإسكان السين. # وعن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ # " أنه قرب كبشا أملح أقرن؛ فقال: " لا إله إلا ~~الله؛ والله أكبر؛ إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي ~~لله رب العالمين، لا شريك له " الآية، ثم ذبح فقال: ~~" شعره وصوفه فداء لشعري من النار، وجلده ~~فداء لجلدي من النار، وعروقه فداء لعروقي من ~~النار " فقالوا: يا رسول الله؛ هنيئا مريئا؛ هذا ~~لك خاصة؟ فقال: " لا؛ بل لأمتي عامة إلى أن ~~تقوم الساعة، أخبرني بذلك جبريل عليه السلام عن ربي ~~عز وجل " ". ### || [6.164] # قوله عز وجل: { قل أغير الله أبغي ربا وهو ~~رب كل شيء }؛ أي قل يا محمد: أغير الله أطلب ~~إلها لي ولكم { وهو رب كل شيء } أي هو مالكي ~~ومالككم ومالك كل شيء؛ فكيف أطلب النفع من مربوب مثلي ~~ومثلكم، وأدع سؤال ربي يملكني ويملككم؛ فهل يجوز هذا؟ وهل يحسن ~~هذا؟ لا بد أن يكون جوابه: لا. # قوله تعالى: { ولا تكسب كل نفس إلا عليها }؛ ~~أي لا تعمل كل نفس طاعة ولا معصية إلا عليها. قال أهل ~~الإشارة: ولا تكسب كل نفس من خير أو شر إلا عليها، أما ~~الشر فهو مأخوذ به، وأما الخير فهو مطلوب منه صحة قصده. ~~وخلوه من الرياء والعجب والافتخار به. # قوله تعالى: { ولا تزر وازرة وزر أخرى }؛ أي ما ~~تحمل حاملة ثقل أخرى، والمعنى: لا يحمل أحدا ذنب غيره، بل كل ms0796 ~~نفس مأخوذة بجرمها وعقوبة إثمها. والوزر في اللغة: هو ~~الثقل. قوله تعالى: { ثم إلى ربكم مرجعكم } ~~، أي مصيركم ومنقلبكم، { فينبئكم }؛ أي فيجزيكم؛ { ~~بما كنتم فيه تختلفون }؛ في دار الدنيا. ### || [6.165] # قوله تعالى: { وهو الذي جعلكم خلائف الأرض }؛ ~~أي جعلكم يا أمة محمد خلفا في الأرض، والخلائف: جمع ~~الخليفة، وكل قرن خليفة للقرن الذين كانوا قبلهم في ~~الأرض. وقوله تعالى: { ورفع بعضكم فوق بعض ~~درجات }؛ أي فضل بعضكم في المال والمعاش والجاه؛ تقديره: ~~إلى درجات، ثم حذف (إلى) وانتصب (درجات). ويقال: إن ~~الدرجات مفعول على تقدير: ورفعكم درجات، كما يقال: كسوت ~~فلانا ثوبا. # قوله تعالى: { ليبلوكم في مآ آتاكم }؛ أي ~~ليختبركم فيما أعطاكم؛ يختبر الغني بالفقير؛ والفقير ~~بالغني، فيظهر للناس شكر الشاكرين وصبر الصابرين. قوله ~~تعالى: { إن ربك سريع العقاب وإنه لغفور ~~رحيم }؛ أي إذا عاقب فإنه سريع العقاب مع أنه موصوف ~~بالحلم والإمهال؛ لأن كل ما هو آت قريب. وقيل: أراد ~~بقوله: { سريع العقاب } سريع الحساب. وقوله تعالى: { ~~وإنه لغفور } أي غفور لمن تاب من الذنوب، { رحيم } بمن ~~مات على التوبة. وقال عطاء: (سريع العقاب لأعدائه، غفور ~~رحيم لأوليائه). والله أعلم. ### | [7 - سورة الأعراف] ### || [7.1-2] # قوله عز وجل: { المص * كتاب أنزل إليك فلا ~~يكن في صدرك حرج منه لتنذر به وذكرى ~~للمؤمنين }؛ قال ابن عباس: في قوله: { المص }: (معناه: ~~أنا الله أعلم وأفصل). وقيل: اللام افتتاح اسمه: ~~لطيف؛ والميم افتتاح اسمه: مجيد ومالك؛ والصاد افتتاح ~~اسمه: صمد وصادق الوعد وصانع المصنوعات. # وقيل: هي حرف اسم الله الأعظم. وقيل: هي حروف تحوي معان ~~كثيرة. وموضعه رفع بالابتداء، و { كتاب } خبره؛ كأنه قال: المص ~~حروف كتاب أنزل إليك. وقيل: { كتاب } خبر مبتدأ مضمر؛ ~~أي هذا كتاب. وقيل: رفع على التقديم والتأخير؛ يعني: أنزل ~~إليك كتاب؛ وهو القرآن. # قوله: { فلا يكن في صدرك حرج منه } أي فلا يقع ~~في نفسك شك منه؛ خاطب به النبي صلى الله عليه وسلم وعنى به ~~الخلق كلهم؛ أي لا ترتابوا وتشكوا. ويقال: الحرج: ~~الضيق؛ أي لا يضيق ms0797 صدرك من تأدية ما أرسلت به، ولا ~~تخافن من إبلاغ الرسالة، فإنك في أمان الله؛ والله يعصمك ~~من الناس. قوله تعالى: { لتنذر } أي أنزل إليك ~~لتخوف { به } بالقرآن أهل مكة. { وذكرى للمؤمنين ~~} أي وليكون عظة لمن اتبعك. ### || [7.3] # قوله تعالى: { اتبعوا مآ أنزل إليكم من ~~ربكم ولا تتبعوا من دونه أوليآء }؛ أي اعملوا ~~بما أنزل إليكم من ربكم. وحقيقة اتباع القرآن ~~تصرف الناس تصريف القرآن لهم وتدبرهم بتدبيره. قوله ~~تعالى: { ولا تتبعوا من دونه أوليآء } أي لا ~~تتخذوا من دونه أوثانا، ولا تتولوا أحدا إلا لوجهه. ~~قوله تعالى: { قليلا ما تذكرون } ، أي قليلا ما ~~تتعظون. ### || [7.4-5] # قوله تعالى: { وكم من قرية أهلكناها فجآءها ~~بأسنا بياتا أو هم قآئلون } أي وكم من قرية ~~أهلكنا أهلها بأنواع العذاب فجاءها بأسنا ليلا. وسمى ~~الليل بياتا؛ لأنه بيات فيه. قوله تعالى: { أو هم ~~قآئلون } أي وقت الظهيرة؛ يعني نهارا في وقت القائلة. و ~~{ قآئلون }: نائمون وقت الهاجرة. # وإنما خص هذين الوقتين بنزول العذاب؛ لأنهما من أوقات ~~الراحة. وقيل: من أوقات الغفلة. ومجيء العذاب في حال الراحة ~~أغلظ وأشد؛ أهلك الله قوم شعيب في نصف النهار، وفي حر ~~شديد وهم قائلون. وفائدة هذه الآية: التهديد والوعيد على معنى: ~~إن لم تتعظوا أتاكم العذاب ليلا أو نهارا كما أتى ~~الأولين الذين لم يتعظوا. # ثم أخبر جل ذكره عن حال من أتاهم العذاب فقال عز وجل: ~~{ فما كان دعواهم إذ جآءهم بأسنآ إلا أن ~~قالوا إنا كنا ظالمين }؛ معناه: لم يكن قولهم ودعاؤهم ~~حين جاءهم عذابنا إلا الاعتراف بالظلم والشرك؛ أي اعتبروا بهم؛ ~~فكما لم ينفعهم تضرعهم عند رؤية البأس؛ كذلك لا ينفعكم إذا جاءكم ~~العذاب تضرعكم. # قال سيبويه: (إن الدعوى تصلح في معنى الدعاء، ~~ويجوز أن يقال: اللهم أشركنا في صالح دعوى ~~المسلمين ودعاء المسلمين). فإن قيل: إن الهلاك ~~يكون بعد البأس؛ فكيف قال: # أهلكناهم # [الكهف: 59] # أهلكناهآ # [الأنبياء: 6] { فجآءها بأسنا }؟ قيل: إنهما يقعان ~~معا كما يقال: أعطيتني فأحسنت. ويجوز أن يكون التقدير: ~~أهلكناها في حكمنا فجاءها ms0798 بأسنا. ### || [7.6] # قوله تعالى: { فلنسألن الذين أرسل إليهم ~~ولنسألن المرسلين } إخبار عن حالهم يوم القيامة. ودخول ~~الفاء أول في هذه الآية لتقريب ما بين الهلاك وسؤال يوم القيامة. ~~والمعنى: فلنسألن الذين أرسل إليهم: هل بلغتكم ~~الرسل الرسالة؟ وماذا أجبتموهم؟ ولنسألن المرسلين: هل ~~بلغتم قومكم ما أرسلتم به؟ وماذا أجابوكم؟ ### || [7.7] # قوله تعالى: { فلنقصن عليهم بعلم وما كنا ~~غآئبين }؛ أي لنجزينهم بما عملوا بعلم منا؛ معناه: ~~إنا لنسألهم لنعلم أن ما نسألهم لإقامة الحجة عليهم. ~~قوله: { وما كنا غآئبين } معناه: إنا كنا عالمين ~~بكل شيء من تبليغ الرسالة وجواب الأمم. ### || [7.8-9] # قوله تعالى: { والوزن يومئذ الحق }؛ أي وزن ~~الأعمال يوم القيامة الحق؛ فلا ينقص من إحسان محسن؛ ولا ~~يزاد على إساءة مسيء. وقال مجاهد: (معناه: والقضاء ~~يومئذ العدل). # قوله: { فمن ثقلت موازينه فأولئك هم ~~المفلحون }؛ أي من رجحت حسناته على سيئاته فأولئك ~~هم الظافرون بالمراد، { ومن خفت موازينه } أي ~~رجحت سيئاته على حسناته، { فأولئك الذين ~~خسروا أنفسهم } عموا حظ أنفسهم، { بما كانوا ~~بآياتنا يظلمون }؛ أي بما كانوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~يجحدون. فالخسران: ذهاب رأس المال؛ ورأس مال الإنسان ~~نفسه؛ فإذا هلك بسوء عمله فقد خسر نفسه. # وقد تكلموا في ذكر الموازين يوم القيامة؛ قال ابن عباس: ~~(توزن الحسنات والسيئات في ميزان له لسان ~~وكفتان توضع فيه أعمالهم، فأما المؤمن ~~فيؤتى بعمله في أحسن صورة؛ فيوضع في كفة ~~الميزان؛ فتثقل حسناته على سيئاته؛ فيوضع ~~عمله في الجنة عند منازله؛ ثم يقال له: إلحق ~~بعملك؛ فيأتي منازله في الجنة فيعرفها ~~بعمله. # وأما الكافر؛ فيؤتى بعمله في أقبح صورة؛ ~~فيوضع في كفة الميزان؛ فيخف - والباطل خفيف ~~- ثم يرفع فيوضع في النار، ثم يقال له: إلحق ~~بعملك؛ فيلحق فيأتي منازله في النار). # وقيل: إن المراد بالعمل في هذا الخبر أن الله يجعل للحسنات ~~صورة حسنة؛ وللسيئات صورة قبيحة، إلا أن عين الأعمال ~~توزن؛ لأن الأعمال أعراض منقضية لا تعاد. وقال ابن عمر: ~~(يؤتى بصحف الطاعات وصحف المعاصي، فتوزن ~~الصحف). # وعن رسول الله صلى ms0799 الله عليه وسلم أنه قال: # " يؤتى بالعبد المؤمن يوم القيامة إلى ~~الميزان، ثم يؤتى بتسعة وتسعين سجلا؛ كل ~~واحد منهم مد البصر؛ فيها خطاياه وذنوبه؛ ~~فتوضع في كفة الميزان، ثم تخرج بطاقة من تحت ~~العرش بمقدار أنملة؛ فيها شهادة أن لا إله إلا ~~الله؛ فتوضع في الكفة الأخرى. فيقول العبد: يا ~~رب؛ ما تزن هذه البطاقة مع هذه الصحائف؟! ~~فيأمر الله أن توضع؛ فإذا وضعت في الكفة طاشت ~~الصحف ورجحت البطاقة " # وقال بعضهم: يوزن الإنسان، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " يؤتى بالرجل الأكول الشروب العظيم فيوزن؛ فلا ~~يزن جناح بعوضة؛ إقرأوا إن شئتم: { فلا نقيم ~~لهم يوم القيامة وزنا } " # وأما ذكر الموازين بلفظ الجماعة؛ فلأن الميزان يشتمل على ~~الكفتين والخيوط والشاهدين. فإن قيل: ما الحكمة في وزن الأعمال، ~~والله قادر عالم بمقدار كل شيء قبل خلقه إياه وبعده؟ ~~قيل: لإقامة الحجة عليهم، ونظيره قوله تعالى: # إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون # [الجاثية: 29] فأخبر بنسخ الأعمال وإثباتها مع علمه بها لما ~~ذكرنا. وقيل: الحكمة فيه تعريف الله العباد ما لهم عنده من ~~جزاء على الخير والشر. وقيل: جعله الله علامة للسعادة ~~والشقاوة. وقيل: لامتحان الله عباده بالإيمان به في الدنيا. ### || [7.10] # قوله تعالى: { ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا ~~لكم فيها معايش }؛ أي مكناكم بالتمليك والإقرار ودفع ~~الموانع، وجعلنا لكم في الأرض معايش؛ وهو ما تعيشون به ~~من الرزق؛ وهو ما يخرج من الأرض من الحبوب والأشجار والثمار. ~~وقيل: معنى (المعايش): التواصل إلى ما يعاش به من الحراثة ~~والتجارة، وأنواع الحرف والزراعات. قوله تعالى: { قليلا ~~ما تشكرون }؛ أي شكركم فيما صنع إليكم قليل. وقيل: ~~معنى قوله: { وجعلنا لكم فيها معايش } أي تعيشون بها ~~أيام حياتكم من المآكل والمشارب. ### || [7.11] # قوله تعالى: { ولقد خلقناكم ثم صورناكم }؛ ~~أي خلقنا آدم الذي هو أصل خلقتكم، ثم صورناه إنسانا، { ~~ثم قلنا }؛ من بعد خلقه من التراب وتصويره؛ { ~~للملائكة }؛ الذين كانوا في الأرض مع إبليس: { اسجدوا ~~لأدم }؛ سجدة تحية؛ { فسجدوا }؛ المأمورون؛ { إلا ~~إبليس لم يكن من ms0800 الساجدين }؛ لآدم. # وقيل: معنى الآية: ولقد خلقناكم في بطون أمهاتكم نطفا؛ ثم ~~علقا؛ ثم مضغا؛ ثم عظاما؛ ثم لحما، ثم صورناكم: الحسن ~~والذميم؛ والطويل والقصير، وصورنا لكم عضوا من العين والأنف ~~والأذن واليد والرجل وأشباه ذلك. # قوله تعالى: { ثم قلنا للملائكة اسجدوا لأدم ~~} قال الأخفش: ((ثم) ها هنا في معنى الواو) أي وقلنا ~~للملائكة اسجدوا لآدم الآن. قوله تعالى للملائكة: { ~~اسجدوا لأدم } قبل خلقنا وتصويرنا. # وأنكر الخليل وسيبويه أن تكون (ثم) بمعنى (الواو)، ولكن تكون ~~للتراخي. ويجوز أن يكون معنى (ثم) ها هنا التراخي من حيث ~~الإخبار دون ترادف الحال. ### || [7.12] # قوله تعالى: { قال ما منعك ألا تسجد إذ ~~أمرتك }؛ أي ما منعك أن تسجد، و(لا) زائدة في الكلام كما ~~في قوله تعالى: # لئلا يعلم أهل الكتاب # [الحديد: 29] أي ليعلم أهل الكتاب. وقيل: معناه: ما دعاك ~~إلى أن لا تسجد، وقد علم الله ما منعه من السجود، ولكن ~~مسألته إياه توبيخ له وإظهار أنه معاند ركب المعصية. وعن ~~يحيى بن ثعلب أنه قال: (كان بعضهم يكره أن لا ويقول: ~~تقديره: من قال لك لا تسجد؟). # قوله تعالى: { قال أنا خير منه خلقتني من ~~نار وخلقته من طين }؛ ليس هذا الجواب عما سأله تعالى ~~من جهة اللفظ؛ لأن هذا الجواب جواب: أيكما خير؟ إلا أن هذا ~~جواب من جهة المعنى، فإن معناه: إنما منعني من السجود إلا ~~أني كنت أفضل منه. # وكان هذا القول من اللعين تجهيلا منه بخالقه؛ كأن قال: ~~إنك فضلت الظلمة على النور وليس ذلك من الحكمة. فأعلم ~~الله تعالى أنه صاغر بهذا القول، وليس الأمر على ما قاله ~~الملعون؛ لأنه رأى أن جوهر النار أفضل من جوهر الطين في ~~المنفعة، وليس كذلك لأن عامة الثمار والحبوب والفواكه من ~~الطين، وكذلك الملابس كلها لا تخرج إلا من الطين، وعمارة ~~الأرض من الطين، وهو موضع القرار عليه لا استغناء عنه في حال من ~~الأحوال. وأما النار فهي للخراب، وإن كان فيها بعض المنافع. # قال ابن عباس: (أول من قاس ms0801 فأخطأ القياس إبليس ~~لعنه الله، فمن قاس الدين بتبع من رأيه قرنه ~~الله مع إبليس). وكان قياس إبليس أنه قال: النار خير وأفضل ~~وأصفى وأنور من الطين. وقال ابن سيرين: (أول من قاس ~~إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس). # وقد أخطأ عدو الله حين فضل النار على الطين، ~~بل الطين أفضل من النار من وجوه كثيرة؛ ~~أحسنها: إن جوهر الطين السكون والوقار ~~والحياء والصبر والحلم، وذلك هو الداعي لآدم ~~بعد السعادة التي سبقت له إلى التوبة ~~والتواضع، فأورثه المغفرة والاجتباء والهداية ~~والتوبة. ومن جوهر النار الخفة والطيش ~~والحدة والارتفاع والاضطراب، وذلك هو الداعي ~~لإبليس بعد الشقاوة التي سبقت له إلى ~~الاستكبار والإصرار، فأورثه العذاب والهلاك ~~واللعنة والشقاء. # والثاني: أن الطين سبب لجمع الأشياء، والنار ~~سبب لتفرقها. والثالث: أن الخبر ناطق بأن ~~تراب الجنة مسك أذفر، ولم ينطق الخبر أن في ~~الجنة نارا وفي النار ترابا. والرابع: أن النار ~~سبب عذاب الله تعالى لأعدائه، وليس التراب ~~للعذاب. والخامس: أن التراب مستغن عن النار، ~~والنار تخرج إلى المكان ومكانها التراب). ### || [7.13] # قوله تعالى: { قال فاهبط منها }؛ أي من الجنة. ~~وقيل: من السماء إلى الأرض، فإن السماء ليس بموضع ~~للمتكبرين. وقيل: معناه: فاهبط من الأرض؛ أي اخرج منها ~~والحق بجزائر البحار، فإنما تسلط به في الجزائر فلا تدخل ~~الأرض إلا كهيئة السارق عليه أطمار يروع فيها، حتى يخرج من ~~الأرض. # قوله تعالى: { فما يكون لك أن تتكبر فيها }؛ أي ~~ليس لك أن تتعظم في الأرض على بني آدم، { فاخرج إنك ~~من الصاغرين }؛ أي من الأذلاء. والصغار هو الذل. ### || [7.14-15] # قوله تعالى: { قال أنظرني إلى يوم يبعثون }؛ أي ~~قال إبليس حين خشي أن يعاجله الله بالعقوبة: أمهلني ~~وأخر جزائي إلى يوم يبعثون من قبورهم؛ وهي النفخة الأخيرة ~~عند قيام الساعة. أراد الخبيث أن لا يذوق الموت. { قال }؛ ~~الله تعالى: { إنك من المنظرين }؛ أي المؤخرين ~~المؤجلين إلى يوم الوقت المعلوم؛ وهي النفخة الأولى عند موت ~~الخلق كلهم. # وهذا ليس بإجابة إلى ما سأل؛ لأنه ms0802 سأل الله الإمهال إلى ~~النفخة الثانية، فأبى الله أن يعطيه ذلك، # قال فإنك من المنظرين * إلى يوم الوقت ~~المعلوم # [الحجر: 37-38] يعني إلى النفخة الأولى يموت حينئذ أهل ~~السماوات والأرض، ويموت إبليس معهم. وبين النفخة الأولى ~~والثانية أربعين سنة. # واختلفوا في أن الله تعالى هل يجيب دعوة الكافر أم لا؟ قال ~~بعضهم: لا يجيب؛ لأن إجابة الدعاء تكون تعظيما للداعي؛ ~~ولهذا يرجو الإنسان أنه مجاب الدعوة، ولا يحسن من الله ~~تعالى أن يعلم أحدا مدة حياته لما في ذلك من الإغراء ~~بالمعاصي. وكيف يجوز، يجيب الله تعالى إبليس إلى ما سأل، ولم ~~يكن سؤاله على جهة التضرع والخشوع والرغبة إلى الله، ~~وإنما سأل ليغوي الناس ويضلهم. وقال بعضهم: يجوز إجابة ~~دعاء الكافر استدراجا واستضلالا له ولغيره، ولا تكون إجابة ~~الكافر تعظيما له بحال أبدا. ### || [7.16] # قوله تعالى: { قال فبمآ أغويتني }؛ أي فبما ~~أضللتني عن الهدى، { لأقعدن لهم صراطك ~~المستقيم }؛ أي لأرصدن على طريق بني آدم، وأصدهم ~~عن دينك المستقيم. وقال الحسن: (معنى: { أغويتني } ~~لعنتني). وقيل: { أغويتني } خيبتني، وقد يكون ~~الغوى بمعنى الخيبة. وقيل: { أغويتني } أي أهلكتني. ### || [7.17] # قوله تعالى: { ثم لآتينهم من بين أيديهم }؛ ~~قال ابن عباس: (معناه: أن إبليس قال: لآتينهم من ~~قبل آخرتهم؛ فلأخبرنهم أنه لا جنة ولا نار، ~~ولا بعث ولا حساب). { ومن خلفهم }؛ أي من قبل ~~دنياهم؛ فلآمرنهم بجمع المال مخافة الفقر وأن لا يؤدوا ~~حقه، { وعن أيمانهم }؛ أي من قبل دينهم فأبين ~~لهم ضلالتهم، وإن كانوا على هدى شبهته عليهم حتى ~~أخرجهم منه، { وعن شمآئلهم }؛ أي من قبل اللذات ~~والشهوات فأزينها لهم، { ولا تجد أكثرهم شاكرين ~~}؛ لنعمتك. # وقال السدي: (معنى: { ثم لآتينهم من بين ~~أيديهم } أراد الدنيا أغويهم إليها، { ومن ~~خلفهم } فمن الآخرة أشككهم فيها وأبعدها عليهم، ~~{ وعن أيمانهم } قال: الحق أشككهم فيه، { وعن ~~شمآئلهم } قال: الباطل أخفيه عليهم وأرغبهم ~~فيه). # وقيل: أراد بقوله { وعن أيمانهم } من جهة الحسنات ~~أغفلهم عنها، { وعن شمآئلهم } يعني من جهة السيئات، ~~فإن الحسنات تضاف إلى اليمين، والسيئات تضاف إلى ms0803 الشمال. ~~وقيل: معنى الاية: ثم لأحتالن في إغوائهم من كل وجه. قال ~~قتادة: (أتاك يا ابن آدم من كل وجه، غير أنه لا ~~يستطيع أن يحول بينك وبين رحمة ربك، إنما ~~تأتيك الرحمة من فوقك). # وقال شقيق بن إبراهيم: (ما من صباح إلا قعد لي ~~الشيطان على أربعة مراصد: من بين يدي، ومن ~~خلفي، وعن يميني، وعن شمالي. أما ما بين يدي؛ ~~فيقول لي: لا تحزن فإن الله غفور رحيم، فأقول: ~~ذلك لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى. # وأما من خلفي؛ فيخوفني الضيعة على ذريتي ~~ومن خلفي، فأقول: وما من دابة في الأرض إلا ~~على الله رزقها. وأما من قبل يميني؛ فيأتيني من ~~قبل النساء، فأقول: والعاقبة للمتقين. وأما ~~من قبل شمالي؛ فيأتيني من اللذات والشهوات، ~~فأقول: وحيل بينهم وبين ما يشتهون). # وإنما ذكر (من) في قوله: { من بين أيديهم ومن ~~خلفهم } وذكر (عن) في قوله: { وعن أيمانهم وعن ~~شمآئلهم } لأن القدام والخلف يكون لابتداء الغاية، والغاية ~~تذكر بحرف (من). وأما جهة اليمين والشمال فإنها تكون ~~للانحراف، فذكرها ب (عن). # فإن قيل: من أين علم إبليس أنه لا يكون أكثرهم شاكرين؛ أي ~~أكثر الناس شاكرين؟ قيل: إنه ظن بهم ظنا، فوافق ~~ظنه مظنونه، كما قال تعالى: # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه # [سبأ: 20]. وإنما ظن ذلك؛ لأنه لما تمكن من استزلال ~~آدم وحواء؛ علم أن أولادهما أضعف منهما، فيكون تمكنه ~~منهم أكثر. ### || [7.18] # قوله تعالى: { قال اخرج منها مذءوما مدحورا }؛ ~~أي أخرج من الجنة. وقيل: من السماء، { مذءوما } أي ~~مذؤما معيبا، والذأم والذيم: شدة العيب، يقال: ذامت ~~الرجل ذومة وذأمة؛ إذا عبته وذمته. قوله: { ~~مدحورا } أي مبعدا من الخير والرحمة. والدحر: الدفع على ~~وجه الهوان والذل. # وقال ابن عباس: { مذءوما } ممقوتا. وقال مجاهد: { ~~مذءوما } صاغرا. وقال أبو العالية: { مذءوما } أي ~~مزدرا. وقال عطاء: { مدءوما } أي ملعونا. وقال الكسائي: ~~(المذموم: المقبوح). # قوله تعالى: { لمن تبعك منهم لأملأن جهنم ~~منكم أجمعين }؛ واللام في قوله: (لمن) لام القسم ~~دخلت على لفظ الشرط والجزاء ms0804 بمعنى التأكيد والمبالغة؛ كأنه قال ~~تعالى: من تبعك لأبالغن في تعذيبه عذابا شديدا، كذلك ~~قوله تعالى: { لأملأن جهنم منكم أجمعين } أي ~~منك ومن ذريتك ومن كفار ذرية آدم عليه السلام. ### || [7.19-25] # قوله تعالى: { ويآءادم اسكن أنت وزوجك الجنة ~~}؛ أي اسكن أنت وزوجتك الجنة؛ لأن الإضافة إليه دليل على ~~ذلك، وحذف التاء أحسن؛ لما فيه من الإيجاز من غير إخلال بالمعنى. ~~وأما الجنة التي أسكنهما الله فيها؛ فهي جنة الخلد ~~في أكثر أقوال أهل العلم، بخلاف ما يقوله بعضهم: إنها كانت ~~بستانا في السماء غير جنة الخلد. وذلك أن الله تعالى ~~عرف الجنة بالألف واللام على جهة التشريف. # قوله تعالى: { فكلا من حيث شئتما }؛ أي من أي ~~شيء شئتما موسعا عليكما، { ولا تقربا هذه ~~الشجرة فتكونا من الظالمين }؛ يجوز أن يكون منصوبا؛ ~~لأنه جواب النهي، ويجوز أن يكون مجزوما عطفا على ~~النهي، ومعناه: فتكونا من الضارين أنفسكما. # قوله تعالى: { فوسوس لهما الشيطان ليبدي ~~لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما وقال ما ~~نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ~~ملكين }؛ أي زين لهم الشيطان الأكل من الشجرة؛ ليظهر ~~لهما ما ستر من عوراتهما. والوسوسة: إلقاء المعنى ~~إلى النفس بصوت خفي. والفرق بين وسوس له ووسوس ~~إليه: أن معنى وسوس له: أوهمه، ومعنى وسوس إليه: ~~ألقى إليه. # وإنما سميت العورة سوأة، لأنه يسوء الإنسان انكشافها. ~~قوله تعالى: { إلا أن تكونا ملكين } قرأ بعضهم: ~~(ملكين) بكسر اللام، ومعناه: إلا أن تكونا ملكين ~~تعلمان الخير والشر، وإن لم تكونا ملكين تكونا من ~~الخالدين لا تموتان. # قوله تعالى: { أو تكونا من الخالدين }؛ أي لا ~~تموتان فتفنيان أبدا، فذلك قوله تعالى: # فوسوس إليه الشيطان قال يآدم هل أدلك على ~~شجرة الخلد # [طه: 120] أي على شجرة من أكل منها لم يمت. وقوله ~~تعالى: # وملك لا يبلى # [طه: 120] أي جديد لا يفنى. وعلى قراءة من قرأ (ملكين) ~~بكسر اللام استدلالا له بقوله تعالى: # هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى # [طه: 120]. # قيل: كيف أوهمهما أنهما إذا أكلا ms0805 من تلك الشجرة تغيرت ~~صورتهما إلى صورة الملك، أو يزداد في حياتهما؟ قيل: ~~أوهمهما أن من حكمة الله أن من أكل منها صار ملكا أو ~~ليزيد حياته. وقيل: إنه لم يطمعهما في أن تصير صورتهما ~~كصورة الملك، وإنما أطمعهما في أن تصير منزلتهما ~~منزلة الملك في العلو والرفعة. # قوله تعالى: { وقاسمهمآ إني لكما لمن ~~الناصحين }؛ أي حلف لهما إني لكما لمن الناصحين ~~فيما أقول. وإنما قال: { وقاسمهمآ } على لفظ المفاعلة؛ ~~لأنه قابلهما بالحلف، وهذا كما يقال: عاقبت اللص؛ ~~وناولت الرجل. # قال قتادة: (حلف لهما حتى خدعهما، وقد يخدع ~~المؤمن بالله تعالى، وقال لهما: إني خلقت ~~قبلكما، وأنا أعلم منكما، فاتبعاني أرشدكما). ~~وكان بعض العلماء يقول: (من خادعنا بالله خدعنا). وقال ~~صلى الله عليه وسلم: # " المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم " # وأنشد نفطويه بعضهم: # إن الكريم إذا تشاء خدعته # وترى اللئيم مجربا لا يخدع # قوله تعالى: { فدلاهما بغرور }؛ أي حدرهما من ~~أعلى إلى أسفل؛ لأن الخير عال والشر سافل. وقال بعضهم: ~~معناه: قربهما مما أراد من التورية؛ وهي التقريب مأخوذ من ~~أدلى الدلو، ويقال: فلان يدلي فلانا بالغرور؛ أي ~~يخدعه بكلام زخرف باطل. # وقال مقاتل: { فدلاهما بغرور } أي زين لهما ~~الباطل. فدلاهما بغرور؛ الغرور ما تقدم ذكره ~~بقوله لهما: { ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة ~~إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين }. وفي ~~بعض الروايات: أن آدم عليه السلام كان يقول وقت ~~توبته: ما ظننت يا رب أن أحدا يجرأ فيحلف ~~باسمك كاذبا. # قوله تعالى: { فلما ذاقا الشجرة بدت لهما ~~سوءاتهما }؛ فيه دليل أنهما لم يبالغا في الأكل، ولكن ~~لما وصل إلى جوفهما تهافت عنهما لباسهما، وظهر لكل ~~منهما عورة صاحبه فاستحيا، { وطفقا يخصفان ~~عليهما من ورق الجنة }؛ أي عمدا فأخذ يلزقان ~~عليهما من ورق التين. # والخصف: الإلزاق بعضه إلى بعض، كما يعمل الخصاف ~~الذي يرقع النعل. ومعنى (طفقا) أخذا في العمل، يقال: بات ~~يفعل كذا إذا فعله ليلا، وظل يفعل كذا إذا فعله نهارا، ~~وطفق يفعل كذا إذا فعل ms0806 في أي وقت كان. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن آدم كان رجلا طوالا كأنه نخلة سحوق ~~كثير شعر الرأس، فلما وقع بالخطيئة بدت ~~سوأته وكان لا يراها، فانطلق هاربا في الجنة، ~~فعرضت له شجرة من شجر الجنة فحبسته ~~بشعره، قال لها: أرسليني! فقالت: لست مرسلتك. ~~فناداه ربه: يا آدم؛ أمني تفر؟ قال: لا، ولكن ~~استحييت " # وقال ابن عباس: (قال الله: يا آدم، ألم يكن لك فيما ~~أبحت لك من الجنة مندوحة عن الشجرة؟ قال: ~~بلى، ولكن وعزتك ما ظننت أن أحدا من خلقك ~~يحلف بك كاذبا. قال: فوعزتي لأهبطنك إلى ~~الأرض، ثم لا تنال العيش إلا بكد. فأهبط إلى ~~الأرض هو وحواء، فعلم صنعة الحديد، وأمر ~~بالحرث، فحرث وزع، وسقى وحصد، ثم درس وروى، ~~ثم طحن، ثم عجن، ثم خبز، ثم أكل. فلم يبلغ ~~إلى الأكل حتى بلغ ما شاء الله أن بلغ). # قوله تعالى: { وناداهما ربهمآ ألم أنهكما عن ~~تلكما الشجرة وأقل لكمآ إن الشيطآن لكما ~~عدو مبين }؛ قال محمد بن قيس: (ناداه ربه: يا آدم، ~~لم أكلت منها وقد نهيتك؟ قال: يا رب؛ أطعمتني ~~حواء. قال: يا حواء؛ لم أطعمته؟ قالت: أمرتني ~~الحية. فقيل للحية: لم أمرتها؟ قالت: أمرني ~~إبليس. قال الله تعالى: أما أنت يا حواء؛ فكما ~~أدميت الشجرة تدمين كل شهر، وأما أنت يا ~~حية فأقطع قوائمك، فتمشين في التراب على ~~وجهك، وسيشرخ رأسك كل من لقيك، وأما أنت يا ~~إبليس فملعون مدحور). # قوله عز وجل: { قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا }؛ أي ~~ضررناها بالمعصية، وهذا اعتراف بالخطيئة على أنفسهما، { وإن ~~لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين }؛ ~~بالعقوبة. # قوله تعالى: { قال اهبطوا }؛ أي قال اهبطوا من الجنة ~~إلى الأرض، { بعضكم لبعض عدو } ، أي في حال عداوة، { ~~ولكم في الأرض مستقر ومتاع }؛ أي ولكم في ~~الأرض مستقر ومنفعة، { إلى حين }؛ أي إلى منتهى ~~آجالكم. قوله تعالى: { قال فيها تحيون }؛ أي في الأرض ~~تعيشون، { وفيها تموتون }؛ وفي الأرض تقبرون، { ومنها ~~تخرجون }؛ أي من قبوركم ms0807 للبعث. ### || [7.26] # قوله تعالى: { يبني ءادم قد أنزلنا عليكم ~~لباسا يواري سوءاتكم وريشا }؛ أي أنزل الله المطر ~~من السماء فكانت الكسوة منه، يعني أن لباسهم من نبات ~~الأرض من القطن والكتان. وهو ماء السماء، وما يكون من الكسوة ~~من أصواف الأغنام، فقوام الأنعام أيضا من نبات ماء السماء، كذا ~~قال ابن عباس رضي الله عنهما: (وقوله: { يواري ~~سوءاتكم } قوله تعالى: { وريشا } يعني مالا) هكذا ~~قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي. # ويقال: تريش الرجل؛ إذ تمول. وقال ابن زيد: (الريش: ~~الجمال). وقرأ عثمان بن عفان والحسن وقتادة: (ورياشا) ~~بالألف وهو جمع ريش، مثل ذئب وذئاب. وقال الأخفش: ~~(الرياش: الخصب والمعاش). وقيل: معنى الريش: ما ~~يتأثث به في البيت من متاعه. # قوله تعالى: { ولباس التقوى }؛ قال قتادة ~~والسدي: (هو العمل الصالح)، { ذلك خير }؛ لأنه ~~يقي من العذاب والعقاب، كأنه قال: لباس التقوى خير من ~~الثياب؛ لأن الفاجر وإن كان حسن الثياب فهو بادي العورة. قال ~~الشاعر: # إني كأني أرى من لا حياء له # ولا أمانة وسط القوم عريانا # وقال ابن جريج: (لباس التقوى هو الإيمان). وقال معبد ~~الجهني: (هو الحياء). وقيل: هو السمت الحسن ~~بالوجه. وقال وهب: (الإيمان عريان؛ ولباسه التقوى؛ ~~وريشه الحياء؛ وماله الفقه؛ وثمرته العمل ~~الصالح). وقيل: لباس التقوى ما يلبس من الثياب ~~للتضرع والتخشع مثل الصوف والثياب الخشنة، وهو ~~خير من لباس الكبر. # قرأ أهل المدينة والشام والكسائي: (ولباس) بالنصب عطفا على ~~قوله: (لباسا). وقرأ الباقون بالرفع على الابتداء؛ وخبره ~~(خير). وجعلوا (ذلك) صلة في الكلام، ولذلك قرأ ابن مسعود ~~وأبي بن كعب: (ولباس التقوى خير). # قوله تعالى: { ذلك من آيات الله }؛ معناه: أن إنزال ~~اللباس من دلائل الله على إثبات وحدانيته ونعمه، { ~~لعلهم يذكرون } ، أي لكي يتعظون فيعرفوا أن ذلك ~~كله من الله تعالى. ### || [7.27] # قوله عز وجل: { يابني ءادم لا يفتننكم ~~الشيطان كمآ أخرج أبويكم من الجنة }؛ أي لا ~~يضرنكم الشيطان بالدعاء إلى الغي والمعصية كما استزل ~~أبويكم آدم وحواء من الجنة { ينزع عنهما لباسهما ~~} ، فتسبب في ms0808 نزع لباسهما لحملهما على المعصية، وقوله ~~تعالى: { ليريهما سوءاتهمآ }؛ أي ليظهر لهما ~~عوارتهما أن ذلك يغيظهما، وإنما أضاف الإخراج من الجنة ~~إلى الشيطان؛ لأن ذلك كان بوسوسته وإغوائه. # واختلفوا في لباسهما في الجنة؛ فقال بعضهم: كان من لباس ~~الجنة، عن ابن عباس: (أن لباسهما كان من الظفر؛ ~~أي كان يشبه الظفر، فإنه كان مخلوقا عليهما ~~خلقة الظفر). وقال وهب: (كان لباسهما من النور). ~~ومعنى قوله: { لا يفتننكم الشيطان } أي كونوا على حذر ~~من ذلك، فإنه عدو لكم. وهذا اللفظ أبلغ من أن تقول: لا ~~تقبلوا فتنة الشيطان. # قوله تعالى: { إنه يراكم هو وقبيله من حيث ~~لا ترونهم }؛ أي إن الشيطان ونسله يرونكم وأنتم لا ~~ترونهم، وإنما قال هكذا؛ لأنا إذا لم نراهم لم نعرف قصدهم ~~بالكيد والإغواء حتى نكون على حذر في نجدة نفوسنا من ~~وساوسه. # وفي هذا بيان أن أحدا من البشر لا يرى الجن، بخلاف ما ~~يقول بعضهم: إن منا من يراهم. وإنما لا يراهم البشر؛ ~~لأنهم أجسام رقيقة تحتاج في رؤيتك إلى أفضل شعاع، والله ~~تعالى لم يعطنا من الشعاع قدر ما يمكننا أن نراهم، وأما هم ~~فإنهم يروننا؛ لأنهم يرى بعضهم بعضا مع أنهم أجسام رقيقة، ~~فلأن يرونا ونحن أجسام كثيفة أولى. # وذهب بعض الناس إلى أنه يجوز أن يراهم البشر، بأن يكشفوا ~~أجسامهم، وقال: وهم ممكنون من ذلك. وقيل: إن هذا لا يصلح؛ ~~لأنه لو أمكنهم أن يكشفوا أجسام أنفسهم أمكنهم أن يكشفوا ~~أجسام غيرهم. وقال مالك بن دينار: (إن عدوا يراك ولا ~~تراه لشديد المؤنة إلا من عصم الله). # وقيل: هو زين لآدم فسكن له، ويجري من ابن آدم مجرى الدم، ~~وأنت لا تقاومه إلا بعون الله، والشيطان يراك وأنت لا تراه، ~~وهو لا ينساك وأنت تنساه. وفيه يقول بعضهم: # ولا أراه حيثما يراني # وعندما أنساه لا ينساني # فيبدي إن لم يكن سباني # كما سبى آدم من جنان # وقال ذو النون: (إن هو يراك من حيث لا تراه، فإن ~~الله يراه من حيث لا ms0809 يرى الله، فاستعن بالله ~~عليه، فإن كيد الشيطان كان ضعيفا). # قوله تعالى: { إنا جعلنا الشياطين أوليآء ~~للذين لا يؤمنون }؛ أي جعلناهم قرناء للذين لا يؤمنون ~~بالله. ### || [7.28] # قوله تعالى: { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا ~~عليهآ آباءنا }؛ معناه: أن كفار مكة كانوا إذا فعلوا ~~معصية يعظم قبحها نحو طوافهم بالبيت عراة، وتحريمهم ~~ما أحل الله تعالى من البحيرة والسائبة، قالوا: وجدنا ~~عليها آباءنا وأسلافنا، { والله أمرنا بها }: أي بهذه ~~الأشياء، { قل }؛ لهم يا محمد: { إن الله لا يأمر ~~بالفحشآء }؛ أي لا يأمرنا بالمعاصي، { أتقولون على ~~الله ما لا تعلمون } استفهام بمعنى الإنكار على جهة إلزام ~~الحجة؛ لأنهم إن قالوا: نقول على الله ما لم نعلم، ~~فضحوا أنفسهم، وإن قالوا: لا نقول على الله ما لا نعلم، ~~لزمتهم الحجة؛ لأنهم لم يكن لهم حجة على ما قالوا. ### || [7.29-30] # قوله تعالى: { قل أمر ربي بالقسط }؛ أي بالعدل ~~والصواب، وقال ابن عباس: (لا إله إلا الله)، وقال الضحاك: ~~(بالتوحيد). { وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد }؛ ~~قال مجاهد والسدي: (أي توجهوا إلى القبلة في ~~الصلاة أداء عند كل مسجد)، وقال الكلبي: (معناه: ~~إذا حضرت الصلاة وأنتم في مسجد، فصلوا فيه ولا ~~يقولن أحدكم: أصلي في مسجدي، وإذا لم يكن ~~عنده فليأت أي مسجد شاء، وليصل فيه). # وهذه الآية تدل على وجوب فعل الصلاة المكتوبة في الجماعة، وقد ~~روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من سمع النداء فلم يجبه، فلا صلاة له " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس، ثم أنظر ~~إلى قوم يتخلفون عن الجماعات، فأحرق عليهم ~~بيوتهم " # قوله تعالى: { وادعوه مخلصين له الدين } ، أي ~~مخلصين له الطاعة والعبادة، قوله تعالى: { كما ~~بدأكم تعودون }؛ أي خلقكم حين خلقكم مؤمنا وكافرا؛ ~~وشقيا وسعيدا، فكما خلقكم فكذلك تعودون إليه يوم القيامة، { ~~فريقا هدى }؛ وهم المؤمنون، { وفريقا حق عليهم ~~الضلالة }؛ وهم أهل الكفر، وهذا قول ابن عباس، كما قال ~~تعالى: # هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن # [التغابن: 2] ثم يعيدهم ms0810 يوم القيامة كما بدأ خلقهم مؤمنا ~~وكافرا، فيبعث المؤمن مؤمنا؛ والكافر كافرا. # وقال الحسن ومجاهد: (معناه: كما بدأكم فخلقكم في ~~الدنيا ولم تكونوا شيئا، كذلك تعودون يوم ~~القيامة أحياء). # قوله تعالى: { إنهم اتخذوا الشياطين أوليآء ~~من دون الله }؛ أي إن أهل الضلالة اتخذوا الشياطين ~~أولياء بطاعتهم فيما دعوهم إليه، { ويحسبون أنهم ~~مهتدون }؛ أي يظنون أنهم على الهدى. ### || [7.31-33] # قوله تعالى: { يابني ءادم خذوا زينتكم عند ~~كل مسجد وكلوا واشربوا } ذلك أن أهل الجاهلية كانوا ~~يطوفون بالبيت عراة ويقولون: لا نطوف في الثياب التي أذنبنا ~~فيها ودنسناها بالذنوب، فكانت المرأة منهم تطوف بالبيت ~~عريانة بالليل، إلا أنها كانت تتخذ سيورا ~~مقطعة تشد في حقويها، فكانت السيور لا تسترها ~~سترا تاما. # قال المفسرون: كانت بنو عامر في الجاهلية يفعلون ذلك، كان ~~رجالهم يطوفون عراة بالنهار، ونساؤهم ليلا. وحكي أن امرأة ~~كانت تطوف عريانة وهي تقول: # اليوم يبدو بعضه أو كله # فما بدا منه فلا أحله # وكانوا إذا قدموا منه طرح أحدهم ثيابه في رجله، فإن طاف وهي ~~عليه ضرب وانتزعت منه، فأنزل الله هذه الآية: { يابني ~~ءادم خذوا زينتكم عند كل مسجد } يعني الثياب. ~~وقال مجاهد: (يعني: ما يواري عورتكم ولو عباءة). # وقال الكلبي: (كانت بنو عامر لا يأكلون من الطعام ~~إلا قوتا، ولا يأكلون دسما في أيام حجهم، ~~يعظمون بذلك حجهم. وكانت قريش وكنانة ~~يفعلون. فقال المسلمون: يا رسول الله، نحن أحق ~~أن نفعل ذلك، فأنزل الله تعالى: { يابني ءادم ~~خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا }. { ~~ولا تسرفوا }؛ أي البسوا ثيابكم عند كل مسجد، وكلوا ~~اللحم والدسم، واشربوا من ألبان السوائب والبحائر، { ~~ولا تسرفوا } أي لا تجاوزوا تحريم ما أحل الله لكم. # والإسراف: مجاوزة الحد؛ فتارة تكون مجاوزة الحلال إلى ~~الحرام؛ وتارة تكون مجاوزة الحد في الإنفاق؛ وتارة تكون بأن ~~يأكل الإنسان فوق الشبع فيؤدي به ذلك إلى الضرر. # ويروى: أن هارون الرشيد كان له طبيب نصراني حاذق، فقال ~~لعلي بن الحسين ابن واقد: أليس في كتابكم من علم الطب ms0811 شيء؟ ~~والعلم علمان: علم الأديان وعلم الأبدان، فقال له: إن الله ~~تعالى قد جمع الطب كله بنصف آية من كتابنا. وقال: وما هي؟ ~~قال: قوله تعالى: { وكلوا واشربوا ولا تسرفوا }. ~~فقال النصراني: هل يؤثر عن رسولكم شيء من الطب؟ قال: نعم؛ ~~جمع رسولنا صلى الله عليه وسلم الطب في ألفاظ يسيرة. قال: وما هي؟ ~~قال: قوله: # " المعدة بيت الداء، والحمية رأس كل دواء، ~~وعودوا كل جسم ما اعتاد " # فقال النصراني: ما ترك كتابكم ولا نبيكم لجالينوس طبا. # قوله تعالى: { إنه لا يحب المسرفين }؛ أي لا ~~يرضى عملهم، ولا يثني عليهم: فلما نزلت هذه الآية طاف ~~المسلمون في ثيابهم، وأكلوا اللحم والدسم، فعيرهم المشركون ~~بذلك، فأنزل الله: # قوله تعالى: { قل من حرم زينة الله التي ~~أخرج لعباده والطيبات من الرزق } أي قل لهم ~~يا محمد: من حرم الثياب التي يتزين بها الناس، ومن ~~حرم المستلذات من الرزق؟ ويقال: أراد بالطيبات: الحلال من ~~الرزق، وفي قوله تعالى: { خذوا زينتكم عند كل ~~مسجد } أمر للإنسان أن يلبس أحسن ثيابه في الأعياد ~~والجمع. # قوله تعالى: { قل هي للذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا خالصة يوم القيامة }؛ قال ابن عباس: ~~(معناه: أن المسلمين يشاركون المشركين في ~~الطيبات في الدنيا، فأكلوا من طيبات طعامهم؛ ~~ولبسوا من خيار ثيابهم؛ ونكحوا من صالح نسائهم، ~~ثم يخلص الله تعالى الطيبات في الآخرة للذين ~~آمنوا وليس للمشركين فيها شيء). # وتقدير الآية: قل هي للذين آمنوا مشتركة في الدنيا، ~~خالصة يوم القيامة. وقيل: معناه: هي للمؤمنين في ~~الدنيا غير خالصة من الهموم والأحزان والمشقة. # وقرأ ابن عباس وقتادة ونافع: (خالصة) بالرفع؛ أي قيل: ~~خالصة. وقرأ الباقون بالنصب على الحال والقطع، لأن الكلام قد ~~تم دونه. قوله تعالى: { كذلك نفصل الآيات }؛ أي ~~كما فصلنا لكم الدلائل والأوامر والنواهي، هكذا تفصيلها { ~~لقوم يعلمون }؛ أي يفقهون أوامر الله تعالى. # ثم بين الله تعالى ما حرم عليهم فقال عز وجل: { قل ~~إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن ~~والإثم والبغي بغير الحق }؛ معناه: أن ms0812 الله تعالى ~~لم يحرم الثياب ولا الطيبات من الرزق، وإنما حرم ~~الذنوب. # والفواحش: هي الكبائر، وقوله تعالى: { ما ظهر ~~منها } أي ما عمل علانية، { وما بطن } يعني سرا. { ~~والإثم } يتناول كل ذنب وأن يكون فيه حد. وفائدة ذكر ~~الإثم: بيان أن التحريم غير مقصور على الكبائر. { والبغي } ~~يتناول الإقدام على الغير { بغير الحق }. # وقوله تعالى: { وأن تشركوا بالله }؛ معناه: ~~وحرم عليكم أن تشركوا بالله، { ما لم ينزل به ~~سلطانا }؛ أي عذرا ولا حجة. ثم بين الله تعالى ما يصير ~~جامعا للمحرمات كلها؛ وهو تحريم القول الذي لا علم لقائله به ~~فقال: { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون }. # وقيل: يعني بالفواحش: الطواف عراة، ويعني بقوله: { ما ظهر ~~منها } طواف الرجال عراة بالنهار، { وما بطن } طواف ~~النساء بالليل عراة. وقيل: أراد بقوله: { ما ظهر منها ~~} التعري عن الثياب في الطواف، { وما بطن } يعني الزنا، ~~ويعني ب { الإثم } كل المعاصي. وقوله تعالى: { والبغي ~~} طلب الترأس على الناس بالقهر والاستطالة عليهم بغير حق. # وقال الحسن: (يعني ب { الإثم } الخمر). قال بعضهم: # شربت الإثم حتى ضل عقلي # كذاك الإثم يذهب بالعقول ### || [7.34] # قوله تعالى: { ولكل أمة أجل فإذا جآء ~~أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون } تخويف ~~ووعيد من الله تعالى لهم، معناه: ولكل أهل دين مهلة؛ ولكل ~~وقت مؤقت، فإذا انقضت مهلتهم فلا يستأخرون من بعد الأجل ~~ساعة ولا يستقدمون في الأجل. وليس ذكر الساعة في الآية على وجه ~~التحديد، فإنهم لا يستأخرون ولا يستقدمون ساعة ولا أقل من ~~ساعة، ولكن ذكرت الساعة لأنها أقل أسماء الأوقات بين ~~الناس. # فإن قيل: لم قال: { يستأخرون } ولم يقل: ~~يتأخرون؟ قيل: معناه: لا يطلبون التأخر عن ذلك لأجل ~~اليأس عنه. وقرأ ابن سيرين: (فإذا جاء آجالهم). ### || [7.35] # قوله تعالى: { يابني ءادم إما يأتينكم رسل ~~منكم يقصون عليكم آياتي }؛ معناه: يا بني آدم ~~إما أن يأتيكم رسل من جنسكم يقرأون عليكم ويعرضون ~~عليكم كتابي وكلامي، { فمن اتقى } ، الله وأطاع ~~الرسول، { وأصلح }؛ العمل، { فلا خوف عليهم }؛ حين ~~يخاف أهل ms0813 النار، { ولا هم يحزنون }؛ على ما خلفوا في ~~الدنيا. ### || [7.36] # قوله تعالى: { والذين كذبوا بآيتنا ~~واستكبروا عنهآ أولئك أصحب النار هم فيها ~~خلدون }؛ ظاهر المعنى. وقيل: معناه: وتكبروا عن الإيمان ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. ### || [7.37] # قوله تعالى: { فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا أو كذب بآياته أولئك ينالهم نصيبهم ~~من الكتاب }؛ أي حظهم مما قضى الله عليهم في الكتاب؛ وهو ~~سواد الوجوه وزرقة الأعين؛ كما قال تعالى: # ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ~~وجوههم مسودة # [الزمر: 60]. # وقال الحسن: (معناه: ما كتب لهم من العذاب). وقال ~~مجاهد: (ما سبق من الشقاوة). وقال الربيع: (يعني ~~ينالهم ما كتب لهم من الأرزاق والأعمال). فإذا ~~فرغت وفنيت؛ { جآءتهم رسلنا يتوفونهم } أي ~~يقبضون أرواحهم؛ يعني ملك الموت وأعوانه). # قوله تعالى: { حتى إذا جآءتهم رسلنا ~~يتوفونهم }؛ يعني إذا جاءتهم ملائكة العذاب يذيقونهم عذابا ~~في الآخرة كما قال تعالى: # ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت # [إبراهيم: 17]. { قالوا }؛ أي فتقول لهم الملائكة - وهم خزنة ~~جهنم: { أين ما كنتم تدعون من دون الله }؛ يعنون ~~الأصنام. يقولون لهم ذلك توبيخا وتنكيرا وحسرة عليهم، { ~~قالوا }؛ فيقول الكفار عند ذلك: { ضلوا عنا }؛ أي ذهب ~~الأصنام عنا. فلم يقدروا لنا على نفع ولا دفع ضر، { ~~وشهدوا على أنفسهم }؛ أي أقروا على أنفسهم، { ~~أنهم كانوا كافرين }؛ في الدنيا. قال مقاتل: (يشهدون ~~على أنفسهم بعدما شهدت عليهم الجوارح بما ~~كتمت الألسن). ### || [7.38-39] # قوله تعالى: { قال ادخلوا في أمم قد خلت من ~~قبلكم من الجن والإنس في النار }؛ معناه: قال الله ~~لهم: ادخلوا النار مع أمم قد خلت من قبلكم من ~~الجن والإنس في النار. # قوله تعالى: { كلما دخلت أمة لعنت أختها }؛ ~~في الدين والملة. ولم يقل: أخاها؛ لأنه عنى بها الأمم ~~والجماعة؛ فلعنت المشركون المشركين؛ واليهود اليهود؛ والنصارى ~~النصارى؛ والمجوس المجوس، ويلعن الأتباع القادة ويقولون: ~~لعنكم الله أنتم عزرتمونا. قوله تعالى: { حتى ~~إذا اداركوا فيها جميعا }؛ أي تلاحقوا واجتمعوا في ~~النار. # قرأ الأعمش: (حتى إذا تداركوا فيها). وقرأ النخعي: ms0814 (حتى ~~إذا ادركوا فيها) بتشديد الدال من غير ألف. والمعنى: حتى ~~إذا اجتمعوا في النار القادة والأتباع؛ { قالت أخراهم ~~لأولاهم }؛ أي قالت أخرى الأمم المكذبة لأول الأمم ~~{ ربنا هؤلاء }؛ المقدمون؛ { أضلونا }؛ عن ~~الهدى بإلقاء الشبهة علينا؛ { فآتهم عذابا ضعفا من ~~النار }؛ أي زدهم في عذابهم، واجعل عذابهم مضاعفا مما ~~علينا، { قال }؛ الله تعالى: { لكل ضعف }؛ أي لكل من ~~الأولين والآخرين ضعف من العذاب، { ولكن لا تعلمون }؛ ~~أنتم شدة ما عليهم. # ومن قرأ (ولكن لا يعلمون) بالياء؛ فمعناه: لا يعلم كل ~~فريق منهم مقدار عذاب الفريق الآخر. وقال مقاتل: (معناه: { ~~قالت أخراهم لأولاهم } أي { أخراهم } دخولا النار ~~الأتباع { لأولاهم } وهم القادة). وقال السدي: ~~(أخراهم الذين أتوا في آخر الزمان، لأولاهم يعني ~~الذين شرعوا لهم ذلك الدين). # قوله تعالى: { وقالت أولاهم لأخراهم فما كان ~~لكم علينا من فضل } أي قالت أول الأمم لآخر الأمم، ~~والمتبوعون للتابعين: لم يكن لكم علينا فضل في شيء حتى تطلبوا من ~~الله أن يزيد في عذابنا وينقص من عذابكم، وأنتم كفرتم كما ~~كفرنا، ونحن وأنتم في الكفر سواء، وكذا نكون في العذاب سواء. ~~قوله تعالى: { فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون ~~}؛ يجوز أن يكون هذا من قول الأولين للآخرين، ويجوز أن يكون ~~قال الله لهم ذلك. ### || [7.40] # قوله تعالى: { إن الذين كذبوا بآيتنا ~~واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السمآء }؛ ~~أي الذين جحدوا بآياتنا وتعظموا عن الإيمان بها؛ لا تفتح ~~لأرواحهم أبواب السماء إذا ماتوا هوانا، وتفتح للمؤمنين ~~كرامة لهم. وقيل: معناه: لا تفتح لأعمالهم أبواب السماء؛ ~~لأنها خبيثة، بل يهوي بعملهم إلى الأرض السابعة، وترقم ~~في الصخرة التي تحت الأرضين كما قال الله تعالى: # كلا إن كتاب الفجار لفي سجين * ومآ أدراك ما ~~سجين * كتاب مرقوم # [المطففين: 7-9]. # قوله تعالى: { لا تفتح لهم } قراءة الأكثرين بالتاء ~~المشددة راجعة إلى جماعة الأبواب. وقرأ بعضهم بالياء والتخفيف؛ ~~لأن تأنيث الأبواب ليس بحقيقي. # قوله تعالى: { ولا يدخلون الجنة حتى يلج ~~الجمل في سم الخياط }؛ أي لا يدخلون الجنة أبدا كما ms0815 ~~لا يدخل البعير في خرم الإبرة. وهذا تمثيل في الدلالة على ~~يأس الكفار من دخولهم الجنة. والعرب إذا أرادت تأكيد النفي ~~علقته بما يستحيل كونه، كما قال الشاعر: # إذا شاب الغراب أتيت أهلي # وصار القار كاللبن الحليب # والخياط والمخيط بمعنى واحد. وعن ابن مسعود رضي الله عنه ~~(أنه سئل عن الجمل؛ فقال: هو زوج الناقة؛ ~~كأنه استجهل من سأله وتعجب منه). وفي قراءة ~~ابن عباس: (حتى يلج الجمل) بضم الجيم وتشديد الميم، وهو ~~حبل يسمى القلس. وقال عكرمة: (هو الحبل الذي يصعد ~~به النخل). قوله تعالى: { وكذلك نجزي المجرمين ~~}؛ أي هكذا يجزون. ### || [7.41] # قوله تعالى: { لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم ~~غواش }؛ أي لهم فراش من النار يضطجعون ويقعدون وفوقهم ~~غوائل؛ أي غاشية من فوق غاشية، كما قال تعالى في موضع ~~آخر: # لهم من فوقهم ظلل من النار # [الزمر: 16]. وقال صلى الله عليه وسلم: # " يلبس الكافر لوحين من النار في قبره، فذلك ~~قوله تعالى: لهم من جهنم مهاد " # و { غواش }: وأصل غواش: غواشي بإثبات الياء مع ~~الضمة، فحذفت الضمة والياء استثقالا، وأدخل الثقل ذهاب ~~حركتها ويائه. قوله تعالى: { وكذلك نجزي الظالمين ~~}؛ يعني الكافرين. ### || [7.42] # قوله تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لا نكلف نفسا إلا وسعها }؛ أي إن الذين آمنوا بالله ~~ورسوله، وعملوا الطاعات بمقدورهم وبوسعهم. { لا نكلف ~~نفسا إلا وسعها } أي طاقتها وقدرتها، { أولئك ~~أصحاب الجنة هم فيها خالدون }؛ باقون دائمون. ### || [7.43] # قوله تعالى: { ونزعنا ما في صدورهم من غل }؛ أي ~~نزعنا ما في قلوبهم من غش وحسد وعداء بعضهم على بعض في ~~الدنيا، وألقينا في قلوبهم التوادد في الآخرة حتى لا ~~يحسد بعض أهل الجنة بعضا أعلى درجة منه. قوله تعالى: { ~~تجري من تحتهم الأنهر }؛ أي من تحت شجرهم وغرفهم ~~الأنهار في حال نزعنا ما في قلوبهم؛ تكون (تجري) في موضع الحال. # قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية في أبي بكر وعمر ~~وعثمان وعلي وطلحة وابن مسعود وعمار بن ~~ياسر وسلمان وأبي ذر، ينزع الله في الآخرة ما كان ms0816 ~~في قلوبهم من غش بعضهم لبعض في العداوة ~~والثقل الذي كان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~والأمر الذي اختلفوا فيه، فيدخلون إخوانا ~~متقابلين). # قال: (فأول ما يدخلون الجنة تعرض لهم عينان ~~تجريان، فيشربون من أحد العينين، فيذهب ~~الهم من غل، ثم يدخلون العين الأخرى، ~~فيغتسلون فيها فتشرق ألوانهم، وتصقل ~~وجوههم، ويلبسون بهاء النور، ويطيب الله ~~ريحهم به). # { وقالوا }؛ فعند ذلك يقولون: { الحمد لله الذي هدانا ~~لهذا }؛ أي أرشدنا إلى ما صرنا به ربنا واغتسلنا من ~~العينين. قوله تعالى: { وما كنا لنهتدي لولا ~~أن هدانا الله }؛ قرأ ابن عامر: (ما كنا) بغير واو. وقرأ ~~الباقون بالواو: (وما كنا لنهتدي إلى هذا الذي أكرمنا ~~الله به لولا أن الله هدانا إليه) وقال صلى الله عليه وسلم: # " كل أهل النار يرى منزله في الجنة فيقولون: ~~لولا هدانا الله، فتكون عليهم حسرة. وكل أهل ~~الجنة يرى منزله في النار فيقولون: لولا أن الله ~~هدانا " # قوله تعالى: { لقد جآءت رسل ربنا بالحق }؛ ~~شهادة منهم بإرساله للحق إليهم؛ أي جاءوا بالصدق؛ فصدقناهم. ~~قوله تعالى: { ونودوا أن تلكم الجنة ~~أورثتموها بما كنتم تعملون }؛ معناه: نادتهم ~~الملائكة: أن هذه الجنة التي وعدتموها في الدنيا ~~بأعمالكم. وقيل: معنى { أورثتموها } أنزلتموها. وفي ~~الخبر: أنه يقال لهم يوم القيامة: جوزوا الصراط بعفوي؛ ~~وادخلوا الجنة برحمتي لا بأعمالكم. ### || [7.44] # قوله تعالى: { ونادى أصحاب الجنة أصحاب ~~النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل ~~وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم }؛ وذلك حين ~~يستقر أهل الجنة في الجنة؛ وأهل النار في النار؛ ينادي أصحاب ~~الجنة أصحاب النار: أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا من ~~الثواب والكرامة حقا، فهل وجدتم ما وعد ربكم من ~~العذاب حقا؟ قالوا نعم، فاعترفوا في وقت لا ينفعهم الاعتراف. ~~وفي (نعم) قراءتان؛ قراءة الكسائي: (نعم) بكسر العين في ~~القرآن، وقرأ الباقون بالفتح؛ وهما لغتان. # وإنما سأل أهل الجنة أهل النار؛ لأن الكفار كانوا يكذبون ~~المؤمنين فيما يدعون لأنفسهم من الثواب ولهم من العقاب، فلذا ~~سألهم المسلمون ms0817 تبكيتا لهم، ليكون ذلك حسرة للكافرين ~~وسرورا للمؤمنين. # قوله تعالى: { فأذن مؤذن بينهم أن لعنة ~~الله على الظالمين }؛ روي في الخبر: # " أن مناديا ينادي بين الجنة والنار؛ يسمعه ~~الخلائق كلهم: أن رحمة الله تعالى على ~~المحسنين، وأن لعنة الله على الظالمين " # أي على الكافرين. وقرأ بعضهم: (أن لعنة الله) بالتشديد ونصب ~~اللعنة. ### || [7.45] # قوله تعالى: { الذين يصدون عن سبيل الله }؛ أي ~~عن الدين الذي هو طريق الله إلى جنته، { ويبغونها ~~عوجا }؛ أي يطلبون لها غيرا أو زيفا بإلقاء الشبهة التي ~~يلبسون بها على الناس، { وهم بالآخرة كافرون }؛ أي هم ~~جاحدون بالبعث بعد الموت. ### || [7.46] # قوله تعالى: { وبينهما حجاب }؛ أي بين الجنة والنار ~~سور يحجب بين الفريقين، كما قال تعالى: # فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة ~~وظاهره من قبله العذاب # [الحديد: 13]. قوله تعالى: { وعلى الأعراف رجال }؛ أي ~~وعلى أعالي السور باب؛ يقال: أعالي عرف وجمعه أعراف؛ ~~ومنه عرف الديك؛ وعرف الأضراس. # والأعراف: سور بين الجنة والنار؛ سمي أعرافا لأن ~~أصحابه، { يعرفون }؛ الناس؛ { كلا بسيماهم }؛ يعرفون ~~أهل الجنة ببياض وجوههم؛ وأهل النار بسواد الوجوه. # قال عبدالله بن عباس: (أصحاب الأعراف: قوم استوت ~~حسناتهم وسيئاتهم، فحالت حسناتهم بينهم ~~وبين النار، وحالت سيئاتهم بينهم وبين ~~الجنة، فلم يكن لهم حسنات فاضلة يدخلون بها ~~الجنة، ولا سيئات فاضلة يدخلون بها النار، ~~فوقفوا على السور بين الجنة والنار يعرفون ~~الكل بسيماهم. فمن دخل الجنة عرفوه ببياض ~~وجهه أغر محجلا من أثر الوضوء؛ ضاحكا ~~مستبشرا. ومن دخل النار عرفوه بسواد وجهه ~~وزرقة عينيه). # وعن أبي مجلز رحمه الله أنه قال: (هم الملائكة). فبلغ ~~ذلك مجاهد فقال: (كذب أبو مجلز؛ يقول الله تعالى: { ~~وعلى الأعراف رجال }. فبلغ ذلك أبا مجلز؛ فقال: (هم ~~الملائكة، والملائكة ذكور ليس بإناث؛ صورهم ~~صور الرجال). # وقيل: قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فوقفوا هناك حتى يقضي ~~الله فيهم ما يشاء، ثم يدخلون الجنة بفضل رحمته؛ وهم آخر من ~~يدخل الجنة قد عرفوا أهل الجنة وأهل النار. فإذا أراد الله أن ~~يعافيهم انطلق بهم ms0818 إلى نهر يقال له: نهر الحياة؛ ~~كأفتات الذهب؛ مكلل باللؤلؤ؛ ترابه المسك. ~~فيلقوا فيه حتى تصبح ألوانهم في نحورهم شامة بيضاء يعرفون ~~بها، ثم يؤتى بهم فيدخلون الجنة، يسمون مساكين أهل ~~الجنة. # " وسأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~رسول الله! من أصحاب الأعراف؟ قال: " هم رجال غزوا ~~في سبيل الله عصاة لآبائهم؛ فقتلوا فأعتقوا من ~~النار يقتلهم في سبيل الله، وحبسوا عن الجنة ~~بمعصيتهم آباءهم، فهم آخر من يدخل الجنة " " # وروي عن ابن عباس أيضا أنه قال: (هم أولاد الزنا). وعن ~~مجاهد: (أنهم قوم رضي عنهم آباؤهم دون ~~أمهاتهم، أو أمهاتهم دون آبائهم، فيحبسون في ~~الأعراف إلى أن يقضي الله بين خلقه ثم يدخلون ~~الجنة). # قوله تعالى: { ونادوا أصحاب الجنة أن سلام ~~عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون }؛ معناه: أن أصحاب ~~الأعراف إذا نظروا إلى أصحاب الجنة قالوا لهم: سلام ~~عليكم، فيرد أهل الجنة عليهم السلام. قوله تعالى: { ~~لم يدخلوها } أي لا يدخل أصحاب الأعراف الجنة وهم يطمعون في ~~دخولها، بأن يغفر الله لهم سيئاتهم ويدخلهم الجنة ~~بحسناتهم. وما جعل الله الطمع في قلوبهم إلا لكرامة يزيدهم بها. ### || [7.47] # قوله تعالى: { وإذا صرفت أبصارهم تلقآء ~~أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم ~~الظالمين }؛ معناه: وإذا نظر أصحاب الأعراف إلى أصحاب النار، ~~دعوا الله تعالى واستعاذوا من النار وقالوا: ربنا لا ~~تجعلنا مع القوم الظالمين في النار؛ أي يدعون ~~بذلك خوفا من الله لأجل معاصيهم. ### || [7.48-49] # قوله تعالى: { ونادى أصحاب الأعراف رجالا ~~يعرفونهم بسيماهم قالوا مآ أغنى عنكم جمعكم ~~وما كنتم تستكبرون }؛ قال ابن عباس: (إن أصحاب ~~الأعراف ينادون الكبار من الكفار الذين كانوا ~~عظماء في الكفر كالوليد بن المغيرة وأبي جهل ~~وسائر رؤسائهم). يعرفونهم بسيماهم ينادونهم ~~وهم على السور: يا وليد ابن المغيرة! يا أبا ~~جهل بن هشام! يا فلان ابن فلان؛ ما أغنى عنكم ~~جمعكم في الدنيا من المال والولد، وما كنتم ~~تستكبرون؛ أي تتعظمون عن الإيمان بالله عزوجل. # ثم ينظرون إلى الجنة؛ فيرون فيها ms0819 الضعفاء والمساكين ممن ~~كان يستهزئ بهم كفار مكة؛ مثل صهيب وخباب وعمار ~~وسلمان وبلال وأشبهاههم، فينادون: { أهؤلاء }؛ الضعفاء ~~هم، { الذين أقسمتم }؛ أي حلفتم أيها المشركون وأنتم ~~في الدنيا، { لا ينالهم الله برحمة }؛ يا من أقسمتم ~~لا يدخلهم الله الجنة. قال ابن عباس: (فيقول الله تعالى ~~لأصحاب الأعراف: { ادخلوا الجنة لا خوف عليكم ~~ولا أنتم تحزنون }. # فإن قيل: كيف يصح هذا التأويل في الحجاب بين الجنة والنار؛ ~~ومعلوم أن الجنة في السماء والنار في الأرض؟ قيل: لم ~~يبين الله حال الحجاب بالمذكور في الآية، ولا قدر المسافة، ~~فلا يمتنع أن يكون بين الجنة والنار وإن بعدت المسافة. # وقرأ بعضهم: (وما كنتم تستكثرون) بالثاء؛ أي تجمعون ~~المال الكثير. وقال مقاتل في تفسير هذه الآية: (إذا قال أصحاب ~~الأعراف لأصحاب النار: ما أغنى عنكم جمعكم. قال ~~لهم أصحاب النار: وأنتم ما أغنى عنكم جمعكم، ~~وأقسموا لتدخلن النار معنا). # فيقول الله تعالى، أو تقول الملائكة لأهل النار: ~~أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة؛ أي لا ~~يصيبهم برحمته. ثم يقال لأصحاب الأعراف: ادخلوا الجنة لا ~~خوف عليكم ولا أنتم تحزنون. ### || [7.50] # قوله تعالى: { ونادى أصحاب النار أصحاب ~~الجنة أن أفيضوا علينا من المآء أو مما ~~رزقكم الله }؛ قال ابن عباس: (وذلك أنه لما سكن ~~أهل الجنة الجنة؛ وسكن أهل النار النار؛ وحرم ~~أهل النار الماء والثمار مع ما هم فيه من ألوان ~~العذاب، نادوا أصحاب الجنة: أن اسقونا شيئا من ~~الماء، أو صبوا وأفرغوا علينا، وأطعمونا شيئا ~~مما رزقكم الله من ثمار الجنة). فيجيبهم أهل ~~الجنة: { قالوا إن الله حرمهما على الكافرين } ~~، أي شراب الجنة وثمارها. وإنما جعل شراب الكافرين الحميم ~~الذي يصهر به ما في بطونهم والجلود، وطعامهم الضريع ~~والزقوم. # وقيل: إن أهل النار ينادون أهل الجنة بعد أن يستغيثوا ~~فيغاثوا بماء كالمهل، ثم يستغيثوا بالطعام فيغاثوا ~~بالزقوم والضريع، فيقبلون على الصبر فلا يغني عنهم، ~~فيقولون: سواء علينا أجزعنا أم صبرنا، ثم ينادون حينئذ ~~أهل الجنة: يا أهل الجنة! يا أهل السعادة! منكم ms0820 الآباء ~~والأمهات؛ والأبناء والأخوات؛ والجيران والمعارف والأصدقاء، ~~أفيضوا علينا من الماء حتى تطفئوا حر ما نجد من ~~العطش، أو مما رزقكم الله من الطعام فنأكله لعله ~~يطفئ عنا الجوع. فلا يؤذن لأهل الجنة في الجواب مقدار أربعين ~~سنة، ثم يؤذن لهم في جوابهم؛ فيقولون: إن الله حرمهما ~~على الكافرين، يعنون الماء والطعام. # وفي الآية بيان أن الإنسان لا يستغني عن الطعام والشراب وإن كان ~~في العذاب، قال أبو الجوزائي: سألت ابن عباس: أي ~~الصدقة أفضل؟ قال: (الماء، أرأيت أهل النار لما ~~استغاثوا بأهل الجنة قالوا؟: أفيضوا علينا من ~~الماء). ### || [7.51] # قوله تعالى: { الذين اتخذوا دينهم لهوا ~~ولعبا وغرتهم الحيوة الدنيا }؛ أول الآية نعت ~~للكافرين؛ ومعناه: أنهم اتخذوا دينهم لهو أنفسهم؛ ~~لاهين لاعبين. ويقال: هم الذين اختاروا في دينهم الباطل ~~واللعب والفرح والهزئ، (وغرتهم الحياة الدنيا) ~~أي غرهم ما أصابوه من زينة الدنيا مع ما كانوا فيه من طول ~~الأمل، وكذلك كانوا يستهزئون بالمسلمين، كما روي في الخبر: ~~أن أبا جهل بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا ~~يستهزئ به: أن أطعمني من عنب جنتك أو شيئا من ~~الفواكه! فقال أبو بكر رضي الله عنه: (قل إن الله ~~حرمهما على الكافرين). # قوله تعالى: { فاليوم ننسهم كما نسوا لقآء ~~يومهم هذا }؛ { فاليوم } أي يوم القيامة معناه: اليوم ~~نتركهم كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا. ويقال: معنى قوله: ~~{ ننسهم } نتركهم، { كما نسوا } أي كما أعرضوا عن ~~العمل للقاء يومهم هذا اعراض الناسي للشيء. وقوله تعالى: { ~~وما كانوا بآيتنا يجحدون } في موضع الجر عطف على ~~(ما نسوا)؛ المعنى: وبجحدهم بآياتنا الدالة على التوحيد { ~~ننسهم كما نسوا لقآء يومهم هذا }. ### || [7.52] # قوله عز وجل: { ولقد جئناهم بكتاب فصلناه ~~على علم }؛ أي لقد أتيناهم بالقرآن الذي أتينا به آية ~~بعد آية؛ وسورة بعد سورة على علم منا بأن ذلك أقرب ~~للتدبر. وقوله تعالى: { هدى ورحمة }؛ في موضع ~~نصب على تقدير: هاديا وذا رحمة، { لقوم يؤمنون }؛ ~~أي يصدقون أنه من عند الله. ### || [7.53] # قوله تعالى: ms0821 { هل ينظرون إلا تأويله يوم ~~يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جآءت ~~رسل ربنا بالحق }؛ معناه: ما ينظر أهل مكة إلا عاقبة ما ~~وعدهم الله به في القرآن أنه كائن، منه ما يكون في الدنيا؛ ~~ومنه ما يكون في الآخرة. ويقال معناه: هل ينظرون إلى ما يؤول ~~إليه أمرهم من البعث والعذاب وورود النار. # وقوله تعالى: { يوم يأتي تأويله } أي يوم يأتي ~~عاقبة ما وعدوا فيه؛ وهو يوم القيامة، يقول الذين كفروا ~~وتركوا العمل له في دار الدنيا: قد جاءت رسل ربنا ~~بالصدق في أمر البعث بعد الموت فكذبناهم، { فهل لنا من ~~شفعآء فيشفعوا لنآ أو نرد }؛ أي يقولون هذا القول ~~حين يرون الشفعاء يشفعون للمؤمنين، فيقال لهم: ليس لكم ~~شفيع، فيقولون: هل نرد إلى الدنيا فنصدق الرسل، ونعمل ~~الأعمال الصالحة؟ فذلك قوله تعالى: { فنعمل غير الذي ~~كنا نعمل }. وجواب الاستفهام بالفاء يكون نصبا. # قوله تعالى: { قد خسروا أنفسهم }؛ أي غبنوا ~~حظ أنفسهم من الجنة، فورثهم المؤمنون. وقوله ~~تعالى: { وضل عنهم ما كانوا يفترون }؛ أي بطل ~~عنهم فلم ينفعهم وذهب عنهم آلهتهم؛ وهي التي كانوا يفترون ~~بها على الله تعالى أنها شفعاؤهم. ويقال: معناه: وضل عنهم ~~حينئذ افتراؤهم على الله تعالى. ### || [7.54] # قوله تعالى: { إن ربكم الله الذي خلق ~~السموت والأرض في ستة أيام }؛ وذلك: أن الله ~~تعالى لما عير المشركين بعبادة الأصنام بقوله: # وضل عنهم ما كانوا يفترون # [الأعراف: 53] سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا ~~محمد؛ من ربك الذي تدعونا إليه؟ فأرادوا بذلك أن يجحدوا ~~معنى في أسمائه، وفي شيء من أفعاله فأنزل الله تعالى هذه الآية، ~~فتحيروا وعجزوا عن الجواب. # ومعنى الآية: أن خالقكم ورازقكم هو الله الذي ابتدأ خلق ~~السماوات والأرض لا على مثال سابق؛ فوحدوه يا أهل مكة ~~واعبدوه وأطيعوه؛ ودعوا هذه الأصنام؛ فإنها لم تخلق سماء ولا ~~أرضا. # قوله تعالى: { في ستة أيام } قال ابن عباس: ~~(أولها الأحد وآخرها يوم الجمعة). قال الحسن: (هي ~~ستة أيام من أيام الدنيا). ويقال: ms0822 في ستة ساعات من ~~ستة أيام من أول أيام الدنيا. ولو شاء لخلقها في أسرع ~~من اللحظة، ولكنه علم عباده التأني والرفق والتدبير ~~والتثبت في الأمور. # قوله تعالى: { ثم استوى على العرش }؛ اختلف ~~المفسرون في ذلك؛ قال بعضهم: يطلق الاستواء كما نطق به ~~القرآن ولا يكيف، كما أثبت الله ولا نكيفه. وهذا القول ~~محكي عن مالك بن أنس، فإنه سئل عن معنى هذه الآية؛ فقال: ~~(الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ~~والإيمان به واجب، والجحود به كفر، والسؤال ~~عنه بدعة). # وقال بعضهم: معنى { استوى }: استولى، كما يقال: استواء ~~الأمير على بلد كذا؛ أي استولى عليه واحتوى وأحرزه، ولا يراد ~~بذلك الجلوس. قال الشاعر: # قد استوى بشر على العراق # من غير سيف ودم مهراق # أراد بذلك بشر بن مروان، واستواءه على العراق: لا ~~الملك. # وقال بعضهم: لفظ الاستواء في الآية كناية عن نفاذ الأمر ~~وعظم القدرة. وقيل: معناه: ثم أقبل على خلق العرش ~~وعمد إلى خلقه، وكذلك # ثم استوى إلى السمآء # [فصلت: 11] أي عمد إلى خلق السماء. # فإن قيل: ما معنى دخول { ثم } في قوله تعالى: { ثم استوى ~~على العرش } ، و { ثم } تكون للحادث، واستيلاء الله تعالى ~~واقتداره وملكه للأشياء ثابت فيما لم يزل ولا يزال؟ قيل: ~~معناه: ثم رفع العرش فوق السماوات واستولى عليه. وإنما ~~أدخل { ثم } متصلة في اللفظ بالاستواء؛ لأن الدلالة قد دلت ~~من جهة العقل على أن اقتداره على الأمور ثابت فيما لم يزل. وهذا ~~مثل قوله تعالى: # ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين # [محمد: 31] أي حتى يجاهد المجاهدون منكم ونحن عالمون بهم. # ويقال: معنى { ثم } هنا بمعنى الواو على طريق الجمع والعطف دون ~~التراخي، فإن خلق العرش والاستيلاء عليه كان قبل خلق ~~السماوات والأرض. وقد ورد في الخبر: # " أن أول شيء خلقه الله القلم، ثم اللوح، ~~فأمر الله القلم أن يكتب ما هو كائن إلى يوم ~~القيامة. ثم خلق العرش، ثم خلق السماوات ~~والأرض " # قوله تعالى: { يغشي اليل النهار }؛ أي يغشي بظلمة ~~الليل ضوء النهار، ولم يقل: ويغشي ms0823 النهار الليل؛ لأن الكلام ~~دليل عليه، وقد بين في آية أخرى فقال: عز وجل: # يكور الليل على النهار ويكور النهار على ~~الليل # [الزمر: 5]. وقرأ (يغشي) و(يغشي) بالتشديد والتخفيف. وقوله ~~تعالى: { يطلبه حثيثا }؛ أي يطلب سواد الليل ضوء ~~النهار سريعا؛ حتى يغلب بسواده بياضه، وكل واحد منهما في ~~طلب صاحبه و تسييره ما بقيت الدنيا. والحث: السريع في ~~السوق من غير فتور. # قوله تعالى: { والشمس والقمر والنجوم ~~مسخرات بأمره }؛ أي وخلق منه الأشياء مذللات ~~بالمسير في ساعات الليل والنهار، جاريات على مجاريهن ~~بمنافع بني آدم بأمر الله وتدبيره وصنعه. ومن قرأ (والشمس ~~والقمر والنجوم مسخرات) كلها بالرفع فعلى الابتداء. # قوله تعالى: { ألا له الخلق والأمر }؛ كلمة ~~تنبيه؛ معناه: اعلموا أن خلق الأشياء كلها لله، وأن ~~الأمر - وهو القضاء - نافذ في خلقه. وقوله تعالى: { ~~تبارك الله رب العالمين }؛ أي تعالى الله وهو ثابت لم ~~يزل ولا يزال. ويقال: { تبارك } تفاعل من البركة؛ أي ~~البركة كلها من الله تعالى، واسمه بركة لمن ذكره. # وقوله تعالى: { رب العالمين } أي خالق الخلق ~~أجمعين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من لم يحمد الله على " ما عمل من " عمل صالح ~~وحمد نفسه، قل شكره وحبط عمله. ومن زعم أن ~~الله جعل للعباد من الأمر شيئا، فقد كفر بما ~~أنزل الله على أنبيائه لقوله تعالى: { ألا له ~~الخلق والأمر } " # قال الشاعر: # إلى الله كل الأمر في خلقه معاني # وليس إلى المخلوق شيء من الأمر ### || [7.55] # قوله تعالى: { ادعوا ربكم تضرعا وخفية }؛ أي ~~ادعوه علانية وسرا، فإن التضرع من الضراعة وهي ~~إظهار شدة الحاجة. ويقال: معنى التضرع: التملق ~~والتخشع والميل في الجهاد، يقال: ضرع يضرع ضرعا إذا ~~مال بإصبعيه يمينا وشمالا خوفا وذلا. # قوله تعالى: { وخفية } أي أدعوا بالخضوع في السر دون ~~العلانية فكأن الله تعالى أمر في الدعاء أن يجمع بين أن ~~يخفيه وبين أن يفعله في غاية الخضوع والانقطاع إليه؛ ~~لإن ذلك أبعد من الرياء. # وهذا القول أصح من الأول لقوله صلى الله عليه وسلم: ms0824 # " خير الذكر الخفي " # وعن الحسن أنه قال: (كانوا يجتهدون في الدعاء فلا ~~تسمع إلا همسا). # وعن عمر رضي الله عنه قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع يديه في ~~الدعاء لا يردهما حتى يمسح بهما وجهه " # وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فأشرفوا ~~على واد، فجعل الناس يكبرون ويهللون ويرفعون ~~أصواتهم، فقال: " إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، ~~إنكم تدعون سميعا قريبا؛ وإنه معكم " " # وقال الله عز وجل في مدح العبد الصالح ورضي دعاءه: # إذ نادى ربه ندآء خفيا # [مريم: 3]. # قوله تعالى: { إنه لا يحب المعتدين }؛ أي لا ~~يحب المتجاوزين في الدعاء. وفي الخبر عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " إياكم والاعتداء في الدعاء، فإن الله لا يحب ~~المعتدين " # واختلفوا في الاعتداء في الدعاء؛ قال بعضهم: هو أن يدعو ~~باللعن والخزي، فيقول: لعن الله فلانا؛ أخزى الله ~~فلانا. أو يدعوا بما لا يحل فيجاوز حد العبودية. وقال ~~بعضهم: هو أن يسأل لنفسه منازل الأنبياء، أو يسأل الله شيئا ~~من حكمته أنه يفعله في الدعاء. وقيل: هو أن يقول: أسألك ~~بحق جبريل وبحق الأنبياء أن تعطيني كذا. وقيل: هو أن ~~يدعو بالصياح. وقيل: هو أن يعمل عمل الفجار ويسأل مسألة ~~الأبرار. ### || [7.56] # قوله تعالى: { ولا تفسدوا في الأرض بعد ~~إصلاحها }؛ أي لا تفسدوا فيها بالشرك والمعصية بعد ~~إصلاح الله إياها ببعث الرسل إليها، فأمروا فيها بالحلال ~~ونهوا عن الحرام، فتصلح الأرض بالطاعة. وقيل: معناه: لا ~~تعصوا في الأرض فيمسك الله المطر عنها، ويهلك الحرث ~~بمعاصيكم. وقيل: معناه: لا تجوروا في الأرض فتخربوها؛ لأن ~~الأرض قامت بالعدل، وقد أصلحها الله بالنعمة. # قوله تعالى: { وادعوه خوفا وطمعا }؛ أي واعبده ~~خائفين من عذابه؛ طامعين في رحمته وثوابه. وقال الربيع: { خوفا ~~وطمعا } أي رغبا ورهبا. وقال ابن جريج: (خوف العدل ~~وطمع الفضل). وقال عطية: (خوفا من النيران ~~وطمعا في الجنان). وقال ذو النون المصري: (خوفا من ~~الفراق وطمعا ms0825 في التلاق). # قوله تعالى: { إن رحمت الله قريب من ~~المحسنين }؛ معناه: إن إنعام الله قريب من ~~المحسنين. ويقال: إن المحسن من أخلص حسناته من ~~الإساءة. وإنما قال: { قريب } ولم يقل: قريبة؛ لأن الرحمة ~~والعفو والغفران في معنى واحد، وما لم يكن فيه تأنيث حقيقي كنت ~~بالخيار، إن شئت ذكرته وإن شئت أنثته. # وقال ابن جبير: (الرحمة هنا الثواب). وقال الأخفش: (هي ~~المطر). فيكون القريب نعتا للمعنى دون اللفظ كقوله: # وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى ~~والمساكين فارزقوهم منه # [النساء: 8] ولم يقل: منها؛ لأنه أراد بالقسمة الميراث والمال، ~~وكذلك قوله تعالى: # فبدأ بأوعيتهم قبل وعآء أخيه ثم استخرجها ~~من وعآء أخيه # [يوسف: 76]، والصاع مذكر إلا أنه أراد به السرقة ~~والسقاية. وقال الكسائي: (أراد إن إتيان رحمة الله ~~قريب، كقوله: # وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا # [الأحزاب: 63]؛ أي لعل إتيانها قريب). ### || [7.57] # قوله تعالى: { وهو الذي يرسل الرياح بشرا ~~بين يدي رحمته }؛ قرأ عاصم (بشرا) بالباء المضمومة ~~والشين المجزومة؛ يعني أنه ينشر بالمطر، يدل عليه ~~قوله: # الرياح مبشرات # [الروم: 46]. وقرأ (بشرا) بضم الباء والشين على جمع (بشر)؛ ~~مثل نذر ونذير. وقرأ ابن عامر: (نشرا) بالنون المضمومة ~~وإشكال الشين. وقرا حمزة والكسائي: (نشرا) بالنون المفتوحة، ~~وحزم الشين على التخفيف. وقرأ مسروق: (نشرا) بفتحتين؛ أراد ~~منشورا. وقرا نافع وابن كثير وأبو عمرو: (نشرا) بالنون ~~المضمومة وضم الشين. # وقرأ بعضهم: (وهو الذي يرسل الريح) بلفظ الوحدان. ~~واختار أبو عبيد لفظ الجماعة، وكان يقول: (كل ما في القرآن ~~من الرياح ذكر فهو للرحمة، وما كان من ذكر ~~الرياح أنثى فهو للعذاب). واحتج بما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا هبت ريح: # " اللهم اجعلها رياحا، ولا تجعلها ريحا ". # والنشر: جمع النشور؛ وهي الرياح التي تهب من ~~كل جانب؛ فتثير السحاب كصبور وصبر. ومن قرأ ~~(نشرا) بضمة واحدة فللتخفيف، كما يقال: رسل ورسل. ومن قرأ ~~(نشرا) بنصب النون على معنى ننشر السحاب نشرا. والنشر ~~خلاف الطي كنشر الثوب بعد طيه، قال الفراء: ~~(النشر ms0826 من الرياح: الطيبة اللينة التي تنشئ ~~السحاب). ومن قرا (بشرا) بالباء والضم؛ فهو جمع بشير. # قوله تعالى: { بين يدي رحمته } أي قدام ~~المطر، وقوله تعالى: { حتى إذآ أقلت سحابا ~~ثقالا سقناه لبلد ميت }؛ أي سقنا السحاب بأمر ~~الله إلى أرض ليس فيها نبات، قال ابن عباس: (يرسل الله ~~الرياح فتحمل السحاب، فتمر به كما يمر ~~الرجل الناقة والشاة حتى تدر ثم تمطر، ~~فيخرج بالمطر من كل الثمرات). # وقوله تعالى: { سقناه لبلد ميت } أو لأحيا ~~بلدا ميتا لا نبات فيه. وقيل: لا تمطر السماء حتى يرسل ~~الله أربعة أرياح: فالصبا تهيجه، والشمال تجمعه، ~~والجنوب تدره، والدبور تصرفه. # قوله تعالى: { فأنزلنا به المآء }؛ أي بالسحاب، ~~وقيل: بالبلد الميت الذي لا ماء فيه ولا كلأ، ينزل الله ~~به المطر، { فأخرجنا به من كل الثمرات }؛ أي فيخرج به ~~ألوان؛ { كذلك نخرج الموتى }؛ أي مثل ذلك الإخراج ~~الذي ذكرناه في إحياء الأرض الميتة، كذلك نخرج الموتى من ~~قبورهم يوم القيامة، { لعلكم } بما ينالكم، { تذكرون ~~}؛ أي تستدلون على توحيد الله وأنه يبعث من في القبور. # وقال ابن عباس وأبو هريرة: (إذا مات الناس كلهم في ~~النفخة الأولى، مطرت السماء أربعين يوما قبل ~~النفخة الأخيرة مثل مني الرجال، فينبتون من ~~قبورهم من ذلك المطر كما ينبتون في بطون ~~أمهاتهم، وكما ينبت الزرع من الماء، حتى إذا ~~استكملت أجسادهم نفخ فيها الروح، ثم يلقي ~~عليهم نومة فينامون في قبورهم، فإذا نفخ في ~~الصور النفخة الثانية - وهي نفخة البوق - جلسوا ~~وخرجوا من قبورهم، وهم يجدون طعم النوم في ~~رؤوسهم، كما يجد النائم إذا استيقظ من نومه، ~~فعند ذلك يقولون: يا ويلنا من بعثنا من ~~مرقدنا. فيناديهم: هذا ما وعد الرحمن وصدق ~~المرسلون). ### || [7.58] # قوله تعالى: { والبلد الطيب يخرج نباته ~~بإذن ربه }؛ يعني: أن المكان الزاكي من الأرض يخرج ~~ريعه بلا كد ولا عناء ولا مشقة فينتفع به؛ { والذي ~~خبث }؛ ترابه؛ وهي الأرض السبخة، { لا يخرج }؛ ريعها؛ ~~{ إلا نكدا }؛ أي في كد وعناء. قال ابن عباس: (هذا مثل ~~ضربه الله ms0827 تعالى للمؤمن والكافر، فإن، المؤمن ~~يسمع الموعظة فينتفع بها، وينفعه القرآن ~~كما ينفع المطر البلد الطيب، والكافر لا ~~يسمع الموعظة ولا يعمل عملا من الطاعة إلا ~~شيئا يسيرا). # والنكد في اللغة: هو القليل الذي لا ينتفع به. ~~وقيل: معنى قوله تعالى: { لا يخرج إلا نكدا } أي عسرا ~~قليلا بعناء ومشقة. وقرأ أبو جعفر: (نكدا) بفتح الكاف؛ أي ~~بالنكد. وقيل: هي لغة في نكد، ويقرأ (نكد) بإسكانها لغة ~~إيضا. ويقال: رجل (نكدا)؛ إذا كان عسرا ممتنعا من إعطاء ~~الحق على وجه البخل. # قوله تعالى: { كذلك نصرف الآيات }؛ أي كما ~~صرفنا لكم آية في إثر آية؛ هكذا نبين الآيات، { لقوم ~~يشكرون }؛ نعم الله تعالى ويعتبرون بآياته وأمثاله. ### || [7.59] # قوله تعالى: { لقد أرسلنا نوحا إلى قومه }؛ وهو ~~نوح بن لمك بن متوشلخ بن أخنوخ، وهو إدريس. وكان نوح نجارا ~~بعثه الله إلى قومه وهو ابن خمسين سنة، { فقال ياقوم ~~اعبدوا الله }؛ أي وحدوه وأطيعوه، ولا تعبدوا معه غيره. # قوله تعالى: { ما لكم من إله غيره }؛ قرأ أبو ~~جعفر ويحيى بن وثاب والأعمش والكسائي: (غيره) بالخفض نعتا ~~للإله. وقرأ الباقون بالرفع على معنى: ما لكم إله غيره. وقيل: ~~على نية التقديم وإن كان مؤخرا في اللفظ؛ تقديره: ما لكم غير ~~الله من إله. وقوله تعالى: { إني أخاف عليكم ~~عذاب يوم عظيم } ، معناه إني أخاف عليكم إن لم ~~تؤمنوا عذاب يوم القيامة. وقد يذكر الخوف ويراد به اليقين. ### || [7.60] # قوله تعالى: { قال الملأ من قومه إنا لنراك في ~~ضلال مبين }؛ أي قال الأشراف والرؤساء من قومه: إنا ~~لنراك يا نوح في ذهاب من الحق بين لنا لمخالفتك. ### || [7.61-62] # قوله تعالى: { قال يقوم ليس بي ضللة }؛ أي ليس ~~بي ذهاب عن الحق فيما أدعوكم إليه، { ولكني رسول من ~~رب العلمين } ، أي ولكن أرسلني رب العالمين الذي ~~يملك كل شيء. وإنما لم يقل: ليست بي ضلالة؛ لأن معنى ~~الضلالة الضلال. قوله تعالى: { أبلغكم رسالات ~~ربي }؛ أي أؤدي إليكم ما حملني الله من الرسالة، وإنما ~~قال: { رسالات } لأن ms0828 الرسالة تتضمن أشياء كثيرة من الأمر ~~والنهي؛ والترغيب والترهيب؛ والوعد والوعيد، فذكر تارة ~~بلفظ يدل على الفعل؛ وتارة بلفظ يدل على الوحدان. # قرأ أبو عمرو: (وأبلغكم) بالتخفيف في جميع القرآن كقوله ~~تعالى: # أبلغتكم رسالة ربي # [الأعراف: 79]، و # ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم # [الجن: 28]. وقرأ الباقون مشددا كما قال الله تعالى: # يأيها الرسول بلغ مآ أنزل إليك من ربك ~~وإن لم تفعل فما بلغت رسالته # [المائدة: 67]. # قوله تعالى: { وأنصح لكم } أي أنصح لكم فيما أدعوكم ~~إليه وأحذركم منه. والنصح: إخراج الغش من القول ~~والفعل، يقال: نصحته ونصحت له؛ وشكرته ~~وشكرت له. قوله تعالى: { وأعلم من الله ما لا ~~تعلمون } أي أعلم إن لم تتوبوا من الشرك أتاكم العذاب. ### || [7.63] # قوله تعالى: { أو عجبتم أن جآءكم ذكر من ~~ربكم على رجل منكم } الألف في أول هذه الآية ألف ~~استفهام، دخل على واو العطف على جهة الإنكار، فبقيت الواو ~~مفتوحة كما كانت. ومعناها: أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ~~ربكم على آدمي منكم مثلكم تعرفون نسبه فيكم، { ~~لينذركم }؛ أي ليعلمكم بموضع المخافة، { ~~ولتتقوا }؛ الشرك والمعاصي، { ولعلكم ترحمون }؛ ~~أي ولكي تطيعوا فترحموا. ### || [7.64] # قوله تعالى: { فكذبوه فأنجيناه والذين معه ~~في الفلك }؛ أي فكذبوا نوحا فأنجيناه من الطوفان ~~والمؤمنين الذين كانوا معه في السفينة، وكانوا نحوا من ثمانين ~~إنسانا - كذا قال الكلبي - أربعين رجلا وأربعين أمرأة. ~~وقيل: سام وحام ويافث وأزواجهم، وستة أناس غيرهم. # قوله تعالى: { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنآ ~~}؛ أي بدلائلنا وآياتنا كما؛ { إنهم كانوا قوما عمين ~~}؛ أي قد عموا عن الحق والإيمان. وواحد ال (عمين): عم؛ ~~وهو الذي قد عمي عن الحق. وقيل: معناه: أنهم كانوا قوما ~~جاهلين لأمر الله. وقيل (كفارا). وقيل: عمين عن ~~نزول الغرق بهم. ### || [7.65] # قوله تعالى: { وإلى عاد أخاهم هودا }؛ أي ~~وأرسلنا إلى عاد؛ وهم قوم من أهل اليمن، وكان اسم ملكهم ~~عادا، فنسبوا إليه، وهو عاد بن عوص بن إرم بن سام بن ~~نوح. قوله تعالى: { أخاهم هودا } أي أخوهم في النسب ~~لا في الدين، وهو هود ms0829 بن عبد الله بن رباح بن ~~الجارود بن عوص بن إرم بن سام بن نوح. وقيل: هو ~~هود بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. وإنما أرسل الله إليهم ~~منهم؛ لأنهم له أفهم وإليه أسكن. { قال ياقوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا ~~تتقون }؛ الآية ظاهرة المعنى. ### || [7.66-67] # قوله تعالى: { قال الملأ الذين كفروا من قومه ~~إنا لنراك في سفاهة }؛ أي قال الأشراف والرؤساء الذين ~~كفروا منهم: إنا لنراك في جهالة. والسفاهة في اللغة: ~~خفة الحلم والرأي. وقوله تعالى: { وإنا ~~لنظنك من الكاذبين }؛ يعني إنهم كذبوه في دعوى ~~الرسالة ونزول العذاب بهم، { قال يقوم ليس بي سفاهة }؛ ~~أي لبس بي جهالة، { ولكني رسول من رب العلمين }؛ ~~إليكم فيما يأمركم به من عبادته وتوحيده. وفي الآية موضع أدب ~~لخلق وتعلم من الله حسن جواب السفهاء؛ لأن ~~هودا عليه السلام اقتصر على دفع ما نسبوه إليه ~~بنفي ما قالوه فقط، ولم يقابلهم بشيء من ~~الكلام القبيح، وكذلك فعله نوح عليه السلام؛ فقال: ليس ~~بي ضلالة. ### || [7.68] # قوله تعالى: { أبلغكم رسلت ربي وأنا لكم ~~ناصح أمين }؛ على التوبة. وقوله { ناصح } أي أدعوكم إلى ~~التوبة، وقد كنت فيكم قبل اليوم أمينا، فكيف تتهمونني ~~اليوم. ### || [7.69] # قوله تعالى: { أو عجبتم أن جآءكم ذكر من ~~ربكم على رجل منكم لينذركم }؛ قد تقدم تفسيره. ~~قوله تعالى: { واذكروا إذ جعلكم خلفآء من بعد ~~قوم نوح }؛ أي واذكروا هذه النعمة العظيمة بأن أورثكم ~~الأرض بعد هلاك قوم نوح. # والخلفاء: جمع الخليفة على غير لفظ الوحدان؛ لأن ~~لفظه يقتضي أن يجمع على خلائف كما يقال: صحيفة ~~وصحائف إلا أنه مثل ظريف وظرفاء. قوله تعالى: { ~~وزادكم في الخلق بصطة }؛ أي فضيلة في الطول، قال ابن ~~عباس: (أطولهم مائة ذراع، وأقصرهم ستون ~~ذراعا). وقال وهب: (كان رأس أحدهم كالقبة ~~العظيمة، وكان عين أحدهم يفرخ فيها السباع ~~وكذلك مناخرهم). قوله تعالى: { فاذكروا ءالآء ~~الله }؛ أي نعم الله عليكم واعملوا بما تقتضيه نعمه، { ~~لعلكم تفلحون }؛ أي لتظفروا بالنجاة والبقاء. ### || [7.70] # قوله ms0830 تعالى: { قالوا أجئتنا لنعبد الله ~~وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا }؛ أي قالوا: يا هود؛ ~~أتأمرنا أن نعبد ربا واحدا، ونترك ما كان يعبد ~~آباؤنا من الآلهة، فقال لهم: إن لم تفعلوا ما آمركم به أتاكم ~~العذاب، قالوا: { فأتنا بما تعدنآ }؛ أي تخوفنا من ~~العذاب، { إن كنت من الصادقين }؛ أنك رسول من عند الله. ### || [7.71] # قوله تعالى: { قال قد وقع عليكم من ربكم ~~رجس وغضب }؛ أي قد وجب عليكم من ربكم عذاب وسخط ~~والرجس والرجز بمعنى واحد. قوله تعالى: { ~~أتجدلونني في أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم ~~}؛ أي تخاصمونني في آلهتكم وأنتم صنعتموها بأيديكم، { ما ~~نزل الله بها من سلطان }؛ أي في عبادتها، { ~~فانتظروا }؛ حصول العذاب بكم، { إني معكم من ~~المنتظرين }؛ أن يهلككم الله بعذاب من عنده. ### || [7.72] # قوله عز وجل: { فأنجيناه والذين معه برحمة ~~منا }؛ أي خلصناه من العذاب والذين معه بنعمة منا ~~عليهم؛ وأمرناهم بالخروج من بين الكفار قبل إنزال العذاب ~~عليهم؛ { وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا }؛ أي ~~استأصلناهم بالريح العقيم، فما بقي منهم أحد. ~~قوله تعالى: { وما كانوا مؤمنين } أي ما أهلكهم ~~الله إلا وكان في علمه أنه لو لم يهلكهم ما كانوا مؤمنين. # فصل: وكانت قصة عاد وإهلاكهم على ما ذكره السدي وغيره من ~~المفسرين: (أن عادا كان مساكنهم اليمن، وكان مساكنهم الأساف؛ ~~وهي رمال يقال لها: رمل عالج ودهمان ونيران، ما بين ~~عمان إلى حضرموت، وكانوا قد فشوا في الأرض. وقهروا أهلها ~~بقوتهم التي أعطاهم الله إياها، وكانوا يعبدون الأوثان. # فبعث الله إليهم هودا نبيا عليه السلام من أوسطهم في ~~النسب، وأفضلهم في الحسب، فأمرهم أن يوحدوا الله ولا ~~يعبدوا غيره، وأن يكفوا عن ظلم الناس، فأبوا عليه ~~وكذبوه وقالوا: من أشد منا قوة؟! وتجبروا في الأرض ~~وبطشوا بطشة الجبارين، فلما فعلوا ذلك أمسك الله عنهم ~~المطر ثلاث سنين حتى جهدهم ذلك. # وكان الناس في ذلك الزمان إذا أنزل بهم بلاء وجهد ~~مضوا إلى البيت الحرام بمكة مسلمهم وكافرهم وسألوا ~~الله الفرج، وكل الناس مسلمهم وكافرهم معظما ms0831 ~~لمكة حرسها الله، عارفا بحرمتها. وكان أهل مكة ~~يومئذ العماليق، أبوهم عمليق بن لاود بن سام بن ~~نوح، وكان رئيس العماليق يومئذ بمكة رجلا يقال له: معاوية ~~بن بكر، وكانت أمه من عاد. # فلما قحط المطر من عاد وجهدوا؛ قالوا: جهزوا منكم ~~وفدا إلى مكة يستسقي، فبعثوا قيل بن عنز، ولقيم بن ~~هزال في سبعين رجلا، فلما قدموا مكة نزلوا على معاوية بن ~~بكر وهو في خارج مكة، فأنزلهم وأكرمهم، وكانوا أخواله ~~وأصهاره، فأقاموا عنده شهرا يشربون الخمر وتغنيهم ~~الجرادتان؛ وهما قينتان لمعاوية. # فلما رأى طول مقامهم وقد بعثهم قومهم يتغوثون من البلاء ~~الذي أصابهم؛ شق ذلك عليه فقال: إخواني وأصهاري وهؤلاء ~~مقيمون عندي وهم ضيفي، والله لا أدري ما أصنع بهم، أستحي أن ~~آمرهم بالخروج إلى حاجتهم، فيظنون أن ذلك لضيق مكانهم عنده، ~~وقد هلك قومهم من وارئهم جهدا وعطشا، فشكا ذلك إلى ~~قينتيه الجرادتين؟ فقالتا: قل شعرا لنغنيهم به لا ~~يدرون من قاله، لعل ذلك يخرجهم. فقال: معاوية: # ألا يا قيل ويحك قم فهينم # لعل الله يسقينا غماما # فيسقي أرض عاد إن عادا # قد أمسوا لا يبينون الكلاما # من العطش الشديد فليس نرجو # به الشيخ الكبير ولا الغلاما # وقد كانت نساؤهم بخير # فقد أمست نساؤهم أيامى # وأنتم ها هنا فيما اشتهيتم # نهاركم وليلكم التماما # فقبح وفدكم من وفد قوم # ولا لقوا التحية والسلاما # فلما غنتهم الجرادتان بهذا، قال بعضهم لبعض: يا قوم، لقد ~~أبطأتم على أصحابكم، فقوموا وادخلوا الحرم واستسقوا، ~~فتقدموا إلى الحرم. فقام قيل بن عنز يستسقي في المسجد، فقال: ~~اللهم إني لم أجيء لمريض فأداويه، ولا لأسير فأفاديه، ~~اللهم اسقنا فإنا قد هلكنا، اللهم اسق عاد ما كنت تسقيهم ~~وقال قومه: اللهم أعط قيلا ما سألك، واجعل سؤالنا مع ~~سؤله. فأنشأ الله سحابة بيضاء؛ وسحابة حمراء؛ وسحابة سوداء، ~~ونودي: يا قيل؛ اختر لنفسك ولقومك من هذا السحاب ما شئت. ~~فقال: اخترت السوداء لأنها أكثر السحاب ماء. فنودي: اخترت ~~رمادا رمدا لا يبقي من آل عاد ولدا ms0832 ولا شيوخا إلا صاروا ~~همدا. # ثم ساق الله السحابة السوداء التي اختارها قيل بما فيها من ~~النقمة والبلاء إلى عاد، حتى خرجت عليهم من واد لهم يقال لهم: ~~المغيث. فلما رأوها فرحوا وقالوا: هذا عارض ممطرنا ~~يقول الله تعالى: # بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم * ~~تدمر كل شيء بأمر ربها # [الأحقاف: 24-25] أي كل شيء مرت به، فسخرها الله عليهم ~~سبع ليال وثمانية أيام حسوما؛ أي دائبة. فكانت ~~الريح تحمل الضعن ما بين السماء والأرض وتدمغهم الحجارة، ~~وكانوا قد حفروا لأرجلهم في الأرض وغيبوها إلى ركبهم، ~~فجعلت الريح تدخل تحت أقدامهم، وترفع كل اثنين وتضرب بأحدهما ~~على الآخر في الهواء، ثم تلقيهما في الوادي، والباقون ينظرون حتى ~~رفعتهم كلهم، ثم رمت بالتراب عليهم، فكان يسمع أنينهم من ~~تحت التراب. فاعتزل هود ومن معه من المؤمنين في حضيرة، ~~فما كان يصيبهم من الريح إلا ما يلين جلودهم وتلذ به ~~أنفسهم. # وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ قال: [لما أراد الله ~~إرسال الريح العقيم إلى عاد، أوحى الله إلى الريح ~~أن تخرج إلى عاد فينتقم منهم، فخرجت على قدر ~~منخر ثور حتى رجفت الأرض ما بين المشرق ~~والمغرب. فقالت الخزان: يا رب؛ لن يطيقها ولو ~~خرجت على حالها لأهلكت ما بين مشارق الأرض ~~ومغاربها. فأوحى الله: أخرجي على قدر خرق الخاتم، ~~فخرجت على قدر ذلك]. قال السدي: (فلما بعث ~~الله على عاد الريح العقيم ودنت منهم، نظروا إلى ~~الإبل والرجال تطير بهم الريح بين السماء ~~والأرض، فتبادروا إلى البيوت، فأخرجتهم الريح ~~من البيوت حتى أهلكتهم على ما ذكرناه). # وعن علي رضي الله عنه أنه سأل رجلا من حضرموت: ~~(هل رأيت كثيبا أحمر تخالطه ندرة حمراء فيه ~~أراك وسدر كثير في ناحية كذا من حضرموت؟) قال: ~~نعم يا أمير المؤمنين؛ والله إنك نعته نعت ~~رجل قد رآه! قال: (إني لم أره؛ ولكني حدثت ~~عنه). قال: يا أمير المؤمنين؛ وما شأنه؟ قال: ~~فيه قبر هود عليه السلام). # وعن عبد ms0833 الرحمن بن السائب؛ قال: (بين الركن ~~والمقام وزمزم تسعة وتسعين نبيا، وإن قبر ~~هود وشعيب وصالح وإسماعيل في تلك البقعة). وفي ~~بعض الأخبار: أنه كان إذا هلك قوم نبي ونجا هو ومن معه، ~~أتى مكة بمن معه، فيعبدون الله فيها حتى يموتوا. ### || [7.73] # قوله تعالى: { وإلى ثمود أخاهم صالحا قال ~~ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره }؛ أي ~~وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا في النسب. وثمود: اسم ~~للقبيلة؛ سموا بهذا الاسم لأنهم كانوا على عين قليلة ~~الماء، وموضعهم بالحجر بين الشام والمدينة، والثمد: الماء ~~القليل. وثمود في كتاب الله مصروف وغير مصروف، قال الله ~~تعالى: # ألا إن ثمود كفروا ربهم ألا بعدا لثمود # [هود: 68] فصرف الأول دون الثاني، فمن صرفه جعله اسما ~~للحي؛ فيكون مذكرا سمي به مذكر، ومن لم يصرفه جعله ~~اسما للقبيلة. # قوله تعالى: { قد جآءتكم بينة من ربكم }؛ أي ~~دلالة فاصلة بين الحق والباطل من ربكم. وقوله تعالى: { ~~هذه ناقة الله لكم آية }؛ إشارة إلى ناقة بعينها. ~~قال ابن عباس: (أتاهم صالح عليه السلام بناقة من ~~الصخرة الملساء بمسألتهم، فتحركت الصخرة ~~بدعائه، فانصدعت عن ناقة عشراء، فلم يؤمنوا). ~~وفي بعض الروايات: أخرج الله من الصخرة ناقة، خلفها ~~سقبها الذي ولدته. قوله تعالى: { لكم آية } أي ~~علامة لنبوتي، فتعتبروا وتوحدوا ربكم. # قوله تعالى: { فذروها تأكل في أرض الله }؛ أي ~~دعوها ترتع في أرض الحجر من العشب، { ولا تمسوها ~~بسوء }؛ أي بقتل أو ضرب أو مكروه، { فيأخذكم عذاب ~~أليم }؛ أي مؤلم إن فعلتم ذلك. ### || [7.74] # قوله تعالى: { واذكروا إذ جعلكم خلفآء من ~~بعد عاد } أي واذكروا إذ استخلفكم في الأرض من بعد هلاك ~~عاد، { وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها ~~قصورا }؛ أي وأنزلكم في الأرض الحجر تبنون في سهولها ~~قصورا في العيص، { وتنحتون الجبال بيوتا }؛ في طول ~~الشتاء. وقيل: إنهم لطول أعمارهم كانوا يحتاجون أن ~~ينحتوا من الجبال؛ لأن السقوف والأبنية كانت تبلى قبل ~~فناء أعمارهم. قوله تعالى: { فاذكروا آلآء الله }؛ ~~أي احفظوا نعم الله عليكم، { ولا تعثوا ms0834 في الأرض ~~مفسدين }؛ أي ولا تعملوا في الأرض بالمعاصي والدعاء إلى ~~غير عبادة الله تعالى. ### || [7.75] # قوله تعالى: { قال الملأ الذين استكبروا من ~~قومه }؛ أي قال الأشراف الرؤساء منهم الذين تعظموا عن ~~الإيمان به { للذين استضعفوا لمن آمن منهم ~~أتعلمون أن صالحا مرسل من ربه } للذين ~~استضعفوا من المؤمنين: أتعلمون أن صالحا مرسل إليكم ~~من ربه؟ # وفي هذا ذم للكافرين من وجهين؛ أحدهما: الاستكبار؛ وهو رفع ~~النفس فوق قدرها وجحود الحق. والآخر: أنهم ~~استضعفوا من كان يجب أن يعظموه ويبجلوه. وفي؛ { ~~قالوا }؛ أي قول قوم صالح: { إنا بمآ أرسل به ~~مؤمنون }؛ مدح لهم حيث ثبتوا على الحق، وأظهروه مع ~~ضعفهم من مقاومة الكفار. ### || [7.76] # وقوله تعالى: { قال الذين استكبروا إنا ~~بالذي آمنتم به كافرون }؛ أي قال رؤساؤهم الذين ~~تعظموا عن الإيمان بصالح عليه السلام: إنا بالذي صدقتم ~~به من رسالته جاحدون. ### || [7.77] # قوله تعالى: { فعقروا الناقة وعتوا عن أمر ~~ربهم }؛ معناه: فعقروا الناقة التي جعل الله لهم آية ~~ودلالة على نبوة نبيهم، وقد كان صالح عليه السلام قال لهم: ~~(هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ~~ولا تمسوها بسوء). وإنما أضافها إلى الله على التخصيص ~~والتفصيل، كما يقال: بيت الله. # وقيل: أضيفت إلى الله بأنها كانت بالتكوين من غير اجتماع ~~ذكر وأنثى ولم تكن في صلب ولا رحم، ولم يكن للخلق ~~فيها سعي. قوله تعالى: (آية) نصب على الحال. وقوله ~~تعالى: { وعتوا عن أمر ربهم } أي تجاوزوا الحد ~~في الكفر والفساد. { وقالوا ياصالح ائتنا بما تعدنآ }؛ ~~به من العذاب على قتل الناقة، { إن كنت من المرسلين ~~}. ### || [7.78] # قوله تعالى: { فأخذتهم الرجفة }؛ أي أخذتهم ~~الزلزلة ثم صيحة جبريل عليه السلام كما قال الله ~~تعالى: # فأخذتهم صاعقة العذاب الهون # [فصلت: 17]. والصاعقة: هي الاحتراق؛ أي احترقوا، { ~~فأصبحوا في دارهم جاثمين }؛ أي ميتين قد همدوا ~~رمادا جثوما. والجثوم: البروك على الركب. وقيل: ~~معنى الصيحة والصاعقة واحد، فإن الصاعقة اسم لما يصعقون ~~به؛ أي يموتون. ### || [7.79] # قوله تعالى: { فتولى عنهم وقال يقوم ms0835 لقد ~~أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم }؛ معناه: فأعرض ~~صالح عنهم حين عقروا الناقة، وعرف أن العذاب يأتيهم وقال: يا ~~قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم في أداء ~~الرسالة إليكم، { ولكن لا تحبون النصحين }؛ أي من ~~ينصح لكم. # قال ابن عباس: (فخرج صالح ومن معه من ~~المؤمنين؛ وهم مائة وعشرة؛ حتى إذا فصل من ~~عندهم وهو يبكي، التفت خلفه فرأى الدخان ~~ساطعا، فعرف أن القوم قد هلكوا، وكان عددهم ~~ألفا وخمسمائة. فلما هلكوا رجع صالح ومن آمن ~~معه، فسكنوا ديارهم حتى توالدوا وماتوا فيها). # فإن قيل: قوله تعالى: { فتولى عنهم وقال ~~يقوم } عطف على قوله: # فأصبحوا في دارهم جاثمين # [الأعراف: 78]؛ فكيف تكون الصيحة بعد هلاكهم؟ قيل: إن ~~الفاء في قوله: { فتولى عنهم } للتعقيب والإخبار لا ~~لترادف الحال، وهذا راجع إلى حال عقرهم الناقة، لكن الله ~~ساق القصة في أمرهم إلى آخرها، ثم عطف على ذلك ما فعله ~~صالح للكشف عن عذره في مسألة إنزال العذاب بهم بعد كثرة ~~نصحه لهم وإصرارهم على فعلهم. وجواب إخوانه لا يمنع أن ~~صالحا قال هذا القول بعد هلاك القوم ليعتبر بذلك من كان ~~معه من المؤمنين. # فصل: وقصتهم ما حكاه السدي وغيره: (أن عادا لما ~~هلكت عمرت ثمود بعدها، واستخلفوا في الأرض، فنزلوا فيها ~~وكثروا، وكانوا في سعة من عيشهم، فعتوا على الله، وأفسدوا ~~في الأرض وعبدوا غير الله، فبعث الله إليهم صالحا من ~~أوسطهم نسبا، فدعاهم إلى الله عز وجل حتى شمط ~~وكبر ولا يتبعه منهم إلا قليل مستضعفون. # فلما ألح عليهم في الدعاء والتخويف سألوه أن يريهم آية ~~تكون مصداقا لقوله، فقال لهم: أي آية تريدون؟ فأشاروا له إلى ~~صخرة منفردة من ناحية الحجر، وقالوا له: أخرج لنا من هذه ~~الصخرة ناقة جوفاء عشراء، فإن فعلت آمنا بك ~~وصدقناك. # فأخذ عليهم صالح عليه السلام المواثيق، ففعلوا، فصلى ركعتين ~~ودعا ربه، فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها، ثم ~~تحركت وانصدعت عن ناقة عشراء جوفاء، كما وصفوا وهم ~~ينظرون، ثم نتجت سقياء مثلها في العظم، ms0836 فلما خرجت الناقة ~~قال لهم صالح: هذه ناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم. # فمكثت الناقة ومعها سقبها في أرض ثمود ترعى الشجر وتشرب ~~الماء، فكانت ترد الماء غبا، فإذا كان يومها وضعت رأسها في ~~بئر يقال لها بئر الناقة، فما ترفعها حتى قد شربت كل ما ~~فيها، لا تدع قطرة واحدة، ثم ترفع رأسها فتنفشج كما تنفحج ~~لهم، فيحلبون ما شاءوا من لبنها، فيشربون ويدخرون، ~~ويملأون آنيتهم كلها، ثم تصدر من على الفج الذي وردت منه؛ ~~لأنها لا تعد أن تصدر من ماء ترد لضيقة. # قال أبو موسى الأشعري: أتيت أرض ثمود فذرعت مصدر ~~الناقة، فوجدته ستين ذراعا. # وكانوا إذا جاء يومهم وردوا الماء فيشربون ويسقون مواشيهم، ~~ويدخرون من الماء ما يكفيهم اليوم الثاني، فكانوا كذلك، وكانت ~~الناقة إذا رأتها مواشيهم تنفر منها، وكانت الناقة ترعى في ~~وادي الحجر، فكبر ذلك على أهل المواشي منهم، فاجتمعوا ~~وتشاوروا على عقر الناقة. # وكان في ثمود امرأة يقال لها: صدوق، وكانت جميلة الخلق ~~غنية ذات إبل وبقر وغنم، وكانت من أشد الناس عداوة لصالح ~~عليه السلام، وكانت تحب عقر الناقة؛ لأنها أضرت بمواشيها، ~~فطلبت من ابن عم لها يقال له: مصدع، وجعلت له نفسها إن ~~عقر الناقة، وكانت من أحسن الناس وأكثرهم مالا، فأجابها إلى ~~ذلك. ثم طلبت قدار بن سالف، وكان رجلا أحمر أزرق قصيرا يزعمون ~~أنه ولد زنى، ولكنه ولد على فراش سالف، فقالت له: يا ~~قدار؛ أزوجك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة، وكان ~~منيعا في قومه، فأجابها أيضا. # فانطلق قدار ومصدع فاستغووا غواة ثمود، فأتاهم تسعة ~~رهط، فاجتمعوا على عقر الناقة، فأوحى الله إلى صالح: أن ~~قومك سيعقرون الناقة. فقال لهم صالح بذلك، فقالوا: ما ~~كنا لنفعل. ثم تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله. ~~وقالوا: نخرج فيرى الناس أنا قد خرجنا إلى سفر، فنأتي ~~الغار فنكون فيه، حتى إذا كان الليل وخرج صالح إلى مسجده ~~قتلناه، ثم رجعنا إلى الغار فكنا فيه، فإذا رجعنا قلنا: ~~ما شهدنا مهلك أهله ms0837 وإنا لصادقون؛ أي يعلمون أنا ~~خرجنا في سفر لنا. # وكان صالح عليه السلام لا ينام في القرية، وكان له مسجد خارج ~~القرية يقال له: مسجد صالح يبيت فيه، فإذا أصبح أتاهم ~~ووعظهم، فإذا أمسى خرج إلى المسجد. فانطلقوا ودخلوا الغار، ~~فلما كان بالليل سقط عليهم الغار فقتلهم، فلما أصبحوا رآهم رجل ~~فصاح في القرية فقال: ما رضي صالح حتى قتلهم، فاجتمع أهل ~~القرية على عقر الناقة). # وقال ابن إسحاق: (إنما اجتمع التسعة الذين ~~عقروا الناقة، فقالوا: هلم لقتل صالح، فإن كان ~~صادقا فأعجلنا قتله، وإن كان كاذبا ألحقناه ~~بناقته. فأتوه ليلا ليبيتوه في أهله، ~~فدمغتهم الملائكة بالحجارة). # وقال بعضهم: انطلق قدار ومصدع وأصحابهما التسعة، فرصدوا ~~الناقة حين صدرت على الماء، وقد كمن بها قدار في أصل صخرة ~~على طريقها، وكمن لها مصدع في أصل صخرة أخرى، فمرت على ~~مصدع فرماها بسهم، فانتظم به عضلة ساقها، ثم خرج قدار ~~فعقرها بالسيف، فجرت ترغو، ثم طعنها في لبتها ~~ونحرها، وخرج أهل البلد واقتسموا لحمها. فلما رآها سقبها ~~على ذلك، هرب يرغو فرغا ثلاثا ودموعه تنحدر حتى أتى ~~الصخرة التي خلق منها، فانفتحت له فدخلها. # فبلغ صالحا عليه السلام عقر الناقة، فأقبل إليهم، فجعلوا ~~يعتذرون إليه ويقولون: إنما عقرها فلان ولا ذنب لنا. # فقال صالح: أنظروا؛ هل تدركون سقبها؟ فإن أدركتموه ~~فعسى أن يرفع عنكم العذاب. فخرجوا في طلبه فلم يجدوه، فقال ~~صالح: يا قوم؛ لكل دعوة أجل؛ يا قوم تمتعوا في داركم ~~ثلاثة أيام، ذلك وعد غير مكذوب. # وقال ابن إسحاق: (عقروا الناقة وسقبها، وألقوا لحمه ~~ولحم أمه، فقال لهم صالح: أبشروا بعذاب الله ~~ونقمته. فقالوا له: وما علامة ذلك؟ قال: تصبحون ~~غدا وجوهكم مصفرة، وبعد غد محمرة، وبعد ~~ذلك مسودة. وكانوا عقروها يوم الأربعاء. # فأصبحوا يوم الخميس كأن وجوههم طليت ~~بزعفران؛ صغيرهم وكبيرهم؛ وذكرهم وأنثاهم، ~~فأيقنوا بالعذاب، وعلموا أن صالحا قد صدق، ~~فطلبوه ليقتلوه، فهرب منهم واختفى في موضع ~~فلم يجدوه، فجعلوا يعذبون أصحابه الذين ~~آمنوا منهم ليدلوهم عليه. # فلما أصبحوا ms0838 يوم الجمعة أصبحت وجوههم ~~محمرة كأنها خضبت بالدماء؛ فصاحوا بأجمعهم ~~وضجوا وبكوا، وعرفوا أن العذاب قد دنا إليهم، ~~وجعل كل واحد منهم يخبر الآخر بما يرى في ~~وجهه. ثم أصبحوا يوم السبت وجوههم مسودة ~~كأنما طليت بالقار والنيل، فصاحوا جميعا: ألا قد ~~حضر العذاب. # فلما أصبحوا يوم الأحد، خرج المسلمون إلى ~~صالح عليه السلام، فمضى بهم إلى الشام، فلما اشتد ~~الضج يوم الأحد، أتتهم صيحة من السماء ~~عظيمة، فيها صوت كل صاعقة، فانفطرت قلوبهم ~~في صدورهم وتقطعت، فلم يبق منهم كبير ولا ~~صغير إلا هلك، كما قال الله تعالى: # إنآ أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم ~~المحتظر # [القمر: 31]. # وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما؛ قال: # " لما مر النبي صلى الله عليه وسلم بالحجر في غزوة ~~تبوك - يعني مواضع ثمود - قال لأصحابه: " لا ~~يدخلن أحد منكم هذه القرية إلا أن تكونوا ~~باكين أن يصيبكم مثل ما أصابهم " ثم قال: " لا ~~تسألوا رسولكم الآيات، فإن هؤلاء قوم صالح ~~سألوا رسولهم الآية، فبعث الله إليهم الناقة، ~~فكانت ترد من هذا الفج؛ وتصدر من هذا الفج؛ ~~فتشرب ماءهم يوم ورودها " وأراهم مرتقى ~~الفصيل حين ارتقى، ثم أسرع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم السير حتى جاوزوا الوادي ". # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أنه قال لعلي رضي الله عنه: " أتدري من أشقى ~~الأولين؟ " قال: الله ورسوله أعلم، قال: " عاقر ~~الناقة ". ثم قال: " أتدري من أشقى الآخرين؟ " ~~قال: الله ورسوله أعلم، قال: " قاتلك! " ". ### || [7.80] # قوله تعالى: { ولوطا إذ قال لقومه أتأتون ~~الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين }؛ ~~معناه: وأرسلنا لوطا إذ قال لقومه: أتأتون ~~السيئة؛ وهي إتيان الذكور في الأدبار. والفاحشة: ~~السيئة العظيمة القبح. وقوله تعالى: { ما ~~سبقكم بها من أحد من العالمين } أي لم يفعلها أحد ~~قبلكم. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: (أول ما عملوا ~~عملهم الخبيث أن خصبت بلادهم فانتجعها أهل ~~البلدان، فتمثل لهم إبليس في صورة شاب، ثم ~~دعا إلى دبره فنكح، فعبثوا بذلك العمل زمانا، ~~فلما ms0839 كثر فيهم عجت الأرض إلى ربها، فسمعت ~~السماء فعجت إلى ربها، فسمع العرش فعج إلى ~~ربه، فأمر الله السماء أن تحصبهم، والأرض أن ~~تخسف بهم). ### || [7.81] # وقوله تعالى: { إنكم لتأتون الرجال شهوة من ~~دون النسآء }؛ أي إنكم لتأتون الرجال في أدبارهم ~~شهوة، وتتركون إتيان النساء التي أباح الله لكم، { بل ~~أنتم قوم مسرفون }؛ أي متجاوزون عن الحلال إلى ~~الحرام. ### || [7.82] # قوله تعالى: { وما كان جواب قومه إلا أن ~~قالوا أخرجوهم من قريتكم } أي ما كان جوابهم إذ ~~قالوا لهم ذلك، إلا أن قالوا؛ أي قال بعضهم لبعض: أخرجوا ~~لوطا ومن آمن معه من بلدكم، { إنهم أناس يتطهرون ~~} أي يتنزهون عن فعلنا ويقذروننا. والعرب تسمي ~~المدينة قرية. ### || [7.83] # قوله تعالى: { فأنجيناه وأهله إلا امرأته }؛ ~~أي خلصناه وابنتيه زعوراء وريئياء. وأهل الرجل: هم ~~المختصون به اختصاص القرابة، وقوله: { إلا امرأته } ~~أي إلا زوجته كانت على دينهم، وقوله تعالى: { كانت من ~~الغابرين }؛ أي من الباقين في الغبراء؛ غبرت فيمن ~~غبر. ومعناه: بقيت في العذاب ولم تذهب معه، فهلكت مع القوم ~~فيمن هلكوا. ### || [7.84] # قوله تعالى: { وأمطرنا عليهم مطرا فانظر ~~كيف كان عاقبة المجرمين }؛ قال ابن عباس: (أمطرت ~~الحجارة على مسافرهم وعلى الذين لم يكونوا ~~معهم بالمدينة حتى هلكوا، فأما المدينة فقد ~~جعل الله عاليها سافلها). ويقال: أمطروا أولا ~~بالحجارة، ثم خسفت بهم الأرض. # وأما الألف في قوله: { وأمطرنا }؛ قال بعضهم: يقال لكل ~~شيء من العذاب: أمطرت بالألف؛ وللرحمة: مطرت. وقال بعضهم: ~~أمطرت ومطرت بمعنى واحد. قوله تعالى: { فانظر ~~كيف كان عاقبة المجرمين } أي فانظر من معك في آخر ~~أمر الكافرين المكذبين كيف فعلنا بهم. ### || [7.85] # قوله تعالى: { وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ~~ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره }؛ ~~معناه: ولقد أرسلنا إلى مدين أخاهم شعيبا. قال الضحاك: ~~(كان شعيب أفضلهم نسبا؛ وأصدقهم حديثا؛ ~~وأحسنهم وجها) يقال: إنه بكى من خشية الله حتى ذهب ~~بصره وصار أعمى. وأما مدين؛ فإنه مدين بن إبراهيم خليل ~~الله، تزوج رئياء بنت لوط؛ فولدت له وكثر ms0840 نسله، فصارت ~~مدين مدينتهم أو قبيلتهم. # قوله تعالى: { قد جآءتكم بينة من ربكم }؛ أي ~~برهان ودلالة من ربكم على نبوتي، { فأوفوا الكيل ~~والميزان } ، أي أدوا حقوق الناس بالمكيال والميزان على ~~التمام، { ولا تبخسوا الناس أشياءهم }؛ أي ولا ~~تنقصوا شيئا من حقوقهم، { ولا تفسدوا في الأرض ~~بعد إصلاحها } أي لا تعلوا فيه بالمعاصي بعد إصلاح الله ~~إياها بالمحاسن. # وقيل: معناه: لا تظلموا الناس في الأرض بعد أن من الله ~~فيها بالعدل، { ذلكم خير لكم }؛ أي إيفاء الحقوق وترك ~~الفساد في الأرض خير لكم، { إن كنتم مؤمنين }؛ أي ~~مصدقين بالله ورسوله. وقد كان لشعيب عليه السلام آية ~~تدل على نبوته، كما قال تعالى: { قد جآءتكم بينة ~~من ربكم } إلا أنها لم تذكر في القرآن كما أن أكثر ~~معجزات نبينا صلى الله عليه وسلم " ليست " مذكورة في ~~القرآن. ### || [7.86] # قوله تعالى: { ولا تقعدوا بكل صراط توعدون ~~وتصدون عن سبيل الله من آمن به }؛ أي لا تقعدوا ~~على طريق تخوفون وتصرفون عن دين الله وطاعته من آمن ~~بالله، وذلك أنهم كانوا يخوفون بالقتل كل من قصد ~~شعيبا بالإيمان به. وقوله تعالى: { وتبغونها عوجا ~~}؛ أي تطلبون بها غيرا وزيغا وعدولا عن الحق. # قوله تعالى: { واذكروا إذ كنتم قليلا ~~فكثركم }؛ أي احفظوا نعم الله عليكم إذ كنتم قليلا في ~~العدد { فكثركم } فكثر عددكم، ويقال: معنى { ~~فكثركم }: جعلكم أغنياء ذوي قدرة بعد أن كنتم ضعفاء فقراء. # وقوله تعالى: { وانظروا كيف كان عاقبة ~~المفسدين }؛ أي تفكروا كيف كان آخر أمر من كان قبلكم من ~~الكفار في إهلاك الله تعالى لهم، وإنزال العذاب بهم، فتحذروا ~~من سلوك مسالكهم. ### || [7.87] # قوله تعالى: { وإن كان طآئفة منكم آمنوا ~~بالذي أرسلت به وطآئفة لم يؤمنوا }؛ معناه: ~~وإن كان جماعة منكم صدقوا بالذي أرسلت به، وجماعة ~~لم يصدقوا، { فاصبروا حتى يحكم الله بيننا }؛ ~~أي حتى يقضي الله بين المؤمنين والكافرين، { وهو خير ~~الحاكمين }؛ وهو أعدل القاضين؛ سيجزي كل واحد من ~~الفريقين ما يستحقه على عمله في الدنيا والآخرة. فقضى الله ~~بهلاك قوم شعيب. ms0841 ### || [7.88] # قوله تعالى: { قال الملأ الذين استكبروا من ~~قومه لنخرجنك يشعيب والذين آمنوا معك من ~~قريتنآ أو لتعودن في ملتنا }؛ أي قال الذين ~~تعظموا عن الإيمان به: لنخرجنك يا شعيب والذين ~~آمنوا معك من قريتنا أو لترجعن إلى ديننا، ولا ندعكم في ~~أرضنا على مخالفتنا. { قال }؛ شعيب: { أولو كنا ~~كارهين }؛ معناه: أتعيدوننا في ملتكم وتجبروننا على ذلك ~~وإن كرهنا. # فإن قيل: كيف قالوا لشعيب: { أو لتعودن في ملتنا } ~~وشعيب عليه السلام لم يكن في ملتهم قط؛ لأن الأنبياء ~~عليهم السلام لا يجوز عليهم الكفر في حال من الأحوال؟ قيل: ~~يجوز أن يكون المراد بهذا الخطاب قومه الذين كانوا على ملتهم؛ ~~فأدخلوه معهم في الخطاب. ويحتمل أنهم توهموا أن شعيبا كان ~~على ملتهم؛ لأنهم لم يروا منه المخالفة لهم إلا في وقت ما ~~دعاهم إلى نبوته. ### || [7.89] # قوله تعالى: { قد افترينا على الله كذبا إن ~~عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها }؛ أي ~~قد اختلقنا على الله الكذب فيما دعوناكم إليه إن عدنا في ~~ملتكم بعد إذ خلصنا الله منها بالدلالة على بطلانها ~~وتبيين الحق لنا وقبولنا له. قوله تعالى: { وما يكون ~~لنآ أن نعود فيهآ إلا أن يشآء الله ربنا }؛ قال ~~بعضهم: معناه: ما نعود فيها إلا أن يكون في علم الله ومشيئته أن ~~نعود فيها. # وقال بعضهم: معناه: إلا أن يشاء الله أن نكره عليها بالقتل، ~~فنظهر كلمة الكفر مع طمأنينة القلب بالإيمان. قوله تعالى: ~~{ وسع ربنا كل شيء علما }؛ أي أحاط ربنا بكل شيء ~~علمه، فهو يعلم ما هو أصلح لنا فيتعبدنا به، وهو يعلم بأنا ~~هل ندخل في ملتكم أو لا ندخل. # قوله تعالى: { على الله توكلنا }؛ أي به وثقنا في ~~الانتصار عليكم، قوله تعالى: { ربنا افتح بيننا ~~وبين قومنا بالحق }؛ أي اقض بيننا وبينهم بما يدل على ~~أنا على الحق وهم على الباطل، { وأنت خير الفاتحين }؛ ~~والفاتح هنا: الحاكم بلغة أهل عمان؛ يسمى فاتحا؛ لأنه ~~يفتح المشكلات ويفصل الأمور. ويجوز أن يكون معنى الفتح: ~~أظهر ms0842 أمرنا بإهلاك العدو حتى ينفتح ما بيننا وبينهم؛ أي ~~يظهر ويكشف. ### || [7.90] # قوله تعالى: { وقال الملأ الذين كفروا من ~~قومه لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون ~~}؛ معناه: قال الأشراف الذين كذبوا شعيبا: لئن اتبعتم ~~شعيبا فيما دعاكم إليه إنكم إذا بمنزلة من ذهب رأس ~~ماله لإفنائكم العمر في ترك الشهوات، فتكونون مغبونين ~~جاهلين. ### || [7.91] # قوله تعالى: { فأخذتهم الرجفة }؛ أي الزلزلة ~~الشديدة. وقال ابن عباس: (رجفت بهم الأرض وأصابهم ~~حر شديد، ورفعت لهم سحابة، فخرجوا إليها ~~يطلبون الروح منها، فلما كانوا تحتها سالت ~~عليهم بالعذاب ومعه صيحة جبريل عليه السلام. ~~قوله تعالى: { فأصبحوا في دارهم جاثمين }؛ أي ~~بقرب دارهم تحت الظلة كما قال تعالى: # فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم ~~عظيم # [الشعراء: 189] وقوله تعالى: { جاثمين } أي ميتين على ~~وجوههم وركبهم. وروي: أنهم احترقوا تحت السحابة، فصاروا ~~ميتين بمنزلة الرماد الجاثم أجسام ملقاة على ~~الأرض. # قال ابن عباس: (فتح الله عليهم بابا من جهنم، ~~فأرسل عليهم منه حرا شديدا، فأخذ بأنفاسهم ~~فدخلوا جوف البيوت، فلم ينفعهم ماء ولا ظل، ~~فأنضجهم الحر، فبعث الله سحابة فيها ريح ~~طيبة. فوجدوا برد الريح وطيبها وظل ~~السحابة، فتنادوا: عليكم بها؛ فخرجوا نحوها، ~~فلما اجتمعوا تحتها رجالهم ونساؤهم ~~وصبيانهم؛ ألهبها الله نارا عليهم، ورجفت بهم ~~الأرض؛ فأحرقوا كما يحترق الجراد المقتول ~~وصاروا رمادا، وهو عذاب يوم الظلة). ### || [7.92] # قوله تعالى: { الذين كذبوا شعيبا كأن لم ~~يغنوا فيها }؛ يقول الله تعالى: الذين كذبوا شعيبا ~~كأن لم ينزلوا في دارهم. ويقال معنى { كأن لم يغنوا ~~فيها } كأن لم يقيموا فيها مقام المستغني. ويقال: معناه: كأن لم ~~يعيشوا ولم يكونوا. قال الأصمعي: (المغنى: المنزل؛ ~~والمغاني المنازل التي كانوا فيها، يقال: غنينا ~~بمكان كذا؛ أي نزلنا فيه). # وقوله تعالى: { الذين كذبوا شعيبا كانوا هم ~~الخاسرين }؛ فيه بيان أن الخسران حل بهم دون المؤمنين، ~~وإنما أعاد ذكر { الذين كذبوا شعيبا } للتغليظ ~~عليهم. ### || [7.93] # قوله تعالى: { فتولى عنهم وقال يقوم لقد ~~أبلغتكم رسلت ربي ونصحت لكم فكيف ءاسى ~~على قوم كفرين ms0843 }؛ معناه: فلما رأى العذاب مقبلا عليهم ~~أعرض عنهم بعد الإياس منهم، وخرج من بين أظهرهم. ~~وقوله: { فكيف ءاسى على قوم كفرين } أي كيف يشتد ~~جزعي على قوم كافرين حل بهم العذاب باستحقاقهم له بعد أن ~~نصحتهم فلم يقبلوا. والأسى: الحزن؛ والأسى: الصبر. ### || [7.94] # قوله تعالى: { ومآ أرسلنا في قرية من نبي ~~إلا أخذنا أهلها بالبأسآء والضرآء لعلهم ~~يضرعون }؛ أي وما أرسلنا في مدينة من رسول فكذبوا ~~إلا عاقبنا أهلها بالبأساء والضراء. فالبأساء: ما ~~نزل بهم من الشدة في نفوسهم، والضراء: ما نزل ~~فيهم من الضرر في أموالهم. وقيل على عكس هذا، ~~وقيل: البأساء: البؤس والشدة وضيق العيش، ~~والضراء: الفقر والجوع. قوله تعالى: { لعلهم ~~يضرعون } أي لكي يتضرعوا ويتوبوا. ### || [7.95] # قوله تعالى: { ثم بدلنا مكان السيئة ~~الحسنة حتى عفوا }؛ أي ثم حولنا مكان الشدة ~~والكرب العاقبة والخصب والسعة حتى كثروا وكثرت أموالهم ~~ومعاشهم. وإنما سميت الشدة سيئة؛ لأنها تسوء الإنسان؛ ~~كما الإحسان حسنة؛ لأنه يحسن أثره على الإنسان، وإلا ~~فالسيئة هي الفعلة القبيحة، والله تعالى لا يفعل القبيح. # وقال الحسن: { عفوا } أي سمنوا؛ وأراد به السمن في ~~المال لا في تعظيم الجسم). وقال قتادة: { حتى ~~عفوا } حتى أشروا وبطروا ولم يشكروا ربهم). ~~وأصله من الكثرة؛ قال صلى الله عليه وسلم: # " احفوا الشوارب وأعفوا اللحية " # قال الشاعر: # عفوا من بعد إقلال وكانوا # زمانا ليس عندهم بعير # وقال ابن عباس: { حتى عفوا } أي جموا. وقال ابن زيد: ~~(حتى كبروا كما يكبر النبات والريش). # قوله تعالى: { وقالوا قد مس آباءنا الضرآء ~~والسرآء }؛ أي قالوا: هكذا عادة الزمان؛ أي يسيء تارة ~~ويحسن أخرى، وهكذا كانت عادته مع آبائنا. فثبتوا على دينهم ولم ~~يقيلوا عنه، فاثبتوا أنتم على دينكم ولا تقيلوا عنه يقول الله ~~تعالى: { فأخذناهم بغتة }؛ أي أخذناهم بالعذاب فجأة، { ~~وهم لا يشعرون } أي من حيث لا يشعرون بالعذاب. والمعنى: ~~أخذناهم بالعذاب وهم في أمن وهم لا يشعرون بنزوله. ### || [7.96] # قوله تعالى: { ولو أن أهل القرى ءامنوا ~~واتقوا لفتحنا عليهم بركت من السمآء ~~والأرض }؛ معناه: ms0844 لو أن أهل القرى الذين أهلكناهم ~~بتكذيبهم الرسل قالوا: آمنا بالله وبالرسل واتقوا ~~الشرك والمعاصي لفتحنا عليهم بركات نامية من ~~السماء وهي المطر؛ ومن الأرض وهي النبات والثمار، { ~~ولكن كذبوا }؛ الرسل؛ { فأخذنهم }؛ بالعذاب؛ { بما ~~كانوا يكسبون }؛ من المعاصي. # وفي الآية دلالة أن الكفاية والسعة في الرزق من سعادة ~~المرء؛ أي إذا كان شاكرا. والمراد بقوله: # لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا ~~من فضة # [الزخرف: 33] الكثرة التي تكون وبالا على من لا يشكر الله تعالى. ### || [7.97] # قوله تعالى: { أفأمن أهل القرى أن يأتيهم ~~بأسنا بيتا وهم نآئمون } معناه: أفأمن أهل القرى ~~المكذبة لك يا محمد أن ينزل بهم عذابنا ليلا وهم ~~نائمون في فرشهم ومنازلهم، لا يشعرون بالعذاب لغفلتهم. ### || [7.98] # قوله تعالى: { أو أمن أهل القرى أن يأتيهم ~~بأسنا ضحى وهم يلعبون } معناه: أوأمن أهل القرى ~~المكذبة لك أن يأتيهم عذابنا نهارا وهم مشغولون ~~بلهوهم ولعبهم. والضحى: صدر النهار عند ارتفاع ~~الشمس. ### || [7.99] # قوله تعالى: { أفأمنوا مكر الله }؛ معناه: أبعد ~~هذا كله أمنوا عذاب الله لهم من حيث لا يعلمون. وإنما سمي ~~العذاب مكرا على جهة الاتساع والمجاز؛ لأن المكر ينزل ~~بالممكور من الماكر من حيث لا يشعر، وأما المكر الذي هو ~~الاحتيال للإظهار بخلاف الإضمار؛ فذلك لا يجوز على الله. قوله ~~تعالى: { فلا يأمن مكر الله إلا القوم ~~الخاسرون }. # فإن قيل: أليس الأنبياء قد أمنوا عذاب الله وليسوا من القوم ~~الخاسرين؟ قيل: معنى الآية: لا يأمن عذاب الله من المذنبين. ~~والأنبياء صلوات الله عليهم لا يأمنون عذاب الله على ~~المعصية؛ ولهذا لا يعصون بأنفسهم. ### || [7.100] # قوله تعالى: { أولم يهد للذين يرثون الأرض ~~من بعد أهلهآ أن لو نشآء أصبناهم بذنوبهم }؛ ~~قرأ قتادة: (أولم نهد) بالنون على التعظيم، ومعنى الآية: ~~أولم يبين الله للذين يخلفون في الأرض من بعد ~~أهلها الذين أهلكهم الله بتكذيبهم الرسل. وقوله تعالى: ~~{ أن لو نشآء أصبناهم بذنوبهم } أي أولم نبين ~~لهم مشيئتنا أصبناهم بعقاب ذنوبهم، كما أخذنا من كان قبلهم ~~بذنوبهم. # وقوله تعالى: { ونطبع على قلوبهم ms0845 }؛ أي نختم ~~عليها عقوبة لهم، وليس هو عطفا على { أصبناهم } لأنه لو ~~عطف عليه لقال: ولطبعنا؛ لأن قوله: { أصبناهم } على ~~لفظ الماضي، وكان معنى { ونطبع }: ونحن نطبع. ومعنى ~~الختم على قلوبهم: بأنهم لا يؤمنون على جهة الذم. ~~وقوله تعالى: { فهم لا يسمعون }؛ أي لا يقبلون ~~الوعظ. ### || [7.101] # قوله تعالى: { تلك القرى نقص عليك من ~~أنبآئها }؛ أي تلك القرى التي أهلكنا أهلها بجحودهم ~~لآيات الله نقص عليك يا محمد في القرآن من أخبارها ~~كيف أهلكت؛ لما في ذلك من العبرة لمن تدبر حالهم. { ~~ولقد جآءتهم رسلهم بالبينت }؛ أي بالحجج ~~والبراهين القاطعة التي لو اعتبروا بها لاهتدوا. # وقوله تعالى: { فما كانوا ليؤمنوا }؛ قال مجاهد ~~(معناه: فما أهلكناهم إلا وقد كان معلومنا ~~أنهم لا يؤمنون أبدا). وقال الحسن: (معناه: فما ~~كانوا ليؤمنوا لعتوهم وتمردهم في الباطل)، { ~~بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب ~~الكفرين }؛ أي على قلوب الكافرين بك. # ومعنى الآية: { تلك القرى } أي هذه القرى التي ذكرت ~~لك يا محمد أمرها وأمر أهلها، يعني قرى قوم نوح وعاد ~~وثمود، وقوم لوط وشعيب. وقوله تعالى: { فما كانوا ~~ليؤمنوا } قال أبي بن كعب: (معناه: فما كانوا ~~ليؤمنوا عند مجيئ الرسل لما سبق في علم الله ~~أنهم يكذبون). ### || [7.102] # قوله تعالى: { وما وجدنا لأكثرهم من عهد }؛ أي ~~ما وجدنا لأكثر المهلكين من وفاء فيما أمروا به. تقول ~~العرب: فلان لا عهد له؛ أي لا وفاء له بالعهد. وهذا العهد ~~المذكور في الآية يجوز ما أودع الله العقول من شكر النعمة؛ ~~والقيام بحق المنعم؛ ووجوب طاعة المحسن. ويجوز أن يكون ما ~~أخذ عليهم على ألسنة الرسل من هذه الأمور. # وقوله تعالى: { وإن وجدنآ أكثرهم لفاسقين }؛ أي ~~إنا وجدنا أكثرهم ناقضين للعهد؛ تاركين لما أمروا به من ~~الحلال والحرام. وأما دخول (أن) واللام في مثل هذا، فعلى وجه ~~التأكيد كما يقال: إن ظننت زيدا لقائما، وتريد بذلك ~~تأكيد الظن. ### || [7.103] # قوله تعالى: { ثم بعثنا من بعدهم موسى ~~بآيتنآ إلى فرعون وملإيه فظلموا بها }؛ معناه: ~~ثم ms0846 بعثنا من بعد أولئك الرسل الذين سبق ذكرهم ~~موسى بدلائلنا وحججنا من العصا واليد والطمس وغير ذلك إلى ~~فرعون وأشراف قومه. ويعني بالرسل الذين بعث موسى من ~~بعدهم: نوحا؛ وهودا؛ وصالحا؛ ولوطا؛ وشعيبا. # واسم (فرعون) أعجمي لا ينصرف؛ اجتمع فيه العجمة ~~والتعريف، وكانوا يسمون كل من ملك مصر بهذا الاسم؛ ~~واسمه: الوليد بن مصعب، وكان من القبط، وعمر أكثر من ~~أربعمائة سنة. قوله تعالى: { فظلموا بها } أي جحدوا ~~بالآيات. وسماه ظلما لأنهم جعلوا بدل وجوب الإيمان بها ~~الكفر، وذلك من أبين الظلم. # قوله تعالى: { فانظر كيف كان عقبة المفسدين ~~}؛ أي فانظر كيف صار آخر أمر المفسدين في العقاب. قال ابن عباس: ~~(كان طول عصا موسى عشرة أذرع على طوله، فكانت ~~من آس الجنة، وكان يضرب بها الأرض فيخرج بها ~~النبات، ويلقيها فإذا هي حية تسعى، ويضرب بها ~~الحجر فيتفجر، وضرب بها باب فرعون ففزع ~~منها؛ فشاب رأسه؛ فاستحيا فخضب بالسواد، ~~وأول من خضب بالسواد فرعون). ### || [7.104-105] # قوله تعالى: { وقال موسى يفرعون إني رسول من ~~رب العالمين } وذلك أن موسى دخل على فرعون ومعه أخوه ~~هارون، بعثهما الله إليه بالرسالة، فقال موسى: يا فرعون! ~~إني رسول من رب العالمين. فقال له فرعون: كذبت! فقال ~~موسى: { حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق ~~}؛ أي جدير بأن لا أقول على الله إلا الحق. وقرأ نافع: ~~(علي) بالتشديد؛ أي واجب علي أن لا أقول على الله ~~إلآ الحق. # وقوله تعالى: { قد جئتكم ببينة من ربكم }؛ ~~أي برهان وحجة من ربكم، { فأرسل معي بني إسرائيل }؛ ~~أي فأطلق بني إسرائيل، ولا تستعبدهم لأحملهم إلى ~~الأرض المقدسة. وكان فرعون وقومه القبط يكلفون بني ~~إسرائيل الأعمال الشاقة، مثل حمل الطين والماء وبناء ~~المنازل وأشباه ذلك. ### || [7.106-108] # وقوله تعالى: { قال إن كنت جئت بآية } ، معناه: قال ~~فرعون: إن كنت جئت بعلامة لنبوتك، { فأت بهآ إن كنت من ~~الصادقين }؛ في أنك رسول الله؛ { فألقى عصاه فإذا ~~هي ثعبان مبين }؛ أي ثعبان بين لا لبس فيه ولا ~~تشبيه على ms0847 أحد أنه ثعبان. # فالثعبان: الحية الصفراء الذكر الأشعر أعظم ~~الحيات؛ لها عرف كعرف الفرس، روي أنها: ملأت ~~دار فرعون، ثم فتحت فاها وأخذت قبة فرعون بين فكيها، ~~وتضرع فرعون إلى موسى، وهرب الناس واستغاثوا بموسى، فأخذها ~~موسى فإذا هي عصا بيده كما كانت. # قال ابن عباس والسدي: (لما فغرت فاها كان بين ~~لحييها ثمانون ذراعا، وضعت لحيها الأسفل في ~~الأرض، ولحيها الأعلى على سور القصر، ثم ~~توجهت نحو فرعون لتأخذه، فوثب من سريره ~~وهرب، وهرب الناس وانهزموا، وكانوا خمسة ~~وعشرين ألفا. # فصاح فرعون: يا موسى! خذها وأنا أومن بربك، ~~وأرسل معك بني إسرائيل. فأخذها؛ فعادت عصا ~~كما كانت. فقال له فرعون: هل معك آية أخرى؟ ~~قال: نعم؛ { ونزع يده فإذا هي بيضآء للناظرين ~~}؛ أي فأدخل يده في جيبه؛ ثم نزعها فإذا هي بيضاء ~~لها شعاع يغلب نور الشمس. ### || [7.109-110] # قوله تعالى: { قال الملأ من قوم فرعون إن ~~هذا لساحر عليم }؛ أي قال الأشراف من قوم فرعون: ~~إن هذا لساحر حاذق بالسحر { يريد أن يخرجكم ~~من أرضكم }؛ أي قال الأشراف: يريد موسى أن يستميل قلوب ~~بني إسرائيل إلى نفسه، ويتقوى بهم فيقتلكم ويخرجكم من ~~بلادكم، { فماذا تأمرون } أي تشيرون في أمره. كأنهم ~~خاطبوا فرعون، ويجوز أن يكون قوله: { يريد أن يخرجكم } من ~~مقالة فرعون لقومه، ويعني بقوله: { من أرضكم } أرض ~~مصر. وكان بين اليوم الذي دخل يوسف فيه مصر وبين اليوم ~~الذي دخلها موسى فيه رسولا أربعمائة عام. ### || [7.111] # قوله تعالى: { قالوا أرجه وأخاه }؛ أي قالوا ~~لفرعون: احبسه وأخاه إلى آخر أمرهما، ولا تعجل بقتلهما؛ فتكون ~~عجلتك حجة عليك، { وأرسل في المدآئن حاشرين }؛ ~~أي ابعث الشرط في المدائن التي حولك يحشرون السحرة ~~إليك. # والسحر في اللغة: لطف الحيلة في إظهار الأعجوبة، ~~وأصل ذلك من خفاء الأمر، ومن ذلك سمي آخر الليل سحرا ~~لخفاء الشخص بفيء ظلمته، والسحر: الرئة؛ سميت بذلك ~~لخفاء أمرها بانتفاخها تارة وضمورها أخرى. ### || [7.112-114] # قوله تعالى: { يأتوك بكل ساحر عليم }؛ قال ابن ~~عباس: (كانوا سبعين ساحرا غير رئيسهم، ms0848 وكان ~~اللذان يعلمانهم مجوسيين من أهل نينوى). وقال ~~محمد بن إسحاق: (كانوا خمسة عشر ألف ساحر، مع كل ~~واحد منهم حبل وعصا). وقال كعب: (كانوا عشرين ~~ألفا). وقال ابن المنكدر: (كانوا ثمانين ألفا). وقال مقاتل: ~~(كان رئيس السحرة شمعون). # { وجآء السحرة فرعون }؛ فلما اجتمعوا، { قالوا }؛ ~~لفرعون: { إن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين }؛ أي ~~جعلا ومالا؛ { قال نعم وإنكم لمن المقربين }؛ ~~عندي في المنزلة. قال الكلبي: (أي أول من يدخل علي ~~وآخر من يخرج). ### || [7.115-116] # قوله تعالى: { قالوا يموسى إمآ أن تلقي وإمآ ~~أن نكون نحن الملقين } أي قالت السحرة: يا موسى! ~~إما أن تلقي ما معك من العصا، وإما أن نلقي نحن ما ~~معنا من العصي والحبال قبلك. { قال ألقوا }؛ ما معكم من ~~الحبال والعصي، { فلمآ ألقوا }؛ ذلك؛ { سحروا ~~أعين الناس واسترهبوهم }؛ أي أخذوا بها أعين ~~الناس، واستدعوا رهبتهم حتى رهبهم الناس، { وجآءوا ~~بسحر عظيم }؛ في أعين الناس. # وكانوا قد جعلوا فيها الزئبق بعد أن صوروها بصورة ~~الحيات، فلما أوقفوها في الشمس اضطربت باضطراب ما فيها من ~~الزئبق؛ لأنه لا يستقر؛ ومتى يزداد مكثه في الشمس ~~زادت حركته، وخيل إلى موسى أن حبالهم وعصيهم حيات كما ~~كانت عصا موسى عليه السلام. # فإن قيل: كيف يجوز من موسى عليه السلام أن يأمرهم بالإلقاء؛ ~~وكان إلقاؤهم إرادة منهم مغالبة موسى؛ وذلك كفر؛ ولا يجوز على ~~الأنبياء أن يأمروا بالكفر؟ قيل: معناه: ألقوا إن كنتم ~~محقين على زعمكم. ويجوز أن يكون أمرهم بالإلقاء لتأكيد ~~معجزته. ### || [7.117-119] # قوله تعالى: { وأوحينآ إلى موسى أن ألق عصاك ~~}؛ من يدك؛ فألقاها؛ { فإذا هي تلقف ما يأفكون }؛ أي ~~تلتقم وتبتلع ما كانوا يكذبون أنها حيات. والإفك: ~~الكذب. وقرئ: (تلقف) بجزم اللام خفيفة. وقرأ سعيد بن ~~جبير: (تلقم). # قال ابن عباس: (لما كثرت حياتهم جعلت عصا موسى ~~تزداد عظما حتى سدت الأفق، ثم فتحت فاها ~~فابتلعت جميع ما ألقوا من حبالهم وعصيهم، ~~ثم هوت بذنبها فعلقته برأس قبة فرعون وهو ~~فيها، وفتحت فاها لتبتلعه، فصرخ إلى موسى، ~~فأخذها ms0849 فإذا هي عصا كما كانت. # ونظر السحرة فإذا حبالهم وعصيهم قد ذهبت، فذلك قوله ~~تعالى: { فوقع الحق وبطل ما كانوا يعملون }؛ أي ~~ظهر الحق وبطل ما كانوا يعملون من السحر، وقال النضر بن ~~شميل: (فوقع الحق) أي صدعهم وأفزعهم، { فغلبوا ~~هنالك وانقلبوا صاغرين }؛ أي رجعوا ذليلين. ### || [7.120-122] # قوله تعالى: { وألقي السحرة ساجدين }؛ قال ~~الأخفش: (من شدة سرعة سجودهم؛ كأنهم ألقوا، ~~وقد كانوا في اللوح المحفوظ سعداء شهداء). ~~قوله تعالى: { قالوا آمنا برب العالمين }؛ فقال ~~لهم فرعون: إياي تعنون؟ قالوا: { رب موسى وهارون }؛ ~~فبهت فرعون وندم على ما نالهم، فظهر للناس إنهم ~~آمنوا بالله عز وجل. ### || [7.123] # قوله تعالى: { قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن ~~لكم }؛ أي قال لهم فرعون: أصدقتم برب موسى وهارون قبل ~~أن آذن لكم في الأيمان، { إن هذا لمكر مكرتموه ~~في المدينة لتخرجوا منهآ أهلها }؛ أي إن هذا لشيء ~~واطأتموه عليه حين يدعى النبوة، ثم تظهرون مخالفته في ~~ابتداء الأمر، حتى إذا غلبكم أظهرتم موافقته بعد ذلك. أراد ~~فرعون بهذا القول أن يموه على الناس؛ ليصرف وجوههم إلى نفسه، ~~ثم قال للسحرة: { فسوف تعلمون }؛ ماذا ينزل بكم من ~~النكال. ### || [7.124] # قوله تعالى: { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من ~~خلاف }؛ أي لأقطعن أيديكم اليمنى وأرجلكم اليسرى ~~من خلاف، { ثم لأصلبنكم أجمعين }؛ على شاطىء نهر ~~مصر على جذوع النخل حتى تموتوا من الجوع والعطش والألم. ### || [7.125-126] # قوله تعالى: { قالوا إنآ إلى ربنا منقلبون }؛ ~~أي فقالت السحرة: إنا لا نبالي منء فعلك وعقوبتك، ~~فإن مرجعنا إلى الله يوم القيامة، فإن الحياة وإن طالت؛ ~~فإنها تختم بالممات، قوله تعالى: { وما تنقم منآ ~~إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جآءتنا }؛ أي قالت ~~السحرة: ما تعيب علينا ولا تنكر علينا إلا لأنا صدقنا ~~بعلامات توحيد ربنا؛ لما ظهر لنا أن ذلك حق من الله. # ثم ألهموا الدعاء فقالوا: { ربنآ أفرغ علينا ~~صبرا وتوفنا مسلمين } أي أصبب علينا صبرا ~~وأنزله علينا؛ ووفقنا على الثبات على الإيمان إلى وقت ~~الوفاة. قال ابن عباس: (فأخذ فرعون السحرة ms0850 ~~فقطعهم، ثم صلبهم على شاطئ نيل مصر، وخلى ~~سبيل موسى وهارون ولم يتعرض لهما). ### || [7.127-128] # قوله تعالى: { وقال الملأ من قوم فرعون }؛ من ~~القبط: { أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض }؛ ~~أي أتتركهم ليغيروا عليك دينك في أرض مصر ويدعو الناس إلى ~~مخالفتك؛ فينتقض بذلك أمرك وملكك؛ { ويذرك وآلهتك ~~}؛ أي يدعك ولا يعبدك؛ ويدع أصنامك التي أمرت بعبادتها. # قال الحسن: (كأن فرعون يستعبد الناس ويعبد ~~الأصنام بنفسه). وقال السدي: (كان يعبد هو ما ~~استحسن من البقر، ومنه أخذ السامري عبادة ~~البقر). # وقيل: كان فرعون قد صنع أصناما صغارا، وأمر قومه ~~بعبادتها، وقال: أنا رب هذه الأصنام الأعلى، وهم أربابكم. # وقرأ الحسن: (وما تنقم) بفتح القاف لغتان، قال الضحاك: ~~(معناه: وما تطغى علينا). وقال عطاء: (ما لنا عندك ~~من ذنب تعذبنا عليه إلا أن آمنا بآيات ربنا). ~~وقرأ الحسن: (ويذرك) بالرفع عطفا على (أتذر). وقرأ ابن ~~مسعود وابن عباس والضحاك: (وآلهتك) أي عبادتك، فلا يعبدك. # وقيل: أراد بالآلهة الشمس، وكان فرعون وقومه يعبدونها. ~~وقال ابن عباس: (كان لفرعون بقرة يعبدها، وكانوا ~~إذا رأوا بقرة حسناء أمرهم أن يعبدوها، فكذلك ~~أخرج لهم السامري عجلا). وروي: أنه قيل للحسن: هل ~~كان فرعون يعبد شيئا؟ قال: (نعم؛ كان يعبد ~~تيسا). # قوله تعالى: { قال سنقتل أبنآءهم ونستحيي ~~نسآءهم }؛ أي قال فرعون: سنعود إلى قتل ابنائهم واستخدام ~~نسائهم عقوبة له كما كنا نفعل وقت ولادة موسى. وقوله ~~تعالى: { وإنا فوقهم قاهرون }؛ أي مستعلون عليهم ~~بالقوة. # فشكت بنو إسرائيل إلى موسى ف، { قال موسى لقومه ~~استعينوا بالله واصبروا } أي استيعنوا بالله على دفع ~~بلاء فرعون عنكم، واصبروا على دينكم، { إن الأرض }؛ التي أنتم ~~فيها؛ { لله يورثها }؛ أي يسكنها، { من يشآء من ~~عباده }؛ فيورثكم هذه الأرض بعد إهلاك فرعون وقومه، { ~~والعاقبة للمتقين }؛ أي آخر الأمر للذين يتقون ~~الله. وقيل: أراد بالعاقبة الجنة في الآخرة. وقيل: النصر ~~والظفر. وقيل: السعادة والشهادة. ### || [7.129] # قوله تعالى: { قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ~~ومن بعد ما جئتنا }؛ قال ابن عباس: (وذلك أن ~~فرعون ms0851 عاد إلى قتل أبنائهم، وزاد في إتعابهم في ~~العمل، إذ كان يستعملهم قبل مجيء موسى بضرب ~~اللبن والبناء، فلما أتاهم موسى غضب وكلفهم ~~أيضا أشد من ذلك). # قال وهب: (جعلهم أصنافا في خدمته: قوم يحملون ~~السواري من الجبال؛ وقد قرحت أعناقهم ~~وعوانقهم ودبرت ظهورهم من ثقل ذلك، وقوم قد ~~جرحوا من ثقل الحجارة والطين للبناء، وقوم ~~يبنون الطين ويطبخون الآجر، وقوم نجارون، ~~وقوم حدادون. وأما الضعفاء الذين لا يطيقون ~~العمل؛ فجعل عليهم الخراج يؤدونه كل يوم، ~~فمن خرجت عليه الشمس قبل أن يؤدي غلت ~~يمينه إلى عنقه. وأما النساء فيغزلن الكتان ~~وينسجنه). # فلما شكوا إلى موسى (قالوا: أوذينا من قبل أن تأتينا ~~ومن بعد ما جئتنا)، { قال عسى ربكم أن يهلك ~~عدوكم }؛ يعني فرعون وقومه، { ويستخلفكم في الأرض }؛ ~~أي ويجعل لكم سكنا في أرض مصر من بعدهم. و(عسى) كلمة إطماع ~~وما أطمع الله فيه فهو واجب؛ لأن الكريم إذا أطمع وإذا وعد ~~وفى، فيصير كأنه أوجبه على نفسه. وقوله تعالى: { ~~ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون }؛ أي ~~فيرى عملكم كيف تشكرون صنعه، كأنه قال: ويستخلفكم في ~~الأرض؛ لكي تعملوا بطاعة الله. ### || [7.130] # قوله تعالى: { ولقد أخذنآ آل فرعون بالسنين }؛ ~~أي أخذنا قوم فرعون وأهل دينه بالجوع عاما بعد عام إلى تسعة ~~أعوام. وآل الرجل: خاصته الذين يؤول أمره ~~إليهم؛ وأمرهم إليه. والسنون في كلام العرب: الجدب؛ ~~يقال: مستهم السنون؛ أي الجدب. وقوله تعالى: { ~~ونقص من الثمرات } ، أي زيادة في القحط؛ لأن الثمار قوت ~~الناس وغذاؤهم، { لعلهم يذكرون }؛ أي لكي يتعظوا ~~فيؤمنوا، فلم يتعظوا. وقيل: أراد بقوله: { ونقص من ~~الثمرات } الغلاء. ### || [7.131] # قوله تعالى: { فإذا جآءتهم الحسنة قالوا لنا ~~هذه }؛ أي إذا جاءهم الخصب والخير قالوا: نحن أهل لهذه ~~الحسنة وأحق بها، فمن عادة بلادنا أنها تأتي بالسعة ~~والخصب. ولم يروا لك منا وتفضلا من الله، { وإن تصبهم ~~سيئة }؛ جدوبة وقحط وبلاء وشدة؛ { يطيروا بموسى ~~ومن معه }؛ أي يتشاءموا بموسى وأصحابه؛ فقالوا: أصابنا هذا ~~البلاء من شؤم هؤلاء. والطيرة في اللغة: ms0852 الشأمة كما روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب الفأل ~~ويكره الطيرة " # والأصل في هذا: أن العرب كانوا يتفاءلون با لطير؛ فإن جاءهم طائر ~~من جهة اليمين وهو السانح؛ تبركوا به، وإن جاءهم من جهة ~~الشمال وهو البارح يتشاءموا به، ثم كثر قولهم في الطير حتى ~~استعلموه في كل ما تشاءموا به. ومعنى الآية: { يطيروا ~~بموسى ومن معه } أي تشاءموا بهم وقالوا: ما أصابنا بلاء ~~حتى رأيناكم. # وقرأ طلحة (تطيروا) بالتاء وتخفيف الطاء على الفعل الماضي، قال ~~سعيد بن جبير: (كان ملك فرعون أربعمائة سنة، فعاش ~~ثلاثمائة سنة لا يرى مكروها، ولو رأى في تلك ~~المدة جوع يوم، أو حمى يوم، أو وجع ساعة لما ~~ادعى الربوبية). # قوله تعالى: { ألا إنما طائرهم عند الله }؛ ~~معناه: الذي أصابهم من الخصب والجدب والخير والشر كل ذلك من عند ~~الله، { ولكن أكثرهم لا يعلمون }؛ أنه أصابهم من ~~عند الله. وقال ابن عباس: (معناه: ألا إنما مصابهم ~~عند الله). وقال ابن جريج: (الأمر كله من قبل الله). # وقيل: معناه: ألا إنما الشؤم الذي يلحقكم هو الذي وعدوا به ~~في الآخرة لا ما نالهم من الدنيا، فإن القحط الذي هم فيه قليل في ~~جنب عقوبة الآخرة. وقرأ الحسن: (ألا إنما طيرهم عند الله) ~~بغير الألف، والمعنى واحد. ### || [7.132-133] # قوله تعالى: { وقالوا مهما تأتنا به من آية ~~لتسحرنا بها }؛ قال الخليل: (أصل (مهما): مأما، ~~أبدلت الألف الأولى هآء لتخفيف اللفظ). وقال ~~بعضهم: معنى (مه): أكفف. ثم قال: (ما تأتنا به) بمعنى ~~الشرط؛ أي ما تأتنا به من علامة يا موسى { لتسحرنا بها } أي ~~لتوهمنا أنها الحق، { فما نحن لك بمؤمنين } أي ~~بمصدقين بالرسالة. # وكان موسى عليه السلام رجلا حديدا، فدعا عليهم؛ فأرسل عليهم ~~الطوفان كما قال عز وجل: { فأرسلنا عليهم الطوفان ~~والجراد والقمل والضفادع والدم }؛ اختلفوا في ~~الطوفان ما هو؟ قال الضحاك: (الغرق). وقال عطاء ومجاهد: ~~(الموت الغالب الشائع). وقال وهب: (الطوفان: هو ~~الطاعون بلغة أهل اليمن). وقال أبو قلابة: (هو ~~الجدري؛ وهم أول ms0853 من عذبوا به، وبقي في الناس ~~إلى الآن). وقال الأخفش: (هو السيل الشديد). وقال مقاتل: ~~(هو الماء طغى فوق حروثهم). # وقال بعضهم: هو كثرة المطر والريح. الأظهر ما قاله ابن عباس: ~~(أنه المطر الدائم، أرسل الله المطر عليهم ~~ليلا ونهارا من السبت إلى السبت، حتى خربت ~~أبنيتهم، وكاد أن يصير المطر بحرا، فخافوا ~~الغرق). # قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة: (لما آمنت السحرة ~~واغتلب فرعون، وأبى هو وقومه إلا الإقامة على الكفر والتمادي ~~في الشر، أخذهم الله بالسنين، ونقص من الثمرات، فلما عالجهم موسى ~~بالآيات الأربع: العصا؛ واليد؛ والسنين؛ ونقص من الثمرات، دعا ~~فقال: يا رب! إن عبدك فرعون علا في الأرض وبغى وعتى، وإن ~~قومه قد نقضوا عهدك وأخلفوا وعدك، ربي فخذهم بعقوبة تجعلها ~~لهم نقمة ولقومي عظة ولمن بعدهم من الأمم عبرة. # فبعث الله عليهم الطوفان؛ وهو الماء أرسله عليهم من السماء حتى ~~كادوا يهلكون، وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشبكة مختلطة ~~بعضها ببعض، فامتلأت بيوت القبط ماء حتى قاموا في الماء إلى ~~تراقيهم من جلس منهم غرق، ولم يدخل بيوت بني إسرائيل من الماء ~~قطرة واحدة، فأقام ذلك عليهم سبعة أيام. # فقالوا: يا موسى! أدع لنا ربك يكشف عنا المطر، فنؤمن بك ~~ونرسل معك بني إسرائيل. فدعا ربه فكشف عنهم ذلك، وأرسل الريح ~~فجففت الأرض، وخرج من النبات شيء لم يروا مثله، فقالوا: هذا الذي ~~كنا نتمناه، وما كان هذا الماء إلا نعمة علينا وخصبا. فلا ~~والله لا نؤمن بك يا موسى، ولا نرسل معك بني إسرائيل. # فنقضوا العهد، وعصوا ربهم واقاموا على كفرهم شهرا، فبعث ~~الله عليهم الجراد، وغشى مصر منه أمر عظيم حال بينهم وبين الماء ~~وغطى الشمس؛ ووقع على الأرض بعضه على بعض ذراعا، فأكل جميع ~~ما ينبت في الأرض؛ وأكل الأشجار؛ حتى أكل الأبواب وسقوف البيوت ~~والخشب والثياب والأمتعة؛ حتى مسامير الحديد، ولم يدخل بيوت بني ~~إسرائيل منه شيء، فعجلوا إلى موسى و؛ { وقالوا }: يا أيها ~~الساحر! ادع لنا ربك بما عهد ms0854 عندك لئن كشفت ~~عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني ~~إسرائيل، وأرادوا بالساحر العالم يعظمونه. # فدعا موسى ربه، فكشف عنهم الجراد بعد أن أقام في أرضهم ~~سبعة أيام فلم يبق في الأرض جرادة واحدة، ثم نظروا فإذا في بعض ~~المواضع من نواحي مصر بقية من كلأ وزرع، فقالوا: هذا يكفينا بقية ~~عامنا هذا، فلا والله لا نؤمن لك يا موسى ولا نرسل معك بني إسرائيل، ~~فأرسل الله عليهم القمل؛ وهم صغار الجراد يقال له الدباء. ~~وقيل: أرسل الله عليهم سوس الحنطة، فمكث في أرضهم سبعة أيام، ~~فلم يبق لهم عودا خضرا إلا أكله، ولحس جميع ما بقي في ~~أرضهم. # وقال سعيد بن جبير: (القمل: هو السوس الذي يخرج من ~~الحبوب). يقال: إن موسى عليه السلام أتى إلى كثيب من كثب قرى ~~مصر، وكان كثيبا أهيل عظيما، فضربه بعصاه، فانبعث قملا، ~~فأكل جميع ما على الأرض حتى لحسها، وكان يدخل بين ثيابهم ~~وجلودهم، فينهشهم ويأكل أشعارهم وحواجبهم وأشعار عيونهم، ~~ومنعهم النوم والقرار، وظهر بهم منه الجدري، وكان أحدهم لا يأكل ~~لقمة إلا مملوءة قملا. فصرخوا إلى موسى: أدع لنا ربك في هذه ~~المرة، ونعطيك عهودا ومواثيق لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني ~~إسرائيل. # فدعا ربه فكشف عنهم بعد أن أقام سبعة أيام، ثم قالوا: وما عسى ~~ربك أن يفعل بنا وقد أهلك كل شيء من نبات أرضنا، فعلى أي شيء ~~نؤمن بك؟ إذهب فما استطعت أن تفعله فافعله! فدعا عليهم موسى، فأرسل ~~الله عليهم الضفادع، خرجت عليهم من البحر مثل الليل الدامس، ~~فملأت بيوتهم وطرقهم وأطعمتهم، فلا يكشف أحدهم طعاما ولا ~~شرابا إلا وجد فيه الضفادع. # وكان الرجل إذا جلس تراكبت عليه الضفادع حتى يكون إلى فمه، فإذا ~~هم أن يتكلم وثبت الضفدع إلى فمه فانشدخت، وكان أحدهم إذا ~~اضطجع تراكب عليه حتى يكونوا ركاما فوق الذراع بعضه على بعض، حتى لا ~~يستطيع أن ينقلب إلى جنب آخر، ولا يقدر على القيام، وكان إذا فتح ~~أحدهم فمه ليأكل لقمة وثبت الضفدع في ms0855 فمه فسبقت اللقمة، ~~وكانوا لا يوقدون نارا إلا امتلأت ضفادع، وكان بعضهم لا يسمع كلام ~~بعض من كثرة صراخ الضفادع، وكانوا إذا قتلوا واحدا منها جاف ما ~~حوله حتى لا يستطيعون الجلوس فيه). # قال عكرمة وابن عباس: (كانت الضفادع برية، فلما أرسلها الله ~~على قوم فرعون سمعت وأطاعت، فجعلت تقذف نفسها في القدر وهي ~~تغلي، وفي التنانير وهي تفور، فأثابها الله بحسن طاعتها بالماء، ~~فلما ضاقت الأرض على قوم فرعون، عجوا وشكوا إلى موسى وبكوا؛ ~~وقالوا: يا موسى! هذه المرة نتوب ولا نعود، ونحلف لك لئن دفعت عنا ~~هذه الضفادع لنؤمنن لك، فأخذ عهودهم ومواثيقهم، ثم دعا ربه ~~فكشفها عنهم بريح عظيمة نبذتها في البحر، فقال لهم موسى: ~~ويحكم! أي لم تسخطون ربكم، أرسلوا معي بني إسرائيل. # فأبوا ونقضوا العهود والمواثيق وعادوا لكفرهم وتكذيبهم، فدعا ~~عليهم، فأرسل الله عليهم الدم، فجرت أنهارهم وآبارهم دما ~~أحمر عبيطا، وبنو إسرائيل في الماء العذب الطيب، وكان ~~الإسرائيلي يستسقي ماء عذبا صافيا، فإذا أخذه القبطي تحول ~~دما، وكانت القبطية تقول للإسرائيلية: مجي الماء من فمك إلى ~~فمي، فكانت تمجه في فمها فيصير في فم القبطية دما عبيطا. # وكان فرعون يجمع بين الرجلين على الإناء الواحد؛ القبطي ~~والإسرائيلي، فيكون مما يلي الإسرائيلي ماء، ومما يلي القبطي ~~دم، وكان يستقيان من جرة واحدة، فيخرج للإسرائيلي ماء عذب ~~زلال صافي، ويخرج للقبطي دم عبيط. وكان النيل ماؤه طيبا، فإذا ~~أخذه القطبي عاد في إنائه وفي فمه دما. # فمكثوا على هذا سبعة أيام لا يشربون إلا الدم؛ حتى مات كثير ~~منهم، ثم إن فرعون أجهده العطش واشتد به، فيأتون بأوراق ~~الأشجار الرطبة، فيمصها فتصير دما عبيطا وملحا أجاجا، فكانوا ~~لا يأكلون إلا الدم، ولا يشربون إلا الدم، فقال فرعون: أقسم ~~بإلهك يا موسى! لئن كشفت عنا الدم لنؤمنن لك. فدعا موسى ~~ربه، فأذهب عنهم الدم، وعذب ماؤهم، فعادوا لكفرهم إلى أن كان ~~من أمر الغرق ما كان. # قوله تعالى: { آيات مفصلات }؛ أي دلالات واضحات بعضها ~~منفصل من بعض، ms0856 كل آية من السبت إلى السبت، وبين كل آيتين شهر. ~~قوله تعالى: { فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين ~~}؛ أي مقيمين على كفرهم، فمكث موسى في آل فرعون بعدما غلب ~~السحرة عشرين سنة يريهم الآيات. ### || [7.134] # قوله تعالى: { ولما وقع عليهم الرجز قالوا ~~يموسى ادع لنا ربك بما عهد عندك }؛ معناه: ولما ~~وقع عليهم العذاب الذي تقدم ذكره من الطوفان وغيره. وقال ~~عكرمة: (الرجز: الدم؛ لأنه نغص عيشهم). وقال ابن ~~جبير: (هو الطاعون). # وذلك أن موسى أرى قومه وبني إسرائيل من بعد ما جاء قوم ~~فرعون بالآيات الخمس: الطوفان وغيره، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه ~~بني إسرائيل، فأرسل عليهم الطاعون، فهلك منهم سبعون ألفا، فقال ~~فرعون عند ذلك: (يا موسى ادع لنا ربك بما عهد عندك) ~~أي بما تقدم به إليك أنه يجيب دعاءك إذا دعوته كما أجاب دعاءك في ~~إنزال هذه الآيات، { لئن كشفت عنا الرجز }؛ أي هذا ~~الطاعون. وقرأ سعيد بين جبير ومجاهد: (الرجز) وهما لغتان كالعصو ~~والعصو. قوله تعالى: { لنؤمنن لك }؛ أي ~~لنصدقنك، { ولنرسلن معك بني إسرآئيل }؛ أي ~~لنطلقنهم من التسخير والأعمال الشاقة. ### || [7.135] # قوله تعالى: { فلما كشفنا عنهم الرجز }؛ أي ~~العذاب، { إلى أجل هم بالغوه }؛ وهو الوقت الذي علم ~~الله من حالهم أن صلاح غيرهم مقالهم إلى ذلك الوقت؛ يعني وقت الغرق، ~~وقوله تعالى: { إذا هم ينكثون } يعني ينكثون العهد. ### || [7.136] # وقوله تعالى: { فانتقمنا منهم فأغرقناهم في ~~اليم بأنهم كذبوا بآياتنا }؛ وذلك أن الله تعالى ~~أمر موسى أن يخرج ببني إسرائيل، فاستعار نسوة بني إسرائيل من ~~نساء آل فرعون حليهم، وقلن: إن لنا خروجا إلى عيد. فخرج ~~موسى ببني إسرائيل في أول الليل، وهم ستمائة ألف من رجل وامرأة ~~وصبي، فبلغ الخبر فرعون، فركب ومعه ألفا ألف ومائتا ألف، ~~فأدركهم فرعون حين طلعت الشمس، وانتهى موسى إلى البحر، فضرب ~~البحر؛ فانفلق اثنا عشر طريقا، وكانت بنو إسرائيل اثنا عشر سبطا، ~~فعبر كل سبط طريقا. # فأقبل فرعون ومن معه، فدخلوا بعدهم من حيث دخلوا، فلما صاروا ~~جميعا في البحر، أمر ms0857 الله البحر فالتطم عليهم فغرقوا، فقال بنو ~~إسرائيل لموسى أن يريهم فرعون، فدعا ربه فلفظهم البحر ~~ولفظ فرعون، فنظروا إليه وإلى من معه، فلا يقبل الماء غريقا ~~بعد ذلك أبدا، ورجع موسى ببني إسرائيل، فسكنوا الأرض أرض مصر. # ومعنى قوله: { فأغرقناهم في اليم } أي في البحر بلسان ~~العبرانية. وقوله تعالى: { بأنهم كذبوا بآياتنا ~~} أي بتكذيبهم الآيات التسع التي أتاهم بها موسى: اليد؛ والعصا؛ ~~والسنون؛ ونقص الثمرات؛ والطوفان؛ والجراد؛ والقمل؛ والضفادع؛ ~~والدم. قوله تعالى: { وكانوا عنها غافلين }؛ أي ~~عاقبناهم بتعرضهم لأسباب الغفلة. ### || [7.137] # وقوله تعالى: { وأورثنا القوم الذين كانوا ~~يستضعفون مشارق الأرض } التي كانوا فيها، { ~~ومغاربها }؛ معناه: أورثنا القوم الذين كانوا ~~يستضعفونهم القبط؛ وهم بنو إسرائيل مشارق الأرض التي كانوا ~~فيها ومغاربها. وقيل: أراد بهذه الأرض الأرض المقدسة: ~~الأردن وفلسطين، { التي باركنا فيها }؛ بارك الله فيها ~~بكثرة المياه والأشجار والثمار، قال ابن عباس: (إن المياه ~~كلها تخرج من تحت الصخرة التي ببيت ~~المقدس). # قوله تعالى: { وتمت كلمة ربك الحسنى على ~~بني إسرآئيل }؛ أي وتمت عدة ربك؛ يعني قوله ~~تعالى: # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض # [القصص: 5] وقوله: # عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في ~~الأرض # [الأعراف: 129]. قال ابن عباس: (فأهلك الله فرعون ~~وقومه، وأورثهم أرض مصر والشام). وقوله: { بما ~~صبروا }؛ أي بصبرهم على دينهم أن يرجعوا إلى دين فرعون. # قوله تعالى: { ودمرنا ما كان يصنع فرعون ~~وقومه }؛ من المكائد، وقوله تعالى: { وما كانوا ~~يعرشون }؛ أي وما كانوا يبنون من البيوت والقصور والكروم ~~والشجر، ويستخدمون بني إسرائيل في بنائها ورفعها. قرأ ابن ~~عامر وأبو بكر: (يعرشون) بضم الراء، وهما لغتان فصيحتان. ### || [7.138-139] # قوله تعالى: { وجاوزنا ببني إسرآئيل البحر }؛ ~~أي أمرناهم بمجاوزته ويسرناه عليهم حين خلفوا البحر وراءهم على ~~سلامة، وذلك من أعظم نعم الله تعالى، { فأتوا على قوم ~~يعكفون على أصنام لهم }؛ أي يعبدون ويواظبون على ~~عبادة أصنام لهم؛ وهو أهل الرقة؛ أناس كفروا بعد إبراهيم، ~~مرت بهم بنو إسرائيل وهم قعود حول أصنامهم، { قالوا يموسى ~~اجعل لنآ إلها }؛ نعبده، ms0858 { كما لهم آلهة }؛ ~~يعبدونها. # وفي هذا بيان غاية جهلهم وعنادهم، فإن الله خلصهم من ~~عدوهم ونجاهم من الغرق، وقالوا هذا القول حين رأوا هؤلاء القوم ~~يعبدون الأصنام. # قوله تعالى: { قال }؛ لهم موسى: { إنكم قوم ~~تجهلون }؛ صفات الله وما يجوز عليه وما لا يجوز؛ أي لا يعرفون أن ~~الذي يتخذ إلها هو خالق الأجسام. ثم بين أن هؤلاء سيهلكون ~~ويهلك ما يعبدونه فقال: قال الله تعالى: { إن هؤلاء ~~متبر ما هم فيه }؛ أي مهلك ما هم فيه؛ { وباطل }؛ ~~وضلال؛ { ما كانوا يعملون } ، والتبار: هو الهلاك. ### || [7.140] # قوله تعالى: { قال أغير الله أبغيكم إلها }؛ ~~أي قال لهم: أسوى الله أطلب لكم ربا تعبدونه، { وهو ~~فضلكم على العالمين } ، عالمي زمانكم من القبط ~~وغيرهم بعد ما كنتم مستعبدين أذلاء. ### || [7.141] # قوله تعالى: { وإذ أنجيناكم من آل فرعون ~~يسومونكم سوء العذاب } أي يولونكم سوء العذاب { ~~يقتلون أبنآءكم }؛ أي يذبحونهم، { ويستحيون ~~نسآءكم }؛ أي يستبقونهم للاستخدام، { وفي ذلكم ~~بلاء من ربكم عظيم }؛ قرأ حمزة والكسائي: (يعكفون) ~~بكسر الكاف والباقون بضمها وهما لغتان. وقرأ أهل الشام (وإذ ~~أنجاكم من آل فرعون). وقرا الباقون على التكثير ~~(أنجيناكم). وقوله تعالى: { يقتلون أبنآءكم } قرأ ~~نافع بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتشديد على التكثير. ### || [7.142] # وقوله تعالى: { وواعدنا موسى ثلاثين ليلة ~~وأتممناها بعشر }؛ قال مجاهد: (كان الله وعد موسى ~~أن يعطيه التوراة لثلاثين ليلة؛ يعني ذا ~~القعدة وعشرا من ذي الحجة، كأنه قال شهرا ~~وعشرة أيام). # وقال بعضهم: أمر الله موسى إلى موضع بينه له أن يعبده في ~~ذلك الموضع ثلاثين يوما، يصوم النهار ويقوم الليل؛ لينزل عليه ~~التوراة، فلما صام ثلاثين أنكر خلوف فمه، فاستاك بعود ~~خرنوب، فقالت الملائكة: كنا نستنشق منك رائحة المسك ~~فأفسدته بالسواك، فأمره الله أن يصوم عشرا بعد ذلك ~~الخلوف، فذلك قوله { وأتممناها بعشر }. وقوله ~~تعالى: { فتم ميقات ربه أربعين ليلة }؛ أي تم ~~الوقت الذي أمر الله بالعبادة فيه أربعين ليلة. # قوله تعالى: { وقال موسى لأخيه هارون اخلفني في ~~قومي }؛ أي قال موسى لهارون قبل انطلاقه إلى الجبل الذي ms0859 أمر ~~بالعبادة فيه: قم مقامي في قومي، { وأصلح }؛ فيما بينهم، ~~{ ولا تتبع سبيل المفسدين } منهم، ولا ترض بعملهم، ~~وذلك أن موسى كان يشاهد كثرة خلافهم حالا بعد حال، فأوصاه في ~~أمرهم. ومن قرأ (هارون) بالرفع فمعناه: قال هارون. ### || [7.143] # قوله تعالى: { ولما جآء موسى لميقاتنا وكلمه ~~ربه }؛ أي لما انتهى موسى إلى المكان الذي وقتنا له، ~~وأمرناه بالسير إليه وهو مدين، وقوله تعالى: { وكلمه ~~ربه } أي كلمه من غير ترجمان ولا سفير، كما كلم ~~الأنبياء على ألسنة الملائكة. # فلما ناجاه ربه استحلى كلامه، واشتاق إلى رؤية ربه ~~وطمع فيها، ف { قال رب أرني أنظر إليك }؛ أي اعطني ~~أنظر إليك، { قال لن تراني }؛ ولست تطيق النظر إلي في ~~الدنيا، فمن نظر إلي مات، فقال: إني سمعت كلامك واشتقت إلى ~~رؤيتك، ولأن أنظر إليك ثم أموت أحب إلي من أن أعيش ولا ~~أراك، فقال الله تعالى: { ولكن انظر إلى الجبل }؛ أي ~~إلى أعظم جبل لمدين وهو جبل زبير، { فإن استقر ~~مكانه فسوف تراني }. # قوله تعالى: { فلما تجلى ربه للجبل }؛ أي ظهر ~~له من نوره ما شاء، ويقال ألقى عليه نورا من الأنوار، { جعله ~~دكا }؛ أي كسره جبالا صغارا، تقطع الجبل من هيبة الله ~~عز وجل، فصار ثماني فرق، أربع قطع منه وقعن بمكة: ثور ~~وثبير وحراء وغار ثور، وأربع قطع وقعن بالمدينة: ~~أحد وروق ورضوى والمهراس. # وقوله تعالى: { وخر موسى صعقا }؛ أي سقط مغشيا عليه، ~~{ فلمآ أفاق } من غشيته، { قال سبحانك }؛ أي ~~تنزيها لك من قولي ومن كل سوء، { تبت إليك }؛ من ~~مسألتي للرؤية، { وأنا أول المؤمنين } من أهل هذا ~~الزمان إنك لا ترى في الدنيا. # وقال الحسن: (قال الله تعالى لموسى: أعرض رؤيتي على ~~الجبل، فإن لم يحملها مع عظمه وبقائه على ~~مر الزمان، فأنت أيضا لا تحملها). قال: (معنى ~~قوله { فلما تجلى ربه للجبل } أي أوحى ~~ربه). قال: (وما رأى موسى ربه قط، ولكن أوحى ~~الله إلى الجبل هل تطيق رؤيتي، فساخ الجبل وموسى ~~ينظر). # وقيل: إن الله تعالى أبرز ms0860 من العرش مقدارا الظفر ~~فتدكدك الجبل؛ لأن أجسام الدنيا لا تحتمل آيات القيامة ~~والأجسام العلوية، إذ من حكم الدنيا أن تفنى بآيات القيامة، ~~فلا تحتملها الدنيا. # وقرأ بعضهم (دكاء) بالهمز والمد؛ أي طار أعلى الجبل وبقي ~~أسفله دكا، والدكأ واحد الدكوات؛ وهي روابي الأرض التي ~~تكون ناشزة لا تبلغ أن تكون جبلا، وناقة دكاء إذا لم يكن لها ~~سنام. ويحتمل أن يكون معنى الدك دق الجبل على الأرض، يقال ~~دكدكت الشيء اذا دققته. وقرأ عاصم (دكا) هاهنا بالقصر ~~والتنوين، والتي في الكهف بالمد من غير تنوين، ومدهما حمزة ~~والكسائي والباقين مقصورين منونين. # وقيل: لما سأل موسى ربه أرسل الله الضباب والصواعق ~~والظلمة والرعد والبرق، فأحاطت بالجبل الذي عليه موسى وأمر الله ~~ملائكته يعرضوا على موسى، فقال لهم: اهبطوا إلى عبدي موسى الذي ~~أراد أن يراني، فهبطوا عليه في يد كل ملك منهم مثل ~~النخلة الطويلة نارا شديدة الضوء أشد ضوءا من الشمس، ~~ولباسهم كلهب النار، كلهم يقولون بشدة أصواتهم: سبوح ~~قدوس رب العزة أبدا لا يموت، وفي رأس كل منهم ~~أربعة أوجه. # فلما رآهم موسى فزع وجعل يسبح معهم وهو يبكي ويقول: رب ~~اذكرني ولا تنس عبدك، فقال له رئيس الملائكة: اصبر لما سألت، ~~ثم رفعت الملائكة أصواتهم، وارتج الجبل واندك وخر العبد ~~موسى صعقا على وجهه، فلما أفاق قال: سبحانك آمنت وصدقت أنه ~~لا يراك أحد في الدنيا، فإذا كان من نظر إلى ملائكتك انخلع ~~قلبه، فما أعظمك يا رب. # وعن سهل: (أن الله تعالى أظهر من سبعين ألف حجاب ~~نورا قدر الدرهم فجعل الجبل دكا). # قوله تعالى: { وخر موسى صعقا } قال ابن عباس: ~~(مغشيا عليه)، وقال قتادة (ميتا)، وقول ابن عباس ~~أظهر؛ لأن الله تعالى قال { فلمآ أفاق } ولا يقال للميت: ~~أفاق من موته، ولكن يقال: بعث من موته، كما قال تعالى في حديث ~~السبعين # ثم بعثنكم من بعد موتكم # [البقرة: 56]. ### || [7.144] # قوله تعالى: { قال يموسى إني اصطفيتك على ~~الناس برسالاتي وبكلامي }؛ أي قال الله: يا موسى إني ms0861 ~~اتخذتك صفوة برسالتي التي أرسلنا إليك وبكلامي معك من غير وحي، ~~{ فخذ مآ آتيتك }؛ أي اعمل بما علمتك من التوراة، { ~~وكن من الشاكرين }؛ لما أعطيتك وأكرمتك. ### || [7.145] # قوله عز وجل { وكتبنا له في الألواح من كل ~~شيء } أي في تسعة ألواح من الزبرجد الأخضر، وقيل: من ~~الياقوت الأحمر أعطاها الله موسى وفيها التوراة كنقش الخاتم، ~~طول كل لوح عشرة أذرع. # وقوله تعالى: { من كل شيء } يعني من أمور الدين، وقوله ~~تعالى: { موعظة }؛ يعني ما يدعو إلى الطاعة، وزجر عن المعصية ~~بالوعد والوعيد وأخبار الأمم الماضين. وقوله تعالى: { وتفصيلا ~~لكل شيء }؛ معناه: لكل أمر من أمور الدين من الحلال ~~والحرام والأمر والنهي. # قوله تعالى: { فخذها بقوة }؛ أي اعمل بها بجد في ~~طاعة الله ومواظبة عليها. قوله تعالى: { وأمر قومك ~~يأخذوا بأحسنها }؛ أي أمر قومك يعملوا بأحسن ما بين ~~لهم فيها؛ أي أمروا بالخير ونهوا عن الشر، وعرفوا ما لهم في ~~ذلك، فمرهم يأخذوا بالأحسن. ويقال: مرهم يأخذوا بالفرائض ~~والنوافل دون المباح الذي لا حمد فيه ولا ثواب. وقيل: معناه: ~~(يأخذوا) بالناسخ والمنسوخ. # قوله تعالى: { سأوريكم دار الفاسقين }؛ أي سوف ~~أريكم جهنم في الآخرة هي دار الخارجين عن طاعة الله، ويقال: ~~أراد به ما مروا عليه في سفرهم من منازل عاد وثمود والقرون ~~الذين أهلكوا بالتكذيب. # وقال قتادة: (معناه سأدخلكم النار وأريكم منازل ~~الكافرين). وقيل: معناه سأريكم دار فرعون وقومه وهي مصر. ### || [7.146] # قوله تعالى: { سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون ~~في الأرض بغير الحق }؛ أي سأجعل جزاء المتكبرين الذين لا ~~يؤمنون بالمعجزة الإضلال عن الهدى، وعن معرفة ما أودع الله في ~~الكتاب يقرؤونه ولا يفهمون ما أراد الله به. # وقيل: معناه: سأصرفهم عن الاعتراض على آياتي بالإبطال، ~~وقيل: معناه: سأصرف عن نيل ما في آياتي من العز والكرامة، ~~ويعني بالذين يتكبرون في الأرض بغير الحق هم الذين يرون أنهم ~~أفضل الخلق، وأن لهم ما ليس لغيرهم. # قوله تعالى: { وإن يروا كل آية لا يؤمنوا ~~بها }؛ معناه: وإن يروا كل آية تدل على ms0862 وحدانية الله ~~ونبوة الأنبياء لا يصدقوا بها، { وإن يروا سبيل الرشد ~~}؛ أي سبيل الإسلام، { لا يتخذوه سبيلا } دينا لأنفسهم، ~~يعني هؤلاء المتكبرين. وقرأ حمزة ومجاهد والأعمش والكسائي بالفتح ~~الاستقامة في الدين، والرشد بضم الراء الاصلاح. وقرأ أبو ~~عبدالرحمن: (وإن يروا سبيل الرشاد) بالألف. وقرأ مالك بن ~~دينار: (وإن يروا) بضم الياء. # قوله تعالى: { وإن يروا سبيل الغي يتخذوه ~~سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا }؛ يحتمل أن يكون ~~ذلك موضع الرفع على معنى أمرهم ذلك، ويحتمل أن يكون نصبا على ~~معنى فعل الله ذلك بهم بتكذيبهم بآياتنا، قال مقاتل: (أراد بقوله ~~بآياتنا التسع) كأنه ذهب إلى أنه هذا كله خطاب موسى. قال ~~الكلبي: (معنى { ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا } ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن) وذهب إلى أن قوله: { ~~سأصرف } خطاب لنبينا صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: { ~~وكانوا عنها غافلين }؛ أي عنها لاهين ساهين، لا ~~يتفكرون فيها ولا يتعظون بها. ### || [7.147] # قوله تعالى: { والذين كذبوا بآياتنا ولقآء ~~الآخرة }؛ أي بالبعث بعد الموت، { حبطت }؛ بطلت، { ~~أعمالهم }؛ التي عملوها على جهة البر، { هل يجزون }؛ ~~في الآخرة، { إلا ما كانوا يعملون }؛ في الدنيا. ### || [7.148] # قوله تعالى: { واتخذ قوم موسى من بعده من ~~حليهم عجلا جسدا له خوار }؛ قال ابن عباس: (وذلك ~~أن موسى كان وعد قومه بالانطلاق إلى الجبل ~~ثلاثين يوما، فلما تأخر رجوعه قال لهم ~~السامري - وكان رجلا مطاعا -: إنكم اتخذتم ~~الحلي من آل فرعون فعاقبكم الله بتلك ~~الجناية، ومنع موسى عنكم، فاجمعوا حتى ~~أحرقها؛ لعل الله أن يرد علينا موسى. # فجمعوا الحلي، وكان السامري صائغا، فجعل ~~الحلي في النار واتخذ منه عجلا ونفخ فيه ~~التراب الذي كان أخذه من أثر فرس جبريل، وكان ~~ذلك الفرس فرس الحياة، ما وضع حافره في موضع ~~إلا اخضر، فلما نفخ فيه شيئا من ذلك التراب ~~صار عجلا جسدا له خوار، فعبدوه وزفوا حوله). # وقيل: إن السامري حين صاغ العجل جعل فيه خروقا تجري فيها ~~الريح، فكان يسمع من تلك الخروق شبه الخوار، فأوهم بني ~~إسرائيل أنه حي ms0863 يخور. # قال الزجاج: (معنى قوله: { جسدا له خوار } أي ~~جثة لا تعقل، ليس له روح ولا عقل ولا كلام ~~إنما له خوار فقط). وأما إضافة الخوار إلى العجل في ~~الآية فهو كما يقال: صوت الحجر، صوت الطشت وأما الحلي ~~فهو جمع الحلية وهو ما يتزين به من ذهب وفضة. وقال علي ~~رضي الله عنه: (له جؤار) بالجيم والهمز وهو الصوت. # وقوله تعالى: (حليهم) قرأ يعقوب بفتح الحاء وجزم اللام، وقرأ ~~حمزة والكسائي (حليهم) بكسر الحاء واللام وتشديد الياء أتبعا ~~الحاء كسرة اللام، وقرأ الباقون بضم الحاء وكسر اللام وتشديد ~~الياء وهما لغتان. # قوله تعالى: { ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا ~~يهديهم سبيلا }؛ معناه: ألم ينظروا إلى العجل لا يكلمهم ~~بما يجري عليهم نفعا ويدفع عنهم ضرا، ولا يرشدهم طريقا إلى ~~خير ليأتوه ولا الى شر لينتهوا عنه، ولو كان إلها لهداهم؛ ~~لأن الإله لا يهمل عباده. قوله تعالى: { اتخذوه ~~وكانوا ظالمين }؛ يجوز أن يكون معناه: لا يرشدهم الطريق ~~الذي يتخذونه، ويجوز أن يكون ابتداء على معنى: عبدوه وكانوا ~~بعبادتهم إياه ظالمين. ### || [7.149] # قوله تعالى: { ولما سقط في أيديهم ورأوا ~~أنهم قد ضلوا }؛ أي ندموا على عبادتهم العجل، ورأوا ~~أنهم قد ضلوا عن الحق، { قالوا لئن لم يرحمنا ~~ربنا ويغفر لنا }؛ عملنا؛ { لنكونن من الخاسرين ~~}؛ بالعقوبة. قال الزجاج: (يقال للنادم على ما فعل ~~المتحسر على ما فرط منه: قد سقط فلان في ~~يده. وأسقط بمعنى سقط الندم في أيديهم). ### || [7.150] # قوله تعالى: { ولما رجع موسى إلى قومه ~~غضبن أسفا }؛ أي رجع موسى من الجبل إلى قومه شديد الغضب ~~حزينا، { قال بئسما خلفتموني من بعدي }؛ فعلتم ~~خلفي في غيبتي بعبادة العجل، { أعجلتم أمر ربكم }؛ ~~معناه: أستبطأتم وعد ربكم الذي وعد في أربعين ليلة، { ~~وألقى الألواح }؛ من يده التي كانت فيها التوراة وألقاها من ~~يده، { وأخذ برأس أخيه يجره إليه }؛ قال ابن ~~عباس: (أخذ رأسه بيده اليمنى ولحيته بيده ~~اليسرى). # قوله تعالى: { قال ابن أم إن القوم ~~استضعفوني وكادوا يقتلونني }؛ أي قهروني ~~واستذلوني ms0864 وهموا بقتلي، وكان هارون أخاه لأبيه وأمه ~~ولكنه قال (يا ابن أم) لترفقه عليه، وعلى هذه طريقة ~~العرب. # قوله تعالى: { فلا تشمت بي الأعدآء }؛ لا ~~تفرحهم علي ولا تظن أني رضيت بفعل القوم الظالمين، { ~~ولا تجعلني مع القوم الظلمين }؛ فلا تجعلني مع ~~عبدة العجل في الغضب علي، وكان هارون أكبر من موسى بثلاث سنين، ~~وأحب إلى بني إسرائيل من موسى. # قرأ ابن عباس والكوفيون إلا حفصا (يا ابن أم) بكسر الميم ~~هنا، وفي طه فحذفوا ياء الإضافة؛ لأن مبنى النداء على الحذف، ~~وبقيت الكسرة على الميم دليلا على ياء الإضافة كقوله (يا ~~عباد، ويا قوم)، وقرأ ابن السميقع (يا ابن أمي) ~~باثبات الياء، وقرأ الباقون بفتح الميم على معنى يا ابن أماه. # وقوله تعالى: { استضعفوني } بعبادة العجل، وقوله تعالى: { ~~فلا تشمت بي الأعدآء } ، قرأ مجاهد ومالك بن دينار: ~~(فلا تشمت) بفتح التاء والميم، ورفع (الأعداء)، والشماتة ~~هي سرور العدو. # فإن قيل: لم جاز لموسى أن يجر برأس هارون ولحيته، ~~والانبياء لا يجوز لأحد أن يستخف بهم، وكان هارون نبيا؟ قيل: ~~إن هذا كان منه على جهة العتاب لا على جهة الهوان. وقيل: ~~لأنه أجراه مجرى نفسه من حيث أنهما كانا في النبوة والأخوة ~~كالنفس الواحدة، وقد يقبض الإنسان عند الغيظ على لحية نفسه، ~~ويعض إبهاميه وشفتيه، كما روي (أن عمر رضي الله عنه كان ~~إذا حزبه أمر فتل شاربه). # إلا أن هارون خاف أن يتوهم جهال بني إسرائيل أن موسى ~~غضبان عليه كغضبه على من عبد العجل، فقال: { ابن أم إن ~~القوم استضعفوني... } الآية. وقيل: إن موسى فعل هذا ~~بهارون في حالة الغضب التي لا يملك الإنسان فيها نفسه، وكان ذلك ~~صغيرة منه، كما ألقى الألواح لشدة الغضب، وكان الواجب عليه أن ~~يعظمها. ### || [7.151] # قوله تعالى: { قال رب اغفر لي ولأخي }؛ ما كان منه ~~من التقصير في رد القوم عن عبادة العجل، { وأدخلنا في ~~رحمتك }؛ أي في جنتك، { وأنت أرحم الراحمين }؛ أي ~~أرحم بنا منا، وأرحم بنا من أبنائنا وأمهاتنا. ms0865 ### || [7.152] # قوله عز وجل: { إن الذين اتخذوا العجل ~~سينالهم غضب من ربهم }؛ معناه: إن الذين اتخذوا ~~العجل إلها سيصيبهم عذاب من ربهم في الآخرة. والغضب من الله: ~~إرادة الانتقام على ما سلف. وقوله تعالى: { وذلة في ~~الحياة الدنيا }؛ أراد به ما أمروا به من استسلامهم للفعل ~~بقعودهم، { وكذلك نجزي المفترين } أي كما جزينا هؤلاء ~~فكذلك نجزي الكاذبين على الله. ### || [7.153] # قوله تعالى: { والذين عملوا السيئات ثم ~~تابوا من بعدها وآمنوا } قيل: أراد بالسيئات الشرك ~~وسائر المعاصي إذا تاب صاحبها عنها، { إن ربك من بعدها ~~لغفور رحيم }؛ ظاهر المعنى. ### || [7.154] # قوله تعالى: { ولما سكت عن موسى الغضب أخذ ~~الألواح }؛ أي سكن عن موسى الغضب وزالت قوة غضبه. وقيل: ~~معناه: سكت موسى عن الغضب، وهذا من المقلوب، كما يقال: أدخلت ~~قلنسوة في رأسي، يريد أدخلت رأسي في قلنسوة. وقوله ~~تعالى: { أخذ الألواح } بعد ما كان ألقاها وبعد ما تكسرت، ~~وذهب منها ستة أسباعها. # قوله تعالى: { وفي نسختها }؛ قال عطاء: (وفيما بقي ~~منها ولم يذهب)، ويقال: معناه: فيما نسخه موسى مما ~~تكسر. وقوله تعالى: { هدى ورحمة }؛ أي بيان من الضلالة ~~ونجاة، { للذين هم لربهم يرهبون }؛ يخشون الله ~~ويعملون بها. ### || [7.155-157] # قوله تعالى: { واختار موسى قومه سبعين رجلا ~~لميقاتنا }؛ ومعناه: واختار موسى من قومه سبعين رجلا للوقت ~~الذي وقتنا له يصحبهم مع نفسه عند الخروج إلى الميقات، فيشهدوا ~~عند قومهم على سماع كلام الله، فإنهم كانوا لا يصدقون موسى في ~~أن الله كلمه، وكانوا اثنى عشر سبطا، فاختار موسى من كل ~~سبط ستة، وخلف منهم رجلين، وقال: إنما أمرت بسبعين فليرجع ~~اثنان منكم، ولهما أجر من حضر، فرجع يوشع بن يونا وكالب ~~بن يوقنا، وذهب موسى مع السبعين الى الجبل. # قوله تعالى: { فلما أخذتهم الرجفة }؛ أي ~~الزلزلة الشديدة عند الجبل، { قال }؛ موسى: { رب لو ~~شئت أهلكتهم من قبل وإياي }؛ أن حملتهم إلى ~~الميقات، وأهلكتني معهم بقتل القبطي، وظن موسى أن الرجفة إنما ~~أخذتهم بسبب عبادة بني إسرائيل العجل، فقال: { أتهلكنا بما ~~فعل السفهآء منآ ms0866 } ثم قال: { إن هي إلا فتنتك }؛ ~~يعني ما عبادة العجل إلا بليتك إذ صار الروح في العجل، { ~~تضل بها }؛ بالفتنة، { من تشآء وتهدي من تشآء }. # قوله تعالى: { أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا }؛ ~~أي أنت ناصرنا وحافظنا ومتولي أمورنا فاغفر لنا ذنوبنا ~~وارحمنا ولا تعذبنا، { وأنت خير الغافرين }. # وقيل: إن موسى عليه السلام لما هلك السبعون، جعل يبكي ~~ويقول: يا رب ماذا أقول لبني إسرائيل إذا رجعت إليهم، وقد أهلكت ~~خيارهم؟ فبعثهم الله كما قال: # ثم بعثنكم من بعد موتكم # [البقرة: 56] وقد تقدم تفسير ذلك في البقرة. # قوله عز وجل: { واكتب لنا في هذه الدنيا ~~حسنة }؛ يعني العلم والعبادة، وقوله تعالى: { وفي الآخرة }؛ ~~أي واكتب لنا في الآخرة حسنة وهي الجنة. قوله تعالى: { ~~إنا هدنآ إليك }؛ أي أنبنا ورجعنا بالتوبة، يقال: هاد ~~يهود؛ إذا رجع، ولم يؤخذ اسم اليهود من هذا وإنما أخذ من ~~تهود. # قوله تعالى: { قال عذابي أصيب به من أشآء }؛ من ~~عبادي ممن هو أهل لذلك، { ورحمتي وسعت كل شيء }؛ يعني ~~وسعت البر والفاجر. قال ابن عباس: (لما نزلت هذه ~~الآية تطاول لها إبليس وقال: أنا شيء من الأشياء، ~~فأخرجه الله من ذلك بقوله: { فسأكتبها للذين ~~يتقون } ) أي سأوجبها للذين يتقون الشرك والمعاصي، { ~~ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون }. # فقالت اليهود والنصارى: نحن نتقي ونؤتي ~~الزكاة ونؤمن بآيات ربنا، فأخرجهم الله منها ~~بقوله: { الذين يتبعون الرسول النبي الأمي ~~}؛ يعني محمدا صلى الله عليه وسلم سماه أميا لأنه لم ~~يحسن الكتابة، قال الله تعالى: # وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه ~~بيمينك # [العنكبوت: 48]، وقال صلى الله عليه وسلم: # " إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " # قوله تعالى: { الذي يجدونه مكتوبا عندهم في ~~التوراة والإنجيل }؛ يعني نعته وصفته وخاتمه الذي بين ~~كتفيه ونعت أمته وشريعته. # قوله تعالى: { يأمرهم بالمعروف }؛ أي بالتوحيد ~~وشرائع الإسلام؛ { وينهاهم عن المنكر }؛ أي عن كل ما ~~لا يعرف في شريعة ولا سنة. قوله تعالى: { ويحل لهم ~~الطيبات }؛ أي ما اكتسبوه من وجه طيب، { ويحرم ms0867 ~~عليهم الخبآئث }؛ ما اكتسبوه من وجه خبيث، { ويضع ~~عنهم إصرهم } يعني ثقلهم، قال قتادة: (يعني ~~التشديد الذي كان عليهم في الدين ومأ أمروا به ~~من قبل أنفسهم في التوراة، وقطع الأعضاء ~~الخاطئة). # وقال عطاء: (يأمرهم بالمعروف وبخلع الأنداد ~~ومكارم الأخلاق وصلة الأرحام، وينهاهم عن ~~المنكر أي عن عبادة الأصنام وقطع الأرحام، ~~ويحل لهم الطيب يعني الحلال التي كانت ~~الجهال تحرمها من البحائر والسوائب ~~والوصائل، ويحرم عليهم الخبائث يعني ~~الميتة والدم ولحم الخنزير والربا وغيره من ~~المحرمات). # قوله تعالى: { والأغلال التي كانت عليهم }؛ ~~كناية عن الأمور الشديدة التي كانت عليهم، كان إذا أصاب ثوب أحدهم ~~شيء من النجاسة وجب قطعه، وكان عليهم أن لا يعملوا في السبت. # قوله تعالى: { فالذين آمنوا به وعزروه ~~ونصروه }؛ أي فالذين صدقوا بهذا النبي وعظموه وأعانوه ~~بالسيف على الأعداء، { واتبعوا النور الذي أنزل ~~معه }؛ يعني القرآن الذي ضياؤه في القلوب كضياء النور في ~~العيون، { أولئك هم المفلحون }؛ أي الظافرون ~~بالمراد والبقاء. ### || [7.158] # قوله عز وجل: { قل يأيها الناس إني رسول ~~الله إليكم جميعا }؛ قال ابن عباس: (كان كل رسول ~~يبعث إلى قومه، وبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ~~إلى قومه وغيرهم) ومعنى الآية: قل يا محمد إني رسول ~~الله إليكم كافة أدعوكم إلى طاعة الله وتوحيده واتباعي فيما ~~أديته إليكم. # قوله تعالى: { الذي له ملك السموت والأرض }؛ ~~تعريف الله الذي أرسله إليهم، وقوله تعالى: { لا إله إلا ~~هو }؛ أي لا شريك له في الإلهية، ولا خالق ولا رازق غيره، { ~~يحيي ويميت }؛ أي يحيي الخلق من النطفة، ويميتهم عند ~~انقضاء آجالهم، لا يقدر على ذلك أحد سواه, وقيل: معناه: ~~يحيى الأموات للبعث، ويميت الأحياء في الدنيا. # قوله تعالى: { فآمنوا بالله ورسوله النبي ~~الأمي }؛ أي صدقوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي لا ~~يكتب، فيؤمن من جهته أن " لا " يقرأ الكتب وينقل إليهم ~~أخبار الماضين، ولكن يتبع ما يوحى إليه، وقوله تعالى: { ~~الذي يؤمن بالله وكلماته }؛ أي بالله وكتبه. ومن ~~قرأ (وكلمته) فهو عيسى، وقوله تعالى: { واتبعوه ~~لعلكم ms0868 تهتدون }؛ ظاهر المعنى. ### || [7.159] # قوله تعالى: { ومن قوم موسى أمة }؛ أي جماعة؛ { ~~يهدون بالحق }؛ يدعون إلى الحق، { وبه يعدلون }؛ وبه ~~يحكمون وهم مؤمنو أهل الكتاب عبدالله بن سلام وأصحابه. # وروي عن ابن عباس: (أنهم قوم من بني إسرائيل قبل المشرق، ~~وخلف الصين عند المطلع أخذوا من بيت المقدس، فرمي بهم ~~هناك متمسكين بالتوراة مشتاقين إلى الإسلام، يعملون بفرائض ~~الله، بيوتهم مستوية، والأمانة فيهم فاشية، قبورهم عند أبوابهم، لا ~~تباغض بينهم ولا تحاسد ولا حلف ولا خيانة ولا كذب ولا غش، ~~يعملون بالحق فيما بينهم بلا أمير ولا قاض، مر بهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ليلة أسري به، فعرض عليهم الإسلام فقبلوه). # وذكر مقاتل: (أن بين الصين وبينهم واديا جاريا من رمل، فيمنع ~~الناس من إتيانهم واخبارهم، إلا أنا لا نسمع أخبارهم إلا من ~~النبي صلى الله عليه وسلم أخبره به ربه عز وجل، ~~واخبره به النبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس. وقال السدي: (هم ~~قوم بينكم وبينهم نهر من شهد). # قال ابن جريج: (إن بني إسرائيل لما قتلوا أنبياءهم ~~وكفروا، تبرأ هؤلاء القوم منهم وسألوا أن يفرق الله بينهم ~~وبينهم، ففتح الله لهم نفقا في الأرض، فصاروا فيه سنة ونصفا ~~حتى خرجوا من وراء الصين، فهم هناك مسلمون يصلون إلى ~~قبلتنا). # وقال الكلبي والربيع: (هم قوم خلف الصين على نهر يجري على ~~الرمل سمي نهر أرداف، يمطرون بالليل، يصبحون بالنهار ~~ويزرعون، لا يصل إليهم منا أحد ولا منهم إلينا، وهم على الحق، ~~ذهب جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم إليهم ليلة أسري به ~~فكلمهم. # فقال جبريل: هل تعرفون هذا الذي تكلمونه؟ قالوا: لا، قال: هذا ~~محمد صلى الله عليه وسلم رسول الله النبي الأمي، فآمنوا به ~~وقالوا: يا رسول الله؛ إن موسى أوصانا فقال: من أدرك منكم ~~محمدا صلى الله عليه وسلم فليقرؤه مني السلام، فرد ~~محمد صلى الله عليه وسلم على موسى وعليهم السلام، ثم أقرأهم ~~عشر سور من القرآن أنزلت بمكة، ولم يكن يومئذ نزلت ms0869 فريضة ~~غير الصلاة والزكاة، وأمرهم أن يقيموا مكانهم وأمرهم أن ~~يجمعوا ويتركوا السبت). ### || [7.160] # قوله تعالى: { وقطعناهم اثنتي عشرة أسباطا ~~أمما }؛ أي فرقوا بني إسرائيل اثنتي عشرة فرقة، والسبط في ~~ولد اسحاق كالقبيلة في ولد إسماعيل، وإنما ذكر (اثنتي ~~عشرة) على لفظ التأنيث وإن كان السبط مذكرا؛ لأن الأسباط ~~هي الفرق والجماعات. # فان قيل: كيف قال (أسباطا) بالجمع ولا يجمع ما بعد العشرة ~~على لفظ الجمع، وإنما يقال: اثنى عشر درهما ولا يقال اثنى عشر ~~دراهم؟ قيل: ذكر الزجاج: (أن قوله (أسباطا) بدل لا ~~يميز، كأنه قال: قطعناهم أسباطا اثنتي ~~عشرة). وقرأ أبان بن تغلب ابن زيد عن عاصم (وقطعناهم) ~~بالتخفيف. # قوله تعالى: { وأوحينآ إلى موسى إذ استسقاه ~~قومه }؛ أي أوحينا إليه في التيه حين طلب قومه منه الماء، { ~~أن اضرب بعصاك الحجر }؛ قال ابن عباس: (كان حجرا ~~يحملونه معهم على حمار) ولهذا عرف بالألف ~~واللام. # وقوله تعالى: { فانبجست منه اثنتا عشرة عينا ~~}؛ الانبجاس: خروج الماء قليلا، والانفجار خروجه واسعا، وإنما ~~قال (فانبجست)؛ لأن الماء كان يخرج من الحجر في الابتداء ~~قليلا ثم يتسع فاجتمع فيه صفة الانبجاس والانفجار، وإنما تفجر ~~منه اثنتا عشرة عينا؛ لأنهم كانوا اثنتي عشرة سبطا، وكان لا ~~يخالط كل سبط السبط الآخر، { قد علم كل أناس ~~مشربهم } ، كل سبط موضع شربه. # قوله تعالى: { وظللنا عليهم الغمام } أي ~~ظللنا عليهم بالنهار في التيه ليقيهم حر الشمس، { ~~وأنزلنا عليهم المن والسلوى }؛ فالمن ~~الترنجبين، والسلوى طائر يشبه السماني، قوله تعالى: { ~~كلوا من طيبات ما رزقناكم } أي من خلال ما رزقناكم ~~من المن والسلوى { وما ظلمونا }؛ أي وما ضرونا ~~بمخالفتهم أمرنا وإعراضهم عن شكر النعمة، { ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون }؛ ولكن ضروا أنفسهم. ### || [7.161] # قوله تعالى: { وإذ قيل لهم اسكنوا هذه ~~القرية }؛ أي قيل لهم وقت خروجهم من التيه اسكنوا القرية ~~أريحا ببيت المقدس، { وكلوا منها حيث شئتم }؛ من ~~نعيمها، { وقولوا }؛ مسألتنا؛ { حطة }؛ أي احطط عنا ~~ذنوبنا، { وادخلوا الباب سجدا }؛ باب أريحا خاشعين لله ~~خاضعين، { نغفر لكم خطيئاتكم }؛ ما سلف ms0870 من ذنوبكم ~~باستغفاركم وخضوعكم. # وقرأ أهل المدينة (تغفر) بالتاء مضمومة، وقرأ ابن عامر بتاء ~~مضمومة أخرى (خطيتكم). وقوله تعالى: { سنزيد المحسنين ~~}؛ أي الذين لا ذنب لهم في الدنيا نزيدهم فضلا في الآخرة ثوابا. ### || [7.162] # قوله تعالى: { فبدل الذين ظلموا منهم قولا ~~غير الذي قيل لهم }؛ أي غير الذين ظلموا أنفسهم ~~القول الذي أمروا به، فقالوا إطة سمقانا؛ أي حنطة حمراء، ويقال ~~قالوا حطة، { فأرسلنا عليهم رجزا من السمآء }؛ ~~أي عذابا أنزلت بهم نارا وأحرقتهم، { بما كانوا يظلمون ~~}؛ بتبديلهم ما أمروا به. ### || [7.163] # قوله تعالى: { وسئلهم عن القرية التي كانت ~~حاضرة البحر }؛ معناه: سل يا محمد يهود المدينة عن ~~القرية التي كانت بقرب البحر وهي مدينة إيله على ساحل البحر بين ~~المدينة والشام، وهذا سؤال توبيخ وتقرير وتعريف لهم، لا سؤال ~~تعريف من قبلهم، وفي السؤال لهم بيان أن يهود المدينة جروا ~~على عادة أسلافهم في التمرد في المعصية، فكأن الله تعالى أمر ~~نبيه صلى الله عليه وسلم أن يسألهم ما فعل الله بأهل تلك ~~القرية، أليس قد جعلهم الله قردة بمخالفتهم أمر الله، فما ~~يؤمنكم في تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم من عذاب الله. # قوله تعالى: { إذ يعدون في السبت }؛ أي حيث ~~يتجاوزون الحد بأخذهم السمك في يوم السبت، وقد أمروا أن ~~لا يصطادوا فيه ويتفرغوا للعبادة والطاعة. وقوله تعالى: { إذ ~~تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا }؛ قال ابن عباس: ~~(أي ظاهرة على وجه الماء). وقال الضحاك: (متتابعة ~~مثل الكباش البيض السمان يومئذ أن تصاد). قوله ~~تعالى: { ويوم لا يسبتون لا تأتيهم } أي لا يكون يوم ~~السبت، كانت الحيتان تغوص في الماء ولا تأتيهم شرعا. # وقرأ أبو نهيك: (إذ يعدون في السبت) بضم الياء وكسر ~~العين وتشديد الدال؛ يهيؤن الآلة لأخذها. وقرأ ابن ~~السميقع (في الأسبات) على جمع السبت. وقرأ بعضهم (إذ ~~تأتيهم حيتانهم يوم أسباتهم شرعا) فجعلت طائفة من ~~أهل هذه المدينة يلقون الشبكة في الماء في يوم السبت، ويقولون ~~حتى يقع فيها السمك، ثم لا يخرجون الشبكة من ms0871 الماء إلا ~~يوم الأحد، وقالوا إنما نصطاد في يوم الأحد، قوله تعالى: { ~~كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون }؛ أي كذلك نشدد ~~عليهم في التكليف بعصيانهم وفسقهم. # ووقف بعض القراء على قوله: (كذلك) على معنى لا تأتيهم في غير ~~يوم السبت كما تأتيهم في يوم السبت، ثم ابتدأ فقال (نبلوهم ~~بما كانوا يفسقون). فإن قيل: كيف عرف الله الحيتان ~~الفضل من يوم السبت وغيره من الأيام؟ قيل: لا يمتنع أن ~~الله عرفها ذلك أو قوى دواعيها؛ أي إلى الشروع في يوم ~~السبت معجزة لنبي ذلك الوقت وابتلاء لأولئك القوم. ### || [7.164] # قوله تعالى: { وإذا قالت أمة منهم لم تعظون ~~قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا }؛ ~~في الآية بيان أنه كان في هذه القرية فرقة يعظون ~~المذنبين، والمعنى: إذ قالت عصبة من أهل تلك القرية للواعظين ~~لم تعظون قوما الله مهلكهم في الدنيا أو معذبهم ~~عذابا شديدا في الآخرة؟ ولم يقولوا هذا كراهة للوعظ ولا رضى ~~بالمعصية منهم، ولكن قالوا ذلك ليأسهم عن قبول الوعظ. # وقوله تعالى: { قالوا معذرة إلى ربكم }؛ أي قالت ~~الفرقة الواعظة: موعظتنا إياهم معذرة إلى الله أن نبتلى بذلك ~~عذرا عند الله. ومن قرأ (معذرة) بالنصب فعلى معنى يعتذرون ~~معذرة. وقوله تعالى: { ولعلهم يتقون }؛ أي ورجاء أن ~~يتقوه، فكأن الواعظين لم ييأسوا من قبولهم الوعظ. وقيل: معناه: ~~لعلهم يتقون صيد الحيتان. ### || [7.165] # قوله تعالى: { فلما نسوا ما ذكروا به }؛ أي ~~فلما تركوا ما وعظوا به، { أنجينا الذين ينهون عن ~~السوء }؛ أي خلصنا الذين ينهون عن حبس السمك في الحظيرة ~~يوم السبت، { وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس }؛ ~~أي شديد، يقال بئس وبيس وبأس إذا اشتد، وبؤس يبؤس ~~بؤسا إذا افتقر. وقوله تعالى: { بما كانوا يفسقون }؛ أي ~~بفسقهم. # ولم يذكر في الآية حال الفرقة الثالثة، وقد روي عن ابن عباس ~~أنه قال: (كان القوم ثلاث فرق، فكانت الفرقة ~~الوسطى تعمل بالسوء، والفرقة اليمنى تنهى ~~وتحذرهم بأس الله، وكانت الأخرى تكف ألسنتها ~~وتمسك أيديها. فلما عملت الوسطى بذلك زمانا، ~~وكثرت أموالهم، ولم ms0872 ينزل بهم عقوبة، ~~استبشروا وقالوا ما نرى السبت إلا قد حل لنا ~~وذهبت حرمته، وكانوا نحوا من سبعين ألفا، ~~وكانت الفرقة الناهية نحو اثنى عشر ألفا، ~~يقولون لهم: لا تعدوا، ولا تأمنوا من عذاب الله، ~~فلم يتعظوا فأصبحوا وقد مسخهم الله قردة ~~خاسئين، فمكثوا كذلك ثلاثة أيام عبرة ~~للناظرين، ثم ماتوا). # قال ابن عباس: ((وأنجينا الذين ينهون عن السوء) ~~وليت شعري ما صنع الله بالذين لم ينهوا)، وقال ~~عكرمة: (بل أهلكهم الله أيضا وما نجا إلا الذين ~~ينهون عن السوء، وهلك الباقون بظلمهم ~~بالاستحلال وترك الأمر بالمعروف). فقال ابن عباس: ~~(نزل والله بالمداهن ما نزل بالمستحل). # وقال الحسن: (نجت فرقتان، وهلكت فرقة) وأنكر القول ~~الذي ذكر له عن ابن عباس، وقال: (ما هلكت إلا فرقة؛ ~~لأنه ليس شيء أبلغ في الأمر بالمعروف والوعظ ~~من ذكر الوعيد، وقد ذكرت الفرقة الثالثة ~~الوعيد فقالت: لم تعظون قوما الله مهلكهم أو ~~معذبهم عذابا شديدا) وقول الحسن أقرب إلى ظاهر الآية. ### || [7.166] # قوله تعالى: { فلما عتوا عن ما نهوا عنه }؛ أي ~~أبوا أن يرجعوا عن المعصية، والعاتي هو شديد الدخول في الفساد ~~المتمرد الذي لا يقبل الموعظة. وقوله تعالى: { قلنا لهم ~~كونوا قردة خاسئين }؛ أي مطرودين مبعدين عن كل ~~خير، من قولهم: خسأت الكلب إذا قلت له: اخسأ على الطرد ~~له. قال ابن عباس: (يا لها من أكلة ما أوخمها أن ~~مسخوا قردة في الدنيا وفي الآخرة النار). # وعن الضحاك قال: (ألقى الله في فكر الناهين حتى باعوا ~~الدور والمساكن، وخرجوا من القرية، فضربوا ~~الخيام خارجا منها، فأقبل العذاب وهم ينظرون، ~~فبدأ المسخ من الرأس حتى صارت لهم أذناب ~~كأذناب القردة، فكان الناهون لا يرون أحدا ~~يخرج من القرية، قالوا: لعل القوم قد خسفوا ~~أو رموا بحجارة من السماء، فحملوا رجلا منهم ~~على سلم فأشرف عليهم، فإذا هم قردة لهم ~~أذناب، فصاح فقال: إن القوم قد صاروا قردة، ~~فكسروا الباب، فدخلوا عليهم منازلهم فإذا هم ~~يبكون ويضربون بالأذناب، يعرف الرجل من ~~المرأة، فقالوا لهم: ms0873 ألم ننهكم عن معصية الله؟ ~~فأشاروا برؤوسهم: بلى؛ ودموعهم تسيل على ~~خدودهم). # قال أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إنه سئل: هل في أمتك خسف؟ قال: " نعم " قيل: ~~ومتى ذلك يا رسول الله؟ قال: " إذا لبسوا الحرير، ~~واستباحوا الزنا، وشربوا الخمور، وطففوا ~~المكيال والميزان، واتخذوا القينات والمعازف، ~~وضربوا بالدفوف، واستحلوا الصيد في الحرم " ". # وقال عكرمة: (جئت ابن عباس وهو يبكي والمصحف في ~~حجره، فقلت: ما يبكيك؟ قال: هؤلاء الورقات، فإذا ~~هي سورة الأعراف، فقال: أتعرف إيلة؟ قلت: نعم، ~~قال: كان بها حي من اليهود في زمان داود، حرم ~~عليهم صيد الحيتان، واختاروا السبت فابتلوا ~~فيه، وحرم عليهم فيه الصيد، وأمروا ~~بتعظيمه إن أطاعوا أجروا، وإن عصوا عذبوا. # وكانت الحيتان تأتيهم يوم السبت شرعا بيضا ~~سمانا كأنها الكباش تنطح، ويوم لا يسبتون لا ~~تأتيهم، فوسوس لهم الشيطان، وقال: إنما نهيتم ~~عن أخذها يوم السبت، فاتخذوا الحياض وكانوا ~~يسوقون إليها الحيتان يوم الجمعة، فتبقى فيها ~~ولا يمكنها الخروج منها لقلة الماء فياخذوها ~~يوم الأحد، فلما رأوا العذاب لا يأتيهم أخذوا ~~وأكلوا وعبوا وكثر مالهم، فلعنهم داود عليه ~~السلام فأصبحوا قردة خاسئين). وقال قتادة: (صار ~~الشباب قردة، والشيوخ خنازير). # قوله تعالى: # بعذاب بئيس # [الأعراف: 165] أي شديد وجيع، قرأ أهل المدينة بكسر الباء ~~وجزم الياء من غير همز، وقرأ ابن عامر كذلك إلا أنه بهمزة، وقرأ ~~عاصم في رواية أبي بكر بالفتح وجزم الياء وفتح الهمزة على وزن ~~فيعل مثل صيقل؛ وقرأ أهل البصرة (بئيس) بفتح الباء وكسر ~~الهمزة على وزن فعيل، وقرأ الحسن (بيس) بكسر الباء وفتح السين على ~~(بيس العذاب)، وقرأ مجاهد (بايس) على وزن فاعل، وقرأ أبو إياس ~~بفتح الباء والياء من غير همز، وقرأ الباقون (بئيس) على وزن ~~فعيل. ### || [7.167] # قوله تعالى: { وإذ تأذن ربك ليبعثن ~~عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء ~~العذاب }؛ معناه: وإذ علم ربك، وقد يأتي تفعل بمعنى ~~افعل يقال: أوعدني وتوعدني ومعناهما واحد، وقيل: معنى ~~(تأذن) أقسم ربك. # قوله تعالى: { ليبعثن ms0874 عليهم إلى يوم ~~القيامة من يسومهم سوء العذاب } أي ليبعثن على من ~~يبقى منهم من الذين لا يؤمنون من بعدهم الجزية والقتل فبعث ~~الله محمدا صلى الله عليه وسلم وأمته فوضعوا عليهم الجزية ~~إلى يوم القيامة، وفي هذه الآية دلالة على أن اليهود لا ترفع لهم ~~راية عز إلى يوم القيامة. وقوله تعالى: { إن ربك لسريع ~~العقاب }؛ يجوز أن يكون المراد به عقوبة الآخرة وكل آت قريب، ~~ويجوز أن يكون المراد به أنه سريع العقاب لمن شاء أن يعاقبه ~~في الدنيا. وقوله تعالى: { وإنه لغفور رحيم }؛ أي لمن ~~تاب عن الكفر والمعاصي. ### || [7.168] # قوله تعالى: { وقطعناهم في الأرض أمما }؛ معناه: ~~وفرقنا اليهود في البلاد تفريقا شديدا استثنى أمرهم فليس لهم ~~مكان يجتمعون فيه، ولا يمكنهم المقام في موضع إلا على ذل ~~بالقتل والجزية. # قوله تعالى: { منهم الصالحون ومنهم دون ذلك ~~}؛ أراد بالصالحين مؤمني أهل الكتاب، وقيل: أراد بهم الذين ~~وراء نهر أرداف، بمعنى الذين وراء رمل عالج من قوم موسى الذين ~~ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به مر بهم، ~~وقد ذكرنا في ما تقدم. وقوله تعالى: { ومنهم دون ذلك } أراد ~~به الكفار منهم كأنه قال: ومنهم الصالحون ومنهم سوى الصالحين. ~~وقيل: معناه: ومنهم دون ذلك هم في رمل عالج يعني الذين هم في هذه ~~البلاد من اليهود. # قوله تعالى: { وبلوناهم بالحسنات والسيئات ~~}؛ أي اختبرناهم بالخصب والجدب، { لعلهم يرجعون } ، من ~~الكفر إلى الإيمان. ### || [7.169] # قوله تعالى: { فخلف من بعدهم خلف ورثوا ~~الكتب }؛ أي خلف من بعد هؤلاء الذين قطعناهم في الأرض ~~ذرية سوء، وهم الذين أدركهم النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن ~~الأعرابي: (الخلف بفتح اللام الصالح، وبإسكان اللام ~~الطالح)، قال لبيد: # ذهب الذين يعاش في أكنافهم # وبقيت في خلف كجلد الأجرب # ومنه قيل لرد الكلام خلف، ومنه المثل السائر (سكت ألفا ~~ونطق خلفا)، قال النضر بن شميل: (الخلف بفتح ~~اللام وإسكانها في القرن السوء، وأما القرن ~~الصالح فتحريكها لا غير، قال الشاعر: # إنا وجدنا خلفنا ms0875 بئس الخلف # عبدا إذا ما ناء بالحمل خضف # وقال محمد بن جرير: (أكثر ما جاء في المدح بفتح اللام، ~~وفي الذم بتسكينها، وقد تحرك في الذم ويسكن في ~~المدح. قال حسان في المدح: # لنا القدم الأولى إليك وخلفنا # لأولنا في طاعة الله تابع # قال: (وأحسبه في الذم مأخوذ من خلف اللبن إذا ~~حمض من طول تركه في السقاء حتى يفسد، ~~ومنه قولهم: خلف فم الصائم؛ إذا تغيرت ريحه ~~وفسدت، فكأن الرجل الفاسد مشبه به). والحاصل ~~أن كلا منهما يستعملان في الشر والخير، إلا أن أكثر ~~الاستعمال في الخير بالفتح. # قوله تعالى: { ورثوا الكتب } أي التوراة، والميراث ~~ما صار للباقي من جهة البادي كأنه قال فخلف من بعد الهالكين ~~منهم خلف ورثوا الكتاب. وقوله تعالى: { يأخذون عرض ~~هذا الأدنى }؛ يعني به أخذ الرشوة في الحكم؛ لتغير ~~الحق إلى الباطل. وقال بعضهم: كانوا يحكمون بالحق لكن بالرشوة، ~~وإنما سمي متاع الدنيا عرضا لقلة بقائه كأنه يعرض فيزول. قال ~~الله تعالى: # هذا عارض ممطرنا # [الأحقاف: 24] أراد بذلك السحاب. # قوله تعالى: { ويقولون سيغفر لنا }؛ أي يقولون مع ~~أخذهم الرشوة أنه سيغفر لنا ذلك، وما عملناه بالليل كفر ~~عنا بالنهار، وما عملناه بالنهار كفر عنا بالليل، { وإن ~~يأتهم عرض مثله يأخذوه }؛ معناه: وإن عرض لهم ذنب ~~آخر عملوه، وفي هذا بيان أنهم كانوا يصرون على الذنب وأكل ~~الحرام، وكانوا يستغفرون مع الإصرار، فكيف يغفر لهم. # قوله تعالى: { ألم يؤخذ عليهم ميثق الكتب ~~أن لا يقولوا على الله إلا الحق }؛ معناه: ألم ~~يؤخذ عليهم الميثاق في التوراة ألا يقولوا على الله إلا ~~الصدق، وكان في التوراة أن من ارتكب ذنبا عظيما لم يغفر له ~~بالتوبة، { ودرسوا ما فيه }؛ فكانوا يدرسون ما في التوراة، ~~ويذكرون ما أخذ عليهم من المواثيق، يقولون مع إصرارهم على الذنوب: ~~سيغفر لنا. # وقال الحسن: (معنى الآية أنهم كانوا يأخذون ~~الدنيا من كل وجه حرم عليهم ويمنعون كل ~~حق، وينفقون في كل سرف، ويتمنون مع هذه ~~الأشياء على الله الأماني، ويقولون: سيغفر لنا، ms0876 ~~وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه كما أخذوا، ألم ~~يعرفوا في الكتاب خلاف ما هم عليه). وقرأ السلمي: ~~(وادارسوا فيه مثل اداركوا). # قوله تعالى: { والدار الآخرة خير للذين ~~يتقون }؛ أي يتقون المعاصي والشرك وأكل الحرام، { أفلا ~~تعقلون }؛ ما يدرسون في كتابهم، وقيل: أفلا يعقلون أن ~~الإصرار على الذنب ليس من علامة المغفور لهم. ### || [7.170] # قوله تعالى: { والذين يمسكون بالكتاب ~~وأقاموا الصلاة }؛ معناه: والذين يعملون بما في كتاب الله، ~~قال مجاهد: (هم اليهود والنصارى الذين يمسكون ~~بالكتاب الذي جاء به موسى، لا يحرفونه ولا ~~يكتمونه، أحلوا حلاله وحرموا حرامه، ولا ~~تتخذونه مأكلة، نزلت في عبدالله بن سلام ~~وأصحابه). # وقال عطاء (يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم). قوله ~~تعالى: (وأقاموا الصلاة) أي عملوا الصالحات، إلا أنه ~~خص الصلاة بالذكر لعظم شأنها، وقوله تعالى: { إنا لا ~~نضيع أجر المصلحين }؛ أي نعطيه أجرهم في القول والعمل. ### || [7.171] # قوله تعالى: { وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ~~ظلة }؛ معناه: واذكر يا محمد إذ قلعنا الجبل من أصله ~~فجعلناه كالظلة فوق رأس بني إسرائيل، وكل شىء اقتلعته فقد ~~نتقته، ومنه نتقت المرأة إذا أكثرت الولد؛ أي اقتلعت ~~ما رحمها من ولدها، وامرأة منتاق إذا كانت تكثر الولد. # وقال مجاهد: (نتقنا الجبل؛ أي قطعنا الجبل). وقال ~~الفراء: (علقنا). وقال بعضهم: أصل النتوق والنتق أن ~~تقطع الشيء من موضعه فترمي به، وقال أبان بن ثعلبة: (سمعت ~~رجلا من العرب يقول لغلامه خذ الجوالق ~~وانتقه؛ أي نكسه). قوله تعالى: { كأنه ظلة }. ~~قال عطاء (كأنه سقيفة، والظلة كل ما أظلك). # قوله تعالى: { وظنوا أنه واقع بهم }؛ أي ظنوا ~~أنه ساقط عليهم لارتفاعه فوقهم، وكان السبب في رفعه فوقهم أنه ~~لما شق عليهم ما كان في التوارة من المواثيق، وخافوا أن لا ~~يمكنهم الوفاء به امتنعوا عن التزامه، فرفع الله الجبل ~~فوقهم. # وقوله تعالى: { خذوا مآ ءاتينكم بقوة }؛ أي وقلنا لهم ~~خذوا ما آتيناكم بقوة، أي اعملوا به بجد ومواظبة في طاعة، { ~~واذكروا ما فيه لعلكم تتقون } أي ما في الكتاب الذي ~~أعطيناكم ms0877 من عظة وجزاء لكي تتقوا المعاصي، وكان دكا حين ~~أبوا أن يقبلوا أحكام التوراة ويعملوا بما فيها، وكانت شريعة ~~ثقيلة فرفع الله عليهم جبلا على مقدار عسكرهم، وكانوا ~~فرسخا في فرسخ، وقيل لهم: إن قبلتم ما فيها وإلا ~~لنوقعنه عليكم. # قال الحسن: (فلما نظروا إلى الجبل، خر كل رجل ~~منهم ساجدا على حاجبه الأيسر، ونظر بعينه ~~اليمنى إلى الجبل خوفا أن يسقط عليهم، فلذلك ~~ليس في الأرض يهودي إلا وهو يسجد على حاجبه ~~الأيسر، ويقولون: هذه السجدة التي رفعت بها ~~عنا العقوبة). ### || [7.172] # قوله تعالى: { وإذ أخذ ربك من بني ءادم من ~~ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست ~~بربكم قالوا بلى }؛ قال المفسرون: لما خلق الله آدم ~~مسح ظهره، وأخرج منه ذريته كلهم كهيئة الذر، واختلفوا ~~في موضع الميثاق، فقال ابن عباس: (هو بطن نعمان واد ~~جنب عرفة)، وقيل: هي أرض الهند، وقال الكلبي: (هو ما ~~بين مكة والطائف). # وقال السدي: (أخرج الله آدم من الجنة، ولم يهبطه ~~إلى الأرض، فأخرج من ظهره ذريته وكل من هو ~~خارج إلى يوم القيامة، فأخرج من صفحة ظهره ~~اليمنى ذرية صغارا بيضا مثل اللؤلؤ، فقال ~~لهم: أدخلوا الجنة برحمتي، وأخرج من صفحة ~~ظهره اليسرى ذرية سودا، وقال لهم: أدخلوا ~~النار ولا أبالي). # فذلك قوله تعالى: # وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين # [الواقعة: 27]، # فأصحاب الميمنة مآ أصحاب الميمنة * وأصحاب ~~المشأمة مآ أصحاب المشأمة # [الواقعة: 8-9]، وركب فيهم جميع العقول حتى سمعوا كلام الله ~~وفهموا خطابه، فقال لهم: اعلموا أنه لا إله غيري، ولا رب ~~لكم سواي، فلا تشركوا بي شيئا، وأني مرسل إليكم رسلا ~~يذكرونكم عهدي وميثاقي ومنزل عليكم كتابا فتكلموا ألست ~~بربكم؟ فقالوا: بلى، شهدنا أنك ربنا وإلهنا لا رب غيرك. ~~فأقروا كلهم طائعين، وأخذ بذلك ميثاقهم وكتب آجالهم وأرزاقهم ~~ومصابهم. # فنظر إليهم آدم عليه السلام فرأى فيهم الغني والفقير، وحسن ~~الصورة وغير ذلك، فقال: يا رب لو شئت سويت بينهم، قال: ونظر إلى ~~الأنبياء بينهم يومئذ مثل السرج، فلما أخذ عليهم الميثاق ردهم ms0878 ~~إلى صلب آدم، فالناس محبوسون في أصلاب آبائهم حتى يخرج كل من ~~أخرجه في ذلك الوقت، وكل من ثبت على الإسلام فهو على الفطرة ~~الأولى، وكل من جحد وكفر، فإنما تغير عنها، ومنه قوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه ~~يهودانه وينصرانه ويمجسانه، حتى يعرب ~~عنه لسانه إما شاكرا وإما كفورا " # فلا تقوم الساعة حتى يولد كل من أخذ ميثاقه، لا يزيد فيهم ولا ~~ينقص منهم. # وتقدير الآية: وإذ أخذ ربك من ظهور بني آدم ذرياتهم، ولم ~~يذكر ظهر آدم، وإنما أخرجوا يوم الميثاق من ظهره؛ لأنه أخرج ~~ذرية آدم بعضهم من ظهر بعض على نحو ما يتولد الأبناء من ~~الآباء، فاستغنى عن ذكر ظهر آدم بقوله: { من بني ءادم }؛ ~~لأنه قد علم أنهم كلهم بنوه، وأخرجوا من ظهره. # قوله تعالى: { شهدنآ }؛ يجوز أن يكون هذا من قول الذين ~~أخذ عليهم الميثاق. ثم ابتدأ فقال تعالى: { شهدنآ أن تقولوا ~~يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين }؛ ويجوز أن ~~يكون تمام الكلام عند قوله: { بلى } ثم يقول الله تعالى: شهدنا ~~عليكم، وأخذنا الميثاق كيلا يقولوا يوم القيامة: { إنا ~~كنا عن هذا غافلين } أي عن هذا الميثاق والإقرار. ### || [7.173] # قوله تعالى: { أو تقولوا إنمآ أشرك آباؤنا من ~~قبل وكنا ذرية من بعدهم }؛ أي ولكيلا تقولوا ~~إنما أشرك آباؤنا من قبل، وكنا ذرية من بعدهم فاتبعناهم؛ ~~لأنا قد جعلنا في عقولكم ما يمكنكم أن تعرفوا به صحة ما كان ~~عليه آباؤكم وفساده. وقوله تعالى: { أفتهلكنا بما فعل ~~المبطلون } ، أي آباؤنا المشركون، يقال لهم: لا نهلككم بما ~~فعل آباؤكم، وإنما نهلككم بما فعلتم أنتم. # فإن قيل كيف يكون الميثاق حجة عليهم - أي على الكفار منهم - ~~وهم لا يذكرون ذلك حين أخرجهم من صلب آدم؟ قيل: لما أرسل ~~الله الرسل، فأخبروهم بذلك الميثاق، وصار قول الرسل حجة ~~عليهم. # قوله: (ذرياتهم) قرأ أهل مكة وأهل الكوفة (ذريتهم) ~~بغير ألف، وقرأ الباقون بالألف على الجمع، وقوله تعالى: # أن تقولوا يوم القيامة # [الأعراف: 172] { أو ms0879 تقولوا إنمآ أشرك } قرأ أبو عمرو ~~بالياء، وقرأ الباقون بالتاء فيهما. ### || [7.174] # وقوله تعالى: { وكذلك نفصل الآيات }؛ أي هكذا ~~نبين الآيات كما بيناها في أمر الميثاق، و { نفصل ~~الآيات } ذكر آية بعد آية من الموعظة والمعصية والوعد ~~والوعيد. قوله تعالى: { ولعلهم يرجعون }؛ أي لكي ~~يرجعوا عن الكفر إلى الإيمان، والمعنى: ليعلموها مفصلة ~~ولعلهم يرجعون. ### || [7.175] # وقوله تعالى: { واتل عليهم نبأ الذي ءاتيناه ~~ءاياتنا فانسلخ منها }؛ قال ابن عباس وابن مسعود: ~~(نزلت في بلعم بن باعورا)، قال مجاهد: (ويقال لهم: ~~بلعم بن باعر)، وقال مقاتل: (ويقال له أيضا: بلعام، ~~وكان عابدا من عباد بني إسرائيل، وكان في المدينة التي قصدها موسى ~~عليه السلام، وكان أهل تلك المدينة كفارا، وكان عنده اسم الله ~~الأعظم، فسأله ملكهم أن يدعو على موسى بالاسم الأعظم ليدفعه ~~عن تلك المدينة، فقال لهم: دينه وديني واحد، وهذا شيء لا يكون، ~~فكيف ادعو عليه وهو نبي الله، ومعه الملائكة والمؤمنون، وأنا أعلم ~~من الله ما أعلم، وإني إن فعلت ذلك ذهبت دنياي وآخرتي، فلم ~~يزالوا به يفتنونه بالمال والهدايا حتى فتنوه فافتتن. # فركب أتانا له متوجها إلى جبل ليدعو عليه، فما سار على ~~الأتان إلا قليلا فربضت فنزل عنها، فضربها حتى كاد ~~يهلكها، فقامت فركبها فربضت، فضربها فأنطقها الله تعالى، ~~فقالت: يا بلعم ويحك أين تذهب؟ ألا ترى إلى هؤلاء الملائكة ~~أمامي تردني عن وجهي؟ فكيف تريد أن تذهب لتدعو على نبي الله ~~عليه السلام وعلى المؤمنين؟ فخلى سبيلها، وانطلق حتى أتى إلى الجبل ~~وحين وصل إلى الجبل، وجعل يدعو فكان لا يدعو بسوء إلا صرف الله ~~لسانه إلى موسى، فقال له قومه: يا بلعم! إنما أنت تدعو علينا ~~وتدعو لهم؟ فقال: هذا والله الذي أملكه، وأنطق الله به لساني. # ثم امتد لسانه حتى بلغ صدره، فقال لهم: قد ذهب مني الآن ~~الدنيا والآخرة فلم يبق إلا المكر والحيلة، فسأمكر لكم ~~وأحتال، حلوا النساء وزينوهن وأعطوهن الطيب، وأرسلوهن إلى ~~العسكر ومروهن لا تمنع امرأة نفسها من رجل أرادها، ms0880 فإنهم ~~إن زنى منهم رجل واحد كفيتموهم، ففعلوا. # فلما دخل النساء العسكر مرت امرأة منهم برجل من عظماء بني ~~إسرائيل، فقام إليها فأخذها بيده حين أعجبته بحسنها، ثم أقبل بها ~~إلى موسى وقال له: إني لأظنك أن تقول هذه حرام؟ قال: نعم ~~هي حرام عليك لا تقربها، قال: فوالله لا نطيعك في هذا! ~~ثم دخل بها قبته فوقع عليها، فأرسل الله على بني إسرائيل ~~الطاعون في الوقت. # وكان فنحاص بن العيزرا صاحب أمر موسى، وكان رجلا له بسطة في ~~الخلق وقوة في البطش، وكان غائبا حين صنع ذلك الرجل بالمرأة ~~ما صنع، فجاء والطاعون يحوس في بني إسرائيل، فأخبر الخبر، فأخذ ~~حربته وكانت من حديد كلها، ثم دخل عليه القبة، فوجدهما ~~متضاجعين فدقهما بحربته حتى انتظمهما بها جميعا، فخرج بهما ~~يحملهما بالحربة رافعا بهما إلى السماء، والحربة قد أخذها بذراعه ~~واعتمد بمرفقه وأسند الحربة إلى لحيته وجعل يقول: اللهم ~~هكذا نفعل بمن يعصيك، فرفع الطاعون من حينئذ عنهم فحسب من ~~هلك من بني إسرائيل في ذلك الطاعون، فوجدوهم سبعين ألفا في ~~ساعة من نهار وهو ما بين أن زنى ذلك الرجل بها إلى أن قتل. # وقال مقاتل: دعا بلعم على موسى وقومه بالاسم الأعظم أن لا ~~يدخل المدينة، فاستجيب له ووقع موسى وقومه في التيه بدعائه ~~عليه، فقال: يا رب بأي ذنب وقعنا في التيه؟ قال: بدعاء ~~بلعم، قال: يا رب فكما سمعت دعاءه فاسمع دعائي عليه، فدعا موسى ~~أن انزع عنه الاسم الأعظم والإيمان، فسلخه الله مما كان عليه، ~~ونزع عنه المعرفة، فخرجت منه كحمامة بيضاء، فذلك قوله ~~تعالى: { فانسلخ منها }. إلا أن في هذا ما يمنع صحته ولا ~~يجوز أن يستجاب دعاؤه. # وروي عن عبدالله بن عمران: أن الآية نزلت في أمية بن أبي ~~الصلت الثقفي، وهو رجل كان في وقت النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وكان قد أتاه الله العلم والحكمة، وله أشعار في الموت والبعث، ~~وكان قد علم أن الله يبعث نبيا في وقته، وكان يرجو ms0881 أن يكون ~~ذلك النبي، فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ورأى من ~~أمره ما رأى، عزم أن لا يؤمن به حسدا له، ومعنى الآية: واقرأ ~~يا محمد خبر الذي آتيناه علم آياتنا وفهم معانيها فصار ~~عالما بها. والنبأ: الخبر عن أمر عظيم، وقوله تعالى: { ~~فانسلخ منها } أي خرج من العلم بها إلى الجهل، ومن الهدى ~~إلى الضلالة، كما يقال: انسلخت الحية من جلدها. # وقوله تعالى: { فأتبعه الشيطان }؛ أي أتبعه ~~بالتزيين لذلك الضلال، ويقال: معنى أتبعه: أدركه، يقال: ~~أتبعت القوم إذا لحقتهم، وتبعتهم إذا سرت إليهم. وقوله ~~تعالى: { فكان من الغاوين }؛ أي كان في علم الله أن يكون في ~~ذلك الوقت من الغاوين، وقيل: صار من الضالين. والغي ~~يذكر بمعنى الهلاك، ويذكر بمعنى الخيبة. ### || [7.176] # قوله تعالى: { ولو شئنا لرفعناه بها }؛ أي ~~بالآيات بأن نميته على الهدى ونعصمه عن الكفر ونحول ~~بينه وبين المعصية. وقيل: معناه: لفضلناه وشرفناه ورفعناه ~~منزلة بالآيات. قال مجاهد وعطاء: (معناه: ولو شئنا ~~رفعنا عنه الكفر بالآيات وعصمناه، { ولكنه ~~أخلد إلى الأرض }؛ أي ركن إلى الأرض)، وقال مجاهد: (سكن ~~إلى الأرض)، وقال مقاتل: (رضي بالدنيا)، وقيل: مال إلى ~~مسافل الأمور، وترك معاليها. # وأصل الإخلاد البقاء والإقامة واللزوم على الدوام، كأنه قال: ~~لزم الميل إلى الأرض، ليعجل الراحة واللذات، يقال: فلان ~~مخلد؛ أي بطيء الشيب. قوله تعالى: { واتبع هواه ~~}؛ أي انقاد لهواه، فلم يرفعه بالآيات، قال عطاء: (أراد ~~الدنيا واتبع شيطانه)، وقال بعضهم: (واتبع هواه) ~~أي امرأته؛ لأنها كانت حملته على الخيانة. # قوله تعالى: { فمثله كمثل الكلب إن تحمل ~~عليه يلهث أو تتركه يلهث }؛ اللهث: شدة ~~النفس عند الإعياء، وهو في الكلب طبع، فإن كل شيء يلهث ~~من إعياء وعطش ما خلا الكلب، فإنه يلهث في الأحوال كلها، ~~فإنك إن طردته وزجرته يلهث، وإن تركته يلهث، فكذلك ~~الكافر إن وعظته وزجرته لم يتعظ، وإن تركته لم ~~يعقل، وقال ابن عباس: (معناه أن الكافر إن تحمل ~~عليه الحكمة لم يحملها، وإن ترك عنها لم ~~يهتد إليها، كالكلب ms0882 إن كان رابضا لهث، وإن طرد ~~لهث). # وقيل: هو المنافق لا ينيب إلى الحق دعي أم لم يدع، ~~وعظ أو لم يوعظ، كالكلب يلهث ترك أو طرد، وكذلك الكافر ~~إن وعظته فهو ضال، وإن تركته فهو ضال كالكلب، ونظيره قوله ~~تعالى: # وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سوآء ~~عليكم أدعوتموهم أم أنتم صمتون # [الأعراف: 193]. # قوله تعالى: { ذلك مثل القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا }؛ أي ذلك صفة المكذبين بآياتنا، { فاقصص القصص ~~}؛ أي أقصص عليهم أخبار المنافقين؛ ليعتبروا بهم فلا يسلكوا ~~مسالكهم. وقوله تعالى: { لعلهم يتفكرون }؛ أي رجاء أن لا ~~يتفكروا. ### || [7.177] # قوله تعالى: { سآء مثلا القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا }؛ أي بئس الوصف وصف القوم الذين كذبوا بآياتنا، وهذا ~~السوء إنما يرجع إلى فعلهم لا إلى نفس المثل، كأنه قال: ساء ~~فعلهم الذي جلب إليهم الوصف القبيح، فأما المثل من الله فحكمة ~~وصواب، و { مثلا } منصوب على التمييز، أي ساء المثل مثلا: ~~قوله تعالى: { وأنفسهم كانوا يظلمون }؛ أي إنما ~~يصرفون أنفسهم لمعصيتهم، والله تعالى لا تضره معصية العاصين، ~~ولا تنفعه طاعة المطيعين. ### || [7.178] # قوله تعالى: { من يهد الله فهو المهتدي }؛ أي من ~~يوفقه الله لدينه فهو المهتدي من الضلالة، { ومن يضلل ~~}؛ خذله عن دينه، { فأولئك هم الخاسرون }؛ ~~المغبونون بعقوبة الآخرة. ### || [7.179] # قوله عز وجل: { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا ~~من الجن والإنس }؛ وقال ابن عباس: (معناه: ولقد ~~خلقنا لجهنم أهلا)، { لهم قلوب لا يفقهون بها ~~}؛ الخير، { ولهم أعين لا يبصرون بها }؛ الهدى، ~~{ ولهم آذان لا يسمعون بهآ }؛ الحق، { أولئك ~~كالأنعام }؛ في المأكل والمشرب، والذهن لا في الصور، ~~{ بل هم أضل }؛ لأن الأنعام مطيعة لله تعالى، والكافر غير ~~مطيع. وقوله تعالى: { أولئك هم الغافلون }؛ أي عن ما ~~ينفعهم وعن ما يحل لهم في الآخرة. # وقيل: إن اللام في قوله: { لجهنم } لام العاقبة، يعني ~~أن عاقبتهم إلى المصير إلى جهنم، وهذا كما قال تعالى: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8] أي كان عاقبتهم أن صار لهم عدوا وإلا فهم التقطوه ~~ليكون لهم قرة عين، ms0883 كما قال تعالى: # وقالت امرأة فرعون قرت عين لي ولك لا ~~تقتلوه # [القصص: 9]، ويقال: # لدوا للموت وابنوا للخراب # قال الشاعر: # أموالنا لذوي الميراث نجمعها # ودورنا لخراب الدهر نبنيها # وقال آخر: # ألا كل مولود فللموت يولد # ولست أرى حيا لحي يخلد # وقال آخر: # وللموت تغذوا الوالدات سخالها # كما لخراب الدهر تبنى المساكن # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية قال: # " إن الله تعالى لما ذرأ لجهنم ما ذرأ، كان ولد ~~الزنا ممن ذرأ لجهنم " ### || [7.180] # قوله تعالى: { ولله الأسمآء الحسنى فادعوه ~~بها وذروا الذين يلحدون في أسمآئه }؛ سبب نزول ~~هذه الآية: أن ((رجلا)) دعا الله في صلاته، ودعا الرحمن، فقال أبو ~~جهل لعنه الله: أليس يزعم محمد صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه أنهم يعبدون ربا واحدا، فما بال هذا يعبد ربين ~~اثنين؟! فأنزل الله هذه الآية. # ومعناها: ولله الصفات العلى؛ وهي: الرحمن؛ والرحيم؛ والعزيز؛ ~~والجبار؛ والمؤمن؛ والمهيمن؛ والقدوس؛ وأشباه ذلك من الصفات ~~التي معانيها (فادعوه بها) أي بالأسماء الحسنى، لا ينبغي أن ~~يقول: يا سخي؛ يا جلال؛ يا رفيق، ولكن ليقل: يا جواد يا ~~سخي يا قوي يا رحيم كما وصف بها نعته. # قوله تعالى: { وذروا الذين يلحدون في أسمآئه ~~} أي يكذبون، وقال قتادة: (يشركون)، وقال عطاء: (يضاهون) ~~وقال ابن عباس: (إلحادهم في أسماء الله أنهم عدلوا ~~بها عما هي عليه، فسموا بها أوثانهم وزادوا ~~فيها ونقصوا منها، واشتقوا اللات من الله؛ ~~والعزى من العزيز؛ والمناة من المنان). # قرأ الأعمش وحمزة (يلحدون) بفتح الياء والحاء هنا وفي النحل وفي ~~حم، وقرأ الباقون بضم الياء وكسر الحاء وهما لغتان فصيحتان. ~~والإلحاد: هو الميل عن القصد، وروي عن الكسائي أنه الذي في ~~النحل بفتح الياء والحاء، والذي في الأعراف وحم بالضم، وكان يفرق ~~بين الإلحاد فيقول: (الإلحاد: العدول عن القصد، ~~واللحود: الركون) ويزعم أن الذي في النحل بمعنى الركون. ~~قوله تعالى: { سيجزون ما كانوا يعملون }؛ وعيد ~~لهم على الكفر والتكذيب. ### || [7.181] # قوله تعالى: { وممن خلقنآ أمة يهدون بالحق ~~وبه يعدلون ms0884 }؛ قال ابن عباس: (وذلك أنه لما ذكر ~~الله تعالى # ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون # [الأعراف: 159] قال أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه ~~وسلم: ذكر الله هؤلاء الرهط بالخير الجسيم، وإن ~~آمنوا بك وصدقوك جعل الله لهم أجران، ولنا أجر ~~واحد، ونحن صدقنا بالكتب وبالرسل، فأنزل الله ~~تعالى: { وممن خلقنآ أمة يهدون بالحق } يعني ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لا يخلوا الزمان من ~~فرقة منهم علماء أتقياء يدعون الناس إلى ~~الحق). ### || [7.182] # قوله تعالى: { والذين كذبوا بآيتنا ~~سنستدرجهم من حيث لا يعلمون } أي الذين كذبوا ~~بدلائلنا سنحطهم إلى العذاب درجة إلى أن يبلغوا إلى العذاب، ~~وقال عطاء: (سنمكن لهم من حيث لا يعلمون). وقال ~~الكلبي: (نزين لهم أعمالهم فنهلكهم). وقال ~~الضحاك: (كلما جددوا لنا معصية جددنا لهم ~~نعمة). وقال الخليل: (سنطوي عمرهم في اغترار ~~منهم). # وقال أهل المعاني: الاستدراج: أن تندرج إلى الشيء في خفية ~~قليلا قليلا، ولا يتابع ولا يجاهر، يقال: استدرج ~~فلانا حتى نعرف ما صنع؛ أي لا تجاهره ولا تكثر عليه ~~السؤال دفعة واحدة، ولكن كلمه درجة درجة وقليلا قليلا حتى ~~نعرف حقيقة ما فعل. وقيل: معنى قوله { سنستدرجهم من ~~حيث لا يعلمون } سنذيقهم من بأسنا قليلا قليلا. ### || [7.183] # قوله تعالى: { وأملي لهم إن كيدي متين }؛ أي ~~أمهلهم وأطيل لهم المدة، فإنهم لا يفوتونني ولا يفوتني ~~عذابهم ولا يعجزونني عن تعذيبهم. وقوله: { إن كيدي متين } ~~إن صنعي شديد محكم، وأخذي قوي شديد. والكيد: هو الإصرار ~~بالشيء من حيث لا يشعر به. ### || [7.184] # قوله تعالى: { أولم يتفكروا ما بصاحبهم من ~~جنة }؛ قال الحسن وقتادة: (وذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم صعد الصفا ذات ليلة يدعو قريشا إلى عبادة ~~الله قبيلة قبيلة وفخذا فخذا: يا بني فلان، ~~يحذرهم بأس الله وعقابه، فقال المشركون: إن ~~صاحبكم قد جن؛ بات ليله يصوت إلى الصباح، ~~فأنزل الله هذه الآية). ومعناها: أولم يتفكروا ~~بقلوبهم ليعلموا ويستيقنوا ما بمحمد صلى الله عليه وسلم من ~~جنون. # قوله تعالى: { إن هو ms0885 إلا نذير مبين }؛ أي ما هو ~~إلا يعلم لموضع المخافة ليتقى ولموضع الأمن ليبتغى. ~~وقوله تعالى: { مبين } أي بين أمره؛ فهلا جالسه الكفار ~~فيطلبوا حقيقة أمره، ويتفكروا في دلائله ومعجزاته. ### || [7.185] # قوله تعالى: { أولم ينظروا في ملكوت السموت ~~والأرض وما خلق الله من شيء } معناه: أولم ينظروا ~~في السماوات والأرض طالبين لما يدلهم على وحدانية الله ~~تعالى، وعلى صدق رسوله في ما دعاهم إليه. والملكوت: هو الملك ~~العظيم. قوله تعالى: { وما خلق الله من شيء } ~~معناه: وما خلقه الله بعد السماوات والأرض، فإن ذلك يدل على ~~وحدانية الله تعالى مثل ما تدل السماوات والأرض. (ما) بمعنى ~~الذي. # قوله تعالى: { وأن عسى أن يكون قد اقترب ~~أجلهم }؛ معناه: أولم ينظروا في أن عسى أن يكون قد دنا ~~هلاكهم بعد قيام الحجة عليهم. وقوله تعالى: { فبأي حديث ~~بعده يؤمنون }؛ معناه: إن لم يؤمنوا بهذا القرآن مع وضوح ~~دلالته فبأي حديث بعده يؤمنون، وليس بعده كتاب منزل ولا ~~نبي مرسل. ### || [7.186] # قوله تعالى: { من يضلل الله فلا هادي له }؛ ~~إليه، وقوله تعالى: { ويذرهم في طغيانهم يعمهون }؛ أي ~~وندعهم في مجاوزتهم الحد في كفرهم يتجرأون فلا يرجعون إلى ~~الحق، ومن قرأ (ونذرهم) بالنون وضم الراء فهو على الاستئناف، ~~وتقرأ (ونذرهم) بالجزم عطفا على موضع الفاء، والمعنى: من ~~يضلل الله يذره في طغيانه عامها. ### || [7.187] # قوله تعالى: { يسألونك عن الساعة أيان ~~مرسها }؛ قال الحسن وقتادة: (سألت قريش رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: متى الساعة التي تخوفنا بها؟ فأنزل ~~الله هذه الآية)، ومعناها: { يسألونك عن الساعة } أي ~~أوان قيامها ومتى مثبتها، يقال: رسي الشيء يرسو إذا ~~ثبت، ومنه الجبال الراسيات؛ أي الثابتات، والمرسى: ~~مستقر الشيء الثقيل، وقال ابن عباس: (سألت اليهود ~~محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا له: أخبرنا عن ~~الساعة إن كنت نبيا فإنا نعلم متى هي، فأنزل ~~الله هذه الآية). # قوله تعالى: { قل إنما علمها عند ربي لا ~~يجليها لوقتهآ إلا هو }؛ أي علم قيامها عند الله ~~سبحانه، ما لي بها من علم، ms0886 { لا يجليها لوقتهآ إلا هو ~~} أي لا يكشفها ويظهرها لحينها إلا الله عز وجل، وقال ~~مجاهد: (أي لا يأتي بها إلا هو)، وقال السدي: (لا ~~يرسلها لوقتها إلا هو). ووجه الامتناع عن الإجابة عن ~~بيان وقتها، أن العباد إذا لم يعرفوا وقت قيامها كانوا على حذر ~~من ذلك، فيكون ذلك أدعى إلى الطاعة وأزجر عن المعصية. # وقوله تعالى: { ثقلت في السموت والأرض }؛ قال الحسن: ~~(ثقل وضعها على أهل السماوات والأرض من ~~انتثار النجوم وتكوير الشمس وتسيير الجبال). وقال ~~قتادة: (ثقلت على السماوات والأرض لا تطيقها ~~لعظمها). وقال السدي: (ثقل علمها على أهل السماوات ~~والأرض فلم يطيقوا إدراكها وكل شيء خفي فقد ~~ثقل، ولا يعلم قيامها ملك مقرب ولا نبي ~~مرسل). # قوله تعالى: { لا تأتيكم إلا بغتة }؛ أي فجأة ~~لا يعلمون وقت قيامها، فتقوم والرجل يسقي ماشيته، والرجل يصلح ~~حوضه، والرجل يقيم سلعته في سوقه، والرجل يخفض ميزانه ~~ويرفعه، والرجل يهوي بلقمته في فمه، فما يدرك أن يضعها في ~~فمه. # قوله تعالى: { يسألونك كأنك حفي عنها }؛ قال ~~الضحاك ومجاهد: (معناه كأنك عالم بها)، وقال ابن عباس: ~~(هذا على تقديم وتأخير، معناه: { يسألونك كأنك ~~حفي عنها } أي بار لطيف بهم من قوله: # إنه كان بي حفيا # [مريم: 47]، وقيل: معناه كأنك فرح بمسألتهم إياك، ~~وقيل: معناه: كأنك حاكم بها، يقال: تحافينا إلى فلان؛ أي ~~تخاصمنا إليه، والحافي هو الحاكم. # قوله تعالى: { قل إنما علمها عند الله }؛ الفائدة ~~في إعادته رد المعلومات كلها إلى الله، فيكون التكرار على وجه ~~التأكيد، وقيل: أراد بالأول علم وقتها، وبالثاني علم كنهها. ~~قوله تعالى: { ولكن أكثر الناس لا يعلمون }؛ ~~أنها كائنة وأن علمها عند الله، وفي الآية دلالة على بطلان ~~قول من يدعي العلم بمدة الدنيا، ويستدل بما روي أن الدنيا ~~سبعة آلاف سنة؛ لأنه لو كان كذلك كان قيام الساعة معلوما، وأما قوله ~~صلى الله عليه وسلم: # " بعثت أنا والساعة كهاتين " # وأشار إلى السبابة والوسطى، فمعناه تقريب الوقت لا ~~تحديده كما قال تعالى: # فقد جآء أشراطها # [محمد: ms0887 18] أي بعث النبي صلى الله عليه وسلم من أشراطها. ### || [7.188] # قوله تعالى: { قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا ~~إلا ما شآء الله }؛ قال ابن عباس: (وذلك أن أهل ~~مكة قالوا: يا محمد ألا يخبرك ربك بالسعر ~~الرخيص قبل أن يغلوا فنشتريه ونربح فيه، ~~وبالأرض التي تريد أن تجدب فنرتحل عنها إلى ما ~~أخصب، فأنزل الله هذه الآية). ومعناها: قل يا محمد ~~لا أقدر على نفع أجره إلى نفسي، ولا على ضر أدفعه عن نفسي ~~إلا ما شاء الله أن يملكني بالتمكين من ذلك. # قوله تعالى: { ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت ~~من الخير }؛ أي لو كنت أعلم جدوبة الأرض وقحط المطر ~~لادخرت من السنة المخصبة للسنة الجدبة، { وما مسني ~~السوء }؛ الفقر. وقيل: معناه: لو كنت أعلم متى أموت لبادرت ~~بالأعمال الصالحة قبل اقتراب الأجل، فلم أشتغل بغيرها ولا بي ~~جنون ولا آفة كما يقولون. # وقيل: معناه: لو كنت أعلم متى الساعة لبادرت بالجواب عن ~~سؤالكم، فإن المبادرة إلى جواب السائل تكون استكثارا من الخير وما ~~مسني التكذيب منكم. وقوله تعالى: { إن أنا إلا نذير ~~وبشير }؛ أي ما أنا إلا معلم بموضع المخافة ليتقى ~~ولموضع الأمن ليختار، { لقوم يؤمنون }؛ بالبعث. ### || [7.189-190] # قوله تعالى: { هو الذي خلقكم من نفس واحدة ~~}؛ أي نفس آدم، { وجعل منها زوجها }؛ أي خلق حواء من ~~ضلع من أضلاعه، { ليسكن إليها }؛ أي ليطمئن إليها ~~ويستأنس بها ويأوي إليها لقضاء حاجته منها، { فلما تغشاها }؛ ~~أي جامعها، { حملت }؛ ماءه، { حملا خفيفا فمرت به ~~}؛ فاستمرت بذلك الماء؛ أي قامت وقعدت كما كانت تفعل قبل وهي لا ~~تدري أنه حبل أم لا، ولم تكترث بحملها، يدل عليه قراءة ابن ~~عباس: (فاستمرت به). وقال قتادة: (معنى { فمرت به } ~~استبان حملها) وقرأ يحيى بن يعمر: (فمرت به) مخففا من ~~المرية؛ أي شكت أحملت أم لا. # قوله تعالى: { فلمآ أثقلت دعوا الله ربهما ~~}؛ أي لما كبر الولد في بطنها وتحرك وصارت ذات ثقل بحملها ~~وشق عليها القيام، أتاها إبليس في صورة رجل، فقال: يا حواء ms0888 ما ~~هذا في بطنك؟ قالت: ما أدري، قال: إني أخاف أن يكون بهيمة، وذلك ~~أول ما حملت، فقالت ذلك لآدم عليه السلام، فلم يزالا في هم من ~~ذلك. # ثم عاد إبليس إليها فقال: يا حواء أنا من الله بمنزلة! فإن ~~دعوت الله ربي إنسانا تسميه بي؟ قالت: نعم، قال: فإني أدعو ~~الله، وكانت هي وآدم يدعوان الله، { لئن آتيتنا صالحا }؛ ~~ولدا حسن الخلق صحيح الجوارح مثلنا، { لنكونن من ~~الشاكرين }؛ لك في هذه النعمة، { فلمآ آتاهما صالحا }؛ ~~سويا صحيحا أتاها إبليس فقال لها: عهدي! قالت: ما اسمك؟ قال: ~~الحرث ولو سمى نفسه فقال عزرائيل لعرفته، ولكنه تسمى بغير ~~اسمه فسمته: عبد الحرث، ورضي آدم فعاش الولد أياما حتى مات. # وهذا لا يصح؛ لأن حواء وإن لم تكن نبية فهي زوجة نبي، ~~وفي الآية ما يدل على ذلك؛ لأن الله تعالى قال: { جعلا له ~~شركآء فيمآ آتاهما }؛ ومثل هذه القبائح لا يصح إضافتها إلى ~~الأنبياء، ولأن الله تعالى قال: { فتعالى الله عما ~~يشركون }؛ ولأن الواحد منا لو أتاه من يبعثه على أن ~~يسمي ولده عبد شمس أو عبد العزى أو نحو هذا، لم يقبل ~~ذلك، ولو أمكنه أن يعاقبه على ذلك فعل، فكيف يجوز مثل هذا على ~~آدم؟ وقد رفع الله قدره بالنبوة. # وقال الحسن: (معناه: إن الله خلق حواء من ضلع آدم ~~وجعلها سكنا له، وكذلك حال الخلق مع أزواجهم، ~~كأنه قال: وجعل من كل نفس زوجها، كما قال في ~~آية أخرى # ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا # [الروم: 21]. # قال الحسن: (انقضت قصة آدم عند قوله { ليسكن ~~إليها } ثم أخبر الله عن بعض خلقه أنه تغشى ~~زوجته فحملت حملا خفيفا فمرت به، فلما ~~أثقلها ما في بطنها دعوا الله ربهما لئن آتيتنا ~~صالحا لنشكرنك، فلما آتاهما صالحا جعلا له ~~شركاء بعملهما الذي عملاه بأن هوداه أو ~~نصراه أو مجساه؛ أي علماه شيئا من الأديان ~~الخبيثة التي يدعو إليها إبليس، ولهذا أعظم الله ~~شأنه في آخر الآية فقال (فتعالى الله ms0889 عما ~~يشركون)، ولو كان المراد بالآية آدم وحواء ~~لقال: عما يشركان). # يقال: إن حواء كانت تلد في كل بطن ذكرا وأنثى، ويقال: ولدت ~~لآدم في خمسمائة بطن ألف ولد. # وقرئ (جعلا له شركا) بكسر الشين على المصدر، وكان من حقه ~~أن يقال على هذه القراءة جعلا لغيره شركا؛ لأنهما لا ينكران ~~أن الأصل لله، ويجوز أن يكون معناه: جعلا له ذا شرك فحذف كما ~~في قوله: # وسئل القرية # [يوسف: 82] أي أهل القرية. ### || [7.191] # قوله تعالى: { أيشركون ما لا يخلق شيئا }؛ معناه ~~أيشركون في العبادة ما لا يقدر على خلق شيء يستحق به العبادة، ~~لأن الخلق هو الذي يدل على الله، والله تعالى إنما يستحق ~~العبادة على الخلق لخلقه أصول النعم التي لا يقدر عليها أحد ~~سواه، مثل الحياة والسمع والبصر والعقل، فإذا لم تقدر الأصنام على ~~خلق شيء لم تحسن عبادتها. قوله تعالى: { وهم يخلقون }؛ ~~معناه: الأصنام مخلوقة منحوتة، وقيل: أراد به الأصنام والعابدين ~~جميعا. ### || [7.192] # قوله تعالى: { ولا يستطيعون لهم نصرا }؛ أي لا ~~يستطيع الأصنام دفع ضر عنهم، ولا جلب نفع إليهم، { ولآ ~~أنفسهم ينصرون } ، ولا أن تنصر نفسها بأن تدفع عن نفسها ~~من أرادها بسوء. فإن قيل: كيف قال: ولا أنفسهم على لفظ من ~~يعقل والأصنام موات؟ قيل: لأن الكفار كانوا يصورون منها على ~~صورة من يعقل، ويجرونها مجرى من يعقل، فأجرى عليها لفظ ما ~~قدروا ما هم عليه. ### || [7.193] # قوله عز وجل: { وإن تدعوهم إلى الهدى لا ~~يتبعوكم }؛ أي إن تدعوا الأصنام إلى الهدى لم تقبل الهدى، ~~فإنها لا تهدي غيرها، ولا تهتدي بأنفسها ولا ترد جوابا، وإن ~~دعت إلى الهدى { سوآء عليكم أدعوتموهم أم أنتم ~~صمتون } أم صمتم عنهم لا يتبعوكم. ### || [7.194] # قوله تعالى: { إن الذين تدعون من دون الله ~~عباد أمثالكم }؛ أراد الأصنام مملوكة مخلوقة أشباهكم، ~~سماها عبادا لأنهم صوروها على صورة الإنسان، وقوله تعالى: { ~~فادعوهم }؛ ليس هو الدعاء الأول، ولكن أراد فادعوهم في ~~مهماتكم عند الحاجة إلى كشف الأسواء عنكم. # وقوله تعالى: { فليستجيبوا لكم ms0890 }؛ أي صيغته صيغة أمر، ~~ومعناه التعجيز؛ أي فليستجيبوا لكم، { إن كنتم صادقين }؛ ~~في أنها آلهة. ### || [7.195] # قوله تعالى: { ألهم أرجل يمشون بهآ أم لهم أيد ~~يبطشون بهآ أم لهم أعين يبصرون بهآ أم لهم ~~آذان يسمعون بها قل ادعوا شركآءكم ثم كيدون ~~فلا تنظرون }؛ معناه: إن معبودي ينصرني ويدفع كيد الكائدين ~~عني، ومعبودكم لا يقدر على نصركم، فإن قدرتم أنتم على ضر ~~فاجتمعوا أنتم مع الأصنام على كيد ولا تؤجلوني. # وهذا لأنهم كانوا يخوفون النبي صلى الله عليه وسلم بآلهتهم، ~~عرف الله الكفار بهذه الآية أنهم مفضلون على الأصنام؛ لأن لهم ~~جوارح يتصرفون بها وليس للأصنام ذلك، فكيف يعبدون من هم أفضل ~~منهم؟! فالعجب من أنفسهم عن اتباع النبي صلى الله عليه وسلم مع ما ~~أيده الله به من الآيات والمعجزات والدلائل الظاهرة؛ لأنه بشر ~~مثلهم، ولم يأنفوا من عبادة حجر لا قدرة له ولا تصرف، وهم ~~أفضل منه في القدرة على التصرف. ### || [7.196] # قوله تعالى: { إن وليي الله الذي نزل ~~الكتاب }؛ معناه: يتولى حفظهم، ويكلؤني ويتولى أمري الذي ~~أنعم علي بإنزال القرآن، { وهو يتولى الصالحين }؛ أي ~~يتولى حفظهم، لا يكلهم إلى غيره ولا تضرهم عداوة من عاداهم. ### || [7.197] # وقوله تعالى: { والذين تدعون من دونه لا يستطيعون ~~نصركم ولا أنفسهم ينصرون }؛ الآية قد تقدم تفسيره. ### || [7.198] # قوله تعالى: { وإن تدعوهم إلى الهدى لا ~~يسمعوا }؛ أي كما أنها لا تهدي غيرها فلا تسمع الهدى، { ~~وترهم ينظرون إليك }؛ يا محمد فاتحة أعينهم نحوكم ~~يعني الأصنام ينظرون إليك، { وهم لا يبصرون }؛ وذلك أنهم ~~كانوا يصورونها فيجعلون لها أعينا وآذانا وأرجلا، فإذا نظر ~~الناظر اليها خيل إليه أنها تنظر إليه وهي لا تبصر، أو كانوا ~~يلطخون أفواه الأصنام بالخلوف والعسل، وكانت الذباب يجتمعن ~~عليها، فلا تقدر على دفع الذباب عن أنفسها. # وقال بعضهم: معناه: وتراهم كأنهم ينظرون إليك كقوله تعالى: # وترى الناس سكارى وما هم بسكارى # [الحج: 2] أي كأنهم سكارى، وقال مقاتل: (معنى قوله { وإن ~~تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا } أي إن تدعوا يا ms0891 ~~محمد أنت والمؤمنون كفار مكة إلى الهدى لا ~~يسمعوا، { وترهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون ~~} الهدى). ### || [7.199] # قوله تعالى: { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض ~~عن الجاهلين }؛ قال ابن عباس والسدي: (معناه: خذ ~~الفضل من أموالهم كما قال تعالى: # ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو # [البقرة: 219] وهذا إنما كان قبل فرض الزكاة، فصار ~~منسوخا بالزكاة). وقال الحسن ومجاهد: (خذ العفو من ~~أخلاق الناس في القضاء والاقتضاء وقبول عذرهم ~~وحسن المعاملة معهم وما يسهل عليهم). # وأصل العفو الترك من قوله تعالى: # فمن عفي له من أخيه شيء # [البقرة: 178] أي ترك، والعفو عن الذنب ترك العقوبة. ويقال: معنى ~~العفو المساهلة في الأمور، يقال: خذ ما أتاك عفوا؛ أي ~~سهلا. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أنه سأل جبريل عن هذه الآية فقال: حتى ~~أسأل، فذهب جبريل فقال: " يا محمد؛ إن الله ~~يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، ~~وتعفو من ظلمك " ". # قوله تعالى: { وأمر بالعرف } أي بالمعروف الذي تعرف ~~العقلاء صحته، وقال عطاء: (يعني لا إله إلا الله). وقوله ~~تعالى: { وأعرض عن الجاهلين } أي عن أبي جهل وأصحابه، ~~نسختها آية السيف. ومعنى الإعراض عنهم؛ أي أعرض عنهم بعد ~~إقامة الحجة عليهم، ووقوع الإياس عن قبولهم، ولا تقابلهم ~~بالسفه ولا تجاوبهم استخفافا بهم وصيانة لقدرك، فإن مجاوبة ~~السفيه تضع القدر. ### || [7.200] # قوله تعالى: { وإما ينزغنك من الشيطن نزغ ~~فاستعذ بالله }؛ معناه: إما يغرينك بالوسوسة عند ~~الغضب فالتجئ إلى الله واستغث به، { إنه سميع }؛ ~~لدعائك، { عليم }؛ بك، والنزغ هو الإزعاج بالحركة إلى ~~الشر. ### || [7.201] # قوله تعالى: { إن الذين اتقوا إذا مسهم ~~طائف من الشيطان تذكروا }؛ معناه: إن الذين اتقوا ~~الشرك والمعاصي إذا مسهم وسوسة من الشيطان بإلقاء خواطر الشر ~~عليهم، فرغوا إلى تذكر ما أوضح الله من الحجة، { فإذا هم ~~مبصرون }؛ عواقب أمورهم، يرجعون من الهوى إلى الهدى. # قرأ النخعي وابن كثير وأبو عمرو والكسائي (طيف)، وقرأ الباقون ~~(طايف) وهما لغتان وقيل: الطائف ما يطوف حول الشيء، ~~والطيف: الوسوسة والخطرة، وقيل: الطائف ما طاف به ms0892 من ~~الوسوسة، والطيف اللمز والمس. وقرأ سعيد بن جبير (طيف) ~~بالتشديد، وقال الكلبي: (طائف من الشيطان: ذنب)، وقال ~~مجاهد: (الغضب)، وعن مجاهد: (هو الرجل يهم بالذنب ~~فيذكر الله فيدعه)، وقال السدي: (معنأه: إذا ~~أذنبوا تابوا). ### || [7.202] # قوله تعالى: { وإخوانهم يمدونهم في الغي }؛ ~~أي وإخوان المشركين وهم الشياطين يدعونهم إلى المعاصي والجهل، ~~يقال لكل كافر أخ من الشياطين يمده في الغي. وقرأ نافع ~~(يمدونهم) بضم الياء وكسر الميم وهما لغتان. قوله ~~تعالى: { ثم لا يقصرون }؛ أي لا يقصر إخوان المشركين من ~~الوسوسة؛ لأنهم إذا علموا قبولهم لقولهم زادوا في إغوائهم، ~~وزاد الكفار في طاعتهم لهم، فلا يقصرون كما يقصر المتقون. # وقيل: معنى قوله تعالى: { وإخوانهم يمدونهم في ~~الغي } يعني إخوان الشياطين وهم الضلال يمدون المشركين ~~في الغي. قرأ الجحدري (يمادونهم)، وقرأ عيسى (ثم لا ~~يقصرون) بفتح الياء وضم الصاد. ### || [7.203] # قوله تعالى: { وإذا لم تأتهم بآية قالوا لولا ~~اجتبيتها }؛ معناه: وإذا لم تأتهم يا محمد بالآية التي ~~سألوكها تعنتا قالوا: هلا طلبتها من الله فتأتينا بها. ~~وقيل: معناه: هلا أتيت بها من تلقاء نفسك؟ قال الحسن: ~~(كانوا إذا جاءتهم آية كذبوا بها، وإذا أبطأت ~~عليهم التمسوها). # وقوله تعالى: { قل إنمآ أتبع ما يوحى إلي من ~~ربي هذا بصآئر من ربكم }؛ أي قل لهم: ليست الآيات ~~إلي، ولكن الله يوحي بها علي ما يعلم من المصلحة، وليس لي ~~أن أسأله إنزالها إلا إذا أذن لي في سؤالها. هذا القرآن ~~بصائر من ربكم، { وهدى ورحمة }؛ أي حجج من ربكم وهدى من ~~الضلالة ونجاة من العذاب، { لقوم يؤمنون }؛ يصدقون ~~أنه من الله. ### || [7.204] # قوله تعالى: { وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا لعلكم ترحمون } قال ابن عباس وابن مسعود ~~وأبو هريرة وسعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والزهري: (إن هذه ~~الآية نزلت في الصلاة). عن أبي العالية الرباحي قال: ~~(كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى، قرأ أصحابه ~~خلفه حتى نزلت هذه الآية، فسكت القوم)، وقال ~~بعضهم: المراد بالآية وقت نزول القرآن، أمرهم الله ms0893 بالاستماع ~~والإنصات. # وقال الزجاج: (يحتمل أن يكون معنى الاستماع العمل ~~بما فيه)، وعن ابن عباس قال: (كان المسلمون قبل ~~نزول هذه الآية يتكلمون في الصلاة ويأمرون ~~بحوائجهم، ويجيء الرجل إلى الرجل فيقول له: ~~كم صليتم؟ فيقول كذا، فأنزل الله هذه الآية). ~~والقول الأول أصح وأقرب إلى ظاهر الآية؛ لأنه ليس في الآية ~~تخصيص زمان دون زمان، ولا يجب على القوم الإنصات لقراءة من ~~يقرأ في غير الصلاة. ### || [7.205] # قوله تعالى: { واذكر ربك في نفسك تضرعا ~~وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال }؛ ~~يجوز أن يكون الخطاب في هذه الآية للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~والمراد به جميع الخلق، ويجوز أن يكون المعنى: واذكر ربك ~~أيها المستمع للقرآن إذا تلي عليك. # وقوله تعالى: { في نفسك } يعني التفكر في النفس والتعرض ~~لنعم الله مع العلم بأنه لا يقدر عليها أحد سواه، وأنه متى شاء ~~سلبها منه. والمراد بقوله: { ودون الجهر } المتكلم بذكر ~~الله على وجه الخيفة بالتضرع إليه والمخافة منه، ولأن أفضل ~~الدعاء ما كان خفيا على إخلاص وخضوع لا يشوبه رياء وسمعة. ~~وقوله تعالى { في نفسك } إشارة إلى الإخلاص. # وقيل: المراد بقوله: { واذكر ربك في نفسك } الذكر ~~بالكلام الخفي وبقوله: { ودون الجهر } إظهار الكلام بالصوت ~~العالي. وقال ابن عباس: (معنى { واذكر ربك } يعني القراءة ~~في الصلاة { تضرعا } أي جهرا { وخيفة } أي سرا { ~~ودون الجهر من القول } أي دون رفع الصوت في ~~خفض وسكون سمع من خلفك القرآن). # وقال أهل المعاني: { واذكر ربك في نفسك } أي اتعظ ~~بالقرآن واعتبر بآياته، واذكر ربك في ما يأمرك بالطاعة { ~~تضرعا } أي تواضعا وتخشعا { وخيفة } أي خيفة من ~~عقابه. وقال مجاهد: (أمر أن يذكر في الصدور، وأمر ~~بالتضرع والاستكانة، ويكره رفع الصوت ~~والنداء والصياح في الدعاء). # قوله تعالى: { بالغدو والآصال } أي صلاة الغداة ~~والمغرب والعشاء، والأصيل في اللغة: ما بين العصر إلى الليل، وجمعه ~~أصل، ثم آصال جمع الجمع، ثم أصائل. وقيل: يعني { ~~بالغدو والآصال }: البكر والعشاة. وقوله تعالى: { ولا ~~تكن من الغافلين }؛ زيادة تحريض على ms0894 ذكر الله عز ~~وجل؛ كي لا يغفل الإنسان عن ذلك في أوقات العبادة. ### || [7.206] # قوله تعالى: { إن الذين عند ربك لا ~~يستكبرون عن عبادته ويسبحونه } معناه: أن ~~الملائكة المقربين الذين أكرمهم الله لا يتعظمون عن طاعته إن ~~استكبرتم أنتم فهم أفضل منكم، وهم الملائكة لا يستكبرون عن عبادته ~~وينزهونه عن ما لا يليق به، { وله يسجدون }؛ أي ~~يصلون فيخرون له سجدا في صلاتهم. وقوله تعالى: { عند ~~ربك } يريد قربهم من الفضل والرحمة لا من حيث المكان ~~والمسافة. # وعن معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " كان جبريل عليه السلام إذا أقبل بشيء من القرآن ~~فيه سجود قرأ ثم يخر ساجدا ويأمرني بذلك، ~~ثم يقول: يا محمد واجب عليك وعلى أمتك " # وعن إبراهيم قال: (من قرأ آخر الأعراف إن شاء ركع وإن ~~شاء سجد). وعن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " من قرأ سورة الأعراف جعل الله بينه وبين ~~النار سترا يوم القيامة، وكان آدم شفيعا له " ### | [8 - سورة الأنفال] ### || [8.1] # { يسألونك عن الأنفال }؛ أي عن الغنائم، { قل ~~الأنفال }؛ الغنائم؛ { لله والرسول }؛ الإضافة للغنائم إلى ~~الله على جهة التشريف، والإضافة إلى الرسول لأنه كان بيان حكمها ~~وتدبيرها إليه؛ لأن الغنائم كانت كلها له كما قال صلى الله عليه ~~وسلم في وبرة أخذها سنام بعير من الفيء: # " والله ما يحل لي من فيئكم إلا الخمس، ~~والخمس مردود فيكم ". # وقيل: لما سألوه عن الغنائم؛ لأنها كانت حراما على من ~~قبلهم، كما قال عليه السلام: # " لم تحل الغنائم لقوم سود الرؤوس قبلكم، ~~كانت تنزل نار من السماء فتأكلها " # وإنما سميت الغنائم أنفالا؛ لأن الأنفال جمع النفل، والنفل ~~الزيادة، والأنفال مما زاده الله هذه الأمة من الحلال، ~~والنافلة من الصلاة ما زاد على الفرض، ويقال لولد الولد: نافلة؛ ~~لأنه زيادة على الولد. # وعن ابن عباس في سبب نزول هذه الآية: (أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم رغب أصحابه يوم بدر فقال: # " من قتل قتيلا ms0895 فله كذا، ومن جاء بأسير فله كذا ~~" # فلما هزم الله المشركين سارع الشباب، وأقبلوا ~~بالأسارى، وأقام الشيوخ عند الرايات مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم مخافة أن يغتاله أحد من ~~المشركين، فوقع الاختلاف بينهم في استحقاق ~~الغنيمة، فقال الذين ثبتوا مع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: قيامنا أفضل من ذهابهم، فلو أعطيتهم ما ~~وعدتهم لم يبق لنا ولا لعامة أصحابك شيء. ~~وقال الآخرون: نحن قتلنا وأسرنا. وكان ذلك ~~مراجعة بينهم ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا ~~يقول شيئا، فأنزل الله هذه الآية). # ومعناها يسألونك عن الأنفال لمن هي، ويجوز أن يكون (عن) صلة في ~~الكلام، والمعنى يسألونك الأنفال التي وعدتهم يوم بدر، قل ~~الأنفال لله والرسول ليس لكم فيها شيء. قال عبادة بن الصامت: ~~(لما اختلفنا في غنائم بدر وساءت أخلاقنا، ~~نزعها الله من أيدينا وجعلها إلى رسوله وقسمها ~~بيننا على سواء). وقيل: إن التنفيل المذكور في هذه ~~الآية لرواية غلط وقع من الراوي؛ لأنه لا يجوز على النبي صلى ~~الله عليه وسلم خلف الوعد واسترجاع ما جعله لأحد منهم، ~~والصحيح: أنهم اختلفوا في الغنائم من غير تنفيل كان من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: { فاتقوا الله ~~وأصلحوا ذات بينكم }؛ أي اتقوا معاصيه واحذروا ~~مخالفة أمره وأمر رسوله، (وأصلحوا ذات بينكم) أي كونوا ~~مجتمعين على ما يأمركم به الله ورسوله، { وأطيعوا الله ~~ورسوله }؛ في الغنائم وغيرها، { إن كنتم مؤمنين } ، كما ~~تزعمون. ### || [8.2-3] # قوله تعالى: { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر ~~الله وجلت قلوبهم }؛ معناه: إن صفتهم إذا ذكر الله ~~عندهم فزعت قلوبهم عند الموعظة. والوجل: هو الخوف مع شدة ~~الحزن، والمعنى ليس المؤمن الذي يخالف الله ورسوله (إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم). ~~قوله تعالى: { وإذا تليت عليهم ءايته }؛ أي ~~قرئت عليهم آياته بالأمر والنهي، { زادتهم إيمنا } ، ~~يقينا وبصيرة بالفرائض مع تصديقهم بالله { وعلى ربهم ~~يتوكلون }؛ أي يفوضون أمورهم إلى الله لا يثقون ~~بغيره. # ثم زاد في نعت المؤمنين فقال: { الذين يقيمون ms0896 الصلاة ~~}؛ أي يقيمونها بوضوئها وركوعها وسجودها في مواقيتها، { ومما ~~رزقناهم }؛ أعطيناهم من الأموال، { ينفقون } ، في طاعة ~~الله، وإنما خص الله الصلاة والزكاة؛ لعظم شأنهما وتأكيد ~~أمرهما. ### || [8.4] # قوله تعالى: { أولئك هم المؤمنون حقا }؛ أي ~~أهل هذه الصفة الذين تقدم ذكرهم الذين استحقوا هذه الصفة ~~صدقا، { لهم درجات عند ربهم }؛ أي لهم فضائل ومنازل ~~في الرفعة في الآخرة على قدر أعمالهم، { ومغفرة }؛ لذنوبهم؛ ~~{ ورزق }؛ وثواب حسن، { كريم }؛ في الجنة. ### || [8.5-6] # قوله تعالى: { كمآ أخرجك ربك من بيتك بالحق ~~}؛ وذلك # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن عير قريش ~~أقبلت من الشام، وفيهم أبو سفيان ومخرمة بن نوفل في أربعين ~~رجلا من قريش تجارا، فقال عليه السلام لأصحابه: " هذه عير ~~قريش قد أقبلت، فاخرجوا إليها، فلعل الله أن ~~ينفلكموها فتنتفعوا بها على عدوكم " # فيعدوا على نواضحهم ومعهم فارسان لا غير؛ أحدهما الزبير ~~والآخر المقداد، فخرجوا بغير قوة ولا سلاح، وهم ثلاثمائة وثلاثة ~~عشر رجلا لا يرون أنه يكون قتال. # فبلغ ذلك أبو سفيان، فأرسل من الطريق ضمضم بن عمرو الغفاري ~~يخبر أهل مكة أن محمدا قد اعترض لعيركم فأدركوها. فنزل ~~جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بنفر ~~المشركين يريدون عيرهم، وقال: [يا محمد إن الله يعدك ~~إحدى الطائفتين، إما العير وإما العسكر] فأخبر ~~بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين فسروا بذلك وأعجبهم، ~~فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم حين عرف أنهم لا ~~يخالفونه، فقالوا له: (والله لو أمرتنا أن نخوض ~~البحر لخضناه) ثم أخبرهم أن في المشركين كثرة فشق على ~~بعضهم وقالوا: ألا كنت أخبرتنا أنه يكون قتال، ~~فنخرج سلاحنا وقوتنا، إنما خرجنا في ثيابنا ~~نريد العير. فأنزل الله هذه الآية وهم بالروحاء. # ومعناها: امض على وجهك من الروحاء (كما أخرجك ربك من ~~بيتك) أي من المدينة (بالحق) أي الأمر الواجب، { وإن ~~فريقا من المؤمنين لكارهون }؛ يعني كراهة الطبع ~~للمشقة لا كراهة الحق، وقيل معناه: { يجادلونك في ~~الحق }؛ متكرهين له كما أخرجك ms0897 ربك من بيتك مع تكرهك ~~له، ومعنى يجادلونك أي يخاصمونك بقولهم: هلا أعلمتنا ~~القتال حتى كنا نستعد له، { بعد ما تبين }؛ أي بعد ما ظهر ~~لهم أنك لا تصنع إلا ما أمرك ربك. قوله تعالى: { كأنما ~~يساقون إلى الموت }؛ أي هم بما عليهم من شدة المشقة ~~لقلة عددهم وعدتهم، وكثرة عدوهم كأنما يساقون إلى ~~الموت، { وهم ينظرون }؛ إلى أسباب الموت. ### || [8.7-8] # قوله تعالى: { وإذ يعدكم الله إحدى ~~الطائفتين أنها لكم }؛ إما العير وإما العسكر أنها ~~لكم، { وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم }؛ ~~وتمنون أن تكون لكم العير دون العسكر، لأن العسكر ذات شوكة وهي ~~السلاح، { ويريد الله أن يحق الحق بكلماته }؛ أي ~~يظهر الإسلام بوعده الذي أنزل في الفرقان، ويقال: بأمره لكم ~~بالقتال، { ويقطع دابر الكافرين }؛ أي يظهركم على ذات ~~الشوكة فتستأصلوهم، { ليحق الحق ويبطل الباطل }؛ ~~بإهلاك، { ولو كره المجرمون }؛ مشركو مكة. ### || [8.9] # قوله تعالى: { إذ تستغيثون ربكم فاستجاب ~~لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين }؛ ~~معناه: إذ تستغيثون أيها المسلمون ربكم حين رأيتم قلة ~~عددكم وكثرة عدوكم، فلم يكن لكم مفزع إلا الدعاء لله وطلب ~~المعونة منه { فاستجاب لكم } أي أجابكم، والاستجابة ~~التعطية على موافقة المسألة. # وقوله تعالى: { أني ممدكم بألف من الملائكة ~~مردفين } قال ابن عباس: (كان مع كل ملك ملك فكان ~~جملتهم ألفين). يقال: ردفت الرجل؛ إذا ركبت خلفه، ~~وأردفته إذا أركبته خلفك. وقال عكرمة وقتادة والضحاك: ~~(معناه: بألف من الملائكة متتابعين يتبع ~~بعضهم بعضا)، وقد يجوز أن يقال: أردفت الرجل إذا جاء ~~بعده، وكذلك ردفه. وأما قراءة نافع (مردفين) بفتح الدال ~~فمعناه: أردفهم الله بالمؤمنين، ويقال: أردفته وردفته ~~بمعنى تبعته، قال الشاعر: # إذا الجوزاء أردفت الثريا # ظننت بآل فاطمة الظنونا # أي جاءت بعدها؛ لأن الجوزاء تطلع بعد الثريا. # فنزل جبريل في خمسمائة ملك على الميمنة، ونزل ميكائيل ~~في خمسمائة ملك على الميسرة في صورة الرجال عليهم ثياب ~~بيض وعمائم بيض. ### || [8.10] # قوله تعالى: { وما جعله الله إلا بشرى }؛ أي ما ~~جعل الله إمداد الملائكة إلا ms0898 بشارة بالنصر للمؤمنين، وقيل: ~~معناه: ما جعل الله إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بإمداد ~~الملائكة إلا بشرى بالنصر. # وقوله تعالى: { ولتطمئن به قلوبكم }؛ أي ولتسكن ~~قلوبكم في الحرب فلا تخافون من عدوكم. قوله تعالى: { وما ~~النصر إلا من عند الله }؛ أي ليس النصر بقلة العدد ~~ولا بكثرته ولا من قبل الملائكة، ولكن النصر من عند الله، { إن ~~الله عزيز }؛ بالنقمة ممن عصى، { حكيم } ، في أفعاله. # وقد اختلفوا هل قاتلت الملائكة يوم بدر مع المؤمنين أم لا؟ قال ~~بعضهم: لم يقاتلوا ولكن الله أيد المؤمنين ليشجع بهم ~~قلوبهم، ويلقي بهم الرعب في قلوب الكافرين، ولو بعثهم الله ~~بالمحاربة لكان يكفي ملك واحد، فإن جبريل أهلك بريشة ~~واحدة سبعا من قرى قوم لوط، وأهلك بصيحة واحدة جميع بلاد ~~ثمود. وهذا القول أقرب إلى ظاهر الآية. # وقال بعضهم: إن الملائكة قاتلت ذلك اليوم؛ لأنه روي أن أبا ~~جهل قال لابن مسعود: من أين كان ذلك الضرب الذي ~~كنا نسمع ولا نرى شخصا؟ فقال له: (من ~~الملائكة) فقال أبو جهل: هم غلبونا لا أنتم! ### || [8.11] # قوله تعالى: { إذ يغشيكم النعاس أمنة منه }؛ ~~قال جماعة من المفسرين: # " وذلك أنه لما أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم بالمسير ~~إلى الكفار، سار بمن معه حتى إذا كان قريبا من بدر لقي ~~رجلين في الطريق، فسألهما: " هل مرت بكما العير؟ " قالا: ~~نعم مرت بنا ليلا، وكان بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عشرة من المسلمين، فأخذوا الرجلين، وكان أحدهما عبد العباس بن ~~عبد المطلب يقال له أبو رافع، والآخر عبدا لعقبة بن أبي معيط ~~يقال له أسلم كانا يسقيان الماء، فجاؤا بهما إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، واستخلى بأبي رافع ودفع أسلم إلى أصحابه ~~يسألونه، فقال صلى الله عليه وسلم لأبي رافع: " من خرج من ~~أهل مكة؟ " فقال: ما بقي أحد إلا وقد خرج، فقال صلى الله ~~عليه وسلم: " أتت مكة اليوم بأفلاذ كبدها " ثم قال: ~~" هل رجع منهم أحد؟ " قال: نعم؛ ms0899 أبي بن شريف في ~~ثلاثمائة من بني زهرة، وكان خرج لمكان العير، فلما أقبلت العير ~~رجع، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الأخنس حين خنس ~~بقومه، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم ~~يسألون أسلم، وكان يقول لهم: خرج فلان وفلان، وأبو بكر رضي ~~الله عنه يضربه بالعصا ويقول له: كذبت بخبر الناس، فقال صلى الله ~~عليه وسلم: " إن صدقكم ضربتموه، وإن كذبكم ~~تركتموه " فعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عرف ~~أمرهم ". # فساروا حتى نزلوا بدرا بجانب الوادي على غير ماء، ونزل المشركون ~~على جانبه الأقصى على الماء، والوادي بينهما فباتوا ليلتهم تلك، ~~فألقى الله على المسلمين النوم فناموا، ثم استيقظوا وقد ~~أجنبوا وليس معهم ماء، فأتاهم الشيطان فوسوس إليهم وقال: لهم ~~تزعمون أنكم على دين الله وأنتم مجنبون تصلون على ~~الجنابة، والمشركون على الماء. # فأمطر الله الوادي وكان ذا رمل تغيب فيه الأقدام، فاشتد الرمل ~~وتلبدت بذلك أرضهم وأوحل أرض عدوهم، وبنى المسلمون في مكانهم ~~حياضا واغتسلوا من الجنابة وشربوا وسقوا دوابهم وتهيأوا ~~للقتال، فذلك قوله تعالى: { إذ يغشيكم النعاس ~~أمنة منه } أي واذكروا إذ يلقي الله عليكم النعاس، ~~والنعاس: أول النوم قبل أن يثقل. وقوله تعالى: { أمنة ~~منه } أي أمنا من الله منهم بوعد النصر أمنا حتى غشيهم ~~النعاس في حال الاستعداد للقتال. قال ابن عباس: (النعاس عند ~~القتال أمن من الله، وفي الصلاة من الشيطان). # قرأ ابن كثير وأبو عمرو (يغشاكم) واحتجا بقوله تعالى: # يغشى طآئفة منكم # [آل عمران: 154] فجعل الفعل للنعاس. # وقرأ نافع (يغشيكم) على أن الفعل لله تعالى ليكون مطابقا ~~لقوله: (وينزل عليكم من السماء ماء) واحتج بقوله ~~تعالى: # كأنما أغشيت وجوههم # [يونس: 27]. وقرأ الحسن وأبو رجاء وعكرمة وأهل الكوفة وابن عامر ~~ويعقوب (يغشيكم) بالتشديد لقوله تعالى: # فغشاها ما غشى # [النجم: 54]. # قوله تعالى: { وينزل عليكم من السمآء مآء ~~ليطهركم به }؛ يعني المطر ليطهركم به من الجنابة ~~والحدث، { ويذهب عنكم رجز الشيطان }؛ وسوسة ~~الشيطان التي كان وسوس إليكم ms0900 بأن عدوكم قد غلب على الماء، ~~وأنكم في مكان تسوح أقدامكم في الرمل. ويقال: أراد بالرجز ~~الجنابة التي أصابتهم بالاحتلام، فإن الاحتلام إنما يكون من ~~وسوسة الشيطان. # وقرأ سعيد بن المسيب (ليظهركم) بالظاء من أظهركم الله. ~~وقرأ ابن محيصن (رجز) بضم الراء. وقرأ أبو العالية (رجس ~~الشيطان) بالسين، والعرب تعاقب بين السين والزاي فتقول: ~~بزق وبسق، والسراط والزراط. # قوله تعالى: { وليربط على قلوبكم }؛ أي وليشد ~~على قلوبكم بالصبر، ويشجعكم على القتال. وقيل: معناه: ~~وليربط على قلوبكم بالصبر والمطر. قوله تعالى: { ويثبت ~~به الأقدام }؛ أي ويثبت بالمطر الأقدام حتى لا تسوح في ~~الرمل. وقيل: معناه: ويثبت بالبصيرة وقوة القلب الأقدام؛ ~~لأن الأقدام إنما تثبت في الحرب بقوة القلب. ### || [8.12] # قوله تعالى: { إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني ~~معكم }؛ إذ يلهم ربك الملائكة النازلين من السماء { أني ~~معكم } بالنصر للمسلمين، { فثبتوا الذين آمنوا }؛ ~~بالتنبيه والإخطار بالبال، ويقال: بشروهم بالنصر، ~~وقيل: أروهم أنفسكم مددا لهم فإذا عاينوكم ثبتوا. ~~والوحي: إلقاء المعنى الى النفس من وجه خفي. # وعن ابن عباس أنه قال: (سوى أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم صفوفهم، وقدموا راياتهم فوضعوها ~~مواضعها، فوقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على بعير ~~له يدعو الله ويستغيث، فهبط جبريل عليه السلام في ~~خمسمائة على ميمنتهم وميكائيل في خمسمائة ~~على ميسرتهم، فكان الملك يأتي الرجل من ~~المسلمين على صورة رجل ويقول له: دنوت من ~~عسكر المشركين فسمعتهم يقولون: والله لإن ~~حملوا علينا لا نثبت لهم أبدا. # وألقى الله في قلوب الكفرة الرعب بعد قيامهم ~~للصف، فقال عتبة بن ربيعة: يا محمد أخرج ~~إلينا أكفاءنا من قريش نقاتلهم. فقام إليهم ~~بنو عفراء من الأنصار: عوذ ومعوذ ومعاذا أمهم ~~عفراء وأبوهم الحارث، فمشوا إليهم فقالوا لهم: ~~ارجعوا وأرسلوا إلينا أكفاءنا من بني هاشم، ~~فخرج إليهم علي وحمزة وعبيدة بن الحارث، ~~قال علي: فمشيت إلى الوليد بن عتبة ومشى ~~إلي، فضربته بالسيف أطرت يده، ثم بركت ~~عليه فقتلته، فقام شيبة بن ربيعة إلى عبيدة ~~بن الحارث فاختلفا ms0901 بضربتين، ثم ضرب عبيدة ~~ضربة أخرى فقطع ساق شيبة، ثم قام حمزة إلى ~~عبيدة بن ربيعة فقال: أنا أسد الله وأسد رسوله، ثم ~~ضربه حمزة فقتله. فقام أبو جهل في أصحابه ~~يحرضهم ويقول: لا يهولنكم ما لقي هؤلاء، ~~فإنهم عجلوا واستحمقوا، ثم حمل هو بنفسه، ~~ثم حمل المسلمون كلهم على قريش فهزموهم). # قوله تعالى: { سألقي في قلوب الذين كفروا ~~الرعب }؛ أي سأقذف في قلوبهم المخافة منكم. علم الله المسلمين ~~كيف يضربونهم، فقال عز وجل: { فاضربوا فوق الأعناق ~~}؛ معناه على الأعناق، وقال عطية والضحاك: (معناه فاضربوا ~~الأعناق)، كقوله تعالى: # فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب # [محمد: 4]، وقال صلى الله عليه وسلم: # " إني لم أبعث لأعذب بعذاب الله تعالى، إنما ~~بعثت بضرب الرقاب وشد الوثاق ". # وقال بعضهم { فوق } بمعنى (على)، أي فاضربوا على الأعناق، ~~وقال عكرمة: (معناه فاضربوا الرؤوس). وقال ابن عباس: ~~(فاضربوا الأعناق فما فوقها) يعني الرؤوس والأعناق، ~~نظيره قوله تعالى: # فإن كن نسآء فوق اثنتين # [النساء: 11] أي اثنتين فما فوقهما، وإنما أمر الله تعالى بضرب ~~الرقاب والأعناق؛ لأن أعلى جلدة العنق هو المقتل. قوله ~~تعالى: { واضربوا منهم كل بنان }؛ قال عطية: ~~(يعني كل مفصل)، وقال ابن عباس والضحاك: (يعني ~~الأطراف). # وقال بعضهم معنى قوله تعالى: { فاضربوا فوق الأعناق } ~~الصناديد، وقوله تعالى: { واضربوا منهم كل بنان } ~~يعني السفلة. إلا أن الأول أصح. وقيل: معناه: واضربوا ~~منهم كل عضو أمكنكم، وليس عليكم توقي عضو دون عضو. # وعن أبي سعيد الفاراني أنه كان يقول: (أراد الله أن لا ~~تتلطخ سيوف المسلمين بفرث الكفار، فأمرهم ~~أن يضربوا فوق الأعناق ويضربوا منهم كل ~~بنان). والبنان في اللغة: هو الأصابع وغيرها من الأعضاء التي ~~بها يكون قوام الإنسان صونا لمكانه وحياته، مأخوذ من قولهم: ~~أبنن الرجل بالمقام إذا أقام به. ### || [8.13] # قوله تعالى: { ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله ~~}؛ أي ذلك الضرب والقتل بأنهم شاقوا أولياء الله ورسوله، ~~والمشاقة أن يصير أحد العدوين في شق والآخر في شق آخر، ~~كما أن المجادلة أن يصير أحدهما في حد ms0902 غير حد الآخر. ~~وقوله تعالى: { ومن يشاقق الله ورسوله }؛ في ومن ~~يخالف أولياء الله، { فإن الله شديد العقاب } ، له. # وأما إظهار التضعيف في موضع الجزم في قوله { يشاقق } فهو لغة ~~أهل الحجاز، وغيرهم يدغم أحد الحرفين في الآخر لاجتماعهما من جنس ~~واحد، كما قال تعالى في سورة الحشر # ومن يشآق الله # [الآية: 4] بقاف واحدة. ### || [8.14] # وقوله تعالى: { ذلكم فذوقوه }؛ معناه: إن الذي ذكرت لكم ~~أيها الكفار من العذاب العاجل في الدنيا فذوقوه. ثم بين جل ~~ذكره أن القتل في الدنيا لا يصير كفارة لهم، وأن الله ~~سيعاقبهم في الآخرة بقوله: { وأن للكافرين عذاب النار ~~} ، وإنما قال تعالى في عذاب الدنيا { فذوقوه }؛ لأن الذوق ~~يتناول اليسير من الشيء، وكل ما يلقى الكفار من ضرب أو قتل في ~~الدنيا فهو قليل من العذاب يعجل لهم، ومعظم عذابهم يؤخر ~~إلى يوم القيامة. # قوله تعالى: { وأن للكافرين عذاب النار } في ~~فتح (أن) وجهان أحدهما: لأنها في موضع الرفع تقديره ذلكم ~~فذوقوه وذلكم أن للكافرين. والثاني: لأنها في موضع النصب؛ ~~تقديره: ذلكم فذوقوه واعلموا أن للكافرين. وقيل: ~~واعلموا بأن للكافرين، فلما حذف الباء نصب. ### || [8.15] # قوله تعالى: { يآأيها الذين آمنوا إذا لقيتم ~~الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار }؛ خطاب من ~~الله للمسلمين حين التقوا بالعدو يوم بدر، معناه: إذا لقيتم ~~الذين كفروا مزاحفة مستعدين لحربهم، فلا تنهزموا حتى ~~تدبروا. والزحف في اللغة: هو الدنو قليلا قليلا، والزحف ~~التداني، يقال: زاحفت القوم إذا ثبت لهم، فكأنه قال تعالى: ~~إذا واقعتموهم للقتال فاثبتوا لهم. والتولية: جعل الشيء ~~يلي غيره وهو متعد إلى مفعولين، وولى دبره إذا ~~جعله إليه. ### || [8.16] # قوله تعالى: { ومن يولهم يومئذ دبره }؛ أي ومن ~~يجعل ظهره إليهم وقت القتال، { إلا متحرفا لقتال }؛ ~~إلا أن ينحرف ليقاتل في موضع يراه أصلح في باب المحاربة، ~~وليطلب غرة يطمع فيها من العدو. قوله تعالى: { أو ~~متحيزا إلى فئة }؛ أي إلا أن يقصد الانضمام إلى جماعة ~~يمنعونه من العدو، يعني إذا كثر العدو للمؤمنين فيه يلجأون، ~~فيحاربون العدو ms0903 بعد ذلك معهم؛ كان لهم ترك القتال عند ذلك، ومن ~~ولاهم الدبر على سبيل الانهزام من غير هذين الوجهين، { ~~فقد بآء بغضب من الله } ، فقد احتمل غضبا من الله، ~~{ ومأواه }؛ في الآخرة { جهنم وبئس المصير } ، صار ~~إليه. # والتحرف في اللغة: هو الزوال من جهة الاستواء، ~~والتحيز: طلب حيز يكمن فيه. # واختلف العلماء هل الوعيد في هذه الآية مقصور على حرب بدر أم هو ~~عام في جميع الأوقات؟ قال بعضهم: إنه خاص في حرب بدر؛ لأنه لم يكن ~~يومئذ للمسلمين فيه سواهم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حاضرا ~~في ذلك الحرب، وكان النصر موعودا إليه يومئذ ومع حضوره، وكان لا ~~يعد غيره فئة، وكان المنهزم عن القتال يومئذ غير متحيز إلى ~~فئة، فأما اليوم المنهزم عن الحرب يكون متحيزا إلى فئة أعظم ~~من المحاربين من المسلمين. وقال بعضهم: إنه عام في جميع الأوقات، ~~ولا يجوز الانهزام عن قتال المشركين مع قوة القتال، وإلى هذا ذهب ~~ابن عباس، وذكر محمد بن الحسن في السير الكبير (أن الجيش ~~إذا بلغوا اثنى عشر ألفا فليس لهم أن يفروا من ~~عدوهم وإن كثر العدو). واحتج بما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " خير الأصحاب أربعة، وخير السرايا أربعمائة، ~~وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ~~من قلة ". ### || [8.17] # قوله عز وجل: { فلم تقتلوهم ولكن الله ~~قتلهم }؛ معناه: لم تقتلوهم يوم بدر بأنفسكم، ولكن الله ~~قتلهم بالملائكة. وأضاف الله قتلهم إلى نفسه؛ لأن السبب في ~~قتلهم كان من الله تعالى، فإنه هو الذي أيد المؤمنين بالملائكة ~~حتى شجع قلوبهم، وأنزل المطر حتى ثبت به الأقدام، وألقى في ~~قلوب المشركين الرعب حتى انهزموا. وقيل: كان المسلمون يقولون ~~قتلنا فلانا وفلانا. فأراد الله تعالى أن لا يعجبوا ~~بأنفسهم. # قوله تعالى: { وما رميت إذ رميت ولكن الله ~~رمى }؛ معناه: روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه: " ~~ناولني كفا من تراب الوادي " فناوله قبضة، ~~فاستقبل بها وجوه المشركين فرماهم وقال: ms0904 " ~~شاهت الوجوه وقبحت " فملأ الله أعينهم بها، فلم ~~يبق فيهم أحد إلا وقد شغل بعينه، فحمل ~~عليهم المسلمون فهزموهم " # فذلك قوله تعالى: { وما رميت إذ رميت } أعلم الله ~~أن كفا من التراب لا يملأ عيون ذلك الجيش برمية بشر؛ لأنه ~~تعالى تولى إيصال ذلك إلى أبصارهم من الموضع الذي كان فيه النبي ~~صلى الله عليه وسلم حتى أصاب عين كل واحد منهم قسط من ذلك ~~التراب. # قوله تعالى: { وليبلي المؤمنين منه بلاء ~~حسنا }؛ أي ولينعم على المؤمنين بالنصر والغنيمة والأسارى ~~نعمة حسنة. وقوله تعالى: { إن الله سميع عليم } ، أي سميع ~~لدعائكم، عليم بأفعالكم وضمائركم. ### || [8.18] # قوله عز وجل: { ذلكم وأن الله موهن كيد ~~الكافرين }؛ أي ذلكم الذي ذكرت من القتل والرمي والإبلاء ~~الحسن، { وأن الله } أي واعلموا أن الله، وفي فتح (أن) ~~من الوجوه مثل ما في قوله: # وأن للكافرين عذاب النار # [الأنفال: 14] وقد بيناه. وقوله تعالى: { موهن كيد ~~الكافرين } أي مضعف كيدهم. قرأ أهل الكوفة إلا حفصا وابن ~~يعقوب وابن عامر (موهن) بالتخفيف، (كيد) بالنصب، وقرأ الحسن ~~والأعمش وحفص (موهن كيد) مخففا مضافا بالخبر طلبا للخفة ~~كقوله: # مرسلوا الناقة # [القمر: 27] # كاشفو العذاب # [الدخان: 15]. ### || [8.19] # قوله تعالى: { إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح ~~}؛ هذا خطاب للكافرين، وذلك أن أبا جهل قال يوم بدر قبل ~~القتال لهم: اللهم انصر أعز الجندين وأكرم الفئتين ~~وخير الدينين، اللهم أينا اقطع للرحم وأفسد للجماعة ~~فأحنه اليوم. فاستجاب الله دعاءه على نفسه، فأتاه بالفتح ~~فضربه إبنا عفراء عوف ومعاذ وأجهز عليه ابن مسعود. # وقال السدي والكلبي: (كان المشركون حين خرجوا إلى ~~بدر، تعلقوا بأستار الكعبة، وقالوا: اللهم ~~انصر أعلى الجندين وأهدى الفئتين وأكرم ~~الحزبين وأفضل الدينين، اللهم أي الفئتين ~~أحب إليك فانصرهم، اللهم اقض بيننا وبينهم. ~~فأنزل الله هذه الآية، إن تستنصروا فقد جاءكم ~~النصر، فنصر محمد صلى الله عليه وسلم). وقال عكرمة: (قال ~~المشركون: اللهم لا نعرف ما جاء به محمد، ~~فافتح بيننا وبينه بالحق. فأنزل الله هذه ~~الآية { إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح } أي ms0905 إن ~~تستحكموا فقد جاءكم الحكم، وإن تستقضوا فقد ~~جاءكم القضاء). # وقوله تعالى: { وإن تنتهوا فهو خير لكم }؛ أي وإن ~~تنتهوا عن الشرك والمعاصي فهو خير، { وإن تعودوا }؛ إلى ~~القتال؛ { نعد }؛ بأن نأمر المسلمين بجهادكم وننصرهم عليكم. ~~وقال بعضهم: هذه الآية خطاب للمؤمنين؛ أي استنصروا الله ~~واسألوه الفتح فقد جاءكم الفتح والنصر، وإن تنتهوا عن فعلكم ~~في الأسارى والفداء يوم بدر فهو خير لكم، وإن تعودوا إلى فعلكم ~~بالأسارى نعد إلى الإنكار عليكم، { ولن تغني عنكم ~~فئتكم شيئا }؛ أي وإن سلب عنكم النصر حتى لا تغني عنكم ~~جماعتكم شيئا، { ولو كثرت }؛ في العدد. قوله تعالى: { ~~وأن الله مع المؤمنين }؛ قرأ نافع وابن عامر بخفض (إن) ~~وبفتح (أن) بمعنى ولأن الله، وقيل: عطف على قوله # وأن الله موهن كيد الكافرين # [الأنفال: 18]، وقيل: على معنى واعلموا أن الله، وقرأ الباقون ~~(وإن الله) بالكسر على الابتداء، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم؛ لأن ~~قراءة عبد الله: (وإن الله لمع المؤمنين) بالنصر ~~والمعونة. ### || [8.20] # قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا أطيعوا ~~الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون }؛ ~~أي أطيعوا الله ورسوله في أمر الغنيمة وغيرها، ولا تولوا عن ~~أمر الله، وأنتم تسمعون ما أنزل الله تعالى، وقال الحسن: (معناه ~~وأنتم تسمعون الحجة في وجوب طاعة الله وطاعة ~~رسوله). # وأما تخصيص المؤمنين بالأمر لهم بالطاعة وإن كانت هذه الطاعة ~~واجبة على غير المؤمنين كوجوبها على المؤمنين، فلأحد معنيين: إما ~~إجلالا لهم ورفعا لقدرهم فيدخل غيرهم في الخطاب على جهة التبع ~~لهم، وإما لأنه لم يعتد بغير المؤمنين؛ لإعراضهم عما وجب عليهم. ### || [8.21] # قوله تعالى: { ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا ~~وهم لا يسمعون }؛ أي لا تكونوا كالذين قالوا سمعنا على جهة ~~القبول، وهم لا يسمعون للقبول، وإنما سمعوا به للرد والإعراض ~~عنه، ويقال: معناه: ولا تكونوا كالذين قالوا قبلنا وهم لا ~~يقبلون، ومنه قوله (سمع الله لمن حمده) أي قبل الله ~~حمد من حمده. واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية، قال ابن جريج: ~~(نزلت في المنافقين) وقال الحسن: ms0906 (في أهل الكتاب). ~~ويقال: في مشركي العرب. ### || [8.22] # قوله عز وجل: { إن شر الدواب عند الله ~~الصم البكم الذين لا يعقلون }؛ معناه: أن شر ~~الخليقة على وجه الأرض الكفار الذين لا يسمعون الهدى، ولا ~~يتكلمون بالخير، ولا يتدبرون القرآن. وسماهم صما بكما؛ ~~لأنهم لم ينتفعوا بما سمعوا من دلائل الله تعالى، قال الأخفش: ~~(كل محتاج إلى غذاء فهو دابة). ومعنى الآية: إن شر ~~ما دب على وجه الأرض من خلق الله تعالى الصم البكم عن الحق، ~~فهم لا يسمعونه ولا يعقلونه. وقيل: صم القلوب وعميها، قال ~~الله تعالى: # فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب ~~التي في الصدور # [الحج: 46]. ### || [8.23] # قوله تعالى: { ولو علم الله فيهم خيرا ~~لأسمعهم }؛ أي لو علم الله فيهم أنهم يصلحون بما نورده ~~عليهم من الحجة بآياته لأسمعهم إياها. وقيل: ~~لأسمعهم جواب كل ما سألوه عنه، { ولو أسمعهم ~~لتولوا }؛ ولو بين لهم كل ما يختلج في أنفسهم لتولوا عن ~~الهدى، { وهم معرضون } ، لمعاندتهم. ### || [8.24] # قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا استجيبوا ~~لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم }؛ معناه: ~~أجيبوا الله والرسول. وقيل: معنى الإجابة طلب الموافقة للداعي ~~على وجه الطاعة. وقيل: الجمع بين الاستجابة لله وللرسول؛ أي ~~استجيبوا لله بسرائركم وللرسول بظواهركم. # وقوله تعالى: { إذا دعاكم لما يحييكم } أي إذا دعاكم إلى ~~العلم الذي يحييكم في أمر الدين. وقيل: معناه: إذا دعاكم إلى ~~الجهاد الذي يحيي أمركم. وقيل: إذا دعاكم إلى ما يكون سببا ~~للحياة الدائمة في نعيم الآخرة؛ لأنه إذا حصل الامتثال بأمر الله ~~ورسوله، حصلت هذه الحياة الدائمة، وإن لم يحصل الامتثال أدى ذلك ~~إلى العقاب الذي يتمنى معه الموت. قال القتيبي: (معنى قوله ~~تعالى: { لما يحييكم } يعني الشهادة؛ لأن الله ~~تعالى قال في الشهداء # بل أحياء عند ربهم يرزقون # [آل عمران: 169]). واللام في قوله (لما) بمعنى (إلى). # قوله تعالى: { واعلموا أن الله يحول بين ~~المرء وقلبه }؛ فيه ثلاثة أقوال؛ أحدها: أن معناه: يحول ~~بين المرء وأمله بالموت أو غيره من الآفات، فبادروا إلى ms0907 الطاعات ~~قبل الحيلولة، ودعوا التسويف فإن الأجل يحول دون الأمل. ~~وقال مجاهد: (يحول بين المرء وقلبه لا يتركه ~~يفهم ولا يعقل). # والثاني: أن معناه: أن الله تعالى أقرب إلى ذي القلب من قلبه، ~~فإن الذي يحول بين الشيء وغيره أقرب إلى ذلك الشيء من غيره، ~~كما قال تعالى: # ونحن أقرب إليه من حبل الوريد # [ق: 16]، وفي هذا تحذير شديد. # والثالث أن معناه: أن الله يقلب القلوب من حال إلى حال كما ~~جاء في الدعاء: # " يا مقلب القلوب " # وقال ابن جبير: (يحول بين الكافر أن يؤمن، وبين ~~المؤمن أن يكفر). وقال ابن عباس والضحاك: (يحول بين ~~المؤمن ومعصيته، ويحول بين الكافر وطاعته). ~~وقال السدي: (يحول بين المرء وقلبه، فلا يستطيع ~~أن يؤمن، ولا يستطيع أن يكفر إلا بإذنه). # قرأ الحسن: (يحول بين المر) بتشديد الراء من غير همز، وقرأ ~~الزهري بضم الميم والهمزة وهي لغات صحيحة. # وقوله تعالى: { وأنه إليه تحشرون }؛ عطف على قوله: { ~~أن الله يحول بين المرء وقلبه }. معناه: واعلموا ~~أن محشركم في الآخرة إلى الله، فيجزي كل عامل بما عمل، ~~إن كان خيرا فخير، وإن كان شرا فشر. # وقيل: في آخر الآية تأويل الآية؛ أي الذي يحول بين المرء ~~وقلبه قادر على أن يبدل خوفكم أمنا، وأمن عدوكم خوفا، ~~فيجعل القوي ضعيفا والضعيف قويا، والعزيز ذليلا والذليل ~~عزيزا، والشجاع جبانا، والجبان شجاعا، يفعل ما يشاء وما ~~يريد فأجيبوا الرسول في الجهاد ولا تخافوا ضعفكم. ### || [8.25] # قوله عز وجل: { واتقوا فتنة لا تصيبن ~~الذين ظلموا منكم خآصة }؛ نزلت في عثمان وعلي رضي ~~الله عنهما، أخبر الله النبي صلى الله عليه وسلم بالفتنة التي ~~تكون تسببها أنها ستكون بعدك يلقاها أصحابك تصيب الظالم ~~والمظلوم، ولا تكون بالظلمة وحدهم خاصة ولكنها عامة، وأخبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بذلك أصحابه، فكان بعد وفاة النبي صلى ~~الله عليه وسلم من الفتن بسبب علي وعثمان ما لا يخفى على أحد. # قوله تعالى: { لا تصيبن } جواب الأمر بلفظ النهي، كما ~~يقال: أنزل من الدابة ms0908 لا تطرحك أو لا تطرحنك، معناه: ~~أن تنزل عنها لا تطرحنك، فاذا أثبت النون الخفيفة والثقيلة ~~كان آكد للكلام، ومنه قوله تعالى: # ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده # [النمل: 18]. # والمراد بالفتنة القتل الذي ركب الناس فيه بالظلم، وكان أمر ~~الله أمرا باتقاء ترك الإنكار على أهل المعاصي واتقاء الاختلاط ~~بأهل المعصية، قال ابن عباس: (أمر الله المؤمنين أن لا ~~يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمهم الله ~~بالعذاب). # قوله تعالى: { واعلموا أن الله شديد العقاب ~~}؛ تحذير شدة العقوبة لمن أهاج الفتن، قال صلى الله عليه وسلم: # " الفتنة راتعة في بلاد الله واضعة خطامها، ~~فالويل لمن أهاجها " # ، وفي بعض الأخبار: # " الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها ". ### || [8.26] # قوله تعالى: { واذكروا إذ أنتم قليل ~~مستضعفون في الأرض }؛ نزلت في المهاجرين خاصة؛ أي ~~احفظوا معشر المهاجرين إذ أنتم قليلون في العدة مقهورون في أرض ~~مكة، { تخافون أن يتخطفكم الناس }؛ أي يختلسكم ~~ويذهب بكم أهل مكة، { فآواكم وأيدكم بنصره ~~ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون }؛ فآواكم إلى ~~المدينة وأعانكم يوم بدر بالملائكة، ورزقكم الحلال من الغنائم؛ ~~لكي تشكروا الله وتعرفوا ذلك منه فتطيعوه. ### || [8.27] # قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا لا ~~تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم ~~وأنتم تعلمون }؛ نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر، # " فإن بني قريظة قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ابعث ~~لنا خليفة من خلفائك ننزل على حكمه، فأبى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن ينزلوا إلا على حكم سعد بن معاذ، ~~وكانوا يقولون: أرسل إلينا أبا لبابة، وكان عياله وولده وأهله ~~عندهم، فبعثه النبي صلى الله عليه وسلم إليهم، فقالوا: يا أبا ~~لبابة أننزل على حكم سعد بن معاذ، فأشار بيده إلى حلقه؛ أي ~~إنه الذبح فلا تفعلوا، ولم يتكلم بلسانه، فأنزل الله ~~هذه الآية، قال أبو لبابة: (فما زالت قدماي من مكانهما ~~حتى علمت أني خنت الله ورسوله). فذلك قوله ~~تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله ~~والرسول } كما فعل أبو لبابة. # فلما نزلت هذه الآية شد أبو لبابة ms0909 نفسه على سارية من ~~سواري المسجد، وقال (لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى ~~أموت، أو يتوب الله علي) فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها ~~طعاما ولا شرابا حتى خر مغشيا عليه، ثم تاب الله عليه، ~~فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فحله بيده، فقال أبو لبابة: ~~(تمام توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها ~~الذنب، وأن أتخلع من مالي) فقال صلى الله عليه وسلم: " ~~يجزيك الثلث أن تتصدق به " ". # وقال ابن عباس: (معنى الآية: لا تخونوا الله بترك ~~فرائضه، والرسول بترك سنته). { وتخونوا ~~أماناتكم } أي ولا تخونوا أماناتكم، انتصب على الظرف؛ أي ~~إنكم إن فعلتم ذلك فإنما خنتم أماناتكم عطفا. # ويقال: أراد بقوله: { لا تخونوا الله } الخيانة من الغنائم ~~التي هي عطية الله، والخيانة لله فيها خيانة الرسول أيضا؛ لأنه ~~هو القيم بقسمتها، وقوله: { وتخونوا أماناتكم } ~~يحتمل الخيانة في الغنائم أيضا؛ لأنهم كلهم مشتركون فيها، ~~فمن استبد بشيء منها فقد خان، ويحتمل الخيانة في أثمان بعض ~~الناس بعضا من حقوق أنفسهم، وقال الأخفش: (قوله تعالى: { ~~وتخونوا أماناتكم } عطفا على ما قبله من ~~النهي، تقديره: ولا تخونوا أماناتكم). ### || [8.28] # قوله تعالى: { واعلموا أنمآ أموالكم ~~وأولادكم فتنة }؛ معناه: أن الإنسان ربما يترك الجهاد ~~ويخون في الأمانات لأجل الأولاد أو حرصا على المال، وقد ~~روينا أن أبا لبابة إنما حمله على ما فعل ماله وأهله ~~وولده الذين كانوا في بني قريظة، لأنه إنما ناصحهم لأجلهم وخان ~~المسلمين بسببهم. # قوله تعالى: { وأن الله عنده أجر عظيم }؛ أي ~~ثواب جسيم في الآخرة لمن لم يعص الله لأجل المال والذرية. ### || [8.29] # قوله عز وجل: { يأيها الذين ءامنوا إن ~~تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم ~~سيئاتكم ويغفر لكم }؛ أي إن تتقوا الله في الأمانات، ~~فتمتنعوا من معاصيه بأداء فرائضه يجعل لكم نورا في قلوبكم ~~تفرقون به بين الحق والباطل. وقيل: يجعل لكم فتحا ونصرا، ~~كما قال تعالى: # يوم الفرقان يوم التقى الجمعان # [الأنفال: 41] أراد به يوم عز المؤمنين وخذلان الكافرين. # وقيل: معناه يجعل لكم ms0910 مخرجا ونجاة في الدنيا والآخرة. ~~وقال الضحاك: (فرقانا: أي ثباتا). قوله تعالى: { ~~ويكفر عنكم سيئاتكم } أي يمح عنكم ذنوبكم، ويستر ~~عليكم خطاياكم ولا يؤاخذكم بها، { والله ذو الفضل ~~العظيم }؛ أي عظيم الفضل على عباده أسدى لهم بالنعم. ### || [8.30] # قوله تعالى: { وإذ يمكر بك الذين كفروا ~~ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك } ذكر الله نبيه ~~صلى الله عليه وسلم فعقب ما أنعم الله عليه من النصر والظفر يوم بدر وما ~~كان من مكر المشركين في أمره بمكة فقال: { وإذ يمكر بك ~~الذين كفروا } أي اذكر تلك الحالة. # قال ابن عباس: (وذلك أن رؤساء قريش اجتمعوا في ~~دار الندوة يمكرون برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويحتالون له، منهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة؛ ~~وأبو جهل؛ وأبو سفيان؛ والنضر بن الحارث؛ وأبو ~~البحتري بن هشام؛ ونبيه ومنبه؛ وأبي بن خلف ~~وربيعة بن الأسود، فدخل عليهم إبليس في صورة ~~شيخ كبير عليه ثياب أطمار، فجلس بينهم ~~فقالوا: ما لك يا شيخ دخلت في خلوتنا بغير ~~إذننا؟! فقال: أنا رجل من أهل نجد قدمت مكة، ~~فأراكم حسنة وجوهكم طيبة روائحكم، فأحببت ~~أن أسمع حديثكم فأقتبس منكم خيرا فدخلت، وإن ~~كرهتم مجلسي خرجت، وما جئتكم إلا أني سمعت ~~باجتماعكم فأردت أن أحضر معكم، ولن تعدموا ~~مني رأيا ونصحا. فقالوا: هذا رجل لا بأس عليكم ~~منه. # فتكلموا فيما بينهم، فبدأ عمرو بن هشام ~~فقال: أما أنا فأرى أن تأخذوا محمدا، فتجعلوه ~~في بيت تسدون عليه بابه؛ وتشدون عليه ~~وثاقه؛ وتجعلون له كوة تدخلون عليه طعامه ~~وشرابه، فيكون محبوسا عندكم إلى أن يموت. فقال ~~إبليس: بئس ما رأيت! تعمدون إلى رجل له فيكم ~~أهل بيت، وقد سمع به من حولكم فتحبسوه، يوشك ~~أن يقاتلكم أهل بيته ويفسدوا عليكم ~~جماعتكم فقالوا صدق والله الشيخ. # ثم تكلم أبو البختري فقال: أرى أن تحملوه ~~على بعير فتشدوا وثاقه عليه، ثم تخرجوه من ~~أرضكم حتى يموت أو يذهب حيث يشاء. فقال ~~إبليس: بئس الرأي ما رأيت! تعمدون إلى رجل له ~~فيكم أهل بيت، ms0911 وقد سمع به من حولكم أفسد ~~عليكم جماعتكم ومعه منكم طائفة، فتخرجونه ~~إلى غيركم فيأتيهم فيفسد منهم أيضا جماعة بما ~~يرون من حلاوة كلامه وطلاقة لسانه، ويجتمع ~~عليه العرب وتستمع إلى حسن حديثه، ثم ~~ليأتينكم بهم فيخرجوكم من دياركم ويقتل ~~أشرافكم. فقالوا: صدق والله الشيخ. # فتكلم أبو جهل فقال: أرى أن تجتمع من كل ~~بطن منكم رجل يأخذون السيوف، فيضربونه ~~جميعا ضربة رجل واحد، فإذا قتلتموه تفرق دمه ~~في القبائل كلها، فلا يدري قومه من يأخذون ~~ولا يقومون على حرب قريش كلها، وإنما إذا رأوا ~~ذلك قبلوا الدية، فتؤدي قريش ديته واسترحنا. ~~فقال إبليس: صدق والله الشاب، وهو أجودكم رأيا، ~~القول قوله لا أرى غيره. فتفرقوا على ذلك. # فنزل جبريل عليه السلام فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بذلك، وأمره أن لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت ~~فيه، وأمره بالهجرة إلى المدينة) وكان من أمر ~~الغار ما كان، فذلك قوله { وإذ يمكر بك الذين ~~كفروا ليثبتوك } أي ليحبسوك، وهو ما قاله عمرو بن هشام. # ويقال: معنى (ليثبتوك) أي يعتدوك أو يخرجوك. قوله ~~تعالى: { أو يقتلوك } ظاهر، وهو ما قاله أبو جهل، وقوله: { ~~أو يخرجوك } أي من بين أظهرهم إلى غيرهم، وهو ما قاله أبو ~~البحتري بن هشام. # قوله تعالى: { ويمكرون ويمكر الله والله ~~خير الماكرين }؛ أي يريدون بك الشر والهلاك، { ويمكر ~~الله } أي يريد قتلهم ببدر مجازاة لهم على فعلهم وسوء ~~صنعهم. قوله تعالى: { والله خير الماكرين } أي ~~أفضل الصانعين وأقوى المدبرين؛ لأنه لا يمكر إلا بحق وصواب، ~~ومكرهم باطل وظلم. ### || [8.31] # قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا ~~قد سمعنا لو نشآء لقلنا مثل هذا إن هذآ ~~إلا أساطير الأولين }؛ يعني النضر بن الحارث، وذلك أنه ~~كان يختلف تاجرا إلى فارس والحيرة، فيسمع سجع أهلها ~~وذكرهم أخبار العجم وغيرهم من الأمم، ويمر باليهود ~~والنصارى فيراهم يقرأون التوراة والإنجيل، فجاء مكة فوجد ~~محمدا يقرأ القرآن، فقال: (قد سمعنا لو نشاء لقلنا ~~مثل هذا إن هذا إلا أساطير الأولين) أي ms0912 أخبار الأمم ~~الماضية وأسماؤهم. وكان النضر يقول: إن هذا الذي يحدثكم به ~~محمد ما هو إلا مثل ما أحدثكم به من أحاديث الأولين، وكان ~~النضر كثير الحديث عن الأمم الخالية. ### || [8.32] # قوله عز وجل: { وإذ قالوا اللهم إن كان ~~هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة ~~من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم }؛ نزلت في النضر ~~بن الحارث أيضا، قال: لو شئت لقلت مثل هذا، إن هذا إلا أساطير ~~الأولين في كتبهم، ثم قال: اللهم إن كان هذا الذي يقوله ~~محمد هو الحق من عندك، فأمطر علينا حجارة من السماء، كما ~~أمطرتها على قوم لوط، أو ائتنا ببعض ما عذبت به الأمم فيه، ~~فنزل # سأل سآئل بعذاب واقع * للكافرين # [المعارج: 1-2] وكان النضر من بني عبد الدار. # ومعنى الآية: واذكر يا محمد إذا قالوا: اللهم... وأنت ~~بين أظهرهم بمكة، فلم يعذبهم الله حينئذ وعذبهم من بعد، ~~فأسر النضر يوم بدر وقتل صبرا، وكان الذي أسره المقداد بن ~~الأسود. وقوله تعالى: { هو الحق من عندك } عنادا وتوكيدا ~~وصلة في الكلام، و { الحق } نصب بخبر كان. ### || [8.33] # قوله تعالى: { وما كان الله ليعذبهم وأنت ~~فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون }؛ ~~قال ابن عباس: (قال الحارث بن عامر بن نوفل: يا ~~محمد، والله إنك فينا لصادق ولا نتهمك، ~~ولكنا متى نؤمن بك غزانا العرب، فنزل { وما ~~كان الله ليعذبهم وأنت فيهم } ) أي مقيما بين ~~أظهرهم، ولم تعذب أمة قط ونبيها بين أظهرها حتى يخرج منها. ~~{ وما كان الله معذبهم } أي وما كان الله ليسلط ~~عليهم عدوهم { وهم يستغفرون } أي يصلون. ### || [8.34] # قوله تعالى: { وما لهم ألا يعذبهم الله وهم ~~يصدون عن المسجد الحرام }؛ يعني عذاب الآخرة، وعن ~~عبدالرحمن بن أبزي قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بمكة، فنزل # وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم # [الأنفال: 33] فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ~~المدينة فنزل # وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون # [الأنفال: 33] وكان من المسلمين بقية بمكة لم ~~يهاجروا، وكانوا ms0913 يستغفرون الله ويصلون، فلما ~~خرج كفار مكة إلى حرب بدر، ونزل قوله { وما ~~لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد ~~الحرام } أي يمنعون المؤمنين عنه فعذبهم الله ~~يوم بدر). # قوله تعالى: { وما كانوا أوليآءه }؛ أي ما كان ~~الكفار أولياء المسجد الحرام، قال الحسن: (وذلك أنهم ~~كانوا يقولون: نحن أولياء المسجد الحرام، فرد ~~الله ذلك عليهم). وقيل: معناه: وما كانوا أولياء الله. ~~وقوله تعالى: { إن أوليآؤه إلا المتقون }؛ أي ما ~~أولياء الله، وقيل: ما أولياء المسجد الحرام إلا المتقون ~~الشرك، { ولكن أكثرهم }؛ الكفار، { لا يعلمون } ، ~~ذلك. ### || [8.35] # قوله تعالى: { وما كان صلاتهم عند البيت إلا ~~مكآء وتصدية }؛ يعني: إن تقرب المشركين إلى الله كان ~~بالصفير والتصفيق، كانوا يفعلون ذلك عند البيت مكان ~~الدعاء والتسبيح. وقيل: كانوا يأتون بأفعال الصلاة، ~~إلا أنهم مع ذلك يصفرون فيها ويصفقون. # والمكاء: طائر أبيض يكون في الحجاز يصفر يسمى باسم بصوته، ~~ويقال: مكا يمكو إذا صفر. وصدى تصدية إذا صفق ~~بيده. # وقال مقاتل: (كان النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، ~~فقام رجلان من بني عبد الدار عن يمينه ~~ورجلان عن يساره، فيصفرون كما يصفر المكاء، ~~ويصفقون بأيديهم؛ ليخلطوا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقراءته، وكانوا يفعلون كذلك بصلاة من ~~آمن به، فقتلهم الله يوم بدر). وذلك قوله تعالى: ~~{ فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون }؛ ويقال: أراد ~~بهذا أنه يقال لهم يوم القيامة: { فذوقوا العذاب بما ~~كنتم تكفرون }. وقال أبو جعفر: (سألت أبا سلمة عن ~~قوله تعالى: { إلا مكآء وتصدية } فجمع يديه ~~ثم نفخ فيهما صفيرا). وقال ابن عباس: (كانت قريش ~~يطوفون بالبيت عراة، ويدخلون أصابعهم في ~~أفواههم فيصفرون). ### || [8.36] # قوله تعالى: { إن الذين كفروا ينفقون ~~أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم ~~تكون عليهم حسرة ثم يغلبون }؛ نزلت هذه الآية في ~~المطعمين منهم يوم بدر، وكانوا ثلاثة عشر رجلا وهم: أبو ~~جهل وأخوه الحارث؛ والنضر بن الحارث؛ وأبي بن خلف؛ ~~وزمعة بن الأسود؛ وعتبة وشيبة، كان لكل واحد منهم نوبة ~~يوم في الإطعام. # ومعنى ms0914 الآية: إن الذين كفروا ينفقون أموالهم على عداوة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصدوا الناس عن دين الله، ~~فيستقبح هذه الإنفاق منهم، ثم يكون إنفاقهم ندامة عليهم يوم القيامة، ~~يهزمون ويقتلون ببدر لا تنفعهم نفقتهم. # والحسرة: مأخوذة من الكشف، يقال: حسر رأسه إذا ~~كشفه، والحاسر: كاشف الرأس، فيكون المعنى: ثم يكشف لهم ~~عن ذلك ما يكون حسرة عليهم. قيل: كان يطعم كل واحد منهم ~~كل يوم عشر جزر. قوله تعالى: { والذين كفروا ~~إلى جهنم يحشرون }؛ بيان أن ذلك القتل والهزيمة لا ~~يكفران ذنوبهم، وأنهم يحشرون في الآخرة إلى جهنم للجزاء. ### || [8.37] # وقوله تعالى: { ليميز الله الخبيث من الطيب }؛ أي ~~ليميز الله نفقة المؤمنين من نفقة الكافرين، والعمل السيء من ~~العمل الصالح. وقرئ (ليميز الله) بالتشديد، والمعنى: ~~ليميز الله ذلك الحشر الخبيث من الطيب؛ أي الكافر من المؤمن، ~~فينزل المحق الجنان والكافر النيران. # قوله تعالى: { ويجعل الخبيث بعضه على بعض ~~فيركمه جميعا فيجعله في جهنم }؛ أي يجعل ما ~~أنفقه المشركون في معصية الله بعضه فوق بعض، فيجعله ركاما ~~فيكوي بذلك جباههم وجنوبهم في جهنم. # وقيل: أراد بقوله { فيركمه جميعا } طرح بعضه على ~~بعض، كما يفعل بالمتاع الخفيف تحقيرا له. وقيل: معنى ~~(فيركمه) أي يجمعه حتى يصير كالسحاب المركوم وهو ~~المجتمع الكثيف فيجعله في جهنم. وقوله تعالى: { ~~أولئك هم الخاسرون }؛ أي هم الذين خسروا أنفسهم في ~~الدنيا والآخرة، وغشت صفقتهم وخسرت تجارتهم؛ لأنهم ~~اشتروا بأموالهم عذاب الله في الآخرة. ### || [8.38] # قوله عز وجل: { قل للذين كفروا إن ينتهوا ~~يغفر لهم ما قد سلف }؛ أي قل لأبي سفيان وأصحابه إن ~~ينتهوا عن الشرك وقتال محمد صلى الله عليه وسلم { يغفر ~~لهم ما قد سلف } أي ما قد مضى من ذنوبهم قبل الإسلام، { ~~وإن يعودوا }؛ لقتال محمد، { فقد مضت سنت ~~الأولين } ، في نصر الأنبياء والأولياء وهلاك الكفار، وإن ~~للكفار النار في الآخرة. وأنشد بعضهم: # يستوجب العفو الفتى إذا اعترف # ثم انتهى عما أتاه واقترف # لقوله { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ~~ما ms0915 قد سلف }. ### || [8.39-40] # قوله تعالى: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة }؛ ~~أي قاتلوا كفار مكة حتى لا يكون شرك. وقيل: حتى لا يكون ~~كافر بغير عهد؛ لأن الفتنة إنما تكون بأن يترك ~~الكفار بلا عهد، فإن الكافر بغير عهد يكون ~~عزيزا في نفسه يدعو الناس إلى دينه. ويجوز أن يكون ~~المراد بالفتنة كل ما يؤدي إلى الفساد. # وقوله تعالى: { ويكون الدين كله لله }؛ أي وتكون الطاعة ~~كلها لله، فتجتمع الناس على دين الإسلام. وقوله تعالى: { فإن ~~انتهوا فإن الله بما يعملون بصير }؛ أي فإن ~~انتهوا عن الشرك فإن الله يجازيهم جزاء البصير بأعمالهم. { ~~وإن تولوا }؛ أي أعرضوا عن طاعة الله، { فاعلموا أن ~~الله مولاكم }؛ أي ناصركم، { نعم المولى }؛ نعم ~~الحافظ والولي، { ونعم النصير }؛ منصركم عليهم. ### || [8.41] # قوله تعالى: { واعلموا أنما غنمتم من شيء ~~فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل }؛ حتى الخيط ~~والمخيط، قال ابن عباس: (كان خمس الغنيمة يقسم ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على خمسة أسهم، ~~سهم لله ورسوله، وواحد كان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يعطي فيه المحتاج والضعيف ويجعله في عدة ~~المسلمين من السلاح ونحوه، وسهم لذوي قرابة ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وسهم ليتامى المسلمين ~~عامة، وسهم لمساكين المسلمين، وسهم لابن ~~السبيل. ثم قسمه أبو بكر بعد وفاة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، على ثلاثة أسهم لليتامى ~~والمساكين وابن السبيل، وكذلك فعل عمر ثم ~~عثمان ثم علي رضي الله عنهم). # وبهذا أخذ أبو حنيفة وأصحابه؛ قالوا: إن قوله تعالى { لله ~~خمسه } لافتتاح الكلام باسمه تعالى على طريق التبرك، لا لأن ~~لله نصيبا من الخمس، فإن الدنيا والآخرة كلها له سبحانه، ~~وسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سقط بموته؛ لأن الأنبياء ~~عليهم السلام لا يورثون، وبينهم ذوي القرابات كان جعل النبي ~~صلى الله عليه وسلم سهمه في من شاء منهم، ألا ترى أنه أعطى بني ~~هاشم وبني المطلب، وأحرم بني نوفل وبني عبد شمس مع مساواتها بني ~~عبد المطلب ms0916 في القرب؛ لأن بني هاشم لم يفارقوه في جاهلية ولا ~~إسلام، وإذا بطل هذان السهمان بعد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ورجعنا إلى السهام الثلاثة التي ذكرت معهما، فقسم ~~الخمس على ثلاثة أسهم، ويدخل في استحقاقه فقراء بني هاشم دون ~~أغنيائهم بدلا عما حرموا من الصدقات، وأربعة أخماس الغنيمة ~~للغانمين. # واليتيم من كل جنس من الحيوان الذي ماتت أمه، إلا من بني ~~آدم فإنه إذا مات أبوه. والمسكين الذي أسكنه الضعف عن النهوض ~~لحاجته. وابن السبيل المنطقع عن ماله. # وقال بعضهم: يقسم الخمس الآن على أربعة أسهم، فينفرد سهم ~~قرابة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الشافعي: (يقسم الخمس ~~الآن على خمسة أسهم، سهم لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يصرف إلى الأهم فالأهم من مصالح ~~المسلمين)، ومن أصحابه من قال: يصرف إلى الخليفة ، وسهم ~~قرابة ذوي النبي صلى الله عليه وسلم لأغنيائهم وفقرائهم، وثلاثة ~~أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل. # قوله تعالى: { إن كنتم آمنتم بالله ومآ أنزلنا ~~على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان }؛ ~~معناه: اقبلوا ما أمرتم به في الغنيمة إن كنتم صدقتم بتوحيد ~~الله، وبما أنزلنا على عبدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله ~~تعالى: { يوم الفرقان } أي يوم بدر فرق فيه بين الحق ~~والباطل بنصر المؤمنين وكبت الكافرين مع ضعف المسلمين وقتلهم. ~~وقوله تعالى: { يوم التقى الجمعان } أي يوم جمع الكافرين ~~والمؤمنين، { والله على كل شيء قدير }؛ من نصر المؤمنين ~~وغير ذلك. ### || [8.42] # قوله عز وجل: { إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم ~~بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم }؛ أي اذكروا ~~يا أصحاب محمد إذ كنتم بالعدوة الدنيا؛ أي شفير الوادي ~~الذي يلي المدينة، يقال لشفير الوادي عدوة وعدوة، { ~~وهم بالعدوة القصوى } يعني المشركين بالجانب الآخر من ~~الوادي على شفير الأبعد من المدينة، وهو الجانب الذي يلي مكة. ~~وقوله تعالى { والركب أسفل منكم } أي والقافلة المقبلة ~~من الشام التي كان أبو سفيان فيها كانت أسفل منهم بثلاثة أميال ~~كانوا نازلين أسفل الوادي. # قوله تعالى: { ولو تواعدتم لاختلفتم في ms0917 ~~الميعاد }؛ أي إن الله جمعكم مع المشركين وأصحاب العير في ~~ليلة واحدة بمنزل واحد، ولو تواعدتم للاجتماع هناك ~~لاختلفتم في الميعاد بالعوائق التي تعوق عن ذلك، وبأنكم لو كنتم ~~تعلمون كثرة عدد المشركين وقلة عددكم لم تحضروا في ذلك المكان ~~للقتال. وقوله تعالى: { ولكن ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا }؛ أي ولكن قدر الله اجتماعكم في ذلك المكان ليقضي ~~الله أمرا كائنا لا محالة من إعزاز المسلمين وإعلائه " الإسلام ". ~~على سائر الأديان. # قوله تعالى: { ليهلك من هلك عن بينة }؛ أي ~~ليموت من مات منهم بعد قيام الحجة عليهم، { ويحيى من حي ~~عن بينة }؛ ويعيش من عاش بعد قيام الحجة عليهم، { وإن ~~الله لسميع }؛ بمقالتكم، { عليم }؛ بضمائركم، يجازيكم على ~~قدر أعمالكم. # قرأ أهل مكة والبصرة (بالعدوة) بكسر العين، وقرأ الباقون ~~بضمها وهما لغتان مشهورتان كالكسوة والكسوة والرشوة ~~والرشوة، وكذلك قوله تعالى: { من حي عن بينة } ~~قرأ نافع والبزي وخلف (حيي) بيائين مثل (حيي) على الأصل، وقرأ ~~الباقون بياء واحدة مشددة على الإدغام، ومعنى { ليهلك من ~~هلك عن بينة } أي ليموت من مات عن بينة رآها وعبرة ~~عاينها، أو حجة قامت عليه، وكذلك حيوة من يحيى لوعده # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الإسراء: 15]. ### || [8.43] # قوله عز وجل: { إذ يريكهم الله في منامك ~~قليلا }؛ قال ابن عباس: (وذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم رأى العدو قليلا في المنام، فقص رؤياه على ~~أصحابه، فلما التقوا ببدر قلل الله المشركين ~~في أعين المؤمنين تصديقا لرؤيا النبي صلى الله ~~عليه وسلم)، { ولو أراكهم كثيرا لفشلتم }؛ أي ~~لجبنتم وتأخرتم عن الصف ولاختلفتم في أمر الحرب، ~~والفشل هو ضعف مع الوجل. قوله تعالى: { ~~ولتنازعتم في الأمر } التنازع أن يحاول كل واحد من ~~الاثنين أن ينزع صاحبه مما هو عليه، { ولكن الله ~~سلم }؛ أي سلمكم من ذلك، { إنه عليم بذات الصدور }؛ ~~أي بما في قلوبكم، علم أنكم لو علمتم كثرة عدد المشركين ~~لرغبتم عن القتال. ### || [8.44] # قوله: { وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم ~~قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي ms0918 الله أمرا ~~كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور }؛ وذلك أن الله ~~تعالى قلل المشركين في أعين المسلمين ليتجرأ المسلمون على ~~قتالهم، وقلل المسلمين في أعين المشركين كيلا يستعد ~~المشركون لحربهم كل الاستعداد. # روي عن عبدالله بن مسعود أنه قال: (قلت لرجل بجنبي: ~~أتراهم تسعين رجلا؟ قال: هم قريب من المائة، ~~فلما أسرنا رجلا منهم سألناه عن عددهم، قال: ~~كنا ألفا أو تسعمائة وخمسين). # وقوله تعالى: { ليقضي الله أمرا كان مفعولا } قد ~~تقدم تفسيره، والفائدة في إعادته أن المراد بالأول إعلاء ~~الإسلام على سائر الأديان، وبالثاني قتل المشركين وأسرهم يوم بدر ~~وكلاهما كان كائنا في علم الله. ### || [8.45] # قوله عز وجل: { يأيها الذين آمنوا إذا ~~لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا ~~لعلكم تفلحون }؛ أي إذا لقيتم جماعة من الكفار ~~فاثبتوا لقتالهم، واذكروا الله كثيرا في الحرب بالدعاء ~~والاستغفار؛ لكي تفلحوا بالظفر على الأعداء. ### || [8.46] # قوله تعالى: { وأطيعوا الله ورسوله ولا ~~تنازعوا فتفشلوا }؛ أي أطيعوا الله ورسوله في الثبات ~~على القتال ولا تختلفوا فيما بينكم في لقاء العدو والتقدم إلى ~~قتالهم فتجبنوا من عدوكم، { وتذهب ريحكم }؛ قال قتادة: ~~(يعني ريح النصر) التي يبعثها الله مع من ~~ينصره كما قال عليه السلام: # " نصرت بالصبا ". # وقيل: معناه: وتذهب دولتكم وقوتكم، وقال مجاهد: (وتذهب ~~نصرتكم)، وقال السدي: (جرأتكم وحدتكم وجلدكم). ~~وقوله تعالى: { واصبروا }؛ أي اصبروا على قتال المشركين ولا ~~تولوهم الأدبار، { إن الله مع الصابرين } ، بالنصر ~~والمعونة. ### || [8.47] # قوله تعالى: { ولا تكونوا كالذين خرجوا من ~~ديارهم بطرا ورئآء الناس } أي قاتلوا لوجه الله ولا ~~تكونوا في خروجكم إلى قتال المشركين كالمشركين الذين خرجوا من ~~ديارهم إلى قتال المسلمين بطرا وهو الطغيان في النعمة ورياء ~~الناس، والرياء: هو إظهار الجميل مع إبطان القبيح. قوله ~~تعالى: { ويصدون عن سبيل الله والله بما ~~يعملون محيط }؛ أي هم مع بطرهم وريائهم يمنعون الناس ~~عن دين الله. # قال ابن عباس: (وذلك أن بعض المشركين قالوا لأبي ~~جهل وأصحابه قبل وصولهم إلى بدر: ارجعوا إلى ~~مكة فقد نحت العير، قالوا: لا ms0919 حتى تنحر ~~الجزور وتشرب الخمور وتغني القينات، حتى ~~تسمع العرب بمسيرنا. فنزلوا ببدر ومعهم ~~القينات بالدفوف ويتغنين بهجاء المسلمين، ~~فسقاهم كأس المنايا مكان الخمور، وناحت عليهم ~~النوائح مكان القينات، فنهى الله المؤمنين أن ~~يكونوا مثلهم، وأمرهم بإخلاص النية والصبر ~~في نصر دينه ومؤازرة نبيه صلى الله عليه وسلم). ### || [8.48] # قوله عز وجل: { وإذ زين لهم الشيطان ~~أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس ~~وإني جار لكم }؛ أي واذكروا إذ زين لهم الشيطان ~~أعمالهم يوم بدر، وقال: لا غالب لكم اليوم من أحد من الناس ~~فمنعتكم وكثرتكم وإني دافع عنكم الشر، { فلما ترآءت ~~الفئتان نكص على عقبيه }؛ أي لما توافقتا رجع ~~الشيطان القهقرى على عقبيه هاربا خوفا مما رأى، { وقال ~~}؛ للمشركين: { إني بريء منكم إني أرى ما }؛ أي ~~الملائكة تنزل من السماء وأنتم، { لا ترون }؛ وكان يعرف ~~الملائكة ويعرفونه. # قوله عز وجل: { إني أخاف الله }؛ أي أخافه أن ~~يصيبني معكم بعذابه، { والله شديد العقاب }؛ لمن ~~استحقه، قال مقاتل: (كذب عدو الله، ما كان به من خوف ~~من الله، فإن الله قد أنظره إلى الوقت المعلوم، ~~ولكنه خذلهم عند الشدة). ويقال: ظن إبليس أن ~~الوقت الذي أنظره الله قد حضر. # وعن ابن عباس: (أن أهل مكة لما وجدوا العير ~~أرادوا الرجوع، فتمثل لهم إبليس في صورة رجل ~~يقال له: سراقة بن مالك بن جعنم من بني ~~كنانة، فقال: لا ترجعوا حتى تستأصلوهم، ~~فإنكم كثير وهم قليل، ولا غالب لكم اليوم من ~~الناس، وإني معين لكم من بني كنانة، فلا تمرون ~~بأحد من بني كنانة إلا سار معكم، فإنهم لا ~~يخالفونني. # فساروا وسار إبليس معهم، ولم يخرج أحد من ~~بني كنانة، فجعلوا يقولون: يا سراقة أين ما ~~ضممت لنا؟ فيقول: مروني، حتى قدموا بدرا، فلما ~~كان عند القتال رأى إبليس جبريل فنكص على ~~عقبيه راجعا، وقال الحارث بن هشام: يا سراقة ~~أين تذهب؟ فقال: إني أرى ما لا ترون، فقال ~~الحارث: وما ترى إلا جعاشيش أهل يثرب؟ - ~~والجعشوش: الرجل القصير - فلما رأى ms0920 الحارث ~~إبليس ينطلق، أهوى به ليأخذه، فدفعه إبليس ~~فرمى به، ثم نكص على عقبيه وقال: - إني - أخاف ~~الله، والله شديد العقاب. # فلما انهزم المشركون جعلوا يقولون: هزم ~~الناس سراقة، فبلغ ذلك سراقة فقدم عليهم ~~فقال: بلغني أنكم تقولون أني هزمت الناس! ~~والذي نحلف به ما بلغني ما تقولون ولا سمعت ~~بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم، فجعلوا يقولون ~~له: أما أتيتنا يوم كذا وكذا؟ وهو يقول: لا؛ ~~والذي نحلف به ما كان من ذا قليل ولا كثير. ~~فلما أسلموا عرفوا أنه إنما كان من الشيطان). # فإن قيل: كيف يجوز أن يتمكن إبليس من أن يخلع صورة نفسه ~~ويلبس صورة سراقة؟ ولو كان قادرا على أن يجعل نفسه صورة إنسان ~~كان قادرا على أن يجعل غيره إنسانا؟ قيل: إذا صحت هذه ~~الرواية، فالجواب: أن الله خلق إبليس في صورة سراقة، والله ~~تعالى قادر على خلق إنسان في مثل صورة سراقة ابتداء، فكان قادرا ~~على أن يصور إبليس في مثل صورة سراقة. ### || [8.49] # قوله عز وجل: { إذ يقول المنافقون والذين ~~في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم }؛ قرأ الحسن: ~~(الذي في قلوبهم مرض هم المشركون). وقيل: هم ~~أناس كانوا قد تكلموا بكلمة الإيمان حين كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم بمكة من دون علم منهم بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون ~~معنى قوله: { والذين في قلوبهم مرض } أي شك، وهم الذين ~~لا عزيمة لهم في الكفر ولا في الإسلام، ولم يكونوا أعداء النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { غر هؤلاء دينهم } قال ابن عباس: ~~(لما نفر المشركون من مكة إلى بدر ولم ~~يخلفوا بمكة أحدا قد احتلم إلا خرجوا به، ~~وأخرجوا معهم أناسا كانوا قد تكلموا بالإسلام ~~بمكة، فلما التقوا ورأوا قلة المسلمين ~~وكثرة المشركين، ارتابوا ونافقوا وقالوا لأهل ~~مكة: غر هؤلاء دينهم، يعنون المسلمين غرهم ~~دينهم حين خرجوا مع قلتهم إلى قتال المشركين ~~مع كثرتهم). فقتل هؤلاء مع المشركين يومئذ، ~~وضربت الملائكة وجوههم وأدبارهم، كما ذكر ~~الله بعد هذه الآية. # قوله ms0921 تعالى: { ومن يتوكل على الله }؛ أي ومن ~~يثق بالله في جميع أموره، { فإن الله عزيز }؛ بنصره ~~على عدوه ولو كثر عدده، { حكيم } يضع الأمور مواضعها. ### || [8.50] # قوله تعالى: { ولو ترى إذ يتوفى الذين ~~كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم }؛ أي ~~لو ترى يا محمد حين يقبض الملائكة أرواح الكفار ببدر ~~يضربون على وجوههم بالأعمدة، وعلى أدبارهم يقولون لهم: { ~~وذوقوا }؛ بعد السيف في الدنيا، { عذاب الحريق }؛ في ~~الآخرة. ### || [8.51] # وقوله تعالى: { ذلك بما قدمت أيديكم }؛ أي ذلك ~~العذاب الذي عاينتموه بكفركم وخيانتكم، والخيانة إذا ~~أضيفت إلى الإنسان أكدت بذكر اليد في العادة. وقوله تعالى: { ~~وأن الله ليس بظلم للعبيد }؛ أي اعلموا أن ~~الله لا يعذب أحدا بجرم أحد ولا يعذب أحدا بغير ذنب. ~~وموضع (أن) نصب بنزع الخافض عطفا على قوله { بما قدمت } ~~تقديره: وبأن الله، وكان الحسن إذا قرأ هذه السورة قال: (طوبى ~~لجيش قائدهم رسول الله، ومبارزهم أسد الله، ~~وجهادهم طاعة الله، ومددهم ملائكة الله، ~~وثوابهم رضوان الله). ### || [8.52] # قوله تعالى: { كدأب آل فرعون والذين من ~~قبلهم }؛ أي عادة هؤلاء في كفرهم، كعادة آل فرعون والذين من ~~قبلهم، { كفروا بآيات الله } ، التي أتتهم بها الرسل، ~~{ فأخذهم }؛ فعاقبهم، { الله بذنوبهم إن الله ~~قوي }؛ في أخذ الأعداء، { شديد العقاب }؛ لمن عصاه. # والدأب في اللغة: العادة، يقال: فلان يدأب في كذا؛ أي ~~يداوم عليه ويتعب نفسه فيه. وآل الرجل: الذين يرجعون ~~إليه بأوكد الأسباب، ولهذا يقال لقرابة الرجل: آل الرجل ولا ~~يقال لأصحابه: آله. قوله تعالى: { كدأب آل فرعون } ~~قال ابن عباس: (معناه كفعل آل فرعون)، وقال عطاء ~~ومجاهد: (كنيتهم)، وقيل: كمثالهم، والمعنى: أن أهل ~~بدر من المشركين فعلوا كفعل آل فرعون من الكفر والتكذيب، ففعل ~~الله بهم كما فعل بآل فرعون من الهلاك والعذاب. ### || [8.53] # قوله تعالى: { ذلك بأن الله لم يك مغيرا ~~نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما ~~بأنفسهم }؛ أي لم يفعل الله ذلك العقاب بهم بأن الله لم ~~يك مزيلا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم في ms0922 ~~الدين والنعم إلى أحوال لم يجز لهم أن يغيروا إليها، كما ~~فعل أهل مكة بعد أن أطعمهم الله من جوع وآمنهم من خوف، ~~وأرسل إليهم رسولا منهم، وأنزل إليهم كتابا بلسانهم. ثم إنهم ~~غيروا هذه النعم ولم يشكروها ولا عرفوها من الله، فغير ~~الله ما بهم وأهلكهم وعاقبهم ببدر، ويدخلهم النار في الآخرة. # قال الكلبي: (يعني بالآية أهل مكة، بعث إليهم ~~محمدا صلى الله عليه وسلم، فغيروا نعمة الله، ~~وتغييرها كفرها وترك شكرها)، وقال السدي: (نعمة ~~الله يعني محمدا، أنعم الله به على قريش فكذبوه ~~وكفروا به، فنقله الله إلى الأنصار). قوله ~~تعالى: { وأن الله سميع عليم }؛ أي سميع لجميع ~~المخلوقات المسموعات، عليم لمعاناتكم. ### || [8.54] # قوله تعالى: { كدأب آل فرعون }؛ أي عادتهم في ~~التكذيب بآيات الله كعادة آل فرعون، { والذين من قبلهم ~~}؛ من الأمم الماضية، { كذبوا بآيات ربهم }؛ التي جاءت ~~بها رسلهم، { فأهلكناهم بذنوبهم وأغرقنآ }؛ أي ~~وأهلكنا، { آل فرعون } بالغرق خاصة، { وكل }؛ هؤلاء، { ~~كانوا ظالمين }؛ لأنفسهم، مستحقين العقوبة بسوء أعمالهم. # فإن قيل: لم كرر آل فرعون؟ قيل: المراد بالأول أن هؤلاء ~~جازاهم الله بالقتل والأسر، كما جوزي أولئك بالغرق والهلاك، ~~والمراد بالثاني: أن صنع هؤلاء في النعم التي أنعم الله عليهم ~~كصنع آل فرعون فيما أعطاهم الله من الملك والعز في الدنيا، ~~فلما غير كل فريق النعم غير الله سبحانه ما بهم. ### || [8.55] # قوله تعالى: { إن شر الدواب عند الله الذين ~~كفروا }؛ أي إن شر ما يدب على الأرض الذين جحدوا بتوحيد ~~الله ونبوة رسله، مصرين على الكفر، { فهم لا يؤمنون ~~}. ### || [8.56] # قوله تعالى: { الذين عاهدت منهم ثم ينقضون ~~عهدهم في كل مرة } نزلت في يهود بني قريظة، عاهدهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا يضروا به ولا يعينوا عليه ~~عدوا، فنقضوا العهد وأعانوا أهل مكة بالسلاح على قتال ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قالوا: نسينا وأخطأنا، ثم عاهدهم ~~مرة أخرى، فركب كعب بن الأشرف إلى أهل مكة، وواثقهم على ~~حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ms0923 وقوله تعالى: { عاهدت منهم ~~} أي معهم، قوله تعالى: { وهم لا يتقون }؛ أي لا ~~يخافون الله في نقض العهد. ### || [8.57] # قوله تعالى: { فإما تثقفنهم في الحرب فشرد ~~بهم من خلفهم لعلهم يذكرون }؛ معناه: فإما ~~تصادفهم في الحرب، فافعل بهم فعلا من القتل والعقوبة ~~والتنكيل تعرف بهم من ورائهم من أعدائك. والتشريد: ~~التبديد والتفريق، ويقال: معنى (شرد بهم) أي أسمع ~~بهم بلغة قريش. # وقال ابن عباس: (فشرد بهم، أي نكل بهم من ~~وراءهم)، وقال ابن جبير: (أنذر بهم من خلفهم). ~~وقيل: اقتلهم قتلا، وقيل: أثخن فيهم القتل حتى ~~يخافك غيرهم من أهل مكة وأهل اليمن. وقال القتيبي: ~~(سمع بهم) وقرأ ابن مسعود (فشرذ) بالذال المعجمة وهما ~~واحد. وقال قطرب: (التشريد بالدال: التنكيل، وبالذال: ~~التفريق). قوله تعالى: { لعلهم يذكرون } أي ~~لكي يعتبروا فلا ينقضوا العهد الذي بينك وبينهم مخافة أن يحل ~~بهم مثل ما حل ببني قريظة. ### || [8.58] # قوله تعالى: { وإما تخافن من قوم خيانة ~~فانبذ إليهم على سوآء }؛ أي إذا خفت من قوم بينك ~~وبينهم عهد وخيانة في ذلك العهد من غدر بالمسلمين، أي علمت ~~أنهم يفعلون ذلك بالمسلمين خفية من غير أن يظهر نقض العهد، ~~فانبذ العهد إليهم على سواء منك ومنهم في العلم، ولا تبدأهم ~~بالقتال من قبل أن تعلمهم إعلاما بينا بأنك انقضت ~~العهد. # والمعنى: إما تعلمن يا محمد من قوم معاهدين لك نكث ~~عهد ونقض عهد يظهر لك من آثار الغدر والخيانة كما ظهر لك من بني ~~قريظة والنضير، فانبذ إليهم؛ أي فاطرح إليهم عهدهم على ~~سواء؛ أي أخبرهم وأعلمهم قبل حربك إياهم أنك فسخت ~~العهد بينك وبينهم، حتى تصير أنت وهم على سواء في العلم بأنك ~~لهم محارب، فيأخذوا للحرب أهبتها وتبرأ من الغدر. وقوله ~~تعالى: { إن الله لا يحب الخائنين }؛ أي لا يرضى عمل ~~الذين يخونون بالبدأة بالقتال من غير إعلام بنقض العهد. ### || [8.59] # قوله تعالى: { ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا ~~إنهم لا يعجزون }؛ أي لا تظنن يا محمد أن من ~~أفلت من الكفار من هذه ms0924 الحرب قد سبق إلى الحياة. ويقال: لا ~~تحسبن يا محمد أن أعداءك من الكفار المشركين ربما يقولون ~~لك بأن لا يظفرك الله عز وجل بهم، بل الله تعالى ~~يظهرك عليهم ويظفرك. # وقرأ أبو جعفر وابن عامر وحمزة وحفص بالياء على معنى لا تظنن ~~هؤلاء المشركين إن من مات منهم فقد فات من الله عز وجل، ~~وأن الله لا يبعثه يوم القيامة ولا يعاقبه. وقرأ أهل الشام: ~~(أنهم لا يعجزون) بالفتح، وتكون (لا) صلة تقديره: ولا ~~تحسبن الذين كفروا سبقوا أنهم لا يعجزون؛ أي لا ~~يفوتون. وقيل معناه: لأنهم، وقرأ عامة القراء بالكسر على ~~الابتداء. ### || [8.60] # وقوله تعالى: { وأعدوا لهم ما استطعتم من ~~قوة }؛ أي أعدوا للكفار ما استطعتم من آلات الحرب. وعن ابن ~~عباس وعقبة بن عامر؛ قال: # " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر { ~~وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة } ثم قال: " ~~ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، ~~لهو المؤمن في الخلاء وقوته عند اللقاء " # ومات عقبة فاوصى بتسعين قوسا مع كل قوس ~~سهامها في سبيل الله، وقال عقبة: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن الله ليدخل الجنة الثلاثة سهم واحد، ~~صانعه يحتسب في صنعته الخير، والمهدي له، ~~والرامي به " # وقال عليه السلام: # " كل شىء يلهوا به الرجل باطل، إلا رمية ~~بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته أهله، فإنهن ~~من الحق ". # قوله تعالى: { ومن رباط الخيل ترهبون به ~~عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا ~~تعلمونهم الله يعلمهم }؛ معناه: ارتبطوا الخيل لهم ~~ولقتالهم؛ أي أعدوا لهم ذلك لتخويف عدو الله وعدوكم { ~~وآخرين من دونهم } أي من دون كفار العرب وأهل الكتاب { لا ~~تعلمونهم } أي لا تعرفونهم. قال ابن عباس: (يعني ~~كفار الجن)، قال صلى الله عليه وسلم: # " لا يقرب صاحب قوس جني أبدا " # ويقال: إن الجن لا تدخل بيتا فيه قوس ولا سلاح. # قال السدي: (أراد به أهل فارس)، وقال الحسن: (هم ~~المنافقون)، وقال الضحاك: (هم الشياطين)، ولا يمتنع أن ~~يكون الكل مراد بالآية. قوله ms0925 تعالى: { وما تنفقوا من ~~شيء في سبيل الله يوف إليكم }؛ أي ما تنفقوا من شيء ~~في الجهاد يوف إليكم ثوابه، { وأنتم لا تظلمون }؛ أي لا ~~ينقص شيء من حقكم. ### || [8.61] # قوله تعالى: { وإن جنحوا للسلم فاجنح لها }؛ ~~معناه: فإن مالت يهود بني قريظة إلى الصلح فمل إليهم ~~وصالحهم، فكان هذا قبل نزول براءة، ثم نسخ بقوله: # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5] وبقوله: # قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله # [التوبة: 29]. # والسلم والسلم بالخفض والنصب، وإنما قال { فاجنح لها } ~~لأن السلم والمسالمة بمعنى واحد، فرد الكناية إلى المعنى. ~~قوله تعالى: { وتوكل على الله }؛ أي ثق بالله تعالى ~~إن نقضوا العهد، { إنه هو السميع }؛ بمقالتكم { ~~العليم }؛ بما تفعلون. ### || [8.62] # قوله تعالى: { وإن يريدوا أن يخدعوك فإن ~~حسبك الله }؛ معناه: إن يرد الذين يطلبون منك الصلح أن ~~يخدعوك بإظهار الصلح لتكف عنهم إلى أن يتقووا بغيرك، ~~فإن الله كافيك في حربهم وقتالهم، { هو الذي أيدك ~~بنصره وبالمؤمنين }؛ أي قواك يوم بدر بنصره وقواك ~~بالمؤمنين، وهم الأوس والخزرج. ### || [8.63] # قوله تعالى: { وألف بين قلوبهم }؛ أي جمعهم على ~~المودة في الإيمان، وقوله تعالى: { لو أنفقت ما في ~~الأرض جميعا مآ ألفت بين قلوبهم }؛ أي ما قدرت ~~على جمع قلوبهم على الألفة، { ولكن الله ألف ~~بينهم إنه عزيز }؛ في سلطانه لا يقدر أحد أن يغلبه ~~ويمنعه عن مراده، { حكيم }؛ يضع الأمور في موضعها. ### || [8.64] # قوله تعالى: { يأيها النبي حسبك الله }؛ أي ~~كافيك الله، { ومن اتبعك من المؤمنين }؛ نزلت في ~~البيداء في غزوة بدر. وقيل: لما أسلم عمر رضي الله عنه نزل ~~{ يأيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من ~~المؤمنين }. # وقال بعض المفسرين: موضع (من) خفض عطفا على الكاف في قوله { ~~حسبك الله } أي وحسب من اتبعك. وقال بعضهم: موضعه رفع ~~عطفا على اسم الله؛ أي حسبك الله ومتبوعك من المؤمنين. قيل: ~~إن هذه الآية قوله تعالى: { يأيها النبي حسبك ~~الله ومن اتبعك من المؤمنين } نزلت في البيداء في ~~غزوة بدر قبل القتال. ### || [8.65-66] # قوله تعالى: { يأيها النبي حرض ms0926 المؤمنين ~~على القتال }؛ أي رغبهم في القتال، والتحريض: الترغيب ~~في الشيء بما يدعو إليه نحو وعد الثواب على القتال والتنفيل عليه، ~~وقوله تعالى: { إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا ~~مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من ~~الذين كفروا }؛ هذا وعد من الله؛ أي يقوي واحدا من ~~المسلمين المنتصرين في الدين على عشرة من الكفار، ويقوي مائة ~~صابرة محتسبة على ألف من الكفار. # وقوله تعالى: { بأنهم قوم لا يفقهون }؛ أي ذلك النصر ~~من الله لكم على الكفار وخذلانهم بأنكم تفقهون أمر الله ~~وتصدقونه فيما وعده من الثواب، والكفار لا يفقهون ذلك ولا ~~يصدقونه. # قال ابن عباس: (لما نزلت هذه الآية كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يبعث المؤمنين على أن يقاتل ~~الرجل منهم العشرة من الكفار، والمائة منهم ~~الألف من الكفار كما أمر الله، فلما أمر الله ~~المسلمين بقتال الكفار ببدر وكان فرض القتال ~~على المسلمين كما ذكر الله في هذه الآية، شق ذلك ~~على المسلمين، فأنزل الله تعالى: # قوله: { الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ~~ضعفا }؛ أي الآن هون الله عليكم القتال الذي فرضه عليكم ~~وسهل الأمر عليكم لتعرفوا فتشكروا، وعلم في الأزل أن في ~~الواحد منكم ضعفا عن قتال العشرة، والمائة عن قتال الألف). ~~وقيل: علم أن فيكم ضعفا في النصرة في أمر الدين. # قرأ عاصم وحمزة وخلف (ضعفا) بفتح الضاد، وقرأ الباقون بضمها أي ~~عجزا عما فرض عليكم، ومن قرأ (ضعفا) فمعناه شيوخا وضعافا، وقرأ ~~أبو جعفر (ضعفاء) بضم الضاد وفتح العين والمد وهمزة من غير ~~تنوين على جمع ضعيف مثل شركاء. # قوله تعالى: { فإن يكن منكم مئة صابرة ~~يغلبوا مئتين }؛ أمر الله بأن الواحد يثبت للاثنين ~~وضمن له النصر عليهما. قوله تعالى: { وإن يكن منكم ~~ألف يغلبوا ألفين بإذن الله }؛ أي بأمر الله، { ~~والله مع الصابرين }؛ أي معين لهم، قال ابن عباس: ~~(من فر من رجلين فقد فر، ومن فر من ثلاثة ~~لم يفر). وهذا إذا كان للواحد المسلم من السلاح والقوة مثل ~~ما ms0927 لكل واحد من رجلين من الكافرين كان فارا، فأما إذا لم يكن، لم ~~يثبت حكم الفرار. ### || [8.67] # قوله عز وجل: { ما كان لنبي أن يكون له ~~أسرى حتى يثخن في الأرض } أي يكون له أسرى من المشركين ~~فيفاديهم أو يمن عليهم، ولكن السيف حتى يمكن في الأرض لا بد ~~من القتال، فيقتل منهم قتلا ذريعا ليرتدع من وراءهم. ~~والإثخان في كل شيء: شدته، يقال: أثخنه المرض إذا اشتد ~~قوته عليه، وكذلك أثخنته الجراح. # قوله تعالى: { تريدون عرض الدنيا }؛ خطاب للذين ~~أسرعوا في أخذ الغنائم وشغلوا أنفسهم بذلك عن القتال، وذلك ~~أنهم لما كان يوم بدر تعجل ناس من المسلمين فأصابوا من ~~الغنائم، ومعناه: تريدون بالقتال المال، وسماه عرضا لقلة ~~لبثه. وقوله تعالى: { والله يريد الآخرة }؛ أي يريد منكم ~~العمل بما تستحقون به ثواب الآخرة، { والله عزيز }؛ أي ~~منيع في سلطانه، { حكيم }؛ في أمره وقضائه، فاعملوا ما ~~أمركم به. ### || [8.68] # قوله تعالى: { لولا كتاب من الله سبق ~~لمسكم فيمآ أخذتم عذاب عظيم }؛ أي لولا حكم من ~~الله سبق في إباحة الغنائم لمسكم فيما استبحتم قبل الإثخان ~~عذاب عظيم. وقيل: لولا كتاب من الله سبق في أهل بدر أن يغفر ~~الله لهم ما تقدم من ذنوبهم وما تأخر. وقيل: معناه: لولا ~~حكم الله في اللوح المحفوظ وفي القرآن أنه لا يعذب قوما حتى ~~يبين لهم ما يتقون لأصابتكم عقوبة عظيمة. # وعن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: (وذلك أنه لما ~~قتل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين وأسروا ~~سبعين، استشار النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في ~~أمر الأسارى، فقال أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله ~~هم قومك، فإن تقتلهم يدخلوا النار، ولكن ~~فادهم فيكون الذي تأخذ منهم قوة للمسلمين، ~~ولعل الله يقلب قلوبهم. وقال عمر: يا رسول ~~الله ما أعلم قوما كانوا أشر لنبيهم منهم ~~فاقتلهم. # فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلم برأي أبي بكر، ثم ~~ضرب لهما مثلا فقال: # " " مثل أبي بكر مثل ms0928 إبراهيم عليه السلام حيث قال: { ~~فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور ~~رحيم } ، ومثل عمر مثل نوح عليه السلام حيث قال: { ~~رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا } " ثم ~~ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم الفداء على الأسارى ". # فلما كان من الغد أنزل الله هذه الآية # ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض... # [الأنفال: 67] إلى آخر الآيتين، # " قال عمر: فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وعنده أبو بكر يبكيان، فقلت: ما يبكيكما؟! ~~حتى الأرض إن وجدت بكاء لبكائكما بكت معكما، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: " إنما أبكي للذي عرض علي ~~أصحابك من أخذ الفداء " ، ثم قرأ عليه السلام { ما ~~كان لنبي أن يكون له أسرى } ". # وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: # " لما جيء بالأسارى يوم بدر قال صلى الله عليه وسلم: " ~~ما تقولون في هؤلاء؟ " فقال أبو بكر: قومك ~~وأهلك استبقهم لعل الله يتوب عليهم، وخذ ~~منهم فدية تكون لنا قوة على الكفار. وقال ~~عمر: يا رسول الله كذبوك وأخرجوك، قدمهم واضرب ~~أعناقهم، ومكن عليا من عقيل فيضرب عنقه، ~~ومكني من فلان - بسبب له - فأضرب عنقه، فإن ~~هؤلاء أئمة الكفر. فسكت النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فقال أناس: نأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: نأخذ ~~بقول عمر، فقال صلى الله عليه وسلم: " إن الله ليلين ~~قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ~~ليشد قلوب رجال حتى تكون أشد من الحجارة، ~~وإن مثلك يا أبا بكر مثل عيسى قال: { إن ~~تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك ~~أنت العزيز الحكيم } ، ومثلك يا عمر مثل موسى ~~قال: { ربنا اطمس على أموالهم واشدد على ~~قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم } ~~، ثم قال صلى الله عليه وسلم للأسارى: " أنتم اليوم ~~عالة فلا ينقلبن أحد إلا بفداء أو ضرب عنق " ~~ثم قال صلى الله عليه وسلم { ما كان لنبي أن يكون له ~~أسرى حتى يثخن في الأرض } ". # قوله تعالى: { لولا كتاب من ms0929 الله سبق } أي لولا ~~حكم الله في أنه يحل لهم الفدية التي أخذوها من الأسارى. ~~وقيل: معناه: لولا ما سبق لهذه الأمة من الرحمة إذا عملوا ~~الخطايا ثم عرفوا بما عملوا وتابوا ورجعوا. قوله تعالى: # تريدون عرض الدنيا # [الأنفال: 67] مخاطبة لهم لا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وجلت ~~أصحابه، فإن أبا بكر كان مراده إعزاز الدين وهداية الأنصار، ~~ولأن الله قال: { لمسكم فيمآ أخذتم } ولم يقل فيما ~~عزمتم وأسررتم. ### || [8.69] # قوله: { فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا }؛ الفاء في ~~أول هذه الآية للجزاء، المعنى: أحلت لكم الغنائم فكلوا. ~~والطيب: المستلذ، ويوصف الحلال بذلك على التشبيه، فإن ~~المستلذ لا يكون فيه كراهية في الطبع، وكذا الحلال ما لا يكون فيه ~~كراهية في الدنيا. # وقوله تعالى: { واتقوا الله }؛ أي اخشوه ولا تفعلوا ~~شيئا لم تؤمروا به ولم يرخص لكم، { إن الله غفور }؛ ~~لما فرط منكم { رحيم }؛ بكم إذ لم يعذبكم فيما فعلتم قبل ~~الرخصة. ### || [8.70] # قوله عز وجل: { يأيها النبي قل لمن في ~~أيديكم من الأسرى إن يعلم الله في قلوبكم ~~خيرا يؤتكم خيرا ممآ أخذ منكم ويغفر لكم ~~والله غفور رحيم } قال ابن عباس: (وذلك # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وضع الفداء على ~~كل واحد من الأسارى أربعين أوقية من ذهب، ~~وجعل على عمه العباس مائة أوقية، قال ~~العباس: أتجعل علي مائة أوقية وعلى عدوك ~~سهيل بن عمرو أربعين أوقية؟ قال: " نعم؛ ~~لقطعك الرحم ولظلمك " قال: تركتني والله أسأل ~~قريشا ما بقيت، فكيف تترك عمك يسأل الناس ~~بكفه؟! # فقال صلى الله عليه وسلم: " وأين الذهب الذي أعطيته ~~أم الفضل عند مخرجك؟ فقلت: إن حدث بي حدث في ~~وجهي هذا فهو لك ولعبدالله وقثم وللفضل " ~~قال: وما يدريك؟! قال: " أخبرني الله بذلك " فقال: ~~أشهد أنك صادق وإني لم أعلم أنك رسول الله قط ~~قبل اليوم، وإني دفعت إليها الذهب ولم يطلع ~~عليه أحد إلا الله، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله ~~وأنك رسول الله. فأسلم وأمر ابن أخيه أن ms0930 يسلم ~~" # ، فأنزل الله هذه الآية). # ومعناها: يا أيها النبي قل للعباس وعقيل وغيرهم من ~~الأسارى: إن يعلم الله في قلوبكم رغبة في الإيمان وإخلاصا ~~في النية، يؤتكم خيرا مما أخذ منكم من الفدية. يجوز أن يكون ~~المعنى: يخلف عليكم في الدنيا، ويجوز أن يكون: ويجازيكم في ~~الآخرة. # وكان العباس أحد الثلاثة عشر الذين ضمنوا طعام أهل بدر، فخرج ~~معهم بعشرين أوقية من ذهب ليطعم بها الناس، ولم تبلغه نوبة ~~الإطعام حتى أسر وأخذ وهي معه فأخذوها منه، # " فلما وضع النبي صلى الله عليه وسلم على العباس الفداء مائة ~~أوقية قال: (يا محمد احتسب لي بالعشرين ~~أوقية من فدائي). فأبى وقال: " أما شيء خرجت ~~تستعين به علينا فلا أتركه لك " ". # فلما أسلم العباس كان إذا قرأ هذه الآية قال: (صدق الله ~~ورسوله قد أعطاني خيرا مما أخذ مني، أبدلني ~~مكان العشرين أوقية التي أخذت مني عشرين ~~مملوكا، كل مملوك يضرب بعشرين ألفا في ~~التجارة، وأعطاني زمزم ما أحب أن لي بها جميع ~~أموال أهل مكة، أنجز لي أحد الوعدين، وأنا أرجو ~~أن ينجز لي الوعد الثاني، أنتظر المغفرة من ~~ربي). # وعن العلاء بن الحضرمي رضي الله عنه أنه بعث إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من البحرين ثمانين ألفا، فقال ~~العباس: (أعطني من هذا المال) فأعطاه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ما أطاق حمله، فجعل العباس يقول: ~~(أما إحدى اللتين وعدنا الله فقد أنجزها، فلا ~~ندري ما يصنع بالأخرى). يعني { يؤتكم خيرا ممآ ~~أخذ منكم ويغفر لكم }. ### || [8.71] # قوله تعالى: { وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا ~~الله من قبل فأمكن منهم } معناه: وإن يرد الذين ~~أطلقتهم من الأسارى خيانتك بأن يعيدوا حربا لك وينصروا ~~عدوك عليك، فقد خانوا الله من قبل بمخالفة ما أخذ عليهم من ~~العهود، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عاهد الذين ~~أطلقهم على أن لا يعينوا عليه فخانوه وخالفوا، وقوله تعالى { ~~فأمكن منهم } أي فأمكنك منهم يوم بدر، وإن خانوك ~~فسيمكنك منهم ثانيا، { والله ms0931 عليم }؛ بكل شيء، { ~~حكيم }؛ في كل ما يفعل. ### || [8.72-73] # قوله تعالى: { إن الذين آمنوا وهاجروا ~~وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله }؛ أي ~~إن الذين آمنوا بتوحيد الله وبمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ~~وهاجروا من مكة إلى المدينة وجاهدوا العدو بأموالهم وأنفسهم ~~في طاعة الله. # ثم ذكر الله الأنصار فقال: { والذين آووا }؛ النبي ~~والمهاجرين معه أعطوهم المأوى وأنزلوهم ديارهم، { ونصروا ~~}؛ أي أعانوهم بالسيف على الكفار، { أولئك بعضهم ~~أوليآء بعض }؛ أي أنصار بعض في الدين والمواريث. # قوله تعالى: { والذين آمنوا ولم يهاجروا }؛ أي ~~والذين صدقوا من أهل مكة في ديارهم ولم يهاجروا إلى المدينة، ~~{ ما لكم من ولايتهم من شيء }؛ أي ليس بينكم وبينهم ~~ميراث، { حتى يهاجروا }؛ وإطلاق لفظ الموالاة يقتضي التوارث ~~في الجملة، وإن كان بعض أسباب الموالاة أوكد من بعض. # قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية قام الزبير ~~بن العوام وأناس معه من المسلمين؛ قالوا: يا ~~رسول الله كيف لا يرثنا إخواننا وهم على ديننا ~~من أجل أنهم لم يهاجروا؟ فهل نعينهم على أمر ~~إن استعانونا عليه؟ فأنزل الله تعالى: { وإن ~~استنصروكم في الدين فعليكم النصر }. # معناه: وإن قاتلهم الكفار ليردوهم عن الإسلام فانصروهم، { ~~إلا على قوم }؛ إلا أن يقاتلوا قوما، { بينكم ~~وبينهم ميثاق }؛ فاستنصروكم عليهم فلم تقاتلوهم معهم، بل ~~عليهم أن يكفوا عن طلب النصرة منكم لهم عليهم؛ لأنه أمان، وأمان ~~واحد من المسلمين يلزم كافتهم، فيجب الإصلاح بينهم على غير وجه ~~القتال. وقوله تعالى: { والله بما تعملون بصير } ، أي ~~بصير بأعمالكم، يجازيكم عليها. # قال ابن عباس: فمكثوا على هذا ما شاء الله إن ~~يمكثوا، ثم نزل قوله تعالى: { والذين كفروا ~~بعضهم أوليآء بعض }؛ أي أنصار بعض في الدين، ~~وبعضهم أولياء بعض في الميراث. يعني أن الكافر لا ~~يرث المؤمن الذي لم يهاجر، بل الكافر يرث من الكافر، والمؤمن ~~يرث المؤمن، فصارت هذه الآية ناسخة للتي قبلها. # قوله تعالى: { إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض ~~وفساد كبير } أي إلا تفعلوا ما أمرتكم به ولم تورثوا ~~الأعرابي الذي ms0932 لم يهاجر من المهاجر، ولم تجعلوا ولاية الكافر ~~للكافر وولاية المؤمن للمؤمن، { تكن فتنة } أي بالميل إلى ~~الضلالة وفساد في الدين، فإن الكفار بعضهم أولياء بعض. ### || [8.74] # قوله تعالى: { والذين ءامنوا وهاجروا وجهدوا ~~في سبيل الله والذين ءاووا ونصروا أولئك ~~هم المؤمنون حقا }؛ أي أولئك الذين حققوا إيمانهم ~~بالهجرة وإقامة الجهاد في سبيل الله. وقيل: معناه: أولئك الذين ~~حقق الله إيمانهم بأن أثنى عليهم ومدحهم في كتابه. قوله ~~تعالى: { لهم مغفرة }؛ لذنوبهم { ورزق كريم } في ~~الجنة بأن يطعمهم طعاما يصير كالمسك رشحا ولا يستحيل في ~~أجوافهم نجوا. ### || [8.75] # قوله تعالى: { والذين آمنوا من بعد وهاجروا ~~وجاهدوا معكم فأولئك منكم } معناه: والذين آمنوا ~~من بعد المهاجرين السابقين، وهاجروا إلى المدينة وجاهدوا معكم ~~الكفار، فأولئك منكم في الدين والنصرة. # قوله تعالى: { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض }؛ أي أن الأقارب بعضهم أولى ببعض في الميراث من غيرهم، ~~هاجروا أو لم يهاجروا إذا كانوا مسلمين، قوله تعالى: { ~~في كتاب الله }؛ يجوز أن يكون المراد بالكتاب القرآن، ويجوز ~~أن يكون معناه في اللوح المحفوظ، ويجوز أن يراد بالكتاب الحكم، كما ~~قال الله تعالى: # كتب الله لأغلبن # [المجادلة: 21] أي حكم الله، وقوله تعالى: { إن الله بكل ~~شيء عليم }؛ أي عليم بكل ما فرض من المواريث وغير ذلك. # قال قتادة: (وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين ~~المهاجرين والأنصار، وكانوا يتوارثون بالإسلام ~~والهجرة، وكان الرجل يسلم ويهاجر، وكان لا ~~يرث أخاه)، فنسخ الله ذلك بقوله: { وأولوا ~~الأرحام بعضهم أولى ببعض } وصارت الوراثة ~~بالقرابة كما ذكر الله في سورة النساء، وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية ". # وعن أبي بن كعب: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الأنفال والتوبة فأنا له شفيع ~~وشهيد يوم القيامة أنه بريء من النفاق، ~~وأعطي من الأجر بعدد كل منافق ومنافقة، ~~ورفع له بها عشر درجات ". ### | [9 - سورة التوبة] ### || [9.1] # قوله عز وجل: { برآءة من الله ورسوله إلى ~~الذين عاهدتم من ms0933 المشركين } أي هذه من الله، فيكون ~~رفعا على الابتداء، ويجوز أن يكون (براءة) رفعا بالابتداء، ~~وخبره: { إلى الذين عاهدتم }. والبراءة: رفع العصمة، ~~يقال: فلان بريء من فلان، وبرىء الله من المشركين. وإنما ذكر ~~الله تعالى هذه الآية من العهد؛ لأن المشركين كانوا ينقضون العهد ~~قبل الأجل، ويضمرون الغدر، فأمر الله بنبذ العهد إليهم، ~~إما بخيانة مستورة ظهرت أمارتها منهم، وإما أن يكون شرط ~~النبي عليه السلام لنقضهم في العهد أن يقرهم ما أقرهم ~~الله. # فأما ترك البسملة في أول هذه السورة، فقد روي أن أبي بن ~~كعب سئل عن ذلك فقال: (لأنها نزلت في آخر ما نزل من ~~القرآن، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر أول ~~كل سورة (بسم الله الرحمن الرحيم) ولم يأمر في ~~سورة البراءة بذلك، فضمت إلى الأنفال لشبهها ~~بها) يعني أن أمر العهود مذكور في الأنفال، وهذه السورة نزلت ~~بنقض العهود. سئل علي رضي الله عنه عن هذا فقال: (لأن هذه ~~السورة نزلت في السيف، وليس للسيف أمان، وبسم ~~الله الرحمن الرحيم من الأمان، ولأن البسملة ~~رحمة، والرحمة أمان، وهذه السورة نزلت ~~بالسيف ولا أمان فيه). ### || [9.2] # قوله تعالى: { فسيحوا في الأرض أربعة أشهر }؛ ~~أي سيروا في الأرض على المهل وأقبلوا وأدبروا في الأرض إلى أن ~~يمضي أربعة. وقيل: هو على الخطاب؛ أي قل لهم سيروا في الأرض ~~مقبلين ومدبرين آمنين غير خائفين من قتل ولا أسر ولا ~~نهب. # ويقال: إن قوله: { فسيحوا في الأرض } بيان أن هذا السيح ~~المذكور في أول هذه السورة إنما هو بعد أربعة أشهر، فإن عهد ~~الكفار باق إلى آخر هذه المدة. قال الحسن: (أمر الله نبيه ~~صلى الله عليه وسلم أن ينظر في عهود الكفار، فيقر ~~من كان عهده أربعة أشهر على عهده أن يمضي، ~~ويحط من كان له عهد أكثر من أربعة أشهر، ~~ويرفع عهد من كان له عهد قبل أربعة أشهر ~~فيجعله أربعة أشهر). # واختلفوا في هذه الأربعة أشهر، قال بعضهم: من عشرين ذي القعدة ~~إلى ms0934 عشرين من ربيع الأول. وروي في الخبر: أن مكة فتحت في سنة ~~ثمان من الهجرة، وولى رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن ~~أسيد الوقوف بالناس في الموسم، واجتمع في تلك السنة في الوقوف ~~المسلمون والمشركون. # " فلما كانت سنة تسع ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا ~~بكر وبعث معه عشر آيات من أول براءة أو تسع آيات، وأمره أن ~~يقرأها على أهل مكة، وينبذ إلى كل ذي عهد عهده كما وصف الله ~~تعالى، فلما خرج أبو بكر رضي الله عنه منها إلى مكة، نزل ~~جبريل عليه السلام فقال: للنبي صلى الله عليه وسلم: " لا ~~يبلغ عنك إلا رجل من أهل بيتك " فدعا عليا ~~رضي الله عنه وأمره بالذهاب إلى مكة، وقال: " كن أنت الذي ~~يقرأ هذه الآيات على أهل مكة، ومر أبا بكر ~~فليصل بالناس ". فسار حتى لحق أبا بكر رضي الله عنه في ~~الطريق، فأخبره بذلك فمضيا، وكان أبو بكر على الموسم ". # فلما كان يوم النحر واجتمع المشركون، قام علي رضي الله عنه عند ~~جمرة العقبة وقال: (يا أيها الناس؛ إني رسول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إليكم) فقالوا: بم ذا؟ فقرأ عليهم ~~(براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم...) إلى ~~آخر الآيات التي نزلت. # وكان الحج في السنة التي قرأ علي رضي الله عنه فيها هذه السورة ~~في العاشر من ذي القعدة، ثم صار الحج في السنة الثانية في ذي ~~الحجة، وكان السبب في تقديم الحج في سنة العهد ما كان يفعله ~~بنو كنانة في النسيء وهو التأخير. وذهب بعض المفسرين إلى ~~أن الأربعة الأشهر المذكورة في هذه الآية هي: شوال وذو القعدة ~~وذو الحجة والمحرم. # قوله تعالى: { واعلموا أنكم غير معجزي الله ~~}؛ أي غير فائتين عن الله بعد الأربعة الأشهر، فإنكم إن ~~أجلتم هذه الأشهر فلن تفوتوا الله تعالى. وقوله تعالى: { وأن ~~الله مخزي الكافرين }؛ أي معذب الكافرين في الدنيا ~~بالقتل في الآخرة بالنار. والإخزاء: هو الإذلال على وجهه ~~الأدون. ### || [9.3] # قوله تعالى: ms0935 { وأذان من الله ورسوله إلى ~~الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء من ~~المشركين ورسوله }؛ أي وإعلام من الله ورسوله إلى الناس ~~يوم الحج الأكبر وهو يوم النحر، كذا روى ابن عباس، وسمي يوم ~~النحر يوم الحج الأكبر؛ لأنه اتفقت فيه الأعياد على قول أهل ~~الملل. وعن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أنه يوم عرفة " # ، قال قيس ابن مخرمة: # " خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشية عرفة فقال: ~~" أما بعد؛ فإن هذا يوم الحج الأكبر ". # ويروى أن عليا رضي الله عنه خرج يوم النحر على بغلة بيضاء ~~إلى الجبانة، فجاءه رجل فأخذ بلجامها وسأله عن يوم ~~الحج الأكبر، فقال: (هو يومك هذا، خل سبيله). وسئل ~~عبدالله بن أبي أوفى عن يوم الحج الأكبر، فقال: (سبحان ~~الله! هو يوم النحر يوم يهراق فيه الدماء ~~ونحلق فيه الشعر ويحل فيه المحرم). # قوله تعالى: { وأذان } عطف على قوله: { برآءة }. ~~قوله تعالى: { أن الله بريء من المشركين ~~ورسوله } أي أن الله ورسوله بريء من المشركين، تقديره: أن ~~الله بريء ورسوله أيضا بريء. ومن قرأ (ورسوله) بالنصب فعلى ~~معنى وأن رسوله بريء. # قوله تعالى: { فإن تبتم فهو خير لكم }؛ أي تبتم ~~من الشرك فهو خير لكم من الإقامة عليه. قوله تعالى: { وإن ~~توليتم }؛ معناه: وإن أعرضتم، { فاعلموا أنكم ~~غير معجزي }؛ فائتين عن؛ { الله }. # وقوله تعالى: { وبشر الذين كفروا بعذاب أليم }؛ ~~تكرار للوعيد، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (كنت مع علي ~~رضي الله عنه حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالبراءة إلى مكة) فقيل لأبي هريرة: بم إذا كنتم ~~تنادون؟ قال: (كنا ننادي: أنه لا يدخل الجنة ~~إلا مؤمن، ولا يحجن هذا البيت بعد هذا العام ~~مشرك ولا عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عهد فأجله إلى أربعة أشهر، فإذا ~~مضت أربعة أشهر فإن الله بريء من عهد ~~المشركين ورسوله). ### || [9.4] # قوله تعالى: { إلا الذين عاهدتم من المشركين ~~ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا ms0936 ~~فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم }؛ استثناء من ~~الله تعالى من قوله: # برآءة من الله ورسوله # [التوبة: 1] وأراد بقوله: { إلا الذين عاهدتم من ~~المشركين ثم لم ينقصوكم } بني ضمرة وهم حي من ~~بني كنانة عاهدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم عام الحديبية ~~عند البيت، وكان بقي لهم من عهدهم تسعة من بعد يوم النحر من ~~السنة التي حج فيها أبو بكر رضي الله عنه، وكانوا لم ينقضوا شيئا ~~من عهودهم، ولم يمالوا عدوا على رسول الله عليه السلام، فأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن - أبقى - لهم بعهدهم إلى آخر ~~مدتهم. # قوله تعالى: { إن الله يحب المتقين }؛ أي يرضى ~~عمل الذين يتقون نقض العهد. قرأ عطاء (ينقضوكم) بالضاد ~~المعجمة من نقض العهد. ### || [9.5] # قوله تعالى: { فإذا انسلخ الأشهر الحرم ~~فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } إذا مضت الأشهر ~~التي حرم الله القتال بالعهد فيها، { فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم وخذوهم }؛ يقال أراد بذلك الأشهر ~~الحرم المعروفة؛ وهي: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم، كأنه ~~قال: فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم في ~~الحل أو في الحرم، وخذوهم؛ أي أأسروهم، { واحصروهم }؛ أي ~~احبسوهم، ويقال: أراد بذلك أن يحال بينهم وبين البيت؛ أي ~~امنعوهم دخول مكة. وقوله تعالى: { واقعدوا لهم كل ~~مرصد }؛ أي اقعدوا القتال على كل طريق يأخذون فيه إلى البيت ~~أو إلى التجارة، وهو أمر بتضييق السبيل عليهم. # قوله تعالى: { فإن تابوا وأقاموا الصلوة ~~وءاتوا الزكوة فخلوا سبيلهم } معناه: فإن تابوا عن ~~الشرك، وقبلوا إقام الصلاة وإيتاء الزكاة فأطلقوهم، { إن ~~الله غفور }؛ لما سلف من شركهم، { رحيم }؛ بهم حين قبل ~~توبتهم. ### || [9.6] # قوله تعالى: { وإن أحد من المشركين استجارك ~~فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه ~~مأمنه }؛ معناه: وإن أحد من المشركين استأمنك ليسمع دعوتك ~~واحتجاجك بالعدل، فأمنه حتى يسمع كلام الله، فإن أراد أن ~~يسلم فرده إلى موضع أمنه، { ذلك }؛ الأمان لهم، { ~~بأنهم قوم لا يعلمون }؛ أمر الله تعالى. ### || [9.7] # قوله تعالى: { كيف يكون للمشركين عهد عند ~~الله وعند رسوله ms0937 } أي كيف يكون لهم عهد، وهم يضمرون ~~الغدر في عهودهم عند الله وعند رسوله؛ أي لن يكون لهم عهد ~~يجب الوفاء به، { إلا الذين عاهدتم عند المسجد ~~الحرام فما استقاموا لكم }؛ في وفاء العهد فلم ينقضوه ~~كما نقض غيرهم، { فاستقيموا لهم }؛ بوفاء أجلهم، { إن ~~الله يحب المتقين }؛ لنقض العهد. ### || [9.8] # قوله تعالى: { كيف وإن يظهروا عليكم لا ~~يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة }؛ أي كيف يكون لهم العهد، ~~وقال الأخفش: (معناه: كيف لا يقاتلونكم وهم إن ~~يظهروا عليكم لا يحفظوا فيكم قرابة ولا ~~عهدا)، وقال قتادة: (الإل: الحلف)، قال السدي: (هو ~~العهد) ولكنه كرره لما اختلف اللفظان وإن ~~كان معناهما واحد. # قال مجاهد: (الإل هو الله عز وجل) ومنه جبريل ~~وميكائيل، فإن معناهما عبد الله. وأبو بكر لما ~~سمع كلام مسيلمة قال: (هذا كلام ليس هو إل) أي ~~لم يتكلم به الله. وقرأ عكرمة (إيلا) بالياء يعني الله عز ~~وجل، مثل جبريل وميكائيل. # قوله تعالى: { يرضونكم بأفواههم }؛ أي يتكلمون ~~العهد بأفواههم، { وتأبى قلوبهم }؛ إلا نقض العهد، { ~~وأكثرهم فاسقون }. أي متمادون في الكفر. ### || [9.9] # قوله تعالى: { اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا }؛ ~~أي اختاروا على القرآن عرضا يسيرا من الدنيا، { فصدوا ~~عن سبيله إنهم سآء ما كانوا يعملون } فصرفوا ~~الناس عن طاعة الله؛ فبئس العمل عملهم، وذلك أنهم نقضوا ~~العهد الذي بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم بأكلة ~~أطعمهم إياها أبو سفيان. ### || [9.10] # قوله تعالى: { لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ~~ذمة }؛ فإن قيل: لم أعاد قوله تعالى: { لا يرقبون في ~~مؤمن إلا ولا ذمة }؟ قيل: ليس هذا بإعادة؛ لأن الأول ~~ورد في جميع الكفار الذين نقضوا العهد، والثاني إنما ورد في ~~طائفة من اليهود الذين كانوا ينقضون العهد، فإن هذه الطائفة منهم ~~الذين اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا؛ فإنهم كانوا يكتمون صفة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء من المواكلة كانوا يأخذونها من ~~سفلتهم، وكانوا يأخذون الرشاء على الحكم الباطل، ويغيرون ~~أحكام الله التي أنزلها على أنبيائهم. وقوله تعالى: ms0938 { ~~وأولئك هم المعتدون }؛ يعني في نقض العهد. ### || [9.11] # قوله تعالى: { فإن تابوا وأقاموا الصلوة ~~وءاتوا الزكوة فإخونكم في الدين }؛ أي فإن تابوا ~~عن الكفر وقبلوا إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، فهم إخوانكم في ~~دين الإسلام، { ونفصل }؛ ونأتي ب، { الأيت }؛ أية بعد ~~آية، { لقوم يعلمون }؛ أمر الله وأحكامه. ### || [9.12] # قوله تعالى: { وإن نكثوا أيمانهم من بعد ~~عهدهم }؛ أي نقضوا أيمانكم والحلف من بعد العهود التي ~~عاهدتهم أن لا يقاتلوك ولا يعينوا عليك ولا على حلفائك، { ~~وطعنوا في دينكم }؛ الإسلام وعابوه، وذلك أنهم قالوا: ليس ~~دين محمد بشيء، { فقاتلوا أئمة الكفر }؛ أي ~~رؤوس الكفر؛ { إنهم لا أيمان لهم }. # قال ابن عباس: (نزلت في أبي سفيان والحارث بن هشام ~~وسهيل بن عمرو وعكرمة بن أبي جهل وسائر رؤساء ~~قريش الذين ينقضون العهد، وهم الذين هموا ~~بإخراج الرسول). وقال مجاهد: (هم أهل فارس والروم). # وقوله تعالى: { إنهم لا أيمان لهم } أي لا عهود لهم؛ ~~جمع يمين، وقال قطرب: (لا وفاء لهم بالعهد). وقرأ ~~الحسن وعطاء وابن عامر (لا إيمان) بكسر الهمزة؛ أي لا تصديق ~~لهم، قال عطية: (لا دين لهم) أي هم قوم كفار. وقيل: ~~معناه: لا أمان لهم فلا تؤمنوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم، ~~فيكون مصدر أمنته إيمانا. قوله تعالى: { لعلهم ~~ينتهون }؛ أي ليرجى منهم الانتهاء عن الكفر ونقض العهد. # وفي الآية بيان أن أهل العهد متى خالفوا أشياء مما عاهدوهم عليه ~~فقد نقض العهد، وأما إذا طعن واحد منهم في الإسلام: فإن كان ~~شرط في عهودهم أن لا يذكروا كتاب الله ولا يذكرون محمدا صلى ~~الله عليه وسلم بما لا يجوز، ولا يفتنوا مسلما عن دينه ولا ~~يقطعوا عليه طريقا ولا يعينوا أهل الحرب بدلالة على المسلمين، ~~فإنهم إذا فعلوا ذلك في عهودهم وطعنوا في القرآن وشتموا ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ففيه خلاف بين الفقهاء. # قال أصحابنا: يعذرون ولا يقتلون، واستدلوا بما روى أنس بن ~~مالك رضي الله عنه: # " أن امرأة يهودية أتت النبي صلى الله عليه وسلم ~~بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء ms0939 فقيل: ألا ~~تقتلوها؟ قال: " لا " " # ولحديث عائشة: # " أن قوما من اليهود دخلوا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقالوا: السام عليك! ففهمت عائشة ~~فقالت: وعليكم السام واللعنة، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " مهلا يا عائشة! فإن الله عز وجل ~~يحب الرفق في الأمر كله " فقالت: يا رسول الله ~~ألم تسمع ما قالوا؟! فقال: " بلى قد قلت: عليكم ~~" ولم يقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك. فذهب مالك إلى أن ~~من شتم النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود والنصارى قتل إلا ~~أن يسلم ". ### || [9.13] # قوله تعالى: { ألا تقاتلون قوما نكثوا ~~أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدءوكم ~~أول مرة }؛ قال ابن عباس: (ذلك أن قريشا أعانوا ~~بني الوليد بن بكر وكانوا حلفاءهم على خزاعة؛ ~~وخزاعة حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم فهزموا ~~خزاعة، فجاء وفد خزاعة إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأخبره بالقصة، وناشدوا حلفه فقال قائلهم: # يا رب إني ناشد محمدا # حلف أبينا وأبيه الأتلدا # كنا والدا وكنت ولدا # ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا # فانصر هداك الله نصرا أبدا # وادع عباد الله يأتوا مددا # فيهم رسول الله قد تجردا # إن قريشا أخلفوك الموعدا # ونقضوا ميثاقك المؤكدا # وبيتونا بالوتير هجدا # نتلوا القرآن ركعا وسجدا # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " " لا نصرت إن لم أنصركم " فقال أبو بكر رضي الله عنه: ~~يا رسول الله أتنصرهم على قومنا؟! قال: " لا ~~نصرت إن لم أنصرهم " ثم أمر الناس أن يتجهزوا ~~إلى فتح مكة، ففتحها الله تعالى على يديه ". # وأحل رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ القتال ~~لخزاعة ولم يحله لأحد غيرهم، فذلك قوله ~~تعالى: { ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم } أي ~~نقضوا عهودهم يعني قريشا، { وهموا بإخراج الرسول } ~~من مكة حين اجتمعوا على قتله في دار الندوة { وهم بدءوكم ~~أول مرة } أي هم الذين بدأوا بنقض العهد حين قاتلوا خزاعة ~~حلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، { أتخشونهم }؛ أي ~~تخافون أن ينالكم مكروه في قتالهم فتتركوا قتالهم، { فالله ~~أحق أن ms0940 تخشوه }؛ تخافوه في ترككم لقتالهم، { إن كنتم ~~مؤمنين }؛ مصدقين بعقاب الله وثوابه. ### || [9.14-15] # قوله تعالى: { قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ~~}؛ أي قاتلوا أهل مكة يعذبهم الله بأيديكم بالسيف، { ~~ويخزهم }؛ أي يذلهم، { وينصركم عليهم ويشف ~~صدور قوم مؤمنين }؛ يعني بني خزاعة يوم فتح مكة الذين ~~قاتلهم بنو بكر، { ويذهب غيظ قلوبهم }؛ بني خزاعة، ~~فشفى الله صدور بني خزاعة وأذهب غيظ قلوبهم؛ أي كربها ~~ووجدها. # وقوله تعالى: { ويتوب الله على من يشآء }؛ استثناء كلام ~~الله؛ أي يتوب الله على من يشاء من أهل مكة فيهديه للإسلام، { ~~والله عليم }؛ بجميع الأشياء، { حكيم }؛ في جميع الأمور. ### || [9.16] # قوله تعالى: { أم حسبتم أن تتركوا ولما ~~يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من ~~دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة }؛ ~~معناه: إن ظننتم أيها المؤمنون أن تتركوا على الإقرار ~~والتصديق فلا تؤمروا بالجهاد، قوله: { ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم } أي ولما ير الله جهادكم حين ~~تجاهدون، ولما ير الله الذين لم يتخذوا منكم من الكفار بطانة ~~يفشون إليهم سرهم وأمرهم. وكان الله تعالى قد علم أمرهم ~~بالقتال، من يقاتل ممن لا يقاتل، ولكنه يعلم ذلك عيانا، ~~وأراد العلم الذي يجازى عليه وهو علم المشاهدة؛ لأنه يجازيهم ~~على عملهم لا على علمه فيهم. # والوليجة: المدخل في القوم من غيرهم؛ من ولج شيء يلج ~~إذا دخل. والخطاب في الآية للمؤمنين حين شق على بعضهم القتال ~~وكرهوا، فأنزل الله هذه الآية { أم حسبتم أن تتركوا } ~~فلا تؤمروا بالجهاد وتمتحنوا به؛ ليظهر الصادق من الكاذب، ~~والمطيع من العاصي، وقال قتادة: (معنى وليجة أي خيانة)، ~~وقال الضحاك: (خديعة)، وقال ابن الأنباري: (الوليجة: ~~الدخيلة)، وقال عطاء: (أولياء)، قال الحسن: (كفر ونفاق). ~~وقيل: الوليجة: الرجل من يختص يدخله مودة دون الناس، يقال: ~~هو وليجة وهم وليجة، للواحد والجمع. قوله تعالى: { ~~والله خبير بما تعملون }؛ أي عالم بأعمالكم، وفي هذا ~~تهديد للمنافقين وعظة للمخلصين. ### || [9.17-18] # قوله تعالى: { ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد ~~الله }؛ قال ابن عباس: (لما أسر العباس يوم بدر، ~~أقبل ms0941 عليه المسلمون يعيرونه بالكفر وقطيعة ~~الرحم وعون المشركين على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وأغلظ علي رضي الله عنه القول له، فقال ~~العباس: ما لكم تذكرون مساوءنا ولا تذكرون ~~محاسننا؟! فقال له علي رضي الله عنه: ألكم محاسن؟! ~~قال: نعم؛ إن كنتم تجاهدون الأعداء مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فنحن نعمر المسجد الحرام، ~~ونحجب الكعبة، ونسقي الحاج، ونفك الأسير، ~~فنحن أفضل منك أجرا. فانزل الله هذه الآية ردا ~~على العباس). ومعناها: ما كان للمشركين أن يقوموا بعمارة ~~المسجد، وأن المساجد لله. والعمارة على وجهين؛ تذكر ويراد بها ~~البناء وتجديد ما انهدم منها، ويؤنث ويراد بها الزيادة، ومن ~~ذلك العمرة ومعناها زيارة البيت، فانتظمت الآية، نهى المشركين ~~على بناء المساجد وعن عمارتها بالطاعة، فإنهم إنما يعمرونها ~~بعبادة الأوثان ومعصية الله. # ومن قرأ (مسجد الله) على التوحيد أراد المسجد الحرام خاصة ~~وهي قراءة ابن كثير وأبي عمرو ومجاهد وسعيد بن جبير وقراءة ابن ~~عباس، وقرأ الباقون (مساجد) بالجمع، وإنما قال (مساجد) لأنه ~~قبلة المساجد كلها. وقيل لعكرمة: لم تقرأ (مساجد) ~~وإنما هو مسجد واحد؟ فقال: (إن الصفا والمروة ~~من مساجد الله). # قوله تعالى: { شاهدين على أنفسهم بالكفر }؛ ~~نصب (شاهدين) على الحال على معنى: ما كانت لهم عمارة المسجد في ~~حال إقرارهم بالكفر، وهم كانوا لا يقولون نحن كفار، ولكن كان ~~كلامهم يدل على كفرهم، وهذا كما يقال للرجل: كلامك يشهد أنك ~~ظالم، وهو قول الحسن، وقال السدي: (شهادتهم على ~~أنفسهم بالكفر، أن اليهودي لو قلت له: ما ~~أنت؟ قال: يهودي، ويقول النصراني: هو ~~نصراني، ويقول المجوسي: هو مجوسي). # وقيل: شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم لأصنامهم وإقرارهم ~~أنها مخلوقة. قوله تعالى: { أولئك حبطت أعمالهم ~~}؛ معناه: إن الكفر أذهب ثواب أعمالهم وهي التي من جنس طاعة ~~المسلمين. قوله تعالى: { وفي النار هم خالدون }؛ ظاهر ~~المراد. # ثم بين الله تعالى من يكون أولى بعمارة المسجد الحرام: ~~قوله تعالى: { إنما يعمر مساجد الله من آمن ~~بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ~~ولم ms0942 يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من ~~المهتدين }؛ معناه: إنما يعمر مساجد الله بطاعة الله من كان ~~في هذه الصفة، قوله: { وأقام الصلاة } يعني إقام الصلاة ~~المفروضة { وآتى الزكاة } الواجبة في ماله، وقوله تعالى: { ~~ولم يخش إلا الله } أي لم يخف من غير الله، ولم يرج ~~إلا ثوابه، وكلمة عسى من الله واجبة، والفائدة في ذكرها في آخر ~~هذه الآية ليكون الإنسان على حذر من فعل ما يحبط ثواب عمله. ### || [9.19] # قوله تعالى: { أجعلتم سقاية الحاج وعمارة ~~المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر }؛ ~~روي عن ابن عباس أنه قال: (قال العباس: لئن كنتم ~~سبقتمونا بالإسلام والهجرة والجهاد، لقد كنا ~~نعمر المسجد الحرام ونسقي الحاج. فأنزل الله ~~هذه الآية). يعني أن ذلك كان منكم في الشرك ولا أقبل ما ~~كان في الشرك. وروي أن المشركين قالوا: عمارة المسجد الحرام ~~وقيام على السقاية خير ممن آمن وجاهد. وكانوا يفتخرون ~~بالحرم، ويستكبرون به من أجل أنهم أهله وعماره، فأنزل الله ~~هذه الآية، وأخبرهم أن عمارتهم المسجد الحرام وقيامهم على ~~السقاية لا ينفعهم عند الله من الشرك بالله. # وقال الحسن: (نزلت هذه الآية في علي والعباس ~~وطلحة بن شيبة من بني عبد الدار، وذلك أنهم ~~افتخروا، فقال طلحة: أنا صاحب البيت، بيدي ~~مفتاحه، قال العباس: أنا صاحب السقاية، وقال ~~علي: أنا صاحب الجهاد. فأنزل الله هذه الآية: { ~~أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام } ~~أي أجعلتم صاحب سقاية الحاج وصاحب عمارة المسجد الحرام كإيمان ~~من آمن بالله واليوم الآخر، { وجاهد في سبيل الله لا ~~يستوون عند الله }؛ وقيل: معناه: أجعلتم ساقي الحاج ~~وعامر المسجد الحرام، جعل السقاية بمعنى الساقي، والعمارة بمعنى ~~العامر، كقوله: # والعاقبة للتقوى # [طه: 132] أي للمتقين. # وقرأ عبدالله بن الزبير وأبي: (أجعلتم سقاة الحاج ~~وعمرة المسجد الحرام) على جميع الساقي والعامر. ~~قوله تعالى: { والله لا يهدي القوم الظالمين }؛ ~~أي لا يرشدهم إلى الحجة ما داموا مصرين على الكفر، ولا ~~يرشدهم إلى الجنة والثواب. ### || [9.20] # قوله تعالى: { الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في ms0943 ~~سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند ~~الله }؛ معناه: الذين صدقوا بتوحيد الله، وهاجروا من أوطانهم ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاهدوا العدو في طاعة الله ~~أعظم درجة عند الله، وهذا كقوله تعالى: # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن ~~مقيلا # [الفرقان: 24]. قوله تعالى: { وأولئك هم الفائزون ~~}؛ معناه: إن المهاجرين هم الظافرون بأمانهم من الخير، ~~الناجون من النار. ### || [9.21-22] # قوله تعالى: { يبشرهم ربهم برحمة منه ~~ورضوان وجنات }؛ أي يبشرهم ربهم في الدنيا على ~~ألسنة الرسل نجاة من العذاب في الآخرة، ورضوان عنهم ويبشرهم ~~بجنات، { لهم فيها نعيم مقيم }؛ دائم لا يزول عنهم. ~~وقوله تعالى: { خالدين فيهآ أبدا }؛ أي دائمين فيها ~~أبدا مع كون النعيم مقيما لهم، { إن الله عنده أجر ~~عظيم }؛ أي ثواب كثير في الجنة. ### || [9.23] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~آبآءكم وإخوانكم أوليآء إن استحبوا الكفر ~~على الإيمان }؛ نزلت في المهاجرين، ومعناه: لا تتخذوا ~~آباءكم وإخوانكم الذين بمكة أولياء، تنصرون بهم وتنصرونهم إن ~~اختاروا الكفر على الإيمان، { ومن يتولهم منكم ~~فأولئك هم الظالمون }؛ إنما جعل الظالمين لموالاة ~~الكفار؛ لأن الراضي بالكفر يكون كافرا، وعن الضحاك: (لما أمر ~~الله المؤمنين بالهجرة وكانوا قبل الفتح بمكة ~~من آمن ولم يهاجر، لم يقبل الله إيمانه إلا ~~بمهاجرة الآباء والأقرباء أي بمجانبتهم إذا ~~كانوا كفارا، فقال المسلمون: يا رسول الله! إن ~~نحن اعتزلنا من خالفنا في الدين، انقطع آباؤنا ~~وعشيرتنا، وتذهب تجارتنا وتخرب ديارنا؟ ~~فأنزل الله هذه الآية). # وقال الكلبي: (لما أمر الله النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالهجرة إلى المدينة، جعل الرجل يقول لأخيه ~~وأبيه وامرأته وأقربائه: إنا قد أمرنا بالهجرة ~~إلى المدينة فاخرجوا معنا إليها، فمنهم من ~~يعجبه ذلك فينازع إليه معهم، ومنهم من ~~يأبى أن يهاجر فيقول الرجل لهم: والله لا ~~أنفعكم بشيء ولا أعطيكم ولا أنفق عليكم، ~~ومنهم من تتعلق به زوجته وولده وعياله، ~~فيقولون له: ننشدك الله أن لا تضيعنا، فيرق ~~ويجلس ويترك الهجرة، فأنزل الله هذه الآية { ~~يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا آبآءكم ms0944 ~~وإخوانكم أوليآء } أي أصدقاء فتفشون إليهم سركم ~~وتؤثرون المقام معهم على الهجرة والجهاد إن استحبوا الكفر على ~~الإيمان، ومن يتولهم منكم فيطلعهم على عورة الإسلام وأهله، ~~ويؤثر المكث معهم على الهجرة، { فأولئك هم ~~الظالمون } أي القاضون الواضعون الولاية في غير موضعها. ### || [9.24] # قوله عز وجل: { قل إن كان آباؤكم وأبنآؤكم ~~وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم }؛ أي قل يا محمد ~~للذين تركوا الهجرة إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم ونساؤكم ~~وقراباتكم، { وأموال اقترفتموها }؛ اكتسبتموها بمكة ~~وأصبتموها، { وتجارة تخشون كسادها }؛ أي عدم نفاقها إذا ~~اشتغلتم بطاعة الله، { ومساكن ترضونهآ }؛ ومنازل ~~تعجبكم الإقامة بها بمكة، { أحب إليكم من }؛ طاعة، { ~~الله ورسوله }؛ بالهجرة إلى المدينة، { وجهاد في ~~سبيله } ، وأحب إليكم من الجهاد في طاعة الله، { فتربصوا ~~حتى يأتي الله بأمره } ، أي فانتظروا حتى يأتي الله ~~بفتح مكة، ويقال: حتى يأتي الله بعذاب عاجل أو آجل، { والله ~~لا يهدي القوم الفاسقين }؛ أي لا يرشد الخارجين عن طاعته ~~إلى معصيته، ولا يهديهم إلى جنته وثوابه. ### || [9.25] # قوله تعالى: { لقد نصركم الله في مواطن ~~كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم ~~تغن عنكم شيئا }؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خرج من مكة بعد ما فتحها، وكان انفتاحها في ~~بقية أيام رمضان، فمكث بها حتى دخل شوال ~~متوجها إلى حنين، وبعث رجلا من بني سليم عينا ~~له يقال له عبدالله بن أبي حدرد، فأتى حنينا ~~فكان بينهم يسمع أخبارهم، فسمع مالك بن عوف ~~يقول لأصحابه: أنتم اليوم أربعة آلاف رجل، فإذا ~~لقيتم العدو فاحملوا عليهم حملة رجل واحد، ~~فوالله لا تضربون بأربعة آلاف سيف شيئا إلا ~~أفرج لكم. وكان مالك بن عوف على هوازن، وكنانة ~~بن عبد ياليل على ثقيف، فأقبل ابن أبي حدرد ~~حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ~~بمقالتهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم متوجها ~~إليهم في عشرة آلاف رجل، كذا قال الكلبي. # وقال مقاتل: (كانوا أحد عشر ألفا وخمسمائة)، وقال ~~قتادة: # " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ms0945 لقتال ~~هوازن وثقيف في اثني عشر ألفا من المهاجرين ~~والأنصار، وألفين من الطلقاء، فقال رجل من ~~المسلمين يقال له سلمة بن سلامة: يا رسول الله ~~لا نغلب اليوم من قلة، فساءت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم كلمته وابتلى الله المسلمين بذلك، فلما ~~التقوا حمل العدو عليهم حملة واحد، فلم ~~يقوموا لهم حلب الشاة أن انكشفوا وتبعهم ~~القوم في أدبارهم. # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته ~~البيضاء وأبو سفيان بن الحارث يقود به، ~~والعباس أخذ بالثغر، وحول رسول الله يومئذ ~~نحو من ثلاثمائة رجل من المسلمين وانهزم ~~سائر المسلمين عنه، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~يركض بغلته نحو الكفار لا يأل، وكانت ~~بغلته شهباء وهو ينادي: " يا معشر المهاجرين ~~ويا معشر الأنصار إلي، أين أصحاب الصفة " أي ~~أصحاب سورة البقرة. # وكان العباس ينادي: يا معشر المهاجرين، أين ~~الذين بايعوا تحت الشجرة، يا معشر الذين آووا ~~ونصروا، هلموا فإن هذا رسول الله. وكان ~~العباس صيتا جهوري الصوت، يروي أنه من شدة ~~صوته أنه أغير يوما على مكة فنادى واصبحاه، ~~فأسقطت كل حامل سمعت صوته. # فلما صاح بالمسلمين عطفوا حين سمعوا صوته ~~عطفة البقر على أولادها، وقال: لبيك لبيك، ~~وجاؤا عنقا واحدا لنصر دين الله، وأقبل ~~المشركون ليطفؤا نور الله، فأنزل الله تعالى من ~~السماء جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا ~~وأظهر المسلمين عليهم، وحمي الوطيس، وكان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته يتطاول إلى ~~قتالهم، ثم أخذ كفا من الحصى فرماهم به وقال: ~~" شاهت الوجوه، انهزموا ورب الكعبة " فوالله ما ~~زال أمرهم مدبرا وجدهم كليلا، وهرب حينئذ ~~آمرهم مالك بن عوف ". # وقال أبي اسحاق: # " قلت للبراء: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حين ولى المسلمون معهم موليا؟ قال: لا والذي ~~لا إله إلا هو، ما ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~دبرا قط، ولقد رأيته على بغلته البيضاء ~~يركض نحو الكفار وهو يقول: " أنا النبي لا ~~كذب، أنا ابن عبد المطلب " ثم ms0946 قال للعباس: " ~~ناد يا معشر الأنصار، يا معشر المهاجرين " فعطف ~~المسلمون عليه مسرعين، فأنزل الله جنده ~~ونصر عبده وهزم المشركين ونصر المسلمين ". # قال سعيد بن جبير: (أمد الله نبيه صلى الله عليه وسلم ~~بخمسة آلاف ملك)، وقال الحسن ومجاهد: (كانوا ثمانية ~~آلاف)، قال قتادة: (كانوا ستة عشر ألفا)، وقال سعيد بن ~~جبير: # " حدثني رجل كان في المشركين يوم حنين، قال: ~~لما التقينا نحن وأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~لم يقف لنا حلب شاة، فلما كشفناهم جعلنا ~~نسوقهم حتى انتهينا إلى صاحب البغلة الشهباء - ~~يعني - النبي صلى الله عليه وسلم تلقانا رجال بيض الثياب ~~حسان الوجوه، فقالوا: شاهت الوجوه ارجعوا، ~~فرجعنا وركبوا أكتافنا فكانت اياها " # يعني الملائكة. # وروي أن الملائكة قاتلت يومئذ، في الخبر: أن رجلا من بني نضر ~~بن معاوية قال للمؤمنين وهو في أيديهم: أين الخيل البلق؟ والرجال ~~عليهم الثياب البيض؟ ما كنا نراكم فيهم إلا كهيئة الشامة، وما ~~كان قتلنا إلا بأيديهم، فأخبروا بذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقال: " تلك الملائكة ". # قال: # " فلما هرب أمير المشركين مالك بن عوف انهزم المشركون وولوا ~~مدبرين، وانطلق المسلمون حتى أتوا أوطاسا بها عيال المشركين ~~وأموالهم، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم على المسلمين رجلا من ~~الأشعريين أمره عليهم يقال له أبو عامر، فسار معهم إلى أوطاس ~~فقاتل أهلها حتى هزمهم الله وسبى المسلمون عيال المشركين، وهرب ~~مالك ابن عوف حتى أتى إلى الطائف فتحصن بها، وأخذ ماله وأهله ~~في من أخذ، وقتل أبو عامر رضي الله عنه. ثم أتى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الطائف فحاصرهم بقية ذلك الشهر، فلما دخل ذو ~~القعدة وهو شهر حرام لا يحل فيه القتال، رجع رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إلى الجعرانة فأحرم منها بعمرة، وقسم بها السبي ~~والمال وغنائم حنين وأوطاس. # وتألف أناس منهم أبو سفيان بن حرب، وسهل بن عمرو، والأقرع بن ~~حابس، فأعطاهم وجعل يعطي الرجل منهم الخمسين والمائة من الإبل، ~~فقال طائفة من الأنصار: من ms0947 الرجل وآثر قومه بالعجب، إن ~~أسيافنا تقطر من دمائهم وغنائمنا ترد عليهم. فبلغ ذلك رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فجمعهم وقال: " يا معشر الأنصار ما ~~هذا الذي بلغني عنكم؟ " فقالوا: هو الذي بلغك، ~~وكانوا يكذبون، فقال: " ألم تكونوا ضلالا ~~فهداكم الله بي؟ وكنتم أذلة فأعزكم الله بي؟ ~~وكنتم وكنتم؟ ". # فقال سعد بن عبادة: ائذن لي أتكلم يا رسول ~~الله؟ قال: " تكلم " قال: أما قولك " كنتم ضلالا ~~فهداكم الله بي " بحق كنا كذلك، وأما قولك: " ~~كنتم أذلة فأعزكم الله بي " فقد علمت العرب ~~أنه ما كان حي من أحياء العرب أمنع لما وراء ~~ظهورهم منا، فقال عمر: يا سعد أتدري من تكلم؟ ~~قال: نعم يا عمر أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لو سلكت ~~الأنصار واديا وسلكت الناس واديا لسلكت وادي ~~الأنصار، الأنصار كرشي وعيبتي، فاقبلوا من ~~محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم " ثم قال: " يا ~~معشر الأنصار أما ترضون أن ينقلب الناس بالشاة ~~والإبل وتنقلبون برسول الله إلى بيوتكم؟ " قالوا: ~~بلى رضينا يا رسول الله، والله ما قلنا ذلك إلا ~~محبة لله ولرسوله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم ". فلما ~~قدم النبي صلى الله عليه وسلم قام خطيبا فقال: " أما خطيب ~~الأنصار؛ ولو قال: كنت طريدا فآويناك، وكنت ~~خائفا فآمناك، وكنت مخذولا فنصرناك، وكنت ~~وكنت، لكان قد صدق " فبكت الأنصار " # ، وكان مالك بن عوف بعد ذلك ممن أفتتح عامة الشام. # قوله تعالى: { في مواطن كثيرة } أي لقد أعانكم الله ~~على أعدائكم في مواضع كثيرة من قتال بدر وحرب بني قريظة والنضير ~~وحنين وفتح مكة. قوله: { ويوم حنين } أي وأعانكم يوم ~~حنين، وحنين: اسم واد بين مكة والطائف، وأضيف اليوم إلى ~~حنين لوقوع الحرب يومئذ بها. # وقوله تعالى: { إذ أعجبتكم كثرتكم } إذ سرتكم، ~~والإعجاب هو السرور والتعجب، فلم تغن عنكم كثرتكم شيئا ولا ~~دفعت عنكم سوءا. قوله تعالى: { وضاقت عليكم الأرض ~~بما رحبت }؛ أي ضاقت عليكم الأرض مع ms0948 سعتها من خوف العدو، ~~فلم تجدوا موضعا للفرار إليه. قوله تعالى: { ثم وليتم ~~مدبرين }؛ أي أعرضتم منهزمين لا تلوون على أحد. ~~والإدبار الذهاب إلى الخلف. ### || [9.26] # قوله تعالى: { ثم أنزل الله سكينته على ~~رسوله }؛ أي أنزل أمنه ورحمته على رسوله، { وعلى ~~المؤمنين }؛ حتى عادوا فظفروا. والسكينة في اللغة اسم ~~لما يسكن إليه القلب، وقال الحسن: (أراد بالسكينة ~~الوقار). قوله تعالى: { وأنزل جنودا لم تروها ~~}؛ أي أنزل من السماء ملائكة لنصركم، لم تروها بأعينكم. ~~قوله تعالى: { وعذب الذين كفروا }؛ يعني بالقتل ~~والأسر، { وذلك }؛ العقاب، { جزآء الكافرين }؛ في ~~الدنيا. ### || [9.27] # قوله تعالى: { ثم يتوب الله من بعد ذلك على ~~من يشآء }؛ أي ثم يتوب من بعد الهزيمة على منء يشاء منهم من ~~كان أهلا لذلك، { والله غفور }؛ لما كان منهم في الشرك إذا ~~تابوا { رحيم }؛ بهم في الإسلام. ### || [9.28] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إنما ~~المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد ~~عامهم هذا }؛ معناه: إنما المشركون قذر، وقيل: خبث. ~~والنجس: مصدر أقيم مقام الاسم لا يثنى ولا يجمع، يقال: ~~رجل نجس وامرأة نجس، ورجال ونساء نجس، ولا يؤنث ولا ~~يجمع؛ فلهذا لم يقل إن المشركين أنجاس، وسمى المشرك نجسا؛ ~~لأن شركه يجري مجرى القذر في أنه يجنب الجنب، كما ~~تتجنب النجاسات؛ أي يجب التبرؤ من المشركين وقطع مودتهم. # والنجاسة على ضربين، نجاسة أعيان، ونجاسة الذنوب، وكان الحسن ~~يقول: (لا تصافح المشركين، فمن صافحهم ~~فليتوضأ)، وقال قتادة: (سماهم الله نجسا لأنهم ~~يجنبون ولا يغتسلون، ويحدثون ولا يتوضؤون، ~~فمنع من دخول المساجد؛ لأن الجنب لا يدخل ~~المسجد). # قوله تعالى: { فلا يقربوا المسجد الحرام بعد ~~عامهم هذا } أي لا ينبغي لهم أن يقربوه للحج والطواف بعد ~~هذا العام، وهو العام الذي حج فيه أبو بكر رضي الله عنه، ونادى ~~علي رضي الله عنه فيه ببراءة، وهو سنة تسع من الهجرة، ثم حج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في العام الثاني حجة الوداع في سنة ~~عاشر من الهجرة. قوله تعالى: { فلا يقربوا المسجد ~~الحرام ms0949 } بيان أن المراد بالآية إبعاد المشركين عن المسجد ~~الحرام، كما روي عن علي رضي الله عنه أنه كان ينادي فيهم في ذلك ~~العام: [ألا لا يطوفن بهذا البيت بعد هذا العام ~~مشرك وعريان]. # قال ابن عباس: (فقال أناس من تجار بكر بن وائل ~~وغيرهم من المشركين بعد قراءة علي رضي الله عنه ~~هذه الآية: ستعلمون يا أهل مكة إذا فعلتم هذا ~~ماذا تلقون من الشدة ومن أين تأكلون، أما ~~والله لتقطعن سبلكم، ولا نحمل إليكم شيئا. ~~فوقع ذلك في نفس أهل مكة وشق عليهم، وألقى ~~الشيطان في قلوب المسلمين حزنا وقال لهم: من ~~أين تعيشون وقد نفى المشركين وقطع عنكم ~~الميرة؟ فقال المسلمون: يا رسول الله قد كنا ~~نصيب من تجاراتهم، فالآن ينقطع عنا الأسواق ~~والتجارة ويذهب الذي كنا نصيبهم فيها، ~~فأنزل الله عز وجل قوله تعالى: { وإن خفتم ~~عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله } ) معناه: وإن ~~خفتم فقرا من إبعاد المشركين، { فسوف يغنيكم الله من ~~فضله } بغيرهم، فأخصبت تبالة وجرش وحملوا إلى مكة ~~الطعام والإدام، وأغنى الله أهل مكة من تجار بني بكر. ~~وروي أن أهل نجد وصنعاء من أهل اليمن أسلموا وحملوا إلى مكة ~~الطعام في البحر والبر. # والعيلة: الفقر والصفاق، يقال: عالى الرجل يعيل عليه، ~~قال الشاعر: # ولا يدري الفقير متى غناؤه # ولا يدري الغني متى يعيل # أي يفتقر. وفي مصحف عبدالله (وإن خفتم عائلة فسوف ~~يغنيكم الله من فضله). # وقوله تعالى: { إن شآء }؛ استثناء، فجاء علم الله أنه سيكون ~~لئلا تترك العباد الاستثناء في أمورهم، ولتنقطع الآمال إلى الله ~~في طلب الغنى منه. قوله تعالى: { إن الله عليم حكيم ~~}؛ أي عليم بخلقه وما يصلحهم، حكيم فيما حكم من أمره. ### || [9.29] # قوله عز وجل: { قاتلوا الذين لا يؤمنون ~~بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم ~~الله ورسوله }؛ معناه: قاتلوا اليهود والنصارى الذين لا ~~يؤمنون بآيات الله التي أنزلها على نبيه صلى الله عليه وسلم. ~~وقيل: معنى قوله { لا يؤمنون بالله } ، أي كانوا ~~يصفون الله سبحانه بصفة ms0950 لا تليق به، لأن اليهود مثنية ~~والنصارى مثلثة. وقوله تعالى: { ولا يحرمون ما حرم ~~الله ورسوله } أي لا يحرمون الخمر والخنزير ونحو ذلك مما ~~لم يقروا بتحريمه. # وقوله تعالى: { ولا يدينون دين الحق }؛ أي لا يعتقدون دين ~~الإسلام ولا يخضعون لله بالتوحيد، وقيل: معنى { دين الحق } ~~أي دين الله؛ لأن الله هو الحق. قوله تعالى: { من ~~الذين أوتوا الكتاب }؛ يعني اليهود والنصارى، { حتى ~~يعطوا الجزية عن يد }؛ أي حتى تؤخذ الجزية من أيديهم وهم ~~قيام إذلاء، والآخذ جالس. ويقال: أراد بالقهر، كأنه قال: عن ~~قهر من المسلمين عليهم واعتراف منهم للمسلمين بأن أيدي المسلمين ~~فوق أيديهم، كما يقال: اليد لفلان في هذا الأمر، ويراد به نفاذ ~~أمره. ويحتمل أن يكون المعنى باليد إنعام المسلمين عليهم بقبول ~~الجزية عنهم. ويقال: أراد باليد القوة على معنى أنه ليس على الفقير ~~غير المتمول جزية. # وأما طعن المخالف كيف يجوز إقرار الكفار على كفرهم بأداء الجزية ~~بدلا عن الإسلام؟ فالجواب: أنه لا يجوز أن يكون أخذ الجزية عنهم ~~رضى بكفرهم، وإنما الجزية عقوبة لهم على إقامتهم على الكفر، وإذا ~~جاز إمهالهم بغير الجزية للاستدعاء إلى الإيمان كان إمهالهم ~~بالجزية أولى. قال أبو عبيد: (يقال لكل من أعطى شيئا ~~كرها من غير طيب نفس منه أعطاه عن يد). قال ابن ~~عباس: (هو أن يعطيها بأيديهم يمشون بها كارهين، ~~ولا يجيئون ركبانا ولا يرسلون بها). # قوله تعالى: { وهم صاغرون }؛ أي ذليلون ومقهورون، ~~قال عكرمة: (معنى الصغار هو أن تأخذها وأنت جالس ~~وهو قائم)، وقال الكلبي: (هو أنه إذا أعطى الجزية ~~صفع في قفاه)، وقيل: هو أنه لا يقبل فيها رسالة ولا ~~وكالة. # وتؤخذ الجزية أيضا من الصابئين والسامري؛ لأن سبيلهم في أهل ~~الكتاب سبيل لأهل البدع فينا، وتؤخذ الجزية أيضا من ~~المجوسي؛ لأنه قد قيل إنهم كانوا أهل كتاب فرفع كتابهم، ~~وعن سعيد بن المسب (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ ~~الجزية من مجوس الهجر، وأخذها عمر رضي الله عنه ~~من مجوس أهل السواد). ms0951 # " روي أن عمر رضي الله عنه قال: لا أدري كيف أصنع ~~بالمجوس، فقال له عبدالرحمن ابن عوف رضي الله ~~عنهما: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ~~سنوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحين نساءهم ~~ولا آكلي ذبائحهم " ". ### || [9.30] # قوله عز وجل: { وقالت اليهود عزير ابن الله ~~}؛ الآية؛ أي قالت اليهود حين قرأ عليهم عزير التوراة عن ظهر قلب: ~~إن الله لم يجعل التوراة في قلب أحد إلا وهو ابنه! وعن ابن عباس ~~رضي الله عنه: (أن جماعة من اليهود منهم النعمان ~~بن أوفى، وشاس بن قيس، ومالك بن صيف أتوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له: كيف نتبعك وقد ~~تركت قبلتنا، ولا تزعم أن عزيرا ابن الله ~~تعالى! فأنزل الله هذه الآية). # وقرأ عاصم والكسائي ويعقوب (وقالت اليهود عزير ابن ~~الله) بالتنوين، وقرأ الباقون بغير التنوين، فمن نون قال: لأنه ~~اسم خفيف فوجهه أن يصرف وإن كان أعجميا مثل نوح وهود ولوط، وقال ~~أبو حاتم والمبرد: اختيار التنوين لأنه ليس بصفة والكلام ناقص، ~~و(ابن) في موضع الخبر وليس بنعت، وإنما يحذف التنوين في النعت. ~~ومن ترك التنوين قال لأنه اسم أعجمي. قال الزجاج: (يجوز أن ~~يكون الخبر محذوفا تقديره: عزير ابن الله ~~معبود، على أن يكون (ابن) نعتا للعزير). # قوله تعالى: { وقالت النصارى المسيح ابن الله ~~}؛ هذا قول نصارى نجران، وقوله تعالى: { ذلك قولهم ~~بأفواههم }؛ معناه: أنهم لا يتجاوزون في القول عن العبادة؛ ~~أي المعنى إذ لا برهان لأنهم يعترفون أن الله لا يتخذ صاحبة، ~~فكيف تزعمون أن له ولدا. قوله تعالى: { يضاهئون قول ~~الذين كفروا من قبل }؛ أي يشابهون في قول ذلك قول ~~أهل مكة حين قال: اللات والعزى ومناة. وقيل: أراد ~~يشابهون قول الكفار الذين يقولون الملائكة بنات الله. # قرأ عاصم (يضاهئون) بالهمز، وقرأ العامة بغير همز، يقال: ~~ضاهيته وضاهأته بمعنى واحد، وقال قتادة والسدي: (ضاهت ~~النصارى قول اليهود من قبل، فقالت النصارى: ~~المسيح ابن الله، كما قالت اليهود: عزير ابن ~~الله). # قوله تعالى: ms0952 { يضاهئون } أي يشابهون، يقال: امرأة ~~أضهيأ إذا شابهت الرجل في أنها لا ثدي لها ولا تحيض. قوله ~~تعالى: { قاتلهم الله }؛ أي لعنهم الله، كذا قال ابن ~~عباس، وقال ابن جريج: (معناه قتلهم الله)، { أنى ~~يؤفكون }؛ أي أنى يكذبون ويصدفون عن الحق بعد قيام ~~الدلالة عليه. ### || [9.31] # قوله تعالى: { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ~~أربابا من دون الله }؛ اتخذ النصارى واليهود علماءهم ~~وعبادهم أربابا؛ أي أطاعوهم في معاصي الله، فجعل الله طاعتهم ~~عبادتهم؛ لأنهم اتبعوهم وتركوا أوامر الله ونواهيه في كتبهم، ~~قال الضحاك: (الأحبار: العلماء) واحدهم حبر وحبر ~~بكسر الحاء وبفتحها، والكسر أفصح، والرهبان ~~من النصارى: أصحاب الصوامع وأهل الاجتهاد في ~~دينهم. وقوله تعالى: { أربابا من دون الله } أي سادة ~~من دون الله يطيعونهم في معاصي الله. وأما تسمية العالم حبرا ~~فلكثرة كتابته بالحبر، وقيل: لتبحيره المعاني بالبيان ~~الحسن. وأما الراهب فهو الخاشع لله. # وقوله تعالى: { والمسيح ابن مريم }؛ أي اتخذ المسيح ~~إلها. وقوله تعالى: { ومآ أمروا إلا ليعبدوا ~~إلها واحدا }؛ أي لم يؤمروا في جميع الكتب ولا على ~~ألسنة الرسل إلا بعبادة إله واحد، وقوله تعالى: { لا ~~إله إلا هو سبحانه عما يشركون } أي تنزيها ~~لله عن الشرك وما لا يليق به. ### || [9.32] # قوله تعالى: { يريدون أن يطفئوا نور الله ~~بأفوههم }؛ أي يريدون أن يرد القرآن ودلائل الإسلام ~~بالتكذيب بألسنتهم، وقال الضحاك: (يريد اليهود والنصارى ~~أن يهلك محمد وأصحابه ولا يعبد الله بالإسلام) ~~{ ويأبى الله إلا أن يتم نوره }؛ ويعلي دينه ~~وكلماته ويظهر الإسلام وأهله على أهل كل دين، { ولو ~~كره الكفرون }؛ ذلك. ### || [9.33] # قوله تعالى: { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ~~ودين الحق ليظهره على الدين كله }؛ أي هو الذي ~~بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالقرآن ودين الإسلام، ليظهره ~~على سائر الأديان بالحجة والغلبة، { ولو كره المشركون ~~}. واختلف العلماء في قوله { ليظهره }. قال ابن عباس: ~~(إنها عائدة على الرسول، يعني ليعمه بشرائع ~~الدين كله فيظهره عليها حتى لا يخفى عليه ~~شيء منها). قال آخرون: (الهاء) راجع الى دين الحق. ### || [9.34] # قوله ms0953 تعالى: { يأيها الذين آمنوا إن كثيرا ~~من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس ~~بالباطل }؛ معناه: يا أيها الذين آمنوا بمحمد صلى الله ~~عليه وسلم والقرآن إن كثيرا من الأحبار وهم من ولد هارون، قوله: { ~~والرهبان } وهم أصحاب الصوامع وهم دون الأحبار في العلم، ~~قوله تعالى: { ليأكلون أموال الناس بالباطل } ~~أرادوا به أخذ الرشا على الحكم، وما كان لهم من الهدايا من ~~سفلتهم على كتمان بعث النبي صلى الله عليه وسلم وصفته، ~~هكذا روي عن ابن عباس، وقال السدي: (الأحبار علماء ~~اليهود، والرهبان أصحاب الصوامع من النصارى). # وأما تخصيص الأكل في الآية، فلأن معظم المقصود من التمليك ~~الأكل، فوضع الأكل موضع الملك. قوله تعالى: { ~~ويصدون عن سبيل الله }؛ أي يصرفون الناس عن دين ~~الله. # قوله تعالى: { والذين يكنزون الذهب والفضة ~~ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب ~~أليم }؛ أي يجمعونها ويضعون بعضها فوق بعض؛ ولا ينفقون ~~الكنوز في طاعة الله. وقيل: معناه: ولا ينفقون الفضة، ~~وحذف الذهب؛ لأن في بيان أحدهما حكم الآخر، كما قال تعالى: # وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها # [الجمعة: 11]، والدليل على أن هذه الكناية راجعة إلى الذهب ~~والفضة جميعا أنها لو رجعت إلى أحدهما لبقي الآخر عاريا ~~عن الجواب، فيصير كلاما منقطعا لا معنى له، وتقدير الآية: لا ~~ينفقون منها؛ أي لا يؤدون زكاتهما ولا يخرجون حق الله ~~منهما، إلا أنه حذف (من) وأراد إثباتها، بدليل أنه تعالى قال في ~~آية أخرى # خذ من أموالهم صدقة # [التوبة: 103] قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " في مائتي درهم خمس دراهم، وفي عشرين مثقالا ~~من الذهب نصف مثقال " # ولو كان الواجب إنفاق جميع المال لم يكن لهذا التقدير وجه. # وسمي الذهب ذهبا؛ لأنه يذهب ولا يبقى، وسميت فضة لأنها ~~تنفض؛ أي تفرق ولا تبقى، وحسبك باسمهن دلالة على ~~فنائهما وأنه لا بقاء لهما. # وقوله تعالى: { فبشرهم بعذاب أليم } أي ضع الوعيد لهم ~~بالعذاب موضع بشارة بالنعم لغيرهم؛ وعن ابن عمر رضي الله ~~عنهما أنه قال: (كل مال أديت زكاته فليس ms0954 بكنز ~~وإن كانت تحت سبع أرضين، وكل مال لم تؤد ~~زكاته فهو كنز وإن كان ظاهرا). ### || [9.35] # قوله تعالى: { يوم يحمى عليها في نار جهنم ~~فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم }؛ أي يوم ~~يوقد على المكنوز في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم ~~وظهورهم عقوبة، قال ابن عباس: (لا يوضع دينار ولا درهم ~~على دينار ولا على درهم، ولكن توسع جلودهم ~~لذلك فلا يمس دينار دينارا ولا درهم درهما). # قوله تعالى: { هذا ما كنزتم لأنفسكم }؛ أي ~~يقال لهم: هذا ما جمعتم في دار الدنيا، { فذوقوا ما كنتم ~~تكنزون } ، فذوقوا عقوبة ما كنتم تجمعون. وسئل أبو بكر ~~الوراق: لم خصت الجباه والجنوب والظهور بالكي؟ فقال: ~~(لأن الغني صاحب الكنز إذا رأى الفقير انعصر ~~وإذا ضمه وإياه مجلس ازور عليه وولاه ~~ظهره). # عن ثوبان مولى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لما نزلت هذه الآية قالت الصحابة: فأي ~~المال نتخذ؟ فقال عمر: أنا أسأل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فسأله فقال عليه السلام: " لسانا ذاكرا ~~وقلبا شاكرا وبدنا صابرا وزوجة تعينك على ~~إيمانك " ". # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي ~~عليه في نار جهنم فيجعل صفائح فتكوى بها ~~جبينه وجنباه حتى يحكم الله بين عباده في يوم ~~كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم ~~يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. # وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها ~~بقاع قرقر تسير عليه، كلما مضى عليه آخرها ~~رد عليه أولها حتى يحكم الله بين عباده في ~~يوم كان مقداره ألف سنة، ثم يرى سبيله إما إلى ~~الجنة وإما إلى النار. وما من صاحب بقر لا يؤدي ~~زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر تسير عليه، ~~كلما مضى آخرها رد عليه أولها حتى يحكم الله ~~بين عباده في يوم كان مقداره ألف سنة، ثم يرى ~~سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار. # وما من صاحب غنم ms0955 لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها ~~بقاع قرقر تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها ليس ~~فيها عقصاء ولا جلحاء، كلما مضى عليه آخرها ~~رد أولها حتى يقضي الله بين عباده في يوم ~~كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون، ثم يرى ~~سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار ". ### || [9.36] # قوله تعالى: { إن عدة الشهور عند الله اثنا ~~عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموت ~~والأرض }؛ معناه: إن عدة الشهور التي تتعلق بها الأحكام من ~~الحج والعمرة والزكاة والأعياد وغيرها اثنا عشر شهرا على منازل ~~العمرة، تارة يكون الحج والصوم في الشتاء، وتارة في الصيف على ~~اعتبار الأهلة. وقوله تعالى: { في كتاب الله } يعني اللوح ~~المحفوظ. قوله تعالى: { يوم خلق السموت والأرض ~~} إنما قال ذلك؛ لأن الله تعالى أجرى الشمس والقمر في السماوات ~~يوم خلق السماوات والأرض. # قوله تعالى: { منهآ أربعة حرم }؛ واحد فرد وهو ~~رجب وثلاثة سرد متتابعة، وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ~~سماها حرما لعظم انتهاك حرمتها، كما خص الحرم بمثل ~~ذلك، وكانت العرب تعظمها وتحرم القتال فيها حتى أن الرجل لو ~~لقي قاتل أبيه أو أخيه فيها لم يهجه. # قوله تعالى: { ذلك الدين القيم فلا تظلموا ~~فيهن أنفسكم }؛ أي في أشهر الحرم بالعمل بالمعصية وترك ~~الطاعة. وقيل: باستحلال القتل والغارة. وقيل: معناه: ولا ~~تجعلوا حلالها حراما، ولا حرامها حلالا، والذنب والظلم فيهن ~~أعظم من الظلم فيما سواهن. ويقال: معناه: فلا تظلموا في الاثني ~~عشر الشهر أنفسكم. قوله تعالى: { ذلك الدين القيم } ~~أي ذلك الحساب المستقيم. # قوله تعالى: { وقاتلوا المشركين كآفة كما ~~يقاتلونكم كآفة } ويجوز أن يكون الكافة راجعة إلى ~~المسلمين؛ أي قاتلوا جميعا، قوله تعالى: { كما ~~يقاتلونكم كآفة } أي كما يقاتلونكم أي جميعا. قوله ~~تعالى: { واعلموا أن الله مع المتقين }؛ أي معهم ~~بالنصرة. # واختلف العلماء في حرمة القتال في الأشهر الحرم، فقال ~~بعضهم: لا يجوز القتال فيها والغارة لأن الله سماها حرما فيكون ~~قوله تعالى: { وقاتلوا المشركين كآفة كما ~~يقاتلونكم كآفة } دليلا على جواز القتال فيها على وجه ms0956 ~~الدفع. # وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن القتال فيها جائز، والمراد بقوله: ~~{ منهآ أربعة حرم } تعظيم انتهاك حرمتها بالظلم والفساد ~~فيها، وتعظيم ثواب الطاعة التي يفعل فيها. قوله تعالى: { ~~وقاتلوا المشركين كآفة } يدل على أن الله أخرج هذه ~~الأشهر الحرم من أن تكون حرما. # وفي باب الجهاد دليلا تقديرا آخر أن أحد الجهاد داخل تحت قوله: { ~~فلا تظلموا فيهن أنفسكم } وكان الله تعالى ميز ~~الجهاد من الظلم الذي هو إقدام على النفوس والأموال، وقوله تعالى: ~~{ كآفة } منصوب على الحال. # قال قتادة وعطاء: (كان القتال كثيرا في الأشهر الحرم، ~~ثم نسخ وأحل فيه بقوله: { وقاتلوا المشركين ~~كآفة } يعني فيهن وفي غيرهن). وقال الزهري: (كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرم القتال في الأشهر ~~الحرم، مما أنزل الله من تحريم ذلك حتى نزلت ~~براءة، وأحل قتال المشركين). # وقال سفيان الثوري لما سئل عن القتال في الأشهر ~~الحرم، قال: (لا بأس بالقتال فيهن وفي غيرهن؛ ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم غزا هوازن وحنييا ~~وثقيفا بالطائف وحاصرهم في الشوال وبعض ذي ~~القعدة، فدل على أن حرمة القتال فيها ~~منسوخ). ### || [9.37] # قوله تعالى: { إنما النسيء زيادة في الكفر ~~يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه ~~عاما }؛ أي إنما تأخير الشهر الحرام من المحرم إلى صفر، ~~واستباحة المحرم زيادة في الكفر يغلط ويخطىء بالنساء سائر ~~الكفار، ومن قرأ (يضل) صفر مكان المحرم، ويحرمون المحرم ~~عاما فلا يقاتلون فيه، ثم يقاتلون في صفر، { ليواطئوا ~~عدة ما حرم الله }؛ أي ليوافقوا في العدد أربعة أشهر، ~~وكانوا يقولون: هذه أربعة بمنزلة أربعة. والمواطأة الموافقة، ~~وأصل النسيء الحاضر ومنه بيع النسيئة، ومنه أنسأ الله ~~في أجل فلان، ومنه المنسأة وهي العصا يرجو بها ويؤخر. # قرأ قتادة ومجاهد وأبو عمرو ونافع غير ورش وعاصم وحمزة والكسائي ~~وخلف وابن عامر (النسيء) بالمد والهمزة وهو مصدر كالسعير ~~والحريق ونحوهما، ويجوز أن يكون مفعولا مصروفا أي فعيل مثل ~~الجريح والقتيل والصريع، تقديره: إنما الشهر المؤخر. وقرأ أبو ~~جعفر وورش (إنما النسي) بالتشديد ms0957 من غير همزة، وروى ذلك ~~ابن كثير على معنى المنسي أي المتروك، قال الله تعالى: # نسوا الله فنسيهم # [التوبة: 67]. # وقوله: { يضل به الذين كفروا } ، قرأ أهل المدينة وابن ~~كثير وابن عامر وأبو عمرو وأبو بكر بفتح الياء وكسر الضاد لأنهم ~~هم الضالون لقوله: { يحلونه عاما ويحرمونه عاما } ، ~~وقرأ الحسن وقتادة ومجاهد ويعقوب بضم الياء وكسر الضاد؛ أي يضل ~~به الذين كفروا الناس المقتدين بهم، وقرأ أهل الكوفة إلا أبا بكر ~~بضم الياء وفتح الضاد، وهي قراءة ابن مسعود لقوله: { زين ~~لهم } ، وقوله تعالى: { يحلونه عاما } أي يحلون النسيء. # وقوله تعالى: { ليواطئوا }؛ أي ليوافقوا، وقيل: ليشبهوا، { ~~عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله }؛ أي ~~يحلوا ما حرمه الله من الغارة والقتل في الشهر الحرام، ~~وإنما كان يفعل هكذا بنو كنانة وربما كانوا يؤخرون رجبا ~~ويبدلونه صفرا لتكون الشهور متوالية، وقوله تعالى: { زين ~~لهم سوء أعمالهم }؛ أي حسن في قلوبهم قبح أعمالهم ~~من تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم الله، قال الحسن: ~~(زينتها لهم أنفسهم والشياطين) { والله لا ~~يهدي القوم الكافرين } أي لا يوفقهم مجازاة لكفرهم. ~~وقيل: لا يهديهم إلى الجنة والثواب. # قال ابن عباس: (كان الناسئ رجلا من كنانة يقال له ~~نعيم بن ثعلبة وجنادة بن عوف وكان يقوم على الناس ~~فيقول: ألا إن آلهتكم حرمت عليكم صفر العام، ~~فيحرمون فيه الدماء والأموال ويستحلون في ~~المحرم، فإذا كان من قابل نادى: ألا إن آلهتكم ~~حرمت عليكم المحرم العام، فيحرمون فيه ~~الدماء والأموال ويستحلون صفر ليفيدوا منه). # وفي بعض الروايات: أنه كان يقول قبل هذا النداء: يا أيها الناس ~~أنا الذي أعاب ولا خاب ولا مرد لما قضيت، فيقول له المشركون: ~~لبيك ربنا، ثم يسألونه أن ينسئهم شهرا فيقول: ألا إن صفر ~~العام حلال يريد به المحرم، وربما يقول: حرام، فيحرمون ~~المحرم صفرا، وكان إذا قال الناسيء في المحرم: حلال، عقدوا ~~الأوتار وشدوا الأزجة وأعلوا السيوف وأغاروا على الناس، وإذا ~~قال: حرم، حلوا الأوتار ونزعوا الأزجة وأغمدوا السيوف. ### || [9.38] # قوله ms0958 تعالى: { يأيها الذين آمنوا ما لكم إذا ~~قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى ~~الأرض }؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أقام بالمدنية بعد ~~مرجعه من الطائف، ثم أمره الله بالجهاد لغزوة الروم وأمره ~~بالخروج إلى غزوة تبوك، وذلك في زمان عسرة وشدة من الحر ~~حين طابت ثمار أهل المدينة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالخروج إلى الجهاد فكانوا يتثاقلون من الخروج ويحبون الظلال ~~والثمار، فأنزل الله هذه الآية. # ومعناها: ما لكم إذا قيل لكم اخرجوا إلى جهاد المشركين ~~تثاقلتم إلى الأرض وتكاسلتم واطمأننتم إلى أوطانكم، { ~~أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة }؛ استفهام يعني ~~الإنكار؛ أي آثرتم عمل الدنيا على عمل الآخرة، وآثرتم الحياة ~~في الدنيا على الحياة في الآخرة، { فما متاع الحياة ~~الدنيا في الآخرة إلا قليل } أي ما منفعة الدنيا في ~~الآخرة وفي ما يتمتع به أولياء الله في الجنة إلا يسير لأن ~~الدنيا تضمحل ويفنى أهلها، والآخرة دار القرار. ### || [9.39] # قوله تعالى: { إلا تنفروا يعذبكم عذابا ~~أليما ويستبدل قوما غيركم }؛ أي إلا تخرجوا مع ~~نبيكم في الجهاد يعذبكم عذاب الاستئصال، ويستبدل قوما غيركم ~~أي أطوع لله منكم، { ولا تضروه شيئا }؛ أي ولا تنقصوا من ~~ملكه شيئا بقعودكم عن الجهاد، { والله على كل شيء }؛ ~~من العذاب والإبدال، { قدير }. ### || [9.40] # قوله تعالى: { إلا تنصروه فقد نصره الله إذ ~~أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين }؛ # " وذلك أن كفار مكة لما أرادوا قتل النبي صلى الله عليه ~~وسلم أخبره جبريل بذلك وأمره بالخروج، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم لعلي كرم الله وجهه: " نم مكاني على الفراش " ~~وخرج مع أبي بكر رضي الله عنه إلى غار جبل ثور - وهو جبل بأسفل ~~مكة - ومشى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أطراف أصابعه حتى ~~حفيت، فلما رآه أبو بكر رضي الله عنه وجعل يستند به حتى أتى ~~فم الغار، وكان الغار مقرونا بالهوام، فلما أراد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم دخول الغار قال له أبو بكر رضي الله عنه: ~~مكانك ms0959 يا رسول الله حتى أستبرئ الغار. فدخل ~~واستبرأه وجعل يسوي الجحرة بثيابه خشية أن يخرج منها ~~شيء يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم فبقي جحران فوضع ~~عقبه عليهما ثم قال: إنزل يا رسول الله، فنزل فكانا في ~~الغار ليلتهما. # فدخل الكفار على علي رضي الله عنه فقالوا له: يا علي أين ~~محمد؟ فقال: لا أدري أين ذهب، فطلبوه من الغد واستأجروا ~~رجلا يقال له كرز بن علقمة الجراح، فقفا لهما الأثر حتى ~~انتهى بهم إلى جبل ثور، فقال: انتهينا إلى هنا وهذا أثره فما أدري ~~أين أخذ يمينا أو شمالا أو صعد الجبل، فصعدوا الجبل ~~يطلبونه، وأعمى الله عليهم مكانه فلم يهتدوا إليه. # فقام رجل منهم يبول مستقبلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا ~~بكر بعورته، فقال أبو بكر: يا رسول الله ما أراه إلا قد ~~أبصرنا، فقال صلى الله عليه وسلم " لو أبصرنا ما ~~يستقبلنا بعورته ". وأقبل شباب قريش من كل بطن، معهم ~~عصيهم وقسيهم حتى رأوا باب الغار، وكان صلى الله عليه وسلم مر ~~على ثمامة وهي شجرة صغيرة ضعيفة فأمر أبا بكر أن يأخذها معه، ~~فلما سار إلى باب الغار أمره أن يجعلها على باب الغار، وألهم ~~الله العنكبوت فنسجت حتى سترت وجه النبي صلى الله عليه وسلم ~~وصاحبه، وبعث الله حمامتين وحشيتين فأقبلتا حتى وقعتا على باب ~~الغار بين العنكبوت وبين الشجرة، فلما رأى المشركون الشجرة والحمامة، ~~ونسج العنكبوت علموا أن ليس في الغار أحد، وكان أبو بكر يقول: ~~يا رسول الله قد أتينا وما أنا إلا رجل واحد، فإن ~~قتلت أنت تهلك هذه الأمة فلا يعبد الله بعد ~~هذا اليوم، فقال: " لا تحزن يا أبا بكر إن الله ~~معنا ". # ثم نزل المشركون من الجبل، ولم يقدروا على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فمكث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغار ثلاثة أيام ~~ولياليهن، وكان عبدالله بن أبي بكر يأتيهما بأخبار أهل مكة، ~~فلما أمنا طلب " القوم " وكان رسول الله صلى الله عليه ms0960 وسلم أمر ~~بالهجرة إلى المدينة، فاستأجر رجلا يقال له عبدالله بن أريقط ~~يهديهم الطريق إلى المدينة فخرج بهما إلى المدينة، فسمع ~~سراقة بن مالك بن مقسم الكناني بخروجه إلى المدينة، فلبس ~~لامته وركب فرسه يتبع آثارهم حتى أدرك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فدعا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فساخت قوائم ~~فرسه، فقال: يا محمد أدع الله أن يطلق علي فرسي ~~فأرد عنك من أرى من الناس، فقال صلى الله عليه وسلم: ~~" اللهم إن كان صادقا فأطلق فرسه " فرجع سراقة ~~وقدم أبو بكر رضي الله عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى أتيا ~~المدينة " # هكذا روي وفي هذا قصة طولة. # ومعنى الآية: ألا تنصروا محمدا صلى الله عليه وسلم في الخروج ~~معه إلى تبوك فالله ينصره كما نصره إذ أخرجه الكفار من مكة ~~وهو ثاني اثنين، أي لم يكن معهما غيرهما، وقوله تعالى { ثاني ~~اثنين } نصب على الحال؛ أي وهو أحد اثنين. وقوله تعالى: { إذ ~~هما في الغار }؛ أراد به غار ثور حين خرجا إليه، والغار ~~النقب الذي يكون في الجبل، وقوله تعالى: { إذ يقول ~~لصاحبه لا تحزن إن الله معنا }؛ معناه: إذا يقول ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: لا تحزن على قتلي وذهاب ~~الإسلام إن الله يحفظنا ويدفع شر المشركين عنا. # قوله تعالى: { فأنزل الله سكينته عليه }؛ أي ~~أنزل طمأنينة على رسوله حتى سكن واطمأن. ويقال: أنزل ~~سكينته على صاحبه أبي بكر رضي الله عنه، فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان لنا سكنا، وقوله تعالى: { وأيده بجنود لم ~~تروها }؛ معناه: أعان محمدا صلى الله عليه وسلم وقواه ~~يوم بدر والأحزاب وحنين بجنود لم تعاينوها وهم الملائكة. # قوله تعالى: { وجعل كلمة الذين كفروا ~~السفلى }؛ أي وجعل كلمة الشرك مغلوبة مذمومة، وجعل أهلها ~~أذلة أسفلين، وقوله تعالى: { وكلمة الله هي ~~العليا }؛ أي وجعل كلمة التوحيد هي الكلمة العالية الممدوحة. ~~قوله تعالى: { والله عزيز حكيم }؛ أي منيع بالنقمة ~~ممن عصاه وما حكم به من ms0961 أمره. ### || [9.41] # قوله تعالى: { انفروا خفافا وثقالا }؛ أي انفروا إلى ~~الجهاد في سبيل الله شبابا وشيوخا. وقيل: موسرين ~~ومعسرين. وقيل: مشاغيل وغير مشاغيل. وقيل: نشاطا ~~وغير نشاط، أي خفت عليكم الحركة أو ثقلت. قوله تعالى: { ~~وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله }؛ في ~~طاعة الله، { ذلكم }؛ الجهاد، { خير لكم }؛ من القعود عنه، ~~{ إن كنتم تعلمون }؛ أن الله صادق في وعده ووعيده. ### || [9.42] # قوله تعالى: { لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا ~~لاتبعوك }؛ اسم كان مضمر تقديره: لو كان المدعو إليه ~~عرضا قريبا؛ أي غنيمة وسفرا سهلا لاتبعوك؛ أي لو ~~علموا أنهم يصيبون مغنما لخرجوا معك، نزل هذا فيمن ~~تخلف من غزوة تبوك من المنافقين. # قوله تعالى: { ولكن بعدت عليهم الشقة } ، أي ~~لكن بعدت عليهم المسافة إلى الشام، { وسيحلفون بالله ~~لو استطعنا }؛ في اعتذارهم إليكم لو كان لنا سعة في الزاد ~~والمال، { لخرجنا معكم }؛ في غزاتكم، { يهلكون ~~أنفسهم }؛ بالأيمان الكاذبة والقعود عن الجهاد، { والله ~~يعلم إنهم لكاذبون }؛ أن لهم سعة في المال والزاد ~~وإنهم لكاذبون في هذا الاعتذار، وقيل: معنى قوله: { وسفرا ~~قاصدا } أي موضعا قريبا. ### || [9.43] # قوله تعالى: { عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى ~~يتبين لك الذين صدقوا }؛ أي تجاوز الله عنك يا ~~محمد لم أذنت لهم في القعود عن الجهاد حتى يظهر لكم الذين ~~صدقوا في الاعتذار، { وتعلم الكاذبين }؛ في عذرهم، قدم ~~الله العفو على العتاب حتى يسكن قلبه صلى الله عليه وسلم، ثم قال ~~بعد العفو: { لم أذنت لهم } ، ولو أن الله أخبره بالذنب ~~قبل أن يخبره بالعفو لكان يخاف على النبي صلى الله عليه وسلم من ~~هيبته قوله: { لم أذنت لهم }. ### || [9.44] # قوله تعالى: { لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم }؛ ~~أي لا يستأذنك المؤمنون في القعود عن الجهاد، وقوله: { أن ~~يجاهدوا } معناه: أن لا يجاهدوا، { والله عليم ~~بالمتقين }؛ أي عالم بالمخلصين المطيعين فيميزهم عن ~~المنافقين. ### || [9.45] # قوله تعالى: { إنما يستأذنك الذين لا ~~يؤمنون بالله واليوم الآخر }؛ أي إنما يستأذنك في ~~القعود عن الجهاد ms0962 الذين لا يصدقون بالله وبيوم البعث، { ~~وارتابت قلوبهم }؛ أي شكت واضطربت، { فهم في ريبهم ~~يترددون }؛ شكهم يتخيرون. والريب: الشك مع اضطراب ~~القلب. ### || [9.46-47] # قوله تعالى: { ولو أرادوا الخروج لأعدوا له ~~عدة }؛ أي لو أراد الله لهم الخروج معك إلى العدو لاتخذوا ~~له أهبة، { ولكن كره الله انبعاثهم }؛ أي لكن لم ~~يرد الله خروجهم معك، لأنهم لو خرجوا لكان يقع خروجهم على ~~وجه الإضرار بالمسلمين وذلك كفر ومعصية. # قوله تعالى: { فثبطهم }؛ أي حبسهم، يقال: ثبطه ~~عن الأمر إذا حبسه عنه، { وقيل اقعدوا مع القاعدين }؛ ~~أي اقعدوا مع النساء والصبيان. ويجوز أن يكون القائل لهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم بأمر الله، ويجوز أن يكون قد قال بعضهم لبعض. ~~وقيل: قال لهم الشيطان ووسوس لهم. # ثم بين الله أن لا منفعة للمسلمين في خروجهم، بل عليهم مضرة لهم، ~~فقال تعالى: { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا }؛ ~~أي لو خرجوا فيكم ما زادوكم الا شرا وفسادا. قوله تعالى: ~~{ ولأوضعوا خلالكم }؛ أي لأسرعوا فيما بينكم، { ~~يبغونكم الفتنة }؛ أي يطلبون فساد الرأي وعيوب المسلمين، ~~ويقال: ساروا فيكم بالنميمة، والإيضاع: الإسراع في السير، ~~يقال: أوضع البعير إيضاعا. # قوله تعالى: { وفيكم سماعون لهم }؛ أي وفيكم ~~قائلون منهم ما يسمعون منهم، ويقال: في عسكركم عيون لهم ينقلون ~~إليهم ما يسمعون عنكم، { والله عليم بالظالمين }؛ يجازيهم ~~على سوء أفعالهم. ### || [9.48] # قوله تعالى: { لقد ابتغوا الفتنة من قبل }؛ أي ~~وقد طلب هؤلاء المنافقون صد أصحابك عن الدين، وردهم إلى الكفر، ~~وتحويل الناس عنك قبل هذا اليوم، كفعل عبدالله بن أبي يوم أحد، ~~وقوله تعالى: { وقلبوا لك الأمور }؛ أي اختالوا فيك وفي ~~إبطال دينك بالتحويل عنك، وتشتت أمرك وكلمتك من قبل غزوة ~~تبوك، فقلبوا لك الأمور ظهرا لبطن، { حتى جآء الحق ~~وظهر أمر الله }؛ أي حق الإسلام، وأظهره الله على سائر ~~الأديان، { وهم كارهون }؛ لذلك. قوله تعالى: { وظهر ~~أمر الله }؛ أي دين الله. ### || [9.49] # قوله تعالى: { ومنهم من يقول ائذن لي ولا ~~تفتني }؛ # " نزل في جد بن قيس من المنافقين، ms0963 دعاه النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى الخروج إلى العدو وحرضه على الجهاد، فقال لجد بن قيس: ~~" هل لك في جلاد بني الأصفر، فتتخذ منهم سراري ~~ووصفاء " يعني الروم. # وكان الأصفر رجلا من الحبشة ملك الروم، وغلب على ناحية منها، ~~فتزوجت الحبشة من الروم، فولدت لهم بنات أخذن من بياض الروم ~~وسواد الحبشة، فكن صفرا لعسا لم ير مثلهن، فقال له جد ~~بن قيس: ائذن لي يا رسول الله أن أقيم، ولا تفتني ببنات ~~الأصفر، فقد عرف قومي عجبي بالنساء، وإني أرى المرأة ~~تعجبني فما أملك نفسي حتى أضع يدي على المحرم، فلما سمع ~~النبي صلى الله عليه وسلم قوله أعرض عنه وقال: " أذنت لك " ". # وقوله تعالى: { ولا تفتني } أي ائذن لي في التخلف ولا ~~تفتني ببنات الأصفر، قال قتادة: (معناه ولا تؤثمني)، ~~وقوله تعالى: { ألا في الفتنة سقطوا } أي ألا في الإثم ~~والشرك وقعوا بنفاقهم ومخالفتهم أمرك في ترك الجهاد، { وإن ~~جهنم لمحيطة بالكافرين }؛ أي إنهم يدخلون جهنم لا ~~محالة؛ لأن الشيء إذا كان محيطا بالإنسان فإنه لا يفوته. # روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " من سيدكم يا بني ~~سلمة؟ " قالوا: جد بن قيس، غير أنه بخيل. قال: ~~صلى الله عليه وسلم: " وأي داء أدوى من البخل؟! بل ~~سيدكم الفتى أبيض الجعد بشر ابن البراء بن ~~معرور " # فقال فيه حسان الشعر: # وقال رسول الله والحق قوله # لمن قال منا: من تعدون سيدا؟ # فقلت له: جد بن قيس على الذي # ببخله فينا وإن كان أنكدا # فقال: وأي الداء أدوى من الذي # رميتم به لو على به يدا؟! # وسود بشر بن البراء لجوده # وحق لبشر بن البرا أن يسودا # إذا ما أتاه الوفد أذهب ماله # وقال: خذوه؛ إنني عائد غدا ### || [9.50] # قوله تعالى: { إن تصبك حسنة تسؤهم }؛ أي إن ~~تصبك يا محمد حسنة من فتح وغنيمة تسؤهم تلك الحسنة ~~وتحزنهم يعني المنافقين، { وإن تصبك مصيبة }؛ أي قتل وهزيمة ~~ونكبة، { يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل }؛ أي ~~أخذنا حذرنا بالتخلف ms0964 عنهم من قبل هذه المصيبة، { ويتولوا ~~}؛ عنك، { وهم فرحون }؛ مسرورون بما أصابك من الشدة. ### || [9.51] # قوله تعالى: { قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله ~~لنا هو مولانا }؛ أي قل يا محمد للمنافقين: لن يصيبنا ~~إلا ما كتب الله علينا في اللوح المحفوظ، قال الحسن: (معناه: ~~أنا لسنا بمهملين بل جميع ما يصيبنا من خير أو ~~شر فهو مكتوب في اللوح المحفوظ)، ويقال: معناه: قل ~~لن يصيبنا في عاقبة الأمر إلا ما كتب الله لنا من الفتح ~~والنصرة على الكفار، فإن أصابتنا الهزيمة في الحال فإن أمور ~~العبادة لا تجري إلا على تدبير قد أحكم وأبرم. قوله ~~تعالى: { هو مولانا } أي ولينا يحفظنا وينصرنا. ~~قوله تعالى: { وعلى الله فليتوكل المؤمنون }؛ ~~معنى التوكل على الله: تفويض الأمر إليه ثقة به. ### || [9.52] # قوله تعالى: { قل هل تربصون بنآ إلا إحدى ~~الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله ~~بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا ~~معكم متربصون }؛ أي هل تنتظرون بنا إلا النصر على ~~الكفار والظفر بهم، أو القتل على وجه الشهادة في الدنيا مع ~~ثواب الآخرة، ونحن ننتظر بكم أحد الشرين: إما أن يصيبكم الله ~~بعذاب الاستئصال من عنده، أو بأن ينصرنا عليكم فنقتلكم ~~بأسيافنا، فانتظروا ما قلت كي ننتظر نحن بكم عذاب الاستئصال ~~والنصرة عليكم. ### || [9.53] # قوله تعالى: { قل أنفقوا طوعا أو كرها لن ~~يتقبل منكم }؛ معناه: إن أنفقتم في الجهاد طائعين من ~~قبل أنفسكم أو مكرهين مخافة القتل لن يتقبل منكم ما أسررتم ~~من الكفر والنفاق، وقد يذكر لفظ الأمر ويراد به الشرط الجزاء كما قال ~~الشاعر: # أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة # لدينا ولا مقلية إن تقلت # معناه: إن أحسنت بنا أو أسأت فأنت غير ملومة. # قوله تعالى: { إنكم كنتم قوما فاسقين }؛ تعليل ~~نفي قبول صدقتهم؛ لأن النفاق يحبط الطاعة، ويمنع من استحقاق ~~الثواب. ### || [9.54] # قوله تعالى: { وما منعهم أن تقبل منهم ~~نفقاتهم إلا أنهم كفروا بالله وبرسوله }؛ ما ~~منعهم عن إيجاب الثواب لهم على نفقاتهم إلا كفرهم بالله وبرسوله، ms0965 ~~ومعنى { نفقاتهم } أي صدقاتهم. قرأ حمزة والكسائي وخلف ~~(يقبل) بالياء لتقديم الفعل، وقرأ الباقون بالتاء. # وقوله تعالى: { ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى }؛ ~~أي متثاقلون لأنهم لا يرجون بأدائها ثوابا ولا يخافون بتركها ~~عقابا، والمعنى أنهم يصلون مراءاة الناس، { ولا ~~ينفقون إلا وهم كارهون }؛ وكذلك ينفقون في الزكاة ~~وغيرها لأجل التستر بالإسلام، لا لابتغاء ثواب الله. وكسالى ~~جمع كسلان كما يقال سكارى وسكران. ### || [9.55] # قوله تعالى: { فلا تعجبك أمولهم ولا ~~أولدهم }؛ أي لا تعجبك يا محمد كثرة أموالهم ولا ~~أولادهم في الحياة الدنيا، { إنما يريد الله ~~ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا }؛ وفي الآخرة، قال ~~الحسن: (لا تسرك أموالهم ولا أولادهم، إنما ~~يريد الله ليشدد عليهم في التكليف بأن ~~يأمرهم بالإنفاق في الزكاة والغزو وما شاكل ~~ذلك من المكاره التي تشق عليهم؛ لأنهم لا ~~يرجون بذلك ثوابا في الآخرة، ويكونون معذبين ~~بالإنفاق إذ كانوا ينفقونها على كره منهم). وقيل: ~~أراد بقوله { ليعذبهم بها في الحيوة الدنيا } أي ~~ما ينالهم من المصائب في أموالهم لا تكون كفارة لذنوبهم. قوله ~~تعالى: { وتزهق أنفسهم }؛ أي تخرج أنفسهم على الكفر. ~~قوله تعالى: { وهم كفرون }؛ أي في حال كونهم كافرين. ~~والزهق خروج الشيء بصعوبة وأصله الهلاك. ### || [9.56] # قوله تعالى: { ويحلفون بالله إنهم لمنكم ~~وما هم منكم }؛ معناه: أن هؤلاء المنافقين يحلفون للمؤمنين ~~أنهم على دينهم، يقول الله تعالى: { وما هم منكم } أي ليسوا ~~على دينكم، { ولكنهم قوم يفرقون }؛ أي يخافون من ~~المسلمين، فأظهروا الإسلام وأسروا النفاق. ### || [9.57] # قوله تعالى: { لو يجدون ملجئا أو مغارات أو ~~مدخلا لولوا إليه وهم يجمحون }؛ معناه: لو ~~يجدون حرزا يلجأون إليه ويتحصنون فيه، أو غيرانا في ~~الجبال أو سربا في الأرض، أو قوما يمكنهم الدخول فيما بينهم ~~يحفظونهم عنكم، لصبوا إليهم وهم يجمحون؛ أي يسبقون ويسرعون ~~إسراعا لا يرد وجوههم بشيء. يقال: فرس جموح إذا ذهب في ~~عدوه لم يرده اللجام، قال عطاء في معنى قوله لو يجدون ~~ملجأ: (أي مهربا)، وقال ابن كيسان: (قوما يأمنون ~~فيهم). # قرأ عبدالرحمن بن عوف ms0966 (أو مغارات) بضم الميم، وقوله تعالى: ~~{ أو مدخلا } قال الكلبي: (نفقا في الأرض كنفق ~~اليربوع) وقيل: معناه: موضع دخول يدخلون فيه. وقرأ الحسن ~~(مدخلا) بفتح الميم وتخفيف الدال، وقرأ أبي (مندخلا) ~~بإثبات النون. وقوله تعالى: { لولوا إليه } قرأ الأشهب ~~العقيلي (لوالوا إليه) بالألف من الموالات؛ أي ~~تابعوا وسارعوا. ### || [9.58] # قوله تعالى: { ومنهم من يلمزك في الصدقات }؛ ~~أي من المنافقين من يعيبك في الصدقات، { فإن أعطوا منها ~~}؛ الصدقة مقدار مرادهم، { رضوا }؛ بالقسمة، { وإن لم ~~يعطوا منها }؛ لا يرضون بالقسمة. # نزلت هذه الآية في أبي الجواظ وغيره من اللمازين من ~~المنافقين، كما روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم الصدقات فقال أبو ~~الجواظ: ما ترون صاحبكم يقسم صدقاتكم في رعاة الغنم، فقال صلى ~~الله عليه وسلم: " لا أبا لك، أما كان موسى عليه السلام ~~راعيا! أما كان داود عليه السلام راعيا! " فذهب أبو ~~الجواظ، فقال صلى الله عليه وسلم: " احذروا هذا وأصحابه " # فأنزل الله هذه الآية. # وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: # " كان رسول الله يقسم قسما إذ جاءه ابن ذي ~~الخويصرة التميمي فقال: اعدل يا رسول الله، ~~فقال: " ويلك من يعدل إذا لم أعدل؟! " فقال عمر ~~رضي الله عنه: ائذن لي يا رسول الله أضرب عنقه، فقال ~~صلى الله عليه وسلم: " دعه فإن له أصحابا يحتقر ~~أحدكم صلاته مع صلاته وصومه مع صيامه، ~~يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ". # قرأ الحسن ويعقوب (يلمزك) بضم الميم، وقرأ الأعمش (يلمزك) ~~بضم الياء وتشديد الميم، يقال: لمزه وهمزه إذا أعابه، ورجل ~~همزة لمزة، وقال عطاء: (معنى يلمزك أي يغتابك). ~~قوله تعالى: { إذا هم يسخطون }؛ قرأ إياد بن لقيط ~~(إذا هم ساخطون). ### || [9.59] # قوله تعالى: { ولو أنهم رضوا مآ آتاهم الله ~~ورسوله } أي لو رضوا ما رزقهم الله وما يعطيهم رسوله من ~~العطية والصدقة، { وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله ~~من فضله ورسوله }؛ أي كافينا الله سيعطينا الله من ~~رزقه، وسيعطينا رسوله مما يكون عنده من السعة والفضل وقالوا: ~~{ إنآ ms0967 إلى الله }؛ أي فيما عنده من الثواب، { راغبون }؛ ~~لكان خيرا لهم وأعود عليهم، إلا أنه حذف الجواب؛ لأن الحذف ~~للجواب في مثل هذا الموضع أبلغ من الإثبات؛ لأنك إذا حذفت الجواب ~~ذهبت فيه النفس كل مذهب. ### || [9.60] # قوله تعالى: { إنما الصدقات للفقرآء ~~والمساكين }؛ قال ابن عباس والحسن وجابر بن زيد والزهري ~~ومجاهد: (الفقير المتعفف الذي لا يسأل الناس، ~~والمسكين الذي يسأل). ومعنى الآية: إنما الصدقات لهؤلاء ~~المذكورين لا للمنافقين. # قال ابن عباس: (الفقراء هم أصحاب الصفة، صفة ~~مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا نحو ~~أربعمائة رجل لم يكن لهم منازل في المدينة ~~ولا عشائر، فأووا إلى صفة مسجد رسول الله، ~~يلتمسون الرزق بالنهار ويأوون إليه بالليل، ~~فمن كان عنده فضل من المسلمين أتاهم به إذا ~~أمسوا). قال: (والمساكين هم الطوافون الذين ~~يسألون الناس). # فعلى هذا المسكين أفقر من الفقير، ومن الدليل على ذلك أن الله ~~قال: # للفقرآء الذين أحصروا في سبيل الله # [البقرة: 273] ثم قال: # يحسبهم الجاهل أغنيآء # [البقرة: 273]، ومعلوم أن الجاهل بحال الفقير لا يحسبه غنيا ~~إلا وله ظاهر جميل ويده حسنة، وقال تعالى: # أو مسكينا ذا متربة # [البلد: 16]. قيل في التفسير: الذي قد لصق بالتراب وهو جائع عار ~~ليس بينه وبين التراب شيء يقيه. وقال أبو العباس ثعلب: (حكي عن ~~بعض أهل اللغة أنه قال: قلت لأعرابي: أفقير ~~أنت؟ قال: لا؛ بل مسكين. وأنشد الأعرابي: # أما الفقير التي كانت حلوبته # وفق العيال فلم يترك له سبد # فسماه فقيرا مع وجود الحلوبة). وقال محمد بن ~~مسلمة: (الفقير الذي لا ملك له) قال: (وكل شيء ~~محتاج إلى شيء فهو مفتقر إليه)، واحتج من قال: إن ~~الفقير أفقر من المسكين بقوله تعالى: # أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر # [الكهف: 79] فأضاف السفينة إليهم، وهذا لا دلالة فيه لأنه روي ~~أنهم كانوا فيها أجراء. # قوله تعالى: { والعاملين عليها } ، يعني السعاة ~~الذين يجلبون الصدقة، ويتولون قبضها من أهلها، يعطون منها ~~سواء كانوا أغنياء أم فقراء، واختلفوا في قدر ما يعطون، قال ms0968 ~~الضحاك: (يعطون الثمن من الصدقة)، وقال مجاهد: ~~(يأكل العمال من السهم الثامن)، وقال عبدالله بن ~~عمرو بن العاص: (يعطون على قدر عمالتهم)، وقال الأعمش: ~~(يعطون بقدر أجور أمثالهم وإن كان أكثر من ~~الثمن)، وقال مالك وأهل العراق: (إنما ذلك للإمام ~~واجتهاده يعطيهم الإمام قدر ما رأى)، وعن ابن عمر: ~~(يعطون بقدر عملهم)، وعند الشافعي: (يعطون ثمن ~~الصدقات). # قوله تعالى: { والمؤلفة قلوبهم }؛ هم قوم كان ~~يعطيهم النبي صلى الله عليه وسلم يتألفهم على الإسلام، كانوا ~~رؤساء في كل قبيلة، منهم أبو سفيان بن حرب من بني أمية، ~~والأقرع بن حابس، وعقبة بن حصن الفزاري وغيرهما من بني عامر بن ~~لؤي، والحارث بن هشام المخزومي، وسهيل بن عمرو الجمحي من بني ~~أسد، والعباس بن المرداس من بني سليم، فلما توفي رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم جاء المؤلفة قلوبهم إلى أبي بكر وطلبوا منه ~~سهمهم، فأمرهم أن يكتبوا كتابا، فجاؤا بالكتاب إلى عمر رضي ~~الله عنه ليشهد، فقال عمر: إيش هذا؟ قالوا: سهمنا، فقال ~~عمر رضي الله عنه: # وقل الحق من ربكم فمن شآء فليؤمن ومن شآء ~~فليكفر # [الكهف: 29] إن الإسلام أجل أن يرسى عليه. ثم أخذ عمر ~~كتابهم ومزقه وقال: إنما كان النبي يعطيكم ~~يتألفكم على الإسلام، فاليوم فقد أعز الله ~~الإسلام، فإن ثبتم على الإسلام وإلا فبيننا ~~وبينكم السيف. فرجعوا إلى أبي بكر وقالوا: أنت ~~الخليفة أم هو؟! فقال: هو إن شاء! فبطل سهمهم. # قوله تعالى: { وفي الرقاب }؛ معناه عند أكثر الناس في ~~فكاك الرقاب وهم المكاتبون، وذهب مالك إلى أنهم رقاب ~~يبتاعون من الزكاة ويعتقون، فيكون ولاؤهم لجميع المسلمين دون ~~المعتقين، قال: (ولا يعطى المكاتب من الزكاة ولا من ~~الكفارات شيئا). # وقد روي # " أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: علمني ~~عملا يدخلني الجنة؟ قال: " فك الرقبة وأعتق ~~النسمة " قال: أوليسا سواء؟ قال: " لا؛ فك ~~الرقبة أن تعين في عتقها " # ، فاقتضى قوله تعالى { وفي الرقاب } المعوضة في العتق. # قوله تعالى: { والغارمين }؛ يعني المديونين الذين لا ~~يكون ms0969 لهم فضل نصاب على الدين؛ لأن المال وإن كان في أيديهم فهو ~~مستحق أيديهم، وقال مجاهد والزهري: (إنما تحل الصدقة ~~للمديونين إذا كان الدين قد لحقه بغير إسراف ~~ولا معصية)، وقال قتادة: (الغارمون هم قوم لحقهم ~~ديون في غير تبذير ولا فساد)، وعن مجاهد: (أن ~~الغارم من احترق بيته، أو ذهب السيل بماله، أو ~~أدان على عياله). # قوله تعالى: { وفي سبيل الله }؛ أراد به المجاهدين إذا ~~انقطعوا عن أزوادهم وراحلتهم، وقال أبو يوسف: (هم الفقراء ~~الغزاة)، وأما إذا كان الغازي غنيا اختلفوا فيه، فقال أبو ~~حنيفة وأبو يوسف ومحمد: (لا يعطى الغازي الغني)، وقال ~~الشافعي ومالك: (يعطى الغازي الغني) وحجتهما قوله عليه ~~السلام: # " لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: رجل عمل ~~عليها، ورجل اشتراها بماله، ورجل كان له جار ~~مسكين فتصدق على المسكين فأهدى إليه جاره، ~~وفي سبيل الله وابن السبيل ". # قوله تعالى: { وابن السبيل }؛ هو المسافر المنقطع عن ~~ماله، سمي بذلك لملازمته السبيل، كما يقال: ابن الغني وابن ~~الفقير، قال مجاهد والزهري: (لابن السبيل حق في الزكاة ~~وإن كان غنيا) قال قتادة: (ابن السبيل هو الضيف). # قوله تعالى: { فريضة من الله }؛ أي فرض الله هذه ~~الأشياء فريضة، { والله عليم }؛ بمصالح عباده، { حكيم }؛ في ~~أفعاله. والفرض في ذكر الأصناف في هذه الآية بيان أنه لا يجوز ~~إخراج الصدقة منهم إلى غيرهم؛ لأن الحاجة في جميع الأصناف المذكورين ~~في هذه الآية موجودة، ولأن من عليه الزكاة إذا حمل الزكاة بنفسه ~~إلى الإمام لم يكن لأحد من العمال في ذلك نصيب. # وقال الشافعي: (تقسم الصدقة على الأصناف ~~الثمانية، كما هو مذكور في الآية، إلا أن يفقد ~~صنف فيقسم على الباقين). وقيل: يقسم على أصله على ~~سبعة أصناف؛ لأن المؤلفة قد سقطوا، قال: (ويعطى كل منهم ~~من الثمانية ثلثه من أهل كل صنف، فإن أعطى ~~اثنين ضمن ثلث سهم). # واختلف العلماء في المقدار الذي إذا ملكه رجل دخل في حد ~~الغنى، وخرج من حد الفقر، قال بعضهم: إذا كان عند أهله قوت ~~يومهم، ms0970 واستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: # " " من سأل عن ظهر غنى، فإنما يستكثر من جمر ~~جهنم " قيل: يا رسول الله وما ظهر الغنى؟ قال: " ~~أن تعلم أن عند أهله ما يعيشهم ويغديهم " ". # وقال بعضهم: اذا ملك أربعين درهما أو عدلها من الذهب، ~~واستدل بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من سأل منكم وعنده أوقية أو عدلها من ~~الذهب فقد سأل إلحافا " # ، وكانت الأوقية يومئذ أربعين درهما. # وقال بعضهم: إذا ملك خمسين درهما أو عدلها من الذهب لما ~~روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " " لا يسأل عبد مسألة وله ما يغنيه إلا جاء ~~يوم القيامة وفي وجهه كدوح أو خدوش " قيل: يا ~~رسول الله وما غناه؟ قال: " خمسون درهما، أو ~~عدلها من الذهب " ". # والصحيح: أن من ملك مائتي درهم أو عدلها من فرض أو غيره ~~فاضلا عن ما يحتاج إليه من مسكن وخادم وأتان وفرس، لم ~~تحل له الصدقة لقوله عليه السلام: # " إني أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم ~~وأردها في فقرائكم " # فجعل الناس فريقين، ولا خلاف أن الذي يملك مائتي درهم يكون ~~غنيا، فوجب أن لا يكون داخلا في الفقراء، ولو كان الاعتبار ~~بالضرورة لكان الذي له غداء دون العشاء أو عشاء دون الغداء ~~لا تحل له الصدقة، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " للسائل حق وإن جاء على فرس " # والفرس في الكثير الأحوال يساوي اكثر من أربعين درهما. ### || [9.61] # قوله تعالى: { ومنهم الذين يؤذون النبي ~~ويقولون هو أذن }؛ قال ابن عباس: (وذلك أن ~~الجماعة من المنافقين منهم جلاس بن سويد ~~ومخشي بن حمير وأبو ياسر بن قيس وسماك بن ~~يزيد وعبيد بن هلال ورفاعة بن التابوت كانوا ~~يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون فيه ما لا ~~يجوز، فقال بعضهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن ~~يبلغه الخبر، فقال الجلاس: بل نقول ما شئنا ~~ثم نأتيه فيصدقنا في ما نقول، فإن محمدا ~~أذن سامعة. فأنزل الله هذه الآية). ms0971 ومعناها: ومن ~~هؤلاء المنافقين من يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، ويقولون هو ~~صاحب أذن يصغي إلى كل أحد، ويقبل كل ما قيل له. # قوله تعالى: { قل أذن خير لكم }؛ أي قيل: هو ~~مستمع بخير لا مستمع بشر، وقيل: معناه: هو يستمع إلى ما هو ~~خير لكم وهو الوحي. وقرأ الحسن: (هو أذن خير لكم) كلاهما ~~بالتنوين والضم، معناه: إن كان كما قلتم فهو خير لكم يقبل ~~عذركم. وقرأ نافع: (قل أذن) بجزم الذال وهو لغة في الأذن. ~~قوله تعالى: { يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين }؛ ~~أي يصدق بما أنزل عليه، والإيمان بالله لا يعمل إلا بالحق، ~~ويؤمن للمؤمنين أي يصدق المؤمنين في ما يخبرونه. # واختلفوا في ال (لام) التي للمؤمنين، فقال بعضهم هي زائدة كما في ~~قوله تعالى: # ردف لكم # [النمل: 72] معناه: ردفكم. قال بعضهم: إنما ذكر اللام للفرق بين ~~التصديق والإيمان، فإنه إذا قيل: ويؤمن للمؤمنين لم يقبل غير ~~التصديق، كما في قوله: # ومآ أنت بمؤمن لنا # [يوسف: 17] أي بمصدق، وقوله تعالى: # لن نؤمن لكم # [التوبة: 94] أي لن نصدقكم. # قوله تعالى: { ورحمة للذين آمنوا منكم }؛ قرأ ~~الحسن والأعمش وحمزة بالخفض على معنى: أذن خير وأذن رحمة، وقرأ ~~الباقون: (ورحمة) بالرفع يعني: هو رحمة، جعل الله النبي صلى ~~الله عليه وسلم رحمة لهم؛ لأنهم إنما نالوا الإيمان بدعائه ~~وهدايته. قوله تعالى: { والذين يؤذون رسول الله ~~لهم عذاب أليم }؛ وعيد من الله لهؤلاء المنافقين على ~~مقالتهم. وقال ابن عباس: (فلما نزلت هذه الآية جاؤا ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحلفون أنهم لم يقولوا ~~فانزل الله هذه الآية: { يحلفون بالله لكم ~~ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه... }. ### || [9.62] # قوله تعالى: { يحلفون بالله لكم ليرضوكم ~~والله ورسوله أحق أن يرضوه }؛ ولم يقل يرضوهما؛ ~~لأنه يكره الجمع بين ذكر اسم الله وذكر اسم رسوله في كناية ~~واحدة، كما روي # " أن رجلا قام خطيبا عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن ~~يعصهما فقد غوى. فقال صلى الله عليه ms0972 وسلم: " بئس ~~الخطيب أنت! هلا قلت: ومن يعص الله ورسوله؟ " " # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان. ولكن قولوا ما ~~شاء الله، ثم شاء فلان " # فكره الجمع بين الله وبين غيره في الذكر تعظيما لله. والضمير في ~~قوله { يرضوه } إلى الواحد؛ لأن رضى الله متضمن رضى ~~رسوله. وقوله: { إن كانوا مؤمنين }؛ إن كانوا مصدقين ~~بقلوبهم غير منافقين كما يدعون، فطلبهم رضى الله أولى من ~~طلبهم رضاكم. ### || [9.63] # قوله تعالى: { ألم يعلموا أنه من يحادد ~~الله ورسوله فأن له نار جهنم خالدا فيها }؛ ~~معناه: ألم يخبرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أنه من خالف الله ~~ورسوله في الدين فيجعل نفسه في حد، والله ورسوله في حد فله ~~نار جهنم، ودخلت (أن) مؤكدة وهي إعادة أن الأولى؛ لأنه لما طال ~~الكلام كانت إعادتها أوكد. ومن قرأ بالكسر فهو على الاستئناف. ~~قوله تعالى: { ذلك الخزي العظيم }؛ أي ذلك الهوان ~~الشديد الدائم. ### || [9.64] # قوله تعالى: { يحذر المنافقون أن تنزل ~~عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم }؛ الكثير من ~~المفسرين على (أن) اخبار من المنافقين أنهم يحذرون أن الله ~~نزل عليهم سورة تخبر عن ما في قلوبهم من النفاق والشرك، ~~فإن بعض المنافقين كانوا يعلمون نبوة النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ولكنهم كانوا يكفرون عند أهل الشرك عنادا وحسدا، ~~وبعضهم كانوا عند أنفسهم شاكين غير مستبصرين، وكانوا يخافون ~~إذا أذنبوا ذنبا أن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم من ~~القرآن ما يكشف عن نفاقهم، وفي الآية ما يدل على هذا وهو قوله ~~تعالى: { مخرج ما تحذرون } أي مظهر ما تخافون من ظهور ~~النفاق، وعن هذا سميت هذه السورة (سورة الفاضحة)؛ لأنها ~~فضحت المنافقين، وتسمى أيضا (الحافرة)؛ لأنها حفرت عن ~~قلوب المنافقين. # وقوله تعالى: { قل استهزءوا إن الله مخرج ما ~~تحذرون }؛ تهديد وإن كان لفظ الأمر، كما في قوله: # اعملوا ما شئتم # [فصلت: 40]، وذهب الزجاج إلى أن قوله: { يحذر ~~المنافقون } لفظة إخبار ومعناه: الأمر كله، كأنه قال: ~~ليحذر، وهذا كما ms0973 قال: # والمطلقات يتربصن # [البقرة: 228]. ### || [9.65] # قوله تعالى: { ولئن سألتهم ليقولن إنما ~~كنا نخوض ونلعب }؛ وذلك # " أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو في مسيره ~~راجع من غزوة تبوك، وثلاثة نفر يسيرون بين ~~يديه، فجعل رجلان يستهزئان برسول الله ~~ويقولون: إن محمدا قال: نزل في أصحابنا الذين ~~يحلفوا كذا وكذا، والثالث يضحك مما يقولون ولا ~~يتكلم بشيء. # فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأخبره بما يقولون، فدعا عليه السلام عمارا وقال: " ~~إنهم يتحدثون بكذا وكذا، ولئن سألتهم ~~ليقولن: إنما كنا نخوض ونلعب، إنطلق إليهم ~~واسألهم عما يتحدثون، وقل لهم: أحرقتم ~~أحرقكم الله " ففعل ذلك عمار، فجاؤا إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم يعتذرون ويقولون: كنا نخوض ~~ونلعب فيما يخوض فيه الركب إذا سار. " # فأنزل الله هاتين الآيتين. # وعن الحسن وقتادة: (أنهم كانوا في غزوة تبوك، ~~فقالوا: أيطمع هذا الرجل أن يفتح له قصور ~~الشام؟ هيهات ما أبعده عن ذلك! فأطلع نبيه ~~على ذلك). قوله تعالى: { قل أبالله وآياته ~~ورسوله كنتم تستهزءون }؛ منه ألف استفهام، معناه: ~~النية لهم على ما كانوا يفعلونه. ### || [9.66] # قوله تعالى: { لا تعتذروا }؛ أي لا تعتذرون عن ~~مقالتكم، { قد كفرتم بعد إيمانكم }؛ أي قد أظهرتم ~~الكفر بعد إظهاركم الإيمان، فإنهم قط لم يكونوا مؤمنين، ولكن ~~كانوا منافقين. # قوله تعالى: { إن نعف عن طآئفة منكم نعذب ~~طآئفة }؛ وفيه قراءتان، هذه بالضم على ما لم يسم فاعله، ~~والثانية: (إن نعف عن طائفة منكم نعذب طائفة) ~~بالنصب، قال ابن عباس: (معناه: إن يعف عن الرجل الذي ~~لم يتكلم بشيء ولكنه يضحك وهو مخشي بن ~~حمير، يعذب الرجلان اللذان كانا يتكلمان ~~بالهمز) { بأنهم كانوا مجرمين }؛ أي كافرين في ~~السر، وكل معصية جرم إلا أنه أراد بالجرم هاهنا ~~الكفر. ### || [9.67] # قوله تعالى: { المنافقون والمنافقات بعضهم ~~من بعض }؛ أي بعضهم مضاف إلى بعضهم لاجتماعهم على الشرك ~~والاستهزاء بالمسلمين، كما يقال: أنا من فلان وفلان مني؛ أي ~~أمرنا واحد وكلمتنا واحدة. قوله تعالى: { يأمرون ~~بالمنكر }؛ أي بالكفر والمعاصي، { وينهون عن ms0974 المعروف ~~}؛ أي عن الإيمان والطاعة. وقوله تعالى: { ويقبضون أيديهم ~~}؛ قال الحسن ومجاهد: (أي يمسكونها عن النفقة في ~~الجهاد)، وقيل: عن الزكوات المفروضة، وقال قتادة: (عن ~~الخيرات كلها). # قوله تعالى: { نسوا الله فنسيهم }؛ أي تركوا أمر ~~الله وأعرضوا عنه حتى صار كالمنسي عندهم بإعراضهم عنه، فتركهم ~~الله من رحمته حتى صاروا كالمنسيين عنده، وإن كان ~~النسيان مما لا يجوز على الله إلا أنه قال (فنسيهم) ~~لمزاوجة الكلام، كما في قوله تعالى: # فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه # [البقرة: 194]، قال تعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40]، وقوله تعالى: { إن المنافقين هم ~~الفاسقون }؛ أي هم المتمردون في الكفر والفسق وفي كل شيء، ~~والمتمرد فيه وإن كان النفاق أعظم من الفسق. ### || [9.68] # وقوله تعالى: { وعد الله المنافقين والمنافقات ~~والكفار نار جهنم خالدين فيها }؛ في الآية جمع بين ~~المنافقين وبين الكفار في التسمية، وإن كان المنافقون هم الكفار؛ ~~لتكون الآية دالة على أن المنافقين يلحقهم الوعيد من جهتين، ~~من جهة الكفر والنفاق. # وجهنم من أسماء النار يقول العرب للبئر البعيدة القعر: جهنام، ~~فيجوز أن تكون جهنم مأخوذة من هذه اللفظة لبعد قعرها. ~~وقوله تعالى: { هي حسبهم }؛ أي كفايتهم على ذنوبهم؛ لأن فيها ~~جزاء أعمالهم. قوله تعالى: { ولعنهم الله }؛ أي ~~أبعدهم من الثواب والمدح في الدنيا، وعن الثواب والرحمة في الآخرة، ~~{ ولهم عذاب مقيم }؛ أي عذاب دائم. ### || [9.69] # قوله تعالى: { كالذين من قبلكم كانوا أشد ~~منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا }؛ أي وعد الله ~~أهل زمانكم على الكفر والنفاق نار جهنم، كما وعد الذين من ~~قبلكم كانوا أشد منكم قوة في البدن وأكثر أموالا وأولادا، { ~~فاستمتعوا بخلاقهم }؛ فانتفعوا بنصيبهم وحظهم في ~~الدنيا، ولم ينفعهم ذلك حين نزل بهم عذاب الله، فكذلك أنتم، ~~والخلاق هو النصيب من الخير. # وقوله تعالى: { فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع ~~الذين من قبلكم بخلاقهم }؛ أي فاستمتعتم أنتم بنصيبكم ~~من الدنيا وخضتم فيها، { وخضتم كالذي خاضوا }؛ أي خضتم ~~في الكفر والاستهزاء بالمؤمنين كما خاض الأولون. # وقوله تعالى: { أولئك حبطت أعمالهم }؛ أي أهل هذه ~~الصفة حبطت أعمالهم ms0975 التي عملوها على جهة البر مثل الإنفاق ~~في وجوه الخير ومثل صلة الرحم حبطت، { في الدنيا }؛ حتى ~~لا يستحقوا بها الإكرام والتعظيم في الدنيا، وحبطت في، { ~~والآخرة وأولئك هم الخاسرون }؛ الذين خسروا أنفسهم ~~وأهليهم يوم القيامة، والخسران هو ذهاب رأس المال من دون ~~أصله. ### || [9.70] # قوله تعالى: { ألم يأتهم نبأ الذين من ~~قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبرهيم ~~وأصحب مدين }؛ معناه: ألم يأت المنافقين والكفار خبر ~~من قبلهم كيف أهلكهم الله عز وجل حين تمردوا في الكفر، ~~واستهزأوا بالمؤمنين وهم قوم نوح، أهلكهم الله بالغرق، وعاد ~~قوم هود أهلكهم الله بالريح، وثمود أهلكهم الله بالصيحة ~~والرجفة وهم قوم صالح، وقوم إبراهيم أهلكهم الله نمرودهم ~~بالبعوض وسائر قومه بالهدم، وأصحاب مدين قوم شعيب ~~أهلكهم الله بالصيحة وعذاب الظلة، ومدين بئر مدين ~~بن إبراهيم نسبت القرية إليه. # قوله تعالى: { والمؤتفكت }؛ أي المنقلبات وهي ~~قريات قوم لوط أهلكهم الله بالخسف، وقلب مدائنهم عليهم. ~~ويقال: أراد بالمؤتفكات كل من انقلب أمرهم عليهم من ~~الخير إلى الشر. يقال: الهالك انقلبت عليه الدنيا. قوله ~~تعالى: { أتتهم رسلهم بالبينت }؛ أي بالحجج ~~والبراهين، { فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا ~~أنفسهم يظلمون }؛ أي لما كذبوا الرسل وكفروا بالآيات ~~أهلكهم، ولم يكن ذلك ظلما؛ لأنهم أستحقوا ذلك بعملهم فكانوا ~~هم الظالمين لأنفسهم. ### || [9.71] # قوله تعالى: { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم ~~أوليآء بعض }؛ أي بعضهم أنصار بعض. قوله تعالى: { ~~يأمرون بالمعروف }؛ أي بالتوحيد واتباع محمد صلى ~~الله عليه وسلم وشرائعه، { وينهون عن المنكر }؛ عن ما لا ~~يعرف في شريعة ولا سنة، { ويقيمون الصلاة }؛ الخمس ~~بشرائطها، { ويؤتون }؛ ويؤدون، { الزكاة }؛ الواجبة في ~~أمواله، { ويطيعون الله }؛ في الفرائض، { ورسوله }؛ في ~~السنن، { أولئك سيرحمهم الله }؛ أي ينعم عليهم ~~في الآخرة، والرحمة هي النعمة على المحتاج. # وعن بعض أهل الإشارة: سيرحمهم في خمسة مواضع: عند الموت ~~وسكراته، وفي القبر وظلماته، وعند قراءة الكتاب وحسراته، ~~وعند الميزان وندامته، وعند الوقوف بين يدي الله ومسؤولاته. ~~وقوله تعالى: { إن الله عزيز حكيم } أي غالب في ملكه ~~وسلطانه، تجري أفعاله على ms0976 ما توجبه الحكمة. ### || [9.72] # قوله تعالى: { وعد الله المؤمنين والمؤمنات ~~جنات تجري من تحتها الأنهار }؛ أي بساتين تجري من تحت ~~شجرها وغرفها أنهار الماء والعسل والخمر واللبن، { ~~خالدين فيها }؛ أي مقيمين دائمين فيها. قوله تعالى: { ~~ومساكن طيبة في جنات عدن }؛ أي مساكنها ظاهرة ~~عامرة يطيب بها العيش، قال الحسن: (هي مساكن بناها الله ~~من اللآلئ واليواقيت الحمر والزبرجد الأخضر). # وقوله: { في جنات عدن } أي في بساتين إقامة، قال ابن عباس: ~~(جنات عدن في وسط الجنة، والجنات حولها ~~محدقة بها وهي معطاة منذ خلقها الله حتى ~~ينزلها أهلها النبيون والصديقون والشهداء ~~والصالحون). وعن مجاهد قال: (قال عمر رضي الله عنه وهو ~~على المنبر: هل تدرون ما جنات عدن؟ قصور في ~~الجنة من ذهب، لكل قصر خمسمائة ألف باب، على ~~كل باب نحو خمس وعشرين ألفا من الحور العين، ~~لا يدخلها إلا نبي، وهنيئا لصاحب هذا القبر، ~~وأشار إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدق، ~~وهنيئا لأبي بكر أو شهيد، وإني لعمر الشهادة). # قوله تعالى: { ورضوان من الله أكبر }؛ أي رضى ~~الرب عنهم أكبر وأعظم من هذا النعيم كله لأنهم إنما نالوا ذلك ~~كله برضوان الله عز وجل، والرضوان: إرادة الخير والثواب. ~~قوله تعالى: { ذلك هو الفوز العظيم } أي ذلك الذي ~~ذكرت هو الحياة الوافرة، نجوا من النار وظفروا بالجنة. # وعن الحسن في قوله تعالى: { ورضوان من الله أكبر } أي ~~سرور في الآخرة برضوان الله عنهم يكون أكثر من سرورهم بهذا ~~النعيم كله. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا أنزل الله أهل الجنة منازلهم، قال: ألا ~~أعطيكم ما هو أكبر من هذا كله؟ فيقولون: بلى يا ~~رب وما أكبر من ذلك؟ يقول الله تعالى: أحل ~~عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا ". ### || [9.73] # قوله تعالى: { يأيها النبي جاهد الكفار ~~والمنافقين واغلظ عليهم }؛ أي جاهد الكفار ~~بالسيف والمنافقين باللسان، واغلظ على الفريقين جميعا، { ~~ومأواهم }؛ ومصيرهم في الآخرة، { جهنم وبئس المصير ~~}؛ الموضع الذي يصيرون إليه، وقال الحسن: (معناه جاهد ~~الكفار بالقتال، ms0977 والمنافقين بالحدود، فإنهم ~~كثيرو التعاطي للأسباب الموجبة للحدود). ### || [9.74] # قوله تعالى: { يحلفون بالله ما قالوا ولقد ~~قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم }؛ قال ~~ابن عباس: (نزلت في عبدالله بن أبي والجلاس بن ~~سويد وعامر ابن النعمان وغيرهم، كانوا خمسة ~~عشر رجلا، خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ~~بتبوك وسماهم رجسا، فقال الجلاس: لئن كان ما ~~يقول محمد حقا على إخواننا فنحن شر من ~~الحمير، فسمعه عامر بن قيس، فقال: أجل والله ~~إن محمدا لصادق ولأنتم شر من الحمير. # فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ~~أخبره عامر بن قيس بما قال الجلاس، فقال ~~الجلاس: يكذب علي يا رسول الله! فأمرهما رسول ~~الله أن يحلفان على المنبر، فحلفا جميعا، فرفع ~~عامر بن قيس يده إلى السماء، فقال: اللهم ~~أنزل على نبيك وبين الصادق، فقال صلى الله عليه ~~وسلم: " آمين " فأنزل الله هذه الآية). ومعناها: يحلفان ~~المنافقون بالله ما تكلموا بكلمة الكفر ولقد تكلموا بها ~~وأظهروا الكفر بعد إظهارهم الإسلام. وقيل: كفروا بقولهم ذلك ~~بعد ما كانوا أسلموا على زعمهم. # قوله تعالى: { وهموا بما لم ينالوا }؛ أي قصدوا ~~إلى ما لم يصلوا إلى ذلك، والهم بالشيء في اللغة: مقاربته ~~دون الوقوع فيه، قيل: إنهم كانوا هموا بقتل الذي أنكر عليهم ~~قولهم. وقيل: معنى الآية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ~~إلى غزوة بني المصطلق، وقد جمعوا له ليقاتلوا، فالتقوا ~~على مائهم فهزمهم الله وسبى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أبناءهم ونساءهم ورجع، فلما نزل منزلا في الطريق اختصم رجل ~~من أصحاب عبدالله بن أبي ورجل من المخلصين غفاري يقال له ~~جهجاه، فلطم الغفاري صاحب عبدالله بن أبي، فغضب عبدالله ~~وقال: ما صحبنا محمدا إلا لتلطم، ثم نظر إلى أصحابه ~~قال: لقد أمرتكم أن تكفوا طعامكم عن هذا الرجل ومن معه حتى ~~يتفرقوا فلم يفعلوا، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن ~~الأعز منها الأذل، فقال الغفاري: أتقول مثل هذا؟! والله ~~لئن شئت لألطمنك، قال ms0978 عبدالله: سمن كلبك ~~يأكلك! فقال زيد بن أرقم وكان غلاما حديث السن: يا عدو ~~الله وعدو رسوله، أتقول هذا؟! والله لأبلغن ~~رسول الله ما قلت. # ثم انطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأعلمه وعنده عمر رضي الله ~~عنه، فقال عمر: يا رسول الله مر عباد بن قش ~~فيقتله، فقال: " يا عمر إذا يحدث الناس أن ~~محمدا يقتل أصحابه " فبلغ عبدالله بن أبي ما قال زيد ~~بن أرقم، فمشى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أشراف الأنصار ~~يصدقونه ويكذبون زيدا ويقولون: يخشى أن يكون زيد قد ~~وهم، وكان أبن أبي يحلف بالله ما قال ذلك، فقال أسيد: ~~يا رسول الله ارفق بعبدالله، فوالله لقد جاء الله ~~تعالى بك وإن قومه ليتوجونه، فهو يرى أنك ~~سلبته ملكا عظيما. # فساء رسول الله يومه ذلك حتى أمسى، وليلته ~~حتى أصبح ونزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~قول ابن أبي { وهموا بما لم ينالوا } ونزل { ~~ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين }. # وقوله تعالى: { وما نقموا إلا أن أغناهم الله ~~ورسوله من فضله }؛ معناه: وما طعنوا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه إلا أن أغناهم الله من فضله وأغناهم رسوله، ~~وذلك أن رسول الله صلى الله عليه سلم قدم إلى المدينة وكان أهلها ~~من شدة العيش لا يركبون الخيل، ولا يحوزون الغنيمة، فلما قدم ~~النبي صلى الله عليه وسلم المدينة استغنوا. # قوله تعالى: { فإن يتوبوا يك خيرا لهم }؛ أي إن ~~يتوبوا من النفاق يكن خيرا لهم في الدنيا والآخرة، { وإن ~~يتولوا يعذبهم الله عذابا أليما في الدنيا ~~والآخرة } وإن يعرضوا عن التوبة يعذبهم الله في الدنيا ~~بالقتل، ويقال بإظهار حالهم في الآخرة بالنار، { وما لهم في ~~الأرض من ولي ولا نصير }؛ أي وما لهم في الأرض من حافظ ~~يحفظهم، ولا دافع يدفع عنهم عذاب الله، قال ابن عباس: (فلما ~~نزلت هذه الآية قال الجلاس بن سويد: يا رسول ~~الله أسمع الله قد عرض علي التوبة، صدق عامر ~~بن قيس فيما قال لك، ms0979 وأنا استغفر الله عز وجل ~~وأتوب إليه. فقبل منه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثم تاب وحسنت توبته). ### || [9.75-76] # قوله تعالى: { ومنهم من عاهد الله لئن آتانا ~~من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين * ~~فلمآ آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم ~~معرضون }؛ قال ابن عباس: (معناه: ومن المنافقين ~~من عاهد الله وهو ثعلبة بن حاطب، كان له مال ~~بالشام فأبطئ عليه، فجهد لذلك جهدا شديدا، ~~فحلف بالله لئن آتانا من فضله يعني المال الذي ~~له بالشام لنصدقن منه، ولنصلن الرحم ~~ولنؤدين من حق الله، ولنكونن من المقيمين ~~لفرائض الله، فآتاه الله المال الذي كان له ~~بالشام، فبخل بما وعد ولم يفعل ما عاهد الله ~~عليه). # وعن أبي أمامة الباهلي: # " أن ثعلبة بن حاطب جاء إلى رسول الله فقال له: ~~يا رسول الله أدع الله أن يرزقني مالا، فقل له: " ~~ويحك يا ثعلبة! قليل تؤدي شكره خير من كثير ~~لا تطيقه " ثم رجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقال: أدع الله أن يرزقني مالا: فقال: " ويحك يا ~~ثعلبة! أما ترضى أن يكون لك مثل نبي الله " ~~فقال: يا رسول الله صلى الله عليه لو سألت الله أن ~~يسيل على الجبال ذهبا وفضة لسالت، يا رسول ~~الله أدع الله أن يرزقني مالا: فوالله لئن آتاني ~~الله مالا لأوتين كل ذي حق حقه، فقال صلى الله ~~عليه وسلم: " اللهم ارزق ثعلبة مالا " ثلاث مرات. # فاتخذ غنما فنمت حتى ضاقت بها أزقة المدينة ~~فتنحى بها، وكان يشهد الصلوات مع رسول الله ثم ~~يخرج إليها، ثم نمت حتى تعذرت بها مرامي ~~المدينة فتنحى بها، وكان يشهد الجمع مع رسول ~~الله، ثم يخرج إليها، ثم نمت فترك الجمع ~~والجماعات، فلما نزل قوله تعالى: { خذ من ~~أموالهم صدقة تطهرهم } استعمل النبي صلى الله ~~عليه وسلم رجلين على الصدقات، رجلا من الأنصار ~~ورجلا من بني سليم، وكتب لهما الصدقة ~~وأسنانها وأمرهما أن يأخذا من الناس، فأتيا ~~ثعلبة، قال لهما: خذا من الناس فإذا فرغتما ~~فمرا علي، ms0980 ففعلا فقال: ما هذه إلا أخذ الجزية! ~~فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله ~~هذه الآية. # فركب عمر راحلته، ومضى إلى ثعلبة، وقال: ~~ويحك يا ثعلبة! هلكت قد أنزل الله فيك كذا ~~وكذا، فأقبل ثعلبة يبكي ويحثوا التراب على ~~رأسه ويقول: يا رسول الله هذه صدقتي، فلم يقبل ~~النبي صلى الله عليه وسلم صدقته حتى قبض، ثم أتى إلى ~~أبي بكر رضي الله عنه فلم يقبل صدقته، ثم أتى عمر ~~رضي الله عنه فلم يقبل صدقته، فمات في خلافة ~~عثمان ولم يقبل منه عثمان صدقته ". ### || [9.77] # قوله تعالى: { فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى ~~يوم يلقونه بمآ أخلفوا الله ما وعدوه وبما ~~كانوا يكذبون }؛ أي أعقبهم ببخلهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم ~~جزاء البخل. وقيل: معناه: فجازاهم ببخلهم نفاقا في ~~قلوبهم بما أخلفوا الله؛ أي بإخلافهم بما وعدوا من التصدق ~~وكذبهم فيما قالوا. وقال الحسن: (معناه: أورثهم الله ~~النفاق في قلوبهم بأن حرمهم التوبة كما حرم ~~إبليس). قالوا: وإنما أراد الله بهذا بأن الله تعالى دلنا ~~على أنه لا يتوب، كما دلنا حال إبليس لأنه لا يتوب؛ لأن الله ~~سلب عنه قدرة التوبة. # قوله تعالى: { إلى يوم يلقونه } معناه على قول ~~الحسن وقتادة: (إلى يوم يلقون الله) أي يلقون اليوم الذي لا ~~يملك فيه الحكم والضر والنفع إلا الله، وفي هذه الآية دلالة على ~~أن من نذر نذرا فيه قربة يجوز أن يقول: إن رزقني الله ألف ~~درهم فعلي أن أتصدق بخمسمائة لزمه الوفاء به، وفيها دلالة ~~جواز تعليق النذر بالشرط نحو أن يقول: إن قدم فلان فلله ~~علي صيام وصدقة، وإن ملكت عبدا، أو هذا العبد فعلي أن ~~أعتقه، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صلى وصام: ~~من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر ". ### || [9.78] # قوله تعالى: { ألم يعلموا أن الله يعلم ~~سرهم ونجواهم وأن الله علام الغيوب }؛ ألم ~~يعلم المنافقون أن الله يعلم ms0981 ما يسرون من الكفر، وما يناجون ~~فيه فيما بينهم، وأن الله عالم بكل شيء خفي على العباد، وهذا ~~استفهام بمعنى التوبيخ. ### || [9.79] # قوله تعالى: { الذين يلمزون المطوعين من ~~المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا ~~جهدهم }؛ قال ابن عباس: # " وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم حين ~~أراد الخروج إلى غزوة تبوك يحث الناس على ~~الصدقة، وقال: " اجمعوا صدقاتكم " فجاء ~~عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه بأربعة آلاف درهم ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " أكثرت! هل ~~تركت لأهلك شيئا؟ " قال: يا رسول الله كان لي ~~ثمانية آلاف، فأمسكت أربعة لنفسي وعيالي ~~وهذه أربعة آلاف لأقرضها ربي، فقال صلى الله عليه ~~وسلم " بارك الله لك فيما أمسكت وفيما أعطيت " ~~فبارك له حتى بلغ ماله حين مات " # ، وطلق إحدى نسائه في مرضه وصالحوها عن ربع ~~ثمنها على ثمانين ألفا. # وبعده جاء عمر رضي الله عنه بنحو من ذلك، وجاء ~~عثمان رضي الله عنه وصدقته، وجاء عاصم ابن عدي ~~الأنصاري بسبعين وسق من تمر، وجاء أبو عقيل ~~بصاع من تمر وقال: يا رسول الله ليلتي كلها ~~أجر بالحرير حتى أصبت ثلث صاعين، أما أحدهما ~~فأمسكته لعيالي، وأما الآخر فأقرضه ربي، ~~فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشده في ~~الصدقة. فطعن فيهم المنافقون وقالوا: والله ما ~~جاء هؤلاء بصدقاتهم إلا رياء وسمعة، وقالوا في ~~أبي عقيل: إنه جاء ليذكر بنفسه ويعطى من ~~الصدقة أكثر مما جاء به، وإن الله أغنى عن صاع ~~أبي عقيل، فأنزل الله هذه الآية. ومعناها: الذين يعيبون ~~المطوعين من المؤمنين في الصدقات وهم المنافقون عابوا عمر ~~وعثمان وعبدالرحمن بن عوف رضي الله عنهم. # قوله تعالى: { والذين لا يجدون إلا جهدهم } أي ~~ويعيبون على الذين لا يجدون إلا جهدهم؛ أي طاقتهم من ~~الصدقات، عابوا المكثر بالرياء، والمقل بالإقلال. ~~والجهد بالضم والنصب لغتان بمعنى واحد، ويقال: الجهد بالنصب ~~المشقة، والجهد بالضم الطاقة، وقيل: الجهد بالعمل ~~والجهد في القوة، قرأ عطاء والأعرج (جهدهم) وهما لغتان ms0982 مثل ~~الوجد والوجد، فالضم لغة أهل الحجاز، والفتح لغة أهل نجد. ~~قوله تعالى: { فيسخرون منهم }؛ أي يستهزؤن بهم، { ~~سخر الله منهم }؛ أي يجازيهم جزاء سخرتهم؛ { ولهم ~~عذاب أليم } ، أي وجيع. ### || [9.80] # قوله تعالى: { استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ~~إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله ~~لهم }؛ وذلك لما نزلت هذه الآية التي قبل هذه أتى المنافقون إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: يا رسول الله استغفر ~~لنا، فكان عليه السلام يستغفر لقوم منهم على ~~ظاهر إسلامهم من غير علم منه بنفاقهم، وكان ~~إذا مات أحد منهم يسألون رسول الله الدعاء ~~والاستغفار لميتهم، فكان يستغفر لهم على ~~أنهم مسلمون، فأعلمه الله بأنهم منافقون، ~~وأخبر أن استغفار النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~ينفعهم، فذلك قوله: { استغفر لهم أو لا تستغفر ~~لهم } وهذه اللفظة لفظة الأمر، ومعناه الخبر؛ أي إن شئت ~~استغفرت لهم، وإن شئت لا تستغفر، فإنك إن استغفرت لهم سبعين ~~مرة لن يغفر الله. # قوله تعالى: { ذلك بأنهم كفروا بالله ~~ورسوله }؛ في بيان العلة التي لأجلها لا ينفعهم استغفار الرسول ~~صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: { والله لا يهدي ~~القوم الفاسقين }؛ أي لا يوفقهم ولا يرشدهم إلى جنته ~~وثوابه وكرامته، وأما تخصيص (سبعين مرة) بالذكر فهو لتأكيد ~~نفي المغفرة بهذا؛ لأن الشيء إذا بولغ في وصفه أكد بالسبع ~~والسبعين، وهذه كما يقول القائل: لو سألتني حاجتك سبعين مرة لم ~~أقضها، لا يريد أنه إذا أزاد على السبعين قضى حاجته، وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لو علمت أني لو زدت على السبعين لغفر لهم ~~لزدت عليها ". ### || [9.81] # قوله تعالى: { فرح المخلفون بمقعدهم خلاف ~~رسول الله }؛ أي فرح المخلفون عن غزوة تبوك بقعودهم لمخالفة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل بقعودهم عن الجهاد بعد النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وقرأ عمرو بن ميمون (خلف رسول الله) والمخلف ~~ما يترك الإنسان خلفه، والمتخلف الذي يتأخر بنفسه، والخلاف ~~قد يكون بمعنى المخالفة؛ وقد يكون بمعنى ms0983 خلف، كما في قوله تعالى: # وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا # [الاسراء: 76]، ويقرأ خلافك على المعنيين. قوله تعالى: { ~~وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في ~~سبيل الله }؛ أي كرهوا أن يقاتلوا المشركين مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بأموالهم وأنفسهم. # قوله تعالى: { وقالوا لا تنفروا في الحر }؛ أي ~~قال بعضهم: لا تخرجوا فإن الحر شديد والسفر بعيد، وكانوا يدعون ~~إلى غزوة تبوك في وقت نضج الرطب وهو أشد ما يكون من الحر. ~~قوله تعالى: { قل نار جهنم أشد حرا }؛ أي قل ~~لهم نار جهنم التي استحقوها بترك الخروج الى الجهاد أشد حرا ~~من هذا الحر. قوله تعالى: { لو كانوا يفقهون }؛ أي لو ~~كانوا يفقهون أوامر الله ووعده ووعيده. ### || [9.82] # قوله تعالى: { فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا ~~جزآء بما كانوا يكسبون } أي فليضحكوا قليلا لأن ذلك لا ~~يبقى وليبكوا كثيرا في الآخرة في النار، وهذا اللفظ أمر، ~~ومعناه الخبر. وقيل: تقديره: فليضحكوا قليلا فيبكون كثيرا، قال ~~أبو موسى الأشعري: (إن أهل النار ليبكون الدموع في ~~النار حتى لو جريت السفن في دموعهم لجرت، ~~ثم إنهم ليبكون الدم بعد الدموع). # قال ابن عباس: (إن أهل النفاق ليبكون في النار ~~عمر الدنيا، فلا يرق لهم دمع ولا يكتحلون ~~بنوم)، قال صلى الله عليه وسلم: # " يرسل الله البكاء على أهل النار فيبكون حتى ~~تنقطع الدموع، ثم يبكون الدم حتى يرى ~~وجوههم كهيئة الأخدود " # ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم ~~كثيرا ". ### || [9.83] # قوله تعالى: { فإن رجعك الله إلى طآئفة ~~منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي ~~أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا }؛ معناه: إن رجعك الله ~~من تبوك، إلى طائفة من المنافقين بالمدينة فاستأذنوك للخروج معك إلى ~~غزوة أخرى فقل: لن تخرجوا معي أبدا إلى الجهاد، ولن تقاتلوا معي ~~عدوا، { إنكم رضيتم بالقعود أول مرة }؛ أي في ~~غزوة تبوك، { فاقعدوا مع الخالفين }؛ أي مع النساء ~~والصبيان، هذا قول الحسن. # والخالف الذي يبقى بعد الشاخص، وقيل: هو الذي يبقى لنقص ~~يكون ms0984 فيه. وعن ابن عباس أن معنى الخالفين: (المتخلفين ~~بغير عذر)، وقيل: إن هذا مأخوذ من قولهم خلف اللبن ~~إذا فسد، والخالف الفاسد، وقيل الخالفون خساس الناس ~~وأدنياؤهم، ويقال فلان خالفه أهله إذا كان دونهم، وقيل: مع ~~الخالفين أي أهل الفساد من قولهم ينبذ خالف أي فاسد، وخلف ~~اللبن خلوفا إذا حمض من طول وضعه في السقاء، وخلف فم ~~الصائم إذا تغيرت رائحته. وقرأ مالك بن دينار (مع الخلفين) ~~بغير ألف، وقال الفراء: يقال عبد خالف وصاحب خالف إذا كان ~~مخالفا. ### || [9.84] # قوله تعالى: { ولا تصل على أحد منهم مات ~~أبدا ولا تقم على قبره }؛ أي لا تصل على أحد مات من ~~المنافقين أبدا، ولا تقم على قبر أحد منهم لتدفنه وتدعو له، { ~~إنهم كفروا بالله ورسوله }؛ وجحدوا بالله ورسوله ~~بقلوبهم، وماتوا على الكفر والنفاق، وقال ابن عباس: # " لما مرض عبدالله بن أبي سلول بعث إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ليأتيه فلما دخل عليه طلب منه ~~أن يصلي عليه إذا مات، وأن يقوم على قبره، وأن ~~يكفنه في قميصه الذي يلي جلده، فقبل منه ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فلما مات عبدالله انطلق ~~ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاه إلى جنازة ~~أبيه، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما اسمك؟ " ~~قال: الحباب بن عبدالله، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: " أنت عبدالله بن عبدالله، إن الحباب هو ~~الشيطان ". # ثم انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم معه، فلما ~~قام صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه، قال عمر رضي الله ~~عنه: يا رسول الله أتصلي على عدو الله القائل يوم ~~كذا وكذا؟! فقال: " دعني يا عمر " فعاد عمر ~~لمقالته، فقال صلى الله عليه وسلم: " دعني يا عمر " ~~فعاد لمقالته الثالثة فقال: " قد خيرت في ~~ذلك، ولو علمت أني إذا استغفرت له أكثر من ~~سبعين مرة غفر له لفعلت " وقال: " تأخر عني ~~يا عمر " قال عمر: فعجبت من جرأتي على رسول ~~الله صلى الله عليه ms0985 وسلم فأنزل الله عزوجل { ولا تصل ~~على أحد منهم مات أبدا } " # يعني بعد ما صليت على عبدالله بن أبي. # وروي # " أن عبدالله بن أبي لما حضرته الوفاة بعث ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله أحد ثوبيه ~~يكفن فيه، فبعث إليه بأحدهما، فقال: ما أريد ~~إلا الذي يلي جلدك من ثيابك، فوجه إليه بذلك، ~~فقيل له في ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: " إن قميصي لن ~~يغني عنك من الله شيئا، وعسى أن يسلم بسبب هذا ~~القميص خلق كثير " " # فأسلم ألف من الخوارج! لما رأوه يطلب الاستشفاع بثوب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قال ابن عباس: (الله أعلم أي صلاة كانت تلك وما ~~خادع رسول الله صلى الله عليه وسلم إنسانا قط)، وقال ~~مقاتل: (إن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن لا يصلي ~~على عبدالله بن أبي، جاء إليه ابنه فقال: ~~أنشدك بالله أن لا تشمت بي الأعداء، وكان ابنه ~~مؤمنا حقا فأنزل الله هذه الآية، فانصرف ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولم يصل عليه). # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أراد أن يصلي عليه ~~فأخذ جبريل بثوبه، فقال: { ولا تصل على أحد ~~منهم مات أبدا }. # قوله تعالى: { وماتوا وهم فاسقون }؛ أي ماتوا على ~~الكفر والنفاق، فلما نزلت هذه الآية ما صلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بعدها على منافق ولا قام على قبره حتى قبض، # " وكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ما فعل بعبدالله بن أبي، ~~فقال: " وما يغني عنه قميصي وصلاتي من الله، والله ~~إني كنت أرجو أن يسلم به ألف من قومه " ". ### || [9.85] # قوله تعالى: { ولا تعجبك أمولهم وأولدهم ~~إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا ~~وتزهق أنفسهم }؛ أي لا تعجبك كثرة أموالهم وأولادهم في ~~الدنيا، إنما يريد الله أن يعذبهم بها، ويخرج أرواحهم بصعوبة، { ~~وهم كفرون }؛ هذا على التقديم والتأخير في الآية على ما تقدم ~~ذكره، فأما التأويل على نظم الآية، فمعناه: إنما يريد الله أن ~~يعذبهم بها في ms0986 الدنيا بالتشديد عليهم في التكليف بالإنفاق والأمر ~~بالجهاد. # فإن قيل: لم أعاد قوله { ولا تعجبك أمولهم ~~وأولدهم }؟ قيل: فيه قولان: أحدهما بشدة التحذير عن ~~الاغترار بالأموال والأولاد، والثاني: أنه أراد بالأول قوما من ~~المنافقين، وأراد بالثاني قوما آخرين منهم، كما يقال: لا تعجبك ~~أموال زيد وأولاده، ولا تعجبك أموال عمرو وأولاده. ### || [9.86] # قوله تعالى: { وإذآ أنزلت سورة أن آمنوا ~~بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا ~~الطول منهم }؛ أي إذا أنزلت من القرآن قطعة مشتملة على ~~آيات أحاطت بها أن آمنوا بالله أي صدقوا وداوموا على الإيمان ~~وجاهدوا الكفار مع رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذنك في ~~القعود عن الجهاد ذوو السعة والغنى منهم، { وقالوا ذرنا }؛ ~~دعنا واذن لنا، { نكن مع القاعدين }؛ عن الجهاد. ~~والطول في الحقيقة هو الفضل الذي يتمكن به من مطاولة ~~الأعداء. ### || [9.87] # قوله تعالى: { رضوا بأن يكونوا مع الخوالف }؛ أي ~~رضي المنافقون بأن يكونوا في تخلفهم عن الجهاد مع النساء ~~المتخلفات في الحي بعد غزوة أزواجهن. قوله تعالى: { ~~وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون }؛ يعني الطبع في ~~اللغة جعل الشيء كالطابع نحو طبع الدينار والدرهم، ويجوز أن ~~يكون الطبع على القلب علامة يقفل الله بها قلب الكافر المعاند ~~ليعلم من يطلع عليه من الملائكة أنه لا يجتهد في طلب الحق، فهم ~~لا يفقهون أوامر الله ونواهيه. ### || [9.88] # قوله تعالى: { لكن الرسول والذين آمنوا معه ~~جاهدوا بأموالهم وأنفسهم }؛ لكن الرسول محمد صلى ~~الله عليه وسلم والذين آمنوا معه، وهم أهل اليقين من الصحابة، ~~جاهدوا بأموالهم وأنفسهم على ضد ما فعل المنافقون. # قوله تعالى: { وأولئك لهم الخيرات }؛ يجوز أن ~~يكون معناه: أولئك لهم الحسنات المقبولات، فإن الخيرات منافع تسكن ~~النفس إليها، ويجوز أن يكون معناه: الزوجات الحسنات في الجنة، كما ~~قال الله فيهن # خيرات حسان # [الرحمن: 70] واحدة الخيرات خيرة، وهي الفاضلة في كل شيء، ~~قوله تعالى: { وأولئك هم المفلحون }؛ أي ~~الظافرون بالمراد. ### || [9.89] # قوله تعالى: { أعد الله لهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار }؛ أي أعد الله لهم في ms0987 الجنة بساتين تجري من ~~تحتها وشجرها ومساكنها الأنهار. قوله تعالى: { خالدين ~~فيها }؛ أي مقيمين دائمين فيها لا يموتون ولا يخرجون منها، { ~~ذلك الفوز العظيم }؛ أي هو النجاة الوافرة، فازوا بالجنة ~~ونعيمها، ونجوا من النار وجحيمها. ### || [9.90] # قوله تعالى: { وجآء المعذرون من الأعراب ~~ليؤذن لهم }؛ قرأ ابن عباس والضحاك ومجاهد: (المعذرون) ~~بالتخفيف وهم الذين اعتذروا؛ أي جاؤا بالعذر، وأمرهم رسول الله ~~بالتخلف بعذرهم وهم من المخلفين، وقيل: المعذرون ~~بالتخفيف المبالغون في العذر، كان صلى الله عليه وسلم يقول: # " لعن الله المعذرون " # بالتشديد يعني الذين يقبلون في التخلف بلا علة يوهمون أن لهم ~~عذرا، ولا عذر لهم، والتعذير التقصير في الشيء مع طلب العذر. # وأما القراءة المشهورة (المعذرون) بالتشديد فمعناها ما تقدم ~~يعني المقصرين، قال الفراء: (أصله المعتذرون، ~~فأدغمت التاء في الذال وثقلت حركة التاء إلى ~~العين). # قوله تعالى: { وقعد الذين كذبوا الله ورسوله ~~}؛ قرأ العامة (كذبوا) مخففا يعني المنافقين قعدت طائفة منهم من ~~دون أن يعتذروا، وقرأ أبي والحسن: (كذبوا) بالتشديد، وقوله تعالى: ~~{ سيصيب الذين كفروا منهم عذاب أليم }؛ يجوز أن ~~تكون الفائدة في دخول (من) بيان أن منهم من يسلم، ومنهم من ~~يموت على كفره ونفاقه. ### || [9.91] # قوله تعالى: { ليس على الضعفآء ولا على ~~المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج ~~إذا نصحوا لله ورسوله }؛ أي ليس على المرضى والشيوخ ~~الكبار، ولا على المرضى الذين لا يقدرون على الخروج إلى الجهاد، ولا ~~على الذين لا يكون عندهم نفقة ينفقونها في الجهاد وهم الفقراء، ~~ليس عليهم مأثم في القعود عن ذلك إذا كان قعودهم على وجه ~~النصح لله ورسوله، وهو إن سعوا في إصلاح ذات البين وما يرجع ~~على الجهاد، ولا يكون قعودهم للتثريب على المسلمين وإفساد شيء من ~~أمرهم. والنصح: إخراج الغش عن العمل. قوله تعالى: { ما ~~على المحسنين من سبيل }؛ أي ما على المطيعين ~~الموحدين من سبيل في العقاب، { والله غفور }؛ لذنوبهم، { ~~رحيم }؛ إذ أرخص لهم في القعود بالعذر. ### || [9.92] # قوله تعالى: { ولا على الذين إذا مآ ms0988 أتوك ~~لتحملهم }؛ أي وليس على الذين إذا ما أتوك لتحملهم إلى ~~الجهاد بالنفقة، { قلت لا أجد مآ أحملكم عليه }؛ ~~فهؤلاء ليس عليهم حرج في القعود عن الجهاد، قال ابن عباس: ~~(نزلت هذه الآية في سالم بن عمير وعبدالرحمن ~~بن كعب وعمرو بن الحضرمي وعبيدالله ابن كعب ~~وعبد بن مغفل ومعقل بن يسار وصخر بن سلمة ~~الذي كان وقع على امرأته في رمضان، فأمره ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن يكفر، ونفر من بني ~~مزينة من أهل الحاجة، أتوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقالوا: يا نبي الله قد ندبنا للخروج معك، ~~فاحملنا لنغزوا معك، ولم يكن عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما يحملهم عليه، فقال لهم: [لا أجد ~~ما أحملكم عليه] فتولوا وهم يبكون) فذلك ~~قوله تعالى: { تولوا وأعينهم تفيض من الدمع ~~حزنا ألا يجدوا ما ينفقون }؛ وقال الحسن: (نزلت في ~~أبي موسى الأشعري وجماعة من الأشعريين). ### || [9.93] # قوله تعالى: { إنما السبيل على الذين ~~يستأذنونك وهم أغنيآء } معناه: إنما السبيل في ~~العقاب على الذين يستأذنونك في القعود عنك وهم أغنياء، { ~~رضوا بأن يكونوا مع الخوالف }؛ أي مع النساء، { ~~وطبع الله على قلوبهم }؛ مجازاة لهم على فعلهم، { ~~فهم لا يعلمون }؛ أوامر الله عز وجل. ### || [9.94] # قوله: { يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم }؛ أي ~~يعتذر المنافقون إليكم إذا انصرفتم إليهم من هذه الحرب في ~~قعودهم على الجهاد، { قل لا تعتذروا }؛ فإنه بصير بكم وهو ~~الله تعالى، { لن نؤمن لكم }؛ لن نصدقكم، { قد ~~نبأنا الله من أخباركم }؛ قد أخبرنا الله من أسراركم ~~أنه ليس لكم عذر، { وسيرى الله }؛ أي يظهر، { عملكم ~~ورسوله ثم تردون }؛ في الآخرة، { إلى عالم الغيب ~~والشهادة فينبئكم }؛ ما غاب عن العباد، وما عمله ~~العباد فيجزيكم، { بما كنتم تعملون }؛ من الخير والشر. ### || [9.95] # قوله تعالى: { سيحلفون بالله لكم إذا ~~انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم }؛ أي سيحلف المنافقون ~~بالله في ما يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم لتعرضوا عنهم، { ~~فأعرضوا عنهم }؛ فلا تعاقبوهم على جهة الهوان لهم، { ~~إنهم رجس }؛ أي هم ms0989 النتن الذي يجب الاجتناب عنه ~~فاجتنبوهم، { ومأواهم جهنم }؛ ومصيرهم جهنم، { جزآء ~~}؛ لهم على فعلهم { بما كانوا يكسبون }. ### || [9.96] # قوله تعالى: { يحلفون لكم لترضوا عنهم }؛ أي ~~يحلفون لكم في الاعتذار لترضوا عنهم أنتم من دون أن يطلبوا رضى ~~الله، { فإن ترضوا عنهم } فإن أنت رضيت يا محمد ~~والمؤمنون بحلفهم الكاذب، { فإن الله لا يرضى عن ~~القوم الفاسقين }؛ أي عن الخارجين عن طاعة الله. ### || [9.97] # قوله تعالى: { الأعراب أشد كفرا ونفاقا }؛ أراد ~~بالأعراب أسدا وغطفان، بين الله أنهم في كفرهم ونفاقهم ~~أشد من منافقي أهل المدينة. وقيل: معناه: أهل البدو أشد ~~كفرا ونفاقا من أهل الحضر. قوله تعالى: { وأجدر ألا ~~يعلموا حدود مآ أنزل الله على رسوله والله ~~عليم حكيم }؛ أي أحرى وأولى ألا يعلموا حدود ما أنزل الله ~~على رسوله؛ لأنهم أبعد من سماع التنزيل وإنذار الرسول صلى الله ~~عليه وسلم، ولهذا قيل: إن من بعد من الأمصار ونأى من حضرة ~~العلماء كان أجهل بالأحكام والسنن ممن جالسهم ويسمع منهم، ولهذا ~~لا إمامة لأعرابي في الصلاة. ### || [9.98] # قوله تعالى: { ومن الأعراب من يتخذ ما ينفق ~~مغرما ويتربص بكم الدوائر } معناه: ومن الأعراب من ~~يتخذ ما ينفق في الجهاد يحسبه غرما، ولا يحتسب فيه الأجر ولا ~~يرجو الثواب به، إما ينفق خوفا أو رياء، وينتظر بكم الموت ~~والهلاك، ودوائر الزمان وصروفه، يعني أنهم ينتظرون أن ينقلب ~~الزمان عليكم بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم وظهور المشركين، ~~قوله تعالى: { عليهم دآئرة السوء }؛ أي عاقبة ~~السوء والهلاك، وإنما ينتظرون بكم ما نزل بهم، والسوء بفتح ~~السين المصدر، وبالضم الاسم، وقوله تعالى: { والله سميع ~~عليم }؛ ظاهر المراد. ### || [9.99] # قوله تعالى: { ومن الأعراب من يؤمن بالله ~~واليوم الآخر }؛ معناه: من الأعراب من يصدق بالله واليوم ~~الآخر في السر والعلانية، قيل: إن المراد من هذه الآية أسلم ~~وغفار. # قوله تعالى: { ويتخذ ما ينفق قربات عند الله ~~} أي يتخذ نفقته في الجهاد تقربا إلى الله تعالى في طلب ~~المنزلة عنده والثواب، وقوله تعالى: { وصلوات الرسول } أي ~~يطلب ms0990 بذلك دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم بالمغفرة وصلاح الدنيا ~~والآخرة، كما يطلب المنزلة عند الله تعالى. # قوله تعالى: { ألا إنها قربة لهم }؛ هذه كلمة ~~تنبيه؛ أي سيقربهم الله بهذا الإنفاق إذا فعلوه. قوله ~~تعالى: { سيدخلهم الله في رحمته }؛ أي في حسنته ~~وثوابه، { إن الله غفور }؛ لذنوب العباد، { رحيم }؛ ~~لمن تاب وأطاع. ### || [9.100] # قوله تعالى: { والسابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان }؛ ~~أراد بالسابقين الذين سبقوا إلى الإيمان، وهم الذين صلوا إلى ~~القبلتين وشهدوا بدرا، وقال الشعبي: (هم الذين ~~بايعوا بيعة الرضوان بالحديبية)، وقيل: هم الذين ~~أنفقوا قبل الهجرة، كما قال الله تعالى: # لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل # [الحديد: 10]. # وإنما مدح السابقين لأن السابق إمام للتالي، وقوله تعالى: { ~~والأنصار } عطف على المهاجرين، وقرأ بعضهم (والأنصار) بالرفع ~~عطفا على السابقين، وعن عمر رضي الله عنه: (والأنصار الذين ~~اتبعوهم) بغير الواو، وسمع رجلا قرأ (والذين) بالواو ~~فقال: من أقرأك هذه الآية؟ قال: أبي بن كعب، ~~قال: لا تفارقني حتى أذهب بك إليه، فلما أتاه ~~قال له: يا أبي أقرأته هذه الآية؟ قال: نعم، ~~قال عمر رضي لله عنه: كنت أظن أنا ارتفعنا رفعة لا ~~يبلغها أحد بعدها، فقال أبي: تصديق هذه الآية ~~أول سورة الجمعة # وآخرين منهم لما يلحقوا بهم # [الآية: 3] وأوسط سورة الحشر # والذين جآءوا من بعدهم # [الآية: 10]. # وقوله تعالى: { بإحسان } والإحسان هو فعل الحسن، قوله ~~تعالى: { رضي الله عنهم ورضوا عنه }؛ أي رضي ~~الله عنهم بإحسانهم، ورضوا عنه بالثواب والكرامة. قوله ~~تعالى: { وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار ~~خالدين فيهآ أبدا ذلك الفوز العظيم }؛ في هذا ~~الموضع بغير (من) إلا ابن كثير فانه يقرأ (من تحتها). ### || [9.101] # قوله تعالى: { وممن حولكم من الأعراب ~~منفقون }؛ أي ومن حول مدينتكم من الأعراب منافقون، قيل: ~~إنهم مزينة وجهينة. وقوله تعالى: { ومن أهل ~~المدينة }؛ أي ومن أهل مدينتكم منافقون. قوله تعالى: { ~~مردوا على النفاق } أي أقاموا وثبتوا على النفاق، { لا ~~تعلمهم }؛ يا محمد بأعيانهم، { نحن نعلمهم }؛ ~~ونعلم نفاقهم، { سنعذبهم ms0991 مرتين }؛ أراد العذاب الأول ~~الفضيحة والإخراج من المسجد، والعذاب الثاني عذاب القبر. # روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قام خطيبا يوم ~~الجمعة، فقال: " يا فلان أخرج فإنك منافق، يا ~~فلان أخرج فإنك منافق " فأخرجهم بأسمائهم. ~~وكان عمر رضي الله عنه لم يشهد الجمعة لحاجة له، ~~فلقيهم وهم يخرجون من المسجد، فاختبأ ~~عنهم استحياء؛ لأنه لم يشهد الجمعة، وظن ~~الناس قد انصرفوا، واختبؤا هم عن عمر رضي الله عنه ~~وظنوا أن قد علم بأمرهم. فدخل عمر المسجد ~~وإذا هو بالناس لم يصلوا، فقال له رجل: يا عمر ~~قد فضح الله المنافقين ". # وقال الحسن: (أراد بالعذاب الأول السبي والقتل، ~~وبالثاني عذاب القبر)، وقوله تعالى: { ثم يردون ~~إلى عذاب عظيم }؛ أراد به عذاب جهنم. ### || [9.102-103] # قوله تعالى: { وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا ~~عملا صالحا وآخر سيئا }؛ أي في المدينة قوم آخرون ~~أقروا بذنوبهم، خلطوا عملا صالحا بعمل سيء؛ أي تخلفوا عن ~~الغزو ثم تابوا، ويقال: خرجوا إلى الجهاد مرة وتخلفوا مرة، ~~فجمعوا بين العمل الصالح والعمل السيء، كما يقال: خلط الدنانير ~~والدراهم؛ أي جمعها، وخلط الماء واللبن؛ أي أحدهما بالآخر. # وقوله تعالى: { عسى الله أن يتوب عليهم }؛ أي يتجاوز ~~عنهم، { إن الله غفور }؛ لما سلف من ذنوبهم { رحيم }؛ ~~بهم إذ قبل توبتهم. وإنما ذكر لفظ (عسى)؛ ليكون الإنسان بين ~~الطمع والإشفاق، فيكون أبعد من الاتكال والإهمال. # قال ابن عباس: # " نزلت هذه الآية في لبابة بن المنذر وأوس بن ~~ثعلبة ووديعة ابن حذام وغيرهم، وكانوا عشرة ~~أنفس، تخلفوا عن غزوة تبوك، فلما بلغهم ما ~~أنزل الله عن المتخلفين ندموا على صنيعهم، ~~فربط سبعة منهم أنفسهم على سواري المسجد، ~~وأقسموا أن لا يحلوا أنفسهم حتى يكون الرسول ~~صلى الله عليه وسلم الذي يحلهم، وكانوا لا يخرجون إلا ~~لحاجة لا بد لهم منها. # وكانوا على ذلك حتى قدم صلى الله عليه وسلم المدينة ~~فأخبر بأمرهم، فقال: صلى الله عليه وسلم: " وأنا لا ~~أحلهم حتى أؤمر بهم " فنزلت هذه الآية فعرف ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن ms0992 (عسى) من الله واجبة، وأمر ~~بحلهم وانطلقوا إليه، وقالوا: هذه أموالنا ~~التي خلفتنا عنك، فخذها فتصدق بها عنا، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: " ما أمرت فيها بشيء " # فأنزل الله تعالى: # قوله تعالى: { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم ~~وتزكيهم بها }؛ ظاهر الآية يقتضي رجوع الكناية في قوله: { ~~خذ من أموالهم } أي المذكورين، وقيل: وهم الذين اعترفوا ~~بذنوبهم، إلا أن كل حكم حكم الله ورسوله في شخص من ~~عباده، فذلك الحكم لازم في سائر الأشخاص، إلا ما قام دليل ~~التخصيص به. # وقيل: قوله تعالى: { خذ من أموالهم صدقة } ~~ابتداء ذكر لجميع المسلمين لدلالة الحال على ذلك وإن لم يتقدم ~~ذكر المسلمين كقوله تعالى: # إنا أنزلناه في ليلة القدر # [القدر: 1] يعني القرآن. ومعنى الآية: تطهرهم عن الذنوب ~~وتزكيهم بها؛ أي تصلح أعمالهم. وقيل: معناه: تطهرهم ~~أنت بها من دنس الذنوب. # قوله تعالى: { وصل عليهم }؛ أي استغفر لهم وادع ~~لهم، { إن صلوتك سكن }؛ أي إن دعاءك واستغفارك ~~طمأنينة، { لهم }؛ في أن الله يقبل توبتهم، { والله ~~سميع }؛ بمقالتهم، { عليم }؛ بنياتهم وثوابهم. ### || [9.104] # قوله تعالى: { ألم يعلموا أن الله هو يقبل ~~التوبة عن عباده ويأخذ الصدقات }؛ استفهام بمعنى ~~التنبيه، وقبول التوبة إيجاب الثواب عليها، وقوله تعالى { ~~ويأخذ الصدقات } أراد به أخذ النبي صلى الله عليه وسلم ~~والأئمة بعده؛ لأن أخذهم لا يكون إلا بأمر الله، وكأن الله ~~هو الآخذ، { وأن الله هو التواب }؛ أي المتجاوز عن من ~~تاب، { الرحيم }؛ عن من مات على التوبة. ### || [9.105] # قوله تعالى: { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ~~ورسوله والمؤمنون }؛ أي اعملوا عمل من يعلم أن الله ~~يرى عمله ويتجاوز به، ظاهر المعنى. قوله تعالى: { ~~وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم ~~بما كنتم تعملون }؛ ظاهر المعنى. ### || [9.106] # قوله تعالى: { وآخرون مرجون لأمر الله إما ~~يعذبهم وإما يتوب عليهم } معناه: من أهل المدينة ~~قوم آخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم بتخلفهم عن ~~الجهاد، وإما يتجاوز عنهم بتوبتهم عن الذنوب، { والله عليم ~~}؛ بهم { حكيم } يحكم في أمرهم ما يشاء. و(إما) في الكلام بوقوع ~~أحد ms0993 الشيئين، والله تعالى عالم بما يصير إليه أمرهم، إلا أن ~~هؤلاء العباد خوطبوا بما يتفاهمون فيما بينهم ليكون أمرهم عندكم ~~على هذا، أي على الخوف. # قال ابن عباس: # " نزلت هذه الآية في الثلاثة الذين خلفوا وهم: ~~كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع العمري، ~~وهلال بن أمية الواقفي، وهم من الأنصار ~~تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ~~تبوك، قال كعب بن مالك: أنا أفره أهل المدينة ~~جملا فمتى ما شئت لحقت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأقام حتى مضت عليهم ثلاثة أيام ثم آيس أن ~~يلحقهم وندم على صنيعه، وأقام صاحباه معه، ~~وندما لكن لم يفعلا ما فعله أبو لبابة وأوس ~~ووديعة. # ففقدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزول هذه ~~الآية، ونهى الناس عن أن يجالسوهم أو يواكلوهم ~~أو يشاربوهم، وأرسل إليهم أن اعتزلوا نساءكم، ~~وأرسل إلى أهليهن، فجاءت امرأة هلال فقالت: إن ~~هلالا شيخ كبير وإن لم آته بطعام هلك، فقال صلى ~~الله عليه وسلم: " وإياك أن يقربك " قال كعب: فمررت ~~على أبي قتادة فسلمت عليه ولم يرد علي ~~السلام، وكلمته فأبى أن يكلمني، فاستعبرت ~~وقلت: أما والله إنك لتعلم أني أحب الله ~~ورسوله. قال: الله ورسوله أعلم. فمضى على هذا ~~خمسون يوما، فلما ضاقت عليهم الأرض بما رحبت ~~أنزل الله { هو التواب الرحيم } ". ### || [9.107] # قوله تعالى: { والذين اتخذوا مسجدا ضرارا ~~وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن ~~حارب الله ورسوله من قبل }؛ قال ابن عباس: # " وذلك أن سبعة عشر رجلا من المنافقين من ~~بني عمرو بن عوف قالوا فيما بينهم: تعالوا ~~نبني مسجدا يكون متحدثنا ومجمع رأينا بأن ~~تأتوا إلى رسول الله وتستأذنوه أن نبني مسجدا ~~لذوي العلة والليلة المطيرة. فأذن لهم فبنوا ~~مسجدا، وكان يؤمهم في ذلك المسجد مجمع بن ~~الحارثة، وكان قارئا للقرآن فأنزل الله هذه ~~الآية). ومعناها: والذين اتخذوا مسجدا للضرار والكفر ~~والتفريق بين المؤمنين. # قوله تعالى: { وإرصادا لمن حارب الله ورسوله ~~من قبل } أي وانتصارا لمن حارب الله ورسوله، ms0994 وهو أبو عامر ~~الراهب كان حارب النبي صلى الله عليه وسلم قبل بناء هذا المسجد، ~~ومضى إلى هرقل ملك الروم يستعين به على النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسقا، ~~قال: " لا تسموه الراهب " ، ودعا عليه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فمات كافرا بقنسرين موضع بالشام ". # قوله تعالى: { وليحلفن إن أردنا إلا ~~الحسنى }؛ معناه: ليحلف المنافقون أنا لم نرد ببناء هذا ~~المسجد إلا الخير، وهم كذبة في حلفهم لقوله تعالى: { والله ~~يشهد إنهم لكاذبون }؛ ما بنوه للخير. # روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة ~~مهاجرا أقبل إليه أبو عامر هذا المذكور فقال ~~له: ما هذا الذي جئت به؟ قال: " الحنيفية دين ~~إبراهيم عليه السلام " قال أبو عامر: وأنا عليها، ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " فإنك لست عليها " ~~قال: بلى؛ ولكنك أدخلت في الحنيفية ما ليس ~~منها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ما فعلت ذلك، ~~ولكن جئت بها بيضاء نقية " فقال أبو عامر: ~~أمات الله الكاذب منا طريدا وحيدا غريبا، فقال صلى ~~الله عليه وسلم: " آمين " فسماه أبو عامر الفاسق. # فلم يزل أبو عامر كذلك إلى أن هزمت هوازن، ~~فخرج هاربا إلى الشام فأرسل إلى المنافقين أن ~~استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح وابنوا لي ~~مسجدا، فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم، وآت بجند ~~من الروم وأخرج محمدا صلى الله عليه وسلم وأصحابه. ~~فبنوا مسجدا إلى جنب مسجد قباء، وكان الذين ~~بنوه اثنى عشر رجلا. # فلما فرغوا منه أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو متجهز إلى تبوك، فقالوا: يا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إنا قد بنينا مسجدا لذوي العلة ~~والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية، ~~وإنا نحب أن تأتيه فتصلي لنا فيه وتدعو ~~لنا بالبركة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إني ~~على جناح سفر وحال شغل، ولو قدمنا لأتيناكم ~~إن شاء الله فصلينا لكم فيه ". # فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من ms0995 تبوك أتوه ~~فسألوه إتيان مسجدهم، فدعا بقميصه ليلبسه ~~ويأتيهم، فنزلت هذه الآية وأعلمه الله تعالى ~~بخبرهم وما هموا به، فدعا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مالك بن الدهشم ومعن بن عدي وعامر بن ~~السكن والوحشي قاتل حمزة، وقال لهم: " ~~انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه ~~وحرقوه " فخرجوا سراعا، فأخذوا سعفا من ~~النخل، وأشعلوا فيه النار وهدموه، وأمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يتخذ كناسة يلقى فيه القمامة ~~والجيف، ومات أبو عامر بالشام وحيدا غريبا. " # وقال عكرمة: (سأل عمر رضي الله عنه رجلا منهم: ماذا ~~أعنت في هذا المسجد، قال: أعنت فيه بسارية، ~~فقال عمر رضي الله عنه: أسر بها في عنقك في نار ~~جهنم). وروي: (أن بني عمرو بن عوف بنوا مسجدا وسألوا ~~عمر رضي الله عنه أن يصلي بهم الجماعة مجمع بن ~~الحارثة فقال: لا؛ ولا نعمة عين، أليس بإمام مسجد ~~الضرار، فقال له مجمع: يا أمير المؤمنين لا ~~تعجل علي، فوالله لقد صليت فيه وإني لا ~~أعلم ما أضمروا عليه، ولو علمت ما صليت ~~معهم، وكنت غلاما وهم شيوخ لا يقرءون من ~~القرآن شيئا، فصليت بهم ولا أعلم ما في ~~نفوسهم، فعذره عمر رضي الله عنه وصدقه، وأمره ~~بالصلاة في مسجد قباء). قرأ أهل المدينة والشام الذين ~~اتخذوا بغير (واو) وكذلك هو في مصاحفهم. ### || [9.108] # قوله تعالى: { لا تقم فيه أبدا }؛ أي لا تصل في ~~مسجد هؤلاء المنافقين أبدا، { لمسجد أسس على التقوى ~~من أول يوم أحق أن تقوم فيه }؛ يعني مسجد قباء ~~أسس لوجه الله منذ أول يوم بني، ويقال: هو مسجد النبي صلى ~~الله عليه وسلم أحق أن تصلي فيه، ولا يمتنع أن يكون المراد المسجد ~~الذي أسس على التقوى كلا المسجدين، مسجد النبي صلى الله ~~عليه وسلم ومسجد قباء. قوله تعالى: { فيه رجال يحبون ~~أن يتطهروا }؛ في مسجد قباء رجال يحبون أن يتطهروا. ~~قال الحسن: (معناه يتطهرون من الذنوب بالتوبة). # والمشهور أن المراد بالتطهير في هذه الآية الاستنجاء بالماء كما ~~روي: # " أنه ms0996 لما نزلت هذه الآية وقف رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بباب قباء وقال: " يا معشر الأنصار إن الله ~~عزوجل قد أحسن الثناء عليكم في طهوركم، فبم ~~تطهرون؟ " قالوا: إنا نتبع الأحجار بالماء؛ أي ~~نستجمر بالحجر ثم نستنجي بالماء، فقرأ عليهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم هذه الآية، وسن النبي صلى الله عليه وسلم الاستنجاء بالماء ~~" # قوله تعالى: { والله يحب المطهرين }؛ أي أثنى ~~على المطهرين من الذنوب، والمتطهرين بالماء من الأدناس. ### || [9.109] # قوله تعالى: { أفمن أسس بنيانه على تقوى من ~~الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا ~~جرف هار }؛ الألف في أول الآية ألف استفهام دخلت في ~~الكلام للإنكار، وقوله تعالى { جرف هار } أي على طرف ~~الهوة، وقوله { هار } ساقط، وأصله هاير، إلا أنه حذف الياء. # والجرف: ما تمر به السيول من الأودية فتسير جانبه وتنثره، ~~ولو وقف الإنسان عليه لسقط وانهار، وشفا الشيء حرفه وهو ~~مقصور يكتب بالألف وتثنيته شفوان. # قرأ نافع وأهل الشام بضم الهمزة والنون على غير تسمية الفاعل، ~~وقرأ الباقون بفتحهما. قوله تعالى: { على تقوى من ~~الله } ، قرأ ابن عمر (تقوى) منون، وقوله تعالى { جرف } قرأ ~~ابن عامر وحمزة وأبو بكر وخلف بالتخفيف، وقرأ الباقون بالتثقيل ~~وهما لغتان، وهي البر التي لم تمطر، وقال أبو عبيد: (بنى ~~الهوة والرمل) والشيء الرخو وما يجرفه السيل في ~~الأودية، والهاير الساقط الذي يتداعى بعضه على إثر بعض كما ~~يتهاوى الرمل، والشيء الرخو، وفي مصحف أبي (فانهارت به ~~قواعده في نار جهنم). قال قتادة: (ذكر لنا أنه ~~حفرت بقعة منها فرؤي الدخان يخرج منها)، وقال ~~جابر بن عبدالله: (رأيت الدخان يخرج من مسجد ~~الضرار). # قوله تعالى: { فانهار به في نار جهنم }؛ أي ~~انهار الجرف بالبناء؛ أي هار به؛ أي كما أن من بنى على جانب ~~نهر صفة ما ذكرنا انهار بناؤه في النهر، فكذلك بناء أهل ~~النفاق مسجد الشقاق كبناء على جرف جهنم يتهور بأهله فيها. ~~وقوله تعالى: { والله لا يهدي القوم الظالمين }؛ أي لا ~~يوفقهم ولا يهديهم ms0997 الى جنته وثوابه. ### || [9.110] # قوله تعالى: { لا يزال بنيانهم الذي بنوا ~~ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم }؛ أي لا ~~يزال بنيانهم مسجد الضرار حيرة مترددة في قلوبهم، ويقال شكا ~~واضطرابا، يعني أن شكهم لا يزال وإن زيل ذلك البناء، بل يبقى ~~ذلك في قلوبهم حتى خاب أملهم، اشتد أسفهم بأن بعث رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عامر بن قيس ووحشيا مولى مقطم بن عدي ~~فخرباه وهدماه، ثم أمر الأنصار بإلقاء الجيف والعذرات ~~الكناسات فيه، إذ لم يبن لله تعالى، فبقي ذلك حسرة وندامة في ~~قلوب المنافقين حتى تقطع قلوبهم؛ أي حتى يموت على ذلك. # ويقال: معناه: لا يزالون شاكين حين يموتوا، فإذا ماتوا صاروا إلى ~~اليقين حيث لا ينفعهم اليقين قال السدي: (معناه: لا يزال ~~هدم بنيانهم الذي بنوه ريبة في قلوبهم؛ أي ~~حزازة وغيظا في قلوبهم؛ أي أن تصدع قلوبهم ~~فيموتوا). # وقرأ الحسن ويعقوب أي (إن) مخففا على الغاية، يدل عليه تفسير ~~الضحاك وقتادة، ولا يزالون في شك منه إلى أن يموتوا فيستيقنوا ~~ويتبينوا، قرأ شيبة وابن عامر وحمزة وحفص (تقطع) بفتح التاء ~~وتشديد الطاء المعنى تتقطع، ثم حذفت إحدى التائين، وقرأ ابن كثير ~~ومجاهد ونافع وعاصم وأبو عمر والكسائي (تقطع) بضم التاء وتشديد ~~الطاء على غير تسمية الفاعل، وقرأ يعقوب (تقطع) بضم التاء خفيفة ~~الطاء من القطع. وروي عن ابن كثير بفتح التاء خفيفة، (قلوبهم) ~~نصبا أي بفعل ذلك أنت بهم. # قوله تعالى: { والله عليم حكيم }؛ أي عليم بأعمالكم، ~~حكيم في ما حكم من هدم مسجدهم وأظهر نفاقهم. ### || [9.111] # قوله تعالى: { إن الله اشترى من المؤمنين ~~أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة }؛ معناه: إن ~~الله طلب المؤمنين أن يعدوا أنفسهم وأموالهم ويخرجوا إلى الجهاد ~~في سبيل الله ليثيبهم الجنة على ذلك. # فإن قيل: كيف يصح شراء الجنة على ذلك وهي مملوكة لله تعالى؟ ~~وكيف يشتري أحد ملكه يملكه؟ قيل: إنما ذكر هذا على وجه التلطف ~~للمؤمنين في تأكيد الجزاء كما قال الله تعالى: # من ذا الذي يقرض ms0998 الله قرضا حسنا # [البقرة: 245] فذكر الصدقة بلفظ القرض للتحريض على ذلك والترغيب ~~فيه، إذ القرض يوجب رد المفلس لا محالة، وكأن الله عامل ~~عباده معاملة من هو غير مالك، وعن جعفر الصادق أنه كان يقول: ~~(يا ابن آدم اعرف قدر نفسك، فإن الله عز وجل ~~عرفك قدرك ولم يرض أن يكون لك ثمن غير ~~الجنة). # قوله تعالى: { يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ~~ويقتلون }؛ فيه بيان عرض الذي لأجله اشتراهم، وهو أن ~~يقاتلوا العدو في طاعة الله، ومعناه: فيقتلون المشركين، ~~ويقتلهم المشركون، وعلى هذا أكثر القراء، حمزة والكسائي ~~(فيقتلون) بالرفع، (ويقتلون) بالنصب، واختار الحسن هذه ~~القراءة لأنه إذا قرئ هكذا كان تسليم النفس إلى الشراء أقرب، ~~وإنما يستحق البائع تسليم الثمن إليه تسليم المبيع. # قوله تعالى: { وعدا عليه حقا }؛ نصب على المصدر؛ ~~أي أوجب الله لهم الجنة ووعدهم وعد حق منه لهم، وإنما قال ~~(حقا) للفصل بين الوعد الذي حجره على وجه الجزاء لهم على العمل، ~~وبين الوعد ينجزه للتصديق على وجه التفضيل لا الجزاء لهم على ~~العمل. # قوله تعالى: { في التوراة والإنجيل والقرآن }؛ ~~أي أوجب الله الجنة للمؤمنين في جميع كتبه التي أنزلها الله على ~~أنبيائه عليهم السلام، قوله تعالى: { ومن أوفى ~~بعهده من الله }؛ أي ليس أحد أوفى من الله في وعده ~~وشرطه، وعدكم وعدا ولا يخلف لوعده. # قوله تعالى: { فاستبشروا ببيعكم الذي ~~بايعتم به }؛ أي ببيعكم أنفسكم من الله، فإنه لا يشري أرفع ~~من الله سبحانه، ولا ثمن أعلى من الجنة. وقيل: إن هذا أنزل ~~في الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة الرضوان تحت ~~الشجرة، ثم صار عاما في كل من يعمل مثل عملهم. # قال محمد بن كعب: # " لما بايعت الأنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليلة العقبة بمكة وهم سبعون نقيبا، قال ~~عبدالله بن رواحة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~اشترط لربك ولنفسك ما شئت، فقال: " اشترط لربي ~~أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأشترط لنفسي ~~أن تمنعوني مما تمنعون عنه أنفسكم ms0999 وأموالكم " ~~قالوا: وإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال: " الجنة " ، ~~قال: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل، فنزل ~~قوله تعالى: { إن الله اشترى من المؤمنين ~~أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة } ثم ~~هداهم الله بقوله { فاستبشروا ببيعكم الذي ~~بايعتم به } ". # قال الحسن: (اسمعوا إلى بيعة رابحة بايع الله بها ~~كل مؤمن، والله ما على الأرض مؤمن إلا وقد ~~دخل في هذه البيعة). قال: # " ومر أعرابي على النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~يقرأ هذه الآية، فقال: كلام من هذا؟ فقال: " ~~كلام الله تعالى " وقال: بيع واثق مربح لا نقيله ~~ولا نستقيله، فخرج إلى العدو فاستشهد " # وأنشد الأصمعي لجعفر رضي الله عنه: # أثامن بالنفس النفيسة ربها # وليس لها في الخلق كلهم ثمن # بها تشترى الجنات إن أنا بعتها # بشيء سواها إن ذلكم غبن # لئن ذهبت نفسي بدنيا أصبتها # لقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمن # وكان جعفر الصادق يقول: (أيا من ليست لهم عنه إنه ~~ليس لأبدانكم بثمن إلا الجنة، فلا تبيعوها إلا ~~بها). وأنشد أبو علي الكوفي: # من يشتري قبة في عدن عالية # في ظل طوبى رفيعات مبانيها # دلالها المصطفى والله بائعها # ممن أراد وجبريل مناديها # قوله تعالى: { وذلك هو الفوز العظيم }؛ أي النجاة ~~العظيمة والثواب الوافر؛ لأنها نيل الجنة الباقية بالنفس ~~الفانية. ### || [9.112] # وقوله تعالى: { التائبون العابدون الحامدون ~~السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف ~~والناهون عن المنكر }؛ في الآية قولان: أحدهما: أن قوله { ~~التائبون العابدون } رفع بالابتداء، كأنه قال: التائبون ~~العابدون... إلى آخر الآية لهم الجنة أيضا؛ أي من قعد عن الجهاد ~~غير مؤازر ولا قاصد تركه، وهو على هذه الصفة في هذه الآية فله ~~الجنة. # والقول الثاني: أن قوله { التائبون } يدل على المقاتلين، ~~كأنه قال: المقاتلون التائبون العابدون، ويجوز أن يكون قوله: { ~~التائبون } رفعا على المدح، أي هم التائبون من الشرك والذنوب، ~~المطيعون لله { الحامدون } الذين يحمدون الله تعالى على كل ~~حال، { السائحون } الصائمون. # كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " سياحة أمتي الصوم " # وإنما سمي الصائم سائحا ms1000 تشبيها بالسائح في الأرض؛ لأن السائح ~~ممنوع من الشهوات، فكذلك الصائم. # قال الحسن: (أراد السائحين صوامي شهر رمضان)، وعن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى عليه وسلم: # " السائحون الصائمون " # وسئل سعيد بن جبير عن السائحين فقال: (هم الصائمون)، وقال ~~الشاعر: # برا يصلي ليله ونهاره # يظل كثير الذكر لله سائحا # أي صائما. # وقال الحسن أيضا: (السائحون الذين يصومون عن ~~الحلال وأمسكوا عن الحرام، وهاهنا والله أقوام ~~رأيناهم يصومون عن الحلال، ولا يمسكون عن ~~الحرام، والله ساخط عليهم)، وقال عطاء: (السائحون ~~هم الغزاة والمجاهدون). وسئل عكرمة عن قوله تعالى: { ~~السائحون } فقال: (طلبة العلم). # قوله تعالى: { الراكعون الساجدون } أي الذين يؤدون ~~ما فرض الله عليهم من الركوع والسجود المفروضة، وقوله تعالى: { ~~الآمرون بالمعروف } أي الآمرون بالإيمان والناهون عن ~~الشرك. وقيل: معناه: الآمرون بكل معروف، والناهون عن كل ~~منكر. # وإنما ذكر الناهون بالواو وبخلاف ما سبق؛ لأن النهي عن المنكر لا ~~يكاد يذكر إلا وهو مقرون بالأمر بالمعروف، فدخل الواو ليدل ~~على المقارنة. والمعروف: هو السنة، والمنكر: هو البدعة. # قوله تعالى: { والحافظون لحدود الله }؛ عطف على ~~ما تقدم. وقيل: المراد بهم جميع المذكورين من أول الآية إلى ~~هذا الموضع، وهذه الصفة من أتم ما يكون من المبالغة في وصف العباد ~~بطاعته لله، والقيام بأوامره والانتهاء عن زواجره؛ لأن الله تعالى ~~بين حدوده في الأمر والنهي وفي ما ندب إليه فرغب فيه أو خير ~~فيه، وبين ما هو الأولى في مجرى طاعة الله تعالى، فإذا قام العبد ~~بفرائض الله وانتهى إلى ما أراد الله منه كان من الحافظين لحدود ~~الله، كما روي عن خلف بن أيوب: أنه أمر امرأته أن ~~تمسك إرضاع ولده في بعض الليل وقال: قد تمت ~~له سنتان، قيل له: لو تركتها حتى ترضعه هذه ~~الليلة، قال: فأين قوله تعالى: { والحافظون ~~لحدود الله }. قوله تعالى: { وبشر المؤمنين }؛ ~~أي بشرهم بالجنة. ### || [9.113] # قوله تعالى: { ما كان للنبي والذين آمنوا أن ~~يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى }؛ ~~قال ابن عباس: ms1001 # " وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل عن أبويه ~~أيهما أحدث عهدا به؟ فقيل: أمك، فقال: " هل ~~تعلمون موضع قبرها؟ لعلي آتيه فأستغفر لها، ~~فإن إبراهيم عليه السلام استغفر لأبويه وهما ~~مشركان " فقال المسلمون: ونحن أيضا نستغفر ~~لآبائنا وأهلينا. فانطلق صلى الله عليه وسلم حتى أتى ~~القبر، فإذا هو بجبريل عليه السلام عند القبر، ~~فوضع يده في صدر النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه ~~هذه الآية ". # قال أبو هريرة رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " استأذنت ربي أن أستغفر لوالدي فلم يأذن لي، ~~واستأذنت أن أزور قبرهما فأذن لي " # ومعنى الآية: ما ينبغي وما يجوز للنبي والذين آمنوا أن يطلبوا ~~المغفرة للمشركين، ولو دعتهم رقة القرابة إلى الاستغفار لهم: { ~~من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم }؛ أي ~~من بعد ما ظهر أنهم أصحاب النار بأنهم ماتوا على الكفر. ### || [9.114] # قوله تعالى: { وما كان استغفار إبراهيم لأبيه ~~إلا عن موعدة وعدهآ إياه }؛ أي ما كان استغفار ~~إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها أبوه له أن يسلم، { فلما ~~تبين له }؛ لإبراهيم، { أنه عدو لله }؛ بأن لم ~~يؤمن حتى مات على الكفر، { تبرأ منه }؛ أي من أبيه ومن ~~دينه. # ويقال: إنما هذه الموعدة إنما كانت من إبراهيم لأبيه، فإنه كان ~~قال لأستغفرن لك ما دمت حيا، ولم يكن الله تعالى أعلم إبراهيم ~~أنه لا يغفر للمشركين، يدل عليه قراءة الحسن (إلا من موعدة ~~وعدها إياه). # قوله تعالى: { إن إبراهيم لأواه حليم }؛ ~~الأواه: التواب. قال ابن مسعود (هو الدعاء)، وقال الحسن ~~وقتادة: (هو الرحيم الرفيق)، ويقال: هو المؤمن بلغة ~~الحبشة، إلا من قال إنه لا يجوز أن يكون في القرآن شيء غير عربي، ~~قال: هذا موافق من العربية بلغة الحبشة. وقيل: الأواه الفقيه، ~~وقال كعب: (هو الذي إذا ذكرت عنده النار قال: آه)، ~~وقيل: هو المتأوه شفقا وفرقا، المتضرع نفسا ولزوما ~~للطاعة، وأما الحليم فهو الذي لا يعجل بعقوبة الجاهل. ### || [9.115] # قوله تعالى: { وما كان الله ليضل ms1002 قوما بعد ~~إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون }؛ قال ابن ~~عباس: (وذلك أن الله تعالى لما أنزل الفرائض ~~وعمل بها الناس، ثم أنزل بعد ذلك ما نسخها ~~وقد مات ناس وهم يعملون بالأمر الأول مثل ~~الصلاة إلى بيت المقدس وشرب الخمر ونحو ذلك، ~~ومات بعض المؤمنين وهم على القبلة الأولى، ~~فذكر المؤمنون ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~فأنزل هذه الآية). # ومعناها: وما كان الله ليضل عمل قوم وينزل قوما منزلة ~~الضلال بعد إذ هداهم للإيمان حتى يبين لهم ما يتقون من ~~المعاصي، ويقال: حتى يبين الناسخ من المنسوخ، { إن الله ~~بكل شيء }؛ من الناسخ والمنسوخ، وبكل ما فيه مصلحة الخلق، { ~~عليم }. ### || [9.116] # قوله تعالى: { إن الله له ملك السموت ~~والأرض يحيي ويميت }؛ وذلك أن الله لما أمر المسلمين ~~بقتال المشركين كافة، وكان في المشركين ملوك لا يطمع المسلمون بهم ~~لشوكتهم وعزهم، أخبر الله تعالى أن لله ملك السماوات والأرض، ~~يحيي من يشاء ويميت من يشاء، { وما لكم من دون الله من ~~ولي }؛ يواليكم، { ولا نصير }؛ ينصركم. ### || [9.117] # قوله تعالى: { لقد تاب الله على النبي ~~والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة ~~العسرة }؛ معناه: وقد تجاوز الله من تولى النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذنه للمنافقين بالتخلف، كما قال الله تعالى: # عفا الله عنك لم أذنت لهم # [التوبة: 43]، وتجاوز عن ذنوب المهاجرين والأنصار. # وقيل: أراد بذلك قوما منهم تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ثم خرجوا فأدركوه في الطريق. وقوله تعالى: { الذين ~~اتبعوه في ساعة العسرة } صفة مدح لأصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم باتباعهم إياه في وقت الشدة في غزوة تبوك، وكانت ~~بهم العسرة في النفقة والركوب والحر والخوف، وكانت الدابة ~~الواحدة بين جماعة يتعقبون عليها، وكانت التمرة تشق بالنصف ~~فيأكلها الرجلان كل واحد نصفها، وربما كانت جماعة يمصون تمرة ~~واحدة، ويشربون عليها، وربما كانوا ينحرون الإبل فيشربون من ماء ~~كروشها في الحر. # قوله تعالى: { من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق ~~منهم }؛ أي من بعد ما ms1003 كاد تميل قلوب طائفة منهم عن الخروج ~~والجهاد، ويقال من بعد ما كادوا يرجعون عن غزوتهم من الشدة. # قوله تعالى: { ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف ~~رحيم }؛ أي ثم خفف عنهم ما أخلفهم عن الحرب حتى كادوا يعقلون عن ~~أنفسهم، وهذا كقوله تعالى: # إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي اليل # .. [المزمل: 20] إلى أن قال: # علم أن لن تحصوه فتاب عليكم # [المزمل: 20] أي خفف عنكم، وكقوله: # علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب ~~عليكم # [البقرة: 187] أي خفف عنكم. ### || [9.118] # قوله تعالى: { وعلى الثلاثة الذين خلفوا }؛ أي ~~تاب على الثلاثة، وهم كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن ~~أمية الذين خلفوا عن قبول توبتهم، { حتى إذا ضاقت ~~عليهم الأرض بما رحبت }؛ منع سعتها بامتناع الناس من ~~مكالمتهم، { وضاقت عليهم أنفسهم }؛ أي قلوبهم حين كتب ~~قيصر إلى كعب ابن مالك: بلغني أن صاحبك قد جفاك، ~~فالحق بنا فإن لك عندنا منزل وكرامة، فقال ~~كعب: (من خطيئتي أن يطمع في رجل من أهل ~~الكفر). # قوله تعالى: { وظنوا أن لا ملجأ من الله ~~إلا إليه }؛ أي علموا وأيقنوا ألا مفر من عذاب الله إلا ~~إليه بالتوبة، وقوله تعالى: { ثم تاب عليهم }؛ أي قبل ~~توبتهم، { ليتوبوا }؛ أي ليرجعوا عن مثل صنيعهم. ويقال: ~~ليتوب الناس من بعدهم، { إن الله هو التواب }؛ أي ~~المتجاوز عن ذنوب المؤمنين، { الرحيم }؛ بعباده التائبين. ### || [9.119] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~وكونوا مع الصادقين } أي يا أيها الذين آمنوا اخشوا الله ~~ولا تعصوه، وكونوا مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع الذين صدقت ~~نياتهم، واستقامت قلوبهم وأعمالهم في الشدة والرخاء. ### || [9.120] # قوله تعالى: { ما كان لأهل المدينة ومن حولهم ~~من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله }؛ أي ما ~~جاز لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في الجهاد، وهذا نهي ورد بلفظ النفي، { ولا ~~يرغبوا بأنفسهم عن نفسه }؛ أي لا ينبغي أن يكونوا ~~بأنفسهم آثر وأشفق عن نفس محمد صلى ms1004 الله عليه وسلم، بل عليهم ~~أن يجعلوا أنفسهم وقاية للنبي صلى الله عليه وسلم لما أوجب له ~~من الحقوق عليهم بدعائه لهم إلى الإيمان حتى اهتدوا به ونجوا من ~~النار. # قوله تعالى: { ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا ~~نصب ولا مخمصة في سبيل الله }؛ أي ذلك الزجر بأنهم ~~في التخلف عن الجهاد، لا يصيبهم عطش ولا تعب في أبدانهم، ولا شدة ~~مجاعة في طاعة الله، ولا يجاوزون مكانا فيظهرون فيه من سهل أو جبل ~~مجاوزتهم ذلك المكان، فإن الإنسان يغيظه أن يطأ أرضه غيره. # قوله تعالى: { ولا يطأون موطئا يغيظ الكفار ~~ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به ~~عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين }؛ أي ~~لا يبطل ثواب من أحسن عملا من جهاد وغيره. ### || [9.121] # قوله تعالى: { ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا ~~كبيرة }؛ أي لا ينفقون في الجهاد نفقة صغرت أو كبرت، { ~~ولا يقطعون واديا }؛ من الأودية في طلب الكفار، { إلا ~~كتب }؛ ذلك، { لهم ليجزيهم الله أحسن }؛ من ~~أعمالهم التي، { ما كانوا يعملون }؛ في الدنيا. ### || [9.122] # قوله تعالى: { وما كان المؤمنون لينفروا كآفة ~~}؛ قال ابن عباس: (لما نزلت هذه الآية المتقدمة ~~وما فيها من العيوب وبيان نفاقهم، قال المؤمنون: ~~والله لا نتخلف عن غزوة يغزوها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولا سرية أبدا، فلما أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بعد ذلك بالسرايا إلى الغزو، ونفر ~~المؤمنون جميعا وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالمدينة، أنزل الله تعالى في ذلك هذه الآية). # ومعناها: أنه ليس للمؤمنين أن ينفروا كافة ويخلفوا رسول الله ~~وحده ليس عنده أحد من المسلمين يتعلم منه الحلال والحرام ~~والشرائع والأحكام، { فلولا نفر من كل فرقة منهم ~~طآئفة ليتفقهوا في الدين }؛ أي فهلا خرج من كل ~~جماعة طائفة إلى الجهاد، وتبقى طائفة مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؛ ليسمع الذين تخلفوا عند النبي صلى الله عليه وسلم الوحي، ~~إذا رجعت السرايا علموهم ما علموا فيستوون جميعا في العلم في ~~معرفة ms1005 الناسخ والمنسوخ. # قوله تعالى: { ولينذروا قومهم إذا رجعوا ~~إليهم لعلهم يحذرون }؛ أي لينذر الذين تخلفوا مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قومهم الذين نفروا إذا رجعوا إليهم ~~من غزاتهم، ويخبروهم بما نزل بعدهم من القرآن، لكي يحذروا كلهم ~~فلا يعملون شيئا بخلاف ما أنزل الله عز وجل. ### || [9.123] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا قاتلوا ~~الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة ~~}؛ أي قاتلوا الأدنى فالأدنى من عدوكم مثل بني قريظة والنضير ~~وخيبر؛ أي ابدأوا بمن حولكم، ثم قاتلوا سائر الكفار، لأن ~~الاشتغال بقتال من بعدهم من المشركين مع ترك قتال من قرب لا ~~يؤمن معه هجوم من قرب على ذراري المسلمين ونسائهم وبلادهم ~~إذا خلت من المجاهدين، قوله تعالى: { وليجدوا فيكم ~~غلظة } أي ليكن منكم قول غليظ وشدة عليهم في الوعد؛ كيلا ~~يطمع فيكم أحد من أهل الكفر، { واعلموا أن الله مع ~~المتقين }؛ في النصر على عدوهم. ### || [9.124] # قوله تعالى: { وإذا مآ أنزلت سورة فمنهم من ~~يقول أيكم زادته هذه إيمانا }؛ معناه: إذا ما ~~أنزلت سورة من القرآن، فمن المنافقين من يقول: إيكم زادته هذه ~~السورة إيمانا؟! إنما كان بعضهم يقول لبعض على جهة الهزء. ~~ويقال: كانوا يقولون للمستضعفين من المسلمين: أيكم زادته هذه الآية ~~يقينا وبصيرة؟ يقول الله تعالى: { فأما الذين آمنوا ~~فزادتهم إيمانا }؛ وهم المخلصون من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم زادتهم تصديقا مع تصديقهم، { وهم يستبشرون }؛ أي ~~يفرحون بكل ما ينزل من القرآن. ### || [9.125] # قوله تعالى: { وأما الذين في قلوبهم مرض ~~فزادتهم رجسا إلى رجسهم }؛ معناه: وأما الذين في ~~قلوبهم شك ونفاق فزادتهم السورة شكا إلى شكهم وكفرا إلى ~~كفرهم، لأنهم كلما كفروا بسورة ازدادوا كفرا، والمؤمنون كلما ~~صدقوا بسورة ازدادوا تصديقا. قوله تعالى: { وماتوا وهم ~~كافرون }؛ إذ هم لشكهم فيما أنزله الله من السورة إلى أن ~~ماتوا على الكفر. # وإنما سمى الله النفاق مرضا؛ لأن الحيرة في القلب مرض في ~~القلب، كما أن الوجع في البدن مرض في البدن. ### || [9.126] # قوله تعالى: { أولا ms1006 يرون أنهم يفتنون في كل ~~عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم ~~يذكرون }؛ معناه: أولا يرى المنافقون أنهم يخسرون ~~بالدعاء إلى الجهاد في كل عام مرة أو مرتين، ويقال: يهلكون ~~بهتك أسرارهم، ثم يظهر الله من سوء نياتهم وخبث سرائرهم. ~~ويقال: كانوا ينقضون عهدهم في السنة مرة أو مرتين فيعاقبون، ثم لا ~~يتوبون عن نفاقهم ولا يذكرون بما صنع الله بهم بنقضهم العهد. وقرأ ~~حمزة ويعقوب: (أولا ترون) بالتاء خطابا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم والمؤمنين. ### || [9.127] # قوله تعالى: { وإذا مآ أنزلت سورة نظر بعضهم ~~إلى بعض }؛ إذا نزلت سورة فيها عيب المنافقين فخاطبهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم وعرض لهم في خطبته، نظر بعض المنافقين إلى ~~بعض، { هل يراكم من أحد }؛ من المخلصين إذا هو قائم فخرج ~~من المسجد، فإذا كان لا يراه أحد خرج من المسجد وانصرف، وإن ~~علموا أن أحدا يراهم قاموا وثبتوا مكانهم حتى يفرغ النبي ~~صلى الله عليه وسلم من خطبته. # قوله تعالى: { ثم انصرفوا }؛ أي انصرفوا عن الإيمان ~~والعمل بترك ما يستمعون، ويقال: انصرفوا عن المكان الذي سمعوا فيه، ~~{ صرف الله قلوبهم }؛ باللطف الذي يحدثه للمؤمنين. ~~قوله تعالى: { بأنهم قوم لا يفقهون }؛ أي ذلك ~~الصرف بأنهم قوم لا يفقهون ما يريد الله بخطابه. ### || [9.128] # قوله تعالى: { لقد جآءكم رسول من أنفسكم ~~عزيز عليه ما عنتم }؛ هذا خطاب لأهل مكة، والمعنى: لقد ~~جاءكم رسول من أهل نسبكم ولسانكم، شريف النسب تعرفونه وتفهمون ~~كلامه. وإنما قال ذلك؛ لأنه أقرب إلى الألفة. وقيل: إن هذا ~~خطاب لجميع الناس، معناه: جاءكم آدمي مثلكم، وهذا أوكد للحجة ~~عليكم؛ لأنكم تفهمون عن من هو من جنسكم. # وقرأ ابن عباس والزهري (من أنفسكم) بفتح الفاء؛ أي من ~~أشرفكم وأفضلكم، من قولك: شيء ذو نفس، وقال: كان من أعلاكم ~~نسبا، قوله تعالى: { عزيز عليه ما عنتم } أي شديد ~~عليه عنتكم وإثمكم، العنت: الضيق والمشقة. # قوله تعالى: { حريص عليكم }؛ أي حريص على إيمانكم ~~وهداكم أن تؤمنوا فتنجوا من العذاب وتفوزوا بالجنة ms1007 والثواب، ~~والحرص: شدة الطلب للشيء مع الاجتهاد فيه. قوله تعالى: ~~{ بالمؤمنين رءوف رحيم }؛ كلام مستأنف: أي وهو شديد ~~الرحمة لجميع المؤمنين، رفيق لمن اتبعه على دينه. ### || [9.129] # قوله تعالى: { فإن تولوا فقل حسبي الله لا ~~إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش ~~العظيم }؛ أي فإن أعرضوا عنك وعن الإيمان بك، فقل الله تعالى ~~حسبي لا إله إلا هو؛ أي لا ناصر ولا معين غيره، { عليه ~~توكلت } أي به ثقتي، وإليه فوضت أمري. # قوله تعالى: { رب العرش العظيم } أي خالق السرير ~~العظيم الذي هو أعظم من السماوات والأرض، وإنما خص العرش ~~بذلك؛ لأنه إذا كان رب العرش العظيم مع عظمته، كان رب ما ~~دونه في العظم. وقيل: إنما خص العرش؛ تشريفا للعرش وتعظيما ~~لشأنه. وقرئ في الشواذ (العظيم) بالرفع على نعت الرب. ### | [10 - سورة يونس] ### || [10.1] # { الر }؛ قال ابن عباس: (معناه: أنا الله أرى) وعنه: (أنه ~~من حروف الرحمن). وقيل: أنا الرب لا رب غيره. وقوله ~~تعالى: { تلك آيات الكتاب الحكيم }؛ أي هذه آيات الكتاب، ~~وإنما أضاف السورة إلى القرآن؛ لأنها بعض الكتاب، كما تضاف ~~السورة لأنها بعضه. # وأما وصف القرآن بأنه حكيم؛ فلأن القرآن كالناطق بالحكمة بما فيه ~~بين التمييز بين الحق والباطل. ويقال: معنى الحكيم المحكم ~~بالحلال والحرام والأمر والنهي، يقال: أحكمت الشيء فهو محكم ~~وحكيم، كما يقال: أكرمت الرجل فهو مكرم وكريم. ### || [10.2] # قوله تعالى: { أكان للناس عجبا أن أوحينآ ~~إلى رجل منهم أن أنذر الناس } معناه: أعجبت قريش ~~أن أوحينا إلى رجل مثلهم من أهل نسبهم أن خوف الناس بالعذاب، ~~{ وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ~~ربهم }؛ وذلك أن الكفار كانوا يقولون: لم يجد الله رسولا ~~يبعثه إلينا إلا يتيم أبي طالب. ويقال: كانوا يعجبون من البعث ~~بعد الموت. # قوله تعالى: { قدم صدق عند ربهم } أي أعمالهم ~~الصالحة التي قدموها لأنفسهم سلف خير عند ربهم يستوجبون بها ~~المنزلة الرفيعة في آخرتهم عند ربهم، وعن ابن عباس أنه قال: ~~(قدم صدق: شفاعة بينهم لهم هو ms1008 إمامهم إلى ~~الجنة وهم بالأثر). # قوله تعالى: { قال الكافرون إن هذا لساحر ~~مبين }؛ أي قال كفار مكة: إن هذا القرآن لسحر مبين، وقرأ ~~أهل الكوفة وابن كثير (لساحر) بالألف يعنون محمدا صلى الله ~~عليه وسلم. ### || [10.3] # قوله تعالى: { إن ربكم الله الذي خلق ~~السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على ~~العرش }؛ ولو شاء لخلقها في أقل من لحظة، ولكنه خلقها ~~للترتيب؛ ليكون حدوث شيء بعد شيء على الترتيب أبلغ للملائكة في ~~التفكر بها من حدوثها كلها في حالة واحدة، وقد تقدم تفسير ~~الاستواء، ودخلت (ثم) على الاستواء وهي في المعنى داخلة على ~~الترتيب، كأنه قال: ثم يدبر الأمر وهو مستو على العرش، فإن ~~تدبير الأمور كلها ينزل من عند العرش، ولهذا ترفع الأيدي في ~~قضاء الحوائج نحو العرش. والاستواء: الاستيلاء، ولم يزل الله ~~سبحانه مستوليا على الأشياء كلها، إلا أن تخصيص العرش لتعظيم ~~شأنه. # قوله تعالى: { يدبر الأمر }؛ أي يقضي القضاء إلى ~~الملائكة من رسله ولا يشركه في تدبير أحد من خلقه. وعن عمرو بن ~~مرة " عن عبدالرحمن بن سابط " قال: # " يدبر أمر الدنيا بأمر الله أربعة: جبريل ~~وميكائيل وملك الموت وإسرافيل. أما جبريل ~~فعلى الرياح والجنود، وأما ميكائيل فعلى القطر ~~والنبات، وأما ملك الموت فوكل بقبض الأرواح، ~~وأما إسرافيل فهو ينزل عليهم بما يؤمرون به ". # قوله تعالى: { ما من شفيع إلا من بعد إذنه } ~~جواب قول الكفار أن الأصنام شفعاؤنا عند الله، فبين الله ~~تعالى ما من ملك مقرب، ولا نبي مرسل يشفع لأحد إلا من بعد ~~أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، فكيف تشفع الأصنام التي ليس لها عقل ~~وتمييز. # قوله تعالى: { ذلكم الله ربكم }؛ أي الذي يفعل ما ~~هو المذكور في هذه الآية من خلق السماوات والأرض وتدبير الخلق هو ~~الله خالقكم ورازقكم، { فاعبدوه }؛ ولا تعبدوا الأصنام فإنها ~~لا تستحق العبادة، وقوله تعالى: { أفلا تذكرون }؛ أي هل ~~تتعظون بالقرآن. ### || [10.4] # قوله تعالى: { إليه مرجعكم جميعا وعد الله ~~حقا }؛ أي إلى الله سبحانه رجوعكم جميعا، وانتصب قوله: ms1009 { ~~جميعا } على الحال، وقوله { وعد الله } نصب على المصدر؛ أي ~~وعد الله وعدا، والمعنى وعد الله البعث بعد الموت وعدا حقا ~~كائنا لا شك فيه. # قوله تعالى: { إنه يبدأ الخلق ثم يعيده }؛ أي ~~يخلقكم في بطون أمهاتكم نطفا، ثم علقا ثم مضغة ثم عظاما، ~~ثم يخرجكم نسما للتمام، ثم يميتكم عند انقضاء آجالكم ثم يبعثكم ~~بعد الموت، وفي هذا بيان أن خلق الشيء على الترتيب حال بعد حال ~~أدل على الترتيب من خلقه جملة واحدة في ساعة واحدة. # قوله تعالى: { ليجزي الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات بالقسط }؛ فيه بيان أن البعث للجزاء؛ لنجزيهم ~~بالعدل لئلا ننقص من ثواب محسن، ولا نزيد على عقاب مسيء، بل ~~يجازي كلا على قدر عمله كما قال # جزآء وفاقا # [النبأ: 26]. قوله تعالى: { والذين كفروا لهم ~~شراب من حميم }؛ أي من ماء حار قد انتهى حره، { وعذاب ~~أليم }؛ وجيع يخلص وجعه إلى قلوبهم، { بما كانوا يكفرون ~~}؛ بالكتب والرسل. ### || [10.5] # قوله تعالى: { هو الذي جعل الشمس ضيآء والقمر ~~نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين ~~والحساب }؛ أي هو الذي جعل الشمس ضياء للعالمين بالنهار، ~~والقمر نورا بالليل. # روي في الخبر: أن وجوههما إلى العرش وظهورهما إلى الأرض، يضيء ~~وجوههما لأهل السماوات السبع، وظهورهما لأهل الأرضين السبع، كما قال # وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا # [نوح: 16]. # قوله تعالى: { وقدره } أي قدر القمر منازل وهي ثمان ~~وعشرون منزلة في كل شهر. وقيل معناه: { وقدره منازل } لا ~~يجاوزها ولا يقصروها، وقيل: جعل (قدر) لهما يعدى إلى ~~مفعولين، ويجوز أن يكون المعنى وقدرهما، إلا أنه حذف التثنية ~~للاختصار والإيجاز، كما قال تعالى: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة: 62]. # قوله تعالى: { ما خلق الله ذلك إلا بالحق }؛ ~~أي ما خلق الله الشمس والقمر، إلا لتعلموا الحساب وتعتبروا بهما، ~~وتستدلوا بطلوعها وغروبها على صانعهما. # وقوله: { لتعلموا عدد السنين والحساب } أي لتعلموا ~~بالشمس حساب السنين وحساب الشهور والليالي والأيام على ما تقدم ~~أن القمر يقطع في الشهر ما تقطعه الشمس في السنة، ويعني بقوله: { ~~والحساب ms1010 } حساب الأشهر والأيام والساعات، وقوله تعالى: { ما ~~خلق الله ذلك إلا بالحق } رده إلى الفعل والخلق ~~والتدبير، ولو أراد الأعيان المذكورة لقال: تلك إلا بالحق، ثم ~~يخلقه باطلا، بل إظهار الصنعة، ودلالته على قدرته وحكمته. # قوله تعالى: { يفصل الآيات لقوم يعلمون }؛ أي ~~نبين علامات وحدانية الله تعالى بأنه بعد آية { لقوم ~~يعلمون } تفصيل الآيات. قرأ ابن كثير وأبو عمرو وحفص (يفصل) ~~بالياء، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم لقوله قبله { ما خلق } فيكون ~~متبعا له، وقرأ الباقون بالنون على التعظيم. ### || [10.6-7] # قوله تعالى: { إن في اختلاف اليل والنهار وما ~~خلق الله في السموت والأرض لآيات لقوم ~~يتقون }؛ معناه: إن في اختلاف ألوان الليل والنهار وتقلبها ~~بذهاب الليل وجيئة النهار، وذهاب النهار وجيئة الليل، وفيما خلق ~~الله في السماوات من الشمس والقمر والنجوم والسحاب والرياح، ~~والأرض من الجبال والشجر والبحار والأنهار والدواب والنبات، لعلامات ~~لقوم يتقون الله ويخشون عقوبته. # فلم يؤمنوا بهذه الآيات ولم يصدقوا، فأنزل الله عز وجل: # قوله تعالى: { إن الذين لا يرجون لقآءنا ورضوا ~~بالحيوة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن ~~آياتنا غافلون }؛ معناه: إن الذين لا يخشون عقاب الله، ~~وتنعموا بالحياة الدنيا، فلا يعملون إلا بها ولا يرجون إلى ما ~~ورائها { واطمأنوا بها } أي سكنوا إليها وآثروها على عمل ~~الآخرة، والذين هم عن دلائل توحيدنا غافلون تاركون لها مكذبون بها. ### || [10.8] # قوله تعالى: { أولئك مأواهم النار }؛ أي أهل هذه ~~الصفة مصيرهم إلى النار، { بما كانوا يكسبون }؛ يعملون في ~~دار الدنيا وقد يذكر الرجاء بمعنى الخوف كما قال الله # ما لكم لا ترجون لله وقارا # [نوح: 13] أي لا تخافون لله عظمة، ويجوز أن يكون المعنى: لا ~~يرجون لقاءنا؛ أي لا يرجون جزاءنا، فجعل لقاء جزائه بمنزلة ~~لقائه. ### || [10.9] # قوله تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم }؛ أي إن الذين ~~صدقوا بمحمد والقرآن وعملوا الصالحات يرشدهم ربهم على ~~الصراط إلى الجنة بنور إيمانهم. وقيل: يرشدهم إلى منازلهم في ~~الجنة. وقيل: يثبتهم على الإيمان. # وقوله تعالى: { تجري من تحتهم ms1011 الأنهار في جنات ~~النعيم }؛ أي تجري الأنهار بين أيديهم وهم في الغرف يتطلعون ~~عليها كما قال عز وجل حاكيا عن فرعون # أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من ~~تحتي # [الزخرف: 51]. ويجوز أن يكون معناه: تجري من تحت شجرهم وبساتينهم ~~في جنات تنعمون فيها. ### || [10.10] # قوله تعالى: { دعواهم فيها }؛ أي قولهم ودعاؤهم في ~~الجنة: { سبحانك اللهم }؛ فإذا سمع الخدام وذلك من ~~قولهم أتوهم بما يشتهون، قال ابن جريج: (يمر الطير على ~~الرجل من أهل الجنة فيشتهيه، فيسبح الله ~~تعالى، فيقع بين يديه فيأكل منه ما شاء، فإذا ~~فرغ قال: الحمد لله). ويقال معنى قوله: { دعواهم فيها ~~} أي مفتتح كلامهم التسبيح، ومختتم كلامهم التحميد، لا أن ~~يكون الحمد آخر كلامهم حتى لا يتكلمون بعده بشيء. # قال طلحة بن عبدالله: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول: سبحان ~~الله، فقال: " هو تنزيه لله من كل سوء " " # وسئل علي رضي الله عنه عن ذلك فقال: (كلمة رضيها ~~الله لنفسه). وقال الحسن: (بلغني أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قال حين قرأ هذه الآية: # " إن أهل الجنة يلهمون الحمد والتسبيح، كما ~~تلهمون أنفسكم ". # قوله تعالى: { وتحيتهم فيها سلام وآخر ~~دعواهم أن الحمد لله رب العالمين }؛ أي يحيي بعضهم ~~بعضا بالسلام، وتحييهم الملائكة بالسلام، وتأتيهم الملائكة من عند ربهم ~~بالسلام، كما في قوله تعالى: # تحيتهم يوم يلقونه سلام # [الأحزاب: 44] قرأ بلال بن أبي بردة وابن محيصن (إن الحمد لله) ~~بكسر (إن) وتشديد النون ونصب (الحمد). ### || [10.11] # قوله تعالى: { ولو يعجل الله للناس الشر ~~استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم }؛ قيل: ~~إن هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث حين قال # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك... # [الأنفال: 32] الآية ثم صارت عامة في كل من يستعجل العقاب الذي ~~يستحقه بالمعاصي. # معناه: ولو يعجل الله للناس الشر كما يعجل الخير إذا دعوا ~~بالرحمة والرزق والعافية لماتوا وهلكوا. وقيل: المراد بهذه ~~الآية دعاء الإنسان على نفسه وولده وقومه، مثل قول الرجل إذا ~~غضب على ms1012 ولده: اللهم لا تبارك فيه والعنه، وقوله لنفسه: ~~لا رفعني الله من بينكم، والمعنى على هذا: ولو يعجل الله للناس ~~إجابة دعائهم في الشر كاستعجالهم الإجابة في الخير { لقضي ~~إليهم أجلهم } أي لفرغ من عذابهم وماتوا جميعا. وقال شهر ~~بن حوشب: (قرأت في بعض الكتب أن الله تعالى يقول ~~للملكين الموكلين: لا تكتبا على عبدي في حال ~~ضجره شيئا). # وقرأ ابن عامر ويعقوب (لقضى) بفتح القاف والضاد (أجلهم) بفتح ~~اللام، وقرأ الأعمش (لقضينا) وقرأ العامة (لقضي) بضم القاف ~~وكسر الضاد، ورفع قوله (أجلهم). # قوله تعالى: { فنذر الذين لا يرجون لقآءنا في ~~طغيانهم يعمهون } أي نترك الذين لا يخافون البعث في ~~ضلالتهم وكفرهم يتحيرون ويترددون. ### || [10.12] # قوله تعالى: { وإذا مس الإنسان الضر دعانا ~~لجنبه أو قاعدا أو قآئما }؛ نزلت هذه الآية في هشام بن ~~المغيرة المخزومي، ومعناه: إذا أصاب الإنسان الشدة والمرض ~~دعانا لكشفه وهو مضطجع لما به من المرض أو قاعدا إذا هانت ~~العلة، أو قائما إذا بقي أثر العلة، أو كان في شدة معيشة أو ~~غيرها، { فلما كشفنا عنه ضره }؛ رفعنا ما كان به من ~~الشدة استمر على الإعراض عن شكرنا ما أنعمنا عليه في كشف الضر ~~عنه، { مر كأن لم يدعنآ إلى ضر مسه }؛ قط؛ أي ~~كأنه لم يمسه ضر، وكأن لم نكشف الضر عنه. قوله ~~تعالى: { كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون ~~}؛ في الشرك من الدعاء في الشدة، وترك الدعاء في الرخاء، ~~فاغتروا بما زين لهم. ### || [10.13] # قوله تعالى: { ولقد أهلكنا القرون من قبلكم ~~لما ظلموا }؛ أي ولقد أهلكنا الأمم الماضية من قبلكم حين ~~كفروا، { وجآءتهم رسلهم بالبينات }؛ بالدلالات ~~الواضحات، { وما كانوا ليؤمنوا }؛ فيه بيان أن الله تعالى ~~إنما أهلكهم؛ لأنه كان المعلوم من حالهم أنه لو أبقاهم أبدا لأدبروا ~~ولم يؤمنوا، ولو كان في بقائهم صلاح لهم ولغيرهم لأبقاهم. وقوله ~~تعالى: { كذلك نجزي القوم المجرمين } أي هكذا نجزي ~~القوم المشركين، نهلكهم كما أهلكنا الأولين. ### || [10.14] # قوله تعالى: { ثم جعلناكم خلائف في الأرض من ~~بعدهم لننظر كيف ms1013 تعملون }؛ أي ثم أسكناكم الأرض من ~~بعد الأولين لنجازيكم على ما تعملون من الخير والشر، ونشاهد هل ~~تعتبرون بما صنع بالأولين أم لا؟ وهذا على التهديد؛ أي إن ~~عاملتكم مثل معاملتهم أهلكتكم كما أهلكتهم. # وإنما قال { لننظر }؛ لأنه سبحانه يعامل العبد معاملة المختبر ~~الذي لا يعلم الشيء حتى يكون مظاهرة في العدل، وأنه إنما يجازي ~~العباد على أعمالهم لا على علمه فيهم، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم ~~فيها فناظر كيف تعملون " # ، قال قتادة: (وذكر لنا أن عمر رضي الله عنه قال: صدق ~~ربنا ما جعلنا خلقا إلا لينظر إلى أعمالنا، ~~فأدوا أعمالكم خيرا بالليل والنهار والسر ~~والعلانية). ### || [10.15] # قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ~~قال الذين لا يرجون لقآءنا ائت بقرآن غير ~~هذآ أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من ~~تلقآء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي }؛ ~~معناه: وإذا قرئ على أهل مكة آياتنا المنزلة في القرآن، قال ~~الذين لا يخشون عقابنا ولا يطمعون في ثوابنا ولا يقرون بالبعث: ~~أئت يا محمد بقرآن ليس فيه عيب آلهتنا ولا ذكر في البعث ~~والنشور. # قوله تعالى: { أن أبدله } أي قالوا أو بدل هذه ~~بغيره، قل يا محمد { ما يكون لي أن أبدله } أي ما ~~يجوز وما ينبغي لي أن أغيره من قبل نفسي، ما أقول أو ما أعمل ~~إلا ما يوحى إلي من القرآن، { إني أخاف }؛ أعلم، { إن ~~عصيت ربي }؛ فبدلت القرآن أنه يكون علي، { عذاب يوم ~~عظيم }. ### || [10.16] # قوله تعالى: { قل لو شآء الله ما تلوته ~~عليكم }؛ أي قل يا محمد: لو شاء الله ما قرأت القرآن ~~عليكم بأن كان لا ينزله علي، { ولا أدراكم به }؛ أي ~~ولا أعلمكم الله به؛ أي لو شاء الله أن لا يشعركم، وفي قراءة ~~الحسن (ولا أدراكم به) أي ولا أعلمكم به. وقوله تعالى: { ~~فقد لبثت فيكم عمرا من قبله }؛ أي ومكثت فيكم ~~دهرا قبل إنزال القرآن، ولم أقل من هذا شيئا، ms1014 فليس عليكم ذهن ~~الإنسانية أنه ليس من تلقاء نفسي. # قوله تعالى: { أفلا تعقلون }؛ استفهام بمعن الإنكار له: ~~أن الله خالق السماوات والأرض وهو عالم بما فيها، يعلم أن ليس ~~فيهما إله ينفع ويضر غيره، فتخبرونه أنتم بشيء لا يعلمه، فيعلم ~~بأخباركم، وهذا نفي للعلم، والمراد به نفي ما قالوه: من أن شفاعة ~~الأصنام " تنفعهم ". ### || [10.17] # قوله تعالى: { فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا } أي لا أجد ممن اختلق على الله كذبا بأن جعل شريكا له أو ~~ولدا إذا ادعى النبوة بغير حق، أو قال: أمرنا بعبادة ~~الأصنام فنتقرب بعبادتها إليه. قوله تعالى: { أو كذب ~~بآيته }؛ أي بأنبيائه ورسله وكتبه، وقوله تعالى: { إنه ~~لا يفلح المجرمون }؛ أي لا يوصلهم إلى مرادهم. ### || [10.18] # قوله تعالى: { ويعبدون من دون الله ما لا ~~يضرهم ولا ينفعهم }؛ أي وإن أهل مكة يعبدون من دون ~~الله الأصنام التي لا يضرهم إن تركوا عبادتها ولا ينفعهم إن ~~عبدوها، { ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله }؛ ~~فإنه الذي أذن لنا في عبادتها وأنه يستشفعها فينا، وأرادوا بذلك ~~شفاعة الأصنام في مصالح دنياهم؛ لأنهم كانوا لا يقرون ~~بالبعث. # قوله تعالى: { قل أتنبئون الله بما لا يعلم ~~في السموت ولا في الأرض }؛ هذا لا يكون أبدا. { ~~سبحانه وتعالى عما يشركون }؛ أي تنزيها لله عن ~~كل صفة لا تليق بذاته، وارتفع وتبرأ عما يشركون به من ~~الأصنام والأوثان. ### || [10.19] # قوله تعالى: { وما كان الناس إلا أمة واحدة ~~فاختلفوا }؛ اختلف الناس في المراد بهذه الآية، قال بعضهم: ~~أراد بذلك أن الناس كانوا أمة واحدة في وقت آدم عليه السلام، ~~ثم اختلفوا بأن كفر بعضهم بعضا، وأول من اختلف قابيل ~~وهابيل. ويقال: أراد به الناس كلهم ولدوا على الفطرة، ثم ~~اختلفوا بأن غير بعضهم الفطرة ولم يغير بعضهم، بل ثبت عليها. # وقال بعضهم: أراد بذلك أنهم كانوا أمة واحدة على عهد إبراهيم ~~ونوح عليهما السلام كلهم كانوا كافرين، فتفرقوا بين مؤمن ~~وكافر. ويقال: أراد بالناس هاهنا العرب، كانوا على الشرك قبل ~~مبعث النبي صلى ms1015 الله عليه وسلم ثم اختلفوا بعده، فآمن بعضهم ~~وكفر بعضهم. فالقول الأول أقرب إلى ظاهر الآية. # قوله تعالى: { ولولا كلمة سبقت من ربك ~~لقضي بينهم فيما فيه يختلفون }؛ لو كان لكم من الله ~~سبق ببقاء التكليف على الناس أي وقت معلوم سواء أطاعوه أو عصوه ~~لما علم من المصلحة لهم ولغيرهم في ذلك، لعجل لهم العذاب عند ~~العصيان، فاضطرهم إلى معرفة الحق فيما اختلفوا فيه. وقرأ عيسى بن ~~عمر (لقضى بينهم) بالفتح. ### || [10.20] # قوله تعالى: { ويقولون لولا أنزل عليه آية من ~~ربه فقل إنما الغيب لله }؛ أي يقول كفار مكة: ~~هلا أنزل على محمد آية من ربه، يعنون الآية التي كانوا ~~يقترحونها على سوى الآيات التي أنزل الله تعالى { فقل إنما ~~الغيب لله } أي قل لهم يا محمد نزول الآيات لله تعالى لو ~~علم الإصلاح في زيادة الآيات لأنزل. قوله تعالى: { ~~فانتظروا }؛ أي فانتظروا عقاب الله بالقتل في الدنيا ~~والنار في الآخرة، { إني معكم من المنتظرين }؛ بهلاككم ~~بما أوعد الله تعالى. ### || [10.21] # قوله تعالى: { وإذآ أذقنا الناس رحمة من بعد ~~ضرآء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا }؛ معناه: ~~إذا أعطينا الناس ما يسرون به من العافية والنعمة والرحمة ~~المطر من بعد فقر وبلاء ومرض وقحط وشدة أصابتهم، إذا لهم ~~مكر في آياتنا بالاحتيال في دفعها والتكذيب بها، كانوا لا يقولون: ~~هو رزق الله ورحمته، و(إذا) تنوب عن جواب الشرط كما ينوب الفعل، ~~والمعنى إذا مستهم راحة ورخاء بعد شدة وبلاء. وقيل: مطر ~~بعد قحط إذا لهم كفر وتكذيب. قال مقاتل: (لا يقولون هذا رزق ~~الله، وإنما يقولون: سقينا بنوء كذا) وهو قوله ~~تعالى: # وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون # [الواقعة: 82]. # قوله تعالى: { قل الله أسرع مكرا } أي أسرع جزاء ~~على المكر وأقدر على ذلك، يسمى الجزاء باسم المجزي عليه. ~~وقيل: معناه: قل الله أعجل عقوبة وأشد أخذا وأقدر على ~~الجزاء. قوله تعالى: { إن رسلنا يكتبون ما ~~تمكرون }؛ أي الكرام الكاتبين، يكتبون ما تمكرون أنتم. قرأ ~~الحسن ومجاهد وقتادة ويعقوب (ما يمكرون) بالياء. ms1016 ### || [10.22] # قوله تعالى: { هو الذي يسيركم في البر ~~والبحر }؛ أي هو الذي يسهل عليكم السير ويحفظكم إذا ~~سافرتم في البر على الدواب، وفي البحر على السفن، فالسير في ~~البحر مضاف إلى الله على الحقيقة؛ لأن سير السفينة لا يكون ~~بجري الماء، وبالريح للسفينة. # وأما السير في البر فإضافته إلى الله تعالى على معنى تسخير ~~المركوب، وتسييره بإمساكه بقدرة الله تعالى أيضا. قرأ ابن ~~عامر وأبو جعفر (ينشركم)، والسير من النشر؛ أي ~~نبثكم في البر والبحر. # قوله تعالى: { حتى إذا كنتم في الفلك وجرين ~~بهم بريح طيبة وفرحوا بها جآءتها ريح عاصف }؛ ~~أي حتى إذا كنتم في السفن، وقد يكون الفلك واحدا، وقد يكون ~~جمعا، فمن جعله واحدا فجمعه أفلاك، ومن جعله جمعا فواحد ~~فلك، كما يقال أسد وأسد. # وقوله تعالى: { وجرين بهم } أي السفن جرين بأهلها بريح ~~لينة ساكنة، وفرحوا بسكون ريحها وأعجبوا، قال الزجاج: ~~(ابتداء الكلام خطاب، وبعد ذلك إخبار عن ~~معانيه؛ لأن مخاطبة الله لعباده لا تكون إلا ~~على لسان الرسول، وذلك بمنزلة الإخبار عن ~~الغائب). # قوله تعالى: { وجآءهم الموج من كل مكان }؛ أي ~~ركوبهم الموج من كل جانب. وقوله تعالى: { وظنوا أنهم ~~أحيط بهم }؛ أي أيقنوا أنه قد دنا هلاكهم، تقول العرب ~~لكل من وقع في الهلاك، أو بلية عظيمة: أحيط بفلان؛ أي ~~أحاط به الهلاك. # قوله تعالى: { دعوا الله مخلصين له الدين }؛ أي ~~دعوا الله ليكشف ذلك عنهم، مخلصين له الاعتقاد، لا يدعون عند ~~الشدة غيره، قال الحسن: (ليس هو إخلاص الإيمان، ~~ولكنه لعلمهم بأنه لا ينجيهم من تلك ~~الشدة إلا الله عز وجل). قوله تعالى: { لئن ~~أنجيتنا من هذه }؛ أي من هذه الريح الشديدة والغرق، { ~~لنكونن من الشاكرين }؛ لك على نعمائك. ### || [10.23] # قوله تعالى: { فلمآ أنجاهم إذا هم يبغون في ~~الأرض بغير الحق }؛ فلما أنجاهم من البحر إذا هم ~~يتطاولون على أنبياء الله وأوليائه، ويعملون بالمعاصي والفساد، ~~والدعاء إلى غير عبادة الله. والبغي في اللغة: الترامي إلى ~~الفساد، يقال: بغى الجرح بغيا إذا ترامى إلى ms1017 الفساد، وبغت ~~المرأة إذا فسدت. # قوله تعالى: { يأيها الناس إنما بغيكم على ~~أنفسكم متاع الحياة الدنيا } أي إنما ظلمكم ~~وتطاولكم يعود ضرره عليكم، ويرجع وباله إليكم، وقوله تعالى: { ~~متاع الحياة الدنيا } أي هو تمتع قليل في الدنيا، ~~ومتاع يذهب ويفنى، ويجوز أن يكون قوله: { متاع الحياة ~~الدنيا } خبر لقوله { إنما بغيكم على أنفسكم } أي ~~لا يتهيأ لكم إلا أن يبغي على بعض في مدة يسيرة من الدنيا مع ~~سرعة انقضائها، { ثم إلينا مرجعكم }؛ بعد الموت، { ~~فننبئكم بما كنتم تعملون }؛ وقرأ حفص (متاع) بالنصب ~~على المصدر. ### || [10.24] # قوله تعالى: { إنما مثل الحياة الدنيا كمآء ~~أنزلناه من السمآء فاختلط به نبات الأرض }؛ ~~معناه: إنما صفة حياة الناس الدنيا وهي الحياة الأولى، صفة ما ~~أنزل الله فينبت به أنواع النبات، واختلط بعضه إلى بعض؛ لأن ~~المطر يختلط بالنبات ويدخل في خلاله. قوله تعالى: { مما ~~يأكل الناس والأنعام }؛ أي مما يصير إلى الناس من الحبوب ~~والثمار، وبعضه علفا للدواب من العشب والكلإ. # قوله تعالى: { حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها ~~وازينت }؛ أي زينها من النبات، والزخرف: حسن ~~الشيء، وقوله { وازينت } أي تزينت بنباتها وأثمارها من ~~الأحمر والأصفر والأخضر وسائر الألوان التي لا غاية لها في الحسن ~~بعدها. # قوله تعالى: { وظن أهلهآ أنهم قادرون عليهآ ~~}؛ حسب أهلها إدراك الانتفاع بها. قوله تعالى: { أتاهآ ~~أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا }؛ أي أتاها ~~عقابنا في ليل أو نهار، إما ببرد أو بصواعق محرقة أو غيرها، ~~ويسمى العقاب أمرا؛ لأن أفعال الله سبحانه تضاف إليها بلفظ ~~الأمر؛ لأن ذلك أدل على سرعة السكون من غير استبطاء ولا ~~تعب. # قوله تعالى: { كأن لم تغن بالأمس }؛ أي كأن لم يكن ~~بذلك المكان شيء من الخضر والحسن والنبات، والمغنى: هو الموضع ~~الذي يقام فيه ويعمر، والمغاني: المنازل التي يعمرها الناس بالنزول ~~بها، كما يقال غنينا بمكان كذا إذا نزاد به، ووجه تشبيه الحياة ~~الدنيا بالمطر الذي ينزل فينبت به النبات، ثم يقضى فينقطع أنه كما ~~لا يبقى من ذلك شيء من ذلك ms1018 النبات، كذلك المتمسك بالدنيا أقوى ما ~~ينتهي إليه أمر دنياه يأتيه الموت. # وقرأ ابن مسعود وتزينت، وقرأ أبو عثمان الشهدي والضحاك ~~(وازانت) على وزن (احمارت)، وقرأ أبو رجاء والشعبي والحسن ~~(وازينت) على مثال (افعلت) مقطوعة الألف ساكنة الزاي، قال ~~قطرب معناه: (أتت بالزينة) كما يقال: اذكرت المرأة ~~وأنثت إذا أتت بالذكور والإناث. # قوله تعالى: { كذلك نفصل الآيات }؛ أي كما ~~فصلناكم، فكذلك نبين الآيات في القرآن، { لقوم ~~يتفكرون }؛ في أمر الدنيا والآخرة، وإنما خص بذلك من ~~يتفكر؛ لأن الغافل عن ذلك والمتغافل لا يكاد ينتفع بهذه الأمور، ~~بل هو كالأنعام وأضل. ### || [10.25] # قوله تعالى: { والله يدعوا إلى دار السلام }؛ ~~قال ابن عباس: (والله يدعو إلى عمل الجنة)، وقال: ~~(الله السلام، وداره الجنة) { ويهدي من يشآء إلى ~~صراط مستقيم }؛ أي يكرم من يشاء بالكرامة وبالهداية إلى ~~دين القيم، قائم برضاء الله وهو الإسلام، ويقال: معنى دار السلام ~~الدار التي يسلم أهلها عن الآفات والأمراض والهرم والموت، ~~والسلام بمعنى كالرضاع والرضاعة. ### || [10.26] # قوله تعالى: { للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ~~}؛ أي للذين أحسنوا العمل في الدنيا لهم الحسنى وهي الجنة ~~ولذاتها. قوله تعالى: { وزيادة } روي عن أبي بكر رضي الله ~~عنه أنه قال حين تلا هذه الآية: (أتدرون ما الزيادة؟ ~~قالوا: ما هي يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ~~قال: الحسنى الجنة والزيادة النظر إلى وجه ~~الله تعالى). # وعلى هذا القول حذيفة وأبو موسى وصهيب وعبادة بن الصامت وكعب ابن ~~عجرة وعامر بن سعيد والحسن وعكرمة وأبو الجوزاء والضحاك ~~والسدي وعطاء ومقاتل، وهو قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه يدل ~~عليه قوله صلى الله عليه وسلم: # " إذا دخل أهل الجنة نودوا: أن أهل الجنة إن ~~لكم عند الله موعدا لم تروه، فيقولون: وما ~~هو؟! ألم يبيض وجوهنا ويزحزحنا عن النار ~~ويدخلنا الجنة؟ قال: فيكشف الحجاب وينظرون ~~إليه عز وجل، فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب ~~إليهم منه ". # وقال ابن عباس: (للذين أحسنوا الحسنى؛ أي للذين ~~شهدوا أن لا إله إلا الله الجنة)، ms1019 وروى عطية: (أن ~~الحسنى هي الواحدة من الحسنات بواحدة، ~~والزيادة التضعيف عشر أمثالها إلى سبعمائة ~~ضعف). # وقيل: الحسنى النصرة، والزيادة النظر، قال ~~الله تعالى: # وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة # [القيامة: 22-23]، وعن علي رضي الله عنه قال: (الزيادة غرفة ~~من لؤلؤة واحدة، لها أربعة أبواب)، ويقال: الزيادة ~~رضا الرب، كما روي أن أهل الجنة يؤتون بالتحف والكرامات ~~ويقول لهم رسول رب العزة (إن الله تعالى يقول لكم: قد ~~رضيت عنكم فهل رضيتم عني؟). # قوله تعالى: { ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة ~~أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون }؛ أي لا ~~يعلو وجوههم ولا يلحقها سواد وهو كسوف الوجه (وذلة) أي ولا ~~هوان ولا حزن، ولا يكون نعيم الجنة كنعيم الدنيا، ولا يشوبه ~~التنغيص ولا التنكيد. والرهق في اللغة هو الرهوق ومنه قولهم ~~للصبي إذا قارب البلوغ: مراهق؛ أي قارب أن يبلغ الاحتلام. ~~والقتر: غبرة فيها سواد. وقرأ الحسن (قتر) بإسكان التاء، ~~وهما لغتان. وباقي الآية ظاهر المعنى. ### || [10.27] # قوله تعالى: { والذين كسبوا السيئات جزآء ~~سيئة بمثلها }؛ معناه: والذين أبوا طاعة الله في ما ~~أمرهم به ونهاهم عنه، يجازيهم الله بما يستحقونه على العقوبة، ~~ولا يجازيهم بأكثر من الاستحقاق، بخلاف الطاعة فإنه تعالى قد ~~يتفضل على المطيع بزيادة الأجر، فإنه كان يجوز أن يتصل ~~ابتداء بتلك الزيادة، والجزاء مرفوع بإضمار، كقوله # ففدية # [البقرة: 196] أي فعليه ذلك، ويجوز أن يكون مرفوعا بالابتداء ~~خبر { بمثلها } أي مثل، الباء فيه زائدة. # قوله تعالى: { وترهقهم ذلة }؛ أي يعلوهم كآبة ~~وكسوف وهوان؛ لأن العقاب لا يكون عقابا بمجرد الألم، وإنما يكون ~~عقابا بما يقارنه بإرادة الإذلال والإهانة. قوله تعالى: ~~{ ما لهم من الله من عاصم }؛ أي ما لهم من حافظ يدفع ~~عنهم عقاب الله. وقوله تعالى: { من عاصم } من هاهنا صلة. # وقوله: { كأنما أغشيت وجوههم قطعا من الليل ~~مظلما }؛ أي كأنما ألبست وجوهم قطعا من الليل، أكثر ~~القراءة على فتح الطاء وهو جمع قطعة، ويكون { مظلما } على ~~هذه القراءة نصبا على الحال، والقطع دون النعت كأنه ms1020 أراد ~~قطعا من الليل المظلم، فلما حذف الألف واللام نصب على القطع. ~~ويجوز أن يكون حالا؛ أي قطعا من الليل في حال الظلمة. # وقرأ ابن كثير والكسائي ويعقوب (قطعا) ساكنة الطاء؛ أي بعضا ~~كقوله تعالى: # بقطع من اليل # [الحجر: 65] ويكون { مظلما } نعتا للقطع، وقوله تعالى: { ~~أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }؛ ظاهر ~~المعنى. # قال ابن عباس رضي الله عنه: (نزلت هذه الآية في أهل ~~الشرك). وقوله: { جزآء سيئة بمثلها } أي قصاص ~~الشرك بالله النار، ليس في النار زيادة على جزاء المثل، إذ لا ~~ذنب أعظم من الشرك، ولا عقاب أشد من النار، كما قال تعالى: # جزآء وفاقا # [النبأ: 26]. وقال صلى الله عليه وسلم: # " أوقد على النار ألف سنة حتى احمرت، ثم أوقد ~~عليها ألف سنة حتى ابيضت، ثم أوقد عليها ~~ألف سنة حتى اسودت، فهي سوداء كالليل ~~المظلم إلى يوم القيامة، وإن لونها أشد سوادا ~~من القبر في عينين خضراوين، وأهلها سود، ~~فكذلك طعامها وشرابها، والذي نفس محمد بيده، ~~لو اطلع رجل من أهلها على الأرض لاسودت بها ~~الأرض من شدة سواده ". ### || [10.28-29] # قوله تعالى: { ويوم نحشرهم جميعا }؛ أي يوم ~~نجمعهم جميعا من قبورهم إلى المحشر للفصل بينهم. ~~ونحشر في اللغة: جمع الحيوان من كل مكان. قوله تعالى: ~~{ ثم نقول للذين أشركوا }؛ أي نقول للذين أشركوا في ~~عبادتهم مع الله غيره، وأشركوا في أموالهم كما أخبر الله عنهم ~~بقوله # هذا لله بزعمهم وهذا لشركآئنا # [الأنعام: 136]. # وقوله تعالى: { مكانكم أنتم وشركآؤكم }؛ أي يقال ~~لهم: قفوا أنتم وآلهتكم، وهذه كلمة تهديد، كما يقال للغير: ~~مكانك؛ أي الزم مكانك حتى تنتظر ماذا حل بك بسوء صنيعك، ~~وحتى نفصل بينك وبين خصمك. # قوله تعالى: { فزيلنا بينهم }؛ أي ففرقنا بين ~~الكفار وبين آلهتهم في القول بالاختلاف الذي يكون بينهم، وليس هذا من ~~الإزالة ولكنه من قولك: أزلت الشيء عن مكانه أزله أزيلا، ~~والترسل الكثيرة من هذا الباب، والمزايلة المفارقة. # قوله تعالى: { وقال شركآؤهم ما كنتم إيانا ~~تعبدون }؛ معناه: إن الله يسأل الأصنام التي عبدوها: هل ms1021 ~~أمرتم هؤلاء بعبادتكم؟ فيقولون للذين كانوا يعبدونها ردا عليهم: { ~~ما كنتم إيانا تعبدون } بأمرنا ولم نعلم بعبادتكم، ~~ولم يكن فينا روح فنفعل بعبادتكم، فيقول الكفار: بلى قد عبدناكم، ~~وأمرتمونا فأطعناكم، فتقول الأصنام، كما قال تعالى: { فكفى ~~بالله شهيدا بيننا وبينكم }؛ أي كفى بالله فاصلا ~~للحكم بيننا وبينكم، { إن كنا عن عبادتكم لغافلين }؛ ~~لا نعلم شيئا من ذلك. والفائدة في اختصار الأصنام أن يظهر الله ~~للمشركين ضعف معبودهم، وليزيدهم ذلك حسرة على عبادتهم. ### || [10.30] # قوله تعالى: { هنالك تبلوا كل نفس مآ أسلفت ~~}؛ من قرأ (يبلو) بالياء فالمعنى فنخبر كل نفس ما قدمت من خير ~~أو شر، ومن قرأ (تبلو) بالتاء فالمعنى تقرأ كل " نفس " كتاب ~~عملها. ويجوز أن يكون معناه: تتبع كل نفس جزاء عملها، و { ~~هنالك } من الظروف، أصله هناك، واللام زائدة والكاف ~~للمخاطبة، وكسرت اللام لسكونها وسكون الألف. # وقوله تعالى: { وردوا إلى الله مولاهم الحق }؛ أي ~~ردوا إلى جزاء الله وإلى الموضع الذي لا يملك الحكم فيه أحد إلا ~~الله، والحق هو الذي يكون معنى اللفظ حاصلا فيه على الحقيقة، والله ~~تعالى حق لأن الإلهية حاصلة له على الحقيقة؛ لاقتداره على جميع ~~الأشياء. قوله تعالى: { وضل عنهم ما كانوا ~~يفترون }؛ وبطل عنهم ما كانوا يختلقون من الكذب بالأصنام ~~أنها آلهة وأنها تشفع عند الله. ### || [10.31] # قوله تعالى: { قل من يرزقكم من السمآء }؛ أي قل ~~لكفار مكة: من يرزقكم من السماء المطر؛ ومن { والأرض }؛ ~~النبات والثمار، { أمن يملك } يقدر على أن يخلق لكم، { ~~السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت }؛ أي ~~من يخرج الحي من النطفة، { ويخرج الميت من ~~الحي }؛ أي من يخرج النطفة من الحي، والفرخ من البيضة، ~~والبيضة من الفرخ، والسنبلة من الحبة، والحبة من السنبلة، { ~~ومن يدبر الأمر }؛ أمر العباد على وجه الحكمة، { ~~فسيقولون الله }؛ فيعرفون بالله تعالى هو الذي يفعل هذه ~~الأشياء، وأن الأصنام لا تقدر على شيء من هذا، { فقل أفلا ~~تتقون }؛ فقل لهم يا محمد: أفلا تخافون من عقاب الله، ولم ~~تعبدون الأصنام. ### || [10.32] ms1022 # قوله تعالى: { فذلكم الله ربكم الحق }؛ الذي ~~يرزقكم من السماء والأرض، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت ~~من الحي، ويدبر الأمر، وهو ربكم الحق دون الأصنام الباطلة. ~~قوله تعالى: { فماذا بعد الحق إلا الضلال }؛ أي ~~فما يردكم عن عبادة الله وهو الحق إلى عبادة الأصنام الباطلة إلا ~~الضلال، ومن أين { فأنى تصرفون }؛ عن الإيمان بالله ~~وإخلاص الطاعة له بعد المعرفة. ### || [10.33] # قوله تعالى: { كذلك حقت كلمت ربك على ~~الذين فسقوا أنهم لا يؤمنون } أي كما وجبت كلمة ~~العذاب فيهم، وجب على كل من تمرد بالكفر، وقوله: { أنهم ~~لا يؤمنون } يجري مجرى التعليل، كأنه قال بإصرارهم على ~~الكفر؛ لأنه كلما كان تمردهم أكثر، كانوا في الكفر أشد ضلالة، ~~وإلا فقد آمن كثير من الكفار، وقال ابن عباس: (وجبت كلمة ~~العذاب عليهم وهم في صلب آدم عليه السلام). ### || [10.34] # قوله تعالى: { قل هل من شركآئكم من يبدأ ~~الخلق ثم يعيده }؛ أي قل لهم يا محمد: هل من شركائكم ~~الذين أشركتم مع الله في العبادة من ينشئ الخلق من النطفة بعد ~~أن لم يكن، ويجعل فيه الروح؟ قوله تعالى: { ثم يعيده } ~~فيه اختصار؛ لأن الإعادة رد الشيء إلى الحالة الأولى، ولا يكون ~~ذلك إلا بعد فناء، فيكون تقدير الآية: من يبدأ الخلق من ~~النطفة، ثم يفنيه، ثم يعيده في الآخرة. { قل الله يبدأ ~~الخلق ثم يعيده فأنى تؤفكون }؛ أي من أين ~~تصرفون عن الإيمان بالله وإخلاص الطاعة له. ### || [10.35] # قوله تعالى: { قل هل من شركآئكم من يهدي إلى ~~الحق }؛ أي قل هل من آلهتكم من يهتدي إلى الرشد، وما فيه صلاح ~~لهم، { قل الله يهدي للحق }؛ أي الرشاد وما فيه صلاح ~~الإنسان، يقال: هديت إلى الحق، وهديت للحق بمعنى واحد. # وقوله تعالى: { أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع ~~أمن لا يهدي إلا أن يهدى } معناه: أفمن يدعو إلى ~~عمل الحق أحق أن يطاع ويعمل بأمره، أمن لا يهتدي طريقا إلا ~~أن يحمل فيذهب به حيث يراد، يعني الأصنام، كأنه قال: إن " الأصنام ms1023 ~~" التي يعبدونها من دون الله لا تهتدي بأنفسها إلا أن يهدى بها عند ~~غيرها. # واختلف القراء في قوله: { أمن لا يهدي } ، وأجودها ~~قراءتان: (يهدي) فتح الهاء، و(يهدي) بكسر الهاء، والأصل في ~~ذلك يهتدي أدغمت التاء في الدال، وطرح فتحها على الهاء، ~~وكسرت الهاء لالتقاء الساكنين. # قوله تعالى: { فما لكم كيف تحكمون }؛ معناه: أي ~~شيء لكم في عبادة الأوثان؟ فيكف تقضون لأنفسكم، فتعبدون من لا ~~يستحق العبادة؟ ### || [10.36] # قوله تعالى: { وما يتبع أكثرهم إلا ظنا }؛ أي ~~ما يعبد أكثرهم الأصنام إلا تقليدا لآبائهم وقبائلهم بظن ~~يظنونه في غير يقين، يعني أن رؤساءهم قالت لهم: إن الأصنام ~~تشفع لهم عند الله، وأما السفلة فلا يعلمون إلا ما قالت ~~رؤساؤهم. # وقوله تعالى: { إن الظن لا يغني من الحق شيئا }؛ أي ~~إن الظن في موضع يمكن الوقوف فيه على العلم لا يغني عن الحق ~~شيئا؛ لأنه لا يكون ذلك بمنزلة من عرف شيئا باليقين ثم ترك ما ~~عرف بالظن، فإن علمه بالظن لا يغني عن عمل الحق شيئا، ~~وعبادة الصنم بالظن لا تغني من عذاب الله شيئا. قوله ~~تعالى: { إن الله عليم بما يفعلون }؛ وعيد لهم على ~~كفرهم. ### || [10.37] # قوله تعالى: { وما كان هذا القرآن أن يفترى ~~من دون الله }؛ هذا جواب عن دعواهم على النبي صلى الله عليه ~~وسلم الافتراء على الله وقولهم: إئت بقرآن غير هذا أو بدله، ~~معناه: إن القرآن كلام الله في أعلا طبقات البلاغة بحسن ~~النظام، فليس هذا مما يقدر أحد أن يفتريه على الله، { ولكن ~~تصديق }؛ الكتب المنزلة، { الذي بين يديه } ، من ~~التوراة والإنجيل والزبور؛ لمجيئه شاهدا لها بالصدق، وبكونه ~~مصادقا بما تضمنته تلك الكتب من البشارة. # ويجوز أن يكون معنى التصديق لما { بين يديه } أي التصديق بما ~~بين يدي القرآن من البعث والنشور والحساب. قوله تعالى: { ~~وتفصيل الكتاب }؛ معناه: وتبيين المعاني المختلفة من الحلال ~~والحرام والأمر والنهي، { لا ريب فيه }؛ أي لا شك فيه أنه ~~حق، { من رب العالمين }. ### || [10.38-39] # قوله تعالى: { أم يقولون افتراه قل فأتوا ms1024 ~~بسورة مثله }؛ معناه: بل يقولون: إن محمدا اختلق هذا ~~القرآن من تلقاء نفسه! قل يا محمد: إن كان هو اختلقه ~~فأتوا بسورة من مثل " سور " القرآن، فإنما قال ذلك؛ لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم نشأ بين أظهرهم وتعلم اللغة منهم، ~~فإذا لم يأتوا مع حرصهم على تكذيبه وإبطال أمره، دل أن ~~مثله غير مقدور للبشر. ومعنى الآية: فلو قدر هو على افتراء ~~القرآن لقدرتم أنتم على الإتيان بسورة مثله. # قوله تعالى: { وادعوا من استطعتم من دون الله ~~}؛ أي استعينوا على الإتيان بسورة مثل القرآن بكل من قدرتم ~~عليه، { إن كنتم صادقين }؛ أن محمدا اختلقه من تلقاء ~~نفسه، فإن العادة لم تجر بأن يستبد إنسان ~~بالافتراء على كلام لا يقدر أحد أن يأتي بمثله. # فلما قرأ عليهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية فلم يجيبوا، ~~فأنزل الله: # قوله تعالى: { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه }؛ ~~أي بل كذبوا بما لم يدركوا من كيفية ترتيبه ونظمه، وما فيه من ~~الجنة والنار والبعث والقيامة والثواب والعقاب، { ولما يأتهم ~~تأويله }؛ أي ولم يأتهم بعد حقيقة ما وعدوا في الكتاب ~~مما يؤول إليه أمرهم من العقوبة والعذاب على التكذيب. # قوله تعالى: { كذلك كذب الذين من قبلهم }؛ ~~أنبياءهم من البعث، { فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ~~}؛ يعني أن عاقبتهم العذاب والهلاك بتكذيبهم، كذلك يكون عاقبة ~~هؤلاء. ### || [10.40] # قوله تعالى: { ومنهم من يؤمن به ومنهم من ~~لا يؤمن به }؛ قال ابن عباس: (يعني ومن اليهود من ~~يؤمن بالقرآن في المستقبل، ومنهم من يصر ~~على كفره فلا يؤمن به)، { وربك أعلم ~~بالمفسدين }؛ باليهود من يؤمن ومن لا يؤمن، وقال مقاتل: ~~(نزلت في أهل مكة). وقيل: في الآية إشارة إلى أنه لولا ~~أن الله تعالى علم أن منهم من سيؤمن في المستقبل لأهلكهم ~~جميعا في الحال. ### || [10.41] # قوله تعالى: { وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم ~~عملكم }؛ أي إن كذبك قومك في ما أتيتهم به فقل: لي جزاء ~~عملي، ولكم جزاء أعمالكم، { أنتم بريئون ممآ أعمل }؛ ~~من جزاء عملي، ms1025 { وأنا بريء مما تعملون }؛ من جزاء ~~أعمالكم، وكان هذا القول مع النبي صلى الله عليه وسلم على جهة ~~حسن العشرة معهم لا لأنه كان شاكا في جزاء عمله وجزاء عملهم، ~~وقال الكلبي ومقاتل: (هذه الآية منسوخة بآية الجهاد). ### || [10.42] # قوله تعالى: { ومنهم من يستمعون إليك أفأنت ~~تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون }؛ قال ابن عباس: ~~(نزلت في يهود المدينة، كانوا يبلغون مكة ~~فيأتون رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيسألونه ~~ويستمعون قراءته فيعجبهم ذلك ويشتهونه؛ ~~ثم تغلب عليهم الشقاوة فلا يؤمنون به). والمعنى: ~~ومنهم من يستمع إليك وهو في المعنى كأنه متفكر في ما تقول وهو ~~غير متفكر فيه. ### || [10.43] # قوله تعالى: { ومنهم من ينظر إليك أفأنت ~~تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون }؛ نظر من هو في ~~الظاهر مستمع إلى كلامك، وطالب الانتفاع به، وليس في الحقيقة ~~كذلك، قوله: # أفأنت تسمع الصم # [يونس: 42] أي كما لا يقدر أن يسمع كلامك الصم، فكذلك لا يقدر ~~على أن ينتفع من كلامك غير طالب الانتفاع به، وكما أنك لا ~~تقدر على أن تبصر العمي، فكذلك لا تقدر على أن تنفع بما يأتي ~~من الأدلة من ينظر ولا يطلب الانتفاع بها. وفي الآية ما يدل على ~~تفضيل السمع على البصر؛ لأنه تعالى ذكر مع الصم فقدان العقل، ولم ~~يذكر مع العمى إلا فقدان البصر. ### || [10.44] # قوله تعالى: { إن الله لا يظلم الناس شيئا }؛ ~~أي لا ينقص من حسناتهم، ولا يزيد في سيئاتهم ما يمنعهم الانتفاع ~~بكلامه وأدلته، { ولكن الناس أنفسهم يظلمون }؛ ~~بأن لا يطلبوا الانتفاع به ويعرضوا عن التفكر فيه، أخبر الله ~~في هذه الآية أن تقدير الشقاوة عليهم لم يكن ظلما منه؛ لأنه ~~يتصرف في ملكه كيف يشاء، وهم إذا كسبوا المعاصي فقد ظلموا ~~أنفسهم؛ لأن الفعل منسوب إليهم وإن كان القضاء من الله عز ~~وجل. ### || [10.45] # قوله تعالى: { ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا ~~إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم }؛ أي ويوم ~~يجمعهم في الموقف كأن لم يلبثوا في الدنيا إلا قدر ساعة ms1026 من ~~النهار، وفي هذا بيان أن المكث في الدنيا وإن طال، كان في ~~جنب الآخرة بمنزلة ساعة من النهار. قوله تعالى: { يتعارفون ~~بينهم } أي يعرف بعضهم بعضا، ويكون في معرفة بعضهم لبعض ~~حسرة على من ضل بقيام الحجة عليهم. # وقال ابن عباس: (وذلك حين يخرجون من قبورهم ثم ~~تنقطع المعرفة)، وقيل: معناه: كأن لم يلبثوا في ~~قبورهم إلا ساعة من نهارهم، وقال الضحاك: (قصر عندهم ~~مقدار الوقت الذي بين موتهم وبعثهم، فصار ~~كالساعة من النهار لهول ما استقبلوا من آخر ~~البعث والقيامة، يتعارفون بينهم بتوبيخ ~~بعضهم بعضا، يقول كل كافر لآخر: أنت أضللتني ~~يوم كذا، وأنت أورثتني دخول النار بما علمتني ~~وزينته لي). قوله تعالى: { قد خسر الذين ~~كذبوا بلقآء الله }؛ أي غبن الذين كذبوا بالبعث بعد الموت ~~بذهاب الدنيا والآخرة عنهم، { وما كانوا مهتدين }. ### || [10.46] # قوله تعالى: { وإما نرينك بعض الذي نعدهم ~~أو نتوفينك فإلينا مرجعهم }؛ في الآية وعد من ~~الله لنبيه صلى الله عليه وسلم أن ينتقم له منهم، منه في حياته أو ~~بعد مماته، قال المفسرون: كانت وقعة بدر مما أراه الله في ~~حال حياته مما أوعد المشركين من العذاب { أو نتوفينك } قبل ~~أن نريك، { فإلينا مرجعهم } بعد الموت فيجزيهم ~~بأعمالهم. # قال الزجاج: (أعلم الله أنه إن لم ينتقم منهم في ~~العاجل انتقم منهم في الآجل). وقوله تعالى: { ~~فإلينا مرجعهم } أي لا يفوتوننا ولا يعجزوننا. وعن ابن ~~عباس قال: # " نزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم ~~يوم بدر فقال: إن ربي أمرني أن لا أفارقك ~~اليوم حتى ترضى، فهل رضيت؟ قال: " نعم؛ أراني ~~بعض ما أوعدهم فله الحمد على ذلك " " # وقوله تعالى: { ثم الله شهيد على ما يفعلون }؛ من ~~محاربتك وتكذيبك. ### || [10.47] # قوله تعالى: { ولكل أمة رسول }؛ أي لكل أمة ~~من الأمم رسول يدعوهم إلى ما أمرهم الله به ونهاهم عنه، ~~ويبشرهم بالجنة ويخوفهم بالنار، { فإذا جآء رسولهم } ~~يوم القيامة شاهد عليهم بأعمالهم { قضي بينهم بالقسط ~~وهم لا يظلمون }؛ بالعدل فيوفى كل إنسان جزاء ms1027 عمله لا ~~ينقص من ثواب محسن، ولا يزاد على عقاب مسيء. # كما روي في الخبر: # " أن الله تعالى يقول للأمم المكذبة يوم ~~القيامة: ألم يأتكم رسلي بكتابي فيه حلالي ~~وحرامي؟ فيقولون: ما أتانا رسول ولا كتاب! ثم ~~يؤتى بالرسول الذي أرسل إليهم فيقول: بل يا رب ~~قد أبلغتهم كتابك ورسالتك. فيقول: من يشهد ~~لك؟ فيقول الملائكة: نحن نشهد قد أبلغهم ~~رسالتك وكتابك، فيقولون: يا ربنا هؤلاء خلقك ~~يشهدون لك بما شئت! فيختم الله على ألسنتهم ~~ويأذن لجوارحهم في الكلام، فيشهد عليهم ~~سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون ". ### || [10.48] # قوله تعالى: { ويقولون متى هذا الوعد إن ~~كنتم صادقين }؛ أي يقول الكفار: وقت لنا وقتا بمجيء هذا ~~الوعد الذي وعدتنا به من العذاب إن كنت من الصادقين أن العذاب ~~ينزل بنا. ### || [10.49] # قوله تعالى: { قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا ~~إلا ما شآء الله }؛ أي قل يا محمد: لا أقدر لنفسي على ~~دفع ضر وجر نفع إلا ما شاء الله أن يقدر لي عليه، فكيف أقدر ~~لكم. { لكل أمة أجل }؛ أي وقت مضروب، { إذا جآء ~~أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون }؛ بعد ~~الأجل ولا يتقدمون. ### || [10.50] # قوله تعالى: { قل أرأيتم إن أتاكم عذابه ~~بياتا أو نهارا ماذا يستعجل منه المجرمون }؛ ~~أي قل لهم يا محمد: إن أتاكم عذاب الله ليلا أو نهارا ما ~~الذي يستعجل من العذاب المشركون، أي كيف يصنعون وكيف يقبل منكم ~~إيمانكم وهو إيمان الإنجاء إذا نزل بهم العذاب. ### || [10.51-52] # قوله تعالى: { أثم إذا ما وقع آمنتم به }؛ ~~الألف في أول هذه الآية ألف استفهام، ذكرت على جهة الإنكار، ~~والمعنى إذا نزل عليكم العذاب آمنتم به؟ قالوا: نعم، قل لهم يا ~~محمد: { الآن }؛ تؤمنون { وقد كنتم به تستعجلون }؛ ~~وهو العذاب الدائم الذي لا ينقطع، { ثم قيل }؛ أي يقولون، { ~~للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا ~~بما كنتم تكسبون }؛ أي تعملون في الدنيا. ### || [10.53] # قوله تعالى: { ويستنبئونك أحق هو }؛ ~~ويستخبرونك يا محمد: أحق ما تعدنا من العذاب والبعث ms1028 بعد ~~الموت؟ { قل }؛ نعم وأحلف عليه { إي وربي إنه لحق ~~}؛ إنه صدق وكائن، { ومآ أنتم بمعجزين }؛ الله عن إحلال ~~العذاب بكم، ويحتمل أن يكون المراد بقوله تعالى { أحق } هو دين ~~الإسلام؟ قال الزجاج: (معنى قوله: (أي وربي): نعم إنه ~~لحق؛ أي إن العذاب نازل بكم). ### || [10.54] # قوله تعالى: { ولو أن لكل نفس ظلمت ما في ~~الأرض لافتدت به وأسروا الندامة لما رأوا ~~العذاب }؛ أي لو أن كل إنسان ظالم كان له ما في الأرض جميعا ~~لافتدى به من عذاب الله، ثم لا ينفعه ذلك ولا يقبل منه. قوله ~~تعالى: { وأسروا الندامة } أي أسر القادة الندامة عن ~~الأتباع حين رأوا العذاب، والمعنى: أخفى الرؤساء في الكفر الندامة ~~عن الذين أضلوهم وستروها عنهم، هذا قول عامة المفسرين. # وقال أبو عبيد: (الإسرار من الأضداد، يقال: أسررت ~~الشيء إذا أخفيته، وأسررته إذا أعلنته) قال: ~~(من الإعلان قوله تعالى: { وأسروا الندامة لما ~~رأوا العذاب } أي أظهروها). قيل: معناه: وأخلصوا ~~الندامة، والإسرار الإخلاص. قوله تعالى: { وقضي بينهم ~~بالقسط }؛ أي قضي بين الخلائق كلهم بالعدل، { وهم لا ~~يظلمون }؛ بأن لا يزاد على عذاب المسيء على قدره المستحق. ### || [10.55-56] # قوله تعالى: { ألا إن لله ما في السماوات ~~والأرض }؛ لا يقدر أحد على منعه من إحلال العقاب بمملوكه، { ~~ألا إن وعد الله حق }؛ بإحلال العقاب بالمجرمين، { ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون * هو يحيي ويميت ~~وإليه ترجعون }. ### || [10.57] # قوله تعالى: { يأيها الناس قد جآءتكم موعظة ~~من ربكم وشفآء لما في الصدور }؛ يعني قريشا، ~~والموعظة القرآن، والمواعظة التي تدعو إلى الصلاح، { وشفآء ~~لما في الصدور } أي دواء لذوي الجهل، والقرآن مزيل للجهل ~~وكاشف لعماء القلوب، { وهدى }؛ وبيان من الضلالة، { ~~ورحمة للمؤمنين }؛ أي ونعمة من الله لأصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # ومعنى الموعظة الإيابة بما يدعو إلى الصلاح بطريق ~~الرغبة والرهبة. ومعنى الشفاء ما يجده من يستدل إعجاز ~~القرآن من الروح بزوال الشرك والتشبيه، وهو شرح الصدر الذي ~~ذكره الله بقوله: # أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ~~ربه # [الزمر: ms1029 22]. ومعنى (الهدى) بيان الشرائع من الحلال والحرام ~~والفرض والندب والإيابة. وأما الرحمة فهي الإنعام على المحتاج ~~بدليل أن ملكا لو أهدى إلى ملك لم يكن له منه رحمة عليه، وأما ~~تخصيص المؤمنين بالرحمة؛ فلأنهم هم الذين ينتفعون بنعم الدين. ### || [10.58] # قوله تعالى: { قل بفضل الله وبرحمته فبذلك ~~فليفرحوا }؛ قال ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة: (فضل ~~الله الإسلام، ورحمته القرآن) وهذا قول عامة ~~المفسرين. وعن أبي سعيد الخدري قال في معنى هذه الآية: (فضل ~~الله القرآن، ورحمته جعلكم من أهله) والمعنى: قل يا ~~محمد لأصحابك: بالقرآن الذي أكرمك الله به والإسلام الذي ~~وفقكم له فافرحوا، { هو خير مما يجمعون } يجمع ~~اليهود والمشركون من الأموال. # وقرأ بعضهم (فلتفرحوا) و(تجمعون) كلاهما بالتاء المخاطبة. ~~وعن محمد بن كعب القرظي قال: (إذا عملت عملا رجاء ثواب ~~الله فافرح، فإنه خير لك مما يجمع أهل ~~الدنيا). ### || [10.59-60] # قوله تعالى: { قل أرأيتم مآ أنزل الله لكم ~~من رزق }؛ أي قل يا محمد لأهل مكة: أرأيتم ما أنزل الله ~~لكم في الكتاب من رزق جعله لكم حلالا طيبا من الأنعام والحرث، { ~~فجعلتم منه حراما وحلالا }؛ أي جعلتم البحائر ~~والسوائب حلالا للرجال منفعة، وحراما على النساء، وجعلتم ~~لآلهتكم من الحرث نصيبا فحرمتموه على النساء، وأحللتموه للرجال، ~~والله سبحانه لم يحرم شيئا من ذلك، { قل }؛ لهم يا محمد: { ~~ءآلله أذن لكم }؛ أمركم بتحريمه، { أم على الله ~~تفترون }؛ تختلقون الكذب، يعني: بينوا الحجة في ذلك، ~~وإلا فأنتم تفترون على ربكم. # ثم أوعدهم على الكذب فقال: { وما ظن الذين يفترون على ~~الله الكذب يوم القيامة }؛ أي ما ظن الذين يكذبون ~~على الله في التحليل والتحريم ماذا يفعل بهم يوم القيامة، أتظنون ~~أن الله لا يعاقبهم على افترائهم عليه؟ قوله تعالى: { إن ~~الله لذو فضل على الناس }؛ أي لذو من عليهم بتأخير ~~العذاب عنهم، { ولكن أكثرهم لا يشكرون }؛ نعم ~~الله. ### || [10.61] # قوله تعالى: { وما تكون في شأن وما تتلوا منه ~~من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم ~~شهودا إذ تفيضون فيه ms1030 }؛ أي وما تكون في أمر من الأمور، ~~وقال الحسن: (من شأن الدنيا وحوائجك فيها، وما ~~تتلوا منه، أي من الله نازل منه من قرآن يوحى ~~إليك من سورة أو آية تقرأ على أمتك). # والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم وأمته داخلون فيه؛ لأن ~~خطاب الرئيس خطاب له ولأتباعه، يدل على ذلك قوله: { ولا ~~تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا } أي ما ~~تعملون أنتم جميعا يا بني آدم عامة ويا أمة محمد من خير ~~أو شر، إلا كنا على أمركم وتلاوتكم وعملكم شهودا إذ تدخلون ~~فيه. قال الفراء: (معناه يقول: الله تعالى شاهد على ~~كل شيء) والمعنى ألا يعلمه فيجازيكم به. ~~والإفاضة الدخول في العمل، وقال ابن الأنباري: (إذ تندفعون ~~فيه) وقال ابن عباس: (إذ تأخذون فيه). # قوله تعالى: { وما يعزب عن ربك }؛ أي ما يغيب وما ~~يبعد، { من مثقال ذرة } ، من وزن نملة حميراء صغيرة من ~~أعمال العباد، { في الأرض ولا في السمآء ولا أصغر من ~~ذلك } ولا أخف من الوزن من الذرة، { ولا أكبر } ، ولا ~~أثقل منه، { إلا في كتاب مبين } ، إلا وهو مع علم الله ~~تعالى ومكتوب في اللوح المحفوظ. والعزوب البعد والذهاب، ~~ويعزب بضم الزاي وكسرها لغتان. قوله تعالى: { مثقال ~~ذرة } أي وزن ذرة، ومثقال الشيء ما وازنه. # قال الفراء: (من نصب قوله تعالى: { أصغر } و { ~~أكبر } فإنما أراد الخفض يتبعهما المثقال ~~والذرة، إلا أنهما لا ينصرفان؛ لأنهما على وزن ~~أفعل اتباع معنى المثقال؛ لأنك لو لقيت من ~~المثقال من كان رفعا وهو كقوله: ما أتاني من ~~أحد عاقل وعاقل، وكذلك: ما لكم من إله غيره ~~وغيره). # وقيل: رفع على الابتداء، وخبره { إلا في كتاب } فمن قرأ ~~(ولا أصغر ولا أكبر) بالنصب فالمعنى: وما يعزب عن ربك من ~~مثقال ذرة، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر. ومن رفع المعنى: وما يعزب ~~عن ربك مثقال ذرة، ولا أصغر ولا أكبر. ### || [10.62-63] # قوله تعالى: { ألا إن أوليآء الله لا خوف ~~عليهم ولا هم يحزنون } معناه: ألا إن أولياء ms1031 الله ~~تولاهم الله بحفظه وحياطته، لا خوف عليهم يوم القيامة ولا هم ~~يحزنون على ما اختلفوا في الدنيا، وقوله تعالى: { الذين ~~آمنوا وكانوا يتقون }؛ تفسير أولياء الله؛ أي الذين ~~يؤمنون بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، ويتقون الشرك ~~والفواحش، وعن رسول لله صلى الله عليه وسلم: # " أنه سئل عن أولياء الله فقال: " هم المتحابون ~~في الله " " # ، وعنه صلى الله عليه وسلم قال: # " هم الذين إذا رؤوا ذكر الله " # يعني إذا رآهم العامة ذكر من أجل سيماهم في وجوههم. # وسئل عيسى عليه السلام عنهم فقال: (هم الذين نظروا إلى باطن ~~الدنيا حين نظر الناس إلى ظاهرها، ونظروا إلى ~~آجلها حين نظر الناس إلى عاجلها، فأحيوا ذكر ~~الموت وأماتوا ذكر الحياة، يحبون الله ويحبون ~~ذكره). ### || [10.64] # قوله: { لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة ~~}؛ معناه: لهم البشرى في الحياة بالقرآن، وفي الآخرة بالجنة. ~~ويقال: أراد بالبشرى في الدنيا بشارة الملائكة # ألا تخافوا ولا تحزنوا... # [فصلت: 30] الآية. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " " لم يبق من النبوة بعدي إلا المبشرات " ~~قيل: وما المبشرات؟ قال عليه السلام: " الرؤيا ~~الصالحة يراها العبد الصالح لنفسه " وقرأ له: " ~~وهي جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، ~~فمن أري ذلك فليخبر بها " ". # قوله تعالى: { لا تبديل لكلمات الله }؛ أي لا خلف ~~في وعد الله، وقوله تعالى: { ذلك هو الفوز العظيم }؛ أي ~~ذلكم الذي وعدكم الله هو الثواب الوافر والنجاة الوافرة. ### || [10.65] # قوله تعالى: { ولا يحزنك قولهم }؛ أي لا يحزنك يا ~~محمد تكذيبهم إياك وتهديدهم لك بالقتل، وفيه تسلية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم على كفرهم وتكذيبهم ونسبتهم له إلى الافتراء ~~على ربه، وقوله تعالى: { إن العزة لله جميعا }؛ استئناف ~~كلام، ولذلك كسرت (إن)، والمعنى: فإن القوة لله جميعا يمنعهم ~~عنك بعزته، ولا يتعذر أحد الا بإذنه وهو ناصرك وناصر دينك، و ~~{ هو السميع }؛ لمقالة الكفار { العليم }؛ بضمائرهم. ولا ~~يجوز أن يقرأ (أن العزة) بالنصب لاستحالة أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان يحزنه قول الكفار ms1032 بأن العزة لله جميعا. ### || [10.66] # قوله تعالى: { ألا إن لله من في السموت ومن ~~في الأرض }؛ أي له من فيهما من الخلق على من لا يعقل. قوله ~~تعالى: { وما يتبع الذين يدعون من دون الله ~~شركآء }؛ أي ما يتبعون شركاء على الحقيقة والمعرفة، { إن ~~يتبعون إلا الظن }؛ أي ما يدعونهم إلا بالظن بتقليد ~~آبائهم وقول بعضهم: # ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله زلفى # [الزمر: 3] ويظنون أنها تشفع لهم يوم القيامة. قوله ~~تعالى: { وإن هم إلا يخرصون }؛ أي ما هم إلا يكذبون في ~~قولهم إنها تشفع لهم عند الله. ### || [10.67] # قوله: { هو الذي جعل لكم اليل لتسكنوا فيه ~~والنهار مبصرا }؛ أي هو الذي جعل لكم الليل لتناموا فيه ~~وتستريحوا عما لحقكم من النصب بالنهار، وخلق النهار مضيئا ~~للذهاب والمجيء وطلب المعيشة، وسماه مبصرا؛ لأنه يبصر فيه كما ~~قال رؤبة: (قد نام ليلي، وتجلى همي). قوله تعالى: ~~{ إن في ذلك لآيات }؛ أي في ذلك للدلالات، { لقوم ~~يسمعون }؛ دلائل الله، ويتفكرون فيها. ### || [10.68] # قوله تعالى: { قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه }؛ ~~أي قال الكفار: اتخذ الله ولدا، فإن المشركين قالوا: الملائكة ~~بنات الله، واليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن ~~الله، سبحانه وتعالى؛ أي تنزيها له عن الولد، والشريك، ~~{ هو الغني } ، هو غني عن اتخاذ الولد. # قوله تعالى: { له ما في السموت وما في الأرض }؛ ~~معناه: إن من كان له ملك السماوات والأرض وما بينهما، فما ~~حاجته الى اتخاذ الولد؟! وإنما يتخذ الولد ذو الضعف ليتقوى ~~به، ويستعين به على بعض أموره، وذو الوحشة ليستأنس به، ومن ~~يخاف الموت على نفسه، فيتخذ الولد ليخلفه في أملاكه بعد موته، ~~والله تعالى لا يجوز عليه السرور ولا المنافع والمصارف، ولا يلحقه ~~الموت، فهو غني عن اتخاذ الولد. # ثم طالب الكفار بالحجة والبرهان، فقال عز وجل: { إن ~~عندكم من سلطان بهذآ }؛ أي ما عندكم من حجة وبرهان ~~على هذا القول، ثم أنكر عليهم ذلك تبكيتا لهم فقال تعالى: { ~~أتقولون على الله ما لا تعلمون }؛ وهذا ms1033 على حجة ~~الإنكار والرد عليهم؛ أي لم تقولون على الله ما لا علم لكم به ولا ~~حجة لكم عليه. ### || [10.69-70] # قوله تعالى: { قل إن الذين يفترون على الله ~~الكذب لا يفلحون } أي قل يا محمد إن الذين يختلقون ~~كذبا؛ يكذبون به على الله تعالى لا يفلحون في الدنيا ~~بالحجة ولا بالآخرة في الثواب، ولا يسعدون في العاقبة وإن اغتروا ~~بطول السلامة. قوله تعالى: { متاع في الدنيا }؛ رفع ~~على معنى ذلك متاع في الدنيا يتمتعون به قليلا ثم ينقضي. ~~وقيل: لهم متاع في الدنيا يتمتعون به أياما يسيرة، { ثم ~~إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد }؛ ~~الغليظ الذي لا ينقطع، { بما كانوا يكفرون } ، أي بكفرهم ~~بالله ورسوله. ### || [10.71] # قوله تعالى: { واتل عليهم نبأ نوح }؛ أي إقرأ ~~عليهم خبر نوح، { إذ قال لقومه يقوم إن كان كبر ~~عليكم }؛ ثقل عليكم وعظم، { مقامي }؛ ومكثي فيكم، { ~~وتذكيري }؛ وعظتي لكم { بآيات الله فعلى الله ~~توكلت }؛ به وثقت وإليه فوضت أمري، وذلك حين قالوا له: # لئن لم تنته ينوح لتكونن من المرجومين # [الشعراء: 116]. # قوله تعالى: { فأجمعوا أمركم وشركآءكم }؛ أي ~~اعزموا على أمركم مع شركائكم. وقيل: معناه: فاعزموا على ~~أمركم، وادعوا لآلهتكم واستعينوا بهم، وأجمعوا على أمر واحد. ~~ومن قرأ (فاجمعوا) بنصب الميم فهو من الجمع. # قوله تعالى: { ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ~~}؛ أي يكن أمركم عليكم ظاهرا منكشفا لا يستره شيء. والغمة ~~مأخوذة من الغمامة، ويقال الغمة الغم؛ أي لا يكون أمركم ~~غما عليكم وفرجوا عن أنفسكم، { ثم اقضوا إلي ولا ~~تنظرون }؛ أي امضوا بما تقصدون من القتل ولا تمهلون. # قال الزجاج: (الواو في قوله { وشركآءكم } بمعنى ~~مع) والمعنى فاجمعوا أمركم مع شركائكم ثم لا يكون أمركم عليكم ~~مبهما، يعني ليكن أمركم ظاهرا منكشفا لا تسترون معاداتي، ثم امضوا ~~إلي بمكروهكم وما توعدونني به. معنى قضاء الشيء امضاؤه والفراغ ~~منه، وهذا أحد معجزات نوح عليه السلام؛ لأنه كان وحيدا، وقد ~~قرعهم بالعجز عن الوصول اليه وإلى قتله، فلم يقدروا عليه بسوء. ### || [10.72] # قوله تعالى: { فإن توليتم ms1034 فما سألتكم من ~~أجر }؛ معناه: فإن أعرضتم عن الإيمان بما جئتكم به لم يضرني ~~إعراضكم، فإني لا أطلب منكم أجرا ولا أدعوكم إلى الإيمان لمطمع مني ~~في مالكم، وما دعاني فيما أدعوكم عليه إلا الإيمان بالله، { إن ~~أجري إلا على الله وأمرت }؛ أي وقد أمرني، { أن ~~أكون من }؛ أي مع؛ { المسلمين }؛ على دينهم. ### || [10.73] # قوله تعالى: { فكذبوه فنجيناه ومن معه في ~~الفلك }؛ أي فنجيناه ومن معه من المؤمنين من الغرق في ~~السفينة، { وجعلناهم خلائف }؛ أي جعل الله الذين نجوا مع ~~نوح عليه السلام من الغرق خلفا ومكانا في الأرض من قوم ~~أهلكوا بالتكذيب كما قال تعالى: # وجعلنا ذريته هم الباقين # [الصافات: 77] وذلك أن الناس كانوا من ذريته بعد الغرق، وهلك ~~أهل الأرض جميعا بتكذيبهم لنوح. # قوله تعالى: { وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا }؛ ~~أي بدلالتها حسا، { فانظر }؛ يا محمد، { كيف كان ~~عاقبة المنذرين }؛ أي كيف صار آخر أمر الذين أنذرتهم ~~الرسل فلم يؤمنوا، وهذا تهديد لقوم النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~تكذيبه حتى لا ينزل بهم مثل ما نزل بقوم نوح، وتسلية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ليصبر على أذاهم كما صبر نوح عليه السلام على أذى ~~الكفار مع قلة من معه من المؤمنين. ### || [10.74-77] # قوله تعالى: { ثم بعثنا من بعده رسلا إلى ~~قومهم }؛ أي ثم بعثنا من بعد نوح رسلا مثل هود وصالح ~~وإبراهيم ولوط وشعيب وغيرهم إلى قومهم، { فجآءوهم ~~بالبينت }؛ بالحجج والبراهين، { فما كانوا ~~ليؤمنوا }؛ ليصدقوا، { بما كذبوا به }؛ في الابتداء، ~~والمعنى: فما كان الذين بعث إليهم الرسل ليؤمنوا بما كذبوا، { من ~~قبل }؛ يعني قوم نوح عليه السلام؛ أي لم يصدقوا به، كما كذب ~~قوم نوح، وكانوا مثلهم في الكفر والعنف، قوله: { كذلك نطبع ~~على قلوب المعتدين }؛ قال ابن عباس: (يريد الله ~~تعالى طبع على قلوبهم فأعماها فلا يبصرون سبيل ~~الهدى). وما بعدها من الآيات: # ظاهر التفسير: { ثم بعثنا من بعدهم موسى وهرون ~~إلى فرعون وملإيه بآيتنا فاستكبروا وكانوا ~~قوما مجرمين * فلما جآءهم الحق من عندنا ~~قالوا إن هذا ms1035 لسحر مبين * قال موسى أتقولون ~~للحق لما جآءكم أسحر هذا ولا يفلح ~~الساحرون }. ### || [10.78] # قوله تعالى: { قالوا أجئتنا لتلفتنا عما ~~وجدنا عليه آباءنا }؛ أي قالوا لموسى عليه السلام: أجئتنا ~~لتصرفنا عما وجدنا عليه آباءنا، واللفت هو الصرف. قوله ~~تعالى: { وتكون لكما الكبريآء في الأرض }؛ أي ويكون ~~لك ولهارون السلطان والملك والشرف في أرض مصر، { وما نحن ~~لكما بمؤمنين }؛ أي بمصدقين. وإنما سمى الملك كبرياء؛ ~~لأنه أكبر ما يطلب من أمر الدنيا، والكبرياء استحقاق صفة ~~الكبر في أعلى المراتب، فلهذا لا يجوز أن يوصف به أحد غير الله. ### || [10.79-80] # قوله تعالى: { وقال فرعون ائتوني بكل ساحر ~~عليم }؛ أي بكل حاذق بالسحر، { فلما جآء السحرة قال ~~لهم موسى ألقوا مآ أنتم ملقون } قال هذا لهم على ~~وجه التعجيز لهم، إنكم لا تقدرون على إبطال أمري، فيكون هذا ~~أمر تعجيز كقوله تعالى: # فأتوا بسورة من مثله # [البقرة: 23] ولا يجوز أن يكون هذا أمرا بالسحر، إذ عمل السحر ~~كفر، والأنبياء عليهم السلام لا يأمرون به. ### || [10.81] # قوله تعالى: { فلمآ ألقوا قال موسى ما جئتم ~~به السحر }؛ معناه: فلما ألقت السحرة ما جاؤا به، قال لهم ~~موسى: الذي جئتم به السحر والخداع؛ أي الذي جئتم به سحر. ووقف بعض ~~القراء على { ما جئتم } ثم قال: { السحر } على معنى: أي ~~شيء جئتم به أهو السحر؟ على جهة التوبيخ لهم. قوله تعالى: ~~{ إن الله سيبطله }؛ أي يبطل عمل السحرة حتى يظهر ~~الحق من الباطل، { إن الله لا يصلح عمل المفسدين ~~}؛ أي لا يرضى عمل الساحرين. ### || [10.82] # قوله تعالى: { ويحق الله الحق بكلماته ولو ~~كره المجرمون }؛ أي ينصر دينه الحق بالوعد الذي وعده ~~لموسى كما قال تعالى: # سنشد عضدك بأخيك # [القصص: 35] الى آخر الآية. ويجوز أن يكون معنى الكلمات: ما كتبه ~~الله تعالى في اللوح المحفوظ. ### || [10.83] # قوله تعالى: { فمآ آمن لموسى إلا ذرية من ~~قومه على خوف من فرعون وملئهم أن يفتنهم ~~}؛ أي ما صدق بموسى وبما جاء به إلا ذريته من قوم فرعون، وهم قوم ~~كان ms1036 آباؤهم من القبط وأمهاتهم من بني إسرئيل، فآمنوا بموسى ~~واتبعوا أمهاتهم وأخوالهم، ولم يسلم آباؤهم الذي كان موسى ~~عليه السلام مبعوثا اليهم. # وقال الحسن: (أراد بقوله تعالى (إلا ذرية من ~~قوم موسى) كان فرعون أجبرهم على تعلم السحر ~~وجعلهم من أصحاب نفسه، فلما أسلمت السحرة ~~وآمنوا بموسى اتبعهم هؤلاء الذرية في ~~الإيمان). وكان يقول: (لم يؤمن من القبط أحد إلا ~~المؤمن الذي يكتم إيمانه من فرعون وقومه). # قوله: { على خوف من فرعون وملئهم } معناه على ~~القول الأول: آمنت به ذريته على خوف من فرعون وآبائهم وقومهم. ~~وعلى القول الثاني: على خوف من فرعون وأشرافهم ورؤسائهم أن يعلم ~~الأشراف أمرهم فيخبروا فرعون فيقتلهم ويعذبهم أو يصرفهم عن ~~دينهم. وقال الزجاج: (إنما قال: { فرعون وملئهم } ~~لأن فرعون ذا أصحاب يأتمرون به). # قوله تعالى: { وإن فرعون لعال في الأرض }؛ أي ~~لمستكبر في أرض مصر، { وإنه لمن المسرفين }؛ في ~~الكفر والمعاصي، والإسراف: هو التجاوز عن الحد في كل شيء. وعن ~~محمد بن المنكدر قال: (عاش فرعون ثلاثمائة واثنين ~~وعشرين سنة لم ير مكروها، ودعا موسى عليه السلام ~~ثلاثين سنة). ### || [10.84] # قوله تعالى: { وقال موسى يقوم إن كنتم آمنتم ~~بالله فعليه توكلوا }؛ أي قال موسى لبني إسرائيل: يا ~~قومي إن كنتم صدقتم بالله كما تقولون فأسندوا أموركم إليه؛ ~~{ إن كنتم مسلمين } ، إن كنتم مخلصين مستسلمين لأوامره، ~~وذلك حين قالوا لموسى: # أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا # [الأعراف: 129]. وقيل: إن موسى خاطب بالخطاب المذكور في هذه ~~الآية الذرية التي آمنت على خوف من فرعون وملئهم. ### || [10.85-86] # قوله تعالى: { فقالوا على الله توكلنا }؛ أي ~~قال موسى أسندنا أمورنا إلى الله ووثقنا به، { ربنا لا ~~تجعلنا فتنة للقوم الظالمين }؛ أي لا تظهرهم ~~علينا فيظنوا أنهم على الحق، فيكون ذلك فتنة لهم ولغيرهم. ~~ويقال: يعني لا يمكنهم أن ينزلوا بنا أمرا لا نطيق الصبر عليه ~~فننصرف به عن الدين. قوله تعالى: { ونجنا برحمتك ~~من القوم الكافرين }؛ أي خلصنا بطاعتك من استعبادهم ~~إيانا، فاستجاب الله دعاءهم كما ms1037 ذكر من بعد. ### || [10.87] # قوله تعالى: { وأوحينآ إلى موسى وأخيه أن ~~تبوءا لقومكما بمصر بيوتا }؛ وذلك أن فرعون لما ~~أتاه موسى بالرسالة أمر بمساجد بني إسرائيل فكسرت كلها ~~وخربت، ومنعوهم من الصلاة علانية، فأنزل الله هذه الآية، ~~وأمروا أن يتخذوا مساجد في بيوتهم ويصلون فيها خوفا من ~~فرعون. والمعنى: وأوحينا إليهما أن اتخذا لقومكما بمصر بيوتا، ~~يقال: بوأه إذا عد لغيره بيتا، وتبوأ إذا اتخذ لنفسه بيتا. # قوله تعالى: { واجعلوا بيوتكم قبلة }؛ أي ~~اجعلوها مصلى، { وأقيموا الصلاة } ، فصلوا فيها ~~مستترين من فرعون وقومه. وقيل: معناه: واجعلوا بيوتكم ~~مساجد. وقال الحسن: (واجعلوا بيوتكم نحو القبلة ~~وجبال الكعبة) قال: (وكانت الكعبة قبلة موسى ~~ومن معه من المؤمنين). # وقيل: إنما لم يذكر الله الزكاة في هذه الآية؛ لأن فرعون قد ~~استعبدهم وأخذ أموالهم فلم يكن لهم ما يجب الزكاة فيه. قوله: { ~~وبشر المؤمنين }؛ أي وبشرهم بالثواب في الآخرة، وبالنصر ~~في الدنيا آجلا وعاجلا. ### || [10.88] # قوله تعالى: { وقال موسى ربنآ إنك آتيت ~~فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا }؛ ~~أي قال موسى: إنك أعطيت فرعون وملأه زينة؛ أي زهرة من المركب ~~والحلي والثياب، وأموالا كثيرة من الدراهم والدنانير والعروض. ~~قوله: { ربنا ليضلوا عن سبيلك }؛ أي ربنا أعطيتهم ~~الزينة والأموال ليكون عاقبة أمرهم أن يضلوا عن سبيلك فلا ~~يؤمنوا، وهذه اللام لام العاقبة كما في قوله: # فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا # [القصص: 8]. # قوله: { ربنا اطمس على أموالهم }؛ معنى الطمس على ~~الأموال تغييرها عن جهتها إلى جهة لا ينتفع بها، وحقيقة ~~الطمس ذهاب الشيء عن صورته بمحق الأثر. قال مجاهد وقتادة: ~~(فغير الله أموال فرعون حتى صارت دراهمهم ~~ودنانيرهم حجارة أنصافا وأثلاثا وأرباعا، وكذلك ~~سائر أموالهم حتى السكر والفواكه). قال قتادة: ~~(بلغنا أن حروثا لهم صارت حجارة). وقال عطاء: (لم ~~يبق لهم معدن إلا طمس الله عليه، فلم ينتفع ~~به أحد). # قوله: { واشدد على قلوبهم }؛ معناه: واربط على قلوبهم ~~بالصبر حتى لا يتحولوا عن بلادهم إلى بلاد الخصب فيبقون في هذه ~~العقوبة أبدا. وقيل: ms1038 معناه: امنعهم عن الإيمان بك، والمعنى ~~اطبع عليها حتى لا تلين ولا تشرح الايمان. قوله: { فلا ~~يؤمنوا }؛ قال الزجاج والفراء: (هذا دعاء عليهم ~~أيضا)، والتأويل فلا آمنوا، { حتى يروا العذاب الأليم ~~}؛ يعني الغرق. ### || [10.89] # قوله تعالى: { قال قد أجيبت دعوتكما ~~فاستقيما }؛ أي قال الله تعالى لموسى وهارون: قد أجبت ~~دعوتكما، وذلك أن موسى كان يدعو بالدعاء المذكور في الآية، وكان ~~هارون يؤمن على دعائه، فسماها الله داعين، قوله { ~~فاستقيما } أي فاستقيما في دعاء الناس إلى الإيمان، { ولا ~~تتبعآن سبيل الذين لا يعلمون } لأن سبيلهم كان ~~الغي والضلال، وخفف ابن عباس (تتبعان) من تبع يتبع، ~~والنون الشديدة إنما دخلت مؤكدة للنهي. ### || [10.90-91] # قوله: { وجاوزنا ببني إسرائيل البحر }؛ يعني بحر ~~القلزم وهو بقرب نيل مصر، جعله الله لهم يبسا حتى جاوزوه، ~~{ فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا }؛ ليبغوا عليهم، { ~~وعدوا }؛ ويظلموهم. قوله: { حتى إذآ أدركه الغرق ~~}؛ حتى إذا ألجم فرعون الغرق من إيمان الإنجاء فلم ينفعه ذلك، فلما، ~~{ قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به ~~بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين }؛ قال له جبريل: { ~~آلآن }؛ أي تؤمن عند الغرق، { وقد عصيت قبل وكنت من ~~المفسدين }؛ بالكفر والمعاصي في وقت المهلة. # روي عن ابن عباس: # " أن جبريل قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لو رأيتني ~~وفرعون يدعو بكلمة الإخلاص وأنا أدسه في ~~الماء والطين لشدة غضبي عليه مخافة أن يتوب ~~فيتوب الله عليه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يا ~~جبريل وما شدة غضبك؟ " قال: يا محمد لقوله ~~أنا ربكم الأعلى وهي كلمته الأخيرة، وإنما ~~قالها حين انتهى إلى البحر، وكلمته الأولى: ما ~~علمت لكم من إله غيري، وكان بين الأولى ~~والأخرى أربعين سنة ". # وهذه الرواية صحيحة إلا قوله: (مخافة أن يتوب فيتوب ~~الله عليه) لأنه لا يخلوا إما أن يكون التكليف ثابتا في ذلك ~~الوقت أو غير ثابت، فإن كان ثابتا لم يجز على جبريل عليه السلام ~~أن يمنعه من التوبة، ولو منعه من التكلم باللسان لكانت ندامة ~~فرعون بالقلب كافية في توبته؛ ms1039 لأن الأخرس إذا تاب بالندم بقلبه ~~وعزم على ترك المعاودة إلى القبيح كانت توبته صحيحة. # وإن لم يكن التكليف ثابتا في ذلك الوقت لم يكن للمنع عن التوبة معنى ~~بوجه من الوجوه، وإنما لا يقبل الإيمان في وقت الإلجاء؛ لأن ~~الذي يؤمن في تلك الحالة يعلم أنه لو حاول خلاف ما يؤمر به ~~حيل بينه وبينه، فلا يكون مثابا بإعلاء ذلك الإيمان معرفته من طريق ~~الضرورة دون الاجتهاد. ### || [10.92] # قوله: { فاليوم ننجيك ببدنك }؛ أي فاليوم نلقيك على ~~نجوة من الأرض، وهي المكان المرتفع؛ أي ببدنك أي بدرعك، قال ~~ابن عباس: (كان فرعون قصيرا طوله ستة أشبار، ~~وكانت لحيته قريبا من قامته، وكانت له درع ~~سلاسلها من ذهب يعرفها جميع بني إسرائيل، ~~فسألت موسى بنو إسرائيل فدعا الله فأخرجه ~~ببدنه حتى واراه، وعرفوا الدرع فطابت أنفسهم ~~بتلك). # ويقال: كان في بني إسرائيل من لا يصدق بهلاك فرعون، ولذلك سأل ~~موسى عليه السلام أن يلقيه الله على نجوة من الأرض ببدنه؛ أي ~~وحده دون قومه. وقيل: معناه: ننجيك من الماء ببدنك دون ~~روحك، فأما روحك فتعذب على كل حال. قوله: { لتكون لمن ~~خلفك آية }؛ أي لمن بعدك من الكفار آية في النكال، ~~لئلا تقول لأحد بعدك مثل مقالتك، وتعرفوا أنك لو كنت ~~إلها ما غرقت. قوله: { وإن كثيرا من الناس عن ~~آياتنا لغافلون }؛ يعني لغافلون عن التفكر في دلائلنا. ### || [10.93] # قوله تعالى: { ولقد بوأنا بني إسرائيل ~~مبوأ صدق }؛ أي ولقد أنزلنا بني إسرائيل في موضع خصب ~~وأمن، وهي أرض مصر ما بين أردن وفلسطين، ويقال: هي الأرض المقدسة ~~التي ورثوها من أبيهم إبراهيم عليه السلام، وسماها منزل ~~صدق؛ لأن فضلها على سائر المنازل كفضل الصدق على الكذب. ~~وقيل: هم بنو قريظة والنضير أنزلناهم مبوأ صدق بين المدينة ~~والشام من أرض يثرب، { ورزقناهم من الطيبات }؛ أي ~~من النخل وما فيها من الرطب والتمر. # قوله: { فما اختلفوا حتى جآءهم العلم }؛ معناه ~~أنهم لم يزالوا مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم يجدونه ~~مكتوبا عندهم في ms1040 التوارة والإنجيل لم يختلفوا في ذلك، بعث الله ~~محمدا صلى الله عليه وسلم فآمن به بعضهم وكفر به بعضهم. # ومعنى الآية: ما اختلفوا في تصديق النبي صلى الله عليه وسلم وإنه ~~نبي حتى جاءهم العلم، قال ابن عباس: (يريد القرآن الذي ~~جاء به محمد صلى الله عليه وسلم)، وقال الفراء: (العلم ~~محمد صلى الله عليه وسلم) لأنه كان معلوما عندهم ~~بنعته، وذلك أن لما جاءهم اختلفوا فيه وفي ~~تصديقه فكفر به أكثرهم). # قوله: { إن ربك }؛ يا محمد، { يقضي بينهم يوم ~~القيامة } ، بتمييز المحق من المبطل، ويجازي كلا ~~منهم بما يستحقه، { فيما كانوا فيه يختلفون } فيدخل ~~المصدقين بك الجنة، ويدخل المكذبين النار. ### || [10.94-95] # قوله: { فإن كنت في شك ممآ أنزلنآ إليك فاسأل ~~الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جآءك الحق ~~من ربك }؛ قال أكثر أهل العلم: هذا خطاب لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم والمراد به غيره من الشكاك، ومثل ذلك قوله ~~تعالى: # يأيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين # [الأحزاب: 1] الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره ~~بدليل قوله: # إن الله كان بما تعملون خبيرا # [النساء: 94]، ولم يقل بما تعمل، قال الزجاج: (إن الله يخاطب ~~النبي صلى الله عليه وسلم وذلك الخطاب شامل للخلق، ~~فالمعنى: فإن كنتم في شك فاسألوا). # وقال ابن عباس: (لم يرد به النبي صلى الله عليه وسلم؛ ~~لأنه لم يشك في الله ولا في ما أوحى إليه، لكن ~~أراد من آمن به وصدقه في أمرهم أن يسألوا ~~لئلا ينافقوا كما شك المنافقون). وعن ابن عباس أنه ~~قال: (وذلك أن كفار قريش قالوا: إن هذا القرآن ~~الذي يجيء إلى محمد ما يلقيه الشياطين إليه! ~~فأنزل الله هذه الآية). # وأراد بالذين يقرؤون الكتاب مؤمني أهل الكتاب ~~عبدالله بن سلام وأصحابه، فإنهم يستخبرونك ~~أنه مكتوب عندهم في التوراة، فقال النبي صلى ~~الله عليه وسلم: # " لا أسأل أحدا ولا أشك فيه بل أشهد أنه الحق ~~" # وكان النبي صلى الله عليه وسلم أعلم بالله تعالى وأشد يقينا من ~~أن ms1041 يسألهم، وإنما التقدير: فإن كنت في شك أيها السامع مما ~~أنزلنا على نبيك. ومن عادة العرب أنهم يخاطبون الرجل بشيء ~~يريدون به غيره كما قالوا: إياك أعني واسمعي يا جارة. # وكانت الناس على عهد النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث مراتب: مؤمن؛ ~~وكافر؛ وشاك، فخاطب الله بهذه الآية الشاك أمره بسؤال الذين ~~يقرءون الكتاب من قبله عن النبي صلى الله عليه وسلم المبشر ~~به حتى إذا وافقت صفته في الكتاب المنزل له قبل القرآن صفة ~~النبي صلى الله عليه وسلم على الشاك هو المبشر به. # قوله: { فلا تكونن من الممترين * ولا تكونن من ~~الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين }؛ ~~الشاكين في الحق، وما في الآية ظاهر المعنى. ### || [10.96-98] # قوله تعالى: { إن الذين حقت عليهم كلمت ~~ربك لا يؤمنون } معناه: إن الذين أخبر الله عنهم أنهم لا ~~يؤمنون، { ولو جآءتهم كل آية حتى يروا العذاب ~~الأليم }؛ فيصيرون ملجئين إلى الإيمان، فلم يقبل منهم ~~الإيمان حينئذ. # قوله: { فلولا كانت قرية آمنت فنفعهآ إيمانها ~~}؛ أي هلا كانت قرية آمنت عند نزول العذاب فنفعها إيمانها وقبل ~~منهم، { إلا قوم يونس لمآ آمنوا كشفنا عنهم ~~عذاب الخزي }؛ لما آمنوا وعلم الله منهم الصدق صرف عنهم ~~عذاب الهون، { في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى ~~حين }؛ آجالهم المضروبة لهم. # وعن ابن عباس: (معنى قوله { فلولا كانت قرية ~~آمنت فنفعهآ إيمانها إلا قوم يونس } والمعنى: ~~لم أفعل هذا بأمة قط إلا قوم يونس لما آمنوا ~~كشفنا عنهم، فتكون (لولا) معناها النفي. وقال ~~قتادة: (لم يكن هذا معروفا لأمة من الأمم كفرت، ~~ثم آمنت عند نزول العذاب فكشف عنهم إلا قوم ~~يونس كشف عنهم العذاب بعد أن تدلى عليهم). # قوله تعالى: { ومتعناهم إلى حين } آجالهم، وذلك: ~~أن يونس عليه السلام. بعثه الله إلى قومه، فدعاهم إلى طاعة الله ~~وترك الكفر فأبوا، قال: رب فدعوتهم فأبوا، فأوحى الله ~~إليه: أن ادعوهم فإن أجابوك، وإلا فأعلمهم بأن ~~العذاب يأتيهم إلى ثلاثة أيام. فدعاهم فلم يجيبوا، ~~فأخبرهم بالعذاب وخرج من بينهم، فقالوا: ms1042 ما جربنا عليه كذبا ~~مذ كان، فاحتالوا لأنفسكم. # فلما كان اليوم الثالث رأوا حمرة وسوادا من السماء كهيئة ~~النار والدخان، فجعلوا يطلبون يونس فلم يجدوا، فلما يئسوا من ~~يونس وجعل يحط السواد والحمرة، فقال قائل منهم: فإن لم تجدوا ~~يونس فإنكم تجدوا رب يونس، فادعوه وتضرعوا إليه. # فخرجوا إلى الصحراء، وأخرجو النساء والصبيان والبهائم، وعجوا ~~إلى الله مؤمنين به، وارتفعت الأصوات، وقربت منهم الحمرة ~~والدخان حتى غشي السواد سطوحهم وبلغهم حر النار، فلما علم ~~الله منهم صدق التوبة رفع عنهم العذاب بعد ما كان غشيهم. ### || [10.99] # قوله: { ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم ~~جميعا }؛ أي لو شاء ربك يا محمد لآمن أهل الأرض كلهم. ~~وقيل: معناه: لو شاء ربك لأن يجبر الناس على الإيمان لآمن ~~من في الأرض كلهم جميعا، كما آمن قوم يونس. # قوله تعالى: { أفأنت تكره الناس حتى يكونوا ~~مؤمنين }؛ معناه: أفأنت تريد إكراه الناس على الإيمان إن لم ~~يرد الله إكراههم عليه مع أنه قادر على إكراههم عليه، فلا ينبغي ~~لك أن تريد هذا، وأنت غير قادر على إكراههم عليه. وقيل في سبب ~~نزول هذه الآية: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حريصا على أن ~~يسلم عمه أبو طالب وقومه، فأعلمه الله بهذه الآية أن إسلامهم ~~ليس بيده. ### || [10.100] # قوله: { وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله }؛ ~~أي بتوفيقه، ويقال: إلا بأمره وقد أمر الله الكل بالإيمان، ~~وقيل: معناه: إلا بتمكين الله. قوله تعالى: { ويجعل ~~الرجس على الذين لا يعقلون }؛ قال ابن عباس: ~~(السخط)، قال أبو الحسن: (العذاب على الذين لا ~~يعقلون) أي على الذين لا ينتفعون بعقولهم، وقال الحسن: ~~(يحكم عليهم بالكفر ويدمهم عليه). ### || [10.101-102] # قوله: { قل انظروا ماذا في السموت والأرض }؛ أي قل ~~لهم يا محمد تفكروا فيما في السماوات والأرض من الآيات ~~والدلالات نحو مسير الشمس والقمر والنجوم في مجاريها في ~~أوقات معلومة على الدوام، ووقوف السماء بغير عمد ولا علاقة، ~~وخروج النتاج من الأمهات، وانظروا إلى الجبال والشجر وغير ms1043 ذلك، ~~وكل هذا يقتضي مدبر الأمر يشبه الأشياء ولا تشبهه، { وما ~~تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون }. ثم قال ~~حين لم يتفكروا: # قوله تعالى: { فهل ينتظرون إلا مثل أيام ~~الذين خلوا من قبلهم } معناه: ما تنفع الآيات، ولا ~~تدفع عمن سبق في علم الله أنه لا يؤمن، فهل ينظرون إلا أن يصيبهم ~~مثل ما أصاب الأمم قبلهم من العذاب، يقال: أيام فلان؛ ويراد به ~~أيام دولته ومحنته. قوله تعالى: { قل فانتظروا }؛ أي ~~انتظروا حلول العذاب الذي أوعدكم به { إني معكم من ~~المنتظرين } ، لذلك. ### || [10.103] # قوله تعالى: { ثم ننجي رسلنا والذين آمنوا }؛ ~~معناه: ثم ننجي رسلنا والمؤمنين من العذاب الذي يحل بالكفار. ~~قوله تعالى: { كذلك حقا علينا ننج المؤمنين }؛ ~~أي كما ننجي الرسل من العذاب كان علينا أن ننجي المؤمنين كلهم من ~~العذاب الذي ينزل بالكفار. ### || [10.104] # قوله تعالى: { قل يأيها الناس إن كنتم في شك من ~~ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله }؛ أي ~~قل لهم: يا أهل مكة إن كنتم في شك من ديني الذي أتيتكم به، ~~فأنا مستيقن فلا أشك في بطلان دينكم، فلا أعبد الذي تعبدون من ~~دون الله بشككم في ديني، { ولكن أعبد الله الذي ~~يتوفاكم }؛ أي يميتكم ويعيدكم، ولا أعبد الذي لا يقدر على ~~الضر والنفع والإحياء والإماتة، { وأمرت أن أكون من ~~المؤمنين }. ### || [10.105] # قوله تعالى: { وأن أقم وجهك للدين حنيفا }؛ أي ~~وأمرت أن أخلص ديني وعملي لله، والمراد بإقامة الوجه ~~الإقبال على ما أمر به من أمور الدين، { ولا تكونن من ~~المشركين }. وقيل: أراد بذلك إقامة الصلاة. والحنيف: هو ~~المستقيم في الدين. وقيل: هو العادل عن الأديان الباطلة إلى ~~دين الحق. ### || [10.106] # قوله تعالى: { ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ~~ولا يضرك }؛ أي ما لا ينفعك إن دعوته، ولا يضرك إن تركت ~~عبادته، { فإن فعلت } ، فإن دعوت غير الله إلها، { فإنك ~~إذا من الظالمين }؛ الضارين لنفسك. ### || [10.107] # قوله تعالى: { وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف ~~له إلا هو }؛ معناه: إن ms1044 يرد الله بك ضرا فلا يقدر أحد ~~على دفع ذلك الضرر إلا هو، { وإن يردك بخير }؛ بنعمة وأمر ~~تسر به، { فلا رآد لفضله }؛ مانع لعطيته. قوله ~~تعالى: { يصيب به من يشآء }؛ أي يختص بالفضل من يشاء، ~~{ من عباده } على ما توجه الحكمة على ما يستحقون بأعمالهم، ~~{ وهو الغفور }؛ لذنوب العباد، { الرحيم }؛ بمن مات على ~~التوبة. ### || [10.108] # قوله تعالى: { قل يأيها الناس قد جآءكم الحق ~~من ربكم }؛ أي قل يا محمد للناس كلهم: قد جاءكم الحق من ~~ربكم؛ أي الكتاب والرسول، { فمن اهتدى }؛ بالكتاب والرسول، { ~~فإنما يهتدي لنفسه }؛ أي يرجع نفع هدايته إليه، { ومن ~~ضل فإنما يضل عليها }؛ فإنما يكون وبال ضلاله على ~~نفسه، { ومآ أنا عليكم بوكيل }؛ أي لست بحفيظ عليكم، ~~أدفع عنك الضر، وأطلب إليكم النفع شئتم أو أبيتم. ### || [10.109] # قوله تعالى: { واتبع ما يوحى إليك }؛ أي اتبع يا ~~محمد ما تؤمر به في القرآن، { واصبر }؛ على أذاهم، { حتى ~~يحكم الله }؛ يقضي الله بينك وبينهم، { وهو خير ~~الحاكمين }؛ أعدل القاضين؛ لأن الحاكم لا يكون إلا ~~بالصلاح والسداد، وكان حكمه أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقتالهم. ### | [11 - سورة هود] ### || [11.1] # { الر }؛ قال ابن عباس: (معناه أنا الله الرحمن). ~~وقوله: { كتاب أحكمت آياته }؛ وقيل: (كتاب) بدل من ~~قوله { الر } لأنه خبره، كأنه قال: هذه الحروف كتاب. # قوله تعالى: { أحكمت آياته } أي أحكمت بالأمر ~~والنهي، { ثم فصلت }؛ بالثواب والعقاب، وقال قتادة: (أحكمت ~~عن الباطل بالحجج والدلائل، ثم فصلت بأن ~~أنزلت شيئا فشيئا). وقال الكلبي: (كتاب أحكمت ~~آياته لم ينسخ بكتاب، كما نسخت الكتب ~~والشرائع به، { ثم فصلت } بينت بالأحكام من ~~الحلال والحرام، والوعد والوعيد). وقوله: { من ~~لدن حكيم خبير }؛ أي من عند حكيم في خلقه وتدبيره، خبير ~~بمن يصدق ويكذب به. ### || [11.2] # قوله تعالى: { ألا تعبدوا إلا الله إنني ~~لكم منه نذير وبشير }؛ أي أحكم الله القرآن ~~بالحجج لئلا يطيعوا إلا الله. وقيل: معناه: أمركم أن ~~لا تعبدوا غيره إنني لكم من الله معلم بموضع المخافة ~~لتحذروا، وموضع الخير لتطلبوا، ms1045 ونذير بمعنى منذر، كما في قوله ~~{ أليم } يعني مؤلم. ### || [11.3-4] # قوله: { وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه }؛ ~~أي وأمركم أن تطلبوا المغفرة من ربكم، واجعلوها غرضكم وتوصلوا ~~إليها بالتوبة وهي الندم على القبيح، والعزم على ترك المعاودة إليه. ~~وقيل: معناه: وأن استغفروا ربكم بالتوبة عما سلف من ذنوبكم، ~~ثم توبوا إليه عما يقع منكم من الذنوب في المستقبل. # قوله تعالى: { يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل ~~مسمى }؛ { يمتعكم } جزم على جواب الأمر؛ أي إن فعلتم ~~ذلك أنعم الله عليكم نعما سابغة حسانا تستبقون بها إلى ~~آجالكم التي قدرها الله لكم، فلم يستأصلكم كما استأصل الأمم ~~المكذبة به قبلكم. قال القتيبي: (أصل الإمتاع الإطالة) ~~يقال: جبل ماتع، وقد متع النهار إذا طال، فمعنى يمتعكم ~~يعمركم. # قوله تعالى: { ويؤت كل ذي فضل فضله }؛ أي من كان ~~ذا فضل في دينه فضله الله في الآخرة بالثواب على عمله. ~~وقيل: يعطي كل ذي عمل صالح أجره وثوابه. وقال ابن عباس: ~~(يعطي كل من فضلت حسناته على سيئاته فضله؛ ~~يعني الجنة وهي فضل الله، يعني أن من زادت ~~حسناته على سيئاته دخل الجنة). وعن ابن مسعود قال ~~في هذه الآية: (من عمل حسنة كتبت له عشر حسنات، ~~ومن عمل سيئة كتبت له سيئة واحدة، وإن لم ~~يعاقب بتلك السيئة في الدنيا أخذ من عشر ~~حسناته واحدة وبقيت له تسع) ثم قال: (هلك من ~~غلبت آحاده أعشاره). # قوله تعالى: { وإن تولوا }؛ أي إن أعرضوا عن ~~الإيمان والتوبة، { فإني أخاف عليكم عذاب يوم ~~كبير }؛ أي عظيم الشأن وهو يوم القيامة، وإنما ذكر الخوف في ~~هذا الموضع؛ لأن الخطاب من الرسول صلى الله عليه وسلم، والخوف عليه ~~جائز. قوله تعالى: { إلى الله مرجعكم وهو على ~~كل شيء قدير }؛ على إعادتكم. ### || [11.5] # قوله تعالى: { ألا إنهم يثنون صدورهم ~~ليستخفوا منه }؛ قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية ~~في الأخنس بن شريق، كان حين يجالس النبي صلى الله ~~عليه وسلم ويظهر له أمرا حسنا، وكان حسن المنظر، ~~وكان حسن الحديث، إلا أنه ms1046 كان يضمر في قلبه ~~خلاف ما يظهر، فأنزل الله في أمره هذه الآية). # يقال: إن طائفة من المشركين بلغ بهم الجهل إلى أن قالوا: ~~إنا اذا أغلقنا أبوابنا، وأرخينا ستورنا، واستغشينا ~~ثيابنا، وثنينا صدورنا على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم ~~كيف يعلم بنا؟ فأنبأ الله نبيه عليه السلام عما كتموه. ~~ومعنى الآية: ألا إنهم يثنون صدورهم على الكفر وعداوة ~~النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليكتموا منه ما في صدورهم من عداوته ~~بإظهار المحبة. ويقال: معنى (يثنون) يعرضون بصدورهم عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ~~ما يسرون وما يعلنون }؛ معناه: ألا حين يتغطون ~~بثيابهم يعلم الله ما يسرون بقلوبهم وفيما بينهم وما يظهرون من ~~محبة أو غيرها، { إنه عليم بذات الصدور }؛ أي عالم ~~بالقلوب التي في الصدور، لأن الصدور مواضع القلوب. ### || [11.6] # قوله تعالى: { وما من دآبة في الأرض إلا على ~~الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها }؛ أي ما ~~من حيوان يدب، قال الزجاج: (الدابة اسم لكل حيوان ~~مميز وغيره، ذكرا كان أو أنثى). # وفي الآية بيان أن الله عالم بالقلوب كلها، وذلك أنه إذا كان ~~ضامنا رزق كل دابة في الأرض، فليس يرزقها إلا وهو يعلم صغيرها ~~وكبيرها، من الذر فما فوقها وما دونها، وإذا علمها فقد علم ~~مستقرها ومستودعها، المستقر موضع قرارها وهو الموضع الذي ~~تأوي إليه، والمستودع هو الموضع الذي تودع فيه، قيل: إنه ~~الرحم، وقيل: هو الموضع الذي تدفن فيه. # وقال قتادة ومجاهد: (أما مستقرها ففي الرحم، وأما ~~مستودعها ففي الصلب) { كل }؛ ذلك عند الله، { في ~~كتاب مبين }؛ يعني اللوح المحفوظ، والمعنى: أن ذلك ثابت في علم ~~الله. # قوله تعالى: { إلا على الله رزقها } قال المفسرون: ~~فضلا لا وجوبا، والله تكفل بذلك بفضله. قال أهل المعاني ~~(على) هاهنا بمعنى (من)، المعنى: إلا من الله رزقها. قوله ~~تعالى: { كل في كتاب مبين } أي رزق كل دابة وأجلها ~~مكتوب في اللوح. # قال ابن عباس: (إن مما خلق الله تعالى لوحا ~~محفوظا من ms1047 درة بيضاء، دفتاه من ياقوتة ~~حمراء، عرضه ما بين السماء والأرض، كتابه نور ~~وقلبه نور، ينظر الله تعالى فيه كل يوم ~~ثلاثمائة وستين نظرة، يخلق بكل نظرة ويحيي ~~ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء)، قال أبو روق: ~~(أعلاه معقود بالعرش، وأسفله في حجر ملك كريم ~~يسمى ماطوتون). ### || [11.7] # قوله تعالى: { وهو الذي خلق السموت والأرض ~~في ستة أيام وكان عرشه على المآء }؛ يعني قبل أن ~~خلق السماوات والأرض، قال ابن عباس: (خلق الله السماوات ~~والأرض في ستة أيام، أولها يوم الأحد وآخرها ~~يوم الجمعة، ولو أراد سبحانه خلقها في أقل ~~من لحظة لفعل). # قوله تعالى: { وكان عرشه على المآء } فيه بيان أن ~~السماوات والأرض ليستا بأول خلق، وأنه تقدمهما خلق شيء ~~آخر، وفيه بيان زيادة القدر؛ لأن العرش مع كونه أعظم من ~~السماوات والأرض كان على الماء، ولم يكن ذلك الماء على قرار، ~~ولكن الله عز وجل أمسكه بقدرته. # قوله تعالى: { ليبلوكم أيكم أحسن عملا }؛ أي ~~ليبلوكم فينظر أيكم أحسن عملا، فيثيب المطيع المعتبر بما ~~يرى من آيات السماوات والأرض، ويعاقب أهل العناد. # قوله تعالى: { ولئن قلت إنكم مبعوثون من ~~بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن هذآ إلا ~~سحر مبين }؛ معناه: ولئن قلت يا محمد للكفار: إنكم ~~مبعوثون من بعد الموت، ليقولن الذين كفروا: ما هذا إلا تمويه ~~ليس له حقيقة، وقد أقروا أن الله خالق السماوات والأرض ~~ويمسكها بغير عمد، لا يعجزه شيء فكيف يشكون في البعث بعد ~~الموت. ### || [11.8] # قوله تعالى: { ولئن أخرنا عنهم العذاب }؛ ~~معناه: ولئن أخرنا العذاب عن الكفار، { إلى أمة معدودة ~~ليقولن } ، ليقولون: { ما يحبسه } ، ما منعناه: قال ابن ~~عباس ومجاهد: (يعني إلى أجل وحين)، والأمة هاهنا المدة، ~~ليقولن ما يحبس هذا العذاب عنا إن كان ما يقوله محمد حقا، ~~يقول الله تعالى: { ألا يوم يأتيهم }؛ العذاب، { ليس ~~مصروفا عنهم }؛ لا يقدر أحد على صرفه عنهم. # فالمعنى: أنهم لما قالوا: ما يحبس العذاب عنا على وجه ~~الاستهزاء، قال الله تعالى: { ألا يوم يأتيهم } يعني إذا ms1048 ~~أخذتهم سيوف النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لم تغمد عنهم حتى ~~تعلو كلمة الإخلاص. قوله تعالى: { وحاق بهم ما كانوا ~~به يستهزءون }؛ أي نزل بهم جزاء استهزائهم وهو العذاب. ### || [11.9] # قوله تعالى: { ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ~~ثم نزعناها منه إنه ليئوس } لا يصبر على سلب تلك ~~النعمة، ويصير أيئس شيء أقنطه من رحمة الله، قال ابن عباس: ~~(نزلت في الوليد بن المغيرة)، وقيل: في عبدالله بن ~~أبي أمية المخزومي. والرحمة هاهنا الرزق، وقوله: { كفور }؛ ~~أي لا يشكر نعم الله قبل أن تسلب عنه، ولا يصبر بعد أن ~~سلبت. ### || [11.10] # قوله تعالى: { ولئن أذقناه نعمآء بعد ضرآء ~~مسته ليقولن ذهب السيئات عني }؛ أي ولئن أذقنا ~~الكافر النعم الظاهرة بعد المضرة الظاهرة التي أصابته، ~~ليقولن الكافر: ذهب الشدائد والضر والفاقة والآلام عني، ~~ويفرح بذلك ويبطر ويفجر به على الناس من دون أن يشكر الله ~~على كشف الشدائد عنه. # قوله تعالى: { إنه لفرح فخور }؛ أي بطر مفاخر ~~أوليائي بما وسعت عليه. وإنما نصب اللام في قوله { ليقولن ~~ذهب السيئات } لأنه في موضع الوحدان، وقوله: # ليقولن ما يحبسه # [هود: 8] بضم اللام في موضع لفظ الجماعة، وقوله تعالى: # ليقولن الذين كفروا # [الروم: 58] بنصب اللام أيضا؛ لأن الفعل مقدم على الاسم فذكر ~~بلفظ الوحدان. ### || [11.11] # قوله تعالى: { إلا الذين صبروا وعملوا ~~الصالحات أولئك لهم مغفرة وأجر كبير }؛ ~~استثناء ليس من الأول، معناه: لكن الذين صبروا على الشدائد، ~~وعملوا الصالحات فيما بينهم وبين ربهم أولئك لهم مغفرة لذنوبهم ~~وثواب عظيم على طاعتهم وصبرهم. ### || [11.12] # قوله تعالى: { فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك ~~وضآئق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز ~~أو جآء معه ملك }؛ سبب نزول هذه الآية: أن المشركين كانوا ~~يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: لو تركت سبنا وسب آلهتنا ~~جالسناك، وكانوا يؤذونه ويقولون: لولا أنزل على محمد كنز ~~من السماء فيعش به وينفعه، أو جاء معه ملك يشهد له ويعينه ~~على الرسالة. # وقيل: إن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ms1049 لو أتيتنا ~~بكتاب ليس فيه سب آلهتنا حتى نؤمن بك ونتبعك، وقال بعض ~~المتكبرين: هلا ينزل عليك يا محمد ملك يشهد لك بالصدق، ~~أو تعطى كنزا تستغني أنت وأتباعك؟ فهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن يدع سب آلهتهم فأنزل الله هذه الآية. ولا يجوز أن ~~تكون كلمة (لعل) في أول هذه الآية على جهة الشك، وإنما الغرض ~~تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم في ما أمر به؛ كيلا يلتفت على ~~قولهم، وكي لا ييأسوا عن ترك أداء الرسالة. # فلما قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: { لولا أنزل عليه ~~كنز أو جآء معه ملك }. يقول الله للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: { إنمآ أنت نذير }؛ أي عليك أن تنذرهم وتخوفهم ~~وتأتيهم بما يوحى إليك من الآيات، وليس عليك أن تأتي بشهواتهم ~~وما يفرحون من الآيات، { والله على كل شيء }؛ من ~~مقالتهم وغير ذلك، { وكيل }؛ أي حفيظ. # والفرق بين ضائق وضيق، أن الضائق يكون بضيق عارض، ~~والضيق قصور الشيء عن مقدار غيره أن يكون فيه، وموضع { أن ~~يقولوا } حذف الباء تقديره: ضائق به صدرك بأن يقولوا. ### || [11.13] # قوله تعالى: { أم يقولون افتراه قل فأتوا ~~بعشر سور مثله مفتريات }؛ معناه: بل يقول الكفار: ~~اختلق محمد القرآن من تلقاء نفسه، قل لهم يا محمد: إن كان ~~هذا مفترى على الله فأتوا بعشر سور مثله مفتريات مختلفات، ~~فإن القرآن نزل بلغتكم، وأنا نشأت بين أظهركم، فإن لم يمكنكم أن ~~تأتوا بمثل القرآن فاعلموا أنه من عند الله، { وادعوا من ~~استطعتم من دون الله }؛ أي استعينوا بكل أحد يقدر على ~~الإتيان بعشر سور مثله مفتريات، { إن كنتم صادقين }؛ في ~~مقالتكم أن محمدا اختلقه. # وذهب بعض المفسرين: إلى أن المراد بالسور العشر: من سورة ~~البقرة إلى هذه السورة، والأولى أن يقال: إن المراد فاتوا بعشر ~~سور مثل سور القرآن أي سورة كانت، لأن سورة هود مكية، ~~وسورة البقرة وما بعدها مدنيات. ### || [11.14] # قوله تعالى: { فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا ~~أنمآ أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا ms1050 هو ~~فهل أنتم مسلمون }؛ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~والمسلمين؛ أي فإن لم يجبك هؤلاء الكفار إلى الإتيان بمثل ~~القرآن، فاعلموا أن هذا القرآن أنزله جبريل بعلم الله وأمره. ~~ويجوز أن يكون بعلم الله؛ أي بما أنزل الله فيه من غيب. # ويجوز أن يكون معناه: فإن لم يستجيبوا لكم؛ أي فإن لم يجبكم ~~الذين دعوتموهم إلى المعاونة إلى الإتيان بمثل هذا القرآن، فقد قامت ~~عليكم الحجة، فاعلموا أنما أنزل بعلم الله، واعلموا أنما ~~أنزله إلا هو، ولا ينزل الوحي أحد غيره، فهل أنتم تخلصون ~~لله في التوحيد والعبادة. ### || [11.15] # قوله تعالى: { من كان يريد الحياة الدنيا ~~وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا ~~يبخسون }؛ في الآية وجهان: # أحدهما: أن المراد بالآية إذا أتى بالأعمال التي تكون حسنة ~~في العقل مثل صلة الرحم والتصدق وإعانة المظلوم، فإن الله ~~يجازيه على هذه الأعمال في الدنيا بأن يمكنه مما حوله ~~ويعطيه ما يسعى لطلبه وافرا عليه ويقر عينه بذلك. # والثاني: أن المراد بها المنافق إذا خرج للغزو مع المسلمين وهو ~~يريد الغنيمة دون الثواب ونصرة الدين، يجزيه الله على غزوه بأن ~~أمر بإعطائه سهمه من الغنيمة لا يبخس عنه شيء من سهمه. ### || [11.16] # قوله تعالى: { أولئك الذين ليس لهم في ~~الآخرة إلا النار }؛ معناه: إن الذين عملوا لغير الله من ~~الكفار والمنافقين ليس لهم في الآخرة إلا النار، { وحبط ما ~~صنعوا فيها }؛ من الأعمال الحسنة؛ لأنهم لم يروا لها ثوابا، ~~{ وباطل ما كانوا يعملون }؛ من خير. ### || [11.17] # قوله تعالى: { أفمن كان على بينة من ربه ~~ويتلوه شاهد منه }؛ اختصار معناه: أفمن كان على بينة ~~من ربه، ويتلوه شاهد منه كالذي يريد الحياة الدنيا وزينتها، ~~وأراد بالبينة البرهان الذي هو من الله، وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم على برهان وحجة من ربه، ويقرأ عليه القرآن شاهد من الله ~~وهو جبريل عليه السلام، هكذا قال أكثر المفسرين أن المراد ~~بقوله: أفمن كان على بينة من ربه هو النبي صلى الله عليه وسلم. ms1051 # قوله تعالى: { ومن قبله كتاب موسى إماما ~~ورحمة }؛ أي ومن قبل القرآن كان جبريل يقرأ على موسى التوراة ~~إماما يقتدى به، ونعمة من الله لمن آمن به، و { إماما } ~~بالنصب على الحال، { ورحمة } أي ذا رحمة، وقيل: أراد بقوله: ~~{ أفمن كان على بينة } جميع المؤمنين، وأراد بالشاهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: { أولئك ~~يؤمنون به }؛ يعني أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن ~~صدقه. # وقوله تعالى: { ومن يكفر به من الأحزاب فالنار ~~موعده }؛ أي من يكفر بالنبي صلى الله عليه وسلم من أصناف ~~الكفار واليهود والنصارى وغيرهم، فالنار مصيره التي وعد الله في ~~الآخرة. قوله تعالى: { فلا تك في مرية منه }؛ أي لا ~~تكن في شك من القرآن، وظاهر أن هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم إلا أن المراد به جميع الناس. وقوله تعالى: { إنه ~~الحق من ربك }؛ يعني القرآن، { ولكن أكثر الناس ~~لا يؤمنون }؛ أي لا يصدقون في أن القرآن من عند الله. ### || [11.18] # قوله تعالى: { ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا }؛ أي ليس أحد أظلم لنفسه من الكاذب على ربه بأن زعم أن له ~~ولدا وشريكا، { أولئك يعرضون على ربهم }؛ ~~معناه: أولئك الكاذبون يساقون يوم القيامة إلى ربهم، ويوقفون في ~~المقامات التي يطالبون فيها بأعمالهم، ويسألون فيها، ويجازون ~~عليها. # قوله تعالى: { ويقول الأشهاد هؤلاء الذين ~~كذبوا على ربهم }؛ قال ابن عباس ومجاهد: (الأشهاد ~~هم الملائكة والأنبياء)، وقال قتادة: (يعني ~~الخلائق)، وقال مقاتل: (هم الناس). # والأشهاد جمع شاهد مثل ناصر وأنصار وصاحب وأصحاب، ~~ويجوز أن يكون جمع شهيد مثل شريف وأشراف. والمعنى: يقول ~~الأشهاد يوم القيامة من الملائكة والنبيين والعلماء وعامة ~~المؤمنين، ويشيرون إلى الكفار فيقولون: { هؤلاء الذين ~~كذبوا على ربهم } فيفضح الكفار على رؤوس الأشهاد. # وقوله تعالى: { ألا لعنة الله على الظالمين }؛ يجوز ~~أن يكون من قول الأشهاد، ويجوز أن يكون من قول الله، وأراد ~~بالظالمين المشركين، واللعنة: الإبعاد من الخير. # وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه ms1052 وسلم يقول: # " يدنو المؤمن من ربه يوم القيامة، ثم ~~يقرره بذنوبه: هل تعرف؟ فيقول: رب أعرف، ~~فيقول: هل تعرف؟ فيقول: رب أعرف، فيسأله عن ~~ما شاء أن يسأله، قال: فإني قد سترتها عليك في ~~الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى صحيفة ~~حسناته بيمينه. وأما الكفار فينادى عليه على ~~رؤوس الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا ~~لعنة الله على الظالمين ". ### || [11.19] # قوله تعالى: { الذين يصدون عن سبيل الله ~~ويبغونها عوجا }؛ أول الآية نعت للظالمين، والمعنى: الذين ~~يسببون للصد من دون الله وطاعته، ويبغون لله سبيل الإسلام زيغا ~~وعوجا، يتأولون القرآن على خلاف تأويله، { وهم بالآخرة ~~هم كافرون }؛ أعاد كلمة (هم)؛ تأكيدا لشأنهم في الكفر. ### || [11.20] # قوله تعالى: { أولئك لم يكونوا معجزين في ~~الأرض }؛ معناه: أولئك ليسوا بغائبين عن الله في الأرض، ولا مهرب ~~لهم من عذابه حتى يجزيهم بأعمالهم الخبيثة. # قوله تعالى: { وما كان لهم من دون الله من ~~أوليآء يضاعف لهم العذاب } أي لا يقتصر لهم على عقاب ~~الكفر، بل يعاقبون على الكفر، وعلى الصد عن سبيل الله. وقيل: ~~معناه: كلما مضى ضعف من العذاب جاءهم ضعف من العذاب. # قوله تعالى: { ما كانوا يستطيعون السمع }؛ أي كان ~~يثقل عليهم سماع الحق من شدة عداوتهم للنبي صلى الله عليه ~~وسلم، { وما كانوا يبصرون }؛ لأنهم صم عن الحق عمي ~~لا يبصرون ولا يهتدون. ### || [11.21] # قوله تعالى: { أولئك الذين خسروا أنفسهم ~~}؛ أي أهلكوا أنفسهم في الآخرة، وذكر الهلاك بلفظ الخسران؛ ~~لأن الخسران هو ذهاب رأس المال، ورأس مال الإنسان نفسه. قوله ~~تعالى: { وضل عنهم ما كانوا يفترون }؛ أي ذهب عنهم ~~الانتفاع بأعمالهم التي كانوا يكذبون بها على الله كما قالوا في ~~الدنيا، وقيل: معناه: ذهب عنهم الأصنام التي كانوا يعبدونها في ~~الدنيا، يفترون بقولهم إنها آلهة. ### || [11.22] # قوله تعالى: { لا جرم }؛ قيل: معنى { لا جرم }: لا بد، ~~ويقال: لا محالة، ويقال: حقا، قال سيبويه: (لا جرم بمعنى ~~حقا). وقال الزجاج: (لا بقاء لما ظنوا أنه ~~ينفعهم) كأنه قال: لا ينفعهم ذلك ms1053 جرم، { أنهم في ~~الآخرة هم الأخسرون }؛ أي كسب ذلك الفعل لهم الخسران، ~~وجرم معناه: كسب، وذلك كقوله: # ولا يجرمنكم # [المائدة: 2]. ### || [11.23-24] # قوله تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وأخبتوا إلى ربهم أولئك أصحاب ~~الجنة هم فيها خالدون }؛ الإخبات: الخشوع والتواضع ~~والطمأنينة؛ أي تواضعوا وخشغوا لربهم. وقال مجاهد: ~~(اطمأنوا)، وقال قتادة: (أنابوا). وهذه الآية نازلة في أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم، وما قبلها نازل في المشركين. # ثم ضرب الله مثلا في الفريقين فقال: # قوله تعالى: { مثل الفريقين كالأعمى والأصم ~~}؛ يعني الكفار، { والبصير والسميع }؛ يعني المؤمنين؛ ~~لأنهم سمعوا الحق وأبصروه واتبعوه. قوله تعالى: { هل ~~يستويان مثلا }؛ أي هل يستوي الأعمى والأصم والبصير والسميع ~~عند عاقل، كما لا يستويان عند أحد من العقلاء، فكذلك لا يستوي حال ~~المؤمن والكافر عند الله في الدنيا والآخرة، { أفلا تذكرون ~~}؛ أي أفلا تتعظون بأمثال القرآن. ### || [11.25] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه ~~إني لكم نذير مبين } ابتدأ بذكر أول رسول جاء ~~بالشريعة بعد آدم عليه السلام وهو نوح عليه السلام، أول من جاء ~~بتحريم الأمهات والأخوات، وقوله تعالى: { إني لكم } من ~~فتح الألف كان التقدير: أرسلنا نوحا بأني لكم، ومن كسر ~~فتقديره ليقول: إني لكم. ### || [11.26] # وقوله تعالى: { أن لا تعبدوا إلا الله }؛ أي وليقولوا ~~لا تعبدوا إلا الله فإنه لا إله إلا هو، { إني أخاف عليكم ~~عذاب يوم أليم }؛ أي إني أعلم أن يكون عليكم إن لم تؤمنوا ~~عذاب يوم أليم، وإنما وصف اليوم بالألم؛ لأن أسباب الألم تقع ~~فيه، فنسب الألم إليه. ### || [11.27] # وقوله: { فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما ~~نراك إلا بشرا مثلنا }؛ أي قال الرؤساء والأشراف الذين ~~كفروا من قوم نوح: ما نراك يا نوح إلا بشرا مثلنا في الصورة ~~والخفة، فلم صرت أولى أن تكون نبيا ورسولا لله منا. # قوله تعالى: { وما نراك اتبعك إلا الذين هم ~~أراذلنا }؛ ما نراك آمن بك إلا الذين هم أسافلنا وأخسنا، ~~قال ابن عباس: (يريدون المساكين الذين لا عقول لهم ~~ولا شرف ولا ms1054 مال) والراذل الدون من كل شيء. # قوله تعالى: { بادي الرأي }؛ أي من قرأ (بادئ) ~~بالهمز فمعناه: أنهم اتبعوك بأول الرأي من دون تفكر ونظر، ~~من قولهم: بدأت الأمر؛ أي ابتدأته، ويجوز أن يكون المعنى: ~~بادي الرؤية؛ أي بأول ما تقع الرؤية عليهم يعلم أنهم ~~أراذلنا، وقد يكون الرأي بمعنى الرؤية. قال الله تعالى: # يرونهم مثليهم رأي العين # [آل عمران: 13] أي رؤية العين: ومن قرأ (بادي) بغير همز فمعناه: ~~ظاهر الرأي وهم يعرفون الظاهر ولا تمييز لهم. # ويجوز أن يكون معناه: اتبعوك في الظاهر، وباطنهم على خلاف ذلك. ~~قوله تعالى: { وما نرى لكم علينا من فضل }؛ أي ما ~~نرى لك ولقومك علينا من فضل، فإن الفضل يكون بكثرة المال، ~~وشرف النسب والمنزلة في الدنيا، { بل نظنكم كاذبين ~~}؛ فيما تقولونه على الله، وفيما تدعون إليه. ### || [11.28] # قوله تعالى: { قال يقوم أرأيتم إن كنت على ~~بينة من ربي }؛ أي قال لهم نوح: أخبروني إن كنت على ~~برهان وحجة من ربي، { وآتاني رحمة }؛ نعمة، { من عنده ~~}؛ وهي النبوة، { فعميت }؛ فخفيت، { عليكم } ، هذه ~~النعمة التي ظهرت لمن اتبعوني فلم تبصروها لتفاوتكم، { ~~أنلزمكموها } ، أمكننا أن نجعلكم قابلين لها، { وأنتم ~~لها كارهون }؛ هذا مما لا يكون. قال قتادة: (والله لو ~~استطاع نبي الله ألزمها قومه، ولكنه لم يملك ~~ذلك). # فإن قيل: فهلا قال فعميتم عنها وهم الذين كانوا عموا؟ ~~قلنا: قد بينا إنه وضع ذلك موضع: فخفيت عليكم، ثم لا فرق بين ~~اللفظين كما لا فرق بين قولهم: أدخلت الخاتم في الإصبع، وأدخلت ~~الإصبع في الخاتم. ومن قرأ (فعميت) بضم العين وتشديد الميم، ~~فالمعنى: أليست عليكم نبوتي؟. ### || [11.29] # قوله تعالى: { ويقوم لا أسألكم عليه مالا }؛ ~~أي لا أسألكم على دعائي لكم إلى الله مالا، فتخشون العدم في ~~أموالكم بإجابتي، { إن أجري إلا على الله }؛ أي ما ثوابي ~~إلا على الله يعطيني في الآخرة. # قوله تعالى: { ومآ أنا بطارد الذين آمنوا }؛ ~~قال ابن جريج: (إنهم سألوه طرد الذين آمنوا ~~ليؤمنوا به أنفة من أن يكونوا معهم على سواء، ms1055 ~~فقال: لا يجوز لي طردهم بقولكم وازدرائكم)، { ~~إنهم ملاقوا }؛ ما وعدهم، { ربهم }؛ فيجزيهم بأعمالهم، ~~ويقال: فيخاصموني عنده إن طردتهم، { ولكني أراكم ~~قوما تجهلون }؛ أوامر الله وما فيه إصلاحكم. ### || [11.30] # قوله تعالى: { ويقوم من ينصرني من الله إن ~~طردتهم }؛ معناه: يا قوم من يمنعني من العقاب النازل في يوم ~~القيامة إن طردت من آمن بي، وآويت من كفر، { أفلا تذكرون ~~}؛ تتعظون بما أقول لكم فتؤمنون. ### || [11.31] # قوله تعالى: { ولا أقول لكم عندي خزآئن الله ~~ولا أعلم الغيب }؛ أي لا أرفع نفسي فوق منزلتي، فأقول ~~إن عندي مقدورات الله، فأخص بذلك من أشاء، وأمنعه ممن أشاء. ~~وقوله تعالى: { ولا أعلم الغيب } أي ولا أدعي علم الغيب ~~فإني لا أعلم إلا ما علمني الله. # ويقال: إنهم لما قالوا لنوح عليه السلام: إن هؤلاء إنما آمنوا بك، ~~واتبعوك في ظاهر ما ترى منهم، أجابهم نوح بهذا، فقال: لا أقول لكم ~~عندي خزائن الله، يعني غيوب الله التي يعلم منها ما تضمره ~~الناس، فلا أعلم الغيب، ولا أعلم ما يسرونه في أنفسهم، فسبيلي ~~قبول إيمانهم الذي ظهر لي، ومضمراتهم لا يعلمها إلا الله. # قوله تعالى: { ولا أقول إني ملك }؛ هذا جواب لقولهم: ~~ما نراك إلا بشرا مثلنا؛ أي لا أدعي أني ملك نزلت إليكم من ~~السماء. قوله تعالى: { ولا أقول للذين تزدري ~~أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا }؛ أي لا أقول للذين ~~تحتقر أعينكم وتستصغر: لن يؤتيكم الله صلاحا في الدنيا وفلاحا ~~في الآخرة، يعني المؤمنين الذين قالوا: هم أراذلنا. قوله ~~تعالى: { الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا ~~لمن الظلمين }؛ أي إن طردتهم تكذيبا، الظاهر إيمانهم. ### || [11.32] # قوله تعالى: { قالوا ينوح قد جادلتنا فأكثرت ~~جدالنا }؛ أي قالوا: يا نوح قد خاصمتنا فيما دعوتنا إليه من دين ~~غير آبائنا، فأكثرت خصومتنا ودعاءنا، فلا نقبل منك، { فأتنا ~~بما تعدنآ }؛ أي بما تعدنا أن الله يعذبنا على الكفر، { ~~إن كنت من الصادقين }؛ أراد بهذا القول أن يلبسوا على ~~ضعفائهم أن نوحا عاجز عن إنزال العذاب بهم. ### || [11.33] # قوله ms1056 تعالى: { قال إنما يأتيكم به الله إن ~~شآء }؛ أي إن العذاب ليس بيدي، ولكن الله هو الذي يقدر عليه، ~~فينزله عليكم إن شاء، { ومآ أنتم بمعجزين }؛ من إنزال ~~العذاب بكم، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إن نوحا عليه السلام كان إذا جادل قومه ضربوه، فإذا ~~أفاق قال: اللهم اهد قومي؛ فإنهم لا يعلمون ". ### || [11.34] # قوله تعالى: { ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن ~~أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ~~ربكم }؛ معناه: قال لهم: لا ينفعكم دعائي، وتحذيري إياكم ~~إن أردت أن أحذركم من عذاب الله إن كان الله يريد أن يضلكم ~~عن الهدى مجازاة بعملكم، فإن إرادة الله فوق إرادتي، ويكون ما ~~يريد لا ما أريد. # فإن قيل: كيف يجوز أن تكون إرادة إبليس موافقة لإرادة الله، ~~وأرادة نوح مخالفة لإرادة الله؟ فالجواب: إن الله تعالى شاء ~~لأؤلئك القوم الكفر، وشاء لنوح أن يسألهم الإيمان، وشاء لإبليس ~~أن يسألهم الكفر، فالكل بمشيئة الله تعالى. ويقال: معنى قوله: { ~~إن كان الله يريد أن يغويكم } إن كان الله يريد أن ~~يهلككم، وينحيكم من رحمته بكفركم، كما قال: # فسوف يلقون غيا # [مريم: 59] أي هلاكا وعذابا، والغي قد يكون بمعنى الخيبة، ~~كما قال الشاعر: # فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره # ومن يغو لا يعدم على الغي لائما # أي ومن يخب، يقال: غوى الرجل يغوي غيا؛ إذا فسد عليه ~~أمره، أو فسد هو في نفسه، ومنه # وعصى ءادم ربه فغوى # [طه: 121] أي فسد عليه عيشه في الجنة، وهذا يؤول أيضا إلى ~~معنى الخيبة فيها فساد العيش. # وذكر الحسن في معنى الآية: (لا ينفعكم نصحي اليوم إذا ~~نزل بكم العذاب، فاستدركوا أمركم قبل نزول ~~العذاب لتنتفعوا بنصحي). قوله تعالى: { هو ربكم ~~} أي مالككم يقدر على إنزال العذاب بكم، { وإليه ترجعون ~~}؛ أي إليه مصيركم بعد الموت فيجزيكم بأعمالكم. # وهذه الآية مما يحتج بها أن الشرط إذا اعترض على الشرط من غير ~~أن يتخللهما الجواب، كان ms1057 الشرط الثاني مقدما على الأول في ~~المعنى، حتى لو قال قائل: إن دخلت الدار، إن كلمت زيدا فعبدي ~~حر، لا يحنث حتى يكلم ثم يدخل. فيكون تقدير الآية: ولا ينفعكم ~~نصحي إن كان الله يريد أن يغويكم إن أردت أن أنصح لكم. ### || [11.35] # قوله تعالى: { أم يقولون افتراه قل إن ~~افتريته فعلي إجرامي }؛ معناه: أن قومه يقولون: إن ~~نوحا قد تقول على الله الكذب، فأمر الله نوحا أن يجيبهم ~~بالقول اللين بعد المبالغة في إقامة الحجة عليهم، فيقول لهم: ~~{ إن افتريته } أي تقولت الكذب على الله فعلي عقوبة ~~إجرامي، { وأنا بريء مما تجرمون }؛ وأنا بريء من ~~عقوبة جرمكم. ويقال: معنى الآية: أم يقول أهل مكة إن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم قد افترى قصة نوح { قل إن ~~افتريته فعلي إجرامي } والإجرام يستعمل في كسب الإثم ~~خاصة. ### || [11.36] # قوله تعالى: { وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من ~~قومك إلا من قد آمن } أي وأوحى الله إلى نوح: أنه لن ~~يصدق من قومك سوى من صدق، { فلا تبتئس بما كانوا ~~يفعلون }؛ فلا تغتم بالحزن عليهم، والابتئاس: هو ~~الغم على وجه الاستكانة للحزن على الشأن. فقيل: إنما دعا نوح ~~عليه السلام بقوله: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح: 26] بعد هذا الوحي. ### || [11.37] # قوله تعالى: { واصنع الفلك بأعيننا ووحينا }؛ ~~أي اصنع السفينة بحفظنا لك حفظ الراعي لغيره لدفع الضرر ~~عنه، وذكر الأعين لتأكيد الحفظ. ويقال: معناه بأعين الملائكة ~~الذين يعرفونك كيف تصنع السفينة. # قوله تعالى: { ووحينا } أي وبأمرنا إياك. قوله ~~تعالى: { ولا تخاطبني في الذين ظلموا }؛ أي لا ~~تراجعني الكلام في نجاة الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، { إنهم ~~مغرقون }؛ بالطوفان. ### || [11.38-39] # قوله تعالى: { ويصنع الفلك وكلما مر عليه ~~ملأ من قومه سخروا منه } أي لما أخذ نوح في علاج ~~السفينة. ويروى أنه استأجر أجراء ينحتون معه، وكلما مر ملأ ~~من قومه هزئوا به لمعالجته السفينة؛ لأنهم كانوا يرونه يعمل ~~السفينة مع أنه لم يكن بقربه ماء، وكان من لدن آدم عليه السلام ms1058 ~~إلى نوح يسقون من ماء المطر، فلا بحر ولا نهر جار، فكانوا ~~يقولون: انظروا إلى هذا الشيخ الضال يصنع هذه السفينة يخوفنا ~~بالغرق، ويجعل للماء أكافا فأين الماء؟! وكانوا يقولون في كلامهم: ~~فرغت من أمر النبوة، وأخذت في أمر النجارة! وكانوا يرونه ~~ينجر الخشب وهي شبه البيت العظيم، فإذا سألوه عن ذلك، قال أعمل ~~سفينة تجري في الماء، ولم يكن هناك قبل ذلك سفينة، فكانوا يتضاحكون ~~ويعجبون من عمله. # و { قال }؛ لهم نوح: { إن تسخروا منا }؛ الآن، { فإنا ~~نسخر منكم }؛ عند نزول العذاب، { كما تسخرون }؛ أنتم ~~الساعة؛ أي إن كنتم تسخرون منا لما ترون من صنعة ~~الفلك، فإنا نعجب من غفلتكم عما أضلكم، { فسوف ~~تعلمون }؛ من أحق بالسخري منا ومنكم، وتعلمون، { من }؛ ~~الذي، { يأتيه عذاب يخزيه }؛ في الدنيا، { ويحل ~~عليه }؛ وينزل عليه، { عذاب مقيم }؛ دائم في الآخرة. ### || [11.40] # قوله تعالى: { حتى إذا جآء أمرنا وفار ~~التنور قلنا احمل فيها }؛ قال ابن عباس: (وذلك أن ~~الله أوحى إليه أن موعدك أن يخرج الماء من آخر ~~مكان في دارك وهو تنور الخابزة، تنور آدم عليه ~~السلام كان يوم حج نوح عليه السلام رأى تنور آدم عليه ~~السلام فحمله معه، ووهبه الله تعالى له). # ثم قال له: إذا رأيت الماء قد فاض منه فاحمل ~~في السفينة ما أمرت به من أجناس الحيوان، { من ~~كل زوجين اثنين }؛ واحمل؛ { وأهلك إلا من سبق ~~عليه القول }؛ بالعذاب وهي امرأته الكافرة وابنه كنعان ~~استثناهما الله من جملة أهله. # قوله تعالى: { ومن آمن }؛ أي احمل من آمن معك أيضا ~~في السفينة، وقال ابن عباس وعكرمة والزهري: (معنى قوله ~~تعالى: { وفار التنور } أي انبجس الماء على وجه ~~الأرض). وقال علي رضي الله عنه: (وفار التنور؛ أي طلع ~~الفجر). # وقوله تعالى: { جآء أمرنا } أي عذابنا، وقوله تعالى: { قلنا ~~احمل فيها من كل زوجين اثنين } أي احمل في السفينة ~~من كل زوجين اثنين، الذكر زوج والأنثى زوج، وهو قول الحسن ~~ومجاهد وقتادة؛ قالوا: (ذكرا وأنثى). # فلما فار الماء من التنور أرسل ms1059 الله السماء بمطر شديد، فأقبلت ~~الوحوش حين أصابها مطر السماء إلى نوح وسخرت، فحمل في السفينة ~~من كل طير زوجين، ومن كل وحش زوجين، وكل دابة وبهيمة زوجين، ~~ومن كل سبع زوجين، وحمل من البقر والغنم خمسة أزواج. # وبعث الله جبريل فقطع فقار العقرب، وضرب فم الحية فحملها ~~في السفينة، وكانت السماء تمطر، وكان هو عند قومه يحذرهم حتى ~~ابتلت أقدامهم، وصار الماء إلى الكعبين، ثم حذرهم حتى صار الماء ~~إلى نصف الساق، ثم حذرهم حتى صار إلى الركب وإلى الحقوين، ~~كل ذلك يحذرهم وينذرهم، وكان ينوح ويبكي عليهم، وقال ابن ~~عباس: (سمي نوحا، لأنه كان ينوح على الإسلام حيث ~~لم يقر به قومه). # فلما بلغ الماء الشدوة قال: غرق قومي، ثم قال لابنه ~~كنعان: (يا بني اركب معنا) فكثر الماء حتى صار فوق ~~الجبال خمسة عشر ذراعا بالذراع الأول، وكان للسفينة ثلاثة أبواب ~~بعضها أسفل من بعض، حمل في الباب الأسفل السباع والهوام، وفي ~~الباب الأوسط الوحش والبهائم، وفي الباب الأعلى بني آدم، وكانوا ~~ثمانين إنسانا، أربعين رجلا وأربعين امرأة، سوى التي غرقت، ~~وثلاثة بنين: سام وحام ويافث، ونساؤهم وإثنان وسبعون إنسانا ~~فيهم الخضر وهو ابن بنت نوح. # واختلفوا في مقدار السفينة، قال الحسن: (كان طولها ألفا ~~ومائتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع)، وقال ابن ~~عباس: (كان طولها ثلاثمائة ذراع وعرضها خمسين ~~ذراعا، وارتفاعها ثلاثين) وهو قول قتادة قال: (وكان ~~لها بابان في عرضها). # وقوله تعالى: { وأهلك إلا من سبق عليه القول } أي ~~واحمل أهلك، يعني ولده وعياله، { إلا من سبق عليه ~~القول } يعني امرأته وأهله وابنه كنعان، و { ومن آمن } يعني ~~واحمل من آمن. # قوله تعالى: { ومآ آمن معه إلا قليل }؛ أي إلا نفر ~~قليل، قيل: ثمانون إنسانا، وقيل: ثلاثة بنين وثلاث كنائن، ~~الكنائن: زوجات البنين، وقال ابن جريج: (كانوا ثمانية ~~أنفس). ### || [11.41] # قوله تعالى: { وقال اركبوا فيها بسم الله ~~مجريها ومرساها }؛ أي قال لهم نوح: اركبوا في السفينة، ~~وقوله { بسم الله } يجوز أن يكون متصلا بقوله { اركبوا } ~~أي ms1060 اركبوا بسم الله، ويجوز أن يكون متصلا بقوله { مجريها ~~ومرساها } أي بسم الله إجراؤها وإرساؤها. # وقال الضحاك: (كانوا إذا أرادوا أن تجري السفينة ~~قالوا: بسم الله، فجرت، وإذا أرادوا أن يرسوها ~~قالوا: بسم الله، فرست)، ومن قرأها (مجراها) بنصب الميم ~~فهو عبارة عن الموضع الذي تجري فيه، ولم يقرأ أحد (مرساها) ~~الا بضم الميم، ومن قرأ (مجريها ومرسيها) فهو نعت (الله)، ~~والمعنى بسم الله المجري لها حيث يشاء، { إن ربي لغفور ~~رحيم }. ### || [11.42] # قوله تعالى: { وهي تجري بهم في موج كالجبال }؛ ~~يعني: السفينة تجري بهم في موج كالجبال العظيمة، { ونادى نوح ~~ابنه }؛ كنعان وكان كافرا، { وكان في معزل }؛ عنه ولم ~~يركب معه، وقيل: معناه: وكان في معزل من دين أبيه: { يبني ~~اركب معنا }؛ في السفينة بشرط الإيمان، ولذلك قال: { ولا ~~تكن مع الكافرين }؛ أي على دينهم فتغرق معهم، وقال الحسن: ~~(إنما دعاه إلى ركوب السفينة؛ لأن ابنه كان يظهر ~~له الإيمان نفاقا، وكان يحس به مؤمنا). # واختلفت القراءة في قوله { يبني اركب معنا }: قرأ بعضهم ~~بكسر الياء على الإضافة وهو الأجود؛ لأن الأصل يا بني ثلاث ياءات، ~~ياء التصغير وياء الفعل وياء الإضافة، فحذفت ياء الإضافة، وتركت ~~الكسرة دليلا على الإضافة، وأدغمت إحدى اليائين في الأخرى. وقرأ ~~بعضهم (يا بني) بفتح الياء على أن أصلها: يا بنيا بالألف، ~~كما تقول العرب: يا غلاما أقبل، تريد يا غلامي أقبل، فتبدل ~~الألف من ياء الإضافة على وجه الندبة والتفجيع، وكان الأصل ~~يا بنيا ثم حذفت الألف لسكونها وسكون الراء من قوله { اركب }. ### || [11.43] # قوله تعالى: { قال سآوي إلى جبل يعصمني من ~~المآء }؛ أي قال ابن نوح: سأذهب وأرجع إلى مأوى من الجبل حريز ~~يمنعني من آفات الماء، { قال }؛ له نوح عليه السلام: { لا ~~عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم }؛ بالنجاة، ~~وتقدير الكلام: لا عاصم اليوم من عذاب الله إلا الله تعالى، وقال ~~بعضهم: لا عاصم اليوم من عذاب الله إلا من رحمه الله، وهو نوح ~~عليه السلام فإنه قد جعل ms1061 الله إليه إركاب المؤمنين في السفينة ~~وقيل: معناه: لا معصوم اليوم إلا من رحمه الله، كما قال ~~الحطيئة: # دع المكارم لا ترحل لبغيتها # واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي # المطعوم المكسو، ومنه يقال: سر كاتم أي مكتوم. # قوله تعالى: { وحال بينهما الموج }؛ أي بين كنعان ~~ونوح، وقيل: بين كنعان والجبل، { فكان من المغرقين }. ### || [11.44] # قوله: { وقيل يأرض ابلعي مآءك ويسمآء أقلعي }؛ ~~أي قيل بعد ما تناهى أمر الطوفان، وذلك لما روى ابن عباس ~~رضي الله عنهما: (أن السماء مطرت أربعين يوما ~~الليل والنهار، وخرج ماء الأرض أربعين يوما ~~الليل والنهار، وسارت بهم السفينة فطافت بهم ~~الأرض كلها في خمسة أشهر لا تستقر على شيء ~~حتى أتت الحرم فلم تدخله، وطافت بالحرم ~~أسبوعا، ورفع البيت الذي بناه آدم إلى السماء، ~~وهو البيت المعمور، جعل الحجر الأسود على أبي ~~قبيس، وأودع فيه، ثم ذهبت بهم السفينة في ~~الأرض حتى انتهت بهم إلى الجودي وهو جبل ~~بأرض الموصل، فاستقرت عليه بعد خمسة ~~أشهر). ويقال: ركب نوح في السفينة لعشر مضين من رجب، وخرج ~~منها يوم عاشوراء، فذلك خمسة أشهر. # فلما استقرت السفينة على الجودي كشف نوح الطبق الذي فيه ~~الطير، فبعث الغراب ليأتيه بالخبر فأبصر جيفة، فوقع عليها ~~وأبطأ على نوح ولم يأته، فأرسل الحدأة على إثره فأبطأت عليه ~~ولم تأته، فدعا على الغراب أن يكون طويل العمر في مخافة وشقاء. ثم ~~أرسل الحمامة بعد الحدأة بسبع فلم تجد موقعا فرجعت، فبسط لها ~~نوح عليه السلام كفه فوقعت عليه، ثم مكث نوح ما شاء الله، ثم ~~أرسلها مرة أخرى فجاءت بعد ذلك فوقعت على الأرض وغابت رجلاها في ~~الطين، فعرف نوح أن الأرض قد ظهرت، فدعا بها فقال: كوني آنس ~~طير وأنعمه وأكيسه. # وقوله تعالى: { وقيل يأرض ابلعي مآءك } أي انشفي الماء ~~الذي خرج منك. قوله تعالى: { ويسمآء أقلعي } أي كفي ~~عن الصب، يقال: أقلعت السماء إذا استمسك المطر حتى لم يبق له ~~أثر، وأقلعت الحمى عن فلان إذا تركته. قوله تعالى: { ~~وغيض المآء ms1062 }؛ أي ونشف الأرض ماؤها، ويقال غاض الماء يغيض ~~إذا غار في الأرض. # قوله تعالى: { وقضي الأمر }؛ أي وقع هلاك الكفار على ~~التمام، هلك من هلك، ونجا من نجا. قال ابن عباس: ~~(نشفت الأرض ماءها الذي خرج منها، وذهب ماء ~~السماء إلى البحور؛ لأن الله تعالى قال { يأرض ~~ابلعي مآءك } ). # قوله: { واستوت على الجودي }؛ أي استوت السفينة على ~~الجودي شهرا، وهو جبل بالجزيرة، { وقيل بعدا للقوم ~~الظالمين }؛ يجوز أن يكون معناه: قال الله تعالى: { بعدا ~~} أي سخط من رحمة الله للقوم الكافرين، ويجوز أن يكون هذا من قول أهل ~~السفينة حين نجوا من الغرق، وخرجوا من السفينة، قالوا: { بعدا ~~للقوم الظالمين } أي أبعدهم الله من رحمته في الآخرة ~~أيضا. ### || [11.45-46] # قوله تعالى: { ونادى نوح ربه فقال رب إن ~~ابني من أهلي }؛ أي قومي، { وإن وعدك }؛ بنجاة قومي، { ~~الحق }؛ الصدق لا شك فيه، { وأنت أحكم الحاكمين }؛ ~~في قولك وفعلك، وكان دعاء نوح عليه السلام بهذا الدعاء حين حال ~~الموج بينه وبين ابنه كنعان. { قال ينوح إنه ليس من ~~أهلك إنه عمل غير صالح }؛ معناه: قال الله: يا نوح ~~إنه ليس من أهلك الذين وعدتك أن أنجيهم، إنما أهلك ~~دينك، وإن ابنك كافر ليس على دينك، فانقطعت العصمة بينك ~~وبينه بكفره وإيمانك. # قوله تعالى: { إنه عمل غير صالح } أي إن سؤالك ~~إياي أن أنجي كافرا عمل غير صالح، قرأ الكسائي ويعقوب ~~(عمل) بكسر الميم وفتح اللام (غير) منصوب، أي إنه عمل ~~بالشرك والتكذيب، وقرأ الباقون بالرفع والتنوين (غير) بالرفع؛ ~~أي إنه ذو عمل غير صالح. وقيل إن سؤالك إياي نجاة ولدك ~~الذي ليس من أهلك سؤال غير مرض. # قوله تعالى: { فلا تسئلن ما ليس لك به علم }؛ ~~قرأ ابن كثير بتشديد النون وفتحها، وقرأ أهل المدينة والشام بتشديد ~~النون وكسرها، والمعنى واحد؛ أي لا تسألني ما ليس لك به علم أنه ~~صواب وأنا أفصله. # قوله تعالى: { إني أعظك أن تكون من الجاهلين ~~}؛ إي إني أعظك أن تسألني سؤال الجاهل، ولكن سلني سؤال ~~العالم ms1063 بي. والوعظ في اللغة: هو الزجر عن القبيح، وكان نداء ~~نوح { رب إن ابني من أهلي } نداء تعظيم لله تعالى على ~~ظن أن ابنه من أهل دينه, وقوله تعالى { إنه ليس من ~~أهلك } نداء تنبيه على أنه ليس من أهل دينه، ولا من أهل أن ~~يلطف به. # واختلفوا في هذا الابن، فقالوا: إنه لم يكن ابن نوح لقوله تعالى: ~~{ إنه ليس من أهلك } أي من ولدك وهو قول مجاهد والحسن، ~~والمعنى على قولهما إنه ولد لغير رشده. # قال قتادة: (وسئل الحسن عنه فقال: (والله ما كان ~~ابنه)، وقرأ # فخانتاهما # [التحريم: 10]! فقلت: إن الله تعالى حكى عنه أنه ~~قال: { إن ابني } وقال: (ونادى نوح ابنه) وأنت ~~تقول: لم يكن ابنه! وإن أهل الكتابين لا ~~يختلفون في أنه كان ابنه، فقال الحسن: (ومن ~~يأخذ دينه من أهل الكتاب؟! إنهم يكذبون). وقال ~~ابن جريج: (وناداه وهو يحسب أنه ابنه، وكان ولد ~~على فراشه). وقال بعضهم: إنما كان ابن امرأته، واستدلوا ~~بقوله { إن ابني من أهلي } ولم يقل إن ابني مني، وهو ~~قول أبي جعفر الباقر. # وقال أكثر المفسرين: إنه كان ولده من صلبه، وقوله تعالى: { ~~ليس من أهلك } أي الذي وعدتك أن أنجيهم، قالوا: وما ~~بغت امرأة نبي قط، وإنما خيانتهما في الدين لا في الفراش، ~~ولأن الله تعالى يعصم أنبياءه صلوات الله عليهم أن يقع من ~~نسائهم ما يلحق بهم عيبا في الدنيا، وإن كان قد يقع منهن ما ~~يكون عيبا في أمر الآخرة، وفي الحديث: # " ما بغت امرأة نبي قط، وكانت خيانتها له ~~أنها كانت تقول للناس: إنه مجنون وكانت تدل ~~على الأضياف " # وهذا قول ابن عباس وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك. # وقال أبو معاوية البجلي: (قال رجل لسعيد بن جبير: ~~قوله { إن ابني من أهلي } هل كان ابن نوح؟ ~~فسبح الله طويلا، قال: لا إله إلا الله، يحدث ~~الله محمدا نبيه ويقول إنه ابنه وتقول أنت ~~ليس ابنه! كان ابنه ولكن كان مخالفا في النية ~~والعمل والدين، فمن ثم قال: ms1064 { إنه ليس من ~~أهلك } ). وهذا القول أولى بالصواب، وأليق بظاهر الكتاب. ### || [11.47] # قوله تعالى: { قال رب إني أعوذ بك أن أسألك ~~ما ليس لي به علم }؛ أي قال نوح: إني أمتنع بك أن أسألك ما ~~ليس لي به علم أنه صواب، { وإلا تغفر لي } خطيئتي هذه ~~وهي هذا السؤال، { وترحمني أكن من الخاسرين } بالوزر ~~والعقوبة. ### || [11.48] # قوله تعالى: { قيل ينوح اهبط بسلام منا ~~وبركات عليك وعلى أمم ممن معك }؛ أي قال الله ~~لنوح: فاهبط من السفينة إلى الأرض بأمن وسلامة من الآفات، ~~(وبركات) أي وخيرات ثابتة عليك وعلى الذين معك من المؤمنين. ~~قوله تعالى: { وأمم سنمتعهم ثم يمسهم ~~منا عذاب أليم }؛ أي وأمم سنمتعهم عليهم بعدك في ~~الدنيا ثم يمسهم في الآخرة منا عذاب أليم، وهم الكافرون وأهل ~~الشقاوة. # فهبط نوح ومن معه من الجودي، ولم يكن لواحد منهم نسل إلا لنوح ~~وأولاده، كما قال الله تعالى: # وجعلنا ذريته هم الباقين # [الصافات: 77]، وعن محمد بن كعب قال: (دخل في السلام ~~والبركة كل مؤمن ومؤمنة إلى يوم القيامة، ~~ودخل في الإمتاع والعذاب كل كافر وكافرة إلى ~~يوم القيامة). وفي الآية دلالة على ذلك؛ لأن لفظ الأمم ~~يدل على الجماعات الكثيرة، ولم يكن مع نوح في السفينة إلا قليل. ### || [11.49] # قوله تعالى: { تلك من أنبآء الغيب نوحيهآ ~~إليك }؛ أي تلك القصة التي ذكرتها لك يا محمد قصة نوح من ~~الأمور الغائبة عنك، { ما كنت تعلمهآ أنت ولا قومك من ~~قبل هذا } ، القرآن وهذا منة من الله تعالى: { فاصبر }؛ ~~على أذى الكفار، كما صبر نوح على أذاهم، واصبر على القيام بأمر ~~الله وتبليغ الرسالة، وما تلقى من أذى قومك كما صبر نوح على أذى ~~قومه، { إن العاقبة للمتقين }؛ أي آخر الأمر ~~بالسعادة والظفر والنصر للمتقين، كما كانت لنوح ومن آمن به. ### || [11.50] # قوله تعالى: { وإلى عاد أخاهم هودا }؛ أي وأرسلنا ~~إلى عاد أخاهم هودا في النسب، { قال يقوم اعبدوا الله ~~ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون }؛ ~~أي وحدوه دون الأصنام ms1065 فإنها ليست بآلهة، وما أنتم إلا ~~كاذبون في قولكم إنها آلهة. ### || [11.51] # قوله تعالى: { يقوم لا أسألكم عليه أجرا }؛ أي ~~لا أسألكم على ما أؤدي إليكم من الرسالة مالا فتتهموني ~~أني أبتغي بذلك كسب مال أو تخشون أن ألزمكم غرما في مالكم، ~~{ إن أجري إلا على الذي فطرني }؛ أي ما ثوابي إلا ~~على الذي خلقني، { أفلا تعقلون }؛ أن الأمر على ما أقوله. ~~وأصل الفطر الشق، وسمي الخلق فطرا لأنه يظهر به المخلوق كما ~~يظهر الشيء بالشق. ### || [11.52] # قوله تعالى: { ويقوم استغفروا ربكم ثم ~~توبوا إليه }؛ أي استغفروا ربكم من الكفر والذنوب ثم ~~ارجعوا إليه بالندم والعزم على ترك العود في الذنوب، { ~~يرسل السمآء عليكم }؛ بالمطر، { مدرارا }؛ دائما ~~متواترا، { ويزدكم قوة }؛ في أبدانكم وأموالكم، { إلى ~~قوتكم }؛ التي لكم، { ولا تتولوا مجرمين }؛ عما ~~أدعوكم إليه مذنبين. ### || [11.53] # قوله تعالى: { قالوا يهود ما جئتنا ببينة }؛ أي ~~حجة، وقد جاءهم بمعجزة إلا أنهم لم يعتقدوها حجة، قوله ~~تعالى: { وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك }؛ أي ~~قالوا: ما نحن بتاركي عبادة آلهتنا بقولك، { وما نحن لك ~~بمؤمنين }؛ أي بمصدقين فيما تقوله. ### || [11.54-55] # قوله تعالى: { إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا ~~بسوء }؛ أي قالوا ما نقول فيك إلا أنه أصابك بعض آلهتنا ~~بجنون فخبل عقلك لسبك إياها، وكان القوم يعلمون وكل أحد ~~أن الذي يعقل ويميز لو أراد أن يصيب غيره بجنون لم يقدر على ~~ذلك، فكيف تقدر الأصنام التي لا عقل لها ولا تمييز؟! والاعتراء ~~افتعال من عراه يعروه إذا مسه وأصابه. # وقوله تعالى: { قال إني أشهد الله واشهدوا أني ~~بريء مما تشركون } { من دونه }؛ أي قال هود: إني ~~أشهد الله على نفسي، واشهدوا أنتم أيضا أني بريء مما تشركون ~~مع الله في العبادة، ولم يكن إشهاده إياهم للاحتجاج بقولهم، وإنما ~~هو للاحتجاج عليهم. # قوله تعالى: { فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون }؛ أي ~~إن قدرتم على قتلي أنتم وآلهتكم، أو على إنزال السوء، فافعلوا ~~ولا تمهلوني طرفة عين، ولم يقل هذا على جهة الأمر لهم، وإنما ms1066 ~~قال لبيان عجزهم. ### || [11.56] # قوله تعالى: { إني توكلت على الله ربي ~~وربكم }؛ أي فوضت أمري إلى خالقي وخالقكم متمسكا ~~بطاعته وتاركا لمعصيته، وهذا هو حقيقة التوكل على الله. # وقوله تعالى: { ما من دآبة إلا هو آخذ بناصيتهآ }؛ ~~أي ما من أحد إلا وهو في قهر الله وتحت قدرته، وإنما جعل الأخذ ~~بالناصية كناية عن ذلك؛ لأنك إذا أخذت بناصية غيرك فقد ~~قهرته وأذللته، والناصية مقدم شعر الرأس، ~~قوله تعالى: { إن ربي على صراط مستقيم }؛ أي هو ~~في تدبير عباده لا يفعل إلا الحق، فإنه عادل لا يجور، ويقال: إن ~~معناه: أن طريق العبادة على الله كما قال تعالى # إن ربك لبالمرصاد # [الفجر: 14]. ### || [11.57] # قوله تعالى: { فإن تولوا فقد أبلغتكم مآ ~~أرسلت به إليكم }؛ أي فإن تولوا عن الإيمان فما هو ~~تقصير مني في إبلاغ الرسالة، ولكن لسوء اختياركم، { ويستخلف ~~ربي قوما غيركم }؛ أطوع له منكم؛ أي يهلككم بعذاب ~~استئصال، قد يستخلف بهلاككم قوما غيركم أطوع له منكم، { ولا ~~تضرونه شيئا }؛ أي لا تقدرون على أن تنقصوا شيئا من ~~ملكه وهو سبحانه لا يجوز عليه المضار. قوله تعالى: { إن ~~ربي على كل شيء حفيظ }؛ أي هو شاهد على أعمال العباد ~~للمجازاة، لا يخفى عليه شيء منها. ### || [11.58] # قوله تعالى: { ولما جآء أمرنا نجينا هودا ~~والذين آمنوا معه }؛ أي لما جاء أمرنا بعقاب قوم هود ~~بالريح العقيم، نجينا هودا والمؤمنين به من ذلك العقاب، { ~~برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ }؛ يحتمل أن ~~يكون المراد: أن نجاهم من الريح العقيم، إلا أنه أعاد ذكر ~~النجاة للتأكيد وتفخيم الحال. ويحتمل أن يكون معناه: كما نجينا ~~المؤمنين مما عذب به عاد في الدنيا، فكذلك نجيناهم من عذاب ~~الآخرة. ### || [11.59-60] # قوله تعالى: { وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم ~~وعصوا رسله }؛ أي كذبوا بدلائل الله الدالة على ~~وحدانيته وصدق أنبيائه، وعصوا هودا ومن قبله ومن ~~بعده؛ لأنه عليه السلام أرسل بتصديق من قبله وبالبشارة لمن ~~بعده، فلما كذبوه فقد كذبوا الرسل كلهم. قوله تعالى: { ~~واتبعوا أمر كل جبار ms1067 عنيد }؛ أي أمر كل طاغ ~~عات معرض عن الله، قوله تعالى: { وأتبعوا في ~~هذه الدنيا لعنة }؛ أي أتبعوا بعد الهلاك في هذه ~~الدنيا بالإبعاد عليهم باللعن، فلعنتهم الملائكة والناس ما ~~دامت الدنيا. # قوله تعالى: { ويوم القيامة }؛ أي ويوم القيامة ~~يبعدون من رحمة الله كما أبعدوا في الدنيا. قوله تعالى: ~~{ ألا إن عادا كفروا ربهم }؛ أي جحدوا، { ألا ~~بعدا لعاد قوم هود } ، أي أبعدهم الله من رحمته إبعادا. ~~وفي هذا تهديد للكفار، كأنه تعالى قال: انظروا يا أهل مكة ~~كيف فعلت عاد وكيف فعل بهم، فاحذروا أن يصيبكم مثل ما ~~أصابهم. ### || [11.61] # قوله تعالى: { وإلى ثمود أخاهم صالحا }؛ في ~~النسب، { قال يقوم اعبدوا الله ما لكم من ~~إله غيره هو أنشأكم من الأرض }؛ أي أنشأ آباءكم ~~كما قال في آية أخرى # خلقكم من تراب # [الروم: 20]، { واستعمركم فيها }؛ أي المراد أن تكونوا ~~عمار الأرض وسكانها، فمكنكم من عمارتها وأحوجكم إلى ~~المسكن فيها. وقال مجاهد: (معناه: أعمرها لكم مدة ~~أعماركم) من العمرى، وهي الهبة التي يهبها ~~الرجل لغيره على أن تكون للموهوب له مدة ~~حياته، ثم يرجع إلى الواهب. # قوله تعالى: { فاستغفروه ثم توبوا إليه }؛ أي ~~استغفروه من الشرك والذنوب، ثم دوموا على التوبة، { إن ربي ~~قريب }؛ ممن تقرب إليه، { مجيب }؛ لمن دعاه وأطاعه. وأراد ~~بالقرب الإسراع بالرحمة والإجابة؛ لا قرب المسافة. ### || [11.62] # قوله تعالى: { قالوا يصالح قد كنت فينا مرجوا ~~قبل هذا }؛ أي قد كنا نرجوا فيك الخير قبل هذا اليوم ~~لما كان فيك من الخلائق الحسنة والشمائل المرضية، والآن قد ~~دعوتنا إلى غير دين آبائنا قد يئسنا منك، { أتنهانآ أن ~~نعبد ما يعبد آباؤنا }؛ الألف ألف استفهام بمعنى ~~الإنكار. وقوله تعالى: { وإننا لفي شك مما تدعونآ ~~إليه مريب }؛ أي لو أجبناك إلى ما تدعونا إليه لأجبناك على ~~شك ظاهر، فإنا لا نعلم صدقك فيما تقول. ### || [11.63] # قوله تعالى: { قال يقوم أرأيتم }؛ أخبروني، { إن ~~كنت على بينة }؛ برهان وحجة، { من ربي وآتاني ~~منه رحمة }؛ نعمة وهي النبوة، { فمن ينصرني من ~~الله إن ms1068 عصيته }؛ فمن يمنع عذاب الله عني إن عصيته مع ~~نعمته علي، { فما تزيدونني غير تخسير }؛ إن عصيت ~~الله في اتباع دينكم إلا خسران الدنيا والآخرة. ### || [11.64-65] # قوله تعالى: { ويقوم هذه ناقة الله لكم آية ~~}؛ أي دلالة ومعجزة على صدق قولي حيث أخرجتها لكم بإذن الله ~~ناقة عشراء من صخرة ملساء كما سألتم، { فذروها تأكل في ~~أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب ~~قريب * فعقروها فقال تمتعوا في داركم ثلاثة ~~أيام ذلك وعد غير مكذوب }؛ وقد تقدم ذلك في سورة ~~الأعراف. ### || [11.66] # قوله تعالى: { فلما جآء أمرنا نجينا صالحا ~~والذين آمنوا معه برحمة منا }؛ أي لما جاء أمرنا ~~بالعذاب نجينا صالحا من ذلك، ونجينا الذين آمنوا معه بنعمة ~~منا، { ومن خزي يومئذ } ، الخزي: هو الذل الذي يستحى ~~منه، وهو ما نزل بهم في كل يوم من علامة الأشقياء من ~~اصفرار وجوههم في اليوم الأول، واحمرارها في اليوم الثاني، ~~واسودادها في اليوم الثالث، وقوله تعالى: { إن ربك هو ~~القوي العزيز }؛ أي هو القادر على أخذ أعدائه، العزيز ~~المنتقم ممن عصاه. ### || [11.67-68] # قوله تعالى: { وأخذ الذين ظلموا الصيحة }؛ ~~معناه: الذين ظلموا أنفسهم بالكفر، وقيل: الذين ظلموا ~~الناقة. والصيحة: جبريل عليه السلام صاح بهم صيحة هائلة عند ~~صباح اليوم الرابع، لم تحتملها قلوبهم فهلكوا. # وإنما قال في هذه الآية: (وأخذ)، وفي آية أخرى: (وأخذت)؛ ~~لأن الصيحة والصياح واحد، فرد الكناية مرة إلى الصياح ~~ومرة إلى الصيحة. # قوله تعالى: { فأصبحوا في ديارهم جاثمين }؛ أي ~~ميتين قد همدوا رمادا جثوما على الركب. ويقال: أصبحوا ~~في بلادهم جاثمين على وجوههم على الطرف. وقوله تعالى: { كأن ~~لم يغنوا فيهآ }؛ أي كأن لم يكونوا في الأرض قط. # قوله تعالى: { ألا إن ثمود كفروا ربهم }؛ أي ~~بربهم، { ألا بعدا لثمود }؛ أي أبعدهم الله من رحمته. ~~وقرىء (لثمود) بالكسر لقربها من قوله { ألا إن ثمود } ، ~~فمن صرفه جعله اسما، ومن لم يصرفه جعله اسما للقبيلة. ### || [11.69] # قوله تعالى: { ولقد جآءت رسلنآ إبراهيم ~~بالبشرى }؛ قال ابن عباس: (وذلك أن جبريل ومن ~~معه ms1069 اثني عشر ملكا جاؤا إلى إبراهيم ليبشروه ~~بإسحاق من زوجته سارة). # فلما دخلوا عليه، { قالوا سلاما }؛ أي سلموا عليه سلاما، ~~وقيل: قالوا: نسلم سلاما، وهو نصب على المصدر، وقوله: { ~~قال سلام }؛ أي أجابهم إبراهيم بأن قال: عليكم سلام. وإنما لم ~~يقل عليكم سلاما بالنصب؛ لأنه لو كان كذلك لكان يتوهم أن ~~إبراهيم عليه السلام حكى قول الملائكة أنكم سلمتم سلاما، ~~فخالف بينهما ليكون قوله جوابا لهم. ومن قرأ بكسر السين، ~~فالسلم والسلام بمعنى واحد، كحل وحرم مثل حلال وحرام. # قوله تعالى: { فما لبث أن جآء بعجل حنيذ }؛ أي ما ~~لبث إبراهيم أن جاء بعجل محنوذ؛ أي مشوي، قال ابن ~~عباس: (الحنيذ: النضيج) وهو قول مجاهد وقتادة، والحنذ: ~~إشواء اللحم بالحجارة المحماة في شوء من الأرض، وهو ~~من فعل البادية، وقال مقاتل: (إنما جاءهم بعجل لأنه ~~كان أكثر ماله البقر). # وقال الحسن: (إنما جاءهم بالطعام لأنهم جاؤه على ~~صورة الآدميين، على هيأة الأضياف، ولم يكن ~~شيء أحب إليه من الضيفان، ولو جاؤه على صورة ~~الملائكة لم يكن يقدم إليهم ذلك لعلمه ~~باستغناء الملائكة عن الطعام). ### || [11.70] # قوله تعالى: { فلما رأى أيديهم لا تصل إليه ~~نكرهم }؛ أي لما وضع الطعام بين أيديهم، فرآهم لا يمدون ~~إليه أيديهم أنكرهم، { وأوجس منهم }؛ أضمر في نفسه، { ~~خيفة }؛ خوفا منهم، وكان أهل ذلك الزمان إذا لم يأكل بعضهم من ~~طعام بعض خافوا من غائلته. فلما علمت الملائكة خوفه منهم، ~~{ قالوا لا تخف }؛ منا يا إبراهيم، { إنا أرسلنا } ، ~~أي إن الله أرسلنا، { إلى قوم لوط }؛ لنهلكهم. ### || [11.71] # قوله تعالى: { وامرأته قآئمة فضحكت }؛ معناه: ~~وامرأته سارة كانت قائمة معه على رؤوسهم بالخدمة، ويقال: كانت ~~قائمة من وراء الستر في حال محاورة إبراهيم مع الملائكة، ويقال: ~~إن سارة بنت عم إبراهيم. # قوله تعالى: { فضحكت } أي ضحكت من سرورها بالسلام، ~~فزادوها بشارة بإسحاق عليه السلام، وقال السدي: (إن إبراهيم ~~قال لهم: ألا تأكلون؟! قالوا: إنا قوم لا نأكل ~~إلا بالثمن، قال: كلوا وأدوا ثمنه، قالوا: وما ~~ثمنه؟ قال: أن تذكروا ms1070 اسم الله في أوله وتحمدوه ~~في آخره. فنظر جبريل إلى من معه من الملائكة ~~وقال: حق لهذا أن يتخذه الله خليلا، فضحكت ~~امرأته وقالت: عجبا لأضيافنا نخدمهم بأنفسنا ~~تكرمة لهم وهم لا يأكلون طعامنا!). # وقال قتادة: (ضحكت لغفلة قوم لوط، وقرب العذاب ~~منهم). وقيل: ضحكت سرورا بالأمن منهم لما قالوا: لا ~~تخف، وقال عكرمة: (ضحكت أي حاضت). # قوله تعالى: { فبشرناها بإسحاق ومن ورآء ~~إسحاق يعقوب }؛ قرأ ابن عامر وحمزة ويعقوب بالنصب على معنى: ~~ووهبنا لها من وراء اسحاق يعقوب، وقيل: بنزع الخافض؛ أي ~~وبشرناها من وراء اسحاق بيعقوب، فلما حذفت الباء نصب. # وقال الزجاج: (لا يجوز أن يكون ذلك في موضع الخفض ~~على ذلك؛ لأنه لا يجوز الفصل بين الجار ~~والمجرور وبينهما واو العطف إلا بإعادة حرف ~~الجر؛ لأنه لا يجوز أن يقال: مررت بزيد في ~~الدار والبيت وعمرو، حتى يقول: وبعمر). # وقوله { فبشرناها بإسحاق } قال المفسرون: كان إبراهيم ~~قد ولد له من هاجر وكبر وشب، فتمنت سارة أن يكون لها ابن ~~وآيست من ذلك لكبر سنها، فبشرت على كبر السن بولد يكون ~~نبيا. # قوله تعالى: { ومن ورآء إسحاق يعقوب } قال ~~الزجاج: (بشروها أنها تلد اسحاق، وأنها تعيش إلى ~~أن ترى ولد ولده، ووراء هاهنا بمعنى بعد) ### || [11.72] # قوله تعالى: { قالت يويلتى ءألد وأنا عجوز ~~وهذا بعلي شيخا }؛ لا يجوز أن يكون هذا على جهة الإنكار، ~~فإن (يا ويلتا) كلمة تستعملها النساء عند وقوع أمر فظيع، ~~فاستعملتها في هذا الموضع على جهة التعجب، ولهذا قالت: { إن ~~هذا لشيء عجيب }. وأصله: يا ويلتي فأبدل من الياء ~~الألف لأنه أخف من الياء والكسر. # قال ابن عباس: (كانت سارة بنت ثمان وتسعين سنة، ~~وكان زوجها ابن مائة وعشرين، فتعجبت بأن ~~يكون بين شيخين كبيرين ولد)، قوله تعالى: { ~~وهذا بعلي شيخا } أي هذا الذي يعرفونه بعلي، ثم قالت ~~(شيخا) أي انتبهوا له في حال شيخوخته فهو نصب على الحال، ~~وذهب الكوفيون إلى أنه نصب على القطع عن المعرفة إلى النكرة كما ~~يقال: خرج زيد ms1071 راكبا. ### || [11.73] # قوله تعالى: { قالوا أتعجبين من أمر الله }؛ ~~أي قالت الملائكة: أتعجبين من قدرة الله وأنت عارفة أن الله ~~قادر على كل شيء؟ قال السدي: (أخذ جبريل عودا يابسا ~~فدلكه بين إصبعيه فإذا هو أخضر يهتز، فعرفت ~~أنه من الله). # قوله تعالى: { رحمت الله وبركاته عليكم أهل ~~البيت }؛ معناه: نعمة الله عليكم في الدين والدنيا وخيراته ~~التامة عليكم يا أهل البيت بيت إبراهيم عليه السلام، { إنه ~~حميد }؛ لأعمالكم، { مجيد }؛ أي كريم يكرمكم بالنعم، ~~الكريم هو الذي يبتدئ بالنعمة قبل الاستحقاق، والمجيد ~~الماجد وهو ذو الشرف والمجد والكرم. ### || [11.74-75] # قوله تعالى: { فلما ذهب عن إبراهيم الروع }؛ أي ~~الخوف والفزع، { وجآءته البشرى }؛ بإسحاق جعل، { ~~يجادلنا }؛ يجادل رسلنا، { في قوم لوط }. # واختلفوا في هذه المجادلة، فقال بعضهم: سأل عن سبب تعذيب الله لهم ~~سؤال مستقص حتى قال: إن الله أمر باستئصالهم وبتخويفهم ~~بالعقاب، وحتى قال: إن فيها لوطا. وقال بعضهم: أراد بالمجادلة ~~الدعاء والتضرع وشدة الحرص على نجاة القوم رجاء إيمانهم. # كما روي أن إبراهيم عليه السلام قام من الليل يصلي وهو يقول: ~~يا رب أتهلك قوم لوط؟ قيل: يا إبراهيم ليس فيهم مؤمنون، قال: يا ~~رب فإن كان فيهم خمسون أهل بيت مؤمنون أتهلكهم؟ قيل: لا، قال: ~~فأربعون؟ قيل: لا، فلم يزل يردد حتى قيل: إن كان فيهم ~~خمسة أبيات مؤمنين رفعنا عنهم البلاء. يقول الله تعالى: # فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين # [الذاريات: 36]. # قيل: لما جادلهم إبراهيم عليه السلام قالت له الرسل: يا ~~إبراهيم أعرض عن هذا الجدال، إنه قد جاء أمر ربك بعذابهم، وإنهم ~~آتيهم عذاب غير مردود، قوله: { إن إبراهيم لحليم }؛ أي ~~وقور بطيء الغضب، والحليم: المحتمل للأذى مع قدرته على ~~العقوبة والمكافأة، { أواه }؛ بالدعاء، ويقال: الرحيم، ويقال ~~المتأوه خوفا وأسفا على الذنوب، و { منيب }؛ هو الراجع ~~إلى الله. ### || [11.76] # قوله تعالى: { يإبرهيم أعرض عن هذآ }؛ أي عن ~~جدالك، { إنه قد جآء أمر ربك } بهلاكهم، { ~~وإنهم آتيهم عذاب غير مردود }؛ غير منصرف عنهم. ### || [11.77] # قوله تعالى: { ولما ms1072 جآءت رسلنا لوطا سيء بهم ~~وضاق بهم ذرعا }؛ يعني لما جاءت الملائكة لوطا ساءه ~~مجيئهم، وضاق بهيأتهم قلبه؛ فإنهم جاؤه في صورة الغلمان ~~المرد الحسان، وكان قد علم عادة قومه، فخاف عليهم من صنع ~~قومه، { وقال }؛ في نفسه: { هذا يوم عصيب }؛ أي شديد لازم ~~شره كالمعصوب بالعصبة، كأنه قال: هذا يوم التف الشر فيه ~~بالشر، وأما ضيق الذرع فيوضع موضع ضيق الصدر، يقال: ضاق ~~فلان بأمره ذرعا إذا لم يجد من المكره في ذلك مخلصا. # قيل: معناه: ضاق بهم وسعا. وكان لوط ضاق وسعه بهم أن ~~يحفظهم. وفي الخبر: أنه جعلهم فيما بين مواشيهم، فلما كان في وقت ~~غفلة الناس حملهم إلى داره، فذهبت امرأته الخبيثة وأخبرتهم، ~~وقالت لهم: إنه قد نزل عند لوط أضياف لم ير قط أحسن وجوها ~~منهم، ولا أطيب ريحا، ولا أنظف ثيابا. ### || [11.78] # قوله تعالى: { وجآءه قومه يهرعون إليه ومن ~~قبل كانوا يعملون السيئات } وذلك أن امرأة لوط ~~لما أخبرتهم بأضيافه، جاؤا إلى داره يسرعون إليه، ~~ويهرولون هرولة، والإهراع: مشي بين مشيتين، ومن ~~قبل ذلك كانوا يعملون المعاصي، وهي ما كانوا يعملون من الفاحشة مع ~~الذكور، فإنهم كانوا يعملون ذلك من دون أن يخفي بعض عن بعض. # { قال }: لهم لوط عليه السلام: { يقوم هؤلاء بناتي ~~هن أطهر لكم }؛ عرض عليهم بناته نكاحا، وأظهر من ~~نفسه في صونهم ما لا شيء أبلغ منه، أظهر الكرامة في باب الأضياف، ~~فذكر بناته ليدل بذلك على التشديد في دفعهم عما أرادوا. ~~فكان يجوز في ذلك الوقت تزويج المسلمة من الكافر، كما كان يجوز ~~في شريعتنا في ابتداء الإسلام، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ~~زوج ابنته من ابن العاص بن الربيع. ويقال: أراد بقوله { ~~بناتي } بنات قومه؛ لأن النبي يكون للقوم بمنزلة الوالد. # قوله تعالى: { فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي ~~}؛ أي اتقوا عقاب الله، ولا تلزموني عيبا في ضيفي، { ~~أليس منكم رجل رشيد }؛ في نفسه فينزجر عن هذا ~~الأمر، ويزجركم عنه. ### || [11.79-80] # قوله تعالى: { قالوا لقد علمت ما ms1073 لنا في بناتك ~~من حق وإنك لتعلم ما نريد }؛ أي ميلنا إلى ~~الغلمان دون النساء، قوله تعالى: { قال لو أن لي ~~بكم قوة }؛ أدفعكم بها عن أضيافي، ويمكنني، { أو آوي ~~إلى ركن شديد }؛ إلى قبيلة أستغيث بها على دفعكم ~~لمنعتكم أشد المنع عما تحاولون. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " رحم الله أخي لوط لقد آوى إلى ركن شديد " # أي التجأ إلى الله وملائكته، وقال ابن عباس: (فلما علم ~~جبريل والملائكة خوف لوط من تهديد قومه، وقد ~~كان لوط أغلق الباب على نفسه وعلى الملائكة ~~وهو يناشد قومه، قال له جبريل: يا لوط إن ~~ركنك لشديد، وإنهم آتيهم عذاب غير مردود). ### || [11.81-83] # قوله تعالى: { قالوا يلوط إنا رسل ربك لن ~~يصلوا إليك }؛ فافتح الباب ودعنا وإياهم، ففتح الباب ~~فدخلوا، فقام جبريل في الصورة التي يكون فيها في السماء، ~~فنشر جناحه وضرب به وجوههم فطمس أعينهم وأعماهم، فصاروا ~~لا يعرفون الطريق ولا يهتدون إلى بيوتهم. # فقال لوط عليه السلام متى موعد هلاكهم؟ قالوا: الصبح، ~~قال: أريد أسرع من ذلك، فقالوا: أليس الصبح بقريب؟ وذلك قوله ~~تعالى: # ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنآ أعينهم # [القمر: 37]. # ثم قالوا له: { فأسر بأهلك }؛ وفيه قراءتان (فأسر) ~~بالهمز والوصل، يقال سرى وأسرى بمعنى واحد، قوله تعالى: { ~~بقطع من الليل }؛ أي في آخر الليل عند السحر والهدوء، ~~وقال الضحاك: (بقطع أي ببقية)، وقال قتادة: (بعد ما ~~مضى صدره)، { ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك ~~}. # قرأ ابن كثير وأبو عمرو (امرأتك) رفعا على الاستثناء من ~~الإلتفات؛ أي ولا يلتفت أحد إلا امرأتك، فإنها تلتفت فتهلك. ~~وقرأ الباقون بالنصب على الاستثناء من الإسراء؛ أي فاسر بأهلك إلا ~~امرأتك فلا تسر بها وخلفها مع قومها. قوله تعالى: { ~~إنه مصيبها مآ أصابهم }؛ ظاهر المعنى. # قوله تعالى: { إن موعدهم }؛ أي قالت الملائكة: إن وقت ~~هلاكهم، { الصبح }؛ فقال لوط: الآن يا جبريل، وإنما ذلك لضيق ~~صدره منهم وشدة غيظه، فقال جبريل: { أليس الصبح بقريب ~~} ، وفي هذا بيان أن الله لا يهلك أحدا ms1074 قبل انقضاء مدته، ~~وإن ضاقت صدور أوليائه عنه. # وعن ابن عباس: (أن جبريل لما قال للوط: فاسر ~~بأهلك بقطع من الليل، قال لوط: يا جبريل كيف ~~أصنع وأبواب المدينة قد أغلقت، فجمع له ~~جبريل أهله وبقره وغنمه وماله، واحتملهم ~~على جناحه حتى أخرجهم من المدينة، فانطلق ~~بهم متوجها إلى صغر، وهي على أربعة فراسخ من ~~مدائن لوط، وهي إحدى القرى الخمس: سدوم وداد ~~وماو وعامورا وصغر، ولم يكن أهل صغر يعملون ~~عملهم، وكان في كل مدينة ألف مقاتل، فما سار ~~لوط فرسخين حتى سمع الصيحة). # كما روي أن جبريل عليه السلام جعل جناحه في أسفلها فرفعها من ~~الأرض السابعة إلى السماء حتى سمع أهل السماء نباح الكلاب ~~وصياح الديكة، ثم قلبها وجعل أسفلها أعلاها، وأعلاها أسفلها، ~~وأقبلت تهوي من السماء إلى الأرض، فذلك قوله تعالى: { ~~فلما جآء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا ~~عليها حجارة من سجيل }؛ قال وهب: (لما رفعت إلى ~~السماء أمطر الله عليها حجارة الكبريت بالنار، ~~ثم قلبت عليهم). # قوله تعالى: { وأمطرنا عليها حجارة من سجيل ~~} قيل: أمطر الله الحجارة على شذاذهم ومسافريهم. واختلفوا في ~~السجيل، فقيل: هو فارسية معربة، وفيه بيان أن تلك الحجارة ~~كانت شديدة صلبة، نحو ما يطبخ من الطين فيصير كالآجر ~~وأصلب منه، يدل عليه قوله تعالى: # لنرسل عليهم حجارة من طين # [الذاريات: 33]. وقال بعضهم: هو من سجيل وهو الإرسال، فيكون معناه: ~~حجارة مرسلة، ويقال: السجيل: سماء الدنيا، وقيل: السجيل ~~والسجين: الشديد من الحجر. # قوله تعالى: { منضود }؛ أي بعضهم فوق بعض. وقوله: { ~~مسومة }؛ أي معلمة بعلامة المعاقبين، وكانت مخططة ~~بالسواد والحمرة والبياض. وقيل: كان مكتوب على كل حجر ~~اسم من هلك به. وقوله تعالى: { عند ربك }؛ أي أعلمتها ~~الملائكة في السماء بأمر الله. # وقوله تعالى: { وما هي من الظالمين ببعيد }؛ أي وما تلك ~~الحجارة من ظالمي أمتك ببعيد، وعن ابن عباس أنه قال: (لا ~~والله لا تذهب الليالي والأيام حتى تستحل هذه ~~الأمة أدبار الرجال كما استحلوا النساء، ولا ~~تذهب الأيام والليالي حتى يصيب ms1075 طوائف من هذه ~~الأمة حجارة من عند ربك). ### || [11.84] # قوله تعالى: { وإلى مدين أخاهم شعيبا }؛ أي وإلى ~~ولد مدين بن إبراهيم أخاهم في النسب، { قال يقوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا ~~المكيال والميزان }؛ أي ولا تنقصوا حقوق الناس عند ~~الكيل والوزن عليهم بالتطفيف، { إني أراكم بخير }؛ ~~أي إني أراكم في الخصب والرخص ما أوفيتم للناس حقوقهم. ~~وقيل: معناه: إني أراكم في كثرة الأموال، وأنتم مستغنون عن ~~نقصان الكيل والوزن، { وإني أخاف عليكم عذاب ~~يوم محيط } أي عذابا يحيط بكم فلا يفلت منكم أحد. ### || [11.85] # قوله تعالى: { ويقوم أوفوا المكيال والميزان ~~بالقسط }؛ أي بالعدل، { ولا تبخسوا الناس أشيآءهم ~~}؛ أي ولا تنقصوهم حقوقهم، { ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين }؛ أي لا تضطربوا في الأرض بالقبيح مفسدين بالمعاصي. ### || [11.86] # قوله تعالى: { بقيت الله خير لكم إن كنتم ~~مؤمنين ومآ }؛ معناه: ما أبقاه الله خير لكم من الحلال بعد ~~إتمام الكيل والوزن خير لكم مما حرم عليكم من البخس والتطفيف ~~إن كنتم مصدقين ما أقوله لكم. ويقال: أراد بالبقية طاعة الله، ~~فإنها هي التي يبقى ثوابها. قوله تعالى: { ومآ أنا ~~عليكم بحفيظ }؛ أي لم أوكل بحفظكم فأقاتلكم وأمنعكم. ### || [11.87] # قوله تعالى: { قالوا يشعيب أصلوتك تأمرك أن ~~نترك ما يعبد ءاباؤنآ أو أن نفعل في أموالنا ~~ما نشاء }؛ أي قالوا يا شعيب: أكثرة صلواتك التي تفعلها ~~تأمرك أن نترك عبادة ما يعبد آباؤنا، وتأمرك أن تأمرنا بأن لا ~~نفعل في أموالنا ما نشاء، وقال عطاء: (معنى قوله: أصلاتك؛ ~~أي دينك يأمرك، فكنى عن الدين بالصلاة؛ لأنها ~~من أمر الدين، وكان شعيب كثير الصلاة، فلذلك ~~قالوا هذا). # قوله تعالى: { إنك لأنت الحليم الرشيد }؛ السفيه ~~الجاهل، فذكروا الحليم الرشيد على جهة الاستهزاء، هكذا روي عن ابن ~~عباس، ويقال: قالوا ذلك على جهة التحقيق إنك لأنت الحليم الرشيد ~~في قومك، فكيف تنهانا عن عبادة ما يعبد آباؤنا وعن أن نفعل في ~~أموالنا ما نشاء من البخس والتطفيف، كأنهم استبعدوا أن يكون ~~آباؤهم قد أخطأوا في ms1076 دينهم ورباهم. ### || [11.88] # قوله تعالى: { قال يقوم أرأيتم إن كنت على ~~بينة من ربي }؛ أي قال لهم شعيب: أخبروني إن كنت على ~~دلالة واضحة من ربي، { ورزقني منه رزقا حسنا }؛ قيل: ~~أراد النبوة فإنها أعظم رزق الله تعالى. وقيل: أراد به ~~المال الحلال. قال ابن عباس: (كان شعيب عليه السلام كثير ~~المال كثير الصلاة)، وقيل: معنى قوله: { رزقا حسنا ~~} أي علما ومعرفة. وأما جواب قوله { إن كنت على بينة ~~من ربي ورزقني } المال الحلال اتبعه الضلال فأبخس ~~وأطفف، أشوب الحلال بالحرام كما تفعلون به. # قوله تعالى: { ومآ أريد أن أخالفكم إلى مآ ~~أنهاكم عنه }؛ أي ما أريد أن تتركوا ما نهيتكم عنه لأعمل ~~أنا به فانتفع، والمعنى لست أنهاكم عن شيء ثم أدخل فيه، { إن ~~أريد إلا الإصلاح ما استطعت }؛ أي ما أريد إلا الإصلاح ~~في أمر الدين والمعاش بقدر استطاعتي، { وما توفيقي إلا ~~بالله عليه }؛ أي ما توفيقي للصلاح إلا من الله، والتوفيق ~~من الله، هو كل فعل يتفق مع العبد عند اختيار ~~الطاعة والصلاح، ولولاه لكان يختار خلاف ذلك. ~~قوله تعالى: { عليه توكلت }؛ أي فوضت أمري إلى ~~الله، وقوله تعالى: { وإليه أنيب }؛ أي أرجع. ### || [11.89] # قوله تعالى: { ويقوم لا يجرمنكم شقاقي أن ~~يصيبكم مثل مآ أصاب قوم نوح }؛ أي يا قوم لا ~~يكسبنكم عداوتي أن لا تؤمنوا فيصيبكم مثل ما أصاب قوم ~~نوح من الغرق، { أو قوم هود }؛ من الريح العقيم، { أو ~~قوم صالح }؛ من الصيحة، { وما قوم لوط منكم ~~ببعيد }؛ أي قد بلغكم ما أصابهم وهم أقرب إليكم ممن تقدمهم. ~~يجوز أن يكون المراد بذلك قرب زمانهم، ويجوز أن يكون المراد به ~~قرب ديارهم منهم، وكل ذلك أقرب إلى الاعتبار. ### || [11.90] # قوله: { واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه }؛ أي ~~استغفروه من الشرك والذنوب، ثم توبوا إليه بإخلاص، { إن ~~ربي رحيم } بعباده، { ودود } متودد بالنعم وقبول ~~التوبة. ### || [11.91] # قوله تعالى: { قالوا يشعيب ما نفقه كثيرا ~~مما تقول }؛ أي ما نفهم كثيرا ما تقول، قال ابن ~~الأنباري: (معناه ما نفقه ms1077 صحة كثير مما تقول، ~~يعنون من التوحيد والبعث، وما يأمرهم به من ~~الزكاة وترك البخس، والفقه في اللغة هو ~~استدراك معنى الكلام). # قوله تعالى: { وإنا لنراك فينا ضعيفا }؛ قال ابن ~~عباس: (أرادوا بالضعف أنه ضرير البصر)، وقال ابن ~~جبير: (معناه إنا لنراك أعمى)، وقد روي أنه كان قد ذهب ~~بصره من كثرة بكائه من خشية الله تعالى. وفي بعض الروايات: ~~أنه عمي ثلاث مرات، وكان الله تعالى يرد عليه بصره حتى ~~أوحى إليه: يا شعيب ما هذا البكاء؟ قال: شوقا إليك يا رب. # " وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن شعيب قال: " ذاك ~~خطيب الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين " ". # قوله تعالى: { ولولا رهطك لرجمناك }؛ أي ولولا ~~عشيرتك لقتلناك بالحجارة، { ومآ أنت علينا بعزيز }؛ ~~أي إنا لا ندع قتلك لعزتك علينا، ولكن لأجل قومك. والمعنى: ~~لست تمتنع علينا أن نقتلك لولا ما نراعي من حق عشيرتك. ### || [11.92] # قوله تعالى: { قال يقوم أرهطي أعز عليكم ~~من الله }؛ أي إنكم تزعمون أنكم تتركون قتلي إكراما ~~لرهطي والله تعالى أولى بأن يتبع أمره؛ أي إنكم تركتم ~~قتلي لأجل عشيرتي، ولا تتركونه لأجل الله، قوله تعالى: { ~~واتخذتموه ورآءكم ظهريا }؛ أي نبذتم أمر الله ~~وراء ظهوركم، والظهري: ما نبذه الإنسان وراء ظهره، { ~~إن ربي بما تعملون محيط }؛ أي عليم، لا يعزب عنه ~~علم شيء. ### || [11.93] # قوله تعالى: { ويقوم اعملوا على مكانتكم ~~إني عمل }؛ أي اعملوا على دينكم إني عامل على ديني، وهذا ~~على سبيل التهديد والوعيد، والمكانة والمكان بمعنى واحد. ~~قوله تعالى: { سوف تعلمون من يأتيه عذاب ~~يخزيه }؛ أي يذله ويهينه، وتعلمون { ومن هو كذب ~~}؛ على الله، { وارتقبوا إني معكم رقيب }؛ أي ~~انتظروا إني منتظر معكم. ### || [11.94-95] # قوله تعالى: { ولما جآء أمرنا نجينا شعيبا ~~والذين آمنوا معه برحمة منا }؛ أي نجينا شعيبا ~~من ذلك العذاب، ونجينا الذين آمنوا معه برحمة منا، { وأخذت ~~الذين ظلموا الصيحة }؛ يعني من قوم شعيب. # يقال: إن جبريل صاح بهم صيحة، فخرجت أرواحهم من أجسادهم، { ~~فأصبحوا في ديارهم جاثمين }؛ أي ميتين ساقطين ms1078 ~~صرعى. وقيل: بل واقفين على ركبهم، { كأن لم يغنوا ~~فيهآ }؛ أي كأن لم يكونوا في الأرض قط. # قوله تعالى: { ألا بعدا لمدين كما بعدت ثمود ~~}؛ معناه: ألا سحقا وهلاكا لقوم شعيب كما هلكت ثمود، وإنما ~~شبههم بثمود؛ لأن الصيحة كانت سببا في هلاك الفريقين جميعا. # قال ابن عباس: (وذلك أن مدين أصابهم حر شديد، ~~ولم تتحرك الريح ليلا ولا نهارا، فكان ~~يحرقهم بالليل حر القمر، وبالنهار حر الشمس، ~~فنشأت لهم سحابة كهيئة الظلة فيها عذابهم، ~~فأتوها يستظلون تحتها ويطلبون الروح، فسال ~~عليهم العذاب من فوقهم، ورجفت الأرض من ~~العذاب وأحرقتهم السحابة، وذلك قوله تعالى: # فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم ~~عظيم # [الشعراء: 189]). # قال: (ولم يعذب أمتان بعذاب واحد إلا قوم شعيب ~~وصالح، فأما قوم صالح فأخذتهم الصيحة من ~~تحتهم، وأما قوم شعيب فأخذتهم الصيحة من ~~فوقهم). ### || [11.96-97] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا ~~وسلطان مبين }؛ أي أرسلنا موسى بدلائلنا، والآية العلامة ~~التي فيها العبرة، وقوله تعالى: { وسلطان مبين } أي وحجة ~~بينة مسلطة على إبطال الفاسد. وقوله تعالى: { إلى فرعون ~~وملئه }؛ وأشراف قومه، { فاتبعوا أمر فرعون }؛ ~~أي اتبعوا قوله وتركوا أمر الله، { ومآ أمر فرعون ~~برشيد }؛ أي ما هو بصائب، إلا أنهم اتبعوا وخالفوا أمر موسى. ### || [11.98] # قوله تعالى: { يقدم قومه يوم القيامة ~~فأوردهم النار }؛ أي يمشي أمام قومه يوم القيامة حتى ~~يهجم بهم على النار، وإنما يمشي أمام قومه يوم القيامة لأنهم ~~اتبعوه في الدنيا حتى هداهم إلى طريق النار، فكذلك يمشي بهم في ~~الآخرة حتى يدخل بهم النار. # وأما عطف الماضي الذي هو (فأوردهم) على المستقبل فهو على معنى ~~فهو إذا قدمهم أوردهم النار. وإنما تقدمهم ولم يقل يسبق؛ لأن ~~قوله يسبق قومه لا يدل على أنه يمشي بين أيديهم. # قوله تعالى: { وبئس الورد المورود } فيه إلى ~~النار، والورد في الحقيقة إنما يستعمل في الماء كما قال تعالى: # ولما ورد مآء مدين # [القصص: 23]، ولكن لما كان فرعون وقومه في الآخرة يكونون عطاشى ~~ويردون على ما بهم من ms1079 العطش استعمل فيهم هذه اللفظة. ### || [11.99] # قوله تعالى: { وأتبعوا في هذه لعنة ويوم ~~القيامة }؛ أي وأتبعهم الله في الدنيا لعنة بإبعادهم عن ~~الرحمة بالغرق { ويوم القيامة } لهم لعنة أخرى وهي ~~النار، { بئس الرفد المرفود }؛ بئست اللعنة على إثر ~~اللعنة، ترادفت عليهم اللعنات الغرق في الدنيا والنار في ~~الآخرة. # والرفد في اللغة: هو العون في الأمر إلا أن العطية تسمى ~~رفدا لما فيها من العون، كأنه قال: بئس العطاء ما أعطى. ~~وقال بعضهم: هذا من المقلوب؛ أي بئس الردف المردوف، ~~فالردف: لعنة الله إياهم، والمردوف لعنة الأنبياء ~~والمؤمنين. ### || [11.100] # قوله تعالى: { ذلك من أنبآء القرى نقصه ~~عليك }؛ أي ذلك الذي ذكرت يا محمد من أخبار الأمم ~~الماضية ينزل به عليك جبريل عليه السلام نقصصهم عليك مرة بعد ~~مرة، مأخوذ من إتباع الشيء الشيء. # قوله تعالى: { منها قآئم وحصيد } أي منها قائم ~~الأبنية وقد باد أهله كما قال تعالى: # وبئر معطلة وقصر مشيد # [الحج: 45]، والحصيد ما هلك بأهله فلا يبقى له مكان ولا أثر نحو ~~مدائن قوم لوط حصدت من الأرض السفلى. والمعنى منها قائم بقيت ~~حيطانه ومنها حصيد مخسوف به قد أمحي أثره، قال ابن عباس: ~~(قائم ينظرون إليه وإلى ما بقي من أثره، وحصيد ~~قد خرب ولم يبق له أثر شبيه بالزرع إذا حصد). ### || [11.101] # قوله تعالى: { وما ظلمناهم ولكن ظلموا ~~أنفسهم }؛ أي ما ظلمناهم بإهلاكهم، ولكن ظلموا أنفسهم بسوء ~~اختيارهم، { فما أغنت عنهم آلهتهم }؛ أي فما نفعتهم ~~آلهتهم، { التي يدعون }؛ التي كانوا يعبدونها، { من دون ~~الله من شيء لما جآء أمر ربك وما زادوهم ~~غير تتبيب }؛ أي تخسير ومنه: # تبت يدآ أبي لهب وتب # [المسد: 1] أي خسرت يداه وخسر هو. ### || [11.102] # قوله تعالى: { وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى ~~وهي ظالمة }؛ معناه: كما أخذ ربك فرعون ومن تقدمه من ~~الكفار، فكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي كافرة. قوله ~~تعالى: { إن أخذه أليم شديد }؛ ظاهر المعنى. وقوله ~~تعالى: { وهي ظالمة } من صفة القرى وهي في الحقيقة لأهلها ~~وسكانها، ونحو ms1080 هذا قوله # وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة # [الأنبياء: 11]. ### || [11.103-104] # قوله تعالى: { إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب ~~الآخرة }؛ أي إن في ذلك لعبرة لمن خاف عذاب الآخرة فلا ~~يقتدى بهم، وقوله تعالى: { ذلك يوم مجموع له الناس ~~}؛ معناه: إن يوم القيامة يوم يجمع فيه الأولون والآخرون، ~~قوله تعالى: { وذلك يوم مشهود }؛ أي يشهده أهل ~~السماوات والأرض. قوله تعالى: { وما نؤخره إلا ~~لأجل معدود }؛ وقد عده الله، وعلم أن صلاح الخلق في ~~إدامة التكليف عليهم إلى ذلك الأجل. ### || [11.105] # قوله تعالى: { يوم يأت لا تكلم نفس إلا ~~بإذنه }؛ من قرأ (يأتي) بإثبات الياء فعلى الأصل، ومعناه: ~~يوم يأتي ذلك اليوم لا تكلم نفس في الشفاعة إلا بأمر الله، ~~ويقال: لا يجبر أحد أن يتكلم بالاحتجاج وإقامة العذر من ~~مشيئة الله إلا بإذنه، ومن قرأ (يأت) بغير ياء فهي لغة ~~هذيل، وهكذا في مصحف عثمان، ومنه يقول العرب: لا أدر ولا ~~أمض، فيحذف الياء ويجتزئ بالكسر، قوله تعالى: { فمنهم ~~شقي وسعيد }؛ أي من الناس شقي وسعيد. ### || [11.106] # قوله تعالى: { فأما الذين شقوا ففي النار }؛ أي ~~فأما الذين كتبت عليهم الشقاوة ففي النار، وقال بعضهم: شقوا ~~بفعلهم، وقال بعضهم: شقوا في بطون أمهاتهم، فما شقي أحد ~~بفعل إلا بعد ما شقي في بطن أمه، وما شقي في بطن أمه إلا ~~بعد سابق علم الله فيه، وإنما يلحقه اللوم بالشقاوة المحتومة لا ~~بالشقاوة المعلومة، وكذلك السعادة على هذه الجملة. # قوله تعالى: { لهم فيها زفير وشهيق }؛ الزفير ~~شدة الأنين في الصدر، والشهيق الأنين الشديد المرتفع نحو ~~الزعقة التي تكون من شدة الكرب والحزن، وربما يتبعها ~~الغشية، ومن هذا قالوا: إن الزفير أول صوت نهيق الحمار، ~~والشهيق آخر صوت نهيقه، وسمي رأس الجبل شاهقا لارتفاعه. ### || [11.107] # قوله تعالى: { خالدين فيها }؛ أي دائمين في النار. ~~قوله تعالى: { ما دامت السموت والأرض }؛ قال ~~بعضهم: أراد بذلك مقدار سماء الدنيا وأرضها، وذلك أن العرب إذا ~~أرادت تأكيد التأكيد والتبعيد قالت: ما دامت السماوات والأرض، وما ~~لاح كوكب، ms1081 وما أضاء القمر، وما اختلف الجديدان، لا يريد بذلك ~~الشرط، وإنما يريد بذلك التأكيد والتبعيد. # قوله تعالى: { إلا ما شآء ربك }؛ أي سوى ما شاء ~~ربك من الخلود بعد مضي مقدار سماء الدنيا وأرضها. وقال ~~بعضهم: معنى الآية: ما دامت سماء الدنيا وأرضها، وسماء الجنة ~~وأرضها، وقوله: { إلا ما شآء ربك } مذكور على وجه التأبيد ~~أيضا. قوله تعالى: { إن ربك فعال لما يريد }؛ ~~أي يفعل ما شاء. ### || [11.108] # قوله تعالى: { وأما الذين سعدوا }؛ من قرأ ~~(سعدوا) بضم السين فمعناه: رزقوا السعادة، وممن قرأ ذلك أهل ~~الكوفة، قوله: { ففي الجنة خالدين فيها ما دامت ~~السموت والأرض إلا ما شآء ربك عطآء غير ~~مجذوذ }؛ أي أعطاهم النعيم عطاء غير مجذوذ أي غير مقطوع. ### || [11.109] # قوله تعالى: { فلا تك في مرية }؛ أي فلا تكن أيها ~~الشاك في مرية، { مما يعبد هؤلاء }؛ من دون الله أنه ~~باطل، والمرية هي الشك مع ظهور دلائل التهمة، وقوله تعالى: { ~~ما يعبدون إلا كما يعبد آباؤهم من قبل }؛ معناه: ~~ما يعبدون إلا على جهة التقليد لآبائهم. قوله تعالى: { وإنا ~~لموفوهم نصيبهم غير منقوص }؛ أي حظهم من العذاب غير ~~منقوص عن مقدار ما استحقوا؛ آيسهم الله بهذا القول عن العفو، ~~وقيل: أراد بالنصيب الأرزاق والآجال، وما قدر لهم في دنياهم. ### || [11.110] # قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف ~~فيه }؛ أي ولقد أعطينا موسى الكتاب، فصدق به بعضهم، وكذب به بعضهم، ~~{ ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم }؛ أي ~~لولا وعد الله سبق بإبقاء التكليف عليهم إلى ذكر الوقت لقضى بتعجيل ~~العقاب لمن استحق العقاب في الدنيا، وبتعجيل الثواب لمن استحق ~~الثواب في الدنيا. قوله تعالى: { وإنهم لفي شك ~~منه مريب }؛ أي وإنهم لفي شك من القرآن يريبهم أمره. ### || [11.111] # قوله تعالى: { وإن كلا لما ليوفينهم ~~ربك }؛ معناه: وإن كلا من الفريقين المصدق والمكذب ~~يجتمعان يوم القيامة فيوفيهم ربك، { أعمالهم }؛ على ~~التمام، { إنه بما يعملون خبير }؛ وبما يستحقون من ~~الجزاء خبير. # قرأ ابن كثير ونافع (وإن كلا لما) كلاهما بالتخفيف، ms1082 وقرأ أبو ~~بكر عن عاصم (وإن) مخففة (لما) مشددة، والباقون كلاهما ~~بالتشديد، فحجة أبو عمرو والكسائي أن اللام في قوله: (لما) لام ~~التأكيد دخلت في خبر إن، واللام التي في { ليوفينهم } لام ~~القسم، تقديره: والله ليوفينهم، دخلت (ما) للفصل بين ~~اللامين. # وأما حجة نافع وابن كثير في نصبه (كلا) ما قال سيبويه: إنه ~~سمع من العرب من يقول: إن عمرا لمنطلق، ~~فيخففون إن ويعملونها، وأنشده الشاعر: # ووجه حسن النحر # كأن ثدييه حقان # والمعنى على قراءة أبي عمرو (وإن كلا) من السعيد والشقي ~~ليوفينهم ربك أعمالهم، و(ما) زائدة في قوله (لما)، ومن ~~خفف (إن) كان معناه من معنى المشددة، تقول: إن زيدا لقائم، ~~وإن زيدا لقائم، تريد إثبات قيامه، فإذا قلت: إن زيد ~~قائم، فمعناه: ما زيد قائم، ونظيره قوله تعالى: # إن كل نفس لما عليها حافظ # [الطارق: 4] بتخفيف (لما)، تقدير لعلها حافظ، ومن خفف (إن) ~~وشدد (لما) فتأويله الجحد والتحقيق؛ أي ما كل إلا ~~ليوفينهم، ونصب (كلا) على هذا التأويل ب (ليوفينهم) ~~لا ب (أن). ### || [11.112] # قوله تعالى: { فاستقم كمآ أمرت }؛ أي استقم يا ~~محمد في التمسك بطاعة الله تعالى كما أمرت وليستقم، { ~~ومن تاب معك }؛ من الشرك، { ولا تطغوا }؛ بمجاوزة ~~أوامر الله تعالى، { إنه بما تعملون }؛ من الخير والشر، { ~~بصير }. ### || [11.113] # قوله تعالى: { ولا تركنوا إلى الذين ظلموا }؛ ~~أي لا تميلوا إلى الذين ظلموا بالأنس بهم والمحبة والرضا بفعلهم، ~~قال السدي: (ولا تداهنوا الظلمة)، وقال أبو العالية: (لا ~~ترضوا بأعمالهم)، وقال عكرمة: (هو أن يحبهم)، وقال ~~قتادة: (ولا تلحقوا المشركين). # قوله تعالى: { فتمسكم النار } أي فتصيبكم كما ~~تصيبهم، { وما لكم من دون الله من أوليآء }؛ من ~~أعوان يدفعون عنكم عذاب الله، { ثم لا تنصرون }؛ على أعدائكم؛ ~~لأن الله تعالى إنما ينصر المطيعين. ### || [11.114-115] # قوله تعالى: { وأقم الصلاة طرفي النهار }؛ أي ~~وقت الغداة والعصر، { وزلفا من اليل }؛ أي ساعة بعد ~~ساعة من الليل، يعني صلاة المغرب والعشاء. والزلفى جمع ~~الزلفة؛ هي الساعة القريبة من أول الليل. # ويقال: إن صلاة الظهر ms1083 داخلة في قوله { طرفي النهار }؛ ~~لأنها لا تقام إلا بعد الزوال، فإذا زالت الشمس فقد دخل الطرف ~~الآخر خصوصا إذا اعتبر النهار من طلوع الفجر. # قوله تعالى: { إن الحسنات يذهبن السيئات }؛ ~~أي إن الصلوات الخمس يذهبن الصغائر، كما روي عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارة ~~لما بينهن ما اجتنبت الكبائر " # وقيل: إن التوبة تكفر عقاب السيئات، وقيل: أراد ~~بالحسنات: سبحان الله؛ والحمد لله؛ ولا إله إلا الله؛ والله أكبر. ~~قوله تعالى: { ذلك ذكرى للذاكرين * واصبر ~~فإن الله لا يضيع أجر المحسنين }؛ أي ذلك الخطاب ~~تذكير للذاكرين الذين يذكرون أوامر الله ويأخذون بها، ويذكرون ~~نواهيه فيجتنبون معاصيه. # وعن ابن عباس قال: # " نزلت هذه الآية في رجل يقال له عمر بن ~~عرفة الأنصاري، أتته امرأة تبتاع تمرا ~~فأعجبته، فقال: إن في البيت تمرا أجود منه، ~~فانطلقي معي حتى أعطيك منه. # فانطلقت معه، فلما دخلت البيت وثب عليها، ~~فلم يترك شيئا مما يفعله الرجل بالمرأة إلا ~~وقد فعله، إلا أنه لم يجامعها - يعني أنه ~~ضمها وقبلها وحذف شهوته - فقالت له: اتق ~~الله، فتركها وندم، ثم اغتسل وأتى رسول الله. ~~فقال: يا رسول الله ما تقول في رجل راود امرأة ~~عن نفسها، ولم يبق شيئا من ما يفعله الرجل ~~بالنساء غير أنه لم يجامعها؟ # فقال عمر: لقد سترك الله لو سترت على نفسك! ~~ولم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، ~~فقال: " ما أدري، ما أدري عليك حتى يأتي فيك شيء ~~" فحضرت صلاة العصر، فلما فرغ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من الصلاة، نزل جبريل عليه السلام ينبؤه ~~بهذه الآية، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ~~يا رسول الله أخاص له أم عام؟ فقال: " بل عام ~~للناس كلهم " ". ### || [11.116] # قوله تعالى: { فلولا كان من القرون من قبلكم ~~أولوا بقية }؛ أي فهلا كان من القرون الماضية، وقيل: ما ~~كان من القرون من قبلكم ذو تمييز، { ينهون عن الفساد في ~~الأرض }؛ عن ms1084 المعاصي؛ أي ولماذا أطبقوا كلهم على المعصية حتى ~~استحقوا بذلك عذاب الاستئصال، والبقية في اللغة: ما يمدح ~~به الإنسان، يقال: فلان في بقية، وفي بني فلان بقية. # قوله تعالى: { إلا قليلا ممن أنجينا منهم }؛ ~~كانوا ينهون عن الفساد، وهم الأنبياء عليهم السلام والصالحون، ~~فأنجيناهم من العذاب. قوله تعالى: { واتبع الذين ~~ظلموا مآ أترفوا فيه }؛ أي أقبلوا على ما خولوا من ~~دنياهم، واستغنوا بذلك عن طاعة الله، فلم ينهوا عن الفساد، ~~وعتوا عن أمر الله، وآثروا الدنيا وبطروا، { وكانوا ~~مجرمين }؛ أي وكانوا مذنبين بترك الأمر بالمعروف. ### || [11.117] # قوله تعالى: { وما كان ربك ليهلك القرى ~~بظلم وأهلها مصلحون } أي لم يكن ليهلك أهل القرى ~~بظلم منه عليهم إذا كان أهلها مصلحين، ولكن إنما كان أهلكهم ~~بظلمهم لأنفسهم. وعن ابن عباس رضي الله عنه أن معناه: (ما كان ~~ليهلك أهل القرى بشركهم وهم مصلحون، ~~يتعاطون الحق بينهم، أي ليس من سبيل الكفار ~~إذا قصدوا الحق في المعاملة، وترك الظلم أن ~~ينزل الله بهم عذابا يهلكهم). والمعنى: ما كان الله ~~ليهلكهم بشركهم، وهم مصلحون ما بينهم لا يتظالمون ويتعاطون ~~الحق بينهم، وإنما يهلكهم إذا تظالموا؛ لأن مكافأة الشرك ~~النار؛ أي إنما يهلكهم بزيادة المعصية على الشرك، كما في قوم ~~لوط وقوم صالح وقوم موسى وغيرهم. ### || [11.118] # قوله تعالى: { ولو شآء ربك لجعل الناس أمة ~~واحدة }؛ أي لجعلهم كلهم على دين الإسلام، ولكن علم أنهم ~~كلهم ليسوا بأهل لذلك، وقيل: لو شاء لألجأهم إلى الإيمان ~~لآمنوا كلهم ضرورة، ولكن لو فعل ذلك لزال التكليف. # قوله تعالى: { ولا يزالون مختلفين }؛ أي في الدين ~~على أديان شتى من يهودي ونصراني ومجوسي وغير ذلك. قوله ~~تعالى: { إلا من رحم ربك }؛ إلا من عصمه الله من ~~الباطل والأديان المخالفة بأن لطف به، ووفقه للإيمان المؤدي ~~إلى الثواب، فهو ناج من الاختلاف بالباطل. ### || [11.119] # قوله تعالى: { ولذلك خلقهم }؛ أي وللرحمة خلقهم؛ ~~أي لكي يؤمنوا فيرحمهم. وقيل: معناه وللاختلاف خلقهم، ~~فتكون اللام في هذا لام العاقبة. قوله تعالى: { وتمت ~~كلمة ربك ms1085 لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين }؛ أي من كفار الجن وكفار الإنس. ### || [11.120] # قوله تعالى: { وكلا نقص عليك من أنباء ~~الرسل ما نثبت به فؤادك }؛ أي كل القصص وكل ما ~~يحتاج إليه نبينه لك من أخبار الرسل ما يطيب ويسكن به قلبك ~~ويزيدك يقينا ويقوي قلبك. وذلك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان ضاق صدره بما يكون من أذى قومه في الله، فقصص الله عليه ~~شيئا من أخبار الرسل المقدمين مع أممهم لنثبت به فؤادك. ~~قوله تعالى: { وجآءك في هذه الحق وموعظة }؛ ~~أي في هذه السورة الصدق من أقاصيص الأنبياء وللوعظ وذكر الجنة ~~والنار. # وخصت هذه السورة بمجيء الحق فيها تشريفا لها ورفعا ~~لمنزلتها. وقيل: أراد بقوله { في هذه } الدنيا، ~~والموعظة: تعريف القبيح للزجر عنه، وتعريف الحسن للترغيب فيه، ~~و؛ هي؛ { وذكرى }؛ الذكرى: { للمؤمنين }. ### || [11.121-122] # قوله تعالى: { وقل للذين لا يؤمنون اعملوا ~~على مكانتكم إنا عاملون } أي اثبتوا على ما أنتم عليه ~~كثبات الرجل على مكانه، وهذا على وجه التهديد، { وانتظروا ~~}؛ ما يعدكم الشيطان، { إنا منتظرون }؛ ما وعد الله بنا ~~ونزول ما وعد الله بكم. ### || [11.123] # قوله تعالى: { ولله غيب السموت والأرض }؛ أي ~~له ما غاب عن البلاد في السماوات والأرض، { وإليه يرجع ~~الأمر كله }؛ أمر العباد، كله؛ فأطعه وفوض أمرك ~~إليه، { فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل ~~عما تعملون } أي يجزي المحسنين بإحسانه، والمسيء بإساءته. ~~وقرأ (يعملون) بالياء على معنى قل لهم ذلك. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من قرأ سورة هود أعطي من الأجر بعدد من ~~صدق نوحا وهودا وشعيبا ولوطا وصالحا وإبراهيم ~~وموسى، ومن كذبهم عشر حسنات، وكان عند الله ~~يوم القيامة من السعداء ". ### | [12 - سورة يوسف] ### || [12.1] # { الر }؛ قد تقدم تفسيره، قوله: { تلك آيات الكتاب ~~المبين }؛ قيل: معناه: هذه الآيات الكتاب المبين، وقيل: ~~معناه: سورة يوسف آيات الكتاب على القول الذي يقول: إن { الر } اسم ~~السورة. وقوله تعالى: { المبين }؛ لأنه يبين الهدى ~~والرشد، وقيل: البين حلاله وحرامه وحدوده وأحكامه. ### || [12.2] # قوله تعالى: ms1086 { إنآ أنزلناه قرآنا عربيا }؛ أي ~~أنزلنا القرآن على مجاري كلام العرب في مخاطباتهم، { لعلكم ~~تعقلون }؛ أي لكي يدركوا معناه ويفهموا ما فيه، ولو نزل ~~بغير لغة العرب لم يعلموه. ### || [12.3] # قوله تعالى: { نحن نقص عليك أحسن القصص بمآ ~~أوحينآ إليك هذا القرآن }؛ أي نحن نبين لك أحسن ~~البينات، والقاص هو الذي يأتي بالقصة على حقيقتها. # واختلف العلماء لم سميت بأحسن القصص من بين الأقاصيص، فقيل: ~~سماها أحسن القصص؛ لأنه ليس قصة في القرآن تتضمن من العبرة ~~والحكم والنكت ما يتضمن هذه القصة. وقيل: سماعا أحسن القصص ~~لامتداد الأوقات في ما بين مبتدأها إلى منتهاها. قال ابن عباس: ~~(كان بين رؤيا يوسف ومسيراته وإخوانه أربعون ~~سنة). # وقيل: سماها أحسن القصص؛ لأن فيها ذكر الأنبياء والملائكة ~~والصالحين، والإنس والجن والأنعام والطير، والملك والمماليك ~~والبحار، والعلماء والجهال، والرجال والنساء وحيلهن ومكرهن، ~~وفيها أيضا ذكر التوحيد والفقه والسير، وتعبير الرؤيا والسياسة ~~والمعاشرة والتدبير والمعايش، فصارت أحسن القصص لما فيها من ~~المعاني الجزيلة والفوائد الجليلة التي تصلح للدنيا. وقيل: أحسن ~~القصص بمعنى أعجب. # وقيل: أراد بأحسن القصص جميع القصص التي في القرآن، فإن ~~الله تعالى ذكر في القرآن أخبار الأمم الماضية، وحال رسلهم ~~عليهم الصلاة والسلام، وذكر جميع ما يحتاج العباد إليه ~~إلى يوم القيامة بأعذب لفظ في أحسن نظم وترتيب. # قوله تعالى: { بمآ أوحينآ إليك هذا القرآن } ~~أي أوحينا إليك هذا القرآن. قوله تعالى: { وإن كنت من ~~قبله لمن الغافلين }؛ أي وقد كنت من قبل نزول جبريل ~~عليك بالقرآن غافلا عن قصة يوسف وعن الحكمة فيها. ### || [12.4-5] # قوله تعالى: { إذ قال يوسف لأبيه يأبت إني ~~رأيت أحد عشر كوكبا }؛ الآية متصلة بما قبلها، فإن ~~معناه: نحن نقص عليك أحسن القصص، إذ قال يوسف لأبيه. قرأ طلحة بن ~~مصرف (يوسف) بكسر السين، ثم قرأ ابن عباس (يا أبت) بفتح التاء ~~في جميع القرآن، وأصله على هذا يا أبتا، ثم حذفت الألف، وأبقى فتحة ~~دلالة عليها، قال رؤبة: # تقول بنتي قد أنى أناكا # يا أبتا علك ms1087 أو عساكا # وقرأ الباقون (يا أبت) بالكسرة على الإضافة يقدرها بعدها، ~~وقيل: كسرت؛ لأنها أجريت مجرى التأنيث. # قوله تعالى: { إني رأيت أحد عشر كوكبا } قال ~~المفسرون: رأى يوسف عليه السلام هذه الرؤيا وهو ابن اثنى عشر ~~سنة، قال ابن عباس: (وذلك أنه قال لأبيه: يا أبت إني ~~رأيت في المنام أحد عشر كوكبا نزلت من ~~أماكنها فسجدت لي، ورأيت { والشمس والقمر }؛ ~~نزلا من أماكنهما فسجدا لي، وأراد بذلك سجدة ~~التحية والعبادة لله عز وجل، كما يقوم ~~الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام). # قال: (وكانت الرؤيا ليلة القدر ليلة الجمعة، ~~وكان تأويل رؤياه عند يعقوب: أن الشمس والقمر ~~هو في حالته، وأن أم يوسف وهي راحيل كانت قد ~~ماتت، وأن الأحد عشر كوكبا إخوة يوسف وكانوا ~~أحد عشر أخا، وإنهم كلهم سيخضعون ليوسف). ~~وإنما تأولها يعقوب على ذلك؛ لأنه لا شيء ~~أضوأ من الشمس والقمر، ويهتدي بضوئهما أهل ~~الأرض، ثم لا شيء بعدهما أضوأ من الكواكب، ~~فدلت رؤياه على أن الذي يخضعون له أئمة ~~الهدى الذين يهتدي الناس بهم. # قوله تعالى: { رأيتهم لي ساجدين }؛ ثانيا ليس ~~بتكرار؛ لأنه أراد بالرؤية الثانية رؤية سجودهم له، وإنما حملت ~~الآية على الرؤيا لا على رؤية العين؛ لأنا نعلم أن الكواكب لا تسجد ~~حقيقة للآدميين، ولهذا قال يعقوب: { لا تقصص رؤياك على ~~إخوتك }. # وعن ابن عباس أنه قال: (لما قص يوسف رؤياه على ~~أبيه نهره وزجره لئلا يفطن إخوته، وقال له ~~في السر: إذا رأيت رؤيا بعدها لا تقصص رؤياك ~~على إخوتك). فذلك قوله تعالى: { قال يبني لا ~~تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا }؛ لأن ~~رؤيا الأنبياء وحي، يعلم يعقوب أن الإخوة إذا سمعوا بها حسدوه فأمره ~~بالكتمان، وإنما كان قصها على يعقوب فقط، وهذا القول أقرب إلى ~~ظاهر الآية، أي لا تخبرهم بذلك لئلا يحملهم الحسد إلى قصدك ~~بسوء، ومن الخضوع له على إنزال التثريب عليه والاحتيال لهلاكه، ~~والكيد: هو طلب الشر بالإنسان على جهة الغيظ عليه. # اختلف فيما عناه فيه هذه اللام التي ms1088 في قوله تعالى: { ~~فيكيدوا لك كيدا } قال بعضهم: معناه: فيكيدوك واللام ~~صلة كقوله تعالى: # لربهم يرهبون # [الأعراف: 154]، وقال بعضهم: هو مثل قولهم: نصحتك ونصحت لك ~~وأشباهه. # قوله تعالى: { إن الشيطان للإنسان عدو مبين ~~}؛ أي إن الشيطان عدو ظاهر العدوان لبني آدم، فلا تذكر رؤياك ~~لإخوتك؛ لئلا يحملهم الشيطان على الحسد وإنزال الضر بك. # وهذا أصل في جواز ترك إظهار النعمة عند من يخشى حسده وكيده، ~~وإن كان الله تعالى: قال: # وأما بنعمة ربك فحدث # [الضحى: 11]، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فإن ~~كل ذي نعمة محسود ". ### || [12.6] # قوله تعالى: { وكذلك يجتبيك ربك }؛ أي مثل ما ~~رأيت من سجود الشمس والقمر والكواكب، كذلك يصطفيك ربك ~~ويختارك، { ويعلمك من تأويل الأحاديث }؛ قيل: ~~معناه: من تأويل الرؤيا لأن فيه أحاديث الناس عن رؤياهم. ~~وقيل: معناه: أفهمك عواقب الأمور والحوادث. ويقال: ~~يعلمك الشرائع التي لا تعلم إلا من قبل الله تعالى. # قول تعالى: { ويتم نعمته عليك وعلى ءال ~~يعقوب }؛ أي يتم نعمته عليك بالنبوة كما أتم النعمة؛ ~~قوله تعالى: { كمآ أتمهآ على أبويك من قبل ~~إبراهيم وإسحاق }؛ أي يتم النعمة أيضا على أولاد يعقوب ~~بك؛ لأن ذلك يكون سر حالهم؛ أي تكون النبوة فيهم، { إن ربك ~~عليم حكيم } ، في أفعاله. # وفي بعض التفاسير: أن يعقوب عليه السلام كان خطب إلى خاله ~~ابنته راحيل على أن يخدمه سبع سنين فأجابه، فلما حل الأجل ~~زوجه ابنته الكبرى لايا، فقال يعقوب لخاله: لم يكن هذا على ~~شرطي، قال: إنا لا ننكح الصغيرة قبل الكبيرة، فهلم فآخذ ~~مني سبع سنين أخرى وأزوجك راحيل، وكانوا يجمعون بين الأختين، ~~فرعى يعقوب سبع سنين أخرى وزوجه راحيل، ودفع لكل واحدة من ~~ابنتيه أمة تخدمها فوهبتاهما ليعقوب عليه السلام فولدت لايا أربعة ~~بنين: روبيل وسمعون ويهودا ولاوي، وولدت راحيل: يوسف وبنيامين، ~~وولدت الأميان: بنيامين وهابيل ودان ويسائيل وجادوان وآشير. فجملة ~~بنيه اثنا عشر ولدا سوى البنتين. # فإن قال قائل: إن كان يعقوب علم أن ms1089 الله يجتبي يوسف ~~ويعلمه من تأويل الأحاديث، فلم إذا قال: # لا تقصص رؤياك # [يوسف: 5]؟ وكيف قال لهم: # وأخاف أن يأكله الذئب # [يوسف: 13] مع علمه أن الله سيبعثه رسولا؟ # والجواب: أنه عليه السلام كان عالما من طريق القطع أن الله ~~سيبلغه هذه المنزلة، ولكن كان مع ذلك يخاف من وصول المضار ~~إليه بكيدهم، وإن لم يخف الهلاك. وأراد بقوله: # أن يأكله الذئب # [يوسف: 13] الزجر لهم عن التهاون في حفظه، وإن كان يعلم أن ~~الذئب لا يصل إليه، ولذلك لم يصدقهم في قولهم: # فأكله الذئب # [يوسف: 17]، بل حاجهم بما يظهر به كذبهم. # وقيل: أراد بقوله { ويتم نعمته عليك } التخلص من ~~السجن، كما خلص الله إبراهيم عليه السلام من النار، وإسحاق من ~~الذبح. ### || [12.7] # قوله تعالى: { لقد كان في يوسف وإخوته آيات ~~للسائلين }؛ معناه: لقد كان في خبر يوسف وإخوته عبرة ~~للسائلين عنهم. وقرأ ابن كثير (آية) كأنه جعل شأنه كله ~~آية للسائلين، # " وذلك أن اليهود سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن قصة يوسف، ~~فأخبرهم بها كما في التوراة، فعجبوا منه وقالوا: من أين لك هذا ~~يا محمد؟ قال: " علمنيه ربي " " # وقيل: معناه: للسائلين أي لمن سأل عن أمرهم. ### || [12.8] # قوله تعالى: { إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى ~~أبينا منا }؛ هذه لام القسم، تقديره: والله ليوسف وأخوه ~~بنيامين أحب إلى أبينا منا، { ونحن عصبة }؛ أي جماعة ~~وكانوا عشرة، سموا عصبة؛ لأن بعضهم يتعصب لبعض، ويعين بعضهم ~~بعضا. والعصبة: ما بين الواحد إلى العشرة، وقيل: إلى الخمسة ~~عشر. # قوله تعالى: { إن أبانا لفي ضلال مبين }؛ أي من ~~الخاطئين في ترك العدل في المحبة بيننا لفي خطأ بين من ~~التدبير باختياره الصغيرين، ولا منفعة له فيهما علينا مع أنا نسعى ~~في منافعه ونرعى له غنمه ونتعهدها. ### || [12.9] # قوله تعالى: { اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا ~~يخل لكم وجه أبيكم }؛ اختلفوا في قائل هذا القول، قال ~~وهب: (قائله سمعون)، وقال مقاتل: (قاله روبيل)، وقوله تعالى { ~~أو اطرحوه أرضا } يعنون أبعدوه على وجه يقع به اليأس من ms1090 ~~اجتماعه مع أبيه. # قوله تعالى: { يخل لكم وجه أبيكم } أي يخل لكم ~~وجهه عن يوسف، ويخلص محبته لكم، { وتكونوا من بعده ~~قوما صالحين }؛ أي تتوبوا بعد ذلك من هذا الذنب، ويصلح ~~حالتكم مع أبيكم. ### || [12.10-12] # قوله تعالى: { قال قآئل منهم لا تقتلوا يوسف ~~وألقوه في غيبت الجب }؛ قال أكثر المفسرين: القائل ~~بهذا هو يهودا، وكان أعقلهم وأشدهم قوة، والمعنى أنه قال لهم ~~اطرحوه في قعر البئر، { يلتقطه بعض السيارة }؛ على ~~الطريق. والغيابة: هو الموضع الذي غاب عن بصرك، والجب: هو ~~البئر التي لم يطو بالحجارة. # قوله تعالى: { إن كنتم فاعلين }؛ معناه: قال لهم: إن ~~كنتم لا بد فاعلين به أمرا فاعدلوا إلى هذا الأمر، وإلا ~~فاتركوا كل ذلك. والظاهر من قوله (الجب) أنه جب مشار إليه ~~معروف، قال وهب: (هو بأرض الأردن على ثلاثة فراسخ ~~من منزل يعقوب). # فلما أبرموا هذا التدبير وعزموا عليه تلطفوا بالوصول إلى ~~مرادهم، وجاؤا إلى أبيهم، فقالوا كما قال الله: { قالوا ~~يأبانا ما لك لا تأمنا على يوسف وإنا له ~~لناصحون }؛ أي ما لك لا تأمنا عليه، فترسله معنا وإنا ~~له لناصحون في الرحمة والبر. قوله: { أرسله معنا غدا ~~يرتع ويلعب }؛ أي يذهب ويجيء وينشط؛ ويقرأ كلاهما بالنون ~~والياء. # والرتع: هو التردد يمينا وشمالا للاتساع في الملاذ. ومن ~~قرأ (يرتع) بالياء فهو من يرتع؛ أي يرعى ماشيته، واللعب: ~~هو الفعل الذي يطلب منه التفريح من غير عاقبة محمودة، وهو على ~~وجهين: مباح ومحظور، كما قال عليه السلام: # " كل لعب حرام إلا ثلاثة: ملاعبة الرجل ~~أهله، ونبله بقوسه، وتأديبه فرسه " # { وإنا له لحافظون }؛ عن الأسواء؛ وعن كل ما يخاف ~~عليه. ### || [12.13] # قوله: { قال إني ليحزنني أن تذهبوا به }؛ أي ~~يحزنني ذهابكم به؛ لأنه يفارقني فلا أراه، { وأخاف أن ~~يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون }؛ ذكر شيئين: ~~الحزن لذهابهم، والخوف عليه أن يجده الذئب وحده وقت غفلتهم ~~عنه فيأكله. وكان يعقوب قد رأى في منامه كأن ذئبا قد عدا على ~~يوسف، فكان خائفا عليه، فمن ذلك قال: { وأخاف ms1091 أن يأكله ~~الذئب }. ### || [12.14] # قوله تعالى: { قالوا لئن أكله الذئب ونحن ~~عصبة }؛ أي ونحن جماعة ترى الذئب قد قصد، { إنآ إذا ~~لخاسرون }؛ أي لعاجزون والخسران هنا العجز. ### || [12.15-18] # قوله تعالى: { فلما ذهبوا به وأجمعوا أن ~~يجعلوه في غيبت الجب }؛ أي فأرسله معهم، فلما ذهبوا ~~به اتفقت دواعيهم أن يجعلوه في الجب، قال السدي: (خرجوا ~~به من عند أبيهم وهم مكرمون له، فلما صاروا في ~~البرية أظهروا له العداوة، فجعل أخ له ~~يضربه، فيستغيث بالآخر فيضربه، لا يرى فيهم ~~رحيما، فضربوه حتى كادوا يقتلونه. # فجعل يصيح ويقول: يا أبتاه لو تعلم ما صنع ~~بابنك؟ فقال لهم يهودا: أليس قد أعطيتموه ~~موثقا ألا تقتلوه؟ فانطلقوا به في الجب فدلوه ~~فيه، فتعلق بشفير البئر، فربطوا يديه ~~ونزعوا قميصه وقال: يا إخوتاه ردوا علي قميصي ~~أتوارى به، فقالوا: أدع الشمس والقمر والأحد ~~عشر كوكبا يلبسوك ويؤنسوك، فدلوه حتى إذا بلغ ~~نصف البئر ألقوه وأرادوا أن يموت، وكان في ~~البئر ماء فسقط فيه، وآوى إلى صخرة فقام عليها ~~وجعل يبكي، فنادوا فظن أن الرحمة أدركتهم ~~فأجابهم، فأرادوا أن يرضخوه بالحجارة ليقتلوه ~~فمنعهم يهودا، وكان يهودا يأتيه بالطعام). # قوله تعالى { وأوحينآ إليه لتنبئنهم ~~بأمرهم هذا }؛ قال المفسرون: أوحى الله إلى يوسف في ~~البئر تقوية لقلبه: لتصدقن رؤياك، ولتخبرن ~~إخوتك بصنعهم هذا بعد اليوم، { وهم لا يشعرون ~~}؛ بأن يوسف في وقت إخبارك إياهم بأمرهم، وكان فيما أوحي إليه: ~~أن اصبر على ما أصابك واكتم حالك، فإنك تخبرهم بما فعلوا ~~بك. # وعن ابن عباس: قال: (كان يومئذ ابن سبع عشرة سنة ~~وبقي في الجب ثلاثة أيام). وفي بعض الروايات: أنه لما ~~ألقي في الجب جعل يقول: يا شاهدا غير غائب، ويا قريبا غير ~~بعيد، ويا غالبا غير مغلوب: اجعل لي من أمري فرجا ومخرجا، ~~فأوحى الله إليه وهو في البئر: اصبر على ما أصابك واكتم حالك، ~~فإنك تخبر إخوانك في وقت عن ما فعلوا بك في وقت إخبارك ~~إياهم بأمرهم. # ثم عمدوا إلى سخلة فذبحوها، وجعلوا دمها على ms1092 قميص يوسف، { ~~وجآءوا أباهم عشآء يبكون }؛ أي يتباكون، { قالوا ~~يأبانآ إنا ذهبنا نستبق } أي نتسابق في الرمي، ~~وقيل: نسابق في الاصطياد، { وتركنا يوسف عند ~~متاعنا }؛ ليحفظه، { فأكله الذئب ومآ أنت بمؤمن ~~لنا }؛ أي بمصدق لنا في أمر يوسف لفرط محبتك له وتهمتك ~~إيانا فيه، { ولو كنا صادقين }؛ محل الصدق عندك في غير هذا ~~الحديث. # ثم أروه قميصه ملطخا بالدم، فذلك قوله تعالى: { ~~وجآءوا على قميصه بدم كذب }؛ أي بدم كذب، فلما نظر ~~يعقوب إلى القميص قال: ما عهدت ذئبا حليما مثل هذا الذئب! ~~فكيف أكل لحمه ولم يخرق قميصه؟! ولو أنهم كانوا مزقوا ~~قميصه حين لطخوه بالدم، كان ذلك أبعد عن التهمة عنهم، ولكن لا ~~بد في المعاصي أن يقترن بها الحزنان، { قال }؛ يعقوب: كذبتم، ~~{ بل سولت لكم أنفسكم أمرا } أي زينت لكم أنفسكم في ~~هلاك يوسف فضيعتموه، ويقال: إن يعقوب كما قال لهم: لو أكله ~~الذئب فشق قميصه! قالوا: لو قتله اللصوص لما تركوا قميصه، ~~هل يريدون إلا الثياب والمتاع، فسكتوا متحيرين. # قوله تعالى: { فصبر جميل }؛ أي فصبر جميل أولى من ~~الجزع، والصبر الجميل هو الذي لا شكوى فيه، قوله تعالى: { ~~والله المستعان على ما تصفون }؛ أي معناه: أستعين ~~بالله على الصبر في ما يقولون. # وروي: (أن شريحا كان جالسا للقضاء، فجاءته ~~امرأة تبكي وتشكو، فقيل له: يوشك أن تكون هذه ~~مظلومة، فقال شريح: قد جاء إخوة يوسف أباهم ~~عشاء يبكون وهم كذبة). ### || [12.19] # قوله تعالى: { وجاءت سيارة فأرسلوا واردهم ~~}؛ أي جاءت قافلة من المسافرين بعد أن مكث يوسف عليه السلام في ~~الجب ثلاثة أيام. يروى أنهم جاءوا من قبل مدين يريدون ~~معرفا خطر الطريق، فتحيروا وجعلوا يهيمون حتى وقعوا في ~~الأرض التي فيها الجب، فأرسل كل قوم منهم واردهم، والوارد ~~الذي يقوم القوم لطلب الماء، فوافق الجب مالك بن ذعر ~~وهو رجل من العرب من أهل مدين، { فأدلى دلوه } في البئر، ~~فتعلق بها يوسف، فلم يقدروا على نزعه، فنظروا فرأوا ~~غلاما قد تعلق بالدلو، فنادى أصحابه ف { قال ms1093 يبشرى ~~هذا غلام } ، قال: ما ذاك يا مالك؟ قال: غلام أحسن ما يكون ~~من الغلمان. فاجتمعوا عليه وأخرجوه. # قال كعب: (كان يوسف حسن الوجه جعد الشعر ضخم ~~العين مستوي البطن صغير السرة، وكان إذا ~~تبسم رأيت النور في ضواحكه، لا يستطيع أحد ~~وصفه، وكان حسنه كضوء النار وكان يشبه آدم ~~يوم خلقه الله تعالى قبل أن يصيب المعصية). ~~ويقال: إنه ورث ذلك الجمال من جدته سارة، وكانت قد أعطيت سدس ~~الحسن. # وقوله تعالى: { قال يبشرى هذا غلام } من قرأ (يا ~~بشري) أي بياء الإضافة، فهو خطاب للفرح على القلب، كما قال: يا ~~فرحي يا طوباي ويا أسفي. ومن قرأ بغير ياء الإضافة فمعناه ~~تبشير الأصحاب، كما يقال: يا عجبا ويراد به يا أيها القوم ~~اعجبوا. # قوله تعالى: { وأسروه بضاعة }؛ أي أسر الذين ~~وجدوا يوسف من رفقائهم ومن القافلة مخافة أن يطلب أحد منهم ~~الشركة معهم في يوسف عليه السلام، قوله: { وأسروه بضاعة } ~~نصب على المصدر؛ أي قالوا في ما بينهم: إنا نقول إن أهل الماء ~~استبضعوك بضاعة، ويجوز أن يكون { بضاعة } نصبا على الحال على ~~معنى أنهم كتموه حين أعقدوا التجارة فيه. # ويقال: إن قوله { وأسروه بضاعة } راجع إلى إخوة يوسف، ~~فإنه روي أنهم جاؤا بعد ثلاثة أيام فلم يجدوا في البئر، ~~فنظروا فإذا القوم نزول بقرب البئر، فإذا هم بيوسف، فقالوا ~~لهم: هذا عبد آبق منذ ثلاثة أيام، وقالوا ليوسف: لئن أنكرت ~~أنك عبد لنا فلنقتلنك، وقالوا للقوم: اشتروا منا فذلك ~~معنى قوله { وأسروه بضاعة } بأن طلبوا من يوسف كتمان ~~نسبه، إلا أن القول الأول أقرب إلى ظاهر الآية. قوله ~~تعالى: { والله عليم بما يعملون }؛ أي بيوسف، وهذا ~~يجري مجرى الوعيد. ### || [12.20] # قوله تعالى: { وشروه بثمن بخس دراهم معدودة ~~}؛ أي باعوه أخوته من مالك بن ذعر بعشرين درهما، فأصاب كل ~~منهم درهمين فلم يأخذ يهودا نصيبه، وأخذه الباقون، وقال ~~الضحاك: (باعوه باثني عشر درهما). وقال ابن عباس: ~~(معنى قوله { بثمن بخس } أي بثمن حرام؛ لأنه ~~سمى البخس حراما، وسمى ms1094 الحرام بخسا؛ لأنه لا ~~بركة فيه). وقال الكلبي: (باعوه باثنين وعشرين ~~درهما). وقوله تعالى: { معدودة } أي قليلة، وذكر العدد ~~عبارة عن القلة. # قوله تعالى: { وكانوا فيه من الزاهدين }؛ أي لم ~~يكن لهم فيه رغبة ولا في رده على أبيه، ولم يعلموا منزلته ~~من الله تعالى، يعني: أن إخوة يوسف كانوا في يوسف من الزاهدين؛ ~~لأنهم لم يعرفوا كرامته على الله تعالى. وقيل: كانوا في ~~يمنه من الزاهدين أن عرضهم أن يغيبوه عن أبيه، وكتم يوسف ~~شأنه مخافة أن يقتله إخوته، و { وشروه } أي باعوه، قال ~~الشاعر: # وشريت بردا ليتني # من بعد برد كنت هامه # أي بعت بردا وهو غلامه. # ثم انطلق مالك بن ذعر وأصحابه بيوسف ومعهم إخوته يقولون: ~~استوثقوا منه فإنه آبق سارق كاذب، وقد برئنا إليكم من عيوبه. ~~فحمله مالك بن ذعر على ناقته وسار به نحو مصر، وكان طريقهم على ~~قبر أمه، فلما بلغ قبر أمه أسقط نفسه من الناقة وهو يبكي ~~ويقول: يا أماه ارفعي رأسك من الثرى، وانظري إلى ولدك يوسف ~~وما لقي بعدك من البلايا، يا أماه لو رأيتي ضعفي ودلي، يا ~~أماه لو رأيتني، نزعوا قميصي وشدوني، وفي الجب ألقوني وعلى حر ~~وجهي لطموني، وبالحجارة رجموني. # ثم فقده مالك بن ذعر فصاح في القافلة: ألا إن الغلام رجع إلى ~~أهله، فطلبوه فوجدوه، فقال له رجل منهم: يا غلام قد أخبرنا مواليك ~~أنك آبق سارق، فلم نصدق حتى رأيناك، فقال: والله ما آبقت، ~~ولكنكم مررتم على قبر أمي، فلم أتمالك أن رميت نفسي عليه، ~~فرفع يده فلطم وجهه حتى حمله على ناقته. # وذهبوا به حتى قدموا مصر، فأمره مالك بن ذعر حتى اغتسل ولبس ~~ثوبا حسنا، وعرضه على البيع، فاشتراه قطفير بن رويحب ~~لامرأته، قال وهب: (ترافع الناس في ثمنه وتزايدوا ~~حتى بلغ ثمنه وزنه مسكا وورقا، فابتاعه قطفير ~~بهذا الثمن وأتى به إلى منزله). ### || [12.21] # قوله تعالى: { وقال الذي اشتراه من مصر ~~لامرأته }؛ واسمها راعيل: { أكرمي مثواه }؛ أي أحسني ~~طول مقامه عندنا، { عسى ms1095 أن ينفعنآ }؛ في أمورنا ونبيع ~~فنربح في ثمنه، { أو نتخذه ولدا }؛ نسبناه، وكان العزيز ~~عقيما، أو حصورا لا يولد له، إنما قال لما رأى على يوسف من ~~الجمال والعقل والهداية إلى الأمور. # قوله تعالى: { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض }؛ ~~أي كما خلصناه من البئر وإخوته كذلك مكناه فيها حتى بلغ ما ~~بلغ. قوله تعالى: { ولنعلمه من تأويل الأحاديث ~~}؛ أي لنعلمه من ضروب العلوم، { والله غالب على ~~أمره } أي لا يقدر أحد منكم دفع ما أراد من أمره، { ولكن ~~أكثر الناس لا يعلمون }؛ أن الله غالب على أمره وهم ~~المشركون. ### || [12.22] # قوله تعالى: { ولما بلغ أشده آتيناه حكما ~~وعلما }؛ قال ابن عباس: (لما بلغ ثماني عشرة سنة ~~آتيناه النبوة والفقه، وجعلناه حكيما عليما)، ~~قال: (والأشد من ثماني عشرة إلى ثلاثين سنة). ~~ويقال: أقصاه اثنان وستون سنة، فأما الاستواء فهو أربعون سنة. ~~وقال الحسن: (أعطي يوسف الرسالة عند هذه الحالة، ~~وكان أعطي النبوة من قبل). # ويقال: معناه: وآتيناه حكما وعلما بين الناس، فإذا الناس كانوا ~~تحاكموا إلى العزيز، أمره أن يحكم بينهم؛ لما رأى من عقله ~~وأمانته وعلمه. قوله تعالى: { وكذلك نجزي المحسنين ~~}؛ أي كما جزينا يوسف على صبره على المحن، كذلك نجزي ~~المحسنين في أقوالهم وأفعالهم. ### || [12.23] # قوله تعالى: { وراودته التي هو في بيتها عن ~~نفسه }؛ أي راودته امرأة العزيز واسمها زليخا، وكان ~~يوسف من أحسن البشر، وكان كضوء النهار ونور الشمس، وكان بحيث لا ~~يستطيع آدمي أن يصفه، فراودته أي طالبته لمرادها منه، { ~~وغلقت الأبواب }؛ عليه وعليها وطلبت منه أن يواقعها، ~~قوله { وغلقت الأبواب } قال المفسرون أغلقت سبعة أبواب. # قوله تعالى: { وقالت هيت لك }؛ أي هلم إلى ما ~~هيء لك، قرأ ابن كثير (هيت لك) بفتح الهاء وضم التاء، وقرأ ~~أهل المدينة والشام بكسرها وبفتح التاء، وقرأ الباقون بفتح الهاء ~~والتاء، وهي قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، ومعناه جميعا، هلم ~~وأقبل، قال مجاهد: (تدعوه إلى نفسها وهي كلمة حث). # قوله تعالى: { قال معاذ الله }؛ أي أعوذ بالله أن أفعل ms1096 ~~ما لا يجوز لي فعله. وقيل: اعتصم بالله عن فعل ما تدعنني ~~إليه. قوله تعالى: { إنه ربي أحسن مثواي }؛ ذهب ~~أكثر المفسرين إلى أن معناه: إن زوجك سيدي أحسن تربيتي ~~ومنزلتي مدة مقامي عنده، لا أخونه في أهله. # سماه ربا للرق الذي كان ثبت له في الظاهر عليه. وقيل: ~~معناه: إن الله تعالى ربي أحسن إلي بتخليصي من البئر وما قصدني ~~قومي من الهلاك، { إنه لا يفلح الظالمون }؛ أي لا ~~يأمن ولا ينجو من عذاب الله الذين يظلمون أنفسهم، أراد بهم ~~الزناة، ويجوز أن يكون أراد لو فعل ما دعته إليه لكان ~~ظالما لزوجها في أهله. # وفي قوله (هيت) خلاف من فتح التاء فلسكونها وسكون الياء ~~قبلها نحو: كيف وأين، ومن ضم التاء فعلى أنها مبنية على ~~الضم نحو حيث ومنذ، ومن قرأ بفتح الهاء وكسر التاء فلأن الأصل ~~في التقاء الساكنين حركة الكسر، ويجوز أن يكون مبنيا على الكسر ~~مثل أمس وجير. ### || [12.24] # قوله تعالى: { ولقد همت به وهم بها }؛ قال ~~الحسن: (أما همها فأحب هم وهو العزم على ~~الفاحشة، وأما همه فهو ما طبع عليه الرجال ~~من شهوة النساء من دون عزم على الزنا). # واختلف أهل العلم في ذلك، فروي عن ابن عباس أنه سئل: ما ~~بلغ من أمر يوسف؟ قال: (حل الهميان وجلس منها ~~مجلس الخاتن). وعن ابن أبي مليكة قال: سألت ابن عباس: ~~ما بلغ من أمر يوسف؟ قال: (استلقت له على قفاها ~~وقعد بين رجليها ينزع ثيابه) وهو قول سعيد بن ~~جبير والضحاك والسدي. # وروي عن ابن عباس: (أنه لما راودت يوسف جعلت تذكر محاسنه ~~وتشوقه إلى نفسها، فقالت: يا يوسف ما أحسن ماء عينيك؟ قال: هو ~~أول ما سيل على الأرض من جسدي، قالت: ما أحسن وجهك؟ قال: هو ~~للتراب يأكله، قالت: ما أحسن شعرك، قال: هو أول ستر من ~~بدني، قالت: ما أحسن صورتك، قال: ربي صورني، قالت، يا يوسف ~~صورة وجهك أنحلت جسمي، قال: إن الشيطان يعينك على ذلك، ~~قالت: فراش الحرير ms1097 قد بسطته قم فاقض حاجتي، قال: إذن يذهب نصيبي من ~~الجنة، قالت: أدخل في الستر معي، قال ليس بشيء يسترني من ربي. # فلم تزل تدعوه إلى اللذة، ويوسف شاب مستقبل يجد من شبق الشباب ما ~~يجد الرجل، وهي حسناء جميلة حتى لان لها لما يرى من كلفها به ~~وهم بها). # فهذه أقاويل أجلة أهل التفسير، وقال جماعة من المتأخرين: (لا ~~يليق هذا بالأنبياء) وأولوا الآية، قال بعضهم: هم ~~بالفرار، وهذا لا يصح لأن الفرار مذكر، وقيل: هم بضربها ~~ودفعها ومخاصمتها، وقال بعضهم معنى قوله: { وهم بها } بمناها ~~أن تكون له زوجة. # وقال أهل الحقائق: الهم همان: هم مقيم ثابت، وهو إذا كان ~~معه عزم وعقد ونية ورضى مثل هم امرأة العزيز، فالعبد مأخوذ ~~به، وهم عارض وارد وهو الخطرة والفكرة وحديث النفس من غير ~~اختيار ولا عزم مثل هم يوسف، والعبد غير مأخوذ به. # وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما ~~لم يتكلموا أو يفعلوا به " # عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من أحد يلقى الله قد هم بخطيئة قد عملها، ~~إلا يحيى بن زكريا فإنه لا يهم ولم يفعل ". # وقال بعضهم في قوله { ولقد همت به وهم بها } قال أبو ~~العباس أحمد بن يحيى ثعلب: (همت المرأة بالمعصية ~~مصرة على ذلك، وهم يوسف بالمعصية ولم ~~يأتها). وقيل، همت المرأة عازمة على الزنى، ويوسف ~~عارضه ما يعارض الشباب من خطرات القلب وحديث النفس، فلم يلزمه، ~~وهذا الهم ليس ذنبا إذ الرجل الصائم يخطر بقلبه شراب الماء ~~البارد، فإذا لم يشرب كان غير مؤاخذ بما يحس في نفسه فيه. # وقال الزجاج: (وهم بها وجلس منها مجلس الرجل من ~~المرأة، إلا أن الله تعالى تفضل عليه بأن أراه ~~البرهان، ألا تراه قال: وما أبرئ نفسي). # قوله تعالى: { لولا أن رأى برهان ربه }؛ ~~اختلفوا في هذا البرهان، قال ابن عباس والحسن وابن جبير ومجاهد: ms1098 ~~(رأى صورة يعقوب عاضا على أنامله)، وقال قتادة: ~~(سمع صوتا: يا يوسف إنه فعل السفهاء، وأنت ~~مكتوب في ديوان الأنبياء). # ويقال: خرج كف بينهما بلا جسد مكتوب فيه ثلاثة أسطر؛ إحداها: # واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله # [البقرة: 281] والثاني: # ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة # [الإسراء: 32]، والثالث: # وإن عليكم لحافظين * كراما كاتبين # [الانفطار: 10-11]. # وعن محمد بن كعب القرظي قال: (معنى { لولا أن رأى ~~برهان ربه }: لولا ما علمه من قبيح الزنى، ~~ووجوب العقوبة عليه) وهذا كله محذوف الجواب، ~~وجوابه: لولا ذلك لعزم على القبح، وعمل على ~~مقتضى شهوته. # قوله تعالى: { كذلك لنصرف عنه السوء ~~والفحشآء }؛ أي كما مكنا له في الأرض، كذلك أريناه ~~البرهان { لنصرف عنه السوء } أي الخيانة (والفحشاء) ~~يعني الزنى. قوله تعالى: { إنه من عبادنا ~~المخلصين }؛ الذين أخلصوا دينهم لله، ومن قرأ بفتح اللام ~~فمعناه: من عبادنا الذين أخلصناهم واصطفيناهم. ### || [12.25-29] # قوله تعالى: { واستبقا الباب وقدت قميصه من ~~دبر }؛ قال السدي: (ذلك أن زليخا قالت ليوسف حين ~~أغلقت الباب: ما أحسن شعرك رضي الله عنه إلى آخر ~~الكلام) وقد تقدم ذلك حتى هم بها، فلما رأى ~~البرهان قام مبادرا إلى الباب هاربا، فاتبعته ~~المرأة فأدركته، فلما أحست بقوته مزقت ~~آخر قميصه مانعة له من الخروج. والقد قطع الشيء ~~بأسره طولا. # قوله تعالى: { وألفيا سيدها لدى الباب }؛ صادفا ~~زوجها عند الباب جالسا، فلما رأته هابته، و { قالت } ~~سابقة بإلقاء الذنب على يوسف: { ما جزآء من أراد بأهلك ~~سوءا }؛ يعني الزنى، { إلا أن يسجن }؛ أن يودع في ~~السجن، أو؛ يعذب، { أو عذاب أليم }؛ يعني الضرب ~~الوجيع. # فلما قالت المرأة ذلك، لم يجد يوسف بدا من تبرئة نفسه، { ~~قال هي راودتني عن نفسي }؛ أي طالبتني بمرادها من نفسي ~~فأبيت وفررت منها، فأدركتني وشقت قميصي، { وشهد ~~شاهد } ، وكان مع زوجها بالباب، { من أهلهآ } ، ابن عم لها ~~حكيم، فقال ابن عمها: { إن كان قميصه قد من قبل }؛ إن ~~كان شق القميص من قدامه، { فصدقت }؛ فهي صادقة، { وهو ~~من الكاذبين * وإن كان قميصه ms1099 قد من دبر فكذبت ~~وهو من الصادقين } ، وإن كان من خلفه فهو صادق، وقال ~~الضحاك: (كان الشاهد صبيا في المهد فأنطقه الله ~~تعالى). قيل: كان ذلك الصبي ابن خال المرأة. # قوله تعالى: { فلما رأى قميصه قد من دبر }؛ أي ~~فلما رأى ابن عمها قد القيمص من خلف، ويقال: فلما رأى ~~زوجها ذلك، { قال إنه من كيدكن }؛ أي قولها { ما جزآء ~~من أراد بأهلك سوءا } من مكركن، { إن كيدكن ~~عظيم }. # ثم قال ليوسف بعدما ظهرت براءته: { يوسف أعرض عن ~~هذا }؛ يعني أمسك ذكره حتى لا ينتشر في البلد وفي ما بين ~~الناس، ثم أقبل عليها وقال: { واستغفري لذنبك إنك كنت ~~من الخاطئين }؛ فإن الخطاب كان منك ألقيته على يوسف. # وقد احتج مالك والحسن بن حي في الحكم بالعلامة بهذه الآية: أن ~~اللقطة إذا ادعاها مدع ووصفها وجب على ~~الملتقط أن يدفعها إليه على مذهبهما. ولا حجة ~~لهما في هذه الآية، إذ لا خلاف بين الفقهاء أن الأملاك والأيدي لا ~~تستحق بالعلامات، فإن العطار والدباغ إذا اختلفا في عطر في ~~أيديهما لم يكن العطار أولى به من الدباغ، وكذلك الاسكافي ~~والصيرفي إذا اختلفا في حذاء في يد الصيرفي لم يستحقه ~~الاسكافي؛ لأن ذلك من صناعته. # وعن مجاهد: (أن امرأتين اختصمتا إلى شريح في ولد ~~لهن، فقال شريح: ألقوها مع هذه، فإن هي ردت ~~وفرت واستفزت فهي لها، وإن هربت وفرت ~~فليست لها). وكان ذا القول من شريح على جهة ما يغلب في الظن ~~ليميز المبطل من المدعيين فنحكم عليه بالإقرار. ### || [12.30-35] # قوله تعالى: { وقال نسوة في المدينة امرأة ~~العزيز تراود فتاها عن نفسه }؛ قال ابن عباس: (هن ~~أربع نسوة: أمرأة ساقي الملك، وامرأة خبازه، ~~وامرأة صاحب سجنه، وامرأة صاحب دوابه، قلن في ~~امرأة العزيز: إنها تدعو عبدها إلى نفسها). # قوله تعالى: { قد شغفها حبا }؛ قد خرق حبه حجاب ~~قلبها فلا يعقل غيره، ويقال: قد أحبته حتى دخل حبه شغاف ~~قلبها. والشغاف: جلدة تشتمل على القلب، يقال: شغفه إذا رماه ~~فأصاب ذلك الموضع ms1100 منه كما يقال كبده إذا أصاب كبده. # قوله تعالى: { حبا } نصب على التمييز كأنهن قلن: ~~أصاب حبه وسط قلبها وسويداء قلبها. وقرأ أبو رجاء والشعبي: بالعين ~~المهملة، ومعناه ذهب بها الحب كل مذهب، مشتق من شعاف الجبال ~~أي رؤوسها. قوله عز وجل: { إنا لنراها في ضلال ~~مبين }؛ أي في الخطأ البين. # قال ابن عباس: (فجعلن يفشين هذا في المدينة، ~~فبلغ ذلك زليخا) فهو قوله تعالى: { فلما سمعت ~~بمكرهن أرسلت إليهن }؛ أي فلما سمعت بكلام هؤلاء ~~النسوة وذمهن لها أرسلت إليهن، فدعتهن لوليمة أعدتها ~~لهن، ويقال: إنما سمي قول النسوة مكرا؛ لأنها كانت أطلعتهن ~~واستكتمتهن فأفشين سرها. # قوله تعالى: { وأعتدت لهن متكئا }؛ أي أصلحت ~~وهيأت لهن أمكنة يقعدن عليها، ووسائد يتكين عليها، وفي قراءة ~~ابن عباس (متكا) بالتخفيف بغير همز، قال: (والمتك: الأترج). # قال وهب: (دعت أربعين امرأة، وأعدت لهن أترجا ~~وبطيخا). قوله تعالى: { وآتت كل واحدة منهن ~~سكينا }؛ لتقطع بها الفواكه والأترج على ما جرت به العادة، ~~ويقال: كانت وضعت لهن خبزا ولحما وهذه الفواكه، { وقالت }؛ ~~ليوسف: { اخرج عليهن }؛ وذلك أنها كانت قد أجلسته في ~~مجلس غير الذي كن جلسن فيه. قال عكرمة: (وكان فضل يوسف ~~على الناس في الحسن كفضل القمر ليلة البدر ~~على النجوم). # وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " مررت ليلة أسري بي فرأيت يوسف عليه السلام، ~~فقلت: يا جبريل من هذا؟ فقال: يوسف " قال: كيف ~~رأيته يا رسول الله؟ قال: " كالقمر ليلة البدر " ~~" # وروي أن يوسف عليه السلام كان إذا مشى في أزقة مصر يرى نور ~~وجهه على الجدارات كما ترى نور الشمس والماء على الجدار. # قوله تعالى: { وقالت اخرج عليهن } فخرج عليهن، { ~~فلما رأينه أكبرنه }؛ أي عظم عندهن، و؛ بلغ من ~~شغل قلوبهن برؤيته ما، { وقطعن أيديهن }؛ بالسكاكين. ~~قال قتادة: (قطعن أيديهن حتى ألقينها وهن لا ~~يشعرن)، ويقال: معنى (أكبرنه) أي حضن، ويقال: معنى ~~(أكبرن) آمن. قيل: أنهن كن يقطعن أيديهن وهن يحسبن ~~أنهن يقطعن الأترج، ولم يجدن الألم ms1101 لاشتغال قلوبهن برؤية ~~يوسف. قال وهب: (وبلغني أن سبعا من الأربعين ممن ~~كن في ذلك المجلس وجدن بيوسف عليه السلام). # وقوله تعالى: { وقلن حاش لله ما هذا بشرا }؛ أي قلن ~~معاذ الله أن يكون هذا آدميا، { إن هذآ } ، بل هو، { إلا ~~ملك كريم }؛ من السماء، فشبهنه بالملك وهن لا يرين ~~الملك، ولكن الناس إذا وصفوا بالحسن شبهوا بالملك. ~~ومعنى { حاش لله } أي تنزيها لله، وفي قراءة الحسن (إن هذا ~~إلا ملك كريم) بكسر اللام، ويقرأ (ما هذا بشري) أي بعبد ~~مشترى، وليست هذه القراءة بشيء. # قوله تعالى: { قالت فذلكن الذي لمتنني فيه }؛ ~~أي قالت زليخا: فذلكن الذي لمتنني فيه في حبه ~~وشغفي به، وذا إشارة إلى يوسف ولكن مخاطبة لهن، ثم أقرت لهن ~~فقالت: { ولقد راودته عن نفسه فاستعصم } أي ~~دعوته إلى مرادي فامتنع بالعفة، { ولئن لم يفعل مآ ~~آمره } ما أدعوه إليه، { ليسجنن } في السجن، { ~~وليكونا من الصاغرين }؛ أي الأذلاء فيه مع السراق، ~~وجعلت تقول هذا القول منها قبالته وهو جالس يسمع. # قال ابن عباس: (فلما قالت زليخا هذا القول، قال ~~هؤلاء النسوة ليوسف: أطع مولاتك) فقال كما ~~قال تعالى: { قال رب السجن أحب إلي مما ~~يدعونني إليه } أي قال يوسف: يارب نزول السجن أحب إلي ~~مما يدعونني إليه من قبيح الفعل، والسجن أسهل علي من المعصية. ~~ومن قرأ (السجن) بفتح السين فهو المصدر. # قوله تعالى: { وإلا تصرف عني كيدهن أصب ~~إليهن }؛ أي وإلا تلطف بي بما يصرف عني كيدهن أمل ~~إليهن بهواي، { وأكن من }؛ بمنزلة، { الجاهلين }؛ في ~~فعلي. وفي هذا دليل على أن النسوة طلبن منه مثل ما طلبت امرأة ~~العزيز، فإنه روي أنهن لما رأين يوسف استأذن امرأة العزيز أن ~~تخلو كل واحدة منهن به، وتدعوه إلى امرأة العزيز وإلى طاعتها، ~~فلما خلون به دعته كل واحدة منهن إلى نفسها. # قوله تعالى: { فاستجاب له ربه فصرف عنه ~~كيدهن }؛ أي فأجابه ربه في دعائه فصرف عنه كيدهن، وعصمه ~~من الفواحش، { إنه هو السميع العليم } لدعاء عباده، ~~العليم بضمائرهم ms1102 ونياتهم. # قوله تعالى: { ثم بدا لهم من بعد ما رأوا ~~الآيات ليسجننه حتى حين } أي بدا للعزيز وأصحابه من ~~بعد ما رأوا العلامات من شق القميص وقطع الأيدي وقضاء ابن عمها ~~عليها، أن يحبسه إلى مدة حتى تنقطع مقالة الناس، ويأتي على هذا ~~الحديث مدة، فحبسه بعد ظهور عذره خمس سنين. ### || [12.36-40] # قوله تعالى: { ودخل معه السجن فتيان قال ~~أحدهمآ إني أراني أعصر خمرا وقال الآخر إني ~~أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه }؛ ~~روي: أنه دخل على يوسف بعد دخوله الخمس سنين عبدان للملك، ~~وهو صاحب شرابه وصاحب طعامه، غضب عليهما الملك، واتهم صاحب ~~الطعام أنه يريد أن يسمه، وصاحب الشراب بأنه مالأه على ذلك، ~~وذلك أن أعداء الملك أرادوا المكر بالملك واغتياله، فطلبوا ~~هذين وضمنوا لهما مالا ليسما طعام الملك وشرابه، فأبى ~~الساقي وقبل الخباز الرشوة فسم الطعام. # فلما حضر وقته قال الساقي: أيها الملك لا تأكل فإنه ~~مسموم، وقال الخباز: أيها الملك لا تشرب فإنه مسموم. فقال الملك ~~للساقي: اشرب، فشرب فلم يضره، وقال للخباز: كل من ~~طعامك فأبى، فجربه الملك على دابة فأكلت من الطعام ~~فماتت، فأمر الملك بحبسهما. # وكان يوسف قد قال لأهل السجن لما دخله: إني أعبر الأحلام، ~~فقال أحد هذين القيمين لصاحبه: هلم فلنجرب هذا العبد ~~العبراني برؤيا له، فسألاه من غير أن يكونا رأيا شيئا. قال ~~ابن مسعود: (ما رأيا شيئا إنما كانا تحالما عليه ~~ليجربا علمه). # وقال قوم: كانا رأياها على حقيقة ويقين، فقال الساقي: أيها ~~العالم إني رأيت كأني في بستان وإذا بكرة عليها ثلاثة ~~عناقيد فجنيتها، وكأن كأس الملك بيدي فعصرتهم فيه وسقيت الملك ~~فشربه، وقال الخباز: إني رأيت كأن فوق رأسي ثلاث سلال ~~من خبز وألوان الأطعمة فإذا سباع الطير تنهشه. # وإنما سمي العنب باسم الخمر لأن الشيء يسمى بما يؤول إليه، ~~وقال الضحاك: (الخمر هو العنب) بعينه بلغة عمان، ~~يدل عليه قراءة ابن مسعود (إني أراني أعصر ~~عنبا). قال الأصمعي: (أخبرني المعتز أنه لقي ~~أعرابيا معه ms1103 عنب، فقال: ما معك؟ قال: خمر). # قوله تعالى: { نبئنا بتأويله }؛ أي أخبرنا بتفسيره ~~وتعبيره، وما يؤول إليه أمر هذه الرؤيا، { إنا نراك من ~~المحسنين }؛ أي العالمين الذين أحسنوا العلم. وقيل: من ~~المحسنين إلينا إن قلت ذلك وفسرت رؤيانا. وعن الضحاك في قوله ~~تعالى: { إنا نراك من المحسنين } قال: (كان إحسانه ~~إذا مرض رجل في السجن قام عليه، وإذا أضاق وسع ~~عليه، وإذا احتاج سأل له). وقيل: إحسانه أنه كان يداوي ~~مريضهم، ويعزي حزينهم. # قال: (فكره يوسف أن يعبر لهما لما علم فيه من ~~المكروه على أحدهم، فأعرض عن سؤالهما وأخذ في ~~غيره) و { قال لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا ~~نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما }؛ أي لا ~~يأتكما طعام تطعمانه وتأكلانه إلا نبأتكما بتفسيره ~~ولونه أي طعام أكلتموه، قالا له: هذا من فعل الكهنة، قال: ~~ما أنا بكاهن وإنما: { ذلكما مما علمني ربي إني ~~تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة ~~هم كافرون }. # قوله تعالى: { واتبعت ملة آبآئي }؛ أي شريعة ~~آبائي، { إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنآ أن ~~نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا ~~وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون }؛ ~~وباقي الآية ظاهر المعنى. # قوله تعالى: { يصاحبي السجن ءأرباب ~~متفرقون خير أم الله الواحد القهار }؛ وذلك ~~أن يوسف عليه السلام رأى أهل السجن وبين أيديهم أصنام يعبدونها ~~فدعاهم إلى الإسلام وألزمهم الحجة، فقال لهم: أرباب متفرقون ~~شتى لا تضر ولا تنفع خير أم الله الواحد القهار الذي لا ثاني ~~له؟ # ثم بين عجز الأصنام وضعفها فقال: { ما تعبدون من دونه ~~إلا أسمآء سميتموهآ أنتم وآبآؤكم }؛ آلهة من غير ~~أن يكون لتلك التسمية حقيقة، { مآ أنزل الله بها من ~~سلطان } أي من حجة وبرهان، { إن الحكم إلا لله } أي ما ~~القضاء والأمر والنهي إلا لله، { أمر ألا تعبدوا إلا ~~إياه }. قوله تعالى: { ذلك الدين القيم }؛ أي الذي ~~أدعوكم إليه هو الدين القائم الذي يرضاه لا عوج فيه، { ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون }. ### || [12.41] # قوله تعالى: { يصاحبي السجن ms1104 أمآ أحدكما ~~فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل ~~الطير من رأسه }؛ معنى الآية: أما أحدكما وهو الساقي، ~~فيسقي سيده يعني الملك خمرا، وأما العناقيد الثلاثة التي رآها ~~فإنها ثلاثة أيام يبقى في السجن، ثم يخرجه الملك ويعود في ما كان ~~عليه، وأما الآخر فيصلب والسلال التي رآها فإنها ثلاثة ~~أيام يبقى في السجن، ثم يخرجه الملك في اليوم الرابع فيصلبه ~~فتأكل الطير من رأسه. # فقال الخباز: إني لم أر شيئا، فقال لهما يوسف: { قضي ~~الأمر الذي فيه تستفتيان }؛ أي فرغ من الأمر الذي ~~سألتما عليه فهو كائن، رأيتما أو لم تريا. ### || [12.42] # قوله تعالى: { وقال للذي ظن أنه ناج منهما ~~اذكرني عند ربك }؛ أي قال يوسف للذي علم أنه ناج منهما، ~~وهو صاحب الشراب: أذكرني عند سيدك الملك أني مظلوم، ~~عدا علي إخوتي فباعوني وأنا حر، وحبست في السجن. # قوله تعالى: { فأنساه الشيطان ذكر ربه }؛ أي ~~أنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف عند الملك؛ أي شغله عن ~~ذلك بما كان يدعوه إليه من اشتغاله بركوب سوأته وخدمته للملك. ~~وقيل: معناه أنسى الشيطان يوسف ذكر ربه حتى التمس من ~~الناجي منهما أن يذكره عند ربه، وكان من حقه أن يتوكل على ~~الله في ذلك. قوله تعالى: { فلبث في السجن بضع ~~سنين }؛ والبضع ما بين الثلاث إلى التسع. # وفي الخبر: أنه يبقى في السجن بعد هذا القول سبع سنين. وعن الحسن: ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " رحم الله أخي يوسف لو أنه ذكر ربه، ولم ~~يستغيث بالملك لم يلبث في السجن ما لبث " # قال: ثم بكى الحسن وقال: (نحن إذا نزل بنا أمر ~~فزعنا إلى الناس). # وقال مالك بن دينار: (لما قال يوسف للساقي: أذكرني ~~عند ربك، قيل له: يا يوسف أتخذت من دوني ~~وكيلا، لأطيلن حبسك، فبكى يوسف وقال: يا رب ~~أنسى قلبي كثرة البلوى). # ويحكى: أن جبريل عليه السلام دخل على يوسف السجن، فلما رآه ~~يوسف عرفه وقال: يا أخا المنذرين، ما لي أراك بين ms1105 الخاطئين؟ ~~فقال له جبريل: ربك يقرؤك السلام ويقول لك: ما استحييت ~~مني إذ استشفعت بالآدميين! فوعزتي لألبثنك في السجن ~~بضع سنين، قال يوسف: أهو عني في ذلك راض؟ قال: نعم، قال: إذا لا ~~أبالي. ### || [12.43-44] # قوله تعالى: { وقال الملك إني أرى سبع ~~بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات ~~خضر وأخر يابسات }؛ روي أن يوسف مرض في السجن، فأمر ~~الله جبريل أن يعوده، فعاده فعرفه لكثرة اختلافه إلى آبائه، ~~فقال له جبريل: يا طاهر بن الطاهر، رب العزة يقول لك: من ~~حببك إلى أبيك من بين إخوتك؟ قال: هو، قال: فمن أنقذك من أيدي ~~إخوتك؟ قال: هو، قال: فمن سهل لك السيارة في الأرض القفر ~~حتى أخرجوك من قعر البئر؟ قال: هو. # ثم نشر جبريل جناحه، وأشار إلى الأرض فانفرجت، قال: يوسف انظر ~~ما ترى؟ قال: أرى هو، ثم أشار إلى الأرض ثانية فانفرجت كلها حتى ~~نظر يوسف إلى الصخرة التي عليها الأرضون، فقال جبريل: ما ترى؟ قال: ~~صخرة عليها درة، قال: فما ترى في فم الدرة؟ قال: أرى ~~طعاما، قال رب العزة يقول لك: أنا أذكر هذه الدرة في هذا ~~الموضع ثم أنساك على وجه الأرض؟ أما استحييت مني حتى تقول لعبد ~~ملك اذكرني عند ربك، ولم تقل يا رب، فعند ذلك قال يوسف: يا رب ~~فاسألك بمنك القديم، وفضلك العميم إلا غفرت لي، قال: يا ~~يوسف أغفر لك وأخرجك من السجن، ثم كان من رؤيا الملك ما كان. # ومعنى الآية: أن الملك واسمه زيان بن الوليد رأى في النوم سبع ~~بقرات سمان خرجن من نهر من أنهار مصر، فخرج من بعدهن سبع ~~بقرات عجاف، فابتلع العجاف السمان فدخلن في بطونهن ولم ~~يزد منهن شيئا، فعجب منهن، ورأى سبع سنبلات خضر وسبع ~~سنبلات أخر يابسات، التوت اليابسات على الخضر فقلبن ~~خضرتهن ولم يسير عليهن شيء منهن. # فأرسل الملك في هذه الرؤيا إلى السحرة والكهنة، فجمعهم ثم ~~قص عليهم ذلك وقال لهم: { يأيها الملأ أفتوني في ~~رؤياي إن كنتم للرءيا ms1106 تعبرون * قالوا أضغاث ~~أحلام وما نحن بتأويل الأحلام بعالمين }؛ أي ~~قالت الكهنة والسحرة: هذه الرؤيا أباطيل الأحلام كاذبة، وما ~~نحن بتأويل الأحلام المختلفة بعالمين، ليس لها عندنا تأويل. ### || [12.45-47] # قوله تعالى: { وقال الذي نجا منهما وادكر ~~بعد أمة أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون }؛ ~~قال صاحب الشراب الذي نجا من السجن والقتل وتذكر بعد سنين، ~~ويقال: هذا بعد انقراض أمة، والأمة في اللغة هي المدة ~~الكثيرة كما أنها في الجماعة الجماعة الكثيرة. ومن قرأ (بعد ~~أمة) فمعناه: بعد نسيان. # وقوله تعالى: { أنا أنبئكم } قول صاحب الشراب لما عجز ~~الكهنة عن تأويل رؤيا الملك، جاء ووقف بين يديه فخاطبه بلفظ ~~الجماعة كما يخاطب الملك، وقال: أنا أخبركم بتعبير هذه الرؤيا، ~~فأرسلون إلى السجن. ثم قال: إنما كنت عصيت فحبستني أنا ~~وخبازك، فرأينا فيها رؤيا فقصصناها على رجل في السجن عالم ~~صالح صادق، فأخبرنا بها فكان كما أخبر، فأرسلون إليه. فأرسلوه ~~فدخل السجن وقال: { يوسف أيها الصديق }؛ وحذف كلمة ~~النداء اختصارا، والصديق: الذي يجري على عاداته في الصدق ~~والتصديق بالحق. # قوله تعالى: { أفتنا في سبع بقرات سمان }؛ ~~خرجن من نهر بيت تبعهن { يأكلهن سبع }؛ بقرات، { ~~عجاف }؛ هالكات من الهزال، وفي { وسبع سنبلات خضر ~~وأخر يابسات }؛ التوين على الخضر وغلبن خضرتهن. ~~قوله تعالى: { لعلي أرجع إلى الناس لعلهم ~~يعلمون }؛ أي لإن أرجع بتأويل ذلك إلى الملك والناس ~~يعلمونه. # فقال له يوسف: أما سبع بقرات سمان فهي سبع سنين خصبة، وأما ~~سبع بقرات عجاف فهي السنون السبع الجدبة، وأما سبع سنبلات ~~يابسات فهو القحط والغلاء في السنين الجدبة، ثم علمه يوسف ~~عليه السلام كيف يصنعون، كما قال الله تعالى: { قال تزرعون ~~سبع سنين دأبا }؛ أي على ما هو عادتكم في الزراعة، وقيل: ~~معنى قوله { دأبا } بجد واجتهاد. # قوله تعالى: { فما حصدتم فذروه في سنبله }؛ أي ~~فما حصدتم من الزرع، فاتركوه في سنبله ولا تدرسوه، { إلا ~~قليلا مما تأكلون }؛ من ذلك في كل سنة، وإنما أمرهم ~~بهذا؛ لأن الحنطة إذا كانت في سنبلها كانت أبقى منها اذا ms1107 درست، ~~فإنها إذا درست تآكلت، وفسدت بمضي المدة عليها. ### || [12.48] # قوله تعالى: { ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد ~~}؛ أي قحطة ضيقة على الناس، تأكلون فيها ما ادخرتم من زروع ~~السنين الخصبة، { يأكلن ما قدمتم لهن إلا قليلا ~~مما تحصنون }؛ إلا شيئا قليلا تحصنونه في موضع من ~~المواضع، ونسب الأكل إلى السنين القحط على التوسع؛ لأن الأكل كان ~~يقع فيها. ### || [12.49-50] # قوله تعالى: { ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه ~~يغاث الناس وفيه يعصرون } هذا خبر من يوسف عليه السلام ~~عما لم يكن في رؤيا الملك، ولكنه من علم الغيب الذي آتاه الله إياه، ~~كما قال قتادة: (زاده الله علما سنة لم يسألوه ~~عنها). # والمعنى: أن يوسف عليه السلام قال له: ثم يأتي من بعد هذه السنين ~~الأربعة عشرة، سنة فيها يغاث الناس. يجوز أن يكون هذا من الغوث؛ ~~أي يغيث الله في تلك السنة عباده فتزكوا فيها زروعهم ~~وفواكههم وأعنابهم. ويجوز أن يكون من الغيث وهو المطر؛ أي آتاهم ~~الله بالأمطار والخصب في تلك السنة. # قوله تعالى: { وفيه يعصرون } قرأ أهل الكوفة إلا ~~عاصما بالتاء؛ لأن الكلام كله خطاب، وقرأ الباقون بالياء ~~رده إلى الناس، قال أكثر المفسرين: يعصرون العنب خمرا، ~~والزيتون زيتا، والسمسم دهنا، وهنا أراد يعصرون الأعناب ~~والأثمار والحبوب من كثرة الغيث والخير. وقيل: معناه: ينجون ~~من البلاء والشدة، والعصرة النجاة والملجأ، وقال الشاعر: # صاديا يستغيث غير مغاث # ولقد كان عصرة المنجود # ومن قرأ (يعصرون) بضم الياء ونصب الصاد، فمعناه يعصرون من ~~قوله # وأنزلنا من المعصرات مآء ثجاجا # [النبأ: 14]. # فلما رجع الرسول إليه وأخبره بمقالته، قال الملك: ائتوني ~~به، فذلك قوله تعالى: { وقال الملك ائتوني به ~~فلما جآءه الرسول }؛ قال له: إن الملك يدعوك، { قال }؛ ~~له يوسف: { ارجع إلى ربك }؛ سيدك الملك، { فاسأله ~~}؛ حتى يسأل، { ما بال } ، عن شأن، { النسوة اللاتي ~~قطعن أيديهن }؛ أكن صادقات على يوسف أم كاذبات عليه، ~~وليعلم صحة براءتي، وأني مظلوم بالحبس، وأبى أن يخرج مع ~~الرسول، { إن ربي بكيدهن عليم }؛ وعن رسول ms1108 الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " لقد عجبت من صبر أخي يوسف وكرمه، ولو كنت ~~أنا الذي دعيت إلى الخروج لبادرتهم إلى الباب، ~~ولكنه أحب أن يكون له العذر ". ### || [12.51-53] # قوله تعالى: { قال ما خطبكن إذ راودتن يوسف ~~عن نفسه }؛ فيه إضمار، تقدير الكلام: فرجع الرسول إلى الملك ~~فأعلمه بذلك، فأرسل الملك إلى النسوة فأحضرهن، ثم قال لهن: { ~~ما خطبكن } أي ما شأنكن إذا طلبتن يوسف عن نفسه، { قلن ~~حاش لله }؛ هذا جواب النسوة للملك بكلمة التنزيه، نزهن ~~يوسف عن ما اتهم به. قوله تعالى: { ما علمنا عليه ~~من سوء }؛ أي من قبيح. # قوله تعالى: { قالت امرأت العزيز الآن حصحص ~~الحق }؛ أي تبين وظهر الحق ليوسف، { أنا راودته عن ~~نفسه }؛ أي دعوته إلى نفسي، { وإنه لمن الصادقين }؛ ~~في قوله إنه لم يراودني. # قال ابن عباس: (فرجع صاحب الشراب إلى يوسف ~~فأخبره بذلك، فقال يوسف: { ذلك } ، الذي فعلت ~~من ردي رسول الملك إليه في شأن النسوة) { ~~ليعلم } العزيز، { أني لم أخنه بالغيب وأن ~~الله لا يهدي كيد الخائنين } في زوجته في حال غيبته ~~عني. # قال أهل الوعظ: فقال جبريل: بل ولا هممت بها، فقال يوسف: { ~~ومآ أبرىء نفسي }؛ فإن صحت هذه الرواية كان المعنى: وما ~~أبرئ نفسي من الهم؛ أي ما أزكيها، وتزكية النفس مما ~~يذم. # قوله تعالى: { إن النفس لأمارة بالسوء }؛ أي ~~بالقبيح، وذلك لكثرة ما تشتهيه وتسارع إليه. قوله تعالى: { ~~إلا ما رحم ربي }؛ أي إلا ما عصمني ربي بلطفه، و(ما) ~~بمعنى (من)، كقوله # فانكحوا ما طاب لكم # [النساء: 3]، وفي هذا دليل أن أحدا لا يمتنع من المعصية إلا ~~بعصمة الله، وقوله تعالى: { إن ربي غفور رحيم }؛ أي غفور ~~لذنوب المذنبين، رحيم بهم بعد التوبة. ### || [12.54] # قوله تعالى: { وقال الملك ائتوني به أستخلصه ~~لنفسي }؛ إي قال الملك: ائتوني بيوسف أجعله خالصا لنفسي ~~أرجع إليه في تدبير مملكتي، وأعمل على إشارته، فلما جاءه الرسول ~~قال: أجب الملك، قال: الآن. # فخرج يوسف، { فلما }؛ دخل على الملك، { كلمه } ، قال: ~~اللهم إني ms1109 أسألك من خيره وأعوذ بك من شره ~~وشر غيره، ثم سلم عليه يوسف بالعربية، فقال له: وما هذا ~~اللسان؟ قال: لسان عمي إسماعيل، ثم دعا له بالعبرانية، فقال له: ~~وما هذا اللسان؟ قال: لسان آبائي. فأعجب الملك ما رأى منه. # وكان يوسف يومئذ ابن ثلاثين سنة، فلما رأى الملك حداثة سنه ~~قال لمن عنده: إن هذا علم تأويل رؤياي، ولم تعلمه ~~السحرة ولا الكهنة، ثم أجلسه وقال له: إني أحب أن أسمع تأويل ~~رؤياي شفاها منك. # قال: أيها الملك، رأيت سبع بقرات سمان حسان كشف لك ~~عنهن النيل، خرجن عليك من شاطئه، فبينما أنت تنظر إليهن، ~~ويعجبك حسنهن إذ نضب النيل وغار ماؤه، فخرج من ~~حمأته ووجله سبع بقرات عجاف شعث غير مقلصات البطون، ~~ليس لهن ضروع ولهن أضراس وأنياب وأكف كأكف الكلاب، فاختطفن ~~بالسمان فافترسوهن افتراس السبع، فأكلن لحومهن ومزقن ~~جلودهن ومشمشن مخهن وحطمن عظامهن. # فبينا أنت تتعجب إذ بسبع سنبلات خضر وسبع آخر سود في منبت ~~واحد وأصولهن في الماء، إذ هبت ريح فجعلت اليابسات السود على ~~الخضر المثمرات، فأشعلت فيهن النار فأحرقتهن، فهذا ما رأيت من ~~الرؤيا. فقال الملك: والله إن هذه الرؤيا وإن كانت عجبا، فإن ~~الذي سمعت منك أعجب، فما ترى فيها؟ فقال تأويلها كذا وكذا كما قد ~~تقدم. # قوله تعالى: { قال إنك اليوم لدينا مكين ~~أمين }؛ أي قال له الملك: إنك اليوم لدينا متمكن من فعل ~~ما تريد، نافذ القول والأمر، قد ظهرت أمانتك، وظهر كذب ~~النساء عليك، ولم تظهر منك خيانة. ### || [12.55] # قوله تعالى: { قال اجعلني على خزآئن الأرض ~~إني حفيظ عليم }؛ أي قال يوسف: اجعلني على خزائن أرضك، ~~واجعل تدبيرها إلي، وأراد بذلك الخزائن التي يجمع فيها طعام ~~الأرض وأموالها التي كان مصيرها إلى الملك، وكانت أرض مصر أربعين ~~فرسخا في أربعين فرسخا. وإنما قال يوسف ذلك لصلاح الخلق؛ لأن ~~الأنبياء عليهم السلام بعثوا لإقامة العدل ووضع الأشياء ~~مواضعها، فعلم يوسف أنه لا أحد أقوم بذلك منه. # قوله تعالى: { إني حفيظ عليم ms1110 } أي حافظ للخزائن، ~~عالم بوضعها مواضعها، وقيل: لجميع ألسن الغرباء الذين ~~يأتونك، فإنه كان يتكلم بالعربي والعبراني والسرياني والقبطي. # وقيل عالم بساعات حاجات الناس، وذلك أن أمر الخبازين أن يجعلوا ~~غداء الملك نصف النهار، فمن ثم جعل الملوك غداءهم نصف النهار، ~~فلما كانت الليلة التي وقع فيها الجوع أول السنين الجدبة، ~~أمر الخبازين أن يجعلوا غداءه مع عشائه ففعلوا، فوقع الجوع ~~في نصف الليل، فهتف الملك: يا يوسف الجوع الجوع، فقرب إليه ~~طعامه. وفي الآية دليل على أنه لا يجوز للإنسان أن يمدح نفسه ~~بالأفضل عند من لا يعرفه، وأن المراد بقوله تعالى: # فلا تزكوا أنفسكم # [النجم: 32] النهي من تزكية النفس للفخر والسمعة. ### || [12.56-57] # قوله تعالى: { وكذلك مكنا ليوسف في الأرض ~~يتبوأ منها حيث يشآء }؛ أي كما برأنا ساحته ~~وخلصانه من الحبس، كذلك مكنا له في أرض مصر { يتبوأ ~~منها } أي ينزل بها حيث يشاء، { نصيب برحمتنا من ~~نشآء }. # وروي أن الملك توجه وأعطاه سيفه ووضع له سريرا من ذهب ~~مكللا بالدر والياقوت، ثم أمر بأن يجلس عليه، فجلس ولزم ~~الملك بيته وفوض إليه كل أموره، وذلت له سائر الملوك، ~~فلطف يوسف بالناس وأقام فيهم العدل وأخذ يدعوهم إلى الإسلام، ~~فأحبه الناس كلهم وآمن كثير منهم. # قوله تعالى: { ولا نضيع أجر المحسنين }؛ على ~~إحسانهم. قوله تعالى: { ولأجر الآخرة خير للذين ~~آمنوا }؛ أي ولثواب الآخرة خير من ثواب الدنيا للذين آمنوا ~~بالله وكتبه، { وكانوا يتقون }؛ الكفر والفواحش. ### || [12.58] # قوله تعالى: { وجآء إخوة يوسف فدخلوا عليه }؛ ~~وهم عشرة، جاؤا من بعد أبيهم في سني القحط لطلب الطعام كما ~~يجيء غيرهم، فدخلوا عليه وكلموه بالعبرانية، وعليه ثياب حرير ~~وطوق ذهب، وهو جالس على سرير ملكه، { فعرفهم }؛ أنهم ~~إخوته، { وهم له منكرون } ، وكانوا لا يعرفونه لطول ~~العهد؛ لأنهم كانوا رأوه صغيرا، ولم يظنوا أنه يصير ملكا، ~~فأمارهم وأحسن إليهم، وفاوضهم في الحديث حتى حدثوه بحديث ~~أبيهم، وقالوا: إن لنا أبا شيخا كبيرا وكنا اثني عشر، فهلك ~~واحد منا في الغنم ووجدنا قميصه وعليه دم ms1111 فأتينا به أبانا، ~~وله أخ وهو آثر إلى أبينا منا. ### || [12.59-60] # قوله تعالى: { ولما جهزهم بجهازهم قال }؛ لهم: ~~{ ائتوني بأخ لكم من أبيكم }؛ أي لما أعطاهم ~~الميرة وكال لهم كيلهم، قال لهم: { ائتوني بأخ لكم ~~من أبيكم ألا ترون أني أوفي الكيل }؛ أعطي ~~الناس حقوقهم على التمام، { وأنا خير المنزلين }؛ ~~للأمور منازلها، { فإن لم تأتوني به فلا كيل لكم ~~عندي ولا تقربون }؛ مرة أخرى. ### || [12.61-62] # قوله: { قالوا سنراود عنه أباه }؛ أي قالوا: ~~سنطلبه من أبيه، { وإنا لفاعلون }؛ أن سنجيء به، وخاف ~~يوسف أن لا يكون عند أبيهم من الرزق ما يرجعون به إليه مرة ~~أخرى. # فأمر أن يجعل دراهمهم في أوعيتهم من غير علم لهم، فذلك ~~قوله تعالى: { وقال لفتيانه اجعلوا بضاعتهم ~~في رحالهم }؛ أي قال يوسف لخدامه من مماليكه: اجعلوا ~~دراهمهم ودنانيرهم التي جاؤا بها في رحالهم، { لعلهم ~~يعرفونهآ إذا انقلبوا إلى أهلهم } ، لكي يعرفوا ~~هذه الكرامة مني. ويقال: كي يعرفوا أنها دراهمي، { ~~لعلهم يرجعون } ، فيرجعوها فيردوها علي. ### || [12.63-64] # قوله تعالى: { فلما رجعوا إلى أبيهم قالوا ~~يأبانا منع منا الكيل }؛ في المستقبل إن لم ترسل معنا ~~بنيامين، { فأرسل معنآ أخانا نكتل }؛ لنا وله. ومن قرأ ~~(يكتل) بالياء أي يكتل أخونا، يأخذ لنفسه حملا، { وإنا ~~له لحافظون }؛ حتى نرده عليك. { قال هل آمنكم ~~عليه إلا كمآ أمنتكم على أخيه }؛ يوسف، { من ~~قبل }؛ فضيعتموه وغيبتموه عني، ولئن أرسلت معكم بنيامين، { ~~فالله خير حافظا } ، أي فعلى الله أتوكل، فإن حفظ ~~الله خير من حفظكم. ومن قرأ (حافظ) أي خير حافظ، وكلا نصب ~~على التمييز، { وهو أرحم الراحمين }. قال كعب: (لما ~~قال يعقوب: والله خير حافظا، قال الله تعالى: ~~وعزتي لأردن عليك كلاهما بعد ما توكلت ~~علي). ### || [12.65] # قوله تعالى: { ولما فتحوا متاعهم وجدوا ~~بضاعتهم ردت إليهم }؛ أي لما فتحوا أوعيتهم وجدوا ~~دارهمهم ردت إليهم، { قالوا }؛ لأبيهم: { يأبانا ما ~~نبغي }؛ أي ما نظلم ولا نكذب في ما أخبرناك به أن ملك مصر ~~أكرمنا وألطفنا، وهذا إذا كان قوله: { ما نبغي } من البغي، فأما ms1112 ~~إذا كان من الطلب، فمعناه الاستفهام دون الجحد، وموضع (ما) نصب ~~تقديره أي شيء نريد، وفي قراءة عائشة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " ما نبغي معناه ما نطلب ". # قوله تعالى: { هذه بضاعتنا ردت إلينا }؛ ~~ابتداء كلام معناه: دراهمنا وهي ثمن الطعام الذي اشتريناه بمصر ~~ردت إلينا، وقوله تعالى: { ونمير أهلنا }؛ أي نمتار ~~لأهلنا، بقوله مار فلان لأهله إذا حمل إليهم قوتهم من غير ~~بلدة. ومن قرأ (نمير) بضم النون، أي نجعلهم أصحاب ميرة، { ~~ونحفظ أخانا }؛ من أن يضيع، { ونزداد كيل بعير }؛ ~~إذا كان هو معنا، وسمي الحمل كيلا؛ لأنه يكال. قوله ~~تعالى: { ذلك كيل يسير }؛ أي هين سريع لا حبس فيه إن ~~أرسلته معنا. ### || [12.66] # قوله تعالى: { قال }؛ لهم يعقوب: { لن أرسله }؛ ~~بنيامين، { معكم حتى تؤتون موثقا }؛ أي تعطوني عهدا ~~وثيقا، { من الله لتأتنني به }؛ لتردنه علي، { ~~إلا أن يحاط بكم } ، ينزل بكم أمين السماء والأرض لا ~~تقدرون على دفع ذلك، { فلمآ آتوه موثقهم }؛ أي لما ~~حلفوا، { قال }؛ لهم يعقوب: { الله على ما نقول وكيل ~~}؛ أي شهيد حفيظ. ### || [12.67] # قوله تعالى: { وقال يبني لا تدخلوا من باب ~~واحد وادخلوا من أبواب متفرقة } قال ابن عباس: ~~(خاف يعقوب على بنيه العين لجمالهم وقوتهم، ~~وكلهم بنو أب واحد). ثم رجع إلى علمه، { ومآ أغني ~~عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله }؛ أي ما ~~القضاء إلا لله، { عليه توكلت }؛ إليه فوضت أمري ~~وأمركم مع التمسك بطاعته والرضا بقضائه، { وعليه ~~فليتوكل المتوكلون }. # واختلف العلماء في أمر العين، فقال بعضهم: هي حق، ~~واستدلوا بما # " روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه عوذ الحسن ~~والحسين ورقى لهما من العين وقال " وأعيذكما ~~بالله من كل عين لامة " " # ، وقال صلى الله عليه وسلم: # " والعين حق " # وقال بعضهم: إنه يمتد من عين الناظر أجزاء، فتتصل بما ~~يستحسنه فتؤثر فيه كتأثير اللسع من النار والسم. # وأنكر بعض العلماء الإصابة بالعين؛ لأنه لا شبهة في أن ~~الأمراض والأسقام لا تكون إلا من فعل الله؛ لأن الإنسان لا ms1113 يقدر ~~على ذلك. وفي قوله: { ومآ أغني عنكم من الله من شيء ~~} بيان أنه لا ينفع حذر من قدر. ### || [12.68] # قوله تعالى: { ولما دخلوا من حيث أمرهم ~~أبوهم }؛ أي لما دخلوا مصر من أبواب متفرقة، وكان لمصر ~~أربعة أبواب، فدخلوها من أبوابها كلها كما أمرهم. قوله ~~تعالى: { ما كان يغني عنهم من الله من شيء }؛ أي ~~ما كان يغني يدفع عنهم شيئا من قضاء الله، يعني: لو قدر الله ~~أن تصيبهم العين لأصابتهم. # قوله تعالى: { إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها }؛ ~~وهي دخولهم مصر من أبواب متفرقة. قوله تعالى: { وإنه ~~لذو علم لما علمناه }؛ أي إن يعقوب لذو يقين ومعرفة ~~بالله وبأمر الدين لتعليمنا إياه أن لا يصيب أحدا شيء إلا ~~بقضاء الله، { ولكن أكثر الناس لا يعلمون }؛ ذلك. ### || [12.69] # قوله تعالى: { ولما دخلوا على يوسف آوى إليه ~~أخاه }؛ أي ضم أخاه بنيامين إلى نفسه، وقيل: أذن له ~~بالدخول عليه، وجلس إخوته بالباب، فلما دخل عليه قال: ما ~~اسمك؟ قال: بنيامين، قال: ما اسم أمك؟ قال: راحيل، قال: ~~فهل لك والد؟ قال: نعم، قال: هل لك إخوة من أبيك؟ قال: ~~عشرة، فقال: هل لك أخ من أمك؟ قال: كان لي أخ من أمي ~~هلك، قال: أحب أن أكون أخاك بدل أخيك الهالك؟ فقال: ~~أيها الملك ومن يجد أخا مثلك؟ لكن لم يلدك يعقوب ولا ~~راحيل. # فخنقت يوسف العبرة، فبكى ثم وثب إليه فاعتنقه، و { قال ~~إني أنا أخوك }؛ وبكى كل واحد منهما، ثم أعلمه يوسف أنه ~~سيحتال في إحباسه عنده، ثم أذن لإخوته بعد ذلك في الدخول ~~عليه. # قوله تعالى: { فلا تبتئس بما كانوا يعملون }؛ ~~أي لا تحزن بما كانوا يعملون بي وبك من حسدنا، وصرف وجه ~~أبينا عنا. فقد جمع الله بيني وبينك، وأرجو أن يجمع الله بيننا ~~وبين يعقوب، ثم أوفى يوسف لإخوته الكيل. ### || [12.70] # قوله تعالى: { فلما جهزهم بجهازهم جعل ~~السقاية في رحل أخيه }؛ أي فلما كال لهم، أمر ~~أصحابه المختصين به أن يجعلوا الصاع في رحل ms1114 أخيه بنيامين، ~~وسمي الصاع سقاية؛ لأنه كان قبل ذلك مما يستقي به الملك ~~الخمر وكان من ذهب. وقال ابن عباس: (كان قدحا من ~~زبرجد). وقيل: كان من فضة مموه بالذهب، وكان الشرب ~~في مثل ذلك الإناء جائزا في شريعتهم، فلما كان في أيام القحط ~~أمر الملك أن يكال به الطعام للناس. # قيل: فلما قال يوسف لبنيامين: إني أنا أخوك، قال له: فإني ~~لا أفارقك أبدا، قال يوسف: قد علمت اغتمام والدي لي، فأخاف ~~إن حبستك معي ازداد غمه، ثم لا يمكنني حبسك إلا بأن ~~أشهرك بأمر فظيع، قال: لا أبالي فافعل ما شئت. # قال: فإني أدس صاعي هذا في رحلك، ثم أنادي عليك بالسرقة ~~ليتهيأ لي حبسك معي، { ثم أذن مؤذن } ، أي فلما ~~رحلت إخوة يوسف نادى مناد: { أيتها العير إنكم ~~لسارقون }؛ وكان النداء على ظن من هؤلاء الموكلين بالصاع ~~أنهم كذلك. # ولم يكن هذا النداء بأمر يوسف ولا يعلمه؛ لأن الأنبياء عليهم ~~السلام لا يأمرون بالكذب، ومن قال: إن هذا النداء كان ~~بأمر يوسف، فيحتمل أن يكون معناه: إنكم لسارقون يوسف على ~~أبيه حين غيبتموه عنه. والعير اسم لقافلة الحمير دون قافلة ~~الإبل، ثم كثر استعماله في كل قافلة. ### || [12.71-72] # قوله تعالى: { قالوا وأقبلوا عليهم ماذا ~~تفقدون؛ أي قالت إخوة يوسف وأقبلوا على المنادي وأصحابه: ~~ماذا تطلبون أتنسبونا إلى السرقة، { قالوا نفقد }؛ أي ~~نطلب، { صواع الملك }؛ والصواع والصاع واحد وهو ~~السقاية، قوله تعالى: { ولمن جآء به حمل بعير }؛ ~~من الطعام، { وأنا به زعيم }؛ أي كفيل، قال هذا القول ~~المؤذن، وقال لهم أيضا: إن الملك قد اتهمني، وأخاف ~~عقوبته وسقوط منزلتي عنده إن لم أجد الصاع. ### || [12.73] # قوله تعالى: { قالوا تالله لقد علمتم ما ~~جئنا لنفسد في الأرض }؛ أي حلفوا بالله وقالوا: لقد ~~علمتم ما جئنا لنفسد في أرض مصر بالسرقة من الناس، { ~~وما كنا سارقين }؛ ما تظنونه. ### || [12.74-75] # قوله تعالى: { قالوا فما جزآؤه إن كنتم كاذبين ~~}؛ أي ما جزاء من سرق إن كنتم كاذبين، { قالوا جزآؤه } ~~السارق، { من وجد ms1115 في رحله } أخذ عبدا لسرقته، { فهو ~~جزاؤه } استرقاقه، { كذلك نجزي الظالمين } أي هكذا ~~جزاء السارقين في أرضنا وهي سنة يعقوب عليه السلام، حكموا ~~على أنفسهم بما كان يطلب يوسف من احتباس أخيه. ### || [12.76] # قوله تعالى: { فبدأ بأوعيتهم قبل وعآء أخيه ~~} ، أي فبدأ يوسف بتفتيش أوعيتهم قبل وعاء أخيه، { ثم ~~استخرجها من وعآء أخيه }؛ فلما فتش وعاء أخيه وجد ~~الصاع، فلما رأى أخوة يوسف ذلك، تحيروا ونكسوا رؤوسهم، ~~وقالوا لبنيامين: يا ابن المشؤومة وأخوا المشؤوم! ما الذي ~~حملك على أن تسرق صواع الملك فتفضحنا وتزري بأبيك ~~يعقوب، فجعل يحلف بالله ما سرقته ولا علم لي بمن وضعه. # فلم يقبلوا منه وقالوا له: فمن وضعه في متاعك؟ قال: الذي وضع ~~بضاعتكم في رحالكم في المرة الأولى، فقالوا فيما بينهم: لعل هذا ~~الملك يريد بنا أمرا، فبينما هم في الخصومة إذ أقبل فتى يوسف فأخذ ~~برقبة بنيامين وذهب به إليه. # قوله تعالى: { كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ ~~أخاه في دين الملك } كذلك ضنعنا ليوسف حتى أخذ أخاه، وفي ~~هذا دليل على أن يوسف كان مأذونا له من جهة الله في هذه الحيلة ~~ليضاعف الثواب ليعقوب على فقدهما. # قوله تعالى: { ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ~~إلا أن يشآء الله }؛ أي ما كان ليأخذ أخاه في قضاء الملك، ~~لأن من حكم الملك في السارق أن يضرب ويغرم ضعفي ما ~~سرق، فلم يكن يوسف يتمكن من حبس أخيه عنده في حكم الملك ~~لولا ما كاد الله له تلطفا حتى وجد السبيل في ذلك، وهو ما جرى ~~عليه ألسنة إخوته أن جزاء السارق الاسترقاق، فأمروا به وكان ~~ذلك مراده، وهو معنى قوله { إلا أن يشآء الله } وكان ذلك ~~بمشيئة الله. قوله تعالى: { نرفع درجات من نشآء }؛ ~~أي في العلم كما رفعنا درجة يوسف، { وفوق كل ذي علم ~~عليم }؛ أي فوق كل عالم عالم حتى ينتهي العلم إلى الله. ### || [12.77] # قوله تعالى: { قالوا إن يسرق فقد سرق أخ له ~~}؛ لأبيه وأمه، { من قبل }؛ أي قال ms1116 أخوة يوسف: إن يسرق ~~بنيامين سقاية الملك { فقد سرق أخ له من قبل } ~~يعنون يوسف، وذلك أن عمة يوسف كانت تحبه وهو صغير، وكان ~~يعقوب لا يتركه عندها، فاحتالت وجاءت بمنطقة أبيها إسحاق ~~فشدتها على وسط يوسف تحت القميص، ثم قالت: فقد سرق منطقة ~~أبي فأنا آخذه بذلك. فهي التي أراد إخوته بإضافتهم السرقة إليه. # وعن مجاهد: (أن يوسف جاءه سائل يوما، فسرق بيضة ~~من البيت فناوله إياها، فعيروه بذلك). وقيل: ~~كان يخبىء الطعام من المائدة للفقراء، وقيل: جاء سائل ولم ~~يكن في المنزل معه أحد، فأعطاه جديا من غير أمر أبيه فهذه ~~سرقته. # قوله تعالى: { فأسرها يوسف في نفسه ولم ~~يبدها لهم }؛ أي أخر هذه الكلمة في نفسه، ولم يظهر لهم ~~جوابا، بل { قال }؛ في نفسه: { أنتم شر مكانا }؛ أي ~~صنعا من يوسف بما قدمتم عليه من ظلم أخيكم وعقوق أبيكم، { ~~والله أعلم بما تصفون }؛ به يوسف. ### || [12.78] # قوله تعالى: { قالوا يأيها العزيز إن له أبا ~~شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه }؛ روي أن يهودا كان ~~أشد بني يعقوب غضبا، وكان إذا غضب صاح فلا تسمع صوته حامل ~~إلا وضعت، وكان إذا غضب تقوم كل شعرة من جسده وتنتفخ، فلا ~~يسكن غضبه حتى يمسه واحد من آل يعقوب. # فقال يهودا لبعض أخوته: انظروا كم سوقا بمصر؟ فنظروا فإذا ~~هي عشرة، فقال لإخوته: اكفوني من هذه الأسواق حتى أكفيكم من ~~الملك، ثم قال: تباعدوا مني، فأمر يوسف ابنا له صغيرا، فقال: ~~اذهب فمس ذلك الرجل، فدنا منه فمسه فذهب غضبه، ثم هم أن ~~يصيح ثانية، فقام إليه يوسف فركضه برجله ليريه أنه شديد، ~~ودفعه ثم أخذ بتلابيبه فجذبه فوقع في الأرض. ثم قال: إنكم ~~ترون معشر العبرانيين أن أحدا ليس مثلكم في الشدة. # فقال يهودا لإخوته: هل مسني أحد من آل يعقوب؟ قالوا: لا، ~~وذل يهودا عند ذلك، وقال: أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا ~~في السن، فذكروا هذا على جهة الاسترحام. # وقيل: معناه: كبير القدر لا يحسبن، أين مثله؟ ms1117 فخذ أحدنا ~~مكانه عبدا. وقيل: وفي هذه دليل أنه كان يجوز لإنسان أن يرق ~~نفسه لغيره، وقد نسخ هذا بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم. # قوله تعالى: { إنا نراك من المحسنين }؛ إلى كل ~~من يأتيك وقد أوفيت لنا الكيل، ورددت علينا بضاعتنا وقضيت ~~حاجتنا، فإن رددت معنا أخانا كان أعظم منة علينا من جميع ~~ما سبق. ### || [12.79] # قوله تعالى: { قال }؛ يوسف: { معاذ الله }؛ وهذا نصب ~~على المصدر؛ أي أعوذ بالله، { أن نأخذ }؛ أي أن آخذ بالسرقة، ~~{ إلا من وجدنا متاعنا عنده }؛ إذا فعلنا ذلك كنا ~~ظالمين، نحبس من لم نجد متاعنا عنده. يجوز أن يكون أراد ~~إنا، { إنآ إذا لظالمون } ، عندكم وفي حكمكم. ### || [12.80-81] # قوله تعالى: { فلما استيأسوا منه خلصوا ~~نجيا }؛ أي لما يئسوا من يوسف أن يرد أخاهم عليهم ~~انفردوا متناجين فيما بينهم يتشاورون كيف يرجعون إلى أبيهم ~~وماذا يقولون له. والتنجي مصدر يعبر به عن الواحد والجميع، ~~وقد يجمع النجي أنجية، قال الشاعر: # إنى إذا ما القوم صاروا أنجيه # واختلفت أعناقهم الأرشيه # هناك أوصي ولا يوصى بيه # قوله تعالى: { قال كبيرهم ألم تعلموا أن ~~أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله }؛ أي قال ~~لهم روبيل وهو أكبرهم في السن: ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ ~~عليكم عهدا من الله لتردنه عليه. # قوله تعالى: { ومن قبل ما فرطتم في يوسف }؛ أي ~~وتعلمون تفريطكم في يوسف، { فلن أبرح الأرض } أي أرض ~~مصر، { حتى يأذن لي أبي } في البراح، { أو يحكم ~~الله لي }؛ في موت، أو وصول إلى أخي فأرده إلى أبيه { ~~وهو خير الحاكمين }؛ لا يحكم إلا بالحق. # ثم قال لإخوته كما قال الله تعالى: # قوله تعالى: { ارجعوا إلى أبيكم فقولوا ~~يأبانا إن ابنك سرق }؛ صواع الملك. وقرأ ابن عباس ~~(سرق) بضم السين وتشديد الراء، { وما شهدنآ إلا بما ~~علمنا }؛ إخبار عن ظاهر وجود الصاع في رحل بنيامين أنه هو ~~الآخذ له، { وما كنا للغيب حافظين }؛ أي ما كنا ندري ~~باطن الأمر في السرقة أنه سرق أو كذب عليه. ms1118 ### || [12.82-83] # قوله تعالى: { وسئل القرية التي كنا فيها }؛ أي ~~اسأل من شئت من أهل القرية التي كنا فيها وهي مصر، فإن أمر ~~شائع فيهم، يخبرك به من سألته. وسمى مصر قرية؛ لأن العرب ~~تسمي الأمصار والمدائن قرى. وقيل: أراد بالقرية قرية من ~~قرى مصر وهي التي ارتحلوا من مصر إليها. # قوله: { والعير التي أقبلنا فيها }؛ أي واسأل أهل ~~القافلة التي رجعنا منهم، وكان قد صحبهم قوم كنعان. قوله ~~تعالى: { وإنا لصادقون }؛ أي لصادقون فيما نقول لك. ~~فقال لهم يعقوب كما قال الله تعالى: # قوله تعالى: { قال بل سولت لكم أنفسكم أمرا ~~فصبر جميل }؛ أي قال: إن ابني لا يسرق، وإنما سهلت لكم ~~أنفسكم أمرا إذا قلتم فيه سرق، فأمري صبر جميل لا جزع فيه. # قوله تعالى: { عسى الله أن يأتيني بهم جميعا }؛ ~~أي بيوسف وبنيامين وروبيل، { إنه هو العليم }؛ بعباده، { ~~الحكيم }؛ في تدبير أمر خلقه. ### || [12.84] # قوله تعالى: { وتولى عنهم }؛ أي أعرض عنهم لشدة ~~الحزن، { وقال يأسفى على يوسف }؛ أي أقبل أيها الأسف ~~فقد حان وقتك، والأسف والحزن واحد. وقيل: الأسف أشد من ~~الحزن. قوله تعالى: { وابيضت عيناه من الحزن } ، ~~من شدة البكاء وإلا فالحزن لا يبيض العين، والدمع مما لا ~~يمكن الاحتراز عنه كما قال صلى الله عليه وسلم: # " القلب يحزن والعين تدمع ". # قوله تعالى: { فهو كظيم }؛ أي ممسك للحزن يتردد ~~حزنه في جوفه، وقال عطاء: (الكظيم الحزين)، وقال الضحاك: ~~(كميد)، وقال ابن عباس: (مهموم) قال مقاتل: (لم يبصر ~~بعينين ست سنين حتى كشفه الله بقميص يوسف)، ~~قيل: بلغ من حزن يعقوب حزن سبعين ثكلى. ### || [12.85] # قوله تعالى: { قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف ~~حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين }؛ أي قال ~~أولاد يعقوب: والله لا تزال تذكر يوسف حتى تكون دنفا أو تموت، ~~والحرض الذائب البالي. وعن الحسن: (حتى تكون حرضا) ~~بضمتين، أراد كالأشنان الموقوف. وقال الربيع: ~~(الحرض يابس الجلد على العظم). وقيل: هو الضعيف ~~الذي لا حراك به. # وإنما أضمر (لا) في قوله (تفتؤ) لأن العرب تقول: ms1119 والله ~~تدخل هذا الدار، تريد بذلك نفي الدخول، فإذا أرادت للإثبات قالت: ~~لتدخلن. ### || [12.86-88] # قوله تعالى: { قال إنمآ أشكو بثي وحزني إلى ~~الله }؛ أي قال يعقوب: إنما أشكو غمي وحزني إلى الله. ~~والبث: هو تفريق الحزن الذي لا يكاد يصبر عنه صاحبه حتى ~~يبثه. # وروي أن رجلا قال ليعقوب عليه السلام: ما الذي أذهب بصرك؟ ~~قال: حزني على يوسف، قال: فما الذي قوس ظهرك؟ قال: حزني على ~~أخيه. فأوحى الله إليه: يا يعقوب أتشكوني؟ وعزتي لا أكشف ما ~~بك حتى تدعوني، فقال عند ذلك: { إنمآ أشكو بثي وحزني ~~إلى الله } فأوحى الله إليه: وعزتي وجلالي لو كانا ~~ميتين لأحييتهما لك حتى تنظر إليهما. # وقيل: إن رجلا دخل عليه فقال له: يا يعقوب ما لي أراك قد ~~انهشمت وفنيت؟ قال: هشمني وأفناني ما ابتلاني الله ~~به من هم يوسف، فأوحى الله إليه: أتشكوني إلى خلقي؟ فقال: ~~يا رب خطيئة أخطأتها فاغفرها لي، فقال: قد غفرتها لك، فكان ~~بعد ذلك إذا سئل قال: { إنمآ أشكو بثي وحزني إلى ~~الله }. # قال وهب بن منبه: (أوحى الله إلى يعقوب: أتدري لم عاقبتك ~~وحبست عنك يوسف ثمانين سنة؟ فقال: لا، قال: لأنك شويت وقترت ~~على جارك وأكلت ولم تطعمه!). ويقال: إن سبب ابتلاء يعقوب، أنه ~~كان له بقرة وكان لها عجل، فذبح عجلها بين يديها وهي تخور، فلم ~~يرحمها يعقوب فأخذه الله به وابتلاه بفقد أعز أولاده من وسيط ~~الواحد! # قوله تعالى: { وأعلم من الله ما لا تعلمون }؛ ~~أي أعلم أن رؤيا يوسف صادقة وإنا سنسجد له. وقيل: أعلم أن ~~يوسف حي لم يمت؛ لأنه روي أن ملك الموت دخل على يعقوب، فقال ~~له يعقوب: هل قبضت روح ولدي يوسف في الأرواح؟ قال: لا وستراه ~~عاجلا. # فعند ذلك قال يعقوب لأولاده كما قال الله تعالى: { يبني ~~اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه }؛ أي اذهبوا ~~واستخبروا واطلبوا يوسف وأخاه، وقال ابن عباس: (معناه: ~~فالتمسوا يوسف وأخاه)، { ولا تيأسوا من روح ~~الله }؛ أي لا تقنطوا من فرج الله، ms1120 { إنه لا ييأس من ~~روح الله إلا القوم الكافرون }؛ وسئل ابن عباس عن ~~الفرق بين التحسيس والتجسيس، فقال: (التحسس في ~~الخير، والتجسس في الشر). # وروي أن يعقوب كتب كتابا إلى عزيز مصر: بسم الله الرحمن ~~الرحيم: من يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم إلى عزيز مصر، أما فإنا ~~أهل بيت موكل بنا البلاء، ابتلى الله جدي بأن طرح في النار ~~فجعلها الله عليه بردا وسلاما، وابتلى عمي إسماعيل ~~بالذبح، ففداه الله بكبش عظيم، وابتلى أبي بالعمى، وابتليت ~~أنا بغيبة ابني يوسف فذهب بصري، وزعمت أن ابني سرق، وما ~~ولدت سارقا، فخل سبيل ابني وإلا فإن الله يفعل ما يشاء. # ثم دفع الكتاب إلى أولاده وقال لهم: إذا دخلتم عليه فقولوا: يا ~~أيا العزيز مسنا وأهلنا الضر، فذلك: # قوله تعالى: { فلما دخلوا عليه قالوا يأيها ~~العزيز مسنا وأهلنا الضر }؛ أي فلما دخلوا في ~~المرة الثالثة قالوا: يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الشدة من ~~القحط، { وجئنا ببضاعة مزجاة }؛ أي قليلة كاسدة، ~~والمزجاة: هي الشيء اليسير الذي يدافع به. روي أنهم جاؤوا ~~بمتاع الأعراب مثل الأقط والجبن والسمن والصوف، وقيل: ~~جاؤا بدراهم رديئة لا تنفق في الطعام، وقال الضحاك: (النعال ~~والأدم). # قوله تعالى: { فأوف لنا الكيل وتصدق علينآ ~~}؛ أي وفر لنا الكيل، كما كنت توفر في السنين الماضية، ولا تنظر الى ~~قلة بضاعتنا في هذه السنة، وتصدق علينا بنقصان السعر. # وقال سفيان بن عيينة: (سألوا الصدقة وهم أنبياء، ~~وكانت حلالا لهم، وإنما حرمت على النبي صلى ~~الله عليه وسلم)، وكره مجاهد أن يقول الرجل في دعائه اللهم تصدق علينا، ~~فان الصدقة إنما هي ممن يبتغي الثواب، وقوله تعالى: { إن الله ~~يجزي المتصدقين }؛ أي على صدقاتهم بأفضل منها. ### || [12.89-90] # قوله تعالى: { قال هل علمتم ما فعلتم بيوسف ~~وأخيه إذ أنتم جاهلون }؛ روي أنهم لما دفعوا الكتاب ~~إليه وقرأه أرعد حتى سقط الكتاب من يده، ثم انتحب انتحابة ~~كاد أن يتقطع منها قلبه، وقال لهم عند ذلك: هل علمتم ما فعلتم ~~بيوسف وأخيه، وقص عليهم جميع ms1121 ما عملوه به من إلقائهم أياه في ~~الجب، وبيعهم له وقولهم: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل، ~~وفعلهم بأخيه حتى صار ذليلا فيما بينهم. وأراد بقوله { إذ أنتم ~~جاهلون } جهالة الصبا، وقيل: أراد إذ أنتم شباب أحداث لا ~~تعرفون أمور الدين. # فلما قص عليهم ذلك، { قالوا أءنك لأنت يوسف قال ~~أنا يوسف وهذا أخي قد من الله علينآ }؛ بصبرنا ~~على الشدة، { إنه من يتق }؛ المعاصي، { ويصبر }؛ على ~~الشدائد، { فإن الله لا يضيع أجر }؛ أي ثواب { ~~المحسنين }. ### || [12.91] # قوله تعالى: { قالوا تالله لقد آثرك الله ~~علينا }؛ أي فضلك بما أنعم عليك، { وإن كنا لخاطئين ~~}؛ أي وقد كنا عاصين لله في ما فعلنا، وهذا يدل على أنهم ~~ندموا على ما فعلوا. ### || [12.92] # قوله تعالى: { قال لا تثريب عليكم اليوم }؛ أي ~~لا تعيير عليكم اليوم؛ أي لا أذكر لكم ذنبكم بعد هذا اليوم. وقال ~~ابن عباس: (لا لوم عليكم). قوله تعالى: { يغفر ~~الله لكم وهو أرحم الراحمين }؛ بعباده. ### || [12.93-95] # قوله تعالى: { اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على ~~وجه أبي }؛ أي قال لهم: اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي ~~يرجع، { يأت بصيرا }؛ كما كان، قال الضحاك: (كان ذلك ~~القميص من نسج الجنة). وقوله تعالى: { وأتوني ~~بأهلكم أجمعين } ، روي أنهم كانوا نحو سبعين إنسانا. # وقوله تعالى: { ولما فصلت العير }؛ روي أنه لما خرجت ~~القافلة من العريش وهي قرية بين مصر وكنعان، بينهم وبين يعقوب ~~ثمانية أيام، { قال أبوهم }؛ قال يعقوب لولد ولده، وكان ~~أولاده كلهم بمصر: { إني لأجد ريح يوسف }. روي أن الريح ~~حملت رائحة يوسف إلى أبيه. قوله تعالى: { لولا أن ~~تفندون }؛ تسفهوني في الرأي لقلت إنه حي. # وقال الخليل: (الفند إنكار العقل من هرم، يقال ~~شيخ مفند، ولا يقال عجوز مفندة؛ لأنها لم ~~تكن في شبيبتها ذات رأي فتفند). وقال ابن عباس: ~~(تفندون تجهلون)، وعن مجاهد: (لولا أن تقولوا ذهب ~~عقلك)، وقال الضحاك وابن جبير: (لولا أن تكذبون)، ~~وقيل: لولا أن تقولوا إني شيخ خرف، وقال أبو عبيدة: ~~(تضللون)، والفند الفساد، ms1122 قال الشاعر: # يا صاحبي دعا لومي وتفنيدي # فليس ما فات من أمري بمردود # وفي بعض الروايات: أن ذلك القميص كان من الجنة، وكان الله ~~ألبسه إبراهيم حين ألقي في النار فصارت عليه بردا وسلاما، ثم ~~كساه إبراهيم اسحاق وكساه يعقوب، وكان يعقوب أدرج ذلك القميص في ~~قصبة وعلقه على يوسف لما كان يخاف عليه من العين. وأمره جبريل أن ~~أرسل إليه قميصك هذا فإن فيه ريح الجنة، لا يقع على مبتلى أو ~~سقيم إلا عوفي، فلذلك أصاب يعقوب ريحه من بعد ثمانية أيام، { ~~قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم }. ### || [12.96] # قوله تعالى: { فلمآ أن جآء البشير ألقاه على ~~وجهه فارتد بصيرا }؛ البشير هو يهودا، وذلك أن يهودا ~~قال ليوسف: أنا ذهبت بالقميص وهو ملطخ بالدم إليه، فأنا أذهب ~~بالقميص إليه فأخبره بأنك حي وأفرحه كما أحزنته، فكان هو ~~البشير، فحمل القميص وخرج حاسرا حافيا، وكان معه سبعة أرغفة لم ~~يشوق أكلها حتى بلغ كنعان، وكانت المسافة ثمانين فرسخا، فلما ~~أتاه ألقاه على وجهه فارتد بصيرا. # قال الضحاك: (رجع بصره بعد العمي، وقوته بعد ~~الضعف، وشبابه بعد الهرم، وسروره بعد ~~الحزن)، ثم قال يعقوب للبشير: على أي دين تركت يوسف؟ قال: على ~~الإسلام، قال: الآن تمت النعمة. قوله تعالى: { قال ~~ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا ~~تعلمون }؛ أي ألم أقل لكم إن يوسف حي وكنتم لا تعلمون ذلك. ### || [12.97-98] # قوله تعالى: { قالوا يأبانا استغفر لنا ذنوبنآ ~~}؛ أي ادع الله أن يغفر لنا ذنوبنا، { إنا كنا خاطئين }؛ ~~أي مسيئين عاصين لله. قوله تعالى: { قال سوف أستغفر ~~لكم ربي }؛ روي أنه قال لهم يوسف: أدعو لكم ربي ليلة الجمعة ~~آخر السحر، { إنه هو الغفور }؛ لعباده، { الرحيم } ~~لهم، ويقال: إنهم التمسوا منه أن يستغفر لهم على الدوام، وأن ~~يجعلهم في ورده في الدعاء. ### || [12.99-100] # قوله تعالى: { فلما دخلوا على يوسف آوى إليه ~~أبويه }؛ روي أن يوسف كان يبعث إلى يعقوب بمائتي راحلة، وسأله ~~أن يأتيه بأهله أجمعين، فتهيأ يعقوب للخروج، فلما ms1123 دنا من مصر، ~~وكان يوسف قد خرج في أربعة آلاف من الجند، فلما رأى يعقوب الخيل قال: ~~ما هذا؟ # قال هو ابنك، فلما دنا كل واحد من صاحبه، ابتدأ يعقوب بالسلام ~~فقال: السلام عليك يا مذهب الأحزان، ثم عانق كل واحد منهما ~~صاحبه وبكيا. فقال يوسف: يا أبت بكيت علي حتى ذهب بصرك؟ ~~قال: نعم، قال: يا أبت حزنت علي حتى انحنيت؟ قال: نعم، قال: يا ~~أبت أما علمت أن القيامة تجمعنا؟ قال: إني خشيت أن يسلب ~~دينك فلا نجتمع. # قوله تعالى: { فلما دخلوا على يوسف آوى إليه ~~أبويه } أي ضمهما إلي نفسه وأنزلهما عنده، قال عامة ~~المفسرين: يعني أباه وخالته؛ لأن أمه كانت قد ماتت قبل ذلك، ~~وكان موتها نفاسها ببنيامين، ولأن بنيامين بلغة العبرانية ابن ~~الوجيع. # قوله تعالى: { وقال ادخلوا مصر إن شآء الله ~~آمنين }؛ من العدو والقحط والأسواء كلها. قوله تعالى: ~~{ ورفع أبويه على العرش }؛ أي رفعهما معه على سرير. # قوله تعالى: { وخروا له سجدا }؛ أي سجد له أبوه ~~وخالته وإخوته الأحد عشر سجود تحية وتشريف، وكان في ذلك الزمان ~~يسجد الوضيع للشريف، وقد تقدم نسخ هذا السجود في سورة البقرة، ~~وعن عمر رضي الله عنه: (أنه خرج إلى بعض القرى، فخرج ~~إليه رئيس أهل القرية فسجد له، فقال: ما هذا؟! ~~قال: شيء نصنعه للأمراء والخلفاء، فقال: أسجد ~~لربك الذي خلقك). # ويقال في معنى هذا: إنهم سجدوا شكرا لله على ما أنعم الله ~~عليهم من اجتماعهم على أيسر الأحوال. ويجوز أن يكون معنى السجود ~~الميلان والانحناء، عن ابن عباس: (أن معناه: وخروا ~~لله سجدا), وقوله (له) كناية عن الله. # قوله تعالى: { وقال يأبت هذا تأويل رؤياي من ~~قبل }؛ أي هذا السجود تصديق رؤياي التي رأيتها من قبل، { قد ~~جعلها ربي حقا وقد أحسن بي } أي أحسن إلي، { إذ ~~أخرجني من السجن }؛ هذا ثناء منه على الله تعالى بإنعامه ~~عليه؛ إذ خلصه ونجاه من العبودية، { وجآء بكم من ~~البدو }؛ وجاء بأبيه وإخوته من البادية إليه. قوله تعالى: ~~{ من ms1124 بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي }؛ ~~بالحسد، { إن ربي لطيف لما يشآء }؛ أي لطيف في تدبير ~~عباده وبلطفه جمع بيننا على أحسن الأحوال، { إنه هو العليم ~~}؛ بمصالح عباده، { الحكيم } في تدبيرهم. # واختلفوا في المدة التي كانت بين رؤيا يوسف وبين تصديقها، قال ~~سلمان رضي الله عنه: (أربعون سنة)، وقال ابن عباس: (اثنان ~~وعشرون سنة). ### || [12.101] # قوله تعالى: { رب قد آتيتني من الملك }؛ يعني ~~ملك مصر أربعين فرسخا في أربعين فرسخا، { وعلمتني من ~~تأويل الأحاديث }؛ أي تعبير الرؤيا وتأويل كتب الدين. # قوله تعالى: { فاطر السموت والأرض }؛ نصب على ~~النداء؛ أي يا فاطر السماء والأرض منشئهما على غير مثال، { أنت ~~وليي في الدنيا والآخرة }؛ أي تتولى حفظي وصيانتي، { ~~توفنى مسلما }؛ أي ألطف بي لطفا أثبت به على الإيمان إلى ~~أن يلحقني الموت، { وألحقني بالصالحين }؛ يعني يلحقه ~~بآبائه. # وأما ما كان من أمر زليخا فإنه لما مات العزيز وبقيت أرملة، ~~قالت: أنا من يوسف على رجاء، وأمري كل يوم إلى نقص؛ وذلك بمعصيتي ~~لآله يوسف، فكيف لا أقوم إلى هذا الصنم المشؤوم فأجعله جذاذا، ~~وألحق بيوسف وأسلم على يده؟ لعل إلهه يرحمني ويقضي حاجتي، ~~فقامت وكسرت صنمها وجاءت إلى طريق يوسف، فوقفت له في يوم ركوبه ~~فأقبل مع الأعلام والرايات مكتوبات عليها: # قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة ~~أنا ومن اتبعني وسبحان الله ومآ أنا من ~~المشركين # [يوسف: 108]. # فلما صار يوسف بحذاء زليخا نادت: سبحان من يعلي العبيد ويجعلهم ~~ملوكا بطاعته، ويذل الموالي ويجعلهم عبيدا بمعصيته. فسمع ذلك ~~يوسف فقال: علي بصاحبة هذا الكلام، فأتي بها إليه فقال: من ~~أنت؟ قالت: زليخا أما تعرفني؟! قال: لا، قالت: قد أنكرتني؟ قال: ~~أشد الإنكار، قالت: أنا الذي راودتك عن نفسك فاستعصمت بإله ~~السماء، فرفعك ووضعني؛ وأعزك وأذلني؛ وأغناك وأفقرني، ~~فعلمت أني في باطل وغرور، فكسرت صنمي وجئتك طائعة مؤمنة ~~أقول: لا إله إلا الله، ليرحمني، فوقعت رحمتها في قلبه، ~~فقال: سلي حاجتك، قالت: أتفعل؟ قال: نعم، قالت: لي ثلاث حوائج يا ~~يوسف ms1125 قد ذهب بصري فادع الله أن يرد علي لأنظر إلى جمال وجهك، ~~فدعا الله فرد عليها بصرها فأقبلت تنظر إلى يوسف، ثم قالت: وادع ~~الله أن يرد علي حسني وجمالي، فدعا الله فرده عليها ذلك. # فلما نظر يوسف إليها نكس رأسه وقال: أما تسألي الثالثة يا رأس ~~الفتنة؟ قالت: تتزوج بي حلالا؟ قال لها: قومي يا رأس الفتنة هذه ~~حاجة ليس في نفسي قضاؤها، قالت: أما أنا فلا أقنط من رحمة الله، ~~فنزل جبريل على يوسف وقال: إن الله يأمرك أن تتزوج بها، فجعلت ~~تحمد الله وتشكره فتزوجها، فلما دخل بها وجدها عذراء، فولدت ~~له ولدين، وأقام يعقوب عند يوسف ثماني عشرة سنة، ومات قبل يوسف ~~بسنتين. ### || [12.102] # قوله تعالى: { ذلك من أنبآء الغيب نوحيه ~~إليك }؛ أي ذلك الذي ذكرت لك يا محمد من قصة يوسف وإخوته من ~~أخبار ما غاب علمه عنك نوحيه إليك. قوله: { وما كنت لديهم ~~إذ أجمعوا أمرهم }؛ أي وما كنت عندهم إذ عزموا أمرهم ~~على إلقاء يوسف في الجب، { وهم يمكرون }؛ به، وكان مكرهم ~~إلقاءهم إياه في البئر. ### || [12.103] # قوله تعالى: { ومآ أكثر الناس ولو حرصت ~~بمؤمنين }؛ أي وما أكثر الناس بمؤمنين بالقرآن والرسول ولو حرصت ~~يا محمد على دعائهم إلى الإيمان وجهدت كل الجهد. ### || [12.104-105] # قوله تعالى: { وما تسألهم عليه من أجر }؛ أي ~~وما تسألهم يا محمد على دعائهم إلى الله من جعل في مالهم ~~فيصدهم ذلك عن الإيمان. قوله تعالى: { إن هو إلا ذكر ~~للعالمين }؛ أي ما القرآن إلا موعظة للعالمين. # وقوله تعالى: { وكأين من آية في السماوات والأرض ~~يمرون عليها وهم عنها معرضون }؛ أي فكم من آية ~~دالة على وحدانية الله مما في السماوات من الشمس والقمر والنجوم، ~~وما في الأرض من الأشجار والجبال والنبات وغير ذلك من الحيوانات، ~~يرونها ويشاهدونها ثم لا يستدلون بذلك على أن لها مدبرا حكيما ~~عليما قادرا لا يشبهه شيء من المخلوقات. ويقال: أراد بالآيات التي ~~في الأرض آيات عاد وثمود وقوم لوط وغيرهم، كان أهل مكة ms1126 يمرون ~~عليها في أسفارهم ولا يتعظون بهم. ### || [12.106] # قوله تعالى: { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا ~~وهم مشركون }؛ أي ما يصدق أكثرهم بلسانهم إلا وهم ~~مشركون به غيره؛ لأنهم يؤمنون من وجه، كما قال تعالى: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف: 87] ويشركون من وجه وهو عبادتهم الأصنام، وقال الحسن: ~~(المراد بهذه الآية أهل الكتاب معهم إيمان من ~~وجه وشرك من وجه، فإن مع اليهود إيمانا بموسى ~~وكفرا بمحمد صلى الله عليه وسلم). ### || [12.107] # قوله: { أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب ~~الله }؛ أي أفأمن الكفار أن يغشاهم العذاب من الله، { أو ~~تأتيهم الساعة بغتة وهم لا يشعرون } بنزول ~~العذاب. ### || [12.108] # قوله تعالى: { قل هذه سبيلي }؛ أي هذه الدعوة ~~ديني، وإنما قال: (هذه) لأن السبيل يذكر ويؤنث، { أدعو ~~إلى الله على بصيرة }؛ على معرفة مني بالله تعالى، ~~وقوله تعالى: { أنا ومن اتبعني }؛ معناه: يدعو إلى الله، { ~~وسبحان الله } أي وقل: سبحان الله، { ومآ أنا من ~~المشركين }؛ أي لست معهم على دينهم. ### || [12.109] # قوله تعالى: { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا ~~نوحي إليهم من أهل القرى } أي وما أرسلنا من قبلك ~~يا محمد إلا رجالا منسوبين إلى القرى مثلك يوحى إليهم كما ~~يوحى إليك، قال الحسن: (لم يرسل الله امرأة ولا رسولا ~~من أهل البادية؛ وذلك لأن أهل الأمصار يكونون ~~أثبت عقولا من أهل البادية، وأشد أحلاما ~~منهم). # قوله تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض }؛ يعني أفلم ~~يسير أهل مكة في الأرض، { فينظروا كيف كان عاقبة }؛ ~~فيروا آثار ديار، { الذين من قبلهم }؛ من الكفار فيخافون ~~ما ينزل بهم من عذاب الله وما نزل بأولئك. # قوله تعالى: { ولدار الآخرة خير للذين اتقوا ~~أفلا تعقلون }؛ يعني قوله (دار الآخرة) الجنة (خير ~~للذين اتقوا) الكفر والفواحش (أفلا يعقلون) معناه: ~~أفليس لهم ذهن الإنسانية أن الآخرة الباقية خير من الدنيا ~~الفانية، وأضاف الدار الآخرة على سبيل إضافة الشيء إلى نفسه كما ~~يقال يوم الجمعة. ### || [12.110] # قوله تعالى: { حتى إذا استيأس الرسل وظنوا ~~أنهم قد كذبوا }؛ أي حتى إذا ms1127 يئس الرسل عن إجابة الأمم ~~وأيقنوا أن القوم، { قد كذبوا }؛ تكذيبا لا يرجعون عنه، { ~~جآءهم نصرنا فنجي من نشآء }؛ بإهلاك قومهم، ومن قرأ ~~(كذبوا) بالتخفيف فمعناه: وظن المرسل إليهم أن الرسل قد ~~كذبوهم في ما أوعدوهم من العذاب. قوله تعالى: { ولا يرد ~~بأسنا عن القوم المجرمين }؛ أي لا يرد عذابنا عن ~~الكافرين. ### || [12.111] # قوله تعالى: { لقد كان في قصصهم عبرة لأولي ~~الألباب }؛ أي لقد كان في قصص من تقدم من الأنبياء عبرة ~~لذوي العقول من الناس. وقيل: إن قصة يوسف وإخوته عبرة لمن أراد ~~أن يعتبر فيصبر على البلاء والمحن، كما صبر يعقوب ويوسف حتى ~~ختم الله لهما بالملك والعلو، والفرج من الأحزان، ولا ~~يحسد أحدا كما حسد إخوة يوسف، فلم يغن عنهم كيدهم شيئا. # قوله تعالى: { ما كان حديثا يفترى ولكن ~~تصديق الذي بين يديه }؛ أي ما كان القرآن حديثا يختلق ~~ولكن كان تصديقا للكتب التي بين يديه من التوارة والإنجيل وغيرهما، ~~ومن قرأ (تصديق) بالرفع فعلى إضمار هو. # قوله تعالى: { وتفصيل كل شيء }؛ أي وبيان كل شيء ~~يحتاج الناس إليه في دينهم، { وهدى ورحمة لقوم ~~يؤمنون }؛ ودلالة ونجاة من العذاب الأليم لقوم يصدقون ~~بمحمد والقرآن. ### | [13 - سورة الرعد] ### || [13.1] # { المر تلك آيات الكتاب والذي أنزل إليك من ~~ربك الحق }؛ قال ابن عباس: (معنى المر: أنا الله ~~أعلم وأرى). وقوله تعالى: { تلك آيات الكتاب } أي هذه ~~آيات القرآن، وقوله تعالى: { والذي أنزل إليك من ~~ربك الحق } هو القرآن أيضا، وقال قتادة: (المراد ~~بقوله { تلك آيات الكتاب } الآيات التي أنزلت ~~قبل القرآن من التوراة والإنجيل وسائر الكتب، ~~والمراد ب { والذي أنزل إليك } القرآن)، { ~~ولكن أكثر الناس لا يؤمنون }. ### || [13.2] # قوله تعالى: { الله الذي رفع السماوات بغير ~~عمد ترونها }؛ أي هو الذي رفع السماوات، وأقامها واقفة ~~على غير عمد ترونها أنتم كذلك بلا عمد، هكذا قال أكثر ~~المفسرين، وعن ابن عباس في رواية (بعمد لا ترونها، ~~كأنه قال: بغير عمد مرئية). والأول أقرب إلى ~~الصحة؛ لأنه لو كان للسماء عماد لكنا ms1128 نرى ذلك العماد، لأن ~~مثل السماوات في ثقلها وارتفاعها وعظمها لا يقلها عماد إلا ~~وقد يكون ذلك العماد جسيما عظيما. قوله تعالى: { ثم ~~استوى على العرش }؛ قد تقدم تفسيره. # وقوله تعالى: { وسخر الشمس والقمر }؛ تقديره: الله ~~الذي رفع السماوات بغير عمد، ثم سخر الشمس والقمر وهو مستو ~~على العرش، لأن استيلاء الله على الأشياء قدرته عليها، وقدرة الله ~~لا تكون محدثة. وتسخير الشمس والقمر إجراؤهما لمنافع بني آدم، ~~ومعنى السخر أن يكون الشيء مقهورا لا يملك لنفسه ما يخلصه من ~~القهر. قوله تعالى: { كل يجري لأجل مسمى }؛ إلى ~~وقت معلوم وهو وقت فناء الدنيا، فإذا انفنت الدنيا ~~كورت الشمس وانكدرت النجوم. # قوله تعالى: { يدبر الأمر يفصل الآيات }؛ أي ~~يقضي القضاء، ويبعث الملائكة بالوحي، وينزل الرزق والأقضية، ~~قوله تعالى: { يفصل الآيات } أي يأتي بآية في إثر آية ~~ليكون أمكن للاعتبار والفكر. وقوله تعالى: { لعلكم بلقآء ~~ربكم توقنون }؛ أي لتستيقنوا بالبعث وبما وعدكم الله ~~به من الثواب والعقاب. ### || [13.3] # قوله تعالى: { وهو الذي مد الأرض }؛ بسطها طولا ~~وعرضا، { وجعل فيها رواسى }؛ أي خلق فيها جبالا ثوابت ~~أوتادا لها، ولو أراد أن يمسكها من غير رواسي لفعل. قوله ~~تعالى: { وأنهارا }؛ أي وأجرى فيها أنهارا. قوله ~~تعالى: { ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين ~~اثنين }؛ أي وخلق من جميع الثمرات من كل شيء لونين اثنين، ~~وجعل فيها الحلو والحامض، والأسود والأبيض. # وقوله تعالى: { يغشى اليل النهار }؛ أي يأتي بالليل ~~ليذهب بضياء النهار، فتسكن الناس بالليل، ويأتي بضياء النهار ~~ليمحو ظلام الليل فتصرف الناس فيه معايشهم، { إن في ذلك ~~لآيات لقوم يتفكرون }؛ في صنع الله، فيستدلون بذلك ~~على توحيده. ### || [13.4] # قوله تعالى: { وفي الأرض قطع متجاورات }؛ منها ~~الجبل الصلب، ومنها الأرض الجرز التي لا يمكن النبات عليها إلا ~~بالمشقة، ومنها الأرض النحسة، ومنها الأرض الطيبة، وهذه ~~الأراضي في ذلك متجاورات ملتزقة، { وجنات من أعناب }؛ ~~أي وبساتين من كروم، { وزرع }؛ ويجوز في القراءة (وجنات) ~~على معنى: وجعل فيها جنات، ومن قرأ (وزرع) بالضم فهو عطف على ~~القطع ms1129 لأن الزرع لا يكون في الجنات، وقرأ العامة (وزرع ~~ونخيل) بالكسر على المجاورة. # قوله تعالى: { ونخيل صنوان وغير صنوان }؛ أي ~~مجتمع أصولها في أصل واحد، ونخيل متفرق أصولها، والصنوان ~~جمع الصنو، ويعني الصنوان أن يكون أصل واحد تخرج منه ~~النخلتان والثلاث والأربع كما ورد في الحديث: # " عم الرجل صنو أبيه ". # قوله تعالى: { يسقى بمآء واحد }؛ إما المطر وإما ~~النهر، { ونفضل بعضها على بعض في الأكل } ، بعض ~~أكلها أفضل من بعض في الطعم حتى يكون بعضها حلوا، وبعضها ~~حامضا، وبعضها مرا، والتراب واحد، وألوان الثمر وطعمها مختلفة، ~~وذلك من الدليل على وحدانية الله عز وجل؛ لأنه المحدث ~~لها، والله تعالى قدير حكيم قد أحدثها على علم منه بها. # وقال مجاهد: (هذا مثل بني آدم، أصلهم تراب واحد، ~~ثم منهم صالح وخبيث، وكامل الخلقة وناقص ~~الخلقة، وسيء الخلق)، { إن في ذلك لآيات }؛ أي ~~لعلامات دالات على وحدانية الله؛ { لقوم يعقلون }؛ إن ~~في ذلك من الله. ### || [13.5] # قوله تعالى: { وإن تعجب فعجب قولهم أإذا ~~كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد }؛ معناه وإن تعجب يا ~~محمد من تكذيب أهل مكة وإشراكهم بالله مع ما تقدم من الدلائل ~~على توحيد الله قولهم عجب عند العقلاء العارفين حيث قالوا: إذا ~~كنا ترابا أنبعث وترد فينا الروح بعد الموت والبلاء؟! ~~وإنما سمي قولهم { أإذا كنا ترابا } أعجب؛ لأن البعث أسهل ~~في القدرة مما بين الله لهم؛ إذ البعث إعادة إلى ما كان، ~~والإعادة أسهل في طباع الآدميين من الإنشاء. # قوله تعالى: { أولئك الذين كفروا بربهم ~~وأولئك الأغلال في أعناقهم }؛ أي تغل أيمانهم ~~إلى أعناقهم السلاسل في النار، ويكون يسارهم وراء ظهورهم وهم ~~مصفدون من قرونهم الى أقدامهم. قوله تعالى: { ~~وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }. ### || [13.6] # قوله تعالى: { ويستعجلونك بالسيئة قبل ~~الحسنة }؛ أي يستعجلونك بالعذاب الذي توعدهم به على وجه ~~التكذيب والاستهزاء قبل الثواب الذي تعدهم على الإيمان، يعني مشركي ~~مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهم العذاب ~~استهزاء منهم بذلك، فقالوا: # اللهم إن ms1130 كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء # [الأنفال: 32]. # قوله تعالى: { وقد خلت من قبلهم المثلات }؛ ~~العقوبات من الله في الأمم الماضية، والمثلة العقوبة في اللغة. ~~قوله تعالى: { وإن ربك لذو مغفرة للناس ~~على ظلمهم }؛ أي لذو تجاوز على الناس على ظلمهم لأنفسهم، ~~قوله تعالى: { وإن ربك لشديد العقاب }؛ لمن ~~استحقه. ### || [13.7] # قوله تعالى: { ويقول الذين كفروا لولا أنزل ~~عليه آية من ربه }؛ أي ويقول الذين كفروا بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم والقرآن: هلا نزل عليه آية من ربه لنبوته، ~~يعنون الآيات التي كانوا يقترحونها عليه نحو ما ذكر الله تعالى من ~~قولهم: # لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا # [الإسراء: 90]. الى آخر الآيات. # يقول الله تعالى: { إنمآ أنت منذر }؛ أي أنت يا محمد ~~معلم بموضع المخافة، وليس إنزال الآيات إليك، وإنما هو إلى ~~الله. قوله تعالى: { ولكل قوم هاد }؛ من جعل هذه ~~الواو للجمع فوصلها بما قبلها كان تقدير الكلام: إنما أنت منذر ~~وهاد لكل قوم. ومن قطع هذه الواو كان المعنى: لكل قوم هاد؛ أي ~~نبي مثلك يهديهم. وقال سعيد بن جبير والضحاك: (الهادي هو ~~الله)، والمعنى: أنت منذر تنذر، والله هادي كل قوم، يهدي من ~~يشاء. ### || [13.8] # قوله تعالى: { الله يعلم ما تحمل كل أنثى }؛ ~~يعني من علقة أو مضغة أو ذكر أو أنثى أو كامل الخلق أو ~~ناقص الخلق أو واحد أو اثنين أو أكثر. قوله تعالى: { وما ~~تغيض الأرحام وما تزداد }؛ أي وما تنقص من الأشهر ~~التسعة في الحمل وما تزداد عليهما، فإن الولد قد يولد في ستة أشهر ~~فيعيش، ويولد لسنتين فيعيش، وقال الحسن: (وما تنقص ~~بالسقط، وما تزداد بالتمام). والغيض هو النقصان. # قوله تعالى: { وكل شيء عنده بمقدار }؛ أي بحد ~~لا يجاوزه ولا ينقص منه، ويدخل الولد فيه لأنه قد قدر أجل حياته ~~وموته، وصحته ومرضه، ونقصان عقله وكماله، وقدر له ما جرى من ~~رزق وما سيكون منه من طاعة ومعصية وولد وغير ذلك. ### || [13.9] # قوله تعالى: { عالم ms1131 الغيب والشهادة الكبير ~~المتعال }؛ أي عالم ما غاب عن العباد، وما علمه العباد. ~~وقيل: الغيب ما يكون، والشهادة ما كان. الكبير: السيد الكامل ~~المالك المقتدر على كل شيء، المتعال عما يقول المشركون. ### || [13.10] # قوله تعالى: { سوآء منكم من أسر القول ومن ~~جهر به }؛ أي سواء من أخفى القول وكتمه، ومن جهر به ~~وأظهره، فالسر والجهر عند الله سواء. قوله تعالى: { ~~ومن هو مستخف باليل وسارب بالنهار }؛ أي ومن هو ~~مستتر متوار بالليل، { وسارب بالنهار } أي ظاهر في ~~الطرقات، علم الله فيهم سواء. # قال الزجاج: (معنى الآية: الجاهر بنطقه، والمضمر ~~في نفسه، والظاهر في الطرقات والمستخفي في ~~الظلمات، علم الله فيهم جميعا سواء). ومعنى السارب: ~~الظاهر بالنهار في سربه؛ أي في طريقه وتصرفه في حوائجه، وعن ~~قطرب في: (مستخف بالليل: أي ظاهر، وسارب بالنهار: ~~أي مستتر) يقال: سرب الوحش إذا دخل في كناسه، والأول ~~أبين وأبلغ في وصف عالم الغيب. ### || [13.11] # قوله تعالى: { له معقبات من بين يديه ومن ~~خلفه }؛ أي للإنسان مساويات، والكناية في قوله تعالى (له) رد ~~على من أسر القول ومن جهر به وهم الآدميون. وقال بعضهم: (له ~~معقبات) أي لله تعالى ملائكة يتعاقبون بالليل والنهار، فإذا ~~صعدت ملائكة الليل أعقبتها ملائكة النهار، وإذا صعدت ملائكة ~~النهار أعقبتها ملائكة الليل. # وقوله تعالى: { من بين يديه ومن خلفه } يعني من ~~قدام هذا المستخفي بالليل والسارب بالنهار، ومن خلفه؛ أي ~~وراء ظهره ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه، فإذا جاء ~~القدر خلوا عنه. # واختلفوا في المعقبات، قال بعضهم: الكرام الكاتبون؛ ~~وهم أربعة: ملكان بالليل وملكان بالنهار. # قوله تعالى: { يحفظونه من أمر الله }؛ أي بأمر ~~الله حتى ينهوا به إلى المقادير، فيخلوا بينه وبين المقادير، قال ~~كعب الأحبار: (لولا أن الله وكل بكم ملائكة يذبون ~~عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم لخطفتكم ~~الجن). # قوله تعالى: { إن الله لا يغير ما بقوم حتى ~~يغيروا ما بأنفسهم }؛ أي لا يسلب قوما نعمة حتى ~~يعملوا المعاصي، يعني بهذا أهل مكة، بعث فيهم رسولا منهم، ms1132 ~~وأطعمهم من جوع، وآمنهم من خوف، فلم يعرفوا هذه النعمة ~~وغيروها وجعلوها لأهل المدينة. # قوله تعالى: { وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا ~~مرد له }؛ أي إذا أراد الله إنزال عذاب على قوم فلا دافع له، ~~{ وما لهم من دونه من وال }؛ يتولاهم وينصرهم، ويقال: ~~من ملجأ يلجؤون إليه، والموئل هو الملجأ. ### || [13.12] # قوله تعالى: { هو الذي يريكم البرق خوفا ~~وطمعا }؛ أي خوفا للمسافر أن يؤذيه ويبل ثيابه وطريقه فلا ~~يمكنه السير، وطمعا للمقيم أن يسقي حرثه. قوله تعالى: { ~~وينشىء السحاب الثقال }؛ أي يخلق السحاب الثقال بالمطر ~~فيجريه في الجو. ### || [13.13] # قوله تعالى: { ويسبح الرعد بحمده }؛ روي أن ~~الرعد اسم ملك يزجر السحاب يؤلف بعضه إلى بعض، وتسبيحه ~~زجره للسحاب، قال عكرمة: (هو كالحادي للإبل). # وعن ابن عباس قال: # " أقبلت اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: يا أبا القاسم نسألك عن أشياء، فإن أصبت ~~فيها اتبعناك وآمنا بك، قال: " اسألوا " قالوا: ~~أخبرنا عن الرعد، قال: " ملك من الملائكة ~~موكل بالسحاب، معه مخاريق يسوق بها السحاب حيث ~~يشاء الله " قالوا: صدقت، فما الذي يسمع؟ قال: " ~~زجر السحاب إذا زجره الملك " قالوا: صدقت ". # وقال عطية: (الرعد ملك وهذا تسبيحه، والبرق ~~سوطه الذي يزجر به السحاب، يقال لذلك الملك: ~~رعد، ولصوته: رعد). وقال أبو هريرة: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سمع الرعد قال: ~~" سبحان من يسبح الرعد بحمده " " # ، وكان ابن عباس إذا سمع الرعد قال: (سبحان الذي ~~سبحت له). # قال ابن عباس: (من سمع صوت الرعد فقال: سبحان ~~الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ~~وهو على كل شيء قدير. فإن أصابته صاعقة ~~فعلي ديته). # " وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا سمع الرعد ~~والصواعق قال: " اللهم لا تقتلنا بغضبك، ولا ~~تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك " ". # قوله تعالى: { والملائكة من خيفته }؛ يعني ويسبح ~~الملائكة من خيفة الله وخشيته. قوله تعالى: { ~~ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشآء }؛ أي يرسل ~~النيران التي تسقط من الغيوم فيحرق ما ms1133 تقع عليه نيران البرق، ~~فيهلك بها من يشاء من خلقه. قوله تعالى: { وهم ~~يجادلون في الله }؛ أي الكفار يخاصمون في الله وفي إثبات ~~شريك معه، { وهو شديد المحال } أي شديد القوة والعقوبة. ### || [13.14] # قوله تعالى: { له دعوة الحق }؛ أي له كلمة الإخلاص، ~~شهادة أن لا إله إلا الله. قوله تعالى: { والذين ~~يدعون من دونه } أي آلهتهم، { لا يستجيبون لهم ~~بشيء } ما يستجيب { إلا كباسط كفيه إلى المآء } ~~يدعوه لعطشه مشيرا مريدا بإشارته أن، { ليبلغ } الماء، { ~~فاه وما هو } أي وليس الماء، { ببالغه } ومن المحال أن ~~يجيبه بإشارته، وإن كان الماء في بئر، أو ماء على بعد نهر ~~أبعد في الإحالة، وكما لا يبلغ الماء فم هذا الرجل ولا يجيبه وإن ~~مات من العطش، كذلك لا ينفع الصنم لمن عبده بوجه من الوجوه، ~~قال عطاء: (معناه كالرجل العطشان الجالس على ~~شفير البئر، يمد يده في البئر فلا يبلغ الماء ~~ولا الماء يرتفع إلى يده)، { وما دعآء الكافرين ~~إلا في ضلال }؛ عن الصواب وذهاب عن الحق؛ لأن الأصنام لا ~~تسمع ولا تقدر على الإجابة. ### || [13.15] # قوله تعالى: { ولله يسجد من في السماوات ~~والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال }؛ أي ~~ولله يسجد ويصلي ويعبد من في السماوات والأرض والملائكة، ومن ~~دخل الإسلام طوعا يسجد له طائعا، والمكره هو الذي قوتل ~~وسبي وأجبر على الإسلام، ويقال: أراد بقوله (طوعا) أهل ~~الإخلاص، و(كرها) أهل النفاق، قوله { وظلالهم بالغدو } ~~يعني إذا سجد الإنسان سجد معه ظله، قال الحسن: (أما ظل ~~الكافر فيسجد لله، وأما هو فلا يسجد، فبئس ~~والله ما يصنع). ### || [13.16-17] # قوله تعالى: { قل من رب السموت والأرض قل ~~الله }؛ أي قل يا محمد لأهل مكة: من رب السماوات والأرض؟ ~~فإن أجابوك وقالوا: هو الله، وإلا فقل: الله ربهما، و { قل ~~}؛ لهم: { أفاتخذتم من دونه أوليآء }؛ أي أربابا، { ~~لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا }؛ فكيف يملكون ~~لكم النفع والضر. # قوله تعالى: { قل هل يستوي الأعمى والبصير }؛ ~~أي قل لهم: هل يستوي أعمى القلب الذي يعدل ms1134 عن عبادة الخالق؟ هل ~~يستوي مع البصير بقلبه، العالم بأنه تعالى إلهه ووليه والقادر ~~على نفعه ودفع الضر عنه، { أم هل تستوي الظلمات ~~والنور }؛ فيه تشبيه الكفر بالظلمات، وتشبيه الإيمان بالنور. # قوله تعالى: { أم جعلوا لله شركآء خلقوا ~~كخلقه }؛ معناه: أجعل الكفار لله شركاء، خلقت شركاؤهم ~~شيئا كما خلق الله، { فتشابه الخلق عليهم }؛ فلم ~~يعرفوا خلق الشركاء من خلق الله فأشركوها معه في العبادة؛ { قل ~~الله خالق كل شيء }؛ بلا شريك، فإذا لم يكن الخلق إلا من ~~واحد لم يكن الخالق إلا واحدا، فهو الذي يستحق العبادة بلا شريك، ~~{ وهو الواحد القهار }؛ الغالب لكل شيء، لا يقهره أحد. # ثم ضرب الله مثلا للحق والباطل، وقال تعالى: { أنزل من ~~السمآء مآء فسالت أودية بقدرها }؛ أنزل مطرا ~~فسالت أودية من ذلك المطر بقدر الأودية، فما كان منها كبيرا سال ~~بقدره، وما كان صغيرا سال بقدره. قوله تعالى: { فاحتمل ~~السيل زبدا رابيا } أي عاليا مرتفعا على الماء، ~~والسيل ما يسيل من الموضع المرتفع. # قوله تعالى: { ومما يوقدون عليه في النار ~~ابتغآء حلية }؛ أي ومما تطرحون في النار من الذهب والفضة ~~لطلب حلية تلبسونها زبد؛ أي خبث مثل زبد الماء. قوله ~~تعالى: { أو متاع زبد مثله }؛ أراد به الحديد والرصاص ~~وما يشاكله مما يوقد عليه في النار؛ لاتخاذ المتاع له زبد؛ أي ~~خبث مثل ذلك الماء. # قوله تعالى: { كذلك يضرب الله الحق والباطل ~~}؛ أي هكذا يضرب الله مثل الحق والباطل، { فأما الزبد ~~فيذهب جفآء }؛ أما زبد هذه الأشياء، فيذهب ناحية لا ينتفع ~~به، فإن زبد الماء يتعلق بأصول الأشجار وجنبات الوادي. ~~والجفاء: ما رمى به الوادي، وجفاه في جنباته، يقال: ~~أجفأت القدر زبدها إذا قذفت به، وكما أن زبد الماء ~~يذهب بحيث لا ينتفع به، كذلك خبث الذهب والفضة والحديد، { وأما ~~ما ينفع الناس فيمكث في الأرض }. # قوله تعالى: { كذلك يضرب الله الأمثال }؛ للناس ~~في أمر دينهم، كما ضرب لكم المثل، قال قتادة: (هن ثلاثة ~~أمثال ضربها الله في مثل واحد، يقول: كما أنزل ms1135 ~~الله من السماء ماء، فسالت أودية بقدرها، ~~الصغير على الصغير على مقداره، والكبير على ~~مقداره، كذلك أنزل الله القرآن، فاحتمل القلوب ~~على قدرها، ذا اليقين على قدر يقينه، وذا الشك ~~على قدر شكه). # قال: (ثم شبه خطرات ووساوس الشيطان بالزبد ~~يعلو على الماء، وذلك من خبث البرية لا عين ~~الماء، كذلك ما يقع في النفس من وهم وشك فهو ~~ذات النفس لا من الحق). # قال: (ثم بين أن الزبد يذهب جفاء؛ أي هباء ~~باطلا ويبقى صفو الماء، كذلك يبطل الشك وسوء ~~الخطرات ويبقى الجوف كما هو، وكذلك ما يوقد ~~عليه في النار لمنافع الناس يبطل زبده وخبثه ~~ويبقى خالصه وصفوه، كذلك الباطل يذهب ويبقى ~~الحق). ### || [13.18] # قوله تعالى: { للذين استجابوا لربهم الحسنى ~~}؛ فيه بيان الذي يبقى مما تقدم ذكره فهو مثل لمن يستجيب ~~لربه، والذي يذهب جفاء هو مثل لمن لا يستجيب. والمراد ب ~~(الحسنى) في الآية الجنة ونعيمها. # وقوله تعالى: { والذين لم يستجيبوا له }؛ أي الذين لم ~~يستجيبوا لربهم إلى الإيمان، { لو أن لهم ما في الأرض ~~جميعا }؛ من الذهب وسائر الأموال، { ومثله معه }؛ وضعفه ~~معه، { لافتدوا به }؛ لفادوا به أنفسهم من عذاب الله يوم ~~القيامة لو قبل منهم ذلك ولكن لا يقبل. # قوله تعالى: { أولئك لهم سوء الحساب }؛ أي ~~شدته، والمناقشة فيه، قال إبراهيم النخعي: (هو أن يؤخذوا ~~بذنوبهم كلها من دون أن يغفر لهم شيء منها). ~~قوله تعالى: { ومأواهم جهنم }؛ أي مصيرهم في الآخرة ~~جهنم، { وبئس المهاد }؛ أي المأوى، يتقلبون في النار ~~ويقعدون ويضطجعون عليها. ### || [13.19] # قوله تعالى: { أفمن يعلم أنمآ أنزل إليك من ~~ربك الحق كمن هو أعمى }؛ معناه: أفمن يعلم إنما أنزل ~~إليك من القرآن أنه الحق فآمن به، كمن هو كافر يعلم. قوله ~~تعالى: { إنما يتذكر أولوا الألباب }؛ أي ذوو ~~العقول. ### || [13.20-21] # ثم وصفهم فقال: { الذين يوفون بعهد الله ولا ~~ينقضون الميثاق } يريد بالعهد الذين عاهدتم عليه في صلب ~~آدم. قوله تعالى: { والذين يصلون مآ أمر الله ~~به أن يوصل }؛ قيل: المراد به مواصلة ms1136 المؤمنين فيما بينهم ~~بالموالاة وصلة الرحم بالبر والشفقة، وقيل: أراد بذلك ~~الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وجميع الرسل، { ويخشون ~~ربهم }؛ أي عقاب ربهم، { ويخافون سوء الحساب }؛ أي ~~يخافون أن يؤاخذوا بالعقاب. ### || [13.22-24] # قوله تعالى: { والذين صبروا ابتغاء وجه ~~ربهم }؛ معطوف على قوله # الذين يوفون بعهد الله # [الرعد: 20] ومعناه: الذين صبروا على أداء الفرائض واجتناب المحارم ~~ومقاساة شدائد الدنيا لطلب ثواب الله ورضاه، { وأقاموا ~~الصلاة }؛ المفروضة، { وأنفقوا مما رزقناهم سرا ~~وعلانية }؛ أي أخرجوا من أموالهم جميعا الصدقات المفروضات ~~خفية وجهرا. # قوله تعالى: { ويدرءون بالحسنة السيئة } ، ~~وإنما يكون درؤهم بالحسنة السيئة على وجهين، أحدهما: العلم ~~والوعظ بالكلام الحسن، والثاني: أن يقاتلوهم ويقبضوا على أيديهم. # قوله تعالى: { أولئك لهم عقبى الدار }؛ أي أهل ~~هذه الصفة لهم الدار التي أعقبتها لهم أعمالهم وهي الجنة. ثم ~~بين الله صفة الجنة فقال: { جنات عدن يدخلونها }؛ قال ~~ابن عباس: (وهي وسط الجنة، وهي معدن الأنبياء ~~والصديقين والشهداء والصالحين). # قوله تعالى: { ومن صلح من آبائهم وأزواجهم ~~وذرياتهم }؛ أي ويدخلها من صلح من آبائهم وأزواجهم ~~وذرياتهم، { والملائكة يدخلون عليهم من كل ~~باب } يعني من أبواب البساتين يقولون لهم: { سلام عليكم بما ~~صبرتم } على شدائد الدنيا، وعلى المشقة في طاعة الله، فنعم ~~الدار التي أعقبتها لهم أعمالهم، قال ابن عباس: (لكل واحد ~~من أهل جنات عدن جنة من درة مجوفة لها ~~ألف باب مصراعه من الذهب، يدخل عليه من كل ~~باب ملك يقولون: سلام عليكم بما صبرتم، { ~~فنعم عقبى الدار }. ### || [13.25] # قوله تعالى: { والذين ينقضون عهد الله من بعد ~~ميثاقه }؛ أي الذين يتركون فرائض الله من بعد تأكيد العهد عليهم، ~~{ ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل ويفسدون في ~~الأرض }؛ بالظلم والدعاء إلى غير عبادة الله، { أولئك ~~لهم اللعنة }؛ أي ما يبعدهم من رحمة الله، { ولهم سوء ~~الدار }؛ وهو النار في الآخرة، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " أعجل الخير ثوابا صلة الرحم، وأعجل الشر ~~عقابا البغي واليمين الغموس تدع الديار بلاقع ~~". ### || [13.26] # قوله تعالى: { الله ms1137 يبسط الرزق لمن يشآء ~~ويقدر }؛ أي يوسع الرزق في الدنيا على من يشاء، ويضيق ~~على من يشاء، { وفرحوا بالحياة الدنيا } يعني مشركي ~~مكة أشروا وبطروا، { وما الحياة الدنيا في }؛ جنب ~~نعيم، { الآخرة إلا }؛ شيء قليل، { متاع }؛ كمتاع يتمتع به ~~ثم يفنى ويذهب، قال صلى الله عليه وسلم: # " وما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما جعل أحدكم ~~إصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع ". ### || [13.27] # قوله تعالى: { ويقول الذين كفروا }؛ أي يقولون على ~~جهة التعنت: { لولا }؛ هلا، { أنزل عليه }؛ على ~~محمد، { آية من ربه }؛ يعني الآيات التي يقترحونها ~~عليه، { قل } يا محمد: { إن الله يضل من يشآء } عن ~~ثوابه وكرامته، { ويهدي } ، لدينه من أقبل، { إليه }؛ إلى ~~الله و، { من أناب }؛ رجع عن الكفر. ### || [13.28] # قوله تعالى: { الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم ~~بذكر الله }؛ معناه: الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~والقرآن، تسكن قلوبهم إلى ما وعدهم الله به من ثواب، { ألا ~~بذكر }؛ بوعد الله، { الله تطمئن القلوب }. ### || [13.29] # قوله تعالى: { الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~طوبى لهم }؛ أي لهم العيش الطيب والكرامة والغبطة، { ~~وحسن مآب }؛ حسن المرجع، وقال مجاهد: (طوبى اسم ~~الجنة بلغة الحبشة)، وعن أبي هريرة: (اسم شجرة في ~~الجنة ساقها من ذهب، وورقها الحلل، وثمرها ~~من كل لون وأغصانها متدلية في الجنة، ليس ~~منزل إلا وفيه غصن من أغصانها، وتحته كثبان ~~المسك والعنبر والزعفران، لو ركب رجل قلوصا، ~~ثم دار بالشجرة لم يبلغ المكان الذي ارتحل ~~منه حتى يموت القلوص هرما). ### || [13.30] # قوله تعالى: { كذلك أرسلناك في أمة قد خلت ~~من قبلهآ أمم }؛ أي هكذا أرسلناك إلى أمة قد مضت من ~~قبلها أمم أرسلنا فيهم الرسل، { لتتلوا عليهم ~~الذي أوحينآ إليك }؛ يعني القرآن، { وهم يكفرون ~~بالرحمن }؛ يعني أهل مكة فإنهم كانوا يقولون ما نعرف ~~الرحمن إلا مسيلمة، وكانوا يسمونه رحمان اليمامة. # قوله تعالى: { قل هو ربي لا إله إلا هو }؛ قل ~~لهم: الرحمن ربي لا إله إلا هو، { عليه توكلت ~~وإليه متاب }؛ أي وإليه أتوب من ذنوبي. ### || [13.31] # قوله تعالى: { ولو ms1138 أن قرآنا سيرت به الجبال ~~أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى }؛ وذلك ~~أن عبدالله بن أمية المخزومي، وجماعة من كفار مكة قالوا: يا ~~محمد سير لنا جبال مكة، فأذهبها حتى تنفسح فيها فإن ~~أرضنا ضيقة، ثم اجعل لنا فيها عيونا وأنهارا، وقرب ~~أسفارنا فيما بيننا وبين الشام فإن السفر بعيد، وافعل كما فعل ~~سليمان بالرياح بزعمك، فأنزل الله هذه الآية. # ومعناها: { ولو أن قرآنا سيرت به } أذهبت به ~~الجبال عن وجه الأرض قطعت به الأرض مسيرة شهر في يوم أو أحيي ~~به الموتى فتكلموا، لكان هذا القرآن لما فيه من الدلالات ~~الكثيرة على صحة هذا الدين، ولو أمكن أن نجعل هذه الأمور لشيء ~~من كتب الله لأمكن بهذا القرآن. # وأما حذف جواب (لو) في هذه الآية فهي على وجه الاختصار؛ لأن في ~~الكلام دليلا عليه. قوله تعالى: { بل لله الأمر جميعا ~~}؛ أي بل الله هو المالك لهذه الأشياء، القادر عليها، ولكن لا ~~يختار إلا ما فيه مصلحة العباد. # قوله تعالى: { أفلم ييأس الذين آمنوا }؛ معناه: ~~أفلم يعلم الذين آمنوا، { أن لو يشآء الله لهدى ~~الناس جميعا }؛ إلى الإيمان بالإلجاء إليه أن الله تعالى قادر ~~على ذلك، ولكن لو فعل لبطل الامتحان والتكليف، والإياس بمعنى ~~العلم في لغة النخع. # قوله تعالى: { ولا يزال الذين كفروا تصيبهم ~~بما صنعوا قارعة }؛ أي ولا يزال الذين كفروا في عقوبات من ~~قبل الله يزجرهم عن الكفر، ويحثهم على التمسك بدين الله، كما ~~نزل بقريش من القحط، وبقوم فرعون من الشدائد. # قوله تعالى: { أو تحل قريبا من دارهم }؛ راجع ~~إلى القارعة، والقارعة: هي النازلة والشدائد التي تنزل ~~بأمر عظيم، ويقال: أراد بالقارعة سرايا النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وبقوله { أو تحل قريبا } معناه: أو تنزل أنت يا محمد ~~مع أصحابك قريبا من مكة تقاتلهم على الدين، { حتى يأتي ~~وعد الله }؛ أي وقت إهلاك الكفار، وقيل: فتح مكة، ~~وقيل: ما وعد الله من عذابهم في الآخرة، { إن الله لا ~~يخلف الميعاد }؛ ما وعد من عقاب ms1139 الكفار. ### || [13.32] # قوله تعالى: { ولقد استهزئ برسل من قبلك }؛ ~~أي ولقد استهزئ بالأنبياء من قبلك كما استهزأ بك قومك، { ~~فأمليت } فأمهلت، { للذين كفروا } بعد استهزائهم ~~بالرسل، { ثم أخذتهم } بذنوبهم، { فكيف كان عقاب } ~~فانظر كيف كان عاقبة ما حل من عقاب الله بهم، فلا يكن في صدرك ~~حرج من استهزائهم. ### || [13.33] # قوله تعالى: { أفمن هو قآئم على كل نفس بما ~~كسبت }؛ بالتدبير ويعلم ما كسبت ويجازيها عليه، كمن لا يعلم ~~ذلك ولا يقدر على المجازاة. # قوله تعالى: { وجعلوا لله شركآء }؛ في العبادة بين ~~الأصنام، { قل سموهم }؛ هؤلاء الشركاء بأسمائهم التي تستحقها، ~~وسموا منفعتها وتدبيرها؛ لأن لها شركة مع الله، كما يوصف الله ~~بالخالق والرازق والمحيي والمميت. # قوله تعالى: { أم تنبئونه بما لا يعلم في ~~الأرض }؛ أي أتخبرون الله بما لا يصح أن يكون معلوما وهو كون ~~الأصنام مستحقة للعبادة، وهذا على وجه الإنكار، وقوله تعالى: ~~{ أم بظاهر من القول }؛ إنكار أيضا معناه: أسميتم ~~الأصنام آلهة بظاهر كتاب من كتب الله، وقيل: أسميتموهم آلهة ~~بحجة ظاهرة، بل سميتموهم بقول باطل ليس لكم دليل عليه. # قوله تعالى: { بل زين للذين كفروا مكرهم }؛ ~~أي زين لهم قولهم وفعلهم في عبادة غير الله، وتكذيب محمد ~~صلى الله عليه وسلم والقرآن. قوله تعالى: { وصدوا عن ~~السبيل }؛ من قرأ بفتح الصاد فالمعنى صرفوا الناس عن دين ~~الله، ومن قرأ برفعها فالمعنى صدهم رؤساؤهم عن دين الله. قوله ~~تعالى: { ومن يضلل الله فما له من هاد }؛ ظاهر ~~المعنى. ### || [13.34] # قوله تعالى: { لهم عذاب في الحياة الدنيا }؛ ~~الأسقام والقتل والأسر، { ولعذاب الآخرة أشق }؛ أي أغلظ ~~من عذاب الدنيا، { وما لهم من الله من واق }؛ يقيهم من ~~عذاب الله. ### || [13.35] # قوله تعالى: { مثل الجنة التي وعد المتقون ~~تجري من تحتها الأنهار أكلها دآئم وظلها }؛ أي ~~صفة الجنة التي وعد المتقون الكفر والمعاصي: أنها تجري من ~~تحتها الأنهار، ثمرها دائم، لا كجنان الدنيا تظهر بظهور ~~ورقها في حال دون حال، وظلها أيضا دائم ليس فيه شمس ولا أذى. # قوله تعالى: { تلك ms1140 عقبى الذين اتقوا }؛ أي دار ~~المتقين الجنة في العاقبة، { وعقبى الكافرين النار } ، ~~ودار الكافرين في العاقبة النار، وفي الحديث: # " أن الرجل من أهل الجنة تقسم له شهوة مائة ~~رجل من أهل الدنيا، فإذا أكل سقي شرابا طهورا، ~~فتصير رشحا تخرج من جسده أطيب من ريح المسك، ~~ثم تعود شهوته إلى ما كانت ". ### || [13.36] # قوله تعالى: { والذين آتيناهم الكتاب يفرحون ~~بمآ أنزل إليك }؛ وذلك أن عبدالله بن سلام، ومن أسلم معه من ~~أهل الكتاب، قالوا: يا رسول الله؛ ما شأن ذكر الرحمن ~~في القرآن قليل وهو في التوراة كثير؟ فنزل # قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن # [الاسراء: 110] ونزل { والذين آتيناهم الكتاب يفرحون ~~بمآ أنزل إليك } من ذكر الرحمن وغير ذلك. # قوله تعالى: { ومن الأحزاب من ينكر بعضه }؛ أي ~~ومن اليهود والنصارى من ينكر بعض " ما في " القرآن، وإنهم كانوا ~~يقرون بصحة " قصة " يوسف وغيرها مما لا يكون فيه نسخ شريعتهم، ~~وكانوا ينكرون من القرآن ما لا يوافق مذهبهم ودينهم. # قوله تعالى: { قل إنمآ أمرت أن أعبد الله ~~ولا أشرك به إليه أدعو }؛ الخلائق { وإليه مآب }؛ ~~رجوعي في الآخرة. ### || [13.37] # قوله تعالى: { وكذلك أنزلناه حكما عربيا }؛ أي ~~كما أنزلنا على الأنبياء المتقدمين بلسانهم كذلك أنزلنا اليك القرآن ~~حكما عربيا، والحكم: هو الفصل بين الشيئين على ما توجبه الحكمة، ~~وقد يكون الحكم بمعنى الحكمة، كما في قوله تعالى # وآتيناه الحكم صبيا # [مريم: 12] أي الحكم والنبوة. # قوله تعالى: { ولئن اتبعت أهواءهم }؛ أي دين اليهود ~~وقبلتهم { بعد ما جآءك من العلم }؛ أي دين الله دين ابراهيم ~~وقبلته الكعبة { ما لك من الله من ولي }؛ أي من ناصر ينصرك، ~~{ ولا واق }؛ أي لا دافع يدفع العقاب عنك. ### || [13.38-39] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك ~~وجعلنا لهم أزواجا وذرية }؛ قال ابن عباس: ~~(وذلك أن اليهود كانوا يعيرون النبي صلى الله عليه ~~وسلم بتزوج النساء حتى قالوا: لو كان محمد ~~نبينا لشغلته النبوة عن تزويج النساء، ~~فأنزل الله هذه الآية). والمعنى: ولقد أرسلنا رسلا من ~~قبلك، وجعلنا ms1141 لهم نساء أكثر من نسائك، وأولادا أكثر من أولادك، ~~كان لداود عليه السلام مائة امرأة، ولسليمان ثلاثمائة امرأة مهرية ~~وستمائة سرية. # قوله تعالى: { وما كان لرسول أن يأتي بآية ~~إلا بإذن الله }؛ أي هل يملك أحد من الرسل أن يأتي بآية ~~إلا بإذن الله، فإنه سبحانه هو المالك للآيات لا يقدر أن يأتي أحد ~~شيئا منها إلا بإذنه. # قوله تعالى: { لكل أجل كتاب }؛ أي لكل مدة من ~~آجال العباد في الحياة والفناء كتاب قد كتب الله ذلك للملائكة؛ ~~ليدلهم به على علمه بالأشياء. قوله تعالى: { يمحوا ~~الله ما يشآء ويثبت }؛ قال ابن عباس: (يمحو الله ما ~~يشاء من ديوان الحفظة ما كتبوه من أعمال ~~العباد ما لا جزاء له، ويترك ما له الثواب ~~والعقاب). وقال الضحاك: (يمحو الله ما يشاء من ~~القرآن فينسخه، ويثبت ما يشاء فلا ينسخه)، وعن ~~الحسن: (يمحو أجل من حان أجله، ويدع أجل من لم ~~يحن أجله ميتا). وقيل: يمحو الله ما يشاء من الطاعات ~~بإحباطها بالمعاصي، ومن المعاصي بتكفيرها بالطاعات. # وقد اختلفوا: هل يدخل في المحو والإثبات السعادة والشقاوة، ~~والموت الحياة أم لا؟ قال ابن عباس: (لا يدخل)، وقال عمرو بن ~~مسعود: (تدخل فيه السعادة والشقاوة)، وكان من دعاء ~~عمر: (اللهم إن كنت كتبتنا سعداء فأثبتنا، وإن ~~كنت كتبتنا أشقياء فامحنا واكتبنا سعداء، ~~فإنك تمحو وتثبت ما تشاء وعندك أم الكتاب) # قوله تعالى: { وعنده أم الكتاب }؛ أي أصل الكتاب، ~~قيل: إنه اللوح المحفوظ كتب الله فيه كل شيء قبل أن يخلق ~~العباد، ولا يزاد فيه شيء ولا ينقص منه شيء. ### || [13.40] # قوله تعالى: { وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم ~~أو نتوفينك }؛ أي فإما نرينك يا محمد بعض الذي ~~نعدهم من نصر المؤمنين على الكفار، أو نقبضك إلينا قبل أن يكون ~~ما نعدهم من العذاب في حياتك، { فإنما عليك البلاغ }؛ أي ~~بلاغ ما أنزل إليك، { وعلينا الحساب }؛ وعلينا حساب ما ~~يعملون، والجزاء عليه. ### || [13.41] # قوله تعالى: { أولم يروا أنا نأتي الأرض ~~ننقصها من أطرافها }؛ قال ابن ms1142 عباس: (معناه أولم ~~ير أهل مكة أنا ننقص الأرض من أطرافها بفتح ~~ديارهم للنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين)، وقال ~~الحسن: (أراد بنقص أطراف الأرض ذهاب فقهائها ~~وخيار أهلها). قال: (ومثل العلماء مثل النجوم إذا ~~بدت اقتدوا بها، وإذا أظلمت سكنوا، وموت العالم ~~ثلمة في الإسلام، لا يسدها شيء ما اختلف الليل ~~والنهار). # قوله تعالى: { والله يحكم لا معقب لحكمه }؛ ~~أي والله يحكم بفتح البلدان لا يتعقب أحد حكمه بالرد، { ~~وهو سريع الحساب)؛ إذا حاسب محاسبة سريع الحساب. ### || [13.42] # قوله تعالى: { وقد مكر الذين من قبلهم }؛ أي قد ~~مكر الذين من قبل هؤلاء الكفار بأنبيائهم صلوات الله ~~عليهم، وبمن آمن به، { فلله المكر جميعا }؛ وعند ~~الله جزاء مكرهم جميعا، فإن ما يفعله الله من إيصال المكروه ~~يثبت، ومكرهم يضمحل. # قوله تعالى: { يعلم ما تكسب كل نفس }؛ من خير أو ~~شر فيجازيها عليه. قوله تعالى: { وسيعلم الكفار }؛ ~~تهديد لهم أنهم إذا جهلوا اليوم عاقبة أمرهم فسيعلمون إذا صاروا ~~إلى الآخرة، { لمن عقبى الدار }؛ المحمودة، لهم أم للمؤمنين؟ ### || [13.43] # قوله تعالى: { ويقول الذين كفروا لست مرسلا ~~}؛ أي ويقول الذين كفروا من اليهود وغيرهم: يا محمد لست ~~مرسلا من الله، ومن يشهد لك على رسالتك، { قل }؛ لهم يا ~~محمد: { كفى بالله شهيدا بيني وبينكم }؛ على ~~أني مرسل إليكم، شهادة الله على أنني نبيه من المعجزات لا ~~شاهد أعدل من ذلك. # قوله تعالى: { ومن عنده علم الكتاب }؛ كان ابن ~~عباس يقرأ (ومن عنده علم) بالنصب ويقول: (هو عبدالله ~~بن سلام وأصحابه، كان عندهم في التوراة نعت ~~النبي صلى الله عليه وسلم وصفته) وكان يقول: (هذه الآية ~~نزلت بالمدينة؛ لأن هؤلاء أسلموا بالمدينة). # وكان ابن مسعود يقرأ (ومن عنده) بالخفض على معنى أن القرآن ~~من عند الله، وكان يقول: (هذه السورة مكية، ~~وعبدالله بن سلام أسلم بالمدينة وقرئ (ومن ~~عنده علم الكتاب) بخفض (من) وضم العين وكسر اللام من علم، ~~هكذا روي عن سعيد ابن جبير. ### | [14 - سورة ابراهيم] ### || [14.1] # { الر كتاب أنزلناه إليك }؛ قد ms1143 تقدم تفسيرها، وقوله ~~تعالى: (كتاب) خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون خبر (ألر) { ~~لتخرج الناس من الظلمات إلى النور }؛ أي من ظلمات ~~الكفر إلى نور الإيمان، { بإذن ربهم } بأمر ربهم أمرك أن ~~تدعوهم إلى الإيمان، وتزجرهم عن الكفر. قوله تعالى: { ~~إلى صراط العزيز الحميد }؛ أي الى دين العزيز الحميد ~~الذي لا يمكن أن يغلب ويقهر، والحميد المستحق للحمد. ### || [14.2] # قوله تعالى: { الله الذي له ما في السموت وما ~~في الأرض }؛ من قرأ برفع الهاء فعلى الابتداء، ومن قرأ بالخفض ~~جعله بدلا من الحمد، قوله تعالى: { وويل للكافرين ~~من عذاب شديد }؛ الويل كلمة تستعمل في الشدة، ويقال: هو ~~واد في جهنم. ### || [14.3] # قوله تعالى: { الذين يستحبون الحياة الدنيا ~~على الآخرة }؛ أي يختارونها عليها، { ويصدون عن سبيل ~~الله }؛ أي يعرضون عن طاعة الله من الصد وهو الإعراض، ويجوز ~~أن يكون معناه: ويمنعون الناس. # وقوله تعالى: { ويبغونها عوجا }؛ أي ويطلبون بدين الله ~~العوج، والعوج بكسر العين في الدين، وبفتحها في العصا، وقوله ~~تعالى: { أولئك في ضلال بعيد }؛ أي في ذهاب عن الحق ~~بعيد. ### || [14.4] # قوله تعالى: { ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان ~~قومه ليبين لهم }؛ أي بلغتهم ليبين لهم ما أمروا به ~~ونهوا عنه، فيفهموا ويتعلموا، { فيضل الله من يشآء }؛ ~~من كان أهلا لذلك، { ويهدي }؛ لدينه، { من يشآء وهو ~~العزيز الحكيم }. ### || [14.5] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنآ }؛ أي ~~بدلائلنا وحججنا التي دلت على صحة نبوته مثل العصا واليد ~~وغيرهما، { أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور }. ~~قوله تعالى: { وذكرهم بأيام الله }؛ أي بنعيم ~~الله، وقيل: بوقائع الله في الأيام السالفة من قوم نوح وعاد ~~وثمود. وقيل: بنعيم الله ونقمه، والمعنى: عظهم بالترغيب ~~والترهيب والوعد والوعيد. # وقوله تعالى: { إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور }؛ ~~أي إن في ذلك التذكير لدلالات على قدرة الله لكل صبار شكور ~~على طاعته، وعن معصيته، وشكور لأنعم الله، والشكر هو إظهار ~~النعمة على جهة الاعتراف بها. ### || [14.6] # قوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه اذكروا ~~نعمة الله عليكم ms1144 إذ أنجاكم من آل فرعون ~~يسومونكم سوء العذاب ويذبحون أبنآءكم ~~ويستحيون نسآءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم ~~عظيم }؛ هذه الآية قد سبق تفسيرها في سورة البقرة. ### || [14.7] # قوله تعالى: { وإذ تأذن ربكم }؛ هذه عطف على قوله # إذ أنجاكم # [ابراهيم: 6] كأنه قال: اذكروا نعمة الله عليكم إذ أنجاكم، وإذ ~~تأذن ربكم، وهذا إخبار عن ما قال موسى لقومه؛ أي أعلمكم في ~~الكتاب، { لئن شكرتم } نعمتي { لأزيدنكم } نعمة، { ~~ولئن كفرتم }؛ نعمتي، { إن عذابي لشديد }؛ لمن ~~كفر. # قال ابن عباس: (معنى الآية: لئن وحدتموني ~~وأطعتموني، لأزيدنكم نعمة)، قال قتادة: (حق الله ~~أن يعطي من سأله، ويزيد من شكره)، وقوله تعالى { ~~ولئن كفرتم } أي جحدتم حقي وحق نعمتي إن عذابي ~~لشديد. ### || [14.8] # قوله تعالى: { وقال موسى إن تكفروا أنتم ومن ~~في الأرض جميعا }؛ بنعمته، { فإن الله لغني }؛ عن ~~طاعتكم، لم يأمركم بطاعته لحاجته إليها وهو ال { حميد }؛ لمن ~~وحده وأطاعه. ### || [14.9] # قوله تعالى: { ألم يأتكم نبأ الذين من ~~قبلكم قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم ~~}؛ قيل: إن الخطاب في هذه الآية لأمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وقيل: هو خطاب موسى لقومه. # قوله تعالى: { والذين من بعدهم } يعني قوم شعيب ~~وغيرهم، { لا يعلمهم إلا الله } ، لا يعلم عددهم إلا ~~الله، { جآءتهم رسلهم بالبينت }؛ أي بالدلائل ~~الواضحات { فردوا أيديهم في أفوههم }؛ قال ابن ~~عباس: (عضوا أناملهم غيظا على الرسل فيما ~~ادعوا من النبوة)، وقال مجاهد: (هذا كناية عن ~~الجحد والتكذيب). وقيل: معناه: وضع الكفار أيديهم على ~~أفواه أنبيائهم. # قوله تعالى: { وقالوا إنا كفرنا بمآ أرسلتم ~~به وإنا لفي شك مما تدعوننآ إليه }؛ بسبب من ~~التوحيد، { مريب }؛ ظاهر الشك، والريب الشك مع التهمة. ### || [14.10] # قوله تعالى: { قالت رسلهم أفي الله شك }؛ أي في ~~توحيد الله شك، وهذا إنكار من الرسل عليهم؛ أي لا شك في توحيد ~~الله، { فاطر السموت والأرض }؛ أي خالقهما فكيف يشكون ~~فيه ودلائل وحدانيته ظاهرة، { يدعوكم }؛ إلى دينه، { ~~ليغفر لكم من ذنوبكم }؛ في الجاهلية، { ~~ويؤخركم إلى أجل مسمى }؛ منتهى آجالكم، فلا ~~يعذبكم ms1145 بعذاب الاستئصال. # وأما دخول (من) في قوله { من ذنوبكم } فيجوز أن تكون ~~للجنس، كما في قوله # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج: 30]، ويجوز أن تكون للتبعيض؛ أي ليغفر لكم بعض ذنوبكم، ~~فادعوا الله وارغبوا إليه في مغفرة الذنوب كلها. # قوله: { قالوا إن أنتم إلا بشر مثلنا }؛ أي قالت ~~الأمم لرسلهم: هل أنتم إلا آدميون مثلنا لا فضل لكم علينا، { ~~تريدون أن تصدونا }؛ تمنعونا، { عما كان يعبد ~~آبآؤنا }؛ من الأصنام، { فأتونا بسلطان مبين }؛ ~~فأتوا بحجة واضحة بينة، يعنون الآيات التي كانوا يقترحونها ~~على أنبيائهم. ### || [14.11-12] # قوله تعالى: { قالت لهم رسلهم إن نحن إلا ~~بشر مثلكم }؛ كما قلتم، { ولكن الله يمن على ~~من يشآء من عباده }؛ كما أنعم علينا بأن أرسلنا، { وما ~~كان لنآ أن نأتيكم بسلطان إلا بإذن الله }؛ ~~ولا نملك الآيات التي تقترحون علينا ونحن بشر مثلكم. قوله ~~تعالى: { وعلى الله فليتوكل المؤمنون } ظاهر ~~المعنى. # قالت الكفار لهم: فتوكلوا أنتم على الله حتى ترون ما يفعل ~~بكم، قالت الرسل: { وما لنآ ألا نتوكل على الله ~~وقد هدانا سبلنا }؛ أي حسبنا، والهداية من الله هي الدلالة ~~على الحق والرشد، { ولنصبرن على مآ آذيتمونا }؛ على ~~أذاكم، { وعلى الله فليتوكل المتوكلون }؛ ~~والتوكل هو التمسك بطاعة الله مع الرضا بقضائه وتدبيره. ### || [14.13-14] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا لرسلهم ~~لنخرجنكم من أرضنآ }؛ أي قالت الكفار لرسلهم: لا ~~نساكنكم على مخالفتكم ديننا { أو لتعودن في ملتنا } ~~وقد ذكرنا في قصة شعيب، { فأوحى إليهم ربهم } ، فأوحى ~~الله إلى الرسل: { لنهلكن الظالمين } ، أي الكفار، { ~~ولنسكننكم الأرض }؛ أرضهم وديارهم، { من بعدهم }؛ ~~من بعد هلاكهم، وهذا نهاية ما في الإنعام، فإن هذا جزاء من توكل ~~على الله، { ذلك }؛ جزاء، { لمن خاف مقامي }؛ مقام العباد ~~عندي، { وخاف وعيد }؛ وخاف وعيدي بالعقاب ولمن عصاني. ### || [14.15] # قوله تعالى: { واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد ~~}؛ أي سألت الرسل ربهم أن يحكم بينهم وبين الكفار؛ لأن الفتح ~~ها هنا بمعنى الحكم، يقال للحاكم: الفتاح، فلما فزعت الرسل ~~إلى ربهم بانجاز الوعد، فتح لهم ما طلبوه فخاب كل ms1146 جبار عنيد. # والجبار: هو الطالب للخير والعلو فوق كل علو، والعنيد: هو ~~الدافع للحق على جهة الاستنكار، وقال قتادة: (العنيد: ~~المعرض عن طاعة الله)، وقال مجاهد: (هو المجانب ~~للحق). ### || [14.16-17] # قوله تعالى: { من ورآئه جهنم }؛ معناه أمام هذا ~~الجبار بعد الموت جهنم، والوراء يكون من خلف وقدام. ~~قوله تعالى: { ويسقى من مآء صديد }؛ أي يسقى من ~~ماء يسيل من جلود أهل النار من القيح والدم، قال ابن ~~عباس: (في جهنم أودية، في تلك الأودية صديد ~~أهل النار وقيحهم ودماؤهم، فيسقون من ذلك ~~الصديد قد نتن ريحه) { يتجرعه }؛ شاربه، والملك ~~يضربه بالمقامع ويقول له: اشرب، فيقول: لا أطيقه، فيضربه حتى ~~يشربه جرعة جرعة، ولا يكاد يسيغه من نتنه وحره. # قوله تعالى: { ولا يكاد يسيغه }؛ لا يقدر أن يبتلعه، ~~والإساغة هو دخول المشروب في حلقه مع قبول النفس له، وفي ~~الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يقرب إليه فيكرهه، فإذا أدني منه شوى ~~وجهه، ووقعت فروة رأسه فيه، فإذا شربه قطع ~~أمعاءه، فتخرج أمعاؤه من الجانب الآخر " # كما قال تعالى: # وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم # [محمد: 15]. # قوله تعالى: { ويأتيه الموت من كل مكان }؛ أي ~~ويأتيه غم الموت من قدامه، ومن كل مكان كان فيه يموت بدون ذلك ~~في الدنيا، قال ابن عباس: (يأتيه الموت من تحت كل ~~شعرة في جسده). قيل: وتأتيه النيران من كل جانب، { ~~وما هو بميت } ، فيستريح من العذاب، { ومن ورآئه عذاب ~~غليظ }؛ أي ومن بعد ذلك عذاب شديد أشد مما تقدم لا ينقطع ولا ~~يفتر. ### || [14.18] # قوله تعالى: { مثل الذين كفروا بربهم ~~أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف }؛ ~~أي مثل أعمال الذين كفروا بربهم في انتفاعه بها كرماد اشتدت به ~~الريح في يوم ذي عاصف، يقول: كما لا يقدر أحد على الانتفاع على ~~جمع ذلك الرماد إذا ذرته الريح الشديدة، فكذلك هؤلاء الكفار؛ ~~{ لا يقدرون مما كسبوا على شيء }؛ أي لا يقدرون على ~~الانتفاع بشيء من الأعمال التي عملوها على جهة البر مثل ms1147 صلة ~~الرحم ونحوها. وأما الكفر والمعاصي فلا يكون كرماد اشتدت به ~~الريح. قوله تعالى: { ذلك هو الضلال البعيد }؛ أي ~~ذلك الذي ذكر هو الذهاب عن التنفع البعيد عن الحق والهدى. ### || [14.19-20] # قوله تعالى: { ألم تر أن الله خلق السموت ~~والأرض بالحق }؛ أي ألم تعلم - يا محمد - أن الله خلق ~~السماوات والأرض على ما توجب الحكمة وتقتضيه المصلحة، والحق هو ~~وضع الشيء موضعه. # قوله تعالى: { إن يشأ يذهبكم }؛ أيها الكفار؛ أي ~~يهلككم، { ويأت بخلق جديد }؛ ويخلق قوما آخرين أطوع ~~لله منكم، { وما ذلك على الله بعزيز } ، أي وليس ذلك على ~~الله بشديد ولا متعذر. ### || [14.21] # قوله تعالى: { وبرزوا لله جميعا }؛ أي إذا كان يوم ~~القيامة برز الناس من قبورهم للمسائلة والمحاسبة، فيسألون ~~عن أعمالهم ويجازون عليها، { فقال الضعفاء }؛ أتباع ~~الظلمة والعصاة، { للذين استكبروا }؛ وهم الرؤساء ~~والقادة: { إنا كنا لكم تبعا }؛ في المعصية والظلم في ~~الدنيا، { فهل أنتم مغنون }؛ دافعون، { عنا من ~~عذاب الله من شيء }. فيقول لهم رؤساؤهم: { قالوا لو ~~هدانا الله } أي ما نخلص به من هذا العذاب، { لهديناكم }؛ ~~إليه؛ أي لا مطمع لنا في ذلك، فكيف تطمعون في مثله من جهتنا؟ { ~~سوآء علينآ أجزعنآ أم صبرنا ما لنا من محيص }؛ ~~أي لا حيلة لنا سواء أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص ~~من هذا العذاب. ### || [14.22] # قوله تعالى: { وقال الشيطان لما قضي الأمر ~~إن الله وعدكم وعد الحق }؛ هذا إخبار عن خطبة ~~الشيطان، وذلك أنه إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، ~~قام إبليس خطيبا على منبر من نار، فقال: يا أهل النار إن ~~الله وعدكم وعدا، وكان حقا وعده، { ووعدتكم } ، أنا، { ~~فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان } الإكراه ~~على المعصية، ولا حجة على ما قلت، { إلا أن دعوتكم }؛ إلى ~~طاعتي بالوسوسة، { فاستجبتم لي }؛ بسوء اختياركم، { فلا ~~تلوموني }؛ على ما حل بكم من العقاب، { ولوموا أنفسكم ~~}؛ فإني لم أجبركم على المعصية، { مآ أنا بمصرخكم ~~}؛ أي بمغيثكم، { ومآ أنتم بمصرخي }؛ ولا أنتم ~~بمغيثي، والإصراخ في اللغة: هو المستغيث ms1148 إغاثة به. ~~ويحكى أن أعرابيا أتى على رجل يقرأ هذه الآية، فقال: قاتله ~~الله ما أفصحه! # قوله تعالى: { إني كفرت بمآ أشركتمون من قبل ~~}؛ إخبار عن كلام إبليس، ومعناه: إني كفرت من قبل بالذي ~~أشركتمون به في الطاعة من قبل أن أشركتموني به؛ أي كفرت بربي من ~~قبل ما عدلتموني به. ويقال: معناه: إني كفرت الآن بما كان من ~~إشراككم إياي في الطاعة إذ أطعتموني وجعلتموني كأني رب، ~~فصيرتموني شريكا لربكم، وأنا أكفر اليوم بشرككم. # قوله تعالى: { إن الظالمين لهم عذاب أليم }؛ أي ~~قال الله تعالى: إن الظالمين من إبليس وغيره لهم عذاب وجيع ~~يخلص وجعه إلى قلوبهم. ### || [14.23] # قوله تعالى: { وأدخل الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار }؛ أي في ~~جنات تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، { خالدين فيها ~~بإذن ربهم تحيتهم فيها سلام }؛ أي يحيي بعضهم ~~بعضا بالسلام، ويرسل الله الملائكة إليهم بالسلام. ### || [14.24-25] # قوله تعالى: { ألم تر كيف ضرب الله مثلا ~~كلمة طيبة كشجرة طيبة }؛ أي ألم تعلم يا محمد ~~كيف وصف الله شبها كلمة طيبة وهي كلمة التوحيد: لا إله إلا ~~الله والإقرار بالنبوة؛ كشجرة طيبة الثمر، وهي النخلة التي ~~لا شيء أحلى من ثمرها وهو الرطب، كما لا كلام أحسن من كلمة ~~الرب. # قوله تعالى: { أصلها ثابت وفرعها في السمآء }؛ ~~فيه شبه ثبات الإيمان وما فيه من الأدلة، بقرار النخلة التي ~~أصلها ثابت على نهاية الثبات في تمكن فرعها في الأرض، بل ~~المعرفة في قلب المؤمن أثبت من عروق النخلة؛ لأن النخلة تقلع، ~~ومعرفة العارف لا يقدر أحد من الناس أن يخرجها من قلبه. # وقوله تعالى: { وفرعها في السمآء }؛ تؤتي أكلها، فيه ~~تشبيه أعمال المخلصين التي هي فروع الإيمان في أنها ترتفع وتعلو ~~إلى جانب السماء؛ لأن الأعمال لا تصلح إلا بالإيمان، والأصل هو ~~الإيمان، والفروع هو الأعمال الصالحة. قوله تعالى: { تؤتي ~~أكلها كل حين }؛ فيه تشبيه ما يحصل من الثواب الدائم الذي لا ~~منزلة أعلى منه، وقوله تعالى: { بإذن ربها }؛ أي بعلمه ms1149 ~~وقدرته. # قوله تعالى: { ويضرب الله الأمثال للناس }؛ أي ~~يبين الله الأشياء للناس في صفة التوحيد والدين، { لعلهم ~~يتذكرون } لكي يتعظوا ويؤمنوا. ### || [14.26] # قوله تعالى: { ومثل كلمة خبيثة }؛ يعني كلمة ~~الشرك، { كشجرة خبيثة }؛ يعني شجرة الحنظل ليس فيها ~~حلاوة ولا منفعة ولا رائحة طيبة، بل تضر من تناولها، فكذلك كلمة ~~الكفر تضر صاحبها. قوله تعالى: { اجتثت من فوق ~~الأرض }؛ أي اقتلعت، معناه: كما أنه ليس لشجرة الحنظل أصل ~~تثبت عليه وتقر، ولكن تقلع وتؤخذ حبته من أصله، فكذلك الكفر ~~يبطله الله ويستأصل أهله. قوله تعالى: { ما لها من ~~قرار }؛ فإن الريح تقلعها وتذهب، كذلك ليس لكلمة الكفر حجة ~~يحتج بها صاحبها. ### || [14.27] # قوله تعالى: { يثبت الله الذين آمنوا بالقول ~~الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة }؛ أي يثبت ~~الله الذين آمنوا بقول ثابت وهو: لا إله إلا الله في الحياة ~~الدنيا، وفي الآخرة يعني القبر، كما روي عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " إن المؤمن إذا دخل قبره وأتاه منكر ونكير ~~وقالا له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ ~~فيثبته الله فيقول: الله ربي؛ والإسلام ديني؛ ~~ومحمد نبيي. فيقولان: صدقت هكذا كنت في ~~الدنيا، ثم يفتح له باب إلى النار، فيقولان له: ~~هذا كان منزلك لو كفرت بربك، فإذا آمنت بربك فهذا ~~منزلك، ثم يفتح له باب إلى الجنة ويفسح له ~~في قبره. # وإن كان كافرا أو منافقا فيقولان له: ما تقول ~~لهذا الرجل؟ فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون ~~كذا وكذا. فيقولان له: لا دريت ولا اهتديت، ثم ~~يفتح له باب إلى الجنة، فيقال له: هذا لك لو ~~آمنت، فأما إذا كفرت فإن الله بدلك به هذا، ~~ويفتح له باب إلى النار، ثم يقمعه بالمطراق ~~قمعة فيصيح صيحة يسمعه خلق الله كلهم غير ~~الثقلين، فلا يسمع صوته شيء إلا لعنه، ثم ~~يفتح له باب إلى النار يدخل عليه من ريحها ~~وسمومها، ويقال له: نم نومة اللديغ، ثم ~~يضيق عليه قبره حتى تختلف عليه أضلاعه " # فذلك قوله { يثبت الله ms1150 الذين آمنوا بالقول ~~الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة }؛ { ويضل ~~الله الظالمين }؛ أي ويهلكهم، { ويفعل الله ما ~~يشآء }؛ من التثبيت والإضلال، لا مانع له مما يفعله. ### || [14.28-29] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت ~~الله كفرا }؛ فيه تعجيب للنبي صلى الله عليه وسلم من صنع ~~المشركين، فإنهم بدلوا نعمة الله بالكفر، ثم لم يقتصروا على هذا ~~في أنفسهم حتى أضلوا قومهم، { وأحلوا قومهم دار ~~البوار }؛ أي دار الهلاك وهي: { جهنم يصلونها }؛ أي ~~يدخلونها يوم القيامة، { وبئس القرار }؛ قرار من يكون ~~قراره النار، وقوله تعالى: { جهنم } بنصب (يصلونها). ### || [14.30] # قوله تعالى: { وجعلوا لله أندادا }؛ أي أمثالا ~~ونظراء، { ليضلوا عن سبيله }؛ أي كان عاقبتهم الضلال ~~عن دين الله، { قل تمتعوا }؛ قليلا في الدنيا، { فإن ~~مصيركم إلى النار }. ### || [14.31] # قوله تعالى: { قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا ~~الصلاة }؛ في الآية أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يأمر ~~المؤمنين بما يؤديهم إلى النعيم المقيم، وقوله تعالى: { يقيموا ~~الصلاة } أي يؤدونها لمواقيتها بشرائطها. # واختلفوا في جزم { يقيموا } قيل: لأنه جواب الأمر، وقال ~~بعضهم: تقديره: قل لعبادي الذين آمنوا أقيموا. قوله تعالى: ~~{ وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية }؛ من ~~الأموال في وجه البر من الفرائض والنوافل، سرا في النوافل، ~~وعلانية في الفرائض، { من قبل أن يأتي يوم لا بيع ~~فيه }؛ يوم لا يقبل البدل للتخلص من النار، { ولا خلال }؛ ~~أي ولا مودة يكون فيها تخليص أحدهما للآخر. ### || [14.32-33] # قوله تعالى: { الله الذي خلق السموت والأرض ~~وأنزل من السمآء مآء }؛ يعني المطر، { فأخرج به من ~~الثمرات رزقا لكم }؛ أي من الثمار ما تنتفعون به. قوله ~~تعالى: { وسخر لكم الفلك }؛ أي السفن، { لتجري ~~في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار } ، وتجري حيث ~~تشاؤون، { وسخر لكم الشمس والقمر دآئبين }؛ أي ~~سخرها لكم إلى يوم القيامة، { وسخر لكم اليل والنهار ~~}؛ بأن أتى بهما متعاقبين لينصرف الناس في معايشهم بالنهار ويهدأوا ~~بالليل. ### || [14.34] # قوله تعالى: { وآتاكم من كل ما سألتموه }؛ من ~~العاقبة وغير ذلك، ومن قرأ (من كل) بالتنوين فالمعنى: أعطاكم من ms1151 ~~كل ما تقدم ذكره من النعم، ثم قال (ما سألتموه) أي ~~لم تسألوه، بل ابتدأكم بذلك تفضلا. # قوله تعالى: { وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها ~~}؛ أي إنعامه، والنعمة ها هنا اسم أقيم مقام المصدر، ولذلك لم ~~يجمع، (لا تحصوها) أي تأتوا على جميعها بالعد. وقيل: لا ~~تحفظوها ولا تطيقوا عدها. # قوله تعالى: { إن الإنسان لظلوم كفار }؛ معناه: ~~إن الإنسان مع هذه النعم لظلوم لنفسه كفار لنعم ربه. ~~والإنسان: اسم جنس لكن يقصد به في هذا الموضع الكافر خاصة. ### || [14.35-36] # قوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم رب اجعل هذا ~~البلد آمنا }؛ أي واذكر إذ قال إبراهيم بعد ما بنى البيت: ~~رب اجعل مكة آمنا يأمن فيها الناس والوحش، فاستجاب الله دعاءه ~~حتى اجتمع فيه الناس مع شدة العداوة بينهم، وتدنوا الوحوش فيه ~~من الناس فتأمن منهم. وإنما عرف البلد في هذه الآية ونكرها ~~في البقرة؛ لأن النكرة إذا أعيدت تعرفت. # قوله تعالى: { واجنبني وبني أن نعبد الأصنام ~~}؛ أي والطف بي وبني لطفا نتجنب به عبادة الأصنام، { ~~رب إنهن أضللن كثيرا من الناس }؛ يعني الأصنام، ~~وأضاف الإضلال إلى الأصنام، وإن لم تكن تفعل شيئا؛ لأنهم ضلوا ~~بعبادتهم. قوله تعالى: { فمن تبعني فإنه مني } أي ~~فمن تبعني على ديني فإنه مني ومعي، { ومن عصاني }؛ خالفني ~~في ديني، { فإنك غفور رحيم }؛ أي غفور لذنوبهم، رحيم ~~بهم. ### || [14.37] # قوله تعالى: { ربنآ إني أسكنت من ذريتي ~~بواد غير ذي زرع }؛ أي قال إبراهيم: إني أسكنت بعض ~~ذريتي، وهو إسماعيل مع أمه هاجر، بواد جدب لا ينبت ~~شيئا، وأراد به وادي مكة وهو الأبطح. قوله تعالى: { ~~عند بيتك المحرم }؛ أي عند المسجد الحرام، سماه ~~المحرم لأنه لا يستطيع أحد الوصول إلا بالإحرام. وقيل: ~~أراد به حرمة الاصطياد والقتل، كما روي في الخبر: # " أن مكة حرام لا يختلي خلاؤها، ولا يعضد ~~شوكها، ولا ينفر صيدها ". # وقوله تعالى: { ربنا ليقيموا الصلاة }؛ أي ~~أسكنتهم عند بيتك المحرم ليقيموا الصلاة بحرم مكة، { ~~فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم }؛ أي تسرع ~~إليهم، قال ms1152 مجاهد: (لو قال إبراهيم: أفئدة الناس، ~~لزاحمتهم الروم وفارس، ولكن قال: أفئدة من ~~الناس)، وقال ابن جبير: (لو قال إبراهيم: أفئدة ~~الناس، لحجت اليهود والنصارى والمجوس، ولكنه ~~قال: أفئدة من الناس فهم المسلمون). # وقرئ (تهوى) بنصب الواو من هوى يهوى إذا أحب، إلا أن ~~القراءة المعروفة بالكسر. قوله تعالى: { وارزقهم من ~~الثمرات لعلهم يشكرون }؛ ظاهر المعنى. ### || [14.38-39] # قوله تعالى: { ربنآ إنك تعلم ما نخفي وما ~~نعلن }؛ أي ما تسر أنفسنا وما تظهر. قوله تعالى: { ~~وما يخفى على الله من شيء في الأرض ولا في ~~السمآء }؛ يحتمل أن يكون من كلام إبراهيم، ويحتمل أن يكون قولا ~~من الله معترض بين الكلامين، كأنه صدق إبراهيم فإنه لا يخفى على ~~الله من شيء. # ثم رجع إلى قول إبراهيم: { الحمد لله الذي وهب لي ~~على الكبر إسماعيل وإسحاق }؛ روي أن إبراهيم كان ابن ~~مائة سنة يوم ولد له إسحاق، وكانت سارة يومئذ بنت تسع وتسعين ~~سنة، وكان إسماعيل أكبر من إسحاق بثلاثة عشرة سنة. وقوله تعالى: { ~~إن ربي لسميع الدعآء }؛ أي قابل للدعاء. ### || [14.40-41] # قوله تعالى: { رب اجعلني مقيم الصلاة } ، أي ~~مداوما على إقامة الصلاة، واجعل؛ { ومن ذريتي }؛ من ~~يقيم الصلاة، { ربنا وتقبل دعآء }؛ أي أجب دعائي، { ~~ربنا اغفر لي ولوالدي }؛ قال بعضهم: أراد آدم وحواء؛ ~~لأن الله تعالى كان نهاه عن الاستغفار لأبيه من بعد ما تبين له ~~أنه عدو لله. # وقال بعضهم: أراد أبويه الأدنيين، فكان إبراهيم يستغفر لأبويه عن ~~موعدة وعد بها إياه. وقرأ بعضهم (ولوالدتي) لأن أمه كانت ~~مسلمة. قوله تعالى: { وللمؤمنين يوم يقوم ~~الحساب }؛ أي يوم يحاسب الخلق. ### || [14.42] # قوله تعالى: { ولا تحسبن الله غافلا عما ~~يعمل الظالمون }؛ أي لا تظنن الله يا محمد غافلا عن ~~أعمال الظالمين ومجازاتهم على ما يعملون، { إنما يؤخرهم ~~ليوم تشخص فيه الأبصار }؛ قال ابن عباس: (إذا سيقوا ~~إلى النار شخصت أبصارهم إليها)، وقال الحسن: (تشخص ~~أبصارهم إلى إجابة الداعي حين يدعوهم من ~~قبورهم، لا يغمضون أعينهم من هول ذلك اليوم). ### || [14.43-44] # قوله تعالى: ms1153 { مهطعين مقنعي رءوسهم }؛ أي مسرعين ~~نحو البلاء الذي ينزل بهم، والإهطاع: الإسراع، وقال مجاهد: ~~(مهطعين؛ أي مديمين النظر)، قال الخليل: (المهطع: ~~الذي قد أقبل على الشيء بنظره ولا يرفع ~~عينيه عنه). قوله تعالى: { مقنعي رءوسهم } أي ~~رافعي رؤوسهم إلى ما يرون في السماء من الانفطار، وانتشار ~~الكواكب، وتكوير الشمس ونحو ذلك. # قوله تعالى: { لا يرتد إليهم طرفهم ~~وأفئدتهم هوآء }؛ أي لا يغمضون أعينهم من الهول ~~والفزع، وقوله تعالى: { وأفئدتهم هوآء } أي قلوبهم خالية ~~من خير، وقيل: مجوفة لا عقول فيها، قال السدي: (هوت ~~أفئدتهم بين موضعها وبين الحنجرة، فلا هي ~~عائدة إلى موضعها، ولا هي خارجة منها). # ثم عاد إلى خطاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: { وأنذر ~~الناس يوم يأتيهم العذاب } أي أعلمهم بموضع المخافة ~~يوم يأتيهم العذاب وهو يوم القيامة؛ { فيقول الذين ظلموا ~~}؛ أي الكفار: { ربنآ أخرنآ إلى أجل قريب }؛ أعدنا ~~إلى حال التكليف، { نجب دعوتك ونتبع الرسل }؛ ~~واستمهلوا مدة يسيرة كي يجيبوا الدعوة ويتبعوا الرسل، ~~فقال الله تعالى: { أولم تكونوا أقسمتم من قبل ~~}؛ أي حلفتم من قبل هذا في الدنيا، { ما لكم من زوال ~~}؛ من الدنيا الى الآخرة كما قال الله تعالى: # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من ~~يموت # [النحل: 38]. ### || [14.45] # قوله تعالى: { وسكنتم في مسكن الذين ظلموا ~~أنفسهم }؛ أي سكنتم في مساكن عاد وثمود، { وتبين لكم ~~كيف فعلنا بهم }؛ أي ظهر لكم كيف كفروا بالله ورسله، ~~وكيف عاقبهم الله، والمعنى: كان ينبغي أن ينزجروا أو ~~يرتدعوا الكفر اعتبارا بمساكنهم بعد ما تبين لكم كيف فعلنا ~~بهم. قوله تعالى: { وضربنا لكم الأمثال }؛ أي ~~وبينا لكم الأمثال في القرآن المنبه على التفكر، فلم ~~يعتبروا بتلك الأمثال. ### || [14.46] # قوله تعالى: { وقد مكروا مكرهم }؛ أي قد مكرت ~~الأمم الماضية بأنبيائهم ما أمكنهم من المكر، والله تعالى عالم ~~بمكرهم، { وعند الله مكرهم }؛ جزاء، { وإن كان ~~مكرهم لتزول منه الجبال }؛ من قرأ (لتزول) بكسر ~~اللام فالمعنى: وإن كان مكرهم قصدا منهم إلى أن تزول منه الجبال، ثم ~~لا تزول منه ms1154 الجبال، فكيف يزول منه الدين الذي هو أثبت من الجبال. # وقيل: معناه الجحد، كأنه قال: وما كان مكرهم ليزول منه دين ~~الإسلام وثبوته كثبوت الجبال، واستحقر مكرهم. ومن قرأ (لتزول) ~~بفتح اللام فمعناه: وإن مكرهم قد بلغ منتهاه حتى تزول منه ~~الجبال، فلا يضر ذلك أنبياء الله ورسله، فإن الله وعد رسله ~~النصر، لقوله: # ليظهره على الدين كله # [الفتح: 28]. ### || [14.47] # قوله تعالى: { فلا تحسبن الله مخلف وعده ~~رسله }؛ أي لا تظنن الله يا محمد مخلف رسله ما ~~وعدهم من النصر وإظهار الدين، { إن الله عزيز }؛ لا يعجزه ~~شيء، { ذو انتقام }؛ ذو نقمة ممن عصاه وكفر به. ### || [14.48] # قوله تعالى: { يوم تبدل الأرض غير الأرض ~~والسموت }؛ تبديلها أن يزاد فيها وينقص منها، وتستوي ~~جبالها وأوديتها، وتمد الأديم العكاظي أرضا بيضاء ~~كالفضة، وتبديل السماوات انفطارها وانتشار كواكبها وتكوير ~~شمسها وخسوف قمرها. # وذهب بعضهم: إلى أن الآية على ظاهرها، وأن هذه الأرض تبدل ~~يومئذ بأرض أخرى، كما روي عن عائشة: أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قرأ علي هذه الآية فقلت: يا رسول الله فأين ~~تكون الناس؟ قال: " على جسر جهنم " يعني الصراط، ~~وأما السماوات على هذا القول، فإنها تطوى وتبدل سماء أخرى، ~~كما قال الله تعالى: # يوم نطوي السمآء كطي السجل للكتب كما ~~بدأنآ أول خلق نعيده # [الأنبياء: 104]. قوله تعالى: { وبرزوا لله الواحد ~~القهار }؛ أي وبرزوا من قبورهم للمحاسبة. ### || [14.49] # قوله تعالى: { وترى المجرمين يومئذ مقرنين ~~في الأصفاد }؛ أي وترى يا محمد الذين أجرموا يوم القيامة ~~(مقرنين) أي مجموعين مع الشياطين { في الأصفاد } أي في ~~الأغلال والسلاسل، كما روي في الخبر: # " أنه يقرن كل كافر مع شيطانه في غل من ~~حديد وقيد من من حديد " # والأصفاد الأغلال، واحدها صفد وصفاد. وقيل: الأصفاد الأغلال ~~والقيود. ### || [14.50-51] # قوله تعالى: { سرابيلهم من قطران }؛ أي قميصهم من ~~نار سوداء كالقطران، وهو الذي تهنأ به الإبل، ومن قرأ (من ~~قطر) فالمعنى: من نحاس مذاب قد بلغ النهاية في الحماية. وتحتمل ~~أنهم يسربلون سربا؛ لأن أحدهما من القطر، ms1155 والاخر من ~~القطران. # قوله تعالى: { وتغشى وجوههم النار }؛ أي يعلو ~~وجوههم النار، وذلك أن بين الكافر وشيطانه حجرا من الكبريت ~~يشتعل في وجهه، { ليجزى الله كل نفس ما كسبت }؛ ~~ليجزي الذين أساؤا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، { ~~إن الله سريع الحساب }؛ إذا حاسب فحسابه سريع؛ لأنه لا ~~يحاسب بعقد وإشارة، ولا يتكلم بلسان، وإنه يكلم الجميع في ~~وقت واحد. ### || [14.52] # قوله تعالى: { هذا بلاغ للناس ولينذروا به ~~وليعلموا أنما هو إله واحد }؛ أي هذا القرآن ~~ذكر بالغ وموعظة كافية للناس، وليخوفوا بذكر العقاب، { ~~وليذكر أولوا الألباب }؛ أي ليتعظ ذوو العقول من ~~الناس، فيوصلهم ذلك إلى الجنة، ويخلصهم من النار. # عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة إبراهيم أعطي من الأجر عشر ~~حسنات بعدد من عبد الأصنام، وبعدد من لم ~~يعبدها ". ### | [15 - سورة الحجر] ### || [15.1] # { الر تلك آيات الكتاب }؛ قد تقدم تفسير الر، ومعنى { ~~تلك آيات الكتاب } أي هذه آيات الكتاب الذي وعدت إنزاله ~~عليك. قوله تعالى: { وقرآن مبين } أي مبين للحلال ~~والحرام، مميز بين الحق والباطل. ### || [15.2] # قوله تعالى: { ربما يود الذين كفروا لو ~~كانوا مسلمين }؛ أي ربما يأتي على الكفار يوم يتمنون أن ~~لو كانوا مسلمين، وذلك في الآخرة إذا صار المسلمون إلى الجنة ~~والكفار إلى النار. # قال ابن عباس: (وذلك أن الله تعالى إذا أدخل أهل ~~الجنة الجنة وأهل النار النار، أحبس قوم من ~~المسلمين ومن المنافقين على الصراط، فيقول ~~المنافقون لهم: نحن حبسنا بكفرنا ونفاقنا، فما ~~نفعكم إيمانكم بمحمد؟ فعند ذلك يصيحون ~~صيحة لما عيرهم المنافقون، فيسمعها أهل ~~الجنة، فيقومون إلى آدم ثم إلى إبراهيم، ثم إلى ~~موسى، ثم إلى عيسى يطلبون الشفاعة لهم، ~~فيحيلونهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيشفع ~~لهم، وذلك هو المقام المحمود، فيدخلهم الله ~~الجنة، فإذا نظر المنافقون إليهم تمنوا أن لو ~~كانوا مسلمين). ### || [15.3] # قوله تعالى: { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ~~ويلههم الأمل }؛ أي اتركهم يا محمد يأكلوا في الدنيا ~~كالأنعام، ويتلذذوا قليلا، ms1156 ويشغلهم الأمل الطويل عن طاعة الله، ~~{ فسوف يعلمون } ، فسيعلمون ماذا ينزل بهم من العذاب، وعن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن أخوف ما أخاف على أمتي شيئين: طول الأمل ~~واتباع الهوى، فأما طول الأمل فينسي الآخرة، ~~وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق ". ### || [15.4-5] # قوله تعالى: { ومآ أهلكنا من قرية إلا ولها ~~كتاب معلوم * ما تسبق من أمة أجلها وما ~~يستأخرون }؛ أي أجل ينتهون إليه لا يهلكهم الله حتى ينتهون ~~إليه، لا يهلك أمة قبل أجلها الذي كتب لها، ولا تؤخر عن أجلها ~~طرفة عين، فلا يفتر هؤلاء الكفار بتأخير وقت إهلاكهم، فإنه إذا جاء ~~الوقت الذي كتب الله هلاكهم فيه، لم يتأخروا عنه كما لا يتقدمون ~~عليه. # وفي هذا بيان أنه لا يموت أحد ولا يقتل إلا لأجله الذي جعله ~~الله له، ولا يعترض على هذا بقول من قال: يجب أن لا يكون القاتل ~~ظالما للمقتول؛ لأنه لو لم يقتله كان يموت في ذلك الوقت! قلنا: ~~كان يموت من غير ألم القتل، فكان القاتل بإيصال ذلك الألم إليه ~~ظالما له. ### || [15.6-7] # قوله تعالى: { وقالوا يأيها الذي نزل عليه ~~الذكر إنك لمجنون }؛ أي قال الكفار من أهل مكة وهم: ~~عبدالله بن أمية المخزومي وأصحابه؛ قالوا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: يا أيها الذي نزل عليه الذكر في دعواه وفي زعمه إنك ~~لمجنون في دعواك أنه نزل عليك هذا. فإنهم كانوا لا يقرون ~~بأن القرآن أنزل عليه، وقوله تعالى: { لو ما تأتينا ~~بالملائكة }؛ أي هلا تأتينا بالملائكة من السماء يشهدون ~~أنك رسول الله، { إن كنت من الصادقين }؛ فيما تدعي. ### || [15.8] # قوله تعالى: { ما ننزل الملائكة إلا بالحق }؛ ~~جواب من الله لهم يقول: ما تتنزل الملائكة من السماء إلا ~~بالرسالة والعقاب والموت، كل ذلك حق. قوله تعالى: { وما ~~كانوا إذا منظرين }؛ أي وما كانوا إذا مؤجلين إذا نزلت ~~عليهم الملائكة، بل يستأصلون بالعذاب حينئذ، إلا من يكون له ~~المعلوم من حاله أنه يؤمن. ### || [15.9] # قوله تعالى: { إنا نحن نزلنا الذكر ms1157 وإنا له ~~لحافظون }؛ الذي جعلناه معجزا لا يقدر على الإتيان بمثله، ~~فهو محفوظ من الزيادة والنقصان، ويقال: هو محفوظ من كيد المشركين ~~بالإبطال. ### || [15.10] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا من قبلك في شيع ~~الأولين }؛ أي ولقد أرسلنا رسلا من قبلك في الأمم الأولين، ~~والشيع: جمع شيعة، والشيعة: الأمة والفرقة. ### || [15.11-13] # قوله تعالى: { وما يأتيهم من رسول إلا كانوا ~~به يستهزئون }؛ في إنكار التوحيد والبعث، كما يفعل بك ~~قومك. قوله تعالى: { كذلك نسلكه في قلوب ~~المجرمين * لا يؤمنون به }؛ بأن تسمعهم ويفهمهم ثم ~~لا يؤمنون به. وقيل: معناه: كذلك نسلك الاستهزاء في قلوب ~~المجرمين حتى يمتنعوا عنه. والسلك: إدخال الشيء في الشيء. ~~قوله تعالى: { وقد خلت سنة الأولين } بعذاب ~~الاستئصال عند معاندتهم في التكذيب. ### || [15.14-15] # قوله تعالى: { ولو فتحنا عليهم بابا من ~~السماء فظلوا فيه يعرجون * لقالوا إنما ~~سكرت أبصارنا }؛ أي لو فتحنا على هؤلاء الكفار بابا من ~~السماء ينظرون إليه، فظلوا يصعدون إليه وينزلون عنه، لم ~~يؤمنوا وقالوا: (إنما سكرت أبصارنا) أي غطيت ~~أبصارنا وأغشيت عن حقيقة الرؤية، { بل نحن قوم ~~مسحورون }؛ نحن قوم قد سحرنا، وتخيل لنا هذه الأشياء ~~على خلاف حقائقها، كما قالوا حين انشق القمر وعاينوه: هذا سحر ~~مستمر. # ومن قرأ (سكرت) بالتخفيف فهو من السكر، وقراءة التشديد؛ ~~لتكثير الفعل والمبالغة. ### || [15.16-18] # قوله تعالى: { ولقد جعلنا في السماء بروجا }؛ ~~وهي منازل الشمس والقمر والكواكب التسعة، وهي اثنا عشر برجا: ~~أولها الحمل والثور إلى آخرها. قوله تعالى: { ~~وزيناها للناظرين }؛ أي زينا السماء بالكواكب للناظرين ~~إليها. قوله تعالى: { وحفظناها من كل شيطان ~~رجيم }؛ أي حفظنا السماء أن يدخل فيها شيطان يمكنه الاستماع ~~إلى كلام الملائكة. # قال ابن عباس: (كانت الشياطين لا تحجب عن ~~السماوات كلها، وكانوا يقعدون في السماء ~~مقاعد للسمع، فيستمعون إلى ما هو كائن في ~~الأرض من الملائكة، فينزلون به على كهنتهم، ~~فيتكلم به الكهنة للناس، حتى بعث عيسى عليه ~~السلام فمنعوا من ثلاث سماوات، وكانوا يصعدون إلى ~~أربع سماوات إلى أن بعث الله النبي صلى الله عليه ms1158 ~~وسلم، فمنعوا من السماوات السبع، وحرست السماء ~~بالنجوم والملائكة، فما منهم أحد يريد استراق ~~السمع إلا رمي بشهاب، فمنهم من يأتي على ~~نفسه، ومنهم من يخبل). فذلك قوله تعالى: { إلا ~~من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين }؛ أي نجم ~~مضيء حار يتوقد لا يخطؤه، والشهاب: هو الكوكب المنقض. ### || [15.19] # قوله تعالى: { والأرض مددناها }؛ أي بسطناها، { ~~وألقينا فيها رواسي }؛ أي جبالا ثوابت أوتادا لها، { ~~وأنبتنا فيها }؛ أي في الجبال، { من كل شيء موزون)؛ ~~من كل ما يوزن مثل الذهب والفضة والحديد والصفر والنحاس ~~والرصاص. ويجوز أن يكون المعنى: وأنبتنا في الأرض من كل شيء من ~~النبات والثمار مقدور مقسوم لا يجاوز ما قدره الله على ما ~~تقتضيه الحكمة. وأما تخصيص الموزون فلأن ما يكال من الحبوب ~~يعاقبه الوزن أيضا. ### || [15.20] # قوله تعالى: { وجعلنا لكم فيها معايش } أي جعلنا ~~لكم في الأرض معايش مما تأكلون وتشربون وتلبسون، وقوله تعالى: { ~~ومن لستم له برازقين }؛ أي وجعلنا لمن لستم له ~~برازقين معايش من الدواب وغيرها، وجاءت (من) لغير الناس كقوله ~~تعالى # فمنهم من يمشي على بطنه # [النور: 45] الآية. وقيل: المعنى: وجعلنا لكم من لستم له ~~برازقين، كأنه قال: جعلنا لكم فيها معايش، وجعلنا لكم العبيد ~~والدواب، وكفيناكم مؤنة أرزاقها. ### || [15.21] # قوله تعالى: { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه }؛ ~~أي ما من شيء تحتاجون إليه من النبات والثمار والأمطار، إلا ~~ومفاتيحه إلينا وهو في مقدورنا. قوله تعالى: { وما ~~ننزله إلا بقدر معلوم }؛ أي ما ننزل الرزق ~~والمطر إلا بمقدار معلوم تقتضي الحكمة إنزاله، ويعلم الخزان ~~مقاديره، كما روي في الخبر: # " مع كل قطرة ملك يضعها في موضعها، إلا يوم ~~الطوفان فإنه طغى الماء يومئذ على خزانه، ~~فلم يحفظوا ما خرج منه يومئذ ". ### || [15.22] # قوله تعالى: { وأرسلنا الرياح لواقح }؛ أي ذات ~~لقاح تأتي بالسحاب وتلقح الشجر، فالريح هي الملقحة ~~للسحاب؛ أي المحملة للسحاب المطر، قال ابن مسعود: (يبعث ~~الله الريح فتلقح السحاب، ثم تمر به فيدر ~~كما تدر النعجة، ثم يمطر)، وعنه أيضا قال: (خلق ~~الله الماء ms1159 في الريح فتفرغه الريح في السحاب ثم ~~تمر به). قوله تعالى: { فأنزلنا من السمآء ماء ~~فأسقيناكموه }؛ يعني المطر، { ومآ أنتم له ~~بخازنين }؛ أي لستم لذلك الماء بخازنين ولا مفاتيحه بأيديكم. ### || [15.23] # قوله تعالى: { وإنا لنحن نحيي ونميت ونحن ~~الوارثون }؛ أي نحيي بالبعث في الآخرة، ونميت في الدنيا ونحن ~~الوارثون لما في السماوات والأرض بعد موت أهلها، ومعنى الإرث: ~~الخلائق كلهم يموتون ولا يبقى إلا الله عز وجل، وما يبقى ~~للحي بعد الميت يسمى ميراثا. ### || [15.24] # قوله تعالى: { ولقد علمنا المستقدمين منكم ~~ولقد علمنا المستأخرين } أي علمنا الأولين منكم ~~وعلمنا الآخرين، وقيل: ولقد علمنا السابقين منكم إلى الطاعة، ~~ولقد علمنا المتأخرين عن الطاعة. # وعن ابن عباس قال: (كانت امرأة حسناء تصلي خلف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر النساء، وكان ~~بعضهم يتقدم في الصف الأول لئلا يراها، ~~وكان بعضهم يكون في آخر الصف، فإذا ركع تقول ~~هكذا، ونظر من تحت إبطه، فأنزل الله هذه ~~الآية). ### || [15.25] # قوله تعالى: { وإن ربك هو يحشرهم }؛ أي يجمعهم ~~للجزاء والحساب، { إنه حكيم }؛ في أفعاله، { عليم }؛ بما ~~يستحقه كل واحد منهم. ### || [15.26] # قوله تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان من صلصال ~~من حمإ مسنون }؛ يعني آدم، والصلصال: هو الطين ~~اليابس الذي لم تصبه نار، فإذا ضربته صل؛ أي صوت، ~~وإذا مسه النار فهو فخار. والحمأ: جمع الحمأة، ~~وهو الطين المتغير إلى السواد. والمسنون: ~~متغير الرائحة إلى النتن من قوله # لم يتسنه # [البقرة: 259]. وهو الذي أتت عليه السنون. # وذلك أن أدم كان في الأصل ترابا ثم عجن ذلك التراب بالماء ~~فصار طينا، ثم صار حمأ مسنونا ثم صور، وترك مصورا ~~حتى يبس فصار صلصالا، فمكث أربعين سنة ثم صار بشرا، لحما ~~ودما وعظما، ثم نفخ فيه الروح. ### || [15.27] # قوله تعالى: { والجآن خلقناه من قبل من نار ~~السموم }؛ قيل: إن الجان أبو الجن وهو إبليس، فمن أسلم ~~من ولده فهو جني، ومن كفر فهو شيطان، وقوله تعالى: { من قبل ~~} أي من قبل آدم، وقال الكلبي: (الجن ولد الجن ms1160 وليس ~~هو بإبليس، إنما إبليس أبو الشياطين). # قوله تعالى: { من نار السموم } أي من نار حارة، قال ~~ابن مسعود: (سمومكم هذه جزء من سبعين جزءا من ~~السموم الذي خلق منه الجان)، ويقال: السموم نار ~~صافية لا دخان لها، ومن هذا سميت الريح المحرقة الحارة سموما. ~~وأما المارج الذي ذكره الله تعالى في قوله # وخلق الجآن من مارج من نار # [الرحمن: 15] فمعنى المارج ما اختلط من لهب النار. ### || [15.28-30] # قوله تعالى: { وإذ قال ربك للملآئكة إني ~~خالق بشرا من صلصال من حمإ مسنون }؛ قد تقدم ~~تفسيره، { فإذا سويته }؛ أي جمعت خلقه باليدين والرجلين ~~والعينين وسائر الأعضاء، { ونفخت فيه من روحي }؛ وأدخلت ~~فيه روحا فصار بشرا بعد ما كان طينا يابسا، { فقعوا له }؛ ~~على وجوهكم، { ساجدين }؛ أي خاضعين له بالتحية، { فسجد ~~الملائكة كلهم أجمعون }؛ لآدم سجود تحية له، وعبادة ~~لله، وقوله تعالى: { أجمعون } يدل على اجتماعهم في السجود في ~~حالة واحدة. ### || [15.31-35] # قوله تعالى: { إلا إبليس أبى أن يكون مع ~~الساجدين }؛ أي امتنع من السجود لآدم، { قال يإبليس ما ~~لك ألا تكون مع الساجدين * قال لم أكن لأسجد ~~لبشر }؛ أي كيف ينبغي أن أسجد له، وأنا أشرف منه أصلا وهو، { ~~خلقته من صلصال من حمإ مسنون } ، من طين يتصلصل ~~مجوف محتاج إلى الطعام والشراب، وهو من حمأ، والحمأ ظلمة ~~وسواد، والمسنون من الحمأ منتن، { قال }؛ الله تعالى: { ~~فاخرج منها }؛ أي من الجنة، وقيل: من الأرض، فألحقه ~~بجزر البحار، { فإنك رجيم }؛ أي مطرود من الرحمة، مبعد ~~من الخير، { وإن عليك }؛ مع هذا، { اللعنة }؛ لعنة ~~الله ولعنة الخلائق، { إلى يوم الدين } يوم الجزاء وهو يوم ~~القيامة، وهو أول من عصى الله من أهل السماوات والأرض. ### || [15.36-39] # قوله تعالى: { قال رب فأنظرني إلى يوم ~~يبعثون }؛ أي أجلني إلى يوم يبعث الخلائق، أراد الخبيث أن ~~لا يذوق الموت، { قال }؛ الله تعالى: { فإنك من ~~المنظرين * إلى يوم الوقت المعلوم } أي وقت ~~النفخة الأولى حين يصعق من في السماوات ومن في الأرض، وبين ~~النفخة الأولى والثانية أربعون سنة. ms1161 # وهذا لم يكن إجابة من الله لإبليس إلى ما سأل، لأنه لم يكن أجله ما ~~دون آخر التكليف ثم أجله إليه، ولكن كان في علم الله أنه لم يسأل ~~لكان أجله يمتد إلى آخر التكليف، فيكون هذا جواب إهانة لا جواب ~~له. # فلما لم يعط الخبيث ما سأل من النظرة { قال رب بمآ ~~أغويتني }؛ أي خيبتني من جنتك ورحمتك، { لأزينن ~~لهم }؛ لبني آدم، { في الأرض ولأغوينهم أجمعين ~~}؛ من الشهوات واللذات حتى يختاروها على ما عندك. ### || [15.40] # قوله تعالى: { إلا عبادك منهم المخلصين }؛ من ~~قرأ بكسر اللام فمعناه: الذين أخلصوا الطاعة لك، ومن نصبها ~~فمعناه: الذين أخلصتهم لنفسك. ### || [15.41] # قوله تعالى: { قال هذا صراط علي مستقيم }؛ أي ~~افعل ما شئت، فإن طريقك علي لا تفوتني، وهذا تهديد لإبليس، ~~وقيل: معناه: علي ممر من أطاعك وعلي ممر من ~~عصاك، كما قال: # إن ربك لبالمرصاد # [الفجر:14]، وقيل: معناه: إن هذا دين مستقيم علي بيانه ~~والهداية إليه. ### || [15.42] # قوله تعالى: { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ~~}؛ أي لا تقدر أن تحملهم على المعصية وتكرههم عليها، { إلا ~~من اتبعك من الغاوين } ، ولكن من يتبعك فإنما ~~يتبعك باختياره. ### || [15.43-44] # قوله تعالى: { وإن جهنم لموعدهم أجمعين }؛ ~~أي لموعد إبليس ومن تبعه. قوله تعالى: { لها سبعة ~~أبواب }؛ بعضها أسفل من بعض، وكل طبق منها أشد حرا من ~~الذي فوقه سبعين ضعفا، والباب الأول أهون حرا، ولو أن رجلا ~~بالمشرق فكشف عنها بالمغرب لخرج دماغه من منخريه من شدة ~~حرها. # والطبق الأول: جهنم، فيه أهل القبلة من أهل الكبائر إذا ماتوا ~~غير تائبين. الثاني: لظى، وفيه النصارى. والثالث: الحطمة، ~~وفيه اليهود. الرابع: السعير، وفيه المجوس. الخامس: سقر؛ ~~وفيه المشركين وأهل الأهواء المختلفة، السادس: الجحيم، وفيه ~~الصابئون والزنادقة، السابع: الهاوية، وفيه المنافقون، فذلك ~~قوله تعالى: { لكل باب منهم جزء مقسوم }. ### || [15.45-46] # قوله تعالى: { إن المتقين في جنات وعيون }؛ أي ~~المتقين للمعاصي بالإيمان والطاعة في بساتين وأنهار ظاهرة تنبع ~~مثل الفوارات، وتجري بلا أخدود، يقال لهم يوم القيامة: { ~~ادخلوها بسلام }؛ ادخلوا ms1162 الجنة بسلام؛ أي سلام من الآفات، ~~وقيل: بتحية من الله، { آمنين } ، من كل ما تكرهون. ### || [15.47] # قوله تعالى: { ونزعنا ما في صدورهم من غل }؛ أي ~~نزعنا ما في صدور أهل الجنة من أسباب العداوة من الحقد والحسد ~~والتباغض، { إخونا }؛ أي حتى يصيروا بمنزلة الإخوان، { على ~~سرر }؛ من ذهب، { متقبلين }؛ في الزيادة تسير بهم ~~سروهم في الجنان، بعضها إلى بعض، والسرر جمع سرير. وعن ~~علي رضي الله عنه أنه قال: (إني لأرجو أن أكون أنا ~~وطلحة والزبير من الذين قال الله { ونزعنا ما ~~في صدورهم من غل إخونا على سرر متقبلين } ~~). ### || [15.48] # قوله تعالى: { لا يمسهم فيها نصب }؛ أي لا يتعبون ~~أنفسهم في طلب العيش، { وما هم منها بمخرجين }؛ ولا ~~يخافون الإخراج منها أبدا، شباب لا يهرمون؛ أصحاء لا يسقمون؛ ~~أحياء لا يموتون. ### || [15.49-50] # قوله تعالى: { نبىء عبادي أني أنا الغفور ~~الرحيم }؛ أي أخبر عبادي أني أنا الغفور لذنوب من تاب، ~~الرحيم لمن مات على التوبة. قوله تعالى: { وأن عذابي ~~هو العذاب الأليم }؛ لمن استحقه. ### || [15.51] # قوله تعالى: { ونبئهم عن ضيف إبراهيم }؛ أي ~~أخبرهم عن أضياف إبراهيم وهم الملائكة، إلا أنه قال (عن ضيف) ~~لأن الضيف مصدر. قوله تعالى: { إذ دخلوا عليه ~~فقالوا سلاما }؛ قد تقدم تفسيره. ### || [15.52-56] # قوله تعالى: { قال إنا منكم وجلون }؛ أي قال لهم ~~إبراهيم حين لم يطعموا من طعامه: إنا منكم فزعون، ~~والوجل: هو الفزع، { قالوا لا توجل }؛ أي لا تخف، { ~~إنا نبشرك بغلام عليم }؛ بمولود إذا ولد كان غلاما، ~~وإذا بلغ كان عليما، { قال أبشرتموني }؛ بالولد، { ~~على أن مسني الكبر }؛ بالشيب. قوله تعالى: { ~~فبم تبشرون }؛ قال هذا على جهة التعجب. وقيل: أراد ~~فتبشرون بهذا من عند الله، أو من تلقاء أنفسكم. { قالوا ~~بشرناك بالحق }؛ أي بأمر الله، فإن أمر الله لا يكون إلا ~~حقا، { فلا تكن من القانطين }؛ من رحمة الله، ثم { قال ~~}؛ لهم: كيف أقنط من رحمة الله، { ومن يقنط }؛ منها، { من ~~رحمة ربه إلا الضآلون }. ### || [15.57-58] # قوله تعالى: { قال فما خطبكم أيها المرسلون ~~}؛ أي ms1163 ما شأنكم أيها المرسلون؛ لأنهم رسل الله، { قالوا ~~إنآ أرسلنآ إلى }؛ أي لهلاك، { قوم مجرمين }؛ وهم ~~قوم لوط. ### || [15.59-60] # قوله تعالى: { إلا آل لوط }؛ أي إلا خاصة الذين آمنوا ~~به، { إنا لمنجوهم أجمعين }؛ من الهلاك. قوله ~~تعالى: { إلا امرأته قدرنآ إنها لمن ~~الغابرين }؛ استثناء من الهاء والميم، وكانت امرأته منافقة ~~واسمها واعلة، فقدر عليها الهلاك، والغابرون هم الباقون في ~~موضع العذاب. ### || [15.61-64] # قوله تعالى: { فلما جآء آل لوط المرسلون }؛ أي ~~لما جاء الملائكة آل لوط، { قال }؛ لهم لوط: { إنكم قوم ~~منكرون }؛ وإنما قال لهم ذلك؛ لأنهم جاؤه على هيئة وجمال لم ~~يكن قد شاهد مثلهم في الجمال، وكان يعلم طلب قومه لأمثالهم، فخاف ~~عليهم منهم فقال: إنكم قوم أنكر مجيئكم إلي في هذه الديار، ~~{ قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون }؛ أي ~~بالعذاب الذي يكون فيه. قوله تعالى: { وآتيناك بالحق ~~}؛ بأمر من الله، { وإنا لصادقون }؛ في ذلك. ### || [15.65] # قوله تعالى: { فأسر بأهلك بقطع من اليل }؛ أي ~~ببعض من الليل عند السحر، { واتبع أدبارهم }؛ أي كن ~~فيمن يسير خلفهم؛ كي لا ينالهم العذاب، وقوله تعالى: { ولا ~~يلتفت منكم أحد } أي لا يتخلف في موضع الهلاك، وقيل: ~~لا يلتفت إلى شيء يخلفه؛ أي لا يعرج على شيء، { وامضوا ~~حيث تؤمرون } بالمضي إليه وهو صفد. ### || [15.66] # قوله تعالى: { وقضينآ إليه ذلك الأمر }؛ أي ~~وأوحينا إليه ذلك الأمر. قوله تعالى: { أن دابر هؤلآء ~~مقطوع }؛ في موضع نصب بدل من قوله (ذلك الأمر)، وقيل: في ~~موضع خفض؛ لأن المعنى بأن دابر هؤلاء مقطوع، وقطع الدابر هو ~~الإتيان على آخرهم بالهلاك حتى لا يبقى منهم أحد. وقوله تعالى: { ~~مصبحين }؛ أي مستأصلون عند الصباح، ولا يبقى لهم نسل ولا ~~عقب. ### || [15.67-70] # قوله تعالى: { وجآء أهل المدينة يستبشرون }؛ ~~أي أهل مدينة قوم لوط وهي سدوم، يبشر بعضهم بعضا بأضياف لوط ~~لعملهم الخبيث، فإنهم كانوا يجاهرون بهذه الفاحشة، وقال لهم ~~لوط: { قال إن هؤلآء ضيفي فلا تفضحون * واتقوا ~~الله }؛ في الحرام، { ولا تخزون }؛ ولا تذلون في أمري، { ~~قالوا أو ms1164 لم ننهك عن العالمين }؛ أي عن ضيافة ~~الغرباء. ### || [15.71] # قوله تعالى: { قال هؤلآء بناتي }؛ أزوجكموهن، { ~~إن كنتم }؛ لا بد، { فاعلين }؛ مثل هذا الفعل، وذلك أنه لم ~~يجد ما يتقي به أضيافه أبلغ من عرض بناته عليهم للتزويج، ~~وافتداء ضيفه ببناته في الشفاعة، وقد كان علم أنهم لا يرغبون ~~في التزويج. وقيل: أراد بقوله { بناتي } بنات قومي؛ لأن ~~نساء أمة كل نبي بمنزلة بناته في نفقته عليهن. ### || [15.72] # قوله تعالى: { لعمرك إنهم لفي سكرتهم ~~يعمهون }؛ هذا قسم بحياة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، ~~ولم يقسم بحياة أحد غيره، تقديره: لعمرك قسمي، إلا أنه ~~حذف الخبر، وجوابه: إنهم لفي غفلتهم يتحيرون. ### || [15.73-74] # قوله تعالى: { فأخذتهم الصيحة مشرقين }؛ أي ~~وقت الإشراق، وذلك أن الملائكة قلعوا مدائنهم وقت الصبح، ~~فرفعوها إلى قريب من السماء، ثم قلبوها عند طلوع الشمس، وصاح ~~بهم جبريل حينئذ، { فجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا ~~عليهم حجارة من سجيل } ، وقد تقدم تفسير باقي الآية ~~في سورة هود. ### || [15.75-77] # قوله تعالى: { إن في ذلك لآيات للمتوسمين }؛ ~~أي في إهلاك قوم لوط لآيات للمتفرسين، والمتوسمون هم ~~النظار المثبتون في نظرهم حتى يعرفوا حقيقة السمة. قوله ~~تعالى: { وإنها لبسبيل مقيم }؛ أي إن قريات قوم ~~لوط لبطريق واضح ولا يندرس ولا يخفى على طريق قومك إلى الشام، ~~والمعنى أن الاعتبار بها ممكن. وقوله تعالى: { إن في ذلك ~~لآية للمؤمنين }؛ أي لدلالة للمؤمنين الذين يصدقون بذلك. ### || [15.78-79] # قوله تعالى: { وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين }؛ ~~أي وقد كان أصحاب الأيكة وهو قوم شعيب لظالمين بكفرهم، ~~والأيكة: الشجر الملتف الكبير، وكان شعيب بعث إلى قومين، ~~إلى أهل مدين كانوا يطففون الكيل والوزن فأهلكوا بالصيحة، ~~وبعث إلى أصحاب الأيكة فأهلكوا بالظلة. # ويقال: إن مدين والأيكة واحد، كانت الأيكة عند مدين، فخرجوا ~~من مدين إليها يطلبون الروح عندها، فأخذهم عذاب يوم الظلة، ~~واضطرم المكان عليهم نارا فهلكوا عن آخرهم. قوله تعالى: { ~~فانتقمنا منهم }؛ أي بالعذاب، { وإنهما لبإمام ~~مبين }؛ أي إن قريات لوط ومواضع شعيب لعلى طريق مبين. ### || [15.80-81] # قوله تعالى: ms1165 { ولقد كذب أصحاب الحجر ~~المرسلين }؛ أي ولقد كذب قوم صالح ومن تقدم من المرسلين، ~~والحجر ديار ثمود، وإنما سموا أصحاب الحجر؛ لأن الحجر اسم ~~لواد كانوا يسكنون عنده، وقوله تعالى: { وآتيناهم ~~آياتنا }؛ يريد الناقة، { فكانوا عنها معرضين }. ### || [15.82-84] # قوله تعالى: { وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا ~~آمنين }؛ أي ينقبون بيوتهم في الجبال آمنين من الموت لطول ~~أعمارهم، وقيل: من الحر وسقوط السقف. قوله تعالى: { ~~فأخذتهم الصيحة مصبحين }؛ أي وقت الصبح صاح بهم ~~جبريل فهلكوا، { فمآ أغنى عنهم }؛ من عذاب الله، { ما ~~كانوا يكسبون }؛ من الأموال. ### || [15.85-86] # قوله تعالى: { وما خلقنا السموت والأرض وما ~~بينهمآ إلا بالحق }؛ أي للحق وإظهار الحق لم نخلقهما ~~عبثا، { وإن الساعة لآتية }؛ يعني القيامة لمجازاة ~~الناس كلهم، { فاصفح الصفح الجميل }؛ أي أعرض عن ~~مجازاة المشركين وعن مجاوبتهم، فإن مجاوبة السفيه سفه، قال ~~مجاهد: (هذا منسوخ بآية القتال). قوله تعالى: { إن ~~ربك هو الخلاق العليم }؛ أي الخالق للإنسان، العالم ~~بتدبير خلقه. ### || [15.87] # قوله تعالى: { ولقد آتيناك سبعا من المثاني ~~والقرآن العظيم }؛ أي أكرمناك يا محمد بسبع من ~~المثاني، قيل: هي السبع الطوال، وهي السور السبع من أول ~~البقرة إلى الأنفال والتوبة، وهما جميعا سورة واحدة، وسميت هذه ~~السورة مثاني؛ لأنه ثنى فيها الأقاصيص، والأمر والنهي، ~~والوعيد، والمحكم، والمتشابه. # وقال ابن عباس: (السبع المثاني فاتحة الكتاب) هكذا ~~روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث قال: # " ما أنزل الله في التوراة والإنجيل والزبور مثل ~~فاتحة الكتاب، وإنها السبع المثاني ". # وإنما سميت هذه السورة مثاني؛ لأنها تثنى في كل صلاة. ~~وإنما خص هذه السورة من جملة القرآن تعظيما لها؛ لأن كمال ~~الصلاة متعلق بها، كما خص جبريل وميكائيل من جملة الملائكة ~~تعظيما لهما. قوله تعالى: { والقرآن العظيم }؛ أي ~~وآتيناك القرآن العظيم. ### || [15.88] # قوله تعالى: { لا تمدن عينيك إلى ما متعنا ~~به أزواجا منهم }؛ أي لا تنظرن بعين الرغبة إلى ما ~~أعطينا من الأموال رجالا من بني قريظة والنضير وغيرهم من قريش، ~~فإن ما نعطيك من النبوة والقرآن أعظم مما ms1166 أعطيناهم من الأموال، ~~{ ولا تحزن عليهم }؛ بما أنعمنا عليهم من ما لم ننعم به ~~عليك. # ويقال: لا تحزن على هلاكهم إن لم يؤمنوا، وهذا القول أقرب؛ لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يجوز أن يحسد أحدا بما أنعم ~~الله به عليه من نعيم الدنيا، وإنما كان يحزن على إصرارهم على ~~الكفر. قوله تعالى: { واخفض جناحك للمؤمنين }؛ ~~أي تواضع، وألن جناحك للمؤمنين؛ لكي يتبعك الناس على ~~دينك، ولا ينفروا من عندك. ### || [15.89-93] # قوله تعالى: { وقل إني أنا النذير المبين }؛ أي ~~المعلم بموضع المخافة، المبين لكم بلغة تصدقونها. ~~قوله تعالى: { كمآ أنزلنا على المقتسمين }؛ قال ~~الحسن: (معناه: وأنزلنا عليك القرآن كما أنزلنا ~~على المقتسمين وهم اليهود والنصارى). سماهم ~~مقتسمين؛ لأنهم اقتسموا كتب الله تعالى، فآمنوا ببعضها ~~وكفروا ببعضها، وهم، { الذين جعلوا القرآن عضين }؛ ~~أي فرقوه فآمنوا ببعضه وهو ما وافق دينهم، وكفروا ببعضه وهو ~~ما خالف دينهم. # وقال بعضهم: رهط من أهل مكة، قال مقاتل: (ستة عشر رجلا ~~بعثهم الوليد ابن المغيرة أيام الموسم، ~~فاقتسموا الأعقاب، وقعدوا على طريقها، فإذا جاء ~~الحجاج قال فريق منهم: لا تغتروا بهذا الخارج ~~منا المدعي النبوة فإنه مجنون، وقالت ~~طائفة أخرى على طريق أخرى: إنه كاهن، وقالت ~~طائفة أخرى: شاعر، والوليد قاعد على باب ~~المسجد نصبوه حكما، فإذا سئل عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: صدق أولئك يعني المقتسمين). # قوله تعالى: { الذين جعلوا القرآن عضين } هم ~~هؤلاء المقتسمين جزءوا القرآن، فقال بعضهم: سحر، وقال بعضهم: ~~كذب، وقال بعضهم: شعر، وقال بعضهم: أساطير الأولين، وقال ~~بعضهم: مفترى. ومعنى التعضية: التفريق، يقال: عضيت الشيء ~~إذا فرقته. قوله تعالى: { فوربك لنسألنهم ~~أجمعين }؛ أي في الآخرة، { عما كانوا يعملون }؛ من ~~تفريق القرآن، وصرفهم الناس عن دين محمد صلى الله عليه وسلم. # وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي هذه الآية قال: # " فوربك لنسألنهم يوم القيامة عن قول لا ~~إله إلا الله " # وقال عبدالله: (والذي لا إله غيره ما منكم أحد ~~إلا ويسأله الله يوم ms1167 القيامة فيقول: يا ابن ~~آدم ماذا عملت؟ يا ابن آدم ماذا أجبت المرسلين). # واعترضت الملحدة على هذه الآية، وعلى قوله تعالى # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن # [الرحمن: 39] وحكموا عليهم بالتناقض! # والجواب: إنه لا يقال لهم هل عملتم كذا؛ لأنه أعلم بذلك منهم، ولكن ~~نقول لهم: لم عملتم كذا، وقال قطرب: (السؤال على ضربين: ~~سؤال استعلام واستخبار، وسؤال تقرير وتوبيخ، ~~فقوله تعالى: # فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جآن # [الرحمن:39] يعني لا يسألهم سؤال استخبار؛ لأنه ~~عالم قبل أن يخلقهم، وقوله تعالى: { ~~لنسألنهم أجمعين } سؤال تقرير وتقريع). ### || [15.94] # قوله تعالى: { فاصدع بما تؤمر وأعرض عن ~~المشركين }؛ أي أظهر أمرك بمكة واتركهم حتى يجيء أمر الله ~~بقتالهم، وكان صلى الله عليه وسلم مستخفيا بمكة قبل نزول هذه ~~الآية، لا يظهر شيئا مما أنزل الله عليه، فلما نزلت هذه الآية أظهر ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمره وأعلنه بمكة. ### || [15.95-96] # قوله تعالى: { إنا كفيناك المستهزئين }؛ بك، { ~~الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون ~~}؛ وهم خمسة نفر أهلكهم الله في يوم واحد، منهم العاص بن وائل، ~~نزل شعبا من ذلك الشعاب، فلما وضع قدمه على الأرض قال: ~~لدغت، فطلبوا فلم يجدوا شيئا، فانتفخت رجله حتى صارت مثل ~~عنق البعير فمات مكانه. # ومنهم الحارث بن قيس أكل حوتا مالحا فأصابه عطش شديد فلم يزل ~~يشرب حتى انقد مكانه فمات. # ومنهم الأسود بن عبدالمطلب بن الحارث، قعد إلى أصل شجرة، فجعل ~~جبريل يضرب رأسه على الشجرة حتى مات، وكان يستغيث بغلامه، فقال ~~غلامه: لا أرى أحدا صنع بك شيئا غير نفسك. # ومنهم الأسود بن عبد يغوث خرج من أهله فأصابه السموم فاسود ~~حتى صار حبنا، واتى أهله فلم يعرفوه فأغلقوا دونه الباب حتى ~~مات. # ومنهم الوليد بن المغيرة خرج يتبختر في مشيته حتى وقف على ~~رجل يعمل السهام، فتعلق سهم بثوبه فجعل رداءه على كتفه ~~فأصاب السهم أكحله فقطعه، ثم لم ينقطع عنه الدم حتى مات، فذلك ~~قوله { إنا كفيناك المستهزئين ms1168 } أي بك وبالقرآن. ### || [15.97-99] # قوله تعالى: { ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما ~~يقولون }؛ أي ولقد نعلم يا محمد أنك يضيق صدرك بما ~~يقولون من التكذيب بأنك شاعر وساحر وكاهن، قوله تعالى: { ~~فسبح بحمد ربك }؛ أي فصل بأمر ربك، واحمده ~~بالثناء عليه، { وكن من الساجدين }؛ أي من العابدين لله. ~~قوله تعالى: { واعبد ربك حتى يأتيك اليقين ~~}؛ أي استقم على عبادة ربك وطاعته حتى يأتيك الموت، سماه ~~يقينا؛ لأنه موقن به. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من ~~التاجرين، ولكن أوحي إلي أن أسبح بحمد ربي ~~وأكون من الساجدين " # ، وقال الضحاك: (معنى قوله { فسبح بحمد ربك } ~~أي قل سبحان الله وبحمده، { وكن من الساجدين } ~~أي المصلين، فكان صلى الله عليه وسلم إذا حز به أمر ~~فزع إلى الصلاة). # وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الحجر كان له من الأجر عشر ~~حسنات بعدد المهاجرين والأنصار، وبعدد ~~المستهزئين برسول الله صلى الله عليه وسلم ". ### | [16 - سورة النحل] ### || [16.1] # { أتى أمر الله فلا تستعجلوه }؛ قال ابن عباس: ~~(لما نزل قوله تعالى: # اقتربت الساعة # [القمر: 1] قال الكفار بعضهم لبعض: إن يزعم أن ~~القيامة قد قربت، فأمسكوا عن بعض ما كنتم ~~تعملون حتى ننظر ما هو كائن، فلما رأوا أنه ~~لا ينزل شيئا قالوا: ما نرى شيئا، فأنزل الله # اقترب للناس حسابهم # [الأنبياء: 1]، فانتظروا قرب الساعة، فلما امتدت ~~الأيام قالوا: يا محمد ما نرى شيئا تخوفنا به، ~~فأنزل الله عز وجل { أتى أمر الله } فوثب ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا يشك أن العذاب قد أتى، ~~فقال الله { فلا تستعجلوه } يعني العذاب، فجلس ~~النبي صلى الله عليه وسلم). # وأما ذكر لفظ الإتيان في هذا؛ فلأن أمر الله في القرب ~~بمنزلة ما قد أتى، كما قال تعالى: # ومآ أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب # [النحل: 77]. قوله تعالى: { سبحانه وتعالى عما ~~يشركون }؛أي تنزيها له تعالى بصفات المدح عما يشركون ms1169 به من ~~الأصنام. ### || [16.2] # قوله تعالى: { ينزل الملائكة بالروح من ~~أمره }؛ أي ينزل الملائكة بالوحي، { على من يشآء من ~~عباده }؛ قرأ الأعمش (ينزل) بفتح الياء وجزم النون وكسر ~~الزاي، قال ابن عباس: (يعني بالملائكة جبريل ~~وحده)، ويسمى الوحي روحا؛ لأنه تحيا به القلوب والحق، ~~ويموت الكفر والباطل. # قوله تعالى: { أن أنذروا أنه لا إله إلا ~~أنا }؛ أي أن أعلموا بالتخويف أن لا إله إلا الله، { ~~فاتقون }؛ أي فاتقوا المعاصي. قوله تعالى: { أن ~~أنذروا } في موضع النصب بنزع الخافض؛ أي بأن أنذروا. ### || [16.3-4] # قوله تعالى: { خلق السموت والأرض بالحق } ، ~~أي ليستدل بهما على توحيد الله، وليعمل بالحق، { تعالى ~~عما يشركون }؛ من أن يكون له شريك. قوله تعالى: { ~~خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين } قال ~~ابن عباس: (نزل في أبي بن خلف الجمحي حين قال # من يحيي العظام وهي رميم # [يس: 78]. والمعنى: خلق الإنسان من نطفة منتنة وأنعم عليه ~~حالا بعد حال إلى أن أبلغه الحالة التي تخاصم عن نفسه، فينكر ~~إعادته بعد موته. ### || [16.5] # قوله تعالى: { والأنعام خلقها }؛ أي وخلق لكم ~~الأنعام، وهي ذوات الحقاف والأظلاف دون الحوافر. وقوله ~~تعالى: { لكم فيها دفء ومنافع }؛ أي ما يدفيكم من ~~أصوافها وأوبارها من الأكسية ونحوها، ومن القلانس ~~واللحاف، ومنافع أخر من ألبانها ونسلها، والركوب والحمل ~~عليها، والفرش والبيوت من أصوافها. قوله تعالى: { ومنها ~~تأكلون }؛ يعني لحومها. ### || [16.6] # قوله تعالى: { ولكم فيها جمال حين تريحون وحين ~~تسرحون }؛ أي ولكم فيها منظر حسن، يقال: هذه مواشي فلان، ~~فيكون له في ذلك جمال، قال قتادة: (وذلك أعجب ما يكون إذا ~~راحت عظاما ضروعها طوالا أسنمتها)، وقوله تعالى: { ~~حين تريحون } أي حين تريحونها في العشي من مراعيها إلى ~~مباركها التي تأوي إليها، { وحين تسرحون } أي تخرجون ~~بها بالغداة من مراحها إلى مسارحها. ### || [16.7] # قوله تعالى: { وتحمل أثقالكم إلى بلد لم ~~تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس }؛ أراد به الإبل ~~تحمل أمتعتكم وزادكم، وما يثقل عليكم إلى بلد قصدتموه للحج ~~إلى مكة، أو تجارة إلى سائر البلدان، ms1170 لولا الإبل لكان لا يمكنكم ~~بلوغ تلك البلد إلا بجهد ومشقة. وقوله تعالى: { إن ~~ربكم لرؤوف رحيم }؛ أي متفضل منعم عليكم. ### || [16.8] # قوله تعالى: { والخيل والبغال والحمير ~~لتركبوها وزينة }؛ أي وخلق لكم الخيل والبغال والحمير؛ ~~لتركبوها وتتزينوا بها زينة، فيحصل لكم منافعها، وحسن ~~منظرها للناس، كما قال تعالى: # المال والبنون زينة الحياة الدنيا # [الكهف: 46]. قوله تعالى: { ويخلق ما لا تعلمون }؛ ~~أي يخلق أشياء لا تعرفونها لم يسمها لكم. # روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " " إن الله تعالى خلق أرضا بيضاء مثل الدنيا ~~ثلاثين مرة محشوة خلقا من خلق الله، لا ~~يعلمون أن الله يعصى طرفة عين " قالوا: يا رسول ~~الله أمن ولد آدم هم؟ قال: " ما يعلمون أن الله ~~خلق آدم؟ " قالوا: فأين إبليس عنهم؟ قال: " ما ~~يعلمون أن الله خلق إبليس " ثم قرأ رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم { ويخلق ما لا تعلمون } ". # وهذه الآية مما يستدل بها على كراهية لحم الخيل على مذهب أبي ~~حنيفة؛ لأن الله تعالى قال في الأنعام # ومنها تأكلون # [النحل: 5] ولم يذكر في آية الخيل والبغال إلا الركوب والزينة. ### || [16.9] # قوله تعالى: { وعلى الله قصد السبيل ومنها ~~جآئر }؛ أي وعلى الله بيان الهدى والضلالة ليتبع الهدى ~~وتجتنب الضلالة، كما قال تعالى: # إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا # [الانسان: 3]، وقال تعالى: # فألهمها فجورها وتقواها # [الشمس: 8]. قوله تعالى: { ومنها جآئر } أي من الطرق ~~ما هو عادل عن الحق، قال: يعني اليهودية والنصرانية والمجوسية، ~~وقال ابن المبارك: (يعني الأهواء والبدع). قوله: { ولو ~~شآء لهداكم أجمعين }؛ إلى جنته وثوابه، ولأرشدكم ~~كلكم. ### || [16.10] # قوله تعالى: { هو الذي أنزل من السماء مآء ~~لكم منه شراب }؛ مثل البرك والغدران، ولكم، { ومنه ~~شجر فيه تسيمون }؛ ترعون أنعامكم، يعني الكلأ والأشجار ~~التي ترعاه الإبل. ### || [16.11] # قوله تعالى: { ينبت لكم به الزرع والزيتون ~~والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك ~~لآية لقوم يتفكرون }؛ ظاهر المعنى. ### || [16.12] # قوله تعالى: { وسخر لكم اليل والنهار ~~والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن ms1171 ~~في ذلك لآيات لقوم يعقلون }؛ تسخير الليل والنهار، ~~مجيء كل واحد منهما عقب الآخر بتقدير الله؛ لينصرف الناس في ~~معايشهم بالنهار، ويسكنوا بالليل، وتسخير الشمس والقمر والنجوم ~~مجيئه بها في أوقات معلومة. ### || [16.13] # قوله تعالى: { وما ذرأ لكم في الأرض }؛ أي وسخر ~~لكم ما خلق في الأرض من الدواب والأشجار وغيرها، { مختلفا ~~ألوانه } ، ومناظره وصوره، { إن في ذلك لآية ~~لقوم يذكرون }؛ دلائل الله. ### || [16.14] # قوله تعالى: { وهو الذي سخر البحر لتأكلوا ~~منه لحما طريا }؛ يعني السمك، { وتستخرجوا منه ~~حلية تلبسونها }؛ وهو العرض لاستخراج اللؤلؤ والمرجان ~~لتلبسه نساؤكم. # قوله تعالى: { وترى الفلك مواخر فيه }؛ أي وترى ~~السفن في البحر مقبلة ومدبرة تشق الماء يمينا وشمالا، ~~يقال: مخرت السفينة البحر، إذا جرت جريا شقت الماء ~~شقا، والمخر صوت هبوب الريح، والسفينة تجري بالريح، ~~فسميت السفينة مواخر، والواحدة ماخرة. قوله تعالى: { ~~ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون }؛ يعني ~~لتركبوه للتجارة، فتطلبوا الربح من فضل الله لكي تشكروا ~~نعمه. ### || [16.15] # قوله تعالى: { وألقى في الأرض رواسي أن تميد ~~بكم }؛ أي وجعل فيها جبالا عالية يابسة لئلا تحرك بكم ~~الأرض و؛ أجرى فيها، { وأنهارا } ، مثل النيل والفرات ~~ودجلة وسيحون وجيحون، وجعل فيها، { وسبلا لعلكم ~~تهتدون } ، طرق منافعكم؛ لكي تهتدوا إلى الموضع الذي ~~تقصدونه. ### || [16.16] # قوله تعالى: { وعلامات وبالنجم هم يهتدون }؛ أي ~~جعل في الأرض أعلاما للمسافرين من الجبال وغير ذلك. قوله ~~تعالى: { وعلامات وبالنجم هم يهتدون } معناه: إن ~~من يسير بالليل فإنما يهتدي إلى الطرق في البر والبحر ~~بالنجوم مثل الثريا وبنات نعش والفرقدين، يهتدي بها إلى القبلة ~~والطرق. ### || [16.17] # قوله تعالى: { أفمن يخلق كمن لا يخلق }؛ أي ~~أفمن يخلق هذه الأشياء وهو الله تعالى كمن لا يقدر أن يخلق شيئا ~~وهي الأصنام، { أفلا تذكرون } أنهما لا يستويان في استحقاق ~~العبادة. ### || [16.18] # قوله تعالى: { وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوهآ ~~}؛ يعني إذا أردتم أن تعرفوا بفاضل نعم الله عليكم في الخلق ~~والرزق والتمكن من الأمور في الدنيا لم تقدروا على إحصاء هذه ~~النعم، { إن الله لغفور ms1172 }؛ لذنوب عباده إذا تابوا، { ~~رحيم }؛ بهم بالإمهال إلى وقت التوبة. ### || [16.19-21] # قوله تعالى: { والله يعلم ما تسرون وما ~~تعلنون * والذين يدعون من دون الله }؛ يعني ~~الأصنام، { لا يخلقون شيئا وهم يخلقون }؛ والله تعالى ~~هو الخالق لها. قوله: { أموات غير أحيآء }؛ يعني الأصنام، ~~والمعنى: كيف تخلق شيئا، وهي أموات لا روح لها. # وإنما جمع بين قوله { أموات } وبين قوله { غير أحيآء } ~~لأنه يقال: فلان ميت وإن كان حيا، إذا كان لا ينتفع به، ~~فكأن الله تعالى بين أنه لم يسم الأصنام أمواتا من حيث أنه ~~لا ينتفع بها، ولكن لأنه لا حياة فيها، فكيف يعبدون ما لا يخلق وما ~~لا يرزق ولا ينفع، وهو مع ذلك من الأموات. # قوله تعالى: { وما يشعرون أيان يبعثون }؛ أي وما ~~تشعر الأصنام متى يبعث الناس من القبور فيحاسبون، فكيف يرجو ~~الكفار الجزاء من قبل الأصنام، و(أيان) كلمة اختصار أصلها ~~(أي) و (أن). ### || [16.22] # قوله تعالى: { إلهكم إله واحد }؛ وهو عز وجل، ~~{ فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة }؛ ~~للحق، { وهم مستكبرون }؛ وهم متعظمون عن قبول ~~الحق أنفة من اتباعه واتباعك. ### || [16.23] # قوله تعالى: { لا جرم أن الله يعلم ما يسرون ~~وما يعلنون }؛ أي حقا إن الله يعلم سرهم وعلانيتهم، { ~~إنه لا يحب المستكبرين }. ### || [16.24] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم ماذآ أنزل ربكم ~~}؛ أي إذا قيل لهؤلاء الكفار: ما الذي يدعي محمد صلى الله ~~عليه وسلم أنه ينزل عليه من الله، { قالوا أساطير ~~الأولين } أي الذي تذكرون أنه منزل كلام الأولين، وما ~~يسطرون في كتبهم من الأخبار والأقاصيص. ### || [16.25] # قوله تعالى: { ليحملوا أوزارهم }؛ أي آثامهم، { ~~كاملة } ، أي وافرة، { يوم القيامة }؛ ليحملوا، { ومن ~~أوزار }؛ أي آثام، { الذين يضلونهم } ، يصرفونهم عن ~~محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، { بغير علم } ، بلا ~~علم ولا حجة، يعني يكون عليهم إثم إضلالهم غيرهم لا أن يحملوا ~~ذنوب غيرهم، كما قال الله تعالى: # ولا تزر وازرة وزر أخرى # [الأنعام: 164]. وقوله تعالى: { ألا سآء ما يزرون }؛ ظاهر ~~المعنى. ### || [16.26] # وقوله تعالى: { قد مكر الذين من ms1173 قبلهم فأتى ~~الله بنيانهم من القواعد }؛ أي قد مكر الذين من ~~قبل هؤلاء بأنبيائهم، كما مكر هؤلاء المقتسمون الذين اقتسموا ~~أعقاب مكة؛ ليصدوا الناس عن دين الله، فأتى الله بنيان ~~أولئك من القواعد بالعذاب، { فخر } ، فوقع، { عليهم ~~السقف من فوقهم وأتاهم العذاب }؛ الهدم والاستئصال، ~~{ من حيث لا يشعرون }؛ بإتيان العذاب منه. # وقد اختلفوا في هؤلاء الذي خر عليهم السقف، قال بعضهم: هو ~~نمرود بن كنعان الذي بنى صرحا طوله خمسة آلاف وخمسون ~~ذراعا، وعرضه عرض ثلاثة آلاف وخمسون ذراعا؛ ليصعد إلى ~~السماء، فوقع الصرح على الذي كانوا فيه، وأهلك الله نمرود ~~بالبعوض. وقال بعضهم: هذا على وجه المثل، فكأنه جعل أعمالهم ~~بمنزل الباني بناء سقط عليه. ### || [16.27-29] # قوله تعالى: { ثم يوم القيامة يخزيهم ويقول ~~أين شركآئي الذين كنتم تشاقون فيهم }؛ ~~تشركونهم معي في العبادة، وقوله تعالى: { قال الذين أوتوا ~~العلم }؛ أي قال المؤمنون: { إن الخزي اليوم ~~والسوء على الكافرين } إن الذل اليوم والهوان على ~~الكافرين، { الذين تتوفاهم الملائكة ظالمي ~~أنفسهم } تقبض أرواحهم في حال ظلمهم لأنفسهم بالكفر، { ~~فألقوا السلم } ، واستسلموا وانقادوا للمذلة والهوان، ~~يقولون: { ما كنا نعمل من سوء }؛ أي من معصية في الدنيا، ~~فيقول المؤمنون: { بلى }؛ قد فعلتم ذلك، { إن الله عليم ~~بما كنتم تعملون }؛ وتقول لهم خزنة جهنم، { ~~فادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فلبئس مثوى ~~المتكبرين }؛ عن توحيد الله وعبادته. ### || [16.30-31] # قوله تعالى: { وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ~~ربكم قالوا خيرا }؛ قال ابن عباس: (وذلك أن أهل ~~مكة لما بعثوا إلى أعقاب مكة رجالا؛ ليصدوا ~~الناس عن دين الله، بعث النبي صلى الله عليه وسلم رجالا ~~من أصحابه: عبدالله بن مسعود وغيره، فكان وافد ~~الناس إذا قدم فرده الكفار عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم وعن الإيمان، سأل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم: ~~(ماذا أنزل ربكم؟ قالوا: خيرا) أي أنزل حقا ~~وصوابا). # وعلى هذا انتصب قوله (خيرا)، وإنما ارتفع قوله في جواب ~~المقتسمين من كفار مكة (أساطير الأولين) لأنهم كانوا لا ~~يقرون بإنزاله، بل كانوا يقولون على ms1174 جهة التكذيب هو أساطير ~~الأولين. # قوله تعالى: { للذين أحسنوا في هذه الدنيا ~~حسنة }؛ أراد بالحسنة الثناء والمدح على ألسنة المؤمنين، ~~وقيل: للذين قالوا لا إله إلا الله يضعف له بعشر، { ~~ولدار الآخرة خير }؛ يعني الجنة خير مما يصل إليهم في ~~الدنيا، { ولنعم دار المتقين }. # ثم فسر دار المتقين فقال: { جنات عدن }؛ أي بساتين ~~إقامة، { يدخلونها } ، يوم القيامة، { تجري من تحتها }؛ ~~أي من تحت أشجارها، { الأنهار لهم فيها ما يشآؤون ~~كذلك يجزي الله }؛ كذلك تكون مجازاة الله، { المتقين }؛ ~~للشرك والمعاصي. ### || [16.32] # قوله تعالى: { الذين تتوفاهم الملائكة }؛ عند ~~قبض أرواحهم، { طيبين }؛ أي زاكية أعمالهم متمسكين بما ~~أمروا به مجتنبين لما نهوا عنه، طيبة أرواحهم بما ~~يبشرون به من الجنة، { يقولون }؛ أي يقول لهم الملائكة: { ~~سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون }؛ ~~في الدنيا. ### || [16.33] # قوله تعالى: { هل ينظرون إلا أن تأتيهم ~~الملائكة }؛ أي ما ينظر أهل مكة في تكذيبهم للرسول ~~واستبطائهم العذاب، إلا أن تأتيهم الملائكة لقبض أرواحهم، { أو ~~يأتي أمر ربك }؛ بعذاب الاستئصال، { كذلك فعل ~~الذين من قبلهم }؛ هؤلاء الكفار من تكذيب الرسل مثل ما ~~فعل هؤلاء فعذبهم الله { وما ظلمهم الله }؛ بذلك، { ~~ولكن كانوا أنفسهم يظلمون }؛ ظلموا أنفسهم حيث ~~فعلوا ما استوجبوا به العذاب. ### || [16.34] # قوله تعالى: { فأصابهم سيئات ما عملوا }؛ أي ~~عقاب ما عملوا، أراد بالسيئات العقاب كما قال تعالى: # وجزآء سيئة سيئة مثلها # [الشورى: 40] { وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون }؛ أي ~~وحل بهم ما كانوا يستهزئون به من العذاب. ### || [16.35] # قوله تعالى: { وقال الذين أشركوا لو شآء الله ~~ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا ~~حرمنا من دونه من شيء }؛ هذا نظير الآية التي في الأنعام # سيقول الذين أشركوا لو شآء الله مآ أشركنا # [النحل: 148] قد تقدم تفسيره، يعني كفار أهل مكة. # وقوله تعالى: { كذلك فعل الذين من قبلهم }؛ من ~~الأمم الماضية من تكذيب الأنبياء مثل ما فعل هؤلاء، فلم يكن ذلك ~~حجة لهم، { فهل على الرسل إلا البلاغ المبين }؛ ~~عن الله بلغة يعرفونها. وقال ms1175 بعضهم: إنما قالوا هذا القول ~~استهزاء وسخرية كما قال قوم شعيب: أتنهانا عما كان يعبد آباؤنا. ### || [16.36] # قوله تعالى: { ولقد بعثنا في كل أمة رسولا ~~}؛ كما بعثناك رسولا في هؤلاء، { أن اعبدوا الله ~~واجتنبوا الطاغوت }؛ أي اجتنبوا الشيطان وعبادة كل ما ~~تعبدون من دون الله، { فمنهم من هدى الله ومنهم من ~~حقت عليه الضلالة } أي الكفر. قوله تعالى: { ~~فسيروا في الأرض }؛ أي في أرض الذين عاقبهم الله، { ~~فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين }؛ أي كيف صار ~~عاقبة مكرهم. ### || [16.37] # قوله تعالى: { إن تحرص على هداهم }؛ أي إن تطلب ~~يا محمد من جهتك هداهم، { فإن الله لا يهدي من يضل ~~}؛ أي يحكم عليه بالضلالة، ومن يضلله الله فلا يهدي ولا ~~يهتدي، { وما لهم من ناصرين }؛ أي من يدفع عنهم العذاب. ### || [16.38] # قوله تعالى: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا ~~يبعث الله من يموت }؛ أي حلف الكفار بالله مجتهدين في ~~اليمين: أنه لا يبعث الله من يموت، وقوله تعالى: { بلى وعدا ~~عليه حقا }؛ أي قل: بلى، وقيل: إن الله تولى الجواب ~~بنفسه، كأنه قال: ليبعثهم بعد الموت وعدا عليه. # انتصب قوله { حقا } على المصدر؛ أي وعد وعدا حقا كأنما ~~أوجبه على نفسه، { ولكن أكثر الناس لا يعلمون }؛ ~~أنه حق. ### || [16.39] # قوله تعالى: { ليبين لهم الذي يختلفون فيه ~~}؛ معناه: يبعثهم لكي يبين لهم ما يختلفون فيه من الدين { ~~وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين } في ~~الدنيا بأن لا جنة ولا نار. ### || [16.40] # قوله تعالى: { إنما قولنا لشيء إذآ أردناه ~~أن نقول له كن فيكون } أي إنما أمرنا في البعث وغيره ~~إذا أردنا أن نقول له: كن؛ فيكون. من رفع (فيكون) معناه: ~~فهو يكون، ومن نصب فعلى جواب كن، وقيل: عطفا على (أن ~~يقول). ### || [16.41-42] # قوله تعالى: { والذين هاجروا في الله من بعد ~~ما ظلموا }؛ قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية في ~~عمار بن ياسر وصهيب وبلال وأصحابه الذين ~~هاجروا إلى المدينة من بعد ما عذبهم أهل مكة). # والمعنى: والذين هجروا أوطانهم في طاعة الله، وساروا ms1176 إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم من بعد ما ظلمهم الكفار، { لنبوئنهم ~~في الدنيا حسنة } ، أرضا كريمة وهي المدينة بدل ~~أوطانهم، { ولأجر الآخرة أكبر }؛ لهم مما أعطيناهم في ~~الدنيا، { لو كانوا يعلمون } يعلم الكفار. # ثم وصفهم فقال: { الذين صبروا }؛ يعني على الشدائد ~~والعبادات، وصبروا عن المحرمات، { وعلى ربهم ~~يتوكلون } في طلب الدين والدنيا. ### || [16.43] # قوله تعالى: { ومآ أرسلنا من قبلك إلا رجالا ~~نوحي إليهم }؛ نزلت جوابا لأهل مكة حين قالوا: لو أراد ~~الله أن يبعث إلينا رسولا لبعث رسولا من الملائكة لا رجلا ~~منا. ومعنى الآية { ومآ أرسلنا من قبلك } يا محمد ~~إلى الأمم الماضية إلا رجالا أوحينا إليهم كما أوحينا إليك، { ~~فاسألوا }؛ يا أهل مكة، { أهل الذكر }؛ أي الكتاب، { إن ~~كنتم لا تعلمون }؛ أن الرسل كانت من البشر. ### || [16.44] # قوله تعالى: { بالبينات والزبر }؛ راجع إلى قوله ~~تعالى # نوحي إليهم # [النحل: 43]. وقيل: في هذا إضمار كأنه قال: وأرسلناهم ~~بالبينات والزبر. والبينات: هي الدلالات الواضحات، ~~والزبر: جمع الزبور وهو الكتاب. قوله تعالى: { ~~وأنزلنا إليك الذكر }؛ أي القرآن، { لتبين ~~للناس ما نزل إليهم }؛ الحلال والحرام والحق والباطل، ~~{ ولعلهم يتفكرون }؛ فيه فيؤمنوا به. ### || [16.45-46] # قوله تعالى: { أفأمن الذين مكروا السيئات أن ~~يخسف الله بهم الأرض }؛ قال ابن عباس: (يعني أهل ~~مكة عملوا السيئات؛ يعني الشرك)؛ وقيل: معناه: ~~أفأمن الذين مكروا في تكذيب الرسل وأذى المسلمين أن يخسف الله ~~بهم كما خسف بقارون، { أو يأتيهم العذاب من حيث }؛ ~~موضع، { لا يشعرون } أي لا يعلمون، { أو يأخذهم في ~~تقلبهم }؛ أي في أسفارهم وتجارتهم وتصرفهم، { فما هم ~~بمعجزين }؛ الله على ما يريد إحلاله بهم. ### || [16.47] # قوله تعالى: { أو يأخذهم على تخوف }؛ أي على ~~تنقص إما بقتل أو بموت؛ الأول فالأول حتى يهلكوا عن ~~آخرهم، روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (ما كنت أدري ما ~~معنى (على تخوف) حتى سمعت قول الشاعر: # تخوف السير منها تامكا قردا # كما تخوف عود النبعة السفن # وقال الحسن: (معناه: أن يخوفهم بأن يهلك قرية ~~لتنزجر قرية أخرى). وقوله تعالى: ms1177 { فإن ربكم ~~لرؤوف رحيم }؛ أي شديد الرحمة بتأخير العذاب عن الكفار، أو ~~شديد الرحمة على من تاب منهم. ### || [16.48] # قوله تعالى: { أولم يروا إلى ما خلق الله من ~~شيء }؛ أي من شخص قائم من شجر أو إنسان أو نحو ذلك، { ~~يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمآئل }؛ أي ~~يتميل ظلاله عن اليمين والشمائل، إذا طلعت الشمس وإذا ~~غربت، { سجدا لله }؛ أي ميلانها أو دورانها من موضع إلى ~~موضع سجودها، فيسجد الظل غدوة إلى أن يفيء الظل، ثم يسجد أيضا ~~إلى الليل. وفي هذا دليل توحيد الله تعالى، قال الحسن: (أما ~~ظلك فيسجد لله، وأما أنت فلا تسجد). قوله: { ~~وهم داخرون } أي صاغرون ذليلون. ### || [16.49-50] # قوله تعالى: { ولله يسجد ما في السموت وما ~~في الأرض من دآبة }؛ أي ما دب على الأرض، { والملائكة ~~وهم لا يستكبرون }؛ أي ويخضع الملائكة وهم لا يتعظمون عن ~~الخضوع له، { يخافون ربهم من فوقهم }؛ أي يخافون عقاب ~~ربهم من فوقهم. وقيل: يخافون ربهم خوف المقهور من القاهر، ~~فذكر لفظ فوق على هذا المعنى. # وقوله تعالى: { ويفعلون ما يؤمرون }؛ يعني الملائكة لا ~~يعصون الله ما أمرهم. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن لله ملائكة في السماء السابعة سجودا منذ ~~خلقهم الله إلى يوم القيامة، ترعد فرائصهم من ~~مخافة الله، وتجري دموعهم وتضطرب أجنحتهم، لا ~~تقطر من دموعهم قطرة إلا صارت ملكا قائما، ~~فإذا كان يوم القيامة رفعوا رؤوسهم وقالوا: ~~سبحانك ما عبدناك حق عبادتك ". # وعن ابن عباس أنه قال في هذه الآية: (من سجد هذه ~~السجدة إيمانا وتصديقا، أعطاه الله بعدد ~~الملائكة والشمس والقمر والنجوم، وقطر ~~المطر ونبات الأرض وترابها ورملها ومدرها، ~~وبعدد ما دب على وجه الأرض حسنة حسنة). ### || [16.51-55] # قوله تعالى: { وقال الله لا تتخذوا إلهين ~~اثنين إنما هو إله واحد }؛ يجوز أن يكون قوله ~~(اثنين) تأكيدا لما سبق، ويجوز أن يكون المعنى: لا تتخذوا ~~اثنين إلهين إنما الله إله واحد، { فإياي فارهبون }؛ أي ~~فاخشون ولا تخشوا أحدا غيري، { وله ما في السموت ms1178 ~~والأرض }؛ ظاهر المعنى. # قوله تعالى: { وله الدين واصبا }؛ أي دائما، وقوله ~~تعالى (واصبا) انتصب على القطع وإن كان فيه الوصف، والوصب: ~~شدة التعب؛ لأن الله هو المستحق أن يعبد في جميع الأوقات. ~~قوله تعالى: { أفغير الله تتقون }؛ إنكار عليهم. ~~قوله تعالى: { وما بكم من نعمة فمن الله }؛ ~~ظاهر المعنى. # وقوله تعالى: { ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون ~~}؛ أي فإليه تتضرعون في كشفه، والجؤار في اللغة: رفع الصوت، ~~فكأنه قال: فإليه تضجون وتصيحون، { ثم إذا كشف ~~الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون }؛ ~~عاد فريق منكم إلى الشرك، { ليكفروا بمآ آتيناهم }؛ أي ~~ليجحدوا نعمة الله في كشف الضر عنهم. ثم أوعدهم فقال: { ~~فتمتعوا فسوف تعلمون }؛ أي فتمتعوا في الدنيا، فسوف ~~تعلمون ما يحل بكم من العقاب. ### || [16.56] # قوله تعالى: { ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما ~~رزقناهم }؛ أي ويجعلون للأصنام التي لا تعلم نصيبا مما ~~رزقناهم، وهو ما كانوا يجعلون لها من السائبة والبحيرة والحام ~~وبعض الحرث. ويجوز أن يكون: { لما لا يعلمون } راجعا إلى ~~الكفار على معنى أنهم لا يعلمون أنها تنفعهم ولا تضرهم. ~~قوله تعالى: { تالله لتسألن عما كنتم ~~تفترون }؛ قسم بأن الله يسألهم في الآخرة عن افترائهم فيما ~~جعلوه للاصنام. ### || [16.57] # قوله تعالى: { ويجعلون لله البنات سبحانه }؛ ~~معناه: إنهم يقولون: إن الملائكة بنات الله، وقوله تعالى { ~~سبحانه } تنزيها لله تعالى عما لا يليق به. وقوله تعالى: { ~~ولهم ما يشتهون }؛ أي ما يختارون لأنفسهم من البنين دون ~~البنات. ### || [16.58] # قوله تعالى: { وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل ~~وجهه مسودا }؛ أي ظهر أثر كراهة الحزن على وجهه من ذلك، ~~يقال لمن لقي مكروها: قد اسود وجهه غما وحزنا وخجلا. ~~قوله تعالى: { وهو كظيم }؛ أي ممتلئ غيظا وغما ~~يتردد حزنه في جوفه. ### || [16.59] # قوله تعالى: { يتوارى من القوم من سوء ما ~~بشر به }؛ أي يختفي من المبشرين له بذلك ومن جلسائه من ~~كراهة ما بشر به من الأنثى، { أيمسكه على هون }؛ أي ~~أيحفظ المبشر به على هون ومشقة، والهون: الهوان، { أم ~~يدسه }؛ أي ms1179 يدفنه، { في التراب }؛ حيا كما كان في عادة ~~العرب كان إذا ولد لأحدهم أنثى حفر لها حفرة وألقاها فيها ودفنها ~~حتى تموت، وهي الموءدة. # وأما لفظ التذكير في قوله { أيمسكه على } فإنه راجع إلى ~~المبشر به. قوله تعالى: { ألا سآء ما يحكمون }؛ أي ~~ألا ساء ما يقضون من اختيار البنين لأنفسهم، وإضافة البنات إلى ~~الله وقتل الموءودة. ### || [16.60] # قوله تعالى: { للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل ~~السوء }؛ أي لهم صفة السوء من احتياجهم إلى الولد، وكراهيتهم ~~الإناث خوف العار، { ولله المثل الأعلى }؛ أي الصفة ~~العليا وهي الألوهية والربوبية لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا ~~أحد، وقوله تعالى: { وهو العزيز الحكيم }؛ أي الغالب الذي ~~لا يقدر أحد أن يغلبه، الحكيم في أمره وتدبيره. ### || [16.61] # قوله تعالى: { ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ~~}؛ أي بعقاب معاصيهم عاجلا، { ما ترك عليها }؛ أي على الأرض، ~~{ من دآبة ولكن يؤخرهم }؛ أي يمهلهم، { إلى أجل ~~مسمى }؛ أي إلى وقت ضربه لامهالهم، { فإذا جآء ~~أجلهم } ذلك الوقت، { لا يستأخرون ساعة ولا ~~يستقدمون }؛ لا يتقدمون ساعة ولا يتأخرون. # فإن قيل: كيف قال { ما ترك عليها من دابة } مع علمنا ~~أن في الناس من هو غير ظالم، قيل: معناه: (ما ترك عليها من دابة ~~ظالمة). وقيل: معناه: ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم عاجلا ~~لانقطع النسل؛ لأنه لا أحد إلا وقد كان في آبائه وأجداده من هو ~~ظالم. # فإن قيل: في الآية تعميم الناس والدواب في الهلاك؛ فأي شيء ~~يوجب هلاك الدواب؟ قيل: إن الدواب إنما خلقها الله لمنافع ~~الناس، فإذا هلكت الناس بمنع المطر عنهم، لم يبق في الأرض دابة إلا ~~وهلكت، وإذا هلك الناس بوجه من الوجوه لم تبق الدواب. ### || [16.62] # قوله تعالى: { ويجعلون لله ما يكرهون }؛ ~~لأنفسهم. في الآية إعادة ذكر جهل الكفار أنهم يجعلون لله ما ~~يكرهون لأنفسهم وهو البنات، { وتصف ألسنتهم }؛ مع ذلك، { ~~الكذب أن لهم الحسنى }؛ أي أن لهم الجنة في الآخرة. ~~قوله تعالى: { لا جرم أن لهم النار }؛ أي حقا، ~~وقيل: لا بد ms1180 ولا محالة أن لهم النار، { وأنهم مفرطون ~~}؛ أي مقدمون إلى النار، والفارط في اللغة: هو القادم إلى الماء، ~~ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: # " وأنا فرطكم على الحوض " # أي سابقكم. # ومن قرأ (مفرطون) بكسر الراء، فهم الذين أفرطوا في الذنوب ~~والمعاصي، ومن قرأ (مفرطون) بالتشديد فهو من التفريط وهو ~~التقصير. ### || [16.63] # قوله تعالى: { تالله لقد أرسلنآ إلى أمم من ~~قبلك فزين لهم الشيطان أعمالهم }؛ تسلية للنبي ~~صلى الله عليه وسلم أي كما أرسلناك إلى هؤلاء أرسلنا إلى أمم من ~~قبلك، فزين لهم الشيطان أعمالهم في الكفر والتكذيب، { فهو ~~وليهم اليوم }؛ في الدنيا يتبعون إغواءه، ويقال: (هو ~~وليهم يوم القيامة) أي يقال لهم يومئذ: هذا وليكم، ~~فيكلكم الله يومئذ إلى من لا يملك دفع العذاب عن نفسه، فكيف ~~يدفع عنهم العذاب، ومن كان الشيطان وليه دخل النار، { ولهم ~~عذاب أليم }. ### || [16.64-65] # قوله تعالى: { ومآ أنزلنا عليك الكتاب إلا ~~لتبين لهم الذي اختلفوا فيه }؛ أي لتبين لهم ~~الحق من الباطل، وأنزلناه، { وهدى } ، دلالة، { ورحمة ~~لقوم يؤمنون }؛ أي للمؤمنين. قوله تعالى: { والله ~~أنزل من السمآء مآء }؛ يعني المطر، { فأحيا به ~~الأرض بعد موتهآ }؛ أي يبسها، { إن في ذلك لآية ~~لقوم يسمعون }؛ أدلة الله، ويتفكرون فيها. ### || [16.66] # قوله تعالى: { وإن لكم في الأنعام لعبرة ~~نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا ~~خالصا }؛ من دون أن يظهر فيه لون الدم ولا رائحة الفرث، { ~~سآئغا للشاربين }؛ أي متيسر الجري في الحلق، لا يغص به ~~شاربه. وإنما لم يقل في بطونها؛ لأن الأنعام والنعيم واحد، فكأنه ~~رد الكناية إلى النعيم. وفي قوله تعالى { نسقيكم } قرآءتان: ~~فتح النون وضمها، يقال سقى وأسقى بمعنى واحد. ### || [16.67] # قوله تعالى: { ومن ثمرات النخيل والأعناب ~~تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا }؛ أراد بالسكر ~~المسكر؛ وهو من العنب الخمر، ومن النخيل نقيع التمر إذا ~~غلى واشتد، نزلت هذه الآية وهما لهم حلال يومئذ، هكذا قال ابن ~~عباس، والرزق الحسن: ما أحل منها مثل الخل والزبيب ~~والتمر. # وسئل بعضهم عن هذه الآية فقال: ms1181 (السكر ما حرم من ثمرها، ~~والرزق الحسن ما حل من ثمرها). قوله تعالى: { ~~إن في ذلك لآية لقوم يعقلون }؛ دلائل الله. ### || [16.68] # قوله تعالى: { وأوحى ربك إلى النحل }؛ أي ~~وألهم ربك النحل وعرفها ووفر عليها ودعاها إلى ما هو ~~مذكور في هذه الآية، وسمى الإلهام وحيا؛ لأن الوحي هو ظهور ~~المعنى للنفس على وجه خفي، وقد ألهم الله كل دابة التماس ~~منافعها واجتناب مضارها، إلا أن أمر النحل أعجب؛ لأن فيها من ~~لطيف الصنعة ما فيه أعظم معتبر، فإن الله ألهمها اتخاذ ~~المنازل والمساكن، وأن تأكل من كل الثمرات لمنافع بني آدم، وأن ~~لا تقذف ما أكلته بعد ما صار عسلا إلا على حجر صاف أو مكان ~~نظيف لا يخالطه طين ولا تراب. # قوله تعالى: { أن اتخذي من الجبال بيوتا ومن ~~الشجر }؛ فهي تتخذ من الجبال بيوتا إذا لم تكن لأحد، وقوله ~~تعالى: { ومما يعرشون }؛ يعني مما يبني الناس لها من ~~خلاياها ومساكنها، ولولا التسخير وإلهام الله ما كانت تأوي إلى ما ~~يبنى لها. ### || [16.69] # قوله تعالى: { ثم كلي من كل الثمرات }؛ أي من ~~ألوان الثمر كله، { فاسلكي سبل ربك ذللا }؛ أي طرق ~~ربك لطلب الرعي، وقوله تعالى { ذللا } يجوز أن يكون من نعت ~~السبل؛ أي لا يتوعر عليها مكان سلكته، وهي ترعى الأماكن ~~البعيدة ذات العاص، قد ذلل الله لها مسالكها أي سهلها. وقال ~~ابن عباس: (ذللا نعت النحل؛ أي مطيعة بالتسخير ~~وإخراج العسل من بطونها). # قوله تعالى: { يخرج من بطونها شراب مختلف ~~ألوانه }؛ يعني العسل يلقيه النحل أبيض وأصفر وأحمر، يقال: ~~إنه يخرج من شبابها الأبيض، ومن كهولها الأصفر، ومن شيوخها ~~الأحمر. قوله تعالى: { فيه شفآء للناس }؛ أي في ذلك ~~الشراب شفاء للأوجاع التي شفاؤها فيه، كذا قال السدي. # وليس إذا كان في الناس من يضره العسل لمعنى في نفسه ما يوجب أن ~~يخرج العسل من كونه شفاء للناس، فإن الله جعل الماء حياة لكل ~~شيء، وربما يكون الماء سببا للهلاك، لكن الاعتبار للأعم، وقال ~~قتادة: (فيه شفاء ms1182 للناس من الأدواء)، وعن عائشة رضي ~~الله عنها قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب الحلواء ~~والعسل " # ، { إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون }. ### || [16.70] # قوله تعالى: { والله خلقكم ثم يتوفاكم }؛ أي ~~خلقكم في بطون أمهاتكم طورا بعد طور حتى أخرجكم ورباكم إلى ~~أن يقبض أرواحكم عند آجالكم، { ومنكم من يرد إلى أرذل ~~العمر }؛ حتى يعود في كبره وهرمه في نقصان قوته ونقصان عقله ~~إلى مثل حال الطفولة. # قوله تعالى: { لكي لا يعلم بعد علم شيئا }؛ أي ~~لكي يصير كالصبي الذي لا عقل له، وقال السدي: (أرذل العمر ~~الخرف)، وقال قتادة: (تسعون سنة) وعن علي رضي الله عنه: ~~(أن أرذل العمر خمس وسبعون سنة). قوله تعالى: ~~{ إن الله عليم قدير }؛ أي عليم بكل شيء، قادر على ~~تحويل الأحوال. ### || [16.71] # قوله تعالى: { والله فضل بعضكم على بعض في ~~الرزق }؛ أي في المال والخدم والنعم، وجعل بعضكم سادة ~~وبعضكم مماليك، { فما الذين فضلوا }؛ أي فما أرباب ~~الأخدام وفضلوا، { برآدي رزقهم على ما ملكت ~~أيمانهم }؛ أي المماليك، { فهم فيه سوآء }؛ ~~فيسوونهم مع أنفسهم في الملك. # فإذا لم ترضوا في الحكمة أن يشرككم مماليككم أيبطلوا فضلكم؟ فكيف ~~يرضى الله من خلقه أن يجعلوا له شريكا في الملك من خلقه، وهذا ~~مثل ضربه الله للمشركين فقال: إذا لم يكن عبيدكم معكم سواء في ~~الملك فكيف يجعلون عبادي معي سواء؟ # قوله تعالى: { أفبنعمة الله يجحدون }؛ أي ~~أتصفون نعمة الله إلى غيره وتشكرونه عليها فتجحدون نعمة ~~الله، فإن من أضاف النعمة إلى غير المنعم وشكر عليها فقد جحد ~~النعمة. ### || [16.72] # قوله تعالى: { والله جعل لكم من أنفسكم ~~أزواجا }؛ أي جعل لكم من جنسكم نساء، { وجعل لكم من ~~أزواجكم }؛ أي من نسائكم؛ { بنين وحفدة } ، قيل: إن ~~الحفدة الأختان، وقيل: ولد الولد، وقيل: الخدم، وحقيقة ~~الحفدة من يعاون على ما يحتاج، سرعة من الحفد والإسراع، ويقال ~~لكل من أسرع في الخدمة والعمل: حفدة، ومنه قولهم في دعاء الوتر ~~(نسعى ونحفد) أي نسرع في طاعتك. # قوله تعالى: { ورزقكم من ms1183 الطيبات }؛ أي من ~~الملاذ والحلال، وقوله تعالى: { أفبالباطل يؤمنون }؛ أي ~~أفبالأصنام يؤمنون، { وبنعمت الله هم يكفرون }؛ أي ~~يجحدون بإضافتها إلى غير الله. ### || [16.73] # قوله تعالى: { ويعبدون من دون الله ما لا يملك ~~لهم رزقا من السموت والأرض شيئا }؛ أي ويعبدون ~~الأصنام التي لا تملك لهم رزقا من السماوات بإنزال الغيث، ولا ~~من الأرض بإنبات النبات شيئا قليلا ولا كثيرا، { ولا ~~يستطيعون }؛ أي لا يملكون، وليست لهم استطاعة. ### || [16.74] # قوله تعالى: { فلا تضربوا لله الأمثال }؛ أي لا ~~تجعلوا لله الأشباه؛ لأنه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء. قوله ~~تعالى: { إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون } أي إن ~~الله يعلم ما يكون قبل أن يكون، وأنتم لا تعلمون قدر عظمتي حيث ~~أشركتموني وعجزتموني أن أبعث خلقي. ### || [16.75] # قوله تعالى: { ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا ~~يقدر على شيء }؛ أي ضرب الله المثل بعبد مملوك لا يقدر ~~على شيء، { ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق ~~منه سرا وجهرا }؛ وهو الحر، فهو ينفق منه خفية وعلانية؛ { ~~هل يستوون }؛ في المثل، كما أن الحر الذي يملك وينفق سرا ~~وعلانية، والذي لا يملك شيئا ينفقه، لا يستويان في المثل، كما لا ~~يستوي المنعم الذي جاءت من قبله النعمة، والأصنام الموات التي ~~لا تقدر على النعمة. قوله تعالى: { الحمد لله }؛ أي قل ~~الحمد لله الذي أوضح لنا السبيل والطريق، { بل أكثرهم }؛ ~~الكفار، { لا يعلمون }؛ ذلك. ### || [16.76] # قوله تعالى: { وضرب الله مثلا رجلين أحدهمآ ~~أبكم لا يقدر على شيء }؛ أي وضرب الله المثل برجلين؛ ~~أحدهما أخرس لا يقدر على شيء من الكلام، ويقال الأبكم هو الذي ~~ولد أصم لا يسمع ولا يفهم ولا يمكنه أن يفهم غيره، { وهو كل ~~على مولاه }؛ اي ثقيل على وليه وصاحبه، { أينما ~~يوجهه لا يأت بخير }؛ لا يهتدي إلى منفعة ولا إلى خير، ~~{ هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل }؛ ناطق متكلم آمر ~~بالعدل، تام التمييز، { وهو على صراط مستقيم }؛ أي ~~دين مستقيم، وهذا مثل للمؤمن والكافر. ### || [16.77] # قوله تعالى: { ولله غيب السموت ms1184 والأرض ومآ ~~أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن ~~الله على كل شيء قدير }؛ قيل: هذه الآية نزلت جوابا ~~عن سؤال قريش: متى الساعة؟ وهي ظاهرة المعنى. ### || [16.78] # قوله تعالى: { والله أخرجكم من بطون ~~أمهاتكم لا تعلمون شيئا }؛ أي أخرجكم جاهلين، { ~~وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة }؛ أي خلق لكم ~~الحواس التي بها تعلمون نعمته وقدرته، { لعلكم تشكرون ~~}. ### || [16.79] # قوله تعالى: { ألم يروا إلى الطير مسخرت ~~في جو السمآء ما يمسكهن إلا الله }؛ أي ألم ~~يروا إلى الطير مذللات في الهواء ما يمسكهن حتى يسقطن على ~~الأرض إلا الله { إن في ذلك لأيت }؛ أي دلالات على ~~وحدانية الله، { لقوم يؤمنون }. ### || [16.80] # قوله تعالى: { والله جعل لكم من بيوتكم سكنا ~~}؛ أي بيوت المدر والحجر مواضع تسكنون فيها، { وجعل لكم ~~من جلود الأنعام بيوتا }؛ وهي الخيام، { تستخفونها ~~يوم ظعنكم ويوم إقامتكم } ، تخف عليكم نقلها ~~وحملها من مكان إلى مكان، يوم سفركم ويوم إقامتكم، { ومن ~~أصوافها وأوبارها وأشعارهآ }؛ وجعل لكم من أصواف ~~الضأن، وأوبار الإبل، وأشعار الماعز، { أثاثا }؛ أي متاعا ~~للبيت من الفرش والأكسية والبسط، { ومتاعا إلى حين ~~}؛ أي منفعة تنتفعون بها إلى حين آجالكم. ### || [16.81] # قوله تعالى: { والله جعل لكم مما خلق ظلالا ~~}؛ أي أشياء تستظلون بها مثل الأشجار ونحوها، { وجعل لكم ~~من الجبال أكنانا }؛ وهي الكهوف والغيران يدخلها الناس ~~ليسكنوا فيها من الحر والبرد. # قوله تعالى: { وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر }؛ ~~أي جعل لكم سرابيل يعني القميص من القطن والكتان والصوف يدفع ~~عنكم الحر في الصيف والبرد في الشتاء. ولم يذكر البرد في الآية؛ ~~لأنه لما ذكر الحر فقد دل به على ما في مقابلته من البرد. # قوله تعالى: { وسرابيل تقيكم بأسكم }؛ أراد به ~~الدورع من الحديد يتقون بها في الحرب سلاح العدو، يعني الطعن ~~والضرب والرمي. # قوله تعالى: { كذلك يتم نعمته عليكم }؛ في ~~سائر الأشياء، كما أتمها عليكم في هذه الأشياء، { لعلكم ~~تسلمون }؛ لكي تسلموا، قال ابن عباس: (معنى قوله ~~تعالى { لعلكم تسلمون } أي لعلكم يا أهل مكة ~~تعلمون ms1185 أنه لا يقدر على هذا غير الله فتؤمنوا ~~به وتصدقوا رسوله). وفي قراءة ابن عباس (لعلكم ~~تسلمون) بنصب التاء من الجراحات إذا لبستم الدروع من الحديد، ~~ومن الحر والبرد إذا لبستم القميص. ### || [16.82-83] # قوله تعالى: { فإن تولوا فإنما عليك البلاغ ~~المبين } أي إن أعرضوا عن الإيمان، فإنما عليك يا محمد ~~البلاغ الظاهر، وهو أن تبلغ الرسالة، وتبين الدلالة، فلما ~~ذكر لهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه النعم، قالوا: أنعم يا ~~محمد هذه كلها من الله؟ # ثم قالوا: شفاعة آلهتنا، فأنزل الله تعالى قوله: { ~~يعرفون نعمت الله }؛ أي يعرفون أن هذه النعم كلها من ~~الله، { ثم ينكرونها } ، بإضافتها إلى الأوثان، ويشكرون ~~الأوثان عليها. قوله تعالى: { وأكثرهم الكافرون }؛ ~~أي كلهم يكفرون بالله وبنعمته، فذكر الأكثر والمراد به الجميع. ### || [16.84] # قوله تعالى: { ويوم نبعث من كل أمة شهيدا }؛ ~~يعني يوم القيامة تشهد الأنبياء على أممهم بما فعلوا من التصديق ~~والتكذيب، وتشهد العدول من كل عصر على أهل عصرهم. قوله ~~تعالى: { ثم لا يؤذن للذين كفروا }؛ أي لا يؤذن ~~لهم بعد شهادة الرسل في الاعتذار، { ولا هم يستعتبون }؛ ~~ولا ينفعهم الاعتذار يومئذ ولا يجابون إلى الرد إلى الدنيا. ### || [16.85] # قوله تعالى: { وإذا رأى الذين ظلموا العذاب ~~فلا يخفف عنهم }؛ أي إذا رأوه بالدخول فيه، فلا نرفعه عنهم ~~في وقت ونشدد في وقت، { ولا هم ينظرون }؛ ولا يؤجلون ~~بتأخير العذاب إلى وقت آخر. ### || [16.86-87] # قوله تعالى: { وإذا رأى الذين أشركوا }؛ أي إذا رأى ~~الذين أشركوا الأصنام مع الله في العبادة، { شركآءهم } ، يعني ~~الأصنام، { قالوا ربنا هؤلآء }؛ الأصنام، { شركآؤنا ~~الذين كنا ندعوا من دونك }؛ التي أشركناها معك في ~~العبادة، فألقى الأصنام { فألقوا إليهم القول إنكم ~~لكاذبون } في أنا آلهة وفي أنا أمرناكم بالعبادة، { ~~وألقوا إلى الله يومئذ السلم } ، واستسلموا ~~كلهم لأمر الله يومئذ، { وضل عنهم ما كانوا يفترون ~~}. والفائدة في إعادة الأصنام يومئذ: أن يعيرهم الله بها، وأن ~~يعذبهم بها في الدنيا. ### || [16.88] # قوله تعالى: { الذين كفروا وصدوا عن سبيل ~~الله زدناهم عذابا فوق العذاب ms1186 بما كانوا ~~يفسدون }؛ الذين كفروا بالله ورسله، وصدوا عن سبيل الله ~~بامتناعهم عنه ومنع الناس عنه، زدناهم عذابا فوق العذاب، قال ~~ابن مسعود: (زيدوا عقارب لها أنياب كالنخل الطوال)، ~~وقيل: زيدوا حيات كأمثال الفيلة. وقيل: تجري فوق ~~رؤوسهم أنهار من نحاس ذائب إذا وقع على كف الرجل اشتعل ~~الجسد منه نارا، فليس فيها عذاب أشد منه. ### || [16.89] # قوله تعالى: { ويوم نبعث في كل أمة شهيدا ~~عليهم من أنفسهم }؛ فيه بيان أن كل عصر لا يخلو من ~~شهيد على الناس، { وجئنا بك }؛ يا محمد، { شهيدا على ~~هؤلآء }؛ يعني قومه. قوله تعالى: { ونزلنا عليك ~~الكتاب }؛ أي القرآن، { تبيانا لكل شيء }؛ من أمور ~~الدين، { وهدى ورحمة وبشرى } وبشارة، { للمسلمين ~~}. ### || [16.90] # قوله تعالى: { إن الله يأمر بالعدل والإحسان ~~}؛ يعني بالعدل في الأفعال، والإحسان في الأقوال، ولا يفعل إلا ما ~~هو عدل، ولا يقول إلا ما هو حسن، قال ابن عباس: (العدل ~~شهادة أن لا إله إلا الله، والإحسان أداء ~~الفرائض). # وقيل: العدل هو الإنصاف، ويدخل فيه إنصاف المرء من نفسه لغيره ~~في الحقوق والأمانات، ومن نفسه لنفسه فيما يكون حقا عليه من شكر ~~نعم الله، وأن لا يعبد غيره، وأن لا يصف الله بما لا يليق به من ~~الصفات. # قوله تعالى: { والإحسان } يدخل في ذلك المتفضل على ~~الغير، إما بالمال، وإما بالمعاشرة الجميلة من قول أو فعل، أو إكرام أو ~~بحسب. قوله تعالى: { وإيتآء ذي القربى }؛ أي صلة ~~الأرحام. # قوله تعالى: { وينهى عن الفحشاء والمنكر ~~والبغي }؛ فالفحشاء: الزنى، والمنكر: الشرك، والبغي: ~~الظلم والكبر. وقيل: الفحشاء: ما عظم قبحه من قول أو ~~فعل، سرا كان أو علانية، والمنكر: ما يظهر للناس، فيجب ~~إنكاره، والبغي: الاستطالة والظلم. # وقيل في معنى الآية: إن الله يأمر بالعدل: بالتوحيد، والإحسان: ~~الإخلاص، وقيل: الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه. ~~وقيل: الإحسان العفو عن الناس، وقيل: العدل: استواء السر ~~والعلانية، والإحسان: أن تكون سريرته أحسن من علانيته، والفحشاء ~~والمنكر: تكون علانيته أحسن من سريرته. # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ms1187 أنه قرأ على الوليد: { إن ~~الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذي القربى ~~وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم ~~لعلكم تذكرون } فقال: يا ابن أخي أعد علي، ~~فأعاد عليه فقال: إن له لحلاوة وإن عليه ~~لطلاوة، وإن أعلاه لمورف وإن أسفله لمغدق، ~~وما هو بقول البشر. قوله تعالى: { يعظكم ~~لعلكم تذكرون }؛ معناه يأمركم بثلاث أن تفعلوهن، ~~وينهاكم عن ثلاث؛ لتنتهوا عنهن لعلكم تتعظون بما تؤمرون، ~~وتحترزون عن التقصير. ### || [16.91] # قوله تعالى: { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ~~}؛ أي أتموا العهود التي بينكم وبين الناس إذا حلفتم بالله ~~تعالى، { ولا تنقضوا الأيمان }؛ العهود، { بعد ~~توكيدها }؛ توثيقها باسم، { وقد جعلتم }؛ قلتم: { ~~الله عليكم كفيلا }؛ شهيدا عليكم بالوفاء، { إن الله ~~يعلم ما تفعلون }؛ من النقض والوفاء فيجزيكم عليه. وفي ~~الآية دلالة على أن الرجل إذا قال: علي عهد الله إن فعلت كذا ~~كان يمينا؛ لأنه تعالى ذكر العهد في أول الآية، ثم عقبه ~~بقوله: { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها }. ### || [16.92] # قوله تعالى: { ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها ~~من بعد قوة أنكاثا }؛ أي لا تكونوا في نقض العهود كالتي ~~نقضت غزلها من بعد إبرام وإحكام، وهي امرأة من قريش أم ~~أخنس بن شريق تعرف ب (ريطة الحمقاء)، كانت تغزل من ~~الصوف والشعر والوبر بمغزل عظيم مثل طول الذراع وصنارة في ~~رأس المغزل مثل طول الإصبع وفلكة عظيمة، فإذا غزلته ~~وأبرمته أمرت جاريتها فنقضته. والأنكاث: جمع نكث، وهو ما ~~تنقض من غزل الشعر والقطن ونحوهما، والمعنى: لا تكونوا في ~~نقض الإيمان كهذه المرأة، غزلت غزلا، وأحكمته ثم نقضته ~~فجعلته أنكاثا، والأنكاث: ما يقطع من الخيوط. # قوله تعالى: { تتخذون أيمانكم دخلا بينكم }؛ ~~أي تتخذون عهودكم دخلا وخديعة وغشا وخيانة بينكم. قوله ~~تعالى: { أن تكون أمة هي أربى من أمة }؛ أي لأن ~~تكون جماعة هي أعز وأكثر من جماعة، قال مجاهد: (إنهم كانوا ~~يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعز، ~~فينقضون حلف هؤلاء، ويحالفون الأكثر، فنهاهم ~~الله عن ذلك). # وحاصل التأويل النهي عن أن تحلف على شيء وهو منطو على ms1188 ~~خلافه، وأن يغر غيره يمينه. قوله تعالى: { إنما ~~يبلوكم الله به }؛ أي إنما يخبركم بأمره إياكم بالوفاء ~~بالعهد، { وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم ~~فيه تختلفون }؛ في الدنيا من الحق والباطل. ### || [16.93] # قوله تعالى: { ولو شآء الله لجعلكم أمة ~~واحدة }؛ أي أهل ملة واحدة ودين واحد، { ولكن يضل من ~~يشآء ويهدي من يشآء }؛ بتوفيقه فضلا منه، { ~~ولتسألن } ، يوم القيامة، { عما كنتم تعملون }؛ من ~~الخير والشر. ### || [16.94] # قوله تعالى: { ولا تتخذوا أيمانكم دخلا ~~بينكم }؛ أي مكرا وخديعة، { فتزل قدم }؛ فتزلوا عن ~~طاعة الله كما تزل قدم الرجل، { بعد ثبوتها } جعل الله ~~زلة القدم عبارة عن سخط الله، وثبات القدم عبارة عن رضى ~~الله. # وقيل: معنى قوله تعالى: { فتزل قدم بعد ثبوتها } أي ~~فتهلكوا بعد أن كنتم آمنين، وقال ابن عباس: (فتزل عن ~~الإيمان بعد المعرفة). قوله تعالى: { وتذوقوا ~~السوء }؛ يعني العذاب، { بما صددتم عن سبيل الله }؛ ~~أي بما منعتم الناس عن دين الله، { ولكم عذاب عظيم }؛ في ~~الآخرة. ### || [16.95] # قوله تعالى: { ولا تشتروا بعهد الله ثمنا ~~قليلا }؛ أي لا تختاروا الحلف بالله كذبا عرضا يسيرا من ~~الدنيا، ولكن أوفوا بها، { إنما عند الله هو خير ~~لكم } أي فإن ما عند الله من الثواب في الآخرة على الوفاء هو ~~خير لكم مما عندكم، { إن كنتم تعلمون }؛ ثواب الله. ### || [16.96-97] # قوله تعالى: { ما عندكم ينفد }؛ أي يفنى ولا يبقى، { ~~وما عند الله }؛ من الثواب في الآخرة على الوفاء، { باق } ، هو ~~خير لكم مما عندكم يدوم ويبقى. قوله تعالى: { ولنجزين ~~الذين صبروا }؛ قرأ ابن كثير وعاصم بالنون، وقرأ الباقون ~~بالياء، ومعناه: الذين صبروا على الوفاء وعلى الطاعة، { أجرهم ~~}؛ بالطاعات، { بأحسن ما كانوا يعملون }؛ دون إسرارها، ~~ويعفو عن سيئاتها. # قال ابن عباس: # " (وذلك أن رجلا من حضرموت يقال له عيدان بن ~~الأشوع قال: يا رسول الله إن الأشعث بن قيس ~~الكندي جاورني في أرضي فاقتطعها، فقال صلى الله ~~عليه وسلم: " ليشهد لك أحد " قال: إن القوم كلهم ~~يعلمون أني صادق، ولكنه أكرم عليهم مني، ~~فقال ms1189 رسول الله صلى الله عليه وسلم للأشعث: " ما يقول ~~صاحبك؟ " قال: الباطل والكذب يا رسول الله، قال: " ~~أتحلف؟ " قال: نعم، فهم بالحلف. # فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه ~~الآية: { ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا... } ~~إلى آخر الآيتين. فقرأهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~على الأشعث فقال: أما ما عندي فينفذ، وأما ما ~~بصاحبي فيجزى بأحسن ما كان يعمل، اللهم إنه ~~صادق في ما قال، لقد اقتطعت أرضه، والله ما أدري ~~كم هي، ولكن يأخذ ما شاء من أرضي ومثلها معها ~~بما أكلت من ثمرها " # فأنزل الله هذه الآية بعد ذلك في الأشعث: # قوله تعالى: { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى ~~وهو مؤمن }؛ أي من عمل صالحا فيما بينه وبين ربه وأقر ~~بالحق وهو مع ذلك مؤمن { فلنحيينه حياة طيبة ~~ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون } ، ~~قيل: المراد بها القناعة بما يؤتى من الرزق الحلال، كما ~~روي عن وهب بن منبه أنه قال: (الحياة الطيبة هي ~~القناعة بما رزق). # وقيل: هي أن يكون صدره منفرجا بما يعتقده من دلائل الله ~~تعالى، وبما يعرفه من وجوب مفارقة المعاصي، فيصير قليل الهم في ~~أمور دنياه. وقيل: الحياة الطيبة الجنة؛ لأنه لم يطب لأحد ~~حياة إلا فيها. ### || [16.98] # قوله تعالى: { فإذا قرأت القرآن فاستعذ ~~بالله من الشيطان الرجيم } أي إذا أردت قراءة القرآن، ~~ونظيره # إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم # [المائدة: 6]، وقوله تعالى: # وإذا قلتم فاعدلوا # [الأنعام: 152]. # وفائدة الأمر بالاستعاذة قبل القراءة نفي وسواس الشيطان ~~عند القراءة، وقد أجمعت الفقهاء على أن الاستعاذة قبل القراءة ~~إلا ما روي عن أبي داود بن علي ومالك أنهم قالوا: (الاستعاذة ~~بعد القراءة) أخذوا بظاهر الآية. ### || [16.99-100] # قوله تعالى: { إنه ليس له سلطان على الذين ~~آمنوا وعلى ربهم يتوكلون }؛ أي إن الشيطان ليس له ~~سلطنة على المؤمن إلا في الوسوسة، { إنما سلطانه على ~~الذين يتولونه }؛ على الذين يقبلون دعاءه، { والذين ~~هم به }؛ بالله، { مشركون }؛ فإنهم جعلوا له سلطانا على ~~أنفسهم. ### || [16.101] ms1190 # قوله تعالى: { وإذا بدلنآ آية مكان آية }؛ أي ~~اذا نسخنا آية أو أتينا مكانها أخرى، { والله أعلم بما ~~ينزل }؛ أي بمصالح العباد، ينزل في كل وقت ما هو الأصلح ~~لهم، { قالوا }؛ أي قالت كفار قريش: { إنمآ أنت }؛ يا ~~محمد، { مفتر بل أكثرهم لا يعلمون }؛ كاذب في ~~الناسخ والمنسوخ، مختلق من تلقاء نفسك! وذلك أن المشركين قالوا: ~~إنك يا محمد تسحر أصحابك، وتأمرهم اليوم بأمر وتنهاهم ~~عنه غدا! قال الله: ولكن أكثرهم لا يعلمون صدق رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولا حقيقة القرآن. ### || [16.102] # قوله تعالى: { قل نزله روح القدس من ربك }؛ ~~أي قل نزل القرآن جبريل من ربك، { بالحق ليثبت ~~الذين آمنوا }؛ ويقويهم لإيمانهم؛ ليزدادوا تصديقا ~~ويقينا، { وهدى وبشرى للمسلمين }. ### || [16.103-104] # قوله تعالى: { ولقد نعلم أنهم يقولون إنما ~~يعلمه بشر }؛ قال ابن عباس: (وذلك أن كفار مكة ~~كانوا يقولون: إن القرآن ليس من عند الله، ~~وإنما يعلم النبي بشر، أرادوا بذلك جبرا ~~ويسارا كانا عالمين نصرانيين، وكان صلى الله عليه ~~وسلم يحدثهما ويعلمهما، وكانا يقرءآن كتابهما ~~بالعربية، وكانا قد أسلما). وقيل: كانوا يعنون ~~بقولهم (بشر): سلمان الفارسي. # قوله تعالى: { لسان الذي يلحدون إليه ~~أعجمي }؛ أي لسان الذي يميلون إليه ويزعمون أنه ~~يعلمك أعجمي، { وهذا }؛ القرآن الذي يقرءونه، { ~~لسان عربي مبين }؛ فكيف يقدر الأعجمي على تعليم مثله. ~~قوله تعالى: { إن الذين لا يؤمنون بآيات الله ~~لا يهديهم الله }؛ إلى ثوابه، { ولهم عذاب أليم }؛ ~~وجيع في الآخرة. ### || [16.105] # قوله تعالى: { إنما يفتري الكذب الذين لا ~~يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون }؛ ~~معناه: إنما يكذب على الله من لا يؤمن بدلائله، بين الله أن ~~الذين نسبوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الافتراء هم أحق ~~به. ### || [16.106] # قوله تعالى: { من كفر بالله من بعد إيمانه إلا ~~من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان }؛ يجوز أن يكون من ~~كفر رفعا على البدل من (الكاذبين)، ويجوز أن يكون كلاما مبتدأ، ~~وقوله تعالى { فعليهم غضب من الله } خبر له أو خبر ~~لقوله { ولكن من شرح ms1191 بالكفر صدرا }. والمراد بقوله ~~{ إلا من أكره }: عمار بن ياسر. # روي: # " أن المشركين أخذوه في طريق مكة، فعذبوه حتى ~~سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير، ~~فلما فعل ذلك تركوه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو يمسح الدموع من عينيه، فأخبره القصة، ~~فأنزل الله هذه الآية، فقال له صلى الله عليه وسلم: " ~~كيف وجدت قلبك؟ " قال: مطمئنا بالإيمان. فقال ~~صلى الله عليه وسلم: " إن عادوا فعد " ". # وقوله عليه السلام: # " إن عادوا فعد " # على جهة الإباحة والرخصة دون الإيجاب، فإن المكره على الكفر ~~إذا صبر حتى قتل كان أعظم لأجره، والإكراه السماح لإجراء كلمة ~~الكفر على اللسان، وهو أن يخاف التلف على نفسه، أو على عضو من ~~أعضائه إن لم يفعل ما أمر به. # قوله تعالى: { ولكن من شرح بالكفر صدرا } ، أي ~~فسح صدره للكفر بالقبول وأتى به على الاختيار، { فعليهم ~~غضب من الله ولهم عذاب عظيم } قيل: إنها نزلت في ~~أبي سرح القرشي رجع إلى الشرك، وباح بالكفر ولحق بمكة. ### || [16.107] # قوله تعالى: { ذلك بأنهم استحبوا الحياة ~~الدنيا على الآخرة }؛ أي ذلك العذاب بأنهم اختاروا ~~الحياة الدنيا على ثواب الآخرة، { وأن الله لا يهدي ~~القوم الكافرين }؛ إلى جنته وثوابه. ### || [16.108-109] # قوله تعالى: { أولئك الذين طبع الله على ~~قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم ~~الغافلون }؛ قد تقدم تفسيره. قوله تعالى: { لا جرم ~~أنهم }؛ أي حقا { في الآخرة هم الخاسرون }؛ أي خسروا ~~أنفسهم. ### || [16.110] # قوله تعالى: { ثم إن ربك للذين هاجروا من ~~بعد ما فتنوا }؛ نزلت في قوم بمكة بعد هجرة النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلى المدينة، ثم إنهم هاجروا إلى المدينة من بعد ما ~~عذبهم أهل مكة، { ثم جاهدوا وصبروا }؛ مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم فصبروا على الجهاد، فوعدهم الله المغفرة لما كان ~~فيهم من التخلف عن الهجرة. # وذلك أنهم كانوا مستضعفين بمكة وكانوا مؤمنين، فعذبهم أهل مكة ~~حتى ارتدوا عن الإسلام ليسلموا من شرهم، ثم هاجروا من بعد ~~ما فتنوا؛ أي من بعد ما عذبوا، ثم ms1192 جاهدوا مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم وصبروا على الجهاد، { إن ربك من بعدها }؛ تلك ~~الفتنة وتلك الفعلة التي فعلوها من التلفظ بكلمة الكفر، { ~~لغفور رحيم }؛ وقرأ ابن عامر (فتنوا) بفتح الفاء؛ أي ~~فتنوا أنفسهم بإظهار ما أظهروا للفتنة. ### || [16.111] # قوله تعالى: { يوم تأتي كل نفس تجادل عن ~~نفسها }؛ يجوز أن يكون { يوم } منصوبا بنزع الخافض أي في ~~يوم تأتي كل نفس، ويجوز أن يكون المعنى: واذكر يوم تأتي كل ~~نفس، وهو يوم القيامة، يجادل فيه كل إنسان عن نفسه، { ~~وتوفى كل نفس }؛ برة أو فاجرة، { ما عملت وهم ~~لا يظلمون } ، جزاء ما عملت من خير أو شر، لا ينقص من ثواب ~~محسن، ولا يزاد على عقاب مسيء. # واختلفوا في المجادلة المذكورة في الآية، قال بعضهم: هو قول ~~الكفار: ما كنا مشركين، وقولهم: ربنا هؤلاء ~~أضلونا. ومعنى الآية: إن كل أحد لا تهمه إلا نفسه، فهو ~~يخاصم ويحتج عن نفسه، لا يتفرغ إلى غيره. ### || [16.112] # قوله تعالى: { وضرب الله مثلا قرية كانت ~~آمنة مطمئنة }؛ يعني مكة كان أهلها آمنين لا يهاج ~~أهلها ولا يغار عليها، بخلاف قرى سائر العرب، لأن العرب كانت لا ~~تقصد مكة احتراما لحرم الله، وقوله تعالى: { مطمئنة } ~~أي قارة بأهلها لا يحتاجون إلى الانتجاع ولا الانتقال، كما يحتاج ~~إليه سائر العرب. # قوله تعالى: { يأتيها رزقها رغدا من كل مكان ~~}؛ أي كان الرزق واسعا على أهل مكة يحمل إليهم من البر ~~والبحر، كما قال تعالى # يجبى إليه ثمرات كل شيء # [القصص: 57]، { فكفرت }؛ فكفر أهل مكة، { بأنعم الله ~~} ، حين كذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وخالفوه، وكذبوا ~~بالقرآن بعد قيام الحجة عليهم، { فأذاقها الله لباس ~~الجوع والخوف } ، فعاقبهم الله سبع سنين بالقحط، ~~وخوفهم من النبي صلى الله عليه وسلم ومن عساكره وسراياه، { بما ~~كانوا يصنعون } ، من تكذيبه. # روي أنه بلغ بهم من الجوع ما لا غاية بعده حتى أكلوا العظام ~~المحرقة والجيف والكلاب، وكان ذلك بدعاء النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم سنين ms1193 ~~كسني يوسف " # فاستجاب الله دعاءه حتى صار أمرهم إلى هذه الحالة. ### || [16.113] # قوله تعالى: { ولقد جآءهم رسول منهم }؛ أراد به ~~محمدا صلى الله عليه وسلم، { فكذبوه فأخذهم العذاب ~~}؛ الذي تقدم ذكره من الجوع والخوف، { وهم ظالمون }؛ وكانوا ~~ظالمين لأنفسهم. ### || [16.114-115] # قوله تعالى: { فكلوا مما رزقكم الله حللا ~~طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه ~~تعبدون * إنما حرم عليكم الميتة والدم ~~ولحم الخنزير ومآ أهل لغير الله به فمن ~~اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم }؛ ~~أي كلو يا معشر المؤمنين مما رزقكم الله حلالا طيبا إلى آخر ~~الآيتين، قد تقدم تفسيرهما في سورة البقرة. ### || [16.116-117] # قوله تعالى: { ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم ~~الكذب هذا حلال وهذا حرام }؛ أي ولا تقولوا الكذب ~~لما تصفه ألسنتكم بالحل والحرمة، فتحلوا الميتة، ~~وتحرموا بعض الزرع والأنعام، كما تقدم ذكره في سورة ~~الأنعام. قوله تعالى: { لتفتروا على الله الكذب ~~}؛ أي لتكذبوا على الله بقولكم أن هذا من عند الله. # وقوله تعالى: { إن الذين يفترون على الله الكذب ~~لا يفلحون }؛ أي لا يظفرون بالمراد، ولا ينجون يوم ~~القيامة، إنما لهم في الدنيا { متاع قليل }؛ ثم يتعقبهم، { ~~ولهم عذاب أليم }. ### || [16.118] # قوله تعالى: { وعلى الذين هادوا حرمنا ما ~~قصصنا عليك من قبل }؛ أراد به ما بينه الله في سورة ~~الأنعام، وقد تقدم هناك، وفيه بيان أن التحريم الذي كان في اليهود ~~كان من قبل الله، وأنه مخالف للتحريم الذي كان في كفار مكة. ~~وقوله تعالى: { وما ظلمناهم }؛ أي وما ظلمناهم بتحريم ذلك، ~~فإن تحريمها كان عقوبة لهم، ولا تكون العقوبة ظلما، { ولكن ~~كانوا أنفسهم يظلمون }؛ بمخالفتهم أمر الله تعالى. ### || [16.119] # قوله تعالى: { ثم إن ربك للذين عملوا ~~السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا ~~إن ربك من بعدها لغفور رحيم }؛ فيه بيان أن من ~~ارتكب المعاصي، وخالف أمر الله، واستعمل الجهالة في ارتكابه، لم ~~يمنعه ذلك من التوبة، فإنه إذا تاب وأصلح في المستقبل، محا ~~الله عنه كل السيئات، قال ابن عباس: (كل سوء ms1194 يعمله ~~ابن آدم فهو جاهل فيه، وإن كان يعلم أن ~~ارتكابه ركوب سيئة). ### || [16.120] # قوله تعالى: { إن إبراهيم كان أمة قانتا ~~لله حنيفا }؛ فيه بيان أن إبراهيم كان هو القدوة للناس ~~بالخير، وسمي الإمام (أمة)؛ لأنه يجمع خصال الخير، ويقال ~~للرجل المنفرد بدين لا يشركه فيه غيره: أمة، ويقال ~~للعالم: أمة، والأمة: الرجل الجامع للخير. # قوله تعالى: { قانتا لله حنيفا } القانت: هو ~~الدائم على الطاعة، والقنوت: هو الدوام على الطاعة، والقانت: ~~هو المطيع، والحنيف قد تقدم تفسيره، { ولم يك من ~~المشركين }؛ كما ادعاه كفار قريش، فإنهم يدعون أنهم ~~يتبعون دين إبراهيم. ### || [16.121] # قوله تعالى: { شاكرا لأنعمه }؛ أي كان إبراهيم شاكرا ~~لنعم الله عليه، وانتصب قوله { شاكرا } على البدل من قوله # أمة قانتا # [النحل: 120]. وقوله: { اجتباه }؛ أي اصطفاه بالنبوة ~~واختاره، { وهداه إلى صراط مستقيم }؛ أي إلى دين ~~الإسلام. ### || [16.122] # قوله تعالى: { وآتيناه في الدنيا حسنة }؛ قال ~~ابن عباس: (يعني الذكر الحسن)، وقال الحسن: (هي ~~النبوة)، وقال مجاهد: (لسان صدق في الآخرين) وقال ~~مقاتل: (يعني الصلاة عليه مقرونة بالصلاة على ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وهو قولهم: اللهم صل ~~على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على ~~إبراهيم وعلى آل إبراهيم). قوله تعالى: { وإنه ~~في الآخرة لمن الصالحين }؛ أي مع المرسلين في ~~الجنة. ### || [16.123] # قوله تعالى: { ثم أوحينآ إليك أن اتبع ملة ~~إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين }؛ أي أمرناك ~~يا محمد باتباع ملة إبراهيم في مجانبة الكفار، كما كان ~~إبراهيم يتجنبهم. # فإن قيل: كيف يجوز أن يوصي الفاضل بمتابعة المفضول، ونبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم كان أفضل الأنبياء؟ فكيف أمره الله ~~بمتابعة إبراهيم عليه السلام؟ قيل: إن إبراهيم عليه السلام كان ~~قد سبق إلى اتباع الحق، ولا يكون في سبق المفضول إلى ~~اتباع الحق عيب على الفاضل في اتباعه. ### || [16.124] # قوله تعالى: { إنما جعل السبت على الذين ~~اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون }؛ وهم اليهود، وذلك ~~أن موسى قال لبني إسرائيل: تفرغوا إلى الله ms1195 في كل سبعة أيام ~~يوما واحدا، فاعبدوه في يوم الجمعة، ولا تعملوا فيه شيئا من ~~أمور الدنيا، وستة أيام لمعايشكم وصنائعكم، فأبوا أن يقبلوا ~~ذلك منه، وقالوا: لا نبتغي إلا اليوم الذي فرغ فيه من الخلق، ~~يعنون السبت، فجعل ذلك عليهم فيه، وقالت جماعة منهم: بل أعظم ~~الأيام يوم الأحد؛ لأنه اليوم الذي بدأ الله فيه بخلق الأشياء، ~~فاختاروا تعظيم غير ما فرض الله عليهم، أي تركوا تعظيم يوم ~~الجمعة. ### || [16.125] # قوله تعالى: { ادع إلى سبيل ربك بالحكمة ~~والموعظة الحسنة }؛ أي أدع إلى سبيل دين الله { ~~بالحكمة } يعني بالنبوة، { والموعظة } يعني القرآن، ~~وقيل: التخويف بالعذاب على جهة إظهار الشفقة عليهم ليكون ذلك ~~أقرب إلى إجابتهم. قوله تعالى: { وجدلهم بالتي هي ~~أحسن }؛ أي بالرفق واللطف، وذكر أحسن ما عنده من الحجج، ~~وأعرض عن أذاهم، ولا تقصر في أداء الرسالة والدعاء إلى الحق، ~~قيل: إن هذه الآية نسختها آية السيف. وقوله تعالى: { إن ~~ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم ~~بالمهتدين }؛ أي هو أعلم بمن يقبل الهدى ومن لا يقبله، ~~فيجزي كلا على ما عمل. ### || [16.126] # قوله تعالى: { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما ~~عوقبتم به }؛ وذلك # " أن حمزة ابن عبدالمطلب وأصحابه الذين قتلوا يوم أحد ~~مثل بهم المشركون، عمدوا إلى حمزة فشقوا بطنه، وأخذت منه ~~هند بنت عتبة كبده، فجعلت تلوكها ثم تطرحها، وقطعوا مذاكيره ~~وجدعوا أنفه وأذنيه، ومثلوا به أشد المثلة، وكذلك سائر ~~شهداء أحد مثل بهم المشركون، بقروا بطونهم، وقطعوا مذاكيرهم. # فلما نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عمه حمزة لم ينظر ~~إلى شيء قط أوجع إلى قلبه منه، فقال: " رحمة الله عليك، ~~فإنك كنت فعالا للخير، وصالا للرحم، والله ~~لئن أظفرني الله بهم لأقتلن بك سبعين منهم، ~~ولأمثلن سبعين منهم " وقال المسلمون: والله ~~لئن أمكننا الله منهم، لنمثلن بالأحياء فضلا ~~عن الأموات. فأنزل الله تعالى هذه الآية { وإن عاقبتم ~~فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو ~~خير للصابرين }؛ فقال صلى الله عليه وسلم: " أصبر ms1196 ولا ~~أمثل " وكفر عن يمينه " # ، فنزل قوله تعالى: { واصبر وما صبرك إلا ~~بالله }؛ أي ما صبرك إلا بمعونة الله وتوفيقه، ولا تقدر على ~~الصبر في الحزن الذي لحقك بسبب الشهداء، إلا أن يسهل ~~الله عليك. ### || [16.127-128] # قوله تعالى: { ولا تحزن عليهم }؛ أي لا تحزن على ~~الكفار إذا امتنعوا من الاستجابة لك. وقيل: لا تحزن على ~~الشهداء، فإن الله أنزلهم منازلهم في الجنة، لو رأيتهم في ~~الكرامة التي أكرمهم الله بها لغبطتهم عليها. قوله ~~تعالى: { ولا تك في ضيق مما يمكرون }؛ أي لا يضيق ~~صدرك من مكرهم، فيكون ذلك شاغلا عن ما كلفته من الدعاء إلى ~~سبيل ربك. قوله تعالى: { إن الله مع الذين ~~اتقوا والذين هم محسنون }؛ أي مع المتقين ~~المحسنين، وهم المسلمون ينصرهم ويظهرهم على الكفار ويعينهم ~~عليه. ### | [17 - سورة الإسراء] ### || [17.1] # قوله تعالى: { سبحان الذى أسرى بعبده ليلا ~~من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا الذي ~~باركنا حوله }؛ أي سبحان الذي أسرى بعبده محمد صلى الله ~~عليه وسلم في ليلة واحدة من مسجد مكة إلى مسجد بيت المقدس. # وسمي مسجد بيت المقدس المسجد الأقصى؛ لأنه لم يكن وراءه مسجد ~~يعبد الله فيه. وقيل: لأنه أبعد المساجد التي تزار، قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " أنا في المسجد الحرام في الحجر بين النائم ~~واليقظان، إذ أتاني جبريل بالبراق... " # وذكر حديث المعراج. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (أسري به من بيت ~~أم هانئ بنت أبي طالب أخت علي كرم الله وجهه، ~~والحرم كله مسجد). وعن الكلبي عن أبي صالح عن أم هانئ ~~أنها كانت تقول: (ما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلا وهو في بيت)، قال مقاتل: (كان الإسراء قبل ~~الهجرة بسنة). # قوله تعالى: { الذي باركنا حوله } صفة بيت المقدس، ~~بارك الله فيما حوله بالأشجار والأثمار والأنهار حتى لا يحتاجون ~~إلى أن يجلب إليهم من موضع آخر: وقيل: يعني { باركنا ~~حوله }: جعلناه موضعا للأنبياء عليهم السلام، وفيه ~~مهبط الملائكة، وفيه الوحي، وفيه الصخرة. قوله تعالى: { ~~لنريه من آياتنآ }؛ أي ms1197 من عجائب قدرتنا، { إنه هو ~~السميع }؛ لمقالة قريش وإنكارهم { البصير }؛ بهم وبأعمالهم. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " لما كان ليلة أسري بي وأنا بين النائم ~~واليقظان، جاءني جبريل عليه السلام وقال لي: يا ~~محمد قم، فقمت فإذا جبريل معه ميكائيل، فقال ~~لي: توضأ، فتوضأت، ثم قال لي: انطلق يا ~~محمد، فقلت: إلى أين؟ فقال: إلى ربك. فأخذ بيدي ~~وأخرجني من المسجد، فإذا بالبراق دابة فوق ~~الحمار ودون البغل، خده كخد الإنسان، وذنبه ~~كذنب البعير، وأظلافه كأظلاف البقر، وصدره ~~كأنه ياقوتة حمراء، وظهره كأنه درة ~~بيضاء، عليه رحل من رحال الجنة، خطوه منتهى ~~طرفه. فقال لي: اركب، فلما وضعت يدي عليه ~~شمس، فقال جبريل: مهلا يا براق؛ أما تستحي! ~~فوالله ما ركبك نبي أكرم على الله من هذا، هو ~~محمد صلى الله عليه وسلم. فارتعش البراق، وتصبب ~~عرقا حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم خفض ~~حتى لزق بالأرض، فركبته واستويت على ظهره. # قام جبريل نحو المسجد الأقصى يخطو مد البصر، ~~والبراق يتبعه لا يفوت أحدهما الآخر حتى أتيت ~~بيت المقدس، فإذا بالملائكة قد نزلوا من ~~السماء يتلقوني بالبشارة والكرامة من عند ~~الله، فلما وصلت باب المسجد أنزلني جبريل، ~~وربط البراق بالحلقة التي كانت تربط بها ~~الأنبياء، وكان للبراق خطام من حرير الجنة، ~~فصليت في المسجد ركعتين، والملائكة خلفي ~~صفوفا يصلون معي. # ثم أخذ جبريل بيدي، وانطلق بي إلى الصخرة فصعد ~~بي عليها. وإذا معراج أصله على صخرة بيت ~~المقدس ورأسه ملتصق بالسماء، إحدى عارضيه من ~~ياقوتة حمراء والأخرى زبرجدة خضراء، ودرجه ~~زمرد مكلل بالدر والياقوت، فاحتملني جبريل ~~حتى وضعني على جناحيه، ثم صعد بي ذلك المعراج ~~حتى وصل بي إلى السماء الدنيا. # فقرع الباب فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ~~من معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم. ففتحوا الباب ~~فدخلنا، فقالوا: مرحبا ولنعم المجيء جاء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، قال: فأتيت على آدم فسلمت ~~عليه، فقلت: يا جبريل من هذا؟ قال: أبوك آدم، ms1198 ~~فسلمت عليه فقال: مرحبا بك، بالابن الصالح ~~والنبي الصالح. # ثم انطلقنا حتى أتينا السماء الثانية، ~~فاستفتح جبريل ففتحوا لنا وقالوا: مرحبا ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم ولنعم المجيء جاء رسول ~~الله، فأتيت على عيسى ويحيى فقلت: يا جبريل من ~~هذان؟ قال: عيسى ويحيى ابنا الخالة، فسلمت ~~عليهما، فقالا: مرحبا بالأخ الصالح والنبي ~~الصالح. # ثم انطلقنا إلى السماء الثالثة فاستفتح ~~جبريل، فقالوا: من هذا؟ قال: جبريل ومعي محمد ~~صلى الله عليه وسلم، ففتحوا وقالوا: مرحبا به ولنعم ~~المجيء جاء، قال: فأتيت على يوسف عليه السلام فقال: ~~مرحبا بالأخ الصالح. # ثم أتينا السماء الرابعة فكان من الاستفتاح ~~والجواب مثل ما تقدم، فوجدت إدريس فقال لي: ~~مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح. وفي السماء ~~الخامسة وجدت هارون فقال لي كذلك، وفي السماء ~~السادسة وجدت موسى فقال لي كذلك، وفي السماء ~~السابعة وجدت إبراهيم فقال لي: مرحبا بالابن ~~الصالح والنبي الصالح. # ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، وإن نبقها مثل ~~قلال هجر، وورقها كأذان الفيلة، ورأيت أربعة ~~أنهار تجري من أصلها، فقلت يا جبريل ما هذه ~~الأنهار؟ فقال: النهران الباطنان في الجنة، ~~وأما النهران الظاهران فالنيل والفرات، وفيها ~~ملائكة لا يعلم عددهم إلا الله، ومقام جبريل ~~في وسطها، فلما انتهيت إليها فقال لي جبريل: ~~تقدم، فقلت: تقدم أنت يا جبريل! فقال: بل ~~تقدم أنت يا محمد؛ فأنت أكرم على الله مني. # قال: فتقدمت وجبريل على إثري حتى انتهائي إلى ~~حجاب من ذهب، فحركه، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل ~~ومعي محمد، فأخرج الملك يده من تحت الحجاب، ~~فاحتملني وتخلف جبريل، فقلت: إلى أين؟ فقال: ~~وما منا إلا له مقام معلوم، وإنما أذن لي في ~~الدنو من الحجاب لإكرامك وإجلالك. فانطلق بي ~~الملك في أسرع من طرفة عين إلى حجاب آخر، ~~فحركه فقال الملك: من هذا؟ فقال: هذا محمد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم معي، فأخرج يده من ~~الحجاب، فاحتملني حتى وسعني بين يديه. # فلم أزل كذلك من حجاب إلى حجاب حتى سبعين ~~حجابا، غلظ كل ms1199 حجاب مسيرة خمسمائة سنة، وما ~~بين الحجاب إلى الحجاب خمسمائة سنة، ثم ~~احتملت إلى العرش " # فانتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حيث شاء الله، ورأى من ~~العجائب والقدرة ما شاء الله. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أمرت بخمسين صلاة كل يوم، فأقبلت حتى ~~أتيت موسى، فسألني: بم أمرت؟ فقلت: بخمسين ~~صلاة، فقال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ~~ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فقال: فرجعت إلى ~~ربي فحط عني خمسا، فأقبلت حتى أتيت موسى ~~فذكرت له ذلك، فقال لي: ارجع فاسأله التخفيف ~~لأمتك، فرجعت فحط عني خمسا أخرى، فلم أزل ~~كذلك يقول لي موسى: ارجع واسأله التخفيف، وأنا ~~أرجع حتى بقيت خمس صلوات، فقال لي موسى: ~~اسأله التخفيف، فقلت له: لقد رجعت حتى ~~استحييت من ربي، فنوديت: أن قد أمضيت فريضتي ~~وخففت على عبادي وجعلت كل حسنة بعشر ~~أمثالها ". # قال ابن عباس: # " (فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر ~~الليل إلى مكة وأخبر قريشا كذبوه، ثم سألوه ~~عن صفة بيت المقدس وما كان عن يمينه حين ~~دخل، وما كان عن يساره حين خرج، وما استقبله، ~~فأخبرهم بصفاتها كلها، وقال: " مررت على عير ~~بني فلان، وهي بالروحاء وقد أضلوا بعيرا لهم ~~وهم في طلبه " قالوا: فأخبرنا عن عيرنا نحن، ~~قال: مررت بها بالتنعيم، قالوا: فما عدتها ~~وأحمالها وهيئتها؟ قال: " كذا وكذا، وفيها فلان، ~~وتقدمها جمل أورق عليه غرارتان مخيطان، ~~تطلع عليكم عند طلوع الشمس ". # قال: فخرجوا يشتدون نحو التثنية وهم يقولون: ~~لقد وصف محمد شيئا فسنكذبه، فلما أتوا ~~كداء جلسوا عليها، فجعلوا ينظرون متى تطلع ~~الشمس فيكذبوه، إذ قائل منهم يقول: هذه والله ~~الشمس قد طلعت، وقال آخر: وهذه العير قد ~~طلعت يقدمها بعير أورق، فيها فلان وفلان كما ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يؤمنوا ولم ~~يفلحوا) ". # وسعى ناس من المشركين إلى أبي بكر وقالوا: هذا ~~صاحبك يزعم أنه قد أسري به الليلة إلى الشام ~~في ليلة واحدة، ورجع قبل الصبح، قال: ms1200 (فكيف ~~لا أصدقه على ذلك؟!) قالوا: أتصدقه أنه ذهب ~~إلى الشام؟ فقال: (إن كان قال ذلك فقد صدق) ~~قالوا: أتصدقه أنه ذهب إلى الشام في ليلة ~~واحدة ورجع قبل الصبح؟ قال: (فكيف لا أصدقه ~~على ذلك) فسمي أبا بكر الصديق. وأما المشركون ~~فقالوا: ما سمعنا بهذا قط، إن هذا إلا سحر مبين. # فإن قيل إنما قال الله { أسرى بعبده ليلا من ~~المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا } فلم قلتم أسرى ~~به إلى السماء؟ قلنا: الأخبار في ذلك متواترة ظاهرة، وما ذكره في ~~سورة النجم دليل على صحة ذلك. ### || [17.2] # قوله تعالى: { وآتينآ موسى الكتاب وجعلناه هدى ~~لبني إسرائيل }؛ أي أعطينا موسى التوراة وجعلناه دلالة لبني ~~إسرائيل، { ألا تتخذوا من دوني وكيلا }؛ ربا، ولا ~~تتوكلوا على غيري، ومن قرأ { ألا تتخذوا } بالتاء، فهو على ~~الخطاب بعد الغيبة مثل # الحمد لله رب العالمين # [الفاتحة: 2] ثم قال: # إياك نعبد وإياك نستعين # [الفاتحة: 5]. ### || [17.3] # قوله تعالى: { ذرية من حملنا مع نوح إنه ~~كان عبدا شكورا }؛ أي يا ذرية من حملنا مع نوح، والناس ~~كلهم ذرية نوح، ثم اثنى على نوح فقال: { إنه كان عبدا ~~شكورا } لنعم الله، كان إذا أكل أو شرب أو اكتسى أو احتذى ~~قال: الحمد لله. ### || [17.4] # قوله تعالى: { وقضينآ إلى بني إسرائيل في ~~الكتاب }؛ أي أخبرناهم في التوراة، { لتفسدن في الأرض ~~مرتين }؛ أي لتعصن كرتين بقتل النفوس، وتخريب الديار، ~~وأخذ الأموال، { ولتعلن علوا كبيرا }؛ ولتظلمن ظلما ~~عظيما. ### || [17.5] # قوله تعالى: { فإذا جآء وعد أولاهما بعثنا ~~عليكم عبادا لنآ أولي بأس شديد }؛ أي سلطنا عليكم ~~عبادا لنا ذوي عدة في القتال، { فجاسوا خلال الديار }؛ ~~قال ابن عباس: (وهم بختنصر وأصحابه المجوس، ~~سلطهم الله على بني إسرائيل حين عصت في أول ~~الفسادين، فقتل منهم بختنصر أربعين ألفا ~~ممن كان يقرأ التوراة، ودخل ديارهم وطلبهم ~~طلبا شديدا حتى كانوا ينظرون في الأزقة ~~والبيوت، هل بقي أحد لم يقتلوه، واستأسروا ~~من بقي بعد الأربعين ألفا، ومضوا بهم إلى ~~بلادهم، فمكث الأسراء في أيديهم تسعين سنة ms1201 ~~حتى مات بختنصر). قوله تعالى: { وكان وعدا ~~مفعولا }؛ أي وعدا كائنا لا محالة. ### || [17.6] # قوله تعالى: { ثم رددنا لكم الكرة عليهم }؛ ~~أي جعلنا لكم الدولة والرجعة عليهم، { وأمددناكم بأموال ~~وبنين }؛ أي وأعطيناكم أموالا وبنين، { وجعلناكم أكثر ~~نفيرا }؛ أي أكثر عددا ينفرون إليهم. # وذلك أن رجلا من أهل الكتاب يقال له: كورش غزا أرض بابل، وهي ~~بلاد بختنصر، فظهر عليهم فقتلهم وسكن ديارهم، وتزوج امرأة ~~من بني إسرائيل أخت ملك بني إسرائيل، فطلبت من زوجها أن ~~يرد قومها إلى أرضهم ففعل، فمكث في بيت المقدس مائتين وعشرين ~~سنة، وقامت بينهم الأنبياء، ورجعوا الى أحسن ما كانوا عليه، فذلك ~~قوله تعالى: { ثم رددنا لكم الكرة عليهم }. # وعن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه ~~الآية: # " إن بني إسرائيل لما اعتدوا وقتلوا الأنبياء، ~~بعث الله عليهم ملك الروم بختنصر، فسار ~~إليهم حتى دخل بيت المقدس فحاصرهم وفتحها، ~~فقتل على دم يحيى بن زكريا أربعين ألفا - ~~وقيل: سبعين ألفا - وسبى أهلها، وسلب حلي بيت ~~المقدس، وكان سليمان ابن داود قد بناه من ذهب ~~وياقوت وزبرجد، وعموده ذهب، أعطاه الله ذلك ~~وسخر الشياطين له يأتونه بهذه الأشياء. # ثم سار بختنصر بالأسارى حتى نزل بابل فأقام ~~بنو إسرائيل في مدته سنة تتعبد المجوس ~~وأبناء المجوس، ثم إن الله تعالى رحمهم فسلط ~~ملكا من ملوك فارس يقال له كورش وكان مؤمنا، ~~فسار إليهم فاستنقذ بني إسرائيل منهم، ~~واستنقذ حلي بيت المقدس حتى رده إليه، ~~فأقام بنو إسرائيل مطيعين الله زمانا، ثم عادوا ~~إلى المعاصي، فسلط الله عليهم ملكا آخر وحرق ~~بيت المقدس وسباهم ". # قوله تعالى: # فإذا جآء وعد أولاهما # [الإسراء: 5] يعني أولى المرتين، واختلفوا فيها، فعلى قول ~~قتادة: (إفسادهم في المرة الأولى ما تركوا من ~~أحكام التوراة، وعصوا ربهم ولم يحفظوا أمر ~~نبيهم موسى، وركبوا المحارم). # وعن ابن مسعود رضي الله عنه (أن الفساد الأول قتل ~~زكريا)، وقيل: قتلهم شعيا نبي الله في ~~الشجرة، قال ابن اسحاق: (إن بعض العلماء أخبره ms1202 أن ~~زكريا مات موتا ولم يقتل، وإنما المقتول ~~شعيا). # قوله تعالى: # بعثنا عليكم عبادا لنآ # [الإسراء: 5] يعني جالوت وجنوده، وقال ابن اسحاق: (بختنصر ~~البابلي وأصحابه، أولي بأس شديد؛ أي ذوي بطش ~~شديد في الحرب، فجاسوا خلال الديار؛ أي طافوا ~~وداروا). وقال الفراء: قتلوكم بين بيوتكم، قال حسان: # ومنا الذي لاقى بسيف محمد # فجاس به الأعداء عرض العساكر # وقيل: (فجاسوا) أي طلبوا من فيها كما تجاس الأخبار. # وقوله تعالى: # فإذا جآء وعد الآخرة # [الإسراء: 7] أي المرة الآخرة، وهو قصدهم قتل عيسى حين رفع، ~~وقتلهم يحيى بن زكريا عليهما السلام، فسلط الله عليهم ~~ططوس بن استيباتيوس فارس والروم حين قتلوهم وسبوهم، ~~فذلك قوله تعالى: # ليسوءوا وجوهكم # [الإسراء: 7]. ### || [17.7] # قوله تعالى: { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم }؛ ~~أي منفعة إحسانكم راجعة إليكم، { وإن أسأتم فلها }؛ أي ~~فإلى أنفسكم، ولم يقل فإليها على جهة المقابلة للكلام الأول، ومثل ~~هذه الحروف قد تقام بعضها مقام بعض، كما في قوله تعالى: # بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 5] أي إليها. # قوله تعالى: { فإذا جآء وعد الآخرة }؛ أي وعد ~~المرة الآخرة في الفساد، { ليسوءوا وجوهكم }؛ بالقتل ~~والسبي، { وليدخلوا المسجد }؛ أي مسجد بيت المقدس، { ~~كما دخلوه }؛ دخله بختنصر وأصحابه، { أول مرة ~~وليتبروا ما علوا تتبيرا }؛ أي وليخربوا ما علوا ~~عليه تخريبا، والتبار والرماد والهلاك بمعنى واحد. # ذلك أن الله سلط عليهم بعد مائتين وعشرين سنة ططوس بن استيباتوس ~~الرومي، فحاصرهم وقتل منهم مائة ألف وثمانين، وخرب بيت ~~المقدس، وذلك بعد قتلهم يحيى عليه السلام، فلم يزل كذلك خرابا إلى ~~أن بناه المسلمون، فلم يدخله رومي بعد ذلك إلا خائفا، كما قال ~~تعالى: # أولئك ما كان لهم أن يدخلوهآ إلا خآئفين # [البقرة: 114]. # وذهب بعضهم إلى أن بختنصر غزا بني إسرائيل مرتين، ففتح ~~مدينتهم في المرة الأولى، وجاسوا خلالها يقتلون فيهم، فتابت ~~بنو إسرائيل إلى الله تعالى فأظهرهم الله تعالى على بختنصر فرد ~~عنهم، ثم بعث الله إلى بني اسرائيل (أرضيا) النبي عليه السلام، ~~فقام فيهم بوحي الله تعالى، فضربوه وقيدوه وحبسوه، فسلط الله ms1203 ~~عليهم بختنصر مرة أخرى ففعل ما فعل. ### || [17.8] # قوله تعالى: { عسى ربكم أن يرحمكم }؛ أي بعد ~~استقامة منكم، { وإن عدتم }؛ لمعصية، { عدنا }؛ إلى ~~العقوبة، قال قتادة: (فعادوا فبعث الله عليهم محمدا ~~صلى الله عليه وسلم، فعاد الله عليهم بالعقوبة ~~بإذلالهم بأخذ الجزية والقتل، فهم يعطون ~~الجزية عن يد وهم صاغرون). قوله تعالى: { ~~وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا }؛ أي محتبسا من ~~قولك: حصرته فهو محصور إذا حبسته، وقيل: فراشا ومهادا ~~تشبيها بالحصير الذي يبسط ويفرش. ### || [17.9-10] # قوله تعالى: { إن هذا القرآن يهدي للتي هي ~~أقوم }؛ أي يهدي للحالة التي هي أقوم الحالات، والطريقة التي ~~هي أصوب، وقيل: يرشد إلى الكلمة التي هي أعدل الكلمات، وهي ~~كلمة التوحيد والطاعة لله تعالى والإيمان به وبرسله. # قوله تعالى: { ويبشر المؤمنين الذين يعملون ~~الصالحات أن لهم أجرا كبيرا }؛ ثوابا عظيما وهو ~~الجنة، { وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا ~~لهم عذابا أليما }؛ أي إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~يبشرهم بعذاب أليم وهو النار. ### || [17.11] # قوله تعالى: { ويدع الإنسان بالشر دعآءه ~~بالخير }؛ أي يدعو على نفسه وعلى ولده بالسوء عند الضجر ~~والغضب، فيقول: اللهم العنه اللهم أهلكه ونحو ذلك، ~~كدعائه ربه بأن يهب له العافية والنعمة، ويرزقه السلامة في ~~نفسه وماله وولده، فلو استجاب الله له إذا دعاه باللعن والهلاك، ~~كما يستجاب له إذا دعاه بالخير لهلك، ولكن الله تعالى بفضله ~~لا يستجيب له، ونظير هذا # ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم ~~بالخير لقضي إليهم أجلهم # [يونس: 11]. # قوله تعالى: { وكان الإنسان عجولا }؛ أي عجولا في ~~الدعاء بما يكره أن يستجاب له، وقال ابن عباس: (معناه ~~ضجورا لا صبر له على السراء والضراء). وقيل: ~~أراد به آدم عليه السلام لما نفخ في الروح فبلغ إلى رجليه، ~~قصد القيام قبل أن يجري فيه الروح فسقط، فقيل له: لا تعجل). ### || [17.12] # قوله تعالى: { وجعلنا اليل والنهار آيتين }؛ أي ~~علامتين تدلان على قدرة خالقهما، { فمحونآ آية اليل ~~}؛ أي ضوء القمر، قال ابن عباس: (أراد به السواد الذي ~~في القمر، وذلك أن الله ms1204 خلق القمر أول ما خلقه ~~على صورة الشمس، وكانت شمس بالليل وشمس ~~بالنهار، وكان لا يعرف الليل من النهار، فأمر ~~الله جبريل فمسح بجناحيه شمس الليل فذهب ~~ضوءها، وبقي علامة جناحه وهو السواد الذي ~~يرونه في جوف القمر). # وقال ابن عباس رضي الله عنهما أيضا: (جعل الله نور ~~الشمس سبعين جزءا، ونور القمر سبعين جزءا، ~~فأمحي من نور القمر تسعة وستون جزءا فجعلها ~~من نور الشمس، فصار ضوء الشمس مائة وثلاثين ~~جزءا، والقمر جزءا واحدا). # قوله تعالى: { وجعلنآ آية النهار مبصرة }؛ وهي ~~الشمس مبصرة مضيئة منيرة، { لتبتغوا فضلا من ~~ربكم }؛ أي لتسكنوا بالليل، وتطلبوا معايشكم بالنهار، إلا ~~أنه حذف لتسكنوا بالليل؛ لأنه ذكره في موضع آخر، { ~~ولتعلموا عدد السنين والحساب }؛ أي جعلنا ذلك ~~لتعلموا حساب الشهور والأيام ومواقيت الصلاة والصيام والحج، ~~يعني بمحو آية الليل، { وكل شيء }؛ من الأمر والنهي والحلال ~~والحرام، { فصلناه تفصيلا }؛ أي بيناه في القرآن؛ ~~ليكون أقرب إلى معرفتكم، وبيناه تبيينا؛ لئلا يلتبس ~~بغيره. ### || [17.13] # قوله تعالى: { وكل إنسان ألزمناه طآئره في ~~عنقه }؛ أي ألزمناه عمله من خير أو شر في عنقه، فجعلنا جزاء ~~عمله لازما له، كما يقال: هذا الحق في عنق فلان وفي ذمته، قال ~~مجاهد: (مكتوب في ورقة معلقة في عنقه شقي أو ~~سعيد) روى الحكم عن مجاهد: (ما من مولود إلا وفي ~~عنقه مكتوب شقي أو سعيد). # وفي الآية تشبيه العمل بالطائر الذي يجيء من ناحية اليمين ~~فيتبرك به، والذي يجيء من ذات الشمال فيتشاءم به، وأما ~~الإضافة إلى العنق دون سائر الأعضاء؛ فلأن ما يتزين به من طوق ~~أو ما يشين من غل فإنما يضاف إلى الأعناق. # قوله تعالى: { ونخرج له يوم القيامة كتابا ~~يلقاه منشورا }؛ أي يرفع الله يوم القيامة كتابه يرى فيه ~~جزاء أعماله، قرأ الحسن ومجاهد: (ونخرج) على ما لم يسم ~~فاعله، على معنى: ونخرج له الطائر كتابا. وانتصب قوله (كتابا) ~~على الحال. # وقرأ أبو جعفر: (ويخرج) بالياء مسمى الفاعل؛ أي ويخرج له ~~الطائر يوم القيامة. وقرأ يحيى بن ms1205 وثاب (ويخرج) بضم الياء ~~وكسر الراء، المعنى: ويخرج الله له كتابا، وقرأ الحسن ومجاهد: ~~(ألزمناه طيره) بغير ألف، وقال أهل المعاني: أراد بالطائر ~~ما قضى عليه أنه فاعله، وما هو صائر إليه من شقاوة أو سعادة. ~~قوله تعالى: (يلقاه منشورا) قرأ أبو جعفر بضم الياء ~~وفتح اللام وتشديد القاف، يعني يلقى الإنسان ذلك الكتاب الذي يؤتى، ~~وقرأ الباقون بالتخفيف؛ أي يراه منشورة فيه حسناته وسيئاته. # قال ابن عباس (يعطى المؤمن كتابا بيمينه وهي ~~صحيفته، يقرأ فيها حسناته وسيئاته في بطنها: ~~عملت كذا، وقلت كذا في سنة كذا، في شهر كذا، في ~~يوم كذا، في ساعة كذا، في مكان كذا. فإذا انتهى إلى ~~أسفلها قيل له: قد غفر الله لك، إقرأ ما في ~~ظاهرها، فيقرأ حسناته فيسره ما يرى فيها، ~~ويشرق لونه عند ذلك # فيقول هآؤم اقرءوا كتبيه * إني ظننت أني ~~ملاق حسابيه # [الحاقة: 19 - 20]). # قال: (ويعطى الكافر كتابه بشماله، فيقرأ ~~حسناته في باطنها، فيجد عملت كذا في سنة كذا، ~~في شهر كذا، في يوم كذا، في ساعة كذا. فإذا انتهى ~~إلى آخرها قيل له: هذه حسناتك قد ردت عليك، ~~إقرأ ما في ظاهر كتابك، فيرى ما في ظاهر كتابه ~~كل سيئاته، كل صغيرة وكبيرة، فيسود وجهه ~~وتزرق عيناه، ويقول عند ذلك # يليتني لم أوت كتبيه * ولم أدر ما حسابيه # [الحاقة: 25 - 26]). ### || [17.14] # قوله تعالى: { اقرأ كتبك }؛ أي يقال له اقرأ ~~كتابك، قال الحسن: (يقرؤه أميا كان أو غير ~~أمي)، وقال قتادة: (يقرؤه يومئذ من لم يكن ~~قارئا). قوله تعالى: { كفى بنفسك اليوم عليك ~~حسيبا }؛ أي محاسبا، وإنما جعل محاسبا لنفسه؛ لأنه إذا رأى ~~أعماله كلها مكتوبة، ورأى خير أعماله مكتوبا لم ينقص من ثوابه ~~شيء، ولم يزد على عقابه شيء كفاه ذلك في الحساب، وكان الحسن ~~يقول: (يا ابن آدم لقد عدل عليك من جعلك لنفسك ~~حسيبا). ### || [17.15] # قوله تعالى: { من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ~~}؛ أي منفعة هدايته راجعة إليه، { ومن ضل فإنما يضل ~~عليها }؛ أي ومن ضل في الدنيا، ms1206 فإن وبال ضلاله راجع ~~إليه، { ولا تزر وازرة وزر أخرى }؛ أي لا يحمل أحد ~~حمل غيره، فلا يؤخذ بذنب غيره، { وما كنا معذبين ~~حتى نبعث رسولا }؛ إقامة للحجة، وقطعا للعذر. ### || [17.16] # قوله تعالى: { وإذآ أردنآ أن نهلك قرية ~~أمرنا مترفيها ففسقوا فيها }؛ أي إذا أردنا الحكم ~~بهلاك قرية، { أمرنا مترفيها } جبابرتها ورؤساءها ~~بالطاعة فعملوا بالمعاصي، وهذا كما يقال للرجل: أمرتك ~~فعصيتني، يعني أمرتك لتطيعني فخالفتني. # وإنما ذكر الرؤساء دون المتبوعين؛ لأن غيرهم تبع لهم، فيكون ~~الأمر لهم بالطاعة أمر للأتباع. وقرأ مجاهد وأبو رجاء (أمرنا) ~~بالتشديد؛ أي جعلنا لهم إمرة وسلطانا. وقوله تعالى: { فحق ~~عليها القول }؛ أي وجب عليها القول بالعذاب، { فدمرناها ~~تدميرا }؛ أي أهلكناها هلاكا. ### || [17.17] # قوله تعالى: { وكم أهلكنا من القرون من بعد ~~نوح }؛ أي أهلكنا قرونا كثيرة بعد نوح، قال ابن عباس: (القرن ~~مائة وعشرون سنة)، وقال المازني: (مائة سنة)، وقوله ~~تعالى: { وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا }؛ ~~ظاهر المعنى. ### || [17.18] # قوله تعالى: { من كان يريد العاجلة عجلنا له ~~فيها ما نشآء لمن نريد }؛ أي من كان همه مقصورا على ~~طلب الدنيا دون الآخرة، نحو أن يكون يريد بالجهاد الغنيمة ~~وبعمله الذي فرضه الله عليه في الدنيا ويغنمها خاصة، ~~عجلنا له في الدنيا ما نشاء من عرض الدنيا لا ما يشاء العبد، ~~ولمن يريد أن يعطيه لا لكل من يطلب، فأدخل الله تعالى في ~~إعطاء المراد من العاجلة استثناء من استثناء في العطية، واستثناء ~~في المعطين؛ لئلا يثق الطالبون للدنيا بأنهم لا محالة ~~سينالون بسعيهم ما يريدون. # قوله تعالى: { ثم جعلنا له جهنم }؛ أي بهذا الذي ~~لم يرد الله بعمله، { يصلاها }؛ أي يدخلها، { مذموما }؛ ~~بذم نفسه ويذمه الناس، { مدحورا }؛ أي مطرودا مبعدا ~~من كل خير. ### || [17.19] # قوله تعالى: { ومن أراد الآخرة وسعى لها ~~سعيها وهو مؤمن }؛ شرط الله تعالى في ذلك ثلاثة شرائط: ~~أحدها: أن يريد بعمله ثواب الآخرة بالإخلاص في النية. # والثاني: أن يسعى في العمل الذي يستحق به ثواب الآخرة. والثالث ~~أن يكون مؤمنا؛ لأنه ms1207 إذا كان كافرا لا ينتفع بشيء من عمله. # قوله تعالى: { فأولئك كان سعيهم مشكورا }؛ أي ~~تضعف لهم الحسنات، وتمحى عنهم السيئات، وترفع لهم ~~الدرجات، وقال مجاهد: (شكره أن يثبهم على طاعتهم ~~له، ويعفو عن سيئاتهم). ### || [17.20] # قوله تعالى: { كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من ~~عطآء ربك }؛ أي كل واحد من الفريقين ممن يريد الدنيا، وممن ~~يريد الآخرة نمده من رزق ربك، { وما كان عطآء }؛ رزق، { ~~ربك محظورا }؛ أي محبوسا من البر والفاجر. وفي هذا بيان ~~أن نعم الدنيا مشتركة بينهم، بخلاف نعم الآخرة التي هي ~~خاصة للمتقين، ألا ترى أن سائر نعم الله من الشمس والقمر؛ ~~والهواء والماء؛ والنبات والحيوانات؛ والأغذية والأدوية؛ وصحة ~~الجسم والعافية؛ وغير ذلك شاملة للمؤمن والكافر. ### || [17.21] # قوله تعالى: { انظر كيف فضلنا بعضهم على ~~بعض }؛ أي انظر يا محمد كيف فضلنا بعضهم على بعض في ~~الرزق في الدنيا بالمال والخدم، منهم المقل ومنهم ~~المكثر، هذا في الدنيا، { وللآخرة أكبر درجات ~~وأكبر تفضيلا }؛ أي ولدرجات الآخرة أكبر من درجات الدنيا، ~~وفضائل الآخرة وثوابها أرفع مما فضلوا في الدنيا، فينبغي أن يكون ~~سعيهم للآخرة أكثر. ### || [17.22] # قوله تعالى: { لا تجعل مع الله إلها آخر }؛ ~~قيل: إن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به كافة ~~المكلفين كما في قوله تعالى: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65]. وقيل: هو خطاب للإنسان، كأنه قال: لا تجعل ~~أيها الإنسان مع من له العطايا عاجلا وآجلا إلها آخر، { ~~فتقعد }؛ فتبقى في جهنم، { مذموما مخذولا }؛ لا ناصر ~~لك. ### || [17.23] # قوله تعالى: { وقضى ربك ألا تعبدوا إلا ~~إياه وبالوالدين إحسانا }؛ برا بهما وعطفا عليهما، ~~وقوله تعالى: { إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو ~~كلاهما }؛ أي إن عاشا عندك أيها الإنسان حتى يكبرا، وقرأ ~~حمزة والكسائي (يبلغان)؛ لأن الوالدين قد ذكر قبله. # قوله تعالى: { فلا تقل لهمآ أف }؛ تقذرا حين ترى ~~منهما شيئا من الأذى، بل أمط عنهما كما كانا يميطان عنك في حالة ~~الصغر، والأف هو وسخ الأظفار، والتف وسخ الأذن، والمعنى: ~~لا تتأذى بهما، كما لم ms1208 يكونا يتأذيان بك، قال صلى الله عليه وسلم # " لو علم الله شيئا من العقوق أدنى من أف ~~لحرمه، فليعمل العاق ما شاء أن يعمل، فلن ~~يدخل الجنة. وليعمل البار ما شاء أن يعمل، ~~فلن يدخل النار ". # قوله تعالى: { ولا تنهرهما }؛ أي لا تزجرهما بإغلاظ ~~وصياح في وجوههما، ولا تكلمهما ضجرا، { وقل لهما ~~قولا كريما }؛ أي يكون فيه كرامة لهما كقول العبد المذنب ~~للسيد الغليظ، كذا قال ابن المسيب، وقال عطاء: (لا تشتمهما ~~ولا تبكيهما، وقل لهما: يا أبتاه، يا أماه). ### || [17.24] # قوله تعالى: { واخفض لهما جناح الذل من ~~الرحمة }؛ أي وكن لهما متضرعا متذللا، فإن خفض ~~الجناح عبارة عن الخضوع، والمبالغة في التذلل والتواضع، وعن ~~عطاء أنه قال: (جناحك يدك، فلا ينبغي لك أن ترفع ~~يديك عند أبويك، ولا أن تحد بصرك عليهما ~~تعظيما لهما). # وعن عروة بن الزبير قال: (ما أبر والده من أحد ~~النظر إليه). وقيل: خفض الجناح عبارة عن السكون، قرأ ~~الحسن وسعيد بن جبير وعاصم: (جناح الذل) بكسر الذال؛ أي لا ~~تستصعب معهما. # قوله تعالى: { وقل رب ارحمهما كما ربياني ~~صغيرا }؛ وهذا أمر بالدعاء لهما بالرحمة والمغفرة إذا كانا ~~مسلمين، والمعنى: رب ارحمهما مثل رحمتهما أياي في صغري حتى ~~ربياني، وقال قتادة: (هكذا علمتم، بهذا أمرتم). # قال صلى الله عليه وسلم: # " رضا الله مع رضا الوالدين، وسخط الله مع سخط ~~الوالدين " # ، وقال صلى الله عليه وسلم: # " " من أمسى مرضيا لوالديه وأصبح، أصبح له ~~بابان مفتوحان إلى الجنة، وإن كان واحدا فواحد. ~~ومن أمسى مسخطا لوالديه وأصبح، أصبح له بابان ~~مفتوحان إلى النار، وإن كان واحدا فواحد " فقال ~~رجل: يا رسول الله فإن ظلماه؟ قال: " وإن ظلماه؛ ~~وإن ظلماه؛ وإن ظلماه " ثلاث مرات ". ### || [17.25] # قوله تعالى: { ربكم أعلم بما في نفوسكم }؛ أي ~~هو أعلم بما في قلوبكم من الرحمة عليهما، والمعنى: ربكم أعلم بما ~~تضمرون من البر والعقوق، فمن ندرت منه نادرة وهو لا يضمر ~~عقوقا غفر الله له ذلك. قوله تعالى: { إن تكونوا ~~صالحين }؛ أي إن ms1209 تكونوا مطيعين لله تعالى، { فإنه كان ~~للأوابين غفورا }؛ أي للراجعين من الذنوب إلى طاعة الله، ~~النادمين على المعاصي والزلات. والأواب: هو الذي يتوب مرة ~~بعد مرة، كلما أذنب بادر إلى التوبة. وعن مجاهد: (أن الأواب: ~~هو الذي يذكر ذنبه في الخلاء فيستغفر منه). ### || [17.26-27] # قوله تعالى: { وآت ذا القربى حقه }؛ قال ابن ~~عباس: (أراد بذي القربى قرابة الإنسان، وحقه ما ~~يصل به رحمه). وقال بعضهم: أراد به قرابة النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وحقهم هو الحق الذي يجب لهم من الخمس. والتأويل ~~الأول أقرب إلى ظاهر الآية؛ لأن ذكر القرابة معطوف على ذكر ~~الوالدين، وذلك عام في جميع الناس. قوله تعالى: { ~~والمسكين وابن السبيل }؛ أي وآت المسكين وابن السبيل ~~حقهم الذي وجب لهم من الزكاة والعشر وغيرهما. # قوله تعالى: { ولا تبذر تبذيرا }؛ التبذير: تفريق ~~المال في المعصية، قال مجاهد: (لو أنفق درهما أو مدا في ~~معصية الله تعالى كان مبذرا، ولو أنفق في مثل ~~أبي قبيس في طاعة الله تعالى لم يكن مبذرا). ~~قوله تعالى: { إن المبذرين كانوا إخوان ~~الشياطين }؛ أي أتباع الشياطين، يتبعونهم ويجرون على ~~سننهم، وقيل: يقرنون بالشياطين في النار، { وكان ~~الشيطان لربه كفورا }. ### || [17.28] # قوله تعالى: { وإما تعرضن عنهم ابتغآء ~~رحمة من ربك ترجوها }؛ معناه: إن أعرضت عن هؤلاء الذين ~~أوصيناك بهم من ذوي القربى والمساكين انتظار رزق يأتيك من الله ~~تعالى؛ لأنك لا تجد ما تصلهم، وكنت منتظرا لرزق ربك ترجوه من ~~الله لتعطيهم منه، { فقل لهم }؛ عند ذلك، { قولا ~~ميسورا }؛ سهلا لينا، نحو أن تعدهم عدة حسنة وبقول: ~~افعل؛ وكرامة ليس عندي اليوم شيء، وسوف أعطيكم؛ وأقضي حقكم ~~إذا ادركت الغلة، ووصل إلي مالي الذي في موضع كذا. أو تقول: ~~يرزقنا الله وإياكم من فضله. ### || [17.29] # قوله تعالى: { ولا تجعل يدك مغلولة إلى ~~عنقك }؛ أي تبخل بالمنع من حقوقهم الواجبة لهم، ومراده: الذي ~~يترك الإنفاق يكون بمنزلة من غلت يداه إلى عنقه، فلا يعطي ~~من ماله شيئا في الخير، وسمي البخل بمثل هذه الصفات، يقولون: ms1210 ~~فلان قصير الباع، وإذا كان كريما قالوا: طويل الباع، وقال صلى ~~الله عليه وسلم لنسائه: # " أسرعكن لحاقا أطولكن يدا " # فكانت زينب بنت جحش؛ لأنها كانت أكثرهن ~~صدقة. # قوله تعالى: { ولا تبسطها كل البسط }؛ أي لا ~~تخرج جميع ما في يدك مع حاجتك وحاجة عيالك إليه، { فتقعد ~~ملوما محسورا }؛ ذا حسرة تلوم نفسك وتلام، وتبقى ~~الحسرة على ما تخرجه من يدك، والحسرة: الغم لانحسار ما ~~فات، وحسر عن ذراعه يحسر حسرا إذا كشف عنه. # وقد قيل: إن المراد بالخطاب في هذه الآية غير النبي صلى الله ~~عليه وسلم؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يدخر شيئا لغد، وكان ~~يجوع حتى يشد الحجر على بطنه، وقد كان كثير من فضلاء الصحابة ~~رضي الله عنهم ينفقون جميع أملاكهم في سبيل الله تعالى، ~~مثل ما فعله أبو بكر رضي الله عنه حتى يبقى في عباءة، فلم ~~يعنفهم النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينكر عليهم لصحة ~~يقينهم وشدة بصائرهم. # وإنما نهى الله تعالى عن الإفراط في الإنفاق من خيف عليه ~~الحسرة على ما يخرجه من يده، كما روي: # " أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل بيضة ~~من ذهب، فقال: وجدتها في معدن كذا ولا أملك ~~غيرها، فتصدق بها، فأخذها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ورماه بها حتى لو أصابه بها لشجه، ثم قال: ~~" إن أحدكم ليتصدق بجميع ماله، ثم يقعد ~~يتكفف الناس " # ومن الدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن داخلا في هذا ~~الخطاب: أن الله تعالى قال { ملوما محسورا } ومعلوم أنه صلى ~~الله عليه وسلم لم يكن يتحسر على ما كان يملكه. # وذهب بعض المفسرين إلى أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~وأن سبب نزول هذه الآية ما روي: # " أن امرأة بعثت ابنها إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالت له: قل: إن أمي تستكسيك درعا، فإن قال ~~لك حتى يأتينا شيء، فقل له: فإنها تستكسيك ~~قميصك، ففعل الابن كما قالت أمه، فنزع النبي ~~صلى ms1211 الله عليه وسلم قميصه ودفعه إليه، ولم يبق له ~~قميص يخرج فيه إلى الصلاة " # ، فنزلت هذه الآية بما فيها من الدلالة بالنهي عن الإمساك، فيكون ~~التحسر على هذا القول لتأخر خروجه إلى الصلاة بسبب القميص. ### || [17.30] # قوله تعالى: { إن ربك يبسط الرزق لمن يشآء ~~ويقدر }؛ أي يوسع الرزق لمن يشاء، ويضيق على من يشاء، على ~~ما يرى فيه المصلحة، { إنه كان بعباده خبيرا بصيرا }؛ ~~وهذا كما قال الله تعالى: # ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ~~ولكن # [الشورى: 27]. ### || [17.31] # قوله تعالى: { ولا تقتلوا أولادكم خشية ~~إملاق }؛ أي خشية الفقر والإقتار، { نحن نرزقهم ~~وإياكم }؛ نزل في جماعة كانوا يدفنون بناتهم خشية الفاقة، ~~ولئلا يحتاجوا إلى النفقة عليهم، وكان ذلك مستفيضا شائعا بينهم ~~وهي الموءودة التي ذكرها الله تعالى في قوله # وإذا الموءودة سئلت # [التكوير: 8]. # وقوله تعالى: { نحن نرزقهم وإياكم } أي إن رزقكم ~~ورزق بناتكم على الله، وإن كان لسبب يجري على أيديكم، فإن الله ~~تعالى لو لم يقوكم على الاكتساب ولم يمكنكم من تحصيل النفقة ~~لم تتمكنوا من تحصيل. # قوله تعالى: { إن قتلهم كان خطئا كبيرا }؛ أي ~~إن دفنهم أحياء كان ذنبا عظيما في العقوبة، يقال: خطأ الرجل ~~يخطأ خطأ مثل أثم يأثم إثما، وقرأ ابن عامر (خطأ) بفتح ~~الخاء على أنه مصدر أخطأ، فيكون المعنى على هذا أن قتلهم كان ~~غير صواب. ### || [17.32] # قوله تعالى: { ولا تقربوا الزنى إنه كان ~~فاحشة }؛ الفاحشة ما تفاحش قبحه وتعظم، فكان الزنى ~~قبيحا في الفعل قبل ورود السمع؛ لأن فيه قطع الأنساب وما يتعلق ~~به من المحرمات، وإبطال حق الولد على الوالد. # قال صلى الله عليه وسلم: # " وفي الزنى ست خصال: ثلاث في الدنيا، وثلاث في ~~الآخرة. فأما اللواتي في الدنيا: فيذهب نور ~~الوجه ويقطع الرزق ويسرع الفناء. وأما ~~اللواتي في الآخرة: فغضب الرب وسوء الحساب ~~والدخول في النار " # ، قوله تعالى: { وسآء سبيلا }؛ أي بئس الزنى طريقا ~~لمن يسلكه. ### || [17.33] # قوله تعالى: { ولا تقتلوا النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق }؛ أي لا تقتلوا ms1212 النفس التي حرم الله ~~قتلها إلا بحق تستحق قتلها به، وهو أن يقتل نفسا بغير ~~حق، أو يزني وهو محصن، أو يرتد عن الإسلام. # قوله تعالى: { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا ~~لوليه سلطانا }؛ أي من قتل بغير حق، فقد جعلنا لوارثه ~~حجة في كتاب الله تعالى في إيجاب القود على القاتل، وعن ابن ~~عباس أنه قال: (المراد بهذا السلطان: أن للولي أن ~~يقتل إن شاء، أو أخذ الدية، أو عفى). ويجوز أن يكون ~~المراد بالسلطان السلطان الذي يلي الأمر والنهي يجب عليه أن ~~يعين ولي القتيل حتى يطلب قاتله. # قوله تعالى: { فلا يسرف في القتل }؛ السرف: أن ~~يقتل غير القاتل كما يفعله العرب. وقيل: معناه: ولا ~~تمثلوا بالقاتل في القتل. قوله تعالى: { إنه كان ~~منصورا }؛ يعني ولي المقتول، حكم الله له بذلك، وأمر ~~المؤمنين أن يعينوه، ويجب أيضا على الإمام أن يدفع إليه القاتل. ~~ويقال: معناه: إن المقتول كان منصورا بالثواب وبإيجاب القصاص ~~لوليه، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن من أعتى الناس على الله ثلاثة: رجل قتل ~~غير قاتله، أو قتل بدخن في الجاهلية، أو قتل ~~في حرم الله ". ### || [17.34] # قوله تعالى: { ولا تقربوا مال اليتيم إلا ~~بالتي هي أحسن }؛ أي إلا بما يؤدي إلى حفظه وصيانته ~~وتمييزه، وإنما خص اليتيم بذلك؛ لأن الطمع في ماله أكثر، وهو ~~إلى الحفظ أحوج لعجزه عن حفظه بنفسه. قوله تعالى: { ~~حتى يبلغ أشده }؛ أي حتى يكمل ثماني عشرة سنة. ~~وقيل: معناه: حتى يبلغ وقت الحلم ويكمل عقله. # قوله تعالى: { وأوفوا بالعهد إن العهد كان ~~مسؤولا }؛ أي وأوفوا بعهد الله إليكم في أموال اليتامى، وكل ~~ما أمر الله به ونهى عنه فهو من العهد، { إن العهد كان ~~مسؤولا } عنه للجزاء، فحذف استكفاء بدلالة الحال. ### || [17.35] # قوله تعالى: { وأوفوا الكيل إذا كلتم }؛ أي ~~أتموه ولا تبخسوه، { وزنوا بالقسطاس المستقيم }؛ ~~أي بميزان العدل، قرأ أهل الكوفة (بالقسطاس) بكسر القاف وهما ~~لغتان. قوله تعالى: { ذلك خير وأحسن تأويلا }؛ أي ~~ذلك الذي أمرتكم ms1213 به خير لكم وأحسن عاقبة، والتأويل: هو الذي ~~إليه مرجع الشيء من قولهم آليؤول. ### || [17.36] # قوله تعالى: { ولا تقف ما ليس لك به علم }؛ أي ~~لا تقل ما ليس لك به علم، وقال قتادة: (لا تقل: سمعت ~~ورأيت، ولم تر ولم تسمع، وعلمت ولم تعلم). # والقفو في اللغة: اتباع الأمر كأنه يتبع الأثر، ومنه ~~القيافة، كانت العرب يتبعون فيها أثر الآباء، ويقول: قفوت ~~الشيء أقفوه؛ إذا اتبعت أثره، والمعنى على هذا: لا ~~تتبعن لسانك من القول ما ليس لك به علم. # قوله تعالى: { إن السمع والبصر والفؤاد }؛ يعني ~~إن المرء مسؤول يوم القيامة عما يفعله بهذه الجوارح من ~~الاستماع لما لا يحل، والنظر الى ما لا يجوز، والارادة لما ~~يقبح. قوله تعالى: { كل أولئك كان عنه ~~مسؤولا }؛ أي كل هذه الجوارج والأعضاء، ولم يقل تلك، قال ~~الشاعر: # ذم المنازل بعد منزلة اللوى # والعيش بعد أولئك الأيام # ويجوز أن يكون راجعا إلى أصحابها وأربابها. ### || [17.37] # قوله تعالى: { ولا تمش في الأرض مرحا }؛ أي بطرا ~~وكبرا وخيلاء، والمرح: شدة الفرح، { إنك لن ~~تخرق الأرض }؛ بقدميك وكبرك، { ولن تبلغ الجبال ~~}؛ بعظمتك، { طولا }؛ أي لا تطاول الجبال فاستقصر نفسك ~~عندما ترى من سعة الأرض وبسطها وعظم الجبال وطولها. من قرأ ~~(مرحا) بنصب الراء فهو المصدر، ومن قرأ بكسر الراء فهو اسم ~~الفاعل. ### || [17.38] # قوله تعالى: { كل ذلك كان سيئه عند ربك ~~مكروها }؛ أي كل ما تقدم من قوله تعالى # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق # [الإسراء: 31] إلى هذا الموضع كان سيئة لا حسنة فيه، وهذا على ~~قراءة من قرأ (سيئة) بالنصب، وقرأ ابن عامر والكوفيون ~~(سيئه عند ربك) على الإضافة بمعنى: هذا الذي ذكرته من قوله ~~تعالى # وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه # [الإسراء: 23] إلى هذه الآية ذكر الحسن، والسيء وقوله تعالى { ~~مكروها } على قراءة من قرأ سيئة بالنصب بدل من سيئه. ### || [17.39] # قوله تعالى: { ذلك ممآ أوحى إليك ربك من ~~الحكمة }؛ أي ذلك الذي سبق ذكره من هذه الأشياء مما أوحى إليك ~~ربك من ms1214 صواب القول والعمل، { ولا تجعل مع الله إلها ~~آخر }؛ هذا خطاب لكل مؤمن، كأنه قال: ولا تجعل أيها ~~الإنسان، { فتلقى في جهنم ملوما }؛ تلوم نفسك، { ~~مدحورا }؛ أي مطرودا من رحمة الله تعالى. # قال الكلبي وابن عباس: (هذه الثماني عشرة آية من ~~قوله تعالى: { ولا تجعل مع الله إلها آخر... } ~~إلى قوله تعالى: # كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها # [الإسراء: 38] كانت في ألواح موسى عليه السلام حين كتبها ~~الله له، وقد أنزلها على محمد صلى الله عليه وسلم ~~وهي في الكتب كلها موجودة لم تنسخ قط). ### || [17.40] # قوله تعالى: { أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ ~~من الملائكة إناثا }؛ خطاب للمشركين الذين زعموا أن ~~الملائكة بنات الله منكرا عليهم، تعالى الله عن ذلك علوا ~~كبيرا، والمعنى: أفحكم لكم ربكم بالبنين، فأخلص لكم البنين دونه ~~وجعل البنات مشتركة بينكم وبينه، فأخلصكم بالأجل وجعل لنفسه ~~الأدون، ولا يكون هذا من الحكمة أن يخص الحكيم عدوه ~~بالأشرف ويختار لنفسه الأدون. قوله تعالى: { إنكم ~~لتقولون قولا عظيما }؛ في الكفر والفرية على الله ~~تعالى. ### || [17.41] # قوله تعالى: { ولقد صرفنا في هذا القرآن ~~ليذكروا }؛ أي بينا في هذا القرآن من الأمثال والعبر ~~ليتعظوا بها، { وما يزيدهم }؛ تصريف الأمثال، { إلا ~~نفورا }؛ أي تباعدا عن الإيمان. قرأ الأعمش وحمزة ~~(ليذكروا) مخففا. ### || [17.42] # قوله تعالى: { قل لو كان معه آلهة كما يقولون ~~إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا }؛ أي قل لهم يا ~~محمد: لو كان مع الله آلهة كما تقولون أنتم إذا لطلبوا ~~ما يفرقهم إلى مالك العرش لعلوه عليهم وكونه أفضل منهم، ~~وهذا قول مجاهد. وذهب أكثر المفسرين إلى أن المعنى: لطلبوا ~~مغالبته، وابتغوا طريقا ليقهروه، كفعل الملوك ~~يطلب كل واحد مغالبة صاحبه ليصفو له الملك. ~~وقرأ ابن كثير (كما يقولون) بالياء على معنى: كما يقول ~~المشركون. ### || [17.43] # قوله تعالى: { سبحانه وتعالى عما يقولون ~~علوا كبيرا }؛ قرأ الأعمش وحمزة والكسائي (عما تقولون) ~~بالتاء، وقرأ الباقون بالياء. ومعنى الآية: تنزيها لله عن كل ~~ما لا يليق به من الولد والشريك؛ أي يرفع ms1215 عما يقولون من ~~إضافة البنات إلى الله تعالى. وقوله تعالى { علوا كبيرا } أي ~~تعظيما كبيرا، ولم يقل تعاليا؛ لأن المصدر قد يذكر لا على ~~لفظ الأول كما في قوله تعالى: # وتبتل إليه تبتيلا # [المزمل: 8]. ### || [17.44] # قوله تعالى: { تسبح له السموت السبع ~~والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح ~~بحمده }؛ قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي بالتاء، وقرأ غيرهم ~~بالياء. قال إبراهيم النخعي وجماعة من المفسرين: (إن كل ~~شيء سبح لله حتى صرير الباب)، ولهذا قال الله ~~تعالى: { ولكن لا تفقهون تسبيحهم }؛ أي لا ~~تعلمون، قال الحسن والضحاك: (يعني كل شيء فيه ~~الروح)، وقال قتادة: (يعني الحيوانات)، وقال عكرمة: ~~(والشجر يسبح والاسطوانة تسبح). # وقيل: إن التراب يسبح ما دام يابسا، فإذا ابتل ترك ~~التسبيح! وإن الماء يسبح ما دام جاريا، فإذا ركد ترك ~~التسبيح! وإن الورق ما دام على الشجر يسبح، فإذا سقط ترك ~~التسبيح! وإن الثوب يسبح ما دام جديدا، فإذا توسخ ترك ~~التسبيح! وإن الوحش إذا صاحت سبحت، فإذا سكتت تركت ~~التسبيح. # وعن أنس رضي الله عنه قال: # " كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ كفا من ~~حصى فسبح في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~سمعنا التسبيح، فصبهن في أيدينا فما سبحن في ~~أيدينا " # قوله تعالى: { إنه كان حليما غفورا }؛ أي حليما لا ~~يعجل بعقاب الكفار، غفورا يستر الذنوب على عباده. ### || [17.45-46] # قوله تعالى: { وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك ~~وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا }؛ ~~نزل في قوم من المشركين كادوا يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم إذا ~~قرأ القرآن، قال الكلبي: (هم أبو سفيان والنضر بن ~~الحرث وأبو جهل وأم جميل امرأة أبي لهب، حجب ~~الله رسوله عن أبصارهم عند قراءة القرآن، ~~وكانوا يأتونه ويمرون به ولا يرونه) # وعن سعيد بن جبير قال: # " لما نزلت { تبت يدآ أبي لهب وتب } جاءت ~~امرأة أبي لهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه ~~أبو بكر، فقال: يا رسول الله لو تجنبت عن امرأة ms1216 ~~أبي لهب لئلا تسمعك، فإنها امرأة ندية، فقال ~~صلى الله عليه وسلم: " إنه سيحال بيني وبينها " ~~فجاءت أم جميل ولها ولولة وفي يدها فهر، ~~وهي تقول: هذا مما أبينا ودينه قلينا وأمره ~~عصينا. # ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس وأبو بكر إلى ~~جنبه. فقال أبو بكر رضي الله عنه: لقد أقبلت هذه ~~وأنا أخاف أن تراك يا رسول الله، قال: إنها لن ~~تراني، وقرأ { وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك ~~وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا }. ~~قال: فجاءت حتى قامت عند أبي بكر ولم تر ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا أبا بكر بلغني أن ~~صاحبك هجاني، فقال: لا ورب البيت ما هجاك، ~~فاندفعت راجعة، فقال أبو بكر: يا رسول الله أما ~~رأتك؟ قال: " لا ". قال: لم؟ قال: " نزل ملك بيني ~~وبينها يسترني حتى ذهبت " ". # قوله تعالى: { حجابا مستورا } أي ساترا لهم عن ~~إدراكه. قوله تعالى: { وجعلنا على قلوبهم أكنة ~~أن يفقهوه }؛ أي منعناهم عن تدبر كلام النبي صلى الله عليه ~~وسلم في وقت مخصوص، وهو الوقت الذي أرادوا إيذاءه فيه، { وفي ~~ءاذانهم وقرا }؛ ففي ذلك الوقت صرفنا آذانهم عن الاستماع ~~إليه، والمعنى: طبعنا على قلوبهم. # قوله تعالى: { وإذا ذكرت ربك في القرءان ~~وحده }؛ يعني إذا قلت: لا إله إلا الله، وأنت تتلو ~~القرآن، { ولوا على أدبرهم نفورا } ، قال ابن ~~عباس: (كارهين أن يوحدوا الله)، وقال قتادة: # " إن النبي صلى الله عليه وسلم لما قال: لا إله إلا ~~الله، أنكر ذلك المشركون، وكبر عليهم " # والمعنى: انصرفوا عنك هاربين؛ كراهة لما يسمعونه من توحيد الله. ### || [17.47] # قوله تعالى: { نحن أعلم بما يستمعون به إذ ~~يستمعون إليك }؛ أي نحن أعلم بما يستمعون إليه من قراءة ~~القرآن، أنهم لماذا يستمعون وأن قصدهم به الأذى دون طلب الحق، ~~فيسمعون إلى قراءتك، { وإذ هم نجوى }؛ في أمرك ~~يتناجون، فيقول بعضهم: هذا كاهن، ويقول بعضهم: هذا ساحر، ويقول ~~بعضهم: هذا مجنون، ويقول بعضهم: هذا شاعر. # وقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ms1217 عليا رضي الله ~~عنه أن يتخذ طعاما، فيدعو إليه أشراف قريش من المشركين، ففعل ~~ذلك، ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرأ عليهم القرآن، ودعاهم ~~إلى التوحيد، فكانوا يستمعون ويقولون فيما بينهم متناجين: هو ~~ساحر، وهو مجنون مسحور. # فأخبر الله تعالى نبيه بذلك، وأنزل عليه { نحن أعلم ~~بما يستمعون به إذ يستمعون إليك وإذ هم ~~نجوى } أي يتناجون بينهم بالتكذيب والاستهزاء، { إذ يقول ~~الظالمون }؛ أي أولئك المشركون: { إن تتبعون إلا ~~رجلا مسحورا } أي مغلوب العقل قد سحر، وأزيل عن حد ~~الاستواء. ### || [17.48] # قوله تعالى: { انظر كيف ضربوا لك الأمثال }؛ أي ~~كيف وصفوا لك الأشباه، فشبهوك بالمجنون والكاهن والساحر، { ~~فضلوا }؛ عن الحق، { فلا يستطيعون سبيلا }؛ مخرجا ~~عن الضلال إلى الهدى. ### || [17.49] # قوله تعالى: { وقالوا أءذا كنا عظاما ورفاتا ~~}؛ أي إذا صرنا عظاما بالية وصرنا ترابا، { أءنا ~~لمبعوثون }؛ لنبعث بعد ذلك؛ { خلقا جديدا }؛أي ~~أنبعث بعد ذلك؟ وهذا استفهام إنكار وتعجب منهم. والرفات ~~في اللغة: كل شيء يحطم ويكسر، قال ابن عباس: (يقولون: ~~إذا ذهب اللحم والعروق وتفتت عظام قد بلت، ~~فإذا مسيته بين يديك انسحق، أنبعث بعد ذلك). ### || [17.50-52] # قوله تعالى: { قل كونوا حجارة أو حديدا }؛ أي قل ~~لهم يا محمد: كونوا حجارة إن قدرتم عليها، أو أشد منها بأن ~~تكونوا حديدا، أو أقوى من الحديد؛ { أو خلقا مما يكبر ~~في صدوركم }؛ أو أي شيء من الخلق نحو السماوات والأرض ~~والجبال، فإني أعيدكم لا محالة إلى ما كنتم عليه من قبل. # قوله تعالى: { فسيقولون من يعيدنا } أي إذا قلت ~~لهم ذلك فسيقولون لك: من يعيدنا؟ { قل }؛ لهم: يعيدكم، { ~~الذي فطركم أول مرة }؛ لأن من قدر على البناء كان ~~على الهدم أقدر، ومن قدر على ابتداء الشيء كان على إعادته أقدر. # قوله: { فسينغضون إليك رؤوسهم }؛ أي فسيحركون إليك ~~رؤوسهم تعجبا لقولك، والإنغاض: تحرك الرأس بالارتفاع ~~والانخفاض على جهة الاستهزاء والاستبطاء، { ويقولون متى هو ~~}؛ أي متى تكون الإعادة، { قل عسى أن يكون قريبا }؛ أي قل ~~عسى أن تكون الإعادة قريبة، و(عسى) من ms1218 الله واجبة، { يوم ~~يدعوكم فتستجيبون بحمده }؛ في النفخة الثانية، ~~فتجيبون داعي الله حامدين لله، قال سعيد بن جبير: (يخرجون ~~من قبورهم يقولون: سبحانك وبحمدك، ولا ~~ينفعهم في ذلك اليوم؛ لأنهم حمدوا حين لا ~~ينفعهم الحمد). # قوله: { وتظنون إن لبثتم إلا قليلا }؛ أي تظنون ~~أنكم لم تلبثوا في الدنيا إلا قليلا لسرعة انقلاب الدنيا إلى ~~الآخرة، كما قال الحسن: (كأنك بالدنيا ولم تكن ~~وبالآخرة ولم تزل). # ومن المفسرين من قال: هذه الآية خطاب للمؤمنين؛ لأنهم ~~يستجيبون لله بحمده على إحسانه إليهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " كأني بأهل لا إله إلا الله وهم ينفضون ~~التراب عن رؤوسهم ويقولون: الحمد لله الذي ~~أذهب عنا الحزن ". ### || [17.53] # قوله تعالى: { وقل لعبادي يقولوا التي هي ~~أحسن }؛ وذلك # " أن المشركين كانوا يؤذون الصحابة رضي الله عنهم ~~بالقول والفعل بمكة، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وقالوا: يا رسول الله ائذن لنا في قتالهم، فقال: " ~~إني لم أؤمر فيهم بشيء " " # وكان ذلك قبل أن يؤمر بالجهاد. # والمعنى: قل للمؤمنين يقولون للكفار، والمقالة التي هي أحسن من ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على وجه الرفق، ويقولون لهم: ~~يهديكم الله. قوله تعالى: { إن الشيطان ينزغ ~~بينهم }؛ أي يغري المشركين على المسلمين، فيوقع العداوة بينهم ~~ويفسد نيتهم، { إن الشيطان كان للإنسان عدوا ~~مبينا }؛ مظهرا للعداوة. ### || [17.54] # قوله تعالى: { ربكم أعلم بكم }؛ أي بأحوالكم، { ~~إن يشأ يرحمكم }؛ بأن ينجيكم من كفار مكة وينصركم ~~عليهم، { أو إن يشأ يعذبكم }؛ أي يسلطهم عليكم، { ومآ ~~أرسلناك عليهم وكيلا }؛ أي حفيظا وكفيلا؛ أي ما وكل ~~إليك إيمانهم، إن شاء الله تعالى هداهم، وإن شاء خذلهم. ### || [17.55] # قوله تعالى: { وربك أعلم بمن في السموت ~~والأرض }؛ لأنه خلقهم فهدى بعضهم وأضل بعضهم على علم منه بهم، ~~لم يختر بعض الملائكة والأنبياء لميله إليهم، وإنما أختارهم ~~لعلمه بباطنهم، وقوله تعالى: { ولقد فضلنا بعض ~~النبيين على بعض }. # قال قتادة: (اتخذ الله إبراهيم خليلا، وكلم الله ~~موسى تكليما، وجعل عيسى كلمته وروحه، وآتى ~~سليمان ملكا ms1219 لا ينبغي لأحد، وغفر لمحمد ما ~~تقدم من ذنبه وما تأخر). قوله تعالى: { ~~وآتينا داوود زبورا }؛ يعني كتابه الذي أعطاه إياه، وهو ~~مائة وخمسون سورة، ليس فيها حكم ولا فريضة، وإنما هو ثناء على ~~الله تعالى. ### || [17.56] # قوله تعالى: { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه ~~}؛ أي قال المفسرون: ابتلى الله كفار مكة بالقحط سنين، فشكوا ~~ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله هذه الآية؛ أي ~~قل للمشركين: ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة، { فلا يملكون ~~كشف الضر }؛ أي البؤس والشدة، { عنكم ولا تحويلا ~~} التحويل: النقل من حال الى حال. ### || [17.57] # قوله تعالى: { أولئك الذين يدعون يبتغون ~~إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب }؛ معناه: أولئك ~~الذين يدعون إلى الله في طلب الجنة، ويطلبون التقرب إليه، فكيف ~~تعبدونهم أنتم. والوسيلة: القربة إلى الله تعالى. # قوله تعالى: { أيهم أقرب } أي أقرب إلى الله ~~بالوسيلة، يعني يتقربون إليه بالعمل الصالح، وعن ابن مسعود في ~~تفسير هذه الآية: (أن قوما من الإنس كانوا يعبدون ~~قوما من الجن، فأسلم الجن وبقي الإنس على ~~كفرهم، فأنزل الله هذه الآية). # وقوله تعالى: { يبتغون إلى ربهم الوسيلة } أي ~~يطلبون أن يعلموا أيهم أقرب إلى الله. قوله تعالى: { ~~ويرجون رحمته }؛ أي يريدون جنته، { ويخافون ~~عذابه إن عذاب ربك كان محذورا }؛ أي مما يجب أن ~~يحذر عنه. ### || [17.58] # قوله تعالى: { وإن من قرية إلا نحن مهلكوها ~~قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا }؛ ~~يعني بالموت أو معذبوها بعذاب الاستئصال، ومعنى { وإن من قرية ~~}: وما من قرية قال ابن مسعود: (إذا ظهر الزنى والربا في ~~قرية أذن الله في هلاكها)، وقال مقاتل: (أما الصالحة ~~فبالموت، وأما الطالحة فبالعذاب). # قوله تعالى: { كان ذلك في الكتاب مسطورا }؛ أي ~~قضاء من الله، كما يسمعون ليس منه بد، وقيل: كان ذلك في ~~اللوح المحفوظ مكتوبا، فإنه مكتوب فيه كيف يهلكهم الله، ومتى ~~يهلكهم، وبأي عذاب يهلكهم. ### || [17.59] # قوله تعالى: { وما منعنآ أن نرسل بالآيات إلا ~~أن كذب بها الأولون }؛ وذلك أن قريشا قالت للنبي صلى ms1220 ~~الله عليه وسلم: حول لنا الصفا ذهبا، ونح الجبال ~~عنا لننفسح، فأنزل الله هذه الآية؛ أي إن حولته ~~فلم يؤمنوا لم أمهلهم لسنتي في من قبلهم. # وموضع (أن) الأولى نصب بتكذيب الأولين برفع المنع عليه، وموضع ~~(أن) الثانية رفع تقديره: وما منعنا الإرسال بالآيات إلا تكذيب ~~الأولين بها، وهذا اللفظ أغنى عن لفظ المنع على طريق المجاز؛ لأن ~~المنع لا يجوز على الله تعالى. # قوله تعالى: { وآتينا ثمود الناقة مبصرة }؛ أي ~~أخرجنا لثمود الناقة ليبصروا بها الهدى من الضلالة، والسعادة ~~من الشقاوة، { فظلموا بها }؛ أي جحدوا بها وعقروها. ~~قوله تعالى: { وما نرسل بالآيات إلا تخويفا }؛ أي ~~العبر والدلالات إلا تخويفا للعباد ليؤمنوا، فإذا لم ~~يفعلوا عذبوا. # قال قتادة: (يخوف الله الخلق بما شاء من آية ~~لعلهم يعتبرون أو يرجعون، ذكر لنا أن الكوفة ~~رجفت على عهد عبدالله بن مسعود فقال: يا أيها ~~الناس إن الله يستعتبكم فاعتبوه). وعن الحسن في ~~قوله: { وما نرسل بالآيات إلا تخويفا } قال: (الموت ~~الذريع). ### || [17.60] # قوله تعالى: { وإذ قلنا لك إن ربك أحاط ~~بالناس }؛ علما وقدرة فهم في قبضته لا يقدرون على الخروج عن ~~مشيئته، وهو مانعك منهم وحافظك، فلا تتهيب وتخاف منهم، وامض ~~بما أمرت به من تبليغ الرسالة، وقال مقاتل: (معناه: أحاط ~~بالناس؛ أي أهل مكة أنها ستفتح لك). # قوله تعالى: { وما جعلنا الرءيا التي أريناك ~~إلا فتنة للناس }؛ قال أكثر المفسرين: يعني ما ذكر في ~~أول هذه السورة من الإسراء في ليلة واحدة من المسجد الحرام إلى ~~المسجد الأقصى على معنى أنها شدة من التكليف، كما روي أن ~~المشركين استعظموا ذلك وكذبوه، فيكون معنى الرؤيا رؤية العين. # قوله تعالى: { والشجرة الملعونة في القرآن }؛ أي ~~وما جعلنا الشجرة الملعونة إلا فتنة للناس، والشجرة ~~الملعونة: شجرة الزقوم، يقول العرب: لكل طعام منار ~~معلوم، وسموها فتنة؛ لأنهم قالوا: إن النار تأكل الشجرة، فكيف ~~تنبت الشجرة في النار؟! # وقال ابن الزبعرى: (ما نعلم الزقوم إلا التمر ~~والزبد) فهذا الكلام منهم هو فتنتهم؛ أي ~~فتنوا بذلك. قوله ms1221 تعالى: { ونخوفهم فما ~~يزيدهم إلا طغيانا كبيرا }؛ أي نخوفهم بما نرسل ~~الآيات، فما يزدادون إلا تجاوزا عن الحد. ### || [17.61-62] # قوله تعالى: { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا ~~لأدم فسجدوا إلا إبليس }؛ قد تقدم تفسير ذلك. وقوله ~~تعالى: { قال أأسجد لمن خلقت طينا }؛ أي قال إبليس: ~~أأسجد لآدم وهو مخلوق من طين؟ وهذا استفهام بمعنى الإنكار، ونصب ~~(طينا) على الحال. # قال الله تعالى حاكيا عن إبليس: { قال أرأيتك هذا ~~الذي كرمت علي } أي قال إبليس: أخبرني عن هذا الذي ~~كرمته علي، لم كرمته علي، وقد خلقتني من نار وخلقته من ~~طين؟! اعتقد إبليس أن النار أكرم أصلا من الطين. # قوله تعالى: { لئن أخرتن إلى يوم القيامة ~~لأحتنكن ذريته إلا قليلا }؛ أي لأستأصلن ~~ذريته بإغوائهم، إلا قليلا منهم وهم الذين عصمتهم مني، تقول ~~العرب: احتنكت السنة أموالنا؛ أي استأصلتها، قال ~~الشاعر: # أشكو إليك سنة قد أجحفت # واحتنكت أموالنا واجتلفت # واحتنكت حلقت، واحتنكت الجراد ما على الأرض. ~~وقيل: معنى { لأحتنكن } أي لأقتطعن ذريته إلى ~~المعاصي، يقال: احتنك فلان ما عند فلان من مال، إذا اقتطعه. ~~وقيل: معناه: لأقودن ذريته إلى المعاصي وإلى النار، من ~~قولهم: حنك دابته يحنكها من الأسفل بحبل يقودها ~~به. ### || [17.63] # قوله تعالى: { قال اذهب فمن تبعك منهم فإن ~~جهنم جزآؤكم جزاء موفورا }؛ أي فمن تبعك من ذرية ~~آدم فإن جهنم جزاؤكم جزاء وافرا مكملا. قوله: { ~~واستفزز من استطعت منهم بصوتك }؛ أي استنزل ~~واستخف واستجهل من استطعت منهم بدعائك في المعصية، من ~~قولهم: صوت فلان، إذا دعاه، ويقال: أراد بالصوت صوت الغناء ~~والمزامير، وهذا لعلى وجه التهديد وإن كان في صورة الأمر كقوله ~~تعالى: # اعملوا ما شئتم # [فصلت: 40] وكقولهم: أجهد جهدك. ### || [17.64] # قوله تعالى: { وأجلب عليهم بخيلك ورجلك }؛ أي ~~صح بخيلك ورجلك احثثهم على الإغواء، يقال: أجلب على ~~العدو، إذا جمع عليهم الخيول، والمعنى على هذا: إجمع عليهم كل ما ~~تقدر من مكائد، وقال مقاتل: (معناه: استعن عليهم بركاب ~~جندك ومشاتهم). والجلب هو قود الشيء وسوقه بالصوت، ~~يقال للغنم: جلب وجلوبة؛ أي ms1222 جلبت من موضع إلى آخر، قال ~~الحسن: (كل راكب في معصية الله فهو من خيل ~~إبليس، وكل ماش في معصية الله فهو من رجل ~~الشيطان)، وقرأ حفص (ورجلك) بنصب الراء وكسر الجيم وهما ~~لغتان، أتبع كسرة الجيم كسرة اللام، وهذا على طريق الإهانة ~~لإبليس، لا أن له خيلا ورجلا، كما يقول الرجل لغيره: أجمع ~~خيلك ورجلك وما أمكنك. # قوله تعالى: { وشاركهم في الأموال والأولاد }؛ ~~شركته في الأموال أن يجعلوا شيئا من أموالهم لغير الله، كما ~~جعلوا من الحرث والأنعام، وشركته في الأولاد أن سموا ~~أولادهم: عبد يغوث، وعبد شمس، وعبد الحرب. وقال بعضهم: شركته ~~في أولادهم أولاد الزنى، كذا قال مجاهد والضحاك. ويقال شركته في ~~الأموال كل ما أخذ من حرام وأنفق في حرام، وشركته في الأولاد ~~الذي يهوداه أبواه وينصرانه ويمجسانه. # قوله تعالى: { وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا ~~غرورا }؛ أي منيهم بما شئت من الغرور: من طول الحياة، ~~والتشكيك في البعث، وما تكون مواعيد الشيطان إلا غرورا؛ أي ~~تزيينا باطلا. ### || [17.65-66] # قوله تعالى: { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ~~}؛ أي " إلا " في الوسوسة، فإما أن يمنعهم عن الطاعة، أو يحملهم ~~على المعصية فلا، وقيل: معناه: إن أوليائي ليس لك عليهم حجة. ~~قوله تعالى: { وكفى بربك وكيلا }؛ أي حافظا ~~لأوليائه يعصمهم عن القبول من إبليس؛ لأن الوكيل بالشيء يكون ~~حافظا له. # ثم ذكر سبحانه نعمه على عباده فقال: # قوله تعالى: { ربكم الذي يزجي لكم الفلك في ~~البحر }؛ أي ربكم الذي يسوق لكم، ويجري لكم السفن في البحر، ~~{ لتبتغوا من فضله }؛ أي لتطلبوا ما كان مصلحة لكم في ~~دنياكم وآخرتكم من التجارة وغيرها، { إنه كان بكم ~~رحيما }؛ حين أنعم عليكم بهذه النعم. ### || [17.67] # قوله تعالى: { وإذا مسكم الضر في البحر ضل ~~من تدعون إلا إياه }؛ أي يخلصكم من الشدة في البحر ~~عند عصف الرياح وترادف الأمواج، وخفتم الغرق، ضل من تدعون ~~من الأصنام عن تخليصكم؛ أي بطل وزال، ولا يرجون النجاة إلا من ~~الله. # قال ابن عباس: (معناه: إذا مسكم الضر ms1223 في البحر ~~نسيتم الأنداد والشركاء، وتركتموهم وأخلصتم ~~لله)، { فلما نجاكم إلى البر } ، فلما أجاب ~~دعاءكم ونجاكم من البحر، وأخرجكم إلى البر ~~ونجاكم، { أعرضتم }؛ عن الإيمان والطاعة، ورجعتم إلى ما كنتم ~~عليه، { وكان الإنسان كفورا }؛ لنعم الله تعالى، وأراد ~~بالإنسان الكافر. ### || [17.68] # قوله تعالى: { أفأمنتم أن يخسف بكم جانب ~~البر }؛ معناه: أفأمنتم بعد ذلك أن نخسف بكم الأرض كما ~~فعل بقارون، { أو يرسل عليكم حاصبا }؛ أي حجارة ~~تمطر من السماء عليكم، كما أمطرت على قوم لوط، قال ~~القتيبي: (الحاصب: الريح التي ترمي بالحصباء) وهي ~~الحصى الصغار، يقال: حصبه بالحجارة، إذا رماه بها متتابعا. ~~قوله تعالى: { ثم لا تجدوا لكم وكيلا }؛ أي ~~حافظا يحفظكم من عذاب الله. ### || [17.69] # قوله تعالى: { أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة ~~أخرى }؛ أي أم أمنتم أن يعيدكم الله في البحر مرة أخرى، { ~~فيرسل عليكم قاصفا من الريح }؛ أي ريحا شديدة ~~تقصف الفلك، قال أبو عبيدة: (القاصف هي الريح التي ~~تقصف كل شيء؛ أي تدقه وتحطمه). وقال القتيبي: ~~(هي التي تقصف الشجر). قوله تعالى: { فيغرقكم ~~بما كفرتم }؛ أي بكفركم، { ثم لا تجدوا لكم ~~علينا به تبيعا }؛ أي لا تجدوا لكم من يتبعنا فيطالبنا ~~بدمائكم، والتبيع: من يتبع غيره لأمر. ### || [17.70] # قوله تعالى: { ولقد كرمنا بني ءادم }؛ أي ~~فضلناهم بالعقل والنطق والتمييز، وعاملناهم معاملة الإكرام ~~بالنعمة، وجعلناهم يهتدون إلى معايشهم. قوله تعالى: { ~~وحملناهم في البر والبحر }؛ أي في البر على الدواب، ~~وفي البحر على السفن. قوله تعالى: { ورزقناهم من ~~الطيبات }؛ أي لذيذ المطاعم والمشارب، قال مقاتل: (السمن ~~والزبد والتمر والحلواء والعسل). # قوله تعالى: { وفضلناهم على كثير ممن ~~خلقنا تفضيلا }؛ أي فضلناهم على كثير من حيوانات البر ~~والبحر، ومن تفضيلهم أنهم يأكلون بالأيدي، وغيرهم من الحيوانات ~~يأكلون بالأفواه. ويقال: إن ابن آدم يمشي منتصبا قائما ~~وسائر الحيوانات تمشي منكبة. # ولم يقل في الآية: على كل من خلقنا؛ لأن الله فضل ~~الملائكة كما قال تعالى: # ولا الملائكة المقربون # [النساء: 172] ولكن ابن آدم مفضل على سائر الحيوانات، وقال ~~عطاء في هذه الآية: ms1224 (ولقد كرمنا بني آدم بتعديل ~~القامة وامتدادها)، وقال محمد بن كعب: (بأن جعل ~~محمدا صلى الله عليه وسلم منهم). وقيل: بحسن الصورة، ~~وقيل: الرجال باللحا والنساء بالذوائب. # وقيل: بتسليطهم على غيرهم من الخلائق، وبتسخير الخلائق لهم. ~~وعن النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير الآية قال: # " الكرامة الأكل بالأصابع " # وقوله: { ورزقناهم من الطيبات } يعني الثمار ~~والحبوب، وكل طعام لين، ورزق الدواب التبن والحشيش ~~والشوك. ### || [17.71] # قوله تعالى: { يوم ندعوا كل أناس بإمامهم }؛ ~~يعني يوم القيامة وهو منصوب على معنى: واذكر يوم ندعو كل أناس ~~بإمامهم؛ أي نبيهم، فيقال: هاتوا متبعي إبراهيم، هاتوا ~~متبعي موسى، هاتوا متبعي عيسى، هاتوا متبعي محمد صلى الله ~~عليه وسلم، فيقومون يأخذون كتبهم بأيمانهم. # ثم يقال: هاتوا متبعي الشيطان رؤساء الضلالة، هاتوا متبعي ~~الطاغوت، فيقومون ويعطون كتبهم بشمائلهم. ويقال: يدعى كل ~~أناس بعمله، فيقال: أين صاحب هذا الكتاب؟ أين فلان بن فلان ~~المصلي؟ وأين فلان بن فلان الصوام؟ إلى أن ينادي بالعازف ~~والدفاف والرقاص، فيدعى كل أناس بعمله. # قوله تعالى: { فمن أوتي كتابه بيمينه }؛ أي من ~~أعطي كتابه الذي فيه ثواب عمله بيمينه، { فأولئك ~~يقرؤون كتابهم }؛ يفرحون ويسرون بما يقرأون، وقوله ~~تعالى: { ولا يظلمون فتيلا }؛ ولا ينقصون من ثواب أعمالهم ~~مقدار الفتيل، وهو القشر الذي في شق النواة، ويقال: هو ~~الوسخ الذي تفتله بين إصبعيك. ### || [17.72] # قوله تعالى: { ومن كان في هذه أعمى فهو في ~~الآخرة أعمى وأضل سبيلا }؛ أي من كان في هذه الدنيا ~~التي هو مشاهد لها أعمى عن الحجة، لا يتفكر بقلبه في ملكوت ~~السماوات والأرض، فهو في الآخرة التي هي غائبة عن عينيه أشد ~~عمى، وأخطأ طريقا. ويقال: معناه: من كان في هذه الدنيا ضالا ~~عن الحق فهو في الآخرة أشد تحيرا وذهابا عن طريق الحق. ### || [17.73] # قوله تعالى: { وإن كادوا ليفتنونك عن الذي ~~أوحينآ إليك لتفتري علينا غيره }؛ وذلك # " أن ثقيفا أرسلوا وفدهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وهو بالمدينة، فقالوا: يا محمد نحن أخوالك وأصهارك ~~وجيرانك، وجيران أهل ms1225 نجد لك سلما وصرهم عليك ~~حزنا، إن سالمنا سالم من بعدنا، وإن حاربنا ~~حارب من بعدنا، فقال صلى الله عليه وسلم: " ماذا ~~تريدون؟ " قالوا: نبايعك على أن تعطينا ثلاث ~~خصال: أن لا ننحني - يعنون في الصلوات - وأن لا ~~تكسر أصنامنا بأيدينا، تمتعنا بالأصنام سنة. # فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: " لا خير في دين ~~لا صلاة فيه ولا ركوع ولا سجود، وأما قولكم ~~على أن لا تكسروا أصنامكم بأيديكم فذلك لكم، ~~ونحن نبعث لها من يكسرها، وأما الأصنام فأنا ~~غير ممتعكم بها " فقالوا: يا رسول الله فإنا ~~نحب أن تسمع العرب أنك أعطيتنا ما لم تعط ~~غيرنا، فإن خفت أن تقول العرب أعطيتهم ما لم ~~تعطنا، فقل الله أمرني بذلك! فسكت النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولم يقل لا: رجاء أن يسلموا " # ، فأنزل الله هذه الآية { وإن كادوا ليفتنونك } ~~أي يصرفونك عن الذي أمرناك من كسر آلهتهم وعيب دينهم؛ ~~لتفتري علينا غير الذي أمرناك به، فلو فعلت ما أرادوه، { ~~وإذا لاتخذوك خليلا }؛ أي صفيا لمبايعتك إياهم. ### || [17.74-76] # قوله تعالى: { ولولا أن ثبتناك لقد كدت ~~تركن إليهم شيئا قليلا }؛ أي لقد كدت تميل إليهم، ~~قال ابن عباس: (يعني حين سكت عن جوابهم). قوله ~~تعالى: { إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات }؛ ~~أي إنك لو ملت إليهم لأذقناك ضعف عذاب الدنيا، وضعف عذاب ~~الآخرة، يريد عذاب الآخرة ضعف ما يعذب به غيره، { ثم لا ~~تجد لك علينا نصيرا }؛ أي مانعا يمنعنا من تعذيبك، ~~قال ابن عباس: (ورسول الله صلى الله عليه وسلم معصوم، ~~ولكن هذا تخويفا لأمته؛ لئلا يركن أحد من ~~المؤمنين إلى أحد من المشركين في شيء من أحكام ~~الله تعالى وشرائعه، فلما نزلت هذه الآية قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ولا أدنى ~~من ذلك ". # وذهب السدي في هذه الآيات: (إلى أن قريشا قالت للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: إنك ترفض آلهتنا كل الرفض، فلو ~~أنك تأتيها وتلمسها وتبعث بعض ولدك ~~فيمسحها، كان ms1226 أرق لقلوبنا وأحرى أن نتبعك! ~~فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبعث بعض ولده ~~فيمسحها، فنهاه الله عن ذلك). ويقال: إنهم قالوا: ~~أطرد سقاط الناس ومواليهم، هؤلاء الذين رائحتهم كرائحة ~~الضأن حتى نتبعك، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ~~رجاء أن يسلموا، فأنزل الله هذه الآيات. # وقوله تعالى: { وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ~~ليخرجوك منها }؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ~~قدم المدينة، حسدته اليهود قالوا له: يا محمد أنبي ~~أنت؟ فقال: " نعم " قالوا له: والله لقد علمت ما ~~هذه بأرض الأنبياء، وإن أرض الأنبياء الشام، كان ~~بها إبراهيم وعيسى، فإن كنت نبيا فأت الشام، ~~فإن الله سيمنعك بها من الروم إن كنت رسوله، ~~وهي الأرض المقدسة وأرض المحشر. فهم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يخرج إلى الشام، فنزل ~~جبريل بهذه الآية. ومعناها: وقد كادوا ليستفزونك من ~~أرض المدينة ليخرجوك منها إلى الشام، { وإذا }؛ لو أخرجوك، ~~{ لا يلبثون خلافك إلا قليلا }؛ أي الا مدة يسيرة ~~حتى يهلكهم الله. ومن قرأ (خلافك) فمعناه: مخالفتك. ### || [17.77] # قوله تعالى: { سنة من قد أرسلنا قبلك من ~~رسلنا }؛ نصب على المصدر؛ أي سن لهم سنة من قد ~~أرسلنا، فإن سنة الله قد جرت في من قبلك من الرسل بأن ~~أممهم إذا أخرجوهم من مواضعهم لم يلبثوا إلا قليلا، والسنة: ~~هي العادة الجارية. وقوله تعالى: { ولا تجد لسنتنا ~~تحويلا }؛ أي لا يقدر أحد على تحويل السنة التي أجراها الله. # وقال مجاهد وقتادة: (هم أهل مكة بإخراج النبي صلى الله ~~عليه وسلم من مكة حين شاوروا فيما بينهم، ولو ~~فعلوا ما أمهلوا، ولكن الله كفهم عن إخراجه ~~حتى أمره بالخروج). والقليل: ما لبثوا بعد خروج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة حتى أهلكهم الله ~~يوم بدر، غير أن التأويل الأول أصح. ### || [17.78] # قوله تعالى: { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى ~~غسق اليل }؛ قال ابن مسعود رضي الله عنه: (معناه: أقم ~~الصلاة لغروب الشمس) والصلاة المأمور بها على ms1227 هذا هي ~~المغرب، والغسق بدو الليل، وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما في إحدى الروايتين عنه مثل قول ابن مسعود، وفي الرواية ~~الثانية وهو قول الحسن ومجاهد وقتادة: (إن دلوكها زوالها) ~~والصلاة المأمور بها على هذا الظهر والعصر والمغرب والعشاء. ~~فالغسق على هذا القول هو اجتماع ظلمة الليل. # قوله تعالى: { وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان ~~مشهودا }؛ صلاة الفجر تشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار ~~يصلونها مع المسلمين. وإنما سميت صلاة الفجر قرآنا؛ لأن ~~القراءة فيها طول، ولأن القراءة فريضة من الركعتين، وفي هذا بيان ~~أن الصلاة لا تكون إلا بقراءة. ### || [17.79] # قوله تعالى: { ومن الليل فتهجد به نافلة ~~لك }؛ قال ابن عباس: (فصل بالقرآن). والتهجد هو ~~التيقظ بعد النوم، ويقال: تهجد إذا نام، وتهجد ~~إذا استيقظ، والمعنى: أقم الصلاة بالليل بعد التيقظ من النوم، ~~ويقال: المتهجد القائم إلى الصلاة من النوم، وقيل له: ~~متهجد لانتفاء التجدد عن نفسه. # قوله تعالى: { نافلة لك } أي تطوعا، وقيل: فضيلة ~~لك لرفع الدرجات لا للكفارات، فإنه عليه السلام قد غفر له من ~~ذنبه ما تقدم وما تأخر، وليست لنا بنافلة، لكثرة ذنوبنا ~~وإنما هي كفارة لغير النبي صلى الله عليه وسلم، هكذا قال مجاهد. وقد ~~روي ما يدل على أنها نافلة لغير النبي صلى الله عليه وسلم وهو ~~ما روى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الوضوء يكفر ما قبله، وتصير الصلاة نافلة " # قيل له: أنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ~~نعم غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث وأربع ولا ~~خمس. # قوله تعالى: { عسى أن يبعثك ربك مقاما ~~محمودا }؛ أي المقام الذي تحمد عاقبته، وهو المقام الذي ~~يعطيه الله النبي صلى الله عليه وسلم فيه لواء الحمد تجتمع ~~تحته الملائكة والأنبياء، فيكون النبي صلى الله عليه وسلم أول ~~شافع وأول مشفع، قال ابن عباس: (وعسى من الله ~~واجبة). ويعني بقوله { مقاما محمودا } أي يعطيك الله ~~يوم القيامة مقاما يحمدك فيه الأولون والآخرون شرف به على جميع ~~الخلائق، ms1228 والمقام المحمود مقام الشفاعة، ومعنى { يبعثك } ~~يقيمك. ### || [17.80] # قوله تعالى: { وقل رب أدخلني مدخل صدق ~~وأخرجني مخرج صدق }؛ أي أدخلني المدينة وأخرجني من ~~مكة. وقيل: أدخلني في ما أمرتني به، وأخرجني من ما نهيتني ~~عنه. وقيل: أدخلني مدخل صدق في جميع الأمور، وأخرجني مخرج ~~صدق من جميع الأمور. # قوله تعالى: { واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا ~~}؛ أي واجعل لي من عندك قوة أمتنع بها عن من عاداني. ~~وقيل: حجة أتقوى بها على إبطال سائر الأديان الباطلة. # وعن محمد بن المنكدر قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل الغار: ~~أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق " # وقال الضحاك: (معناه أخرجني مخرج صدق من مكة ~~آمنا من المشركين، وأدخلني مكة مدخل صدق ~~ظاهرا عليها بالفتح)، وقال عطية عن ابن عباس: (أدخلني ~~القبر مدخل صدق عند الموت، وأخرجني منه ~~مخرج صدق عند البعث). وقيل: المعنى: أدخلني حيث ما ~~أدخلتني بالصدق، وأخرجني منه بالصدق، أي لا تجعلني ممن يدخل ~~بوجه ويخرج بوجه آخر، فإن ذا الوجهين لا يكون أمينا عند الله. ### || [17.81] # قوله تعالى: { وقل جآء الحق وزهق الباطل إن ~~الباطل كان زهوقا }؛ معنى: الحق هو ما جاء به النبي صلى ~~الله عليه وسلم من الشرائع والإسلام، وما جاء به من القرآن، وقال ~~السدي: (الحق الإسلام، والباطل الشرك). ومعنى ~~(زهق): بطل واضمحل. # قال ابن مسعود وابن عباس: # " لما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وجد ~~حول الكعبة ثلاثمائة وستين صنما، فجعل ~~يطعنها بمخصرة في يده ويقول: " جاء الحق وزهق ~~الباطل، إن الباطل كان زهوقا " فكان الصنم ~~ينكب لوجهه، وكان أهل مكة يتبعونه ويقولون ~~فيما بينهم: ما رأينا رجلا أسحر من محمد " ### || [17.82] # قوله تعالى: { وننزل من القرآن ما هو شفآء ~~ورحمة للمؤمنين }؛ أي شفاء للمسلمين في الدنيا والآخرة، ~~يتبركون بقراءته على أنفسهم، ويستعينون به على دفع الأسقام ~~والبلايا. وقيل: شفاء للقلوب يزول به الجهل منها كما يشفى ~~المريض. # قوله تعالى: { ورحمة للمؤمنين } أي نعمة من الله ~~تعالى عليهم، وكون القرآن ms1229 شفاء؛ أي يزيل عمى الجهل وحيرة الشك، ~~فهو شفاء من داء الجهل. وقال ابن عباس: (يريد شفاء من ~~كل داء)، ويؤيد هذا ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " من لم يستشف بالقرآن فلا شفاه الله " # قوله تعالى: { ولا يزيد الظالمين إلا خسارا }؛ ~~أي لا يزاد الكفار عند نزول القرآن إلا خسارا لأنه لا ينتفع ~~به. ### || [17.83] # قوله تعالى: { وإذآ أنعمنا على الإنسان }؛ أي ~~أنعمنا عليه بكشف الضر وتبديل البؤس بالنعمة، { أعرض ~~ونأى بجانبه }؛ أي أعرض عن شكره وتباعد عن ذلك بنفسه، ~~وقوله تعالى: { ونأى بجانبه } أي تعظم وتكبر وبعد ~~نفسه عن القيام بحقوق النعم. يريد بالإنسان، قال ابن عباس: ~~(يريد بالإنسان الوليد بن المغيرة). # قوله تعالى: { وإذا مسه الشر كان يئوسا }؛ أي ~~إذا أصابته شدة كان قنوطا من رجاء الفرج من الله، لا يثق ~~بفضل الله تعالى على عباده فيطمع في كشف تلك البلية من جهته، ~~وهذه صفة الكافر. ### || [17.84] # قوله تعالى: { قل كل يعمل على شاكلته }؛ أي على ~~طبعه الذي جبل عليه، وقيل: على عادته التي ألفها، وفي هذا ~~تحذير من الفساد المسكون إليه، وقيل على فئته، وقيل: على ~~طريقته التي تشابه كل أخلاقه. قوله تعالى: { فربكم ~~أعلم بمن هو أهدى سبيلا }؛ أي إن الله يعلم أي ~~الفريقين على الهدى وأيهما على الضلالة من المؤمنين والكفار. ### || [17.85] # قوله تعالى: { ويسألونك عن الروح قل الروح من ~~أمر ربي }؛ اختلفوا في الذي سألوا عنه النبي صلى الله عليه ~~وسلم، قال بعضهم: سألوه عن جبريل قد سماه الله روحا في قوله ~~تعالى # وكذلك أوحينآ إليك روحا من أمرنا # [الشورى: 52]، وعن علي رضي الله عنه قال: (إن الروح ملك من ~~الملائكة له سبعون ألف وجه، في كل وجه سبعون ~~ألف لسان يسبح الله تعالى بكل لسان من هذه ~~الألسنة، فسألوه عن ذلك الملك). # وعن عبدالله بن مسعود قال: (كنت أمشي مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فمر بقوم من اليهود، فقال بعضهم: ~~اسألوه عن الروح، وقال بعضهم: لا تسألوه، ثم ms1230 ~~أتاه نفر منهم فقالوا له: يا أبا القاسم ما ~~تقول في الروح؟ فسكت، ثم قام فاشتد بيده على ~~جبهته، فعرفت أنه ينزل عليه وحي، فنزل ~~قوله تعالى { ويسألونك عن الروح... } الآية). # وعن ابن عباس: (أن اليهود اجتمعوا فقالوا لقريش: ~~سلوا محمدا في ثلاث، فإن أخبركم باثنين وأمسك ~~عن الثالثة فهو نبي، سلوه عن فتية مضوا في ~~الزمان، وعن رجل بلغ مشارق الأرض ومغاربها، ~~واسألوه عن الروح. فسألوه عن ذلك، فأنزل الله ~~تعالى في الفتية # أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم # [الكهف: 9]... إلى آخر القصة، وأنزل الله # ويسألونك عن ذي القرنين # [الكهف: 83]... إلى آخر القصة، وأنزل الله في الروح { ~~ويسألونك عن الروح... } الآية، وإنما سألته ~~اليهود عن الروح لأنه ليس في التوراة قصته ~~ولا تفسيره، وليس فيها إلا ذكر اسمه الروح). # وقال سعيد بن جبير: (لم يخلق الله خلقا أعظم من ~~الروح غير العرش، لو شاء أن يبلع السماوات ~~السبع والأرض السبع ومن فيهما بلقمة فعل، ~~صورة خلقه على صورة الملائكة، وصورة وجهه ~~على وجه الآدميين، ولولا أن بينه وبين ~~الملائكة سترا من نور لاحترقت السماوات من ~~نوره). # ويقال: أراد بالروح روح الحيوان وهو ظاهر الكلام، وفي روح ~~الحيوان خلاف بين العلماء، وكل حيوان فهو روح وبدن، وروح ~~الحيوان جسم رقيق على بنية حيوانية، في كل جزء منها حياة. # قوله تعالى: { قل الروح من أمر ربي } أي من الأمر ~~الذي لا يعلمه إلا ربي، وإنما لم يجبهم عن ذلك؛ لأن اليهود هم ~~الذين سألوه عن الروح، وكان في كتابهم أنه إن أجابهم عن الروح فليس ~~بنبي! فلم يجبهم تصديقا لما في كتابهم، وكانت المصلحة في هذا أن ~~لا يعرفهم الروح من جهة النص، بل يكلمهم في تعريفه إلى ما في ~~عقولهم، لما في ذلك من الرياضة باستخراج الفائدة. # وقال بعضهم: هو الدم! ألا ترى أنه من نزف دمه مات، والميت ~~لا يفقد من جسمه إلا الدم. # وزعم قوم: أن الروح هو استنشاق الهواء، ألا ترى أن المخنوق ومن ~~منع استنشاق وشم ms1231 الهواء يموت. # وقال بعض الحكماء: إن الله خلق الروح من ستة أشياء: من جوهر ~~النور والطيب والهواء لبقاء الحياة والعلم والعلو، ألا ترى ~~أنه ما دام في الجسد كان الجسد نورانيا تبصر العينان، وتسمع ~~الأذنان، ويكون طيبا، فإذا خرج انتن الجسد، ويكون باقيا فإذا ~~زايلته الروح صار فانيا، ويكون حيا وبخروجه ميتا، ويكون ~~عالما فإذا خرج منه الروح صار سفليا باليا. # والاختيار من هذه الأقوال: أنه جسم لطيف يوجد فيه الحياة! بدليل ~~قوله تعالى في صفة الشهداء: # أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين # [آل عمران: 169-170] والأرزاق والفرح من صفة الأجسام، والمراد ~~بهذا أرواحهم؛ لأن أجسادهم قد بليت في التراب، وكذلك قوله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن أرواح الشهداء تعلق في شجرة من الجنة، ~~وتأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش " # وهذا لا يكون إلا في جسم، ولا يتأتى ذلك في الأعراض كما زعمت ~~المعتزلة والنجارية: أن الروح عرض، وهو مردود بما ذكرناه. # وعن ابن عباس: (أن الروح إذا خرج مات الجسد، وصار ~~الروح صورة أخرى لا تطيق الكلام؛ لأن الجسد ~~جرم، والروح يصوت من جوفه ويتكلم، فإذا ~~فارق الجسد صار الجسد صفرا، وصار الروح صورة ~~أخرى ينظر الناس سكونه، ويغسلونه ويدفنونه ~~ولا يستطيع أن يتكلم، كما أن الريح إذا دخل في ~~مكان ضيق سمعت له دويا، فإذا خرج منه لم ~~تسمع له صوتا، وكذلك المزامير، فأرواح ~~المؤمنين ينظرون إلى الجنة ويجدون ريحها، ~~وأرواح الكفار يعذبون في قبورهم). # وهذا الذي ذكرناه كله في تفسير الروح عند التحقيق من التكلف؛ ~~لأن الله سبحانه أبهم علم ذلك، قال عبدالله بن يزيد: (ما ~~بلغ الإنس والجن والملائكة والشياطين علم ~~الروح، ولقد مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يدري ~~ما الروح، ولم يخبر الله أحدا من خلقه به، ولم ~~يعط أحدا علمه من عباده، فقال: { قل الروح من ~~أمر ربي } أي من علم ربي وإنكم لا تعلمونه) # قوله تعالى: { ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا ~~}؛ أي وما أوتيتم من العلم المنصوص عليه، إلا قليلا ms1232 من كثير بحسب ~~حاجتكم إليه، قل: فالروح من المتروك الذي لا يصلح النص عليه ~~لأمور من الحكمة تقتضي تركه. والخطاب لليهود، وذلك أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه الآية على اليهود، قالوا: ~~أوتينا التوراة وفيها الحكمة، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي ~~خيرا كثيرا، فأعلمهم الله أن علم التوراة قليل في علم الله ~~تعالى # ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر ~~يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات ~~الله # [لقمان: 27]. ### || [17.86-87] # قوله تعالى: { ولئن شئنا لنذهبن بالذي ~~أوحينا إليك }؛ أي لو شئنا لمحونا القرآن من القلوب ~~والكتب، وأنسينا ذكره كيلا يوجد له أثر، { ثم لا تجد ~~لك به علينا وكيلا }؛ تتوكل عليه في رد شيء منه، ~~وقوله تعالى: { إلا رحمة من ربك }؛ أي لكن لا نشاء ذلك ~~إلا رحمة من ربك، فأثبت ذلك في قلبك وقلوب المؤمنين. قوله ~~تعالى: { إن فضله كان عليك كبيرا }؛ أي حيث اختارك ~~للنبوة، واصطفاك للرسالة، وخصك بالوحي والقرآن، وجعلك سيد ~~ولد آدم، وختم بك الأنبياء، وأعطاك المقام المحمود. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنه خرج وهو معصوب الرأس من وجع، فصعد ~~المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: " يا ~~أيها الناس، ما هذه الكتب التي تكتبون؟ أكتاب ~~غير كتاب الله، كل من كتب كتابا غير كتاب الله ~~يوشك أن يغضب الله عليه لكتابه، ولا يدع ورقا ~~ولا قلبا إلا أخذ منه " قالوا: يا رسول الله ~~فكيف بالمؤمنين والمؤمنات يومئذ؟ قال: " من ~~أراد الله به خيرا بقي في قلبه لا إله إلا الله " ". # وعن عبدالله بن مسعود: (إن أول ما تفقدون من دينكم ~~الأمانة، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، ~~وليصلين أقوام ولا دين لهم، وإن هذا القرآن ~~ليصبحن وما فيكم منه شيء) فقال رجل: كيف ~~يكون ذلك يا أبا عبدالرحمن وقد أتقناه في ~~قلوبنا، وأثبتناه في مضاجعنا، نعلمه أباءنا ~~وأبناءنا إلى يوم القيامة؟ قال: (يسري به في ~~ليلة فيذهب ما في المصاحف وما في القلوب. وقرأ ~~عبدالله: { ولئن ms1233 شئنا لنذهبن بالذي أوحينا ~~إليك } ). # وعن عبدالله قال: (أكثروا الطواف بالبيت قبل أن ~~يرفع وتبني الناس مكانه، وأكثروا من تلاوة ~~القرآن قبل أن يرفع) فقيل: هذه المصاحف ترفع، ~~فكيف بما في صدور الرجال؟ قال: (يسري عليه ليلا ~~فتصبحوا منه فقراء، وتنسون قول لا إله إلا ~~الله، وتقعون في قول الجاهلية وأشعارهم). # وعن عبدالله بن عمرو قال: (لا تقوم الساعة حتى يرتفع ~~القرآن من حيث نزل به، له دوي كدوي النحل، ~~فيقول الرب عز وجل: ما بالك؟ فيقول: يا رب ~~منك خرجت وإليك أعود، أتلى ولا يعمل بي). ### || [17.88] # قوله تعالى: { قل لئن اجتمعت الإنس والجن ~~على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون ~~بمثله }؛ هذا تكذيب للنضر بن الحارث حين قال: لو نشاء ~~لقلنا مثل هذا، والمعنى: قل لو اجتمعوا على أن يأتوا بمثله في ~~حسن النظم، وجودة اللفظ، وجمع المعاني الكثيرة في الألفاظ ~~اليسيرة لا يأتون بمثله. قوله تعالى: { ولو كان ~~بعضهم لبعض ظهيرا }؛ أي أعوانا، وأما رفع { لا ~~يأتون } ، فلأن جواب القسم غالب على جواب (أن) لوقوعه في صدر ~~الكلام. ### || [17.89] # قوله تعالى: { ولقد صرفنا للناس في هذا ~~القرآن من كل مثل }؛ أي من التخويف والترغيب، { فأبى ~~أكثر الناس إلا كفورا } وامتنع أكثرهم؛ أي أكثر أهل ~~مكة إلا جحودا وإنكارا للحق. ### || [17.90] # قوله تعالى: { وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر ~~لنا من الأرض ينبوعا } روى عكرمة عن ابن عباس: # " أن عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبا سفيان، ~~والنضر بن الحارث، وأبا جهل بن هشام، والأسود ~~بن المطلب، وربيعة بن الأسود، والوليد بن ~~المغيرة، وأبا جهل، وأبي بن خلف، والعاص بن ~~وائل وغيرهم، اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ~~ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: إبعثوا إلى ~~محمد، وكلموه وخاصموه. فبعثوا إليه أن أشراف ~~قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك. # فجاء إليهم النبي صلى الله عليه وسلم سريعا يظن ~~أنه بدا لهم في أمره شيء، فجلس إليهم فقالوا: ~~يا محمد والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على ~~قومه ما أدخلت على قومك، ms1234 لقد شتمت الآباء، ~~وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وشتمت الآلهة، ~~وفرقت الجماعة. فما أمر قبيح إلا وقد جئته ~~فيما بيننا وبينك، فإن كنت إنما جئت بهذا ~~الحديث تطلب مالا، جمعنا لك من أموالنا حتى ~~تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تطلب به الشرف فينا ~~سودناك علينا، وإن كان هذا الذي بك تابع من ~~الجن، بدلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى ~~نبريك منه! # فقال صلى الله عليه وسلم: " ما بي ما تقولون، ما جئتكم ~~به لطلب أموالكم ولا الشرف عليكم، ولكن الله ~~تعالى بعثني رسولا وأنزل علي كتابا، وأمرني أن ~~أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربي ~~ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو ~~حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر ~~على ما أمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم ". # فقالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا ما ~~عرضنا عليك، فقد علمت أنه ليس من الناس أحد ~~أضيق بلادا ولا أقل منا، فاسأل لنا ربك الذي ~~بعثك إلينا أن يسير عنا هذه الجبال التي ~~ضيقت علينا، ويبسط لنا بلادنا ويجري لنا ~~فيها أنهارا كأرض الشام والعراق، وليبعث لنا ~~من مضى من أبائنا، وليكن ممن يبعث لنا قصي ~~بن كلاب فإنه كان شيخا صدوقا، فنسألهم عن ما ~~تقول: أحق هو أم باطل؟ فإن صنعت لنا ما سألناك ~~وصدقوك صدقناك، وعرفنا بذلك منزلتك عند ~~الله بأنه بعثك رسولا كما تقول. فقال صلى الله عليه ~~وسلم: " ما بهذا بعثت، إنما جئتكم من عند الله بما ~~بعثني ". # قالوا: وإن لم تفعل هذا فاسأل ربك يبعث ~~ملكا يصدقك، ويعينك عما نرى بك، فإنك تقوم ~~في الأسواق تتلمس المعاش. فقال صلى الله عليه وسلم: " ~~ما أنا بالذي يسأل الله هذا، ولكن الله بعثني ~~بشيرا ونذيرا ". # قالوا: فأسقط السماء كما زعمت علينا كسفا، ~~كما زعمت أن الله ما شاء فعل! فقال صلى الله عليه ~~وسلم: " ذلك إلى الله، إن شاء فعله بكم " فقالوا: قد ~~أعذرنا إليك يا محمد، أما والله ما نتركك وما ~~فعلت بنا ms1235 حتى نهلكك أو تهلكنا. وقال قائل ~~منهم: لن نؤمن حتى تأتي بالله والملائكة ~~قبيلا. # فلما قالوا ذلك قام النبي صلى الله عليه وسلم، فقام ~~معه عبدالله بن أمية المخزومي، وهو ابن ~~عمته عاتكة بنت عبد المطلب، فقال له: يا ~~محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبل ~~منهم، ثم سألوك أمورا لأنفسهم؛ ليعرفوا بها ~~منزلتك من الله فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجل ~~لهم ما خوفتهم به من العذاب فلم تفعل، فوالله ~~لا أؤمن بك أبدا حتى تتخذ سلما إلى السماء، ~~ثم ترقى فيه وأنا أنظر حتى تلج بابها، أو ~~تأتي معك بنسخة منشورة، ونفر من الملائكة ~~يشهدون أنك نبي كما تقول، وأيم الله لم فعلت ~~ذلك لظننت أني لا أصدقك. # ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله حزينا ~~لما ناله من سفاهة قومه وتباعدهم من الله، ~~فقال أبو جهل حين قام رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا ~~معشر قريش إن محمدا قد أتى إلى ما ترون من ~~عيب ديننا وشتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وتتبيب ~~آلهتنا، إني أعاهد الله لأجلس له بحجر غدا قدر ~~ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته رضخت به رأسه ~~فأنزل الله هذه الآية { وقالوا لن نؤمن لك ~~حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } " # قرأ أهل الكوفة (تفجر) مخففة بفتح التاء وضم الجيم، واختاره ~~أبو حاتم؛ لأن الينبوع واحد، وقرأ الباقون بالتشديد، ولم يختلفوا في ~~الثاني أنه مشدد لأجل أنها جمع. # وذلك أنهم لما عجزوا عن الإتيان بسورة مثل القرآن وانقطعت ~~حجتهم، جعلوا يقترحون من الآيات ما ليس لهم، مع أن الذي أتاهم ~~به رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن، وانشقاق القمر، وغير ~~ذلك من دلائل النبوة، كان أبلغ في الدلالة مما اقترحوه من تفجير ~~الينبوع وغير ذلك. والينبوع: عين تفور بالماء، وأراد ~~بقوله { من الأرض } أرض مكة. ### || [17.91-92] # قوله تعالى: { أو تكون لك جنة من نخيل وعنب ~~فتفجر }؛ فتشقق، { الأنهار خلالها تفجيرا }؛ في ~~وسط ذلك البستان تشقيقا. قوله تعالى: ms1236 { أو تسقط ~~السمآء كما زعمت علينا كسفا }؛ من قرأ بسكون السين؛ ~~أي قطعا، فجمع الكثير كسدرة وسدر، وقيل: أراد جانبا. ~~ومن قرأ (كسفا) بفتح السين فهو جمع القليل؛ أي جمع كسفة، ~~يقال: أعطني كسفة من هذا الثوب؛ أي قطعة منه، والكسوف هو ~~انقطاع النور. # قوله تعالى: { أو تأتي بالله والملائكة ~~قبيلا }؛ قال قتادة والضحاك: (عيانا)، والمعنى: تأتي بهم حتى ~~نراهم مقابلة ونشاهدهم، ويشهدون على صدق دعواك. ### || [17.93] # قوله تعالى: { أو يكون لك بيت من زخرف }؛ أي من ~~ذهب، والزخرف في الأصل هو الزينة كما في قوله تعالى # حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها وازينت # [يونس: 24] أي بزينتها. قوله تعالى: { أو ترقى في ~~السمآء }؛ معناه: أو تصعد، { ولن نؤمن لرقيك }؛ أي لن ~~نصدقك مع ذلك، { حتى تنزل علينا كتابا }؛ تأتينا ~~بكتاب من الله، { نقرؤه }؛ أنك رسول من الله إلينا. # قوله تعالى: { قل سبحان ربي }؛ أي قل لهم يا ~~محمد: تنزيها لربي عن المقابلة التي وصفتم، فإن العارف ~~بالله يعلم أنه لا يجوز المقابلة على الله. قوله تعالى: { ~~هل كنت إلا بشرا رسولا }؛ أي ما كنت إلا بشرا رسولا ~~كسائر الرسل، فلا أقدر على الإتيان بالآيات المقترحة، كما لم ~~يقدر عليها من قبلي من الأنبياء. # قرأ ابن مسعود (أو يكون لك بيت من ذهب) قال مجاهد: ~~(كنت ما أدري ما الزخرف حتى رأيته في قراءة ~~ابن مسعود). قوله تعالى: { قل سبحان ربي } ، قرأ ~~أهل مكة والشام: (قال سبحان ربي) يعني محمدا صلى الله ~~عليه وسلم. ### || [17.94-95] # قوله تعالى: { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ ~~جآءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا ~~رسولا }؛ أي ما صرف الناس إذ جاءهم الهدى إلا شبهة ~~أدخلوها على أنفسهم، يعني قولهم { أبعث الله بشرا ~~رسولا } وهذه شبهة ضعيفة، ويعجب منهم في غير التعجب، ومرادهم ~~هلا بعث الله بشرا رسولا؟ فأجابهم الله بقوله تعالى: { قل ~~لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين }؛ أي لو ~~كان في الأرض ملائكة يمشون على أقدامهم مقيمين في الأرض كما أنتم ~~مقيمون فيها، ms1237 { لنزلنا عليهم من السمآء ملكا }؛ من ~~جنسهم، { رسولا }؛ كما أرسلنا إليكم بشرا من جنسكم رسولا، ~~لأن الملك إنما يبعث إلى الملائكة. ### || [17.96] # قوله تعالى: { قل كفى بالله شهيدا بيني ~~وبينكم }؛ فإن الله يشهد لي بالنبوة في القرآن، وأنتم ~~تنكرون نبوتي، { إنه كان بعباده خبيرا بصيرا ~~}؛ بأحوالهم. ### || [17.97-98] # قوله تعالى: { ومن يهد الله فهو المهتد }؛ أي من ~~يوفقه الله لدينه بالطاعة فهو المهتدي، { ومن يضلل }؛ أي ~~من يخذلهم عن دينه، { فلن تجد لهم أوليآء من دونه ~~}؛ يهدونهم من دون الله. قوله تعالى: { ونحشرهم يوم ~~القيامة على وجوههم عميا }؛ عما يسرهم، { وبكما ~~}؛ عما ينفعهم، { وصما }؛ عما يمنعهم. # وقيل: يحشرون في أول الحشر عميا وبكما وصما على هذه ~~الصفة، ثم تزول هذه الصفات عنهم فيرون ويتكلمون ويسمعون كما قال ~~الله تعالى: # ورأى المجرمون النار فظنوا # [الكهف: 53] وقال # سمعوا لها تغيظا وزفيرا # [الفرقان: 12] وقال # دعوا هنالك ثبورا # [الفرقان: 13]. ويقال: إنه لم يرد بالحشر في هذه الآية الحشر عن ~~القبر، وإنما أراد به الحشر عن موضع المحاسبة، فإنهم ~~يسحبون عن ذلك الموضع على وجوههم على هذه الصفات. وعن أنس: # " أن رجلا قال: يا رسول الله كيف يحشر الكافر ~~على وجهه يوم القيامة؟ فقال: " إن الذي أمشاه ~~على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه " ". # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف: ~~صنف مشاة، وصنف ركبان، وصنف على وجوههم " ~~قيل: يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: ~~" إن الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن ~~يمشيهم على وجوههم، يتقون بوجوههم كل حدب ~~وشوك " ". # قوله تعالى: { مأواهم جهنم }؛ أي مصيرهم إليها. ~~وقوله تعالى: { كلما خبت زدناهم سعيرا }؛ أي كلما ~~سكن لهبها من جانب زدناها اشتعالا من جانب آخر، يقال للنار ~~اذا سكن لهبها: خمدت، فإذا أطفئت ولم يبق فيها شيء من ~~النار قيل: همدت، وقال ابن عباس: (معنى قوله تعالى ~~{ خبت } أي سكنت)، وقال مجاهد: (طفئت)، وقال قتادة: ~~(لانت وضعفت)، وقوله تعالى: { زدناهم سعيرا } أي ms1238 ~~وقودا. # ثم بين الله تعالى لماذا يزدادون سعيرا، فقال تعالى: { ذلك ~~جزآؤهم بأنهم كفروا بآياتنا }؛ أي ذلك العذاب جزاء ~~كفرهم بدلائلنا، وإنكارهم للبعث، وهو قولهم: { وقالوا أءذا ~~كنا عظاما ورفاتا أءنا لمبعوثون خلقا جديدا }. ### || [17.99] # قوله تعالى: { أولم يروا أن الله الذي خلق ~~السموت والأرض قادر على أن يخلق مثلهم }؛ في ~~صغرهم وضعفهم، ونظير هذا قوله # ءأنتم أشد خلقا أم السمآء # [النازعات: 27] وقوله تعالى: # لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57] ولأن من قدر على خلق الأكبر علم أنه قادر على ~~خلق الأصغر، فإذا قدر على خلق أمثالهم قدر على إعادتهم. # قوله تعالى: { وجعل لهم أجلا لا ريب فيه }؛ أي ~~جعل لإعادتهم وقتا لا شك فيه أنه كائن، { فأبى الظالمون ~~إلا كفورا }؛ جحودا مع وضوح الدلالة والحجج. ### || [17.100] # قوله تعالى: { قل لو أنتم تملكون خزآئن ~~رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان ~~الإنسان قتورا }؛ جواب لقولهم: # لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا # [الإسراء: 90] المعنى: لو أنتم تملكون مقدورات رحمة ربي إذا ~~لأمسكتم لأنفسكم مخافة أن يفنى بالإنفاق ولا يبقى لكم، وقوله ~~تعالى: { خشية الإنفاق } ، أي خشية الفقر والحاجة، وقيل: ~~خشية أن ينفقوا فيفتقروا. ### || [17.101] # قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى تسع آيات ~~بينات }؛ أي تسع دلالات واضحات، قال ابن عباس: (هي ~~العصا واللسان، فإنه كان في لسانه عقدة ~~فرفعها الله، كما قال: # واحلل عقدة من لساني * يفقهوا قولي # [طه: 27 - 28] والبحر واليد، والآيات الخمس: وهي ~~الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم). وقال ~~محمد بن كعب: (هذه الخمس والعصا واللسان ~~وانفجار الماء من الحجر، والطمس كما قال # ربنا اطمس على أموالهم # [يونس: 88]. وقيل: هي الخمس والعصى ويده والسنون ونقص من ~~الثمرات. # قال محمد بن كعب في الطمس: (كان الرجل منهم مع ~~أهله في فراشه، وإذا قد صارا حجرين، وأن المرأة ~~القائمة تخبز وقد صارت حجرا، وأن المرأة في ~~الحمام وأنها لحجر، وكانت تنقلب الفواكه ~~والفلوس والدراهم والدنانير أحجارا). # وروي: # " أن يهوديا قال لصاحبه: تعال حتى نسأل هذا ~~النبي، فأتياه ms1239 فسألاه عن هذه الآية { ولقد ~~آتينا موسى تسع آيات بينات } قال: " لا تشركوا ~~بالله شيئا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله، ~~ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تأكلوا الربا، ولا ~~تسحروا، ولا تمشوا ببريء إلى سلطان ليقتله، ~~ولا تقذفوا المحصنة، ولا تفروا من الزحف، ~~وعليكم خاصة يا يهود أن لا تعدوا في السبت " ~~فقبلوا يده وقالوا: نشهد أنك نبي ". # قوله تعالى: { فسئل بني إسرائيل إذ جآءهم }؛ ~~الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره؛ لأنه صلى الله ~~عليه وسلم كان يقع له العلم من عند الله، فكان لا يحتاج في معرفة ~~ذلك إلى الرجوع إلى أهل الكتاب، فكأنه تعالى قال: فاسأل أيها ~~السامع وأيها الشاك بني إسرائيل إذ جاءهم موسى بالبينات، قال ~~ابن عباس: (فاسأل بني إسرائيل، يعني المؤمنين من ~~قريظة والنضير). # قوله تعالى: { فقال له فرعون إني لأظنك ~~يموسى مسحورا }؛ أي إني لأظنك يا موسى قد سحرت فلذلك ~~تدعي النبوة، وقيل: هذا مفعول بمعنى فاعل كأنه قال: إني ~~لأظنك ساحرا، وقيل: المسحور المخدوع. ### || [17.102] # قوله تعالى: { قال لقد علمت مآ أنزل هؤلاء ~~إلا رب السموت والأرض }؛ أي قال موسى لفرعون: لقد ~~علمت يا فرعون أن هذه الآيات لا تدخل في مقدور العباد، فلم ~~ينزلها إلا رب السماوات والأرض، { بصآئر }؛ أي حججا للناس ~~يبصرون بها في أمر دينهم، { وإني لأظنك يفرعون ~~مثبورا }؛ وإني لأعلم يا فرعون إنك هالك، يقال: ثبر الرجل ~~فهو مثبور؛ أي هالك، والظن قد يذكر بمعنى اليقين على ما ~~تقدم. # وقرأ الكسائي (لقد علمت) بضم التاء، وهي قراءة علي ~~(كرم الله وجهه) وقال: (والله ما علم عدو الله، ~~ولكن موسى هو الذي علم) فبلغ ذلك ابن عباس فقال: ~~(إنه { لقد علمت } تصديقا لقوله تعالى: # وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا # [النمل: 14]). وقراءة النصب أصح وأشهر، وليست قراءة الضم مشهورة ~~عن علي رضي الله عنه ولا ثابتة، وإنما رواها عنه رجل مجهول لا ~~يعرف، ولا تمسك بها أحد من القراء غير الكسائي. # وقوله تعالى: { مثبورا } قال ابن عباس: ms1240 (مغلوبا)، وقال ~~مجاهد: (هالكا)، وقيل: مخبلا لا عقل لك، وقيل: ~~بعيدا من الخيرات، وقيل: سلاخا في القطيفة، قال مجاهد: ~~(دخل موسى على فرعون وعليه قطيفة، فألقى ~~عصاه فرأى فرعون ثعبانا ففزع وأحدث في ~~القطيفة). # وروى أبو سعيد الجوهري قال: (كنت قائما على رأس ~~المأمون وهو يناظر رجلا وهو يقول: يا مثبور، ~~ثم أقبل إلي فقال: ما معنى (مثبورا)؟ قلت: لا ~~أدري، فقال: حدثني الرشيد قال: حدثني المهدي ~~قال: كنت جالسا عند أمير المؤمنين المنصور، ~~فسمعته يقول لرجل: يا مثبور، فقلت: يا أمير ~~المؤمنين ما معنى يا مثبور؟ قال ميمون: قال ابن ~~عباس في قوله تعالى (يا فرعون مثبورا) ما ~~مثبورا؟ قال: ناقص العقل). ### || [17.103] # قوله تعالى: { فأراد أن يستفزهم من الأرض }؛ ~~أي فأراد فرعون أن يزعج بني إسرائيل، ويخرجهم من أرض مصر ~~قهرا. والاستفزاز: هو الخوف بالشدة، ويجوز أن يكون المراد به ~~أنه قصد قتلهم، { فأغرقناه ومن معه جميعا }؛ أي ~~أمرنا موسى وقومه بالخروج من مصر، فتبعه فرعون وقومه، فجعلنا ~~في الماء طريقا يابسا، فجاوز موسى وقومه البحر، فتبعهم ~~فرعون وقومه، فأطبقنا الماء عليهم حتى غرقوا كلهم. ### || [17.104] # قوله تعالى: { وقلنا من بعده }؛ من بعد هلاك فرعون، { ~~لبني إسرائيل اسكنوا الأرض }؛ الشام وأرض مصر، ~~وأورث بني إسرائيل مساكنهم وديارهم، وفي هذا تسلية للنبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه يفعل به وبالمشركين ما فعل بموسى وعدوه، ~~فأظهر الله النبي صلى الله عليه وسلم على المشركين، ورده إلى ~~مكة ظافرا عليها. # قوله تعالى: { فإذا جآء وعد الآخرة جئنا بكم ~~لفيفا }؛ يعني يوم القيامة جئنا بكم جميعا؛ أي أتينا بكم من ~~كل قبيلة، واللفيف: الجماعات من قبائل شتى، وقيل: جئنا ~~بكم مختلطين لا تتعارفون، والمعنى: جئنا بكم من قبوركم إلى ~~المحشر أخلاطا، يعني جميع الخلق، المسلم والكافر والبر ~~والفاجر. ### || [17.105] # قوله تعالى: { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ~~}؛ يعني القرآن، ويجوز أن تكون الهاء كناية عن جبريل، فإن الله ~~أنزله بالقرآن، ونزل هو به. قوله تعالى: { ومآ ~~أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا }؛ أي بشيرا لمن أطاع ms1241 ~~بالجنة، ومخوفا بالنذر للكفار. ### || [17.106] # قوله تعالى: { وقرآنا فرقناه }؛ معناه: وأنزلنا ~~قرآنا فرقناه شيئا بعد شيء، فإنه كان ينزل منه شيء، ثم ~~يمكثون ما شاء الله، ثم ينزل منه شيء آخر، وكان بين أوله ~~وآخره عشرون سنة. وقوله تعالى: { لتقرأه على الناس على ~~مكث }؛ أي على تثبت وتوقف ليفهموه بالتأمل، ويعملوا ما ~~فيه بالتفكر، وهو معنى قوله تعالى # ورتل القرآن ترتيلا # [المزمل: 4]. قوله تعالى: { ونزلناه تنزيلا }؛ ~~تأكيدا لأنزلناه مرة بعد مرة لعظم شأنه. ### || [17.107] # قوله تعالى: { قل آمنوا به أو لا تؤمنوا }؛ أي ~~قل يا محمد لأهل مكة: آمنوا بالقرآن أو لا تؤمنوا، وهذا ~~وعيد لهم؛ أي إن آمنتم وإن لم تؤمنوا، فالله غني عنكم وعن ~~إيمانكم، وإيمانكم لا ينفع غيركم، وكفركم لا يضر سواكم. # قوله تعالى: { إن الذين أوتوا العلم من قبله ~~}؛ أي من قبل نزول القرآن، والمراد بهم مؤمنوا أهل الكتاب، { ~~إذا يتلى عليهم }؛ القرآن، { يخرون للأذقان }؛ أي ~~يقعون على وجوههم { سجدا }؛ لله، والمراد بالأذقان الوجوه، ~~كذا قال ابن عباس. ### || [17.108] # قوله تعالى: { ويقولون سبحان ربنآ إن كان وعد ~~ربنا لمفعولا }؛ أي يقولون في سجودهم: تنزيها لله عما لا ~~يليق به، وقد كان وعد ربنا كائنا لا محالة. وهؤلاء الذين سجدوا ~~كانوا يسمعون أن الله يبعث نبيا من العرب وينزل عليه ~~كتابا، فلما سمعوا القرآن سجدوا لله وحمدوه على إنجاز الوعد ~~ببعث الرسول والكتاب، وقالوا: قد كان وعد ربنا مفعولا. ### || [17.109] # قوله تعالى: { ويخرون للأذقان يبكون }؛ أي ~~يسقطون على الوجوه يبكون في السجود، { ويزيدهم }؛ البكاء ~~في السجود، { خشوعا }؛ إلى خشوعهم؛ لأن مخافتهم الله داعية إلى ~~طاعته، والإخلاص في عبادته. # وفي الآية دليل على أن البكاء في الصلاة من خوف الله لا يقطع ~~الصلاة؛ لأن الله مدحهم عليه. # " وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم " أنه كان يصلي، ~~فيسمع لصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء " " # وعن عبدالله بن شداد قال: (كنت أصلي خلف عمر رضي الله ~~عنه صلاة الصبح، وكان يقرأ سورة يوسف حتى إذا ~~بلغ # إنمآ أشكو بثي ms1242 وحزني إلى الله # [يوسف: 86] سمعت نشيجه، وأنا في آخر الصفوف). ### || [17.110] # قوله تعالى: { قل ادعوا الله أو ادعوا ~~الرحمن }؛ فقال ابن عباس: (تهجد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ذات ليلة بمكة، فجعل يقول في سجوده: " يا ~~الله يا رحمن ". فقال أبو جهل: إن محمدا ينهانا ~~أن نعبد الهين وهو يدعو إلها آخر مع الله يقال ~~له الرحمن! وهم لا يعرفون الرحمن، فأنزل الله ~~هذه الآية). # ومعناها: قل يا محمد: أدعوا الله يا معشر المؤمنين، أو ادعو ~~الرحمن، إن شئتم فقولوا: يا رحمن، وإن شئتم فقولوا: يا ~~الله يا رحمن؛ { أيا ما تدعوا }؛ أي أسماء الله تدعوه ~~بها، { فله الأسمآء الحسنى }؛ فأسماؤه كلها حسنة ~~فادعوه بصفاته. وقوله تعالى: { أيا ما تدعوا } قال بعضهم: ~~(ما) في هذا صلة، ومعناها التأكيد، تقديره: أيا تدعون، ومثله: ~~عما قليل، وخذ ما هنالك، و # فبما رحمة من الله # [آل عمران: 159]. # قوله تعالى: { ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها ~~}؛ قال ابن عباس: (نزلت بمكة، كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن، فإذا ~~سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن ~~جاء به، ولعبوا وصفقوا وصفروا ولغطوا، كل ~~ذلك ليغلطوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا به ~~يؤذونه، وإذا خافت بالقراءة لم يسمعه أصحابه، ~~فأنزل الله هذه الآية). أي لا تجهر بقراءتك في ~~الصلاة فيسمعها المشركون فيؤذونك، ولا تخافت بها فلا ~~يسمعها أصحابك. وقال الحسن: (معناه: ولا تجهر ~~بقراءتك في الصلاة كلها ولا تخافت بها في ~~الصلاة كلها، ولكن اجهر بها في بعض الصلوات، ~~وخافت بها في بعض الصلوات). # " وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر عن ~~قراءته بالليل، فقال: أخافت بها كي لا أؤذي جاري، ~~أناجي ربي وقد علم بحاجتي، فقال صلى الله عليه وسلم " ~~أحسنت " وسأل عمر رضي الله عنه عن قراءته بالليل ~~فقال: أرفع صوتي أوقظ الوسنان وأطرد الشيطان، ~~فقال: " أحسنت " فلما نزلت هذه الآية قال لأبي ~~بكر: " زد في صوتك " وقال لعمر: " انقص من صوتك " " # { وابتغ ms1243 بين ذلك سبيلا }. وعن ابن عباس أن معنى الآية: ~~(لا تصل مراءاة للناس ولا تدعها مخافة ~~للناس). # " وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أحسن الناس قراءة؟ فقال: " ~~الذي إذا سمعت قراءته رأيت أنه يخشى الله تعالى ~~" ". ### || [17.111] # قوله تعالى: { وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ~~ولدا }؛ فيرثه؛ { ولم يكن له شريك في الملك }؛ يعاونه ~~عليه، { ولم يكن له ولي من الذل }؛ أي من أهل الذل ~~وهم اليهود والنصارى، يودون إخراج رؤوسهم ويقولون: نحن أبناء الله ~~وأحباؤه. وقال مجاهد: (معناه: لم يحالف، ولم يبتغ ~~نصر أحد) والمعنى أنه عز وجل لا يحتاج إلى موالاة أحد لذل ~~يلحقه فهو مستغن عن الولي والنصير, # وقوله تعالى: { وكبره تكبيرا }؛ أي عظمه عظمة تامة عن أن ~~يكون له شريك أو ولي وصفه بأنه أكبر من كل شيء، وأنه القادر الذي لا ~~يعجزه شيء، العالم الذي لا يخفى عليه شيء، الغني عن كل شيء. ~~معتقدا لذلك بقلبك، عاملا على أمره فيما أمرك. وعن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم # " أنه كان إذا أفصح الولد من بني عبد المطلب ~~علمه هذه الآية { وقل الحمد لله الذي لم ~~يتخذ ولدا... } الآية ". # وروي # " أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~يا رسول الله إني كثير الدين كثير الهم، فقال: " ~~إقرأ آخر سورة بني إسرائيل { قل ادعوا الله أو ~~ادعوا الرحمن... } إلى آخر السورة، ثم قل: ~~توكلت على الذي لا يموت ثلاث مرات " ". # وعن ابن عباس أنه قال: ((من قرأ سورة بني إسرائيل في ~~سفر أو حضر إيمانا واحتسابا ضرب الله عليه سورا ~~من حديد من الغرق والحرق والبرق)). وعن عبدالحميد ~~أنه قال: ((من قرأ آخر بني إسرائيل، كتب الله له من ~~الأجر مثل السماوات السبع والأرضين السبع، ~~والبحار والجبال)). ### | [18 - سورة الكهف] ### || [18.1-3] # { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب }؛ أي ~~الذي أنزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم القرآن؛ { ولم ~~يجعل له عوجا }؛ أي لم يجعله ملتبسا لا يفهم، ~~ومعوجا لا ms1244 يستقيم. قوله تعالى: { قيما }؛ أي ~~مستقيما عدلا؛ أي مستويا قيما على الكتب كلها ناسخا ~~لشرائعها. # قوله تعالى: { لينذر بأسا شديدا من لدنه }؛ ~~أي لينذر العبد الذي أنزل عليه الكتاب بأسا شديدا؛ أي ~~لينذر الكفار عذابا شديدا من عند الله. قوله تعالى: { ~~ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن ~~لهم أجرا حسنا } أي ثوابا حسنا في الجنة؛ { ماكثين ~~فيه أبدا }؛ أي مقيمين في ذلك الأجر خالدين فيه. ### || [18.4] # قوله تعالى: { وينذر الذين قالوا اتخذ الله ~~ولدا }؛ وهم قريش واليهود والنصارى، فإن قريشا قالوا: الملائكة ~~بنات الله، واليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: ~~المسيح ابن الله. ### || [18.5] # قوله تعالى: { ما لهم به من علم ولا لآبائهم ~~}؛ أي هم وآباؤهم كلهم مقلدين ليس لهم على ذلك بيان ولا حجة، ~~بل قالوا جهلا. قوله تعالى: { كبرت كلمة تخرج من ~~أفواههم }؛ أي كبرت مقالتهم تلك كلمة تخرج من أفواههم ما؛ ~~{ إن يقولون إلا كذبا }؛ و { كلمة } نصب على التمييز، ~~وإنما كبرت هذه الكلمة؛ لأن صاحبها يستحق بها العذاب، ومن ~~ذلك سميت الكبيرة كبيرة؛ لأن عقابها يزيد على استطاعة صاحبها. ### || [18.6] # قوله تعالى: { فلعلك باخع نفسك على آثارهم ~~إن لم يؤمنوا }؛ فيه نهي للنبي صلى الله عليه وسلم من ~~إهلاك نفسه حزنا عليهم بسبب إعراضهم عن الإيمان لشدة شفقته ~~عليهم، وحقيقة الأسف الحزن على من فات. # ومعنى الآية: فلعلك قاتل نفسك، يقال بخع الرجل نفسه إذا ~~قتلها غيظا من شدة حزنه على الشيء أو وجده بالشيء، ~~وقوله تعالى: { على آثارهم } أي من بعدهم، يعني من بعد ~~تولهم وإعراضهم عنك إن لم يؤمنوا، { بهذا الحديث }؛ يعني ~~القرآن، وقوله تعالى: { أسفا }؛ أي حزنا. ### || [18.7-8] # قوله تعالى: { إنا جعلنا ما على الأرض زينة ~~لها }؛ أي جعلنا جميع ما على الأرض من الأشجار والثمار والنبات ~~والمياه والذهب والفضة والحيوان لهم منها زينة للأرض، وجعلناها محفوفة ~~بالشهوات. # قوله تعالى: { لنبلوهم أيهم أحسن عملا }؛ أي ~~لنأمرهم فننظر أيهم أعمل بطاعة الله هذا أم هذا. قال الحسن: ~~(أيهم أزهد في الدنيا وأترك لها). ms1245 وقال مقاتل: ~~(أيهم أصلح فيما أوتي من المال، ويحسن ~~العمل، ويزهد في ما زين له من الدنيا). # ثم بين الله تعالى أنه يعني ذلك كله؛ فقال تعالى: { ~~وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا }؛ أي يجعل ما ~~عليها من الحيوان والنبات ترابا يابسا مستويا على الأرض، ~~والجرز الأرض التي لا ماء فيها ولا نبات، ويقال: سنة جرزا ~~إذا كانت حرة. قال عطاء: (يريد يوم القيامة يجعل ~~الله الأرض جرزا لا ماء فيها ولا نبات). ### || [18.9] # قوله تعالى: { أم حسبت أن أصحاب الكهف ~~والرقيم كانوا من آياتنا عجبا }؛ أي لم يكونوا بأعجب، ~~فقد كان من آياتنا ما هو أعجب من ذلك. قال الزجاج: (أعلم الله ~~أن قصة أهل الكهف ليست بعجيبة؛ لأن خلق ~~السماوات والأرض وما بينهما أعجب من قصة ~~أصحاب الكهف). # والكهف: الغار في الجبل، والرقيم: قيل: هو واد دون ~~فلسطين، وهو الوادي الذي فيه أصحاب الكهف، وقيل: الرقيم لوح من ~~حجارة، وقيل: من رصاص كتبوا فيه أسماء أهل الكهف وقصتهم ثم ~~وضعوه على باب الكهف وهو على هذا التأويل بمعنى المرقوم؛ أي ~~المكتوب، والرقيم: الخط والعلامة، والرقيم: الكتابة. # قال ابن عباس: (وذلك أن قريشا بعثوا خمسة رهط ~~إلى اليهود يسألونهم عن أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قالوا لهم: إنه يزعم أنه نبي مرسل واسمه ~~محمد، وهو فقير يتيم وبين كتفيه خاتم، وإنا ~~نزعم أنه يتعلم من مسيلمة، فإنه يقول: أنا ~~مرسل من عند الرحمن، ونحن لا نعرف الرحمن ~~إلا رحمن اليمامة - يعنون مسيلمة -. # فلما أتى هؤلاء الرهط المدينة، أتوا أحبار ~~اليهود وعلمائهم فسألوا عنه ووصفوا لهم ~~صفته وخاتمه، قالوا: نحن نجده في التوراة كما ~~وصفتموه، ولكن سلوه عن ثلاث خصال، فإن كان ~~نبيا أخبركم بخصلتين، ولم يخبركم بالثالثة؟ ~~فإنا سألنا مسيلمة عن هذه الخصال فلم يدر ~~ما هي، وأنتم سلوه عن خبر ذي القرنين، وعن ~~الروح، وعن أصحاب الكهف. # فرجعوا وأخبروا قريشا بذلك، فسألوا النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: سأخبركم غدا، ولم يقل إن شاء ~~الله. فأبطأ ms1246 عليه جبريل خمس عشرة ليلة، ~~وشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نزل ~~جبريل بهذه الآية # ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن ~~يشآء الله # [الكهف: 23 - 24]. # ثم أخبره عن أصحاب الكهف وحديث ذي القرنين وخبر أمر الروح، ~~وحدثه أن مدينة بالروم كان فيها ملك كافر يدعو إلى عبادة الأوثان ~~والنيران، ويقتل من خالفه، وفي المدينة شاب يدعو إلى الإسلام ~~سرا، فتابعه فتية من أهل المدينة، ففطن بهم الملك فأخذهم، ~~ودفعهم الى آبائهم يحفظونهم، فمروا بغلام راع، فبايعهم ومعه ~~كلبهم حتى إذا أتوا غارا فدخلوه، وألقى الله عليهم النوم سنين ~~عددا، والملك طالب لهم لم يقف على أمرهم، وعمي عليه خبرهم، ~~فسدوا باب الكهف ليموتوا فيه إن كانوا هنالك. # ثم عمد رجل إلى لوح رصاص، فكتب فيه أسماءهم وأسماء آبائهم ~~ومدينتهم، وأنهم خرجوا فرارا من دين ملكهم في شهر كذا في سنة كذا ~~وألزقه بالسد، وكان السد في داخل الكهف، وذكر القصة إلى آخرها، ~~فهذا اللوح الرصاص هو الرقيم. # فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم قريشا بذلك، فلما أتوا النبي ~~صلى الله عليه وسلم قول اليهود أخبرهم بخصلتين ولم يخبرهم ~~بالثالثة، قال كفار قريش: # سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون # [القصص: 48]. # وقال محمد ابن اسحاق: (كثرت في أهل الإنجيل الخطايا، وطغت ~~الملوك حتى عبدوا الأصنام والأوثان، وفيهم بقايا على دين المسيح بن ~~مريم متمسكون بعبادة الله وتوحيده. وكان ممن فعل ذلك ملك من ملوكهم ~~يقال له دقيانوس، وكان قد عبد الأصنام وذبح للطواغيت، فسار حتى ~~دخل مدينة أهل الكهف وهي أقسوس. # فلما دخلها عظم على أهل الإيمان، واستخفوا منه وهربوا إلى ~~كل ناحية، فأراد دقيانوس أن يجمع له أهل الإسلام، واتخذ شرطا ~~من الكفار من أهلها وأمرهم باتباع المسلمين، وأحصرهم فجعلوا ~~يتبعون المسلمين حتى أخذوهم ومضوا بهم الى دقيانوس، فخيرهم بين ~~القتل وبين عبادة الأوثان، فمنهم من رغب في الحياة، ومنهم من قال: ~~لا أعبد غير الله؛ فقتله. # فلما رأى ذلك أهل الإيمان جعلوا يصبرون ms1247 للعذاب والقتل، فقتلهم وقطع ~~لحومهم، وربطها على سور المدينة ونواحيها كلها، وعلى كل باب من ~~أبوابها حتى عظمت المحنة على المسلمين. فلما رأى الفتية ذلك ~~قاموا وصلوا واشتغلوا بالتسبيح والدعاء إلى الله، وكانوا من ~~أشراف الروم، وكانوا ثمانية نفر، فبكوا وتضرعوا وجعلوا ~~يقولون: ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد ~~قلنا إذا شططا، اكشف عن عبادك المؤمنين هذه الفتنة وارفعها عنهم. # فبينا هم كذلك إذ دخلوا عليهم الشرط إلى مصلاهم فوجدوهم ~~سجودا يبكون ويتضرعون إلى الله ويسألونه أن ينجيهم من دقيانوس ~~وفتنته، فقالوا لهم: ما خلفكم من أمر الملك، انطلقوا اليه. # ثم خرجوا من عندهم الى دقيانوس وأخبروه بخبرهم، وقالوا: أنت تجمع ~~الجمع وهؤلاء الفتية يعصون أمرك، فأرسل إليهم الشرط فأتوا بهم ~~تفيض أعينهم من الدمع، معفورة وجوههم بالتراب، فقال دقيانوس: ما ~~منعكم أن تشهدوا الذبح للأصنام، وتعبدوها وتجعلوا أنفسكم كغيركم، ~~إختاروا إما تعبدوا الأصنام مثل الناس، وإما أن نقتلكم. # فقال مكسلمينا: إن لنا إلها تملأ السماوات والأرض عظمته، لن ~~ندعو من دونه إلها أبدا، ولن نفعل هذا الذي تدعونا إليه، ولكنا ~~نعبد الله ونسبحه ونحمده خالصا من أنفسنا، إياه نعبد وإياه نسأل ~~النجاة، وأما الأصنام فلا نعبدها أبدا، إصنع بنا ما بدا لك). # وقال الضحاك: (قال أصحاب مكسلمينا كلهم لدقيانوس مثل هذه المقالة، فقال ~~دقيانوس: إني سأؤخركم، وأمهلكم حتى تراجعوا عقولكم، واجعل لكم ~~مدة تتشاورون فيها، فإن أبيتم طاعتي وخالفتم أمري وقعت بكم ~~العقوبة، وما منعني أن أعجل قتلكم إلا أني أراكم شبابا ~~جديدا شبابكم، فلا أحب أن أهلككم حتى أجعل لكم مدة تنظرون فيها ~~ما يصلح لكم، ثم أمر بحلية كانت عليهم من ذهب وفضة فنزعت عنهم ~~وأمر بإخراجهم من عنده. # فعمد كل واحد منهم إلى بيت أبيه واخذ له منه زادا، وخرجوا ~~هاربين فمروا بكلب، فتبعهم فطردوه ثم تبعهم، ففعلوا ذلك مرارا، ~~فقال لهم الكلب: ما تخشون مني أنا أحب أحباب الله، فمتى نمتم ~~كنت أحرسكم). # وقال ابن عباس: (كانوا سبعة هربوا ليلا، فمروا ms1248 براع ومعه كلب، ~~فتبعهم على دينهم، فوصلوا إلى كهف قريب من البلد فلبثوا فيه، ليس ~~لهم عمل إلا الصلاة والصيام والتسبيح والتكبير والتحميد، وجعلوا ~~نفقتهم على يد واحد منهم يقال له: يمليخا، فكان يشتري لهم متاعهم ~~من المدينة سرا، وكان من أجملهم وأجلدهم، وكان إذا أراد أن يدخل ~~المدينة يضع ثيابا كانت عليه حسانا، ويأخذ ثيابا كثياب المساكين ~~الذين يسألون الناس، ثم يأخذ ورقة ويشتري طعاما، ويتجسس الأخبار، ~~ويسمع هل يذكر هو وأصحابه، ثم يعود إلى أصحابه، فلبثوا كذلك ~~ما لبثوا. # ثم إن دقيانوس الجبار شدد على من بقي من المسلمين، وأمرهم ~~بالذبح للطواغيت، وكان يمليخا حينئذ هناك متنكرا، فسمع بأن ~~دقيانوس يطلب الفتية ويسأل عنهم، فرجع يمليخا هاربا إلى أصحابه ~~وهو يبكي ومعه طعام قليل، فأخبرهم أن دقيانوس يسأل عنهم، ففزعوا ~~ووقفوا سجودا يتضرعون إلى الله، يتعوذون به من فتنتهم، ~~وذلك عند غروب الشمس فبينا هم كذلك إذ ضرب الله على آذانهم في ~~الكهف، وكلبهم باسط ذراعيه بباب الكهف، فأصابهم ما أصابهم وهم ~~مؤمنون موقنون، ونفقتهم عند رؤوسهم. # فلما كان من الغد إلتمسهم دقيانوس فلم يجدهم فغضب غضبا شديدا، ~~وأرسل إلى آبائهم فسألهم عنهم، وقال: أخبروني عن أبنائكم ~~المردة الذين عصوني، فقالوا: ما ندري أين ذهبوا، ولقد أخذوا ~~أموالنا وهربوا، وليس لنا في ذلك ذنب لأنا لم نعصك فلا تعاقبنا ~~فيهم. فخلى سبيلهم وجعل لا يدري ما يصنع بالفتية، فبلغه الخبر ~~أنهم ارتفعوا الجبل فالتمسهم هناك حتى وجدوا الكهف، فألقى الله ~~في نفسه أن يأمر بالكهف فيسد عليهم. # قال دقيانوس: سدوا باب الكهف، ودعوهم فيه يموتون جوعا وعطشا، ~~وليكن كهفهم الذي اختاروه قبرا لهم، وهو يظن أنهم أيقاظ يعلمون ~~ما يصنع بهم، وقد توفى الله أرواحهم في النوم وكلبهم باسط ~~ذراعيه بباب الكهف وقد غشيه ما غشيهم، يقلبون ذات اليمين ~~وذات الشمال، وبقي دقيانوس ما بقي، ثم مات وقرون بعده كثيرة ~~وجاءت ملوك بعد ملوك). # وقيل: إن دقيانوس لما أتى إلى كهفهم يطلبهم كان كلما أراد ~~رجل أن يدخل ms1249 عليهم الكهف أرعب، فلم يطق الدخول، فجعلوا ~~يقولون لو قدرنا أن ندخل عليهم لقيناهم فلم يستطع أحد الدخول ~~إليهم، قال: سدوا عليهم باب الكهف فيموتون جوعا وعطشا، ففعلوا ~~ذلك. # فلما مضى على ذلك قرون وأزمان جاء راعي غنم إلى الكهف بغنمه ~~فأدركه المطر عند الكهف، ففتح الكهف ليدخل غنمه فيه من المطر ~~فوجدهم هناك، فرد الله عليهم أرواحهم، فجلسوا فرحين مستبشرين، ~~وظنوا أنهم أصبحوا من ليلتهم، فقاموا إلى الصلاة فصلوا، لا ~~ترى في ألوانهم ولا في أجسامهم شيء يكرهونه، وهم يحسبون أن ~~دقيانوس في طلبهم. # ثم قالوا ليمليخا: ما الذي قال الناس في شأننا بالأمس؟ فقال: سمعت ~~أنهم يلتمسونكم، فقال مكسلمينا: يا إخوتاه؛ إعلموا أنكم ملاقو ~~الله فلا تكفروه بعد إيمانكم إذا طلبكم غدا، فقالوا ليمليخا: إذهب ~~إلى المدينة استمع لنا الأخبار، وما الذي يذكره الناس فينا عند ~~دقيانوس. # فدخل المدينة مستخفيا يصد عن الطريق؛ لئلا يراه من الناس أحد ~~يعرفه فيعلم دقيانوس، ولم يعلم يمليخا أن دقيانوس وقومه قد ~~هلكوا منذ ثلاثمائة سنة، فرأى يمليخا على باب المدينة علامة أهل ~~الإيمان فعجب، وجعل ينظر يمينا وشمالا مستخفيا، ثم ذهب إلى ~~الباب الثاني فرأى عليه كذلك، فخيل إليه أن المدينة ليست بالتي ~~كان يعرف. # ثم رأى أناسا كثيرا يتحدثون لم يكن يراهم قبل ذلك، فخيل ~~إليه أنه حيران، وجعل يقول لعل هذه غشية، ثم سمع الناس يتحدثون ~~بحديث أهل الإسلام، ويحلفون بالله، ويذكرون عيسى بن مريم، فقال: ~~لعل هذه مدينة أخرى، فقام كالحيران، فرآه إنسان فسأله ما هذه ~~المدينة؟ فقال: هذه أفسوس، فقال: ذاهب العقل. # ثم دخل السوق ليشتري طعاما فأخرج الورق الذي معه فأعطاها ~~رجلا وقال: بعني بهذه طعاما، فعجب الرجل من نقشها وضربها، ثم ~~أعطاها رجلا من أصحابه لينظر إليها، ثم جعلوا يتطارحونها بينهم من ~~رجل إلى رجل، فقالوا: هذا أصاب كنزا من كنوز الأولين، فإما أن ~~تشاركنا فيه، ونخفي أمرك وإلا سلمناك إلى السلطان يقتلك؟ # فقال في نفسه: قد وقعت في الذي كنت احذر منه، فجعل يمليخا ms1250 لا يدري ~~ما يقول لهم، وفزع حتى أنه ما أطاق يخبرهم بشيء، فلما رأوه لا ~~يتكلم أشاعوا خبره، وجعلوا يقودونه في سكك المدينة وهم يقولون: ~~هذا رجل وجد كنزا، فاجتمع عليه أهل المدينة فجعلوا ينظرون إليه ~~ويتعجبون، ويقولون: ما هذا الرجل من أهل المدينة، وما رأيناه فيها قط ~~ولا نعرفه؟ ولو قال لهم: أنا من هذه المدينة لم يصدقوه، وكان ~~متيقنا أن أباه وإخوته في المدينة، وأنه يسألونه من جملة الناس ~~إذا سمعوا بخبره. # ثم إنهم انطلقوا به إلى رئيس المدينة ومدبري أمرها وهما رجلان ~~صالحان، اسم أحدهما آرنوس والآخر أسطوس، وظن يمليخا حين مضوا به ~~أنهم يمضون به إلى دقيانوس، فرفع رأسه إلى السماء وقال: ~~اللهم إله السماء والأرض أفرغ اليوم علي صبرا، وأولج معي ~~روحا تؤيدني به عند هذا الجبار. # فلما انتهوا به إلى الرجلين الصالحين سكن خوفه، فأخذ الرجلان ~~الورق، فنظرا إليه وعجبا منه، وقالا: يا فتى أين الكنز ~~الذي وجدته؟ هذا الورق يشهد عليك أنك وجدت كنزا، فقال يمليخا: ~~والله ما وجدت كنزا، ولكن هذا ورق آبائي، ونقش هذه المدينة ~~وضربها، ولكن لا أدري ما شأني ولا أدري ما أقول لكم. # فقال أحدهما: ممن أنت؟ فقال: أما أنا فكنت أرى أني من أهل هذه ~~المدينة، فقال له: من أبوك؟ ومن يعرفك بها؟ فأتاهم باسم لأبيه فلم ~~يعرفوه، فقال له أحدهما: أنت رجل كذاب لا تخبر بالحق، فلم يدر ~~يمليخا ما يقول، فقال رجل: هذا مجنون، وقال آخر: إنه ليس بمجنون ~~يجنن نفسه حتى تطلقوه، ونظر اليه آخر شزرا وقال: أتظن أنا ~~نصدقك ونطلقك؟ فإن هذه الورق لضربه أكثر من ثلاثمائة سنة، ~~وأنت غلام شاب وليس عندنا من هذا الضرب درهم ولا دينار. # فقال يمليخا: أتعرفون شيئا أسألكم عنه؟ قالوا: سل؛ قال: ما فعل ~~دقيانوس، قالوا لا نعرف اليوم على وجه الأرض ملك يسمى دقيانوس، ~~ولم يكن إلا ملك قد هلك منذ زمان طويل، وهلكت بعده قرون ~~كثيرة، فقال يمليخا: والله لقد كنا فتية وإنه أكرهنا على ms1251 ~~عبادة الأوثان، فهربنا منه عشية أمس فنمنا، فلما انتبهنا ~~خرجت لأشتري لأصحابي طعاما وأتجسس الأخبار، فإذا أنا كما ~~ترون، فانطلقوا معي إلى الكهف أريكم أصحابي. # فلما سمع أرنوس ما يقول يمليخا قال: يا قوم لعل هذا آية من ~~آيات الله جعلها الله لنا على يدي هذا الفتى، فامضوا بنا معه ~~يرينا أصحابه. فمضوا معه ومضى جميع أهل المدينة، فلما سمع ~~الفتية الذين في الكهف الأصوات وجلبة الخيل مصعدة نحوهم، وقد ~~كان أبطأ عليهم يمليخا، ظنوا أنه دقيانوس جاء في طلبهم، فسبق ~~يمليخا القوم وجاء إليهم فسألوه عن شأنه فأخبرهم بالخبر كله، ~~فعرفوا أنهم كانوا نياما بأمر الله ذلك الزمان كله، وإنما ~~أوقضوا؛ ليكونوا آية للناس وتصديقا للبعث، وليعلموا أن ~~الساعة لا ريب فيها، فلما فرغ يمليخا من كلامه قبض الله ~~روحه وأرواحهم، وعمي على أولئك القوم باب الكهف فلم يهتدوا ~~إليه. ### || [18.10] # قوله تعالى: { إذ أوى الفتية إلى الكهف }؛ أي ~~اذكر لقومك إذ أوى الفتية يعني الشباب؛ { فقالوا ~~ربنآ آتنا من لدنك رحمة }؛ ننجوا بها من قومنا، { ~~وهيىء لنا من أمرنا رشدا } ، أي اجعل لنا طريقا ~~ومخرجا يوفقنا إليك، وارشدنا إلى ما يقربنا إليك. ### || [18.11-12] # قوله تعالى: { فضربنا على آذانهم في الكهف ~~سنين عددا }؛ أي أنمناهم في الكهف سنين معدودة وهم أحياء ~~يتعشون ، { ثم بعثناهم }؛ أي أيقظناهم من نومهم؛ { لنعلم ~~أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا }؛ أي ليعرف غيرهم ~~أنه ليس فيهم من يعرف مقدار السنين التي ناموا فيها؛ والمراد ~~بأحد الحزبين: الفتية، والآخر ناس ذلك الزمان، وقيل: أراد بأحد ~~الحزبين: المؤمنين، والحزب الآخر: الكافرين. ### || [18.13] # قوله تعالى: { نحن نقص عليك نبأهم بالحق }؛ ~~أي نبين لك خبرهم بالصدق؛ { إنهم فتية }؛ أي شباب؛ { ~~آمنوا بربهم وزدناهم هدى }؛ أي ثبتناهم على ~~الإيمان. ### || [18.14] # قوله تعالى: { وربطنا على قلوبهم إذ قاموا }؛ ~~أي ألهمنا قلوبهم الصبر، وشجعناها حين قاموا بحضرة الكفار؛ ~~يعني بين يدي دقيانوس الذي كان يفتن أهل الإيمان حتى قالوا بين ~~يديه؛ { فقالوا ربنا رب السموت والأرض لن ~~ندعوا من دونه إلها ms1252 لقد قلنا إذا شططا }؛ أي ~~كذبا وجورا، والمعنى إن عبدنا غير الله ودعونا معه ~~إلها آخر، قلنا قولا ذا شطط؛ أي متجاوزا للحق في غاية ~~البطلان. ### || [18.15-16] # قوله تعالى: { هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه }؛ ~~أي قالوا: هؤلاء قومنا عبدوا من دون الله؛ { آلهة }؛ أي عبدوا ~~الأصنام؛ يعنون الذين كانوا في زمن دقيانوس، وقوله ~~تعالى: { لولا يأتون عليهم بسلطان بين }؛ أي ~~هلا يأتون على عبادتهم لها ببرهان واضح. # قوله تعالى: { فمن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا }؛ أي فمن أظلم لنفسه ممن اختلق على الله كذبا بأن جعل ~~معه شريكا في العبادة. وقوله تعالى: { وإذ ~~اعتزلتموهم }؛ أي قال بعضهم لبعض، قيل: إن القائل بهذا ~~يمليخا وهو رئيس أصحاب الكهف؛ قال لأصحابه: إذ فارقتموهم ~~وتنحيتم عنهم جانبا؛ أي عن عبادة الأصنام { وما يعبدون ~~}؛ وهذا آخر الكلام ثم قال: { إلا الله }؛ يعني إلا الله فلا ~~تعتزلوه أي فلا تعتزلوا عبادته. # قوله تعالى: { فأووا إلى الكهف }؛ أي فصيروا إلى ~~الكهف، واجعلوه مأواكم؛ { ينشر لكم ربكم }؛ أي يبسط لكم؛ ~~{ من رحمته }؛ نعمته؛ { ويهيئ لكم من أمركم ~~مرفقا }؛ ما ترفقون به هناك في معايشكم يكون مخلصا لكم من ~~ظلم هؤلاء الكفار. قال ابن عباس: (معناه: ويسهل ~~عليكم ما تخافون من الملك وظلمه). يقال: فيه ~~(مرفقا) بكسر الميم وفتح القاف، وفتح الميم وكسر الفاء، وكذلك في ~~مرفق اليد. ### || [18.17] # قوله تعالى: { وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن ~~كهفهم }؛ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، قرأ أهل الكوفة ~~(تزاور) بالتخفيف على حذف إحدى التائين، وقرأ أهل الشام ويعقوب ~~(تزور) بوزن تحمر، وكلها بمعنى واحد أي تميل، وفيه بيان ~~أن الكهف الذي أووا إليه كان بابه نحو القطب الذي يقرب بباب نعش، ~~وكانت الشمس تطلع مزوارة على باب الكهف عند الطلوع وعند الغروب. # قوله تعالى: { ذات اليمين }؛ أي ناحية اليمين، قوله ~~تعالى: { وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال }؛ أي ~~تعدل عنهم. قال الكلبي: (إذا طلعت مالت عن كهفهم ~~ذات يمين الكهف، وإذا غربت تمر بهم ذات الشمال ~~يعني شمال الكهف ms1253 لا تصيبه، وكان كهفهم في أرض ~~الروم، أعلم الله أنه يميل عنهم الشمس طالعة ~~وغاربة، لا تدخل عليهم فتؤذيهم بحرها ~~وتغير ألوانهم). # قوله تعالى: { وهم في فجوة منه }؛ أي في متسع ~~من الكهف، هيأ الله لهم مكانا واسعا لا يصيبهم فيه حر ولا ~~سموم، ولا يتغير لهم ثوب ولا لون ولا رائحة، ولكن كان ينالهم فيه ~~نسيم الريح وبردها. قوله تعالى: { تقرضهم ذات ~~الشمال } القرض من قولهم: قرضته بالمقراض؛ إذا ~~قطعته، كأنه قال: تقطعهم ذات الشمال. وقيل: تعطيهم اليسير ~~من شعاعها عند الغروب، كأنه شبهه بقرض الدراهم التي تعطى ثم ~~تسترد. # قوله تعالى: { ذلك }؛ أي إبقاؤهم طول السنين التي ذكرها ~~الله نياما لا يستطيعون يستيقظون من دون طعام ولا شراب، { من ~~آيات الله }. وقوله تعالى: { من يهد الله فهو ~~المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا } ~~ظاهر المعنى. ### || [18.18] # قوله تعالى: { وتحسبهم أيقاظا وهم رقود }؛ تظنهم يا ~~محمد منتبهين وهو نائمون، وإنما كان يحسبهم الرائي ~~منتبهين؛ لأنهم كانوا نياما وهم مفتوحو الأعين، وكانوا ~~يتنفسون. # قوله تعالى: { ونقلبهم ذات اليمين وذات ~~الشمال }؛ قرا الحسن (ونقلبهم) بالتخفيف، والمعنى نقلبهم ~~تارة عن اليمين إلى الشمال؛ وتارة عن الشمال إلى اليمين، كما نقلب ~~النائم؛ لئلا تأكل الأرض أجسامهم. ذكر قتادة: (أن لهم في ~~عام تقليبين)، وعن ابن عباس: (في كل عام مرة). # قوله تعالى: { وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد }؛ ~~أي على باب الفجوة أنامه الله كذلك، والوصيد من قولهم: ~~أوصدت الباب، وأصدته إذا أغلقته، وقد يقال لذلك الأصيد ~~أيضا، وقيل: الوصيد فناء الكهف. وقال سعيد بن جبير: ~~(الوصيد: التراب). وقال السدي: (الوصيد: الباب). وقال ~~عطاء: (عتبة الباب). # وكان لون الكلب أحمر، كذا قال ابن عباس، وقال مقاتل: (كان ~~أصفر يضرب إلى الحمرة) وقيل: كان كلون الحجر، ~~وقيل: كلون السماء. قال علي رضي الله عنه: (كان اسمه ~~ريان). وقال ابن عباس: (قطمير). وقال سفيان: (اسمه ~~حمران). وقال عبدالله بن سلام: (لسمه نشيط). روي عن بعضهم ~~أنه مما أخذ على الكلب أن لا يضر بأحد يقرأ: ms1254 وكلبهم باسط ~~ذراعيه بالوصيد. # قوله تعالى: { لو اطلعت عليهم لوليت منهم ~~فرارا }؛ أي لو اطلعت عليهم يا محمد لوليت منهم ~~فرارا لما ألبسهم الله تعالى من الهيبة حتى لا يصل إليهم ~~أحد حتى يبلغ الكتاب أجله فيهم وينتبهوا من رقدتهم. وقيل: ~~لأنهم كانوا في مكان موحش من الكهف، وقيل: لأن أعينهم ~~مفتحة كالمستيقظ الذي يريد أن يتكلم وهم نيام. # وعن ابن عباس قال: (غزونا مع معاوية نحو الروم ~~فمررنا بالكهف الذي فيه أصحاب الكهف، فقال ~~معاوية: لو كشف لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم، ~~فقال ابن عباس: ليس لك؛ قد منع الله ذلك عن من ~~هو خير منك، فقال: لو اطلعت عليهم لوليت ~~منهم فرارا؛ { ولملئت منهم رعبا }؛ فقال ~~معاوية: لا أنتهي حتى أعلم علمهم، فبعث أناسا ~~فقال: اذهبوا وانظروا، ففعلوا فلما دخلوا ~~الكهف بعث الله عليهم ريحا فأخرجتهم من ~~الكهف). ### || [18.19] # قوله تعالى: { وكذلك بعثناهم ليتسآءلوا ~~بينهم }؛ أي وكذلك أيقظناهم، كما أنمناهم ليتحدثوا ويسألوا ~~بعضهم بعضا، { قال قائل منهم }؛ وهو رئيسهم وسمي ~~مكسلميا: { كم لبثتم }؛ في نومكم في الكهف؛ { قالوا لبثنا ~~يوما }؛ فلما نظروا إلى الشمس، وقد بقي منها شيء؛ قالوا: { ~~أو بعض يوم }؛ توقيا من الكذب، فلما نظروا إلى أظفارهم ~~وأشعارهم علموا أنهم لبثوا أكثر من يوم؛ ف؛ { قالوا ربكم ~~أعلم بما لبثتم }. # قوله تعالى: { فابعثوا أحدكم بورقكم هذه ~~إلى المدينة }؛ أي فابعثوا يمليخا، والورق الفضة مضروبة ~~كانت أو غير مضروبة، وأما المدينة فهي أفسوس، وقيل: طرسوس، كان ~~اسمها في الجاهلية: أقسوس، فلما جاء الإسلام سموها طرسوس. ومعنى ~~الآية: فابعثوا أحدكم بدراهمكم هذه إلى السوق؛ { فلينظر ~~أيهآ أزكى طعاما }؛ أي أحل ذبحة؛ لأن عامتهم كانوا ~~مجوسا، وفيهم مؤمنون يخفون إيمانهم، وقيل: أطيب خبزا وأبعد ~~عن الشبهة، لأن ملكهم كان يظلم الناس في طعامهم، وكانوا يحسبون أن ~~ملكهم دقيانوس الكافر. وقال عكرمة معناه: (أكثر وأفضل) في معنى ~~أن الزكاة هو الزيادة. # قوله تعالى: { فليأتكم برزق منه }؛ أي بقوت ~~وطعام. وقوله تعالى: { وليتلطف }؛ أي يتوقف في الذهاب ~~والمجيء، وفي دخوله المدينة ms1255 حتى لا تعرفه الكفار؛ { ولا ~~يشعرن بكم أحدا }؛ أي لا يخبرن أحد من أهل المدينة ~~بمكانكم. ### || [18.20] # قوله تعالى: { إنهم إن يظهروا عليكم ~~يرجموكم }؛ أي إنهم إن علموا مكانكم رجموكم بالحجارة حتى ~~يقتلوكم، وقيل: يشتموكم ويؤذوكم، وكان من عادتهم القتل بالرجم ~~وهو أخبث القتل. وقوله تعالى: { أو يعيدوكم في ~~ملتهم }؛ أي إلى دينهم وهو الكفر؛ { ولن تفلحوا إذا ~~أبدا }؛ إن عدتم إلى دينهم، ولم تظفروا الخير في الدنيا ~~والآخرة. # فإن قيل: أليس لو أكرهوهم، وأظهروا الكفر لم يكن في ذلك مضرة ~~عليهم؟ قيل: يجوز أنه لم يكن في شريعة الإسلام جواز إظهار كلمة ~~الكفر على وجه التقية. ### || [18.21] # قوله تعالى: { وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا ~~أن وعد الله حق }؛ أي أطلعنا عليهم، وذلك أنهم لما ~~بعثوا بورقهم على يد يمليخا ومضى إلى السوق، فإذا ملكهم مسلم ~~قد أظهر علامات الإسلام فتعجب من تغير الأمر، وقال لخباز: ~~بعني من طعامك بهذا الورق، فلما رأى الخباز دراهمه أنكرها وقال: ~~من أين لك هذه وقد ضربت منذ ثلاثمائة سنة؟ فإما أن تعطيني من هذا ~~الكنز، أو أرفعك إلى الملك؟ فأنت وجدت كنزا. # فحمله إلى الملك فلم يجد بدا من أن يذكر للملك قصتهم، فجاء ~~الناس معه إلى باب الكهف، فدخل هو قبلهم، وأخبر أصحابه بأن ~~الملك أتاهم إذ ظهر القوم عليهم فسألوه عن أمرهم، فقصوا عليهم ~~قصتهم، فنظروا فإذا اللوح الرصاص وفيه أسماؤهم وفرارهم من ~~دقيانوس. # فقال الملك: هؤلاء قوم هلكوا في زمان الكافر، فأحياهم الله في ~~زماني، وحسبوا المدة، فوجدوها ثلاثمائة سنة وتسع سنين، فبينا ~~هم كذلك يحدثونهم إذ دخلوا المكان، وقد ضرب الله على آذانهم ~~بالنوم، هكذا روي عن ابن عباس. # وذهب عكرمة إلى أن القوم دخلوا المكان وقد ضرب الله على ~~آذانهم، فهذا معنى قوله { وكذلك أعثرنا عليهم } وقوله ~~تعالى: { ليعلموا أن وعد الله حق } أي ليعلم ~~الملك وقومه وغيرهم أن البعث بعد الموت كائن، { وأن الساعة ~~}؛ القيامة، { لا ريب فيها }؛ لا شك فيها. # وقوله تعالى: { إذ يتنازعون بينهم أمرهم }؛ ~~قيل: ms1256 كان التنازع في أن قال بعضهم لبعض إنهم قد ماتوا في ~~الكهف، وقال بعضهم: بل ناموا كما ناموا من قبل، وسيوقظهم الله من ~~بعد. # وقيل: كانوا يتنازعون في البناء كما قال تعالى: { فقالوا ~~ابنوا عليهم بنيانا }؛ أي قال بعضهم: نبني عليهم ~~بنيانا كما تبنى المقابر؛ كي يستروهم عن الناس، وقال بعضهم: بل ~~نبني في هذا الموضع مسجدا يعبد الله فيه، وهو قول الذين ~~غلبوا على أمرهم وهم رؤساؤهم. # قوله تعالى: { ربهم أعلم بهم قال الذين ~~غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا }؛ أي ~~أعلم بلبثهم ورقادهم وأحوالهم؛ لأن قوم الملك تنازعوا ~~في قدر مكثهم في الكهف، وفي عددهم وفي ما يفعلون بعد ذلك. ### || [18.22] # قوله تعالى: { سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم }؛ ~~أي وذلك أن أهل الكتاب الذين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~عن أهل هذه الصفة يختلفون في عددهم. روي أن السيد والعاقب ~~وأصحابهما من النصارى وأهل نجران كانوا عند رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وذكروا أصحاب الكهف، فقال السيد: كانوا ثلاثة رابعهم ~~كلبهم، وقال العاقب: كانوا خمسة سادسهم كلبهم، { ويقولون ~~خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب }؛ أي ظنا من ~~غير يقين كأنهم يرجمون بالغيب بالقول فهم بالغيبة عنهم، وقال ~~المسلمون: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم. { ويقولون سبعة ~~وثامنهم كلبهم } # وقال بعضهم: هذه الواو واو الثمانية، وذلك أن العرب تقول: واحد ~~اثنان ثلاثة أربعة ستة سبعة وثمانية؛ لأن العدد عندهم سبعة، كما ~~هو اليوم عندنا عشرة، ونظيره قوله تعالى: # التائبون العابدون # [التوبة: 112] إلى قوله # والناهون عن المنكر # [التوبة: 112] وقوله في صفة أهل الجنة # وفتحت أبوابها # [الزمر: 73] وقوله في أزواج النبي صلى الله عليه وسلم # وأبكارا # [التحريم: 5]. # قوله تعالى: { قل ربي أعلم بعدتهم }؛ أي قل ربي ~~أعلم كم كان عددهم، وقوله تعالى: { ما يعلمهم إلا ~~قليل فلا تمار فيهم إلا مرآء ظاهرا }؛ عنى به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه تعالى أخبره بعدتهم، وأمره ~~أن لا يمار في معرفة من أدعى عددهم إلا بأن بين له أنه ~~يقوله بغير حجة، ولا ms1257 خبر عنده من الله، فإن هذا العلم ليس عند ~~أهل الكتاب، وهذا هو المراد الظاهر. # وقوله تعالى: { ولا تستفت فيهم منهم أحدا }؛ ~~أي لا تستفت في أصحاب الكهف من اليهود وأهل الكتاب أحدا، فالخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به أمته، فإنه مستغنيا ~~بإخبار الله إياه عن أن يستفتيهم. وعن ابن عباس أنه قال: (أنا ~~من القليل الذي يعلم عددهم كانوا سبعة ~~وثامنهم كلبهم)، وإنما عرفه سماعا من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. ### || [18.23-24] # قوله تعالى: { ولا تقولن لشاىء إني فاعل ذلك ~~غدا * إلا أن يشآء الله }؛ أي لا تقل إني فاعل شيئا ~~حتى تقرن به قولك إن شاء الله، فلعلك لا تبقى إلى الغد، ~~ولا تقدر عليه من الغد. # قال المفسرون: لما سأل اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~خبر الفتية وعدهم أن يخبرهم غدا، ولم يقل إن شاء ~~الله، فحبس عنه الوحي حتى شق عليه، وأنزل هذه الآية يأمره ~~بالاستثناء بمشيئة الله. # قوله تعالى: { واذكر ربك إذا نسيت }؛ قال ابن ~~عباس ومجاهد: (معناه إذا نسيت الاستثناء ثم ذكرته ~~فاستثن)، وقال سعيد بن جبير: (إذا قلت لشيء: إني ~~فاعله غدا؛ ونسيت الاستثناء بمشيئة الله، ثم ~~تذكرت، فقل: إن شاء الله، وإن كان بعد يوم أو ~~بعد شهر أو سنة). # وعن ابن عباس: (معناه: إذا حلفت على شيء ونسيت ~~الاستثناء، ثم ذكرت فاستثن مكانك وقل: إن شاء ~~الله ولو كان إلى سنة ما لم تحنث). وقال الحسن: (له ~~أن يستثني في اليمين ما لم يقم من المجلس). # وقال إبراهيم وعطاء والشعبي: (لا يصح الاستثناء إلا ~~موصولا بالكلام، فيكون المعنى على هذا القول: ~~وإذا ذكرت إذا نسيت شيئا فادع الله حتى يذكرك). ~~وقال عكرمة: (معناه: واذكر ربك إذا غضبت). # قال وهب: (مكتوب في الإنجيل: يا ابن آدم اذكروني حين تغضب ~~أذكرك حين أغضب). وقال الضحاك والسدي: هذا في الصلاة ~~لقوله صلى الله عليه وسلم: # " من نسي صلاة أو نام عنها؛ فليصلها إذا ذكرها ~~" # قوله: { وقل عسى أن يهدين ms1258 ربي لأقرب من ~~هذا رشدا }؛ أي قل عسى أن يعطيني ربي من الآيات والدلالات ~~على النبوة ما يكون أقرب في الرشد، وأدل من قصة أصحاب الكهف. ### || [18.25] # قوله تعالى: { ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة ~~سنين وازدادوا تسعا } يعني من يوم دخلوا الكهف إلى أن ~~بعثهم الله وأطلع عليهم الخلق. قال الفراء والزجاج والكسائي: ~~(التقدير: سنين ثلاثمائة؛ لأن التفسير لا ~~يكون بلفظ الجمع). وقال أبو علي الفارسي: (سنين بدل ~~من ثلاثمائة). وقرأ حمزة: (ثلاثمائة سنين) مضافة ~~غير منونة. وقال الضحاك: (نزل قوله تعالى: ولبثوا ~~في كهفهم ثلاثمائة، فقالوا: أياما أو شهورا أو ~~سنين؟ فقيل: سنين) ولذلك لم يقل سنة. ### || [18.26] # قوله تعالى: { قل الله أعلم بما لبثوا }؛أي ~~لقدر ما لبثوا؛ { له غيب السموت والأرض }؛ أي له ~~العلم بكل مستور عن الخلق في السماوات والأرض وفي قعر البحار. ~~قوله تعالى: { أبصر به وأسمع }؛ أي أذكر بذلك ~~الناس فهو من خفي صفاته: وقيل: معناه: ما أبصر الله بكل ~~موجود! وما أبصره بكل مسموع. # قوله تعالى: { ما لهم من دونه من ولي }؛ أي ما ~~لأهل السماوات والأرض من دون الله من ولي ولا ناصر. قوله ~~تعالى: { ولا يشرك في حكمه أحدا }؛ أي لا يشرك في ~~حكمه أحدا غيره. وقرأ ابن عامر: (ولا تشرك) على المخاطبة: ~~أي لا تشرك أيها الإنسان على النهي. ### || [18.27] # قوله تعالى: { واتل مآ أوحي إليك من كتاب ~~ربك }؛ أي اقرأ عليهم القرآن وعرفهم أنه الحق؛ { لا ~~مبدل لكلماته }؛ ولا خلف لخبره ولا مغير له: قوله ~~تعالى: { ولن تجد من دونه ملتحدا }؛ أي ملجأ أو ~~معدلا تهرب إليه، من قولهم: لحدت إلى كذا؛ إذا ملت ~~إليه، ومنه اللحد؛ لأنه يمال به إلى ناحية القبر، ومنه الإلحاد ~~في الدين الميلان عليه. ### || [18.28] # قوله تعالى: { واصبر نفسك مع الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه }؛ نزلت هذه ~~الآية في سلمان الفارسي وصهيب بن سنان وعمار بن ياسر وخباب ~~وعامر بن فهيرة وغيرهم من الفقراء، كانوا عند النبي صلى الله عليه ~~وسلم وكان ms1259 مع سلمان شملة قد عرق فيها إذ دخل عيينة بن حصن ~~الفزاري، فقال: يا محمد إن رؤوس مضر وأشرافها، وإنه والله ~~ما يمنعنا من الدخول عليك إلا هذا - يعني سلمان وأصحابه - ولو ~~أنا إذا دخلنا عليك أخرجتهم عنا لاتبعناك، إنه ليؤذينا ريحه ~~أما يؤذيك ريحه؟ فأنزل الله في سلمان وأصحابه هذه الآية. ومعناها: ~~واحبس نفسك أيها النبي مع الذين يدعون ربهم بالغداة ~~والعشي يريدون وجهه وتعظيمه. # قوله تعالى: { ولا تعد عيناك عنهم }؛ أي لا ~~تصرف بصرك عنهم لفقرهم إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة. ~~قوله تعالى: { تريد زينة الحياة الدنيا }؛ أي ~~مجالسة أهل الشرف والغنى (تريد) هاهنا في موضع الحال أي مريدا. # قوله تعالى: { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ~~ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا }؛ يريد ~~عيينة وأبناءه، أي لا تطعهم في تنحية الفقراء عنك ليجلسوا ~~إليك، ومعنى: { أغفلنا قلبه عن ذكرنا } أي جعلناه غافلا ~~عن القرآن والإسلام. قوله تعالى: { وكان أمره فرطا } ~~أي ضياعا وندما، وقيل: هلاكا، وقيل: مخالفا للحق، ~~وقيل: باطلا، وقيل: معناه: ضيع أمره وبطل أيامه. ### || [18.29] # قوله تعالى: { وقل الحق من ربكم }؛ أي قل ~~القرآن والدلالات على وحدانية الله ونبوة رسوله هو الحق من ~~ربكم، و(الحق) مرفوع على الحكاية، وقيل: خبر مبتدأ مضمر؛ أي ~~هو الحق؛ والمعنى: وقل يا محمد لهؤلاء الذي أغفلنا قلوبهم ~~عن ذكرنا: أيها الناس الذي أنذركم به (الحق من ربكم)، لم ~~أتكلم به من قبل نفسي. # قوله تعالى: { فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر ~~}؛ تهديد بلفظ الخبر، والمعنى: فمن شاء فيؤمن، ومن شاء فيكفر، { ~~إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها ~~}؛ فقد أعد لكم نارا على كفركم أحاط بكم سرادقها؛ قال ابن عباس: ~~(السرادق: حائط من النار يحيط بهم). # وقيل: دخان يحيط بهم قبل أن يصلوا إلى النار. وعن أبي ~~سعيد الخدري قال: (سرادق النار أربعة جدر، غلظ كل ~~جدار مسيرة أربعين سنة، فهذه الجدر محيطة ~~بهم). وقال ابن عباس: (معنى الآية: فمن شاء الله له ~~الإيمان آمن، ومن شاء له ms1260 الكفر كفر). # قوله تعالى: { وإن يستغيثوا يغاثوا بمآء ~~كالمهل }؛ معناه: وإن يستغيثوا من شدة الحرارة يغاثوا بماء ~~كعكر الزيت أسود غليظ، وقيل: إن المهل هو الصفر ~~المذاب، ويقال: هو القيح والدم. قوله تعالى: { يشوي ~~الوجوه }؛ أي إذا قرب البشر منه أنضج الوجه بحرارته، وأسقط ~~فروة وجهه ولحمه فيه، { بئس الشراب وسآءت }؛ النار؛ { ~~مرتفقا }؛ أي ساءت متكأ لهم، مأخوذ من المرفق؛ لأنهم ~~يتكؤن على مرافقهم، وقيل: معناه: وساءت منزلا ومقرا، ~~وقيل: مجتمعا مأخوذ من المرافقة. ### || [18.30-31] # قوله تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا }؛ أي لا ~~يبطل ثواب من أخلص لله، ويجوز أن يكون معناه: إنا لا نضيع أجر ~~من أحسن منهم، بل يجازيهم. # ثم ذكر جزاءهم فقال: { أولئك لهم جنات عدن ~~تجري من تحتهم الأنهار }؛ أي بساتين إقامة، وقد ذكرنا ~~صفات جنات عدن. قوله تعالى: { يحلون فيها من ~~أساور من ذهب }؛ أي يلبسون في الجنان ذلك. # قال الزجاج: (أساور: جمع أسورة، وأسورة جمع ~~سوار)؛ وهو زينة يلبس في الزند من اليد، من ~~زينة الملوك يسور في اليد ويتوج على الرأس. ~~قال ابن جبير: (على كل واحد منهم ثلاثة من ~~الأساور، واحد من فضة وواحد من ذهب وواحد من ~~لؤلؤ وياقوت). # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لو أن أدنى أهل الجنة حلية عدلت حليته ~~بحلية أهل الدنيا جميعها لكان ما يحليه الله ~~به في الآخرة أفضل من حلية أهل الدنيا جميعها ~~". # قوله تعالى: { ويلبسون ثيابا خضرا من سندس ~~وإستبرق }؛ الخضر: جمع أخضر، وهو أحسن ما يكون من ~~الثياب، والسندس: الديباج الرقيق الفاخر، وقيل: هو ~~الحرير؛ وواحد السندس سندسة، والاستبرق الديباج الغليظ ~~الذي له بريق. # قوله تعالى: { متكئين فيها }؛ أي في الجنان؛ { على ~~الأرآئك }؛ أي على السرر في الحجال وهي من ذهب مكلل ~~بالدر والياقوت؛ { نعم الثواب }؛ جزاء أعمالهم؛ { ~~وحسنت مرتفقا }؛ أي متكأ. ### || [18.32] # قوله تعالى: { واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا ~~لأحدهما جنتين من أعناب وحففناهما بنخل ~~وجعلنا بينهما زرعا }؛ الآية، هذا مثل ms1261 ضربه الله ~~لعباده؛ ليستدعيهم إلى طاعته، ويزجرهم عن كفران نعمته، والمعنى: ~~واضرب لهم مثلا رجلين. # قال ابن عباس: (كانوا أخوين في بني إسرائيل؛ توفي ~~أبوهما وترك ثمانية آلاف دينار، وكان أحدهما ~~مسلما والآخر كافرا، وأصاب كل واحد منهما ~~أربعة آلاف دينار، فالمسلم أنفقها في سبيل حتى ~~أنفدها فأوجب الله له الجنة، والكافر اشترى ~~بها بساتين، فاحتاج المسلم إليه فأتاه يتعرض ~~إليه. فقال له: أين مالك؟ فقال له: أنفقته في ~~سبيل الله، فقال له الكافر: لا أعطيك حتى تتبع ~~ديني، ثم أخذ بيد أخيه فأدخله بساتينه، وجعل ~~يطوف به فيها ويقول له: ما أظن أن تبيد هذه ~~أبدا، فذلك قوله تعالى: { جعلنا لأحدهما ~~جنتين من أعناب } أي جعل للكافر منهما بساتين من ~~كروم، وجعل حول البساتين نخيلا وجعلنا بين البساتين زرعا؛ ~~أي يزرعه. ### || [18.33-34] # قوله تعالى: { كلتا الجنتين آتت أكلها ولم ~~تظلم منه شيئا }؛ أي كلا البساتين أخرجت ثمرها ولم ~~تنقص منه شيئا كأن ما أن يذهب صنف من الثمار إلا أثمر صنف آخر، ~~وإنما قال: آتت؛ ولم يقل آتتا؛ لأن المعنى أعطت كل واحدة من ~~الجنتين، ولفظ كلتا واحدة؛ لأن الألف في كلتا ليست ألف ~~تثنية، كأنه قال: كل واحدة منهما آتت أكلها. # قوله تعالى: { وفجرنا خلالهما نهرا }؛ أي فجرنا ~~وسط البساتين نهرا نسقيها، { وكان له ثمر }؛ أي كان لهذا ~~الكافر ذهب وفضة ومن كل المال، وقيل: من قرأ: (ثمر) بضم الثاء، ~~فمعناه صنوف من الأموال: الذهب والفضة وغيرهما، يقال: أثمر الرجل ~~إذا كثر ماله. ومن قرأ بنصب الثاء كان معناه ثمرة البساتين، ~~والأول هو الأقرب لأن قوله { كلتا الجنتين آتت أكلها ~~} يدل على الثمار، فاقتضى أن يكون الثمر غير ذلك. # قوله تعالى: { فقال لصاحبه }؛ أي لأخيه المسلم؛ { ~~وهو يحاوره }؛ أي يراجعه بالكلام ويفاخره: { أنا أكثر ~~منك مالا وأعز نفرا }؛ يعني خدما وحشما وولدا، ~~يتطاول بذلك على أخيه، ورأى تلك النعمة من قبل نفسه لا من قبل ~~الله. ### || [18.35-36] # قوله تعالى: { ودخل جنته وهو ظالم لنفسه }؛ ~~أي دخل الكافر بستانه ms1262 وهو ظالم لنفسه بالكفر وترك الشكر؛ { ~~قال مآ أظن أن تبيد هذه أبدا }؛ أي ما أظن أن ~~تفنى هذه أبدا. قال المفسرون: أخذ بيد أخيه المسلم فأدخله ~~جنته، وطاف به فيها، وأراه إياها وجعل يعجبه منها، ويقول ما أظن ~~أن تفنى هذه أبدا، { ومآ أظن الساعة قائمة }؛ أنكر ~~البعث والثواب والعقاب، وأخبر أخاه بكفره وإنكاره للقيامة. # قوله تعالى: { ولئن رددت إلى ربي لأجدن ~~خيرا منها منقلبا }؛ يعني لئن كان البعث حقا، ~~ورددت إلى ربي على زعمك لأجدن في الآخرة خيرا منها مرجعا ~~ومنزلا، ولم يعطني الله هذه في الدنيا إلا ولي عنده أفضل منها ~~لكرامتي عليه، فمعناه الجنتين التي تقدم ذكرهما، وفي هذا بيان أن ~~هذا الكافر لم يكن قاطعا لنفي المعاد ولكن كان شاكا فيه، ~~والشاك في المعاد كافر. ### || [18.37-38] # قوله تعالى: { قال له صاحبه وهو يحاوره }؛ أي ~~أجابه صاحبه المسلم منكرا بما قال وهو يخاطبه: { أكفرت ~~بالذي خلقك من تراب }؛ أي بالذي خلق أصلك من تراب؛ { ~~ثم }؛ خلقك؛ { من نطفة }؛ أبيك؛ { ثم سواك رجلا ~~}؛ أي أكملك وجعلك معتدل الخلق والقامة، وجعلك بشرا سويا. # قوله تعالى: { لكنا هو الله ربي }؛ معناه: أما ~~أنا فلا أكفر بربي، لكن هو الله ربي؛ تقديره: لكن أنا هو الله ~~ربي، وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: لكن الله هو ربي؛ أعلم ~~بذلك أخاه الكافر بأنه موحد مسلم. # ومن قرأ: (لكنا) فالمعنى لكن أنا؛ إلا أنه حذفت الهمزة، ~~وأبقيت حركتها على الساكن الذي قبلها، فالتقى نونان فأدغمت ~~إحداهما في الأخرى. قوله تعالى: { ولا أشرك بربي ~~أحدا }؛ ظاهر المراد. ### || [18.39] # قوله تعالى: { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما ~~شآء الله }؛ معناه: أن المسلم قال للكافر: هلا قلت حين ~~دخلت ما شاء الله! أي الأمر بمشيئة الله، وما شاء الله كان يعني ~~إن شاء الله خراب هذه الجنة وإهلاكها كان ذلك بمشيئة الله، { لا ~~قوة إلا بالله }؛ أي لا يقوى أحد على ما في يده من ~~ملك ونعمة إلا بالله، ولا يكون له ما شاء الله، ولا ms1263 قوة في بدنه ~~وملكه إلا بالله. # قوله تعالى: { إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا ~~}؛ معناه: أن المسلم قال للكافر: إن كنت أنا أقل منك مالا وعشيرة ~~فأنا راض بما قسم لي، قوله تعالى: { أقل } منصوب؛ لأنه ~~مفعول (ترني). وقوله تعالى: { أنا } عماد، ومن قرأ ~~(أقل) بالرفع فعلى معنى (أنا) مبتدأ و(أقل) خبر في موضع ~~المفعول. ### || [18.40-41] # قوله تعالى: { فعسى ربي أن يؤتين خيرا من ~~جنتك }؛ أي لعل الله يؤتيني في دار البقاء بستانا خيرا من ~~بستانك في الدنيا، { ويرسل عليها }؛ على بستانك؛ { ~~حسبانا من السمآء }؛ أي نارا من السماء فتحرقها، ~~وسمي العذاب حسبانا على معنى أنه يرسل عليها بحساب ما كسبت يدك. # وقال النضر بن شميل: (الحسبان المرامي) أي يرسل عليها ~~مرامي عذابه إما برد، وإما حجارة وغيرهما بما شاء من أنواع ~~العذاب، { فتصبح صعيدا زلقا }؛ أي أرضا ملساء لا نبات ~~عليها. قوله تعالى: { أو يصبح مآؤها غورا }؛ أي ~~غائرا في الأرض يعني النهر الذي في خلالها، { فلن تستطيع ~~له طلبا }؛ أي لا يبقى له أثر يطلبه بوجه من الوجوه، لا ~~تناله الأيدي ولا الأرشية. ### || [18.42] # قوله تعالى: { وأحيط بثمره }؛ أي هلك ماله وبستانه، ~~يقال: أحيط القوم إذا هلكوا، { فأصبح }؛ الكافر، { ~~يقلب كفيه }؛ أي يضرب بإحدى يديه على الأخرى، وتقليب ~~الكفين يفعله النادم كثيرا، وصار عبارة عن الندم، { على مآ ~~أنفق فيها }؛ أي في جنته، { وهي خاوية على عروشها ~~}؛ أي ساقطة على سقوفها؛ { ويقول يليتني لم أشرك ~~بربي أحدا }؛ فندم حيث لا ينفعه الندم، ولم يكن تندمه على ~~إشراكه إيمانا منه؛ لأنه لم يقله تحقيقا للتوبة، ولكن كان ~~يتأسف على هلاك ماله. ### || [18.43] # قوله تعالى: { ولم تكن له فئة ينصرونه من دون ~~الله }؛ أي لم تنصره الفئة الذين افتخر بهم في قوله # وأعز نفرا # [الكهف: 34] { وما كان منتصرا }؛ بأن استرد بدل ما ذهب ~~منه. ### || [18.44] # قوله تعالى: { هنالك الولاية لله الحق }؛ في ~~ذلك الموطن علم الكافر أن الولاية بالنصر لله الحق، فهو الذي ~~يملك النصر، هذا معنى قراءة (الولاية) ms1264 بخفض الواو، وأما ~~(الولاية) بفتح الواو فهو نقيض العداوة، وقيل: إن معنى ~~قراءة (الولاية) بالكسر: الإمارة والسلطان، يعني في يوم ~~القيامة الولاية لله. ومن قرأ بفتحها فهو من الموالاة كقوله ~~تعالى # الله ولي الذين آمنوا # [البقرة: 257] يعني: إنهم يؤمنون بالله يومئذ، ويتبرءون مما ~~كانوا يعبدون من دون الله. وقوله تعالى: (الحق) من قرأ ~~بالكسر فهو نعت لله، ومن رفعه فهو نعت للولاية. # قوله تعالى: { هو خير ثوابا }؛ أي خير من أثاب وجازى ~~على العمل؛ { وخير عقبا }؛ أي خير من أعقب عاقبة، وقيل: ~~عاقبة طاعته خير من عاقبة غيره. قال ابن عباس: (هذان ~~الرجلان ذكرهما الله في سورة الصافات قال قائل ~~منهم إن # لي قرين # [الصافات:51] إلى قوله تعالى # فاطلع فرآه في سوآء الجحيم # [الصافات: 55]. ### || [18.45] # قوله تعالى: { واضرب لهم مثل الحياة الدنيا ~~كمآء أنزلناه }؛ أي اضرب يا محمد لهؤلاء المتكبرين ~~المترفين من قومك الذين سألوك طرد فقراء المؤمنين صفة الحياة ~~الدنيا في بقائها وفنائها؛ كماء أنزلناه { من السماء ~~فاختلط به نبات الأرض }؛ فنجع في النبات حتى ~~خالطه، وأخذ النبات زخرفه فصار أجناسا مختلفة بعضها مخلط ~~ببعض؛ { فأصبح هشيما تذروه الرياح }؛ متفتتا، ~~والهشيم ما تكسر وانحطم، ثم فرقته الرياح، وطارت به كما ~~يطير بأشياء خفيفة فلا يبقى له أثر، كذلك الدنيا يفنى منها كل ~~شيء كما لا يبقى من الهشيم شيء؛ { وكان الله على كل ~~شيء مقتدرا }؛ أي لم يزل قادرا على خلق الأشياء. قالت ~~الحكماء: شبه الله الدنيا بالماء؛ لأن الماء لا يستقر في موضع، ~~كذلك الدنيا لا تبقي على أحد. ### || [18.46] # قوله تعالى: { المال والبنون زينة الحياة ~~الدنيا }؛ أي مما ينتفع به في الدنيا لا في الآخرة؛ { ~~والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير ~~أملا } قيل: إنها الصلوات الخمس، وقيل: جميع الطاعات. ~~وسميت الباقيات لبقاء ثوابها للإنسان، بخلاف الأموال والأولاد التي ~~لا تبقى. # وقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد: (هي قول العبد: سبحان ~~الله؛ والحمد لله؛ ولا إله إلا الله؛ والله أكبر). ~~يدل عليه ما روي عن أبي الدرداء: # " أن ms1265 رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ غصنا فحركه حتى سقط ~~ورقه، فقال: " إن المسلم إذا قال: سبحان الله؛ ~~والحمد لله؛ ولا إله إلا الله؛ والله أكبر، تحاتت ~~خطاياه كما تحات هذا، خذهن إليك يا أبا ~~الدرداء قبل أن يحال بينك وبينهن، فإنهن من ~~كنوز الجنة وهن الباقيات الصالحات ". # وعن أنس رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " خذوا حسبكم من النار، قولوا: سبحان الله؛ ~~والحمد لله ولا إله إلا الله؛ والله أكبر؛ ولا ~~حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن المقدمات؛ وهن ~~المنجيات؛ وهن المعقبات؛ وهن الباقيات ~~الصالحات " # وقال عثمان بن عفان وابن عمر وسعيد بن المسيب: (هن: ~~سبحان الله؛ والحمد لله؛ ولا إله إلا الله؛ والله ~~أكبر؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم). # وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " استكثروا من الباقيات الصالحات " قيل: ما ~~هي يا رسول الله؟ قال: " التكبير؛ والتهليل؛ ~~والتسبيح؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم " " # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن عجزتم عن الليل أن تكابدوه، وعن العدو ~~أن تجاهدوه، فلا تعجزوا عن قول: سبحان الله؛ ~~والحمد لله؛ ولا إله إلا الله؛ والله أكبر. فإنها ~~من الباقيات الصالحات ". # وقيل: هي كل عمل صالح يثاب عليه. قوله تعالى: { خير ~~عند ربك ثوابا وخير أملا } أي أفضل ثوابا، وأفضل ~~أملا من المال والبنين. ### || [18.47] # قوله تعالى: { ويوم نسير الجبال وترى الأرض ~~بارزة }؛ أي واذكر يوم نسير الجبال، ويجوز أن يكون المعنى ~~وخير أملا يوم نسير الجبال، وتسير الجبال ~~وتسييرها: قلعها، فإن الله تعالى يقلعها عن وجه الأرض يومئذ، ~~فيسيرها في الهواء، كما يسير السحاب في الدنيا، ثم يجعلها ~~هباء منثورا فتعود في الأرض حتى لا يبقى شيء، ولذلك قال تعالى { ~~وترى الأرض بارزة } أي ظاهرة مستوية لا يستر شيء شيئا، ~~ولو كان يبقى شيء من الجبال والأشجار والنبات لم تكن الأرض بارزة. ~~قوله تعالى: { وحشرناهم ms1266 }؛ يعني المؤمنين والكافرين، أي ~~بعثناهم من قبورهم، { فلم نغادر منهم أحدا }؛ أي لم ~~نترك منهم أحدا في قبره نسيانا ولا غفلة. ### || [18.48] # قوله تعالى: { وعرضوا على ربك صفا }؛ أي معناه: ~~أن الناس كلهم يعرضون على الله تعالى مصفوفين، كل زمرة وأمة ~~صف، فيكونون صفا بعد صف كصفوف الصلاة إلا أنهم صف واحد. # قوله تعالى: { لقد جئتمونا كما خلقناكم أول ~~مرة }؛ أي أعدناكم كما خلقناكم أول مرة. وقال ابن عباس: ~~معناه (حفاة عراة ليس معهم شيء مما اكتسبوه في ~~الدنيا كما في أول الخلق). # قال صلى الله عليه وسلم: # " " يحشر الناس يوم القيامة من قبورهم حفاة ~~عراة غرلا " فقالت عائشة: واسوأتاه يا رسول ~~الله! أما يستحيي بعضهم من بعض؟ فقال صلى الله عليه ~~وسلم: " لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه " " # قوله تعالى: { بل زعمتم ألن نجعل لكم ~~موعدا }؛ أي بل زعمتم في الدنيا أن لن نجعل لكم أجلا للبعث، ~~وهذا خطاب لمنكري البعث خاصة. ### || [18.49] # قوله تعالى: { ووضع الكتاب }؛ أي كتاب كل إنسان في ~~يده، بعضهم في اليمين وبعضهم الشمال، { فترى المجرمين }؛ ~~أي المذنبين وهم المشركون؛ { مشفقين مما فيه }؛ أي خائفين ~~مما في الكتاب، يدعون على أنفسهم بالويل والثبور؛ { ويقولون ~~يويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا ~~كبيرة إلا أحصاها }؛ قال ابن عباس: (الصغيرة ~~التبسم، والكبيرة الضحك). وقال ابن جبير: ~~(الصغيرة المسيس والتقبيل، والكبيرة الزنا). ~~والمعنى لا يترك صغيرة ولا كبيرة من أعمالنا إلا أثبتها. # قوله تعالى: { ووجدوا ما عملوا حاضرا }؛ أي وجدوا ~~جزء ما عملوا مكتوبا مثبتا في الكتاب، { ولا يظلم ربك ~~أحدا }؛ أي لا ينقص من حسنات أحد، ولا يزيد في سيئات أحد، ولا ~~يعاقب بغير جرم. وروي أن الفضيل بن عياض كان إذا قرأ هذه الآية ~~قال: (صحوا والله من الصغار قبل الكبار). ### || [18.50] # قوله تعالى: { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا ~~لأدم فسجدوا إلا إبليس }؛ قد تقدم تفسيره. قوله ~~تعالى: { كان من الجن }؛ تقدم أيضا، الخلاف في أنه من ~~الملائكة أم من الجن، بني الجان، والصحيح أنه من ms1267 بني الجان ~~جنس غير جنس الملائكة؛ لأن الملائكة رسل الله، ولا يجوز على ~~رسول من رسل الله أن يكفر، { ففسق عن أمر ربه }؛ أي ~~خرج عن طاعة ربه، وقيل: رد أمر ربه، { أفتتخذونه ~~وذريته أوليآء من دوني }؛ هذا استفهام بمعنى الإنكار، ~~يقول: كيف تطيعونه وقد فسق، { وهم لكم عدو }؛ وهو ~~اليوم عدو لكم، { بئس للظالمين بدلا }؛ ما استبدل ~~الظالمون عن رب العزة إبليس لعنه الله حيث تركوا طاعة من ~~خلقهم، وأنعم عليهم، ويجازيهم جنة الخلد، وأطاعوا من يؤديهم ~~إلى العقاب الدائم. # قوله تعالى: { وذريته }. قال قتادة والحسن: (يعني ~~أولاد إبليس؛ وهم يتوالدون، كما يتوالد بنو ~~آدم)، قال مجاهد: (فمن ذرية إبليس ولهان؛ وهو ~~صاحب الطهارة والصلاة، وزلينور صاحب راية ~~إبليس لكل سوق، ودثير صاحب المصائب يأمر ~~بضرب الوجه والدعاء بالويل والثبور وغير ذلك، ~~والأعور وهو صاحب أبواب الزيادة، ومنيوط وهو ~~صاحب الأخبار يأتي بها فيلقيها في أفواه الناس ~~فلا يوجد لها أصل، وداسم هو الذي إذا دخل الرجل ~~بيته فلم يسلم ولم يذكر اسم الله ضره في ~~المتاع ما لم يرفع ولم يوضع في موضعه، وإذا ~~أكل ولم يذكر اسم الله أكل معه. ومن أولاد ~~إبليس الهفاف ومرة، وبه كان يكنى أبا مرة). ~~وقال ابن زيد: (إن إبليس أبو الجن، كما أن آدم أبو ~~الإنس، قال الله تعالى لإبليس: إني لا أخلق لآدم ~~ذرية إلا جعلت لك مثلها، فليس من ولد آدم ~~أحد إلا بشيطان قرن به). ### || [18.51] # قوله تعالى: { مآ أشهدتهم خلق السموت ~~والأرض ولا خلق أنفسهم }؛ يعني إبليس وذريته، والمعنى: ~~ما اطلعتهم على خلق السماوات والأرض، ولا أحضرتهم، ولم ~~يكونوا موجودين يوم خلقت السماوات والأرض، ولا أشهدت بعضهم ~~خلق بعض، ولا أعطيتهم العلم وكيفية خلق الأشياء، ولو كنت ممن ~~يستعين بأحد لما أستعنت بالمضلين، فكيف والاستعانة علي ~~مستحيلة إذا أردت خلق شيء كان. والمعنى أنكم اتبعتم الشيطان، ~~كاتباع من يكون عنده علم باطن الأشياء، وأنا ما أشهدتهم خلق ~~السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم. # قوله تعالى: { وما كنت متخذ ms1268 المضلين عضدا }؛ ~~أي ما كنت متخذ الشياطين الذين يضلون الناس أعوانا ~~يعضدونني. ومن قرأ (وما كنت) بالفتح، فالمعنى: وما كنت يا ~~محمد لتتخذ المضلين أنصارا. ### || [18.52] # قوله تعالى: { ويوم يقول نادوا شركآئي الذين ~~زعمتم }؛ معناه: يوم القيامة يقول الله للمشركين: نادوا ~~شركائي الذين زعمتم أنهم شركاؤهم للأصنام والشياطين ~~وذريته؛ ليدفعوا عنكم العذاب، { فدعوهم فلم يستجيبوا ~~لهم وجعلنا بينهم موبقا }؛ أي جعلنا بين العابد ~~والمعبود من العذاب ما يوبقهم؛ أي ما يهلكهم، وقيل: معناه: ~~وجعلنا بينهم وبين المؤمنين؛ أي بين أهل الهدى وأهل الضلالة ~~موبقا. # قال عبدالله بن عمر: (هو واد في جهنم من الصديد ~~والقيح والدم، يفرق يوم القيامة بين لا إله ~~إلا الله ومن سواهم). وقال عكرمة: (هو نهر من النار ~~يسيل نارا، على حافتيه حيات مثل البغال). وقال ~~الضحاك: (معناه: وجعلنا بينهم مهلكا)، وقال الحسن: ~~(عداوة)، ويقال: أوبقه الله؛ أي أهلكه، ووبق أي هلك. ~~قرأ حمزة (ويوم نقول) بالنون. ### || [18.53] # قوله تعالى: { ورأى المجرمون النار فظنوا ~~أنهم مواقعوها }؛ أي ورأى المشركون النار مسيرة أربعين ~~سنة، وايقنوا أنهم داخلوها، { ولم يجدوا عنها مصرفا ~~}؛ معدلا يعدلون إليه، لأنها أحاطت بهم من كل جانب، والمواقعة ~~ملامسة الشيء بشدة، ومنه وقائع الحروب. ### || [18.54] # قوله تعالى: { ولقد صرفنا في هذا القرآن ~~للناس من كل مثل }؛ أي بينا لهم من كل مثل يحتاجون ~~إليه في أمر دينهم، { وكان الإنسان }؛ أي الكافر، { أكثر ~~شيء جدلا }؛ في تكذيب الرسل، وما جاءوا به من الآيات. قيل: ~~أراد بالإنسان النضر بن الحارث وجداله في القرآن. وقال ~~الكلبي: (يعني أبي بن خلف) ويقال: معناه: ما ليس بشيء ~~من الملائكة والجن والشياطين، وسائر الأصناف أجدل من الإنسان. ~~وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أعطوا ~~الجدل ". ### || [18.55] # قوله تعالى: { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ ~~جآءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن ~~تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا ~~}؛ أي ما منع أهل مكة أن يؤمنوا { إذ جآءهم الهدى } يعني ~~محمدا صلى ms1269 الله عليه وسلم جاءهم من الله بالرشاد، { ~~ويستغفروا ربهم } أي يتوبوا من الكفر، ما منعهم من ذلك ~~إلا طلب أن يأتيهم سنة الأولين؛ وهو أنهم إذا لم يؤمنوا ~~جاءهم العذاب من حيث لا يشعرون، أو مقابلة من حيث يرون. وهذه ~~الآية فيمن قتل من المشركين ببدر وأحد؛ وهو قوله ~~تعالى: { أو يأتيهم العذاب قبلا } أي عيانا ~~مقابلة. وقرأ أهل الكوفة (قبلا) بضم القاف والباء، جمع قبيل؛ ~~أي صنوف من العذاب، وضروب منه مختلفة. ### || [18.56] # قوله تعالى: { وما نرسل المرسلين إلا ~~مبشرين ومنذرين }؛ ظاهر المعنى، { ويجدل الذين ~~كفروا بالبطل }؛ أي يخاصم الذين كفروا بالكتاب والرسل ~~بالحجة الباطلة، { ليدحضوا به الحق }؛ أي ليبطلوا بها ~~الإسلام القرآن. قال ابن عباس: (يعني المستهزئين ~~والمقتسمين وأتباعهم)، يقال: دحضت حجته إذا ~~بطلت. قوله تعالى: { واتخذوا ءايتي ومآ ~~أنذروا هزوا }؛ أي اتخذوا القرآن وما خوفوا به من النار ~~يوم القيامة هزوا. ### || [18.57] # قوله تعالى: { ومن أظلم ممن ذكر بآيت ربه ~~}؛ أي ليس أحد أظلم ممن وعظ بالقرآن، وما فيه من الوعيد، { ~~فأعرض عنها }؛ أي تهاون بها ولم يتفكر فيها. وقوله ~~تعالى: { ونسي ما قدمت يداه }؛ أي ونسي ذكر ما ~~عملت يداه وتغافل عن ذكره، { إنا جعلنا على قلوبهم ~~أكنة أن يفقهوه }؛ أي أغطية؛ لئلا يفقهوا الهدى، ~~وجعلنا { وفي ءاذانهم وقرا }؛ لئلا يستمعوا. قوله ~~تعالى: { وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا ~~إذا أبدا }؛ أي إن تدعهم إلى القرآن وإلى الرحمة وإلى ~~الإيمان فلن يهتدوا، أخبر الله أن هؤلاء طبع الله على قلوبهم. ### || [18.58] # قوله تعالى: { وربك الغفور ذو الرحمة }؛ أي ~~الغافر الساتر على عباده، والرحمة حين لا يعجلهم ~~بالعقوبة، { لو يؤاخذهم } بعقاب، { بما كسبوا لعجل ~~لهم العذاب }؛ في الحال؛ { بل لهم موعد }؛ أي لعذابهم ~~أجل ضربه الله، { لن يجدوا من دونه موئلا }؛ أي ~~ملجأ ومنجا. ### || [18.59] # قوله تعالى: { وتلك القرى أهلكناهم لما ~~ظلموا }؛ أي القرى الماضية، قرى عاد وثمود لما أشركوا، ~~والمراد أهل القرى، { وجعلنا لمهلكهم موعدا }؛ أي ~~لوقت إهلاكهم أجلا. ### || [18.60] # قوله تعالى: { وإذ قال موسى لفتاه ms1270 لا أبرح ~~حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا }؛ أي ~~واذكر إذ قال موسى لفتاه يوشع بن نون، قال ابن عباس: ~~(وقصة ذلك: أن موسى عليه السلام قام خطيبا في بني إسرائيل، ~~فسئل أي الناس أعلم؟ فقال: أنا، فبعث الله عليه فقال: إن لي ~~عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال موسى: يا رب كيف لي به، يا ~~رب دلني عليه. # فقال: تأخذ معك حوتا وتمضي إلى شاطئ البحر، فحيث ما فقدت ~~الحوت فهو ثم، فأخذ حوتا من السمك، وجعله في مكتل وانطلق معه ~~بفتاه يوشع بن نون إلى شاطئ البحر، فأويا إلى صخرة عندها ماء ~~يسمى ماء عين الحياة، فجلس يوشع يتوضأ من تلك العين، فانتضح من ~~ذلك الماء على الحوت فحيي، فوثب في الماء، واتخذ سبيله في ~~البحر سربا؛ أي اتخذ الحوت طريقا في البحر مسلكا يابسا). # وقيل: معنى قوله (سربا) أي ذاهبا، فقام يوشع حين رأى ذلك ~~من الحوت، وذهب إلى موسى ليخبره بذلك، وذهبا يومهما ذلك حتى ~~صليا الظهر من الغد، فتعب موسى، فقال لفتاه: آتنا ~~غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا؛ أي تعبا. # ومعنى الآية: وإذ قال موسى لفتاه لا أزال أمضي حتى أبلغ مجمع ~~البحرين الموضع الذي يلتقي فيه بحر فارس والروم أو أمضي سنين ~~كثيرة، والحقب جمع أحقاب، والأحقاب جمع الحقب، والحقب ~~ثمانون سنة، وقيل: سبعون سنة بلغة قريش، وسمي يوشع ~~فتاه؛ لأنه كان يخدمه ويلازمه في الحضر والسفر للتعلم منه. ### || [18.61] # قوله تعالى: { فلما بلغا مجمع بينهما } أي ~~الموضع الذي يجتمع فيه ماء البحرين نسي صاحب موسى أن يخبره ~~بخبر الحوت. قال المفسرون: وكان حوتا في زنبيل، وكانا يأكلان ~~منه عند الغداء والعشاء، فلما أتيا إلى الصخرة على ساحل البحر ~~وضع فتاه الزنبيل فأصاب الحوت من الماء الذي ذكرناه شيء فتحرك ~~في الزنبيل فانسرب في البحر، قد قيل لموسى: تزود معك حوتا ~~مالحا فحيث تفقد الحوت فهناك تجد الرجل العالم. # فلما انتهيا إلى الصخرة، قال موسى لفتاه: امكث هنا، وانطلق ~~لحاجته ms1271 فجرى الحوت في البحر، فقال فتاه: إذا جاء نبي الله أخبرته ~~بذلك، فأنساه الشيطان، فذلك قوله تعالى: { نسيا حوتهما ~~}؛ وإنما نسي يوشع أن يذكر قصته لموسى، وأضاف النسيان ~~إليهما توسعا لأنهما تزودا، فصار كما يقال: نسي القوم زادهم، ~~وإنما نسيه أحدهم. # قوله تعالى: { فاتخذ سبيله في البحر سربا }؛ أي ~~جعل الحوت يضرب بذنبه في البحر فلا يضرب شيئا وهو ذاهب إلا ~~يبس موضعه كهيأة السرب. قال قتادة: (جعل لا يسلك فيه ~~طريقا إلا صار الماء جامدا)، وقال الربيع: (انجاب ~~الماء على مسلك الحوت في الماء فصار كوة لم ~~يلتم). # والسرب في اللغة: المحفور في الأرض، وعن أبي بن كعب ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " انجاب الماء عن مسلك الحوت، فصار كوة لم ~~يلتم، فدخل موسى الكوة على إثر الحوت، فإذا ~~بالخضر " # وقال ابن عباس: (جعل الحوت لا يمس شيئا من ~~الماء إلا يبس حتى صار صخرة). ### || [18.62-63] # قوله تعالى: { فلما جاوزا قال لفتاه آتنا ~~غدآءنا }؛ أي لما جاوز بين البحرين، قال موسى ليوشع: آتنا ~~بما نتغدى به، { لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا }؛ أي ~~تعبا ومشقة، فلما قال له موسى ذلك؛ تذكر قصة الحوت؛ ف ~~{ قال }؛ له: { أرأيت إذ أوينآ إلى الصخرة }؛ عند ~~رأس البحر؛ { فإني نسيت الحوت }؛ ما رأيت هناك من أمر ~~الحوت أن أذكره لك يا نبي الله { ومآ أنسانيه }؛ أي وما ~~شغلني عن ذكره لك، { إلا } ، وسوسة، { الشيطان أن ~~أذكره } ، الحوت، { واتخذ سبيله في البحر عجبا }؛ ~~أي شيئا عجبا وهو أن الماء إنجاب عنه، وبقي كالكوة لم ~~يلتم. ### || [18.64] # قوله تعالى: { قال ذلك ما كنا نبغ }؛ أي قال موسى: ~~ذلك الذي كنا نطلب دلالة لنا من الله تعالى على موضع الخضر ~~ومرتدة من العلامة، { فارتدا على آثارهما قصصا }؛ أي ~~رجعا وعادا في الطريق الذي جاء منه يقصان آثارهما قصصا، ~~والقص اتباع الأثر، ومنه قوله # قصيه # [القصص: 11]. ### || [18.65] # قوله تعالى: { فوجدا عبدا من عبادنآ }؛ وهو ~~الخضر. قال ابن عباس: (وذلك أنهما لما انتهيا إلى ~~الصخرة ms1272 جعل يوشع يري موسى مكان الحوت وأثره في ~~الماء، وكان موسى يتعجب من ذلك إذ وقع موسى على ~~رجل قائم يصلي، فانتظر حتى فرغ، فسلم ~~عليه، فرد عليه السلام). # وإنما سمي الخضر؛ لأنه إذا صلى في مكان أخضر ما حوله. ~~قوله تعالى: { آتيناه رحمة من عندنا }؛ أي ~~أكرمناه بالنبوة، { وعلمناه من لدنا علما } ببواطن ~~الأمور. قال ابن عباس: (أعطاه علما من علم الغيب). ### || [18.66] # قوله تعالى: { قال له موسى هل أتبعك على أن ~~تعلمن مما علمت رشدا }؛ أي مما يهديني إلى الصواب، ~~ويجوز أن يكون معنى رشدا يرشدني به، والرشد والرشد ~~لغتان. قال قتادة: (لو كان أحد مكتفيا عن العلم ~~لاكتفى نبي الله موسى عليه السلام، ولكنه قال: هل ~~أتبعك على أن تعلمني). قال الزجاج: (في فعل موسى ~~عليه السلام - وهو من كبار الأنبياء - من طلب العلم ~~والرحلة دليل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك ~~طلب العلم، وإن كان قد بلغ نهايته، وأن ~~يتواضع لمن هو أعلم منه). ### || [18.67-69] # قوله تعالى: { قال إنك لن تستطيع معي صبرا }؛ ~~أي قال الخضر لموسى: إنك ترى مني شيئا لا تصبر عليه، { ~~وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا }؛ ظاهره ~~منكرا، والأنبياء والصالحون لا يصبرون على ما يرونه منكرا، { ~~قال ستجدني إن شآء الله صابرا }؛ على ما أراه منك، { ~~ولا أعصي لك أمرا }؛ تأمرني به. ### || [18.70] # قوله تعالى: { قال فإن اتبعتني فلا تسألني عن ~~شيء حتى أحدث لك منه ذكرا }؛ أي قال الخضر لموسى ~~فإن اتبعتني فلا تسألن عن شيء أنكرت فعله، ولا تعجل في ~~المسألة عنه حتى أبين لك الوجه فيه وأفسره لك، لأنه قد غاب ~~علمه عنك. ### || [18.71-73] # قوله تعالى: { فانطلقا حتى إذا ركبا في ~~السفينة خرقها }؛ أي فمضيا حتى إذا ركبا في السفينة ~~خرقها الخضر، وذلك أنهما لما مشيا على الساحل مرت بهما ~~سفينة، فكلموهم أن يحملوهما بغير أجرة. قال ابن عباس: (فلما ~~ركبا في السفينة أخذ الخضر بيده فأسا، أو ~~منقارا وأكب على السفينة يخرقها، فقال له ~~أهل ms1273 السفينة: ننشدك الله أن لا تخرقها، فقال ~~له: يا عبدالله لا يحل لك هذا، فإنك تغرقهم، ~~فلم يكلمه الخضر حتى خرق السفينة). # قيل: إنه قلع لوحين مما يلي الماء، فحشاهما موسى بثوبه و { ~~قال }؛ منكرا عليه: { أخرقتها لتغرق أهلها لقد ~~جئت شيئا إمرا }؛ أي منكرا، ثم تنحى موسى فجلس، وقال: ~~ما أصنع في اتباع هذا الرجل الذي يظلم الناس؟! كنت في بني ~~اسرائيل أقرأ عليهم التوراة بكرة وعشية ويقبلون مني، فتركت ~~ذلك وصحبت هذا الظالم... # فقال له الخضر بعد ما أخرج أهل السفينة متاعهم إلى الساحل: أتدري ما ~~تحدث به نفسك؟ قال: ما هو؟ فأخبره بما حدث به نفسه، ثم { قال }؛ له ~~الخضر: { ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا * قال ~~لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا ~~}؛ أي لما تركت من عهدك ووصيتك، وقيل: أراد به النسيان الذي ~~هو ضد الذكر. # قوله تعالى: { ولا ترهقني من أمري عسرا } أي لا ~~تكلفني مشقة، وعاملني باليسر لا بالعسر، ولا تضيق علي ~~في صحبتي إياك. وأصل الرهق: الغشيان، يقال: رهق الفارس ~~فلانا إذا غشيه فأدركه. ### || [18.74-75] # قوله تعالى: { فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما ~~فقتله }؛ قال سعيد بن جبير: (وجد الخضر غلمانا، فأخذ ~~غلاما وضيء الوجه). قال ابن عباس: (كان من أحسنهم ~~وأصبحهم، فأخذه من بينهم فأصرعه وأضجعه، ثم ~~ذبحه بالسكين، وكان غلاما لم يبلغ الحنث). # وقيل: إنه اجتذب رأسه فقلعه، وقيل: نزع رأسه من جسده، ~~وقيل: رفصه برجله فقتله، وقيل: ضرب رأسه فقتله، وكان ~~اسم الغلام خشيود، وقيل: جيشور. و { قال } له موسى حين رأى ذلك ~~منه: { أقتلت نفسا زكية بغير نفس }؛ أي أقتلت ~~نفسا بريئة من الذنوب، لم تجب ما يوجب قتلها. ومن قرأ (زاكية) ~~فمعناه: طاهرة من الذنوب لم تبلغ الحلم، { لقد جئت ~~شيئا نكرا }؛ أي قطيعا منكرا لا يعرف في شرع. # وقد اختلفوا في هذا الغلام أنه كان بالغا أم لم يكن بالغا، ~~إلا أن قوله (بغير نفس) فيه دليل على أنه بالغا، لأن غير البالغ ~~لا ms1274 يقتل، وإن قتل غيره، وكان هذا الغلام يقطع الطريق، ويلجأ ~~إلى أبويه فيحلفان دونه، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا ". # وقوله تعالى: { لقد جئت شيئا نكرا } أي منكرا ~~عظيما. قال القتيبي: (النكر أبلغ من الإمر في الإنكار؛ ~~لأن قتل النفس أشد من خرق السفينة)، وقال ~~الزجاج: (الإمر أبلغ في الإنكار؛ لأن خرق ~~السفينة يوجب غرق أهلها، وذلك أعظم من قتل ~~نفس واحدة). قوله تعالى: { قال ألم أقل لك ~~إنك لن تستطيع معي صبرا }؛ ظاهر المعنى. ### || [18.76] # قوله تعالى: { قال إن سألتك عن شيء بعدها }؛ أي ~~بعد هذه الكرة، { فلا تصاحبني }؛ إن طلبت صحبتك، { قد ~~بلغت من لدني عذرا }؛ أي بلغت من عندي إلى وقت ~~العذر. روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " رحم الله أخي موسى استحيا، فقال إن سألتك عن ~~شيء بعدها فلا تصاحبني، ولو ثبت مع صاحبه ~~لأبصر الأعاجيب ". # قوله تعالى: { من لدني } قرأ العامة بتشديد النون وهو ~~الأجود؛ لأن أصل (لدن) الإسكان، فإذا أضفتها إلى نفسك ردت ~~نونا ليسلم سكون النون الأولى، كما يقول عن زيد وعني. ومن ~~قرأ بتخفيفها قال (لدن) اسم غير متمكن، فيجوز حذف النون منه. ### || [18.77] # قوله تعالى: { فانطلقا حتى إذآ أتيآ أهل ~~قرية استطعمآ أهلها }؛ قيل هي قرية أنطاكية، قوله ~~تعالى: { استطعمآ أهلها } أي سألا لهم الطعام، { ~~فأبوا أن يضيفوهما }؛ قال صلى الله عليه وسلم: # " وكانوا أهل قرية لئاما ". # وقوله تعالى: { فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض ~~فأقامه }؛ أي جدارا مائلا مشرفا على الانهدام يكاد ~~يسقط بسرعة. قال وهب: (كان جدارا طوله في السماء مائة ذراع) ~~وأما قوله { يريد أن ينقض } هذا من مجاز كلام العرب؛ لأن ~~الجدار لا إرادة له، وإنما معناه: قرب ودنا. # وقوله تعالى: { فأقامه }. قال ابن عباس: (هدمه ~~ثم أعاد بناءه). وقال ابن جبير: (مسح الجدار ورفعه ~~بيده فاستقام). وقوله تعالى: { فأبوا أن ~~يضيفوهما } قرأ أبو رجاء (يضيفوهما) مخففة. # وعن رسول الله صلى الله عليه ms1275 وسلم أنه قال: # " كانوا أهل قرية لئاما " # ، وقال قتادة في هذه الآية: (شر القرى التي لا تضيف ~~الضيف، ولا تعرف لابن السبيل حقه). # قوله تعالى: { قال لو شئت لتخذت عليه أجرا ~~}؛ أي قال له موسى: لاتخذت على إقامتك للجدار جعلا. وقرئ ~~(لتخذت) ومعناه معنى الأول. ### || [18.78] # قوله تعالى: { قال هذا فراق بيني وبينك }؛ أي ~~هذا الكلام والإنكار على ترك الأجر هو المفرق بيننا، لأنك ~~قد حكمت على نفسك، وقيل: معناه هذا فراق بيننا؛ أي فراق ~~إيصالنا، والبين من الأضداد. قوله تعالى: { سأنبئك ~~بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا }؛ أي سأخبرك ~~بتأويل الأشياء التي رأيتها مني فلم تصبر عليها. ### || [18.79] # قوله تعالى: { أما السفينة فكانت لمساكين ~~يعملون في البحر }؛ يعني السفينة التي كانت لفقراء يعملون ~~في البحر لم يكن لهم مال غيرها، وكانوا يعملون عليها، ويأخذون ~~إجرتها، { فأردت أن أعيبها }؛ بالخرق، { وكان ~~ورآءهم ملك }؛ يقال له جلند، { يأخذ كل سفينة }؛ ~~صحيحة، { غصبا }؛ وقد يذكر (وراء) بمعنى أمام، وفيه دليل أن ~~للوصي أن يعيب مال اليتيم إذا رأى فيه مصلحة. ### || [18.80] # قوله تعالى { وأما الغلام فكان أبواه ~~مؤمنين }؛ أي الغلام الذي قتله كان كافرا، وكان أبواه ~~مؤمنين، { فخشينآ أن يرهقهما طغيانا وكفرا }؛ فلذلك ~~قتله، وكان قد أعلمه الله بذلك، قال صلى الله عليه وسلم: # " إن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا، ولو ~~عاش لأرهق أبويه طغيانا وكفرا ". ### || [18.81] # قوله تعالى: { فأردنآ أن يبدلهما ربهما خيرا ~~منه زكاة وأقرب رحما }؛ أي فأراد الله أن يبدلهما ~~ولدا خيرا منه صلاحا وطهارة، وقوله تعالى: { وأقرب ~~رحما } أي وأوصل للرحم وأبر بوالديه. قال ابن عباس: ~~(أبدلهما الله به جارية تزوجها نبي من الأنبياء ~~فولدت سبعين نبيا). ### || [18.82] # قوله تعالى: { وأما الجدار فكان لغلامين ~~يتيمين في المدينة }؛ أي في القرية المذكورة، وكان اسم ~~اليتيمين: أصرما وصريما، { وكان تحته كنز لهما }؛ ~~قيل: إنه كان مالا، وقيل: كان علما. # وعن ابن عباس: (أنه كان لوحا من ذهب وفيه: بسم الله ~~الرحمن الرحيم؛ لا إله إلا الله؛ محمد رسول ~~الله، ms1276 عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح، ولمن أيقن بالنار كيف ~~يضحك، وعجبت لمن أيقن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يرى الدنيا ~~وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها). وقيل: كان ذهبا وفضة. # قوله تعالى: { وكان أبوهما صالحا }؛ أي كان ذا أمانة، ~~كان يقال له: كاشح، وقيل: إنه من الأنبياء. قال سعيد بن جبير عن ~~ابن عباس: (حفظا بصلاح أبيهما ولم يذكر منهما ~~صلاحا). قال جعفر بن محمد: (كان بينهما وبين الأب ~~الصالح سبعة آباء). # وعن محمد بن المنكدر قال: (إن الله تعالى ليحفظ ~~بالرجل الصالح ولده وولد ولده وأهل دويرته، ~~وأهل دويرات حوله وأسرته التي هو فيها، فما ~~يزالون في حفظ الله ما دام فيهم). # قوله تعالى: { فأراد ربك أن يبلغآ أشدهما }؛ ~~أي فأراد ربك بالأمر تسوية الجدار إلى أن يكبرا ويعقلا، { ~~ويستخرجا كنزهما رحمة }؛ أي نعمة؛ { من ربك }؛ ~~وهذا نصب على المصدرية؛ أي رحمهما الله بذلك رحمة. # قوله تعالى: { وما فعلته عن أمري }؛ وإنما فعلته ~~بأمر الله تعالى، { ذلك تأويل ما لم تسطع عليه ~~صبرا }؛ وأصله تستطع؛ إلا أن الطاء والتاء من مخرج واحد، ~~فحذف التاء لما اجتمعا لتخفيف اللفظ. # وروي أن الخضر لما أراد أن يفارق موسى أوصاه، قال يا موسى: ~~أفرغ عن اللجاجة ولا تمش في غير حاجة، ولا تضحك من غير عجب، ~~ولا تعير المذنبين بخطاياهم، وابك على خطيئتك يا ابن عمران. ### || [18.83] # قوله تعالى: { ويسألونك عن ذي القرنين قل ~~سأتلوا عليكم منه ذكرا }؛ يعني يسألك اليهود يا ~~محمد عن خبر ذي القرنين { قل سأتلوا } سأقرأ عليكم ~~خبره. قال مجاهد: (ملك الأرض أربعة: مؤمنان ~~وكافران، فالمؤمنان سليمان وذو القرنين، ~~والكافران النمرود وبختنصر). # واختلفوا في تسميته بذي القرنين، فقال بعضهم: لأنه ملك فارس ~~والروم، وقيل: لأنه دعا قومه إلى التوحيد، فضربوه على قرنه ~~الأيسر، وقيل: على قرنيه، وقيل: لأنه دخل النور والظلمة، ~~وقيل: لأنه بلغ قطري الأرض، وكان اسمه اسكندر. ### || [18.84] # قوله تعالى: { إنا مكنا له في الأرض }؛ أي ~~مكناه في الأرض، { وآتيناه من كل شيء سببا }؛ أي ~~من ms1277 كل شيء تستعين به الملوك على فتح المدائن ومحاربة الأعداء، { ~~سببا } أي بلادا إلى حيث أراد، وقيل: قربنا له أقطار ~~الأرض، كما سخرنا الريح لسليمان. وقال علي رضي الله عنه: ~~(سخر الله له السحاب فحمله عليها ومد له في ~~الأسباب، وبسط له النور، وكان الليل والنهار ~~عليه سواء) وهذا معنى تمكنه في الأرض، وهو أنه سهل ~~عليه المسير فيها، وذلل له طرقها. ### || [18.85-86] # قوله تعالى: { فأتبع سببا }؛ أي طريقا تؤديه إلى مغرب ~~الشمس. قوله تعالى: { حتى إذا بلغ مغرب الشمس ~~}؛ أي إلى قوم لم يكن بينهم وبين مغرب الشمس أحد؛ لأنه لا يمكنه ~~أن يبلغ موضع غروب الشمس. قوله تعالى: { وجدها تغرب ~~في عين حمئة }؛ أي رآها تغرب في الماء، وقيل: في عين ذات ~~حمأة وهي الطين الأسود المنتن. # وتقرأ (حامية) أي حارة، وهي قراءة العبادلة الثلاثة - ~~عبدالله بن مسعود، وعبدالله بن الزبير، ~~وعبدالله بن عمر - وابن عامر وأهل الكوفة. # قوله تعالى: { ووجد عندها قوما }؛ أي عند العين، { ~~قلنا يذا القرنين }؛ قيل: في هذا دليل أن ذا القرنين كان ~~نبيا؛ لأن الانسان لا يعلم أمر الله إلا بالوحي، ولا يجوز الوحي ~~إلا إلى الأنبياء، وقيل: كان معه نبي، فأوحى الله إلى ذلك ~~النبي، وفي الجملة لا يمكن إثبات النبوة إلا بدليل مقطوع به. # وروي # " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ذي القرنين قال: " هو ~~ملك يسيح في الأرض " " # قال ابن الأنباري: (إنه كان نبيا، فإن الله قال له ~~كما قال للأنبياء، إما بتكليم أو بوحي، ومن قال ~~لم يكن نبيا، قال معنى قوله ألهمنا كقوله # وأوحينآ إلى أم موسى # [القصص: 7] أي ألهمناها. # قوله تعالى: { إمآ أن تعذب وإمآ أن تتخذ ~~فيهم حسنا }؛ أي قلنا له إما أن تقتلهم على الكفر إن أبوا ~~الإسلام، وإما أن تأسرهم فتعلمهم الهدى وتبصرهم الرشاد. ### || [18.87] # قوله تعالى: { قال أما من ظلم }؛ أي من أسرف، { ~~فسوف نعذبه }؛ أي نقتله، وكل من أشرك فقد ظلم نفسه، { ~~ثم يرد إلى ربه }؛ في الآخرة بعد ms1278 قتلي إياه، { ~~فيعذبه عذابا نكرا }؛ يعني في النار أنكى من القتل ~~وأعظم. ### || [18.88] # قوله تعالى: { وأما من آمن وعمل صالحا فله ~~جزآء الحسنى }؛ أي فله في الآخرة جزاء الحسنى أي الجنة ~~بالطاعة التي عملها في الدنيا. وقرأ أهل الكوفة (جزاء) نصبا وهو ~~مصدر وقع موقع الحال؛ أي فله الحسنى مجزيا بها. قال ابن ~~الأنباري: (جزاء نصبا على المصدر؛ أي فيجزى الحسنى ~~جزاء). قوله: { وسنقول له من أمرنا يسرا }؛ أي ~~سنأمره في الدنيا بما نيسر عليه. ### || [18.89-90] # قوله تعالى: { ثم أتبع سببا }؛ أي سلك طريقا آخر ~~نحو المشرق. قوله تعالى: { حتى إذا بلغ مطلع ~~الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من ~~دونها سترا }؛ أي حتى إذا انتهى إلى آخر العمارة من جهة المشرق ~~وجد عند الشمس قوما لم يكن لهم جبل ولا شجر ولا شيء يسترهم عن ~~الشمس. قال لكلبي: (معناه حفاة عراة يفترش أحدهم ~~أذنه ويلبس الأخرى). ### || [18.91] # قوله تعالى: { كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا ~~}؛ أي وجد قوما كذلك. قيل: الذين كانوا عند مغرب الشمس، وقيل: ~~معناه: كما بلغ مغرب الشمس وكذلك بلغ مطلعها، ثم استأنف وقال ~~{ وقد أحطنا بما لديه خبرا }؛ أي علما. ### || [18.92-93] # قوله تعالى: { ثم أتبع سببا * حتى إذا بلغ ~~بين السدين }؛أي ثم أتبع سببا ثالثا مما يبلغه قطرا من ~~أقطار الأرض، وقيل: أتبع سببا: حتى إذا بلغ طريقا من ~~المشرق نحو الروم، وحتى إذا بلغ بين الجبلين الذين جعلوا الردم ~~بينهما، وهما السدان. # قرأ ابن كثير وأبو عمرو: (السدين) بفتح السين، وقرأ الباقون ~~بضمها، وهما لغتان، { وجد من دونهما }؛ الجبلين، { قوما ~~لا يكادون يفقهون قولا }؛ أي لا يكادون يفقهون قول ~~غيرهم، ولا يعرفون لغة غيرهم. # قرأ حمزة والكسائي وخلف (يفقهون) بضم الياء وكسر القاف، ~~ومعناه: لا يكادون يفقهون أحدا قولا. قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: (لا يفقهون كلام أحد، ولا أحد يفهم ~~كلامهم). ### || [18.94] # قوله تعالى: { قالوا يذا القرنين إن يأجوج ~~ومأجوج مفسدون في الأرض }؛ أي قالوا بإشارة أو ترجمان؛ ~~لأنه ms1279 قد تقدم أنهم لا يفقهون قولا، إن يأجوج ومأجوج، وهما ~~قبيلتان من أولاد يافث بن نوح مفسدون في الأرض؛ أي يفسدون ~~أموال الناس؛ لأنهم كانوا أهل بغي وظلم. قال الكلبي: ~~(كانوا يخرجون إلى أرض هؤلاء الذين شكوهم إلى ~~ذي القرنين أيام الربيع فلا يدعون فيها شيئا ~~أخضر إلا أكلوه، ولا يابسا إلا احتملوه). # " وعن عبدالله قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~يأجوج ومأجوج، قال: " يأجوج أمة ومأجوج أمة، ~~كل أمة أربعمائة ألف، لا يموت أحدهم حتى ~~ينظر إلى ألف ذكر من صلبه كلهم قد حمل ~~السلاح " قلنا: يا رسول الله! صفهم لنا؟ قال: " هم ~~ثلاثة أصناف: صنف منهم طول الرجل منهم مائة ~~وعشرون ذراعا، وصنف طوله وعرضه سواء عشرون ~~ومائة ذراع أيضا، وهم الذين لا يقوم لهم جبل ~~ولا حديد، وصنف منهم يفترش كل واحد منهم ~~إحدى أذنيه ويلتحف بالأخرى لا يمرون بفيل ولا ~~جمل ولا وحش ولا خنزير إلا أكلوه، لهم مخالب ~~في أيديهم وأضراس كأضراس السباع، وأنياب يسمع ~~لها حركة كحركة الجرس في حلوق الإبل، ولهم من ~~الشعر في أجسادهم ما يواريهم، وما يتقى منه ~~الحر والبرد، يعوون عوي الذئاب، ويتسافدون ~~كتسافد البهائم إذا التقوا " ". # قال وهب: (يشربون ماء البحر ويأكلون دوابها، ~~ويأكلون الخشب والشجر، ومن ظفروا به من ~~الناس أكلوه). وقال كعب: (هم زيادة في ولد آدم، ~~وذلك أن آدم احتلم ذات يوم فامتزجت نطفته في ~~التراب، فخلق الله من ذلك يأجوج ومأجوج، فهم ~~متصلون بنا من جهة الأب دون الأم). # وقال ابن عباس: (هم عشرة أجزاء وولد آدم كلهم ~~جزء). وقيل: إن الترك منهم إلا أن أولئك أشد فسادا من ~~الترك، فتباعدوا عن الناس، كما ينعزل اللصوص. ويأجوج ومأجوج ~~اسمان أعجميان لا ينصرفان؛ لأنهما معرفة. # قوله تعالى: { فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل ~~بيننا وبينهم سدا }؛ أي قالوا هل نجعل لك بعضا من ~~أموالنا ضربته في كل سنة على أن تجعل بيننا وبينهم حاجزا وسدا. ~~والردم هو السد. وردمت الباب؛ أي سددته، والخرج ms1280 ~~والخراج واحد. ### || [18.95] # قوله تعالى: { قال ما مكني فيه ربي خير }؛ أي ~~قال لهم ذو القرنين: ما مكني الله من الإتساع في الدنيا خير ~~من خراجكم الذي تبذلونه لي، يريد ما أعطاني الله وملكني أفضل ~~من عطيتكم. قوله تعالى: { فأعينوني بقوة }؛ أي ~~الرجال والآلات، { أجعل بينكم وبينهم ردما }؛ ~~الردم أشد الحجاب، وهو أكبر من السد. ### || [18.96] # قوله تعالى: { آتوني زبر الحديد }؛ والزبرة ~~القطعة العظيمة، فأتوه بها فبناه، { حتى إذا ساوى بين ~~الصدفين }؛ أي حتى إذا ملأ ما بين الجبلين، وسماهما ~~صدفين؛ لأنهما يتصادفان، أي يتقابلان، فلما وضع بينهما الحديد ~~وجعل " بين " كل قطعتي حديد حطبا حتى ملأ ما بين الجبلين، فأمر ~~بالنار فأرسلت فيه، و { قال }؛ للحدادين: { انفخوا }؛ ~~بالمنافيخ، { حتى إذا جعله نارا }؛ أي حتى إذا صار الحديد ~~كالنار، { قال آتوني }؛ أي أعطوني قطرا، { أفرغ عليه ~~قطرا }؛ وهو النحاس الذائب أصبه على الحديد والحطب فيتقطر كما ~~يتقطر الماء، ففعل حتى إذا جعل بعضه في بعض، فصار الجميع شيئا ~~واحدا جبلا صلدا من حديد ونحاس. قيل إنه حفر له الأساس حتى بلغ ~~الماء، ثم جعل عرضه خمسين فرسخا ثم ملأه وشرفه. ### || [18.97] # قوله تعالى: { فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا ~~له نقبا }؛ أي ما قدروا أن يعلوه لارتفاعه وملاسته، وما ~~قدروا أن ينقبوه من أصله؛ لشدته وصلابته. # وعن أبي هريرة: # " أن يأجوج ومأجوج يحفرون كل يوم، ثم ~~يقولون: نرجع إلى غد ونجيء أيضا نحفره، ~~فيأتونه غدا وقد أعاده الله كما كان قبل أن ~~يحفروه " ### || [18.98] # قوله تعالى: { قال هذا رحمة من ربي }؛ أي قال ~~لهم ذو القرنين لما فرغ من بنائه، هذا التمكين الذي أدركت به ~~السد رحمة من ربي من حيث ألهمني وقواني، ونعمة من ربي عليكم، ~~{ فإذا جآء وعد ربي جعله دكآء }؛ أي وقت اشتراط ~~الساعة جعل السد كسرا. ومن قرأ (دكا) فمعناه أرضا منبسطة، ~~يقال: ناقة دكاء إذا لم يكن لها سنام، { وكان وعد ~~ربي حقا }؛ أي كان تقديره لخروجهم صدقا كائنا. ### || [18.99-100] # قوله تعالى: { وتركنا بعضهم يومئذ ms1281 يموج في ~~بعض }؛ أي تركنا يأجوج ومأجوج يوم انقضاء أمر السد يموجون في ~~الدنيا مختلطين لكثرتهم، يقال: ماج الناس إذا دخل بعضهم في ~~بعض حيارى كموج الماء، فيخرجون على الناس فيشربون الماء، ~~يأكلون الدواب، ومن ظفروا به من الناس أكلوه، فاذا كثر ~~فسادهم في الأرض بعث الله عليهم بعثا فيقتلهم فيموتون كموت ~~الجراد. # وقوله تعالى: { ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا ~~}؛ يعني النفخة الثانية التي تكون للحشر يحشر بها الناس من ~~قبورهم، ويجمعون جمعا في الموقف، قوله تعالى: { ~~وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا }؛ أي ~~وأظهرنا جهنم يوم القيامة للكافرين حتى يروا فيها جزاء ~~أعمالهم معاينة. ### || [18.101] # قوله تعالى: { الذين كانت أعينهم في غطآء عن ~~ذكري }؛ أي أظهرنا جهنم حتى شاهدها الناس الذين كانت أعين ~~قلوبهم في غطاء عن ذكري لما تراءى لها من الرين والغشاوة، { ~~وكانوا لا يستطيعون سمعا }؛ أي كان يثقل عليهم ذكر ~~الله تعالى. ### || [18.102] # قوله تعالى: { أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا ~~عبادي من دوني أوليآء }؛ أي أيحسب الكفار أن ينفعهم ~~اتخاذهم عبادي مثل المسيح والملائكة الذين عبدوهم من دوني ~~أربابا. قوله تعالى: { إنآ أعتدنا جهنم ~~للكافرين نزلا }؛ أي جعلناها منزلا ومأوى لهم، ومعدة ~~عندنا، كما يهيأ المنزل للضيف. ### || [18.103-105] # قوله تعالى: { قل هل ننبئكم بالأخسرين ~~أعمالا }؛ أي قل لهم يا محمد: هل نخبركم بالآخسرين ~~أعمالا في الآخرة يعني كفار أهل الكتاب واليهود والنصارى؟ وقال ~~علي رضي الله عنه: (هم الرهبان والقسيسون حبسوا ~~أنفسهم في الصوامع) وقيل: هم جميع اليهود والنصارى، { ~~الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا }؛ أي بطل ~~عملهم واجتهادهم في الدين، { وهم يحسبون أنهم ~~يحسنون صنعا }؛ أي وهم يظنون أنهم يعملون صالحا. # ثم بين من هم فقال: { أولئك الذين كفروا بآيات ~~ربهم ولقائه }؛ أي جحدوا دلائل توحيده، وأنكروا البعث ~~بعد الموت، { فحبطت أعمالهم }؛ أي بطلت حسناتهم التي ~~عملوها مثل صلة الرحم، والإحسان إلى الناس، فلا يرون ~~سعيهم مع الكفر شيئا، { فلا نقيم لهم }؛ ولا يكون لهم عند ~~الله، { يوم القيامة وزنا }؛ قدرا ولا منزلة. ### || [18.106] # قوله تعالى: ms1282 { ذلك جزآؤهم جهنم بما كفروا }؛ ~~أي ذلك الإحباط جزاؤهم، { واتخذوا آياتي ورسلي هزوا }؛ ~~أي واتخاذهم القرآن ونبوة أنبيائي هزوا؛ يستهزؤن بها. ### || [18.107] # قوله تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا }؛ ~~الفردوس في اللغة: جنة ذات كروم. قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين ما ~~بين السماء والأرض، الفردوس أعلاها، منها ~~تتفجر الأنهار الأربعة، فإذا سألتم الله ~~فاسألوه الفردوس " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " جنات الفردوس أربع: جنتان من فضة آنيتهما ~~وما فيهما من فضة، وجنتان من ذهب آنيتهما ~~وما فيهما من ذهب ". # وقيل: خلق الله الفردوس بيده يفتحها كل يوم خمس مرات، ~~فيقول: ازدادي حسنا وطيبا لأوليائي. وقال قتادة: ~~(الفردوس ربوة الجنة وأفضلها وأرفعها) وقال أبو ~~أسامة: (الفردوس سرة الجنة). وقال كعب: (ليس في ~~الجنة جنة أرفع من الفردوس، فيها الآمرون ~~بالمعروف، والناهون عن المنكر). ### || [18.108] # قوله تعالى: { خالدين فيها لا يبغون عنها حولا ~~} أي مقيمين فيها لا يطلبون عنها تحويلا. قال صلى الله عليه وسلم: # " إن الفردوس أرفع موضع في الجنة وأحسنه ". ### || [18.109] # قوله تعالى: { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ~~ربي }؛ الآية، وذلك أنه لما نزل قوله تعالى: # ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا # [الاسراء: 85] وقالت اليهود والنصارى: أوتينا علما كثيرا، ~~أوتينا التوراة فيها علم كل شيء، فأنزل الله هذه الآية؛ أي ~~لو كان البحر مدادا لعلم ربي وحكمته، فيكتب من البحر ~~كما يكتب من المداد، { لنفد البحر }؛ وتكسرت الأقلام، { ~~قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله }؛ أي ~~بمثل البحر، { مددا }؛ لهذا البحر. ويقال أراد ب (كلمات ~~ربي) معاني القرآن والأحكام المستنبطة منه، والمدد شيء بعد ~~شيء. ### || [18.110] # قوله تعالى: { قل إنمآ أنا بشر مثلكم }؛ أي ~~قل يا محمد: إنما أنا بشر آدمي مثلكم. قال ابن ~~عباس: (علم الله نبيه التواضع لئلا يتباهى على ~~خلقه، فأمره الله أن يقر على نفسه بأنه ~~آدمي كغيره إلا أنه أكرم بالوحي، وهو قوله ~~تعالى: { يوحى إلي أنمآ إلهكم إله ms1283 واحد }؛ ~~لا شريك له، { فمن كان يرجوا لقآء ربه }؛ أي يخشى ~~لقاء ربه ويخاف البعث في المصير إليه، { فليعمل عملا ~~صالحا }؛ أي خالصا لا يرى في عبادة الله أحدا، { ولا يشرك ~~}؛ مع الله غيره في العبادة. # وقال سعيد بن جبير: معناه (ولا يرى) { بعبادة ربه ~~أحدا }؛ وعن عطاء عن ابن عباس قال: (قال: ولا يشرك بعبادة ~~ربه أحدا، ولم يقل: ولا يشرك به؛ لأنه أراد العمل الذي يعمله ~~لله، ويحب أن يحمد عليه). قال الحسن: (هذا في من أشرك ~~بعمله يريد الله به والناس). # وعن عبادة بن الصامت: قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " " من صلى صلاة يرائي بها فقد أشرك، ومن صام ~~صوما يرائي به فقد أشرك " وقرأ هذه الآية { فمن كان ~~يرجوا لقآء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك ~~بعبادة ربه أحدا } " # وعن أبي هريرة وأبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " من قرأ سورة الكهف فهو معصوم إلى ثمانية ~~أيام من كل فتنة يكون فيها، ومن قرأ الآية ~~التي في آخرها حين يأخذ مضجعه كان له نور ~~يتلألأ إلى مكة، حشو ذلك النور ملائكة يصلون ~~عليه حتى يقوم من مضجعه. وإن كان مضجعه ~~بمكة فتلاها كان له نور يتلألأ من مضجعه إلى ~~البيت المعمور، حشو ذلك النور ملائكة يصلون ~~عليه ويستغفرون له حتى يستيقظ ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " ومن حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف ثم ~~أدرك الدجال لم يضره ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فهو معصوم ~~إلى ستة أيام من كل فتنة تكون، فإن خرج ~~الدجال عصم منه ". ### | [19 - سورة مريم] ### || [19.1] # { كهيعص }؛ قال ابن عباس: (أول هذه السورة ثناء ~~أثنى به الرب على نفسه، والكاف من كاف، والهاء ~~من هاد، والياء من حكيم، والعين من عليم، ~~والصاد من صادق وصمد). وقيل: معناه: كاف لخلقه هاد ~~لعباده، يده فوق أيديهم، عالم ببريته، صادق في وعده. ### || [19.2-4] # قوله تعالى: { ذكر رحمت ms1284 ربك عبده زكريآ }؛ ~~أي بهذا اذكر رحمة ربك على زكريا، أو ما يتلى عليكم ذكر رحمة ~~ربك، و(عبده) منصوب بالرحمة. قوله تعالى: { إذ نادى ~~ربه ندآء خفيا }؛ أي إذ دعا ربه سرا في جوف الليل ~~مخلصا لم يطلع عليه إلا الله، { قال رب إني وهن ~~العظم مني }؛ أي ضعف مني. # قال قتادة: (شكا ذهاب أضراسه)، والوهن في اللغة: نقصان ~~القوة، { واشتعل الرأس شيبا }؛ يقول: شخت ~~وضعفت، ومن الموت قربت. والاشتعال: انتشار شعاع النار، ~~واشتعاله في الشيب من أحسن الاستعارة؛ لأنه ينتشر في الرأس، كما ~~ينتشر شعاع النار. قوله تعالى: { شيبا } نصب على ~~المصدر، وهذا يدل على أن أفضل الدعاء دعاء السر، كما قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " خير الدعاء الخفي، وأفضل الرزق ما يكفي ". # قوله تعالى: { ولم أكن بدعآئك رب شقيا }؛ أي ~~كنت تجيبني إذا دعوتك، وقد عودتني الإجابة في ما مضى فلم لا ~~تجيبني. ### || [19.5-6] # قوله تعالى: { وإني خفت الموالي من ورآءى }؛ أي ~~خفت العصبة وبني العم أن يرثوا علمي دون من كان من نسلي، ~~ويقال: خفتهم على الدين من ورائي؛ لأنهم كانوا من أشرار بني ~~إسرائيل. قرأ يحيى بن يعمر: (خفت) بفتح الخاء وتشديد الفاء، ~~و(الموالي) بسكون الياء، يعني ذهبت الموالي. # وقلت: وقوله تعالى: { من ورآءى } أي بعد موتي. قوله ~~تعالى: { وكانت امرأتي عاقرا }؛ أي عقيما من الولد، ~~والرجل العاقر: الذي لا يولد له. وامرأته هي أخت أم مريم ~~بنت عمران بن ماثان. # قوله تعالى: { فهب لي من لدنك وليا }؛ أي أعطني ~~من عندك ولدا، { يرثني }؛ يرث نبوتي ومكاني { ويرث من ~~آل يعقوب }؛ العلم والنبوة، أراد بذلك يعقوب بن ماثان وهم ~~أخوال يحيى، وبنو ماثان كانوا رؤساء بني إسرائيل، وليس يعقوب هذا ~~أبو يوسف. قرأ أبو عمرو والكسائي: (يرثني ويرث) بالجزم فيهما ~~على جواب الدعاء، وقرأ الباقون برفعهما على الحال والصفة. ~~وقوله تعالى: { وليا } أي واليا. # قوله تعالى: { واجعله رب رضيا }؛ أي وفقه ~~للعمل حتى يصير ممن ترضاه. وقال أبو صالح: (معناه: ~~واجعله رب نبيا كما جعلت أباه). ms1285 وقيل: إجعله ~~صالحا تقيا برا مرضيا. # وذهب بعض المفسرين أن معنى قوله تعالى { يرثني } أي ~~يرث مالي، إلا أن حمل الآية على ميراث العلم أولى؛ لأن ~~الأنبياء كانوا لا يشحون بالمال، ولا يتنافسون على مصير المال ~~بعد موتهم إلى مستحقه؛ ولأنه قال (ويرث من آل يعقوب) ولم ~~يرد بذلك المال، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إنا - معشر الأنبياء - لا نورث ما تركناه صدقة ~~" # وإنما دعاء زكريا بالولد ليلي أمور الدين بعده؛ لخوفه من ~~بني أعمامه أن يبدلوا دينه بعد وفاته، وخاف أن يستولوا على ~~علومه وكتبه فيحرفونها، ويواكلون الناس بها، ويفسدون دينه، ~~ويصدون الناس عنه. ### || [19.7] # قوله تعالى: { يزكريآ إنا نبشرك بغلام ~~اسمه يحيى }؛ معناه: إن الله استجاب له فأوحى إليه: { ~~يزكريآ إنا نبشرك } أي نفرحك { بغلام اسمه ~~يحيى }؛ لأن الله أحيا به الإيمان والحكمة. قوله تعالى: ~~{ لم نجعل له من قبل سميا } قال الكلبي وقتادة: ~~(معناه: لم نسم أحدا قبله يحيى)، قال ابن جبير ~~وعطاء: (لم نجعل له شبيها ولا مثلا؛ لأنه لم يعص ~~ولا يهم بمعصية). وقيل: لم تلد العواقر مثله. # وإنما قال { من قبل } لأنه تعالى أراد أن يخلق بعده ~~أفضل منه وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل: إن الله تعالى ~~لم يرد بهذا القول جمع الفضائل كلها ليحيى، وإنما أراد في ~~بعضها؛ لأن الخليل والكليم كانا قبله، وكانا أفضل منه. ### || [19.8] # قوله تعالى: { قال رب أنى يكون لي غلام }؛ أي ~~قال زكريا لجبريل: يا سيدي من أين يكون لي ولد، { وكانت ~~امرأتي عاقرا }؛ من الولد، { وقد بلغت من الكبر ~~عتيا }؛ أي حال اليأس والجفف. # روي أنه كان له يومئذ بضع وستون سنة، والعتي هو الذي ~~غيره طول الزمان إلى اليأس. قال قتادة: (وإنما قال ذلك ~~لنحول عظمه) يقال: رجل عات إذا كان قاسي القلب غير لين. ~~وقرأ حمزة والكسائي: (عتيا) بكسر العين وهما لغتان، وقد تقدم ~~أن هذا القول من زكريا لم يكن على جهة الإنكار، ولكن أحب من أي ~~وجه يكون أبردهما ms1286 إلى الشباب، أو يرزقهما الولد وهما على هذه ~~الصفة. ### || [19.9] # قوله تعالى: { قال كذلك قال ربك هو علي ~~هين }؛ أي قال له جبريل: هكذا قال ربك، كما قلت لك هو ~~علي هين، { وقد خلقتك من قبل }؛ أي من قبل يحيى، { ~~ولم تك شيئا }؛ وكنت معدوما. قرأ حمزة والكسائي: (وقد ~~خلقناك من قبل) بالنون والألف. ### || [19.10] # قوله تعالى: { قال رب اجعل لي آية }؛ أي قال زكريا: ~~يا رب اجعل لي علامة أعلم بها وقوع ما بشرت به؛ لأتعجل ~~المسرة، { قال آيتك }؛ علامتك، { ألا تكلم الناس ~~ثلاث ليال سويا }؛ أي لا تقدر أن تكلم الناس، وأنت سوي لا ~~خرس بلسانك ولا آفة، فإنه كان يقرأ الزبور ويدعو الله ~~ويسبحه، ولكنه اعتقل كلامه عن كلام الناس. وقوله { سويا } ~~أي صحيحا سالما من غير بأس ولا خرس، و { سويا } منصوب على ~~الحال. ### || [19.11] # قوله تعالى: { فخرج على قومه من المحراب }؛ أي ~~خرج عليهم من مصلاه متغير اللون، وهم ينتظرونه فأنكروه ~~وقالوا: ما لك يا زكريا؟ { فأوحى إليهم }؛ أي أشار إليهم ~~وأومأ، ويقال: كتب بيده { أن سبحوا بكرة وعشيا }؛ ~~أي صلوا لله غدوة وعشية، والسبحة الصلاة، فلما كان ~~وقت حمل امرأته ومنع من الكلام، خرج إليهم يأمرهم بالصلاة إشارة، ثم ~~تكلم بعد ثلاث، وأتى امرأته على طهر، فحملت بيحيى. ### || [19.12] # قوله تعالى: { ييحيى خذ الكتاب بقوة }؛ أي قال ~~الله ليحيى بعد ما بلغ البلغ الذي يجوز أن يخاطب: { خذ ~~الكتاب بقوة } أي اعمل بما في التوراة بجد ومواظبة ~~وعزيمة. قوله تعالى: { وآتيناه الحكم صبيا }؛ أي ~~أعطيناه الحكمة، وهي الفهم لكتاب الله صبيا، وكان يحيى عليه ~~السلام على هيأة الصبيان، وله عقل البالغين. وقال ابن عباس: ~~(وآتيناه النبوة في صباه وهو ابن ثلات سنين. ~~وروي أنه مر بالصبيان وهو صغير، فقالوا: تعال نلعب، فقال: ~~ما للعب خلقنا. ### || [19.13] # قوله تعالى: { وحنانا من لدنا وزكاة }؛ أي ~~وآتيناه تحننا على قومه، ورقة قلب عليهم؛ ليدعوهم إلى ~~طاعة ربهم، وقوله { وزكاة } أي عملا صالحا وإخلاصا، وقيل: ~~معناه: جعلناه طاهرا ms1287 من الذنوب. وقيل: معناه: { وحنانا من ~~لدنا } أي جعلناه رحمة من عندنا لأبويه { وزكاة } أي صدقة ~~عليهما. قوله تعالى: { وكان تقيا }؛ أي مطيعا مخلصا ~~بجميع كل ما يرضاه الله من عباده. قال المفسرون: وكان من تقواه ~~أنه لم يعمل خطيئة ولا هم بها. ### || [19.14-15] # قوله تعالى: { وبرا بوالديه }؛ أي لطيفا بوالديه، ~~محسنا إليهما، { ولم يكن جبارا عصيا }؛ أي لم يكن ~~متكبرا على من في دينه، ولا عاصيا لربه. قوله تعالى: { ~~وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت }؛ أي سلامة وسعادة ~~منا عليه حين ولد وحين يموت، { ويوم } ، وحين، { يبعث ~~حيا }؛ من القبر. قال عطاء: (يريد سلامة له منا). # قال سفيان بن عيينة: (أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة ~~مواطن: يوم ولد فيرى نفسه خارجا مما كان فيه، ~~ويوم يموت فيرى قوما ما لم يكن عاينهم، ~~وأحكاما لم يعهدها، ويوم يبعث فيرى نفسه في ~~محشر لم يره، فخصه الله بالكرامة والسلامة ~~والسلام في المواطن الثلاثة). # وعن الحسن: (أن يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا، ~~فقال له عيسى: استغفر لي فأنت خير مني، وقال ~~يحيى: استغفر لي فأنت خير مني، فقال عيسى: بل ~~أنت خير مني، أنا سلمت على نفسي، وأنت سلم ~~الله عليك). ### || [19.16-18] # قوله تعالى: { واذكر في الكتاب مريم إذ ~~انتبذت من أهلها مكانا شرقيا }؛ أي اذكر يا ~~محمد في القرآن خبر مريم؛ لتعتبر الناس بدينها وصلاحها، ~~والمعنى اذكر خبرها لأهل مكة. قوله تعالى: { إذ ~~انتبذت } أي تنحت من أهلها، وتفردت ممن كانوا معها في ~~الدار إلى مكان في جانب الشرق، جلست فيه؛ لأنها كانت في الشتاء، ~~فجلست في مشرقة الشمس. # وقال عكرمة: (أرادت الغسل من الحيض، فتحولت إلى ~~مشرقة دارهم للغسل) { فاتخذت من دونهم حجابا ~~}؛ أي من دون أهلها سترا لئلا يروها، ف؛ بينما هي في مشرقة ~~الدار تغتسل من الحيض، { فأرسلنآ إليهآ روحنا } ، أي دخل ~~عليها جبريل عليه السلام بعد ما فرغت من الاغتسال في صورة شاب أمرد ~~حسن الوجه جعد الشعر، وذلك قوله تعالى: { فتمثل لها ~~بشرا سويا }؛ وإنما ms1288 أرسل الله جبريل في صورة البشر؛ لتثبت ~~مريم وتقدر على استماع كلامه. # قال ابن عباس: (فلما رأت مريم جبريل تقصد ~~نحوها نادته من بعيد)، { قالت إني أعوذ ~~بالرحمن منك إن كنت تقيا }؛ أي إن كنت تقيا مخلصا ~~مطيعا، فستنتهي لتعوذي بالله منك، وقيل: إن تقيا كان رجلا ~~من أمثل الناس في ذلك الزمان، فقالت: إن كنت في الصلاح مثل التقي، ~~فإني أعوذ بالرحمن منك، قوله تعالى: { فأرسلنآ ~~إليهآ روحنا } أي جبريل عليه السلام، خص بالإضافة إلى الله ~~تعالى تشريفا له، وسمي روحا؛ لأن الناس يحيون بما جاء في ~~أديانهم، كما يحيون بأرواح أبدانهم. ### || [19.19] # قوله تعالى: { قال إنمآ أنا رسول ربك لأهب ~~لك غلاما زكيا }؛ أي لأهب لك بأمر الله ولدا صالحا طاهرا ~~من الذنوب. ومن قرأ: (ليهب لك غلاما زكيا) فالمعنى ليهب ~~الله لك. ### || [19.20] # قوله تعالى: { قالت أنى يكون لي غلام }؛ أي من ~~أين يكون لي ولد، { ولم يمسسني بشر }؛ ولم يقربني زوج، { ~~ولم أك بغيا }؛ أي ولم أكن فاجرة زانية، والباغية هي ~~الطالبة للزنى. قال ابن عباس: (قالت مريم ليس لي ~~زوج، ولست بزانية، ولا يكون الولد إلا من ~~الزوج أو الزنى). ### || [19.21] # قوله تعالى: { قال كذلك قال ربك }؛ أي قال لها ~~جبريل، كما قلت لك قال ربك: { هو علي هين }؛ أي خلقه ~~علي هين من غير هاتين الجهتين، كخلق آدم، لا أب ولا أم. ~~قوله تعالى: { ولنجعله آية للناس ورحمة ~~منا }؛ أي لنجعله دلالة على قدرتنا ورحمة للخلق، وقيل: ~~ورحمة لمن اتبعه على دينه وصدقه وكان خلقه، { وكان أمرا ~~مقضيا }؛ أي محكوما به مفروغا منه، سابقا في علم الله أن ~~يقع. ### || [19.22] # قوله تعالى: { فحملته فانتبذت به مكانا ~~قصيا }؛ وذلك أنها لما سمعت كلام جبريل اطمأنت إلى قوله، ~~فدنا منها ونفخ في جيبها، فوصلت تلك النفخة إلى بطنها فحملت بعيسى ~~عليه السلام. وقيل: نفخ جبريل بها من بعيد فوصلت النفخة إليها ~~فحملت. فلما ظهر حملها انتبذت أي خرجت وانفردت، وتنحت ~~بولادتها إلى مكان بعيد من الناس. ms1289 والانتباذ: مأخوذ من نبذت ~~الشيء إذا رميت به، وجلس نبذة أي ناحية، والقاصي والقصي ~~خلاف الداني. # واختلفوا في مدة حملها، فقال بعضهم: تسعة أشهر كحمل سائر ~~النساء على ما جرت به العادة، وقال: بعضهم ثمانية أشهر، وكان ذلك ~~آية أخرى؛ لأنه لم يعش مولود وضع لثمانية أشهر غير عيسى عليه ~~السلام، وقال بعضهم: ستة أشهر، وقيل: ثلاث ساعات، وقيل: ساعة ~~واحدة. # وقال ابن عباس رضي الله عنهما: (ما هو إلا أن حملت ~~فوضعت، ولم يكن بين الحمل والإنباذ إلا ساعة؛ ~~لأن الله تعالى لم يذكر بينهما فصلا). وقال مقاتل: ~~(حملته في ساعة وصور في ساعة، ووضعته في ~~ساعة حين زالت الشمس من يومها وهي بنت عشر ~~سنين، وقد حاضت حيضتين قبل أن تحمل بعيسى ~~عليه السلام). قوله تعالى: { مكانا قصيا } أي مكانا ~~بعيدا. قال ابن عباس: (أقصى الوادي فرارا من قومها أن ~~يعيروها بولادتها من غير زوج). ### || [19.23] # قوله تعالى: { فأجآءها المخاض }؛ أي ألجأها، ~~ويقال: جاء بها وأجاءها بمعنى واحد، كما يقال ذهب به وأذهبه. ~~والمخاض: وجع الولادة، وقيل: تحرك الولد للولادة، ~~وقيل: الحمل. وقرأ عبدالله: (فآواها المخاض). وقوله ~~تعالى: { إلى جذع النخلة }؛ وكانت نخلة يابسة في الصحراء ~~ولم يكن لها سعف أي لا رأس لها، وقيل: كان جذعا ميتا قد ~~أتي به لبناء بيت. # قوله تعالى: { قالت يليتني مت قبل هذا وكنت ~~نسيا منسيا } أي لم أخلق، وقيل: شيئا متروكا لا ~~يذكر، والنسي في كلام العرب: الشيء الحقير الذي إذا ألقي ~~نسي، ولم يلتفت إليه. قال السدي: (إنما تمنت مريم ~~الموت استحياء من الناس، خافت الفضيحة). # وقيل: للحال الذي دفعت إليها من الولادة، والصحيح: أنها ~~إنما تمنت لعلمها بأن الناس سيرمونها بالفاحشة فيأثمون ~~بسببها، فتمنت أن تكون ماتت قبل أن تقول الناس بسببها قولا ~~يسخط الله تعالى. قرأ حمزة وحفص (نسيا) بفتح النون وهما لغتان. ### || [19.24] # قوله تعالى: { فناداها من تحتهآ ألا تحزني }؛ ~~قال ابن عباس والسدي والضحاك وقتادة: (إن المنادي من ~~تحتها هو جبريل عليه السلام، كأنه كان ms1290 في مكان ~~أسفل من مكانها، فناداها ألا تحزني يا مريم ~~على ولادة عيسى، فقد أحسن الله لك الاختيار، ~~وجعل تحتك سريا). قال السدي: (هو النهر ~~الصغير، سمي سريا؛ لأنه يسري لجريانه). # وقال الحسن: (هو عيسى، وهو والله السري من ~~الرجال). وهذا التأويل على قراءة من قرأ (من تحتها) بكسر ~~الميم والتاء، وهي قراءة نافع وحمزة والكسائي وحفص، وقرأ الباقون ~~بالفتح وهو عيسى عليه السلام لما خرج من بطن أمه ناداها ~~ألا تحزني، { قد جعل ربك تحتك سريا }؛ أي نهرا ~~صغيرا. ### || [19.25] # قوله تعالى: { وهزى إليك بجذع النخلة }؛ قال ~~ابن عباس: (ضرب جبريل، وقيل: عيسى عليه السلام ~~برجله الأرض فظهرت عين ماء عذب، وجرى تحت ~~النخلة، فحيت بعد يبسها فأورقت وأثمرت ~~ورطبت). ومعنى الآية: حركي وخذي إليك جذع النخلة. والباء ~~فيه زائدة، تقول العرب: هزه وهز به، وخذ بالخطام وخذ ~~الخطام. # قوله تعالى: { تساقط عليك رطبا جنيا }؛ قرأ ~~يعقوب (يساقط) بالياء، يعني الجذع، وقرأ حفص بالتاء وضمها ~~وتخفيف السين وكسر القاف. وقرأ حمزة (تساقط) بفتح التاء والقاف ~~مخففا، وقرأ الباقون بفتح التاء وتشديد السين؛ أي يتساقط، ~~فأدغمت الياء في السين. معناه: يسقط عليك النخلة، والرطب ~~الجني: هو الجني من الثمرة الرطبة الطرية. ونصب (رطبا) ~~على التفسير. ومن قرأ (تساقط) بالضم انتصب على المفعول. ### || [19.26] # قوله تعالى: { فكلي واشربي وقري عينا }؛ أي فكلي ~~من الرطب، واشربي من النهر، وقري عينا بولدك عيسى، وطيبي ~~نفسا؛ أي يقال: قرت عينه؛ أي بردت برد السرور بما ترى، ~~ويقال: سكنت سكون السرور برؤية ما تحب، فالأول من القر؛ ~~والثاني من القرار. وانتصب (عينا) على التفسير المحول، كما ~~يقال: طيبي نفسا؛ أي طابت نفسك. # قوله تعالى: { فإما ترين من البشر أحدا }؛ أي ~~فإما ترين من الآدميين أحدا، فسألك عن الولد أو لامك عليه، ~~{ فقولي إني نذرت للرحمن صوما }؛ أي صمتا، ~~وكذلك كان يقرؤها ابن مسعود وأنس رضي الله عنهما، قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: (صمتا؛ أي أوجبت على نفسها ~~أن لا تتكلم). # وقال قتادة: (صامت عن ms1291 الطعام والشراب والكلام) ~~ولهذا قالت: { فلن أكلم اليوم إنسيا }؛ أي آدميا، ~~وكان قد أذن لها أن تتكلم بهذا القدر ثم سكتت. قال ابن مسعود رضي ~~الله عنه: (أمرت بالصمت؛ لأنها لم يكن لها حجة ~~عند الناس في شأن ولدها، فأمرت بالكف عن ~~الكلام يكفيها ولدها الكلام بما يبرئ ساحتها). ~~وفي الآية دلالة أن الصمت كان قربة في زمانهم، ولولا ذلك ~~لما نذرته مريم، ثم نسخ ذلك بنهي النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن صوم الصمت. ويروى # " أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن صمت يوم إلى ~~الليل ". ### || [19.27] # قوله تعالى: { فأتت به قومها تحمله قالوا ~~يمريم لقد جئت شيئا فريا }؛ روي أنها أتت بعيسى ~~تحمله إلى قومها بعد أن طهرت من نفاسها؛ أي بعد أربعين يوما، ~~فتكلم عيسى في الطريق وهو ابن أربعين يوما، فقال: يا أماه ~~أبشري فإني عبد الله ومسيحه، فلما دخلت على قومها بكوا ~~وحزنوا، وكانوا أهل بيت صالح، و { قالوا يمريم لقد جئت ~~شيئا فريا } أي منكرا عظيما لا يعرف منك، ولا من أهل ~~بيتك. ### || [19.28] # قوله تعالى: { يأخت هارون ما كان أبوك امرأ ~~سوء }؛ قال ابن عباس: (هارون رجل صالح من بني ~~إسرائيل نسبت إليه) والمعنى: يا شبيهة هارون في ~~العبادة. # " روي أن أهل الكتاب قالوا: كيف يقولون إن مريم أخت هارون ~~وبينهما ستمائة سنة، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ~~" إنهم كانوا يسمون باسم الأنبياء والصالحين " ". # فعلى هذا يجوز أن أخا مريم كان يسمى هارون. وقال السدي: (هو ~~هارون أخو موسى عليهما السلام، نسبت إليه؛ ~~لأنها من ولده كما يقال يا أخا بني فلان). ~~وقيل: كان رجلا فاسقا معروفا بالفسق فنسبت إليه: وقوله ~~تعالى: { ما كان أبوك امرأ سوء } قال ابن عباس: ~~(يريد زانيا)، { وما كانت أمك }؛ حنة؛ { بغيا }؛ ~~أي ما كانت بغيا، فمن أين لك هذا الولد. ### || [19.29-30] # قوله تعالى: { فأشارت إليه }؛ أي أشارت إلى عيسى ~~عليه السلام وهو يرضع بأن كلموه، فعجبوا من ذلك و { قالوا ~~كيف نكلم من كان ms1292 في المهد صبيا }؛ أي في الحجر ~~رضيعا، والمهد هاهنا حجر أمه، وقيل: هو المهد ~~بعينه. قال أبو عبيدة: (كان هاهنا زائدة لا معنى لها). ~~والمعنى كيف نكلم صبيا في المهد، ويجوز أن تكون (من) في موضع ~~الشرط والجزاء، والمعنى من يكن في المهد صبيا فكيف نكلمه، ~~والماضي بمعنى المستقبل في باب الجزاء، ويجوز أن يكون { صبيا } ~~نصب على الحال؛ أي كيف نكلم من في المهد صبيا؛ أي في هذه ~~الحالة. # قال السدي: (فلما أشارت إلى عيسى عليه السلام غضبوا ~~وقالوا: لسخريتها بنا أشد من زناها. فلما سمع ~~عيسى كلامهم، ترك الرضاع وأقبل بوجهه عليهم ~~و { قال إني عبد الله آتاني الكتاب }؛ يعني علمني ~~التوراة والزبور. وقال مقاتل: (علمه الله الإنجيل في ~~بطن أمه) { وجعلني نبيا }؛ أي حكم لي بالنبوة في ~~ما مضى. ### || [19.31] # قوله تعالى: { وجعلني مباركا }؛ أي معلما للخير، ~~نفاعا { أين ما كنت }؛ حيثما كنت أدعوا إلى الله تعالى، ~~وإلى توحيده وعبادته، { وأوصاني بالصلاة والزكاة }؛ أي ~~أمرني بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، { ما دمت حيا }. ### || [19.32] # قوله تعالى: { وبرا بوالدتي }؛ أي وجعلني برا ~~بوالدتي. قال ابن عباس: (لما قال عيسى عليه السلام: ~~بوالدتي، علموا أنه شيء من الله تعالى، { ولم ~~يجعلني جبارا شقيا }؛ أي متعظما، أقتل وأضرب على ~~الغضب، ولا شقيا عاصيا لربه. ### || [19.33] # قوله تعالى: { والسلام علي يوم ولدت ويوم ~~أموت ويوم أبعث حيا }؛ معناه: والسلام علي يوم ~~ولدت حتى لم يضرني شيطان، ويوم أموت ويوم أبعث ~~حيا من القبر. # وفي هذا دليل على أن للإنسان أن يصف نفسه بصفاء الخير إذا ~~أراد تعريفها إلى غيره، ولم يرد الافتخار، وهو مثل قول يوسف ~~عليه السلام للملك # اجعلني على خزآئن الأرض إني حفيظ عليم # [يوسف: 55]. قال ابن عباس: (إنما كلمهم عيسى عليه السلام ~~بهذا الكلام لا غيره، ثم سكت ولم يتكلم حتى ~~بلغ مقدار مدة ما يتكلم الصبيان). ### || [19.34] # قوله تعالى: { ذلك عيسى ابن مريم قول الحق }؛ ~~أي ذلك الذي قال إني عبد الله عيسى بن مريم قول الحق، ~~من ms1293 قرأ بنصب (قول) فالمعنى: قول الحق، ومن رفعه فالمعنى: هو ~~قول الحق، أو كلمة الحق، والحق هو الحق تعالى. ومعنى قراءة ~~النصب أقول قول الحق، { الذي فيه يمترون }؛ أي يشكون ~~فيختلفون، فإنهم اختلفوا - يعنى النصارى - فقائل منهم يقول: هو ~~الله، وقائل يقول: هو ابن الله، واليهود تقول: ولد لغير رشدة. ### || [19.35] # قوله تعالى: { ما كان لله أن يتخذ من ولد }؛ أي ~~ما ينبغي لله أن يتخذ ولدا وليس ذلك من صفاته، وقوله تعالى: ~~{ سبحانه }؛ أي تنزيها له عن الولد والشريك. قوله تعالى: ~~{ إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون }؛ أي ~~كيف يتخذ ولدا من إذا شاء أمرا كان كما خلق عيسى بلا أب. ### || [19.36] # قوله تعالى: { وإن الله ربي وربكم فاعبدوه ~~هذا صراط مستقيم }؛ هذا إخبار عن عيسى أنه قال ذلك. من ~~قرأ بفتح الهمزة فالمعنى: وأوصاني أن الله ربي وربكم، أو قضى ~~أن الله ربي وربكم، ومن كسرها فعلى الاستئناف، ويجوز أن يكون ~~عطفا على (إني عبد الله). والصراط المستقيم هو الدين ~~المستمر في جهة واحدة، وقيل: معناه: هذا الذي أخبركم أن ~~الله أمرني به هو الطريق المستقيم الذي يؤدي إلى الجنة. ### || [19.37] # قوله تعالى: { فاختلف الأحزاب من بينهم }؛ ويعني ~~بالأحزاب: النصارى، كانوا أحزابا متفرقين في أمر عيسى عليه السلام، ~~فبعضهم يقول: الله، وبعضهم يقول: هو ابن الله، وبعضهم يقول: ثالث ~~ثلاثة. # قوله تعالى: { فويل للذين كفروا من مشهد ~~يوم عظيم }؛ أي فويل للذين تحدثوا في عيسى من ~~مشهد يوم عظيم يشهده الخلائق. ### || [19.38] # قوله تعالى: { أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا ~~}؛ أي ما أسمعهم وما أبصرهم يوم القيامة؛ أي يشاهدون من الغيب ما ~~يسمع ويبصر بلا شك ولا مرية. قال قتادة: (سمعوا حين ~~لم ينفعهم السمع، وأبصروا حين لم ينفعهم ~~البصر). وقال الحسن: (لئن كانوا في الدنيا عميا ~~وصما عن الحق، فما أبصرهم وأسمعهم يوم ~~القيامة). قوله تعالى: { لكن الظالمون اليوم ~~في ضلال مبين }؛ أي لكنهم في الدنيا في كفر بين. ### || [19.39] # قوله تعالى: { وأنذرهم يوم الحسرة إذ ms1294 قضي ~~الأمر وهم في غفلة }؛ أي خوف يا محمد أهل مكة ~~يوم يتحسر المسيء هلا أحسن العمل، والمحسن هلا ~~ازداد من الأحسن. وقال أكثر المفسرين: يعني الحسرة يوم ~~يذبح الموت بين الفريقين، فلو مات أحد فرحا لما مات أهل ~~الجنة، ولو مات أحد حزنا لما مات أهل النار. # وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " " يجاء بالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح، ~~فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل ~~الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرفون عليه، ~~فيقولون: نعم؛ هذا الموت. فيقال لأهل النار ~~كذلك، فكلهم قد عرفه، فيذبح، ويقال: يا أهل ~~الجنة خلود بلا موت، ويا أهل النار خلود بلا ~~موت " ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { وأنذرهم ~~يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة } " # قال مقاتل: (لولا ما قضى الله من تخليد أهل النار ~~وتعميرهم فيها، لماتوا حسرة حين رأوا ذلك). # قوله تعالى: { إذ قضي الأمر } أي قضي لهم العذاب في ~~الآخرة، وهم في الدنيا في غفلة. وقال السدي: (إذ قضي الأمر؛ ~~أي ذبح الموت وهم في غفلة في الدنيا عما يصنع ~~بالموت ذلك اليوم) { وهم لا يؤمنون }؛ بما يصنع ~~بالموت ذلك اليوم. # ويقال: معنى قوله تعالى { وأنذرهم يوم الحسرة } هو ~~يوم يأتيهم ملك الموت يقبض أرواحهم، فإذا وقعت المعاينة قال ~~عند ذلك: رب أرجعوني، قال الله تعالى: # حتى إذا جآء أحدهم الموت قال رب ارجعون * ~~لعلي أعمل صالحا فيما تركت # [المؤمنون: 99-100] وقوله تعالى: { وهم في غفلة } أي ~~وهم في الدنيا في غفلة، وهم لا يؤمنون بالقرآن. ### || [19.40] # قوله تعالى: { إنا نحن نرث الأرض ومن عليها ~~}؛ أي نمت سكانها فنرثها، وهذا كقوله تعالى # ونحن الوارثون # [الحجر: 23]؛ لأنهم إذا ماتوا انقطع ملك العباد عن الأرض. ~~قوله تعالى: { وإلينا يرجعون }؛ أي بعد الموت، ~~فنجزيهم بأعمالهم. ### || [19.41] # قوله تعالى: { واذكر في الكتاب إبراهيم إنه ~~كان صديقا نبيا }؛ أي واذكر في القرآن لقومك قصة ~~إبراهيم؛ إنه كثير التصديق بالحق موقنا صدوقا رسولا ms1295 ~~نبيا. ### || [19.42] # قوله تعالى: { إذ قال لأبيه يأبت لم تعبد ما ~~لا يسمع ولا يبصر }؛ أي لم تعبد من دون الله ما لا ~~يسمع إن دعوته، ولا يبصر إن عبدته، يعني الصنم، { ولا ~~يغني عنك شيئا }؛ من عذاب الله، ولا يدفع عنك ضرا. ### || [19.43] # قوله تعالى: { يأبت إني قد جآءني من العلم ما ~~لم يأتك }؛ أي من العلم بالله والمعرفة، وإن من عبد غير ~~الله عذبه، { فاتبعني }؛ على ديني { أهدك صراطا ~~سويا }؛ أي أرشدك إلى دين مستقيم. ### || [19.44-45] # قوله تعالى: { يأبت لا تعبد الشيطان }؛ أي لا ~~تطعه فيما زين لك من الكفر والمعاصي، { إن الشيطان ~~كان للرحمن عصيا }؛ أي كثير العصيان لله تعالى. قوله ~~تعالى: { يأبت إني أخاف أن يمسك عذاب من ~~الرحمن }؛ أي عذاب من الله بطاعتك للشيطان، { فتكون ~~للشيطان وليا }؛ أي قرينا في النار. ### || [19.46] # قوله تعالى: { قال أراغب أنت عن آلهتي ~~يإبراهيم }؛ أي قال له أبوه مجيبا له: أمعرض وتارك أنت ~~عبادة آلهتي يا ابراهيم، { لئن لم تنته }؛ عن مقالتك، ~~وتسكت عن شتم آلهتي وعيبها، { لأرجمنك }؛ أي لأرمينك ~~بالشتم والعيب، وقيل: لأقتلنك رجما، { واهجرني ~~مليا }؛ أي تباعد عني دهرا طويلا. # وقال الحسن وقتادة: (معنى مليا؛ أي سالما سويا من قبل أن ~~يلحقك مكروه مني)، وأصل الملاوة الزمان الطويل من الدهر، ~~يقال: أقام في موضع كذا مليا، والملوان: الليل والنهار. ### || [19.47] # قوله تعالى: { قال سلام عليك }؛ أي قال إبراهيم ~~لأبيه: سلمت مني لا أصيبك بمكروه، وذلك أنه لم يؤمن بقتاله ~~على كفره، هذا سلام توديع، وقوله تعالى: { سأستغفر ~~لك ربي }؛ أي سأسأل الله لك توبة تنال بها مغفرته، ويرزقك ~~التوحيد. قوله تعالى: { إنه كان بي حفيا }؛ أي ~~لطيفا رحيما، وقيل: عالما يستجيب لي إذا دعوت. ### || [19.48] # قوله تعالى: { وأعتزلكم وما تدعون من دون ~~الله }؛ أي أتنحى عنكم وأفارقكم، وأعتزل ما تدعون من دون الله ~~يعني الأصنام، فاعتزلهم وهاجر إلى الأرض المقدسة. قوله تعالى: ~~{ وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعآء ربي شقيا }؛ ~~أي محروما خائبا. ### || [19.49] # قوله تعالى: { فلما ms1296 اعتزلهم وما يعبدون من ~~دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا ~~نبيا }؛ أي فلما خرج إلى ناحية الشام، وتركهم وترك أصنامهم ~~آنسنا وحشته بأولاد كرام على الله تعالى، ووهبنا لهم ~~نعما كثيرة، وأكرمناهم بالثناء الحسن. ### || [19.50] # قوله تعالى: { ووهبنا لهم من رحمتنا }؛ أي وهبنا ~~لهم المال والولد، وبسطنا لهم في الرزق. وقال بعضهم: يعني ~~الكتاب والنبوة. قوله تعالى: { وجعلنا لهم لسان ~~صدق عليا }؛ أي ثناء حسنا في الناس، مرتفعا سائرا في ~~الناس، فكل أهل الملل والأديان يحسنون الثناء عليهم، ~~ويتولون إبراهيم ودينه. ### || [19.51] # قوله تعالى: { واذكر في الكتاب موسى إنه كان ~~مخلصا وكان رسولا نبيا }؛ أي واذكر في القرآن ~~خبر موسى إنه كان مخلصا لله تعالى بالعبادة والتوحيد، وكان ~~رسولا رفيعا. ومن قرأ (مخلصا) بفتح اللام فمعناه: أخلصناه ~~وأحببناه. ### || [19.52] # قوله تعالى: { وناديناه من جانب الطور الأيمن ~~}؛ قيل: إن النداء هو قول الله تعالى له يا موسى # إني أنا الله رب العالمين # [القصص: 30]، والطور: هو جبل بالشام، ناده الله تعالى من ناحية ~~اليمنى، يعني يمين موسى، والمعنى أن موسى سمع النداء عن يمينه، ~~ولا يكون للجبل يمين ولا يسار. # قوله تعالى: { وقربناه نجيا }؛ أي جعلنا محله ~~منا، محل من قربه مولاه من مجلس كرامته، والنجي هو المختص ~~بإدراك كلام مكلمه. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~(قرب الله تعالى موسى إلى أعلى الحجب حتى سمع ~~صرير القلم). ### || [19.53] # قوله تعالى: { ووهبنا له من رحمتنآ أخاه ~~هارون نبيا }؛ وذلك حين سأل موسى ربه فقال # واجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي # [طه: 29-30] فاستجاب الله دعاءه. ### || [19.54] # قوله تعالى: { واذكر في الكتاب إسماعيل إنه ~~كان صادق الوعد }؛ هو إسماعيل بن إبراهيم، ومعنى صادق ~~الوعد؛ أي أنه كان إذا وعد أنجز. قال ابن عباس: (إنه وعد ~~رجلا أن ينتظره حتى رجع إليه، فأقام مكانه ~~ينتظره حتى حال الحول ورجع إليه الرجل). { ~~وكان رسولا نبيا }؛ إلى جرهم. ### || [19.55] # قوله تعالى: { وكان يأمر أهله بالصلاة ~~والزكاة }؛ قيل: أراد بالأهل أمته، وأهل أمته، ~~ونظيره ms1297 # وأمر أهلك بالصلاة # [طه: 132] أي قومك، { وكان عند ربه مرضيا }؛ أي صالحا ~~زكيا. ### || [19.56-57] # قوله تعالى: { واذكر في الكتاب إدريس إنه كان ~~صديقا نبيا }؛ اسم ادريس أخنوخ، وهو جد أبي نوح، وسمي ~~إدريس لكثرة درسه الكتب، وكان خياطا وهو أول من خط بالقلم، ~~وهو أول من خاط الثياب ولبس المخيط، وأول من نظر في علم النجوم ~~والحساب. # قوله تعالى: { إنه كان صديقا نبيا } أنزلت عليه ~~ثلاثون صحيفة، وهو أول من لبس القطن، وكانوا قبل ذلك يلبسون ~~جلود الضأن. قوله تعالى: { ورفعناه مكانا عليا } ~~روي عن أنس بن مالك، وأبي سعيد الخدري ومجاهد: (أنه رفع إلى ~~السماء الرابعة)، وقال ابن عباس والضحاك: (إلى السماء ~~السادسة). وقيل: معناه: ورفعناه في العلم والنبوة إلى ~~درجة عالية. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لما عرج بي رأيت إدريس في السماء الرابعة ". # وكان سبب رفعه على قول ابن عباس: (أنه سار ذات يوم في حاجته ~~فأصابه وهج الشمس، فقال: يا رب إني مشيت يوما واحدا، فكيف ~~بمن حملها خمسمائة عام في يوم واحد، اللهم خفف عنه من ~~ثقلها واحمل عنه حرها، فلما أصبح الملك الموكل بها وجد ~~خفة في حرها بخلاف ما يعرف، فقال: يا رب ما الذي قضيت؟ فقال: ~~إن عبدي إدريس سألني أن أخفف عنك حملها وحرها فأجبته، فقال: ~~يا رب اجمع بيني وبينه صبحة فأذن له حتى أتى إلى إدريس، ~~فسأله عن ذلك فأخبره أنه دعا له شفقة عليه، ثم حمله ملك ~~الشمس على جناحه، ورفعه إلى السماء بإذن الله تعالى). ### || [19.58] # قوله تعالى: { أولئك الذين أنعم الله عليهم ~~من النبيين من ذرية ءادم }؛ معناه: إن الذين ~~ذكرتهم هم الذين أكرمهم الله بالنبوة والإسلام من ذرية آدم، ~~وإنما قرن ذكر نسبهم مع أن كلهم كانوا لآدم ليبين ~~مراتبهم في شرف النسب، فإنه كان لإدريس شرف القرب من آدم، وكان ~~إبراهيم من ذرية نوح، وكان إسماعيل واسحاق من ذرية إبراهيم، وكان ~~موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى من ذرية إسرائيل، فقوله: { من ms1298 ~~ذرية ءادم } يعني إدريس ونوح، { وممن حملنا مع ~~نوح }؛ في السفينة يعني إبراهيم؛ لأنه من ولد سام بن نوح، { ~~ومن ذرية إبراهيم }؛ يعني إسماعيل وإسحاق ويعقوب، وقوله، ~~{ وإسرائيل }؛ يعني أن من ذرية إسرائيل: موسى وهارون ومن ~~ذكرناه. # قوله تعالى: { وممن هدينا واجتبينآ }؛ أي هؤلاء ~~كانوا ممن أرشدنا واصطفينا لإداء الرسالة، { إذا تتلى ~~عليهم آيات الرحمن }؛ التي أنزلت عليهم، { خروا ~~سجدا وبكيا }؛ أي وقعوا يسجدون لله تعالى، ويبكون من ~~مخافة الله، والسجد: جمع ساجد، والبكي جمع باك. ### || [19.59] # قوله تعالى: { فخلف من بعدهم خلف أضاعوا ~~الصلوة واتبعوا الشهوت }؛ أي فخلف من بعد هؤلاء ~~الأنبياء المذكورين والصالحين { خلف } أي قوم سوء وهم اليهود ~~والنصارى ومن لحق بهم. يقال في الرداءة: خلف بإسكان اللام، وفي ~~الصلاح: خلف بفتح اللام. # وقوله تعالى: { أضاعوا الصلوة } أي أخروها عن ~~مواقيتها لغير عذر، وقيل: تركوها أصلا. وقوله تعالى: ~~{ واتبعوا الشهوت } يعني المعاصي وشرب الخمر، واشتغلوا ~~بالملذات في ما حرم عليهم، وآثروها على طاعة الله تعالى. قال وهب: ~~(شرابون القهوات؛ لعابون بالكعاب؛ ركابون ~~الشهوات؛ متبعون الملذات؛ تاركون الجماعات؛ ~~مضيعون الصلوات). # قوله تعالى: { فسوف يلقون غيا }؛ قال ابن مسعود ~~وعطاء: (هو واد في جهنم بعيد القعر)، قال ابن عباس: ~~(الغي واد في جهنم تستعيذ أودية جهنم من ~~حره أعد للزاني وشارب الخمر وآكل الربا وأهل ~~العقوق ولشاهد الزور، ولإمراة أدخلت على زوجها ~~ولدا من غيره). # وقيل: الغي واد في جهنم يسيل قيحا ودما أعد ~~للغاوين، فسمي غيا؛ لأنه جزاء الغي، كما قال تعالى # يلق أثاما # [الفرقان: 68] أي جزاء الإثم. وقال كعب: (الغي واد في ~~جهنم أبعدها قعرا وأشدها حرا، فيه بئر يسمى ~~بهغم، كلما خبت جهنم فتح لها باب إلى تلك ~~البئر فتسعر به جهنم). ### || [19.60] # قوله تعالى: { إلا من تاب وآمن وعمل صالحا ~~فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا }؛ ~~معناه: إلا التائبين منهم، ويجوز أن يكون نصبا استثناء من غير ~~الأول على معنى لكن من تاب وآمن وعمل صالحا ~~فأولئك يدخلون الجنة ولا ينقصون من حسناتهم. ### || [19.61] # قوله ms1299 تعالى: { جنات عدن التي وعد الرحمن ~~عباده بالغيب }؛ أي بساتين إقامة، وقوله تعالى: { ~~بالغيب } يعني أنهم غابوا عن ما فيها، وانتصب قوله { جنات ~~}؛ لأنه بدل من الجنة. قوله تعالى: { إنه كان وعده ~~مأتيا }؛ أي موعوده آتيا كائنا، وإنما لم يقل آتيا؛ لأنه ~~كل ما أتاك فقد أتيته. ### || [19.62] # قوله تعالى: { لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ~~}؛ أي لا يسمعون في الجنة كلاما ساقطا، ولا يسمعون إلا سلاما، ~~يسلم بعضهم على بعض، والسلام هو الكلام الذي لا لغو فيه ~~ولا إثم. وقيل: معناه: لا يسمعون في الجنة كلاما باطلا ~~وفحشاء وهدرا وفضولا من الكلام. وقال مقاتل: (يمينا كاذبة ~~ولا يسمعون إلا سلاما، يسلم بعضهم على بعض، ~~ويسلم عليهم الملائكة، ويرسل إليهم الرب ~~بالسلام). # قوله تعالى: { ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا } ~~، قال المفسرون: ليس في الجنة بكرة وعشية، ولكنهم يؤتون ~~رزقهم على مقدار ما يعرفون من الغذاء والعشاء، قال قتادة: (كان ~~العرب إذا حصل لأحدهم الغداء والعشاء أعجب به، ~~فأخبر الله تعالى أن لهم في الجنة رزقهم بكرة وعشيا على ~~قدر ذلك الوقت)؛ أي يجمع لهم الطعام في هذين الوقتين كما يكون ~~في الدنيا، ويأكلون فيما عدا هذين الوقتين ما يشتهون كما في ~~الدنيا. ### || [19.63] # قوله تعالى: { تلك الجنة التي نورث من ~~عبادنا من كان تقيا }؛ أي هذه الجنة التي وصفها الله ~~تعالى هي التي نورث من اتقى معصية الله، وعمل بالطاعة ~~والإيمان. قوله تعالى: { نورث } أي نعطي، وإنما قال { ~~نورث }؛ لأن الله تعالى أورثهم من الجنة مساكن أهل النار لو ~~اطلعوا. وقيل: لأنه تمليك في حال مبتدأ بعد انقضاء أجل ~~الدنيا. ### || [19.64] # قوله تعالى: { وما نتنزل إلا بأمر ربك }؛ ~~وذلك # " أن جبريل عليه السلام أبطأ على النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالوحي، فلما أتاه قال له: " ما زرتنا حتى ~~استبطأناك ". وقيل: قال له: " ما يمنعك يا ~~جبريل أن تزورنا أكثر مما تزورنا ". فأنزل الله ~~عذر جبريل " # ، والمعنى: قل له وما نتنزل من السماء إلا بأمر ربك. ~~وقيل: # " استبطأ رسول الله صلى ms1300 الله عليه وسلم جبريل، ثم ~~جاءه فقال له: " يا جبريل أبطأت علي حتى ساء ~~ظني فاشتقت إليك " فقال له: إني كنت إليك ~~أشوق، ولكني عبد مأمور، إذا بعثت نزلت، وإذا ~~حبست احتبست. فأنزل الله هذه الآية { وما نتنزل ~~إلا بأمر ربك } ". # قوله تعالى: { له ما بين أيدينا وما خلفنا وما ~~بين ذلك }؛ أي له ما بين أيدينا من أمر الدنيا وما خلفنا من ~~الآخرة، وما بين ذلك؛ يعني: ما بين النفختين وبينهما ~~أربعون سنة. قوله تعالى: { وما كان ربك نسيا }؛ أي ~~وما كان ربك ليتركك، وإن تأخر عنك رسوله. ### || [19.65] # قوله تعالى: { رب السموت والأرض وما ~~بينهما فاعبده واصطبر لعبادته }؛ أي إصبر على ~~أمره ونهيه حتى الموت، { هل تعلم له سميا }؛ أي شبيها ~~ومثلا يعبد، وقيل: هل تعلم من يستحق الإلهية سواه، ~~وقيل: هل تعلم أحدا يسمى الله غيره، وقيل: هل تعلم من ~~أحد سمي رب السماوات والأرض. ### || [19.66] # قوله تعالى: { ويقول الإنسان أءذا ما مت لسوف ~~أخرج حيا }؛ قال ابن عباس: (هو أبي بن خلف ~~الجمحي، قال هذا القول إنكارا للبعث). وقوله ~~تعالى: { لسوف أخرج حيا } أي أخرج من القبر حيا؛ ~~استهزاء وتكذيبا منه للبعث. ### || [19.67] # قوله تعالى: { أولا يذكر الإنسن أنا خلقناه ~~من قبل }؛ قرأ نافع وابن عامر وعاصم: (أولا يذكر) بالتخفيف، ~~وقرأ الباقون بالتشديد وهو الاختيار؛ أي أولا يتعظ ويتفكر، ~~وعلى القراءة الأولى (يذكر) بالتخفيف ضد النسيان، والمعنى: ~~أولا يتعظ الإنسان أنا خلقناه من نطفة، { ولم يك ~~شيئا }؛ موجودا، فيستدل بالابتداء على الإعادة. ### || [19.68] # قوله تعالى: { فوربك لنحشرنهم والشياطين }؛ ~~يعني المنكرين للبعث، أقسم الله تعالى على نفسه لنحشرنهم ~~من قبورهم مع الشياطين الذين أضلوهم، { ثم } لنجمعنهم، ~~{ لنحضرنهم حول جهنم جثيا }؛ باركين على ~~الركب؛ لأن المحاسبة إنما تكون بقرب جهنم، يقرن مع كل ~~كافر شيطان في سلسلة. ### || [19.69] # قوله تعالى: { ثم لننزعن من كل شيعة أيهم ~~أشد على الرحمن عتيا }؛ أي ثم لنخرجن من كل ~~فرقة وجماعة أيهم أشد على الرحمن تمردا وجرأة وفجورا ~~وكفرا بدءا بالأعتى فالأعتى، ms1301 والأكثر جرما. قال قتادة: ~~(المعنى: لننزعن من كل قرية وأهل دين ~~قادتهم ورؤساءهم في الشر). # والشيعة: الجماعة المعاونون على أمر من الأمور. قوله ~~تعالى: { أيهم } رفع على الاستثناء، و { لننزعن } ~~يعمل في موضع { من كل شيعة } ، هذا قول يونس. وقال الخليل: ~~على معنى الذين يقال لهم أيهم أشد فلنخرج. ### || [19.70] # قوله تعالى: { ثم لنحن أعلم بالذين هم ~~أولى بها صليا }؛ أي نحن أعلم بالأولى بدخول النار وشدة ~~العذاب، وأحقهم بعظيم العقاب. والصلي: هو اللزوم، من قولهم ~~صلي بالنار صليا. ### || [19.71-72] # قوله تعالى: { وإن منكم إلا واردها }؛ اختلفوا في ~~الخطاب الذي في أول هذه الآية، قال بعضهم: هو راجع إلى الكفار؛ ~~لأنه تقدمه قوله تعالى: # ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا # [مريم: 70]، وقال الأكثرون: هذا خطاب مبتدأ لجميع الخلق، ودليله ~~قوله تعالى: { ثم ننجي الذين اتقوا ونذر }؛ ~~أي ننجي من الواردين من اتقى. # ثم اختلف هؤلاء أيضا في معنى الورود، قال بعضهم: هو ~~الدخول كما في قوله تعالى # فأوردهم النار # [هود: 98] أي أدخلهم النار، وقالوا: إلا أنها تكون على ~~المؤمنين بردا وسلاما، واستدلوا بما روى جابر رضي الله عنه: ~~أنه أهوى بيديه إلى أذنيه وقال: صمتا إن لم ~~أكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " الورود الدخول، لا يبقى بر ولا فاجر إلا ~~دخلها، فتكون على المؤمنين بردا وسلاما، كما ~~كانت على إبراهيم، حتى أن للنار ضجيجا ~~بورودهم " # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " ما من مسلم يموت له ثلاثة أولاد لم يلج ~~النار إلا تحلة القسم، ثم قرأ: { وإن منكم ~~إلا واردها } ". # ومعنى القسم: أن أول هذه الآية فيها إضمار القسم؛ تقديره: ~~والله ما منكم من أحد إلا واردها، وروي عن ابن مسعود ~~أنه قال: # " الصراط على متن جهنم مثل حد السيف، تمر ~~عليه الطائفة الأولى كالبرق، والثانية ~~كالريح، والثالثة كالجواد السابق، والرابعة ~~كأجود البهائم، ثم يمرون والملائكة يقولون: ~~اللهم سلم؛ اللهم سلم " # وعن أبي هريرة: أنه أوى ms1302 إلى فراشه فقال: (يا ليت ~~أمي لم تلدني، فقالت امرأته ميسرة: إن الله ~~عز وجل قد أحسن إليك، هداك إلى الإسلام. قال: ~~أجل؛ ولكن الله تعالى قد بين لنا أنا لواردون ~~النار، ولم يبين لنا أنا خارجون منها). # وقال بعضهم: الورود هو الإشراف على النار بلا دخول؛ لأن موضع ~~المحاسبة يكون قريبا من النار، وقد قال الله تعالى: # ولما ورد مآء مدين # [القصص: 23] ولم يكن موسى دخل الماء، واستدلوا بما روي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " لن يدخل النار - إن شاء الله تعالى - واحد شهد ~~بدرا أو الحديبية ". # وعن مجاهد أنه قال: (الحمى حظ كل مؤمن من النار). ~~فعلى هذا من حم من المسلمين فقد وردها، لأن الحمى من ~~فيح جهنم. # " وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه عاد مريضا من ~~وعك كان به، فقال له: " أبشر؛ إن الله يقول: هي ~~ناري أسلطها على عبدي المؤمن لتكون حظه من ~~النار " ". # قال الزجاج: (والحجة القاطعة على أنهم لا ~~يدخلون النار قوله تعالى: # إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك ~~عنها مبعدون * لا يسمعون حسيسها وهم في ما ~~اشتهت أنفسهم خالدون # [الأنبياء: 101-102]) وهذه حجة لا معارض لها. # قوله تعالى: { كان على ربك حتما مقضيا }؛ ~~الحتم: القطع بالأمر، والمقضي هو الذي قضى بأنه يكون. ~~قوله تعالى: { ثم ننجي الذين اتقوا }؛ أي الذين ~~اتقوا الشرك وصدقوا، { ونذر الظالمين فيها جثيا }؛ ~~أي ونذر المشركين فيها جثيا على الركب. ### || [19.73-74] # قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينت ~~قال الذين كفروا }؛ معناه: وإذا تتلى على الكفار آيات ~~القرآن المنزلة قالوا { للذين آمنوا أي ~~الفريقين }؛ أي الدينين، { خير مقاما وأحسن نديا ~~}؛ خير مسكنا وخير مجلسا في الدنيا، فكذلك يكون في الآخرة. # يعني أن مشركي قريش كانوا يقولون لفقراء المؤمنين: أي الفريقين ~~خير مقاما؛ نحن أم أنتم؟ والمقام والمسكن والمنزل ~~والندي والنادي: مجلس القوم ومجتمعهم، وكانوا يلبسون أحسن ~~الثياب، ثم يقولون مثل هذا للمؤمنين. # فأجابهم الله تعالى بقوله: { وكم أهلكنا قبلهم من ~~قرن هم أحسن ms1303 أثاثا ورءيا }؛ أي وكم أهلكنا قبل ~~قريش من الأمم الخالية هم أحسن أموالا وأحسن منظرا، والأثاث: ~~المال، جمع الإبل والغنم والعبيد والمتاع، وقال الحسن: ~~(الأثاث: اللباس، والرئي: المنظر). # وقرئ (وريا) بغير همز من الري الذي هو ضد العطش، ~~والمراد: أن منظرهم مرتو من النعمة كأن النعيم بين فيهم؛ ~~لأن الري يتبعه الطراوة، كما أن العطش يتبعه الذبول. ### || [19.75] # قوله تعالى: { قل من كان في الضللة فليمدد ~~له الرحمن مدا }؛ أي قل لهم يا محمد: من كان في ~~العماية عن التوحيد، ودين الله فليمدد له الرحمن؛ أي ~~ليزد في ماله وعمره وولده، ويقال: ليدعه الله في طغيانه ~~حتى إذا وصل الآخرة لم يكن له فيها نصيب. وهذا اللفظ أمر؛ ومعناه ~~الخبر. # قوله تعالى: { حتى إذا رأوا ما يوعدون إما ~~العذاب وإما الساعة }؛ يعني الذين مدهم الله في ~~الضلالة. وأخبر عن الجماعة لأن لفظ (من) يصلح للجماعة. # ثم ذكر ما يوعدون، فقال: { إما العذاب وإما الساعة } ~~يعني القتل والأسر والقيامة والخلود في النار، { فسيعلمون }؛ ~~حينئذ { من هو شر مكانا }؛ أي أهم أم المؤمنون؛ لأن ~~مكانهم جهنم، ومكان المؤمنين الجنة. قوله تعالى: { ~~وأضعف جندا }؛ هذا رد عليهم في قولهم: أي الفريقين ~~خير مقاما، وأحسن نديا. ### || [19.76] # قوله تعالى: { ويزيد الله الذين اهتدوا هدى }؛ ~~أي يزيدهم هذا بالإيمان والشرائع، ويزيدهم هدى بالأدلة ~~والحجج والطاعات التي تدعو إلى الحسنات. قوله تعالى: { ~~والباقيات الصالحات }؛ قد تقدم تفسيرها، سميت باقيات؛ ~~لبقاء ثوابها للإنسان. قوله تعالى: { خير عند ربك ~~ثوابا }؛ أي أنفع من مقامات الكفار التي يفتخرون بها، { وخير ~~مردا }؛ أي وأفضل مرجعا في الآخرة، وأفضل ما يرد على ~~صاحبه. ### || [19.77] # قوله تعالى: { أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال ~~لأوتين مالا وولدا }؛ أنزلت هذه الآية في العاص بن ~~وائل، قال خباب بن الأرت: (كان لي دين على العاص ~~ابن وائل، فحسب دينه منه، فقال: لا أقضيك حتى ~~تكفر بمحمد، قال: لا والله؛ لا أكفر بمحمد حيا ~~ولا ميتا ولا حين أبعث، قال: فدع مالك، فإذا ~~بعثت أعطيت مالا وولدا ms1304 وأعطيك هنالك - قال ~~ذلك مستهزءا - قال: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فأنزل الله هذه الآية). # وقال الحسن: (نزلت في الوليد بن المغيرة)، ومعنى: ~~لأوتين مالا وولدا: لئن كان ما يقول محمد في ~~الآخرة حقا لأعطين مالا وولدا في الآخرة. ومن قرأ ~~(وولدا) بالضم؛ فمعناه واحد، كالحزن والحزن، وقيل: ~~إنه جمع الولد كما يقال أسد وأسد. ### || [19.78-80] # قوله تعالى: { أطلع الغيب أم اتخذ عند ~~الرحمن عهدا }؛ أي أعلم ذلك غيبا أم عهد الله إليه ~~عهدا بما تمنى؟! وقال ابن عباس: (ومعناه: ما غاب عنه ~~حتى يعلم أفي الجنة هو أم لا). وقال الكلبي: (أنظر ~~ما في اللوح المحفوظ). # قوله تعالى: { أم اتخذ عند الرحمن عهدا } ، ~~قال ابن عباس: (معناه أم قال: لا إله إلا الله؛ ~~فأرحمه بها). وقال قتادة: (أقدم عملا صالحا ~~يرجوه)، { كلا }؛ أي ليس الأمر على ما قال: أنه يولي المال ~~والولد. ويجوز أن يكون معناه: كلا إنه لم يطلع الغيب، ~~ولم يتخذ عند الرحمن عهدا. # قوله تعالى: { سنكتب ما يقول }؛ أي سنأمر ~~الحفظة بإثبات ما يقول لنجازيه به في الآخرة، { ونمد له ~~من العذاب مدا }؛ أي نزيده عذابا فوق العذاب. قوله ~~تعالى: { ونرثه ما يقول }؛ أي نرثه المال والولد بعد ~~إهلاكنا إياه، فلا يعود بعد ذلك إليه، كما لا يعود المال إلى من ~~خلفه بعد موته، { ويأتينا }؛ في الآخرة، { فردا }؛ أي ~~وحيدا خاليا من المال والولد. ### || [19.81] # قوله تعالى: { واتخذوا من دون الله آلهة ~~ليكونوا لهم عزا }؛ أي واتخذ أهل مكة من دون الله ~~أصناما آلهة؛ ليكونوا لهم أعوانا وشفعاء في الآخرة. والعز: ~~الامتناع من الضم، فهم اتخذوا هذه الآلهة؛ ليصيروا بها إلى العز ~~في زعمهم فلا يصيبهم سوء، وذلك أنهم رجوا منها الشفاعة ~~والنصرة والمنع من عذاب الله. ### || [19.82] # قوله تعالى: { كلا }؛ أي لا يمنعهم مني شيء، { ~~سيكفرون بعبادتهم }؛ أي يجحد الآلهة عبادة المشركين ~~لها كما قالوا: # تبرأنآ إليك ما كانوا إيانا يعبدون # [القصص: 63]. قوله تعالى: { ويكونون عليهم ضدا }؛ ~~أي يصيرون أعوانا عليهم يكذبونهم ms1305 يلعنونهم يتبرأون منهم. ### || [19.83] # قوله تعالى: { ألم تر أنآ أرسلنا الشياطين ~~على الكافرين تؤزهم أزا }؛ أي ألم تعلم أنا ~~خلينا بين الشياطين والكفار وسلطانهم عليهم، فلم نعصم الكفار ~~من القبول منهم، وتسمى التخلية إرسالا في سعة اللغة. قوله ~~تعالى: { تؤزهم أزا } أي تزعجهم إلى معصية الله تعالى ~~إزعاجا، وتغريهم إغراء. وقال القتيبي: (تحركهم إلى ~~المعاصي). وأصله الحركة والغليان، ومنه الحديث المروي: # " ولجوفه أزيز كأزيز المرجل ". ### || [19.84] # قوله تعالى: { فلا تعجل عليهم }؛ أي لا تعجل ~~بمسألة إهلاكهم، { إنما نعد لهم عدا }؛ أي نعد ~~أنفاسهم نفسا بعد نفس، كما نعد أيامهم وآجالهم. ### || [19.85] # قوله تعالى: { يوم نحشر المتقين إلى ~~الرحمن وفدا }؛ أي اذكر لهم يا محمد اليوم الذي ~~نجمع فيه من اتقى الله في الدنيا؛ أي اجتنب الكبائر والفواحش ~~إلى دار الرحمن؛ وهي موضع الكرامة والثواب. قوله تعالى: { ~~وفدا } أي ركبانا، قال ابن عباس: (يؤتون بنوق لم تر ~~الخلائق مثلها، عليها رحال الذهب وأزمتها ~~الزبرجد، فيركبون عليها حتى يقربوا أبواب ~~الجنة)، وإنما وحد الوفد لأنه مصدر. ### || [19.86] # قوله تعالى: { ونسوق المجرمين إلى جهنم }؛ أي ~~يحثهم على السير إلى جهنم، وقوله تعالى: { وردا }؛ أي ~~عطاشى مشاة حفاة عراة قد تقطعت أعناقهم من العطش، والورد: ~~الجماعة التي ترد الماء، ولا يرد أحد الماء إلا بعد العطش. ### || [19.87] # قوله تعالى: { لا يملكون الشفاعة }؛ أي لا يقدرون ~~على الشفاعة، { إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا }؛ أي ~~لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا وهم المؤمنون، فإنهم يملكون ~~الشفاعة. قال ابن عباس: (شهادة أن لا إله إلا الله). ~~و(من) في موضع نصب على الاستثناء المنقطع. قال ابن عباس: (لا ~~يشفع إلا من قال: لا إله إلا الله، وتبرأ من ~~الحول والقوة إليه، ولا يرجو إلا الله عز ~~وجل). # وعن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقول ذات يوم: # " " أيعجز أحدكم أن يتخذ كل صباح ومساء عند ~~الله عهدا؟! " قالوا: كيف؟ قال: يقول: " اللهم فاطر ~~السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إني ~~أعهد إليك في هذه ms1306 الدنيا بأني أشهد أن لا إله ~~إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك ~~ورسولك، وأنك إن تكلني إلى نفسي، تقربني من ~~الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا ~~برحمتك، فاجعله لي عهدا توفينه يوم القيامة، ~~إنك لا تخلف الميعاد. فإذا قال ذلك طبع الله ~~عليه بطابع ووضع تحت العرش، فإذا كان يوم ~~القيامة، نادى مناد: أين الذين لهم عند الله ~~عهد فيدخلون الجنة " ". ### || [19.88-89] # قوله تعالى: { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا * ~~لقد جئتم شيئا إدا }؛ أي قال المشركون: الملائكة بنات ~~الله، وقالت النصارى: المسيح ابن الله، وقالت اليهود: عزير ~~ابن الله. يقال لهم: { لقد جئتم شيئا إدا } أي منكرا ~~عظيما. ### || [19.90-92] # قوله تعالى: { تكاد السموت يتفطرن منه }؛ أي ~~يتشققن من عظم هذا القول، { وتنشق الأرض }؛ ~~فتصدع، { وتخر الجبال هدا }؛ أي يسقط بعضها على ~~بعض بشدة صوت، بأن سموا، { أن دعوا للرحمن ولدا * ~~وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا }؛ قرأ أهل ~~الحجاز والكسائي: (يتفطرن) بالتاء مشددة، وقرأ نافع ~~(يكاد) بالياء لتقدم الفعل. قال المفسرون: اتخذ الرحمن ولدا، ~~اقشعرت الأرض، وغضبت الملائكة، وأسعرت جهنم، وفزعت ~~السماوات والأرض والجبال. ### || [19.93] # قوله تعالى: { إن كل من في السموت والأرض ~~إلا آتي الرحمن عبدا }؛ أي ما من أحد في السماوات ~~والأرض إلا سيأتي الرحمن مقرا بالعبودية، ويأتيه يوم القيامة ~~عبدا ذليلا. يعني أن الخلق كلهم عبيده، وأن عيسى والعزير من ~~جملة العبيد. ### || [19.94-95] # قوله تعالى: { لقد أحصاهم وعدهم عدا }؛ أي لقد ~~علم عددهم وأفعالهم، ولا يخفى عليه شيء منهم مع كثرتهم. قوله ~~تعالى: { وكلهم آتيه يوم القيامة فردا }؛ لا ~~أنصار لهم ولا أعوان ولا مال ولا ولد، كل امريء مشغول بنفسه ~~لا يهمه غيره. ### || [19.96] # قوله تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا }؛ أي يحبهم ~~في الدنيا، ويحببهم إلى عباده المؤمنين من أهل السماوات وأهل ~~الأرضين. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا أحب الله العبد، قال الله تعالى: يا جبريل ~~إني قد أحببت فلانا فأحبه، فيحبه ms1307 جبريل، ~~ثم ينادي في أهل السماوات: إن الله قد أحب ~~فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم توضع ~~له المحبة في الأرض. وإذا أبغض العبد قال مثل ~~ذلك. وما أقبل عبد بقلبه على الله إلا أقبل الله ~~بقلوب المؤمنين إليه حتى يرزقه الله مودتهم ~~ومحبتهم ". ### || [19.97] # قوله تعالى: { فإنما يسرناه بلسانك }؛ أي ~~يسرنا قراءة القرآن على لسانك، { لتبشر به ~~المتقين } أي بالقرآن؛ { وتنذر به قوما لدا } أي ~~قوما ذوي جدل بالباطل، واللد جمع الألد: شديد ~~الخصومة، نظيره الأصم. ### || [19.98] # قوله تعالى: { وكم أهلكنا قبلهم من قرن }؛ أي ~~كم أهلكنا يا محمد قبل قومك من قرون ماضية، { هل تحس ~~منهم من أحد }؛ أي هل ترى منهم من أحد؟ { أو تسمع ~~لهم ركزا }؛ أي صوتا. # والإحساس مأخوذ من الحس، يقال: هل أحسست فلانا؛ أي هل ~~رأيته. والركز: هو الصوت الخفي الذي لا يفهم، ومنه ~~الركاز: وهو المغيب في الأرض. # قال الحسن في معنى الآية: (ذهب القوم فلا يسمع لهم ~~صوت). وقال قتادة: (معناه: هل ترى من عين أو تسمع ~~من صوت). # وعن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من قرأ سورة مريم أعطي من الأجر بعدد من ~~صدق بزكريا ويحيى ومريم وعيسى وهارون ~~وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب وإدريس، ~~وبعدد من كذبهم، وبعدد من دعا لله ولدا، ~~وبعدد من وحد الله تعالى ". ### | [20 - سورة طه] ### || [20.1] # { طه }؛ قرأ أبو عمرو وورش بفتح الطاء وكسر الهاء، وقرأ حمزة ~~والكسائي وخلف بكسر الطاء والهاء، وقرأ الباقون بالتفخيم فيهما. ~~واختلفوا في معناه، فقال أكثر المفسرين: إن معناه: يا رجل؛ ~~يعني النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول ابن عباس والحسن وعكرمة ~~وابن جبير والضحاك وقتادة ومجاهد، إلا أن عكرمة قال: (هو ~~بلسان الحبشة)، وقال قتادة: (إنما يقول هذه اللغة ~~أهل السريانية). # وروى السدي عن أبي ملك معنى قوله طه: (يا فلان)، قال ~~الكلبي: (بلغة عك: يا رجل)، قال ابن الأنباري: ولغة ~~قريش وافقت تلك اللغة أيضا في هذا المعنى؛ لأن ~~الله ms1308 تعالى لم يخاطب نبيه إلا بلسان قريش. قال ~~الشاعر: # إن السفاهة طه في خلائقكم # لا قدس الله أرواح الملاعين # يريد: يا رجل، وقال آخر: # هتفت بطه في القتال فلم يجب # فخفت عليه أن يكون موائلا # وقرئ (طه) بتسكين الهاء، وله معان؛ أحدها: أن تكون الهاء ~~بدلا من همزة الطاء كقولهم في: أرقت هرقت. والآخران: أن ~~يكون على ترك الهمزة طا يا رجل بقدمك الأرض، ثم يدخل الهاء ~~للوقف، فإنه روي: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجتهد في صلاة ~~الليل بمكة حتى تورمت قدماه، فكان إذا صلى ~~رفع رجلا ووضع أخرى " # فأنزل الله تعالى { طه } أي طأ الأرض بقدمك. # وقال بعضهم: أول السورة قسم؛ أقسم الله بطوله وهدايته. وقال ~~بعضهم: الطاء من الطهارة، والهاء من الهداية، كأنه تعالى قال ~~لنبيه صلى الله عليه وسلم: يا طاهرا من الذنوب، ويا ~~هاديا إلى علام الغيوب. ### || [20.2-4] # قوله تعالى: { مآ أنزلنا عليك القرآن لتشقى ~~}؛ أي لتجهد نفسك وتتعب، وذلك أنه لما نزل عليه الوحي اجتهد ~~في العبادة، حتى أنه كان يصلي على إحدى رجليه لشدة قيامه ~~وطوله، فأمره الله أن يخفف على نفسه، وذكر له أنه ما أنزل ~~عليه القرآن ليتعب ذلك التعب، ولم ينزله، { إلا تذكرة ~~لمن يخشى }؛ قال مجاهد: (نزلت هذه الآية لسبب ما ~~كان يلقى النبي صلى الله عليه وسلم من التعب والسهر ~~من قيام الليل). # وقال الحسن: (هذا جواب للمشركين، وذلك أن أبا جهل ~~والنضر بن الحارث قالا للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~وإنك لتشقى، لما رأوا من طول عبادته وشدة ~~اجتهاده، فقال صلى الله عليه وسلم: # " " بعثت رحمة للعالمين " قالوا: بل أنت شقي " # ، فأنزل الله هذه الآية { مآ أنزلنا عليك ~~القرآن لتشقى } ولكن لتسعد وتنال الكرامة به ~~في الدنيا والآخرة). # والشقاء في اللغة: احمرار ما شق على النفس من التعب. قوله ~~تعالى: { تنزيلا ممن خلق الأرض والسموت ~~العلى }؛ نصب على المصدر؛ أي نزلناه تنزيلا. والعلى: ~~جمع العلياء. ### || [20.5-6] # قوله تعالى: { الرحمن على العرش استوى }؛ وقد ~~تقدم تفسيره. ms1309 قوله تعالى: { له ما في السموت وما ~~في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى }؛ أي له ما له ~~في السماوات وما في الأرض، وما بينهما من الخلق، معناه: أنه ~~مالك كل شيء ومدبره، وقوله تعالى: { وما بينهما ~~} يعني الهواء. # قوله تعالى: { وما تحت الثرى } أي وما تحت التراب. ~~والمفسرون يقولون هو التراب الندي تحت الأرض السفلى، وقيل: ~~تحت الصخرة التي عليها الثور، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله. ### || [20.7] # قوله تعالى: { وإن تجهر بالقول فإنه يعلم ~~السر وأخفى }؛ معناه: ما حاجتك إلى الجهر، فإن الله لا ~~يحتاج إلى جهرك ليسمع، فإنه تعالى يعلم السر وأخفى ~~منه. قال ابن عباس: (السر ما أسررت به في نفسك، ~~وأخفى منه ما لم تحدث به نفسك مما يكون في ~~غد، علم الله فيهما سواء) والتقدير: وأخفى ~~منه، إلا أنه حذف للعلم به. # وعن سعيد بن جبير قال: (السر ما تسره في نفسك، ~~وأخفى منه ما لم يكن وهو كائن، فالله تعالى ~~يعلم ما خفي عن ابن آدم مما هو فاعله قبل أن ~~يفعله). ### || [20.8] # قوله تعالى: { الله لا إله إلا هو له ~~الأسمآء الحسنى }؛ أي له الصفات العليا. ### || [20.9-10] # قوله تعالى: { وهل أتاك حديث موسى }؛ هذا استفهام ~~تقرير بمعنى الخبر، قد أتاك حديث موسى، { إذ رأى نارا }؛ قال ~~ابن عباس: (كان موسى عليه السلام رجلا غيورا لا يصحب ~~الرفقة؛ لئلا يرى أحد امرأته، فأخطأ الطريق ~~في ليلة مظلمة، فرأى نارا من بعيد). { فقال ~~لأهله امكثوا }؛ أي قال لامرأته: أقيموا مكانكم، { ~~إني آنست نارا }؛ أي رأيتها وأبصرتها، { لعلي آتيكم ~~منها بقبس }؛ أي بشعلة، { أو أجد على النار هدى }؛ ~~أي من يدلني على الطريق. قال الفراء: (أراد هاديا، فذكر ~~بلفظ المصدر). قال السدي: (لأن النار لا تخلو من ~~أهل لها وناس عندها). # كانت رؤيته للنار في ليلة الجمعة، وكان قد استأذن شعيبا عليه ~~السلام في الرجوع إلى والدته فأذن له، فخرج بامرأته، فولدت في ~~الطريق في ليلة باردة مثلجة، وقد حاد عن الطريق، فقدح فلم ms1310 ير نور ~~المقدحة شيئا، فبينما هو في مداولة ذلك إذ أبصر نارا عن يسار الطريق، ~~فقال لامرأته: امكثوا - أي أقيموا مكانكم - إني أبصرت نارا، ~~لعلي آتيكم منها بقبس، أو أجد على النار من ~~يدلني على الطريق. ### || [20.11-12] # قوله تعالى: { فلمآ أتاها نودي يموسى }؛ أي فلما ~~أتى النار أي شجرة خضراء من أسفلها إلى أعلاها كأنها نار بيضاء ~~تتقد، فسمع تسبيح الملائكة، ورأى نورا عظيما، فخاف وتعجب، ~~وألقيت عليه السكينة، ثم نودي يا موسى، { إني أنا ربك }؛ ~~وإنما كرر الكناية؛ لتوكيد الدلالة، وإزالة الشبهة، وتحقيق ~~المعرفة. قرئ (إني أن ربك) بفتح الهمزة وكسرها، فمن فتح ~~فعلى معنى بأني، ومن كسر فعلى معنى الابتداء. # قال وهب: (نودي من الشجرة، فقيل: يا موسى، فأجاب سريعا لا يدري من ~~دعاه، فقال: إني أسمع صوتك فلا أرى مكانك، فأين أنت؟ قال: أنا ~~فوقك ومعك وأمامك وخلفك وأقرب إليك من نفسك، فعلم أن ذلك لا ينبغي ~~إلا لربه عز وجل، فأيقن به). قوله تعالى: { فاخلع ~~نعليك }؛ قال الحسن: (إنما أمر بخلع نعليه لينال ~~قدماه بركة الوادي المقدس، ويباشر تراب ~~الأرض المقدسة بقدمه، فيناله بركتها) وقوله ~~تعالى: { المقدس } أي المطهر. قال عكرمة: (كانت ~~نعلاه من جلد حمار ميت). # قوله تعالى: { إنك بالواد المقدس طوى }؛ ~~المقدس: هو المطهر، وقيل: المبارك، ولا يستدل بما قاله ~~عكرمة على أن جلود الميتة لا تطهر بالدباغ؛ لأنه إن كان كذلك ~~فهو منسوخ بقوله عليه السلام: # " إيما إهاب دبغ طهر " # قوله تعالى: { طوى } هو اسم الوادي. ### || [20.13] # قوله تعالى: { وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى }؛ ~~أي اخترتك للرسالة؛ لكي تقوم بأمري، فاستمع لما يوحى إليك، ~~فاحفظه حتى تؤديه للناس. وقرأ حمزة: (وإنا اخترناك) ~~بالتشديد في (إنا) على التعظيم. ### || [20.14] # قوله تعالى: { إنني أنا الله لا إله إلا ~~أنا فاعبدني }؛ ولا تعبد غيري ظاهر المعنى، { وأقم ~~الصلاة لذكري }؛ أي لتذكرني بها بالتسبيح والتعظيم كذا ~~قال مجاهد والحسن، وقيل: لأن أذكرك بالثناء والمدح، وقال ~~مقاتل: (معناه: إذا نسيت الصلاة، فأقمها إذا ~~ذكرتها)، قال صلى الله عليه ms1311 وسلم: # " " من تأخر عن صلاة أو نسيها؛ فليصلها إذا ~~ذكرها، فإن ذلك وقتها " ثم قرأ { وأقم الصلاة ~~لذكري } ". ### || [20.15] # قوله تعالى: { إن الساعة آتية أكاد أخفيها }؛ ~~قال ابن عباس: (معناه: أن القيامة كائنة أكاد ~~أخفيها عن نفسي، فكيف أظهرها لغيري)، قال ~~المبرد: (هذا على عادة مخاطبة العرب؛ يقولون إذا ~~بالغوا في كتمان السر: كتمته من نفسي؛ أي لم ~~أطلع عليه أحدا). # والمعنى: أن الله تعالى بالغ في إخفاء الساعة، فذكره ~~بأبلغ ما تعرف العرب. قال قتادة: (هي في بعض القراءة: ~~أكاد أخفيها من نفسي، ولعمري لقد أخفاها الله ~~عن الملائكة المقربين والأنبياء والمرسلين، ~~وفي مصحف أبي وعبدالله: أكاد أخفيها من نفسي، ~~فكيف يعلمها مخلوق؟). # ومعنى الآية: أكاد أخفيها عن عبادي؛ كي لا تأتيهم إلا ~~بغتة، والفائدة في إخفائها عن العباد: التهويل والتخويف، وفي ذلك ~~مصلحة لهم؛ لأنهم إذا لم يعلموا متى قيامها كانوا على حذر منها ~~في كل وقت، خائفين من الموت، مستعدين لذلك بالتوبة والطاعة. # قوله تعالى: { لتجزى كل نفس بما تسعى }؛ أي ~~بسعيها، إما الثواب وإما العقاب. وقرأ الحسن وابن جبير: (أكاد ~~أخفيها) بفتح الهمزة؛ أي أظهرها وأبرزها، يقال: ~~خفيت الشيء إذا أظهرته، وأخفيته إذا سترته. ### || [20.16] # قوله تعالى: { فلا يصدنك عنها من لا يؤمن ~~بها }؛ أي فلا يصرفنك عن الإيمان بالساعة من لا يصدق ~~بها، { واتبع هواه } بالإنكار { فتردى }؛ أي فتهلك، ~~وهو خطاب لموسى عليه السلام، ونهي لسائر المكلفين. والصد: هو ~~الصرف عن الخير، يقال: صده عن الخير، وصده عن الإيمان، ~~ولا يقال: صده عن الشر، ولكن يقال: صرفه عن الشر ~~ومنعه عنه. ### || [20.17-18] # قوله تعالى: { وما تلك بيمينك يموسى }؛ أي وما ~~التي بيمينك يا موسى؟ { قال هي عصاي أتوكأ عليها } ~~أي أعتمد عليها إذا أعييت، وإذا مشيت، فلفظ أول الآية ~~استفهام؛ ومعناه: التقرير على المخاطب، أن الذي في يده عصا؛ لكيلا ~~تهوله صارت ثعبانا. # وقيل: كان الغرض بهذا السؤال إزالة الوحشة منه؛ لأن موسى كان ~~خائفا مستوحشا. قوله تعالى: { وأهش بها على غنمي ~~}؛ أي أخبط به ms1312 الشجر؛ ليتناثر ورقه فيأكله غنمي. وقرأ ~~عكرمة: (وأهش) بالشين، يعني أزجر بها الغنم، وذلك أن ~~العرب تقول: هش وقش. # قوله تعالى: { ولي فيها مآرب أخرى }؛ أي حوائج ~~أخرى، تقول: لا إرب لي في هذا؛ أي لا حاجة لي فيه، واحد المآرب ~~مأربة بضم الراء وكسرها وفتحها، وإنما لم يقل: أخر؛ لأجل ~~رؤوس الآي. # قال ابن عباس: (كانت مآربه أنه إذا ورد ماء قصر عنه رشاؤه وصله ~~بالمحجن، ثم أدلى العصا وكان في أسفلها عكازة يقاتل بها ~~السباع، وكان يلقي عليها كسائه يستظل تحتها، ومن مآربه أيضا أنه ~~كان اذا أراد الاستسقاء من بئر أدلاها، فطالت على طول البئر، ~~فصارت شعبتاها كالدلو، وكان يظهر على شعبتيها الشمعتين بالليل - ~~يعني: يضيء له مد البصر ويهتدي بها - واذا اشتهى ثمرة من الثمار ~~ركزها في الأرض، فتغصنت أغصان تلك الشجرة، وأورقت أورقها ~~وأثمرت). # ثم كان من المعلوم أن موسى لم يرد بهذا الجواب إعلام الله ~~تعالى؛ لأن الله تعالى أعلم بذلك منه، ولكن لما اقتضى السؤال ~~جوابا لم يكن بد له من الإجابة، فذكر منافع العصا إقرارا ~~بالنعمة فيها والتزاما بما يجب عليه من الشكر لله، وهكذا سبيل ~~أولياء الله تعالى في إظهار شكر نعم الله تعالى، وفي هذا جواب عن ~~بعض الملحدة في باب المسألة كانت عن فائدة ما في يده، ولم يكن ~~عن منافعها، فلم كان الجواب عن ما لم يسأل؟ ### || [20.19-21] # وقوله تعالى: { قال ألقها يموسى }؛ أي ألقها من ~~يدك، { فألقاها فإذا هي حية تسعى }؛ تشتد رافعة ~~رأسها، عيناها تتوقدان نارا، تمشي بسرعة على بطنها، لها عرف ~~كعرف الفرس، فلما عاين ذلك موسى ولى مدبرا ولم يعقب هاربا ~~منها، فنودي يا موسى: إرجع، فرجع وهو شديد الخوف و { قال }؛ ~~الله له: { خذها } بيمينك؛ { ولا تخف سنعيدها سيرتها ~~الأولى }؛ عصا كما كانت. # فلما أمره الله بأخذها أدنى طرف ثوبه على يده، وكان عليه ~~مدرعة من صوف، فلما جعل طرف المدرعة على يده ليتناولها، قال ~~ملك: يا موسى؛ أرأيت لو أن الله قد ms1313 رعاك ما تحاذره؟ أكانت ~~المدرعة تغني عنك شيئا؟ قال: لا، ولكني ضعيف ومن ضعف. # فأمر أن يدخل يده في فمها فكشف عن يده، ثم وضعها في فم ~~الحية، وإذا يده في الموضع الذي كان يضعها فيه بين الشعبتين ~~اللتين في رأس العصا، وإنما أمر بإدخال يده في فمها؛ لأنه ~~إنما يخشى من الحية من فمها، فأراد الله أن يريه من الآية ~~التي لم يقدر عليها مخلوق. ولئلا يفزع منها اذا ألقاها عند فرعون، ~~فلا يولي مدبرا. ### || [20.22-23] # قوله تعالى: { واضمم يدك إلى جناحك تخرج ~~بيضآء من غير سوء آية أخرى }؛ قال الفراء: ~~(جناح الإنسان عضده أي من غير أصل إبطه) والمعنى: ~~أدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء ذات شعاع من غير مرض ولا برص ~~آية أخرى نعطيكها مع العصا، { لنريك من آياتنا ~~الكبرى }؛ سوى هاتين الآيتين، فكان عليه السلام إذا ~~جعل يده في جيبه خرجت بيضاء يغلب شعاعها نور الشمس. قال ابن ~~عباس: (كان ليده نور ساطع يضيء بالليل والنهار ~~كضوء الشمس والقمر وأشد ضوءا). ### || [20.24] # قوله تعالى: { اذهب إلى فرعون إنه طغى }؛ أي ~~جاوز الحد في العصيان، وكفر وتكبر. ### || [20.25-28] # قوله تعالى: { قال رب اشرح لي صدري * ويسر لي ~~أمري }؛ أي وسع لي صدري لأتمكن من تحمل أثقال الرسالة، ~~والقيام بأدائها ومخاصمة الناس فيها، وسهل لي أمري برفع ~~المشقة ووضع المحبة. قوله تعالى: { واحلل عقدة من ~~لساني * يفقهوا قولي }؛ أي وارفع العقدة من لساني؛ ~~ليفقهوا قولي: كلامي. # وكان سبب العقدة في لسانه أنه كان في حجرة فرعون، فأتى يوم ~~فأخذ بلحيته فنتف منها شيئا، وقال فرعون لامرأته آسية: إن ~~هذا عدوي المطلوب وهم بقتله، فقالت له آسية: لا تفعل، فإنه ~~طفل لا يعقل، ولا يفرق بين الأشياء ولا يميز، وعلامة ذلك: أنه ~~لا يميز بين الدرة والجمرة، ثم جاءت بطشتين، فجعلت في ~~أحدهما الجمر من النار، وفي الآخر الجوهر والحلي، ووضعتهما ~~بين يدي موسى، فأراد موسى أن يأخذ شيئا من الحلي، فأخذ جبريل ~~بيده فوضعها على النار، فأخذ جمرة ms1314 ووضعها في فمه حتى أحرق ~~لسانه، فكانت في لسانه رتة، فدفع عنه أكثر الضررين ~~بأقلهما. # وقد اختلفوا في هذه العقدة: هل زالت بأجمعها في وقت ~~نبوته، أم لا؟ قال بعضهم - وهو الأصح وإليه ذهب الحسن -: ~~أن الله استجاب له، فحل العقدة من لسانه؛ لأنه تعالى قال # قد أوتيت سؤلك يموسى # [طه: 36] فعلى هذا قول فرعون # ولا يكاد يبين # [الزخرف: 52] أي لا يأتي ببيان يفهم، وكان هذا القول كذبا منه؛ ~~ليصرف الوجوه عنه. ### || [20.29-31] # قوله تعالى: { واجعل لي وزيرا من أهلي }؛ الوزير ~~الذي يؤازر الأمير فيحمل عنه بعض ما يحمل، فيكون المعنى: واجعل ~~لي عونا وظهرا من أهلي، وقال الزجاج: (اشتقاقه من ~~الوزر وهو الجبل الذي يعتصم به لينجو من ~~الهلكة). # ثم بين الوزير من هو، فقال: { هارون أخي } ، قيل: ~~هارون مفعول (اجعل)، تقديره: اجعل هارون أخي وزيرا لي، { ~~اشدد به أزري }؛ أي أقوي به ظهري، والأزر الظهر، ~~لنتعاون على الأمر الذي أمرتنا به، يقال: آزرت فلانا إذا ~~عاونته. ### || [20.32] # قوله تعالى: { وأشركه في أمري } ، أي اجعله شريكا ~~لي في تبليغ هذه الرسالة. ومن قرأ (أشدد) بفتح الألف و(أشركه) ~~بضم الألف رد الفعل إلى موسى عليه السلام. ### || [20.33-35] # قوله تعالى: { كي نسبحك كثيرا * ونذكرك ~~كثيرا }؛ أي كي نصلي لك، وقيل: كي ننزهك كثيرا، ~~ونذكرك بالحمد والثناء كثيرا بما أوليتنا من نعمتك، ~~ومننت علينا من تحمل رسالتك. قوله تعالى: { إنك ~~كنت بنا بصيرا }؛ أي عالما. ### || [20.36-40] # قوله تعالى: { قال قد أوتيت سؤلك يموسى }؛ أي ~~أوتيت ما سألت يا موسى، وأوتيت مرادك. قوله تعالى: { ~~ولقد مننا عليك مرة أخرى }؛ أي أنعمنا عليك ~~كرة أخرى قبل هذه المرة. # ثم بين تلك النعمة، فقال تعالى: { إذ أوحينآ إلى أمك ~~}؛ أي ألهمناها حين عنت بأمرك، وما كان فيه سبب نجاتك من ~~القتل، { ما يوحى }؛ أي ما يلهم، ثم فسر ذلك الإلهام ~~فقال: { أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم } ~~وكان السبب في ذلك أن فرعون كان يقتل غلمان بني إسرائيل على ما ~~تقدم ذكره، ثم خشي ms1315 أن يفنى نسل بني إسرائيل، فكان يقتل بعد ~~ذلك في سنة ولا يقتل في سنة، فولد موسى في السنة التي يقتل فيها ~~الغلمان، فنجاه الله من القتل بأن ألهم أمه أن جعلته في ~~التابوت، وأطرح التابوت في اليم وهو البحر، وأراد به النيل ~~ومعنى قوله تعالى: { أن اقذفيه } أي اجعليه. # قوله تعالى: { فليلقه اليم بالساحل }؛ لفظه لفظ ~~الأمر وهو خبر (بتقدير) حتى يلقيه اليم بالساحل. قوله ~~تعالى: { يأخذه عدو لي وعدو له }؛ وأراد به ~~فرعون. # قوله تعالى: { وألقيت عليك محبة مني }؛ وذلك ~~أن أم موسى لما اتخذت لموسى تابوتا جعلت فيه قطنا محلوجا، ~~ووضعت فيه موسى وألقته في النيل، وكان يشرع منه نهر كبير في دار ~~فرعون، فبينما هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية، إذا ~~بالتابوت يجيء بالماء. # فلما رأى ذلك أمر الجواري والغلمان بإخراجه فأخرجوه، فإذا هو صبي ~~من أحسن الناس وجها، فلما رآه فرعون أحبه بحيث لم يتمالك، ~~فذلك قوله تعالى: { وألقيت عليك محبة مني } ~~قال عطية العوفي: (وجعل عليه مسحة من جمال فأحبه ~~كل من رآه). # وقال عطاء عن ابن عباس: (معنى قوله تعالى { وألقيت ~~عليك محبة مني } أي لا يلقاك أحد إلا أحبك ~~من مسلم وكافر)، وقال عكرمة: (ألقيت عليك محبة ~~وملاحة وحسنا)، فحين أبصرت آسية وجهه قالت لفرعون: قرة ~~عين لي ولك. وقال أبو عبيدة: (معناه: جعلت لك محبة ~~عندي وعند غيري، أحبك فرعون، فسلمت من ~~شره، وأحبتك امرأته فتبنتك). قوله تعالى: { ~~ولتصنع على عيني }؛ أي ولتربى وتغذى بمرأى أراك على ~~ما أريد بك من الرفاهية في غذائك. وقال قتادة: (معناه: ~~لتغذى على محبتي). # وأراد في قوله تعالى: { إذ تمشي أختك فتقول هل ~~أدلكم على من يكفله }؛ وذلك أن موسى جعل يبكي ويطلب ~~اللبن، فأمر فرعون حتى أتى بالنساء اللواتي حول فرعون ~~ليرضعن موسى، فلم يقبل ثدي واحدة منهن، وكانت أخت موسى ~~متبعة للتابوت ماشية خلفه. # فلما حمل التابوت إلى فرعون، ذهبت هي معه، فقالت: هل أدلكم ~~على من يكفله؟ أي يرضعه ويضمه ms1316 ويحصنه؟ فقالوا: من هي؟ ~~قالت: امرأة قد قتل ولدها، وهي تحب أن تجد صبيا ترضعه. # فأذن لها فرعون في إحضارها، فانطلقت وأتت بأم موسى، فأعطته ~~الثدي فأخذه موسى، وفرح به فرعون، وجعل لها الأجرة على الإرضاع، ~~وحملته أمه إلى دارها، فذلك قوله تعالى: { فرجعناك ~~إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن }؛ أي رددناك ~~إليها؛ كي تطيب نفسها، ولا تحزن على ابنها. # قوله تعالى: { وقتلت نفسا }؛ يعني القبطي الذي ~~وكزه موسى فقضى عليه، { فنجيناك من الغم }؛ أي غم ~~القود، وخلصناك من أن تقتل. قوله تعالى: { ~~وفتناك فتونا }؛ أي أوقعناك في محنة بعد محنة، ونحن ~~نخلصك منها، وذلك أنه حمل به في السنة التي يذبح فرعون فيها ~~الأطفال، ثم إلقاؤه في البحر، ومنع الرضاع إلا ثدي أمه، ثم ~~جر لحية فرعون حتى هم بقتله، ثم تناوله الجمرة، ثم قتله ~~القبطي، ثم خروجه إلى مدين خائفا يترقب. # فمعنى: { وفتناك فتونا } أي خلصناك من تلك المحن. ~~وقيل: معناه شددنا عليك في أمر المعاش حتى رعيت لشعيب ~~عشر سنين. وقال ابن عباس: (معناه: اختبرناك اختبارا)، ~~وقال الضحاك: (ابتليناك ابتلاء)، وقال مجاهد: (خلصناك ~~خلاصا). # قوله تعالى: { فلبثت سنين في أهل مدين }؛ يعني ~~لبثت في أهل مدين حين كنت راعيا لشعيب، مكثت عشر سنين. ~~وتقدير الكلام: وفتناك فتونا؛ فخرجت إلى أهل مدين ~~فلبثت سنين. وبلاد أهل مدين على ثلاث مراحل من مصر. وقال ~~وهب: (لبثت في أهل مدين عند شعيب ثماني وعشرين سنة، عشر سنين ~~التي رعى فيها لشعيب، وثماني عشرة سنة أقام عنده حتى ولد له، ~~وقتل القبطي يوم قتله وهو ابن اثنتي عشرة سنة). # قوله تعالى: { ثم جئت على قدر يموسى }؛ معناه: ~~فلبثت سنين في أهل مدين حين كنت راعيا لشعيب، ثم جئت على ~~المقدار الذي قدره الله عليك، وكتبه في اللوح المحفوظ. ~~قال ابن كيسان: (جاء على رأس أربعين سنة، وهو ~~القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء). ### || [20.41] # قوله تعالى: { واصطنعتك لنفسي }؛ أي اختصصتك ~~لوحيي ورسالتي، والاصطناع هو الإخلاص بالألطاف. وقال الزجاج ~~معناه: (اخترتك ms1317 لإقامة حجتي، وجعلتك بيني وبين ~~خلقي). ### || [20.42-43] # قوله تعالى: { اذهب أنت وأخوك بآياتي }؛ أي باليد ~~والعصا، { ولا تنيا في ذكري }؛ اي لا تقترا في تبليغ ~~رسالتي إلى فرعون، ولا تضعفا عن ذكري، وقيل: لا تقصرا ولا ~~تبطئا. قوله تعالى: { اذهبآ إلى فرعون إنه ~~طغى }؛ قد تقدم تفسيره. ### || [20.44] # قوله تعالى: { فقولا له قولا لينا }؛ أي قولا له ~~بالشفقة، ولا تقولا له قولا عنيفا، فيزداد غيضا بغلظ ~~القول. قال السدي وعكرمة: (كنياه قولا له: يا أبا ~~العباس) وقيل: يا أبا الوليد، ويا أيها الملك. وقيل: ~~يعني بالقول اللين: # هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك ~~فتخشى # [النازعات: 18-19]. # وعن السدي قال: (القول اللين: أن موسى أتاه فقال ~~له: تؤمن بما جئت به، وتعبد رب العالمين على ~~أن لك شبابك فلا تهرم، وأن لك ملكك لا تنزع ~~حتى تموت، ولا تنزع عنك لذة الطعام والشراب ~~والجماع حتى تموت، فإذا مت دخلت الجنة. ~~فأعجبه ذلك، وكان لا يقطع أمرا دون هامان، ~~وكان هامان غائبا، فقال فرعون: إن لي ذا أمر ~~غائب، فاصبر حتى يقدم. فلما قدم قال له ~~فرعون يا هامان إن موسى دعاني إلى أمر فأعجبني ~~- وأخبره بالذي دعاه إليه - وأردت أن أقبل منه. ~~فقال هامان: قد كنت أرى أن لك عقلا، بينما أنت ~~رب فتريد أن تكون مربوبا، وأنت تعبد فتريد ~~أن تعبد؟. فغلبه على رأيه فأبى. # روي أن رجلا قرأ في مجلس يحيى بن معاذ: { ~~فقولا له قولا لينا } فبكى يحيى ابن معاذ ~~وقال: (إلهي، هذا رفقك بمن يقول أنا إله، فكيف ~~رفقك بمن يقول أنت إلهي، إن قول لا إله إلا الله ~~يهدم كفر خمسين سنة). # قوله تعالى: { لعله يتذكر أو يخشى }؛ أي ~~يتعظ أو يخشى العاقبة، وكلمة (لعل) للترجي والطمع؛ أي ~~اذهبا على رجائكما وطمعكما وأنا عالم بما يفعل، فإن قيل: كيف ~~قال { لعله يتذكر } وعلمه سابق في فرعون أنه لا يؤمن، ~~ولا يتذكر ولا يخشى؟ قيل: هذا مصروف إلى غير فرعون، تقديره: لكي ~~يتذكر متذكر ويخشى ms1318 خاش إذا رأى برئ، وألطافي بمن خلقته ~~ورزقته وصححت جسمه وأنعمت عليه، ثم ادعى الربوبية دوني. # قال بعض العارفين في قوله تعالى: { فقولا له قولا لينا ~~}: (إذا كان هذا رفقك بمن ينافيك، فكيف رفقك بمن يصافيك؟ ~~هذا رفقك بمن يعاديك، فكيف رفقك بمن يواليك؟ هذا رفقك بمن ~~يسبك، فكيف رفقك بمن يحبك؟ هذا رفقك بمن يقول ندا فكيف بمن ~~يقول فردا؟ هذا رفقك بمن ضل، فكيف رفقك بمن زل؟ هذا رفقك ~~بمن اقترف، فكيف رفقك بمن اعترف؟ هذا رفقك بمن أصر، فكيف رفقك ~~بمن أقر؟ هذا رفقك بمن استكبر، فكيف رفقك بمن استغفر؟). # وعن وهب بن منبه قال: (أوحى الله إلى موسى: انطلق إلى فرعون ~~برسالتي، فمعك نظري وأنت جند عظيم من جنودي، بعثتك إلى خلق ~~ضعيف قد عزته الدنيا حتى كفر وأقسم بعزي لولا اتخاذ الحجة عليه ~~والعذر إليه لبطشت به بطشة جبار يغضب لغضبه السماوات والأرض، فإن ~~أذن للسماء صعقته، وللأرض ابتلعته، وللجبال دمرته، وللبحار ~~أغرقته، ولكنه وسعه حلمي، فبلغه رسالتي وقل له فيما بين ذلك ~~قولا لينا لا يغر بك فألبسه من لباس الدنيا، فأحب ربك الذي هو ~~واسع المغفرة، أنه قد أمهلك منذ خمسمائة سنة لم تهرم ولم تسقم ~~ولم تفتقر، واعلم أن أفضل ما تزين به العباد الزهد في الدنيا، ~~ومن أهان وليا فقد بارزني بالمحاربة). ### || [20.45] # قوله تعالى: { قالا ربنآ إننا نخاف أن يفرط ~~علينآ أو أن يطغى }؛ معناه: قال موسى وهارون: ربنا ~~إننا نخاف أن يفرط علينا، قال ابن عباس: (يعجل ~~والعقوبة)، وقيل: تغليب أو أن يطغى بتكبر ويستعصي علينا، ~~ويقال: فرط علينا فلان إذا أعجل بمكروه، وفرط منه أمري بدر ~~وسبق. ### || [20.46-48] # قوله تعالى: { قال لا تخافآ إنني معكمآ }؛ أي ~~معكما بالبصيرة والعون، { أسمع }؛ ما يرد عليكما، { وأرى ~~}؛ ما يصنعه بكما، وقيل: معناه: أسمع دعاءكما فأجيبه، وأرى ما ~~يريد بكما فأمنعه، ولست بغافل عنكما، فلا تهتما، { فأتياه ~~فقولا إنا رسولا ربك }؛ أرسلنا إليك، { فأرسل معنا ~~بني إسرائيل ولا تعذبهم }؛ أي أطلقهم من ms1319 اعتقالك، ~~ولا تتعبهم بالأعمال الشاقة، { قد جئناك بآية من ~~ربك }؛ أي بعلامة من ربك وهي اليد والعصا، وهما أول آية، ~~وقيل: اليد خاصة. # وكان فرعون قد أتعب بني إسرائيل بالأعمال الشاقة، مثل اللبن ~~والطين والبناء، وما لا يقدرون عليه. فلما قال موسى: قد جئناك ~~بآية من ربك، قال: ما هي؟ فأدخل يده في جيب قميصه ثم أخرجها، ~~فإذا هي بيضاء لها شعاع غلب نور الشمس، ولم يره العصا إلا ~~بعد ذلك يوم الزينة. # قوله تعالى: { والسلام على من اتبع الهدى }؛ ~~ليس هو بتحية لفرعون ولكن معناه: أن من اتبع الهدى سلم من ~~عذاب الله بدليل أنه عقبه بقوله تعالى: { إنا قد أوحي ~~إلينآ أن العذاب على من كذب وتولى }؛ أي إنما ~~يعذب الله من كذب بما جئنا به وأعرض عنه، فأما من اتبعه ~~فإنه يسلم. ### || [20.49-50] # قوله تعالى: { قال فمن ربكما يموسى }؛ أي من ~~إلهكما الذي أرسلكما، { قال ربنا الذي أعطى كل ~~شيء خلقه }؛ أي ربنا الذي خلق كل شيء على الهيأة ~~التي ينتفع بها، فأعطاه صحته وسلامته وركب فيه شهوته، ثم ~~هداه لمعيشته. وقيل: معناه: الذي صور كل جنس من الحيوان ~~على صورة أخرى، فلم يجعل خلق الإنسان كخلق البهائم، ولا خلق ~~البهائم كخلق الإنسان، ولكن خلق كل شيء فقدره تقديرا. # وقال الضحاك: (أعطى كل شيء خلقه؛ يعني لليد ~~البطش، وللرجل المشي، وللسان النطق، وللعين ~~النظر، وللأذن السمع). وقال سعيد بن جبير: (أعطى كل ~~شيء شكله للإنسان زوجة، وللبعير ناقة، ~~وللفرس رمكة، وللحمار أتانا، وللثور بقرة، { ~~ثم هدى }؛ أي ألهم وعرف كيف يأتي الذكر الأنثى في ~~النكاح). ### || [20.51-52] # قوله تعالى: { قال فما بال القرون الأولى }؛ قال: ~~ما حال، وما بيان الأمم الماضية، لم يبعثوا ولم يجازوا على ~~أفعالهم، ومعنى البال: الشأن والحال. والمعنى: ما حالها، ~~فإنها لم تقر بالله، ولكنها عبدت الأوثان، ويعني بالقرون ~~الأولى، مثل قوم نوح وعاد وثمود، { قال } موسى: { علمها ~~عند ربي في كتاب }؛ وإذا علم لا بد أن يجازي. وقيل: ~~معناه: علم أعمالها عند ربي ms1320 في كتاب الله، أراد به اللوح ~~المحفوظ. # قوله تعالى: { لا يضل ربي ولا ينسى }؛ أي لا يذهب ~~عليه شيء، ولا يخطئ ولا ينسى ما كان من أمرهم حتى يجازيهم عليه، ~~وقيل: لا يغفل ربي ولا يترك شيئا، ولا يغيب عنه شيء، وفي هذا ~~دليل أن الله تعالى لم يكتب أفعال العباد لحاجته في معرفتها إلى ~~الكتاب، ولكن لمعرفة الملائكة. ويقال: كان سؤال فرعون عن القرون ~~الأولى: هل بعث فيهم أنبياء كما بعثت إلينا، فأحالها على ما في ~~المعلوم من أمرها. ### || [20.53] # قوله تعالى: { الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك ~~لكم فيها سبلا }؛ وقرأ أهل الكوفة (مهدا) بغير ألف؛ أي ~~فرشا، والفراش: المهاد لغة فيه كالفرش والفراش؛ أي جعلها ~~مبسوطة ليمكن القرار عليها، ولم يجعلها حادة كرؤوس الجبال. # قوله تعالى: { وسلك لكم فيها سبلا } أي طرقا ~~تذهبون وتجيئون فيها وتسلكونها. قال ابن عباس: (سلك أي سهل ~~لكم فيها طرقا). { وأنزل من السمآء مآء }؛ يعني ~~المطر، قوله تعالى: { فأخرجنا به أزواجا من ~~نبات شتى }؛ أي فأخرجنا بالمطر أصنافا من نبات مختلف ~~الألوان. ### || [20.54] # قوله تعالى: { كلوا وارعوا أنعامكم }؛ أي كلوا من ~~نبات الأرض، وارعوا أنعامكم من عشبها، { إن في ذلك لآيات ~~لأولي النهى }؛ أي إنما ذكرت لكم لعلامة دالة على البعث ~~لذوي العقول من الناس، وإنما سميت العقول (نهى)؛ لأن أصحابها ~~ينتهون بها عن القبيح والمعاصي. ### || [20.55] # قوله تعالى: { منها خلقناكم }؛ أي من الأرض خلقنا ~~أباكم آدم وكلكم من ذريته، { وفيها نعيدكم }؛ عند الموت ~~والدفن، { ومنها نخرجكم تارة أخرى }؛ للبعث، وقد ~~جرى ذكر الأرض في قوله تعالى: # ألم نجعل الأرض مهدا # [النبأ: 6]. ### || [20.56-59] # قوله تعالى: { ولقد أريناه آياتنا كلها ~~فكذب وأبى }؛ أي أرينا فرعون آياتنا السبع كلها فكذب ~~وأبى، أي قال: ليست هذه من الله، وأبى أن يسلم ويقبل، ونسب ~~موسى إلى السحر؛ ف { قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا ~~}؛ أي مصر، { بسحرك يموسى * فلنأتينك بسحر ~~مثله }؛ أي مثل ما جئتنا به، { فاجعل بيننا ~~وبينك موعدا }؛ أي ميقاتا وأجلا في موضع معلوم، { لا ms1321 ~~نخلفه نحن ولا أنت }؛ أي لا نجاوزه ولا يقع منا خلف في ~~حضوره. قوله تعالى: { مكانا سوى }؛ أي مكانا مستويا ~~يبين للناس ما بيننا، ويستوي حالنا من الرضى به. وقيل: ~~تستوي مسافته على الفريقين فتكون مسافة كل فريق إليه كمسافة ~~الفريق الآخر. # فواعده موسى يوما معلوما وهو قوله تعالى: { قال ~~موعدكم يوم الزينة } أي يوم العيد الذي لكم. قال سعيد بن ~~جبير: (كان يوم عاشوراء)، قرأ الحسن: (يوم الزينة) ~~بنصب الميم؛ أي في يوم. وقرأ الباقون بالرفع على الخبر. # قوله تعالى: { وأن يحشر الناس ضحى }؛ أي ضحى ذلك ~~اليوم، وأراد بالناس أهل مصر، ومعنى يحشرون أي يجتمعون إلى العيد، ~~وإنما جعل موسى موعدهم نهارا في يوم اجتماعهم؛ ليكون أبلغ في ~~الحجة، وأبعد من الريبة. قوله تعالى: { وأن يحشر } ~~يحتمل أن يكون في موضع رفع على معنى موعد كما حشر الناس وقت ~~الضحى يوم الزينة، ويحتمل أن يكون في موضع خفض عطفا على ~~الزينة، المعنى يوم الزينة، ويوم حشر الناس في وقت الضحوة. ### || [20.60-61] # قوله تعالى: { فتولى فرعون فجمع كيده ثم ~~أتى }؛ أي فأعرض فرعون عن الحق والطاعة فجمع كيده ومكره، ~~وذلك جمعه السحرة ثم أتى الموعد، والمعنى: { فجمع كيده } ~~أي سحرته، قيل: كانوا أربعمائة ساحر؛ و { قال لهم موسى ~~}؛ للسحرة: { ويلكم لا تفتروا على الله كذبا }؛ أي لا ~~تشركوا مع الله أحدا، ولا تختلقوا عليه كذبا بتكذيبي، { ~~فيسحتكم بعذاب }؛ أي فيهلككم ويستأصلكم بعذاب من ~~عنده، { وقد خاب من افترى }؛ أي وقد خاب من اختلق على ~~الله كذبا. ومعنى قوله: { ويلكم } أي ألزمكم الويل. قرأ ~~أهل الكوفة: (فيسحتكم) بضم التاء وكسر الحاء، يقال: سحته ~~الله وأسحته؛ أي أهلكه. ### || [20.62] # قوله تعالى: { فتنازعوا أمرهم بينهم ~~وأسروا النجوى }؛ أي فتشاورت السحرة فيما بينهم من فرعون في ~~أمر موسى، وأسروا المناجاة، فقالوا: إن غلبنا موسى اتبعناه ~~وآمنا به فهذا نجواهم. ### || [20.63] # قوله تعالى: { قالوا إن هذان لساحران }؛ أي قال ~~الملأ من قوم فرعون: إن موسى وهارون لساحران، { يريدان أن ~~يخرجاكم من أرضكم بسحرهما }؛ من ms1322 أرض مصر، { ~~ويذهبا بطريقتكم المثلى }؛ أي بدينكم الأمثل، ~~وقيل: معناه: ويذهبا بأهل طريقتكم. # واختلف القراء في قوله تعالى { إن هذان } ، قرأ أبو عمرو ~~(هذين) على اللغة المعروفة وهي لغة أهل الحجاز، وقرأ نافع وابن ~~عامر وحمزة والكسائي (هذان) بالألف وهي لغة كنانة وبني الحارث بن ~~كعب وخثعم وزيد وقبائل من اليمن: يجعلون ألف الاثنين في الرفع ~~والنصب والخفض على لفظ واحد، يقولون: أتاني الزيدان، ورأيت ~~الزيدان، مررت بالزيدان. قال الفراء: أنشدني رجل من ~~بني أسد، وما رأيت أفصح منه: # فأطرق إطراق الأفعوان ولو يرى # مساغا لناباه الشجاع لصمما # ويقولون: كسرت يداه وركبت علاه، يعني يديه وعليه، قال ~~شاعرهم: # تزود منا بين أذناه ضربة # دعته إلى هابي التراب عقيم # أراد بين أذنيه فقال آخر: # أي قلوص راكب تراها # طاروا علاهن فطر علاها # أي عليهن وعليها، وقال آخر: # إن أباها وأبا أباها # قد بلغا في المجد غايتاها # وقال بعضهم (إن) هنا بمعنى: نعم. روي أن أعرابيا سأل ابن ~~الزبير شيئا فحرمه، فقال: لعن الله ناقة حملتني ~~إليك، فقال ابن الزبير: (إن وصاحبها) يعني نعم. ~~وقال الشاعر: # بكر العواذل في الصبا # ح يلمنني وألومهنه # ويقلن شيب قد علا # ك وقد كبرت فقلت إنه # أي نعم. وقد ذكر أهل النحو لتصحيح هذه القراءة وجوها: # أحدها: ضعف عمل (إن) لأنها تعمل بالمشبه بالفعل وليست بأصل ~~في العمل، ألا ترى أنها لما خففت لم تعمل. # والثاني: أنها تشبه (اللذين) في البناء؛ لأن (اللذين) في ~~الرفع والنصب والخفض سواء، ولأن الألف في (هذان) ليس ألف التشبيه ~~لوجودها في الوحدان، وإنما زيدت النون في التثنية ليكون فرقا ~~بين الواحد والاثنين، كما قالوا (الذي) ثم زادوا نونا تدل على ~~الجمع، قالوا (الذين) في رفعهم ونصبهم. # والثالث: (إن) ها هنا مخففة وليست مضمرة إلا أنه حذفت الهاء. # والرابع: أنه لما حذفت الألف صارت ألف التثنية عوضا منها. # والخامس: أن (إن) بمعنى نعم. ### || [20.64] # قوله تعالى: { فأجمعوا كيدكم }؛ قرأ أبو عمرو ~~(فاجمعوا) بوصل الألف وفتح الميم من الجمع، وتصديقه قوله ~~تعالى: ms1323 # فجمع كيده # [طه: 60]، وقرأ الباقون (فأجمعوا) بقطع الألف وكسر الميم، ~~مأخوذ من أجمعت الأمر إذا عزمت عليه وأحكمته. # وقوله تعالى: { كيدكم } أي مكركم وسحركم، وقوله ~~تعالى: { ثم ائتوا صفا }؛ مجتمعين؛ ليكون أنظم لأموركم، ~~وأشد لهيبتكم. وقيل: معناه: ثم ائتوا المصلى. والعرب ~~تسمي المصلى صفا. قال الزجاج: (فعلى هذا معناه: ~~ثم ائتوا الموضع الذي تجتمعون فيه لعيدكم). ~~قوله تعالى: { وقد أفلح اليوم من استعلى }؛ أي ~~قد فاز بالفلاح والبقاء من كانت الغلبة له. ### || [20.65-67] # قوله تعالى: { قالوا يموسى إمآ أن تلقي وإمآ ~~أن نكون أول من ألقى }؛ أي قالت السحرة: يا موسى ~~إما أن تلقي عصاك إلى الأرض، وإما أن نكون أول من ~~ألقى العصي والحبال، { قال } لهم موسى: { بل ألقوا }؛ ~~فألقوا حبالهم وعصيهم. # روي أنهم كانوا سبعين ألف ساحر، وكان عدد ما عملوا من الحبال ~~والعصي حمل ثلاثمائة بعير، فألقوا ما معهم، { فإذا ~~حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها ~~تسعى }؛ أي تمشي وتتحرك، وكانوا قد احتالوا فيها بحيلة، فكان ~~كل من رآها من بعيد يخيل إليه أنها تتحرك. # قرأ ابن عامر: (تخيل) بالتاء، رده إلى الحبال والعصي، ~~وقرأ الباقون بالياء، ردوه إلى الكيد والسحر، وذلك أنهم ~~لطخوا حبالهم وعصيهم بالزئبق، فلما أصابه حر الشمس ~~ارتعشت واهتزت، فظن موسى أنها تقصده، { فأوجس في نفسه ~~خيفة موسى }؛ أي أحس ووجد، وقيل: أضمر في نفسه ~~خيفة. # فإن قيل: لم جاز أمرهم بالإلقاء وهو كفر؟ قيل: يجوز أن ~~يكون معناه: ألقوا إن كنتم محقين كما زعمتم، ويجوز أن يكون ~~أمرا بالإلقاء على وجه الاعتبار. # وقوله تعالى: { فأوجس في نفسه خيفة موسى * ~~قلنا لا تخف } ، فإن قيل: ما الذي خافه موسى؟ قيل: خاف ~~أن يلتبس على الناس أمر السحرة فيتوهمون أن حبالهم وعصيهم ~~بمنزلة عصاه. وقيل: كان خوفه خوف الطبع لما رأى من كثرة ~~الحيات العظام. ### || [20.68-70] # قوله تعالى: { قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى }؛ ~~عليهم بالظفر والغلبة. قوله تعالى: { وألق ما في ~~يمينك }؛ يعني العصا، { تلقف ما صنعوا }؛ أي تلقم ~~وتبلع ما طرحوا ms1324 من العصي والحبال، { إنما صنعوا كيد ~~ساحر }؛ أي أن الذي صنعوه كيد ساحر. وقرئ (كيد سحر) ~~كما قالوا بمعنى حذر، { ولا يفلح الساحر حيث أتى }؛ أي ~~لا يغلب حقك بباطله. وقيل: لا يسعد الساحر حيث كان. # فألقى موسى عصاه فتلقفت جميع ما صنعوا، ثم أخذها موسى فرجعت عصا ~~كما كانت، { فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب ~~هارون وموسى }؛ فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار، ~~ورأوا ثواب أهلها، فعند ذلك قالوا: (لن نؤثرك على ما ~~جاءنا من البينات) يعني الجنة والنار، وما رأوا من درجاتهم. # قال: وكانت امرأة فرعون تسأل من غلب؟ فقيل لها: موسى، فقالت: ~~آمنت برب موسى وهارون، فأرسل إليها فرعون، فقال: انظروا إلى أعظم ~~صخرة تجدونها فأتوها، فإن هي رجعت عن قولها وإلا فألقوها عليها، ~~فلما أتوها رفعت ببصرها إلى السماء فرأت الجنة فقالت: # رب ابن لي عندك بيتا في الجنة # [التحريم: 11] فانتزعت روحها، والصخرة على جسد لا روح فيه. ### || [20.71] # قوله تعالى: { قال آمنتم له }؛ بموسى، { قبل أن ~~ءاذن لكم }؛ في الإيمان. والفرق بين (آمنتم له) وآمنتم ~~به: أن في (آمنتم له) معنى الاتباع له، وآمنتم به إيمان ~~بالخبر من اتباع له في ما دعا اليه. # قوله تعالى: { إنه لكبيركم الذي علمكم ~~السحر }؛ أي رئيسكم ومعلمكم، وإنما قال فرعون هذه المقالة ~~قصدا منه إلى صرف الناس عن اتباع موسى؛ لأن السحرة لم ~~يتعلموا من موسى، وإنما كانوا يعلمون السحر قبل قدوم موسى وقبل ~~ولادته، { فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف }؛ ~~قد تقدم تفسيره، { ولأصلبنكم في جذوع النخل }؛ أي ~~على جذوع النخل، أقيم حرف (في) مقام حرف (على)، فكان فرعون ~~أول من قطع اليد والرجل من خلاف وصلب. قوله تعالى: { ~~ولتعلمن أينآ أشد عذابا وأبقى }؛ أي لتعلمن ~~أينا أشد عذابا وأبقى عذابا، أنا أم رب موسى وهارون. ### || [20.72] # قوله تعالى: { قالوا لن نؤثرك على ما جآءنا ~~من البينات }؛ أي قالت السحرة لفرعون: لن نختارك على ما ~~جاءنا من الحق والبراهين يعني اليد والعصا. وقال عكرمة: (هو ~~لما رفعوا ms1325 رؤوسهم من السجود رأوا الجنة ~~والنار، ورأوا منازلهم في الجنة). # قوله تعالى: { والذي فطرنا }؛ أي لن نؤثرك على الله ~~الذي فطرنا؛ أي خلقنا، ويجوز أن يكون قوله { والذي ~~فطرنا } قسما، { فاقض مآ أنت قاض }؛ أي إصنع ما أنت ~~صانع، { إنما تقضي هذه الحياة الدنيآ }؛ أي إنما ~~تحكم علينا في الدنيا وهي منقضية لا محالة، وأما الآخرة فليس لك ~~فيها حظ. ### || [20.73] # قوله تعالى: { إنآ آمنا بربنا ليغفر لنا ~~خطايانا }؛ أي إشراكنا في الجاهلية ويغفر لنا { ومآ ~~أكرهتنا عليه من السحر }؛ قال ابن عباس: (كان ~~فرعون يكره الناس على تعلم السحر حتى لا ~~ينقطع عنهم). وقيل: إنه أكره هؤلاء السحرة على معارضة ~~موسى. # قوله تعالى: { والله خير وأبقى }؛ أي هو خير ثوابا ~~إن أطيع، وأبقى عقابا إن عصي. ويقال: ما عند الله من الكرامة ~~والثواب أفضل وأدوم مما تعطينا أنت من المال، وهذا جواب عن قوله # ولتعلمن أينآ أشد عذابا وأبقى # [طه: 71] وها هنا انتهى قول السحرة. ### || [20.74-75] # قوله تعالى: { إنه من يأت ربه مجرما }؛ أي من ~~يأت إلى موضع الحساب عاصيا، { فإن له جهنم لا يموت ~~فيها }؛ فيستريح، { ولا يحيى }؛ حياة تنفعه، قال ابن عباس: ~~(المجرم الكافر). قوله تعالى: { ومن يأته ~~مؤمنا قد عمل الصالحات }؛ أي قد عمل الطاعات، { ~~فأولئك لهم الدرجات العلى }؛ أي الرفيعة في ~~الجنة. # ودرجات الجنة بعضها أعلى من بعض، والعلى جمع العليا، قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن أهل الدرجات العلى ليراهم من هو أسفل ~~منهم كأضواء كوكب دري، وإن أبا بكر وعمر ~~منهم ". ### || [20.76] # قوله تعالى: { جنات عدن تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها وذلك جزآء من تزكى }؛ أي ~~من تطهر من الذنوب بالطاعة بدلا من تدنس النفوس بالمعصية. ### || [20.77] # قوله تعالى: { ولقد أوحينآ إلى موسى أن أسر ~~بعبادي }؛ يعني أسر بهم في أول الليل من أرض مصر، يعني بني ~~إسرائيل، { فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا }؛ أي ~~يابسا، وذلك أن الله تعالى أيبس لهم ذلك الطريق حتى لم يكن ~~فيه ماء ولا طين. قوله ms1326 تعالى: { لا تخاف دركا ولا ~~تخشى }؛ أي إنك آمن لا تخاف أن يدركك فرعون، ولا تخش الغرق ~~من البحر. # وقرأ حمزة (لا تخف) على النهي مجزوما، (ولا تخشى) بالألف، ~~كأنه استأنف، وتقديره: وأنت لا تخشى، كقوله: # يولوكم الأدبار ثم لا ينصرون # [آل عمران: 111]. ### || [20.78] # قوله تعالى: { فأتبعهم فرعون بجنوده }؛ من قرأ ~~(فأتبعهم) بالتخفيف فمعناه: ألحق جنوده بهم، والباء في ~~(جنوده) زائدة، والمعنى: أمرهم أن يتبعوا موسى وقومه، ومن ~~قرأ (فأتبعهم) بالتشديد، فالمعنى اتبعهم بنفسه ومعه ~~الجنود. قوله تعالى: { فغشيهم من اليم ما ~~غشيهم }؛ أي علاهم وسترهم من البحر ما علاهم وهو الغرق. # وذلك أنه لما تراءى الجمعان، أمر الله موسى أن يضرب بعصاه ~~البحر، فضربه فانفلق الماء في عرض البحر حتى صار فيه اثنا عشر ~~طريقا، وبقي الماء قائما بين الطريقين كالجبل، فسلك موسى، وأخذ ~~كل سبط من بني إسرائيل طريقا من هذه الطرق. # فلما أشرف فرعون وقومه على البحر فرأوه منفلقا فيه طرق ~~يابسة، أوهم قومه أن البحر إنما انفلق من هيبته! فدخل ~~فرعون خلف بني إسرائيل، فصاحت الملائكة في القوم: أن الحقوا ~~الملك حتى إذا دخل آخرهم، وهم أولهم بالخروج أن يخرج، ~~أطبق الله تعالى البحر عليهم فغرقوا. # وقال وهب: (استعار بنو إسرائيل حليا كثيرا من القبط، ثم ~~خرج بهم موسى من أول الليل، وكانوا سبعين ألفا، فأخبر فرعون ~~بذلك فركب في ستمائة ألف من القبط يقص أثر بني إسرائيل. # فلما رأى قوم موسى رهج الخيل - أي غبارها - قالوا: إنا ~~لمدركون، قال موسى: كلا، إن معي ربي سيهدين، فلما قربوا قالوا: ~~يا موسى أين تمضي البحر أمامنا وفرعون خلفنا؟! # فضرب البحر بعصاه فانفلق وصار فيه اثنا عشر طريقا يابسة، لكل ~~سبط طريق، وصار بين كل طريقين كالطود العظيم من الماء، ~~وكانوا يمرون في الطريق ولا يرى بعضهم بعضا، فاستوحشوا وخافوا، ~~فجعل الله الأطواد شبكات يرى بعضهم بعضا، ويسمع بعضهم كلام ~~بعض. # فلما أتى فرعون الساحل ورأى بني اسرائيل قد عدوا البحر، جاء ~~جبريل على رمكة طالبة للذكر، وكان ms1327 فرعون على حصان، فأدخل ~~الرمكة في الماء فلم يتمالك حصان فرعون أن اقتحم على إثرها، ~~ودخل القبط عن آخرهم، فلما ولجوا كلهم أوحى الله تعالى إلى ~~البحر: أن أغرقهم عن آخرهم، فعلاهم الماء فغرقوا). # قال كعب: (فعرف السامري فرس جبريل، فحمل من ~~أثره ترابا، وألقاه في العجل حين اتخذوه). ### || [20.79] # قوله تعالى: { وأضل فرعون قومه وما هدى }؛ أي ~~أضلهم حين دعاهم إلى عبادته، { وما هدى } أي وما أرشدهم حين ~~أوردهم مواقع الهلكة، وهذا تكذيب له في قوله # ومآ أهديكم إلا سبيل الرشاد # [غافر: 29]. ### || [20.80-81] # قوله تعالى: { يبني إسرائيل قد أنجيناكم من ~~عدوكم }؛ يعني فرعون أغرقه بمرأى منهم، { وواعدناكم ~~جانب الطور الأيمن }؛ قرأ حمزة: (نجيتكم... ~~ووعدتكم... ورزقتكم) بغير ألف. # وذلك أن الله وعد موسى بعد ما أغرق فرعون ليأتي جانب الطور ~~الأيمن فيؤتيه التوراة فيها بيان ما يحتاج إليه. { ونزلنا ~~عليكم المن والسلوى } في التيه، { كلوا من ~~طيبات ما رزقناكم }؛ أي من حلال ما رزقناكم من المن ~~والسلوى، واشكروا إنعامي. قوله تعالى: { ولا تطغوا ~~فيه } ، أي لا تبطروا فيما أنعمت عليكم فتتظالموا، ولا ~~تجاوزوا عن شكري إلى معاصيي، ولا تجحدوا نعمتي فتكونوا طاغين، { ~~فيحل عليكم غضبي } ، أي فتجب عليكم عقوبتي. قرأ الأعمش ~~والكسائي: (فيحل) أي فينزل. # قوله تعالى: { ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى }؛ ~~أي فقد ترد في النار. وقيل: معناه: فقد هلك وسقط في النار. ~~وقرأ الكسائي: (ومن يحلل) بضم اللام، قال الفراء: ~~(والكسر أولى من الضم؛ لأن الضم من الحلول ~~وهو الوقوع، ويحلل بالكسر يجب، وجاء ~~التفسير بالوجوب لا بالوقوع). ### || [20.82] # قوله تعالى: { وإني لغفار لمن تاب وآمن ~~وعمل صالحا ثم اهتدى }؛ أي لمن تاب من الشرك، ~~وآمن بالله وعمل صالحا، ثم استقام على معرفة الله وأداء فرائضه ~~واجتناب محارمه حتى مات على ذلك بتوفيق الله. ### || [20.83-84] # قوله تعالى: { ومآ أعجلك عن قومك يموسى }؛ ~~الآية، روي: أن موسى لما ذهب مع السبعين الذين اختارهم إلى ~~الميقات ليأخذ التوراة من ربه، تعجل إلى الميقات قبل السبعين ~~شوقا إلى ربه، وخلف ms1328 أولئك السبعين وأمرهم أن يلحقوه ويتبعوه ~~إلى الجبل وهو الطور والميقات، فقال الله تعالى له: { ومآ ~~أعجلك عن قومك يموسى } { قال }؛ أي موسى: يا رب، { هم ~~أولاء على أثري }؛ أي هم أولاء يجيئون بعدي، { وعجلت ~~إليك رب لترضى }؛ أي لتزداد رضى عني، والرضى من الله ~~إيجاب الدرجة والكرامة لهم. ### || [20.85] # قوله تعالى: { قال فإنا قد فتنا قومك من ~~بعدك وأضلهم السامري }؛ أي ابتلينا قومك الذين ~~خلفتهم مع هارون وكانوا ستمائة ألف. وقال الزجاج: (معنى: ~~فتنا قومك؛ أي ألقيناهم في فتنة ومحنة)، وقال ~~ابن الأنباري: (صيرناهم مفتونين أشقياء بعبادة ~~العجل، فافتتنوا بالعجل غير اثني عشر ألفا). ~~قوله تعالى: { من بعدك } أي من بعد انطلاقك إلى الجبل، ~~قوله { وأضلهم السامري } أي دعاهم إلى عبادة العجل ~~وحملهم عليها. ### || [20.86] # قوله تعالى: { فرجع موسى إلى قومه غضبن ~~أسفا }؛ أي رجع من الميقات إلى السبعين، إلى قومه. فلما سمع ~~صوت الفتنة رجع { غضبن أسفا } أي حزينا شديد الحزن ~~جزعا مع عصبة و { قال يقوم ألم يعدكم ربكم وعدا ~~حسنا }؛ أي ألم يعدكم إنزال التوراة لتعملوا بما فيها ~~فتستحقوا الجنة والكرامة الدائمة، { أفطال عليكم العهد }؛ ~~مدة مفارقتي إياكم، { أم أردتم أن يحل عليكم ~~غضب من ربكم }؛ بأن ينزل بكم بعبادتكم العجل، { ~~فأخلفتم موعدي }؛ ما وعد المولى من حسن الخلافة ~~بعدي. ### || [20.87] # قوله تعالى: { قالوا }؛ أي الذين لم يعبدوا العجل، { مآ ~~أخلفنا موعدك بملكنا }؛ ونحن نملك من أمرنا شيئا؛ أي ~~لم نطق رد عبدة العجل من ما ارتكبوه لكثرتهم ~~وقلتنا؛ لأنهم اثنا عشر ألفا، والذين عبدوا العجل خمسمائة ~~ألف وثمانية وثمانون ألفا؛ لأنهم كانوا جميعا ستمائة ألف. # وأكثر القراء (بملكنا) بالكسر أي بأمرنا. ومن قرأ بفتح ~~الميم فهو المصدر، ومن قرأ بضم الميم فمعناه: بسلطاننا وقدرتنا؛ أي ~~لم نقدر على ردهم. # قوله تعالى: { ولكنا حملنآ أوزارا من زينة ~~القوم }؛ أي أثقالا وحمالا من حلي آل فرعون، والوزر في ~~اللغة: هو الحمل الثقيل، وذلك أن موسى كان أمرهم أن يستعيروا من ~~حليهم حين أرادوا أن يسروا، هكذا روي ms1329 عن ابن عباس. وقيل: ~~إنهم كانوا استعاروها؛ ليتزينوا بها في عيد كان لهم، ثم يردوها ~~عليهم عند الخروج، وكان ذلك ذنبا منهم، فعلى ذلك يكون معناه: ~~حملنا آثاما من حلي القوم. # وقوله تعالى: { فقذفناها }؛ أي فقذفنا الحلي في ~~النار ليذاب، { فكذلك ألقى السامري }؛ ما معه من ~~الحلي كما ألقينا، وذلك أن الله تعالى قد وقت لموسى ثلاثين ~~ليلة ثم أتمها بعشر، فلما مضت الثلاثون قال السامري: إنما ~~أصابكم هذا عقوبة لكم بالحلي الذي معكم، فاجمعوها حتى يجيء موسى ~~فيقضي فيها، فجمعت له، فصنع منها العجل في ثلاثة أيام، ثم قذف ~~فيه القبضة التي اتخذها من أثر فرس جبريل. ### || [20.88] # قوله تعالى: { فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار ~~}؛ أي أخرج لهم من النار صورة عجل صاغها من الحلي، قوله ~~تعالى: { له خوار } أي صوت كصوت العجل. # واختلفوا في هذا الخوار؛ قال مجاهد: (خواره حفيف الريح ~~إذا دخلت جوفه، وذلك أنه كان جعل في جوف ~~العجل خروقا إذا دخلتها الريح أوهم أنه يخور). ~~قال الحسن وقتادة والسدي: (كان السامري ألقى عليه ~~شيئا من أثر فرس جبريل كما قال: # فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها # [طه: 96]، فانقلب العجل حيوانا يخور) أي وكان معلوما ~~في ذلك الزمان أن من أخذ من حافر دابة ملك، فألقاها على شيء ~~صار ذلك الشيء حيوانا. # قالوا: وإنما عرف أن راكب تلك الدابة جبريل؛ لأنها كانت لا ~~تضع حافرها على موضع إلا اخضر. ويروى أن هارون مر ~~بالسامري وهو يصنع العجل، فقال له: ما تصنع؟ قال: أصنع ما ينفع ~~ولا يضر، ثم قال لهارون: ادع لي، فقال: اللهم أعطه ما ~~يسأل كما يحب، فسأل الله أن يجعل للعجل خوارا، فكان الخوار ~~يخرج من ذلك الجسد المجسد كما يخور الثور، فأوهمهم السامري ~~أنه حي فافتتن به قوم فعبدوه، ولو رجعوا إلى عقولهم لعرفوا أنه ~~لا يصلح أن يكون إلها؛ لأنه مصنوع صنعة آدمي مخلوق من حلي ~~مخلوقة. # قوله تعالى: { فقالوا هذآ إلهكم وإله ~~موسى }؛ أي قال لهم السامري ذلك ووافقه ms1330 قوم على ذلك. قوله ~~تعالى: { فنسي }؛ أي فنسي السامري الإسلام؛ أي فتركه، ~~وقيل: معناه: قال السامري لمن وافقه على كفره: إن موسى ~~أراد هذا العجل، فترك الطريق الذي كان يصل إليه؛ أي أن موسى ترك ~~إلهه هنا، وذهب يطلبه. ### || [20.89] # قوله تعالى: { أفلا يرون ألا يرجع إليهم ~~قولا }؛ أفلا يرى السامري وأصحابه (أنه) يعني العجل لا ~~يرد إليهم جوابا، { ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا }؛ ~~جر منفعة ولا دفع ضر شيء. ### || [20.90-96] # قوله تعالى: { ولقد قال لهم هارون من قبل ~~يقوم إنما فتنتم به }؛ وذلك أن السامري لما دعاهم ~~إلى عبادة العجل وقال لهم: إن هذا إلهنا وإله موسى، وأن موسى ~~معني في طلبه، وهو هاهنا. # فقام هارون فيهم خطيبا، وقال: يا قوم إنما فتنتم ~~بعبادة العجل، { وإن ربكم الرحمن }؛ لا العجل، { ~~فاتبعوني }؛ لما أدعوكم اليه، { وأطيعوا أمري }؛ لا أمر ~~السامري، فعصوه؛ { قالوا لن نبرح عليه عاكفين }؛ ~~أي لا نزال مقيمين على عبادته، { حتى يرجع إلينا موسى ~~}؛ ومعنى قوله تعالى { ولقد قال لهم هارون من قبل } أي ~~من قبل أن يأتي موسى. # فلما رجع موسى؛ { قال }؛ لهارون: { يهرون ما منعك إذ ~~رأيتهم ضلوا }؛ بعبادة العجل، { ألا تتبعن }؛ لا ~~زائدة؛ أي ما منعك من اتباعي واللحوق بي بمن أقام على إيمانه، ~~{ أفعصيت أمري }؛ بإقامتك بينهم وقد كفروا، ثم أخذ موسى ~~برأس هارون ولحيته غضبا منه عليه ف { قال يبنؤم لا ~~تأخذ بلحيتي ولا برأسي }؛ ولا بشعر رأسي، { إني ~~خشيت }؛ إن فارقتهم واتبعتك بمن أقام على دينك أن يتفرقوا ~~أحزابا، وخشيت أن يقتل بعضهم بعضا و { أن تقول فرقت ~~بين بني إسرآءيل ولم ترقب }؛ أي ولم تحفظ، { ~~قولي }؛ وصيتي، ولم تنتظر قدومي وأمري، فلذلك لم أتبعك ~~بمن أقام منهم على دينك. # قال ابن عباس: (كان هارون أخا موسى لأبيه وأمه، ~~وإنما قال: يا ابن أم ليرفقه ويستعطفه عليه)، وفي قوله ~~(يا ابن أم) قراءتان، من قرأ بفتح الميم جعله بمنزلة اسم ~~واحد يصل الثاني بالأول، مثل خمسة عشر، ومن قرأ بالكسر فعلى ms1331 معنى ~~الإضافة، ودلت كسرة الميم على الياء التي بعدها. # فإن قيل: كيف جاز أن يأخذ موسى بلحية هارون ورأسه مع أن ذلك يقتضي ~~الاستخفاف به؟ قيل: لأن العادة في ذلك الوقت لم تكن كهذه العادة، ~~بل كان ذلك في زمانهم يجري مجرى القبض على يده، وقيل: لأنه أجرى ~~هارون مجرى نفسه؛ لأنه لم يكن يتهم، كما لا يتهم على نفسه، فقد ~~يأخذ الإنسان بلحية نفسه إذا غضب، ويقال: (إن عمر عليه ~~السلام كان إذا غضب يفتل شاربه). # قوله تعالى: { أفعصيت أمري } أي فتركت وصيتي، ~~قوله تعالى: { ولم ترقب قولي } يعني: ولم تحفظ ~~وصيتي حين قلت لك أخلفني في قومي وأصلح. # فلما اعتذر هارون بهذا العذر أقبل موسى على السامري؛ { قال ~~فما خطبك يسامري }؛ أي ما شأنك وما الذي دعاك إلى ما ~~صنعت؟ وقيل: معناه: ما هذا الخطب العظيم الذي دعاك إلى ما ~~صنعت، والخطب هو الجليل من الأمر. # قال قتادة: (كان السامري من عظماء بني إسرائيل، ~~من قبيلة يقال لها سامرة، ولكنه بعد ما قطع ~~البحر مع بني إسرائيل مر بجماعة وهم يعكفون ~~على أصنام لهم ومعه بنو إسرائيل، فقالوا يا ~~موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، فاغتنمها ~~السامري فاتخذ العجل)، { قال }؛ السامري مجيبا ~~لموسى: { بصرت بما لم يبصروا به }؛ أي رأيت ما لم ~~يروا، بصرت به، وعرفت ما لم يعرفوا وفطنت ما لم يفطنوا، قال له ~~موسى: وما الذي بصرت به دون بني إسرائيل؟ # قال: { فقبضت قبضة من أثر الرسول }؛ من حافر فرس ~~جبريل، وكان قد ألقي في نفسي أن أقبضها؛ وما ألقيه على شيء إلا صار ~~له روح ولحم ودم، فحين رأيت قومك طلبوا منك أن تجعل لهم إلها ~~حدثتني نفسي بذلك، { فنبذتها } أي فطرحتها في العجل، { ~~وكذلك سولت لي نفسي }؛ أي زينت لي نفسي من أخذ ~~القبضة وإبقائها في صورة العجل. # وقيل: معناه (وكذلك سولت لي نفسي) أي أطمعتني نفسي ~~في أن العجل ينقلب حيوانا. # وقرأ الحسن: (فقبصت قبصة) بالصاد فيهما، والفرق بينهما أن ~~القبض بجميع ms1332 الكف، والقبص بأطراف الأصابع. ### || [20.97] # قوله تعالى: { قال فاذهب فإن لك في الحياة أن ~~تقول لا مساس }؛ أي قال موسى: فاذهب من بيننا، فإن لك ما ~~دمت حيا أن تقول: (لا مساس) أي لا أمس ولا أمس ولا ~~أخالط، وأمر موسى أن لا يؤاكلوه ولا يخالطوه ولا يبايعوه، فحرم ~~عليهم مخالطة السامري زجرا لفعله، وكان هو يقيم في البرية مع ~~الوحوش والسباع. # ويقال: إنه ابتلي بالوسواس، ويقال: إن موسى هم بقتل ~~السامري فقال الله: لا تقتله فإنه سخي! فكان السامري إذا ~~لقي أحدا يقول: لا مساس؛ أي لا تقربني ولا تمسني، وذلك ~~عقوبة له ولولده، عاقبه الله بذلك حتى أن بقاياهم اليوم يقولون ~~كذلك. وذكر أنه إذا مس واحد من نسله أحدا من غيرهم حم ~~كلاهما في الوقت. قوله تعالى: { وإن لك موعدا لن ~~تخلفه }؛ معناه: وإن لك يا سامري أجلا يكافؤك الله فيه ~~على ما فعلت وهو يوم القيامة. # قرأ الحسن وابن مسعود: (نخلفه) وابن كثير وابن عامر (تخلفه) ~~بكسر اللام؛ أي لن يغيب عنه بل يوافقه، ولا مذهب لك عنه، وقرأ ~~الباقون بفتح اللام بمعنى لن يخلفه الله. # قوله تعالى: { وانظر إلى إلهك }؛ أي وانظر إلى ~~العجل الذي أقمت على عبادته، وزعمت أنه إلهك ومعبودك، { الذي ~~ظلت عليه عاكفا }؛ أي مقيما تعبده، تقول العرب ظلت ~~أفعل كذا بمعنى ظللت. # قوله تعالى: { لنحرقنه ثم لننسفنه في ~~اليم نسفا }؛ قال ابن عباس: (حرقه بالنار، ثم ~~ذراه في اليم) وهذه القراءة تدل على أن ذلك العجل صار ~~حيوانا لحما ودما لأن الذهب والفضة لا يمكن إحراقهما بالنار. # وذكر في بعض التفاسير: أن موسى أخذ العجل فذبحه فسال منه دم، ~~لأنه كان قد صار دما ولحما، ثم أحرقه بالنار ثم ذراه في ~~البحر. # وكان الحسن يقرأ (لنحرقنه) بالتخفيف، ومعناه: لنذبحنه ~~ثم لنحرقنه بالنار، لأنه لا يجوز إحراق الحيوان قبل الذبح كما روي في ~~الخبر: # " لا تعذبوا أحدا بعذاب الله ". # وقرأ أبو جعفر وأشهب العقيلي: (لنحرقنه) بنصب النون وضم ~~الراء؛ أي لنبردنه بالمبرد، ms1333 يقال: حرقت الشيء أحرقه ~~أذا بردته، والمحرق هو المبرد، وهذه القراءة تدل على ~~أن العجل كان ذهبا، ولكن كان له خوار. قوله تعالى: { ثم ~~لننسفنه في اليم نسفا } أي لنذريه في البحر ~~تذرية، يقال: نسف فلان الطعام بالمنسف إذا ذراه ليطير ~~عنه قشوره وترابه. ### || [20.98] # قوله تعالى: { إنمآ إلهكم الله الذي لا ~~إله إلا هو }؛ أي قال لهم موسى: { إنمآ إلهكم ~~الله الذي لا إله إلا هو } أي لا معبود للخلق سواه، ~~فهو الذي يستحق العبادة لا العجل. قوله تعالى: { وسع كل ~~شيء علما }؛ أي أحاط علمه بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء من ~~أعمال العباد. ### || [20.99] # قوله تعالى: { كذلك نقص عليك من أنبآء ما ~~قد سبق }؛ أي كما قصصنا عليك يا محمد خبر موسى وقومه ~~كذلك نقص عليك من أخبار من قد مضى وتقدم من أخبار الرسل ~~وأممهم، { وقد آتيناك من لدنا ذكرا } أي وقد أكرمناك ~~بالقرآن العظيم. ### || [20.100-101] # قوله تعالى: { من أعرض عنه فإنه يحمل يوم ~~القيامة وزرا }؛ أي من أعرض عن القرآن فلم يؤمن به فإنه ~~يحمل يوم القيامة إثما. والوزر ها هنا: الحمل الثقيل من ~~الإثم. قوله تعالى: { خالدين فيه }؛ أي مقيمين في عقوبة ~~ذلك الإثم وعذابه، { وسآء لهم يوم القيامة حملا }؛ أي ~~ساء وزرهم، يومئذ حملا. ### || [20.102] # قوله تعالى: { يوم ينفخ في الصور }؛ قرأ أبو عمرو ~~بنون مفتوحة، وقرأ الباقون بياء مضمومة غير تسمية الفاعل، والصور: ~~قرن ينفخ فيه يومئذ؛ ليقوم الناس من قبورهم مثل بوق ~~الرحيل وبوق النزول. # قوله تعالى: { ونحشر المجرمين يومئذ زرقا }؛ ~~قيل: معناه: قد ازرقت أعينهم من شدة العطش؛ لأن العطش إذا ~~اشتد يغير سواد العين إلى الزرقة. وقيل: معناه: عميا، ~~ومعنى الزرقة الخضرة في سواد العين كعيني السنور، ~~والمعنى في هذا: تشويه الخلق سواد الوجوه، وزرقة العيون. ### || [20.103] # قوله تعالى: { يتخافتون بينهم }؛ أي يتشاورون ~~فيما بينهم، يقول بعضهم لبعض: { إن لبثتم إلا عشرا }؛ أي ~~ما لبثتم من النفخة الأولى إلى الثانية إلا عشر ليال، وذلك ~~أنهم يكف عنهم العذاب فيما ms1334 بين النفختين وهو أربعون سنة، ~~فاستقصروا مدة لبثهم لهول ما عاينوا. وقيل: معناه: ~~يقولون ما لبثتم في الدنيا إلا عشر ليال، وذلك لشدة ما ~~يرون من هول يوم القيامة ينسون ما لبثوا في الدنيا. ### || [20.104] # قوله تعالى: { نحن أعلم بما يقولون إذ يقول ~~أمثلهم طريقة }؛ أي أعلمهم عندهم، { إن لبثتم إلا ~~يوما }؛ نسوا مقدار لبثهم لشدة وهمهم، فقالوا هذا القول ~~وهو كذب منهم. ### || [20.105] # قوله تعالى: { ويسألونك عن الجبال }؛ أي يسألك ~~الكفار عن حال الجبال يوم القيامة: أين تذهب مع عظمها. وقال ~~ابن عباس: (سأل رجل من ثقيف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، كيف تكون الجبال يوم القيامة؟ فأنزل الله ~~هذه الآية. # قوله تعالى: { فقل ينسفها ربي نسفا }؛ أي ~~يصيرها رملا تسيل سيلا، ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها ~~كتذرية الطعام من القشور والتراب، فيصيرها كالهباء، ~~وكالصوف المنفوش. ### || [20.106-107] # قوله تعالى: { فيذرها قاعا صفصفا }؛ أي أرضا ملساء ~~مستوية لا نبات فيها، والصفصف: الأملس الذي لا نبات فيه. ~~قوله تعالى: { لا ترى فيها عوجا ولا أمتا }؛ قال ~~ابن عباس: (العوج: الأودية، والأمت: الروابي)، وقال ~~مجاهد: (انخفاضا وارتفاعا)، وقال قتادة: (لا ترى فيها ~~صدعا ولا أكمة)، وقال الحسن: (العوج: ما انخفض من ~~الأرض، والأمت: ما يستر من الروابي)، ويقال: مد ~~حبله حتى ما ترك فيه أمتا، وملأ سقاءه حتى ما ترك فيه أمتا؛ أي ~~انثناء. ### || [20.108] # قوله تعالى: { يومئذ يتبعون الداعي لا عوج ~~له }؛ أي يومئذ يتبعون داعي الله الذي يدعوهم إلى موقف القيامة ~~وهو اسرافيل لا عوج لدعائه، وقيل: لا عوج لهم عن دعائه؛ أي ~~لا يزيغون عنه، بل يتبعونه سرايا لا يعدلون عن الطريق ~~يمينا ولا شمالا ولا يملكون التأخر. # قوله تعالى: { وخشعت الأصوات للرحمن } أي ~~ذلت الأصوات لهيبة الرحمن، وقيل: سكنت الأصوات له، ~~فوصف الأصوات بالخشوع، والمعنى لأهلها، قوله تعالى: { ~~فلا تسمع إلا همسا }؛ أي إلا صوتا خفيا يعني صوت نقل ~~الأقدام إلى المحشر. # والهمس: الصوت الخفي كأخفاف صوت الإبل في المشي. وقال ابن ~~عباس: (معنى الهمس تحريك الشفاه ms1335 بغير منطق) وهو ~~قول مجاهد، والكلام الخفي، والمعنى على هذا التفسير: سكنت ~~الأصوات فلا يجهر أحد بكلام إلا كالمشير من الإشارة بالشفة، ~~وتحريك الفم من غير صوت. ### || [20.109] # قوله تعالى: { يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من ~~أذن له الرحمن }؛ أي لا تنفع لأحد من الناس إلا من أذن ~~الله أن يشفع له فذاك الذي تنفع الشفاعة، وقيل: لا تنفع ~~شفاعة أحد إلا من أذن له الرحمن في أن يشفع. قوله ~~تعالى: { ورضي له قولا }؛ في الدنيا وهم المؤمنون، فإن ~~الله لا يرضى إلا قول المؤمنين. ### || [20.110] # قوله تعالى: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~}؛ هذا كناية راجعة إلى الذين يتبعون الداعي؛ أي يعلم ما قدموا ~~واخلفوا. قوله تعالى: { ولا يحيطون به علما }؛ ~~الكناية تعود إلى ما في قوله { ما بين أيديهم وما ~~خلفهم } أي هو يعلم ذلك. ### || [20.111] # قوله تعالى: { وعنت الوجوه للحي القيوم }؛ أي ~~ذلت الوجوه وخضعت واستسلمت للحي الذي لا يموت، القائم الذي لا ~~ند له، والعاني في اللغة: هو الأسير، ومنه قولهم: أخذت الشيء ~~عنوة؛ أي غلبة بدل المأخوذ منه: قال الشاعر: # مليك على عرش السماء مهيمن # لعزته تعنو الوجوه وتسجد # وقال الحسن: (القيوم: القائم على كل نفس بما ~~كسبت حتى يجزيها). قوله تعالى: { وقد خاب من ~~حمل ظلما }؛ أي خاب من ثواب الله من حمل شركا، ومعنى خاب ~~أي خسر. ### || [20.112] # قوله تعالى: { ومن يعمل من الصالحات وهو ~~مؤمن فلا يخاف ظلما }؛ في سيئاته، { ولا هضما }؛ ~~بالنقصان من حسناته، والهضم: النقص؛ يقال: هضمني فلان ~~حقي؛ أي نقصني، وهذا شيء يهضم الطعام أي ينقص نقله. ### || [20.113] # قوله تعالى: { وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا }؛ ~~أي وهكذا أنزلناه قرآنا على اللغة العربية، { وصرفنا فيه ~~}؛ أي وكررنا فيه، { من الوعيد لعلهم يتقون }؛ ~~وقيل: معنى (وصرفنا) أي بينا فيه من الوعيد، ~~يعني الوقائع في الأمم المكذبة؛ لكي يتقوا الشرك ~~بالاتعاظ بمن قبلهم، { أو يحدث لهم ذكرا }؛ أي يحدث ~~لهم القرآن اعتبارا فيذكروا به عقاب الله، وقيل: معناه: أو ~~يحدث لهم ذكرا شرفا ms1336 بإيمانهم، كما قال تعالى # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف: 44] أي شرف لك ولقومك. ### || [20.114] # قوله تعالى: { فتعلى الله الملك الحق }؛ أي ~~ارتفعت صفة الرحمن فوق كل شيء سواه، لأنه أقدر من كل قادر، ~~وأعلم من كل عالم، وكل قادر وعالم سواه محتاج إليه، وهو ~~غني عنه، قوله { الملك الحق } أي يحق له الملك، وإن ~~كان ملك سواه يملك بعض الأشياء ويبيد ملكه. # قوله تعالى: { ولا تعجل بالقرآن من قبل أن ~~يقضى إليك وحيه }؛ قال الحسن: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أنزل عليه الوحي ~~عجل بقراءته مخافة نسيانه، وكان يقرأ مع ~~الملك مخافة أن يذهب عنه، فنهي عن ذلك " # فقال { ولا تعجل بالقرآن } أي بقراءته من قبل ~~أن يفرغ جبريل من تلاوته عليك. قوله تعالى: ~~{ وقل رب زدني علما }؛ أي زدني حفظا لا أنساه. ### || [20.115] # قوله تعالى: { ولقد عهدنآ إلى ءادم من قبل }؛ ~~أي أمرناه أن لا يأكل من الشجرة من قبل هؤلاء الذين ~~نقضوا عهدي، وتركوا الإيمان بي، وهم الذين ذكرهم الله في ~~قوله # لعلهم يتقون # [طه: 113]، والمعنى أن هؤلاء الذين صرف لهم في القرآن الوعيد ~~إذ ضيعوا عهدي وخالفوا أمري، فإن أباهم آدم عليه السلام ~~عهدنا إليه أيضا، { فنسي }؛ وترك عهدي وما أمر به، { ~~ولم نجد له عزما }؛ أي لم نجد له حفظا لما أمرنا ~~به. # وقال الحسن: (معناه: ولم نجد له صبرا عما نهي ~~عنه، ولم نجد له رأيا معزوما عليه)، حيث أطاع ~~عدوه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد له. قال الحسن: (كان ~~عقل آدم كعقل جميع ذريته)، قال الله { ولم ~~نجد له عزما }. وجاء في الحديث: # " لو وزن حلم بني آدم مذ كان آدم إلى أن تقوم ~~الساعة لرجح حلم آدم على حلمهم، وقد قال الله ~~تعالى: { ولم نجد له عزما } ". ### || [20.116-117] # قوله تعالى: { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا ~~لأدم فسجدوا إلا إبليس أبى }؛ قد تقدم تفسيره. ~~قوله تعالى: { فقلنا يآءادم إن هذا عدو لك ~~ولزوجك }؛ أي لك ولامرأتك، فلا تميلا إليه، ولا تعيلا منه، ms1337 ~~{ فلا يخرجنكما }؛ أي فيكون ذلك سبب خروجكما، { من ~~الجنة }؛ إلى شدائد الدنيا وجوعها وعطشها وفقرها وتعبها في ~~طلب المعاش، وهذا معنى قوله: { فتشقى }؛ أي تتعب بالأكل من كد ~~يدك، وما تكسبه لنفسك، والمعنى: إن عيشك لا يكون إلا من كد ~~يمينك وعرق جبينك. قال سعيد بن جبير: (أهبط الله إلى آدم ~~ثورين، فكان يحرث عليهما، ويمسح العرق عن ~~جبينه) فهو شقاؤه الذي قال الله تعالى، وكان من حقه أن ~~يقول: فيشقيا أو تشقى أنت وزوجك، لكن غلب المذكر؛ لأن ~~تعبه أكثر، وقيل: لأجل رؤوس الآي. ### || [20.118-119] # قوله تعالى: { إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى ~~}؛ أي إنك ما دمت مقيما في الجنة على طاعة الله فلا تجوع فيه ~~ولا تعرى؛ أي لكثرة أثمارها وأثوابها ونعيمها، { وأنك لا ~~تظمأ فيها }؛ أي لا تعطش، { ولا تضحى }؛ أي ولا تبرز ~~إلى الشمس؛ لأنه ليس في الجنة شمس، إنما هو ظل ممدود. وقرئ: ~~(وإنك لا تظمأ) بكسر الهمزة عطفا على (إن لك أن لا ~~تجوع)، وقرئ بالنصب عطفا على (أن لا تجوع). ### || [20.120] # قوله تعالى: { فوسوس إليه الشيطان }؛ أي وسوس ~~له ليأكل من الشجرة ف { قال يآدم هل أدلك على ~~شجرة الخلد }؛ أي على شجرة من أكل منها خلد ولم يمت، ~~{ وملك لا يبلى }؛ ويبقى في ملك لا يبلى ولا يفنى. ### || [20.121] # قوله تعالى: { فأكلا منها }؛ أي أكل آدم وحواء من ~~الشجرة على وجه الخطأ في التأويل لا تعمدا في المعصية إذ الأنبياء ~~عليهم السلام لا يقيمون المعصية، وهم أشد خوفا من الله أن ~~يفعلوا ذلك. لأن بعض المفسرين قال: إن الله تعالى أشار بالنهي ~~إلى شجرة بعينها، فقال له: لا تأكل من هذه الشجرة، وأرادوا جنس ~~تلك الشجرة، فنسي آدم الاستدلال بذلك على الجنس، فحمل النهي على ~~العين. وهذا كما # " روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه أخذ الذهب بإحدى ~~يديه، والحرير بالأخرى، وقال: " هذان حرامان على ~~ذكور أمتي، حل لإناثهم " " # وأراد به الجنس دون العين. # قوله تعالى: { فبدت لهما سوءاتهما }؛ أي ms1338 ظهرت لهما ~~عوراتهما، وإنما جمع السوءات ولم يثنهما؛ لأن كل شيء من ~~شيء فهو جمع في موضع التثنية. قوله تعالى: { وطفقا ~~يخصفان عليهما }؛ أي جعلا يقطعان عليهما، { من ورق ~~الجنة }؛ ويجعلانه على سوءاتهما. # وقوله تعالى: { وعصى ءادم ربه }؛ أي عصاه بأكل ~~الشجرة، { فغوى }؛ أي فعل ما لم يكن له فعله. وقيل: ~~ضل حين طلب الخلد بأكل ما نهي عن أكله. وقيل: الغي ~~الفساد؛ أي فسد عليه عيشه، وقيل: (فغوى) أي أخطأ، وقيل: ~~خاب في طلبه في أكل الشجرة. ### || [20.122] # قوله تعالى: { ثم اجتباه ربه }؛ أي اجتباه ~~للرسالة، وقيل: قربه، { فتاب عليه وهدى }؛ إلى ~~ذكره، وقيل: اصطفاه فتاب عليه وهداه حين قال # قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا # [الأعراف: 23] الآية. ### || [20.123] # قوله تعالى: { قال اهبطا منها جميعا }؛ قد تقدم ~~تفسيره، قوله تعالى: { بعضكم لبعض عدو }؛ يعني آدم ~~وذريته وإبليس وذريته، قوله تعالى: { فإما ~~يأتينكم مني هدى }؛ أراد به الكتاب والرسول، { فمن ~~اتبع هداي }؛ أي من اتبع الكتاب والرسول، { فلا يضل ~~} في الدنيا، { ولا يشقى } في الآخرة. قال ابن عباس رضي الله ~~عنه: (ضمن الله لمن قرأ القرآن وعمل به أن لا ~~يضل ولا يشقى). ### || [20.124-126] # قوله تعالى: { ومن أعرض عن ذكري }؛ أي عن ~~موعظتي، وقيل: عن القرآن فلم يؤمن به ولم يتبعه، ~~قوله تعالى: { فإن له معيشة ضنكا } ، الضنك: ~~الضيق والشدة والصعوبة. قال ابن عباس: (يعني أن عيشه ~~يكون منغصا عليه غير موقن بالخلف والجزاء)، ~~وقال عبدالله بن مسعود وأبو سعيد الخدري والسدي: (معنى ~~قوله { معيشة ضنكا } عذاب القبر؛ يضيق عليه ~~حتى تختلف أضلاعه)، وقال الحسن: (هو الضريع ~~والزقوم في النار)، قال عكرمة: (هو أكل الحرام في ~~الدنيا الذي يؤديه إلى النار). # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " " أتدرون ما المعيشة الضنكة؟ " قالوا: الله ~~ورسوله أعلم، قال: " عذاب الكافر في قبره، ~~والذي نفسي بيده إنه ليسلط عليه تسعة ~~وتسعون تنينا، لكل تنين سبعة رؤوس، ~~ينهشونه ويلسعونه ويخدشون لحمه إلى يوم ~~القيامة، ولو أن تنينا نفخ في الأرض لم تنبت ~~شيئا ms1339 " " # وقال ابن زيد: (المعيشة الضنكى: الزقوم والغسلين ~~والضريع)، وقال الضحاك: (الكسب الخبيث)، وقيل: إذا ~~كان العبد سيء الظن بالله ضاق عليه عيشه وضنك. وقال ابن ~~جبير: (معنى قوله: { فإن له معيشة ضنكا } أي سلبه ~~القناعة حتى لا يشبع). # قوله تعالى: { ونحشره يوم القيامة أعمى }؛ قال ~~ابن عباس: (عمى البصر)، وقال مجاهد: (أعمى عن الحجة؛ ~~أي لا حجة له يهتدي إليها)، { قال رب لم ~~حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا }؛ بعيني، { قال ~~كذلك }؛ تكون كما { أتتك آياتنا فنسيتها }؛ أي ~~فتركتها وأعرضت عنها، { وكذلك اليوم تنسى }؛ أي ~~تترك في النار. ### || [20.127] # قوله تعالى: { وكذلك نجزي من أسرف }؛ أي كما ~~جزينا من أعرض عن القرآن، كذلك نجزي من أسرف على نفسه ~~بالمعاصي، { ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة ~~أشد وأبقى }؛ أي أشد من عذاب الدنيا وأدوم، لأن عذاب ~~الدنيا ينقطع. ### || [20.128] # قوله تعالى: { أفلم يهد لهم كم أهلكنا ~~قبلهم من القرون }؛ من قرأ بالياء فمعناه: ألم نبين، ~~يعني كفار مكة كم أهلكنا قبلهم من القرون، ~~والمعنى: ألم نبين لهم طرق الاعتبار بكثرة إهلاكنا القرون ~~قبلهم بتكذيب الرسل فيعتبروا ويؤمنوا. وكانت قريش تتجر إلى ~~الشام فترى مساكن قوم لوط وثمود وعلامات الإهلاك. ومن قرأ ~~بالنون فمعناه: ألم نبين لأهل مكة بيانا يهتدون به ~~فيرتدعوا عن المعاصي. قوله تعالى: { يمشون في ~~مساكنهم إن في ذلك لآيات لأولي النهى }؛ أي لذوي ~~العقول. ### || [20.129] # قوله تعالى: { ولولا كلمة سبقت من ربك لكان ~~لزاما وأجل مسمى }؛ معناه: ولولا كلمة سبقت ~~من ربك في تأخير العذاب عن هؤلاء الكفار إلى يوم القيامة، قوله ~~{ وأجل مسمى } لكان العذاب لازما لهم، واقعا في الحال. ~~وتقدير الآية: ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى ~~لكان لازما؛ أي لكان العذاب لازما لهم في الدنيا، كما ~~لزم القرون الماضية الكافرة. ### || [20.130] # قوله تعالى: { فاصبر على ما يقولون }؛ أي فاصبر يا ~~محمد على ما يقولون من الشتم والتكذيب فسيعود عليهم وبال ~~ذلك، قوله تعالى: { وسبح بحمد ربك قبل طلوع ~~الشمس }؛ أي صل صلاة الفجر، { وقبل غروبها ms1340 }؛ يعني ~~صلاة العصر، { ومن آنآء الليل فسبح }؛ يعني المغرب ~~والعشاء، وآناء الليل ساعاته. # قوله تعالى: { وأطراف النهار }؛ يعني صلاة الظهر، قال ~~قتادة: (كأنه ذهب إلى أنه آخر النصف الأول من ~~النهار طرف، وأول النصف الثاني طرف). وقال الحسن: ~~((وقبل غروبها): الظهر والعصر، (وأطراف النهار): ~~صلاة التطوع). قوله تعالى: { لعلك ترضى }؛ قرأ ~~الكسائي وأبو بكر بضم التاء؛ أي تعطى الرضى بالدرجات ~~الرفيعة، يرضاك الله ويسمى مرضيا، وتصديقه قوله تعالى: # وكان عند ربه مرضيا # [مريم: 55]. وقرأ الباقون (ترضى) بفتح التاء؛ أي لعلك ترضى ~~بالثواب والشفاعة، ودليل ذلك قوله تعالى: # ولسوف يعطيك ربك فترضى # [الضحى: 5]، والمعنى: أقم هذه الصلوات لكي تعطى من الثواب ما ~~ترضى. ### || [20.131] # قوله تعالى: { ولا تمدن عينيك إلى ما ~~متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا }؛ ~~أي لا تنظرن بعين الرغبة إلى ما متعنا به رجالا منهم ~~زينة الحياة الدنيا، { لنفتنهم فيه }؛ أي ~~لنختبرهم في ما أعطيناهم من الزينة. وقيل: لنجعله فتنة ~~لهم وضلالا بأن أزيد لهم في النعمة، فيزدادوا كفرا وطغيانا. # قال أبو رافع: # " بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يهودي، ~~فقال: " قل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثني ~~إليك لتسلفه كذا وكذا من الدقيق، أو تبيعه ~~وتصبر عليه إلى هلال رجب " فأتيته، فقال: والله ~~ما أبيعه ولا أسلفه إلا برهن! فأتيت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: " والله لو باعني ~~أو أسلفني لقضيته، وإني لأمين في الأرض، إذهب ~~بدرعي إليه " ثم حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~ذلك، فنزلت هذه الآية كأنه يعزيه عن الدنيا " # وقيل: معنى قوله تعالى { أزواجا } أي أصنافا من نعم ~~الدنيا وزهرتها. قوله: { ورزق ربك خير وأبقى }؛ أي ~~ورزق ربك الذي وعدك في الجنة خير وأبقى مما رزق هو. ### || [20.132] # قوله تعالى: { وأمر أهلك بالصلاة واصطبر ~~عليها }؛ أي وأمر قومك الذين على دينك، { لا نسألك ~~رزقا }؛ لخلقنا ولا لنفسك، لم نخلقك لحاجتنا إليك كحاجة ~~السادة إلى عبيدهم، بل { نحن نرزقك }؛ ونرزق جميع ~~خلقنا. قوله ms1341 تعالى: { والعاقبة للتقوى }؛ أي ~~والعاقبة المحمودة لمن يتقي الله ولا يعصيه، وتقديره: ~~والعاقبة لأهل التقوى. # " وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليه بعض ~~الضيق في الرزق أمر أهله بالصلاة، ثم قرأ هذه ~~الآية { وأمر أهلك بالصلاة } إلى آخرها ". ### || [20.133] # قوله تعالى: { وقالوا لولا يأتينا بآية من ~~ربه }؛ أي قال المشركون من أهل مكة: هلا يأتينا محمد ~~بآية من ربه كما أتى بها الأنبياء، نحو الناقة والعصا، { أولم ~~تأتهم بينة ما في الصحف الأولى }؛ أي بيان ما في ~~التوراة والإنجيل من البشارة بما وافقهما من صفة النبي صلى ~~الله عليه وسلم. وقيل: معناه: أولم يأتهم ما في الصحف ~~الأولى من أنبياء الأمم الذين أهلكناهم لما سألوا الآيات ~~ثم كفروا بها، فماذا يؤمنهم أن يكون حالهم في سؤالهم الآية ~~كحال أولئك. وهذا البيان إنما قص عليهم في القرآن. ### || [20.134] # قوله تعالى: { ولو أنآ أهلكناهم بعذاب من ~~قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ~~فنتبع آياتك }؛ أي لو أنا أهلكناهم بعذاب الاستئصال ~~من قبل إرسال الرسل لقالوا: هلا أرسلت إلينا رسولا ~~يرشدنا إلى دينك فنتبع دلائلك، { من قبل أن نذل }؛ ~~في الدنيا بالقتل ونفضح في الآخرة بالعذاب. والمعنى: ولو أنا ~~أهلكنا كفار مكة بعذاب من قبل بعث محمد صلى الله عليه ~~وسلم ونزول القرآن لقالوا يوم القيامة: ربنا هلا أرسلت ~~إلينا رسولا يدعونا إلى طاعتك فنتبع آياتك من قبل أن ~~ينزل العذاب، { ونخزى }؛ في جهنم. ### || [20.135] # قوله تعالى: { قل كل متربص فتربصوا }؛ أي قل ~~لهم يا محمد: كل منا ومنكم منتظر، فانتظروا نحن ننتظر بكم ~~ما وعدنا الله فيكم من النصر والفتح، وأنتم تنتظرون بنا أن نموت ~~فتستريحون منا، وذلك أنهم كانوا يقولون: نتربص بمحمد ريب ~~المنون. قوله تعالى: { فستعلمون من أصحاب ~~الصراط السوي ومن اهتدى }؛ فستعلمون بعد هذا إذا ~~قامت القيامة من أصحاب الدين المستقيم، ومن اهتدى إلى الرشد ~~والصلاح نحن أم أنتم! # وعن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من قرأ سورة طه ms1342 أعطي يوم القيامة ثواب ~~المهاجرين والأنصار ". ### | [21 - سورة الأنبياء] ### || [21.1] # { اقترب للناس حسابهم }؛ أي اقترب لأهل مكة حسابهم، ~~والمعنى: اقتربت القيامة، واقترب للناس حسابهم، ~~والحساب هنا: إظهار ما للعبد وما عليه ليجازى ~~على ذلك. # قوله تعالى: { وهم في غفلة معرضون }؛ أي في غفلة ~~عما يفعل الله بهم ذلك اليوم، معرضون عن التأهب له بالإيمان ~~بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. وقيل: معناه: وهم في ~~غفلة عن قرب الحساب والموت، معرضون عن الفكرة في ذلك، ~~والتأهب له، وهذا من الله تنبيه وعظة؛ لئلا يغفلوا عن ~~الآخرة. ### || [21.2] # قوله تعالى: { ما يأتيهم من ذكر من ربهم }؛ ~~أي ما يأتيهم من وحي، { محدث }؛ تنزيله، والإحداث يعود ~~إلى الانزال. قوله تعالى: { إلا استمعوه وهم ~~يلعبون }؛ قال ابن عباس: (يستمعون القرآن ~~مستهزئين). ### || [21.3] # قوله تعالى: { لاهية قلوبهم }؛ منصوب بقوله ~~(يلعبون)، ومعناه: غافلة قلوبهم عما يراد بهم، معرضة عن ~~ذكر الله. قوله تعالى: { وأسروا النجوى }؛ أي ~~تناجوا فيما بينهم سرا. # ثم بين من هم فقال: { الذين ظلموا }؛ أي الذين أشركوا ~~بالله، و(الذين) في موضع الرفع بدل من الضمير في (أسروا) كما ~~في قوله تعالى # ثم عموا وصموا كثير منهم # [المائدة: 71]، ويجوز أن يكون (الذين) خفض نعتا للناس؛ أي ~~اقترب للناس الذين هذا حالهم. # ثم بين النجوى الذي أسروه بقوله: { هل هذآ إلا ~~بشر مثلكم } أطلع الله النبي صلى الله عليه وسلم أنهم ~~قالوا: هل محمد إلا بشر مثلكم، فإذن تتبعون بشر مثلكم، { ~~أفتأتون السحر وأنتم تبصرون }؛ وأنتم تعلمون أنه ~~سحر. قال السدي: (قالوا متابعة محمد متابعة ~~السحر)، والمعنى: أتقبلوا السحر، وأنتم تعلمون أنه سحر. ### || [21.4] # قوله تعالى: { قال ربي يعلم القول في السمآء ~~والأرض }؛ أي قل لهم يا محمد: ربي الذي أعبده وأدعوا إلى ~~عبادته هو الله الذي يعلم ما تسره العباد من القول في السماء ~~والأرض، { وهو السميع العليم }؛ لذلك كله، العالم بما ~~يجري عليه، ومن هذه صفته، فهو الذي يجب أن يعبد دون الأصنام. ~~وقرأ أهل الكوفة: (قال ربي) على الخير. قوله تعالى: { وهو ms1343 ~~السميع العليم } أي السميع لأقوالهم، العليم بأفعالهم. ### || [21.5-6] # قوله تعالى: { بل قالوا أضغاث أحلام بل ~~افتراه بل هو شاعر }؛ أي قال الكفار: إن ما أتي به ~~محمد تخاليط رؤيا رآها في المنام، و (بل) ها هنا ~~انتقال إلى خبر آخر عنهم. # قوله تعالى: { بل افتراه } أي قالوا اختلقه كذبا ~~من تلقاء نفسه، ثم قالوا: (بل هو شاعر) فجعلوا ينقضون ~~أقوالهم قول متحير لا يمكنه الجزم على أمر واحد. قوله ~~تعالى: { فليأتنا بآية كمآ أرسل الأولون }؛ ~~بالآيات، نحو انقلاب البحر، وإحياء الموتى، والناقة والعصا. # فقال الله تعالى مجيبا لهم: { مآ آمنت قبلهم من قرية ~~أهلكناهآ أفهم يؤمنون }؛ أي ما آمنت قبل مشركي ~~مكة { من قرية } يعني أهلها، والمعنى: ما آمنت من قرية ~~مهلكة بالآيات المرسلة، فكيف يؤمن هؤلاء؟ والمعنى: أن ~~مجيء الآيات لو كان سببا للإيمان من غير إرادة الله لكان ~~سببا لإيمان أولئك، فلما بطل ذلك بطل هذا. ### || [21.7] # قوله تعالى: { ومآ أرسلنا قبلك إلا رجالا ~~نوحي إليهم }؛ يعني ما أرسلنا قبلك من الرسل إلا ~~رجالا مثلك، وهذا جواب لقولهم # هل هذآ إلا بشر مثلكم # [الأنبياء: 3]، فقال الله تعالى: لم أرسل قبل محمد إلا ~~رجالا من بني آدم لا الملائكة، { فاسئلوا أهل الذكر ~~إن كنتم لا تعلمون }؛ وأراد بأهل الذكر علماء أهل ~~الكتاب؛ لأن اليهود النصارى لا ينكرون أن الرسل كانوا بشرا، ~~وإن أنكروا نبوة محمد صلى الله عليه وسلم. وقيل: أراد ~~بالذكر القرآن، والمعنى: فاسألوا المؤمنين من أهل القرآن إن ~~كنتم يا أهل مكة لا تعلمون. قال علي (كرم الله وجهه): ~~لما نزلت هذه الآية قال: (نحن أهل الذكر). ### || [21.8] # قوله تعالى: { وما جعلناهم جسدا لا يأكلون ~~الطعام }؛ أي وما جعلنا الأنبياء ذوي أجساد لا يأكلون الطعام، ولا ~~يشربون الشراب، { وما كانوا خالدين }؛ لا يموتون، وذلك ~~أنهم قالوا: ما لهذا الرسول يأكل الطعام؟ فأعلموا ~~أن الرسل جميعا كانوا يأكلون الطعام، وأنهم يموتون كسائر ~~البشر، وإنما وحد الجسد؛ لأنه مصدر كالخلق. ### || [21.9] # قوله تعالى: { ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ~~ومن نشآء ms1344 وأهلكنا المسرفين }؛ أي ثم أنجزنا وعد ~~الأنبياء في إنجائنا إياهم، وإهلاك الكفار المكذبين بهم، وأراد ~~بالمسرفين الكفار، لأن المسرف في اللغة هو الذي يتجاوز حد ~~الحق بما تباعد عنه، فالكافر أحق بهذه الصفة. قوله تعالى: ~~{ فأنجيناهم } أي من العذاب { ومن نشآء } يعني الذين ~~صدقوهم. ### || [21.10] # قوله تعالى: { لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ~~ذكركم }؛ أي لقد أنزلنا إليكم كتابا يا معشر ~~قريش، كتابا فيه شرفكم وعزكم أن يمسكم به يعني القرآن، ~~والذكر هو الشرف، قوله تعالى: # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف: 44] أي شرف، يقال: فلان مذكور في العلا؛ إذا كان ~~رفيعا. وقال الحسن: (معنى قوله تعالى { ذكركم } أي ~~ما تحتاجون إليه من أمر دينكم)، { أفلا تعقلون ~~} ، ما فضلكم به على غيركم، أنزلتكم حرمي، وبعثت فيكم ~~نبيا. ### || [21.11] # قوله تعالى: { وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة ~~}؛ أي كم أهلكنا من أهل قرية كانوا مشركين، والقصم: الكسر ~~والدق، { وأنشأنا بعدها قوما آخرين }؛ أي ~~وأحدثنا من بعد إهلاكهم قوما آخرين، فسكنوا ديارهم. ### || [21.12] # قوله تعالى: { فلمآ أحسوا بأسنآ إذا هم ~~منها يركضون }؛ أي فلما أحس أهل القرية الكافرة عذابنا ~~إذا هم منها يهربون سراعا هرب المنهزم من عدوه. ومعنى ~~قوله { أحسوا } أي رأوا، وقيل: معناه: لما ذاقوا. ~~والإحساس: هو الإدراك بحاسة من الحواس الخمس. ### || [21.13-14] # قوله تعالى: { لا تركضوا وارجعوا إلى مآ ~~أترفتم فيه ومساكنكم }؛ أي قيل لهم: لا تركضوا ~~وارجعوا إلى ما نعمتم فيه وإلى منازلكم، تقول الملائكة ذلك ~~استهزاء بهم وتقريعا على ما فرط منهم بحيث يسمعون النداء. # قوله تعالى: { لعلكم تسألون }؛ يقال لهم ذلك على ~~طريق الهزؤ بهم وهو توبيخ في الحقيقة، والمعنى: لكي تسألوا شيئا ~~من دنياكم فأنتم أهل بر ونعمة، ف { قالوا } عند ذلك: { ~~يويلنآ إنا كنا ظالمين }؛ لأنفسنا حيث كذبنا الرسل، ~~اعترفوا بالذنب حين رأوا العذاب، فقالوا هذا على سبيل الندم، ولم ~~ينفعهم حينئذ الندم. والويل: الوقوع في الهلكة. ### || [21.15] # قوله تعالى: { فما زالت تلك دعواهم حتى ~~جعلناهم حصيدا خامدين }؛ أي فما زالت تلك الكلمة وهو ~~قولهم: { يويلنآ ms1345 إنا كنا ظالمين } لم يزالوا ~~يرددنها إلى أن ماتوا وخمدوا فصاروا كالزرع الحصيد، ~~والحصيد: هو الزرع المحصود، والمخمود: وهو المهمود ~~كخمود النار إذا أطفيت. # قيل: نزلت هذه الآية في أهل خضور وهي قرية من اليمن كان ~~أهلها من العرب، بعث الله إليهم نبيا يدعوهم إلى الله فكذبوه ~~وقتلوه، فسلط الله بختنصر حتى قتلهم وسباهم ونكل ~~بهم، فلما أثخن فيهم القتل ندموا وهربوا وانهزموا، فقالت لهم ~~الملائكة على طريق الاستهزاء: لا تركضوا وارجعوا إلى مساكنكم ~~وأموالكم، فاتبعهم بختنصر وأخذتهم السيوف، ونادى ~~مناد من السماء: يا ثارات الأنبياء، فلما رأوا ذلك أقروا ~~بالذنوب حيث لم ينفعهم، فقالوا: يا ويلنا إنا كنا ~~ظالمين، فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم ~~حصيدا بالسيوف، كما يحصد الزرع، خامدين أي ميتين. ### || [21.16] # قوله تعالى: { وما خلقنا السمآء والأرض وما ~~بينهما لعبين }؛ أي ما خلقناهما عبثا ولا باطلا بل ~~خلقناهما لأمر؛ أي لأجازي أوليائي، وأعذب أعدائي. وقيل: ~~معناه: خلقناهما دلالة على قدرتنا ووحدانيتنا؛ ليعتبروا بخلقهما ~~ويتفكروا فيهما، فيعلمون أن العبادة لا تكون إلا لخالقهما. ### || [21.17] # قوله تعالى: { لو أردنآ أن نتخذ لهوا ~~لاتخذناه من لدنآ }؛ قال قتادة: (اللهو بلغة ~~اليمن المرأة)، وقال ابن عباس: (يريد النساء)، ~~وقيل: جاء طاووس وعطاء ومجاهد إلى الحسن فسألوه عن هذه الآية، ~~فقال: (اللهو المرأة). وفي رواية الكلبي: (اللهو ~~الولد). وقيل: معناه: لو أردنا أن نتخذ شريكا أو ولدا ~~أو امرأة لم يكن لنتخذها مما نسبتمونا إليه من الذي لا يسمع ولا ~~يعقل ولا من هذه النساء والولدان، بل كما نتخذه من جنس أشرف من ~~هذا الجنس كما قال تعالى في آية أخرى # لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما ~~يخلق ما يشآء # [الزمر: 4]. وقيل: معناه: لو أردنا أن نتخذ ولدا نلهو به ~~لاتخذناه عندنا لا عندكم؛ لأن ولد الرجل وزوجته يكونان عنده ~~وبحضرته. # نزلت هذه الآية في الذين قالوا اتخذ الله ولدا، ولو كان ذلك ~~جائزا في صفة الله تعالى لم يتخذ بحيث لم يظهر لكم، ويستره حتى ~~لا تطلعوا عليه، ms1346 تعالى الله عما يقول الظالمون علوا ~~كبيرا. قوله تعالى: { إن كنا فاعلين }؛ أي كنا ~~ممن يفعل ذلك، ولسنا ممن يفعله، وقيل: (إن) هنا بمعنى (ما) ~~أي ما كنا فاعلين. ### || [21.18-19] # قوله تعالى: { بل نقذف بالحق على الباطل ~~فيدمغه }؛ أراد بالحق القرآن، وبالباطل الكفر، وقيل: ~~معناه: دع ذاك الذي قالوا فإنه كذب وباطل، بل نقذف بالحق ~~على الباطل من كذبهم، { فيدمغه } أي فيهلكه ويذهبه، ~~{ فإذا هو زاهق }؛ أي زائل ذاهب، والمعنى: إنا نبطل ~~كذبهم مما تبين من الحق حتى يضمحل ويذهب، ثم أوعدهم على ~~قولهم فقال: { ولكم الويل مما تصفون }؛ أي لكم العذاب ~~مما تصفون الله تعالى به من الصاحبة والولد. # ثم بين أن جميع الخلق عبيده، فقال: { وله من في ~~السموت والأرض }؛ عبيدا وملكا، { ومن عنده }؛ يعني ~~الملائكة، { لا يستكبرون عن عبادته }؛ قال الزجاج: ~~(إن الذين ذكرتموهم بأنهم أولاد الله هم ~~عباده ولا يأنفون عن عبادته، ولا يتعظمون ~~عنها)، { ولا يستحسرون }؛ أي ينقطعون عن العبادة من ~~الإعياء والتعب، من قولهم: بعير حسير اذا أعيا وقام. ### || [21.20] # قوله تعالى: { يسبحون اليل والنهار }؛ أي يصلون ~~لله تعالى الليل والنهار، { لا يفترون }؛ أي لا يضعفون عن ~~عبادته ولا يملون، وقيل: معناه: ينزهون الله، وإنما ~~يقولون سبحان الله لا يملون. قال الزجاج: (مجرى ~~التسبيح منهم كمجرى النفس منا، كما لا ~~يشغلنا عن النفس شيء فكذلك تسبيحهم دائم). ### || [21.21] # قوله تعالى: { أم اتخذوا آلهة من الأرض هم ~~ينشرون }؛ استفهام بمعنى الإنكار؛ أي أعبد أهل مكة أصناما ~~يحيون الموتى؟! وفيه تقريع لهم بأنهم كاذبون أنها آلهة، لأن ~~الإله يحيي الموتى، وهي لا تحيي، فكيف يستحق العبادة؟ قيل: ~~معنى الآية: لم تتخذون آلهة من الأرض، وأصنامهم كانت من ~~الأرض؛ من أي شيء كانت، من خشب أو حجارة أو فضة أو ذهب، هم ~~ينشرون، أيحيون الموتى. ### || [21.22-23] # قوله تعالى: { لو كان فيهمآ آلهة إلا الله ~~لفسدتا }؛ لخربتا وهلك من فيهما، وعين صفة الآلهة؛ أي ~~لو كان فيهما آلهة غير الله؛ أي لو كان في السماء والأرض آلهة ~~غير ms1347 الله لما قامت السماوات والأرض؛ لأنه لو أراد أحدهما ~~اتخاذ جسم في مكان، وأراد آخر اتخاذ جسم آخر في ذلك المكان لم ~~يخل: إما أن يوجد مرادهما أو لا يوجد مرادهما، أو يوجد مراد ~~أحدهما دون الآخر. # فالأول باطل؛ لأن في وجود جسمين في مكان واحد. والثاني باطل؛ ~~لأن في ذلك كونهما عاجزين، والعاجز لا يستحق الألوهية، وإن ~~وجد مراد أحدهما دون الآخر، فالذي لا يوجد مراده يكون عاجزا ~~لا يصلح أن يكون إلها. # والمعنى: لو كان فيهما آلهة غير الله كما يزعم المشركون، هذا ~~قول جميع النحويين؛ قالوا: (إلا) ليس ها هنا باستثناء، ولكنه مع ~~ما بعده صفة للآلهة في معنى (غير). قال الزجاج: (فلذلك ~~ارتفع ما بعدها على لفظ الذي قبلها، قال الشاعر: # وكل أخ مفارقه أخوه # لعمرو أبيك إلا الفرقدان # قوله تعالى: { فسبحان الله رب العرش عما ~~يصفون }؛ أي تنزيها عما يقولون عليه من الولد والشريك، { ~~لا يسأل عما يفعل }؛ أي لا يسأل عن أفعاله وقضائه في ~~خلقه من إعزاز وإذلال، وهداية وإضلال، وإسعاد وإشقاء؛ لأنه الرب ~~مالك الخلق. قوله تعالى: { وهم يسألون }؛ أي يقال لهم ~~يوم القيامة لم فعلتم كذا؟ لأنهم عبيد يجب عليهم امتثال أمر ~~مولاهم، والله سبحانه وتعالى ليس فوقه أحد يقول له ~~لشيء فعله لم فعلته. ### || [21.24] # قوله تعالى: { أم اتخذوا من دونه آلهة }؛ هذا ~~إنكار عليهم وتوبيخ، { قل هاتوا برهانكم }؛ أي حجتكم ~~بأن رسولا من رسل الله أنبأ أمته بأن لهم إلها غير ~~الله. # قوله تعالى: { هذا ذكر من معي وذكر من قبلي }؛ ~~معناه: هذا القرآن فيه ذكر من معي لما يلزمهم من الحلال ~~والحرام والخطأ والصواب. وقيل: خبر من معي على ديني بما لهم ~~من الثواب والعقاب، وذكر من قبلي من الأمم من نجا منهم ~~بالإيمان، وأهلك بالشرك. وقيل: معناه: هذا القرآن ~~الذي هو ذكر من معي، والتوراة والإنجيل هما ذكر من قبلي، هل في ~~جميع ذلك غير توحيد الله تعالى؟ # والمعنى: هذا القرآن وهذه الكتب التي أنزلت من قبلي، فانظروا ms1348 ~~هل في واحد منهم أن الله أمر باتخاذ آلهة سواه؟ قوله تعالى: { ~~بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون }؛ عن ~~النظر في دلائل الله مقصرين على جهلهم وتقليدهم. ### || [21.25] # قوله تعالى: { ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ~~إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا ~~فاعبدون }؛ أي ما أرسلنا من قبلك يا محمد من رسول إلا ~~يوحى إليه أن يقول لقومه أنه لا إله إلا هو فاعبدوه ~~أي وحدوه. ### || [21.26] # قوله تعالى: { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا ~~سبحانه }؛ أراد به قولهم إن المسيح ابن الله، والملائكة بنات ~~الله. قوله تعالى: { بل عباد مكرمون }؛ معناه: بل هم ~~عبيد أكرمهم الله بالطاعة واصطفاهم. ### || [21.27-28] # قوله تعالى: { لا يسبقونه بالقول }؛ لا يخرجون ~~بقولهم عن حد ما أمرهم، { وهم بأمره يعملون }؛ ~~قوله: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم }؛ أي ~~يعلم ما قدموا وما أخروا من أعمالهم، ويقال: { ما بين ~~أيديهم } من الدنيا { وما خلفهم } من الآخرة، ويقال: ~~يعلم ما عملوا وما هم عاملون. # قوله تعالى: { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى }؛ أي ~~لا يشفعون إلا لمن رضي الله عنه وارتضى عمله، قال ابن عباس: ~~(لمن قال لا إله إلا الله)، قوله تعالى: { وهم ~~من خشيته مشفقون }؛ أي وهم من خشيتهم منه، فأضاف ~~المصدر إلى المفعول. قوله تعالى: { مشفقون } أي ~~خائفون، لا يأمنون مكره، وفي هذا بيان أن من هذه صفته لا ~~يكون إلها مع الله ولا ولدا له. ### || [21.29] # قوله تعالى: { ومن يقل منهم إني إله من ~~دونه فذلك نجزيه جهنم }؛ أي من يقل من الملائكة ~~إني إله من دون الله فذلك يجزيه جهنم، قال المفسرون: يعني ~~إبليس لأنه أمر بطاعة نفسه، ودعا إلى نفسه. قوله تعالى: { ~~كذلك نجزي الظالمين }؛ أي كما جزيناه جهنم، نجزي ~~الظالمين المشركين. ### || [21.30] # قوله تعالى: { أولم ير الذين كفروا أن ~~السموت والأرض كانتا رتقا ففتقناهما }؛ قال ابن ~~عباس وعطاء والضحاك: (يعني كانتا شيئا واحدا ~~ملتزقتين، ففصل الله بينهما بالهواء)، قال كعب: ~~(خلق الله السماوات والأرض بعضها على بعض، ثم ~~خلق ريحا ms1349 وسطهما، ففتحمها بها). # وقال مجاهد: (كانت السماوات طبقة واحدة ففتقها، ~~فجعلها سبع سماوات، وكانت الأرضون مرتفعة ~~طبقة واحدة ففتقها الله تعالى، فجعلها سبع ~~أرضين)، وقال عكرمة: (كانت السماء رتقا لا تمطر، ~~والأرض رتقا لا تنبت، ففتق السماء بالمطر، ~~والأرض بالنبات). # وأصل الرتق السد، ومنه قيل للمرأة التي فرجها ملتحم: ~~رتقاء. وأصل الفتق الفتح، وذلك أن السماوات والأرض كانت ~~مستويتين لا فتق فيهما لخروج الزرع ونزول الغيث، ففتقت ~~السماء بالمطر، والأرض بالنبات. # قوله تعالى: { وجعلنا من المآء كل شيء حي }؛ ~~أي أحيينا بالمطر والنبات كل ما على الأرض من حيوان، يعني أنه سبب ~~كل شيء. وقال بعضهم: يعني أن كل شيء حي فهو مخلوق من الماء ~~لقوله تعالى # والله خلق كل دآبة من مآء # [النور: 45]. # قال أبو العالية: (يعني النطفة)، فعلى هذا لا يتعلق هذا بما ~~قبله، وهو احتجاج على المشركين بقدرة الله تعالى، { أفلا ~~يؤمنون }؛ أي أفلا يصدقون بالإله الذي فعل ذلك؛ ليعلموا أنه ~~الإله دون غيره. وإنما قال (رتقا) ولم يقل رتقين؛ لأن ~~الرتق مصدر. المعنى: كانتا ذوي رتق فجعلناهما ذواتي فتق. ### || [21.31] # قوله تعالى: { وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد ~~بهم }؛ أي جعلنا فيها جبالا أوتادا فهي راسية كي لا تميد بهم ~~الأرض، والميد: الاضطراب بالذهاب في الجهات، قال ابن عباس: ~~(إن الأرض بسطت على وجه الماء، فكانت تميد ~~بأهلها كما تميد السفينة، فأرساها الله ~~بالجبال الثقال). # قوله تعالى: { وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم ~~يهتدون }؛ أي جعلنا في الأرض طرقا واسعة ليهتدوا إلى مواطنهم، ~~والفج: الطريق الواسع بين الجبلين. قوله تعالى: { سبلا } ~~تفسير الفجاج. ### || [21.32] # قوله تعالى: { وجعلنا السمآء سقفا محفوظا }؛ أي ~~محفوظا من السقوط، وقيل: محفوظا من الشياطين بالنجوم، ~~قال الله تعالى: # وحفظناها من كل شيطان رجيم # [الحجر: 17]. قوله تعالى: { وهم عن آياتها معرضون ~~}؛ يعني المشركين يعرضون عن آياتها، يعني شمسها وقمرها ونجومها، ~~لا يتفكرون فيها فيعلمون أن خالقها لا شريك له. ### || [21.33] # قوله تعالى: { وهو الذي خلق الليل والنهار }؛ ~~أي خلقهما بعد رفع السماء عن وجه ms1350 الأرض وسخر { والشمس ~~والقمر كل في فلك }؛ من الشمس والقمر في مواضعها التي ~~ركبت فيها، { يسبحون }؛ أي يجرون بسرعة كالسابح في ~~الماء، وقد قال في مواضع آخر # والسابحات سبحا # [النازعات: 3] يعني النجوم، قال الضحاك: (الفلك هو ~~المجرى الذي يجري فيه الشمس والقمر)، ويقال: هو ~~موج كغرف يجريان فيه. قال القتيبي: (الفلك القطب الذي ~~تدور به النجوم، وهو كوكب خفي بقرب ~~الفرقدين، وبنات نعش عليه تدور السماء). وقال ~~الحسن: (هو الطاحونة كهيأة فلكة المغزل)، فالفلك ~~في كلام العرب: هو كل شيء دائر، وجمعه أفلاك. ### || [21.34-35] # قوله تعالى: { وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد ~~}؛ روي أن هذا نزل جوابا لقول الكفار: ننتظر بمحمد ريب ~~المنون فنستريح منه، والمعنى: وما جعلنا لبشر من قبلك ~~البقاء الدائم؛ يعني أن سبيله سبيل من مضى من بني آدم في الموت، { ~~أفإن مت فهم الخالدون }؛ يعني مشركي مكة لما قالوا: ~~نتربص بمحمد ريب المنون، { كل نفس ذآئقة الموت } ، ~~فقيل لهم: إن مات فأنتم أيضا تموتون؛ لأن كل نفس ذائقة الموت. # قالت عائشة: استأذن أبو بكر رضي الله عنه على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وقد مات وأسجي عليه الثوب، ~~فكشف عن وجهه ووضع فمه بين عينيه ووضع ~~يديه على صدغيه وقال: وا نبياه؛ وا خليلاه؛ وا ~~صفياه، صدق الله ورسوله { وما جعلنا لبشر من ~~قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون * كل نفس ~~ذآئقة الموت }. # قوله تعالى: { ونبلوكم بالشر والخير فتنة }؛ ~~أي نبلوكم بالشدة والرخاء؛ والمرض والعافية؛ والفقر والغنى، ~~كلاهما ابتلاء من الله، وتشديد في التعبد؛ ليظهر شكرهم فيما ~~يحبون، وصبرهم فيما يكرهون { وإلينا ترجعون }؛ للجزاء. ### || [21.36] # قوله تعالى: { وإذا رآك الذين كفروا إن ~~يتخذونك إلا هزوا }؛ روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~مر بأبي سفيان وأبي جهل، فقال أبو جهل لأبي ~~سفيان: هذا نبي بني عبد مناف، كالمستهزئ، فنزلت ~~هذه الآية، ومعناها: وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك ~~إلا هزوا، يستهزؤن بك. # وقوله تعالى: { أهذا الذي يذكر آلهتكم }؛ أي ~~يقول بعضهم لبعض: أهذا الذي يعيب ms1351 آلهتكم ويلومكم على عبادتها، ~~تقول العرب: فلان يذكر الناس؛ أي يغتابهم ويعيبهم، وفلان يذكر ~~الله؛ أي يصفه بالعظمة ويثني عليه، فيحذفون من الذكر ما ~~يعقل معناه، فيكون معنى قوله: { يذكر آلهتكم } أي يذكر ~~آلهتكم بسوء. قوله تعالى: { وهم بذكر الرحمن ~~هم كافرون }؛ أي يجحدون الألوهية ممن هو منعم عليهم، المحيي ~~المميت، وهذا في نهاية جهلهم. ### || [21.37] # قوله تعالى: { خلق الإنسان من عجل }؛ أي خلق الله ~~الإنسان من عجل مشتهيا للعجلة فيها هواه، ولذلك تستعجل أهل مكة ~~الوعد والوعيد، يقال: فلان خلق من كذا؛ أي أكثر ذلك الشيء كما ~~يقال: خلق فلان من اللعب واللهو، والإنسان اسم جنس. # وقال عكرمة: (لما خلق الله آدم ونفخ فيه الروح ~~وصار في رأسه، أراد أن ينهض قبل أن تبلغ رجليه ~~فسقط، فقيل: خلق الإنسان من عجل). وقال السدي: ~~(لما دخل الروح عيني آدم نظر إلى ثمار الجنة، ~~فلما دخل الروح في جوفه اشتهى الطعام، فوثب ~~قبل أن يبلغ الروح رجليه عجلا إلى ثمار الجنة ~~فلم يقدر، فذلك قوله تعالى: { خلق الإنسان من ~~عجل } ). وإذا كان خلق آدم من عجل وجد ذلك في أولاده، وأورث ~~أولاده العجلة حتى استعجلوا في كل شيء. قوله تعالى: { ~~سأوريكم آياتي }؛ يعني القتل ببدر، { فلا تستعجلون }؛ ~~إنه نازل بكم. ### || [21.38-39] # قوله تعالى: { ويقولون متى هذا الوعد إن ~~كنتم صادقين }؛ أي يقول المشركون متى هذا الوعد الذي ~~تعدنا، يريدون وعدهم يوم القيامة إن كنت من الصادقين في هذا ~~الوعد، قال الله تعالى: { لو يعلم الذين كفروا ~~حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ~~ولا هم ينصرون }؛ أي لو يعلمون ذلك ما استعجلوه ولا قالوا متى ~~هذا الوعد. وقيل: معناه: لو علموا ذلك لعلموا صدق محمد ~~صلى الله عليه وسلم فيما توعدهم به. ### || [21.40] # قوله تعالى: { بل تأتيهم بغتة }؛ معناه: بل تأتيهم ~~الساعة فجأة وهم غافلون، { فتبهتهم }؛ أي تحيرهم، ~~يقال: بهته؛ إذا واجهه بشيء فحيره، { فلا يستطيعون ~~ردها ولا هم ينظرون }؛ يمهلون التوبة، أو عذرا، أو صلاح ~~عمل. ### || [21.41] # قوله ms1352 تعالى: { ولقد استهزىء برسل من قبلك }؛ ~~أي ولقد استهزأت الأمم من قبلك برسلهم، كما استهزأ بك قومك، { ~~فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به ~~يستهزئون }؛ بهم؛ أي فحل بهم وبال استهزائهم، وكان ما ~~أرادوه بالداعي عائدا عليهم، كما قال تعالى: # ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله # [فاطر: 43]، وقيل في الفرق بين الهزؤ وبين السخرية: أن في ~~السخرية طلب الذلة؛ لأن التسخير هو التذليل، وأما الهزؤ ~~فهو استصغار القدر بضرب من القول. ### || [21.42] # قوله تعالى: { قل من يكلؤكم بالليل والنهار ~~من الرحمن }؛ أي قل من يحفظكم من بأس الرحمن، وعوارض ~~الآفات في الليل والنهار وعقوبات الدنيا والآخرة، { بل هم عن ~~ذكر ربهم معرضون }؛ لا يلتفتون إلى شيء من الحجج ~~والمواعظ. ### || [21.43] # قوله تعالى: { أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا ~~}؛ من عذابنا، { لا يستطيعون نصر أنفسهم }؛ معناه: أن ~~آلهتهم لا يقدرون على الدفع عن أنفسهم في درء ما ينزل بهم من ~~كسر أو فساد، فكان ينصرهم ويمنع عنهم ما ينزل بهم، وقوله ~~تعالى: { ولا هم منا يصحبون }؛ يعني الكفار. قال ~~الكلبي: (معناه: ولا هم مجارون من عذابنا) أي لا ~~يجيرهم منا أحد، لأن المجير صاحب الجار، يقال: صحبك ~~الله؛ أي حفظك الله وأجارك. وقال قتادة: (معناه: ولا هم ~~يصحبون من الله بخير) يقال أصحبت الرجل إذا أعطيته ~~أمانا يأمن به. ### || [21.44] # وقوله: { بل متعنا هؤلاء وآبآءهم }؛ يعني أهل مكة ~~متعهم الله بما أنعم عليهم، { حتى طال عليهم العمر ~~}؛ فاغتروا بذلك، والمعنى ما حملهم على الإعراض إلا الاغترار ~~بطول الإمهال. # وقوله تعالى: { أفلا يرون أنا نأتي الأرض ~~ننقصها من أطرافهآ }؛ معناه: أفلا يشاهدون أنا نفتح ~~الأرض من جوانبها، وننقص من الشرك بإهلاك أهلها، فيزداد هو كل ~~يوم تمكنا، وتزدادون ضعفا ونقصا؟ والمعنى: ألم ير المشركون ~~الذين يحاربون النبي صلى الله عليه وسلم ويقاتلونه أنا ننقصهم، ~~ونأخذ ما حولهم من قراهم وأرضهم؟ أفلا يرون أنهم هم المنقوصون ~~والمغلوبون؟ # ومعنى قوله تعالى: { أفهم الغالبون } أي هم الغالبون للنبي ~~صلى الله عليه وسلم، بل هو الغالب ms1353 لهم. وعن ابن عباس في معنى نقصها ~~من أطرافها: (أي بذهاب فقهائها وخيار أهلها، فكيف ~~يأمن الرذال؟). ### || [21.45] # قوله تعالى: { قل إنمآ أنذركم بالوحي }؛ أي قل ~~لهم يا محمد: إنما أخوفكم من عذاب الله بالقرآن الذي ~~يوحى إلي لا من قبل نفسي، وذلك أن الله أمره بإنذارهم، ~~كقوله # وأنذر به الذين يخافون # [الأنعام: 51]. # قوله تعالى: { ولا يسمع الصم الدعآء إذا ما ~~ينذرون }؛ هذا تمثيل للكفار بالصم الذين لا يسمعون ~~النداء، والمعنى أنهم معاندون، فإذا أسمعتهم لم يعملوا ~~بما سمعوه. قوله تعالى: { إذا ما ينذرون } أي اذا ما ~~يخافون. ### || [21.46] # قوله تعالى: { ولئن مستهم نفحة من عذاب ~~ربك ليقولن يويلنآ إنا كنا ظالمين }؛ أي لو ~~أصابهم أدنى عذاب لأيقنوا بالهلاك، وقال ابن كيسان: (معناه: ~~ولئن مسهم قليل من عذاب الله)، وقال ابن جريج: ~~(نصيب من عذاب الله)، والمعنى: ولئن مسهم طرف من العذاب ~~لأيقنوا بالهلاك، ودعوا على أنفسهم بالويل مع الإقرار أنهم ~~ظلموا أنفسهم بالشرك، وتكذيب النبي صلى الله عليه وسلم. ~~والنفحة: هي الدفعة اليسيرة الواقعة من الشيء دون معظمه، ~~يقال: نفحه نفحة بالسيف؛ أي ضربه ضربة خفيفة. ### || [21.47] # قوله تعالى: { ونضع الموازين القسط ليوم ~~القيامة فلا تظلم نفس شيئا }؛ أي نضع الموازين ذوات ~~القسط لأهل يوم القيامة. قال الحسن: (هي ميزان له كفتان ~~ولسان، لا يوزن فيها غير الحسنات والسيئات، ~~يجاء بالحسنات في أحسن صورة، وبالسيئات في ~~أقبح صورة، فلا ينقص من حسنات أحد، ولا يزاد ~~في سيئات أحد). وقال مجاهد: (هذا مثل، وإنما أراد ~~بالميزان العدل). # ويروى: أن داود عليه السلام سأل ربه أن يريه الميزان، فلما ~~رآه غشي عليه ثم أفاق، فقال: إلهي من الذي يقدر أن يملأ ~~كفته حسنات؟ فقال: يا داود إني إذا رضيت عن عبدي ملأتهما ~~بتمرة. ويقال: إنما يوزن خاتمة العمل، فمن كان خاتمة عمله ~~خيرا، جوزي بخير، ومن كان شرا جوزي بشر. # قوله تعالى: { وإن كان مثقال حبة من خردل ~~أتينا بها }؛ وإن كان العمل الذي عمله وزن حبة من خردل ~~أتينا بها ms1354 للجزاء، وقيل: معناه: وإن كان الظلامة مثقال ~~حبة من خردل أحضرناها للمجازاة حتى لا يبقى لأحد عند أحد ظلامة. # قرأ أهل المدينة (مثقال) بالرفع على (إن كان) بمعنى وقع لا ~~خبر لها، وقرأ العامة بالنصب على معنى وإن كان ذلك الشيء، ومثله في ~~لقمان. قوله تعالى: { وكفى بنا حاسبين }؛ أي محفظين، ~~وقيل: حافظين؛ لأن من حسب شيئا علمه وحفظه. ### || [21.48] # قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى وهارون ~~الفرقان }؛ أي التوراة يفرق بها بين الحق والباطل؛ ~~والحلال والحرام، { وضيآء وذكرا للمتقين }؛ من صفة ~~التوراة مثل قوله تعالى: # هدى ونور # [المائدة: 44]، والمعنى: أنهم استضاؤا بها حتى اهتدوا في دينهم، ~~وقوله تعالى: { وذكرا للمتقين } أي موعظة للمتقين ~~الكبائر والفواحش. وعن ابن عباس: أنه كان يقرأ (ضياء) بحذف ~~الواو، وكان يقول: (آتينا موسى وهارون الفرقان ضياء). ### || [21.49] # قوله تعالى: { الذين يخشون ربهم بالغيب }؛ في ~~الدنيا غائبين عن الآخرة، { وهم من الساعة مشفقون }؛ ~~أي خائفون من أن تلحقهم الساعة، مما يجري فيها من المحاسبة ~~قبل إصلاح أعمالهم. ### || [21.50] # قوله تعالى: { وهذا ذكر مبارك أنزلناه }؛ أي ~~هذا القرآن الذي أنزلناه عليك يا محمد، ذكر يتبرك به ~~قارئه فيجزيه الأجر العظيم، { أفأنتم له منكرون }؛ يا أهل ~~مكة، وهذا توبيخ لهم. ### || [21.51-54] # قوله تعالى: { ولقد آتينآ إبراهيم رشده من ~~قبل }؛ أي من قبل بلوغه، وقيل: معناه: من قبل موسى ~~وهارون، والمعنى: آتيناه هداه وهو صغير حين كان في السرب حتى عرف ~~الحق من الباطل، { وكنا به عالمين }؛ أي آتيناه رشده، ~~{ إذ } ، حين، { قال لأبيه وقومه } ، في الوقت الذي خرج من ~~السرب فرآهم يعكفون على الأصنام: { ما هذه التماثيل التي ~~أنتم لها عاكفون } أي التصاوير التي لأجلها مقيمون عليها، { ~~قالوا وجدنآ آبآءنا لها عابدين }؛ بينوا بهذا الجواب ~~أنه لا حجة لهم في عبادة الأصنام إلا تقليدهم لآبائهم، فأجابهم ~~إبراهيم، { قال لقد كنتم أنتم وآبآؤكم }؛ في عبادة ~~الأصنام، { في ضلال مبين }؛ عن الحق ظاهر. ### || [21.55-56] # قوله تعالى: { قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من ~~اللاعبين }؛ قالوا له أجاد أنت فيما تقول؟ محق ms1355 أم لاعب ~~مازح؟ وذلك لأنهم كانوا يستبعدون إنكار عبادتها، { قال بل ~~ربكم رب السموت والأرض الذي فطرهن }؛ أي ~~بل إلهكم مالك السماوات والأرض الذي خلقهن { وأنا ~~على ذلكم }؛ ما قلت لكم؛ { من الشاهدين }. ### || [21.57-58] # قوله تعالى: { وتالله لأكيدن أصنامكم }؛ أي ~~لأبطلنها ولأكسرنها ولأمكرن بها وقت مغيبكم عنها، ~~وذلك لأنهم كانوا يعزمون على الذهاب إلى عيدهم، فقال لهم عند ذلك ~~هذا القول. والكيد في اللغة: هو الإضرار بالشيء، قال مجاهد ~~وقتادة: (إنما قال إبراهيم هذا القول في نفسه من ~~قومه سرا، ولم يسمع ذلك إلا رجل منهم، وهو ~~الذي أفشاه سره عليه، وهو الذي قال: سمعنا ~~فتى يذكرهم يقال له إبراهيم). # قال الشعبي: (كان لهم في كل سنة مجمع وعيد، وكانوا إذا ~~رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها، فلما كان ذلك العيد ~~قال أبو إبراهيم له: يا إبراهيم لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك ~~ديننا! فخرج إبراهيم معهم، فلما كان في بعض الطريق ألقى نفسه، ~~وقال: إني سقيم؛ أي اشتكي رجلي، فربطوا رجله وهو صريع، ~~فلما مضوا نادى في آخرهم: وتالله لأكيدن أصنامكم، { ~~بعد أن تولوا مدبرين }. # ثم رجع إبراهيم إلى بيت أصنامهم، فوجد معهم صنما كبيرا إلى ~~جنبه أصنام أصغر منه، وإذا هم قد جمعوا طعاما فوضعوه بين يدي ~~الأصنام وقالوا: إذا كان وقت رجوعنا رجعنا وقد باركت الآلهة لنا ~~في طعامنا فأكلنا، فلما نظر إبراهيم إليهم وإلى ما بين أيديهم من ~~الطعام، قال لهم على طريق الاستهزاء بهم: ألا تأكلون؟ فلما لم ~~يجيبوه، قال لهم: ما لكم لا تنطقون، فراغ عليهم ~~ضربا باليمين، وجعل يكسرهم بفأس في يده حتى لم يبق إلا ~~الصنم العظيم، فعلق الفأس في عنقه ثم خرج). فذلك قوله ~~تعالى: { فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم }؛ فإنه لم ~~يكسره. # قوله تعالى: { فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم } ~~فيه إضمار؛ أي لما ولوا مدبرين جعلهم جذاذا. قرأ الكسائي ~~بكسر الجيم أي كسرا وقطعا، جمع جذيذ وهو الهشيم مثل خفيف ~~وخفاف وكريم وكرام، وقرأ الباقون بضم الجيم؛ أي ms1356 جعلهم حطاما ~~ورفاتا. # قوله تعالى: { إلا كبيرا لهم } فإنه لم يكسره، { ~~لعلهم إليه يرجعون } فيحتج عليهم إبراهيم ويبرهن ~~لهم على أن أصنامهم لم لم تقدر على دفع الكسر عن أنفسها؟ ~~فلم يعبدوها؟ وكيف يكون إلها من لا يقدر على دفع ما نزل به؟. ~~وقيل: معناه: لعلهم يرجعون؛ أي إلى دين إبراهيم، وإلى ~~ما يدعوهم إليه بوجوب الحجة عليهم في عبادة ما لا يدفع الضر ~~عن نفسه، وينتهوا عن جهلهم وعظم خطاياهم. ### || [21.59-61] # قوله تعالى: { قالوا من فعل هذا بآلهتنآ }؛ ~~فلما رجعوا من عيدهم ورأوا أصنامهم مكسرة، قالوا: من فعل ~~هذا بآلهتنا؟ { إنه لمن الظالمين } أي فعل ما لم ~~يكن له أن يفعل، فقال الذي سمع إبراهيم؛ { قالوا سمعنا فتى ~~يذكرهم يقال له إبراهيم }؛ وذلك أن بعضهم كانوا قد ~~سمعوه يذكر أصنامهم بالعيب ويقول: إنها ليست بآلهة. # فقالوا: ينبغي أن يكون ذلك الفتى هو الذي كسرها، { قالوا ~~فأتوا به }؛ بذلك الفتى، { على أعين }؛ أي مرأى من، { ~~الناس }؛ لكي يشهد الذين عرفوه أنه يعيب الأصنام. وقيل: إنه ~~لما بلغ النمرود وأشراف قومه ما فعل بأصنامهم وما قالوه، في ~~إبراهيم أنه هو الذي فعل ذلك، قال النمرود ومن معه: فأتوا به ~~على أعين الناس، { لعلهم يشهدون }؛ أنه هو الذي فعل ~~ذلك بهم، وكرهوا أن يأخذوه بغير بينة. وقيل: معناه: ~~لعلهم يشهدون ما يصنع به من العقوبة؛ أي يحضرون. ### || [21.62-63] # قوله تعالى: { قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا ~~يإبراهيم }؛ أي فلما أتوا به قالوا: أنت فعلت هذا الكسر ~~بآلهتنا، { قال بل فعله كبيرهم هذا }؛ الذي الفأس في ~~عنقه، { فاسألوهم إن كانوا ينطقون } حتى يخبروكم، ~~وأراد بهذا تقريرهم بأنهم ظالمون في عبادتهم ما لا يدفع عن نفسه؛ ~~لأن جماعتهم كانوا يعلمون أن الصنم لا يعقل ولا ينطق، فأراد إبراهيم ~~بذلك تبكيت القوم وتوبيخهم على عبادة من لا يعقل ولا يفعل، ~~ولذلك قال: فاسألوهم إن كانوا يقدرون على النطق. ### || [21.64-67] # قوله تعالى: { فرجعوا إلى أنفسهم }؛ أي فرجعوا ~~إلى أنفسهم بالملامة، { فقالوا إنكم أنتم ~~الظالمون }؛ في سؤاله؛ لأنها ms1357 لو كانت آلهة لم يصل إلى ~~كسرها أحد؛ { ثم نكسوا على رءوسهم }؛ أي أدركتهم ~~حيرة فنكسوا لأجلها رؤوسهم، وأقروا بما هو حجة عليهم، ~~فقالوا: { لقد علمت }؛ يا إبراهيم، { ما هؤلاء ينطقون ~~}؛ فكسرتهم لذلك. # وقيل: معنى الآية: تذكروا بقلوبهم، ورجعوا إلى عقولهم، ~~فقالوا: ما نراه إلا كما قال إنكم أنتم الظالمون ~~بعبادتكم آلهة لا تنطق ولا تبطش، ثم أدركتهم الشقاوة، فعادوا ~~إلى قولهم الأول وضلالهم القديم، وهو قوله { ثم نكسوا على ~~رءوسهم } أي ردوا إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم ~~بالظلم، فقالوا لإبراهيم: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون ~~فلذلك كسرتهم. # فلما اتجهت الحجة عليهم بإقرارهم، وبخهم إبراهيم و { قال ~~أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا }؛ ولا ~~يرزقكم { ولا يضركم }؛ إذا لم تعبدوه، { أف لكم }؛ أي ~~تبا لكم، { ولما تعبدون من دون الله أفلا ~~تعقلون }؛ أن هذه الأصنام لا تستحق العبادة، إذ هي أحجار لا ~~حركة لها ولا بيان، أفليس لكم ذهن الإنسانية. ### || [21.68-69] # قوله تعالى: { قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم }؛ ~~أي لما ألزمتهم الحجة، وعجزوا عن الجواب غضبوا فقالوا: ~~حرقوه وانصروا آلهتكم بتحريقه؛ لأنه يعيبها ويطعن فيها، ~~فإذا حرقتموه كان ذلك نصرا منكم إياها. وقيل: معناه: وانتقموا ~~لآلهتكم وعظموها، { إن كنتم فاعلين }؛ في هذا شيئا. # فاشتغلوا بجمع الحطب حتى كان الشيخ الكبير يأتي بالحطب تقربا ~~إلى آلهتهم، وحتى أن المريض كان يوصي بكذا وكذا من ماله فيشتري به ~~حطبا فيلقى في النار، وحتى أن المرأة لتغزل فتشتري به حطبا، ~~وتلقيه في النار. قال ابن عمر: (إن الذي أشار عليهم ~~بتحريق إبراهيم رجل يسمى (هيزن) فخسف الله به ~~الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة). # فلما أجمع النمرود وقومه على إحراق إبراهيم حبسوه في بيت وبنوا ~~بيتا كالحظيرة، فلذلك قوله تعالى: # قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم # [الصافات: 97] ثم جمعوا له أصلاب الحطب من أنواع الخشب، حتى أن ~~المرأة كانت إذا مرت تقول: إذا عافاني الله لأجمعن حطبا ~~لإبراهيم، وكانت المرأة تنذر في بعض ما تطلب لئن أصابته لتحطبن ms1358 في ~~نار إبراهيم التي يحرق فيها احتسابا لدينها. # قال ابن اسحاق: (كانوا يجمعون الحطب شهرا، فلما أجمعوا الحطب ~~شعلوا في كل ناحية نارا، فاشتعلت النار واشتدت حتى أن الطائر ~~كان إذا مر بها احترق من شدة وهجها، ثم عمدوا إلى إبراهيم ~~وقيدوه، ثم اتخذوا منجنيقا ووضعوه فيه مقيدا مغلولا. # فصاحت السماوات والأرض والملائكة صيحة واحدة: يا ربنا إن إبراهيم ~~ليس في أرضك أحد يعبدك غيره، أيحرق؟! فأذن لنا في نصرته، ~~فقال الله: إن استعاذ بشيء منكم أو دعاه فلينصره، فقد أذنت له في ~~ذلك، وإن لم يدع أحدا غيري فأنا أعلم به، فأنا وليه، فخلوا ~~بيني وبينه. # فلما أرادوا إلقاءه في النار، أتاه خازن الماء فقال له: إن أذنت ~~أخمدت النار، فإن خزائن المياه والأمطار بيدي، وأتاه خازن الرياح ~~وقال: إن شئت طيرت النار في الهواء، فقال إبراهيم: لا حاجة لي ~~إليكم، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم أنت الواحد في ~~السماء، وأنا الواحد في الأرض، ليس في الأرض أحد يعبدك غيري، حسبي ~~الله ونعم الوكيل). # وروي: أن إبراهيم قال حين أوثقوه ليلقوه في النار: لا إله إلا ~~أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك ~~الملك، لا شريك لك. قال: ثم رموا به في المنجنيق، ~~فاستقبله جبريل عليه السلام وقال: يا إبراهيم ألك حاجة؟ قال: ~~أما إليك فلا. # قال جبريل: قال: حسبي من سؤالي علمه بحالي، فقال الله عز ~~وجل: { قلنا ينار كوني بردا وسلما على ~~إبراهيم }؛ قال ابن عباس: (لو لم يتبع بردها سلاما ~~لمات من بردها، فلم تبق يومئذ نار في الأرض ~~إلا طفئت وخمدت). # قال السدي: (وأخذت الملائكة بضبعي إبراهيم ~~فأقعدوه على الأرض، فإذا عين ماء عذب وورد ~~أحمر ونرجس). قال كعب: (ما أحرقت النار من ~~إبراهيم إلا وثاقه). # قالوا: وكان إبراهيم في ذلك الموضع سبعة أيام، قال إبراهيم: ما كنت ~~أياما قط أنعم مني من الأيام التي كنت فيها في النار، ثم يصف ~~الله ملك الظل في صورة إبراهيم فأقعده فيها إلى جنب إبراهيم وهو ms1359 ~~يؤنسه، وبعث الله بقميص من حرير الجنة، قال: فنظر النمرود من ~~طرح له فأشرف على إبراهيم، وما يشك في موته، فرأى إبراهيم في روضة ~~ورأى الملك قاعدا إلى جنبه والنار حواليه، فناداه النمرود: يا ~~إبراهيم كبيرا إلهك الذي بلغت قدرته إلى أن حال بينك وبين ناري ~~حتى لم تضرك. # قال قتادة والزهري: (ما انتفع أحد من أهل الأرض ~~يومئذ بنار ولا أحرقت شيئا إلا وثاق إبراهيم، ~~ولم تبق يومئذ دابة إلا أطفأت عن إبراهيم ~~النار إلا الوزع، فلذلك أمر صلى الله عليه وسلم ~~بقتله، وسماه فاسقا). قال شعيب الجبائي: (ألقي ~~إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة، وذبح ~~اسحاق وهو ابن سبع سنين، وولدته سارة وهي ~~بنت تسعين سنة، ولما علمت سارة بما أراد الله ~~باسحاق اضطربت يومين، وماتت اليوم الثالث). ### || [21.70] # قوله تعالى: { وأرادوا به كيدا }؛ أي وأرادوا الحيلة ~~في الإضرار، { فجعلناهم }؛ الكفار الذين أرادوا إحراقه، { ~~الأخسرين }؛ بأن لم يتم ما عزموا عليه، وتبين عجزهم عن ~~نصرهم لآلهتهم، فخسر سعيهم. وقال ابن عباس: (هو أن الله ~~سلط البعوض على النمرود وجنده حتى أخذت ~~لحومهم وشربت دماءهم، ووقفت واحدة في دماغه ~~حتى أهلكته). ### || [21.71] # قوله تعالى: { ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي ~~باركنا فيها للعالمين }؛ أي نجينا إبراهيم من كيد ~~النمرود، ونجينا لوطا معه؛ أي ورفعنا إبراهيم من الهلكة إلى ~~الأرض المباركة وهي أرض الشام. وسميت أرض الشام مباركة؛ لكثرة ~~الأنبياء الذين بعثهم الله فيها. وعن أبي العالية: (أنه ليس ماء عذب ~~إلا وهو يجري من الصخرة التي ببيت المقدس). ### || [21.72] # قوله تعالى: { ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة ~~}؛ أي ووهبنا لإبراهيم ولده اسحاق وولده يعقوب، سمي يعقوب ~~(نافلة) لأنه ولد ولده، والنافلة في اللغة: زيادة على ~~الأصل، ونوافل: الصلاة ما تطوع به المصلي. ويقال: إنهما ~~جميعا نافلة؛ لأنهما عطية زائدة على ما تقدم من النعم. قال ~~ابن عباس وقتادة: (سأل إبراهيم ربه ولدا واحدا، ~~فقال: رب هب لي من الصالحين، فأعطاه الله اسحاق ~~ولدا وزاده يعقوب)، قال ابن عباس: (نفله ms1360 يعقوب؛ ~~أي زاده إياه على ما سأل). قوله تعالى: { وكلا ~~جعلنا صالحين }؛ يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب، وجعلناهم أنبياء ~~عاملين بطاعتنا. ### || [21.73] # قوله تعالى: { وجعلناهم أئمة } أي قادة في ~~الخير، { يهدون بأمرنا }؛ أي يدعون الخلق إلى أمرنا ~~وديننا، { وأوحينآ إليهم فعل الخيرات }؛ أي شرائع ~~النبوة، وقيل: أمرناهم بفعل الخيرات، { وإقام الصلاة ~~وإيتآء الزكاة وكانوا لنا عابدين }؛ أي خاضعين ~~مطيعين. وإنما قال (وإقام الصلاة) بغير (هاء)؛ لأن الإضافة ~~صارت عوضا عن الهاء. ### || [21.74-75] # قوله تعالى: { ولوطا آتيناه حكما وعلما }؛ أي ~~وآتينا لوطا النبوة والعلم، { ونجيناه من القرية ~~التي كانت تعمل الخبائث }؛ يعني سدوم، كان أهلها ~~يأتون الذكران في أدبارهم، ويتضارطون في مجالسهم. قوله تعالى: ~~{ إنهم كانوا قوم سوء فاسقين }؛ قيل: إنهم كانوا ~~يعملون مع ذلك أشياء أخر من المنكرات. قوله تعالى: { ~~وأدخلناه في رحمتنآ }؛ بإنجائنا إياه من القوم السوء ~~وهلاكهم، { إنه من الصالحين }؛ أي من الأنبياء. ### || [21.76-77] # قوله تعالى: { ونوحا إذ نادى من قبل }؛ أي واذكر ~~نوحا إذ نادى ربه من قبل إبراهيم ولوط يعني دعا على قومه ~~بالهلاك، فقال: # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح: 26]، { فاستجبنا له فنجيناه وأهله من ~~الكرب العظيم }؛ ومن معه من غم الغرق وكربه، والكرب ~~أشد الغم. { ونصرناه من القوم الذين كذبوا ~~بآياتنا }؛ أي منعناهم من أن يصلوا اليه بسوء، { إنهم ~~كانوا قوم سوء }؛ أي كفارا، { فأغرقناهم أجمعين ~~}؛ بالطوفان. ### || [21.78] # قوله تعالى: { وداوود وسليمان إذ يحكمان في ~~الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم }؛ أي وأكرمنا داود ~~وسليمان بالنبوة والحكمة إذ يحكمان في الحرث، وقال قتادة: ~~(زرعا)، وقال ابن مسعود: (كان كرما قد نبت عنبا)، ~~قيده قوله تعالى: { إذ نفشت فيه غنم القوم } ~~أي وقعت فيه بالليل ورعته وأفسدته، والنفش في اللغة: ~~الرعي بالليل، يقال: نفشت السائمة بالليل، وهملت ~~بالنهار إذا رعت، والهمل الرعي بالنهار، وكلاهما الرعي بلا ~~راع. # قوله تعالى: { وكنا لحكمهم شاهدين }؛ أي لا يخفى ~~علينا منه شيء، ولا يغيب عن علمنا، وإنما قال (لحكمهم) بلفظ ~~الجمع لإضافة الحكم إلى من حكم وإلى ms1361 المحكوم لهم، وقد يذكر ~~لفظ الجمع في موضع التثنية # فإن كان له إخوة فلأمه السدس # [النساء: 11] أي أخوان. ### || [21.79-80] # قوله تعالى: { ففهمناها سليمان }؛ أي فهمنا ~~القصة سليمان دون داود، { وكلا }؛ منهما؛ { آتينا حكما ~~وعلما }؛ العلم والفصل بين الخصوم. # قال ابن مسعود وقتادة والزهري: (وذلك أن رجلين دخلا ~~على داود عليه السلام، أحدهما صاحب حرث، والآخر ~~صاحب غنم، فقال صاحب الزرع والكرم: إن هذا ~~نفشت غنمه ليلا فوقعت في حرثي، فلم تبق منه ~~شيئا. فقال: لك رقاب الغنم - وكانا في القيمة ~~سواء - فأعطاه الغنم بالحرث وخرجا. # فمرا على سليمان وهو يومئذ ابن أحد عشر ~~سنة، فقال: كيف قضى بينكما؟ فأخبراه، فقال ~~سليمان: نعم ما قضى، وغير هذا كان أرفق بالكل، ~~ولو وليت أمركما لقضيت بغير ما قضى. فأخبر ~~داود بذلك فدعا فقال: كيف تقضي بينهما؟ قال: ~~أدفع الغنم إلى صاحب الحرث فيكون له نسلهما ~~ورسلهما ومنافعها وسمنها وصوفها إلى الحول، ~~ويقوم أصحاب الغنم على الكرم حتى يعود ~~كهيأته يوم أفسد، ثم يدفع هؤلاء إلى هؤلاء ~~غنمهم، ويدفع هؤلاء إلى هؤلاء كرمهم. # فقال داود عليه السلام: نعم ما قضيت فيه، فالقضاء ~~قضاؤك. وحكم داود بينهم بذلك، فقوم بعد ذلك ~~الكرم وما أصابوه من الغنم فوجدوه مثل ثمر ~~الكرم)، وهكذا روي عن ابن عباس. # قال الحسن: (كان الحكم ما قضى به سليمان، ولم يعف ~~الله داود في حكمه) وهذا يدل على أن كل مجتهد يصيب، ~~وإلى هذا ذهب بعض الناس فقالوا: إذا نفشت الغنم ليلا في الزرع ~~فأفسدته، كان على صاحب الغنم ضمان ما أفسدته، وإن كان نهارا لم يضمن ~~شيئا، واستدلوا أيضا بما روي: # " أن ناقة كانت للبراء بن عازب دخلت حائط ~~رجل فأفسدته، فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ~~أهل الأموال حفظها بالنهار، وعلى أهل المواشي ~~حفظها بالليل ". # وأما أصحابنا فلا يرون في هذه المسألة ضمانا ليلا ولا ~~نهارا، إذا لم يكن صاحبه هو الذي أرسله فيه، ولا حجة لهم في ~~هذه الآية؛ لأنه لا خلاف أن من نفشت ms1362 إبله أو غنمه في حرث رجل ~~أنه لا يجب عليه أن يسلم الغنم، ولا يسلم أولادها وألبانها ~~وأصوافها إليه، فثبت أن الحكمين اللذين حكم بهما داود ~~وسليمان (عليهما السلام) منسوخان بشريعة محمد صلى ~~الله عليه وسلم. # وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " العجماء جبار " # وهذا خبر مستعمل متفق على استعماله في البهيمة المنفلتة ~~إذا أصابت إنسانا أو مالا أنه لا ضمان على صاحبها إذا لم يرسلها هو ~~عليه، وليس في قصة البراء بن عازب إيجاب الضمان، ولأن الأشياء ~~الموجبة للضمان لا تختلف بالليل والنهار. # قوله تعالى: { وسخرنا مع داوود الجبال ~~يسبحن والطير }؛ أي وسخرنا الجبال والطير يسبحن مع داود؛ ~~أي أن الجبال كانت تسير مع داود أين يذهب، ومما يؤيد هذا قوله ~~تعالى: # يجبال أوبي معه والطير # [سبأ: 10]، قوله تعالى: { وكنا فاعلين }؛ هذه الأشياء ~~دلالة على نبوته. قوله تعالى: { وعلمناه صنعة ~~لبوس لكم }؛ أي وعلمنا داود صنعة الدرع، وسمي الدرع ~~لبوسا؛ لأنها تلبس، كما يقال للبعير: ركوب؛ لأنه يركب، ~~والسلاح كله لبوس عند العرب درعا كان أم جوشنا أو سيفا أم ~~رمحا، والجوشن هو الدرع الصغيرة. قال قتادة: (أول من ~~صنع الدرع داود، وإنما كانت من صفائح، فهو ~~أول من سردها وحلفها). # قوله تعالى: { لتحصنكم من بأسكم }؛ أي ليحرزكم ~~من شدة القتال. قرأ شيبة وأبو بكر ويعقوب (لنحصنكم) بالنون، ~~لقوله (وعلمناه). وقرأ ابن عامر وحفص بالتاء، يعني الصنعة. ~~وقرأ الباقون بالياء على معنى ليحصنكم اللبوس. وقيل: على ~~معنى ليحصنكم الله عز وجل (من بأسكم) أي من حربكم، ~~وقيل: من وقع السلاح فيكم. قوله تعالى: { فهل أنتم ~~شاكرون }؛ يا أهل مكة. ### || [21.81] # قوله تعالى: { ولسليمان الريح عاصفة تجري ~~بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها }؛ أي وسخرنا ~~لسليمان الريح عاصفة؛ أي شديد الهبوب. قال ابن عباس: (إن أمر ~~الريح أن تعصف عصفت، وإذا أراد أن ترخى أرخت). ~~وذلك قوله تعالى: # رخآء حيث أصاب # [ص: 36]. # قوله تعالى: { تجري بأمره إلى الأرض } أي تجري ~~بأمر سليمان من اصطخر إلى ms1363 الأرض التي بارك الله فيها بالماء ~~والشجر وهي الأرض المقدسة. روي: أن الريح كانت تجري بسليمان ~~وأصحابه إلى حيث شاء سليمان، ثم يعود إلى منزله بالشام. ~~قوله تعالى: { وكنا بكل شيء عالمين }؛ بصحة ~~التدبير فيه، علمنا أن ما يعطى سليمان من تسخير الريح وغيره يدعوه ~~إلى الخضوع لربه. ### || [21.82] # قوله تعالى: { ومن الشياطين من يغوصون له }؛ أي ~~وسخرنا له من الشياطين في البحر لاستخراج ما شاء من لؤلؤ ~~ومرجان وغير ذلك من الجواهر. قوله تعالى: { ويعملون ~~عملا دون ذلك }؛ أي ويعملون دون الغواصة من أعمال البناء، ~~قوله تعالى: { وكنا لهم حافظين }؛ أي من أن يفسدوا ~~ما عملوا، ومن أن يهيجوا على أحد في زمانه. ### || [21.83-86] # قوله تعالى: { وأيوب إذ نادى ربه أني مسني ~~الضر }؛ أي دخل الضر في جسدي، { وأنت أرحم ~~الراحمين }؛ بالعباد، فكان هذا تعريضا منه بالدعاء لله ~~لإزالة ما به من الضر، { فاستجبنا له } دعاءه، { ~~فكشفنا ما به من ضر }؛ وقوله تعالى: { وآتيناه ~~أهله ومثلهم معهم }؛ قال ابن مسعود وقتادة والحسن: ~~(أحيا الله له أولاده الذين هلكوا في الدنيا ~~بأعيانهم ورددنا له مثلهم). # ويقال: أبدله الله بكل شيء ذهب عنه ضعف، وعن ابن عباس ~~قال: # " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: { ~~ووهبنا له أهله ومثلهم معهم } فقال: " يا ابن ~~عباس، رد الله امرأته وزاد في شبابها حتى ولدت ~~له ستة وعشرين ذكرا " " # قوله تعالى: { رحمة من عندنا }؛ أي فعلنا ذلك به ~~رحمة من عندنا، { وذكرى للعابدين }؛ أي وموعظة للمطيعين. # قال وهب بن منبه: (كان أيوب عليه السلام رجلا من الروم من ذرية ~~اسحاق بن إبراهيم وكانت أمه من ولد لوط، وكان الله قد اصطفاه ~~وبناه وبسط عليه الدنيا، وآتاه من أصناف المال من البقر والإبل ~~والغنم والخيل والحمر ما لا يؤتيه أحدا، وكان قد أعطاه الله أهلا ~~وولدا من رجال ونساء، وكان له خمسمائة عبد، لكل عبد امرأة وولد ~~ومال. # وكان أيوب عليه السلام برا تقيا رحيما بالمساكين، يكرم ~~الأرامل والأيتام ويكفلهم، ويكرم الضيف، ms1364 وكان شاكرا ~~لأنعم الله، مؤديا لحق الله، قد امتنع من عدو الله إبليس أن ~~يصيب منه ما يصيب من أهل الغنى من الفتنة والغفلة والشهوة ~~والتشاغل عن أمر الله بما هو فيه من الدنيا، وكان كثير الذكر لله ~~تعالى مجتهدا في العبادة، وكان إبليس لا يحجب عن شيء من ~~السماوات. # ومن هنا وصل إلى آدم عليه السلام حين أخرجه من الجنة، فلم يزل على ~~ذلك يصعد في السماوات حتى رفع الله عيسى عليه السلام فحجب من ~~أربع، وكان يصعد في الثلاث، فلما بعث الله محمدا صلى الله ~~عليه وسلم حجب من الثلاث الباقيات، فهو وجنوده محجوبون من ~~جميع السماوات إلى يوم القيامة إلا من استرق فأتبعه شهاب ثاقب. # فلما كان إبليس في زمان أيوب يصعد إلى السماء، سمع تحاديث ~~الملائكة بصلاة أيوب، وذلك حين ذكره الله وأثنى عليه، فأدركه ~~الحسد بأيوب، فصعد سريعا حتى وقف من السماوات موقفا كان ~~يقفه، وقال: إلهي؛ عبدك أيوب قد أنعمت عليه فشكرك، وعافيته ~~فحمدك، ولم تجربه بشدة ولا بلاء، وأنا لك زعيم لئن ~~جربته بالبلاء ليكفرن بك. # فقال الله تعالى: انطلق؛ فقد سلطتك على ماله، فانقض ~~إبليس حتى وقع على الأرض وجمع عفاريت الجن وقال لهم: ماذا ~~عندكم من القوة؟ فإني قد سلطت على مال أيوب، وهي المصيبة ~~الكبرى والفتنة التي لا تصبر عليها الرجال، فقال عفريت من الجن: ~~أعطيت من القوة ما إذا شئت تحولت إعصارا من النار، وأحرقت ~~كل شيء أتى عليه، فقال له ابليس: إذهب إلى الإبل ورعاتها، فذهب ~~إلى الإبل فوجدها في المرعى، فلم يشعر الناس حتى ثار إعصار تنفخ ~~منه السموم، لا يدنو منه أحد إلا احترق، فلم يزل يحرقها ~~ورعاتها حتى أتى على آخرها. # فلما فرغ منها تمثل إبليس على قعود منها كراعيها، ~~وانطلق إلى أيوب فوجده قائما يصلي، فقال: يا أيوب؛ هل تدري ما ~~صنع ربك الذي اخترته وعبدته بإبلك ورعاتها؟ فقال أيوب: ~~إنها ماله أعارنيها وهو أولى به مني إذا شاء نزعه، وقد ~~وطئت نفسي ومالي ms1365 على أنهما للفناء. # فقال إبليس: إن ربك أرسل عليها نارا فاحترقت هي ورعاتها، فصارت ~~الناس مبهوتون يتعجبون منهم، ويقولون: لو كان إله أيوب يقدر على ~~أن يصنع شيئا لمنع عن إبل وليه، وقوم منهم يقولون: بل إله ~~أيوب هو الذي فعل ذلك، أشمت به عدوه وتجمع به صديقه. # فقال أيوب: الحمد لله على ما قضى الله وقدر، ولو علم الله ~~منك أيها العبد خيرا لتقبل روحك مع تلك الأرواح، ~~فيأجرني الله فيك وتموت شهيدا، ولكنه علم منك شرا ~~فأخرك وخلصك. # فرجع إبليس إلى أصحابه خاسئا ذليلا، فقال لهم: ماذا عندكم من ~~القوة؟ إني لم أخرج قلبه، فقال عفريت: عندي من القوة ما ~~إذا شئت ضجت صوتا ما سمعه ذو روح إلا خرجت روحه، فقال إبليس: إذهب ~~إلى الغنم ورعاتها، فانطلق إليهم، فلما توسط الغنم ~~والرعاة صاح صوتا فماتوا جميعا. # ثم خرج إبليس متمثلا براع من رعاتها إلى أيوب فأخبره بذلك، ~~فحمد الله وقال له مثل ما قال في المرة الأولى، فرجع إبليس إلى ~~أصحابه ذليلا خاسئا وأمرهم إلى أصحاب الحرث والزروع ~~فأهلكوهم. وكان أيوب عليه السلام كلما انتهى إليه هلاك مال من ~~ماله حمد الله وأثنى عليه ورضي بالقضاء، وألزم نفسه الصبر ~~على البلاء حتى لم يبق له مال. # فلما رأى إبليس أم ماله قد فني، وأنه لم يصب منه حاجته ~~صعد إلى السماء وقال: يا رب؛ إن أيوب يرى أنك ما أهلكت من ماله ~~أخلفته عليه، فهل أنت مسلطني على أولاده؟ فإنها الفتنة ~~المضلة والمصيبة التي لا يقوم لها قلوب الرجال، ولا يقوى ~~عليها صبرهم، فسلطه الله على ذلك. # فانقض إبليس حتى جاء إلى أولاد أيوب وهم في قصورهم، فلم يزل ~~يزلزله بهم حتى تداعى من قواعده، ثم جعل يرقبهم بالخشب ~~والحجارة حتى مثل بهم كل مثلة، ثم ذهب إبليس إلى أيوب ~~متمثلا بالمعلم الذي كان يعلمهم الحكمة وهو مجروح يسيل ~~دمه ودماغه، فأخبره بذلك، فقال له: يا أيوب؛ لو رأيت بنيك ~~كيف حالهم، منكسين على رؤوسهم يسيل دماغهم ms1366 من أنوفهم، ولو رأيت ~~كيف شققت بطونهم، وتناثرت أمعاؤهم لتقطع قلبك عليهم، ولم ~~يزل يردد هذا القول حتى رق قلبه وبكى، فقبض قبضة من التراب ~~ووضعه على رأسه، فاغتنم إبليس ذلك وصعد سريعا بالذي كان من ~~جزع أيوب، ثم لم يلبث أيوب أن ندم على ذلك واستغفر ربه، ~~فصعدت الملائكة بتوبته فسبقوا إبليس. # فوقف إبليس خازيا ذليلا، وقال: إلهي هل أنت مسلطني على ~~جسده فإني زعيم لك إن سلطتني عليه ليكفرن بك، فقال ~~الله تعالى: قد سلطتك على جسده، ولكن ليس لك سلطان على لسانه ~~ولا على قلبه، ولم يسلطه الله عليه إلا ليعظم له الثواب، ~~ويجعله عبرة للصابرين، وذكرى للعابدين؛ ليقتدوا به في الصبر. # فانقض إبليس سريعا فوجد أيوب ساجدا، فأتاه من قبل الأرض في ~~وجهه، فنفخ في منخريه نفخة اشتعل منها جسده، فذهل وخرج به ~~من قرنه إلى قدمه مثل ثآئيل ووقعت عليه حكة لا يملكها، ~~فحك بأظفار حتى سقطت كلها، ثم حكها بالفخار والحجارة، فلم ~~يزل يحكها حتى نزل لحمه وتقطع وتغير وانتن، ~~فأخرجه أهل القرية، وجعلوه على كناسة، واعتزله جميع الناس إلا ~~امرأته (رحمة بنت إفرائيم بن يوسف بن يعقوب) فإنها كانت ~~تتخلف إليه بما يصلحه ويلزمه. # فلما طال عليه البلاء، وتمادى عليه الضر، ورفضه جميع الناس حتى ~~أهل دينه تركوه ولم يتركوا دينه، فأقبل على الدعاء ~~متضرعا، وقال: إلهي؛ لأي شيء خلقتني؟ ليتك لم تخلقني، بل ~~ليتني كنت حيضة ألقتني أمي، فلو كنت أمتني كان أجمل بي، إلهي ~~أنا عبد ذليل، إن أحسنت إلي فالمن لك، وإن عاقبتني فبيدك ~~عقوبتي، جعلتني للبلاء غرضا وللفتنة نصبا، وقد وقع بي بلاء ~~لو سلطته على جبل أضعف عن حمله، فكيف يحمله ضعفي؟ # إلهي تقطعت أصابعي فإني لا أقدر أحمل اللقمة بيدي، إلهي تساقطت ~~لهواتي ولحم رأسي، وما يراد بي، وسال دماغي من فمي، وتساقط شعر ~~عيني، وكانما أحرق وجهي، فحدقتاي متدليتان على وجهي، وورم ~~لساني حتى ملأ فمي فما أدخل فيه طعامي إلا غصها، وورمت شفتاي ~~حتى غطت ms1367 العليا أنفي، وغطت السفلى ذقني، وتقطعت أمعائي في ~~بطني. إلهي ذهبت قوة رجلاي حتى لا أطيق حملها، وذهب المال حتى ~~صرت أسأل اللقمة من كنت أعوله فيمنها علي ويعيرني. # إلهي هلك أولادي ولم تبق منهم واحدا لإعانتي ونفعني، إلهي قد ~~ملني أهلي وعفني أرحامي وأنكرني معارفي، وأعرض عني صديقي وهجرني ~~أصحابي، وجحدت حقوقي ونسيت صنائعي. أصرخ فلا أحد يصرخني، وأعتذر ~~فلا أحد يعذرني، وأدعو فلا أحد يجيب. إن فضلك هو الذي أذلني ~~وأعماني، وسلطانك هو الذي أسقمني وأنحلني، فلو أن ربي فرغ ~~الهيبة التي في صدري وأطلق لساني حتى أتكلم بما ينبغي للعبد أن ~~يحاج عن نفسه لرجوت أن يصافيني، ولكنه ألقاني وتعالى عني، فهو ~~يراني ولا أراه، ويسمعني ولا أسمعه لا هو نظر إلي فرحمني ولا هو ~~أدناني منه فأتكلم بحاجتي، وأنطق ببراءتي وأخاصم عن نفسي. # فلما قال ذلك أيوب، نودي: يا أيوب؛ إني لم أزل منك قريبا، ~~فقم خاصم عن نفسك، وتكلم ببراءتك، وشد إزارك، وقم مقام ~~جبار لتخاصمني. يا أيوب؛ إنك أردت أن تخاصمني بعيبك، وتحاجني ~~بخطئك، أم أردت أن تكاثرني بضعفك، أين أنت مني يوم خلقت ~~السماوات والأرض؟ هل علمت بأي مقدار قدرتها، أم كنت معي يوم مددت ~~أطرافها، أم هل علمت ما في زواياها؟ # أين أنت مني يوم سخرت البحار وانبعثت الأنهار، أقدرتك ~~حبست البحار وأمواجها؟ أم قدرتك محت الأرحام حين بلغت ~~مدتها؟ أين أنت يوم نصبت شوامخ الجبال، ويوم صببت الماء على ~~التراب؟ أبحكمتك أحصيت القطر وقسمت الأرزاق؟ أم قدرتك تسير ~~السحاب؟ أم هل خزنت أرواح الأموات خزانة الثلج وجبال البرد؟ وهل تدري ~~أين خزانة الليل والنهار؟ وأين طريق النور، ومن جعل العقول في أجواف ~~الرجال؟ أين أنت يا أيوب يوم خلقت التنين رزقه في البحر ومسكنه في ~~السحاب، عيناه توقدان نارا ومنخراه يثوران دخانا، يثور منهما لهبا ~~كأنه إعصار، النار جوفه يحترق ونفسه تلتهب، كأن صريف أسنانه ~~أصوات الصواعق، وكأن وسط عينه لهيب البرق، لا يفزعه شيء، ويهلك ~~كل شيء يمر عليه، هل ms1368 أنت يا أيوب آخذه بأحبولتك، أو واضع ~~اللجام في شدقه؟ هل تحصي عمره أو تعرف أجله أو تعطيه رزقه؟. # فقال عند ذلك أيوب: قصرت عن هذا الأمر، ليت الأرض تنشق لي ~~فأذهب فيها، اجتمع علي البلاء الحي، قد جعلتني لك كالعدو، وقد ~~كنت تكرمني إلهي، هذه كلمة زلت على لساني فلن أعود بشيء تكرهه ~~مني، قد وضعت يدي على فمي، وعضضت على لساني، وألصقت خدي ~~بالتراب ودسيت فيه وجهي لذلي وسكت كما أسكتتني خطيئتي، ربي ~~اغفر لي ما قلت فلا أعود لمثله أبدا. # فقال الله عز وجل: يا أيوب؛ قد نفد فيك علمي، وسبقت ~~رحمتي غضبي، إن أخطأت فقد غفرت لك، ورددت عليك مالك وأهلك مثلهم ~~معهم؛ لتكون لمن خلفك آية، وتكون عبرة لأهل البلاء وعبرة ~~للصابرين، اركض برجلك، هذا مغتسل بارد وشراب فيه ~~شفاؤك فاركض برجلك، فانفجرت له عين فدخل فيها فاغتسل منها، ~~فأذهب الله عنه كل ما كان به من البلاء. # فأقبلت امرأته تلتمسه في مضجعه فلم تجده، فقامت ~~كالوالهة فوجدته جالسا عند العين فلم تعرفه، فقالت له: يا ~~عبد الله؛ هل لك علم بالرجل المبتلى الذي كان ها هنا؟ فقال: ~~وهل تعرفينه؟ قالت: نعم؛ وما لي لا أعرفه؟ فتبسم فقال أنه ~~هو، فعرفته بمضحكه، فاعتنقته). # قال ابن عباس: (فوا الذي نفسي بيده؛ ما فارقته من ~~عناقه حتى مر بهما كل مال لهما وولد). # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أقام أيوب في بلائه ثمان عشرة سنة، فرفضه ~~القريب والبعيد " # وقال الحسن: (مكث أيوب مطروحا على كناسة في مزبلة سبع سنين، ~~وكان مع ذلك لا يفتر عن ذكر الله والثناء عليه، والصبر على ~~بلائه. # فصرخ إبليس صرخة جمع فيها جنوده من أقطار الأرض جزعا من صبر ~~أيوب، فلما اجتمعوا إليه قالوا له: ما أصابك؟ قال: أعياني هذا ~~العبد الذي سألت الله أن يسلطني عليه وعلى ماله وولده، فلم ~~أدع له مالا ولا ولدا، فلم يزدد إلا صبرا وثناء على الله، ~~ثم سلطت على جسده فتركته جيفة ملقى ms1369 على كناسة بني إسرائيل لا ~~يقربه إلا امرأته، فاستغثت بكم لتقووني عليه. # فقالوا له: وأين مكرك وأين خداعك الذي أهلكت بها من مضى من ~~الأمم؟ قال: بطل ذلك كله مع أيوب، فأشيروا علي. قالوا: أنت حين ~~أخرجت آدم من الجنة من أين أتيته؟ قال: من قبل امرأته، قالوا: ~~فشأنك بأيوب من قبل امرأته، فإنه لا يعصيها وليس يقربه أحد ~~غيرها. # قال: أصبتم، فانطلق حتى أتى امرأته فتمثل لها في صورة رجل، ~~فقال: أين بعلك يا أمة الله؟ قالت: هو ذاك يحك قروحه والدود ~~يتردد في جسده، فوسوس إليها وذكرها بأيام شباب أيوب وجماله، ~~وما كانا فيه من النعم والحال الطيب، وكيف تقلب عليهم ~~الزمان حتى صار أيوب في هذا الضرر العظيم، ولم يزل يذكرها ~~بأيام قد مضت حتى أبكاها، فلما علم أنها قد جزعت وحزنت، ~~أتاها بسخلة وقال لها: قولي لأيوب يذبح هذه الشاة لي وهو ~~يبرأ. # قال: فجاءت إلى أيوب وقالت له: إلى متى يعذبك الله ألا ~~يرحمك؟ أين المال، أين الماشية، أين الولد، أين لونك الحسن؟ قد ~~تغير وصار كما ترى، أين جسمك الحسن؟ قد بلي وتردد فيه الديدان، ~~فاذبح هذه السخلة لمن أمرني واسترح. # فقال لها أيوب: أتاك عدو الله فنفخ فيك فاحشه، ويلك أرأيت ~~الذي تبكين عليه من المال والولد والصحة، من أعطانيه؟ قالت: ~~الله، قال: فكم متعنا به؟ قالت: ثمانين سنة، قال: فكم ~~ابتلانا الله؟ قالت: سبع سنين، قال: وتلك ما عدلت ولا أنصفت، ألا ~~صبرت حتى تكون في البلاء ثمانين سنة، كما كنا في الرخاء ثمانين ~~سنة، والله لئن شفاني الله لأجلدنك مائة جلدة، كيف تأمريني أن ~~أذبح لغير الله؟ طعامك وشرابك علي حرام أن أذوق شيئا مما ~~تأتيني به بعد إذا قلت لي هذا القول، فاعتزلي عني ولا أراك، ~~فطردها فذهبت. # وقال وهب: (لم يأمرها إبليس بذبح السخلة، وإنما ~~قال لها: لو أن بعلك أكل طعاما، ولم يسم ~~عليه لعوفي من البلاء). # وروي: أن إبليس قال لها: اسجدي لي سجدة وأرد عليك المال ms1370 ~~والأولاد وأعافي زوجك، فأنا الذي صنعت بكم ما صنعت، فرجعت إليه ~~فأخبرته بذلك، فقال لها: أتاك عدو الله ليفتنك عن دينك، ~~وحلف إن عافاه الله ليضربنها مائة جلدة، وحرم طعامها وشرابها ~~وطردها، فلما نظر أيوب إلى أنه قد طرد امرأته وليس عنده طعام ولا ~~شراب ولا صديق خر ساجدا لله عز وجل، وقال: إلهي مسني ~~الضر وأنت أرحم الراحمين، من طمع إبليس في سجود امرأتي له، ~~ودعائه إياها وإياي إلى الكفر). # وإنما قال (مسني الضر) حين قصدت الدودة إلى قلبه ~~ولسانه، فخشي أن يفتر عن ذكر الله، وقيل: إنما قال ذلك ~~حين أتاه صديقان فقاما من بعيد لا يقدرون على الدنو منه من ~~ريحه، فقال أحدهما لصاحبه: لو علم الله في أيوب خيرا ما ~~ابتلاه بما ترى، قال: فما سمع أيوب شيئا كان أشد عليه من هذه ~~الكلمة، فعند ذلك قال: مسني الضر من شماتة الأعداء، يدل ~~عليه ما روي أنه قيل له بعد ما عوفي، ما كان أشد عليك في بلائك؟ ~~قال: شماتة الأعداء، وأنشدوا في معناه: # كل المصائب قد تمر على الفتى # فتهون غير شماتة الحساد # كل المصائب تنقضي أيامها # وشماتة الحساد بالمرصاد # قال وهب: (فلما طرد أيوب امرأته، وبقي وحيدا ليس معه من ~~يطعمه ويسقيه، قال عند ذلك: يا رب إني مسني الضر ~~وأنت أرحم الراحمين، فقال له الله: إرفع رأسك؛ فقد ~~استجبت لك، اركض برجلك، فركض برجله، فنبعت عين فاغتسل ~~منها، فلم يبق من دائه شيء ظاهر إلا سقط عنه، وأذهب الله عنه ~~كل ألم وسقم، وعاد إليه شبابه وجماله أحسن مما كان وأفضل، ثم ~~ضرب برجله فنبعت عين أخرى، فشرب منه، فلم يبق في جوفه داء ~~إلا خرج، فقام صحيحا وكسي حلة، ثم التفت عن يمينه فرأى ~~جميع ما كان له من أهل ومال وولد، وقد صار معهم مثلهم، قال الله ~~تعالى: { وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة ~~من عندنا }. # قال وهب: (كان له سبع بنات وثلاثة بنين)، وقال ابن ~~يسار: (سبعة بنين وسبع بنات، فردهم ms1371 الله ~~بأعيانهم، وأعطاه مثلهم معهم) وهذا قول ابن مسعود ~~وقتادة وكعب، قالوا: (أحياهم الله عز وجل، وأبدله ~~بكل شيء ذهب عنه ضعفين)، قال ابن عباس: (رد الله ~~امرأته في شبابها حتى ولدت له ستة وعشرين ~~ولدا ذكرا). # قوله تعالى: { وإسماعيل وإدريس وذا الكفل }؛ أي ~~واذكر إسماعيل وإدريس وذا الكفل، واختلفوا في ذكر ذي ~~الكفل، قال أبو موسى الأشعري وقتادة ومجاهد: (كان ذو الكفل ~~رجلا صالحا تكفل لنبي من الأنبياء أنه يصوم النهار ويقوم ~~الليل، وأن لا يغضب ويقضي بالحق، فوفى بذلك كله، فأثنى الله عليه ~~وذكره مع الأنبياء. # وذلك أن نبيا من بني إسرائيل أوحى الله إليه: أني أريد قبض ~~روحك، فاعرض ملكك على بني إسرائيل، فمن تكفل لك أن يصلي ~~بالليل لا يفتر، ويصوم النهار ولا يفطر، ويقضي بين الناس ولا ~~يغضب، فادفع ملكك إليه. ففعل ذلك، فقام شاب فقال: أنا ~~أتكفل لك بهذا، فتكفل ووفى به، فشكره الله وأثنى عليه، ~~ولذلك سمي ذا الكفل). وقال الحسن: (هو نبي اسمه ذو ~~الكفل) ومعنى ذو الكفل؛ أي ضوعف ثوابه على ثواب غيره ممن ~~آمن به في زمانه. # وقال مجاهد أيضا: (لما كبر اليسع عليه السلام قال: لو أني ~~استخلفت رجلا على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى أنظر كيف يعمل، ~~قال: فجمع الناس وقال: من يتكفل لي بثلاثة استخلفته: ~~يصوم النهار، ويقوم الليل، ويحكم بين الناس ولا يغضب؟ فقام رجل ~~ترد به العيون فقال: أنا، فرده في ذلك اليوم، ثم قال كذلك في ~~اليوم الثاني، فقام ذلك الرجل فرده، فقال مثل ذلك في اليوم ~~الثالث، فقام ذلك الرجل، فاستخلفه فوفى بذلك كله). # قوله تعالى: { كل من الصابرين }؛ أي على طاعة الله ~~وعن معاصيه، { وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من ~~الصالحين }؛ يعني ما أنعم الله عليهم من النبوة، وما صيرهم ~~اليه في الجنة من الثواب. ### || [21.87] # قوله تعالى: { وذا النون إذ ذهب مغاضبا }؛ يعني ~~يونس بن متى أحبسه الله في بطن النون، وهو الحوت، ~~ومعنى الآية: واذكر ذا الحوت إذ ذهب مغاضبا ms1372 لقومه. روي: ~~أنه خرج من بينهم قبل أن يؤذن له في الخروج، وكان خروجه من ~~بينهم خطيئة، وإنما خرج منهم على تركهم الإيمان به، هكذا روي عن ~~ابن عباس والضحاك. # وقيل: كان يونس وقومه يسكنون فلسطين فعداهم ملك فسبى منهم ~~خلقا كثيرا، فأوحى الله إلى أشعيا النبي عليه السلام: إذهب ~~إلى الملك حزقيا فقل له: توجه نبيا قويا أمينا، فإني ألقي ~~في قلوب أولئك التخلية حتى يرسلوا معه بني إسرائيل، فقال الملك: من ~~ترى يرسل؟ وكان في مملكته خمسة من الأنبياء، فقال له: أرسل يونس ~~فإنه قوي أمين، فأتى الملك يونس فأخبره أن يخرج، فقال يونس: هل ~~أمرك الله بإخراجي؟ قال: لا، فقال: فهل سماني لك؟ قال: لا، ~~قال: فهنا أنبياء غيري أقوياء أمناء، فألحوا عليه فخرج مغاضبا ~~للنبي والملك ولقومه. # فأتى بحر الروم، فإذا سفينة مشحونة فركب مع أصحابها، فلما صارت ~~في لجة البحر انكفأت حتى كادوا يغرقون، فقال الملاحون: ها هنا ~~عبد آبق عاص، فاقترعوا، فمن وقعت عليه القرعة ألقيناه في البحر، ~~لئن يغرق واحد منا خير من أن تغرق السفينة بما فيها. فاقترعوا ~~ثلاثا فوقعت القرعة كلها على يونس، فقال يونس: أنا الرجل العاصي ~~والعبد الآبق، وألقى نفسه في الماء. فجاء حوت فابتلعه، ثم جاء ~~حوت آخر أكبر منه فابتلع الحوت أيضا. فأوحى الله إلى الحوت لا ~~تؤذي منه شعرة، فإني قد جعلت بطنك سجنه، ولم أجعله ~~رزقا لك. # قوله تعالى: { فظن أن لن نقدر عليه } ، ~~بالعقوبة، يقال قدر الله الشيء وقدره؛ أي قضاه. وقيل: ~~معناه: فظن أن لن نضيق عليه السجن، من قوله تعالى: # ومن قدر عليه رزقه # [الطلاق: 7] أي ضيق، وقوله # يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر # [الروم: 37]، وقد ضيق الله على يونس أشد تضييق. وقيل: ~~معناه: { فظن أن لن نقدر عليه } ما قدرنا من كونه ~~في بطن الحوت. # قوله تعالى: { فنادى في الظلمات أن لا إله ~~إلا أنت سبحانك }؛ قال ابن عباس: (هي ظلمة الليل ~~وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت)، وقال سالم ابن أبي ~~الجعد: ms1373 (كان حوتا في بطن حوت). # قوله تعالى: { إني كنت من الظالمين }؛ أي ~~الظالمين لنفسي في خروجي من قومي قبل الإذن. قال الحسن: (وهذا ~~من يونس اعتراف بذنبه، وتوبته من خطيئته، تاب ~~إلى ربه في بطن الحوت وراجع نفسه). قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " إني لأعلم كلمة لا يقولها مكروب إلا فرج ~~الله عليه، كلمة أخي يونس: لا إله إلا أنت ~~سبحانك إني كنت من الظالمين ". # وقال وهب بن منبه: (إن يونس بن متى عليه السلام كان عبدا صالحا، ~~وكان في خلقه ضيق، فلما حملت عليه أثقال النبوة، تفسخ ~~تحتها تفسخ الربع تحت الحمل الثقيل فقذفها بين يديه، وخرج هاربا ~~منها فلذلك أخرجه الله من أولي العزم قال الله لمحمد ~~صلى الله عليه وسلم: # فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل # [الأحقاف: 35] وقال # فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت # [القلم: 48] أي لا تلق قولي كما ألقاه). قوله تعالى: { ~~فظن أن لن نقدر عليه } أي ظن أن لن نقضي عليه ~~بما قضينا من العقوبة، ودليله قراءة الزهري: (أن لن نقدر ~~عليه) مشددا. وقرأ عبيد بن عمير: (يقدر عليه) بالتشديد ~~على المجهول. # واختلفوا في مدة لبثه في بطن الحوت، فقيل: أربعون يوما، ~~وقيل: سبعة أيام، وقيل: ثلاثة أيام، وأمسك الله نفسه ~~فلم يقتله هناك. وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت أوحى الله ~~إلى الحوت: أن خذه ولا تخدش له لحما ولا تكسر ~~له عظما. فأخذه ثم هوى به إلى مسكنه في البحر، ~~فلما انتهى به إلى أسفل البحر سمع يونس حسا، ~~فقال في نفسه: ما هذا؟ فأوحى الله إليه وهو في ~~بطن الحوت: أن هذا تسبيح دواب البحر، قال: فسبح ~~وهو في بطن الحوت، فسمعت الملائكة تسبيحه، ~~فقالوا: ربنا إنا سمعنا صوتا ضعيفا بأرض ~~غريبة؟ قال: ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في ~~بطن الحوت، قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد ~~له إليك منه في كل يوم وليلة ms1374 عمل صالح؟ قال: ~~نعم. فشفعوا له، فأمر الله الحوت، فقذفه على ~~الساحل وهو سقيم ". # وعن ابن عباس قال: أتى جبريل إلى يونس فقال: انطلق ~~إلى أهل نينوى فأنذرهم أن العذاب قد حضرهم، ~~قال: حتى ألتمس دابة، قال: الأمر أعجل من ذلك، ~~فانطلق إلى السفينة فركبها فأخشبت السفينة، ~~فساهموا فخرج السهم عليه، فجاء الحوت ينصص ~~بذنبه فالتقمه، فنودي الحوت: إنا لم نجعله ~~رزقا لك، وإنما جعلناك له سجنا، وانطلق الحوت ~~من ذلك المكان حتى مر به على الأيكة، ثم مر ~~على دجلة). # وكان ابن عباس يقول: (كانت رسالة يونس بعد ما نبذه ~~الحوت، ودليل هذا أن الله ذكر قصة يونس في سورة ~~الصافات، ثم عقبها بقوله # وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون # [الصافات: 147]). وقال آخرون: بل كانت قصة الحوت بعد دعائه قومه، ~~وتبليغه الرسالة. ### || [21.88] # قوله تعالى: { فاستجبنا له ونجيناه من الغم ~~}؛ أي أجبنا دعوته ونجيناه من تلك الظلمات، { وكذلك ~~ننجي المؤمنين }؛ إذا دعوني، كما نجينا ذا النون. قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " اسم الله إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطي: ~~دعوة يونس بن متى " قيل: يا رسول الله؛ هي ~~ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: ليونس ~~خاصة، وله وللمؤمنين عامة، أدعوا بها، ألم ~~تسمع إلى قوله تعالى { وكذلك ننجي المؤمنين } ~~". # واختلفت القراءات في قوله { وكذلك ننجي المؤمنين } ، ~~قرأ ابن عامر وأبو بكر: (نجي المؤمنين) بنون واحدة وتشديد ~~الجيم وتسكين الياء. وجميع النحويين حكموا على هذه القراءة ~~باللفظ، وقالوا: هي لحن، ثم ذكر الفراء لها وجها فقال: ~~أضمر المصدر في (نجي) أي نجي النجاء المؤمنين، ~~كقولك: ضربت الضرب زيدا على إضمار المصدر؛ أي ~~ضرب الضرب زيدا، وقال الشاعر: # ولو ولدت قفيرة جرو كلب # لسب بذلك الجرو الكلابا # وممن صوب هذه القراءة أبو عبيد، وأما أبو حاتم السجستاني ~~فإنه لحنها ونسب قارئها إلى الجهل وقال: (هذا لحن لا يجوز ~~في اللغة، ولا يحتج بمثل ذلك البيت على كتاب ~~الله، إلا أن تقول: وكذك نجي المؤمنون، ولو ~~قرأ ذلك ms1375 لكان صوابا). # قال أبو علي الفارسي: (هذا إنما يجوز في سورة ~~الشعراء، فإن قيل: لم كتب في المصاحف بنون ~~واحدة؟ قيل: لأن الثانية لما سكنت وكان ~~الساكن غير ظاهر على اللسان حذفه، كما فعل ذلك ~~في (ألا) فحذفوا النون من (أن لا) لخفائها إذا كانت ~~مدغمة في اللام). ### || [21.89-90] # وقوله تعالى: { وزكريآ إذ نادى ربه رب لا تذرني ~~فردا وأنت خير الوارثين }؛ أي واذكر دعاء زكريا إذ ~~نادى ربه فقال رب لا تتركني وحيدا؛ أي ارزقني ولدا آنس به ~~ويعينني على أمر الدين والدنيا، ويقوم بأمر الدين بعد وفاتي، ~~وأنت وارث جميع الخلق؛ لأن مردهم صائرون إليك. قوله ~~تعالى: { فاستجبنا له }؛ أي فأجبنا له دعاءه هذا، { ~~ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه }؛ عقر ~~امرأته، قال قتادة: (كانت عقيما فجعلناها ولودا)، ~~وقيل: كانت سيئة الخلق فرزقها الله حسن الخلق. # وقوله تعالى: { إنهم كانوا يسارعون في ~~الخيرات }؛ أي يبادرون إلى الطاعات مخافة أن يعرض لهم ما ~~يشغلهم عنها، ويعني بذلك زكريا وامرأته ويحيى، وقال بعض ~~المفسرين: الكناية تعود على الأنبياء الذين ذكرهم الله في هذه ~~السورة. قوله تعالى: { ويدعوننا رغبا ورهبا }؛ أي ~~طمعا في ثوابنا وخوفا من عقابنا، { وكانوا لنا خاشعين }؛ ~~أي خاضعين حذرين. ### || [21.91] # قوله تعالى: { والتي أحصنت فرجها }؛ وهي مريم ~~بنت عمران، { فنفخنا فيها من روحنا }؛ أي نفخ جبريل ~~في جيب درعها بأمرنا، والمعنى: واذكر التي حفظت فرجها ~~مما لا يحل. # وقوله تعالى: { وجعلناها وابنهآ آية للعالمين }؛ أي ~~دلالة للعالمين من حيث أنها جاءت بالولد من غير بعل، تكلم في ~~المهد بما يوجب براءة شأنها من العيب، وفي ذلك دليل على ~~مقدورات الله، وعلى هذا لم يقل آيتين؛ لأن شأنهما في ~~الدلالة كان واحدا. ### || [21.92] # قوله تعالى: { إن هذه أمتكم أمة واحدة } ~~قال ابن عباس ومجاهد والحسن: (معناه إن هذا دينكم دين ~~واحد) والأمة الدين، ومنه قوله # إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة # [الزخرف: 22] أي على دين. الأصل أنه يقال للقوم الذين يجتمعون على ~~دين واحد: أمة، فتقوم الأمة مقام الدين. ms1376 وهو نصب على ~~الحال؛ أي حال اجتماعها على الحق. قوله تعالى: { وأنا ~~ربكم فاعبدون }؛ أي لا دين سوى ديني ولا رب غيري. ### || [21.93] # قوله تعالى: { وتقطعوا أمرهم بينهم كل ~~إلينا راجعون }؛ معناه: كان أمرهم في الدين واحدا، ولكن ~~تفرقوا واختلفوا بما لا يجوز؛ وهم اليهود والنصارى والمجوس. ~~قوله تعالى: { كل إلينا راجعون } أي جميع أهل هذه ~~الأديان راجعون إلى حكمنا يوم القيامة، فنجزيهم بأعمالهم. ### || [21.94] # قوله تعالى: { فمن يعمل من الصالحات وهو ~~مؤمن فلا كفران لسعيه }؛ أي لا جحود لعمله، بل ~~يتقبلها الله ويثني عليها، والمعنى: لا يمنع ثواب عمله، ولا ~~يجحد إحسانه. قوله تعالى: { وإنا له كاتبون }؛ أي ~~نأمر الحفظة أن يكتبوا لذلك العامل عمله لنجازيه عليه. ### || [21.95] # قوله تعالى: { وحرام على قرية أهلكناهآ ~~أنهم لا يرجعون }؛ أي واجب على كل قرية اذا أهلكت لا ~~ترجع إلى دنياها. قال الكلبي: (يعني بقوله { أهلكناهآ ~~} عذبناها أنهم لا يرجعون إلى الدنيا). والمعنى: أن الله ~~تعالى حكم على من أهلك أن يبقى في الأرض مدفونا إلى يوم ~~القيامة، وأن لا يرجع إلى الدنيا. قرأ حمزة والكسائي: (وحرم) ~~بكسر الحاء وجزم الراء من غير ألف، وهما لغتان مثل حل ~~وحلان. ### || [21.96] # قوله تعالى: { حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج }؛ ~~أي إذا فتحت جهة يأجوج ومأجوج، وفتحها إخراجها من السد. قرأ ابن ~~عامر ويعقوب: (فتحت) بالتشديد على التكثير. # وقوله تعالى: { وهم من كل حدب ينسلون }؛ أي من ~~كل أكمة وربوة مرتفعة من الأرض يخرجون بإسراع، والحدب: ~~الارتفاع ومنه الحدبة خروج الظهر، وتبينه. والنسول: هو ~~الخروج بسرعة كنسلان الذئب يعني مشيه اذا أسرع فيها. # والمعنى: أنهم من كل نشر من الأرض يسرعون ويتفرقون في ~~الأرض، فلا يرى أكمة إلا وفوقها قوم منهم يهبطون منها مسرعين، ~~فلا يمرون بماء إلا شربوه ولا بشيء إلا أفسدوه. # قال المفسرون: أولاد آدم عشرة أجزاء، تسعة يأجوج ومأجوج، وقد ~~ذكرنا قصتهم في سورة الكهف. ### || [21.97] # قوله تعالى: { واقترب الوعد الحق }؛ قيل: إن ~~الواو ها هنا مقحمة، والمعنى: حتى إذا فتحت يأجوج ms1377 ~~ومأجوج اقترب الوعد الحق، يكون ذلك عند اقتراب ~~الساعة، وذكر الوعد والمراد به الموعد. # روي عن حذيفة رضي الله عنه أنه قال: (لو أن رجلا اقتنى ~~فلوا بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه حتى ~~تقوم الساعة). # قوله تعالى: { فإذا هي شاخصة أبصار الذين ~~كفروا }؛ أي تشخص أبصارهم يوم القيامة نحو الجهة التي ~~يتوقعون نزول العذاب بهم منها. وقيل: خشعت أبصارهم من شدة ~~الأهوال ذلك اليوم. قال الكلبي: (شخصت أبصارهم فلا ~~تطيق تطرف من شدة الأهوال)، فأما الضمير في قوله { ~~فإذا هي شاخصة } يعود إلى معلوم قد بينه وهو قوله { ~~أبصار الذين كفروا } ، كقول الشاعر: # لعمر أبيها لا تقول ظعينتي # إلا فر عني مالك بن أبي كعب # فكنى عن الظعينة ثم أظهرها ويكون تقدير الكلام: فإذا الأبصار ~~شاخصة أبصار الذين كفروا. وقيل: يكون قوله (هي) ~~عماد مثل قوله # فإنها لا تعمى الأبصار # [الحج: 46]. قوله تعالى: { يويلنا }؛ أي قالوا يا ~~ويلنا؛ { قد كنا في غفلة من هذا }؛ اليوم في ~~الدنيا، { بل كنا ظالمين }؛ لأنفسنا بالكفر. ### || [21.98] # قوله تعالى: { إنكم وما تعبدون من دون الله ~~حصب جهنم أنتم لها واردون }؛ معناه: إنكم يا أهل ~~مكة وما تعبدون من الأصنام وقود جهنم. والحصب في اللغة: هو ~~كل ما يرمى به، يقال: حصبة بالحصا إذا رماه بها، وفي ~~القراءة الشاذة: (حضب جهنم) وهي قراءة ابن عباس، ~~والحضب: ما يهيج به النار، ومنه قيل لدقاق النار حصب. ~~وقرأ علي وعائشة: (حطب جهنم). # قوله تعالى: { أنتم لها واردون } أي فيها خالدون، ~~والحكمة في إدخال الأصنام النار مع أنها لا ذنب لها في عبادة ~~من يعبدها: أن يقصد بإدخالها تعذيب عبادها، فما كان منها ~~حجرا أو حديدا يحمى فيلتزق بعبادها، وما كان منها ~~خشبا جعل جمرة فيعذبون بها، أو يكون في إدخال معبودهم معهم ~~في النار زيادة ذل وصغار عليهم. ### || [21.99] # قوله تعالى: { لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها ~~}؛ استجهالا لهم في عبادة الأصنام؛ أي لو كان الأصنام آلهة ~~كما يزعم الكفار ما وردوها؛ أي دخل عابدوها النار، ms1378 { وكل ~~فيها خالدون }؛ يعني العابد والمعبود. ### || [21.100-101] # قوله تعالى: { لهم فيها زفير وهم فيها لا ~~يسمعون }؛ الزفير شدة النفس بهول ما يرد على ~~صاحبه، وهم فيها لا يسمعون شيئا، ولا يرى أحد منهم أن في ~~النار أحدا يعذب غيره. قال ابن مسعود: (يجعلون في ~~توابيت من نار، ثم جعلت تلك التوابيت في ~~توابيت أخرى فلا يسمعون شيئا). # " وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه أتى قريشا وهم في ~~المسجد مجتمعون وحولهم ثلاثمائة وستون ~~صنما مصفوفة، لكل قوم صنم لهم، فقال صلى الله ~~عليه وسلم: " إنكم وما تعبدون من دون الله حصب ~~جهنم أنتم لها واردون " ثم ذهب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فشق عليهم ذلك، فأتاهم عبدالله بن ~~الزبعرى فرآهم يتهامسون، فقال: فيم حوصكم؟! ~~فأخبره الوليد بن المغيرة بما قال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فقال ابن الزبعرى: أما والله لو ~~وجدته لخصمته. # فدعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال ابن الزبعرى: ~~أنت قلت أنا وما نعبد في النار؟ قال: خصمتك ورب ~~الكعبة، أليست اليهود تعبد عزيرا، والنصارى ~~تعبد المسيح، وبني مليح يعبدون الملائكة! ~~أفترى أن هؤلاء لا يكونون في النار؟ فبين له ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تعالى أراد به ~~الأوثان " # وفي الآية ما يدل على ذلك؛ لأن قوله تعالى # وما تعبدون # [الأنبياء: 98] لا يكون إلا لما لا يعقل، إذ لو أراد الملائكة ~~والناس لقال (ومن تعبدون). ثم أنزل الله تعالى: # قوله تعالى: { إن الذين سبقت لهم منا ~~الحسنى أولئك عنها مبعدون }؛ معناه: أن عيسى ~~وعزيرا والملائكة هم الذين سبقت لهم منا الحسنى؛ أي ~~وجبت لهم العدة من الله تعالى بالبشرى والسعادة. # ويدخل في هذه الآية جملة المؤمنين؛ لما روي أن عثمان سمع عليا ~~كرم الله وجهه يقرأ هذه الآية { إن الذين سبقت ~~لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون } قال: ~~(أنا منهم وأبو بكر وعمر وعثمان وطلحة ~~والزبير وسعد وسعيد وعبدالرحمن وأبو ~~عبيدة). وقال الجنيد: (سبقت لهم من الله العناية ~~في الهداية، فظهرت ms1379 الولاية في النهاية). ### || [21.102] # قوله تعالى: # أولئك عنها مبعدون # [الأنبياء: 101] منحون عن النار، { لا يسمعون حسيسها }؛ ~~أي حسها وحركة تلهبها، والمعنى: لا يسمعون صوت النار، { وهم ~~في ما اشتهت أنفسهم خالدون }؛ أي في ما اشتهت ~~أنفسهم من نعيم الجنة مقيمون دائمون. ### || [21.103] # قوله تعالى: { لا يحزنهم الفزع الأكبر }؛ قال ~~أكثر المفسرين: يعني إطباق جهنم على أهلها، وقال ابن عباس: ~~(النفخة الأخيرة). وقيل: هو ذبح الموت بين الفريقين. ~~وقيل: هو حين يؤمر بأهل النار إلى النار، وذلك حين يقال # وامتازوا اليوم أيها المجرمون # [يس: 59]. قوله تعالى: { وتتلقاهم الملائكة }؛ أي ~~بالتهنئة على باب الجنة، فيقولون لهم: { هذا يومكم ~~الذي كنتم توعدون }. ### || [21.104] # قوله تعالى: { يوم نطوي السمآء كطي السجل ~~للكتب }؛ قال ابن عباس ومجاهد: (السجل هو الصحيفة ~~تطوى بما فيها من الكتابة) واللام في قوله ~~(للكتب): بمعنى (على)، وقال السدي: (هو ملك موكل ~~بالصحف، إذا مات الإنسان رفع كتابه إليه فطواه). ~~وقيل: إن السجل كاتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ويقال: ~~هو الرجل بلغة الحبشة. # قرأ أبو جعفر: (تطوى السماء) بالتاء، ورفع (السماء) على ما ~~لم يسم فاعله. وقرأ أهل الكوفة: (للكتب) على الجمع. # والمراد بطي السماء أن الله تعالى يطويها، ثم يفتحها ~~ثم يعيدها، ولذلك قال: { كما بدأنآ أول خلق نعيده }؛ ~~أي كما بدأناها أول مرة، نعيدها إلى الحالة الأولى. ويجوز أن ~~يكون معنى قوله { كما بدأنآ أول خلق نعيده } نعيد ~~الخلق للبعث كما بدأناه في النطفة، ودليل هذا القول قوله ~~تعالى: # كما بدأكم تعودون # [الأعراف: 29]. # والطي في هذه الآية يحتمل معنيين؛ أحدهما: الدرج الذي هو ~~ضد النشر، قال الله تعالى: # والسموت مطويات بيمينه # [الزمر: 67]. والثاني: الإخفاء والتعمية والمحو ~~والطمس؛ لأن الله تعالى يمحو رسومها ويكدر نجومها. ~~وقيل: معنى قوله تعالى { كما بدأنآ أول خلق نعيده ~~}: كما بدأناهم في بطون أمهاتهم حفاة عراة غرلا، كذلك ~~نعيدهم يوم القيامة. # قوله تعالى: { وعدا علينآ }؛ نصب على المصدر بمعنى: ~~قد وعدناهم هذا وعدا، قوله تعالى: { إنا كنا ~~فاعلين }؛ ما وعدناكم من ذلك، وقيل: ms1380 فاعلين الإعادة ~~والبعث. ### || [21.105] # قوله تعالى: { ولقد كتبنا في الزبور من بعد ~~الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون }؛ أي ~~كتبنا في زبور داود من بعد توراة موسى. وقال ابن عباس ~~والضحاك: (الذكر التوراة، والزبور الكتب ~~المنزلة من بعد التوراة). وقيل: الزبور زبور ~~داود، والذكر الفرقان، و(بعد) بمعنى (قبل) كقوله تعالى # وكان ورآءهم ملك # [الكهف: 79] أي أمامهم، وقوله # والأرض بعد ذلك دحاها # [النازعات: 30] أي قبل ذلك. قوله تعالى: { أن الأرض ~~يرثها عبادي الصالحون } يعني أرض الجنة يرثها ~~عبادي الصالحون من أمة محمد صلى الله عليه وسلم. ~~وقيل: جميع المؤمنين العاملين بطاعة الله. ### || [21.106] # قوله تعالى: { إن في هذا لبلاغا لقوم ~~عابدين }؛ أي إن في هذا القرآن بلاغا للكفاية، والمعنى: أن من ~~اتبع القرآن وعمل به كان بلاغه في الجنة، وقوله تعالى { لقوم ~~عابدين }؛ قال كعب: (هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ~~الذين يصلون الصلوات الخمس، ويصومون شهر ~~رمضان). وروي: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ { إن في هذا ~~لبلاغا لقوم عابدين } ، ثم قال: " هي الصلوات ~~الخمس في الجماعة في المسجد الحرام " ". ### || [21.107] # قوله تعالى: { ومآ أرسلناك إلا رحمة ~~للعالمين }؛ معناه: وما أرسلناك يا محمد إلا ~~نعمة للعالمين. قال ابن زيد: (يعني للمؤمنين خاصة)، ~~وقال ابن عباس: (هو عام، فمن آمن به كتب له من ~~الرحمة في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن عوفي ~~مما أصاب الأمم من المسخ والخسف والغرق). ~~والمعنى: أنه كان إذا أرسل نبي من الأنبياء؛ فإن آمن به قومه ~~وإلا عذبوا، وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم فكان كل من كفر ~~به يؤخر إلى يوم القيامة فهو نعمة على الكافر إذ عوفي مما أصاب ~~الأمم من المسخ. ### || [21.108] # قوله تعالى: { قل إنمآ يوحى إلي }؛ أي قل لهم يا ~~محمد: إنما يوحى إلي في القرآن؛ { أنمآ إلهكم ~~إله واحد } وهو الله لا شريك له؛ { فهل أنتم ~~مسلمون } يا أهل مكة مسلمون مخلصون له بالعبادة والتوحيد. ### || [21.109] # قوله تعالى: { فإن تولوا }؛ أي فإن أعرضوا عن قبول ~~قولك، { فقل ms1381 ءاذنتكم على سوآء }؛ أي أعلمتكم بالوحي من ~~الله على سواء في الإعلام؛ أي لم أظهر بعضكم على شيء كتمته عن ~~غيره. وقيل: على سواء في العلم، إني حرب لكم لا صلح ~~بيننا، وإني مخالف لدينكم فتأهبوا لما يراد بكم؛ إذ ليس ~~العناد من أخلاق الأنبياء صلوات الله عليهم. # قوله تعالى: { وإن أدري أقريب أم بعيد ما ~~توعدون }؛ أي ما أدري متى توعدون به من العذاب. ### || [21.110-111] # قوله تعالى: { إنه يعلم الجهر من القول ~~ويعلم ما تكتمون }؛ معناه: إن الله يعلم ما تعلنون به ~~من القول، ويعلم ما تكتمون من سركم، لا يغيب من علمه شيء ~~منكم. قوله تعالى: { وإن أدري لعله فتنة لكم ~~}؛ أي وما أدري لعل تأخير العذاب اختبار لكم؛ ليرى كيف ~~صنعكم، { ومتاع إلى حين }؛ آجالكم؛ أي تمتعون إلى ~~انقضاء آجالكم. ### || [21.112] # قوله تعالى: { قال رب احكم بالحق }؛ أي قل لهم يا ~~محمد: رب احكم بعذاب أهل مكة الذي هو حق نازل بهم، ~~والحق: ها هنا هو العذاب، كأنه استعجل العذاب لقومه، فعذبوا ~~يوم بدر. قال قتادة: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا شهد قتالا قال: " رب ~~احكم بالحق " # ، قال الكلبي: (فحكم عليهم بالقتل يوم بدر، ~~ويوم الأحزاب، ويوم حنين، ويوم الخندق). ~~والمعنى: أفصل بيني وبين المشركين بما يظهر به من الحق ~~للجميع. # وقرأ حفص: (قل رب احكم بالحق) على الخبر؛ أي قال الرسول ~~ذلك. وقرأ الضحاك ويعقوب: (قيل رب احكم بالحق) بإثبات ~~الياء على وجه الخبر؛ أي هو أحكم الحاكمين، وكيف يجوز أن يسأله ~~أن يحكم بالحق، وهو لا يحكم إلا به. # قوله تعالى: { وربنا الرحمن المستعان على ~~ما تصفون }؛ أي على كذبكم وباطلكم وقولكم: ما هذا إلا ~~بشر مثلكم، وقولكم: اتخذ الرحمن ولدا. والوصف بمعنى المكذب ~~كقوله تعالى # سيجزيهم وصفهم # [الأنعام: 139]، وقوله # ولكم الويل مما تصفون # [الأنبياء: 18]. ### | [22 - سورة الحج] ### || [22.1] # { يأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة ~~شيء عظيم }؛ قال ابن عباس: (يريد يا أهل مكة ~~اتقوا ربكم، واحذروا عقابه إن زلزلة قيام ~~الساعة ms1382 شيء عظيم) أي هول عظيم، لا يوصف لفظه، والزلزلة: ~~شدة الحركة مع الحال الهائلة. ### || [22.2] # قوله تعالى: { يوم ترونها تذهل كل مرضعة ~~عمآ أرضعت }؛ أي يوم ترون تلك الزلزلة تذهل في ذلك ~~اليوم كل مرضعة عما أرضعت؛ أي تنسى. وقيل: تشتغل، ~~وقيل: تترك، يقال: ذهلت عن كذا إذا تركته. وقيل: معنى ~~الآية: يوم ترون الزلزلة تشتغل كل مرضعة عن ولدها بغير ~~فطام، { وتضع كل ذات حمل حملها } ، وتضع الحامل ما في ~~بطنها لغير تمام. وهذا إنما يكون على وجه التشبيه، والمعنى: أن ~~لو كانت ثم مرضعة لذهلت عن ولدها، وحامل لوضعت حملها. # قوله تعالى: { وترى الناس سكارى }؛ أي من شدة ~~الفزع والخوف من عذاب الله يتحيرون كأنهم سكارى، { وما هم ~~بسكارى }؛ من الشراب، { ولكن عذاب الله شديد } ~~والمعنى: ترى الناس كأنهم سكارى من ذهول عقولهم لشدة ما يمر ~~بهم فيضطربون اضطراب السكران، وسكارى جمع سكران. وقرأ أهل ~~الكوفة (سكري وسكرى) بغير ألف. قال الفراء: هو وجه جيد ~~في العربية؛ لأنه بمنزلة الهلكى والجرحى ~~والمرضى). # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " " يقول الله تعالى يوم القيامة لآدم: يا آدم؛ ~~قم فابعث بعث النار. فيقول: لبيك وسعديك؛ ~~وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة ~~وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة. ~~فعند ذلك يشيب الصغير، وتضع الحامل ما في ~~بطنها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ". # قالوا: يا رسول الله! أينا ذلك الرجل الذي يبقى؟ ~~قال: " أبشروا؛ إني لأرجو أن يكون من يأجوج ~~ومأجوج ألف ومنكم واحد " ثم قال: " إني لأرجو ~~أن تكونوا ربع أهل الجنة " فكبرنا وحمدنا، ~~ثم قال: " إني لأرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة " ~~فكبرنا وحمدنا، ثم قال: " إني لأرجو أن تكونوا ~~ثلثي أهل الجنة، وأهل الجنة مائة وعشرون ~~صفا، ثمانون منها أمتي " ثم قال صلى الله عليه وسلم: ~~" يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب، ~~مع كل واحد سبعون ألفا " فقال عكاشة بن محيص: ~~أدع الله أن يجعلني منهم، فقال: " أنت منهم " ~~فقام ms1383 رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله أدع الله ~~أن يجعلني منهم، فقال: " سبقك بها عكاشة " ". ### || [22.3-4] # قوله تعالى: { ومن الناس من يجادل في الله ~~بغير علم }؛ قال ابن عباس: (نزلت في النضر بن ~~الحارث: كان يكذب بالقرآن ويزعم أنه من ~~أساطير الأولين، وكان كثير الجدل، ويقول: ~~الملائكة بنات الله، ويزعم أن الله غير قادر ~~على إحياء الموتى). والمعنى: ومن الناس من يخاصم في دين ~~الله بغير علم ولا حجة، { ويتبع كل شيطان مريد ~~}؛ أي متمرد على الله. قوله تعالى: { كتب عليه ~~أنه من تولاه فأنه يضله }؛ أي كتب عليه الشيطان ~~إضلال من تولاه؛ { ويهديه } وهدايته إياه { إلى عذاب ~~السعير }؛ وقيل: الهاء في قوله { كتب عليه } راجعة إلى ~~من يتبع الشيطان فيتقبل منه. ### || [22.5] # قوله تعالى: { يأيها الناس إن كنتم في ريب من ~~البعث }؛ معناه: يا أهل مكة إن كنتم في شك من البعث بعد ~~الموت، فتفكروا في ابتداء خلقكم فإن إعادتكم ليست بأشد ~~من أول خلقكم، ثم بين ابتداء خلقهم فقال: { فإنا ~~خلقناكم من تراب } أي خلقنا أباكم آدم، ثم صورناه ~~لحما ودما. # قوله تعالى: { ثم من نطفة }؛ أي ثم جعلناكم بعد ذلك ~~من النطفة التي تكون من الذكر والأنثى، { ثم } خلقنا { من } تلك ~~النطفة؛ { علقة }؛ وهي قطعة من الدم { ثم }؛ جعلنا العلقة { ~~من مضغة }؛ وهي القطعة من اللحم، تسمى مضغة؛ لأنها ~~مقدار ما يمضغ من اللحم. # قوله تعالى: { مخلقة وغير مخلقة }؛ أي تامة ~~الخلق وغير تامة الخلق، وقيل: مصورة وغير مصورة، وهي ~~السقط. قال عبدالله بن مسعود: # " إذا وقعت النطفة في الرحم؛ بعث الله ملكا ~~يأخذها بكفه فيقول: يا رب مخلقة أو غير ~~مخلقة؟ فإن قال: غير مخلقة؛ مجتها الأرحام ~~دما، وإن قال: مخلقة، قال: يا رب أذكر أم أنثى؟ ~~وما رزقها وما أجلها؟ وشقي أم سعيد؟ وبأي أرض ~~تموت؟ # فيقال له: اذهب إلى أم الكتاب فإنك تجد ذلك، ~~فاستنسخ منه صفة هذه النطفة، فينطلق ~~فيستنسخها. فتخلق فتعيش في أجلها، وتأكل ~~رزقها، حتى إذا جاء أجلها ماتت، فتذهب ms1384 إلى ~~المكان الذي كتب لها " # قوله تعالى: { لنبين لكم }؛ أي لنبين لكم كمال ~~قدرتنا وحكمنا في تصريفنا في الخلق. # وقوله تعالى: { ونقر في الأرحام ما نشآء إلى أجل ~~مسمى }؛ أي ونترك في الأرحام ما نشاء من الولد إلى وقت ~~التمام ولا نسقطه. وروي عن عاصم: (ونقر) بالنصب على ~~العطف، وقراءة الباقين بالرفع على معنى: ونحن نقر. قوله تعالى: ~~{ ثم نخرجكم طفلا }؛ أي ثم نخرجكم من الأرحام طفلا ~~صغارا، وإنما لم يقل أطفالا لأنه لم يخرجهم من أم ~~واحدة، ولكن يخرجهم من أمهات شتى، كأنه قال: ثم نخرج كل واحد ~~منكم طفلا. # قوله تعالى: { ثم لتبلغوا أشدكم }؛ أي ثم ~~لنعمركم لتبلغوا أشدكم بمعنى الكمال والقوة، { ومنكم ~~من يتوفى }؛ قبل بلوغ الأشد، { ومنكم من }؛ ~~يعمر حتى { يرد إلى أرذل العمر }؛ أي هوانه ~~وأخسه وهو الهرم والخرف. قوله تعالى: { لكيلا ~~يعلم من بعد علم شيئا }؛ أي لكيلا يعقل من بعد ~~عقله الأول شيئا. # قوله تعالى: { وترى الأرض هامدة }؛ هذه دلالة أخرى ~~تدلهم على إحياء الموتى بإحياء الأرض الميتة، والهامدة: هي ~~اليابسة الجافة، كأنه قال: وترى الأرض يابسة جافة ذات تراب ~~كالنار إذا اطفئت ورمدت، { فإذآ أنزلنا عليها المآء }؛ أي ~~على الأرض، { اهتزت وربت }؛ أي تحركت بالنبات، وازدادت ~~وأضعفت النبات، وذلك أن الأرض ترتفع على النبات، فذلك تحريكها، وهو ~~معنى قوله { وربت } أي ارتفعت وزادت وانتفخت للنبات، من ربا ~~يربو إذا ازداد. # قوله تعالى: { وأنبتت من كل زوج بهيج }؛ أي ~~وأخرجت أكما من كل لون حسن البهجة، ومن كل صنف مؤنق العين، ~~والبهيج الحسن. قال الله تعالى: # وأنزل لكم من السمآء مآء فأنبتنا به حدآئق ~~ذات بهجة # [النمل: 60]. ### || [22.6-7] # قوله تعالى: { ذلك بأن الله هو الحق وأنه ~~يحيي الموتى }؛ أي ذلك الذي وصفناه من تعريف الخلق على هذه ~~الأحوال في إحياء الأرض الميتة؛ لتعلموا وتقروا بأن الله هو ~~المستحق لصفات التعظيم، وهو الإله الواحد الذي يقدر على كل شيء. # قوله تعالى: { وأنه يحيي الموتى } أي ويدلكم على ~~أنه يحيي الموتى كما أحياكم ابتداء، { وأنه ms1385 على كل شيء ~~قدير } ، وبأنه على كل شيء من الإيجاد والإعدام قدير، ويدلكم ~~{ وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله ~~يبعث من في القبور }؛ للحسنات والجزاء. ### || [22.8] # قوله تعالى: { ومن الناس من يجادل في الله ~~بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير }؛ نزلت في ~~النضر بن الحارث أيضا، وقيل: نزلت في أبي جهل، ومعناه: ~~يجادل ليحق الباطل، ويبطل ما دل عليه الدليل بغير معرفة ~~ودليل ولا كتاب منير فيه حجة ما يقول. ### || [22.9] # قوله تعالى: { ثاني عطفه }؛ أي لاوي عنقه متكبرا ~~معرضا عن ما يدعى إليه كبرا، وهو منصوب على الحال، والمعنى: ~~ومن الناس من يجادل في الله متكبرا شامخا بأنفه، { ~~ليضل عن سبيل الله }؛ أي عن دين الله وطاعته. # وقوله تعالى: { له في الدنيا خزي }؛ أي عقوبة بالمذمة ~~والقتل، { ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق }؛ أي ~~عذاب النار، فقتل النضر بن الحارث يوم بدر أسيرا، ومن قال: ~~نزلت في أبي جهل فهو قتل أيضا يوم بدر. ### || [22.10] # قوله تعالى: { ذلك بما قدمت يداك }؛ مبالغة في ~~إضافة الخزي إليه، { وأن الله ليس بظلم للعبيد ~~}؛ ظاهر المعنى، فإن قيل: لم قال الله تعالى { بظلام } ~~على صفة المبالغة وهو لا يظلم مثقال ذرة؟ فقيل: تعالى إنه لو ~~فعل أقل قليل الظلم، لكان عظيما منه. ### || [22.11] # قوله تعالى: { ومن الناس من يعبد الله على ~~حرف }؛ قال ابن عباس: (نزلت هذه الآيات في أناس من ~~بني أسد بن خزيمة، أصابتهم سنة شديدة فأجدبوا ~~فيها، فمضوا بعيالهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى المدينة مهاجرين، فكانوا إذا أعطوا من ~~الصدقة، وأصابوا خيرا اطمأنوا بذلك وفرحوا به، ~~وإن أصابهم وجع وآفة، وولدت نساؤهم البنات، ~~وتأخرت عنهم الصدقة، قالوا: ما أصابنا مذ ~~كنا على هذا الدين إلا شر، فينقلب عن دينه، ~~وذلك الفتنة). # ومعنى الآية { ومن الناس من يعبد الله على حرف } ~~أي على ضعف في العبادة، لضعف القيام على الأحرف لا يدخل في ~~الدين على ثبات وتمكن. وقيل: معناه: على شك كأنه قائم ~~على ms1386 حرف جدار وطرف جبل، لا يدخل في الدين على ثبات ويقين ~~وطمأنينة، فهو كالمضطرب على شفا جرف، { فإن أصابه خير }؛ ~~رخاء وعافية وسعة، { اطمأن به } على عبادة الله بذلك الخير، { ~~وإن أصابته فتنة }؛ أي محنة تضييق العيش ونحو ~~ذلك، { انقلب على وجهه }؛ أي رجع إلى دينه الأول وهو ~~الشرك بالله. قوله تعالى: { خسر الدنيا والأخرة ~~}؛ أي خسر في الدنيا العز والغنيمة، وفي الآخرة الجنة، { ~~ذلك هو الخسران المبين }؛ أي الظاهر. قرأ الأعرج ~~ويعقوب: (انقلب على وجهه خاسرا الدنيا والآخرة) ~~بالألف (والآخرة) بالخفض، ونصب (خاسر) على الحال. ### || [22.12-13] # قوله تعالى: { يدعو من دون الله ما لا يضره ~~وما لا ينفعه }؛ أي يعبد من دون الله ما لا يضره إن ترك ~~عبادته، ولا ينفعه إن عبده، { ذلك هو الضلال البعيد ~~}؛ عن الحق والرشد، { يدعو لمن ضره أقرب من نفعه ~~}؛ أي يدعو ما لا نفع له أصلا، ومن عادة العرب أنهم يقولون لشيء ~~لا منفعة فيه: لضرره أكثر من نفعه، كما يقولون لشيء لا يكون ~~أصلا: هذا بعيد. قوله تعالى: { لبئس المولى }؛ أي بئس ~~الناصر، وقوله تعالى: { ولبئس العشير }؛ أي بئس الصاحب ~~والمعاشر، يعني الصنم. # واختلفوا في اللام في قوله { لمن ضره }: قيل معناه التأخير ~~كأنه قال: يدعو من والله لضره أقرب من نفعه، وإنما قدمت ~~اللام للتأكيد، ونظير هذا قولهم: عندي لما غيره خير منه، معناه: ~~عندي ما لغيره خير منه. وقيل { لمن ضره } كلام مبتدأ ~~وخبره { لبئس المولى ولبئس العشير } ، ويكون المعنى ~~الذي هو الضلال البعيد يدعوه، فهذا حد الكلام وما بعده كلام ~~مستأنف. وقيل: هذه اللام صلة؛ أي يدعو من ضره أقرب من ~~نفعه. ### || [22.14] # قوله تعالى: { إن الله يدخل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار }؛ ~~ظاهر المعنى، { إن الله يفعل ما يريد }؛ بأوليائه وأهل ~~طاعته من الكرامة، وبأهل معصيته من الهوان. ### || [22.15] # قوله تعالى: { من كان يظن أن لن ينصره الله في ~~الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السمآء }؛ ~~الآية، معناه: من كان يظن أن لن ينصر ms1387 الله محمدا صلى الله ~~عليه وسلم فليطلب سببا يصل به إلى السماء، { ثم ليقطع }؛ ~~نصرة الله لنبيه محمدا صلى الله عليه وسلم، { فلينظر ~~هل يذهبن كيده }؛ أي يتهيأ له الوصول إلى السماء ~~بحيلة، فكما لا يمكنه أن يحتال في الوصول إلى السماء، كذا لا ~~يمكنه الحيلة في قطع نصر الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم. # وقيل: معناه: من كان يظن أن لن ينصر الله النبي صلى الله ~~عليه وسلم حتى يظهر على الدين، فليمت غيظا. وقيل: إن ~~الهاء راجعة إلى { من كان يظن } كأنه قال: من كان يظن أن ~~لن يرزقه الله فليمدد بحبل إلى سقف بيته وأضفى ذلك على حلقه ~~مخنقا نفسه ليذهب غيظ نفسه. # وهذا مثل ضرب لهذا الجاهل؛ أي مثل هذا الذي يظن أن لن ~~يرزقه الله على سبيل السخط مثل من فعل هذا الفعل بنفسه، هل ~~كان ذلك إلا زائدا في ثلاثة؟ وهل تذهب حقيقة نفسه غيظه في رزقه؟ ~~وإنما ذكر النصرة بمعنى الرزق؛ لأن العرب تقول: من ~~ينصرني نصره الله؛ أي من يعطيني أعطاه الله. قوله ~~تعالى: { ما يغيظ }؛ (ما) بمعنى المصدر؛ أي هل يذهبن ~~كيده وحيلته غيظه. ### || [22.16] # قوله تعالى: { وكذلك أنزلناه آيات بينات }؛ أي ~~وكذلك أنزلنا القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم دلالات ~~واضحات، { وأن الله يهدي }؛ إلى النبوة، { من يريد }؛ ~~وقيل: يهدي إلى الدين وإلى الثواب. ### || [22.17] # قوله تعالى: { إن الذين آمنوا والذين هادوا }؛ ~~أي إن الذين آمنوا بمحمد والقرآن وجميع أصناف الكفار من ~~اليهود، { والصابئين والنصارى والمجوس والذين ~~أشركوا إن الله يفصل بينهم }؛ بين هؤلاء الفرق ~~الخمس وبين المؤمنين، { يوم القيامة }؛ بأن يدخل المؤمنين ~~الجنة، وتلك الفرق النار، { إن الله على كل شيء ~~شهيد }؛ أي عليم بكل شيء من أعمال هؤلاء. ### || [22.18] # قوله تعالى: { ألم تر أن الله يسجد له من في ~~السموت }؛ ألم تعلم يا محمد أن الله يسجد له أهل ~~السماوات من الملائكة، { ومن في الأرض }؛ من الجن والإنس ~~من المؤمنين. # قوله تعالى: { والشمس والقمر والنجوم ~~والجبال ms1388 والشجر والدوآب }؛ يسجدون لله؛ أي ~~يخضعون؛ لأن سجود هذه الأشياء خضوعها وانقيادها لخالقها ~~فيما يريد منها. وقال أبو العالية: (ما في السماء نجم ولا ~~شمس ولا قمر إلا وهو يسجد لله حين يغيب، ثم ~~لا ينصرف حتى يؤذن له). # قوله تعالى: { وكثير من الناس }؛ أي وكثير من ~~الكفار الذين سيؤمنون من بعد، وانقطع ذكر الساجدين ثم ~~استثناه فقال: { وكثير حق عليه العذاب }؛ أي ممن لا ~~يوحده وأبى السجود، وقوله تعالى: { ومن يهن الله فما ~~له من مكرم }؛ أي من يهن الله بالشقاء، فما أحد ~~يكرمه بالسعادة، { إن الله يفعل ما يشآء }؛ من ~~الإهانة والكرامة والشقاوة والسعادة، وهو المالك للعقوبة ~~والمثوبة. ### || [22.19-20] # قوله تعالى: { هذان خصمان اختصموا في ربهم ~~}؛ أراد بالخصمين المؤمنين والكفار، وقيل: أهل الكتاب وأهل ~~القرآن، والمعنى: اختصموا في دين ربهم، فقالت اليهود والنصارى: ~~نحن أولى بالله منكم؛ لأن نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل ~~كتابكم، وقال المسلمون: نحن أحق بالله منكم، آمنا بكتابنا ~~وكتابكم ونبينا ونبيكم، وأنتم كفرتم بنبينا حسدا. # وقيل: أراد بالخصمين الفريقين الذين تبارزوا يوم بدر. ~~والخصم يقع على الواحد والجميع، ألا ترى أنه جعل الكفار خصما، ~~والمؤمنين خصما، ولهذا قال (اختصموا)؛ لأنهما جمعان وليس ~~برجلين. وكان أبو ذر رضي الله عنه يقسم أن هذه الآية نزلت ~~في ستة نفر من قريش تبارزوا يوم بدر بثلاثة من المؤمنين ~~وهم: (حمزة؛ وعلي؛ وعبيدة بن الحارث) وثلاثة من ~~المشركين وهم: (عتبة؛ وشيبة؛ والوليد بن عتبة)، ~~قال: وقال علي رضي الله عنه: (إني لأول من يبعث ~~للخصومة يوم القيامة بين يدي الله عزوجل). # قوله تعالى: { فالذين كفروا قطعت لهم ثياب ~~من نار }؛ أي نحاس قد أذيب في النار فيجعل على أبدانهم ~~بمنزلة الثياب، وليس شيء إذا حمي أشد حرا من النحاس، { ~~يصب من فوق رءوسهم الحميم }؛ وهو الماء الحار الذي ~~قد انتهى حره، قوله تعالى: { يصهر به ما في ~~بطونهم والجلود }؛ أي يذاب بالحميم الذي يصب من فوق ~~رؤوسهم ما في بطونهم من الشحوم حتى يخرج من أدبارهم، وتذاب به ms1389 ~~الجلود أيضا، فإن جلودهم تتساقط من حر الحميم. والصهر ~~الإذابة، يقال: صهرت الإلية بالنار أصهرها؛ أي أذبتها. ### || [22.21] # قوله تعالى: { ولهم مقامع من حديد }؛ المقامع ~~جمع مقمعة؛ وهي مدقة الرأس. روي أن الملائكة يضربون ~~وجوههم بأعمدة من حديد، فيهوون في النار سبعين خريفا. ~~قال مقاتل: (تضرب الملائكة رأس الكافر بالمقمعة ~~فينقب رأسه، ثم يصب فيه الحميم الذي انتهى ~~حره، فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوف الكافر، ~~فيسلت ما في جوفه من الأمعاء حتى يحرق ~~قدميه). ### || [22.22-23] # قوله تعالى: { كلمآ أرادوا أن يخرجوا منها ~~من غم أعيدوا فيها }؛ أي كلما رفعتهم النار بلهبها ~~فحاولوا الخروج منها في غم العذاب أعيدوا في النار بضرب ~~المقامع، وقيل لهم: { وذوقوا عذاب الحريق }؛ أي ~~المحرق مثل الأليم بمعنى المؤلم. # " وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في قوله تعالى { ~~ولهم مقامع من حديد } قال: " لو وضع مقمع من ~~حديد على الأرض، ثم اجتمع عليه الثقلان ما ~~رفعوه من الأرض " ". # ثم ذكر الله الخصم الآخر فقال: { إن الله يدخل الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها ~~الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ~~}؛ قد تقدم تفسيره في سورة الكهف. # قرأ أهل المدينة وعاصم: (ولؤلؤا) بالنصب على معنى (يحلون ~~فيها لؤلؤا)، ومن قرأ بالخفض كان المعنى (يحلون فيها ~~من أساور من لؤلؤ). # وقوله تعالى: { ولباسهم فيها حرير }؛ ظاهر المراد. قال ~~أبو سعيد الخدري: # " من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في ~~الآخرة، وإن دخل الجنة لبسه أهل الجنة ولم ~~يلبسه هو " ### || [22.24] # قوله تعالى: { وهدوا إلى الطيب من القول }؛ أي ~~هدوا في الدنيا إلى القول الطيب، وهو قول لا إله إلا الله، ~~وقيل: إلى القرآن. قوله تعالى: { وهدوا إلى ~~صراط الحميد }؛ فالله الحميد، والصراط: طريق الجنة. ~~والمعنى: أرشدوا إلى الإسلام. ويجوز أن يكون (الحميد) نعتا ~~للصراط كما في قوله تعالى # حق اليقين # [الواقعة: 95]. وقيل: معنى الآية: وأرشدوا إلى القول الطيب ~~في الآخرة مثل قول الله تعالى: # الحمد لله الذي صدقنا وعده # [الزمر: 74]. ### || [22.25] ms1390 # قوله تعالى: { إن الذين كفروا ويصدون عن ~~سبيل الله }؛ معناه: إن الذين كفروا بمحمد والقرآن { ~~ويصدون عن سبيل الله } عطف المضارع على المضاف؛ لأن ~~المراد بالمضارع الماضي أيضا. ويجوز أن يكون المعنى الذين كفروا ~~فيما مضى وهم الآن يصدون عن سبيل الله مع كفرهم، والمعنى: ~~يمنعون الناس عن طاعة الله وعن الطواف في { والمسجد ~~الحرام }؛ وهم أبو سفيان وأصحابه الذين صدوا النبي صلى الله ~~عليه وسلم عام الحديبية. # قوله تعالى: { الذي جعلناه للناس سوآء العاكف ~~فيه والباد }؛ معناه: الذي جعلناه للناس كلهم، لم يخص به ~~بعضهم دون بعض سوى المقيم فيه، والذي يأتي من غير أهله، وليس ~~الذين صدوا عنه بأحق به من غيرهم. # قيل: المراد بالمسجد الحرام في هذه الآية الحرم كله، كما في ~~قوله تعالى: # إلا الذين عاهدتم عند المسجد الحرام # [التوبة: 7] وكان العهد بالحديبية. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: # " إن مكة لا يحل بيع رباعها ولا إجارة بيوتها ~~" # وقيل: إن المراد بالمسجد الحرام نفس المسجد سوى ~~المعتكف فيه: المجاور والبادي الذي يكون ملازما له في ~~حرمته وحق الله عليهما فيه سواء. # قرأ حفص: (سواء) بالنصب بإيقاع الجعل عليه، لأن الجعل يتعدى ~~إلى مفعولين. وقرأ الباقون بالرفع على الابتداء، وما بعده خبره. ~~وقيل: (سواء) خبر مبتدأ متقدم تقديره: العاكف فيه ~~والبادي سواء. # قوله تعالى: { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم ~~نذقه من عذاب أليم }؛ معناه: ومن يرد فيه إلحادا ~~بظلم، وفي هذا دليل أن المراد بالمسجد الحرام كل الحرم، فإن ~~الذنب في الحرم أعظم منه في غيره، فعلى هذا يكون قوله { سوآء ~~العاكف فيه والباد } أي سواء في النزول، فليس أحدهما أحق ~~بالمنزل يكون فيه. وحرموا بهذه الآية كراء دور مكة وإجارتها ~~في أيام الموسم. # قال عبدالله بن أسباط: (كان الحجاج إذا قدموا مكة لم ~~يكن أحد من أهل مكة أحق بمنزله منهم)، روي: ~~(أنها كانت تدعى السوائب في زمن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، من احتاج سكن، ومن ~~استغنى أسكن). ms1391 # والإلحاد هو الشرك بالله تعالى، وقيل: كل ظالم فيه ملحد. ~~وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " احتكار الطعام بمكة إلحاد " # وأما دخول الباء في قوله: (بإلحاد) فعلى معنى: ومن إرادته فيه ~~بأن يلحد بظلم. وقيل: الإلحاد دخول مكة بغير إحرام، وأخذ ~~حمام مكة وأشياء كثيرة لا يجوز للمحرم أن يفعلها. قوله ~~تعالى: { نذقه من عذاب أليم } خبر لكل ما تقدم من ~~الجملتين من قوله تعالى { إن الذين كفروا ويصدون } ، ~~ومن قوله تعالى { ومن يرد فيه بإلحاد بظلم }. ### || [22.26] # قوله تعالى: { وإذ بوأنا لإبراهيم مكان ~~البيت أن لا تشرك بي شيئا }؛ معناه: واذكروا إذ ~~جعلنا البيت مثوى لإبراهيم ومنزلا. قال الحسن: ~~(بوأناه نزلناه)، وقال مقاتل: (دللناه عليه)، ~~وقيل: هيأنا، نظيره # تبوىء المؤمنين # [آل عمران: 121]، # وبوأكم في الأرض # [الأعراف: 74]، # لنبوئنهم من الجنة غرفا # [العنكبوت: 58]، وقيل: معنى (بوأنا) أي بينا له مكان ~~البيت. # قال السدي: (لما أمر الله تعالى ببناء البيت لم ~~يدر إبراهيم أين يبني، فبعث الله إليه ريحا، ~~فكشفت له ما حول الكعبة عن الأساس الأول ~~الذي كان البيت عليه قبل أن يرفع أيام ~~الطوفان)، وقال الكلبي: (فبعث الله إليه سحابة على ~~قدر البيت فيها رأس يتكلم فقامت بحيال ~~البيت، وقالت: يا إبراهيم إبن على قدري)، قوله ~~تعالى: { أن لا تشرك بي شيئا } أي قلنا له وأوحينا إليه ~~أن لا تعبد معي غيري. # قوله تعالى: { وطهر بيتي للطآئفين ~~والقآئمين والركع السجود } أي طهر من ذبائح ~~المشركين، ومما كانوا يطرحون حوله من الدم والفرث، وقيل: ~~طهره من عبادة الأوثان، ومن دخول المشركين فيه. قوله ~~تعالى: { للطآئفين } الذين يطوفون حوله، وأما القائمون ~~الركع السجود فهم المصلون. ### || [22.27] # قوله تعالى: { وأذن في الناس بالحج }؛ أي ~~وعهدنا إلى إبراهيم أيضا أن أذن في الناس بالحج ~~يأتوك رجالا، فقال: يا رب وما يبلغ صوتي؟ فقال: عليك الأذان ~~وعلي البلاغ، فصعد أبا قبيس، ونادى في الناس: ألا إن ~~ربكم قد بنى بيتا، وأمركم أن تحجوه فحجوه، فاسمع ~~الله نداءه جميع من في أصلاب الرجال ms1392 وأرحام النساء، وما بين ~~المشرق والمغرب، والبر والبحر، فلباه كل حجر ومدر، ~~وكل مؤمن ومؤمنة في أصلاب الآباء وأرحام الأمهات، قالوا: لبيك ~~اللهم لبيك، فجعل الله التلبية شعارا للحج، فكل من ~~حج فهو ممن أجاب إبراهيم عليه السلام. # قوله تعالى: { يأتوك رجالا وعلى كل ضامر }؛ ~~معناه: يأتوك مشاة على أرجلهم وعلى كل جمل مهزول أضمره ~~السفر، ورجال جمع راجل، نحو صاحب وأصحاب. وعن ابن عباس أنه ~~قال: (ما ندمت على شيء فاتني إلا أني لم أحج ~~راجلا)، وقد حج الحسن بن علي رضي الله عنهما ~~خمسا وعشرين حجة ماشيا من المدينة إلى مكة، وأن النجائب ~~لتقاد معه. # وعن رسول الله صلى عليه وسلم أنه قال للحجاج: # " " للراكب كل خطوة تخطوها راحلته سبعين ~~حسنة، وللحاج الماشي بكل خطوة يخطوها ~~سبعمائة حسنة من حسنات الحرم " قيل: وما ~~حسنات الحرم؟ قال: " الحسنة بمائة ألف " ". # قوله تعالى: { يأتين من كل فج عميق }؛ أي من ~~بلدان شتى، من كل طريق بعيد، يقال عميقة إذا كانت بعيدة ~~القرار. وإنما قال (يأتين)؛ لأنه في معنى الجمع، وقيل: ~~معناه: وعلى ناقة ضامرة. # وعن بشر بن محمد قال: رأيت في الطواف كهلا قد أجهدته ~~العبادة، واصفر لونه، وبيده عصا وهو يطوف معتمدا عليها، ~~فتقدمت إليه لأسأله، فقال لي: من أين أنت؟ فقلت: من خراسان، ~~قال: من أي ناحية هي؟ قلت: من نواحي المشرق، فقال لي: في كم ~~تقطعون هذا الطريق؟ قلت: شهرين أو ثلاثة، قال: أفلا تحجون في ~~كل عام وأنتم جيران البيت؟ قلت: وأنتم كم بينكم وبين هذا البيت؟ ~~فقال: مسيرة خمس سنين، فقلت: والله إن هذا الجهد لبين، والطاعة ~~الجميلة والمحبة الصادقة، فضحك في وجهي وأنشأ يقول: # زر من هويت وإن شاطت بك الدار # وحال من زرته حجب وأستار # لا يمنعنك بعدا من زيارته # إن المحب لمن يهواه زوار ### || [22.28] # وقوله تعالى: { ليشهدوا منافع لهم }؛ أي ليشهدوا ما ~~ندبهم الله إليه مما لهم فيه نفع آخرتهم، ويدخل في ذلك منافع ~~الدنيا من التجارة بيعا ورخصة. قال ابن ms1393 جبير: (يعني ~~بالمنافع التجارة)، وقال مجاهد: (هي التجارة وما ~~يرضي الله من أمر الدنيا والآخرة). # وعن عمر بن عبدالعزيز أنه كان يقول إذا وقف بعرفة: (اللهم ~~إنك دعوت إلى حج بيتك، وذكرت المنفعة على ~~شهود مناسكك، وقد جئتك فاجعل منفعة ما ~~تنفعني به أن تؤتيني في الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة حسنة، وأن تقيني عذاب النار). # قوله تعالى: { ويذكروا اسم الله في أيام ~~معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام }؛ قال ~~الحسن: (الأيام المعلومات العشر، والأيام ~~المعدودات أيام التشريق)، وإنما قال لها معدودات؛ ~~لأنها قليلة، وقيل لتلك المعلومات الحرص على علمنا بحسابها من ~~أجل وقف الحج في آخرها، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة. # وقال أبو يوسف: (الأيام المعلومات أيام النحر وهي ~~ثلاثة أيام، والأيام المعدودات أيام التشريق ~~وهي ثلاثة بعد اليوم الأول من أيام النحر، ~~فيكون اليوم الأول من أيام النحر من ~~المعلومات دون المعدودات، واليوم الآخر من ~~أيام التشريق من المعدودات دون المعلومات، ~~ويومين من وسطها من المعلومات والمعدودات ~~جميعا)، وكان يستدل على هذا القول في الأيام بهذه الآية، فإنه ~~تعالى قال: { ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ~~على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } ، فاقتضى ظاهره أن ~~المراد التسمية على ما ذبح من بهيمة بالمتعة والقران. # وأما على قول أبي حنيفة، فالمراد بالذكر إكثار الذكر في أيام ~~العشر، كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما من أيام العمل الصالح أفضل فيهن من ~~أيام التشريق، فأكثروا فيها من التحميد ~~والتكبير والتهليل " # وعلى هذا يكون معنى { على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام } لما رزقتهم من بهيمة الأنعام، كما قال # ولتكبروا الله على ما هداكم # [البقرة: 185] أي لما هداكم، وقال محمد بن كعب: ~~المعلومات والمعدودات واحد). قوله تعالى: { ~~على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } يعني الهدايا ~~والضحايا من الإبل والبقر والغنم. # قوله تعالى: { فكلوا منها وأطعموا البآئس ~~الفقير }؛ قال الحسن: (وذلك أن أهل الجاهلية كانوا ~~إذا ذبحوا لطخوا وجه الكعبة، وشرحوا اللحم ~~فوضعوه على الحجارة حتى تأكله السباع ms1394 ~~والطير، وقالوا: لا يحل لنا أن نأكل شيئا ~~جعلناه لله. # فلما جاء الإسلام قال الناس: يا رسول الله كنا ~~نضعه في الجاهلية ألا نضعه الآن؟ فنزلت هذه ~~الآية). { فكلوا منها } يعني الأنعام التي تنحرون، { ~~وأطعموا البآئس } وهو الذي قد أصابه ضرر الجوع، و { ~~الفقير } الذي لا شيء له. وقيل: البائس الذي بين عليه ~~أثر البؤس بأن يمد يده إليك. وقيل: البائس الزمن. ~~وإنما خصص البائس الفقير؛ لأنه أحوج من غيره. ### || [22.29] # قوله تعالى: { ثم ليقضوا تفثهم }؛ قال ابن عباس: ~~(التفث هو المناسك كلها)، والمراد ها هنا رمي ~~الجمار والحلق، ويقال: قضاء التفث إزالة الشعث، وفي هذا ~~دليل على أن المراد بقوله { على ما رزقهم من بهيمة ~~الأنعام } دم المتعة والقران؛ لأن الله تعالى رتب عليه ~~قضاء التفث والطواف بالبيت الحرام، لا دم ترتب على هذه ~~الأفعال إلا دم المتعة والقران، فذكر هذه الآية في جواز الأكل ~~مما يذبح. وقيل: التفث هو الوسخ والقذر من طول الشعر ~~والأظفار، وقضاؤه وإذهابه وإزالته. # قوله تعالى: { وليوفوا نذورهم }؛ يعني نحر ما ~~نذروا من البدن، وقيل: يعني ما نذروا من أعمال البر في ~~أيام الحج، وربما نذر الرجل أن يتصدق إن رزقه الله ~~لقاء الكعبة. قوله تعالى: { وليطوفوا بالبيت ~~العتيق }؛ يعني طواف الزيارة بعد التروية، أما يوم النحر وما ~~بعده فيسمى طواف الإفاضة. والعتيق القديم؛ لأنه أول بيت ~~وضع للناس. وقيل: # " أعتق من أيدي الجبابرة، فلا يظهر عليه جبار ~~قط إلا أذله الله " # وعن ابن عباس قال: # " حج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أتى وادي ~~عسفان قال: " لقد مر بهذا الوادي نوح وهود ~~وإبراهيم على بكرات حمر خطمهن الليف، ~~يحجون البيت العتيق " ". ### || [22.30] # قوله تعالى: { ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو ~~خير له عند ربه }؛ أي ذلك الذي أمرتم به، ومن ~~يعظم حرمات الله باجتناب ما حرم الله تعظيما لله فهو ~~خير له في الآخرة من ترك استعظامه. وقال بعضهم: الحرمات ها ~~هنا البيت الحرام والبلد الحرام والشهر الحرام والمسجد الحرام. ~~قوله تعالى: ms1395 { فهو خير له } أي قال: المعظم خير له ~~عند ربه من التهاون، يعني في الآخرة. # قوله تعالى: { وأحلت لكم الأنعام }؛ أي رخصت ~~لكم بهيمة الأنعام أن تأكلوها، { إلا ما يتلى عليكم }؛ في ~~كتاب الله من الميتة والدم وغير ذلك مما بينه الله في سورة ~~المائدة من المنخنقة والموقوذة والمتردية ~~والنطيحة ومما لم يذكر اسم الله عليه. وقيل: معناه: ~~وأحلت لكم بهيمة الأنعام في حال إحرامكم إلا ما يتلى عليكم ~~من الصيد، فإنه حرام في حال الإحرام. # قوله تعالى: { فاجتنبوا الرجس من الأوثان }؛ أي ~~فاجتنبوا عبادتها وتعظيمها وأن تذبحوا لها، كما يفعل ~~المشركون، سماها رجسا استقذارا لها واستخفافا لها، وذلك أن ~~المشركين كانوا ينحرون هداياهم، ويصبون عليها الدماء، وكانوا ~~مع هذه النجاسات يعظمونها. # ويجوز أن يكون سماها رجسا للزوم اجتنابها كاجتناب الأنجاس. ~~وأما حرف (من) في قوله (من الأوثان) لتخصيص جنس من الأجناس، ~~والمعنى: فاجتنبوا الرجس الذي هو من وثن. # قوله تعالى: { واجتنبوا قول الزور }؛ يعني قول ~~الكذب، ومن أعظم وجوه الكذب الكفر بالله، والكذب على الله، ويدخل ~~في ذلك شهادة الزور، كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " شاهد الزور لا تزول قدماه من مكانها حتى ~~تجب له النار ". ### || [22.31] # قوله تعالى: { حنفآء لله غير مشركين به }؛ أي ~~مخلصين لله مستقيمين على أمره غير مشركين في تلبية ولا حج، ~~وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك اللهم ~~لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إلا شريكا ~~تملكه يعنون الصنم. وانتصب قوله: { حنفآء } على الحال. # قوله تعالى: { ومن يشرك بالله فكأنما خر من ~~السمآء }؛ أي سقط من السماء، { فتخطفه الطير }؛ في ~~الهواء فتمزقه، أو تذهب به الريح في موضع بعيد؛ أي ~~منحدر فيقع على رأسه فيهلك، أي كما أن الذي سقط من السماء ~~لا يملك نفعا ولا دفع ضر، وكذلك الذي تهوي به الريح في مكان ~~سحيق، وكذلك المشرك لا ينتفع بشيء من أحماله ولا يقدر ms1396 على شيء ~~منها. # قرأ أهل المدينة (فتخطفه الطير) بالتشديد أي فتتخطفه، ~~فأدغم أحد التائين في الأخرى، والخطف: الأخذ بسرعة. قال ~~ابن عباس: (يريد يخطف لحمه)، { أو تهوي به ~~الريح }؛ أي تسقطه، { في مكان سحيق }؛ أي بعيد. شبه ~~حال المشرك بحال هذا الهاوي من السماء في أنه لا يملك ~~حيلة حتى يسقط فهو هالك لا محالة، إما بإسلاب الطير، وإما ~~بالسقوط في المكان السحيق. ### || [22.32] # قوله تعالى: { ذلك ومن يعظم شعائر الله }؛ أي ~~ذلك التباعد والهلاك لمن أشرك بالله، من يعظم شعائر ~~الله؛ أي مناسك الله. وقيل: أراد بالشعيرة البدن، ~~فمن عظمها باستمنانها واستحسانها، { فإنها من تقوى ~~القلوب }؛ يعني من صفاوة القلوب. وإنما أضاف التقوى إلى ~~القلوب؛ لأن حقيقة التقوى تقوى القلوب. ### || [22.33] # قوله تعالى: { لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ~~}؛ أي لكم في بهيمة الأنعام المنافع تركبوها، وتشربون ألبانها ~~قبل أن تشعروها وتسموها هديا إلى أن تقادوها، وسموها هديا، وأما ~~إذا قلدوها وسموها هديا انقطعت هذه المنافع فلا يجوز له حينئذ ~~شرب ألبانها ولا خز أصوافها ولا بيع أولادها. # وأما ركوبها عند الشافعي يجوز إذا لم يضر بها، وعندنا لا يجوز ~~إلا اذا اضطر إليه. وعن أبي هريرة # " عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى رجلا يسوق بدنة، ~~فقال له: " ويحك! اركبها " فقال له: إنها بدنة، ~~فقال: " ويحك! اركبها " " # ، وهذا عندنا محمول على أنه عليه السلام إنما أباحه ~~لضرورة علمه من الرجل فأذن له في ذلك إن لم يجد ظهرا غيرها، يدل ~~على ذلك أنه لا يجوز له أن يوجهها للركوب. # قوله تعالى: { ثم محلهآ إلى البيت العتيق }؛ ~~يعني أن نحرها إلى الحرم، وعبر عن الحرم بالبيت؛ لأن حرمة ~~الحرم متعلقة بالبيت، كما قال تعالى # هديا بالغ الكعبة # [المائدة: 95]، ومن المعلوم أنه لا يذبح عند البيت. ### || [22.34] # قوله تعالى: { ولكل أمة جعلنا منسكا }؛ أي لكل ~~أمة مسلمة سبقت قبلكم جعلنا لها عيدا، قوله ~~تعالى: { ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من ~~بهيمة الأنعام }؛ عند الذبح. وقيل: معناه: ولكل أمة ms1397 ~~جعلنا عبادة في الذبح. وقيل: معناه: جعلنا متعبدا ~~يعبدون الله فيه. # قرأ أهل الكوفة (منسكا) بكسر السين؛ أي مذبحا وهو موضع ~~القربان، وقرأ الباقون بفتح السين على المصدر مثل المدخل ~~والمخرج؛ أي هراقة الدم أو ذبح القربات، فمن فتح ~~السين أخذه من نسك ينسك مثل دخل يدخل، ويستوي فيه المكان ~~والمصدر، ومن كسرها أخذه من نسك ينسك مثل جلس يجلس. # قوله تعالى: { فإلهكم إله واحد فله ~~أسلموا }؛ أي أخلصوا دينكم وأعمالكم لله تعالى، { وبشر ~~المخبتين }؛ أي المتواضعين بالجنة، واشتقاق المخبتين من ~~الخبت وهو المكان المطمئن، وقال مجاهد: (يعني المخبتين: ~~المطمئنين إلى الله)، وقال الأخفش: (الخاشعين)، ~~وقيل: الخائفين، وقيل: هم الذين إذا ظلموا لا ينصرون. ### || [22.35] # قوله تعالى: { الذين إذا ذكر الله وجلت ~~قلوبهم }؛ أي إذا خوفوا بالله خافوا. قوله تعالى: { ~~والصابرين على مآ أصابهم }؛ أي وبشر الصابرين ~~على ما أصابهم من البلايا والنوائب الشدائد، وبشر { ~~والمقيمي الصلاة }؛ في أوقاتها، وحذفت النون لطول الاسم، ~~قوله تعالى: { ومما رزقناهم ينفقون }؛ أي يتصدقون ~~من الواجب وغيره. ### || [22.36] # قوله تعالى: { والبدن جعلناها لكم من شعائر ~~الله }؛ جمع بدنة وهي الناقة والبقرة، والبدانة الضخامة، ~~والمعنى: والإبل جعلناها لكم من أعلام دين الله؛ أي ~~جعلناها لكم فيها عبادة لله من سوقها إلى البيت وتقليدها ~~وإشعارها ونحرها والإطعام منها، قوله تعالى: { لكم فيها ~~خير }؛ يعني النفع في الدنيا والآخرة. # قوله تعالى: { فاذكروا اسم الله عليها صوآف }؛ ~~أي عند نحرها، وصواف جمع الصافة وهي القائمة على ثلاث قوائم ~~قد عقلت، وكذا السنة في الإبل، ومعنى الآية: فاذكروا اسم ~~الله على نحرها قياما معقولة إحدى يديها وهي اليسرى. وعن يحيى ~~بن سالم قال: (رأيت ابن عمر وهو ينحر بدنته، ~~فنحرها وهي قائمة معقولة إحدى يديها) يعني اليسرى. # وروي عن ابن مسعود كان يقول: (صوافن) بالنون وهي المعقولة، من ~~قولهم: صفن الفرس إذا قام على ثلاث قوائم، قال الله تعالى: # الصافنات الجياد # [ص: 31]. وقرأ الحسن ومجاهد: (صوافي) بالياء أي صافية خالصة لله ~~تعالى. # قوله تعالى: { فإذا وجبت جنوبها }؛ أي سقطت ms1398 بعد ~~النحر، فوضعت جنوبها على الأرض وخرجت روحها، { فكلوا منها }؛ ~~ولا يجوز الأكل من البدن إلا بعد خروج الروح، لأن ما بين عن ~~الحي فهو ميت. وأصل الوجوب الوقوع، ومنه وجبت الشمس إذا ~~وقعت في المغيب، ووجب الحائط إذا وقع، ووجب القلب إذا وقع فيه ~~الفزع، ووجب الفعل إذا وجب ما يلزم به فعله. قوله تعالى: { ~~فكلوا منها } أمرنا بإباحة ورخصة مثل قوله: # وإذا حللتم فاصطادوا # [المائدة: 2]، وقوله تعالى # فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض # [الجمعة: 10]. # قوله تعالى: { وأطعموا القانع والمعتر }؛ ~~اختلفوا في معناها، فروي عن ابن عباس ومجاهد: (أن القانع ~~هو الذي يقنع ويرضى بما عنده ولا يسأل، ~~والمعتر الذي يعترض لك أن تطعمه من اللحم)، ~~يقال: قنع قناعة إذا رضي قانع، وعراه واعتراه إذا ~~سأله، وكذلك قال عكرمة وقتادة: (إن القانع هو المتعفف ~~الجالس في بيته، والمعتر السائل الذي ~~يعتريك ويسألك). # قال سعيد بن جبير والكلبي: (القانع هو الذي يسأل، ~~والمعتر هو الذي يتعرض لك ويريك نفسه ولا ~~يسألك)، فعلى هذا يكون القانع من القنوع وهو السؤال، يقال ~~منه: قنع الرجل يقنع إذا ذهب يسأل، مثل ذهب فهو قانع. قال ~~الشماخ: # كمال المرء يصلحه فيغنى # مفاقره أعف من القنوع # أي من السؤال. وقال زيد بن أسلم: (القانع هو المسكين ~~الذي يطوف فيسأل، والمعتر الصديق الزائر، ~~والمعتر الذي يعتري القوم للحمهم وليس ~~بمسكين إلا أنه ليست له ذبيحة، يأتي القوم ~~لأجل لحمهم). # وقرأ الحسن: (والمعتري) بالياء من قولهم: اعتراه إذا ~~غشيه لحاجته. وروى عطاء عن ابن عباس: (أن القانع الذي ~~يسأل، والمعتر الذي يأتيك بالسلام، ويريك ~~وجهه، ولا يسأل)، وعن مجاهد: (أن القانع جارك ~~الغني، والمعتر الذي يعتريك من الناس). # فعلى هذا تقتضي الآية: أن المستحب أن يتصدق بالثلث؛ لأن في ~~الآية أمر بالأكل وإعطاء الغني وإعطاء الفقير السائل. # " وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في الحرم: " الأضاحي ~~كلوا وادخروا " " # ، وقال تعالى: # فكلوا منها وأطعموا البآئس الفقير # [الحج: 28]، فإذا جمعت بين الآية والخبر جعل الثلث للصدقة. ms1399 # قوله تعالى: { كذلك سخرناها لكم لعلكم ~~تشكرون }؛ أي مثل ما وصفنا من نحرها وقيامها سخرناها ~~لكم؛ أي ذللناها لكم؛ لتتمكنوا من نحرها على الوجه ~~المسنون؛ لكي تشكروا نعم الله تعالى. ### || [22.37] # قوله تعالى: { لن ينال الله لحومها ولا دمآؤها ~~ولكن يناله التقوى منكم } قال الكلبي: (كان أهل ~~الجاهلية ينحرون البدن للأصنام ويلطخون ~~البيت بدمائها قربة إلى الله فنهى عن ذلك). والمعنى: ~~لن يرفع الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يرفع إلى الله منكم ~~الأعمال الصالحة والتقوى، وهو ما أريد به وجهه الكريم. # ويقال: إنما لا يتقبل الله اللحوم والدماء لأنها فعل الله، ~~ولكن يتقبل التقوى الذي هو فعل العبد، فيوجب الثواب على ذاك، ~~والمعنى: لن يتقبل الله اللحوم والدماء اذا كانت من غير تقوى، ~~وإنما يتقبل منكم التقوى والطاعة في ما أمركم به، بالنية ~~والإخلاص به. # قوله تعالى: { كذلك سخرها لكم }؛ أي ذللها لكم، ~~{ لتكبروا الله }؛ أي لتعظموه، { على ما هداكم ~~}؛ لدينه، { وبشر المحسنين }؛ بالجنة يعني الموحدين ~~المخلصين. ويقال: معنى قوله { على ما هداكم } يعني ما بين ~~لكم وأرشدكم لمعالم دينه ومناسك حجه. ### || [22.38] # قوله تعالى: { إن الله يدافع عن الذين آمنوا ~~}؛ أي إذا ما أمرتم فعلتم به وخالفتم فعل الجاهلية في ~~نحرهم وإشراكهم بالله، فإن الله يدفع عنكم غائلة المشركين ~~وأذاهم وينصركم عليهم، { إن الله لا يحب كل خوان ~~كفور } أي لا يحب كل مظهر للنصيحة مضمر للغش والنفاق ~~كافر بالله وبنعمته. # قال ابن عباس: (يريد الذين خانوا الله بأن جعلوا ~~معه شريكا وكفروا نعمه)، قال الزجاج: (من ذكر ~~غير اسم الله وتقرب إلى الأصنام بذبيحته فهو ~~خوان كفور)، قرأ أبو عمرو وابن كثير: (يدفع)، وقرأ الباقون: ~~(يدافع)، وهو بمعنى واحد. ### || [22.39] # قوله تعالى: { أذن للذين يقاتلون بأنهم ~~ظلموا }؛ قال ابن عباس: (هذه أول آية نزلت في ~~الإذن بالقتال، أذن الله تعالى للمؤمنين ~~المهاجرين أن يقاتلوا كفار مكة بسبب ما ~~ظلموا بأن أخرجوا من مكة) { وإن الله على ~~نصرهم لقدير }؛ هذا وعد لهم بالنصر. # وقيل: كان مشركو مكة يؤذون أصحاب ms1400 رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فلا يزالون محزونين من " بين " مشجوج ومضروب، ويشكون ~~ذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول لهم: " اصبروا فإني ~~لم أؤمر بالقتال " حتى هاجروا، فأنزل الله هذه الآية ~~بالمدينة. # قرأ نافع وأبو عمرو وعاصم: (أذن) بضم الألف وكسر الذال، وقرأ ~~الباقون (أذن) بالفتح؛ أي أذن الله لهم، وقوله (يقاتلون)، قرأ ~~نافع وابن عامر وحفص: بفتح التاء؛ أي أذن للمؤمنين الذين ~~يقاتلهم المشركون، وقرأ الباقون بكسرها، يعني أذن لهم في ~~الجهاد يقاتلون المشركين. ### || [22.40] # قوله تعالى: { الذين أخرجوا من ديارهم بغير ~~حق إلا أن يقولوا ربنا الله }؛ أول آية بدل من ~~{ الذين يقاتلون } أي أخرجهم أهل مكة من منازلهم بغير ~~جرم منهم. # قوله تعالى: { إلا أن يقولوا ربنا الله } معناه: ~~لم يخرجوهم إلا بأن كانوا يوحدون الله تعالى فأخرجوهم ~~لتوحيدهم، المعنى: لم يخرجوهم من ديارهم إلا لقولهم ربنا ~~الله، فيكون (أن) في موضع الخفض ردا على الباء في قوله { بغير ~~حق } ، ويجوز أن تكون (أن) في موضع نصب على الاستثناء. # قوله تعالى: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ~~ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد }؛ أي ~~لولا أن يدفع الله الناس بعضهم ببعض لهدم في زمن كل شيء ما ~~بني للصلاة والعبادة نحو الصوامع، { يذكر فيها اسم الله ~~كثيرا }. # قال مجاهد والضحاك: (يعني صوامع الرهبان)، وقال قتادة: ~~(الصوامع للصابئين؛ وهي متعبداتهم، والبيع ~~جمع بيعة؛ وهي متعبد النصارى، والصلوات هي ~~كنائس اليهود، وكان اليهود يسمونها ~~بالعبرانية صلواتا، والمساجد التي يصلي فيها ~~المسلمون). # والمعنى: لولا كف الله الناس بعضهم ببعض بالجهاد، وكف الظلم ~~لحرب في كل شريعة، كل بنى المكان الذي يصلى فيه، فكان لولا ~~الدفع لهدم في زمن موسى عليه السلام الكنائس، وفي زمن عيسى عليه ~~السلام الصوامع والبيع، وفي زمن محمد صلى الله عليه وسلم ~~المساجد. وعن مجاهد أنه قال: (البيع لليهود يسمونها ~~صلوات)، وقال أبو العالية: (هي مساجد للصابئين). فعلى هذا ~~يكون المعنى: لهدمت صوامع الصلوات. ويقال: أراد بالصلوات ~~الصلوات المعهودة التي للمسلمين، وهدمها إبطالها ms1401 وإهلاك من ~~يفعلها. # والأولى أن يستدل بهذه الآية على أن هذه المواضع المذكورة ~~التي يجري فيها اسم الله تعالى لا يجوز أن تهدم في شريعة نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم على كل من كان له ذمة، أو جهاد من ~~الكفار، فأما في ديار الحرب فيجوز للمسلمين هدمها إذا فتحت دارهم ~~عنوة، ولم يقروا عليها بالجزية، كما يجوز هدم سائر دورهم. # قوله تعالى: (لهدمت) الهدم هو نقض البناء. قرأ ~~أهل الحجاز (لهدمت) بالتخفيف. فإن قيل: لم قدم ~~مصليات الكافرين على مساجد المؤمنين؟ قيل: لأنها أقدم، ~~وقيل: لقربها من الهدم، وقرب المساجد من الذكر، كما خرج ~~السابق في قوله تعالى # فمنهم ظالم لنفسه # [فاطر: 32] إلى قوله تعالى: # بالخيرات # [فاطر: 32]. # قوله تعالى: { ولينصرن الله من ينصره }؛ أي ~~لينصرن الله تعالى من ينصر دينه، { إن الله ~~لقوي عزيز }؛ أي لقوي على أخذ الأعداء، عزيز أي ~~ممتنع بالنعمة منهم. ### || [22.41] # قوله تعالى: { الذين إن مكناهم في الأرض ~~أقاموا الصلاة }؛ نعت للذين ينصرون بدين الله؛ أي هم الذين ~~إن مكنهم الله في الأرض ينصرهم الله في عدوهم حتى يمكنوا في ~~البلاد، لم يعملوا ما عمله الذين من قبلهم، ولكن أقاموا الصلاة ~~المكتوبة، { وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ~~ونهوا عن المنكر }؛ وأعطوا الزكاة المفروضة، وأمروا ~~بالحق ونهوا عن الباطل. قال مقاتل: (هم أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم)، وقال الحسن: (هم هذه الأمة أهل ~~الصلوات الخمس). وقوله تعالى: { ولله عاقبة الأمور ~~}؛ بطل كل ملك سوى ملكه، فتصير الأمور كلها إليه بلا ~~منازع ولا مدع. ### || [22.42-44] # قوله تعالى: { وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم ~~قوم نوح وعاد وثمود * وقوم إبراهيم وقوم لوط ~~* وأصحاب مدين }؛ في هذه الآية تسلية للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، والمعنى: إن يكذبوك - قومك - فقد كذبت الأمم ~~أنبياءهم من قبلك، وقوله: { وكذب موسى }؛ أي كذبه فرعون، ~~{ فأمليت للكافرين }؛ أي أمهلتهم، وأخرت عقوبتهم، ~~{ ثم أخذتهم }؛ بالعقوبة، { فكيف كان نكير } أي فكيف ~~كان إنكاري عليهم حتى بيدوا أو خربت قراهم، فأبدلتهم بالنعمة ~~نقمة؛ وبالكثرة قلة؛ وبالحياة هلاكا. قال ms1402 الزجاج: (معناه: ~~فأنكرت أبلغ الإنكار). ### || [22.45] # قوله تعالى: { فكأين من قرية أهلكناها وهي ~~ظالمة }؛ أي كم من قرية أهلكناها بالعذاب بكفرهم. وقرى ~~أهلكناها، والاختيار أهلكتها بالتاء لقوله # فأمليت # [الحج: 44]، قوله: { فهي خاوية على عروشها }؛ أي ساقطة ~~على سقوفها، وذلك أن السقف يقع قبل الحيطان، ثم تقع الحيطان ~~عليه، قوله تعالى: { وبئر معطلة }؛ أي كم بئر عطلها ~~أربابها وكم من { وقصر مشيد }؛ عطله أهله. والمشيد ~~هو المجصص، والشيد الجص والنورة، ويجوز أن يكون معنى ~~المشيد الرفيع، يقال: شاد البناء وأشاده إذا أطلاه ~~بالشيد. ### || [22.46] # قوله تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض فتكون ~~لهم قلوب يعقلون بهآ أو آذان يسمعون بها }؛ أي ~~أفلم يسر قومك يا محمد في أرض اليمن والشام؛ لينظروا ~~آثار المهلكين، فيعقلوا بقلوبهم ما نزل بمن كذب من قبلهم، ~~ويسمعوا بآذانهم خبر الأمم المكذبة. قوله تعالى: { ~~فتكون لهم } نصب على جواب الجحد. # قوله تعالى: { فإنها لا تعمى الأبصار }؛ الهاء في ~~قوله { فإنها } عماد، وهو إضمار على شريطة التفسير، والمعنى: ~~فإن الأبصار لا تعمى؛ أي يرون بأبصارهم، { ولكن تعمى ~~القلوب التي في الصدور }؛ قلوبهم بذهابها عن إدراك الحق ~~بما يؤدي إليه الدليل. # وفي الآية دليل أن العقل في القلب بخلاف ما قاله الفلاسفة ~~والأطباء: أن محل العقل الرأس الدماغ؛ لأن العقل لو لم يكن في ~~القلب لم يوصف القلب بأن يعمى، كما لا توصف بذلك اليد ~~والرجل، وأما وصف القلوب بأنها في الصدور فعلى وجه التأكيد، كما ~~في قوله تعالى # يقولون بأفواههم # [آل عمران: 167]، وقوله تعالى # ولا طائر يطير بجناحيه # [الأنعام: 38]. ### || [22.47] # قوله تعالى: { ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف ~~الله وعده }؛ أي ويستعجلونك يا محمد بالعذاب، كما ~~قالوا: # فأسقط علينا كسفا من السمآء # [الشعراء: 187]، وقالوا # فأمطر علينا حجارة من السمآء # [الأنفال: 32]، ولن يخلف الله وعده في إنزال العذاب بهم في ~~الدنيا. قال ابن عباس: (يعني يوم بدر). # قوله تعالى: { وإن يوما عند ربك كألف سنة ~~مما تعدون }؛ معناه: إنهم يستعجلون بالعذاب، وإن يوما من ~~أيام عذابهم في الآخرة ألف سنة، فكيف يستعجلونه؟! ms1403 قال الفراء في ~~هذه الآية: (وعيد لهم بالعذاب في الدنيا والآخرة). # وقيل: معناه: وإن يوما عند الله وألف سنة في قدرته لواحد، ~~فليس تأخر العذاب عنهم إلا تفضلا من الله عليهم. قال الزجاج: ~~(أعلم الله أنه لا يفوته شيء، وإن يوما عنده ~~وألف سنة سواء، ولا فرق بين إيقاع ما ~~يستعجلونه من العذاب في تأخيره في القدرة، إلا ~~أن الله تفضل بالإمهال، فسواء عنده في الإمهال ~~يوم وألف سنة؛ لأنه قادر عليهم متى شاء ~~أخذهم)، قال الكوفيون وابن كثير: (مما يعدون) بالياء، وقرأ ~~الباقون بالتاء. ### || [22.48] # قوله تعالى: { وكأين من قرية أمليت لها وهي ~~ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير }؛ ظاهر المعنى. ### || [22.49-50] # قوله تعالى: { قل يأيها الناس إنمآ أنا لكم ~~نذير مبين }؛ أي قل لهم يا محمد: يا أهل مكة إنما أنا ~~لكم رسول مخوف بالنار لمن عصى الله بلغة يعرفونها، { ~~فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة }؛ ~~لدينهم، { ورزق كريم }؛ حسن في الجنة. ### || [22.51] # قوله تعالى: { والذين سعوا في آياتنا معاجزين ~~}؛ أي والذين أسرعوا في تكذيب آياتنا، وإبطال الدين مبالغين ~~لله ظانين أن يعودنا ويفوتنا بقولهم أن لا جنة ولا نار ولا ~~بعث ولا نشور، { أولئك أصحاب الجحيم }؛ قال قتادة: ~~(ظنوا بجهلهم أنهم يعجزون الله فلا يقدر ~~عليهم، وهيهات). وهذا كقوله # أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا # [العنكبوت: 4]، ومن قرأ (معجزين) فمعناه: أنهم كانوا ~~يعجزون مع من اتبع النبي صلى الله عليه وسلم أي ينسبونهم إلى ~~العجز. ### || [22.52] # وقوله تعالى: { ومآ أرسلنا من قبلك من رسول ولا ~~نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته ~~فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله ~~آياته }؛ قال ابن عباس وابن جبير والضحاك: (وذلك أن ~~الشيطان أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة جبريل وهو قائم ~~يصلي عند الكعبة يقرأ سورة # والنجم # [النجم: 1] حتى اذا انتهى إلى قوله تعالى # أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة ~~الأخرى # [النجم: 19-20] ألقى الشيطان على لسانه (تلك الغرانيق العلى ~~منها الشفاعة ترتجى)، فلما سمع المشركون ms1404 أعجبهم ذلك، فلما انتهى إلى ~~آخر السورة سجد، وسجد معه المسلمون والمشركون إلا الوليد بن ~~المغيرة، فإنه لم يقدر على السجود لكبره، فقال: ائتوني ~~بالتراب، فأتوه بالتراب فوضعه على كفه، ثم سجد على كفه، فلما ~~نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم ذكر له ذلك، فقال جبريل: ~~ما جئتك بهذه ولا أنزله الله تعالى، فقال: أتاني شيء في مثل ~~صورتك فألقاه علي). # وهذا حديث أنكر أهل العلم إجراءه على ظاهره، وقالوا: ~~كيف يجوز أن يجعل الله للشيطان على رسوله هذا السلطان، أو يختار ~~لرسالته من لا يميز بين وحي الله ووساوس الشيطان؟! ومن ~~المعلوم أن من نسب النبي صلى الله عليه وسلم به إلى ما يرجع إلى ~~تعظيم الأصنام فقد كفر، إلا أنه يحتمل أن يكون الشيطان ألقى في ~~تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله، وخيل إلى من ~~سمع تلاوته من الذين كانوا بالبعد منه أنه جرى على لسانه، ~~وإنما هو من لسان الشيطان، وكان ذلك فتنة للتابعين، وكان النبي صلى ~~الله عليه وسلم معصوما من أن يجري على لسانه ما لم ~~ينزله الله. وقد يذكر التمني ويراد به القراءة كما قال ~~الشاعر: # تمنى كتاب الله أول ليله # وآخره لاقي حمام المقادر # وقال جماعة من المفسرين: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حريصا ~~على إيمان قومه، وتمنى في نفسه من الله أن يأتيه ما يقارب بينه ~~وبين قومه، فجلس ذات مرة بهم في مجلس كثير أهله، وأحب يومئذ أن ~~يأتيه من الله شيء فقرأ عليهم سورة النجم، فلما بلغ # أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة ~~الأخرى # [النجم: 19-20] ألقى الشيطان على لسانه (تلك الغرانيق العلى وأن ~~شفاعتهم ترتجى) فلما سمعت قريش ذلك فرحوا وقالوا: قد ذكر محمد ~~آلهتنا بأحسن الذكر، ومضى النبي صلى الله عليه وسلم في قراءته، ~~فلما ختم السورة سجد في آخرها وسجد معه المسلمون والمشركون إلا ~~الوليد بن المغيرة وسعيد بن العاص فإنهما أخذا حفنة من البطحاء ~~ورفعاها إلى جبهتهما وسجدا عليها؛ لأنهما ms1405 كانا شيخين كبيرين لم ~~يستطيعا أن يسجدا. # وتفرقت قريش وقد سرهم ما سمعوا وقالوا: قد عرفنا أن آلهتنا ~~تشفع لنا، فنزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له: يا ~~محمد لقد تلوت قومك ما لم آتك به عن الله عز وجل، ~~فاشتد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم وحزن حزنا شديدا وخاف ~~من الله خوفا كثيرا، فأنزل الله هذه الآية تطيب نفس محمد ~~صلى الله عليه وسلم وتخبره بأن الأنبياء قبله كانوا مثله، ولم يبعث ~~نبيا إلا تمنى أن يؤمن قومه، ولم يتمن ذلك نبي إلا ألقى ~~الشيطان عليه ما يرضي قومه. فلما نزلت هذه الآية قالت قريش: ~~ندم محمد على ما ذكره من منزلة آلهتنا عند الله فغير ذلك ~~وجاء بغيره. # وقال عطاء عن ابن عباس: (إن شيطانا يقال له الأبيض أتى النبي ~~صلى الله عليه وسلم فألقى في قرآنه: إنها الغرانيق العلى وأن ~~شفاعتها لتترجى، ولم يقلها النبي صلى الله عليه وسلم، بل سمعه ~~القوم من الشيطان، وكل ذلك فتنة من الله تعالى لعباده المسلمين ~~والمشركين، فالمشركون ازدادوا كفرا بذلك، والمسلمون اشتد عليهم ~~الأمر). # ومعنى الآية: وما أرسلنا من قبلك من رسول وهو الذي يأتيه جبريل ~~بالوحي عيانا وشفاها، ولا نبي وهو الذي تكون نبوته ~~إلهاما أو مناما، فكل رسول نبي، وليس كل نبي مرسل. ~~قوله تعالى: { إلا إذا تمنى } أي أحب شيئا واشتهاه ~~وحدث نفسه من غير أن يؤمر به { ألقى الشيطان في ~~أمنيته } أي في قراءته وتلاوته، ونظيره قوله تعالى: # لا يعلمون الكتاب إلا أماني # [البقرة: 78] أي قراءة تقرأ عليهم. قال الشاعر في عثمان رضي الله ~~عنه: # تمنى كتاب الله أول ليلة # وآخرها لاقى حمام المقادر # وقال الحسن: (أراد بالغرانيق الملائكة) يعني أن شفاعتهم ~~ترتجى منهم لا من الأصنام. قوله تعالى: { فينسخ الله ~~ما يلقي الشيطان } أي يبطله ويزيله ثم يحكم الله ~~آياته فيثبتها، { والله عليم }؛ بمصالح عباده، { حكيم }؛ ~~في تدبيره. ### || [22.53] # قوله تعالى: { ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة ~~للذين في قلوبهم مرض ms1406 }؛ أي ليجعل ما يلقي الشيطان في ~~قراءته فتنة للذين في قلوبهم شك ونفاق؛ لأنهم افتتنوا بما ~~سمعوا فازدادوا عتوا، وظنوا أن محمدا صلى الله عليه وسلم ~~يقول الشيء من عند نفسه فيبطله. # قوله تعالى: { والقاسية قلوبهم }؛ يعني المشركين ~~كذلك ازدادوا فتنة وضلالة وتكذيبا، سماهم قاسية قلوبهم؛ لأنها ~~لا تلين لتوحيد الله، وقوله تعالى: { وإن الظالمين }؛ يعني ~~أهل مكة، { لفي شقاق بعيد }؛ أي مشاقة بعيدة عن الحق. ### || [22.54] # قوله تعالى: { وليعلم الذين أوتوا العلم ~~أنه الحق من ربك }؛ معناه: وليعلم المؤمنون رجوعك ~~إلى الصواب، إن ذلك حق من ربك فتخضع وتذل له قلوبهم. ~~وقيل: معناه: وليعلم الذين أوتوا العلم التوحيد ~~والقرآن. # قال السدي: (التصديق أنه الحق) أي إن نسخ ذلك ~~وإبطاله حق من الله، { فيؤمنوا به }؛ وتصديق النسخ، { ~~فتخبت له قلوبهم }؛ أي ترق قلوبهم للقرآن فينقادوا ~~لأحكامه، بخلاف المشركين الذين قيل: لهم # والقاسية قلوبهم # [الحج: 53]. # قوله تعالى: { وإن الله لهاد الذين آمنوا ~~إلى صراط مستقيم }؛ فيه بيان أن هذا الايمان والإخبات ~~إنما هو بلطف الله وهدايته إياهم، والمعنى: وإن الله ~~لهاديهم إلى دين يرضاه. ### || [22.55] # قوله تعالى: { ولا يزال الذين كفروا في مرية ~~منه }؛ أي في شك من القرآن، { حتى تأتيهم الساعة ~~بغتة }؛ يعني ساعة موتهم، { أو يأتيهم عذاب يوم ~~عقيم }؛ يعني يوم بدر في قول ابن عباس وقتادة ومجاهد، سماه ~~الله العقيم الذي لا يأتي بخير. وقيل: يوم القيامة سماه ~~الله عقيما لأنه لا مثال له في عظم أمره. ### || [22.56-57] # قوله تعالى: { الملك يومئذ لله يحكم بينهم ~~}؛ أي الملك يوم القيامة لله تعالى من غير منازع ولا مدع، لا ~~يظهر الأمر فيه إلا لله تعالى، { فالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات في جنات النعيم * والذين كفروا ~~وكذبوا بآيتنا فأولئك لهم عذاب مهين }؛ ~~فيقضي فيه بين المؤمنين والكافرين بإدخال المؤمنين الجنة، وإدخال ~~الكافرين النار. ### || [22.58] # قوله تعالى: { والذين هاجروا في سبيل الله ثم ~~قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا }؛ ~~معناه: والذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوطانهم في طاعة ~~الله من مكة إلى ms1407 المدينة، ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم ~~الله رزقا حسنا وهو نعيم الجنة، { وإن الله لهو خير ~~الرازقين }. ### || [22.59] # قوله تعالى: { ليدخلنهم مدخلا يرضونه }؛ ~~يعني به المنازل التي أعدها الله لهم في الجنة، لهم فيها ما ~~تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، خالدين فيها لا يبغون عنها حولا، ~~قوله تعالى: { وإن الله لعليم }؛ أي عليم بمصالح ~~عباده ونياتهم، { حليم }؛ لا يعجل بعقوبة أعدائه. ### || [22.60] # قوله تعالى: { ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ~~}؛ الآية؛ أي ذلك الأمر الذي قصصنا عليك، ثم قال { ومن عاقب ~~بمثل ما عوقب به } ، { ثم بغي عليه لينصرنه ~~الله }؛ نزلت هذه الآية في قوم من المشركين لقوا جماعة من ~~المسلمين فقاتلوهم في الشهر الحرام، فنهاهم المسلمون عن ذلك ~~فأبوا، فلما أبوا قاتلهم المسلمون فنصروا؛ أي ومن عاقب ~~بالقتال بمثل ما عوقب به؛ أي بالقتال في الشهر الحرام ثم بغي ~~على الدافع لينصرنه الله على من بغى عليه، { إن الله ~~لعفو }؛ أي متجاوز عن من فات { غفور }؛ لمن مات على ~~التوبة. ### || [22.61] # قوله تعالى: { ذلك بأن الله يولج الليل في ~~النهار }؛ أي ذلك النصر بأنه القادر على ما يشاء، فمن قدرته أنه ~~يولج الليل في النهار، { ويولج النهار في الليل ~~وأن الله سميع بصير }؛ أي سميع لمن دعاه بصير ~~بعباده. ### || [22.62] # قوله تعالى: { ذلك بأن الله هو الحق }؛ أي ذلك ~~الذي نقلته من نصرة المؤمنين بأن الله ذو الحق في فعله ~~وقدرته، { وأن ما يدعون }؛ المشركون؛ { من دونه هو ~~الباطل }؛ ليس فيه نفع ولا ضرر، { وأن الله هو ~~العلي }؛ على كل شيء بقدرته، { الكبير }؛ الذي يصغر كل ~~شيء سواه. ### || [22.63] # قوله تعالى: { ألم تر أن الله أنزل من ~~السمآء مآء فتصبح الأرض مخضرة }؛ أي ألم تعلم ~~وتشاهد أن الله أنزل من السماء ماء؛ يعني المطر، فتصبح ~~الأرض ذات خضرة بالنبات، { إن الله لطيف }؛ بأرزاق عباده ~~واستخراج النبات من الأرض، { خبير }؛ بما في قلوب العباد وبما يصلح ~~لهم. ### || [22.64] # قوله تعالى: { له ما في السموت وما في الأرض ~~}؛ عبدا وملكا، { وإن ms1408 الله لهو الغني }؛ عن عباده، ~~{ الحميد }؛ إلى أوليائه وأهل طاعته، وقيل: الغني عن ~~إيمان الخلق وطاعتهم، المحمود في أفعاله. ### || [22.65] # قوله تعالى: { ألم تر أن الله سخر لكم ما في ~~الأرض }؛ أي ألم تعلم أن الله ذلل لكم ما في الأرض؛ ~~يعني البهائم التي تركب، وسخر لكم { والفلك }؛ أي ~~السفن؛ { تجري في البحر بأمره }. # قوله تعالى: { ويمسك السمآء أن تقع على الأرض ~~إلا بإذنه }؛ أي حبس عنكم السماء حتى لا تقع عليكم ~~فتهلكوا. قوله تعالى: { إلا بإذنه } أي إلا بإرادته، ~~{ إن الله بالناس لرءوف رحيم }؛ أي متفضل على ~~عباده، منعم عليهم. ### || [22.66] # قوله تعالى: { وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ~~ثم يحييكم }؛ أي أحياكم في أرحام أمهاتكم، ولم تكونوا ~~شيئا. وقيل: معناه: أحياكم بعد أن كنتم نطفة ميتة، ثم يميتكم ~~بعد إنقضاء آجالكم، ثم يحييكم بعد الموت عند البعث للحساب، { إن ~~الإنسان لكفور }؛ يعني المشرك الجحود لنعم الله حتى ~~ترك توحيده بعد ظهور الآيات الداعية إلى الحق. ### || [22.67-69] # قوله تعالى: { لكل أمة جعلنا منسكا هم ~~ناسكوه }؛ أي لكل أهل دين جعلنا شريعة هم عاملون بها، ~~وقيل: موضعا تعتادونه لعبادة الله، ومكانا تعيشونه وتعملون ~~الخير فيه. وقيل: معناه: لكل أمة جعلنا عبرا. وقال ~~قتادة: (موضع قربان يذبحون فيه)، وقيل: المنسك ~~جميع العبادات التي أمر الله بها، كما قال صلى الله عليه وسلم يوم ~~الأضحى: # " إن أول نسك في يومنا هذا الصلاة ثم الذبح " # وقيل: أراد بالمنسك في هذه الآية المذبح الذي يتقربون فيه ~~بذبائحهم إلى الله تعالى، كما جعل مكانا منحرا للإنسان؛ لأن ~~النسك إذا أطلق أريد به الذبح من جهة القربة، كما قال # ففدية من صيام أو صدقة أو نسك # [البقرة: 196]. # قوله تعالى: { فلا ينازعنك في الأمر }؛ معناه: ~~النهي عن المنازعة بعد ظهور ما يوجب نسخ الشرائع المتقدمة، ~~كما يقال: لا يخاصمك فلان في هذا الأمر. وقيل: معناه: لا ~~ينازعنك في أمر الذبح، وذلك أن كفار قريش خاصموا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وأصحابه في أمر الذبيحة؛ وقالوا: ما لكم ms1409 تأكلون ما ~~قتلتم بأيديكم، ولا تأكلون ما قتله الله؟ # قوله تعالى: { وادع إلى ربك إنك لعلى هدى ~~مستقيم }؛ أي أدع إلى دين ربك وطاعته إنك على هدى ~~مستقيم، وقيل: على دلالة ودين مستقيم. { وإن جادلوك }؛ ~~على سبيل المراء والتعنت كما يفعله السفهاء، { فقل الله ~~أعلم بما تعملون }؛ أي إدفعهم بهذا القول، ولا تجادل ~~إلا لتبيين الحق، والمعنى: وإن خاصموك في أمر الذبيحة ~~فقل الله أعلم بما تعملون من التكذيب فهو يجازيكم به، ~~وهذا قبل الأمر بالقتال. وقوله تعالى: { الله يحكم ~~بينكم يوم القيامة }؛ أي يقضي بينكم يوم القيامة، { ~~فيما كنتم فيه تختلفون } من الدين والذبيحة. ### || [22.70] # قوله تعالى: { ألم تعلم أن الله يعلم ما في ~~السمآء والأرض }؛ أي قد علمت وأيقنت ذلك، وهذا استفهام ~~يراد به التقرير، وقيل: معناه: ألم تعلم يا محمد أن الله ~~يعلم أعمال أهل السماء والأرض وأسرارهم؟ { إن ذلك في ~~كتاب }؛ يعني ما يجري في السماء والأرض، كل ذلك مكتوب في ~~اللوح المحفوظ، { إن ذلك على الله يسير }؛ أي أن ~~علم الله بجميع ذلك عليه يسير سهل. ### || [22.71] # قوله تعالى: { ويعبدون من دون الله ما لم ~~ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم }؛ معناه: ~~ويعبدون من دونه الأصنام ما لم ينزل به كتابا ولا ~~حجة، وما ليس لهم به علم أنها آلهة، { وما للظالمين ~~من نصير }؛ أي وما للمشركين من مانع يمنع عذابا عنهم، نزلت ~~هذه الآية في أهل مكة. ### || [22.72] # قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ~~تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر }؛ أي وإذا ~~يقرأ عليهم القرآن تعرف في وجوههم الإنكار للقرآن من ~~الكراهة والعبوس، { يكادون يسطون بالذين يتلون ~~عليهم آيتنا }؛ أي يكادون يسطون بالمؤمنين ليردوهم. ~~وقيل: معناه: يكادون يقعون بمحمد صلى الله عليه وسلم من ~~شدة الغيظ. وقيل: يكادون يسطون إلى المؤمنين أيديهم ~~بالسوء. يقال: سطا فلان على فلان إذا تناوله بالسطو والعنف، ~~وأخذه بالشدة والإخافة. # قوله تعالى: { قل أفأنبئكم بشر من ذلكم }؛ ~~أي قل يا محمد أفأخبركم بشر عليكم من غيظكم ms1410 على ~~التالي لآيات الله وهو { النار وعدها الله الذين ~~كفروا }؛ يصيرون إليها، { وبئس المصير }؛ وقيل: إن ~~الكفار قالوا: والله ما رأينا قوما أقل حظا منكم يا أصحاب ~~محمد، قال الله تعالى: قل يا محمد: أفأخبركم بشر ~~من ذلكم؛ أي بشر مما قلتم: النار من دخلها فحاله شر ~~من حالنا. ### || [22.73] # قوله تعالى: { يأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا ~~له }؛ معناه: يا أهل مكة بين مثل آلهتكم ~~فاستمعوا له: { إن الذين تدعون من دون الله }؛ ~~من الأصنام، { لن يخلقوا }؛ أي لن يقدروا أن يخلقوا، { ذبابا ~~}؛ مع صغره وقلته، { ولو اجتمعوا له }؛ العابد ~~والمعبود على ذلك، وكان لهم ثلاثمائة وستون صنما حول الكعبة. # قوله تعالى: { وإن يسلبهم الذباب شيئا لا ~~يستنقذوه منه }؛ قال ابن عباس: (كانوا يطلون ~~أصنامهم بالزعفران والعسل، فيأتي الذباب ~~فيحمله فلا يقدرون أن يستردوه من الذباب). ~~وقال السدي: (كانوا يجعلون للأصنام طعاما، فيقع ~~عليه الذباب فيأكل منه فلا يستطيعون إنقاذه ~~منه) ف { ضعف الطالب }؛ من الأصنام، { والمطلوب }؛ هو ~~الذباب. وقال الضحاك: (معناه ضعف العابد والمعبود). ~~وقيل: معناه: ضعف الذباب الطالب لما يأخذه من الصنم، ~~وضعف المطلوب يعني الصنم. وقيل: ضعف الطالب من هذا ~~الصنم المتقرب إليه، والصنم المطلوب منه ذلك. # وقيل: إن المشركين كانوا خرجوا في عيد لهم بأصنامهم، وقد ~~زينوها باليواقيت واللآلئ وأنواع الجواهر، وطيبوها بأنواع ~~الطيب وغشوها بالحلي والحلل، فجاء ذباب فأخذ شطبة من ~~تلك الزينة - أي قطعة - فطار بها في الهواء، فأراهم الله تعالى ~~العبرة في ضعفهم وضعف معبودهم، فلا أحد مما لا يمكنه الاستنقاذ ~~من الضعيف. ### || [22.74] # قوله تعالى: { ما قدروا الله حق قدره }؛ أي ما ~~عرفوه حق معرفته، ولا عظموه حق تعظيمه حيث عدلوا به من ~~لا يقدر أن يخلق ذبابا، أو يستنفذ من ذباب ما ذهب به منه، { ~~إن الله لقوي عزيز }؛ أي قوي على خلقه، عزيز ~~في ملكه، لا يقدر أحد على مغالبته. ### || [22.75] # قوله تعالى: { الله يصطفي من الملائكة رسلا }؛ ~~معناه: الله يختار من الملائكة رسلا يعني جبريل وميكائيل ~~وإسرافيل وملك الموت، ms1411 { ومن الناس } يعني من النبيين. أخبر ~~الله عز وجل أن الاختيار إليه، ويختار من يشاء ممن ~~خلقه، فيجعلهم رسله وأنبياءه يبعثهم إلى خلقه، فأطيعوهم ~~واحذروا معصيتهم، { إن الله سميع }؛ بمقالتكم، { بصير }؛ ~~بأعمالكم وضمائركم. ### || [22.76] # قوله تعالى: { يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ~~}؛ أي يعلم ما بين أيدي الملائكة ورسله قبل أن يخلقهم، { ~~وما خلفهم } أي ما يكون بعد فنائهم { وإلى الله ترجع ~~الأمور }؛ عواقب الأمور. ### || [22.77] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا اركعوا ~~واسجدوا }؛ أي صلوا، قوله تعالى: { واعبدوا ~~ربكم }؛ أي بجميع العبادات، { وافعلوا الخير }؛ من أنواع ~~البر مثل صلة الرحم، وبر الوالدين، ومكارم الأخلاق، { ~~لعلكم تفلحون }؛ روي أنهم كانوا في أول الإسلام يسجدون ~~بغير ركوع، حتى نزلت هذه الآية. ### || [22.78] # قوله تعالى: { وجاهدوا في الله حق جهاده }؛ أي ~~جاهدوا المشركين بحسب الطاقة واستفراغها، ولا تخافوا في الله ~~لومة لائم، وقال بعض المفسرين: معناه: اعبدوا الله حق عبادته ~~وأطيعوه حق طاعته. قال السدي: (هو أن يطاع فلا يعصى) ~~وقال مقاتل: (نسختها آية التغابن # فاتقوا الله ما استطعتم # [التغابن: 16])، وقيل: هو مجاهدة النفس والهوى، وذلك حق ~~الجهاد وهو الجهاد الأكبر. # وقال بعضهم: هو حق الجهاد؛ لما # " روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين رجع من بعض غزواته: " ~~رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " " # وقال بعضهم: في حق الجهاد أنه # " كلمة عدل عند سلطان جائر " # وقال الحسن: (هو أن تؤدي جميع ما أمرك الله به، ~~وتجتنب جميع ما نهاك الله عنه، وتترك رغبة ~~الدنيا). وقال الضحاك: (معناه: جاهدوا بالسيف من ~~كفر بالله، وإن كانوا الآباء والأبناء). # قوله تعالى: { هو اجتباكم }؛ أي اختاركم لدينه وجهاد ~~أعدائه، والاجتباء: هو اختيار الشيء بما فيه من الصلاح، ~~يقال: الحق يجتبى، والباطل يتقى. قوله تعالى: { وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج }؛ أي ما جعل عليكم في ~~شرائع دينكم من ضيق، وذلك أنه ما يتخلص منه بالتوبة، وما يتخلص ~~منه برد المظلمة، ويتخلص منه بالقصاص، وليس في دين الإسلام ما لا ~~سبيل إلى الخلاص من ms1412 العقاب به، بل من أذنب ذنبا جعل الله له ~~مخرجا منه بالتوبة والكفارات، ولم يبق في ضيق ذلك الذنب. وقال ~~مجاهد: (يعني الرخص عند الضرورات كالقصر؛ ~~والتيمم؛ وأكل الميتة؛ والإفطار عند المرض ~~والسفر). # قوله تعالى: { ملة أبيكم إبراهيم }؛ أي إلزموا ~~واتبعوا ملته، وقيل: معناه: وسع عليكم في الدين ~~كملة أبيكم إبراهيم، إلا أنه لما حذف حرف الجر نصب ~~الملة، وإنما أمر باتباع ملة إبراهيم؛ لأنها داخلة في ~~ملة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. # وإنما قال: (أبيكم إبراهيم) وإن لم يكن جميعهم من نسبه؛ ~~لأن حرمة إبراهيم عليه السلام على المسلمين كحرمة الوالد على الولد، ~~وحقه كحق الوالد، كما قال تعالى: # وأزواجه أمهاتهم # [الأحزاب: 6]. # قوله تعالى: { هو سماكم المسلمين من قبل }؛ ~~نزول القرآن، { وفي هذا }؛ القرآن، كما روي أن الله ~~تعالى أوحى إلى إبراهيم: يبعث بعدك نبي فيكون قومه مسلمين. ~~وقيل: معناه: إن إبراهيم سماكم المسلمين، كما قال في دعائه # ومن ذريتنآ أمة مسلمة لك # [البقرة: 128]. # قوله تعالى: { ليكون الرسول شهيدا عليكم }؛ أي ~~ليكون محمد صلى الله عليه وسلم شهيدا عليكم يوم القيامة ~~بطاعة من أطاع في تبليغه، وعصيان من عصى، { وتكونوا ~~شهدآء على الناس }؛ أن الرسل بلغتهم. # قوله تعالى: { فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة }؛ ~~أي أدوهما كما وجبتا. قوله تعالى: { واعتصموا ~~بالله }؛ أي واعتصموا بدين الله وتمسكوا به. وقيل: ~~معناه: اتقوا بالله وتوكلوا عليه، { هو مولاكم }؛ أي هو ~~ربكم وحافظكم، { فنعم المولى ونعم النصير }؛ أي ~~فنعم الحافظ لكم، ونعم الناصر. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من قرأ سورة الحج؛ أعطي من أجر حجة وعمرة ~~اعتمرها بعدد من حج واعتمر فيما مضى وفيما ~~يبقى ". ### | [23 - سورة المؤمنون] ### || [23.1] # { قد أفلح المؤمنون }؛ أي فاز ونجا وسعد المصدقون ~~بالله ورسوله، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لما خلق الله جنة عدن، فيها ما لا عين رأت؛ ~~ولا أذن سمعت؛ ولا خطر على قلب بشر، قال لها: ~~تكلمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون - ثلاثا - ثم ~~قالت: أنا حرام ms1413 على كل بخيل ومراء " # قرأ طلحة بن مصرف: (قد أفلح المؤمنون) على ~~المجهول؛ أي أبقوا في الثواب، وحرف (قد) في اللغة لتزيين ~~الكلام وتحسينه، وقيل: لتقريب الحالة الماضية الى الحالة الآتية، ~~فدل على أن فلاحهم قد حصل وهم عليه في الحال، وهو أبلغ في الصفة ~~من تجريد ذكر الفعل، والفلاح هو البقاء والنجاح. ### || [23.2] # قوله تعالى: { الذين هم في صلاتهم خاشعون }؛ أي ~~متواضعون خائفون، ويقال: ساكنون بالقلب والجوارح فلا ~~يلتفتون يمينا ولا شمالا، كما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # " أنه رأى رجلا يعبث بلحيته في الصلاة، فقال صلى ~~الله عليه وسلم: " ولو خشع قلبه لخشعت جوارحه " " # ، وعنه صلى الله عليه وسلم: # " أنه كان إذا وقف في الصلاة رفع بصره نحو ~~السماء، فلما نزلت هذه الآية جعل نظره إلى موضع ~~سجوده " # وحقيقة الخشوع: هو جمع الهمة لتدبر الأفعال والأذكار. # وعن الحسن أنه قال: (إن الخاشعين هم الذين لا ~~يرفعون أيديهم في الصلاة إلا في التكبيرة ~~الأولى) وقال ابن عباس: (معنى قوله تعالى: { خاشعون ~~} أي أذلاء)، وقال مجاهد: (الخشوع هو غض البصر ~~وخفض الجناح). وكان الرجل من العلماء إذا قام إلى الصلاة ~~يخاف الرحمن أن يسند بصره إلى شيء، وأن يحدث نفسه بشيء ~~من الدنيا. وقال عمرو بن دينار: (ليس الخشوع الركوع ~~والسجود، ولكنه السكون وحسن الهيئة في ~~الصلاة). # وقال عطاء: (هو أن لا تعبث بشيء من جسدك في ~~الصلاة)، وعن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه، ~~فلا يحركن الحصى " # وقيل: نظر الحسن إلى رجل يعبث ويقول: اللهم زوجني من ~~الحور العين، فقال له الحسن: (بئس الخاطب أنت، تخطب ~~وأنت تعبث). وقال قتادة: (الخشوع هو وضع اليمين ~~على الشمال في الصلاة). وقال بعضهم: (هو جمع الهمة ~~لها والإعراض عما سواها). ### || [23.3] # قوله تعالى: { والذين هم عن اللغو معرضون }؛ ~~قال الحسن: (معناه: عن المعاصي معرضون)، وقال الزجاج: ~~(اللغو هو كل باطل ولهو ولعب وهزل). وقيل: ~~اللغو الذي يعرضون عنه: ms1414 هو كل ما لا فائدة فيه، ومنه قوله ~~تعالى: # وإذا مروا باللغو مروا كراما # [الفرقان: 72] أي شغلهم الجد فيما أمرهم الله به عن كل ~~باطل ولهو ولعب، وعن كل ما لا فائدة فيه من قول وفعل. وقال ~~مقاتل: اللغو (هو الشتم والأذى). ### || [23.4] # قوله تعالى: { والذين هم للزكاة فاعلون }؛ أي ~~مؤدون، فعبر عن التأدية بالفعل لأنه فعل. قال ابن عباس: ~~(يعني به الصدقة الواجبة)، وقيل: معناه: والذين هم ~~للعمل الصالح فاعلون، ويدخل في هذا كل فعل يذكر به الإنسان ~~ويحمد عليه، كما يقال: ما أعطى الله أحدا نعمة إلا أوجب عليه ~~فيها زكاة، فزكاة العلم نشره وتعليمه، وزكاة الجاه إعانة ~~الملهوف. ### || [23.5-6] # قوله تعالى: { والذين هم لفروجهم حافظون }؛ أي ~~يحفظونها عن الحرام، ويغضون البصر عما لا يحل لهم. قوله ~~تعالى: { إلا على أزواجهم أو ما ملكت ~~أيمانهم فإنهم غير ملومين }؛ أي يلامون في إطلاق ما ~~حرم عليهم إلا على أزواجهم وإمائهم فإنهم لا يلامون فيه. قال ~~مجاهد: (يفرض على الرجل حفظ فرجه إلا من ~~امرأته وأمته، فإنه لا يلام على ذلك). ### || [23.7] # قوله تعالى: { فمن ابتغى ورآء ذلك فأولئك ~~هم العادون }؛ أي من طلب للوطئ طريقا سوى ما أحل الله ~~من النساء الأربع أو ما ملكت أيمانهم فأولئك هم المجاوزون من ~~الحلال إلى الحرام، فمن زنى فهو عاد. ### || [23.8] # قوله تعالى: { والذين هم لأماناتهم وعهدهم ~~راعون }؛ أي الذين هم لما ائتمنوا عليه فيما بينهم وبين الله ~~وبين الناس حافظون حتى يؤدوه على وجهه. والرعي: هو القيام ~~على إصلاح ما يتولاه، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته " # ، وقال الله تعالى # إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى ~~أهلها # [النساء: 58]. وقرأ ابن كثير: (لأمانتهم) بالتوحيد لأنه مصدر ~~واسم جنس فيقع على الكثير، والأمانة قد تكون بين العبيد، كالودائع ~~وأشباهها، وتكون بين الله وعبيده كالصيام والاغتسال من الجنابة ~~والصلاة، فيجب على المؤمنين الوفاء بجميع حقوق الأمانات. قوله ~~تعالى: { وعهدهم راعون } يشتمل على طاعة الله تعالى التي ~~يجب ms1415 الوفاء بها، وعلى جميع العقود والأيمان والنذور. ### || [23.9] # قوله تعالى: { والذين هم على صلواتهم ~~يحافظون }؛ أي يواظبون على الصلوات، ويجتهدون في أوقاتها ~~المداومون فيها بفرائضها وسننها وآدابها. ### || [23.10] # قوله تعالى: { أولئك هم الوارثون }؛ أي أهل هذه ~~الصفات التي ذكرها الله من أول هذه السورة إلى هاهنا هم ~~الوارثون الذين يرثون يوم القيامة منازل أهل النار من ~~الجنة التي كانت لهم لو أطاعوا الله ورسوله. قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " ما منكم من أحد إلا وله منزلان، منزل في ~~الجنة ومنزل في النار، فإن مات ودخل النار ~~ورث أهل الجنة منزله ". ### || [23.11] # قوله تعالى: { الذين يرثون الفردوس هم فيها ~~خالدون }؛ الفردوس في اللغة: هو البستان الجامع ~~لمحاسن أجناس الكروم وغيرها. وقال عكرمة: ~~(الفردوس هو الجنة بلغة الحبشة). # وفي الحديث: # " أن حارثة بن سراقة قتل يوم بدر، فقالت ~~أمه: يا رسول الله إن كان ابني من أهل الجنة لم ~~أبك عليه، وإن كان من أهل النار بالغت في ~~البكاء عليه، فقال: " يا أم حارثة! إن ابنك قد ~~أصاب الفردوس الأعلى من الجنة " ". # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " " لقد أنزلت علي عشر آيات من أقامهن دخل ~~الجنة " ثم قرأ { قد أفلح المؤمنون } إلى آخر ~~الآيات العشر " # وقال مجاهد: (من حفظ العشر من سورة المؤمنين ~~ورث الفردوس). قال ابن عباس: (الفردوس خير ~~الجنان)، وقال صلى الله عليه وسلم: # " " إن الله غرس الفردوس بيده، ثم قال: وعزتي ~~وجلالي؛ لا يدخلها مدمن خمر وديوث " قالوا: ما ~~الديوث يا رسول الله؟ قال: " الذي يرضى الفواحش ~~لأهله " ". ### || [23.12] # قوله تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة ~~من طين }؛ أي خلقنا آدم من سلالة سلت من طين، والسلالة: ~~ما سل من الشيء؛ أي نزع واستخرج منه، يقال للنطفة: ~~سلالة، والولد سليل وسلالة. قال مجاهد: (السلالة ~~مني بني آدم)، وقال عكرمة: (هو الماء سل من الظهر ~~سلا)، والمراد بالانسان ولد آدم، وهو اسم جنس يقع على ~~الجميع. والمعنى: خلقنا ابن آدم من سلالة من طين؛ أي من ms1416 ~~صفوة ماء آدم الذي هو من طين. ### || [23.13] # قوله تعالى: { ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ~~}؛ ثم خلقنا ولد آدم من نطفة في موضع حرير يعني الرحم، مكن ~~فيه الماء بأن هيأ لاستقراره فيه إلى بلوغ أمره الذي جعل ~~له. وإنما سمي المني سلالة؛ لأنه سل من أصلاب الرجل ~~وترائب النساء، ثم يكون قراره في أرحام الأمهات. ### || [23.14] # قوله تعالى: { ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا ~~العلقة مضغة }؛ أي صيرنا النطفة دما منعقدا، ثم ~~صيرنا الدم لحما بلا عظم، والمضغة: هي القطعة الصغيرة من ~~اللحم. وقوله تعالى: { فخلقنا المضغة عظاما }؛ أي حولنا ~~المضغة عظاما، { فكسونا العظام لحما }؛ أي ثم ألبسنا العظام ~~لحما؛ ليكون أبهى في النظر وليكون اللحم وقاية للعظم. وقرأ ابن عامر: ~~(فخلقنا المضغة عظما فكسونا العظم لحما). # قوله تعالى: { ثم أنشأناه خلقا آخر }؛ بأن جعلنا ~~فيه الروح بعد أن لم يكن، ثم جعلناه ذكرا أو أنثى إلى أن ~~أعطيناه الفهم والتمييز ليأخذ ثدي أمه عند الحاجة فيرتضع ~~ويشتكي إذا تضرر بشيء. وقال مجاهد: (معنى قوله: { ثم ~~أنشأناه خلقا آخر } يعني سوينا شبابه). وقال ~~قتادة: (يعني أنبتنا شعره وأسنانه). وقيل: معناه: ~~أعطيناه العقل والقوة والفهم، وربيناه حالا بعد حال إلى أن ~~بلغ أن يتقلب في البلاد. # وقيل: إذا اجتمع الماء المتخلق منه الولد، فأول الحالات أن ~~يزيد، ثم يستحيل ذلك الماء علقة، وهو دم غبيط، ثم يصير مضغة، ~~وفي تلك الحالة تظهر الأعضاء النفيسة كالقلب والدماغ والكبد، ~~فالقلب أول عضو مكون ثم الدماغ ثم الكبد، ثم ينحى بعضها ~~عن بعض، وتخطط الأطراف، ثم يصير لحما على عظام، وعظام ~~البدن مائتان وأربعون عظما، فإذا نفخ فيه الروح لأربعة ~~أشهر انقسم دم الحيض ثلاثة أقسام: قسم يتغذى به الولد، وقسم ~~يحتبس إلى النفاس، وقسم يصعد إلى الثدي. # وإنما ينفخ الروح في الجنين لأربعة أشهر؛ لأنه يكون نطفة ~~أربعين يوما، ثم يكون علقة أربعين يوما، ثم يصير مضغة أربعين ~~يوما، ثم ينفخ فيه الروح. ويكون الولد في بطن أمه معتمدا ~~على رجليه وراحة ms1417 يديه على ركبتيه وظهره إلى وجه الأم، ووجهه إلى ~~ظهرها حتى لا تتأذى الأم بنفسه. # وإنما خلق الله عينيه في رأسه لتكون مشرفة على جميع ~~الأعضاء في الجهات كلها، كالطليعة للعسكر، وأصلح المواضع للطلائع ~~المكان المشرف، وجعلهما في كهفين حراسة لهما وتوفيرا ~~لضوئهما، وجعل لهما الهدب ليدفع ما نظر إليهما. # وخلق الله الأنف لينحصر فيه الهواء المستنشق لترويح ~~الرئة والدماغ. وخلق الفم وعاء لجميع الكلام، وخلق اللسان آلة ~~للنطق، ولتقليب الطعام الممضوغ، والمضغ يكون في جانبي الفم ~~حراسة لأداة النطق. وخلق الشفتين غطاء للفم والأسنان، ~~ويحجب اللعاب، ومعينا على الكلام، وجمالا في الصورة، ~~والأسنان تقطع؛ والأنياب تكسر؛ والأضراس تطحن. وخص الفك ~~الأسفل بالتحريك؛ لأن تحريك الأخف أحسن، لأن الأعلى يشتمل على ~~الأعضاء الشريفة فلم يخاطرها في الحركة؛ لأن الحركة تضعفها. ~~وجعل ماء الأذن مرا لئلا يقيم فيه الهوام، فإذا دخل ~~الأذن دابة لم يكن لها هم إلا الخروج. وجعل ماء العين ~~مالحا لئلا يذوب، وجعل ماء الفم عذبا ليطيب طعم الطعام. # وخلق الله الأصابع آلة لعمل الأشياء كالكتابة والصناعة ~~والخياطة، وجعلها على الكف لتحفظ ما يجعل فيها، ولم يخلق الأصابع ~~خالية من العظام لتكون أفعالها قوية، ولم يجعل عظامها ~~مجوفة لتكون أقوى على القبض والحركات. وجعل القلب في وسط ~~الصدر لأنه أعدل الأماكن وقد ميل قليلا إلى اليسار ليبعد عن ~~الكبد، والرئة، وغطاء للقلب ووقاية له، وهو بيت النفس ومنزل ~~الفرح. وخلق الله الأمعاء كثيرة التلافيف ليطول ستر ~~الغذاء، فلا يحتاج الإنسان إلى الغذاء في كل وقت، وخلق الله ~~القدم أخمص ليمسك الماشي في الدرج. # قوله تعالى: { فتبارك الله أحسن الخالقين }؛ أي ~~المصورين المحولين من حال إلى حال، ومعنى قوله { ~~فتبارك الله } أي استحق التعظيم والثناء، وقيل: دام لم ~~يزل ولا يزال. وقوله تعالى: { أحسن الخالقين } لا يقتضي أن ~~يكون معه خالق آخر كما قال # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن ~~مقيلا # [الفرقان: 24]، ويقال: { أحسن الخالقين } أي أحسن المقدرين، ~~فإن الخلق هو التقدير كما قال تعالى مخبرا عن عيسى عليه ms1418 السلام # أني أخلق لكم من الطين # [آل عمران: 49] أي أقدر لكم من الطير. # قال ابن عباس: (كان عبدالله بن شريح يكتب لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فأملى عليه هذه الآية، فلما ~~بلغ إلى قوله { آخر } خطر بباله { فتبارك الله ~~أحسن الخالقين } ، فلما أملاها عليه النبي صلى ~~الله عليه وسلم كذلك، قال عبدالله: إن محمدا نبي ~~يوحى إليه، وأنا نبي يوحى إلي. فلحق بمكة فمات ~~كافرا). ### || [23.15-16] # قوله تعالى: { ثم إنكم بعد ذلك لميتون }؛ أي ~~بعد الحياة والخلق الحسن والصورة الحسنة ميتون عند ~~انقضاء آجالكم. قرأ أشهب العقيلي: (لمائتون) بالألف، ~~والميت والمائت الذي لم تفارقه الروح وهو سيموت، ~~والميت بالتخفيف الذي فارقه الروح، فلذلك لم يخفف كقول # إنك ميت وإنهم ميتون # [الزمر: 30]. قوله تعالى: { ثم إنكم يوم القيامة ~~تبعثون }؛ يعني من قبوركم للجزاء والحساب. ### || [23.17] # قوله تعالى: { ولقد خلقنا فوقكم سبع طرآئق ~~}؛ أي سبع سماوات، سميت طرائق؛ لأن كل شيء فوق شيء فهو طريقة، ~~يقال: طارقت نعلي إذا جعلت جلدا فوق جلد. ويقال: سميت ~~طرائق لأنها طرق الملائكة. قوله تعالى: { وما كنا ~~عن الخلق غافلين }؛ أي وما كنا عن حفظ السماوات، وعن ~~إنزال المطر على العباد وقت الحاجة غافلين، ولو جازت الغفلة ~~لسقطت السماوات بعضها على بعض. ### || [23.18] # قوله تعالى: { وأنزلنا من السمآء مآء بقدر ~~فأسكنه في الأرض }؛ أي أنزلنا المطر من السماء بقدر ~~الحاجة إليه؛ أي بقدر ما يكفيهم للمعيشة، وقيل: بقدر يعلمه ~~الله. قوله تعالى: { فأسكنه في الأرض } أي جعلنا ~~سكناه ومستقره في الأرض مثل العيون والغدران والركايا. ~~وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أنزل الله من الجنة خمسة أنهار: سيحون وهو ~~نهر الهند، وجيحون وهو نهر بلخ، ودجلة ~~والفرات وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر ~~مصر، أنزلها الله من عين واحدة من أسفل درجة ~~من درجاتها على جناحي جبريل. وذلك قوله { ~~فأسكنه في الأرض }. فإذا كان عند خروج يأجوج ~~ومأجوج أرسل الله جبريل فرفع من الأرض القرآن ~~والعلم والحجر الأسود وهذه الأنهار الخمسة، ~~فيرفع ms1419 ذلك إلى السماء، فذلك قوله تعالى: { ~~وإنا على ذهاب به لقدرون }؛ فإذا رفعت هذه ~~الأشياء فقد أهلها خير الدين والدنيا ". ### || [23.19] # قوله تعالى: { فأنشأنا لكم به جنات من نخيل ~~وأعناب }؛ أي أخرجنا لكم بذلك المطر بساتين من نخيل وكروم، ~~وإنما خصها بالذكر لأنها أشرف الثمار، وقوله تعالى: { ~~لكم فيها فواكه كثيرة }؛ سوى النخيل والأعناب، { ~~ومنها تأكلون }؛ بإباحة الله لكم تأكلونها صيفا وشتاء. ### || [23.20] # قوله تعالى: { وشجرة تخرج من طور سينآء }؛ أي ~~وأنبتنا بذلك المطر شجرة وهي الزيتونة تخرج من جبل سيناء ~~للبركة، كأنه قال: من جبل البركة. وقرئ (طور سيناء) بفتح ~~السين. واختلفوا في المراد بالطور، قال بعضهم: هذا الجبل الذي ~~نادى موسى ربه عنده. يقال: إن أصل شجرة الزيتون من ذلك ~~الجبل؛ أي أول ما غرست فيه. وقال بعضهم: هو جبل بالشام كثير ~~الأشجار والأثمار. وقيل عن الزيتونة: أول شجرة نبتت في ~~الأرض بعد الطوفان. قوله تعالى: { تنبت بالدهن ~~وصبغ للآكلين }؛ قرأ أكثر القراء (تنبت) بفتح التاء ~~وضم الباء؛ أي تنبت بثمار الدهن يعني الزيت. وقرأ ابن كثير ~~وأبو عمرو بضم التاء وكسر الباء، ومعناه معنى الأول. والباء في ~~قوله تعالى (بالدهن) للتعدي، يقال: أنبته ونبت به، ~~ونبت الشيء وأنبت بمعنى واحد، قال الشاعر: # رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم # قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل # ويجوز أن تكون الباء زائدة على قراءة من ضم التاء، كقوله # ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة # [البقرة: 195]. قوله تعالى: { وصبغ للآكلين } يعني ~~الإدام، لأن الزيت إدام يصبغ به الخبز، يقال: صبغ وصباغ ~~كما يقال: لبس ولباس. ### || [23.21] # قوله تعالى: { وإن لكم في الأنعام لعبرة }؛ أي ~~لعظة ودلالة على وحدانيتنا لو اعتبرتم واستدللتم، { ~~نسقيكم مما في بطونها } يعني اللبن، { ولكم فيها ~~منافع كثيرة }؛ من الأولاد والأوتار والأصواف والأشعار ~~والركوب على الإبل، { ومنها تأكلون }؛ يعني لحومها. ### || [23.22] # قوله تعالى: { وعليها وعلى الفلك تحملون }؛ أي ~~تحملون على الإبل في البر وعلى السفن في البحر، وهذا كقوله ~~تعالى # وحملناهم في البر والبحر # [الاسراء: 70] يقال: إن الله تعالى جعل ms1420 للناس مركبين، مركبا ~~لينا لسير البر، ومركبا يابسا لسير البحر. ### || [23.23-26] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه }؛ ~~أي أرسلناه إليهم ليدعوهم إلى عبادتنا، { فقال يقوم ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا ~~تتقون } عبادة غيره. { فقال الملأ الذين كفروا من ~~قومه }؛ أي الأشراف منهم والرؤساء قالوا لسفائهم: { ما هذا ~~}؛ الذي يدعوكم إلى التوحيد، { إلا بشر مثلكم }؛ أي ~~آدمي مثلكم، { يريد أن يتفضل عليكم }؛ أي ~~يتقدم عليكم بدعوى النبوة ليكون له الفضل عليكم فتكونوا له ~~تبعا، { ولو شآء الله }؛ أن يرسل إلينا رسولا من عنده، { ~~لأنزل }؛ أي لأرسل { ملائكة }؛ من عنده، { ما سمعنا ~~بهذا }؛ بمثل هذه الدعوة، { في آبآئنا الأولين }؛ ~~ولا أرسل إليهم بشرا، { إن هو إلا رجل به جنة }؛ أي ~~قالوا: ما نوح إلا رجل به جنون، { فتربصوا به حتى ~~حين }؛ أي فانتظروا حتى يموت فنستريح منه. # فلما يئس من إيمانهم؛ { قال رب انصرني بما كذبون }؛ ~~أي أعني عليهم بتكذيبهم إياي وجحودهم نبوتي، والمعنى: ~~انصرني عليهم بإهلاكهم جزاء لهم بتكذيبهم. ### || [23.27] # قوله تعالى: { فأوحينآ إليه أن اصنع الفلك ~~بأعيننا ووحينا }؛ أي وأرسلنا إليه جبريل أن يعلمه ~~صنعة الفلك ليصنعها بمرأى منا، { فإذا جآء أمرنا }؛ ~~بنجاتك وإهلاكهم، { وفار التنور }؛ ونبع الماء من تنور ~~الخسارة. وعن علي رضي الله عنه: (أن معنى قوله { وفار ~~التنور } أي طلع الفجر). # قوله تعالى: { فاسلك فيها من كل زوجين اثنين ~~}؛ أي احمل في السفينة من كل ذكر وأنثى، كما روي أن الله ~~تعالى حشر إليه جميع الحيوانات حتى أخذ من كل جنس زوجا، ويقرأ ~~(من كل زوجين) بالتنوين، فعلى هذه القراءة يكون الفعل ~~واقعا على زوجين، وأما على القراءة الثانية فالفعل واقع على اثنين. # قوله تعالى: { وأهلك }؛ معناه: واحمل فيها أهلك، { ~~إلا من سبق عليه القول }؛ أي إلا من حق عليه العذاب ~~{ منهم } ، لكفره وهو ابنه كنعان وامرأته وأهله. قوله ~~تعالى: { ولا تخاطبني في الذين ظلموا }؛ أي لا ~~تسألني نجاة الذين ظلموا من أهلك، { إنهم مغرقون }؛ مع ~~الأجانب. ### || [23.28-29] # قوله تعالى: { فإذا استويت أنت ms1421 ومن معك على ~~الفلك }؛ أي إذا اعتدلت في السفينة راكبا واستقر بك ولمن ~~معك الفلك في الماء، { فقل الحمد لله }؛ أي أحمد الله، { ~~الذي نجانا من القوم الظالمين * وقل رب ~~أنزلني منزلا مباركا }؛ أي أنزلني من السفينة موضعا ~~مباركا. وقال بعضهم: أراد به الإنزال في السفينة وهو الأقرب؛ لأنه ~~إنما أمر بهذا الدعاء في حال استوائه على السفينة، فاقتضى أن ~~السفينة هي المنزل دون منزل آخر. # وقرأ العامة (منزلا) بضم الميم على المصدر؛ أي إنزالا ~~مباركا، وقرأ أبو بكر بفتح الميم وكسر الزاي؛ أي موضعا ~~مباركا، قال مقاتل: (يعني بالبركة أنهم توالدوا ~~وكثروا). # وقوله تعالى: { وأنت خير المنزلين }؛ أي أنت خير ~~المنزلين في الدنيا والآخرة، وهذا اللفظ سنة لكل من أراد ~~أن ينزل منزلا. ### || [23.30] # قوله تعالى: { إن في ذلك لآيات }؛ معناه: أن في أمر ~~نوح والسفينة وهلاك أعداء الله لدلالات على قدرة الله ~~ووحدانيته، { وإن كنا لمبتلين } أي ما كنا إلا ~~مبتلين بإرسال الرسل إليهم؛ أي مختبرين إياهم كيف نرى ~~طاعة المطيعين ومعصية العاصين. ### || [23.31-32] # قوله تعالى: { ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين }؛ أي ~~ثم خلقنا من بعد هلاك قوم نوح قوما آخرين يعني: عادا، { ~~فأرسلنا فيهم رسولا منهم }؛ يعني هودا عليه السلام ~~فإن أول نبي بعد نوح هود عليه السلام فقال لهم: { أن ~~اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا ~~تتقون }؛ إلى آخر الآية. ### || [23.33] # قوله تعالى: { وقال الملأ من قومه الذين كفروا ~~وكذبوا بلقآء الآخرة }؛ أي جحدوا البعث والنشور، { ~~وأترفناهم في الحياة الدنيا }؛ أي متعناهم في ~~الحياة الدنيا وأعطيناهم من نعيم العيش ووسعنا عليهم ~~ونعمناهم؛ أي قال أشراف قوم هود ورؤساؤهم الذين جحدوا بالبعث ~~والنشور ومتعناهم في الحياة الدنيا: { ما هذا }؛ أي ما هو { ~~إلا بشر مثلكم }؛ أي آدمي مثلكم، { يأكل مما ~~تأكلون منه ويشرب مما تشربون }؛ أي يأكل من ~~الطعام الذي تأكلون منه؛ ويشرب من الذي تشربون، فليس هو بأولى ~~بالرسالة منكم. ### || [23.34-36] # قوله تعالى: { ولئن أطعتم بشرا مثلكم ~~إنكم إذا لخاسرون }؛ معناه: لئن أطعتم ms1422 آدميا بشرا ~~مثلكم إنكم إذا لمبعوثون، وهذا القول منهم دليل على غاية جهلهم ~~حيث عبدوا أصناما لا تضر ولا تنفع، ولم يعدوا ذلك خسرانا، ~~والأصنام أجسام مثلهم بل دونهم. # ثم عدوا عبادة الله وطاعته هو خسرانا، قالوا: { أيعدكم ~~أنكم إذا متم وكنتم }؛ أي وصرتم، { ترابا وعظاما ~~}؛ بالية؛ { أنكم مخرجون }؛ أي أن تخرجوا من قبوركم، { ~~هيهات هيهات لما توعدون }؛ أي بعدا بعدا لما ~~تحاولون من البعث بعد الموت، وهذه كلمة استنكار واستبعاد، ويقرأ ~~(هيهات) سبع قراءات بالنصب والكسر والرفع والتنوين وغير ~~التنوين والسكون، فمن نصب جعلها مثل (أين وكيف)، وقيل: ~~لأنها أداة مثل خمسة عشر وبعلبك، ومن رفع جعله مثل ~~(منذ وقط وحيث)، ومن كسر جعله مثل أمس. قال الشاعر: # تذكرت أياما مضين من الصبا # وهيهات هيهاتا إليك رجوعها # وقال آخر: # لقد باعدت أم الحمارس دارها # وهيهات من أم الحمارس هيهاتا هيهات # ومعنى (هيهات) بعد الأمر جدا حتى امتنع، وهو اسم سمي به ~~الفعل، وهو بعد كما قالوا: صه بمعنى اسكت، ومه بمعنى لا ~~تفعل، وليس له اشتقاق وفيه ضمير مرتفع عائد إلى قوله ~~(مخرجون)، والتقدير (هيهات) أي هو الإخراج، والمعنى: بعد ~~إخراجكم للوعد؛ أي الذي توعدون. قال أبو عمرو: (إذا وقفت فقل ~~هيهاه بالهاء) وقال الفراء: (كان الكسائي يختار ~~الوقف عليها بالهاء، وأنا أختار التاء لأنها ~~ليست هاء التأنيث). وروي أن سيبويه قال: (هي بمنزلة ~~بيضات) يعني في التأنيث، فإذا كان كذلك كان ~~الوقف بالهاء. ### || [23.37-38] # قوله تعالى: { إن هي إلا حياتنا الدنيا }؛ أي ~~قالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا التي نحن فيها، { نموت ~~ونحيا }؛ أي يموت قوم ويحيا قوم آخرون، { وما نحن ~~بمبعوثين }؛ بعد الموت. قوله تعالى: { إن هو إلا ~~رجل افترى على الله كذبا }؛ أي قالوا: ما هود إلا ~~رجل اختلق على الله كذبا بأنه رسول إلينا، وأنا نبعث، { ~~وما نحن له بمؤمنين }؛ أي بمصدقين فيما يقول. ### || [23.39-41] # قوله تعالى: { قال رب انصرني بما كذبون }؛ أي ~~قال هود: رب أعني عليهم بتكذيبهم إياي، { قال }؛ الله: { ~~عما قليل }؛ على ms1423 تكذيبهم أي عما قليل من الزمان والوقت، يعني ~~عند الموت وعند نزول العذاب بهم، { ليصبحن نادمين }؛ على ~~الكفر والتكذيب، { فأخذتهم الصيحة بالحق }؛ أي صاح ~~بهم جبريل صيحة واحدة فماتوا عن آخرهم. قوله تعالى: { ~~بالحق } أي باستحقاقهم العذاب بكفرهم. # قوله تعالى: { فجعلناهم غثآء }؛ أي صيرناهم بعد ~~الهلاك كغثاء السيل، وهو ما يكون على وجه السيل من القصب ~~والحطب والحشيش والأشجار اليابسة المتبقية البالية، إذا جرى السيل ~~رأيت ذلك مخالطا زبد السيل، والمعنى: صيرناهم هلكا ~~فيبسوا كما يبس الغثاء من نبت الأرض. وقوله تعالى: { ~~فبعدا للقوم الظالمين }؛ أي بعدا من رحمة الله للقوم ~~الكافرين. ### || [23.42-43] # قوله تعالى: { ثم أنشأنا من بعدهم قرونا ~~آخرين }؛ أي ثم خلقنا بعد هلاك قوم هود أهل أعصار آخرين ~~فسكنوا ديارهم إلى أن هلكوا، { ما تسبق من أمة أجلها ~~وما يستأخرون }؛ أي لا تموت أمة قبل أجلها ولا يتأخر ~~موعدهم عنه، وقوله تعالى: { من أمة } من ها هنا صلة. ### || [23.44] # قوله تعالى: { ثم أرسلنا رسلنا تترا }؛ أي بعضها ~~في إثر بعض مترادفين، { كل ما جآء أمة }؛ أي قوما، { ~~رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا }؛ في ~~الهلاك والتعذيب، { وجعلناهم أحاديث }؛ لمن بعدهم من ~~الناس يتحدثون بأمرهم وشأنهم ويتمثل بهم في السر. { فبعدا ~~لقوم لا يؤمنون }. # قرأ ابن كثير وأبو عمرو: (تترا) بالتنوين، وقرأ الباقون بغير ~~تنوين مثل سكرى وشكوى، فمن نون كان الألف فيه كالألف في ~~أنت زيدا أو عمرا، فإذا وقفت كان ألفا، يعني توقف عليه بالألف، ~~ومن لم ينون كتبها بالياء. ### || [23.45-46] # قوله تعالى: { ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون ~~بآياتنا وسلطان مبين }؛ ظاهر المعنى. قوله تعالى: { ~~إلى فرعون وملئه فاستكبروا }؛ أي تكبروا عن ~~الإيمان بالله وعبادته، { وكانوا قوما عالين } ، أي وكانوا ~~قوما قاهرين للناس بالبغي والتطاول عليهم كما قال الله ~~تعالى: # إن فرعون علا في الأرض # [القصص: 4]، وقال مقاتل: (معنى قوله { عالين } أي ~~متكبرين عن توحيد الله). ### || [23.47-49] # قوله تعالى: { فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا }؛ ~~أي ليس لهم فضل علينا، { وقومهما لنا عابدون }؛ يعني ~~بني إسرائيل لنا مطيعون، { فكذبوهما ms1424 فكانوا من ~~المهلكين }؛ بتكذيبهما. قوله تعالى: { ولقد آتينا ~~موسى الكتاب }؛ يعني التوراة، { لعلهم يهتدون }؛ لكي ~~يهتدوا به من الضلالة. ### || [23.50] # قوله تعالى: { وجعلنا ابن مريم وأمه آية }؛ أي ~~جعلنا ولادة عيسى من غير أب دلالة على التوحيد والبعث، ولم يقل: ~~آيتين؛ لأن معنى الآية فيهما واحدة. وقيل: معنى كل واحد ~~منهما آية، كما قال # كلتا الجنتين آتت أكلها # [الكهف: 33] أي آتت كل واحدة أكلها، وقال تعالى: # إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس # [المائدة: 90] ولم يقل أرجاس. وقيل: معناه: جعلنا شأنهما ~~واحدا؛ لأن عيسى ولد من غير أب، وأمه ولدت من غير مسيس ~~ذكر. # قوله تعالى: { وآويناهمآ إلى ربوة ذات قرار ~~ومعين }؛ أي جعلناهما يأويان إلى بقعة مرتفعة ذات استواء ~~واستقرار، ومكان ظاهر. والربوة: المكان المرتفع من الأرض. # واختلفوا في هذه البقعة، قال قتادة: (يعني بيت المقدس، ~~وهو أرفع موضع في الأرض وأقرب موضع إلى ~~السماء ثمانية عشر ميلا)، وقال أبو هريرة: (هي ~~رملة بأرض فلسطين)، وروى الحسن وابن المسيب: (أنها ~~دمشق). وقوله تعالى { ذات قرار } أي مستوية ليستقر عليها ~~ساكنوها، وهي مع ذلك ساحة واسعة، والمعين الماء الجاري الطاهر ~~الذي تراه العيون، يقال عانت الركبة إذا سالت بالماء. ### || [23.51] # قوله: { يأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا ~~صالحا }؛ قال الحسن ومجاهد والسدي والكلبي وقتادة ومقاتل: ~~(الخطاب في هذه الآية لمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وحده، إلا أنه ذكره بلفظ الجماعة، لما في ~~الخطاب من تضمين أن الرسل جميعا أمروا بهذا ~~الخطاب، وقيل لهم: كلوا من الطيبات؛ أي من ~~الحلال، أمرهم الله أن لا يأكلوا إلا حلالا). # قال الحسن: (أما والله ما عنى به أصفركم ولا أحمركم ~~ولا حلوكم ولا حامضكم، ولكنه قال: انتهوا إلى ~~الحلال منه). قوله تعالى: { واعملوا صالحا } أي ~~اعملوا ما أمركم به الله وأطيعوه في أمره ونهيه. قوله ~~تعالى: { إني بما تعملون عليم }؛ ظاهر المعنى. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر ~~المؤمنين بما أمر به ms1425 المرسلين، فقال تعالى { ~~يأيها الرسل كلوا من الطيبات } وقال { يأيها ~~الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم } ، - ~~ثم ذكر - الرجل يطيل السفر أشعث أغبر، يمد ~~يده إلى السماء: يا رب يا رب! مطعمه حرام؛ ~~ومشربه حرام؛ وملبسه حرام؛ وغذي بالحرام، ~~فأنى يستجاب له؟! " # ويروى عن عيسى: كان يأكل من غزل أمه، وكان نبينا صلى الله ~~عليه وسلم كان يقول: # " جعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار ~~على من خالفني " # فبين أن رزقه من الغنيمة وأطيب الطيبات الغنيمة. ### || [23.52] # قوله تعالى: { وإن هذه أمتكم أمة واحدة ~~}؛ أي دينكم ودين من قبلكم دين واحد. وقيل: جماعتكم جماعة ~~واحدة كلكم عباد الله، { وأنا ربكم فاتقون }؛ أي ~~فاتقوا عذابي، وافعلوا ما أمرتكم به واتركوا ما نهيتكم عنه. # قرأ الكوفيون: (وإن هذه أمتكم) بكسر الهمزة على ~~الابتداء. وقرأ الباقون بفتحها مع التشديد، وخفف النون ابن عامر ~~مع فتح الهمزة، فمن فتح الهمزة وشدد النون فمعناه: وبأن هذه، ~~وقيل: واعلموا إن هذه أمتكم أمة واحدة، أي ملتكم ~~ملة واحدة وهي دين الإسلام، ومن خفف مع الفتح جعل (أن) صلة، ~~وتقديره: وهذه أمتكم، وقيل: تكون مخففة من الثقيلة كقوله ~~تعالى # وآخر دعواهم أن الحمد لله # [يونس: 10]. ### || [23.53-54] # قوله تعالى: { فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا }؛ ~~معناه: أنتم أهل ملة واحدة فلا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا ~~فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا؛ أي فرقا، وقيل: معناه: ~~كتبا مختلفة ديوانها، فكفروا بما سواها كاليهود آمنوا ~~بالتوراة وكفروا بالإنجيل والقرآن، والنصارى آمنوا بالإنجيل ~~وكفروا بالقرآن. وقرئ (زبرا) بفتح الباء ومعناه قطعا ~~وجماعات، ومنه زبر الحديد قطعه. # قوله تعالى: { كل حزب بما لديهم فرحون }؛ أي ~~كل طائفة بما عندهم من الاعتقاد معجبون، فاتركهم في ~~ضلالتهم وجهالتهم إلى أن يأتيهم ما وعدوا به من العذاب. وقيل: ~~إلى أن يموتوا فيظهر لهم الحق من الباطل عند المعاينة في ~~القيامة. وقيل: كل حزب من المشركين واليهود والنصارى بما ~~عندهم من الدين راضون، يرون أنهم على الحق، { فذرهم ~~في غمرتهم حتى حين }؛ أي في ضلالتهم وجهالتهم وغفلتهم ~~حتى ms1426 يرون العذاب بالسيف أو بالموت، يعني: كفار مكة. ### || [23.55-56] # قوله تعالى: { أيحسبون أنما نمدهم به من ~~مال وبنين * نسارع لهم في الخيرات }؛ أي يظنون ~~أن إمدادنا إياهم بالمال والبنين مسارعة منا لهم في الخيرات ~~لكرامتهم علينا ومنزلتهم عندنا، { بل لا يشعرون } أن ذلك ~~استدراج لهم وإملاء إلى حين. ### || [23.57-60] # قوله تعالى: { إن الذين هم من خشية ربهم ~~مشفقون }؛ أي حذرون من عذابه، والإشفاق هو الخوف، يقال: ~~أنا مشفق من هذا الأمر؛ أي خائف، { والذين هم بآيات ~~ربهم يؤمنون }؛ أي يصدقون بالقرآن أنه من عند الله، { ~~والذين هم بربهم لا يشركون }؛ معه غيره، { ~~والذين يؤتون مآ آتوا وقلوبهم وجلة }؛ أي والذين ~~يتصدقون بالأموال، ويعملون ما عملوا من الصالحات، وقلوبهم ~~فزعة خائفة أن لا يقبل منهم ذلك. قال مجاهد: (المؤمن ~~ينفق ماله وقلبه وجل). # " وعن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: سألت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عن قوله { والذين يؤتون مآ آتوا ~~وقلوبهم وجلة } ، فقال: " لا يا ابنة الصديق، ~~الذين يصومون ويتصدقون ويخافون أن لا تقبل ~~منهم، ويصلون ويعرفون ألا تقبل منهم، ~~ويتصدقون ويعرفون ألا تقبل منهم " " # وقال الحسن: (والذين يؤتون ما آتوا؛ أي يعملون ما ~~عملوا من البر وهم يرون أن ذلك لا ينجيهم من ~~عذاب الله)، قال الزجاج: وقلوبهم وجلة { أنهم إلى ~~ربهم راجعون }؛ أي لأنهم يوقنون برجوعهم إلى الله. ### || [23.61] # قوله تعالى: { أولئك يسارعون في الخيرات }؛ أي ~~أهل هذه الصفة هم الذين يسارعون في الأعمال الصالحة، { وهم ~~لها سابقون }؛ أي إليها سابقون، يكون (لها) بمعنى إليها، ~~كقوله: # بأن ربك أوحى لها # [الزلزلة: 5] أي إليها. وقيل: معناه: وهم لها سابقون في ~~الجنة؛ أي من أجل مسارعتهم في الخيرات سابقون في الجنة. ### || [23.62] # وقوله تعالى: { ولا نكلف نفسا إلا وسعها }؛ أي ~~إلا طاقتها من العمل، فمن لم يستطع أن يصلي قائما فيصلي ~~قاعدا. وقوله تعالى: { ولدينا كتاب }؛ أي عند ~~ملائكتنا المقربين كتاب يشهد لكم وعليكم، يريد به صحائف ~~الأعمال، وقيل: يعني اللوح المحفوظ، فيه كل شيء مكتوب، سبق ~~في علم ms1427 الله، { ينطق بالحق }؛ أي يبين الصدق، { وهم ~~لا يظلمون }؛ لا ينقصون من ثواب أعمالهم، ولا يزاد على ~~سيئاتهم. ### || [23.63] # قوله تعالى: { بل قلوبهم في غمرة }؛ أي قلوب أهل ~~مكة في غفلة وجهالة، { من هذا } الذي تقدم ذكره من أعمال ~~البر. وقيل: في غفلة من القرآن، { ولهم أعمال }؛ ~~خبيثة لا يرضاها الله من المعاصي والخطايا، { من دون ذلك }؛ أي ~~من دون أعمال المؤمنين، { هم لها عاملون }؛ ويجوز أن يكون ~~قوله { من هذا } إشارة إلى الكتاب الذي ينطق بالحق؛ أي ~~قلوبهم في غفلة من ذلك الكتاب، وأعمالهم التي عملوها محصاة ~~فيه، ولهم أعمال من دون ما هم عليه لا بد أن يعملوها، وهو ما ~~سبق في علم الله أنهم يعملونه. والغمرة: الغفلة التي ~~تغطي القلب وتغلب عليه. ### || [23.64] # قوله تعالى: { حتى إذآ أخذنا مترفيهم ~~بالعذاب إذا هم يجأرون }؛ أي حتى إذا أخذنا أعيانهم ~~ورؤساءهم بالقتل يوم بدر وبما يرون من العذاب وقت المعاينة، ~~وقال الضحاك: (بالجوع حين دعا عليهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم: # " اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم سنين ~~كسنين يوسف " # فابتلاهم الله بالقحط حتى أكلوا العظام ~~والجيف والكلاب والأولاد والقذر). قوله تعالى: ~~{ إذا هم يجأرون } أي يصيحون ويصرخون بالتوبة، وقيل: ~~يجرعون ويستغيثون. وأصل الجؤار رفع الصوت ~~بالتضرع. ### || [23.65-67] # قوله تعالى: { لا تجأروا اليوم }؛ وعيدا بهم ~~كالاستهزاء مثل قوله # لا تركضوا وارجعوا # [الأنبياء: 13]، قوله تعالى: { إنكم منا لا تنصرون ~~}؛ أي لا تمنعون من عذابنا. قوله تعالى: { قد كانت ~~آياتي تتلى عليكم }؛ أي تقرأ عليكم في الدنيا، يعني ~~القرآن، { فكنتم على أعقابكم تنكصون }؛ أي ~~تولون مدبرين وتعرضون عن الإيمان به، قوله تعالى: { ~~مستكبرين به }؛ أي متعظمين ببيت الله الكعبة. وقيل: ~~بحرم الله أنه لا يظهر عليكم أحد، فالكناية تعود إلى الحرم ~~وهو كناية من غير مذكور، والمعنى: والمستكبرين في البيت الحرام ~~لأمنهم فيه مع خوف سائر الناس في مواضعهم. # قوله تعالى: { سامرا تهجرون }؛ أي سمارا تهجرون ~~القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم، والهجر: هجر الحق ~~بالإعراض عنه، وقد يقال: هجر المريض ms1428 إذا هدأ في كلامه. ~~والسمر: الحديث بالليل، كانوا يتحدثون حول الكعبة في أوائل ~~الليل بالطعن في النبي صلى الله عليه وسلم وفي الإسلام والمسلمين، ~~وإنما وحد (سامرا) لأنه في موضع المصدر. # قال الحسن ومقاتل: (المعنى: يهجرون القرآن ~~ويرفضونه فلا يلتفتون إليه، كما قال تعالى { ~~قد كانت آياتي تتلى عليكم } الآية). ويجوز أن يكون ~~معناه من الهجر؛ وهو الكلام القبيح، يقال: هجر هجرا؛ إذا ~~قال غير الحق، وهو قول السدي والكلبي وقتادة ومجاهد، وكانوا إذا ~~دخلوا البيت سبوا النبي صلى الله عليه وسلم والقرآن. ويقال ~~أيضا في هذا المعنى: أهجر هجرا؛ إذا أفحش في منطقه، ومنه ~~قراءة نافع: (تهجرون) أي يفحشون في الكلام، ويقولون ~~الخنا، وذلك أنهم كانوا يسبون النبي صلى الله عليه وسلم، ~~والهجر هو الفحش من الكلام، يقال في المثل: (من كثر ~~هجره وجب هجره). ### || [23.68] # قوله تعالى: { أفلم يدبروا القول }؛ أي أفلم ~~يدبروا القرآن في حسن لفظه ونظمه، وكثرة فوائده ~~ومعانيه، مع سلامته من التناقض والاختلاف، فتعلموا أنه من عند ~~الله، ويقال: معناه: أفلم يدبروا القرآن فيعرفوا ما فيه ~~من العبر والدلالات على صدق النبي صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { أم جآءهم ما لم يأت آبآءهم ~~الأولين }؛ معناه: أم جاءهم أمر بديع لم يأت آباءهم؛ أي ~~ألم يعلموا أن الرسل قد أرسلوا إلى من قبلهم؟ والمعنى: ~~أجاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين فأنكروه وأعرضوا عنه. ويحتمل أن ~~يكون معناه: بل جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين فأنكروه وتركوا ~~التدبر له. لأن (أم) بمعنى: (بل). ### || [23.69] # قوله تعالى: { أم لم يعرفوا رسولهم }؛ بالصدق ~~والأمانة قبل إظهار الدعوة؟ { فهم له منكرون }. قال ابن ~~عباس: (كانوا يعرفون محمدا صلى الله عليه وسلم صغيرا ~~وكبيرا صادق اللسان وفي العهد) وفي هذا توبيخ لهم ~~بالإعراض عنه بعد ما عرفوا صدقه وأمانته. ### || [23.70] # قوله تعالى: { أم يقولون به جنة }؛ أي قالوا: إن ~~محمدا مجنون ليصدوا الوجوه ويصرفوها عنه، وقد كذبوا في ~~ذلك، فإن المجنون يهذي ويقول ما لا يفعل، { بل جآءهم }؛ ~~النبي صلى ms1429 الله عليه وسلم { بالحق }؛ أي بالقرآن الذي لا تخفى ~~صحته وحسنه على أحد، { وأكثرهم للحق كارهون }. ### || [23.71] # قوله تعالى: { ولو اتبع الحق أهوآءهم }؛ قال ~~مقاتل والسدي: (الحق هو الله) والمعنى: لو جعل مع نفسه شريكا ~~كما تحبون، { لفسدت السموت والأرض ومن فيهن }؛ ~~كقوله # لو كان فيهمآ آلهة إلا الله لفسدتا # [الأنبياء: 22]. وقيل: معناه: لو وضع الحق على أهوائهم ~~لهلك أهل السماوات والأرض؛ لأن الحق يدعو إلى ~~المحاسن، والهوى يدعو إلى القبائح، ولو جعل الهوى ~~متبوعا لبقيت الأمور على الظلم والجهالات، فتخلط الأمور ~~أقبح الاختلاط، ولم يوثق بالوعد والوعيد، فأدى ذلك إلى الفساد؛ ~~لأن الهوى هو ميل النفس إلى المشتهى من غير داعي الهوى. # قوله تعالى: { بل أتيناهم بذكرهم }؛ أي أعطيناهم ~~القرآن الذي فيه عزهم وشرفهم، وأمروا بالعمل بما فيه، { ~~فهم عن ذكرهم }؛ القرآن، { معرضون }؛ وهو نظير قوله # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف: 44] وقوله # كتابا فيه ذكركم # [الأنبياء: 10] والمعنى: تولوا عما جاءهم به من شرف الدنيا ~~والآخرة. ### || [23.72-73] # قوله تعالى: { أم تسألهم خرجا فخراج ربك ~~خير }؛ معناه: أم تسألهم على تبليغ الرسالة الجعل فيتثاقلون ~~لذلك، قوله تعالى: { فخراج ربك } أي ما وعد الله لك ~~من الأجر والثواب في الآخرة، { وهو خير الرازقين }؛ أي أفضل ~~المعطين. وأصل الخرج والخراج: الضريبة والعلة، كخراج ~~الأرض. # وقال النضر بن شميل: (سألت أبا عمرو بن العلاء عن ~~الفرق بين الخرج والخراج، فقال: الخراج ما ~~لزمك ووجب عليك أداؤه، والخرج ما تبرعت به ~~من غير وجوب)، قوله تعالى: { وإنك لتدعوهم ~~إلى صراط مستقيم }؛ أي إلى طريق قائم يرضاه الله وهو ~~الإسلام. ### || [23.74] # قوله تعالى: { وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~عن الصراط لناكبون }؛ معناه: وإن الذين لا يصدقون ~~بالقيامة عن دين الحق لناكبون؛ أي مائلون عادلون، ومنه ~~النكباء. وقيل: معناه: إنهم في الآخرة عن صراط جهنم ~~يسقطون يمنة ويسرة. ### || [23.75] # قوله تعالى: { ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ~~ضر للجوا في طغيانهم يعمهون }؛ أي ولو رحمناهم ~~وكشفنا ما بهم من الشدة التي أصابت أهل مكة من الجوع والقحط ms1430 ~~الذي أخذهم سبع سنين للجوا في طغيانهم؛ أي لتمادوا في ~~ضلالتهم يتحيرون ويترددون. وقيل: ولو رحمناهم في الآخرة ~~فرددناهم إلى الدنيا لعادوا إلى الكفر كما كانوا. قال الله ~~تعالى: # ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه # [الأنعام: 28]. ### || [23.76] # قوله تعالى: { ولقد أخذناهم بالعذاب }؛ يعني ~~الجوع الذي أصابهم بدعوة النبي صلى الله عليه وسلم: # " اللهم سنين كسني يوسف " # فجاعوا حتى أكلوا الوبر والدم، { فما استكانوا ~~لربهم وما يتضرعون }؛ أي فما خضعوا لربهم وما تضرعوا ~~ولا انقادوا في الأمر لله وما رغبوا إليه في الدعاء، ولو كشف ~~عنهم العذاب لم يشكروا، والاستكانة: طلب السكون، ~~والتضرع: طلب كشف البلاء من القادر عليه. ### || [23.77] # قوله تعالى: { حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا ~~عذاب شديد }؛ قيل: إنه القتل يوم بدر، وقيل: إنه عذاب ~~الآخرة، { إذا هم فيه مبلسون }؛ أي آيسون يتحيرون، ~~والإبلاس: اليأس مع التحير. وقيل: لما أصابهم من الجوع ما ~~أصابهم، # " جاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال: أنشدك ~~الله والرحم، ألست تزعم أنك بعثت رحمة ~~للعالمين؟ قال: " بلى " قال: فإنك قد قتلت ~~الآباء بالسيف والأبناء بالجوع " # ، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ### || [23.78-79] # قوله تعالى: { وهو الذي أنشأ لكم السمع ~~والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون }؛ أي خلق لكم ~~السمع تسمعون به، والأبصار تبصرون بها، والقلوب تعقلون بها، ~~فشكركم فيما أعطي إليكم قليل، والأفئدة هي القلوب. قوله ~~تعالى: { وهو الذي ذرأكم في الأرض }؛ أي خلقكم في ~~الأرض، { وإليه تحشرون }؛ أي تجمعون إلى موضع الحساب ~~والجزاء. ### || [23.80] # قوله تعالى: { وهو الذي يحيي ويميت }؛ أي يحييكم ~~في أرحام أمهاتكم، ويميتكم عند انقضاء آجالكم، { وله ~~اختلاف الليل والنهار }؛ أي له ملك اختلافهما ~~ومرورهما يوما بعد ليلة، وليلة بعد يوم، { أفلا تعقلون }؛ ~~أدلة الله تعالى تستدلون به على وحدانية الله تعالى. ### || [23.81-82] # قوله: { بل قالوا مثل ما قال الأولون }؛ أي لم ~~يعقلوا أدلتنا ولم يستدلوا بها علينا، بل كذبوا بالبعث ~~كما كذب آباؤهم قبلهم، والمعنى: كذبت قريش بالبعث مثل ما كذب ~~الأولون، { قالوا أإذا متنا وكنا ترابا ms1431 وعظاما ~~أإنا لمبعوثون }؛ بعد الموت. ### || [23.83] # قوله تعالى: { لقد وعدنا نحن وآبآؤنا هذا من ~~قبل }؛ أي خوفنا بهذا الذي تخوفنا به من قبل أن ~~تخوفنا به، { إن هذآ إلا أساطير الأولين } أي ما ~~هذا الذي تخوفنا به يا محمد إلا أحاديث الأولين. ### || [23.84-85] # قوله تعالى: { قل }؛ لهم يا محمد: { لمن الأرض ~~ومن فيهآ }؛ من الخلق والعجائب، أجيبوا { إن كنتم تعلمون ~~}؛ خالقها. ثم أجاب الله عنهم لما علم أنهم لا يجيبون ~~فقال: { سيقولون لله قل } لهم يا محمد: { أفلا ~~تذكرون }؛ فتستدلون على أن من له ملك السماوات والأرض ~~وما فيهما قادر على البعث والنشور، فإن من ملك الأرض ومن ~~فيها ملك إنشاءها بعد هلاكها. ### || [23.86-87] # قوله تعالى: { قل من رب السموت السبع ورب ~~العرش العظيم * سيقولون لله قل أفلا تتقون }؛ ~~عقابه على إنكار البعث. ومن قرأ { سيقولون لله } ومعناه: ~~كأنه قال: لمن السماوات؟ فقال: لله. ### || [23.88-89] # قوله تعالى: { قل من بيده ملكوت كل شيء وهو ~~يجير ولا يجار عليه }؛ أي من ذا الذي له خزائن كل شيء ~~وهو يغيث ويمنع من السوء، ولا يمنع منه من أراد به سوء، ~~أجيبوا { إن كنتم تعلمون * سيقولون لله }؛ ملكوت ~~كل شيء، { قل } لهم يا محمد { فأنى تسحرون }؛ أي ~~تصرفون عن الحق إلى ما ليس له أصل ولا حقيقة، وقد ألقي ~~إليكم حقائق الأدلة. والمعنى بقوله: { فأنى تسحرون } أي كيف ~~يخيل لكم الحق باطلا، والصحيح فاسدا. ### || [23.90] # قوله تعالى: { بل أتيناهم بالحق }؛ أي جئناهم ~~بالحق وبينا لهم، يعني أتيناهم بالتوحيد والقرآن، { ~~وإنهم لكاذبون }؛ فيما يضيفون إلى الله من الولد ~~والشريك. ### || [23.91-92] # قوله تعالى: { ما اتخذ الله من ولد }؛ هذا رد على ~~اليهود في قولهم: عزير ابن الله، وعلى النصارى في قولهم: المسيح ~~ابن الله، وعلى من قال من المشركين: الملائكة بنات الله، { وما ~~كان معه من إله } ، هذا رد على عبدة الأوثان. ~~وقوله تعالى: { إذا لذهب كل إله بما خلق }؛ ~~معناه: لو كان معه آلهة لانفرد كل إله بخلقه، لا يرضى أن يضاف ~~خلقه وإنعامه ms1432 إلى غيره، { ولعلا بعضهم على بعض }؛ أي ~~لطلب بعضهم قهر بعض، فلم ينتظم أمرهما كما لا ينتظم أمر ~~بلد فيه ملكان قاهران. # قوله تعالى: { سبحان الله }؛ أي تنزيها لله { ~~عما يصفون }؛ من اتخاذ الولد والشريك، { عالم الغيب ~~والشهادة }؛ من خفضه جعله نعت الله، ومن رفعه كان خبر ~~مبتدأ محذوف تقديره: هو عالم، فقراءة الخفض هي قراءة ابن كثير ~~وأبي عمرو، وقراءة الباقين بالرفع. ومعنى الآية: عالم ما غاب عن ~~العباد وما علمه العباد، { فتعالى عما يشركون }. ### || [23.93-95] # قوله تعالى: { قل رب إما تريني ما يوعدون }؛ ~~معناه: قل يا محمد رب أرني ما يوعدون من العذاب والنقمة؛ ~~يعني القتل ببدر. وقيل: معناه: قل يا محمد: يا { رب }؛ إن ~~أريتني ما يوعدون من العذاب، { فلا تجعلني في القوم ~~الظالمين }؛ أي منهم. قوله تعالى: { وإنا على أن ~~نريك ما نعدهم لقادرون }؛ أي نحن قادرون على تعذيبهم، ~~لكن الإمهال لحكمة تقتضي ذلك. ### || [23.96] # قوله تعالى: { ادفع بالتي هي أحسن السيئة }؛ ~~يعني بالإحسان الإعراض والصفح، والسيئة: أذى المشركين ~~إياه، وهذا قبل الأمر بالقتال، والمعنى: اذكر لهم المقاتلة ~~والحجة على طريق التلطف والاستدعاء إلى الحق كما قال تعالى # فقولا له قولا لينا # [طه: 44]. قوله تعالى: { نحن أعلم بما يصفون }؛ أي ~~بما يكذبون وبما يقولونه من الشرك فيجازيهم عليه. ### || [23.97-98] # قوله تعالى: { وقل رب أعوذ بك من همزات ~~الشياطين }؛ أي اعتصم بك وأمتنع بك من همزات ~~الشياطين، وهمزات الشياطين: دفعهم الناس إلى المعاصي بالإغواء، ~~ويقال: الهمزة هي الوسوسة الشاغلة عن أمر الله تعالى، { ~~وأعوذ بك رب أن يحضرون }؛ عند القراءة وعند الموت وعند ~~الغضب. وعن الحسن: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قام إلى الصلاة فهلل ~~وكبر ثلاثا؛ وقال: " أعوذ بالله من الشيطان ~~الرجيم، من همزه ولمزه ونفثه ونفخه " فسئل ~~عن همزه؛ فقال: " هو أخذ الشيطان للإنسان حتى ~~يصرع ويجن " وسئل عن نفثه؛ فقال: " هو الشعر ~~" وسئل عن نفخه؛ فقال: " إنه الكبر " ". ### || [23.99] # قوله تعالى: { حتى إذا جآء أحدهم الموت قال ~~رب ارجعون }؛ أخبر الله تعالى أن ms1433 هؤلاء الكفار الذين ينكرون ~~البعث يسألون الرجعة إلى الدنيا عند معاينة الموت. والمعنى: حتى ~~إذا عاين أحدهم الموت وأعوانه قال: رب ارجعون إلى الدنيا. # وإنما قال: { رب ارجعون } بلفظ الجماعة لأن الله تعالى يخبر ~~عن نفسه بما يخبر به عن الجماعة في قوله تعالى # إنا نحن نحيي ونميت # [ق: 43] وأمثاله، وكذلك العرب تخاطب الرجل الواحد بلفظ الجماعة ~~كما يقول الرجل لآخر: أنتم تفعلون كذا ونحن نفعل كذا، ومنه قوله ~~تعالى: # قرت عين لي ولك لا تقتلوه # [القصص: 9]. ### || [23.100] # قوله تعالى: { لعلي أعمل صالحا }؛ قال ابن عباس: ~~(معناه: أشهد أن لا إله إلا الله وأعمل طاعة الله) ~~{ فيما تركت }؛ أي في ما مضى من عمري، قال الله تعالى: { ~~كلا } لا يرجع إلى الدنيا، ولا يجوز أن يكون (لعل) في هذه ~~الآية للشك؛ لأنه لا معنى لذلك مع حرصه على الرجعة والنجاة من ~~الموت والعذاب، وإنما المعنى: لكي أعمل صالحا، و(كلا) كلمة ~~ردع وزجر وتنبيه أي لا يكون له ذلك. # قوله تعالى: { إنها }؛ أي من مسألة الرجوع إلى الدنيا، ~~{ كلمة هو قآئلها } ، عند موته ولا فائدة في ذلك، { ومن ~~ورآئهم برزخ إلى يوم يبعثون }؛ أي من أمامهم ~~حاجز وحجاب بينهم وبين الرجوع إلى الدنيا، وهم فيه إلى يوم ~~يبعثون، فالقبر حاجز، وكل فصل بين شيئين برزخ. ### || [23.101] # قوله تعالى: { فإذا نفخ في الصور فلا أنساب ~~بينهم يومئذ ولا يتسآءلون }؛ قال ابن عباس: ~~(يعني النفخة الأولى). وقيل: هي النفخة الثانية. وقوله ~~تعالى: { فلا أنساب بينهم يومئذ } ، قال الحسن: (والله ~~إن أنسابهم لقائمة بينهم كما قال الله تعالى # يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه # [عبس: 34-35] ولكنهم لا ينتفعون بأنسابهم ولا ~~يتعاطفون عليها، فكأنهم لا أنساب لهم). # وقيل: معناه: لا تفاخر بينهم كما يتفاخرون في الدنيا، ولا ~~يتساءلون كما تسأل العرب في الدنيا: من أي قبيل أنت؟ ~~وقيل: لا يسأل بعضهم بعضا عن خبره وحاله كما كانوا في الدنيا؛ ~~لشغل كل واحد منهما بنفسه، ولا يسأل بعضهم بعضا أن يحمل شيئا ~~من ذنوبه. ms1434 ### || [23.102] # قوله تعالى: { فمن ثقلت موازينه }؛ يعني بالطاعات؛ { ~~فأولئك هم المفلحون }؛ وقيل: فمن ثقلت ~~موازينه بكلمة التوحيد، فأولئك هم المفلحون، قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " ولو وضعت السماوات السبع وما فيهن والأرض ~~في كفة، رجحت بجميع ذلك ". ### || [23.103-104] # قوله تعالى: { ومن خفت موازينه }؛ يعني بكلمة الشرك ~~{ فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم ~~خالدون }؛ ظاهر المعنى. قوله تعالى: { تلفح وجوههم ~~النار }؛ قيل: الفلح هو الإحراق، يقال: لفحته النار إذا ~~أحرقته، وتأثير الفلح أعظم من تأثير النفح، والنفح ~~مذكور في قوله # نفحة من عذاب ربك # [الأنبياء: 46]. قوله تعالى: { وهم فيها كالحون }؛ ~~الكلوح: تقلص الشفتين عن الأسنان حتى تبدو الأسنان. # قال الحسن: (تغلظ شفاههم، وترتفع شفته العليا، ~~وتنزل شفته السفلى، فتظهر الأسنان، فهو أقبح ~~ما يكون). قال صلى الله عليه وسلم: # " وتشويه النار حتى تقلص شفته العليا ~~فتبلغ وسط رأسه، وتسترخي شفته السفلى حتى ~~تبلغ سرته " # ، قال ابن مسعود: (ألم تر إلى الرأس المسموط بالنار ~~كيف بدت أسنانه وقلصت شفتاه). ### || [23.105-106] # قوله تعالى: { ألم تكن آياتي تتلى عليكم ~~فكنتم بها تكذبون }؛ أي تجحدون، { قالوا ربنا ~~غلبت علينا شقوتنا }؛ بكثرة معاصينا، { وكنا قوما ~~ضآلين }؛ في الدنيا فلم نهتد. قرأ الكوفيون غير عاصم: ~~(شقاوتنا) بالألف وفتح الشين، وهما بمعنى واحد. الشقوة: هي ~~المضرة اللاحقة في العاقبة، والسعادة: هي المنفعة ~~التي تكون في العاقبة. والشقوة بفتح الشين بمنزلة ~~الفعلة الواحدة، وكسر الشين في هذا دال على الكثرة ~~واللزوم. ### || [23.107] # قوله تعالى: { ربنآ أخرجنا منها }؛ أي من النار إلى ~~الدنيا، { فإن عدنا }؛ إلى التكذيب والمعاصي، { فإنا ~~ظالمون }. ### || [23.108] # قوله تعالى: { قال اخسئوا فيها ولا تكلمون }؛ { ~~اخسئوا } كلمة إهانة ومذلة؛ وهي في الأصل لطرد الكلاب، ~~تقول: خسأت الكلب إذا طردته؛ فخسأ أي تباعد. قال ~~الزجاج: (معناه تباعدوا تباعد سخط، وابعدوا بعد ~~الكلب، ولا تكلمون في رفع العذاب عنكم، ولا ~~تسألون الخروج من النار، فإني لا أدفع عنكم ~~العذاب، ولا أهونه عليكم). # قال عبدالله بن عمرو: (أن أهل جهنم يدعون مالكا ~~أربعين عاما فلا يجيبهم، ثم يقول: إنكم ~~ماكثون، ms1435 ثم ينادون ربهم: ربنا أخرجنا منها ~~فإن عدنا فإنا ظالمون. فلا يجيبهم مقدار عمر ~~الدنيا، ثم يرد عليهم: إخسئوا فيها ولا ~~تكلمون بعد ذلك، ويكون لهم زفير كزفير ~~الحمير، وشهيق كشهيق البغال، وعوي كعوي ~~الكلاب). ### || [23.109] # قوله تعالى: { إنه كان فريق من عبادي يقولون ~~}؛ أي يقال لهم: إنه كان طائف من عبادي يقولون: { ربنآ ~~آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين }؛ ~~وهم الأنبياء والمؤمنون، وهذا تعليل لاستحقاقهم العذاب بما عاملوا ~~الأنبياء والمؤمنين باتخاذهم سخريا. ### || [23.110] # قوله تعالى: { فاتخذتموهم سخريا }؛ أي تسخرون ~~منهم وتستهزئون بهم. قرأ نافع وحمزة والكسائي: بضم السين ~~ها هنا وفي ص، وقرأ الباقون بكسرها وهما لغتان، ولم يختلفوا في ~~الزخرف أنه بالضم؛ لأنه بمعنى التسخير. # قوله تعالى: { حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم ~~تضحكون }؛ لاشتغالكم بالسخرية منهم وبالضحك، فنسب ~~الأنبياء إلى عبادة المؤمنين، وإن لم يفعلوا؛ لما أنهم كانوا ~~السبب فيه. ### || [23.111] # قوله تعالى: { إني جزيتهم اليوم بما صبروا ~~}؛ على أذيتكم واستهزائكم، { أنهم هم الفآئزون }؛ في ~~الجنة. قرأ حمزة والكسائي (إنهم) بالكسر على الاستئناف، وقرأ ~~الباقون بالفتح على معنى جزيتهم بالفوز. ### || [23.112-114] # قوله تعالى: { قال كم لبثتم في الأرض عدد ~~سنين }؛ أي كم لبثتم في القبور؟ وقيل المكث في الدنيا، يقول الله ~~تعالى للكفار يوم البعث: كم لبثتم في الأرض عدد سنين؟ { ~~قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم }؛ فيرون أنهم لم ~~يلبثوا إلا يوما أو بعض يوم لعظم ما هم فيه من العذاب، نسوا ~~ذلك. ويقال: يلحقهم دهشة وحيرة فينسون ذلك. وقوله ~~تعالى: { فسئل العآدين }؛ يعني الملائكة الذين يحفظون عليهم ~~آجالهم. وقرأ ابن كثير: (قل كم لبثتم) على فعل الأمر، ~~وقوله: { قال إن لبثتم إلا قليلا }؛ في جنب لبثكم ~~في العذاب؛ { لو أنكم كنتم تعلمون }. ### || [23.115-116] # قوله تعالى: { أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا }؛ ~~أي أظننتم أنا خلقناكم للعبث تأكلون وتشربون وتفعلون ما ~~تريدون وتموتون، { وأنكم إلينا لا ترجعون }؛ أي فلا ~~تحشرون للحساب، ولا ترجعون إلى موضع لا تملكون فيه لأنفسكم ~~ضرا ولا نفعا؟ # قال ابن عباس: (معناه: أفحسبتم أنما ms1436 خلقناكم ~~عبثا كما خلقنا البهائم، لا ثواب لها ولا عقاب ~~عليها لما قال # أيحسب الإنسان أن يترك سدى # [القيامة: 36] أي يهمل كما تهمل البهائم؟ قوله ~~تعالى: { فتعالى الله الملك الحق }؛ أي هو الملك ~~الحق الذي له الملك؛ لأنه ملك غيره، وكل من ملك ~~غيره فملكه مستعار له، فإنه لا يملك إلا بتمليكه الله إياه، ~~فكأنه لا يعتد بملكه في ملك الله. # قوله تعالى: { لا إله إلا هو رب العرش ~~الكريم }؛ سمي العرش كريما لكثرة خيره بمن حوله، يقال: ~~فلان كريم؛ أي كثير الخير. ### || [23.117] # قوله تعالى: { ومن يدع مع الله إلها آخر لا ~~برهان له به فإنما حسابه عند ربه }؛ أي من ~~يدع مع الله إلها آخر لم ينزل بعبادته كتاب ولا بعث ~~لها رسول ولا حجة له عليه، فإنما حسابه عند ربه، فهو ~~يجازيه بما يستحق كما قال تعالى: # ثم إن علينا حسابهم # [الغاشية: 26]، وقوله تعالى: { إنه لا يفلح ~~الكافرون }؛ أي لا يسعد من جحد وكذب، ولا يأمن ولا ~~ينجو من عذاب الله الكافرون. ### || [23.118] # قوله تعالى: { وقل رب اغفر وارحم وأنت خير ~~الراحمين }؛ يحتمل أن يكون أمرا للنبي صلى الله عليه وسلم ~~بالاستغفار منه، كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " " إني لأستغفر الله كل يوم سبعين مرة " ، ~~ويروى " مائة مرة " ". # وعن ابن مسعود: # " أنه مر بشاب مبتلى، فقرأت في أذنه { ~~أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا } حتى ختم ~~السورة فبرئ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~وماذا قرأت في أذنه؟ " فأخبره، فقال: " والذي ~~بعثني بالحق نبيا؛ لو أن رجلا مؤمنا قرأها ~~على جبل لزال " ". ### | [24 - سورة النور] ### || [24.1] # { سورة أنزلناها وفرضناها }؛ أي هذه سورة أنزلنا ~~جبريل عليه السلام بها، وقرأ طلحة بن مصرف (سورة) بالنصب على ~~معنى: أنزلنا سورة كما يقال: زيدا ضربته، ويجوز أن يكون نصبا ~~على الإغراء. قوله تعالى: (فرضناها) أي أوحينا فيها ~~أحكاما وفرائض مختلفة عليكم وعلى من بعدكم إلى يوم القيامة، ~~وجحد من قرأ بالتخفيف، قوله # إن الذي فرض عليك القرآن ms1437 # [القصص: 85] أي أحكام القرآن، والتشديد في (فرضناها) لكثرة ~~ما فيها من الفرائض. قال مجاهد: (يعني الأمر بالحلال ~~والنهي عن الحرام). قوله تعالى: { وأنزلنا فيهآ ~~آيات بينات لعلكم تذكرون }؛ أي دلالات واضحات على ~~وحدانيتنا وأحكامنا لكي تتعظوا فتعملوا بما فيها. ### || [24.2] # قوله تعالى: { الزانية والزاني فاجلدوا كل ~~واحد منهما مئة جلدة }؛ قال سيبويه: (معناه في ~~الفرائض عليكم الزانية والزاني؛ لأنه لولا ~~ذلك لنصب بالأمر الذي في قوله: { فاجلدوا } ). ~~والجلد في اللغة: ضرب الجلد، يقال: جلده؛ إذا ضرب ~~جلده ورأسه، إذا ضرب رأسه وبطنه، إذا ضرب بطنه. # ومعنى الآية: الزانية والزاني إذا كانا حرين بالغين ~~عاقلين بكرين غير محصنين، فاضربوا كل واحد منهما ~~مائة جلدة. فأما إذا كانا مملوكين، فيحد كل واحد ~~منهما خمسون جلدة في الزنا لقوله تعالى في الإماء: # فإذآ أحصن فإن أتين بفحشة فعليهن نصف ~~ما على المحصنت من العذاب # [النساء: 25] يعني إذا عقلن فعليهن نصف حد الحرائر. # وإذا كان الزاني محصنا فحده الرجم؛ لأن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم رجم ماعز بن مالك الأسلمي بزناه، وكان قد ~~أحصن. وكان عمر عليه السلام يقول: (إني لأخشى إن طال ~~الزمان أن يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله ~~تعالى، فيضلوا بترك الفريضة أنزلها الله، وقد ~~قرأنا: [الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ~~البتة] ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا ~~بعده، ولولا أن الناس يقولون: زاد عمر في كتاب ~~الله لكتبت ذلك على حاشية الكتاب). واجتمعت الأمة على ~~رجم المحصنين إذا زنيا إلا الخوارج. # وأما الإحصان في هذا فهو أن يكون حرا بالغا عاقلا مسلما قد ~~تزوج قبل ذلك نكاحا صحيحا، ودخل بزوجته في وقت كانا جميعا فيه ~~على صفة الإحصان، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، فإنهما يشرطان هذه ~~الشرائط السبعة في إحصان الزاني. # وأما أبو يوسف فلا يجعل الإسلام من شرائط الإحصان، ولا يشترط ~~كونهما على صفة الإحصان وقت الدخول في النكاح الصحيح، فجعل ~~الرجل البالغ العاقل المسلم محصنا بالدخول بزوجته الأمة ~~والصبية والكتابية، ويجعل الزوجين الرقيقين ms1438 محصنين بالدخول في ~~النكاح الذي بينهم إذا أعتقا بعد ذلك، فإن لم يوجد الدخول في ~~ذلك النكاح بعد العتق إلى أن زنى واحد منهما، فهما غير محصنين ~~عنده. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه: # " أن رجلا من الأعراب جاء إلى رسول الله: أنشدك ~~الله إلا قضيت لي بكتاب الله، فقال الخصم الآخر: ~~نعم يا رسول الله؛ اقض بيننا بكتاب الله، فقال: صلى ~~الله عليه وسلم: " قل " قال: إن ابني كان عسيفا على ~~هذا، فزنى بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني ~~الرجم، فافتديته بمائة شاة ووليدة، فسألت ~~أهل العلم فأخبروني أن على ابني مائة جلدة ~~وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال صلى ~~الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده لأقضين بينكما ~~بكتاب الله، الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ~~ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغد يا أنس إلى ~~امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها " قال: فغدا ~~عليها، فاعترفت؛ فأمر بها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فرجمت ". # قوله تعالى: { ولا تأخذكم بهما رأفة في دين ~~الله }؛ أي لا تأخذكم بهما رأفة ورحمة يمنع عن إقامة ~~الحد، ويحل بمقدار عدده وصفته، فإنه ليس من صفات المؤمنين تضييع ~~حدود الله، وقوله تعالى { في دين الله } ، قال ابن عباس: ~~(في حكم الله) كقوله # في دين الملك # [يوسف: 76] أي في حكمه، { إن كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الآخر }؛ ولا تعطلوا الحدود. قرأ ابن كثير (رأفة) ~~بفتح الهمزة. وإنما ذكر الضرب بلفظ الجلد لئلا يبرح ~~ولا يبلغ به اللحم. # واختلف العلماء في قوله { ولا تأخذكم بهما رأفة } فقال ~~قوم: معناه: ولا تأخذكم الرأفة بهما فتعطلوا الحدود ولا تقيموها ~~شفقة عليهما، وهو قول عطاء ومجاهد وقتادة وعكرمة وسعيد بن جبير ~~والنخعي والشعبي. وقال الزهري وسعيد بن المسيب والحسن: ~~(معناه: اجتهدوا في الجلد ولا تخففوا كما ~~يخفف في حد الشرب، بل يوجع الزاني ضربا، ولا ~~يخفف رأفة له، كأنه قال: لا تأخذكم بهما ~~فتخففوا الضرب، بل أوجعوهما ضربا). # قوله تعالى: { وليشهد عذابهما طآئفة من ~~المؤمنين }؛ أي ليكن إقامة الحد عليهما ms1439 بحضرة جماعة من ~~المؤمنين ليستفيض الخبر بهما، ويبلغ الشاهد الغائب، فيرتدع ~~الناس عن مثله، ويرتدع المضروب ويستحيي فلا يعود إلى مثل ذلك. ~~واختلفوا في مبلغ عدد الطائفة، فقال الزهري: (أقله ثلاثة)، ~~وقال ابن زيد: (أربعة بعد شهود الزنا)، وقال قتادة: ~~(نفر من المسلمين). # وفي الخبر: # " إقامة حد في أرض خير لأهلها من مطر أربعين ~~يوما " # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " يا معشر الناس؛ اتقوا الزنا فإن فيه ست ~~خصال؛ ثلاث في الدنيا وثلاث في الآخرة، فاللاتي ~~في الدنيا: تذهب البهاء، وتورث الفقر، وتنقص ~~العمر. وأما اللاتي في الآخرة: فتوجب السخط؛ ~~وسوء الحساب؛ والخلود في النار ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " أعمال أمتي تعرض علي في كل يوم مرتين، ~~فاشتد غضب الله على الزناة " # وعن وهب بن منبه قال: (مكتوب في التوراة: الزاني لا يموت حتى ~~يفتقر، والقواد لا يموت حتى يعمى). # فإن قيل: لم بدأ الله بذكر الزانية قبل ذكر الزاني فقال ~~تعالى { الزانية والزاني } ، وبذكر السارق قبل ذكر ~~السارقة في آية السرقة فقال: # والسارق والسارقة # [المائدة: 38]؟ قيل: لأن الرجل هو الذي يسرق غالبا، والمرأة هي ~~السبب في الزنا غالبا، فأخرج الخطاب في المؤمنين على الأغلب. ### || [24.3] # قوله تعالى: { الزاني لا ينكح إلا زانية أو ~~مشركة والزانية لا ينكحهآ إلا زان أو مشرك }؛ ~~قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية في قوم من ~~المهاجرين، دخلوا المدينة ولم يكن لهم ~~مساكن ولا مال يأكلون منه ولا أهل يأوون ~~إليهم، وفي المدينة باغيات سافحات يكرين ~~أنفسهم ويضربن الرايات على أبوابهن يكتسبن ~~بذلك، وكان أولئك المهاجرين الفقراء يطلبون ~~معايشهم بالنهار ويأوون إلى المساجد بالليل، ~~فقالوا: لو تزوجنا منهن فعشنا معهم إلى يوم ~~يغنينا الله عنهن، وقصدوا أن يتزوجوهن ~~وينزلوا منازلهن، ويأكلوا من كسبهن، ~~فشاوروا النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، فأنزل الله ~~هذه الآية، فنهوا أن يتزوجوهن على أن ~~يحلوهن والزنا). # والمعنى: لا يرغب في نكاح الزانية إلا زان مثلها، ونظيره ~~قوله تعالى: # الخبيثات للخبيثين # [النور: 26] ميل الخبيث إلى ms1440 الخبيث وميل الطيب إلى الطيب، وقد ~~يقع الطيب مع الخبيث، لكن الأعم والأغلب ما ذكرنا. # قوله تعالى: { وحرم ذلك على المؤمنين }؛ أي ~~حرم على المؤمنين تزويج تلك الباغيات المعلنات بالزنا، وفيه ~~بيان أن من يتزوج بامرأة منهن فهو زان، فالتحريم كان خاصة على ~~أولئك دون الناس. # ومذهب سعيد بن المسيب: أن التحريم كان عاما عليهم وعلى غيرهم، ~~ثم نسخ التحريم بقوله تعالى # وأنكحوا الأيامى منكم # [النور: 32]، فإن تزوج الرجل امرأة وعاين منها الفجور لم يكن ذلك ~~تحريما بينهما ولا طلاقا، ولكنه يؤمر بطلاقها تنزها ~~عنها، ويخاف عليه الإثم في إمساكها؛ لأن الله تعالى شرط على ~~المؤمنين نكاح المحصنات من المؤمنات. # وروي # " أن رجلا قال: يا رسول الله؛ إن امرأتي لا ترد ~~يد لامس! فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " طلقها ~~" فقال: إني أحبها، وأخاف إن طلقتها أن أصيبها ~~حراما، فقال له: " أمسكها إذا " " # إلا أن هذا الحديث فيه خلاف الكتاب؛ لأن الله تعالى أذن في ~~نكاح المحصنات، ثم أنزل الله في القاذف لامرأته آية اللعان، ~~وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم التفريق بينهما، ولا يجتمعان ~~أبدا، فكيف يأمره بالوقف على عاهرة لا تمتنع عمن أرادها، ~~والحديث الذي ذكر لم يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ~~إن صح فتأويله أنها امرأة ضعيفة الرأي في تضييع مال زوجها، ~~فهي لا تمنعه من طالب ولا تحفظه من سارق، وهذا التأويل أشبه ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم وأحرى لحديثه. ويحتمل أن يكون قوله ~~تعالى: { وحرم ذلك على المؤمنين } إشارة إلى ~~الزنا. # وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: (أن هذه الآية نزلت ~~في مرثد الغنوي، كان قد أمره النبي صلى الله عليه ~~وسلم وكان يحمل ضعفة المسلمين من مكة إلى ~~المدينة، ومن المدينة إلى مكة، وكانت له ~~صديقة في الجاهلية يقال لها: عناق، فلقيته ~~بمكة فدعته إلى نفسها فأبى وقال: إن الإسلام ~~قد حال دون ذلك، فقالت له: فانكحني، فقال: حتى ~~أشاور رسول الله صلى الله عليه وسلم، ms1441 فسعت به إلى ~~المشركين، فهرب إلى المدينة وأخبر النبي صلى ~~الله عليه وسلم وشاوره في تزوجها، فأنزل الله هذه ~~الآية). # وبين أن نكاح المشركة زنا؛ لأنها لا تحل له، وقرن بين ~~الزنا والشرك على طريق المبالغة في الزجر عن الزنا حين كان ~~القوم يألفون الزنا ألفا شديدا. # وكان بحسب ظاهر الآية أن يكون للزاني أن يتزوج المشركة، وللزانية ~~أن تتزوج المشرك، ولا خلاف أن ذلك غير جائر، وأن نكاح المشركات ~~وتزوج المشركين منسوخ بقوله تعالى # ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن # [البقرة: 221] وبقوله # ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا # [البقرة: 221]. # وذهب بعض المفسرين إلى أن معنى الآية: الزاني لا يطأ إلا ~~زانية؛ أي لا يزني حين يزني إلا بزانية مثله، وكذلك الزانية لا ~~يزني بها إلا زان مثلها، حتى إذا طاوع أحدهما الآخر، فهما ~~سواء في استحقاق الحد وعقاب الآخرة، فكأن المراد بالنكاح الوطء. ### || [24.4] # قوله تعالى: { والذين يرمون المحصنات }؛ أي ~~يرمونهم بالزنا، { ثم لم يأتوا بأربعة شهدآء }؛ على ~~صحة قذفهم إياهن بالزنا، { فاجلدوهم ثمانين جلدة ~~}. والمحصنات: الحرائر المسلمات البالغات العاقلات العفيفات ~~عن فعل الزنا. وفي ذكر عدد الأربعة من الشهود دليل على أن ~~المراد القذف بصريح الزنا؛ لأن هذا العدد لا يشترط إلا في الزنا، ~~ولا يقبل في ذلك شهادة النساء. وفي الآية دليل على أن من قذف ~~جماعة من المحصنات لم يضرب إلا حدا واحدا، وإذا كان القاذف ~~عبدا فحده النصف كما بينا في حد الزنا. # قوله تعالى: { ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا }؛ ~~يعني المحدودين في القذف لا تقبل شهادتهم أبدا، { وأولئك ~~هم الفاسقون }؛ أي الخارجون عن طاعة الله برميهم إياهن ~~زورا وكذبا. ### || [24.5] # قوله تعالى: { إلا الذين تابوا من بعد ذلك }؛ ~~أي ندموا على قذفهم وعزموا على ترك المعاودة { ~~وأصلحوا }؛ أعمالهم فيما بينهم وبين ربهم، { فإن الله ~~غفور }؛ لمن تاب منهم، { رحيم }؛ لمن مات على التوبة. # قال ابن عباس: (هذا الاستثناء لا يرجع إلى الشهادة، ~~وإنما يرجع إلى الفسق). وقيل: إن توبته فيما بينه ~~وبين الله مقبولة، وأما شهادته ms1442 فلا تقبل أبدا، وهو قول شريح ~~والحسن وإبراهيم، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة وأصحابه. # وذهب بعض العلماء إلى أن الاستثناء راجع إلى الفسق وإلى رد ~~الشهادة، ويكون معنى قوله تعالى (أبدا) ما دام على القذف ولم ~~يتب عنه. وأجمعوا جميعا أن هذا الاستثناء لا يرجع إلى ~~الجلد، وذلك يقتضي أن يكون مقصورا على ما يليه وهو الفسق. # وأجمعوا أن المقذوفة إذا ماتت ولم تطالب بحد القذف ولم ~~يحد القاذف ثم تاب، فإنه يجوز قبول شهادته؛ لأن على أصلنا ~~أن الحاكم إذا أقام الحد على القاذف فكذبه وأبطل حينئذ ~~شهادته، ولو جعل بطلان الشهادة حكما معلقا بتسمية الفسق ولم ~~يجعل حكما على حاله مرتبا على الجلد لبطلت فائدة قوله # ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا # [النور: 4] من كتاب الله؛ لأن كل فاسق لا تقبل شهادته إلا بعد ~~توبته عن الفسق. ### || [24.6-7] # قوله تعالى: { والذين يرمون أزواجهم ولم ~~يكن لهم شهدآء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم ~~أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين * ~~والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من ~~الكاذبين }؛ الآية، # " وذلك أن الله سبحانه لما أنزل الآية التي قبل هذه الآية ~~في قذف المحصنات وشرط فيها الإتيان بأربعة شهداء وإلا جلد ~~ثمانين جلدة، قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر. # فقال عاصم بن عدي: يا رسول الله! جعلني الله ~~فداك، أرأيت إن رأى رجل منا مع امرأته رجلا على ~~بطنها، فأراد أن يخرج من بيته فيجيء بأربعة ~~شهداء قضى الرجل حاجته وخرج، وإن هو عجل ~~فقتله قتلتموه، وإن تكلم بذلك جلدتموه، وإن ~~سكت؛ سكت على غيظ شديد؟ # فقال صلى الله عليه وسلم: " كفى بالسيف " أراد أن يقول ~~شاهدا، فأرسل عليه جبريل بالسكوت، فأمسك ~~لئلا يتسارع أحد من الرجال إلى قتل أزواجهم. " # وقال ابن عباس: # " لما نزلت: { والذين يرمون المحصنات ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهدآء فاجلدوهم ثمانين جلدة } ~~، قرأها النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر يوم ~~الجمعة - فقال عاصم بن عدي مقالته التي ~~ذكرناها - وقال: يا رسول الله! كيف لنا بالشهداء ms1443 ~~ونحن إذا التمسناهم قضى الرجل حاجته وخرج. ~~وكان لعاصم هذا ابن عم يقال له عويمر، وكانت ~~له امرأة يقال لها خولة بنت قيسي، فأتى عويمر ~~عاصما فقال: لقد وجدت شريك بن سحماء على بطن ~~امرأتي خولة، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الجمعة الأخرى، فقال: يا رسول الله؛ ما أسرع ما ~~ابتليت بالسؤال الذي سألت في الجمعة الماضية ~~في أهل بيتي؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " وما ذاك؟ " قال: ~~يا رسول الله؛ أخبرني عويمر أنه رأى شريك بن ~~سحماء على بطن امرأته خولة. # وكان عويمر وخولة وشريك كلهم بني عم ~~عاصم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهم جميعا، ~~وقال لعويمر: " اتق الله؛ اتق الله في زوجتك ~~وخليلتك وابنة عمك فلا تعذبها بالبهتان " ~~فقال: يا رسول الله؛ أقسم بالله أني رأيت شريكا ~~على بطنها. فقال صلى الله عليه وسلم: " اتق الله ~~وأخبريني بما صنعت " فقالت: يا رسول الله؛ إن ~~عويمرا رجل غيور، وإنه رآني وشريكا نتحدث، ~~فحملته الغيرة على ما قال " # وروى عكرمة عن ابن عباس: # " لما نزل قوله: { والذين يرمون المحصنات ثم ~~لم يأتوا بأربعة شهدآء فاجلدوهم ثمانين ~~جلدة } قال سعد بن عبادة: والله لو أتيت لكاع ~~وقد تفخذها رجل لم يكن لي أن أقتله ولا ~~أهيجه ولا أخرجه حتى آتي بأربعة شهداء، ~~ولم يأت بهم حتى فرغ من حاجته ويذهب! فإن ~~قلت بما رأيت ضربتم ظهري ثمانين جلدة! # فقال صلى الله عليه وسلم: " يا معشر الأنصار ألا ~~تسمعون إلى ما يقول سيدكم!؟ " قالوا: لا تلمه ~~فإنه رجل غيور، ما تزوج امرأة قط إلا بكرا، ~~ولا طلق امرأة فاجترأ أحد منا أن يتزوجها. ~~فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله! بأبي وأمي أنت، ~~والله إني لأعرف أنها من الله وأنها لحق، ~~ولكنني عجبت من ذلك. فقال صلى الله عليه وسلم: " والله ~~يأبى إلا ذلك؟ " فقال: صدق الله ورسوله. # فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى جاء هلال بن ~~أمية إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس ms1444 مع ~~أصحابه، فقال: يا رسول الله! إني جئت أهلي عشاء ~~فوجدت رجلا مع امرأتي يزني بها، رأيت بعيني ~~وسمعت بأذني. فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~أتى به، وثقل عليه حتى عرف ذلك في وجهه، وقال ~~هلال: يا رسول الله! إني لأرى الكراهة في وجهك ~~لما أتيتك به، والله يعلم أني لصادق وما قلته ~~إلا حقا، وإني لأرجو أن يجعل الله لي فرجا، فهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضربه الحد. # واجتمعت الأنصار وقالوا: ابتلينا بما قال سعد ~~بن عبادة إلا أن يجلد هلالا. فبينما هم كذلك ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يأمر بضربه، إذ ~~نزل عليه الوحي، فأمسكوا عن الكلام حين ~~عرفوا أن الوحي قد نزل. فلما فرغ تلا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية: { والذين يرمون ~~أزواجهم ولم يكن لهم شهدآء إلا أنفسهم... } ~~إلى آخر الآيات، فقال صلى الله عليه وسلم: " أبشر يا ~~هلال؛ فإن الله قد جعل لك فرجا " فقال: قد كنت ~~أرجو ذلك من الله. # فقال صلى الله عليه وسلم: " أرسلوا إليها " فجاءت، ~~فلما اجتمعا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: ~~كذب علي يا رسول الله، فقال هلال: يا رسول الله! ~~ما قلت إلا حقا وإني لصادق، فقال صلى الله عليه وسلم: ~~" الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟ " ~~فقال هلال: والله يا رسول الله ما كذبت. فقال صلى ~~الله عليه وسلم: " لاعنوا بينهما ". # فقيل لهلال: اشهد بالله أربع مرات إنك لمن ~~الصادقين، فقال هلال: أشهد بالله إني لمن ~~الصادقين فيما رميتها به، قال ذلك أربع مرات. ~~فقال له عليه السلام عند الخامسة: " اتق الله ~~يا هلال، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، ~~وإن عذاب الله أشد من عذاب الناس، وإن هذه ~~الخامسة هي الموجبة التي توجب عليكما العذاب ~~". فقال هلال: والله ما يعذبني الله عليها، كما ~~لم يجلدني عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فشهد ~~الخامسة أن لعنة الله عليه إن ms1445 كان من الكاذبين ~~فيما رماها به من الزنا. # ثم قيل للمرأة: اشهدي أنت، فقالت أربع مرات: ~~أشهد بالله إنه لمن الكاذبين فيما رماني به من ~~الزنا. فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم عند ~~الخامسة: " اتق الله فإن الخامسة هي الموجبة، ~~وإن عذاب الله أشد من عذاب الناس " فسكتت ساعة ~~وهمت بالاعتراف، ثم قالت: والله لا أفضح قومي، ~~فشهدت الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من ~~الصادقين فيما رماها به من الزنا. ففرق رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وقضى أن الولد لها ~~ولا يدعى لأب. # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وإن جاءت به ~~كذا وكذا فهو لزوجها، وإن جاءت به كذا وكذا فهو ~~للذي قيل فيه ". فجاءت به غلاما أحمر كأنه ~~جمل أورق على الشبه المكروه، وكان بعد ذلك ~~أميرا على مصر لا يدري من أبوه ". # وعلى القول الأول أن القصة بين شريك بن سحماء وعويمر؛ ~~قالوا: # " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالملاعنة، فقام ~~فقال: أشهد بالله أن خولة بنت قيس زانية، وإني ~~لمن الصادقين فيما رميتها به. فقال في ~~الثانية: أشهد بالله إني رأيت شريكا على بطنها، ~~وإني لمن الصادقين. وقال في الثالثة: أشهد ~~بالله إنها حبلى من غيري، وإني لمن الصادقين - ~~وكان عويمر قد اعتزلها أربعة أشهر لم ~~يقربها، فظهر بها الحمل، فعلم أنه من وطئ ~~غيره - ثم قال في الخامسة: أن لعنة الله على ~~عويمر - يعني نفسه - إن كان من الكاذبين فيما ~~قال. # فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالقعود وقال ~~لزوجته: " قومي " فقامت فقالت: أشهد بالله ما أنا ~~بزانية وأن عويمرا لمن الكاذبين. ثم قالت في ~~الثانية: أشهد بالله أنه ما رأى شريكا على بطني، ~~وإنه لمن الكاذبين. ثم قالت في الثالثة: أشهد ~~بالله أني حبلى منه، وإنه لمن الكاذبين. ثم ~~قالت في الرابعة: أشهد بالله ما رأى علي فاحشة ~~قط، وإنه لمن الكاذبين. ثم قالت في الخامسة: ~~أن غضب الله على خولة - تعني نفسها - إن كان من ms1446 ~~الصادقين. # ففرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهما، وقال: " ~~لولا هذه الأيمان لكان لي في أمرها رأي، وكان لي ~~ولها شأن ". ثم قال: " إن جاءت بالولد صهيبا ~~أثيبج يضرب إلى السواد فهو لعويمر، وإن جاءت ~~به أورق جعد جماليا خدلج الساقين، فهو لشريك ~~بن سحماء الذي رميت به ". قال ابن عباس: فجاءت ~~بأشبه خلق الله بشريك ابن سحماء " # وعن الضحاك عن ابن عباس قال: # " لما نزل قوله تعالى: { والذين يرمون ~~المحصنات } الآية، قال عاصم بن عدي: يا رسول ~~الله! لو وجدت على بطن امرأتي رجلا؛ فقلت لها: ~~يا زانية؛ أتجلدني ثمانين جلدة إلا أن آتي ~~بأربعة شهداء؟! وإن مضيت لأربعة شهداء قضى ~~الرجل حاجته ومضى؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " هكذا ~~أنزل يا عاصم " ، قال: فخرج سامعا مطيعا، فلم ~~يصل إلى منزله حتى استقبله هلال بن أمية ~~يسترجعه، فقال: ما وراءك؟ قال: شر، وجدت ~~شريك بن سحماء على بطن امرأتي خولة يزني بها، ~~فرجع معه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبره ~~بذلك، فبعث إليها فجاءت. # فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: " ما تقولين؟ " ~~فقالت: يا رسول الله؛ إن شريك بن سحماء كان ~~يأتينا، فنزل بنا فربما تركه زوجي عندي ~~وخرج ولم ينكر عليه من ليل ولا نهار، فلا ~~أدري إنه الآن أدركته الغيرة؛ أم بخل علي ~~بالطعام؟! فأنزل الله تعالى آية اللعان { والذين ~~يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهدآء إلا ~~أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله ~~إنه لمن الصادقين * والخامسة أن لعنت الله ~~عليه إن كان من الكاذبين }. # فأقامه النبي صلى الله عليه وسلم بعد العصر، وقال: " ~~يا هلال! أنت الشاهد أنك رأيتها تزني " فقال: ~~أشهد بالله رأيته على بطنها يزني بها وإني لمن ~~الصادقين، ما قربتها منذ أربعة أشهر، وإن ~~حملها هذا الذي في بطنها من شريك بن سحماء، ~~وإني لمن الصادقين. أشهد بالله ما برئت منه ~~ولا برئ منها، وإني لمن الصادقين... إلى أن قال ~~في الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من ms1447 ~~الكاذبين فيما رماها به من ذلك. فقال القوم: ~~آمين. # فقال صلى الله عليه وسلم: " يا خولة ويحك! إن كنت ~~ألممت بذنب فأقري به، فإن الرجم بالحجارة في ~~الدنيا أيسر عليك من غضب الله في الآخرة، وإن ~~غضبه عذابه " فقالت: يا رسول الله كذب. فأقامها ~~مقامه، فقالت: أشهد بالله ما أنا زانية، وأنه ~~لمن الكاذبين، ما رآه على بطني. أشهد بالله لقد ~~برئت من الزنا وبرئ شريك بن سحماء مني، ~~وإنه لمن الكاذبين. أشهد بالله لقد قربني منذ ~~أربعة أشهر وإن ما في بطني لهلال، وإنه لمن ~~الكاذبين. وقالت في الخامسة: أن غضب الله عليها ~~إن كان من الصادقين. ثم فرق رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقال: " المتلاعنان لا يجتمعان أبدا " ". ### || [24.8-9] # قوله: { ويدرؤا عنها العذاب }؛ أي يدفع عنها الحد: ~~{ أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن ~~الكاذبين * والخامسة أن غضب الله عليهآ إن ~~كان من الصادقين }؛ وقرأ حفص: (والخامسة) بالنصب، كأنه ~~قال: وشهد الخامسة. وقرئ (فشهادة أحدهم أربع ~~شهادات) بالرفع في قوله (أربع) على أنها خبر المبتدأ، ويقرأ ~~بالنصب على معنى: فشهادة أحدهم أن يشهد أربع ~~شهادات. ### || [24.10] # قوله تعالى: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~}؛ محذوف الجواب؛ تقديره: لولا فضل الله عليكم ~~ورحمته لفضحكم بما تركبون من الفواحش، ولعجلكم ~~بالعقوبة من غير إمهال، ولبين الصادق من الكاذب، فيقام الحد ~~على الكاذب { وأن الله تواب حكيم }؛ أي تواب على من ~~رجع عن معاصي الله، حكيم فيما فرض من الحدود. ### || [24.11] # قوله تعالى: { إن الذين جآءوا بالإفك عصبة ~~منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم }؛ ~~وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن ~~يخرج إلى سفر أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج ~~سهمها خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه. # قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها وهي ~~غزوة بني المصطلق، فخرج فيها سهمي، فخرجت مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذلك بعد ما أنزل ~~الحجاب كنت أحمل في هودجي، وأحمل فيه حتى ms1448 إذا ~~فصل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته ورجع ~~ودرنا إلى المدينة. # فلما كان ذات ليلة قمت حين آذنوا بالرحيل، ~~فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني ~~أقبلت إلى الرحل فلمست صدري فإذا عقدي قد ~~انقطع، وكان من جزع ظفار، فرجعت ألتمس عقدي ~~وحبسني ابتغاؤه. # فأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي، فحملوا ~~هودجي على بعيري الذي كنت أركب عليه وهم ~~يحسبون أني فيه، وكن نساء إذ ذاك خفافا لم ~~يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام، ~~ولم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رفعوه، ~~وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل ~~وساروا، ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، ~~فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، ~~فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أن ~~القوم يفقدونني فيرجعون إلي. # فبينما أنا جالسة في مجلسي غلبتني عيني ~~فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي قد ~~عرس من وراء الجيش، فأدلج فأصبح عند ~~منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتى إلي فعرفني ~~حين رآني، وقد كان رآني قبل أن يضرب الحجاب، ~~فما استيقظت إلا باسترجاعه حين عرفني، ~~فخمرت وجهي بجلبابي، فوالله ما كلمني بكلمة ~~غير استرجاعه، فأناخ راحلته فوطأت على يدها ~~وركبتها، وانطلق يقود في الراحلة حتى أتينا ~~الجيش بعدما نزلوا وقت الظهيرة. فهلك من ~~هلك في شأني، وخاض عبدالله بن أبي وحسان بن ~~ثابت ومسطح بن أثاثة وحمنة بنت جحش الأسدية ~~في ذلك، وكان الذي تولى كبره منهم عبدالله بن ~~أبي بن سلول. # فقدمت المدينة، فأصابني مرض حين قدمتها ~~شهرا، والناس يخوضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر ~~بشيء من ذلك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يزورني في ~~وجهي لا أرى منه اللطف الذي كنت أرى منه إذا ~~مرضت من قبل ذلك، إنما كان يدخل فيقول: " كيف ~~تيكم؟ " فذلك يحزنني ولا أشعر بالسر حتى ~~خرجت بعدما نقهت. # فخرجت معي أم مسطح قبل المناصع وهي ~~متبرزنا، ولا نخرج إلا من ليل إلى ليل، وذلك ~~قبل أن نتخذ الكنف، وأمرنا أمر العرب الأول في ~~التبرز. فانطلقت أنا ms1449 وأم مسطح - وهي عاتكة ~~بنت أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف، ~~وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق، ~~وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن عبد ~~المطلب - فأقبلنا حتى فرغنا من شأننا، ~~فبينما نحن في الطريق عثرت أم مسطح في ~~مرطها فقالت: تعس مسطح! فقلت لها: بئس ما ~~قلت! أتسبين رجلا شهد بدرا؟ قالت: أي هنتاه، أي ~~أو لم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ فأخبرتني ~~بقول أهل الإفك، فازددت مرضا إلى مرضي. # فلما رجعت إلى بيتي، دخل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فسلم ثم قال: " كيف تيكم؟ " قلت: أتأذن لي ~~أن آتي أبوي؟ وإنما قلت ذلك حينئذ لأتيقن ~~الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فجئت أبوي، فقلت لأمي: يا أماه! ماذا ~~يتحدث الناس؟ فقالت: أي بنية هوني عليك، ~~فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل ~~يحبها ولها ضرائر إلا وأكثرن عليها. قلت: ~~سبحان الله! وقد تحدث الناس بهذا؟ قالت: نعم. ~~قالت: فمكثت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ ~~لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي. # ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد ~~وعلي بن أبي طالب حين استلبث الوحي يسألهما ~~ويستشيرهما في فراق أهله، فأما أسامة فأشار ~~عليه بالذي يعلم من براءتي وبالذي يعلم في ~~نفسه لهم من الود؛ فقال: يا رسول الله هم أهلك ~~وما نعلم إلا خيرا. وأما علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه فقال: لم يضيق الله عليك، والنساء سواها ~~كثير، وإن تسأل الجارية تصدقك. فدعا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بريرة جارية عائشة فقال: " أي ~~بريرة؛ هل رأيت من شيء يريبك في أمر عائشة؟ ~~". فقالت: لا؛ والذي بعثك بالحق نبيا ما رأيت ~~عليها أمرا قط أغمضته عليها أكثر من أنها ~~حديثة السن، تنام عن عجين أهلها فتأتي ~~الداجن فتأكله. # قالت: فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر من ~~عبدالله بن أبي بن سلول وهو على المنبر، ~~فقال: ms1450 " يا معشر المسلمين؛ من يعذرني في رجل ~~بلغني أذاه في أهلي، فوالله ما علمت في أهلي إلا ~~خيرا؟ " فقال سعد بن معاذ الأنصاري: يا رسول ~~الله؛ أنا أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربت ~~عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ~~ففعلنا أمرك. # فقام سعد بن عبادة الخزرجي وكان رجلا ~~صالحا، ولكن احتملته الحمية فقال لسعد بن ~~معاذ: كذبت لعمر الله، لا تقتله ولا تقدر على ~~ذلك. فقام أسيد بن حصين؛ وهو ابن عم سعد بن ~~معاذ؛ فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله؛ ~~لتقتله فإنك منافق تجادل عن المنافقين. ~~فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن ~~يقتتلوا، ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على ~~المنبر يحفظهم حتى سكنوا. # قالت عائشة: فمكثت يومي لا يرقأ لي دمع، ~~وأبوي يظنان أن البكاء فالق كبدي، فبينما ~~هما جالسان عندي وأنا أبكي، استأذنت علي امرأة ~~من الأنصار، فأذنت لها فجلست تبكي معي. ~~فبينما نحن كذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما ~~قيل، وقد لبثت شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء. ~~قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس، ~~ثم قال: " أما بعد يا عائشة؛ فإنه بلغني عنك ~~كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرؤك الله، وإن ~~كنت قد ألممت بذنب فاستغفري الله ثم توبي إليه، ~~فإن العبد إذا اعترف بالذنب ثم تاب، تاب الله ~~عليه ". # قالت: فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قلص ~~دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب ~~عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال. فقال: ~~والله لا أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فقلت: وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ ~~كثيرا من القرآن، والله لقد عرفتم إنكم قد ~~سمعتم هذا حتى استقر في ms1451 أنفسكم وصدقتم به، ~~ولئن قلت لكم إني بريئة والله يعلم أني ~~بريئة لا تصدقوني في ذلك، ولئن اعترفت لكم ~~بأمر والله يعلم إني بريئة لتصدقوني، والله ما ~~أجد لي ولكم مثلا إلا ما قال أبو يوسف # فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون # [يوسف: 18]. # قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراش، وأنا ~~والله أعلم حينئذ أني بريئة، وأن الله منزل ~~ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في ~~شأني وحيا يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من ~~أن يتكلم الله في بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو ~~أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في منامه رؤيا ~~يبرؤني الله بها. قالت: فوالله ما قام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم من مجلسه ولا خرج أحد من أهل ~~البيت حتى تغشاه الوحي وأخذه ما كان يأخذه ~~من البرحاء عند نزول الوحي، حتى أنه ~~ليتحدر منه من الجمان من العرق في اليوم ~~الشاتئ. فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~هو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: " ~~أبشري يا عائشة؛ إن الله قد برأك " فقالت لي ~~أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه ولا ~~أحمد إلا الله سبحانه الذي أنزل براءتي، فأنزل ~~الله عز وجل: { إن الذين جآءوا بالإفك عصبة ~~منكم } وهي عشر آيات. # فلما أنزل الله براءتي قال أبو بكر رضي الله عنه - ~~وكان ينفق على مسطح لقرابته وفقره -: والله ~~لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة ~~ما قال. فأنزل الله تعالى # ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة # [النور: 22] إلى قوله تعالى # ألا تحبون أن يغفر الله لكم # [النور: 22] قال أبو بكر: بلى؛ والله إني أحب أن ~~يغفر الله لي. وأعاد إلى مسطح النفقة وقال: لا ~~أنزعها منه أبدا. # ثم إن الخبر بلغ إلى صفوان؛ فقال: سبحان الله! ~~والله ما كشفت كنف أنثى. فقتل شهيدا في سبيل ~~الله، وزاد في آخره: قالت: وقعد صفوان بن ~~المعطل لحسان ابن ثابت فضربه بالسيف، وقال ~~حين ms1452 ضربه: # تلق ذباب السيف عني فإنني # غلام هوجيت لست بشاعر # ولكنني أحمي حماي وأنتقم # من الباهت الرامي البراء الطواهر # فصاح حسان واستغاث بالناس على صفوان، وجاء ~~حسان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يستغيث به على ~~صفوان في ضربه إياه، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن يهب له ضربة صفوان إياه، فوهبها للنبي صلى ~~الله عليه وسلم فعوضه عليها حائطا من نخل عظيم ~~وجارية رومية. ثم باع حسان ذلك الحائط من ~~معاوية في ولايته بمال عظيم، وقال حسان بن ~~ثابت في براءة عائشة: # حصان رزان ما تزن بريبة # وتصبح غرثى من لحوم الغوافل # خلية خير الناس دينا ومنصبا # نبي الهدى والمكرمات الفواضل # عقيلة حي من لؤي بن غالب # كرام المساعي مجدها غير زائل # مهذبة قد طيب الله خيمها # وطهرها من كل شين وباطل # فإن كان ما قد جاء عني قلته # فلا رفعت سوطي إلي أناملي # فكيف وودي ما حييت ونصرتي # لآل رسول الله زين المحافل # له رتب عال على الناس فضلها # تقاصر عنها سطوة المتطاول # ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذين رموا ~~عائشة فجلدوا جميعا ثمانين. # قوله تعالى: { إن الذين جآءوا بالإفك عصبة ~~منكم } وهم أربعة: حسان؛ ومسطح؛ وعبدالله بن أبي بن ~~سلول؛ وحمنة بنت جحش. وقيل: العصبة من الواحد إلى ~~الأربعين. والإفك في اللغة: الكذب. # قوله تعالى: { لا تحسبوه شرا لكم } خطاب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ولأبي بكر ولعائشة فيما لحقهم من الحزن ~~والغم الشديد. والمعنى: لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم؛ ~~لأنكم تؤجرون على ما قيل لكم من الأذى، وبما يكتب لكم من الثواب ~~في الآخرة على الصبر، ولما بين الله من طهارة عائشة وبرائتها ~~بآيات تتلى في المحراب إلى يوم القيامة. # قوله تعالى: { لكل امرىء منهم ما اكتسب من ~~الإثم }؛ أي لكل أمرئ من الخائضين في هذا الأمر جزاء ما كسب من ~~الإثم. # قوله تعالى: { والذي تولى كبره منهم }؛ أي ~~والذي تحمل معظمه فبدأ بالخوض فيه وهو عبدالله بن ms1453 أبي هو ~~الذي بالغ في إشاعة هذا الحديث، وكان أهل الحديث يجتمعون عنده ~~ويسيقون ذلك بأمره، { له عذاب عظيم }؛ يصغر في مقابلته كل ~~عذاب يكون في الدنيا. # قرأ حميد الأعرج ويعقوب (كبره) بضم الكاف، قال أبو عمرو بن ~~العلاء: هو خطأ لأن الكبر هو بضم الكاف في ~~الولاء والسن، ومنه الحديث # " الولاء الكبر " # وروى ابن أبي مليكة عن عائشة قالت في حديث الإفك: (ثم ركبت ~~وأخذ صفوان بالزمام، فمررنا بملإ من المنافقين، ~~فقام عبد الله بن أبي بن سلول، فقال: من هذا؟ ~~قالوا: عائشة، قال: والله ما نجت منه ولا نجا ~~منها، وقال: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى ~~أصبحت، ثم جاء يقودها. وشرع في ذلك حسان ~~ومسطح وحمنة، ثم فشا ذلك في الناس). وقوله تعالى { ~~له عذاب عظيم } يريد في الدنيا الجلد ثمانين جلدة، وفي ~~الآخرة يصيره الله إلى النار. ### || [24.12] # قوله تعالى: { لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون ~~والمؤمنات بأنفسهم خيرا }؛ أي هلا إذ سمعتموه ~~أنها العصبة الكاذبة؛ أي هلا إ سمعتم قذف عائشة بصفوان، ~~ظن المؤمنون والمؤمنات من العصبة الكاذبة يعني ~~حمنة بنت جحش وحسان ومسطح بأنفسهم خيرا. قال ~~الحسن: (بأهل دينهم لأن المؤمنين كنفس ~~واحدة). ألا ترى ظن المؤمنون الذي هم كنفس واحدة فيما جرى ~~عليها من الأمور بأنفسهم خيرا، { وقالوا هذآ إفك مبين }؛ ~~أي كذب ظاهر بين. # وروي: أن المراد بهذه الآية أبو أيوب الأنصاري وامرأته أم ~~أيوب، قالت: أما تسمع ما يقول الناس في عائشة؟ ~~قال: بل وذلك الكذب البين، أرأيت يا أم أيوب ~~كنت تفعلين ذلك؟ قالت: لا؛ والله ما كنت أفعله، ~~قال: فعائشة والله خير منك، سبحان الله! هذا ~~بهتان، فأنزل الله هذه الآية. والمعنى: هلا إذا ~~سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا كما فعل أبو أيوب ~~وامرأته قالا فيها خيرا. ### || [24.13] # قوله تعالى: { لولا جآءوا عليه بأربعة شهدآء ~~}؛ أي هلا جاء العصبة الكاذبة على قذفهم عائشة بأربعة شهداء ~~يشهدون بأنهم عاينوا منها ذلك، { فإذ لم يأتوا ~~بالشهدآء فأولئك عند الله هم الكاذبون ms1454 }؛ ~~أخبر الله تعالى أنهم كاذبون في قذفها، يعني: إنهم كاذبون في ~~الظاهر والباطن، وكفى بهذا براءة لعائشة رضي الله عنها، فمن ~~جوز صدق أولئك في أمر عائشة صار كافرا بالله لا محالة؛ لأنه ~~رد شهادة الله لها بالبراءة. ### || [24.14] # قوله تعالى: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~في الدنيا والآخرة لمسكم في مآ أفضتم فيه ~~عذاب عظيم }؛ معناه: لولا منة الله وإنعامه عليكم في ~~الدنيا والاخرة بتأخير العذاب عنكم، وقبول التوبة لمن ~~تاب لمسكم فيما خضتم فيه من الإفك عذاب عظيم هائل في ~~الدنيا والآخرة لا انقطاع له. ### || [24.15] # قوله تعالى: { إذ تلقونه بألسنتكم }؛ قال ~~الكلبي: (وذلك أن الرجل منهم كان يلقى الرجل ~~فيقول: بلغني كذا وكذا، ويتلقونه تلقيا)، قال ~~الزجاج: (يلقيه بعضكم إلى بعض)، { وتقولون ~~بأفواهكم ما ليس لكم به علم }؛ ولا بيان ولا ~~حجة، { وتحسبونه هينا }؛ أي تظنون أن ذلك القذف سهل لا ~~إثم فيه { وهو عند الله عظيم }؛ في الوزر والعقوبة. قرأ ~~أبي: (إذ تتلقونه) بتاءين، وقرأت عائشة (إذ تلقونه) ~~بكسر اللام وتخفيف القاف من الولق، والولق الكذب، يقال: ~~ولق فلان إذا استمر على الكذب، وولق فلان السر إذا استمر ~~به. ### || [24.16] # قوله تعالى: { ولولا إذ سمعتموه قلتم ما ~~يكون لنآ أن نتكلم بهذا }؛ معناه: هلا قلتم ~~حين سمعتم ذلك: لا يحل لنا أن نتكلم بهذا. قوله تعالى: { ~~سبحانك }؛ أي تنزيها لله تعالى أن تكون امرأة نبيه ~~زانية، قوله تعالى: { هذا بهتان عظيم }؛ أي كذب، ~~يقال: بهته يبهته بهتا وبهتانا؛ إذا أخبره بالكذب ~~عليه. ### || [24.17-18] # وقوله تعالى: { يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا ~~}؛ أي ينهاكم الله ويخوفكم ويحرم عليكم أن تعودوا لمثل هذا ~~القذف، { إن كنتم مؤمنين }؛ لأن قذف المحصنات لا يكون من ~~صفات المؤمنين، وقوله تعالى { لمثله } أي إلى مثله. قوله ~~تعالى: { ويبين الله لكم الآيات }؛ أي الأمر والنهي، { ~~والله عليم }؛ بمقالة الكاذبين في أمر عائشة، { حكيم }؛ في ~~ما شرع من الأحكام. ### || [24.19] # قوله تعالى: { إن الذين يحبون أن تشيع ~~الفاحشة في الذين آمنوا }؛ فيه بيان على ms1455 أن العزم على ~~الفسق فسق، وأن على الإنسان أن يحب للناس ما يحب لنفسه، وأن ~~يكون في قلبه سلامة للمؤمنين، كما يكون مأمورا بكف اللسان ~~والجوارح. ومعنى الآية: إن الذين يحبون أن يفشو ويظهر الزنا ~~في الذين آمنوا بأن ينسبوه إليهم ويقذفوهم به، { لهم عذاب ~~أليم في الدنيا }؛ يعني الجلد، { والآخرة }؛ يعني عذاب ~~النار، يريد بذلك المنافقين، { والله يعلم }؛ ما خضتم فيه ~~من الإفك، وما فيه من سخط الله، { وأنتم لا تعلمون }؛ ~~ذلك، فحذر رسول الله صلى الله عليه وسلم جميع قاذفي عائشة. ### || [24.20] # قوله تعالى: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~وأن الله رءوف رحيم }؛ محذوف الجواب تقديره: { ولولا ~~فضل الله عليكم ورحمته } لعجل لكم العذاب ~~وعاقبكم في ما قلتم في أمر عائشة ومحبتكم إشاعة الفاحشة ~~فيها، { وأن الله رءوف رحيم } فلم يعاقبكم في ذلك. ~~قال ابن عباس: (يريد مسطح وحسان وحمنة). ### || [24.21] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تتبعوا ~~خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان }؛ أي لا ~~تسلكوا طرق الشيطان، ولا تعملوا بتزيينه ووسوسته في ~~قذف عائشة، { فإنه يأمر بالفحشآء والمنكر }؛ أي ~~يأمر بعصيان الله وكل ما يكره الله مما لا يعرف في شريعة ولا ~~سنة. وقيل: الفحشاء: القبيح من القول والعمل، والمنكر: ~~الفساد الذي ينكر العقل صحته ويزجر عنه. # قوله تعالى: { ولولا فضل الله عليكم ورحمته ~~ما زكى منكم من أحد أبدا } أي ما صلح منكم من أحد ~~أبدا. وقيل: معناه: ما طهر منك أحد يذنب ولا صلح أمره ~~بعد الذي قال في عائشة ما قال، ولا قبل توبة أحد منكم، { ~~ولكن الله يزكي من يشآء }؛ أي يطهر من يشاء من ~~الإثم بالرحمة والمغفرة، فيوفقه للتوبة، { والله سميع }؛ ~~أي سميع لمقالتكم، { عليم }؛ بما في نفوسكم من الندامة ~~والتوبة. وقيل: معناه: سميع لمقالة الخائضين في أمر عائشة ~~وصفوان، عليم ببراءتهما. ### || [24.22] # قوله تعالى: { ولا يأتل أولوا الفضل منكم ~~والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين ~~والمهاجرين في سبيل الله }؛ أي لا يحلف ذوو الغنى ~~والسعة منكم أن يعطوا ذوي القربى ms1456 والمساكين والمهاجرين من مكة ~~إلى المدينة. نزل ذلك في أبي بكر رضي الله عنه حين بلغه ~~مقالة مسطح وأصحابه في خوضهم في أمر عائشة، حلف بالله لا ~~ينفق عليه. # قيل: إنه دعاه وقال له: (أغدوك يا مسطح بمالي ~~وتؤذيني في ولدي؟ والله لا أنفق عليك). وكان ~~مسطح ابن خالة أبي بكر رضي الله عنه، وكان مسطح من المهاجرين ~~البدريين. فلما نزلت هذه الآية تلاها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على أبي بكر رضي الله عنه فقال: (بلى؛ أحب أن ~~يغفر الله لي، أطيع ربي وأرغم أنفي وأرد ~~النفقة عليه). # وقوله تعالى { أن يؤتوا أولي القربى } معناه: أن لا ~~يؤتوا فحذف (لا). قال ابن عباس: (قال الله لأبي بكر رضي الله ~~عنه: قد جعلت فيك يا أبا بكر الفضل والمعرفة ~~بالله وصلة الرحم، وجعلت عندك السعة فأنفق ~~على مسطح، فله قرابة وله هجرة وله مسكنة). ~~وقوله تعالى: { وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن ~~يغفر الله لكم والله غفور رحيم }؛ قال مقاتل: # " قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: " أما تحب أن ~~يغفر الله لك؟ " قال: بلى، قال: " فاعف واصفح " ~~قال: قد عفوت وصفحت، لا أمنعه معروفي بعد ~~اليوم أبدا، وقد جعلت له مثل ما كان قبل ~~اليوم " ### || [24.23] # قوله تعالى: { إن الذين يرمون المحصنات ~~الغافلات }؛ معناه: إن الذين يقذفون العفائف الغافلات عما ~~قذفن به كغفلة عائشة عن ما قيل فيها، { المؤمنات } ، ~~بالله ورسوله، { لعنوا في الدنيا والآخرة }؛ أي عذبوا ~~في الدنيا بالحد، وفي الآخرة بعذاب النار. وسميت عائشة غافلة؛ ~~لأنها قذفت بأمر لم يخطر ببالها، فأصاب كل واحد من ~~قاذفيها ذاهبة في الدنيا. أما ابن أبي فقد مات كافرا ونهى ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عليه، وأما حسان فقد دخل ~~على عائشة رضي الله عنها بعد ما ذهب بصره في آخر عمره، ~~وأنشدها في بيتها: # حصان رزان ما تزن بريبة # وتصبح غرثى من لحوم الغوافل # قالت: إنك لست كذلك، فلما خرج من عندها، ~~قيل لعائشة: إن الله وعدهم ms1457 بعذاب في الدنيا ~~والآخرة؟ فقالت: أوليس: هذا عذاب؟ يعني ذهاب بصره. # واختلف المفسرون في هذه الآية { لعنوا في الدنيا ~~والآخرة ولهم عذاب عظيم }؛ فقال مقاتل: (هذه الآية ~~خاصة في عبدالله بن أبي المنافق ورميه ~~عائشة)، وقال ابن جبير: (هذا الحكم خاصة فيمن قذف ~~عائشة، فمن قذفها فهو من أهل هذه الآية)، وقال ~~الضحاك والكلبي: (هذا في عائشة وفي جميع أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم خاصة دون سائر المؤمنين)، ~~قال ابن عباس: (هذه الآية في شأن أمهات المؤمنين ~~خاصة ليس فيها توبة، وأما من قذف امرأة ~~مؤمنة من غيرهن، فقد جعل الله له توبة). ثم ~~قرأ # والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهدآء # [النور: 4] إلى قوله: # إلا الذين تابوا # [النور: 5]، قال: (فجعل الله لهولاء توبة، ولم ~~يجعل لأولئك). # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من أشاع على رجل كلمة فاحشة وهو منها بريء ~~يريد أن يسبه بها في الدنيا، كان حقا على الله ~~أن يدسه بها في النار. وأيما رجل جاء في شفاعة ~~حد من حدود الله تعالى فعليه لعنة الله إلى يوم ~~القيامة ". ### || [24.24] # قوله تعالى: { يوم تشهد عليهم ألسنتهم }؛ قال ~~الكلبي: (تشهد عليهم يوم القيامة ألسنتهم بما ~~تكلموا به من الفرية في قذف عائشة) { ~~وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون } ، قال ابن ~~عباس: (تنطق بما عملت في الدنيا)، وهذه عامة في ~~القاذفين وغيرهم. قرأ حمزة والكسائي: (يوم يشهد) بالياء ~~لتقدم الفعل. ### || [24.25] # قوله تعالى: { يومئذ يوفيهم الله دينهم ~~الحق }؛ أي يوفيهن جزاءهم الواجب على قدر أعمالهم، { ~~ويعلمون أن الله هو الحق المبين }؛ أي ويعلمون ~~يومئذ أن الله تعالى هو الحق المبين، يقضي بحق ويأخذ بحق ~~ويعطي بحق. # قال ابن عباس: (وذلك أن عبدالله بن أبي بن سلول ~~كان يشك في الدين، ويعلم يوم القيامة أن الله ~~هو الحق المبين). قرأ مجاهد: (يومئذ يوفيهم الله ~~دينهم الحق) برفع القاف على أنه نعتا لله، وتصديقه قراءة ~~أبي (يومئذ يوفيهم الله الحق دينهم). وقوله ~~تعالى { المبين } أي يبين ms1458 لهم حقيقة ما كان بعدهم في ~~الدنيا. ### || [24.26] # قوله تعالى: { الخبيثات للخبيثين والخبيثون ~~للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون ~~للطيبات }؛ معناه: الكلمات الخبيثات للخبيثين من الرجال؛ أي ~~لا يتكلم بالكلمات الخبيثات إلا الخبيث من الرجال والنساء. ~~وقيل: معناه: إن الخبيث من القول لا يليق إلا بالخبيث من ~~الناس، وكل كلام إنما يحسن في أهله، فيضاف سيء القول إلى ~~من يليق به ذلك، وكذلك الطيب من القول، وعائشة لا يليق بها ~~الخبيثات؛ لأنها طيبة فيضاف إليها طيبات الكلام من ~~الثناء الحسن وما يليق بها. # وقال بعضهم: معنى الآية: الخبيثات من النساء للخبيثين من ~~الرجال، والخبيثون من الرجال للخبيثات من النساء للمشاكلة التي ~~بينهما، والطيبات من النساء للطيبين من الرجال، والطيبون من ~~الرجال للطيبات من النساء. وفي هذا تبرئة عائشة رضي الله ~~عنها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان من أطيب الطيبين، فلا ~~يكون له إلا امرأة طيبة. # قوله تعالى: { أولئك مبرءون مما يقولون }؛ ~~يعني أن الطيبين والطيبات مبرؤن مما يقول الخبيثون، ~~والمبرأ هو المنفي عن صفة الخبث، والمراد به عائشة ~~وصفوان، فذكرهما بلفظ الجماعة كما في قول تعالى # فإن كان له إخوة # [النساء: 11] والمراد أخوان. وقوله تعالى { مبرءون } أي ~~منزهون. وقوله تعالى: { لهم مغفرة ورزق كريم }؛ أي ~~لهم مغفرة لذنوبهم وثواب حسن بإلحاقهم في الجنة من ~~الأذية. # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (لقد أعطيت تسعا لم ~~يعطهن امرأة: نزل جبريل بصورتي في راحته حين ~~أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزوجني، ولقد ~~تزوجني بكرا وما تزوج بكرا غيري، ولقد قبض ~~ورأسه في حجري، ولقد قبر في بيتي، ولقد حفت ~~الملائكة بيتي، ولقد كان الوحي إذا نزل عليه ~~تفرقن عنه، وكان ينزل عليه وأنا معه في ~~لحافه، وإني لابنة خليفته وصديقه، ولقد نزل ~~عذري من السماء، ولقد خلقت طيبة لعبد طيب، ~~ولقد وعدت مغفرة ورزقا كريما). ### || [24.27-29] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا ~~بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا ~~على أهلها }؛ في الآية أمر بالتحفظ عن الهجوم عن ما لا ms1459 ~~يؤمن من العورات، وإلى هذا # " أشار النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال للرجل الذي قال له: ~~أستأذن على أخواتي؟ قال: " إن لم تستأذن رأيت ~~منها ما تكره " " # أي ربما تدخل عليها وهي منكشفة فترى ما تكره. ومعنى قوله تعالى ~~{ حتى تستأنسوا } أي حتى تستأذنوا، والاستئناس هو ~~الاستعلام ليعلم من في الدار، وذلك يكون بقرع الباب ~~والتنحنح وخفق النعل. # وكان أبي بن كعب وابن عباس والأعمش يقرأونها (حتى ~~تستأذنوا وتسلموا على أهلها). وقيل: إن في الآية ~~تقديم وتأخير؛ تقديره: حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا، ~~وهو أن يقول: السلام عليكم؛ أدخل؟. # وروي أن # " أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ~~ألج؟ فقال صلى الله عليه وسلم لخادمة يقال لها روضة: ~~" قومي إلى هذا فعلميه، فإنه لا يحسن يستأذن، ~~قولي له: تقول: السلام عليكم؛ أدخل؟ " ". # وعن زينب امرأة ابن مسعود قالت: (كان عبدالله إذا جاء من ~~حاجة فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق؛ كراهة أن ~~يهجم علينا ويرى أمرا يكرهه). وعن أبي أيوب قال: ~~(يتكلم الرجل بالتكبيرة والتسبيحة ~~والتحميدة، ويتنحنح يؤذن أهل البيت). # ويروى أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه أتى إلى منزل ~~عمر رضي الله عنه فقال: السلام عليكم؛ هذا عبدالله ~~بن قيس؛ هل أدخل؟ فلم يؤذن له، ثم قال: ~~السلام عليكم؛ هذا أبو موسى. فلم يؤذن له، فذهب ~~فوجه عمر بعده من يرده، فسأله عما منعه ~~فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " ~~الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك وإلا فارجع ". فقال: ~~عمر رضي الله عنه: لتأتيني بالبينة وإلا عاقبتك! ~~فانطلق أبو موسى وأتى بأبي بن كعب وأبي سعيد ~~الخدري فشهدا بذلك، وقال له: إني سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك؛ فلا تكونن عذابا على ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. فقال عمر: وما فعلت؟! ~~إنما أنا سمعت بشيء فأحببت أن أتثبت. # وروي # " أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أأستأذن ~~على أمي؟ قال: " نعم " قال: ليس لها خادم غيري، ~~فأستأذن عليها ms1460 كلما دخلت؟ قال: " أتحب أن ~~تراها وهي عريانة؟ " قال: لا، قال: " فاستأذن " ". # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم؛ حل لهم أن ~~يفقأوا عينه " # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أنه رأى رجلا اطلع في حجرته وبيد النبي صلى ~~الله عليه وسلم مدرا يحك به رأسه، فقال: " لو علمت ~~أنك تريد أن تنظر إلى عورة لفقأت بهذا عينك، ~~إنما جعل الاستئذان من أجل النظر " ". # قوله تعالى: { ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون ~~}؛ أي ذلك الاستئذان خير لكم من الدخول بغير إذن لكي تذكرون منه، ~~قوله تعالى: { فإن لم تجدوا فيهآ أحدا فلا ~~تدخلوها }؛ معناه: فإن لم تجدوا في البيوت أحدا من سكانها ~~فلا تدخلوها، { حتى يؤذن لكم }؛ وكذلك لو وجدوا البيوت ~~خالية لم يجز دخولها أيضا إلا بإذن صاحبها. # قوله تعالى: { وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو ~~أزكى لكم }؛ أي إذا امرتم بالانصراف فانصرفوا وتقوسوا ~~على باب البيت فلعل صاحب البيت لا يرضى أن يقع بصر المستأذن على ~~أحد من حرمه، وكذلك لو لم يقل لكم صاحب الدار ارجعوا، ولكن ~~وجد منه ما يدل على ذلك وجب الرجوع، لقوله صلى الله عليه وسلم: # " الاستئذان ثلاث، فإن أذن لك وإلا فارجع " # وروي # " الاستئذان ثلاث: مرة يستمعون، ومرة ~~يستصلحون، ومرة يأذنون " # وقوله تعالى { هو أزكى لكم } أي الرجوع أطهر وأنفع ~~لدينكم من الجلوس على أبواب الناس، { والله بما تعملون ~~عليم }؛ أي بما تعملون من الدخول بإذن وغير إذن عالم. # فلما نزلت آية الاستئذان؛ قالوا: فكيف بالبيوت التي بين مكة ~~والمدينة والشام على ظهر الطريق ليس فيها ساكن؟ فأنزل الله ~~تعالى: { ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير ~~مسكونة }؛ بغير استئذان. وقيل: أراد بذلك المواضع التي لا ~~يختص سكانها أحدا دون آخر مثل الخانات والرباطات التي تتخذ ~~للمسافرين يتظللون فيها من الحر والبرد، ويدخل في هذا أخذ ما ~~جرت العادة بأخذه مثل النوات والخرق الملقاة في الطريق، ويجوز أن ms1461 ~~يكون المراد بالبيوت في هذه الآية بيت التجار التي في الأسواق. # قوله تعالى: { فيها متاع لكم }؛ أي منافع من اتقاء ~~الحر والبرد والاستمتاع بها. قال مجاهد: (كانوا يصنعون في ~~طرق المدينة أقتابا وأمتعة في البيوت ليس ~~فيها أحد، وكانت الطرق إذ ذاك آمنة، فأحل لهم ~~أن يدخلوها بغير إذن). وقال عطاء: (معناه بالمتاع ~~هو قضاء الحاجة من الخلاء والبول). قوله ~~تعالى: { والله يعلم ما تبدون وما تكتمون }؛ أي ~~لا يخفى عليه شيء من أعمالكم. ### || [24.30] # قوله تعالى: { قل للمؤمنين يغضوا من ~~أبصارهم }؛ أي قل لهم يغضوا من أبصارهم عن النظر ~~إلى ما لا يحل لهم. واختلفوا في قوله تعالى { من أبصارهم } ~~فقال بعضهم: هي صلة يغضوا أبصارهم. وقال بعضهم: هي ثابتة في ~~الحكم؛ لأن المؤمنين غير مأمورين بغض البصر أصلا وإنما أمروا ~~بالغض عما لا يحل. قوله تعالى: { ويحفظوا فروجهم ~~}؛ يعني عن الحرام، قال صلى الله عليه وسلم: # " اضمنوا لي شيئا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: ~~اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا ~~اؤتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، ~~وكفوا أيديكم ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " النظر إلى محاسن المرأة سهم مسموم من سهام ~~إبليس، فمن رد بصره ابتغاء ثواب الله أبدله ~~الله بذلك ما يسره " # وقوله تعالى: { ذلك أزكى لهم }؛ أي أطهر وأصلح عند ~~الله، { إن الله خبير بما يصنعون }؛ في الفروج ~~والأبصار. ### || [24.31] # قوله تعالى: { وقل للمؤمنات يغضضن من ~~أبصارهن }؛ أي قل لهن يكففن أبصارهن عن ما لا يجوز، ~~{ ويحفظن فروجهن }؛ عن الحرام. وقيل: { ويحفظن ~~فروجهن } أي يستترن حتى لا يرى فروجهن أحد. # قوله تعالى: { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر ~~منها }؛ أي لا يبدين مواضع زينتهن إلا ما ظهر من موضع ~~الزينة. والزينة زينتان: ظاهرة وباطنة، فالباطنة: ~~المخانق والمعاضد والقلادة والخلخال والسوار ~~والقرط والمعاصم. وأما الزينة الظاهرة: الكحل ~~والخاتم والخضاب، فليس على المرأة بحكم إلا هذا به ~~ستر وجهها وكفيها في الصلاة. # وفي غير الصلاة يجوز للأجانب من الرجال النظر إلى وجهها لغير ~~الشهوة. فأما النظر مع ms1462 الشهوة فلا يجوز إلا في أربعة مواضع: إذا ~~أراد أن يتزوج امرأة، أو يشتري جارية، أو يتحمل الشهادة لها ~~أو عليها، أو القاضي يقضي لها أو عليها. # وعن ابن مسعود: (أن الزينة الظاهرة: هي الجلباب ~~والملاءة) يعني الثياب لقوله # خذوا زينتكم # [الأعراف: 31] أي ثيابكم. وعن عائشة رضي الله عنها أنها ~~قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر إذا ~~عركت أن تظهر إلا وجهها ويديها وإلى ها هنا ~~وقبض على نصف الذراع ". # قوله تعالى: { وليضربن بخمرهن على جيوبهن ~~}؛ الخمر: جمع خمار؛ وهو ما تغطي به المرأة رأسها، ~~والمعنى: وليلقين مقانعهن على جيوبهن وصدورهن ~~ليسترن بذلك شعورهن ومروطهن وأعناقهن ونحورهن، كما قال ابن ~~عباس: (تغطي المرأة شعرها وصدرها وترابها ~~وسوالفها) لأن المرأة اذا أسدلت خمارها انكشف ما قدامها ~~وما خلفها فوقع الاطلاع عليها. والجيوب: جمع جيب وهو جيب ~~القميص. # قوله تعالى: { ولا يبدين زينتهن إلا ~~لبعولتهن }؛ أراد به موضع الزينة الباطنة التي لا يجوز ~~كشفها في الصلاة، والمعنى: لا يظهرن موضع الزينة التي تكون ~~تحت خمرهن إلا لأزواجهن، { أو آبآئهن أو آبآء ~~بعولتهن أو أبنآئهن أو أبنآء بعولتهن } أي ~~أزواجهن، { أو إخوانهن }؛ في النسب أو الرضاع { أو ~~بني إخوانهن أو بني أخواتهن }؛ وكل ذي رحم ~~محرم منهن، { أو نسآئهن }؛ يعني نساء أهل دينهن ~~وهن المسلمات، ولا يحل لمسلمة أن تنكشف بين يدي يهودية أو ~~نصرانية أو مجوسية أو مشركة. وقيل: المراد بذلك العفائف من ~~النساء اللائي يكن اشكالا لهن. # ولا ينبغي للمرأة الصالحة أن تنظر إلى المرأة الفاجرة؛ لأنها ~~تصفها عند الرجل، ولا تضع جلبابها ولا خمارها عندها، ولا يحل ~~لامراة مؤمنة أن تنكشف أيضا عند مشركة أو كتابية إلا أن تكون أمة ~~لها، فذلك قوله تعالى: { أو ما ملكت أيمانهن }؛ ~~وروي أن عمر رضي الله عنه كتب إلى أبي عبيدة: (أما ~~بعد: فقد بلغني أن نساءكم يدخلن الحمامات ~~معهن نساء أهل الكتاب، فامنع من ذلك). # فلما أتى الكتاب إلى أبي عبيدة قام ذلك ms1463 المكان ~~مبتهلا وقال: (اللهم أيما امرأة تدخل الحمام ~~من غير علة ولا سقم تريد البياض لوجهها، ~~فسود وجهها يوم تبيض الوجوه). # قوله تعالى: { أو ما ملكت أيمانهن }؛ ذهب بعضهم ~~إلى أن المراد به العبد، فإنه لا بأس أن تظهر المرأة عند عبدها ~~ما تظهر عند محارمها. وكان سعيد بن المسيب يقول: ~~(لايغرنكم قوله: { أو ما ملكت أيمانهن } ~~فإنها نزلت في الإماء دون العبيد)، وعن مجاهد مثل ~~ذلك، كأنهما ذهبا إلى أن المراد بقوله: { أو نسآئهن } ~~الحرائر، والمراد بقوله { أو ما ملكت أيمانهن } الإماء ~~والولائد والصغار من الذكور المماليك. # قوله تعالى: { أو التابعين غير أولي الإربة ~~من الرجال }؛ يعني الذين يتبعون النساء من الأجر العمال الذين ~~لا حاجة لهم في النكاح، وإنما يخدمون القوم لينالوا من طعامهم، ~~والإربة فعلة من الإرب وهو الحاجة، كالمشية من ~~المشي. قال البعض: (هم قوم طبعوا على غير شهوة، ~~لا يشتهون ولا يعرفون ما يشتهى من النساء ولا ~~يشتهيهم النساء) يعني: لا يشتهون ولا يشتهون. وقال ~~سعيد بن جبير: (المعتوهون)، وقال عكرمة: (هو المجنون)، ~~وقال الحكم بن إبان: (هم المخانيث الذين لا إرب ~~لهم في النساء، ولا تقوم لهم شهوة). # وعن عائشة رضي الله عنها: # " أن مخنثا كان يدخل عليهن، وكانوا يعدونه ~~من غير أولي الإربة، فسمعه النبي صلى الله عليه وسلم ~~وهو يقول في صفة امرأة: أنها إذا أقبلت؛ أقبلت ~~بأربع، وإذا أدبرت؛ أدبرت بثمان، فقال صلى الله عليه ~~وسلم: " أوهذا المخنث يعرف هذا الكلام؟! لا أراه ~~يدخل عليكن " " # وقال مجاهد وعكرمة والشعبي: (هم الذين لا إرب لهم في ~~النساء)، وقال قتادة: (هو الذي يتبعك لأجل أن ~~يصيب من طعامك، ولا همة له في النساء). وقال ~~مقاتل: (هو الشيخ الهرم الذي لا يستطيع غشيان ~~النساء ولا يشتهيهن). # وأما الخصيان فهم على وجهين: إن كان خصيا قد جف ماؤه، فهو ~~من غير أولي الإربة، وإن كان لم يجف، فهو من أولي الإربة، ~~كما روي عن عائشة أنها قالت: (إن الخصياء مثله؛ وإنها ~~لم تحل ما حرم ms1464 الله). قوله تعالى: { غير أولي ~~الإربة } ، قرأ ابن كثير والفراء بخفض (غير) على الصفة، وقرأ ~~ابن عامر وعاصم بنصب (غير) على الاستثناء، ويكون (غير) بمعنى ~~إلا، وقيل: على الحال. # قوله تعالى: { أو الطفل الذين لم يظهروا على ~~عورات النسآء }؛ يعني الصغير الذي لا رغبة له في النساء، ولم ~~يبلغ مبلغا يطيق إتيانهن، وقد يذكر الطفل بمعنى الجماعة، ~~والمراد به ها هنا: والجماعة من الأطفال. وأما الصبي الذي ظهرت له ~~رغبة في النساء، فحكمه حكم البالغ، لقوله صلى الله عليه وسلم في ~~الصبيان: # " مروهم بالصلاة إذا بلغوا سبعا، واضربوهم ~~عليها إذا بلغوا عشرا، وفرقوا بينهم في ~~المضاجع ". # قوله تعالى: { ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما ~~يخفين من زينتهن }؛ قال الحسن: (كانت المرأة تمر ~~على المجلس وعليها الخلخال، فتضرب إحدى ~~رجليها بالأخرى ليعلم القوم أن عليها ~~الخلخال، فنهين عن ذلك لأن ذلك مما يحرك ~~الشهوة؛ لأن سماع صوت الزينة بمنزلة ~~إبدائه). وفي هذا دليل أن صوت المرأة عورة؛ لأن صوت خلخالها ~~أقل من صوتها. وأما سوى مواضع الزينة فلا يحل النظر إليه إلا ~~للزوج خاصة. # قوله تعالى: { وتوبوا إلى الله جميعا أيه ~~المؤمنون }؛ أي وتوبوا إلى الله جميعا عما كنتم في ~~الجاهلية تعملون من الخصال المذمومة، واعملوا بطاعة الله فيما ~~أمركم به ونهاكم عنه، { لعلكم تفلحون }؛ وقوله تعالى: { ~~أيه المؤمنون } قرأ ابن عامر بضم (الهاء) ومنه (يا ~~أيه الساحر) و(أيه الثقلان)، وينبغي أن لا يؤخذ ~~بقراءته. ### || [24.32] # قوله تعالى: { وأنكحوا الأيامى منكم }؛ أي ~~تزوجوهم، والأيم اسم المرأة التي لا زوج لها، والرجل الذي لا ~~امرأة له، يقال: رجل أيم وامرأة أيم، كما يقال: رجل بكر وامرأة ~~بكر، وقال الشاعر: # فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي أكن # مدى الدهر ما لم تنكحي أتأيم # ويقال: الأيم في النساء كالعزب في الرجال، وجمع الأيم ~~الأيامى. # قوله تعالى: { والصالحين من عبادكم وإمائكم }؛ ~~أي وزوجوا عبيدكم وإمائكم، وهذا أمر ترغيب واستحباب. وفائدة ذكر ~~الصالحين: أن المقصود من النكاح العفاف، والصالح هو الذي يتعفف. ~~وقيل: الصلاح ها هنا الإيمان، ثم ms1465 رجع إلى الأحرار فقال: { إن ~~يكونوا فقرآء يغنهم الله من فضله }؛ فيه حث على ~~النكاح؛ لئلا يمتنعوا منه بسبب الفقر، فإن الله هو الغني ~~والمغني، إن يكونوا فقراء لا سعة لهم في التزويج { يغنهم ~~الله من فضله } أي يوسع عليهم عند التزوج. # واختلفوا في الآية قوله تعالى: { وأنكحوا الأيامى ~~منكم } الآية؛ فقال بعضهم: هذا الأمر على الحتم والإيجاب، ~~أوجب الله النكاح على من استطاعه، وتأوله الباقون على أنه ~~أمر استحباب وندب، وهو المشهور الذي عليه الجمهور. # وقيل: يجب على المرأة والرجل أن يتزوجا إذا تاقت أنفسهما ~~إليه؛ لأن الله تعالى أمر به ورضيه وندب إليه، وبلغنا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " تناكحوا؛ فإني أباهي بكم الأمم حتى السقط " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " من أحب فطرتي فليستن بسنتي " # وهو النكاح؛ لأنه ينتفع بدعاء ولده بعده، ومن لم تتق نفسه ~~إليه فأحب إلينا أن يتخلى لعبادة الله. # وعن أبي نجيح السلمي؛ قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم # " من كان له ما يتزوج به ولم يتزوج فليس ~~منا " # ، وقال صلى الله عليه وسلم: # " من أدرك ولدا وعنده ما يزوجه فلم يزوجه ~~فأحدث إثما فالإثم بينهما " # ، وقال صلى الله عليه وسلم: # " إذا تزوج أحدكم عج الشيطان " # تأويله: غنم ابن آدم مني ثلثي دينه. وقال صلى الله عليه وسلم: # " مسكين مسكين رجل ليست له زوجة، مسكينة ~~مسكينة امرأة ليس لها زوج " قالوا: يا رسول ~~الله! وإن كانت غنية من المال؟ قال: " وإن كانت ~~غنية من المال " وقال: " شراركم عزابكم " ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " أربعة يلعنهم الله من فوق عرشه: رجل يخصي ~~نفسه عن النساء فلا يتزوج وهو قادر على ذلك، ~~ولا يتسرى خشية أن يولد له، ورجل تشبه ~~بالنساء، وامرأة تشبهت بالرجال، ورجل يتهزأ ~~بالمساكين يقول لهم: تعالوا حتى أعطيكم، فإذا ~~جاءوا قال لهم: ليس معي شيء، ويقول للأعمى: ~~احذر الحجر قبلك، واحذر الدابة، وليس قبله ~~شيء ". # وروي # " أن رجلا يقال له عكاف بن وادعة الهلالي، ~~جاء إلى رسول ms1466 الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: " يا ~~عكاف؛ ألك زوجة؟ " قال: لا، قال: " ولا جارية؟ " ~~قال: لا، قال: " وأنت صحيح موسر؟ " قال: نعم، قال: " ~~تزوج فإنك من إخوان الشياطين، اصنع ما يصنع ~~المؤمنون؛ فإن من سنتنا النكاح، شراركم ~~أعزابكم، وما للشيطان سلاح أبلغ من النساء، ~~ويحك يا عكاف! إنهن صواحبات يوسف وصواحبات ~~داود وصواحبات كرسف ". قالوا: يا رسول الله؛ ومن ~~كرسف؟ قال: " رجل كان يعبد الله على ساحل من ~~سواحل البحر ثلاثين عاما، يصوم النهار ويقوم ~~الليل لا يفتر، فقدر عليه أن كفر والعياذ ~~بالله من سبب امرأة عشقها، وترك ما كان عليه من ~~عبادة ربه، وتداركه الله بعد ذلك ما سلف منه. ~~ويحك يا عكاف! تزوج فإنك من المذبذبين " ~~قال: زوجني من شئت يا رسول الله، فزوجه على ~~امرأة يقال لها كريمة بنت كلثوم الحميري ". # وعن عياض بن غنم الأشعري؛ قال: قال لي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " يا عياض؛ لا تزوجن عجوزا ولا عاقرا؛ فإني ~~مكاثر بكم الأمم يوم القيامة " # ، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " تزوجوا الأبكار؛ فإنهن أعذب أفواها؛ وأنتق ~~أرحاما؛ وأثبت مودة؛ وأرضى باليسير، وإذا أراد ~~أحدكم أن يتزوج المرأة فليسأل عن شعرها كما ~~يسأل عن وجهها، فإن الشعر أحد الجمالين ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " تزوجوا الزرق فإن فيهن يمنا " # أي سعادة. وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أعظم نساء أمتي بركة أصبحهن وجها ~~وأقلهن مهرا " # ، وقال صلى الله عليه وسلم: # " أعلنوا بالنكاح واضربوا عليه بالدفوف، وليولم ~~أحدكم ولو بشاة ". # وعن معاذ بن جبل قال: # " حضرت ملاك رجل من الأنصار مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فخطب النبي صلى الله عليه وسلم وأملك ~~الأنصاري، ثم قال له: " على الألفة والخير ~~والطير الميمون " فجاء بسلال فيها فاكهة ~~وسكر فلم ينتهبوه، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " ألا تنتهبون؟ " قالوا: يا رسول الله! إنك ~~نهيتنا عن النهبة يوم كذا وكذا، فقال: " إنما ~~نهيتكم عن نهبة العساكر ولم ms1467 أنهكم عن نهبة ~~الولائم " ثم قال: " ألا فانتهبوا " ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " مسوا بالإملاك؛ فإنه أفضل في اليمين وأعظم في ~~البركة " # وعن عائشة رضي الله عنها؛ قالت: (كان عندي جارية من ~~الأنصار في حجري فزوجتها، فدخل النبي صلى الله ~~عليه وسلم فلم يسمع غناء، فقال: " يا عائشة؛ ألا ~~تغنون لها، فإن هذا الحي من الأنصار يحبون ~~الغناء ". قوله تعالى: { إن يكونوا فقرآء يغنهم ~~الله من فضله } ، قال صلى الله عليه وسلم: # " التمسوا الرزق بالنكاح " # و # " شكا رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الفقر، ~~فقال: " عليك بالباءة " " # وقال عمر رضي الله عنه: (ابتغوا الغنى في النكاح، فالله ~~تعالى يقول: { إن يكونوا فقرآء يغنهم الله من ~~فضله والله واسع عليم }؛ أي واسع بخلقه عليم بهم. ### || [24.33] # قوله تعالى: { وليستعفف الذين لا يجدون ~~نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله }؛ أي ليطلب الذين ~~لا يجدون نكاحا العفة عن الزنا والحرام، والمعنى: من لم يجد ~~سعة للنكاح من مهر ونفقة، ولا يجد شيئا يشتري به أمة ~~فليستعفف عن الزنا حتى يجد ما يكفيه، كذلك وفي هذا بيان أنه ~~لا عذر لأحد في السفاح. # قوله تعالى: { والذين يبتغون الكتاب مما ~~ملكت أيمانكم }؛ معناه الذين يطلبون المكاتبة من ~~عبيدكم وإمائكم، { فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا }؛ ~~رشدا وصلاحا وصدقا ووفاء وأمانة وقدرة على المكسب، وهذا أمر ~~استحباب في العبد الذي يقدر على الاكتساب وترغيب في الكتابة. فأما ~~الذي لا يقدر على الكسب ولا يرغب في الكتابة، فلا يكون في كتابته إلا ~~قطع حق المولى عنه من غير نفع يرجع إليه. ومعنى الكتابة: أن ~~يكاتب مملوكه على مال سلمه إليه نجوما فيعتق بأدائه، ~~وإن كانت الكتابة حالة جازت عند أبي حنيفة وأصحابه، والشافعي لا ~~يجوز إلا منجما، وأقله نجمان فصاعدا. # قوله تعالى: { وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ~~}؛ اختلفوا في معنى ذلك، فروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: ~~(يحط عن المكاتب ربع مال الكتابة). وعن ابن عباس: ~~(يحط عنه شيء)، وعن عبدالله بن يزيد ms1468 الأنصاري أنه قال: ~~(هذا خطاب للأئمة أن يسلموا إلى المكاتبين ما ~~فرض الله لهم في قوله تعالى: # وفي الرقاب # [البقرة: 177] وهذا أقرب إلى ظاهر الآية، لأن الإتيان في اللغة هو ~~الإعطاء دون الحط. # قوله تعالى: { ولا تكرهوا فتياتكم على البغآء ~~إن أردن تحصنا }؛ قال ابن عباس: (نزلت هذه الآية ~~في عبدالله بن أبي سلول، كانت له جوار حسان: ~~مسكة وأميمة ومقارة، كان يكرههن على الزنا ~~ليكتسبن له بالفجور، وكذلك كان أهل الجاهلية ~~يفعلون، فأتت الجواري إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يشكون إليه ذلك، فأنزل الله هذه الآية). # قال مقاتل: (نزلت في ست جوار لعبدالله بن أبي ~~سلول: معاذة ومسيكة وأميمة وعمرة وقتيلة ~~وأروى، فجاءته إحداهن ذات يوم بدينار، وجاءت ~~أخرى ببردة، فقال لهما: ارجعا فازنيا، وكان ~~يؤجرهن على الزنا، فلما جاء الإسلام قالت ~~معاذة لمسيكة: إن هذا الأمر الذي نحن فيه قد ~~آن لنا أن ندعه، فقال لهما عبد الله بن أبي سلول: ~~إمضيا فازنيا. فقالتا: والله ما نفعل ذلك قد جاء ~~الله بالإسلام وحرم الزنا. ثم مضيا إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وشكيا عليه، فأنزل الله هذه الآية). ~~ومعناها: ولا تكرهوا إماءكم على البغاء؛ أي على الزنا، { ~~لتبتغوا عرض الحياة الدنيا }؛ من كسبهن وبيع ~~أولادهن. # قوله تعالى: { إن أردن تحصنا } يعني إذا أردن ~~تحصنا، خرج الكلام على وجه الحال لا على وجه الشرط، ونظيره ~~قوله تعالى: # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق # [الاسراء: 31]، ويجوز أن يكون معناه: أن الكلام قد تم عند قوله ~~{ على البغآء } ثم ابتدأ بالشرط فقال: { إن أردن ~~تحصنا } وجوابه محذوف؛ تقديره: إن أردن تحصينا فقد أصبن، ~~ومثله # " قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة: " أدفئيني " قالت: إني ~~حائض، فقال صلى الله عليه وسلم: " وإن لم يرد عليه " " # وأراد بذلك إن كنت حائضا فلا بأس بذلك. # وقوله: { ومن يكرههن }؛ أي من يجبرهن على الزنا، ولم ~~تقدر المكرهة على الدفع عن نفسها بوجه من الوجوه لم تأثم، وإن ~~صبرت عن الامتناع حتى قتلت كان أعظم ms1469 لأجرها، وإن قتلت ~~دفعا عن نفسها كان لها ذلك. وقوله تعالى: { فإن الله من ~~بعد إكراههن غفور رحيم }؛ أي غفور لمن تاب منهن ~~ومات على التوبة، غفور لمن تاب عن إكراههن على الزنا، رحيم ~~بهم. ### || [24.34] # قوله تعالى: { ولقد أنزلنآ إليكم آيات ~~مبينات }؛ أي أنزلنا إليكم القرآن آيات ظاهرات واضحات ~~لتعملوا بها. وقيل: يعني بذلك ما ذكر في هذه السورة من الحلال ~~والحرام. وقوله تعالى: { ومثلا من الذين خلوا من ~~قبلكم }؛ أي وأنزل فيها مثلا؛ أي خبرا من خبر الذين ~~مضوا من قبلكم لتعتبروا، { وموعظة للمتقين }؛ عن ~~الشرك والفواحش. ### || [24.35] # قوله تعالى: { الله نور السموت والأرض }؛ أي ~~الله هادي أهل السماوات وأهل الأرض بالآيات المبينات، لا هادي ~~فيهما غيره، فبنوره الخلق يهتدون، وبهداه من الضلالة ينجون، ~~فلا يهتدي ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا بهداه. # وقال الضحاك: (معناه الله منور السماوات والأرض)، ~~وقال مجاهد: (معناه: الله مدبر الأمور في السماوات ~~والأرض)، وقال الحسن وأبو العالية: (الله مزين السماوات ~~والأرض)، يعني مزين السماوات بالشمس والقمر والنجوم، ~~ومزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين. # قوله تعالى: { مثل نوره }؛ قال ابن عباس: (مثل ~~نوره الذي أعطاه المؤمنين)، وقال السدي: (مثل نوره ~~الذي في قلب المؤمن)، وكان أبي يقرأ (مثل نور ~~المؤمنين). وقيل: كان يقرأ (مثل نور من آمن به). # قوله تعالى: { كمشكاة فيها مصباح }؛ المشكاة في ~~لغة الحبشة: كوة غير نافذة، والمصباح: هو السراج في ~~القنديل من الزجاج الصافية. وقيل: المشكاة: ~~عمود القنديل الذي فيه الفتيلة. وقال مجاهد: (هي ~~القنديل)، قال الزجاج: (النور في الزجاج، وضوء ~~النار أبين منه في كل شيء، وضوؤه يزيد في ~~الزجاج ويتضاعف حتى يظهر منه ما يقابله ~~مثله). # قوله تعالى: { فيها مصباح } أي سراج، وأصله من ~~الضوء، ومن ذلك الصبح، ورجل صبيح الوجه إذا كان وضيئا، ~~وفرق قوم بين المصباح والسراج؛ فقالوا: المصباح دون السراج، ~~والسراج أعظم من المصباح؛ لأن الله تعالى سمى الشمس سراجا، ~~وقال في غيرها من الكواكب # ولقد زينا السمآء الدنيا بمصبيح # [الملك: 5]. # ثم وصف الله الزجاجة ms1470 التي فيها المصباح؛ فقال: { المصباح في ~~زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري }؛ شبه القنديل ~~الذي يكون فيه السراج بالكوكب الدري؛ وهو النجم المضيء، ~~ودراري النجوم كبارها، وقوله { دري } نسبة إلى أنه ~~كالدر في صفائه وحسنه، كأن الكوكب درة بيضاء. # قرأ أبو عمرو والكسائي: (درئ) بكسر الدال مهموز ممدود؛ وهو ~~فعيل من الدرء بمعنى الدفع، يقال: درء يدرأ إذا ~~دفع، فكأنه تلألؤ يدفع أبصار الناظرين إليه. ويقال: كأنه ~~رجم به الشياطين فدرأهم؛ أي دفعهم بسرعة في الانقضاض، وذلك ~~أضوء ما يكون. # وقرأ حمزة وأبو بكر: مضمومة الدال مهموز ممدود، قال أكثر ~~النحاة: هو لحن؛ لأنه ليس في كلام العرب، فقيل بضم الفاء وكسر ~~العين، وأنكره الفراء والزجاج وأبو العباس، وقال: (هذا غلط؛ ~~لأنه ليس في كلام العرب شيء على هذا الوزن). وقرأ ~~الباقون بضم الدال وتشديد الياء من غير همز، فنسبوه إلى الدر ~~في صفائه وبهائه. # قوله تعالى: { يوقد من شجرة مباركة زيتونة }؛ ~~فيه أربع قراءات، قرأ نافع وابن عامر: بياء مضمومة يعنون المصباح، ~~وقرأ حمزة والكسائي وخلف: بتاء مضمومة يعنون الزجاجة، وقرأ أبو ~~عمرو: (توقد) بالتاء وفتحها وفتح الواو مشددة بمعنى الماضي، ~~وقرأ ابن محيصن: بتاء مفتوحة وتشديد القاف مثل قراءة أبي عمرو إلا ~~أنه رفع الدال بمعنى الفعل المستقبل بمعنى: تتوقد الزجاجة. # قوله تعالى: { من شجرة مباركة } أي من زيت ~~شجرة مباركة، فحذف المضاف؛ وأراد بالشجرة المباركة شجرة ~~الزيتون، بورك لأهلها فيها، وليس في الشجر شيء يورق ~~غصنه من أوله إلى آخره مثل الزيتون والرمان. # قوله تعالى: { لا شرقية ولا غربية }؛ أي ليست ~~تشرق عليها الشمس فقط من دون أن تغرب عليها، ولا غربية تغرب ~~عليها فقط من دون أن تشرق عليها، بل هي شرقية غربية تأخذ حظها من ~~الأمرين جميعا، لا يظلها جبل ولا شجر ولا كهف، نحو أن تكون على ~~تل من الأرض تقع عليها الشمس في جميع النهار، وإذا كانت على ~~هذه الصفة كان أنضر لها وأجود لزيتها وأتم لنبلتها وأنضج ~~لثمرها. وقال الحسن: (أراد بهذا شجرة ms1471 في الجنة؛ لأن ~~أشجار الأرض لا تخلو إما أن تكون شرقية أو ~~غربية). # وسميت شجرة الزيتون مباركة؛ لأنها كثيرة البركة والمنافع؛ ~~لأن الزيت يسرج به وهو إدام ودهان، ويوقد بحطبها ويدبغ بها ~~ويغسل برمادها الإبريسم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " ائتدموا بالزيت وادهنوا به، فإنه يخرج من ~~شجرة مباركة ". # قوله تعالى: { يكاد زيتها يضيء ولو لم ~~تمسسه نار }؛ أي يكاد زيت هذه الشجرة ودهنها يتلألأ أو ~~يشرق من وراء العصر من صفائه وإن لم تصبه نار؛ أي وإن لم ~~يوقد بها، فكيف إذا استصبح بها. # قال المفسرون: هذا مثل للمؤمنين، فالمشكاة والمصباح هو ~~الإيمان والقرآن، والزجاجة صدر المؤمن. ومعنى قوله تعالى { ~~يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار } أي يكاد ~~قلب المؤمن يعمل بالهدى وقبل أن يأتيه العلم، فإذا جاء العلم ~~ازداد هدى على هدى. وقيل: المشكاة نفسه، والزجاجة صدره، ~~والمصباح القرآن والإيمان في قلبه توقد من شجرة مباركة وهو ~~الإخلاص. # قوله تعالى: { نور على نور }؛ يريد به نور السراج ~~ونور الزجاج ونور الدهن ونور الكوكب، فكما أن الزيت والزجاج ~~والكوكب والسراج نور على نور في مشكاة لا يتفرق بشعاع السراج ~~فيها، فكذلك الإيمان في قلب المؤمن من نور على نور، فإن المعرفة ~~نور وعلمه نور، إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا ~~قال صدق، وإذا حكم عدل، فهو يتقلب في الأنوار، ومصيره ~~يوم القيامة إلى النور، كما قال تعالى # يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم # [الحديد: 12]. # وقيل: هذا مثل ضربه الله لنبيه محمد صلى الله عليه ~~وسلم: المشكاة صدره، والزجاجة قلبه، والمصباح فيه النبوة، ~~توقد من شجرة مباركة وهي شجرة النبوة، يكاد نور ~~محمد صلى الله عليه وسلم يضيء؛ أي يبين للناس ولو لم ~~يتكلم به، كما يكاد ذلك الزيت يضيء ولو لم تمسسه نار. # وقال ابن عمر في هذه الآية: (المشكاة: جوف محمد صلى ~~الله عليه وسلم، والزجاجة: قلبه، والمصباح: النور ~~الذي جعله الله فيه، (توقد من شجرة مباركة) ~~يعني بالشجرة إبراهيم الخليل عليه السلام، { لا ms1472 ~~شرقية ولا غربية } أي لا يهودي ولا نصراني، ~~{ نور على نور } يعني النور الذي جعل في ~~إبراهيم، والنور الذي جعل في محمد عليه السلام). # وقال محمد بن كعب: (المشكاة إبراهيم، والزجاجة ~~إسماعيل، والمصباح محمد صلى الله عليه وسلم: سماه ~~مصباحا كما سماه سراجا، فقال عز وجل # وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا # [الأحزاب: 46]. # وقوله تعالى: { يوقد من شجرة مباركة }؛ يعني ~~إبراهيم، سماه مباركا؛ لأن أكثر الأنبياء كانوا ~~من صلبه، { لا شرقية ولا غربية } يعني أن ~~إبراهيم عليه السلام لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ~~ولكن كان حنيفا مسلما. # وإنما قال كذلك لأن النصارى يصلون قبل ~~المشرق، واليهود قبل المغرب، قوله { يكاد ~~زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار } يعني تكاد ~~محاسن محمد صلى الله عليه وسلم تظهر للناس قبل أن ~~يوحى إليه، قوله تعالى: { نور على نور } أي نور ~~نبي من نسل نبي). # وقال الضحاك: (يعني بالمشكاة عبدالمطلب شبهه ~~بها، ويعني بالزجاجة عبدالله، وبالمصباح النبي ~~صلى الله عليه وسلم، كان في صلبهما فورث النبوة من ~~الشجرة المباركة وهي إبراهيم، توقد من شجرة ~~مباركة، لا شرقية ولا غربية، بل هي مكة في ~~وسط الدنيا). # ووصف بعض الفصحاء هذه الشجرة فقال: (هي شجرة الرضوان ~~وشجرة الهدى والإيمان، أصلها نبوة؛ وفرعها ~~مروءة؛ وأغصانها تنزيل؛ وورقها تأويل، ~~وخدمها ميكال وجبريل). # وقيل: إنما شبه الله قلب المؤمن بالزجاجة؛ لأنها في ~~الزجاجة يرى من خارجها، فكذلك ما في القلوب تبين على الظاهر في ~~الأقوال والأعمال، فكما أن الزجاجة تنكسر بأدنى شيء، فكذلك القلب ~~يفسد بأدنى آفة تحله. # وقوله تعالى: { يهدي الله لنوره من يشآء }؛ أي يوفق ~~الله للإسلام، ويدل بأدلته من يشاء ليعرفوا بذلك أمر دينهم. ~~قوله تعالى: { ويضرب الله الأمثال للناس }؛ أي ~~يضرب الله الأشباه في القرآن تقريبا للشيء الذي أراده إلى ~~الأفهام، وتسهيلا لسبيل الإدراك على الأنام، كما شبه المعرفة ~~في قلب المؤمن بالمصباح في الزجاجة. قوله تعالى: { والله ~~بكل شيء عليم }؛ أي عليم بكل شيء من مصالح العباد. ### || [24.36-38] # قوله تعالى: { في بيوت أذن الله ms1473 أن ترفع }؛ يعني ~~ذلك المصباح في بيوت، قيل: معناه: توقد في بيوت وهي ~~المساجد، أذن الله في رفعها؛ أي رفع بنائها كما قال تعالى # وإذ يرفع إبرهيم القواعد من البيت # [البقرة: 127]، ويستدل من هذه الآية أن لا يؤذن في رفع شيء من ~~الأبنية فوق الحاجة غير المساجد التي يصلي فيها المؤمنون، ~~ويستضيء بنور قناديلها العابدون. وقال الحسن: (معنى قوله { ~~أذن الله أن ترفع } أي تعظم وتصان عن الأنجاس ~~واللغو من الأقوال والأفعال وعن التكلم ~~بالخنا). # قوله تعالى: { ويذكر فيها اسمه }؛ وفي الحديث عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم؛ ~~وبيعكم وشراءكم؛ وسل سيوفكم وإقامة ~~حدودكم؛ وجمروها في الجمع، واجعلوا على ~~أبوابها المطاهر " # قال ابن عباس: (المساجد بيوت الله عز وجل في ~~الأرض، وهي تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم ~~لأهل الأرض). قوله تعالى: { ويذكر فيها اسمه } أي ~~ويذكر في المساجد اسم الله تعالى وتوحيده. # وقوله تعالى: { يسبح له فيها }؛ أي يصلي لله تعالى في ~~تلك البيوت الصلاة المفروضة، { بالغدو }؛ أي صلاة الغداة، ~~وقوله تعالى { والآصال } ، يعني العشيات، والأصيل ما بين ~~العصر إلى الليل، وسميت الصلاة تسبيحا لاختصاصها بالتسبيح. وقرأ ~~ابن عامر: (يسبح) بفتح الباء على ما لم يسم فاعله. # ثم فسر من يصلي فقال: { رجال }؛ كأنه قال: من يسبح؟ ~~فقيل: رجال { لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر ~~الله وإقام الصلاة وإيتآء الزكاة }؛ أي لا تشغلهم ~~تجارة، ولا بيع عن طاعة الله، وعن إقامة الصلاة في البيوت، وعن ~~إعطاء الزكاة. # قال الفراء: (التجارة لأهل الجلب، والبيع ما ~~باعه الرجل على يديه) وخص قوم التجارة هنا ~~بالشراء لذكر المبيع بعدها. والمعنى: لا يمنعهم ذلك عن ~~حضور المساجد لإقامة الصلاة وإتمامها، وإذا حضر وقت الزكاة لم ~~يحبسوها عن وقتها. # قوله تعالى: { يخافون يوما تتقلب فيه القلوب ~~والأبصار }؛ أي يفعلون ذلك خوفا من يوم ترجف فيه القلوب، ~~وتدور حدق العيون حالا بعد حال من الفزع والخوف رجاء أن { ~~ليجزيهم الله أحسن ما عملوا }؛ في دار الدنيا، { ~~ويزيدهم من فضله }؛ بغير ms1474 استحقاق، { والله يرزق ~~من يشآء بغير حساب }؛ أي بغير حصر ولا نهاية. ### || [24.39] # قوله: { والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة ~~يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده ~~شيئا }؛ معناه: أن أعمال الكفار قد أحبطوا بكفرهم، كسراب ~~بأرض مستوية ملساء، يظنه العطشان ماء يرجو به النجاة، حتى إذا ~~جاء السراب ليشرب لم يجده ماء، بل رأى أرضا بيضاء لا ماء فيها ~~فيئس وتحير، كذلك الكافر في عمله ييأس في الآخرة عن عمله الذي ~~كان يعتقده يبرئ، يتقطع عنه طمعه عند شدة حاجته إليه، ثم يجد ~~عند ذلك من العقاب كما قال تعالى: { ووجد الله عنده }؛ أي عند ~~عمله، يعني: قدم على الله، { فوفاه حسابه }؛ أي جازاه ~~بعمله. والسراب: هو الشعاع الذي يتراءى للعين وقت الهاجرة في ~~الفلوات، يرى من بعيد كأنه ماء وليس بماء. والبقيعة: جمع ~~بقاع، والقيعة جمع قاع، نحو جار وجيرة، وهو ما انبسط من ~~الأرض وفيه يكون السراب. # وقيل: معناه: أن الكافر يحسب أن عمله يغني عنه وينفعه، ~~فإذا أتاه الموت واحتاج إلى عمله لم يجده شيئا؛ أي لا منفعة ~~فيه ووجد الله عنده بالمرصاد عند ذلك فوفاه جزاء عمله، { ~~والله سريع الحساب }؛ أي سريع حسابه كلمح البصر أو ~~أقل؛ لأنه تعالى لا يتكلم بآلة حتى يشغله سمع عن سمع. ~~وسئل علي رضي الله عنه: كيف يحاسبهم في حالة واحدة؟ ~~فقال: (كما رزقكم في حالة واحدة). ### || [24.40] # قوله تعالى: { أو كظلمات في بحر لجي يغشاه ~~موج من فوقه موج من فوقه سحاب }؛ هذا تخير في ~~المثل، والمعنى: أن مثل أعمال الكفار أيضا في الدنيا، ومثل ~~قلوبهم في حياتهم الدنيا كمثل ظلمات في بحر لجي؛ أي ~~عميق كثير الماء يعلوه موج ومن فوق ذلك الموج الأعلى سحاب. # وهذا حد الكلام، ثم ابتدأ فقال: { ظلمات بعضها فوق بعض ~~} ، أراد به ظلمة البحر وظلمة الموج الأدنى وظلمة الموج الأعلى ~~وظلمة السحاب وظلمة الليل. قال المفسرون: أراد بالظلمات أعمال ~~الكفار، وبالبحر اللجي قلب الكافر، وبالموج ما يغشى عليه من ~~الجهل والشك والحيرة، ms1475 وبالسحاب الدين والختم والطبع على قلبه. # قال أبي بن كعب في هذه الآية: (الكافر يتقلب في خمس ~~من الظلم: فكلامه ظلمة؛ وعمله ظلمة؛ ~~ومدخله ومخرجه ظلمة؛ وقلبه ظلمة؛ ومصيره ~~يوم القيامة إلى ظلمة، كما قال تعالى: # ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا # [الحديد: 13]. # وقوله تعالى: { إذآ أخرج يده لم يكد يراها }؛ أي إذا ~~أخرج يده من هذه الظلمات لم يرها ولم يقارب أن يراها من ~~شدة الظلمات، فكذلك الكافر لا يبصر الحق والهدى. وقوله ~~تعالى: { ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ~~}؛ أي من لم يهده الله فما له من إيمان، ومن لم يجعل الله له ~~نورا في الدنيا، فما له من نور. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الله تعالى خلقني من نوره، وخلق أبا بكر ~~من نوري، وخلق عمر وعائشة من نور أبي بكر، ~~وخلق المؤمنين من أمتي من نور عمر، وخلق ~~المؤمنات من أمتي من نور عائشة. فمن لم ~~يحبني ويحب أبا بكر وعمر وعائشة؛ فما له من ~~نور فينزل عليه، ومن لم يجعل الله له نورا ~~فما له من نور ". ### || [24.41-42] # قوله تعالى: { ألم تر }؛ معناه: ألم تعلم؛ { أن ~~الله يسبح له }؛ أي ينزهه؛ { من في السموت ~~والأرض } من العقلاء وغيرهم، وكنى عن الجميع بكلمة (من) ~~تغليبا للعقلاء على غيرهم. وقيل: أراد بالآية العقلاء، وهذا ~~عموم أراد به الخصوص في أهل الأرض وهم المؤمنون. # قوله تعالى: { والطير صآفات }؛ أي ويسبح له الطير ~~باسطات أجنحتها في الهواء، والبسط في اللغة: الصف، والصف ~~في اللغة هو البسط، ويسمى القديد صفيفا لأنه يبسط. ~~وخص الطير بالذكر من جملة الحيوان؛ لأنها تكون بين السماء ~~والأرض، وهي خارجة عن جملة من في السماوات والأرض. # قوله تعالى: { كل }؛ أي كل من هؤلاء، { قد علم }؛ ~~الله؛ { صلاته وتسبيحه }. قال المفسرون: الصلاة لبني آدم، ~~والتسبيح عام لما سواهم من الخلق. وفيه وجوه من التأويل: # أحدها: كل مصل ومسبح قد علم الله تعالى صلاته ~~وتسبيحه، والثاني: أن معناه: كل مصل ms1476 ومسبح قد علم صلاة ~~نفسه وتسبيح نفسه، والثالث: قد علم كل منهم تسبيح الله ~~وصلاته، { والله عليم بما يفعلون }؛ من الطاعة وغيرها. ~~وقوله تعالى: { ولله ملك السموت والأرض }؛ أي له ~~تقديرهما وتدبيرهما وتصريف أحوالهما، { وإلى الله المصير ~~}. ### || [24.43] # قوله تعالى: { ألم تر أن الله يزجي سحابا }؛ أي ~~ينشؤه ويسوقه سوقا دفيقا قطعا قطعا، { ثم ~~يؤلف بينه }؛ أي يجمع بين قطع السحاب المتفرقة، ~~والسحاب جمع واحده سحابة، والتأليف ضم بعض إلى بعض ~~حتى يجعله قطعة واحدة. # قوله تعالى: { ثم يجعله ركاما }؛ أي متراكما ~~بعضه فوق بعض، { فترى الودق يخرج من خلاله }؛ أي ترى ~~المطر يخرج من وسطه وأثنائه، والخلال جمع الخلل مثل ~~الجبال والجبل. قال الليث: (الودق المطر كله، شديده ~~وهينه، وخلال السحاب مخارج القطر منه). قرأ ابن ~~عباس والضحاك: (من خلله). # قوله تعالى: { وينزل من السمآء من جبال فيها ~~من برد }؛ أي من جبل في السماء، وتلك الجبال من برد. قال ابن ~~عباس: (أخبر الله أن في السماء جبالا من برد) ~~ومفعول الإنزال محذوف، تقديره: وينزل الله من جبال برد ~~فيها، واستغنى عن ذكر المفعول للدلالة عليه، ومن الأولى لابتداء ~~الغاية، لأن ابتداء الإنزال من السماء، والثانية للتبعيض؛ لأن ما ~~ينزله الله بعض تلك الجبال التي في السماء، والثالثة لتبيين ~~الجنس؛ لأن جنس تلك الجبال البرد، كما تقول: خاتم من حديد. # وكان عمر رضي الله عنه يقول: (جبال السماء أكثر من جبال ~~الأرض)، { فيصيب به من يشآء }؛ أي فيصيب بالبرد من ~~يشاء فيهلكه ويهلك زرعه، { ويصرفه عن من يشآء }؛ فلا ~~يضره في زرعه وثمره. # قوله تعالى: { يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار }؛ ~~أي يكاد ضوء برق السحاب يذهب بالأبصار من شدة ضوئه وبريقه ~~ولمعانه؛ لأن من نظر إلى البرق خيف عليه ذهاب البصر. قرأ ~~أبو جعفر: (يذهب بالأبصار) بضم الياء وكسر الهاء. ### || [24.44] # قوله تعالى: { يقلب الله الليل والنهار }؛ أي ~~يقلبها في الذهاب والمجيء والزيادة والنقصان، { إن في ~~ذلك لعبرة لأولي الأبصار }؛ أي إن في ذلك التقلب، ~~وفيما ذكر عبرة لذوي ms1477 العقول من الناس، يقال: فلان صاحب ~~بصر؛ أي صاحب عقل. ### || [24.45] # قوله تعالى: { والله خلق كل دآبة من مآء }؛ ~~من النطفة، من ماء الذكر والأنثى، والخلق من الماء أعجب؛ لأنه ~~ليس شيء إلا وهو أشد طوعا من الماء؛ لأن الماء لا يمكن ~~إمساكه بيده ولا أن يبني عليه ولا أن يتخذ منه شيء. والمعنى: ~~والله خلق كل حيوان شاهد في الدنيا، ولا تدخل الجن ~~والملائكة في هذا لأنا لا نشاهدهم. # وقوله تعالى: { فمنهم من يمشي على بطنه }؛ كالحيات ~~والهوام والحيتان، وإنما قال فمنهم (من) تغليبا للعقلاء، ولو ~~كان لما لا يعقل لقال: فمنهم من يمشي على بطنه، { ومنهم من ~~يمشي على رجلين }؛ كالإنسان والطير، { ومنهم من ~~يمشي على أربع }؛ كالبهائم والسباع. والدابة اسم ~~لكل حيوان من مميز أو غيره. # قوله تعالى: { يخلق الله ما يشآء إن الله ~~على كل شيء قدير }؛ ظاهر المعنى، قرأ الكوفيون غير عاصم ~~(والله خالق) على الاسم. ### || [24.46] # قوله تعالى: { لقد أنزلنآ آيات مبينات }؛ يعني ~~القرآن هو مبين الهدى والأحكام، { والله يهدي من ~~يشآء إلى صراط مستقيم }؛ أي يرشد من يشاء إلى دين ~~الإسلام الذي هو دين الله وطريق رضاه وجنته. ### || [24.47] # قوله تعالى: { ويقولون آمنا بالله وبالرسول ~~وأطعنا }؛ يعني المنافقين يقولون صدقنا بتوحيد الله ~~وبالرسول محمد صلى الله عليه وسلم وأطعناهما فيما حكما، { ~~ثم يتولى فريق منهم }؛ أي ثم تعرض طائفة منهم، { من ~~بعد ذلك }؛ أي من بعد قولهم آمنا، { ومآ أولئك }؛ ~~الذين أعرضوا عن حكم الله ورسوله، { بالمؤمنين }. ### || [24.48] # قوله تعالى: { وإذا دعوا إلى الله ورسوله ~~ليحكم بينهم }؛ معناه: إذا دعوا إلى كتاب الله ورسوله ~~ليحكم بينهم الرسول فيما اختلفوا فيه، { إذا فريق منهم ~~معرضون }؛ عما يدعون إليه، نزلت هذه الآيات في بشر ~~المنافق وخصمه اليهودي حين اختصما في أرض، فجعل اليهودي يجذبه ~~إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهما، وجعل المنافق ~~يجذبه إلى كعب بن الأشرف، يقول: إن محمدا يحيف عليه، فذلك ~~قوله تعالى: { وإذا دعوا إلى الله ورسوله ~~ليحكم بينهم ms1478 إذا فريق منهم معرضون } عن الكتاب ~~والسنة. ### || [24.49] # قوله تعالى: { وإن يكن لهم الحق يأتوا ~~إليه مذعنين }؛ معناه: وإن يكن لهم القضاء على غيرهم يأتون ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم مسرعين مطيعين منقادين لحكمه. ~~والإذعان: الإقرار بالحق مع الانقياد له. قال الزجاج: ~~(الإذعان: الإسراع مع الطاعة). ### || [24.50] # قوله تعالى: { أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم ~~يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل ~~أولئك هم الظالمون }؛ لفظه لفظ الاستفهام، ومعناه ~~التوبيخ، وذلك أشد ما يكون في الذم كما جاء في المبالغة في المدح: # ألستم خير من ركب المطايا # وأندى العالمين بطون راح # يعني أنتم كذلك. ### || [24.51-52] # قوله: { إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى ~~الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا ~~وأطعنا }؛ انتصب (قول) على خبر كان، واسمها { أن ~~يقولوا سمعنا وأطعنا }. # وذلك أن عليا رضي الله عنه باع من عثمان رضي الله عنه ~~أرضا بالمدينة لا ينالها الماء، فجاء قوم ~~عثمان فندموا عثمان على ما صنع وقالوا له: لا ~~تذهب في خصومتك مع علي إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فإنه يحكم له! فلم يقبل منهم عثمان، ~~وتحاكما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى لعلي ~~رضي الله عنه، فأبى قوم عثمان أن يرضوا بقضائه، ~~فقال عثمان رضي الله عنه: { سمعنا وأطعنا } أي سمعنا ~~قولك يا رسول الله وأطعنا أمرك ورضينا بحكمك وقضائك، وإن ~~كان ذلك فيما يكرهونه ويضر بهم. وقوله تعالى: { وأولئك هم ~~المفلحون }؛ يعني الراضين بقضاء الله ورسوله. # فلما نزلت هذه الآية أقبل عثمان إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: (يا رسول الله؛ والله لئن شئت لأخرجن ~~من أرضي كلها التي أملكها وأدفعها إليه) فأنزل ~~الله تعالى: { ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ~~ويتقه }؛ معناه: ومن يطع الله ورسوله فيما ساءه وسره ~~ويخش الله فيما مضى من ذنوبه ويتق الله فيما بعد فلم يعص ~~الله، { فأولئك هم الفآئزون } ، برضى الله وحسناته. ### || [24.53] # وقوله: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم }؛ أي حلفوا ~~بالله وبالغوا في القسم، ms1479 { لئن أمرتهم ليخرجن } ، ~~من مالهم كله لفعلوا، { قل } لهم: { لا تقسموا }؛ أي لا ~~تحلفوا، وتم الكلام ها هنا. ثم قال: { طاعة معروفة }؛ ~~أي هذا القول منكم يعني القسم طاعة حسنة. # وقال بعضهم: هذه الآية نزلت في المنافقين؛ كانوا يحلفون لئن ~~أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخروج إلى الجهاد ليخرجن، ~~ولم يكن في نيتهم الخروج، فقيل لهم: لا تقسموا طاعة معروفة ~~مثل من قسمكم بما لا تصدقون، وقوله تعالى: { إن الله ~~خبير بما تعملون }؛ يعني عليم بما تعملون من طاعتكم ~~بالقول " و " مخالفتكم بالفعل. ### || [24.54] # وقوله تعالى: { قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول }؛ ~~ظاهر المعنى، وقوله تعالى: { فإن تولوا فإنما عليه ~~ما حمل وعليكم ما حملتم }؛ أي فإن أعرضوا عن طاعة ~~الله وطاعة رسوله فإنما على الرسول ما حمل من التبليغ وأداء ~~الرسالة، وعليكم ما حملتم من الطاعة، { وإن تطيعوه ~~تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين }؛ أي ~~ليس عليه إلا أن يبلغ ويبين لكم. ### || [24.55-56] # قوله تعالى: { وعد الله الذين آمنوا منكم ~~وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما ~~استخلف الذين من قبلهم }؛ نزلت هذه الآية في أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؛ أقاموا بمكة مدة قبل الهجرة لا ~~يمكنهم إظهار الإسلام، ولا أذن لهم في القتال، وكذلك بعدما ~~هاجروا إلى المدينة وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس ~~واحدة، وكانوا لا يبيتون إلا مع السلاح ولا يصبحون إلا فيه. # فجاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول ~~الله؛ أهكذا جالدتنا أبدا؟ فأنزل الله هذه الآية { وعد ~~الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض } أي ليبوأنهم أرض ~~المشركين من العرب والعجم كما استخلف بني اسرائيل بأرض مصر ~~والشام بعد إهلاك الجبابرة بأن أورثهم أرضهم وديارهم وجعلهم ~~سكانا وملوكا. # وقوله تعالى: { وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى ~~لهم }؛ أي وليوسع لهم البلاد حتى يملكوها ويظهر دينهم ~~على جميع الأديان، { وليبدلنهم من بعد خوفهم ~~أمنا }؛ وقوله تعالى: { يعبدونني لا يشركون بي شيئا ~~}؛ يجوز أن يكون في موضع نصب ms1480 على الحال؛ أي لأفعلن ذلك في حال ~~عبادتهم. # قوله تعالى: { ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم ~~الفاسقون }. وقوله تعالى: { وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون }؛ ظاهر ~~المراد. ### || [24.57] # قوله تعالى: { لا تحسبن الذين كفروا معجزين ~~في الأرض }؛ أي ولا تحسبن كفار مكة يا محمد فائتين ~~من عذاب الله أو يفوتنا هربا، فقدرة الله تعالى محيطة بهم، { ~~ومأوهم النار ولبئس المصير }. ### || [24.58] # قوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا ~~ليستأذنكم الذين ملكت أيمنكم والذين لم ~~يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات }؛ أي ~~ليستأذنكم في الدخول عليكم عبيدكم وإمائكم والذين لم ~~يبلغوا الحلم منكم أي من أحراركم من الرجال والنساء، والمعنى: ~~ليستأذنكم عبيدكم وإمائكم والذين لم يبلغوا الحلم من ~~صغير أولادكم من الأحرار في الدخول عليكم في ثلاث أوقات من الليل ~~والنهار يكون الغالب فيها كشف العورات. # ثم بين الأوقات الثلاث فقال: { من قبل صلوة الفجر ~~}؛ أي وقت القيام من المضاجع والتهيؤ للصلاة بالطهارة، { ~~وحين تضعون ثيبكم من الظهيرة }؛ وهو وقت ~~القيلولة، { ومن بعد صلوة العشآء }؛ أراد به العشاء ~~الأخيرة، وهذه الأوقات الثلاثة: { ثلاث عورات لكم }؛ لأن ~~الإنسان يضع ثيابه فيها في العادة. # من قرأ (ثلاث) بالرفع، فمعناه: هذه الأوقات الثلاثة ثلاث عورات ~~لكم. ومن قرأ (ثلاث) بالنصب جعله بدلا من قوله (ثلاث ~~مرات). قال السدي: (كان أناس من الصحابة يعجبهم ~~أن يواقعوا نساءهم في هذه الساعات الثلاث ~~ليغتسلوا ثم يخرجوا إلى الصلاة؛ فأمرهم الله ~~أن يأمروا الغلمان والمماليك أن يستأذنوا في ~~هذه الثلاث ساعات إذا دخلوا). # قوله تعالى: { ليس عليكم ولا عليهم جناح ~~بعدهن }؛ أي لا جناح عليكم ولا عليهم في أن لا يستأذنوا في ~~غير هذه الأوقات. # قوله تعالى: { طوفون عليكم بعضكم على بعض ~~}؛ أي طوافون عليكم يدخلون ويخرجون ويذهبون ويجيئون ويترددون ~~في أحوالهم واشتغالهم بغير إذن، يريد أنهم خدمكم، شئ فلا ~~بأس أن يدخلوا في غير هذه الأوقات بغير إذن. قال مقاتل: (معناه: ~~يطوف بعضهم وهم المماليك على بعض وهم ~~الموالي). # قوله تعالى: { كذلك يبين الله لكم الأيت }؛ ~~أي هكذا ms1481 يبين الله لكم الدلالات والأحكام في أمر الاستئذان، { ~~والله عليم }؛ بمصالح العباد، { حكيم }؛ فيما حكم من ~~استئذان الخدم في هذه الأوقات الثلاثة. ### || [24.59] # قوله تعالى: { وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم ~~فليستأذنوا }؛ معناه: إذا بلغ الأطفال من أحراركم ~~وعبيدكم فليستأذنوا في جميع الأوقات وفي عموم الأحوال، { كما ~~استأذن الذين من قبلهم }؛ المذكورين من قبلهم على ما ~~بين الله في كتابه، يعني بقوله؛ الأحرار الكبار الذين أمروا ~~بالاستئذان على كل حال في قوله # حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها # [النور: 27] فليس للعبد البالغ أن يدخل منزل مولاه ولا للولد ~~البالغ أن يدخل على أمه وعلى ذات محارمه في كل وقت إلا بإذن ~~{ كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم ~~}. ### || [24.60] # قوله تعالى: { والقواعد من النسآء اللاتي لا ~~يرجون نكاحا فليس عليهن جناح }؛ معناه: ~~والقواعد من النساء اللاتي قعدن عن الحيض من الكبر وهن ~~العجائز اللاتي لا يردن النكاح لكبرهن، فليس عليهن حرج ~~في، { أن يضعن ثيابهن }؛ يعني الجلباب والرداء ~~والقناع الذي فوق الخمار لأجل الثياب. # قوله تعالى: { غير متبرجات بزينة }؛ التبرج: ~~أن تظهر المرأة محاسنها من وجهها وجسدها، والمعنى من غير ~~أن يردن بوضع الجلباب أن يرى زينتهن. قال مقاتل: (ليس ~~لها أن تضع الجلباب، تريد بذلك أن تظهر ~~قلائدها وقرطها وما عليها من الزينة). # وقوله تعالى: { وأن يستعففن خير لهن }؛ معناه: وأن ~~يستعففن فلا يضعن الجلباب في الملائة والقناع فهو خير ~~لهن من أن يضعن، { والله سميع }؛ مقالة العباد، { ~~عليم }؛ بأعمالهم. يقال: امرأة عداد أقعدت عن الحيض، ~~فإذا قال: قاعدة بالهاء أراد به جالسة، والجمع فيهما جميعا ~~قواعد. ### || [24.61] # قوله تعالى: { ليس على الأعمى حرج ولا على ~~الأعرج حرج ولا على المريض حرج }؛ وذلك أن المسلمين ~~كانوا إذا غزوا خلفوا أزمانهم وكانوا يدفعون إليهم المفاتيح ~~ويقولون لهم قد أبحنا لكم أن تأكلوا مما في بيوتنا، فكانوا ~~يتحرجون من ذلك ويقولون: لا ندخلها وهم في غيب امتثالا لقوله ~~تعالى # لا تأكلوا أمولكم بينكم بالبطل إلا أن ~~تكون تجرة عن تراض منكم # [النساء: ms1482 29] فنزلت هذه الآية رخصة لهم. # ومعناها: نفي الحرج عن الزمنى في أكلهم من بيوت أقاربهم أو ~~بيوت من يدفع إليهم المفتاح إذا خرج للغزو وخلفه بحفظ ماله؛ ~~لأنهم كانوا يتحرجون أن يأكلوا مما يحفظونه، فأعلمهم الله ~~تعالى أنه لا جناح عليهم في ذلك. # وذهب الحسن إلى أن معنى الآية: (ليس على الأعمى حرج ولا ~~على الأعرج حرج ولا على المريض حرج في ترك ~~الخروج إلى الجهاد). # قوله تعالى: { ولا على أنفسكم أن تأكلوا من ~~بيوتكم }؛ أي لا حرج عليكم أن تأكلوا من بيوتكم، أراد بهذا بيوت ~~أبنائكم ونسلهم، وإنما أضاف بيوت الأبناء إليهم لأنهم من ~~أنفسهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " أنت ومالك لأبيك " # ، ولهذا قابله ببيوت الآباء، فقال: { أو بيوت ءابآئكم }؛ ~~ولم يقل بيوت أبنائكم، فعلم أن المراد بقوله: { ولا على ~~أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم } أي بيوت أبنائكم ~~وأزواجكم، وبيت المرأة كبيت الزوج. # قوله تعالى: { أو بيوت أمهتكم أو بيوت ~~إخونكم أو بيوت أخوتكم أو بيوت أعممكم ~~أو بيوت عمتكم أو بيوت أخولكم أو بيوت ~~خلتكم }؛ أخرج الكلام على وفق العادة؛ لأن الغالب من ~~أحوال هؤلاء أن تطيب أنفسهم بذلك، فجاز الأكل من بيوتهم بغير ~~إذن لدلالة الحال. # فأما إذا علم أن صاحب البيت لا تطيب نفسه بذلك، لا يحل له أن ~~يتناول شيئا من ذلك، { أو ما ملكتم مفاتحه }؛ يعني بيوت ~~عبيدكم وإمائكم، وذلك أن السيد يملك بيت عبده، أو المفاتح ~~معناها الخزائن، كقوله تعالى # وعنده مفاتح الغيب # [الأنعام: 59] أي خزائن الغيب. # ومعناه: المفاتيح التي يفتح بها الخزائن، يعني بذلك الوكلاء ~~والأمناء والعبيد الذين يملكون أمر الخزائن وتكون مفاتحها ~~بأيديهم، فليس عليهم في الأكل جناح إذا كان أكلا يسيرا مثل أن ~~يأكل من ثمر حائط يكون قيما عليه أو يشرب من لبن ماشية ~~يكون قيما عليها. وقال السدي: (الرجل يولي طعامه ~~غيره يقوم عليه، فلا بأس أن يأكل منه). # قوله تعالى: { أو صديقكم }؛ يعني صديقا يسره أن ~~يأكل من طعامه، وإنما أطلقه على عادة الصحابة رضي ms1483 الله ~~عنهم كما روي في سبب نزول هذا: أن مالك بن يزيد ~~والحارث بن عمرو كانا صديقين، فخرج الحارث ~~غازيا وخلف مالكا في أهله وخزائنه، فلما رجع ~~من الغزو رأى مالكا مجهودا، قال: ما أصابك؟ قال: ~~لم يكن عندي شيء، ولم يحل لي أن آكل من مالك، ~~فنزل قوله تعالى: { أو صديقكم }. # قوله تعالى: { ليس عليكم جناح أن تأكلوا ~~جميعا أو أشتاتا } سبب نزول هذه الآية: أن بني كنانة - ~~وهم حي من العرب - كان الواحد منهم يجوع ~~أياما ولا يأكل حتى يجد ضيفا فيأكل معه، وإذا ~~لم يجد أحدا فلا يأكل شيئا، وربما كانت معه ~~الإبل مجفلة فلا يشرب من ألبانها حتى يجد من ~~يشاربه، فأعلم الله تعالى أن الرجل منهم إذا أكل وحده فلا ~~إثم عليه. ومعنى { أشتاتا } متفرقين. # ويستدل من هذه الآية أن للجماعة في السفر أن يخلطوا طعامهم ~~فيأكلوا جميعا أو يأكل واحد منهم من زاده ولا حرج عليه في ذلك. ~~والغرض من هذه الآيات: نفي الحرمة عن كل ما تطيب به الأنفس. # وعن ابن عباس رضي الله عنه في سبب نزول هذه الآيات: (أن الله ~~تعالى لما أنزل قوله تعالى: # لا تأكلوا أمولكم بينكم بالبطل إلا أن ~~تكون تجرة عن تراض # [النساء: 29] تحرج المسلمون من مؤاكلة المرضى ~~والزمنى والعميان والعرج، وقالوا: قد نهانا ~~الله عن أكل المال بالباطل، والأعمى لا يبصر ~~موضع الطيب من الطعام، والأعرج لا يستطيع ~~المزاحمة، والمريض لا يستوفي حقه من الطعام، ~~فأنزل الله هذه الآيات). # والمعنى: ليس عليكم في مؤاكلة الأعمى والأعرج والمريض حرج. وقال ~~الضحاك: (كان العميان والعرجان يتنزهون عن ~~مؤاكلة الأصحاء؛ لأن الناس يتقذرونهم ~~ويكرهون مؤاكلتهم، وكان أهل المدينة لا ~~يخالطهم في طعامهم أعمى ولا أعرج ولا مريض ~~تقذرا، فأنزل الله هذه الآيات). # قوله تعالى: { فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على ~~أنفسكم }؛ أي يسلم بعضكم على بعض، وإنما قال { على ~~أنفسكم } لأن المؤمنين كنفس واحدة. وقيل: هذا في دخول ~~الرجل بيت نفسه، والسلام على أهله ومن في بيته. قال قتادة: ~~(إذا ms1484 دخلت بيتك فسلم على أهلك فهم أحق من ~~سلمت عليه، وإذا دخلت بيتا ليس فيه أحد، ~~فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، ~~ومن السنة إذا دخل الرجل بيت نفسه أن يسلم ~~على أهله، فإنه يزداد بذلك بركة في بيته ~~وأهله). # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إذا دخلتم بيوتكم فسلموا على أهليكم، وإذا ~~طعمتم طعاما فاذكروا اسم الله عليه، فإن ~~الشيطان إذا سلم أحدكم لم يدخل بيته، وإذا ذكر ~~اسم الله على طعامه قال لجنده من الشياطين: لا ~~مبيت لكم ولا عشاء، وإن لم يسلم حين يدخل ~~بيته ولم يذكر اسم الله على طعامه، قال ~~الشيطان لجنده: أدركتم العشاء والمبيت ". # قوله تعالى: { تحية من عند الله مبركة ~~طيبة }؛ أي افعلوا ذلك تحية أمركم الله بها، لكم فيها ~~البركة والمغفرة والثواب، { كذلك يبين الله لكم ~~الآيت }؛ أي هكذا بين الله لكم الدلالات والأحكام، { ~~لعلكم تعقلون }؛ أي لكي تعقلون. ### || [24.62] # قوله تعالى: { إنما المؤمنون الذين آمنوا ~~بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع }؛ ~~في الآية ثناء على المؤمنين، وإذا كانوا مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم في أمر جامع؛ أي في أمر طاعة يجتمعون عليه لحق الجمعة ~~وصلاة العيدين والجهاد وأشباه ذلك، { لم يذهبوا حتى ~~يستأذنوه }. # قال المفسرون: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صعد ~~المنبر يوم الجمعة، وأراد الرجل أن يخرج ~~لطاعة أو عذر؛ لم يخرج حتى يقوم بحيال النبي ~~صلى الله عليه وسلم حيث يراه، فيعرف أنه إنما قام ~~ليستأذن، فيأذن لمن يشاء منهم. قال مجاهد: (وإذا ~~أذن الإمام يوم الجمعة أن يشير بيده). # قوله تعالى: { إن الذين يستأذنونك أولئك ~~الذين يؤمنون بالله ورسوله }؛ نزلت في عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه حين استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الرجوع من غزوة تبوك إلى المدينة لعلة كانت ~~به. قوله تعالى: { فإذا استأذنوك لبعض شأنهم ~~فأذن لمن شئت منهم }؛ قيل: إن هذا منسوخ بقوله تعالى # عفا الله عنك لم أذنت لهم # [التوبة: 43]، قوله تعالى: { واستغفر لهم الله ms1485 }؛ أي ~~استغفر لهؤلاء المستأذنين إذا استأذنوك لعذرهم، { إن الله ~~غفور }؛ للناس، { رحيم }؛ بهم. ### || [24.63] # قوله تعالى: { لا تجعلوا دعآء الرسول بينكم ~~كدعآء بعضكم بعضا }؛ أي ادعوه بالخضوع والتعظيم، ~~وقولوا: يا رسول الله؛ ويا نبي الله، في لين وتواضع ~~وخفض صوت، ولا تقولوا: يا محمد! ولا يا أبا القاسم! كما ~~يدعو بعضهم بعضا باسمه. # قوله تعالى: { قد يعلم الله الذين يتسللون ~~منكم لواذا }؛ أراد به المنافقين، كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم إذا خطب الناس يوم الجمعة عابهم في خطبته، ~~فإذا سمعوا ذلك نظروا يمينا وشمالا، فإن أبصرهم ~~أحد لم يقوموا، وإن لم يبصرهم أحد قاموا ~~فخرجوا من المسجد يتسللون. والتسلل الخروج ~~في خفية. # واللواذ: أن يستر بعضه بعضا ثم يمضي، يقال: لاوذت ~~بفلان ملاوذة ولواذا. قال ابن عباس: (هو أن يلوذ ~~بغيره فيهرب من المسجد من غير استئذان). # قوله تعالى: { فليحذر الذين يخالفون عن ~~أمره }؛ أي ليحذر الذين يعرضون عن أمر الله ويخالفون في ~~أمره، { أن تصيبهم فتنة }؛ أي بلية، { أو يصيبهم ~~عذاب أليم } في الآخرة. ### || [24.64] # قوله تعالى: { ألا إن لله ما في السموت ~~والأرض }؛ أي له كل ذلك ملكا وقدرة وإحاطة، { قد يعلم ~~مآ أنتم عليه }؛ أي يعلم ما يبديه كل منكم وما يخفيه، ~~وقوله تعالى: { ويوم يرجعون إليه }؛ معناه: يعني يعلم ~~يوم يبعثون متى هو، { فينبئهم }؛ فيه؛ { بما عملوا }؛ ~~أي يجزيهم بما عملوا في دار الدنيا، { والله بكل شيء ~~عليم }؛ من أعمال العباد وغير ذلك. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من قرأ سورة النور أعطي من الأجر عشر حسنات ~~بعدد كل مؤمن ومؤمنة فيما مضى وفيما بقي ". ### | [25 - سورة الفرقان] ### || [25.1] # { تبارك }؛ أي عظمت وكثرت بركات الله. والبركة: هي ~~الخير الكثير. وقيل: معناه: تبارك: أي تعالى، قوله: { ~~الذي نزل الفرقان }؛ أي الذي نزل جبريل بالفرقان، { ~~على عبده } ، محمد صلى الله عليه وسلم؛ { ليكون ~~للعالمين نذيرا }؛ أي معلما بموضع المخافة. والفرقان: ~~البيان الذي يفرق به بين الحق والباطل، ويزجر عن القبائح، ~~ويدعو إلى المحاسن، ms1486 ويعني بالعالمين: الجن والإنس. ### || [25.2] # قوله تعالى: { الذي له ملك السموت والأرض }؛ ~~أي لله خزائن السماوات والأرض والقدرة على أهلها، { ولم ~~يتخذ ولدا }؛ كما قال اليهود والنصارى والمشركون، { ولم ~~يكن له شريك في الملك }؛ فيعاونه على ملكه، { وخلق ~~كل شيء فقدره تقديرا }؛ أي قدر طوله وعرضه ~~ولونه ورزقه وأجله. ### || [25.3] # قوله تعالى: { واتخذوا من دونه آلهة لا ~~يخلقون شيئا وهم يخلقون }؛ فمعناه: واتخذ كفار مكة من ~~دون الله آلهة يعبدونها؛ هي الأصنام لا يقدرون أن يخلقوا شيئا ~~وهم يخلقون، ما من شيء يكون منها من ذهب أو فضة أو صفر أو خشب ~~إلا والله خالقها، { ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا ~~نفعا }؛ أي لا يملكون الأصنام لأنفسها دفع ضر ولا جر نفع؛ ~~لأنها جماد لا قدرة لها، { ولا يملكون موتا ولا ~~حياة ولا نشورا }؛ أي لا يملك أن يموت أحد ولا يحيي أحد، ~~ولا تملك بعثا للأموات، فكيف يعبد هؤلاء من لا يقدر على أن ~~يفعل شيئا من هذا؟ ويتركون عبادة ربهم الذي يملك ذلك كله. ~~يقال: أنشر الله الأموات فنشروا؛ أي أحياهم فحيوا. ### || [25.4] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا إن هذا إلا ~~إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون }؛ أي قال ~~الذين كفروا: ما هذا القرآن إلا كذب اختلقه محمد من تلقاء ~~نفسه وأعانه عليه قوم آخرون من أهل الكتاب، يعنون (جبرا) ~~مولى لقريش، ويسار أبا فكيهة مولى لبني الحضرمي، وعداسا ~~مولى لحويطب بن عبد العزى، كان هؤلاء يقرأون التوراة قبل أن ~~يسلموا، فلما أسلموا رأوا التوراة تشبه القرآن، وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يمر بهم ويتعاهدهم، فمن ذلك قال الكفار: ~~وأعانه عليه قوم آخرون. # قوله تعالى: { فقد جآءوا ظلما وزورا }؛ أي قال ~~الكفار هذه المقالة شركا وكذبا، زعموا أن القرآن ليس من ~~الله، والمعنى: فقد جاءوا بظلم وزورا فيما قالوا، فلما سقطت ~~الباء أفضى إليه الفعل فنصبه. والزور: وضع الباطل في موضع ~~الحق. ### || [25.5] # قوله تعالى: { وقالوا أساطير الأولين }؛ أي قال ~~النضر بن الحارث وأصحابه: هذا القرآن أحاديث الأولين ms1487 في ~~دهرهم كما كنت أحدثكم عن الأعاجم، { اكتتبها }؛ محمد ~~أي أنسخها من عداس وجبر ويسار، { فهي تملى عليه }؛ فهي ~~تقرأ عليه، { بكرة وأصيلا }؛ أي أمر أن يكتب له فهي ~~تقرأ عليه غدوة وعشية ليحفظها. ### || [25.6] # قوله تعالى: { قل أنزله }؛ أي قل لهم يا محمد: ~~أنزل القرآن { الذي يعلم السر في السماوات ~~والأرض } ، لا يخفى عليه شيء فيهما، { إنه كان غفورا }؛ ~~لمن تاب وآمن، { رحيما }؛ لمن مات على التوبة. ### || [25.7-8] # قوله تعالى: { وقالوا مال هذا الرسول يأكل ~~الطعام ويمشي في الأسواق }؛ أي قال المشركون على وجه ~~الذم والتعيير للنبي صلى الله عليه وسلم: ما لهذا الرسول يأكل ~~مما يأكل الناس، ويمشي في الطرق كما نمشي لطلب المعيشة. والمعنى: ~~أنه ليس بملك لأن الملائكة لا تأكل ولا تشرب، والملوك لا يسبقون، { ~~لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا }؛ يكون معه ~~شريكا في النبوة، { أو يلقى إليه كنز }؛ ينتفع به، { ~~أو تكون له جنة يأكل منها }؛ من ثمرها، يعني ~~بستانا يأكل من ثمره، ومعنى قوله تعالى { أو يلقى إليه ~~كنز } أي ينزل عليه مال ينفعه ولا يحتاج إلى طلب المعاش. ~~وقوله تعالى { يأكل منها } قرأ حمزة والكسائي وخلف ~~بالنون؛ أي نأكل من جنته. # قوله تعالى: { وقال الظالمون إن تتبعون إلا ~~رجلا مسحورا }؛ أي قال المشركون للمؤمنين: ما تتبعون إلا ~~رجلا مخدوعا مغلوبا على عقله قد سحر وأزيل عنه الاستواء. ### || [25.9] # قوله تعالى: { انظر كيف ضربوا لك الأمثال ~~فضلوا }؛ معناه: انظر يا محمد كيف ضربوا لك الأمثال، ~~يعني: مثلوه بالمسحور وبالمحتاج. وقيل: معناه: انظر كيف ~~وصفوا لك الأشياء: إنك ساحر وكاهن وكذاب وشاعر ومجنون، فضلوا ~~عن الصواب والهدى وأخطاؤا النسبة، { فلا يستطيعون سبيلا ~~}؛ أي فلا يجدون طريقا إلى إلزام الحجة ولا مخرجا لأنفسهم ~~بإثبات العذر في ترك الإيمان به، وذلك أنهم جعلوا معذرتهم ~~في ذلك أشياء ليست بعذر. # أما أكل الطعام فإنه كان في الرسل قبله، فلم يكن ذلك عذرا ~~في ترك الإيمان به، ولو أنزل ملكا لكان يحتاج إلى أن ينزل ~~من السماء ms1488 ويتردد في الأرض لتبليغ الرسالة، كما قال تعالى # ولو جعلنه ملكا لجعلنه رجلا # [الأنعام: 9] ولو جعل الملك شريكا للنبي صلى الله عليه وسلم ~~معاونا له في الإنذار، أدى ذلك إلى استصغار كل واحد منهما في ~~أنه لا يكون كل واحد منهما قائما بنفسه في أداء الرسالة. # وأما الكنز فإنه قد وجد كثير من الفراعنة ولم يوجب ذلك ~~اتباعهم، وعدم مع كثير من الأنبياء الذين أقر الخلق برسالتهم، ~~وكذلك الحياة؛ ولأن الأنبياء صلوات الله عليهم إنما ~~يبعثون لتزهيد الناس في الكنوز والحياة، وترغيبهم في الآخرة، فكيف ~~يجوز أن يمنعوا الناس عنه ويشتغلوا به هم؟ ### || [25.10] # قوله تعالى: { تبارك الذي إن شآء جعل لك خيرا ~~من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك ~~قصورا }؛ قال ابن عباس: # " وذلك أن ملكا أنزل من السماء، فقال للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: إن الله يخيرك بين أن يعطيك ~~خزائن كل شيء، ومفاتيح كل شيء لم يعطها ~~أحد قبلك، ولم يعطها أحد بعدك من غير أن ~~ينقصك شيئا مما ادخر لك في الآخرة، وبين أن ~~يجمعها لك في الآخرة، فقال صلى الله عليه وسلم: " بل ~~يجمعها لي في الآخرة " ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " خيرني جبريل بين أن أكون نبيا ملكا وبين ~~أن أكون نبيا عبدا، فاخترت أن أكون نبيا عبدا؛ ~~أشبع يوما وأجوع يوما، أحمد الله إذا شبعت، ~~وأتضرع إليه إذا جعت ". # " وكان صلى الله عليه وسلم يأكل على الأرض، ويجلس جلسة ~~العبد، ويخصف النعل، ويرقع الثوب، ويركب ~~الحمار العاري، ويردف خلفه، وكان قد مات ذكر ~~الدنيا عن نفسه، ويقول: (وا عجبا كل العجب ~~للمعترف بدار الخلود وهو يعمل لدار الغرور) ". # ومعنى الآية: تبارك وتعالى إن شاء يجعل لك خيرا مما قالوه في ~~الدنيا من جنات وقصور، وإن شاء يجعل لك قصورا في الدنيا؛ أي ~~لو شاء جعل لك أفضل من الكنز والبستان الذي ذكروا، ويجعل لك ~~جنات تجري من تحتها الأنهار يعني في الدنيا؛ لأنه قد شاء أن ~~يعطيه في الآخرة. # وقوله تعالى ms1489 { ويجعل لك قصورا } من قرأ بالجزم، كان المعنى ~~إن شاء جعل لك الجنات ويجعل لك قصورا في الدنيا، لأنه قد شاء، ~~وإنما لم يجعل الحكمة التي أوجبت لك. قرأ ابن كثير وابن عامر ~~وعاصم: (ويجعل) بالرفع على الاستئناف بمعنى: وسيجعل لك قصورا ~~في الجنة في الآخرة. والقصور: هي البيوت المشيدة، سمي ~~القصر قصرا؛ لأنه قصر ومنع من الوصول إليه. # وعن ابن عباس أنه قال: # " لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالفاقة فقالوا: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ~~ويمشي في الأسواق، ويمشي في المعاش، تعب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم من ذلك، فنزل جبريل عليه السلام ~~معزيا له، فقال له: يا رسول الله؛ ربك يقرؤك ~~السلام ويقول: { ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين ~~إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ~~} لطلب المعاش في الدنيا. # فبينما جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم يتحدثان ~~إذ أقبل رضوان خازن الجنان فسلم على النبي صلى ~~الله عليه وسلم ومعه سفط من نور يتلألأ، فقال: يا ~~رسول الله؛ ربك يقرؤك السلام، ويقول لك: هذه ~~مفاتيح خزائن الدنيا مع أنه لا ينقص حظك في ~~الآخرة جناح بعوضة، فنظر النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلى جبريل مشيرا، ثم قال: " يا رضوان؛ لا حاجة ~~لي فيها، العفو أحب إلي وأن أكون عبدا صابرا ~~شكورا حامدا من السماء " فرفع جبريل رأسه، فإذا ~~السماوات قد فتحت أبوابها إلى العرش، فأوحى ~~الله تعالى إلى جنات عدن أن تدلي أغصانها، فإذا ~~غرفة من زبرجدة خضراء لها سبعون ألف باب من ~~ياقوتة حمراء، فقال جبريل: يا محمد ارفع ~~بصرك، فرفع فرأى منازل الأنبياء قد فصل بها من ~~دونهم، وإذا بمناد: أرضيت يا محمد؟ فقال صلى الله ~~عليه وسلم: " قد رضيت " ". ### || [25.11-12] # قوله تعالى: { بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن ~~كذب بالساعة سعيرا }؛ معناه: لا يستطيعون سبيلا إلى ~~إلزام الحجة وإثبات المعذرة، ولكن كذبوا بالساعة، ~~وأعتدنا لمن كذب بقيام الساعة نارا مسعرة، { إذا ~~رأتهم من مكان بعيد }؛ من مسيرة خمسمائة عام، { ~~سمعوا لها ms1490 }؛ للنار غليانا، { تغيظا وزفيرا }؛ ~~كتغيظ بني آدم، وصوتا كالزفير عند شدة التهابها ~~واضطرابها، وإنما قال { إذا رأتهم } وهم يرونها على معنى: ~~كأنها تراهم رؤية الغضبان الذي يزفر غيظا. قيل: إنها ~~لتزفر زفرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا ~~خر لوجهه. ### || [25.13-14] # قوله تعالى: { وإذآ ألقوا منها مكانا ضيقا ~~مقرنين دعوا هنالك ثبورا }؛ قال ابن عباس: (يطبق ~~عليهم كما يطبق الزج في الرمح، قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " والذي نفسي بيده؛ إنهم يستكرهون كما ~~يستكره الوتد في الحائط " # والمعنى: إذا طرحوا في مكان ضيق من النار مقرنين؛ أي ~~مغلولين قد قرنت أيديهم من الجن والإنس يقولون: وا ~~ثبوراه، واهلاكاه. # وفي الخبر: أنهم إذا ألقوا على باب جهنم، وتضايق عليهم ~~كتضايق الزج في الرمح، فيزدحمون في تلك الأبواب الضيقة، ~~يرفعهم اللهب وتخضعهم مقامع ملائكة العذاب، فعند ذلك يدعون ~~بالويل والثبور، ويقال لهم: { لا تدعوا اليوم ثبورا ~~واحدا وادعوا ثبورا كثيرا }؛ فإن سبب الثبور دائم لا ~~ينقطع. ### || [25.15-16] # قوله تعالى: { قل أذلك خير أم جنة الخلد ~~التي وعد المتقون }؛ أي قل أذلك العذاب والسعير خير ~~أم جنة الخلد التي وعد المتقون، وهذا على طريق التعجب ~~والتبعيد لا على طريق الاستفهام؛ لأنه ليس في السعير خير. # قوله تعالى: { كانت لهم جزآء ومصيرا }؛ أي كانت ~~الجنة للمتقين جزاء ومرجعا في الآخرة، { لهم فيها ما ~~يشآءون خالدين }؛ أي لهم في جنة الخلد ما يشاؤون، { ~~كان }؛ ذلك الخلد، { على ربك وعدا مسئولا }؛ وذلك ~~أن المؤمنين سألوا ربهم في الدنيا حين قالوا # ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك # [آل عمران: 194] فقال الله تعالى: كان إعطاء الله للمؤمنين جنة ~~الخلد وعدا واجبا، وذلك أم المسؤول واجب، وإن لم يسأل ~~كالدين، ونظيره قول العرب: أعطيتك ألفا وعدا مسؤولا، يعني ~~أنه واجب لك فسأله. وقيل: معنى الوعد المسؤول: أن ~~الملائكة تسأل لهم ذلك، يقولون # ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم # [غافر: 8]. ### || [25.17] # قوله تعالى: { ويوم يحشرهم وما يعبدون من ~~دون الله }؛ يعني كفار مكة وسائر المشركين ممن كان يعبد ms1491 ~~غير الله، يعني: الذين يعبدون الملائكة وعزيرا وعيسى والأصنام، ~~فيقول الله تعالى للكفار: لماذا عبدتم غيري؟ فيقولون: لأنهم ~~أمرونا بعبادتهم، { فيقول } الله تعالى للملائكة ولعيسى ~~ولعزير على وجه التنكيت والتقريع للكفار: { أأنتم أضللتم ~~عبادي هؤلاء }؛ حتى عبدوكم وأنتم أمرتموهم بعبادتكم، { ~~أم هم ضلوا السبيل }؛ وأخطأوا الطريق بهوى أنفسهم؟ ~~ونظيره قوله تعالى: # وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس ~~اتخذوني وأمي إلهين من دون الله # [المائدة: 116]. ### || [25.18] # قوله تعالى: { قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنآ ~~أن نتخذ من دونك من أوليآء }؛ أي قالوا تنزيها ~~لك من أن نعبد غيرك، وما ينبغي لنا ولعابدنا أن نتخذ من ~~دونك من أولياء، فكيف جاز لنا أن نأمرهم يعبدوننا دونك، { ~~ولكن متعتهم وآبآءهم حتى نسوا الذكر }؛ ~~ولكن طولت أعمارهم ووسعت لهم في الرزق وأمهلتهم في ~~الكفر حتى غيروا بذلك وتركوا التوحيد والطاعة، ونسوا القرآن، ~~{ وكانوا قوما بورا }؛ أي هلكى فاسدي القلوب. والبوار ~~هو الهلاك، والبائر الفاسد، والأرض البائر هي التي عطلت عن ~~الزراعة. وقيل: معناه { وكانوا قوما بورا }: أي هالكين ~~فاسدين قد غلب عليهم الشقاء والخذلان، ومنه بوار ~~السلعة، والإثم إذا كسد فسد. # قرأ أبو جعفر وابن كثير ويعقوب: (ويوم يحشرهم) بالياء، ~~وقوله تعالى (وما كان ينبغي لنا أن نتخذ)، قرأ الحسن ~~وأبو جعفر (نتخذ) بضم النون وفتح الخاء. ### || [25.19] # قوله تعالى: { فقد كذبوكم بما تقولون }؛ أي ~~كذبكم المعبود بقولكم: إنها آلهة شركاء الله، ومن قرأ (بما ~~يقولون) بالياء؛ فالمعنى: كذبوهم بقولهم # سبحانك ما كان ينبغي لنآ أن نتخذ من دونك من ~~أوليآء # [الفرقان: 18]. قال عكرمة والضحاك والكلبي: (يأذن الله ~~للأصنام في الكلام ويخاطبها فيقول: أنتم ~~أضللتم عبادي هؤلاء أم أمرتموهم بعبادتهم ~~إياكم؟ أم هم ضلوا السبيل؟ قالوا سبحانك ما ~~كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء، ~~ولكن متعتهم وآباءهم؛ أي أطلت أعمارهم ~~ووسعت عليهم الرزق حتى نسوا الذكر؛ أي تركوا ~~القرآن فلم يعملوا بما فيه). وقيل: نسوا الإيمان ~~والتوحيد، وكانوا قوما بورا، فيقول الله للمشركين: { فقد ~~كذبوكم بما تقولون }. # قوله ms1492 تعالى: { فما تستطيعون صرفا ولا نصرا }؛ أي ~~لا يقدرون على صرف العذاب عن أنفسهم ولا على نصر أنفسهم، ودفع ~~العذاب والبلاء الذي هم فيه، ولا أن ينتصروا من معبودهم. ~~قوله تعالى: { ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا ~~}؛ أراد بالظلم الشرك، ومن يشرك بالله نذقه في الآخرة ~~عذابا شديدا. ### || [25.20] # قوله تعالى: { ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين ~~إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ~~}؛ أي يأكلون كما تأكل أنت، ويمشون في الأسواق، وهذا احتجاج عليهم ~~في قولهم # مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في ~~الأسواق # [الفرقان: 7]. # قوله تعالى: { وجعلنا بعضكم لبعض فتنة }؛ أي ~~بليه ابتلاء الشريف بالوضيع، والعربي بالمولى، فإذا أراد ~~الشريف أن يسلم ورأى الوضيع قد أسلم قبله أبى وقال: ~~أسلم بعده فيكون له علي السابقة والفضل! فيقيم على ~~كفره. ويمتنع من الإسلام، فذلك افتتان بعضهم ببعض، وهذا ~~قول الكلبي. # وقيل: الفتنة ها هنا هي العداوة التي كانت بينهم في الدين، وما ~~كان المؤمنون يلقون من أذى الكفار، { أتصبرون }؛ أيها ~~المؤمنون على أذاهم حتى تصلوا إلى ثواب الصابرين، فإن بعضهم ~~لبعض فتنة، يقول الفقير: لو شاء الله أغناني مثل فلان، ~~ويقول السقيم: لو شاء الله أصحني مثل فلان، ويقول الأعمى: ~~لو شاء الله أبصرني مثل فلان، { وكان ربك بصيرا }؛ ~~بالأغنياء والفقراء وغيرهم، أغنى من أوجبت الحكمة غناه، ~~وأفقر من أوجبت الحكمة فقره. ### || [25.21] # قوله تعالى: { وقال الذين لا يرجون لقآءنا ~~لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا }؛ أي ~~قال الذين لا يخافون البعث بعد الموت: هلا أنزل ~~علينا الملائكة رسلا أو نرى ربنا فيخبرنا بذلك، قال ~~الله تعالى: { لقد استكبروا في أنفسهم }؛ أي لقد ~~تعظموا في أنفسهم حيث سألوا من الآيات ما لم يسأله ~~أحد قط، { وعتوا عتوا كبيرا }؛ حين قالوا { أو نرى ~~ربنا }. والعتو: مجاوزة الحد في الظلم، وقيل: ~~العتو: أشد الكفر. والمعنى: وجاوزوا الحد مجاوزة شديدة. ### || [25.22] # قوله تعالى: { يوم يرون الملائكة لا بشرى ~~يومئذ للمجرمين }؛ أعلم الله تعالى أن الوقت الذي ~~يرون فيه الملائكة هو يوم القيامة، ms1493 وأن الله حرمهم ~~البشرى في ذلك اليوم، فقال { يوم يرون الملائكة } يعني ~~يوم القيامة، لا بشرى يومئذ للمشركين؛ أي لا بشارة لهم ~~بالجنة والثواب، { ويقولون حجرا محجورا }؛ أي يقول ~~الملائكة: حراما محرما أن يدخل الجنة إلا من قال: لا ~~إله إلا الله. # وقيل: يقول الملائكة للمجرمين: { حجرا محجورا } أي ~~حراما محرما عليكم البشرى. وقيل: حرام عليكم الجنة. ~~وقيل: تقول الملائكة: حرم عليكم سماع البشرى حراما ~~محرما، وكانت العرب إذا أراد الرجل منهم أن يحرم شيئا ~~يطلب منه؛ قال: حجرا محجورا؛ ليعلم السائل بذلك أنه ~~لا يريد أن يفعل. والحجر في اللغة: هو المنع، ومنه الحجر ~~على الصبي، ويجوز أن يكون محجورا من قول الكفار للملائكة؛ أي ~~قالوا للملائكة بعدا بيننا وبينكم. قال مجاهد: (يعني ~~عوذا معاذا يستعيذون من الملائكة). ### || [25.23] # قوله تعالى: { وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل ~~فجعلناه هبآء منثورا }؛ أي عمدنا إلى أعمالهم التي ~~عملوها في الدنيا التي كانوا يعتقدونها طاعة، فجعلناها في ~~الآخرة بمنزلة الهباء المنثور وهو ما يقع في الكوة من ~~شعاع الشمس، فيقبض القابض عليه فلا يحصل على شيء. وقيل: هو ~~التراب الذي يصعد من حوافر الدواب، يرى ولكن لا يقدر عليه. ~~وقال ابن شميل: (الهباء المنثور الذي تطيره ~~الرياح كأنه دخان)، فالمعنى: فجعلناه باطلا لا ثواب ~~له؛ لأنهم لم يعملوه لله، وإنما عملوه للشيطان. ### || [25.24] # قوله تعالى: { أصحاب الجنة يومئذ خير ~~مستقرا وأحسن مقيلا }؛ أي أصحاب الجنة يومئذ خير ~~مستقرا من هؤلاء المشركين المتكبرين المفتخرين بأعمالهم، ~~وأحسن موضعا عند القيلولة من منازل الكفار. قال ابن ~~مسعود: (لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقبل ~~هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار). ### || [25.25] # قوله تعالى: { ويوم تشقق السمآء بالغمام }؛ ~~قرأ أبو عمرو والكوفيون بالتشديد فيهما على معنى تتشقق السماء ~~عن الغمام و(الباء) و(عن) يتعاقبان، يقال: رميت بالقوس وعن ~~القوس، ومعنى الآية: ويوم تصدع السماء لنزول الملائكة ~~في الغمام بأمر الله كما تقدم ذكره في قوله تعالى # هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من ~~الغمام والملائكة ms1494 # [البقرة: 210] وهو غمام أبيض رقيق مثل الضبابة. # وقوله تعالى: { ونزل الملائكة تنزيلا }؛ أي ~~نزل أهل كل سماء على حدة منها إلى الأرض لإكرام المؤمنين ~~وإهانة الكفار، وأهوال ذلك اليوم. ويقال: إن الغمام سحاب أبيض ~~فوق السماوات السبع، كما روي أن دعوة المظلوم ترفع فوق ~~الغمام، فعلى هذا يكون المعنى: ويوم تشقق السماوات السبع ~~ويظهر الغمام. قرأ ابن كثير: (وننزل الملائكة) بنونين ~~ونصب الملائكة. ### || [25.26] # قوله تعالى: { الملك يومئذ الحق للرحمن }؛ ~~أي الملك الذي هو الملك حقا ملك الرحمن يوم القيامة، ~~{ وكان يوما على الكافرين عسيرا }؛ أي عسر ذلك اليوم ~~لشدته ومشقته، ويهون على المؤمنين. ### || [25.27-29] # قوله تعالى: { ويوم يعض الظالم على يديه }؛ ~~نزلت في عقبة بن أبي معيط كان إذا أراد أن يؤمن فقال له ~~أبي بن خلف وكان صديقا له: صبأت يا عقبة! لئن ~~آمنت لم أكلمك أبدا، فامتنع عن الإيمان حتى قتل يوم ~~بدر كافرا، وقتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أبي بن خلف ~~يوم أحد. # وقيل: # " إن عقبة بن أبي معيط كان لا يقدم من سفر إلا صنع ~~طعاما فدعا عليه أشراف قومه، وكان يكثر ~~مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم فقدم ذات يوم من ~~سفر، فصنع طعاما فدعا عليه الناس، ودعا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فلما قرب الطعام قال صلى الله ~~عليه وسلم: " ما نأكل من طعامك يا عقبة حتى تشهد ~~أن لا إله إلا الله وأني رسول الله " فقال عقبة: ~~أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فأكل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان أبي بن خلف ~~غائبا، فلما أخبر بإسلام عقبة وكان صديقه، ~~قال له: أصبوت يا عقبة؟! فقال: لا؛ والله ما ~~صبوت وإن أخاك كما تعلم، ولكني صنعت طعاما ~~فأبى أن يأكل من طعامي إلا أن أشهد، فاستحييت ~~أن يخرج من بيتي ولم يطعم، فشهدت له وليس ~~في نفسي ذلك، فقال أبي بن خلف: يا عقبة! ما أنا ~~بالذي أرضى منك أبدا حتى تأتيه فتبزق في ~~وجهه! ms1495 ففعل عقبة ذلك ". # قال الضحاك: (لما بزق عقبة في وجه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، عاد بزاقه في وجهه ولسعه لسعة ~~فأحرق خديه، وكان أثر ذلك فيه حتى الموت). ~~وعن عطاء عن ابن عباس قال: (كان أبي بن خلف يجالس ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويسمع كلامه من غير أن ~~يؤمن به، فلما أراد عقبة بن أبي معيط أن يؤمن ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم زجره أبي بن خلف، وكان ~~خليلا له، فقال له: وجهي من وجهك حرام إن ~~بايعت محمدا صلى الله عليه وسلم. فلم يؤمن واتبع ~~رضى أبي بن خلف، فأنزل الله هذه الآية). # قوله تعالى: { ويوم يعض الظالم على يديه } ~~يعني عقبة بن أبي معيط، يعض على يديه تندما وتحسرا ~~وأسفا على ما فرط في جنب الله. قال عطاء: (يأكل يديه ~~حتى يذهبا إلى المرفقين، ثم ينبتان، فلا ~~يزال هكذا دأبه، كلما نبتت يده أكلها ندامة ~~على ما فعل، وذلك يوم القيامة. ثم { يقول } ، على ~~وجه التحسر: { يليتني اتخذت مع الرسول سبيلا }؛ أي ~~ليتني اتبعت الرسول وسلكت طريقته فإنها طريق الهدى، { ~~يويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا }؛ يعني ~~أبي بن خلف، { لقد أضلني عن الذكر بعد إذ ~~جآءني }؛ أي لقد صرفني عن القرآن بعد إذ دعاني محمد صلى ~~الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { وكان الشيطان للإنسان خذولا }؛ ~~ابتداء كلام؛ أي كان الشيطان للإنسان كثير الخذلان يتبرأ منه ~~في الآخرة. قوله تعالى: (يقول يا ليتني اتخذت) ~~قراءة أبي عمرو بفتح الياء من (يا ليتني اتخذت)، وقتل ~~عقبة يوم بدر صبرا كافرا. # وحكم هذه الآية في كل صاحبين اجتمعا على معصية الله. وقد روي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " جليس السوء كمثل الكير، إن لم يحرق ثيابك ~~علق بك ريحه ودخانه " # ، وانشد بعضهم في ذلك: # تجنب قرين السوء واصرم حباله # وإن لم تجد عنه محيصا فداره # وأحبب حبيب الصدق واحذر مراءه # تنل منه صفو الود ما لم تماره ### || [25.30] # قوله تعالى: { وقال الرسول }؛ أي ms1496 ويقول الرسول ~~محمد صلى الله عليه وسلم: { يرب إن قومي }؛ يعني ~~قريشا، { اتخذوا هذا القرآن مهجورا }؛ هجروا ~~تلاوته والعمل به، قالوا فيه غير الحق، وزعموا أنه سحر ~~وشعر، وقالوا هو أساطير الأولين، وتركوا الإيمان به. قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " من تعلم القرآن وعلمه، وعلق مصحفا ولم ~~يتعاهده ولم ينظر فيه، جاء يوم القيامة ~~متعلقا به، يقول: يا رب العالمين؛ عبدك هذا ~~اتخذني مهجورا، اقض بيني وبينه ". ### || [25.31] # وقوله تعالى: { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من ~~المجرمين }؛ أي كما جعلنا لك يا محمد أعداء من مشركي ~~قومك كذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين؛ ~~أي من كفار قومه، فلا يكبرن عليك ذلك ولا يشق عليك، فإن ~~الأنبياء قبلك قد كذبوا، { وكفى بربك هاديا ونصيرا ~~}؛ لك وللخلق وناصرا لك على أعدائك. وانتصب قوله (هاديا) على ~~الحال أو على التمييز. ### || [25.32] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا لولا نزل ~~عليه القرآن جملة واحدة }؛ وذلك أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما تحداهم بالقرآن وأمرهم أن يأتوا بسورة من ~~مثله، فعجزوا عن ذلك ولزمتهم الحجة فجعلوا يطلبون الحجة ~~بالشبهة، فقالوا: لو كان نبيا لأنزل عليه القرآن جملة ~~واحدة، كما أنزلت التوراة والإنجيل والزبور. # والمعنى: أن الكفار قالوا: هلا أنزل عليه القرآن جملة واحدة ~~في وقت واحد، كما أنزلت التوراة على موسى؛ والإنجيل على عيسى؛ ~~والزبور على داود، فبين الله أن ذلك ليس بشبهة، فقال: { كذلك ~~لنثبت به فؤادك }؛ أي كذلك أنزلناه إليك متفرقا ~~لنقوي به قلبك، فتزداد به بصيرة ويسهل عليك ضبطه وحفظه، فإن ~~النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ ولا يكتب، بخلاف موسى وعيسى. ~~ويقال: كأن الله تعالى يعلم أن القوم يسألونه عن أشياء ويؤذونه، ~~فأنزل الجواب عقب السؤال ليكون أحسن موقعا وأدعى إلى ~~الانقياد وأبلغ في إلزام الحجة. # وقوله تعالى: { ورتلناه ترتيلا }؛ أي فرقناه تفريقا، ~~فقال لو رتل إذا كان متفرقا غير منظوم، وأسنان مرتلة: اذا كانت ~~مفلجة، ومنه قوله # ورتل القرآن ترتيلا # [المزمل: 4] أي فرق الحروف بعضها ببعض. ms1497 قال ابن عباس: (معناه: ~~وبيناه تبيينا)، وقال السدي: (فصلناه تفصيلا). ### || [25.33] # قوله تعالى: { ولا يأتونك بمثل إلا جئناك ~~بالحق وأحسن تفسيرا }؛ أي لا يأتوك بشبهة للاحتجاج بها ~~في إبطال أمرك إلا جئناك بالذي هو الحق، والذي هو أحسن تفسيرا ~~من مثلهم. # والمعنى: (لا يأتونك) يعني المشركين (بمثل) ضربوه لك في ~~إبطال أمرك ومخاصمتك (إلا جئناك) (ب) الذي هو (الحق) ~~لترد به خصومتهم وتبطل به كيدهم، (وأحسن تفسيرا) بما ~~أتوا به من المثل. والتفسير: كشف المعنى المغطى. ### || [25.34] # قوله تعالى: { الذين يحشرون على وجوههم إلى ~~جهنم }؛ فقاتل كفار مكة، وذلك أنهم كانوا قالوا: إن محمدا ~~وأصحابه شر خلق الله، فقال الله تعالى: { أولئك شر ~~مكانا وأضل سبيلا }؛ أي منزلا ومصيرا وأضل طريقا من ~~المؤمنين، وقوله تعالى { يحشرون على وجوههم إلى ~~جهنم } أي يسحبون على وجوههم في النار. # وعن أنس: # " أن رجلا قال: يا رسول الله! كيف يحشر الكافر ~~على وجهه؟ قال: " إن الذي أمشاه على رجليه في ~~الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم ~~القيامة " " # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف: ~~صنف على الدواب، وصنف على أقدامهم، وصنف على ~~وجوههم ". ### || [25.35-36] # قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا ~~معه أخاه هارون وزيرا }؛ أي آتينا موسى التوراة وجعلنا ~~معه أخاه هارون معينا يعينه على تبليغ الوحي، والوزير في ~~اللغة: هو الذي يرجع إلى رأيه، والوزر: ما يلتجأ ~~إليه. قوله تعالى: { فقلنا اذهبآ إلى القوم ~~الذين كذبوا بآياتنا }؛ يعني فرعون وقومه فادعوهم إلى ~~الإيمان، ففعلا ذلك فلم يجيبوا أمرهم، { فدمرناهم ~~تدميرا }؛ أي أهلكناهم إهلاكا بما كان فيه عبرة لمن اعتبر. ### || [25.37] # قوله تعالى: { وقوم نوح لما كذبوا الرسل ~~أغرقناهم وجعلناهم للناس آية }؛ أي واذكر قوم ~~نوح حين كذبوا نوحا ومن قبله من الرسل فأغرقناهم بالطوفان، ~~وجعلنا إهلاكهم للناس عظة وعبرة ودلالة على قدرتنا، { ~~وأعتدنا للظالمين }؛ أي الكافرين، { عذابا أليما }؛ ~~في الآخرة سوى عذابهم في الدنيا. ### || [25.38-39] # قوله ms1498 تعالى: { وعادا وثمودا وأصحاب الرس }؛ أي ~~أهلكنا عادا وثمودا وأصحاب الرس. قال قتادة: (الرس بئر ~~باليمامة)، قال السدي: (بأنطاكية ونبيهم ~~حنظلة)، وإنما سموا أصحاب الرس؛ لأنهم قتلوا ~~نبيهم ورسوه في تلك البئر، والرس واحد. وقال مقاتل ~~والسدي: (هم أصحاب الرس، والرس بئر، فقتلوا فيها ~~حبيب النجار فنسبهم إليها، وهم الذين ذكرهم ~~في سورة يس). وقيل: هم أصحاب الأخدود الذين حفروه. وقال ~~عكرمة: (هم قوم رسوا لنبيهم) أي دسوه في البئر. # روي أن رجلا سأل علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال: يا أمير ~~المؤمنين أخبرني عن أصحاب الرس، أين كانت منازلهم، وبماذا ~~أهلكوا، ومن نبيهم، فإني أجد في كتاب الله ذكرهم، ولا أجد ~~خبرهم؟ فقال علي رضي الله عنه: (لقد سألتني عن حديث ~~ما سألني عنه أحد قبلك، ولا يحدثك به أحد ~~بعدي، وكان من قصتهم أنهم كانوا قوما يعبدون ~~شجرة صنوبر، كان غرسها يافث بن نوح على شفير ~~عين جارية، وإنما سموا أصحاب الرس؛ لأنهم ~~رسوا نبيهم في الأرض، وذلك أنه قيل لسليمان ~~بن داود، وكانوا إثنا عشر قرية على شاطئ نهر ~~يقال له الرس من بلاد المشرق، وكان ملكهم ~~يسمى تركول بن عامور بن ياويس بن شارب بن ~~نمرود بن كنعان، وكان أعظم مدائنهم سندباد ~~بها العين، والصنوبرة وهي شجرة عظيمة. # وكانوا قد حرموا ماء العين وهي غزيرة الماء، ~~فلا يشربون منها، ولا يسقون أنعامهم، ومن فعل ~~ذلك منهم قتلوه، ويقولون: هي حياة آلهتنا! فلا ~~ينبغي لأحد أن ينقص من حياتها. وقد جعلوا في ~~كل شهر عيدا يجتمع إليه أهل كل قرية، ~~ويضربون على الشجرة ثيابا من حرير فيها من ~~أنواع الصور، ثم يأتوا بشياه وبقر فيذبحونها ~~قربانا للشجرة، ثم يوقدون النار ويشوون ~~اللحم، فإذا انقطع الدخان والنار خروا سجدا ~~للشجرة يبكون ويتضرعون إليها أن ترضى عنهم. # وكان الشيطان يجيء فيحرك أغصانها ويصيح في ~~ساقها: إني قد رضيت عنكم عبادي، فطيبوا نفسا ~~وقروا عينا، فعند ذلك يرفعون رؤوسهم من ~~السجود ويضربون الدفوف ويشربون الخمور. # فلما طال كفرهم ms1499 بعث إليهم رسولا، فلبث فيهم ~~زمانا طويلا يدعوهم إلى عبادة الله تعالى، فلما ~~رأى تماديهم في الغي والضلال قال: يا رب إن ~~عبادك أبوا وكذبوا وعبدوا شجرة لا تنفع ولا ~~تضر، فأيبس شجرتهم يا رب، فأصبحوا وقد يبست ~~شجرتهم فهالهم ذلك، وقالوا: إن هذا أيبس ~~شجرتكم. # وقالت طائفة: بل غضبت آلهتكم حين رأت هذا ~~الرجل يعيبها ويدعوهم إلى عبادة غيرها، فحيت ~~وغضبت لكي تغضبوا لغضبها وتنصرونها. فاجتمع ~~رأيهم على قتله، فطرحوه في بئر ضيقة المدخل ~~عميقة القعر، وجعلوا على رأسها صخرة عظيمة، ~~وقالوا: إنما غرضنا أن ترضى بنا آلهتنا إذا رأت ~~أن قد قتلنا من كان يعيبها ودفناه بحكم ~~كسرها، فتعود لها نضارتها ونورها وخضرتها كما ~~كانت. # فبقوا عامة يومهم يسمعون أنين نبيهم عليه ~~السلام وهو يقول: يا رب؛ قد ترى ضيق مكاني وشدة ~~كربي، فارحم ضعفي وقلة حيلتي وعجل قبض روحي، ~~ولا تؤخر إجابة دعوتي. فمات من ساعته. # فقال الله تعالى: يا جبريل؛ إن عبادي هؤلاء ~~غرهم حلمي، وأمنوا مكري وعبدوا غيري، وقتلوا ~~رسولي، وأنا المنتقم ممن عصاني، وإني حلفت ~~لأجعلنهم عبرة ونكالا. فأرسل الله تعالى ~~عليهم ريحا حمراء عاصفا تتوقد، ففزعوا منها ~~وانضم بعضهم إلى بعض حتى صاروا تحت شجرة، ~~فاشتد عليهم حرها، وبعث الله سبحانه سحابة ~~سوداء فألقت عليهم كالقبة " الحمراء " ~~تلهب، فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص في النار، ~~نعوذ بالله من غضبه). # قوله تعالى: { وقرونا بين ذلك كثيرا }؛ أي ~~وأهلكنا قرونا كثيرة بين عاد إلى أصحاب الرس من لم نسمه لك. ~~وقوله تعالى: { وكلا ضربنا له الأمثال }؛ أي وكل ~~من هؤلاء بينا لهم مما يحتاجون إليه في أمر دينهم فلم ~~يجيبوا، { وكلا تبرنا تتبيرا }؛ أي وأهلكناهم بالعذاب ~~إهلاكا، والتبار: هو الهلاك، وكل شيء كسرته فقد ~~تبرته، يقال للمكسر من الذهب والفضة والزجاج: تبر. ### || [25.40] # قوله تعالى: { ولقد أتوا على القرية التي ~~أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها }؛ حين ~~فروا في آثارهم فيخافوا ويعتبروا، { بل كانوا لا يرجون ~~نشورا }؛ أي كانوا لا يخافون البعث والنشور. أخبر الله ms1500 تعالى ~~أن الذي جرأهم على التكذيب أنهم لا يصدقون بالبعث. ### || [25.41-42] # قوله تعالى: { وإذا رأوك إن يتخذونك إلا ~~هزوا }؛ أي واذا رأوك كفار مكة أبو جهل وأصحابه ما ~~يتخذونك إلا هزوا؛ أي مهزوء يستهزؤن بك ويقولون على ~~وجه الاستهزاء: { أهذا الذي بعث الله رسولا }؛ إلينا، ~~{ إن كاد ليضلنا عن آلهتنا }؛ أي لقد كاد يصرفنا عن ~~عبادة آلهتنا، { لولا أن صبرنا عليها }؛ على عبادتها. ~~قال الله تعالى: { وسوف يعلمون }؛ يوم القيامة، { حين ~~يرون العذاب من أضل سبيلا }؛ أي من أخطأ طريقا عن ~~الهدى والدين والحجة هم أم المؤمنون. ### || [25.43] # قوله تعالى: { أرأيت من اتخذ إلهه هواه }؛ ~~أي أرأيت من عبد الأصنام بهوى نفسه، عجب الله تعالى نبيه ~~صلى الله عليه وسلم من نهاية جهلهم حين عبدوا ما دعاهم إليه ~~الهوى، فقال: { أرأيت من اتخذ إلهه هواه }. قال ~~ابن عباس: (معناه: أرأيت من ترك عبادة إلهه ~~وخالفه، ثم هوى حجرا يعبده ما حاله عندي)، قال ~~مقاتل: (وذلك أن الحريث بن قيس السهمي هوى ~~شيئا فعبده)، وقال سعيد بن جبير: (كان أهل الجاهلية ~~يعبدون الحجر، فإذا رأوا أحسن منه أخذوه وتركوا ~~الحجر الأول). # قوله تعالى: { أفأنت تكون عليه وكيلا }؛ أي ~~كفيلا حافظا تحفظه من اتباع هواه وعبادة ما يهوى، أي لست ~~كذلك، إنما بعثت داعيا لا حافظا. ### || [25.44] # قوله تعالى: { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون ~~أو يعقلون }؛ أي أتظن يا محمد أن أكثرهم يسمعون سماع ~~تدبير وتفكر، ويعقلون ما يعاينون من الحجج، { إن ~~هم إلا كالأنعام }؛ يسمعون الصوت ولا يعقلون حقيقته، وهذا ~~مثل قوله # ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا ~~يسمع إلا دعآء وندآء # [البقرة: 171] وقوله تعالى: { بل هم أضل سبيلا }؛ أي بل ~~هم أضل من الأنعام؛ لأن الأنعام إذا زجرت انزجرت وهم لا ~~ينزجرون، ولأن الأنعام تفهم بعض ما تسمع؛ لأنها تنادى على ~~صفة فتقف وتنادى على صفة فتسير. ### || [25.45] # قوله تعالى: { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ~~ولو شآء لجعله ساكنا }؛ معناه: ألم تر إلى صنع ربك ~~كيف ms1501 بسط الظل من وقت غروب الشمس إلى وقت طلوعها من المشرق ~~إلى المغرب. وقيل: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، ولو شاء لجعل ~~الظل ساكنا؛ أي دائما لا يزول على أن لا تطلع الشمس، { ثم ~~جعلنا الشمس عليه دليلا }؛ على الظل بمعنى أنه لولا ~~الشمس لما عرف الظل؛ لأن الظل يتبع الشمس في طوله ~~وقصره، فإذا ارتفعت الشمس في أعلى ارتفاعها قصر الظل، وذلك ~~وقت صلاة الضحى إلى أن تبلغ الشمس في الارتفاع مبلغا يزول ~~عنده الظل، ولا ينقص الظل بعد ذلك، بل يأخذ في الزيادة فيكون ~~الوقت وقت صلاة العصر، فما دامت الشمس تنحط يصير الظل طويلا ~~تحت ذلك الانحطاط. والظل تابع للشمس التي هي دليله، ويقال: معنى ~~الآية: جعلنا الشمس مع الظل دليلا على توحيد الله وكمال قدرته. ### || [25.46] # قوله تعالى: { ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا }؛ ~~إذا طلعت الشمس قبض الله الظل قبضا يسيرا خفيا؛ أي ~~سلطنا الشمس عليه حتى تنسخه شيئا فشيئا وتنقصه نقصا ~~خفيا لا يستدرك بالمشاهدة. ### || [25.47] # قوله تعالى: { وهو الذي جعل لكم اليل لباسا }؛ ~~أي يستر كل شيء تطلبه كاللباس الذي يستر البدن، { والنوم ~~سباتا }؛ أي راحة لأبدانكم، يقال: سبت إذا تمدد فاستراح، ~~ومن ذلك يوم السبت؛ لأن اليهود كانوا يستريحون فيه بقطع أعمال ~~الدنيا، والسبات قطع العمل، { وجعل النهار نشورا }؛ ~~أي تنشرون فيه لمعاشكم وحوائجكم، والنشور ها هنا بمعنى ~~التفرق والانبساط في التصرف. ### || [25.48-49] # قوله تعالى: { وهو الذي أرسل الرياح بشرى ~~بين يدي رحمته }؛ أي أرسل الرياح ينشر بها الغيم، ~~ويبسط في السماء قدام المطر. وإنما قيل في الرحمة: رياح؛ ~~لأنها الجمع: الجنوب والشمال والصبا، وقيل في العذاب: ~~ريح؛ لأنها واحد وهي الدبور وهو عقيم لا يلقح. # قوله تعالى: { وأنزلنا من السمآء مآء طهورا }؛ ~~وهو المطر، وهو طاهر ومطهر من الأنجاس والأحداث، { ~~لنحيي به بلدة ميتا }؛ أي لنحيي بالمطر بلدة ليس ~~فيها أشجار ولا أثمار ولا مرعى، { ونسقيه مما خلقنآ ~~أنعاما وأناسي كثيرا }؛ أي نسقي بذلك الماء كثيرا من ~~خلقنا من الأنعام. والأناسي: ms1502 جمع إنسي مثل كرسي ~~وكراسي، ويقال: جمع إنسان، وأصله أناسين، كما يقال: بستان ~~وبساتين وسرحان وسراحين. ### || [25.50] # قوله تعالى: { ولقد صرفناه بينهم ليذكروا ~~}؛ أي صرفنا المطر فقسمناه بينهم على ما توجه الحكمة ~~لتذكروا أنعم الله فتشكروها، { فأبى أكثر الناس إلا ~~كفورا }؛ أي جحودا به كلما أنزل المطر، يقولون: مطرنا ~~بنوء كذا. # وعن ابن عباس أنه قال: (ما عام بأمطر من عام، ولكن ~~الله يقسمه على من يشاء من عباده)، قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " ما سنة بأمطر من أخرى، ولكن إذا عمل قوم ~~بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم، فإذا عصوا ~~جميعا صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار ". ### || [25.51-52] # قوله تعالى: { ولو شئنا لبعثنا في كل قرية ~~نذيرا }؛ أي لو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا ينذرهم، ولكن ~~بعثناك يا محمد إلى القرى رسولا لعظم كرامتك علينا، ~~وليكون كل الثواب والكرامة لك خاصة، { فلا تطع الكافرين ~~}؛ فيما يطلبون منك أن تعبد آلهتهم، ومداهنتهم، { وجاهدهم ~~به }؛ أي بالقرآن، { جهادا كبيرا }؛ شديدا. ### || [25.53] # قوله تعالى: { وهو الذي مرج البحرين هذا ~~عذب فرات وهذا ملح أجاج }؛ أي وهو الذي أرسل ~~البحرين في مجاريهما، يقال: مرجت الدابة؛ أي أرسلتها ~~في المرج ترعى. # وأراد بقوله { هذا عذب فرات } النيل والأنهار العظام، ~~والفرات ما يكون في غاية العذوبة، وأراد بالملح الأجاج الذي ~~يكون ماؤها في غاية المرارة، ويقال: في غاية الحرارة، من قولهم: ~~أججت النار إذا وقدتها، وتأججت النار إذا توقدت، ~~ويقال: ماء ملح ولا يقال: مالح إلا لما يلقى فيه الملح. # قوله تعالى: { وجعل بينهما برزخا وحجرا ~~محجورا }؛ أي حاجزا يمنع كل واحد منهما من تغيير الآخر، ~~وهو ما بين العذب والملح من الأرض. ويقال: أصل المرج الخلط، ~~ومن ذلك المرج؛ لأنه يكون فيه أخلاط من النبات، ومنه ~~قوله تعالى: # في أمر مريج # [ق: 5] أي مختلط بالملح والعذب في مرأى العين مختلطان، وفي ~~قدرة الله منفصلان، لا يغير أحدهما طعم الآخر. { بينهما ~~برزخا } أي حاجزا من قدرة الله تعالى، و { حجرا } أي مانعا ~~يمنع من ms1503 اختلاطهما، وفساد أحدهما بالآخر، ومعنى قوله تعالى { ~~وحجرا محجورا } أي حراما محرما أن يفسد الملح ~~العذب. ### || [25.54] # قوله تعالى: { وهو الذي خلق من المآء بشرا ~~فجعله نسبا وصهرا }؛ أي خلق من النطفة إنسانا ~~وخلقا كثيرا، فجعل من هؤلاء البشر أنسابا وأصهارا، { وكان ~~ربك قديرا }؛ على ما أراد. ### || [25.55] # قوله تعالى: { ويعبدون من دون الله ما لا ~~ينفعهم }؛ إن عبدوه، { ولا يضرهم }؛ إن تركوا ~~عبادته، وتركوا عبادة الله الذي خلقهم ورزقهم، { وكان ~~الكافر على ربه ظهيرا }؛ أي وكان الكافر عونا ~~للشيطان على ربه بالمعاصي؛ لأنه تابع الشيطان ويعاونه على معصية ~~الله، لأن عبادتهم للأصنام معلومة للشيطان. والظهير هو ~~المعين. قال المفسرون: أراد بالكافر أبا جهل. ### || [25.56-57] # قوله تعالى: { ومآ أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ~~}؛ أي مبشرا بالجنة ونذيرا من النار، { قل مآ أسألكم ~~عليه من أجر }؛ أي على القرآن وتبليغ الوحي، قوله ~~تعالى: { إلا من شآء }؛ أي لكن من شاء، { أن يتخذ ~~إلى ربه سبيلا }؛ إنفاق ماله فعل ذلك، والمعنى: لا أسألكم ~~لنفسي أجرا، ولكن لا أمنع من إنفاق المال في طلب مرضاة الله ~~وجنته. ### || [25.58] # قوله تعالى: { وتوكل على الحي الذي لا يموت ~~}؛ أي فوض أمورك إليه، { وسبح بحمده }؛ أي احمده ~~منزها عن ما لا يجوز في صفاته، وذلك نحو أن يقول: الحمد لله ~~رب العالمين، والحمد لله حمدا يوافي نعمه ويكافئ مزيده، ~~ويجوز أن يكون: صل بأمره هو المحمود في توفيقه إياك، كما يقال: ~~افعل هذا بحمد الله، { وكفى به بذنوب عباده خبيرا ~~}؛ فهو أولى من يراقب غيره. ### || [25.59] # قوله تعالى: { الذي خلق السموت والأرض وما ~~بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ~~الرحمن فسئل به خبيرا }؛ أي فاسأل لسؤالك إياه ~~خبيرا، والخبير ها هنا هو الله عز وجل، ويقال: معناه: ~~فاسأل الخبير بذلك، يعني: ما ذكر من خلق السماوات والأرض ~~والاستواء على العرش. وقيل في معناه: فاسأل عالما بم تسأله ~~عنه، ولا تسأل غيره، وإذا سألت حاجتك؛ فاسأل عالما بما ~~يصلحك، وإنك إذا سألته أخبرك بالحق في صفاته، ms1504 وفي كل ما سألت ~~عنه. ### || [25.60] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم }؛ أي إذا قيل لكفار ~~مكة: { اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن }؛ ~~قالوا: ما نعرف إلا رحمان اليمامة؛ يعنون مسيلمة. ~~وقوله تعالى: { أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا }؛ ~~استفهام إنكار؛ أي لا نسجد للرحمن تباعدا من الإيمان، كما قال ~~تعالى في قصة نوح: # فلم يزدهم دعآئي إلا فرارا # [نوح: 6]. ### || [25.61] # قوله تعالى: { تبارك الذي جعل في السمآء بروجا ~~}؛ البروج: منازل الكواكب السبعة: الشمس؛ والقمر؛ ~~والمشتري؛ فالمريخ؛ وزحل؛ وعطارد؛ والزهرة، وهي اثنى ~~عشر برجا؛ فالحمل والعقرب بيتا المريخ، والثور ~~والميزان بيتا الزهرة، والجوزاء والسنبلة بيتا عطارد، ~~والجدي والدلو بيتا زحل. # وقوله تعالى: { وجعل فيها سراجا }؛ يعني الشمس، { ~~وقمرا منيرا }. وقرأ حمزة (سرجا) أراد الشمس والكواكب ~~معها. والمعنى: وجعل في السماء شمسا تضيء بالنهار. ويقطع كل ~~شهر برجا من البروج الاثني عشر، وجعل فيها قمرا يضيء بالليل، ويقطع ~~كل برج في يوم وثلث. ### || [25.62] # قوله تعالى: { وهو الذي جعل اليل والنهار ~~خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا }؛ أي ~~يخلف كل واحد منهما صاحبه، يذهب أحدهما ويجيء الآخر، فهو عظة ~~لمن اتعظ، وأراد أن يشكر أنعام الله. # قال أبو عبيدة: (الخلفة كل شيء بعد شيء: الليل ~~خلفة للنهار، والنهار خلفة لليل؛ لأن ~~أحدهما يخلف الآخر ويأتي بعده). وقال مجاهد: (جعل ~~النهار خلفة من الليل لمن نام بالليل، وجعل ~~الليل خلفة لمن اشتغل بالنهار) فمن فاته ~~العمل بالليل قضاه بالنهار، ومن فاته بالنهار ~~قضاه بالليل. ### || [25.63] # قوله تعالى: { وعباد الرحمن الذين يمشون ~~على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا ~~سلاما }؛ أي عباده الذين رضيهم وأثنى عليهم هم الذين يمشون ~~على السكينة والوقار الهوينا، متواضعين من مخافة الله، ~~حلماء عقلاء لا يجهلون وإن جهل عليهم، وإن كلمهم الكفار ~~والفساق بالسفه والفحش؛ قالوا سداد من القول. وقيل: ~~يقولون في جواب السفيه: سلام عليكم. وقال قتادة: (معنى ~~قوله تعالى: { وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا ~~سلاما }؛ أي كانوا لا يجهلون على أهل الجهل). وقال ~~مقاتل: (قالوا سلاما؛ أي قولا ms1505 يسلمون فيه من ~~الإثم). # قال الحسن: (هذه صفة نهارهم إذا انتشروا في الناس، ~~وليلهم خير ليل كما قال تعالى: { والذين ~~يبيتون لربهم سجدا وقياما }؛ أي يصلون بالليل ~~طلبا للثواب). وعن ابن عباس قال: (من صلى بعد العشاء ~~ركعتين أو أكثر فقد بات لله ساجدا أو قائما). ### || [25.65-66] # قوله تعالى: { والذين يقولون ربنا اصرف عنا ~~عذاب جهنم إن عذابها كان غراما }؛ لازما دائما. ~~والغرم: اللزوم، يقال لصاحب الدين: غريم؛ لأنه يلازم ~~المديون، ويقال للمديون: الغريم؛ لأن اللزوم يثبت ~~عليه، والمغرم بالنساء الملازم لهن. قال الزجاج: ~~(إن عذابها كان غراما، الغرام أشد العذاب). { ~~إنها سآءت مستقرا ومقاما }؛ أي إن جهنم بئس موضع ~~قرارا وإقامة هي. قال الحسن: (كل غريم يفارق غريمه ~~إلا غريم جهنم). ### || [25.67] # قوله تعالى: { والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ~~ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما }؛ الإسراف: هو ~~الإنفاق في معاصي الله تعالى، والمقتر: مانع حق الله ~~تعالى، والقوام: هو الوسط بين الإسراف والتقتير. قرأ أهل ~~المدينة والشام بضم الياء وكسر التاء، وقرأ الكوفيون ~~(يقتروا) بفتح التاء وضم الياء، وقرأ الباقون (يقتروا) بفتح ~~الياء وكسر التاء، وكلها لغات صحيحة. فالإسراف: نفقة في معصية ~~الله تعالى وإن قلت، والإقتار: منع حق الله. # وعن الحسن أن معناه: (لم ينفقوا في معاصي الله، ولم ~~يمسكوا عن فرائض الله). وقيل: معناه: لم يضيقوا في ~~الإنفاق، وكان إنفاقهم بين الإسراف والإقتار، لا إسرافا يدخل به ~~في حد التبذير، ولا تضييقا يضر به في حد المانع لما يجب، ~~وهذا هو المحمود من النفقة. # وعن عمر رضي الله عنه: (من الإسراف أن لا يشتهي الرجل ~~شيئا إلا أكله) وقال: (كفى بالمرء سرفا أن يأكل ~~كل ما يشتهي). وقال قتادة: (الإسراف: النفقة في ~~المعصية، والإقتار: الإمساك عن حق الله، والقوام ~~من العيش: ما أقامك وأغناك). ### || [25.68] # قوله تعالى: { والذين لا يدعون مع الله إلها ~~آخر }؛ قيل: # " إن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يا ~~رسول الله؛ أي الذنب أكبر؟ قال: " أن تجعل لله ندا ms1506 ~~وهو خلقك " قال: ثم أي؟ قال: " أن تقتل ولدك ~~مخافة أن يطعم معك " قال: ثم أي؟ قال: " أن ~~تزني بحليلة جارك " " # فأنزل الله عز وجل هذه الآية تصديقا لذلك: { ~~والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا ~~يزنون }؛ في الحديث # " لا يحل دم امرئ مسلم إلا بأحد ثلاث معان: ~~زنى بعد إحصان، وكفر بعد إيمان، وقتل نفس ~~بغير حق " # { ومن يفعل ذلك يلق أثاما }؛ أي من يفعل شيئا مما ~~تقدم ذكره { يلق أثاما } أي يلق عقوبة فعله، ويقال: ~~الآثام واد في جهنم من دم وقيح. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " لو أن صخرة عسراء قذف بها في جهنم ما ~~بلغت قعرها سبعين خريفا، ثم ينتهي إلى غي ~~وأثام " قيل: وما غي وأثام يا رسول الله؟ قال: " ~~بئران يسيل فيهما صديد أهل النار، وهما ~~اللتان قال الله تعالى: { فسوف يلقون غيا } " # وروي أن أثاما واد في جهنم فيه حيات وعقارب في فقار ~~إحداهن مقدار ستين قلة من السم، كل عقرب منهن مثل ~~البغلة الموكفة. ### || [25.69] # قوله تعالى: { يضاعف له العذاب يوم القيامة ~~ويخلد فيه مهانا }؛ تفسير الغي الأثام بقوله { يضاعف ~~له العذاب } الآية، ومن رفع (يضاعف، ويخلد) وهو ابن ~~عامر فهو على الاستئناف والقطع عما قبله. ### || [25.70] # قوله تعالى: { إلا من تاب وآمن وعمل عملا ~~صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ~~وكان الله غفورا رحيما }؛ قال ابن عباس: (نزلت هذه ~~الآية بمكة، وكان المشركون قالوا: ما يغني عنا ~~الإسلام وقد عدلنا بالله وقتلنا النفس التي ~~حرم الله وأتينا الفواحش، فنزلت هذه الآية). # ومعناها: إلا من تاب عن الكفر والمعصية وآمن بالله وعمل ~~عملا صالحا بعد الإيمان والتوبة، فأولئك يمحو الله ~~سيئاتهم بالتوبة ويثبت لهم مكانها حسنات، وهذا هو معنى ~~التبديل، لا تصير السيئة بعينها حسنة. # وعن ابن عباس أنه قال: (قرأنا على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ~~ولا يقتلون النفس التي حرم ms1507 الله إلا بالحق ~~ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له ~~العذاب } الآية ثم نزل قوله تعالى: { إلا من ~~تاب وآمن وعمل عملا صالحا } الآية، فما رأيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فرح بشيء مثل فرحه بها ~~وبقوله # إنا فتحنا لك فتحا مبينا # [الفتح: 1]). # قال قتادة: (ومعناها: إلا من تاب من ذنبه وآمن ~~بربه وعمل عملا صالحا فيما بينه وبين ربه). ~~وقال أيضا في معنى قوله { فأولئك يبدل الله ~~سيئاتهم حسنات }: (التبديل في الدنيا طاعته ~~بعد عصيانه، وذكر الله بعد نسيانه). وقال الحسن: ~~(أبدلهم الله بالعمل إلى العمل الصالح بالشرك ~~إخلاصا وإسلاما، وبالفجور إحصانا، وبقتل ~~المؤمنين قتل المشركين). ### || [25.71] # قوله تعالى: { ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب ~~إلى الله متابا }؛ أي من تاب من الشرك وعمل صالحا، ولم ~~يكن من القبيل الذين قتلوا وزنوا، فإنه يتوب الله؛ أي يعود ~~عليه بعد الموت متابا حسنا يفضل على غيره بمن قتل وزنى، ~~فالتوبة الأولى رجوع عن الشرك، والثانية رجوع إلى الله للجزاء ~~والمكافأة. ### || [25.72] # قوله تعالى: { والذين لا يشهدون الزور }؛ قال ~~أكثر المفسرين: الزور ها هنا بمعنى الشرك. قال الزجاج: ~~(الزور في اللغة الكذب، ولا كذب فوق الشرك ~~بالله). وقال قتادة: (ولا يشهدون الزور، لا يساعدون ~~أهل الباطل على باطلهم). وقال محمد بن الحنفية: (لا ~~يشهدون الزور: اللهو والغناء واللعب وأعياد ~~اليهود والنصارى والمجوس). وقال علي بن أبي طلحة: ~~(شهادة الزور). وكان عمر رضي الله عنه (يجلد شاهد ~~الزور أربعين جلدة ويسخم وجهه ويطوف به في ~~الأسواق). وعن عمر بن المنكدر أنه قال: بلغني (أن الله ~~تعالى يقول يوم القيامة: أين الذين كانوا ~~ينزهون أنفسهم عن سماع اللهو ومزامير ~~الشيطان؟ أدخلوهم رياض المسك. ثم يقول ~~للملائكة: اسمعوا عبيدي تحميدي وثنائي ~~وتمجيدي، وأعلموهم أن لا خوف عليهم ولا هم ~~يحزنون). # قوله تعالى: { وإذا مروا باللغو مروا كراما }؛ ~~أي إذا مروا بالقول والفعل الذي لا فائدة منه مروا مكرمين ~~صائنين أنفسهم عن الخوض في ذلك، آمرين بالمعروف ناهين عن المنكر ~~بما قدروا ms1508 عليه من قول إذا عجزوا عن الفعل، ومن إظهار كرامة ~~وتعبيس وجه إذا عجزوا عن القول. ### || [25.73] # قوله تعالى: { والذين إذا ذكروا بآيات ربهم ~~لم يخروا عليها صما وعميانا }؛ معناه: والذين إذا ~~وعظوا بآيات ربهم؛ أي بالقرآن؛ لم يعاملوا فيها معاملة ~~الأصم الذي لا يسمع، والأعمى الذي لا يبصر، ولكنهم سمعوا ~~وبصروا وانتفعوا بها وخروا ساجدين سامعين باكين مبصرين فيما ~~أمروا به ونهوا عنه. والخر هو السقوط. ### || [25.74] # قوله تعالى: { والذين يقولون ربنا هب لنا من ~~أزواجنا وذرياتنا قرة أعين }؛ الذرية تكون ~~واحدا وجمعا، فكونها الواحد: قوله تعالى: # رب هب لي من لدنك ذرية طيبة # [آل عمران: 38]، وكونها للجمع قوله تعالى: # ذرية ضعافا # [النساء: 9]. وقوله تعالى { قرة أعين }: يقولون: { ربنا ~~هب لنا من أزواجنا وذرياتنا } أراد أتقياء. وقال ~~مقاتل: (معناه: اجعلهم صالحين فنقر أعينا ~~بذلك). وقال الحسن: (ما من شيء أقر لعين المسلم ~~من أن يرى ولده وولد ولده مطيعين لله). # وقوله تعالى: { واجعلنا للمتقين إماما }؛ أي ~~يقتدى بنا في الخير، والمعنى: اجعلنا صالحين نأتم بمن قبلنا ~~من المسلمين حتى يأتم بنا من بعدنا. قال الفراء: (إنما قال ~~(إماما) ولم يقل: أئمة كما قال: # إنا رسول رب العالمين # [الشعراء: 16] للاثنين، يعني: إنه من الواحد الذي ~~يريد به الجميع). وفي الحديث: # " من رزق إيمانا وحسن خلق فذاك إمام المتقين " ### || [25.75-76] # قوله تعالى: { أولئك يجزون الغرفة بما ~~صبروا }؛ أي أهل هذه الخصال هم الذين يجزون الغرفة في ~~الجنة بصبرهم على الطاعة وعن المعصية وعلى مكاره الزمان ~~ومحن الدنيا. والغرفة هي البناء العالي المرتفع، قال مقاتل: ~~(يعني غرف الجنة). وقال مقاتل: (هي غرفة من ~~الزبرجد والدر والياقوت). # قوله تعالى: { ويلقون فيها تحية وسلاما }؛ أي ~~وتتلقاهم الملائكة في تلك الغرف بالتحية والسلام من الله ~~تعالى. قرأ أهل الكوفة (يلقون) بفتح الياء والتخفيف. وقوله ~~تعالى: { خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما }؛ أي ~~حسنت تلك الغرف في المستقر والمقام. ### || [25.77] # قوله تعالى: { قل ما يعبأ بكم ربي لولا ~~دعآؤكم }؛ أي قل لهم: ما يصنع بكم ربي وهو ms1509 لا يحتاج إليكم ~~لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام وإلى الطاعة لتنتفعوا أنتم بذلك. ~~وقيل: معناه: أي وزن وقدر لكم عند ربي لولا دعاؤكم ~~وعبادتكم إياه. وقيل: معناه: ما يفعل بكم يا أهل مكة لولا ~~عبادتكم غير الله، { فقد كذبتم }؛ يا أهل مكة، { فسوف ~~يكون }؛ جزاء تكذيبهم، { لزاما }؛ أي أسروا وأخذوا بالأيدي. ~~وقيل: أراد به يوم بدر. # واللزام بنصب اللام مصدرا أيضا. والخطاب بقوله { فقد ~~كذبتم } يا أهل مكة؛ أي إن الله دعاكم بالرسول إلى ~~توحيده وعبادته، فقد كذبتم الرسول، ولم تجيبوا دعوته، فسوف ~~يكون تكذيبكم لزاما يلزمكم فلا تعطون التوبة، فقتلوا يوم ~~بدر واتصل بهم عذاب الآخرة. ### | [26 - سورة الشعراء] ### || [26.1-2] # { طسم * تلك آيات الكتاب المبين }؛ أول السورة قسم؛ ~~وهو من أسماء الله تعالى. قال القرظي: (أقسم الله بطوله ~~وسنائه وملكه)، قوله تعالى: { تلك آيات الكتاب ~~المبين } أي هذه آيات الكتاب المبين أنزلها على رسوله. ### || [26.3] # قوله تعالى: { لعلك باخع نفسك ألا يكونوا ~~مؤمنين }؛ أي لعلك مهلك نفسك؛ أي قائل بأن لا يكونوا ~~مؤمنين، وكان صلى الله عليه وسلم حريصا على إيمانهم ونجاتهم من ~~عذاب الله، وذلك أنه لما كذبت قريش النبي صلى الله عليه وسلم ~~شق عليه ذلك، وكان يحرص على إيمانهم، فأنزل الله هذه الآية: ~~لعلك قاتل نفسك لتركهم الإيمان. ### || [26.4] # قوله تعالى: { إن نشأ ننزل عليهم من ~~السمآء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين }؛ إعلام ~~من الله تعالى أنه لو أراد أن ينزل آية تضطرهم إلى الطاعة ~~لقدر على ذلك، ولكنه لم يفعل؛ لأنه أراد منهم إيمانا ~~فيستحقون عليه المدح والثواب، فإذا جاء الإلجاء ذهب المدح ~~والثواب. # قوله تعالى: { فظلت أعناقهم لها خاضعين } أي ~~أذلاء منقادين لا يلوون أعناقهم إلى معصية. قال قتادة: ~~(المعنى: لو شاء الله لأنزل عليهم آية يذلون ~~بها، فظلت جماعتهم لها خاضعين). والأعناق: ~~الجماعات، يقال: جاءني عنق من الناس؛ أي جماعة، ولو كان ~~المراد الأعناق التي هي الخارجة لقال: خاضعات. ### || [26.5-6] # قوله تعالى: { وما يأتيهم من ذكر من الرحمن ~~محدث إلا كانوا عنه معرضين ms1510 }؛ أي ما يأتي جبريل عليه ~~السلام النبي صلى الله عليه وسلم بشيء بعد شيء من القرآن إلا ~~كانوا معرضين عن ذلك. قوله تعالى: { فقد كذبوا }؛ ~~أي بالقرآن، { فسيأتيهم أنباء ما كانوا به ~~يستهزئون }؛ أي فسيأتيهم خبر ذلك في القيامة. ### || [26.7] # قوله تعالى: { أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا ~~فيها من كل زوج كريم } معناه: أولم ير أهل مكة إلى ~~الأرض كم أخرجنا فيها من كل صنف حسن في المنظر من ~~النبات بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها. والزوج: هو صنف ~~وأضرب الحسن، (والمعنى: من كل زوج نافع لا يقدر على ~~إنباته إلا رب العالمين)، من أسود وأحمر وأصفر وأخضر، وحلو ~~وحامض مما يأكل الناس والأنعام. (والكريم في اللغة: هو ~~المحمود فيما يحتاج إليه)، يقال: نخلة كريمة إذا طاب ~~حملها أو كثر، وناقة كريمة إذا كانت غزيرة اللبن. ### || [26.8-9] # قوله تعالى: { إن في ذلك لآية }؛ إن في اختلاف ألوان ~~النبات للدلالة على وحدانية الله وكمال قدرته، { وما كان ~~أكثرهم مؤمنين }؛ في علم الله؛ أي قد سبق في علم ~~الله أن أكثرهم لا يؤمنون، { وإن ربك لهو العزيز ~~الرحيم }؛ أي المنتقم من أعدائه الرحيم بأوليائه. ### || [26.10-14] # قوله تعالى: { وإذ نادى ربك موسى أن ائت ~~القوم الظالمين }؛ أي أتل على قومك أو اذكر لقومك: { ~~وإذ نادى ربك موسى } حين رأى الشجرة والنار، وقال له: ~~يا موسى ائت القوم الظالمين، يعني الذين ظلموا أنفسهم ~~بالكفر والمعصية، وظلموا بني إسرائيل بأن ساموهم سوء العذاب، { ~~قوم فرعون }. # ثم أخبر عنهم فقال: { ألا يتقون } ، عقابي في مقامهم على ~~الكفر وترك الإيمان. { قال } موسى: { رب إني أخاف ~~أن يكذبون }؛ بالرسالة ويقولون: ليست من عند الله، { ~~ويضيق صدري }؛ بتكذيبهم إياي، { ولا ينطلق ~~لساني }؛ للعقدة التي فيه، { فأرسل } جبريل { إلى ~~هارون } ليكون معي معينا يؤازرني على إظهار الدعوة وتبليغ ~~الرسالة. { ولهم علي ذنب }؛ أي دعوى ذنب؛ يعني ~~الوكزة التي وكزها القبطي فمات منها، { فأخاف أن ~~يقتلون }؛ بوشايته. ### || [26.15] # قوله تعالى: { قال كلا }؛ أي كلا لا يقتلونك لأني لا ~~أسلطهم ms1511 عليك، { فاذهبا }؛ أنت وأخوك، { بآياتنآ }؛ ~~يعني بما أعطاهما من المعجرة، { إنا معكم مستمعون }؛ ~~وإنما قال (معكم) لأنه أجراها مجرى الجماعة، والمعنى: أسمع ~~ما يقولونه وما يجيبونك به. # وقيل: إن معنى قوله (كلا) أي قال الله لموسى: إرتدع ~~عن هذا الظن وهذا الخوف، { فاذهبا بآياتنآ } أي ~~بدلائلنا { إنا معكم مستمعون } أي شاهدون بحفظكم ~~ونصركم. ### || [26.16] # قوله تعالى: { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول ~~رب العالمين }؛ أي { رسول رب العالمين } إليك ~~لتؤمنن بالله وتطلق بني إسرائيل عن الاستعباد، ~~وترسلهم معنا إلى الأرض المقدسة، والرسول يذكر ويراد ~~به الجمع، كما تقول العرب: ضيف وعدو، ومنه قوله # وهم لكم عدو # [الكهف: 50]، وقيل: إنما قال { رسول رب العالمين } ~~ولم يقل رسولا؛ لأنه أراد المصدر؛ أي رسالة، وتقديره: ~~ذوو رسالة رب العالمين، كقول الشاعر: # لقد كذب الواشون ما بحت عندهم # بسر ولا أرسلتهم برسول # أي برسالة، وقيل: معناه: وكل واحد منا رسول رب العالمين. ### || [26.17-19] # قوله تعالى: { أن أرسل معنا بني إسرائيل }؛ أي ~~بأن أرسل معنا بني إسرائيل إلى فلسطين ولا ~~تستعبدهم. وكان فرعون استعبدهم أربعمائة سنة، وكانوا في ذلك ~~الوقت ستمائة ألف وثلاثين ألفا، فانطلق موسى وهارون بالرسالة ~~إلى مصر، فلما بلغوا دار فرعون لم يؤذن لهم بالدخول عليه ~~إلا بعد مدة، فدخل البواب؛ وقال لفرعون: هذا إنسان يدعي ~~أنه رسول رب العالمين، فقال فرعون: إئذن له لعلنا نضحك منه. ~~فدخلا عليه وأديا رسالة الله تعالى. # فعرف موسى؛ لأنه نشأ في بيته، ف { قال ألم نربك فينا ~~وليدا }؛ أي صبيا صغيرا، { ولبثت فينا من عمرك ~~سنين }؛ وهي ثلاثون سنة، { وفعلت فعلتك التي فعلت ~~}؛ يعني قتل قبطي، { وأنت من الكافرين }؛ أي من ~~الجاحدين لنعمتي، وحق تربيتي، فربيناك فينا وليدا، ~~فهذا الذي كافأتنا به أن قتلت منا نفسا، وكفرت بنعمتنا. # ويروى أن موسى لما انطلق إلى مصر لتبليغ الرسالة، وكان ~~هارون يومئذ بمصر، التقى كل واحد منهما بصاحبه، فانطلقا ~~كلاهما إلى فرعون، أديا جميعا الرسالة، وعرف فرعون موسى، قال ~~له فرعون: { ألم نربك فينا وليدا } أي صغيرا، ومكثت ms1512 ~~عندنا سنينا من عمرك، { وفعلت فعلتك } أي قتلت القبطي ~~{ وأنت من الكافرين } أي الجاحدين لنعمتي وتربيتي. ### || [26.20] # { قال } موسى: { فعلتهآ إذا وأنا من الضالين }؛ أي ~~فعلت تلك الفعلة وأنا من الجاهلين، لم يأتني من الله شيء، ولا ~~يجوز أن يكون المراد بهذا الإضلال عن الهدى؛ لأن ذلك لا يجوز أن ~~يكون على الأنبياء. وقيل: معناه: وأنا من المخطئين، نظيره # إنك لفي ضلالك القديم # [يوسف: 95]. وقيل: من الناسين، نظيره قوله تعالى: # أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى # [البقرة: 282]. ### || [26.21] # قوله تعالى: { ففررت منكم لما خفتكم }؛ أي ~~هربا منكم إلى مدين لما خفتكم على نفسي أن تقتلوني ~~بالذي قتلته، { فوهب لي ربي حكما }؛ أي نبوة، وقيل: ~~فهما وعلما، { وجعلني من المرسلين }؛ وإني ~~لأبلغكم التوحيد والشرائع. ### || [26.22] # قوله تعالى: { وتلك نعمة تمنها علي أن ~~عبدت بني إسرائيل }؛ قال المفسرون: هذا إنكار من موسى أن ~~يكون ما ذكر فرعون نعمة على موسى، واللفظ لفظ خبر وفيه تبكيت ~~للمخاطب على معنى: إنك لو كنت لم تقتل بني إسرائيل كانت أمي ~~مستغنية عن قذفي في أليم، فكأنك تمن علي بما كان ~~بلاؤك سببا له. وقيل: معناه: إن فرعون لما قال لموسى: ~~ألم نربك فينا وليدا؟ قال له موسى: تلك نعمة تعدها ~~علي لأنك عبدت بني إسرائيل؛ أي استعبدتهم، ولو لم ~~تعبدهم لكفلني أهلي فلم يلقوني في اليم. يقال: استعبدت ~~فلانا وأعبدته وتعبدته وعبدته؛ أي اتخذته ~~عبدا. # وقيل: معنى الآية: أتمن علي بذلك وأنت استعبدت بني ~~إسرائيل، فأبطلت نعمتك علي بإساءتك إليهم باستعبادك إياهم؟ ~~وبأن أخذت أموالهم وأنفقت على موسى منها؟ وكانت أمي هي التي ~~تربيني، فأي نعمة لك علي. # قوله تعالى: { أن عبدت } في موضعها وجهان؛ أحدهما: ~~النصب بنزع الخافض، والثاني: الرفع على البدل من (نعمتي). ### || [26.23-35] # قوله تعالى: { قال فرعون وما رب العالمين }؛ أي ~~قال له فرعون: وما رب العالمين؟ أي قال له فرعون: أي ~~شيء رب العالمين الذي تدعوني إليه، { قال رب ~~السموت والأرض وما بينهمآ إن كنتم موقنين }؛ ~~بأن المستحق للربوبية من يكون ms1513 هذه صفته، وأن هذه الأشياء ~~التي ذكرت ليست من فعلكم. # فلما قال موسى ذلك تحير فرعون ولم يرد جوابا ينقض به هذا ~~القول. { قال لمن حوله ألا تستمعون }؛ مقالة موسى؟! ~~و { قال } موسى: { ربكم ورب آبآئكم الأولين }؛ ~~بين أن المستحق للربوبية من هو رب أهل كل عصر وزمان؛ أي ~~الذي خلق آباءكم الأولين، وخلقكم من آبائكم. # فلم يقدر فرعون على جوابه، ف { قال } فرعون لجلسائه: { إن ~~رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون }؛ أي ما هذا ~~بكلام صحيح إذ يزعم أن له إلها غيري. # فلم يشتغل موسى بالجواب عن ما نسبه إليه من الجنون، ولكن ~~اشتغل بتأكيد الحجة والزيادة، { قال رب المشرق ~~والمغرب وما بينهمآ إن كنتم تعقلون }؛ توحيد ~~الله، فإن كنتم ذوي عقول لم يخف عليكم ما أقول. # فلم يجبه فرعون بشيء ينقض حجته، بل هدده و { قال لئن ~~اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين }؛ ~~أي لأحبسنك مع من حبسته في السجن. ظن بجهله أن يخافه ~~ويترك عبادة الله ويتخذ فرعون إلها. وكان سجن فرعون أشد من ~~القتل؛ لأنه كان إذا حبس الرجل طرحه في مكان وحده لا يسمع ~~فيه شيئا، ولا يبصر فيه شيئا، وكان يهوي به في الأرض. و { ~~قال } موسى لفرعون حين توعده بالسجن: { أولو جئتك ~~بشيء مبين }؛ يعني لو جئتك بأمر ظاهر تعرف فيه صدقي ~~وكذبك. و { قال }؛ فرعون على وجه التهزئة { قال فأت به ~~إن كنت من الصادقين }. { فألقى عصاه فإذا هي ~~ثعبان مبين } أي حية صفراء، ذكر عظيم أعظم ما يكون من ~~الحيات، قال فرعون: فهل غير هذه! { ونزع يده }؛ من ~~جيبه، { فإذا هي بيضآء }؛ بياضا نوريا لها شعاع ~~الشمس، { للناظرين }. # فإن قيل: كيف سمى العصا ثعبانا في هذه الآية، وسماها جانا ~~في آية أخرى حيث قال # كأنها جآن # [القصص: 31] والجان الخفيفة؟ قلنا: إنما سماها ثعبانا ~~لعظم حسها، وسماها جانا لسرعة مشيته وحركته، وفي ذلك ~~ما يدل على عظم الآية. # فلم يكن لفرعون دفع لما شاهد إلا أن قال: هذا " سحر " ~~سحرتموه، فأوهم أصحابه أنه ms1514 لا صحة له، وذلك قوله ~~تعالى: { قال للملإ حوله إن هذا لساحر عليم ~~}؛ قال ابن عباس: (وكان الملأ حوله خمسمائة من ~~أشراف قومه، عليهم الأسورة) فقال لهم: إن هذا ~~لساحر حاذق بالسحر، { يريد أن يخرجكم من ~~أرضكم }؛ يلقي الفرقة والعداوة بينكم فيخرجكم من بلادكم، { ~~بسحره فماذا تأمرون }؛ أي ماذا تشيرون علي في ~~أمره، ولو تفكر هؤلاء الجهال في قوله ذلك لعلموا أنه ليس ~~بإله لافتقاره إلى رأيهم، ولكنهم لفرط جهلهم موه عليهم. ### || [26.36-37] # قوله تعالى: { قالوا أرجه وأخاه وابعث في ~~المدآئن حاشرين * يأتوك بكل سحار عليم }؛ أي قال ~~له الملأ: أخر أمره وأمر أخيه لا يناظرهما إلى أن يبعث إلى ~~المدائن الشرط يحشرون السحرة، ليصنع السحرة مثل ما صنع ~~موسى، ولا يثبت له عليك حجة. ### || [26.38-40] # قوله تعالى: { فجمع السحرة لميقات يوم ~~معلوم }؛ أي لميعاد يوم زينتهم وهو يوم عيدهم، { وقيل ~~للناس هل أنتم مجتمعون }؛ اجتمعوا لتنظروا إلى ~~السحرة، { لعلنا نتبع السحرة }؛ أي نتبع دينهم، { ~~إن كانوا هم الغالبين }؛ لموسى، ويقال: أرادوا ~~بالسحرة موسى وهارون { إن كانوا هم الغالبين } على ~~سحرهم. ### || [26.41-42] # قوله تعالى: { فلما جآء السحرة قالوا لفرعون ~~أإن لنا لأجرا }؛ أي جعلا، { إن كنا نحن ~~الغالبين }؛ لموسى. { قال نعم وإنكم }؛ مع ما ~~أعطيتكم من الأموال، { إذا لمن المقربين }؛ في المرتبة ~~والمنزلة وللدخول علي. ### || [26.43-45] # قوله تعالى: { قال لهم موسى ألقوا مآ أنتم ~~ملقون }؛ أي اطرحوا من أيديكم ما تريدون طرحه من الحبال ~~والعصي، وهذا أمر تهديد لا أمر تحقيق، { فألقوا حبالهم ~~وعصيهم وقالوا بعزة فرعون }؛ أي بمنعته، { ~~إنا لنحن الغالبون }؛ لموسى، فامتلأ الوادي حيات، ~~فهابه ذلك، فقيل لموسى: ألق عصاك، { فألقى موسى عصاه ~~فإذا هي تلقف ما يأفكون }؛ فألقاها فصارت حية ~~عظيمة تلقف ما صنعوا من السحر، ثم أخذها موسى فعادت عصا ~~كما كانت، ولو لم يوجد لما تلقفه أثر. ### || [26.46-49] # قوله تعالى: { فألقي السحرة ساجدين }؛ فسجدت ~~السحرة عند ذلك لله تعالى لما علموا أن ذلك ليس بسحر، ~~وإنما هو من عند الله، و { قالوا آمنا برب العالمين ms1515 }؛ ~~قال لهم فرعون: إياي تعنون؟ قالوا: { رب موسى وهارون ~~* قال آمنتم له قبل أن آذن لكم }؛ أي صدقتم به ~~قبل أن آمركم بذلك، { إنه لكبيركم الذي علمكم ~~السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم ~~وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين } ، وكان ~~فرعون أول من قطع وصلب. قال ابن عباس: (إنهم من ~~سرعة سجودهم لله كأنهم ألقوا). ### || [26.50-51] # قوله تعالى: { قالوا لا ضير إنآ إلى ربنا ~~منقلبون }؛ أي قالت السحرة: لا يضرنا ما تصنع بنا في ~~الدنيا في جنب ثواب الله في الآخرة، إنا إذا رجعنا إلى ربنا ~~مؤمنين لنأخذ حقنا من الظالم، { إنا نطمع أن يغفر لنا ~~ربنا خطايانآ }؛ شركنا أي يتجاوز تأخرنا، { أن كنآ ~~أول المؤمنين }؛ أي بأن كنا أول المؤمنين لموسى من ~~أهل الجمع اليوم، فكانوا سحرة في أول النهار شهداء في آخره. ### || [26.52-54] # قوله تعالى: { وأوحينآ إلى موسى أن أسر ~~بعبادي }؛ أي ببني إسرائيل ليلا، { إنكم متبعون }؛ ~~وأخبرهم أن فرعون وقومه يتبعونهم وينجيهم الله من ضررهم، ~~فأسرى بهم موسى ليلا إلى البحر، { فأرسل فرعون في ~~المدآئن حاشرين }؛ يحشرون الناس ويجمعون له الناس الجيش، ~~ثم قال فرعون لقومه: { إن هؤلاء لشرذمة قليلون }؛ ~~يعني موسى وأصحابه، والشرذمة: الفئة القليلة، ~~والشرذمة في كلام العرب: القليل من كل شيء من الناس ~~والأموال. # روي أن هؤلاء الذين اشغلهم فرعون يومئذ ستمائة ألف وسبعون ~~ألفا، وكان هامان على مقدمة فرعون ومعه ألفا ألف، وفرعون في ~~أكثر من خمسة عشر ألف ألف. ### || [26.55-56] # قوله تعالى: { وإنهم لنا لغآئظون }؛ أي لفاعلون ~~ما يغيظنا لإظهارهم خلاف ديننا، وأخذهم حبلنا وقتلهم ~~أبكارنا. وذلك أن الله تعالى أوحى إلى موسى أن اجمع أولاد بني ~~إسرائيل كل أهل أربعة أبيات في بيت، ثم اذبحوا الأولاد ~~واضربوا بدمائها على أبوابكم، فإني سآمر الملائكة لا يدخلون ~~بيتا على بابه دم، وسآمرهم بقتل أبكار آل فرعون، ثم أسر ~~بعبادي، ففعل ذلك، فلما أصبحوا، قال فرعون: هذا عمل موسى ~~وقومه، قتلوا أبكارنا وأخذوا أموالنا، فأخذ في طلبهم. قوله ~~تعالى: { وإنا لجميع حاذرون }؛ قرأ الكوفيون وابن عامر ms1516 ~~(حاذرون) بالألف؛ أي شاكون في السلاح، ذوو أداة وقوة ~~وكراع، وبنوا اسرائيل لا سلاح لهم. وقرأ الباقون (حذرون) أي ~~مسقطون خائفون شرهم. ### || [26.57-59] # قوله تعالى: { فأخرجناهم من جنات وعيون }؛ ~~يعني فرعون وقومه من بساتين وعيون جارية، { وكنوز }؛ أي ~~وخزائن مدخرة من الذهب والفضة، { ومقام كريم }؛ أي مجالس ~~رفيعة من مجالس الملوك والرؤساء، { كذلك }؛ فعلنا بهم، { ~~وأورثناها }؛ وأورثنا أرضهم وديارهم وأموالهم، { بني ~~إسرائيل }؛ وذلك أن الله رد بني إسرائيل إلى مصر بعدما ~~أغرق فرعون وقومه، وأعطاهم جميع ما كان لفرعون من الأموال ~~والعقار والمساكن. ### || [26.60-62] # قوله تعالى: { فأتبعوهم مشرقين }؛ يعني قوم فرعون ~~أدركوا موسى وقومه حين أشرقت الشمس. قوله تعالى: { ~~فلما تراءى الجمعان قال أصحاب موسى إنا ~~لمدركون }؛ أي فلما توافى الفريقان، وتقابلا بحيث يرى كل ~~فريق صاحبه، وعاين بعضهم بعضا، قال أصحاب موسى: سيدركنا قوم ~~فرعون، ولا طاقة لنا بهم! { قال } لهم موسى: { كلا }؛ أي لن ~~يدركنا، ارتدعوا وانزجروا عن هذه المقالة، { إن معي ~~ربي }؛ ناصري وحافظي، { سيهدين }؛ إلى طريق النجاة ~~منهم. ### || [26.63] # قوله تعالى: { فأوحينآ إلى موسى أن اضرب ~~بعصاك البحر فانفلق }؛ فصار اثنا عشر طريقا، لكل ~~سبط طريق، ووقف الماء لا يجري، وكان بين كل طريقين قطعة من ~~الماء، { فكان كل فرق كالطود العظيم }؛ كالجبل ~~العظيم، وهذا البحر بحر القلزم، تسلك الناس فيه من اليمن ومكة ~~إلى مصر. ### || [26.64-66] # قوله تعالى: { وأزلفنا ثم الآخرين }؛ يعني قوم ~~فرعون؛ أي قربناهم إلى الهلاك، وقذفناهم في البحر، وأدنينا ~~بعضهم من بعض، وجمعناهم فيه بما يسرنا لبني إسرائيل من سلوك ~~البحر، فكان ذلك سبب قربهم من البحر حين اقتحموه. وسمي ~~(المزدلفة) مزدلفة لاجتماع الناس فيها، فلما تكامل جنود ~~فرعون في البحر انطبق عليهم فغرقوا جميعا، { وأنجينا موسى ~~ومن معه أجمعين }؛ من الغرق، { ثم أغرقنا ~~الآخرين }؛ أي فرعون وقومه. ### || [26.67-68] # قوله تعالى: { إن في ذلك لآية }؛ أي إن في ذلك ~~الانفلاق الذي صار نجاة بني اسرائيل، وفي الانطباق الذي كان سبب ~~غرق آل فرعون لآية على توحيد الله وصدق نبوة موسى، { وما ~~كان ms1517 أكثرهم مؤمنين }؛ أي لم يكن قوم فرعون مع وضوح ~~الأدلة على وحدانية الله مصدقين، { وإن ربك لهو ~~العزيز }؛ أي القاهر المنتقم من الكفار، { الرحيم } ، ~~بعباده، ولم يكن آمن من أهل مصر غير آسية بنت مزاحم، وحزقيل ~~المؤمن، ومريم بنت ناموثية التي دلت على عظام يوسف، ~~فلذلك قال { وما كان أكثرهم مؤمنين }. وقيل: معنى ~~قوله { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } أي العزيز في ~~انتقامه من أعدائه حين أغرقهم، الرحيم بالمؤمنين حين ~~أنجاهم. ### || [26.69-73] # قوله تعالى: { واتل عليهم نبأ إبراهيم }؛ أي ~~إقرأ يا محمد على قومك، { إذ قال لأبيه وقومه ما ~~تعبدون * قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين ~~}؛ أي فنقيم عليها عابدين، مقيمين على عبادتها، قال بعض ~~العلماء: إنما { فنظل لها } لأنهم كانوا يعبدونها ~~بالنهار دون الليل، { قال هل يسمعونكم إذ تدعون * ~~أو ينفعونكم أو يضرون }؛ أي هل يسمعون دعاءكم إن ~~دعوتموهم أو ينفعونكم إن دعوتموهم، أو يضرونكم إن لم تدعوهم. ~~وقال ابن عباس: (معناه: أو يرزقونكم أو يكشفون ~~عنكم الضر). ### || [26.74-78] # قوله تعالى: { قالوا بل وجدنآ آبآءنا كذلك ~~يفعلون }؛ فنحن نقتدي بهم، { قال أفرأيتم ما ~~كنتم تعبدون * أنتم وآبآؤكم الأقدمون }؛ أي قال ~~لهم إبراهيم: أفرأيتم هذا الذي تعبدونه أنتم وآباؤكم ~~المتقدمون، { فإنهم عدو لي إلا رب ~~العالمين }؛ أي فإنني أعاديهم، أتبرأ منهم. وقوله تعالى: { ~~إلا رب العالمين }. روي أنهم كانوا يعبدون الله مع ~~الأصنام، فتبرأ إبراهيم من جميع ما يعبدونه إلا من عبادة ~~الله. وإنما قال { عدو لي } على التوحيد في موضع الجمع على ~~معنى: أن كل واحد منهم عدو لي. # ويقال: إن قوله تعالى { عدو } في موضع المصدر، كأنه قال ~~ذوو عداوة، فوقعت الصفة موقع المصدر، كما يقع المصدر موقع الصفة ~~في رجل عدل، ويجوز أن يكون قوله تعالى: { إلا رب ~~العالمين } استثناء منقطع، معناه: ولكن رب العالمين الذي ~~خلقني ليس بعدو لي هو يهدين؛ أي يرشدني إلى الحق، وذلك ~~أنهم كانوا يزعمون أن أصنامهم هي التي تهديهم، فقال إبراهيم ~~ردا عليهم: { الذي خلقني فهو يهدين }؛ إلى الدين ~~والرشد لا ms1518 ما تعبدون. ### || [26.79-80] # قوله تعالى: { والذي هو يطعمني ويسقين }؛ أي هو ~~رازقي، فمن عنده طعامي فهو الذي يشبعني إذا جعت، ويرويني ~~إذا عطشت، { وإذا مرضت فهو يشفين }؛ أي يعافيني من ~~المرض، وذلك أنهم كانوا يقولون: المرض من الزمان، والأغذية ~~والشفاء من الأطباء والأدوية، فأخبر إبراهيم أن الذي أمرض ~~هو الذي يشفي وهو الله عز وجل، ولم يقل إبراهيم ~~فأمرضتني؛ لأنه يقال مرضت، وإن كان المرض بخلق الله ~~وقضائه، ولا يقال أمرضني الله. ### || [26.81-82] # قوله تعالى: { والذي يميتني ثم يحيين }؛ أي هو ~~الذي يميتني في الدنيا ثم يحييني في الآخرة للبعث، { ~~والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي }؛ معناه: والذي أعلم ~~وأرجو أن يغفر لي يوم الحساب. وذكره بلفظ الطمع؛ لأن ذلك ~~أقرب إلى حسن الأدب. وقال بعض المفسرين: يعني الكذبات الثلاث، ~~قوله: إني سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا، وقوله لسارة: ~~هي أختي. وزاد الحسن والكلبي قوله أيضا للكواكب: هذا ربي. # قال الزجاج: (إن الأنبياء بشر يجوز أن تقع منهم ~~الخطيئة، إلا أنهم لا تكون منهم الكبيرة؛ ~~لأنهم معصومون). قوله تعالى: { يوم الدين }؛ أي ~~يوم الجزاء والحساب. ### || [26.83-84] # قوله تعالى: { رب هب لي حكما }؛ يريد به النبوة بعد ~~نبوة، وإنما أراد: زدني علما إلى علم وفقها إلى فقه، ~~{ وألحقني بالصالحين }؛ أي بالنبيين من قبلي في الدرجة ~~والمنزلة والثواب. والصلاح هو الاستقامة على ما أمر الله به. ~~وقوله تعالى: { واجعل لي لسان صدق في الآخرين }؛ ~~أراد به الثناء الحسن؛ أي اجعل لي ثناء حسنا في الدين يكون ~~بعدي إلى يوم القيامة. وقد استجاب الله دعاءه حين أحبه أهل ~~الأديان كلهم. وقيل: واجعل لي في ذريتي من يقوم بالحق ~~ويدعو إليه، وهو محمد صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه، فإنهم ~~هم الذين أظهروا شرائعه وفضائله. ### || [26.85-86] # قوله تعالى: { واجعلني من ورثة جنة النعيم }؛ ~~أي أدخلني الجنة واجعلني من الذين يرثون الفردوس، { ~~واغفر لأبي إنه كان من الضآلين }؛ أي من المشركين، ~~وإنما دعا إبراهيم لأبيه لموعدة وعدها إياه، فلما ~~تبين له أنه عدو لله ms1519 تبرأ منه، وكان هذا الدعاء قبل أن ~~يتبرأ منه. والضال هو الذاهب عن طريق الحق. ### || [26.87-89] # قوله تعالى: { ولا تخزني يوم يبعثون }؛ أي لا ~~تفضحني ولا تهتك ستري يوم القيامة، يوم تبعث الخلق. ~~وقيل: معناه: ولا تعذبني يوم تبعث الخلائق، وإنما قال ذلك ~~مع علمه أنه لا يخزيه، إما على طريق التعبد وإنا حثا لغيره ~~على أن يقتدي به في مثل هذا الدعاء. # ثم فسر ذلك اليوم؛ فقال: { يوم لا ينفع مال ولا ~~بنون }؛ أي لا ينفع ذا المال ماله الذي كان في الدنيا، ولا ~~ينفعه بنوه ولا يواسونه بشيء من طاعتهم، ولا يحملون شيئا من ~~معاصيه، وقوله تعالى: { إلا من أتى الله بقلب سليم }؛ ~~يعني من الشرك والنفاق، فإنه ينفعه سلامة قلبه. وقيل: القلب ~~السليم هو الصحيح وهو قلب المؤمن، وقلب الكافر المنافق مريض. # وقال أهل المعاني في تفسير هذه الآيات أقوالا غير هذه، فقال ~~بعضهم: معنى # الذي خلقني فهو يهدين # [الشعراء: 78] أي الذي خلقني في الدنيا على فطرته فهو يهدين في ~~الآخرة إلى جنته، وقوله تعالى # والذي هو يطعمني ويسقين # [الشعراء: 79] أي يطعمني أي طعام شاء، ويسقيني أي شراب شاء. # قال محمد بن كثير: (صحبت سفيان الثوري بمكة، ~~فكان يأكل من السبت إلى السبت كفا من الرمل). ~~وعن الحجاج بن عبدالكريم قال: (خرجت من بلخ في طلب ~~إبراهيم بن أدهم فوجدته بحمص، فسلمت عليه، ~~فلبثت معه يومي ذلك، فقال: لعل نفسك تنازعك ~~إلى شيء من الطعام؟ فقلت: نعم، فأخذ رمادا ~~وترابا وخلطهما وأعطانيه فأكلته، ثم أقبل ~~علي وأنشأ يقول: # اخلط التراب بالرماد وكله # وازجر النفس عن مقام السؤال # وقال أبو بكر الوراق: (معنى يطعمني بلا طعام، ~~ويسقيني بلا شراب) يشبعني ربي ويرويني من غير ~~علاقة، كما قال صلى الله عليه وسلم: # " إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني " # وقال علي بن قادم: (كان عبدالله بن أبي نعيم لا ~~يأكل في شهر إلا مرة! فبلغ ذلك الحجاج، ~~فدعاه فأدخله بيتا وأغلق عليه بابه خمسة ~~عشر يوما، ثم فتحه، ولم يشك أنه ms1520 قد مات، ~~فوجده قائما يصلي، فقال: يا فاسق أتصلي بغير ~~وضوء؟! فقال: يا حجاج؛ إنما يأكل الطعام من ~~يخرج ويشرب، فأنا على الطهارة التي أدخلتني ~~عليها هذا البيت)، وقال ذو النون: (معنى قوله ~~تعالى: # يطعمني ويسقين # [الشعراء: 79] أي يطعمني طعام المعرفة، ويسقيني ~~شراب المحبة. ثم أنشأ يقول: # شراب المحبة خير شراب # وكل شراب سواه سراب # وقال أبو يزيد البسطامي: (إن لله شرابا يقال له ~~شراب المحبة، إدخره لأفاضل عباده، فإذا وصلوا ~~اتصلوا، فهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر). ~~وقال الجنيد: (يحشر الناس يوم القيامة عراة إلا ~~من لبس لباس التقوى، وجياعا إلا من أكل طعام ~~المعرفة، وعطاشى إلا من شرب شراب المحبة), ~~وقوله تعالى # وإذا مرضت فهو يشفين # [الشعراء: 80] قال جعفر الصادق: (إني إذا مرضت بالذنوب ~~فهو يشفيني بالتوبة). وقال بسطام بن عبدالله: (إذا ~~أمرضتني مقاساة الخلق شفاني بذكره والأنس به). # قوله تعالى: # والذي يميتني ثم يحيين # [الشعراء: 81]، قال أهل المعرفة: يميتني بالعدل ويحييني ~~بالفضل، يميتني بالمعصية ويحييني بالطاعة، يميتني بالفراق ~~ويحييني بالتلاق، يميتني بالجهل ويحييني بالعقل، يميتني ~~بالخذلان ويحييني بالتوفيق. ### || [26.90-94] # قوله تعالى: { وأزلفت الجنة للمتقين }؛ أي ~~قربت وأدنيت لهم حتى نظروا إليها، { وبرزت الجحيم ~~للغاوين }؛ أي أظهرت وكشفت للضالين عن الهدى، { ~~وقيل لهم }؛ للضالين في ذلك اليوم على وجه التوبيخ: { ~~أين ما كنتم تعبدون * من دون الله }؛ أي أين آلهتكم ~~التي تعبدونها من دون الله؟ هل يدفعون العذاب عنكم، { هل ~~ينصرونكم أو }؛ هل { ينتصرون }؛ لأنفسهم؛ أي يدفعون عن ~~أنفسهم. # ثم يؤمر بهم فيلقون في النار، فلذلك قوله تعالى: { ~~فكبكبوا فيها هم والغاوون }؛ وقال الزجاج: (طرح ~~بعضهم على بعض)، وقال ابن قتيبة: (ألقوا على ~~رؤوسهم)، وقال مقاتل: (قذفوا فيها هم والغاوون)، قال ~~السدي: (يعني الآلهة والمشركين)، وقال عطاء: (هم ~~وما يعبدون من دون الله وجنود إبليس أجمعون، ~~يعني ذرية إبليس كلهم). # وقيل: معنى (كبكبوا): أجمعوا وهم كفار مكة، وكفار ~~الجن والإنس وآلهتهم وذرية إبليس حتى صاروا كبة واحدة ~~وطرحوا في النار. ### || [26.97-102] # قوله تعالى: { وجنود إبليس أجمعون * قالوا ms1521 ~~وهم فيها يختصمون }؛ أي في النار مع آلهتهم ورؤسائهم: { ~~تالله إن كنا لفي ضلال مبين }؛ وقوله تعالى { إذ ~~نسويكم برب العالمين }؛ أي تالله ما كنا إلا في ~~ضلال مبين حيث سويناكم برب العالمين، فأعظمناكم ~~وعبدناكم وعدلناكم به، يقرون على أنفسهم بالخطأ، { ومآ ~~أضلنآ }؛ عن الهدى، { إلا المجرمون }؛ يعني ~~الشياطين. وقيل: أضلونا الذين اقتدينا بهم، { فما لنا ~~من شافعين }؛ يشفع لنا من الملائكة والنبيين والمؤمنين حين ~~يشفعون لأهل التوحيد، { ولا صديق حميم }؛ أي ولا ذي ~~قرابة يهمه أمرنا. والحميم: القريب الذي توده ~~ويودك. # قال ابن عباس: (إن المؤمن يشفع يوم القيامة ~~للمؤمن المذنب والصديق الصاحب الذي يصدق في ~~المودة). وفي الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن الرجل يقول في الجنة: ما فعل صديقي ~~فلان؟ وصديقه في النار، فيقول الله عز وجل: ~~أخرجوا له صديقه إلى الجنة، فيقول من بقي: ~~فما لنا من شافعين، ولا صديق حميم ". # ثم قالوا: { فلو أن لنا كرة }؛ أي رجعة إلى الدنيا، ~~{ فنكون من المؤمنين }؛ المصدقين بالتوحيد ليحل لنا ~~الشفاعة كما حلت لأهل التوحيد. ### || [26.103-104] # قوله تعالى: { إن في ذلك لآية }؛ أي فيما أخبر من ~~قصة إبراهيم واختصام أهل النار، وتبرؤ بعضهم من بعض ~~لعبرة للعقلاء من بعدهم، { وما كان أكثرهم ~~مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم }؛ أي ~~الغالب على تعجيل الانتقام بالإمهال إلى أن يؤمنوا، والمنعم ~~عليهم بعد التوبة. ### || [26.105-111] # قوله تعالى: { كذبت قوم نوح المرسلين }؛ قال ~~الزجاج: (دخلت التاء ها هنا، و(قوم) مذكر؛ لأن ~~المراد الجماعة) أي كذبت جماعة قوم نوح ومن قبله من ~~الرسل، { إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون }؛ عذاب ~~الله بتوحيده وطاعته، وكان أخوهم من النسب لا من جهة الدين، { ~~إني لكم رسول أمين }؛ على الرسالة فيما بيني وبين ربكم. # وقيل: معناه: كنت أمينا فيكم قبل اليوم، فكيف تتهموني ~~اليوم، { فاتقوا الله }؛ فيما أمركم به، { وأطيعون }؛ ~~فيما أدعوكم إليه وأطيعوني فيما أمركم به من الإيمان والتوحيد. { ~~ومآ أسألكم عليه }؛ أي على الدعاء إلى التوحيد، { من ~~أجر }؛ ما، { إن ms1522 أجري إلا على رب العالمين }؛ ~~وقيل: ما أسألكم على تبليغ الوحي والرسالة مالا فيصدكم عن ~~القبول مني، وتعتقدون في الطمع. وقوله تعالى: { فاتقوا ~~الله وأطيعون }؛ أي اتقوا عقاب الله، وأطيعوا أمري، ~~وتكرير { فاتقوا الله }: لأن الأول (اتقوا الله ~~وأطيعون) لأني رسول رب العالمين أمين، والثاني (اتقوا ~~الله وأطيعون) لأني ما أسألكم عليه من أجر. # ف { قالوا } له: { أنؤمن لك واتبعك الأرذلون }؛ ~~أي أنقر بك ونصدقك وقد اتبعك سفلتنا وهم الأرذلون ~~الأقلون، وكان قد آمن بنوح ضعفاء قومه وبنوه، وكان أكثر من ~~اتبعه يخصون بصناعات خسيسة مثل الحوك والأساكفة، ~~فلذلك قال له أشراف قومه: { واتبعك الأرذلون } ، ويقرأ: ~~(وأتباعك الأرذلون) وهي قراءة يعقوب؛ أي أشياعك وأهل ~~دينك. قال الزجاج: (والصناعات لا تضر في باب ~~الديانات)، وقال عطاء: (يعنون بالأرذلون: المساكين ~~الذين ليس لهم مال). ### || [26.112] # قوله تعالى: { قال وما علمي بما كانوا يعملون ~~}؛ أي قال نوح: ما أعلم أعمالهم وصنائعهم، ولم أكلف ذلك، ~~وإنما كلفت أن أدعوهم، ولا أسأل عما كانوا يعملون، ولا ~~أطلب علم صنائعهم، وإنما العيب في المعاصي لا في خساسة ~~الصناعة. ### || [26.113] # قوله تعالى: { إن حسابهم إلا على ربي لو ~~تشعرون }؛ أي ما حسابهم فيما يعملون { إلا على ربي لو ~~تشعرون } لو تعلمون ما عاقبتموهم بصنائعهم. وقيل: إنهم ~~نسبوا قومه الذين آمنوا به إلى النفاق وإضمار الكفر، ~~فقال: { إن حسابهم إلا على ربي } أي ما جزاؤهم إلا ~~على ربي { لو تشعرون }. ### || [26.114-115] # قوله تعالى: { ومآ أنا بطارد المؤمنين }؛ أي لا ~~أطردهم من عندي مع إظهارهم الإيمان بسبب فقرهم، وطعنكم ~~عليهم. قوله تعالى: { إن أنا إلا نذير مبين }؛ أي ~~ما أنا إلا معكم بموضع المخافة لتحذروها، فمن قبل قربته، ~~ومن رد باعدته؛ ولم أكلف علم ما في الضمائر. ### || [26.116-118] # قوله تعالى: { قالوا لئن لم تنته ينوح }؛ أي ~~لئن لم تنته عما تقول، { لتكونن من المرجومين }؛ ~~المقتولين بالحجارة، { قال رب إن قومي كذبون * ~~فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من ~~المؤمنين }؛ أي فاقض بيننا قضاء يكون بنجاتنا وهلاك ~~عدونا. ### || [26.119-122] ms1523 # قوله تعالى: { فأنجيناه ومن معه }؛ في السفينة ~~المملوءة من الناس والبهائم والسباع والطير، فذلك قوله تعالى: { ~~في الفلك المشحون }؛ أي الذي قد ملئ مما ذكرنا من جميع ~~الحيوان، وقوله تعالى: { ثم أغرقنا بعد الباقين }؛ أي ~~بعد نجاة نوح ومن معه أغرقنا الآخرين. قوله تعالى: { ~~إن في ذلك لآية }؛ أي في إغراق الكافرين ونجاة المؤمنين ~~في السفينة لعلامة تدل على وحدانية الله وكمال قدرته، { وما ~~كان أكثرهم }؛ أكثر قوم نوح، { مؤمنين }؛ مع قيام ~~الحجة، { وإن ربك لهو العزيز }؛ أي القادر على أخذ ~~الأعداء، المنتقم منهم، { الرحيم } ، بالأولياء، المنعم ~~عليهم. ### || [26.123-127] # قوله تعالى: { كذبت عاد المرسلين }؛ التأنيث بمعنى ~~القبيلة، أريد بعاد القبيلة، والمعنى: كذبت عاد هودا وجماعة ~~المرسلين، { إذ قال لهم أخوهم هود }؛ في النسب: { ألا ~~تتقون }؛ عبادة غير الله، { إني لكم رسول أمين }؛ ~~أرسلني الله إليكم وائتمنني على الرسالة، { فاتقوا الله ~~وأطيعون * ومآ أسألكم عليه }؛ على تبليغ الرسالة، { ~~من أجر إن أجري إلا على رب العالمين }. ### || [26.128] # قوله تعالى: { أتبنون بكل ريع آية تعبثون }؛ ~~الريع: هو المكان المرتفع. قال ابن عباس: (معناه: ~~أتبنون بكل شرف)، وقال مقاتل والكلبي والضحاك: (أتبنون ~~بكل طريق آية؛ أي بنيانا وعلما متميزا عن ~~سائر الأبنية، تعبثون بمن يمر في الطريق). # والمعنى: بكل طريق، بالموضع المرتفع بنيانا لتشرفوا على ~~المارة فتسخروا منهم، وتعبثوا بهم. وقيل: معنى قوله ~~(تعبثون) أي تبنون ما تستغنون عنه ولا تسكنونه عبثا ~~منكم، يسمى بناؤهم عبثا؛ لأنهم كانوا يسرفون في البناء، ~~فيبنون فوق الحاجة، ويقصدون بذلك التفاخر والتكاثر، ومن ذلك ~~سمي كل لعب لا لذة فيه عبثا، والذي يكون فيه لذة ~~لعبا. وقال الوالبي عن ابن عباس: (بكل ريع؛ أي بكل ~~شرف)، وقال قتادة والضحاك: (بكل طريق)، وعن مجاهد: ~~(الريع: الثنية الصغيرة)، وقيل: المنظرة، وقال ~~عكرمة: (بكل واد). ### || [26.129] # قوله تعالى: { وتتخذون مصانع }؛ قال ابن عباس: ~~(هي الأبنية)، وقال مجاهد: (المصانع قصور مشيدة)، ~~وقيل: هي الحصون. وقال عبدالرزاق: (المصانع عندنا ~~بلغة اليمن: القصور؛ واحدتها مصنعة). وقال ~~الكلبي: (هي القصور والحصون). وقيل: هي المباني ms1524 ~~التي يصنعها الناس من البساتين وغيرها. وقيل: هي مجامع الماء ~~وهي الحياض، وواحد المصانع مصنعة. # وقوله تعالى: { لعلكم تخلدون }؛ أي كأنكم تخلدون؛ ~~أي ستبقون في بناء المصانع، كأنهم يخلدون فيها فلا يموتون. ~~و(لعل) تأتي في الكلام بمعنى (كأن) من قوله # لعلك باخع نفسك # [الشعراء: 3] أي كأنك قاتل نفسك إن لم يؤمنوا وقيل: ~~معناه: تتخذون ذلك رجاء أن تخلدوا وأنتم لا تخلدون. ### || [26.130] # قوله تعالى: { وإذا بطشتم بطشتم جبارين }؛ أي ~~إذا بطشتم بمن دونكم بطشتم متكبرين ومتجبرين، ضربا ~~بالسوط وبالسيف، تقتلون على الغضب. والمعنى: إذا عاقبتم ~~قتلتم. والبطش: هو الأخذ بالشدة، والجبار: هو ~~العالي بالقدرة، يقال: نخلة جبارة إذا كانت مرتفعة لا ~~تنالها الأيدي، وهي صفة مدح الله تعالى؛ لأن هذا المعنى حقيقة ~~فيه، وهو صفة ذم لغيره لأنه كذب فيه. ### || [26.131-135] # قوله تعالى: { فاتقوا الله وأطيعون }؛ أي اتقوا ~~عذاب الله بإصراركم على ما أنتم عليه، { واتقوا الذي ~~أمدكم بما تعلمون }؛ من النعمة والخير، { أمدكم ~~بأنعام وبنين * وجنات وعيون }؛ فيه بيان بعض ~~النعم، قوله تعالى: { إني أخاف عليكم عذاب ~~يوم عظيم }؛ أي إني أعلم أنه سينزل بكم عذاب عظيم إن لم ~~تؤمنوا، يريد به العذاب الذي أهلكوا به. ### || [26.136-138] # قوله تعالى: { قالوا سوآء علينآ أوعظت أم لم تكن ~~من الواعظين }؛ أي سواء علينا أوعظتنا أم لم تعظنا فلا ~~نترك هذه العبادة، قوله تعالى: { إن هذا إلا خلق ~~الأولين }؛ أي ما هذا الذي تقول يا هود إلا كذب الأولين، ~~وهذا قول ابن مسعود ومجاهد. والخلق والاختلاق هو الكذب. ~~ومنه قوله تعالى: # وتخلقون إفكا # [العنكبوت: 17]. # قرئ (خلق الأولين) بضم الخاء واللام؛ أي عادة ~~الأولين، والمعنى: ما هذا الذي نحن فيه إلا عادة الأولين من ~~قبلنا يعبثون ما عاشوا ثم يموتون ولا بعث ولا حساب، { وما ~~نحن بمعذبين }؛ على ما نفعل. ### || [26.139-140] # قوله تعالى: { فكذبوه }؛ بالعذاب في الدنيا، { ~~فأهلكناهم }؛ بالريح. وقوله تعالى { فكذبوه ~~فأهلكناهم } أي كذبوا هودا بعد وضوح الحجة ~~فأهلكناهم بريح صرصر عاتية. # قوله تعالى: { إن في ذلك لآية }؛ أي إن في إهلاكنا ms1525 ~~إياهم مع شدة قوتهم لآية بأضعف الأشياء وهي الريح للدلالة ~~على وحدانيتنا وصدق نبوة هود، { وما كان أكثرهم ~~مؤمنين }؛ بالله، فإنه لم يؤمن منهم إلا قليل، { وإن ~~ربك لهو العزيز الرحيم }. ### || [26.141-145] # قوله تعالى: { كذبت ثمود المرسلين * إذ قال ~~لهم أخوهم صالح ألا تتقون * إني لكم رسول ~~أمين * فاتقوا الله وأطيعون * ومآ أسألكم ~~عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ~~}؛ ظاهر المعنى. ### || [26.146-150] # قوله تعالى: { أتتركون في ما هاهنآ آمنين }؛ أي ~~قال لهم صالح: أتتركون في الدنيا آمنين من الموت والعذاب ~~تأكلون وتشربون وتمتعون ولا تكلفون. وقوله تعالى: { في ~~جنات وعيون }؛ أي أتظنون أنكم تتركون في بساتين ~~ومياه ظاهرة، { وزروع } ، وحروث، { ونخل طلعها هضيم ~~}؛ أي ثمرها نضيج مدرك ناعم، والنضيج: هو الرخو ~~اللين اللطيف البالغ، { وتنحتون من الجبال }؛ أي ~~تنقبون في الجبال { بيوتا فارهين }؛ أي أشرين ~~بطرين. # وقرأ ابن عامر والكوفيون: (فارهين) بالألف أي حاذقين ~~بنحتها، مأخوذ من قولهم: فره الرجل فراهة فهو فاره، ~~ويقال: الفره والفاره بمعنى واحد. وقيل: إن الهاء من ~~قوله (فرهين) بدل من إلحاق الفرح في كلام العرب: الأشر ~~والبطر، ومنه قوله تعالى: # إن الله لا يحب الفرحين # [القصص: 76]، { فاتقوا الله وأطيعون }. ### || [26.151-152] # قوله تعالى: { ولا تطيعوا أمر المسرفين }؛ أي ~~أمر رؤسائكم وكبرائكم الذين يفرطون في الشرك والمعاصي، { ~~الذين يفسدون في الأرض }؛ قال مقاتل: (هم التسعة ~~الذين عقروا الناقة، وهم الذين يفسدون في ~~الأرض بالمعاصي) { ولا يصلحون }؛ أي ولا يطيعون الله ~~فيما أمرهم. ### || [26.153-155] # قوله تعالى: { قالوا إنمآ أنت من المسحرين * ~~مآ أنت إلا بشر مثلنا }؛ أي قال له قومه: إنما أنت ~~ممن سحر مرة بعد مرة، فلا نؤمن بك. ويقال: المسحر هو ~~المعلل بالطعام والشراب، والسحر مجرى الطعام، يقال: ~~انتفخ سحره؛ أي رئته والمعنى: لست بملك، إنما أنت بشر ~~مثلنا لا تفضلنا في شيء، لست بملك ولا رسول، { فأت بآية ~~إن كنت من الصادقين }؛ إنك رسول الله إلينا. # قال ابن عباس: (سألوه أن يخرج لهم ناقة حمراء ~~عشراء من صخرة ملساء، فتضع ونحن ms1526 ننظر، ~~وترد هذا الماء فتشرب. فخرج بهم إلى تلك ~~الصخرة التي ذكروها، ثم دعا الله تعالى ~~فتمخضت تلك الصخرة كما تتمخض المرأة ~~الحامل عند الولادة، فخرجت منها ناقة على ~~الصفة التي سألوها لا نظير لها في النوق، وكان ~~يسد جنباها ما بين الجبلين من عظمها). # ف { قال } لهم صالح: { هذه ناقة لها شرب ولكم ~~شرب يوم معلوم }؛ أي اجعلوا الشرب بينها وبينكم ~~مناوبة، لها نوبة يوم لا تحضرون معها، ولكم نوبة يوم لا ~~تحضر معكم. قال قتادة: (فكان يوم شربها تشرب ماءهم ~~كله أول النهار ولا يبقى لهم منه شيء، ~~وتسقيهم اللبن حتى تملأ جميع آنيتهم، فإذا ~~كان يوم شربهم كان الماء لهم ولمواشيهم لا ~~تزاحمهم الناقة فيه). والشرب في اللغة: هو النصيب ~~من الماء، والشرب بضم الشين المصدر، والشرب بفتح الشين ~~جماعة الشراب. ### || [26.156] # قوله تعالى: { ولا تمسوها بسوء }؛ أي تعقروها ولا ~~تؤذوها، وذروها تأكل في أرض الله، فإنكم إن تمسوها بسوء، { ~~فيأخذكم عذاب يوم عظيم }. ### || [26.157-159] # قوله تعالى: { فعقروها فأصبحوا نادمين }؛ ~~فعقروها واقتسموا لحمها، فبلغ ألفا وثمانمائة منزل، ~~ثم أصبحوا نادمين على قتلها، { فأخذهم العذاب }؛ في ~~اليوم الثالث وهو يوم السبت، صاح بهم جبريل فماتوا أجمعين، { ~~إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين }؛ أي في ~~إخراج الناقة من الصخرة، وفي إهلاكهم بعقرها علامة وعبرة ~~لمن بعدهم ولم يكن أكثرهم مؤمنين، { وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم }. ### || [26.160-165] # قوله تعالى: { كذبت قوم لوط المرسلين * إذ ~~قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون * إني لكم رسول ~~أمين * فاتقوا الله وأطيعون * ومآ أسألكم ~~عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين ~~}؛ إلى قوله تعالى { أتأتون الذكران من العالمين } ، ~~ظاهر المعنى. ### || [26.166] # قوله تعالى: { وتذرون ما خلق لكم ربكم من ~~أزواجكم }؛ معناه: أتنكحون الذكور حراما في أدبارهم، ~~وتتركون ما أحل الله لكم من فروج نسائكم، { بل أنتم قوم ~~عادون }؛ أي متجاوزون الحد في الظلم والحرام. ### || [26.167] # قوله تعالى: { قالوا لئن لم تنته يلوط ~~لتكونن من المخرجين }؛ أي لئن لم تسكت يا لوط ms1527 عن ~~الإنكار علينا وتقبيح أفعالنا لنخرجنك من أرضنا. ### || [26.168-170] # { قال }؛ لوط: { إني لعملكم من القالين }؛ أي لمن ~~المبغضين، والقالي: هو الباغض للشيء التارك له غاية ~~الكراهة. قوله تعالى: { رب نجني وأهلي مما ~~يعملون }؛ أي خلصني وأهلي من عقوبة أعمالهم الخبيثة حتى لا ~~نراهم ولا نرى أعمالهم الخبيثة، { فنجيناه وأهله ~~أجمعين }؛ أي خلصناهم من العذاب الذي وقع بهم، وقوله تعالى { ~~فنجيناه وأهله } أي نجيناه وبناته. ### || [26.171-172] # قوله تعالى: { إلا عجوزا في الغابرين }؛ يعني امرأته ~~فإنها كانت من الغابرين؛ أي من الباقين في موضع العذاب فهلكت ~~معهم، وكانت تدل المشركين على أضيافه، قوله تعالى: { ثم ~~دمرنا الآخرين }؛ أي أهلكناهم بالخسف والحصب، وهو أن ~~الله تعالى خسف بقراهم، كما روي # " أن جبريل رفعهم ببلادهم حتى بلغ بهم إلى ~~السماء، فقلبهم وجعل عاليها سافلها ". ### || [26.173-175] # قوله تعالى: { وأمطرنا عليهم مطرا }؛ أي أمطرنا ~~على ساكنهم ومسافريهم حجارة، { فسآء مطر المنذرين }؛ أي ~~فبئس مطر الذين أنذروا فلم يؤمنوا. قوله تعالى: { إن ~~في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين }؛ أي في ~~إهلاكنا إياهم لدلالة وعبرة لمن بعدهم، { وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم }. ### || [26.176-180] # قوله تعالى: { كذب أصحاب لئيكة المرسلين }؛ ~~اختلفوا في الأيكة، قال بعضهم: هو اسم مدين، وقال بعضهم: ~~الأيكة اسم لمدينة أخرى غير مدين، وكان شعيب مبعوثا إلى ~~كل واحدة من المدينتين، غير أنه كان أخا مدين، ولم يكن أخا ~~الأيكة، فلذلك لم يقل في هذه الآية: إذ قال لهم أخوهم، ~~وإنما قال: { إذ قال لهم شعيب ألا تتقون * إني ~~لكم رسول أمين * فاتقوا الله وأطيعون * ومآ ~~أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب ~~العالمين }؛ وقيل: الأيكة الغيطة ذات الشجر الكثيف، ~~وجمعه إيك. وقيل: الأيك: شجر الدوم وهو المقل، وكان ~~أكثر شجرهم الدوم. وتقرأ: ليكة، بغير ألف وتفتح. ### || [26.181-183] # قوله تعالى: { أوفوا الكيل ولا تكونوا من ~~المخسرين * وزنوا بالقسطاس المستقيم }؛ أي ~~أتموا الكيل إذا كلتم، ولا تكونوا من الذين يبخسون حقوق ~~الناس في الكيل والوزن، { ولا تبخسوا الناس ~~أشيآءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين ms1528 }؛ قد تقدم ~~تفسيره. ### || [26.184] # قوله تعالى: { واتقوا الذي خلقكم والجبلة ~~الأولين }؛ أي اتقوا الله الذي خلقكم وخلق (الجبلة ~~الأولين) أي وخلق الخلق الذين من قبلكم، والجبلة ~~بكسر الجيم والباء وبضمهما: الخلق الكثير. ### || [26.185-186] # قوله تعالى: { قالوا إنمآ أنت من المسحرين }؛ ~~أي من المخوفين مثلنا ممن له سحر، { ومآ أنت ~~إلا بشر مثلنا }؛ وما أنت إلا آدمي مثلنا، { وإن ~~نظنك لمن الكاذبين }؛ فيما تقول. ### || [26.187] # قوله تعالى: { فأسقط علينا كسفا من السمآء }؛ ~~أي جانبا من السماء، { إن كنت من الصادقين }؛ أنك ~~مبعوث إلينا، وأن هذا العذاب نازل بنا، وهذا اذا قرأت (كسفا) ~~بإسكان السين، وأما إذا فتحتها فهو جمع الكسفة وهي القطعة. ### || [26.188-191] # قوله تعالى: { قال ربي أعلم بما تعملون }؛ أي ~~هو أعلم بعملكم، وبما تستحقون من العذاب، وبوقت الاستحقاق، ~~فينزل بكم العذاب على ما توجب الحكمة، { فكذبوه }؛ أي ~~كذبوا شعيبا بعد ظهور الحجة، { فأخذهم عذاب يوم ~~الظلة }؛ انشأ الله سحابة عليهم حتى أظلتهم في يوم حر ~~شديد، فاجتمعوا تحتها مستجيرين بها بما نالهم من الحر، ~~فأطبقت عليهم وأمطرت عليهم نارا فأهلكتهم. # قال المفسرون: وذلك أن الله تعالى كان قد حبس عليهم الريح ~~سبعة أيام، وسلط عليهم الحر حتى أخذ بأنفاسهم ولم ينفعهم ~~ظل ولا ماء، وكانوا يدخلون الاسراب ليبردوا فيها، فإذا دخلوها ~~وجدوها أشد حرا من الظاهر، فدخلوا أجواف السرب، فدخل عليهم ~~الحر وأخذ بأنفاسهم، فخرجوا هاربين الى البرية، فبعث الله ~~عليهم سحابة أظلتهم من الشمس فوجدوا لها بردا ونسيما، ~~فنادى بعضهم بعضا حتى اجتمعوا كلهم تحتها، فأمطرت عليهم ~~نارا فاحترقوا، فكان من أعظم يوم في الدنيا، فذلك قوله ~~تعالى: { إنه كان عذاب يوم عظيم * إن في ذلك ~~لآية وما كان أكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو ~~العزيز الرحيم }. # والظلة: هي السحابة التي أظلتهم. قال قتادة: (بعث الله ~~شعيبا إلى أمتين: أصحاب الأيكة وأهل مدين، ~~فأما أصحاب الأيكة فأهلكوا بالظلة، وأما أهل ~~مدين فأهلكوا بالصيحة، صاح بهم جبريل ~~فهلكوا جميعا). ### || [26.192-195] # قوله تعالى: { وإنه لتنزيل رب العالمين }؛ أي ~~وإن القرآن لإنزال ms1529 رب العالمين، { نزل به الروح ~~الأمين }؛ قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وحفص (نزل) بالتخفيف ~~ورفع الحاء، يعنون نزل جبريل بالقرآن، وقرأ الباقون بالتشديد ~~والنصب؛ أي نزل الله جبريل بالقرآن وهو أمين، قوله ~~تعالى: { على قلبك }؛ أي نزل به فأودعه قلبك كي لا ~~تنساه، قوله تعالى: { لتكون من المنذرين }؛ أي من ~~المعلمين بموضع المخافة، { بلسان عربي مبين }؛ ~~أي لتنذر العرب بلغتهم فيكون ذلك أقرب إلى فهمهم، وأقطع ~~لعذرهم. ### || [26.196] # قوله تعالى: { وإنه لفي زبر الأولين }؛ يعني أن ~~ذكر القرآن مذكور في كتب الأولين، ولم يرد به غير ~~القرآن؛ لأنه تعالى خص محمدا صلى الله عليه وسلم بإنزال ~~القرآن عليه، فلو كان مذكورا بعينه في الكتب لبطل التخصيص، ~~ولكنه تعالى ذكر في الكتب المتقدمة أنه سيبعث نبيا في آخر ~~الزمان صفته كذا، وسينزل عليه كتابا صفته كذا كما قال ~~الله تعالى # يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل # [الأعراف: 157]، وهذا معنى قوله # إن هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم ~~وموسى # [الأعلى: 18-19] أي مذكور في الصحف الأولى أن الناس في الغالب ~~يؤثرون الدنيا على الآخرة، وأن الآخرة خير وأبقى. ### || [26.197] # قوله تعالى: { أو لم يكن لهم آية أن يعلمه ~~علماء بني إسرائيل }؛ روي أن سبب نزولها أن أهل ~~مكة بعثوا إلى أهل الكتاب يستخبرونهم عن محمد صلى الله ~~عليه وسلم وعن ما يدعي من الرسالة وصدقوهم في بعثه وصفته، ~~فأخبرهم أهل الكتاب أن ذكره عندنا وأنه مبعوث فاتبعوه. ~~والمعنى: أولم يكن لأهل مكة علامة لنبوة محمد صلى الله ~~عليه وسلم أن يعلمه علماء بني إسرائيل مثل عبدالله بن سلام ~~وأصحابه. # قال الزجاج في قراءة قرأ (آية) بالنصب، فقوله { أن ~~يعلمه } اسم كان، و(آية) خبره. ومعناه: أولم يكن ~~لهم علم علماء بني إسرائيل أن محمدا نبي حق، ودلالة ~~نبوته. قال عطية: (كان علماء بني إسرائيل الذين ~~آمنوا خمسة: عبدالله بن سلام؛ وابن يامين؛ ~~وثعلبة؛ وأسد؛ وأسيد)، وقرأ ابن عامر: (أولم تكن) ~~بالتاء (آية) رفعا، قال الفراء: (جعل { آية } بعد الاسم و ~~{ أن يعلمه ms1530 } خبر كان). ### || [26.198-207] # قوله تعالى: { ولو نزلناه على بعض الأعجمين ~~}؛ أي لو نزلنا القرآن على رجل أعجمي لا يفصح، { ~~فقرأه عليهم }؛ بغير لغة العرب ما آمنوا به، وقالوا: ما ~~نفقه هذا! فذلك قوله تعالى: { ما كانوا به ~~مؤمنين } وفي هذا بيان معاندتهم. والأعجم والأعجمي ~~بمعنى واحد؛ وهو الذي في لسانه عجمة، ومنه العجماء؛ وهي ~~الدابة. فأما العجمي فهو منسوب إلى العجم أفصح أو لم ~~يفصح. # وعن ابن مسعود: أنه سئل عن هذه الآية وهو راكب ~~ناقته، فأشار إلى ناقته، فقال: (هذه من ~~الأعجمين) كأنه ذهب إلى أن معنى الآية: أنه لو أنزلنا ~~القرآن على البهائم فأنطقناها به، فقرأت عليهم ما آمنوا به. # ثم ذكر الله سبب تركهم الإيمان فقال: { كذلك سلكناه في ~~قلوب المجرمين } ، قال ابن عباس: (معناه: سلكنا ~~الشرك والتكذيب في قلوب المجرمين إذا قرأه ~~عليهم محمد صلى الله عليه وسلم). قال مقاتل: (يعني ~~مشركي مكة)، أخبر الله تعالى أنه أدخل الشرك في قلوبهم، ~~فلم يؤمنوا إلا عند نزول العذاب حتى لم ينفعهم، وهو قوله ~~تعالى: { لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم ~~}؛ يعني عند الموت، { فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون }؛ ~~به في الدنيا فيتمنوا الرجعة والنظرة. قوله تعالى: ~~{ فيقولوا هل نحن منظرون }؛ فنؤمن ونصدق. # فلما أوعدهم النبي صلى الله عليه وسلم بالعذاب قالوا: فمتى ~~العذاب؟! تكذيبا له، فقال الله تعالى: { أفبعذابنا ~~يستعجلون }؛ قوله تعالى: { أفرأيت إن ~~متعناهم سنين }؛ معناه أفرأيت يا محمد إن أمهلنا ~~كفار مكة سنين، يريد منذ خلق الله الدنيا إلى أن تنقضي، ~~وقيل: مدة أعمارهم، { ثم جآءهم ما كانوا يوعدون ~~}؛ من العذاب، { مآ أغنى عنهم ما كانوا يمتعون }؛ ~~به في تلك السنين. # والمعنى: وإن طال تمتعهم بنعيم الدنيا، فإذا أتاهم العذاب ~~لم يغن طول التمتع عنهم شيئا، يكون كأنهم لم يكونوا في ~~نعيم قط، وهذه موعظة ما أبلغها! يحكى أن عمر بن عبدالعزيز ~~كان إذا قعد للقضاء كل يوم ابتدأ بهذه الآية، فوعظ بها نفسه، ~~ثم ذكر هذه الأبيات: # تسر بما يفنى وتفرح بالمنى # كما ms1531 اغتر باللذات في النوم حالم # حياتك يا مغرور سهو وغفلة # وليلك نوم والردى لك لازم ### || [26.208] # قوله تعالى: { ومآ أهلكنا من قرية إلا لها ~~منذرون }؛ أي ما أهلكنا من قرية بالعذاب في الدنيا إلا لها ~~رسلا ينذرونهم بالعذاب أنه نازل بهم. والمعنى: إلا لها ~~منذرون قبل الهلاك، ونظيره # وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا # [الاسراء: 15]. ### || [26.209] # قوله تعالى: { ذكرى }؛ أي موعظة وتذكيرا، { وما كنا ~~ظالمين }؛ فنعذب من غير ذنب ونعاقب من غير تذكير وإنذار. ~~ويجوز أن يكون (ذكرى) في موضع نصب على معنى: إلا لها ~~مذكرون ذكرى، ويجوز أن يكون في موضع نصب رفع على معنى: ذلك ~~ذكرى؛ أي ذلك موعظة لهم. ### || [26.210-212] # قوله تعالى: { وما تنزلت به الشياطين * وما ينبغي ~~لهم وما يستطيعون }؛ قال مقاتل: (قالت قريش: إنما ~~يجيء بالقرآن الشياطين، فتلقيه على لسان ~~محمد، فأنزل الله تعالى { وما تنزلت به ~~الشياطين } أي بالقرآن { وما ينبغي لهم } أن ينزلوا ~~به { وما يستطيعون } أي لا يقدرون على ذلك، { إنهم عن ~~السمع لمعزولون }؛ أي أنهم عن استماع القرآن ~~لمحجوبون؛ لأنهم يرجمون بالنجوم. ### || [26.213-214] # قوله تعالى: { فلا تدع مع الله إلها آخر }؛ ~~الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به غيره، والمعنى: كل ~~من دعا مع الله إلها آخر كان مع المعذبين. قوله تعالى: ~~{ فتكون من المعذبين }؛ أي رهطك الأدنين وهم بنو ~~هاشم وبنو المطلب خاصة. # فلما نزلت هذه الآية # " نادى رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا آل غالب؛ يا آل ~~لؤي بن كعب؛ يا آل مرة؛ يا آل كلاب؛ يا آل ~~قصي؛ يا آل عبد مناف " فأتوه وقالوا: ما تريد؟! ~~قال: " أرأيتم لو حدثتكم أن جيشا ظلكم؛ ~~أكنتم تصدقونني؟ " قالوا: نعم، قال: " فإني ~~نذير لكم بين يدي عذاب شديد، وإني لا أملك ~~لكم من الله شيئا إلا أن تقولوا: لا إله إلا الله ~~". # ثم قال: " يا معشر قريش؛ اشتروا أنفسكم من ~~الله؛ فإني لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني ~~عبد مناف؛ لا أغني عنكم من الله شيئا، يا ms1532 عباس ~~بن عبد المطلب؛ لا أغني عنك من الله شيئا، يا ~~صفية عمة محمد؛ لا أغني عنك من الله شيئا، ~~يا فاطمة بنت محمد؛ لا أغني عنك من الله شيئا " ~~". # وعن ابن عباس قال: (لما نزل قوله تعالى: { وأنذر ~~عشيرتك الأقربين }؛ # " صعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا فقال: " ~~يا صباحاه! " فاجتمعت إليه قريش؛ فقالوا: ما ~~لك؟! قال: " أرأيتم إن أخبرتكم أن العدو ~~مصبحكم أو ممسيكم؛ أما كنتم تصدقونني؟ " ~~قالوا: بلى، قال: " فإني نذير لكم بين يدي عذاب ~~شديد ". # قال أبو لهب: تبا لك! ألهذا دعوتنا جميعا؟ " # فأنزل الله تعالى # تبت يدآ أبي لهب # [المسد: 1] إلى آخرها). ومعنى الآية: عرف قرابتك يا محمد ~~أنك لا تغني عنهم من الله شيئا إن عصوه. والفائدة في تخصيص ~~الأقربين بالإنذار: أنهم كانوا أقرب إليه، كما قال تعالى # قاتلوا الذين يلونكم من الكفار # [التوبة: 123] وكما أن الأولى بالإنسان في البر والصلة أن ~~يبدأ بالأقرب فالأقرب. ### || [26.215-217] # قوله تعالى: { واخفض جناحك لمن اتبعك من ~~المؤمنين }؛ أي أكرم من اتبعك من المؤمنين وألن لهم ~~القول، وأظهر لهم المحبة والكرامة. قوله تعالى: { ~~فإن عصوك فقل إني بريء مما تعملون }؛ أي إن ~~عصاك الأقربون من عشيرتك؛ فقل: إني بريء مما تعملون من ~~الكفر وعبادة غير الله، { وتوكل على العزيز الرحيم ~~}؛ أي فوض أمرك إليه، وثق به فإنه العزيز في نعمته، ~~الرحيم بهم حين لم يعجل لهم العقوبة. ### || [26.218-220] # قوله تعالى: { الذي يراك حين تقوم * وتقلبك ~~في الساجدين }؛ أي توكل على العزيز؛ أي الغالب القادر على أن ~~يكفيك كيد أعدائك، الرحيم بالمؤمنين خاصة، فكيف لا ~~تفوض أمرك إليه وهو الذي يراك حين تقوم إلى الصلاة، ويرى ~~قيامك وركوعك وسجودك وتضرعك في المصلين مع الجماعة. ~~والمعنى: أنه يراك إذا صليت وحدك، ويراك إذا صليت في الجماعة ~~راكعا وساجدا وقائما، { إنه هو السميع العليم }؛ أي ~~السميع لقولك، العليم بما في قلبك. ### || [26.221-222] # قوله تعالى: { هل أنبئكم على من تنزل ~~الشياطين }؛ أي قل يا محمد لأهل مكة: هل أخبركم على ms1533 من ~~تنزل الشياطين؟ وهو راجع إلى قوله تعالى # وما تنزلت به الشياطين # [الشعراء: 210]. ثم أخبر فقال: { تنزل على كل أفاك ~~أثيم }؛ أي على كل كذاب فاجر. قال قتادة: (هم الكهنة) ~~مثل مسيلمة وغيرهم. ### || [26.223] # قوله تعالى: { يلقون السمع وأكثرهم كاذبون }؛ ~~معناه: أن الشياطين يسترقون السمع من كلام الملائكة، ثم ~~يضيفون الكذب إلى ذلك، فيلقونه إلى الكهنة، وقوله ~~تعالى { وأكثرهم كاذبون } يعني لأنهم يخلطون كذبا ~~كثيرا، وهذا كان قبل الوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وبعد ذلك فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا. ### || [26.224] # قوله تعالى: { والشعرآء يتبعهم الغاوون }؛ قال ~~ابن عباس: (يريد شعر المشركين). وذكر مقاتل أسماءهم ~~فقال: (منهم عبدالله بن الزبعرى السهمي، وأبو ~~سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وهبيرة بن ~~وهب المخزومي، وشافع بن عبد مناف الجمحي، ~~وأبو عزة عمرو بن عبدالله، كلهم من قريش، ~~وأمية ابن الصلت الثقفي، تكلموا بالكذب ~~والباطل، وقالوا: نحن نقول مثل ما يقول محمد! ~~واجتمع إليهم غواة من قومهم يستمعون ~~أشعارهم، ويروون عنهم حتى يهجون النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه). فذلك قوله تعالى: { يتبعهم ~~الغاوون } يعني الذين يروون هجاء المسلمين وسبب ~~الصحابة. # وقال قتادة ومجاهد: (الغاوون هم الشياطين) كما قال تعالى ~~حاكيا عنهم # فأغويناكم إنا كنا غاوين # [الصافات: 32]. وقيل: الغاوون كفار الجن والإنس. وفي ~~الحديث: # " لئن ملئ جوف أحدكم صديدا حتى يصير جاريا ~~أحب إلي أن يمتلئ شعرا " # وأراد به الشعر المذموم. ### || [26.225-226] # قوله تعالى: { ألم تر أنهم في كل واد يهيمون ~~}؛ أي في كل فن من الكذب يتكلمون، وفي كل لغو يخوضون، ~~يمدحون بباطل ويستمعون لباطل، فالوادي مثل لفنون ~~الكلام، وهيمانهم فيه: قولهم على الجميل بما يقولون من لغو ~~وباطل وغلو في مدح أو ذم. وقوله تعالى: { وأنهم ~~يقولون ما لا يفعلون }؛ أي يقولون فعلنا وفعلنا ~~وهم كذبة، ويصفون أنفسهم بما ليس فيها. ### || [26.227] # قوله تعالى: { إلا الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات }؛ استثناء الشعراء المسلمين حسان بن ثابت، ~~وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك الذين مدحوا ~~رسول الله صلى ms1534 الله عليه وسلم، كان يقول لحسان: [أهجهم ~~ومعك روح القدس]. قوله تعالى: { وذكروا الله ~~كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا }؛ يعني أنهم كانوا ~~يذكرون الله كثيرا في أشعارهم، ويناضلون عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم بألسنتهم وأيديهم من بعد هجائهم الكفار. والانتصار ~~بالشعر جائز في الشريعة بما يجوز ذكره فيها، لما قال تعالى ~~في آية أخرى # لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ~~ظلم # [النساء: 148]. # ويروى: # " أن كعب بن مالك قال: يا رسول الله؛ ما تقول في ~~الشعر، فقال: " إن المؤمن يجاهد بسيفه ~~ولسانه، والذي نفسي بيده؛ لكأنما ينضحونهم ~~بالنبل " " # وقال صلى الله عليه وسلم # " إن من الشعر لحكمة ". # وقالت عائشة: (الشعر كلام، فمنه حسن ومنه قبيح، ~~فخذوا الحسن ودعوا القبيح). وعن الشعبي قال: (كان ~~أبو بكر رضي الله عنه يقول الشعر، وكان عمر يقول ~~الشعر، وكان علي أشعر الثلاثة). # قوله تعالى: { وذكروا الله كثيرا } لم يشغلهم ~~الشعر عن ذكر الله، ولم يجعلوا الشعر همهم، ~~وانتصروا من بعد ما ظلموا أي انتصروا من المشركين لأنهم بدأوا ~~بالهجاء. # ثم أوعد شعراء المشركين فقال: { وسيعلم الذين ظلموا ~~أي منقلب ينقلبون }؛ أي سيعلم الذين أشركوا ~~وهجوا النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أي منقلب ~~ينقلبون، قال ابن عباس: (إلى جهنم يخلدون فيها). ~~والمعنى: سيعلمون إلى أين مصيرهم وهو نار جهنم، فعلى هذا يكون ~~قوله { أي منقلب } منصوبا بدلا من المصدر، ولا يجوز أن يكون ~~منصوبا بقوله (سيعلم) لأن { أي } لا يعمل فيه ما قبله؛ ~~لأنه من حروف الاستفهام، وموضع حروف الاستفهام صدر الكلام، فكان ~~انتصاب قوله { أي منقلب } على معنى المصدر، أو بقوله { ~~ينقلبون }. # وعن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " من قرأ سورة الشعراء، كان له من الأجر عشر ~~حسنات، بعدد من صدق بنوح وكذب به، وهود وشعيب ~~وصالح وإبراهيم ولوط واسحاق ويعقوب وموسى ~~وعيسى، وبعدد من صدق بمحمد صلى الله عليه وسلم ". ### | [27 - سورة النمل] ### || [27.1-5] # { طس تلك آيات القرآن }؛ قال ابن عباس: ms1535 (طس اسم من ~~أسماء الله، أقسم به أن هذا القرآن الآيات التي ~~وعدتم بها) فقال قتادة: (هو اسم من أسماء القرآن). ~~وقيل: هو اسم من أسماء السورة. وقوله تعالى: { وكتاب ~~مبين } معناه: وآيات الكتاب المبين بالحلال والحرام. # وقوله تعالى: { هدى وبشرى للمؤمنين }؛ يجوز أن يكون ~~(هدى) في موضع رفع؛ أي هو هدى، والمعنى: (هدى) أي بيان من ~~الضلالة لمن عمل به، (وبشرى) بما فيه من الثواب للمصدقين به ~~أنه من عند الله. # ثم عرفهم فقال: { الذين يقيمون الصلاة ويؤتون ~~الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون }؛ ظاهر المعنى. # قوله تعالى: { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون }؛ أي زينا لهم ~~صلاتهم حتى رأوها حسنة، { فهم يعمهون } أي يترددون فيها ~~متحيرين، { أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم ~~في الآخرة هم الأخسرون }؛ لأنهم خسروا أنفسهم وأهليهم ~~وصاروا إلى النار. ### || [27.6] # قوله تعالى: { وإنك لتلقى القرآن من لدن ~~حكيم عليم }؛ أي إنك لتعي القرآن وحيا من عند الله ~~تعالى، أنزله بعلمه وحكمته. ### || [27.7] # قوله تعالى: { إذ قال موسى لأهله }؛ أي واذكر إذ ~~قال موسى لامرأته: { إني آنست نارا }؛ أبصرتها، وكانت ~~امرأته يومئذ ابنة شعيب عليه السلام، فقال لها حين ضل الطريق: ~~أني أبصرت نارا، فامكثوا ها هنا، { سآتيكم منها بخبر } ~~، أي حتى آتيكم من عند النار بخبر الماء والطريق، فإن لم أجد ~~أحدا يخبرني عن الطريق آتيكم بشعلة نار، وهو قوله تعالى: { ~~أو آتيكم بشهاب قبس }؛ والشهاب: خشبة فيها نور ~~ساطع، { لعلكم تصطلون }؛ أي لكي تصطلوا من البرد، ~~وكان ذلك في شدة الشتاء، يقال: صلى بالنار وأصلى بها إذا ~~استدفأ، والمعنى: أو آتيكم بالشعلة المقبسة من النار لكي تذودوا ~~من البرد. # والشهاب: هو النار المستطار، ومنه قوله # فأتبعه شهاب ثاقب # [الصافات: 10] والقبس والجذوة: كل عود أشعل في طرفه ~~نار. قرأ أهل الكوفة (بشهاب قبس) منون على البدل أو النعت ~~للشهاب. ### || [27.8] # قوله تعالى: { فلما جآءها نودي أن بورك من في ~~النار }؛ معناه: فلما جاء موسى إلى النار التي رآها نودي نداء ~~الوحي: ms1536 أن بورك من في طلب النار وهو موسى، { ومن حولها } ~~من الملائكة. وهذه تحية من الله لموسى بالبركة كما حيا ~~إبراهيم بالبركة على ألسنة الملائكة حين دخلوا عليه، فقالوا: ~~رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت. # وقيل: المراد بالنار هو النور، وذلك أن موسى رأى نورا ~~عظيما، ولذلك ذكره بلفظ النار، ومن في النار هم الملائكة؛ لأن ~~النور الذي رآه موسى كان فيه ملائكة لهم زجل بالتسبيح ~~والتقديس، ومن حولها هو موسى؛ لأنه كان بالقرب منها ولم يكن ~~فيها. وأهل اللغة يقولون: بورك فلان؛ وبورك فيه؛ وبورك ~~له وعليه، بمعنى واحد. والمراد بالبركة ها هنا ما نال ~~موسى من كرامة الله له بالنبوة. # قوله تعالى: { وسبحان الله رب العالمين }؛ كلمة ~~تنزيه عما تظن المشبهة أن الله تعالى كان في تلك ~~النار، تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا. ### || [27.9-11] # قوله تعالى: { يموسى إنه أنا الله العزيز ~~الحكيم }؛ أي أنا الداعي الذي يدعوك، أنا الله العزيز في ~~ملكي، الحكيم في أمري وقضائي. # فإن قيل: بماذا عرف موسى؟ قلنا: إنما عرف نبوة نفسه ~~أن ذلك النداء من الله تعالى حتى جعل يدعو الناس إلى نبوة ~~نفسه بالمعجزة، وذلك أنه رأى شجرة أخضر ما يكون من الشجر في ~~أنضر ما يكون، لها شعاع يرتفع إلى السماء في الهواء، والنار ~~تلتهب في أوراقها والأغصان، فلا النار تحرق الأوراق ولا ~~رطوبة الشجر والأغصان تطفىء النار، فلما رأى ذلك بخلاف العادة، ~~علم أنه لا يكون ذلك إلا من صنع الله تعالى. # قوله: { وألق عصاك }؛ أي وقيل له: ألق عصاك من ~~يدك، فألقاها فاهتزت { فلما رآها تهتز كأنها ~~جآن }؛ أي تضطرب كأنها جان، والجان: الحية البيضاء ~~الخفيفة السريعة، السريع شدة الاضطراب يقال لها المسلة. وإنما ~~شبهها بالجان في خفة حركتها وسرعة انتشارها عن الأعين، ~~وشبهها في موضع آخر بالثعبان لعظمها. # قوله تعالى: { ولى مدبرا }؛ أي أعرض موسى هاربا من ~~الخوف من الحية، { ولم يعقب } أي لم يرجع ولم ~~يلتفت إلى شيء وراءه، يقال: عقب فلان إذا رجع. # فقال الله: ms1537 { يموسى لا تخف }؛ من ضررها، { إني لا ~~يخاف لدي المرسلون }؛ أي لا يخاف عندي وفي حكمي من ~~أرسلته، { إلا من ظلم }؛ من المرسلين بارتكاب الصغيرة { ~~ثم بدل حسنا بعد سوء } ، ثم تاب من بعد ذلك، { ~~فإني غفور رحيم }؛ به، فكان السبب في هذا الاستثناء أن ~~موسى كان مستشعرا حقه لما كان منه من قبل القبطي، ~~فأمنه الله بهذا الكلام. # والصغائر والكبائر من الذنوب تسمى ظلما؛ ولذلك قال موسى # إني ظلمت نفسي # [القصص: 16]. ويقال: إن قوله { إلا من ظلم } استثناء منقطع، ~~ومعناه: لكن من ظلم، فإنه يخافني إلا أن يتوب ويعمل صالحا، ~~فإني أغفر له وأرحمه. والمعنى: إلا من ظلم نفسه بالمعصية { ~~ثم بدل حسنا } أي توبة وندما { بعد سوء } عمله { ~~فإني غفور رحيم } كأنه قال: لا يخاف لدي المرسلون ~~الأنبياء والتائبون، وقال بعضهم: (إلا) ها هنا بمعنى (ولا) كأنه ~~قال: { لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم ثم ~~بدل حسنا بعد سوء }. ### || [27.12] # قوله تعالى: { وأدخل يدك في جيبك تخرج ~~بيضآء من غير سوء }؛ فيه بيان أن الله تعالى أعطاه آية ~~أخرى في ذلك المكان، ومعنى { تخرج بيضآء من غير سوء } ~~أي بيضاء لها شعاع من غير برص، والجيب جيب القميص. # وقوله تعالى: { في تسع آيات }؛ أظهرها بين الآيتين، ~~والآيات التسع: قلب العصاة حية، وجعل يده بيضاء، ~~وما أصاب فرعون من الجدب في بواديهم، ونقص الثمرات في ~~مزارعهم، وإرسال الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، ~~فهذه الآيات التسع، قوله تعالى: { إلى فرعون ~~وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين }؛ أي خارجين عن ~~طاعة الله. ### || [27.13-14] # قوله تعالى: { فلما جآءتهم آياتنا }؛ أي فلما ~~جاءت فرعون وقومه الآيات التسع، { مبصرة }؛ أي بينة ~~واضحة، { قالوا هذا سحر مبين }؛ كذبوا بالآيات التسع ~~كلها ونسبوا موسى إلى السحر، { وجحدوا بها ~~واستيقنتهآ أنفسهم }؛ أي جحدوا بألسنتهم وأنكروا تلك ~~الآيات، وعلموا بقلوبهم أن تلك الآيات ليست من جنس أفعال ~~السحر، وأنها من الله تعالى، أي علموا يقينا أنها من عند ~~الله لكن جحدوا بها تجبرا وتكبرا وذلك قوله تعالى: ~~{ ظلما ms1538 وعلوا }؛ أي شركا وتكبرا عن أن يؤمنوا، { ~~فانظر }؛ يا محمد، { كيف كان عاقبة المفسدين }؛ ~~في الأرض بالمعاصي، كيف أهلكهم الله بالغرق في اليم. ### || [27.15] # قوله تعالى: { ولقد آتينا داوود وسليمان علما ~~}؛ أي أعطيناهما معرفة الدين وأحكام الشريعة، وقيل: علما ~~بقضاء الطير والدواب وتسبيح الجبال، فقابلا تلك النعمة ~~بالشكر، { وقالا الحمد لله الذي فضلنا }؛ ~~بالنبوة والكتاب وإلانة الحديد وتسخير الشياطين والجن ~~والإنس، { على كثير من عباده المؤمنين }. ### || [27.16] # قوله تعالى: { وورث سليمان داوود }؛ أي ورث ~~نبوته وعلمه وملكه، وذلك أنه كان لداود تسعة عشر إبنا ~~ذكرا، فورث سليمان ملكه ومجلسه ومقامه ونبوته من بينهم. # وعن أبي هريرة قال: (نزل كتاب من السماء إلى داود عليه ~~السلام مختوما، فيه عشر مسائل؛ أن اسأل ابنك ~~سليمان عنهن، فإن أخرجهن فهو الخليفة من ~~بعدك. قال: فدعا داود سبعين قسيسا وسبعين ~~حبرا، وأجلس سليمان بينهم، وقال له: يا نبي ~~الله؛ إنه نزل كتاب من السماء فيه عشر مسائل، ~~أردت أن أسألك عنهن، فإن أنت أخرجتهن فأنت ~~الخليفة من بعدي. فقال سليمان: لتسأل نبي ~~الله عليه السلام عما الله يراه، وما توفيقي إلا ~~بالله. # قال: أخبرني يا نبي: ما أبعد الأشياء؟ وما أقرب ~~الأشياء؟ وما آنس الأشياء؟ وما أوحش الأشياء؟ وما ~~القائمان؟ وما المختلفان؟ وما المتباغضان؟ وما ~~الأمر الذي إذا ركبه الرجل حمد آخره؟ وما الأمر ~~الذي إذا ركبه الرجل ذم آخره؟ # فقال سليمان: أما أقرب الأشياء فالآخرة، وأما ~~أبعد الأشياء فما فاتك من الدنيا، وأما آنس ~~الأشياء فجسد فيه روح، وأما أوحش الأشياء ~~فجسد لا روح فيه، وأما القائمان فالسماء ~~والأرض، وأما المختلفان فالليل والنهار، وأما ~~المتباغضان فالموت والحياة، وأما الأمر الذي ~~إذا ركبه الرجل حمد آخره فالحلم على الغضب، ~~وأما الأمر الذي إذا ركبه ذم آخره فالحدة على ~~الغضب. # قال: ففك الختم فإذا هي هذه المسائل سواء على ~~ما نزل من السماء. فقال القسيسون والأحبار: ~~لن نرضى حتى نسأله عن مسألة، فإن هو أخرجها ~~فهو الخليفة من بعدك. فقال سليمان: سلوني ~~وما توفيقي إلا ms1539 بالله، قالوا: ما الشيء الذي إذا ~~صلح صلح كل شيء منه؟ وإذا فسد فسد كل شيء ~~منه؟ قال: هو القلب؛ إذا صلح صلح كل شيء منه، ~~وإذا فسد فسد كل شيء منه. قالوا: صدقت! أنت ~~الخليفة من بعده. ودفع إليه داود قضيب ~~الملك، ومات من الغد). # وعن محمد بن جعفر عن أبيه قال: (أعطي سليمان ملك ~~مشارق الأرض ومغاربها، فملك سبعمائة سنة ~~وستة أشهر، ملك أهل الدنيا كلهم من الجن ~~والإنس والشياطين والدواب والطير والسباع، ~~وأعطي علم كل شيء، ومنطق كل شيء). # وقوله تعالى: { وقال يأيها الناس علمنا منطق ~~الطير }؛ صوت منه. قال الفراء: (منطق الطير: معنى ~~كلام الطير، جعله كمنطق الرجل إذا فهم). قال ~~مقاتل: (كان سليمان جالسا إذ مر به طائر، فقال ~~لجلسائه: هل تدرون ما قال هذا الطائر؟ قالوا: ~~لا، قال: إنه قال لي: السلام عليك أيها الملك ~~المسلط على بني إسرائيل. ومر سليمان ذات يوم ~~على بلبل فوق شجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه ~~ويصيح، فقال لأصحابه: هل تدرون ما يقول هذا ~~البلبل؟ قالوا: الله أعلم! قال: إنه يقول: أكلت ~~نصف ثمرة فعلى الدنيا العفاء). # وعن الكلبي قال: (صاح ورشان عند سليمان، فقال: ~~أتدرون ما يقول؟ قالوا: لا! قال: إنه يقول: لدو ~~للموت وابنوا للخراب. وصاحت فاختة عند ~~سليمان؛ فقال: إنها تقول: ليت ذا الخلق لم ~~يخلقوا، وليتهم إذا خلقوا علموا لماذا خلقوا. ~~وصاح هدهد فقال: إنه يقول: كما تدين تدان، ~~وصاح طاووس عنده؛ فقال: إنه يقول: من لا يرحم ~~لا يرحم. وصاح صرد عنده؛ فقال: إنه يقول: ~~استغفروا الله يا مذنبين. وصاح خطان عنده، ~~فقال: إنه يقول: قدموا خيرا تجدوه. وهدرت ~~حمامة؛ فقال: إنها تقول: سبحان ربي الأعلى ملئ ~~سماواته وأرضه. وصاح قمري؛ فقال: إنه يقول: ~~سبحان ربي القدوس. وصاح باز فقال: إنه يقول: ~~سبحان ربي وبحمده. والضفدع يقول: كل شيء ~~هالك إلا وجهه. والقطاة تقول: من سكت سلم. ~~والحدأة تقول: سبحان المذكور بكل لسان). # وعن مكحول قال: (صاح دراج عند سليمان عليه السلام ~~فقال: أتدرون ms1540 ما يقول؟ قالوا: لا! قال: إنه يقول: ~~على العرش استوى). وعن الحسن قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن الديك يقول في صياحه: اذكروا الله يا ~~غافلين " # وعن الحسن بن علي رضي الله عنه قال: (إذا صاح النسر قال: ~~يا ابن آدم عش ما عشت آخره الموت، وإذا صاح ~~العقاب قال: في البعد من الناس أنس، وإذا صاح ~~القنبر قال: إلهي العن مبغضي آل محمد). # وروي أن قوما من أهل العراق من أهل الكتاب وفدوا على ابن ~~عباس رضي الله عنهما؛ فقال له: أنت ابن عم الذي يزعم أنه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: (نعم). قالوا: يا قوم قد عرفنا ~~الكتب، وعرفنا ما فيها ونحن نسألك عن سبعة أشياء، فإن أنت ~~أخبرتنا بها آمنا وصدقنا، قال: (اسألوني تفقها ولا ~~تسألوني تعنتا). قالوا: أخبرنا ما يقول القنبر في صفيره ~~والزرزور والدراج؟ وما يقول الديك في صياحه؟ والضفدع في ~~نقيقه؟ والحمار في نهيقه، والفرس في صهيله؟ # فقال: (أما القنبر فإنه يقول: اللهم العن ~~مبغضي محمد وآل محمد. وأما الزرزور فإنه ~~يقول: اللهم إني أسألك قوت يوم بيوم يا رزاق. ~~وأما الدراج فيقول: الرحمن على العرش استوى. ~~وأما الديك فإنه يقول: اذكروا الله يا غافلين. ~~وأما الضفدع فإنه يقول: سبحان المعبود في ~~لجج البحار. وأما الحمار فإنه يقول: اللهم ~~العن العشار. وأما الفرس فإنه يقول " إذا التقى ~~الصفان ": سبوح قدوس رب الملائكة والروح). ~~فقالوا: يا ابن عباس نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله، وحسن إسلامهم. # قوله تعالى: { وأوتينا من كل شيء }؛ يعني من أمر ~~الدنيا والآخرة، وقال مقاتل: (يعني الملك والنبوة ~~وتسخير الرياح والجن والشياطين). وقوله ~~تعالى: { إن هذا لهو الفضل المبين }؛ أي الزيادة ~~الظاهرة على ما أعطي غيرنا. ### || [27.17] # قوله تعالى: { وحشر لسليمان جنوده من الجن ~~والإنس والطير }؛ أي جمع له من كل جهة جماعة من الجن ~~والإنس والطير. والحشر: جمع الخلق من موضع إلى موضع، ومنه ~~المحشر لعرصات يوم القيامة. قال ابن عباس: ms1541 (كان ~~معسكر سليمان مائة فرسخ، خمسة وعشرون ~~فرسخا للإنس، وخمسة وعشرون فرسخا للجن، ~~وخمسة وعشرون فرسخا للسباع، وخمسة وعشرون ~~فرسخا للطير). # ووجه تسخير الطير له أن الله زاد في عقولها حتى كانت تفهم ما ~~يقال ويراد منها، وتقبل الأدب وتخاف وتحذر، وكان لسليمان عليه ~~السلام ألف بيت من قوارير على الخشب، فيها ثلاثمائة صريحة، ~~وسبعمائة سرية، فيأمر الريح العاصف فترفعه، ويأمر الرحا ~~فتسير به، فأوحى الله وهو يسير بين السماء والأرض: أني قد ~~زدت في ملكك أنه لا يتكلم أحد من الخلائق ~~إلا جاءت به الريح فأخبرتك به. # قوله تعالى: { فهم يوزعون }؛ قال قتادة: (كان على ~~كل صنف من جنوده وزعة ترد أولاهم على آخرهم ~~ليجتمعوا ويتلاحقوا) وهو من الوزع الذي هو الكف، ~~يقال: وزعته أزعه وزعا، والشيب وازع؛ أي مانع. قال ~~الليث: (والوازع في الحرب الموكل بالصفوف يزع من ~~تقدم منهم). # ومعنى الآية: { فهم يوزعون } أي كان يحبس أولهم على ~~آخرهم ليتلاحقوا، وكانوا يجتمعون ويتفرقون ويقومون في مسيرهم على ~~مراتبهم. والإيزاع هو المنع من الذهاب، والوازع هو القيم ~~بأمر الجيش، ومن ذلك قول الحسن: (لا بد للناس من ~~وزعة) أي من سلطان يكفهم، ويقال: لا بد للسلطان من ~~وزعة؛ أي من يمنع الناس عنه. وأصل الوزع الكف ~~والمنع، ومنه الحديث: # " إن الله ليزع بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن ~~". ### || [27.18-19] # قوله تعالى: { حتى إذآ أتوا على واد النمل }؛ ~~أي ساروا جميعا حتى إذا وصلوا إلى واد كثير النمل، قال كعب: ~~(هو واد بالطائف)، وقال قتادة ومقاتل: (هو بالشام)، { ~~قالت نملة }؛ لأصحابها على وجه التحذير: { يأيها ~~النمل ادخلوا مساكنكم }؛ أي منازلكم، { لا ~~يحطمنكم سليمان وجنوده }؛ أي لا يكسرنكم ~~سليمان وجنوده، { وهم لا يشعرون }؛ بذلك؛ أي وهم لا ~~يعلمون بحطمكم ووطئكم، فطارت الريح بكلام النملة، ~~فأدخلته في أذن سليمان عليه السلام ليسمعها، { فتبسم ~~ضاحكا من قولها }؛ وكان أكثر ضحك الأنبياء عليهم ~~السلام التبسم. # ونصب قوله تعالى: { ضاحكا } على الحال، وسبب ضحكه ~~من قولها التعجب، وذلك أن الإنسان إذا رأى ما لا عهد ms1542 له ~~به عجب وضحك. قال مقاتل: (ثم حمد ربه حين ~~علمه منطق الطير، وسمع كلام النملة) { وقال ~~رب أوزعني أن أشكر نعمتك }؛ يقال: فلان موزع ~~بكذا؛ أي مولع به، وقيل: معناه: وفقني أن أشكر ~~نعمتك، { التي أنعمت علي وعلى والدي } و، ~~وفقني، { وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني ~~برحمتك في عبادك الصالحين }؛ في الآخرة. # فإن قيل: بماذا عرفت النملة سليمان، وعلى أي سبيل كانت ~~معرفتها به؟ قلنا: إنها كانت مأمورة بطاعته، فلا بد أن تعرف ~~من أمرت بطاعته، ولا يمنع أن تعرف الدواب والبهائم هذا ~~الضرب، كما تعرف كثيرا من منافعها ومضارها، والنملة فيها من ~~الفهم فوق هذا، فإنا نشاهد صنعها في إدخال رزقها وحفظه ~~وتعهده، حتى إنها تكسر ما تجمعه من الحبوب نصفين نصفين لئلا ~~تنبت، إلا اللويزة فإنها تكسرها أربع قطع؛ لأنها ~~إذا كسرتها نصفين تنبت، فالذي هداها إلى هذه الأمور هو الذي ~~ألهمها معرفة سليمان عليه السلام. ### || [27.20] # قوله تعالى: { وتفقد الطير }؛ أي طلبها وبحث ~~عنها، والطير اسم جامع للجنس، وكانت الطير تصحب سليمان في ~~سفره، تظله بأجنحتها. قوله تعالى: { فقال مالي لا ~~أرى الهدهد }؛ أي قال: ما الهدهد لا أراه أعينا؛ أي ~~لحظته فلم تره بين الطير، { أم كان من الغآئبين }. # واختلفوا في سبب تفقده عن حال الهدهد. قال ابن عباس: ~~(كان الهدهد يرى الماء من تحت الأرض كما تراه ~~من الزجاج. وكان سليمان إذا احتاج إلى الماء في ~~مسيره، أمر الهدهد حتى ينظر إلى أقرب موضع ~~من الماء، فاحتاج في ذلك اليوم إلى الماء، فلذلك ~~تعرف عن حال الهدهد). # قال عكرمة: قلت: يا ابن عباس؛ كيف يرى الهدهد ~~الماء وإن صيادتنا يأخذونه بالفخ فلا يرى ~~الخيط والشبكة؟! قال ابن عباس: (ما ألقى هذه ~~الكلمة على لسانك إلا الشيطان، أما تعلم أنه ~~إذا جاء القدر ذهب البصر). وعن سعيد بن جبير: (أن ابن ~~عباس سئل عن تفقد سليمان الهدهد، فقال: ~~لأنه كان يعرف مسافة الماء. وأن الصبي يضع ~~له الفخ فيغطي عليه بشيء من التراب فيجيء ~~فيقع ms1543 فيه، فقال: ويحك! أما علمت أن القدر ~~يحول دون البصر). وروي أنه قال: (إذا نزل القضاء ~~والقدر ذهب اللب وعمي البصر). # وقال وهب: (كان سبب تفقده له لإخلاله بالنوبة، ~~كما يتعرف الوالي عن رعيته)، ويقال: كانت الطير ~~تظله من الشمس، كانت تقف في الهواء مصطفة موصولة الأجنحة ~~ومتقاربة، فلما أخلى الهدهد بمكانه بان ذلك لوقوع الشمس عليه، ~~فلذلك تعرف عن حاله. ### || [27.21-22] # قوله تعالى: { لأعذبنه عذابا شديدا }؛ قال ~~المفسرون: تعذيبه إياه أن ينتف ريشه ثم يلقيه في ~~الشمس فلا يمنع من نملة ولا من شيء من هوام الأرض. ~~ويقال: هو قص جناحه، ويجوز أن يعاقب بأن لا يجري عليه القلم ~~على وجه التأديب، كما يؤدب الأب ولده الصغير. وقيل: تعذيبه أن ~~ينتف ريشه ويدعه ممعطا في بيت النمل فيلدغوه. وقيل: ~~معناه: لأشدن رجليه وألقيه في الشمس، وقيل: ~~لأطلينه بالقطر وأجعله في الشمس. وقيل: لأفرقن ~~بينه وبين إلفه. وقيل: لأمنعنه من خدمتي. # قوله تعالى: { أو لأاذبحنه }؛ أي لأقطعن حلقه، { ~~أو ليأتيني بسلطان مبين }؛ أي بحجة ظاهرة توجب ~~عذره في غيبته، وقصته: أن سليمان عليه السلام لما فرغ من ~~بناء بيت المقدس عزم على الخروج إلى أرض الحرم، فتجهز ~~للسير واستصحب من الجن والإنس والشياطين والطيور والوحوش ~~ما بلغ معسكره مائة فرسخ، وأمر الريح فحملتهم، فلما وافى ~~الحرم أقام به ما شاء الله أن يقيم، وكان ينحر كل يوم مدة ~~إقامته خمسة آلاف ناقة، ويذبح خمسة آلاف ثور، وعشرون ألف شاة، ~~وأقام بمكة حتى قضى نسكه. # ثم سار إلى أرض اليمن فوافى صنعاء اليمن وقت الزوال، فأحب ~~النزول ليصلي ويتغدى، فطلبوا الماء فلم يجدوه، وكان الهدهد ~~دليله على الماء، فلما نزل سليمان قال الهدهد: إن سليمان قد ~~اشتغل بالنزول، فارتفع الهدهد إلى جهة السماء، فنظر يمينا ~~وشمالا فرأى خضرة بساتين مأرب في أرض بلقيس، فمال إلى جهة ~~الخضرة، فالتقى بهدهد من هدهد سبأ، فقال له: من أين ~~أقبلت وأين تريد؟ قال: أقبلت من الشام مع نبي الله سليمان ~~عليه السلام، قال له: ms1544 ومن سليمان؟ قال: ملك الإنس والجن ~~والشياطين والوحوش والطيور. ثم قال له هدهد سليمان: وأنت من أين ~~أقبلت؟ قال: من هذه البلاد، قال: ومن ملكها؟ قال: امرأة يقال ~~لها بلقيس؛ ملكت اليمن كلها وتحتها اثنا عشر ألف قائد، ~~مع كل قائد مائة ألف مقاتل، فهل أنت منطلق معي ننظر إلى ملكها؟ ~~قال: أخاف أن يفقدني سليمان في وقت الصلاة إذا احتاج إلى ~~الماء، فقال له هدهد بلقيس: إن صاحبكم يسره أن تأتيه بخبر هذه ~~الملكة. فانطلق معه ونظر إلى بلقيس وملكها، وما رجع إلا وقت ~~العصر. # قال: فلما نزل سليمان ودخل عليه وقت الصلاة، طلب الهدهد لأنه ~~نزل غير ماء، فسأل الإنس عن الماء فقالوا: ما نعلم هنا ماء، فسأل ~~الجن والشياطين فلم يعلموا، ففقد الهدهد فلم يجده، فدعا بعفريت ~~الطير النسر، فسأله عن الهدهد، فقال: ما أدري أين ذهب، فغضب ~~سليمان عند ذلك، وقال { لأعذبنه عذابا شديدا أو ~~لأاذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين } أي بحجة. # ثم دعا بالعقاب وقال له: علي بالهدهد الساعة، فرفع العقاب ~~نفسه حتى التزق بالهواء وارتفع حتى نظر إلى الدنيا كالقصعة في ~~يدي أحدكم، ثم التفت يمينا وشمالا، فإذا هو بالهدهد مقبل ~~من نحو اليمن، فانقض العقاب نحوه يريده، فلما رأى الهدهد ذلك ~~علم أن العقاب يقصده بسوء، فناشده الله تعالى، فقال له: بحق ~~الذي قواك وأقدرك علي إلا رحمتني ولا تتعرض لي بسوء، ~~فولى العقاب عنه وهو يقول له: ثكلتك أمك! إن نبي الله قد ~~حلف ليعذبنك أو ليذبحنك، ثم طارا متوجهين نحو ~~سليمان. # فلما وصل إليه قال له العقاب: قد جئتك يا نبي الله، فلما قرب ~~إليه الهدهد رفع رأسه وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على ~~الأرض تواضعا لسليمان، فلما دنا منه، قال له: أين كنت؟ ~~لأعذبنك عذابا شديدا، فقال له الهدهد: يا نبي الله؛ ~~اذكر وقوفك بين يدي الله سبحانه، فلما سمع ذلك سليمان ~~ارتعدت فرائصه فعفا عنه. # ثم قال له: ما أبطأك عني؟ فقال: أحطت بما لم تحط به، ~~وذلك قوله تعالى: ms1545 { فمكث غير بعيد }؛ أي لم يلبث ~~إلا يسيرا حتى جاء الهدهد، { فقال أحطت بما لم تحط ~~به }؛ أي علمت شيئا من جميع جهاته، وقيل: معناه: اطلعت ~~على ما لم تطلع عليه، وجئتك بأمر لم يخبرك به الجن ~~والإنس، وبلغت ما لم تبلغه أنت ولا جميع جنودك، { ~~وجئتك من سبإ بنبإ يقين }؛ أي بخبر صدق ولا شك فيه. # وقرئ { من سبإ } بالتنوين قال الزجاج: (من لم يصرفه ~~فلأنه اسم مدينة تعرف من اليمن، بينها ~~وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام، ومن صرفه؛ ~~فلأنه اسم البلد، ويكون مذكرا سمي به مذكر). ~~وفي الحديث: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن سبإ، فقال: " ~~كان رجلا له عشرة من البنين، تيامن منهم ~~ستة، وتشام أربعة... " # وسنذكر أسماءهم وقصتهم في سورة سبأ إن شاء الله تعالى. # قرأ عاصم ويعقوب (فمكث) بفتح الكاف، وقراءة العامة بضم ~~الكاف، وهما لغتان. ### || [27.23] # قوله تعالى: { إني وجدت امرأة تملكهم }؛ ~~واسمها بلقيس بنت الشرح، وقيل: شراحيل بن ذي جدن، وكان ~~ملكا عظيم الشأن، وكان قد ملك أرض اليمن كلها، وكان يقول ~~لملوك الآفاق: ليس أحد منكم كفؤ لي، وأبى أن يتزوج منهم، ~~فزوجوه امرأة من الجن يقال لها: ريحانة بنت السكن، فولدت ~~بلقيس، ولم يكن له ولد غيرها. # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " كان أحدهم يؤتى بلقيس جنيا " # فلما مات أبوها ولم يخلف أحدا غيرها طمعت في ~~الملك، فطلبت من قومها أن يبايعوها، فأطاعها ~~قوم وعصاها قوم آخرون، واختاروا عليها رجلا ~~فملكوه عليهم، فافترقوا فرقتين، كل فرقة ~~منهم استولت بملكها على طرف من أرض اليمن. # ثم إن هذا الملك الذي ملكوه أساء السيرة في ~~أهل مملكته حتى كان يمد يده إلى حرم رعيته ~~ويفجر بهن، فأراد أصحابه أن يخرجوه فلم ~~يقدروا، فلما رأت بلقيس ذلك أدركتها الغيرة، ~~فأرسلت إليه تعرض نفسها عليه، فأجابها إلى ~~ذلك، وقال: ما منعني أن أبدأك بالخطبة إلا ~~اليأس منك، فقالت: إني راغبة إليك لأنك كفؤ ~~كريم، فاجمع رجال قومي فاخطبني إليهم، فجمعهم ms1546 ~~فخطبها إليهم فقالوا: لا نراها تفعل هذا، قال: ~~إنها هي التي ابتدأتني، فذكروا لها ذلك، فقالت: ~~نعم؛ لأجل الولد، ولم أزل كنت كارهة لذلك، ~~فالآن قد رضيت، فزوجوها منه. # فلما زفت إليه خرجت في ناس كثير من خدمها ~~وحشمها، فلما جاءته سقته الخمر حتى سكر، ~~ثم حزت رأسه وانصرفت من الليل إلى منزلها، ~~فلما أصبح رأوا الملك قتيلا ورأسه منصوبا على ~~رأس دارها، فعلموا أن تلك المناكحة كانت مكرا ~~وخديعة منها، فاجتمعوا إليها وقالوا لها: أنت ~~أحق بهذا الملك من غيرك، فقالت: لولا العار ~~والشنار ما قتلته، ولكن عم فساده وأخذتني ~~الحمية حتى فعلت ما فعلت، فملكوها فأسست ~~أمرها. # قوله تعالى: { وأوتيت من كل شيء }؛ قال عطاء: (من ~~زينة الدنيا من المال والجنود)، { ولها عرش ~~عظيم } ، أي سرير من ذهب طوله ثمانون ذراعا وعرضه ~~أربعون ذراعا وارتفاعه في السماء ثلاثون ذراعا مضروب بالذهب ~~مكلل بالدر والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر. قال ~~مجاهد: (وكان تحتها اثنا عشر ألف قيل - والقيل ~~بلغة اليمن - تحت يدي كل قيل ألف مقاتل). ~~وقيل: كان سريرها له أربع قوائم: قائمة من ياقوت أخضر، وقائمة ~~من ياقوت أحمر، وقائمة من زمرد، وقائمة من در، وصفائح السرير ~~من ذهب، وعليه سبعة أبيات لكل بيت باب مغلق. ### || [27.24] # قوله تعالى: { وجدتها وقومها يسجدون للشمس ~~من دون الله }؛ قال الحسن: (كان القوم مجوسا وكانوا ~~يتعطفون على وجوههم مواجهين للشمس)، وقوله ~~تعالى: { وزين لهم الشيطان أعمالهم }؛ أي حسن ~~لهم قبيح أعمالهم، { فصدهم عن السبيل }؛ أي عن الطريق، { ~~فهم لا يهتدون }؛ إلى طريق الحق. ### || [27.25] # قوله تعالى: { ألا يسجدوا لله الذي يخرج ~~الخبء في السموت والأرض } يجوز أن يكون ابتداء خطاب ~~من الله، ويجوز أن يكون من قول الهدهد أو من قول سليمان. # قرأ الكسائي والأعرج ويعقوب وحميد وأبو جعفر: (ألا يسجدوا) ~~بالتخفيف: ألا يا هؤلاء اسجدوا، جعلوه من أمر الله مستأنفا، ~~وحذفوا (هؤلاء) اكتفاء بدلالة (يا) عليها، فعلى هذه القراءة ~~(اسجدوا) في موضع جزم على الأمر والوقف عليه (ألا يا)، ثم ~~يبتدئ ms1547 (اسجدوا)، وفي قراءة عبدالله (هلا يسجدوا لله). ~~وقرأ الباقون (ألا يسجدوا) بالتشديد على معنى وزين لهم ~~الشيطان ألا يسجدوا. # وقوله تعالى: (يخرج الخبء في السماوات والأرض)، ~~الخبأ: كل ما غاب عن الإدراك، مصدر وقد وقع موقع المفعول ~~كالخلق بمعنى المخلوق والعلم بمعنى المعلوم، وخبأ السماوات: ~~الأمطار، وخبأ الأرض: النبات، فعلى هذا تكون (في) بمعنى (من). ~~قوله تعالى: { ويعلم ما تخفون وما تعلنون }؛ أي ~~يعلم ما يخفون في قلوبهم، وما يعلنون بألسنتهم، وفي قراءة ~~الكسائي بالتاء، لأن أول الآية خطاب على قراءته بتخفيف (ألا) يا ~~اسجدوا. ### || [27.26-31] # قوله تعالى: { الله لا إله إلا هو رب العرش ~~العظيم }؛ أراد بالعرش في هذه الآية سرير الملك الذي عظمه ~~الله ورفعه فوق سماوات سبع وجعله أعظم من السماوات والأرض، ~~ومن أعظم كل خلق، وجعل الملائكة تحف به وترفع أعمال العباد ~~إليه؛ أي هو الذي يستحق العبادة لا غيره، وهو رب العرش لا ملكة ~~سبأ؛ لأن عرشها وإن كان عظيما لا يبلغ عرش الله في العظم. # فلما فرغ الهدهد من كلامه، { قال }؛ سليمان للهدهد: { ~~سننظر أصدقت }؛ فيما أخبرتنا به من هذه القصة، { أم ~~كنت من الكاذبين } فنعذبك. # ثم كتب سليمان كتابا ختمه بخاتم ودفعه إلى الهدهد، وذلك ~~قوله تعالى: { اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ~~}؛ أي إلى أهل سبأ. وقوله تعالى: { ثم تول عنهم }؛ أي ~~انصرف عنهم، وهذا على التقديم والتأخير، تقديره: { فانظر ~~ماذا يرجعون }؛ ثم تول عنهم؛ لأن التولي عنهم بعد ~~الجواب، ومعنى { فانظر ماذا يرجعون } أي ماذا يردون من ~~الجواب. وقيل: معناه: { ثم تول عنهم } أي انصرف عنهم ~~قليلا إلى حيث لا يرونك { فانظر ماذا يرجعون } أي ~~يقولون ويردون ويحسبون. # وكان كتاب سليمان عليه السلام: من عبد الله سليمان بن ~~داود إلى بلقيس ملكة سبأ، السلام على من اتبع ~~الهدى. أما بعد: فلا تعلوا علي وأتوني مسلمين. ~~وقال ابن جريج: (لم يزد سليمان على نص الله في ~~كتابه). فلما كتب الكتاب طبعه بالمسك وختمه ~~بخاتمه، وقال للهدهد: اذهب به، فأخذ الكتاب بمنقاره وذهب به. ms1548 # فلما أغلقت المرأة الأبواب دونها ونامت على سريرها، ووضعت ~~المفاتيح تحت وسادتها، فأتى بها الهدهد من الكوة وهي نائمة ~~مستلقية على قفاها، فألقى الكتاب على وجهها ونبهها بمنقاره ~~وصوته، فأخذت الكتاب، وكانت كاتبة قارئة عربية من تبع بن ~~سراحيل الحميري، فقرأت الكتاب وناخر الهدهد غير بعيد، فدعت ~~بذوي الرأي من قومها وهم اثنا عشر ألف قائد مع كل قائد مائة ~~ألف مقاتل. # وقال قتادة: (كان أهل مشورتها ثلاثمائة وثلاثة ~~عشر رجلا) فجاؤا إليها، و { قالت } لهم: { يأيها ~~الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم }؛ أي حسن، ~~وقيل: شريف، وقيل: مختوم، قال صلى الله عليه وسلم: # " كرامة الكتاب ختمه " # وقوله تعالى: { إنه من سليمان }؛ أي الكتاب من سليمان، { ~~وإنه }؛ المكتوب، { بسم الله الرحمن الرحيم * ~~ألا تعلوا } أي لا تستكبروا، { علي } ولا ترفعوا ~~علي، { وأتوني مسلمين }؛ منقادين طائعين. # قوله تعالى: { ألا تعلوا علي } بدل من (كتاب) ~~وموضعه على هذا القول رفع، ويجوز أن يكون نصبا على معنى بأن لا ~~تعلوا علي. وقيل: معنى قوله { وأتوني مسلمين } أي ~~مؤمنين بالله ورسوله من الإسلام الذي هو دين الله. وقيل: ~~مستسلمين لأمري فيما أدعوكم إليه، فإني لا أدعوكم إلا إلى ~~حق، فأطيعوني قبل أن أكرهكم على ذلك. ### || [27.32-33] # قوله تعالى: { قالت يأيها الملأ أفتوني في ~~أمري }؛ أي قالت لأهل مشورتها: بينوا لي. ما أعمل في أمري ~~بما هو الصواب، وأشيروا علي، فإني { ما كنت قاطعة أمرا ~~}؛ من الأمور في ما مضى، { حتى تشهدون }؛ تحضرون ~~فتشاوروني، فأشيروا علي في هذا الكتاب، ما أصنع فيه؟ # { قالوا }؛ مجيبين لها: { نحن أولو قوة }؛ وعدة في ~~القتال لم يبلغنا عدو قط، ونحن { وأولو بأس شديد }؛ في ~~الحرب، ذكروا لها قوتهم وشجاعتهم، وهذا تعريض منهم بالقتال إن ~~أمرتهم بذلك. # ثم قالوا: { والأمر إليك }؛ أي في القتال وتركه إن ~~أمرتنا بالقتال قاتلناه، وإن أمرتنا بغير ذلك فعلناه، وذلك ~~معنى قوله: { فانظري ماذا تأمرين } أي ماذا تشيرين علينا. ### || [27.34-35] # قوله تعالى: { قالت إن الملوك إذا دخلوا ~~قرية أفسدوها }؛ أي قالت مجيبة لهم عن التعريض ms1549 بالقتال: ~~إن الملوك إذا دخلوا قرية عنوة عن غفلة وقتال أفسدوها؛ ~~أي خربوها وأهلكوها، { وجعلوا أعزة أهلهآ ~~أذلة } أي وأهانوا أشرافها وكبراءها كي يستقيم لهم الأمر. ~~وقيل: معنى قوله { وجعلوا أعزة أهلهآ أذلة } أي ~~بالقتل والأسر والاستعباد وأخذ المال، وانتهى الكلام ها هنا. # قال الله تصديقا لها: { وكذلك يفعلون }؛ أي كما قالت هم ~~يفعلون. ومعنى الآية: أنها حذرتهم مسير سليمان إليهم ودخول ~~بلادهم. قوله تعالى: { وإني مرسلة إليهم ~~بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون }؛ وذلك أنها ~~لما تدبرت في أمرها قوت الملاطفة بالهدايا، وكانت من ~~أولاد الملوك، تعرف عادتهم وحسن مواقع الهدايا عندهم، فإن ذلك ~~هو الأولى، وكانت بلقيس امرأة لبيبة أديبة، فقالت بهذا ~~القول اختبارا لسليمان: أملك هو أم نبي؟ فإن كان ملكا ~~قبل الهدايا وترك الوصول إلى بلدها، وإن كان نبيا لم يرض ~~بالهدية، ولا يرضيه إلا أن تتبعه، فهيأت الهدايا من ~~المسك والعنبر والعود وغير ذلك، وأهدت له خمسمائة عبد ~~وخمسمائة جارية، وأهدت له أيضا صحاف الذهب وخمسمائة ~~لبنة من ذهب وخمسمائة لبنة من فضة، وتاجا مكللا ~~بالدر والياقوت. ### || [27.36-38] # قوله تعالى: { فلما جآء سليمان } أي فلما جاء ~~رسولها إلى سليمان يهديه، { قال }؛ له سليمان: { ~~أتمدونن بمال فمآ آتاني الله خير ممآ آتاكم ~~} وأنا أكثر أهل الدنيا مالا ولست ممن يرغب في المال، { بل ~~أنتم بهديتكم تفرحون }؛ أي إذا أهدى بعضكم إلى بعض ~~فرحوا بذلك، وأما أنا فلا أفرح لأنكم أهل مفاخرة ومكاثرة في ~~الدنيا. # وفي الخبر: أن سليمان عليه السلام لما علم بالهدايا قبل ~~أن تصل إليه أمر أن يضرب لبنات من الذهب أحسن وأجود مما ~~كان مع رسولها، وأمر أن تلقى تلك اللبنات بين قوائم ~~الدواب حتى تروث وتبول عليها، فلما رأى ذلك الرسول استخف ~~الهدية التي كانت معه، وكانت بلقيس قد قالت لرسولها: إذا دخلت ~~عليه، فإذا نظر إليك نظر غضب، فاعلم أنه ملك ~~يهولنك منظره، فأنا أعز منه، وإن نظر إليك بوجه طلق ~~فإنه نبي مرسل، فتفهم قوله ورد الجواب. فانطلق ~~الرسول بالهدايا ومعه ms1550 الهدهد مسرعين إلى سليمان. # فلما وصل الرسول إلى سليمان وجده قاعدا في مجلسه على سريره، ~~وعلى يمينه أربعة آلاف كرسي من ذهب، وعن يساره مثل ذلك، وقد ~~اصطفت الإنس صفوفا وفراسخ، واصطفت الجن والشياطين ~~والوحوش والسباع والهوام والطير كذلك صفوفا وفراسخ، عن ~~يمينه ويساره. # فلما رأوا الشياطين نظروا إلى منظر فضيع ففزعوا منهم، فقالت ~~لهم الشياطين: جوزوا فلا بأس عليكم، فكانوا يمرون على كل ~~كرؤوس من الجن والإنس والطير والوحوش حتى وقفوا بين يدي سليمان، ~~فنظر إليهم نظرا حسنا بوجه طلق، وقال: ما وراءكم؟ # فأخبرهم رئيسهم بما جاءوا به من الهدية، وأعطاه كتابا من ~~الملكة، فنظر فيه، ثم قال لرسولها: { ارجع إليهم ~~فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها }؛ أي بعساكر ~~لا طاقة لهم بها، { ولنخرجنهم منهآ }؛ من بلادهم، { ~~أذلة }؛ مغلولة أيديهم إلى أعناقهم، { وهم صاغرون }؛ أي ~~مهانون. # فلما أخبرها الرسول بذلك، قالت: قد عرفت ما هذا بملك، وما ~~لنا من طاقة ولا ينبغي لنا مخالفته، فتجهزت للمسير إليه، ثم ~~عمدت إلى سريرها فوضعته في سبعة بيوت مقفلة الأبواب، بيت فوق ~~بيت وجعلته في الطبقة السابعة، وجعلت الجيوش حوله وخرجت ~~متوجهة إلى سليمان. # فجاء جبريل عليه السلام إلى سليمان وأخبره بمجيئها إليه، { قال ~~} سليمان: { يأيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها }؛ ~~أي سرير ملكها، { قبل أن يأتوني مسلمين }؛ أي مؤمنين، ~~وقيل: صاغرين مستسلمين منقادين. # وإنما خص العرش بالطلب؛ لأنه أعجبه صفته، فأحب أن ~~يعاتبها به، ويختبر عقلها به إذا رأته، تعرفه أم تنكره، ~~وأحب أن يريها قدرة الله في معجزة يأتي بها في عرشها، وأحب ~~أن يأخذ عرشها قبل أن تسلم، فلا يحل أخذ مالها بعد ~~الإسلام، فذلك قوله تعالى: { قبل أن يأتوني مسلمين ~~}. ### || [27.39] # قوله تعالى: { قال عفريت من الجن }؛ يعرف بعمرو، ~~والجني والعفريت في كل شيء: المبالغ الحاذق، يقال: ~~رجل عفر وعفريت وعفرية، بمعنى واحد، والجمع عفاريت ~~وعفارى، وقيل: العفريت من الجن المارد القوي الغليظ ~~الشديد. وقيل: اسم العفريت الداهية. # قيل: إنها سارت إلى سليمان في اثني عشر ألف قيل، تحت ms1551 ~~كل قيل ألوف كثيرة، فخرج سليمان ذات يوم وإذا هو يرى هرجا ~~قريبا منه، فقال: ما هذا؟ قالوا: بلقيس، قال: قد نزلت منا بهذا ~~المكان. قال ابن عباس: (وهو مكان بين الحيرة ~~والكوفة بعيد فرسخ) فأقبل حينئذ سليمان على جنوده، وقال: ~~{ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين ~~}؟. # واختلف أهل العلم في السبب الذي لأجله أمر سليمان بإحضار ~~عرشها، قيل: أن يحرم عليه أخذه بإسلامها. وقال قتادة: ~~(إنه أعجبه صفته لما وصفه له الهدهد، فأحب ~~أن يراه)، وقال ابن زيد: (أراد أن يختبر عقلها ~~بتنكير عرشها ولينظر هل تعرفه إذا رأته أو ~~تنكره)، وقيل: ليريها قدرة الله وعلم سلطانه. # قوله تعالى: { أنا آتيك به قبل أن تقوم من ~~مقامك }؛ أي من مجلس قضائك، وكان سليمان يجلس للقضاء من ~~الغداة إلى انتصاف النهار، وقال مقاتل: (قال العفريت: أنا ~~أضع قدمي عند منتهى بصري، فليس شيء أسرع ~~مني) { وإني عليه لقوي أمين }؛ أي قوي على حمله، ~~أمين على ما فيه من الذهب والجواهر. فقال سليمان: أريد أسرع من ~~ذلك. ### || [27.40] # قوله تعالى: { قال الذي عنده علم من الكتاب }؛ ~~وهو آصف بن برخيا كان يعلم الاسم الأعظم الذي إذا دعي به ~~أجاب، وهذا قول أكثر المفسرين. وقال بعضهم: هو جبريل، وقيل: ~~هو ملك من الملائكة. # وقوله تعالى: { أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك ~~طرفك }؛ قال ابن جبير: (قال لسليمان: انظر إلى ~~السماء، فما طرف حتى جاء به فوضعه بين يديه). ~~والمعنى: حتى يعود إليك طرفك بعد مده إلى السماء. وقيل: ~~معناه: بقدر ما تفتح عينيك، وهذا الكلام عبارة عن المبالغة في ~~السرعة. # قال محمد بن اسحاق: (انخرق مكان عرشها حيث هو، ثم ~~نبع بين يدي سليمان) ومثل هذا روي عن ابن عباس. وقال ~~الكلبي: (خر آصف ساجدا ودعا بالاسم الأعظم، فغار ~~عرشها تحت الأرض حتى نبع عند كرسي سليمان). # قال أهل المعاني: لا ينكر من قدرة الله " نقله " من حيث كان، ~~ثم يوجده حيث كان سليمان بالأفضل، لدعاء الذي عنده علم من ms1552 ~~الكتاب، ويكون ذلك كرامة للولي ومعجزة للنبي. # واختلفوا في ذلك الدعاء الذي دعا به آصف، فقال مقاتل ومجاهد: ~~(يا ذا الجلال والإكرام)، وقال الكلبي: (يا حي يا ~~قيوم)، وقيل: قال له سليمان: قد رأيتك ترجع شفتيك ~~فما قلت؟ قال: قلت إلهي وإله كل شيء واحد لا إله إلا ~~أنت إئت به. وقال بعضهم: هو يا إلهنا وإله كل شيء، يا ذا ~~الجلال والإكرام لا إله إلا أنت. وقال الحسن: (اسم الله ~~الأعظم: يا رحمن، وذلك أنه لا يسمى أحد بهذين ~~الاسمين على الإطلاق غير الله عز وجل). # قوله تعالى: { فلما رآه مستقرا }؛ أي فلما رأى ~~سليمان العرش مستقرا، { عنده } ، نابتا بين يديه، { قال ~~هذا من فضل ربي }؛ أي هذا التمكين من حصول المراد من حصول ~~فضل الله وعطائه، { ليبلوني }؛ أي ليختبرني ~~ويمتحنني على هذه النعمة، { أأشكر }؛ أأشكره فيما أعطاني من ~~نعمة، { أم أكفر }؛ أي أترك شكرها، { ومن شكر فإنما ~~يشكر لنفسه }؛ أي من شكر نعمة ربه فإنما منفعة ~~شكره راجع إلى نفسه، يعني ثواب شكره يعود إليه، { ومن ~~كفر }؛ أي ترك شكر نعمته، { فإن ربي غني }؛ عنه ~~وعن شكره، { كريم }؛ يقبل الشكر؛ أي ويزيد عليه في النعمة في ~~الدنيا ويثيب عليه في العقبى. ### || [27.41] # قوله تعالى: { قال نكروا لها عرشها }؛ قال سليمان: ~~غيروا سريرها وزيدوا فيه وأنقصوا منه حتى، { ننظر ~~أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون }. ### || [27.42] # قوله تعالى: { فلما جآءت قيل أهكذا عرشك }؛ أي ~~فلما جاءت بلقيس إلى سليمان، قيل: أهكذا سريرك؟ فجعلت تعرف ~~وتنكر، وعجبت من حضوره عند سليمان، و { قالت كأنه هو ~~}؛ وقال مقاتل: (عرفته ولكنها شبهت عليه كما ~~شبهوا عليها، ولو قيل لها: أهذا عرشك؟ لقالت: ~~نعم. فقيل لها: فإنه عرشك، فما أغنى عنك إغلاق الأبواب، وكانت ~~قد خلفته وراء سبعة أبواب لما خرجت والمفاتيح معها، فلم ~~تقر ولم تنكر، فعلم سليمان كمال عقلها). # وقال عكرمة: (كانت حكيمة، قالت: إن قلت هو هو ~~خشيت أن أكذب، وإن قلت لا خشيت أن أكذب) فلم ~~تقل نعم، ms1553 ولا قالت لا؛ لأنه كان يشبه سريرها، وشكت في وصوله ~~إلى سليمان بعد أن وضعته في أحصن المواضع، وشكت أيضا لما ~~أحدثوا فيه من التغير. # قوله تعالى: { وأوتينا العلم من قبلها وكنا ~~مسلمين }؛ هذا من قول سليمان عليه السلام وقومه، أي قالوا: ~~وأعطينا العلم بها وبملكها وسريرها من قبل مجيئها، وهو ما أخبر ~~به الهدهد من شأنها وقصتها، وقالوا: وكنا مسلمين بحمد ~~الله عز وجل من قبل مشاهدة المعجزات، وهذا قول مجاهد. # وقال بعضهم: هذا قول من بلقيس لما رأت عرشها قالت: وأوتينا ~~العلم بصحة نبوة سليمان عليه السلام من قبل الآية في العرض ~~وكنا مسلمين طائعين منقادين لأمر سليمان عليه السلام قبل أن ~~نجيء إليه. ### || [27.43] # قوله تعالى: { وصدها ما كانت تعبد من دون ~~الله }؛ أي منعها الإيمان بالله العبادة التي كانت عليها من ~~عبادة الشمس. والمعنى: وصدها عن الإيمان والتوحيد الذي ~~كانت تعبد من دون الله؛ وهو الشمس؛ لأنها نشأت في قوم لم ~~يكونوا يعرفون إلا عبادة الشمس؛ لأنها كانت من المجوس. # قوله تعالى: { إنها كانت من قوم كافرين }؛ أي ~~إنها كانت من قوم يعبدون الشمس، فنشأت في ما بينهم. وقال ~~بعضهم معنى قوله: { وصدها ما كانت تعبد من دون الله ~~} أي صدها سليمان؛ أي منعها ذلك، وحال بينه وبينها، فعلى هذا ~~يكون موضع (ما) نصبا. ### || [27.44] # قوله تعالى: { قيل لها ادخلي الصرح }؛ وذلك أن ~~بلقيس لما لم تسلم بما رأت من الآيات، أراد سليمان عليه ~~السلام أن يريها آية أخرى لتسلم، فأمر الجن والشياطين أن ~~يبنوا لها صرحا؛ أي قصرا من زجاج مملس، وأن يجروا ~~تحته الماء، ويجعلوا فيه المسك والزمرد الأملس، وشجرة ~~مرداء؛ أي ملساء لا ورق لها. ففعلوا ذلك ثم وضعوا له ~~سريرا في صدر الصرح فجلس عليه، وعكفت عليه الطير والجن ~~والإنس. # وقيل: إن سليمان عليه السلام إنما أمر ببناء الصرح؛ لأن ~~الجن كانوا قد أخبروه أن رجلها رجل حمار، وإنها شعراء ~~الرجلين؛ لأن أمها كانت من الجن، فخافوا أن يتزوجها ~~فتفشي إليه أسرار ms1554 الجن، فأرادوا أن يزهدوه فيها بهذا الكلام، ~~وقالوا له أيضا: إن في عقلها شيء، فأراد أن يختبر حقيقة ~~قولهم أن رجلها كحافر الحمار، ولينظر إلى ساقها هل به شعر ~~كما قالوا { قيل لها ادخلي الصرح } أي القصر، وقيل: ~~صحن القصر. # قال الزجاج: (والصرح: القصر والصحن، يقال: هذه ~~ساحة الدار وصرحة الدار). والصرح في اللغة: هو البسط ~~المنكشف من غير سقف، ومنه صرح بالأمر إذا أفصح به ولم ~~يكن عنه، والتصريح بخلاف التضمير. # قوله تعالى: { فلما رأته }؛ أي فلما رأت بلقيس ~~الصرح على تلك الصفة، { حسبته لجة }؛ واللجة ~~معظم الماء الكثير، { وكشفت عن ساقيها }؛ أي رفعت ~~ثيابها عن ساقيها حتى لا تبتل ثيابها على ما هو العادة من قصد ~~الماء. قال ابن عباس: (لما كشفت ساقها رأى سليمان ~~قدما لطيفا وساقا حسنا خدلجا، إلا أنها كثيرة ~~شعر الساقين). فلما رأى سليمان ذلك صرف بصره عنها، ~~وناداها: { قال إنه } ، ليس هذا بماء، وإنما هو، { صرح ~~ممرد من قوارير }؛ أي مملس من زجاج، فلا تخافي ~~واعبري عليه، فلما رأت السرير والصرح علمت أن ملك ~~سليمان من الله عز وجل، و { قالت رب إني ظلمت ~~نفسي }؛ بعبادة الشمس، { وأسلمت مع سليمان لله ~~رب العالمين }؛ أي أخلصت التوحيد. # والمعنى: أن بلقيس استدلت بما شاهدت على وحدانية الله ~~وصحة نبوة سليمان بما رأت من شدة قوته وما كان من ~~ترسل الطير له، وإحضار عرشها في أسرع مدة على بعد ~~المسافة. وبناء الصرح من القوارير على وجه الماء، فلذلك ~~قالت: { ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب ~~العالمين } فتزوجها سليمان عليه السلام. # وقيل: لما أراد سليمان أن يتزوجها كره ذلك لما رأى من ~~كثرة شعر ساقيها، فسأل الإنس: ما يذهب هذا؟ قالوا: ~~الموسى، فقال: إنها تقطع ساقيها، فسأل الجن فقالوا: لا ندري، ~~ثم سأل الشياطين فقال لهم: كيف لي أن أقلع هذا الشعر من غير ~~مضرة للجسد؟ فدلوه على عمل النورة، وكانت النورة ~~والحمامات من يومئذ، فاتخذوا لها النورة والحمام، ~~وتزوجها سليمان عليه السلام، فلما تزوجها أحبها ms1555 حبا شديدا، ~~وأقرها على ملكها، وأمر الجن بأن يبنوا لها بأرض ~~اليمن ثلاثة حصون لم ير مثلها حسنا وارتفاعا؛ وهي: ~~سيلحين وسون وغمدان، ثم كان سليمان يزورها في كل ~~شهر مرة بعد أن ردها إلى ملكها، ويقيم عندها ثلاثة أيام، ~~وولدت له أولادا في ما ذكر. # وروي أن رجلا جاء إلى عبدالله بن عتبة وسأله: هل ~~تزوج سليمان بلقيس؟ فقال: (عهدي بها أن قالت: ~~وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين) يعني أنه لا ~~يعلم ذلك. ### || [27.45] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنآ إلى ثمود أخاهم ~~صالحا أن اعبدوا الله }؛ يعني بأن اعبدوا الله وحده، ~~فآمن به فريق وكفر به فريق، فجعل الفريقان يختصمون كما قال ~~تعالى في سورة الأعراف # قال الملأ الذين استكبروا من قومه للذين ~~استضعفوا لمن آمن منهم أتعلمون أن صالحا ~~مرسل من ربه قالوا إنا بمآ أرسل به ~~مؤمنون # [الأعراف: 75]. وقوله تعالى: { فإذا هم فريقان يختصمون ~~}؛ أي فإذا هم مؤمن وكافر، مصدق ومكذب، يختصمون في ~~الدين، كل فريق منهم يقول: الحق معي. ### || [27.46] # قوله تعالى: { قال يقوم لم تستعجلون بالسيئة ~~قبل الحسنة }؛ فيه ضمير تقديره: إن المؤمنين أوعدوا ~~الكافرين على كفرهم وتكذيبهم، فاستعجل الكافرون العذاب، فقال ~~صالح عليه السلام للكافرين المكذبين: (لم تستعجلون ~~بالسيئة قبل الحسنة) أي بالعذاب قبل الرحمة، ولا ~~تستعجلون الثواب الموعود على الإيمان. قوله تعالى: { ~~لولا تستغفرون الله }؛ أي هلا تستغفرون الله عن ~~كفركم وتكذيبكم، { لعلكم ترحمون }؛ أي فلا تعذبون في ~~الدنيا. ### || [27.47] # قوله تعالى: { قالوا اطيرنا بك وبمن معك }؛ أي ~~تشاءمنا بك وبمن معك بما لحقنا من نقصان الزرع والثمار ~~والمياه. والتطير: هو التشاؤم، وأصله: تطيرنا بك ~~وبمن معك، وذلك أنه قحط المطر عنهم وجاعوا فقالوا: أصابنا ~~هذا البلاء والضر من شؤمك وشؤم أصحابك. # وإنما ذكر التطير بلفظ التشائم على عادة العرب في ~~نسبتهم الشؤم إلى ما يأتي من الطير ناحية اليد ~~الشؤمى وهي اليسرى، ويسمون الطير الذي يأتي من ناحية اليد ~~اليسرى البارح، وأما الطير الذي يأتي من ناحية اليد اليمنى ~~فهو السانح. # قوله ms1556 تعالى: { قال طائركم عند الله }؛ أي قال لهم ~~صالح عليه السلام ردا عليهم: { طائركم عند الله } أي ~~الشؤم أتاكم من عند الله بكفركم، وهذا الذي أصابكم من ~~الجدب والخصب عند الله مكتوب عليكم، لازم لكم في أعناقكم وليس ~~ذلك إلي ولا علمه عندي، وهذا كقوله # يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم ~~عند الله # [الأعراف: 131]. # قوله تعالى: { بل أنتم قوم تفتنون }؛ أي ~~تخسرون في الدنيا باختلاف الأحوال من الخير والشر. وقيل: ~~معناه: بل أنتم قوم تعذبون بذنوبكم. وقيل: تمتحنون ~~بإرسالي إليكم لتثابوا على متابعتي، وتعاقبوا على ~~مخالفتي. وقيل: بمعنى { تفتنون } أي تعاقبون كما في ~~قوله تعالى: # ذوقوا فتنتكم # [الذاريات: 14] أي عقوبتكم. ### || [27.48] # قوله تعالى: { وكان في المدينة تسعة رهط ~~يفسدون في الأرض ولا يصلحون }؛ معناه: كان في مدينة ~~صالح عليه السلام وهي الحجر تسعة رهط من الفساق من أبناء ~~رؤسائهم وهم غواة قوم صالح يفسدون في الأرض بالمعاصي ~~ولا يصلحون ولا يطيعون الله، ولا يأتمرون بالصلاح، ~~وأسماؤهم قدار بن سالف؛ ومصدع؛ وأسلم؛ ودهم؛ وذهيم؛ وذعما؛ ~~ودغيم؛ وقتال؛ وضراب. ### || [27.49-50] # قوله تعالى: { قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه ~~وأهله }؛ أي قالوا فيما بينهم: احلفوا بالله؛ أي تحالفوا ~~بالله لتدخلن على صالح وعلى أهله الذين آمنوا معه ليلا ~~فنقتلهم بياتا. قرأ يحيى وحمزة والأعمش والكسائي وخلف ~~(لتبيتنه) بالتاء و(ليقولن) بالياء وضم التاء ~~واللام على الخطاب. # قوله تعالى: { ثم لنقولن لوليه ما شهدنا ~~مهلك أهله وإنا لصادقون }؛ فيما نقول، وقرأ عاصم ~~برواية أبي بكر (مهلك) بفتح الميم واللام، والمهلك: يجوز أن ~~يكون مصدرا بمعنى الإهلاك، ويجوز أن يكون الموضع. وروى حفص عن ~~عاصم (مهلك) بفتح الميم وكسر اللام وهو اسم المكان على معنى: ~~ما شهدنا موضع هلاكهم. # قال الزجاج: (تحالف هؤلاء التسعة على أن ~~يبيتوا صالحا وأهله، ثم ينكروا عند ~~أوليائه، وكان هذا منكرا عزموا عليه)، كما قال ~~تعالى: { ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا ~~يشعرون }؛ أي دبروا في أمر صالح عليه السلام وأهله من حيث ~~لم يشعر بهم صالح ولا أهله، { ومكرنا مكرا } أي ms1557 ~~دبرنا نحن في هلاكهم مجازاة لهم على مكرهم بتعجيل عقوبتهم { ~~وهم لا يشعرون } بما أردنا فيهم. ### || [27.51] # قوله تعالى: { فانظر كيف كان عاقبة مكرهم }؛ أي ~~فانظر يا محمد { كيف كان عاقبة مكرهم } أي كيف ~~كان آخر مكرهم، { أنا دمرناهم وقومهم أجمعين }. # قرأ الحسن وأهل مكة والأعمش (أنا دمرناهم) بفتح الهمزة ~~ولذلك وجهان في أحدهما: أن تكون بدلا في محل الرفع تبعا ~~للعاقبة، كأنه قال: العاقبة أنا دمرناهم. والثاني: أن ~~موضعها نصب على خبر كان، تقديره: كان عاقبة مكرهم ~~التدمير. وقرأ الباقون بالكسر على الابتداء وهو تفسير ما كان ~~قبله مثل قوله # فلينظر الإنسان إلى طعامه * أنا صببنا المآء ~~صبا # [عبس: 24-25]. # والتدمير: هو الإهلاك على وجه عظيم قطيع. واختلفوا في كيفية ~~هلاكهم، قال ابن عباس: (أرسل الله الملائكة تلك ~~الليلة إلى دار صالح يحرسونها، وجاءت التسعة ~~إلى دار صالح شاهرين سيوفهم، فرمتهم الملائكة ~~بالحجارة من حيث كانوا يرون الحجارة ولا ~~يرون الملائكة فقتلتهم). وقال مجاهد: (نزلوا في ~~سفح جبل ينظر بعضهم بعضا ليأتوا دار صالح، ~~فختم عليهم الجبل فأهلكهم وأهلك الله ~~قومهم أجمعين بصيحة جبريل عليه السلام). ### || [27.52-53] # قوله تعالى: { فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا }؛ أي ~~خاوية عن الأهل والخير والنعمة بسبب ظلمهم لم يبق فيها منهم ~~ديار، قرأ العامة (خاوية) بالنصب على الحال، والمعنى: فانظر ~~إلى بيوتهم خاوية بما ظلموا؛ أي بظلمهم وشركهم أهلكناهم ~~حتى جعلنا بيوتهم خاوية؛ أي منازلهم ساقطة على عروشها. # وقيل: (خاوية) نصب على القطع، تقديره: فتلك بيوتهم ~~الخاوية، فلما قطع منها الألف واللام نصب، كقوله # وله الدين واصبا # [النحل: 52]. وقرأ عيسى بن عمر (خاوية) بالرفع على الخبر. # قوله تعالى: { إن في ذلك لآية لقوم يعلمون }؛ أي ~~إن في إهلاكنا إياهم لدلالة ظاهرة وعبرة لمن علم ~~توحيد الله وقدرته. قوله تعالى: { وأنجينا الذين ~~آمنوا }؛ أي أنجينا الذين آمنوا بصالح من العذاب { ~~وكانوا يتقون }؛ الشرك والعقاب. ### || [27.54] # قوله تعالى: { ولوطا إذ قال لقومه }؛ أي واذكر ~~لوطا إذ قال لقومه: { أتأتون الفاحشة }؛ يعني اللواطة، ~~سماها فاحشة لعظم قبحها، ms1558 { وأنتم تبصرون }؛ أي وأنتم ~~تعلمون أنها فاحشة. وقيل: وأنتم تبصرون بعضكم بعضا ~~وكانوا لا يستترون. ### || [27.55] # قوله تعالى: { أإنكم لتأتون الرجال شهوة من ~~دون النسآء بل أنتم قوم تجهلون }؛ أي تجهلون ~~العذاب الموعود على هذه الفاحشة، وقيل: تجهلون القيامة ~~وعاقبة المعاصي. ### || [27.56] # قوله تعالى: { فما كان جواب قومه إلا أن ~~قالوا أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس ~~يتطهرون }؛ أي عن أدبار الرجال يقولون استهزاء بهم. ### || [27.57-58] # قوله تعالى: { فأنجيناه وأهله إلا امرأته ~~قدرناها من الغابرين }؛ أي قدرنا عليها أن تكون من ~~الغابرين؛ أي من المتخلفين فتهلك فيمن هلك، لا جرمها مثل ~~جرمهم لأنها كانت راضية بأفعالهم القبيحة فجرت مجراهم في ~~العذاب. قوله تعالى: { وأمطرنا عليهم مطرا }؛ أي ~~على مسافريهم، أي حجارة؛ { فسآء مطر المنذرين }؛ فبئس ~~المطر مطر قوم أنذرهم لوط عليه السلام فلم يؤمنوا. ### || [27.59] # قوله تعالى: { قل الحمد لله وسلام على ~~عباده الذين اصطفى }؛ أي قيل للوط عليه السلام: قل ~~الحمد لله على هلاك كفار قومي. وقيل: الخطاب للنبي صلى ~~الله عليه وسلم؛ أي قل يا محمد: الحمد لله على هلاك كفار ~~الأمم الخالية. وقيل: على جميع نعم الله سبحانه. # وقوله تعالى: { وسلام على عباده الذين اصطفى } قال ~~يعني الانبياء الذي اختارهم الله لرسالته، وقال ابن عباس: (هم ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم)، وقال الكلبي: (هم أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم والذين اصطفاهم الله ~~لمعرفته وطاعته)، ومعنى السلام عليهم: أنهم سلموا ~~مما عذب به الكفار. # قوله تعالى: { ءآلله خير أما يشركون }؛ أي قل ~~لأهل مكة: أعبادة الله أفضل أم عبادة من تشركون به من ~~دونه من الأصنام، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ~~قرأ هذه الآية، قال: # " الله أبقى وأجل وأكرم مما تشركون " # قرأ عاصم وأهل البصرة (أما يشركون) بالياء، وقرأ الباقون ~~بالتاء. ### || [27.60] # قوله تعالى: { أمن خلق السموت والأرض }؛ فيه ~~إضمار كأنه قال: آلهتكم أم من الذي خلق السماوات والأرض بما ~~فيها من العجائب والبدائع، { وأنزل لكم من السمآء مآء ~~}؛ يعني المطر، { فأنبتنا ms1559 به حدآئق }؛ أي بساتين، { ذات ~~بهجة }؛ أي منظر حسن وأنوار، والحديقة: هي البستان ~~التي يحاط عليه بما فيه من النخل والشجر، فإن لم يكن عليه ~~حائط فليس بحديقة. # قوله تعالى: { ما كان لكم أن تنبتوا شجرها }؛ ~~هذا نفي، يعني ما قدرتم عليه، والمعنى: ما ينبغي لكم ذلك؛ ~~لأنكم لا تقدرون عليها، ثم قال استفهاما منكرا عليهم: { ~~أإله مع الله }؛ أي هل معه معبود سواه أعانه على ~~صنعه في خلق هذه الأشجار. قوله تعالى: { بل هم قوم ~~يعدلون }؛ يعني كفار مكة قوم يعدلون الأصنام ~~بخالقهم بجهلهم. وقيل: { يعدلون } أي يشركون بالله ~~غيره. وقيل: يميلون عن الطريق وعن النظر في الدلائل ~~المؤدية إلى العلم بوحدانية الله. ### || [27.61-62] # قوله تعالى: { أمن جعل الأرض قرارا }؛ أي مستقرة ~~لا تميل بأهلها، بل جعلها مسكنا يسيرون فيها ويصرفون عليها، ~~فلا هي تضطرب بهم، ولا هي حزنة غليظة مثل رؤوس الجبال. # وقوله تعالى: { وجعل خلالهآ أنهارا }؛ أي جعل وسط ~~الأرض أودية وعيونا من عذب ومالح، { وجعل لها رواسي ~~}؛ أي جعل على الأرض جبالا ثوابت وأودية أوتادا لها، { ~~وجعل بين البحرين حاجزا }؛ أي بين الملح والعذب ~~مانعا بلطفه وقدرته فلا يختلط أحدهما بالآخر، ولا يبغي أحدهما ~~على صاحبه، وقوله تعالى: { أإله مع الله }؛ أي مع الله إله ~~فعل شيئا من هذه الأشياء، { بل أكثرهم لا يعلمون }؛ ~~توحيد ربهم وسلطانه وقدرته. # وقوله تعالى: { أمن يجيب المضطر إذا دعاه }؛ ~~المضطر: المكروب المجهود المدفوع إلى ضيق من الأمور ~~من غرق أو مرض أو بلاء أو حبس أو كرب إذا دعاه، { ويكشف ~~السوء }؛ فيكشف ضره ويفرج عنه فيبعده من الغرق وينجيه ~~ويشفيه من المرض. ويعافيه من البلاء. وقال السدي: (المضطر ~~الذي لا حول له ولا قوة)، وقال ذو النون: (هو ~~الذي قطع العلائق عما دون الله). # قوله تعالى: { ويجعلكم خلفآء الأرض }؛ أي يأتي ~~بقوم بعد قوم، ويخلق قرنا بعد قرن، وكلما أهلك قرنا ~~أنشأ آخرين، فيكون كل خلفاء لمن قبلهم. وقوله تعالى: { ~~أإله مع الله }؛ أي إله سوى الله فعل ذلك، { ~~قليلا ms1560 ما تذكرون }؛ أي قليلا ما تتعظون. ### || [27.63] # قوله تعالى: { أمن يهديكم في ظلمات البر ~~والبحر }؛ معناه: أمن يرشدكم إلى الطريق في ظلماء ~~الليل في البر والبحر إذا سافر، ثم بما خلق لكم من القمر ~~والنجوم والمسالك، وهذا كقوله # وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ~~ظلمت البر والبحر # [الأنعام: 97]، ويجوز أن يكون المراد بالظلمات الشدائد، { ~~ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته }؛ أي ~~قدام المطر، والنشر: جمع نشور؛ وهي الرياح التي تأتي ~~بالسحاب، قوله تعالى: { أإله مع الله تعالى ~~الله عما يشركون }؛ أي جل وعز أن يكون له شريك. ### || [27.64] # قوله تعالى: { أمن يبدأ الخلق ثم يعيده }؛ ~~معناه: أمن يبدأ الخلق في الأرحام من النطفة ثم يميته ثم ~~يعيده للبعث والنشور، وقوله تعالى: { ومن يرزقكم من ~~السمآء والأرض }؛ أي يرزقكم من السماء المطر، ومن الأرض ~~النبات والزرع، وقوله تعالى: { أإله مع الله قل ~~هاتوا برهانكم }؛ أي حجتكم فيما تدعونه من إله ~~سواه، { إن كنتم صادقين }؛ أي مع الله آلهة أخرى تصنع ~~شيئا من هذه الأشياء. ### || [27.65] # قوله تعالى: { قل لا يعلم من في السموت والأرض ~~الغيب إلا الله }؛ أي قل لهم يا محمد: { لا يعلم ~~من في السموت والأرض } يعني الملائكة، (والأرض) يعني ~~الناس، لا يعلم أحد منهم شيئا من الغيب من وقت نزول العذاب ~~وقيام الساعة وغير ذلك مما غاب عن العباد، ولا يعلم ذلك إلا ~~الله عز وجل وحده، { وما يشعرون أيان يبعثون ~~}؛ أي ولا يدرون متى يبعثون من القبور، والأصل في (أيان) ~~(أي) و(إن) ضمنا وجعلا أداة واحدة، قالت عائشة: (من زعم ~~أنه يعلم ما في غد، فقد أعظم الفرية على الله ~~تعالى، قال الله تعالى: { لا يعلم من في السموت ~~والأرض الغيب إلا الله }. ### || [27.66] # قوله تعالى: { بل ادارك علمهم في الآخرة }؛ فيه ~~قراءتان، قرأ الحسن والأعمش وشيبة ونافع وعاصم وحمزة والكسائي ~~وخلف (بل ادارك) بكسر اللام وتشديد الدال؛ أي تدارك ~~وتتابع عليهم في الآخرة، ومنه قوله تعالى: # حتى إذا اداركوا فيها جميعا # [الأعراف: 38]، وقرأ ms1561 ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب ومجاهد (بل ~~أدرك) من الإدراك؛ أي تبع ولحق، كما يقال: أدركه علمي؛ ~~أي بلغه ولحقه. قال ابن عباس: (يريد ما جهلوه في ~~الدنيا، وسقط علمه عنهم علموه في الآخرة). # وقال السدي: (اجتمع علمهم يوم القيامة فلم ~~يشكوا ولم يختلفوا). وقال مقاتل: (بل علموا في ~~الآخرة حينما عاينوها ما شكوا فيه وعموا عنه ~~في الدنيا). { بل هم في شك منها }؛ أي بل هم اليوم في ~~الدنيا في شك من الساعة، { بل هم منها عمون }؛ جمع ~~عم، وهو عمي القلب، وقيل: معنى { بل هم منها عمون } ~~متحيرون بترك التأمل، يقال: رجل عمه وعامه وعم، ~~إذا كان متحيرا، وقوم عمون؛ أي متحيرون، ويجوز أن ~~يكون معنى (ادارك علمهم) أي لحق علمهم ذلك بما نصب ~~لهم من الأدلة، بل هم في شك منها بترك التأمل. ### || [27.67] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا أإذا كنا ~~ترابا وآبآؤنآ أإنا لمخرجون } معناه: وقال كفار ~~مكة: إذا صرنا ترابا وآباؤنا أإنا لمخرجون من القبور ~~أحياء؟ ### || [27.68] # قوله تعالى: { لقد وعدنا هذا }؛ الذي تخوفنا به من ~~البعث والنشور، ووعد آباؤنا من قبل، فما وجدنا لذلك حقيقة، ~~وما هذا الذي يعدنا محمد إلا أكاذيب الأولين. وقيل: ~~معناه: لقد وعدنا هذا البعث، { نحن وآبآؤنا من قبل } ~~قبل محمد وليس ذلك بشيء، { إن هذآ إلا أساطير ~~الأولين }؛ أي أحاديثهم وأكاذيبهم التي كذبوها. ### || [27.69] # قوله تعالى: { قل سيروا في الأرض }؛ أي قل يا ~~محمد: { سيروا }؛ أي سافروا وترددوا في الأرض، { ~~فانظروا كيف كان عقبة المجرمين }؛ آخر أمر ~~المكذبين بالرسل أهلكهم الله بأنواع العقوبات. ### || [27.70] # قوله تعالى: { ولا تحزن عليهم }؛ أي لا تحزن على ~~تكذيبهم إياك ولا إهلاكهم إن لم يؤمنوا، وذلك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كان حريصا على إيمانهم ونجاتهم، { ولا تكن ~~في ضيق مما يمكرون }؛ أي لا يضيق صدرك يا محمد ~~بما يمكرونه، وسيظهرك الله عليهم، نزلت هذه الآية في ~~المستهزئين الذين اقتسموا أعقاب مكة، وقد مضت قصتهم. ### || [27.71] # قوله تعالى: { ويقولون متى هذا الوعد إن ms1562 ~~كنتم صادقين }؛ أي يقولون على وجه التكذيب: { متى هذا ~~الوعد } الذي يعدنا به في الدنيا والآخرة { إن كنتم ~~صادقين } في أنه يكون. ### || [27.72] # قوله تعالى: { قل عسى أن يكون ردف لكم بعض ~~الذي تستعجلون } أي قل يا محمد: { عسى أن يكون ~~ردف لكم } أي دنا لكم وركبكم بعض ما تستعجلون به من العذاب، ~~لا يجوز أن تكون (عسى) في هذا الموضع بمعنى الشك، إنما هو ~~بمعنى الإيجاب على وجه التخويف، قال ابن عباس: (ردف لكم؛ أي ~~قرب لكم) وقيل: حضر لكم. # والمعنى: أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول ~~للذين يستعجلون بالعذاب: قد دنا لكم بعض ما تستعجلون، فكان ~~بعض الذي دنا لهم القتل ببدر، والقحط الذي سلط عليهم ~~عقيب هذه الآية حتى أكلوا الجيف، والمعنى في { ردف لكم } ~~أي ردفكم، فأدخل اللام فيه كما أدخلها في قوله تعالى: # لربهم يرهبون # [الأعراف: 154] و # للرءيا تعبرون # [يوسف: 43]، قال الفراء: (اللام صلة زائدة، كما ~~يقولون نقدته ونقدت له). ### || [27.73-74] # قوله تعالى: { وإن ربك لذو فضل على الناس }؛ ~~قال مقاتل: (معناه: لذو فضل على أهل مكة حتى لا ~~يعجلهم بالعذاب) { ولكن أكثرهم لا يشكرون }؛ ~~وقيل: لذو فضل عليهم بإمهالهم والإنعام عليهم، ولكنهم لا ~~يشكرون فضله عليهم، { وإن ربك ليعلم ما تكن ~~صدورهم }؛ أي ما تخفي صدورهم من البغض والعداوة، { وما ~~يعلنون }؛ بألسنتهم من الكفر والتكذيب وعدائه صلى الله ~~عليه وسلم فيجازيهم على ذلك. ### || [27.75] # قوله تعالى: { وما من غآئبة في السمآء والأرض ~~إلا في كتاب مبين }؛ أي وما من جملة غائبة خافية على ~~أهل السماء والأرض، إلا وهو مكتوب في اللوح المحفوظ بين ~~فيه. ### || [27.76-77] # قوله تعالى: { إن هذا القرآن يقص على بني ~~إسرائيل }؛ أي بين لبني إسرائيل، { أكثر الذي هم ~~فيه يختلفون }؛ كاختلاف اليهود والنصارى في المسيح وفي ~~غيره من الأنبياء، وكاختلافهم في صفة النبي صلى الله عليه وسلم ~~والمبشر به في التوراة، وقوله تعالى: { وإنه لهدى ~~ورحمة للمؤمنين }؛ أي وإن القرآن لهدى من الضلالة ~~ورحمة من العذاب ms1563 لمن آمن به. ### || [27.78] # قوله تعالى: { إن ربك يقضي بينهم بحكمه }؛ أي يقضي ~~بين المؤمنين والكافرين يوم القيامة بحكمة، { وهو العزيز ~~العليم }؛ أي العزيز بالانتقام من الكفار، العليم بهم ~~وبعقوبتهم، ولا يمكن رد قضائه. ### || [27.79-80] # قوله تعالى: { فتوكل على الله }؛ أي ثق بالله يا ~~محمد، وفوض أمرك إليه، { إنك على الحق المبين ~~}؛ أي على طريق الإسلام، وهذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقوله تعالى: { إنك لا تسمع الموتى }؛ هذا مثل ~~للكفار، شبه الله كفار مكة بالأموات، تقول كما لا ~~يسمع الميت النداء، كذلك لا يسمع الكافر النداء، { ولا ~~تسمع الصم الدعآء إذا ولوا مدبرين }؛ قال ~~قتادة: (إن الأصم لو ولى مدبرا وناديته لم ~~يسمع، كذلك الكافر لا يسمع ما يدعى إليه من ~~الإيمان) " والمعنى: أنهم لفرط " إعراضهم عن ما يدعون إليه من ~~التوحيد كالميت الذي لا سبيل إلى إسماعه، وكالأصم الذي لا ~~يسمع. ### || [27.81] # قوله تعالى: { ومآ أنت بهادي العمي عن ضلالتهم ~~}؛ أي وما أنت بمرشد من أعماه الله عن الهدى وأعمى عن قلبه ~~الإيمان، وقيل: معناه: كما لا يمكن إرشاد الأعمى إلى قصد ~~الطريق بالأمارات الدالة على الطريق، كذلك لا يمكن هداية ~~القوم الذين عميت بصائرهم عن آيات الله، وليس على الرسل ~~عليهم السلام إلا الدعاء إلى الله تعالى. # وقرأ حمزة والأعمش: (وما أنت تهدي العمي) بالتاء ونصب ~~الياء على الفعل ها هنا وفي الروم. # قوله تعالى: { إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا }؛ ~~ما سمع سماع إفهام إلا من يؤمن بآياتنا ويطلب الحق بالنظر ~~في القرآن. وقال مقاتل: (إلا من يصدق بالقرآن أنه ~~من الله) { فهم مسلمون }؛ أي مخلصون بتوحيد الله، ~~والمعنى ما سمع دعوتك سماع القبول إلا من يطلب الحق ~~بالنظر في آيات الله، فلا بد أن يسلم في ظهور الدلائل. ### || [27.82] # قوله تعالى: { وإذا وقع القول عليهم أخرجنا ~~لهم دآبة من الأرض تكلمهم }؛ معناه: وإذا وجب ~~القول عليهم بالسخط والعذاب عند قرب الساعة { أخرجنا ~~لهم دآبة من الأرض } ، فقال قتادة: (إذا غضب الله ~~عليهم وأوجب أن ms1564 ينزل بهم ما قال الله وحكم به ~~من عذابه وسخطه عليهم) أي على الكفار الذين تخرج ~~عليهم الدابة، وهو قوله تعالى: { أخرجنا لهم دآبة ~~من الأرض تكلمهم } وذلك حين لا يؤمر بمعروف ولا ينهى ~~عن منكر. قال مخلد بن الحسين: (لا تخرج الدابة حتى ~~لا يبقى أحد يريد أن يؤمن). قالوا: وتخرج الدابة من ~~صدع في الصفا. # وروي أنه تخرج بين الصفا والمروة، ولا تخرج إلا رأسها ~~وعنقها، فيبلغ رأسها السحاب فيراها أهل المشرق والمغرب ~~فيسمعون كلامها باللسان، فتقول لهم: أيها الكفار ~~مصيركم إلى النار، ثم تقبل على المؤمنين فتقول: أيها المؤمنون ~~مصيركم إلى الجنة، فتميز عند ذلك أهل الجنة من أهل النار. # ويجوز أن يكون قوله { تكلمهم } من الكلم وهو الجراحة، ~~كما روي في قراءة ابن عباس (تكلمهم) بنصب التاء وكسر اللام؛ ~~أي تسمهم، تكتب على وجه الكافر: إنه كافر، وعلى جبين ~~المؤمن: إنه مؤمن. # قال أبو هريرة: (إنها تخرج ومعها عصا موسى وخاتم ~~سليمان)، وعن ابن عمرو بن العاص أنه قال: (تكتب على وجه ~~الكافر نكتة سوداء، فتعثوا في وجهه حتى ~~يسود وجهه، وتكتب على وجه المؤمن نكتة ~~بيضاء، فتعثوا في وجهه حتى يبيض وجهه، ~~فتعرف المؤمن من الكافر عند ذلك). وعن أبي سعيد ~~الخدري رضي الله عنه أنه قال: (إذا ترك الناس الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر كان ذلك الوقت ~~وقت أشراط الساعة وخروج الدابة). # قوله تعالى: { أن الناس }؛ قرأ أهل الكوفة ويعقوب (أن ~~الناس) بفتح الألف على وجه الحكاية من قول الدابة وعلى معنى: ~~أخرجنا الدابة بأن الناس { كانوا بآياتنا لا ~~يوقنون }؛ وقرأ الباقون بالكسر على الابتداء. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " بئس الشعب جياد - مرتين أو ثلاثا - " قالوا: ولم ~~ذلك يا رسول الله؟ قال: " تخرج منه الدابة، ~~فتصرخ ثلاث صرخات يسمعها من بين الخافقين " ~~". # وقال بعضهم: كنت مع ابن عباس بمكة، فبينما هو على الصفا إذ ~~قرع الصفا بعصاة وهو محرم وهو يقول: إن الدابة تسمع ms1565 ~~قرع عصاي هذه، قال ابن عباس: (هي دابة ذات زغب ~~وريش، ولها أربعة قوائم). # وعن أبي هريرة قال: [تخرج الدابة ومعها عصا موسى ~~وخاتم سليمان، فيجلوا وجه المؤمن بالعصا، ~~وتحطم وجه الكافر بالخاتم] والمحاطم هي الأنوف، ~~واحدها محطم بكسر الطاء، وعن حذيفة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " دابة الأرض طولها ستون ذراعا لا يدركها طالب ~~ولا يفوتها هارب ". # وعن ابن الزبير أنه وصف الدابة فقال: (رأسها رأس ثور، ~~وعينها عين خنزير، وأذنها أذن فيل، وصدرها ~~صدر أسد، ولونها لون نمر، وذنبها ذنب كبش، ~~وقوائمها قوائم بعير، بين كل مفصلين من ~~مفاصلها اثنا عشر ذراعا، معها عصا موسى وخاتم ~~سليمان). # وقال صلى الله عليه وسلم: # " تخرج الدابة من الصفا، فيبلغ صدرها الركن ~~اليماني، ولم يخرج ذنبها بعد، وهي دابة ذات ~~قوائم وبر " # وعن ابن عمر أنه قال: (تخرج الدابة من صدع في الصفا، ~~تجري كجري الفرس ثلاثة أيام، وما خرج ثلثها). # وقال صلى الله عليه وسلم: # " بينما عيسى عليه السلام يطوف بالبيت ومعه ~~المسلمون، إذ تضطرب الأرض تحتهم حتى يتحرك ~~القنديل في المسجد، وينشق الصفا مما يلي ~~المسعى، فتخرج الدابة، فأول ما يبدأ منها ~~رأسها، ذات وبر ورأس لا يدركها طالب ولا يفوتها ~~هارب، تسمي الناس مؤمنا وكافرا، أما المؤمن ~~فتترك وجهه كأنه كوكب دري، وتكتب بين ~~عينيه: مؤمن، وأما الكافر فتكتب بين عينيه ~~نكتة سوداء، وتكتب بين عينيه: كافر ". # وعن الحسن: (أن موسى سأل ربه أن يريه الدابة، ~~فخرجت ثلاثة أيام ولياليهن تذهب في السماء ~~ولم تخرج رجلاها، فنظر منها منظرا فظيعا؛ ~~فقال: رب ردها، فردها). # قوله تعالى: { تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا ~~لا يوقنون } قال مقاتل: (تكلمهم بالعربية، فتقول: ~~إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون، تخبر أن أهل ~~مكة لم يؤمنوا بالقرآن والبعث والثواب ~~والعقاب). ### || [27.83] # قوله تعالى: { ويوم نحشر من كل أمة فوجا ~~ممن يكذب بآياتنا }؛ الفوج: الجماعة من الناس ~~كالزمرة والجماعة، وإنما يحشر الرؤساء والمتبوعين، ~~والمعنى: يوم يجمع من كل أمة جماعة من المكذبين ms1566 ~~بالرسول، وقوله تعالى: { فهم يوزعون }؛ أي يحبسون، ~~يتلاحقون فيساقون إلى الموقف لإقامة الحجة عليهم: وقيل: ~~يحشر أولهم على آخرهم ليجتمعوا ثم يساقوا إلى النار، وقال ~~ابن عباس: (يوزعون أي يدفعون). ### || [27.84] # قوله تعالى: { حتى إذا جآءوا قال أكذبتم ~~بآياتي ولم تحيطوا بها علما }؛ أي حتى إذا جاءوا إلى ~~موقف الحساب، قال الله لهم: { أكذبتم بآياتي } استفهام ~~بمعنى الإنكار عليهم، والوعيد لهم، قال ابن عباس: (معناه: ~~أكذبتم أنبيائي وجحدتم فرائضي وحدودي) ولم ~~تحيطوا بها علما؛ أي ولم تخبروا حتى تفقهوا وتسمعوا. ~~وقيل: معناه: { ولم تحيطوا بها علما } أنها باطل. ~~والمعنى: أكذبتم بآياتي غير عالمين بها ولم تتفكروا في ~~صحتها، بل كذبتم بها جهلا بغير علم. وقوله تعالى: { أما ~~ذا كنتم تعملون }؛ حين لم تبحثوا عنها، ولم تتفكروا ~~فيها، وهذا توبيخ لهم وإن كان بلفظ السؤال. ### || [27.85-86] # قوله تعالى: { ووقع القول عليهم بما ظلموا }؛ ~~أي وجب العذاب عليهم بما أشركوا، { فهم لا ينطقون }؛ ~~بحجة عن أنفسهم، بل يختم على أفواههم. ونظيره قوله ~~تعالى: # هذا يوم لا ينطقون * ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات: 35-36]. # قوله تعالى: { ألم يروا أنا جعلنا الليل ~~ليسكنوا فيه والنهار مبصرا }؛ أي مضيئا لطلب ~~المعاش، قوله تعالى: { إن في ذلك لآيات لقوم ~~يؤمنون }؛ أي أن فيما ذكرنا من اختلاف الليل والنهار ~~لدلالات للمؤمنين والكافرين، ولكنه خص المؤمنين لأنهم هم الذين ~~ينتفعون بالذكر. ### || [27.87] # قوله تعالى: { ويوم ينفخ في الصور }؛ قال ابن ~~عباس: (يعني النفخة الأولى؛ وهي نفخة الصعق) { ~~ففزع من في السموت ومن في الأرض }؛ أي ماتوا من ~~شدة الخوف كقوله تعالى # فصعق من في السموت ومن في الأرض # [الزمر: 68]، والمعنى: بلغ منهم الفزع إلى أن يموتوا. # وقوله: { إلا من شآء الله }؛ قال ابن عباس: (يريد ~~الشهداء وهم أحياء عند ربهم يرزقون)، وقال ~~الكلبي ومقاتل: (يعني جبريل وميكائيل وإسرافيل ~~وملك الموت). وقوله تعالى: { وكل أتوه داخرين }؛ أي ~~كل الخلائق يأتون إلى موضع الجزاء أذلاء صاغرين. # وأما النفخة الثانية فتسمى نفخة البعث، وبينهما أربعون سنة. ~~ويقال: ينفخ في الصور ثلاث ms1567 نفخات؛ الأولى: نفخة الفزع، ~~والثانية: نفخة الصعق وهو الموت، والثالثة: نفخة القيام لرب ~~العالمين. # وعن عبدالله بن عمر قال: # " جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله ~~عن الصور، فقال: " هو قرن ينفخ فيه " # وقال مجاهد: (هو كهيئة البوق). # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " لما فرغ الله من السماوات والأرض، خلق ~~الصور، فأعطاه إسرافيل، فهو واضعه على فيه ~~شاخص يبصر نحو العرش، ينظر متى يؤمر " قال: ~~قلت يا رسول الله! وما الصور؟ قال: " هو قرن " ~~قلت: كيف هو؟ قال: " عظيم، والذي بعثني بالحق ~~إن عظم دائرة فيه كعظم السماوات والأرض. ~~فينفخ ثلاث نفخات؛ النفخة الأولى نفخة ~~الفزع، والنفخة الثانية نفخة الصعق، ~~والنفخة الثالثة نفخة القيام لرب العالمين. # فيأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول له: ~~انفخ نفخة الفزع، فيفزع منها أهل السماوات ~~وأهل الأرض إلا من شاء الله ويأمره أن يمدها ~~ويطيلها وهو الذي يقول الله { وما ينظر هؤلآء ~~إلا صيحة واحدة ما لها من فواق } ، ويسير الله ~~الجبال فتمر مر السحاب فتكون سرابا، وترج ~~الأرض بأهلها رجا، فتكون كالسفينة الموثقة ~~في البحر، تضربها الأمواج وتلقيها الرياح، ~~وكالقنديل المعلق ترجه الرياح، وهو قوله ~~تعالى { يوم ترجف الراجفة * تتبعها الرادفة * ~~قلوب يومئذ واجفة } فتميد الأرض بالناس على ~~ظهرها، فتذهل المراضع؛ وتضع الحوامل؛ ويشيب ~~الأطفال، وتطير الشياطين هاربة من الفزع، حتى ~~تأتي الأقطار فتلقاها الملائكة فتضرب وجوهها ~~فترجع، وتولي الناس مدبرين ينادي بعضهم ~~بعضا وهو قوله تعالى { يوم التناد * يوم ~~تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم }. ~~فبينما هم كذلك؛ إذ تصدعت الأرض، وتصير ~~السماء كالمهل، وتنشق الأرض وتنشر نجومها ~~وتكسف شمسها وقمرها. ثم يأمر الله إسرافيل ~~أن ينفخ نفخة الصعق، فيصعق من في السماوات ~~ومن في الأرض إلا من شاء الله " ". # وقوله تعالى: { وكل أتوه داخرين } ، قرأ الأعمش وحمزة ~~وخلف (أتوه) مقصورا على الفعل بمعنى جاءوه. وقرأ الباقون ~~بالمد وضم التاء، قوله تعالى: { داخرين } أي ~~صاغرين. ### || [27.88] # قوله تعالى: { وترى الجبال تحسبها جامدة ms1568 وهي ~~تمر مر السحاب }؛ أي تحسبها يا محمد واقفة مستقرة ~~فكأنها وتظنها ساكنة لا تتحرك في رأي العين، وهي تسير في ~~الهواء سيرا سريعا، وترى السفينة تحسبها واقفة وهي سائرة، ~~وقوله تعالى: { وهي تمر مر السحاب } تسير سير السحاب ~~حتى تقع على الأرض فتستوي بها. # قوله تعالى: { صنع الله الذي أتقن كل شيء }؛ ~~نصب على المصدر؛ كأنه قال: صنع الله ذلك صنعا على الإتقان ~~والإحكام. وقيل: على الإغراء؛ أي أبصروا صنع الله ~~الذي أتقن كل شيء؛ أي أحكم وأبرم ما خلق. ومعنى ~~الإتقان في اللغة: الإحكام للأشياء. # وقوله تعالى: { إنه خبير بما تفعلون }؛ قرأ نافع وابن ~~عامر والكوفيون بالتاء، والباقون بالياء، والمعنى: إنه خبير ~~بما يفعله أعداؤه من المعصية والكفر، وبما يفعله أولياؤه من ~~الطاعة. ### || [27.89] # قوله تعالى: { من جآء بالحسنة فله خير منها ~~}؛ معناه: من وافى عرصات القيامة بالحسنات، فله ثواب آجر ~~وأنفع منها. وقيل: معناه: من جاء بالإيمان. قال أبو معشر: ~~(كان إبراهيم يحلف ما ينثني: أن الحسنة لا إله ~~إلا الله). وقتادة: (الحسنة هي الإخلاص). والمعنى: من ~~جاء بكلمة الإخلاص بشهادة أن لا إله إلا الله يوم ~~القيامة؛ أي من وافى يوم القيامة بالإيمان فله خير منها. قال ~~ابن عباس: (فمنها يصل الخير إليه) أي له من تلك ~~الحسنة خير يوم القيامة، وهو الثواب والأمن من العذاب. و(خير) ~~ها هنا اسم من غير تفضيل؛ لأنه ليس خير من لا إله إلا الله، ~~ولكنه منها خير. # وقال بعضهم: دخلت على علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال لي: ~~(ألا أنبؤك بالحسنة التي من جاء بها أدخله الله ~~الجنة، والسيئة التي من جاء بها أدخله الله ~~النار، ولم يقبل منه عملا؟) قلت: بلى، قال: ~~(الحسنة حبنا، والسيئة بغضنا). ومعنى { خير ~~منها }: رضوان الله. وقيل: الأضعاف بعطية الله بالواحدة ~~عشرا فصاعدا. # قوله تعالى: { وهم من فزع يومئذ آمنون }؛ قرأ ~~أهل الكوفة (فزع) منونا بنصب الميم، وقرأ الباقون بالإضافة، ~~واختاره أبو عبيد لأنه أعم ويكون شاملا لجميع فزع ذلك ~~اليوم، ms1569 وإذا كان منونا كان الفزع دون فزع. # وقال أبو علي الفارسي: (إذا نون يجوز أن يكون الفزع ~~واحدا، ويجوز أن يعني به الكثرة لأنه مصدر، ~~والمصادر تدل على الكثرة وإن كانت مفردة ~~الألفاظ كقوله سبحانه: # وإن أنكر الأصوات لصوت الحمير # [لقمان: 19]). قال الكلبي: (إذا أطبقت النار على أهلها ~~فزعوا فزعة لم يفزعوا مثلها أبدا، وأهل ~~الجنة آمنون من ذلك الفزع). ### || [27.90] # قوله تعالى: { ومن جآء بالسيئة فكبت وجوههم ~~في النار }؛ أي من وافى بالشرك والكبائر { فكبت ~~وجوههم في النار } أي ألقوا على وجوههم في النار، ويقول ~~لهم خزنة جهنم: { هل تجزون إلا ما كنتم ~~تعملون }؛ في الدنيا من الشرك. ### || [27.91-92] # قوله تعالى: { إنمآ أمرت أن أعبد رب هذه ~~البلدة الذي حرمها }؛ أي قل يا محمد للمشركين: { ~~إنمآ أمرت أن أعبد رب هذه البلدة } يعني مكة ~~{ الذي حرمها } أي الذي حرم فيها ما أحل في غيرها من ~~الاصطياد؛ والاختلاء؛ والقتل؛ والسبي؛ والظلم، وأن لا يهاج ~~فيها أحد حتى يخرج منها، فلا يصاد صيدها ولا يختلى خلالها. # وقيل: معنى { حرمها } أي عظم حرمتها، فجعل لها من الأمن ~~ما لم يجعل لغيرها. وقوله تعالى: { وله كل شيء }؛ لأنه ~~خالقه ومالكه. وقرأ ابن عباس (التي حرمها) أشار إلى ~~البلدة. # وقوله تعالى: { وأمرت أن أكون من المسلمين }؛ أي ~~وأمرت أن أكون من المسلمين المخلصين لله بالتوحيد، { ~~وأن أتلو القرآن }؛ عليكم يا أهل مكة، يريد تلاوة ~~الدعوة إلى الإيمان. وفي الآية تعظيم لأمر الإسلام وتلاوة ~~القرآن. # قوله تعالى: { فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ~~}؛ أي من اهتدى فإنما منفعة اهتدائه راجعة إلى نفسه، { ومن ~~ضل }؛ أي ضل عن الإيمان والقرآن وأخطأ طريق الهدى، { ~~فقل إنمآ أنا من المنذرين }؛ أي من المخوفين، ~~فليس علي إلا البلاغ، فإني لم أومر بالإجبار على ~~الهدى، وليس علي إلا الإنذار، وكان هذا قبل الأمر ~~بالقتال. ### || [27.93] # قوله تعالى: { وقل الحمد لله }؛ أي قل الحمد ~~لله على نعمه، { سيريكم آياته }؛ يعني العذاب في الدنيا، ~~والقتل ببدر، { فتعرفونها }؛ حين تشاهدونها، ثم ~~أراهم ذلك، وضربت ms1570 الملائكة وجوههم وأدبارهم وعجلهم الله إلى ~~النار، { وما ربك بغافل عما تعملون }؛ من المنكر ~~والكفر والفساد، وهذا وعيد لهم بالجزاء على أعمالهم. # وعن أبي بن كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " من قرأ سورة النمل كان له من الأجر عشر ~~حسنات بعدد من كذب وصدق بموسى وهود وشعيب ~~وصالح ولوط وإبراهيم واسحاق ويعقوب وسليمان ~~عليهم السلام، وخرج من قبره وهو ينادي: لا ~~إله إلا الله ". ### | [28 - سورة القصص] ### || [28.1-3] # { طسم * تلك آيات الكتاب المبين }؛ قد تقدم تفسيره، ~~وقوله تعالى: { نتلوا عليك من نبإ موسى ~~وفرعون بالحق }؛ أي نقرأ عليك خبر موسى وفرعون ~~بالصدق بينهما، { لقوم يؤمنون }. ### || [28.4] # قوله تعالى: { إن فرعون علا في الأرض }؛ أي ~~تجبر وتكبر في أرض مصر { وجعل أهلها شيعا }؛ أي ~~فرقا وأصنافا في الخدمة والتسخير؛ يكرم قوما ويذل ~~آخرين. وقوله تعالى: { يستضعف طآئفة منهم }؛ يعني بني ~~إسرائيل، ثم فسر ذلك فقال: { يذبح أبنآءهم ~~ويستحيي نساءهم }؛ يقتل الأبناء ويترك البنات فلا ~~يقتلهن. وقيل: معناه: يذبح أبناءهم صغارا ويبقي نساءهم ~~للخدمة. # وسبب ذلك: أن بعض الكهنة قالوا له: إن مولودا يولد في بني ~~إسرائيل يكون سببا لذهاب ملكك. قال الزجاج: (والعجب من ~~حمق فرعون إن كان ذلك الكاهن عنده صادقا فما ~~ينفع القتل؟! وإن كان كاذبا فما معنى القتل؟). ~~وقوله تعالى: { إنه كان من المفسدين }؛ يعني بالقتل ~~والعمل بالمعاصي. ### || [28.5-6] # قوله تعالى: { ونريد أن نمن على الذين ~~استضعفوا في الأرض }؛ أي نريد أن ننعم على الذين ~~استضعفوا في الأرض وهم بنو إسرائيل، { ونجعلهم ~~أئمة }؛ يقتدى بهم في الخير. قال قتادة: (ولاة وملوكا) ~~ودليله قوله تعالى: # وجعلكم ملوكا # [المائدة: 20] { ونجعلهم الوارثين }؛ لملك فرعون، ~~ولمساكن قومه، يرثون ديارهم وأموالهم. قوله تعالى: { ~~ونمكن لهم في الأرض }؛ أي يمكنهم ما كان يملك ~~فرعون. # قوله تعالى: { ونري فرعون وهامان وجنودهما ~~منهم ما كانوا يحذرون }؛ أي ما كانوا يخافونه من هذا ~~المولود الذي به يذهب ملكهم على يديه، وذلك أنهم أخبروا أن ~~هلاكهم على يدي رجل من بني إسرائيل، فكانوا ms1571 على وجل منهم ~~فأراهم الله تعالى { ما كانوا يحذرون } أي ما كانوا ~~يخافون من جهتهم من ذهاب ملكهم على أيديهم. # وقرأ الأعمش وحمزة والكسائي وخلف: (ويري فرعون) بالياء وما ~~بعده رفعا على أن الفعل لهم، وقرأ الباقون بالنون مضمومة وما ~~بعده نصب بوقوع الفعل عليهم. ### || [28.7] # قوله تعالى: { وأوحينآ إلى أم موسى أن ~~أرضعيه }؛ لم يرد بالوحي وحي الرسالة، وإنما أراد ~~الإلهام كما في قوله تعالى # وأوحى ربك إلى النحل # [النحل: 68]. ويقال: أراها الله في المنام فعرفته بتفسير الرؤيا. ~~وقال بعضهم: أتاها ملائكة خاطبوها بهذا الكلام. واسم أم موسى ~~نوخابد بنت لاوي بن يعقوب. # قال وهب بن منبه: (لما حملت أم موسى بموسى كتمت أمرها عن ~~جميع الناس فلم يطلع على حملها أحد من خلق الله تعالى، فلما ~~كانت السنة التي ولد فيها موسى بعث فرعون القوابل يفتشن ~~النساء، وحملت أم موسى ولم ينتأ بطنها، ولم يتغير لونها، ~~ولم يظهر لبنها، وكانت القوابل لا تتعرض لها، فلما كانت الليلة ~~التي ولد فيها ولدته أمه ولا رقيب عليها ولا قابلة، لم ~~يطلع عليه أحد إلا أخته). # ثم أوحى الله إليها: أن أرضعيه، { فإذا خفت عليه ~~فألقيه في اليم }؛ قال: فكتمته ثلاثة أشهر ترضعه في ~~حجرها لا يبكي ولا يتحرك، فلما خافت عليه عملت له تابوتا ~~مطبقا ومهدت له فيه، ثم ألقته في البحر ليلا كما أمرها الله، فلما ~~أصبح فرعون جلس في مجلسه على شاطئ النيل، فبصر بالتابوت، ~~فقال لمن حوله: ائتوني بهذا التابوت، فأتوا به، فلما وضع بين ~~يديه فتحوه، فوجدوا فيه موسى، فلما نظر إليه فرعون إغتاظ وقال: ~~كيف أخطأ هذا الغلام الذبح؟! # وكان لفرعون امرأة يقال لها آسية من خيار النساء من بنات ~~الأنبياء، وكانت أما للمسلمين ترحمهم وتتصدق عليهم، فقالت ~~لفرعون وهي قاعدة إلى جنبه: هذا الولد أكبر من ولد سنة وأنت ~~إنما أمرت أن تذبح الولدان بهذه السنة، فدعه يكون قرة ~~عين لي ولك، لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ~~ولدا، فقال فرعون لها: عسى ms1572 أن ينفعك، فأما أنا فلا أريد ~~نفعه. # قال وهب: (لو قال فرعون كما قالت امرأته: عسى أن ينفعنا؛ ~~لنفعه الله به، ولكنه أبى أن يقول للشقاء الذي كتبه الله ~~عليه، فتركه فرعون ولم يقتله) # قوله تعالى: { أن أرضعيه } أي أرضعيه ما لم تخافي ~~عليه الطلب، فإذا خفت عليه الطلب { فألقيه في اليم } أي في ~~البحر، فقالت: يا رب، إني أخاف عليه حيتان البحر، فأمرت ~~أن تجعله في تابوت مقير، فذهبت إلى النجار، فأمرته أن ~~يصنع لها تابوتا على قدره، فعرف ذلك فذهب إلى الموكلين ~~بذبح بني إسرائيل ليخبرهم بذلك، فلما انتهى إليهم أعقل لسانه ~~فلم يطق الكلام، فجعل يشير بيده فلم يفهموا، فقال كبيرهم: ~~اضربوه؛ فضربوه وأخرجوه، فلما انتهى النجار إلى موضعه رد ~~الله عليه لسانه، فرجع إليهم ليخبرهم فاعتقل لسانه، فجعل يشير ~~إليهم بيده، فلم يفهموه فضربوه، ففعل ذلك ثلاث مرات، فعرف ~~أنه من عند الله تعالى، فخر لله ساجدا وأسلم، ثم صنع ~~التابوت وسلمه إلى أم موسى فوضعته فيه وألقته في ~~النيل. # قوله تعالى: { ولا تخافي ولا تحزني }؛ أي لا ~~تخافي من الغرق والهلاك، ولا تحزني لفراقه، { إنا ~~رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين }؛ إلى فرعون ~~وقومه. ### || [28.8] # قوله تعالى: { فالتقطه آل فرعون }؛ قال ابن عباس: ~~(لما ألقته أمه في البحر أقبل تهوي به ~~الأمواج حتى اختار منزل فرعون، فخرجت جواري ~~فرعون تسقين الماء، فأبصرت التابوت بين ~~الشجر والماء فأخرجته وذهبت به إلى امرأة ~~فرعون، فذلك قوله تعالى { فالتقطه آل فرعون ~~}. # وقوله تعالى: { ليكون لهم عدوا وحزنا }؛ هذه (لام) ~~العاقبة لأن أحدا لا يلتقط الولد ليكون له عدوا، ونظير هذا ~~قولهم: لدوا للموت وابنوا للخراب. وقوله تعالى { ~~وحزنا } ، قرأ أهل الكوفة إلا عاصما بضم الحاء وجزم الزاي ~~وهما لغتان، مثل السقم والسقم. # قوله تعالى: { إن فرعون وهامان وجنودهما ~~كانوا خاطئين }؛ أي متعمدين في الإقامة على الكفر والمعصية، ~~يقال: خطأ فلان يخطئ خطأ إذا تعمد الذنب وأخطأ إذا وقع ~~منه على غير الصواب، وقيل: معناه: إن فرعون وهامان ~~وجنودهما كانوا ms1573 آثمين عاصين. ### || [28.9] # قوله تعالى: { وقالت امرأة فرعون قرت عين ~~لي ولك }؛ وذلك أن فرعون هم بقتله، فقالت له امرأته: ليس ~~من أولاد بني إسرائيل، وقد أتانا الله به من أرض أخرى، { لا ~~تقتلوه عسى أن ينفعنا } ، فلا تقتله أيها الملك، ~~فهو قرة عين لي ولك، وعسى أن ينفعنا في أمورنا، { أو ~~نتخذه ولدا وهم لا يشعرون }؛ أن هلاكهم على يديه، ~~وقيل: وهم لا يشعرون أني أفعل ما أريد ولا أفعل ما يهوون. # قوله تعالى: { قرت عين } مشتق من القرور؛ وهو الماء ~~البارد، ومعنى قولهم: أقر الله عينك؛ أي أبرده معك؛ لأن ~~دمعة السرور باردة، ودمعة الحزن حارة. ### || [28.10] # قوله تعالى: { وأصبح فؤاد أم موسى فارغا }؛ أي ~~أصبح قلب أم موسى وهي نوخابد بنت لاوي بن يعقوب فارغا من كل ~~شيء إلا عن هم موسى وذكره. قوله تعالى: { إن كادت ~~لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها }؛ أي لولا أن ~~شددنا على قلبها بالصبر عن إظهار ذلك، { لتكون من ~~المؤمنين }؛ أي من المصدقين بما سبق من الوعد، وهو قوله ~~تعالى: # إنا رآدوه إليك # [القصص: 7] ولو أظهرت لكان ذلك سببا لقتله. # والربط على القلب: هو إلهام الصبر وتقويته. وقيل: ~~معناه: وأصبح فؤاد أم موسى فارغا من الصبر على فراق ~~موسى لولا أن ربطنا على قلبها لأبدت به. وقيل: ~~فارغا من الحزن لعلمها بأنه لم يعرفه. قرأ فضالة بن ~~عبيد (وأصبح فؤاد أم موسى فزعا) بالزاي والعين من غير ~~ألف من الفزع. ### || [28.11] # قوله تعالى: { وقالت لأخته قصيه }؛ أي قالت أم ~~موسى لأخته - واسمها مريم -: ابتغي أثره وانظري أين ~~وقع؛ لتعلمي خبره وإلى من صار، فذهبت في إثر التابوت، { ~~فبصرت به }؛ بموسى، { عن جنب }؛ أي عن بعد قد أخذوه، { ~~وهم لا يشعرون }؛ أنها قد جاءت لتعرف عن خبره. # وقال ابن عباس: (الجنب أن يسمو بصر الإنسان إلى ~~الشيء البعيد وهو إلى جنبه لا يشعر به) وكانت ~~مجانبة لتحديق النظر إليه كيلا يعلم بما قصدت به. وقال قتادة: ~~(كانت تنظر إليه كأنها لا ms1574 تريده)، وكان يقرأ (عن ~~جنب) بفتح الجيم وسكون النون. وقرأ النعمان بن سالم: (عن ~~جانب) أي عن ناحية { وهم لا يشعرون } أنها أخته. ### || [28.12-13] # قوله تعالى: { وحرمنا عليه المراضع من قبل }؛ ~~المراضع جمع مرضعة، وقوله تعالى: { من قبل } أي من قبل ~~مجيء أمه، ومعنى: { وحرمنا عليه } أي منعناه، وقد ~~يذكر التحريم بمعنى المنع، قال الشاعر: # جاءت لسرعتي فقلت لها اصبري # إني امرؤ صرعي عليك حرام # أي ممتنع. # وذلك أن الله تعالى أراد أن يرده إلى أمه، فمنعه من ~~قبول ثدي المراضع، فلما تعذر عليهم رضاعه؛ { فقالت }؛ ~~أخته: { هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم }؛ ~~أي يضمنون لكم القيام به ورضاعه، { وهم له ناصحون }؛ ~~أي يشفقون عليه وينصحونه، قالوا لها: من؟ قالت: أمي، ~~قالوا: ولأمك لبن؟ قالت: نعم؛ لبن أخي هارون، وكان هارون ~~ولد في سنة لا يقتل فيها صبي، فقالوا: صدقت. فدلتهم على ~~أم موسى، فدفع إليها لتربيه لهم. # فلما وجد الصبي ريح أمه قبل ثدييها وأتمها الله ما ~~وعدها وهو قوله تعالى: { فرددناه إلى أمه كي ~~تقر عينها ولا تحزن }؛ على فراقه، { ولتعلم أن ~~وعد الله }؛ برد ولدها إليها، { حق ولكن ~~أكثرهم لا يعلمون } أن الله وعدها برد ولدها إليها. ### || [28.14] # قوله تعالى: { ولما بلغ أشده واستوى }؛ قال ~~مجاهد: (بلغ أشده؛ أي ثلاثا وثلاثين سنة)، { ~~واستوى } أي بلغ أربعين سنة، وهو قول ابن عباس وقتادة. # قوله تعالى: { آتيناه حكما وعلما } يعني الفقه ~~والعقل والعلم في دينه ودين آبائه، قد تعلم موسى وحكم قبل ~~أن يبعث نبيا. وقال ابن عباس: (لما بلغ موسى ~~أربعين سنة آتاه الله النبوة). وقيل: الأشد: ~~منتهى الشباب والقوة، والاستواء: إتمام الخلق واعتدال ~~الجسم في الطول والعظم، وإنما يبلغ المرء هذا الحد في اثنين ~~وعشرين سنة إلى أربعين سنة. # قوله تعالى: { وكذلك نجزي المحسنين }؛ فيه بيان ~~أن إنشاء العلم والحكمة يجوز أن يكون على الإحسان؛ لأنهما ~~يؤديان إلى الجنة التي هي جزاء المحسنين. ### || [28.15-17] # قوله تعالى: { ودخل المدينة }؛ أي دخل موسى مدينة ~~فرعون وهي مدينة يقال ms1575 لها منف، وكانت من مصر على فرسخين. ~~وقوله تعالى: { على حين غفلة من أهلها } ، قال ابن ~~عباس: (في وقت الظهيرة عند المقيل وقد خلت ~~الطرق). # وقيل: دخلها بين المغرب والعشاء، وقيل: دخلها يوم عيدهم ~~وكانوا مشغولين عن موضع مدينتهم باللهو واللعب، { فوجد ~~فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته }؛ أي من بني ~~إسرائيل، { وهذا من عدوه }؛ أي من القبط، وكان القبطي ~~يسخر الإسرائيلي ليحمل له حطبا إلى مطبخ فرعون، ~~والإسرائيلي يأبى ذلك، { فاستغاثه الذي من شيعته }؛ ~~أي استنصره الإسرائيلي، { على الذي من عدوه } ، على ~~القبطي، { فوكزه موسى }؛ أي ضربه بجمع كفه في ~~صدره، { فقضى عليه }؛ أي قتله فوقع القبطي ميتا. ~~وكل شيء فرغت منه وأتممته فقد قضيت عليه وقضيته، ~~والوكز: الضرب بجمع الكف. # وكان موسى عليه السلام قد أوتي بسطة في الخلق وشدة ~~القوة والبطش، وكان من نية موسى أنه لا يريد قتله ولم ~~يتعمد هلاكه، بل قال له أولا: خل سبيله، فقال: إنما ~~أريده ليحمل الحطب إلى مطبخ فرعون، { فوكزه موسى فقضى ~~عليه } أي قتله وفرغ من أمره، والوكز واللكز والهز ~~بمعنى واحد وهو الدفع، ويقال: وكزه بعصاه. # فلما قتله موسى عليه السلام ندم على قتله وقال: لم أدر ~~بهذا، ثم دفعه في الرمل، { قال هذا من عمل ~~الشيطان }؛ لأني كنت لا أريد قتله، ولكن هيج الشيطان ~~حربي حتى ضربته. قوله تعالى: { إنه عدو مضل ~~مبين }؛ أي عدو لبني آدم مضل له مبين عداوته لهم. # ثم استغفر موسى ربه ف { قال رب إني ظلمت نفسي ~~}؛ بقتل القبطي قبل ورود الأمر والإذن لي فيه، { فاغفر ~~لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم } قوله ~~تعالى: { قال رب بمآ أنعمت علي فلن أكون ~~ظهيرا للمجرمين }؛ أي بما أنعمت علي بالمغفرة والحلم ~~والعلم فلن أكون عونا للكافرين، وهذا يدل على أن الإسرائيلي ~~الذي أعانه موسى كان كافرا. ### || [28.18-19] # قوله تعالى: { فأصبح في المدينة خآئفا يترقب ~~}؛ أي أصبح من عند ذلك اليوم في تلك المدينة التي فعل فيها ما فعل ~~خائفا على نفسه من فرعون ms1576 وقومه { يترقب } أي ينظر عاقبة ~~أمره، والترقب: انتظار المكروه؛ أي ينتظر سوءا يناله منهم، { ~~فإذا }؛ ذلك الإسرائيلي، { الذي استنصره بالأمس ~~يستصرخه }؛ أي يستغيثه على رجل آخر من القبط، { قال له ~~موسى إنك لغوي مبين }؛ أي ضال عن طريق الحق ~~بين الجدال، يقاتل من يقاومه، وقد قتلت أمس في سببك رجلا، ~~وتدعوني اليوم إلى آخر. # ثم أقبل موسى وهم أن يبطش الثانية بالقبطي، ظن ~~الإسرائيلي أنه يريد أن يبطش به لقوله { إنك لغوي مبين ~~} فقال الإسرائيلي: يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا ~~بالأمس؟ ولم يكن أحد من قوم فرعون علم أن موسى هو الذي قتل ~~القبطي حتى أفشى عليه هذا الإسرائيلي، وسمع القبطي ذلك فأتى ~~فرعون فأخبره، وذلك معنى قوله تعالى: { فلمآ أن أراد أن ~~يبطش بالذي هو عدو لهما قال يموسى أتريد أن ~~تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس }؛ وكان أيضا هذا ~~القبطي الثاني سخر الإسرائيلي يحمل عليه حطبا. # قوله تعالى: { إن تريد إلا أن تكون جبارا في ~~الأرض }؛ أي ما تريد إلا أن تكون قتالا في أرض مصر بالظلم. ~~قال الزجاج: (الجبار في اللغة: الذي لا يتواضع ~~لأمر الله، والقاتل بغير حق جبار). # وقوله تعالى: { وما تريد أن تكون من المصلحين }؛ أي ~~من الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. فلما سمع ~~القبطي مقالة الإسرائيلي علم أن موسى هو الذي قتل القبطي ~~بالأمس، ولم يكن أحد علم ذلك قبل هذا فانطلق القبطي فأخبر ~~فرعون، فأرسل فرعون إلى أولياء المقتول أن اقتلوا موسى. ### || [28.20-21] # قوله تعالى: { وجآء رجل }؛ من شيعة موسى، { من أقصى ~~المدينة }؛ أي من آخرها إلى موسى فأخبره بذلك، وقوله تعالى: ~~{ يسعى }؛ أي يمشي على رجليه مسرعا وهو حزقيل بن صوريا مؤمن ~~من آل فرعون، { قال }؛ له: { يموسى إن الملأ يأتمرون ~~بك ليقتلوك }؛ أي أن الخواص من قوم فرعون يتشاورون ~~في قتلك، { فاخرج }؛ من المدينة، { إني لك من ~~الناصحين }؛ وقال الزجاج: (يأتمرون أي يأمر بعضهم ~~بعضا بقتلك). فاخرج إني لك من الناصحين في أمري ~~لك بالخروج، { فخرج منها ms1577 خآئفا }؛ أي خرج موسى من المدينة، ~~{ يترقب }؛ أي ينظر متى يلحق فيؤخذ، { قال }؛ عند ذلك: ~~{ رب نجني من القوم الظالمين }؛ أي من فرعون وقومه ~~أين يذهب. ### || [28.22] # قوله تعالى: { ولما توجه تلقآء مدين }؛ أي ~~لما سار نحو مدين، وكان قد خرج بغير زاد ولا حذاء ولا ~~ركوبة، بل خرج هائما على وجهه هاربا من فرعون وقومه لا يدري ~~أين يذهب، فخاف أن يخطئ الطريق. ومدين اسم ماء لقوم شعيب، ~~وبينه وبين مصر ثمانية أيام، سمي ذلك الماء باسم مدين بن ~~إبراهيم عليه السلام. # فلما لم يكن لموسى علم بالطريق خشي أن يذهب يمينا وشمالا ~~ف { قال عسى ربي أن يهديني سوآء السبيل }؛ أي ~~يرشدني قصد الطريق إلى مدين، فلما دعا موسى بهذا جاءه ~~ملك على فرس فانطلق به إلى مدين. قال المفسرون: خرج موسى ~~من مصر بلا زاد ولا درهم ولا ركوبة إلى مدين، وبينهما مسيرة ~~ثمان ليال، ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر. ### || [28.23] # قوله تعالى: { ولما ورد مآء مدين }؛ أي بلغ ~~بئرهم التي كانوا يسقون منها، قال ابن عباس: (ورد ~~ماءهم وأنه ليرى خضرة الشجرة في بطنه من ~~الهزال). وقوله: { وجد عليه أمة من الناس ~~يسقون }؛ أي وجد على ذلك الماء جماعة من الناس يسقون ~~أغنامهم مواشيهم، { ووجد من دونهم امرأتين تذودان }؛ ~~أي تحبسان غنمهما عن الماء حتى تفرغ الناس ويخلو لهما الماء، ~~وهما بنتا شعيب. # والذود في اللغة: الطرد والدفع والكف، ومعنى { تذودان } ~~تدفعان وتكفان الغنم من أن يخلط بأغنام الناس، وحتى يقرب ~~الماء إلى أن يفرغ القوم. # قوله تعالى: { قال ما خطبكما }؛ أي قال موسى لابنتي ~~شعيب: { ما خطبكما } أي ما شأنكما لا تسقيان غنمكما مع ~~الناس؟ { قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعآء }؛ قرأ ~~الحسن وابن عامر وأبو عمرو بفتح الياء وضم الدال، جعلوا الفعل ~~للرعاء؛ أي حتى يرجع الرعاء عن الماء، وقرأ الباقون (يصدر) ~~بضم الياء وضم الدال؛ أي حتى يصدروا مواشيهم من وردهم، ~~فيخلوا لنا الموضع فنسقي أغنامنا فضل ما في الحوض. والرعاء ms1578 ~~جمع راع. # قال ابن اسحاق: (قالتا: نحن امرأتان لا نستطيع أن ~~نزاحم الرجال { وأبونا شيخ كبير }؛ لا يقدر أن يسقي ~~ماشيته من الكبر والضعف، وليس له أحد غيرنا، فلذلك احتجنا ~~ونحن نساء أن نسقي الغنم. ### || [28.24] # قوله تعالى: { فسقى لهما ثم تولى إلى الظل ~~}؛ فلما سمع موسى قولهما رحمهما، فقام ليسقي لهما غنمهما، ~~فوجد بقربهما بئرا أخرى على رأسها صخرة عظيمة لا يطيق رفعها ~~إلا جماعة من الناس، فاقتلعها وحده ثم أخذ الدلو من القوم، ~~فأدلاها في البئر، ونزعها وأفرغها في الحوض، ثم دعا بالبركة ~~فشرب الغنم حتى روي. # وقيل: إنه زاحم القوم على بئرهم وسقى لهما غنمهما، فذلك ~~قوله تعالى: { فسقى لهما } أي سقى لهما أغنامهما قبل ~~الوقت الذي كانا يسقيان فيه، ثم رجع من الشمس إلى ظل شجرة ~~فجلس تحتها من شدة الحر، وهو جائع، { فقال رب إني لمآ ~~أنزلت إلي من خير فقير }؛ أي إني لمحتاج فقير ~~إلى ما قدرت لي من الطعام، وكان خرج من مصر بغير زاد وكان لا ~~يأكل في الأيام الثمانية إلا الحشيش والشجر إلى أن بلغ ماء ~~مدين، فلما أدركه الجوع الشديد؛ وكان لا يقدر على شيء؛ سأل ~~الله أكله من الطعام. # قال ابن عباس: (سأل الله فلق خبز أن يقيم به ~~صلبه)، قال سعيد بن جبير: (لقد قال موسى: إني لما ~~أنزلت إلي من خبز فقير، وهو أكرم خلقه ~~عليه، ولقد افتقر إلى شق تمرة)، وقال محمد: (ما ~~سأل الله إلا الخبز). واللام في قوله تعالى { إني لمآ ~~أنزلت } بمعنى: إلي، يقال: فقراء وفقير إليه. ### || [28.25] # قوله تعالى: { فجآءته إحداهما تمشي على ~~استحيآء }؛ وذلك أن موسى عليه السلام لما سقى لهما، رجعا ~~إلى أبيهما سريعا، فقال لهما أبوهما: ما أعجلكما؟ قالتا: ~~وجدنا رجلا صالحا رحمنا، فسقى لنا أغنامنا، فقال لإحداهما: ~~اذهبي فادعيه لي، فجاءته تمشي مستحية مشي من لا يعتاد ~~الدخول والخروج، واضعة كفها على وجهها، معرضة من الحياء، ~~وكانت التي أرسلها أبوها إلى موسى هي الصغرى منهما، واسمها ~~صورا، قال ms1579 عمر بن الخطاب في قوله تعالى: { فجآءته ~~إحداهما تمشي على استحيآء }: (واضعة ثوبها على ~~وجهها؛ أي مستترة بكم ذراعها). قال أهل اللغة: ~~السلفع: الجريئة التي هي غير مستحية. # وقوله تعالى: { قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما ~~سقيت لنا } أي ليعطيك ذلك، فلما قالت ذلك لموسى شق عليه ~~قولها، وهم أن لا يتبعها وكان بينه وبين أبيها مقدار ثلاثة ~~أميال، ثم إنه لم يجد بدا من اتباعها؛ لأجل الجهد ~~والجوع الذي حل به ولأجل الخوف الذي خرج لأجله، فانطلق معها، ~~وكانت الريح تضرب ثوبها فنكرته بردفها فتصف له عجيزتها، ~~وكانت ذات عجز، فجعل موسى يغض بصره ويعرض عنها، ثم قال ~~لها: (يا أمة الله كوني خلفي، وانعتي لي الطريق ~~بقولك، ودليني عليها إن أنا أخطأت، فإنا بنوا ~~يعقوب لا نستطيع النظر إلى أعجاز النساء). # قوله تعالى: { فلما جآءه وقص عليه القصص ~~قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين }؛ أي فلما ~~جاء موسى إلى شعيب إذ هو بالعشاء مهيأ، فقال له شعيب: من ~~أنت؟ قال: أنا رجل من بني إسرائيل من أهل مصر، وحدثه بما كان ~~منه من قتل القبطي وفراره من فرعون، فقال له شعيب: إجلس { ~~لا تخف نجوت من القوم الظالمين } أي نجوت من فرعون ~~وقومه، فإنهم لا سلطان لهم بأرضنا، ولسنا مملكته. # فجلس معه موسى عليه السلام فقال له شعيب: هاك فتعش، فقال: ~~أعوذ بالله، فقال له شعيب: ولم ذلك وأنت جائع؟ قال: أخاف أن يكون ~~هذا عوضا لما سقيت لكم، وإنا أهل بيت لا يبغ شيئا من ~~عمل الآخرة بملئ الأرض ذهبا، فقال شعيب: لا والله! ولكنها ~~عادتي وعادة آبائي، نقري الضيف ونطعم الطعام، فجلس موسى ~~عليه السلام يتعشى حينئذ. ### || [28.26-28] # قوله تعالى: { قالت إحداهما يأبت استأجره ~~إن خير من استأجرت القوي الأمين }؛ أي قالت ~~إحداهما وهي التي تزوجها موسى: يا أبت اتخذه أجيرا يرعى لنا ~~غنمنا، فإن خير من استأجرت الذي يقوى على العمل، ويؤدي ~~الأمانة. # فقال لها أبوها: وما علمك بقوته وأمانته؟ فقالت: أما ~~قوته ms1580 فإنه لما رأى أغنامنا محبوسة عن الماء، قال لنا: هل ~~بقربكما بئر؟ قلنا: نعم؛ لكن عليها صخرة عظيمة لا يرفعها إلا ~~أربعون رجلا، قال: انطلقا بي إليها، فانطلقا به إليها، فأخذ ~~الصخرة بيده ونحاها سهلا من غير كلفة. وأما أمانته فإنه ~~قال لي في بعض الطريق: إمش خلفي، فإن أخطأت الطريق فارم ~~قبلي بحصاة حتى أنهج نهجا، فإنا قوم لا ننظر إلى وراء ~~النساء. ولهذا المعنى قال عمر رضي الله عنه: (لا يصلح لأمور ~~المسلمين إلا القوي من غير عنف، والرقيق ~~من غير ضعف). # قال فلما ذكرت المرأة من حال موسى ازداد أبوها رغبة فيه و { ~~قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين ~~على أن تأجرني ثماني حجج }؛ أي على أن ترعى غنمي، ~~ويكون فيها أجرا إلى ثمان سنين، { فإن أتممت عشرا فمن ~~عندك }؛ فهو بفضل منك ليس بواجب عليك، { ومآ أريد أن ~~أشق عليك }؛ في العشر، ولا أكلفك إلا العمل المشروط، ~~والمراد بالحجج السنين. قوله تعالى: { ستجدني إن ~~شاء الله من الصالحين }؛ ممن وافق فعله. وقيل: ~~ستجدني إن شاء الله من الوافين بالعهد، المحسنين الصحبة. # ف { قال } موسى لشعيب: { ذلك }؛ الشرط { بيني وبينك }؛ ~~يعني الذي وصفت وشرطت على ذلك، وما شرطت لي من تزويج إحداهما ~~علي فلي، والأمر بيننا. وثم السلام. ثم قال: { أيما ~~الأجلين }؛ أي الأجلين من الثمان أو العشر، { قضيت }؛ ~~أي أتممت وفرغت، { فلا عدوان علي }؛ أي لا ظلم ولا ~~حرج ولا كلفة. قال الفراء: (ما) صلة في قوله: { أيما ~~الأجلين }. # وقوله تعالى: { والله على ما نقول وكيل }؛ أي شهيد على ~~ما عقد بعضنا على بعض. قال ابن عباس: (والله شهيد بيني ~~وبينك). # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأجلين قضى ~~موسى؟ فقال: " أوفاهما وأبطئهما " # وعن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " وإذا سئلت عن أي الأجلين قضى موسى؟ فقل: ~~خيرهما أو أبرهما، وإن سئلت أي المرأتين ~~تزوج؟ فقل الصغرى منهما والتي جاءت ms1581 فقالت: ~~يا أبت استأجره ". ### || [28.29] # قوله تعالى: { فلما قضى موسى الأجل وسار ~~بأهله }؛ أي فلما وفى موسى أتم الأجلين وهو عشر سنين، ~~وسار بأهله نحو مصر، قال مقاتل: (استأذن موسى صهره ~~شعيب في العود إلى مصر لزيارة والديه وأخته. ~~فأذن له، فسار بأهله نحو مصر؛ { آنس من جانب ~~الطور } فأبصر بالليل الظليم عن يسار الطريق، أي ~~الجبل، { نارا قال لأهله امكثوا }؛ أي انزلوا ها هنا، ~~{ إني آنست }؛ أي أبصرت، { نارا لعلي آتيكم منها ~~بخبر }؛ أي من عند النار بخبر، وأعلم لم أوقدت تلك النار. ~~ويقال: كانت أخطأ الطريق فأراد أن يسأل عن الطريق من يجده ~~عند النار. وقوله تعالى: { أو جذوة من النار }؛ معناه: أو ~~آتيكم بقطعة من الحطب في رأسها شعلة من النار لكي تدفئوا من ~~البرد، وكانوا في شدة الشتاء). # وفي قوله { جذوة } ثلاث قراءات: فتح الجيم وهي قراءة عاصم، ~~وضمها وهي قراءة حمزة، وكسرها وهي قراءة الباقين، وقوله تعالى: { ~~لعلكم تصطلون }؛ أي تدفئون بها عن البرد. ### || [28.30] # قوله تعالى: { فلمآ أتاها نودي من شاطىء الوادي ~~الأيمن في البقعة المباركة }؛ أي فلما أتى موسى ~~النار نودي من جانب الوادي الأيمن أراد يمين موسى، وقوله ~~تعالى { في البقعة المباركة } أي المقدسة، وقوله ~~تعالى: { من الشجرة } أي من الشجرة وهي شجرة العناب في ~~قول ابن عباس، وقال مقاتل: (هي عوسجة)، وسميت البقعة ~~مباركة؛ لأن الله كلم موسى فيها وبعثه نبيا. وقوله تعالى: ~~{ أن يموسى إني أنا الله رب العالمين }؛ قد ~~تقدم تفسيره. ### || [28.31] # قوله تعالى: { وأن ألق عصاك }؛ أي نودي بأن ألق ~~عصاك من يدك، وموضع (أن ألق) نصب، { فلما رآها تهتز ~~كأنها جآن }؛ أي فلما رآها بعد ما ألقاها تتحرك في غاية ~~الاضطراب كأنها جان في الخفة مع عظمها، { ولى ~~مدبرا }؛ أي هاربا، { ولم يعقب }؛ أي ولم يلتفت إلى ~~ما رآه، فقال الله له: { يموسى أقبل } ، إليها، { ولا تخف ~~} منها؛ { إنك من الآمنين } من أن ينالك منها مكروه، فأخذها ~~موسى فإذا هي عصا كما كانت، ويقال سميت جان في ms1582 هذه الآية؛ لأنها ~~صارت جانا في البقعة المباركة، وثعبانا عند فرعون. ### || [28.32] # قوله تعالى: { اسلك يدك في جيبك }؛ أي أدخلها في ~~جيبك، { تخرج بيضآء }؛ لها شعاع كشعاع الشمس، { من ~~غير سوء }؛ أي من غير برص، { واضمم إليك جناحك ~~من الرهب }؛ أي ضع يدك على صدرك ليسكن ما بك من الفزع، ~~فتصير آمنا مما كنت تخافه، وهذا لأن من شأن الخائف أن ~~يرتعد ويقلق فيكون ضم يده إلى نفسه في معنى السكون. # قال مجاهد: (كل من فزع فضم جناحيه إليه ذهب ~~عنه الفزع، وقرأ هذه الآية). وجناح الإنسان: ~~عضده، ويقال: اليد كلها جناح. وقال بعضهم: معنى قوله { ~~واضمم إليك جناحك } أي سكن روعك، وضم الجناح هو ~~السكون، ومنه قوله تعالى: # واخفض لهما جناح الذل من الرحمة # [الإسراء: 24] يريد الرفق، وكذلك قوله تعالى: # واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين # [الشعراء: 215] أي ارفق بهم، وألن جناحك بهم. وقال الفراء ~~(أراد بالجناح العصا). وقوله تعالى { من الرهب } وقرئ ~~(من الرهب) أيضا وهما لغتان مثل الرشد والرشد، ويقال: ~~إن قوله (من الرهب) متصل بقوله (من الآمنين). # قوله تعالى: { فذانك برهانان من ربك }؛ يعني ~~اليد والعصا حجتان من الله لموسى على صدقه، والمعنى: هما ~~حجتان من ربك أرسلناك بهما { إلى فرعون وملئه }؛ أي ~~أشراف قومه، { إنهم كانوا قوما فاسقين }؛ أي خارجين عن ~~طاعة الله تعالى، " وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بتشديد النون " وقرأ ~~الباقون بالتخفيف. قال الزجاج: (التشديد تثنية ذلك، ~~والتخفيف تثنية ذاك). ### || [28.33-34] # قوله تعالى: { قال رب إني قتلت منهم نفسا }؛ ~~يعني القبطي الذي قتله، { فأخاف أن يقتلون } ، { وأخي ~~هارون هو أفصح مني لسانا }؛ أي أبين مني كلاما ~~وأحسن بيانا، وكان في لسان موسى عقدة من قبل الجمرة التي ~~تناولها، ولذلك قال فرعون: ولا يكاد يبين. قوله تعالى: ~~{ فأرسله معي ردءا }؛ أي عونا ومصدقا لي، يقال: ~~فلان ردء فلان؛ إذا كان ينصره ويشد ظهره. وقرأ نافع (ردا) من ~~غير همز طلبا للخفة. # قوله تعالى: { يصدقني }؛ قرأ عاصم وحمزة: (يصدقني) ~~بضم القاف، وقرأ الباقون بالجزم على ms1583 الجواب بالأمر، ومن رفع كان ~~صفة لنكرة، جوابا للمسالة تقديره ردءا مصدقا لي، والتصديق ~~هارون في قول الجمع. وقال مقاتل: (لكي يصدقني فرعون) { ~~إني أخاف أن يكذبون }. ### || [28.35] # قوله تعالى: { قال سنشد عضدك بأخيك }؛ أي قال ~~الله تعالى لموسى: سنعينك ونقويك وننصرك بأخيك، وشد ~~العضد كناية عن التقوية، وقوله تعالى: { ونجعل لكما ~~سلطانا } حجة وبينة تدل على النبوة، { فلا يصلون ~~إليكما } بقتل ولا سوء ولا أذى، { بآياتنآ أنتما ~~ومن اتبعكما الغالبون }؛ لمن خالفكما، وقوله تعالى: { ~~بآياتنآ } موضعه التقديم؛ والمعنى ونجعل لكما سلطانا ~~بآياتنا؛ أي بما نعطيكما من المعجزات. ### || [28.36] # قوله تعالى: { فلما جآءهم موسى بآياتنا ~~بينات }؛ يعني المعجزات فلم يقدروا على دفع تلك الآيات، { ~~قالوا ما هذآ إلا سحر مفترى } ، إلا أن قالوا هذا ~~سحر مفترى؛ أي مخترع من قبل نفسك ولم تبعث به، { ~~وما سمعنا بهذا؛ }؛ الذي تدعونا إليه، { في آبآئنا ~~الأولين }. ### || [28.37] # قوله تعالى: { وقال موسى ربي أعلم بمن جآء ~~بالهدى من عنده }؛ أي هو أعلم بالحق منا وبمن يدعو إلى ~~الضلالة؛ أي أنا الذي جئت بالهدى من عند الله. وقرأ ابن ~~كثير: (قال موسى) بغير واو. قوله تعالى: { ومن تكون ~~له عاقبة الدار }؛ أي هو أعلم بمن تكون له الجنة، { إنه ~~لا يفلح الظالمون }؛ أي لا يسعد من أشرك بالله. ### || [28.38] # قوله تعالى: { وقال فرعون يأيها الملأ ما ~~علمت لكم من إله غيري }؛ أي قال فرعون لخواص ~~قومه: { ما علمت لكم من إله غيري } وهذه إحدى ~~كلمتيه اللتين أخذه الله بهما، والأخرى قوله # أنا ربكم الأعلى # [النازعات: 24]. # وقوله تعالى: { فأوقد لي يهامان على الطين }؛ أي ~~اتخذ لي آجرا، { فاجعل لي صرحا }؛ أي قصرا طويلا ~~متسعا مرتفعا، { لعلي أطلع إلى إله موسى }؛ ~~أي أصعد إليه، ظن بجهله أنه يتهيأ له أن يبلغ بصرحه إلى ~~السماء، وظن أن إله موسى جسما مشاهدا كما تقول ~~المشبهة، تعالى الله عن ذلك. # قال المفسرون: لما أمر فرعون وزيره هامان ببناء الصرح، ~~جمع خمسين ألف بناء سوى الاتباع والأجراء ممن يطبخ ~~الآجر والجص، ms1584 وينحت الخشب والأبواب، ويضرب المسامير. قوله ~~تعالى: { وإني لأظنه من الكاذبين }؛ أي في ادعاء ~~(إلها غيري) وأنه رسوله، وهذا اعتراف من فرعون بالشك لأنه ~~شاك لا يدري من في السماء، ولو كان إلها لم يجهل ولم ~~يشك، والمبطل تظهر عليه المناقضة. ### || [28.39] # قوله تعالى: { واستكبر هو وجنوده في الأرض ~~بغير الحق }؛ تعظموا عن الإيمان ولم ينقادوا للحق، ~~وقوله تعالى { في الأرض } أي في أرض مصر { بغير الحق } ~~أي بالباطل والظلم، { وظنوا أنهم إلينا لا ~~يرجعون }؛ أي يردون إلينا بالبعث للحساب والجزاء. ### || [28.40] # قوله تعالى: { فأخذناه وجنوده فنبذناهم في ~~اليم }؛ أي طرحناهم في البحر. قال عطاء: (يريد البحر ~~المالح بحر القلزم) { فانظر كيف كان عاقبة ~~الظالمين }؛ حين صاروا إلى الهلاك. ### || [28.41-42] # قوله تعالى: { وجعلناهم أئمة يدعون إلى ~~النار }؛ أي جعلناهم في الدنيا أئمة ضلالة وقادة في ~~الكفر والشرك، يقودون الناس إلى الشرك، وهو قوله ~~تعالى: { يدعون إلى النار } لأن من أطاعهم ضل ودخل ~~النار، { ويوم القيامة لا ينصرون } أي لا يدفع عنهم ~~عذاب الله، { وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة }؛ يعني ~~لعنة الملائكة والمؤمنين، { ويوم القيامة هم من ~~المقبوحين }؛ أي من المشوهين في النار، سواد ~~وجوههم وزرقة الأعين، فعلى هذا يكون المعنى: هم ~~المقبوحين. وقيل: معناه: هم من المبعدين الملعونين ~~من القبح، وهو الإبعاد. قال أبو يزيد: (يقال: قبح الله ~~فلانا قبحا وقبوحا؛ أي أبعده من كل خير). ### || [28.43] # قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ~~مآ أهلكنا القرون الأولى بصآئر للناس }؛ يعني ~~القرون الأولى قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، كانوا قبل ~~موسى. وقوله تعالى { بصآئر للناس } أي أعطينا موسى ~~التوراة من بعد ما أهلكنا الأمم الماضية عظة وعبرة للناس ~~ليبصروا بها أمر دينهم؛ أي ليبصروا بالتوراة ويهتدوا بها، ~~وهو قوله تعالى: { وهدى }؛ من الضلالة لمن عمل به؛ أي ~~بالكتاب { ورحمة }؛ لمن آمن به، { لعلهم يتذكرون ~~}؛ أي يتذكروا بما فيه من المواعظ والبصائر. # وعن أبي سعيد الخدري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " ما أهلك الله قوما ولا قرنا ولا ms1585 أمة ولا أهل ~~قرية بعذاب من السماء منذ أنزل التوراة على ~~وجه الأرض غير أهل القرية الذين مسخوا ~~قردة، ألم تر أن الله قال { ولقد آتينا موسى ~~الكتاب من بعد مآ أهلكنا القرون الأولى } ". ### || [28.44] # قوله تعالى: { وما كنت بجانب الغربي إذ ~~قضينآ إلى موسى الأمر }؛ معناه: ما كنت يا محمد ~~بجانب الوادي الغربي { إذ قضينآ إلى موسى الأمر } أي إذ ~~أوحينا الأمر بما ألزمناه وقومه، { وما كنت من ~~الشاهدين }؛ تلك الحالة، وإنما أخبرناك بذلك لتكون معجزة لك. ### || [28.45] # قوله تعالى: { ولكنآ أنشأنا قرونا }؛ أي خلقنا قرنا ~~بعد قرن، { فتطاول عليهم العمر }؛ أي طالت عليهم ~~المهل فنسوا عهد الله، وتركوا أمره، وكذبوا الرسل ~~فأهلكناهم قرنا بعد قرن، وهذا كلام يدل على أنه قد عهد إلى ~~موسى وقومه عهودا في محمد صلى الله عليه وسلم والإيمان به، ~~فلما تطاول عليهم العمر، وخلقت القرون بعد القرون، ~~وتركوا الوفاء بها. # قوله تعالى: { وما كنت ثاويا }؛ أي مقيما { في ~~أهل مدين }؛ كقيام موسى وشعيب فيهم، { تتلوا عليهم ~~آياتنا }؛ أي تذكرهم بالوعد والوعيد. قال مقاتل: (والمعنى: ~~لم تشهد أهل مدين فتقرأ على أهل مكة خبرهم ~~كخبر من شاهدهم) { ولكنا كنا مرسلين }؛ أي ~~أرسلناك إلى أهل مكة، وأنزل عليك هذه الأخبار، ولولا ذلك لما ~~علمتها. ### || [28.46] # قوله تعالى: { وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ~~}؛ أي وما كنت يا محمد بناحية الجبل الذي كلم الله ~~عليه موسى إذ نادينا موسى: إني أنا الله، ويا موسى أقبل ~~ولا تخف، { ولكن }؛ أوحيناها إليك وقصصناها عليك، { ~~رحمة من ربك لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير ~~من قبلك }؛ لم يأتهم رسول يخوف قبلك، { لعلهم ~~يتذكرون }؛ أي يتعظون. # ومعنى { رحمة } أي رحمناك رحمة بإرسالك والوحي إليك. ~~وقوله تعالى: { لتنذر قوما مآ أتاهم من نذير } يعني ~~أهل مكة لعلهم يتعظون، واسم الجبل الذي نودي عليه موسى ~~جبل رسمه. قرأ عيسى بن عمر: (ولكن رحمة) بالرفع على معنى: ~~ولكن هي رحمة من ربك إذ أطلعك الله عليه. ### || [28.47] # قوله تعالى: { ولولا أن تصيبهم مصيبة ms1586 بما ~~قدمت أيديهم }؛ قال مقاتل: (معناه: ولولا أن ~~يصيبهم العذاب في الدنيا بما قدمت أيديهم من ~~الكفر والمعاصي) يعني كفار مكة، { فيقولوا ربنا ~~لولا أرسلت إلينا رسولا }؛ أي هلا أرسلت إلينا ~~رسولا، { فنتبع آياتك } ، يعني القرآن، { ونكون من ~~المؤمنين }. # والمعنى: لولا أنهم يحتجون بترك الإرسال إليهم لعجلناهم ~~بالعقوبة بكفرهم. وحقيقة كشف معنى الآية: لولا أنه إذا ~~أصابتهم مصيبة؛ أي عقوبة بما قدمت أيديهم من ~~الكفر فيقولوا عند نزول العذاب بهم: ربنا هلا أرسلت إلينا ~~رسولا فنتبع كتابك ورسولك، ونكون من المؤمنين؛ ~~لعجلناهم العقوبة. قيل: معناه: لولا إذا أصابتهم عقوبة ~~الآخرة فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا في الدنيا لما ~~أرسلناك. وفي الآية بيان أن الله تعالى أرسل النبي صلى الله عليه ~~وسلم مبالغة في الحجة وقطع المعذرة. ### || [28.48] # قوله تعالى: { فلما جآءهم الحق من عندنا }؛ أي فلما ~~جاء أهل مكة الحق من عندنا وهو محمد والقرآن، { ~~قالوا لولا أوتي مثل مآ أوتي موسى }؛ أي هلا أعطي ~~مثل ما أعطي موسى، يعنون هلا أنزل عليه القرآن جملة كما ~~أنزل التوراة على موسى جملة واحدة، وهلا أعطى محمدا اليد ~~والعصا والمن والسلوى وغير ذلك من الآيات. # فاحتج الله عليهم بقوله: { أولم يكفروا بمآ أوتي ~~موسى من قبل }؛ أي فقد كفروا بما أوتي موسى، كما كفروا ~~بآيات محمد و { قالوا سحران تظاهرا }؛ أي تعاونا على ~~السحر والضلال، يعنون موسى ومحمدا عليهم السلام. وقرأ ~~أهل الكوفة (سحران) بغير ألف التوراة والقرآن، { ~~وقالوا إنا بكل } ، من التوراة والقرآن، { كافرون ~~}. ### || [28.49-50] # قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم: { قل }؛ لكفار مكة: { ~~فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهمآ }؛ أي ~~من التوراة والقرآن حتى { أتبعه إن كنتم صادقين }؛ ~~أنهما كانا سحران، قوله تعالى: { فإن لم يستجيبوا ~~لك }؛ أي فإن لم يأتوا بمثل التوراة والقرآن، { فاعلم ~~أنما يتبعون أهوآءهم }؛ وإن ما ركبوه من الكفر ~~لا حجة لهم فيه، وإنما آثروا فيه الهوى. # ثم ذمهم الله فقال: { ومن أضل ممن اتبع هواه ~~بغير هدى من الله }؛ أي لا ms1587 أحد أضل ممن اتبع ~~هواه بغير رشاد ولا بيان جاء من الله، { إن الله لا ~~يهدي القوم الظالمين }؛ ومعنى قوله { فإن لم ~~يستجيبوا لك } أي فإن لم يجيبوك إلى ما سألتهم ولا ~~يجيبون. ### || [28.51] # قوله تعالى: { ولقد وصلنا }؛ رسلنا، { لهم ~~القول لعلهم يتذكرون } أي وصلنا لأهل مكة ذكر ~~الأنبياء والأمم وأقاصيص بعضهم لبعض، وأخبرناهم أنا أهلكنا ~~قوم نوح بكذا وقوم صالح بكذا لكي يتعظوا بالقرآن، ويخافوا ~~أن ينزل بهم مثل ما نزل بمن قبلهم. ### || [28.52-54] # قوله تعالى: { الذين آتيناهم الكتاب من قبله ~~}؛ أي من قبل القرآن، { هم به يؤمنون }؛ أي بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم. قال السدي: (يعني مسلمي اليهود ~~عبدالله بن سلام وأصحابه). وقال مقاتل: (يعني مسلمي ~~أهل الإنجيل، وهم الذين قدموا مع جعفر بن أبي ~~طالب من الحبشة). # ثم نعتهم الله تعالى فقال: { وإذا يتلى عليهم }؛ ~~يعني القرآن، { قالوا آمنا به }؛ أي صدقنا بالقرآن، { ~~إنه الحق من ربنآ }؛ لا ذكر النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وكان مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل فلم يعاندوا، ~~وقالوا للقرآن: إنه الحق من ربنا، { إنا كنا من ~~قبله }؛ قبل القرآن، { مسلمين }؛ مخلصين لله بالتوحيد، ~~مؤمنين بمحمد صلى الله عليه وسلم أنه نبي. # ثم أثنى الله عليهم خيرا، فقال: { أولئك يؤتون ~~أجرهم مرتين بما صبروا }؛ مرة بتمسكهم بدينهم ~~حتى أدركوا محمدا صلى الله عليه وسلم فآمنوا به، ومرة ~~بإيمانهم به. وقال قتادة: (كما صبروا على الكتاب الأول ~~والكتاب الثاني)، وقيل: مرة لإيمانهم بموسى ومرة ~~لإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { ويدرؤن بالحسنة السيئة }؛ أي ~~يدفعون بشهادة أن لا إله إلا الله الشرك، كذا قال ابن ~~عباس، وقال مقاتل: (يدفعون ما يلحقهم من أذية ~~الكافرين وشتمهم لهم بالعفو والصفح ~~والاحتمال). { ومما رزقناهم ينفقون }؛ من الأموال ~~في طاعة الله. ### || [28.55] # قوله تعالى: { وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ~~}؛ أي وإذا خوطبوا بالسفاهة وشتمهم المشركون ردوا عليهم ~~جميلا، وأعرضوا عن الكلام الذي لا فائدة فيه، { وقالوا لنآ ~~أعمالنا } أي ديننا، { ولكم أعمالكم } أي دينكم. # وذلك أنهم ms1588 عيروهم بترك دينهم. قال السدي: لما أسلم ~~عبدالله بن سلام جعل اليهود يشتمونه، وهو ~~يقول: { سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين }؛ قال ~~الزجاج: (لم يريدوا التحية، والمعنى أنهم ~~قالوا: بيننا وبينكم المتاركة والتسلم، وهذا ~~قبل أن يؤمر المسلمون بالقتال)، فكأنهم قالوا: ~~سلمتم منا لا نعترضنكم بالشتم. ومعنى قوله تعالى ~~{ لا نبتغي الجاهلين } أي لا نريد أن نكون من أهل ~~الجهل والسفه. وقال الكلبي: (معناه: لا نحب دينكم ~~الذي أنتم عليه). ### || [28.56] # قوله تعالى: { إنك لا تهدي من أحببت }؛ ذهب ~~أكثر المفسرين أن هذه الآية # " نزلت في أبي طالب، وذلك أنه لما مرض مرضه الذي ~~مات فيه، دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ~~له: " يا عم؛ قل لا إله إلا الله أشهد لك بها يوم ~~القيامة " قال: لولا أن يعيرني نساء قريش ~~ويقلن: إنه حمله على ذلك الجزع عند الموت، ~~لأقررت بها عينك " # ، فأنزل الله تعالى { إنك لا تهدي من أحببت } ~~هدايته. وقيل: إنك لا تهدي من أحببته. # و # " عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه دخل على عمه أبي ~~طالب في مرضه الذي مات فيه، وعنده أبو جهل ~~وعبدالله بن أمية بن المغيرة، فقال له: " يا ~~عم؛ قل لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله " ~~فقال له أبو جهل وعبدالله بن أمية: أترغب عن ~~ملة عبد المطلب؟! # فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ~~وهما يعاودانه على تلك المقالة حتى قال أبو ~~طالب آخر ما كلمهم به: أنا على ملة عبد ~~المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله " # ، فأنزل الله في أبي طالب، وقال لرسوله: { إنك ~~لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشآء }؛ ~~قال الزجاج: (ابتداء نزولها بسبب أبي طالب، وهي ~~عامة؛ لأنه لا يهدي إلا الله عز وجل). { وهو ~~أعلم بالمهتدين }. ### || [28.57-58] # قوله تعالى: { وقالوا إن نتبع الهدى معك ~~نتخطف من أرضنآ }؛ أي قالت قريش لمحمد صلى الله عليه ~~وسلم: إن اتبعناك على دينك يتخطفنا العرب على أنفسنا ms1589 أن ~~يخرجوا من أرضنا مكة إن تركنا ما يعبدون. قال الله تعالى: ~~{ أولم نمكن لهم حرما آمنا } أي ذا أمن يأمن فيه ~~الناس. # وذلك أن العرب كانت يغير بعضهم على بعض، وأهل مكة آمنون في ~~الحرم من القتل والسيف والغارة؛ أي فكيف يخافون إذا ~~أسلموا وهم في حرم آمنون. ومعنى { أولم نمكن لهم ~~حرما آمنا } أي أولم نجعله مكانا لهم. # وقوله تعالى: { يجبى إليه ثمرات كل شيء }؛ ومعنى { ~~يجبى } أي يحمل الحرم { ثمرات كل شيء رزقا }. قرأ ~~نافع ويعقوب: (تجبى) بالتاء لأجل الثمرات، وقرأ الباقون بالياء ~~لقوله { كل شيء رزقا } ومعنى (تجبى) أي تحمل إلى ~~الحرم { ثمرات كل شيء } من مصر والشام واليمن ~~والعراق. # وقوله تعالى: { رزقا من لدنا }؛ أي رزقا من عندنا، { ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون }؛ أنا فعلنا ذلك يعني ~~أهل مكة، والمعنى: أولم يجعل أهل مكة في أمان قبل الإيمان ~~يجبى إلى الحرم ثمرات كل شيء نعمة من عندنا، فكيف يخافون ~~زوال الأمان، { ولكن أكثرهم لا يعلمون } لأنهم لا ~~يتدبرون ولا يتفكرون. # ثم خوفهم بمثل عذاب الأمم الخالية، فقال: { وكم أهلكنا ~~من قرية بطرت معيشتها }؛ أي كم أهلكنا من أهل قرية ~~بطرتها معيشتها، والبطر: الطغيان عند النعمة، وقيل: ~~معناه: بطرت في معيشتها. قال عطاء: (عاشوا في البطرة، ~~فأكلوا رزق الله وعبدوا الأصنام). # وقوله تعالى: { فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم ~~إلا قليلا }؛ أي منازلهم التي كانوا يسكنونها لم يسكنها ~~أحد إلا المسافرون وماروا الطريق ينزلون ببعضها يوما أو ساعة ~~ثم يرحلون. والمعنى لم تسكن من بعدهم إلا سكونا قليلا، { ~~وكنا نحن الوارثين }؛ أي لم نجعل لهم أحدا بعد هلاكهم ~~في منازلهم، فبقيت خرابا غير مسكونة كقوله # إنا نحن نرث الأرض ومن عليها # [مريم: 40]. ### || [28.59] # قوله تعالى: { وما كان ربك مهلك القرى حتى ~~يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا }؛ ~~معناه: وما كان ربك يا محمد معذب القرى الكافرة أهلها ~~حتى يبعث في أعظمها قرية رسولا ينذرهم ويقرأ عليهم آياتنا، ~~وخص الأعظم من القرى ببعثة الرسول فيها؛ لأن الرسول ms1590 ~~إنما يبعث إلى الأشراف، وأشراف القوم وملوكهم يسكنون المدائن ~~والمواضع التي هي أم ما حولها. # وقوله تعالى: { وما كنا مهلكي القرى إلا ~~وأهلها ظالمون }؛ أي ما نهلكهم إلا بظلمهم وشركهم، ~~وقيل: المراد بالقرى القرى التي حول مكة، والمراد بأمها ~~مكة سميت أم القرى؛ لأن الأرض دحيت من تحتها. ### || [28.60] # قوله تعالى: { ومآ أوتيتم من شيء فمتاع الحياة ~~الدنيا وزينتها }؛ تتمتعون بها أيام حياتكم ثم تنقطع ~~وتفنى وتنقضي، { وما عند الله خير }؛ من الثواب والجنة، { ~~وأبقى }؛ وأدوم لأهله وأفضل مما أعطيتم في الدنيا، { ~~أفلا تعقلون } أن الباقي أفضل من الفاني الذاهب. وقيل: ~~{ أفلا تعقلون } خير الأمرين فتطلبوه وشر الأمرين ~~فتتركوه. قرأ أبو عمرو (أفلا يعقلون) بالياء. ### || [28.61] # قوله تعالى: { أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه ~~كمن متعناه متاع الحياة الدنيا }؛ استفهام يعني ~~التقرب، أي كيف يستوي حال من وعدناه الثواب والجنة في الآخرة ~~فهو لاقيه، وحال من متعناه بعرض الدنيا، { ثم هو ~~يوم القيامة من المحضرين }؛ العذاب. # والمعنى: { أفمن وعدناه } على إيمانه وطاعته الجنة والثواب ~~الجزيل { فهو لاقيه } أي مدركه { كمن متعناه } أي كمن ~~هو ممتع بشيء يفنى ويزول عن قريب { ثم هو يوم ~~القيامة من المحضرين } النار. قال قتادة: (يعني ~~المؤمن والكافر، فالمؤمن سمع كتاب الله ~~وصدقه وآمن بموعود الله فيه، وليس كالكافر ~~الذي تمتع بالدنيا ثم هو يوم القيامة من ~~المحضرين في عذاب الله)، قال مجاهد: (نزلت هذه الآية ~~في علي وحمزة وأبي جهل)، وقال السدي: (نزلت في ~~عمار والوليد بن المغيرة). ### || [28.62] # قوله تعالى: { ويوم يناديهم }؛ أي ينادي الله ~~المشركين يوم القيامة، { فيقول أين شركآئي الذين ~~كنتم تزعمون }؛ في الدنيا أنهم كانوا شركائي، والمعنى: ~~واذكر يوم ينادى الكفار وهو يوم القيامة فيقول أين ~~شركائي في قولكم، وليس لله شريك، ولكن خرج هذا الكلام على ما ~~كانوا يلفظون به، فيقولون: هؤلاء شركاء الله. ### || [28.63] # قوله تعالى: { قال الذين حق عليهم القول }؛ أي ~~الذين حقت عليهم كلمة العذاب أو وجب عليهم العذاب وهم ~~الرؤوس: { ربنا هؤلاء الذين أغوينآ }؛ يعنون ~~سلفهم ms1591 وأتباعهم، { أغويناهم كما غوينا }؛ أي ~~أضللناهم كما ضللنا، { تبرأنآ إليك }؛ منهم، ~~وقيل: تبرأنا بحملنا إليك من الضلال، { ما كانوا ~~إيانا يعبدون } ما كانوا يعبدوننا بإكراه من جهتنا، ~~وقيل: ما كانوا يعبدوننا بحجة ولا استحقاق. ### || [28.64] # قوله تعالى: { وقيل ادعوا شركآءكم }؛ أي يقال لهم: ~~لستم تسألون عن الإغواء والغواية، ولكن ادعوا آلهتكم ~~حتى يذودوا عنكم العذاب، { فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ~~}؛ أي لم يجيبوهم إلى نصرتهم { ورأوا العذاب }؛ أي رأوا ~~كلهم القادة والأتباع العذاب. وقوله تعالى: { لو أنهم ~~كانوا يهتدون }؛ جواب (لو) محذوف تقديره: لو أنهم كانوا ~~يهتدون في الدنيا لما رأوا العذاب. ### || [28.65-66] # قوله تعالى: { ويوم يناديهم فيقول ماذآ ~~أجبتم المرسلين * فعميت عليهم الأنبآء ~~يومئذ }؛ أي فألبست عليهم الأجوبة يومئذ، ولم يدروا ماذا ~~يقولون من الفزع والتحير، { فهم لا يتسآءلون }؛ لا ~~يسأل بعضهم بعضا في تلك الساعة لرد الجواب. وقيل: لا ~~يسأل أحد عن حال أحد لانشغال كل واحد منهم بنفسه. وقيل: لا ~~يسأل أحد أحدا أن يترك طاعة أو يتحمل عنه معصية، ومعنى ~~قوله تعالى { فعميت } أي خفيت واشتبهت عليهم الأنباء. ### || [28.67] # قوله تعالى: { فأما من تاب وآمن وعمل صالحا }؛ ~~أي من تاب من الشرك وآمن وصدق بتوحيد الله وبمحمد صلى ~~الله عليه وسلم { وعمل صالحا } أي أدى الفرائض، { فعسى أن ~~يكون من المفلحين }؛ أي من الناجين الفائزين. ### || [28.68] # قوله تعالى: { وربك يخلق ما يشآء ويختار }؛ ~~وذلك أن الوليد بن المغيرة كان يقول: لولا نزل هذا ~~القرآن على رجل من القريتين عظيم، يعني نفسه وأبا ~~مسعود الثقفي، فأنزل الله هذه الآية { وربك يخلق ما ~~يشآء ويختار } من ينبؤ للرسالة والنبوة؛ أي فكما أن ~~الخلق إليه يخلق ما يشاء، فكذلك الاختيار إليه في جميع الأمور، ~~فيختار ممن خلق ما يشاء. # قوله تعالى: { ما كان لهم الخيرة }؛ ابتداء الكلام ~~نفي الاختيار عن المشركين، وذلك أنهم اختاروا الوليد بن المغيرة ~~من مكة وأبو عروة بن مسعود من الطائف، فقال الله { ما كان ~~لهم الخيرة } أي ليس لهم الاختيار على الله، ثم نزه ~~الله ms1592 نفسه فقال: { سبحان الله وتعالى عما ~~يشركون }؛ ومن قرأ (ونختار ما كان لهم الخيرة) من ~~غير أن يقف على (ونختار)، جعل (ما) بمعنى الذي، كأنه ~~قال: # ونختار الذي لهم الخيرة فيصنع بهم ما صلح لهم، وأنشد ~~محمود الوراق: # توكل على الرحمن في كل حاجة # أردت فإن الله يقضي ويقدر # متى ما يريد ذو العرش أمرا بعبده # يصبه وما للعبد ما يتخير # فقد يهلك الإنسان من حيث أمنه # وينجو بحمد الله من حيث يحذر ### || [28.69] # قوله تعالى: { وربك يعلم ما تكن صدورهم }؛ أي ~~ما تستر من الكفر والعداوة لله ولرسوله؛ أي يعلم ما تضمر ~~قلوبهم من ذلك، { وما يعلنون } بألسنتهم من الكفر والمعاصي. ### || [28.70] # قوله تعالى: { وهو الله لا إله إلا هو له ~~الحمد في الأولى والآخرة }؛ يستحق الحمد في الدارين، { ~~وله الحكم }؛ أي الفصل بين الخلائق؛ حكم لأهل طاعته ~~بالمغفرة، ولأهل معصيته بالشقاء والويل، { وإليه ~~ترجعون }؛ أي موضع جزائه. ### || [28.71] # قوله تعالى: { قل أرأيتم إن جعل الله عليكم ~~الليل سرمدا إلى يوم القيامة } أي قل يا محمد ~~لأهل مكة: أخبروني إن جعل الله عليكم الليل دائما أبدا إلى ~~يوم القيامة، لا نهار معه، { من إله غير الله ~~يأتيكم بضيآء }؛ أي بنهار مضيء تتصرفون فيه وتطلبون ~~فيه المعيشة، { أفلا تسمعون }؛ سماع قبول وتفهم ~~فتستدلون بذلك على توحيد الله. ### || [28.72] # قوله تعالى: { قل أرأيتم إن جعل الله عليكم ~~النهار سرمدا إلى يوم القيامة }؛ أي قل: أخبروني ~~إن جعل الله عليكم النهار دائما، { من إله غير الله ~~يأتيكم بليل تسكنون فيه } ، تستريحون فيه من الحركة ~~ومن النصب؟ { أفلا تبصرون }؛ أدلة الله تعالى. ### || [28.73] # قوله تعالى: { ومن رحمته جعل لكم اليل ~~والنهار لتسكنوا فيه }؛ أي ومن نعمته عليكم أن ~~خلق لكم الليل والنهار لتستريحوا ليلا، ولتنصرفوا نهارا، ~~والمعنى: { لتسكنوا فيه } أي في الليل، { ولتبتغوا من ~~فضله }؛ أي ولتلتمسوا في النهار من فضل الله، { ولعلكم ~~تشكرون }؛ الذي أنعم عليكم بهما. ### || [28.74] # قوله تعالى: { ويوم يناديهم فيقول أين ~~شركآئي الذين كنتم تزعمون }؛ فقد تقدم تفسيره. ### || [28.75] ms1593 # قوله تعالى: { ونزعنا من كل أمة شهيدا }؛ أي ~~وأخرجنا من كل أمة رسولها الذي يشهد عليهم بالتبليغ وما كان ~~منهم، { فقلنا هاتوا برهانكم }؛ أي فقلنا للمشهود ~~عليهم: { هاتوا برهانكم } أي حجتكم بأن معي شريكا، { ~~فعلموا أن الحق لله }؛ أي أن التوحيد لله، { ~~وضل عنهم }؛ أي زال عنهم وبطل في الآخرة، { ما كانوا ~~يفترون }؛ في الدنيا من قولهم: إن مع الله شريكا. ### || [28.76] # قوله تعالى: { إن قارون كان من قوم موسى ~~فبغى عليهم }؛ قال أكثر المفسرين: كان قارون ابن عم ~~موسى من بني إسرائيل، وكان من العلماء بالتوراة. وقال بعضهم كان ~~ابن خالته. وقوله تعالى { فبغى عليهم } أي بكثرة ~~ماله، والمعنى: أنه تطاول على موسى وقومه وجاوز الحد في ~~التكبر عليهم. والبغي في اللغة: طلب العلو بغير حق. # قوله تعالى: { وآتيناه من الكنوز مآ إن ~~مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة } أي أعطيناه ~~من الأموال المجموعة ما إن مفاتحه، قال ابن عباس: (أراد ~~بالمفاتح الخزائن، كانت خزائنه لتثقل ~~بالجماعة ذوي القوة إذا حملوها). # قال بعضهم: هو جمع مفتاح؛ وهو ما يفتح به الباب، وهذا قول ~~قتادة ومجاهد. وقيل: مفاتح جمع مفتح بكسر الميم وهي المفتاح، ~~فجمعه مفاتيح. قال خيثمة: (كانت مفاتيح قارون من ~~جلود، كل مفتاح مثل الإصبع، مفتاح كل خزانة ~~على حدة، فإذا ركب حمل المفاتيح على ستين ~~بغلا). وقال ابن عباس: (كان يحمل مفاتيحه أربعون ~~رجلا أقوى ما يكون من الرجال). # ومعنى قوله تعالى { لتنوء بالعصبة } وإنما العصبة ~~تنوء بالمفاتيح؛ أي يثقل في حملها، قيل: هذا شائع في الكلام ~~كما يقال: عرضت الناقة على الحوض، وإنما يعرض الحوض عليها، ولا ~~تعرض الناقة على الماء. والكنز في اللغة: اسم للمال الذي ~~يجمع بعضه على بعض، وإذا أطلق أريد به ما يخبأ تحت ~~الأرض. # وقال خيثمة: (وجدت في الإنجيل: أن مفاتيح ~~خزائن قارون وقر ستين بغلا غرا محجلة). ~~وقيل: إنها كانت من جلود الإبل، وكانت من حديد، فلما ثقلت ~~عليه جعلت من خشب، فلما ثقلت عليه جعلت من جلود. # قوله تعالى: { إذ ms1594 قال له قومه لا تفرح }؛ قال له ~~قومه من المؤمنين من بني إسرائيل: لا تفرح بالكنوز والمال ولا ~~تأشر ولا تبطر، { إن الله لا يحب الفرحين }؛ أي ~~الأشرين البطرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم. ~~والفرح إذا أطلق أريد المزح الذي يخرج إلى البطر، ~~ولذلك قال: { لا يحب الفرحين } ، وقال # إنه لفرح فخور # [هود: 10]، وأما قوله # فرحين بمآ آتاهم الله من فضله # [آل عمران: 170] فهو بهداية النفس وهو حسن جميل، قال الشاعر: # ولست بمفراح إذا الدهر سرني # ولا جازع من صرفه المتقلب ### || [28.77] # قوله تعالى: { وابتغ فيمآ آتاك الله الدار ~~الآخرة }؛ أي واطلب فيما أعطاك الله من الأموال والنعمة ~~الجنة، وهو أن يقوم بشكر الله فيما أنعم الله وينفقه في ~~رضا الله، وقوله تعالى: { ولا تنس نصيبك من الدنيا }؛ ~~أي ولا تنس لتعمل لآخرتك، وقال الحسن: (أن يقدم الفضل ~~وأن يمسك ما يغنيه). # وقوله: { وأحسن كمآ أحسن الله إليك }؛ أي أحسن إلى ~~الفقراء والمساكين، كما أحسن الله إليك. وقيل: معناه: ~~أطع الله واعبده كما أنعم عليك، { ولا تبغ الفساد في ~~الأرض }؛ أي ولا تعمل في الأرض بالمعاصي ومخالفة موسى عليه ~~السلام، { إن الله لا يحب المفسدين }. ### || [28.78] # قوله تعالى: { قال إنمآ أوتيته على علم عندي ~~} ، قال عطاء: (فكفر قارون لما رأى أن المال حصل ~~له بعلمه ولم ير ذلك من عطاء الله). والمعنى: قال ~~قارون: إنما أعطيت هذا المال على علم عندي بوجوه الاكتساب ~~والتجارات لا يعلمها أحد غيري. # وقيل: معناه: على علم عندي يعني لفضل علمي، فكنت أهلا ~~لما أعطيته، وكان أقرأهم للتوراة، والمعنى: فضلني الله عليكم ~~بهذا المال، لفضلي عليكم بالعلم، يعني علم الكيمياء. # قوله تعالى: { أولم يعلم أن الله قد أهلك ~~من قبله من القرون من هو أشد منه قوة }؛ ~~معناه: { أولم يعلم } هذا المسكين الذي قد أعجبته ~~نفسه وما ملك من الدنيا يعني قارون { أن الله قد ~~أهلك } بالعذاب { من قبله من القرون } حين كذبوا رسوله ~~{ من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا }؛ للمال ~~والخدم ms1595 والحشم. # قوله تعالى: { ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون }؛ ~~معناه: لا يسئل المجرمون عن ذنوبهم في الآخرة، فإنهم ~~يعرفون بسيماهم. قال قتادة: (إنهم يدخلون النار ~~بغير حساب). # وأما قوله تعالى # فوربك لنسألنهم أجمعين # [الحجر: 92] فإنهم يسئلون سؤال تقريع وتوبيخ، كما قال ~~الحسن في معنى هذه الآية (أنهم لا يسئلون سؤال ~~الاختيار ليعلم ذلك من قبلهم، وإنما يسئلون ~~سؤال التوبيخ والمناقشة). ### || [28.79] # قوله تعالى: { فخرج على قومه في زينته }؛ قال ~~السدي: (خرج في جوار بيض؛ على سروج من ذهب؛ على ~~قطف أرجوان؛ " وهن " على بغال بيض عليهن ثياب ~~حمر وحلي من ذهب). وقال مقاتل: (خرج على بغلة ~~شهباء عليها سرج من ذهب عليه الأرجوان، ومعه ~~أربعة آلاف فارس على الخيل، عليهم وعلى دوابهم ~~الأرجوان، ومعه ألف جارية على بغال شهب ~~سروجهن الذهب؛ ولباسهن أرجوان أحمر، عليهن ~~الحلي والحلل). # وقال ابن زيد: (خرج في سبعين ألفا عليهم ~~المعصفرات). وهذا معنى الحسن في ثياب صفر. قال ~~الزجاج: (الأرجوان في اللغة صبغ أحمر، فروي أنه كان ~~عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر)، قال: (وكان ذلك أول ~~يوم رؤيت المعصفرات). # قوله تعالى: { قال الذين يريدون الحياة الدنيا ~~}؛ أي قال مؤمنوا أهل ذلك الزمان لما رأوا تلك الزينة ~~والجمال، { يليت لنا مثل مآ أوتي قارون }؛ من المال، { ~~إنه لذو حظ عظيم }؛ أي ذو نصيب وافر من الدنيا، وكان ~~الذين تمنوا هذه الأمنية القوم الذين يرغبون في الدنيا ~~ويتمنونها. ### || [28.80] # قوله تعالى: { وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ~~ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا }؛ أي قال ~~العلماء العاملون الراغبون في الآخرة للذين تمنوا ما أوتي ~~قارون: (ويلكم! ثواب الله خير) أي ارتدعوا عن مقالتكم؛ ~~فإن ثواب الله في الآخرة خير لمن آمن وعمل صالحا، وقام ~~بالفرائض خير مما أعطي قارون في الدنيا، وخير من الدنيا وما ~~فيها. # قوله تعالى: { ولا يلقاهآ إلا الصابرون }؛ أي لا ~~يؤتى الأعمال الصالحة، يدل عليه قوله تعالى: # وعمل صالحا # [الفرقان: 71]، وقال الكلبي: (ولا يعطاها في الآخرة إلا ~~الصابرون على أمر الله) أي الجنة، يدل ms1596 عليه قوله ~~تعالى: { ثواب الله }. ### || [28.81] # قوله تعالى: { فخسفنا به وبداره الأرض }؛ أي ~~فخسفنا بقارون وقصره الذي بناه عقوبة له على كفره، وذلك ~~أنه لما أضاف النعم التي أعطاه الله إياها إلى فعل نفسه ~~وعمله، ولم ينسبها بتسهيل الله ذلك عليه؛ صار كافرا ~~بنعم الله. # وقيل في سبب خسفه: أنه لما حسد موسى وهارون دعا امرأة ~~ذات جمال معروفة بالفجور، وجعل لها ألف درهم - وقيل: ألف ~~مثقال - وقال لها: إني أخلطك بنسائي على أن تقذفي موسى ~~بنفسك غدا إذا حضر بنو إسرائيل، وتذكري أنه راودك عن نفسك! ~~فأجابت قارون إلى ذلك، فلما كان من الغد، جمع قارون بني ~~إسرائيل، ثم أتى موسى فقال له: إن بني إسرائيل قد اجتمعوا ~~ينظرون خروجهم لتأمرهم وتنهاهم. # فخرج موسى فقام فيهم يعظهم ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن ~~المنكر، قال: يا بني إسرائيل؛ من سرق قطعناه، ~~ومن افترى جلدناه ثمانين، ومن زنى وليست له ~~امرأة جلدناه مائة، ومن زنى وله امرأة رجمناه ~~حتى يموت. قال قارون: وإن كنت أنت؟! قال: وإن كنت ~~أنا. قال: فإن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة! ~~فقال موسى: ادعوها، فدعوها وقد ألهمها الله التوبة ~~والتوفيق، فقالت في نفسها: لإن أحدث اليوم توبة خير ~~من أن يؤذى رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فجاءوا بها وقد عقدوا مجلسا استحضر فيه قارون الخاص ~~والعام، فقال قارون للمرأة: ما تقولين؟ قالت: يا ويلاه! ~~قد عملت كل فاحشة، وما بقي إلا أن أفتري على ~~نبي الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أبرأ إلى الله من ذلك. # ثم أخرجت خريطتين مملوءتين دراهم وعليهما خاتم قارون، ~~فقالت: يا أيها الملأ؛ إن قارون أعطاني هاتين الخريطتين ~~على أن آتي جماعتكم فأزعم أن موسى راودني عن نفسي، ومعاذ ~~الله أن افتري على نبي الله، وأنا أبرأ إلى الله من ذلك ~~وهذه دراهمه وعليها خاتمه. # فعرف بنو إسرائيل خاتم قارون، فافتضح قارون بين أولئك ~~القوم، وغضب موسى عليه السلام فخر ساجدا يبكي وهو يقول: ~~اللهم إن كنت رسولك فاغضب لي. ms1597 # فأوحى الله إليه أني قد أمرت الأرض تطيعك فمرها بما ~~شئت، فقال موسى عليه السلام: يا أرض خذيه، فأخذته إلى ~~كعبه، ثم قال: يا أرض خذيه، فأخذته إلى ركبتيه، ~~فناشده الرحم، فقال: يا أرض خذيه، فأخذته حتى غيبت ~~حقوته، فتضرع إلى موسى وناشده الرحم، فلم يسمع ~~تضرعه، فقال: يا أرض خذيه، فأخذته حتى غيبته. # فروي أنه استغاث بموسى وناشده سبعين مرة، فلم يلتفت موسى ~~إلى ذلك، فأوحى الله إلى موسى: ما أفظك وأغلظ قلبك! استغاث ~~بك قارون سبعين مرة فلم ترحمه ولم تغثه، وعزتي وجلالي ~~لو استغاث بي لأغثته، ولو دعاني لوجدني قريبا مجيبا. # واختلفوا في أي وقت خسف بداره، قال بعضهم: إنه خسف به ~~معه، وقال بعضهم: لما خسف بقارون قالت بنو إسرائيل: إن ~~موسى أراد أن يأخذ دار قارون وأمواله وكنوزه، فدعا الله موسى ~~فخسف بداره وأمواله بعد ما خسف بقارون بثلاثة أيام. قال ~~قتادة: (وذكر لنا أن قارون يتجلجل في الأرض هو ~~وداره وماله كل يوم قامة لا يبلغ قعرها إلى ~~يوم القيامة). # قوله تعالى: { فما كان له من فئة ينصرونه من ~~دون الله }؛ أي ما كان له من جند وجماعة يمنعونه من عذاب ~~الله، { وما كان من المنتصرين }؛ أي وما كان من ~~الممتنعين مما نزل به من الخسف. ### || [28.82] # قوله تعالى: { وأصبح الذين تمنوا مكانه ~~بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن ~~يشآء من عباده ويقدر }؛ أي أصبح الذين تمنوا ~~منزلته وماله بالأمس حين رأوه في زينته يندمون على ذلك ~~التمني، يقول بعضهم لبعض بعد ما خسف به (وي) هذه كلمة ~~تنبيه ومعناها: أما ترون؟. # قال مجاهد: (وسبيلها سبيل: أما تعلم) ويحكى أن ~~امرأة من العرب قال لها زوجها: أين أبوك، قالت: ~~له ويكأنه وراء هذا البيت، يعني أما ترى أنه رواء هذا ~~البيت. # وذهب بعض النحويين إلى أن قول الرجل: ويكأنه، ~~بمنزلة: ويلك إعلم. وقال الخليل ويونس: (وي مفصولة ~~من كأن، و(وي) كلمة تندم وتنبيه، و(كأن) في هذا ~~الموضع بمعنى الظن والعلم) كأنهم لما رأوا ms1598 الخسف ~~تكلموا على قدر علمهم، وقالوا: كأن الله يبسط الرزق لمن ~~يشاء لا لكرامته عليه، ويضيق على من يشاء لا لهوانه عليه. # وقوله تعالى: { لولا أن من الله علينا لخسف بنا ~~}؛ أي لولا أن من الله علينا بالعافية والرحمة والإيمان ~~لخسف بنا. وقرأ يعقوب وحفص: (لخسف) بفتح الخاء والسين؛ أي ~~لخسف الله بنا. قوله تعالى: { ويكأنه لا يفلح ~~الكافرون }؛ أي أما ترى أنه لا يسعد من كفر بالله. ### || [28.83] # قوله تعالى: { تلك الدار الآخرة نجعلها ~~للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا }؛ ~~المراد بالدار الجنة، { نجعلها للذين لا يريدون ~~علوا } على خلقي { في الأرض } ولم يتكبروا كما تكبر ~~قارون. # قوله تعالى: { ولا فسادا } أي ولا دعاء إلى عبادة غير ~~الله. وقيل: ولا فسادا ولا عملا بالمعاصي. وقيل: هو أخذ ~~المال بغير الحق. قوله تعالى: { والعاقبة ~~للمتقين }؛ أي العاقبة الحميدة لمن اتقى عقاب الله بأداء ~~فرائضه واجتناب معاصيه. وقيل: الذين يتقون الكفر والعلو ~~والفساد. # وعن كعب رضي الله عنه أنه قال: # " " يحشر المتكبرون يوم القيامة كالذر في صور ~~الرجال، يغشاهم الذل من كل مكان، يسلكون في ~~النار ويسقون من طينة الخبال " قيل: وما طينة ~~الخبال؟ قال: " عصارة أهل النار " # والمراد بالتكبر: أن يكون التكبر لأمر يرجع إلى الدنيا، ~~فإما يكون من ذلك لإزالة المنكر وإقامة حق من حقوق الله، فلا ~~يكون ذلك من التكبر في شيء، وإنما هو تمسك بالدين. ### || [28.84] # قوله تعالى: { من جآء بالحسنة فله خير منها ~~}؛ قد تقدم تفسيره، { ومن جآء بالسيئة فلا يجزى ~~الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون }؛ ~~أي ومن جاء بالسيئة فلا يزاد في عقوبته أكثر مما يستحقه. ~~والمعنى: أن الذين أشركوا يجزون بما كانوا يعملون من الشرك ~~وجزاؤهم النار. ### || [28.85] # قوله تعالى: { إن الذي فرض عليك القرآن ~~لرآدك إلى معاد }؛ معناه: إن الذي فرض عليك العمل ~~بالقرآن لرادك إلى بلدك يعني مكة، فإن معاد الرجل ~~بلده. وقيل: معناه: (إن الذي فرض عليك القرآن) ~~أي أنزل عليك القرآن. وقال الزجاج: (فرض عليك العمل ms1599 ~~بما يوجبه القرآن). تقدير الكلام: فرض عليك أحكام ~~القرآن أو فرائض القرآن { لرآدك إلى معاد } يعني ~~مكة. # قال مقاتل: # " خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغار ليلا، ثم ~~هاجر من وجهه ذلك إلى المدينة، فسافر في غير ~~طريق مخافة الطلب، فلما أمن رجع إلى الطريق، ~~فنزل بالجحفة بين مكة والمدينة، وعرف ~~الطريق إلى مكة فاشتاق إليها، وذكر مولده ~~ومولد آبائه، فأتاه جبريل فقال له: أتشتاق ~~إلى بلدك ومولدك؟ قال: " نعم " قال جبريل: ~~فإن الله تعالى يقول { إن الذي فرض عليك ~~القرآن لرآدك إلى معاد } يعني إلى مكة ظاهرا ~~عليها " # ، فنزلت هذه الآية بالجحفة، فليست بمكية ~~ولا مدنية. # قوله تعالى: { قل ربي أعلم من جآء بالهدى ~~ومن هو في ضلال مبين } هذا جواب كفار مكة لما قالوا ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك في ضلال مبين! فقال الله تعالى: { ~~ربي أعلم من جآء بالهدى } يعني النبي صلى الله عليه ~~وسلم { ومن هو في ضلال مبين } يعني المشركين. والمعنى: ~~إن الله قد علم أني جئت بالهدى وإنكم لفي ضلال مبين. ### || [28.86] # قوله تعالى: { وما كنت ترجو أن يلقى إليك ~~الكتاب إلا رحمة من ربك } معناه: ما كنت يا ~~محمد ترجو أن يوحى إليك القرآن وأنك تكون نبيا تتلو ~~على أهل مكة قصص الأولين، إلا أن ربك رحمك وأراد بك ~~الخير، فأوحى إليك الكتاب وأكرمك بالنبوة نعمة منه عليك، { ~~فلا تكونن ظهيرا }؛ أي عونا { للكافرين }؛ على ~~دينهم، وذلك حين دعوه إلى دين آبائه فذكره الله النعمة. ~~ونهاه عن مظاهرتهم على ما كانوا عليه وأمره بالتحذر منهم. ### || [28.87] # قوله تعالى: { ولا يصدنك عن آيات الله بعد ~~إذ أنزلت إليك }؛ أي لا يصرفنك عن العمل بآيات الله ~~بعد إذ أنزلت إليك، { وادع إلى ربك }؛ أي إلى طاعته، ~~{ ولا تكونن من المشركين }؛ قال ابن عباس: (الخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أهل دينه) أي لا ~~تظاهروا الكفار ولا توافقوهم. ### || [28.88] # قوله تعالى: { ولا تدع مع الله إلها آخر }؛ أي ~~لا تعبد أحدا سوى ms1600 الله ولا تدع الخلق إلى أحد دون ~~الله، وقوله تعالى: { لا إله إلا هو }؛ لا معبود سواه، ~~قوله تعالى: { كل شيء هالك إلا وجهه }؛ أي إلا ~~هو. وانتصب قوله (وجهه) على الاستثناء كأنه قال: إلا إياه، ~~وقال عطاء: (معناه: كل شيء هالك إلا ما أريد به ~~وجهه، وكل عمل لغيره فهو هالك إلا ما كان ~~له). # وقوله تعالى: { له الحكم }؛ أي الفصل بين الخلائق دون ~~غيره، { وإليه ترجعون }؛ في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم، ~~والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. ### | [29 - سورة العنكبوت] ### || [29.1-2] # قد تقدم تفسير { الم }. فمن جعل هذه الحروف التي في أوائل ~~السورة قسما، احتمل أن يكون جواب القسم في قوله: # ولقد فتنا الذين من قبلهم # [العنكبوت: 3]؛ واحتمل أن يكون # فليعلمن # [العنكبوت: 3]. # وقوله تعالى: { أحسب الناس } لفظة استخبار، ومعناه التوبيخ ~~والتقرير، كأنه قال: أظنوا أن نقنع منهم بأن يقولوا آمنا فقط ~~ولا يمتحنون بالأوامر والنواهي والتكليف، ولا يختبرون ~~بما يعلم أنه صدق إيمانهم. # قال الحسن رضي الله عنه: (سبب نزول هذه الآية أنه لما ~~أصيب المسلمون يوم أحد وكانت الكرة عليهم، ~~عيرهم اليهود والنصارى بذلك، فشق ذلك على ~~المسلمين، فأنزل الله هذه الآية). قال السدي وقتادة ~~ومجاهد: (معناه: أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا ~~آمنا وهم لا يفتنون) في أموالهم وأنفسهم ~~بالقتل والتعذيب). # وقال مقاتل: # " نزلت هذه الآية في مهجع بن عبدالله مولى ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان أول قتيل من ~~المسلمين يوم بدر، رماه عامر بن الحضرمي ~~بسهم فقتله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " سيد ~~الشهداء مهجع، وهو أول من يدعى إلى باب الجنة ~~من هذه الأمة " فجزع عليه أبواه وامرأته " # ، فأنزل الله فيهم هذه الآية وأخبر أنه لا بد ~~لهم من البلاء والمشقة في ذات الله. ### || [29.3] # قوله تعالى: { ولقد فتنا الذين من قبلهم }؛ ~~فيه تسلية للمؤمنين، معناه: ولقد امتحنا الذين من قبلهم، ~~{ فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن ~~الكاذبين } ، فليعلمن الله الصادق بوقوع صدقه منه ~~بالصبر على ما يؤمر به، والكاذب بوقوع كذب منه ms1601 والجزع ~~والمخالفة في القتال الذي يؤمر به، فالله تعالى قد علم ~~الصادق من الكاذب قبل أن يخلقهم، ولكن القصد من الآية قصد ~~وقوع العلم بما يجازى عليه؛ لأن علم الشهادة هو الذي يجب ~~به الجزاء، فأما علم الغيب قبل وقوعه فلا يحل به الجزاء. # وقال ابن عباس رضي الله عنه: (ولقد فتنا الذين من ~~قبلهم منهم إبراهيم الخليل عليه السلام ابتلي ~~بالنمرود، ومنهم قوم بعده نشروا بالمناشير ~~على دين الله فلم يرجعوا عنه). وقال بعضهم: يعني بني ~~إسرائيل ابتلوا بفرعون فكان يسومهم سوء العذاب. ### || [29.4] # قوله تعالى: { أم حسب الذين يعملون السيئات ~~أن يسبقونا سآء ما يحكمون } معناه: أظنوا { الذين ~~يعملون السيئات } يعني الشرك، قال ابن عباس: (يعني ~~الوليد بن المغيرة وأبا جهل والأسود والعاص ~~بن هشام وغيرهم). { أن يسبقونا } أي أن يفوتونا ~~ويعجزونا { سآء ما يحكمون } أي بئس ما حكموا لأنفسهم ~~حين ظنوا ذلك. # وقيل: إن هذه الآية نزلت في عتبة بن ربيعة وأخيه ~~شيبة، وفي الوليد بن عتبة وغير الذين بارزوا عليا وحمزة ~~وعبيدة بن الحارث يوم بدر، فقتلوا على أيديهم يومئذ. ### || [29.5] # قوله تعالى: { من كان يرجو لقآء الله }؛ أي من كان ~~يطمع في الثواب ويخشى العقاب ويخاف الحساب، فليبادر إلى ~~طاعة الله قبل الموت، { فإن أجل الله لآت }؛ أي فإن أجل ~~الموت لآت لمن يرجو، ولمن لا يرجو، وإن ثواب العمل الصالح لقريب ~~{ وهو السميع }؛ لمقالة الكفار والمؤمنين، { العليم }؛ ~~بما يستحقه كل واحد منهم وقيل: إن النبي صلى الله عليه ~~وسلم لما نزلت هذه الآية قال: # " يا علي؛ يا فاطمة: إن الله قد أنزل: من كان ~~يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت، وإن حقيقة ~~رجاء لقاء الله أن يستعد الإنسان لأجل الله إذا ~~كان آتيا باتباع طاعته واجتناب معاصيه ". ### || [29.6-7] # قوله تعالى: { ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه }؛ ~~أي من يعمل الخير فإنما يعمل لنفسه، { إن الله لغني ~~عن العالمين }؛ أي عن أعمالهم وعبادتهم، { والذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم ~~سيئاتهم }؛ بالإيمان والتوبة، ومعنى { لنكفرن عنهم ms1602 ~~سيئاتهم } أي لنبطلنها حتى كأنها لم تعمل، { ~~ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون }؛ أي ~~نجزيهم بأحسن أعمالهم وهي الطاعة، ولا نجزيهم بمساوئ أعمالهم. ### || [29.8] # قوله تعالى: { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ~~وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا ~~تطعهمآ }؛ نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقاص، وكان بارا ~~بأمه، فلما أسلم قالت له أمه حمنة بنت أبي سفيان بن ~~أمية: يا سعد؛ بلغني أنك قد صبأت! فوالله لا ~~يظلني سقف بيت، وإن الطعام والشراب علي ~~حرام حتى تكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فأنزل الله ~~هذه الآية. # فأبى سعد عليها، وبقيت هي لا تأكل ولا تشرب ~~ولا تستظل بشيء، فمكثت يوما وليلة لا تأكل، ~~فأصبحت قد جهدت ثم مكثت يوما وليلة أخرى ~~لا تأكل وقالت: يا سعد لتدعن دينك هذه أو لا ~~آكل ولا أشرب حتى أموت فتعير بي، فيقال: يا ~~قاتل أمه! فقال سعد: يا أماه لو كانت لك ~~مائة نفس فخرجت نفسا نفسا ما تركت ديني هذا ~~لشيء، فإن شئت أن تأكلي، وإن شئت فلا تأكلي. ~~فلما رأت ذلك أكلت، فأنزل الله هذه الآية. # ومعناها: ووصينا الإنسان بالبر والإحسان إلى والديه وقلنا ~~له: وإن طلبا منك أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا ~~تطعهما، فإن طاعتهما في الإشراك والمعصية " ليس " من باب ~~الحسن، بل هي قبيحة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ". # وقوله تعالى: { إلي مرجعكم }؛ منقلبكم في الآخرة، { ~~فأنبئكم }؛ فأخبركم، { بما كنتم تعملون }؛ في ~~الدنيا من الخير والشر والبر والعقوق. # واختلف النحاة في نصب قوله { حسنا } ، فقال البصريون: ~~بنزع الخافض؛ تقديره: ووصينا الإنسان بالحسن، كما يقال: ~~وصيه خيرا؛ أي بخير، وقال الكوفيون: ووصينا الإنسان أن ~~يفعل حسنا، فحذفه لدلالة الكلام عليه. وقيل: هو مثل قوله # فطفق مسحا # [ص: 33] أي يمسح مسحا. وقيل: معناه: ألزمناه حسنا. ~~وقرأ أبو رجاء: (حسنا) بفتح الحاء والسين، وفي مصحف أبي: ~~(إحسانا). ### || [29.9] # قوله تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~لندخلنهم في الصالحين ms1603 } أي في زمرة الأنبياء ~~والأولياء، وقيل: خواص أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. ### || [29.10-11] # قوله تعالى: { ومن الناس من يقول آمنا بالله ~~فإذآ أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ~~}؛ روي أن هذه الآية نزلت في عياش بن أبي ربيعة، كان أسلم ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان يخاف على نفسه ~~من أمه وأخويه لأمه وهما أبو جهل والحارث. # فخرج عياش بعد ما أعلن إسلامه هاربا إلى ~~المدينة قبل هجرة النبي صلى الله عيله وسلم، وبلغ ~~أمه الخبر فجزعت جزعا شديدا، وامتنعت عن ~~الطعام والشراب، فخرج أخواه وقومه في طلبه، ~~فأخذوه وقيدوه، وحلفت أمه أسماء بنت مخرم ~~بن أبي جندل بالله: لا أحلك من وثاقك حتى تكفر ~~بمحمد، ثم أقبلت تجلده بالسياط وتعذبه ~~حتى كفر جزعا من الضرب، فأنزل الله هذه الآية. # قال مقاتل والكلبي: (لما هاجر عياش إلى المدينة ~~خوفا من أمه وأخويه، حلفت أمه أسماء بنت ~~مخرم بن أبي جندل ألا تأكل ولا تشرب ولا ~~تغسل رأسها ولا تدخل بيتا حتى يرجع إليها ~~ابنها، فلما رأى ابناها أبو جهل والحارث ابنا ~~هشام - وهما أخوا عياش لأمه - جزعها، فركبا في ~~طلبه حتى أتيا المدينة فلقياه. # فقال له أبو جهل: قد علمت أنك أحب إلى أمك ~~من جميع أولادها، وكنت بارا بها، وقد حلفت لا ~~تأكل ولا تشرب ولا تدخل كنا حتى ترجع ~~إليها، وأنت تزعم أن في دينك بر الوالدين، ~~فارجع إليها فإن ربك الذي تعبده بالمدينة ~~هو ربك بمكة فاعبده بها. فلم يزالا به حتى ~~أخذ عليهما المواثيق أن لا يحركانه ولا ~~يصرفانه عن دينه، فأعطياه المواثيق ~~فتبعهما، فلما خرجوا به من المدينة أخذاه ~~وأوثقاه وضربه كل واحد منهما مائة جلدة ~~حتى تبرأ من دين محمد صلى الله عليه وسلم جزعا من ~~الضرب. # وكان الحارث أشدهما عليه وأسوأهما قولا فيه، ~~فحلف عياش بالله لئن قدر عليه ليضربن ~~عنقه، فلما رجعوا إلى مكة مكثوا حينا، ثم ~~هاجر النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون إلى ~~المدينة، فهاجر ms1604 عياش وأسلم وحسن إسلامه. # ثم إن الله تعالى وفق الحارث بن هشام فهاجر ~~إلى المدينة وبايع النبي صلى الله عليه وسلم على ~~الإسلام، ولم يحضر عياش، فلقيه عياش يوما ~~بظهر قباء ولم يعلم بإسلامه، فضرب عنقه يظن ~~أنه كافر، فقيل له: إنه قد أسلم، فندم ~~واسترجع وبكى، ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأخبره بذلك، فأنزل الله تعالى: # وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا # [النساء: 92]. # ومعنى الآية: ومن الناس من يقول آمنا بالله، فإذا عذب في ~~طاعة الله جعل تعذيب الناس كتعذيب الله، فأطاع الناس خوفا منهم، ~~كما يطيع الله من خاف عذابه. # قوله: { ولئن جآء نصر من ربك ليقولن إنا ~~كنا معكم }؛ أي إذا جاء فتح من ربك { ليقولن إنا ~~كنا معكم } وهذه صفة المنافقين، يقول الله تعالى: { أو ~~ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين }؛ أي بما في ~~قلوب الخلق من الطمأنينة بالإيمان والانشراح بالكفر، { ~~وليعلمن الله الذين آمنوا }؛ أي ليجزي الله ~~المؤمنين، { وليعلمن المنافقين }؛ وليميزن ~~المنافقين. ### || [29.12] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا للذين آمنوا ~~اتبعوا سبيلنا }؛ معناه: قال كفار مكة أبو جهل وغيره، ~~لمن آمن من قريش، واتبع محمدا صلى الله عليه وسلم: ~~إتبعوا ديننا وملة آبائنا، { ولنحمل خطاياكم } ~~، ونحن الكفلاء بكل تبعة تصيبكم من الله في ذلك، ونحمل عنكم ~~خطاياكم، إن كان عليكم فيه إثم ووزر، فنحن نحمله عنكم. قال ~~الفراء: (قوله تعالى: { ولنحمل } لفظه لفظ ~~الأمر، ومعناه: الجزاء؛ أي إن اتبعتم سبيلنا ~~حملنا خطاياكم). قوله: { وما هم بحاملين من ~~خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون }؛ فيما ضمنوا من ~~حمل خطاياهم، ولا يحفظون العذاب عنهم. ### || [29.13] # قوله تعالى: { وليحملن أثقالهم وأثقالا مع ~~أثقالهم }؛ معناه: أوزارا مع أوزارهم، وذلك أنهم يعاقبون ~~على كفرهم وعلى دعاء غيرهم إلى الكفر، وهذا موافق لقوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من ~~عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص من أوزارهم ~~شيء ". # ومعنى الآية: وليحملن أوزارهم التي حملوها، وأوزارا مع ~~أوزارهم لقولهم للمؤمنين: (اتبعوا ms1605 سبيلنا " ولنحمل ~~خطاياكم) وهم كاذبون فيما قالوا لهم ووعدوهم " ، وليحملوا ~~أوزارهم كاملة يوم القيامة. # وقوله: { وليسألن يوم القيامة عما كانوا ~~يفترون }؛ أراد به سؤال توبيخ لا سؤال استعلام، يقال لهم: ~~هل كان عندكم من الغيب شيء؟ ومن أين قلتم إنكم تحملوا ~~أوزار غيركم؟. ### || [29.14] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه ~~فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما }؛ أي مكث ~~بين أظهرهم يدعوهم إلى الإيمان ألف سنة إلا خمسين عاما، فلم ~~يجبه إلى الإيمان منهم إلا قليل، { فأخذهم الطوفان ~~وهم ظالمون } ، فأهلك الله المكذبين بالطوفان وهو الغرق ~~(وهم الظالمون) أي مشركون. # وفي الحديث: # " أن نوحا عليه السلام أرسل إليهم بعد ما أتى عليه ~~مائتان وخمسون سنة، وعاش بعد الطوفان مائتين ~~وخمسين سنة " # وسمي الغرق طوفانا لأن الماء في ذلك اليوم طاف في جميع ~~الأرض. ### || [29.15] # قوله تعالى: { فأنجيناه وأصحاب السفينة }؛ أي ~~أنجينا نوحا من الغرق ومن كان معه من المؤمنين في السفينة، ~~{ وجعلناهآ آية للعالمين }؛ أي جعلنا السفينة عبرة ~~لمن بعدهم من الناس إن عصوا رسولهم فعلنا بهم مثل ذلك. ### || [29.16] # قوله تعالى: { وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا ~~الله واتقوه }؛ انتصب (إبراهيم) عطفا على نوح، معناه: ~~وأرسلنا إبراهيم أيضا، { إذ قال لقومه اعبدوا الله } ~~أي وحدوا الله وأطيعوه واخشوه، { ذلكم خير لكم }؛ أي ~~عبادة الله خير لكم من عبادة الأوثان، { إن كنتم تعلمون }؛ ~~ذلك. ### || [29.17] # قوله تعالى: { إنما تعبدون من دون الله ~~أوثانا }؛ أي أصناما تتخذونها من الحجارة والخشب، { ~~وتخلقون إفكا }؛ أي وتخترعون على الله كذبا في قولكم: ~~إنها آلهة. ويجوز أن يكون معنى { وتخلقون } أي تنحتون ~~أصناما. # قوله تعالى: { إن الذين تعبدون من دون الله ~~لا يملكون لكم رزقا } أي إن الذين تعبدون من الأصنام ~~لا يقدرون أن يرزقوكم. قوله تعالى: { فابتغوا عند ~~الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون ~~}؛ أي اطلبوا الرزق مني، فأنا القادر على ذلك، { واعبدوه ~~} أي اعبدوا من يملك أرزاقكم، (واشكروا من إليه ~~ترجعون) في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم. ### || [29.18] # قوله تعالى: { وإن تكذبوا فقد كذب ms1606 أمم من ~~قبلكم }؛ يعني كذبوا أنبياءهم كما كذبتم نبيكم فأهلكهم ~~الله تعالى، { وما على الرسول إلا البلاغ المبين }؛ ~~أي ما عليه إلا تبليغ الرسالة عن الله بلغة الذين أرسلهم ~~إليهم. ### || [29.19] # قوله تعالى: { أولم يروا كيف يبدئ الله ~~الخلق ثم يعيده }؛ أي أولم يعلم ويعتبر أهل مكة كيف ~~يبدئ الله الخلق في أرحام الأمهات من النطفة ثم من ~~العلقة ثم من المضغة إلى تمام الخلق، ثم يميته ثم يعيده ~~بعد الموت للبعث خلقا جديدا. وقوله تعالى: { إن ذلك على ~~الله يسير }؛ أي إن بدأ الخلق وإعادته هين على الله، ~~فإنه القادر على الاختراع من غير ابتداء على مثال، قادر على ~~الإعادة، وكانوا يقرون بأن الله هو الذي خلقهم. ### || [29.20] # قوله تعالى: { قل سيروا في الأرض فانظروا كيف ~~بدأ الخلق }؛ أي سافروا في الأرض وابحثوا وانظروا هل ~~تجدون خالقا غير الله، واعتبروا كيف خلق الله من قبلكم ~~ثم أهلكهم بعد ذلك. # وقوله تعالى: { ثم الله ينشىء النشأة الآخرة }؛ أي ~~ثم إن الله يبعث الخلق ثانية يوم القيامة، { إن الله ~~على كل شيء قدير }؛ من الإحياء والإماتة قادر. قرأ ابن ~~كثير وأبو عمرو والحسن: (النشاءة) بالمد، وقرأ الباقون: ~~(النشأة) بإسكان الشين والقصر وهما لغتان. ### || [29.21-22] # قوله تعالى: { يعذب من يشآء ويرحم من يشآء }؛ ~~أي يعذب من يشاء من كان أهلا للتعذيب، ويرحم من ~~يشاء من كان أهلا للرحمة، وقوله تعالى: { وإليه تقلبون ~~}؛ أي تردون في الآخرة. # قوله تعالى: { ومآ أنتم بمعجزين في الأرض ولا ~~في السمآء }؛ أي ما أنتم يا أهل مكة بفائتين من عذاب الله ~~هربا، ولا في السماء، فلا تغتروا لطول الإمهال. # ولا يجوز أن يكون معناه: ولا من في السماء بمعجزين؛ أي ~~ما أنتم يا كفار مكة بفائتي الله في الأرض كنتم أو في السماء ~~كنتم، أينما تكونوا يأت بكم الله فيجزيكم بأعمالكم السيئة، { ~~وما لكم من دون الله من ولي }؛ يتولى أمركم ~~وحفظكم، { ولا نصير }؛ يمنع العذاب عنكم. ### || [29.23] # قوله تعالى: { والذين كفروا بآيات الله ~~ولقآئه }؛ أي الذين ms1607 يجحدوا بآيات الله والقرآن والبعث بعد ~~الموت، { أولئك يئسوا من رحمتي }؛ أي من جنتي في ~~الآخرة باعتقادهم أنها لا يقع بهم، { وأولئك لهم عذاب ~~أليم }. ### || [29.24] # قوله تعالى: { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ~~اقتلوه أو حرقوه }؛ أي ما كان جواب قوم إبراهيم حيث ~~دعاهم إلى الله، إلا أن قالوا: اقتلوه أو حرقوه بالنار، ثم " ~~اتفقوا على تحريقه " فقذفوه في النار، { فأنجاه الله من ~~النار }؛ سالما، وجعلها عليه بردا وسلاما ولم تحرق منه ~~إلا وثاقه، { إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون } بالله ~~ورسله. ### || [29.25] # قوله تعالى: { وقال إنما اتخذتم من دون الله ~~أوثانا }؛ أي قال إبراهيم: إن ما عبدتم من دون الله أوثانا ~~هي مودة بينكم، أو تلك مودة بينكم، والمعنى: أي ألفتكم ~~واجتماعكم على الأصنام { مودة بينكم في الحياة ~~الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ~~ويلعن بعضكم بعضا ومأواكم النار وما لكم من ~~ناصرين }؛ ثم تنقطع عن قريب، وتنقلب تلك المودة عداوة بعد ~~الموت، يتبرأ بعضكم من بعض، ويلعن العابد المعبود، لذلك ~~يلعن العابدون بعضهم بعضا، ويكون مصيرهم في الآخرة النار، وما لكم ~~من مانع يمنعكم من عذاب الله. # ويجوز أن تكون (ما) في قوله تعالى { إنما اتخذتم } بمعنى ~~(الذي) كأنه قال: إن الذي اتخذتموه من دون الله أوثانا مودة ~~بينكم ما دمتم في الحياة الدنيا، فيكون (مودة) رفعا لأنها ~~خبر (إن)، وقرأ حمزة وحفص (مودة) بالنصب (بينكم) بالخفض ~~على الإضافة؛ بوقوع الاتحاد عليه، وجعل (إنما) حرفا واحدا، ~~وقرأ الباقون نصبا منونا (بينكم) بالنصب على أنه مفعول ~~أيضا، ومعناه: اتخذتم هذه الأوثان مودة بينكم تتوادون ~~وتحابون على عبادتها وتتواصلون عليها. ### || [29.26] # قوله تعالى: { فآمن له لوط }؛ أي صدق لوط ~~بإبراهيم، وهو أول من صدق به، { وقال }؛ إبراهيم: { إني ~~مهاجر إلى ربي }؛ أي إلى الموضع الذي أمرني ربي بالهجرة ~~إليه، وكان مأمورا بالهجرة من كوثى وهو سواد العراق إلى الشام. # وقيل: إن كوثى من سواد الكوفة، فهاجر إبراهيم ومعه لوط وهو ابن ~~أخيه ومعه سارة. قال مقاتل: (هاجر ms1608 إبراهيم وهو ابن ~~خمس وسبعين سنة). وقوله تعالى: { إنه هو العزيز ~~الحكيم }؛ أي المنتقم ممن عصاه، الحكيم فيما ~~حكم علينا من الهجرة. ### || [29.27] # قوله تعالى: { ووهبنا له }؛ أي لإبراهيم، { إسحاق ~~}؛ من امرأته سارة، { ويعقوب }؛ ابن ابنه، وقوله تعالى: { ~~وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب }؛ وذلك أن ~~الله لم يبعث نبيا من بعد إبراهيم إلا من صلبه، وقوله ~~تعالى { والكتاب } أي وجعلنا التوراة والإنجيل والقرآن في ~~ولده. # وقوله تعالى: { وآتيناه أجره في الدنيا }؛ أراد به ~~الثناء الحسن، وموالاة جميع الأمم إياه؛ لأن جميع أهل ~~الأديان يحبونه. وقال السدي: (إنه أري مكانه في ~~الجنة) ثم أعلمه الله أن له مع ما أعطاه في ~~الدنيا الدرجات العلى لقوله: { وإنه في الآخرة ~~لمن الصالحين }؛ أي إنه في الآخرة مع آبائه المرسلين في ~~الجنة مثل آدم ونوح. ### || [29.28] # قوله تعالى: { ولوطا }؛ أي وأرسلنا لوطا بالنبوة، { ~~إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما ~~سبقكم بها من أحد من العالمين * أئنكم ~~لتأتون الرجال }؛ يعني عملهم الخبيث الذي لم يكن يعمله ~~أحد قبلهم. # وقوله تعالى: { وتقطعون السبيل }؛ وذلك أنهم كانوا يفعلون ~~الفاحشة بمن يمر بهم من المسافرين، فلما فعلوا ذلك شاع ~~الخبر، فترك الناس المرور بهم وانقطع السبيل. # وقوله تعالى: { وتأتون في ناديكم المنكر }؛ النادي ~~المجلس والمتحدث؛ أي تأتون في مجالسكم الفسق، قيل: ~~إنهم كانوا يفعل بعضهم ببعض الفاحشة في المجالس. وقيل: ~~إنهم كانوا يصفقون بأيديهم ويصفرون بأفواههم، وقال القاسم بن ~~محمد: (هو أنهم كانوا يتضارطون في مجالسهم) ~~ويضربون بالعود والمزامير (ويلعبون بالحمام). ~~وقيل: في معنى قوله تعالى { وتأتون في ناديكم المنكر ~~} قال مجاهد: (كان يجامع بعضهم بعضا في المجالس). # وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المنكر الذي ~~كانوا يأتونه قوم لوط، فقال: # " كانوا يجلسون وعند كل واحد منهم قصعة ~~حصى، فإذا مر بهم عابر سبيل خذفوه، فأيهم ~~أصابه كان أولى به " # ، قال صلى الله عليه وسلم: # " إياكم والخذف، فإنه لا ينكأ العدو ولا ~~يصيب الصيد، ولكن يفقأ العين ويكسر السن ~~". ### || [29.29-32] # قوله تعالى: { فما كان جواب ms1609 قومه إلا أن قالوا ~~}؛ أي فلما أنكر لوط على قومه ما كانوا يفعلون من القبائح ~~قالوا استهزاء: { ائتنا بعذاب الله إن كنت من ~~الصادقين }؛ أن العذاب نازل، فعند ذلك؛ { قال }؛ لوط عليه ~~السلام: { رب انصرني على القوم المفسدين }؛ أي ~~انصرني بتحقيق قولي في العذاب على القوم المفسدين العاصين. # فاستجاب الله دعاءه، وبعث جبريل ومعه الملائكة لتعذيب قومه وهو ~~قوله تعالى: { ولما جآءت رسلنآ إبراهيم ~~بالبشرى }؛ أي بالبشرى بإسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب، { ~~قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية }؛ يعني سدوم ~~قرية لوط، { إن أهلها كانوا ظالمين }؛ بالشرك والعمل ~~الخبيث، { قال }؛ إبراهيم: { إن فيها لوطا }؛ فكيف ~~تهلكونهم؟! { قالوا نحن أعلم بمن فيها ~~لننجينه وأهله }؛ وأهل دينه وابنتيه زعورا ~~وزنبا، { إلا امرأته } واعلة، { كانت من ~~الغابرين }؛ أي من الباقين في المهلكين. ### || [29.33] # قوله تعالى: { ولمآ أن جآءت رسلنا لوطا سيء ~~بهم }؛ أي ساء مجيئهم خوفا عليهم من قومه؛ لأنهم جاؤه على ~~هيئة الغلمان، { وضاق بهم ذرعا }؛ أي ضاق عليهم بسببهم، ~~{ وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك ~~إلا امرأتك كانت من الغابرين } ومنجوا؛ قال ~~المبرد: (الكاف في (منجوك) مخفوضة ولم يجز ~~عطف الظاهر على المضمر المخفوض، فما جعل ~~الثاني على المعنى، فصار التقدير: وننجي أهلك، ~~أو منجون أهلك). ### || [29.34] # قوله تعالى: { إنا منزلون على أهل هذه ~~القرية رجزا من السمآء }؛ أي عذابا بالحجارة، ~~وقيل: الخسف والحصب، { بما كانوا يفسقون }؛ أي بسبب ~~فسقهم، يروى أن تلك القرية كانت مشتملة على سبعمائة ألف رجل. ### || [29.35] # قوله تعالى: { ولقد تركنا منهآ آية بينة }؛ أي ~~آثار منازلهم الخربة، وهي ترك ديارهم منكوسة عظة وعبرة، ~~وأظهر الله فيها ماء أسودا نتنا يتأذى الناس برائحته، وقوله ~~تعالى: { لقوم يعقلون }؛ أي يتفكرون فيما فعل الله ~~بهم فلا يفعلون مثل فعلهم. ### || [29.36-37] # قوله تعالى: { وإلى مدين أخاهم شعيبا }؛ أي ~~وأرسلنا إلى أهل مدين أخاهم شعيبا، { فقال يقوم اعبدوا ~~الله وارجوا اليوم الأخر }؛ أي واخشوا البعث الذي فيه ~~جزاء الأعمال، { ولا تعثوا في الأرض مفسدين }؛ أي لا ~~تعثوا في الأرض ms1610 بالفساد، { فكذبوه }؛ بالرسالة، { ~~فأخذتهم الرجفة }؛ أي الزلزلة، { فأصبحوا في ~~دارهم جاثمين }؛ أي ميتين باركين على ركبهم. ### || [29.38] # قوله تعالى: { وعادا وثمودا }؛ أي وأهلكنا عادا ~~وثمودا، { وقد تبين لكم من مساكنهم }؛ أي ظهر ~~لكم يا أهل مكة من منازلهم والحجر واليمن في هلاكهم حيث تمرون ~~بها، { وزين لهم الشيطان أعمالهم }؛ القبيحة، { ~~فصدهم عن السبيل }؛ أي فصرفهم عن طريق الحق، { ~~وكانوا مستبصرين }؛ أي عقلاء يمكنهم تمييز الحق من ~~الباطل، ويقال كانوا معجبين بضلالهم يرون أنهم على الحق، ~~ولم يكونوا كذلك، والمعنى: أنهم كانوا عند أنفسهم مستبصرين ~~فيما عملوا من الضلالة، يحسبون أنهم على هدى. ### || [29.39] # قوله تعالى: { وقارون وفرعون وهامان ولقد ~~جآءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض }؛ أي ~~وأهلكنا قارون وفرعون وهامان بعد ما جاءهم موسى بالمعجزات ~~فتعظموا عن الإيمان به، { وما كانوا سابقين }؛ أي لم ~~يكونوا فائتين من عذاب الله. ### || [29.40] # قوله تعالى: { فكلا أخذنا بذنبه }؛ أي كل هؤلاء ~~القوم الذين ذكرناهم عاقبناهم بذنوبهم، { فمنهم من أرسلنا ~~عليه حاصبا }؛ يعني الحجارة وهم قوم لوط، وقيل: الحاصب ~~الريح التي تأتي بالحصباء، وهي الحصى الصغار، { ومنهم ~~من أخذته الصيحة }؛ وهم قوم صالح وشعيب، { ومنهم ~~من خسفنا به الأرض }؛ يعني قارون وأصحابه، { ومنهم ~~من أغرقنا }؛ يعني قوم نوح وفرعون، { وما كان الله ~~ليظلمهم }؛ بإهلاكه إياهم، { ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون }؛ بالكفر والمعاصي. ### || [29.41] # قوله تعالى: { مثل الذين اتخذوا من دون الله ~~أوليآء }؛ يعني الأصنام يتخذونها أولياء يرجون نصرها ~~ونفعها، { كمثل العنكبوت اتخذت بيتا } ، وبيتها لا ~~يغنيها عن الحر والبرد والمطر، كذلك آلهتهم لا ترزقهم شيئا، ~~ولا تملك لهم ضرا ولا نفعا. ### || [29.42] # قوله تعالى: { وإن أوهن البيوت لبيت ~~العنكبوت } أي لا بيت أضعف منه مما يتخذه الهوام، { لو ~~كانوا يعلمون }؛ إن اتخاذهم الأولياء سوى الله كاتخاذ ~~العنكبوت بيتا في قلة النفع ما اتخذوهم أولياء. # وقوله تعالى: { إن الله يعلم ما يدعون من دونه من ~~شيء }؛ قرأ أبو عمرو (يدعون) بالياء لذكر الأمم قبلها، ~~وقرأ الباقون بالتاء، ومعنى الآية، أنه عالم بما عبدتموه من دونه ~~فهو ms1611 يجازيكم على كفركم، { وهو العزيز الحكيم }. ### || [29.43] # قوله تعالى: { وتلك الأمثال }؛ يعني أمثال القرآن، ~~{ نضربها } ، نبينها، { للناس }. قال مقاتل: (يعني ~~لكفار مكة) { وما يعقلهآ }؛ الأمثال، { إلا ~~العالمون }؛ أي العلماء. ### || [29.44] # قوله تعالى: { خلق الله السموت والأرض ~~بالحق }؛ أي للحق واظهر الحق خلقها، { إن في ذلك ~~لآية للمؤمنين }؛ أي لدلالة على قدرة الله وتوحيده. ### || [29.45] # قوله تعالى: { اتل ما أوحي إليك من الكتاب ~~وأقم الصلاة }؛ أي إقرأ عليهم يا محمد ما أنزل عليك ~~من القرآن، وأقم الصلوات الخمس في مواقيتها بشرائطها ~~وسننها. # قوله تعالى: { إن الصلاة تنهى عن الفحشآء ~~والمنكر }؛ وذلك أن في الصلاة تكبيرا وتسبيحا وقراءة ~~ووقوفا للعبادة على وجه الذل والخشوع، وكل ذلك يدعو إلى ~~شكله ويصرف عن ضده وهي الآمر والناهي بالقول. والفحشاء: ~~ما قبح من العمل، والمنكر: ما لا يعرف في شريعة ولا سنة. # قال ابن عباس رضي الله عنهما: (في الصلاة منتهى ~~ومزدجر عن معاصي الله) (فمن لم تنهه صلاته عن ~~المعاصي لم يزدد من الله إلا بعدا)، وعن أنس رضي الله ~~عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم ~~يزدد من الله إلا بعدا ". # وقوله تعالى: { ولذكر الله أكبر }؛ أي ولذكر ~~الله إياكم بالتوفيق والمغفرة والثواب أكبر من ذكركم إياه ~~بالطاعة، وقيل: ذكر الله في المنع من الفحشاء والمنكر أكبر ~~من الصلاة، ويجوز أن يكون أكبر في معنى الكبر في الجزاء ~~والثواب، كما قال عز وجل: # وإنها لكبيرة إلا على الخشعين # [البقرة: 45]. # قالت الحكماء: ذكر الله للعبد أكبر من ذكر العبد لله؛ لأن ~~ذكر الله للعبد على حد الاستغناء، وذكر العبد إياه على حد ~~الافتقار، ولأن ذكر العبد بجر نفع أو دفع ضر، وذكر ~~الله للعبد للفضل والكرم، ولأن ذكر العبد مخلوق، وذكر ~~الله غير مخلوق. # وقال صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى { ولذكر الله أكبر ~~}: # " أي ذكر الله على كل حال أحسن وأفضل، والذكر ~~أن تذكره عند ما حرم، فتدع ما حرم، وعندما ~~أحل ms1612 فتأخذ ما أحل " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " من أحب أن يرتع في رياض الجنة فليكثر من ~~ذكر الله عز وجل ". # وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: (ألا أخبركم بخير ~~أعمالكم وأحبها إلى مليككم وأتمها في ~~درجاتكم، وخير لكم من أن تغزوا عدوكم ~~فتضربوا رقابهم، وخير لكم من إعطاء الدنانير ~~والدراهم؟) قالوا: وما هو؟! قال: (ذكر الله عز ~~وجل؛ قال الله تعالى: { ولذكر الله أكبر }. # وقال معاذ بن جبل: # " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أحب ~~إلى الله تعالى؟ قال: " أن تموت ولسانك رطب من ~~ذكر الله عز وجل " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " ما من قوم جلسوا في مجلس يذكرون الله فيه؛ ~~إلا حفت بهم الملائكة؛ وغشيتهم الرحمة؛ ~~وذكرهم الله فيمن عنده ". # وروي أن رجلا أعتق أربع رقاب، وآخر قال: سبحان الله؛ ~~والحمد لله؛ ولا إله إلا الله؛ والله أكبر، ثم إن ~~الذي لم يعتق سأل حبيب سرا وفي أصحابه فقال: ما تقولون فيمن ~~أعتق أربع رقاب وأنا قلت: سبحان الله؛ والحمد لله؛ ~~ولا إله إلا الله؛ والله أكبر، فأيهما أفضل؟ فنظروا ~~هنيهة وقالوا: ما نعلم شيئا أفضل من ذكر الله. # قوله تعالى: { والله يعلم ما تصنعون }؛ أي ما ~~تعملون من الخير والشر، لا يخفى عليه شيء. ### || [29.46] # قوله تعالى: { ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا ~~بالتي هي أحسن }؛ أي لا تخاصموا أهل الكتاب إلا بالطريقة ~~التي هي أحسن، وهي أن تعظوهم بالقرآن على وجه النصح لهم ~~والاستمالة إلى دين الإسلام وتعظيم الله تعالى وطلب ثوابه، { إلا ~~الذين ظلموا منهم }؛ أي إلا من ظلم من أهل الكتاب ~~فمنع الجزية أو نقض العهد، وعاد حربا لكم، فجادلوهم ~~باللسان والسنان، وأغلظوا عليهم حتى يسلموا، { وقولوا ~~}؛ لمن قبل الجزية منهم إذا أخبروكم بشيء من كتبهم: { آمنا ~~بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم }؛ أي آمنا ~~بالقرآن والتوراة والإنجيل والزبور، { وإلهنا وإلهكم ~~واحد ونحن له مسلمون }؛ أي مخلصون بالعبادة والتوحيد، ~~وهذه صفة المجادلة الحسنة. ### || [29.47] # قوله تعالى: { وكذلك أنزلنآ إليك الكتاب }؛ ~~أنزلنا إليك ms1613 يا محمد القرآن كما أنزلنا إليهم الكتب، { ~~فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به } أي الذين ~~أكرمناهم بعلم التوراة وهم عبدالله بن سلام وأصحابه يؤمنون ~~بالقرآن بدلالة التوراة. وقوله: { ومن هؤلاء من ~~يؤمن به }؛ أراد به من كفار مكة من يؤمن به، يعني ~~يسلم منهم. # وقوله تعالى: { وما يجحد بآياتنآ إلا الكافرون ~~}؛ أي ما يجحد بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن بعد ~~المعرفة إلا الكافرون من اليهود، وذلك أنهم عرفوا أن ~~محمدا نبي والقرآن حق فجحدوا وأنكروا. ### || [29.48] # قوله تعالى: { وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ~~}؛ أي ما كنت يا محمد تقرأ من قبل القرآن { من كتاب } ~~أي ما كنت قارئا قبل الوحي ولا كاتبا، وقوله: { ولا تخطه ~~بيمينك إذا لارتاب المبطلون }؛ ولا تكتبه بيمينك، ~~ولو كنت تقرأه وتكتب لوجد المبطلون طريقا إلى التشكيك في ~~أمرك والارتياب في نبوتك، ويقولون إنه يقرأه من الكتب ~~الماضية، فلما كان معلوما عندهم أنه عليه السلام كان لا يقرأ ~~ولا يكتب، ثم أتى بالقرآن الذي عجزوا عن الإتيان بسورة مثله، ~~دلهم ذلك على أنه من عند الله، ولأنه كانت صفته في التوراة ~~والإنجيل: أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولو كنت قارئا كاتبا لشك ~~اليهود فيك، وقالوا: إن الذي نجده في التوراة أمي لا يقرأ ~~ولا يكتب. ### || [29.49] # قوله تعالى: { بل هو آيات بينات في صدور ~~الذين أوتوا العلم }؛ قال الحسن: (يعني القرآن آيات ~~بينات في صدور الذين أوتوا العلم يعني ~~المؤمنين الذين حملوا القرآن على عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم وحملوه بعد). # وقال مقاتل: { بل هو } يعني محمدا صلى الله عليه وسلم { ~~آيات بينات } أي ذو آيات بينات في صدور أهل ~~العلم من أهل الكتاب؛ لأنهم يجدونه بنعته ~~وصفته). { وما يجحد بآياتنآ إلا الظالمون } ، ~~يعني كفار اليهود. ### || [29.50] # قوله تعالى: { وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ~~ربه }؛ أي قال كفار مكة: هلا أنزل على محمد ~~آية من ربه كما كانت الأنبياء تجيء بها إلى قومهم، أرادوا بها ~~الآيات التي كانوا يقترحونها عليه من قولهم: ms1614 # لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا # [الإسراء: 90] الآية. # قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف: (آية) على التوحيد، وقرأ ~~الباقون بالجمع. # وقوله تعالى: { قل إنما الآيات عند الله } أي في حكم ~~الله إن شاء أنزلها، { وإنمآ أنا نذير مبين }؛ أي ~~رسول مخوف لكم بلغة تعرفونها، وليس إنزال الآيات بيده. ### || [29.51] # قوله تعالى: { أولم يكفهم أنآ أنزلنا عليك ~~الكتاب يتلى عليهم }؛ معناه: أولم يكن لهم كفاية في ~~معرفة نبوءتك أنا أنزلنا عليك القرآن الذي تقرأه عليهم ~~بلغتهم مما فيه أخبار الأمم الماضية مع عجزهم عن الإتيان بحديث ~~مثله، { إن في ذلك لرحمة }؛ أي في إنزال القرآن ~~لرحمة لمن آمن به وعمل بما فيه، { وذكرى لقوم ~~يؤمنون } ، أي وذكرى وموعظة لهم. ### || [29.52] # قوله تعالى: { قل كفى بالله بيني وبينكم ~~شهيدا }؛ أي قل لهم يا محمد: كفى الله شهيدا بأني رسول ~~إليكم، { يعلم ما في السموت والأرض }. وقوله تعالى: { ~~والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله }؛ أي صدقوا ~~بالأصنام وجحدوا وحدانية الله، { أولئك هم ~~الخاسرون }؛ بالعقوبة وفوت المثوبة. ### || [29.53] # قوله تعالى: { ويستعجلونك بالعذاب }؛ أي ~~يستعجلك كفار مكة بالعذاب قبل وقته استهزاء وتكذيبا منهم ~~بذلك، { ولولا أجل مسمى لجآءهم العذاب }؛ أي ~~لولا أن الله جعل لعذابه أجلا مسمى قد سماه وهو يوم ~~القيامة. وقيل يعني مدة أعمارهم؛ لأنهم إذا ماتوا صاروا إلى ~~العذاب لعجل لهم العذاب في الحال، { وليأتينهم بغتة ~~وهم لا يشعرون }؛ بإتيانه. ### || [29.54-55] # قوله تعالى: { يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم ~~لمحيطة بالكافرين }؛ فيه تعجيب باستعجالهم مع أن ~~جهنم محيطة بهم في الآخرة، جامعة لهم، { يوم يغشاهم ~~العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم }؛ فلا يبقى جزء ~~منهم إلا وهو معذب في النار جزاء، ويقال لهم: { ويقول ~~ذوقوا ما كنتم تعملون }. # قرأ الكوفيون ونافع: (ويقول) بالياء، يعني الموكل بعذابهم ~~يقول لهم ذلك، وقرأ الباقون بالنون؛ لأنه لما كان بأمره ~~سبحانه جاز أن ينسب إليه. ### || [29.56-60] # قوله تعالى: { يعبادي الذين آمنوا إن أرضي ~~واسعة فإياي فاعبدون }؛ قال مقاتل: (نزلت في ~~ضعفاء مسلمي مكة، تقول: إن كنتم ms1615 في ضيق بمكة ~~من إظهار الإيمان) فاخرجوا منها وأمروا بالهجرة ~~من الموضع الذي لا يمكنهم فيه من عبادة الله، ~~وكذلك يجب على كل بلد، من كان في بلد فعمل ~~فيها بالمعاصي، ولا يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر ~~إلى حيث يتهيأ له أن يعبد الله حق عبادته. # ثم خوفهم بالموت لتهون عليهم الهجرة؛ فقال: { كل نفس ~~ذآئقة الموت }؛ أي كل أحد ميت أينما كان، فلا ~~تقيموا بدار الشرك خوفا من الموت، { ثم إلينا ترجعون ~~} ، بعد الموت فيجزيكم بأعمالكم. وقال سعيد بن جبير: (معنى ~~الآية: إذا عمل في أرض بالمعاصي فاخرجوا منها، ~~فإن أرضي واسعة)، وقال عطاء: (إذا أمرتم بالمعاصي ~~فاهربوا منها، فإن أرض الله واسعة)، وقال مجاهد: ~~(إن أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا). # وقال الكلبي: (نزلت في المستضعفين من المؤمنين ~~الذين كانوا بمكة لا يقدرون على إظهار الإيمان ~~وعبادة الرحمن، فحثهم على الهجرة إلى ~~المدينة، فشق عليهم وقالوا: كيف يكون حالنا ~~إذا انتقلنا إلى دار الغربة وليس بها أحد يعرفنا ~~فيواسينا، ولا نعرف وجوه الاكتساب فيها، فقطع ~~الله عذرهم بهذه الآيات). # ومعناها: إن أرضي واسعة آمنة، وقيل: { واسعة } أي رزقي ~~لكم واسع، فاخرجوا من هذه الأرض التي أنتم فيها. وعن الحسن قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من ~~الأرض استوجب الجنة، وكان رفيق إبراهيم ~~ومحمد عليهما السلام ". # ثم ذكر ثواب من هاجر، فقال: { والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات }؛ يعني المهاجرين، { لنبوئنهم من ~~الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار }؛ قال ابن ~~عباس رضي الله عنهما: (لنسكننهم غرف الدرة ~~والزبرجد والياقوت، ولننزلنهم قصور ~~الجنة)، وقرأ حمزة والكسائي: (لنثوينهم) يقال: ثوى ~~الرجل إذا أقام، وأثويته إذا أنزلته منزلا يقيم فيه، ~~والمعنى: والذين آمنوا لننزلنهم من الجنة غرفا عوالي ~~تجري من تحت قصورها وأشجارها الأنهار، { خالدين فيها نعم ~~أجر العاملين }؛ لله. # ثم وصفهم فقال: { الذين صبروا }؛ أي على دينهم فلم ~~يتركوه لشدة لحقتهم، { وعلى ربهم يتوكلون }؛ ~~قال ابن عباس: (وذلك أن المهاجرين توكلوا على ~~الله ms1616 وتركوا دورهم وأموالهم). وقيل: معناه: { ~~وعلى ربهم يتوكلون } في أرزاقهم وجهاد أعدائهم ~~ومهمات أمورهم. # قال مقاتل: (إن أحدهم كان يقول بمكة: كيف أهاجر ~~إلى المدينة وليس لي بها مال ولا معيشة). فقال ~~الله عز وجل: { وكأين من دآبة لا تحمل ~~رزقها }؛ أي وكم من دابة في الأرض؛ وهي كل حيوان يدب على ~~الأرض مما يعقل ومما لا يعقل. # والمعنى: كم من نفس دابة لا تحمل رزقها؛ أي لا ترفع رزقها ~~معها ولا تدخر شيئا لغد، { الله يرزقها }؛ حيث ~~توجهت، { وإياكم }؛ يرزقكم إن أخرجتم إلى المدينة، وإن لم ~~يكن لكم زاد ولا نفقة. # قال سفيان: (وليس شيء مما يخبئ ويدخر إلا ~~الإنسان والفأر والنملة والغراب على ما قيل). # وقيل: # " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للمؤمنين ~~الذين كانوا بمكة وقد آذاهم المشركون: " ~~أخرجوا إلى المدينة وهاجروا، ولا تجاوروا ~~الظلمة فيها " فقالوا: يا رسول الله! كيف نخرج ~~إلى المدينة وليس لنا بها عقار ولا مال، فمن ~~يطعمنا ويسقينا؟ " # فأنزل الله هذه الآية { وكأين من دآبة لا ~~تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم } يوما بيوم؛ أي ~~يرزق من يحمل ومن لا يحمل، فكم من دابة لا تجمع رزقها لغد، ~~ولا يقدر على حمل رزقها لضعفها، الله يرزقها وإياكم، { وهو ~~السميع العليم }؛ أي السميع لأقوالهم: نخشى إن فارقنا ~~أوطاننا العيلة، العليم بما في قلوبهم ونفوسهم، فلا يتركوا ~~عبادة الله بسبب الرزق، ولا يهتموا لأجل ذلك. ### || [29.61] # قوله تعالى: { ولئن سألتهم من خلق السموت ~~والأرض }؛ يعني لئن سألت مشركي مكة: من خلق ~~السماوات، { وسخر الشمس والقمر ليقولن الله ~~فأنى يؤفكون }؛ أي يصرفون عن عبادة الله الذي هذه صفته ~~إلى عبادة جمادات لا تنفع ولا تضر. ### || [29.62] # قوله تعالى: { الله يبسط الرزق لمن يشآء من ~~عباده ويقدر له }؛ أي يبسط الرزق على قوم، ويضيق ~~على قوم، يفعل ذلك عن علم وحكمة، لا عن غلط وخطأ، { إن ~~الله بكل شيء عليم }. ### || [29.63] # قوله تعالى: { ولئن سألتهم من نزل من ~~السمآء مآء فأحيا به الأرض من بعد ms1617 موتها ~~ليقولن الله }؛ يعني كفار مكة أيضا، { قل الحمد ~~لله }؛ أي الحمد لله على إقرارهم؛ لأن ذلك يلزمهم ~~الحجة، ويوجب عليهم التوحيد. وقيل: معناه: الحمد لله على ~~هذه النعم، وعلى ما تفضل به جل ذكره من الإنعام على ~~العباد، { بل أكثرهم لا يعقلون }؛ بتوحيد ربهم مع ~~إقرارهم بأنه خلق السماوات والأرض وأنزل المطر. ### || [29.64] # قوله تعالى: { وما هذه الحياة الدنيآ إلا ~~لهو ولعب } أي باطل وغرور وعبث تنقضي عن قريب بسرعة، { ~~وإن الدار الآخرة لهي الحيوان }؛ يعني الجنة هي ~~الحيوان؛ أي الحياة والدوام والبقاء الذي لا نفاذ له، ~~والحيوان والحياة واحد. وقوله تعالى: { لو كانوا ~~يعلمون }؛ أي لو كانوا يعلمون الفرق بين الحياة الدائمة ~~والحياة الفانية لرغبوا في الباقي الدائم عن الفاني الزائل، ~~ولكنهم لا يعلمون. ### || [29.65-66] # قوله تعالى: { فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله ~~مخلصين له الدين }؛ يعني المشركين إذا ركبوا في ~~السفينة وهاجت الرياح واضطربت الأمواج، وخافوا الغرق ~~والهلاك، { دعوا الله مخلصين له الدين } أي دعوا ~~الله مفردين له بالدعاء، وتركوا شركاءهم وأصنامهم فلا ~~يدعونهم لإنجائهم، { فلما نجاهم إلى البر }؛ أي فلما ~~خلصهم من تلك الأهوال، وأخرجهم إلى البر؛ { إذا هم ~~يشركون * ليكفروا بمآ آتيناهم }؛ أي عادوا إلى ~~شركائهم لكي يكفروا بما أعطيناهم، { وليتمتعوا }؛ في ~~كفرهم، { فسوف يعلمون }؛ جزاء فعلتهم. قال عكرمة: ~~(كان أهل الجاهلية إذا ركبوا في البحر حملوا ~~معهم الأصنام، فإذا اشتدت بهم الريح ألقوا تلك ~~الأصنام في البحر، وصاحوا: يا الله يا الله). # وقيل: إن (اللام) في قوله (ليكفروا) لام الأمر، ومعناها: ~~التهديد والوعيد، كقوله # اعملوا ما شئتم # [فصلت: 40] # واستفزز من استطعت منهم بصوتك # [الإسراء: 64]، وكذلك عقبه بقوله، { فسوف يعلمون }. ### || [29.67] # قوله تعالى: { أولم يروا أنا جعلنا حرما ~~آمنا ويتخطف الناس من حولهم } أي ألم ير كفار ~~مكة { أنا جعلنا حرما آمنا } يعني مكة، ويسلب الناس ~~من حولهم فيقتلون ويؤسرون وتؤخذ أموالهم، وأهل مكة آمنون ~~من ذلك، { أفبالباطل يؤمنون }؛ أي فيقرون ويصدقون ~~بالباطل وهي الأصنام بعد قيام الحجة، { وبنعمة الله ~~يكفرون }؛ أي بمحمد والإسلام يجحدون. ms1618 والتخطف: هو ~~تناول الشيء بسرعة. ### || [29.68] # قوله تعالى: { ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا }؛ أي لا أجد أظلم ممن زعم أن لله شريكا، { أو ~~كذب بالحق لما جآءه }؛ يعني محمدا والقرآن، { ~~أليس في جهنم مثوى للكافرين }؛ أي أما لهذا ~~الكافر المكذب مأوى في جهنم، وهو استفهام، ومعناه: التقرير. ### || [29.69] # قوله تعالى: { والذين جاهدوا فينا لنهدينهم ~~سبلنا }؛ أي الذين جاهدوا الكفار لابتغاء مرضاتنا ~~لنهدينهم سبلنا إلى الجنة؛ أي لنوفقنهم لإصابة ~~الطريق المستقيمة. وقيل: معناه: والذين قاتلوا لأجلنا ~~أعداءنا لنهدينهم سبيل الشهادة والمغفرة. # وقال الفضيل: (معناه: والذين جاهدوا فينا في ~~طلب العلم بالعمل به)، وقال أبو سليمان الداراني: ~~(معناه: الذين يعملون بما يعلمون يهديهم الله ~~إلى ما لا يعلمون). وعن ابن عباس: (أن معناه: ~~والذين جاهدوا في طاعتنا لنهدينهم سبل ~~ثوابنا). # وقيل: معناه: والذين جاهدوا بالصبر على المصائب والنوائب ~~لنهدينهم سبل الوصول للمواهب. وقيل: والذين جاهدوا ~~بالثبات على الإيمان لنهدينهم دخول الجنان. وقال سهل ~~بن عبدالله: (والذين جاهدوا في إقامة السنة ~~لنهدينهم سبل دخول الجنة). قوله تعالى: { ~~وإن الله لمع المحسنين }؛ أي من بالنصر على ~~أعدائهم، والمعونة في دنياهم والثواب والمغفرة في عقباهم. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من قرأ سورة العنكبوت كان له من الأجر عشر ~~حسنات بعدد المؤمنين والمنافقين ". ### | [30 - سورة الروم] ### || [30.1-5] # { الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من ~~بعد غلبهم سيغلبون }؛ أي غلبت فارس الروم، ففرح ~~بذلك كفار مكة وقالوا: الذين ليس لهم كتاب غلبوا الذين لهم كتاب، ~~وافتخروا بذلك على المسلمين وقالوا لهم: نحن أيضا نغلبكم كما ~~غلبت فارس الروم. # وقصة ذلك: أن كسرى ملك فارس أرسل شهريار إلى الروم، فسار ~~إليهم بأهل فارس ليغزوهم، فظهر على الروم فقتلهم وخرب ~~مدائنهم، وكان قيصر ملك الروم قد بعث بجيش لما سمع بقدوم ~~شهريار، فالتقيا بأذرعات وبصرى وهي أدنى الشام إلى أرض ~~العرب والعجم، فغلبت فارس الروم حتى انتزعوا بيت المقدس من الروم، ~~وكان ذلك موضع عبادتهم. # فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه ms1619 وسلم وأصحابه بمكة فشق ذلك ~~عليهم، وكان صلى الله عليه وسلم يكره أن يظهر الأميون من ~~المجوس على أهل الكتاب من الروم، وفرح بذلك كفار مكة ~~وشمتوا، فلقوا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنكم ~~أهل كتاب والنصارى أهل كتاب، وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على ~~إخوانكم من أهل الروم، وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم، ~~فأنزل الله عز وجل هذه الآيات { الم * غلبت الروم * ~~في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في ~~بضع سنين }. # فخرج أبو بكر رضي الله عنه إلى الكفار وقال: (أفرحتم بظهور ~~إخوانكم على إخواننا؟! فلا تفرحوا ولا يقر الله ~~أعينكم، فوالله ليظهرن الروم على فارس، أخبرنا ~~بذلك نبينا) فقام إليه أبي بن خلف الجمحي ~~وقال له: كذبت! فقال له أبو بكر: أنت أكذب يا ~~عدو الله) فقال أبي بن خلف: كما غلبت عبدة ~~النيران أهل الكتاب، فكذلك نحن نغلبكم) ~~واستبعد المشركون ظهور الروم على فارس لشدة ~~شوكة أهل فارس. # فقال أبو بكر لأبي بن خلف: (أنا أراهنك على ~~أن الروم تغلب إلى ثلاث سنين) فراهنه أبي ~~على خمس من الإبل، وقيل: على عشر من الإبل، (فإن ~~ظهرت الروم على فارس غرمت، وإن ظهرت فارس غرمت ~~أنا) ثم جاء أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~فأخبره بذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: # " زد في الخطر وأبعد في الأجل " # ففعل ذلك، وجعل الأجل تسع سنين، وكان ذلك ~~قبل تحريم القمار. # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: # " " إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع ". قرأ: ~~" زده في الخطر وماده في الأجل " " # فخرج أبو بكر فلقي أبيا فقال: لعلك ندمت! ~~فقال: أزيدك في الخطر وأمادك في الأجل، فاجعلها ~~مائة قلوص إلى تسع سنين، قال: قد أخاف فعلت. # فلما خشي أبي بن خلف أن يخرج أبو بكر من ~~مكة، أتاه فلزمه وقال أبي: إن تخرج من مكة ~~فأقر لي كفيلا، فكفل له ابنه عبدالله بن أبي ~~بكر، فلما أراد أبي بن خلف ms1620 أن يخرج إلى أحد، ~~أتاه عبدالله بن أبي بكر فلزمه وقال: لا والله لا ~~أدعك حتى تعطيني كفيلا، فأعطاه كفيلا ومضى ~~إلى أحد، ثم رجع فمات بمكة من جراحته التي ~~جرحه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بارزه، وظهرت ~~الروم على فارس يوم الحديبية وذلك على رأس تسع ~~سنين من مراهنتهم، وهذا قول أكثر المفسرين. # وقال أبو سعيد الخدري ومقاتل: # " لما كان يوم بدر قتلت المسلمون كفار ~~مكة، وأتاهم الخبر أن الروم قد غلبت فارس، ~~ففرح المسلمون بذلك، وغلب أبو بكر رضي الله عنه ~~أبيا وأخذ مال الخطر من ورثته، وجاء به إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " تصدق به " ". # ومعنى الآية: { غلبت الروم * في أدنى الأرض } يعني ~~الجزيرة؛ وهي أقرب أرض الروم إلى فارس، وقال عكرمة: ~~(يعني أذرعات وكسكر). وقوله { وهم من بعد غلبهم ~~} يعني الروم من بعد غلبة فارس إياهم سيغلبون فارس { في ~~بضع سنين }؛ وهو ما بين الثلاث إلى العشر، فالتقى الروم وفارس ~~في السنة السابعة من غلبة فارس إياهم، فغلبتهم الروم، فجاء ~~جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم بهزيمة فارس وظهور الروم ~~عليهم، ووافق ذلك يوم بدر. # قوله تعالى: { لله الأمر من قبل ومن بعد }؛ أي ~~قبل أن غلبت الروم ومن بعد ما غلبت، يعني أن غلبة أحد ~~الفريقين الآخر، أيهما كان الغالب والمغلوب؛ فإن ذلك كان بأمر ~~الله تعالى وإرادته وقضائه وقدره. # وقوله تعالى: { ويومئذ يفرح المؤمنون }؛ يعني ~~بغلب الروم فارس، يفرح المؤمنون، { بنصر الله }؛ الروم على ~~فارس، ويكون فرح المؤمنين يومئذ لظهور معجزة النبي صلى الله عليه ~~وسلم وإهلاك بعض الكفار بعضا كما يفرح الصالحون بقتل ~~الظالمين بعضهم بعضا. # وقوله تعالى: { ينصر من يشآء }؛ أي ينصر محمدا صلى ~~الله عليه وسلم على أعدائه، { وهو العزيز الرحيم }؛ أي هو ~~العزيز بالنقمة ممن عصاه، الرحيم بأوليائه وهم المؤمنون. ### || [30.6] # قوله تعالى: { وعد الله لا يخلف الله وعده }؛ ~~نصب على المصدر؛ أي وعد الله ذلك وعدا وهو راجع ms1621 إلى قوله # سيغلبون # [الروم: 3] أي وعد الله ذلك لا يخلف الله وعده بظهور الروم على ~~فارس، { ولكن أكثر الناس لا يعلمون }؛ إن الله ~~لا يخلف وعده؛ لأن أكثرهم كفار. ### || [30.7] # قوله تعالى: { يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ~~}؛ يعني معايشهم وما يصلحهم. قال الحسن: (يعلمون متى ~~زرعهم ومتى حصادهم، ويعلمون وجوه الاكتساب من ~~التجارة والزراعة والحراثة والغراسة، وما ~~يحتاجون إليه في الشتاء والصيف) قال الحسن: (بلغ ~~والله من علم أحدهم في الدنيا أنه ينقر ~~الدراهم بيده فيخبرك بوزنه ولا يحسن يصلي!). # وقوله تعالى: { وهم عن الآخرة هم غافلون }؛ أي ~~هم مع علمهم بأمور الدنيا لا يعلمون ما طريقة الدليل من أمر ~~الآخرة، وما يكون فيها من البعث والثواب والعقاب، فهم غافلون ~~عما هو أولى بهم، وعما يلزمهم من الاستعداد لذلك. ### || [30.8] # قوله تعالى: { أولم يتفكروا في أنفسهم } ، أي ~~في خلق الله إياهم، { ما خلق الله السموت ~~والأرض } ، فتعلمون أن الله لم يخلق السماوات والأرض، { ~~وما بينهمآ إلا بالحق }؛ إلا بالحق؛ أي إلا الحق، { ~~وأجل مسمى }؛ ومعنى الآية: أولم يتفكر أهل مكة بقلوبهم ~~فيعلمون أن الله ما خلق السماوات والأرض، وما فيهما من العجائب ~~والبدائع إلا ليحق الحق ويبطل الباطل، ويجزي كل عامل بما ~~عمل عند انقضاء الأجل المسمى الذي جعله الله لانقضاء أمر ~~السماوات والأرض وهو يوم القيامة. وقوله تعالى: { وإن ~~كثيرا من الناس }؛ يعني كفار مكة، { بلقآء ربهم ~~لكافرون }. ### || [30.9] # قوله تعالى: { أولم يسيروا في الأرض }؛ أي أولم ~~يسافروا في الأرض، { فينظروا كيف كان عاقبة }؛ صار ~~أمر، { الذين من قبلهم }؛ من الأمم السالفة حين كذبوا ~~الرسل إلى الهلاك بتكذيبهم فيعتبروا. ثم وصف تلك الأمم فقال: ~~{ كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض }؛ أي ~~حرثوها وقلبوها للزراعة والغرس، { وعمروهآ أكثر مما ~~عمروها }؛ كفار مكة لأنهم كانوا أطول عمرا وأكثر عددا، { ~~وجآءتهم رسلهم بالبينات } ، فلم يبق منهم ولا من ~~عمارتهم أثر، فكذلك يكون حال هؤلاء. # قوله تعالى: { فما كان الله ليظلمهم }؛ بإهلاكهم، ~~{ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون }؛ بالكفر والتكذيب. ### || [30.10] # قوله تعالى: { ثم كان ms1622 عاقبة الذين أساءوا ~~السوءى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها ~~يستهزئون }؛ أي ثم صار آخر أمر الذين أساءوا بالكفر ~~والمعاصي السوء، يعني العذاب والنار بسبب تكذيبهم واستهزائهم بآيات ~~الله. قال الفراء والزجاج: (السوءى ضد الحسنى وهي ~~الجنة، وضدها النار)، وقال ابن قتيبة: (السوء ~~جهنم، والحسنى الجنة، وإنما سميت سوءى؛ ~~لأنها تسوء صاحبها). ### || [30.11-13] # قوله تعالى: { الله يبدأ الخلق ثم يعيده }؛ أي ~~يخلقه من النطفة ثم يحييه بعد ما أماته { ثم إليه ترجعون }؛ ~~ثم إلى موضع حسابه وجزائه يرجعون فيجزيهم بأعمالهم. قوله ~~تعالى: { ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون }؛ أي ~~ييأس المجرمون من رحمة الله، ومن كل خير حين عاينوا ~~العذاب. # وقال الفراء: (ينقطع كلامهم وحجتهم)، وقيل: معنى ~~(يبلس) أي يفتضح، وقيل: معناه: يندمون، وقيل: ~~المبلس الساكت المنقطع عن حجته الآيس من أن يهتدي إليها، قال ~~الشاعر: # يا صاح هل تعرف رسما مكرسا # قال: نعم أعرفه وأبلسا # والمجرمون هم المشركون. قوله تعالى: { ولم يكن ~~لهم من شركآئهم شفعاء }؛ أي لم يكن للكفار ممن ~~أشركوه في العبادة شفعاء يشفعوا لهم إلى الله، { وكانوا ~~بشركآئهم كافرين }؛ أي يتبرؤن منها ويتبرؤن منهم. ### || [30.14-15] # قوله تعالى: { ويوم تقوم الساعة يومئذ ~~يتفرقون }؛ أي واذكر { ويوم تقوم الساعة ~~يومئذ يتفرقون } الخلائق في طريق الجنة، وطريق النار. ~~وقيل: معناه: يوم القيامة يتفرقون بعد الحساب إلى الجنة ~~والنار فلا يجتمعون أبدا. # وقال الحسن: (إن كانوا اجتمعوا في الدنيا ~~ليفترقن يوم القيامة؛ هؤلاء في عليين، ~~وهؤلاء في أسفل سافلين)، وهو قوله تعالى: { ~~فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في ~~روضة يحبرون }؛ أي في الجنة ينعمون ويكرمون بالتحف ~~ويسرون. # والحبرة السرور: وقيل: الحبرة كل نعمة حسنة، ~~والتحبير التحسين. وسمي العالم حبرا لتخلقه بأحسن ~~أخلاق المؤمنين، ويسمى المداد حبرا لأنه تحسن به الأوراق، ~~وقيل: معنى الآية: فهم في رياض الجنة يتلذذون. ### || [30.16] # قوله تعالى { وأما الذين كفروا وكذبوا ~~بآياتنا ولقآء الآخرة } ، وكذبوا بالبعث بعد الموت، { ~~فأولئك في العذاب محضرون }؛ أي يحضرون في العذاب، ~~ويحبسون. ### || [30.17-18] # قوله تعالى: { فسبحان الله حين تمسون وحين ~~تصبحون ms1623 * وله الحمد في السموت والأرض وعشيا ~~وحين تظهرون }؛ أي فصلوا لله، على تأويل: فسبحوا ~~لله، قال ابن عباس: (جمعت هذه الآية الصلوات الخمس ~~ومواقيتها، فوقت المساء يصلى فيه المغرب ~~والعشاء، { وحين تصبحون }: صلاة الفجر، { وعشيا ~~}: العصر، { وحين تظهرون } الظهر). # وقوله تعالى: { وله الحمد في السموت والأرض ~~} أي يحمده أهل السماوات وأهل الأرض، ويصلون له ويسجدون. وعن ~~ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " من قال: { فسبحان الله حين تمسون وحين ~~تصبحون... } إلى قوله تعالى: { وكذلك تخرجون } وآخر ~~سورة الصافات دبر كل صلاة، كتب الله من ~~الحسنات عدد نجوم السماء، وقطر المطر، وعدد ~~ورق الشجر، وعدد نبات الأرض. وإذا مات أجرى الله ~~له بكل حسنة عشر حسنات في قبره ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " من سره أن يكتال له بالقفيز الأوفى فليقل: ~~{ فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون... } إلى ~~قوله تعالى: { وكذلك تخرجون * سبحان ربك رب ~~العزة عما يصفون... } إلى آخر السورة ". ### || [30.19] # قوله تعالى: { يخرج الحي من الميت }؛ أي الإنسان ~~الحي من النطفة الميتة، { ويخرج الميت من الحي } ، ~~ويخرج النطفة وهي ميتة من الإنسان الحي، ويقال: يخرج الفرخ من ~~البيضة، والبيضة من الفرخ، { ويحي الأرض } ، بإخراج الزروع ~~منها، { بعد موتها }؛ أي بعد أن كانت لا تنبت، { وكذلك ~~تخرجون } ، من قبوركم يوم القيامة إلى المحشر، فإن بعثكم ~~بمنزلة ابتداء خلقكم، وهما في قدرة الله تستويان. قرأ حمزة: ~~(تخرجون) بفتح التاء. ### || [30.20-21] # قوله تعالى: { ومن آياته أن خلقكم من تراب }؛ ~~أي من دلائل قدرته وعلامات توحيده أن خلق أصلكم من تراب، يعني ~~آدم، { ثم إذآ أنتم بشر تنتشرون }؛ أي ثم إذا أنتم من ~~لحم ودم تنتشرون؛ أي تتفرقون في حوائجكم، وتنبسطون في الأرض، { ~~ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ~~لتسكنوا إليها }؛ أي من علامات توحيده وقدرته أن خلق لكم ~~من جنسكم نساء لتطمئنوا إليها، ولم يجعلهن من الجن، { ~~وجعل بينكم مودة ورحمة }؛ أي جعل بين الزوجين ~~مودة ورحمة، فيما يتراحمان ويتوادان، وما من شيء ms1624 أحب إلى ~~أحدهما من الآخر من غير رحم بينهما، حتى أن كثيرا من الناس ~~يهجر عشيرته بسبب زوجته، وكذلك من النساء من تهجر عشيرتها ~~بسبب زوجها. # والمعنى: من دلالة توحيد الله وقدرته أن خلق من نطفة الرجال ~~ذكورا وإناثا؛ ليسكن الذكور إلى الإناث، والنطف عن صفة ~~واحدة، { إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون }؛ في عظمة ~~الله وقدرته. ### || [30.22] # قوله تعالى: { ومن آياته خلق السموت والأرض ~~} ، أي ومن علامات توحيده خلق السماوات والأرض بما فيهما من ~~العجائب، { واختلاف ألسنتكم وألوانكم } ، أي ~~لغاتكم وأصواتكم وصوركم وألوانكم، لأن الخلق بين عربي ~~وعجمي وأسود وأحمر وأبيض، وهم ولد رجل واحد وامرأة واحدة، { ~~إن في ذلك لآيات للعالمين }؛ أي للبر والفاجر ~~والإنس والجن. ### || [30.23] # قوله تعالى: { ومن آياته منامكم باليل ~~والنهار }؛ أي ومن آياته كيفية نومكم، وكيف يغلب عليكم، وأين ~~يأتيكم، وكيف يزول عنكم فتطلبون معيشتكم، وقوله تعالى: { ~~وابتغآؤكم من فضله }؛ تقدير (وابتغاؤكم من ~~فضله بالنهار) يعني تصرفكم في طلب المعيشة بالنهار، { إن ~~في ذلك لآيات لقوم يسمعون } القرآن؛ سماع ~~الاستدلال، والاعتبار، والتدبر. ### || [30.24] # قوله تعالى: { ومن آياته يريكم البرق خوفا ~~وطمعا وينزل من السمآء مآء }؛ أي خوفا للمسافر من ~~الصواعق، وطمعا للمقيم في المطر وسقي الزرع، { فيحيي ~~به الأرض بعد موتها }؛ أي في البرق، وإنزال المطر ~~وإحياء الأرض بعد قحطها، { إن في ذلك لآيات لقوم ~~يعقلون }. ### || [30.25] # قوله تعالى: { ومن آياته أن تقوم السمآء ~~والأرض بأمره }؛ يعني من غير عمد تحتهما، ولا علاقة ~~فوقهما بقدرة الله وتسكينه، قوله تعالى: { ثم إذا ~~دعاكم دعوة من الأرض }؛ أي ثم إذا دعاكم من القبور عند ~~النفخة الثانية يدعو إسرافيل بأمره من صخرة بيت المقدس: ~~أيتها الأجساد البالية والعروق المتمزقة والشعور المتمرطة، ~~{ إذآ أنتم تخرجون }؛ من قبوركم مهطعين إلى الداعي. ### || [30.26] # قوله تعالى: { وله من في السموت والأرض }؛ أي هم ~~عبيدا وملكا، { كل له قانتون } ، أي كل له مطيعون في ~~الحياة والبقاء والموت والبعث، وإن عصوا في العبادة فهم ~~منقادون لله عز وجل لا يقدرون على الامتناع من ms1625 شيء يراد ~~بهم من صحة ومرض وغنى وفقر وحياة وموت. ### || [30.27] # قوله تعالى: { وهو الذي يبدؤا الخلق ثم ~~يعيده }؛ أي هو الذي يبدأ الخلق من النطفة ثم يميته فيصير ~~ترابا كما كان، ثم يبعثه في الآخرة. وقوله تعالى: { وهو ~~أهون عليه }؛ أي الإعادة هينة عليه، وما شيء عليه ~~بعسير، وقد يذكر لفظ (يفعل) بمعنى (فعيل) كقوله (الله ~~أكبر) بمعنى كبير، وكذلك أهون عليه أو هين عليه. قال الفرزدق: # لعمرك ما أدري وإني لأوجل # على أينا تعدو المنية أول # يريد بقوله: لأوجل؛ أي وجل، وقال أيضا: # إن الذي سمك السماء بنى لنا # بيتا قوائمه أعز وأطول # أي عزيزة طويلة. وإنما قيل على هذا التأويل؛ لأنه لا يجوز أن ~~يكون بعض الأشياء على الله أهون من بعض. # قوله تعالى: { وله المثل الأعلى في السموت ~~والأرض }؛ أي له الصفة العليا وهي القدرة التي لا يجري عليها ~~العجز، { وهو العزيز الحكيم }؛ أي القاهر لكل شيء، ~~الحكيم في جميع أفعاله. ### || [30.28] # قوله تعالى: { ضرب لكم مثلا من أنفسكم }؛ أي ~~وصف لكم أيها المشركون مثلا من أنفسكم، وبين لكم ذلك ~~المثل من أنفسكم، ثم بينه فقال { هل لكم من ما ~~ملكت أيمانكم من شركآء في ما رزقناكم } ، أي هل ~~لكم من عبيدكم وإمائكم من شركاء فيما رزقناكم من الأموال؛ أي هل ~~يشاركونكم في أموالكم فتكونوا أنتم مع عبيدكم سواء فيما أعطيناكم، ~~{ فأنتم فيه سوآء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم } ، ~~أي تخافون عبيدكم أن يقاسموكم في مالكم كما تخافون نساءكم ~~وأقاربكم أن يورثوكم بعدكم، أو تخافوا لائمة عبيدكم إذا لم تعطوهم ~~حقهم، كما تخافون لائمة بعضكم بعضا من الأقارب والشركاء إذا ~~لم يؤدوا حقهم إليهم. # قالوا: لا! فقال: أفترضون لله تعالى ما لا ترضون لأنفسكم، ~~تشركون عبيد الله في ملكه، وقد خلقهم، ولا تشركون عبيدكم فيما ~~رزقكم الله وأنتم لم تخلقوهم، وتجعلون الخوف من عبيد الله ~~كالخوف من الله إذ تعبدونهم كعبادة الله تعالى، { كذلك نفصل ~~الآيات لقوم يعقلون }؛ أي هكذا يبين الآيات واحدة بعد ~~واحدة ليكون ذلك أقرب ms1626 إلى الفهم وواقع في القلب. # ومعنى { أنفسكم } ها هنا: أمثالكم من الأحرار، كقوله # ولا تلمزوا أنفسكم # [الحجرات: 11]. ومعنى الآية: كيف رضيتم أن تكون آلهتكم التي ~~تعبدونها لي شركاء وأنتم عبيدي وأنا مالكهم جميعا، فكما لا يجوز ~~استواء المملوك مع سيده، كذلك لا يجوز استواء المخلوق مع خالقه. ### || [30.29] # قوله تعالى: { بل اتبع الذين ظلموا أهوآءهم ~~بغير علم }؛ أي ليس لهم في الإشراك شبهة من حيث الحجة، ~~ولكنهم يشركون بالله بناء على الجهل وهوى النفس { فمن يهدي ~~من أضل الله }؛ أي لا هادي لمن أضله الله، { وما لهم ~~من ناصرين }؛ أي ما لهم من مانعين من عذاب الله. ### || [30.30] # قوله تعالى: { فأقم وجهك للدين حنيفا }؛ أي ~~فأقم يا محمد على دين الإسلام، وقوله { حنيفا } أي مائلا ~~عن كل دين إلا الإسلام، وقوله تعالى: { فطرت الله ~~}؛ أي اتبع دين الله، والفطرة: الملة؛ وهي الإسلام ~~والتوحيد، { التي فطر الناس عليها }؛ أي خلق الله ~~المؤمنين عليها، وقد ورد في الحديث: # " كل مولود يولد على الفطرة " # إلى آخر الحديث. # وانتصب قوله { فطرت الله } على الإغراء، وقيل: على معنى: ~~اتبع فطرة الله. # وقوله تعالى: { لا تبديل لخلق الله }؛ أي لا تغيير ~~لدين الله الذي أمر الناس بالثبات عليه، وهو نفي معناه النهي؛ ~~أي لا تبدلوا دين الله الذي هو التوحيد بالشرك. وقوله تعالى: ~~{ ذلك الدين القيم } يعني التوحيد هو الدين المستقيم، { ~~ولكن أكثر الناس }؛ يعني كفار مكة، { لا يعلمون ~~}؛ توحيد الله ودين الإسلام هو الحق. ### || [30.31-32] # قوله تعالى: { منيبين إليه واتقوه }؛ أي أقيموا ~~وجوهكم راجعين إلى الله في كل ما أمركم به، لا تخرجون عن شيء ~~من أوامره، وهذا لأن الخطاب في أول هذه الآيات للنبي صلى الله ~~عليه وسلم بقوله { فأقم وجهك } ، والمراد به أمته، كما في ~~قوله # يأيها النبي إذا طلقتم النسآء # [الطلاق: 1] فكأنه قال: أقيموا وجوهكم منيبين؛ أي راجعين ~~إلى أوامره، وقوله تعالى { واتقوه } أي اتقوا مخالفته، { ~~وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين * من ~~الذين فرقوا دينهم }؛ أي زايلوا دينهم الذي أمروا ~~بالثبات ms1627 عليه. # ومن قرأ (فرقوا دينهم) فمعناه: صاروا فرقا، وذلك معنى ~~قوله: { وكانوا شيعا } ، أي صاروا جماعة، { كل حزب بما ~~لديهم فرحون } ، أي كل جماعة اختارت دينا مثل اليهود ~~والنصارى وسائر الملل، كل أهل دين يفرحون بما عندهم من ~~الدين. ### || [30.33-34] # قوله تعالى: { وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم ~~}؛ أي إذا أصاب الناس شدة وبلية وقحط وغلاء يعني كفار ~~مكة، دعوا ربهم لدفع الشدة، { منيبين إليه }؛ أي ~~راجعين إليه، منقطعين من الخلق، لا يلجأون في شدائدهم إلى ~~أوثانهم، { ثم إذآ }؛ أذهب عنهم تلك الشدة و { أذاقهم ~~منه رحمة }؛ أي أعطاهم من عنده المطر، { إذا فريق ~~منهم بربهم يشركون }؛ أي يعودون إلى الشرك { ~~ليكفروا بمآ آتيناهم }؛ فيبدلوا الشكر كفرا، { ~~فتمتعوا }؛ أي تلذذوا في الدنيا، { فسوف تعلمون } ، ~~ماذا ينزل بكم. ### || [30.35] # قوله تعالى: { أم أنزلنا عليهم سلطانا }؛ أي أم ~~أنزلنا على هؤلاء حجة وبرهانا وكتابا من السماء، { فهو ~~يتكلم بما كانوا به يشركون } ، يشهد وينطق بأن ~~الله أمرهم بما يفعلون. وهنا استفهام إنكار؛ أي ليس الأمر على ~~هذا. ### || [30.36] # قوله تعالى: { وإذآ أذقنا الناس رحمة فرحوا ~~بها }؛ أي إذا أذقناهم نعمة استبشروا بها، { وإن تصبهم ~~سيئة }؛ شدة ومحنة وبلية، { بما قدمت أيديهم ~~}؛ في الشرك من المعاصي { إذا هم يقنطون }؛ أي إذا هم ~~ييأسون من رحمة الله. ### || [30.37] # قوله تعالى: { أولم يروا أن الله يبسط ~~الرزق لمن يشآء ويقدر }؛ أي ويضيق، { إن في ~~ذلك }؛ أي في البسط والتقتير، { لآيات }؛ دالة على ~~التوحيد، { لقوم يؤمنون }. ### || [30.38] # قوله تعالى: { فآت ذا القربى حقه }؛ أي أعط ذا ~~القربى في الرحم حقه من الصلة والبر، وأعط { ~~والمسكين }؛ الذي يطوف على الأبواب حقه أيضا، وهو ~~التصدق عليه، وأعط { وابن السبيل }؛ النازل بك ~~حقه؛ أي ضيافته، يعني أكرم الضيف النازل بك، { ذلك ~~خير }؛ أي الذي ذكرت من الصلة والإعطاء والضيافة خير، { ~~للذين يريدون وجه الله }؛ يعني رضا الله؛ أي إعطاء ~~الحر أفضل من الإمساك { وأولئك هم المفلحون }؛ أي ~~الفائزون السعداء الباقون في الجنة، ومن أعطى أحدا لا يريد به ~~وجه ms1628 الله ذهب ماله من غير أن يحصل على شيء، فلذلك قال: { ~~يريدون وجه الله }. ### || [30.39] # قوله تعالى: { ومآ آتيتم من ربا ليربوا في ~~أموال الناس فلا يربوا عند الله }؛ أي ما تعاطيتم من ~~عقد الربا رجاء أن تزيدوا أموالكم فلا يزيد في حكم الله، ~~وعلى الآخذ أن يرده على المأخوذ منه، قال الله تعالى: # يمحق الله الربوا # [البقرة: 276]. # قرأ ابن كثير (أتيتم) مقصورا غير ممدود. وقوله تعالى ~~(ليربوا)، قرأ الحسن ونافع: (لتربو) بتاء مضمومة وجزم الواو ~~على الخطاب؛ أي لتربو أنتم، وقرأ الباقون (ليربوا) بياء ~~مفتوحة ونصب الواو، وجعلوا الفعل للربا. # وقوله تعالى: { ومآ آتيتم من زكاة تريدون وجه ~~الله }؛ أي ما أعطيتم من صدقة تريدون بها رضا الله، { ~~فأولئك هم المضعفون }؛ الذين يضاعف لهم في العاجل ~~والآجل، يقال: رجل مضعف؛ أي ذو أضعاف كما يقال: رجل ~~مقوي ذو قوة، وموسر؛ أي صاحب يسار. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى { ومآ ~~آتيتم من ربا }: (الربا ها هنا هو هبة الرجل ~~لصاحبه يريد أن يثاب أفضل منه). وقال السدي: (هو ~~الهدية يهديها الرجل لأخيه يطلب المجازاة، ~~فإن ذلك لا يربو عند الله، ولا يؤجر عليه ~~صاحبه ولا إثم عليه)، وقال الزجاج: (هو دفع ~~الإنسان الشيء ليعوض ما هو أكبر منه، وذلك ~~ليس بحرام ولكنه لا ثواب فيه؛ لأن الذي ~~يهديه يستدعي ما هو أكثر منه، وإنما يربو ~~عند الله هو العطية التي لا يطلب بها ~~المكافأة، ولا يراد بها إلا رضا وجه الله). ### || [30.40] # قوله تعالى: { الله الذي خلقكم ثم رزقكم }؛ ~~أي خلقكم في بطون أمهاتكم ثم أخرجكم، { ثم يميتكم }؛ ~~بعد انقضاء آجالكم، { ثم يحييكم }؛ بعد الموت، { هل من ~~شركآئكم من يفعل من ذلكم من شيء سبحانه ~~وتعالى عما يشركون }. ### || [30.41] # قوله تعالى: { ظهر الفساد في البر والبحر }؛ أي ~~قحط المطر ونقصت الغلات وذهبت البركة في البر والبحر، ~~أي أجدب البر وانقطعت مادة البحر، { بما كسبت أيدي ~~الناس }؛ أي بشؤم ذنوبهم ومعاصيهم، الناس كفار مكة، { ~~ليذيقهم }؛ الله بالجوع ms1629 في السنين السبع، يعني { بعض ~~الذي عملوا }؛ أي جزاؤه ليكون عقوبة معجلة، { لعلهم ~~يرجعون }؛ من الكفر إلى الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة، ~~فيكشف الله عنهم الشدة. وفي هذا تنبيه على أن الله تعالى إنما ~~يقضي بالجدوبة ونقص الثمرات والنبات لطفا منه في رجوع ~~الخلق عن المعصية. ### || [30.42] # قوله تعالى: { قل سيروا في الأرض }؛ أي قل لأهل ~~مكة سافروا في الأرض، { فانظروا كيف كان عاقبة } ، أي ~~كيف صار إجرام، { الذين من قبل كان أكثرهم ~~مشركين }؛ أي انظروا إلى ديار عاد وثمود وقوم لوط ~~ليدلكم ذلك على أنه لا ينبغي لأحد أن يكفر بالله تعالى. ### || [30.43] # قوله تعالى: { فأقم وجهك للدين القيم }؛ أي ~~أقم قصدك وعملك، واجعل جهتك اتباع الدين القيم وهو ~~الإسلام المستقيم الذي لا عوج فيه، واعمل به أنت ومن تبعك، { ~~من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله }؛ يعني ~~يوم القيامة، { يومئذ يصدعون }؛ أي يوم القيامة ~~يتفرقون بعد الحساب إلى الجنة والنار. ### || [30.44-45] # قوله تعالى: { من كفر فعليه كفره } أي ضرر ~~كفره، { ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون }؛ أي ~~يطأون لأنفسهم منازلهم في الجنة، { ليجزي الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات }؛ ثوابهم، ثم يزيدهم { من فضله }؛ أي ~~يثيبهم أكثر من أعمالهم، { إنه لا يحب الكافرين }؛ ~~أي يكرمهم ولا يثيبهم ولا يرضى عنهم. ### || [30.46] # قوله تعالى: { ومن آياته أن يرسل الرياح ~~مبشرات }؛ أي من علامات توحيده إرساله الرياح للبشارة ~~بالمطر، { وليذيقكم من رحمته }؛ يعني الغيث والخصب، ~~{ ولتجري الفلك }؛ أي السفن تجري في البحر بتلك الرياح، ~~{ بأمره ولتبتغوا من فضله }؛ أي ولتسلكوا في البحر ~~على السفن للتجارة وطلب الرزق بهذه الرياح، { ولعلكم ~~تشكرون }؛ هذه النعم فتوحدونه. ### || [30.47] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى ~~قومهم فجآءوهم بالبينات }؛ أي بالدلالات الواضحات ~~فكذبوا بها، { فانتقمنا من الذين أجرموا }؛ أي عذبنا ~~الذين كذبوهم، { وكان حقا علينا نصر المؤمنين }؛ أي ~~كان واجبا علينا إنجاء المؤمنين مع الرسل من عذاب الأمم، وفي ~~هذا تبشير للنبي صلى الله عليه وسلم بالظفر والنصر على من ~~كذب به. ### || [30.48-49] ms1630 # قوله تعالى: { الله الذي يرسل الرياح فتثير ~~سحابا }؛ أي تزعجه من حيث هو، وذلك أن الله يحدث ~~السحاب عقيب الرياح فترفعه الرياح في الهواء، { فيبسطه ~~في السمآء كيف يشآء ويجعله كسفا } أي قطعا بعضها ~~فوق بعض، { فترى الودق } يعني المطر، { يخرج من خلاله ~~}؛ أي من وسطه إلى قوم دون قوم، { فإذآ أصاب به }؛ بذلك ~~المطر، { من يشآء من عباده إذا هم يستبشرون }؛ ~~يفرحون بالمطر، { وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم ~~}؛ المطر { من قبله لمبلسين }؛ أي يائسين من ذلك، كرره ~~للتأكيد، والمبلس هو الآيس القانط. ### || [30.50] # قوله تعالى: { فانظر إلى آثار رحمت الله كيف ~~يحي الأرض بعد موتهآ } ، الخطاب للنبي صلى الله عليه ~~وسلم وغيره. وآثار الرحمة هي أنواع النبات الذي ينبت من المطر ~~من بين أخضر وأحمر وغير ذلك من الألوان. # وقوله { كيف يحي الأرض بعد موتهآ } كيف يجعل الأرض ~~مخضرة بعد يبسها، { إن ذلك لمحي الموتى } ، أي ~~الذي فعل ذلك هو الذي يحيي الموتى للنشور، فإنه كما يعيد الشجر ~~الذي ظهر يبسه، ويعيد فيه الخضرة والنور والثمرة، كذلك ~~يحيي الموتى، { وهو على كل شيء قدير }؛ من الموت ~~والبعث قدير. ### || [30.51] # قوله تعالى: { ولئن أرسلنا ريحا فرأوه ~~مصفرا } ، ولئن أرسلنا ريحا حارة أو باردة فأيبست ~~زروعهم، ورأوا الزرع مصفرا بعد خضرته، { لظلوا من ~~بعده يكفرون } ، لصاروا بعد اصفرار النبت يجحدون ما ~~سلف من النعمة، يعني أنهم يفرحون عند الخصب، وإذا استبطأوا الخصب ~~والرزق جزعوا فكفروا بالنعم. ### || [30.52-53] # قوله تعالى: { فإنك لا تسمع الموتى }؛ يعني ~~الكفار لا يسمع، والأعمال الذي لا يبصرون، ولذلك قال: { ولا ~~تسمع الصم الدعآء إذا ولوا مدبرين * ومآ أنت ~~بهاد العمي عن ضلالتهم }؛ أي لا تقدر أن تجبرهم على ~~الهدى، وإنما بعثت داعيا ومبلغا. قوله تعالى: { ~~إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا }؛ أي إلا من يصدق ~~بكتابنا، { فهم مسلمون }؛ أي هم الذين يستبدلون به ~~فهم مخلصون منقادون لأمر الله. ### || [30.54] # قوله تعالى: { الله الذي خلقكم من ضعف }؛ أي من ~~نطفة ضعيفة بطون الأمهات، ثم أطفالا لا ms1631 يملكون لأنفسهم ~~نفعا ولا ضرا، { ثم جعل من بعد ضعف قوة } ، ثم ~~جعلكم أقوياء بما أعطاكم من العقل والاستطاعة والهداية والتصرف في ~~اختلاف المنافع ودفع المضار، { ثم جعل من بعد قوة }؛ ~~قوة الشباب، { ضعفا }؛ عند الكبر والهرم، { وشيبة ~~يخلق ما يشآء }؛ من ضعف وقوة وشيبة وشباب، { وهو ~~العليم القدير }؛ أي العليم بخلقه القادر على تحويلهم ~~من حال إلى حال. ### || [30.55] # قوله تعالى: { ويوم تقوم الساعة يقسم ~~المجرمون ما لبثوا غير ساعة }؛ أي تقوم الساعة، ~~يحلف المشركون ما لبثوا في القبور غير ساعة واحدة. وقيل: ما ~~لبثوا في الدنيا غير ساعة يستقلون في جنب أيام الآخرة، { ~~كذلك كانوا يؤفكون }؛ أي هكذا كانوا يكذبون في الدنيا ~~بجهلهم وغفلتهم كما كذبوا في الآخرة. ### || [30.56] # قوله تعالى: { وقال الذين أوتوا العلم ~~والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم ~~البعث }؛ أراد بالذين أوتوا العلم: الملائكة والأنبياء ~~والمؤمنون، يقولون للكفار بعد ما أقسموا: لقد لبثتم فيما ~~كتب الله لكم من اللبث إلى يوم البعث، وقيل: في حكم ~~الله، وقيل: فيه تقديم وتأخير؛ تقديره: وقال الذين أوتوا العلم ~~في كتاب الله، وهم الذين يعلمون كتاب الله. وقوله: { فهذا ~~يوم البعث }؛ أي يوم الذي كنتم تنكرونه في الدنيا، ~~وتكذبون به، { ولكنكم كنتم لا تعلمون }؛ وقوعه في ~~الدنيا فلا ينفعكم العلم به الآن. ### || [30.57] # قوله تعالى: { فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا ~~معذرتهم }؛ أي اعتذارهم من الذنوب إن اعتذروا، { ولا هم ~~يستعتبون }؛ أي لا يجابون إلى ما يطلبون من الرجعة إلى ~~الدنيا، فإنهم يقولون: # ربنآ أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا # [السجدة: 12]. قال ابن عباس رضي الله عنهما: (لا يقبل ~~من الذين أشركوا عذر ولا عتاب ولا توبة في ~~ذلك اليوم). ### || [30.58] # قوله تعالى: { ولقد ضربنا للناس في هذا ~~القرآن من كل مثل }؛ أي بينا لهم في القرآن من كل ~~صفة، { ولئن جئتهم بآية }؛ مثل العصا واليد وبكل ~~حجة، { ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا ~~مبطلون }؛ أي ما أنتم إلا على الباطل يا محمد وأصحابك!. ### || [30.59] # قوله تعالى: { كذلك يطبع ms1632 الله على قلوب ~~الذين لا يعلمون }؛ أي يختم على قلوب الذين لا يعلمون ~~توحيد الله، فكل من لا يعلم توحيد الله فذلك لأجل ما طبع ~~الله على قلبه. ### || [30.60] # قوله تعالى: { فاصبر إن وعد الله حق }؛ أي ~~اصبر يا محمد على تبليغ الرسالة والوحي، وعلى ما يلحقك من ~~أذية الكفار، فإن ما وعد الله من النصر وإظهار دين ~~الإسلام صدق كائن يأتيك في حينه. والمعنى: (فاصبر إن وعد ~~الله حق) بنصر دينك وإظهارك على عدوك حق فلا ~~يحملنك تكذيب الكفار الذين لا يستيقنون بأمر الله على ~~الحق، وكن حليما صبورا. # وقوله: { ولا يستخفنك الذين لا يوقنون } ، لا ~~تعجل بالدعاء عليهم فيما يستعجلون من العذاب لقولهم: # ائتنا بعذاب الله # [العنكبوت: 29]، و # متى هذا الوعد # [سبأ: 29] و # عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب # [ص: 16]. ومعنى الآية: (ولا يستخفن) رأيك وحلمك يا ~~محمد { الذين لا يوقنون }؛ بالبعث والحساب. ### | [31 - سورة لقمان] ### || [31.1-5] # هذه السورة آيات الكتاب الحكيم الذي وعدك الله أن ينزله ~~عليك. # وانتصب { هدى ورحمة } على الحال. وقرأ حمزة بالرفع على ~~الابتداء، وقيل: على إضمار هو. قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: (معنى الآية: هدى من الضلالة ورحمة من ~~العذاب للموحدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم) ~~وما بعد هذا قد تقدم تفسيره. ### || [31.6] # قوله تعالى: { ومن الناس من يشتري لهو الحديث ~~ليضل عن سبيل الله بغير علم }؛ نزلت هذه الآية وما ~~بعدها في النضر بن الحارث، كان اشترى كتبا فيها أخبار الأعاجم، ~~ويحدث بها أهل مكة، ويتملق بها في المجالس، ويقول: إن ~~محمدا يحدثكم أحاديث عاد وثمود، وأنا أحدثكم أحاديث ~~فارس والروم، وأقرأ عليكم كما محمد يقرأ عليكم أساطير الأولين ~~هو يأتيكم بكتاب فيه قصص الأمم الماضية، وأنا أتيت بمثله! وكانوا ~~يستملحون حديثه، وكان إذا سمع شيئا من القرآن يهزأ به ~~ويعرض عنه. فذلك قوله: { ويتخذها هزوا أولئك ~~لهم عذاب مهين }؛ أي ليصرف الناس عن دين الله بلا علم، ~~ومن قرأ (ليضل) بفتح الياء، فمعناه: ليتشاغل بما يلهيه، ~~وليصير أمره ms1633 إلى الضلال والباطل. # ومعنى قوله تعالى { لهو الحديث } أي باطل الحديث، هذا قول ~~الكلبي ومقاتل، وقيل: المراد بلهو الحديث الغناء، وعن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا يحل تعليم المغنيات ولا بيعهن ولا ~~شراؤهن، وثمنهن حرام، والذي نفس محمد ~~بيده؛ ما رفع رجل قط عقيرته يتغنى إلا ~~ارتدفه شيطانان يضربان بأرجلهما على ظهره ~~وصدره حتى يسكت " # ، وهذا قول سعيد بن جبير ومجاهد وابن مسعود، قالوا: (هو والله ~~الغناء، واشتراء المغنية والمغني بالمال). # وقال صلى الله عليه وسلم: # " " من ملأ مسامعه من غناء لم يؤذن له أن ~~يسمع أصوات الروحانيين يوم القيامة " قيل: ~~وما الروحانيون يا رسول الله؟ قال: " أهل الجنة " ~~" # ، وعن إبراهيم النخعي أنه قال: (الغناء ينبت النفاق في ~~القلب) وقال مكحول: (من اشترى جارية ضرابة ~~ليمسكها لغنائها وضربها مقيما عليه حتى يموت ~~لم أصل عليه). # قوله تعالى: { بغير علم } أي أنه جاهل فيما يفعل، لا ~~يفعله عن علم، { ويتخذها هزوا } بالرفع عطفا على { من ~~يشتري } ، وبالنصب عطفا على { ليضل } ، والكتابة المذكورة ~~تعود إما إلى الآيات المذكورة في أول السورة، وإما إلى (سبيل ~~الله)، والسبيل يؤنث لقوله # قل هذه سبيلي # [يوسف: 108]. ### || [31.7] # قوله تعالى: { وإذا تتلى عليه ءاياتنا ولى ~~مستكبرا }؛ أي أعرض عن قبولها متعظما عن الإيمان بها، { ~~كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا }؛ أي ثقلا ~~يمنعه عن السماع، { فبشره بعذاب أليم }؛ وجيع في ~~الدنيا قبل أن يصل إلى الآخرة، وهو ما روي: (أنه أخذ ~~أسيرا يوم بدر فقتل صبرا). ### || [31.8-9] # قوله تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لهم جنات النعيم * خالدين فيها وعد ~~الله حقا وهو العزيز الحكيم }؛ ظاهر المعنى. ### || [31.10] # قوله تعالى: { خلق السموت بغير عمد ترونها ~~وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم }؛ أي جبالا ~~ثم أرسيت أوتاد لها لئلا تميد بأهلها، { وبث فيها ~~من كل دآبة }؛ أي فرق الدواب الكثيرة في الأرض، { ~~وأنزلنا من السمآء مآء }؛ يعني المطر، { فأنبتنا ~~فيها من كل زوج كريم }؛ أي من كل نوع حسن. ### || [31.11] # قوله تعالى: { هذا ms1634 خلق الله }؛ أي هذا الذي ذكرت لكم مما ~~تعاينون خلق الله، { فأروني }؛ أيها الكفار، { ماذا ~~خلق الذين من دونه }؛ أي شيء خلقه الذي تعبدون من ~~دونه، فلم تجدوا شيئا يشيرون إليه من خلق غيره، ولم ~~يقدروا على جواب هذا الكلام، فقيل: { بل الظالمون }؛ أي ~~الكافرون، { في ضلال مبين }. ### || [31.12] # قوله تعالى: { ولقد آتينا لقمان الحكمة }؛ يعني ~~العقل والعلم والعمل به، والإصابة في الأمور. واتفق العلماء على ~~أن لقمان حكيما، ولم يكن نبيا إلا عكرمة وحده فإنه قال: ~~(كان لقمان نبيا)، وقال بعضهم: خير لقمان بين النبوة ~~والحكمة فاختار الحكمة! # وعن ابن عمر رضي الله عنهما؛ قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: # " حقا أقوله: لم يكن لقمان نبيا، ولكن عبدا ~~صمصامة، كثير التفكر، حسن اليقين، أحب الله ~~فأحبه، فمن عليه بالحكمة " # وروي أنه كان تتلمذ لألف نبي عليهم السلام. # واختلفوا في حرفته، فقال الأكثرون: كان نجارا، ويقال: كان ~~خياطا، ويقال: كان راعيا، ويروى: كان عبدا حبشيا غليظ ~~الشفتين مشقوق الرجلين. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (مر رجل بلقمان والناس ~~مجتمعون حوله وهو يعظهم، فقال: ألست العبد ~~الأسود الذي كنت ترعى الغنم؟! قال: بلى، قال: ~~فما بلغ بك إلى ما أرى؟ قال: صدق الحديث؛ وأداء ~~الأمانة؛ وترك ما لا يعنيني). # وعن أنس: (أن لقمان كان عبد داود عليه السلام وهو ~~يسرد درعا، فجعل لقمان يتعجب مما يرى، ~~ويريد أن يسأله فمنعته حكمته من السؤال، ~~فلما فرغ منها، جعلها عليه وقال: نعم درع ~~الحرب هذا ونعم حامله، فقال لقمان: الصمت ~~حكمة وقليل فاعله). # وقال عكرمة: (كان لقمان من أهون مماليك سيده، ~~فبعث مولاه مع عبيد له إلى بستان لمولاهم ~~يأتونه من ثمره، فجاءوا وليس معهم شيء، وقد ~~أكلوا الثمرة، وأحالوا على لقمان بذلك! فقال ~~لقمان لمولاه: إن ذا الوجهين لا يكون عند الله ~~أمينا، فاسقني وإياهم ماء حميما، فسقاهم ~~فجعلوا يتقيؤن الفاكهة، وجعل لقمان يتقيأ ~~ماء بحتا، فعرف صدقه وكذبهم). # قال: (وأول ما روي من حكمته أنه جاء ms1635 مع مولاه ~~فدخل المخدع، فأطال الجلوس فيه، فناداه ~~لقمان: إن طول الجلوس على الحاجة يتجمع منه ~~الكدر، ويورث الباسور، وتصعد الحرارة إلى ~~الرأس، فاجلس هوينا وقم هوينا، قال: فخرج ~~وكتب حكمته على باب الحش). # ومعنى الآية { ولقد آتينا لقمان } علم التوحيد والمواعظ ~~والفقه والعقل والإصابة في القول، وألهمناه أن يشكر الله على ما ~~أعطاه من الحكمة. # ومعنى قوله: { أن اشكر لله }؛ أي قلنا له: اشكر الله فيما ~~أعطاك من الحكمة، { ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه }؛ ~~أي من يشكر نعم الله فإن منفعة شكره راجعة إلى نفسه، { ومن ~~كفر }؛ فلم يوحد، { فإن الله غني }؛ عن شكره، { ~~حميد }؛ يحمده الشاكر ويثبته على شكره. ### || [31.13] # قوله تعالى: { وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه ~~}؛ أي واذكر: إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه: { ~~يبني لا تشرك بالله }؛ أحدا في العبادة، { إن ~~الشرك لظلم عظيم }؛ عند الله؛ أي ليس من الذنوب شيء ~~أعظم من الشرك بالله؛ لأن الله تعالى هو الحي المميت الخالق ~~الرازق، فإذا أشركت به أحدا غيره فقد جعلت النعمة لغير ربها، وذلك ~~من أعظم الظلم. ### || [31.14] # قوله تعالى: { ووصينا الإنسان بوالديه }؛ نزل في ~~سعد بن أبي وقاص؛ لما آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~حلفت أمه لا تذوق طعاما ولا شرابا ولا يظلها ~~شيء حتى يرجع سعد إلى دينه، فمضت على هذا ~~أياما، فبلغ من أمرها إلى أن تداخل بعض أسنانها ~~في بعض، فأنزل الله هذه الآية، فقال سعد: (لو ~~كان لها سبعون نفسا فخرجت ما ارتددت عن ~~الإسلام) ففتح فاها وصب فيه الطعام والشراب. ~~ومعنى { ووصينا الإنسان } أي أمرناه ببر والديه عطفا ~~عليهما. # وقوله تعالى: { حملته أمه وهنا على وهن }؛ أي ~~ضعفا على ضعف، ومشقة على مشقة، كلما ازداد الولد في الرحم ~~كبر، ازدادت الأم ضعفا. # قوله تعالى: { وفصاله في عامين }؛ أي وفطامه في ~~انقضاء عامين، وقدره بعامين بناء على الأغلب، ولأن الرضاع لا ~~يستحق بعد هذه المدة. والفصال هو الفطام، وهو أن يفصل ~~الولد عن الأم كي لا يرضع. والمعنى بهذا ms1636 ذكر مشقة الوالدة بإرضاع ~~الولد عامين. وروي عن يعقوب: (وفصله في عامين) بغير ألف. # قوله تعالى: { أن اشكر لي ولوالديك }؛ أي قلنا له ~~اشكر لي على خلقي إياك، وعلى إنعامي عليك، واشكر لوالديك على ~~تربيتهما إياك. وقال مقاتل: (اشكر لي إذ هديتك للإسلام، ~~ولوالديك بما أولياك من النعم). # قوله تعالى: { إلي المصير }؛ أي مصيرك ومصير والديك، ~~وعن سفيان بن عيينة في قوله: { أن اشكر لي ولوالديك } ~~قال: (من صلى الصلوات الخمس فقد شكر الله، ومن ~~دعا للوالدين في إدبار الصلوات فقد شكر ~~للوالدين). ### || [31.15] # قوله تعالى: { وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ~~ليس لك به علم فلا تطعهما }؛ أي أجهدا عليك ~~لتشرك بي جهلا بغير علم فلا تطعهما، فإن حقهما وإن ~~عظم فليس بأعظم من حقي. # وقوله تعالى: { وصاحبهما في الدنيا معروفا }؛ قال ~~صلى الله عليه وسلم: # " حسن المصاحبة أن تطعمهما إذا جاعا، وتكسوهما ~~إذا عريا، وعاشرهما عشرة جميلة " # { واتبع سبيل من أناب إلي }؛ أي واتبع طريق من ~~رجع إلي؛ أي من سلك طريق محمد صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه. والمعنى: واتبع دين من أقبل إلى طاعتي وهو النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # وقال عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهم: (يعني أبا بكر ~~الصديق رضي الله عنه أنه حين أتاه عبدالرحمن بن ~~عوف وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وعثمان ~~وطلحة والزبير فقالوا: يا أبا بكر آمنت ~~وصدقت محمدا؟ قال: نعم، فأتوا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فآمنوا به وصدقوا، فأنزل الله تعالى ~~يقول لسعد: (واتبع سبيل من أناب إلي) يعني أبا ~~بكر الصديق رضي الله عنه). # ويستدل من قوله تعالى { وصاحبهما في الدنيا معروفا } ~~على أن الابن لا يستحق القود على أبيه، ولا يحد الأب ~~بقذفة الابن، ولا يحبس الأب بدين الابن، لأن في إيجاب القود ~~والحد والحبس له عليه ما ينافي مصاحبتهما. # وعن أبي يوسف: (أن القاضي يأمر الأب بقضاء دين ~~الابن، فإن تمرد حبسه لاستخفاف أمره) وقال محمد ~~بن الحسن: (يحبس الأب في ms1637 نفقة الابن الصغير، ولا ~~يحبس بالدين الذي له عليه؛ لأنه لو لم يحبس ~~في نفقة الصغير لتضرر الولد). # قوله تعالى: { ثم إلي مرجعكم }؛ أي مرجعكم ومرجع ~~آبائكم، { فأنبئكم بما كنتم تعملون }؛ من الخير ~~والشر. وقد تضمنت هذه الآية النهي عن صحبة الكفار ~~والفساق، والترغيب في صحبة الصالحين لقوله تعالى { واتبع ~~سبيل من أناب إلي }. ### || [31.16] # قوله تعالى: { يبني إنهآ إن تك مثقال حبة ~~من خردل فتكن في صخرة أو في السموت أو في ~~الأرض يأت بها الله }؛ وذلك أن ابن لقمان سأل أباه ~~فقال: أرأيت الحبة التي تكون في قعر البحار؛ أيعلمها الله؟ ~~فأعلمه أن الله يعلم الحبة أينما كانت. # وقيل: إن ابن لقمان قال لأبيه: يا أبت! إن عملت ~~بالخطيئة حيث لا يراني أحد، كيف يعلمها الله؟ فقال لقمان ~~لابنه: { إنهآ إن تك } يعني إن المعصية إن تك مثقال ~~حبة من خردل فتكون في صخرة التي تحت الأرضين السبع أو ~~في السماوات أو في الأرض يأت بها الله للجزاء عليها. # ومن قرأ برفع (مثقال) فتقديره: أن تقع مثقال حبة. # وقوله تعالى: { إن الله لطيف خبير }؛ أي قادر على ~~الإتيان بها، خبير بموضعها، يوصلها إلى صاحبها حيث كان. ~~واللطيف: العالم بكل دقيق وجليل. ومعنى الآية: أن الله تعالى ~~ضرب هذا مثلا لأعمال العباد، يعني أنه يأتي بأعمالهم يوم ~~القيامة، وإن كان العمل الصالح في الصغر بوزن حبة من خردل، ~~فالله تعالى يحفظه ولا يخفى عليه مكانه حتى يجازيه عليه، ونظير هذا ~~قوله تعالى: # فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره # [الزلزلة: 7-8]. ### || [31.17] # قوله تعالى: { يبني أقم الصلاة وأمر ~~بالمعروف وانه عن المنكر }؛ أي أقم الصلاة التي ~~افترضها الله عليك، وأمر بالطاعة وانه عن المعصية، { واصبر ~~على مآ أصابك }؛ من الأذية في الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر، وقوله تعالى: { إن ذلك من عزم الأمور }؛ أي ~~الصبر على ما أصابك في ذات الله من الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر من عظام الأمور. وقيل: من حق الأمور ms1638 التي أمر الله ~~بها. ### || [31.18] # قوله تعالى: { ولا تصعر خدك للناس }؛ قرأ نافع ~~وأبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف (تصاعر) بالألف، وقرأ الباقون ~~(تصعر) بغير ألف. قال ابن عباس: (معناه: لا تتكبر ~~فتحقرك الناس، ولا تعرض عنهم بوجهك إذا ~~كلموك)، يقال: صعر خدك وصاعر، إذا مال وأعرض ~~تكبرا. والمعنى: لا تتعظم على خلق الله، ولا تعرض عن ~~الناس تكبرا عليهم، بل يكون الفقير والغني عندك سواء، ولا ~~تعبس في وجه أحد من الناس. # قوله تعالى: { ولا تمش في الأرض مرحا }؛ أي ولا ~~تمش في الأرض بالإعجاب والبطر وازدراء الناس، قال الحسن: ~~(أنى لابن آدم الكبر وقد خرج من مخرج البول ~~مرتين؟!). # وروي: أن المهلب بن أبي صفرة مر على مطرف بن ~~عبدالله وهو يتبختر في جبة خز، فقال: (هذه ~~مشية يبغضها الله ورسوله) فقال له المهلب: ما ~~تعرفني؟! قال: (بلى؛ أعرفك، أولك نطفة مذرة، ~~وآخرك جيفة قذرة، وتحمل بين العذرة) فمضى ~~المهلب وترك مشيته تلك. # وروي: أن عبدالله بن محمد بن واسع خرج يوما ~~يتمشى، فقال محمد بن واسع: (من هذا؟!) قالوا: ~~هذا ولدك عبدالله، قال: ادعوه، فجاؤا به إليه، ~~فقال له: (يا بني! أتدري بكم اشتريت أمك؟ ~~اشتريتها بثلاثمائة درهم، وأبوك لا كثر الله ~~من مثله في الناس، أتمشي هذه المشية؟!). # قوله تعالى: { إن الله لا يحب كل مختال ~~فخور }؛ الاختيال: هو التبختر في المشي، والفخور: هو ~~المتطاول بذكر المناقب على السامع والافتخار عليه، وذلك ~~مذموم لأن المستحق على نعم الله شكرا لا الفخر. ### || [31.19] # قوله تعالى: { واقصد في مشيك }؛ أي تواضع ولا ~~تتبختر، وليكن مشيك قصدا لا تبخترا ولا إسراعا. قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " سرعة المشي تذهب بهاء المؤمن " # يقال: قصد فلان في مشيته إذا مشى مستويا، وقال مقاتل: (لا ~~تختل في مشيتك)، وقال عطاء: (قوله تعالى: { واقصد ~~في مشيك } أي امش بالوقار والسكينة) كقوله تعالى: # وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا # [الفرقان: 63]، والمعنى: اقصد في المشي، لا تعجل ولا تمش ~~بالهوينا. # قوله تعالى: { واغضض من صوتك ms1639 }؛ أي اخفض صوتك ولا ~~ترفعه على وجه انتهار الناس وإظهار الاستخفاف بهم، وقال عطاء: ~~(معناه: اغضض من صوتك إذا دعوت وناجيت ربك)، ~~وكذلك وصية الله تعالى في الإنجيل لعيسى عليه السلام: مر ~~عبادي يخفضوا أصواتهم إذا دعوني، فإني أسمع وأعلم ما ~~في قلوبهم. # قوله تعالى: { إن أنكر الأصوات لصوت الحمير }؛ ~~أي أقبح الأصوات صوت الحمير؛ لأن أوله زفير وآخره شهيق. قال ~~ابن زيد: (لو كان في رفع الصوت خيرا ما جعله الله ~~للحمير)، وعن أم سعد قالت: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إن الله تعالى يبغض ثلاثة أصوات: نهيق ~~الحمار، ونباح الكلب، والداعية بالويل والحرب " # وقال سفيان: (صياح كل شيء تسبيحه الله إلا الحمار ~~فإنه ينهق بلا فائدة). ### || [31.20] # قوله تعالى: { ألم تروا أن الله سخر لكم ~~ما في السموت وما في الأرض }؛ أي ألم تروا أن ~~الله خلق وذلل لمنافعكم ولمصالحكم ما في السماوات من ~~الشمس والقمر والنجوم والسحاب والمطر، وفي الأرض من الأشجار ~~والأنهار والبحار والدواب. # قوله تعالى: { وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة ~~وباطنة }؛ أي أتم عليكم ووسع لكم نعمه (ظاهرة) من ~~الخلق الحسن وسلامة الأعضاء الظاهرة، (وباطنة) من العقل ~~والفهم والفطنة والمعرفة بالله. # وقيل: النعمة الظاهرة هي الإسلام، والباطنة ما يخفى من الذنوب ~~ويستر من العورات. وقيل: الظاهرة ما يعلم الناس من حسناتك، ~~والباطنة ما لا يعلمون من السيئات. # وقال الضحاك: (الظاهرة: حسن الصورة وامتداد ~~القامة وتسوية الأعضاء، والباطنة المعرفة). ~~وقيل: الظاهرة الإسلام وما أفضل عليك من الرزق، والباطنة ما ~~ستر من سوء عملك. # وقيل: الظاهرة نعم الدنيا، والباطنة نعم العقبى. ~~وقيل: الظاهرة تسوية الظواهر، والباطنة تصفية السرائر. ~~وقيل: الظاهرة الرزق الذي يكتسب، والباطنة الرزق من حيث لا ~~تحتسب. وقيل: الظاهرة المدخل للغداء، والباطنة المخرج للأذى. # وقيل: الظاهرة نعمة عليك بعد ما خرجت من بطن أمك، ~~والباطنة نعمة عليك وأنت في بطن أمك. وقيل: الظاهرة ألوان ~~العطايا، والباطنة غفران الخطايا. وقيل: الظاهرة المال ~~والأولاد، والباطنة الهدى والإرشاد. وقيل: الظاهرة التوفيق ~~للعبادات، والباطنة الإخلاص من المراءات. وقيل: ms1640 الظاهرة ما ~~أعطى من النعماء، والباطنة ما زوى من أنواع البلاء. وقيل: ~~الظاهرة إنزال القطر والأمطار، والباطنة إحياء الأقطار والأنصار. ~~وقيل: الظاهرة ذكر اللسان، والباطنة ذكر الجنان. وقيل: ~~الظاهرة ضياء النهار، والباطنة ظلمة الليل للسكون والقرار. # ومن قرأ (نعمة) على التوحيد فهي واحدة تبنى على الجميع، كما ~~في قوله # وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها # [إبراهيم: 34]. # قوله تعالى: { ومن الناس من يجادل في الله ~~بغير علم }؛ يعني النضر بن الحارث يخاصم في آيات الله وفي ~~صفاته جهلا بغير علم ولا حجة، { ولا هدى ولا كتاب ~~منير }؛ وقد تقدم تفسيره في سورة الحج. ### || [31.21] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم اتبعوا مآ أنزل ~~الله }؛ أي اعملوا بما أنزل الله، { قالوا بل نتبع ما ~~وجدنا عليه آبآءنا }؛ قالوا بل نعمل بما وجدنا عليه آباءنا، ~~وقد تقدم تفسير ذلك في سورة البقرة، قوله تعالى: { أولو ~~كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير }؛ ~~فيتبعونه. ### || [31.22] # قوله تعالى: { ومن يسلم وجهه إلى الله وهو ~~محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى }؛ أي من ~~يخلص طاعته لله وهو محسن فيها فيفعلها على موجب الشريعة فقد ~~أخذ بالأمر الأوثق، { وإلى الله عاقبة }؛ ترجع خواتم ~~{ الأمور }؛ كلها، فيجزي كل عامل بما عمل. # قرأ السلمي: (ومن يسلم) بالتشديد. ومعنى قوله تعالى { ~~فقد استمسك بالعروة الوثقى } أي اعتصم بالطرف ~~الأوثق الذي لا يخاف انقطاعه. قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: (هو لا إله إلا الله). ### || [31.23-24] # قوله تعالى: { ومن كفر فلا يحزنك كفره }؛ وذلك ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحزنه كفرهم مخافة أن يكون ~~ذلك لتقصير من جهته، فأمنه الله من ذلك، والمعنى: من كفر ~~فلا تهتم لكفره، فإن رجوعهم إلينا وحسابهم علينا، وهو ~~قوله تعالى: { إلينا مرجعهم فننبئهم بما ~~عملوا }؛ أي نخبرهم بقبائح أعمالهم في الدنيا، ونجزيهم عليها، ~~{ إن الله عليم بذات الصدور }؛ أي عليم بما في القلوب ~~من خير وشر. قوله تعالى: { نمتعهم قليلا }؛ أن ~~نمهلهم في الدنيا يسيرا، { ثم نضطرهم إلى عذاب ~~غليظ }؛ أي ثم نجليهم في الآخرة إلى ms1641 عذاب شديد. ### || [31.25-26] # قوله تعالى: { ولئن سألتهم من خلق السموت ~~والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل ~~أكثرهم لا يعلمون * لله ما في السموت ~~والأرض إن الله هو الغني الحميد }؛ قد تقدم ~~تفسيره. ### || [31.27] # قوله تعالى: { ولو أنما في الأرض من شجرة ~~أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما ~~نفدت كلمات الله }؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: # " وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم ~~مكة، أتته أخبار اليهود فقالوا: بلغنا أنك ~~قلت: { ومآ أوتيتم من العلم إلا قليلا } ~~أعنيتنا أم عنيت قومك؟ فقال: " بل عنيت ~~الجميع " فقالوا: ألم تعلم أن الله أنزل ~~التوراة على موسى وفيها أنباء كل شيء وقد ~~خلفها فينا فهي معنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " ~~التوراة وما فيها من الأنباء قليل في علم الله ~~" فأنزل الله هذه الآية ". # والمعنى: لو جعل ما في الدنيا من الأشجار أقلاما يكتب بها، ~~وصارت الجن والإنس كتابا، والبحار مدادا يمدها من بعدها ~~سبعة أبحر؛ أي سبعة أمثال بحر الدنيا، وكتب بها كلمات الله ~~وحكمه، لانكسرت الأقلام، وأعيت الإنس والجن، وفنيت ~~البحار قبل أن ينقطع كلام الله وحكمه، { إن الله عزيز ~~حكيم }؛ أي عزيز في سلطانه ذو حكمة في قوله وأفعاله. # وذهب بعضهم إلى أن معنى (كلمات الله) تعالى في هذه الآية: ~~معاني القرآن وفوائده، وقال بعضهم: وهي نعم الله في الدنيا ~~والآخرة، وإن نعمه في الآخرة غير متناهية. ### || [31.28] # قوله تعالى: { ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس ~~واحدة }؛ قال مقاتل: (قالت كفار قريش: إن الله ~~خلقنا أطوارا نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم ~~لحما، فكيف يبعثنا خلقا جديدا في ساعة واحدة؟ ~~فأنزل الله تعالى { ما خلقكم } " أيها الناس على الله ~~سبحانه " في القدرة إلا كخلق نفس واحدة، وبعث نفس واحدة؛ { ~~ولا بعثكم } في قدرة الله على بعث الخلق كلهم (إلا) ~~كقدرته على بعث نفس واحدة، { إن الله سميع }؛ لما قالوا من ~~أمر الخلق والبعث، { بصير }؛ به. ### || [31.29] # قوله تعالى: { ألم تر أن الله يولج الليل ms1642 في ~~النهار ويولج النهار في الليل }؛ أي ألم تعلم ~~أن الله يزيد من ساعات الليل في ساعات النهار صيفا، ويزيد في ~~ساعات النهار في ساعات الليل شتاء، { وسخر الشمس ~~والقمر كل يجري إلى أجل مسمى }؛ أي ذللهما ~~لمنافع بني آدم يجريان إلى يوم القيامة، ثم يسقطان، وينقطع ~~جريهما، { وأن الله بما تعملون خبير }؛ أي خبير ~~بأعمالكم في الدنيا ويجازيكم عليها. ### || [31.30] # قوله تعالى: { ذلك بأن الله هو الحق }؛ أو ~~لتعلموا أن عبادة الله حق، { وأن ما يدعون من دونه ~~}؛ من عباده، { الباطل وأن الله هو العلي }؛ بصفاته، ~~{ الكبير }؛ الذي لا شيء مثله في كبريائه وعظمته. ### || [31.31] # قوله تعالى: { ألم تر أن الفلك تجري في ~~البحر بنعمت الله ليريكم من آياته }؛ أي ألم ~~تعلم أن السفن تجري في البحر بإنعام الله تعالى، لو لم ~~يخلق الرياح والماء على الهيئة التي خلقها الله عليها لما ~~جرت السفن على ظهر الماء، { إن في ذلك لآيات }؛ أي ~~لدلالات على توحيد الله، { لكل صبار شكور }؛ أي كثير ~~الصبر على الطاعات والمحن، شكورا أي كثير الشكر على نعم ~~الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: # " إن أحب العباد إلى الله من إذا أعطي شكر، وإذا ~~ابتلي صبر ". ### || [31.32] # قوله تعالى: { وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا ~~الله مخلصين له الدين }؛ أي إذا أصابهم في البحر موج ~~كالجبال في الارتفاع دعوا الله مخلصين له الدعاء، { فلما ~~نجاهم }؛ من البحر وأهواله، { إلى البر فمنهم ~~مقتصد }؛ أي منهم من يثبت على ذلك، ومنهم من يجحد. ثم قال: ~~{ وما يجحد بآياتنآ }؛ أي لا ينكر دلائل توحيدنا، { ~~إلا كل ختار }؛ أي غدار، { كفور }؛ أي أكثر الكفر ~~بآيات الله ونعمه. والختر في اللغة: أقبح الغدر. ~~والظلل: جمع ظلة وهي السحابة التي ترتفع فتغطي ما ~~تحتها. # وإن هذه الآية كانت سبب إسلام عكرمة بن أبي جهل، وذلك أنه ~~لما كان يوم فتح مكة، أمن النبي صلى الله عليه ~~وسلم الناس إلا أربعة نفر، فإنه قال: # " اقتلوهم، ولو وجدتموهم متعلقين بأستار ~~الكعبة: عكرمة بن أبي ms1643 جهل، وعبدالله بن ~~الأخطل، ومقيس بن صبابة، وعبدالله بن سعد بن ~~أبي سرح ". # فأما عكرمة فركب في البحر، فأصابهم ريح ~~عاصف، فقال أهل السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم ~~لم تغن عنكم شيئا ها هنا، فقال عكرمة: (لئن ~~لم ينجني في البحر إلا الإخلاص ما ينجيني في ~~البر غيره) ثم قال: (اللهم إن لك عهدا إن ~~أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتي محمدا حتى ~~أضع يدي في يده) فجاء فأسلم. ### || [31.33] # قوله تعالى: { يأيها الناس اتقوا ربكم ~~واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده }؛ أي اتقوا ~~مخافة ربكم، واخشوا عذاب يوم لا يغني والد عن ولده، { ولا ~~مولود هو جاز عن والده شيئا }؛ لاشتغال كل منهم ~~لنفسه. # وقيل: معنى { لا يجزي والد عن ولده } أي لا يحمل ~~شيئا من سيئاته ولا يعطيه شيئا من طاعته، { إن وعد الله ~~حق }؛ في البعث والجزاء أي صدق كائن، { فلا تغرنكم ~~الحياة الدنيا }؛ فلا تغتروا بالحياة الدنيا وما فيها من ~~زينتها وزهرتها، { ولا يغرنكم بالله الغرور }؛ ~~الشيطان، فإنه هو الغرور، وهو الذي من يشاء أن يغر، وغرور ~~الشيطان تمنيته العبد: فإن الله تعالى غفور، فهون ~~عليه ركوب المعاصي وما يهواه. # ومن قرأ (الغرور) بضم الغين فهي مصدر، ومعناه: الأباطيل. ~~وعن سعيد بن جبير: (إن الغرور تمني المغفرة مع ~~الإصرار على المعصية). ### || [31.34] # قوله تعالى: { إن الله عنده علم الساعة ~~وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري ~~نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض ~~تموت }؛ نزلت هذه الآية في البراء بن مالك، أتى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن أرضنا أجدبت، فمتى ~~الغيث؟ وقد تركت امرأتي حبلى، فماذا تلد؟ وقد ~~علمت بأي أرض ولدت - أي علمت أين ولدت - ~~فبأي أرض أموت، وقد علمت ما عملت اليوم، فما ~~أعمل غدا؟ ومتى الساعة؟ فأنزل الله هذه الآية. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " مفاتيح الغيب خمسة لا يعلمهن إلا الله، لا ~~يعلم متى تقوم الساعة إلا الله، ولا يعلم ما ~~تغيض الأرحام إلا الله، ms1644 ولا يعلم ما كسبه في غد ~~إلا الله، ولا تعلم نفس بأي أرض تموت إلا الله، ~~ولا يعلم متى ينزل الغيث إلا الله ". # يقال: إن هذه الخمسة الأشياء التي ذكرها الله في هذه الآية هي ~~مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا الله، استأثر الله بهن، فلم ~~يطلع عليهن ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا. # ومعنى الآية: { إن الله عنده علم } قيام { الساعة } ، ~~فلا يدري أحد سواه متى تقوم، في أي سنة أو في أي شهر، ليلا أو ~~نهارا. وقوله { وينزل الغيث } معناه: هو المختص بإنزال ~~الغيث، وهو العالم بوقت إنزاله، (ويعلم ما في الأرض) أي لا ~~يعلم أحد ما في الأرحام أذكر أم أنثى، أحمر أم أسود، وإنما ~~يعلمه الله عز وجل نطفة وعلقة ومضغة، وذكرا أم أنثى، ~~وشقيا وسعيدا، ومتى ينفصل عن أمه. # وقوله تعالى { وما تدري نفس ماذا تكسب غدا } ~~يعني: ماذا تكسب من الخير والشر، أي ما تدري نفس ماذا تكسب غدا ~~خيرا أو شرا، { وما تدري نفس بأي أرض تموت } أي في ~~بر أو بحر أو سهل أو جبل. قال ابن عباس: (هذه الخمسة ~~لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل مصطفى، ~~فمن ادعى أنه يعلم شيئا من هذه فقد كفر ~~بالقرآن لأنه خالفه). # قوله تعالى: { إن الله عليم خبير }؛ أي عليم ~~بخلقه، خبير بأعمالهم وبما يصيبهم في مستقبل عمرهم. # وروي أن يهوديا كان في المدينة يحسب حساب النجوم، فقال اليهودي لابن ~~عباس: إن شئت أنبأتك عن ولدك وعن نفسك، إنك ترجع الى منزلك فتلقى إبنا ~~لك محموما، ولا يمكث عشرة أيام حتى يموت الولد، وأنت لا تخرج من الدنيا ~~حتى تعمى، فقال ابن عباس: وأنت يا يهودي، قال: لا يحول علي الحول حتى ~~أموت؟ قال: فأين موتك يا يهودي؟ قال ما أدري، قال ابن عباس: صدق الله { ~~وما تدري نفس بأي أرض تموت } قال فرجع ابن عباس فلقي ~~إبنا له محموما، فلما بلغ عشرا مات الصبي، ويقال عن اليهودي " أنه ~~مات قبل الحول " ، وما خرج ابن عباس ms1645 من الدنيا حتى كف بصره. ### | [32 - سورة السجدة] ### || [32.1-3] # { الم * تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب ~~العالمين }؛ أي الم هو تنزيل الكتاب، لا شك فيه أنه تنزل ~~من رب العالمين، { أم يقولون افتراه }؛ معناه: يقول أهل ~~مكة: اختلقه محمد من تلقاء نفسه، وليس كما يقولون، { بل ~~هو الحق من ربك لتنذر قوما }؛ أي لتخوف بالقرآن ~~قوما؛ { مآ أتاهم من نذير من قبلك }؛ لم يشاهدوا ~~قبلك في زمانهم الذي هم فيه رسولا مخوفا؛ { لعلهم ~~يهتدون }؛ أي لكي يهتدوا إلى الإيمان. ### || [32.4] # قوله تعالى: { الله الذي خلق السموت والأرض ~~وما بينهما في ستة أيام }؛ أي في مقدار ستة أيام من ~~أيام الدنيا، أولها يوم الأحد، { ثم استوى على العرش ~~}؛ أي استولى عليه، وقد تقدم في ذلك في سورة الأعراف. قوله ~~تعالى: { ما لكم من دونه من ولي }؛ أي قريب ينفعكم، { ~~ولا شفيع }؛ يشفع لكم، { أفلا تتذكرون }؛ أي أفلا ~~تعتبرون. ### || [32.5] # قوله تعالى: { يدبر الأمر من السمآء إلى ~~الأرض }؛ أي يدبر الله أمر الدنيا مدة أيامها، فينزل القضاء ~~والقدر من السماء إلى الأرض. قوله تعالى: { ثم يعرج ~~إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ~~}؛ قال ابن عباس: معناه يعود إليه الأمر والتدبير ~~حين ينقطع أمر الأمراء وأحكام الحكام، ~~وينفرد الله تعالى بالأمر في يوم كان مقداره ~~ألف سنة) يعني أن يوما من أيام الآخرة مثل ألف ~~سنة مما تعدون من أيام الدنيا، وأراد بهذا ~~اليوم يوم القيامة. # وقيل: معناه: يقطع الملك من المسافة نازلا وصاعدا في يوم ~~واحد وهو مسيرة ألف عام مما يعده أهل الدنيا بمسيرهم، وذلك أن بين ~~السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام لبني آدم، وصعوده من الأرض إلى ~~السماء كذلك؛ والملك يقطعه في يوم واحد. ولو أراد الله من الملك ~~الصعود والنزول بدون مقداره (اليوم) لفعله الملك. # وأما قوله # تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان ~~مقداره خمسين ألف سنة # [المعارج: 4] فإن كان أراد مدة المسافة من الأرض إلى سدرة ~~المنتهى التي فيها مقام جبريل، فالمعنى يسير ms1646 جبريل والملائكة الذين ~~معه من أهل مقامه مسيرة خمسين ألف سنة في يوم واحد من أيام الدنيا، ~~فيكون معنى قوله تعالى: { إليه } على هذا التأويل؛ أي إلى مكان ~~الملك الذي أمره الله أن يعرج إليه، وكقول إبراهيم عليه السلام: # إني ذاهب إلى ربي # [الصافات: 99] أي حيث أمرني ربي بالذهاب إليه، وهو الشام. وكذلك ~~قوله تعالى: # ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله # [النساء: 100] أي إلى المدينة. ولم يكن الله عز وجل بالمدينة ~~ولا بالشام. # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أتاني ملك لم ينزل إلى الأرض قبلها قط ~~برسالة من الله عز وجل، ثم رفع رجله فوضعها ~~فوق السماء والأخرى في الأرض لم يرفعها ". ### || [32.6] # قوله تعالى: { ذلك عالم الغيب والشهادة }؛ أي ~~ذلك الذي صنع ما ذكرناه من خلق السماوات والأرض، هو عالم ما غاب ~~عن الخلق وعالم ما خفي، لا يقدر عليه سواه كما لا يعلم الغيب ~~غيره. وقوله تعالى: { العزيز الرحيم }؛ أي القادر الذي لا ~~يقاوم، المنيع في ملكه، المنعم على عباده. ### || [32.7-8] # قوله تعالى: { الذي أحسن كل شيء خلقه }؛ قرأ نافع ~~وأهل الكوفة: (خلقه) بفتح اللام على الفعل؛ أي أحكم كل شيء مما ~~خلقه. وقرأ الباقون: (خلقه) بسكون اللام؛ أي أحسن خلق كل شيء، ~~فيكون نصب قوله: (خلقه) على البدل. وقال مقاتل: ((معناه: ~~الذي علم كيف يخلق الأشياء من غير أن يعلمه ~~أحد)). وقال السدي: ((أحسنه: لم يعلمه من أحد)). # قيل: إن الله عز وجل لما طول رجل البهيمة والطير، ~~طول عنقه لئلا يتعذر عليه تناول قوته من الأرض، ولو لم يطول ~~عنقه لما نال معيشته. # قوله تعالى: { وبدأ خلق الإنسان من طين }؛ يعني ~~آدم عليه السلام كان أول طينا، { ثم جعل نسله }؛ أي ذريته، ~~{ من سلالة من مآء مهين }؛ أي من قليل من الماء ينسل ~~من صلب الرجل وترائب المرأة، وهي النطفة، ووصفها بال (مهين) لأنه ~~لا خطر له عند الناس. وسميت سلالة لأنها تنسل من الإنسان؛ ~~أي تخرج. والهين ms1647 هو الضعيف. ### || [32.9] # قوله تعالى: { ثم سواه ونفخ فيه من روحه }؛ ~~رجع إلى ذكر آدم، يعني سوى خلقه ونفخ فيه من روحه؛ ثم عاد إلى ~~ذريته فقال: { وجعل لكم السمع والأبصار ~~والأفئدة }؛ بعد أن كنتم نطفا. والأفئدة هي القلوب، { ~~قليلا ما تشكرون }؛ هذه النعم فتوحدونه. والمعنى: خلق ~~لكم السمع فاستمعوا إلى الحق، والأبصار فأبصروا الحق، ~~والأفئدة؛ أي القلوب؛ فاعقلوا الحق. # وقيل: معنى { ثم سواه } يعني الماء المهين جمعه ~~وخلقه وصوره ونفخ فيه من روحه؛ أي نفخ فيه الروح الذي يحيا به ~~الناس. أضاف الله ذلك إلى نفسه لأنه هو الخالق. ### || [32.10] # قوله تعالى: { وقالوا أءذا ضللنا في الأرض ~~أءنا لفي خلق جديد }؛ أي قال الكفار: إئذا هلكنا وانقطعت ~~أوصالنا وذهبت آثارنا وصرنا ترابا، فلم يتبين شيء من خلقنا، ~~أنبعث بعد ذلك؟! هذا لا يكون أبدا. ومعنى الضلالة في اللغة: ~~الغيبوبة، يقال: ضل متاع فلان وضاع، بمعنى واحد. # وقوله تعالى: { بل هم بلقآء ربهم كافرون }؛ أي ليس كما ~~يقولون أنهم لا يبعثون، بل هم بلقاء ربهم كافرون. ### || [32.11] # قوله تعالى: { قل يتوفاكم ملك الموت }؛ أي يقبض ~~أرواحكم أجمعين ملك الموت، { الذي وكل بكم }؛ قال مجاهد: ~~((حويت له الأرض فجعلت له مثل طست، يتناول ~~منها حيث يشاء)). وقال الكلبي: ((اسم ملك الموت ~~عزرائيل، وله أربعة أجنحة: جناح منها ~~بالمشرق، وجناح بالمغرب، والخلق بين رجليه ~~ورأسه وجسده، وجعلت له الدنيا مثل راحة ~~اليد لصاحبها، يأخذ منها ما أمر بقبضه من غير ~~مشقة ولا عناء، وله أعوان من ملائكة الرحمة ~~ومن ملائكة العذاب)). # وعن أنس بن مالك قال: [لقي جبريل ملك الموت بنهر ~~فارس، فقال: يا ملك الموت كيف تستطيع قبض ~~الأنفس، ها هنا عشرة آلاف، وها هنا كذا وكذا؟ قال ~~عزرائيل: تزوى لي الأرض حتى كأنها بين فخذي ~~فألتقطهم بيدي]. # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إذا حان أجل الرجل، أتاه ملك فقال: أيها العبد ~~كم خبر بعد خبر، وكم رسول بعد رسول؟ أنا ~~الخبير ليس بعدي خبير، وأنا الرسول ليس بعدي ~~رسول، أجب ms1648 ربك طائعا أو مكروها. فإذا قبضت روحه ~~وتصارخوا عليه، قال: على من تصرخون وعلى من ~~تبكون؟ والله ما ظلمت لكم أجلا ولا أكلت لكم ~~رزقا، بل دعاه ربه، فليبك الباكي على نفسه، ~~فإن لي فيكم عودات وعودات حتى لا أبقي منكم ~~أحدا ". # وقوله تعالى: { ثم إلى ربكم ترجعون }؛ أي تصيرون إليه ~~أحياء فيجزيكم بأعمالكم. ### || [32.12] # قوله تعالى: { ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا ~~رءوسهم عند ربهم }؛ يعني كفار مكة ناكسوا رؤوسهم حياء ~~وندما، والمعنى: ولو ترى يا محمد إذ المجرمون مطرقوا رؤوسهم ~~من الخزي وشدة الندم في يوم القيامة عند علمهم بأن الحجة قد قامت ~~عليهم من كل جهة، وأنهم لا مهرب لهم من العذاب، وذلك هو الغاية في ~~الوجل والخجل، يقولون: { ربنآ أبصرنا وسمعنا }؛ أي لك ~~الحجة علينا لأنا أبصرنا رسلك وسمعنا كلامهم، { فارجعنا }؛ ~~أي ولكن نسألك أن ترجعنا إلى الدنيا حتى، { نعمل صالحا ~~إنا موقنون }؛ بك وبكتابك وبرسلك، وهذه الآية محذوفة الجواب؛ ~~أي لو رأيت يا محمد، لرأيت غاية ما تعتبر به. ### || [32.13] # قوله تعالى: { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ~~}؛ قال الحسن: ((أراد به مشيئة القدر من الله تعالى؛ ~~لأنه لم يعجز عن شيء، ولكنه لا يجبر العباد ~~على ذلك لكي لا يبطل الثواب والعقاب)). والمعنى: ~~ولو شئنا لآتينا كل نفس رشدها وثباتها، ومثل ذلك # ولو شآء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا # [يونس: 99] # ولو شآء الله لجمعهم على الهدى # [الأنعام: 35]. # وقوله تعالى: { ولكن حق القول مني }؛ معناه: ولكن وجب ~~قولي عليهم بالعذاب، { لأملأن جهنم من الجنة والناس ~~أجمعين }؛ بكفرهم وذنوبهم. ### || [32.14] # قوله تعالى: { فذوقوا بما نسيتم لقآء يومكم هذآ ~~}؛ معناه: يقال لأهل النار إذا دخلوها: ذوقوا العذاب بما نسيتم ~~لقاء يومكم هذا؛ أي بما تركتم الإيمان بيومكم هذا. وقوله تعالى: { ~~إنا نسيناكم }؛ أي تركناكم في العذاب وأحللناكم محل ~~المنسي، { وذوقوا عذاب الخلد }؛ أي الذي لا ينقطع، { ~~بما كنتم تعملون }؛ من الكفر والتكذيب. ### || [32.15] # قوله تعالى: { إنما يؤمن بآياتنا }؛ معناه: إنما ~~يقر ويصدق بدلائلنا، { الذين إذا ذكروا ms1649 بها }؛ أي ~~وعظوا بها، { خروا سجدا }؛ لله مصلين مع الإمام، { ~~وسبحوا بحمد ربهم }؛ أي عظموا الله ونزهوه في ~~صلاتهم حامدين لربهم، { وهم لا يستكبرون } أي يعفروا ~~وجوههم صاغرين. ### || [32.16] # قوله تعالى: { تتجافى جنوبهم عن المضاجع }؛ أي ~~ترفع لأجل الصلاة، قال مجاهد: ((هم الذين لا ينامون حتى ~~يصلوا العشاء الآخرة)). والمضاجع: هي الفرش التي ~~يضطجعون عليها للنوم، واحدها مضجع. # وعن أنس رضي الله عنه قال: ((نزلت هذه الآية فينا معاشر ~~الأنصار، حتى كنا نصلي المغرب فلا نرجع حتى ~~نصلي العشاء مع رسول الله صلى الله عليه وسلم)). وروي: ~~أن امرأة جاءت إلى أنس بن مالك فقالت: إني أنام قبل العشاء، ~~فقال: ((لا تنامي؛ فإن هذه الآية نزلت في الذين لا ~~ينامون قبل العشاء، تتجافى جنوبهم عن ~~المضاجع)). # وقال الحسن: ((المراد بالآية قيام الليل والتهجد))، ~~وكان يقول: ((هم قوم أخفوا لله تعالى عملا، وأخفى ~~لهم ثوابا)). # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " عليكم بقيام الليل، فإنه دأب الصالحين ~~قبلكم، وإن قيام الليل قربة إلى الله تعالى، ~~ومنهاة عن الإثم، وتكفير للسيئات، ومطردة ~~للداء عن الجسد " # وقال الضحاك: ((هو أن يصلي الرجل العشاء والفجر ~~في جماعة)). # قوله تعالى: { يدعون ربهم خوفا وطمعا }؛ أي ~~خوفا من عذاب الله وطمعا في رحمة الله. وانتصب (خوفا) ~~و(طمعا) لأنه مفعول له. وقوله تعالى: { ومما رزقناهم ~~ينفقون }؛ أي ومما أعطيناهم من المال يتصدقون واجبا وتطوعا. ### || [32.17] # قوله تعالى: { فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة ~~أعين }؛ أي لا يعلم أحد ما أخفى الله لهم مما تقر به أعينهم ~~وتطيب به أنفسهم، { جزآء بما كانوا يعملون }؛ في الدنيا ~~من الأعمال الصالحة. # قال ابن مسعود: ((إن في التوراة مكتوب: لقد أعد ~~الله للذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع ما لم ~~تر عين ولم تسمع أذن ولا خطر على قلب بشر، ~~وما لم يحمله ملك مقرب، وإنه في القرآن: { ~~فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين ~~جزآء بما كانوا يعملون } )). # قرأ حمزة: (ما أخفي لهم) بإسكان الياء؛ ms1650 أي ما أخفي لهم أنا، ~~وحجته (قرة). وقرأ عبدالله: (نخفي لهم) بالنون. وقرأ ~~محمد بن كعب: (ما أخفى لهم) بفتح الألف والفاء، يعني أخفى ~~الله لهم. ### || [32.18] # قوله تعالى: { أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا ~~لا يستوون }؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: ((نزلت ~~هذه الآية في علي بن أبي طالب والوليد بن عقبة ~~بن أبي معيط، جرى بينهما تنازع وتساب، فقال ~~له الوليد: اسكت فإنك صبي وأنا والله أحد منك ~~لسانا وأبسط منك في القول، وأملأ منك في ~~الكتيبة. فقال له علي رضي الله عنه: أسكت فإنك ~~فاسق تقول الكذب. فأنزل الله هذه الآية)). والمراد ~~بالمؤمن: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وبالفاسق: الوليد بن عقبة. # وقال الزجاج: ((إنه لم يرد بالمؤمن مؤمنا، ولذلك ~~قال: (لا يستوون) ولم يقل: لا يستويان)). وقال ~~قتادة في معنى الآية: ((والله ما استووا لا في الدنيا ~~ولا عند الموت ولا في الآخرة)). ### || [32.19] # قوله تعالى: { أما الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات فلهم جنات المأوى }؛ التي يأوي إليها ~~المؤمنون، وقوله: { نزلا بما كانوا يعملون }؛ أي معدة ~~لهم بأعمالهم. ### || [32.20] # قوله تعالى: { وأما الذين فسقوا فمأواهم النار }؛ ~~أي وأما الذين خرجوا من طاعة الله بكفرهم، فمأواهم النار، { ~~كلمآ }؛ رفعهم لهب النار إلى أعلاها، فظنوا أنهم يخرجون ~~منها ف، { أرادوا أن يخرجوا منهآ أعيدوا فيها } ، ~~ردتهم ملائكة العذاب إلى أسفلها بمقامع من حديد، { وقيل لهم ~~ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون }؛ في ~~الدنيا. ### || [32.21] # قوله تعالى: { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى }؛ ~~قيل: إن المراد بالعذاب الأدنى هو القحط والجوع الذي أصاب أهل ~~مكة سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام والكلاب. وقيل: هو ~~القتل يوم بدر. وقيل: العذاب الأدنى هو مصائب الدنيا وأسقامها ~~وبلاؤها. وقيل: العذاب الأدنى هو عذاب القبر، والعذاب الأكبر هو ~~عذاب يوم القيامة. وقوله تعالى: { دون العذاب الأكبر }؛ ~~يعني بالعذاب الأكبر عذاب الآخرة، وقوله تعالى: { لعلهم ~~يرجعون }؛ أي أخبرناهم ليرجعوا عن الكفر. ### || [32.22] # قوله تعالى: { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ~~ثم أعرض عنهآ ms1651 }؛ ظاهر المعنى. قوله: { إنا من ~~المجرمين منتقمون }؛ يعني الذين قتلوا ببدر، وعجلنا ~~أرواحهم إلى النار. وأراد بالمجرمين المشركين. وعن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " ثلاث من فعلهن فقد أجرم: من عقد لواء في ~~غير حق، أو عق والديه، أو مشى مع ظالم ~~لينصره، قال الله تعالى: { إنا من المجرمين ~~منتقمون } ". ### || [32.23-26] # قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب }؛ أعطيناه ~~التوراة جملة واحدة، { فلا تكن في مرية من لقآئه }؛ ~~وعد النبي صلى الله عليه وسلم أن سيلقى موسى قبل أن يموت، ثم ~~لقيه في السماء ليلة المعراج أو في بيت المقدس حين أسري به، ~~والمعنى: فلا تكن في شك من لقاء موسى. قال ابن عباس: ((يعني ~~ليلة الإسراء)). ويقال: أراد به لقاؤهما في الجنة. ويقال: ~~أراد به لقاء الله. ويقال: أراد به أن يلقى محمد صلى الله عليه ~~وسلم من قومه الأذى مثل ما لقي موسى من قومه. # قوله تعالى: { وجعلناه هدى لبني إسرائيل }؛ أي ~~جعلنا التوراة هدى لبني إسرائيل من الضلالة، { وجعلنا ~~منهم أئمة }؛ أي جعلنا من بني إسرائيل أئمة، { يهدون ~~بأمرنا }؛ يدلون الناس على ديننا فيقتدى بهم، فهم أنبياؤهم ~~ومن استقام منهم على الدين. وقوله تعالى: { لما صبروا }؛ أي ~~لما صبروا جعلناهم أئمة، كأنه قال: إن صبرتم على طاعتنا وصبرتم ~~على معصيتنا جعلناكم أئمة. # قرأ حمزة والكسائي: (لما صبروا) بكسر اللام وتخفيف الميم؛ أي ~~لصبرهم. ومعنى القراءة الأولى: حين صبروا. والمعنى: لما ~~صبروا على دينهم وعلى البلاء من عدوهم بمصر، { وكانوا ~~بآياتنا يوقنون }؛ أي ولكونهم موقنين بآياتنا. قوله ~~تعالى: { إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة ~~}؛ أي هو الذي يقضي بين المؤمنين والكفار يوم القيامة، { فيما ~~كانوا فيه يختلفون }؛ من الدين. # ثم خوف كفار مكة فقال: { أولم يهد لهم كم أهلكنا ~~من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم }؛ أي ~~أولم يتبين لهم آثار عذاب الاستئصال فيمن أهلك قبلهم من ~~الأمم الماضية المكذبة ما يكون عبرة لهم، يمشون في مساكن ~~المهلكين على منازلهم وقراهم، مثل آثار عاد وثمود ms1652 وقوم لوط وغيرهم، ~~{ إن في ذلك }؛ أي إن في إهلاكنا إياهم بالتكذيب، { لآيات }؛ ~~لدلالات واضحة لمن بعدهم، { أفلا يسمعون }؛ سماع القبول ~~والطاعة. ومن قرأ (أولم نهد) بالنون، فالمعنى بإضافة الفعل إلى ~~الله عز وجل. ### || [32.27] # قوله تعالى: { أولم يروا أنا نسوق المآء إلى ~~الأرض الجرز }؛ معناه: أولم يعلموا أنا نسوق المطر ~~بالسحاب والرياح إلى الأرض اليابسة التي لا نبات فيها ولا شجر، { ~~فنخرج به }؛ بذلك المطر، { زرعا }؛ رزقا، { تأكل منه ~~أنعامهم }؛ أي تأكل أنعامهم من ساقها، { وأنفسهم }؛ وهم ~~يأكلون من حبها، { أفلا يبصرون }؛ أفلا يعقلون. # والأرض الجرز: هي التي تأكل نباتها، يقال: ناقة جروز إذا كانت ~~أكولا، وسيف جراز إذا كان مستأصلا، ورجل جرز إذا كان ~~أكولا. قال ابن عباس رضي الله عنهما: ((هي أرض ~~باليمن)). وقال مجاهد: ((هي أبين)). ### || [32.28-29] # قوله تعالى: { ويقولون متى هذا الفتح }؛ وذلك أن ~~كفار مكة كانوا يؤذون أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: يوشك أن يكون لنا يوم ~~نستريح فيه من شركهم، فكان الكفار يهزءون بهم ويقولون: متى هذا ~~الفتح؛ أي الحكم الذي بيننا وبينكم، { إن كنتم صادقين }؛ فيما ~~تقولون. # والمعنى: أن كفار مكة يقولون: متى هذا الفتح؛ أي القضاء وهو يوم ~~البعث، يقضي فيه الله بين المؤمنين والكافرين. # فقال الله تعالى: { قل يوم الفتح }؛ يعني يوم القيامة ويوم ~~القضاء والفصل، { لا ينفع الذين كفروا إيمانهم }؛ لو ~~آمنوا يومئذ، { ولا هم ينظرون }؛ أي ولا هم يمهلون، ولا ~~يؤخرون لمعذرة أو توبة، ولا تؤخر عنهم عقوبتهم. # وعن ابن عباس في هذه الآية: ((المراد بالفتح فتح ~~مكة، وأن الآية نزلت في بني خزيمة، كانوا هم ~~الذين يستهزئون بأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حين ~~كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يتذاكرون وهم ~~بمكة فتح مكة لهم. فلما كان يوم الفتح ~~تكلمت بنو خزيمة بكلمة الإسلام، فقتلهم ~~خالد بن الوليد ولم يقبل منهم إسلامهم)) ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: # " اللهم إني أبرأ إليك مما ms1653 صنع خالد ". ### || [32.30] # قوله تعالى: { فأعرض عنهم }؛ أي عن جوابهم، { ~~وانتظر } ، الفريضة فيهم، { إنهم منتظرون }؛ الفرصة ~~فيك. قال ابن عباس: ((قوله تعالى: { فأعرض عنهم } ~~نسخته آية السيف)). وقوله تعالى: { إنهم ~~منتظرون } أي منتظرون لك حوادث الأزمان من ~~موت أو قتل فيستريحون منك. ### | [33 - سورة الأحزاب] ### || [33.1] # { يأيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين ~~والمنافقين }؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: # " وذلك أن أبا سفيان بن حرب؛ وعكرمة بن أبي ~~جهل؛ وأبا الأعور السلمي قدموا فنزلوا على ~~عبدالله بن أبي رأس المنافقين؛ وجد ابن قيس؛ ~~ومعتب ابن قسر المنافقين. # وكان يومئذ مع المشركين عبدالله بن سعد بن ~~أبي سرح، فطلبوا النبي صلى الله عليه وسلم وقد كانوا ~~طلبوا منه الأمان على أن يكلموه، فقالوا له: ~~يا محمد ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزى ومنات، ~~وقل: إن لها شفاعة في الآخرة ومنفعة لمن ~~عبدها، وندعك أنت وربك! فشق ذلك على النبي ~~صلى الله عليه وسلم. # فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ائذن لي يا رسول ~~الله في قتلهم، فقال صلى الله عليه وسلم: " إني قد ~~أعطيتهم الأمان ". فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~عمر أن يخرجهم من المدينة، فقال لهم عمر رضي ~~الله عنه: أخرجوا في لعنة الله وغضبه " # ، وأنزل الله هذه الآية. # ومعناها: يا أيها النبي اتق الله في نقض العهد الذي بينك ~~وبين أهل مكة لا تنقضه قبل أجله { ولا تطع ~~الكافرين والمنافقين } فيما دعوك إليه، ولا تمل إليهم، ~~ولا ترفق بهم ظنا منك أن ذلك أقرب إلى استمالتهم إلى ~~الإيمان، فإن ذلك يؤدي إلى أن يظن بك مقارنة القوم على كفرهم، ~~فمعنى قوله { ولا تطع الكافرين والمنافقين } يعني أبا ~~سفيان وأبا الأعور وعكرمة، والمنافقين عبدالله بن أبي وجد بن ~~قيس وغيرهما. # قوله تعالى: { إن الله كان عليما حكيما }؛ أي ~~عليما بأحوالهم، حكيما فيما أوجبه عليك في أمرهم وفيما يخلقه. ### || [33.2] # قوله تعالى: { واتبع ما يوحى إليك من ربك }؛ ~~أي اعمل بما أمرك الله في القرآن من مجانبة الكفار ~~والمنافقين ms1654 وترك موافقتهم، { إن الله كان بما ~~تعملون خبيرا }؛ قرأ بالياء أبو عمرو، وقرأ الباقون بالتاء ~~أي خبير بك وبهم. ### || [33.3] # قوله تعالى: { وتوكل على الله }؛ أي فوض أمرك ~~إلى الله واعتمد عليه في معاملتهم بما أمرت به في شأنهم، { ~~وكفى بالله وكيلا }؛ أي حافظا وناصرا. ### || [33.4] # قوله تعالى: { ما جعل الله لرجل من قلبين في ~~جوفه }؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: (نزلت هذه ~~الآية في أبي معمر جميل بن أبي راشد الفهري، ~~وكان رجلا حافظا لبيبا لما يسمع، وكان يقول: ~~إن في جوفي لقلبين، أعقل بكل واحد منهما ~~أفضل من عقل محمد! وكانت قريش تسميه ذا ~~القلبين لدهائه وكثرة حفظه للحديث، فأنزل ~~الله عز وجل هذه الآية تكذيبا لهم، فأخبر ~~أنه ما خلق لأحد قلبين. # فلما كان يوم بدر وهزم المشركون وفيهم أبو ~~معمر، تلقاه أبو سفيان وهو يعدو وإحدى ~~نعليه في يده والأخرى في رجله، فقال له: يا أبا ~~معمر ما فعل الناس؟ قال: انهزموا. فقال له: ما ~~بال إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك؟! فقال: ~~ما شعرت إلا أنهما في رجلي. فعرفوا يومئذ ~~أنه لو كان له قلبان ما نسي نعله في يده). # وقال الزهري ومقاتل: (هو مثل ضربه الله للمظاهر ~~امرأته والمتبني ولد غيره، يقول: فكما لا ~~يكون للرجل قلبان، لا تكون امرأة المظاهر ~~أمه حتى لا يكون له أمان، ولا يكون ولد ابن ~~رجلين). # قوله تعالى: { وما جعل أزواجكم اللائي ~~تظاهرون منهن أمهاتكم }؛ أي ما جعل نساءكم اللائي ~~تقولون لهن: أنتن علينا كظهور أمهاتنا، لم نجعلهن ~~كأمهاتكم في الحرمة. وكانت العرب تطلق نساءها في ~~الجاهلية بهذا اللفظ، فلما جاء الإسلام نهوا عنه، وأوجبت ~~الكفارة في سورة المجادلة. # قوله تعالى: { وما جعل أدعيآءكم أبنآءكم }؛ ~~أي ما جعل من تدعونه ابنا من أبناء غيركم كأبنائكم الذين من ~~أصلابكم في الانتساب والحرمة والحكم، وكان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد تبنى زيد بن حارثة بعد أن ~~أعتقه، فكان يقال: زيد بن محمد، فلما جاء ~~الإسلام أمر ms1655 أن تلحق الأدعياء بآبائهم، وكان يوم ~~تبناه رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الوحي. # قرأ نافع وأبو عمرو (وتظهرون) بفتح التاء وتشديد الظاء ~~والهاء من غير ألف، وقرأ الشامي كذلك إلا أنه بألف، وقرأ حمزة ~~والكسائي مثل قراءة شامي إلا أنه بالتخفيف، وقرأ عاصم والحسن بضم ~~التاء وتخفيف الظاء وبألف وكسر الهاء، قال أبو عمرو: (وهذا ~~منكر؛ لأن التظاهر من التعاون). # قوله تعالى: { ذلكم قولكم بأفواهكم }؛ أي الذي ~~تقولونه من إضافة القلبين إلى الرجل الواحد، وقول الرجل ~~لامرأته: أنت علي كظهر أمي، وقول الرجل لغير ابنه: هذا ~~ابني، قوله: تقولون بأفواهكم من غير أن يكون له حقيقة ولا عليه ~~دلالة ولا حجة، { والله }؛ تعالى: { يقول الحق }؛ أي ~~يبين أن الذين يقولونه قول باطل، { وهو يهدي السبيل }؛ ~~أي يدل على طريق وإلى الدين المستقيم. ### || [33.5] # قوله تعالى: { ادعوهم لآبآئهم }؛ أي نسبوا هؤلاء ~~الأدعياء إلى الآباء الذين قد ولدوا على فراشهم وقولوا: زيد بن ~~حارثة، ولا تقولوا: زيد بن محمد. وقوله تعالى: { هو ~~أقسط عند الله }؛ أي أعدل في حكم الله من نسبتكم إياهم ~~إلى الذين تبنوهم. وعن ابن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول: (ما ~~كنا ندعوا زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد ~~حتى نزل قوله تعالى: { ادعوهم لآبآئهم هو ~~أقسط عند الله }. # قوله تعالى: { فإن لم تعلموا آباءهم ~~فإخوانكم في الدين }؛ فهم إخوانكم في الدين؛ أي من أسلم ~~منهم، { ومواليكم }؛ أي وبنو أعمامكم، فقولوا: يا أخي ويا ابن ~~عمي في الآية إباحة إطلاق اسم الأخوة وحظر اطلاق اسم ~~الأبوة، وفي ذلك دليل على أن من قال لعبده: هذا أخي؛ لم يعتق ~~لأنه يحتمل الأخوة في الدين، وإن قال: هذا ابني؛ عتق لأن ذلك ~~ممنوع في غير النسب. # قوله تعالى: { وليس عليكم جناح فيمآ أخطأتم ~~به }؛ أي ليس عليكم إثم في نسبة الرجل إلى غير أبيه على وجه ~~الخطأ. قال قتادة: (ولو دعوت رجلا لغير أبيه وأنت ~~تحسب أنه أبوه لم يكن عليك بأس)، { ولكن ما ~~تعمدت قلوبكم ms1656 }؛ أي ولكن الإثم عليكم فيما تعمدونه من ~~ادعائهم إلى غير آبائهم، { وكان الله غفورا }؛ أي لمن ~~تعمد ثم تاب، { رحيما }؛ به بعد التوبة. # قوله تعالى: { ولكن ما تعمدت قلوبكم } موضع ~~قوله (ما) خفض عطفا على قوله { فيمآ أخطأتم } تقديره: ~~ولكن فيما تعمدت قلوبكم. ### || [33.6] # قوله تعالى: { النبي أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم }؛ أي هو أشفق وأبر وأحق بالمؤمنين من بعضهم ~~ببعض، وهو أولى بكل إنسان منه بنفسه. وقيل: معناه: إذا حكم ~~فيهم بشيء نفذ حكمه فيهم، ووجبت طاعته عليهم. # وقال ابن عباس: (إذا دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~شيء، ودعتهم أنفسهم إلى شيء، كانت طاعة ~~النبي صلى الله عليه وسلم أولى بهم من طاعة أنفسهم). ~~وقال مقاتل: (معناه طاعته النبي صلى الله عليه وسلم أولى ~~بهم من طاعة بعضهم لبعض). # وقال الحكماء: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم لأنفسهم، ~~تدعوهم إلى ما فيه هلاكهم، والنبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى ما ~~فيه نجاتهم. وقال أبو بكر الوراق: (لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم يدعوهم إلى العقل، وأنفسهم تدعوهم إلى ~~الهوى). وقال بسام بن عبدالله: (لأن أنفسهم تحرس ~~من نار الدنيا، والنبي صلى الله عليه وسلم يحرسهم من ~~نار الآخرة). # قوله تعالى: { وأزواجه أمهاتهم }؛ أي كأمهاتهم ~~في تعظيم حقهن وفي تحريم نكاحهن، فلا يحل لأحد أن ~~يتزوج بهن، كما لا يجوز التزويج بالأم. ولم يرد إثبات ~~الأمية من جميع الوجوه، ألا ترى أنه لا تحل رؤيتهن ولا ~~يرين المؤمنين بخلاف الأمهات، وكذلك لا يخلو بهن، ولا يسافر ~~بهم، ولا يرثهن ولا يرثونه، ولو كن كالأمهات من جميع الوجوه ~~لكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يزوج بناته من أحد من الناس؛ ~~لأن البنات يكن أخوات المؤمنين. # ومن هذا المعنى ما روي: أن امرأة قالت لعائشة: يا ~~أم، قالت: (لست لك بأم، إنما أنا أم رجالكم) ~~فبان بهذا أن معنى الأمومة تحريم نكاحهن فقط. ولهذا لا يجوز ~~أن يقال لبناتهن أنهن أخوات المؤمنين. # وفائدة تحريم نكاح أزواج النبي صلى الله عليه ms1657 وسلم على المؤمنين في ~~حياته وبعد وفاته تعظيم أمره وتفخيم شأنه، ولذلك حرم على ~~الابن نكاح امراة أبيه. # قوله تعالى: { وأولو الأرحام بعضهم أولى ~~ببعض في كتاب الله }؛ أي وذو القرابة بعضهم أحق بميراث ~~بعض في حكم الله، { من المؤمنين والمهاجرين }؛ إذا ~~لم يكونوا قرابة، وذلك أنهم كانوا يتوارثون في ابتداء الإسلام ~~بالهجرة والموآخاة. # قال الكلبي: (آخا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الناس، ~~فكان يوآخي بين الرجلين، وإذا مات أحدهم ورثه ~~الثاني دون عصبته وأهله، فمكثوا كذلك ما شاء ~~الله حتى نزلت الآية { وأولو الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض في كتاب الله } من المؤمنين ~~الذين آخا رسول الله بينهم والمهاجرين، ~~فنسخت هذه الآية الموارثة بالموآخاة والهجرة، ~~وصارت للأدنى فالأدنى من القرابات). # قوله تعالى: { إلا أن تفعلوا إلى أوليآئكم ~~معروفا }؛ { معروفا } استثناء ليس من الأول، ومعناه: لكن ~~فعلكم إلى أوليائكم جائز، يريد أن يوصي الرجل لمن يتولاه ~~ممن لا يرثه بما أحب من ثلث ماله، فيكون الموصى له أولى بقدر ~~الوصية من القريب الوارث، وقال ابن زيد: (معناه إلا أن ~~توصوا لأولياءكم من المهاجرين). قوله تعالى: { ~~كان ذلك في الكتاب مسطورا }؛ أي كان الميزان للأقرباء، ~~والوصية للأصدقاء، ونسخ الميراث بالهجرة ورده إلى ذوي ~~الأرحام مكتوبا في اللوح المحفوظ. ### || [33.7-8] # قوله تعالى: { وإذ أخذنا من النبيين ~~ميثاقهم }؛ أي واذكر إذ أخذنا من النبيين عهودهم؛ أي ~~يصدق بعضهم بعضا، ويبشر الأول بالآخر، ويأخذ كل رسول منهم ~~على قوله بما أمر الله به، وقوله تعالى: { ومنك ومن ~~نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم }؛ قيل: ~~إن الواو مقحمة؛ وتقديره: منك ومن نوح، فيكونوا (منك) ما بعده ~~تفسير (النبيين). # والفائدة في تخصيص هؤلاء الأنبياء الخمسة بالذكر؛ لأنهم أهل ~~الشرائع والكتب، وأولو العزم من الرسل، ولهم الأمم ~~والتبع. وقدم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لأن الخطاب ~~معه. وجاء في التفسير: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إني خلقت قبل الأنبياء وبعثت بعدهم ". # قوله تعالى: { وأخذنا منهم ميثاقا غليظا }؛ أي ~~عهدا وثيقا بأن يعبدوني ولا ms1658 يشركون بي شيئا. وقيل: ~~وأخذنا منهم عهدا شديدا على الوفاء بما حملوا. وقوله ~~تعالى: { ليسأل الصادقين عن صدقهم }؛ أي لكي يسأل ~~المبلغين عن تبليغهم وهو قوله تعالى: # ماذآ أجبتم # [القصص: 65]. # وفائدة سؤال الرسل وهم صادقون؛ لتكذيب الذين كفروا بهم فيكون ~~هذا السؤال احتجاجا على الكاذبين، وإذا سئل الصادقون، ~~فكيف يظن بالكاذبين؟! وقوله تعالى: { وأعد ~~للكافرين عذابا أليما }؛ أي أعد للذين كفروا ~~بالرسل عذابا شديدا. ### || [33.9] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا اذكروا ~~نعمة الله عليكم }؛ يذكرهم الله إنعامه عليهم في ~~دفع الأحزاب عنهم من غير قتال، وذلك: أن الكفار جاءوا ~~بأجمعهم في وقعة الخندق، وأحاطوا بالمدينة ~~من أعلاها وأسفلها، طليحة بن خويلد الأسدي ~~وأصحابه من فوق الوادي، وكان أبو الأعور ~~السلمي وأصحابه من أسفل الوادي، وكان أبو ~~سفيان وأصحابه ويهود بني قريظة في مواجهة ~~المؤمنين، فاشتد الخوف بالمؤمنين وزاغت ~~أبصارهم؛ أي مالت من الخوف، ويقال: مالت أبصار ~~المنافقين خوفا من النظر إليهم. وكان الكفار ~~خمسة عشر ألفا، وبلغت قلوب المسلمين ~~الحناجر؛ أي كادت تبلغ الحلوق، وذلك أن شدة ~~الخوف ترفع الرئة، فترفع الرئة القلب. # كما روي: # " أن المؤمنين قالوا: يا رسول الله! قد بلغت ~~القلوب الحناجر، فهل من شيء؟ فقال صلى الله عليه ~~وسلم: " قولوا: اللهم استر عوراتنا وآمن ~~روعاتنا، يكفيكهم الله تعالى " فأرسل الله على ~~الكفار ريحا باردة منكرة شغلتهم عن الاستعداد ~~للحرب، ومنعتهم من الثبات على المكان، وقلعت ~~خيامهم وأكفأت أوانيهم، ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والمسلمون منها في سلامة، وليس بينهم إلا ~~مسافة الخندق، وكان ذلك إحدى معجزاته عليه السلام ~~كما قال صلى الله عليه وسلم: " نصرت بالصبا، وأهلكت ~~عاد بالدبور " ". # قوله تعالى: { إذ جآءتكم جنود }؛ يعني الذين ~~تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق، وهم ~~عيينة بن حصن وأبو سفيان بن حرب وبنو قريظة، ~~{ فأرسلنا عليهم ريحا } ، وهي الصبا، أرسلت عليهم ~~حتى أكفأت قدورهم ونزعت فساطيطهم، وقوله: { وجنودا لم ~~تروها } ، يعني الملائكة؛ { وكان الله بما تعملون ~~بصيرا }. # وروي: # " أن شابا من أهل الكوفة ms1659 قال لحذيفة بن ~~اليمان: يا أبا عبدالله هل رأيت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؟ قال: (إي والله لقد رأيته) قال: والله لو ~~رأيناه لحملناه على رقابنا، وما تركناه يمشي ~~على الأرض، فقال له حذيفة: (يا ابن أخي أفلا ~~أحدثك عني وعنه؟) قال: بلى. قال: (والله لو ~~رأيتنا يوم الخندق، وبنا من الجهد والجوع ما ~~لا يعلمه إلا الله. قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فصلى من الليل ما شاء الله، ثم قال: " ألا رجل ~~يأتي بخبر القوم جعله الله رفيقي في الجنة؟ " ~~فوالله ما قام منا أحد مما بنا من الخوف والجوع ~~والجهد. ثم صلى ما شاء الله، ثم قال: " ألا رجل ~~يأتيني بخبر القوم جعله الله رفيقي في الجنة؟ ~~" فوالله ما قام منا أحد مما بنا من الجهد ~~والخوف والجوع. فلما لم يقم أحد، دعاني فلم ~~أجد بدا من إجابته، قلت: لبيك يا رسول الله، ~~قال: " اذهب فجئ بخبر القوم، ولا تحدثن شيئا ~~حتى ترجع ". # قال حذيفة: قمت وجنبي يضطربان، فمسح رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رأسي ووجهي، ثم قال: " اللهم ~~احفظه من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه ~~وعن شماله، ومن فوقه ومن تحته ". قال: ~~فانطلقت أمشي حتى أتيت القوم، وإذا ريح الله ~~وجنوده يفعل بهم ما يفعل، ما يستمسك لهم ~~بناء، ولا تثبت لهم نار، ولا يطمئن لهم قدر. ~~فبينما هم كذلك، إذ خرج أبو سفيان من رحله، ~~فقال: يا معشر قريش؛ ما أنتم بدار مقام، لقد ~~هلكت الخف والحافر وأخلفتنا بنو قريظة، ~~وهذه الريح لا يستمسك لنا معها شيء، ولا تثبت ~~لنا نار ولا تطمئن قدر. ثم عجل فركب ~~راحلته، وإنها لمعقولة ما حل عقالها إلا ~~بعدما ركبها. # فقال حذيفة: فقلت في نفسي: لو رميت عدو الله ~~فكنت قد صنعت شيئا، فأوترت قوسي وأنا أريد ~~أن أرميه، ثم ذكرت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~" ولا تحدثن شيئا حتى ترجع ". فحططت القوس ~~ثم رجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ms1660 يصلي، ~~فلما فرغ قال: " ما الخبر؟ " فأخبرته بذلك، ~~فضحك حتى بدت أنيابه في سواد الليل. ثم ~~أدناني منه وبي من البرد ما أجده، فألقى علي ~~طرف ثوبه، وألزق صدري ببطن قدميه وهو قائم ~~يصلي) ". ### || [33.10] # قوله تعالى: { إذ جآءوكم من فوقكم ومن أسفل ~~منكم وإذ زاغت الأبصار } أي مالت عن كل شيء، فلم ~~تنظر إلا إلى عدوها مقبلا من كل جانب، { وبلغت ~~القلوب الحناجر } ، والحنجرة جوف الحلق. قال ~~قتادة: (شخصت القلوب من مكانها، فلولا أنه ضاق ~~الحلقوم عنها أن تخرج لخرجت). # وقوله تعالى: { وجنودا لم تروها } يعني الملائكة، ~~بعث الله ملائكة على المشركين فقلعت أوتاد الخيل وأطناب ~~الفساطيط، وأطفأت النيران وجالت الخيل بعضها في بعض، ~~وكثر تكبير الملائكة في جوانب عسكرهم حتى وقع بهم الرعب ~~فانهزموا من غير قتال. # قوله تعالى: { إذ جآءوكم من فوقكم ومن أسفل ~~منكم } ، أي من فوق الوادي من قبل المشرق عليهم مالك بن عوف ~~البصري، وعيينة بن حصن الفزاري في ألف من غطفان، { ~~ومن أسفل منكم } ، يعني من قبل المغرب فيهم أبو سفيان في ~~قريش ومن تبعه، وأبو الأعور السلمي من قبل الخندق. # وكان من حديث الخندق: # " أن نفرا من اليهود منهم حيي بن أخطب ~~وكنانة بن الربيع وهوذة بن قيس وأبو عمارة ~~الوائلي، وجماعة من بني النضير خرجوا حتى ~~قدموا على قريش فدعوهم إلى حرب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فأجابوهم فاجتمعوا مع قريش. فسارت ~~وقائدها عيينة بن حصين الفزاري، وسارت بنو ~~مرة وقائدها الحارث بن عوف، وسارت بنو أشجع ~~وقائدها مسعر بن رخيلة الأشجعي، وسارت ~~قريش وقائدها أبو سفيان. # فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب ~~الخندق على المدينة، وكان الذي أشار بالخندق ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمان، فقال: يا رسول ~~الله، إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا. فحفره ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون حتى أحكموه. # فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من حفر ~~الخندق، أقبلت قريش حتى نزلت بمجمع الأسيال ~~من ms1661 رومة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ~~وهم ثلاثة آلاف من المسلمين، فكان الخندق ~~بينهم وبين المشركين، وعظم عند ذلك البلاء ~~واشتد الخوف، وأتاهم العدو من فوقهم ومن ~~أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، وظهر ~~النفاق في المنافقين، حتى قال معتب بن بشير ~~المنافق: كان محمد وعدنا أن نأكل كنوز كسرى ~~وقيصر، فأحدنا لا يقدر أن يذهب إلى الغائط، ما ~~وعدنا الله ورسوله إلا غرورا. فذلك قوله تعالى: { ~~وتظنون بالله الظنونا }. # فأقام النبي صلى الله عليه وسلم وأقام الكفار معه ~~بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر، ولم يكن ~~بين القوم إلا الرمي بالنبل والحصى والحصار. # فلما اشتد البلاء على الناس واستطال، بعث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصين وإلى ~~الحارث بن عوف وهما قائدا غطفان، وأعطاهما ثلث ~~ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما من ~~القوم، فجرى بينهما الصلح حتى وقع الكتاب ~~ولم تقع الشهادة، فذكر ذلك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لسعد بن معاذ وسعد بن عبادة واستشارهما ~~في ذلك، فقالا: يا رسول الله؛ أهذا شيء أمرك الله به ~~أم أمر تحبه أنت أم أمر تصنعه لنا؟ فإن كان ~~أمرا من الله لك فلا بد لنا من العمل به، وإن ~~كان أمرا تحبه فاصنع ما شئت، وإن كان شيئا ~~تصنعه لنا فعرفنا به، فقال صلى الله الله عليه وسلم: " ~~بل والله ما صنعت ذلك إلا أني رأيت العرب قد ~~رمتكم بقوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، ~~فأردت أن أكسر عنكم شوكتهم ". # فقال سعد بن معاذ: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ~~لقد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك ~~وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم ~~لا يطمعون أن يأكلوا من ثمارنا تمرة إلا قراء ~~أو شراء، فكيف وقد أكرمنا الله بالإسلام وأعزنا ~~بك نعطيهم أموالنا! ما لنا بهذا من حاجة، والله ~~لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا ~~وبينهم، فقال صلى الله عليه وسلم: " فأنت وذاك ". ~~فتناول سعد ms1662 الصحيفة التي كتبوا فيها صلحهم ~~فمحاها. # ثم إنهم تراموا بالنبل، فوقعت رمية في أكحل ~~سعد بن معاذ فقطعته، رماه ابن الغرفة من ~~قريش، فما زال أكحله يسيل دما حتى خيف عليه، ~~فقال سعد: اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش ~~فأبقني لها، فإنه لا شيء أحب إلي من جهاد ~~قوم آذوا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبوه وأخرجوه، ~~وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعله ~~لنا شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني ~~قريظة. # ثم أتى نعيم بن مسعود الغطفاني إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله؛ قد أسلمت وإن ~~قومي من غطفان لم يعلموا بإسلامي، فمرني فيهم ~~بما شئت، فقال عليه السلام: " إنما أنت رجل واحد ~~فخذل عنا إن استطعت ". فخرج نعيم بن مسعود ~~حتى أتى بني قريظة، وكان لهم نديما في ~~الجاهلية، فقال لهم: يا بني قريظة؛ لقد ~~علمتم ودي لكم وما بيني وبينكم من المحبة. ~~قالوا: صدقت؛ لست عندنا بمتهم. # فقال لهم: إن قريشا وغطفان جاءوا لحرب محمد، ~~وإن قريشا وغطفان ليسوا كهيئتكم؛ لأن هذه ~~بلدكم وبها أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا ~~تقدرون على أن تحولوا إلى غيركم، وإن قريشا ~~وغطفان أموالهم وأولادهم ونساؤهم بعيدون، إن ~~رأوا لهم ها هنا صولة وغنيمة أخذوها، وإن كان ~~غير ذلك لحقوا ببلادهم، وخلوا بينكم وبين ~~هذا الرجل وهو رجل ببلدكم لا طاقة لكم به، فلا ~~تقاتلوه حتى تأخذوا رهنا من أشراف قريش ~~وغطفان يكونون بأيديكم ثقة على أن يقاتلوا ~~معكم. فقالوا له: لقد أشرت برأي ونصيحة. # ثم خرج حتى أتى قريشا، فقال: يا معشر قريش؛ ~~قد عرفتم ودي إياكم وفراقي محمدا، وقد ~~بلغني أمرا رأيت حقا علي أن أبلغكموه نصحا ~~لكم، فاكتموا علي. قالوا: نفعل! قال: اعلموا ~~أن معشر اليهود قد ندموا على ما صنعوا فيما ~~بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه: أنا قد ~~ندمنا على فعلنا، فهل يرضيك عنا أن نأخذ من ~~القبيلتين قريش وغطفان رجالا من أشرافهم ~~فنعطيكهم فتضرب رقابهم، ثم نكون معك ms1663 على من ~~بقي منهم، فقال لهم: نعم، وأنتم إذا بعثت ~~اليهود إليكم يلتمسون منكم رهنا من رجالكم ~~فلا تدفعوا إليهم رجلا واحدا. # ثم خرج حتى أتى غطفان فقال لهم: يا معشر ~~غطفان؛ أنتم أصلي وعشيرتي وأحب الناس إلي، ~~ولا أراكم تتهموني. قالوا: صدقت! قال: فاكتموا ~~علي، قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما ~~حذرهم. # فأرسل أبو سفيان ورؤوس غطفان إلى يهود بني ~~قريظة نفرا من قريش وغطفان، فأتوهم وقالوا ~~لهم: قد هلك الخف والحافر، فأعدوا للقتال ~~حتى يفرغ ما بيننا وبين محمد. فقال بنو ~~قريظة: لسنا بالذي نقاتل معكم حتى تعطونا ~~رهنا من رجالكم تكون ثقة بأيدينا، فإنا نخاف ~~أنكم إذا اشتد عليكم الحرب والقتال أن ~~تسيروا إلى بلادكم وتتركونا، وهذا الرجل قريب ~~من بلادنا، ولا طاقة لنا به. # فرجعت الرسل بما قالت بنو قريظة، فقالت ~~قريش وغطفان: والله إن الذي حدثنا به نعيم ~~بن مسعود لحق. وأرسلوا إلى بني قريظة: والله ~~لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، ولكنكم ~~إن كنتم تريدون الحرب فاخرجوا معنا فقاتلوا ~~ونحن معكم. قالت بنو قريظة: لا نقاتل إلا إذا ~~أعطيتمونا رهنا من رجالكم. فقالوا لهم: حدثنا ~~نعيم بن مسعود بذلك فلم نصدقه، فقالوا لهم: ~~إن الذي ذكره لكم حق. وخذل الله بينهم، وبعث ~~عليهم الريح في ليلة شاتية شديدة البرد ~~حتى انصرفوا راجعين، والحمد لله رب العالمين ~~". # قوله تعالى: { وتظنون بالله الظنونا } ، فأما ~~المنافقون فظنوا أن محمدا وأصحابه سيغلبون ويستأصلون، ~~وأما المؤمنون فأيقنوا أن ما وعدهم الله تعالى حق، وأنه ~~سيظهر دينه على الدين كله ولو كره المشركون. قال الحسن ~~في معنى: { وتظنون بالله الظنونا }: (يعني ظن ~~المؤمنون بالله خيرا، وظن المنافقون أن ~~الكافرين ظهروا على المؤمنين). # قرأ نافع وعاصم وابن عامر: (الظنونا) و(الرسولا) ~~و(السبيلا) بإثبات الألف فيها وقفا ووصلا لأنه من أواخر ~~الآي، وقرأ أبو عمرو بغير ألف وقفا ووصلا، وقرأ الباقون بالألف في ~~الوقف دون الوصل. ### || [33.11] # قوله تعالى: { هنالك ابتلي المؤمنون } أي في تلك ~~الحال اختبر المؤمنون بالقتال ليتبين ms1664 المخلص من المنافق. ~~وقيل: معناه: امتحن المؤمنون بالخوف الشديد الذي عنده ~~يظهر المؤمن القوي من المؤمن الضعيف، وذووا العزم الصحيح من ~~غيرهم. وقوله: { وزلزلوا زلزالا شديدا }؛ أزعجوا ~~وحركوا تحريكا شديدا، وذلك أن الخائف يكون قلقا مضطربا لا ~~يستقر على مكانه. ### || [33.12] # قوله تعالى: { وإذ يقول المنافقون والذين في ~~قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ~~} معناه: وإذ يقول الذين يستبطنون الكفر والذين في قلوبهم شك ~~وضعف اعتقاد: ما وعدنا محمد أن فارس والروم يفتحان ~~علينا ونحن في مكاننا هذا الذي لا يقدر أحد أن يبرز لحاجته إلا ~~باطلا. قال قتادة: (قال ناس من المنافقين: يعدنا ~~محمد أن نفتح قصور الشام وفارس، وأحدنا لا ~~يستطيع أن يجاوز رحله، هذا والله الغرور). ### || [33.13] # قوله تعالى: { وإذ قالت طآئفة منهم يأهل ~~يثرب لا مقام لكم فارجعوا }؛ قال مقاتل: (هم بنو ~~سالم من المنافقين)، وقال السدي: (عبدالله بن أبي ~~وأصحابه). (يا أهل يثرب) أي يا أهل المدينة، قال أبو ~~عبيدة: (يثرب اسم أرض، ومدينة الرسول في ناحية ~~منها). وقوله تعالى: { لا مقام لكم } أي لا موقف ~~لكم في هذا الموضع، فارجعوا إلى المدينة. # وقرأ عاصم (لا مقام) بضم الميم؛ أي لا إقامة لكم ها هنا؛ ~~لكثرة العدو وغلبة الحراب، فارجعوا إلى منازلكم، أمروهم ~~بالهرب من عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { ويستأذن فريق منهم النبي }؛ ~~معناه: ويستأذن فريق منهم النبي عليه السلام في الرجوع إلى ~~منازلهم بالمدينة؛ وهم: بنو حارثة وبنو سلمة، وكانوا ~~يعتلون في الاستئذان بقولهم: { يقولون إن بيوتنا ~~عورة }؛ أي بيوتنا خالية من الرجال نخاف عليها، وقيل: ~~معناه: إن بيوتنا ليست بجديدة. وقال مقاتل والحسن: (معناه: ~~قالوا بيوتنا ضائعة نخشى عليها السراق). وقال ~~قتادة: (قالوا بيوتنا مما يلي العدو ولا نأمن ~~على أهلنا). فكذبهم الله تعالى وأعلم أن قصدهم الهرب، ~~فقال عز وجل: { وما هي بعورة إن يريدون إلا ~~فرارا }؛ من القتال ونصرة المؤمنين. # وقرأ ابن عباس وأبو رجاء: (إن بيوتنا عورة) بكسر الواو؛ ~~أي قصيرة الجدران، فيها ms1665 خلل وفرجة. قال الزجاج: (يقال: ~~عور المكان يعور عورا وعورة، وبيوت عورة ~~وعورة، وهي مصدر). والعورة في اللغة: ما ذهب عنه ~~الستر والحفظ، تقول العرب: اعور الفارس إذا كان فيه موضع ~~خلل للضرب، وعور المكان إذا بدت منه عورة. قال الشاعر: # متى تلقهم، لا تلق للبيت عورة # ولا الضيف محروما ولا الجار مرملا # يقال: أرمل القوم إذا فرغ زادهم. ### || [33.14] # قوله تعالى: { ولو دخلت عليهم من أقطارها }؛ ~~أي لو دخلت المدينة على هؤلاء المنافقين من أطرافها، يعني: لو ~~دخل عليهم هؤلاء الأحزاب من نواحيها، { ثم سئلوا ~~الفتنة لآتوها }؛ أي ثم دعوا إلى الشرك لأجابوها سريعا ~~وأعطوها من أنفسهم. والمعنى: لو أن الأحزاب دخلوا المدينة، ثم ~~أمروهم بالشرك لأشركوا. # وقرأ أهل المدينة (لأتوها) بالقصر؛ أي لفعلوها بأنفسهم، { ~~وما تلبثوا بهآ إلا يسيرا }؛ أي وما يلبثون بإجابتها ~~إلا قليلا حتى يقبلوا. قال قتادة: (وما احتبسوا عن ~~الإجابة إلى الكفر إلا قليلا)، ويقال: ما يتلبثون ~~بالمدينة بعد إجابتهم إلا يسيرا حتى يهلكوا. ### || [33.15-17] # قوله تعالى: { ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل ~~لا يولون الأدبار }؛ قيل: إنهم بنو حارثة هموا يوم ~~أحد أن يفشلوا مع بني سلمة، فلما نزل فيهم ما نزل، ~~عاهدوا الله أن لا يعودوا لمثلها. وقال قتادة: (هم قوم ~~كانوا غابوا عن وقعة بدر، ورأوا ما أعطى الله أهل ~~بدر من الكرامة والفضيلة، فقالوا: لئن أشهدنا ~~الله قتالا لنقاتلن، فلما كان يوم الأحزاب لم ~~يفوا بذلك العهد). # ومعنى الآية: ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل غزوة الخندق { ~~لا يولون الأدبار } أي لا ينهزمون ولا يولون العدو ~~ظهورهم. وقوله تعالى: { وكان عهد الله مسئولا }؛ ~~أي مطالبا مسؤولا عنه محاسبا عليه، يسألون عنه في ~~الآخرة. # ثم أخبر الله أن الفرار لا يزيدهم في آجالهم؛ فقال: { قل لن ~~ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل ~~}؛ أي من حضر أجله مات أو قتل، فكلاهما مكتوب عليكم. ~~وقوله تعالى: { وإذا لا تمتعون إلا قليلا }؛ أي ~~إن فررتم من الموت أو القتل في هذه الوقعة لم ms1666 يمتعوا ~~إلا قليلا حتى يلحقكم أحد الأمرين. والمعنى: لا تمتعون بعد ~~الفرار في الدنيا إلا مدة أجلكم. # ثم أخبر الله تعالى أن ما قدره عليهم وأراده بهم لا ~~يدفع عنهم، قوله تعالى: { قل من ذا الذي يعصمكم ~~من الله }؛ أي من الذي يجيركم ويمنعكم من الله، { إن ~~أراد بكم سوءا }؛ أي هلاكا وهزيمة، { أو أراد بكم ~~رحمة }؛ أي خيرا وهو النصر. وهذا كله أمر للنبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يخاطبهم بهذه الأشياء. # ثم أخبر الله أنه لا ينفعهم قريب ولا ناصر ينصرهم من الله، ~~فقال تعالى: { ولا يجدون لهم من دون الله وليا ~~ولا نصيرا }. ### || [33.18] # قوله تعالى: { قد يعلم الله المعوقين منكم ~~والقآئلين لإخوانهم هلم إلينا }؛ قال المفسرون: ~~هؤلاء قوم من المنافقين، كانوا يبطئون المجاهدين ~~ويمنعونهم عن الجهاد. يقال: عاق يعوق؛ إذا منع، ~~وعوق إذا اعتاد المنع، وعوقه إذا صرفه عن الوجه الذي ~~يريده. # قال قتادة: (هم قوم من المنافقين، كانوا يقولون: ~~ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس، ولو كانوا ~~لحما لالتهمهم أبو سفيان وحزبه، دعوا هذا ~~الرجل فإنه هالك، فخلوهم وتعالوا إلينا). # وقوله تعالى: { والقآئلين لإخوانهم هلم ~~إلينا } أي ويعلم القائلين لإخوانهم تعالوا إلينا ودعوا ~~محمدا فلا تشهدوا معه الحرب، فإنا نخاف عليكم الهلاك، ~~وقوله: { ولا يأتون البأس إلا قليلا }؛ أي لا ~~يحضرون القتال في سبيل الله إلا قليلا؛ أي لا يقاتلون ~~إلا رياء وسمعة من غير احتساب، ولو كان ذلك القليل لله لكان ~~كثيرا. ### || [33.19] # قوله: { أشحة عليكم }؛ أي بخلاء عليكم بأنفسهم ~~وأموالهم، لا ينفقون شيئا منها في سبيل الله ونصرة المؤمنين. ثم ~~أخبر عن جبنهم فقال تعالى: { فإذا جآء الخوف رأيتهم ~~ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه ~~من الموت } ، من الخوف والفزع كما تدور أعين الذي يحضره ~~الموت فيغشى عليه، ويذهب عقله ويشخص بصره فلا يطرف، كذلك هؤلاء ~~تشخص أبصارهم وتحار أعينهم لما يلحقهم من الخوف، { فإذا ~~ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد }؛ أي بسطوا ~~ألسنتهم وأرسلوها، طاغين عليكم. قال الفراء: (معناه: ~~آذوكم بالكلام وعضوكم ms1667 بألسنة سليطة ذربة) ~~يقال: خطيب مسلاق إذا كان بليغا في خطابه. # وقوله تعالى: { أشحة على الخير }؛ أي بخلاء ~~بالغنيمة، يخاصمون فيها ويشاحون المؤمنين عليها عند ~~القسمة، فيقولون: أعطونا فلستم أحق منا! وقوله ~~تعالى: { أولئك لم يؤمنوا }؛ أي هم وإن أظهروا ~~الإيمان ونافقوا فليسوا بمؤمنين، { فأحبط الله ~~أعمالهم }؛ أي أبطل جهادهم وثواب أعمالهم؛ لأنه لم يكن في ~~إيمان، { وكان ذلك } الإحباط، { على الله يسيرا }؛ قال ~~مقاتل: (معنى الآية: فإذا ذهب الخوف وجاء الأمن ~~والغنيمة، سلقوكم بألسنة حداد؛ أي بسطوا ~~ألسنتهم فيكم وقت قسمة الغنيمة، وسيقولون: ~~أعطونا فلستم أحق بها منا! فأما عند البأس ~~والقتال فأجبن قوم وأخذلهم، وأما عند ~~الغنيمة فأشح قوم). ### || [33.20] # قوله تعالى: { يحسبون الأحزاب لم يذهبوا } أي ~~يظن المنافقون من جبنهم وخبثهم أن الأحزاب لم يذهبوا ~~إلى مكة وقد ذهبوا، { وإن يأت الأحزاب }؛ في المرة ~~الثانية؛ أي يرجعون إلى القتال، { يودوا لو أنهم ~~بادون في الأعراب }؛ داخلون في البادية مع الأعراب، { ~~يسألون عن أنبآئكم }؛ أي يتمنون لو كانوا في بادية ~~بالبعد منكم، يسألون عن أخباركم يقولون: ما فعل محمد ~~وأصحابه؟! فيعرفون حالكم بالاستخبار لا بالمشاهدة. والمعنى ~~بسؤالهم: أنه إذا كان الظفر لكم شاركوكم، وإن كان للمشركين ~~شاركوهم، كل هذا من الخوف والجبن. قرأ يعقوب ~~(يساءلون) بالتشديد والمد، بمعنى يتساءلون؛ أي يسأل ~~بعضهم بعضا عن أخباركم، { ولو كانوا فيكم ما قاتلوا ~~إلا قليلا }؛ لو كان هؤلاء المنافقون فيكم ما قاتلوا إلا ~~رميا بالحجارة من غير احتساب. ### || [33.21] # قوله تعالى: { لقد كان لكم في رسول الله ~~أسوة حسنة }؛ أي لقد كان لكم في رسول الله قدوة حسنة ~~في الصبر على القتال والثبات عليه واحتمال الشدائد في ذات ~~الله، { لمن كان يرجوا الله }؛ يرجو ثواب الله، { ~~واليوم الآخر } ، وثواب الدنيا والآخرة، { وذكر الله ~~كثيرا } ، وذلك: أن كل من ذاد أو ذكر الله في لسانه ازدادت ~~رغبته في الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم. # ومعنى الآية: لقد كان لكم في رسول الله اقتداء لو اقتديتم به، ~~والصبر معه في مواطن القتال كما ms1668 فعل هو يوم أحد إذ كسرت ~~رباعيته وشج حاجبه وقتل عمه، فواساكم مع ذلك بنفسه، ~~فهلا فعلتم مثل ما فعل هو. وقوله تعالى: { لمن كان يرجوا ~~الله } يدل من قوله (لكم) وهو تخصيص بعد التعميم للمؤمنين. ### || [33.22] # قوله تعالى: { ولما رأى المؤمنون الأحزاب ~~قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ~~ورسوله }؛ وذلك أن الله تعالى كان قد وعدهم في سورة ~~البقرة # أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل ~~الذين خلوا من قبلكم مستهم البأسآء ~~والضرآء # [البقرة: 214]... إلى قوله # ألا إن نصر الله قريب # [البقرة: 214] وقوله تعالى: # ليظهره على الدين كله # [الفتح: 28]. وقوله تعالى: { وما زادهم إلا إيمانا ~~وتسليما }؛ أي ما زادهم ما رأوه إلا إيمانا وتصديقا بوعد ~~الله وتسليما لآخره. ### || [33.23-24] # قوله تعالى: { من المؤمنين رجال صدقوا ما ~~عاهدوا الله عليه }؛ أي من جملة المؤمنين رجال وافوا ما ~~عاهدوا الله عليه بالثبات على الدين والعمل بموجبه من الصبر ~~على القتال وغير ذلك، { فمنهم من قضى نحبه }؛ أي من ~~وفى بنذره، ومنهم من أقام على ذلك العهد حتى قتل شهيدا في ~~سبيل الله. قيل: إن المراد به حمزة ابن عبد المطلب ~~وأصحابه الذين قتلوا يوم أحد. # والنحب في اللغة: النذر، وقيل: النحب هو النفس، ~~ومنه النحيب: وهو التنفس الشديد والنشج في البكاء. ~~والمعنى على هذا القول: (منهم من قضى نحبه) { ومنهم ~~من ينتظر }؛ الموت على ذلك العهد. وقيل: معناه: (فمنهم ~~من قضى نحبه) أي مات أو قتل في سبيل الله فأدرك ما ~~تمنى، فذلك قضاء النحب. وقيل: فرغ من عمله، ورجع إلى ~~الله. وقال الحسن: (قضى أجله على الوفاء والصدق)، قال ~~ابن قتيبة: (قضى نحبه: قتل). # وأصل النحب: النذر، كان قوم نذروا أنهم إن لقوا العدو ~~قاتلوا حتى يقتلوا أو يفتح الله تعالى فقتلوا. يقال: فلان ~~قضى نحبه، إذا قتل. وقال محمد بن اسحاق: (فمنهم من ~~قضى نحبه، من استشهد يوم بدر وأحد، ومنهم ~~من ينتظر ما وعد الله من نصر أو شهادة على ما ~~مضى عليه أصحابه). # وعن ms1669 عائشة رضي الله عنها أنها قالت: # " طلحة بن عبيدالله ممن قضى نحبه، ثبت مع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصيبت يده، فقال صلى ~~الله عليه وسلم: " أوجب طلحة الجنة " " # وعن أبي نجيح: أن طلحة بن عبيد الله كان يوم ~~أحد عند النبي صلى الله عليه وسلم في الجبل، فجاء ~~سهم متوجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاتقاه ~~طلحة بيده فأصاب خنصره. # وعن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من سره أن ينظر إلى رجل يمشي على الأرض ~~وقد قضى نحبه، فلينظر إلى طلحة " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " من سره أن ينظر إلى شهيد يمشي على وجه ~~الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيدالله ". # قوله تعالى: { وما بدلوا تبديلا }؛ أي ما غيروا ~~عهد الله الذي عاهدوه عليه كما غيره المنافقون. وقوله ~~تعالى: { ليجزي الله الصادقين بصدقهم }؛ أي ~~صدق المؤمنون في عهدهم ليجزيهم الله بصدقهم، { ويعذب ~~المنافقين }؛ بنقض العهد، { إن شآء }؛ قال السدي: ~~(يميتهم الله على نفاقهم إن شاء فيوجب لهم ~~العذاب). فمعنى شرط المشيئة في عذاب المنافقين إماتتهم على ~~النفاق إن شاء ثم يعذبهم، { أو يتوب عليهم }؛ فيغفر ~~لهم، ليس أنه يجوز أن لا يعذبهم إذا ماتوا على النفاق، { ~~إن الله كان غفورا }؛ لمن تاب { رحيما }؛ بمن مات على ~~التوبة. ### || [33.25] # قوله تعالى: { ورد الله الذين كفروا بغيظهم ~~لم ينالوا خيرا }؛ معناه: وصرف الله الكفار عن ~~المؤمنين مغتاظين لم يكن فيهم من شفا غيظه، ولم ينالوا منهم ~~مالا ولا غنيمة، ولم يروا سرورا، { وكفى الله ~~المؤمنين القتال }؛ بالريح والملائكة التي أرسلت ~~عليهم، { وكان الله قويا }؛ أي لم يزل قويا في ملكه، ~~{ عزيزا } ، في قدرته منيعا بالنقمة من أعدائه. ### || [33.26-27] # قوله تعالى: { وأنزل الذين ظاهروهم من أهل ~~الكتاب من صياصيهم }؛ معناه: وأنزل الذين عاونوا ~~المشركين من أهل الكتاب وهم بنو قريظة، نقضوا العهد وأعانوا ~~الأحزاب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزلهم الله من ~~حصونهم مع شدة شوكتهم، وألقى في قلوبهم الرعب. # " وذلك أن بني ms1670 قريظة كانوا قد عاهدوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن لا ينصروا أعداءه عليه، فلما رأوا الأحزاب وكثرتهم ~~ظنوا أنهم يستأصلون المؤمنين، فنقضوا العهد ولحقوا بهم. # فلما هزم الله المشركين ورجع النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى بيته، أراد أن ينزع لامته، فسمع ~~هسيسا، فنظر فإذا جبريل عليه السلام في درعه ~~وسلاحه، فقال له جبريل: أتنزع لامتك يا رسول ~~الله والملائكة لم ينزعوا حتى يقاتلوا بني ~~قريظة ويصلى فيهم العصر؟! فقال صلى الله عليه وسلم: ~~" وكيف لي بقتالهم وهم في حصونهم؟! " فقال ~~جبريل: لألهمنك ذلك، فوالله لأدقنهم اليوم ~~كما يدق البيض على الصفا. فنادى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الأصحاب، فخرجوا إلى حصون بني ~~قريظة، فألقي الرعب في قلوب القوم حتى طلبوا ~~الصلح، وأبوا إلا أن ينزلوا على حكم سعد بن ~~معاذ. # وكان سعد قد أصابه سهم في أكحله في حرب ~~الخندق، فسأل الله أن يؤخره إلى أن يرى قرة ~~عين النبي صلى الله عليه وسلم، فاستجاب الله دعاءه. ~~فلما طلبت بنو قريظة النزول على حكم سعد، ~~رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحمل سعد إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم وقد احتبس أكحله، فقال له ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " احكم فيهم ". فقال: حكمت ~~فيهم بأن يقتل مقاتلتهم ويسبى ذراريهم ~~ونساؤهم وأموالهم. فقال صلى الله عليه وسلم: " حكمت ~~فيهم مثل ما حكم الله فيهم ". فلما قتلت ~~مقاتلتهم وسبيت نساؤهم وذراريهم، انفجر أكحل ~~سعد فمات رحمه الله ". # والصياصي: جمع صيصة، وصيصة الثور قرنه، سمي ~~بذلك؛ لأن قرنه حصنه الذي يتحصن به. # وروي: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رجع من ~~الليلة التي انصرف فيها الأحزاب، ورجع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون إلى المدينة، ووضع ~~النبي صلى الله عليه وسلم السلاح، أتى جبريل عليه السلام ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم معتجرا بعمامة من ~~استبرق على بغلة عليها قطيفة من ديباج، ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم عند زينب بنت جحش ~~يغسل رأسه ms1671 وقد مشطت عقصته، فقال جبريل: قد ~~وضعت السلاح يا رسول الله؟! قال: " نعم " قال: عفا ~~الله عنك يا رسول الله! فوالله ما وضعت الملائكة ~~السلاح منذ أربعين ليلة، إن الله يأمرك ~~بالسير إلى بني قريظة. # وكان هذا في وقت الظهر، فأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم مناديا ينادي: " من كان سامعا مطيعا فلا ~~يصلين العصر إلا في بني قريظة ". وقدم ~~النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب برايته ~~إليهم، فسار إليهم علي رضي الله عنه حتى إذا دنا ~~من الحصون سمع منهم مقالة قبيحة في رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فرجع علي رضي الله عنه حتى لقي ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالطريق. فقال: يا رسول الله ~~لا عليك أن تدنو من هؤلاء الخبائث، قال: " ~~أظنك سمعت منهم أذى؟ " قال: نعم. فسار النبي صلى ~~الله عليه وسلم نحوهم حتى دنا من حصونهم، فقال ~~لهم: " يا إخوان القردة أخزاكم الله، وأنزل ~~فيكم نقمته " قالوا: يا أبا القاسم! ما كنت ~~جهولا. # فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا وعشرين ~~ليلة حتى جهدهم الحصار، وقذف في قلوبهم ~~الرعب. فلما أيقنوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~غير راجع عنهم، قال لهم كعب بن أسد: يا معشر ~~اليهود؛ إنه قد نزل بكم من الأمر ما ترون، ~~وإني سأعرض عليكم ثلاث خصال، فخذوا بأيها ~~شئتم. قالوا: وما هي؟ # قال: أما الأولى فنبايع هذا الرجل ونصدقه ~~فوالله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل، وأنه ~~الذي تجدونه في كتابكم، فتأمنوا على دمائكم ~~وأموالكم ونسائكم. قالوا: لا نفارق ديننا أبدا، ~~ولا نستبدل به غيره. # قال: فإن أبيتم هذه علي، فهلم فلنقتل ~~أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد رجالا ~~مصلتين بالسيوف، ولم يكن وراءنا ثقل يهمنا ~~حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قالوا: نقتل ~~هؤلاء المساكين! فلا خير في العيش بعدهم. # قال: فإن أبيتم هذه، فاعلموا أن هذه ليلة ~~السبت، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد ~~أمنوا فيها، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد ~~وأصحابه ms1672 غرة. قالوا: نفسد سبتنا ونحدث فيه ~~ما لم يكن أحدث فيه من كان قبلنا، وقد علمت ~~أن الذين أحدثوا فيه الأحداث مسخوا، ولم يخف ~~عليك من هم. # قال: ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن ابعث إلينا أبا لبابة أخا بني عمرو بن عوف، ~~وكانوا حلفاء الأوس، نستشيره في أمرنا، ~~فأرسله النبي صلى الله عليه وسلم إليهم. فسألوه إن ~~ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم، وأشار بيده إلى ~~حلقه: أنه الذبح. قال أبو لبابة: فعلمت أني قد ~~خنت الله ورسوله، ثم انطلق أبو لبابة على ~~وجهه، ولم يأت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ~~ارتبط في المسجد إلى عمود من أعمدته، وقال: لا ~~أبرح حتى يتوب الله علي مما صنعت، وعاهد الله ~~تعالى أن لا يطأ أرض بني قريظة أبدا، وقال: لا ~~يراني الله في بلد خنت الله ورسوله فيه. فلما ~~علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد مضى على ~~وجهه ولم يأته قال: " أما إنه لو جاءني ~~لاستغفرت له، فأما إذا فعل ما فعل، فما أنا ~~بالذي أطلقه حتى يتوب الله عليه. ثم إن الله ~~تعالى أنزل توبته، فقال صلى الله عليه وسلم: " تبت ~~على أبي لبابة " فثار الناس إلى أبي لبابة ~~ليطلقوه، فقال: والله لا حتى يكون رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم هو الذي يطلقني بيده. فجاء النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأطلقه. # قال: فلما أصبح بنو قريظة نزلوا على حكم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتواثبت الأوس وقالوا: ~~يا رسول الله؛ إنهم موالينا - أي حلفاؤنا - دون ~~الخزرج، وقد فعلت في موالي الخزرج ما قد ~~علمت، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل بني ~~قريظة حاصر بني قينقاع وكانوا حلفاء الخزرج، ~~فنزلوا على حكمه، فسألهم إياه عبدالله بن أبى ~~سلول فوهبهم له. فلما كلمه الأوس، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " يا معشر الأوس؛ أما ترضون أن ~~أحكم فيهم رجلا منكم؟ " قالوا: بلى، قال: " ~~فذاك " إلى سعد ms1673 بن معاذ، وكان سعد بن معاذ قد ~~جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في خيمة امرأة من ~~أسلم يقال لها رفيدة، تداوي الجرحى وتخدم ~~المرضى. # فلما حكمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني ~~قريظة، أتاه قوم فاحتملوه على حمار، وقد ~~وطأوا له وسادة من أدم، وكان رجلا جسيما. ثم ~~أقبلوا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ~~يقولون: يا أبا عمرو! أحسن في مواليك، فإن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم. ~~فلما أكثروا عليه؛ قال: لقد آن لسعد أن لا ~~تأخذه في الله لومة لائم. فعرفوا أن بني ~~قريظة مقتولون. # فلما انتهى سعد إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ~~قوموا إلى سيدكم، فأنزلوه " فقاموا إليه، ~~فقال: يا أبا عمرو؛ إن رسول الله قد ولاك مواليك ~~لتحكم بينهم، فقال سعد: عليكم عهد الله ~~وميثاقه أن الحكم فيهم ما حكمت؟ قالوا: نعم. ~~قال: أحكم فيهم أن يقتل الرجال وتقسم الأموال ~~وتسبى الذراري والنساء. فقال صلى الله عليه وسلم: " لقد ~~حكمت فيهم يا سعد بحكم الله من فوق سبعة ~~أرقعة ". ثم استنزلوا، فحبسهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في دار " ابنة الحارث " امرأة من بني ~~النجار، ثم بعث إليهم من يخرجهم إليه ~~إرسالا، وأمر بضرب أعناقهم. # وكان فيهم يومئذ عدو الله حيي بن أخطب وكعب ~~بن أسد رأس القوم في سبعمائة. وقيل: من ~~ثمانمائة إلى تسعمائة، فقالوا لكعب وهو يذهب ~~بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم أرسالا: يا كعب ما ~~ترى ما يصنع بنا؟ قال: ما لكم لا تعقلون! ألا ~~ترون من ذهب منكم لا يرجع، هو والله القتل، ~~فلم يزل ذلك دأبهم حتى فرغ منهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ثم أتي بحيي بن أخطب عدو الله ~~وعليه حلة له فقاحية ويداه مغلولتان إلى ~~عنقه بحبل، ثم أجلس فضرب عنقه ". # قالت عائشة رضي الله عنها: (كان علي والزبير ~~يضربان أعناق بني قريظة، ورسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ms1674 جالس هناك)، قالت عائشة: ولم يقتل من نساء ~~بني قريظة إلا امرأة واحدة، كانت والله عندي ~~تتحدث معي وتضحك، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يقتل رجالها، فبينا هي كذلك إذ هاتف يهتف ~~باسمها: أين فلانة. قالت: هي أنا والله. قالت ~~عائشة: فقلت لها: ويلك وما تلك؟ قالت: طلبت ~~لأقتل، قلت: ولم؟ قالت: حدثا أحدثته، قالت: ~~فانطلق بها فضرب عنقها. قالت عائشة: ما أنسى ~~عجبا منها، طيب نفس وكثرة ضحك، وقد علمت ~~أنها تقتل). قال الواقدي: (واسم تلك المرأة ~~نباتة) امرأة الحكم القرظي، وكانت قتلت ~~خلاد بن سويد، رمت عليه رحى فقتله، فقتلها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاد بن سويد. # وعن الزهري رضي الله عنه قال: # " كان رجل من قريظة يقال له الزبير بن باطا ~~ويكنى أبا عبدالرحمن، مر يوما على ثابت بن قيس ~~بن ثابت بن شماس في الجاهلية يوم بغاث، أخذه ~~وحز ناصيته ثم خلى سبيله. فجاء ثابت بن قيس ~~يوم بني قريظة فوجده قد صار شيخا كبيرا، فقال ~~له ثابت: يا زبير هل تعرفني؟ قال: نعم؛ وهل ~~يجهل مثلي مثلك؟ قال: فإني أريد أن أجازيك بما ~~لك عندي من اليد، قال: افعل، فإن الكريم يجزي ~~الكريم. # قال ثابت: فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا ~~رسول الله؛ قد كان للزبير عندي يد وصنيعة ~~وله علي منة وقد أحببت أن أجزيه، فهب لي ~~دمه، فقال صلى الله عليه وسلم: " هو لك " فأتاه، فقال ~~له: يا شيخ؛ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وهب ~~لي دمك. فقال: إني شيخ كبير، فإن ذهب أهلي ~~وأولادي فما أصنع بالحياة؟ قال ثابت: فأتيت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته أهله وولده، ~~فقال: " هم لك " فقلت: يا شيخ؛ قد وهب لي رسول ~~الله امرأتك وأولادك. فقال: يا ثابت؛ كيف يكون ~~أهل بيت بالحجاز لا مال لهم، فما بقاؤهم على ~~ذلك؟ قال: فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته ~~ماله، فقال: " هو لك " فأعلمته بذلك. # فقال لي: ms1675 يا ثابت؛ ما فعل الذي وجهه مرآة ~~مضيئة كعب بن أسد؟ قلت: قتل، قال: فما فعل ~~سيد الحاضر والبادي حيي بن أخطب؟ قلت: قتل، ~~قال: فما فعل مقدمنا إذا شددنا وحامينا إذا ~~كررنا غزال بن شموال؟ قلت: قتل. قال: فما فعل ~~ببني كعب بن قريظة وبني عمرو بن قريظة؟ قلت: ~~قتلوا كلهم. # قال: فإني أسألك يا ثابت بما بيني وبينك من ~~الصنيعة واليد إلا ما ألحقتني بالقوم فوالله ~~ما لي في العيش بعد هؤلاء من خير، فما أنا ~~بصائر حتى ألقى الأحبة. فضرب ثابت عنقه " # فلما بلغ أبا بكر الصديق رضي الله عنه قوله: ~~ألقى الأحبة، قال: تلقاهم والله في نار جهنم ~~خالدا فيها أبدا. # قوله تعالى: { وقذف في قلوبهم الرعب }؛ أي ألقى ~~في قلوبهم الخوف، { فريقا تقتلون }؛ يعني المقاتلة، { ~~وتأسرون فريقا }؛ يعني الذراري، { وأورثكم أرضهم ~~وديارهم وأموالهم }؛ يعني عقارهم ونخيلهم ومنازلهم ~~وأموالهم من الذهب والفضة والحلي والعبيد والإماء، { وأرضا ~~لم تطئوها }؛ يعني أرض بني النضير، وقيل: أرض خيبر. # والمعنى: سيفتح الله لكم أرضا لم تطأوها الآن بأقدامكم يعني ~~خيبر، ففتحها الله عليهم بعد بني قريظة. وقال الحسن: (هي فارس ~~والروم)، وقال قتادة: (هي مكة). قوله تعالى: { وكان ~~الله على كل شيء قديرا }؛ فيه بيان أن الله قادر على ~~إظهار الإسلام بغير القتال، وإنما أمر المؤمنين بالقتال ليعرضهم ~~لجزيل الثواب. ### || [33.28-29] # قوله تعالى: { يأيها النبي قل لأزواجك إن ~~كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين ~~أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا }؛ قال المفسرون: # " كان بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم سألنه شيئا من ~~عرض الدنيا وآذينه بزيادة النفقة، فهجرهن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وآلى منهن شهرا أن لا يقربهن ولم يخرج إلى ~~أصحابه للصلوات. # فقالت الصحابة: ما شأن رسول الله؟ فقال عمر رضي الله ~~عنه: إن شئتم ذهبت إليه لأعلمكم ما شأنه؟ ~~فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستأذن فأذن له. ~~قال عمر: فجعلت أقول في نفسي: أي شيء أكلم به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لعله ينبسط؟ ms1676 فقلت: يا ~~رسول الله؛ لو رأيت فلانة وهي تسألني النفقة ~~فصككتها صكة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " فذلك الذي ~~أجلسني عنكم ". فأتى عمر حفصة فقال لها: لا ~~تسألي رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا فما كان من ~~حاجته لك فأولى. # ثم جعل يتتبع نساء النبي صلى الله عليه وسلم ~~يكلمهن، حتى قال لعائشة رضي الله عنها: ~~يغرك أنك امرأة حسناء وإن زوجك يحبك ~~لتنتهين أو لينزلن الله فيكن القرآن. ~~فقالت أم سلمة: يا ابن الخطاب؛ أوما بقي لك ~~إلا أن تدخل بين رسول الله ونسائه! فمن تسأل ~~المرأة إلا زوجها؟ فأنزل الله هذه الآية { ~~يأيها النبي قل لأزواجك } " # إلى آخرها. # وكان يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع نسوة؛ خمس من ~~قريش: عائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر، وأم حبيبة بنت أبي ~~سفيان، وسودة بنت زمعة، وأم سلمة بنت أبي أمية، ~~فهؤلاء من قريش. وصفية بنت حيي بن أخطب الخيبرية، وميمونة بنت ~~الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث ~~المصطلقية. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا مع حفصة، ~~فتشاجرا فيما بينهما، فقال لها: هل لك أن أجعل ~~بيني وبينك رجلا؟ قالت: نعم، قال: فأبوك إذا، ~~فأرسل إلى عمر رضي الله عنه، فلما دخل عليها قال: ~~تكلمي، قالت: يا رسول الله تكلم ولا تقل إلا ~~حقا! فرفع عمر يده فوجى وجهها ثم رفع ~~فوجى وجهها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " كف ". # فقال عمر: يا عدوة الله! أويقول رسول الله إلا ~~حقا، والذي بعثه بالحق لولا مجلسه ما رفعت ~~يدي حتى تموتي. فقام صلى الله عليه وسلم فصعد إلى ~~غرفة، فمكث فيها شهرا لا يقرب شيئا من ~~نسائه، يتغدى ويتعشى فيها، فأنزل الله تعالى: ~~{ يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن ~~الحياة الدنيا وزينتها } الآية، فنزل النبي صلى ~~الله عليه وسلم فعرض ذلك عليهن كلهن، فلم ~~يخترن إلا الله ورسوله، وكان آخر من عرض ~~عليها حفصة، فقالت: ms1677 يا رسول الله؛ إني في مكان ~~العائذة بك من النار، والله لا أعود لشيء تكرهه ~~أبدا، بل أختار الله ورسوله، فرضي عنها ". # وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت عليه ~~آية التخيير بدأ بعائشة أحبهن إليه، فخيرها ~~فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة، فرؤي الفرح ~~في وجهه عليه السلام، وتابعها جميع نسائه على ذلك، ~~فشكرهن الله وقصر نبيه صلى الله عليه وسلم عليهن، ~~فقال # لا يحل لك النسآء من بعد # [الأحزاب: 52]. # قيل: # " لما نزلت هذه الآية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ~~" يا عائشة؛ إني ذاكر لك أمرا فلا تعجلي حتى ~~تستأمري فيه أبوك " ثم قرأ هذه الآية، فقال: { ~~يأيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن ~~الحياة الدنيا وزينتها } إلى قوله: { وإن كنتن ~~تردن الله ورسوله والدار الآخرة }؛ فقالت ~~عائشة رضي الله عنها: قد علم الله أنه أبوي لم ~~يكونا يأمرانني بفراقك، وهل أستأمر في هذا؟! ~~إني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. ثم قالت: ~~يا رسول الله؛ لا تخبر أزواجك أني اخترتك. ثم ~~فعل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعلت ". # وقيل: # " لما نزلت آية التخيير، دعا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم نساءه وخيرهن، وقال لعائشة: " أما أنت ~~فلا تحدثي من أمرك شيئا حتى تشاوري أبويك " ~~فقالت: أفيك أشاورهما؟! أنا أختار الله ورسوله ~~والدار الآخرة، ما لنا والدنيا؟! فتبعها سائر ~~أزواجه، ولم تختر واحدة منهن نفسها إلا ~~المرأة الحميرية ". # قوله تعالى: { فتعالين أمتعكن } أي أعطيكن ~~مهركن { وأسرحكن سراحا جميلا } أي أطلقكن على ~~وجه السنة. وقيل: معناه: أخرجكن من البيوت، لأنه ذكر ~~المتعة قبل التسريح. قوله تعالى: { وإن كنتن تردن ~~الله ورسوله }؛ أي ثواب الله ورضى رسوله { والدار ~~الآخرة } أي الجنة، { فإن الله أعد للمحسنات ~~منكن }؛ باختيار ثواب الله ورضى رسوله، { أجرا عظيما } ، في ~~الآخرة. ### || [33.30] # قوله تعالى: { ينسآء النبي من يأت منكن ~~بفاحشة مبينة }؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~(يعني النشوز وسوء الخلق) { يضاعف لها العذاب ~~ضعفين }؛ أي يجعل عذاب جرمها في الآخرة كعذاب جرمين. ms1678 ~~والمعنى: يزيد في عذابها ضعفا، كما زيد في ثوابها ضعفا في قوله # نؤتهآ أجرها مرتين # [الأحزاب: 31]. # وإنما ضوعف عذابهن على الفاحشة لأنهن يشاهدن من الزواجر ~~ما يردع عن مواقعة الذنوب ما لا يشاهد غيرهن، فإذا لم ~~يمتنعن استحققن تضعيف العذاب. وقوله تعالى: { ~~وكان ذلك على الله يسيرا }؛ أي وكان عذابها على الله ~~هينا. # وقوله تعالى { يضاعف لها العذاب ضعفين } ، قرأ ~~ابن كثير وابن عامر (نضعف) بالنون وكسر العين مشددة من غير ~~ألف (العذاب) بالنصب، وقرأ أبو عمرو (يضعف) بالياء وفتح العين ~~والتشديد، ورفع (العذاب)، قال أبو عمرو: (وإنما قرأت هكذا ~~مشددا من غير ألف لقوله (ضعفين)، يقال: ~~ضعفت الشيء إذا جعلته مثله وضاعفته إذا ~~جعلته أمثاله). وقرأ الباقون (يضاعف) بالألف ورفع ~~(العذاب). ### || [33.31] # قوله تعالى: { ومن يقنت منكن لله ورسوله }؛ أي ~~ومن يطع منكن لله ورسوله. وقيل: ومن تقم منكن على طاعة ~~الله وطاعة رسوله، { وتعمل صالحا }؛ فيما بينها وبين ربها، { ~~نؤتهآ أجرها مرتين }؛ أي نعطيها مكان كل حسنة ~~عشرين حسنة، { وأعتدنا لها رزقا كريما }؛ أي حسنا؛ ~~يعني الجنة. والرزق الكريم: ما سلم من كل آفة، ولا يكون ذلك ~~إلا في الجنة. # قرأ يعقوب (تقنت) بالتاء ومثله روي عن ابن عامر، وقوله { ~~وتعمل صالحا } ، قرأ الأعمش وحمزة والكسائي وخلف (ويعمل ~~صالحا يؤتها) بالياء فيهما. وقرأ غيرهم (وتعمل) بالتاء ~~(ونؤتها) بالنون. قال الفراء: (وإنما قرئ (يقنت) ~~بالياء لأن (من) أداة تقوم مقام الاسم، يعبر به عن ~~الواحد والاثنين والجمع والمؤنث والمذكر، ~~قال الله تعالى: # ومنهم من ينظر إليك # [يونس: 43] # ومنهم من يستمعون إليك # [يونس: 42]، { ومن يقنت منكن لله } ). ### || [33.32-33] # قوله تعالى: { ينسآء النبي لستن كأحد من ~~النسآء }؛ معناه: ليس قدركن عندي مثل قدر غيركن من ~~النساء الصالحات، أنتن أكرم علي، وأنا بكن أرحم وثوابكن ~~أعظم، { إن اتقيتن }؛ الله. وشرط عليهن التقوى بيانا ~~أن فضيلتهن إنما تكون بالتقوى لا باتصالهن بالنبي صلى ~~الله عليه وسلم. وقيل: معناه: ليست حالتكن كحالة النساء غيركن ~~في الطاعة والمعصية والثواب والعقاب إن كنتن متقيات عن المعاصي ms1679 ~~مطيعات لله تعالى. # قوله تعالى: { فلا تخضعن بالقول }؛ أي فلا تلن ~~القول للرجال على وجه يورث ذلك الطمع فيكن، فيطمع المنافقون في ~~مواقعتكن، فقوله تعالى: { فيطمع الذي في قلبه ~~مرض }؛ يعني زنى وفجور ونفاق. والمرأة مندوبة إذا خاطبت ~~الأجانب إلى الغلظة في المقالة؛ لأن ذلك أبعد من الطمع من ~~الزينة. # وإنما قال { لستن كأحد من النسآء } ولم يقل كواحدة؛ ~~لأن أحدا عام يصلح للواحد والاثنين والجمع والمذكر والمؤنث، قال ~~تعالى: # لا نفرق بين أحد من رسله # [البقرة: 285] وقال تعالى # فما منكم من أحد عنه حاجزين # [الحاقة: 47]. # قوله تعالى: { وقلن قولا معروفا }؛ أي قلن قولا ~~حسنا لا يؤدي إلى الزينة، وقيل: معناه: وقلن ما يوجبه ~~الدين والإسلام بغير خضوع فيه، بل بتصريح وبيان. قوله ~~تعالى: { وقرن في بيوتكن }؛ أي إلزمن بيوتكن ولا ~~تخرجن إلا في ضرورة. # قرأ نافع وعاصم (وقرن) بفتح القاف، وهو من قررت في المكان ~~أقر، وكان الأصل اقررن في بيوتكن، فحذفت الراء الأولى ~~التي هي عين الفعل لأجل نقل التضعيف، وألقيت حركتها على ~~القاف كقوله # فظلتم تفكهون # [الواقعة: 65] و # ظلت عليه عاكفا # [طه: 97]، والأصل ظللت وظللتم. وقرأ الباقون (وقرن) بكسر ~~القاف من الوقار؛ أي كن أهل سكينة ووقار، والأمر منه ~~للرجل قر، وللمرأة قري، ولجماعة النساء قرن، كما يقال من ~~الوعد: عدن، ومن الوصل: صلن. # وعن محمد بن سيرين قال: (قيل لسودة بنت زمعة: ألا ~~تحجين؛ ألا تعتمرين كما يفعل أخواتك؟ فقالت: ~~قد حججت واعتمرت، ثم أمرني الله أن أقر في ~~بيتي، فوالله لا أخرج منه حتى أموت. فوالله ما ~~أخرجت من باب بيتها حتى أخرجوا جنازتها رضي ~~الله عنها). # قوله تعالى: { ولا تبرجن تبرج الجاهلية ~~الأولى }؛ التبرج: التبختر وإظهار الزينة، وما ~~يستدعي به من شهوة الرجال وإبراز المحاسن للناس. والجاهلية ~~الأولى: هي ما بين عيسى عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم، ~~كانت المرأة من أهل ذلك الزمان تتخذ الدرع من اللؤلؤ ~~فتلبسه ثم تمشي وسط الطريق ليس عليها غيره، وتعرض نفسها ~~للرجال. وقال بعضهم: الجاهلية الأولى ms1680 ما بين آدم ونوح، كان ~~نساؤهم أقبح ما يكون من النساء، ورجالهم حسان، وكانت المرأة ~~تراود الرجل عن نفسه. فنهى الله تعالى هؤلاء عن فعل أهل ~~الجاهلية وأمرهن بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الله ~~ورسوله في باقي الآية. # قوله تعالى: { وأقمن الصلاة وآتين الزكاة ~~وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله }؛ أي إنما ~~أمركن الله بما أمركن من الطاعة ولزوم البيوت { ليذهب ~~عنكم الرجس أهل البيت } ، يعني رجس الذنوب والعيوب، ~~{ ويطهركم تطهيرا }. وقال ابن عباس: (عمل ~~الشيطان وما ليس فيه رضى). ومعنى الرجس: السوء وما ~~يوجب العقوبة. والمراد بأهل البيت ها هنا نساء النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأنهن في بيته. وقيل: أهل البيت كل من اتصل ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم من جهة نسب علي أو نسب على العموم. وعن ~~أبي سعيد الخدري: (أن الآية نزلت في علي وفاطمة ~~والحسن والحسين رضي الله عنهم أجمعين). # وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: لما نزلت ~~هذه الآية، # " دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة ~~والحسن والحسين، فجمعهم وأتى بقطيفة ~~خيبرية فلفها عليهم ثم ألوى بيده إلى ~~السماء، فقال: " اللهم هؤلاء أهلي أذهب عنهم ~~الرجس وطهرهم تطهيرا " فقالت أم سلمة: ~~أولست من أهلك؟ قال: " نعم " فدخلت الكساء ~~بعدما دعا وانقضى دعاؤه ". # وعن عكرمة رضي الله عنه أنه قال: (نزلت هذه الآية في ~~أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة، وليس هو الذي ~~تذهبون إليه)، وكان عكرمة ينادي بهذا في السوق، واحتج ~~بقوله في الخطاب # واذكرن ما يتلى في بيوتكن # [الأحزاب: 34] وكلا الخطابين لأزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم، يعني الخطاب الأول { وقرن في بيوتكن } ، وهذا الخطاب ~~الثاني. وإنه ذكر الخطاب في قوله { عنكم } و { ويطهركم ~~} لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان فيهن فغلب المذكر. ### || [33.34] # قوله تعالى: { واذكرن ما يتلى في بيوتكن ~~من آيات الله والحكمة }؛ أي واحفظن ما يقرأ عليكن ~~في بيوتكن من القرآن والمواعظ. وهذا حث لهن على حفظ ~~القرآن والأخبار ومذاكرتهن بهما للإحاطة بحدود الشريعة. ~~وقوله ms1681 تعالى: { إن الله كان لطيفا خبيرا }؛ أي ~~لطيفا بأوليائه، خبيرا بجميع خلقه وبجميع مصالحهم. ### || [33.35] # قوله تعالى: { إن المسلمين والمسلمات ~~والمؤمنين والمؤمنات }؛ الآية، قال قتادة: (لما ذكر ~~الله أزواج النبي صلى الله عليه وسلم دخل نساء من ~~المسلمات عليهن؛ فقلن: ذكرتن ولم نذكر! ~~فأنزل الله هذه الآية). # وقال مقاتل: # " لما رجعت أسماء بنت عميس من الحبشة مع ~~زوجها جعفر بن أبي طالب، دخلت على نساء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم؛ فقالت: هل نزل فينا شيء من ~~القرآن؟ قلن: لا. فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالت: يا رسول الله إن النساء لفي خيبة ~~وخسارة! قال: " ومم ذلك؟ " قالت: لأنهن لا ~~يذكرن بخير كما يذكر الرجال. فأنزل الله هذه ~~الآية ". # وقال مقاتل: (قالت أم سلمة بنت أبي أمية ونسيبة ~~بنت كعب الأنصارية للنبي صلى الله عليه وسلم: ما بال ~~ربنا يذكر الرجال ولا يذكر النساء في شيء من ~~كتابه، فعسى أن لا يكون فيهن خير، ولا لله ~~فيهن حاجة. فأنزل الله هذه الآية). # وقيل: إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم قلن: (يا رسول ~~الله! ذكر الله عز وجل الرجال في القرآن، ولم ~~يذكر النساء بخير، فما فينا خير نذكر به، إنا ~~نخاف أن لا يتقبل منا طاعة). فأنزل الله هذه الآية. # واعلم: أن الرجال والنساء يجازون بأعمالهم الصالحة مغفرة ~~لذنوبهم وأجرا عظيما. # ومعنى الآية: { إن المسلمين والمسلمات } يعني ~~المخلصين بالتوحيد والمخلصات { والمؤمنين ~~والمؤمنات } أي المصدقين بالتوحيد والمصدقات. ~~والإسلام في اللغة: هو الانقياد والاستسلام. والإيمان في ~~اللغة: هو التصديق، غير أن معنى الإسلام والإيمان في هذه الآية ~~واحد. # قوله تعالى: { والقانتين والقانتات }؛ أي ~~المطيعين لله في أوامره ونواهيه والمطيعات. والقانت: هو ~~المواظب على الطاعة، والقنوت: طول القيام في الصلوات. ~~وقوله تعالى: { والصادقين والصادقات }؛ يعني ~~الصادقين في إيمانهم والصادقات. وقوله تعالى: { ~~والصابرين والصابرات }؛ الصابر: هو الذي يحبس نفسه ~~عن جميع ما يجب الصبر عنه، ويصبر على جميع ما يجب الصبر عليه. # وقوله تعالى: { والخاشعين والخاشعات ~~والمتصدقين والمتصدقات }؛ يعني بالمتصدقين ~~الذين ms1682 يؤدون ما عليهم من الصدقة المفروضة. ويقال: أراد به ~~جميع الصدقات. وأما الخاشع: فهو المتواضع لله تعالى ~~وللناس. # وقوله تعالى: { والصائمين والصائمات }؛ يعني ~~الصائمين صوم الفرض بنية صادقة، ولكن فطرهم على حلال. ~~قال ابن عباس: (من صام شهر رمضان وثلاثة أيام ~~من كل شهر الغر البيض، كان من أهل هذه الآية، ~~ويؤتون يوم القيامة بمائدة من الجنة، ~~يأكلون منها والناس في شدة، ويظلهم الله تحت ~~ظل عرشه والناس في شدة، وينفح من أفواههم ~~ريح المسك). # وقوله تعالى: { والحافظين فروجهم والحافظات }؛ أي ~~عما لا يحل، وقوله تعالى: { والذاكرين الله ~~كثيرا والذاكرات }؛ قيل: أراد به الذكر في الصلوات ~~الخمس. وقيل: أراد به الذكر باللسان والقلب في جميع ~~الأحوال. قال ابن عباس: (يريد في أدبار الصلوات غدوا ~~وعشيا وفي المضاجع، وكلما استيقظ من نومه، ~~وكلما غدا وراح من منزله ذكر الله). وقال مجاهد: ~~(لا يكون الرجل من الذاكرين كثيرا حتى يذكر ~~الله قائما وقاعدا ومضطجعا). وعن أبي هريرة؛ قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من استيقظ من الليل وأيقظ امرأته فصليا ~~ركعتين ركعتين، كتبا من الذاكرين الله كثيرا ~~والذاكرات " # وقوله تعالى: { أعد الله لهم مغفرة وأجرا ~~عظيما }؛ وهو الجنة. ### || [33.36] # قوله تعالى: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا ~~قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من ~~أمرهم }؛ نزلت هذه الآية في عبدالله بن جحش وأخته زينب، ~~وكانت أمهما أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي صلى الله ~~عليه وسلم، # " خطب النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش لزيد ~~ابن حارثة مولاه، فكره أخوها عبدالله أن ~~يزوجها من زيد، وكان زيد عربيا في ~~الجاهلية مولاه في الإسلام، كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أصابه من سبي الجاهلية فأعتقه ~~وتبناه. # فقالت زينب: لا أرضاه لنفسي، ثم قالت: يا ~~رسول الله! أنا أتم نساء قريش من ابنة عمك، ~~فلم أكن لأفعل ولا أرضاه يا رسول الله، وقال ~~أخوها عبدالله كذلك أيضا، وكانت زينب بيضاء ~~جميلة، وكان فيها حدة، فقال صلى الله عليه ms1683 وسلم: " ~~لقد رضيته لك " فأنزل الله هذه الآية ". # { وما كان لمؤمن } أي ما ينبغي لمؤمن { ولا مؤمنة ~~} يعني عبدالله بن جحش وأخته زينب إذا اختار الله تعالى ورسوله ~~أمرا { أن يكون لهم الخيرة } بخلاف ما اختار الله ~~ورسوله. # قرأ أهل الكوفة (أن يكون لهم الخيرة) بالياء للحائل بين ~~التأنيث والفعل، وقرأ الباقون بالتاء. وقوله تعالى { ~~الخيرة } قراءة العامة بفتح الياء؛ أي الاختيار، وقرأ ابن ~~السميقع (الخيرة) بسكون الياء, وهما لغتان. وإنما ~~جمع الضمير في قوله { لهم الخيرة } لأن المراد بقوله { ~~لمؤمن ولا مؤمنة } كل مؤمن ومؤمنة في الدنيا. # قوله تعالى: { ومن يعص الله ورسوله }؛ أي فيما ~~أمرته، { فقد ضل ضلالا مبينا }؛ أي فقد أخطأ خطأ، ~~وذهب عن الحق والصواب ذهابا بينا. # فلما نزلت الآية قالت: قد رضيت يا رسول الله. وكذلك ~~رضي أخوها، فجعلت أمرها إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم من زيد ~~وساق إليهما عليه السلام عشرة مثاقيل وستين ~~درهما؛ وخمارا وملحفة ودرعا وإزارا؛ وخمسين ~~مدا من طعام وثلاثين صاعا من تمر. ### || [33.37] # قوله تعالى: { وإذ تقول للذي أنعم الله ~~عليه }؛ أي واذكر يا محمد قولك { للذي أنعم ~~الله عليه } بالإسلام وغيره، { وأنعمت عليه }؛ ~~بالإعتاق؛ وهو زيد ابن حارثة؛ وقع بينه وبين امرأته ~~زينب تشاجر، فجاء زيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~يشكوها بما كانت تستطيل عليه بشرفها. # فقال صلى الله عليه وسلم لزيد على سبيل الأمر ~~بالمعروف: { أمسك عليك زوجك }؛ امرأتك ولا ~~تطلقها، { واتق الله }؛ فيها ولا تفعل في أمرها ما ~~تأثم به. قوله تعالى: { وتخفي في نفسك ما الله ~~مبديه }؛ خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أضمر في نفسه أنه إن طلقها زيد، ~~تزوجها هو وضمها إلى نفسه صلة لرحمها ~~وشفقة عليها، فعاتبه الله على ذلك وإخفائه؛ لكي لا يكون ~~ظاهر الأنبياء عليهم السلام إلا كباطنهم. # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أنهما لا يتفقان لكثرة ما ~~كان يجري بينهما ms1684 من الخصومة، فجعل يخفيه عن زيد، وكان الأولى ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم أن يدعوهما إلى الخلع فلم يفعل، ~~وقال له: { أمسك عليك زوجك } خشية أنه لو خالعها ثم ~~تزوجها النبي عليه السلام أن يطعن الناس عليه فيقال: تزوج ~~بحليلة ابنه بعد ما بين للناس أن حليلة الابن حرام على الأب، ~~فهذا معنى قوله تعالى: { وتخشى الناس }؛ أي تخاف ~~لائمتهم أن يقولوا: أمر رجلا بطلاق امرأته ثم ~~نكحها. قال ابن عباس في هذه الآية: (أراد بالناس ~~اليهود، خشي أن يقول اليهود: تزوج محمد ~~امرأة ابنه). وقوله تعالى: { والله أحق أن ~~تخشاه }؛ أي هو أولى بأن تخشاه في كل الأحوال. # وعن علي بن الحسن: أن سئل عن هذه الآية فقال: (كان ~~الله تعالى قد أعلم نبيه عليه السلام أن زينب ~~ستكون من أزواجه، وأن زيدا سيطلقها، فعلى هذا ~~يكون النبي عليه السلام معاتبا على قوله: { أمسك عليك ~~زوجك } مع علمه بأنها ستكون زوجته، وكتمانه ~~ما أخبره الله به، وإنما كتم النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأنه استحيا أن يقول لزيد: إن زوجتك ستكون ~~امرأتي). # وقيل: # " إن زيد بن حارثة لما أراد فراقها، جاء إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله؛ إني ~~أريد أن أفارق صاحبتي، فقال: " ما لك؟ أرابك منها ~~شيء؟ " قال: لا والله يا رسول الله، ما رأيت منها ~~إلا خيرا، ولكنها تتعظم علي لشرفها ~~وتؤذيني بلسانها، فقال صلى الله عليه وسلم: " أمسك ~~عليك زوجك واتق الله ". # ثم إن زيدا طلقها، فلما انقضت عدتها قال ~~صلى الله عليه وسلم لزيد: " ما أجد في نفسي أحدا أوثق ~~منك، إذهب إلى زينب فاخطبها لي " قال زيد: ~~فذهبت فإذا هي تخمر عجينها، فلما رأيتها ~~عظمت في صدري، حتى لم أستطع أن أنظر إليها حين ~~علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرها، ~~فوليتها ظهري وقلت: يا زينب أبشري؛ إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يخطبك؛ ففرحت بذلك، ونزل ~~القرآن { زوجناكها } فتزوجها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ms1685 فدخل بها، وما أولم على امرأة من نسائه ~~ما أولم عليها، أطعم الناس الخبز واللحم حتى ~~امتد النهار ". # قوله تعالى: { فلما قضى زيد منها وطرا ~~زوجناكها }؛ قضاء الوطر في اللغة: بلوغ منتهى ما ~~في النفس من الشيء، يقال: قضى وطرا منها؛ إذا بلغ ما ~~أراد من حاجته فيها، ثم صار عبارة عن الطلاق؛ لأن الرجل ~~إنما يطلق امرأته إذا لم يبق له فيها حاجة. # وعن أنس رضي الله عنه أنه قال: (لما انقضت عدة ~~زينب بنت جحش خطبها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ونزل قوله تعالى { زوجناكها } فجاء رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم حتى دخل عليها بغير إذن لقوله ~~تعالى { زوجناكها }. وكانت زينب تفاخر نساء ~~النبي صلى لله عليه وسلم وتقول: زوجكن أهلوكن، ~~وزوجني الله عز وجل). # ومعنى الآية: { فلما قضى زيد منها وطرا } وطلقها ~~{ زوجناكها }. وقوله تعالى: { لكي لا يكون على ~~المؤمنين حرج في أزواج أدعيآئهم إذا قضوا ~~منهن وطرا }؛ أي زوجناك زينب لكيلا يظن أن امرأة ~~المتبنى لا تحل. والأدعياء: جمع دعي؛ وهو الذي يدعى ~~ابنا من غير ولادة. # قال الحسن: (كانت العرب تظن أن حرمة المتبنى ~~كحرمة الابن، فبين الله " أن نساء " الأدعياء غير ~~محرمة على المتبنى وإن أصابوهن، وهو قوله { ~~إذا قضوا منهن وطرا } بخلاف ابن الصلب، فإن ~~امرأته تحرم بنفس العقد). # وقوله تعالى: { وكان أمر الله مفعولا }؛ معناه: ~~وكان تزويج النبي صلى الله عليه وسلم لزينب قضاء كائنا مكتوبا في ~~اللوح المحفوظ. ### || [33.38] # قوله تعالى: { ما كان على النبي من حرج فيما ~~فرض الله له سنة الله } أي ما كان عليه من ضيق وإثم ~~فيما شرعه الله تعالى وأحله له كسنة الله، { في ~~الذين خلوا من قبل } ، أي سائر الأنبياء الماضين في ~~التوسعة عليهم في النكاح، فقوله: { سنة الله } منصوب ~~بنزع الخافض، وقوله تعالى: { وكان أمر الله قدرا ~~مقدورا }؛ أي قضاء مقضيا، أخبر الله تعالى أن أمر زينب ~~كان من حكم الله وقدره. ### || [33.39] # قوله تعالى: { الذين يبلغون رسالات الله ~~ويخشونه }؛ موضع { الذين ms1686 } الخفض؛ لأنه نعت الأنبياء ~~عليهم السلام الذين خلوا من قبل، كانوا يبلغون ~~الرسالة، { ولا يخشون أحدا إلا الله }؛ ويخشون الله ~~ولا يخشون أحدا سواه، أي لا يخشون مقالة الناس، { وكفى ~~بالله حسيبا }؛ أي مجازيا لمن يخشاه، وقيل: حفيظا ~~لأعمال العباد، مجازيا لهم. ### || [33.40] # قوله تعالى: { ما كان محمد أبآ أحد من ~~رجالكم }؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ~~تزوج زينب، قال الناس: إن محمدا تزوج امرأة ~~ابنه! فأنزل الله تعالى { ما كان محمد أبآ أحد ~~من رجالكم } ، يعني أنه ليس بأبي زيد حتى تحرم عليه ~~زوجته، { ولكن رسول الله وخاتم النبيين }؛ ~~فعظموه وأقروا به. # قرأ الحسن وعاصم (وخاتم النبيين) بفتح التاء؛ أي آخر ~~النبيين، وقرأ الباقون بكسر التاء على الفاعل؛ أي إنه ختم ~~النبيين بالنبوة، { وكان الله بكل شيء عليما }؛ أي ~~لم يزل عالما بكل شيء من أقوالكم وأفعالكم. ### || [33.41-42] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا اذكروا الله ~~ذكرا كثيرا * وسبحوه بكرة وأصيلا }؛ اختلفوا في ~~المراد بالذكر الكثير في هذه الآية. قال الكلبي: (المراد به ~~الصلوات الخمس، وهي تتضمن أذكارا كثيرة، ~~وأراد بالتسبيح التنزيه في الصلاة). وقال مجاهد: ~~(هو أن لا ينساه أبدا). وقال مقاتل: (هو التسبيح ~~والتحميد والتهليل والتكبير على كل حال، ~~وهو أن يقول: سبحان الله؛ والحمد لله؛ ولا إله ~~إلا الله؛ والله أكبر. وهذه الكلمات يتكلم بهن ~~صاحب الجنابة والغائط والحدث). # قال صلى الله عليه وسلم: # " يقول الله تعالى: أنا مع عبدي ما ذكرني ~~وتحركت بي شفاهه ". # قوله تعالى: { وسبحوه بكرة وأصيلا } بالغداة ~~والعشي، قال الكلبي: (أما بكرة فصلاة الفجر، وأما ~~أصيلا فصلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء). ~~وقال بعضهم: أراد بذلك صلاة الصبح وصلاة العصر على قول قتادة، ~~وصلاة المغرب على قول غيره. وخص طرفي النهار بالذكر؛ لأنه ~~يجتمع عندهما ملائكة الليل والنهار، فيقولون: أتيناهم وهم ~~يصلون، وتركناهم وهم يصلون. وقيل: خص التسبيح ~~بطرفي النهار؛ لأن صحيفة العبد إذا كان في أولها وآخرها ذكر ~~وتسبيح يرجى أن يغفر له ما بين طرفي الصحيفة. # وعن رسول ms1687 الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما جلس قوم قط يذكرون الله تعالى، إلا نادى ~~منادي السماء: أن قوموا فقد غفرت لكم ذنوبكم، ~~وبدلت سيئاتكم حسنات " # وقيل: معنى قوله { اذكروا الله ذكرا كثيرا } أي ~~بالليل والنهار، وفي البر والبحر، والسفر والحضر، والغنى ~~والفقر، والصحة والسقم، والسر والعلانية، وعلى كل حال. وقال ~~مجاهد: (الكثير هو الذي لا يتناهى أبدا). ### || [33.43] # قوله تعالى: { هو الذي يصلي عليكم وملائكته ~~}؛ أي يرحمكم ويغفر لكم، وقوله { وملائكته } أي يدعون ~~لكم. وقيل: يأمر الملائكة بالاستغفار لكم. والصلاة من الله ~~الرحمة بالثواب، ومن المؤمنين الدعاء، ومن الملائكة الاستغفار ~~للمؤمنين. # وقوله تعالى: { ليخرجكم من الظلمات }؛ أي من ~~ظلمات المعاصي والجهل { إلى النور }؛ العلم والطاعة، ~~وقيل: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان. وقوله تعالى: { ~~وكان بالمؤمنين رحيما }؛ أي لم يزل رحيما بهم إذ ~~رضي عنهم وأمر الملائكة بالاستغفار لهم. ### || [33.44] # قوله تعالى: { تحيتهم يوم يلقونه سلام }؛ أي ~~تحية المؤمنين من الله تعالى { يوم يلقونه } أن يسلم ~~عليهم، يقول لهم الملائكة بأمر الله. السلام عليكم؛ ~~مرحبا بعبادي المؤمنين الذين أرضوني في دار ~~الدنيا باتباع أمري. ونظير هذا قوله تعالى: # وقال لهم خزنتها سلام عليكم # [الزمر: 73]. وقوله تعالى: { وأعد لهم أجرا كريما ~~}؛ أي رزقا حسنا في الجنة، وقيل: الأجر الكريم هو الذي ~~يكون عظيم القدر. ### || [33.45-47] # قوله تعالى: { يأيها النبي إنآ أرسلنك ~~شهدا }؛ على أمتك وعلى جميع الأمم بتبليغ الرسالة، { ~~ومبشرا }؛ للخلق بالجنة والثواب لمن أطاع الله ~~وصدقك، { ونذيرا }؛ أي ومخوفا بالنار والعقاب لمن عصى ~~الله تعالى وكذبك. وقوله تعالى: { وداعيا إلى الله ~~بإذنه }؛ أي وأرسلناك للناس راعيا للخلق إلى دين الله ~~تعالى بأمره، يعني إنه أمرك بهذا. وقوله تعالى: { ~~وسراجا منيرا }؛ أي وأرسلناك سراجا مضيئا لمن تبعك ~~واهتدى بك، كالسراج في الظلمة يستضاء به. # وإنما سمي النبي عليه السلام سراجا؛ لأنه بعث والأرض في ~~ظلمة الشرك، فكان حين بعث كالسراج في الظلمة. وقوله ~~تعالى: { وبشر المؤمنين بأن لهم من الله ~~فضلا كبيرا }؛ أراد بالفضل الكبير مغفرة الله لهم، وما ms1688 ~~أعد لهم في الجنة. ### || [33.48] # قوله تعالى: { ولا تطع الكافرين والمنافقين }؛ ~~فيما يطلبونه منك، فقد ذكرنا تفسيره في أول السورة. وقوله ~~تعالى: { ودع أذاهم } أي اصبر على أذاهم واحتمل منهم، ~~ولا تشتغل بمجازاتهم إلى أن تؤمر فيهم بأمر، وهذا منسوخ ~~بآية السيف. وقوله تعالى: { وتوكل على الله }؛ أي ~~فوض أمورك إليه. فإنه سيكفيك أمرهم إذا توكلت ~~عليه؛ أي توكل عليه في كفاية شرهم وأذاهم، { وكفى ~~بالله وكيلا }؛ إذا وكلت أمرك إليه. ### || [33.49] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا نكحتم ~~المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن }؛ ~~أي إذا تزوجتموهن من قبل أن تجامعوهن، { فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها } ، تستوفونها ~~بالعدد لا بالحيض ولا بالشهور. والاعتداد هو استيفاء ~~العدد، أسقط الله العدة من المطلقة قبل الدخول ~~لبراءة رحمها، فلو شاءت تزوجت من يومها. # قوله تعالى: { فمتعوهن وسرحوهن سراحا ~~جميلا }؛ أي أعطوهن متعة الطلاق، وهذا على سبيل الوجوب ~~فيمن يدخل بها ولم يسم لها مهرا، وعلى الندب في من سمى ~~لها مهرا ثم طلقها قبل الدخول. # وقال سعيد بن المسيب: (نسخ حكم هذه الآية بقوله في ~~سورة البقرة # فنصف ما فرضتم # [البقرة: 237]). وقال الحسن: (المتعة واجبة لكل ~~مطلقة ومختلعة وملتعنة، ولكن لا يجير ~~عليها الزوج). # وقوله تعالى: { وسرحوهن } أراد له التسريح عن ~~المنزل لا عن النكاح؛ لأن حق الحبس لا يثبت إلا بأحد الأمرين: ~~إما النكاح؛ وإما العدة، وقد عد ما جميع في هذا الموضع بعدد ~~الطلاق المذكور. # والسراح الجميل: هو الذي لا يكون فيه جفوة ولا أذى ولا منع ~~حق. قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله { ~~فمتعوهن }: (أي أعطوهن المتعة، قال: وهذا إذا ~~لم يكن سمى لها صداقا، فأما إذا فرض لها صداقا ~~فلها نصف). ### || [33.50] # قوله تعالى: { يأيها النبي إنآ أحللنا لك ~~أزواجك اللاتي آتيت أجورهن } أي أبحنا لك نساءك ~~اللاتي تزوجتهن بمهور مسماة، وأعطيت مهورهن، ~~وسمى المهر أجرا لأنه يجب بدلا عن منافع البضع، كما أن ~~الأجر يجب بدلا عن منافع الدار والعبد. # قوله تعالى: { وما ms1689 ملكت يمينك }؛ أي وأبحنا لك ما ~~ملكت يمينك؛ يعني الجواري التي يملكها. وقوله تعالى: { ~~ممآ أفآء الله عليك }؛ أي مما أعطاك الله من الغنيمة ~~جويرية بنت الحارث، وصفية بنت حيي بن أخطب. ويدخل ~~في هذه اللفظة الشراء والتزوج، كما روي في صفية # " أنه عليه السلام أعتقها ثم تزوجها، وجعل ~~عتقها صداقها ". # قوله تعالى: { وبنات عمك وبنات عماتك }؛ أراد ~~به إباحة تزويج بنات عمه وبنات عماته من بني عبد المطلب، { ~~وبنات خالك وبنات خالاتك } ، وبنات خاله وبنات خالاته؛ ~~يعني نساء بني زهرة من بني عبد مناف. وقوله تعالى: { ~~اللاتي هاجرن معك }؛ أي هاجرن معك من مكة إلى المدينة، ~~وهذا إنما كان قبل تحليل غير المهاجرات، ثم نسخ شرط ~~الهجرة في التحليل. # قوله تعالى: { وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها ~~للنبي }؛ بلا مهر إن أراد النبي أن يتزوجها، ومن قرأ ~~(وهبت) بالفتح، فمعناه: أحللناها أن وهبت، وهي قراءة الحسن، ~~فالفتح على الماضي والكسر على الاستئناف، وقوله تعالى: { إن ~~أراد النبي أن يستنكحها }؛ أي إن أراد النبي أن ~~يتزوجها فله ذلك. وقوله تعالى: { خالصة لك }؛ أي ~~خاصة لك، { من دون المؤمنين }؛ فليس لامرأة أن تهب ~~نفسها لرجل بغير شهود ولا ولي ولا مهر إلا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم، وهذا من خصائصه في النكاح، كالتخيير والعدد في ~~النساء. # ولو تزوجها بلفظ الهبة وقبلها بشهود ومهر انعقد النكاح ~~ولزم المهر، وهذا مذهب أبي حنيفة، وقال الشافعي ومالك: (لا ~~ينعقد النكاح بلفظ الهبة إلا للنبي صلى الله عليه ~~وسلم خاصة؛ لأنه تعالى قال { إن وهبت نفسها ~~للنبي } ولم يقل لك، لأنه لو قال: إن وهبت ~~نفسها لك، كان يجوز أن يتوهم أنه يجوز ذلك ~~لغيره عليه السلام كما جاز في قوله تعالى: { وبنات ~~عمك وبنات عماتك } ، لأنه قال تعالى { خالصة ~~لك من دون المؤمنين }. # وحجة أبي حنيفة وأصحابه: أن إضافة الهبة إلى المرأة دليلا ~~أن النبي لم يكن مخصوصا بالنكاح بلفظة الهبة، وإنما كانت ~~خصوصية في جواز النكاح بغير بدل، ولو لم يكن بلفظ الهبة ~~نكاحا ms1690 لما قال تعالى { إن أراد النبي أن ~~يستنكحها } ، فلما جعل الله الهبة جوابا للاستنكاح، ~~علم أن لفظ الهبة نكاح. # وقوله { خالصة } نعت مصدر؛ تقديره: إن وهبت نفسها هبة ~~خالصة لك بغير عوض، أحللنا لك ذلك من دون المؤمنين، فأما ~~المؤمنون إذا قبلوا هذه الهبة على وجه النكاح لزمهم المهر. # ويقال: إن الخالصة نعت للمرأة؛ أي جعلناها خالصة لك فلا تحل ~~لغيرك من بعدك. # وقد اختلفوا في هذه المرأة التي وهبت نفسها للنبي من هي؟ ~~فقال قتادة: (هي ميمونة بنت الحارث). وقال الشافعي: ~~(زينب بنت خزيمة، امرأة من الأنصار، وكانت ~~تسمى أم المساكين). وقال الضحاك ومقاتل: (هي أم ~~شريك بن جابر من بني أسد). وقال عروة بن الزبير: (هي ~~خولة بنت حكيم بن الأوقص من بني سليم). # قوله تعالى: { قد علمنا ما فرضنا عليهم في ~~أزواجهم } ، أي قد علمنا المصلحة للمؤمنين في أن لا يتزوجوا ~~أكثر من الأربع، ولا يتزوجوا بغير مهر ولا ولي ولا شهود. والمعنى: ~~أوجبنا عليهم أن لا يتزوجوا أكثر من أربع بمهر وولي وشهود. وقوله تعالى: ~~{ وما ملكت أيمانهم } ، أي وقد علمنا ما فرضنا عليهم فيما ~~ملكت أيمانهم حتى لا يجوز لهم التزويج بالمعتقة من غير مهر، وحتى لا ~~يباح لهم بملك اليمين كما أبيح للنبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان ~~له الصفي من الغنيمة ولم يكن لغيره. وقيل: معناه وما ملكت أيمانهم ممن ~~يجوز سبيه وحربه، فأما ما كان له عهد فلا. # قوله تعالى: { لكيلا يكون عليك حرج } ، أي ضيق ~~في أمر النكاح ومنع من شيء تريده، وهذا فيه تقديم؛ تقديره: خالصة ~~لك من دون المؤمنين لكيلا يكون عليك حرج، أي أحللنا لك ما ذكرنا؛ ~~ليرتفع عنك الحرج والضيق. قوله تعالى: { وكان الله ~~غفورا } ، أي غفورا للنبي صلى الله عليه وسلم في التزويج بغير مهر، ~~{ رحيما } ، به في تحليل ذلك له. وقيل: غفور لمن يستحق المغفرة، ~~رحيم بالعباد فيما يتصل بالدين والدنيا. ### || [33.51] # قوله تعالى: { ترجي من تشآء منهن وتؤوي ~~إليك من تشآء } ، معناه: تؤخر ms1691 من تشاء من فراشك من نسائك، ~~وتضم إلى فراشك من تشاء منهن من غير حرج عليك. وهذا من خصائص ~~النبي صلى الله عليه وسلم تفضيلا له، أبيح له أن يجعل لمن أحب ~~منهن يوما أو أكثر، ويعطل من شاء منهن فلا يأتيها. وكان القسم ~~واجبا على النبي صلى الله عليه وسلم والتسوية بينهن، فلما " نزلت " ~~هذه الآية سقط الوجوب، وصار الاختيار إليه فيهن. قال منصور عن أبي ~~رزين: (وكان ممن آوى عائشة وأم سلمة وزينب ~~وحفصة رضي الله عنهن، وكان يسوي بينهن في ~~القسم، وكان ممن أرجى سودة وجويرية وصفية ~~وأم حبيبة وميمونة، وكان يقسم لهن ما شاء، ~~وكان قد أراد أن يفارقهن، فقلن له: اقسم لنا ~~ما شئت من نفسك، ودعنا على حالنا). # قوله تعالى: { ومن ابتغيت ممن عزلت فلا ~~جناح عليك } ، معناه: إن أردت أن تؤوي إليك امرأة ممن ~~عزلتهن من القسمة وتضمها إليه، فلا عتب عليك ولا لوم. # وقوله تعالى: { ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا ~~يحزن ويرضين بمآ آتيتهن كلهن } ، أي ذلك ~~التخيير الذي خيرتك في صحبتهن أدنى إلى رضاهن إذا كان ذلك ~~منزلا من الله عليك، ويرضيهن كلهن بما أعطيتهن من تقريب ~~وإرجاء وإيواء. قال قتادة: (إذا علمن أن هذا جاء من الله ~~لرخصة، كان أطيب لأنفسهن وأقل لحزنهن). # قوله تعالى: { والله يعلم ما في قلوبكم } ، والله ~~يعلم ما في قلوبكم من أمر النساء والميل إلى بعضهن، ويعلم ما في ~~قلوبكم من الرضا والسخط وغير ذلك، { وكان الله عليما } ، ~~بمصالح العباد، { حليما } ، على جهلهم ولا يعاقبهم بكل ذنب. ### || [33.52] # قوله تعالى: { لا يحل لك النسآء من بعد } ، قال ~~قتادة: (وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خير ~~نساءه فاخترن الله ورسوله، شكر الله لهن ~~فقصره الله عليهن وحرم عليه سواهن). وكن ~~يؤمئذ تسعا: عائشة، وحفصة، وزينب، وأم سلمة، وأم حبيبة، ~~وصفية، وميمونة، وجويرية، وسودة. # ومعنى الآية: لا يحل لك من النساء سوى هؤلاء اللاتي اخترنك، { ~~ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك ~~حسنهن ms1692 } ، وليس لك أن تطلق واحدة منهن وتزوج بدلها. ~~وقوله: { إلا ما ملكت يمينك } ، يعني مارية القبطية ~~وغيرها من السبايا. وقوله تعالى: { وكان الله على كل ~~شيء رقيبا } ، أي حفيظا. وعن عائشة رضي الله عنها أنها ~~قالت: [ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى حلت له ~~النساء]. ### || [33.53] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا ~~بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ~~ناظرين إناه } ، نزلت هذه الآية في شأن وليمة زينب، قال ~~أنس ابن مالك: # " لما بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم بزينب بنت ~~جحش، أولم عليها بتمر وسويق وذبح شاة، وبعثت ~~إليه أمي أم سليم بحيس في تور من حجارة، ~~فأمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أدعو أصحابه ~~إلى الطعام فدعوتهم، فجعل القوم يدخلون ~~فيأكلون ويخرجون، ثم يجيء قوم آخرون ~~فيأكلون ويخرجون، فوضع النبي صلى الله عليه وسلم ~~يده على الطعام ودعا فيه، فأكلوا حتى شبعوا ~~وخرجوا، وبقيت طائفة منهم لم يخرجوا. # فقال صلى الله عليه وسلم: " ارفعوا طعامكم " فرفعوا ~~وخرج النبي صلى الله عليه وسلم وبقي أولئك القوم ~~يتحدثون في البيت فأطالوا المكث. وإنما خرج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لكي يخرجوا، فمشى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى جميع بيوت أزواجه، ثم رجع ~~فإذا القوم جلوس يتحدثون في بيته، وكان النبي ~~صلى الله عليه وسلم شديد الحياء، فأنزل الله هذه الآية ~~". # قال أنس: # " فلما نزلت آية الحجاب جئت لأدخل كما كنت، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: " وراءك يا أنس " ". # ومعنى الآية: { لا تدخلوا بيوت النبي } صلى الله عليه ~~وسلم { إلا أن يؤذن لكم } أي إلا أن يدعوا إلى الضيافة أو ~~يؤذن لكم في الدخول، من غير أن يجتنبوا وقت الطعام فيستأذنوا في ذلك ~~الوقت، ثم تقعدوا انتظارا لبلوغ الطعام ونضجه. # ومعنى: { غير ناظرين } أي منتظرين نضجه وإدراكه، يقال أنى ~~يأني إناه، إذا حان وأدرك، وكانوا يدخلون بيته فيجلسون منتظرين ~~إدراك الطعام، فنهوا عن ذلك. # قوله تعالى: { ولكن إذا دعيتم ms1693 فادخلوا فإذا ~~طعمتم فانتشروا } ، أي فتفرقوا، { ولا مستأنسين ~~لحديث } ، ولا تجلسوا مستأنسين لحديث بعد أن تأكلوا، { إن ~~ذلكم } ، إن طول مقامكم بعد في منزل النبي عليه السلام، { ~~كان يؤذي النبي } ، صلى الله عليه وسلم، { فيستحيي ~~منكم } ، أن يأمركم بالخروج، { والله } ، عز وجل، { لا ~~يستحيي من الحق } ، أي لا يمنعه عن بيان ما هو الحق ~~استحياء منكم، وإن كان رسوله يفعل ذلك. # قوله تعالى: { وإذا سألتموهن متاعا ~~فاسألوهن من ورآء حجاب } ، أي إذا سألتم أزواج النبي ~~صلى الله عليه وسلم من متاع البيت، فخاطبوهم من وراء الباب والستر، ~~قال مقاتل: (أمر الله المؤمنين أن لا يكلموا نساء ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلا من وراء حجاب). وعن أنس رضي ~~الله عنه قال: قال عمر: (يا رسول الله إنه يدخل عليك ~~البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين ~~بالحجاب، فنزلت آية الحجاب). # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان عمر يقول: يا ~~رسول الله احجب نساءك، فلم يفعل حتى نزلت ~~هذه الآية). وعن عامر رضي الله عنه قال: (مر عمر رضي الله ~~عنه على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فقال لهن: ~~احتجبن؛ فإن لكن على النساء فضلا كما أن ~~لزوجكن على الرجال فضلا. فلم يلبثوا إلا ~~يسيرا حتى نزلت آية الحجاب). # وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (أمر عمر بن الخطاب ~~نساء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: الحجاب، فقالت ~~زينب: يا ابن الخطاب إنك لتغار علينا والوحي ~~ينزل في بيوتنا؟!). وقال أنس: # " كنت أدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بغير ~~إذن، فجئت يوما لأدخل فقال: " مكانك يا بني، ~~قد حدث بعد أن لا يدخل علينا إلا بإذن " ". # وعن اسماعيل بن أبي حكيم في قوله تعالى: { فإذا طعمتم ~~فانتشروا ولا مستأنسين لحديث } قال: (هذا أدب ~~أدب الله به الثقلاء). وقالت عائشة رضي الله عنها: ~~(حسبك من الثقلاء أن الله لم يحتملهم فقال: { فإذا طعمتم ~~فانتشروا }. # قوله تعالى: { ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن } ~~، أي سؤالكم إياهن المتاع من وراء حجاب أطهر ms1694 لقلوبكم وقلوبهن من ~~الريبة. وهذا الحكم في الحجاب وإن نزل في أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فالمعنى عام فيه وفي غيره، ونحن مأمورون باتباعه والاقتداء به، ~~إلا فيما خصه الله به دون أمته. # قوله تعالى: { وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ~~} ، أي ليس لكم أن تؤذوه بالدخول في منزله بغير إذنه، ولا بالحديث مع ~~أزواجه ولا بشيء من الأشياء، ولا يحل لكم ذلك. # قوله تعالى: { ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده ~~أبدا } ، نزل في طلحة بن عبيد الله، قال: (ينهانا محمد صلى ~~الله عليه وسلم أن ندخل على بنات أعمامنا - يعني عائشة وهما من بني ~~تيم بن مرة - فلأن مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا حي ~~لأتزوجن عائشة). فحرم الله أزواج النبي صلى الله عليه وسلم على ~~عامة الناس، وجعلهن كأمهاتهم في الإكرام والتحريم. وقوله تعالى: ~~{ إن ذلكم كان عند الله عظيما } ، أي إن الذي قلتم ~~وتمنيتم من تزويج أزواجه بعد موته كان عند الله عظيما في الوزر ~~والعقوبة. ### || [33.54-55] # قوله تعالى: { إن تبدوا شيئا أو تخفوه } ، أي إن ~~تظهروا قولا أو تضمروه، فإن الله عالم بالظواهر والبواطن ~~والضمائر. وقيل: معناه: إن تظهروا أشياء من أمرهن، يعني طلحة، ~~قوله تعالى: { أو تخفوه } أي تسرونه في أنفسكم، وذلك أن ~~نفسه حدثته بتزويج عائشة. قوله تعالى: { فإن الله ~~كان بكل شيء عليما } ، أي عليم بكل شيء من السر ~~والعلانية. # فلما نزلت آية الحجاب قال الأباء والأبناء والأقارب: يا رسول ~~الله ونحن أيضا نكلمهن من وراء حجاب؟ فأنزل الله: # قوله تعالى: { لا جناح عليهن في آبآئهن ولا ~~أبنآئهن ولا إخوانهن ولا أبنآء إخوانهن ~~ولا أبنآء أخواتهن } ، الآية. أي لا حرج عليهن في إذن ~~آبائهن بالدخول عليهن، ولا في إذن الأبناء والإخوان وأبناء الإخوان ~~وأبناء الأخوات. # فإن قيل: فهلا ذكر الأعمام والأخوال؟ قيل: إن العم والخال ~~يجريان مجرى الوالدين في الرؤية، وكان ذكر الأباء يتضمن ثبات ~~حكم الأعمام والأخوال. وقيل: إنما لم يذكر الأعمام والأخوال لكي لا ~~يدخل أبناؤهما، ولا ms1695 يطمعا فيهن. # قوله تعالى: { ولا نسآئهن } ، قال ابن عباس رضي ~~الله عنهما: (يعني نساء المؤمنين، لا نساء ~~اليهود والنصارى يصفن لأزواجهن نساء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إن رأينهن). وقوله تعالى: { ولا ما ~~ملكت أيمانهن } ، يعني العبيد والإماء، قيل: حمله على ~~الإماء أولى؛ لأن الحر والعبيد يختلفان فيما يباح لهما من ~~النظر، فلا يجوز للبالغين من العبيد أن ينظروا إلى شيء منهن. # قوله تعالى: { واتقين الله } ، أي واتقين الله أن ~~يراكن غير هؤلاء، وقيل: اتقين الله في الإذن لغير المحارم في ~~الدخول عليكن، { إن الله كان على كل شيء } ، من أعمال ~~العباد، { شهيدا } ، لم يغب عنه شيء. ### || [33.56] # قوله تعالى: { إن الله وملائكته يصلون على ~~النبي } ، معناه: أن الله يترحم على النبي ويثني عليه، ~~وقوله: { وملائكته } أي والملائكة يدعون له بالرحمة، وقوله ~~تعالى: { يصلون } الضمير فيه يعود على الملائكة دون اسم الله ~~تعالى؛ لأن الله عز وجل يفرد ذكره عن ذكر غيره إعظاما ~~كما تقدم في قوله: # والله ورسوله أحق أن يرضوه # [التوبة: 62]. وقرأ ابن عباس: (وملائكته) بالرفع عطفا على محل ~~قوله تعالى قبل دخول (إن)، ونظيره قوله تعالى: # إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون # [المائدة: 69] وقد مضى ذلك. # وقيل: معنى قوله: { وملائكته يصلون } أي يثنون ~~ويترحمون ويدعون له. وقال مقاتل: (أما صلاة الله ~~فالمغفرة، وأما صلاة الملائكة فالاستغفار ~~له). وقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا صلوا عليه ~~} ، أي قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، ~~تعظيما وإجلالا وتفضيلا. # وعن كعب بن عجرة قال: لما نزلت هذه الآية، قيل: # " يا رسول الله كيف الصلاة عليك؟ قال: " قولوا: ~~اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما ~~صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد ~~مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما ~~باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد ~~مجيد " ". # وعن عبدالله بن مسعود أنه قال: (إذا صليتم على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فأحسنوا الصلاة عليه؛ فإنكم لا ~~تدرون لعل ذلك يعرض عليه. قالوا: فعلمنا ~~ذلك. قال: قولوا: ms1696 اللهم اجعل صلواتك ورحمتك ~~وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين ~~وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك، إمام ~~الخير وقائد الخير ورسول الرحمة. اللهم ~~ابعثه مقاما محمودا يغبطه فيه الأولون ~~والآخرون. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ~~كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك ~~حميد مجيد). # قوله تعالى: { وسلموا تسليما } ، يجوز أن يكون معناه: ~~واخضعوا لأمره خضوعا، ويجوز أن يكون معناه: الدعاء بالسلام، ~~يقول: السلام عليك يا رسول الله. وعن الحسن قال: # " سئل النبي صلى الله عليه وسلم فقيل: يا رسول الله ~~عرفنا السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ قال: " ~~قولوا: اللهم اجعل صلواتك وبركاتك على محمد ~~وعلى آل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم ~~وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد " # والأفضل في هذا الباب أن تصلي على محمد وعلى آله، فتقول: ~~اللهم صل على محمد وعلى آل محمد. فإن اقتصر على ~~أحدهما جاز. # واختلفوا في كيفية وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال ~~بعضهم: تجب في العمر مرة واحدة بمنزلة الشهادتين، وإلى هذا ذهب ~~الكرخي قال: (إذا صلى عليه في عمره مرة واحدة ~~فقد أدى فرضه، إلا أن المستحب لكل مسلم أن ~~يكثر من الصلاة عليه في مقابلة حقه في الدين ~~علينا، كما يلزم المرء الدعاء لأبويه ~~المؤمنين ليقضي بذلك الدعاء حقهما عليه). # وقال بعضهم: تجب عليه في كل مجلس مرة بمنزلة سجدة التلاوة. ~~وقال الطحاوي: (تجب الصلاة على النبي صلى الله عليه ~~وسلم كلما ذكر) واستدل بما روي أن جبريل عليه السلام قال ~~للنبي صلى الله عليه وسلم: # " من ذكرت عنده فلم يصل عليك فلا غفر الله ~~له " # وقال الشافعي رضي الله عنه: (الصلاة عليه فرض في كل ~~صلاة) وهذا قول لم يقل به أحد غيره. ### || [33.57] # قوله تعالى: { إن الذين يؤذون الله ورسوله ~~لعنهم الله في الدنيا والآخرة } ، قال المفسرون: هم ~~المشركون واليهود والنصارى، وصفوا الله بالولد فقالوا: عزير ابن ~~الله، والمسيح ابن الله، والملائكة بنات الله، وكذبوا رسوله وشجوا ~~وجهه وكسروا رباعيته، وقالوا: مجنون، وشاعر، ms1697 وساحر كذاب. قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " ما من أحد أصبر على أذى يسمعه من الله تعالى، ~~جعلوا له ندا وجعلوا له ولدا، وهو مع ذلك ~~يعافيهم ويعطيهم ويرزقهم " # وكذلك قالت اليهود: يد الله مغلولة، وقالوا: إن الله فقير. # ومعنى يؤذون الله، أي يخالفون أمر الله ويعصونه ويصفونه بما هو ~~منزه عنه، والله تعالى لا يلحقه أذى. وقوله تعالى: { لعنهم ~~الله } أي باعدهم الله يعني بالقتل والجلاء في الدنيا والعذاب ~~بالنار في الآخرة، وهو قوله تعالى: { وأعد لهم عذابا ~~مهينا } ، أي ذي هوان. ### || [33.58] # قوله تعالى: { والذين يؤذون المؤمنين ~~والمؤمنات بغير ما اكتسبوا } ، أي يرمونهم بما ليس ~~فيهم، قال قتادة والحسن: (إياكم وإيذاء المؤمن؛ فإن ~~الله يغضب له ويؤذي من آذاه). وعن عبدالرحمن بن سمرة ~~قال: # " خرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " رأيت الليلة ~~عجبا، رأيت رجالا معلقون بألسنتهم، فقلت: من ~~هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الذين يرمون ~~المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا " ". # قوله تعالى: { فقد احتملوا بهتانا وإثما ~~مبينا } ، أي فقد قالوا كذبا وجنوا على أنفسهم وزرا ~~وعقوبة. ### || [33.59] # قوله تعالى: { يأيها النبي قل لأزواجك ~~وبناتك ونسآء المؤمنين يدنين عليهن من ~~جلابيبهن } ، أي قل لنسائك وبناتك والحرائر من النساء ~~يلقين على رؤوسهن ووجوههن من جلابيبهن، والجلباب: هو المقنعة ~~التي تستر بها المرأة ما يظهر من العنق والصدر، وهي الملاءة التي ~~تشتمل بها المرأة. # قال المفسرون: يغطين رؤوسهن ووجوههن إلا عينا واحدة. وظاهر ~~الآية يقتضي أن يكن مأمورات بالستر التام عند الخروج إلى الطرق، ~~فعليهن أن يستترن إلا بمقدار ما يعرفن به الطريق. # وقوله تعالى: { ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين ~~وكان الله غفورا رحيما } ، معناه: ذلك أقرب أن يعرفن ~~الحرائر من الإماء فلا يؤذي الحرائر؛ لأن الناس كانوا يومئذ ~~يمازحون الإماء ولا يمازحون الحرائر، وكان المنافقون يمازحون ~~الحرائر، فإذا قيل لهم في ذلك، قالوا: حسبنا أنهن إماء. فأمر ~~الله الحرائر بهذا النوع من الستر قطعا لأعذار المنافقين. # وعن عمر رضي الله عنه: أنه كان يضرب الإماء ويقول: ~~(اكشفن ms1698 رؤوسكن ولا تتشبهن بالحرائر). ومرت ~~جارية بعمر رضي الله عنه متقنعة، فعلاها بالدرة وقال: (يا ~~لكاع، أتتشبهين بالحرائر، ألقي القناع). # ويقال في معنى ذلك: { أدنى أن يعرفن } أي أقرب إلى أن ~~يعرفن بالستر والصلاح؛ فييئس منهن فساق الرجال، فلا يطمعون ~~فيهن كطمعهم فيمن تتبرج وتتكشف. ### || [33.60-61] # قوله تعالى: { لئن لم ينته المنافقون } ، أي لإن ~~لم ينته المنافقون عن نفاقهم، { والذين في قلوبهم ~~مرض } ، يعني الفجور وهم الزناة وضعفاء الدين عن أذى المؤمنين، ~~{ والمرجفون في المدينة } ، وهم قوم كانوا يوقعون ~~الأخبار بما يكره المؤمنون، ويقولون: قد أتاكم العدو، ويقولون ~~لسراياهم: أنهم قتلوا وهزموا، يخيفون المؤمنين بذلك. لئن لم ~~ينتهوا عن هذه الأفعال القبيحة، { لنغرينك بهم } ، أي ~~لنسلطنك عليهم، ونأمرك بقتلهم حتى تقتلهم وتخلو منهم المدينة، وهو ~~قوله تعالى: { ثم لا يجاورونك فيهآ إلا قليلا } ~~، أي في المدينة، والمعنى: لا يساكنونك في المدينة إلا يسيرا حتى ~~يهلكوا، { ملعونين } ، مطرودين مبعدين عن الرحمة، { ~~أينما ثقفوا } ، أي أينما وجدوا وأدركوا. # قوله تعالى: { ملعونين } نصب على الحال، وقيل: على ~~الذم، وتقدير النصب على الحال: لا يجاورونك إلا وهم ملعونون ~~مطرودون مخذولون. # وقوله تعالى: { أخذوا وقتلوا تقتيلا } ، أي أخذوا ~~وقتلوا مرة بعد مرة؛ لأنه إذا ظهر أمر المنافقين كانوا بمنزلة ~~الكفار، ومن حق الكفار أن يقتلوا حيث يوجدون. قال قتادة: (أراد ~~المنافقون أن يظهروا ما في قلوبهم من النفاق، ~~فلما وعدهم الله في هذه الآية فكتموه). ### || [33.62] # قوله تعالى: { سنة الله في الذين خلوا من ~~قبل } ، أراد بالسنة الطريقة التي أمر الله بلزومها واتباعها، ~~وقد كانت هذه السنة في الأمم الماضية، لما آذى المنافقون ~~أنبياءهم، أمر الله أنبياءه بقتالهم. # قال الزجاج: (سن الله في الذين ينافقون الأنبياء ~~ويرجفون بهم أن يقتلوا حيثما ثقفوا) ولا يبدل ~~الله سنته فيهم، وهو قوله تعالى: { ولن تجد لسنة ~~الله تبديلا } ، أي هكذا سنة الله فيهم إذا أظهروا النفاق. ### || [33.63-65] # قوله تعالى: { يسألك الناس عن الساعة } ، قال ~~الكلبي: (سأل أهل مكة النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~الساعة وعن قيامها) فقال ms1699 الله تعالى: { قل إنما ~~علمها عند الله } ، أي قل لهم يا محمد: إنما العلم ~~بوقت قيامها عند الله، لا يطلع أحدا عليها. وقوله تعالى: { وما ~~يدريك لعل الساعة تكون قريبا } ، أي أي شيء ~~يعلمك أمر الساعة ومتى يكون قيامها، أي أنت لا تعرفه، ثم قال: { ~~لعل الساعة تكون قريبا }. # وما بعد هذه الآية: { إن الله لعن الكافرين وأعد ~~لهم سعيرا * خالدين فيهآ أبدا لا يجدون وليا ~~ولا نصيرا } ، ظاهر المعنى. ### || [33.66] # قوله تعالى: { يوم تقلب وجوههم في النار } ، أي ~~تقلب وجوه الكفار ظهر البطن، وقيل: تقلب إلى سواد، وقيل: ~~تقلب إلى الأقفية. # وقرأ أبو جعفر: (تقلب) بفتح التاء بمعنى تتقلب. وقرأ عيسى بن ~~عمر: (نقلب) بالنون وكسر اللام (وجوههم) بالنصب. وقوله ~~تعالى: { يقولون يليتنآ أطعنا الله وأطعنا ~~الرسولا } ، في الدنيا. ### || [33.67] # قوله تعالى: { وقالوا ربنآ إنآ أطعنا سادتنا ~~وكبرآءنا فأضلونا السبيلا } أي صرفونا عن الدين وعن ~~سبيل الهدى. قرأ الحسن وابن عامر ويعقوب: (سادتنا) بالألف وكسر ~~التاء على جمع الجمع. ### || [33.68] # قوله تعالى: { ربنآ آتهم ضعفين من العذاب } ، ~~أي عذبهم مثلي عذابنا، فيكون ضعف على كفرهم وضعف على دعائهم ~~لنا إلى الضلال. وقوله: { والعنهم لعنا كبيرا } ، قرأ عاصم ~~(كبيرا) بالباء؛ أي عظيما، وقرأ الباقون بالثاء من الكثرة، وإنما ~~اختاروا الكثرة لقوله: # ويلعنهم اللاعنون # [البقرة: 159] وقوله تعالى: # عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين # [البقرة: 161] فهذا يشهد للكثرة. # حدثنا محمد بن الحسن العسقلاني، قال: (سمعت محمد بن السري ~~يقول: رأيت في المنام كأني في مسجد عسقلان؛ وكأن رجلا ~~يناظرني ويقول: (والعنهم لعنا كبيرا) وأنا أقول: ~~(كثيرا). وإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم فدخل علينا المسجد، وكان ~~في وسط المسجد منارة لها باب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~يقصدها. # فقلت: هذا النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: السلام عليك يا رسول ~~الله استغفر لي. فأمسك عني، فجئته عن يمينه فقلت: يا رسول ~~الله استغفر لي، فأعرض عني، فقمت من تلقاء صدره، حدثنا سفيان بن ~~عيينة عن محمد بن المنكدر وعن جابر بن ms1700 عبدالله: " أنك ما ~~سئلت شيئا قط فقلت لا " فتبسم عليه السلام وقال: " ~~اللهم اغفر له ". فقلت: يا رسول الله إني وهذا نتكلم في قوله ~~تعالى: (والعنهم لعنا كثيرا)، فأنا أقول: (كثيرا) وهذا ~~يقول: (كبيرا)، قال: فدخل النبي صلى الله عليه وسلم المنارة وهو ~~يقول: كثيرا، كثيرا، بالثاء إلى أن غاب عني صوته). ### || [33.69] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تكونوا ~~كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا } ، أي ~~لا تكونوا في أذى محمد صلى الله عليه وسلم كبني إسرائيل، الذين ~~آذوا موسى بعيب أضافوه إليه، فبرأه الله مما قالوا عليه، { ~~وكان عند الله وجيها } ، أي رفيع القدر والمنزلة. # واختلفوا في العيب الذي أضافه بنوا إسرائيل إلى موسى، قال بعضهم: ~~كان هارون أحب إلى بني إسرائيل من موسى لزيادة رفقه بهم، فلما مات ~~هارون في حال غيبتهما عنهم، قالوا: إن موسى قتله لتخلص له ~~النبوة، فأحياه الله تعالى حتى كذبهم. # وقال بعضهم: كان أذاهم له أنهم رموه بالأدرة لكثرة حيائه ~~واستتاره عن الناس، وكانت بنوا إسرائيل عراة ينظر بعضهم إلى سوءة ~~بعض، وكان موسى يغتسل وحده، فقالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل ~~معنا إلا أنه آدر. # قال: فذهب يغتسل مرة، فوضع ثوبه على حجر، فذهب الحجر بثوبه، ~~فخرج موسى من الماء في إثر الحجر، يقول: ثوبي يا حجر، حتى نظرت ~~بنوا إسرائيل إلى سوأته عليه السلام، فقالوا: والله ما به من بأس. ~~فقام الحجر بعدما نظروا إليه وأخذ ثوبه، فطفق بالحجر ضربا. قال ~~أبو هريرة: # " والله إن بالحجر ندب ستة أو سبعة من ضرب ~~موسى " # قوله تعالى: { وكان عند الله وجيها } أي حظيا لا ~~يسأله شيئا إلا أعطاه. ### || [33.70] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~} ، أي اتقوا عذاب الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، { وقولوا ~~قولا سديدا } ، قال ابن عباس: (صوابا)، وقال الحسن: ~~(صادقا) يعني كلمة التوحيد: لا إله إلا الله. ### || [33.71] # قوله تعالى: { يصلح لكم أعمالكم } ، قال ابن عباس: ~~(معناه يتقبل حسناتكم) { ويغفر لكم ذنوبكم ~~} ، بسداد قولكم، { ومن يطع ms1701 الله ورسوله فقد فاز ~~فوزا عظيما } ، أي فقد نال الخير كله وظفر به، والفوز ~~العظيم هو الظفر بالكرامة والرضوان من الله تعالى. ### || [33.72] # قوله تعالى: { إنا عرضنا الأمانة على السموت ~~والأرض والجبال } ، معناه: إنا عرضنا الأمانة التي هي ~~الشرائع والفرائض التي يتعلق بأدائها الثواب وبتركها العقاب. قال ~~ابن عباس: (عرضت الأمانة على السماوات السبع التي ~~زينت بالنجوم وحملت العرش العظيم، فقيل ~~لهن بأخذ الأمانة بما فيها، قلن: وما فيها، قيل: ~~إن أحسنتن جزيتن، وإن أسأتن عوقبتن، قلن: ~~لا. ثم عرضت الأمانة على الجبال الصم الشوامخ ~~الصلاب البواذح)، { فأبين أن يحملنها وأشفقن ~~منها }. قال ابن جريج: (قالت السماء: يا رب خلقتني ~~وجعلتني سقفا محفوظا، وأجريت في الشمس ~~والقمر والنجوم، لا أعمل فريضة ولا أبتغي ~~ثوابا. وقالت الأرض: يا رب جعلتني بساطا ومهادا، ~~وشققت في الأنهار، وأنبت في الأشجار، لا ~~أتحمل فريضة ولا أبتغي ثوابا ولا عقابا). # ومعنى قوله: { فأبين أن يحملنها } أي مخافة وخشية لا ~~معصية ولا مخالفة، والعرض كان تخييرا لا إلزاما، قوله: { ~~وأشفقن منها } أي خفن من الأمانة أن لا توفيها، ~~فيلحقهن العقاب، فأبوا ذلك تعظيما لدين الله وخوفا أن لا ~~يقوموا به، وقالوا: نحن مسخرات لأمرك لا نريد ثوابا ولا عقابا. # قوله تعالى: { وحملها الإنسان إنه كان ظلوما ~~جهولا } ، يعني: وحملها آدم عليه السلام قال الله له: يا آدم إني ~~عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها ولم ~~يطقنها، فهل أنت آخذها بما فيها؟ قال: يا رب وما فيها؟ قال: إن ~~أحسنت جزيت، وإن أسأت عوقبت. فتحملها آدم، وقال: حملتها ~~بين أذني وعاتقي. # قال ابن عباس: (عرض الله على آدم أداء الصلوات ~~الخمس في مواقيتها، وأداء الزكاة عند محلها، ~~وصيام رمضان، وحج البيت، على أن له الثواب ~~وعليه العقاب، فقال: بين أذني وعاتقي). # وقال مقاتل: (قال الله تعالى لآدم: أتحمل هذه ~~الأمانة وترعاها حق رعايتها؟ فقال آدم: وما لي ~~عندك؟ قال: إن أحسنت وأطعت ورعيت الأمانة، ~~فلك الكرامة وحسن الثواب في الجنة، وإن عصيت ~~وأسأت معذبك ms1702 ومعاقبك. قال: قد رضيت يا رب، ~~وتحملها. فقال الله عز وجل: قد حملتكها. ~~فذلك قوله تعالى: { وحملها الإنسان إنه كان ~~ظلوما جهولا }. # قال الكلبي: (ظلمه حيث عصى ربه وأخرج من ~~الجنة، وجهله حيث تحملها). وقال مقاتل: (ظلوما ~~لنفسه، جهولا بعاقبة ما حمل). وقال مجاهد: (لما ~~خلق الله السماوات والأرض والجبال، عرضت ~~الأمانة عليها فلم تقبلها فلما خلق الله آدم ~~عرضها عليه فقال: قد تحملتها يا رب. قال مجاهد: ~~فما كان بين أن تحملها وبين أن أخرج من ~~الجنة إلا قدر ما بين العصر والظهر). # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (إن الله قال لآدم: ~~إني عرضت الأمانة على السماوات والأرض فلم ~~يطقنها، فهل أنت حاملها بما فيها؟ قال: يا رب وما ~~فيها؟ قال: إن حفظتها أجرت، وإن ضيعتها عوقبت، ~~قال: قد تحملتها. # فما بقي في الجنة إلا كقدر ما بين الظهر ~~والعصر حتى خرج منها). # وقال زيد بن أسلم: (الأمانة هي الصوم والغسل من ~~الجنابة)، وقال بعضهم: (هي أمانات الناس والوفاء ~~بالعهود. فحق على كل مؤمن أن لا يغش مسلما في ~~شيء لا قليل ولا كثير). # وقال السدي: (هي ائتمان آدم ابنه قابيل على أهله ~~وولده، وذلك أن آدم عليه السلام لما أراد أن يحج ~~إلى مكة، قال: يا سماء احفظي أولادي بالأمانة، ~~فأبت وقال للأرض كذلك، فأبت. وقال للجبال ~~كذلك، فأبت. ثم قال لابنه قابيل: أتحفظهم ~~بالأمانة؟ قال: نعم، تذهب وترجع فتجد أهلك ~~كما يسرك. فانطلق آدم ورجع وقد قتل قابيل ~~هابيل، فذلك قوله تعالى: { وحملها الإنسان إنه ~~كان ظلوما جهولا } يعني قابيل حين حمل أمانة أبيه ~~ثم لم يحفظها). ### || [33.73] # قوله تعالى: { ليعذب الله المنافقين ~~والمنافقات والمشركين والمشركات } ، أي ليعذبهم ~~الله بما خانوا الأمانة وكذبوا الرسل، ونقض الميثاق الذي ~~أقروا به حين أخرجوا من ظهر آدم. قال الحسن: (هؤلاء ~~الذين خانوها، وهم الذين ظلموها). # قوله تعالى: { ويتوب الله على المؤمنين ~~والمؤمنات } ، لأنهم أدوا الأمانة، وهي الفرائض. وقيل: معنى ~~الآية: إنا عرضنا الأمانة ليظهر نفاق المنافق، وشرك المشرك ms1703 ~~فيعذبهم الله، ويظهر إيمان المؤمنين فيتوب الله عليهم، أي ~~يعود عليهم بالمغفرة والرحمة إن حصل منهم تقصير في بعض الطاعات، ~~وكذلك ذكر بلفظ التوبة، فدل على أن المؤمن العاصي خارج من العذاب، ~~{ وكان الله غفورا } ، للمؤمنين إذا تابوا، { رحيما } ، ~~بمن مات على التوبة. ### | [34 - سورة سبإ] ### || [34.1] # { الحمد لله الذي له ما في السموت وما في ~~الأرض }؛ الحمد: الوصف بالجميل على جهة التعظيم، وقوله ~~تعالى: { له ما في السموت وما في الأرض } المعنى: له ~~ما في السماوات والأرض ملكا وخلقا، { وله الحمد في ~~الآخرة }؛ أي يحمده أهل الآخرة على دوام نعمه عليهم كما ~~يحمده أهل الدنيا، ولكن الحمد في الدنيا تعبد، وفي الآخرة ~~شكر على سبيل السرور؛ لأنه لا يكلف في الآخرة، يقول أهل ~~الآخرة: الحمد لله الذي صدقنا وعده، والحمد لله ~~الذي هدانا لهذا، والحمد لله الذي أذهب عنا ~~الحزن والنقم في الدارين كلها منه. قوله: { ~~وهو الحكيم الخبير }؛ أي الحكيم في أفعاله، الخبير ~~بأحوال عباده. ### || [34.2] # قوله تعالى: { يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج ~~منها }؛ أي ما يدخل في الأرض ويغيب فيها من المطر والحيوانات ~~من الميتة، ويعلم ما يخرج منها من أنواع النبات والزروع ~~وغير ذلك مما لا يعلمه إلا هو، ويعلم { وما ينزل من ~~السمآء }؛ من الأمطار التي هي سبب أرزاق العباد، ويعلم { وما ~~يعرج }؛ في السماء؛ أي من يصعد، { فيها }؛ من الملائكة ~~الحفظة لديوان العباد، وما يرتفع فيها من الرياح والحر ~~والبرد، ويعلم ما يصعد فيها من أعمال العباد. يقال:عرج يعرج؛ ~~إذا صعد، وعرج يعرج إذا صار أعرجا. # وقوله تعالى: { وهو الرحيم الغفور }؛ أي الرحيم ~~بعباده، الغفور لمن استحق المغفرة. ### || [34.3] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا لا تأتينا ~~الساعة }؛ أي قال الكفار: لا تأتينا القيامة، { قل }؛ لهم ~~يا محمد: { بلى وربي لتأتينكم }؛ على ما أخبر الله ~~تعالى، { عالم الغيب }. # قرأ حمزة والكسائي (عالم الغيب) بخفض الميم على وزن فعال ~~على المبالغة، كقوله: علام الغيوب، وقرأ نافع وابن عامر: ~~(عالم) برفع الميم على تقدير: هو ms1704 عالم، وقرأ ابن كثير وأبو عمر ~~وعاصم (عالم) بالكسر نعت لقوله (وربي). # قوله تعالى: { لا يعزب عنه مثقال ذرة }؛ أي لا ~~يغيب عنه ولا يبعد عليه معرفة وزن ذرة، { في السموت ولا ~~في الأرض }؛ وخص الذرة بالذكر لأنها أصغر شيء يدخل في ~~أوهام البشر، وهذا مثل؛ لأنه سبحانه لا يخفى عليه ما هو ~~دون الذرة، والمعنى: الله يعلم كل شيء دق أو جل. قوله ~~تعالى: { ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في ~~كتاب مبين }؛ الكتاب المبين في هذه الآية هو اللوح ~~المحفوظ. ### || [34.4] # قوله تعالى: { ليجزي الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم }؛ ~~معناه: لتأتينكم الساعة ليجزي الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات على أعمالهم بالمغفرة والرزق الكريم؛ أي الثواب ~~الحسن في الجنة. ### || [34.5] # قوله تعالى: { والذين سعوا في آياتنا معاجزين ~~}؛ أي سعوا فيها بعد ظهورها ووضوحها بالتكذيب لها والجحود بها، ~~مقدرين أنهم سيفوتوننا، ويعاجزون الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، { أولئك لهم عذاب من رجز أليم }؛ من عذاب ~~مؤلم، والرجز: أسوأ العذاب. # قرأ ابن كثير (أليم) بالرفع على نعت العذاب، وقرأ الباقون ~~بالخفض على نعت الرجز. ### || [34.6] # قوله تعالى: { ويرى الذين أوتوا العلم الذي ~~أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط ~~العزيز الحميد }؛ أول هذه الآية عطف على قوله { ~~ليجزي } أي ولكي يعلم الذين أوتوا العلم الذي ~~أنزل إليك من ربك وهو القرآن وآيه يهدي إلى صراط ~~العزيز بالنقمة لمن لا يؤمن به، الحميد لمن وحده، أي ~~يهدي إلى دين الله. # وقوله تعالى { الذين أوتوا العلم } يعني مؤمني أهل الكتاب. ~~وقال قتادة: (يعني أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم). ~~وقوله { هو الحق } إنما دخلت (هو) في هذا الموضع للفصل عند ~~البصريين، ويسمى ذلك عمادا، ولا يدخل العماد إلا في ~~المعرفة، قال الشاعر: # ليت الشباب هو الرجيع على الفتى # والشيب كان هو البدئ الأول ### || [34.7] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا هل ندلكم ~~على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق ~~إنكم لفي خلق جديد }؛ أي قال الكفار على ms1705 وجه ~~التعجب والإنكار؛ أي قال بعضهم لبعض: هل ندلكم على ~~رجل يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم يزعم أنكم ~~تبعثون بعد أن تكونوا عظاما ورفاتا! وذلك قوله ~~تعالى: { ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم ~~لفي خلق جديد } أي يقول لكم إذا بليتم وتقطعت أجسامكم ~~واندرست آثاركم تعودون. وقوله تعالى { كل ممزق } أي إذا ~~تفرقتم في الأرض وتفرقت العظام والجلود كل تفريق، { ~~إنكم لفي خلق جديد } أي نجدد خلقكم بأن تبعثوا. ### || [34.8] # قوله تعالى: { أفترى على الله كذبا }؛ هذا من قول ~~الكفار بعضهم لبعض؛ قالوا: افترى محمد على الله كذبا ~~حين زعم أنا نبعث بعد الموت! { أم به جنة }؛ أي جنون، ~~يقولون: زعم كذبا أم به جنون. # فرد الله عليهم مقالتهم بقوله: { بل الذين لا يؤمنون ~~بالآخرة في العذاب والضلال البعيد }؛ أي ليس الأمر ~~على ما قالوا من افتراء وجنون، كأنه قال: لا هذا ولا ذاك، ولكن ~~الذين لا يؤمنون بالبعث في الآخرة، والخطأ البعيد في الدنيا. ### || [34.9] # قوله تعالى: { أفلم يروا إلى ما بين أيديهم ~~وما خلفهم من السمآء والأرض }؛ معناه: إن سماءنا ~~محيطة بهم والأرض حاملة لهم، { إن نشأ نخسف بهم }؛ هذه، ~~{ الأرض أو نسقط عليهم } تلك، { كسفا من السمآء ~~} فما يحذرون هذا فيرتدعون عن التكذيب بآياتنا. # والمعنى: أن الإنسان حيث ما نظر رأى السماء فوقه، والأرض ~~قدامه وخلفه وعن يمينه وعن شماله، فكأنه تعالى قال: إن ~~أرضي وسمائي محيطة بهم، وأنا القادر عليهم، إن شئت خسفت بهم، ~~وإن شئت أسقط عليهم قطعة من السماء. # قرأ حمزة والكسائي وخلف: (إن يشأ) و(يخسف) و(يسقط) في ~~ثلاثتها بالياء لذكر الله تعالى قبله، وقوله تعالى ~~(أفترى) ألف استفهام دخلت على ألف الوصل فلذلك سقطت. # وقوله: { إن في ذلك لآية لكل عبد منيب }؛ أي ~~إن فيما ذكر من منيعه وقدرته وفيما ترون من السماء والأرض ~~لعلامة تدل على قدرة الله تعالى على البعث، وعلى من يشاء من ~~الخسف بهم، لكل عبد أناب إلى الله ورجع إلى طاعته وتأمل ما ~~خلق. قال الحسن: (المنيب: ms1706 الراجع إلى الله تعالى ~~بقلبه وقوله وفعله، فإذا نوى نوى لله، وإذا قال ~~قال لله، وإذا عمل عمل لله). ### || [34.10-11] # قوله تعالى: { ولقد آتينا داوود منا فضلا }؛ ~~يعني النبوة والكتاب والملك. قوله تعالى: { يجبال ~~أوبي معه والطير }؛ أي سبحي معه إذا سبح، فكان داود ~~عليه السلام إذا سبح سبحت الجبال معه حتى يسمع صوت ~~تسبيحها. وقرئ (أوبي معه) أي عودي في التسبيح معه كلما ~~عاد فيه. # وقال القتيبي: (أصله من التأويب، وهو السير ~~بالليل كله، كأنه أراد ادني النهار كله ~~بالتسبيح معه). وقيل: تسير معه كيف شاء. # وقوله { والطير } ، قرأ العامة بالنصب، وله وجوه؛ أحدها: ~~بالفعل؛ تقديره: وسخرنا له الطير، تقول: أطعمته طعاما وماء ~~أي وسقيته ماء. والثاني: بالنداء، يعني بالعطف على موضع النداء، ~~لأن موضع كل منادى النصب. والثالث: بنزع الخافض، كأنه قال: ~~أوبي معه الطير، كما يقال: لو تركت الناقة وفصيلها ~~لرضعها؛ أي مع فصيلها. وقرأ يعقوب (والطير) بالرفع عطفا على ~~الجبال. وقيل: على الابتداء، قال الشاعر: # ألا يا زيد والضحاك سيرا # فقد جاوزتما خمر الطريق # يروى هذا البيت بنصب (الضحاك) ورفعه. # وقوله تعالى: { وألنا له الحديد }؛ أي جعلنا له ~~الحديد لينا يضربه كيف شاء من غير نار ولا مطرقة، وكان ~~عنده مثل الشمع والطين المسلول والعجين. قوله تعالى: { ~~أن اعمل سابغات }؛ أي قلنا له اعمل دروعا واسعات ~~تامات يجرها لابسها على الأرض، فكان داود عليه السلام أول من ~~عمل الدروع، والسابغ: هو الذي يغطي كل ما على الرجل حتى ~~يفضل، فكان داود يبيع كل درع بأربعة آلاف، فيأكل ويطعم ~~عياله ويتصدق على الفقراء والمساكين. # قوله تعالى: { وقدر في السرد }؛ أي اجعل حلق ~~الدرع متتابعة متناسقة بعضها إلى بعض على مقدار معلوم لا ~~يتفاوت على وجه، ولا تنفذ فيه السهام ولا السنان. يقال: سرد ~~الكلام يسرده إذا ذكره بالتأليف على وجه تحصل به الفائدة، ومن ~~هذا يقال لصانع الدروع: سراد وزراد. والسرود ~~والزرد للوصل. # وقال بعضهم: السرد سمرك طرفي الحلق؛ أي لا تجعل ~~المسامير دقاقا فتنغلق، ولا غلاظا ms1707 فتكسر الحلق، واجعل ذلك ~~على قدر الحاجة. والقول الأول أقرب إلى الآية، لأن الدروع التي ~~عملها داود كانت بغير المسامير؛ لأنه كانت معجزة. # قوله تعالى: { واعملوا صالحا }؛ أي قال الله لآل ~~داود: اعملوا صالحا فيما بينكم وبين ربكم، { إني بما ~~تعملون بصير }؛ من شكر وطاعة. ### || [34.12] # قوله تعالى: { ولسليمان الريح غدوها شهر ~~ورواحها شهر }؛ أي وسخرنا لسليمان الريح كانت تحمل ~~سريره فتذهب في الغدو مسيرة شهر، وترجع في الرواح مسيرة ~~شهر. # قال الفراء: (نصب (الريح) على المفعول؛ أي ~~وسخرنا لسليمان الريح). وقرأ عاصم (الريح) بالرفع ~~على معنى: وله تسخير الريح، والمعنى أن الريح كانت تسير في ~~اليوم مسيرة شهرين للراكب المسرع. # قوله تعالى: { وأسلنا له عين القطر }؛ أي أذبنا ~~له عين النحاس، فسالت له ثلاثة أيام كما يسيل الماء، ~~وإنما انتفع الناس بما أخرج الله لسليمان، وكان قبل سليمان لا ~~يذوب. والقطر هو الرصاص. # قوله تعالى: { ومن الجن من يعمل بين يديه }؛ ~~أي وسخرنا له من الجن { من يعمل بين يديه } من ~~القصور والبنيان، { بإذن ربه ومن يزغ منهم عن ~~أمرنا }؛ أي من يمل من الشياطين عن أمرنا الذي أمرناه من ~~الطاعة لسليمان، { نذقه من عذاب السعير }؛ أي من عذاب ~~النار الموقدة. وقيل: إن الله تعالى وكل ملكا بيده ~~سوط من نار، فمن زاغ منهم من طاعة سليمان ضربه ضربة ~~أحرقته. ### || [34.13] # قوله تعالى: { يعملون له ما يشآء من محاريب ~~وتماثيل }؛ أي يعملون لسليمان ما يشاء { من محاريب } أي ~~مساجد، كان هو والمؤمنون يصلون فيها. ويقال: أراد ~~بالمحاريب الغرف والمواضع الشريفة، يقال لأشرف موضع في الدار ~~محراب، والمحراب مقدم كل مسجد ومجلس وبيت. # وقوله تعالى: { وتماثيل } أي تماثيل كل شيء، يعني ~~صورا من نحاس وزجاج ورخام، كانت الجن تعملها، وكانوا ~~يصورون له الأنبياء والملائكة في المسجد ليراها الناس فيزدادوا ~~عبادة، وهذا يدل على أن التصوير كان مباحا في ذلك الزمان، ثم ~~صار حراما في شريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما روي ~~في الحديث: # " إن الملائكة لا تدخل بيتا ms1708 فيه صورة " # وروي: # " لعن الله المصورين بما صوروا ". # قوله تعالى: { وجفان كالجواب }؛ الجفان جمع ~~جفنة وهي القصعة الكبيرة من الصفر. وقوله { ~~كالجواب } أي كالحياض العظام، فهي كحياض الإبل، ~~والجواب جمع الجابية، وسمي الحوض جابية؛ لأنه يجبي ~~الماء؛ أي يجمعه، والجباية جمع الماء. يقال: إنه كان يجتمع ~~على جفنة واحدة ألف رجل يأكلون بين يديه. # قوله تعالى: { وقدور راسيات }؛ أي ثابتات عظام من ~~الحجر كالجبال لا ترفع من أماكنها، ولكن يوقد تحتها حتى ~~ينطبخ ما فيها من الأطعمة فيأكل منها الألوف، وكانت هذه الأعمال ~~التي يعملونها معجزة لسليمان عليه السلام. # وقوله تعالى: { اعملوا آل داوود شكرا }؛ أي قلنا ~~لهم: اعملوا بطاعة الله شكرا له على هذه النعم التي من ~~بها عليكم. وقيل: انتصب قوله (شكرا) على المصدرية. وقوله ~~تعالى: { وقليل من عبادي الشكور }؛ أي قليل من ~~عبادي من يشكر لي؛ لأن الشاكرين وإن كثروا فقليل في ~~جنب من لم يشكر. ### || [34.14] # قوله تعالى: { فلما قضينا عليه الموت ما ~~دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل ~~منسأته }؛ وذلك أن سليمان عليه السلام كان يعتاد طول القيام ~~في الصلاة، وكان إذا أعيا اتكأ على عصاه، فاتكأ ذات يوم ~~على عصاه، فقبض الله روحه، فبقي على تلك الحالة سنة، ~~والعملة في أعمالهم يعملون كما هم ولم يجترئ أحد أن يدنو ~~منه هيبة له. # وقوله { ما دلهم على موته إلا دابة الأرض ~~تأكل منسأته } دابة الأرض هي الأرضة التي تأكل الخشب، ~~وقوله تعالى { منسأته } أي عصاه التي كان يتكئ عليها. # وقوله تعالى: { فلما خر تبينت الجن أن لو ~~كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين ~~}؛ أي فلما سقط سليمان لتآكل المنسأة، تبين الجن ~~للإنس؛ أي ظهروا أنهم لا يعلمون الغيب، فلو علموا ما عملوا ~~له سنة وهو ميت، فذلك قوله تعالى: { ما لبثوا في ~~العذاب المهين } أي في العذاب من أعمالهم الشاقة التي كانوا ~~يعملونها في بناء بيت المقدس وغيره، فلما علموا بموته لسقوط ~~العصا تركوا الأعمال. # ثم أن الشياطين قالوا للأرضة: لو كنت ms1709 تأكلين الطعام ~~لآتيناك بأطيب الطعام، ولو كنت تشربين الشراب لآتيناك بأطيب ~~الشراب، ولكنا سننقل إليك الطين والماء، فهم ينقلون إليها ذلك ~~حيث كانت، فما رأيتموه من الطين في جوف الخشب فهو مما ينقله ~~الشياطين إليها شكرا لها! # وسميت العصا منسأة لأنه ينسأ بها الغنم وغيره؛ أي يؤخر ~~ويطرد، يقال: أنسأ الله في أجله؛ أي أخر الله في أجله. ~~وأكثر القراء يقرأون (منسأته) بالهمزة، وقرأ أبو عمرو ونافع ~~بترك الهمزة، وهما لغتان. # وقوله تعالى { أن لو كانوا يعلمون الغيب } أي ~~ظهر أمرهم. وقيل: في موضع النصب تقديره: علمت وأيقنت ~~الجن { أن لو كانوا يعلمون الغيب } ، وكان الإنس ~~قبل هذا يظنون أن الشياطين يعلمون السر يكون بين اثنين، ~~فظهر لهم يومئذ أنهم لا يعلمون ذلك. # قال أهل التاريخ: كان عمر سليمان ثلاثا وخمسين سنة، ومدة ~~ملكه أربعون سنة، وملك يوم ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ~~وابتدأ في بناء بيت المقدس لأربع سنين مضين من ملكه، وكان ~~عمر داود مائة وأربعون سنة. ### || [34.15] # قوله تعالى: { لقد كان لسبإ في مسكنهم آية }؛ ~~قال فروة بن مسيك: # " أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألته عن سبأ ~~ما هو؟ فقال: " رجل من العرب أولد عشرة أولاد، ~~تيامن منهم ستة، وتشام منهم أربعة. فأما ~~الذين تيامنوا فالأزد وكندة وحمير ومذحج ~~والأشعريون وإنمار ومنهم بجيلة. وأما ~~الذين شاموا فعاملة وغسان ولخم وجذام " # والمراد بسبأ القبيلة الذين هم من أولاد سبأ بن يشجب بن ~~يعرب بن قحطان. # وقوله تعالى: { في مسكنهم } أنه كانت مساكنهم بمأرب ~~من اليمن (آية) أي علامة يدل على قدرة الله وأن ~~المنعم عليهم هو الله تعالى. ثم فسر تلك الآية فقال: { ~~جنتان عن يمين وشمال }؛ أي عن يمين واديهم وشماله قد ~~أحاطتا بذلك الوادي الذي بين مساكنهم. # والمعنى: لقد كان لأهل سبأ في مواضعهم علامة، وهي جنتان؛ أي ~~بستانان؛ إحداهما عن يمين الطريق، وأخرى عن يسار الطريق، ~~ويقال: كان بستانين عن يمين الطريق وبستانين عن شمال الطريق، ~~إلا أن البساتين كل واحد من ms1710 الجانبين سمي جنة لاتصال ~~بعضها ببعض، وكانوا في النعمة بحيث كانت المرأة تمشي في تلك ~~الطريق بين البساتين وعلى رأسها الزنبيل فيمتلئ من ألوان ~~الفاكهة من غير أن تمس شيئا بيدها. # قرأ حمزة والنخعي وحفص (في مسكنهم) بفتح الكاف على الواحد، ~~وقرأ الأعمش والكسائي وخلف: (مسكنهم) بكسر الكاف على الواحد ~~أيضا، وقرأ الباقون: (مساكنهم) على الجمع. # قوله تعالى: { كلوا من رزق ربكم }؛ أي قيل لهم: ~~(كلوا من رزق ربكم) يعني هذه النعم، { واشكروا له ~~}؛ أي لله على نعمة هذه، وهذا حد الكلام، اثم ابتدأ فقال: { ~~بلدة طيبة }؛ أي هذه بلدة طيبة أو لكم بلدة طيبة، يعني ليست ~~بسبخة، ولم يكن يرى بعوضة قط، ولا ذباب ولا برغوث ولا ~~حية ولا عقرب، وأن الرجل الغريب ليأتيها وفي ثوبه القمل ~~والدواب، فحين يرى بيوتهم تموت الدواب والقمل. والمعنى: بلدة ~~طيبة الهواء. وقوله تعالى: { ورب غفور }؛ أي غفور ~~الخطايا، كثير العطايا. ### || [34.16] # قوله تعالى: { فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل ~~العرم }؛ أي فأعرضوا عن الحق وكفروا وكذبوا أنبيائهم، ولم ~~يشكروا نعم الله، وقالوا: لا نعرف لله تعالى نعمة علينا! ~~وقالوا لأنبياءهم: قولوا لربكم الذي يزعمون أنه منعم فليحبس ~~عنا نعمه إن استطاع! # قال وهب: (بعث الله تعالى إلى سبأ ثلاثة عشر نبيا، ~~فدعوهم إلى الله وذكروهم نعمه، وخوفوهم ~~عقابه، فكذبوهم وقالوا: ما نعرف لله علينا ~~نعمة). # قوله تعالى: { فأرسلنا عليهم سيل العرم } ، ~~قال ابن الأعرابي: (العرم: السيل الذي لا يطاق)، وقال ~~مقاتل: (العرم وادي سبأ). وقيل: العرم: المطر الشديد ~~الذي يأتي منه سيل لا يطاق دفعه، وعرمة الماء ذهابه في ~~كل مذهب. # وقيل: العرم هو الفأر الذي نقب السد عليهم، وصفة ذلك: ~~أن الماء كان يأتي أرض سبأ من الشجر وأودية اليمن، ~~فردموا ردما بين جبلين وحبسوا الماء في ذلك الردم، ~~وجعلوا لذلك الردم ثلاثة أبواب بعضها فوق بعض، وكانوا ~~يسقون من الباب الأعلى، ثم من الباب الثاني، ثم من الباب ~~الأسفل، فلا ينفذ الماء حتى يأتي ماء السنة الثانية، فأخصبوا ~~وكثرت أموالهم. فلما كذبوا ms1711 الرسل بعث الله عليهم جرذا ~~نقب ذلك الردم، فاندفع الماء عليهم وعلى جنتيهم، فدفن ~~السيل بيوتهم وأغرق جنتيهم وخرب أراضيهم. # قوله تعالى: { وبدلناهم بجنتيهم جنتين }؛ ~~أي بدلناهم بالجنتين اللتين أهلكناهما جنتين، { ذواتي ~~أكل خمط }؛ الأكل: اسم لما يؤكل. والخمط: شجر ~~الأراك، ويقال: الخمط كل نبت قد أخذ طعما من مرارة حتى ~~لا يمكن أكله. وقيل: هو شجر ذات شوك. # قرأ أبو عمرو ويعقوب (أكل خمط) بالإضافة، وقرأ الباقون ~~(أكل) بالتنوين، وهما متقاربان في المعنى. # وقوله تعالى: { وأثل }؛ الأثل: ما عظم من شجر ~~الطرفاء، وقوله تعالى: { وشيء من سدر قليل }؛ ~~والسدر إذا كان بريا لا ينتفع به ولا يصلح ورقه ~~للغسول، كما يكون ورق السدر الذي نبت على الماء. ومعنى ~~قوله تعالى { وشيء من سدر قليل } يعني أن الخمط ~~والأثل كان أكثر في الجنتين المبدلتين من السدر. قال قتادة: ~~(كان شجر القوم من خير الشجر، فبدله الله من ~~شر الشجر بأعمالهم)، والسدر هو شجر النبق. ### || [34.17] # قوله تعالى: { ذلك جزيناهم بما كفروا }؛ أي ~~جزيناهم ذلك التبديل والتخريب بكفرهم بنعم الله تعالى، ~~{ وهل نجزي }؛ بمثل هذه العقوبة وتعجيل سلب النعمة، { ~~إلا الكفور }؛ أي الكافر المعاند، وقيل: معناه: إن ~~المؤمن نكفر عنه ذنوبه بطاعاته، والكافر يجازى على كل ~~سوء يعمله. وقال الفراء: (المؤمن يجزى ولا يجازى) أي ~~يجزى الثواب بعمله، ولا يكافؤ بسيئاته. # قرأ أهل الكوفة: (نجازي) بالنون وكسر الزاي. ونصب ~~(الكفور) لقوله (جزيناهم) ولم يقل جوزوا، وقرأ الآخرون ~~(يجازي) بياء مضمومة ورفع (الكفور). # وقوله تعالى { لقد كان لسبإ } من قرأ بالنصب فهو اسم ~~قبيلة، فلهذا لم ينصرف، ومن نونه وخفضه فهو اسم لرجل. ### || [34.18-19] # قوله تعالى: { وجعلنا بينهم وبين القرى التي ~~باركنا فيها قرى ظاهرة } أي جعلنا بين أهل سبأ وبين ~~قرى الأرض التي باركنا فيها وهي الأرض المقدسة باركنا فيها ~~بالماء والشجر، يعني قرى الشام ومصر، وقوله { قرى ظاهرة } ~~أي قرى متقاربة متصلة، إذا خرج الرجل من واحدة من القرى ظهرت ~~له الأخرى، فكانوا لا يحتاجون في سيرهم إلى الشام إلى ms1712 زاد، ~~وكانت المرأة تخرج ومعها مغزلها، وعلى رأسها مكتلها، ثم ~~تغزل ساعة فلا ترجع بيتها حتى يمتلئ مكتلها من الثمار، ~~وكان ما بين الشام وأرض سبأ على تلك الصفة. # قوله تعالى: { وقدرنا فيها السير }؛ أي جعلنا ~~القرى مواصلة بقدر السير المتصل على قدر المقيل والمبيت ~~من قرية إلى قرية، أنعمنا عليهم في مسيرهم كما أنعمنا عليهم في ~~مساكنهم، فقلنا لهم: { سيروا فيها ليالي وأياما }؛ ~~إن شئتم بالليالي وإن شئتم بالأيام، { آمنين }؛ من ~~الظلم والجوع والعطش وعن جميع ما يخاف في الطريق. # ومعنى الآية: { وقدرنا فيها السير } من القرية إلى ~~القرية مقدارا واحدا، نصف يوم، وقلنا لهم: { سيروا ~~فيها } في تلك القرى، { ليالي وأياما }؛ ليلا شئتم ~~السير أو نهارا { آمنين } من الجوع والعطش والسباع والتعب ~~ومن كل خوف. # ثم إنهم بطروا النعمة، وسألوا أن تكون القرى والمنازل بعضها ~~أبعد من بعض، { فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا }؛ أي ~~اجعل بيننا وبين الشام فلوات ومفاوز لنركب عليها ~~الرواحل ونتزود الأزواد، ذلك أنهم قالوا لو كانت ~~ثمارنا أبعد مما هي لكان أجدر أن نشتهيها، فاجعل بين منازلنا ~~وبين مقصدنا المفاوز. ويقال: كانت هذه المسألة من تجارهم ~~ليربحوا في أمولهم. # قرأ ابن كثير وأبو عمرو (بعد) على وجه الدعاء. وقرأ ابن ~~الحنفية ويعقوب (ربنا) برفع الباء (باعد) بألف وفتح العين ~~والدلالة على الخبر، استبعدوا أسفارهم بطرا منهم وأشرا. وقرأ ~~الباقون (ربنا) بفتح الباء و(باعد) بالألف وكسر العين وجزم ~~الدال على الدعاء. وقد قرئ (بعد) بضم العين و(بين) ~~بالرفع؛ أي بعد ما يتصل بسفرنا. # قوله تعالى: { وظلموا أنفسهم }؛ يعني بترك ~~الشكر والطاعة، وقيل: بالكفر، { فجعلناهم أحاديث }؛ ~~لمن بعدهم يتحدثون بأمرهم وشأنهم، ولم يبق منهم ولا من ديارهم ~~أثر. وقوله تعالى: { ومزقناهم كل ممزق }؛ أي ~~فرقناهم في البلاد المختلفة كل تفريق، وذلك أنهم شردوا في ~~البلاد، وصاروا بحيث يتمثل بهم العرب يقولون: تفرق القوم أيدي ~~سبأ وأيادي سبأ. # قال الشعبي: (أما غسان فلحقوا بالشام، وأما ~~الأنصار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة فلحقوا ~~بتهامة، وأما الأزد فلحقوا بعمان) وكانت ms1713 غسان ~~ملوك الشام. # قوله تعالى: { إن في ذلك }؛ أي فيما فعل بسبأ { ~~لآيات }؛ لعبر ودلالات { لكل صبار } ، عن معاصي الله، ~~{ شكور }؛ لأنعمه. ### || [34.20-21] # قوله تعالى: { ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ~~فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين }؛ قرأ أهل الكوفة ~~(صدق) بالتشديد؛ أي ظن فيهم ظنا حيث قال: # قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين # [ص: 82] # ولا تجد أكثرهم شاكرين # [الأعراف: 17] فصدق ظنه وحققه بفعله ذلك واتباعهم إياه. ~~وقرأ الآخرون (صدق) بالتخفيف؛ أي صدق عليهم في ظنه بهم. # وقوله تعالى { عليهم } أي على أهل سبأ، وقال مجاهد: ~~على الناس كلهم إلا من أطاع الله عز وجل { ~~فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين } وهم الذين ~~قال الله تعالى فيهم # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان # [الاسراء: 65]. # وقيل: إن إبليس لما وسوس إلى آدم وعملت فيه ~~وسوسته، طمع في ذريته؛ فقال: إنه مع فضله وعقله، ~~وعملت فيه وسوستي؛ فكيف لا تعمل في ذريته؟ فأخبر الله في ~~هذه الآية: أن القوم اتبعوه فصدقوا ظنه، إلا طائفة من ~~المؤمنين لم يتبعوه في شيء. # وقيل: إن ابليس لما سأل النظرة فأنظره الله تعالى ~~قال: لأضلنهم ولأمنينهم ولأموهنهم، ولم يكن ~~في وقت هذه المقالة مستيقنا، وإنما قال ظنا منه، فلما ~~اتبعوه وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم. # وقوله تعالى: { وما كان له عليهم من سلطان }؛ ~~أي ما كان لأبليس عليهم من حجة ولا نفاذ أمر إلا بالتزيين ~~والوسوسة. وقوله: { إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ~~ممن هو منها في شك }؛ أي ما كان تسليطنا إياه عليهم ~~إلا لنعلم المؤمنين من الشاكرين. # والمعنى: ما سلطناه عليهم إلا لنعلم إيمان المؤمن ظاهرا ~~وكفر الكافر ظاهرا، وقد يذكر العلم ويراد به الإظهار. ~~وقوله تعالى: { وربك على كل شيء حفيظ }؛ أي ~~عالم بكل شيء من الإيمان وشك وغير ذلك. ### || [34.22] # قوله تعالى: { قل ادعوا الذين زعمتم من دون ~~الله لا يملكون مثقال ذرة في السموت ولا في ~~الأرض }؛ أي قل لكفار مكة: أدعوا الذين زعمتم أنهم ~~آلهة من دون الله، قال مقاتل: (أي ادعوهم ليكشفوا ~~عنكم الضرر ms1714 الذي نزل بكم في سنين الجوع). # وقيل: معناه: ادعوا الذين زعمتم أنهم آلهة لكم لكي يرزقوكم ~~ويدفعوا عنكم الشدائد، ثم إنهم لا يملكون مثقال ذرة؛ أي ~~لم يخلقوا زنة ذرة في السماوات ولا في الأرض، فمن أين ~~يستحقون العبادة؟! # وقوله تعالى: { وما لهم فيهما من شرك }؛ أي ما لهم ~~في السماوات والأرض من شرك في خلقهما، وقوله تعالى: { ~~وما له منهم من ظهير }؛ أي وما الله تعالى منهم من معين ~~فيما خلق. # وقوله تعالى: { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا ~~لمن أذن له }؛ أي ولا تنفع شفاعة ملك مقرب ولا نبي ~~ولا أحد حتى يأذن الله له في الشفاعة. وهذا تكذيب من الله لهم ~~حيث قالوا: هؤلاء شفعاؤنا عند الله. # قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف (أذن) بضم الألف، وقرأ ~~غيرهم بالفتح، فمن فتح كان المعنى لمن أذن الله له في ~~الشفاعة، وكذلك من قرأ بالضم لأن الآذن هو الله تعالى في ~~القراءتين جميعا. ### || [34.23] # قوله تعالى: { حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ~~ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير ~~}؛ قرأ ابن عامر ويعقوب: (فزع) بفتح الفاء والزاي، وقرأ غيرهما ~~بضم الفاء وكسر الزاي. والمعنى: حتى إذا كشف الفزع والجزع عن ~~قلوبهم. ومن قرأ بالفتح فالمعنى: حتى إذا كشف الله الفزع عن ~~قلوبهم. # واختلفوا في هذه الكتابة والموصوفين بهذه الصفة، من هم؟ ومن ~~النصب الذي من أجله فزع عن قلوبهم؟ فقال قوم: هم الملائكة. ~~واختلفوا في سبب ذلك، فقال بعضهم: إنما فزع عن قلوبهم من ~~غشية تصيبهم عند سماع كلام الله عز وجل. # قال عبدالله بن مسعود: (إذا تكلم الله تعالى بالوحي، ~~سمع أهل السماء صلصلة مثل صلصلة السلسلة ~~على الصفوان، فيصعقون لذلك ويخرون سجدا، فإذا ~~علموا أنه وحي فزع عن قلوبهم فترد إليهم، ~~فينادي أهل السماوات بعضهم بعضا: (ماذا قال ~~ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير). # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الله تعالى إذا تكلم بالوحي، سمع أهل ~~السماء صلصلة كجر السلسلة على الصفا، ms1715 ~~فيصعقون فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم جبريل، ~~فيقولون له: ماذا قال ربك؟ قال: يقول الحق ". # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة ~~بأجنحتها خضوعا لقوله، كأنه سلسلة على ~~صفوان، فإذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ~~ربكم؟ قالوا: الحق ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إذا تكلم الله بالوحي، أخذت السماوات منه ~~رجفة أو رعدة شديدة خوفا من الله تعالى، فإذا ~~سمع ذلك أهل السماوات صعقوا وخروا سجدا، ~~فيكون أول من رفع رأسه جبريل عليه السلام، ~~فيكلمه الله من وحيه بما أراد، ثم يمر جبريل ~~بالملائكة، فكلما مر بسماء سأله ملائكتها: ~~ماذا قال ربنا يا جبريل؟ فيقول جبريل: قال ~~الحق وهو العلي الكبير، فيقول مثل ما قال ~~جبريل، فينتهي جبريل بالوحي حيث أمر الله ". # وقال مقاتل والكلبي: (لما كانت الفترة بين عيسى ~~ومحمد صلى الله عليه وسلم خمسمائة وخمسون عاما، ~~فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم كلم الله ~~تعالى جبريل بالرسالة إلى محمد صلى الله عليه وسلم، ~~فسمعت الملائكة الصوت بالوحي، فظنوا أنها ~~القيامة قامت، فصعقوا مما سمعوا، فلما انحدر ~~جبريل بالرسالة، جعل أهل كل سماء يسألونه ~~على وجه التعرف بعد ما انكشف الفزع عن ~~قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قال جبريل ومن ~~معه: قال الحق). # وقيل: لما سمعت الملائكة الوحي صعقوا فخروا سجدا ~~ظانين أنها القيامة، فلما نزل جبريل بالوحي انكشف فزعهم ~~فرفعوا رؤوسهم، وقال بعضهم لبعض: (ماذا قال ربكم؟ ~~قالوا الحق) يعني الوحي { وهو العلي الكبير } أي ~~الغالب القاهر السيد المطاع الكبير العظيم، فلا شيء أعظم منه. # وقرأ الحسن (حتى إذا فزع عن قلوبهم) بالعين المعجمة ~~والزاي بمعنى فزعت قلوبهم من الفزع، وذهب بعض المفسرين إلى ~~أن قوله { حتى إذا فزع عن قلوبهم } راجع إلى ~~المشركين، فإنهم إذا شاهدوا أهوال يوم القيامة غشي عليهم، ~~فيزيل الله ذلك عن قلوبهم، ثم تقول لهم الملائكة: ماذا قال ~~ربكم في الدنيا والآخرة؟ فيقولون: الحق، فأقروا ms1716 حين لا ~~ينفعهم الإقرار. ### || [34.24] # قوله تعالى: { قل من يرزقكم من السموت ~~والأرض قل الله }؛ أي قل يا محمد لكفار مكة: من ~~يرزقكم من السماوات المطر، ومن الأرض النبات والثمر؟ وإنما ~~أمر بهذا السؤال احتجاجا عليهم؛ لأن الذي يرزق هو المستحق ~~للعبادة لا غيره، وذلك أنه إذا استفهمهم عن الرزق لم يمكنهم أن ~~يبينوا رازقا غير الله، فيتحيروا في الجواب فيؤمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالجواب، فيقول لهم: إن الذي يرزقكم هو الله ~~عز وجل، وتم الكلام. # ثم أمر بأن يخبرهم أنهم على الضلال بعبادة غير الله تعالى ~~بقوله تعالى: { وإنآ أو إياكم لعلى هدى أو في ~~ضلال مبين }؛ وهذا على وجه الإنصاف في الحجة لاستمالة ~~قلوبهم، كما يقول القائل من المسارعين: أحدنا كاذب؛ وهو يعلم ~~أنه صادق وصاحبه كاذب. # والمعنى: ما نحن وأنتم إلا على أمر واحد؛ أحد الفريقين مهتد ~~والآخر ضال، فالنبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه على ~~الهدى، ومن خالفه في ضلال مبين. ### || [34.25] # قوله تعالى: { قل لا تسألون عمآ أجرمنا ولا ~~نسأل عما تعملون } أي قل يا محمد للكفار لا ~~تؤاخذون بجرمنا، ولا نؤاخذ بجرمكم، فانظروا لأنفسكم ~~واعلموا أن حرصنا على إيمانكم لا ينفعكم، وهذا على وجه ~~التبرؤ منهم ومن كفرهم. ### || [34.26] # قوله تعالى: { قل يجمع بيننا ربنا }؛ يعني بعد ~~البعث في الآخرة في المحشر، { ثم يفتح بيننا ~~بالحق }؛ أي ثم يقضي بيننا ويحكم بيننا بالعدل، { وهو ~~الفتاح العليم }؛ أي وهو القاضي العليم بما يقضي. ### || [34.27] # قوله تعالى: { قل أروني الذين ألحقتم به ~~شركآء كلا }؛ أي قل لهم أروني الذين ألحقتموهم ~~بالله تعالى وجعلتموهم شركاء الله في العبادة؛ هل لهم قدرة على ~~الخلق والأمر، وهل يرزقون ويخلقون؟ وقوله تعالى { كلا } ~~كلمة ردع وزجر؛ أي ارتدعوا عن مقالتكم وانزجروا؛ فإنكم ~~لا تقدرون أن تجعلوا لله شركاء، { بل هو الله العزيز ~~الحكيم }؛ أي المنيع الغالب لكل شيء، الحكيم في تدبيره ~~لخلقه، فأنى يكون له شريك في ملكه. وقيل: معناه: قل ~~أروني الذين ألحقتموهم بالله في العبادة ms1717 شركاء هل يرزقون ~~ويخلقون؟ كلا؛ لا يرزقون ولا يخلقون، بل الذي يخلق ويرزق هو ~~الله العزيز في ملكه، الحكيم في أمره. ### || [34.28] # قوله تعالى: { ومآ أرسلناك إلا كآفة للناس ~~بشيرا ونذيرا }؛ أي ما أرسلناك يا محمد إلا للناس كافة ~~أي كلهم، أحمرهم وأسودهم. وقيل: معناه: إلا مانعا للناس ~~من الكفر والضلال، والكف على هذا هو المنع. وأدخلت الهاء ها ~~هنا للمبالغة كالرواية والعلامة، (بشيرا) بالخير لمن أطاع ~~الله، (ونذيرا) أي ومخوفا بالنار لمن كفر بالله، { ~~ولكن أكثر الناس لا يعلمون }؛ يعني كفار مكة ~~لا يتدبرون القرآن، فلو تدبروا لعلموا. ### || [34.29-30] # قوله تعالى: { ويقولون متى هذا الوعد }؛ أي ~~يقول الكفار: متى هذا الوعد الذي تخوفونا به من البعث ~~والعذاب، { إن كنتم صادقين }؛ في مقالتكم، { قل لكم ~~ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا ~~تستقدمون }؛ أي قل لبعثكم وعذابكم ميقات يوم لا يؤخر ~~عن وقت الوعد ولا يقدم وهو يوم القيامة. ### || [34.31-33] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا لن نؤمن ~~بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه }؛ أي قال ~~الكفار: لن نؤمن بصدق هذا القرآن ولا بالذي بين يديه من ~~أمر الآخرة، والنشأة الثانية. # وقيل: معنى { ولا بالذي بين يديه } يعنون ~~التوراة والإنجيل، وذلك: أنه لما قال مؤمنوا أهل الكتاب: ~~إن صفة محمد صلى الله عليه وسلم في كتابنا وهو نبي مبعوث، ~~كفر أهل مكة بكتابهم. # وقوله تعالى: { ولو ترى إذ الظالمون موقوفون ~~عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول يقول ~~الذين استضعفوا للذين استكبروا }؛ أي ولو ترى يا ~~محمد مشركي مكة محبوسون في المحشر للحساب يوم ~~القيامة، يتجاوبون فيما بينهم يرد بعضهم على بعض القول في ~~الجدال، ويحمل كل واحد منهم الذنب على صاحبه، فيقول الأتباع ~~لرؤسائهم: { لولا أنتم }؛ ودعاؤكم إيانا إلى الكفر، { ~~لكنا مؤمنين }؛ كغيرنا، بل أنتم منعتمونا وصددتمونا عن ~~الإيمان. # فأجابهم رؤساؤهم على وجه الإنكار: { قال الذين ~~استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن ~~الهدى بعد إذ جآءكم بل كنتم مجرمين } باختياركم ~~الكفر على الإيمان. # فقال الأتباع للرؤساء: { وقال الذين استضعفوا ~~للذين ms1718 استكبروا بل مكر اليل والنهار إذ ~~تأمروننآ أن نكفر بالله ونجعل له أندادا }؛ ~~قال الأخفش: (الليل والنهار لا يمكران بأحد، ولكن ~~يمكر فيهما، وهذا كقوله # من قريتك التي أخرجتك # [محمد: 13] وهذا من سعة العربية). # والمعنى: بل مكركم بنا في الليل والنهار إذ تأمروننا، وكذلك ~~يقال: فلان نهار صائم وليله قائم، وقال الشاعر: (ما ليل ~~المطي بنائم). ومثله قوله تعالى: # فإذا عزم الأمر # [محمد: 21]. وقيل: مكر الليل والنهار بهم طول السلامة ~~فيهما، كقوله # فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم # [الحديد: 16]. # قوله تعالى: { وأسروا الندامة لما رأوا ~~العذاب }؛ أي أضمروها في أنفسهم؛ لأن موضع الندامة القلب. ~~وقيل: أظهروها فيما بينهم، أقبل بعضهم يلوم بعضا، ويعرض ~~بعضهم بعضا الندامة، وهذا من ألفاظ الأضداد، يقال: أسر إذا ~~كتم، وأسر إذا أظهر. # وقوله تعالى: { وجعلنا الأغلال في أعناق ~~الذين كفروا }؛ أي غلت أيمانهم إلى أعناقهم، { هل ~~يجزون إلا ما كانوا يعملون }؛ من الشرك في الدنيا. ### || [34.34-36] # قوله تعالى: { ومآ أرسلنا في قرية من نذير ~~إلا قال مترفوهآ }؛ أي ما أرسلنا في أهل قرية من رسول ~~إلا قال رؤساؤها وأعيانها وأولو النعمة فيها: { إنا بمآ ~~أرسلتم به }؛ من الإيمان والتوحيد، { كافرون * ~~وقالوا }؛ للرسل: { نحن أكثر أموالا وأولادا }؛ ~~فكما فضلنا عليكم في الدنيا لن نعذب بذنوبنا في الآخرة! ~~افتخر مشركوا مكة على رسول الله والمؤمنين بأموالهم ~~وأولادهم، وظنوا أن الله إنما خولهم المال والولد كرامة ~~لهم عنده، فقالوا { وما نحن بمعذبين }؛ أي إن الله ~~أحسن إلينا بالمال والولد فلا يعذبنا! # فقال الله تعالى لنبيه عليه السلام: { قل إن ربي ~~يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر }؛ يعني أن بسط الرزق ~~وتضييقه من الله تعالى بفعله إبتلاء وامتحانا، ولا يدل البسط على ~~رضا الله تعالى، ولا التضييق على سخطه، { ولكن أكثر ~~الناس لا يعلمون }؛ يعني أهل مكة لا يعلمون حين ظنوا ~~أن أموالهم وأولادهم دليل على كرامة الله لهم. ### || [34.37] # قوله تعالى: { ومآ أموالكم ولا أولادكم }؛ أي ~~ليست كثرة أموالكم ولا أولادكم ب الخصلة { بالتي ~~تقربكم عندنا زلفى }؛ أي بالتي تقربكم ms1719 إلى الثواب ~~والكرامة قربة. وقيل: معناه: بالتي تقربكم عندنا قربى. ~~قال الأخفش: (زلفى: اسم المصدر؛ كأنه أراد: بالتي ~~تقربكم عندنا تقريبا). { إلا من آمن وعمل ~~صالحا }؛ بصرف المال في وجوه الخير، وبصرف الأولاد في طاعة الله ~~تعالى. وقيل: معناه: إلا من آمن وعمل صالحا فإن ~~إيمانه وعمله يقربه مني. # وقوله تعالى: { فأولئك لهم جزآء الضعف بما ~~عملوا }؛ أي لهم الجزاء المضاعف على حسناتهم بالحسنة ~~الواحدة عشرا، { وهم في الغرفات }؛ الجنة، { آمنون }؛ ~~من كل آفة ومكروه. والغرفة: هي البيوت فوق الأبنية. # قرأ حمزة (وهم في الغرفة) على الواحدة، لقوله # أولئك يجزون الغرفة # [الفرقان: 75]، وقرأ الباقون (في الغرفات) على الجمع، لقوله # لنبوئنهم من الجنة غرفا # [العنكبوت: 58]، وقرأ يعقوب (فأولئك لهم جزاء) بالنصب ~~منونا (الضعف) بالرفع تقديره: فأولئك لهم الضعف جزاء على ~~التقدير والتأخير. ### || [34.38] # قوله تعالى: { والذين يسعون في آياتنا ~~معاجزين }؛ أي يسعون في دلائل التوحيد والنبوة ~~معاندين، يحسبون أنهم يفوتوننا ويعجزوننا، { ~~أولئك في العذاب محضرون }؛ أي محبوسون. ### || [34.39] # قوله تعالى: { قل إن ربي يبسط الرزق لمن ~~يشآء من عباده ويقدر له }؛ قد تقدم تفسيره. # وقوله تعالى: { ومآ أنفقتم من شيء فهو يخلفه ~~}؛ أي ما أنفقتم من مال في غير إسراف ولا تقتير فهو يخلفه في ~~الدنيا بالعوض، وفي الآخرة بالحسنات والدرجات. # وقوله تعالى { فهو يخلفه } لكم أو عليكم، يقال: أخلف ~~الله له وعليه؛ إذا أبدل الله له ما ذهب عنه، وعن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من فقه المراد فقه في معيشته ". # وقال الكلبي: (معناه: وما أنفقتم في الخير والبر ~~فهو يخلفه، إما أن يعجله في الدنيا، وإما أن ~~يدخر له في الآخرة). وعن سعيد بن بشار قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من يوم يصبح العباد فيه إلا وملكان ~~أحدهما يقول: اللهم أعط منفقا خلفا، ويقول ~~الآخر: اللهم أعط ممسكا تلفا " # وقوله تعالى: { وهو خير الرازقين }؛ أي وهو خير ~~المخلفين، وإنما خير الرازقين لأنه قد يقال: رزق ~~السلطان الجند. ### || [34.40-41] # قوله تعالى: { ويوم يحشرهم ms1720 جميعا }؛ يعني ~~المشركين، { ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم ~~كانوا يعبدون }؛ هذا استفهام توبيخ للعابدين كقوله تعالى ~~لعيسى: # أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله # [المائدة: 116]. فنزهت الملائكة ربهم عن الشرك و { قالوا ~~سبحانك }؛ تنزيها لك مما أضافوا إليك من الشركاء، { ~~أنت ولينا من دونهم }؛ أي ما اتخذناهم عابدين، ولا ~~توليناهم ولسنا نريد غيرك وليا، وأنت العالم بأمورنا ~~وافترائهم علينا، كنا نواليك ولا نواليهم، { بل كانوا ~~يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون } ، أي أطاعوا ~~الشياطين في عبادتهم إيانا؛ لأن الشياطين كانت دعوتهم إلى ~~ذلك، فكان أكثرهم بالشياطين مؤمنين. ### || [34.42] # قوله تعالى: { فاليوم لا يملك بعضكم لبعض ~~نفعا ولا ضرا }؛ أي يقال لهم: اليوم لا يقدر بعضكم ~~لبعض جر نفع ولا دفع ضر، { ونقول } ، خزنه النار ~~بأمر الله، { للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي ~~كنتم بها تكذبون } في الدنيا. ### || [34.43] # قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ~~}؛ معناه: إذا يقرأ على أهل مكة آياتنا وهي القرآن واضحات ~~الحجج، { قالوا ما هذا }؛ يعنون محمدا صلى الله عليه ~~وسلم { إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد ~~آبآؤكم وقالوا ما هذآ إلا إفك مفترى } ، ~~وقالوا: ما هذا الذي أتانا به إلا كذب مفترى؟ يعنون القرآن، ~~{ وقال الذين كفروا للحق لما جآءهم }؛ وهو ~~القرآن: ما هذا القرآن؟ { إن هذآ إلا سحر مبين ~~}. ### || [34.44-45] # قوله تعالى: { ومآ آتيناهم من كتب يدرسونها ~~ومآ أرسلنا إليهم قبلك من نذير }؛ أي ما آتينا ~~أهل مكة من كتب يقرؤنها. والمعنى: من أين كذبوك، ولم ~~يأتهم كتاب ولا نذير بهذا الذي فعلوه، وما أرسلنا إليهم قبلك يا ~~محمد من رسول. # ثم خوفهم وأخبر عن عاقبة من كذب قبلهم فقال: { وكذب ~~الذين من قبلهم }؛ يعني أمم كافرة، { وما بلغوا }؛ يعني ~~أهل مكة، { معشار مآ آتيناهم }؛ أي ما بلغ هؤلاء الذين ~~أرسلت إليهم عشر ما أوتي الأمم قبلهم من القوة والعدة، ~~{ فكذبوا رسلي فكيف كان نكير }؛ فانظر كيف كان ~~إنكاري عليهم وتعذيبي لهم، أليسوا مهلكين بالعذاب إذ لم ~~يؤمنوا به معشار. والعشر ms1721 والعشير جزء من عشرة. قال ابن ~~عباس: (المعنى: وما بلغ قومك معشار ما آتيناهم ~~من القوة وكثرة المال وطول العمر فأهلكهم ~~الله). ### || [34.46] # قوله تعالى: { قل إنمآ أعظكم بواحدة }؛ أي ~~آمركم وأوصيكم بخصلة واحدة، وهي: { أن تقوموا لله ~~مثنى وفرادى }؛ أي تقوموا لله اثنين اثنين وواحدا واحدا، ~~{ ثم تتفكروا } , فيناظروا ويذكروا في أمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم، هل ترون في فعله وقوله ودعائه إلى توحيد الله ~~ما يكون من كلام المجانين وأفعالهم، وهو كلام عالم حازم؟ ~~قال مقاتل: (والمعنى: ألا يتفكر منكم واحد ومع ~~صاحبه ينظروا أن خلق السماوات والأرض دليل على ~~أن خالقها واحد لا شريك له). # قوله تعالى: { ما بصاحبكم من جنة }؛ وذلك أن ~~المشركين قالوا: إن محمدا صلى الله عليه وسلم ساحر مجنون! ~~فقال الله تعالى: { ما بصاحبكم من جنة } وما صاحبكم ~~بمجنون، فعلى هذا المعنى يكون قوله { ما بصاحبكم من ~~جنة } ابتداء كلام من الله تعالى، ويجوز أن يكون المعنى: ثم ~~تتفكروا فتعلموا بطلان قولكم في نسبته إلى الجنون. ~~وقوله تعالى: { إن هو إلا نذير لكم }؛ أي ما هو ~~إلا رسول مخوف، { بين يدي عذاب شديد }؛ أي بين يدي ~~القيامة لكي تخلصوا أنفسكم من عذاب الله بالتلافي ~~والتوبة. ### || [34.47] # قوله تعالى: { قل ما سألتكم من أجر فهو لكم ~~}؛ معناه: قل لهم يا محمد: ما سألتكم على تبليغ الرسالة ~~أجرا فتتهموني، وقوله تعالى { فهو لكم } هذا الرجل ~~يقول لغيره: ما أعطيتني فخذه، يريد بذلك لم يعطه شيئا، ~~وقوله تعالى: { إن أجري إلا على الله }؛ أي ما ~~ثوابي إلا على الله، { وهو على كل شيء }؛ من أعمال ~~العباد { شهيد }. ### || [34.48] # قوله تعالى: { قل إن ربي يقذف بالحق علام ~~الغيوب }؛ القذف: هو الرمي بألسنتهم والحصى والكلام، ~~قال الكلبي: (فمعنى الآية: قل إنه يأتي بالحق؛ أي ~~يتكلم بالوحي وهو القرآن يلقيه إلى نبيه عليه ~~السلام). والمعنى: قل إن ربي ينزل الوحي من السماء ~~فيقذفه ويلقيه إلى الأنبياء عليهم السلام، وقوله ~~تعالى: { علام الغيوب } ظاهر المعنى. ### || [34.49] # قوله تعالى: { قل ms1722 جآء الحق }؛ يعني الإيمان ~~والقرآن؛ أي ظهر الإسلام والقرآن، { وما يبدىء ~~الباطل وما يعيد }؛ معناه: ذهب الباطل وزهق، فلم يبق ~~له بقية يبدئ بها ولا يعيد. قال الحسن: (الباطل: كل ~~معبود سوى الله، فإن كل معبود سوى الله لا يبدئ ~~لأهله خيرا في الدنيا، ولا يعيد بخيره في ~~الآخرة). فقال قتادة: (الباطل إبليس؛ أي ما يخلق ~~إبليس أحدا ولا يبعثه). # ويجوز أن يكون هذا استفهاما، كأنه قال: وأي شيء يبدئ ~~الباطل؟ وأي شيء يعيده؟ وعن ابن مسعود قال: # " دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وحول ~~الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فجعل يطعنها ~~بعود معه ويقول: " جاء الحق وزهق الباطل إن ~~الباطل كان زهوقا، جاء الحق وما يبدئ الباطل ~~وما يعيد " # أي ذهب الباطل بحيث لا يبقى له بقية، لا إقبال ولا إدبار ولا ~~إبداء ولا إعادة كما قال تعالى # بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه # [الأنبياء: 18]. ويقال: فلان ظهرت عليه الحجة، فما يبدئ وما ~~يعيد، وما يحل وما يمر. ### || [34.50] # قوله تعالى: { قل إن ضللت فإنمآ أضل على ~~نفسي }؛ وذلك أن كفار مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: لقد ~~ضللت حين تركت دين آبائك! فقال الله تعالى { قل إن ~~ضللت فإنمآ أضل على نفسي } أي ضرر ذلك راجع إلى ~~نفسي، { وإن اهتديت }؛ إلى الحق، { فبما يوحي إلي ~~ربي }؛ من القرآن والبيان، { إنه سميع }؛ لكل ما يقوله ~~الخلق من حق وباطل، { قريب }؛ مني، لا تخفى عليه خافية. ### || [34.51-52] # قوله تعالى: { ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت }؛ ولو ~~ترى يا محمد الكفار، يعني عند البعث، فلا يمكنهم الغوث ~~ولا الهرب من ما هو نازل بهم، لرأيت ما يعتبر به غاية ~~الاعتبار. ومعنى الآية: { ولو ترى إذ فزعوا } عند البعث ~~فلا يفوتونني؛ أي لا يفوتني أحد ولا ينجوا مني ظالم. # وقوله تعالى: { وأخذوا من مكان قريب }؛ يعني من ~~القبور حيث كانوا، فهم من الله قريب لا يبعدون عنه ولا ~~يفوتونه. تعني هذه الآية؛ قال بعضهم: أراد بقوله { إذ ~~فزعوا فلا فوت ms1723 } مما أصابهم يوم بدر عند القتال. وقال ~~بعضهم: أراد به يوم القيامة إذ فزعوا من مشاهدة عذاب جهنم، ~~وعلموا أنهم لا يفوتون لله، وأخذوا بالعذاب من مكان قريب ~~إلى جهنم فقذفوا فيها. # { وقالوا } ، عند رؤية العذاب: { آمنا به } ، أي آمنا ~~بالله تعالى وبرسوله، يقول الله تعالى: { وأنى لهم ~~التناوش من مكان بعيد }؛ أي أين لهم تناول ما أرادوا ~~بلوغه من مكان بعيد، يعني من الآخرة وقد تركوه في الدنيا؟ ~~يعني أنهم قد تعذر عليهم تناول الإيمان كما يتعذر على الإنسان ~~تناول النجوم. # والتناوش هو التناول، نشته أنوشه نوشا، إذا ~~تناوله، كأنه قال: وأنى لهم التوبة. وقيل: ما ~~يتمنون. قال ابن عباس: (يتمنون الرد حين لا ~~رد). # قرأ أبو عمرو والأعمش وحمزة والكسائي وخلف: (التناؤش) بالمد ~~والهمزة، وهو الإبطاء والبعد؛ أي من أين لهم أن يتحركوا فيما ~~لا حيلة لهم فيه. يقال: أنشت الشيء؛ إذا أخذته من بعيد، ~~والنيش: الشيء البطيء. وقرأ الباقون بغير همزة من التناول، ~~يقال: نشته إذا تناولته، وتناوش القوم في الحرب إذا ~~تدانوا وتناول بعضهم بعضا. # واختار أبو عبيد ترك الهمز؛ لأنه قال: (معناه من ~~التناول، فإذا همز كان معناه البعد فكيف يقول: { ~~وأنى لهم } البعد من مكان بعيد). قوله تعالى: ~~{ من مكان بعيد } يعني أنهم يريدون أن يتناولوا التوبة، ~~وقد صاروا في الآخرة، وإنما تقبل التوبة " في الدنيا " وقد ~~ذهبت الدنيا فصارت بعيدا من الآخرة. ### || [34.53] # قوله تعالى: { وقد كفروا به من قبل }؛ أي كانوا ~~كافرين بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن في الدنيا قبل ما ~~عاينوا من العذاب وأهوال القيامة. قوله تعالى: { ~~ويقذفون بالغيب من مكان بعيد }؛ أي ينسبون ~~محمدا صلى الله عليه وسلم إلى السحر والجنون والكهانة ~~رجما منهم بالغيب والقذف. والرجم بالغيب: أن يلفظ ~~الإنسان شيئا لا يتحقق، ومنه سمي الرمي بالفاحشة قذفا. # ومعنى قوله تعالى { بالغيب } أن يقذفون محمدا صلى ~~الله عليه وسلم بالظن لا باليقين، والغيب على هذا الظن، وهو ما ~~غاب علمه عنهم. وقوله تعالى: { من مكان بعيد } يعني ~~بعدهم ms1724 عن الحق. وقال قتادة: (معنى { ويقذفون بالغيب ~~} يقولون: لا بعث ولا جنة ولا نار). ### || [34.54] # قوله تعالى: { وحيل بينهم وبين ما يشتهون }: ~~أي حيل بين هؤلاء الكفار وبين الرجعة إلى الدنيا، وقال ~~الحسن: (معناه: حيل بينهم وبين الإيمان ~~والتوبة)، { كما فعل بأشياعهم }؛ أي كما فعل ~~بنظرائهم أو أشياعهم، ومن كان على مثل حالهم من الكفار، { ~~من قبل } ، أي قبل هؤلاء، { إنهم كانوا في شك }؛ ~~من البعث ونزول العذاب بهم، { مريب } ، أي ظاهر الشك. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من قرأ سورة سبأ لم يبق رسول ولا نبي إلا ~~كان له يوم القيامة رفيقا ومصافحا ". ### | [35 - سورة فاطر] ### || [35.1] # { الحمد لله فاطر السموت والأرض }؛ أي خالقهما، ~~مبتدئا من غير مثال سبق، قال ابن عباس رضي الله عنهما: ~~(ما كنت أعرف ما معنى فاطر حتى اختصم إلي ~~أعرابيان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها؛ أي ~~بدأتها). # قوله تعالى: { جاعل الملائكة رسلا }؛ قال بعضهم: ~~أراد به بالملائكة كلهم، فإنهم كلهم رسل الله بعضهم إلى بعض ~~وبعضهم إلى الإنس، وقال بعضهم: أراد بذلك جبريل وميكائيل ~~وإسرافيل وملك الموت والحفظة، يرسلهم إلى النبيين وإلى ما شاء ~~من الأمور. # قوله تعالى: { أولي أجنحة }؛ صفة الملائكة أي ذوي ~~أجنحة، { مثنى وثلاث ورباع } ، منهم من له جناحان، ~~ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، اختارهم الله تعالى ~~لرسالته من حيث علم أنهم لا يبدلون. # وقوله تعالى: { يزيد في الخلق ما يشآء }؛ أي يزيد في ~~أجنحة الملائكة ما يشاء، فمنهم من له مائة ألف جناح، ومنهم من له ~~أكثر، وعن ابن عباس رضي الله عنهما؛ قال: # " رأى النبي صلى الله عليه وسلم جبريل ليلة المعراج ~~وله ستمائة جناح ". # وعن ابن شهاب قال: # " سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتراءى له في ~~صورته، فقال له جبريل: إنك لن تطيق ذلك يا ~~رسول الله، قال: " إني أحب أن تفعل " فخرج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى في ليلة مقمرة، ~~فأتاه جبريل في ms1725 صورته، فغشي على النبي صلى الله ~~عليه وسلم حين رآه، ثم أفاق وجبريل مسنده إليه ~~واضع إحدى يديه على صدره والأخرى بين كتفيه. ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " سبحان الله ما كنت ~~أرى شيئا من الخلق هكذا " فقال جبريل عليه السلام: ~~كيف لو رأيت إسرافيل يا رسول الله؟! له اثنا عشر ~~جناحا، جناح بالمشرق وجناح بالمغرب والعرش على ~~كاهله ". # وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (إن لله تعالى ملكا يسع ~~البحار كلها في نقرة إبهامه). وقيل: معنى قوله { ~~يزيد في الخلق ما يشآء } يعني حسن الصوت، كذلك قال ~~الزهري، وقال قتادة: (هي الملاحة في العينين ~~والشعر الحسن والوجه الحسن والخط الحسن). # وقوله تعالى { وثلاث ورباع } في موضع خفض؛ لأنه لا يتصرف. ~~وقوله تعالى: { إن الله على كل شيء قدير }؛ أي قادر ~~على ما يزيد على الزيادة والنقصان. ### || [35.2] # قوله تعالى: { ما يفتح الله للناس من رحمة ~~فلا ممسك لها }؛ أي ما يرسل الله إلى الناس من رسول فلا ~~مانع له، وذلك لأن إرسال الرسول من الله تعالى رحمة لعباده كما ~~قال تعالى: # ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين # [الأنبياء: 107]. # وقيل: أراد بالرحمة ها هنا المطر والرزق والعافية وجميع ~~النعم، ما يفتح الله من ذلك فلا مانع له، ولا يستطيع أحد من ~~الخلق حبسه ولا إمساكه، وقوله تعالى: { وما يمسك فلا ~~مرسل له من بعده }؛ أي وما يمسك الله من ذلك فلا يقدر ~~أحد على إرساله، { وهو العزيز الحكيم }؛ أي العزيز فيما ~~أمسك، الحكيم فيما أرسل. ### || [35.3] # قوله تعالى: { يأيها الناس اذكروا نعمت الله ~~عليكم }؛ يعني أهل مكة اذكروا نعمة الله عليكم إذ أسكنكم ~~الحرم ومنعكم من الغارات، { هل من خالق غير الله }؛ هذا ~~استفهام، ومعناه التوبيخ؛ أي لا خالق سواه. وقوله تعالى: { ~~يرزقكم من السمآء والأرض }؛ أي من السماء بإنزال ~~المطر ومن الأرض بإخراج النبات، { لا إله إلا هو فأنى ~~تؤفكون }؛ أي فأنى تصرفون عن الإله الذي هذه صفته إلى معبود ~~لا يقدر على شيء. ### || [35.4] # قوله تعالى: { وإن ms1726 يكذبوك فقد كذبت رسل من ~~قبلك }؛ في هذه الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم لئلا ~~يجزع على تكذيب قومه، ويصبر كما صبر على تكذيب الأمم الرسل، { ~~وإلى الله ترجع }؛ عواقب { الأمور }؛ في مجازاة ~~المكذبين ونصرة المسلمين. ### || [35.5] # قوله تعالى: { يأيها الناس إن وعد الله حق ~~}؛ معناه إن الذي وعده الله المجازاة والبعث بعد الموت حق كائن، ~~{ فلا تغرنكم الحياة الدنيا }؛ بزينتها وزهرتها ~~حتى تشتغلوا بها عن أمر دينكم، { ولا يغرنكم بالله ~~الغرور }؛ أي ولا يستزلكم عن طاعة الله الشيطان الذي من عادته ~~الغرور. وقرأ ابن سماك العدوي: (الغرور) بضم الغين، وهو ~~أباطيل الدنيا، وأما (الغرور) بفتح الغين فيه، الشيطان. ### || [35.6-7] # قوله تعالى: { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه ~~عدوا }؛ أي احترزوا من كيده، ولا تقبلوا منه وتطيعوه، { ~~إنما يدعوا حزبه }؛ أي أهل طاعته ليكون معه، { ~~ليكونوا من أصحاب السعير }؛ أي ليسوقهم إلى النار، { ~~الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير }. ### || [35.8] # قوله تعالى: { أفمن زين له سوء عمله فرآه ~~حسنا }؛ نزلن في أبي جهل ومشركي مكة. وقيل: نزلت في ~~أصحاب الأهواء والملل التي خالفت الهدى، والمعنى: أفمن زين ~~له سوء عمله فرآه حسنا كمن هداه الله، ويدل على هذا المحذوف ~~قوله تعالى: { فإن الله يضل من يشآء ويهدي من ~~يشآء }. # قوله: { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات }؛ أي لا ~~تغتم، ولا تهلك نفسك عليهم حسرات على تركهم الإسلام، { ~~إن الله عليم بما يصنعون }؛ في كفرهم فيجازيهم بما هو ~~أولى بهم، قرأ أبو جعفر (فلا تذهب) بضم التاء وكسر الهاء، نصب ~~السين. ### || [35.9] # قوله تعالى: { والله الذي أرسل الرياح فتثير ~~سحابا }؛ معناه: الله الذي أرسل الرياح لإثارة السحاب، { ~~فسقناه إلى بلد ميت } ، فأجريناه الى بلد ميت ليس فيه ~~نبات ولا شجر، { فأحيينا به الأرض بعد موتها } ، ~~فأحيا " الله " بالمطر الأرض بإخراج الزرع والأشجار منها بعد ~~يبسها وذهاب النبات منها، { كذلك النشور }؛ كذلك البعث في ~~القيامة. # وهذا احتجاج على منكري البعث، فإن موتهم كموت الأرض، وذهاب ~~أثرهم ms1727 كذهاب أثر الأشجار والزروع، والقادر على إخراج الأشجار ~~والزروع من الأرض قادر على إخراج الموتى من الأرض. # ومعنى الآية: { والله الذي أرسل الرياح فتثير ~~سحابا } أي تزعجه من حيث هو { فسقناه إلى بلد ميت ~~} أي مكان ليس فيه نبات { فأحيينا به الأرض بعد ~~موتها } أي أنبتنا فيها الزرع والكلأ بعد أن لم يكن، { كذلك ~~النشور } أي الإحياء والبعث. # وعن أبي رزين العقيلي قال: # " قلت: يا رسول الله كيف يحيي الله الموتى؟ " أوما ~~مررت بوادي قومك ممحلا ثم مررت به خضرا؟ " ~~قلت: بلى، قال: " فكذلك يحيي الله الموتى " وقال: ~~" كذلك النشور " ". ### || [35.10] # قوله تعالى: { من كان يريد العزة فلله ~~العزة جميعا }؛ أي من كان يطلب العزة بعبادة الأصنام ~~فليطلبها بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، العزيز ~~من أعزه الله. وذلك أن الكفار كانوا يعبدون الأصنام طمعا ~~في العزة كما قال الله تعالى: # واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا # [مريم: 81]. أو قيل: معناه: من كان يريد أن يعلم العزة لمن ~~هي فليعلم أنها لله تعالى. # قوله تعالى: { إليه يصعد الكلم الطيب }؛ إلى ~~الله تصعد كلمة التوحيد وهو قوله لا إله إلا الله، ومعنى { ~~إليه يصعد } أي يعلم ذلك كما يقال: ارتفع الأمر إلى القاضي ~~والسلطان أي علمه. وقيل: صعود الكلم الطيب أن يرفع ~~ذلك مكتوبا أو مقبولا إلى حيث لا مالك إلا الله؛ أي إلى ~~سمائه يصعد الكلم الطيب. # قوله تعالى: { والعمل الصالح يرفعه }؛ قال الحسن: ~~(معناه: ذو العمل الصالح يرفع الكلم الطيب ~~إلى الله تعالى بعرض القول على الفعل، فإن وافق ~~القول الفعل قبل، وإن خالف رد، لأن العبد إذا ~~وحد الله وأخلص في عمله ارتفع العمل إلى الله ~~تعالى). قال: (ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ~~ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل، من قال ~~حسنا وعمل غير صالح رده الله تعالى، ومن عمل ~~صالحا رفعه العمل). # وقرأ أبو عبدالرحمن (الكلام الطيب). وعن أبي هريرة عن ~~النبي صلى الله علي وسلم في قوله { إليه يصعد الكلم ms1728 }: # " هو قول الرجل: سبحان الله؛ والحمد لله؛ ولا ~~إله إلا الله؛ والله أكبر، إذا قالها العبد عرج بها ~~ملك إلى السماء ". # وقيل: الكلام الطيب: لا إله إلا الله، والعمل الصالح: أداء ~~فرائضه، ومن لا يؤدي فرضه رد كلامه. وجاء في الخبر: # " طلب الجنة بلا عمل ذنب من الذنوب " # ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يقبل الله قولا بلا عمل " # ، وعلى هذا المعنى قول الشاعر: # لا ترض من رجل حلاوة قوله # حتى يصدق ما يقول فعال # فإذا وزنت فعاله بمقاله # فتوازنا فإخاء ذاك جمال # وقال ابن المقفع: (قول بلا عمل كثريد بلا دسم، ~~وسحاب بلا مطر، وقوس بلا وتر). وقيل: معناه: ~~والعمل الصالح يرفعه الله؛ أي يقبله. # قوله تعالى: { والذين يمكرون السيئات لهم ~~عذاب شديد }؛ أي يفعلونها على وجه المخادعة كما كان الكفار ~~يمكرون بالنبي صلى الله عليه وسلم في دار الندوة. وقيل: ~~معناه: الذين يشركون بالله وبعمل السيئات لهم عذاب شديد في ~~الآخرة. وقيل: أراد بقوله { يمكرون السيئات } يعملون ~~عملا على وجه الرياء. # " كما روي أن رجلا قال: يا رسول الله؛ فيم النجاة ~~غدا؟ فقال: " لا تخادع الله، فإنه من يخادع الله ~~يخدعه ويخلعه من الإيمان ". فقال رجل: يا رسول ~~الله فكيف يخادع الله؟ فقال: " أن تعمل بما أمرك ~~الله، لا يقبل مع الرياء عمل، فإن المرائي ~~ينادى يوم القيامة على رؤوس الأشهاد بأربعة ~~أسماء: يا كافر؛ يا فاجر؛ يا غادر؛ يا خاسر؛ ضل ~~عملك " # قوله تعالى: { ومكر أولئك هو يبور }؛ أي يفسد ~~ويهلك ويكسر ولا يكون شيئا. ### || [35.11] # قوله تعالى: { والله خلقكم من تراب }؛ أي خلق ~~أصلكم وأباكم آدم من تراب، { ثم من نطفة }؛ أي ثم خلق نسل ~~آدم من نطفة، { ثم جعلكم أزواجا }؛ يعني ذكرانا ~~وإناثا، { وما تحمل من أنثى }؛ أو تلد لتمام وغير ~~تمام، { ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ~~ولا ينقص من عمره إلا في كتاب }؛ أي ما يطول عمر ~~أحد، ولا ينقص من عمر أحد إلا وهو مثبت في اللوح المحفوظ، ~~وقوله: ms1729 { إن ذلك على الله يسير }؛ أي كتابة الآجال ~~والأعمال وحفظها من غير كتابة على الله هين. ### || [35.12] # قوله تعالى: { وما يستوي البحران هذا عذب ~~فرات سآئغ شرابه وهذا ملح أجاج }؛ قيل: هذه مثل ~~ضربه الله، يقول: كما لا يستوي البحران أحدهما عذب في غاية ~~العذوبة هنيء شرابه مريء، والآخر مر زعاف لا يستطاع ~~شرابه، فكذلك لا يستوي المؤمن والكافر، والتقي والفاسق. والسائغ: ~~هو السالك في الحلق. والأجاج: شديد الملوحة. وقرأ عيسى ~~(سيغ شرابه) مثل ميت وسيد. # قوله تعالى: { ومن كل تأكلون لحما طريا }؛ أي ~~ومن كل البحرين تأكلون السمك لا يختلف طعم السمك لاختلاف ~~ماء البحرين، فكذلك قد يولد للكافر ولد مسلم مثل خالد بن الوليد ~~وعكرمة بن أبي جهل وغيرهما. # وقوله تعالى: { وتستخرجون حلية تلبسونها }؛ قيل: ~~أراد به إخراج اللؤلؤ والمرجان من أحدهما خاصة وهو الملح. ~~والمعنى: تستخرجون من الملح دون العذب. قيل: إن اللؤلؤ قطر ~~المطر يقع في جوف الصدف فيكون منه اللؤلؤ. # قوله تعالى: { وترى الفلك فيه مواخر }؛ أي ترى ~~السفن جواري في البحر، قال مقاتل: (هو أن ترى سفينتين، ~~أحدهما مقبلة والأخرى مدبرة، وهذه تستقبل ~~تلك، وتلك تستدبر هذه، تجريان بريح واحدة). # قوله تعالى: { لتبتغوا من فضله }؛ لتطلبوا من رزقه ~~التجارة، فتحمل النعم فيها من بلد إلى بلد، قوله تعالى: { ~~ولعلكم تشكرون }؛ أي فعل ذلك لتعلموا أن هذه النعم ~~من الله، ولكي تشكرونه عليها. ### || [35.13] # قوله تعالى: { يولج الليل في النهار ويولج ~~النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل ~~يجري لأجل مسمى }؛ قد تقدم تفسيره. # وقوله تعالى: { ذلكم الله ربكم }؛ أي الذي يفعل هذه ~~الأشياء هو الله ربكم، و؛ { له الملك }؛ الدائم الذي لا ~~يزول، { والذين تدعون من دونه }؛ من الأصنام، { ما ~~يملكون من قطمير }؛ لا يقدرون على أن ينفعوكم بقدر ~~قطمير، وهو القشرة الدقيقة الملتزقة بنواة الثمرة ~~كاللفافة عليها. ### || [35.14] # قوله تعالى: { إن تدعوهم لا يسمعوا دعآءكم }؛ ~~ولو كانوا سامعين ما أجابوكم بإغاثة ولا نصرة، والمعنى: إن ~~تدعوهم لكشف ضر لا يسمعوا دعاءكم لأنها جماد ms1730 لا تنفع ولا ~~تضر، { ولو سمعوا }؛ بأن الله خلق فيهم السمع، { ما ~~استجابوا لكم ويوم القيامة يكفرون بشرككم ~~}؛ أي يتبرؤن منكم ومن عبادتكم كما قال الله تعالى: # إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا # [البقرة: 166] والمعنى بقوله: { يكفرون بشرككم } أي ~~يتبرؤن من عبادتكم، يقولون: ما كنتم إيانا تعبدون. # قوله تعالى: { ولا ينبئك مثل خبير }؛ معناه: لا ~~يخبرك بحقائق الأمور وعواقبها إلا الله؛ لأنه عالم بكل ~~الأشياء، لا يخفى عليه منها شيء، ولا تلحقه المضار والمنافع. ### || [35.15-17] # قوله تعالى: { يأيها الناس أنتم الفقرآء إلى ~~الله }؛ أي المحتاجون إليه وإلى نعمه ومغفرته حالا بعد ~~حال، { والله هو الغني }؛ عن إيمانكم وطاعتكم، { الحميد ~~}؛ أي المحمود في أفعاله عند خلقه. وإنما أمركم بطاعته ~~لتنتفعوا بها لا حاجة به إليها، { إن يشأ يذهبكم }؛ أي إن ~~يشأ يهلككم، { ويأت بخلق جديد } ، ويأت بخلق أطوع منكم، { ~~وما ذلك على الله بعزيز }؛ أي ليس إهلاككم وإتيانه ~~بمثلكم على الله ممتنع. ### || [35.18-20] # قوله تعالى: { ولا تزر وازرة وزر أخرى }؛ أي لا تحمل ~~يوم القيامة حمل حاملة أخرى؛ أي لا تؤخذ نفس بذنب غيرها، { وإن ~~تدع مثقلة }؛ بالذنوب، { إلى حملها لا يحمل منه ~~شيء } ، إلى أن يحمل عنها شيء من ذنوبها لا تحمل من ذنوبها ~~شيء، { ولو كان ذا قربى } ، ولو كانت المدعوة ذات قرابة ~~من الداعية لما في ذلك من غلط حمل الآثام، ولو تحملته لا ~~يقبل حملها؛ لأن كل نفس بما كسبت رهينة، فلا يؤخذ أحد بذنب ~~غيره. # وسئل الحسن بن الفضل عن الجمع بين هذه الآية وبين قوله # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # [العنكبوت: 13] فقال (قوله { ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى } يعني طوعا، وقوله # وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم # [العنكبوت: 13] يعني كرها). قال ابن عباس: في قوله { وإن ~~تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء } قال: ~~(يقول الأب والأم: يا بني احمل عني، فيقول: ~~حسبي ما علي). # قوله تعالى: { إنما تنذر الذين يخشون ربهم ~~بالغيب }؛ يقول: إنما ينتفع بإنذارك ووعظك الذين يطيعون ~~ربهم في السر، { وأقاموا ms1731 الصلاة }؛ المفروضة، ولأن من ~~خشي الله واجتنب المعاصي في السر من خشية الله تعالى، اجتنبها ~~لا محالة في العلانية. # ويقال: إن الخشية في السر، والإقدام على الطاعة في السر، ~~واجتناب المعصية في السر، أعظم عند الله ثوابا، كما قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " ما تقرب امرئ بشيء أفضل من سجود خفي في ~~الليلة المظلمة " # وأما عطف الماضي في قوله تعالى { وأقاموا الصلاة } على ~~المستقبل في قوله { يخشون } ، ففائدة ذلك أن وجوب خشية الله ~~لا تختص بزمان دون زمان ولا بمكان دون مكان، ووجوب إقامة الصلاة ~~يختص ببعض الأوقات. # قوله تعالى: { ومن تزكى فإنما يتزكى ~~لنفسه }؛ أي ومن تطهر من دنس الذنوب والشرك ليكون عند ~~ربه زكيا، فإن منفعة تطهره راجعة إلى نفسه، { وإلى الله ~~المصير }؛ أي إليه يرجع الخلق كلهم في الآخرة، { وما يستوي ~~الأعمى والبصير }؛ يعني المشرك والمؤمن، { ولا ~~الظلمات ولا النور }؛ أي ولا الشرك ولا الضلال كالنور ~~والهدى والإيمان. ### || [35.21-23] # قوله تعالى: { ولا الظل ولا الحرور }؛ ولا الجنة ولا ~~النار. وقال عطاء: (يعني ظل الليل وسموم النهار)، { ~~وما يستوي الأحيآء ولا الأموات }؛ يعني المؤمنين ~~والكافرين، وهذه أمثال ضربها الله تعالى، كما لا تستوي هذه ~~الأشياء، كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن. # وقوله تعالى: { إن الله يسمع من يشآء }؛ أي يسمع ~~كلامه من يشاء؛ أي يتعظ ويهتدي، قال عطاء: (يعني ~~أولياءه الذين خلقهم لجنته). قوله تعالى: { ~~ومآ أنت بمسمع من في القبور }؛ أي كما لا تقدر تسمع ~~من في القبور، فكذلك لا تقدر أن تسمع الكفار، شبههم بالموتى ~~لأنهم لا ينتفعون كالموتى. # وقرأ أبو رزين العقيلي (ما أنت بمسمع من في القبور) ~~بلا تنوين بالإضافة، وقوله تعالى: { إن أنت إلا نذير }؛ أي ~~ما أنت إلا رسول تنذرهم النار وتخوفهم، وليس عليك غير ذلك. ### || [35.24-26] # قوله تعالى: { إنآ أرسلناك بالحق بشيرا ~~ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير }؛ أي ما ~~من أمة إلا سلف فيها نبي، { وإن يكذبوك }؛ فلست ~~بأول رسول كذب، { فقد كذب الذين من قبلهم ~~جآءتهم رسلهم ms1732 بالبينات }؛ الواضحات، { وبالزبر }؛ ~~وهي الكتب، وقوله تعالى: { وبالكتاب المنير }؛ يعني ~~التوراة. وقيل: إنما كرر الزبور هي الكتب أيضا لاختلاف ~~صفات الكتاب؛ لأن الزبور هو الكتابة الثابتة كالنقرة في الصخرة، ~~ثم قال { وبالكتاب المنير } الموصوف واحد والصفات مختلفة. ~~وقوله تعالى: { ثم أخذت الذين كفروا }؛ أي أخذتهم ~~بالعقوبة, { فكيف كان نكير }؛ أي إنكاري عليهم وتعذيبي لهم. ### || [35.27] # قوله تعالى: { ألم تر أن الله أنزل من السمآء ~~مآء }؛ يعني المطر، { فأخرجنا به ثمرات مختلفا ~~ألوانها }؛ وطعمها. قوله تعالى: { ومن الجبال جدد ~~بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود }؛ أي ~~وخلقنا من الجبال (جدد بيض) أي طرق يكون في الجبال كالعروق ~~بيض وسود وحمر، واحدها جدة، قال المبرد: (جدد: طرق ~~وخطوط ونحو هذا، والجدد الجدة، وهي الطريقة ~~كالمدة والمدد والعدة والعدد، وأما الجدد ~~بضمتين فهي جمع الجديد مثل سرير وسرر). # وقوله تعالى { وغرابيب سود } يجوز أن يكون الغرابيب هي الجبال ~~السود، كأنه قال: ومن الجبال غرابيب، والغرابيب الذي لونه ~~كلون الغراب، ولذلك حسن أن يقال سود، وقال الفراء: (هذا ~~على التقديم والتأخير، تقديره: وسود غرابيب). ### || [35.28] # قوله تعالى: { ومن الناس والدوآب والأنعام ~~مختلف ألوانه }؛ كاختلاف الثمار والجبال، وتم الكلام ~~على، { كذلك }. # قوله تعالى: { إنما يخشى الله من عباده ~~العلماء }؛ قال ابن عباس: (معناه: إنما يخافون من ~~خلقي من علم جبروتي وعزتي وسلطاني)، وقال مقاتل: ~~(أشد الناس لله خشية أعلمهم به)، وقال مسروق: (كفى ~~بخشية الله علما، وكفى بالاغترار بالله جهلا). ~~قوله تعالى: { إن الله عزيز }؛ أي عزيز قاهر وغالب في ~~ملكه، { غفور }؛ لذنوب المؤمنين. ### || [35.29] # قوله تعالى: { إن الذين يتلون كتاب الله }؛ ~~يعني القرآن في الصلاة وغيرها، { وأقاموا الصلاة }؛ ~~المفروضة، { وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية }؛ ~~أي وأنفقوا مما أعطيناهم من الأموال تطوعا سرا فيسلموا بذلك ~~عن تهمة الرياء، وفريضة جهرا فيسلمون بذلك عن تهمة ~~المنع، ويقال أراد بذلك النفقة في الجهاد، { يرجون }؛ بذلك، { ~~تجارة لن تبور }؛ أي لن تكسد ولا يرد عليها الفساد ~~والبطلان. ### || [35.30] # قوله تعالى: { ليوفيهم أجورهم }؛ ليعطيهم أجر ~~أعمالهم كاملة، { ويزيدهم من ms1733 فضله }؛ فوق ما يستحقوه، ~~قال ابن عباس: (يعني سوى الثواب)، وقوله تعالى: { إنه ~~غفور شكور }؛ إنه غفور لذنوبهم، شكور يعامل بالأحسن معاملة ~~الشاكر، قال ابن عباس: (غفر العظيم من ذنوبهم، وشكر ~~اليسير من أعمالهم). ### || [35.31] # قوله تعالى: { والذي أوحينآ إليك من الكتاب ~~هو الحق مصدقا لما بين يديه }؛ أي موافقا لما ~~قبله من الكتب، لأن كتب الله تعالى كلها دالة على توحيده وإن ~~اختلفت بالشرائع، { إن الله بعباده لخبير بصير }؛ أي ~~خبير بأقوالهم وأفعالهم ونياتهم فيجزيهم بما يستحقون. ### || [35.32] # قوله تعالى: { ثم أورثنا الكتاب الذين ~~اصطفينا من عبادنا }؛ قال مقاتل: (يعني القرآن)، ~~وقوله تعالى: { الذين اصطفينا من عبادنا } يريد أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم. # ثم قسمهم ورتبهم فقال تعالى: { فمنهم ظالم لنفسه ~~}؛ وهو الذي مات على كبره ولم يتب عنها، { ومنهم مقتصد ~~}؛ وهو الذي لم يصب كبيرة، { ومنهم سابق بالخيرات }؛ ~~يعني المقربين الذين سبقوا إلى أعمال، وقال الحسن: (الظالم: ~~الذي ترجح سيئاته على حسناته، والمقتصد: ~~الذي استوت حسناته سيئاته، والسابق: من رجحت ~~حسناته على سيئاته). # وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: # " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " سابقنا ~~سابق " # أي إلى الجنة أو إلى رحمة الله تعالى بالخيرات؛ أي بالأعمال ~~الصالحة، { بإذن الله }؛ أي بإرادة الله، { ذلك هو ~~الفضل الكبير }؛ معناه: إيراثهم الكتاب هو الفضل الكبير، ~~وسمي إعطاء الكتاب إيراثا لأنهم أعطوه بغير مسألة ولا ~~اكتساب. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا: # " السابقون يدخلون الجنة بغير حساب، ~~والمقتصدون يحاسبون حسابا يسيرا ثم يدخلون ~~الجنة، والظالمون يحاسبو ما شاء الله أن ~~يحاسبوا، ثم يرحمهم الله تعالى فيدخلهم ~~الجنة، وهم الذين يقولون: الحمد لله الذي ~~أذهب عنا الحزن... " # إلى آخر الآيتين. # وعن الحسن أنه قال: (السابق الذي ترك الدنيا، ~~والمقتصد الذي أخذ الحلال، والظالم الذي لا ~~يبالي من أين أخذ). ويقال: الظالم صاحب الكبائر، والمقتصد ~~صاحب الصغائر، والسابق الذي اتقى سيئاته. # فإن قيل ما الحكمة في تقديم الظالم وتأخير السابق؟ قيل: الواو ~~لا توجب ms1734 الترتيب كما قال تعالى # فمنكم كافر ومنكم مؤمن # [التغابن: 2]. وقيل: قدم الظالم لئلا ييأس من رحمته، ~~وأخر السابق لئلا يعجب بنفسه. وقيل: قدم الظالم فإذا ~~لم يكن له شيء يتكل عليه إلا رحمة الله تعالى، وثنى ~~بالمقتصد لحسن ظنه بربه. وقيل: لأنه بين الخوف والرجاء، ~~وأخر السابق لأنه اتكل على حسناته. وقيل: لئلا يأمن أحد ~~مكره، وكلهم في الجنة بحرمة كلمة الإخلاص. # وعن عقبة بن صهبان قال: (سألت عائشة عن قوله: { ~~فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم ~~سابق بالخيرات } فقالت: يا بني كلهم في ~~الجنة، وأما السابق فمن مضى على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم شهد له النبي صلى الله عليه وسلم ~~بالجنة، وأما المقتصد فمن تبع أثره من أصحابه ~~حتى لحق به، وأما الظالم فمثلي ومثلك). وقال سهل ~~بن عبدالله: (السابق العالم، والمقتصد المتعلم، ~~والظالم الجاهل). # وقيل: السابق الذي اشتغل بمعاده، والمقتصد بمعاده ومعاشه، ~~والظالم الذي اشتغل بمعاشه عن معاده. وقيل: الظالم طالب ~~الدنيا، والمقتصد طالب العقبى، والسابق طالب المولى. وقيل: ~~الظالم المرائي في جميع أفعاله، والمقتصد المرائي في بعض ~~أفعاله دون بعض، والسابق المخلص في أفعاله كلها. # وقيل: الظالم من كان ظاهره خيرا من باطنه، والمقتصد من ~~استوى ظاهره وباطنه، والسابق الذي باطنه خير من ظاهره. وقيل: ~~الظالم الذي يجزع عند البلاء، والمقتصد الذي يصبر عند البلاء، ~~والسابق الذي يتلذذ بالبلاء! # وقيل: الظالم الذي يعبد الله خوفا من النار، والمقتصد الذي ~~يعبده طمعا في الجنة، والسابق الذي يعبده لا لسبب من الأسباب ~~إلا لرحمته الكريم! وقيل: الظالم الذي يعبد الله على الغفلة، ~~والمقتصد الذي يعبده على الرغبة, والسابق الذي يعبده على الهيبة. ~~وقيل: الظالم الذي أعطي فمنع، والمقتصد الذي أعطي فبذل، ~~والسابق الذي أعطي فشكر. # وقيل: الظالم غافل، والمقتصد طالب، والسابق واصل. وقيل: ~~الظالم من استغنى بماله، والمقتصد من استغنى بدينه، والسابق من ~~استغنى بربه. وقيل: السابق الذي يدخل المسجد قبل الأذان، ~~والمقتصد الذي يدخل وقت الأذان، والظالم الذي يدخل وقت أقيمت ~~الصلاة! وقيل: الظالم الذي ms1735 يحب نفسه، والمقتصد الذي يحب ~~دينه، والسابق الذي يحب ربه. وقيل: الظالم مدعو، ~~والمقتصد مأذون له، والسابق مقرب. ### || [35.33] # قوله تعالى: { جنات عدن يدخلونها }؛ يعني الأصناف ~~الثلاثة: الظالم؛ والمقتصد؛ والسابق. ومعنى الآية: { جنات ~~عدن } أي بساتين إقامة لا تزول, { يحلون فيها من ~~أساور من ذهب }؛ أي يلبسون أقلبة من ذهب وسوار ~~القلب. وقوله تعالى: { ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير }؛ ~~من قرأ بالكسر فالمعنى من ذهب ومن لؤلؤ، ومن قرأ بالنصب فمعناه: ~~ويحلون لؤلؤا. ### || [35.34-35] # قوله تعالى: { وقالوا الحمد لله الذي أذهب ~~عنا الحزن }؛ أي يقولون بعد دخولهم الجنة: { الحمد ~~لله الذي أذهب عنا الحزن } أي حزن الموت وأهوال ~~يوم القيامة، وقيل: حزن المعاش وهموم الدنيا، فإن الدنيا ~~سجن المؤمن. وقال عكرمة: (حزن الذنوب والسيئات)، # وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: # " ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم، ~~ولا في محشرهم، كأني بأهل لا إله إلا الله ~~يخرجون من قبورهم وهم ينفضون التراب عن ~~رؤوسهم وهم يقولون: الحمد لله الذي أذهب عنا ~~الحزن ". # قوله تعالى: { إن ربنا لغفور شكور }؛ أي متجاوز ~~عن الذنوب، يقبل اليسير من العمل، ويعطي الجزيل من الثواب. ~~قوله تعالى: { الذي أحلنا دار المقامة }؛ أي دار ~~المقام وهي الجنة، { من فضله } ، بتفضله لا بالأعمال. وسمي ~~دار المقامة لأن من دخلها يخلد لا يموت، ويقيم فيها لا يحول. ~~قوله تعالى: { لا يمسنا فيها نصب }؛ أي لا يمسنا ~~فيها تعب؛ { ولا يمسنا فيها لغوب }؛ أي مشقة وتعب ~~وإعياء وقبور. ### || [35.36] # قوله تعالى: { والذين كفروا لهم نار جهنم }؛ ~~أي الذين كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن لهم في ~~الآخرة نار جهنم، { لا يقضى عليهم فيموتوا }؛ فلا يقضى ~~عليهم بموت فيستريحون من العذاب، { ولا يخفف عنهم من ~~عذابها }؛ من عذاب النار طرفة عين. قرأ الحسن: (فيموتون) ~~بالنون ولا يكون حينئذ جوابا للنفي، والمعنى: لا يقضى عليهم ولا ~~يموتون كقوله # ولا يؤذن لهم فيعتذرون # [المرسلات: 36]. # قوله تعالى: { كذلك نجزي كل كفور ms1736 }؛ أي هكذا يجزى ~~في الآخرة كل كفور بنعم الله تعالى. قرأ العامة (نجزي) ~~بالنون ونصب اللام، وقرأ أبو عمرو وحده بضم الياء وفتح الزاي على ما ~~لم يسم فاعله ورفع اللام. ### || [35.37] # قوله تعالى: { وهم يصطرخون فيها }؛ أي يستغيثون ~~في النار وهو افتعال من الصراخ يقولون: { ربنآ أخرجنا }؛ من ~~النار، { نعمل صالحا }؛ أي بقول لا إله إلا الله، وقوله ~~تعالى: { غير الذي كنا نعمل }؛ أي غير الشرك. ~~فوبخهم الله تعالى فقال: { أولم نعمركم ما يتذكر ~~فيه من تذكر } ، معناه: أولم نعمركم مقدار ما يتعظ ~~فيه من كان يريد أن يتعظ ويؤمن. قال عطاء: (يريد ثمانية ~~عشر سنة)، وقال الحسن: (أربعين سنة)، وقال ابن عباس: ~~(ستين سنة). # قال: (هو العمر الذي أعذر الله إلى ابن آدم، قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: # " من عمره الله تعالى ستين سنة فقد أعذر الله ~~إليه في العمر " # ). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين، ~~وأقلهم من يجوز ذلك " # قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " منزل منايا أمتي ما بين الستين إلى السبعين ~~". # قوله تعالى: { وجآءكم النذير }؛ قال جمهور المفسرين: ~~يريد النبي صلى الله عليه وسلم. وروي عن عكرمة وسفيان بن عيينة: ~~(المراد من النذير الشيب) ومعناه: أولم ~~نعمركم حتى شبتم؟. وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من أناف سنه على أربعين سنة ولم تغلب ~~حسناته على سيئاته فليتجهز إلى النار ". # قوله تعالى: { فذوقوا فما للظالمين من نصير }؛ ~~أي فذوقوا العذاب فما للمشركين من مانع يمنعهم من العذاب. ### || [35.38] # قوله تعالى: { إن الله عالم غيب السموت ~~والأرض إنه عليم بذات الصدور }؛ أي عالم سر أهل ~~السماوات والأرض، إنه عليم بما في القلوب من الخير والشر. ### || [35.39-40] # قوله تعالى: { هو الذي جعلكم خلائف في الأرض ~~}؛ أي جعلكم خلفاء عن من كان قبلكم أمة بعد أمة، وقرنا بعد ~~قرن، { فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين ~~كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد ms1737 الكافرين ~~كفرهم إلا خسارا }؛ أي إلا نقصا، { قل أرأيتم ~~شركآءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا ~~خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السموت أم ~~آتيناهم كتابا فهم على بينة منه }؛ أي خبروني ~~عن شركائكم الذين أشركتموهم مع الله في العبادة؛ بأي شيء ~~أوجبتهم لهم شركاء مع الله تعالى؟ بخلق خلقوه من الأرض؛ أم ~~لهم نصيب في خلق السماوات؛ أم أعطيناهم كتابا فيه ما ~~يدعونه فهم على بينة منه. قوله تعالى: { بل إن يعد ~~الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا }؛ ولكن ما يعد ~~الظالمون بعضهم بعضا إلا خداعا وأباطيل. ### || [35.41] # قوله تعالى: { إن الله يمسك السموت والأرض ~~أن تزولا }؛ أي منعهما من الزوال والذهاب، { ولئن زالتآ ~~إن أمسكهما من أحد من بعده }؛ أي ولو زالتا عن ~~أماكنها لم يمسكهما أحد غير الله. قوله تعالى: { ~~إنه كان حليما غفورا }؛ أي حليما عن مقالة الكفار، ~~غفورا لمن تاب منهم، والحكيم هو القادر الذي لا يعجل ~~بالعقوبة، والغفور كثير الغفران. ### || [35.42-43] # قوله تعالى: { وأقسموا بالله جهد أيمانهم }؛ ~~أي حلف كفار مكة بالله غاية أيمانهم قبل أن يأتيهم ~~محمدا صلى الله عليه وسلم، { لئن جآءهم نذير }؛ أي رسول، ~~{ ليكونن أهدى من إحدى الأمم }؛ أي ليكونن أسرع ~~إجابة وأصوب دينا من إحدى الأمم، اليهود والنصارى والصابئين ~~وغيرهم، { فلما جآءهم نذير }؛ يعني محمدا صلى الله عليه ~~وسلم، { ما زادهم إلا نفورا }؛ عن الحق وتباعدا عن الهدى، ~~وقوله تعالى: { استكبارا في الأرض }؛ منصوب على أنه مفعول له ~~(أي ما زادهم إلا نفورا). الاستكبار في الأرض عتوا على ~~الله وتكبرا عن الإيمان، وقيل: على البدل من قوله ~~(نفورا). وقيل: على المصدر. # وقوله تعالى: { ومكر السيىء }؛ أي القصد أي الإضرار ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من حيث لا يشعرون. قوله ~~تعالى: { ولا يحيق المكر السيىء إلا بأهله }؛ ~~أي لا يحيق ضرر المكر السي إلا بفاعله، فقتلوا يوم بدر، ~~والمكر السيء هو العمل القبيح، وقوله تعالى { ولا يحيق } أي ~~ولا يحل ولا ينزل إلا بأهله. # قوله تعالى: { فهل ينظرون ms1738 إلا سنت الأولين }؛ ~~أي ما ينظر أهل مكة إلا أن ينزل بهم العذاب مثل ما نزل بمن ~~قبلهم من الأمم السالفة المكذبة. قوله تعالى: { فلن ~~تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله ~~تحويلا }؛ أي لا يقدر أحد أن يحول العذاب عنهم إلى غيرهم. ### || [35.44] # قوله تعالى: { أولم يسيروا في الأرض فينظروا ~~كيف كان عاقبة الذين من قبلهم } معناه: أولم ~~يسافروا في الأرض فينظروا كيف صار آخر أمر الذين من قبلهم عند ~~تكذيبهم الرسل كيف فعل الله بهم؟ { وكانوا أشد منهم }؛ ~~من أهل مكة، { قوة }؛ ومكن لهم ما لم يمكن لهؤلاء. ~~قوله تعالى: { وما كان الله ليعجزه من شيء في ~~السموات ولا في الأرض }؛ أي لن يعجزه أحد من الخلق في ~~السماوات ولا في الأرض، { إنه كان عليما قديرا }؛ أي ~~عليما بخلقه، قادرا عليهم. ### || [35.45] # قوله تعالى: { ولو يؤاخذ الله الناس بما ~~كسبوا ما ترك على ظهرها من دآبة }؛ أي لو يؤاخذهم ~~بما كسبوا من المعاصي ما ترك على ظهر الأرض من دابة، { ولكن ~~يؤخرهم }؛ بفضله، { إلى أجل مسمى }؛ إلى وقت معلوم، ~~{ فإذا جآء أجلهم }؛ فإذا جاء ذلك الوقت، { فإن الله ~~كان بعباده بصيرا }؛ يفعل به ما يستحقونه من ثواب ~~وعقاب. ### | [36 - سورة يس] ### || [36.1] # { يس }؛ قال ابن عباس: (يريد: يا إنسان)، يعني محمدا ~~صلى الله عليه وسلم، وقال أبو العالية: (يا رجل)، وقال سعيد بن ~~جبير: (يا محمد صلى الله عليه وسلم)، قرأ أبو عمرو وحمزة وعاصم ~~بإظهار النون، وقرأ عيسى بن عمر (يس) بالنصب تشبيها بأين وكيف، ~~وقرأ ابن أبي إسحاق (يس) بكسر النون تشبيها بأمس وحذام وقطام، ~~وقرأ هارون الأعور بضم النون تشبيها بمنذ وحيث وقط، وقرأ ~~الآخرون بإخفاء النون. ### || [36.2-4] # قوله تعالى: { والقرآن الحكيم }؛ أي المحكم من ~~الباطل، وقيل: أحكم بالحلال والحرام والأمر والنهي. قوله ~~تعالى: { إنك لمن المرسلين } وذلك أن كفار مكة ~~قالوا لمحمد صلى الله عليه وسلم: لست مرسلا، فأقسم الله ~~تعالى بالقرآن الحكيم إنك مرسل. قوله تعالى: { على ~~صراط مستقيم }؛ يعني دين الإسلام ms1739 وطريق الأنبياء عليهم ~~السلام الذين مضوا قبلك. ### || [36.5] # قوله تعالى: { تنزيل العزيز الرحيم }؛ أي هو تنزيل ~~العزيز في ملكه، الرحيم بخلقه، قال مقاتل: (معناه: هذا ~~القرآن الحكيم تنزيل العزيز الرحيم). وقول ابن ~~عامر وأهل الكوفة (تنزيل) بالنصب على المصدر، كأنه قال: ~~ونزل تنزيلا. ### || [36.6] # قوله تعالى: { لتنذر قوما مآ أنذر آبآؤهم }؛ متصل ~~بقوله { إنك لمن المرسلين } لتنذر قوما ما ~~أنذر آباؤهم؛ أي لتنذر قوما لم يأتهم نذير قبلك؛ ~~لأنهم كانوا في الفترة وهو معنى قوله: { فهم غافلون }؛ أي ~~عن حجج التوحيد وأدلة البعث، وقيل: { فهم غافلون } ~~عن أمر الآخرة. ### || [36.7] # قوله تعالى: { لقد حق القول على أكثرهم ~~فهم لا يؤمنون }؛ أي لقد حقت كلمة العذاب على أهل مكة ~~لكثرة كفرهم فهم لا يصدقون، وهذا إخبار عن علم الله فيهم أنهم لا ~~يؤمنون، فقتلوا يوم بدر على الكفر. ### || [36.8-9] # قوله تعالى: { إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا }؛ أي في ~~أعناقهم وأيمانهم أغلالا، ولم يذكر الأيمان في الآية لأن ~~الكلام دليل عليه؛ لأن الغلة لا يكون في العنق دون اليد، ولا ~~في اليد دون العنق، وإنما تغل الأيدي إلى الأعناق. وقوله ~~تعالى: { فهى إلى الأذقان }؛ كناية عن الأيدي دون الأغلال، ~~وقوله تعالى: { فهم مقمحون }؛ أي رافعوا رؤوسهم، ~~والمقمح: الرافع رأسه الغاض بصره. # واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية، فروي عن ابن عباس: (أن ~~الآية نزلت في قوم من الكفار فيهم أبو جهل، ~~تواطؤا على أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم إذا ~~رأوه يصلي، وحلف أبو جهل أنه إذا رآه يصلي ~~ليدمغنه بالحجر، فأتوه يوما وهو يصلي، ~~فجاءه أبو جهل ومعه الحجر، فرفع الحجر ~~ليدمغن به النبي صلى الله عليه وسلم فيبست يده إلى ~~عنقه والتزق الحجر إلى يده، فلما رجع إلى ~~أصحابه خلصوا الحجر، فأخبرهم بأمر الحجر، ~~فقال رجل من بني مغيرة: أنا أقتله! وأخذ الحجر ~~ودنا من النبي صلى الله عليه وسلم، فطمس الله على ~~بصره فلم ير النبي صلى الله عليه وسلم وكان يسمع ~~قراءته). # فذلك قوله تعالى: { وجعلنا من بين ms1740 أيديهم ~~سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون ~~}؛ أي جعلنا من بين أيديهم غطاء وسدا ومن خلفهم كذلك فأغشينا ~~أبصارهم حتى لم يروا. # قال الفراء: (معنى أغشينا: ألبسنا أبصارهم غشوة ~~أي عمى)، وعن ابن خثيم قال: (سمعت عكرمة يقرأ ~~(فأعشيناهم) بالعين المهملة)، وروي ذلك عن ابن ~~عباس أيضا، وقال الحسن: (هذا على طريق المثل) وذلك ~~أن الله تعالى لما حال بينهم وبين من أرادوا ~~من النبي صلى الله عليه وسلم كانوا كمن غلت يده إلى ~~عنقه لا يمكنه أن يبسطها إلى شيء، وهو طافح ~~رأسه لا يبصر موضع قدمه، قد سد عليه طريقه ~~في الذهاب والرجوع. ### || [36.10-11] # قوله تعالى: { وسوآء عليهم أأنذرتهم أم لم ~~تنذرهم لا يؤمنون }؛ أي من أضله الله هذا الضلال لم ~~ينفعه الإنذار، { إنما تنذر من اتبع الذكر }؛ ~~معناه: إنما ينفع الإنذار من اتبع القرآن، { وخشي الرحمن ~~بالغيب }؛ أي وخاف من الله بحيث لا يراه، { فبشره ~~بمغفرة }؛ لذنوبه، { وأجر كريم }؛ وثواب حسن في ~~الجنة. ### || [36.12] # قوله تعالى: { إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ~~ما قدموا }؛ أي ما أسلفوا من الخير والشر، وقوله تعالى: { ~~وآثارهم }؛ أي خطاهم، فإن كل خطوة في الطاعة طاعة، ~~وكل خطوة في المعصية معصية. وقيل: معنى { وآثارهم } أي ما ~~استن به من بعدهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل ~~بها إلى يوم القيامة، ومن سن سنة سيئة كان ~~عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة ". # قوله تعالى: { وكل شيء أحصيناه في إمام ~~مبين }؛ أي وكل شيء من الأعمال أثبتناه في اللوح المحفوظ. ~~وقيل: أراد بالإمام المبين: الصحائف التي يكتبها الملائكة، ~~وسمي الإمام مبينا لأنه لا يندرس أثر مكتوبه. ### || [36.13-14] # قوله تعالى: { واضرب لهم مثلا }؛ أي مثل لأهل مكة ~~مثل، { أصحاب القرية }؛ يعني إنطاكية؛ { إذ جآءها ~~المرسلون } ، رسل الله تعالى، { إذ أرسلنآ إليهم ~~اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنآ ~~إليكم مرسلون }. # وذلك أن عيسى عليه السلام أرسل إلى أهل إنطاكية رسولين من ~~الحواريين ms1741 ليدعوهم إلى عبادة الله تعالى. وإنما أضيف الإرسال في ~~الآية إلى الله تعالى لأن إرساله كان بأمر الله تعالى. ### || [36.15-27] # قوله تعالى: { قالوا مآ أنتم إلا بشر مثلنا ~~ومآ أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون ~~* قالوا ربنا يعلم إنآ إليكم لمرسلون * وما ~~علينآ إلا البلاغ المبين * قالوا إنا تطيرنا ~~بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم ~~منا عذاب أليم * قالوا طائركم معكم أئن ~~ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون } # والقصة: أن عيسى عليه السلام لما بعث الرسولين إلى أنطاكية ~~وقربا من المدينة، وجدا شيخا كبيرا يرعى غنيمات له وهو ~~حبيب النجار فسلما عليه، فقال لهما: من أنتما؟ قالا: رسولا ~~عيسى عليه السلام ندعوكم إلى عبادة الله تعالى، قال: هل معكما ~~آية؟ قالا: نعم؛ نشفي المريض ونبرئ الأكمه والأبرص بإذن ~~الله تعالى. فقال الشيخ: إن لي إبنا مريضا صاحب فراش منذ ~~سنين، قالا: فانطلق بنا إليه. # فانطلق بهما إليه، فمسحا ابنه فقام من ساعته صحيحا بإذن الله ~~تعالى. ففشا الخبر في المدينة، وشفى الله على أيديهما كثيرا من ~~المرضى، وآمن حبيب النجار، وجعل يعبد الله تعالى في غار جبل ~~في أبعد أطراف المدينة. # فسمع الملك بخبر هذين الرسولين، وكان يعبد الأصنام، فدعا ~~لهما فأتياه، فقال لهما: من أنتما؟ قالا: رسولا عيسى عليه ~~السلام ندعوك إلى عبادة الله تعالى، قال: وما آيتكما؟ فقالا: ~~نبرئ الأكمه والأبرص، فغضب الملك وأمر بهما فحبسا، وجلد ~~كل واحد منهما مائة جلدة. # فلما كذب الرسولان، بعث عيسى رسولا ثالثا يقال له: شمعون ~~المصفي على إثرهما لينصرهما، فدخل شمعون البلد متنكرا، وجعل ~~يعاشر حاشيته حتى أفشوا به، فرفع خبره الى الملك فدعاه ~~فأكرمه وأنس به. فقال له ذات يوم: أيها الملك؛ بلغني ~~أنك حبست رجلين في السجن وضربتهما حين دعياك الى دين غير ~~دينك، فهل كلمتهما وسمعت قولهما؟ قال: لا، قال: فإن رأى ~~الملك أن يدعوهما ويسمع قولهما حتى يطلع على ما عندهما. # فدعاهما الملك، فقال لهما شمعون: من أرسلكما؟ قالا: الله الذي ~~خلق كل شيء وليس له ms1742 شريك. فقال لهما شمعون: صفاه وأوجزا، ~~فقالا: إنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. قال شمعون: وما آيتكما؟ ~~قالا: ما تتمناه. # فأمر الملك حتى جاؤا بغلام مطموس العينين، موضع العينين ~~كل لجهة، فما زالا يدعوان الله حتى انشق موضع البصر، ثم ~~أخذا بندوقتين فوضعتا في الحدقتين، فصارتا مقلتين ~~يبصر بهما، فعجب الملك من ذلك. # فقال شمعون للملك: إن سألت إلهك أن يصنع مثل هذا، فصنعه كان ~~لك ولآلهتك الشرف. فقال الملك: ليس لي عنك سر أسره إليك: ~~إن إلهنا الذي نعبده لا يسمع ولا يبصر ولا ينفع. # ثم قال للمرسولين: إن هنا ميتا مات منذ سبعة أيام، فلم ~~أدفنه وأخرته حتى يرجع أبوه، وكان أبوه غائبا، فإن قدر ~~إلهكما على إحيائه آمنت به. # قالا: إن إلهنا قادر على كل شيء، ثم جعلا يدعوان الله ~~علانية، وجعل شمعون يدعو ربه سرا، فقام الميت حيا بإذن ~~الله تعالى، وقد تغير وانتن وهو يقول: أيها الملك إني مت ~~منذ سبعة أيام، ووجدت مشركا فأدخلت في سبعة أودية من ~~النار، فأنا أحذركم ما أنتم عليه، فآمنوا بالله واتبعوا هؤلاء ~~الثلاثة. # فقال الملك: ومن الثلاثة؟ قال: شمعون وهذان، وأشار الى ~~الرسولين. فتعجب الملك من ذلك، وأجمع هو وقومه على قتل ~~الرسل. فبلغ ذلك حبيبا النجار وهو على باب المدينة الأقصى. # وقيل: إن الملك قال لهم: إنكم توافقتم على هذا الكلام، ثم ~~أمر بهم فأخذوا ونتفت حواجبهم وشعور أعينهم، وطيف ~~بهم، فلما سمع حبيب النجار ذلك أقبل من أبعد أطراف المدينة ~~يسعى؛ أي يعدو لينصر الرسل ويذكرهم ويدعو إلى طاعة المرسلين، ~~وذلك: # قوله تعالى: { وجآء من أقصى المدينة رجل ~~يسعى قال يقوم اتبعوا المرسلين }؛ وقال حبيب ~~للرسل: أتريدون أجرا على ما جئتم به؟ قالوا: لا، فقال ~~لقومه: { اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم ~~مهتدون }؛ أي مصيبون في مقالتهم، فقالوا له: صبوت إليهم ~~يا حبيب ودخلت في دينهم؟ فقال: { وما لي لا أعبد الذي ~~فطرني }؛ أي أي شيء لي إذا لم أعبد خالقي، { وإليه ~~ترجعون } ، أي إليه ms1743 ترجعون عند البعث فيجزيكم بكفركم. # ثم إن أهل المدينة قالوا: ليس الرسل بأولى بالنبوة منا فيما ~~تقولون، قالوا: ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون وما علينا إلا ~~البلاغ المبين، أي ليس علينا إلا التبليغ البين. # فقال القوم للرسل: إنا تطيرنا بكم، أي تشاءمنا منكم، وقد كان حبس ~~عنهم المطر، فقالوا ما أصابنا هذا الشر إلا من قبلكم { لئن لم ~~تنتهوا لنرجمنكم } أي لئن لم تنتهوا من مقالتكم هذه ~~لنقتلنكم رجما وليمسنكم منا عذاب، يعنون القتل والضرب. # فقالت لهم الرسل: { طائركم معكم } أي شؤمكم معكم وهو ~~كفركم بالله تعالى. قوله تعالى: { أئن ذكرتم } معناه ~~لئن وعظتم بمواعظ الله تشاءمتم بنا بما لا يوجب التشاؤم ولكن أنتم ~~قوم مسرفون، متجاوزون عن الحد في الذنب والمعصية. # قوله تعالى: { وجآء من أقصى المدينة رجل ~~يسعى } يعني حبيبا النجار (قال يا قوم اتبعوا ~~المرسلين اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم ~~مهتدون) أي من لا يسألكم أموالكم على ما جاءكم به من ~~الهدى، فقالوا له: أتبعتهم أنت يا حبيب؟ قال: نعم (وما ~~لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون) في الآخرة. # ثم أنكر عليهم اتخاذ الأصنام وعبادتها، فقال: { أأتخذ من ~~دونه آلهة } ، كما اتخذتم، { إن يردن الرحمن ~~بضر } ، في جسدي أو في معيشتي، { لا تغن عني } ، لا ~~تنفع عني، { شفاعتهم شيئا } ، يعني لا شفاعة لها، { ولا ~~ينقذون }؛ أي ولا يخلصون من ذلك المكروه ولا من عذاب الله، ~~قوله تعالى: { إني إذا لفي ضلال مبين } ، إن ~~عبدت غير الله كنت إذا في الخاطئين، { إني آمنت بربكم ~~فاسمعون }؛ مقالتي. # وقيل: إن قوله { إني آمنت بربكم } خطاب المرسل، ~~قال لهم اسمعوا كلامي لتشهدوا لي به في الآخرة، فلما قال هذا ~~وثب عليه قومه وثبة رجل واحد فقتلوه، قال ابن مسعود: (ووطؤه ~~بأرجلهم حتى خرجت أمعاؤه من دبره، فأدخله ~~الله الجنة فهو حي فيها يرزق)، وذلك قوله ~~تعالى: { قيل ادخل الجنة }؛ فلما دخلها، { قال يليت ~~قومي يعلمون * بما غفر لي ربي وجعلني من ~~المكرمين }؛ تمنى أن يعلموا أن الله غفر له ms1744 ليرغبوا في ~~دين الرسل، والمعنى: يا ليت قومي يعلمون بغفران ربي لي وإكرامه ~~إياي بإدخاله لي الجنة. ### || [36.28-29] # قوله تعالى: { ومآ أنزلنا على قومه من بعده ~~من جند من السمآء وما كنا منزلين }؛ وذلك أنهم ~~لما قتلوه وغضب الله عليهم وعجل لهم العذاب، ومعنى الآية: ~~وما أنزلنا على قوم حبيب بإهلاكهم من جند من السماء يعني ~~الملائكة؛ أي لم تنتصر منهم بجند من السماء، { وما كنا ~~منزلين } ولا كنا ننزل ذلك بمن قبلهم من الأمم إذا ~~أهلكناهم. # ثم بين الله تعالى كيف كانت عقوبتهم وعذابهم فقال تعالى: { إن ~~كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون }؛ أي ~~ميتون لا يتحرك منهم أحد. قال المفسرون: أخذ جبريل بعضادتي باب ~~المدينة وصاح بهم صيحة واحدة، فتطايرت قلوبهم فإذا هم ميتون، ولم ~~يسمع لهم حس، كالنار إذا طفئت. ### || [36.30] # قوله تعالى: { يحسرة على العباد ما يأتيهم من ~~رسول إلا كانوا به يستهزئون }؛ قال مقاتل: (يا ~~ندامة عليهم في الآخرة باستهزائهم بالرسل في ~~الدنيا). والحسرة: أن يركب الإنسان من شدة اللوم ما ~~لا نهاية بعده حتى يبقى قلبه حسيرا، والعرب إذا دعت نكرة ~~موصولة بشيء آثرت النصب، تقول: يا رجلا كريما أقبل. ثم بين ~~الله تعالى سبب الحسرة فقال: { ما يأتيهم من رسول إلا ~~كانوا به يستهزئون }. ### || [36.31] # قوله تعالى: { ألم يروا كم أهلكنا قبلهم ~~من القرون أنهم إليهم لا يرجعون }؛ معناه: ألم ~~ير أهل مكة كم أهلكنا قبلهم من الأمم الماضية فخافوا أن ~~يعجل لهم في الدنيا مثل ما عجل لغيرهم وهم يعلمون أنهم لا ~~يعادون إلى الدنيا أبدا. ### || [36.32-34] # قوله تعالى: { وإن كل لما جميع لدينا ~~محضرون }؛ أي وما كل منهم إلا لدينا محضرون في أرض ~~المحشر للحساب والجزاء، هذا على قراءة من قرأ (لما جميعا) ~~بالتشديد, وهي قراءة ابن عامر وعاصم وحمزة، وأما على قراءة من قرأ ~~بالتخفيف فإن (ما) صلة مؤكدة، فإن (إن) للإثبات كأنه قال: وإن ~~كل لجميع لدينا محضرون. # ثم وعظ الله كفار مكة ليعتبروا فقال تعالى: { وآية لهم ms1745 ~~الأرض الميتة أحييناها }؛ أي وعلامة لهم تدلهم على ~~التوحيد والبعث، الأرض الميتة اليابسة التي لا نبات فيها ولا ~~شجر { أحييناها } بإخراج الأشجار والزروع، { وأخرجنا ~~منها حبا فمنه يأكلون } ، ما يقتات من الحبوب جمع ~~الحب، { وجعلنا فيها جنات }؛ أي في الأرض بساتين، { من ~~نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون }؛ أي من ~~عيون الماء. ### || [36.35] # قوله تعالى: { ليأكلوا من ثمره }؛ أي من ثمر النخيل ~~والأعناب على اختلاف طعومها وألوانها، فيستدلوا بذلك على قدرة ~~الله تعالى. قرأ الأعمش (ثمره) بضم الثاء وسكون الميم, وقرأ ~~طلحة ويحيى وحمزة والكسائي وخلف (ثمره) بضم الثاء والميم، وقرأ ~~الباقون بفتحهما. # قوله تعالى: { وما عملته أيديهم }؛ أي وما عملت ~~أيديهم شيئا مما ذكرناه، وإنما هو من فعلنا، { أفلا يشكرون ~~}؛ نعم الله، ويجوز أن يكون معناه: ليأكلوا من ثمره ومن ~~ثمر ما عملت أيديهم، يعني الغروس والحرث. # قرأ أهل الكوفة (وما عملت) بغير هاء، ويجوز في (ما) ثلاثة ~~أوجه: النفي بمعنى ولم تعمل أيديهم؛ أي وجدوها معمولة فلا صنع ~~لهم فيها، وهذا قول الضحاك ومقاتل. والثاني: أن يكون بمعنى المصدر؛ ~~أي ومن عمل أيديهم. والثالث: بمعنى (الذي) أي ومن الذي عملت ~~أيديهم من الغرس والحرث. ومن قرأ (عملته) بالهاء، فالهاء ~~عائدة على (ما) التي بمعنى الذي. ### || [36.36] # قوله تعالى: { سبحان الذي خلق الأزواج كلها ~~مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون }؛ ~~أي سبحان الذي خلق الأصناف كلها من أجناس الفواكه والحبوب، ~~وأصناف ما تنبت الأرض من الحلو والحامض والأبيض والأحمر وغير ذلك ~~من الطعوم والألوان. وقوله تعالى: { ومن أنفسهم } أي وخلق ~~من أنفسهم الذكران والإناث. وقوله تعالى: { ومما لا ~~يعلمون } أي وخلق في البر والبحر وأجواف السماوات والأرض من ~~جميع الأنواع والأشياء. ### || [36.37] # قوله تعالى: { وآية لهم اليل نسلخ منه ~~النهار فإذا هم مظلمون }؛ أي وعلامة لهم أخرى تدل على ~~قدرتنا، الليل المظلم ينزع منه النهار فإذا هم داخلون في ~~الظلام، وذلك أن الأصل هو الظلمة، والنهار داخل عليها لأن ~~الله خلق الدنيا مظلمة، فإذا طلعت الشمس صارت ms1746 الدنيا مضيئة ~~تشبه ضوء النهار باللباس، فإذا ذهب الضوء بغروب الشمس كان ذهاب ~~ذلك بمنزلة سلخ جلد الشاة عن الشاة، وسلخ الثوب الرجل عن ~~الرجل، والمعنى: إذا غربت الشمس سلخ النهار من الليل أن كشفها ~~فأزيل فتظهر الظلمة. ### || [36.38] # قوله تعالى: { والشمس تجري لمستقر لها }؛ ~~معناه: وآية لهم { والشمس تجري لمستقر لها } أي إلى ~~مستقر لها وهو آخر مدة الدنيا ثم تجري بعدها، ويقال: مستقرها ~~منازلها إذا انتهت الى أقصى منازلها التي لا تجاوزها في الصيف رجعت، ~~ويقال: سمعت منازلها مستقرها، كما يقال في منزل الرجل: هو ~~مستقره، وإن تصرف فيه وتحرك. # وعن أبي ذر قال: # " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى { ~~والشمس تجري لمستقر لها } قال: " مستقرها ~~تحت العرش " # قوله تعالى: { ذلك تقدير العزيز العليم }؛ أي ذلك ~~الذي سبق ذكره تقدير العزيز في ملكه، العليم الذي لا يخفى عليه ~~شيء. وفي قراءة ابن عباس: (تجري لا مستقر لها) أي لا ~~قرار لها فهي جارية أبدا ما دامت الدنيا. ### || [36.39] # قوله تعالى: { والقمر قدرناه منازل }؛ قرأ نافع ~~وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب (والقمر) بالرفع عطفا على قوله # والشمس تجري # [يس: 38]، وقيل: على الابتداء، وقرأ الباقون بالنصب على معنى ~~وقدرناه القمر وقدرنا منازل، كما تقول: زيدا ضربته. # والمعنى: قدرنا له منازل ينزل في كل ليلة منزلة، وجملة ~~منازل ثمانية وعشرون، فإذا صار إلى آخر منزله وهي ليلة ثمان ~~وعشرين، { حتى عاد كالعرجون القديم }؛ وهو عذق النخلة ~~الذي فيه الشماريخ إذا يبس، ولأن العذق إذا مضت عليه الأيام ~~جف وتقوس ويبس ودق واصفر وصار شبه الأشياء بالقمر في أول ~~الشهر، وآخره، لا يقدر على ذلك إلا الله تعالى. ### || [36.40] # قوله تعالى: { لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك ~~القمر }؛ يعني أن الشمس أبطأ مسيرا من القمر فلا تدركه، وذلك ~~أن الشمس تقطع منازلها في سنة، والقمر يقطع منازله في شهر، ~~وهما مسخران مقهوران على ما ذكرهما الله تعالى. # ويقال معنى قوله: { لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك ~~القمر } أي ms1747 لا يدخل النهار على الليل قبل انقضائه، ولا يدخل ~~الليل على النهار قبل انقضائه، كلاهما يسيران دائبين، ولكل ~~حد لا يعدوه ولا يقصر دونه، فإذا جاء سلطان هذا ذهب ذلك، فإذا ~~جاء سلطان ذلك ذهب هذا، فذلك قوله تعالى: { ولا اليل ~~سابق النهار }؛ أي لا تتأخر الشمس عن مجراها، فتسبق ظلمة ~~الليل في وقت النهار. # قوله تعالى: { وكل في فلك يسبحون }؛ أي كل من ~~الشمس والقمر والنجوم الغاربة والطالعة في فلك يسيرون ~~ويجرون بالأبساط. والفلك: هو مواضع النجوم من الهواء؛ أي ~~الذي يجري فيه، سمي بهذا الاسم لأنه يدور بالنجوم، ومنه فلكة ~~المغزل لأنها تدور بالمغزل. ### || [36.41-42] # قوله تعالى: { وآية لهم أنا حملنا ذريتهم ~~في الفلك المشحون }؛ معناه: وآية لهم أخرى يعني أهل مكة ~~تدلهم على توحيد الله تعالى: أنا حملنا ذريتهم في ~~السفينة المملوءة، وهي سفينة نوح عليه السلام، وذريته في كلام ~~العرب: الآباء والأبناء والأجداد. قوله تعالى: { وخلقنا ~~لهم من مثله ما يركبون }؛ أي وخلقنا لهم مثل سفينة ~~نوح عليه السلام ما يركبون فيه على البحر، يعني السفن التي عملت ~~بعد سفينة نوح عليه السلام على هيأتها وصورتها. ### || [36.43-44] # قوله تعالى: { وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ~~}؛ أي أن الله سبحانه وتعالى ذكر تفضله أنه ~~يحفظهم، ولو شاء أغرقهم فلم يغنهم أحد ولم ينقذهم من الغرق، ~~ومعنى قوله تعالى: { فلا صريخ لهم } أي فلا مغيث لهم، { ~~ولا هم ينقذون }؛ من المكروه والغرق. # والصريخ: بمعنى الصارخ لهم بالاستغاثة. وقيل: الصريخ ~~المعين على الصراخ، كأنه قال: فلا معين لهم { ولا هم ~~ينقذون } أي ولا هم يخلصون من الغرق، { إلا رحمة ~~منا ومتاعا إلى حين } ، إلا أن تداركهم رحمة الله ~~فتنقذهم إلى حين آجالهم. ### || [36.45-46] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم اتقوا ما بين ~~أيديكم وما خلفكم }؛ أي وإذا قيل لهؤلاء الكفار اتقوا ~~ما بين أيديكم من أمر الآخرة فاعملوا لها، وما خلفكم من أمر ~~الدنيا. فاحذروهم ولا تغتروا بها، { لعلكم ترحمون }؛ أي ~~لتكونوا على رجاء الرحمة من الله تعالى، وجواب (إذا) ms1748 محذوف ~~تقديره: إذا قيل لهم هذا أعرضوا. قوله تعالى: { وما ~~تأتيهم من آية من آيات ربهم }؛ من عبرة ودلالة ~~تدل على صدق النبي صلى الله عليه وسلم { إلا كانوا عنها ~~معرضين }. ### || [36.47] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم أنفقوا مما ~~رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا ~~أنطعم من لو يشآء الله أطعمه }؛ قال مقاتل: ~~(وذلك أن المؤمنين قالوا لكفار قريش: أنفقوا ~~على الفقراء والمساكين ما زعمتم من أموالكم ~~أنه لله، وهو ما جعلوه من حروثهم وأنعامهم لله، ~~فقال الكفار: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ~~ورزقه). # قال الحسن: (كان أهل الجاهلية أهل إجبار، فقالوا: ~~لم يشأ الله أن نطعمه، ولو شاء الله لأطعمناه). ~~ويقال لهم: ظنوا بجهلهم أنه تعالى إذا كان قادرا على أن يطعمهم ~~فيغنيهم عن إنفاق الناس، وهذا القول منهم خطأ؛ لأن الله تعالى ~~أغنى بعض الخلق وأفقر بعضهم ليبلي الغني بالفقير فيما فرض ~~له في ماله من الزكاة، والمؤمن لا يعترض على المشيئة، وإنما ~~يوافق الأمر. وقوله تعالى: { إن أنتم إلا في ضلال ~~مبين }؛ هذا من قول الكفار للمؤمنين، يقولون لهم: إن أنتم في ~~اتباعكم محمدا صلى الله عليه وسلم وترك ديننا إلا في خطأ ~~بين. ### || [36.48] # قوله تعالى: { ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم ~~صادقين }؛ أي يقول كفار مكة: متى هذا الوعد الذي تعدنا يا ~~محمد صلى الله عليه وسلم من القيام إن كنتم صادقين أنت ~~وأصحابك أنا نبعث بعد الموت فأروني ذلك. ### || [36.49] # يقول الله تعالى: { ما ينظرون إلا صيحة واحدة ~~تأخذهم وهم يخصمون } قال ابن عباس: (يعني ~~النفخة التي تفجرهم وهم يخصمون في أمر ~~الدنيا وفي مصرفاتهم)، والمعنى: تأخذهم الصيحة وهم ~~يختصمون في البيع والشراء ويتكلمون في الأسواق والمجالس، وهي ~~نفخة إسرافيل. # قيل: قرأ ابن كثير وورش (يخصمون) بفتح الخاء وتشديد الصاد، ~~وقرأ نافع غير ورش ساكنة الخاء مشددة الصاد، وقرأ أبو عمرو ~~بالإخفاء، وقرأ حمزة ساكنة الخاء مخففة؛ أي فغلب بعضهم بعضا ~~بالخصام، وأجود القراءة فتح الخاء مع تشديد الصاد، ولأن الأصل ~~يختصمون ms1749 فألقيت حركة ألف المدغم على الساكن الذي قبله وهو ~~الخاء، وقرأ الباقون بكسر الخاء وتشديد الصاد. ### || [36.50] # قوله تعالى: { فلا يستطيعون توصية }؛ أي فلا يستطيع أحد ~~أن يوصي في شيء من أمره، { ولا إلى أهلهم يرجعون }؛ ~~أي ولا يلبث أحد أن يصير إلى منزله وأهله؛ لأنها تأخذهم بغتة ~~فيموتون في مكانهم وفي أسواقهم. # قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " والذي نفسي بيده لتقومن الساعة وقد نشر ~~الرجلان ثوبا جديدا يريد أحدهما أن يدفعه إلى ~~صاحبه فيحول قيام الساعة بينه وبين تسليمه ~~إلى صاحبه، والذي نفسي بيده لتقومن الساعة ~~وقد أهوى الرجل بلقمة ليضعها في فيه فيحول ~~قيام الساعة بينه وبين وصولها إلى فيه ". ### || [36.51] # قوله تعالى: { ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث ~~إلى ربهم ينسلون }؛ أي ونفخ في الصور نفخة البعث، فإذا ~~هم من القبور الى عرصات القيامة يخرجون مسرعين، والنسلان ~~مقاربة الخطو مع الإسراع، ومنه نسلان الذئب وهو هرولته ~~وخببه، والأجداث هو القبور. ### || [36.52] # قوله تعالى: { قالوا يويلنا من بعثنا من مرقدنا }؛ ~~قال المفسرون: إنما يقولون هذا؛ لأن الله يرفع عنهم العذاب فيما ~~بين النفختين فيرقدون، فلما بعثوا في النفخة الآخرة وعاينوا ~~القيامة ودعوا بالويل والثبور، فقالوا: يا ويلنا من ~~بعثنا من مرقدنا؟ فيقول الملائكة: { هذا ما وعد ~~الرحمن وصدق المرسلون }؛ على ألسنة الرسل أنه ~~يبعثكم بعد الموت في موعد البعث. # وقال قتادة: (أول الآية للكافرين وآخرها ~~للمؤمنين، فقال الكافر: يا ويلنا من بعثنا من ~~مرقدنا، وقال المسلم: هذا ما وعد الرحمن وصدق ~~المرسلون). ويجوز أن يكون قوله هذا من نعت المرقد، كأنهم ~~يقولون: من بعثنا من مرقدنا هذا الذي كنا راقدين فيه؟ فيقال ~~لهم: ما وعد الرحمن الذي بعثكم. ويجوز أن يكون ما وعد الرحمن على ~~هذا القول خبر مبتدأ محذوف تقديره: حق ما وعد الرحمن، وهذا ما ~~وعد الرحمن. ### || [36.53] # قوله تعالى: { إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا ~~هم جميع لدينا محضرون }؛ هذا في النفخة الثانية؛ أي ما ~~كانت نفخة البعث إلا صيحة واحدة لا تثنى، ms1750 فإذا هم الأولون ~~والآخرون في عرصات القيامة محضرون، فإهلاكهم كان صيحة واحدة، ~~وبعث الخلائق كلهم كان صيحة واحدة. ### || [36.54] # قوله تعالى: { فاليوم لا تظلم نفس شيئا }؛ أي لا ~~ينقص من حسنات أحد ولا يزاد على سيئات أحد، { ولا تجزون ~~إلا ما كنتم تعملون } ، ولا يجزى كل عامل إلا ما ~~عمل من خير أو شر. ### || [36.55] # قوله تعالى: { إن أصحاب الجنة اليوم في شغل ~~فاكهون }؛ معناه: إن أصحاب الجنة في الآخرة في شغل ~~فاكهون. قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو بجزم الغين، وقرأ ~~الباقون (في شغل) بضم الغين، وهما لغتان مثل: السحت ~~والسحت. # واختلف المفسرون في شغلهم، قال مقاتل: (شغلوا بافتضاض ~~العذارى عن أهل النار فلا يذكرونهم ولا يهتمون ~~بهم). وقال الحسن: (شغلوا بما في الجنة من النعم عن ~~ما فيه أهل النار من العذاب). # وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أهل الجنة كلما جامعوا نساءهم عدن ~~أبكارا " # قوله تعالى: { فاكهون } أي أصحاب فاكهة، كما يقال: ~~شاحم لاحم؛ أي ذو شحم ولحم، وعاسل ذو عسل، وقرأ أبو جعفر ~~(فكهون) بغير ألف، والفكه: الفرح الضحوك، الطيب ~~النفس، ويقال: فاكه وفكه كحاذر وحذر. ### || [36.56-57] # قوله تعالى: { هم وأزواجهم في ظلال }؛ أي هم ~~وحلائلهم في ظلال أشجار الجنة، { على الأرآئك متكئون ~~} ، على السرر في الحجال جالسون بالاتكاء جلسة الملوك. ~~والأرائك: هي السرر عليها الحجال، وقوله تعالى: { لهم فيها ~~فاكهة }؛ أي لهم في الجنة ألوان الفواكه، { ولهم ما ~~يدعون }؛ أي ولهم ما يتمنون ويسألون، وقال مقاتل: (معناه: ~~ولهم ما يريدون). وقيل: معناه: من ادعى شيئا فهو له ~~يحكم الله عز وجل لأنهم ما يدعون إلا ما يحسن. ### || [36.58] # قوله تعالى: { سلام قولا من رب رحيم }؛ أي لهم سلام ~~يسمعونه من الله، ويعلمهم بدوام الأمن والسلامة مع سبوغ النعمة ~~والكرامة. ويقال: تحييهم الملائكة عن الله تعالى، كما قال ~~الله تعالى: # والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام ~~عليكم # [الرعد: 23-24]. # وعن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى ms1751 الله عليه وسلم: # " بينما أهل الجنة في نعيمهم إذا سطع لهم نور، ~~فيرفعوا رؤوسهم، فإذا الرب عز وجل قد أشرف ~~عليهم من فوقهم، فقال: السلام عليكم يا أهل ~~الجنة، فذلك قوله تعالى: { سلام قولا من رب ~~رحيم } فينظر إليهم وينظرون إليه، فلا ~~يلتفتوا إلى شيء من النعيم ما داموا ينظرون ~~إليه حتى يحجب عنهم، فيبقى نوره وبركته ~~عليهم في ديارهم ". ### || [36.59] # قوله تعالى: { وامتازوا اليوم أيها المجرمون ~~}؛ عناه: تفرقوا، وقال السدي: معناه: (كونوا على حدة)، ~~ومقاتل: (معناه: اعتزلوا اليوم يعني في الآخرة من ~~الصالحين). وقال الزجاج: (معناه: تفردوا عن ~~المؤمنين). ومعنى الآية: أنه يقال للمجرمين: تميزوا عن ~~المؤمنين، وذلك أن الخلق كلهم يحشرون مختلطين. ### || [36.60-61] # قوله تعالى: { ألم أعهد إليكم يبني ءادم أن ~~لا تعبدوا الشيطان }؛ أي ألم آمركم وأوص إليكم، وقال ~~الزجاج: (معناه: ألم أقدم لكم على ألسنة ~~الرسل يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان، أي لا ~~تطيعوا الشيطان، ومن أطاع شيئا فقد عبده). # قوله تعالى: { إنه لكم عدو مبين }؛ أي عدو ~~ظاهر العداوة، أخرج أبويكم من الجنة، { وأن اعبدوني }؛ أي ~~أطيعوني ووحدوني، { هذا صراط مستقيم }؛ أي طريق ~~مستقيم قائم، يعني دين الإسلام. ### || [36.62] # قوله تعالى: { ولقد أضل منكم جبلا كثيرا }؛ ~~أي ولقد أضل الشيطان منكم أمما كثيرة، وقيل: خلقا كثيرا. # قرأ علي رضي الله عنه (جبلا كثيرا) بسكون الباء مخففا، وقرأ ~~عاصم ونافع وأيوب: (جبلا) بكسر الجيم والباء وتشديد اللام. وقرأ ~~يعقوب بضم الجيم والباء وتشديد اللام، وقرأ ابن عامر وأبو عمرو: ~~(جبلا) بضم الجيم وسكون الباء مخففا، وقرأ الباقون بضم الجيم ~~والباء وتخفيف اللام. وكلها لغات، ومعناها الخلق والجماعة. # وقوله تعالى: { أفلم تكونوا تعقلون }؛ أي أفلم تعقلوا ~~ما رأيتم من الأمم إذ أطاعوا إبليس وعصوا الرسول فأهلكوا. ### || [36.63-64] # قوله تعالى: { هذه جهنم التي كنتم توعدون }؛ ~~أي يقال لهم حين دنوا من النار: { هذه جهنم التي ~~كنتم توعدون } بها في الدنيا. قوله تعالى: { اصلوها ~~اليوم بما كنتم تكفرون }؛ أي إلزموها اليوم بكفركم، ~~وقاسوا حرها، وقوله تعالى { اليوم ms1752 } يعني يوم القيامة. ### || [36.65] # قوله تعالى: { اليوم نختم على أفواههم }؛ وذلك أنهم ~~ينكرون الشرك فيقولون: والله ربنا ما كنا مشركين، فيختم ~~الله على أفواههم، { وتكلمنآ أيديهم }؛ وتكلمت جوارحهم ~~فشهدت عليهم بما عملوا، وقوله تعالى: { وتشهد أرجلهم ~~بما كانوا يكسبون }؛ قال عقبة بن عامر: سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " أول عظم ينطق من الإنسان فخذه من رجله ~~الشمال " # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " أول ما تكلم من الإنسان فخذه وكفه ". ### || [36.66] # قوله تعالى: { ولو نشآء لطمسنا على أعينهم }؛ أي ~~ولو نشاء ذهبنا أعينهم وجعلناها بحيث لا يبدو لها شقا ولا ~~جفنا، والمعنى: ولو نشاء لأعميناهم في أسواقهم ومجالسهم بتكذيبهم ~~إياك يا محمد كما فعلنا بقوم لوط حين راودوه عن ضيفه. ~~وقوله تعالى: { فاستبقوا الصراط }؛ فغلبوا السبق ~~وتبادروا إلى الطريق إلى منازلهم، { فأنى يبصرون }؛ لو ~~فعلنا ذلك بهم. ### || [36.67] # قوله تعالى: { ولو نشآء لمسخناهم على مكانتهم ~~}؛ أي في منازلهم فصيرناهم قردة وخنازير وحجارة ليس فيها روح، { ~~فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون }؛ أي لا يقدرون على ~~ذهاب ومجيء، والمسخ في اللغة نهاية التبديل. ### || [36.68] # قوله تعالى: { ومن نعمره ننكسه في الخلق }؛ أي ~~ومن نطول عمره في الدنيا نرده إلى الحالة الأولى من ~~الضعف، قال الزجاج: (معناه: من أطلنا عمره نكسنا ~~خلقه، فصار بدل القوة ضعفا، وبدل الشباب ~~هرما) { أفلا يعقلون }؛ أن القادر على رد البشر من حالة ~~القوة والكمال؛ أي حال الضعف وزوال العقل، قادر على إعادة ~~الخلق بعد الموت. # ومن قرأ (تعقلون) بالتاء فهو على مخاطبة الكفار. قرأ عاصم ~~وحمزة والأعمش: (ننكسه) بالتشديد، وقرأ غيرهم بالتخفيف وفتح ~~النون. ### || [36.69-70] # قوله تعالى: { وما علمناه الشعر وما ينبغي له ~~}؛ إن كفار مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنه شاعر، وإن ~~القرآن شعر، فأكذبهم الله بقوله تعالى { وما علمناه ~~الشعر وما ينبغي له } أي وما يتسهل له ذلك، وما كان ~~يتزن له بيت شعر جرى على لسانه منكرا. # قال الحكيم: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتمثل ~~بقول ms1753 العباس بن مرداس: # أتجعل نهبي ونهب العب # د بين الأقرع وعيينة # قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو بين ~~عيينة والأقرع، فقام إليه أبو بكر وقبل رأسه ~~وقال: صدق الله { وما علمناه الشعر وما ينبغي ~~له }. # وعن الحسن رضي الله عنه: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بهذا ~~البيت: " كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهيا " ~~فقال أبو بكر: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ~~قال الشاعر (كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا) ~~فقال عمر رضي الله عنه: { وما علمناه الشعر وما ~~ينبغي له } ". # وعن عائشة رضي الله عنها؛ # " أنها سئلت هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يتمثل بشيء من الشعر؟ فقالت: كان الشعر ~~أبغض الحديث إليه، ولم يتمثل بيتا من الشعر ~~إلا بيت طرفة: " ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ~~ويأتيك من لم تزود بالأخبار ". فقال أبو بكر: ~~ليس هذا هكذا يا رسول الله، إنما هو: ويأتيك ~~بالأخبار من لم تزود، فقال: " إني لست بشاعر ~~وما ينبغي لي الشعر " ". # قوله تعالى: { إن هو إلا ذكر وقرآن مبين }؛ أي ~~ما القرآن إلا ذكر وموعظة، فيه الفرائض والحدود والأحكام، { ~~لينذر من كان حيا }؛ قرأ نافع وابن عامر بالتاء، والخطاب ~~للنبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ الباقون بالياء، يعني لينذر ~~القرآن من كان حيا، يعني مؤمنا حي القلب، لأن الكافر كالميت ~~في أنه لا يتدبر ولا يتفكر، { ويحق القول على ~~الكافرين }؛ أي وتجب الحجة بالقرآن على الكافرين. ### || [36.71] # قوله تعالى: { أولم يروا أنا خلقنا لهم مما ~~عملت أيدينآ أنعاما فهم لها مالكون }؛ معناه: ~~أولم يشاهدوا أنا خلقنا لهم مما تولينا خلقه بإيداعنا ~~وإنشائنا؟ لم يشاركنا في خلق ذلك شريك ولا معين. وذكر الأيدي ها ~~هنا يدل على انفراده بما خلق، والمعنى أولم يروا أنا خلقنا ~~لهم مما عملناه بقدرتنا؟ لا مما عملته أيدي مالكيها أنعاما وهو ~~الإبل والبقر والغنم لها مالكون وضابطون، قاهرون لها يصرفونها كيف ~~يشاوؤن، واليد تذكر ويراد بها القدرة وإظهار صنعه. ### || [36.72] # قوله ms1754 تعالى: { وذللناها لهم }؛ أي لم يخلق الأنعام ~~نافرة من بني آدم ولا يقدرون على ضبطها، بل هي مسخرة لهم، ~~والمعنى: وسخرناها لهم مع قوتها وضعفهم، { فمنها ركوبهم ~~}؛ أي مركوبهم، { ومنها يأكلون }؛ من لحومها، فقوله { ~~فمنها ركوبهم } يعني الإبل، قال عروة: (في مصحف ~~عائشة رضي الله عنها (ركوبتهم)) والركوب والركوبة ~~واحد، مثل الحمول والحمولة، يقال: هذه الجمال ركوبة القوم ~~وركوبتهم، وهذه النوق حلوبة القوم وحلوبهم. ### || [36.73-75] # قوله تعالى: { ولهم فيها منافع ومشارب }؛ أي من ~~أصوافها وأوبارها وأشعارها ونسلها ومشارب من ألبانها، { أفلا ~~يشكرون }؛ رب هذه النعمة فيوحدونه جميعهم وأفرادهم. # فقال: { واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ~~ينصرون }؛ أي عبدوا من دون الله أصناما رجاء أن ينصرونهم ~~ويشفعوا لهم، كما قالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله ~~زلفى، فنفى الله نصرهم بقوله: { لا يستطيعون نصرهم }؛ ~~أي لا تقدر آلهتهم أن تمنعهم من العذاب، { وهم لهم جند ~~محضرون }؛ أي لهم الأصنام كالعبيد للأرباب قيام بين أيديهم ~~ينتصرون بهم، والأصنام لا تقدر على نصرهم ولا نصر أنفسهم. ويجوز أن ~~يكون معناه: والمشركون محضرون من الأصنام في النار توبيخا لهم ~~وتعذيبا للذين كانوا يعبدونهم. وقيل: معناه: إن المشركين ~~ينصرون الأصنام وهي لا تستطيع نصرهم. ### || [36.76] # قوله تعالى: { فلا يحزنك قولهم }؛ أي لا يحزنك يا ~~محمد قول كفار مكة في تكذيبهم إياك وقولهم إنك شاعر، { ~~إنا نعلم ما يسرون }؛ في نفوسهم من تكذيبهم ومكرهم ~~وخيانتهم، { وما يعلنون }؛ لك من العداوة بألسنتهم. والمعنى: ~~إنا نثبتك ونجازيهم. ### || [36.77] # قوله تعالى: { أولم ير الإنسان أنا خلقناه من ~~نطفة فإذا هو خصيم مبين }؛ يعني # " أبي بن خلف الجمحي خاصم النبي صلى الله عليه وسلم في إنكار ~~البعث، وأتاه بعظم قد بلي وجعل يفتته ويذريه في ~~الرياح، ويقول في أصحابه: أيحيي الله هذا العظم بعد ما رم! ~~وبقولهم: إن محمدا يقول إذا متنا وصرنا ترابا نعاد، ~~وتنفخ فينا الروح؛ إن هذا الشيء عجيب! من يقدر أن يحيي ~~العظام وهي رميم؟!، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يحيي الله ~~هذا ويميتك ويدخلك ms1755 النار " # فأنزل الله هذه الآية. # والمعنى: أولم ير الإنسان أنا خلقناه مع الحياة والعقل ~~والحواس من نطفة فبلغناه؛ أي أن صار خصما جدلا ظاهر ~~الخصومة، وهذا تعجيب من جهله وإنكار عليه خصومته؛ أي لا يتفكر ~~بدء خلقه. ### || [36.78] # قوله تعالى: { وضرب لنا مثلا ونسي خلقه }؛ أي ضرب ~~المثل في إنكار البعث بالعظم البالي يفته بيده، ونسي خلقنا ~~إياه وبعد أن لم يكن شيئا حتى صار مخاصما ف { قال من يحيي ~~العظام وهي رميم }؛ أي شيء بال قاس، قدر الله تعالى ~~بقدرة الخلق، فأنكر إحياء العظم البالي ما لم يكن ذلك في مقدور ~~البشر. ### || [36.79] # قوله تعالى: { قل يحييها الذي أنشأهآ أول ~~مرة وهو بكل خلق عليم }؛ أي قل لهم يا محمد: الذي ~~خلق من العدم إلى الوجود قادر على الإعادة بعد الممات، وهو عليم ~~بالخلق بعد أن خلقهم. ### || [36.80-81] # قوله تعالى: { الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ~~نارا فإذآ أنتم منه توقدون }؛ في هذه الآية زيادة بيان ~~عن عجيب صنعه، ومعنى ذلك الزنود التي كانت العرب يورون منها ~~النار، كانوا إذا احتاجوا إلى النار أخذوا غصنا من شجر ~~المرخ وغصنا من شجر العفار وهو الأدين، فضربوا أحدهما ~~بالآخر فخرجت النار، فقيل لهم: إن الذي جمع بين الماء والنار في ~~الشجر الأخضر قادر على تضادهما، لا يطفئ الماء النار، ولا ~~تحرق النار الشجر، قادر على أن يبعثكم ويرد أرواحكم إلى ~~أجسادكم. ويقال: ما من شجرة إلا وفيها نار غير شجرة العناب، ~~ولذلك يختارها القصارون لدق الثياب عليها. # ثم ذكر الله عز وجل: { أوليس الذي خلق ~~السماوات والأرض } ، ما هو أعظم خلقا من الإنسان فقال: { ~~بقادر على أن يخلق مثلهم }؛ معناه: إن الذي قدر على ~~خلق السماوات والأرض في عظمهما وعجائبهما يقدر على إعادة خلق ~~البشر؛ لأن خلق السماوات والأرض وما فيهما أبلغ في القدرة من ~~إحياء الموتى، أفليس القادر عليهما قادر على الإعادة؟ { بلى ~~وهو الخلاق } ، يخلق خلقا بعد خلق، { العليم } ، بجميع ~~ما خلق. ### || [36.82] # قوله تعالى: { إنمآ أمره إذآ أراد ms1756 شيئا أن ~~يقول له كن فيكون }؛ معناه: إنما أمره إذا أراد شيئا من ~~البعث وغيره أن يقول له: كن بغير واسطة. فإن قيل: لم لا ~~ينصب قوله تعالى (فيكون) على جواب الأمر كما يقال: آتني ~~فأكرمك، قلنا: ذاك مستقبل مستحب، الثاني: بوجوب الأدنى، وهذا ~~كائن مع إرادة الله تعالى، فالفعل واجب. ### || [36.83] # قوله تعالى: { فسبحان الذي بيده ملكوت كل ~~شيء }؛ نزه الله تعالى أن يوصف بغير القدرة؛ أي تنزيها ~~للذي له القدرة على كل شيء من أن يوصف بغير القدرة، و { ~~ملكوت كل شيء } أي ملك كل شيء، والقدرة على كل شيء، { ~~وإليه ترجعون }؛ في الآخرة بعد الموت فيجزيكم بأعمالكم. ### | [37 - سورة الصافات] ### || [37.1-2] # { والصافات صفا }؛ يعني صفوف الملائكة في السماء كصفوف ~~الخلق في الدنيا للصلاة، وهذا قسم أقسم الله تعالى بالملائكة ~~التي تصف أنفسها في السماء، قال ابن عباس: (يريد ~~الملائكة صفوفا لا يعرف كل ملك منهم من إلى ~~جانبه، لم يلتفت منذ خلق الله عز وجل). وقيل: ~~أقسم الله بصفوف الملائكة تصف أجنحتها في الهواء واقفة فيه ~~حتى يأمر الله بما يريد. قوله تعالى: { فالزاجرات ~~زجرا }؛ أراد به الملائكة الذين يزجرون السحاب فيسوقونه ~~إلى الموضع الذي أمروا به ويؤلفونه، وقال قتادة: (يعني ~~زواجر القرآن) وهو كل ما ينهى ويزجر عن ~~القبيح. ### || [37.3-4] # قوله تعالى: { فالتليت ذكرا }؛ يعني جبريل ~~والملائكة يتلون كتاب الله وذكره، وقوله تعالى: { إن ~~إلهكم لواحد }؛ جواب القسم، وإنما وقع القسم بهذه ~~الملائكة؛ لأن في تعظيمها تعظيما لله، وقيل: هذا أقسم بالله ~~تعالى على تقدير: ورب الصافات، إلا أنه حذف لما يقتضي من ~~التعظيم، وكذلك # والذاريات # [الذاريات: 1] # والطور # [الطور: 1] # والنجم # [النجم: 1] وغير ذلك. # وقد تضمنت الآية تشريف الملائكة وتعظيم الاصطفاف في الصلاة، ~~وفي الحديث: # " إنهم يصطفون في صلاتهم في السماء ويسبحون ~~الله تعالى ويذكرونه، ويرفعون أصواتهم بقراءة ~~القرآن في الصلاة كما يصطف الناس في صلاتهم " # قال مقاتل: (وذلك أن كفار قريش قالوا: أجعل ~~الآلهة إلها واحدا، فأقسم الله بهؤلاء أن إلهكم ~~لواحد ليس له شريك). ### || [37.5] ms1757 # قوله تعالى: { رب السموت والأرض وما ~~بينهما }؛ أي خالقهما ومشيتهما وتدبر ما بينهما، { ورب ~~المشارق } ، مالك المشارق، وإنما قال ها هنا: (رب ~~المشارق) لأن للشمس ثلاثمائة وستين مشرقا، تطلع كل يوم من ~~مشرق، وتغرب في مغرب، فإذا تحولت السنة عادت إلى المشرق ~~والمغرب، فإنما أراد جانب المشرق وجانب المغرب. وقيل: أراد به ~~الجنس، وقيل: أراد به مشرقها ومغربها في يوم واحد. وأما ~~قوله تعالى: # رب المشرقين # [الرحمن: 17] فقيل: إنما أراد به مشرق الشمس ومشرق القمر. ~~وقيل: أراد بذلك مشرق الشتاء والصيف ومغربها. وشروق الشمس: ~~طلوعها، يقال: شرقت إذا طلعت، وأشرقت اذا أضاءت. ### || [37.6] # قوله تعالى: { إنا زينا السمآء الدنيا بزينة ~~الكواكب }؛ أي زينا السماء التي هي أدنى إليكم من سائر ~~السماوات بضوء الكواكب ونورها، قرأ أبو بكر (بزينة) بالتنوين ~~ونصب (الكواكب) عمل الزينة في الكواكب؛ أي بأن زينا الكواكب ~~فيها، وقرأ حمزة وحفص (بزينة) بالتنوين وخفض (الكواكب) على ~~البدل؛ أي بزينة بالكواكب، وقرأ البافون بالإضافة. ### || [37.7] # قوله تعالى: { وحفظا من كل شيطان مارد }؛ أي ~~جعل الكواكب حفظا من كل شيطان متجرد للشر، يقذفون بها إذا ~~استرقوا السمع، والمارد: الخبيث الخالي من الخير، والمارد: ~~هو المتمرد، قال الحسن: (وهذا دليل أنه إنما يرجم ~~بالكواكب بعض الشياطين وهم المردة). ### || [37.8] # قوله تعالى: { لا يسمعون إلى الملإ الأعلى }؛ ~~كأنه قال: (لا يسمعون) أي لا يسمع مردة الشياطين إلى ~~الملائكة ولا إلى كلامهم، قال الكلبي: (معنى الآية: لكيلا ~~يسمعوا إلى الكتبة من الملائكة). والملأ الأعلى: هم ~~الملائكة؛ لأنهم في السماء، قرأ أهل الكوفة (يسمعون) ~~بالتشديد أي يسمعون. # وقوله تعالى: { ويقذفون من كل جانب }؛ أي يرمون من كل ~~جانب بالشهب، يعني أن الشياطين يرمون بالشهب عند دنوهم ~~من السماء لاستماع كلام الملائكة في تدبر أمور الدنيا. يرمون ~~بالشهب من نواحي السماء وأطرافها. ### || [37.9] # قوله تعالى: { دحورا ولهم عذاب واصب }؛ أي طردا ~~وإبعادا، يقال: دحره دحرا ودحورا؛ إذا طرده وأبعده، ~~ولهم مع ذلك في الآخرة عذاب واصب أي دائم لا ينقطع، وقيل: ~~معنى الواصب الموجع، من ms1758 الوصب وهو الوجع، وقيل: الوجع: معنى ~~الآية: أنهم يدحرون ويبعدون عن تلك المجالس التي يسترقون ~~السمع { ولهم عذاب واصب } أي دائم إلى النفخة الأولى. ### || [37.10] # قوله تعالى: { إلا من خطف الخطفة }؛ أي إلا من ~~اختلس الكلمة من كلام الملائكة مسارقة، { فأتبعه شهاب ~~ثاقب }؛ أي لحقه وأصابه نار مضيئة تحرقه، والثاقب: ~~النير المضيء، وهذا قوله إلا من استرق السمع مختلسا. ~~والخطف: أخذ الشيء بسرعة. قوله تعالى: { فأتبعه ~~شهاب ثاقب } أي نجم وهاج متوقد مضيء. ### || [37.11] # قوله تعالى: { فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من ~~خلقنآ }؛ قبلهم من الأمم الماضية، كانت الأمم الماضية أشد منهم ~~قوة وآثارا في الأرض، فأهلكناهم بكفرهم وتكذيبهم، فكيف يأمن ~~هؤلاء الهلاك مع إصرارهم على الكفر وهم أضعف ممن قبلهم. # ثم ذكر خلق الإنسان فقال: { إنا خلقناهم من طين لازب ~~}؛ أي خلقنا أصلهم وهو أبو البشر آدم من طين لازب لاصق ثابت، ~~يقال: له ضربة لازب، وضربة لازم، وإذا خلق أصلهم من طين ~~لازم فكيف لا يقرون بقدرة الله تعالى على البعث. ### || [37.12] # قوله تعالى: { بل عجبت ويسخرون }؛ أي بل عجبت يا ~~محمد من إنكارهم للبعث مع ظهور ما وجب من الحجة والأدلة، ~~ويقال: بل عجب من جهلهم حيث اختاروا ما تجب به النار لهم وتركوا ~~ما يجب لهم به الجنة، وهم يسخرون من بعثتك، ويستهزئون بكلامك ~~بالقرآن. # وقرأ حمزة والكسائي وخلف بضم التاء، وهي قراءة ابن مسعود على معنى ~~أنهم قد حلوا محل من تعجب منهم، وقال الحسن بن الفضل: ~~العجب من الله على خلاف العجب من الآدميين، ~~وإنما معنى العجب ها هنا هو الإنكار والتعظيم، ~~وقد جاء الخبر: # " أن الله ليعجب من الشاب ليست له صبوة ". # وقيل: إن الجنيد سئل عن هذه الآية فقال: (الله لا يعجب ~~من شيء، ولكن الله وافق رسوله لما عجب رسوله ~~فقال: # وإن تعجب فعجب قولهم # [الرعد: 5] أي هو كما تقوله) قال شريح: (إنما العجب ~~ممن لا يعلم، والله تعالى عنده علم كل شيء). # وقرأ الباقون (بل عجبت) بفتح التاء على خطاب ms1759 النبي صلى الله ~~عليه وسلم. و(بل) معناه: ترك الكلام الأول والآخر في كلام آخر، ~~كأنه قال: دع يا محمد ما مضى عجيب من كفار مكة حين أوحي ~~إليك القرآن ولم يؤمنوا به. # وقوله تعالى { ويسخرون } لأن سخريتهم بالقرآن ترك ~~الإيمان به، قال قتادة: (عجب نبي الله من هذا القرآن ~~حين نزل عليه، وظن أن كل من سمعه آمن به، ~~فلما سمعه المشركون ولم يؤمنوا به وسخروا ~~منه، عجب النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، فقال الله ~~عز وجل: عجبت يا محمد من نزول القرآن عليك ~~وتركهم الإيمان). ### || [37.13-21] # قوله تعالى: { وإذا ذكروا لا يذكرون }؛ وإذا ~~وعظوا بالقرآن لا يتعظون، { وإذا رأوا آية ~~يستسخرون }؛ إذا رأوا معجزة مثل انشقاق القمر وغيره ~~اتخذوه سخرية، ونسبوا ما دلهم على توحيد الله تعالى إلى ~~السحر، { وقالوا إن هذآ إلا سحر مبين }. وقالوا ~~أيضا على وجه الإنكار: { أءذا متنا وكنا }؛ صرنا؛ { ~~ترابا وعظاما }؛ بالية، { أءنا لمبعوثون }؛ أي ~~أنبعث بعد الموت، { أو آبآؤنا الأولون }؛ الذين مضوا ~~قبلنا، { قل }؛ لهم يا محمد: { نعم }؛ تبعثون { وأنتم ~~داخرون }؛ أنتم وآباؤكم؛ أي وأنتم أذلاء صاغرون، والدخور ~~أشد الذل. # ثم ذكر أن بعثهم يقع بزجرة واحدة؛ أي بصيحة واحدة، فإذا ~~هم قيام ينظرون ماذا يؤمرون به، وقوله تعالى: { فإنما هي ~~زجرة واحدة }؛ أي فإنما قضية البعث صيحة واحدة من إسرافيل، ~~يعني نفخة البعث، { فإذا هم ينظرون }؛ أي بعث الذي كذبوا ~~به. # فلما عاينوا البعث ذكروا قول الرسل في الدنيا أن البعث ~~حق، فدعوا بالويل، { وقالوا يويلنا }؛ من العذاب، { ~~هذا يوم الدين }؛ أي هذا يوم الحساب والجزاء نجازى فيه ~~بأعمالنا. فقالت الملائكة: { هذا يوم الفصل }؛ يوم ~~القضاء، { الذي كنتم به تكذبون }؛ يفصل به بين ~~المسيء والمحسن، والمحق والمبطل، وهو اليوم الذي ~~كنتم به تكذبون في الدنيا. ### || [37.22-26] # قوله تعالى: { احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ~~}؛ أي فيقال لخزنة جهنم: اجمعوا الذين ظلموا وقرناءهم من ~~الشياطين الذين قبضوا لضلالتهم، ويقال: أراد بالأزواج ~~نظراءهم وأشكالهم من الأتباع، والزوج في اللغة: النظير، ومن ~~ذلك: زوجان من ms1760 الخف. ويقال: أراد بالأزواج نساءهم، سواءا ~~أكانت امرأة الكافر كافرة أو منافقة، والمعنى: اجمعوا الذين ظلموا ~~من حيث هم إلى الوقف للجزاء والحساب، والمراد بالذين ظلموا ~~المشركين. # قوله تعالى: { وما كانوا يعبدون * من دون الله ~~}؛ يعني اجمعوا المشركين وأتباعهم وأوثانهم وطواغيتهم وأصنامهم ~~التي كانوا يعبدونها من دون الله، قال مقاتل: (يعني إبليس ~~وجنوده) فهم الذين كانوا يعبدونهم من دون ~~الله، قال الله تعالى: # أن لا تعبدوا الشيطان # [يس: 60]. قوله تعالى: { فاهدوهم إلى صراط الجحيم ~~}؛ أي سوقوهم واذهبوا بهم إلى فريق الجحيم. # فلما انطلق بهم إلى جهنم أرسل ملك يقول لخزنة جهنم: { ~~وقفوهم إنهم مسئولون }؛ أي اسألهم في موضع الحساب، ~~يسألوا ويعرفوا أعمالهم، وهذا سؤال توبيخ لا سؤال استفهام، قال ~~ابن عباس رضي الله عنهما: (إنهم مسؤولون عن ~~أعمالهم في الدنيا وأقاويلهم)، وقال مقاتل: ~~(تسألهم خزنة جهنم: ألم يأتكم نذير، ألم ~~يأتكم رسل منكم). # ويجوز أن يكون هذا السؤال ما ذكر بعد، وهو قوله: { ما لكم ~~لا تناصرون }؛ أي يقال لهم على سبيل التوبيخ: ما لكم لا ينصر ~~بعضكم بعضا كما كنتم في الدنيا. # وذلك أن أبا جهل لعنه الله قال يوم بدر: نحن جميع منتصر، ~~فقيل لهم ذلك اليوم: ما لكم غير متناصرين، وأنتم زعمتم في ~~الدنيا أنكم تناصرون، فالله تعالى قال: { بل هم اليوم ~~مستسلمون }؛ أي منقادون خاضعون لما يراد بهم، والمعنى: هم ~~اليوم أذلاء منقادون، لا حيلة لهم، فالعابد منهم والمعبود لا ~~يحمل عن أحدهم أحدا ولا يمنع أحد عن أحد. ### || [37.27-32] # قوله تعالى: { وأقبل بعضهم على بعض ~~يتسآءلون }؛ أي أقبل الشياطين والمشركون يسأل بعضهم بعضا سؤال ~~توبيخ، { قالوا } ، فيقول المشركون للشياطين: { إنكم كنتم ~~تأتوننا عن اليمين }؛ فتزينوا لنا الضلالة، ~~وتردوننا عن الخير، { قالوا } ، فيقول لهم الشياطين: { بل لم ~~تكونوا مؤمنين }؛ إنما كان الكفر من قبلكم، { وما كان ~~لنا عليكم من سلطان }؛ أي من قوة فنجبركم على الكفر، ~~{ بل كنتم قوما طاغين }؛ أي متجاوزين ضالين. # وقال الحسن في معنى الآية: (وأقبل بعضهم على بعض؛ ~~أي أقبل التابعون على ms1761 المتبوعين من بني آدم، ~~فيقولون: لولا أنتم لكنا مؤمنين، فيقول لهم ~~الرؤساء: ما أجبرناكم على الكفر بل كفرتم ~~بسوء اختياركم، فيقول لهم التابعون: إنكم كنتم ~~تأتوننا عن اليمين؛ أي من أقوى الجهات، وذلك أن ~~جهة اليمين أقوى من جهة الشمال، كما أن اليمين ~~أقوى من الشمال) وتقديره: خدعتمونا بأقوى الوجوه، واليمين ~~هي القوة، قال الله تعالى: # فراغ عليهم ضربا باليمين # [الصافات: 93] أي بالقوة. # وقال قتادة: (معنى: إنكم كنتم تأتوننا عن ~~اليمين؛ أي تمنعوننا عن طاعة الله تعالى) فيقول ~~الرؤساء: لم تكونوا مؤمنين في الأصل، إذا لم ~~تكونوا تريدونه، فكيف إجباركم عليه وما كان ~~لنا عليكم من سلطنة الإجبار على الكفر، { فحق ~~علينا قول ربنآ }؛ أي فوجب علينا جميعا كلمة ربنا بالعذاب ~~والسخط، وهي قوله تعالى: # لأملأن جهنم # [الأعراف: 18]. # وقوله: { إنا لذآئقون }؛ أي لذائقوا العذاب، فالضال ~~والمضل في النار، وقوله تعالى: { فأغويناكم }؛ أي ~~أضللناكم عن الهدى ودعوناكم إلى الغواية، { إنا كنا ~~غاوين } ، بأنفسنا. ### || [37.33-37] # يقول الله تعالى: { فإنهم يومئذ في العذاب ~~مشتركون }؛ أي لا ينفعهم التنازع والتخاصم، وكلا الفريقين ~~مشتركون في العذاب، { إنا كذلك نفعل بالمجرمين }؛ أي ~~هكذا نعاقب المشركين. # وقوله تعالى: { إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله ~~إلا الله يستكبرون }؛ أي إنهم كانوا يستكبرون عن كلمة ~~التوحيد، { ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا }؛ أنترك ~~آلهتنا وعبادتها، { لشاعر مجنون }؛ يعنون النبي صلى ~~الله عليه وسلم نسبوه إلى الشعر والجنون. # فأكذبهم الله تعالى بقوله: { بل جآء بالحق وصدق ~~المرسلين }؛ أي ما هو يقول شاعر وما صاحبكم بمجنون { بل ~~جآء بالحق } أي بالقرآن والتوحيد، { وصدق المرسلين } ~~الذين كانوا قبله؛ أي أتى بما أتوا به من الأيمان وقول الحق. ### || [37.38-45] # قوله تعالى: { إنكم لذآئقو العذاب الأليم }؛ أي ~~يقال لهم: إنكم أيها المشركون لذائقوا العذاب الأليم على ~~شرككم ونسبتكم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الشعر والجنون، ~~{ وما تجزون }؛ في الآخرة، { إلا ما كنتم تعملون }؛ ~~في الدنيا من الشرك. # ثم استثنى فقال: { إلا عباد الله المخلصين }؛ أي لكن ~~عباد الله الموحدين، فإنهم لا يعذبون، { أولئك لهم ms1762 رزق ~~معلوم }؛ أي يجزون بالبر ما يستحقون، وقيل: لهم رزقهم ~~فيها بكرة وعشيا. # وقيل: الرزق المعلوم هو ما ذكره بعد هذا في قوله تعالى { ~~فواكه وهم مكرمون }؛ والفواكه جمع فاكهة، وعلى ~~الثمار كلها رطبها ويابسها، وهم مكرمون بثواب الله تعالى على ~~السرر، { في جنات النعيم * على سرر متقابلين }؛ ~~لا يرى بعضهم قفا بعض، { يطاف عليهم بكأس من معين ~~}؛ أي بآنية مملوءة من الشراب، ولا تسمى الآنية كأسا إلا إذا ~~كان فيها الشراب، والمعين ها هنا الخمر، سميت معينا لأنها ~~تجري هناك على وجه الأرض من العيون كما تجري الماء فيها في غير ~~الأخدود. ### || [37.46] # قوله تعالى: { بيضآء لذة للشاربين }؛ قال الحسن: ~~(خمر الجنة أشد بياضا من اللبن، ليست هي على ~~لون خمر الدنيا، ولكنها بيضاء لرقتها ~~ونورها ورونقها وصفائها). وقوله تعالى { لذة ~~للشاربين } أي لذيذة أو ذات لذة، يقال شرب لذ ولذيذ. ### || [37.47] # قوله تعالى: { لا فيها غول }؛ أي ليس في شربها صداع ~~ولا وجع بطن ولا أذى، ولا تغتال عقولهم فتذهب بها. ويقال ~~للوجع غول لأنه يؤدي إلى الهلاك، وقوله تعالى: { ولا هم ~~عنها ينزفون }؛ أي ولا هم يسكرون، يقال: نزف الرجل فهو ~~منزوف ونزيف إذا سكر، وقال الكلبي: (يعني لا فيها ~~غول أي إثم، قال الله تعالى: # لا لغو فيها ولا تأثيم # [الطور: 23]). وقال ابن كيسان: (الغول المعصر). # وقال أهل المعاني: الغول فساد يلحق في خفاء، يقال: اغتاله ~~اغتيالا إذا فسد عليه أمر فسد في خفية. وقوله تعالى { ~~ولا هم عنها ينزفون } ، قرأ حمزة والكسائي وخلف بكسر ~~الزاي ها هنا، وفي الواقعة، ومعناه: لا ينفذ شرابهم بل هو دائم ~~لهم أبدا، يقال: نزف الرجل إذا نفذ شرابه، ومن قرأ بفتح ~~الزاي فمعناه: لا يسكرون منها، يقال: نزف الرجل فهو منزوف ~~ونزيف؛ إذا سكر وزال عقله. ### || [37.48-49] # قوله تعالى: { وعندهم قاصرات الطرف عين * ~~كأنهن بيض مكنون }؛ أي يعقد لهم مجلس الشراب، ~~ويسقون هذه الكؤوس اللذيذة، وتحضرهم حور عين قاصرات ~~الطرف، قصرت أطرافهن على أزواجهن لا يبتغين بهم بدلا، لا ms1763 ~~ينظرون إلى غير أزواجهن، والعين جمع العين وهن كبار الأعين ~~وحسانها، وقال الحسن: (اللاتي بياض عينهن في غاية ~~البياض، وسوادها في غاية السواد). # ومعنى الآية: وعندهم حابسات أعينهن الأعين غاضات الجفون قصرن ~~أعينهن عن غير أزواجهن، فلا ينظرن إلا إلى أزواجهن. # قوله تعالى: { عين } أي كبار الأعين حسانها، واحدتها ~~عيناء يقال: رجل أعين، وامرأة عيناء، ونساء عين. وقوله ~~تعالى: { عين } وامرأة عيناء ونساء عين. # وقوله تعالى { كأنهن بيض مكنون } أي مستور مصون، ~~والبيض مح البيضة، قال الحسن: (يشبهن بيض النعام ~~يكنها الريش من الريح) وهذا من تشبيهات العرب في وصف ~~النساء بالبيض، فشبه الأبياض أبدانهن ببياض البيض المكنون، ~~ويقال: أراد بالبيض المكنون ها هنا البياض الذي في داخل القشر ~~الخارج. ### || [37.50-60] # قوله تعالى: { فأقبل بعضهم على بعض ~~يتسآءلون }؛ أي يتحدثون في الجنة عن أمور الدنيا، { قال ~~قآئل منهم }؛ في جواب ما يسأل عنه: { إني كان لي قرين ~~}؛ أي كان لي صاحب في الدنيا يقول لي حين صدقت وهو منكر ~~للبعث، { يقول أءنك لمن المصدقين }؛ بالبعث، { ~~أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما }؛ بالية، { أءنا ~~لمدينون }؛ أي لمجزيون محاسبون؟ وهذا استفهام إنكار، ~~والدين: الحساب والجزاء، كأنه يقول: إن هذا الأمر ليس بكائن. { ~~قال هل أنتم مطلعون } ، قال قائل من أهل الجنة لأصحابه: هل ~~تطلعون على النار وعلى أهلها فتنظرون إلى هذا الذي كان قرينا لي ~~وتعرفون حاله، فاطلع هو بنفسه على النار وأهلها فرأى قرينه ~~في وسط الجحيم يعذب بألوان العذاب. قال ابن عباس: (وذلك ~~أن في الجنة كوة ينظر منها إلى أهل النار)، { ~~فاطلع } ، هذا المؤمن، { فرآه في سوآء الجحيم }؛ أي في ~~وسط النار يعذب. # ف { قال تالله إن كدت لتردين }؛ أي أردت أن ~~تهلكني كهلاك المترد من الشاهق، وقال مقاتل: (معناه: ~~لقد كدت أن تغويني فأنزل منزلك)، والإرداء ~~الإهلاك، ومن أغوى إنسانا فقد أهلكه. قوله تعالى: { ~~ولولا نعمة ربي }؛ أي لولا إنعامه علي بالإسلام، { ~~لكنت من المحضرين }؛ معك في النار. # وقال الكلبي: (ثم يؤتى بالموت فيذبح بين الجنة ~~والنار، وينادي مناد ms1764 بأهل الجنة: خلود فلا ~~موت، وبأهل النار: خلود فلا موت) فيقول هذا القائل ~~لأصحابه على جهة السرور: { أفما نحن بميتين }؛ في هذه ~~الجنة أبدا، { إلا موتتنا الأولى }؛ التي كانت في ~~الدنيا، { وما نحن بمعذبين }؛ أبدا. فيقال لهم: لا، ~~فيقولون: { إن هذا لهو الفوز العظيم }؛ فزنا ~~بالجنة ونعيمها، ونجونا من النار وجحيمها. فهذه قصة الأخوين ~~ذكرهما الله في سورة الكهف بقوله تعالى # واضرب لهم مثلا رجلين # [الكهف: 32]. ### || [37.61] # قوله تعالى: { لمثل هذا فليعمل العاملون }؛ ~~أي لمثل هذا النعيم المقيم، والملك العظيم فليعمل العاملون ~~في الدنيا، يعني بالنعيم ما ذكره الله من قوله # أولئك لهم رزق معلوم * فواكه وهم مكرمون * ~~في جنات النعيم... # [الصافات: 41-43] إلى قوله # بيض مكنون # [الصافات: 49]. ### || [37.62] # قوله تعالى: { أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم }؛ ~~معناه: أذلك الفوز الذي سبق ذكره لأهل الجنة خير مما يهيأ ~~من الإنزال أم نزل أهل النار؟ وقوله تعالى: { أم شجرة ~~الزقوم } لأهل النار في النار، والزقوم: هو ما يكره ~~تناوله، والذي أراده الله شيء مر كريه تناوله، وأهل النار ~~يكرهون على تناوله، فهم يتزقونه على أشد كراهة، تقول: ~~تزقم هذا العظام؛ أي تناوله على نكد ومشقة شديدة. ### || [37.63-64] # قوله تعالى: { إنا جعلناها فتنة للظالمين }؛ ~~روي سبب نزول هذه الآية: أنه لما نزل قوله تعالى: # أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم # [الصافات: 62] كانوا يقولون لا ندري ما الزقوم؟ فكانوا يتذاكرون هذا ~~الحديث إذ جاءهم عبدالله بن الزبعرى السهمي فذكروا له، فقال: ~~أكثر الله في بيوتكم منها، إن أهل اليمن يدعوا الزبد والتمر ~~الزقوم، فقال أبو جهل لجاريته: زقمينا يا جارية، فأتته ~~بزبد وتمر، فقال: تزقموا فإن هذا الذي يخوفكم به ~~محمد، فشاع في أهل مكة أن محمدا يخوف أصحابه ~~بالزبد والتمر، فأنزل الله هذه الآية { إنا جعلناها ~~فتنة للظالمين } أي عذابا بالكافرين، والفتنة: هي العذاب ~~كما قال الله تعالى: # يوم هم على النار يفتنون * ذوقوا فتنتكم # [الذاريات: 13-14] أي عذابكم فأنزل الله تعالى # إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم # [الدخان: 43-44]. # ويجوز أن يكون ms1765 معنى الفتنة في هذه المحنة والبلية كما قال ~~الله تعالى: هذه الشجرة افتتن بها الظلمة. قالوا: كيف يكون في ~~النار شجرة وهي تأكلها؛ لأن النار تأكل الشجر، فأنزل الله تعالى { ~~إنا جعلناها فتنة للظالمين } أي خبرة لهم افتتنوا ~~بها وكذبوا بكونها. # وبين الله تعالى: { إنها شجرة تخرج في أصل ~~الجحيم }؛ أي تنبت في قعر الجحيم، قال الحسن: (أصلها في ~~قعر جهنم، وأصلها في دركاتها، بالنار غذيت ~~ومنها خلقت بلهب النار، كما ينمو شجر بالماء، ~~كلما ازدادت النار التهابا ازدادت تلك الشجرة ~~نموا وارتفاعا، وإن أهل النار ليأكلون ~~ويشربون ويلبسون النار، ويتقلبون في النار، ~~وإن أهون أهل النار عذابا رجل يكون له نعلان ~~يغلي من حرهما دماغه). ### || [37.65] # قوله تعالى: { طلعها كأنه رءوس الشياطين }؛ أي ~~ثمرها كريه مر هائل المنظر كأنه حيات هائلات الرؤوس تكون ~~في طريق اليمن، تسمي العرب تلك الحيات رؤوس الشياطين ~~لقبحها. وقال بعضهم: أريد به الشياطين المعروفة، وقد اعتقد ~~الناس قبحهم وقبح رؤوسهم، وإن لم يشاهدوهم، ولذلك يشبهون الشيء ~~القبيح بالشياطين، يقول الرجل: رأيت فلانا كأنه شياطين، ورؤوسه ~~رأس الشيطان، فالشياطين موصوفة بالقبح وإن كانت لا ترى. ### || [37.66] # قوله تعالى: { فإنهم لآكلون منها }؛ أي من ثمرها، ~~{ فمالئون منها البطون }؛ وذلك أن الله تعالى يلقي من ~~أهل النار من شدة الجوع ما يلجؤهم الى أكلها بما هي عليه من ~~الحرارة والمرارة والخشونة، فيبتلعونها على جهد حتى يختنقوا بها ~~وتمتليء بطونهم منها، ويكون حالهم في الأكل منها أضر كحالهم في ~~الأكل منها أولا. ### || [37.67] # قوله تعالى: { ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم }؛ ~~وذلك أن الله تعالى يلقي عليهم عطشا بعد ذلك حتى يشربوا من ~~الحميم، وهو الماء الحار الذي قد انتهى حره، والشوب كما هو ~~خلط الشيء بما ليس منه، بما هو شر منه، يقال له شابه الشيء إذا ~~خالطه، فشوب الجحيم في بطونهم الزقوم فيصير شوبا له. ### || [37.68] # قوله تعالى: { ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم }؛ ~~معناه: إن مرجعهم بعد شرب الجحيم وأكل الزقوم الى الجحيم، وذلك ~~أنهم ms1766 يوردون الحميم من شربه وهو خارج من الجحيم كما تورد ~~الإبل الماء، ثم يردون إلى الجحيم، فيتجرعونه ويصب على ~~رؤوسهم، ومرة يردون إلى النار الموقدة، وهذا عذابهم أبدا. وعن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " أيها الناس اتقوا الله ولا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون، فلو أن قطرة قطرت من الزقوم من ~~الأرض لأمرت على أهل الدنيا معيشتهم، فكيف بمن ~~هو طعامه ليس لهم طعام غيره ". ### || [37.69-70] # قوله تعالى: { إنهم ألفوا آبآءهم ضآلين }؛ ~~معناه: إنهم وجدوا آباءهم في الدنيا ضالين عن الحق والدين، ~~ف، كانوا، { فهم على آثارهم يهرعون }؛ أي يمضوا ~~مسرعين كأنهم يزعجون من الإسراع الى اتباع آبائهم، يقال: ~~هرع وأهرع إذا أسرع. ### || [37.71-74] # قوله تعالى: { ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين ~~}؛ أي ولقد ضل قبل هؤلاء المشركين أكثر الأولين من الأمم ~~الخالية، كما ضل قومك، { ولقد أرسلنا فيهم منذرين ~~}؛ أي رسلا ينذرونهم العذاب؛ أي يخوفونهم بالعذاب على ترك ~~الإيمان، { فانظر كيف كان عاقبة المنذرين }؛ الذي ~~أنذروا فكذبوا الرسل، كيف أهلكهم الله تعالى، وقوله تعالى: { ~~إلا عباد الله المخلصين }؛ يعني إلا عباد الله ~~الموحدين الذين لم يكذبوا، فإنهم نجو من العذاب ولم يهلكوا. ### || [37.75-76] # قوله تعالى: { ولقد نادانا نوح فلنعم ~~المجيبون }؛ أي ولقد دعانا نوح على قومه بالإهلاك حين يئس من ~~إيمانهم، وأذن له في الدعاء، وقال # أني مغلوب فانتصر # [القمر: 10]، وقال # رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا # [نوح: 26]، وقوله { فلنعم المجيبون } أي نعم المجيبون ~~فأجبناه وأهلكنا قومه الكافرين، { ونجيناه وأهله }؛ ومن ~~آمن به، { من الكرب العظيم }؛ وهو الغرق. ### || [37.77] # قوله تعالى: { وجعلنا ذريته }؛ وذلك من كان معه من ~~المؤمنين في السفينة انقرضوا من غير عقب، وكان نسل نوح عليه ~~السلام من أولاده الثلاثة: سام وحام ويافث، فأما سام فأبو العرب ~~وفارس والروم، وحام أبو الحبش وجميع السودان والسند والهند ~~والبربر، ويافث أبو الترك ويأجوج ومأجوج وما هنالك من باقي ~~الناس. قال ابن عباس: (لما خرج نوح عليه السلام من ~~السفينة مات من معه من الرجال والنساء ms1767 إلا ~~ولده الثلاثة ونساءهم) فذلك قوله تعالى: { هم ~~الباقين }. ### || [37.78-82] # قوله تعالى: { وتركنا عليه في الآخرين }؛ أي تركنا على ~~نوح الذكر الجميل في الباقين بعده، وذلك الذكر قوله تعالى: ~~{ سلام على نوح في العالمين }؛ أي يصلى عليه إلى يوم ~~القيامة، قال الزجاج: (معنى قوله تعالى: { وتركنا ~~عليه في الآخرين } أي وأبقيناه ذكرا حسنا وثناء ~~جميلا فيمن بعده إلى يوم القيامة) { إنا كذلك ~~نجزي المحسنين }؛ أي كما جزينا نوحا وأنعمنا عليه، فكذلك ~~نجزي المحسنين في القول والعمل، { إنه من عبادنا ~~المؤمنين }؛ وقيل: (معناه: تركنا على نوح في الآخرين أن ~~يصلى عليه إلى يوم القيامة)، { ثم أغرقنا الآخرين }. ### || [37.83-84] # قوله تعالى: { وإن من شيعته لإبراهيم }؛ معناه: ~~وإن من أهل ملة نوح عليه السلام والمتمسكين بدينه لإبراهيم، ~~{ إذ جآء ربه بقلب سليم }؛ أي إذ أقبل إلى طاعة ربه ~~بقلب سليم من الكفر والمعاصي ومن كل عيب. والشيعة: هي ~~الجماعة التابعة لذي رأي لهم. ### || [37.85] # قوله تعالى: { إذ قال لأبيه وقومه ماذا ~~تعبدون }؛ هذا إنكار من إبراهيم على قوله، كالرجل ينظر غيره ~~على قبيح من الأمر، فيقول له: ما هذا الذي تفعل؟ ### || [37.86-87] # قوله تعالى: { أإفكا آلهة دون الله تريدون }؛ ~~معناه: أأتخذ آلهة تريدون عبادتها على وجه الكذب. وقيل: ~~معناه: أتأفكون إفكا هو أسوأ الكذب، وتعبدون آلهة سوى ~~الله، { فما ظنكم برب العالمين }؛ إذا لقيتموه وقد ~~عبدتم غيره، أي فما ظنكم أنه يصنع بكم. ### || [37.88-90] # قوله تعالى: { فنظر نظرة في النجوم * فقال ~~إني سقيم }؛ قال بعضهم: إنما نظر إلى النجوم نظر تدبر ~~واعتبار، وليستدل بها على وقت الحمى كانت تأتيه، فلما عرف بذلك ~~وقت حماه قال إني سقيم؛ أي جاء وقت سقمي ومرضي. # ويقال: أوهمهم بهذا القول أن به مرضا فتركوه، وكان يريد بهذا ~~القول في نفسه: إني سقيم القلب بما أرى من أحوالكم القبيحة في ~~عبادة غير الله، وذلك أنه أراد أن يكايدهم في أصنامهم ليلزمهم ~~الحجة في أنها غير معبودة، وكان لهم عيد يخرجون إليه، فكلفوه ~~الخروج معهم إلى عيدهم؛ فنظر في ms1768 النجوم يريهم أنه مستدل بها ~~على حاله، فقال: إني سقيم، { فتولوا عنه مدبرين }؛ ~~فتركوه وذهبوا إلى عيدهم. ### || [37.91-92] # قوله تعالى: { فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون * ~~ما لكم لا تنطقون }؛ أي مال إلى أصنامهم ميلة في خفية ~~سرا لما أدبروا عنه فوجد بين أيديهم طعاما كانوا قد وضعوه ~~قبل خروجهم إلى عيدهم، وزعموا بجهلهم أن أصنامهم تبارك لهم فيه، ~~فإذا رجعوا من عيدهم أكلوه. قال مقاتل: (كانت أصنامهم ~~اثنين وسبعين صنما من خشب وحديد ورصاص وذهب ~~وفضة، وكان أكبرهم من ذهب وعيناه ياقوتتان، ~~فلما رآهم إبراهيم كذلك وبين أيديهم الطعام، ~~قال: ألا تأكلون ما حولكم من الأطعمة، فلما ~~لم يكن منهم أكل ولا جواب قال لهم: ألا ~~تنطقون إن كنتم آلهة). ### || [37.93] # قوله تعالى: { فراغ عليهم ضربا باليمين }؛ أي ~~مال عليهم بالضرب بيده اليمنى وبالقوة، ويقال: بر يمينه ~~التي كان حلف بالله لأكيدن أصنامكم، فجعل يضربهم بالفأس حتى ~~جعلهم جذاذا، ثم جعل الفأس على عاتق كبير الأصنام، والروغان ~~في اللغة: هو الميل على وجه الاضطراب. ### || [37.94-95] # قوله تعالى: { فأقبلوا إليه يزفون }؛ أي أقبل ~~المشركون إليه بعد رجوعهم من عيدهم يسرعون في المشي، كأنهم ~~أخبروا بصنعه فقصدوه. والزفيف: هو المشي السريع، ومن ~~ذلك زفيف النعام وهو خببه الذي يكون بين المشي والعدو، ~~ومنه الآزفة لسرعة مجيئها وهو القيامة. # وقرأ حمزة (يزفون) بضم الياء؛ أي يحملون دوابهم ~~وظهورهم على الإسراع في المشي، وذلك أنهم أخبروا بصنع إبراهيم ~~بآلهتهم، وأسرعوا ليأخذوه، فلما انتهى إليه؛ { قال } لهم محتجا ~~عليهم: { أتعبدون ما تنحتون }؛ بأيديكم من الأصنام، أي ~~تعبدون ما تنحتونه من الخشب والحجر أمواتا لا تنطق ولا تسمع ~~ولا تنصر ولا تعقل. ### || [37.96-97] # قوله تعالى: { والله خلقكم وما تعملون }؛ ~~تنحتون بأيديكم؛ أي خلقكم ومعمولكم وهو منحوتهم الذي نحتوه، ~~والمعنى: خلقكم وعملكم، وهذا مذهب أهل السنة؛ لأنهم يعتقدون ~~أن الله خلقهم وعملهم، والقدرية تنكر خلق الأعمال. # فلما ألزمهم إبراهيم عليه السلام الحجة، { قالوا ابنوا ~~له بنيانا فألقوه في الجحيم }؛ أي قالوا: ابنوا له ~~حائطا من حجارة ms1769 طوله في السماء ثلاثون ذراعا، وعرضه عشرون ~~ذراعا، وملؤوه نارا، وذلك قوله تعالى: { فألقوه في ~~الجحيم } وهي النار العظيمة، فبنوا له ذلك وجمعوا فيه الحطب، ~~وأرسلوا فيه النار حتى صار جحيما، ثم رموه بالمنجنيق. # فنجاه الله تعالى، وجعل النار عليه بردا وسلاما لم يؤذه ~~منها شيء ولا أحرقت شيئا من ثيابه، وذلك لإخلاصه وقوة دينه ~~وصدق توكله ويقينه، كما روي أنه عليه السلام لما انفصل من ~~المنجنيق أتاه جبريل في الهواء، فقال هل لك من حاجة؟ فقال: وأما ~~إليك فلا. ### || [37.98] # قوله تعالى: { فأرادوا به كيدا }؛ أي أرادوا به ~~شرا، وهو أن يحرقوه بالنار، { فجعلناهم الأسفلين } ، ~~لأن إبراهيم علاهم بالحجة حين سلمه الله تعالى ورد كيدهم ~~عنه، ولم يلبثوا إلا يسيرا حتى أهلكهم الله تعالى، وجعلهم في ~~نار أعظم وأسفل مما ألقوه فيها. ### || [37.99-101] # قوله تعالى: { وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين ~~}؛ أي قال إبراهيم: إني ذاهب إلى مرضات ربي سيهديني لما فيه ~~رشدي وصلاحي، وأراد بهذا الذهاب إلى الأرض المقدسة، وقيل: ~~إلى أرض الشام، قال مقاتل: (فلما قدم الأرض المقدسة ~~سأل ربه الولد) فقال: { رب هب لي من الصالحين }؛ ~~أي ولدا صالحا. # واستجاب الله دعاءه بقوله: { فبشرناه بغلام حليم }؛ ~~قال الزجاج: (هذه البشارة تدل على أنه مبشر ~~بابن ذكر، وأنه يبقى حتى ينتهي في السن، ~~ويوصف في الحلم)، قال الحسن: (وهو إسحاق عليه السلام). ~~وقال الكلبي: (هو إسماعيل، وكان أكبر من إسحاق ~~بثلاثة عشر سنة). ### || [37.102] # قوله تعالى: { فلما بلغ معه السعي }؛ أي فلما ~~بلغ ذلك الغلام معه حالة السعي في طاعة الله تعالى، كما قال ~~الله تعالى: # وإذ يرفع إبرهيم القواعد من البيت ~~وإسمعيل # [البقرة: 127]، وقيل: معناه: فلما بلغ أن يمشي معه، وقال مجاهد: ~~(لما شب حتى بلغ أن يتصرف معه ويعينه، ~~وكان يومئذ ابن ثلاثة عشر سنة). وقيل: أراد ~~بالسعي في الوقت الذي ينتفع الوالد بالولد في قضاء حوائجه. # قوله تعالى: { قال يبني إني أرى في المنام ~~أني أذبحك }؛ أي رأيت في المنام رؤيا تأويلها أني ~~أذبحك، ms1770 وقيل: رأيت في المنام أني أذبحك، قال مقاتل: (رأى ~~إبراهيم ذلك في المنام ثلاث ليال متواليات)، قال ~~ابن جبير: (رؤيا الأنبياء وحي)، وقال قتادة: (رؤى ~~الأنبياء حق، إذا رأوا شيئا فعلوه). # وقوله تعالى: { فانظر ماذا ترى }؛ أي من الرأي فيما ألقيت ~~إليك، وقرأ حمزة والكسائي: (ماذا تري) بضم التاء وكسر الراء، ~~ومعناه: ماذا تشير وماذا تريني من صبرك أو جزعك؟ { قال ~~يأبت افعل ما تؤمر }؛ به من ذبحي، { ستجدني إن شآء ~~الله من الصابرين }؛ على بلائه، وإنما قال له إبراهيم هذا ~~القول مع كونه مأمورا بذبحه؛ لأنه أحب أن يعلم صبره وعزيمته ~~على أمر الله وطاعته. # وفي الآية دلالة على أن إبراهيم كان مأمورا بذبح ولده، لأن ~~رؤيا الأنبياء عليهم السلام وحي بمنزلة الوحي إليهم في ~~اليقظة، ولذلك قال الابن: { يأبت افعل ما تؤمر } ولم ~~يقل: افعل ما رأيت في المنام. # واختلفوا في الذبيح من هو؟ فذهب الأكثرون إلى أنه إسحاق، وإليه ~~ذهب من الصحابة عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبدالله بن ~~مسعود وعباس بن عبدالمطلب، ومن التابعين كعب الأحبار وسعيد بن ~~جبير وقتادة ومسروق وعكرمة وعطاء ومقاتل والزهري والسدي. # وقال آخرون: هو إسماعيل، وهو قول ابن عمر وابن عباس وسعيد بن ~~المسيب والشعبي والحسن ومجاهد والكلبي والربيع بن أنس ومحمد بن ~~كعب القرظي. وروي عن أبي إسحاق الزجاج أنه قال: (الله أعلم ~~أيهما الذبيح). # وسياق الآية يدل على أنه إسحاق؛ لأنه تعالى قال # فبشرناه بغلام حليم # [الصافات: 101] ولا خلاف أنه إسحاق، ثم قال: فلما بلغ معه السعي، ~~فعطف بقصة الذبح مع ذكر اسحاق، وقد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم القولان، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الذي أراد إبراهيم ذبحه هو إسحاق ". # وعن معاوية رضي الله عنه أنه قال: كنت عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فجاء رجل فقال: يا رسول الله عد ~~علي مما أفاء الله عليك يا ابن الذبيحين، فضحك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأل معاوية ومن ms1771 ~~الذبيحان؟ فقال: [إن عبد المطلب لما حفر زمزم ~~نذر لله تعالى لئن سهل الله أمره ليذبحن أحد ~~ولده، فخرج السهم على عبدالله، فمنعه أخواله ~~وقالوا: إفد ابنك بمائة من الإبل، ففداه بمائة ~~من الإبل، والذبيح الثاني إسماعيل]، ويدل على صحة هذا ~~قوله عليه السلام: # " أنا ابن الذبيحين " # يريد أباه الأدنى عبدالله بن عبدالمطلب وجده إسماعيل. # وقال محمد بن كعب القرظي: (إن الذي أمر الله إبراهيم ~~بذبحه من بنيه إسماعيل، وإنا لنجده في كتاب الله ~~تعالى، إن الله تعالى يقول حين فرغ من قصة ~~المذبوح: # وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين # [الصافات: 112]). # وقال الأصمعي: (سألت أبا عمرو بن العلاء عن الذبيح ~~هل هو إسماعيل أو إسحاق؟ فقال: يا أصمعي أين ~~ذهب منك عقلك؟! وأين كان إسحاق؟ وإنما كان ~~إسماعيل بمكة وهو الذي بنى البيت مع أبيه كما ~~قال # وإذ يرفع إبرهيم القواعد من البيت ~~وإسمعيل # [البقرة: 127]، والنحر بمكة لا شك فيه). وسئل أبو ~~سعيد الضرير عن الذبيح فأنشد: # إن الذبيح هديت إسماعيل # نطق الكتاب بذاك والتنزيل # شرف به خص الآله نبيه # وأتى به التفسير والتأويل # وأما قصة الذبح فقال السدي: (لما فارق إبراهيم قومه ~~مهاجرا إلى الشام هاربا بدينه، دعا الله تعالى أن ~~يهب له من سارة ابنا صالحا، فقال: (رب هب لي من ~~الصالحين فبشرناه بغلام حليم) وهو اسحاق). قال ~~السدي: (فهو والله إسحاق الذبيح). وقال محمد بن كعب: (هو ~~إسماعيل). # فلما أمر الله إبراهيم بذبح من أمر، قال لابنه: يا بني ~~خذ الحبل والمدية وانطلق بنا إلى هذا الشعب لنحتطب، ~~فلما خلا إبراهيم بابنه في شعب ثبير قال له: { إني أرى ~~في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى } قال: يا ~~أبت افعل ما تؤمر واشدد رباطي حتى لا أضطرب، واكفف ثيابك ~~عني حتى لا ينضح عليها شيء من دمي فينقص أجري وتراه أمي ~~فتحزن، واستحد شفرتك وأسرع حد السكين على حلقي حتى تجسر ~~علي فتذبحني ليكون أهون علي، فإن الموت شديد، وإذا أتيت أمي ~~فأقرئها مني السلام، فإن رأيت أن ms1772 ترد إليها قميصي فافعل، فإنه ~~عسى أن يكون أسلا لها عني. # فقال إبراهيم: نعم العون أنت يا بني على أمر الله، فأقبل ~~عليه يقبله وقد ربطه وهو يبكي، والابن يبكي حتى استفرغ الدموع ~~تحت خده، ثم إنه وضع السكين في حلقه فلم تعمل في حلقه شيئا. # قال السدي: (ضرب الله تعالى في حلقه صفحة من نحاس فلم تقطع ~~السكين شيئا، فقال الابن عند ذلك: يا أبت كبني على وجهي ~~فإنك إذا نظرت في وجهي رحمتني وأدركتك الرقة فتحول بينك ~~وبين الله تعالى، ففعل ذلك إبراهيم، ثم وضع السكين على قفاه ~~فانقلبت السكين. # ونادى أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا هذه ذبيحتك فداء لابنك ~~فاذبحها دونه، فنظر إبراهيم فإذا هو جبريل عليه السلام ومعه كبش ~~أقرن أملح، فكبر جبريل عليه السلام وكبر إبراهيم وكبر ابنه، ~~فأخذ إبراهيم الكبش وأتى به المنحر من منى فذبحه، فلما ذبح ~~إبراهيم الكبش رجع إلى إبنه فجعل يقول له: يا بني قد وهبك ~~الله لي، ثم رجع إلى أمه فأخبرها الخبر فجزعت وقالت: يا ~~إبراهيم أردت أن تذبح ولدي ولا تعلمني. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: (لما رأى إبراهيم ذبح ~~ابنه قال الشيطان: والله لئن لم تزل آل إبراهيم ~~في هذا الأمر لا بقيت استزل منهم أحدا، فتمثل ~~الشيطان رجلا وأتى الولد فقال له: هل تدري أين ~~يذهب بك أبوك؟ قال: نعم نحتطب لأهلنا حطبا من ~~هذا الشعب، قال: والله ما يريد إلا أن يذبحك، قال: ~~ولم؟ قال: زعم أن ربه أمره بذبحك، قال: ~~فليفعل ما أمره به ربه، فسمعا وطاعة لله عز ~~وجل. فرجع الشيطان إلى أم الولد فقال لها: ~~أتدرين أين ذهب إبراهيم بابنك؟ قالت: نعم ذهبا ~~يحتطبان، قال: لا والله ما ذهب به إلا ليذبحه، ~~قالت: كلا هو أرحم به وأشد حبا له من ذلك، ~~قال: إنه زعم أن الله أمره بذلك، قالت: فإن كان ~~ربه قد أمره بذلك فقد أحسن في امتثال أمر ربه. # فخرج الشيطان من عندها حتى أتى ms1773 إلى إبراهيم عليه ~~السلام فقال: أين تريد أيها الشيخ؟ قال: أريد هذا ~~الشعب لحاجة، قال: إني والله لأدري الشيطان قد ~~جاءك في منامك فأمرك بذبح ابنك هذا، فعرفه ~~إبراهيم وقال: يا عدو الله لأمضين لأمر ربي. ~~فرجع إبليس لعنه الله بغيظه ولم يصب من آل ~~إبراهيم شيئا مما أراد). ### || [37.103-105] # قوله تعالى: { فلما أسلما وتله للجبين }؛ أي ~~فلما انقادا وخضعا لأمر الله تعالى ورضيا به، وقرأ ابن مسعود: ~~(فلما سلما) أي فوضا. قوله تعالى: { وتله ~~للجبين } أي صرعه وأضجعه وكبه على وجهه للذبح، ~~وقيل: طرحه على الأرض على أحد جنبيه كما يفعل بالكبش حين ~~يذبح، نادته الملائكة من الجبل بإذن الله: { وناديناه أن ~~يإبراهيم * قد صدقت الرؤيآ }؛ أي وفيت الرؤيا ~~حقها؛ أي وفيت بما أمرت به في المنام، دع ابنك وخذ الكبش ~~الذي ينحدر إليك من الجبل المشرف على مسجد منى. # وقوله تعالى { قد صدقت الرؤيآ } أي نودي من الجبل أن يا ~~إبراهيم قد صدقت الرؤيا لأن الله تعالى قد عرف منهما الصدق ~~حين قصد إبراهيم الذبح بما أمكنه وطاوع الابن بالتمكين من ~~الذبح، ففعل كل واحد منهما ما أمكنه وإن لم يحققوا الذبح، ~~وكان قد رأى في المنام معالجة الذبح ولم يرق الدم، ففعل في ~~اليقظة ما رأى في المنام، فلذلك قيل له: { قد صدقت الرؤيآ ~~} وتم الكلام. ثم قال { إنا كذلك نجزي المحسنين }؛ ~~أي هكذا نجزي كل محسن ممن سلك طريقهما في الانقياد لأمر الله، ~~وجميل الصبر على ابتلائه. ### || [37.106-107] # قوله تعالى: { إن هذا لهو البلاء المبين }؛ أي ~~لهو الاختيار البين فيما يوجب النعمة والنقمة، وأي اختبار ~~أعظم من أن يؤمر الشيخ الكبير بذبح الولد العزيز بيده. وقوله ~~تعالى: { وفديناه بذبح عظيم } ، أي بكبش عظيم؛ أي أقمنا ~~الذبح مقامه وجعلناه بدلا عنه. # وعن عطاء بن يسار قال: (لما بلغ إسماعيل سبع سنين رأى ~~إبراهيم عليه السلام أنه يذبح، فأخذ بيده ومضى به ~~إلى حيث أمر حتى انتهى إلى منحر البدن اليوم، ~~فقال: يا بني إن الله أمرني بذبحك، ms1774 قال إسماعيل: ~~فأطع ربك. # ففعل إبراهيم، فجعل ينحره في حلقه، نحر في ~~فأس لم تؤثر فيه الشفرة، فشحدها مرتين أو ~~ثلاثا بالحجر، وفي كل لا يستطيع، فرفع رأسه ~~فإذا هو بكبش قد رعى في الجنة أربعين خريفا). # قال الحسن بن الفضل: (ما فدي إلا بتيس هبط عليه من ~~ثبير فذبحه إبراهيم فداء عن ابنه). وقيل: كان ~~الفداء وعلا من الأوعال الجبلية. # وأما قوله { بذبح عظيم } قال سعيد بن جبير: (حق عليه ~~أن يكون عظيما، وقد رعى في الجنة أربعين ~~خريفا). وقال مجاهد: (سمي لأنه متقبل)، وقال الحسن ابن ~~الفضل: (لأنه كان من عند الله تعالى)، وقال أبو بكر ~~الوراق: (لأنه لم يكن عن نسل وإنما كان ~~بالتكوين). ### || [37.108-111] # قوله تعالى: { وتركنا عليه في الآخرين }؛ أي تركنا ~~على إبراهيم في العالمين أن يقال: { سلام على إبراهيم } ، ~~ويصلى عليه إلى يوم القيامة، { كذلك نجزي المحسنين } ، ~~وبقينا عليها حسنا، { إنه من عبادنا المؤمنين }. ### || [37.112] # قوله تعالى: { وبشرناه بإسحاق نبيا من ~~الصالحين }؛ من جعل الذبيح إسماعيل قال: بشر الله إبراهيم ~~بولد بعد هذه القصة جزاء لطاعته، ومن جعل الذبيح إسحاق قال: ~~بشر إبراهيم بنبوة إسحاق، وأثيب إسحاق بصبره بالنبوة. ### || [37.113] # قوله تعالى: { وباركنا عليه وعلى إسحاق }؛ أي ~~وباركنا على إبراهيم وعلى إسحاق، وقيل: على إسماعيل وعلى إسحاق، ~~وقوله تعالى: { ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه ~~مبين }؛ المحسن هو المؤمن، والظالم المبين هو الكافر. ### || [37.114-122] # قوله تعالى: { ولقد مننا على موسى وهارون }؛ ~~أي أنعمنا عليهما بالنبوة والرسالة وغير ذلك من أنواع النعيم، ~~والمن قطع كل أذية، ومنه قوله تعالى: # أجر غير ممنون # [الانشقاق: 25] أي غير مقطوع. قوله تعالى: { ونجيناهما ~~وقومهما من الكرب العظيم }؛ أي وخلعناهما من الخزي ~~القطيع من استعباد فرعون إياهم، ومن ذبح الأبناء، وتسخير الرجل ~~في الأمور الشاقة، { ونصرناهم } ، على فرعون وقومه، { ~~فكانوا هم الغلبين }؛ بعد ما كانوا مغلوبين، { ~~وآتيناهما الكتاب المستبين }؛ أي أعطيناهما الكتاب ~~البين وهو التوراة، { وهديناهما الصراط المستقيم }؛ ~~وهو دين الاسلام، { وتركنا عليهما في الآخرين * سلام ~~على موسى وهارون * إنا كذلك ms1775 نجزي المحسنين * ~~إنهما من عبادنا المؤمنين }. ### || [37.123] # قوله تعالى: { وإن إلياس لمن المرسلين }؛ قال ~~ابن عباس: (هو عم اليسع، وهو من ذرية هارون ~~بن عمران، وهارون هو جد أبيه). وقال ابن إسحاق: ~~(إلياس هو يوشع بن نون). # ويقال: إلياس والخضر في الأحياء، فإلياس صاحب البراري، والخضر ~~صاحب الجزائر، ويجتمعان في كل سنة مرة بعرفات! # وعن أنس رضي الله عنه قال: # " غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا نفح الناقة ~~إذ نحن بصوت يقول: اللهم اجعلني من أمة محمد المرحومة المغفور ~~لها المثوب عليها المستجاب لها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ~~يا أنس انظر هذا " فدخلت الجبل فاذا أنا برجل أبيض الرأس ~~واللحية، عليه ثياب بيض طوله أكثر من ثلاثمائة ذراع، فلما نظر ~~إلي قال: أنت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: نعم، قال: ~~ارجع إليه فأقرئه مني السلام، وقل له: أخوك إلياس يريد ~~لقاءك، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم وأنا معه، حتى إذا كنا ~~قريبا منه، تقدم النبي صلى الله عليه وسلم وتأخرت، فتحادثا ~~طويلا، فنزل عليهما من السماء شبه السفرة، فدعوني أكلت ~~معهما، فإذا فيها كمأة ورمان وكرفس، فلما أكلت قمت فتنحيت، فجاءت ~~سحابة فاحتملته وأنا أنظر إلى بياض ثوبه، فهوت به قبل الشام ". ### || [37.124-125] # قوله تعالى: { إذ قال لقومه ألا تتقون }؛ عقاب ~~الله بعبادة غير الله، وقوله تعالى: { أتدعون بعلا }؛ أي ~~أتدعون بالإلهية بعلا صنما، { وتذرون } ، وتتركون ~~عبادة، { أحسن الخالقين }؛ وكان قومه يعبدون صنما لهم من ~~ذهب يقال له بعل، وكان طوله عشرين ذراعا، وكان له أربعة وجوه، ~~فجعل إلياس يدعوهم إلى عبادة الله وهم في ذلك لا يسمعون منه شيئا. ### || [37.126] # قوله تعالى: { الله ربكم ورب آبآئكم الأولين }؛ ~~أي خالقكم وخالق آبائكم، ومن قرأ (ربكم) بالنصب فعلى صفة ~~(أحسن الخالقين). ### || [37.127-128] # قوله تعالى: { فكذبوه فإنهم لمحضرون }؛ أي ~~لمحضرون في النار والعذاب بتكذيبهم، { إلا عباد الله ~~المخلصين }؛ أي لكن عباد الله المخلصين مبعدون من الموضع الذي ~~فيه المشركون. ms1776 ### || [37.129-132] # قوله تعالى: { وتركنا عليه في الآخرين } ، يريد ~~إلياس ومن آمن معه، { سلام على إل ياسين * إنا كذلك ~~نجزي المحسنين * إنه من عبادنا المؤمنين }؛ قال ~~أبو علي الفارسي: (تقديره: الياسيين) إلا أن اليائين ~~للنسبة حذفتا، كما حذفتا في الأشعريين ~~والأعجمين، وقرأ نافع (الياسين) أي سلام على أهل كلام الله ~~وآل محمد صلى الله عليه وسلم، فإن يس من كلام الله تعالى في ~~القرآن. ### || [37.133-136] # قوله تعالى: { وإن لوطا لمن المرسلين }؛ أي من ~~جملة المرسلين، { إذ نجيناه وأهله أجمعين * إلا ~~عجوزا في الغابرين }؛ يعني امرأته المنافقة تخلفت في موضع ~~العذاب في جملة الباقين، { ثم دمرنا الآخرين }؛ أي ~~أهلكناهم بعذاب الاستئصال. ### || [37.137-138] # قوله تعالى: { وإنكم لتمرون عليهم ~~مصبحين * وباليل أفلا تعقلون }؛ هذا خطاب لمشركي ~~العرب، كانوا يعدون على قريات قوم لوط فلم يعتبروا. ### || [37.139-142] # قوله تعالى: { وإن يونس لمن المرسلين * إذ ~~أبق إلى الفلك المشحون }؛ أي هرب من قومه إلى السفينة ~~المملوءة بالناس والدواب، وإنما هرب لأن الله كان أوعدهم بالعذاب ~~إن لم يؤمنوا فلم يؤمنوا، وعلم أن العذاب نازل بهم، فخرج من ~~بينهم من غير أن يأمره الله تعالى بالخروج، فكان ذلك دينا منه ~~وكان قصده حين خرج منهم للمبالغة في تحذيرهم وإنذارهم، فكان بذهابه ~~كالفار من مولاه، فوصف بالأباق. # وقوله تعالى: { فساهم فكان من المدحضين }؛ وذلك أنه ~~لما ركب السفينة، وقفت السفينة ولم تسر بأهلها، فقال ~~الملاحون: ها هنا عبد آبق من سيده، وهذا رسم السفينة إذا كان ~~فيها عبد آبق لا تجري، واقترعوا فوقعت القرعة على يونس فقال: ~~أنا الآبق، { فالتقمه الحوت }. # قال سعيد بن جبير: (لما استهموا جاء حوت إلى السفينة ~~فاغرا فاه ينتظر أمر ربه، كأنه يطلب واحدا ~~من أهلها، فقال يونس: يا أهل السفينة أنا ~~المطلوب من بينكم، فقالوا: أنت أكرم على الله ~~تعالى من أن يبتليك بمثل هذه البلية، فقال ~~لهم: اقترعوا فمن خرجت القرعة على اسمه ~~ألقي إلى الحوت، وكان يعلم أن القرعة تخرج ~~عليه، إلا أنه لم يبدأ بإلقاء نفسه إلى الحوت ~~مخافة ms1777 أن تلحقه سمة الجنون، فساهم فوقع ~~السهم عليه فكان من المسهومين). # والمدحض في اللغة: هو المغلوب في الحجة، وأصله من دحض ~~الرجل إذا نزل من مكانه، فلما ألقي عليه السلم في البحر ~~ابتلعه الحوت ابتلاع اللقمة. # وقوله تعالى: { وهو مليم }؛ أي أتى بما يستحق عليه اللوم، ~~والمليم: الآتي بما يلائم على مثله، وسبب استحقاقه اللوم ~~خروجه من بين قومه قبل ورود الإذن عليه من الله تعالى. ### || [37.143-144] # قوله تعالى: { فلولا أنه كان من المسبحين } ، ~~أي لولا أنه كان قبل أن يلتقمه الحوت من المصلين لله تعالى، { ~~للبث في بطنه إلى يوم يبعثون }؛ لمكث في بطن ~~الحوت إلى يوم البعث والنشور. قال الحسن: (ما كانت له صلاة ~~في بطن الحوت، ولكنه قدم عملا صالحا قبل ~~ذلك). # ويقال: إن المراد بالتسبيح في هذه الآية قوله في الحوت: لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين. قال السدي: ~~(لبث يونس في بطن الحوت أربعين يوما)، وقال ~~الضحاك: (عشرين يوما)، وقال عطاء: (تسعة أيام)، وقال ~~مقاتل: (ثلاثة أيام). ### || [37.145-147] # قوله تعالى: { فنبذناه بالعرآء وهو سقيم * ~~وأنبتنا عليه شجرة من يقطين }؛ اي ألهمنا الحوت ~~أن يطرحه على فضاء من الأرض، والعراء هو المكان الخالي من ~~الشجر والبناء، قال مقاتل: (معنى: { فنبذناه بالعرآء } ~~يعني وجه الأرض وهو سقيم قد بلي لحمه مثل ~~الصبي المولود)، قال ابن مسعود: (كهيئة الفرخ ~~الذي ليس عليه ريش). # وقيل: معنى { وهو سقيم } أي وهو مريض، وذلك لما أصابه في ~~بطن الحوت من الشدة والضغطة والبعد من الهواء والغذاء، حتى ~~ضعف جسمه ورق جلده ولم يبق ظفر ولا شعر كالولد أول ما ~~يخرج من بطن أمه. # فلما ألقي على وجه الأرض كان يتأذى بحر الشمس، فأنبت الله تعالى ~~عليه شجرة من يقطين، قال الكلبي: (هي القرع)، وهي شجرة ~~الدباء العربي، وكل شجرة لا تقوم على ساق وتمتد على وجه ~~الأرض مثل القرع والبطيخ ونحوها فهو يقطين، واشتقاقه من قطن ~~من المكان إذا أقام به، فهذا الشجر يكون ورقه وساقه على وجه ms1778 ~~الأرض، فلذلك قيل: يقطين، ومن خصائص شجرة القرع أنها لا ~~يقربها ذباب، قالوا: فكان يستظل بها من الشمس، وسخر الله له ~~وعلة بكرة وعشيا تختلف إليه، فكان يشرب من لبنها حتى ~~اشتد لحمه ونبت شعره. # ثم أرسله الله بعد ذلك وهو قوله: { وأرسلناه إلى مئة ~~ألف أو يزيدون }؛ وقال الحسن: (معناه: بل يزيدون)، ~~وقال الكلبي: (معناه: ويزيدون)، وكان الذين أرسل إليهم ~~أهل نينوى، كأنه أرسل قبل ما التقمه الحوت إلى قوم، ~~وبعد ما نبذه الحوت إلى قوم آخرين. ### || [37.148] # قوله تعالى: { فآمنوا }؛ أي فآمن من أرسل إليهم يونس ~~عليه السلام بما جاءهم به من عند الله تعالى. قوله تعالى: { ~~فمتعناهم إلى حين }؛ أي إلى حين آجالهم. واختلفوا في ~~الزيادة على مائة ألف، قال مقاتل: (كانت الزيادة عشرين ~~ألفا)، وقال الحسن: (بضعا وثلاثين ألفا)، وقال سعيد بن ~~جبير: (سبعين ألفا). ### || [37.149-150] # قوله تعالى: { فاستفتهم ألربك البنات ولهم ~~البنون }؛ أي سلهم - يا محمد - أهل مكة سؤال توبيخ ~~وتقريع (ألربك البنات ولهم البنون)؟ وذلك أن قريشا ~~وقبائل من العرب منهم خزاعة وجهينة وبنو سليم كانوا يقولون: ~~إن الملائكة بنات الله، تعالى الله عما يقولون علوا ~~كبيرا. وقوله تعالى: { أم خلقنا الملائكة إناثا وهم ~~شاهدون }؛ أي حاضروا خلقنا إياهم، فكيف جعلوهم إناثا ولم ~~يشهدوا خلقهم كما قال الله تعالى: # أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون # [الزخرف: 19]. ### || [37.151-153] # قوله تعالى: { ألا إنهم من إفكهم ليقولون * ~~ولد الله وإنهم لكاذبون }؛ في إضافة الأولاد إلى ~~الله تعالى حين زعموا أن الملائكة بنات الله، تعالى عما ~~يقولون علوا كبيرا، { أصطفى البنات على البنين ~~}؛ القراءة المعروفة المشهودة بفتح الألف على الاستفهام الذي فيه ~~التوبيخ، والمعنى: سلهم أصطفى البنات، إلا أنه حذف ألف ~~الوصل وبقيت ألف الاستفهام مفتوحة مقطوعة على حالها مثل أستكبرت ~~وأستغفرت، وأذهبتم ونحوها. وقرأ نافع برواية ورش (اصطفى) ~~موصولة على الخبر والحكاية عن قول المشركين، تقديره: ليقولون ولد ~~الله ويقولون اصطفى البنات. ### || [37.154-157] # قوله تعالى: { ما لكم كيف تحكمون }؛ هذا توبيخ لهم؛ أي ~~كيف ترضون لله ما لا ms1779 ترضون لأنفسكم، { أفلا تذكرون } ، أفلا ~~تتعظون فتمتنعون عن مقالتكم، { أم لكم سلطان مبين }؛ ~~أم لكم حجة بينة على صحة دعواكم هذه، { فأتوا بكتابكم ~~}؛ وحجتكم، { إن كنتم صادقين } فيما تدعون. ### || [37.158-160] # قوله تعالى: { وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ~~}؛ أي جعل هؤلاء بين الله وبين الملائكة الذين يشاهدونهم نسبا، ~~وسميت الملائكة جنة في هذا لاستتارهم عن أعين الناس كاستتار ~~الجن، وقوله تعالى: { ولقد علمت الجنة إنهم ~~لمحضرون }؛ أي علمت الملائكة أن الكفار الذين عبدوهم ~~لمحضرون في العذاب لدعائهم إلى هذا القول. # ثم نزه الله تعالى نفسه فقال: { سبحان الله عما ~~يصفون }؛ أي عما يصفونه ويضيفونه إليه، { إلا عباد ~~الله المخلصين }؛ لكن عباد الله المخلصين من الجن ~~والإنس لا يحضرون هذا العذاب. ### || [37.161-163] # قوله تعالى: { فإنكم وما تعبدون }؛ هذا خطاب لأهل ~~مكة، معناه: فإنكم أيها المشركون وما تعبدونه من دون الله ~~الأصنام، { مآ أنتم عليه بفاتنين }؛ أي ما أنتم على ذلك ~~بمضلين أحدا، { إلا من هو صال الجحيم } ، إلا من ~~كان في علم الله أنه يصلى الجحيم، وفي هذا بيان على أنهم ~~يفسدون أحدا إلا من كان في معلوم الله أنه سيكفر، يعني أن ~~قضاء الله سبق في قوم بالشقاوة، فإنهم يصلون النار، فهم ~~الذين يضلون في الدين ويعبدون الأصنام. ### || [37.164-166] # قوله تعالى: { وما منآ إلا له مقام معلوم }؛ ~~هذا من قول جبريل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ليس ~~منا معشر الملائكة ملك في السماوات والأرض إلا له موضع ~~معلوم يعبد الله فيه، لا يتجاوز ما أمر به، { وإنا لنحن ~~الصآفون }؛ أي المصطفون في الصلاة كصفوف المؤمنين. ~~وقيل: صافون حول العرش ينتظرون الأمر والنهي من الله تعالى، { ~~وإنا لنحن المسبحون }؛ أي المصلون لله، ~~المنزهون له عن السوء، وعن جميع ما لا يليق بصفاته. ### || [37.167-170] # قوله تعالى: { وإن كانوا ليقولون } ، أي وقد كان كفار ~~مكة يقولون: { لو أن عندنا ذكرا من الأولين } ، لو ~~جاءنا ذكر كما جاء غيرنا من الأولين من الكتب، { لكنا ~~عباد الله المخلصين }؛ لأخلصنا العبادة لله، فلما ~~جاءهم ms1780 الرسول والكتاب كما قالوا وطلبوا؛ { فكفروا به } ، ~~كفروا بذلك، { فسوف يعلمون } ، ماذا ينزل بهم، وهذا كما ~~قالوا: لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منكم. ### || [37.171-172] # قوله تعالى: { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا ~~المرسلين }؛ معناه: لقد تقدم وعدنا بالنصر والظفر لعبادنا ~~المرسلين، { إنهم لهم المنصورون } ، يعني بالكلمة ~~قوله تعالى: # كتب الله لأغلبن أنا ورسلي # [المجادلة: 21] فهذه الكلمة التي قد سبقت، فالله تعالى لم يفرض على ~~نبي الجهاد إلا ونصره وجعل العاقبة له، قال الحسن: (ما غلب ~~نبي في حرب ولا قتل فيه قط). ### || [37.173-177] # قوله تعالى: { وإن جندنا لهم الغالبون }؛ أي جند ~~الله لهم الغلبة بالحجة والنصر في الدنيا، وينتقم الله من ~~أعدائه في الآخرة. قوله تعالى: { فتول عنهم حتى ~~حين }؛ أي أعرض عنهم حتى تنقضي المدة التي أمهلوا فيها، { ~~وأبصرهم } ، في عذاب الآخرة، { فسوف يبصرون }؛ ما وعدوا ~~من العذاب. وقيل: معناه: أعرض عنهم حتى نأمرك بقتالهم، ~~وأبصرهم بقلبك فسوف يبصرون العذاب بأعينهم. # فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: متى ينزل بنا العذاب الذي ~~تعدنا به؟ فقال الله تعالى: { أفبعذابنا يستعجلون }؛ ~~أي يطلبون تعجيل عذابنا لجهلهم، { فإذا نزل }؛ العذاب، { ~~بساحتهم }؛ أي بفناء دارهم وموضع منازلهم، { فسآء صباح ~~المنذرين }؛ أي فبئس صباح قوم أنذرهم الرسل فلم يؤمنوا. # وعن أنس رضي الله عنه قال: # " لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم خيبر، قال: " الله ~~أكبر، خربت خيبر إنا إذا نزلنا ساحة قوم فساء ~~صباح المنذرين " ". ### || [37.178-179] # قوله تعالى: { وتول عنهم حتى حين }؛ إنما ذكره ثانيا ~~تأكيدا لوعد العذاب، وقوله تعالى: { وأبصر فسوف يبصرون ~~}؛ ليس هذا بتكرار؛ لأنهما عذابان، أراد بالأول عذاب الآخرة، ~~وبالثاني عذاب الدنيا يوم بدر. ### || [37.180] # قوله تعالى: { سبحان ربك رب العزة عما ~~يصفون }؛ أي تنزيها لربك رب القدرة والمنعة والغلبة عما ~~يقولون من الكذب بالأوثان آلهة، وأن الملائكة بنات الله. ### || [37.181] # قوله تعالى: { وسلام على المرسلين }؛ الذين بلغوا عن ~~الله التوحيد والشرائع. قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا سلمتم علي فسلموا على المرسلين، ~~فإنما أنا رسول من المرسلين ". ### || [37.182] ms1781 # قوله تعالى: { والحمد لله رب العالمين }؛ أي ~~الشكر لله رب الخلائق على إهلاك الأعداء وإعزاز الأولياء. ~~وقيل: معناه: والحمد لله رب العالمين على إهلاك المشركين ~~ونصرة الأنبياء. # وعن علي رضي الله عنه أنه قال: (من أحب أن يكتال ~~بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة، فليكن ~~آخر كلامه من مجلسه: سبحان ربك رب العزة عما ~~يصفون...) إلى آخر السورة. ### | [38 - سورة ص] ### || [38.1] # { ص والقرآن ذي الذكر }؛ اختلفوا في قوله (ص) قال: ~~(صدق الله) وهو قول الضحاك، وقال عطاء: (صدق محمد صلى ~~الله عليه وسلم)، وقال محمد بن كعب القرظي: هو مفتاح اسم ~~الله صمد وصانع المصنوعات وصادق الوعد). وقيل: ~~هو من فواتح السور. قال ابن عباس: (هو قسم أقسم الله ~~به)، وقال سعيد بن جبير: (هو بحر يحيي الله به الموتى ~~بين النفختين). وقيل: هو إشارة إلى صدود الكفار عن ~~القرآن والهدى. # قال الكلبي: (معناه: أعرض عن الهدى) كأنه ذهب إلى ~~أنه كان في الأصل صد؛ أي صد أبو جهل أو صد أهل ~~مكة عن الحق، فأبدلت إحدى الدالين ألفا). # وقرأ عيسى بن عمر: (صاد) بفتح الدال، ومثل قاف ونون، لاجتماع ~~الساكنين وحركها بأخف الحركات. ومعناه: صاد محمد ~~قلوب الرجال واستمالها حتى آمنوا به. وقرأ الحسن: (صاد) بكسر ~~الدال من المضادات التي هي من المقابلة والمعارضة؛ أي عارض ~~عملك بالقرآن. # قوله تعالى: { والقرآن ذي الذكر } أي ذي البيان ~~الهادي إلى الحق. وقيل: معناه: ذي الشرف، كما في قوله ~~تعالى: # وإنه لذكر لك ولقومك # [الزخرف: 44] والمعنى: أقسم الله تعالى بالقرآن أن محمدا ~~صادق، وجواب قسم محذوف تقديره: والقرآن ذي الذكر ما الأمر ~~كما يقول الكفار. ### || [38.2-3] # قوله تعالى: { بل الذين كفروا في عزة وشقاق ~~}؛ يعني: كفار مكة في منعة وحمية وتكبر عن الحق، { ~~وشقاق } أي خلاف وعداوة لمحمد صلى الله عليه وسلم. ~~قوله تعالى: { كم أهلكنا من قبلهم من قرن }؛ أي ~~من أمم بتكذيبهم الرسل، { فنادوا }؛ عند وقوع الهلاك بهم ~~بالاستغاثة، { ولات حين مناص }؛ أي وليس الحين حين نزو ~~ولا قرار، ms1782 قال وهب: (لات باللغة السريانية: وليس، ~~وذلك أن السرياني إذا أراد أن يقول وليس يقول: ~~ولات) وقال أئمة اللغة: (أصلها (لا) زيدت فيها ~~التاء، كما زيدت في ثمت وربت). وقال قوم: إن ~~التاء زيدت في (حين) كما زيدت في قول الشاعر: # العاطفون تحين ما من عاطف # والمطعمون زمان أين المطعم؟ # والمراد بتحين: حين. فمن قال: إن التاء مع لا، فالوقف عليه ~~بالتاء. وروي عن الكسائي (ولاه) بالهاء في الوقف، ومثله روى ~~قنبل عن ابن كثير. ومن قال: إن التاء مع حين لا، فالوقف عليه، ~~(ولا) ثم تبتدئ: تحين مناص. # قال ابن عباس: (كان كفار مكة إذا قاتلوا ~~فاضطربوا في الحرب، قال بعضهم لبعض: مناص؛ أي ~~اهربوا وخذوا حذركم، فلما نزل بهم العذاب ~~ببدر قالوا: مناص، على عادتهم، فأجابتهم ~~الملائكة: ولات حين مناص؛ أي ليس هذا حين ~~منجى). # وقيل: معناه: { ولات حين مناص } أي ليس هذا حين نزو ~~ولا حين فرار، والمناص مصدر من النوص، يقال: ناصه ينوصه ~~إذا فاته، ويكون النوص بمعنى التأخر؛ أي ليس هذا حين ~~التأخر، والنوص هو الفوت والتأخر. ### || [38.4] # قوله تعالى: { وعجبوا أن جآءهم منذر منهم }؛ ~~أي وعجب المشركون أن جاءهم نبي منهم يخوفهم من عذاب الله، { ~~وقال الكافرون هذا ساحر كذاب }؛ يعنون النبي صلى ~~الله عليه وسلم. ### || [38.5-6] # قوله تعالى: { أجعل الآلهة إلها واحدا }؛ أي ~~قالوا لفرط جهلهم على وجه الإنكار: أجعل محمد الآلهة ~~إلها واحدا؟ { إن هذا لشيء عجاب }؛ أما هذا الذي ~~يقول محمد صلى الله عليه وسلم من رد الحوائج إلى إله واحد، ~~إلا شيء مفرط في العجب. # والعجاب: ما يكون في غاية العجب، يقال: رجل طوال، وأمر ~~كبار، وسيف قطاع، وسيل جحاف، ويراد بذلك كل مبالغة. # " وذلك أن عمر بن الخطاب لما أسلم شق على قريش، فقال ~~الوليد بن المغيرة للملأ من قريش وهم الرؤساء والصناديد ~~والأشراف، وكانوا خمسة وعشرين رجلا، منهم الوليد بن المغيرة وهو ~~أكبرهم سنا، وأبو جهل، وأبي بن خلف، وأبو البحتري بن هشام، ~~وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، والعاص ms1783 بن وائل، والنضر بن الحارث، ~~ومخرمة بن نوفل، وزمعة بن الأسود، والأحنف بن شريق، وغيرهم. # قال لهم الوليد بن المغيرة: امشوا إلى أبي طالب وقولوا ~~له: أنت شيخنا وكبيرنا، وإنا أتيناك لتقض ~~بيننا وبين ابن أخيك. فمشوا إليه وهو يومئذ ~~مريض مرض الموت، فشكوا إليه النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فقال له: يا ابن أخي ما تريد من قومك؟ قال: ~~" أريد منهم كلمة واحدة إذا قالوها ملكوا العرب ~~ودانت لهم العجم " فقالوا: وما هي؟! قال: " ~~قولوا لا إله إلا الله " فنفروا من ذلك؛ وقالوا: ~~أنجعل آلهة إلها واحدا؟! " # وقيل: # " إن أبا طالب لما دعا النبي صلى الله عليه وسلم قال: با ابن ~~أخي؛ هؤلاء قومك يسألونك السواء، فلا تمل كل الميل عليهم، ~~فقال: " وماذا يسألونني؟ " قال: ترفض ذكر آلهتهم ويدعونك ~~وإلهك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إني أدعوهم إلى ~~كلمة واحدة " قالوا: وما هي؟ قال: " لا إله إلا الله " ~~". # فنفروا من ذلك، وقال: { أجعل الآلهة إلها واحدا } ، ~~فاغتاظوا من ذلك وخرجوا من عند أبي طالب يقول بعضهم لبعض: أمشوا ~~واصبروا على آلهتكم. فذلك قوله تعالى: { وانطلق الملأ ~~منهم }؛ أي انطلق من مجلسهم وهم يقولون الذي كانوا فيه عند أبي ~~طالب، وهم يقولون: اثبتوا على عبادة آلهتكم واصبروا، { أن امشوا ~~واصبروا على آلهتكم }؛ على دينكم، { إن هذا ~~لشيء يراد }؛ أي هذا الشيء يريده محمد صلى الله عليه وسلم ~~ولا يتم له ذلك. ### || [38.7] # قوله تعالى: { ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة }؛ أي ~~قالوا: ما سمعنا بهذا الذي يقوله محمد صلى الله عليه وسلم من ~~التوحيد في الملة الآخرة، يعنون النصرانية؛ لأنها آخر ~~الملل، والنصارى لا توحد بأنهم يقولون: ثالث ثلاثة. { ~~إن هذا إلا اختلاق }؛ أي قالوا: ما هذا الذي يقوله ~~محمد صلى الله عليه وسلم إلا كذب اختلقه من تلقاء نفسه، ~~يعنون الذي جاء به من التوحيد والقرآن. ### || [38.8] # قوله تعالى: { أءنزل عليه الذكر من بيننا }؛ أي ~~قال المشركون: اختص محمد صلى الله عليه وسلم بالنبوة والكتاب ~~من بيننا، ونحن ms1784 أكبر منه سنا وأعظم شرفا! والمعنى بالذكر ~~القرآن. # يقول الله تعالى: { بل هم في شك من ذكري }؛ أي يقولون ما ~~يعتقدونه إلا شاكين، { بل لما يذوقوا عذاب }؛ ~~الاستئصال، وهذا تهديد لهم، أي أنهم سيذوقوا العذاب ثم لا ~~ينتفعون بزوال الشك في ذلك الوقت. ### || [38.9] # قوله تعالى: { أم عندهم خزآئن رحمة ربك ~~العزيز الوهاب }؛ معناه: عندهم خزائن رحمة ربك؛ أي ~~بأيديهم مفاتيح النبوة والرسالة فيضعونها حيث شاؤا. وقيل: ~~معناه: عندهم خزائن رحمة ربك فيمنعونك ما من الله به عليك من ~~الكرامة وفضلك به من الرسالة. ومعنى الآية: ليس ذلك بأيديهم ~~ولكنه بيد العزيز في ملكه، الوهاب الذي وهب النبوة لك. ### || [38.10] # قوله تعالى: { أم لهم ملك السموت والأرض ~~وما بينهما فليرتقوا فى الأسباب }؛ وذلك أنهم ~~كانوا يحسدون النبي صلى الله عليه وسلم على ما خص به من ~~النبوة والوحي، فقال الله تعالى: { أم لهم ملك ~~السموت والأرض } فينازعوا خالقهم، وينزل الوحي على ~~من يختار، فقال لهم: { فليرتقوا فى الأسباب } أي ~~فليصعد في طوق السماوات من سماء إلى سماء، فليمنع ~~الوحي عنك إن كان لهم مقدرة على ذلك. ### || [38.11] # قوله تعالى: { جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب ~~}؛ أخبر الله تعالى نبيه أنه سيهزم جند المشركين ببدر، ~~و(جند) خبر مبتدأ محذوف؛ أي هم جند، و(ما) زائدة، ~~و(هنالك) إشارة إلى بدل ومصارعهم بها و(الأحزاب) سائر من ~~تقدمهم من الكفار الذين تجرؤوا على الأنبياء عليهم السلام. ### || [38.12-14] # قوله تعالى: { كذبت قبلهم قوم نوح } ، أي كذبت ~~قبل قومك قوم نوح، { وعاد } ، هودا، وكذب، { وفرعون ذو ~~الأوتاد } ، وموسى عليه السلام، { وثمود }؛ صالحا، { وقوم ~~لوط } ، لوطا، { وأصحاب لئيكة }؛ شعيبا، كذب هؤلاء ~~أنبياءهم فحل بهم عذاب الاستئصال، وكذلك { أولئك }؛ أي ~~أؤلئك، { الأحزاب } ، والأحزاب الجماعة الكثيرة القوية، { ~~إن كل إلا كذب الرسل } ، كلهم كذبوا الرسل رسلهم، ~~{ فحق عقاب } ، فحق عليهم عقابي وعذابي، وكذلك يحق على ~~قومك. # وسمي فرعون ذو الأوتاد؛ لأنه كان يمد بين الأوتاد فيرسل ~~عليهم الحيات والعقارب. وقيل: إنه كان إذا غضب على الإنسان ~~واتد يديه ورجليه ورأسه ms1785 على الأرض، قال عطية: (ذو ~~الأوتاد؛ أي ذو الجنود والجموع الكثيرة) يعني أنهم كانوا ~~يقون أمره ويشددون ملكه كما يقوي الوتد الشيء. وقيل: ~~الأوتاد الأبنية المشيدة، سميت بذلك لارتفاعها كما سميت ~~الجبال أوتادا. ### || [38.15] # قوله تعالى: { وما ينظر هؤلآء إلا صيحة ~~واحدة }؛ أي ما ينظر أهل مكة لوقوع العذاب بهم إلا صيحة واحدة ~~وهي نفخة البعث، وذلك أن العقوبة في قوم النبي صلى الله عليه ~~وسلم مؤخرة إلى يوم البعث، وعقوبة الأمم الماضية كانت ~~معجلة في الدنيا ومؤجلة في الآخرة، ألا ترى أن الله ~~تعالى ذكر عقوبة الاستئصال في الدنيا من الأمم الماضية، وقال في ~~هذه الأمة # بل الساعة موعدهم # [القمر: 46]. # قوله تعالى: { ما لها من فواق }؛ أي ما لتلك ~~الصيحة من رجعة إلى الدنيا، والفواق بضم الفاء وفتحها ~~بمعنى واحد وهو رجوع، ومن ذلك قولهم: أفاق فلان من الجنون ~~ومن المرض؛ إذا رجع إلى الصحة. والفواق بضم الفاء ما بين ~~حلبتي الناقة؛ لأن اللبن رجوعه إلى الضرع بين الحلبتين. ~~والمعنى: ما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من رجوع. وقيل: ~~يردد لك الصوت فيكون له رجوع. ### || [38.16] # قوله تعالى: { وقالوا ربنا عجل لنا قطنا ~~قبل يوم الحساب }؛ أي قاله المشركون عجل لنا صحيفتنا ~~قبل الحساب حتى نعلم ما فيها، قال الكلبي: (لما نزل في ~~الحاقة: # فأما من أوتي كتبه بيمينه # [الحاقة: 19] و # وأما من أوتي كتبه بشماله # [الحاقة: 25] قالوا على جهة الاستهزاء: ربنا عجل لنا ~~قطنا في الدنيا، فقيل: يوم الحساب أعجل لنا كتابنا، قالوا ~~ذلك تكذيبا واستهزاء). # والقط: الصحيفة التي أحصت كل شيء. وقيل: القط: ~~النصيب، وسميت كتب الجوائز قطوطا لأنهم كانوا يكتبون ~~الأنصباء من العطايا في الصحائف، يقال: أخذ فلان قطه؛ إذا ~~أخذ كتابه الذي كتب له بجائزته وصلته. # وقال ابن عباس: (معنى قوله { قطنا } أي حظنا من ~~العذاب والعقوبة). قال قتادة: (نصيبنا من العذاب). قال ~~مجاهد: (عقوبتنا). وقال عطاء: (هو يقوله النضر بن ~~الحارث: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك ~~فأمطر علينا حجارة ms1786 من السماء أو اءتنا بعذاب ~~أليم). ### || [38.17] # قوله تعالى: { اصبر على ما يقولون }؛ اصبر يا ~~محمد على ما يقولون من تكذيبك وعلى قولهم إنك ساحر وشاعر ~~ومجنون وكاهن، وانتظر ما وعدك الله من النصر عليهم والانتقام ~~منهم، { واذكر عبدنا داوود ذا الأيد }؛ أي ذي القوة في ~~العبادة وذا النعم الكثيرة، كيف صبر على أذى قومه، { إنه ~~أواب }؛ أي مطيع لله، مقبل على طاعته. والأواب: كثير ~~الأوب الى الله تعالى. قال الزجاج: (كانت قوة داود على ~~العبادة أتم قوة، كان يصوم يوما ويفطر يوما، ~~وذلك أشد الصوم، وكان يصلي نصف الليل). ### || [38.18] # قوله تعالى: { إنا سخرنا الجبال معه يسبحن ~~بالعشي والإشراق }؛ معناه: إن الجبال كانت تسبح ~~معه غدوة وعشية. والإشراق طلوع الشمس وإضاءتها، يقال: ~~شرقت إذا طلعت، وأشرقت في الآية بصلاة الضحى، وعن ابن ~~عباس رضي الله عنه: # " كنت أقرأ هذه الآية لا أدري ما هي، حتى ~~حدثتني أم هانيء في بيت أبي طالب أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم دخل عليها فدعا بوضوء، فتوضأ ~~ثم صلى الضحى، وقال: " يا أم هانيء هذه صلاة ~~الإشراق " ". ### || [38.19] # قوله تعالى: { والطير محشورة كل له أواب }؛ ~~أي وسخرنا له الطير مجموعة إليه تسبح الله معه غدوة وعشيا، { ~~كل له أواب } أي كل لله تعالى مسبح ومطيع يرجع التسبيح ~~مع داود كلما سبح. وقيل: معناه: كل له رجاع إلى طاعته ~~وأمره. ### || [38.20] # قوله تعالى: { وشددنا ملكه }؛ أي قوينا ملكه ~~وثبتناه بالهيبة، ويقال بالحرس، كان يحرس محرابه كل ليلة ~~ثلاثة وثلاثون ألف رجل، كان فيهم أبناء الأنبياء لم يطمع في ~~ملكه أحد. قرأ الحسن: (وشددنا) بالتشديد. قوله تعالى: { ~~وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب }؛ قال ابن عباس رضي ~~الله عنه: (الحكمة هي النبوة والمعونة بكل ما ~~حكم). فقال مقاتل: (الحكمة الفهم والعلم). وقيل: ~~الحكمة كل كلام حسن يدعو إلى الهدى وينهى عن الردى. # وأما { فصل الخطاب } فهو فصل القضاء بين الحق والباطل فيما ~~بين الخصوم، لا يتعتع في قضائه. وقيل: فصل الخطاب وهو ~~الحكم بالبينة واليمين. وقيل: ms1787 هو قوله: أما بعد، وهو أول ~~من قال: أما بعد، ومعناه أما بعد حمد الله فقد بلغت كذا وسمعت ~~كذا. ### || [38.21-22] # قوله تعالى: { وهل أتاك نبؤا الخصم إذ ~~تسوروا المحراب }؛ اختلفوا في خطيئة داود عليه السلام ~~والذي هو مستفيض بين العوام ما ذكره الكلبي: (أن داود عليه ~~السلام كان يصلي ذات يوم في محرابه، والزبور منشور بين ~~يديه، إذ جاءه إبليس في صورة حمامة من ذهب فيها كل لون ~~حسن، فوقفت بين يديه فمد يده ليأخذها، فطارت غير بعيد من ~~غير أن توسد من نفسها، فامتد إليها ليأخذها فطارت حتى وقعت في ~~الكوة، فذهب ليأخذها فطارت من الكوة، فجعل داود عليه السلام ~~ينظر أين تقع، فأبصر امرأة في بستان تغتسل، وإذا هي من أعجب ~~النساء وأحسنهن، وأعجبته، فلما حانت منها التفاتة أبصرته ~~فأسبلت شعرها على جسمها فغطى بدنها، فزاده ذلك إعجابا بها. ~~فسأل داود عنها وعن زوجها، فقالوا اسمها تشايع بنت شائع وزوجها ~~أوريا بن حنانا وهو غائب في غزاة بالبلقاء مع أيوب بن صوريا ابن ~~أخت داود، فكتب داود إلى ابن أخته: اذا أتاك كتابي هذا فابعث ~~أوريا إلى موضع كذا وإلى القلعة الفلانية، ولا يرجعوا حتى يفتحوها ~~أو يقتلوا. فلما جاء الكتاب ندبه وندب الناس معه، فأتوا ~~القلعة فلما أتوها رموهم بالحجارة حتى قتلوهم وقتل أوريا ~~معهم. فلما انقضت عدتها تزوجها داود عليه السلام، فهي أم ~~سليمان. # فلما دخل داود عليه السلام بها، فلم يلبث إلا يسيرا حتى بعث ~~عليه ملكين في صورة آدميين، فطلبا أن يدخلا عليه فوجداه في ~~يوم عبادته، وكان من عادته أنه جزأ الدهر يوما لعبادته؛ ~~ويوما لنسائه؛ ويوما للقضاء بين الناس. # فلما جاء الملكان في يوم عبادته منعهما الحرس من الدخول عليه، ~~فتسوروا المحراب؛ أي دخلوا عليه من فوق المحراب، { إذ ~~دخلوا على داوود } ، فلم يشعر وهو يصلي إلا وهما بين ~~يديه جالسين، { ففزع منهم قالوا لا تخف } ، ففزع ~~منهما، فقالا: لا تخف يا داود نحن، { خصمان بغى بعضنا ~~على بعض فاحكم بيننا ms1788 بالحق ولا تشطط }؛ أي ولا ~~تجر، قال السدي: (ولا تسرف)، وقال المؤرج: (ولا ~~تفرط). # وقرأ أبو رجاء (تشطط) بفتح التاء وضم الطاء الأولى من ~~الشطط، والإشطاط مجاوزة الحد. قوله تعالى: { واهدنآ ~~إلى سوآء الصراط }؛ أي وأرشدنا إلى الطريق المستقيم. ### || [38.23] # قوله تعالى: { إن هذآ أخي له تسع وتسعون ~~نعجة }؛ قال أحد الملكين: إن هذا أخي، أي على ديني له تسع ~~وتسعون امرأة. والنعجة: البقرة الوحشية، والعرب تكني عن ~~المرأة بها، وتشبه النساء بالنعاج من البقر، وإنما يعني بهذا ~~داود؛ لأنه كان له تسع وتسعون امرأة، وهذا من أحسن التعريض، ~~ويسمى تعريض التفهيم والتنبيه؛ لأنه لم يكن هناك نعاج. # وقوله تعالى: { ولي نعجة واحدة }؛ أي امرأة واحدة، { ~~فقال أكفلنيها }؛ أي ضمها إلي واجعلني كبعلها ~~أعولها. والمعنى: طلقها حتى أتزوجها، وقال ابن جبير: (معنى ~~قوله: { أكفلنيها } أي تحول عنها)، { وعزني في ~~الخطاب }؛ أي غلبني، وقال الضحاك: (أي تكلم وكان أفصح ~~مني، وإن عاداني كان أبطش مني)، وقال عطاء: (معناه ~~أعز مني وأقوى على مخاطبتي لأنه كان الملك). ### || [38.24-25] # قوله تعالى: { قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك ~~إلى نعاجه }؛ أي إن كان الأمر كما تقول فقد ظلمك بما كفلك ~~من قوله عن امرأتك ليتزوجها هو. قوله تعالى: { وإن ~~كثيرا من الخلطآء ليبغي بعضهم على بعض }؛ ~~معناه: وإن كثيرا من الشركاء ليظلم بعضهم بعضا، ظن داود ~~أنهما شريكان. وقوله تعالى: { إلا الذين آمنوا }؛ معناه: ~~إلا الذين آمنوا { وعملوا الصالحات }؛ فإنهم لا يظلمون ~~أحدا، { وقليل ما هم }؛ أي هم قليل، يعني الذين لا يظلمون. # قال السدي: (لما قال أحدهما: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة، ~~قال داود عليه السلام للآخر: ما تقول؟ قال: نعم لي تسع وتسعون ~~نعجة وله نعجة، وأنا أريد أن آخذها وأكمل نعاجي مائة، قال ~~داود عليه السلام: وهو كاره؟ قال نعم وهو كاره، قال: إذا لا ندعك ~~وإن رمت ذلك ضربنا منك هذا، وهذا يعني طرف الأنف، وأصله: ~~الجبهة. # قال: يا داود أنت أحق أن يضرب مثل هذا، وهذا يعني طرف ms1789 الأنف ~~وأصله، حيث كان له تسع وتسعون امرأة ولم يكن لأوريا إلا امرأة ~~واحدة، فلم تزل تعرضه للقتل حتى قتل وتزوجت امرأته. ثم ~~صعدا إلى السماء، فعلم داود عليه السلام أن الله قد ابتلاه ~~وامتحنه، فخر راكعا أي ساجدا وأناب. ورجع إلى طاعة الله تعالى ~~بالتوبة والندامة. # ومعنى قوله تعالى: { وظن داوود أنما فتناه }؛ أي ~~وعلم داود أنا امتحناه بما قدرنا عليه من نظره إلى المرأة ~~وافتتانه بها، وهذا قول بعض المفسرين، إلا أن هذا قول ~~مردود، لا يظن بداود عليه السلام ضلالة، فهو أجل ~~قدرة وأعظم منزلة، وكيف يظن بالأنبياء عليهم السلام أن ~~يعرض المسلمين للقتل لتحصيل نسائهم لأنفسهم، ومن نسب ~~الأنبياء عليهم السلام إلى هذا وصدق به فهو ~~ممن لا يصلح لإيمانه بهم، ولئن يخطئ الإنسان ~~في نفي الفواحش عنهم خير ممن يخطئ في ~~إضافتها إليهم، وقد أمرنا في الشريعة بحمل ~~أمور المسلمين على الصحة والسداد ما أمكن. # وعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (ما زاد ~~داود عليه السلام على أن قال لزوجها: تحول لي ~~عنها). وعن علي رضي الله عنه أنه قال: (لئن سمعت أحدا ~~يقول إن داود عليه السلام قارب من تلك المرأة سواء ~~أو حدث بحديث داود عليه السلام على ما يرويه ~~القصاص معتقدا صحته جلدته مائة وستين ~~جلدة) يعني مثل حد قذف سائر الناس. # وقيل: إن ذنب داود عليه السلام أنه تمنى أن تكون له امرأة ~~أوريا حلالا، وحدث نفسه بذلك، فاتفق غزو أوريا وتقدمه في الحرب ~~وهلاكه، فلما بلغه قتله لم يجزع ولم يتوجع عليه كما يجزع على ~~غيره من جنده إذا هلك، ثم تزوج امرأته فعاتبه الله على ذلك؛ ~~لأن ذنوب الأنبياء وإن صغرت فهي عظيمة عند الله. # وقوله تعالى: { فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب }؛ ~~أي خر ساجدا، وعبر عن السجود بالركوع لأن كليهما بمعنى ~~الإنحناء، روي أنه مكث ساجدا أربعين ليلة حتى نبت العشب من ~~دموعه على رأسه وأكلت الأرض جبينه، وكان يقول: رب زل داود ~~زلة أبعد ms1790 ما بين المشرق والمغرب، سبحان الملك الأعظم الذي ~~يبتلي الخلق بما يشاء، سبحان خالق النور، إلهي تبكي الثكلى ~~على ولدها إذا فقدته، وداود يبكي على خطيئته. # إلهي أنت خلقتني وفي سابق علمك ما أنا إليه صائر، سبحان ~~خالق النور، إلهي الويل لداود إذا كشف الغطاء، فيقال: هذا ~~داود الخاطئ، سبحان خالق النور، إلهي بأي عين أنظر إليك ~~يوم القيامة، وإنما ينظر الظالمون من طرف خفي، وبأي قدم ~~أقوم بها يوم تزل أقدام الخاطئين، سبحان خالق النور. # إلهي أنا الذي لا أطيق حر شمسك فكيف أطيق حر نارك؟ سبحان ~~خالق النور، إلهي قرح الجبين وجمدت العينان من مخافة ~~الحريق على جسدي، سبحان خالق النور، إلهي أنت المغيث وأنا ~~المستغيث، إلهي أنت تعلم سريرتي وعلانيتي، فاقبل ~~معذرتي، سبحان خالق النور، إلهي برحمتك اغفر لي ذنوبي ولا ~~تباعدني من رحمتك فإن إليك رغبتي، سبحان خالق النور. # إلهي أعوذ بنور وجهك الكريم من ذنوبي التي أوبقتني، إلهي ~~أعوذ بك من دعوة لا تستجاب، وصلاة لا تقبل، وذنب لا يغفر، ~~سبحان خالق النور، إلهي فررت إليك بذنوبي واعترفت بخطيئتي ~~فلا تجعلني من القانطين، ولا تخزني يوم الدين، سبحان خالق ~~النور، إلهي قرح الجبين وفنيت الدموع وتناثر الدود من ~~ركبتي وخطيئتي الزم بي من جلدي، سبحان خالق النور. # فأتاه نداء من السماء يا داود أجائع أنت فتطعم؟ أظمآن أنت؟ ~~لتبقى مظلوم أنت فتنصر، ولم يجبه في ذكر خطيئته بشيء، فصاح ~~صيحة فنودي: ارفع رأسك فقد غفرت لك، فلم يرفع رأسه حتى ~~أتى جبريل فرفعه. # قال وهب: (لما نودي داود عليه السلام يا داود إني قد غفرت ~~لك، قال: يا رب وكيف أنت لا تظلم أحدا؟ قال اذهب إلى قبر أوريا ~~فناده وأنا أسمعه نداءك فتحلل منه، وانطلق حتى أتى قبره، ~~وناداه يا أوريا فقال: لبيك من هذا الذي قطع علي لذتي؟ فقال ~~أنا داود، فقال ما جاء بك يا نبي الله؟ قال: أسألك أن تجعلني في ~~حل مما كان مني إليك، قال: وما كان منك إلي؟ ms1791 قال: عرضتك ~~للقتل، قال: إنما عرضتني للجنة، فأنت في حل. # فأوحى الله إليه: يا داود ألم تعلم إن حكمي عدل، ألا ~~أعلمته أنك قد تزوجت امرأته. قال: فرجع فناداه: فقال: من ~~هذا الذي قطع علي لذتي؟ فقال: أنا داود، قال: يا نبي الله ~~أليس قد غفرت عنك؟ قال: بلى؛ ولكن إنما فعلت ذلك بك لمكان ~~امرأتك، وقد تزوجتها فسكت فلم يجبه، فدعا فلم يجبه، ودعاه فلم ~~يجبه، فقام عند قبره وجعل التراب على رأسه. # ثم نادى: الويل لداود ثم الويل الطويل لداود إذا نصبت الموازين ~~القسط يوم القيامة، سبحان خالق النور، الويل ثم الويل لداود ~~حين يؤخذ بذنبه، سبحان خالق النور، الويل لداود ثم الويل له ~~حين يسحب على وجهه مع الخاطئين إلى النار، سبحان خالق النور. # فنودي يا داود قد غفرت لك ذنبك ورحمت بكاءك واستجبت دعاءك ~~وأقلت عثرتك، فقال: يا رب تعفوني وصاحبي لم تعف عنه؟ قال: يا ~~داود أعطيه يوم القيامة ما لم تر عيناه ولم تسمع أذناه، ~~وأقول له: هذا عوض من عبدي داود، فاستوهبك منه فيهبك لي، ~~قال: يا رب الآن قد عرفت أنك قد غفرت لي، فذلك قوله تعالى: ~~{ فغفرنا له ذلك وإن له عندنا }؛ بعد المغفرة؛ { ~~لزلفى وحسن مآب }؛ أي لقربة ومكانة ومنزلة حسنة. # وعن مالك بن دينار في قوله تعالى: { وإن له عندنا لزلفى ~~} قال: (يقول الله لداود وهو قائم بساق العرش: يا ~~داود مجدني بصوتك الرخيم، فيقول: كيف وقد ~~سلبتنيه في الدنيا؟ فيقول: إني أرده عليك، ~~قال: فرفع داود صوته بالزبور فيستفرغ نعيم ~~أهل الجنة وهو قوله { وحسن مآب } يعني ~~الجنة التي هي مآب الأولياء والأنبياء). # وعن وهب بن منبه قال: (لما تاب الله على داود بكى على خطيئته ~~ثلاثين سنة لا ترقى له دمعة ليلا ولا نهارا، وكان أصاب الذنب وهو ~~ابن سبعين سنة، وكان يخرج إلى الفيافي فيبكي ويبكي معه الشجر ~~والرمال والطير والوحش، ثم يجيء إلى الجبال فيرفع صوته بالبكاء ~~فتبكي معه الحجارة والجبال والدواب، ثم يجيء إلى ms1792 الساحل فيبكي وتبكي ~~معه الحيتان ودواب البحر وطير الماء. # ثم يرجع إلى محرابه وقد بسط له فيه فرش من مسوح حشوها ليف، ~~فيجلس عليها ويجيء الرهبان فيجلسون معه فيبكي وينوح، والرهبان ~~معه فلا يزال يبكي حتى تغرق الفرش في دموعه ويصير داود مثل ~~الفرخ، فيضطرب ويجيء ابنه سليمان عليه السلام فيحمله، فلو عدل ~~بكاء داود ببكاء أهل الدنيا لعدله). # وروي أن داود عليه السلام ما شرب قط بعد المغفرة شرابا إلا ~~ونصفه ممزوج بدموعه، وكان يقول: سبحانك إلهي إذا ذكرت خطيئتي ~~ضاقت علي الأرض برحبها، وإذا ذكرت رحمتك ارتدت إلي ~~روحي، إلهي أتيت أطباء عبادك فكلهم عليك دلوني. # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " خدت الدموع في وجه داود خديد الماء في الأرض " # ، وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " كان الناس يعودونه وأنه يظنون أن به مرض ~~وما به من مرض إلا الخوف والحياء من الله عز ~~وجل، وما رفع داود عليه السلام رأسه بعد الخطيئة ~~إلى السماء حتى مات ". # وكان داود عليه السلام اذا ذكر عقاب الله تخلعت أوصاله، وإذا ~~ذكر رحمته تراجعت. وعن الحسن رضي الله عنه أنه قال: (كان داود ~~عليه السلام بعد الخطيئة لا يجلس إلا مع الخاطئين، ثم يقول: ~~تعالوا إلى داود عليه السلام الخطاء، وكان يؤتى بخبز الشعير في ~~الإناء، فلا يزال يبكي حتى يمتلئ بدموع عينيه، وكان يذرأ عليه ~~الرماد ويأكله ويقول: هذا أكل الخاطئين). # وقال الكلبي رضي الله عنه: (سجد داود أربعين يوما حتى سقطت جلدة ~~وجهه ونبت العشب من دموعه فعلى غطاء رأسه، وكان لا يقوم من سجوده ~~إلا لصلاة أو قضاء حاجة، وكلن يقول في دعائه ومناجاته: قد عرفت يا ~~رب رحمتك واسعة، ولولا رحمتك لفضحتني، فمن الذي ينصرني إن ~~خذلتني؟ ومن الذي يغفر لي خطيئتي إن لم تمحها عني؟ ومن الذي ~~يتداركني برحمته إن لم تجاوز عني؟ # تصدعت الخدود وانقطت الاشجار وارتجت البحار وفزعت الجبال ~~والآكام من عظم خطيئتي، لا ms1793 أطيق حملها إن لم تحملها عني، فني ~~دمعي وطال حزني ودق عظمي وبان لحمي، وبقي ذنبي على ظهري. # إليك أشكو فاقتي وضعفي وإفراطي في أمري، يا إله إبراهيم ~~واسحاق ويعقوب، تنام كل عين وتستريح، وقد شخصت عيناي ~~تنتظران إلى رحمتك، أدعوك يا رب فأسرع إجابتي وتقبل دعائي ~~وارحم شحطي، وتجاوز عني برحمتك. فاستجاب الله دعاءه وغفر ~~له ذنبه. ### || [38.26] # قوله تعالى: { يداوود إنا جعلناك خليفة في ~~الأرض }؛ أي قال الله له بعد المغفرة، { يداوود إنا ~~جعلناك خليفة في الأرض } أي نبيا ملكا على بني ~~إسرائيل، والخليفة هو المدبر للأمر والمقيم. يا داود إنا ~~صيرناك خليفة في الأرض تدبر أمور العباد من قبلنا، { ~~فاحكم بين الناس بالحق }؛ أي العدل الذي هو حكم الله ~~بين خلقه، { ولا تتبع الهوى } ، في الحكم بين الناس، { ~~فيضلك عن سبيل الله } ، أي فيصرفك الهوى عن طاعة الله، ~~{ إن الذين يضلون عن سبيل الله } ، أي عن دين الله، { ~~لهم عذاب شديد } ، في الآخرة، { بما نسوا يوم ~~الحساب } أي تركوا العمل ليوم الحساب. ### || [38.27-28] # قوله تعالى: { وما خلقنا السمآء والأرض وما ~~بينهما باطلا }؛ أي ما خلقناهما وما بينهما من الخلق عبثا ~~إلا للأمر والنهي، وإنما خلقناهما للتعبد ولنجزي المحسن ~~على إحسانه، والمسيء على إساءته. قوله تعالى: { ذلك ظن ~~الذين كفروا }؛ يعني أهل مكة الذين ظنوا أنهما خلقا ~~لغير شيء، وأنه لا قيامة ولا حساب، { فويل للذين ~~كفروا من النار }. # قال مقاتل: قال كفار قريش: إنا نعطى في الآخرة ما ~~تعطون فأنزل الله تعالى: { أم نجعل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض }؛ معناه: ~~أنجعل المؤمنين المطيعين كالمفسدين في الأرض؟ { أم ~~نجعل المتقين كالفجار }؟ أي أم نجعل الذين يتقون ~~الكفر والكبائر كالفجار الذين يرتكبون تلك الكبائر، لا نسوي بين ~~الفريقين ولا ننزلهما منزلة واحدة. ### || [38.29] # قوله تعالى: { كتاب أنزلناه إليك مبارك } أي هذا ~~كتاب أنزلناه إليك مبارك فيه بركة لكم، كثير خيره ونفعه يعني ~~القرآن، وقوله تعالى: { ليدبروا آياته }؛ أي ليتدبر ~~الناس آياته يعني آيات الله، { وليتذكر أولوا الألباب ms1794 ~~}؛ أي ليتعظ ذوي العقول من الناس. ### || [38.30] # قوله تعالى: { ووهبنا لداوود سليمان }؛ أي أعطينا ~~لداود ولدا وهو سليمان، ثم أثنى على سليمان فقال: { نعم ~~العبد إنه أواب }؛ أي رجاع إلى الله، مقبل على طاعته. ### || [38.31] # قوله تعالى: { إذ عرض عليه بالعشي الصافنات ~~الجياد }؛ معناه: إذ عرض على سليمان بعد العصر الخيل السوابق ~~وهي الخيول التي غنمها سليمان من أهل دمشق وأهل نصيبين، كانوا ~~جمعوا جموعا ليقاتلوه فهزمهم وأصاب منهم ألف فرس غراب ~~فعرضت، فجعل ينظر إليها ويتعجب من حسنها حتى شغلته عن صلاة ~~العصر وغربت الشمس. # فذكر الصلاة فغضب وقال: ردوا الخيل علي، فردت فجعل ~~يضرب سوقها وأعناقها بالسيف حتى عقر منها تسعمائة فرس، وهي ~~التي كانت عرضت عليه وبقيت مائة لم تعرض عليه، فكل ما في أيدي ~~الناس من الخيل العراب فهي من نسل تلك المائة. هذا ذكره ~~الكلبي. # وقد اعترض على هذا القول فقالوا: كيف يجوز على النبي صلى الله ~~عليه وسلم من الأنبياء أن يغفل عن الصلاة المفروضة ثم يعمد ~~إلى خيل لا ذنب لها يعقرها؟! ويجاب عنه: أن لم يكن ضرب سوقها ~~وأعناقها إلا وقد أباح الله ذلك وأجزى به, وليس في الآية ما ~~يقتضي أن الصلاة كانت مفروضة عليه في ذلك الوقت. وقد يذكر المسح ~~ويراد الضرب، يقول العرب: مسح علاوته اذا ضربها بالسيف. # والصافنات هي الخيل التي تقوم ثلاثا وتكون القائمة الرابعة ~~تصل إلى طرف حافرها بالأرض. صفن الفرس إذا يصفن صفونا ~~إذا قام على ثلاث، وقلب أحد حوافره. والجياد جمع جواد، يقال ~~فرس جواد اذا " كان سابقا " بالركض. ### || [38.32] # قوله تعالى: { فقال إني أحببت حب الخير عن ~~ذكر ربي }؛ يعني إني آثرت الخير، ينال بهذا الخيل فشغلت ~~به عن الذكر، وقد يذكر الخير ويراد به الخيل، لأن الخيل معقود ~~بنواصيها الخير. قال الفراء: (يعني آثرت حب الخير). وقال ~~قطرب: (أراد حبا على المصدر، ثم أضاف الحب إلى ~~الخير). # وقوله تعالى: { عن ذكر ربي } يعني صلاة العصر. وقوله ~~تعالى: { حتى توارت بالحجاب }؛ كناية عن ms1795 الشمس؛ والمعنى ~~حتى استوت الشمس بما يحجبها عن الأبصار، ولأن قوله تعالى ~~(بالعشي) كناية عن الشمس؛ أي فيه ما يجري مجرى الشمس، وجاز ~~الإضمار إذ في الكلام ما يدل عليه، قال لبيد: # حتى إذا ألقت يدا في كافر # وأجن عورات الثغور ظلامها ### || [38.33] # قوله تعالى: { ردوها علي فطفق مسحا بالسوق ~~والأعناق }؛ قال أبو عبيد: (معنى الطفق يقول مثل ما ~~زال يفعل، وهو مثل: ظل وبات، والمعنى طفق ~~يمسح مسحا؛ أي يضرب ضربا). وقال الفراء: (المسح ها ~~هنا القطع). والمعنى: أنه ضرب سوقها وأعناقها؛ لأنها كانت ~~سبب فوت صلاته، وقال عند ذلك: حتى لا تشغلني عن عبادة ربي ~~مرة أخرى. والسوق جمع ساق. ### || [38.34] # قوله تعالى: { ولقد فتنا سليمان }؛ اختلفوا في ~~سبب فتنة سليمان، قال بعضهم: سمع سليمان بمدينة في جزيرة من ~~جزائر البحر يقال لها صدوق، بها ملك عظيم الشأن، فخرج ~~سليمان إلى تلك المدينة تحمله الريح حتى نزل بها بجنوده من الجن ~~والانس، فقتل ملكها وسبا ما فيها، وأصاب فيما أصاب بنتا لذلك ~~الملك يقال " لها " جرادة، لم ير مثلها حسنا وجمالا. # فدعاها سليمان إلى الاسلام فأسلمت على قلة نية منها، ولم ~~يعلم سليمان ما في قلبها، فتزوجها وأحبها محبة شديدة لم يحب ~~أحدا من نسائه، فكانت عنده لا يذهب حزنها ولا يرقى دمعها، فشق ~~ذلك على سليمان، وقال لها: ويحك! ما هذا الحزن الذي لا يذهب؟ قالت: ~~إني أذكر أبي أذكر ملكه وما كان فيه وما أصابه، فيحزنني ذلك. ~~قال سليمان: قد أبدلك الله به ملكا هو أعظم من ملكه، وسلطانا ~~خيرا من سلطانه، وهداك للإسلام، وهو خير من ذلك كله. قالت: هو ~~كذلك؛ ولكن إذا ذكرت أبي أصابني ما ترى من الحزن، فلو أمرت ~~الشياطين فصوروا صورته في داري التي أنا فيها آراها بكرة ~~وعشيا لرجوت أن يذهب ذلك حزني، ويسلي عني بعض ما أجد. ~~فأمر سليمان الجن فمثلوا لها صورة أبيها في دارها كأنه هو، ~~إلا أنه لا روح فيه، فعمدت إليه حين صنعوه فآزرته ~~وقمصته ms1796 وعممته وردته بمثل ثيابه التي كان يلبسها. # وكان إذا خرج سليمان من دارها تغدو عليه في ولائدها حتى تسجد له ~~ويسجدن هن له، وكذلك كانت تعمل بالعشي وسليمان عليه السلام ~~لا يعلم شيئا من ذلك، فكانت على ذلك أربعين صباحا، وبلغ ذلك آصف ~~بن برخيا وكان صديقا، فقال لسليمان عليه السلام: إن غير الله ~~يعبد في دارك منذ أربعين صباحا في هوى امرأة، قال: في داري؟! قال: ~~في دارك، قال: إنا لله وإنا إليه راجعون. # ثم رجع سليمان إلى داره فكسر ذلك الصنم وعاقب تلك المرأة ~~وولائدها، ثم خرج إلى فلاة من الأرض وحده، فأمر برماد قد ~~رش، ثم أقبل تائبا إلى الله حتى جلس على ذلك الرماد وتمعك ~~فيه بثيابه تذللا لله عز وجل وتضرعا إليه، يدعو ويبكي ~~ويستغفر مما كان في داره، فلم يزل يومه كذلك حتى أمسى ثم رجع. # وكانت أم ولد يقال لها الأمينة، كان إذا دخل لقضاء حاجته ~~وضع خاتمه عندها حتى يتطهر، وكان لا يمس خاتمه وإلا ~~وهو طاهر، وكان ملكه في خاتمه، فوضع يوما من الأيام خاتمه عندها ~~كما كان يضعه، ثم دخل موضع الحاجة فأتاها الشيطان صاحب البحر وكان ~~اسمه صخرا على صورة سليمان لا تنكر منه شيئا، فقال: يا ~~أمينة هات خاتمي، فناولته إياه، فجعله في يده ثم خرج حتى ~~جلس على سرير سليمان، وعكفت عليه الطير والجن والإنس. # وخرج سليمان فأتى أمينة وقد تغير من حاله وهيئته عند كل من ~~رآه، فقال: أمينة هات خاتمي، قالت: ومن أنت؟! قال: أنا سليمان بن ~~داود عليه السلام، قالت: لست سليمان، وقد جاء سليمان وأخذ خاتمه ~~وهو جالس على سريره في ملكه. فعرف سليمان أن الخطيئة قد أدركته، ~~فخرج فجعل يقف على الدور من دور بني اسرائيل، فيقول: أنا سليمان ~~بن داود، فيحثون عليه التراب ويسبونه ويقولون: انظروا إلى هذا ~~المجنون يزعم أنه سليمان. # فلما رأى سليمان ذلك عمد إلى البحر، فكان ينقل الحيتان لأصحاب ~~البحر إلى السوق ويعطونه كل يوم سمكتين، فاذا ms1797 أمسى باع إحدى ~~سمكتيه بأرغفة وشوى الأخرى فأكلها. فمكث كذلك أربعين يوما ~~صباحا عدة ما كان عبد الوثن في داره. # فلما مضى أربعون يوما طار الشيطان عن مجلسه، ثم مر بالبحر فقذف ~~الخاتم فيه، فبلعته سمكة فأخذها بعض الصيادين وكان قد عمل ~~له سليمان، فأعطاه سمكتين أجرته، فباع سليمان إحدى السمكتين ~~بأرغفة وعمد إلى السمكة الأخرى فشق جوفها ليشويها، فوجد ~~الخاتم فجعله في يده، ووقع ساجدا وعكفت عليه الطير والجن، وأقبل ~~عليه الناس وعرف أن الذي كان دخل عليه إنما هو بسبب ما كان أحدث في ~~داره، فرجع إلى مملكته وأظهر التوبة من ذنبه. # وأمر الشياطين فقال: إئتوني بصخر، فطلبته له الشياطين حتى وجدته، ~~فأتي به فأدخل في صخرة وسد عليه بأخرى ثم أوثقها بالحديد ~~والرصاص ثم أمر به فقذف في البحر. # وقال بعضهم: كان سبب فتنته قتله الخيل وضربه سوقها ~~وأعناقها. # قوله تعالى: { وألقينا على كرسيه جسدا }؛ أي ~~شيطانا اسمه صخر، وقد ذكرناه. ويقال: معنى ذلك أن سليمان كان ~~له ولد فاجتمعت الشياطين فقال بعضهم لبعض: إن عاش له ولد لم ~~ننفك ما نحن فيه من البلاء والخدمة، فسبيلنا أن نقتل الولد أو ~~نخبله، فعلم سليمان بذلك فأمر الريح فحملته إلى السحاب ~~فأودعه السحاب خوفا عليه من الشياطين، فعاقبه الله تعالى على ~~تخوفه من الشياطين، وأمات ولده في السحاب فألقي ميتا على ~~كرسيه فهو الجسد الذي أريد بقوله { وألقينا على ~~كرسيه جسدا } لأن الجسد عبارة عما لا يكون روحا. وقوله ~~تعالى: { ثم أناب }؛ ثم رجع بعد أربعين يوما إلى ملكه. ### || [38.35] # قوله تعالى: { قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ~~ينبغي لأحد من بعدي }؛ معناه: لما رجع ملك سليمان إليه ~~قال: رب اغفر لي ذنبي وهب لي ملكا لا أسلب فيه كما ~~سلبت في المرة الأولى، { إنك أنت الوهاب } ، ولا يجوز ~~أن يكون سؤاله الملك برغبته له في الدنيا ولا بخلا بمثله على ~~من بعده، ولكن طلب آية تدل جميع الخلق على أن الله تعالى غفر ~~له ذنبه ms1798 ورده إلى منزلة الأنبياء عليهم السلام. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " أنه صلى صلاة فقال: " إن الشيطان عرض لي ~~ليفسد علي صلاتي، فأمكنني الله منه فخنقته ~~ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا ~~وتنظروا إليه جميعا، فذلك قول سليمان عليه السلام ~~{ وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي } " ". ### || [38.36] # قوله تعالى: { فسخرنا له الريح تجري بأمره ~~رخآء حيث أصاب }؛ فاستجبنا له دعاءه وسخرنا له الريح ~~تسير بأمره لينة كيف أراد، وذلك أنه كان إذا أراد تسيير ~~الريح عاصفة كانت تجري عاصفة حالة حمل السرير لكثرة من عليه ~~من النجوم والحشم والأواني والفرش والأطعمة والأشربة، وكانت في ~~حالة ما تجري بالسرير وذلك أرفق بمن يكون على السرير، وأبعد ~~من الضرر. # ومعنى الآية: فسخرنا له الريح تجري بأمره لينة الهبوب ليست ~~بالعاصف { حيث أصاب } أي حيث أراد من النواحي، وحيث قصد. ### || [38.37] # قوله تعالى: { والشياطين كل بنآء وغواص }؛ أي ~~وسخرنا له الشياطين يبنون له الأبنية الرفيعة التي تعجز عنها ~~الإنس، ويبنون له أيضا ما يشاء من محاريب وتماثيل، وقوله تعالى: ~~{ وغواص } أي ويغوصون له في البحر فيستخرجون له اللآلئ ~~والجواهر. ### || [38.38] # قوله تعالى: { وآخرين مقرنين في الأصفاد }؛ أي وسخرنا ~~آخرين من الشياطين وهم المردة، سخروا له حتى قرنهم في ~~الأصفاد وهي السلاسل من الحديد، فكان سليمان يجعل الشياطين ~~مقرنين في القيود والأغلال، ويعرف من شاء منهم في الأعمال، فمعنى ~~قوله { مقرنين في الأصفاد } أي مشدودون في القيود. ### || [38.39] # قوله تعالى: { هذا عطآؤنا فامنن أو أمسك ~~بغير حساب }؛ معناه: قلنا له هذا عطاؤنا لك من المال ~~والملك والجنود المسخرة لم نعطه أحدا قبلك، ولا نعطيه أحدا ~~بعدك. # وقوله { فامنن أو أمسك } أي إعطاء ما أعطيناك من شئت ~~وكيف شئت وما شئت ولمن شئت، واحبس عمن شئت بغير تقدير، ولم ~~يؤخذ عليك حد محدود في المنع ولا في الإعطاء، ولا حرج عليك فيما ~~فعلت من ذلك، وقال في معنى { فامنن أو أمسك } أي أطلق من ms1799 ~~الشياطين الذين أوثقتهم أو امسك في الوثاق من شئت منهم، وليس ~~عليك في ذلك تبعة ولا جزاء. ### || [38.40] # قوله تعالى: { وإن له عندنا لزلفى }؛ أي وإن مع ما ~~خص به في الدنيا في الملك والبسطة والنبوة والرسالة ~~لقربه عندنا، { وحسن مآب } ، في الآخرة ونصيبا وافرا من ~~ثوابنا في الجنة، فجمع له ملك الدنيا وملك الآخرة. # وروي أن مدة ملك سليمان قبل الفتنة عشرين سنة، وملك بعد ~~الفتنة عشرين سنة، وملك يوم ملك وهو ابن ثلاث عشر سنة، ومات ~~وله ثلاث وخمسون سنة، ومدة ملكه أربعون سنة. ### || [38.41-42] # قوله تعالى: { واذكر عبدنآ أيوب إذ نادى ~~ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب }؛ معناه: ~~واذكر يا محمد عبدنا أيوب إذ نادى ربه في البلاء فقال: ~~يا رب إني أصابني الشيطان بنصب؛ أي بتعب في بدني وعذاب في ~~أهلي ومالي. والنصب والنصب بمعنى واحد، مثل الرشد ~~والرشد والحزن والحزن. # قرأ أبو جعفر (بنصب) بضمتين، وقرأ يعقوب (بنصب) بفتح النون ~~والصاد، وقرأ هبيرة عن حفص وعاصم (بنصب) بفتح النون وجزم ~~الصاد، وقرأ الباقون ب (النصب) بضم النون وسكون الصاد، وكل ذلك ~~لغات فيه. # قال قتادة: (معنى قوله { بنصب وعذاب } النصب ~~الضر في الجسد، والعذاب في المال). قال السدي: ~~(النصب أنصب الجسد، والعذاب أهلك المال). # ثم فرج الله عنه، واختلفوا في سبب بلاء أيوب، قال الحسن رضي ~~الله عنه: (إن ابليس قال: يا رب هل من عبيدك من إن سلطتني ~~عليه يمتنع علي؟ قال: نعم؛ عبدي أيوب، فجعل يأتيه الشيطان ~~بوساوسه وحبائله فلا يقدر منه على شيء. قال: يا رب إنه قد امتنع ~~علي فسلطني على ماله، فجعل يأتيه فيقول: يا أيوب هلك من ~~مالك كذا وكذا، فيقول أيوب: اللهم أنت قد أعطيتنيه وأنت ~~قد أخذته، اللهم لك الحمد على ما منعت، ولك الحمد على ما ~~أبقيت، فمكث كذلك حتى هلك ماله كله. # فقال إبليس: يا رب إنه لا يبالي بماله فسلطني على جسده، ~~فأنك لو سلطتني على جسده لم تجده شاكرا، فسلطه عليه ~~فنفخ في ms1800 أنفه فانتفخ وجهه وسرى ذلك إلى جسده، فوقع فيه الديدان. # إلا أن هذا القول لا يصح ولا وجه لقبوله، ولا ~~يجوز أن يسلط الله إبليس على نبي من أنبيائه ~~فيفعل به ما أحب. # ويقال: سبب ابتلائه أن إنسانا استغاث به في ظلم يدرؤه عنه، ~~فصبر لورده حتى فاته فابتلي. فلما مكث أيوب في البلاء ما ~~مكث، قاربت امرأته الشيطان في بعض الأمور، قيل: إن الشيطان ~~قال لها: لئن أكل أيوب طعاما لم يذكر اسم الله عليه عوفي. ~~ويقال: إنها قالت لأيوب: لو تقربت إلى الشيطان فذبحت له ~~عناقا، فقال: لا والله، ولا كفا من تراب. وحلف ~~ليجلدنها إن عوفي مائة جلدة. وقيل: إن إبليس قال لها: ~~إن شفيته تقولين لي شفيته، فأخبرت بذلك أيوب فحلف. # فلما طال البلاء على أيوب، وبلغ به غاية الجد سأل الله تعالى ~~أن يكشف ضره، فقيل له: { اركض برجلك هذا مغتسل ~~بارد وشراب }؛ أي اضرب بها الأرض، فركض برجله الأرض ~~فنبعت عين ماء فاغتسل منها فذهب الداء من ظاهره، فضرب برجله ~~الأرض مرة أخرى فنبع ماء وشرب منه، فذهب الداء من باطن جسده. ~~والركض: هو الدفع بالرجل على جهة الإسراع، ومنه ركض الفرس ~~لاسراعه، والمغتسل موضع الاغتسال. ### || [38.43] # قوله تعالى: { ووهبنا له أهله }؛ أي أحيينا له ~~أهله وأولاده الذين كانوا بأعيانهم، { ومثلهم معهم } ، ~~ورزقناه مثلهم في المستقبل، { رحمة منا } ، أي نعمة منا ~~عليه، { وذكرى لأولي الألباب } ، وعظمة لأولي العقول من ~~الناس، وذلك ليعلم العاقل أن ما يصيبه في الدنيا من المحن ~~والمكاره والمصائب في النفس والأهل والمال، لا يكون لهوان ~~العبد على الله كما يظنه الجهال، وإنما هو امتحان من الله ~~لأوليائه كي يعوضهم بذلك جزيل ثوابه. ### || [38.44] # قوله تعالى: { وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا ~~تحنث }؛ وذلك أن أيوب كان حلف في مرضه أن يجلد امرأته مائة ~~جلدة، وكان ذلك لشيء كرهه منها على ما تقدم، فجعل الله ~~تحلة يمينه أن يأخذ حزمة واحدة فيها مائة قضيب فيضربها ~~به. والضغث: هو ملء الكف من ms1801 الشجرة والحشيش والشماريخ. # وقوله تعالى: { ولا تحنث } أي لا تدع الضرب فتحنث، وفي ~~هذا دليل على جواز الاحتيال بمثل هذه الحيلة في اليمين على ~~الضرب، فأما في الحدود فلا يجوز الاحتيال بمثل هذا؛ لأن الله ~~تعالى قال: # ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله # [النور: 2] وهذا نهي عن التخفيف عن من وجب عليه الحد. # قوله تعالى: { إنا وجدناه صابرا نعم العبد ~~إنه أواب }؛ أي إنه صبر على البلاء الذي ابتلي به. فإن ~~قيل: كيف صبر وهو يقول مسني الضر؟ قيل: إنه لم يشك ~~إلى مخلوق وإنما شكا إلى الله عز وجل حين ألح عليه ~~الشيطان بالوسوسة، وخاف على نفسه أن لا يقوم بطاعة الله تعالى، ~~فدعا الله بعد أن أذن له في الدعاء. والأواب: هو المقبل ~~على طاعة الله تعالى الراجع إليه. ### || [38.45] # قوله تعالى: { واذكر عبادنآ إبراهيم وإسحاق ~~ويعقوب } معناه: اذكر يا محمد لقومك وأمتك حديث ~~هؤلاء الأنبياء؛ ليقتدوا بهم في حسن إقبالهم؛ فيستحقوا بذلك ~~جميل الثناء وجزيل الثواب. وقال مقاتل: (معناه: واذكر ~~يا محمد صبر عبادنا إبراهيم حين ألقي في ~~النار، وصبر اسحاق على الذبح، وصبر يعقوب حين ~~ذهب بصره، ولم يذكر اسماعيل لأنه لم يقبل ~~بشيء). # قوله: { أولي الأيدي والأبصار }؛ معناه: أولي ~~القوة في طاعة الله والأبصار في معرفة الله. قال قتادة: (أعطوا ~~قوة في العبادة، وبصر في الدين). ويقال: إن الأيدي ~~جمع اليد وهي الصنيعة؛ أي وهم ذوو الصنائع الجميلة في طاعة ~~الله تعالى. # وقرأ الحسن: (الأيد) بغير الياء وهو عبارة عن القوة. ويجوز أن ~~يكون المراد به، فحذف الياء كما نحذف الداعي والهادي. ### || [38.46-47] # قوله تعالى: { إنآ أخلصناهم بخالصة ذكرى ~~الدار }؛ معناه: إنا آثرناهم بخصلة خالصة وهي ذكرى الدار ~~الآخرة. وقال مجاهد: (إنهم كانوا يكثرون ذكر الآخرة ~~لم يكن لهم هم غيرها). وقال السدي: (أخلصوا بذكر ~~الآخرة؛ أي بخوف الآخرة) { وإنهم عندنا لمن ~~المصطفين الأخيار }؛ الأصفياء هو إخراج الصفوة من ~~كل شيء، فهم صفوة وغيرهم كدر. ### || [38.48] # قوله تعالى: { واذكر إسماعيل واليسع وذا ~~الكفل }؛ أي ms1802 اذكرهم بصبرهم وفضلهم لتسلك طريقهم، { وكل ~~من الأخيار }. واليسع نبي من الأنبياء، قال الكلبي: ~~(هو ابن عم الياس). وأما ذي الكفل وهو نبي أيضا ~~كفل مائة نبي عليهم السلام يطعمهم ويسقيهم. ~~وقيل: إنه كان يعمل في العبادة عمل رجلين فسمي ذا الكفل، ~~والكفل الضعف كما في قوله تعالى: # يؤتكم كفلين من رحمته # [الحديد: 28]. ### || [38.49-50] # قوله تعالى: { هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب ~~}؛ أي هذا القرآن عظة وشرف للناس، وقيل: هو ذكر في ~~الدنيا لهؤلاء الأنبياء يذكرون به أبدأ، وإن لهم مع ذلك ~~لحسن مرجع في الآخرة، فسر حسن المرجع فقال: { جنات ~~عدن }؛ أي بساتين إقامة، { مفتحة لهم الأبواب }؛ ~~وانتصب على الحال، وذلك أنهم اذا انتهوا إليها وجدوها ~~مفتحة الأبواب لا يحبسون على الباب ليفتح لهم عند ~~الورود. ويقال: إن أبوابها تفتح من غير فتح ولا مفتاح، ~~والمفتحة أبلغ من اللفظ من المفتوحة، والألف واللام في ~~قوله { الأبواب } عوض عن الإضافة؛ تقديره: مفتحة لهم ~~أبوابها كما في قوله تعالى # فإن الجنة هي المأوى # [النازعات: 41]. ### || [38.51] # قوله تعالى: { متكئين فيها }؛ أي في الجنات، { يدعون ~~فيها }؛ في الجنات، { بفاكهة كثيرة وشراب }؛ أي يدعون ~~في الجنات بألوان الفاكهة وألوان الشراب. والاتكاء: هو ~~الاستمساك بالسناد على هيئة جلوس الملوك. ### || [38.52] # قوله تعالى: { وعندهم قاصرات الطرف أتراب }؛ أي ~~وعندهم حور في الجنة قاصرات الطرف على أزواجهن لا ~~يردن غيرهم بقلوبهم ولا ينظرن إلى غير أزواجهن. وقوله { ~~أتراب } أي مستويات على ميلاد امرأة واحدة، مستويات في السن ~~والشباب والحسن، كلهن بنات ثلاث وثلاثين سنة. ### || [38.53] # قوله تعالى: { هذا ما توعدون ليوم الحساب }؛ ~~قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء؛ ومعناه: قل للمتقين: هذا ما ~~يوعدون به ليوم الحساب. وقرأ الباقون (يوعدون) بالياء؛ أي هذا ~~الذي تقدم ذكره ما يوعد به المتقون على لسان النبي صلى الله ~~عليه وسلم. ومعنى الآية: هذا الذي ذكرناه ما توعدون به يوم الحساب. ### || [38.54] # قوله تعالى: { إن هذا لرزقنا }؛ أي هذا الذي ذكرناه ~~رزقنا لهم، { ما له من نفاد }؛ أي ما له من ms1803 انقطاع ولا ~~فناء. قال ابن عباس: (ليس بشيء في الجنة نفاد، ما ~~أكل من ثمارها خلف مكانه مثله، وما أكل من ~~حيوانها وطيرها عاد حيا مكانه). ### || [38.55-57] # قوله تعالى: { هذا وإن للطاغين لشر مآب }؛ أي ~~هذا الثواب الذي تقدم ذكره للمتقين، ثم ابتدأ الخبر عما ~~للطاغين فقال: { وإن للطاغين } أي الذين طغوا على ~~الله وكذبوا الرسل وجاوزوا الحد في الكفر والمعصية { لشر ~~مآب } أي لشر مرجع ومصير، ثم أخبر بذلك فقال: { جهنم ~~يصلونها }؛ أي يلزمونها يوم القيامة، { فبئس المهاد ~~}؛ يمهدنها لأنفسهم، { هذا } العذاب { فليذوقوه حميم ~~وغساق }؛ أي يقال لهم في ذلك اليوم: هذا حميم وغساق ~~فليذوقوه. # والحميم: الماء الحار الذي قد انتهى حره من طينة ~~الخبال وهي عصارة أهل النار. والغساق: ما سال من ~~جلود أهل النار من القيح والصديد، من قولهم: غسقت عينه ~~إذا تصبت، والغسقان الانصباب. # قرأ حمزة والكسائي وخلف: (وغساق) بالتشديد على معنى أنه يسال ~~من صديد أهل النار. وقرأ الباقون بالتخفيف مصدر غسق يغسق إذا ~~سال. # قال الكلبي: (الغساق هو الزمهرير البارد الذي ~~قد انتهى برده، يحرقهم ببرده كما تحرقهم ~~النار). وقال ابن زيد: (هو المنتن بلغة الترك ~~والطخارية والعماليق). وقال الحسن: (لا أدري ما ~~الغساق وما سمعت فيه شيئا من الصحابة إلا ~~أنه بعض ما أعد لأهل النار، قوم أخفوا من ~~المعصية أعمالا فأخفى الله لهم عقابا). ### || [38.58] # قوله تعالى: { وآخر من شكله أزواج }؛ قرأ الأكثرون ~~(وآخر) على الوحدان؛ أي وعذاب آخر من شكل العذاب الأول، ~~والشكل المثل؛ يعني ضربا من العذاب على مثل الحميم ~~والغساق في الكراهة. وقرأ أهل البصرة (وأخر) على الجمع على ~~معنى: وأنواع أخر من شكله؛ أي وأصناف من العذاب، وقوله { ~~أزواج } أي ألوان وأنواع وأشباه. ### || [38.59-61] # قوله تعالى: { هذا فوج مقتحم معكم }؛ معناه: أن ~~القادة والرؤساء من المشركين إذا دخلوا النار ثم دخل بعدهم ~~الاتباع، قال الملائكة من الخزنة للقادة: هذا فوج؛ أي قطيع من ~~الناس مقتحم معكم النار، أي داخلون معكم النار، فتقول ~~القادة: { لا مرحبا بهم إنهم صالوا ms1804 النار }؛ كما ~~صليناها، فيقول الاتباع للقادة: { قالوا بل أنتم لا ~~مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا }؛ أي أنتم بدأتم ~~بالكفر قبلنا، { فبئس القرار }؛ جهنم للمشركين. # ثم يقول الأتباع: { قالوا ربنا من قدم لنا هذا ~~فزده عذابا ضعفا في النار }؛ أي يقولون ربنا من ~~شرع لنا هذا الكفر وسنه لنا فزده عذابا ضعفا في ~~النار. والاقتحام: هو الدخول في الشيء بشدة وصعوبة. وذلك أن ~~أهل النار يساقون إليها فوجا فوجا، فيقال للرؤساء: هؤلاء ~~الاتباع داخلون معكم، فيقولون لا مرحبا بهم، كيف يدخلون معنا ~~ونحن في هذا الضيق؟! فيقول لهم الخزنة: إنهم صالوا ~~النار؛ أي داخلونها كما دخلتم. # والرحب في اللغة هو السعة، وكذلك المرحب، ومعنى لا ~~مرحبا بهم يعني لا اتسعت بهم مساكنهم ولا كرامة لهم، وهذا إخبار ~~أن مودتهم تنقطع وتصير عداوة، فيقول لهم الأتباع: { بل ~~أنتم لا مرحبا بكم } أي لا وسع الله عليكم، أنتم شرعتم ~~لنا بهذا العذاب، فيقول الله تعالى: { فبئس القرار } أي بئس ~~المكان الذي أنتم فيه. # قوله تعالى: { قالوا ربنا من قدم لنا هذا ~~فزده عذابا ضعفا في النار } أي قالت الأتباع والقادة ~~جميعا: ربنا من سن لنا هذا الكفر قبلنا فزده عذابا ~~ضعفا مما علينا من العذاب، يعني حيات وعقارب وأفاعي. قال الحسن: ~~(ما من أحد من أهل النار إلا وهو يعرف يوم ~~القيامة شيطانه الذي يضله ويوسوس إليه في ~~الدنيا). ### || [38.62] # قوله تعالى: { وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا ~~نعدهم من الأشرار }؛ قال الكلبي: (وذلك أن كفار ~~قريش ينظرون في النار، فلا يرون من كان ~~يخالفهم من المؤمنين في دار الدنيا يعني ~~فقراء المؤمنين، فعند ذلك يقولون: ربنا ما ~~لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم في الدنيا من ~~الأشرار؛ أي كنا نعدهم في الدنيا من السفلة، ~~ونقول لهم: أنتم تتركون شهواتكم تطلبون بذلك ~~النعم بعد الفناء، فهذا معنى { كنا نعدهم من ~~الأشرار } وهم عمار وخباب وصهيب وبلال ~~وسلمان وسالم وأشباههم من فقراء المؤمنين). ### || [38.63] # قوله تعالى: { أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم ~~الأبصار }؛ أي ms1805 يقولون قد اتخذناهم سخريا؛ أي مالت ~~أبصارنا عنهم فلم نكن نعدهم شيئا، قال الحسن: (كل ذلك قد ~~فعلوه، اتخذوهم سخريا وزاغت عنهم أبصارهم ~~محقرة لهم). # ومن قرأ (اتخذناهم) بقطع الألف وفتحها معناه الاستفهام؛ ~~كأنهم ينكرون ذلك على أنفسهم، وهم يقولون في الآخرة سخرناهم ~~وزاغت أبصارهم عنهم لضعفهم، فيقولون: ما لنا لا نراهم، ولم ~~يدخلوا معنا في النار، أم دخلوا معنا ولكن لا نراهم. # وفي قوله { سخريا } قراءتان: ضم السين وكسرها، فمن ~~ضمها فهو من السخرية؛ أي استذلوهم، ومن قرأها بالكسر فهو من ~~الهزؤ. ### || [38.64] # قوله تعالى: { إن ذلك لحق }؛ أي إن الذي وصف عنهم ~~لصدق كائن واقع، ثم بين ما هو فقال: { تخاصم أهل ~~النار }؛ أي تخاصم القادة والأتباع على ما أخبر به عنهم. ### || [38.65-66] # قوله تعالى: { قل إنمآ أنا منذر }؛ أي قل يا ~~محمد لأهل مكة: إنما أنا منذر لكم أحذركم عقوبة ~~الله، { وما من إله إلا الله الواحد القهار }؛ ~~أي وقل لهم أيضا: ما من إله إلا الله الواحد لا شريك له، ~~القهار لخلقه الغالب عليهم، { رب السموت والأرض ~~وما بينهما العزيز الغفار }؛ أي المنتقم ممن لا يؤمن ~~به، المتجاوز عمن تاب وآمن به. ### || [38.67-68] # قوله تعالى: { قل هو نبأ عظيم }؛ أي قل يا محمد ~~لهم هذا القرآن الذي أتيتكم به عظيم الشأن والشرف، أنتم عن ~~تدبره والعمل به معرضون. وقيل: معناه أمر القيامة عظيم؛ { ~~أنتم عنه }؛ عن الاستعداد له، { معرضون }. ### || [38.69] # قوله تعالى: { ما كان لي من علم بالملإ الأعلى ~~إذ يختصمون }؛ معناه: إن النبأ الذي أتيتكم به من قصة آدم ~~وإبليس دليل واضح على نبوتي؛ لأن ذلك لا يعلم إلا بوحي من ~~الله تعالى أو بقراءة الكتب، ثم بينه من بعد بقوله: # وإذ قال ربك للملئكة إني جاعل في الأرض ~~خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها # [البقرة: 30] الآية أي إني ما علمت ذلك إلا بوحي من الله تعالى. ### || [38.70] # قوله تعالى: { إن يوحى إلي }؛ معناه: ما يوحى إلي ~~هذا القرآن، { إلا أنمآ }؛ لأني؛ { أنا نذير ms1806 مبين ~~}؛ أي ما يوحى إلي إلا لأني نبي ونذير مبين، أبين لكم ~~ما تأتون من الفرائض والسنن، وما تتركون من الحرام والمعصية. ### || [38.71-74] # قوله تعالى: { إذ قال ربك للملائكة إني ~~خالق بشرا من طين * فإذا سويته ونفخت فيه من ~~روحي فقعوا له ساجدين * فسجد الملائكة كلهم ~~أجمعون * إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين ~~}؛ قد تقدم تفسير هذا. ### || [38.75] # قوله تعالى: { قال يإبليس ما منعك أن تسجد لما ~~خلقت بيدي }؛ أي ما منعك عن السجود لمن توليت ~~خلقه من غير واسطة وسبب، وقوله: { أستكبرت أم كنت من ~~العالين } ، أي رفعت نفسك فوق قدرك، { أم كنت من ~~العالين } الذين علو في منزلة من السجود لمثله. # قال ابليس: { قال أنا خير منه خلقتني من نار ~~وخلقته من طين }؛ والنار شيء مضيء، والطين شيء مظلم. ### || [38.77-79] # قوله تعالى: { قال فاخرج منها فإنك رجيم }؛ أي ~~قيل: من السماء، وقيل: من الجنة، وقيل: من الأرض إلى ~~جزائر البحار. والرجيم: هو المرجوم بالخزي والفضيحة ~~والشهب إذا رجع إلى السماء. { وإن عليك لعنتي إلى ~~يوم الدين * قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون ~~}. ### || [38.80-81] # قوله تعالى: { قال فإنك من المنظرين * إلى ~~يوم الوقت المعلوم }؛ المؤجلين إلى وقت النفخة ~~الأولى، فلم يجبه إلى ما سأل، ولم يعرفه ذلك الوقت. ### || [38.82-83] # قوله تعالى: { قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين ~~}؛ أي لأدعونهم إلى الغواية ولأضلنهم، { إلا ~~عبادك منهم المخلصين } ، إلا عبادك الذين أخلصتهم ~~وعصمتهم فلا سبيل لي عليهم. ### || [38.84-85] # قوله تعالى: { قال فالحق والحق أقول * ~~لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين }؛ ~~قول مجاهد والأعمش وحمزة وخلف: برفع الأول ونصب الثاني؛ أي بمعنى ~~فأنا الحق أو فمني الحق وأقول، وقرأ الباقون بنصبهما. # واختلف النحاة في وجه ذلك، فقيل: نصب الأول على الإغراء، ~~والثاني بإيقاع القول عليه. وقيل: الأول قسم، والثاني مفعول، ~~تقديره: قال فبالحق وهو الله، أقسم بنفسه ثم حذف الخافض ~~فنصب كما يقول الله: لأفعلن، أقسم الله تعالى ليملأن ~~جهنم من إبليس وأتباعه. ### || [38.86] # قوله تعالى: { قل مآ أسألكم عليه من أجر }؛ أي ms1807 ~~قل يا محمد لكفار مكة: ما أسألكم على تبليغ الوحي والقرآن ~~من مال تعطونيه جعلا، { ومآ أنآ من المتكلفين }؛ ~~أي لم أتكلف دعاءكم اليه من تلقاء نفسي بل أمرت بذلك. ### || [38.87-88] # قوله تعالى: { إن هو إلا ذكر للعالمين }؛ أي ما ~~القرآن إلا موعظة للحق أجمعين، { ولتعلمن }؛ أنتم يا ~~كفار مكة، { نبأه }؛ أي خبر صدقه، { بعد حين }؛ أي بعد ~~الموت، وقيل: يوم القيامة. وقال الحسن: (يا ابن آدم؛ عند ~~الموت يأتيك الخبر اليقين). ### | [39 - سورة الزمر] ### || [39.1-2] # قوله تعالى: { تنزيل الكتاب من الله العزيز ~~الحكيم }؛ معناه: هذا تنزيل من الله العزيز بالنقمة لمن لا ~~يؤمن، الحكيم في أمره وقضائه. ويجوز أن يكون (تنزيل) مبتدأ ~~وخبره { من الله } كما يقال: نعم الدنيا والدين من الله ~~تعالى. قوله تعالى: { إنآ أنزلنآ إليك الكتاب ~~بالحق }؛ أي أنزلنا إليك هذا القرآن بالحق ولم ينزله ~~باطلا، وقوله تعالى: { فاعبد الله مخلصا له الدين }؛ ~~أي اعبد الله وحده لا كما يعبده عبدة الأوثان. ### || [39.3] # قوله تعالى: { ألا لله الدين الخالص }؛ أي إن ~~العبادة الخالصة لله، وفي هذا بيان أن غير الخالص لا يكون لله، ~~والإخلاص أن يقصد العبد بنيته وعمله خالقه لا يجعل ذلك ~~تعرضا للدنيا. # وقيل: معنى { ألا لله الدين الخالص } أي إن الدين ~~الخالص من الشرك هو لله، وما سواه من الأديان فليس بدين الله ~~الذي أمره به. قال قتادة: (الدين الخالص شهادة أن لا ~~إله إلا الله). # قوله تعالى: { والذين اتخذوا من دونه أوليآء ~~}؛ يعني الذين يعبدون الأصنام والملائكة والشمس والقمر والنجوم ~~يقولون: { ما نعبدهم إلا ليقربونآ إلى الله ~~زلفى }؛ أي يقولون ما نعبدهم إلا ليشفعوا لنا إلى الله. # قوله تعالى: { إن الله يحكم بينهم }؛ أي بين أهل ~~الأديان يوم القيامة، { في ما هم فيه يختلفون }؛ من أمور ~~الدين، كل يقول: الحق ديني، فهم مختلفون، وحكم الله بينهم: أن ~~يعذب كلا على قدر استخفافه، وقوله تعالى: { إن الله لا ~~يهدي من هو كاذب كفار }؛ أي لا يرشد لدينه من كذب ~~في زعمه أن الآلهة ms1808 تشفع له الله تعالى. ### || [39.4] # قوله تعالى: { لو أراد الله أن يتخذ ولدا ~~لاصطفى مما يخلق ما يشآء } أي لو أراد أن يتخذ ~~لنفسه ولدا كما زعم بعض الكفار أن الملائكة بنات الله! لما ~~اقتصر على الأدون من البنات دون الأعلى من الذكران، وهذا كقوله ~~تعالى # أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة ~~إناثا # [الإسراء: 40]، وقال تعالى # ألكم الذكر وله الأنثى # [النجم: 21]. # وقيل: معناه: لو أراد أن يتخذ ولدا كما قالت النصارى في ~~المسيح واليهود في العزيز لاختار خلقا أفضل من عيسى عليه السلام ~~وعزير. وقوله تعالى: { سبحانه }؛ أي تنزيها له في كل صفة ~~لا تكون من أرفع الصفات، وقوله: { هو الله الواحد }؛ لا ~~شريك له و " ليس " شيء كمثله، { القهار }؛ الغالب على خلقه الذي ~~لا يحتاج إلى ولد وظهير. ### || [39.5] # قوله تعالى: { خلق السموت والأرض بالحق ~~يكور الليل على النهار ويكور النهار على ~~الليل }؛ أي خلق السماوات والأرض عبرة للخلق، وإقامة للحق ~~لا للعبث والباطل، يدير الليل على النهار، ويدير النهار على ~~الليل، وكل واحد على الآخر، ويزيد من ساعات أحدهما في ساعات ~~الآخر. # والتكوير: هو إدارة الشيء على الشيء، ومنه كور العمامة، وقد ~~تسمى الزيادة كورا، كما قيل في الدعاء: # " اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور " # أي من النقصان بعد الزيادة. وقوله: { وسخر الشمس ~~والقمر كل يجري لأجل مسمى }؛ أي إلى الوقت الذي ~~وقت الله الدنيا إليه وهو انقضاؤها وفناؤها، وقوله: { ألا هو ~~العزيز الغفار }؛ أي خالق هذه الأشياء هو الله الغالب على ~~كل شيء، الغفار لأوليائه وأهل طاعته. ### || [39.6] # قوله تعالى: { خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها ~~زوجها }؛ أي خلقكم من نفس آدم وحدها ثم خلق منها زوجها حواء ~~من ضلع من أضلاعه القصيرة، { وأنزل لكم من الأنعام ~~ثمانية أزواج }؛ يعني الإنزال ها هنا الإنشاء والخلق؛ أي ~~وخلق لكم من كل صنف من الإبل والبقر والضأن والمعز زوجين ذكرا ~~وأنثى. # وقوله: { يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد ~~خلق } ، أي خلقكم نطفة ثم علقة ثم ms1809 مضغة إلى أن تخرجوا من ~~البطون، { في ظلمات ثلاث }؛ يعني ظلمة البطن وظلمة الرحم ~~وظلمة المشيمة. وقيل: ظلمة الأصلاب وظلمة الأرحام وظلمة ~~البطون. وقوله تعالى: { ذلكم الله ربكم له ~~الملك }؛ الدائم الذي لا يزول، ولا خالق غيره، { لا إله ~~إلا هو فأنى تصرفون }؛ بعد هذا البيان والبرهان. ### || [39.7] # قوله تعالى: { إن تكفروا فإن الله غني عنكم ~~}؛ أي إن تكفروا يا أهل مكة بنعم الله، فإن الله غني ~~عنكم، لم يأمركم بالإيمان من حاجة له إليكم لا لجلب منفعة ولا لدفع ~~مضرة، وإنما آمركم به لنفعكم، { ولا يرضى لعباده ~~الكفر }؛ أي لا يرضى لأوليائه وأهل طاعته الكفر. وقيل: ~~معناه: ولا يرضى لعباده المخلصين الذي قال " فيهم " # إن عبادي ليس لك عليهم سلطان # [الاسراء: 65] فألزمهم شهادة لا إله إلا الله وحببها إليهم. # وقال السدي: (ولا يرضى لعباده المؤمنين أن ~~يكفروا)، وهذه طريقة من قال بالتخصيص في هذه الآية ومن ~~أجراها على العموم فمعناه: لا يرضى الكفر لأحد، وكفر الكافر غير ~~مرض، وإن كان بإرادة، فالله تعالى مقدر الكفر غير راض به لأنه ~~" ما " يمدحه ولا يثني عليه، قال قتادة: (ما رضي الله لعبد ~~ضلالة ولا أمره بها ولا دعاه إليها، ولكن ~~قدره عليه). # قوله تعالى: { وإن تشكروا يرضه لكم }؛ معناه: وإن ~~تشكروا ما أنعم عليكم من التوحيد يرض ذلك الشكر لكم ويثيبكم ~~عليه، { ولا تزر وازرة وزر أخرى }؛ أي لا تؤخذ نفس ~~وزرا بذنب أخرى، { ثم إلى ربكم مرجعكم }؛ في ~~الآخرة، { فينبئكم } ، فيجزيكم، { بما كنتم تعملون ~~} ، في الدنيا، { إنه عليم بذات الصدور } ، بعزائم ~~القلوب. ### || [39.8] # قوله تعالى: { وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه ~~منيبا إليه }؛ إذا أصاب الكافر شدة في عيشه أو بلاء في ~~جسده دعا ربه راجعا إليه بقلبه، قال عطاء: (يريد عتبة ~~بن ربيعة)، وقال مقاتل: (يعني أبا حذيفة بن ~~المغيرة). # وقوله: { ثم إذا خوله نعمة منه }؛ أي ثم إذا أعطاه ~~نعمة منه؛ أي أغناه وأنعم عليه بالصحة، { نسي ما كان ~~يدعو إليه من قبل }؛ أي نسي الضر الذي كان ms1810 يدعو الله ~~إلى كشفه، { وجعل لله أندادا }؛ أي رجع إلى عبادة الأوثان، ~~{ ليضل عن سبيله }؛ أي ليزل عن دين الإسلام، ويضل ~~الناس، { قل }؛ يا محمد لهذا الكافر: { تمتع بكفرك ~~قليلا }؛ في الدنيا إلى أجلك، لفظه لفظ الأمر ومعناه التهديد ~~والوعيد، { إنك من أصحاب النار }؛ في الآخرة فما ينفع ~~التمتع القليل من الدنيا. ### || [39.9] # قوله تعالى: { أمن هو قانت آنآء اليل ساجدا ~~وقآئما يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه }؛ معناه: ~~هذا خير أيها الكافر أم من هو قانت؟ وقيل: معناه: أمن هو ~~قانت كمن جعل لله أندادا. وقيل: معناه: أهذا الخير أم من هو ~~قانت لله؟. والقانت: هو المواظب على طاعة الله تعالى، القائم بما ~~يجب عليه لأمر الله. و { آنآء اليل } ساعاته. # وقوله: { ساجدا وقآئما } نصب على الحال؛ أي تارة ساجدا ~~وتارة قائما، يفعل ذلك حذرا من العذاب وطمعا في الثواب. وقرأ ~~نافع وابن كثير: (أمن) بالتخفيف؛ لأن ألف الاستفهام دخلت على ~~(من) هو استفهام إنكار، والمعنى: أمن هو قانت كالأول. وروي ~~أن قوله: { أمن هو قانت آنآء اليل ساجدا وقآئما } ~~نزلت في عثمان ابن عفان رضي الله عنه. # وقوله تعالى: { قل هل يستوي الذين يعلمون ~~والذين لا يعلمون }؛ أي لا يستوي العالم والجاهل، فكذلك ~~لا يستوي المطيع والعاصي، { إنما يتذكر أولوا ~~الألباب }؛ أي يتعظ بمواعظ الله ذوو العقول من الناس. # وقال مقاتل: (نزلت هذه الآية في عمار بن ياسر وأبي ~~حذيفة بن المغيرة المخزومي. { قل هل يستوي ~~الذين يعلمون } يعني عمار { والذين لا يعلمون ~~} يعني أبا حذيفة). # وعن ابن عباس؛ أنه قال: (من أحب أن يهون عليه ~~الموقف يوم القيامة، فليره الله ساجدا في سواد ~~الليل ساجدا أو قائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ~~ربه). ### || [39.10] # قوله تعالى: { قل يعباد الذين آمنوا اتقوا ~~ربكم }؛ أي أطيعوه واجتنبوا معاصيه، وتم الكلام ثم ~~قال: { للذين أحسنوا في هذه الدنيا }؛ أي وحدوا ~~الله وأحسنوا العمل، { حسنة }؛ يعني الجنة. # قوله تعالى: { وأرض الله واسعة }؛ أي ارحلوا من ~~مكة، وهذا حث لهم على الهجرة من مكة ms1811 إلى حيث يأمنون، فيه ~~بيان أنه لا عذر لأحد في ترك طاعة الله تعالى لكونه بأرض لا ~~يتمكن فيها من ذلك. # وقوله تعالى: { إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير ~~حساب }؛ معناه: إنما يوفى الصابرون على دينهم فلا يتركونه ~~بمشقة تلحقهم. وهذه الآية نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه ~~حين لم يتركوا دينهم، ولما اشتد عليهم الأمر صبروا وهاجروا، ~~والمعنى: يعطون أجرهم كاملا على صبرهم على البلاء، وهجران ~~أهلهم وأوطانهم بغير وزن ولا مقدار، بل يعطون نعيما وثوابا لا ~~يهتدي إليه عقل ولا وصف. ### || [39.11-12] # قوله تعالى: { قل إني أمرت أن أعبد الله ~~مخلصا له الدين }؛ أي قل يا محمد لكفار مكة: إني ~~أمرت أن أعبد الله، { وأمرت لأن أكون أول ~~المسلمين } ، وأمرت أن أعبده على التوحيد والإخلاص، لا يشوب ~~عبادته شرك. # قال مقاتل: (وذلك أن كفار قريش قالوا له: يا ~~محمد ما يحملك على ما أتيتنا به؟ ألا تنظر إلى ~~ملة أبيك وجدك وسادة قومك يعبدون اللات ~~والعزى فتأخذ بها؟ فأنزل الله هذه الآية). أي قل ~~لهم إني أمرت بالقرآن بتوحيد الله تعالى، وأن آمر الخلق كلهم ~~بذلك، وأمرت أن أكون أول من أسلم من أهل هذا الزمان. ### || [39.13-15] # قوله تعالى: { قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب ~~يوم عظيم }؛ بالرجوع إلى دين آبائي، { قل الله أعبد ~~مخلصا له ديني }؛ بالتوحيد لا أشرك به شيئا، { ~~فاعبدوا ما شئتم من دونه }؛ هذا أمر تهديد، { قل ~~إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم ~~يوم القيامة }؛ بأن صاروا إلى النار، { ألا ذلك هو ~~الخسران المبين } ، يعني الكفار هم الذين خسروا أنفسهم ~~وأهليهم من الأزواج والخدم بالتخلية في النار. ويقال: خسران ~~الأهل أن يخسروا أهلهم من الحور العين التي أعدت لهم في الجنة ~~لو أسلموا. ### || [39.16] # قوله تعالى: { لهم من فوقهم ظلل من النار }؛ أي ~~أطباق من النار تلهب عليهم، { ومن تحتهم ظلل }؛ أي مهاد ~~من النار. يريد بذلك أنهم جعلوا بين أطباق جهنم، فأحاطت بهم ~~النار من كل جانب. # وإنما سمي الذي من تحتهم ms1812 ظلا لأنه ظلل لا يكون أسفل منهم. ~~وقوله تعالى: { ذلك يخوف الله به عباده }؛ أي ~~ذلك الذي ذكر من عذاب الكفار تخويف للمؤمنين ليخافوه فيتقونه ~~بالطاعة والتوحيد. ثم أمرهم بذلك فقال: { يعباد فاتقون }؛ ~~أي اتقوا عذابي بامتثال أوامري. ### || [39.17-18] # قوله تعالى: { والذين اجتنبوا الطاغوت أن ~~يعبدوها }؛ يعني اجتنبوا كل ما يعبد من دون الله، { ~~وأنابوا إلى الله }؛ أي ورجعوا إلى طاعة الله بعزائمهم ~~وأقوالهم وأفعالهم، { لهم البشرى }؛ بالجنة، { فبشر ~~عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ~~}؛ وذلك لأن القرآن يشتمل على ذكر المباحات والطاعات، والمباحات ~~حسنة، والطاعات أحسن، واستحقاق الثواب يتعلق بفعل الأحسن. # ويجوز أن يكون معنى الآية: أن العفو عن القصاص أحسن من استيفاء ~~القصاص، والصبر أحسن من الانتصار، كما قال الله تعالى: # وأن تعفوا أقرب للتقوى # [البقرة: 237]، وقال الله تعالى: # ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور # [الشورى: 43]، وقال الله تعالى: # فمن تطوع خيرا فهو خير له # [البقرة: 184] فجعل الأخذ بأحسن الطريقين أعظم للصواب. # وقيل: معنى { فيتبعون أحسنه } أي أحسنه وكله ~~حسن، قوله تعالى: { أولئك الذين هداهم الله }؛ أي ~~الذين وصفناهم، { وأولئك } ، هم الذين وفقهم الله للصواب، ~~{ هم أولوا الألباب }؛ أي ذوو العقول. # وقال عطاء عن ابن عباس: (أن أبا بكر رضي الله عنه آمن ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم فصدقه، فجاء عثمان رضي الله ~~عنه وعبدالرحمن بن عوف وطلحة والزبير وسعد ~~وسعيد، فسألوه فأخبرهم بإيمانه فآمنوا، فنزل ~~فيهم { فبشر عباد * الذين يستمعون القول } أي ~~يستمعونه من أبي بكر { فيتبعون أحسنه } أي ~~حسنه، وكله حسن، أولئك الذين هداهم الله ~~وأولئك هم ذوو العقول). ### || [39.19-20] # قوله تعالى: { أفمن حق عليه كلمة العذاب }؛ معناه: ~~أفمن وجبت عليه كلمة العذاب بكفره كمن ليس كذلك، { أفأنت ~~تنقذ من في النار }؛ أي سبق في علم الله أنه من أهل النار، ~~أفأنت تنقذه فتجعله مؤمنا، يعني لا تقدر على ذلك. # قال عطاء: (يريد أبا لهب وأولاده ومن تخلف من ~~عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان به). قوله ~~تعالى: { لكن الذين اتقوا ربهم ms1813 }؛ بالإيمان ~~والطاعة، { لهم غرف من فوقها غرف مبنية }؛ أي لهم ~~منازل في الجنة رفيعة وفوقها منازل أرفع منها، { تجري من ~~تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد ~~} ، وعدهم الله تلك الغرف والمنازل وعدا لا يخلفه. ### || [39.21] # قوله تعالى: { ألم تر أن الله أنزل من ~~السمآء مآء }؛ يعني المطر، { فسلكه ينابيع في الأرض ~~}؛ أي فأجراه في الأرض ينابيع وهو جمع ينبوع، والينبوع: المكان ~~الذي ينبع منه الماء. قال مقاتل: معناه (فجعله عيونا ~~وركايا في الأرض) وذلك أن أصل المياه التي في ~~الأرض من السماء. # وقوله: { ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه }؛ أي ~~ثم يخرج بالمطر زرعا من بين أحمر وأصفر وأبيض وأخضر، { ثم ~~يهيج }؛ أي ييبس، { فتراه }؛ بعد الخضرة، { ~~مصفرا ثم يجعله }؛ الله، { حطاما }؛ أي متكسرا ~~متفتتا دقاقا، { إن في ذلك لذكرى لأولي ~~الألباب }؛ أي الذي ذكر من صنع الله وقدرته لدلالة ذوي العقول ~~على سرعة زوال الدنيا، وعلى قدرة الله على البعث بعد الموت. ### || [39.22] # قوله تعالى: { أفمن شرح الله صدره للإسلام ~~فهو على نور من ربه }؛ معناه: أفمن وسع الله صدره ~~لقبول الإسلام، فهو على بيان وحجة من ربه يبصر به الحق من ~~الباطل، كمن طبع الله على قلبه فلم يهتد للحق لقسوته، فال ~~قتادة: (فهو على نور من ربه: النور هو كتاب الله ~~تعالى، فيه يأخذ وبه ينهى). # وتقدير الآية: أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه، ~~كمن قسي قلبه. وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: # " تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية، قالوا: ~~يا رسول الله وما هذا الانشراح؟ قال: " إذا دخل نور ~~القلب انشرح وانفسح " قلنا يا رسول الله؛ وما ~~علامة ذلك؟ قال: " الإنابة إلى دار الخلود، ~~والتجافي عن دار الغرور، والتأهب للموت قبل ~~لقاء الموت " # قيل: إن هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر، وقال مقاتل: ~~(أفمن شرح الله صدره للإسلام يعني النبي صلى الله ~~عليه وسلم). # قوله تعالى: { فويل للقاسية قلوبهم من ذكر ~~الله }؛ هم أبو ms1814 جهل وأصحابه من الكفار، { أولئك في ~~ضلال مبين }. وقيل: إن قوله { أفمن شرح الله ~~صدره للإسلام فهو على نور من ربه } يعني ~~عليا وحمزة، وقوله تعالى { فويل للقاسية قلوبهم ~~من ذكر الله } هو أبو لهب وأولاده. وقوله { من ذكر ~~الله } أي عن ذكر الله. ### || [39.23] # قوله تعالى: { الله نزل أحسن الحديث }؛ يعني ~~القرآن، سمي حديثا لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحدث به ~~قومه. وقوله: { كتابا }؛ منصوب على البدل من أحسن الحديث. قوله: { ~~متشابها }؛ أي يشبه بعضه بعضا في كونه حكمة ومصلحة، وفي أنه ~~حق لا تناقض فيه. # وقوله تعالى: { مثاني تقشعر منه جلود الذين ~~يخشون ربهم }؛ أي مكرر الأنباء والقصص للإبلاغ ~~والتأكيد، وتثنى تلاوته في الصلاة وفي غيرها فلا يمل من سماعه. # وقوله: { تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم } ~~خوفا مما في القرآن من الوعيد، ومعنى تقشعر: تأخذهم ~~قشعريرة وهي تغير يحدث في جلد الإنسان عند الوجل والخوف. ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله، تحاتت ~~عنه ذنوبه كما يتحات عن الشجرة ورقها " # وقال الزجاج: (إذا ذكرت آيات العذاب اقشعرت جلود ~~الخائفين)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " إذا اقشعر جلد الإنسان من خشية الله حرمه ~~الله على النار ". # وعن عبدالله بن عروة قال: قلت لأسماء بنت أبي بكر رضي ~~الله عنه: كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يفعلون إذا قرئ عليهم القرآن؟ قالت: (كانوا كما ~~نعتهم الله تعالى، تدمع عيونهم وتقشعر منه ~~جلودهم) فقلت لها: إن ناسا اليوم إذا قرئ ~~عليهم القرآن خروا مغشيا عليهم؟ قالت: (أعوذ ~~بالله من الشيطان). # وروي: أن ابن عمر رضي الله عنه مر برجل من أهل ~~العراق ساقط فقال: (ما بال هذا؟) فقالوا: إنه إذا ~~قرئ عليه القرآن وسمع ذكر الله سقط، فقال ابن ~~عمر رضي الله عنه: (إنا لنخشى الله ولا نسقط) وقال ~~ابن عمر: (إن الشيطان ليدخل في جوف أحدهم! ما ~~كان هذا صنع أصحاب رسول الله صلى لله عليه ms1815 وسلم). # قوله تعالى: { ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ~~ذكر الله }؛ أي تسكن رعدة أعضائهم إذا سمعوا آيات الرحمة، ~~وقيل: تلين جلودهم وقلوبهم؛ أي تطمئن وتسكن إلى ذكر الله ~~للجنة والثواب. # قال قتادة: (هذا نعت أولياء الله، وصفهم الله بأن ~~تقشعر جلودهم وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، ~~ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم، ~~إنما ذلك في أهل البدع وهو من الشيطان). # وقوله تعالى: { ذلك هدى الله يهدي به }؛ يعني أحسن ~~الحديث وهو القرآن، هدى الله يهديه، { من يشآء ومن يضلل ~~الله فما له من هاد }. ### || [39.24] # قوله تعالى: { أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب ~~يوم القيامة }؛ قال ابن عباس: (وذلك أن الكافر ~~يلقى في النار مغلول اليد إلى العنق، لا يتهيأ ~~له أن يتقي النار إلا بوجهه)، فكان معنى الآية: أفمن ~~يتقي بوجهه شدة العذاب يوم القيامة كمن يدخل الجنة ويتلذذ ~~بنعيمها. # قيل: إن هذه الآية نزلت في أبي جهل، قال الكلبي: (ينطلق ~~به إلى النار مغلولا، فإذا دفعته الخزنة فيها ~~تتلقفه النار بأول وجهه)، وقوله: { وقيل ~~للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون }؛ أي يقول الخزنة ~~للكفار: ذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون في الدنيا من الكفر ~~والمعاصي. ### || [39.25] # قوله تعالى: { كذب الذين من قبلهم }؛ أي كذب ~~الذين من قبل كفار مكة رسلهم، { فأتاهم العذاب من ~~حيث لا يشعرون }؛ يعني وهم آمنون في أنفسهم غافلون عن ~~العذاب. وفي هذه الآية تحذير لأهل مكة لئلا يسلكوا طريقة من ~~قبلهم فينزل بهم من العذاب ما نزل بمن قبلهم. ### || [39.26] # قوله تعالى: { فأذاقهم الله الخزي في الحياة ~~الدنيا }؛ أي الهوان والعذاب في الحياة الدنيا، { ولعذاب ~~الآخرة أكبر }؛ مما أصابهم في الدنيا، { لو كانوا ~~يعلمون }؛ ولكنهم لم يعلموا ذلك. ### || [39.27] # قوله تعالى: { ولقد ضربنا للناس في هذا ~~القرآن من كل مثل }؛ أي ولقد ضربنا لأهل مكة في هذا ~~القرآن من كل مثل لهم فيه من كل وجه ما يحتاجون إليه، { ~~لعلهم يتذكرون }؛ فيؤمنوا. ### || [39.28] # قوله تعالى: { قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم ~~يتقون }؛ قرآنا نصبه على الحال كما ms1816 يقال: جاءني زيد ~~رجلا صالحا، وقوله تعالى: { غير ذي عوج } أي مستقيم وليس ~~مختلف، وعن ابن عباس: (غير ذي عوج؛ أي غير مخلوق)، ~~وقيل: غير تضادد واختلاف، لا يخالف الكتب المنزلة ~~قبله. ### || [39.29] # قوله تعالى: { ضرب الله مثلا رجلا فيه شركآء ~~متشاكسون }؛ أي وصف الله مثل آلهتهم التي يعبدونها من دون ~~الله، يقول الله: الذي يعبد آلهة شين في أخلاقهم وشراسة، والذي ~~يعبد ربا واحدا خالصا في عبادته إياه، والمعنى فيه شركاء ~~متشاحون، ورجلا سلما لرجل سلم له من غير منازع، وقيل: ~~معناه: أن أربابا كثيرة فيه شركاء متشاحون سيئة أخلاقهم، ~~وكل واحد منهم يستخدمه بقدر نصيبه، يقال: رجل شكس وشرس، ~~وضرس وضبس، إذا كان سيء الخلق ومخالفا للناس. # قوله تعالى: { ورجلا سلما لرجل }؛ (ورجلا ~~سالما) هذه قراءة ابن كثير وأبي عمرو ومجاهد والحسن ويعقوب، ~~واختيار أبي عبيد؛ لأن السالم " الخالص " ضد المشترك، وقرأ ~~الباقون (سلما) من غير ألف بفتح اللام وهو ضد المحارب، ولا موضع ~~للحرب ها هنا، والمعنى ورجلا ذا سلم لرجل، من قولهم: هو لك ~~سلم؛ أي مسلم لا منازع لك فيه. # وقوله: { هل يستويان مثلا }؛ أي هل يستوي عندك شرك فيه ~~مختلفون يملكونه جميعا ورجل خالص لرجل لا شركة فيه لأحد. ~~والمعنى هل يستوي من يعبد آلهة شتى مختلفة، يعني الكافر، والذي ~~يعبد ربا واحدا، يعني المؤمن، وهذا استفهام معناه الإنكار؛ أي لا ~~يستويان. # قوله تعالى: { الحمد لله }؛ أي الشكر لله دون غيره من ~~المعبودين، وقوله: { بل أكثرهم لا يعلمون }؛ ما يصيرون ~~إليه من العقاب، والمراد بالأكثر الكل. ### || [39.30-32] # قوله تعالى: { إنك ميت وإنهم ميتون }؛ إنك ~~يا محمد ميت عن قليل وإنهم ميتون، وقيل: معناه: إنك ~~ستموت وإنهم سيموتون، { ثم إنكم يوم القيامة عند ~~ربكم تختصمون }؛ يعني المحق والمبطل، والظالم ~~والمظلوم. قوله: { فمن أظلم ممن كذب على الله } ، بأن ~~جعل له ولدا وشريكا، { وكذب بالصدق إذ جآءه }؛ وكذب ~~بالصدق بالتوحيد والقرآن إذ جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ~~وقوله تعالى: { أليس في جهنم مثوى للكافرين ms1817 }؛ ~~لفظة استفهام وهو تقدير وتحقيق؛ أي مثواهم جهنم. ### || [39.33-35] # قوله تعالى: { والذي جآء بالصدق }؛ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، { وصدق به }؛ أبو بكر رضي الله عنه كان يصدقه ~~في كل ما أخبر به، فلذلك سمي صديقا، وقوله تعالى: { ~~أولئك هم المتقون }؛ يعني أبا بكر وأصحابه المؤمنين، ~~وقوله تعالى: { لهم ما يشآءون عند ربهم }؛ يعني لهم ما ~~يشاؤون من الكرامة في الجنة و { ذلك جزآء المحسنين }؛ ~~في أقوالهم وأعمالهم. وقوله تعالى: { ليكفر الله عنهم ~~أسوأ الذي عملوا }؛ أي ليكفر الله عنهم أقبح أعمالهم ~~التي عملوها في الدنيا بحسناتهم، { ويجزيهم أجرهم ~~بأحسن الذي كانوا يعملون } ، قال مقاتل: ~~(بالمحاسن من أعمالهم، ولا يجزيهم بالمساوئ). ### || [39.36-37] # قوله تعالى: { أليس الله بكاف عبده }؛ وذلك " أن ~~" المشركين من أهل مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: إنك لا ~~تزال تشتم آلهتنا وتعيبها فاتقها أن لا تصيبك بشيء ~~فتخبلك! فأنزل الله هذه الآية. وقيل: معناه: أليس الله ~~بكاف عبده محمدا صلى الله عليه وسلم يكفيه عداوة من ~~يعاديه. # ومن قرأ (عباده) فالمراد بالعباد الأنبياء، وذلك أن الأمم ~~قصدتهم بالسوء، وهو قوله تعالى: # وهمت كل أمة برسولهم # [غافر: 5] فكفاهم الله شر من عاداهم، يعني إنه كافيك كما كفى ~~هؤلاء الرسل قبلك. # وقوله تعالى: { ويخوفونك بالذين من دونه } ، أي بالذين ~~يعبدون من دونه هم الأصنام. { ومن يضلل الله فما له ~~من هاد * ومن يهد الله فما له من مضل أليس ~~الله بعزيز ذي انتقام }. ### || [39.38] # قوله تعالى: { ولئن سألتهم من خلق السموت ~~والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من ~~دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ~~ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته ~~}؛ وذلك أنهم " مع " عبادتهم غير الله يقرون أن الله خالق ~~هذه الأشياء، فجعل الله إقرارهم بذلك حجة عليهم. # وبين أنه تعالى إذا أراد بعبده ضرا لم تقدر الأصنام على دفعه ~~عنه، وإذا أراد بعبد رحمة لم تقدر الأصنام على حبسها عنه، فكيف ~~يعبدونها ويتركون عبادة الله الذي له هذه الصفات. # قوله ms1818 تعالى: { قل أفرأيتم ما تدعون } أي أمر ~~الله النبي صلى الله عليه وسلم أن يحتج عليهم بأن جميع ما تعبدون ~~من دون الله لا يملكون كشف ضر، قال ابن عباس رضي الله عنه: ~~(والمعنى: أرادني الله بفقر أو مرض أو بلاء أو ~~شدة، هل هن كاشفات ضره، أو أرادني برحمة أي ~~بخير وصحة، هل هن حابسات تلك الرحمة عني). # قرأ أبو عمرو ويعقوب (كاشفات) و (ممسكات) بالتنوين؛ لأن ~~اسم الفاعل غير واقع، وما لم يقع منه فوجهها التنوين، وقرأ ~~الباقون بغير تنوين استخفافا، وكلا الوجهين حسن. # وقوله تعالى: { قل حسبي الله }؛ أي يكفيني الله تعالى الذي ~~بيده الضر والرحمة، { عليه يتوكل المتوكلون }؛ أي ~~به يثق الواثقون لا بغيره. ### || [39.39-40] # قوله تعالى: { قل يقوم اعملوا على مكانتكم ~~}؛ أي على ناحيتكم التي اخترتموها، { إني عامل }؛ على ~~ناحيتي وجهتي، { فسوف تعلمون * من يأتيه عذاب ~~يخزيه }؛ أي يفضحه ويهلكه في الدنيا، { ويحل عليه ~~عذاب مقيم }؛ وينزل عليه عذاب دائم في الآخرة. ويجوز أن ~~يكون قوله { من يأتيه عذاب يخزيه } ابتداء كلام من الله ~~تعالى، وخبره { يخزيه ويحل عليه عذاب }. ### || [39.41] # قوله تعالى: { إنآ أنزلنا عليك الكتاب للناس ~~بالحق }؛ يعني القرآن لتعلموا ما فيه وتعملوا به، { فمن ~~اهتدى فلنفسه }؛ أي فمنفعة اهتدائه راجعة إلى نفسه، { ~~ومن ضل فإنما يضل عليها } ، ومن ضل فضلاله راجع ~~إليه، { ومآ أنت عليهم بوكيل }؛ أي بحفيظ؛ أي تجبرهم ~~بالإيمان، وهذا كان قبل أن يؤمر بقتالهم. ### || [39.42] # قوله تعالى: { الله يتوفى الأنفس حين موتها ~~والتي لم تمت في منامها } معناه: الله يقبض الأرواح ~~عند انقضاء آجالها، ويقبض الأرواح التي لم تمت في منامها، { ~~فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى }؛ ~~فيحبس الأرواح التي قضى عليها الموت ولا يردها إلى الأجساد، ~~ويرد أرواح النائمين إليهم عند الاستيقاظ، { إلى أجل ~~مسمى }؛ أي إلى الأجل الذي قدر الله لهم وهو انقضاء الأجل، ~~{ إن في ذلك لآيات }؛ إن في رد الأرواح بعد القبض ~~لعلامات، { لقوم يتفكرون }؛ في قدرة الله تعالى، ~~فيستدلون بذلك على قدرته على ms1819 البعث. # قال الزجاج: (لكل إنسان نفسان؛ أحدهما: نفس ~~التمييز؛ وهي التي تفارقه إذا نام فلا يعقل. ~~والأخرى: نفس الحياة؛ إذا زالت زال معها النفس، ~~والنائم يتنفس). وعن ابن جريج عن ابن عباس أنه قال: ~~(إن النفس التي هي العقل والتمييز، والروح هو ~~الشعاع الذي به يتحرك الإنسان، فإذا نام العبد ~~قبض الله نفسه ولم يقبض روحه، وإذا مات قبض ~~نفسه وروحه). # ويقال: إن الأشباح له نفس وروح وحياة، والبهائم لها أرواح، ~~والنبات له حياة، فنما النبات بحياته، وتحرك البهائم ~~بأرواحها، وتمييز الإنسان بنفسه، فإذا نام غرب عنه عقله وفهمه ~~وتمييزه، فإذا انتبه عاد كما كان، وكذلك الميت إذا بعث عاد ~~يبعث كما كان. # " وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أينام أهل ~~الجنة؟ فقال: " النوم أخو الموت، وأهل الجنة ~~لا ينامون ولا يموتون " # وروي أن في التوراة مكتوب: يا بن آدم كما تنام تموت، وكما تستيقظ ~~تبعث. # وقوله { فيمسك التي قضى عليها الموت } أي يمسكها ~~عن جسد، يعني الروح التي توفاها فلا تعود إلى الجسد، وقوله { ~~ويرسل الأخرى } يعني النفس إلى الجسد { إلى أجل ~~مسمى } أي إلى انقضاء الأجل. # قرأ الأعمش وحمزة والكسائي وخلف: (قضي عليها) بضم القاف وكسر ~~الضاد وفتح الياء، ورفع (الموت) على ما لم يسم فاعله. وقرأ ~~الباقون: (قضى) على الفعل الماضي، ونصب (الموت عليها). # قوله تعالى: { الله يتوفى الأنفس }؛ قال المفسرون: ~~إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام فتعارفوا ما شاء ~~الله، ثم يمسك الله أرواح الأموات فلا يردها، وأرسل أرواح ~~الأحياء إلى الأجساد إلى وقت انقضاء مدة حياتها. وعن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا أوى أحدكم إلى فراشه فليضطجع على جنبه ~~الأيمن، وليقل: باسمك ربي وضعت جنبي وبك ~~أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها ~~فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين ". ### || [39.43-44] # قوله تعالى: { أم اتخذوا من دون الله شفعآء }؛ ~~نزلت في أهل مكة زعموا أن الأصنام شفعاؤهم عند الله، فقال تعالى ~~منكرا عليهم (أم اتخذوا من دون الله آلهة) أي ms1820 بل ~~اتخذوا من دون الله آلهة يعبدونها طمعا في شفاعتها، { قل } ، ~~لهم يا محمد: { أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا ~~يعقلون } ، أتعبدونهم وإن كانوا لا يقدرون على شيء من ~~الشفاعة ولا يعقلون الشفاعة، فكيف يشفعون؟ وقيل: ولا يعقلون ~~أنكم تعبدونهم. # ثم أخبر أنه لا شفاعة إلا بإذنه، فقال: { قل لله ~~الشفاعة جميعا له ملك السموت والأرض ثم ~~إليه ترجعون }؛ أي لا يشفع أحد إلا بإذنه، والمعنى لا ~~يملك أحد الشفاعة إلا بتمليكه، وهو إبطال لشفاعة الأصنام. ### || [39.45-46] # قوله تعالى: { وإذا ذكر الله وحده اشمأزت ~~قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة }؛ وذلك أن المشركين ~~إذا قيل لهم لا إله إلا الله وحده نفروا من ذلك ~~واستكبروا. # والاشمئزاز في اللغة: النفور والاستكبار. قال ابن ~~عباس رضي الله عنه: (اشمأزت انقبضت عن التوحيد) وقال ~~قتادة: (استكبرت)، وقال أبو عبيدة: (نفرت). # قوله تعالى: { وإذا ذكر الذين من دونه }؛ يعني ~~الأصنام التي يعبدونها من دون الله، { إذا هم يستبشرون }؛ ~~والمعنى إذا قيل لهم: لا إله إلا الله، نفروا من ذلك، وإذا ~~ذكرت أصنامهم فرحوا بذكرها. فقيل له: { قل }؛ لهم يا محمد: ~~{ اللهم فاطر السموت والأرض }؛ أي خالقهما، { ~~عالم الغيب والشهادة }؛ أي عالم ما غاب عن العباد، وما ~~علمه العباد، { أنت تحكم بين عبادك } ، أي تقضي بين ~~عبادك، { في ما كانوا فيه يختلفون }؛ من الدين. ### || [39.47-48] # قوله تعالى: { ولو أن للذين ظلموا ما في ~~الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء ~~العذاب يوم القيامة }؛ أي لو كان للذين ظلموا أنفسهم ~~بالشرك ما في الأرض جميعا من المال ومثله معه لفدوا به ~~أنفسهم لشدة ما ينزل بهم من العذاب، ثم لا يقبل منهم ذلك ~~الفداء، وظهر لهم من عقاب الله ما لم يكونوا يتوقعون في الدنيا أنه ~~ينزل بهم في الآخرة. # وذلك أنهم لما كانوا لا يقرون بالبعث والنشور كانوا لا ~~يتوقعون أهوال يوم القيامة، بل كانوا ينتظرون ثواب الله أن لو ~~قامت القيامة كما أخبر الله عنهم بقوله # ومآ أظن الساعة قآئمة ولئن رجعت إلى ربي ms1821 ~~إن لي عنده للحسنى # [فصلت: 50] فإذا رأوا العذاب فقد، { وبدا لهم من الله ما ~~لم يكونوا يحتسبون * وبدا لهم سيئات ما ~~كسبوا }؛ وظهر لهم عقوبات ما كسبوا من المعاصي، { وحاق ~~بهم ما كانوا به يستهزئون } ، وحل بهم جزاء ~~استهزائهم بالكتاب والرسول. ### || [39.49] # قوله تعالى: { فإذا مس الإنسان ضر دعانا }؛ أي ~~إذا أصابه مكروه دعانا لنكشف عنه، { ثم إذا خولناه ~~نعمة منا } ، ثم أعطيناه نعمة منا من صحة وعافية، ~~ويسر بعد شدة، { قال إنمآ أوتيته على علم }؛ الله ~~أنني أهل لذلك، وقال: على علم مني فيه بوجوه مكاسبة. # وقوله: { بل هي فتنة }؛ أي بل النعمة والشدة بلية ~~وامتحان من الله للغني والفقير، للغني بالشكر وللفقير بالصبر، ~~{ ولكن أكثرهم لا يعلمون }؛ أنها من الله. ### || [39.50-51] # قوله تعالى: { قد قالها الذين من قبلهم }؛ أي قد ~~قال تلك الكلمة قارون حين قال # إنمآ أوتيته على علم عندي # [القصص: 78]. والمعنى: قد قالها الذين من قبل هؤلاء الكفار، { فمآ ~~أغنى عنهم ما كانوا يكسبون }؛ أي ما أغنى عنهم الكفر ~~من العذاب شيئا، والمعنى أنهم ظنوا إنما آتيناهم لكرامتهم ~~علينا، ولم يكن كذلك؛ لأنهم وقعوا في العذاب، ولم يغن عنهم ما ~~كسبوا شيئا، وقوله تعالى: { فأصابهم سيئات ما كسبوا ~~}؛ أي جزاؤها. # ثم أوعد كفار مكة فقال: { والذين ظلموا من هؤلاء ~~سيصيبهم سيئات ما كسبوا }؛ أي جزاء ما قالوا وعملوا، ~~{ وما هم بمعجزين }؛ لأن مرجعهم الله، فهم لا يعجزونه ~~ولا يفوتونه فيجازيهم بأعمالهم. ### || [39.52] # قوله تعالى: { أولم يعلموا أن الله يبسط ~~الرزق لمن يشآء ويقدر }؛ معناه: أولم يعلموا أن ~~الله يوسع الرزق على من يشاء ويضيق على من يشاء، كل ذلك من ~~عنده لا بحول الإنسان وقوته، { إن في ذلك لآيات لقوم ~~يؤمنون }؛ إن في البسط والتقتير لآيات لقوم يصدقون ~~أنها من الله تعالى. ### || [39.53] # قوله تعالى: { قل يعبادي الذين أسرفوا على ~~أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله }؛ قال ابن عباس ~~رضي الله عنه: (إن هذه الآية نزلت في وحشي وأصحابه ~~الذين قتلوا حمزة عم النبي صلى الله ms1822 عليه وسلم ~~وجماعة من المؤمنين، أرسلوا إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم رسولا يطلبون التوبة، فأنزل هذه ~~الآية). # وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: # " بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وحشي يدعوه إلى ~~الإسلام، فأرسل إليه: يا محمد كيف تدعوني إلى ~~دينك وأنت تزعم أنه من قتل أو أشرك أو زنى ~~يلق أثاما، يضاعف له العذاب يوم القيامة ~~ويخلد فيه مهانا؟ وأنا قد فعلت ذلك كله، فهل ~~تجد لي فيه رخصة؟ فأنزل الله تعالى: { إلا من ~~تاب وآمن وعمل عملا صالحا }. # فقال وحشي: هذا شرط شديد لا أقدر على هذا، فهل ~~غير ذلك؟ فأنزل الله تعالى: { إن الله لا يغفر ~~أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء } وقال ~~وحشي: وإني في شبهة فلا أدري أيغفر لي أم لا، ~~فهل غير ذلك؟ فأنزل الله { قل يعبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله } ~~فجاء وحشي فأسلم، فقال المسلمون: هذه له ~~خاصة أم للمسلمين عامة؟ فقال: " بل للمسلمين ~~عامة " ". # معنى الآية: قل يا عبادي الذي جاوزوا الحد في المعاصي بالكفر ~~والزنا والقتل ونحوها: لا تيأسوا من رحمة الله، { إن الله ~~يغفر الذنوب جميعا }؛ أي الصغائر والكبائر، { إنه هو ~~الغفور }؛ لمن تاب وآمن، { الرحيم }؛ بمن تاب على ~~التوبة. ### || [39.54] # قوله تعالى: { وأنيبوا إلى ربكم }؛ أي ارجعوا ~~إلى طاعة ربكم بالتوبة، { وأسلموا له من قبل أن ~~يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون } ، واستسلموا له من ~~قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تمنعون مما يراد بكم. ### || [39.55] # قوله تعالى: { واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم ~~من ربكم }؛ وهو القرآن، { من قبل أن يأتيكم ~~العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون }؛ وقت مجيئه. ### || [39.56] # قوله تعالى: { أن تقول نفس يحسرتا على ما ~~فرطت في جنب الله }؛ معناه: بادر واحذر من أن تقول ~~نفسي، أو حذار من أن تصير إلى حالة تتحسرون فيها على التفريط فيما ~~ينال به ثواب الله، قال الفراء: (معنى قوله { في جنب ~~الله }: هو القرب؛ أي في قرب الله وجواره). ms1823 # والمعنى: أن تقول نفسي: يا حسرتا على ما فرطت في طلب جوار ~~الله وقربه وهو الجنة، وقال عطاء: (معناه: على ما ~~ضيعت من ثواب). وقوله تعالى: { وإن كنت لمن ~~الساخرين }؛ أي وما كنت إلا من المستهزئين القرآن والمؤمنين في ~~الدنيا وبمن دعاني إلى التوحيد. ### || [39.57] # قوله تعالى: { أو تقول لو أن الله هداني ~~لكنت من المتقين }؛ أي وخوفا أن تقول لو أن الله ~~نجاني من العذاب لكنت من جملة المتقين الشرك. ### || [39.58-59] # قوله تعالى: { أو تقول حين ترى العذاب لو أن ~~لي كرة فأكون من } ، الموحدين، { المحسنين }؛ أو تقول ~~حين ترى العذاب أو لئلا تقول حين ترى العذاب: لو أن لي رجعة ~~إلى الدنيا فأكون من الموحدين المحسنين. # فيقال لهذا القائل: { بلى قد جآءتك آياتي }؛ يعني القرآن؛ ~~{ فكذبت بها }؛ أي قلت: ليست من عند الله، { واستكبرت ~~}؛ أي وتكبرت من الإيمان بها، وتعظمت عن الإقرار بذلك، { وكنت ~~من الكافرين } ، وصرت من الجاحدين لنعم الله، فأصابك ما ~~أصابك بجنايتك على نفسك. ### || [39.60] # قوله تعالى: { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا ~~على الله وجوههم مسودة }؛ أي وترى يا محمد يوم ~~القيامة الذين كذبوا على الله في قولهم: عزير ابن الله، ~~وقولهم: المسيح ابن الله، وقولهم: الملائكة بنات الله تعالى، وقول ~~عبدة الأصنام: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، ترى ~~هؤلاء تسود وجوههم وتزرق أعينهم. وقوله: { أليس في ~~جهنم مثوى للمتكبرين }؛ تحقيق وتقرير، والمثوى: ~~هو المنزل، والمتكبر: هو المتعظم عن الإيمان. ### || [39.61] # قوله تعالى: { وينجي الله الذين اتقوا ~~بمفازتهم }؛ أي يخلصهم من العذاب بفوزهم الذي استحقوه ~~بأعمالهم، قال المبرد: (المفازة: مفعلة من الفوز) ~~وهي السعادة وإن جمع فحسن كقولهم السعادة ~~والسعادات، ويقرأ (بمفازاتهم). وقوله: { لا يمسهم ~~السوء }؛ أي لا يصيبهم العذاب، { ولا هم يحزنون }؛ ~~لأنهم رضوا بالثواب. ### || [39.62] # قوله تعالى: { الله خالق كل شيء }؛ أي جميع ما في ~~الدنيا والآخرة من شيء فالله خالقه، وهو المستحق للعبادة، ~~قوله تعالى: { وهو على كل شيء وكيل }؛ أي الأشياء ~~كلها موكلة إليه، فهو القائم بحفظها، المدبر لأمورها، ms1824 الكفيل ~~بأرزاقها. ### || [39.63] # قوله تعالى: { له مقاليد السموت والأرض }؛ أي ~~له خزائن السماوات والأرض، يفتح الرزق على من يشاء ويغلقه، قال ~~ابن عباس: (المقاليد المفاتيح) واحد المقاليد ~~مقليد، كما يقال منديل ومناديل، وقال الضحاك: ~~(مقاليد السماوات والأرض خزائنها). ويجوز أن تكون ~~المقاليد جمع المقلاد، وهو مفعال من المقلادة؛ أي هو ~~مالك الخلق وله طاعتهم وبيده قلوبهم. # وقوله تعالى: { والذين كفروا بآيات الله أولئك ~~هم الخاسرون }؛ معناه: والذين كفروا بالقرآن هم الذين ~~خسروا حتى صاروا في النار. ### || [39.64] # قوله تعالى: { قل أفغير الله تأمروني أعبد ~~أيها الجاهلون }؛ وذلك أن المشركين من قريش قالوا للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: أتؤمن ببعض آلهتنا ونؤمن بإلهك، فأنزل ~~الله هذه الآية. والمعنى أتأمرونني أن أعبد غير الله أيها ~~الجاهلون بالنعمة. # قرأ نافع (تأمروني) بنون واحدة خفيفة على التخفيف، وقرأ ابن ~~عامر بنونين على الأصل، وقرأ الباقون بنون واحدة مشددة على ~~الإدغام. ### || [39.65-66] # قوله تعالى: { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من ~~قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من ~~الخاسرين }؛ أي ليحبطن عملك الذي عملته قبل الشرك، ~~وهذا أدب من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وتهديد لغيره، ~~لأن الله قد عصمه من الشرك ومداهنته الكفار. قوله تعالى: { ~~بل الله فاعبد }؛ أي وحد؛ لأن عبادته لا تصح إلا ~~بتوحيده، { وكن من الشاكرين }؛ لإنعامه عليك به. ### || [39.67] # قوله تعالى: { وما قدروا الله حق قدره }؛ أي ما ~~عرفوا الله حق معرفته، ولا عظموه حق تعظيمه، إذ عبدوا ~~الأوثان من دونه، وأمروا النبي صلى الله عليه وسلم بعبادة غيره. ~~ثم أخبر عن عظمته فقال: { والأرض جميعا قبضته يوم ~~القيمة }؛ أي وجميع الأرض في مقدوره يوم القيامة كالذي ~~يقبض عليه القابض في قبضته، وهذا كما يقال: فلان في قبضة فلان؛ ~~أي تحت أمره وقبضته، والقبضة في اللغة: ما قبضت عليه بجمع ~~كفك، أخبر الله تعالى عن قدرته فذكر أن الأرض كلها مع ~~عظمتها وكثافتها في مقدوره، كالشيء الذي يقبض عليه القابض ~~بكفه. # قوله تعالى: { والسموت مطويات بيمينه }؛ ذكر ~~اليمين للمبالغة في ms1825 الاقدار، يعني أنه يطويها بقدرته كما يطوي ~~الواحد منا الشيء المقدور له طيه بيمينه، قال الأخفش: ~~(معناه مطويات في قدرته نحو قوله أو ما ~~ملكت أيمانكم؛ أي ما كانت لكم عليه قدرة ~~وليس الملك لليمين دون الشمال). وقد يذكر اليمين ~~بمعنى القوة كما قال الشاعر: # إذا ما راية رفعت لمجد # تلقاها عرابة باليمين # ثم نزه نفسه عن شركهم فقال: { سبحانه وتعالى عما ~~يشركون }. ### || [39.68] # قوله تعالى: { ونفخ في الصور فصعق من في ~~السموت ومن في الأرض }؛ قد ذكرنا أن النفخة نفختان في ~~قول أكثر المفسرين وبينهما أربعون سنة، فالنفخة الأولى هي نفخة ~~الصعق. # والصعق: هو الموت بصيحة شديدة حالة هائلة، ومنها الصواعق وهي ~~التي تأتي بشدة الرعد، وعن عبدالله بن عمر قال: # " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصور فقال: " ~~قرن ينفخ فيه فيصعق من في السماوات ومن في ~~الأرض " # أي يموتون من الفزع وشدة الصوت. قوله تعالى: { إلا ~~من شآء الله }؛ يعني الملك الذي ينفخ في الصور، ثم يميته ~~الله بعد ذلك، وقال الحسن: (يعني جبريل وميكائيل ~~وإسرافيل وحملة العرش وملك الموت). وعن أبي هريرة ~~رضي الله عنه: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل جبريل عن هذه ~~الآية: " من الذي شاء الله أن يصعقهم؟ قال: هم ~~الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش " ". # عن أنس ابن مالك قال: # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم وقال لهم: " ~~جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، فيقول ~~الله تعالى: يا ملك الموت خذ نفس إسرافيل، ~~فيأخذها؛ ثم يقول: خذ نفس ميكائيل، فيأخذها، ~~ثم يقول الله تعالى: يا ملك الموت من بقي؟ ~~فيقول: سبحانك يا رب تباركت وتعاليت بقي ~~جبريل وملك الموت، فيقول الله تعالى: مت يا ~~ملك الموت، فيموت، ثم يقول الله تعالى: يا ~~جبريل من بقي؟ فيقول: تباركت وتعاليت بقي ~~وجهك الباقي الدائم، وبقي جبريل الميت ~~الفاني، فيقول: يا جبريل مت، فيبقى ساجدا يخفق ~~بجناحيه فيموت " ". # وقال الضحاك: (معنى قوله: { إلا من شآء الله } هم ~~رضوان والحور ومالك والزبانية)، ms1826 وقال قتادة: (الله ~~أعلم بثنياه). وقيل: هم عقارب النار وحياتها. # قوله تعالى: { ثم نفخ فيه أخرى }؛ يعني نفخة ~~البعث، { فإذا هم قيام ينظرون }؛ ماذا يقال لهم. ### || [39.69-70] # قوله تعالى: { وأشرقت الأرض بنور ربها }؛ ~~وأضاءت الأرض يومئذ بعدل ربها، فسمي العدل نورا كما سمي ~~النبي صلى الله عليه وسلم نورا وسمي القرآن نورا. ويقال: إن ~~نور الأرض العدل، كما أن نور الدين العلم، وقال بعضهم: يخلق ~~الله تعالى يومئذ نورا يضيء لأهل القيامة غير الشمس والقمر. # قوله تعالى: { ووضع الكتاب }؛ يعني صحائف الأعمال، { ~~وجيء بالنبيين والشهدآء }؛ قال ابن عباس رضي الله ~~عنه: (المراد بقوله { والشهدآء } هم الذين ~~يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة) وهم أمة ~~محمد صلى الله عليه وسلم، وقال عطاء: (يعني الحفظة) وقال ~~السدي: (يعني الذين استشهدوا في طاعة الله). # وقوله تعالى: { وقضي بينهم بالحق }؛ أي قضي بين ~~الرسل والأمم بالعدل، { وهم لا يظلمون }؛ أي لا ينقص من ~~حسنات أحد ولا يزاد في سيئات أحد. قوله: { ووفيت كل ~~نفس ما عملت }؛ أي أعطيت كل نفس برة أو فاجرة جزاء ما ~~عملت من خير أو شر، { وهو أعلم بما يفعلون }؛ وهو ~~أعلم بفعلهم، لا يحتاج إلى كاتب ولا شاهد. ### || [39.71-72] # قوله تعالى: { وسيق الذين كفروا إلى جهنم ~~زمرا }؛ وذلك أنهم يساقون إلى جهنم فوجا فوجا، الأول ~~فالأول، يساق كفار كل أمة على حدة، والزمر: جماعات في ~~تفرقة بعضها على إثر بعض، يساقون سوقا عنيفا، ~~يسحبون على وجوههم إلى جهنم، { حتى إذا جآءوها ~~فتحت أبوابها }؛ عند مجيئهم، { وقال لهم خزنتهآ }؛ ~~وهم الزبانية: { ألم يأتكم رسل منكم يتلون ~~عليكم آيات ربكم وينذرونكم } ، ويخوفونكم، { لقآء ~~يومكم هذا } ، اليوم، { قالوا بلى } ، أتونا بالرسالة، { ~~ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين }؛ ولكن ~~وجبت كلمة العذاب على الكافرين، فيقول لهم الزبانية: { قيل ~~ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى ~~المتكبرين }؛ ادخلوا أبواب جهنم السبعة خالدين فيها. # ومعنى قوله { ولكن حقت كلمة العذاب على ~~الكافرين } هو قوله تعالى: # لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين # [هود: 119]. واختلف القراء في قوله { فتحت ms1827 } فخففها ~~الكوفيون، وشددها الباقون على التكثير. ### || [39.73-74] # قوله تعالى: { وسيق الذين اتقوا ربهم إلى ~~الجنة زمرا }؛ وذلك أن المؤمنين ينطلق بهم إلى الجنة ~~فوجا فوجا بالتلطف والإكرام، { حتى إذا جآءوها ~~وفتحت أبوابها }؛ قال الأخفش: (هذه الواو زائدة) ~~والمعنى: فتحت أبوابها حتى تكون جوابا لقوله ~~{ حتى إذا جآءوها }. وقال الزجاج: (القول عندي أن ~~الجواب محذوف، تقديره: حتى إذا جاؤها وفتحت ~~أبوابها وسلم عليهم خزنتها ساروا إلى السعادة ~~ووصلوا إلى مقصودهم). # وقيل: هذه الواو واو الحال تقديره: حتى إذا جاؤها وقد فتحت ~~أبوابها، وأدخل الواو ها هنا لبيان أنها قد كانت مفتحة قبل ~~مجيئهم، وحذفها من الآية الأولى لبيان أنها قد كانت مغلقة قبل ~~مجيئهم. # ويقال: زيدت الواو ها هنا لأن أبواب الجنة ثمانية وأبواب ~~جهنم سبعة فزيدت الواو فرقا بينهما. وحكي عن أبي بكر بن عياش: ~~(أنها تسمى واو الثمانية) وذلك أن من عادة ~~قريش أنهم يعدون العدد من الواحد إلى ~~الثمانية، فإذا بلغوا الثمانية زادوا فيها ~~الواو، فيقولون: خمسة ستة سبعة وثمانية، ~~يدل عليه قوله تعالى # سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام # [الحاقة: 7]، وقال الله # التائبون العابدون # [التوبة: 112] فلما بلغ الثامن # والناهون عن المنكر # [التوبة: 112]، وقال تعالى # سبعة وثامنهم كلبهم # [الكهف: 22]، وقال تعالى # ثيبات وأبكارا # [التحريم: 5]. وقيل: زيادة الواو في صفة الجنة علامة لزيادة ~~رحمة الله تعالى. # قوله تعالى: { وقال لهم خزنتها سلام عليكم ~~طبتم فادخلوها خالدين }؛ قال ابن عباس: (معنى ~~قوله { طبتم } أي طاب لكم المقام)، وقيل: معناه ~~ظفرتم بصالح أعمالكم وكنتم طيبين في الدنيا. وقيل: طابت لكم ~~الجنة فادخلوها خالدين. فلما دخلوها { وقالوا الحمد ~~لله الذي صدقنا وعده } ، أي أنجزنا وعده، { ~~وأورثنا الأرض } ، وأنزلنا أرض الجنة، { نتبوأ من ~~الجنة حيث نشآء }؛ أي نتخذ فيها من المنازل ما نشاء، ~~لقول الله تعالى { فنعم أجر العاملين }؛ أي نعم ثواب ~~العاملين لله في الدنيا الجنة. ### || [39.75] # قوله تعالى: { وترى الملائكة حآفين من حول ~~العرش }؛ أي محدقين حول العرش محيطين به، { يسبحون ~~بحمد ربهم }؛ إجلالا لعظمته، { وقضي بينهم }؛ ~~الخلائق، { بالحق }؛ أي بالعدل ms1828 وانتصف بعضهم من بعض، { وقيل ~~} ، ويقال لهم بعد الفراغ: { الحمد لله رب العالمين }؛ ~~وذلك أن الله تعالى ابتدأ خلق الأشياء بالحمد فقال: # الحمد لله الذي خلق السموت والأرض # [الأنعام: 1] فلما بعث الخلق واستقر أهل الجنة في الجنة، ~~وأهل النار في النار، ختمه بقوله: { الحمد لله رب ~~العالمين }. ### | [40 - سورة غافر] ### || [40.1] # { حم }؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " حم، اسم من أسماء الله تعالى، وهي مفتاح خزائن ~~ربك " # ، وقال ابن عباس: [هو اسم الله الأعظم]. وعن عكرمة قال: (ألر ~~و حم و ن حروف الرحمن مقطعة)، وقيل: (أقسم الله ~~بحملة " عرشه " وملائكته لا يعذب أحدا عاد إليه ~~يقول: لا إله إلا الله مخلصا من قلبه)، وقال عطاء ~~الخراساني: (الحاء: افتتاح أسماء الله: حليم وحميد ~~وحي وحكيم، والميم: افتتاح أسمائه: ملك ومجيد ~~ومنان)، وقال الضحاك: (حم قضى ما هو كائن). ### || [40.2-3] # قوله تعالى: { تنزيل الكتاب من الله العزيز ~~العليم }؛ أي هذه تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم بخلقه، ~~وقرأ حم بفتح الميم؛ أي أتل حميم. قوله تعالى: { غافر ~~الذنب وقابل التوب شديد العقاب }؛ أي غافر الذنب ~~لمن قال لا إله إلا الله، وهم أولياؤه وأهل طاعته، وقابل ~~التوب من الشرك، شديد العقاب لمن مات على الشرك. # والتوب: جمع التوبة، ويجوز أن يكون مصدرا من تاب يتوب ~~توبا، قوله تعالى: { ذي الطول }؛ أي ذي الغنى عمن لا ~~يوحده ولا يقول: لا إله إلا الله. وقال الكلبي: (ذو ~~الفضل على عباده والمان عليهم)، وقال مجاهد: (ذو ~~السعة والغنى). # قوله تعالى: { لا إله إلا هو }؛ أي لا معبود للخلق ~~سواه، { إليه المصير }؛ أي مصير من آمن، ومصير من لم ~~يؤمن، وعن الحسن رضي الله عنه: (أن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه سأل عن بعض إخوانه الذين كانوا بالشام، ~~فقال: ما فعل أخي فلان؟ وقالوا: ذاك أخو الشيطان ~~يخالط أهل الأشرفية وخالف أصحابه. فقال: إذا ~~خرجتم إلى الشام فآذنوني. فلما أرادوا الخروج ~~أعلموه، فكتب: # من عبدالله عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى ~~فلان ms1829 بن فلان. بسم الله الرحمن الرحيم. سلام ~~عليك؛ فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. # أما بعد: فإن الله تعالى قال: { حم * تنزيل ~~الكتاب من الله العزيز العليم * غافر الذنب ~~وقابل التوب شديد العقاب... } إلى قوله { إليه ~~المصير }. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. # فلما جاءه الكتاب قالوا له: اقرأ كتابك أيها ~~الرجل، فلما قرأ { العزيز العليم } قال: عليم ~~بما أصنع، { غافر الذنب } إن استغفرت غفر لي، و { ~~وقابل التوب } إن أنا تبت ليقبل توبتي، { شديد ~~العقاب } إن لم أفعل عاقبني { ذي الطول لا إله ~~إلا هو إليه المصير }. ثم قال: صدق الله ونصح ~~عمر رضي الله عنه، فأقبل بطريقة حسنة إلى أن مات. # فلما بلغ عمر أمره، قال: هكذا فاصنعوا؛ إذا ~~رأيتم أخاكم نزل فشددوه ووفقوه، وادعوا الله ~~له أن يتوب عليه، ولا تكونوا أعوانا للشيطان ~~عليه). ### || [40.4] # قوله تعالى: { ما يجادل في آيات الله إلا ~~الذين كفروا }؛ أي ما يخاصم في آيات الله لتكذيبها والطعن ~~فيها والمراء عليها إلا الذين كفروا، { فلا يغررك ~~تقلبهم في البلاد }؛ بالتجارات وسلامتهم في تصرفاتهم ~~بعد كفرهم، فإن عاقبة أمرهم العذاب كعاقبة من قبلهم من ~~الكفار. وقيل: معناه: فلا يغررك ذهابهم ومجيئهم في الأسفار ~~بالتجارات، فإنهم ليسوا على شيء. ### || [40.5] # قوله تعالى: { كذبت قبلهم }؛ أي قبل قومك، { ~~قوم نوح }؛ وقوله تعالى: { والأحزاب من بعدهم }؛ ~~وهم الذين تحزبوا على أنبيائهم بالتكذيب نحو عاد وثمود؛ أي كذبوا ~~رسلهم كما كذبك قومك، { وهمت كل أمة برسولهم ~~ليأخذوه }؛ فيقتلوه، { وجادلوا بالباطل ليدحضوا ~~به الحق }؛ أي وخاصموا الرسل بالباطل ليبطلوا به الحق ~~الذي جاءت به الرسل، { فأخذتهم } ، بعاقبة الاستئصال، { ~~فكيف كان عقاب }؛ لهم. ### || [40.6] # قوله تعالى: { وكذلك حقت كلمة ربك على ~~الذين كفروا }؛ أي مثل ما حق على الأمم المكذبة حقت ~~كلمة ربك بالعذاب على الذين كفروا من قومك، { أنهم أصحاب ~~النار } ، في الآخرة. ### || [40.7-9] # قوله تعالى: { الذين يحملون العرش ومن حوله ~~}؛ يعني حملة العرش والطائفين به، وهم الكروبيون وهم سادة ~~الملائكة، { يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ms1830 }؛ بأنه ~~واحد لا شريك له، { ويستغفرون للذين آمنوا } ، ~~ويقولون: { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما }؛ أي ~~وسعت رحمتك كل شيء، { فاغفر للذين تابوا }؛ عن ~~الشرك والمعصية، { واتبعوا سبيلك }؛ الطريق الذي دعوتهم ~~إليه، { وقهم } ، وادفع عنهم، { عذاب الجحيم * ربنا ~~وأدخلهم جنات عدن }؛ أي ربنا وأدخلهم بساتين إقامة، ~~{ التي وعدتهم }؛ في الكتب على ألسنة الرسل، وأدخل ~~معهم، { ومن صلح من آبآئهم وأزواجهم ~~وذرياتهم }؛ ونسائهم وأولادهم، { إنك أنت العزيز }؛ ~~في ملكك وسلطانك، { الحكيم }؛ في أمرك وقضائك، { وقهم ~~السيئات }؛ وادفع عنهم عقوبة السيئات، { ومن تق ~~السيئات يومئذ } ومن يدفع عنه عقوبة السيئات، { فقد ~~رحمته وذلك هو الفوز العظيم }؛ أي النجاة الوافرة. # وانتصب قوله { رحمة وعلما } على التمييز، قال ابن عباس: ~~(حملة العرش ما بين كعب أحدهم إلى أسفل قدمه ~~مسيرة خمسمائة عام، ومستقر أرجلهم في الأرض ~~السابعة السفلى، ورؤوسهم تحت العرش، وهم خشوع ~~لا يرفعون أبصارهم، وهم أشد خوفا من أهل ~~السماوات السبع). # وعن الضحاك قال: (لما خلق الله حملة العرش قال ~~لهم: احملوا عرشي، ولم يطيقوا! فخلق مع كل ~~ملك من الأعوان مثل جنود سبع سماوات من ~~الملائكة، وقال لهم: احملوا عرشي، فلم يطيقوا! ~~فخلق مع كل واحد من الأعوان مثل جنود سبع ~~سماوات وأرضين من الملائكة، ومثل من في ~~الأرضين من الخلق، وقال لهم: احملوا عرشي، فلم ~~يطيقوا! فخلق مع كل واحد منهم مثل جنود سبع ~~سماوات وجنود سبع أرضين وعدد ما في الرمل من ~~الحصى والثرى وقال: احملوا عرشي، فلم يطيقوا! ~~فقال: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، فلما ~~قالوها حملوا العرش)، وقال صلى الله عليه وسلم: # " أذن لي أن أتحدث عن ملك من حملة العرش ما ~~بين شحمتي أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام ~~". ### || [40.10] # قوله تعالى: { إن الذين كفروا ينادون لمقت ~~الله أكبر من مقتكم أنفسكم إذ تدعون إلى ~~الإيمان فتكفرون }؛ وذلك أن الكفار لما دخلوا النار ~~مقتوا أنفسهم، ومقت بعضهم بعضا لاشتغالهم في الدنيا بما ~~قادهم إلى النار، فيناديهم مناد: { لمقت الله أكبر } أي ~~مقت الله إياكم ms1831 في الدنيا { إذ تدعون إلى الإيمان ~~فتكفرون } أكبر من مقتكم أنفسكم اليوم. ### || [40.11-12] # قوله تعالى: { قالوا ربنآ أمتنا اثنتين ~~وأحييتنا اثنتين }؛ قال بعضهم: معناه: كنا نطفا في ~~أصلاب آبائنا أمواتا فخلقت فينا الحياة، ثم أمتنا بعد ذلك عند ~~انتهاء آجالنا ثم أحييتنا للبعث، وهذا كقوله تعالى # وكنتم أموتا فأحيكم ثم يميتكم ثم ~~يحييكم # [البقرة: 28]. قالوا هكذا لأنهم كانوا في الدنيا فكذبوا في البعث، ~~فاعترفوا في النار بما كذبوا به، وهو قوله تعالى: { ~~فاعترفنا بذنوبنا }؛ أي بالتكذيب. # وقال بعضهم: أراد بالموت الأولى التي تكون عند قبض الأرواح، ~~وبالموت الثانية التي تكون بعد الإحياء في القبر للسؤال؛ لأنهم ~~أميتوا في الدنيا ثم أحيوا في قبورهم فسئلوا، ثم أميتوا في ~~قبورهم، ثم أحيوا في الآخرة للبعث، فيكون المراد بالإحياء الأول ~~الإحياء في القبر، وبالإحياء الثاني الإحياء للبعث. قوله ~~تعالى: { فاعترفنا بذنوبنا } أي بإنعامك علينا ونفوذ ~~قضائك فينا وتكذيبنا في الدنيا، { فهل إلى خروج من }؛ ~~النار، من، { سبيل } ، طريق فنؤمن بك ونرجع إلى طاعتك؟ # فيجابون: ليس إلى خروج من سبيل، يقال لهم: { ذلكم بأنه ~~إذا دعي الله وحده كفرتم }؛ أي ذلك العذاب في النار ~~والمقت بأنكم إذا قيل لكم في الدنيا: لا إله إلا الله، ~~أنكرتم وكفرتم وقلتم أجعل الآلهة إلها واحدا، { وإن يشرك ~~به }؛ بالله، { تؤمنوا } ، صدقتم، { فالحكم لله ~~العلي }؛ في سلطانه، { الكبير }؛ في عظمته لا يرد ~~حكمه. ### || [40.13-15] # قوله تعالى: { هو الذي يريكم آياته }؛ أي دلائل توحيده ~~ومصنوعاته التي تدل على قدرته من السماء والأرض، والشمس والقمر، ~~والنجوم والسحاب وغير ذلك، { وينزل لكم من السمآء ~~رزقا }؛ يعني المطر الذي يسبب الأرزاق، { وما يتذكر إلا ~~من ينيب }؛ أي ما يتعظ بهذه المصنوعات. وقيل: معناه: وما ~~يتعظ بالقرآن إلا من يرجع إلى دلائل الله فيتدبرها. # ثم أمر المؤمنين بتوحيده فقال: { فادعوا الله مخلصين ~~له الدين }؛ أي مخلصين له الطاعة موحدين، { ولو كره ~~الكافرون }؛ منكم ذلك. # ثم عظم تعالى نفسه فقال: { رفيع الدرجات ذو العرش }؛ ~~أي رافع درجاتكم، والرفيع بمعنى الرافع، والمعنى: أنه يرفع درجات ms1832 ~~الأنبياء والأولياء في الجنة. قوله تعالى: { ذو العرش } ~~أي خالقه ومالكه، { يلقي الروح من أمره } ، أي ينزل ~~الوحي، { على من يشآء من عباده }؛ أي على من يختص ~~بالنبوة والرسالة، { لينذر }؛ ذلك النبي الموحى إليه، { يوم ~~التلاق }؛ أي يوم القيامة، وسمي يوم التلاق؛ لأنه يلتقي فيه ~~أهل السماوات والأرض، والمؤمنون والكافرون والظالمون والمظلومون، ~~ويلتقي المرء فيه بعمله، وقرأ الحسن: ( { لتنذر } بالتاء (يا ~~محمد يوم التلاق) أي لتخوف فيه)، وقرأ العامة ~~بالياء، أي لينذر الله. ### || [40.16] # قوله تعالى: { يوم هم بارزون }؛ أي يوم هم خارجون من ~~مواضعهم من الأرض والبحار وحواصل الطير وبطون السباع، { لا ~~يخفى على الله منهم }؛ ولا من أعمالهم، { شيء }؛ ~~ومحله رفع بالابتداء، و { بارزون } خبره. # ويقول الله في ذلك اليوم: { لمن الملك اليوم }؛ فيقول ~~الخلق كلهم: { لله الواحد القهار }؛ وقال الحسن: (هو ~~السائل والمجيب؛ لأنه يقول ذلك حين لا أحد ~~يجيبه، فيجيب نفسه). # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " الحمد لله الذي تصرف بالقدرة وقهر العباد ~~بالموت، نظر الله إليه، ومن ينظر إليه لم ~~يعذبه، واستغفر له كل ملك في السماء، وكل ~~ملك في الأرض ". ### || [40.17] # قوله تعالى: { اليوم تجزى كل نفس بما كسبت ~~}؛ أي تجزى كل نفس بعملها، المحسن بإحسانه، والمسيء ~~بإساءته، { لا ظلم اليوم }؛ من أحد إلى أحد، { إن ~~الله سريع الحساب }؛ يحاسبهم جميعا في ساعة واحدة، يظن ~~كل واحد أنه المجاب دون غيره. ### || [40.18] # قوله تعالى: { وأنذرهم يوم الأزفة }؛ أي حذرهم ~~يوم القيامة؛ والمعنى: يا محمد أنذر أهل مكة يوم الآزفة، ~~يعني القيامة، سميت القيامة آزفة من الأزف: وهو الأمر إذا ~~قرب، والقيامة آزفة لسرعة مجيئها. قال الزجاج: (قيل ~~لها: آزفة لأنها قريبة وإن استبعدها الناس، ~~وكل آت فهو قريب)، { إذ القلوب لدى الحناجر ~~كاظمين }؛ أي تزول القلوب من مواضعها من الخوف، فتشخص صدورهم ~~حتى يبلغ حاجزهم في الحلوق، فلا هي تعود إلى أماكنها ولا هي تخرج ~~من أفواههم فيموتوا فيستريحوا. # وذلك أن القلب بين فلقتي الرئة، فإذا انتفخت الرئة عند ~~الفزع ms1833 رفعت القلب حتى يبلغ الحنجرة، فيلصق بالحنجرة فلا يقدر ~~صاحبه على أن يرده إلى مكانه، ولا على أن يلفظ به فيستريح. ~~ونظيره قوله تعالى: # وبلغت القلوب الحناجر # [الأحزاب: 10]، وقوله تعالى: # فلولا إذا بلغت الحلقوم # [الواقعة: 83] وقوله تعالى # وأفئدتهم هوآء # [إبراهيم: 43] وقوله تعالى: # إذا بلغت التراقي # [القيامة: 26]. # وقوله تعالى: { كاظمين } أي مغمومين مكروبين ممتلئين ~~غما وخوفا وحزنا، يعني أصحاب القلوب يتردد حزنهم ~~وحسراتهم في أجوافهم، والكاظم: هو الممتليء أسفا وغيظا، ~~والكظم تردد الغيظ والحزن والخوف في القلب حتى يضيق به، نصب ~~(كاظمين) على الحال، قوله تعالى: { ما للظالمين من ~~حميم ولا شفيع يطاع }؛ أي ما لهم من قريب ينفعهم ولا ~~شفيع يطاع الشفيع فيهم فتقبل شفاعته. ### || [40.19] # قوله تعالى: { يعلم خآئنة الأعين }؛ أي خيانتها وهي ~~مسارقة النظر إلى ما لا يحل، قال ابن عباس: (خائنة ~~الأعين: هو الرجل يكون جالسا مع القوم، فتمر ~~المرأة فيسارقهم النظر إليها). وقال قتادة: (هي ~~همزه بعينه وإغماضه فيما لا يحب الله). ويجوز أن ~~يكون المراد به: يعلم العين الخائنة؛ أي يجازي بخائنة الأعين، ~~فكيف بما فوقها، كما قال في آية أخرى # إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان ~~عنه مسؤولا # [الاسراء: 36]. # وفي الحديث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي ~~رضي الله عنه: # " لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى ~~وعليك الثانية " # ، يعني بأن الأولى إذا وقع نظر إلى موضع لا يجوز له النظر إليه ~~لا عن تعمد منه، فإنه لا يكون إثما في ذلك، وإنما يأثم إذا عاد ~~بالنظر ثانية. وقوله تعالى: { وما تخفي الصدور }؛ أي ويعلم ~~ما تضمر الصدور عند خائنة الأعين، ويعلم ما تسر القلوب من ~~المعصية. ### || [40.20] # قوله تعالى: { والله يقضي بالحق }؛ أي يحكم بالقسط ~~والعدل، لا يمنع أحدا من ثواب عمله، ولا يعاقبه على ذنب لا ~~يكتسبه، بل يجزي بالحسنة والسيئة، قوله تعالى: { والذين ~~يدعون من دونه لا يقضون بشيء }؛ معناه: والذين تدعون ~~من دون الله من الأصنام لا ينفعون من أطاعهم، ولا يضرون من ~~عصاهم ولا يجازون ms1834 أحدا؛ لأنهم لا يعلمون ولا يقدرون. # قرأ نافع (والذين تدعون) بالتاء، وقرأ الباقون بالياء، { ~~إن الله هو السميع }؛ لمقالتهم، { البصير }؛ بهم ~~وأعمالهم. ### || [40.21-22] # الآية ظاهرة المعنى. وقوله تعالى: { وما كان لهم من الله ~~من واق } أي ما كان لهم من عذاب الله من واق يقي العذاب عنهم. ### || [40.23-24] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا موسى بآياتنا }؛ يعني ~~الآيات التسع، { وسلطان مبين }؛ أي حجة ظاهرة، { إلى ~~فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب }؛ أي ~~كثير الكذب، وخص فرعون وهامان وقارون بالكذب؛ لأنهم كانوا هم ~~المتبوعين، وفي ذكر المتبوعين ذكر التابعين. ### || [40.25] # قوله تعالى: { فلما جآءهم بالحق من عندنا ~~قالوا اقتلوا أبنآء الذين آمنوا معه ~~واستحيوا نسآءهم }؛ أي استبقوا النساء للخدمة، وذلك أن ~~فرعون كان قد أخبر أنه يولد من بني إسرائيل مولود يذهب ملكه ~~على يديه، فأمر بقتل أبنائهم واستبقاء نسائهم، فلما جاءهم موسى ~~عليه السلام بالحق، أمر بإعادة ذلك القتل عليهم كيلا يبلغ ~~الأبناء فيعينوه عليهم. قوله تعالى: { وما كيد ~~الكافرين إلا في ضلال }؛ أي يذهب كيدهم باطلا، ويحيق ~~بهم ما كانوا يكيدون. ### || [40.26] # قوله تعالى: { وقال فرعون ذروني أقتل موسى }؛ ~~وذلك أن قوم فرعون قالوا له: أرجئه وأخاه ولا تقتلهما، فإنك ~~إن قتلتهما قبل ظهور حجتنا عليهما وقعت للناس الشبهة في ~~أنهما كانا على الحق، فقال فرعون: دعوني أقتل موسى، { ~~وليدع ربه }؛ حتى يدفع ذلك القتل عنه. # ثم بين لأي معنى يقتله فقال: { إني أخاف أن يبدل ~~دينكم }؛ يعني يبدل عبادتكم إياي، { أو أن يظهر في ~~الأرض الفساد }؛ وأراد ظهور الهدى وتغير أحكام فرعون ~~فجعل ذلك فسادا. # قرأ الكوفيون ويعقوب: (أو أن يظهر) بالألف، وقرأ نافع وأبو ~~عمرو: (ويظهر) بضم الياء وكسر الهاء، ونصب (الفساد)، وقرأ ~~الباقون بفتح الياء والهاء ورفع (الفساد)، واختار أبو عبيد ~~قراءة نافع وأبو عمرو، ولأنها أشبه بما قبلها لإسناد الفعل إلى ~~موسى وعطفه على بدله. ### || [40.27] # قوله تعالى: { وقال موسى إني عذت بربي ~~وربكم }؛ أي لما توعد موسى بالقتل قال موسى: إني عذت ~~بربي وربكم، { من كل ms1835 متكبر لا يؤمن بيوم ~~الحساب } ، متعظم عن الإيمان وعن قبول الحق لا يصدق ~~بيوم القيامة، استعاذ موسى بالله ممن أراد به سوء. ### || [40.28] # قوله تعالى: { وقال رجل مؤمن من آل فرعون ~~يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ~~وقد جآءكم بالبينات من ربكم }؛ اختلفوا في هذا ~~المؤمن، فقال بعضهم: كان قبطيا من آل فرعون، غير إنه كان آمن ~~بموسى وكان يكتم إيمانه من فرعون وقومه خوفا على نفسه. # وقال مقاتل والسدي: (كان ابن عم فرعون)، وهو الذي ~~حكى الله عنه # وجآء رجل من أقصى المدينة يسعى # [القصص: 20]، وهذا هو الأشير وكان اسمه حزقيل، وقيل: حزبيل. ~~وقال بعضهم كان إسرائيليا، وتقدير الآية: وقال رجل مؤمن يكتم ~~إيمانه من آل فرعون. # وقوله تعالى: { أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله } ~~أي لأن يقول ربي الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم بما يدل ~~على صدقه من المعجزات، { وإن يك كاذبا فعليه كذبه }؛ لا ~~يضركم ذلك، { وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي ~~يعدكم }؛ أي يصبكم كل الذي يعدكم من العذاب إن قتلتموه ~~وهو صادق. # والمراد بالبعض الكل في هذه الآية، وقال الليث: (بعض ها هنا ~~زائدة؛ أي يصبكم الذي يعدكم)، وقال أهل المعاني: هذا ~~على المظاهرة في الحجاج، كأنه قال لهم: أقل ما يكون في ~~صدقه أن يصبكم بعض الذي يعدكم وفي بعض ذلك هلاككم)، فذكر ~~البعض ليوجب الكل، ويدل على ذكر البعض بمعنى الكل، قال لبيد: # تراك أمكنة إذا لم أرضها # أو يعتلق بعض النفوس حمامها # أراد كل النفوس، ومثل قول الآخر. # قد يدرك المتأني بعض حاجته # وقد يكون مع المستعجل الزلل # وقوله تعالى: { إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ~~}؛ أي لا يهديه في الآخرة إلى جنته وثوابه. والمسرف هو ~~المتجاوز عن الحد في المعصية. ### || [40.29] # قوله تعالى: { يقوم لكم الملك اليوم ظاهرين ~~في الأرض }؛ أي قال لهم الرجل المؤمن على وجه النصيحة لهم: ~~{ يقوم لكم الملك اليوم ظاهرين } أي غالبين ~~مستعلين في أرض مصر، { فمن ينصرنا من بأس الله إن ms1836 ~~جآءنا }؛ أي فمن يمنعنا من عذاب الله إن جاءنا، { قال ~~فرعون مآ أريكم إلا مآ أرى }؛ أي ما أشير عليكم ~~إلا ما أراه حقا من الصواب في أمر موسى، { ومآ أهديكم ~~إلا سبيل الرشاد }؛ أي ما أعرفكم إلا طريق الهدى. ### || [40.30-31] # قوله تعالى: { وقال الذي آمن يقوم إني أخاف ~~عليكم مثل يوم الأحزاب }؛ معناه: وقال لهم الرجل ~~المؤمن: إني أخاف عليكم في قتله وترك الإيمان به أن ينزل ~~بكم من العذاب، { مثل دأب }؛ مثلما نزل بالأمم الماضية ~~قبلكم حين كذبوا رسلهم، { قوم نوح وعاد وثمود ~~والذين من بعدهم }. وقوله تعالى: { وما الله يريد ~~ظلما للعباد }؛ أي لا يعاقب أحدا بلا جرم. ### || [40.32] # قوله تعالى: { ويقوم إني أخاف عليكم يوم ~~التناد }؛ يعني يوم القيامة ينادى فيه كل أناس بإمامهم، ~~وينادي فيه أهل النار أهل الجنة، وأهل الجنة أهل النار، وينادى فيه ~~بسعادة السعداء وشقاوة الأشقياء، وأصله: يوم التنادي ~~بإثبات الياء كما في التناجي والتقاضي، إلا أن الياء حذفت ~~منه كما حذف من قوله تعالى # يوم يدع الداع # [القمر: 6] وشبه ذلك. # وقيل: سمي يوم التنادي لأن الكفار ينادون فيه على ~~أنفسهم بالويل والثبور، كما قال تعالى: # لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا ~~كثيرا # [الفرقان: 14]، وقيل في معنى ذلك: أنه ينادي المنادي ألا أن ~~فلان بن فلان سعد سعادة لا شقاوة بعدها أبدا، وينادي: إلا إن ~~فلان بن فلان شقي شقاوة لا سعادة بعدها أبدا. # وقرأ الحسن: (يوم التنادي) بإثبات الياء على الأصل. وقرأ ابن ~~عباس: (يوم التنادي) بتشديد الدال على معنى يوم التنافر، ~~وذلك إذا هربوا فندوا في الأرض كما يند الإبل إذا شردت على ~~أصحابها. # قال الضحاك: (إذا سمعوا بزفير النار نادوا هربا، فلا ~~يأتوه قطرا من الأقطار إلا وجدوا ملائكة صفوفا، ~~فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك ~~قوله تعالى { يوم التناد } ، وقوله تعالى: # إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموت ~~والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان # [الرحمن: 33]. ### || [40.33] # قوله تعالى: { يوم تولون مدبرين }؛ أي منصرفين عن ~~موقف الحساب ms1837 إلى النار، { ما لكم من الله من عاصم }؛ أي ~~مانع يمنعكم من عذابه، { ومن يضلل الله فما له من ~~هاد }. ### || [40.34] # قوله تعالى: { ولقد جآءكم يوسف من قبل ~~بالبينات }؛ أي جاءكم يوسف بن يعقوب من قبل موسى ~~بالدلالات ظاهرة على وحدانية الله تعالى # ءأرباب متفرقون خير أم الله الواحد ~~القهار # [يوسف: 39]. وقيل: معنى قوله { من قبل } أي من قبل ~~المؤمن. # وقوله تعالى: { فما زلتم في شك مما جآءكم به }؛ ~~أي في شك من عبادة الله وحده، { حتى إذا هلك } ، حتى إذا ~~مات، { قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا }؛ يأمرنا ~~وينهانا، { كذلك يضل الله من هو مسرف }؛ هكذا ~~يهلك الله من هو متجاوز عن الحد، { مرتاب }؛ أي شاك في ~~توحيد الله وصدق أنبيائه. ### || [40.35] # قوله تعالى: { الذين يجادلون في آيات الله ~~بغير سلطان أتاهم }؛ قال الزجاج: (هذا تفسير ~~المسرف المرتاب) على معنى هم الذين يجادلون في آيات الله ~~بغير سلطان بالإبطال والتكذيب والطعن بغير حجة أتتهم، { ~~كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا }؛ أي عظم ~~جدالهم بغضا وسخطا عند الله وعند الذين آمنوا، { كذلك ~~يطبع الله }؛ أي هكذا يختم الله بالكفر، { على كل ~~قلب متكبر }؛ عن الإيمان، { جبار }؛ للناس على " ما " ~~يريد. # قال ابن عباس: (يختم على قلوبهم فلا يسمعون ~~الهدى ولا يعقلون الرشاد) وقرئ (على كل قلب) ~~بالتنوين، وقال الزجاج: (الوجه الإضافة لأن المتكبر ~~هو الإنسان). ### || [40.36-37] # قوله تعالى: { وقال فرعون يهامان ابن لي صرحا ~~}؛ أي قال لوزيره هامان: ابن لي قصرا منيفا مشيدا ~~بالآجر، قال في موضع آخر: # فأوقد لي يهامان على الطين فاجعل لي صرحا # [القصص: 38] وكان هامان هو أول من استعمل الآجر لبناء ~~الصرح، ولكن كره بناء القبور بالآجر. # قوله تعالى: { لعلي أبلغ الأسباب * أسباب ~~السموت }؛ الطريق للسماوات، والسبب في الحقيقة: كل ما ~~يوصلك إلى الشيء، ولذلك سمي الجبل سببا. وقال بعضهم: أسباب ~~السماوات طبقاتها. # قوله تعالى: { فأطلع إلى إله موسى }؛ ظن ~~فرعون بجهله أن إله موسى مما يرقى إليه، قوله تعالى: { وإني ~~لأظنه كاذبا } ، أي ms1838 إني لأظن موسى كاذبا فيما يقول إن له ~~ربا في السماء، ولما قال موسى: رب السماوات، فظن فرعون ~~بجهله واعتقاده الباطل أنه لما لم ير في الأرض أنه في السماء، ~~فرام الصعود إلى السماء لرؤية إله موسى. وقيل: معناه: وإني لأظن ~~موسى كاذبا فيما يقول أن له ربا غيري أرسله إلينا. # وقرأ الأعرج (فأطلع إلى إله موسى) بنصب العين على جواب ~~(لعلي) بالفاء على معنى إني إذا بلغت اطلعت، وقرأه العامة ~~(فأطلع) عطفا على قوله تعالى: { وكذلك زين لفرعون ~~سوء عمله }؛ أي كذا حسن له قبح عمله، زين له الشيطان ~~جهله، ومن قرأ (زين) بفتح الزاي على أن المعاصي يدعو بعضها ~~إلى بعض. # وقوله تعالى: { وصد عن السبيل }؛ أي صد غيره عن الهدى، ~~ويحتمل أنه صد عن السبيل بنفسه، و { صد } بضم الصاد أي منع عن ~~سبيل الحق، { وما كيد فرعون إلا في تباب }؛ أي في ~~خسار وهلاك. ### || [40.38-39] # قوله تعالى: { وقال الذي آمن يقوم اتبعون ~~أهدكم سبيل الرشاد }؛ أي قال الرجل المؤمن من آل فرعون: ~~يا قوم اتبعوني على ديني أحملكم على طريق السداد والهدى، { ~~يقوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع }؛ أي مشقة ~~يسيرة تنقطع، { وإن الآخرة هي دار القرار }؛ فلا تزول ~~أي هي المحل الذي يقع فيه الاستقرار. ### || [40.40] # قوله تعالى: { من عمل سيئة } ، يعني الشرك، { ~~فلا يجزى إلا مثلها }؛ فلا يجزى إلا مثلها في العظم، ~~معنى النار، { ومن عمل صالحا }؛ أي طاعة، { من ذكر أو ~~أنثى وهو مؤمن }؛ مخلص، قال ابن عباس: (يعني قول ~~لا إله إلا الله) { فأولئك يدخلون الجنة ~~يرزقون فيها بغير حساب }؛ أي بما لا يعرف له مقدار. ### || [40.41-42] # قوله تعالى: { ويقوم ما لي أدعوكم إلى ~~النجاة وتدعونني إلى النار }؛ أي قال لهم الرجل ~~المؤمن: يا قوم ما لي أدعوكم إلى سبب النجاة، { وتدعونني ~~لأكفر بالله } ، وتدعونني إلى عمل أهل النار وهو الشرك. ~~وقوله تعالى: { وأشرك به ما ليس لي به علم }؛ أي من لا ~~أعرف له ربوبيته، { وأنا أدعوكم إلى العزيز }؛ أي ~~الغالب ms1839 المنتقم ممن عصاه، { الغفار }؛ لمن تاب وآمن. ### || [40.43] # قوله تعالى: { لا جرم أنما تدعونني إليه ~~ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة }؛ يعني قوله { ~~لا جرم } أي حقا أن ما تدعونني إليه من المعبودين دون الله ~~ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة، قال السدي: (معناه: لا ~~يستجيب لأحد في الدنيا ولا في الآخرة)، والتقدير: ~~ليس له استجابة دعوة. قوله تعالى: { وأن مردنآ إلى ~~الله }؛ أي وإن مرجعنا إليه في الآخرة، يفصل بين المحق ~~والمبطل، { وأن المسرفين }؛ أي وإن المتجاوزين عن ~~الحد في الكفر وسفك الدماء بغير الحق، { هم أصحاب ~~النار }. ### || [40.44] # قوله تعالى: { فستذكرون مآ أقول لكم }؛ أي ~~فستذكرون هذا الذي أقول لكم في الدنيا من النصيحة إذا نزل بكم ~~العذاب في الآخرة، في حين لا ينفعكم الذكر عليه، { وأفوض ~~أمري إلى الله }؛ أي وأترك أمر نفسي إلى الله فأثق به ولا ~~أشتغل بكم، { إن الله بصير بالعباد }؛ أي بأوليائه ~~وأعدائه. ### || [40.45-46] # قوله تعالى: { فوقاه الله سيئات ما مكروا }؛ ~~وذلك أن فرعون أراد أن يقتله فهرب منهم، فلم يقدروا عليه، ~~ودفع الله عنه غائلة مكرهم، { وحاق بآل فرعون سوء ~~العذاب }؛ أي نزل بفرعون وقومه أشد العذاب، قال الكلبي: ~~(غرقوا في البحر ودخلوا النار) والمعنى: وحاق بآل فرعون ~~سوء العذاب، في الدنيا الغرق، وفي الآخرة النار، فذلك قوله ~~تعالى: { النار يعرضون عليها غدوا وعشيا }؛ ~~ارتفاع (النار) على البدل من { سوء العذاب }. # قوله تعالى: { يعرضون عليها غدوا وعشيا } أي ~~صباحا ومساء، يقال لهم: يا آل فرعون هذه منازلكم، توبيخا ~~ونقمة، قال ابن مسعود: (إن أرواح آل فرعون في أجواف ~~طير سود يعرضون على النار كل يوم مرتين)، وعن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة ~~والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن " أهل " ~~الجنة، وإن كان من أهل النار فمن " أهل " النار، ~~يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة ~~". # وقوله تعالى: { ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل ~~فرعون أشد العذاب ms1840 } قرأ نافع والكوفيون بقطع الألف ~~وكسر الخاء؛ أي يقال للملائكة: أدخلوا آل فرعون أشد العذاب، وهو ~~الدرك الأسفل من النار، وقرأ الباقون بضم الخاء ووصل الألف على ~~الأمر لهم بالدخول. ### || [40.47] # قوله تعالى: { وإذ يتحآجون في النار فيقول ~~الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا ~~فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار }؛ أي واذكر ~~يا محمد لقومك: إذ يختصم أهل النار في النار، وباقي الآية ~~مفسر في سورة إبراهيم عليه السلام. ### || [40.48-50] # قوله تعالى: { قال الذين استكبروا إنا كل فيهآ }؛ ~~أي إنا نحن وأنتم قد استوينا في العذاب، { إن الله قد حكم ~~بين العباد }؛ أي قضى بهذا علينا وعليكم وحكم أن لا يتحمل ~~أحد عذاب أحد. # فلما رأوا شدة العذاب، { وقال الذين في النار } ، قالوا، { ~~لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من ~~العذاب }؛ أي يهون عنا العذاب قدر يوم من أيام الدنيا، { ~~قالوا } ، فيقول الزبانية: { أولم تك تأتيكم رسلكم ~~بالبينات }؛ أي بالدلالات الظاهرة على وحدانية الله، { ~~قالوا بلى } ، فيقولون: بلى قد أتتنا الرسل، { قالوا } ، ~~فتقول لهم الزبانية: { فادعوا } ، أنتم فإن الله تعالى لم ~~يأذن لنا في الدنيا، { وما دعاء الكافرين إلا في ~~ضلال }؛ أي في ضياع لا ينفعهم. ### || [40.51-52] # قوله تعالى: { إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا ~~في الحياة الدنيا }؛ أي إنا لنعين الرسل والمؤمنين على ~~أعدائهم في الدنيا بالاستعلاء عليهم بالحجة وبالغلبة عليهم في ~~المحاربة، ونعينهم، { ويوم يقوم الأشهاد }؛ بإعلاء ~~كلمتهم وإظهار منزلتهم، والمعنى: ويوم القيامة تقوم الحفظة من ~~الملائكة يشهدون للرسل بالتبليغ، وعلى الكفار بالتكذيب. # وواحد الأشهاد: شاهد، مثل صاحب وأصحاب، وطائر وأطيار، ~~والمراد من الأشهاد الأنبياء والملائكة والمؤمنون والجوارح ~~والمكان والزمان، يشهدون بالحق لأهله، وعلى المبطل بفعله، { ~~يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم }؛ أي إن اعتذروا من ~~كفرهم لم يقبل منهم، وإن تابوا لم تنفعهم التوبة، { ولهم ~~اللعنة }؛ أي البعد من الرحمة، { ولهم سوء الدار }؛ ~~يعني جهنم سوء المنقلب. ### || [40.53-55] # قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الهدى }؛ من ~~الضلالة يعني التوبة، وقيل: معناه: ولقد أعطينا موسى الدين ~~المستقيم، { وأورثنا ms1841 بني إسرائيل الكتاب } ، ونزلنا ~~على بني إسرائيل التوراة والإنجيل والزبور، { هدى وذكرى ~~لأولي الألباب } ، هدى من الضلالة وعظة لذوي العقول، { ~~فاصبر } ، يا محمد على أذى الكفار كما صبر الرسل قبلك، ~~{ إن وعد الله حق } ، في نصرتك وإظهار دينك صدق ~~كائن، { واستغفر لذنبك }؛ يعني الصغائر؛ لأن أحدا من البشر ~~لا يخلو من الصغائر وإن عصم من الكبائر. # وقيل: معناه: واستغفر لذنوب أمتك، { وسبح بحمد ~~ربك }؛ أي نزهه عن كل صفة لا تليق به، واحمده على كل ~~نعمة. ويجوز أن يكون المراد بالتسبيح في الآية من قوله: { ~~بالعشي }؛ الصلوات الخمس وقت ما بعد الزوال إلى وقت العشاء ~~الآخرة، ومن قوله: { والإبكار }؛ صلاة الفجر. والمعنى: صل ~~لربك شاكرا لربك بالعشي والإبكار. ### || [40.56] # قوله تعالى: { إن الذين يجادلون في آيات الله ~~بغير سلطان أتاهم }؛ وذلك أن اليهود كانوا يجادلون في ~~النبي صلى الله عليه وسلم في رفع القرآن، وكانوا يقولون له: صاحبنا ~~المسيح بن داود، يعنون الدجال يخرج في آخر الزمان فيبلغ سلطان ~~البر والبحر، ويرد الملك إلينا وتسير معه الأنهار، وهو ~~آية من آيات الله! ويعظمون أمر الدجال، فأنزل الله هذه الآية. # ومعناه: إن الذين يخاصمون بغير حجة أتتهم، { إن في ~~صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه فاستعذ بالله ~~}؛ أي ما في قلوبهم إلا عظمة عن قبول الحق لحسدهم، ما هم ~~ببالغي تلك العظمة التي في قلوبهم لأن الله تعالى مذلهم، فلا ~~يصلون إلى دفع من آيات الله. # قال ابن عباس: (والمعنى: ما يحملهم على تكذيبك ~~إلا ما في صدورهم من العظمة ما هم ببالغي مقتضى ~~ذلك الكبر لأن الله مذلهم). وقال ابن قتيبة: (إن في ~~صدورهم إلا تكبر على محمد، وطمع أن يصلوه ~~وما هم ببالغي ذلك، فاستعذ بالله يا محمد من ~~الكبر ومن شر اليهود ومن شر الدجال ومن ~~كل ما تجب الاستعاذة منه)، وقوله تعالى: { إنه هو ~~السميع البصير }؛ بهم وبأعمالهم. ### || [40.57] # قوله تعالى: { لخلق السموت والأرض أكبر من خلق ~~الناس }؛ أي هذا أكبر من خلق بغير عمد وجريان الأفلاك ms1842 بالكواكب ~~فيه أعظم في النفس وأهول في الصدر من خلق الناس، { ولكن ~~أكثر الناس }؛ الكفار، { لا يعلمون }؛ حين لا يستدلون ~~بذلك على توحيد خالقهما وقدرته على ما هو أعظم من خلق الدجال، ~~وعلى أن يمنع المسلمين من غلبته عليهم. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن قبل خروج الدجال ثلاث سنين، أول سنة ~~تمسك السماء ثلث قطرها والأرض ثلث نباتها، ~~والثانية تمسك ثلثي قطرها والأرض ثلثي ~~نباتها، وفي السنة الثالثة تمسك السماء ما ~~فيها والأرض وما فيها، ويهلك كل ذات ظلف ~~وضرس ". # وعن أبي أمامة الباهلي قال: # " خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فكان ~~أكثر خطبته أن يحدثنا عن الدجال ويحذرنا، ~~فكان من قوله: " أيها الناس؛ إنه لم تكن فتنة ~~في الأرض أعظم من فتنة الدجال، إن الله تعالى ~~لم يبعث نبيا إلا حذر أمته منه، وأنا آخر ~~الأنبياء وأنتم آخر الأمم، وهو خارج فيكم لا ~~محالة، فإن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيج كل ~~مسلم، وإن يخرج بعدي فكل امرئ حجيج نفسه، ~~والله تعالى خليفتي على كل مسلم. # أنه يخرج بين جبلين بين العراق والشام ~~يعيث يمينا ويعيث شمالا، فيا عباد الله اثبتوا، ~~فإنه يبدأ فيقول: أنا نبي ولا نبي بعدي! ثم ~~يثني ويقول: أنا ربكم! ولن تروا ربكم حتى ~~تموتوا، وإنه أعور وليس ربكم بأعور، وإنه ~~مكتوب بين عينيه: كافر، يقرؤه كل مؤمن، ~~فمن لقيه منكم فليتفل في وجهه. # وإن من فتنته أن معه جنة ونار، فناره جنة ~~وجنته نار، فمن ابتلي بناره فليقرأ فواتح ~~سورة الكهف ويستغيث بالله، فتكون عليه بردا ~~وسلاما، وإن من فتنته أن معه شياطين يتمثل ~~كل واحد منهم على صورة إنسان، فيأتي الأعرابي ~~فيقول له: إذا بعثت أباك وأمك وأهلك تشهد أني ~~ربك؟ فيقول: نعم، فيتمثل له شياطينه على ~~صوت أبيه وأمه، فيقولان له: يا بني اتبعه ~~فإنه ربك، ومن فتنته أن يسلط على نفس ~~فيقتلها، ثم يحييها الله بعد ذلك، فيقول ~~الدجال: انظروا إلى عبدي هذا، فإني ms1843 بعثته الآن ~~ويزعم أن له ربا غيري " ". # قال مقاتل: (إن الرجل الذي يسلط عليه الدجال ~~رجل من جشعم، فيقتله ثم يبعثه الله تعالى، ~~فيقول له الدجال: من ربك؟ فيقول: الله ربي ~~وإنك الدجال عدو الله). # [وإن من فتنته يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت ~~لك أبيك وأمك أتشهد أني ربك؟ فيقول: نعم، ~~فيتمثل له شياطينه على صورة أبيه وأمه. وإن ~~أيامه أربعين يوما، فيوم كالسنة، ويوم دون ~~ذلك، ويوم كالشهر، ويوم دون ذلك، ويوم ~~كالجمعة، ويوم دون ذلك، وآخر أيامه كالشرفة، ~~فيصبح الرجل بباب المدينة فلا يبلغ بابها حتى ~~تغرب الشمس]. # " قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف نصلي في ~~تلك الأيام القصار؟ قال: " تقدرون فيها كما ~~تقدرون في هذه الأيام الطوال، فلا يبقى شيء ~~من الأرض إلا وطئه الرجل وغلب عليه، إلا ~~مكة والمدينة فإنه لا يأتيهما، ويكون إمام ~~الناس يومئذ بالمدينة رجلا صالحا، فيقال له: ~~صل الصبح، فإذا كبر ودخل في الصلاة ونزل عيسى ~~عليه السلام، فإذا رآه ذلك الرجل عرفه فيتأخر ~~ليتقدم عيسى، فيضع عيسى يده بين كتفيه ~~ويقول له: صل قائما، أقيمت لك الصلاة. # فيصلي عيسى وراءه ثم يقول: افتحوا الباب، ~~فيفتح باب المدينة، ومع الدجال يومئذ سبعون ~~ألف يهودي كلهم ذوو سلاح وسيف محلا، فإذا ~~نظر الدجال إلى عيسى ذاب كما ذاب الرصاص من النار ~~والملح في الماء، فيقول له عيسى: إن لي فيك ~~ضربة لن تفوتني بها، فيدركه عند باب كذا ~~الشرقي وهو باب قتيلة، فلا يبقى شيء مما ~~خلق الله يتوارى به يهودي إلا أنطق الله ذلك ~~الشيء، فلا شجر ولا حجر ولا دابة إلا قالت: يا ~~عبد الله المسلم هذا كافر فاقتله. # ويكون عيسى عليه السلام حكما عدلا وإماما مقسطا، ~~فيدق الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية، ~~وترفع الشحناء والتباغض، وترفع حمة كل ~~دابة حتى يدخل الصبي يده فم الحنش فلا ~~يضره، ويلقى الإنسان الأسد فلا يضره، ويكون ~~الأسد في الإبل كأنه كلبها، ويكون الذئب في ~~الغنم كأنه كلبها، ويملأ الأرض إسلاما، ms1844 ويسلب ~~الكفار ملكهم، ولا يكون الملك إلا للمسلمين، ~~ويبارك في الأرزاق حتى أن النفر يجتمعون على ~~رمانة واحدة، ويكون الفرس بدرهمين " # وبالله التوفيق). ### || [40.58-59] # قوله تعالى: { وما يستوي الأعمى والبصير ~~والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء }؛ أي ~~فكما لا يستويان فكذلك لا يستوي المؤمن والكافر في الآخرة في ~~الجزاء بالعذاب والنعيم، وباقي الآيتين: { قليلا ما ~~تتذكرون * إن الساعة لآتية لا ريب فيها ~~ولكن أكثر الناس لا يؤمنون } ظاهر المعنى. ### || [40.60] # قوله تعالى: { وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ~~}؛ أدعوني ووحدوني في الدنيا أقبل منكم وأستمع دعاءكم، { ~~إن الذين يستكبرون عن عبادتي }؛ إن الذين ~~يتعظمون عن طاعتي وعن المسألة مني، { سيدخلون جهنم ~~داخرين }؛ أي صاغرون ذليلون، والداخر: هو الذليل الصاغر، ~~قال حسان: # قتلنا من وجدنا يوم بدر # وجئنا بالأسارى داخرا # قرأ ابن كثير (سيدخلون) بضم الياء وفتح الخاء. ### || [40.61-63] # قوله تعالى: { الله الذي جعل لكم الليل ~~لتسكنوا فيه والنهار مبصرا }؛ أي تبصرون فيه لطلب ~~المعاش، { إن الله لذو فضل على الناس ولكن ~~أكثر الناس لا يشكرون }؛ نعم الله، { ذلكم ~~الله ربكم خلق كل شيء }؛ ومبتدعه، لا معبود ~~سواه، فلا ينبغي لأحد أن يدعو مخلوقا مثله، { لا إله ~~إلا هو فأنى تؤفكون }؛ وقد تقدم تفسير ذلك، { ~~كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون }؛ ~~أي هكذا كان لمصرف القوم الذين كانوا بدلائل الله يجحدون. ### || [40.64-65] # قوله تعالى: { الله الذي جعل لكم الأرض ~~قرارا }؛ أي مستقرا للأحياء والأموات، كما قال: # فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون # [الأعراف: 25] { والسمآء بنآء }؛ أي وجعل السماء سقفا ~~مرفوعا فوق كل شيء، { وصوركم فأحسن صوركم }؛ أي ~~خلقكم فأحسن خلقكم. # قال ابن عباس: (خلق الله ابن آدم قائما معتدلا ~~يأكل بيده، ويتناول بيده وكل ما خلق الله ~~يتناول بفيه). وقال الزجاج: (خلقكم أحسن الحيوان ~~كله)، { ورزقكم من الطيبات }؛ أي من لذيذ ~~الأطعمة وكريم الأغذية. # وقوله تعالى: { ذلكم الله ربكم }؛ أي الذي فعل ذلك ~~كله هو ربكم فاشكروه، { فتبارك الله رب العالمين ~~}؛ أي فتعالى الله دائم الوجود لم يزل ولا يزال رب ms1845 كل ذي روح ~~من الجن والإنس وغيرها، { هو الحي لا إله إلا هو }؛ ~~بلا أول ولا آخر، لم يزل، كان حيا ولا يزال حيا، منزه ~~عن كل آفات، وليس أحد غيره من الأحياء بهذه الصفات، لا مستحق ~~للإلهية غيره، { فادعوه مخلصين له الدين الحمد ~~لله رب العالمين } ، فوحدوه مخلصين له الدين؛ أي ~~الطاعة، واشكروه على معرفة التوحيد. قال ابن عباس رضي الله عنه: ~~(إذا قال أحدكم: لا إله إلا الله فيقل في إثرها: ~~الحمد لله رب العالمين). ### || [40.66] # قوله تعالى: { قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون ~~من دون الله لما جآءني البينت من ربي ~~وأمرت أن أسلم لرب العلمين }؛ أي أمرت أن ~~أستقيم على الإسلام. ### || [40.67] # قوله تعالى: { هو الذي خلقكم من تراب }؛ أي خلق ~~أصلكم من تراب، { ثم من نطفة }؛ لآبائكم، { ثم من ~~علقة } ، ثم نقلكم إلى العلقة وهو الدم الغليظ، { ثم ~~يخرجكم }؛ من بطون أمهاتكم أطفالا واحدا واحدا لذلك ~~قوله: { طفلا }؛ وقال # بالأخسرين أعمالا # [الكهف: 103] لأن الواحد يكون أعمال. # وقوله تعالى: { ثم لتبلغوا أشدكم }؛ أي بنقلكم إلى ~~حال اجتماع القوة والكمال، { ثم لتكونوا شيوخا }؛ أي ~~تصيروا شيوخا بعد الأشد، { ومنكم من يتوفى من ~~قبل }؛ من قبل البلوغ ومن قبل الشيخوخة، { ولتبلغوا ~~أجلا مسمى }؛ يريد أجل الحياة إلى الموت، ولكل أجل ~~لحياته ينتهي إليه، ويقال: لتبلغوا أجلا مسمى؛ أي لتوافوا ~~القيامة للجزاء والحساب، { ولعلكم تعقلون } ، ولكي ~~يعقلوا وحدانية الله تعالى وتمام قدرته، وتصدقوا بالبعث بعد ~~الموت. ### || [40.68-72] # قوله تعالى: { هو الذي يحيي ويميت }؛ أي يحيي ~~الأموات ويميت الأحياء، { فإذا قضى أمرا }؛ من الإحياء ~~والإماتة، { فإنما يقول له } ، يريده، { كن فيكون } ، ~~ويحدثه. # وقوله تعالى: { ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات ~~الله }؛ أي يخاصمون في القرآن بالرد والتكذيب، وهم المشركون، { ~~أنى يصرفون } ، كيف يصرفون إلى الكذب بعد وضوح الدلالة، { ~~الذين كذبوا بالكتاب }؛ الذين كذبوا بالقرآن، { وبمآ ~~أرسلنا به رسلنا } ، من الشرائع والأحكام والتوحيد، { ~~فسوف يعلمون } ، عاقبة أمرهم، { إذ الأغلال في ~~أعناقهم والسلاسل يسحبون } حين تجعل الأغلال الحديد ~~مع السلاسل ms1846 في أعناقهم، يسحبون في الحبال على وجوههم، ~~يلقون، { في الحميم } ، في نار عظيمة، { ثم في النار ~~يسجرون }؛ قال مجاهد: (توقد بهم النار فصاروا ~~وقودها). ### || [40.73-76] # قوله تعالى: { ثم قيل لهم } ، ثم تقول لهم ~~الزبانية: { أين ما كنتم تشركون } ، أين الآلهة التي ~~كنتم تعبدونها، وترجون منافعها، وتدعونها، { من دون الله } ~~، فيؤلمون قلوبهم بمثل هذا التوبيخ كما يؤلمون أبدانهم ~~بالتعذيب، { قالوا }؛ فيقول الكفار: { ضلوا عنا } ، أي ~~ضلت ألهتنا عنا؛ أي ضاعت فلا نراها، ثم يجحدون عبادة ~~الأصنام فيقولون: { بل لم نكن ندعوا من قبل شيئا } ، ~~إن لم نكن نعبد من قبل هذا شيئا، ويجوز أن يكون هذا كالرجل يعمل ~~عملا لا ينتفع به، فيقال له: إيش تعمل؟ فيقول: لا شيء. # وقوله تعالى: { كذلك يضل الله الكافرين }؛ أي هكذا ~~يهلكهم ذلك العذاب الذي نزل بكم، { ذلكم بما كنتم ~~تفرحون في الأرض بغير الحق }؛ بالباطل، { وبما ~~كنتم تمرحون * ادخلوا أبواب جهنم خالدين ~~فيها فبئس مثوى المتكبرين }؛ قال مقاتل: (يعني ~~البطر والخيلاء). # والغل: هو ما يجعل في العنق للإذلال والإهانة. والطوق: هو ~~ما يجعل للإجلال والكرامة. وقرأ ابن عباس: (والسلاسل) بفتح ~~اللام، و(يسحبون) بفتح الياء؛ معناه: ويسحبون السلاسل. ### || [40.77] # قوله تعالى: { فاصبر إن وعد الله حق }؛ بنصرك ~~والانتقام منهم، { فإما نرينك بعض الذي نعدهم ~~أو نتوفينك فإلينا يرجعون }؛ معناه: فإن ~~انتقمنا منهم وأنت حي فبشرى لك، وإن نتوفاك قبل " أن " ~~نريك ذلك فإلينا مرجع الكل منهم للمجازاة، وسيصل إليهم ~~موعدهم. ### || [40.78] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا رسلا من قبلك ~~منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص ~~عليك }؛ أي منهم من قصصنا عليك خبرهم في القرآن، ومنهم من ~~لم نقصص عليك خبرهم، { وما كان لرسول أن يأتي بآية ~~إلا بإذن الله }؛ في الآية إبلاغ عذر النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيما يأتيهم به من الآيات التي كانوا يقترحونها عليه، وليس ~~علينا حصر عدد الرسل، ولكنا نؤمن بجملتهم. # وقوله تعالى: { فإذا جآء أمر الله }؛ أي إذا جاء قضاؤه ~~بين أنبيائه وأممهم، { قضي بالحق } ، لم يظلموا إذا ~~عذبوا ms1847 { وخسر هنالك }؛ عند ذلك، { المبطلون } ، ~~المكذبون. ### || [40.79-80] # قوله تعالى: { الله الذي جعل لكم الأنعام ~~لتركبوا منها ومنها تأكلون }؛ الله الذي خلق لكم ~~الإبل والبقر والغنم لتركبوا بعضها وتأكلوا لحم بعضها، { ~~ولكم فيها منافع }؛ من ألبانها وأصوافها وأوبارها ~~وأشعارها، { ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم }؛ أي ~~لتبلغوا عليها في ركوبها حاجة في قلوبكم لا تبلغونها إلا بها، قال ~~مجاهد: (تحمل أثقالكم من بلد إلى بلد، وتبلغوا ~~عليها حاجاتكم في البلاد مما كانت)، { وعليها ~~وعلى الفلك تحملون }؛ أي وعلى ظهورها في البر وعلى ~~السفن في البحر تحملون في كسبكم وحجكم وتجاراتكم. ### || [40.81] # قوله تعالى: { ويريكم آياته }؛ أي يريكم الله دلائل ~~قدرته من الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والجبال والبحار، ~~وتسخر الأنعام لمنافع العباد، كلها من آيات الله، { فأي ~~آيات الله تنكرون } ، فأي آية من آيات الله تجهلون أنها ~~ليست من الله تعالى؟. ### || [40.82-83] # قوله تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا ~~كيف كان عاقبة الذين من قبلهم }؛ من الأمم كيف ~~أهلكهم الله بتكذيبهم الرسل، { كانوا أكثر منهم }؛ من ~~أهل مكة بالعدد، { وأشد قوة }؛ في البلدان، وأظهر؛ { ~~وآثارا في الأرض }؛ في الأبنية العظيمة، والقصور المشيدة، ~~والعيون المستخرجة، { فمآ أغنى عنهم ما كانوا ~~يكسبون } ، فلم ينفعهم من عذاب الله كثرة عددهم وشدة ~~قوتهم وجمعهم الأموال، { فلما جآءتهم رسلهم ~~بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق ~~بهم ما كانوا به يستهزئون }؛ بالجهل الذي عندهم أنه ~~علم، وقالوا: نحن أعلم منهم، لن نبعث ولن نعذب، فمعنى قوله: { ~~فرحوا بما عندهم من العلم } أي رضوا بما عندهم من ~~العلم وهو في الحقيقة جهل وإن زعموه علما. ### || [40.84-85] # قوله تعالى: { فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا } ~~، فلما رأوا عذابنا آمنوا، { بالله وحده وكفرنا بما ~~كنا به مشركين * فلم يك ينفعهم إيمانهم لما ~~رأوا بأسنا }؛ ولا ينفع الإيمان عند ذلك. # وقوله تعالى: { سنت الله التي قد خلت في عباده }؛ ~~أي هذا قضائي في خلقي أن من كذب أنبيائي وجحد ربوبتي؛ أي ~~سن الله هذه السنة في الأمم كلها أن لا ينفعهم الإيمان ms1848 إذا ~~رأوا العذاب، وسنة الله هي حكم الله الذي مضى في عباده في بعث ~~الرسل إليهم، ودعائهم إلى الحق وترك المعاجلة بالعقوبة، وأن ~~الإيمان وقت البأس لا ينفع. # ونصب قوله { سنت الله } على التحذير أو على المصدر، وقوله ~~تعالى: { وخسر هنالك الكافرون }؛ أي هلك عند ذلك ~~المكذبون. ### | [41 - سورة فصلت] ### || [41.1-4] # { حم * تنزيل من الرحمن الرحيم }؛ قال { تنزيل ~~} مبتدأ؛ وخبره: { كتاب فصلت آياته }؛ أي بين حلاله ~~وحرامه، ومعنى التنزيل: المنزل كما يذكر العلم بمعنى ~~المعلوم، والحلق بمعنى المحلوق، قوله تعالى: { قرآنا ~~عربيا }؛ منصوب على الحال؛ أي بينت آياته في حال جمعه ~~على مجرى لغة العرب، { لقوم يعلمون }؛ اللسان العربي، ~~{ بشيرا }؛ بالجنة لمن أطاع، { ونذيرا }؛ بالنار لمن عصى ~~الله، { فأعرض أكثرهم }؛ أهل مكة عن الإيمان، { فهم ~~لا يسمعون }؛ سماعا ينتفعون به. ### || [41.5] # قوله تعالى: { وقالوا قلوبنا في أكنة مما ~~تدعونا إليه }؛ أي قال كفار مكة للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: قلوبنا في أغطية مما تدعونا إليه من القرآن لا يصل إلى ~~قلوبنا، { وفي آذاننا وقر }؛ أي ثقل وصمم يمنع من ~~استماع ما تقرؤه. # والأكنة: جمع كنان، مثل عنان وأعنة. { ومن بيننا ~~وبينك حجاب }؛ وبيننا وبينك حاجز وفرقة في الدين فلا ~~نوافقك على ما تقول، { فاعمل }؛ على أمرك ودينك، { إننا ~~عاملون }؛ على أمرنا ومذهبنا. ### || [41.6-7] # قوله تعالى: { قل }؛ يا محمد: { إنمآ أنا بشر ~~مثلكم }؛ أي كواحد منكم ولولا الوحي ما دعوتكم. وقوله ~~تعالى: { يوحى إلي أنمآ إلهكم إله واحد }؛ ~~لا شريك له، { فاستقيموا إليه }؛ أي لا تميلوا عن ~~سبيله وتوجهوا إليه إلى طاعته، { واستغفروه }؛ من الشرك ~~ووحدوه. # قوله تعالى: { وويل للمشركين }؛ وويل لمن لا ~~يقول لا إله إلا الله، { الذين لا يؤتون الزكاة } ، ~~ولا يطهرون أنفسهم من الشرك بالتوحيد، { وهم بالآخرة ~~هم كافرون } ، وقال الحسن: (لا يقرون بالزكاة، ولا ~~يرون إيتاءها ولا يؤمنون بها)، قال الكلبي: (عابهم ~~الله وقد كانوا يحجون ويعتمرون)، قال قتادة: ~~(الزكاة قنطرة الإسلام، فمن قطعها نجا) أي فمن ~~عبرها نجا، ومن لم يعبرها هلك. # وفي هذه الآية دلالة ms1849 على أن الكفار يعاقبون في الآخرة على ~~ترك الشرائع كما يعاقبون على ترك الإيمان؛ لأن الله ~~وعدهم على ذلك، وقال في جواب أهل النار حين يقال لهم # ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ~~ولم نك نطعم المسكين # [المدثر: 42-44]. ### || [41.8] # قوله تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات لهم أجر غير ممنون }؛ أي غير مقطوع، من ~~قولهم: مننت الحبل إذا قطعته، وثواب المؤمن لا ينقطع. ~~وقيل: لا يمن عليهم بذلك؛ لأن المنة تكدر الصنيعة. ### || [41.9] # قوله تعالى: { قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق ~~الأرض في يومين }؛ أي { قل أإنكم } يا أهل مكة { ~~لتكفرون بالذي خلق الأرض } في عظمها وقوتها في ~~يوم الأحد ويوم الاثنين، { وتجعلون له أندادا }؛ من ~~الأصنام؛ أي أضدادا، وقوله تعالى: { ذلك رب العالمين }؛ أي ~~ذلك الذي هذه قدرته رب كل ذي روح وملكهم. ### || [41.10] # قوله تعالى: { وجعل فيها رواسي من فوقها }؛ أي ~~وخلق فيها جبالا ثوابت أوتادا لها في يوم الثلاثاء، { ~~وبارك فيها }؛ أي بارك في الأرض بالسماء والشجر والنبات ~~والثمار، { وقدر فيهآ أقواتها في أربعة أيام }؛ ~~أي معايشها، قدر الله لكل حيوان ما يكفيه بحسب الحاجة، وجعل ~~في كل أرض معيشة ليست في غيرها لتعايشوا وتتجروا. # وكان تقدير الأقوات في يوم الأربعاء، فتم خلق الأرض بما فيها ~~في أربعة أيام، ولو أراد الله أن يخلقها في لحظة واحدة لفعل ~~وقدر، ولكنه خلقها في ستة أيام لأنه تعالى حليم ذو أناة، ~~أحب أن يعلم الخلق الأناة في الأمور. # وقال الحسن: (معنى قوله { وقدر فيهآ أقواتها } أي ~~قسم الأرض أرزاق العباد والبهائم)، وقال الكلبي: ~~(الخبز لأهل قطر؛ والثمر لأهل قطر؛ والذرة ~~لأهل قطر؛ والسمك لأهل قطر، جعل الله في كل ~~بلدة ما لم يجعل في الأخرى؛ ليعيش بعضهم من ~~بعض بالتجارة من موضع إلى موضع). # وقوله تعالى: { سوآء للسآئلين }؛ رفعه أبو جعفر ~~على الابتداء؛ أي هن سواء، وخفضه الحسن ويعقوب نعت أربعة ~~أيام، ونصبه الباقون على معنى: استوت سواء للسائلين، ~~واستواء يعني على المصدر كما يقال: في ms1850 أربعة أيام تماما. ومعناه: ~~من سأل عنه فهكذا الأمر. # وقال السدي: (سواء لا زيادة ولا نقصان جوابا لمن ~~سأل في كم خلقت الأرض والأقوات، فيقال: أربعة ~~أيام سواء). و(للسائلين) ها هنا هم اليهود، سألوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن مدة خلق السماوات والأرض، ويجوز ~~قوله { سوآء للسآئلين } عائدا على تقدير الأقوات، كأنه ~~قال: لكل محتاج إلى القوت. ### || [41.11] # قوله تعالى: { ثم استوى إلى السمآء وهي دخان ~~}؛ قال السدي: (كان ذلك الدخان من نفس الماء حين ~~تنفس، وكان بخاره يذهب في الهواء، فخلقت ~~السماء منه وفتقت سبعا في يوم الخميس ~~والجمعة). # وقوله تعالى: { فقال لها وللأرض ائتيا طوعا ~~أو كرها }؛ أي ائتيا ما آمركما وافعلا، كما يقال: ائت ما ~~هو الأحسن؛ أي افعله. # قال المفسرون: إن الله تعالى قال: أما أنت يا سماء فأطلعي شمسك ~~وقمرك ونجومك، وأما أنت يا أرض فشققي أنهارك واخرجي ~~ثمارك ونباتك، وقال لهما: اعملا ما آمركما طوعا وإلا ~~ألجأتكما ذلك حتى تفعلاه كرها، فأجابتا بالطوع وهو ~~قوله تعالى: { قالتآ أتينا طآئعين }؛ أي أتينا ~~أمرك. ولما ركب الله فيهن العقول، وخطاب من يعقل جمعهن ~~جمع من يعقل كما قال تعالى: # كل في فلك يسبحون # [الأنبياء: 33] ولو جمعهن جمع من لا يعقل لقيل: طائعات. # ويقال في معناه: أتينا نحن من فينا طائعين، وإنما ذكر تارة ~~بلفظ التثنية وتارة بلفظ الجمع؛ لأن السماوات والأرض شيئان من ~~حيث الجنس بمنزلة الفئتين (والطائعين)، فقيل لهما: ائتيا، ثم ~~السماوات بنفسها جماعة، وكذلك الأرض، فلذلك قالتا: { أتينا ~~طآئعين }. وانتصب (طوعا) و (كرها) على معنى أطيعا طاعة أو ~~تكرهان كرها. # وبلغنا أن بعض الأنبياء قال: يا رب؛ لو أن السماوات والأرض ~~حين قلت لهما { ائتيا طوعا أو كرها } عصياك ما كنت ~~صانعا بهما؟ قال: كنت آمر دابة من دوابي فتبتلعهما. قال: فأين ~~تلك الدابة؟ قال: في مرج من مروج، قال: وأين ذلك المرج؟ قال: ~~في علم من علومي. ### || [41.12] # قوله تعالى: { فقضهن سبع سموت }؛ أي صنعهن ~~وأحكمهن وأتم خلقهن سبع سماوات بعضها فوق ms1851 بعض بما فيهن من ~~الشمس والقمر والنجوم، { في يومين } ، في يوم الخميس والجمعة، ~~فتم خلق السماوات والأرض في ستة أيام. # لفظ القضاء في اللغة بمعنى الإتمام، ومن ذلك: انقضاء الشيء ~~إذا تم، وقضى فلان إذا مات؛ لأنه تم عمره، وقال الشاعر: # وعليهما مسرودتان قضاهما # داود أو صنع السوابغ تبع # عملهما وصنعهما. # قوله تعالى: { وأوحى في كل سمآء أمرها }؛ قال ~~قتادة: (يعني خلق شمسها وقمرها ونجومها، وخلق ~~في كل سماء خلقها من الملائكة والخلق الذي ~~فيها من البحار وجبال البر وما لا يعلمه إلا ~~هو). وقيل: أمر في كل سماء بما أراد. وقيل: أوحى إلى ~~أهل كل سماء ما يصلحها به من أمره. # قوله تعالى: { وزينا السمآء الدنيا بمصبيح ~~}؛ أي زينا السماء القربى إلى الأرض بمصابيح وهي النجوم، ~~وقوله تعالى: { وحفظا }؛ أي وحفظناها بالنجوم من ~~استراق الشياطين السمع حفظا. # وقيل: انتصب (حفظا) على تقدير: وزينا السماء الدنيا ~~بمصابيح زينة وحفظا، فبعض النجوم زينة للسماء لا يتحرك، ~~وبعضها يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، وبعضها رجوم ~~للشياطين. # قوله تعالى: { ذلك تقدير العزيز العليم }؛ أي ~~ذلك الذي سبق ذكره؛ تقديره: العزيز في ملكه القادر ~~القاهر الذي لا يلحقه عجز ولا يعتريه سهو ولا جهل، أحكم ذلك ~~كله وأتقنه حتى لا يدخله الخلل مدى الدهور. ### || [41.13-14] # قوله تعالى: { فإن أعرضوا فقل أنذرتكم ~~صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود * إذ جآءتهم ~~الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم ألا تعبدوا ~~إلا الله }؛ الآية، وذلك أن الملأ من قريش قالوا: ~~قد التبس علينا أمر محمد، فلو التمستم رجلا ~~عالما بالشعر والكهانة والسحر فأتاه ~~وكلمناه، وأتانا ببيان أمره. فقال عتبة بن ~~ربيعة: والله لقد سمعت الشعر والكهانة ~~والسحر، وعلمت من ذلك علما لا يخفى علي إن ~~كان كذلك. # فمضى عتبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في ~~الحطيم، فكلمه ولم يترك شيئا إلا قاله، ~~وكان عتبة من أحسن الناس حديثا، فقال: يا ~~محمد أنت خير أم هاشم؟ أنت خير أم عبد ~~المطلب؟ أنت خير أم عبد الله؟ ms1852 فيم تشتم ~~آلهتنا وتضلل آباءنا؟ فإن كان ذلك طلبا ~~للرئاسة عقدنا لك ألويتنا وكنت رأسنا ما ~~بقيت، وإن كان لك الباءه زوجناك عشر نسوة ~~ممن تختار من بنات قريش، وإن كان بك المال ~~جمعنا لك ما تستغني به أنت وعقبك من بعدك. ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم ساكت لا يتكلم. # فلما فرغ عتبة من كلامه قرأ عليه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم { حم * ~~تنزيل من الرحمن الرحيم * كتاب فصلت آياته ~~قرآنا عربيا لقوم يعلمون * بشيرا ونذيرا ~~فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون... } إلى قوله { ~~فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة ~~عاد وثمود }. فوثب عتبة فزعا مخافة أن يصب ~~عليه العذاب الذي خوفه به النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فأتى قومه مذعورا وأقسم لا يكلم محمدا ~~بعدها أبدا. # فقال له أبو جهل: لعلك صبوت إلى محمد، وما ~~ذاك إلا من حاجة أصابتك، وإن كان بك حاجة جمعنا ~~لك من أموالنا ما يغنيك عن محمد! فغضب عتبة ~~وقال: والله لقد كان أبي من أكثر قريش مالا، ~~ولكن أتيته وقصصت عليه القصة فأجابني بشيء ~~والله ما هو بشعر ولا كهانة ولا سحر، والله ما ~~اهتديت لجوابه. فقال حرث بن علقمة: والله لقد ~~أفسد هذا الرجل ديننا وفرق بين كلمتنا، وأيم ~~الله لئن بقي هذا الرجل ويقيم ليكونن بطن ~~الأرض خير لكم من ظهرها، وسيبين ذلك لكم إذا ~~خرج منكم إلى غيركم، فذروه ما ترككم. # ومعنى الآية: فإن أعرضوا عن الإيمان بك ولم يقبلوا قولك ~~بعد هذا البيان، فقل: خوفتكم عذابا مثل عذاب قوم هود وقوم ~~صالح. والصاعقة: هو الهلاك على حالة هائلة. # وقوله تعالى: { إذ جآءتهم الرسل من بين أيديهم ~~ومن خلفهم } أي إذا جاءتهم الرسل إلى من كان قبلهم فعلموا ~~بتواتر الأخبار. ثم إنهم الرسل أيضا من خلف من كان قبلهم بأن ~~لا يعبدوا إلا الله، { قالوا لو شآء ربنا لأنزل ~~ملائكة }؛ أي لو شاء ربنا أن ينزل إلينا رسولا لأنزل ~~ملائكة من جنده، { فإنا بمآ ms1853 أرسلتم به كافرون }؛ ما ~~أنتم إلا بشر مثلنا. ويجوز أن يكون معنى { من بين أيديهم ~~ومن خلفهم } بأن الرسل أتتهم من جميع جهاتهم. ### || [41.15] # قوله تعالى: { فأما عاد فاستكبروا في الأرض ~~بغير الحق }؛ أي تعظموا عن الإيمان بنبيهم وأعجبتهم ~~أجسامهم، { وقالوا }؛ لنبيهم: { من أشد منا قوة }؛ ~~بالبدن فيهلكنا، وذلك أن هودا عليه السلام خوفهم وهددهم ~~بالعذاب، فقالوا: نحن نقدر على دفعه بفضل قوتنا، وكانت لهم أجسام ~~طويلة وخلق عظيم، فلما أتتهم الريح قاموا ليصدون عنهم ~~فحملتهم إلى عنان السماء ثم صرعتهم على وجوههم ثم ألقت عليهم ~~الرمل حتى غطتهم، وكان يسمع أنينهم تحت التراب حتى أهلكهم ~~الله. # فلما قالوا لنبيهم: { من أشد منا قوة } قال الله ~~تعالى ردا عليهم: { أولم يروا أن الله الذي ~~خلقهم هو أشد منهم قوة }؛ لأن الخالق للشيء لا ~~بد أن تكون له مزية على خلقه، { وكانوا بآياتنا ~~يجحدون }؛ أي يكفرون. ### || [41.16] # قوله تعالى: { فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا }؛ أي ~~عاصفا شديد الصوت، مأخوذ من الصرة وهي الصيحة، وقال ابن ~~عباس: (يعني الباردة، مأخوذ من الصر وهو ~~البرد). قال الفراء: (هي الباردة تحرق كما تحرق ~~النار) وهي ريح باردة شديدة الهبوب، ذات صوت ~~تحرق كالنار. # وقوله تعالى: { في أيام نحسات }؛ أي نكدات ~~مشؤومات عليهم، ذات نحوس، قال ابن عباس: (كانوا ~~يتشاءمون بتلك الأيام). قرأ ابن عامر وأهل الكوفة ~~(نحسات) بكسر الحاء، وقرأ الباقون بسكونها، يقال: يوم نحس ~~ونحس. # قوله تعالى: { لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة ~~الدنيا }؛ أي عذاب الهون والذل وهو العذاب الذي يخزون ~~به، والخزي والفضيحة والنكال كله بمعنى واحد، { ~~ولعذاب الآخرة أخزى وهم لا ينصرون } ، وعذاب ~~الآخرة أبلغ في المذلة وأبقى وأشد، لا يدفع عنهم ولا يخفف ~~عنهم. ### || [41.17-18] # قوله تعالى: { وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا ~~العمى على الهدى }؛ أي وأما ثمود فبينا لهم سبيل ~~الهدى ودعوناهم ودللناهم على الخير بإرسال الرسل، فاختاروا ~~الكفر على الإيمان بعد أن أريناهم الأدلة وأخرجنا لهم ناقة ~~عشراء من صخرة ملساء، { فأخذتهم صاعقة العذاب ~~الهون } ، أي ذي الهوان، { بما كانوا ms1854 يكسبون } ، ~~بكفرهم وعقرهم الناقة، { ونجينا الذين آمنوا }؛ ~~بصالح، { وكانوا يتقون }؛ الشرك والكبائر. ### || [41.19] # قوله تعالى: { ويوم يحشر أعدآء الله إلى ~~النار فهم يوزعون }؛ قرأ نافع ويعقوب (نحشر) بنون مفتوحة ~~وضم الشين، ونصب (أعداء)، وقرأ الباقون (يحشر) بالياء ~~المضمومة ورفع (أعداء). ومعنى الآية: وأنذرهم يوم يجمع ~~أعداء الله ويساقون إلى النار بالعنف، وقوله تعالى { فهم ~~يوزعون } أي يحبس أولهم على آخرهم ليتلاحقوا ثم يقذفون في ~~النار. ### || [41.20-21] # قوله تعالى: { حتى إذا ما جآءوها }؛ أي حتى إذا ~~جاءوا النار التي لم يقذفوا ثم يقذفون في النار. قوله تعالى: حشر ~~أعداء الله حبسوا عندها وهم يعاينونها، ويقال لهم: أين ~~شركاؤكم الذين كنتم تزعمون، فيجحدون ويقولون: والله ربنا ما ~~كنا مشركين، فعند ذلك يختم على أفواههم وتستنطق جوارحهم { ~~شهد عليهم سمعهم وأبصارهم } ، وكل عضو من ~~أعضائهم بما ارتكبوا من الكفر والمعاصي. # قوله تعالى: { وجلودهم بما كانوا يعملون }؛ قال ~~ابن عباس: (يريد فروجهم، كنى عنها بالجلود). ~~وقيل: الجلود الجوارح، { وقالوا لجلودهم } ، فيقول ~~الكفار لجلودهم بعدما يرد النطق إلى ألسنتهم: { لم ~~شهدتم علينا }؛ وعملتم على هلاكنا، { قالوا أنطقنا ~~الله الذي أنطق كل شيء }؛ وتم الكلام. # ثم قال الله تعالى: { وهو خلقكم أول مرة ~~وإليه ترجعون }؛ أي ليس إنطاقه الجلود أبدع من خلقه ~~إياكم ابتداء وإعادة بعد الموت، وليس هذا من كلام الجلود. ### || [41.22] # قوله تعالى: { وما كنتم تستترون أن يشهد ~~عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم }؛ معناه: ~~ما كنتم تستترون بالمعاصي عن الناس مخافة من أن تشهد عليكم هذه ~~الجوارح في الآخرة؛ لأنكم ما كنتم تظنون ذلك، { ولكن ~~ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون }؛ ~~ولكن عملتم بالمعاصي عمل من يظن أن الله لا يعلم بما يعمله ~~في السر. قال ابن عباس: (كان الكفار يقولون: إن الله ~~لا يعلم ما في أنفسنا ولكنه يعلم ما يظهر!). ### || [41.23] # قوله تعالى: { وذلكم ظنكم الذي ظننتم ~~بربكم }؛ أي ظنكم أن الله لا يعلم ما تعملون، { أرداكم ~~فأصبحتم من الخاسرين }؛ أي أهلككم فصرتم من المنبذين ~~بالوزر والعقوبة. وقيل: معنى ms1855 { أرداكم } أي طرحكم في ~~النار. ### || [41.24] # قوله تعالى: { فإن يصبروا فالنار مثوى لهم }؛ ~~أي فإن يمسكوا عن الاستغاثة ولم ينطقوا بشكوى فالنار مسكن لهم ~~منتقمة منهم، { وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين ~~}؛ أي وإن يطلبوا العتبى وهي الرضا فماهم عن " أن " يطلبوا ~~رضاهم ويقبل عذرهم. يقال: أعتبني فلان؛ أي أرضاني بعد ~~استخاطه إياي، واستعتبته طلبت منه أن يعتب أي ~~يرضى. ### || [41.25] # قوله تعالى: { وقيضنا لهم قرنآء }؛ معناه: سببنا ~~لهم أعوانا وقرناء من الشياطين حتى أضلوهم وهو قوله ~~تعالى: { فزينوا لهم ما بين أيديهم }؛ من أمر ~~الآخرة أن لا جنة ولا نار ولا بعث ولا حساب، { وما خلفهم ~~}؛ من أمر الدنيا أن لا ينفقوا في وجوه البر، وأن يتلذذوا في ~~الدنيا ويجمعوا الأموال، { وحق عليهم القول }؛ أي وجب ~~عليهم، { في أمم قد خلت من قبلهم من الجن ~~والإنس إنهم كانوا خاسرين }. ### || [41.26] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا لا تسمعوا ~~لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون }؛ وذلك ~~أن كفار قريش قالوا لأتباعهم: لا تسمعوا هذا القرآن ~~الذي يقرؤه عليكم محمد، فإذا سمعتموه يقرأ ~~فارفعوا أصواتكم بالأشعار والأراجيز والغوا فيه ~~بالمكاء والصفير، وقابلوه بكلام اللغو حتى تغلبوه ~~فيسكت. ### || [41.27-28] # يقول الله تعالى: { فلنذيقن الذين كفروا عذابا ~~شديدا }؛ أي في الدنيا بالقتل والأسر، { ولنجزينهم ~~أسوأ الذي كانوا يعملون } ، ولنعاقبنهم في الآخرة ~~بعذاب أشد من عذابهم في الدنيا، { ذلك }؛ العذاب، { جزآء ~~أعدآء الله }. وقوله تعالى: { النار }؛ بدل من العذاب؛ أي ~~بدل من قوله { جزآء أعدآء الله }. وقوله تعالى: { ~~لهم فيها دار الخلد }؛ أي لهم في النار دار الإقامة، { ~~جزآء بما كانوا بآياتنا يجحدون }؛ يعني القرآن ~~جحدوا أنه من عند الله. ### || [41.29] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا ربنآ أرنا ~~الذين أضلانا من الجن والإنس }؛ معناه: يقول ~~الذين كفروا في النار: يا ربنا أرنا اللذين أضلانا عن ~~الحق. قال بعضهم: يريد به إبليس وقابيل أول من أحدث المعصية ~~في بني آدم، { نجعلهما تحت أقدامنا }؛ أي أسفل منا ~~في النار، { ليكونا من الأسفلين }؛ في الدرك الأسفل. ~~وقيل: معناه: ms1856 ليكونا أشد عذابا منا. ### || [41.30-32] # قوله تعالى: { إن الذين قالوا ربنا الله }؛ أي ~~إن الذين وحدوا الله، { ثم استقاموا } ، على الإيمان ~~ولم يشركوا. وكان الحسن إذا قرأ هذه الآية قال: (اللهم أنت ~~ربنا فارزقنا الاستقامة). # وقال أبو بكر رضي الله عنه: (يعني ثم استقاموا على أن ~~الله رب لهم)، وقال مجاهد: (هم الذين لم يشركوا به ~~شيئا حتى يلقوه). وقال بعضهم: يعني الاستقامة على أداء ~~الفرائض ولزوم السنة. وروي عن عمر رضي الله عنه: (استقاموا ~~لله بطاعته ولم يروغوا روغان الثعالب). # وقوله: { تتنزل عليهم الملائكة }؛ يعني قبض ~~أرواحهم فتقول لهم: { ألا تخافوا ولا تحزنوا ~~وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون }؛ أي لا ~~تخافوا ما أنتم واقفون عليه، ولا تحزنوا على الدنيا وأهلها، ~~وتقول لهم عند خروجهم حين يرون أهوال القيامة: { نحن ~~أوليآؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة }؛ ~~توليناكم وحفظنا أعمالكم، ونتولاكم في الآخرة ونحفظكم. # وعن ثابت أنه قال: (بلغنا أن المؤمن إذا خرج من ~~قبره يوم القيامة، نظر إلى حافظين قائمين ~~على رأسه يقولان له: لا تخف اليوم ولا تحزن ~~وأبشر بالجنة التي كنت توعد). # وقال عثمان رضي الله عنه في معنى قوله: (ثم استقاموا: ثم ~~أخلصوا العمل لله عز وجل). وقال مجاهد وعكرمة: ~~(معناه: ثم استقاموا على شهادة أن لا إله إلا ~~الله حتى لحقوا بالله). # وقال مقاتل: (استقاموا على المعرفة، ولم يرتدوا، ~~تتنزل عليهم الملائكة) في ثلاث مواطن: عند ~~الموت، وفي القبر، وفي وقت البعث: أن لا تخافوا ~~على صنيعكم ولا تحزنوا على مخلفيكم. # وقال مجاهد: (أن لا تخافوا على ما تقدمون عليه من ~~أمر الآخرة، ولا تحزنوا على خلفتكم في الدنيا ~~من ولد وأهل، فإنه سيخلفكم في ذلك كله). وقال ~~السدي: (لا تخافوا من ذنوبكم فإني أغفرها لكم). # وقال بعضهم: معنى هذه الآية: أن الذين قالوا: { ربنا الله ~~ثم استقاموا } بالوفاء على ترك الخنى تتنزل عليهم ~~الملائكة بالرضى: أن لا تخافوا من الغنى ولا تحزنوا على الغنى ~~وأبشروا بالبقاء مع الذي كنتم توعدون من اللقاء. وقيل: ~~معناه: ألا ms1857 تخافوا فلا خوف على أهل الاستقامة، ولا تحزنوا فإن ~~لكم أنواع الكرامة وأبشروا بالجنة التي هي دار السلامة، لا ~~تخافوا فعل دين الله إن استقمتم، ولا تحزنوا، فبحبل الله ~~اعتصمتم، وأبشروا بالجنة إن تبتم لا تخافوا ما دمتم ولا ~~تحزنوا فقد نلتم ما طلبتم، وأبشروا بالجنة التي فيها رغبتم، ولا ~~تحزنوا فأنتم أهل الإيمان، ولا تحزنوا وأنتم أهل الغفران، وأبشروا ~~بالجنة التي هي دار الرضوان، لا تخافوا وأنتم أهل الشهادة، ولا ~~تحزنوا فأنتم أهل السعادة، وأبشروا بالجنة التي هي دار الزيادة، ~~لا تخافوا فأنتم أهل النوال، ولا تحزنوا فأنتم أهل الوصال، وابشروا ~~بالجنة التي هي دار الحلال، لا تخافوا فقد أمنتم الثبور، ولا ~~تحزنوا فإن لكم الحور، وأبشروا بالجنة التي هي دار السرور، ولا تخافوا ~~فسعيكم مشكور، ولا تحزنوا فذنبكم مغفور، وابشروا بالجنة التي هي دار ~~النور، لا تخافوا فطالما كنتم خائفين، ولا تحزنوا فقد كنتم عارفين، ~~وأبشروا بالجنة التي عجز عنها وصف الواصفين، لا تخافوا فأنتم من ~~أهل الإيمان، ولا تحزنوا فأنتم من أهل الحرمان، وأبشروا بالجنة التي ~~هي دار الأمان. # لا تخافوا فسلمتم من أهل الجحيم، ولا تحزنوا فقد وصلتم إلى الرب ~~الرحيم، وأبشروا بالجنة التي هي دار النعيم، لا تخافوا فقد زالت ~~عنكم المخافة، ولا تحزنوا فقد سلمتم من كل آفة، وابشروا بالجنة ~~التي هي دار الضيافة، لا تخافوا العزل من الولاية، ولا تحزنوا على ~~ما قدمتم من الجناية، وأبشروا بالجنة التي هي دار الهداية، لا ~~تخافوا حلول العذاب، ولا تحزنوا من هول الحساب، وأبشروا بالجنة ~~التي هي دار الثواب، لا تخافوا فأنتم سالمون من العقاب، ولا تحزنوا ~~فأنتم واصلون إلى الثواب، وأبشروا بالجنة فأنها نعم المآب. # قوله تعالى: { ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم }؛ أي ~~تقول لهم الملائكة: نحن أولياؤكم؛ أي نحن الحفظة الذي كنا ~~معكم في الأولى، ونحن أحباؤكم أولياؤكم في الآخرة، لا نفارقكم ~~حتى تدخلوا الجنة، { ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم } من ~~الكرامات واللذات، يعني ولكم في الآخرة ما تشتهي أنفسكم، { ~~ولكم فيها ما تدعون ms1858 * نزلا من غفور رحيم }؛ أي ~~أنزلهم الله نزلا، ولا يجوز أن يكون قوله (نزلا) جمع ~~نازلة، ويكون المعنى: ولكم ما تدعون من غفور رحيم ~~نازلين. ويجوز أن يراد به القوت الذي يقام للنازل والضيف، ~~والمعنى: ثبت لهم ما يدعون { نزلا من غفور رحيم } أي ~~كثير المغفرة، رحيم بمن كان على الإيمان والتوبة. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لما نزلت هذه الآية { إن الذين قالوا ربنا ~~الله ثم استقاموا } قال: " أمتي ورب الكعبة " # ، لأن اليهود قالوا ربنا الله ثم لم يستقيموا إذ قالوا: ~~عزير ابن الله! والنصارى قالوا: ربنا الله، ثم لم يستقيموا إذ قالوا: ~~المسيح ابن الله!. ### || [41.33] # قوله تعالى: { ومن أحسن قولا ممن دعآ إلى الله ~~وعمل صالحا }؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: (أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا إلى شهادة أن لا إله ~~إلا الله)، وقال الحسن: (هو المؤمن أجاب الله دعوته ~~ودعوة الناس إلى ما أجاب الله فيه دعوته وعمل ~~صالحا في إجابته) { وقال إنني من المسلمين }؛ ~~وقالت عائشة رضي الله عنها: (إن هذه الآية نزلت في ~~المؤذنين الذين يدعون إلى الصلاة ويصلون ~~بين الأذان والإقامة). ### || [41.34] # قوله تعالى: { ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ~~}؛ ولا تستوي كلمة التوحيد وكلمة الشرك، وقيل: هما ~~الطاعة والمعصية، ويقال: الخصلة الحميدة والخصلة السيئة. ~~وقيل: الحلم والجهل، والعفو والإساءة. # ودخول (لا) في قوله: { ولا السيئة } زائدة للتأكيد وبعد ~~المساواة؛ لأن المعنى: لا تستوي الحسنة والسيئة، ومثله قول ~~الشاعر: # ما كان يرضى رسول الله فعل # هم والطيبان أبو بكر وعمر # وقوله تعالى: { ادفع بالتي هي أحسن }؛ أي ادفع ~~السفاهة والعجلة بالأناة وبالرفق، وذلك أنك إن لقيت بعض ~~من يضمر في نفسه عداوتك فتبدأه بالسلام أو تبتسم في وجهه لأن ~~ذلك يلين لك قلبه، ويسلم لك صدره فذلك قوله تعالى: { ~~فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي ~~حميم }؛ أي إذا فعلت ذلك صار الذي يعاديك صديقا قريبا لك. ~~وتسمي العرب القريب حميما؛ لأنه يحمي لما يهم صاحبه. ms1859 ### || [41.35] # قوله تعالى: { وما يلقاها إلا الذين صبروا }؛ ~~أي ما يلقى هذه الخصلة التي هي دفع السيئة بالحسنة إلا الذين ~~صبروا على كظم الغيظ واحتمال المكروه وصبروا على طاعة الله، ~~وصبروا عن معصيته، { وما يلقاهآ } ، أي وما يعطاها، { إلا ~~ذو حظ عظيم }؛ من الخير. وقيل: من الصبر، وقيل: الحظ ~~العظيم الجنة، أي ما يلقاها إلا من وجبت له الجنة. وقيل: ~~الحظ العظيم القدر، العظيم عند الله. ### || [41.36-37] # قوله تعالى: { وإما ينزغنك من الشيطن نزغ ~~}؛ أي وإما يلحقنك من الشيطان وسوسة عند هفوة غيرك وعندما ~~يدعو بك إلى معصية الله فتصرفك الوسوسة عن الاحتمال، { ~~فاستعذ بالله }؛ أي اعتصم بالله من شر الشيطان، امض ~~على حكمك، { إنه هو السميع }؛ لمقالة أعدائك، { ~~العليم }؛ بهم وبمجاراتهم. # ثم ذكر الله علامات توحيده ودلائل قدرته؛ فقال: { ومن ~~آياته اليل والنهار والشمس والقمر }؛ أي ومن آياته ~~الدالة على ربوبيته ووحدانيته الليل والنهار بما فيهما ~~من المنافع والمقاصد، والشمس والقمر بما فيهما من البدائع، { لا ~~تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي ~~خلقهن }؛ أي لا تعبدوا الشمس والقمر، واعبدوا الله الذي ~~خلقهن، { إن كنتم إياه تعبدون }؛ أي إن كنتم ~~تريدون بعبادة الشمس والقمر عبادة الله. # وذلك أن قوما من الكفار يسجدون لهما ويزعمون أنهم ~~يتقربون بذلك إلى الله تعالى، فقيل لهم: إن كنتم تريدون بذلك ~~عبادة الله تعالى، فالسجود لخالقهما أولى من السجود لهما. # فإن قيل: ما معنى قوله { خلقهن } والقمر مذكر والشمس ~~مؤنثة، والمذكر والمؤنث إذا اجتمعا غلب المذكر؟ قلنا: إن ~~قوله (خلقهن) راجع إلى الآيات التي سبق ذكرها في أول هذه ~~الآية من الليل والنهار والشمس والقمر، ويكون ضمير ما لا يعقل على ~~لفظ التأنيث كما يقال: هذه كباش ذبحن وذبحت. ### || [41.38] # قوله تعالى: { فإن استكبروا فالذين عند ربك ~~يسبحون له باليل والنهار }؛ أي فإن تكبروا عن ~~عبادتي والسجود لي فالملائكة الذين عند ربك بقرب الكرامة ~~والمنزلة يصلون له بالليل والنهار، وينزهونه عن كل ما لا ~~يليق له، { وهم لا يسئمون }؛ أي لا يميلون على عبادته ms1860 ولا ~~يفترون. # واختلفوا في موضع السجود من هذه السورة؛ فقال الحسن: (عند ~~قوله (تعبدون). وهو قول الشافعي. وقا ابن عباس ومسروق: ~~(هو عند قوله: لا يسأمون) وهو قول علمائنا، وهو ~~الأصح لأنه موضع تمام الكلام. ### || [41.39] # قوله تعالى: { ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة ~~}؛ من آياته الدالة على وحدانيته وقدرته أنك ترى الأرض ~~مغبرة يابسة لا نبات فيها، { فإذآ أنزلنا عليها ~~المآء اهتزت وربت }؛ تحركت للنبات وانتفخت وارتفعت له ~~حتى يكاد النبات يظهر، { إن الذي أحياها }؛ بإنزال المطر، ~~{ لمحى الموتى }؛ في الآخرة، { إنه على كل شيء ~~قدير }؛ من الإحياء والإماتة. ### || [41.40] # قوله تعالى: { إن الذين يلحدون في آياتنا }؛ أي ~~يميلون عن الحق في آياتنا إلى جانب الباطل، قال مقاتل: ~~(يميلون عن الإيمان بالقرآن)، وقال مجاهد: (يلحدون ~~بآياتنا بالمكاء واللغط)، { لا يخفون علينآ } ، ~~بأشخاصهم وأفعالهم وأقوالهم وعزائمهم. ~~واللحد واللحاد بمعنى واحد وهو الميل، ومنه الملحد ~~لعدوله عن الحق، ومنه اللحد الذي في القبر لأنه في جانب منه. # قوله تعالى: { أفمن يلقى في النار خير أم من ~~يأتي آمنا يوم القيامة }؛ هو تقدير نفي المساواة بين ~~الفريقين. قيل: المراد قوله { أفمن يلقى في النار } أبو ~~جهل وجدله { خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة } ~~حمزة، وقوله: { اعملوا ما شئتم إنه بما تعملون ~~بصير }؛ لفظه لفظ الأمر، ومعناه التهديد والوعيد. ### || [41.41] # قوله تعالى: { إن الذين كفروا بالذكر }؛ أي ~~بالقرآن، { لما جآءهم }؛ وقوله تعالى: { وإنه ~~لكتاب عزيز }؛ محذوف الجواب، تقديره: (إن الذين كفروا ~~بالذكر لما جاءهم) سينزل بهم من العذاب ما هو مذكور في ~~الكتاب العزيز. والعزيز: هو الكريم على الله. وقيل: هو ~~الممتنع على من يريد معارضته وتغييره بزيادة ونقصان. ### || [41.42] # قوله تعالى: { لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه }؛ أي لا يأتيه التكذيب من الكتب التي قبله ولا ~~يجيء بعده كتاب فيبطله، وقال الزجاج: (معناه: أنه محفوظ ~~من أن ينقص منه فيأتيه الباطل من بين يديه، ~~أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه)، فمعنى ~~الباطل على هذا الزيادة والنقصان. وفي ms1861 عين المعاني: (الباطل ~~إبليس). # وقوله تعالى: { تنزيل من حكيم حميد }؛ أي منزل ~~من عالم بوجوه الحكمة، مستحق للحمد على خلقه بإنعامه عليهم. ### || [41.43] # قوله تعالى: { ما يقال لك إلا ما قد قيل ~~للرسل من قبلك }؛ فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم على ~~ما كان يلحقه من أذية قومه؛ أي قد قيل للأنبياء قبلك ساحر، ~~وكذبوا كما كذبت. ويجوز أن يكون معناه: ما أقول لك ولا ~~آمرك بتبليغ الوحي والرسالة إلا ما قد قيل للرسل قبلك. # وقوله تعالى: { إن ربك ذو مغفرة وذو عقاب ~~أليم }؛ أي لذو مغفرة لمن تاب وآمن، وذو عقاب أليم لمن ~~ثاب على الكفر. ### || [41.44] # قوله تعالى: { ولو جعلناه قرآنا أعجميا ~~لقالوا لولا فصلت آياته }؛ أي لو جعلناه قرآنا ~~بلغة غير لغة العرب لقال العرب: ولو بينت آياته بلغة العرب ~~حتى نفهمها عندك بغير مترجم. # قوله تعالى: { ءاعجمي وعربي }؛ استفهام على وجه ~~الاستبعاد؛ كأنهم قالوا: كتاب أعجمي ورسول عربي، كيف يكون ~~هذا؟! فينكرونه أشد الإنكار. يقال: رجل أعجمي إذا كان لا ~~يفصح سواء كان من العرب أو العجم، ورجل عجمي إذا كان ~~منسوبا إلى العجم وإن كان فصيحا، ورجل أعرابي إذا كان من ~~أهل البادية سواء كان من العرب أو لم يكن، ورجل عربي إذا كان ~~منسوبا إلى العرب وإن كان غير فصيح. # ومعنى الآية: أنهم كانوا يقولون: إن المنزل عليه عربي، ~~والمنزل أعجمي، فكان ذلك أشد لتكذيبهم، { قل }؛ يا محمد: ~~{ هو للذين آمنوا هدى وشفآء }؛ يعني القرآن هدى ~~للذين آمنوا من الضلالة وشفاء من الأوجاع. وقال مقاتل: ~~(شفاء لما في القلوب بالبيان الذي فيه). # وقوله تعالى: { والذين لا يؤمنون في آذانهم ~~وقر }؛ أي إنهم في ترك القبول بمنزلة الصم العمي، ~~وسيؤديهم تكذيبهم إلى العمى، وقوله تعالى: { وهو ~~عليهم عمى }؛ أي عموا عن القرآن وصموا عنه. # وقال السدي: (عمت قلوبهم عنه). والمعنى: وهو عليهم ذو ~~عمى. وانتصب قوله (عمى) على المصدر. وقوله تعالى: { ~~أولئك ينادون من مكان بعيد }؛ أي إنهم لا ~~يسمعون ويفهمون كما أن من ms1862 دعا من مكان بعيد لم يسمع ولم ~~يفهم. والمعنى: أنه بعيد عندهم من قلوبهم ما يتلى عليهم. ### || [41.45] # قوله تعالى: { ولقد آتينا موسى الكتاب }؛ يعني ~~التوراة، { فاختلف فيه }؛ قومه كما اختلف قومك في القرآن، ~~وهذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم؛ أي كما آتيناك الكتاب وكذب ~~به قومك وصدق به بعضهم كذلك آتينا موسى الكتاب فكذب به بعض ~~قومه وصدق به بعضهم. # قوله تعالى: { ولولا كلمة سبقت من ربك ~~لقضي بينهم }؛ معناه: ولولا كلمة سبقت من ربك في تأخير ~~العذاب عن هذه الأمة إلى يوم القيامة كما قال تعالى # بل الساعة موعدهم # [القمر: 46] لعذبهم بعذاب الاستئصال. وقيل: أراد بسبق الكلمة: ~~أن لا يعذبهم وأنت فيهم. # والمعنى: ولولا كلمة سبقت من ربك في تأخير العذاب عن ~~مكذبي القرآن إلى أجل مسمى يعني القيامة، لقضي بينهم ~~بالعذاب الواقع بمن كذب، { وإنهم لفي شك منه } ، من ~~صدقك وكتابك، { مريب }؛ أي موقع لهم الريبة، وقيل: ~~إنهم لفي شك من القرآن ظاهر الشك. ### || [41.46] # قوله تعالى: { من عمل صلحا فلنفسه ومن ~~أسآء فعليها... }؛ ظاهر المراد. ### || [41.47-48] # قوله تعالى: { إليه يرد علم الساعة }؛ أي لا ~~يعلم متى وقت قيامها إلا الله تعالى، ولا يجاب فيها بشيء، ~~ويقال: الله أعلم. # قوله تعالى: { وما تخرج من ثمرات من أكمامها ~~}؛ قرأ نافع وابن عامر (ثمرات) بالجمع، وقرأ الباقون (ثمرة) ~~على الوحدان. وقوله تعالى: { من أكمامها } الأكمام ~~جمع الكمة، وهي ليف النخل، وقال ابن عباس: (الأكمام ~~الكفري قبل أن ينشق، فإذا انشق فليس بأكمام) ~~{ وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه }؛ ~~بين الله أن الذي يعلم الثمار في الأكمام، والأولاد في ~~الأرحام مع مشاهدة الأكمام، والأمهات هو الله تعالى لا ~~يعلمه أحد غيره، ومن لم يشاهد شيئا منها أولى. # قوله تعالى: { ويوم يناديهم أين شركآئي }؛ فيه ~~وعيد للمشركين؛ أي يقال للمشركين يوم القيامة: أين شركائي في ~~ظنكم وزعمكم؟! فيقولون: { قالوا آذناك ما منا من ~~شهيد }؛ أي أعلمناك وعرفناك أنا كنا في الدنيا جهلاء ~~غير عارفين، ما منا من شهيد ms1863 أن لك شريكا، يتبرؤون ~~يومئذ من أن يكون مع الله شريك. وقوله تعالى: { وضل ~~عنهم }؛ أي ضاع، { ما كانوا يدعون }؛ يعبدون، { من ~~قبل }؛ في الدنيا. قوله تعالى: { وظنوا ما لهم من ~~محيص }؛ أي أيقنوا أنه لا خلاص لهم من النار. ### || [41.49] # وقوله تعالى: { لا يسأم الإنسان من دعآء الخير ~~}؛ أي لا يمل الإنسان من الخير، { وإن مسه الشر }؛ ~~والمكروه والأمراض والأسقام والشدائد، { فيئوس قنوط }؛ أي ~~يصير آيس شيء من عود النعمة، وزوال المكروه عنه، فيضجر ~~على ذلك غاية الضجر. ### || [41.50] # قوله تعالى: { ولئن أذقناه رحمة منا }؛ أي ~~نعمة منا، { من بعد ضرآء مسته }؛ من بعد مكروه ~~مسه، { ليقولن هذا لي }؛ أي بفضلي وقوتي وعمل ~~استحققته، وهذا من اختلاف الكفار. قوله تعالى: { ومآ ~~أظن الساعة قآئمة }؛ هذا يدل على أن هذا الإنسان كافر. # قوله تعالى: { ولئن رجعت إلى ربي إن لي ~~عنده للحسنى }؛ أي لست على يقين من البعث، فإن كان الأمر ~~على ذلك ورددت إلى ربي أن لي عنده الجنة ويعطيني في الآخرة ~~أفضل ما أعطاني في الدنيا. قال الله تعالى: { فلننبئن ~~الذين كفروا بما عملوا ولنذيقنهم من عذاب ~~غليظ }؛ وعيد لهم. ### || [41.51] # قوله تعالى: { وإذآ أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى ~~بجانبه }؛ أي اذا أنعمنا على الكافر أعرض عن الطاعة والشكر ~~وتباعد عن الواجب كبرا، { وإذا مسه الشر فذو دعآء ~~عريض } ، وإذا أصابه مكروه الدهر فإذا هو يئس يدعو الله ~~ليكشف ذلك عنه. # والمعنى بقوله تعالى { دعآء عريض } أي كثير لا يمل من ~~الدعاء. وإنما لم يقل: طويل؛ لأن ذكر العريض أبلغ في باب ~~الامتداد والانبساط، لأن العريض يدل على الطويل، ولا يدل الطويل ~~على العريض. ### || [41.52] # قوله تعالى: { قل أرأيتم إن كان من عند الله ~~}؛ أي قل يا محمد لأهل مكة: أرأيتم إن كان القرآن من ~~عند الله، { ثم كفرتم به من أضل }؛ عن الحق ~~والهدى، { ممن هو في شقاق بعيد }؛ خلاف للحق بعيد ~~عنه، وهو أنتم، فلا أحد أضل منكم. ### || [41.53-54] # قوله تعالى: { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي ms1864 ~~أنفسهم }؛ أي سنريهم دلائل التوحيد من مسير النجوم ~~وجريان الشمس والقمر طلوعا وغروبا على مر الدهور، وفي ~~الأرض من الجبال والأودية والأشجار. قوله تعالى: { وفي ~~أنفسهم } من مخارج الأنفاس ومجاري الدم وموضع العقل ~~والفكر والفهم وآلات الكلام. # وقيل: معنى { سنريهم آياتنا في الآفاق } أي سنريهم ما ~~نفتح من القرى على محمد صلى الله عليه وسلم في النواحي والأطراف ~~{ وفي أنفسهم } فتح مكة. قال الحسن: يعني (سنريهم ~~ظهور محمد على الآفاق وعلى مكة حتى يعرفوا ~~أنه مؤيد من قبل الله تعالى بعد أن كان واحدا ~~لا ناصر له). وذلك معنى قوله تعالى: { حتى يتبين ~~لهم أنه الحق }؛ أي ما يقول لهم النبي صلى الله عليه وسلم ~~هو الحق. # قوله تعالى: { أولم يكف بربك أنه على كل ~~شيء شهيد }؛ معناه: أولم يكف بربك شاهدا أن القرآن ~~من الله وأن النبي صلى الله عليه وسلم صادق وشهيد هو العالم. ~~قوله تعالى: { ألا إنهم في مرية من لقآء ~~ربهم }؛ معناه: ألا إنهم في شك من البعث والثواب والعقاب، { ~~ألا إنه بكل شيء محيط }؛ أحاط بكل شيء علما؛ ~~إنه يعلم الغيب والشهادة. ### | [42 - سورة الشورى] ### || [42.1-3] # { حم * عسق }؛ (ح) حلمه و (م) مجده و (ع) علمه و (س) سناؤه و ~~(ق) قدرته، أقسم الله بها، { كذلك يوحي إليك وإلى ~~الذين من قبلك الله العزيز الحكيم }؛ اخبارا بالغيب ~~ويكون قبل أن يكون، وقيل: الحاء من الرحمن، والميم من ملك، ~~والعين من عزيز والسين من قدوس والقاف من قاهر، ومعنى { كذلك ~~يوحي إليك } مثل ما أوحينا إليك بهذه السورة أوحينا إلى من ~~قبلك من الرسل. وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: (ليس ~~من نبي إلا وقد أوحي إليه ب حم عسق كما أوحي إلى ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم). ### || [42.4] # قوله تعالى: { له ما في السموت وما في الأرض ~~وهو العلي العظيم }؛ ظاهر المعنى. ### || [42.5] # قوله تعالى: { تكاد السموت يتفطرن من فوقهن }؛ ~~أي تكاد كل سماء تشقق فوق التي تليها من قول المشركين: ~~اتخذ ms1865 الله ولدا، ومن استعظام كفر أهل الأرض مع عظم نعم ~~الله تعالى عليهم. # قوله تعالى: { والملائكة يسبحون بحمد ربهم ~~}؛ أي ينزهون الله عن القول الذي تكاد السماوات يتفطرن منه، ~~{ ويستغفرون لمن في الأرض ألا إن الله هو ~~الغفور الرحيم }؛ لأوليائه وأهل طاعته. ### || [42.6] # قوله تعالى: { والذين اتخذوا من دونه أوليآء }؛ ~~يعني كفار مكة اتخذوا آلهة فعبدوها من دون الله، وقوله تعالى: ~~{ الله حفيظ عليهم }؛ أي الله حفيظ على أعمالهم ليجازيهم ~~بها، { ومآ أنت عليهم بوكيل }؛ أي لم يوكلك حتى تؤخذ ~~بهم وتعاقب بمخالفتهم. ### || [42.7] # قوله تعالى: { وكذلك أوحينآ إليك قرآنا ~~عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها }؛ أي كما ~~أنزلنا على من قبلك بلسان قومهم أنزلنا عليك قرآنا بلغة ~~العرب لتخوف به أم القرى وهي مكة، سميت أم القرى لأن ~~الأرض دحيت من تحتها. وقوله تعالى: { ومن حولها } أي ~~لتنذر أهل أم القرى ومن حولها من البلدان، وقيل: يعني ~~قرى الأرض كلها. # قوله تعالى: { وتنذر يوم الجمع }؛ وهو يوم القيامة، ~~يجمع الله فيه الأولين والآخرين، وأهل السماوات وأهل الأرض، ~~{ لا ريب فيه }؛ أي لا شك في الجمع فيه أنه كائن، ثم بعد ~~الجمع يتفرقون كما قال الله تعالى: { فريق في الجنة ~~وفريق في السعير }؛ أي طائفة من أهل الجمع وهم المؤمنون ~~يساقون إلى الجنة يتنعمون ويتمتعون، وطائفة يساقون إلى النار ذات ~~الوقود وهم الكفار فيها يعذبون. ### || [42.8] # قوله تعالى: { ولو شآء الله لجعلهم أمة ~~واحدة }؛ أي لو شاء لجمعهم على دين الإسلام بأن يعرفهم ~~طريق الحق بالاضطرار، ولكنه لم يفعله، أراد أن يعرضهم للثواب ~~والإلجاء يمنع من ذلك، ومثل قوله تعالى # ولو شآء الله لجمعهم على الهدى # [الأنعام: 35]. وقوله تعالى: { ولكن يدخل من يشآء في ~~رحمته }؛ أي في دين الإسلام، { والظالمون ما لهم من ~~ولي ولا نصير } ، يمنعهم؛ أي والكافرون ما لهم من ولي ~~يدفع عنهم العذاب ولا نصير يمنعهم من " النار ". ### || [42.9] # قوله تعالى: { أم اتخذوا من دونه أوليآء }؛ بل ~~اتخذ الكفار من دون الله أربابا، { فالله هو الولي }؛ ~~قال ms1866 ابن عباس: (وليك يا محمد وولي من اتبعك) { ~~وهو يحيي الموتى }؛ يبعثهم للجزاء، { وهو على كل ~~شيء }؛ من الإحياء والإماتة، { قدير }. ### || [42.10] # قوله تعالى: { وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه ~~إلى الله }؛ معناه: وما اختلفتم فيه من شيء من الدين فردوا ~~حكمه إلى كتاب الله، واعتمدوا الأدلة دون التقليد والشبه كما ~~قال الله تعالى: # فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول # [النساء: 59]. # وقوله تعالى: { ذلكم الله ربي }؛ الذي ادعوكم إلى عبادته ~~وهو الله ربي، { عليه توكلت }؛ في كفاية مهماتي، { ~~وإليه أنيب }؛ أي أرجع في المعاد. ### || [42.11] # قوله تعالى: { فاطر السموت والأرض }؛ أي هو ~~مبتدعهما ومدبرهما، { جعل لكم من أنفسكم أزواجا }؛ ~~أي خلق لكم من مثل خلقكم نساء، وخلق لكم، { ومن الأنعام ~~أزواجا }؛ ذكورا وإناثا لتكمل منافعكم بها، يعني خلق الذكر ~~والأنثى من الحيوان كله. قوله تعالى: { يذرؤكم فيه }؛ ~~أي يخلقكم في الرحم ويكثركم بالتزويج، ولولاه لم يكن الناس. # وقوله تعالى: { ليس كمثله شيء }؛ في العلم والقدرة ~~والتدبير، { وهو السميع }؛ بمقالة العباد، { البصير }؛ ~~بأعمالهم، والكاف في { كمثله } زائدة مؤكدة، والمعنى: ليس ~~مثله شيء، إذ لا يجوز أن يقال: ليس مثل مثله شيء؛ لأن من قال ~~ذلك فقد أثبت المثل لله سبحانه وتعالى عن ذلك علوا ~~كبيرا. ### || [42.12] # قوله تعالى: { له مقاليد السموت والأرض }؛ أي ~~له مفاتيحها، قال ابن عباس: (يريد مفاتيح الرزق في ~~السماوات والأرض). وقال الكلبي: (مقاليد السماوات ~~خزائن المطر، وخزائن الأرض النبات). والمعنى أنه ~~يقدر على فتحها، يملك فتح السماء بالمطر، وفتح الأرض بالنبات، ~~يدل على هذا قوله تعالى: { يبسط الرزق لمن يشآء ~~ويقدر }؛ أي يوسعه على من يشاء، ويضيقه على من يشاء؛ ~~لأن مفاتيح الرزق بيده، { إنه بكل شيء عليم }؛ من ~~البسط والضيق ما لا يفعل ذلك جزافا، ولكن يرزق كل أحد على ~~ما توجبه الحكمة. ### || [42.13] # قوله تعالى: { شرع لكم من الدين }؛ أي بين وأوضح ~~من الدين، { ما وصى به نوحا }؛ يعني التوحيد، { والذي ~~أوحينآ إليك }؛ من القرآن وشرائع الإسلام، { وما ~~وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى ms1867 }؛ وشرع لكم ما وصى ~~به إبراهيم وموسى وعيسى. # ثم بين ما وصى به هؤلاء فقال: { أن أقيموا الدين }؛ يعني ~~التوحيد، { ولا تتفرقوا فيه }؛ أي لا تختلفوا في التوحيد، ~~قال مجاهد: (يعني شرع لكم ولمن قبلكم من ~~الأنبياء دينا واحدا؛ لأن الله تعالى لم يبعث ~~نبيا إلا وصاه بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ~~والإقرار بالله تعالى والطاعة في كل شيء أمره ~~الله به، فذلك دينه الذي شرعه لهم). # قوله تعالى: { كبر على المشركين ما تدعوهم ~~إليه }؛ قال مقاتل: (معناه: عظم على مشركي مكة ما ~~دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم من توحيد الله تعالى ~~والإخلاص له وحده وخلع الأنداد). # قوله تعالى: { الله يجتبي إليه من يشآء }؛ أي ~~يصطفي من عباده لدينه من يشاء، { ويهدي إليه }؛ إلى دينه؛ { ~~من ينيب }؛ أي من يقبل إلى طاعته، وقيل: معناه: الله ~~يختار لرسالته من يشاء ممن تقتضي الحكمة اختياره، ويهدي إلى ~~جنته وثوابه من يرجع إلى طاعته. ### || [42.14] # قوله تعالى: { وما تفرقوا إلا من بعد ما ~~جآءهم العلم بغيا بينهم }؛ أي ما اختلف اليهود ~~والنصارى إلا من بعد ما وضح لهم أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وذلك أنهم كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، فأنكر من ~~أنكر من علمائهم للبغي والعداوة على طلب الدنيا، خافوا أن تذهب ~~عنهم رئاستهم ومكانتهم، وأن يصيروا تابعين بعد أن كانوا متبوعين، ~~فتركوا اسم الإسلام، وقوله تعالى { بغيا بينهم } أي بغيا ~~منهم على محمد صلى الله عليه وسلم. # قوله تعالى: { ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل ~~مسمى لقضي بينهم }؛ أي لولا حكم الله بإنظارهم ~~وتأخير العذاب عن هذه الأمة { إلى أجل مسمى } يعني يوم ~~القيامة { لقضي بينهم } أي بين من آمن ومن كفر بنزول ~~العذاب بالمكذبين في الدنيا. وقوله تعالى: { وإن الذين ~~أورثوا الكتاب من بعدهم }؛ يعني اليهود والنصارى أورثوا ~~التوراة من بعد أنبيائهم وأسلاف أحبارهم، { لفي شك منه ~~مريب }؛ من دين الإسلام ظاهر الشك. ### || [42.15] # قوله تعالى: { فلذلك فادع واستقم كمآ أمرت ~~ولا تتبع أهوآءهم }؛ أي فلذلك الذي سبق ms1868 ذكره، يعني الذي ~~وصى به الأنبياء من التوحيد فادع. وقيل: معناه: فلأجل ما وقع ~~منهم من الشك فادع واستقم على دين الإسلام كما أمرت ولا تتبع ~~أهواء أهل الكتاب، وذلك أنهم دعوا إلى دينهم، { وقل آمنت ~~بمآ أنزل الله من كتاب }؛ أي آمنت بكتب الله كلها. وإنما ~~قال ذلك لأن الذين تفرقوا آمنوا ببعض الكتب دون بعض. وقوله ~~تعالى: { وأمرت لأعدل بينكم }؛ أي أمرت أن لا أحيف عليكم ~~بأكثر مما افترض الله عليكم في الأحكام. # وقوله تعالى: { الله ربنا وربكم }؛ أي إلهنا وإلهكم ~~وإن اختلفت أعمالنا، وكل يجازى بما عمل. قوله تعالى: { ~~لنآ أعمالنا ولكم أعمالكم }؛ لنا جزاء أعمالنا ولكم ~~جزاء أعمالكم، لا يؤاخذ أحد بعمل غيره، قوله تعالى: { لا ~~حجة بيننا وبينكم }؛ أي قد ظهر الحق وسقط الباطل، ومع ~~ذلك الحجة لنا عليكم لظهورها، وقوله تعالى: { الله يجمع ~~بيننا }؛ وبينكم في الآخرة فيجازي كلا بعمله، { وإليه ~~المصير }. ### || [42.16] # قوله تعالى: { والذين يحآجون في الله من بعد ~~ما استجيب له }؛ أي والذين يخاصمون في دين الله من بعد ظهور ~~دلائله، وهم اليهود والنصارى قالوا: كتابنا قبل كتابكم، ونبينا ~~قبل نبيكم، فنحن خير منكم! فهذه خصومتهم وإنما قصدوا بما قالوا ~~دفع ما أتى به محمد صلى الله عليه وسلم، وقوله تعالى: { من ~~بعد ما استجيب له } أي من بعد ما دخل الناس في الإسلام ~~وأجابوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما دعاهم إليه، { ~~حجتهم داحضة عند ربهم }؛ أي خصومتهم باطلة حين ~~زعموا أن دينهم أفضل من الإسلام، وقوله { عند ربهم } أي في ~~حكم ربهم، وإنما قال ذلك لأنها لم " تكن " باطلة في زعمهم، { ~~وعليهم غضب }؛ من الله، { ولهم عذاب شديد } في ~~الآخرة. ### || [42.17] # قوله تعالى: { الله الذي أنزل الكتاب بالحق ~~والميزان }؛ معناه: الله الذي أنزل القرآن بالحق؛ أي بما ~~ضمنه من الأمر والنهي والفرائض والأحكام، وكله حق من الله ~~تعالى. وقوله تعالى { والميزان } اختلفوا في إنزال الميزان، قال ~~الحسن ومجاهد والضحاك: (أراد به العدل) وإنما كنى عن العدل ~~بالميزان لأن ms1869 الميزان طريق معه العدل والمساواة. # وقال بعضهم: أنزل الميزان الذي يوزن به في زمن نوح عليه السلام. ~~وقال ابن عباس: (أمر الله بالوفاء، ونهى عن البخس). # قوله تعالى: { وما يدريك لعل الساعة قريب }؛ ~~هذا تخويف للمشركين من قرب الساعة لينزجروا، وقد كان قوم من ~~المشركين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة تكذيبا بها، ~~فأنزل الله هذه الآية، وإنما قال { قريب } ولم يقل قريبة؛ لأن ~~تأنيث الساعة غير حقيقي كما في قوله تعالى # إن رحمت الله قريب # [الأعراف: 56] ولأن معنى الساعة البعث. ### || [42.18] # قوله تعالى: { يستعجل بها الذين لا يؤمنون ~~بها }؛ والذين يستعجلون بها قصد الإتيان بها استبعادا لقيامها ~~لأنهم لا يؤمنون بها، وهذه طريقة الجهلاء في كل شيء يجحدونه ~~من حقائق الأمور. # وقوله تعالى: { والذين آمنوا مشفقون منها }؛ أي ~~خائفون منها لا يدرون على ما يقدمون عليه لأنهم موقنون أنهم ~~مبعوثون محاسبون، { ويعلمون أنها الحق }؛ أي الساعة لا ~~ريب فيها. # قوله تعالى: { ألا إن الذين يمارون في الساعة ~~}؛ تدخلهم المرية والشك في القيامة، { لفي ضلال بعيد }؛ ~~حين لم يفكروا فيعلموا أن الذي خلقهم أولا قادر على بعثهم. ### || [42.19] # قوله تعالى: { الله لطيف بعباده }؛ أي بار رحيم ~~بهم، يعني أهل طاعة، وقال مقاتل: (لطيف بالبر والفاجر، لا ~~يهلكهم جوعا)، يدل على هذا قوله تعالى: { يرزق من ~~يشآء }؛ وكل من رزقه الله من مؤمن وكافر ذي روح ممن يشاء أن ~~يرزقه، { وهو القوي }؛ على ما أراد من رزق من يرزقه، { ~~العزيز } يعني الغالب الذي لا يلحقه عجز فيما أراد. واللطيف ~~هو الموصل للنفع إلى غيره من جهة يدق استدراكها. ### || [42.20] # قوله تعالى: { من كان يريد حرث الآخرة نزد له ~~في حرثه }؛ أي من كان يريد بعمله نفع الآخرة { نزد له في ~~حرثه } أي نعينه على العبادة، ونسهل له، وقيل: نزد له ~~في ثوابه الحسنة بعشر أمثالها. وقيل: نزد له في قوته ~~ونشاطه وخشيته في العمل، كما قال تعالى # والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا # [العنكبوت: 69]. # قوله تعالى: { ومن كان يريد حرث ms1870 الدنيا }؛ أي ومن ~~كان يريد بعمله نفع الدنيا من رزق أو محمدة، { نؤته ~~منها }؛ ما نشاء على ما تقتضيه الحكمة، { وما له في الآخرة ~~من نصيب }؛ من ثواب؛ لأنه عمل لغير الله، قال السدي: (هذا ~~المنافق، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيه ~~سهمه من الغنيمة). ### || [42.21-22] # قوله تعالى: { أم لهم شركاء شرعوا لهم من ~~الدين ما لم يأذن به الله }؛ يعني كفار مكة ألهم ~~آلهة سنوا من الدين والشريعة ما لم يعلم الله به؟ قال ابن ~~عباس: (شرعوا لهم دينا غير دين الإسلام) { ولولا ~~كلمة الفصل لقضي بينهم }؛ أي لولا حكم الله بأن ~~يفصل بينهم يوم القيامة لعاجلهم بالعقوبة، { وإن ~~الظالمين لهم عذاب أليم }؛ أي وجيع في الآخرة { ترى ~~الظالمين } ، الذين يكذبونك خائفين يوم القيامة، { مشفقين ~~مما كسبوا }؛ من الكفر والتكذيب، { وهو واقع بهم }؛ أي ~~وجزاؤه واقع بهم. # قوله تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~في روضات الجنات }؛ الروضة: هي البستان الجامع لأنواع ~~الرياحين، والجنة هي البستان الجامع لأنواع الشجر، { لهم ~~ما يشآءون عند ربهم }؛ من النعيم في حكمة ربهم، { ذلك ~~هو الفضل الكبير }؛ أي المن العظيم من الله تعالى. ### || [42.23] # قوله تعالى: { ذلك الذي يبشر الله عباده ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات }؛ أي ذلك الذي سبق ~~ذكره من النعيم يبشر الله عباده المؤمنين المخلصين. # قوله تعالى: { قل لا أسألكم عليه أجرا إلا ~~المودة في القربى }؛ أي لا أسألكم على تبليغ الرسالة؛ أي ~~تعليم الشريعة أجرا، وهذا دأب كل نبي مع قومه، وقوله تعالى: { ~~إلا المودة في القربى } أي لا أسألكم عليه أجرا ~~إلا أن تصلوا ما بيني وبينكم من القرابة. قال ابن عباس: (لم ~~يكن بطن من بطون قريش إلا ولرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قرابة فيهم). # والمعنى: قل لا أسألكم على ما أدعوكم إليه من الحق إلا أن ~~تحفظوني في قرابتي بيني وبينكم. وقال مجاهد: (معناه: يا ~~معشر قريش لا أسألكم على ما أقول أجرا، أرقبوني ~~في الدعاء بيني وبينكم، ولا تعجلوا إلي ~~ودعوني والناس). وقال الحسن: ms1871 (معناه: إلا أن تؤدوا ~~إلى الله فيما يقربكم إليه من العمل الصالح). # وعن ابن عباس قال: # " لما نزلت { قل لا أسألكم عليه أجرا إلا ~~المودة في القربى } قالوا: يا رسول الله من ~~هؤلاء الذين يأمرنا الله بمودتهم؟ قال: " علي ~~وفاطمة وولدهما " ". # وعن علي رضي الله عنه قال: (قال فينا، في آل محمد، في ~~حم آية لا يحفظ مودتنا إلا كل مؤمن، ثم ~~قرأ: { قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة ~~في القربى } )، وقال الكلبي: (معناه: لا أسألكم على ~~الإيمان جعلا إلا أن توادوا أقاربي، حث الله الناس ~~على مودة ذوي قرابته). # وعلى الأقوال كلها قوله { إلا المودة } استثناء ليس من ~~الأول، وليس المعنى: أسألكم المودة في القربى؛ لأن الأنبياء ~~لا يسألون أجرا على تبليغ الرسالة، والمعنى ولكني أذكركم ~~المودة في قرابتي. # قوله تعالى: { ومن يقترف حسنة نزد له فيها ~~حسنا }؛ أي ومن يكتسب حسنة نجازيه عليها أضعافا، بالواحدة ~~عشرا فصاعدا، { إن الله غفور }؛ لذنوب الناس، { شكور }؛ ~~للقليل حتى يضاعفه. ### || [42.24] # قوله تعالى: { أم يقولون افترى على الله كذبا ~~}؛ يعني كفار مكة قالوا: اختلق محمد كذبا حين زعم أن ~~القرآن من عند الله، فاغتممت لذلك يا محمد، { فإن ~~يشإ الله يختم على قلبك }؛ أي يربط على قلبك ~~بالصبر على أذاهم حتى لا يشق عليك قولهم، { ويمح الله ~~الباطل } ، ويذهب الله ما يقولون من الباطل، { ويحق ~~الحق }؛ يعني الإسلام، { بكلماته }؛ أي بما أنزل من كتابه، ~~وقد فعل الله ذلك فأزهق باطلهم وأعلى كلمة الإسلام، { إنه ~~عليم بذات الصدور }؛ أي بما " في " قلوب خلقه. ### || [42.25-26] # قوله تعالى: { وهو الذي يقبل التوبة عن ~~عباده ويعفوا عن السيئات ويعلم ما تفعلون }؛ ~~من خير وشر، من قرأ بالتاء فهو خطاب للمشركين وتهديد لهم، { ~~ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات }؛ أي ~~يجيبهم ما سألوه. قال ابن عباس: (يثيبهم)، { ويزيدهم ~~من فضله }؛ سوى ثواب أعمالهم تفضلا عليهم، وقال أبو صالح: ~~(يشفعهم في إخوانهم)، { والكافرون لهم عذاب ~~شديد }. ### || [42.27] # قوله تعالى: { ولو بسط الله الرزق لعباده ~~لبغوا في الأرض }؛ أي ms1872 لو وسع على عباده لطغوا وتطاولوا، ~~وقال مقاتل: (معناه: لو وسع الله لعباده فرزقهم ~~من غير كسب لعصوا وبطروا النعمة وطلبوا ما ~~ليس لهم أن يطلبوه)؛ لأن الذي يوسع عليه ~~يرتفع من منزلة إلى منزلة، ومن مركب إلى ~~مركب، ومن ملبس إلى ملبس، ويستطيل بذلك على ~~الناس، ويستعين برزق الله على المعصية. # وقوله تعالى: { ولكن ينزل بقدر ما يشآء }؛ معناه: ~~ولكن يوسع على قوم، ويضيق على آخرين على ما تقتضيه الحكمة، ~~{ إنه بعباده خبير بصير } أي أعلم بهم من أنفسهم، ~~منهم من يصلح له الفقر ولو أغناه لكان شرا له، ومنهم من يصلح له ~~الغنى، ولو أفقره لكان شرا له. ### || [42.28] # قوله تعالى: { وهو الذي ينزل الغيث من بعد ~~ما قنطوا }؛ أي ينزل المطر من بعد ما يئسوا منه، { ~~وينشر رحمته }؛ بإخراج النبات والثمار، وقيل: معنى ~~(ينشر رحمته) أي يبسط مطره، { وهو الولي }؛ لمن ~~أطاعه، وقيل: وهو الولي بإنزال المطر عاما بعد عام، { ~~الحميد }؛ المستحق للحمد على خلقه بإنعامه عليهم. ### || [42.29] # قوله تعالى: { ومن آياته خلق السموت والأرض ~~وما بث فيهما من دآبة }؛ معناه: ومن دلائل توحيده خلق ~~السماوات والأرض بما فيهما من الشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والبحار والأشجار { وما بث فيهما } أي وما فرق فيهما من ~~الملائكة والناس وغيرهم، وقيل: معناه: وما بث في الأرض من ~~دابة، وهذا كقوله # يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان # [الرحمن: 22] وإنما يخرج من أحدهما، { وهو على جمعهم }؛ في ~~الآخرة، { إذا يشآء قدير }. ### || [42.30-31] # قوله تعالى: { ومآ أصبكم من مصيبة }؛ يعني وما ~~أصابكم من المعاصي في النفس والمال والولد أو نكبة حجر أو ~~عثرة قدم، { فبما كسبت أيديكم } ، يعني المعاصي، { ~~ويعفوا عن كثير }؛ فلا يعاقب بها لطفا بهم. # قال صلى الله عليه وسلم: # " ما من خدشة عود أو عثرة قدم أو اختلاج عرق ~~إلا بذنب، وما يعفو الله تعالى أكثر " # وقال الحسن: (معنى الآية: وما أصابكم من حد في ~~سرقة أو زنى فبما كسبت أيديكم). وقال الضحاك: (ما ~~حفظ رجل القرآن ثم نسيه إلا بذنب) وقرأ ms1873 هذه ~~الآية وقال: إن أعظم الذنوب نسيان القرآن). # وفي مصاحف المدينة والشام (بما كسبت أيديكم). قال ~~الزجاج: (وإثبات الفاء أجود لأن الفاء جواب ~~الشرط). ومن حذفها فعلى أن (ما) بمعنى (الذي) ~~تقديره: والذي أصابكم وقع بما كسبت أيديكم) { ومآ أنتم ~~بمعجزين في الأرض }؛ يا معشر المشركين لا تعجزوني في ~~السماوات حيث كنتم، ولا تسبقونني هربا في الأرض ولا في السماء ~~لو كنتم فيهما، { وما لكم من دون الله من ولي ولا ~~نصير }. ### || [42.32-33] # قوله تعالى: { ومن آياته الجوار في البحر ~~كالأعلام }؛ أي ومن آياته الدالة على توحيده وقدرته الجواري ~~في البحر، وهي السفن جمع جارية تجري في البحر، { ~~كالأعلام } أي كالجبال الطوال، { إن يشأ يسكن ~~الريح }؛ معناه: إن شاء الله يسكن الريح التي تجري بها ~~السفن فيبقين واقفات على ظهر الماء، ويبقى أهلها حيارى لا ~~يجدون حيلة في الخلاص؛ لأن ماء البحر راكد لا تجري السفينة فيه ~~إلا بريح تجريه، فذلك معنى قوله تعالى: { فيظللن رواكد ~~على ظهره }؛ يعني السفن رواكد؛ أي ثوابت على ظهر البحر ~~لا تجري ولا تبرح، { إن في ذلك لآيات }؛ أي لدلالات على ~~توحيد الله تعالى، { لكل صبار }؛ على طاعته، { شكور }؛ على ~~نعمه. وقيل: لكل صبار في الشدة، شكور في الرخاء. ### || [42.34] # قوله تعالى: { أو يوبقهن بما كسبوا }؛ أي ~~يهلكهن بالريح العاصف، ويغرقهن، يعني: أهلهن { بما ~~كسبوا } أي بما أشركوا واقترفوا من الذنب، { ويعف عن كثير ~~}؛ من ذنوبهم فينجيهم من الغرق والهلاك. والمعنى: { أو ~~يوبقهن } وإن يشأ يعف عن كثير فتجري السفن على ما ~~يشاؤون. ### || [42.35] # قوله تعالى: { ويعلم الذين يجادلون في آياتنا ~~ما لهم من محيص }؛ يعني أن الكفار الذين يكذبون بالقرآن ~~إذا صاروا إلى الله بعد البعث علموا أن لا مهرب لهم من عذاب ~~الله تعالى. # فمن قرأ (ويعلم) بالرفع فعلى الابتداء من غير أن يكون ~~معطوفا على (ويعف) لأن علم الله تعالى مقطوع به لا يجوز ~~تعليقه بمشيئة، ومن قرأ بالنصب فهو نصب على إضمار (أن) معناه: ولئن ~~يعلم الذين ينازعون في آياتنا ms1874 بالتكذيب أنه لا مخلص لهم في ~~الآخرة من عذابه، كما لا مخلص لأهل السفينة من البحر إلا ~~بالله. ### || [42.36] # قوله تعالى: { فمآ أوتيتم من شيء فمتاع ~~الحياة الدنيا }؛ أي ما أعطيتم من شيء مما في أيديكم فهو ~~متاع يتمتع به إلى حين، { وما عند الله خير وأبقى }؛ ~~من الثواب أفضل وأدوم مما في أيديكم، ثم بين الله لمن ~~الثواب فقال: { للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ~~}. ### || [42.37] # قوله تعالى: { والذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون }؛ قد تقدم ~~الكلام في الكبائر والفواحش في سورة النساء، قال مقاتل: ~~(الفواحش ما يقام فيها الحد في الدنيا). وقيل: ~~الفواحش الزنى وأنواعه، وكبائر الإثم الشرك، كذا قال ابن ~~عباس. وقرأ حمزة (كبير الإثم) على الوحدان وهو يريد الجمع. # وقوله تعالى { وإذا ما غضبوا هم يغفرون } أي ~~يكظمون الغيظ ويعفون عمن ظلمهم، ويطلبون بذلك ثواب الله ~~وعفوه. وهذه الآية نزلت في أبي بكر رضي الله عنه حين أقبل رجل من ~~المشركين يشتمه ويقع فيه ولم يرد عليه أبو بكر رضي الله عنه. ### || [42.38] # قوله تعالى: { والذين استجابوا لربهم ~~وأقاموا الصلاة }؛ أي أجابوه إلى ما دعاهم إليه من التوحيد ~~والعبادة، { وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ~~ينفقون } أي فعالا من المشورة، وهي الأمر الذي يتشاور فيه، ~~يقال: صار هذا الأمر شورى بين القوم إذا تشاوروا فيه. # والمعنى أنهم يتشاورون فيما يبدو لهم، ولا يعجلون في الأمر. ~~وقال الحسن: (والله ما تشاور قوم إلا هداهم الله ~~تعالى لأفضل ما بحضرتهم). والمعنى: أنهم إذا حدث بهم ~~أمر لا نص فيه من كتاب ولا سنة ولا إجماع؛ شاور بعضهم بعضا ~~لإظهار الحق. ### || [42.39] # قوله تعالى: { والذين إذآ أصابهم البغي هم ~~ينتصرون } ، معناه: الذين إذا أصابهم البغي والظلم والعدوان هم ~~ينتصرون ممن ظلمهم، قال عطاء: (يعني المؤمنين ~~الذين أخرجهم الكفار من مكة وبغوا عليهم، ~~ثم مكنهم الله تعالى في الأرض حتى انتصروا ~~ممن ظلمهم). # قال ابن زيد: (جعل الله المومنين صنفين: صنف ~~يعفون عمن ظلمهم، فبدأ بذكرهم فقال: # وإذا ms1875 ما غضبوا هم يغفرون # [الشورى: 37]. وصنف ينتصرون ممن ظلمهم، وهم ~~الذين ذكروا في هذه الآية، ومن انتصر فأخذ ~~حقه ولم يجاوز في ذلك ما حد الله فهو مطيع لله، ~~ومن أطاع الله فهو محمود). # ثم اعلم: أن أول هذه الآية يقتضي أن الاقتصار بأخذ الواجب من ~~القصاص أو نحوه أفضل؛ لأن الله تعالى عطف هذه الآية على الآية التي ~~ذكر فيها الاستجابة لله تعالى وإقام الصلاة. # وتكلموا في معنى ذلك، قال بعضهم: أراد به الانتصار ممن ~~فارقهم في دينهم، فأما من المسلمين فالانتصار مباح، كما قال # ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من ~~سبيل # [الشورى: 41] والعفو أفضل، كما قال تعالى # وأن تعفوا أقرب للتقوى # [البقرة: 237]، وقال تعالى: # فمن عفا وأصلح فأجره على الله # [الشورى: 40]. # وقال بعضهم: إذا كان العفو يؤدي إلى الإخلال بشيء من حقوق الله ~~مثل العفو عن الفاسق الذي لا يرتدع، والعفو عن الباغي الذي لا يكون ~~مصرا على قصده، فالانتصار أولى من العفو، وإذا كان العفو لا ~~يؤدي إلى إسقاط شيء من حقوق الله تعالى فالعفو أفضل كما قال ~~تعالى في آية القصاص # فمن تصدق به فهو كفارة له # [المائدة: 45]. وفي بعض التفاسير: إنما جعل الانتصار في أول ~~هذه الآيات أفضل لأنهم كانوا يكرهون أن يذللوا أنفسهم ~~فيجترئ عليهم الفساق. ### || [42.40] # قوله تعالى: { وجزآء سيئة سيئة مثلها }؛ فيه ~~بيان أنه لا تجوز الزيادة على السيئة الأولى، وإنما سميت الثانية ~~سيئة لأنها في مقابلة الأولى، والأولى سيئة لفظا ومعنى، ~~والثانية سيئة لفظا لا معنى، وسميت بهذا الاسم لأن مجازاة السوء ~~لا تكون إلا بمثله، قال مقاتل: (معنى هذه الآية في ~~القصاص في الجراحات والدماء). # قوله تعالى: { فمن عفا وأصلح فأجره على الله ~~}؛ أي من عفى عمن ظلمه وأصلح بالعفو بينه وبين ظالمه فأجره على ~~الله تعالى، وقوله تعالى: { إنه لا يحب الظالمين }؛ ~~يعني من يبدأ بالظلم. وفيه بيان أن الله تعالى إنما ندب ~~المظلوم إلى العفو لا لميله إلى الظالم أو لحبه إياه، ولكن ~~ليعرض المظلوم لجزيل ms1876 الثواب بالعفو. ### || [42.41-42] # قوله تعالى: { ولمن انتصر بعد ظلمه }؛ أي بعد ~~ظلم الظالم إياه، فالمصدر ها هنا مضاف إلى المفعول، كقوله: # من دعآء الخير # [فصلت: 49] و # بسؤال نعجتك # [ص: 24]، { فأولئك ما عليهم من سبيل * إنما ~~السبيل على الذين يظلمون الناس }؛ يعني الذين ~~يبدأون بالظلم، { ويبغون في الأرض بغير الحق }؛ ~~أي يعملون بالمعاصي، { أولئك لهم عذاب أليم }. ### || [42.43] # قوله تعالى: { ولمن صبر وغفر }؛ يعني من صبر ولم ~~ينتصر وغفر، { إن ذلك }؛ الصبر والتجاوز، { لمن عزم ~~الأمور }؛ قال مقاتل: (من الأمور التي أمر الله بها)، ~~والمراد بذلك إذا كان الجاني نادما مقلعا. ~~والعزم على الشيء هو أن يعقد قلبه على أنه سيفعله، ~~وكلها كانت رغبة الصابر في الثواب أكثر كان عزمه على التجاوز ~~أتم لتيقنه بالخلف والثواب. ### || [42.44] # قوله تعالى: { ومن يضلل الله }؛ أي من يخذله الله ~~بعناده وجحوده، ويضله عن الهدى، { فما له من ولي من ~~بعده }؛ أي ما له من أحد يلي هدايته بعد إضلال الله ~~إياه. وقيل: معناه: من يهلكه الله ويضيعه فما له ~~من ولي يلي أمره ويدفع عنه العذاب. # قوله تعالى: { وترى الظالمين }؛ أي ترى المشركين يا ~~محمد، { لما رأوا العذاب }؛ في الآخرة يسألون الرجعة ~~إلى الدنيا، { يقولون هل إلى مرد من سبيل }. ### || [42.45-46] # قوله تعالى: { وتراهم يعرضون عليها }؛ أي على ~~النار قبل أن يدخلوها، { خاشعين من الذل }؛ أي أذلاء من ~~الهوان، وقيل: ساكنين متواضعين، { ينظرون من طرف ~~خفي }؛ أي ينظرون إلى النار سارقة الأعين نظر الخائف؛ أي ~~من يخافه فزعا منه. وقيل: معنى { خاشعين } مطرقين من ~~الخجل والوجل، والطرف هو العين. # وعن ابن عباس أنه قال: (ينظرون بقلوبهم نظر الأعمى، ~~إذا سمع حسا وقف مستمعا خائفا منه لأن الله ~~تعالى قال: # ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا ~~وبكما وصما # [الإسراء: 97]). # قوله تعالى: { وقال الذين آمنوا إن الخاسرين ~~الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة }؛ ~~أي عرف المؤمنون خسران الكفار في ذلك اليوم فقالوا: { إن ~~الخاسرين الذين خسروا أنفسهم } بأن صاروا إلى ~~النار، وأهليهم في الجنة بأن صاروا ms1877 لغيرهم. وقوله تعالى: { ~~ألا إن الظالمين في عذاب مقيم }؛ أي دائم لا ينقطع، ~~{ وما كان لهم من أوليآء ينصرونهم من دون الله ~~ومن يضلل الله فما له من سبيل }. ### || [42.47] # قوله تعالى: { استجيبوا لربكم }؛ أي أجيبوا داعي ~~ربكم، يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، { من قبل أن يأتي ~~يوم لا مرد له من الله }؛ لا يقدر أحد على دفعه وهو ~~يوم القيامة، { ما لكم من ملجأ يومئذ }؛ تلجأون ~~إليه، { وما لكم من نكير }؛ ينكر العذاب ويدفعه عنكم، ~~وقيل: لا تقدرون أن تنكروا ما توقفون عليه من ذنوبكم وما ~~ينزل بكم. ### || [42.48] # قوله تعالى: { فإن أعرضوا فمآ أرسلناك ~~عليهم حفيظا }؛ فإن أعرضوا عن إجابتك يا محمد فما ~~أرسلناك عليهم حفيظا تحفظ أعمالهم وأقوالهم، { إن عليك ~~إلا البلاغ }؛ عن الله. # قوله تعالى: { وإنآ إذآ أذقنا الإنسان منا ~~رحمة }؛ أي غنى وصحة، { فرح بها }؛ يعني الكافر، { وإن ~~تصبهم سيئة }؛ أي قحط، { بما قدمت أيديهم }؛ من ~~الكفر، { فإن الإنسان كفور }؛ لما تقدم من نعم الله ~~عليه ويجحد. ### || [42.49-50] # قوله تعالى: { لله ملك السموت والأرض }؛ أي له ~~التصرف فيهما بما يريد، { يخلق ما يشآء يهب لمن يشآء ~~إناثا }؛ مثل ما وهب للوط عليه السلام، { ويهب لمن ~~يشآء الذكور }؛ مثل ما وهب لإبراهيم عليه السلام لم يكن له ~~ولد أنثى، { أو يزوجهم ذكرانا وإناثا }؛ أي يجمع ~~لمن يشاء البنين والبنات، كما وهب لنبينا محمد صلى الله ~~عليه وسلم فإنه كان له ثلاثة بنين وأربع بنات، { ويجعل من ~~يشآء عقيما }؛ لا يولد له مثل يحيى وعيسى عليه السلام، { ~~إنه عليم }؛ بعواقب الأمور وأواخرها وأوائلها، وفواتحها ~~وخواتمها، وظواهرها وبواطنها، { قدير }؛ على كل شيء، لا يلحقه ~~عجز ولا يعتريه منع. ### || [42.51] # قوله تعالى: { وما كان لبشر أن يكلمه الله ~~إلا وحيا أو من ورآء حجاب أو يرسل رسولا ~~فيوحي بإذنه ما يشآء }؛ أي ما كان لآدمي أن يكلمه ~~الله مواجهة بغير حجاب، إلا أن يوحي أن يقذف في قلبه ويلهم ~~إما في المنام أو بالإلهام، كما أخبر الله في ms1878 قصة إبراهيم عليه ~~السلام في قوله # إني أرى في المنام أني أذبحك # [الصافات: 102]. # وقوله تعالى: { أو من ورآء حجاب } كما كلم موسى عليه ~~السلام، كان يسمع كلامه من حيث لا يراه، أو يرسل من الملائكة ~~جبريل أو غيره فيوحي ذلك الرسول إلى المرسل إليه بإذن الله ما ~~يشاء الله. # قال الزجاج: (المعنى: أن كلام الله للبشر إما أن ~~يكون بإلهام أو يكلمهم من وراء حجاب كما كلم ~~موسى، أو برسالة ملك إليهم). فمن قرأ (أو يرسل) بنصب ~~اللام فمعناه: أو أن يرسل رسولا من الملائكة، كما أرسل جبريل ~~عليه السلام، وتقديره: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا ~~أن يوحي إليه أو يكلمه من وراء حجاب أو يرسل رسولا. ومن قرأ ~~بالرفع أراد: وهو يرسل فهو ابتداء واستئناف، والوقف كاف على ما ~~قبله. # وقوله تعالى: { إنه علي حكيم }؛ أي هو أعلى من أن يدركه ~~الخلق بالأبصار الفانية بلا حجاب، الحكيم فيما يأمر وينهى. ### || [42.52-53] # قوله تعالى: { وكذلك أوحينآ إليك روحا من ~~أمرنا }؛ أي كما أوحينا إلى الرسل من قبلك أوحينا إليك ~~جبريل بالقرآن الذي " فيه " حياة القلوب من الجهل. ومن هذا سمي ~~القرآن روحا؛ لأنه سبب حياة الدين، كما أن الروح سبب حياة ~~الجسد. وقال مقاتل: (معنى قوله { روحا } يعني الوحي) ~~وهو القرآن؛ لأنه يهتدى به، ففيه حياة من موت ~~الكفر. وقوله { من أمرنا } ، وقيل: إن الروح ها هنا ~~جبريل. # وقوله: { ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان }؛ أي ما ~~كنت تدري قبل الوحي ما الكتاب ولا ما الإيمان؛ قيل: لأنه كان لا ~~يعرف القرآن قبل الوحي، ولا كان يعرف بشرائع الإيمان ومعالمه، وهي ~~كلها إيمان، وهذا اختيار الإمام محمد بن جرير، واحتج بقوله # وما كان الله ليضيع إيمانكم # [البقرة: 143] يعني الصلاة سماها إيمانا. وقيل: معناه: ما ~~كنت تدري ما الإيمان قبل البلوغ، يعني حين كان طفلا في ~~المهد. وقال الحسين بن الفضل: (هذا من باب حذف المضاف؛ ~~معناه: " أي ما كنت تدري ما الكتاب " ولا أهل ~~الإيمان " أي ms1879 " من الذي يؤمن ومن الذي لا يؤمن)، ~~وفي الجملة لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على ~~الكفر قط، وإنه كان على فطرة الإسلام حين ~~ولد، وكذلك جميع أنبياء الله صلوات الله عليهم ~~قبل الوحي كانوا مؤمنين، وكان محمد صلى الله عليه ~~وسلم يعبد الله قبل الوحي على دين إبراهيم عليه ~~السلام. # قوله تعالى: { ولكن جعلناه نورا }؛ يعني الوحي ~~ودليلا على الإيمان والتوحيد، { نهدي به من نشآء من ~~عبادنا }؛ إلى دين الحق، { وإنك لتهدي إلى صراط ~~مستقيم }؛ أي لتدعو الخلق كلهم بوحينا إليك إلى طريق قائم ~~يرضاه الله وهو الإسلام. وقوله تعالى: { صراط الله الذي ~~له ما في السموت وما في الأرض }؛ خفض على البدل، ~~وقوله تعالى: { ألا إلى الله تصير الأمور }؛ أي إليه ترجع ~~عواقب الأمور في الآخرة. ### | [43 - سورة الزخرف] ### || [43.1-3] # { حم * والكتاب المبين }؛ أقسم الله بالقرآن، المبين: ~~الذي أبان طريق الهدى من طريق الضلالة، وأبان ما يحتاج إليه من ~~الشرائع، وجواب: { إنا جعلناه قرآنا عربيا ~~لعلكم تعقلون }؛ أي إنا أنزلناه على لغة العرب ليكون ~~أبلغ في الحجة وأدعى إلى القبول، كي يعقله العرب من غير ~~مترجم. ### || [43.4] # قوله تعالى: { وإنه في أم الكتاب لدينا ~~لعلي حكيم }؛ أي إنه مذكور مثبت في اللوح المحفوظ ~~عندنا، كما قال في آية أخرى # بل هو قرآن مجيد * في لوح محفوظ # [البروج: 21 - 22]، وسمي اللوح أم الكتاب؛ لأنه أصل كل كتاب، ~~وتسمى الوالدة: أما؛ لأنها أصل الولد. # وقوله تعالى { لدينا } يريد الذي عندنا نخبر عن فضيلته، ~~ومنزلته وشرفه أن كذبتم به يا أهل مكة، فإنه عندنا شريف رفيع ~~محكم من الباطل. ويقال: ذو حكمة لا يحتمل الزيادة ~~والنقصان، والتبديل والتغيير. ### || [43.5] # قوله تعالى: { أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن ~~كنتم قوما مسرفين }؛ قال الكلبي: (يقول الله لأهل ~~مكة: أفنترك عنكم الوحي صفحا فلا نأمركم ~~ولا ننهاكم ولا نرسل إليكم رسولا؟ وهذا ~~استفهام معناه الإنكار؛ أي لا نفعل ذلك). # ومعنى الآية: أفنمسك عن إنزال القرآن ونهملكم فلا نعرفكم ~~ما يجب عليكم من أجل أنكم ms1880 أسرفتم في كفركم، وهو قوله ~~تعالى: { أن كنتم قوما مسرفين } ، والمعنى: لإن كنتم، ~~والكسر في (إن) على أنه جزاء استغنى عن جوابه بما تقدمه، كما ~~تقول: أنت ظالم إن فعلت كذا، ومثله # ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم # [المائدة: 2] بالفتح والكسر، وقد تقدم. # ومعنى الآية: أفنضرب عنكم تذكرنا إياكم الواجب ونترككم بلا ~~أمر ولا نهي معرضين عنكم لئن أسرفتم. والصفح في اللغة: هو ~~الإعراض، يقال: صفح عن دينه أي أعرض عنه، " صفح " فلان عني ~~بوجهه؛ أي أعرض, وهو في صفات الله بمعنى العفو، يقال: أصفح عن ~~دينه؛ أي أعرض عنه. والإضراب والضرب في الكلام كلاهما بمعنى ~~الإعراض والعدول. ### || [43.6-7] # قوله تعالى: { وكم أرسلنا من نبي في الأولين ~~* وما يأتيهم من نبي إلا كانوا به يستهزئون ~~}؛ فيه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، وبيان أن دأب كل أمة ~~مع رسولهم التكذيب والاستهزاء به، وإن من سنة الله تعالى إهلاك ~~المكذبين، فحدث أيها الرسول قومك كي لا يسلكوا طريق من قبلهم ~~فينزل بهم من العذاب ما نزل بمن قبلهم. ### || [43.8] # قوله تعالى: { فأهلكنآ أشد منهم بطشا }؛ أي أقوى من ~~قومك، يعني الأولين الذين هلكوا بتكذيبهم، { ومضى مثل ~~الأولين }؛ وسبق فيما أنزلنا إليك تشبيه بتكذيبهم، فعاقبة هؤلاء ~~أيضا الإهلاك. ### || [43.9-10] # قوله تعالى: { ولئن سألتهم من خلق السموت ~~والأرض }؛ معناه: ولئن سألت قومك من خلق السماوات والأرض، { ~~ليقولن خلقهن العزيز العليم } ، وهذا إخبار عن ~~غاية جهلهم إذ أقروا بأن الله خلق السماوات والأرض، ثم عبدوا ~~معه غيره وأنكروا قدرته على البعث، فهم يقرون بالله ويشركون به ~~غيره، كما قال تعالى في آية أخرى # وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون # [يوسف: 106] وتم الكلام والإخبار عنهم. # ثم ابتدأ قوله عز وجل فقال: { الذي جعل لكم الأرض ~~مهدا }؛ هذا ابتداء كلام من الله تعالى على معنى: نعم ~~خلقهن العزيز العليم الذي جعل لكم الأرض مهادا يمكنكم ~~القرار عليها، { وجعل لكم فيها سبلا }؛ أي طرقا، { ~~لعلكم تهتدون }؛ في الطريق من بلد إلى بلد، وتهتدون ~~بوحدانية الله. ### || [43.11] ms1881 # قوله تعالى: { والذي نزل من السمآء مآء بقدر ~~}؛ يعني المطر بمقدار معلوم يعلمه خازن المطر ليس كما أنزل على ~~قوم نوح بغير قدر حتى أهلكهم، بل هو بقدر يكون معاشا لكم ~~ولأنعامكم، وقوله تعالى: { فأنشرنا به بلدة ميتا }؛ أي ~~فأحيينا بذلك المطر بلدا ميتا بإخراج الأشجار والزرع، { كذلك ~~تخرجون }؛ من القبور يوم النشور للحساب والجزاء. ### || [43.12] # قوله تعالى: { والذي خلق الأزواج كلها وجعل ~~لكم من الفلك والأنعام ما تركبون }؛ معناه والذي ~~خلق الأصناف كلها والألوان كلها، ويقال: الذكور والإناث ~~كلها، وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون عليها في البر. ### || [43.13] # قوله تعالى: { لتستووا على ظهوره }؛ الكناية تعود ~~إلى لفظ (ما) أي لتستووا على ظهور ما تركبون، { ثم تذكروا ~~نعمة ربكم إذا استويتم عليه }؛ يعني النعمة ~~بتسخير ذلك المركب في البر والبحر، قال مقاتل والكلبي: (وهو ~~أن تقول: الحمد لله الذي رزقني هذا وحملني ~~عليه)، { وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا }؛ ~~المركب وذلله لنا، وسهل ركوبه، ولولا تسخيره لنا، { وما ~~كنا له مقرنين }؛ أي مطيقين ضابطين، يريد: لا طاقة لنا ~~بالإبل ولا بالفلك ولا بالبحر، لولا أن الله تعالى سخر لنا ذلك. # قال قتادة: (قد علمكم الله كيف تقولون إذا ~~ركبتم). وعن ابن مسعود أنه قال: (إذا ركب الرجل ~~الدابة فلم يذكر اسم الله، ردفه الشيطان، ~~فقال له: تغن، فإن لم يحسن قال له: تمن). # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " أنه كان إذا استوى على بعيره خارجا في سفر ~~كبر ثلاثا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا ~~له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم ~~إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، والعمل ~~بما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا وأطوعنا ~~بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة ~~في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر ~~وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال ". ~~وإذا رجع قال: " آيبون تائبون لربنا حامدون " ". ### || [43.14] # قوله تعالى: { وإنآ إلى ربنا لمنقلبون }؛ فيه بيان ~~أنه كما يذكر نعمة الله عليه في الدنيا، فعليه ms1882 أن يذكر ~~مصيره إلى الآخرة. وينبغي للعاقل إذا ركب دابة أو سفينة أن ~~يتذكر آخر مركبه وهي الجنازة، وإذا لبس أن يتذكر آخر ~~ملبسه وهو الكفن، وإذا اغتسل أن يتذكر آخر عهده بالغسل، ~~وإذا نام أن يذكر الحال التي يوضع فيها على جنبه في اللحد. ### || [43.15-17] # قوله تعالى: { وجعلوا له من عباده جزءا }؛ أي ~~جعل الكفار لله تعالى من عباده جزءا؛ لأنهم قالوا: الملائكة ~~بنات الله، فوصفوا عباد الله بأنهم جزء من الله، وقد تقدم أن ~~الذين قالوا هذا القول حي من خزاعة، ومعنى الجعل ها هنا الحكم ~~بالشيء، والوصف والتسمية كما جعل فلان زيدا من أعلم الناس؛ أي ~~وصفه بذلك، ويقال: إن الجزء في كلام العرب عبارة عن الأنثى كما ~~قال الشاعر: # إن أجزأت حرة يوما فلا عجب # قد تجزئ الحرة المذكار أحيانا # أراد ب (أجزأت): ولدت أنثى. قوله تعالى: { إن ~~الإنسان لكفور مبين }؛ أراد بالإنسان الكافر، وقوله تعالى ~~{ لكفور مبين } أي لجحود لنعم الله، { مبين } ظاهر ~~الكفران. # ثم أنكر عليهم هذا فقال تعالى: { أم اتخذ مما يخلق ~~بنات وأصفاكم بالبنين }؛ هذا استفهام توبيخ وإنكار، ~~يقولوا: أتخذ ربكم لنفسه البنات وأصفاكم بالبنين وأخلصكم بهم. ~~والمعنى: كيف اختار لنفسه أهون قسمي الولد، واختار لكم أعلى ~~القسمين، والحكمة لا توجب أن يختار الحكيم الأدون لنفسه ~~والأعلى لغيره. # ثم وصف كراهتهم بالبنات، فقال قوله عز وجل: { وإذا ~~بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه ~~مسودا }؛ أي وإذا أخبر أحدهم بما وصف للرحمن من إضافة البنت ~~إليه صار وجهه مسودا متغيرا يعرف فيه الحزن. وقوله ~~تعالى: { وهو كظيم }؛ أي يتردد حزنه في جوفه. وقد تقدم ~~تفسيره في سورة النحل. ### || [43.18] # قوله تعالى: { أومن ينشأ في الحلية }؛ زيادة في ~~الإنكار عليهم والمذمة لهم، كأنه قال: أويختار لنفسه مع ~~استغنائه عن الخلق كلهم (من ينشأ في الحلية) أي من ~~ربي في حلية الذهب والفضة، { وهو في الخصام غير مبين ~~} ، وهو في الكلام غير ثابت الحجة. # قال المبرد: (تقدير الآية: أوتجعلون له من ~~ينشأ في ms1883 الحلية، يعني البنت نبتت). (وهو في ~~الخصام غير مبين)؛ أي وهو عند المخاصمة غير مبين ~~الحجة، قال قتادة: (قل ما تكلمت امرأة بحجتها إلا ~~تكلمت بحجتها عليها) لضعف رأيها ونقصان ~~عقلها. # ويستدل من هذه الآية على ثبوت الترخص للنساء في التزين ~~بحلية الذهب والفضة، # " كما قال صلى الله عليه وسلم وقد أخذ الذهب بإحدى يديه، ~~والحرير بالأخرى وقال: " هذان محرمان على ذكور ~~أمتي، حل لإناثهم " ". ### || [43.19] # قوله تعالى: { وجعلوا الملائكة الذين هم ~~عباد الرحمن إناثا }؛ معناه: ووصفوا الملائكة الذين هم ~~عباد الرحمن أنهم بنات الله، وقرئ (عبد الرحمن) وكل ~~صواب، وقد جاء القرآن بالأمرين معا، وذلك قوله # بل عباد مكرمون # [الأنبياء: 26] وقوله # إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته # [الأعراف: 206]، وفي قوله تعالى (عبد الرحمن) دلالة على رفع ~~المنزلة والقربة من الكرامة. # وقوله تعالى: { أشهدوا خلقهم }؛ معناه: أحضروا عند ~~خلقهم فعلموا ذلك، والشهادة ها هنا من الحضور، ووبخهم الله على ~~ما قالوا ما لم يشاهدوه. وقرأ نافع: (أشهدوا خلقهم) بهمزة ~~الاستفهام وتخفيف الهمزة الثانية على معنى أحضروا وعاينوا ~~خلقهم حتى علموا أنهم أناث، وهكذا كقوله # أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون # [الصافات: 150]. # قال ابن عباس: (يريد: أحضروا وعاينوا خلقهم؟)، قال ~~الكلبي: # " لما قالوا هذه المقالة سألهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال: " ما يدريكم أنهم إناث؟ " قالوا: ~~سمعنا من آبائنا ونحن نشهد أنهم لم يكذبوا ~~أنهم إناث " # فقال الله: { ستكتب شهادتهم ويسألون }؛ عنها في ~~الآخرة. ### || [43.20] # قوله تعالى: { وقالوا لو شآء الرحمن ما ~~عبدناهم }؛ يعني بني مليح من خزاعة، كانوا يعبدون الملائكة، { ~~وقالوا لو شآء الرحمن ما عبدناهم } أي ما عبدوا ~~الملائكة، وإنما عبدناهم بمشيئة الله تعالى. وإنما كانوا يقولون هذا ~~القول إبلاغا لعذرهم عند سفلتهم، يقول الله تعالى: { ما لهم ~~بذلك من علم }؛ بقولهم إن الملائكة بنات الله وإنهم ~~كذبوا في ذلك، وهو قوله تعالى: { إن هم إلا يخرصون ~~}؛ أي ما هم إلا يكذبون فيما قالوا، ولم يتعرض لقولهم { لو شآء ~~الرحمن ما عبدناهم } بشيء؛ لأن هذا القول ms1884 حق، وإن كان ~~من الكفار، وهذا كقوله: # وقال الذين أشركوا لو شآء الله ما عبدنا من ~~دونه من شيء # [النحل: 35] أي ولو جعلت قوله { ما لهم بذلك من علم } ~~ردا لقولهم { لو شآء الرحمن ما عبدناهم } كان ~~المعنى: أنهم قالوا: إن الله قدرنا على عبادتهم فلم يعاقبنا ~~لأنه رضي ذلك، وهذا كذب منهم؛ لأن الله تعالى وإن قدر كفر ~~الكافر لا يرضاه، وتقدير الكفر من الكافر لا يكون رضى من الله له. ### || [43.21-22] # قوله تعالى: { أم آتيناهم كتابا من قبله }؛ أي ~~هل أعطيناهم كتابا من قبل القرآن بأن يعبدوا غير الله، { فهم ~~به مستمسكون }؛ أي آخذون بما فيه. ثم أعلم الله أنهم ~~اتبعوا آباءهم في الضلالة فقال تعالى: { بل قالوا إنا ~~وجدنآ ءابآءنا على أمة }؛ أي على سنة وملة ودين. # ومن قرأ (على إمة) بكسر الهمزة فمعناه: على طريقة؛ أي ليس لهم ~~حجة إلا هذا القول، { وإنا على ءاثارهم مهتدون }؛ ~~أي ليس لهم حجة إلا تقليد آبائهم. ### || [43.23-25] # قوله تعالى: { وكذلك مآ أرسلنا من قبلك في ~~قرية من نذير إلا قال مترفوهآ } أي ملوكها ~~وأغنياؤها ورؤساؤها: { إنا وجدنآ ءابآءنا على أمة ~~وإنا على ءاثارهم مقتدون }؛ بهم. # فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: { قل أولو ~~جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آبآءكم }؛ معناه: ~~أتتبعون دين آبائكم وتكفرون مثلهم، ولو جئتكم بأرشد مما وجدتم ~~عليه آباءكم، فأبوا أن يقبلوا ذلك؛ و { قالوا إنا بمآ ~~أرسلتم به كافرون }. # ثم ذكر ما فعل بالأمم المكذبة تخويفا لهم فقال تعالى: ~~{ فانتقمنا منهم فانظر كيف كان عاقبة ~~المكذبين }؛ يعني ما صنع بقوم نوح وعاد وثمود. ### || [43.26-30] # قوله تعالى: { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه ~~إنني برآء مما تعبدون } معناه واذكر يا محمد إذ ~~قال إبراهيم لأبيه وقومه حين خرج من السرب وهو ابن سبع عشرة ~~سنة، رأى أباه وقومه يعبدون الأصنام، فقال لهم: إني براء مما ~~تعبدون من دون الله تعالى، { إلا الذي فطرني فإنه ~~سيهدين } ، إلا من الذي خلقني فإنه سيحفظني ويرشدني ~~لدينه وطاعته. # وقوله ms1885 تعالى: { وجعلها كلمة باقية في عقبه }؛ أي ~~وجعل براءته عن عبادة غير الله وهي كلمة التوحيد: لا إله إلا ~~الله؛ باقية في عقبه لكي يرجعوا إلى التوحيد، ويدعوا الخلق ~~إليه، فلا يزال في ولده من يوحد الله تعالى. ومعنى الآية: ~~وجعلها كلمة باقية في ذرية إبراهيم ونسله، فلا يزال في ذريته ~~من يعبد الله ويوحده، { لعلهم يرجعون }؛ أي لعل أهل ~~مكة يتبعون هذا الدين ويرجعون إلى دينك دين إبراهيم، إذ كانوا ~~من ولده. وقال السدي: (لعلهم يتوبون ويرجعون عما ~~هم عليه إلى عبادة الله تعالى). # ثم ذكر نعمته على قريش فقال: { بل متعت هؤلاء ~~وآبآءهم }؛ يعني المشركين متعتهم بأموالهم وأنفسهم وأنواع ~~النعم، ولم أعاجلهم بعقوبة كفرهم، بل أمهلتهم زيادة في ~~الحجة وقطعا للمعذرة، { حتى جآءهم الحق }؛ أي ~~القرآن، { ورسول مبين }؛ للحجج وهو النبي صلى الله عليه ~~وسلم بين لهم الأحكام والدين. # وكان من حق الإنعام أن يطيعوا الرسول بإجابته، فلم يجيبوه ~~وعصوا، وهو قوله: { ولما جآءهم الحق قالوا هذا ~~سحر وإنا به كافرون }؛ أي لما جاء الرسول والقرآن، ~~نسبوا القرآن إلى السحر وجحدوا به. ### || [43.31-32] # قوله تعالى: { وقالوا لولا نزل هذا القرآن ~~على رجل من القريتين عظيم }؛ أي قال كفار مكة: ~~هلا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين مكة والطائف، ~~وعنوا بالرجلين إما الوليد بن المغيرة من مكة، وإما أبا مسعود ~~الثقفي من الطائف، ظنوا بجهلهم أن استحقاق النبوة إنما يكون ~~بشرف الدنيا مع اعترافهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~أرفعهم نسبا. # فقال الله تعالى ردا عليهم وإنكارا لما قالوا: { أهم ~~يقسمون رحمت ربك }؛ يعني النبوة التي هي من أعظم ~~النعم، وذلك أنهم اعترضوا على الله بقولهم: لم لم ينزل ~~هذا القرآن على غير محمد، فبين الله تعالى أنه الذي يقسم ~~النبوة لا غيره. # قال مقاتل: (يقول الله تعالى: أبأيديهم مفاتيح ~~الرسالة فيضعونها حيث شاؤا). فبين الله تعالى أنه ~~لم يجعل أمر معايشهم مع قلة خطر ذلك إلى رأيهم، بل رفع بعضهم ~~فوق بعض في الرزق، وتلقاه ms1886 شذ على ما توجبه الحكمة، فقال تعالى: { ~~نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ~~}؛ أي قسمنا الرزق في المعيشة، وليس لأحد أن يتحكم في شيء من ~~ذلك، فكيف نجعل أمر النبوة مع عظم قدره ورفعة شأنه إلى رأيهم، ~~قال قتادة في معنى (نحن قسمنا بينهم معيشتهم): ~~(تلقى الرجل ضعيف الحيلة عي اللسان وهو ~~مبسوط في الرزق، وتلقاه شديد الحيلة بسط ~~اللسان وهو مقتر عليه). # وقوله تعالى: { ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات }؛ ~~يعني الفضل في الغنى والمال { ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ~~}؛ أي ليستخدم بعضهم بعضا، فيسخر الأغنياء بأموالهم الفقراء ~~ليلتئم قوام أمر العالم، وقال قتادة: (ليملك بعضهم ~~بعضا فيتخذونهم عبيدا ومماليك). والسخري ~~بالكسر من الاستهزاء، وبالضم من التسخير. # وقوله تعالى: { ورحمت ربك خير مما يجمعون }؛ أي ~~وما خصك الله به من النبوة خير لك مما يجمعون من المال. ~~وقيل: معناه: ورحمة ربك يعني الجنة للمؤمنين خير مما يجمع ~~الكفار من الأموال. ### || [43.33] # قوله تعالى: { ولولا أن يكون الناس أمة واحدة ~~لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من ~~فضة ومعارج عليها يظهرون }؛ معناه: ولولا أن تميل ~~بالناس الدنيا فيصير الخلق كلهم كفارا لأعطى الله الكافر في ~~الدنيا غاية ما يتمنى فيها لهوانها وقلتها عند الله تعالى، ~~ولكنه لم يفعل ذلك لعلمه بأن الغالب على الخلق حب العاجلة. # وقوله (سقفا) من قرأه بالوحدان فهو على معنى جعلنا لكل بيت ~~سقفا من فضة. ومن قرأ (سقفا) بضمتين فهو جمع سقف، مثل ~~رهن ورهن. ومن قرأه (سقفا) بضم السين وجزم القاف فعلى ~~تخفيف سقف مثل رهن. قوله تعالى: { ومعارج عليها ~~يظهرون } يعني الدرج عليها يرتفعون ويعلون، واحدها ~~معرج، ويقال معراج ومعاريج ومعارج، مثل مفاتيح ~~ومفاتح في جمع مفتاح، والمعنى: وكذلك جعلنا لهم معارج من فضة ~~عليها يصعدون. ### || [43.34-35] # قوله تعالى: { ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها ~~يتكئون }؛ أي ولبيوتهم أبوابا من فضة وسررا من فضة، على ~~سرر الفضة يجلسون ويتكئون، وقوله تعالى: { وزخرفا }؛ ~~الزخرف هو الذهب، كأنه قال: وجعلنا أمتعتهم من الذهب. # هكذا في التفاسير أن المراد ms1887 بالزخرف الذهب، إلا أنه في ~~اللغة الزخرف: كمال الزينة، كما قال تعالى # حتى إذآ أخذت الأرض زخرفها # [يونس: 24]، ويجوز أن يكون قوله { وزخرفا } عطفا على قوله # من فضة # [الزخرف: 33] كأنه قال: من فضة وزخرفا، إلا أنه لما ~~قال حذف (من) جعل نصبا، وهذا إنما يكون على قول الكوفيين. # قوله تعالى: { وإن كل ذلك لما متاع الحياة ~~الدنيا }؛ من قرأ (لما) بالتشديد فالمعنى: ما كل ذلك إلا ~~متاع الحياة الدنيا, ومن قرأ بالتخفيف ف (ما) صلة زائدة، ~~والمعنى: وإن كل لما متاع الحياة الدنيا، يتمتع به إلى حين ~~ثم يفنى، وثواب { والآخرة عند ربك للمتقين }؛ ~~الكفر والفواحش، والذي قرأ (لما) بالتشديد حمزة جعله في معنى ~~إلا، وحكي عن سيبويه: نشدتك لما فعلت، بمعنى إلا فعلت. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لولا أن يجزع عبدي المؤمن لعصبت الكافر ~~بعصابة من حديد، ولصببت الدنيا عليه صبا " # قال: ومصداق ذلك قوله تعالى: # ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن ~~يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ~~ومعارج عليها يظهرون # [الزخرف: 33]. ### || [43.36-37] # قوله تعالى: { ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض ~~له شيطانا }؛ أي من يعرض عن ذكر الرحمن نسبب له ~~شيطانا يضله، يجعل ذلك جزاؤه، { فهو له قرين }؛ لا ~~يفارقه في الدنيا والآخرة، يقال: عشي إلى النار بالليل إذا ~~تنورها فقصدها، وعشي عنها إذا أعرض عنها قاصدا لغيرها، ~~ونظير هذا مال إليه ومال عنه، قال الشاعر: # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره # تجد خير نار عندها خير موقد # ومن قرأ (يعش) بفتح الشين وهو من عشى يعشى إذا لم يبصر ~~بالليل، والمعنى: ومن يعم عن ذكر الرحمن. # قال الزجاج: (معنى الآية: ومن يعرض عن القرآن ~~وما فيه من الحكمة إلى أباطيل المضلين، ~~نعاقبه بشيطان نقيضه له حتى يضله ويلازمه ~~قرينا له فلا يهتدي، مجازاة له حين آثر الباطل ~~على الحق المبين). # وقوله تعالى: { فهو له قرين } أي صاحب يزين له العمى ~~ويخيل إليه أنه على الهدى وهو على الضلالة، وذلك قوله ms1888 ~~تعالى: { وإنهم ليصدونهم عن السبيل }؛ معناه: ~~وإن الشياطين ليمنعونهم عن سبيل الهدى، { ويحسبون }؛ الكفار، ~~{ أنهم مهتدون }. ### || [43.38-39] # قوله تعالى: { حتى إذا جآءنا }؛ يعني الكافر إذا جاء ~~يوم القيامة { قال } ، لقرينه وهو الشيطان الذي يجعل معه في ~~سلسلة واحدة: { يليت بيني وبينك بعد المشرقين ~~}؛ المشرق والمغرب إذ كنا في الدنيا فلم أرك ولم ترني، { ~~فبئس القرين }؛ كنت لي. # وإنما سمي المشرق والمغرب باسم الواحد للازدواج، كما يقال ~~للشمس والقمر: القمران، وفي تثنية أبي بكر وعمر: العمرين، ~~قال الشاعر: # أخذنا بآفاق السماء عليكم # لنا قمراها والنجوم الطوالع # وقرئ: (حتى إذا جاءنا) يعني الكافر وشيطانه يبعثان يوم ~~القيامة في سلسلة واحدة، كما روي أن الكافر إذا بعث يوم القيامة ~~من قبره أخذ بيده شيطانه فلم يفارقه حتى يصيرهما الله إلى ~~النار، فلذلك حيث يقول: (يا ليت بيني وبينك بعد ~~المشرقين فبئس القرين)، ويقول الله في ذلك اليوم ~~للكافرين " و " أنت أيها الشيطان: { ولن ينفعكم اليوم إذ ~~ظلمتم }؛ أي إذا أشركتم في الدنيا، { أنكم في العذاب ~~مشتركون }؛ قال المفسرون: لا يخفف عنهم الإشراك شيئا من ~~العذاب، لأن لكل واحد منهم الحظ الأوفر من العذاب، ولا يستأنس ~~بعضهم ببعض. ### || [43.40] # قوله تعالى: { أفأنت تسمع الصم أو تهدي ~~العمي }؛ أي أفأنت تسمع الكفار الذين يتصاممون عن الحق ~~ويتعامون عنه، { ومن كان في ضلال مبين }؛ أي بين قد ~~ظهرت ضلالته. ### || [43.41-42] # قوله تعالى: { فإما نذهبن بك }؛ أي نميتك قبل أن ~~نريك النقمة في كفار مكة، { فإنا منهم منتقمون }؛ ~~بالقتل بعدك، { أو نرينك }؛ في حياتك ما، { الذي ~~وعدناهم }؛ من الذل، { فإنا عليهم مقتدرون }. ~~بين الله تعالى أنه قادر على عقوبتهم في حال حياة النبي صلى ~~الله عليه وسلم وبعد وفاته. # والأصل: في (إما): (إن ما) فحذف الشرط (ان وما) صلة ومتى دخلت ~~(ما) في الشرط للتوكيد دخلت النون الثقيلة المؤكدة في الفعل ~~المذكور بعدها. # ومعنى الآية: أن الله تعالى " قال " مطيبا لقلب نبيه صلى ~~الله عليه وسلم: إن ذهبنا بك انتقمنا لك ممن كذبك بعدك ~~أو نرينك في ms1889 حياتك ما وعدناهم من العذاب، فإنا قادرون عليهم ~~متى شئنا عذبناهم ثم أري ذلك يوم بدر. ### || [43.43-44] # قوله تعالى: { فاستمسك بالذي أوحي إليك }؛ أي ~~استمسك بالقرآن، { إنك على صراط مستقيم * وإنه ~~لذكر لك ولقومك }؛ أي القرآن شرف لك ولهم، { وسوف ~~تسألون }؛ عن شكر هذه النعمة، يعني ما أعطاه الله من الحكمة ~~وقومه المؤمنين من الهدى بالقرآن إلى إدراك الحق، وقال مجاهد: ~~(القوم ها هنا العرب، والقرآن لهم شرف إذ نزل ~~بلغتهم). ### || [43.45] # قوله تعالى: { وسئل من أرسلنا من قبلك من ~~رسلنآ أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون }؛ ~~وذلك أنه # " لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم بعث الله آدم وجميع ~~المرسلين وأذن جبريل ثم أقام، وقال: يا محمد تقدم ~~فصل بهم، فلما فرغ من الصلاة قال جبريل: سل يا ~~محمد من أرسلنا من قبلك، هل أرسلنا عليهم ~~جواز عبادة غير الله؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " لا ~~أسأل قد اكتفيت " ". # وقيل: معناه: اسأل أمم من أرسلنا قبلك، يعني مؤمني أهل ~~الكتاب سلهم هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد، فلم يشك ولم ~~يسأل، (ومعنى الأمر بالسؤال لتقرير مشركي قريش أنه لم يأت ~~رسول ولا كتاب بعبادة غير الله تعالى). ### || [43.46-47] # قوله تعالى: { ولقد أرسلنا موسى بآيتنآ إلى ~~فرعون وملإيه فقال إني رسول رب العلمين * ~~فلما جآءهم بآياتنآ إذا هم منها يضحكون }؛ أي ~~يهزأون ويضحكون منها جهلا وغفلة. ### || [43.48] # قوله تعالى: { وما نريهم من آية إلا هي أكبر من ~~أختها }؛ يعني ما نرادف عليهم من الطوفان والجراد والقمل ~~والضفادع والدم والطمس، وكانت كل آية من هذه الآيات أكبر ~~من التي قبلها، وهي العذاب المذكور في قوله تعالى: { وأخذناهم ~~بالعذاب لعلهم يرجعون }؛ لأنهم عذبوا بهذه الآيات. ### || [43.49-50] # قوله تعالى: { وقالوا يأيه الساحر }؛ قال ~~الكلبي: (يا أيها العالم، وكان الساحر فيهم ~~عظيما يعظمونه، ولم يكن " السحر " صفة ذم، ~~وكان علماؤهم في ذلك الوقت السحرة، فكانوا ~~يوقرونه بهذا القول، ولم يريدوا شتمه). # وقوله تعالى: { ادع لنا ربك بما عهد عندك }؛ أي سل ~~ربك بما عهد عندك ms1890 فيمن آمن بك ليكشف العذاب عنا، ~~والمعنى: بما عهد فيمن آمن به من كشف العذاب عنه، { إننا ~~لمهتدون }؛ مؤمنون بك. # فدعا موسى ربه فكشف عنهم فلم يؤمنوا، فذلك قوله ~~تعالى: { فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ~~ينكثون }؛ العهد الذي عاهدوا موسى، معناه: إذا هم ينقضون ~~عهودهم. ### || [43.51] # قوله تعالى: { ونادى فرعون في قومه }؛ إلى قوله: ~~{ قال يقوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار ~~تجري من تحتي أفلا تبصرون }؛ يعني أنهار النيل ~~تجري من تحتي؛ أي من تحت قصوري وفي بساتيني، وقال الحسن: ~~(بأمري) فعلى هذا معناه: من تحت أمري، أفلا تبصرون عظمتي ~~وشدة ملكي وفضلي على موسى. ### || [43.52] # قوله تعالى: { أم أنآ خير من هذا الذي هو ~~مهين }؛ أي بل أنا خير من هذا الذي هو ضعيف حقير، يعني موسى؛ وإنما ~~وصفه بهذا لأنه كان يقوم بأمر نفسه، ولم يكن أحد يقوم بأمره، ومن ~~ذلك المهنة، وقوله تعالى: { ولا يكاد يبين }؛ أي لا يكاد ~~يبين الكلام، يعني أنه كان بلسانه لثغة من أثر العقدة التي ~~كانت، وكان مع ذلك بليغا مبينا. ### || [43.53] # قوله تعالى: { فلولا ألقي عليه أسورة من ~~ذهب }؛ معناه: قال فرعون: هلا ألقي على موسى أسورة من ذهب ~~إن كان رسولا كما يسور الملوك رسلهم تعظيما لهم، وكان آل ~~فرعون يلبسون الأساور، والأسورة جمع السوار، والأساور ~~جمع الأسورة. # وقوله تعالى: { أو جآء معه الملائكة مقترنين }؛ أي ~~متتابعين يعينونه على أمره الذي بعث له، ويشهدون له بصدقه. ~~والمعنى: أن فرعون قال: هلا جاء معه الملائكة متعاونين يمشون ~~معه فيدلون على صدقه بنبوته. ### || [43.54] # قوله تعالى: { فاستخف قومه فأطاعوه }؛ أي استخف ~~فرعون عقول قومه القبط فوجدهم خفاف العقول فأطاعوه على ~~تكذيب موسى، { إنهم كانوا قوما فاسقين }؛ أي خارجين عن ~~أمرنا. ### || [43.55-56] # قوله تعالى: { فلمآ آسفونا انتقمنا منهم }؛ أي فلما ~~أغضبونا انتقمنا منهم، وجازيناهم على معاصيهم، { فأغرقناهم ~~أجمعين }. والآسف: الغضب في هذه الآية، وأصله في اللغة: ~~الحزن، إلا أن الحزن لا يجوز في صفات الله. # وقوله تعالى: { فجعلناهم سلفا }؛ أي متقدمين، ms1891 وقيل: ~~سلفا إلى النار، { ومثلا للآخرين }؛ يتمثل بهم في ~~الهلاك إلى آخر الدهر. # وقرأ حمزة (سلفا) بالضم في السين واللام: جمع سليف وهو ~~الماضي مأخوذ من سلف بضم اللام يسلف؛ أي تقدم فهو سليف. ~~ومن قرأ (سلفا) بضم السين وفتح اللام فهو جمع سلفة وهي ~~الفرقة التي قد مضت. ### || [43.57-58] # قوله تعالى: { ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا ~~قومك منه يصدون }؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: # " لما نزل قوله تعالى { إنكم وما تعبدون من ~~دون الله حصب جهنم أنتم... } الآية، قرأها النبي ~~صلى الله عليه وسلم، قال ابن الزبعرى: أخاص هذا أم عام؟ ~~فقال: " عام " فقال ابن الزبعرى: فإن عيسى ~~تعبده النصارى، فهو والنصارى في النار، وعزير ~~تعبده اليهود، وخزاعة تعبد الملائكة، فإن ~~كان هؤلاء في النار فآلهتنا خيرا منهم، فأنزل ~~الله تعالى { ولما ضرب ابن مريم مثلا } ". # والمعنى: لما شبهوه بآلهتهم { إذا قومك منه يصدون } ~~يعني قومه الكفار كانوا يضجون ضجيج المجادلة، حيث خاصموه ~~وقالوا: رضينا أن تكون آلهتنا، وهو قولهم: { وقالوا ءأ ~~لهتنا خير أم هو }؛ أي ليست آلهتنا خيرا من عيسى، فإن ~~كان عيسى في النار بأنه يعبد من دون الله فآلهتنا في النار. # قرئ (يصدون) بكسر الصاد وضمها، قال الفراء والزجاج ~~والأخفش والكسائي: (هما لغتان، معناهما: يضجون). ~~وقيل: يصدون: يعرضون. ومن قرأ بكسر الصاد فمعناه: ~~يضحكون. # قوله تعالى: { ما ضربوه لك إلا جدلا }؛ أي ما ~~ذكروا لك وصف عيسى إلا ليجادلوك به؛ لأنهم قد علموا أن ~~المراد بحصب جهنم ما اتخذوه من الموت. # ثم ذكر أنهم أصحاب خصومات فقال: { بل هم قوم خصمون ~~}؛ أي جدلون بالباطل، وعن أبي أمامة الباهلي أنه قال: (ما ~~ضل قوم إلا أوتوا الجدل. ثم قرأ هذه الآية). ### || [43.59-60] # قوله تعالى: { إن هو إلا عبد أنعمنا عليه }؛ ~~فيه بيان أن عيسى عليه السلام عبد مثلهم فضله بالنبوة ~~والرسالة، والمعنى: أنعمنا عليه بالنبوة، { وجعلناه مثلا ~~لبني إسرائيل }؛ أي جعلنا خلقه بغير الأب آية تدلهم على ~~وحدانية الله تعالى وقدرته على ما يريد. ms1892 # ثم خاطب كفار مكة فقال تعالى: { ولو نشآء لجعلنا ~~منكم ملائكة }؛ أي لو نشاء أهلكناكم وجعلنا بدلا منكم ~~ملائكة، { في الأرض يخلفون }؛ كم يكون خلفا منكم. ### || [43.61-62] # قوله تعالى: { وإنه لعلم للساعة }؛ يعني نزول ~~عيسى من أشراط الساعة نعلم به، { فلا تمترن بها }؛ أي ~~لا تشكن في القيامة إنها كائنة، ولا تكذبوا، و؛ قل ~~لهم: { واتبعون }؛ على التوحيد، و { هذا }؛ الذي أنا عليه، ~~{ صراط مستقيم }؛ أي دين قائم لا عوج فيه، { ولا ~~يصدنكم الشيطان }؛ أي لا يصرفنكم عن هذا الدين، { ~~إنه لكم عدو مبين }؛ أي ظاهر العداوة. ### || [43.63-64] # قوله تعالى: { ولما جآء عيسى بالبينات }؛ أي ~~بالمعجزات، وقال قتادة: (يعني الإنجيل)، وقوله تعالى: { ~~قال قد جئتكم بالحكمة }؛ أي بالإنجيل، وقيل: ~~بالنبوة، و؛ جئتكم { ولأبين لكم بعض الذي ~~تختلفون فيه }؛ فيما بينكم، قال مجاهد: (من أحكام ~~التوراة). # فإن قيل: فهلا بين لهم جميع ما اختلفوا فيه وقد أرسل ~~إليهم؟ قلنا: قد اختلفوا فيه؛ قال بعضهم: إن الذي جاء به عيسى في ~~الإنجيل إنما هو بعض الذي اختلفوا فيه، وقد بين لهم من غير ~~الإنجيل ما احتاجوا إليه. # وقال بعضهم: معناه: لأبين لكم بعض الكتاب الذي تختلفون فيه، إذ ~~كانوا مختلفين في بعض التوراة. وقال بعضهم معناه: لأبين لكم ~~أمر دينكم لأنهم كانوا مختلفين في أمر دينهم ودنياهم، والمقصود من ~~إرسال الرسل بيان الدين، فكان ذلك بعض ما اختلفوا فيه، وقد يذكر ~~البعض أيضا بمعنى الكل، كما قال الشاعر: # قد يدرك المتأني بعض حاجته # وقد يكون مع المستعجل الزلل # وأراد بالبعض الكل، لأن المستعجل أيضا قد يدرك البعض، { ~~فاتقوا الله وأطيعون * إن الله هو ربي ~~وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم }. ### || [43.65-66] # قوله تعالى: { فاختلف الأحزاب من بينهم }؛ يعني ~~اليهود والنصارى، وقيل: المراد به فرق النصارى على ما تقدم ~~ذكره من الاختلاف فيما بينهم في عيسى عليه السلام، وقوله تعالى: { ~~فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم * هل ~~ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة }؛ أي هل ~~ينظرون إلا القيامة أن تأتيهم فجأة على غرة ms1893 منهم، " من " ~~غير تأهب ولا استعداد، { وهم لا يشعرون }؛ وقت مجيئها. # فإن قيل: كيف تسمى القيامة الساعة وهي تشتمل على خمسين ألف ~~سنة؟ قلنا: إنما سميت ساعة لسرعة مجيئها، ولأنها في جنب ما ~~وراءها ساعة، وهي سريعة الانقضاء على المؤمنين. ### || [43.67] # قوله تعالى: { الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض ~~عدو إلا المتقين }؛ يعني الأخلاء في يومئذ؛ أي يوم ~~تأتي الساعة { بعضهم لبعض عدو } يعني إذا كانت الخلة ~~على المعصية والكفر صارت عداوة يوم القيامة، { إلا ~~المتقين } يعني المؤمنين الذين يخالل بعضهم بعضا على ~~الإيمان والتقوى، فإن خلتهم لا تصير عدواة. # وفي الحديث: # " أن الأخلاء أربعة: مؤمنان وكافران، فإذا سئل ~~المؤمن عن خليله، قال: ما علمته إلا أمارا ~~بالمعروف نهاء عن المنكر، ويسأل المؤمن ~~الثاني عن خليله، فيقول مثل ذلك، ويثني كل ~~واحد منهما على صاحبه خيرا، فتزداد مخاللتهما ~~في الآخرة على التي كانت في الدنيا. ثم يسأل ~~أحد الكافرين عن خليله، فيقول: بئس الأخ؛ ما ~~علمته إلا أمارا بالمنكر، نهاء عن المعروف، ~~اللهم أضلله كما أضلني، ويقول الآخر مثل ذلك، ~~ويثني كل واحد منهما على صاحبه شرا وتنقلب ~~مخاللتهما عداوة، لأنها لم تكن في ذات الله ~~تعالى ". ### || [43.68-70] # قوله تعالى: { يعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم ~~تحزنون * الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين }؛ ~~أي يقال للمتقين: يا عبادي لا خوف عليكم من أهوال القيامة وما ~~بعدها، ولا أنتم تحزنون إذا حزن الناس، فقوله: (الذين) ~~موضع نصب على النعت لعبادي، لأن عبادي منادى مضاف. # وقوله تعالى: { وكانوا مسلمين } أي خاضعين منقادين، ~~يقال لهم: { ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم ~~تحبرون }؛ أي لأنتم وحلائلكم المؤمنات تكرمون غاية ~~الإكرام بالتحف والهدايا. ويقال: معنى: تحبرون: تسرون، ~~والحبور السرور. ### || [43.71-73] # قوله تعالى: { يطاف عليهم بصحاف من ذهب }؛ أي يطوف ~~عليهم خدمهم بقصاع من ذهب فيها من أنواع الأطعمة اللذيذة ~~الشهية، وواحد الصحاف: صحفة؛ وهي القصعة الواسعة ~~العريضة، وقوله تعالى: { وأكواب }؛ أي وأكواب من ذهب، والأكواب ~~جمع الكوب، وهو إناء مستدير مدور الرأس لا عروة له. وقيل: ~~الأكواب هي الأباريق ms1894 التي لا خراطيم لها ولا أذن. # قوله تعالى: { وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ ~~الأعين }؛ أي في الجنة ما تتمنى الأنفس وتستحسنه الأعين، { ~~وأنتم فيها خالدون * وتلك الجنة التي ~~أورثتموها بما كنتم تعملون }؛ من الأعمال الصالحة، { ~~لكم فيها فاكهة كثيرة }؛ ألوان الفاكهة الكثيرة، { ~~منها تأكلون }. ### || [43.74-76] # قوله تعالى: { إن المجرمين في عذاب جهنم ~~خالدون }؛ أي إن المجرمين في عذاب جهنم دائمون، { لا ~~يفتر عنهم }؛ أي يرفه عنهم ولا يهون عليهم، { وهم ~~فيه مبلسون }؛ أي آيسون من الروح والراحة. # والإبلاس هو: اليأس من الخير، والمبلس هو الساكت المنقطع ~~ليأسه من الفرح، { وما ظلمناهم }؛ بهذا العذاب، { ~~ولكن كانوا هم الظالمين } لأنفسهم بالكفر والمعاصي. # وفي قراءة ابن مسعود (الظالمون) بالرفع على لغة تميم ~~يعملون المضمر قبله، وأما على القراءة التي ليست في المصحف ~~(فهم) زيادة وفصل لا موضع لها من الإعراب بمنزلة (ما) في قوله # فبما رحمة من الله لنت # [آل عمران: 159]. ### || [43.77] # قوله تعالى: { ونادوا يمالك ليقض علينا ربك ~~}؛ وذلك أنه إذا اشتد عليهم العذاب وقد صيرهم، تمنوا ~~الموت، فنادوا مالكا خازن جهنم: يا مالك ادع لنا ربك يقضي ~~علينا بالموت فنستريح من العذاب بعد أربعين سنة، { قال إنكم ~~ماكثون }؛ مقيمون دائمون، وعن ابن عباس: (أنهم ينادون ~~مالكا ألف سنة فيجيبهم: إنكم ماكثون في ~~العذاب)، وقرأ علي وابن مسعود: (يا مال) بالترخيم. ### || [43.78] # قوله تعالى: { لقد جئناكم بالحق }؛ أي لقد أرسلنا ~~إليكم يا معشر قريش محمدا رسولنا بالحق، { ولكن ~~أكثركم للحق كارهون }. ### || [43.79] # قوله تعالى: { أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون }؛ أي ~~بل احكموا عند نفوسهم أمرا في كيد محمد صلى الله عليه وسلم ~~والمكر به، فإنا محكمون أمرا في مجازاتهم شرا بشر. ### || [43.80] # قوله تعالى: { أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ~~ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون }؛ السر ما ~~يعقده الإنسان في نفسه ويضمره بقلبه، والنجوى ما يحدث به ~~غيره في الخفية، وقوله تعالى (بلى) أي نسمع سرهم ~~ونجواهم، ورسلنا هم الحفظة عندهم، يكتبون عليهم ذلك. # ويقال: إن هذه الآية نزلت في ثلاثة نفر ms1895 من المشركين، وهم صفوان ~~بن أمية، وربيعة بن عمرو وأخوه حبيب بن عمرو، وكانوا يمكرون ~~في قتل النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أخبرنا أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول لأصحابه: إن الله يعلم السر يكون بين ~~الاثنين، أفترونه يعلم ما نقول؟ قال ربيعة: أراه يعلم بعض ~~ما نقول ولا يعلم بعضا، فقال صفوان: ولا كلمة واحدة، ولو علم ~~بعضه لعلمه كله، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ### || [43.81] # قوله تعالى: { قل إن كان للرحمن ولد فأنا ~~أول العابدين }؛ وذلك أن المشركين لما قالوا: لله ولد! ~~ولم يرجعوا عن مقالتهم، أنزل الله هذه الآية، والمعنى: قل لهم ~~يا محمد: { إن كان للرحمن ولد } في زعمكم { ~~فأنا أول العابدين } من عبد الله وحده وكذبكم بما ~~تقولون، هكذا روي عن مجاهد. # وقال قتادة والحسن: (معناه: ما كان للرحمن ولد، وأنا ~~أول من عبد الله من أهل هذا الزمان). وقيل: ~~معناه: إن كان للرحمن ولد كما تزعمون فأنا أول من غضب ~~للرحمن، فعلى هذا القول العابد من العبد بمعنى الغضب. وقال ~~الفراء: (عبد عليه أي غضب عليه). وقيل: معناه: ~~فأنا أول الآنفين، يقال: عبد يعبد؛ إذا أنف وغضب. ### || [43.82] # قوله تعالى: { سبحان رب السموت والأرض }؛ ~~نزه الله تعالى نفسه مما يقول المشركون؛ أي تنزيها لخالق ~~السماوات والأرض، { رب العرش عما يصفون }؛ يضيفون ~~إليه من الولد. ### || [43.83] # قوله تعالى: { فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلقوا ~~يومهم الذي يوعدون }؛ أمر بتركهم على وجه التوبيخ؛ أي ~~اترك يا محمد كفار مكة يخوضوا في أباطيلهم، ويلعبوا في ~~دنياهم بمقالتهم حتى يعاينوا يوم القيامة. ### || [43.84] # قوله تعالى: { وهو الذي في السمآء إله وفي الأرض ~~إله }؛ أي هو معبود من في السماوات ومن في الأرض، لا معبود ~~غيره ولا إله إلا هو، { وهو الحكيم }؛ في أمره وقضائه، { ~~العليم }؛ بخلقه وتدبيرهم. ### || [43.85] # قوله تعالى: { وتبارك الذي له ملك السموت ~~والأرض وما بينهما }؛ أي تعالى ودام الذي بيده خزائن ~~السماوات والأرض وما بينهما، { وعنده علم الساعة }؛ أي علم ~~قيام الساعة، لا يعلم ms1896 وقتها أحد غيره، { وإليه ترجعون }؛ ~~في الآخرة. ### || [43.86] # قوله تعالى: { ولا يملك الذين يدعون من دونه ~~الشفاعة }؛ أي لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة، ثم ~~استثنى عيسى والعزير والملائكة فقال: { إلا من شهد ~~بالحق }؛ أي من شهد أنه لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له، { وهم يعلمون }؛ بقلوبهم ما شهدوا به ~~بألسنتهم. والمعنى: إلا من شهد بكلمة التوحيد، وعلم ~~بقلبه أنها حق. ### || [43.87] # قوله تعالى: { ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن ~~الله فأنى يؤفكون }؛ أي ولئن سألت هؤلاء الذين عبدوا ~~غير الله: من خلقهم وخلق معبودهم؟ ليقولن: الله خلقهم، ~~فمن أين يصرفون عن عبادة الله مع معرفتهم بأنه الخالق، والخالق ~~أولى بالعبادة من المخلوق؟ ### || [43.88] # قوله تعالى: { وقيله يرب إن هؤلاء قوم لا ~~يؤمنون }؛ من قرأ بنصب اللام؛ فمعناه: يعلم قيام الساعة، ويعلم ~~(قيله) محمد يا رب؛ لأن معنى # وعنده علم الساعة # [الزخرف: 85] ويعلم قيام الساعة. وقيل: انتصب عطفا على قوله # سرهم ونجواهم # [الزخرف: 80] كأنه قال: أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم، ~~(وقيله) يا رب في شكوى منهم إلى ربه. قال المبرد: (العطف ~~على المنصوب حسن وإن تباعد المعطوف على ~~المعطوف عليه). # ومن قرأ (وقيله) بكسر اللام فهو على معنى: وعنده علم الساعة ~~وعلم قيله. والقيل مصدر كالقول، يقال: قلت قولا وقيلا ~~وقالا. ولو قرئ (وقيله) بالرفع على معنى: وقيل محمد صلى ~~الله عليه وسلم، هذا كان جائزا في الكلام. ### || [43.89] # قوله تعالى: { فاصفح عنهم }؛ أي أعرض عنهم إلى أن ~~تؤمر فيهم بشيء، { وقل سلام } ، قال عطاء: (يريد ~~مداراة حتى ينزل حكمي)، ومعناه: المتاركة؛ أي سلام ~~هجران وترك لا سلام تحية، { فسوف يعلمون }؛ عاقبة ~~كفرهم، وماذا ينزل بهم فيندمون حين لا ينفعهم الندم. # ومن قرأ (تعلمون) فعلى الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بأن ~~يخاطبهم بهذا، قال مقاتل: (نسخ السيف الإعراض ~~والسلام). ### | [44 - سورة الدخان] ### || [44.1-4] # قوله تعالى: { حم * والكتاب المبين }؛ أول السورة ~~قسم، وجوابه: { إنآ أنزلناه }؛ وقيل: جوابه: { إنا ~~كنا منذرين } لأنه ليس من عادة العرب أن ms1897 يقسموا بنفس الشيء ~~الذي يخبرون عنه، فعلى هذا يكون قوله: { إنآ أنزلناه } ~~معترضا بين القسم والجواب، { في ليلة مباركة إنا ~~كنا منذرين } ، والليلة المباركة: هي ليلة القدر، { فيها ~~يفرق كل أمر حكيم } ، أنزل الله فيها القرآن إلى ~~السفرة في السماء الدنيا، فوضعوه في بيت العزة، ثم كان ~~جبريل ينزل به على النبي صلى الله عليه وسلم شيئا بعد شيء على ~~مقدار الحاجة، هكذا روي عن ابن عباس، وقد قدمنا ذلك في قوله تعالى # شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن # [البقرة: 185]. # وسميت هذه الليلة مباركة لأن فيها الرحمة ومغفرة الذنوب، وفيها ~~يقدر الله الأشياء من أرزاق العباد وآجالهم وغير ذلك من الأمور. ~~ويقال: إنما سميت مباركة لأنه لا يقدر فيها شيئا من ~~المكاره، كما قال تعالى: # سلام هي حتى مطلع الفجر # [القدر: 5]. # وعن عكرمة أنه كان يقول: (الليلة المباركة هي ليلة ~~النصف من شعبان، فيها يقضى كل أمر فيه حكمة، ~~وفيها ينسخ لجبريل وميكائيل وإسرافيل وملك ~~الموت جميع ما هم موكلون به من سنة إلى سنة). ~~وكان ابن عباس يقول: (إنك لتلقى الرجل في السوق قد ~~كتب اسمه في الموتى). والصحيح: أن الليلة المباركة هي ~~ليلة القدر، وعليه أكثر المفسرين. ### || [44.5-6] # قوله تعالى: { أمرا من عندنآ }؛ انتصب ب (يفرق) ~~بمنزلة (يفرق) لأن (أمرا) بمعنى فرقا. وفيه بيان أن الذي ~~يفرق في هذه الليلة لا يكون إلا من عند الله تعالى وتدبيره، ~~كأنه قال: بأمر من عندنا. قوله تعالى: { إنا كنا ~~مرسلين }؛ أي مرسلين محمدا صلى الله عليه وسلم ومن قبله ~~من الأنبياء، { رحمة من ربك }؛ أي رأفة مني بخلقي ~~ونعمة عليهم. وانتصب على أنه مفعول له على تقدير الرحمة، وقال ~~الزجاج: (تقديره: إنا أنزلناه في ليلة مباركة ~~للرحمة). { إنه هو السميع }؛ لما يقوله المحق ~~والمبطل، { العليم } ، بأفعال العباد. ### || [44.7-8] # قوله تعالى: { رب السموت والأرض وما بينهمآ }؛ ~~بالخفض على البدل من قوله { رحمة من ربك }. وقوله تعالى: { ~~وما بينهمآ } يعني من الهواء والخلق. وقوله تعالى: { إن كنتم ~~موقنين * لا إله إلا هو ms1898 يحيي ويميت ربكم ~~ورب آبآئكم الأولين }؛ معناه: أن الذي دبر السماوات ~~والأرض هو الذي دبر بإرسال الرسل رحمة منه، فإن كنتم ~~موقنين بتدبيره في السماوات والأرض، فأيقنوا إنما هو مثله. ~~واليقين: ثلج الصدر بالعلم، ولذلك يقال: وجد برد ~~اليقين، ولا يجوز في صفات الله تعالى: موقن، ويجوز: عليم ~~وعالم. ### || [44.9] # قوله تعالى: { بل هم في شك }؛ يعني الكفار من هذا القرآن، { ~~يلعبون }؛ أي يهزأون به لاهين عنه. ### || [44.10-16] # قوله تعالى: { فارتقب يوم تأتي السمآء بدخان ~~مبين * يغشى الناس هذا عذاب أليم * ربنا ~~اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون * أنى لهم ~~الذكرى وقد جآءهم رسول مبين * ثم تولوا ~~عنه وقالوا معلم مجنون * إنا كاشفو العذاب ~~قليلا إنكم عآئدون }؛ وذلك أن المشركين بالغوا ~~في إيذاء النبي صلى الله عليه وسلم ويئس من إيمانهم به ~~ودعا عليهم فقال: # " اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم ~~سنين كسني يوسف ". # فأنزل الله تعالى هذه الآيات، فأخذتهم السنة ~~حتى أكلوا الجيف والكلاب والعظام المحرقة من ~~الجوع، وارتفع القطر وأجدبت الأرض، وكانوا إذا ~~نظروا إلى السماء رأوا دخانا بين السماء والأرض ~~للظلمة التي غشيت أعينهم وأبصارهم من شدة ~~الجوع. ويقال: يبست الأرض وانقطع الغيث. # والمعنى: فانتظر يا محمد يوم تأتي السماء بدخان مبين، # " فجاء أبو سفيان فقال: يا محمد جئت تأمرنا ~~بصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا، فادع الله ~~لهم، فقال صلى الله عليه وسلم: " اللهم دعوتك ~~فأجبتني، وسألتك فأعطيتني، اللهم اسقنا ~~غيثا مغيثا مريا مريعا طبقا عاجلا غير آجل ~~نافعا غير ضار " ، فما برح النبي صلى الله عليه وسلم ~~حتى أنزل الله المطر. # وجاء الناس يشتدون وقالوا: الغرق الغرق، ~~فقرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم { إنا كاشفو العذاب ~~قليلا إنكم عآئدون } فكشف الله عنهم الشدة، ~~ثم عادوا إلى الكفر " # فذلك قوله تعالى: { يوم نبطش البطشة الكبرى }؛ ~~وذلك يوم بدر، { إنا منتقمون }. # وهذا التأويل إنما يستقيم على قول ابن مسعود فإنه كان يقول: ~~(خمس قد مضين: الدخان والروم والبطشة ~~واللزام وانشقاق القمر) وكان يذهب إلى أن البطشة ms1899 ~~الكبرى هي التي أصابتهم يوم بدر، وذلك أعظم من الجوع الذي ~~أصابهم بمكة. # وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بالدخان في هذه الآيات: ~~الدخان الذي ينزله الله تعالى عند قيام الساعة، ثم يغشاهم ~~عذاب أليم بعد ذلك، كما روي عن مسروق أنه قال: (إذا كان يوم ~~القيامة نزل دخان من السماء، فأخذ بأسماع ~~الكفار والمنافقين وأبصارهم حتى تصير رؤوسهم ~~كالرأس الحنيذ، ويأخذ المؤمنين بمنزلة ~~الزكام). # فعلى هذا القول يكون معنى قوله تعالى: { أنى لهم الذكرى } ~~أي من أين لهم الذكرى، أي من أين ينفعهم إيمانهم { وقد ~~جآءهم رسول مبين } في الوقت الذي كانوا مكلفين فيه ثم ~~أعرضوا عن الإيمان به { وقالوا معلم مجنون } أي هو ~~معلم يعلمه الجن، ويعترضون له. وقيل: معناه: يعلمه ~~بشر مجنون بادعائه النبوة. ويكون معنى قوله: { إنا كاشفو ~~العذاب } أي عذاب الدنيا بعد مجيء الرسول إلى وقت الدخان، ~~فمهلهم لكي يتوبوا، ولن يتوبوا. # والمراد بالبطشة الكبرى على هذا القول يوم القيامة، وأما على ~~القول الأول فقوله: { أنى لهم الذكرى } أي التذكر ~~والاتعاظ، يقول: كيف يتذكرون ويتعظون، وحالهم أنه قد جاءهم ~~رسول مبين ظاهر الصدق والدلالة، { ثم تولوا عنه } أي ~~أعرضوا ولم يقبلوا قوله. # وقوله تعالى: { إنا كاشفو العذاب } يعني عذاب الجوع { ~~قليلا } أي زمانا يسيرا، قال مقاتل: (يعني يوم بدر ~~إنكم عائدون في كفركم وتكذيبكم) وفيه إعلام أنهم ~~لا يتعظون، وإنه إذا رفع عنهم العذاب عادوا إلى طغيانهم. ~~قوله تعالى: { يوم نبطش البطشة الكبرى } أي ~~واذكر لهم ذلك اليوم، يعني يوم بدر. ### || [44.17] # قوله تعالى: { ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون ~~}؛ أي كلفنا قبل أهل مكة قوم فرعون من الطاعة ما اشتد ~~عليهم، { وجآءهم }؛ موسى، { رسول كريم } ، لا خلاف على ~~الله تعالى. ### || [44.18-24] # قوله تعالى: { أن أدوا إلي عباد الله }؛ أي بأن ~~أدوا إلي بني إسرائيل، وهذا قول موسى، يقول: أطلقوا بني ~~إسرائيل من العذاب والتسخير، فإنهم أحرار، { إني لكم رسول ~~}؛ من الله، { أمين }؛ على الرسالة، لست بخائن ولا كذاب ولا ~~كاتم مما أوحي إلي، { وأن لا ms1900 تعلوا على الله }؛ أي ~~لا تتجبروا عليه بترك طاعته، { إني آتيكم بسلطان ~~مبين }؛ بحجة بينة ظاهرة تدل على صدقي. # فلما قال موسى هذه المقالة توعدوه بالقتل بالحجارة، فقال: { ~~وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون } ، أي اعتصمت ~~بخالقي وخالقكم من أن تقتلوني بالحجارة، { وإن لم تؤمنوا لي ~~فاعتزلون }؛ أي وإن لم تصدقون فاتركوني لا معي ولا علي، ~~فلا أقل من أن تكفوا شركم عني. # فأبوا أن يقبلوا منه، ولم يؤمنوا به، { فدعا ربه أن ~~هؤلاء قوم مجرمون }؛ أي مشركون، ولم يدع إلا بعد ~~أن أذن له في الدعاء عليهم، فدعا عليهم. # قال الله تعالى له: { فأسر بعبادي ليلا }؛ حتى ~~تقطع بهم البحر، { إنكم متبعون }؛ يتبعكم فرعون وقومه ~~فيكون ذلك سببا لغرقهم، فسار موسى بمن معه من بني إسرائيل حتى ~~أتى بهم البحر، فضربه بعصاه بأمر الله تعالى فانفلق ودخله ~~أصحابه. # ثم عطف موسى ليضرب البحر بعصاه ليلتئم ويخلط الطريق التي ~~جعلها الله لبني إسرائيل حتى لا يعبر فيها فرعون وقومه، فقيل له: { ~~واترك البحر رهوا }؛ أي ساكنا منفتحا على ما هو عليه ~~حتى يدخله فرعون وجنوده، { إنهم جند مغرقون }؛ في حكم ~~الله تعالى. # قال ابن عباس: (معنى قوله اتركه رهوا؛ أي اتركه ~~طريقا). والرهو: يكون بمعنى الفرجة بين الشيئين، ونظر ~~أعرابي إلى فالج؛ فقال: سبحان الله! رهو بين سنامين، ~~فيكون المعنى على هذا: واترك البحر ذا رهو؛ أي ذا فرجة، وهي ~~الطريق التي أظهرها الله تعالى في الماء. ### || [44.25-28] # قوله تعالى: { كم تركوا من جنات وعيون * ~~وزروع ومقام كريم } أي كم ترك فرعون وقومه بعد الغرق من ~~بساتين عامرة بليغة الأشجار، وعيون ظاهرة عذبة فيها زرع ~~ومساكن شريفة حسنة، { ونعمة }؛ أي وعيش لين، { كانوا ~~فيها فاكهين }؛ أي ناعمين متعجبين، { كذلك }؛ كانت ~~حالهم. وقيل: كذلك أفعل بمن عصاني، { وأورثناها }؛ ~~وأورثنا ما تركوه، { قوما آخرين }؛ وهم بنو إسرائيل، رجعوا بعد ~~هلاك فرعون إلى مصر فصارت أموال قوم فرعون ونعيمهم لهم من غير ~~كلفة ولا مشقة، كالميراث الذي ينقل من المورث إلى الوارث من ms1901 ~~غير مشقة تلحق الوارث، وهذا من غاية إنعام الله على بني إسرائيل. ### || [44.29] # قوله تعالى: { فما بكت عليهم السمآء والأرض }؛ ~~أي ما بكت على فرعون وقومه؛ أي كانوا أهون من أن يبكي عليهم ~~أحد من أهل السماء والأرض، إنهم كانوا في مقام الجدي. # قال صلى الله عليه وسلم: # " ما من مؤمن إلا وله في السماء بابان: باب ~~يصعد فيه عمله، وباب ينزل فيه رزقه، فإذا مات ~~بكيا عليه، وكذلك مصلاه الذي كان يصلي فيه ~~من الأرض " # فذلك قوله تعالى: { فما بكت عليهم السمآء ~~والأرض }. وعن مجاهد أنه قال: (إذا مات المؤمن بكت ~~عليه الأرض أربعين يوما صباحا). وعن السدي قال: ~~(لما قتل الحسين رضي الله عنه بكت السماء عليه، ~~وبكاؤها حمرة أطرافها). # والمعنى على هذا: لم يكن لفرعون وقومه موضع طاعة في الأرض ولا ~~مصاعد طاعات في السماء فتفقدهم وتبكي عليهم، بخلاف المؤمنين. ~~وقوله تعالى: { وما كانوا منظرين }؛ أي لم ينظروا ولم ~~يمهلوا حين أخذهم العذاب لتوبة ولا لغيرها. ### || [44.30-31] # قوله تعالى: { ولقد نجينا بني إسرائيل من ~~العذاب المهين }؛ أي خلصناهم مما كان فرعون يفعل بهم من ~~ذبح الأبناء واستحياء النساء واستعمالهم في الأمور الشاقة. ~~وقوله تعالى: { من فرعون إنه كان عاليا }؛ أي متكبرا؛ ~~{ من المسرفين } ، من المتجاوزين عن الحد حتى ادعى ~~الإلهية. ### || [44.32-33] # قوله تعالى: { ولقد اخترناهم على علم على ~~العالمين }؛ أي اخترنا بني إسرائيل بكثرة الأنبياء صلوات ~~الله عليهم فيهم على عالمي زمانهم، { وآتيناهم من ~~الآيات }؛ من فلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن ~~والسلوى وغير ذلك، { ما فيه بلاء مبين }؛ أي نعمة ظاهرة. ### || [44.34-35] # قوله تعالى: { إن هؤلاء ليقولون * إن هي ~~إلا موتتنا الأولى }؛ راجع إلى ذكر كفار مكة يقولون: ~~ما الموتة نموتها في الأولى ثم لا نبعث بعدها، ومعنى قوله: ~~{ وما نحن بمنشرين }؛ أي بمبعوثين، وهذا ذم لهم على ~~الجهل. ### || [44.36] # قوله تعالى: { فأتوا بآبآئنا إن كنتم صادقين }؛ أي ~~قالوا فأحيي يا محمد آباءنا الذين ماتوا حتى نسألهم: أحق ما تقول ~~أم باطل؟ وروي أنهم كانوا يقولون: ms1902 إن كان ما تقوله فأت بقصي ~~بن كلاب ليخبرنا عنك، فإنه كان صدوقا فيما بيننا. ### || [44.37] # قوله تعالى: { أهم خير أم قوم تبع والذين ~~من قبلهم أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين }؛ ~~خوفهم الله تعالى مثل عذاب الأمم الخالية، فقال: (أهم خير ~~أم قوم تبع) أي ليسوا خيرا منهم، يعني أقوى وأشد وأكثر، ~~والمعنى أهم خير في القدرة والقوة والمال، أم قوم ملك ~~اليمن { والذين من قبلهم }. # وخص ملك اليمن بالذكر لأنه كان أقرب إلى زمانهم. وتبع ~~اسم لكل من كان من ملوك اليمن، كما أن فرعون اسم ملك مصر، ~~وقيصر اسم ملك الروم، وكسرى اسم ملك العجم. وإنما سمي ملك ~~اليمن بهذا الاسم لكثرة تبعه. # وجاء في التفسير: أن ملك اليمن الذي كان أقرب إلى زمانهم كان ~~مؤمنا، وكان اسمه أسعد بن ملكي كرب، وكان قومه كفارا. وروي ~~عن عائشة أنها قالت: (كان تبع رجلا صالحا، ألا ترى ~~أن الله تعالى ذم قومه ولم يذمه). وروي: (أنه ~~وجد مكتوبا على قبرين بناحية حمير: هذان قبرا ~~رضوى وحصيا ابني تبع ماتا لا يشركان بالله ~~شيئا). ### || [44.38-39] # قوله تعالى: { وما خلقنا السموت والأرض وما ~~بينهما لعبين }؛ أي لم نخلقهما عابثين، { ما ~~خلقناهمآ إلا بالحق }؛ أي للحق؛ أي للثواب على الطاعة ~~والعقاب على المعصية، { ولكن أكثرهم }؛ أكثر المشركين، { ~~لا يعلمون }. ### || [44.40-42] # قوله تعالى: { إن يوم الفصل ميقاتهم أجمعين }؛ ~~معناه: إن يوم الفصل بين الخلائق ميعادهم أجمعين، يوافي يوم ~~القيامة الأولون والآخرون. # ثم نعت ذلك اليوم فقال تعالى: { يوم لا يغني مولى عن ~~مولى شيئا }؛ أي يوم لا ينفع فيه صديق صديقا ولا قريب ~~قريبا، { ولا هم ينصرون }؛ أي ولا يمنعون من عذاب الله، { ~~إلا من رحم الله }؛ وهم المؤمنون، فإنه يشفع بعضهم ~~لبعض، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " وإن الرجل من أمتي ليشفع لأكثر من ربيعة ~~ومضر " # { إنه هو العزيز }؛ في انتقامه من أعدائه، { الرحيم }؛ ~~بالمؤمنين. ### || [44.43-45] # قوله تعالى: { إن شجرة الزقوم * طعام الأثيم ~~}؛ قد تقدم تفسير شجرة الزقوم، والأثيم ذو الإثم ms1903 وهو أبو ~~جهل، قال أهل اللغة: الأثيم كثير الإثم، وعن ابن مسعود: (أنه ~~كان يلقن رجلا: (إن شجرة الزقوم طعام الأثيم) ~~فكان الرجل يقول: طعام اليتيم! فقال له: قل: ~~طعام الفاجر). { كالمهل }؛ دردي الزيت وعكر ~~القطران، وهو أسود غليظ. وقيل: المهل كل ما يمهل ~~في النار من نحاس أو فضة أو غير ذلك حتى يذوب وينماع ~~يشتد حره. # وقوله تعالى: { يغلي في البطون }؛ أي في بطون الكفار، ~~وقرئ (يغلي) بالياء يعني الطعام، واختاره أبو عبيد؛ لأن ~~المهل مذكر، وقرئ بالتاء يعني الشجرة، قال أبو علي الفارسي: ~~(لا يجوز أن يحمل الغلي على المهل؛ لأن المهل ~~إنما ذكر للتشبيه به في الذوب، ألا ترى أن المهل ~~لا يغلي في البطون إنما يغلي ما شبه به). ### || [44.46-47] # قوله تعالى: { كغلي الحميم }؛ يعني الماء الحار إذا ~~اشتد غليانه. وقوله تعالى: { خذوه فاعتلوه إلى سوآء ~~الجحيم }؛ يقال للزبانية: (خذوه) يعني الآثم ~~(فاعتلوه) أي قودوه بالعنق دفعا وسحبا إلى وسط الجحيم، ~~يقال: عتله يعتله، ويعتله إذا جره وذهب به إلى ~~مكروه، وقال مجاهد: (فادفعوه على وجهه إلى وسط ~~الجحيم). وقيل للوسط: سواء لاستواء المسافة بينهما وبين ~~أطرافه المحيطة به. ### || [44.48-49] # قوله تعالى: { ثم صبوا فوق رأسه من عذاب ~~الحميم }؛ قال مقاتل: (إن خازن النار يضربه على ~~رأسه " بمقمعة من حديد " فينقب رأسه عن ~~دماغه، ثم يصب فيه ماء حميما قد انتهى حره، ~~ويقول له): { ذق إنك أنت العزيز الكريم }. # وذلك أن أبا جهل قال للنبي صلى الله عليه وسلم بأي شيء ~~تهددني! فوالله ما تستطيع أنت ولا ربك " أن " ~~تفعلا بي شيئا، وإني لمن أعز أهل هذا الوادي ~~وأكرمهم! فيقول له الملك: ذق العذاب أيها ~~المتعزز المتكرم في زعمك كما كنت تقوله. ~~وقرأ الكسائي (أنك) بالفتح على تقدير: ذق بأنك أو لأنك ~~أنت العزيز الكريم، أو بهذا القول الذي قلته في الدنيا. ### || [44.50] # قوله تعالى: { إن هذا ما كنتم به تمترون }؛ أي ~~يقول لهم الخازن: إن هذا العذاب الذي كنتم به تشكون في ~~الدنيا أو ms1904 تكذبون به. ### || [44.51-52] # قوله تعالى: { إن المتقين في مقام أمين * في ~~جنات وعيون } الأمين هو المقام الذي أمنوا فيه الغير من ~~الموت والحوادث، والمقام هو المجلس، وقرئ (مقام) بضم الميم، ~~يريد موضع الإقامة، ومعنى القراءتين واحد. ### || [44.53] # قوله تعالى: { يلبسون من سندس وإستبرق }؛ ~~السندس ما لطف من الديباج، والاستبرق ما غلظ منه مع ~~دقة السلك، وهما نوعان من الحرير. وقوله تعالى: { ~~متقابلين }؛ أي يقابل بعضهم بعضا في المجالس بالتحية ~~والمحبة. ### || [44.54] # قوله تعالى: { كذلك وزوجناهم بحور عين }؛ أي ~~كذلك حالهم في الجنة، وقرناهم بحور عين، والحور: ~~الشديدة بياض العين، الشديدة سوادها، البيضاء البشرة ~~والعين، جمع العيناء، واسعة العين الحسنة، قال مجاهد: ~~(الحور: هن اللواتي يحار الطرف فيهن، يرى مخ ~~سوقهن من وراء ثيابهن، يرى الناظر وجهه في ~~صدر إحداهن كالمرآة من رقة الجلد وصفاء ~~اللون). ### || [44.55] # قوله تعالى: { يدعون فيها بكل فاكهة آمنين }؛ ~~فيه بيان أن بساتين الجنة تشتمل على كل الفواكه في كل وقت ~~من الأوقات بخلاف بساتين الدنيا، وقوله تعالى: { آمنين } من ~~الانقطاع والنقصان، وآمنين مما يخاف من الفواكه من التخم ~~والأمراض والأسقام. ### || [44.56-57] # قوله تعالى: { لا يذوقون فيها الموت إلا ~~الموتة الأولى }؛ أي لا يموتون سوى الموتة التي ذاقوها في ~~الدنيا، { ووقاهم عذاب الجحيم }؛ أي ودفع عنهم ربهم ~~عذاب النار مع ما أعطاهم من النعيم المقيم. وقوله تعالى: { فضلا ~~من ربك ذلك هو الفوز العظيم }؛ أي فعل الله ذلك ~~بالمتقين تفضلا منه عليهم. وسمي الثواب " فضلا " لأن الله ~~تعالى لم يكلفهم لحاجته، ولكن ليصلوا إلى ذلك الثواب. ### || [44.58] # قوله تعالى: { فإنما يسرناه بلسانك }؛ أي ~~أنزلنا القرآن بلغتك ولغة قومك ليسهل عليهم، و { ~~لعلهم يتذكرون }؛ يتعظون فيؤمنوا به، ولولا ~~تيسير الله حفظهما ما قدر أحد على حفظه لعظم أمره ~~وجلال قدره. ### || [44.59] # قوله تعالى: { فارتقب إنهم مرتقبون }؛ أي ~~انتظر بالكفار ما وعدناهم من العذاب إنهم منتظرون ~~هلاكك. # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الدخان في ليلة الجمعة إيمانا ~~واحتسابا وتصديقا، بها، أصبح مغفورا له، ms1905 وإن ~~قرأها في سائر الليالي كانت له نورا يوم ~~القيامة ". ### | [45 - سورة الجاثية] ### || [45.1-3] # { حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم }؛ { ~~حم } مبتدأ وخبره { تنزيل } ، وقوله تعالى: { إن في ~~السموت والأرض لأيت للمؤمنين } أي لدلالات على ~~الحق تدل بخلقها على أن لها خالقا قديما لا أول له، ويدل ~~تعظيمها وبقاؤها من غير علاقة فوقها ولا عماد تحتها على قادر ~~لا يعجزه شيء. وقوله تعالى { لأيت } في موضع نصب؛ لأنه اسم ~~(إن)، كما يقال: إن في الدار لزيدا. ### || [45.4] # قوله تعالى: { وفي خلقكم وما يبث من دآبة ~~ءايت }؛ أي وفي خلقكم حالا بعد حال من نطفة إلى أن يصير ~~إنسانا ثم يصير فيه العقل ثم الحواس، وما يبث من دابة على ~~وجه الأرض على اختلاف أجناس الدواب ومنافعها وصورها، وما يقصر من ~~منافعها في ذلك دلالات واضحة على وحدانية الله تعالى: { لقوم ~~يوقنون }؛ يطلبون علم اليقين، ويوقنون أنه لا إله غيره. # وقرأ حمزة (آيات) (وتصريف الرياح) بالكسر على أنهما ~~منصوبان نسقا على قوله تعالى # إن في السموت والأرض # [الجاثية: 3] على معنى وإن في خلقكم آيات، ومن رفع فعلى ~~الاستئناف بعد أن، تقول العرب: إن لي عليكم مالا وعلى أخيك ~~مال، ينصبون الثاني ويرفعونه. ### || [45.5] # قوله تعالى: { واختلاف الليل والنهار }؛ أي وفي ~~ذهابهما ومجيئهما، وما يحدث في كل واحد منهما من الزيادة ~~والنقصان من غير أن يكونا جميعا أزيد من أربع وعشرين ساعة، { ~~ومآ أنزل الله من السمآء من رزق فأحيا به ~~الأرض بعد موتها وتصريف الرياح } ، وفيما أنزل الله ~~من السماء من المطر فأحيا به الأرض بعد يبسها، وفي تقلب ~~الرياح شمالا وجنوبا وقبولا ودبورا وعذابا ورحمة، { ~~ءايت لقوم يعقلون }؛ الدلالة ويتدبرونها. ### || [45.6] # قوله تعالى: { تلك ءايت الله نتلوها عليك ~~بالحق }؛ أي تلك التي سبق ذكرها دلائل الله لعباده يتلوها ~~عليك جبريل بأمرنا بقصصنا عليك بالحق، { فبأي حديث بعد ~~} ، كتاب، { الله وءايته يؤمنون }؛ إن لم يؤمنوا بهذا ~~القرآن. ومن قرأ بالتاء فعلى تأويل: قل لهم يا محمد: فبأي ~~حديث تؤمنون. ### || [45.7-8] ms1906 # قوله تعالى: { ويل لكل أفاك أثيم * يسمع ~~ءايت الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن ~~لم يسمعها فبشره بعذاب أليم }؛ يعني النضر بن ~~الحارث، كان يروي من أحاديث العجم للمشركين فيستملحون حديثه، ~~وكان إذا سمع آيات القرآن استهزأ بها، فجعل الله له العذاب مرتين، ~~مرة أليما ومرة مهينا، وقد ذكرنا تفسير الآية في سورة ~~لقمان. # ومعنى الآية: ويل لكل كذاب فاجر كثير الإثم، يسمع القرآن ~~يقرأ عليه ولا يتدبره، ولا يخشع لاستماعه، بل يقيم على ~~كفره متعظما عن الإيمان بالله، كأن لم يسمع آيات الله، ~~فخوفه يا محمد بعذاب وجيع يخلص وجعه إليه. ### || [45.9] # قوله تعالى: { وإذا علم من ءايتنا شيئا ~~اتخذها هزوا }؛ أي إذا سمع من آيات القرآن شيئا اتخذها ~~هزوا، { أولئك لهم عذاب مهين }. ### || [45.10] # قوله تعالى: { من ورآئهم جهنم }؛ أي لهم من بعد ~~موتهم جهنم، { ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا }؛ ولا ~~ينفعهم ما كسبوا من الأموال والأولاد شيئا، { ولا ما ~~اتخذوا من دون الله أوليآء }؛ أربابا في دفع شيء من ~~عذاب الله، { ولهم }؛ في الآخرة؛ { عذاب عظيم }؛ كل ذلك ~~للنضر بن الحارث وأمثاله. ### || [45.11] # قوله تعالى: { هذا هدى }؛ أي هذا القرآن بيان للحق من ~~الباطل في كل ما يحتاج إليه من أمر الدين والدنيا، { ~~والذين كفروا بآيت ربهم }؛ الله أي جحدوا دلائل ~~الله، { لهم عذاب من رجز أليم }؛ أي عذاب من عذاب ~~وجيع يخلص وجعه إلى قلوبهم، وقرئ (أليم) بالرفع على نعت العذاب، ~~وبالكسر على نعت الرجز. ### || [45.12] # قوله تعالى: { الله الذي سخر لكم البحر ~~لتجري الفلك فيه بأمره }؛ أي هو الذي ذلل لكم البحر ~~بتسهيل السبيل إلى سلوكها باتخاذ السفن وإصلاحها، { ~~ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون } ، وباقي ~~الآية قد تقدم تفسيرها. ### || [45.13] # قوله تعالى: { وسخر لكم ما في السموت }؛ من ~~شمس وقمر ونجوم ومطر وثلج وبرد، { وما في الأرض }؛ من ~~دابة وشجر ونبات وثمار وأنهار، ومعنى سخره لنا: هو أنه ~~خلقها لانتفاعنا بها على الوجه الذي يريده. قوله تعالى: { ~~جميعا منه }؛ أي الكل رحمة منه ms1907 وبفضله ومنه، { إن في ~~ذلك لأيت لقوم يتفكرون }؛ في صنع الله وإحسانه، ~~فيوحدونه. ### || [45.14-15] # قوله تعالى: { قل للذين آمنوا يغفروا للذين ~~لا يرجون أيام الله }؛ نزلت في عمر رضي الله عنه: شتمه ~~رجل من بني غفار بمكة، فهم أن يبطش به، ~~فأمره الله بالعفو والتجاوز. والمعنى: قل للذين ~~آمنوا اغفروا، ولكنه شبهه بالشرط والجزاء كقوله تعالى: # قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة # [إبراهيم: 31]. # وقوله: { لا يرجون أيام الله } أي لا يخافون عذاب ~~الله من إيذائكم، فتجاوزوا عنهم ليوفيهم الله عقاب ~~سيئاتهم بما عملوا. ويجوز أن يكون المعنى: تجاوزوا عن الذين لا ~~يرجون ثواب الله للمؤمنين، { ليجزي }؛ الله، { قوما } ، ~~المؤمنين يوم الجزاء، { بما كانوا يكسبون }؛ بما كانوا ~~يعملون من الخيرات. # وقيل: إن الآية نزلت في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا في ~~أذى شديد من أهل مكة قبل أن يؤمروا بقتالهم، فأمر الله ~~المؤمنين بترك مكافأتهم، ثم نسخت بقوله تعالى # أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا # [الحج: 39]. # وقال الحسن: (لم تنسخ هذه الآية، وهي على ~~الاستحباب في العفو ما لم يؤدوا إلى الإخلال بحق ~~الله أو إلى إذلال الدين). { من عمل صلحا ~~فلنفسه ومن أسآء فعليها ثم إلى ربكم ~~ترجعون }. ### || [45.16] # قوله تعالى: { ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب ~~}؛ يعني التوراة والإنجيل، { والحكم والنبوة }؛ أي الفهم ~~في الكتاب وفصل الأمر، وجعلنا فيهم الأنبياء والرسل، { ~~ورزقناهم من الطيبات }؛ أي من الحلال ومن لذيذ ~~الأطعمة كالمن والسلوى وغيرهما، { وفضلناهم على ~~العالمين }؛ أي على عالمي زمانهم بكثرة النبيين فيهم، وفضل ~~الله أمة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بكثرة العلماء فيهم، ~~والقائمين بالحق منهم كما قال تعالى: # كنتم خير أمة أخرجت للناس # [آل عمران: 110]. ### || [45.17] # قوله تعالى: { وآتيناهم بينات من الأمر }؛ يعني ~~العلم بمبعث النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وما بين لهم ~~من الأمر، { فما اختلفوا إلا من بعد ما جآءهم ~~العلم بغيا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون }؛ الآية قد تقدم ~~تفسيرها. ### || [45.18] # قوله تعالى: { ثم جعلناك على ms1908 شريعة من ~~الأمر فاتبعها }؛ أي ثم أكرمناك يا محمد بعد اختلافهم ~~فجعلناك على طريقة مستقرة من الدين، فاستقم عليها وادع الخلق ~~إليها، ولا تعمل بأهواء الذين يخالفونك في أمر الدين والقبلة، ~~وهو قوله تعالى: { ولا تتبع أهوآء الذين لا ~~يعلمون } ، توحيد الله؛ قيل: يعني كفار قريش. ### || [45.19] # قوله تعالى: { إنهم لن يغنوا عنك من الله ~~شيئا }؛ أي لن يدفعوا عنك من عذاب الله شيئا إن اتبعت ~~أهواءهم، { وإن الظالمين بعضهم أوليآء بعض } ، ~~يعني المشركين أنصار بعضهم بعضا، { والله ولي المتقين ~~}؛ أي ناصر المؤمنين المتقين الشرك وهم أمة محمد صلى الله عليه ~~وسلم. ### || [45.20] # قوله تعالى: { هذا بصائر للناس وهدى ورحمة ~~}؛ أي هذا القرآن عظات للناس وعبرة وبيان لهم من الضلالة ونجاة ~~من العذاب، { لقوم يوقنون }؛ أنه من الله تعالى. ### || [45.21-22] # قوله تعالى: { أم حسب الذين اجترحوا السيئات ~~أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات }؛ ~~قيل: إن هذه الآية نزلت في ثلاث نفر من المشركين؛ وهم ~~عتبة وشيبة والوليد بن عتبة، بارزوا عليا وحمزة ~~وعبيدة بن الحارث رضي الله عنهم يوم بدر، كانوا يقولون لهم: ~~لئن كان محمد حقا في الآخرة لتفضل عليكم في الآخرة كما ~~فضلنا عليكم في الدنيا. # ومعنى الآية: أحسب الذين { اجترحوا } اكتسبوا { ~~السيئات } المعاصي { أن نجعلهم } في الآخرة { ~~كالذين آمنوا } بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن { ~~وعملوا الصالحات } من الصلاة والزكاة. # وتم الكلام، ثم قال: { سوآء محياهم ومماتهم } ، ~~ارتفع (سواء) على أنه خبر مبتدأ مقدم، تقديره: محياهم ومماتهم ~~سواء، والضمير فيهما يعود إلى القبيلتين المؤمنين والكافرين، يقول ~~المؤمن مؤمن في محياه ومؤمن في مماته، والكافر كافر في حياته ~~ومماته. والمعنى: إن المؤمن يموت على إيمانه ويبعث عليه، ~~والكافر يموت على كفره ويبعث عليه، يريد محيا القبيلتين ~~ومماتهم سواء. # ومن قرأ (سواء) بالنصب جعله مفعولا ثانيا، فجعله على تقدير: ~~فجعل محياهم ومماتهم سواء، يعني أحسبوا أن حياتهم وموتهم ~~كحياة المؤمنين وموتهم؛ كلا؛ وقوله تعالى: { سآء ما يحكمون ~~}؛ أي بئس ما يقضون حين يرون أن لهم في الآخرة ما للمؤمنين، ms1909 { ~~وخلق الله السموت والأرض بالحق ولتجزى ~~كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون }. ### || [45.23] # قوله تعالى: { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه }؛ ~~وذلك أن أهل مكة كانوا يعبدون الحجر والخشب، فإذا رأوا ما هو ~~أحسن منه، رموا بالأول وعبدوا الثاني، فهم يعبدون ما تهواه ~~أنفسهم، قال قتادة: (هو الكافر لا يهوى ما شاء إلا ~~ركبه، يبنون العبادة على الهوى لا على الحجة، ~~فأنزل الله هذه الآية: { أفرأيت من اتخذ ~~إلهه هواه } ). قال الحسن: (اتخذ إلهه هواه لا ~~يعرف إلهه بعقله وإنما يعرفه بهواه). # وقوله تعالى: { وأضله الله على علم }؛ أي خذله على ما ~~سبق في عمله أنه ضال قبل أن يخلقه، { وختم على سمعه ~~}؛ فلم يسمع الهدى، وعلى { وقلبه }؛ فلم يعقل الهدى، { وجعل ~~على بصره غشاوة }؛ أي ظلمة فهو لا يبصر الهدى به. ~~قوله تعالى: { فمن يهديه من بعد الله }؛ أي من ~~يهديه من بعد إضلال الله له، { أفلا تذكرون }؛ ~~فتعرفوا قدرته على ما يشاء. ### || [45.24] # قوله تعالى: { وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا ~~نموت ونحيا }؛ أي نموت نحن ويحيى آخرون ممن يأتون ~~بعدنا، وقال الزجاج: (معناه نحيي ونميت، والواو ~~للاجتماع) والقائلون بهذا زنادقة قريش. # قوله تعالى: { وما يهلكنآ إلا الدهر }؛ أي إلا ~~طول العمر واختلاف الليل والنهار، { وما لهم بذلك من ~~علم }؛ أي لم يقولوه على علم علموه، بل قالوا ضلالا ~~شاكين. # قوله تعالى: { إن هم إلا يظنون }؛ وكان هذا القول ~~من زنادقتهم الذين كانوا ينكرون الصانع الحكيم، ويزعمون أن ~~الزمان ومضي الأوقات هو الذي يحدث هذه الحوادث، يموت قوم ~~ويحيا قوم. ### || [45.25-27] # فيه بيان أنهم كانوا يتعلقون بالحجج الباطلة، ولو تأملوا ~~لعلموا أن دلائل معجزات النبي صلى الله عليه وسلم أوكد مما ~~كانوا يطلبون. ### || [45.28] # قوله تعالى: { وترى كل أمة جاثية }؛ أي وترى ~~أهل كل دين باركة على الركب متهيئة للحساب والجزاء، ~~مترقبة لما يصنع بها، كما ينحني بين يدي الحاكم ينتظر ~~القضاء، { كل أمة تدعى إلى كتابها }؛ أي إلى صحائف ~~أعمالها، يقال لهم: { اليوم تجزون ما كنتم تعملون ms1910 ~~}؛ في دار الدنيا من الخير والشر. ### || [45.29-31] # قوله تعالى: { هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ~~إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون }؛ يعني كتاب الحفظ ~~يقرؤونه فيدلهم على ما عملوا، فكأنه ينطق كما يقال: نطق ~~الكتاب بتحريم الخمر، وقوله { بالحق } أي بالعدل، فيه حسناتهم ~~وسيئاتهم، وقوله تعالى { إنا كنا نستنسخ } أي نأمر ~~الملائكة بنسخ ما عملتم وتبيينه بيانا شافيا وتثبيته عليكم. # وما بعدها هذا ظاهر المعنى: { فأما الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات فيدخلهم ربهم في رحمته ~~ذلك هو الفوز المبين * وأما الذين كفروا ~~أفلم تكن ءايتى تتلى عليكم فاستكبرتم ~~وكنتم قوما مجرمين }. ### || [45.32-33] # قوله تعالى: { وإذا قيل إن وعد الله حق }؛ ~~لبعث، { والساعة لا ريب فيها }؛ أي القيامة كائنة من غير ~~شك، { قلتم ما ندري ما الساعة }؛ أنكرتموهم وأظهرتم ~~الشك فقلتم: { إن نظن إلا ظنا وما نحن ~~بمستيقنين }؛ ومن قرأ (والساعة) بالنصب فهو عطف على ~~(وعد) { وبدا لهم }؛ في الآخرة، { سيئات ما عملوا ~~وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون }؛ في الدنيا؛ أي ~~ظهر لهم قبائح أعمالهم حين عاينوا ذلك في كتابهم الذي أحصى ~~عليهم كل قليل وكثير. ### || [45.34] # قوله تعالى: { وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم ~~لقآء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ~~ناصرين }؛ أي نتركم في النار، ونترك مراعاتكم وحفظكم، ولا ~~نحفظكم من العذاب كما لم تحفظوا حق الله، وتركتم الإيمان والعمل ~~بلقاء هذا اليوم. والنسيان ضد الحفظ، وقد يكون للترك. ### || [45.35] # قوله تعالى: { ذلكم بأنكم اتخذتم ءايت ~~الله هزوا }؛ أي ذلك العذاب عليكم بسبب أنكم اتخذتم كتاب ~~الله ورسوله استهزاء، { وغرتكم الحياة الدنيا }؛ حتى ~~قلتم لا بعث ولا حساب، { فاليوم لا يخرجون منها ولا ~~هم يستعتبون } أي لا يطلب رضاهم، ولا يقالون؛ لأنه لا يقبل ~~في ذلك اليوم استقالة وقد انقطعت المعاينة فلا يجابون، ولا يقبل ~~لهم في " ذلك " اليوم عذر ولا توبة. ### || [45.36-37] # قوله تعالى: { فلله الحمد رب السموت ورب ~~الأرض رب العالمين }؛ أي لله الشكر على عظيم نعمائه على ~~الخلائق كلهم، { وله الكبريآء في السماوات والأرض ~~}؛ وهو المختص بالكبرياء ms1911 في السماوات والأرض، وله العظمة ~~والجبروت فيهما، { وهو العزيز }؛ في ملكه وسلطانه، { ~~الحكيم }؛ في قضائه وأمره له وحده في أعلى مراتب ~~التعظيم لأنه سبحانه لا يجوز عليه صفة النقص، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " يقول الله: الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، من ~~نازعني واحدة منها ألقيته في جهنم ". ### | [46 - سورة الأحقاف] ### || [46.1-3] # قوله تعالى: { حم * تنزيل الكتاب من الله ~~العزيز الحكيم }؛ قد تقدم تفسيره. قوله تعالى: { ما ~~خلقنا السموت والأرض وما بينهمآ إلا بالحق ~~}؛ ظاهر المعنى، { وأجل مسمى }؛ ينتهي إليه وهو يوم القيامة ~~تنتهي إليه السماوات والأرض، وهذا إشارة إلى فنائهما وانقضائهما. # قوله تعالى: { والذين كفروا عمآ أنذروا ~~معرضون }؛ أي معرضون عما خوفوا به من القرآن، ولا ~~يتدبرون ولا يتفكرون. ### || [46.4] # قوله تعالى: { قل أرأيتم ما تدعون من دون ~~الله }؛ من الملائكة والأصنام، وتدعون أنها آلهة، { أروني ~~ماذا خلقوا من الأرض }؛ أي أخبروني ماذا خلقوا من الأرض، ~~لأن الخالق هو الذي يستحق العبادة، { أم لهم شرك في ~~السموت } أم لهم نصيب في خلق السماوات، فذلك ما أشركتموهم ~~في عبادة الله تعالى، { ائتوني بكتاب من قبل هذآ }؛ ~~القرآن فيه برهان ما تدعون، { أو أثارة من علم }؛ معناه ~~ائتوني ببقية من علم المتقدمين، { إن كنتم صادقين }. # وقيل: الأثارة؛ والأثرة - بإسكان الثاء - والأثرة - ~~بفتحها - معناها: الرواية من العلماء، يقال: فلان يأثر ~~الحديث عن فلان، ومنه قوله تعالى: # إن هذآ إلا سحر يؤثر # [المدثر: 24]، والعلم المأثور هو المروي. ### || [46.5] # قوله تعالى: { ومن أضل ممن يدعوا من دون ~~الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة }؛ أي ~~أبعد ذهابا عن الصواب ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب دعاء ~~ولو دعاه، { إلى يوم القيامة } يعني الأصنام، { وهم عن ~~دعآئهم غافلون } أي عن دعاء من دعاها؛ لأنها جماد لا ~~تسمع ولا تبصر. ### || [46.6] # قوله تعالى: { وإذا حشر الناس كانوا لهم ~~أعدآء وكانوا بعبادتهم كافرين } معناه: وإذا جمع ~~الناس يوم القيامة صارت الأصنام أعداء لمن عبدها في الدنيا، ~~كما قال تعالى: # ويوم القيامة يكفرون بشرككم ms1912 # [فاطر: 14]، وقال: # تبرأنآ إليك ما كانوا إيانا يعبدون # [القصص: 63]. ### || [46.7-8] # قوله تعالى: { وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال ~~الذين كفروا للحق لما جآءهم هذا سحر مبين ~~}؛ ويقولون: إن محمدا أتى به من نفسه، وهو قوله: { أم ~~يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي ~~من الله شيئا }؛ أي لايقدرون أن يردوا عني عذابه، فكيف ~~أفتري على الله لأجلكم وأنتم لا تقدرون على دفع عقابه عني إن ~~افتريت عليه شيئا؟ وهو قوله تعالى: { هو أعلم بما ~~تفيضون فيه }؛ أي الله أعلم بما تقولون في القرآن وتخوضون ~~فيه من التكذيب به والقول فيه إنه سحر وكهانة، { كفى به ~~شهيدا بيني وبينكم }؛ أي القرآن جاء من عند الله، { ~~وهو الغفور الرحيم }؛ في تأخير العذاب عنكم حين لم يعجل ~~عليكم بالعقوبة. # قال الزجاج: (هذا دعاء لهم؛ أي التوبة، معناه: أن ~~من أتى من الكبائر بمثل ما أتيتم به من ~~الافتراء على الله ثم تاب، فالله غفور رحيم، أي ~~غفور له رحيم به). ### || [46.9] # قوله تعالى: { قل ما كنت بدعا من الرسل }؛ أي ما ~~أنا أول رسول أرسل إلى الناس، قد بعث قبلي كثير من ~~الرسل. والبديع من كل شيء المبتدع، { ومآ أدري ما يفعل ~~بي ولا بكم }؛ أيتركني بمكة أو يخرجني منها أو يخرجكم. ~~وقيل: معناه: لا أدري أموت أم أقتل، ولا أدري أيها المكذبون ~~أترمون بالحجارة من السماء أو يخسف بكم. # وهذا إنما هو في الدنيا، فأما في الآخرة فقد علم أنه في ~~الجنة، وأن من كذبه في النار، ألا تراه يقول: { إن أتبع ~~إلا ما يوحى إلي }؛ وقد أوحي إليه ما يصير إليه الكافر ~~والمؤمن في الآخرة. وقيل: معناه: وما أدري ماذا أومر به في ~~الكفار من حرب أو سلم، وما أدري ماذا يفعل الله بهم أيعاجلهم ~~الله بالعقوبة أو يؤخرها عنهم. # قوله تعالى: { إن أتبع إلا ما يوحى إلي } أي ~~ما أتبع إلا القرآن ولا أبتدع من عندي شيئا، { ومآ أنا ~~إلا نذير مبين }؛ أي أنذركم وأبين لكم الشرائع. ### || [46.10] # قوله ms1913 تعالى: { قل أرأيتم إن كان من عند الله ~~وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على ~~مثله فآمن واستكبرتم }؛ ثم اختلفوا، والمراد بشاهد في ~~هذه الآية فقال من ذهب إلى أن هذه السورة مكية كلها: أن ~~المراد به يامين بن يامين، فإن عبدالله بن سلام ممن أسلم ~~بالمدينة، وهذا شاهد قدم بمكة فآمن. وقيل: إن المراد ~~بالشاهد موسى عليه السلام كان من بني إسرائيل، وكان شهادته للنبي ~~صلى الله عليه وسلم في التوراة من تصديق القرآن، ومثل القرآن هو ~~التوراة. # وقال ابن عباس: (هو عبدالله بن سلام)، روي: # " أنه قدم من الشام، فأتى النبي عليه السلام ليلا ~~وشهد أن نعته مكتوب في التوراة فآمن به، ثم قال: ~~أخبئني في البيت، ثم أحضر اليهود سلهم عني، ~~فإنهم سيذكرونني عندك ويخبرونك بمكاني من ~~العلم. # ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخبر ~~اليهود وقال لهم: " ما تقولون في عبدالله ابن ~~سلام؟ " فقالوا: عالمنا وابن عالمنا، وسيدنا ~~وابن سيدنا، وبقية المتقدمين منا. فقال صلى ~~الله عليه وسلم: " أرأيتم إن آمن بي تؤمنوا أنتم؟ " ~~فقالوا: إنه لا يفعل ذلك. # فكرر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم مرة بعد ~~أخرى حتى قالوا: نعم، فخرج عبدالله بن سلام ~~وقال لهم: ألم يأتكم في التوراة عن موسى عليه ~~السلام: إذا رأيتم محمدا فأقرئوه مني السلام ~~وآمنوا به؟ ثم جعل يوقفهم من التوراة على ~~مواضع منها فيها ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ~~وصفته، وكانوا يستكبرون ويجحدون، فقال ~~عبدالله بن سلام للنبي صلى الله عليه وسلم: أشهد أن ~~لا إله إلا الله وأنك رسول الله، أرسلك بالهدى ~~ودين الحق. فقالوا: ما كنت أهلا لما أثنينا ~~عليك، ولكنك كنت غائبا فكرهنا أن نغتابك ". # ومعنى الآية: أخبروني ماذا تقولون إن كان القرآن من عند الله، ~~أنزله وكفرتم أيها المشركون، { وشهد شاهد من بني ~~إسرائيل } عبدالله بن سلام على صدق النبي صلى الله عليه وسلم ~~في نبوته { على مثله } أي عليه أنه من عند الله، ~~والمثل صلة. وقوله تعالى: { فآمن ms1914 } يعني الشاهد واستكبرتم ~~أنتم عن الإيمان به، وجواب (إن) محذوف؛ وتقديره: أليس قد ظلمهم. # قوله تعالى: { إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين }؛ وقيل: تقدير الجواب: { قل أرأيتم إن ~~كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من ~~بني إسرائيل على مثله فآمن واستكبرتم } ~~أفأمنوا عقوبة الله، { إن الله لا يهدي القوم ~~الظالمين } يعني المعاندين بعد الوضوح والبيان يحرمهم الله ~~الهداية. ### || [46.11-14] # قوله تعالى: { وقال الذين كفروا للذين آمنوا ~~لو كان خيرا ما سبقونآ إليه }؛ أي قال الكفار من بني ~~أسد وغطفان وأشجع لمن أسلم من جهينة ومزينة وأسلم ~~وغفار: (لو كان هذا) يعنون القرآن (خيرا) مما نحن عليه ~~لما سبق رعاة الشاة ونحن أرفع منهم، { وإذ لم يهتدوا ~~به }؛ مع ظهوره ووضوحه، { فسيقولون } مع ذلك، { هذآ }؛ ~~القرآن؛ { إفك قديم }؛ كذب متقادم أتبعه محمد ~~وأحباؤه في عصره. # يقول الله تعالى: { ومن قبله كتاب موسى إماما ~~ورحمة }؛ أي ويشهد للقرآن كتاب موسى قبله إمام يقتدى ونجاة ~~من العذاب لمن آمن به، { وهذا كتاب مصدق } وهذا ~~القرآن مصدق لما في التوراة. وقوله تعالى: { لسانا ~~عربيا }؛ أي بلسان عربي تعقلونه. ويجوز أن يكون منصوبا على ~~الحال، ويكون (لسانا) توكيدا، كما يقال: جاءني زيد رجلا ~~صالحا، يريد: جاءني زيد صالحا، وقال الزجاج: (قوله ~~تعالى: { إماما } نصب على الحال) تقديره: ~~وتقدمه كتاب موسى عليه السلام إماما. # وفي الكلام محذوف تقديره: إماما ورحمة فلم يهتدوا به، ~~يدل عليه قوله تعالى: { وإذ لم يهتدوا به } وذلك ~~أن المشركين لم يهتدوا بالتوراة فيتركوا عبادة الأصنام ~~ويعرفوا منه صفة النبي صلى الله عليه وسلم. # ثم قال تعالى: { وهذا كتاب مصدق }؛ غير الكتب التي ~~قبله { لسانا عربيا } منصوب على الحال؛ أي مصدق لما بين ~~يديه عربيا. ومعنى قوله تعالى: { كتاب موسى إماما } أي ~~يقتدى به؛ يعني التوراة، { ورحمة } من الله للمؤمنين به؛ ~~قيل: القرآن. # وعن عروة عن أبيه قال: (كانت زنيرة أمرأة ضعيفة ~~البصر، فلما أسلمت كان الأشراف من مشركي ~~قريش يستهزئون بها ويقولون: والله لو كان ما ~~جاء به محمد ms1915 خيرا ما سبقتنا إليه زنيرة. ~~فأنزل الله تعالى فيها وفي أمثالها { وإذ لم ~~يهتدوا به فسيقولون هذآ إفك قديم } أي أساطير ~~الأولين). # قوله تعالى: { لينذر }؛ أي أنزلناه لتخوف، { ~~الذين ظلموا } ، يعني مشركي مكة. ومن قرأ بالياء أسند ~~الفعل إلى الكتاب. وقوله تعالى: { وبشرى } أي وهو بشرى، { ~~للمحسنين }؛ الموحدين، يعني الكتاب. # قوله تعالى: { إن الذين قالوا ربنا الله ثم ~~استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * ~~أولئك أصحاب الجنة خالدين فيها جزآء بما ~~كانوا يعملون }. ### || [46.15] # قوله تعالى: { ووصينا الإنسان بولديه إحسانا ~~}؛ في الآية دليل على أنها نزلت في رجل بعينه؛ لأن الناس ~~كلهم لا يكون حملهم ورضاعهم ثلاثون شهرا، ولا يقولون إذا بلغوا ~~أربعين سنة: { رب أوزعني }. وجاء في التفسير: أنها نزلت ~~في أبي بكر الصديق رضي الله عنه. # قوله تعالى: { حملته أمه كرها }؛ أي على كلفة ~~ومشقة، وأراد به الحمل في البطن إذا ثقل عليها الولد، ~~قوله تعالى: { ووضعته كرها }؛ يريد شدة الطلق ~~ومشقة الوضع. قرأ أهل الكوفة { إحسانا } وهي قراءة ابن عباس ~~رضي الله عنه. # قوله تعالى: { وحمله وفصله ثلثون شهرا }؛ أي ~~حمله ستة أشهر ورضاعه أربعة وعشرون شهرا. وروى عكرمة عن ~~ابن عباس رضي الله عنه قال: (إذا حملت المرأة تسعة ~~أشهر أرضعته أحد وعشرين شهرا). وقال مقاتل وعطاء ~~والكلبي: (هذه الآية نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، ~~وكان حمله وفصاله هذا القدر)، ويدل على صحة هذا ~~قوله تعالى: { حتى إذا بلغ أشده... } ثم إلى آخر ~~الآية. وقرأ الحسن ويعقوب (وفصله) بغير ألف. # قوله تعالى: { حتى إذا بلغ أشده }؛ قال ابن ~~عباس رضي الله عنه: (أشده بضع وثلاثون سنة) وقال: ~~(ثماني عشرة سنة). وذلك أنه صحب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وهو ابن ثماني عشرة سنة، والنبي صلى الله عليه وسلم ابن ~~عشرين سنة في تجارته إلى الشام، وكان لا يفارقه في أسفاره وحضوره. ~~فلما { وبلغ أربعين سنة }؛ ونبئ رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم دعا ربه، { قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك }؛ ~~أي ألهمني ms1916 شكر نعمتك، { التي أنعمت علي }؛ ~~بالهداية والإيمان حتى لم أشرك بك شيئا، { وعلى والدي }؛ ~~أبي قحافة عثمان بن عمر وأمي أم الخير بنت صخر بن عمر، قال ~~علي رضي الله عنه: (هذه الآية نزلت في أبي بكر أسلم ~~أبواه جميعا، ولم يجتمع أحد من الصحابة ~~والمهاجرين أبواه غيره، وأوصاه الله بهما). # قوله تعالى: { وأن أعمل صلحا ترضه }؛ فأجاب ~~الله وأعتق تسعة من المؤمنين يعذبون في الله ولم يرد شيئا من ~~الخير إلا أعانه الله عليه، واستجاب الله في ذريته حين قال: ~~{ وأصلح لي في ذريتي }؛ فلم يبق له ولد ولا والد إلا ~~آمنوا بالله وحده، قال موسى بن عقبة: (لم يدرك أربعة ~~النبي صلى الله عليه وسلم هم وأبناؤهم إلا هؤلاء: أبو ~~قحافة، وأبو بكر، وابنه عبدالرحمن، وأبو عتيق ~~بن عبدالرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه). قال البخاري: ~~(أبو عتيق أدرك النبي صلى الله عليه وسلم). # قوله { وأصلح لي في ذريتي } أي اجعل أولادي كلهم ~~صالحين وقوله: { إني تبت إليك وإني من المسلمين ~~}؛ أي إني أقبلت إلى كل ما يجب وأسلمت لك بقلبي ولساني وإني ~~من المخلصين، فأسلم أبوه وأمه ولم يبق له ولد إلا أسلم. ### || [46.16] # قوله تعالى: { أولئك الذين نتقبل عنهم ~~أحسن ما عملوا }؛ أي أهل هذه الصفة الذين يتقبل عنهم ~~أحسن ما عملوا وهو الطاعات، { ونتجاوز عن سيئاتهم }؛ ~~التي سبقت في الجهل، وقوله تعالى: { في أصحاب الجنة وعد ~~الصدق }؛ أي يدخلون في أصحاب الجنة وعدا صدقا من الله ~~تعالى: { الذي كانوا يوعدون }؛ به في الدنيا على ألسنة ~~الرسل. ### || [46.17] # قوله تعالى: { والذي قال لوالديه أف لكمآ }؛ ~~نزلت في عبدالرحمن بن أبي بكر، قال لأبيه وأمه قبل أن يسلم حين ~~كانا يدعوانه إلى الإسلام، ويخبرانه بالبعث بعد الموت وهو يأبى ~~ويسيء القول لهما، فقال لهما: { أف لكمآ } أي أف قذفا ~~لكما، كما يقال عند شم الرائحة الكريهة، { أتعدانني أن ~~أخرج وقد خلت القرون من قبلي }؛ أي تخوفانني أن ~~أخرج من القبر وقد مضت القرون من قبل ولم ms1917 يخرج أحد منهم من ~~قبره، أين عبدالله بن جدعان؟ أين فلان وأين فلان؟! { وهما ~~يستغثيان الله }؛ يعني أبويه يدعوان الله له بالهدى ~~ويقولان له: { ويلك آمن }؛ أي صدق بالبعث، { إن وعد ~~الله حق } ، بالبعث، { فيقول ما هذآ إلا أساطير ~~الأولين }؛ فيقول لهما: ما هذا الذي تقولان إلا أكاذيب ~~الأولين. # والاستغاثة بالله دعاؤك الله ليغيثك على ما نابك، والجار ~~محذوف، تقديره: يستغيثان بالله. وقرأ القراء والأعمش (أن ~~أخرج) بفتح الألف وضم الراء. # قال ابن عباس: (فلما ألح عليه أبواه في دعائه إلى ~~الإيمان؛ قال لهما: أحيوا لي عبدالله بن جدعان، ~~فإنه كان شيخا صدوقا، وأحيوا لي عامر بن كعب، ~~ومشايخ من قريش حتى أسألهم عن ما تقولان، ~~وأخرجا لي بعض آبائي وأجدادي من قبورهم ~~لأسألهم، فإن صدقوكما آمنت). ### || [46.18] # قوله تعالى: { أولئك الذين حق عليهم ~~القول في أمم قد خلت من قبلهم }؛ أي وجبت عليهم ~~كلمة العذاب في أمم قد مضت من قبلهم، { من }؛ كفار، { الجن ~~والإنس إنهم كانوا خاسرين }؛ الإيمان. ثم أسلم ~~عبدالرحمن وحسن إسلامه، وكان من أفاضل المؤمنين. # وذهب الحسن إلى أن الآية نزلت في كافر عاق لوالديه مكذب ~~للبعث، مات على كفره، قال: (لأن قوله { أولئك ~~الذين حق عليهم القول } إعلام بأنهم لا ~~يؤمنون) وإلى هذا القول ذهب الزجاج. # ويروى أن معاوية كتب إلى مروان: (لتأخذن على الناس ~~البيعة ليزيد) فكره ذلك عبدالرحمن وقال: ~~(أتأخذون البيعة لأبنائكم؟!) قال مروان: هذا ~~الذي يقول الله فيه # والذي قال لوالديه أف لكمآ # [الحاقة: 17] فلما بلغ ذلك عائشة فقالت: (كذب ~~مروان! والله ما هو به، إنما أنزل الله ذلك في ~~رجل من بني أمية، ولو شئت أن أسميه ~~لسميته لكم، ولكن أشهد أن الله لعن أباك ~~وأنت في صلبه، فهو في قصص من لعنه الله). ### || [46.19] # قوله تعالى: { ولكل درجت مما عملوا }؛ أي ~~ولكل الفريقين من الكافرين والمؤمنين منازل مما عملوا، { ~~وليوفيهم أعملهم وهم لا يظلمون }؛ أي لا ~~ينقص من حسناتهم ولا يزاد في سيئاتهم. ### || [46.20] # قوله تعالى: { ويوم يعرض الذين كفروا ms1918 على النار ~~}؛ أي وأنذرهم يوم يعرض كفار مكة على النار ويقال لهم: { ~~أذهبتم طيبتكم في حياتكم الدنيا }؛ أي أذهبتم ~~أموالكم، وقيل: قوتكم وشبابكم في لذاتكم في الدنيا، لا في ~~طلب رضى الله، بل في وجوه محرمة، وانتقصتم بطيباتكم في ~~الدنيا، { واستمتعتم بها }؛ (ف) ليس لكم، { فاليوم }؛ ~~ها هنا حسنات، وإنما { تجزون عذاب الهون بما كنتم ~~تستكبرون في الأرض بغير الحق }؛ أي الهوان ~~الشديد باستكباركم في الأرض بالباطل، وخروجكم من أمر الله تعالى ~~إلى المعصية. # وعن ابن عباس: # " أن عمر رضي الله عنه قال: للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~(أدع الله أن يوسع على أمتك، فقد وسع الله ~~على فارس والروم وهم لا يعبدون الله تعالى) فقال ~~صلى الله عليه وسلم: " أوفي شك أنت يا ابن الخطاب؟! ~~أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم ~~الدنيا " ". # وروي:أن عمر رضي الله عنه قال: # " دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة ~~وإنه لمضطجع على حصير، وإن بعضه لعلى ~~التراب، وتحت رأسه وسادة محشوة ليفا، فسلمت ~~ثم جلست، فقلت: يا رسول الله؛ أنت نبي الله ~~وصفوته وخيرته من خلقه، وكسرى وقيصر على ~~سرر الذهب وفرش الديباج والحرير، فقال صلى الله عليه ~~وسلم: يا عمر؛ إن أولئك قوم عجلت لهم ~~طيباتهم وهي وشيكة الانقطاع، وإنا أخرت لنا ~~طيباتنا " ". # وعن سالم بن عبدالله بن عمر كان يقول: (والله ما نعبأ بلذات ~~العيش بأن نأمر بصغار المعزى فتسمط لنا، ~~ونأمر بلباب الحنطة فيخبز لنا، ونأمر بالنبيذ ~~فينبذ لنا، حتى إذا صار مثل عين يعقوب أكلنا ~~هذا وشربنا هذا، ولكنا أردنا أن نستبقي ~~طيباتنا لأنا سمعنا الله عز وجل يذكر قوما ~~فقال { أذهبتم طيبتكم في حياتكم الدنيا ~~واستمتعتم بها }. # وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: (رأى عمر رضي الله عنه ~~في يدي لحما معلقا فقال: ما هذا يا جابر؟ قال: ~~اشتهيت لحما فاشتريته، فقال عمر: وكلما ~~اشتهيت يا جابر اشتريت؟ أما تخاف هذه الآية { ~~أذهبتم طيبتكم في حياتكم الدنيا }. # وعن محمد بن ميسرة ms1919 قال: قال جابر بن عبدالله: (اشتهى أهلي ~~لحما فشريته ومررت بعمر، فقال: ما هذا يا جابر؟ ~~قلت: اشتهى أهلي اللحم فاشتريت هذا اللحم ~~بدرهم، فقال: أوكلما اشتهى أحدكم شيئا جعله ~~في بطنه، أما تخشى أن تكون من أهل هذه الآية { ~~أذهبتم طيبتكم في حياتكم الدنيا } ). # وعن عمارة بن القعقاع عن أبي زرعة قال: (دخل عتبة ~~بن فرقد على عمر رضي الله عنه وهو يكوم كعكا ~~شاميا ويتفوق لبنا حازرا فقال: يا أمير ~~المؤمنين لو أمرت أن يصنع لك طعام ألين من ~~هذا؟ فقال: يا ابن فرقد؛ أترى أحدا من العرب أقدر ~~على ذلك مني؟ فقال: ما أحد أقدر على ذلك منك يا ~~أمير المؤمنين، فقال عمر: سمعت الله تعالى عير ~~أقواما فقال { أذهبتم طيبتكم في حياتكم ~~الدنيا واستمتعتم بها } والله لو شئت أن أكون ~~أصلبكم طعاما وأحسنكم ثيابا لفعلت، ولكن ~~أستبقي دنياي لآخرتي). # وعن حفص بن أبي العاص قال: (كنت أتغدى مع عمر رضي الله ~~عنه فيجيء بخبز متقطع يابس غليظ، فجعل يأكل ~~منه ويقول لنا: كلوا، فجعل يعتذر فقال: ما ~~لكم لا تأكلون؟ قلنا: لا نأكله والله يا أمير ~~المؤمنين، ما نستطيع لكنا نرجع إلى طعام ألين ~~من طعامكم هذا. # فقال: يا ابن العاص أما ترى أني قادر أن آمر ~~بدقيق أن ينخل بخرقة، وأن يخبز في تنور، وآمر ~~بعناق سمينة فليسمط عنها شعرها ثم تخرج ~~مصلية كأنها كذا وكذا، أما ترى أني أقدر أن ~~أعمل إلى صاع أو صاعين من زبيب فأجعله في سقاء ~~ثم أنش عليه من الماء فيصبح كأنه دم غزال؟ ~~قال: قلت والله يا أمير المؤمنين لجاد ما نعت ~~العيش؟ قال: أجل والله الذي لا إله إلا هو، لولا ~~أني أخاف أن تنقص حسناتي يوم القيامة ~~لشاركتكم في العيش، ولكني سمعت الله تعالى ~~يقول: { أذهبتم طيبتكم في حياتكم الدنيا ~~واستمتعتم بها }. # وكان يقول: (لا تنخلوا الدقيق فإنه كله طعام)، ~~وكان عمر رضي الله عنه يتغدى اللبن والقديد، وعن ~~الزهري رضي الله عنه قال: (حدثني عبدالله ms1920 بن عباس عن ~~عمر رضي الله عنه أنه حدثه: # " أنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجده ~~على حصير مرمولا قد أثر الشريط في جنبه ~~متوسدا وسادة من أدم حشوها ليف، قال عمر رضي ~~الله عنه: فالتفت في البيت فوالله ما رأيت شيئا ~~يرد البصر إلا إهابا جلودا معطوفة قد سطع ~~ريحها، فبكيت وقلت: يا رسول الله، إنك خيرة الله ~~من خلقه، وهذا كسرى وقيصر في الديباج والحرير، ~~فاستوى رسول الله صلى الله علي وسلم جالسا وقال: " أوفي ~~شك أنت يا ابن الخطاب؟! أؤلئك قوم عجلت لهم ~~طيباتهم في حياتهم الدنيا " ". # وروي: أن عمر رضي الله عنه قدم من الشام، فصنع له ~~طعام طيبا فقال: هذا لنا! فما لنفوس المسلمين ~~الذين ماتوا وهم لا يشبعون من خبز الشعير؟ ~~فقال خالد بن الوليد: لهم الجنة يا أمير ~~المؤمنين، فاغرورقت عينا عمر بالدموع، ثم ~~قال: لئن كان حظنا في الخطام وهم في رياض ~~الجنة، لقد باينونا بونا بعيدا). # وروي: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أهل الصفة، ~~فرآهم يرقعون ثيابهم بالأدم، ما يجدون لها ~~رقاعا، فقال: " هل أنتم اليوم خير من قوم يعدو ~~أحدهم في خلة ويروح في أخرى، ويعد عليه ~~بجفنة ويراح بأخرى " ". # قوله تعالى: { فاليوم تجزون عذاب الهون } يعني ~~يوم القيامة تجزون العذاب الذي فيه دلكم وخزيكم، { وبما ~~كنتم تفسقون }. ### || [46.21] # قوله تعالى: { واذكر أخا عاد }؛ أي اذكر يا محمد ~~لقومك أهل مكة أخا عاد وهو هود عليه السلام، { إذ أنذر ~~قومه بالأحقاف }؛ أي إذ خوف قومه وحذرهم عذاب الله إن ~~لم يؤمنوا بالأحقاف، وهو جمع حقف وهو المستطيل المعوج من ~~الرمل، قال عطاء: (رمال بلاد الشعر)، وقال مقاتل: (هي ~~باليمن في حضرموت)، وقال ابن عباس: (واد بين عمان ~~ومهرة) وإلى مهرة ينسب الجمال المهرية. # وقال قتادة: (ذكر لنا أن عادا كانوا حيا باليمن ~~أهل رمل مشرفين على البحر بأرض يقال لها ~~الشعر، وكانوا من قبيل إرم). وقال ابن زيد: (الأحقاف: ~~ما استطال من الرمل وأشرف ms1921 كهيئة الجبل، ولم ~~يبلغ أن يكون جبالا، وجمعه حقف، والأحقاف جمع ~~الجمع). # قوله تعالى: { وقد خلت النذر من بين يديه ~~ومن خلفه }؛ أي وقد مضت الرسل من قبل هود ومن بعده إلى ~~قومهم، { ألا تعبدوا إلا الله }؛ أي لم يبعث رسولا ~~قبل هود ولا بعده إلا بالأمر بعبادة الله وحده، وهذا كلام ~~اعترض بين إنذار هود وكلامه لقومه، ثم عاد إلى كلام هود لقومه ~~بقوله: { إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم }؛ تقدير ~~الكلام: إذ أنذر قومه بالأحقاف وقال: إني أخاف عليكم عذاب يوم ~~عظيم، ويحتمل أن يكون المراد بهذا العذاب عذاب الدنيا، ويحتمل عذاب ~~الآخرة. ### || [46.22-23] # قوله تعالى: { قالوا أجئتنا لتأفكنا عن ~~آلهتنا }؛ أي قالوا: يا هود أجئتنا لتصرفنا عن عبادة آلهتنا ~~بالإفك، { فأتنا بما تعدنآ }؛ من العذاب، { إن كنت من ~~الصادقين } إن العذاب نازل بنا، { قال }؛ لهم هود: { ~~إنما العلم } بمجيء العذاب، { عند الله }؛ يعلم متى ~~يأتيكم العذاب وأنا { وأبلغكم مآ أرسلت به }؛ إليكم ~~من الوحي والإنذار، والمعنى: إنما أنا مبلغ، والعلم بوقت العذاب ~~عند الله، { ولكني أراكم قوما تجهلون }؛ أي أمر ~~الله وعقابه. ### || [46.24] # قوله تعالى: { فلما رأوه عارضا مستقبل ~~أوديتهم }؛ معناه: فلما رأوا العذاب الذي خوفوا به عارضا ~~كهيئة السحاب تستقبل أوديتهم التي كانوا إذا رأوا الغيم من ~~نواحيها كانت سنتهم سنة خصب، ظنوه سحاب خير، { قالوا هذا ~~عارض ممطرنا }؛ أي هذا الذي وعدتنا به سحاب قد عرض في ~~السماء ممطرنا، فقال لهم هود: { بل هو ما استعجلتم به ~~ريح فيها عذاب أليم }؛ أي ريح الدبور جاءت من قبل ~~المغرب فيها عذاب أليم وجيع لكم. # قال المفسرون: كان عاد قد حبس عنهم المطر أياما، فساق الله ~~إليهم سحابة سوداء فخرجت عليهم من واد لهم يقال له: المغيث، ~~فلما رأوه مستقبل أوديتهم استكبروا وقالوا: { هذا عارض ~~ممطرنا } غيم فيه مطر، فقال هود: { بل هو ما ~~استعجلتم به } ثم بين ما هو؛ فقال: { ريح فيها عذاب ~~أليم }. ### || [46.25] # قوله تعالى: { تدمر كل شيء بأمر ربها }؛ أي ~~تهلك كل شيء ms1922 مرت به من الناس والدواب والأموال { فأصبحوا ~~}؛ يعني عادا؛ { لا يرى إلا مساكنهم }؛ قال الزجاج: ~~(معناه لا ترى شيئا إلا مساكنهم، والمعنى: لا تر أيها المخاطب ~~إلا مساكنهم، لأن السكان والأنعام بادت بالريح). # قال ابن عباس: (فلم يبق إلا هود ومن معه)، وعن ابن ~~عباس قال: (لما رأوا العارض قاموا، فأول ما عرفوا ~~أنه عذاب رأوا ما كان خارجا من ديارهم من الرعاة ~~والمواشي تطير به الريح بين السماء والأرض، ~~فرأوا الفساطيط والضعائن ترفعها الرياح كأنها ~~جراد فدخلوا بيوتهم وأغلقوا على أنفسهم ~~الأبواب، فجاءت الريح فقلعت أبوابهم ~~واحتملتهم إلى عنان السماء، ثم هرعتهم ~~وأهالت الرمال، فكانوا تحت الرمل سبع ليال ~~وثمانية أيام حسوما لهم أنين، ثم أمر الله بعد ~~ذلك فاحتملتهم فرمت بهم في البحر). # وقرأ الأعمش وحمزة وعاصم ويعقوب (فأصبحوا لا يرى) بياء مضمومة ~~(إلا مساكنهم) بالرفع أي لا ترى الناس إلا مساكنهم لأنهم ~~كانوا تحت الرمل. # قوله تعالى: { كذلك نجزي القوم المجرمين }؛ أي ~~هكذا نجزي من أجرم جرمهم بمثل ما جازيناهم. وعن عائشة رضي ~~الله عنها قالت: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى الريح فزع، ~~وقال: " اللهم إني أسألك خيرها وخير ما ~~أرسلت به، وأعوذ بك من شرها وشر ما أرسلت به ~~" وكان يقوم ويقعد ويتغير لونه، فيقول له: ~~ما لك يا رسول الله؟! فيقول: " إني أخاف أن تكون ~~مثل قوم هود حيث قالوا: هذا عارض ممطرنا " ". ### || [46.26] # قوله تعالى: { ولقد مكناهم فيمآ إن مكناكم ~~فيه }؛ الخطاب لأهل مكة، والمعنى: ولقد مكنا عادا فيما لم ~~نمكنكم فيه من البسطة في المال والولد وزيادة القوة ~~والقامة وشدة الأبدان، قال المبرد: (ما) في قوله (فيما) ~~بمنزلة (الذي) و(إن) بمنزلة (ما). # وتقديره: ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه، { وجعلنا لهم ~~سمعا وأبصارا وأفئدة }؛ أي قلوبا يعقلون بها فلم ينفعهم ~~ذلك من عذاب الله إذ نزل بهم بسبب أنهم، { فمآ أغنى عنهم ~~سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ ~~كانوا يجحدون بآيات الله }؛ دلائل الله، { وحاق بهم ms1923 ~~ما كانوا به يستهزئون }؛ أي نزل بهم عقاب استهزائهم ~~بالرسل، أخبر الله أنهم أعرضوا عن قبول الحجج والتفكر ~~فيما يدلهم على التوحيد ما أعطاهم الله من الحواس التي تدرك بها ~~الأدلة. ### || [46.27] # قوله تعالى: { ولقد أهلكنا ما حولكم من ~~القرى }؛ هذه زيادة التخويف لأهل مكة، والمعنى: ولقد أهلكنا ما ~~حولكم من أهل القرى مثل عاد وقوم تبع باليمن وقوم صالح ~~بالحجر وقوم لوط على طريقكم بالشام، أراد بالقرى المهلكة ~~باليمن والشام. قوله تعالى: { وصرفنا الآيات ~~لعلهم يرجعون }؛ وبينا لكم الآيات في كل وجه لكي ~~ترجعون من الكفر إلى الإيمان، وقيل: معناه: وبينا الآيات ~~لعل أهل القرى يرجعون. ### || [46.28] # قوله تعالى: { فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون ~~الله قربانا آلهة }؛ فهلا حين نزل بهم العذاب أعانهم ~~الذين عبدوهم من دون الله ليقربوهم إلى الله في زعمهم، وقوله ~~تعالى: { بل ضلوا عنهم }؛ أي بل ما نفعوهم، وقوله تعالى: { ~~وذلك إفكهم }؛ أي إن دعاءهم آلهتهم هو إفكهم وافتراؤهم، ~~{ وما كانوا يفترون }؛ يعني اتخاذهم الآلهة من دون الله هو ~~كذبهم وافتراؤهم على الله أنها آلهة. ### || [46.29-30] # قوله تعالى: { وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن ~~يستمعون القرآن }؛ معناه: اذكر إذ وجهنا نفرا من الجن؛ ~~وذلك # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما آيس من إسلام ~~أهل مكة، خرج إلى الطائف ليدعوهم إلى الإسلام، ~~فلما انصرف من الطائف راجعا إلى مكة ووصل ~~بطن نخلة، قام يقرأ القرآن في صلاة الفجر، ~~فمر به نفر من أشراف جن نصيبين من اليمن ~~فاستمعوا القرآن ". # قال ابن عباس: (كانوا تسعة نفر)، وقال الكلبي ومقاتل: ~~(كانوا سبعة صرفوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليستمعوا منه وينذروا قومهم). وهو قوله ~~تعالى: { يستمعون القرآن }. # فلما انتهوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال بعضهم لبعض: ~~اسكتوا حتى تستمعوا قراءته، وذلك معنى قوله تعالى: { فلما ~~حضروه قالوا أنصتوا }؛ أي فلما فرغ من التلاوة قال بعضهم ~~لبعض: اسكتوا حتى تستمعوا قراءته، وإنما قالوا ذلك لأنهم سمعوا شيئا ~~لم يسمعوا مثله، فلما فرغ من ms1924 القرآن انصرفوا إلى قومهم مخوفين ~~لهم بالقرآن، وذلك معنى قوله تعالى: { فلما قضي ولوا إلى ~~قومهم منذرين } ، أي فلما فرغ من التلاوة انصرفوا إلى قومهم ~~منذرين؛ أي محذرين إياهم عذابا إن لم يؤمنوا، وهذا قاله سعيد بن ~~جبير وجماعة من أئمة الخبر. # وقال آخرون: بل # " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينذر الجن ويدعوهم ~~إلى الله، فقرأ عليهم القرآن، فصرف الله نفرا من الجن وجمعهم ~~له، فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: " إني أمرت أن أقرأ ~~على الجن الليلة، فأيكم تبعني " فأطرقوا، ~~فقال لهم مرة ثانية، فأطرقوا، فقال لهم ~~مرة ثالثة، فاتبعه عبدالله بن مسعود، قال ~~عبدالله بن مسعود: (لم يحضر معه أحد غيري، ~~فانطلقنا حتى إذا كنا بأعلى مكة دخل النبي صلى ~~الله عليه وسلم شعبا يقال له شعب الحجون، وحط لي ~~ثم أمرني أن أجلس فيه، وقال: " لا تخرج منه ~~حتى أدعو إليك ". # ثم انطلق حتى قام فافتتح القرآن، فجعلت أرى ~~أمثال النور تهوي، وسمعت لفظا شديدا حتى خفت ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وغشيته سودة كبيرة ~~حالت بيني وبينه حتى ما سمعت صوته، ثم ~~طفقوا يتقطعون أمثال قطع السحاب ذاهبين. # ففزع رسول الله صلى الله عليه وسلم مع الفجر، وقال: " ~~أنمت؟ " قلت: لا والله؛ ولقد هممت مرارا أن ~~أستغيث بالناس حتى سمعتك تفزعهم بعصاك تقول: " ~~اجلسوا " فقال: " لو خرجت لم آمن عليك أن ~~يختطفك بعضهم " ثم قال: " هل رأيت؟ " فقلت: ~~نعم؛ رأيت رجالا سودا. # قال: " أولئك جن نصيبين، سألوني المتاع ~~فمنعتهم بكل عظم حليل وروثة وبعرة " ~~فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقذرها ~~للناس علينا، فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يستنجى بالعظم والروث، فقلت: يا رسول الله صلى ~~عليه وسلم وما يعني ذلك منهم؟ قال: " إنهم لا ~~يجدون عظما إلا يجدون عليه لحمة يوم أكل، ~~ولا روثة إلا وجدوا فيها حبها يوم أكلت ". # فقلت: يا رسول الله سمعت لفظا كثيرا شديدا، ~~قال: " إن الجن تدارت في قتيل قتل ms1925 بينهم، ~~فتحاكموا إلي فقضيت بينهم ". ثم قال لي رسول ~~الله: " هل معك ماء؟ " فقلت: يا رسول الله معي نبيذ ~~تمر في إداوة، فاستدعاه فصببت على يديه ~~فتوضأ به وقال: " ثمرة طيبة وماء طهور " ". # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " الجن على ثلاثة أصناف: صنف لهم أجنحة ~~يطيرون بها في الهواء، وصنف حيات وكلاب يحلون ~~ويظعنون ". # قوله تعالى: { فلما حضروه قالوا أنصتوا } أي ~~قال بعضهم لبعض: أنصتوا، فأنصتوا واستمعوا القرآن حتى كان ~~يقع بعضهم على بعض من شدة رغبتهم في سماع القرآن، قوله ~~تعالى: { فلما قضي } أي فلما فرغ من تلاوة القرآن، وقرأ ~~لاحق ابن حميد (قضى) بفتح القاف والضاد يعني النبي صلى الله عليه ~~وسلم؛ ثم جعل النبي صلى الله عليه وسلم أولئك النفر من الجن ~~رسلا إلى قومهم. # وأسماء أولئك النفر: شاضر وماصر ومنشي وماشي والأحقب وعمرو بن جابر ~~وزوبعة. # وعن ابن مسعود رضي الله عنه: (أن كان في نفر من أصحاب ~~رسول الله يمشون، ورفع لهم إعصار، ثم جاء ~~إعصار أعظم منه، ثم انقشع فإذا حية قتيل، ~~فعمد منا رجل إلى ردائه فشقه وكفن الحية ~~ببعضه ودفنها! فلما جن الليل إذا امرأتان ~~تسألان: أيكم دفن عمرو بن جابر؟! فقلنا: ما ~~ندري من عمرو بن جابر! فقالتا: إن كنتم ~~ابتغيتم الأجر فقد وجدتموه، إن فسقة الجن ~~اقتتلوا مع مؤمنيهم، فقتل عمرو بن جابر وهو ~~الحية التي رأيتم وهو النفر من الجن الذين ~~استمعوا القرآن). # وذكر: أن حية دخلت على رجل من التابعين وهي تلهث عطشى فسقاها، ثم ~~إنها ماتت فدفنها، فأتي من الليل فسلم عليه وأخبر أن تلك الحية كانت ~~رجلا من جن نصيبين اسمه زوبعة. # وبلغنا في فضائل عمر بن عبد العزيز أنه كان يمشي بأرض فلاة، فإذا حية ~~ميتة فكفنها بفضلة من ردائه ودفنها، فاذا قائل يقول يا سرق اشهد لسمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ستموت بأرض فلاة فيكفنك ويدفنك رجل ~~صالح، فقال من أنت رحمك الله؟ فقال رجل من الجن الذين ms1926 استمعوا القرآن من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبق منهم إلا أنا وسرق، وهذا سرق قد ~~مات. # وقد قتلت عائشة رضي الله عنها حية رأتها في حجرتها تستمع وعائشة ~~تقرأ فأتيت في المنام فقيل لها: إنك قد قتلت رجلا مؤمنا من ~~الجن الذين قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: لو كان ~~مؤمنا ما دخل على حريم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقيل لها: ما ~~دخل عليك إلا وأنت متقنعة، وما جاء إلا ليستمع الذكر، فأصبحت ~~عائشة فزعة واشترت رقابا فأعتقتهم. # ويقال: الذين جاءوا ليستمعوا القرآن كانوا يهودا فأسلموا، ~~ولذلك قوله تعالى: { قالوا يقومنآ إنا سمعنا ~~كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه ~~يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم }. ### || [46.31] # قوله تعالى: { يقومنآ أجيبوا داعي الله ~~وآمنوا به }؛ يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، { يغفر ~~لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم }؛ فاستجاب ~~لهم من قومهم نحو من سبعين رجلا من الجن، فرجعوا إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فواقفوه بالبطحاء، فقرأ عليهم القرآن، فقال ~~بعضهم: أمرهم ونهاهم. # واختلف العلماء في مؤمني الجن، فقال بعضهم: ليس لمؤمني الجن ~~إلا نجا منهم من النار، وتأولوا فيه، قوله: { يغفر لكم من ~~ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم } ، وعن الليث أنه ~~(الجن ثوابهم أن يجاروا من النار، ثم يقال لهم: كونوا ترابا ~~مثل البهائم). وقال آخرون: إذا كان عليهم العقاب في الإساءة، وجب أن ~~يكون لهم الثواب في الإحسان مثل الإنس، وعن الضحاك قال: (الجن ~~يدخلون الجنة ويأكلون ويشربون). ### || [46.32] # قوله تعالى: { ومن لا يجب داعي الله فليس ~~بمعجز في الأرض }؛ أي لا يعجز الله ولا يفوته، { وليس ~~له من دونه أوليآء أولئك }؛ الذين لا يجيبون ~~الرسل، { في ضلال مبين }. ### || [46.33] # قوله تعالى: { أولم يروا أن الله الذي خلق ~~السموت والأرض ولم يعي بخلقهن }؛ أي لم يضعف ~~عن إبداعهن، { بقادر على أن يحيي الموتى بلى ~~إنه على كل شيء قدير }؛ والمعنى: أليس الله بقادر على ~~إحياء ms1927 الموتى فيما ترون يا أهل مكة، فإن خلق السماوات والأرض ~~بما فيهن من العجائب والبدائع أعظم من إعادة الحياة في الميت بعد ~~ما كانت فيه. ### || [46.34] # الآية ظاهرة المعنى. ### || [46.35] # قوله تعالى: { فاصبر كما صبر أولوا العزم من ~~الرسل }؛ وهم خمسة أولوا الكتب والشرائع: محمد صلى الله عليه ~~وسلم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى صلوات الله عليهم، وقيل: إنهم ~~رسل سلخوا من جلودهم فلم يجزعوا. # وقيل: أراد بأولي العزم الأنبياء كلهم، وحرف (من) على هذا ~~القول لتبيين الجنس كما في قوله # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج: 30]، قال ابن يزيد: (كل الرسل كانوا أولي عزم). # وقال بعضهم: كل الأنبياء أولوا عزم إلا يونس عليه السلام، ~~ألا ترى أن نبينا صلى الله عليه وسلم نهي عن أن يكون مثله ~~لخفة وعجلة ظهرت منه حين ولى مغاضبا لقومه، فابتلاه الله ~~بالحوت فابتلعه، وقيل: أولوا العزم نجباء الرسل ~~المذكورون في سورة الأنعام وهم ثمانية عشر، قال الله تعالى ~~فيهم # أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده # [الأنعام: 90]. # وقال مقاتل: (أولوا العزم ستة: نوح صبر على أذى ~~قومه وكانوا يضربونه حتى يغشى عليه، ~~وإبراهيم صبر على النار، وإسحاق صبر على الذبح، ~~ويعقوب صبر على فقد ولده وذهاب بصره، ويوسف ~~صبر على البئر والسجن، وأيوب صبر على الضر). ~~قال ابن عباس: (العزم: الصبر)، وقال القرظي: الرأي ~~والصواب). # وقال الحسن: (أولوا العزم أربعة: إبراهيم وموسى ~~وداود وعيسى عليهم السلام، أما إبراهيم فعزمه ~~أنه قيل له: أسلم، فقال أسلمت لرب العالمين، ~~وابتلي في ولده وماله ونفسه، فوجد صادقا ~~وافيا في جميع ما ابتلي به، قال الله تعالى: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن # [البقرة: 124]، وقال الله تعالى: # وإبراهيم الذي وفى # [النجم: 37]، وأما موسى فعزمه أن قومه كلما قالوا ~~له: إنا لمدركون، قال: كلا إن معي ربي سيهدين. ~~وأما داود عليه السلام فعزمه أنه أخطأ خطيئة فبكى ~~عليها أربعين سنة. وأما عيسى فعزمه أن لم يضع ~~لبنة على لبنة زهدا في الدنيا). # فكأن الله تعالى قال لنبيه صلى الله عليه وسلم: ms1928 فاصبر كما صبر ~~أولوا العزم من الرسل؛ أي كن صادقا فيما ابتليت به مثل صدق ~~إبراهيم عليه السلام، وكن واثقا بنصر مولاك مثل ثقة موسى عليه ~~السلام مهتما بما سلف من هفواتك مثل اهتمام داود عليه السلام، ~~زاهدا في الدنيا مثل زهد عيسى عليه السلام، فقال الشاعر: # أولوا العزم نوح والخليل كلاهما # موسى وعيسى والنبي محمد # فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم: # " والله لأصبرن كما صبر أولوا العزم من الرسل، ~~وأجهد كما جهدوا، ولا قوة إلا بالله ". # وقوله تعالى: { ولا تستعجل لهم }؛ وذلك أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ضجر بعض الضجر من كفرهم، وأحب أن ينزل ~~العذاب بمن أبى منهم الإسلام، فأمر بالصبر وترك الاستعجال، ~~ثم أخبر أن العذاب منهم قريب، فقوله: { كأنهم يوم يرون ~~ما يوعدون }؛ من العذاب في الآخرة؛ { لم يلبثوا إلا ~~ساعة من نهار }؛ أي إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم في ~~الدنيا والقبور كأنه ساعة، لأن ما مضى كأنه لم يكن وإن كان ~~طويلا. # وتم الكلام، ثم قال تعالى: { بلاغ }؛ أي هذا القرآن وما فيه من ~~البيان بلاغ عن الله إليك، والبلاغ بمعنى التبليغ بلغكم محمد ~~صلى الله عليه وسلم عن الله عز وجل. قوله تعالى: { فهل ~~يهلك إلا القوم الفاسقون }؛ أي لا يقع العذاب إلا ~~بالعاصين الخارجين عن أمر الله تعالى، وقيل: معناه: ما يهلك ~~إلا مشرك أو منافق. ### | [47 - سورة محمد] ### || [47.1] # معناه: الذين كفروا بتوحيد الله وصدوا الناس عن الإسلام، يعني ~~كفار مكة أضل أعمالهم؛ أي أبطلها وأذهبها فلا أجر لهم فيها ~~وكأنها لم تكن، وأراد بأعمالهم إطعامهم الطعام وصلتهم الأرحام. ### || [47.2] # قوله تعالى: { والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~وآمنوا بما نزل على محمد }؛ أي صدقوا بالقرآن الذي ~~نزل على محمد، { وهو الحق }؛ أي الصدق، { من ربهم ~~كفر عنهم سيئاتهم }؛ أي غفرها لهم فلا يحاسبون عليها، ~~{ وأصلح بالهم }؛ أي حالهم، قال المبرد: (البال: ~~الحال). وقال ابن عباس: (عصمهم أيام حياتهم حتى ~~لم يمنعوا). # وقيل: معناه: وأظهرهم على أعدائهم وقواهم ms1929 من ضعفهم، قال ابن ~~عباس رضي الله عنه: (الذين كفروا صدوا عن سبيل الله ~~أهل مكة، والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~للأنصار). ### || [47.3] # قوله تعالى: { ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا ~~الباطل }؛ أي ذلك الإضلال والإصلاح باتباع الذين كفروا ~~الشرك، { وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ~~ربهم }؛ واتباع المؤمنين التوحيد والقرآن، فالشرك هو ~~الباطل، والتوحيد هو الحق والقرآن. قوله تعالى: { كذلك ~~يضرب الله للناس أمثالهم }؛ معنى أن من كان كافرا ~~أضل الله عمله، ومن كان مؤمنا كفر الله سيئاته وأصلح ~~باله. ### || [47.4-5] # قوله تعالى: { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب ~~الرقاب }؛ أي إذا لقيتموهم في القتال فاضربوا رقابهم؛ أي ~~اقتلوهم، والمعنى: فاضربوا الرقاب ضربا، وهذا مصدر أقيم مقام ~~الأمر، كما في قوله # فتحرير رقبة # [البقرة: 92]، وقيل: انتصب قوله { فضرب } على الإغراء. # قوله تعالى: { حتى إذآ أثخنتموهم فشدوا ~~الوثاق }؛ أي حتى إذا أكثرتم القتل فيه وغلبتموهم وبالغتم في ~~قتلهم فاستوثقوهم بالأسر، ولا يكون الأسر إلا بعد المبالغة في ~~القتل، كما قال الله # ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض # [الأنفال: 67]، والمعنى حتى إذا قهرتموهم وغلبتموهم وصاروا ~~أسارى في أيديكم فشدوا وثاقهم كيلا يهربوا، يقال: أوثقه ~~أي إيثاقا ووثاقا إذا شد أسره لئلا يفلت. # قوله تعالى: { فإما منا بعد وإما فدآء حتى ~~تضع الحرب أوزارها }؛ معناه: فإما أن تمنوا عليهم بعد ~~أن تأسروهم وتطلقوهم بغير فداء، وإما تطلقوهم يفدون ~~بأسراكم عندهم أو بمال، والمعنى فإما بعد أن تأسروهم إما ~~مننتم عليهم منا فأطلقتموهم بغير عوض، وإما أن تفدوا ~~فداء. # وعن ابن عباس قال: (هذه الآية منسوخة بقوله # فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم # [التوبة: 5]). وإليه ذهب أبو حنيفة وقال: (لا يجوز ~~المن على الأسير ولا الفداء بالمال ولا بغير ~~المال من الأسارى، ولا يباع السبي من أهل ~~الحرب). # ولم يختلف أهل التفسير في أن التوبة نزلت بعد سورة محمد ~~صلى الله عليه وسلم، ولا خلاف بين العلماء في جواز قتل الأسير وجواز ~~قسمة الأسارى بين المسلمين إذا لم يكن الأسارى من العرب، وإنما ms1930 ~~اختلفوا في جواز المن عليهم في مفاداتهم بالمال أو النفس. # قال الشافعي: (يجوز المن عليهم لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من على أبي عزة الشاعر يوم بدر على أن ~~لا يقاتل، فرجع إلى مكة ثم عاد بعد ذلك ~~للقتال فأسر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقتله). فأجاب أصحابنا عن هذا إنما من عليه كما من العرب، ~~وكان لا يجوز استرقاقه، وقال أبو يوسف ومحمد: (تجوز مفاداة ~~الأسير). # قوله تعالى: { حتى تضع الحرب أوزارها } أي حتى ~~يضع أهل الحرب أسلحتهم، والأوزار في اللغة: الأثقال، ~~وقيل: المراد بالأوزار هنا الآثام، وقال ابن عباس: (معنى ~~قوله { حتى تضع الحرب أوزارها } أي حتى لا ~~يبقى أحد من المشركين). وقال مجاهد: (حتى لا يكون ~~دين إلا الإسلام). # وقيل: حتى تضع حربكم وقتالكم أوزار المشركين وقبائح أعمالهم ~~بأن يسلموا فلا يبقى دين غير الإسلام، ولا يعبد وثن. وقال ~~الفراء: (معناه: حتى لا يبقى إلا مسلم أو ~~مسالم). # وقيل: معناه: حتى تضع أهل الحرب آلتها وعدتها، وآلتهم ~~أسلحتهم فيمسكوا عن الحرب، وحرب القوم المحاربون كالركب ~~والشرب، ويقال أيضا للكراع: أوزار، قال الشاعر وهو الأعشى: # وأعددت للحرب أوزارها # رماحا طوالا وخيلا ذكورا # ومعنى الآية: أتخنوا المشركين بالقتل والأسر حتى يظهر الإسلام ~~على الأديان كلها، ويدخل فيه أهل مكة طوعا وكرها، ويكون ~~الدين كله لله، فلا يحتاج إلى قتال ولا إلى جهاد، وذلك عند ~~نزول عيسى عليه السلام من السماء فيكسر الصليب ويقتل ~~الخنزير، يلقى الذئب الشاة فلا يتعرض، ولا تكون عداوة بين ~~اثنين. # قوله تعالى: { ذلك ولو يشآء الله لانتصر ~~منهم }؛ أي ذلك الذي أمرتم به من الجهاد، ولو يشاء الله لانتقم ~~منهم؛ أي من الكفار من غير أن يأمركم بقتالهم، المعنى: ولو يشاء ~~الله لانتصر من الكفار بإهلاكهم، ويعذبهم بما شاء، { ولكن ~~ليبلوا بعضكم ببعض }؛ ولكن يأمركم بالحرب ليبلو ~~بعضكم بعضا، قال ابن عباس: (يريد من قتل من ~~المؤمنين صار إلى الثواب، ومن قتل من ~~المشركين صار إلى العذاب)، يعني: ولكن ليتعبدكم بالقتال ~~تعويضا للثواب. ms1931 # قوله تعالى: { والذين قتلوا في سبيل الله فلن ~~يضل أعمالهم }؛ قرأ العامة (والذين قاتلوا في ~~سبيل الله) وقرأ أبو عمرو (قتلوا) بضم القاف وكسر التاء ~~مخففا، وقرأ الحسن بضم القاف وكسر التاء مشددا وقرأ عاصم ~~والجحدري: (قتلوا) بفتح القاف والتاء، والوجه قراءة العامة ~~لأنها تشمل من قاتل قتل أو لم يقتل، وقراءة أبي عمرو تخص ~~المقتولين، ولأنه تعالى قال { سيهديهم ويصلح بالهم } ~~قال ابن عباس: (سيهديهم إلى أرشد الأمور، ويعصمهم ~~أيام حياتهم في الدنيا)، وهذا لا يحسن في وصف ~~المقتولين. # ومعنى الآية: والذين قتلوا في سبيل الله يوم بدر فلن يبطل ~~الله ثواب أعمالهم كما أبطل ثواب أعمال الكفار؛ و { سيهديهم ~~} إلى ثوابه وجنته، { ويصلح بالهم }؛ في النعيم. ### || [47.6] # قوله تعالى: { ويدخلهم الجنة عرفها لهم }؛ ~~أي بينها لهم حتى عرفوها من غير استدلال، وذلك أنهم إذا دخلوا ~~الجنة تعرفوا إلى منازلهم. وقيل: معناه: طيبها لهم من ~~العرف وهي الرائحة الطيبة، وطعام معرف؛ أي مطيب. ### || [47.7-9] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إن تنصروا ~~الله ينصركم }؛ أي إن تنصروا دين الله ونبيه صلى الله ~~عليه وسلم ينصركم بالتوفيق والكفاية والإظهار على الأعداء، { ~~ويثبت أقدامكم }؛ عند القتال بتقوية قلوبكم، { ~~والذين كفروا فتعسا لهم }؛ أي فمكروها لهم وسوءا، ~~والتعس في اللغة: الانحطاط والعثور، يقال: تعس يتعس إذا ~~انكب وعثر، قال ابن عباس: (يريد: في الدنيا ~~العثرة، وفي الآخرة التردي في النار). # وانتصب قوله { فتعسا لهم } على الدعاء؛ أي أتعسهم ~~الله تعسا، قال الفراء: (هو نصب على المصدر)، وأصل ~~التعس في الدواب والناس، وهو أن يقال للعاثر: تعسا؛ إذا لم ~~يريدوا قيامه، وضده لعا إذا أرادوا قيامه. # قوله تعالى: { وأضل أعمالهم }؛ أي أبطلها ~~وأحبطها لأنها كانت في طاعة الشيطان. قوله تعالى: { ذلك ~~بأنهم كرهوا مآ أنزل الله }؛ أي ذلك التعس ~~والإضلال بأنهم كرهوا ما أنزل الله على نبيه صلى الله عليه ~~وسلم وبين من الفرائض من الصلاة والزكاة، { فأحبط ~~أعملهم }؛ لأنها لم تكن في إيمان. ### || [47.10] # قوله تعالى: { أفلم يسيروا في الأرض }؛ يعني أهل ~~مكة، ms1932 { فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ~~}؛ من الأمم المكذبة، { دمر الله عليهم }؛ منازلهم ~~وأهلكهم بالعذاب، والتدمير: الهلاك، ثم يوعد مشركي مكة فقال: { ~~وللكافرين أمثالها }؛ إن لم يؤمنوا؛ أي أمثال ~~عقوبتهم وأشباه عقوبات من كان قبلهم. ### || [47.11] # قوله تعالى: { ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا }؛ ~~أي ذلك النصر للمؤمنين والهلاك للكافرين بأن الله ولي الذين ~~آمنوا يلي أمرهم ويتولى نصرهم، { وأن الكافرين لا ~~مولى لهم }؛ أي ليس لهم ولي يعينهم ولا ناصر ينجيهم من ~~العذاب. ### || [47.12] # قوله تعالى: { إن الله يدخل الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار ~~}؛ ظاهر المعنى، { والذين كفروا يتمتعون }؛ في ~~الدنيا، { ويأكلون كما تأكل الأنعام }؛ تأكل وتشرب ~~ولا تدري ما في غد، كذلك الكفار لا يلتفتون إلى الآخرة، { ~~والنار مثوى لهم }؛ أي منزلهم ومقامهم ومصيرهم. # وأراد بالتمتع التعيش في الدنيا في الجهل، وشبه أكل الكافر ~~بأكل الأنعام لأنهم يأكلون للشبع لا يهمهم ما في غد، ~~والمؤمن همته مصروفة إلى أمر دينه يأكل للقيام بعبادة الله لا ~~للشبع، ويكون قصده من التمتع إعفاف نفسه وزوجته، وابتغاء ما ~~كتب من الولد. # وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه، فإن كان لا ~~بد: فثلثا للطعام وثلثا للشراب وثلثا للنفس ~~" # وقال الحسن: (وهو أنكم إذا أشبعتم عصيتم شئتم أو ~~أبيتم). ### || [47.13] # قوله تعالى: { وكأين من قرية هي أشد قوة ~~من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم }؛ هذا تحذير ~~لأهل مكة بقوله: كم أهلكنا من أهل قرية من كان أكثر عددا ~~وأبسط ملكا ويدا من أهل قريتك؛ يعني مكة التي أخرجتك ~~أهلها، { فلا ناصر لهم }؛ فلم يكن لهم ناصر ينجيهم من عذاب ~~الله، فحذر قومك يا محمد مثل حالتهم. ### || [47.14] # قوله تعالى: { أفمن كان على بينة من ربه ~~كمن زين له سوء عمله }؛ معناه: حال من كان على نصره ~~من ربه ويقين كحال من زين له قبح عمله فيعبدوا الأوثان، { ~~واتبعوا أهواءهم }؛ في عبادتها. ### || [47.15] # قوله تعالى: { مثل الجنة التي ms1933 وعد المتقون ~~}؛ أي صفة الجنة التي وعد المتقون الشرك والكبائر، { فيهآ ~~أنهار من مآء غير آسن }؛ أي متغير طعمه وريحه، ~~يقال: آسن الماء يأسن أسونا وأسنا إذا تغير، وهو الذي ~~لا يشتهيه من نتنه فهو آسن وأسن، مثل حاذر وحذر. ~~وقيل: إن الآسن ما يعرض أن يتغير، والأسن بالقصر، ما ~~تغير في الحال، وقرأ ابن كثير (آسن) بالقصر. # قوله تعالى: { وأنهار من لبن لم يتغير ~~طعمه }؛ أي لم يحمض كما تحمض وتتغير ألبان الدنيا؛ ~~لأنه لم يخرج من ضروع الأنعام، { وأنهار من خمر لذة ~~للشاربين }؛ بخلاف خمر الدنيا؛ فإنها لا تخلو من المرارة، ~~وعن ما يحدث فيها من أنواع المرض ومن العقوبة في الدنيا والآخرة. # قوله تعالى: { وأنهار من عسل مصفى }؛ أي ~~مصفى من الأقذار، من العكر والكدر، بخلاف عسل الدنيا الذي ~~يكون من بطون النحل، فإنه لا يخلو من الشعر وغيره. قال مقاتل: ~~(أنهار الجنة المذكورة تتفجر من الكوثر إلى ~~الجنة). ويقال: إنها تتفجر من تحت شجرة طوبى. # قوله تعالى: { ولهم فيها من كل الثمرات }؛ أي ~~ولهم في الجنة من جميع أنواع الثمرات والفواكه مما علموه وما ~~لم يعلموه، ومما سمعوه وما لم يسمعوه، ظاهرها مثل باطنها، لا ~~يخالطها قشر ولا رذال ولا نوى. # قوله تعالى: { ومغفرة من ربهم }؛ أي ولهم مع ذلك ~~النعيم المقيم مغفرة من ربهم لذنوبهم، فلا يذكر شيء من معاريضهم ~~في الجنة؛ لأن الله تعالى قد سترها عليهم فهي بمنزلة ما لم ~~يعمل، { كمن هو خالد في النار وسقوا مآء حميما ~~فقطع أمعآءهم }؛ أي من كان في هذا النعيم كمن هو خالد في ~~النار { وسقوا مآء حميما } شديد الحر تستعر عليه جهنم ~~منذ خلقت { فقطع أمعآءهم } في الجوف من شدة الحر، ~~والأمعاء: جميع ما في البطن من الحوايا، واحدها معاء، كما قال ~~تعالى في آية أخرى: # يصهر به ما في بطونهم والجلود # [الحج: 20]. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا شربه صاحبه قطع أمعاءه حتى يخرج من ~~دبره " # وعن محمد بن عبدالله ms1934 الكاتب قال: قدمت من مكة، فلما ~~صرت إلى طيزناباذ ذكرت بيت أبي نؤاس: # بطيزناباذ كرم ما مررت به # إلا تعجبت ممن شرب الماء # فهتف به هاتف أسمعه ولا أراه: # في الجحيم حميم ما تجرعه خل # ق إلا ما بقي له بطن أمعاء ### || [47.16] # قوله تعالى: { ومنهم من يستمع إليك حتى ~~إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ~~ماذا قال آنفا }؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب ~~يوم الجمعة وعاب المنافقين في خطبته، فلما ~~خرجوا من المسجد قالوا لعبدالله بن مسعود: ماذا ~~قال محمد على المنبر الساعة؟ فقد سمعنا ~~قوله ولم نفهمه، كأنهم كانوا يسمعون سماع ~~تهاون واستخفاف. # والآنف: الساعة؛ من قولك: استأنفت الشيء إذا ~~ابتدأته، والمعنى: ومن هؤلاء الكفار من يستمع إليك: المنافقون ~~يستمعون قولك فلا يعونه ولا يفهمونه تهاونا منهم بذلك ~~وتثاقلا، فإذا خرجوا قالوا للذين أوتوا العلم من الصحابة: مذا ~~قال محمد الآن، وذلك أنهم سألوا ابن مسعود وابن عباس ~~عما قال النبي صلى الله عليه وسلم استهزاء وتهاونا وهذا كالرجل ~~يستمع إلى غير سماع استخفافا، ثم يقول بعد ذلك لأصحابه: أليس الذي ~~كان يقول فلان. # قوله تعالى: { أولئك الذين طبع الله على ~~قلوبهم }؛ أي ختم عليها بالكفر فلا يعقلون الإيمان، والطبع ~~هو الختم على القلب بسمة تعلمها الملائكة بأنه جاحد لا ~~يفلح أبدا، { واتبعوا أهوآءهم }؛ في الكفر والنفاق. ### || [47.17] # قوله تعالى: { والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم ~~تقواهم }؛ أي والذين اهتدوا بالإيمان بك والاستماع إلى ~~خطبتك زادهم الله بصيرة في دينهم، وألهمهم ترك المعاصي ~~واجتناب المحارم. ويجوز أن يكون زادهم إعراض المنافقين هدى، ~~وأعطاهم الله ثواب تقواهم في الآخرة. ### || [47.18] # قوله تعالى: { فهل ينظرون إلا الساعة أن ~~تأتيهم بغتة }؛ أي ما ينتظر هؤلاء الكفار والمنافقون إلا ~~أن تأتيهم الساعة فجأة على غرة منهم، { فقد جآء ~~أشراطها }؛ أي علاماتها، ومن أشراطها خروج نبينا صلى الله ~~عليه وسلم، فإنها تأتيهم بغتة في آخر الزمان، قال صلى الله ~~عليه وسلم: # " بعثت أنا والساعة كهاتين " # ، ومن أشراطها أيضا بيع ms1935 الحكم وقطيعة الرحم. # قوله تعالى: { فأنى لهم إذا جآءتهم ذكرهم ~~}؛ أي من أين لهم التوبة؟ ومن أين لهم أن يتذكروا أو يتوبوا إذا ~~جاءتهم الساعة حين لا ينفعهم ذلك. ### || [47.19] # قوله تعالى: { فاعلم أنه لا إله إلا الله }؛ ~~الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به غيره. والمعنى: إذا ~~جاءتهم الساعة فاعلم أنه لا قاضي حينئذ إلا الله، ولا مخرج ~~يومئذ إلا إليه، والنبي صلى الله عليه وسلم قد كان علم ذلك، ~~ولكن هذا خطاب يدخل فيه الناس. # والمعنى: من علم أن لا إله إلا الله فليقم على العلم ~~ويثبت عليه، قوله تعالى: { واستغفر لذنبك }؛ أي ~~استعصم من مواقعة ذنب يوجب الاستغفار. ويقال: معناه: ~~استغفر لصغائرك؛ فإنه لا صغيرة مع الإصرار، { وللمؤمنين ~~والمؤمنات }؛ واستغفر لذنوب المؤمنين والمؤمنات، وهذا إكرام ~~من الله لهذه الأمة حين أمر نبيهم أن يستغفر لهم وهو الشفيع ~~المجاب فيهم. # وقوله تعالى: { والله يعلم متقلبكم ومثواكم }؛ أي ~~متصرفاتكم في الدنيا من أول ما ينقلبون من ظهر إلى بطن إلى ~~أن تخرجوا من دنياكم إلى قبوركم، ويعلم أين مثواكم في ~~الآخرة، قال عكرمة: (معناه: والله يعلم متقلبكم من ~~أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات، ومثواكم مقامكم ~~في الأرض). وقال مقاتل: (والله يعلم منتشركم ~~بالنهار ومأواكم بالليل). والمعنى: إنه عالم بجميع ~~أحوالكم، لا يخفى عليه شيء منها. ### || [47.20] # قوله تعالى: { ويقول الذين آمنوا لولا نزلت ~~سورة }؛ قال ابن عباس: (إن المؤمنين سألوا ربهم ~~أن ينزل سورة فيها ثواب القتال في سبيل الله). ~~وقيل: إن المؤمنين كانوا يشتاقون إلى تواتر نزول القرآن، ~~وكانوا يستوحشون إذا أبطأ الوحي، وهو قولهم { لولا نزلت ~~سورة } أي هلا نزلت سورة، يقول الله تعالى: { فإذآ ~~أنزلت سورة محكمة }؛ أي بالأحكام التي لا يجري عليها ~~النسخ، يعني لا ينسخ منها شيء، قال قتادة: (كل سورة يذكر ~~فيها الجهاد فهي محكمة وهي أشد السور على ~~المنافقين). # والمعنى: أن المؤمنين قالوا: هلا أنزلت سورة تأمرنا ~~بالجهاد، قال الله تعالى: { فإذآ أنزلت سورة ~~محكمة } { وذكر فيها القتال }؛ أي إيجاب القتال، ms1936 { ~~رأيت الذين في قلوبهم مرض }؛ وهم المنافقون، { ~~ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت }؛ ~~عند ذكر القتال كنظر الذي هو في غشيان من الموت، كراهة منهم ~~للقتال مخافة أن يقتلوا في الحرب. قال الزجاج: معناه: رأيت ~~المنافقين يشخصون نحوك بأبصارهم، وينظرون ~~إليك نظرا شديدا، شزرا بتحديق شديد كراهة ~~منهم للجهاد نظر المغشي عليه من الموت. # قوله تعالى: { فأولى لهم }؛ كلمة وعيد لهم، ومعناه: ~~وليهم المكروه والعقاب أولى لهم، وهذا كما قال تعالى: # أولى لك فأولى # [القيامة: 34]، قال الأصمعي: (معنى قوله: أولى لك ~~فأولى؛ أي وليك وقاربك ما تكره). ### || [47.21] # قوله تعالى: { طاعة وقول معروف }؛ ابتداء وخبره ~~محذوف، تقديره: طاعة وقول معروف أمثل وأحسن، والمعنى على هذا: ~~أن الله تعالى قال: لو أطاعوا وقالوا قولا معروفا كان أمثل ~~وأحسن. ويجوز أن يكون هذا متصلا بما قبله على معنى: فأولى لهم ~~طاعة لله ولرسوله وقول معروف بالإجابة والطاعة. # قوله تعالى: { فإذا عزم الأمر }؛ فإذا وجد الأمر ~~ولزم فرض القتال، نكلوا وكذبوا فيما وعدوك من أنفسهم، { ~~فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم }؛ أي لو صدقوا ~~الله في إيمانهم وجهادهم لكان خيرا لهم من المعصية والكراهة ~~والمخالفة. ### || [47.22-23] # قوله تعالى: { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا ~~في الأرض }؛ أي فلعلكم إن انصرفتم من محمد صلى الله عليه ~~وسلم وعن ما يأمركم به أن تعودوا إلى مثل ما كنتم عليه من الكفر ~~والفساد في الأرض من وأد البنات، ومن قتل بعضكم بعضا كفعل ~~الجاهلية، وقيل: معناه: لعلكم إن توليتم أمر هذه الأمة ~~بعد النبي صلى الله عليه وسلم أن تفسدوا في الأرض بالقتال، { ~~وتقطعوا أرحامكم }؛ بالبغي، فيقتل قريش بني هاشم، ~~وبنو هاشم قريشا. # وذهب كثير من الناس إلى أن هؤلاء بنو أمية، والمعنى: فلعلكم ~~إن أعرضتم عن الإيمان والقرآن، وفارقتم أحكامه أن تفسدوا في ~~الأرض فتعودوا إلى ما كنتم عليه في الجاهلية من الفساد وقتل ~~بعضكم بعضا، وتقطعوا أرحامكم بسفك الدماء بعد ما جمعكم ~~الله بالاسلام والألفة، فتعودوا إلى ما كنتم عليه في جاهليتكم ~~من ms1937 القتل والبغي وقطيعة الرحم. وقال المسيب بن شريك: (معناه: ~~فهل عسيتم إن توليتم أمر الناس أن تفسدوا في ~~الأرض بالظلم، نزلت في أمية بن خلف وفي بني ~~هاشم). # قرأ يعقوب وأبو حاتم: (وتقطعوا) مخففا من القطع اعتبارا ~~بقوله # ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل # [البقرة: 27]، وقول الحسن (وتقطعوا) بفتح الحروف المشددة ~~اعتبارا بقوله # فتقطعوا أمرهم بينهم # [المؤمنون: 53]، وقرأ الكافة (وتقطعوا) بضم التاء وتشديد ~~الطاء وكسرها من القطع على التكثير لأجل الأرحام. # ثم ذم الله تعالى من يريد ذلك فقال تعالى: { أولئك ~~الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم }؛ ~~فلا يسمعون الحق ولا يهتدون للرشد، يعني المنافقين الذين ~~يفسدون في الأرض، ويقطعون أرحامهم، ونسبهم الله تعالى إلى ~~الصمم والعمى لإعراضهم عن أمر الله تعالى، وأما في مشاهدتهم ~~فإنهم لا يكونون صما ولا عميانا، ومثله قوله تعالى: # وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فمآ أغنى ~~عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من ~~شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله # [الأحقاف: 26]. ### || [47.24] # قوله تعالى: { أفلا يتدبرون القرآن }؛ فتعرفوا ما ~~يوعدون للمتمسك بالقرآن، { أم على قلوب أقفالهآ }؛ ~~يعني الطبع على القلب، وهذا استعارة لإغلاق القلب عن معرفة ~~الإسلام والقرآن، وكأن على قلوبهم أقفالا تمنعهم من ~~الاستدلال. ### || [47.25] # قوله تعالى: { إن الذين ارتدوا على أدبارهم ~~من بعد ما تبين لهم الهدى }؛ قال قتادة: (هم ~~كفار أهل الكتاب، كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم ~~وهم يعرفونه ويجدون صفته في كتابهم، ونعته ~~مكتوبا عندهم). فمعناه: إن الذين رجعوا كفارا من بعد ~~ما ظهر لهم أمر النبي صلى الله عليه وسلم بنعته وصفته في كتابهم، ~~{ الشيطان سول لهم }؛ أي زين لهم القبيح، { وأملى ~~لهم }؛ الله تعالى؛ أي أمهلهم موسعا عليهم ليتمادوا في ~~طغيانهم، ولم يعجل عليهم بالعقوبة. # ويحسن الوقوف على قول: { سول لهم } لأنه فعل الشيطان، ~~والإملاء فعل الله تعالى، على قول الحسن: لا يحسن الوقوف؛ ~~لأنه يقال في تفسيره: { وأملى لهم }: مد لهم ~~الشيطان في العمل. # وقرأ أبو عمرو (وأملي لهم) على ما لم يسم فاعله، وهو ~~حسن للفصل ms1938 بين فعل الشيطان وفعل الله تعالى، ونعلم يقينا أنه ~~لا يؤخر أحد مدة أحد ولا يوسع فيها إلا الله تعالى. ~~وقرأ مجاهد (وأملي) بضم الهمزة وإسكان الياء على معنى: وأنا ~~أملي لهم. ### || [47.26] # قوله تعالى: { ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ~~ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر }؛ معناه: ذلك ~~الإملاء لليهود بأنهم قالوا للمشركين: سنطيعكم في بعض ~~الأمور؛ أي في التعاون على عداوة محمد صلى الله عليه وسلم، ~~قالوا ذلك فيما بينهم، فأخبر الله تعالى عنهم وأعلم أنه يعلم ذلك ~~فقال: { والله يعلم إسرارهم }؛ وقرأ بكسر الألف على ~~المصدر؛ أي إسرارهم بكسر الألف، والمعنى: والله يعلم أسرار ~~اليهود والمنافقين. ### || [47.27-28] # قوله تعالى: { فكيف إذا توفتهم الملائكة }؛ ~~أي كيف يكون حالهم إذا قبضت أرواحهم الملائكة، { يضربون ~~وجوههم وأدبارهم }؛ وظهورهم بمقامع الحديد عند قبض ~~الأرواح. # ثم ذكر سبب ذلك الضرب: { ذلك بأنهم اتبعوا مآ ~~أسخط الله وكرهوا رضونه فأحبط أعملهم }؛ ~~بما كتموا من التوراة، وكفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ~~وكرهوا ما فيه رضوان الله وهو الطاعة والإيمان { فأحبط ~~أعملهم } ، معنى ما كان من بر وصلة وخير عملوه في غير ~~الإيمان بكفرهم. ### || [47.29] # قوله تعالى: { أم حسب الذين في قلوبهم مرض }؛ ~~أظن المنافقون؛ { أن لن يخرج الله أضغانهم }؛ يعني ~~أن لن يتلوا شيئا يظهر فيه حقدهم للمسلمين وضغنهم ~~عليهم، فأمر الله تعالى بالقتال والنفقة، فبخل المنافقون ~~بالمال فظهر نفاقهم، والضغن: هو الحقد الذي يضمره الإنسان ~~بقلبه ولا يظهره لغيره. ### || [47.30] # قوله تعالى: { ولو نشآء لأريناكهم }؛ أي ~~لعرفناكهم وأعلمناكهم، { فلعرفتهم بسيماهم }؛ ~~أي بالعلامة القبيحة التي نظهرها عليهم، قال الزجاج: (معناه: ~~لو نشاء لجعلنا على المنافقين علامة؛ وهي ~~السيماء؛ فلعرفتهم بتلك العلامة). # وقوله تعالى: { ولتعرفنهم في لحن القول }؛ أعلم ~~الله النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلعه على نفاقهم في فحوى ~~كلامهم، فكان لا يتكلم بعد نزول الآية منافق عند النبي صلى ~~الله عليه وسلم إلا عرف بكلامه وبما يعتذرون إليه به من المعاذير ~~الكاذبة. # قال المفسرون معنى قوله { في لحن القول } أي في ms1939 فحوى ~~القول، ومعناه: ومقصده، ويقال: فلان لحن بحجته ولاحن ~~في كلامه، وفي الحديث: # " لعل بعضكم ألحن بحجته " # أي أذهب بها في الجهات لقوته على تصريف الكلام، وإذا قيل: ~~لحن في كلامه أو ألحن؛ فمعناه: ذهب بالكلام إلى خلاف جهة ~~الصواب. ولحن القارئ إذا ترك الإعراب الصواب وعدل عنه. ~~وقوله تعالى: { والله يعلم أعمالكم }؛ أي يعلم ~~ظواهرها وبواطنها. ### || [47.31] # قوله تعالى: { ولنبلونكم حتى نعلم ~~المجاهدين منكم والصابرين }؛ لنعاملكم معاملة ~~المختبر فيما نأمركم به من الجهاد حتى نميز المجاهدين منكم من ~~غيرهم، والصابرين في القتال من الذين لا يصبرون. # وإنما كنى بالعلم عن التمييز؛ لأنه يتوصل بالعلم إلى ~~التمييز، فكان الله تعالى عالما بكل منهم قبل أن خلقهم، ولكن ~~أراد بالعلم في هذه الآية العلم الذي يجب به الجزاء، وهو علم ~~الشهادة لا علم الغيب. # وقوله تعالى: { ونبلوا أخباركم }؛ أي نختبر بما نأمركم ~~به وننهاكم عنه أخباركم وأحوالكم حتى يظهر للناس، وكان الفضيل بن ~~عياض إذا أتى على هذه الآية بكى وقال: (إنك إن بلوت ~~أخبارنا وفضحتنا وهتكت أستارنا). ### || [47.32] # قوله تعالى: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل ~~الله }؛ يعني بني قريظة والنضير، { وشآقوا الرسول من ~~بعد ما تبين لهم الهدى }؛ في التوراة، { لن يضروا ~~الله شيئا }؛ بتركهم الهدى، إنما يضرون أنفسهم، { ~~وسيحبط أعمالهم }؛ فلا يريدون لها في الآخرة ثوابا. ### || [47.33] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم } أي ~~أطيعوا الله في الفرائض وأطيعوا الرسول في السنن، { ولا ~~تبطلوا أعمالكم } بالشرك والربا، فإن الشرك يبطل ~~العمل، قال الله تعالى: # لئن أشركت ليحبطن عملك # [الزمر: 65]، والرياء يحبط العمل بالمعصية، وقيل: بالعجب، ~~وقال عطاء: (بالشك والنفاق)، قال الحسن: (بالمعاصي ~~والكبائر). # ويستدل بظاهر هذه الآية: على أن من شرع في قربة نحو ~~الصلاة والصوم والحج، لم يجز له الخروج منها قبل إتمامها؛ ~~لما فيه من إبطال عملها. ### || [47.34] # قوله تعالى: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل ~~الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم ~~}؛ وإنما ذكر الموت على الكفر؛ ms1940 لأن الكفار قبل الموت يفرض أن ~~يؤمن فيغفر له، وإذا مات على كفره حبط عمله حبوطا لا ~~يلحقه التدارك والتلافي. ### || [47.35] # قوله تعالى: { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم ~~وأنتم الأعلون }؛ أي لا تعطفوا عن قتال الكفار وتدعوهم ~~إلى الصلح { وأنتم الأعلون } بما وعدكم الله من النصر في ~~الدنيا والثواب والكرامة في الأخرى. قال الزجاج: (منع الله ~~المسلمين أن يدعوا الكفار إلى الصلح وأمرهم ~~بحربهم حتى يسلموا) { وأنتم الأعلون } أي ~~الغالبون. # قوله تعالى: { والله معكم }؛ أي بالعون والنصرة ~~على عدوكم بثوابي حفظكم، { ولن يتركم أعمالكم }؛ أي ~~لن ينقصكم شيئا من ثواب أعمالكم، وفي الآية دلالة على أنه لا ~~يجوز للإمام أن يدعوا الكفار إلى الصلح، ولا أن يجيبهم إلى ~~الصلح في حال ما تكون الغلبة للمسلمين، فإن الواو في قوله: { ~~وأنتم الأعلون } واو الحال، كما يقال: لا تسلم على ~~فلان وأنت راكب؛ أي في حال ما كنت راكبا. ### || [47.36-37] # قوله تعالى: { إنما الحيوة الدنيا لعب ولهو ~~}؛ أي الدنيا بما فيها من زينتها باطل وغرور، تفنى وتزول عن ~~قريب، واللعب: العمل الذي لا تتعلق به فائدة، واللهو: هو ~~الفرح الذي لا يبقى. # قوله تعالى: { وإن تؤمنوا وتتقوا يؤتكم ~~أجوركم }؛ أي تؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن، ~~وتتقوا الفواحش والكبائر، يؤتكم ثواب أعمالكم كافيا وافيا، ~~{ ولا يسألكم أمولكم }؛ كلها في الإنفاق في سبيله، ~~بل يأمركم بالإيمان والطاعة ليثيبكم الجنة، ونظيره قوله ~~تعالى: # مآ أريد منهم من رزق # [الذاريات: 57]. # وقيل: معناه: ولا يسألكم محمد صلى الله عليه وسلم أموالكم، ~~وقيل: معناه: ولا يسألكم الله ورسوله أموالكم كلها، إنما ~~يسألكم ربع العشر، فطيبوا نفسا، قوله تعالى: { إن ~~يسألكموها فيحفكم تبخلوا ويخرج أضغانكم }؛ ~~معناه: إن يجهدكم في المسألة، ويلح عليكم ويسألكم جميع ~~أموالكم، فبخلوا بها ويمنعوا الواجب. # وقوله: { ويخرج أضغانكم } التي تحدث في القلوب بسبب ~~البخل، قال قتادة: (قد علم الله أن في مسألة المال ~~خروج الأضغان). وقوله { أضغانكم } أي بغضكم وعداوتكم ~~لله ولرسوله، ولكن فرض عليكم يسيرا وهو ربع العشر. ~~والإحفاء في المسألة: هو ms1941 الإلحاح والتشديد. وقيل: معنى ~~الآية: ولا يسألكم أموالكم لنفسه، بل يسألكم ليؤتكم أجوركم. ### || [47.38] # قوله تعالى: { ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا ~~في سبيل الله }؛ يعني ما فرض عليهم في أموالهم من الزكاة، { ~~فمنكم من يبخل }؛ بذلك، { ومن يبخل }؛ بذلك، { ~~فإنما يبخل عن نفسه }؛ عاقبة بخله تعود عليه في ~~العقاب، فيصير بخله على نفسه، { والله الغني }؛ عن ما ~~عندكم من الأموال وعن أعمالكم، { وأنتم الفقرآء }؛ وأنتم ~~محتاجون إلى الله وإلى ما عنده من الجزاء والرحمة والمغفرة، ثم ~~يأمركم بالإنفاق لحاجته ولا لجر منفعة ولا لدفع مضرة، وإنما ~~أمركم بذلك لمصالحكم. # قوله تعالى: { وإن تتولوا يستبدل قوما ~~غيركم }؛ أي وإن تعرضوا عن طاعة الله يستبدل قوما لا ~~يعصون ويفعلون ما يؤمرون، وقيل: معناه: وإن تعرضوا عن ~~الإسلام وعما افترض عليكم من حق يستبدل قوما غيركم أطوع ~~لله منكم، { ثم لا يكونوا أمثالكم }؛ بل يكون أمثل منكم ~~وأطوع. قال الكلبي: (هم كندة والنخع)، وقال الحسن: (هم ~~العجم)، قال عكرمة: (هم فارس والروم). # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أنه سئل عن هذه الآية؛ فقيل: يا رسول الله من ~~هؤلاء الذين إن تولينا استبدلوا ثم لا ~~يكونوا أمثالنا؟ فضرب رسول الله في صدر سلمان ~~الفارسي - وقيل: على فخذه - وقال: " هذا وأصحابه ~~". وقال: " والذي نفسي بيده، لو كان الإيمان ~~معلقا بالثريا لتناوله رجال من أبناء فارس " " # قال الكلبي في قوله: { وإن تتولوا يستبدل قوما ~~غيركم } قال: (لم يتولوا ولم يستبدل بهم). ### | [48 - سورة الفتح] ### || [48.1] # { إنا فتحنا لك فتحا مبينا }؛ # " وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة يريد ~~العمرة، وتجهز معه ناس كثير من أصحابه ~~ومعهم الهدي يسوقونها مع أنفسهم، فبلغ ذلك ~~قريشا فاستعدوا ليصدوه وأصحابه، فلما نزل ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية، فزع ~~المشركون بنزوله صلى الله عليه وسلم، فبعثوا إليه ~~عروة بن مسعود الثقفي ليأتيهم بالخبر، ~~فلما أتاهم عروة أبصر قوما عمارا لم يأتوا ~~للقتال، فرجع إلى قريش وأخبرهم بذلك وهو كاره ~~لصدهم رسول الله صلى الله ms1942 عليه وسلم عن الكعبة، ~~فشتموه واتهموه. # ثم بعثوا رجلين آخرين، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " ابعثوا الهدي في وجوههما ولبوا " فلما ~~رجع الرجلان إليهم قالا لهم مثل ما قال عروة. ~~فبعثوا سهيل بن عمرو أحد بني عامر بن لؤي، ~~قال صلى الله عليه وسلم حين أبصره: " هذا رجل فاجر، وما ~~أرى إلا قد سهل أمركم ". فلما أتاهم سهيل ~~تذاكروا المهادنة والموادعة. # فلما كان في وسط النهار، أمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بالبيعة، فنادى مناديه في العزم: " الآن روح ~~القدس جبريل عليه السلام نزل على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فأمره بالبيعة " فأتوا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وقد جلس تحت الشجرة، فبايعه المسلمون ~~وكادت تلك البيعة في صدور المشركين. # فلما أمسوا وهم على ذلك، رمى رجل من المشركين ~~بالليل في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فثار ~~المسلمون بالحجارة فرموا أعداء الله حتى ~~أدخلوهم البيوت وهزموهم بإذن الله. وأقبل ~~أشرافهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا ~~محمد هذا لم يكن عن رضى منا ولا ممالأة، ~~وإنما فعله سفهاؤنا، وعرضوا الصلح على النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقبله، ولم يعطهم المشركون ~~الصلح حتى قهرهم المسلمون في غير قتال ~~بالرمي بالحجارة. # فاصطلح الفريقان على أن يتوادعوا سنين، على أن ~~يرجع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه تلك السنة، ~~فمن لحق بالنبي صلى الله عليه وسلم من المشركين لم ~~يقبله حتى تنقضي المدة، ومن لحق بالمشركين ~~من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فهو منهم. على أن ~~المسلمين إذا شاؤا اعتمروا العام القابل في هذا ~~الشهر الذي صدهم المشركون فيه، على أن لا ~~يحملوا بأرضهم سلاحا. # فصالحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك، ~~وكتبوا كتاب القضية بين النبي صلى الله عليه وسلم ~~وبينهم، فوجد رجل من المسلمين من ذلك الشرط ~~وجدا شديدا، فقالوا: يا رسول الله؛ من لحق بنا ~~منهم لم نقبله، ومن لحق بهم منا فهو منهم؟ ~~فقال رسول الله صلى الله عليه ms1943 وسلم: " أما من لحق بهم ~~منا فأبعدهم الله، وأما من أرادنا منهم ~~فسيجعل الله له مخرجا، وإن يعلم الله منه ~~الصدق ينجيه منهم ". # فلما فرغوا من كتاب القضية، أقبل جندل بن ~~سهيل وهو يرشف في قيوده، وكان أبوه قد أوثقه ~~حين خشي أن يذهب إلى رسول الله، فجاء حتى وقع ~~بين ظهران المسلمين؛ وقال: إني منكم وإني أعوذ ~~بالله أن ترجعوني إلى الكفار. # فأراد رجال من المسلمين أن يمنعوه، وناشدهم ~~سهيل بن عمرو العهد والميثاق! فقال صلى الله عليه ~~وسلم: " خلوا بينهم وبينه؛ فسينجيه الله منهم ~~". فانطلق به أبوه، وكان ماء الحديبية قد قل ~~من كثرة من مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتي ~~بدلو من الماء، فتوضأ منه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وتمضمض ثم مجه في الدلو، ثم أمرهم أن ~~يجعلوه في البئر، فامتلأت البئر ماء حتى جعلوا ~~يغرفون منه وهم جلوس على شفة البئر، وكان هذا ~~شأن الحديبية. # ولبث رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرا وصيفا فوعدهم الله ~~خيرا أن يفتحها لهم، فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~المدينة نزل قوله تعالى: { إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا } ، والفتح المبين: ما كان من استعلاء المسلمين عليهم حتى ~~غلبوهم بالحجارة وأدخلوهم بيوتهم، وتيسير الصلح أيضا من الفتح ~~المبين وظهور النبي صلى الله عليه وسلم على خيبر من الفتح. # قال: (وأنجى الله أبا جندل بن سهيل من أيديهم، ~~وخرج منهم واجتمع إليه قريب من سبعين رجلا ~~كرهوا أن يقعدوا مع المشركين، وعلموا أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقبلهم حتى تنقضي ~~المدة، فجعلوا يقطعون الطريق على المشركين، ~~فأرسل المشركون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~يناشدونه أن يقبضهم إليه، وقالوا: أنت في حل ~~ممن اختارك علينا يا محمد؛ فإنهم إن يكونوا ~~معك كان أهون علينا، فلحقوا بالنبي صلى الله عليه ~~وسلم) ". # وعن قتادة قال: (بشر رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ~~الوقت بفتح مكة). ومعنى قوله تعالى: { إنا فتحنا لك ~~فتحا ms1944 مبينا } يعني صلح الحديبية، وكان صلحا بغير قتال، قال ~~الفراء: (والفتح قد يكون صلحا). # ومعنى الفتح في اللغة: فتح المغلق، والصلح الذي حصل مع ~~المشركين بالحديبية كان مسدودا متعذرا حتى فتح الله. قال ~~جابر: (ما كنا نعد فتح مكة إلا يوم ~~الحديبية). وقال الزهري: (لم يكن فتح أعظم من ~~صلح الحديبية، وذلك أن المشركين اختلطوا ~~بالمسلمين وسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في ~~قلوبهم). # ويجوز أن يكون معنى الفتح: الإكرام بالنبوة والإسلام والأمر ~~بدعوة الخلق إليهما. وقيل: معنى { فتحنا لك } أي قضينا لك ~~بالنصر، ومنه المفتاح وهو القاضي، ومنه قوله تعالى: # ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق # [الأعراف: 89] أي اقض بيننا. # وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بالآية فتح مكة بالغلبة ~~والقهر؛ لأن الصلح لا يسمى فتحا على الإطلاق، قال الشعبي: ~~(بويع النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت بيعة ~~الرضوان، فأظهره الله على خيبر في منصرفه، ~~وظهرت الروم على فارس في ذلك الوقت)، والفتح في ~~اللغة: هو الفرج المزيل للهم. ### || [48.2-3] # قوله تعالى: { ليغفر لك الله ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر }؛ قال ابن الأنباري: (سألت أبا ~~عباس عن اللام في قوله { ليغفر لك الله } ، ~~فقال: هو لام كي، معناها: إنا فتحنا لك فتحا ~~مبينا لكي يجتمع لك مع المغفرة تمام النعمة ~~في الفتح، فلما انضم إلى المغفرة حادث واقع حسن ~~معنى (كي). # وقوله تعالى: { ما تقدم من ذنبك وما تأخر } المراد ~~بالذنب ها هنا الصغائر، فأما الكبائر فالأنبياء معصومون منها أبدا؛ ~~لأنهم الأمناء على الوحي والرسالة. وعن أبي هريرة رضي الله عنه ~~قال: # " كان النبي صلى الله عليه وسلم يقوم حتى تدمى ~~قدماه، فقيل: يا رسول الله؛ أتصنع هذا وقد جاءك ~~من الله أن قد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما ~~تأخر؟! قال: أفلا أكون عبدا شكورا ". # قوله تعالى: { ويتم نعمته عليك ويهديك ~~صراطا مستقيما }؛ أي بالنبوة والمغفرة، والمعنى ليجتمع لك ~~مع الفتح تمام النعمة بالمغفرة والهداية إلى صراط مستقيم وهو ~~الإسلام. قوله تعالى: { وينصرك الله نصرا عزيزا ms1945 }؛ ~~أي ينصرك بالحجة والسيف على عدوك نصرا قويا لا ذل معه. ### || [48.4-5] # قوله تعالى: { هو الذي أنزل السكينة في قلوب ~~المؤمنين }؛ قيل: السكينة هي ما أسكن الله قلوبهم من ~~التعظيم لله ولرسوله والوقار لئلا تزعج نفوسهم لما ~~يرد عليهم. وقوله تعالى: { ليزدادوا إيمنا مع ~~إيمنهم }؛ أي ليزدادوا تصديقا إلى تصديقهم السابق. قال ~~الكلبي: (لما نزلت آية من السماء فصدقوا بها ~~ازدادوا تصديقا إلى تصديقهم). # قوله تعالى: { ولله جنود السموت والأرض }؛ أي ~~جموع أهل السماوات والأرض، يعني الملائكة والجن والإنس ~~والشياطين، { وكان الله عليما }؛ بمصالح خلقه، { حكيما ~~}؛ فيما يأمرهم به وينهاهم عنه. # قال ابن عباس: (فلما نزل # إنا فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ~~ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 1-2] قال الصحابة: هنيئا لك يا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ما أعطاك الله، فما لنا؟ فأنزل الله ~~قوله تعالى: { ليدخل المؤمنين والمؤمنات ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ~~ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله ~~فوزا عظيما }؛ أي نجاة عظيمة من النار وظفرا بالجنة. ### || [48.6] # قوله تعالى: { ويعذب المنافقين والمنافقات }؛ ~~معناه: إنا فتحنا لك ليدخل الله المؤمنين والمؤمنات جنات ~~تجري من تحتها الأنهار وليعذب المنافقين من الرجال ~~والمنافقات من النساء، وهم أظهروا الإيمان باللسان وأسروا ~~الكفر من أهل المدينة، { والمشركين والمشركات }؛ من ~~أهل مكة، { الظآنين بالله ظن السوء }؛ ومعنى ظنهم ~~السوء: أنهم ظنوا أن محمدا صلى الله عليه وسلم لا ينصر ~~عليهم وأنهم هم الذين ينصرهم الله على رسوله، وذلك قبيح لا يجوز في ~~صفة الله تعالى: وقوله: { عليهم دآئرة السوء }؛ أي العذاب ~~والهلاك، { وغضب الله عليهم ولعنهم } أي وطردهم عن ~~رحمته، { وأعد لهم جهنم }؛ في الآخرة، { وسآءت ~~مصيرا }. ### || [48.7] # قوله تعالى: { ولله جنود السموت والأرض }؛ ~~وليس على وجه التكرار؛ لأن الأول في أعانة المؤمنين، وهذا متصل ~~بذكر المنافقين في الانتقام منهم، ومعنى ذلك: أن في الأول { ~~ولله جنود السموت والأرض } فالله قادر على أن ~~يسخرهم لينتقم بهم من أعدائه من كل ما دب ودرج من ms1946 ذلك حتى ~~البرغوث والعقرب؛ لأن الله لم يأمر المسلمين بالقتال لأجل هلاك ~~المشركين، وإنما أمرهم بالقتال ليعوضهم بذلك جزيل الثواب الذي ~~لا ينال إلا بالقتال، وها هنا متصل ذكر الانتقام من المنافقين. # وقوله تعالى: { وكان الله عزيزا حكيما }؛ أي لم ~~يزل منيعا مستغنيا من الكفار، حكيما في أمره وقضائه. ### || [48.8] # قوله تعالى: { إنآ أرسلنك شهدا ومبشرا ~~ونذيرا }؛ معناه: إنا أرسلناك يا محمد شاهدا على أمتك ~~بتبليغ الرسالة، وقيل: شاهد على أقوالهم وأفعالهم فإنها تعرض ~~عليه، { ومبشرا } بالجنة للمطيعين، { ونذيرا } أي مخوفا ~~بالنار لمن عصى الله تعالى. ### || [48.9] # قوله تعالى: { لتؤمنوا بالله ورسوله ~~وتعزروه وتوقروه }؛ أي قرئ بالتاء في الأربعة على معنى ~~قولهم: لتؤمن بالله ورسوله، وقرئ بالياء في الأربعة أيضا؛ يعني: ~~من آمن به وصدقه، قوله تعالى: { وتعزروه } راجع إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم؛ أي يعينوه وينصرونه بالسيف ~~واللسان، وقرأ محمد بن السميقع: (وتعززوه) بزائين، وقوله ~~{ وتوقروه } أي وتعظموه وتبجلوه، وهذا وقف تام. # وقوله تعالى: { وتسبحوه }؛ أي وتسبحون الله عز وجل، { ~~بكرة وأصيلا }؛ أي يصلون له بالغداة والعشي، وفي ~~قراءة ابن عباس: (وتسبحوا الله بكرة وأصيلا). ### || [48.10] # قوله تعالى: { إن الذين يبايعونك } ، يعني بيعة ~~الرضوان بالحديبية، { إنما يبايعون الله } بايعوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم على أن لا يفروا ويقاتلوا، بايعهم ~~النبي صلى الله عليه وسلم تحت شجرة استظل بها بالحديبية، وكان ~~الذين بايعوه نحو ألف رجل وخمسمائة رجل، بايعوه على النصرة ~~والنصح والسمع والطاعة، وأن لا يفروا من العدو. # ومعنى الآية: إن الذين يبايعونك يا محمد بالحديبية على أن لا ~~يفروا، إنما يبايعون في ذات الله، ليس أنت المراد بذلك، بل ~~المراد به القيام بعبادة الله. وقيل: المراد بذلك أنهم باعوا ~~الله أنفسهم بالجنة. # وقوله تعالى: { يد الله فوق أيديهم } ، أي نعمة الله ~~في الهداية فوق أيديهم في الطاعة، يعني إحسان الله إليهم بأن هداهم ~~للإيمان أبلغ وأتم من إحسانهم إليك بالنصرة والبيعة، وقال ابن ~~كيسان: (معناه: قوة الله ونصرته فوق أيديهم ~~ونصرتهم؛ أي اتق بالله ونصرته لك ms1947 لا بنصرتهم، ~~وإن بايعوك)، وقال: معناه: يد الله في الثواب ~~والوفاء لهم فوق أيديهم في الوفاء، فإنهم لو ~~وفوا بما ضمنوا فالله أوفى بما ضمن، وأقدر على ~~ذلك). واليد ها هنا هي القدرة. # قوله: { فمن نكث فإنما ينكث على نفسه }؛ أي من ~~نقض عقد البيعة فضرر نقضه عائد عليه، وليس له الجنة ولا كرامة، ~~{ ومن أوفى بما عاهد عليه الله }؛ من البيعة فتم ~~على ذلك واستقام، { فسيؤتيه أجرا عظيما }؛ فسيعطيه الله ~~في الآخرة ثوابا عظيما في الجنة. # وروي أن هؤلاء المبايعين لم ينقض أحد منهم البيعة؛ لأنهم كانوا ~~مخلصين، ولذلك قال الله # لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت ~~الشجرة # [الفتح: 18] رضاه عنهم دليل على أنهم كانوا مؤمنين على الحقيقة، ~~أولياء الله أهل النصرة، والذي لم يدخل معهم في البيعة يومئذ ~~إلا رجل من المنافقين يقال له جد بن قيس، اختبأ يومئذ تحت إبط ~~بعيره ولم يدخل في بيعتهم، أماته الله على نفاقه. ### || [48.11] # قوله تعالى: { سيقول لك المخلفون من الأعراب ~~شغلتنآ أموالنا وأهلونا } أخبر الله النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه إذا رجع من الحديبية إلى المدينة، أتاه الأعراب الذين ~~يخلفون عنه بغير عذر، ولم يخرجوا معه وهم مزينة وجهينة ~~وغطفان وقوم من الديل، فيقولون له: شغلتنا أموالنا وأهلونا ~~عن الخروج معك يا محمد، أي شغلتنا النساء والذراري فلم يكن لنا من ~~يخلفنا فيهم، { فاستغفر لنا }؛ من التخلف عنك. # قوله تعالى: { يقولون بألسنتهم ما ليس في ~~قلوبهم }؛ أي يسألون المغفرة بألسنتهم { ما ليس في ~~قلوبهم } يعني: لأنهم لا يبالون أستغفرت لهم أم لم ~~تستغفر لهم. # وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم حين أراد المسير إلى ~~مكة عام الحديبية، استنفر من حول المدينة ~~من الأعراب وأهل البوادي ليخرجوا معه حذرا من ~~قريش أن يحاربوه ويصرفوه عن البيت، وأحرم ~~عليه السلام بالعمرة وساق الهدي ليعلم الناس ~~أنه لا يريد حربا، فتثاقل عنه كثير من الأعراب ~~وقالوا: نذهب معه إلى قوم قد جاءوا يقتلون ~~أصحابه فيقاتلهم، فتخلفوا عنه، واعتلوا ~~بالشغل، ms1948 فأنزل الله تعالى: { سيقول لك المخلفون من ~~الأعراب شغلتنآ أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا ~~} الآية. # قوله تعالى: { فمن يملك لكم من الله شيئا إن ~~أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا }؛ معناه: من ~~يمنعكم من عذاب الله إن أقمتم على الكفر والنفاق، { بل كان ~~الله بما تعملون خبيرا }؛ معناه: بل كان الله عالما ~~بتخلفكم عن القتال من غير عذر. # قرأ حمزة والكسائي وخلف (ضرا) بضم الضاد وهو سوء الحال، وقرأ ~~الباقون (ضرا) بفتح الضاد لأنه قابله بالنفع، وأراد بالنفع ~~الغنيمة. وذلك أنهم ظنوا أن تخلفهم عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم يدفع عنهم الضر، ويعجل لهم النفع بالسلامة في أنفسهم ~~وأموالهم، فأخبرهم الله تعالى أنه إن أراد بهم شيئا لم يقدر أحد ~~على دفعه عنهم. ### || [48.12-14] # قوله تعالى: { بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول ~~والمؤمنون إلى أهليهم أبدا } أظهر الله نفاقهم، ~~وبين أن تخلفهم عنه لم يكن بسبب أموالهم وأهليهم، ولكن كانوا ~~يقولون فيما بينهم: يستأصل محمدا وأصحابه عدوهم في هذه ~~الكرة فلا يرجعون إلى المدينة أبدا فنستريح منهم. # وقوله تعالى: { وزين ذلك في قلوبكم }؛ أي زين ~~الشيطان لكم ذلك الظن في قلوبكم، { وظننتم ظن السوء }؛ ~~أي ظننتم نبي الله وأصحابه أنهم لن يرجعوا من سفرهم هذا ~~وأنهم سيهلكون. # قوله تعالى: { وكنتم قوما بورا }؛ أي هلكى فاسدي ~~القلوب لا تصلحون لخير، والبوار الهلاك، وما بعد هذا، { ومن ~~لم يؤمن بالله ورسوله فإنآ أعتدنا ~~للكافرين سعيرا * ولله ملك السموت والأرض ~~يغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء وكان الله ~~غفورا رحيما } ، ظاهر المعنى. ### || [48.15] # قوله تعالى: { سيقول المخلفون }؛ يعني هؤلاء ~~المخلفين سيقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه: { إذا ~~انطلقتم إلى مغانم } ، خير، { لتأخذوها ذرونا ~~نتبعكم }؛ نخرج معكم، فأمر الله النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن يمنعهم من ذلك بعد تخلفهم من غزوة الحديبية. # فلما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من الحديبية وانطلق إلى خيبر، ~~قال هؤلاء المخلفون { ذرونا نتبعكم } قال الله تعالى: ~~{ يريدون أن يبدلوا كلام الله }؛ أي أن الله ms1949 تعالى ~~خص أهل الحديبية بمغانم خيبر، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن لا يأذن للمنافقين أن يخرجوهم معهم إلا متطوعين ليس لهم من ~~المغانم شيء. فأراد المنافقون أن يشاركوا فيها ليبطلوا حكم الله ~~تعالى: { قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل ~~}؛ يعني: أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن لا يسير معه ~~منهم أحدا. # ومعنى قوله { من قبل } أي قال الله في ذلك بالحديبية قبل خيبر، ~~وقبل خروجنا إليكم: أن غينمة خيبر لمن شهد الحديبية، { ~~فسيقولون بل تحسدوننا }؛ أي سيقولون للنبي صلى الله ~~عليه وسلم لم يأمركم الله بذلك، ولكن تحسدوننا أن نشارككم في ~~الغنيمة. قوله تعالى: { بل كانوا لا يفقهون إلا ~~قليلا }؛ أي لا يعلمون عن الله ما لهم وعليهم من الدين إلا ~~قليلا منهم، وهو من صدق الرسول ولم ينافق. ### || [48.16] # قوله تعالى: { قل للمخلفين من الأعراب }؛ أي قل ~~لهؤلاء المخلفين عن الحديبية: { ستدعون }؛ بعد موت النبي صلى ~~الله عليه وسلم { إلى }؛ قتال؛ { قوم أولي بأس شديد }؛ ~~أي أهل اليمامة، قال الزهري: (هم أهل اليمامة بنو ~~حنيفة أتباع مسيلمة، فأتاه أبو بكر رضي الله عنه)، ~~قال رافع بن خديج: (كنا نقرأ هذه الآية ولا نعلم ~~من هم حتى دعا أبو بكر رضي الله عنه إلى قتال بني ~~حنيفة فعلمنا أنهم هم). # وقال ابن جريج: (سيدعوكم عمر رضي الله عنه إلى قتال ~~فارس والروم) { تقاتلونهم أو يسلمون }؛ معناه: ~~تقاتلوهم أن يكون منهم الإسلام، { فإن تطيعوا }؛ أبا بكر ~~وعمر، { يؤتكم الله أجرا حسنا }؛ عظيما في الجنة، { ~~وإن تتولوا كما توليتم من قبل }؛ عن طاعة ~~محمد صلى الله عليه وسلم في المسير إلى الحديبية، { يعذبكم ~~}؛ في الآخرة، { عذابا أليما }؛ شديدا. # قرأ أبي (أو يسلموا) بحذف النون؛ أي حتى يسلموا، وكقول ~~امرئ القيس: (أو نموت)، وقرأ الكافة بإثبات النون في محل ~~الرفع عطفا على { تقاتلونهم }. ### || [48.17] # قوله تعالى: { ليس على الأعمى حرج ولا على ~~الأعرج حرج ولا على المريض حرج }؛ أي ليس على هؤلاء ~~إثم في قعودهم عن القتال ms1950 لعجزهم عنه، { ومن يطع الله ~~ورسوله يدخله جنت تجري من تحتها الأنهر }؛ ~~عائد إلى من يلزمه الجهاد، { ومن يتول }؛ عن الجهاد مع ~~قدرته عليه، { يعذبه عذابا أليما }. ### || [48.18] # قوله تعالى: { لقد رضي الله عن المؤمنين إذ ~~يبايعونك تحت الشجرة }؛ يعني بيعة الرضوان بالحديبية، ~~وإنما سميت بيعة الرضوان بهذه الآية، وكان سبب هذه البيعة: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سار يريد مكة، ~~فلما بلغ الحديبية وقفت ناقته، فزجرها فلم ~~تنزجر وبركت، فقال صلى الله عليه وسلم: " ما هذا ~~بعادة، ولكن حبسها حابس الفيل ". # ودعا عمر رضي الله عنه ليرسله إلى أهل مكة، ~~فيأذنوا له بأن يدخل مكة ويحل من عمرته ~~وينحر هديه، فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله؛ ~~ما لي بها حميم وليس بمكة من بني عدي بن كعب ~~يمنعني، وإني أخاف قريش على نفسي لأنها قد ~~علمت عداوتي إياها، ولكن أدلك على رجل أعز ~~بها مني عثمان بن عفان، قال: " صدقت ". فدعا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان فأرسله. # فجاء الشيطان وصاح في عسكر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: بأن أهل مكة قتلوا عثمان، فقام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلى الشجرة فاستند إليها، وبايع ~~الناس على قتال أهل مكة. # قال عبدالله بن معقل: كنت قائما على رأس رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذلك اليوم، وبيدي غصن من ~~الشجرة أذب به عنه وهو يبايع الناس، كان أول ~~من بايع رجل من بني أسد يقال له أبو سنان بن ~~وهب ". # واختلفوا في عدد أهل البيعة، فقال قتادة: (كانوا خمس عشرة ~~مائة)، وقال ابن عباس: (كانوا ألفا وخمسمائة وخمسة ~~وعشرين)، وقال جابر: (كانوا ألفا وأربعمائة). # قوله تعالى: { فعلم ما في قلوبهم }؛ أي فعلم الله ~~ما في قلوبهم من الصدق والوفاء والإخلاص والعزم على القتال، { ~~فأنزل السكينة عليهم }؛ يعني الطمأنينة والصبر ~~والرضا حين بايعوا على أن يقاتلوا ولا يفروا، { وأثابهم ~~فتحا قريبا }؛ أي وأعطاهم فتح خيبر. ### || [48.19] # قوله تعالى: { ومغانم كثيرة يأخذونها ms1951 }؛ معناه: ~~ومغانم كثيرة يأخذونها من أموال يهود خيبر، وكانت خيبر ذات عقار ~~وأموال، { وكان الله عزيزا }؛ أي غالبا، { حكيما }؛ في ~~أمره، حكم لهم بالغنيمة، ولأهل خيبر بالسبي والهزيمة. # وعن أنس رضي الله عنه: # " وأنا رديف أبي طلحة يوم أتينا إلى خيبر، ~~فصبحهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أخذوا ~~مساحيهم وفؤوسهم وغدوا على حروثهم، فلما ~~رأونا ألقوا ما بأيديهم، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " الله أكبر، خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة ~~قوم فساء صباح المنذرين " ". # وعن عبدالله بن بريدة عن أبيه قال: # " خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، ~~سرينا ليلا وعامر بن الأكوع معنا وكان شاعرا، ~~فقال له رجل من القوم: ألا تسمعنا يا عامر، ~~فنزل يحدوا بالقوم يرتجز ويقول: " # اللهم لولا أنت ما اهتدينا # ولا تصدقنا ولا صلينا # هم الذين بغوا علينا # ونحن من فضلك ما استغنينا # فاغفر بفضلك ما أتينا # وثبت الأقدام إن لاقينا # وألقين السكينة علينا # " قال صلى الله عليه وسلم: " من هذا؟ " قالوا: عامر بن ~~الأكوع، قال: " قد غفر لك ربك يا عامر " فقال ~~رجل: لو أمتعتنا به يا رسول الله صلى الله عليه وسلم). ~~وإنما قال ذلك؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما استغفر لرجل ~~قط إلا استشهد. # قال: (فلما قدمنا خيبر وتصاف القوم، خرج ~~يهودي فخرج إليه عامر بن الأكوع وهو يقول: " # قد علمت خيبر أني عامر # شاكي السلاح بطل مغامر # " واختلفا بضربتين، فوقع سيف اليهودي في ~~ترس عامر، ووقع سيف عامر على ركبة نفسه ~~وساقه فمات منها. قال سلمة بن الأكوع: فمررت ~~على نفر من الصحابة وهم يقولون: بطل عمل ~~عامر، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبكي ~~فأخبرته بذلك، فقال: " كذب من قال ذلك، بل له ~~أجره مرتين ". # ثم عاد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه ~~وكان حينئذ أرمد قد عصب عينه بشق برد، قال ~~سلمة بن الأكوع: فجئت به أقوده إلى رسول الله صلى ~~الله عليه ms1952 وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: " ما ~~لك يا علي؟ " قال: رمدت يا رسول الله، قال: " أدن ~~مني " فدنا منه، فتفل في عينيه فبرئ من ~~ساعته، وما وجعت عيناه بعد ذلك أبدا حتى مضى ~~سبيله. ثم أعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية ~~فهدى بها وعليه حلة أرجوان حمراء، فأتى ~~مدينة خيبر، فخرج مرحب صاحب الحصن وعليه ~~مغفر وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه ~~وهو يرتجز ويقول: " # قد علمت خيبر أني مرحب # شاكي السلاح بطل مجرب # أطعن أحيانا وحينا أضرب # إذا الحروب أقبلت نلتهب # كان حمايا مانعا لا يقرب # " فبرز إليه علي رضي الله عنه، وقال: " # أنا الذي سمتني أمي حيدره # كليث غابات شديد قسوره # أكيلكم بالسيف كيل السندره # " فاختلفا بضربتين، فبدره علي رضي الله عنه ~~بالضربة فقد الحجر والمغفر وفلق رأسه فوقع ~~ميتا، وكان الفتح على يديه). # ثم خرج بعد مرحب أخوه ياسر وهو يرتجز ~~ويقول: " # قد علمت خيبر أني ياسره # شاكي السلاح بطل معاقره # إذا الليوث أقبلت مبادره # إن سلاحي فيه موت حاضره # " فخرج إليه الزبير بن العوام رضي الله عنه وهو ~~يقول: " # قد علمت أني زبار # قوم لقوم غير ناكث فرار # ابن حماة المجد وابن الأخيار # ياسر لا يغررك جمع الكفار # فجمعهم مثل السراب جار # " فقالت أمه صفية بنت عبدالمطلب: أيقتل ~~ابني يا رسول الله؟ قال: " ابنك يقتله ". ثم ~~التقيا فقتله زبير. # ثم لم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتح ~~الحصون حصنا حصنا، ويحوز الأموال، فلما أمسى ~~الناس أوقد نيرانا كثيرا، فقال صلى الله عليه وسلم: " ~~على أي شيء توقدون؟ " قالوا: على لحم الحمر ~~الإنسي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أهرقوها ~~واكسروا القدور " فقالوا: نهديك القدور ونغسلها، ~~فقال: " هي أو ذاك ". # ثم أتي رسول الله بصفية بنت حيي بن أخطب ~~وبأخرى معها، أتى بهما بلال رضي الله عنه، فلما رأت ~~المرأة التي مع صفية القتلى من اليهود صرخت ~~وصكت وجهها وحست التراب على رأسها، فقال صلى ~~الله عليه ms1953 وسلم: " إعزلوا عني هذه الشيطانة " وأمر ~~بصفية فأجلست خلفه وألقى عليها رداءه، فعرف ~~المسلمون أن رسول الله أصفاها لنفسه. # وكانت قد رأت في منام وهي عروس كنانة بن ربيع ~~أن قمرا وقع في حجرها، فقصت رؤياها على ~~زوجها فلطم وجهها لطمة اخضرت عيناها منها، ~~وقال: إنك تتمنين ملك الحجاز محمدا. # فلما رأى رسول الله خضرة عينها سألها عن ذلك، ~~فأخبرته الخبر، فأوتي من زوجها كنانة بن ~~الربيع كان عنده كنز بني النضير، فسأله إياه ~~فجحده أن يكون عالما بمكانه. فجاء يهودي ~~فقال: فإني قد رأيت كنانة يطوف بهذه الخربة ~~كل غداة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لكنانة: " ~~أرأيت إن وجدناه عندك أأقتلك؟ " قال: نعم، ~~فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخربة فحفرت، ~~فأخرج منها بعض كنزهم، ثم سأله ما بقي ~~فأبى أن يؤديه، فأمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فضرب عنقه ". ### || [48.20] # قوله تعالى: { وعدكم الله مغانم كثيرة ~~تأخذونها }؛ أي وعدكم الله في المستقبل من زمان غنائم كثيرة ~~تأخذونها، قال مقاتل: (من قاتل مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم ومن بعده إلى يوم القيامة) { فعجل لكم ~~هذه }؛ يعني غنيمة خيبر، { وكف أيدي الناس عنكم }؛ ~~أي منع أسدا وغطفان من قتالكم، وكانوا حلفاء لأهل خيبر، وذلك ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قصد خيبر وحاصر ~~أهلها، همت قبائل من أسد وغطفان أن يغيروا ~~على عيال المسلمين وذراريهم بالمدينة، فكف الله ~~أيديهم بإلقاء الرعب في قلوبهم. # وقوله تعالى: { ولتكون آية للمؤمنين }؛ أي ولتكون ~~غنيمة خيبر دلالة على المؤمنين على صدقك يا محمد، حيث إن ~~الله تعالى أخبر أنهم يصيبونها في المستقبل، ثم وجد المخبر على ~~وفق الخبر، وقوله تعالى: { ويهديكم صراطا مستقيما }؛ أي ~~ويثيبكم على دين الإسلام، ويرشدكم إلى الأدلة في الدين. ### || [48.21] # قوله تعالى: { وأخرى لم تقدروا عليها }؛ أي ~~وعدكم فتح بلدة أخرى لم يقدروا عليها الآن، { قد أحاط الله ~~بها }؛ يفتحها عليكم، قال الفراء: (حفظها لكم ومنعها ~~من غيركم حتى يفتحها لكم). # واختلفوا فيها، فقال ms1954 ابن عباس وابن أبي ليلى والحسن ومقاتل: (هي ~~فارس والروم) وكانت العرب لا تقدر على قتال ~~فارس والروم، وفتح مدائنها حتى قدروا عليها ~~بالإسلام. وقال قتادة: (هي مكة)، وقال عكرمة: (هي ~~خيبر). وقوله تعالى { قد أحاط الله بها } أي أحاطت ~~قدرته بها وبأهلها، { وكان الله على كل شيء قديرا }؛ ~~كل شيء من فتح القرى والنصر وغير ذلك قدير. ### || [48.22] # قوله تعالى: { ولو قتلكم الذين كفروا ~~لولوا الأدبار }؛ يعني أسدا وغطفان الذين أرادوا نهب ~~ذراري المسلمين فانهزموا عنكم لأن الله ينصركم عليهم، { ثم لا ~~يجدون وليا ولا نصيرا }؛ قال ابن عباس: (من تولى ~~غير الله خذله الله ولم ينصره). ### || [48.23] # قوله تعالى: { سنة الله التي قد خلت من قبل ~~}؛ أي سنة الله التي قد خلت من قبل في نصر أوليائه وقهر أعدائه؛ ~~أي هذه سنتي في أهل طاعة وأهل معصية أنصر أوليائي وأخذل أعدائي، ~~{ ولن تجد لسنة الله }؛ لحكم الله، { تبديلا }؛ ~~تغييرا. ### || [48.24-25] # قوله تعالى: { وهو الذي كف أيديهم عنكم ~~وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم ~~عليهم }؛ أول هذه الآية يدل على أن الله تعالى منع أيدي ~~أهل مكة يوم الحديبية عن قتال المسلمين بالرعب، ومنع أيدينا عن ~~قتالهم بالنهي. # وقيل: إن المؤمنين لم ينهوا عن قتالهم يومئذ، ولكن لم يقدر ~~الله ذلك للمؤمنين إبقاء للمؤمنين المستضعفين الذين كانوا في أيدي ~~المشركين كما قال تعالى: { وكان الله بما تعملون بصيرا * ~~هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام ~~والهدي معكوفا أن يبلغ محله }. # وقوله تعالى: { من بعد أن أظفركم عليهم } ، قال أنس ~~رضي الله عنه: (وذلك أن ثمانين رجلا من أهل مكة ~~هبطوا على رسول الله من جبل التنعيم عند صلاة ~~الفجر متسلحين، يريدون غرة النبي صلى الله عليه ~~وسلم عام الحديبية، فأخذهم رسول الله وأعتقهم، ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية) { وهو الذي كف ~~أيديهم عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من ~~بعد أن أظفركم عليهم }. # وقال ابن عباس: (بعثت قريش أربعين رجلا أو خمسين ~~رجلا منهم، وأمروهم أن يطوفوا بعسكر ms1955 رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عام الحديبية ليصيبوا لهم من ~~أصحابه أحدا، فأخذوا فأتي بهم رسول الله، فعفا ~~عنهم وخلى سبيلهم، وقد كانوا رموا في عسكر ~~رسول الله بالحجارة والنبل، فأنزل الله هذه ~~الآية). { هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد ~~الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله } أي هم ~~الذين كفروا بمحمد والقرآن، يعني كفار مكة، وصدوكم عن ~~المسجد الحرام أن تطوفوا به للعمرة ويحلوا من عمرتكم. # وقوله تعالى { والهدي معكوفا } أي وصدوا الهدي ممنوعا ~~أن يبلغ محله الذي إذا صار إليه حل نحره وهو الحرم، وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم ساق في ذلك العام سبعين بدنة إلى ~~مكة. { معكوفا } في اللغة هو الممنوع عن الذهاب في جهته بالإقامة ~~في مكانه، يقال: عكف على الأمر عكوفا، واعتكف في المسجد إذا ~~أقام به. # ومعنى الآية: هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام، وصدوا ~~الهدي وهي البدن التي ساقها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت ~~سبعين بدنة معكوفا أي محبوسا أن يبلغ محله أي مسجده، ~~وهذه الآية دلالة على أن محل الهدي الحرم، ولو كان محله غير ~~الحرم لما كان معكوفا عن بلوغ محله. # قوله تعالى: { ولولا رجال مؤمنون ونسآء ~~مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم }؛ معناه: ولو ~~تطأوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات مقيمات بمكة لم تعلموهم ~~فتقتلوهم، { فتصيبكم منهم }؛ قبلهم، { معرة }؛ أي ~~عيب ومسبة في العرب بأنكم قتلتم أهل دينكم، ويقال: أراد ~~بالمعرة الغم والجزع. وجواب (لولا) محذوف تقديره: لولا ~~ذلك لدخلتم على أهل مكة ولوطأتموهم ليلا ولضربتم رقاب ~~المشركين بنصرنا إياكم، ولكن الله منع من ذلك كراهة وطئ ~~المؤمنين المستضعفين الذين كانوا بمكة، والمؤمنات بالقتل لأنهم لو ~~دخلوا مكة لم يتميز لهم المؤمنون من الكفار، فلم يأمنوا أن ~~يقتلوا المؤمنين. # وقيل: المراد بالمعرة الإثم والدية والكفارة، إلا أن ~~الصحيح ما ذكرناه من قبل؛ لأنه لا خلاف بين العلماء أن المسلمين ~~إذا قصدوا حصنا من حصون الكفار وقاتلهم وأصابوا من في الحصن ~~من أطفال الكفار ومن أسارى المسلمين أنه لا ms1956 إثم عليهم ولا دية و ~~لا كفارة، ولقد حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف ~~ورماهم بالمنجنيق مع نهيه عن قتل النساء والولدان. # قوله تعالى: { بغير علم }؛ موضعه التقديم، تقديره: ~~لولا أن تطأوهم بغير علم، { ليدخل الله في رحمته من ~~يشآء }؛ اللام متعلقة بمحذوف دل عليه معنى الكلام على تقدير: ~~حال بينكم وبينهم { ليدخل الله في رحمته من يشآء } ~~يعني من أسلم من الكفار بعد الصلح، ورحمة الله جنته، ~~قوله تعالى: { لو تزيلوا لعذبنا الذين ~~كفروا منهم عذابا أليما }؛ معناه: لو تميز المؤمنون ~~عن الكفار لعذبنا الكفار عذابا أليما يعني بالقتل والسبي ~~بأيدكم. ### || [48.26] # قوله تعالى: { إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم ~~الحمية حمية الجاهلية } قال مقاتل: (إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما قدم الحديبية ومعه الهدي، ~~قال كفار مكة: قتل محمد أبناءنا وإخواننا، ~~ثم أتانا يدخل علينا في منازلنا، فتحدث ~~العرب أنهم دخلوا علينا على رغم آنافنا، ~~واللات والعزى لا يدخل علينا. فهذه الحمية ~~حمية الجاهلية التي دخلت قلوبهم). # قوله تعالى: { فأنزل الله سكينته على رسوله ~~وعلى المؤمنين }؛ حتى لم يدخلوا، { وألزمهم كلمة ~~التقوى }؛ وهو كلمة لا إله إلا الله، الكلمة التي يتقي ~~بها من الشرك. # والحمية في اللغة: هي الأنفة التي تحمي الإنسان كأن ~~قلوبهم حمية لمعصية الله، فأنزل الله بدل ذلك على قلب ~~نبيه عليه السلام وعلى قلوب المؤمنين من الطمأنينة والسكون ~~والوقار والهيبة، وألزمهم توحيد الله والإيمان برسوله. # قوله تعالى: { وكانوا أحق بها وأهلها }؛ أي ~~كانوا أحق بكلمة التوحيد من كفار مكة وكانوا أهلها في علم ~~الله تعالى مستحقين لها في الدنيا، { وكان الله بكل شيء ~~}؛ من أمرهم، { عليما }. # وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: # " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إني ~~لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقا من قلبه إلا ~~حرمه على النار " # ، قال عمر رضي الله عنه: (أنا أحدثك بها، هي كلمة ~~الإخلاص التي ألزمها الله محمدا وأصحابه وهي ~~كلمة التقوى). # وقال عطاء الخراساني: (هي لا إله ms1957 إلا الله محمد رسول ~~الله). وعن علي رضي الله عنه أن سئل عن كلمة التقوى ~~فقال: (هي لا إله إلا الله والله أكبر)، وهو قول ابن ~~عمر. وقال عطاء بن رباح: (هي لا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل ~~شيء قدير). # وقيل: إن الحمية التي جعلها الكفار في قلوبهم، هي ما ~~روي: # " أن المشركين لما سألوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يكتب لهم بكتاب الصلح، قال لعلي رضي الله ~~عنه: " أكتب: بسم الله الرحمن الرحيم " فقال ~~المشركون: أما الرحمن فلا ندري ما هو، ولكن ~~اكتب: باسمك اللهم، فقال المسلمون: والله لا ~~يكتبها إلا بسم الله الرحمن الرحيم. # فقال صلى الله عليه وسلم لعلي: " أكتب: باسمك ~~اللهم، ثم اكتب: هذا ما صالح عليه محمد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ". فقال سهيل بن عمرو: والله ~~لو نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ~~ولا قاتلناك، لكن اكتب باسمك واسم أبيك، فقال صلى ~~الله عليه وسلم: " إني لرسول الله ولقد كذبتموني ". # وقال لعلي رضي الله عنه: " أمح رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم " فقال علي: لا أمحوك يا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فمحاه النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: " أكتب: ~~هذا ما قاضى عليه محمد بن عبدالله سهيل ابن ~~عمرو على وضع الحرب بين الناس بكف بعضهم عن ~~بعض، على أنه من قدم مكة من أصحاب محمد ~~حاجا أو معتمرا أو يبتغي من فضل الله فهو آمن ~~على دمه وماله. ومن قدم المدينة من قريش ~~مجتازا إلى مصر أو الشام فهو آمن على دمه وماله ~~" ". # فهذه الحمية التي في قلوبهم، يعني الأنفة من الاستفتاح ببسم ~~الله الرحمن الرحيم، ومن قوله: محمد رسول الله. ### || [48.27] # قوله تعالى: { لقد صدق الله رسوله الرءيا ~~بالحق }؛ وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في ~~المنام وهو بالمدينة قبل أن يخرج إلى ~~الحديبية كأنه هو وأصحابه حلقوا وقصروا، ~~فأخبر بذلك أصحابه ms1958 ففرحوا وحسبوا أنهم داخلوا ~~مكة عامهم ذلك، وقالوا: إن رؤية النبي صلى الله ~~عليه وسلم حق. # فلما رجع وأصحابه من الحديبية ولم يدخلوا ~~مكة، قال المنافقون: والله ما حلقنا ولا قصرنا ~~ولا دخلنا المسجد الحرام. فأنزل الله الآية وأخبر أنه ~~أرى رسول الله الصدق في منامه، وأنهم يدخلونه فقال الله: { ~~لتدخلن المسجد الحرام }؛ يعني العام المقبل، { إن ~~شآء الله }؛ قال أبو عبيدة: (إن معنى: إن شاء الله) ~~حيث أري رسول الله في المنام. وقال أبو العباس أحمد بن ~~يحيى: (استثنى الله فيما يعلم، ليستثني الخلق ~~فيما لا يعلمون). # وقيل: معناه: بمشيئة الله، وقال بعضهم: هذا اللفظ حكاية ~~الرؤيا التي رآها النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه رأى في ~~المنام أن ملكا ينادي: { لتدخلن المسجد الحرام إن ~~شآء الله آمنين }. وقيل: إنما كان ذلك تأديبا للعباد ~~ليدخلوا كلمة الاستثناء فيما يخبرون عنه في المستقبل من نفي ~~وإثبات، قوله: { آمنين }؛ أي آمنين من العدو. # قوله تعالى: { محلقين رءوسكم ومقصرين }؛ ~~قريبا أنهم يدخلون مكة إلى أن يبلغوا آخر النسك، { لا ~~تخافون }؛ العدو، بخلاف عام الحديبية. فيه دليل أن الحلق ~~والتقصير قربة في الإحرام من حيث إن الإحلال يقع بهما، وفيه ~~دليل أن المحرم بالخيار عند التحليل من الإحرام إن شاء حلق وإن ~~شاء قصر. وفي الحديث: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا للمحلقين ثلاثا، ~~وللمقصرين مرة ". # قوله تعالى: { لا تخافون } أي لا تخافون من المشركين، { ~~فعلم }؛ الله ما في تأخير الدخول عام الحديبية من الخير ~~والصلاح، { ما لم تعلموا }؛ أنتم، { فجعل من دون ~~ذلك }؛ أي من قبل الدخول، { فتحا قريبا }؛ يعني فتح خيبر. ### || [48.28] # قوله تعالى: { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ~~ودين الحق ليظهره على الدين كله }؛ أي أرسل ~~رسوله بالطريق المؤدي إلى الجنة ودين الإسلام ليظهر دين ~~الإسلام على الأديان كلها بالحجة والغلبة، { وكفى بالله ~~شهيدا }؛ على نبوتك ورسالتك إن لم يشهد سهيل وأمثاله. ### || [48.29] # قوله تعالى: { محمد رسول الله }؛ هذا مبتدأ وخبره ~~قوله تعالى: { والذين معه أشدآء على الكفار ms1959 ~~}؛ أي والذين معه من المؤمنين أشداء على الكفار، غلاظ ~~عليهم، والأشداء جمع الشديد، وهو قوي في دين الله تعالى، ~~القوي على أعداء الله، كانوا لا يميلون إلى الكفار لقرابة ~~ولا غيرها، بل أظهروا لهم العداوة في الدين، وكانوا على الكفار ~~كالأسد على فرسه. # قوله تعالى: { رحمآء بينهم }؛ أي متواددون فيما ~~بينهم، متعاطفون حتى أنهم كانوا بعضهم لبعض كالوالد لولده، ~~والعبد لسيده، وقوله تعالى: { تراهم ركعا سجدا }؛ أي ~~راكعين وساجدين يكثرون الصلاة لله، { يبتغون فضلا من ~~الله ورضوانا }؛ يعني الجنة، ورضى الله تعالى. # قوله: { سيماهم في وجوههم من أثر السجود }؛ أي ~~علامة التهجد ظاهرة على وجوههم من كثرة السجود بالليل، ~~والمعنى يتبين في وجوههم أثر السهر، قال الضحاك: (إذا سهر ~~أصبح مصفرا) وقال عطية: (مواضع السجود أشد ~~بياضا في يوم القيامة). وقال مجاهد: (يعني الأثر: ~~الخشوع والتواضع والسمت الحسن). وقال عكرمة: (هو ~~التراب على الجباه لأنهم يسجدون على التراب لا ~~على الثباب). # وقال الحسن في وصفهم: (إذا رأيتهم حسبتهم مرضى، وما ~~بالقوم مرض، ويقول: لعلهم خولطوا في عقولهم، ~~والله لقد خالطهم أمر عظيم). يريد بذلك ما في قلوبهم من ~~خوف الآخرة. # وقال بعضهم: { سيماهم في وجوههم من أثر السجود } هو ~~نور يجعله الله في وجوههم يوم القيامة، يعرفون بتلك العلامة ~~أنهم سجدوا في الدنيا كما قال الله # يوم تبيض وجوه وتسود وجوه # [آل عمران: 106]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: # " تحشر أمتي يوم القيامة غرا محجلين من ~~آثار الوضوء ". # وقال منصور: (سألت مجاهد عن قوله: { سيماهم في ~~وجوههم من أثر السجود } قال: ليس هو الأثر ~~الذي يكون في جبهة الرجل مثل ركبة البعير، ~~فقد يكون ذلك برجل هو أقسى قلبا من الحجارة، ~~ولكن هو نور في وجوههم من الخشوع). وقال ابن جريج: ~~(هو الوقار)، وقال سمرة: (هو البهاء)، وقال سفيان: ~~(يصلون بالليل، فإذا أصبحوا عرف ذلك في وجوههم؛ ~~بيانه قوله عليه السلام: # " من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار " # وروي في بعض الأخبار: # " أن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا نار ms1960 ~~أنضجي، يا نار أحرقي وموضع السجود لا تقربي ". # قوله تعالى: { ذلك مثلهم في التوراة }؛ أي ذلك ~~الذي ذكره في القرآن من وصفهم هو ما وصفوا به في التوراة، { ~~ومثلهم في الإنجيل }؛ أيضا، ثم ذكر الله وصفهم في ~~الإنجيل: { كزرع أخرج شطأه }؛ أي سبيله، وقال ابن زيد: ~~(أولاده). والشطأ: فراخ الزرع، يقال: الشطأ الزرع ~~أن يخرج سبعا أو ثمانيا أو عشرا، وهذا مثل ضربه الله ~~لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، يعني أنهم يكونون قليلا ثم ~~يزدادون ويكثرون ويقوون، قال قتادة: (مكتوب في ~~الإنجيل: أنه سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، ~~يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر). # قرأ العامة (شطأه) بإسكان الطاء، وقرأ بعض أهل مكة ~~والشام بفتحها، وقرأ يحيى بن وثاب (شطأه) مثل عصاه، وقرأ ~~الجحدري: (شطه) بلا همزة، وكلها لغات. # قوله تعالى: { فآزره }؛ أي أعانه الشطأ وقواه ~~وشده، مأخوذ من المؤازرة وهي المعاونة، والأزر: الظاهر، ~~والوزير المعين، وأعانه الزرع، الشط أن يخرج من الشطأ ~~ثمان وتسع وعشر. # قوله تعالى: { فاستغلظ }؛ أي غلظ ذلك الزرع ~~وتقوى، { فاستوى على سوقه }؛ أي قام على قصبه وساوى ~~الصغار والكبار حتى استوى بعضه مع بعض، وصار الفرع مثل ~~الأم. والسوق: جمع ساق، وهو قصبة الزرع، وساق الشجرة ~~حاملة الشجرة، ويجوز أن يكون المراد بالساق: الكعب، وكلما ~~ازداد الزرع كعبا ازداد قوة، قوله تعالى: { يعجب ~~الزراع }؛ أي يصير بحال يعجب الحراث. # وهذا مثل ضربه الله تعالى لمحمد وأصحابه، فالزرع ~~محمد صلى الله عليه وسلم، والشطأ أصحابه والمؤمنون حوله، ~~وكانوا في ضعف وقلة كما كان أول الزرع دقيقا ثم غلظ ~~وقوي وتلاحق، وكذلك المؤمنون قوى بعضهم بعضا حتى استغلظوا ~~واستووا على أمرهم، { ليغيظ بهم الكفار }؛ أي إنما ~~كثرهم وقواهم ليكونوا غيظا للكافرين. # قوله تعالى: { وعد الله الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما }؛ قال الزجاج: ~~(منهم) للجنس وليس يريد بعضهم، لأنهم ~~كلهم مؤمنون، والأجر العظيم هو الجنة). ### | [49 - سورة الحجرات] ### || [49.1] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تقدموا ~~بين يدي الله ورسوله }؛ أي لا تقطعوا أمرا دون ms1961 الله ~~ورسوله، ولا تعجلوا به، وقالت عائشة رضي الله عنها في قوله ~~{ لا تقدموا بين يدي الله ورسوله }: (أي ~~تصوموا قبل أن يصوم نبيكم صلى الله عليه وسلم) { ~~واتقوا الله }؛ في تضييع حقه ومخالفة أمره، { إن ~~الله سميع }؛ لأقوالكم، { عليم }؛ بأفعالكم، وقال جابر: ~~(نزل قوله تعالى: { لا تقدموا بين يدي الله ~~ورسوله } في النهي عن الذبح يوم الأضحى قبل ~~الصلاة). # وقالت عائشة رضي الله عنها: " نزلن في النهي عن ~~صوم يوم الشك)، وعن مسروق قال: (دخلت على عائشة ~~رضي الله عنها في يوم الشك، فقالت للجارية: ~~اسقيه، فقلت: إني صائم، فقالت: قد نهى الله ~~تعالى عن صوم هذا اليوم، وفيه نزل { يأيها ~~الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله ~~}. # وعن الحسن البصري قال: (نزلت هذه الآية في الذبح يوم ~~الأضحى، كأنه قال: لا تذبحوا قبل ذبح النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وذلك أن ناسا من المسلمين ذبحوا ~~قبل صلاة النبي صلى الله عليه وسلم: فأمرهم أن ~~يعيدوا الذبح). # وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: سبب نزول هذه الآية: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث رهطا من أصحابه ~~وهم سبع وعشرون رجلا، وأمر عليهم المنذر ~~بن عمرو، وأمرهم أن يسيروا إلى بني عامر بن ~~صعصعة، وأن يمروا على بني سليم، فباتوا ~~عندهم، فلما كان عند الرحيل، أضل أربعة من ~~المسلمين بعيرا لهم، فاستأذنوا المنذر أن ~~يتخلفوا عنه حتى يطلبوه، فأذن لهم. # وسار المنذر بمن بقي معه، وكانت بنوا سليم ~~دست إلى بني عامر خبر أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فاستعدوا لقتالهم واجتمعوا لهم، فسار ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بئر معونة، ~~فاقتتلوا قتالا شديدا وقتل المنذر وأصحابه، ~~وقتل أحد الأربعة ورجع الثلاثة إلى المدينة، ~~فلقوا رجلين خارجين من المدينة فقالوا: مما ~~أنتما؟ فقالا: من بني عامر، فقالوا: إنهما من ~~عدونا، فقتلوهما وأخذوا سلبهما. # وجاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكروا له ~~القصة، فقال لهم صلى الله عليه وسلم: " بئسما فعلتم، ~~إنهما ms1962 من أهل ميثاقي من بني سليم، وهذا الذي ~~معكم من سلبهما من كسوتي ". # وجاء السليميون يطلبون القود، فقال لهم ~~النبي صلى الله عليه سلم: " إن صاحبيكم اعتزما إلى ~~عدونا، فلا قود فيهما ولكنا نؤدي إليكم ~~الدية " فأمر عليه السلام أن تقسم ديتهما على أهل ~~ميثاقه، فأنزل الله تعالى هذه الآية ". # والمعنى: لا تقدموا بقول ولا فعل حتى يكون النبي صلى الله عليه ~~وسلم هو الذي يأمركم في ذلك. # وقيل: إن ناسا كانوا يقولون: لو أن الله تعالى أمر بكذا ~~ونهى عن كذا، فقيل: لا تقدموا بين يدي الله ورسوله، فإن ~~الله أعلم بصلاح خلقه. # وقرئ (لا تقدموا) بفتح التاء والدال، فيجوز أن يكون معناهما ~~واحدا، يقال: قدمت في كذا وتقدمت فيه، كما يقال عجلت في ~~الأمر وتعجلت فيه بمعنى واحد، ويجوز أن يكون معنى الضم: لا ~~تقدموا كلامكم ولا فعلكم وما أنتم صانعون في أمر من الأمور قبل ~~أن يأمركم الله ورسوله. ومعنى قراءة الفتح لا تقدموا بأمر ولا ~~فعل بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم حتى يأمركم به. # وقيل: إنها نزلت في قوم كانوا يحضرون مجلس النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فإذا سئل الرسول عن شيء خاضوا فيه، وتقدموا بالفتوى ~~والقول، فنهوا عن ذلك وزجروا عن أن يقول أحد في شيء من دين ~~الله قبل أن يقول رسول الله. # وقيل: معنى الآية: لا تمشوا بين يدي رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وكذلك بين يدي العلماء؛ فإنهم ورثة الأنبياء، ودليل هذا ~~ما روي عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: # " رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم أمشي أمام أبي بكر ~~رضي الله عنه فقال: " أتمشي أمام من هو خير منك في ~~الدنيا والآخرة، ما طلعت الشمس ولا غربت على ~~أحد بعد النبيين والمرسلين خير من أبي بكر رضي ~~الله عنه " ". ### || [49.2] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا ~~أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له ~~بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم ~~وأنتم لا تشعرون }؛ روي: # " أن رهطا ms1963 من بني تميم قدموا على النبي صلى الله ~~عليه وسلم، منهم الأقرع بن حابس وعطارد ابن الحاجب ~~والحارث بن عمرو وغيرهم، فقاموا على باب ~~المسجد، فنادى الأقرع ابن حابس: يا محمد أتأذن ~~لي في الكلام؟ فوالله إن حمدي لزين وذمي لشين، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: " كذبت! ذلكم الله تعالى ". # ثم أذن لهم فدخلوا، فقال: " يا محمد أتأذن ~~لخطيبنا؟ " فقال صلى الله عليه وسلم: " أدعوا إلي ثابت ~~بن قيس بن شماس " فدعي له، فقال صلى الله عليه وسلم: ~~" ليتكلم صاحبكم " فتكلم، فقال عليه ~~السلام: " أجب يا ثابت " فأجابه. # فقال الأقرع: " إئذن لشاعرنا يا محمد " فقال ~~عليه السلام: " أدعوا إلي القارعة " يعني حسان، ~~فلما جاء حسان قال صلى الله عليه وسلم: " ليتكلم ~~شاعركم " فلما تكلم، قال صلى الله عليه وسلم: " أجبه ~~يا حسان " فأجابه، فقال عطارد للأقرع: والله إن ~~محمدا المؤتى له - أي أعطي كل شيء - فإن ~~خطيبه أخطب من خطيبنا، وشاعره أشعر من شاعرنا. # وعلت الأصوات وكثر اللغط، وكان أشدهم صوتا ~~وأعلاهم ثابت بن قيس، وكان به صمم لا يكاد ~~يسمع إلا أن يصاح به فيجيب بمثله. فأنزل الله هذه ~~الآية، ونهوا أن يرفعوا أصواتهم على صوت النبي صلى الله عليه ~~وسلم تعظيما له؛ لأن رفع الصوت على الإنسان يوهم الاستخفاف به ~~في ظاهر الحال ". # وعن جابر بن عبدالله قال: # " لما جاء بنو تميم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فنادوا على الباب: أخرج يا محمد؛ فإن مدحنا ~~زين وذمنا شين، قال: فخرج إليهم وقال: " إنما ~~ذلكم الله الذي مدحه زين وذمه شين " قالوا: ~~نحن أناس من بني تميم، جئنا بشاعرنا وخطيبنا ~~لشاعركم ونفاخرك، فقال صلى الله عليه وسلم: " ما ~~بالشعر بعثت ولا بالفخار أمرت، ولكن هاتوا ". ~~فقال: لشاب من شبابهم: قم يا فلان فاذكر فضلك ~~وفضل قومك، فقام فقال: # الحمد لله الذي جعلنا خير خلقه، وآتانا أموالا ~~نفعل فيها ما نشاء، فنحن من خير أهل الأرض ~~وأكثرهم عدة وسلاحا ومالا، فمن أنكر علينا ~~قولنا فليأت بقول هو أحسن ms1964 من قولنا، وفعال ~~هي خير من فعالنا. # فقال صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس، وكان خطيب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: " قم " فقام فقال: الحمد لله ~~أحمده وأستعينه وأؤمن به وأتوكل عليه، ~~وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، دعا المهاجرين ~~من بني عمه أحسن الناس وجوها فأعظمهم أخلاقا ~~فأجابوه، والحمد لله الذي جعلنا أنصاره، ورد ~~الله لرسوله وعز المدينة. فنحن نقاتل الناس ~~حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا ~~رسول الله، فمن قالها منع منا ماله ونفسه، ~~ومن أباها قتلناه، وكان قتله في الله علينا ~~هينا، أقول قولي وأستغفر الله العظيم ~~للمؤمنين والمؤمنات. # فقالوا لشاب منهم: قم يا فلان فقل أبياتا ~~تذكر فيها فضلك وفضل قومك، فقام الشاب ~~وقال: " # نحن الكرام فلا حي يعادلنا # منا الرؤوس وفينا تقسم الربع # ونطعم الناس عند القحط كلهم # لحم الشواء اذا لم يؤنس القزع # إنا أبينا ولا يأبى لنا أحد # إنا كذلك عند الفخر نرتفع # " فقال صلى الله عليه وسلم: " أجبه يا حسان " فقال: " # إن الذوائب من فهر وإخوتهم # قد بينوا سنة للناس تتبع # يرضى بهم كل من كانت سريرته # تقوى الإله وكل الخير يصطنع # ثم قال حسان أيضا: # نصرنا رسول الله والدين عنوة # على رغم عات من معد وحاضر # بضرب كإيزاع المخاض مشاشه # وطعن كأفواه اللقاح الصوادر # وسل أحدا لما استقلت شعابه # بضرب لنا مثل الليوث الخوادر # ألسنا نخوض الخوض في حومة الوغى # إذا طاب ورد الموت بين العساكر # ونضرب هام الدارعين وننتمي # إلى حسب من جذم غسان قاهر # فلولا حياء الله قلنا تكرما # على الناس بالخيفين هل من منافر # فأحياؤنا من خير من وطئ الحصى # وأمواتنا من خير أهل المقابر # فقال الأقرع بن حابس: والله لقد جئت لأمر ما ~~حال حولا، وإني قد قلت شعرا فاسمعه، فقال هات، ~~فقال # أتيناك كيما يعرف الناس فضلنا # إذا خالفونا عند ذكر المكارم # وإنا رؤوس الناس في كل معشر # وأن ليس في أرض ms1965 الحجاز كدارم # وإن لنا المرباع في كل غارة # تكون بنجد أو بأرض التهائم # " فقال صلى الله عليه وسلم: " أجبه يا حسان " فقال: " # بنو دارم لا تفخروا إن فخركم # يعود وبالا عند ذكر المكارم # هبلتم علينا تفخرون وأنتم # لنا خول ما بين ظئر وخادم # " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لقد كنت غنيا ~~يا أخا بني دارم أن يذكر منك ما قد ظننت أن ~~الناس قد نسوه " قال: فكان قول رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أشد عليه من حسان، ثم رجع حسان إلى ~~شعره، فقال: " # وأفضل ما نلتم من المجد والعلا # ردافتنا عند احتضار المواسم # فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم # وأموالكم أن تقسموا في المقاسم # فلا تجعلوا لله ندا وأسلموا # ولا تفخروا عند النبي بدارم # وإلا ورب البيت مالت أكفنا # على هامكم بالمرهفات الصوارم # " فقام الأقرع وقال: إن محمدا المؤتى له، ~~والله ما أدري ما هذا الأمر؛ تكلم خطيبنا فكان ~~خطيبهم أحسن قولا، وتكلم شاعرنا فكان ~~شاعرهم أحسن شعرا. # ثم دنا من النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أشهد أن ~~لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال صلى الله عليه ~~وسلم: " ما يضرك ما كان قبل هذا ". ثم أعطاهم ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وكساهم. # وكان قد تخلف في ركابهم عمرو بن الأهثم، وكان ~~قيس بن عاصم يبغضه لحداثة سنه، فأعطاه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعطى القوم، ~~فازدرى به قيس بن عاصم، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فأنزل الله تعالى هذه الآية { يأيها الذين ~~آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا ~~تجهروا له } ". # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " لما نزل قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا ~~لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا ~~تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط ~~أعمالكم وأنتم لا تشعرون } قال أبو بكر رضي الله ~~عنه: والله لا أرفع أبدا على صوت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. # وعن ابن الزبير رضي الله عنه أنه ms1966 قال: (ما حدث عمر رضي الله ~~عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك فسمع كلامه ~~حتى يستفهمه من شدة خفض صوته). # وكان ثابت بن قيس في أذنيه صمم وكان جهوري الصوت، وكان ~~إذا كلم إنسانا جهر بصوته، فربما كان يكلم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فيتأذى بصوته، فلما نزل قوله تعالى: { ~~يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق ~~صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر ~~بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم } أي لئلا تحبط ~~أعمالكم، يعني تبطل حسناتكم، جعل ثابت يبكي على قارعة الطريق، ~~فمر به عاصم بن عدي فقال: ما يبكيك يا ثابت؟! فقال: ~~أخاف أن تكون هذه الآية نزلت في، فأخاف أن ~~تحبط عملي وأن أكون من أهل النار. # فمضى عاصم إلى رسول الله فأخبره، فقال: " اذهب ~~وادعه لي " فدعاه لرسول الله، فقال: " ما يبكيك ~~يا ثابت؟ " قال: أنا صيت يا رسول الله؛ وأخاف أن ~~تكون هذه الآية نزلت في، فقال صلى الله عليه سلم: " ~~أما ترضى أن تعيش حميدا وتموت شهيدا ويدخلك ~~الله الجنة؟ " فقال: رضيت يا رسول الله؛ لا أرفع ~~صوتي بعدها عليك يا رسول الله " # فأنزل الله فيه وفي أبي بكر رضي الله عنه وعمر وأمثالهم: # قوله تعالى: { إن الذين يغضون أصواتهم عند ~~رسول الله... }. ### || [49.3] # قوله تعالى: { إن الذين يغضون أصواتهم عند ~~رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم ~~للتقوى }؛ أي أخلصها واصطفاها واختبرها، كما يمتحن الذهب ~~بالنار فيخرج خالصا، وقال ابن عباس: (معناه: أولئك ~~الذين أكرم الله قلوبهم). وقيل: أذهب الشهوات عنها. # قال الزجاج: أمر الله بتبجيل نبيه صلى الله عليه وسلم ~~وأن يغضوا أبصارهم عندما يخاطبون بالسكينة ~~والوقار؛ لئلا تحبط أعمالهم وهم لا يشعرون ~~فلذلك قال: فلما كان يوم اليمامة في حرب مسيلمة، ~~قاتل ثابت بن قيس وسالم مولى أبي حذيفة قتالا ~~شديدا حتى قتلا، واستشهد ثابت وعليه درع. # قوله تعالى: { يغضون أصواتهم } الغض النقص من ~~كل شيء، قال الله تعالى: # واغضض من صوتك # [لقمان: 19]، وقوله تعالى: { امتحن الله قلوبهم ms1967 ~~للتقوى } أي أخلصها للتقوى. قوله تعالى: { لهم ~~مغفرة وأجر عظيم }؛ أي في الجنة. ### || [49.4-5] # قوله تعالى: { إن الذين ينادونك من ورآء ~~الحجرات أكثرهم لا يعقلون }؛ وذلك: أن قوما من ~~بني العنبر وهم حي من تميم، بعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم إليهم سرية، وأمر عليهم عيينة بن ~~الحصين الفزاري، فهربوا فسبى ذراريهم ونساءهم ~~وجاء بهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء رجالهم ~~ليفادوا ذراريهم، فدخلوا المدينة عند القيلولة ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم نائم. # فلما أبصرهم العيال بكوا عليهم، فنهضوا ~~وعجلوا قبل أن يخرج إليهم النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وجعلوا ينادون: يا محمد اخرج إلينا، وكان ~~صلى الله عليه وسلم حينئذ نائما، فتأذى بأصواتهم، ولم ~~يعلموا في أي حجرة هو، فجعلوا يطرقون على ~~جميع حجراته، وكان لكل امرأة من نساء رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حجرة وبيت، فطافوا على جميع ~~الحجرات وهم ينادون: اخرج علينا. # وقوله تعالى: { أكثرهم لا يعقلون } وصفهم الله بالجهل ~~وقلة العقل وقلة الصبر. قوله تعالى: { ولو أنهم ~~صبروا حتى تخرج إليهم لكان خيرا لهم }؛ يعني ~~ولو أنهم صبروا حتى تخرج إليهم للصلاة لخلى سبيلهم بغير ~~فداء، فلما نادوه وأيقظوه أعتق نصف ذراريهم وفادى نصفهم بقوله ~~تعالى: { ولو أنهم صبروا } كنت تعتق كلهم، { ~~والله غفور رحيم }؛ لمن تاب منهم. ### || [49.6] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إن جآءكم ~~فاسق بنبإ }؛ وذلك: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن ~~عقبة مصدقا إلى بني المصطلق، وكان بينه ~~وبينهم أحنة، فلما اتصل خبره بهم وسمعوا به ~~اجتمعوا ليتلقوه، ففر منهم وكر راجعا إلى ~~المدينة، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنهم ~~قد منعوا الزكاة وارتدوا عن الإسلام وقصدوا ~~قتلي. # فبعث إليهم النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن ~~الوليد في جيش، وقال له: " انزل بساحتهم ليلا، ~~فإن رأيت ما يدل على الإسلام من الأذان للصلاة ~~والتهجد أمسك عن محاربتهم، وطالبهم ~~بصدقاتهم ". # فلما سار إليهم خالد ليلا سمع فيهم الأذان ~~والتهجد، فكف عنهم إلى ms1968 أن دخل عليهم لا على ~~وجه قتال، وقالوا: قد استبطأنا رسالة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في الصدقات، فسلموها إليه، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية ". # وسمى الوليد بن عقبة فاسقا، لكذبه الذي وقع به. الأغر أو ~~الفاسق: الخارج عن طاعة بارتكاب كثير من الذنوب. وقيل: الفاسق ~~الذي لا يستحي من الله. وقيل: هو الكذاب المعلن بالذنب. ~~والنبأ: الخبر عما يعظم شأنه فيما يعمل عليه. # قوله تعالى: { فتبينوا }؛ قد ذكرنا قراءتين فيه في ~~سورة النساء، قوله تعالى: { أن تصيبوا قوما بجهالة ~~}؛ أي لئلا تصيبوا قوما وهم مسلمون، { فتصبحوا على ما ~~فعلتم نادمين }. ### || [49.7-8] # قوله تعالى: { واعلموا أن فيكم رسول الله لو ~~يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم } معناه: إعلموا ~~أن رسول الله لو يجيبكم في كثير مما سألتموه لوقعتم في ~~العنت وهو الإثم والمشقة. وقيل: اتقوا أن تكذبوا رسول ~~الله وتقولوا باطلا، فإن الله يخبره فتفتضحوا، ثم قال: لو ~~يطيعكم الرسول في كثير مما تخبرونه فيه بالباطل لعنتم؛ أي ~~لوقعتم في العنت وهو الإثم والهلاك. # ثم خاطب المؤمنين الذين لا يكذبون فقال: { ولكن الله ~~حبب إليكم الإيمان }؛ أي جعله أحب الأديان إليكم، { ~~وزينه في قلوبكم }؛ حتى اخترتموه، { وكره إليكم ~~الكفر والفسوق والعصيان }؛ أي بغض إليكم هذه ~~الأشياء: الكفر ظاهر المعنى، والفسوق والكذب والخروج عن أمر ~~الله، والعصيان: جمع معاصي الله. # ثم عاد إلى الخبر عنهم فقال: { أولئك هم الراشدون }؛ أي ~~المهتدون إلى محاسن الأمور. ثم بين أن جميع ذلك تفضل من ~~الله تعالى فقال: { فضلا من الله ونعمة }؛ أي تفضلا ~~من الله ورحمة، { والله عليم }؛ بما في قلوبهم، { حكيم }؛ ~~فيهم بعلمه. ### || [49.9] # قوله تعالى: { وإن طآئفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا فأصلحوا بينهما }؛ # " نزل ذلك في الأوس والخزرج بسبب الكلام الذي جرى بين عبدالله ~~بن أبي رأس المنافقين وعبدالله ابن رواحة لما استبا جاء ~~قوم هذا فاقتتلوا بالنعال والترامي بالحجارة، ~~ولم يكن بين الطائفتين سيف. # وسبب اختصامهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف ~~ذات يوم على مجلس من مجالس الأنصار ms1969 وهو على ~~حماره، فبال حماره وهي أرض سبخة، فأمسك ~~عبدالله بن أبي آنفه وقال: إليك عني فوالله ~~لقد آذاني نتن حمارك. فقال عبدالله بن رواحة: ~~والله لنتن حمار رسول الله أطيب ريحا منك. # فغضب لعبدالله بن أبي رجل من قومه، وغضب ~~لابن رواحة رجل من قومه، فاستبوا وتحامل ~~أصحاب كل واحد مع أصحاب الآخر، فتجادلوا بالأيدي ~~والجريد والنعال، فأنزل الله هذه الآية، فقرأها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فاصطلحوا وكف بعضهم ~~عن بعض. # وأقبل بشير بن النعمان الأنصاري مشتملا على ~~سيفه فوجدهم قد اصطلحوا، فقال عبدالله بن ~~أبي: أعلي تشتمل بالسيف يا بشير؟ قال: نعم ~~والذي أحلف به لو جئت قبل أن تصطلحوا ~~لضربتك حتى أقتلك ". # قوله تعالى: { فأصلحوا بينهما } أي بالدعاء إلى ~~حكم الله والرضا بما في كتاب الله لهما وعليهما. # قوله تعالى: { فإن بغت إحداهما على الأخرى }؛ ~~أي طلبت ما ليس لها ولم ترجع إلى الصلح، { فقاتلوا التي ~~تبغي حتى تفيء إلى أمر الله }؛ حتى ترجع عن البغي ~~إلى كتاب الله، والصلح الذي أمر الله تعالى به. # والبغي هو الاستطالة، والعدول عن الحق وعما عليه جماعة ~~المسلمين. والطائفة الباغية هي التي تطلب ما ليس لها أن ~~تطلبه، قوله { فإن بغت إحداهما على الأخرى ~~فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله } ~~أي حتى ترجع إلى طاعة الله. # قوله تعالى: { فإن فآءت فأصلحوا بينهما ~~بالعدل وأقسطوا }؛ أي واعدلوا في الإصلاح بينهما، وفي ~~كل حكم، { إن الله يحب المقسطين }؛ أي يحب الذين ~~يعدلون في حكمهم وأهليهم وما تولوه، الإقساط في اللغة هو ~~العدل، يقال: أقسط الرجل إذا عدل، وقسط إذا جار، ومنه ~~قوله # وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا # [الجن: 15]. # وعن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " يا ابن أم عبد؛ هل تدري كيف حكم الله فيمن ~~يفيء من هذه الأمة "؟ قال: الله ورسوله أعلم، ~~قال: " لا يجهز على جريحها ولا يقتل أسيرها ولا ~~يطلب هاربها ولا يقسم فيها ". ### || [49.10] # قوله تعالى: { إنما المؤمنون ms1970 إخوة }؛ يعني في ~~الدنيا والولاية، { فأصلحوا بين أخويكم }؛ يعني بين ~~كل مسلمين تخاصما وتقاتلا واختلفا، قرأ ابن سيرين (بين ~~أخويكم) بالجمع، وقرأ حسن (بين إخوانكم) بالألف والنون. # وقوله تعالى: { واتقوا الله }؛ أي أطيعوا الله ولا تخالفوا ~~أمره، { لعلكم ترحمون }. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ~~(المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه؛ ولا يعيبه ولا ~~يخذله، ولا يتطاول عليه بالبنيان فيستر عنه ~~الريح إلا بإذنه، ولا يؤذيه بقتار قدره إلا أن ~~يغرف له منه، ولا يشتري لبيته الفاكهة ~~فيخرجون بها إلى أولاد جاره إلا أن يطعموهم ~~منها). ### || [49.11] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا يسخر ~~قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم }؛ أي لا ~~يستهزئ الرجل من أخيه فيقول: إنك رديء المعيشة لئيم ~~الحسب وأشباه ذلك مما ينتقصه به وهو خير منه عند الله. ~~وقيل: معناه: لا يعير قوم قوما لعل المسخور منه أفضل ~~عند الله تعالى من الساخرين، { ولا نسآء من نسآء عسى ~~أن يكن خيرا منهن }؛ ولا يعير نساؤنا نساءنا لعل ~~المسخورة منهن أفضل من الساخرات. وقيل: معناه: لا يسخر ~~غني من فقير لفقره. # قوله تعالى: { ولا تلمزوا أنفسكم }؛ أي لا ~~تعيبوا إخوانكم الذين هم كأنفسكم، { ولا تنابزوا ~~بالألقاب }؛ أي لا يدع بعضكم بعضا باللقب الذي يكرهه ~~صاحبه؛ لأن عليه أن يخاطب أخاه بأحب الأسماء إليه. # وقال قتادة: (معناه: لا تقل لأخيك المسلم: يا فاسق ~~ويا منافق، ولا يقول لليهودي بعد أن آمن: يا ~~يهودي) وذلك معنى: { بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ~~}؛ قال عطاء: (هو كل شيء أغضبت به أخاك كقولك: يا ~~كلب؛ يا خنزير؛ يا حمار). # قوله تعالى: { ومن لم يتب }؛ أي من لم يتب ممن ~~التنابز { فأولئك هم الظالمون }؛ وقال: (نزل ~~قوله تعالى: { ولا نسآء من نسآء } في نساء رسول ~~الله عيرن أم سلمة بالقصر). ويقال: نزلت في عائشة ~~رضي الله عنها أشارت بيدها في أم سلمة أنها ~~قصيرة. # وروى عكرمة عن ابن عباس: # " أن صفية بنت حيي بن أخطب أتت رسول الله صلى ~~الله عليه ms1971 وسلم فقالت: إن النساء يعيرنني يا ~~يهودية بنت يهوديين، فقال صلى الله عليه وسلم: " هلا ~~قلت: أبي هارون وعمي موسى وأن زوجي محمد " " # فأنزل الله تعالى هذه الآية { ولا تلمزوا أنفسكم } أي ~~لا يغتب بعضكم بعضا ولا يطعن بعضكم على بعض. # وقيل: اللمز العيب في المشهر، والهمز في المغيب، ~~وقال محمد بن زيد: (اللمز يكون باللسان والعين ~~والإشارة، والهمز لا يكون إلا باللسان)، قال ~~الشاعر: # إن لقيتك تبدي لي مكاشرة # وإن أغب فلأنت الهامز اللمزه ### || [49.12] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا اجتنبوا ~~كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم } # " وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غزا أو ~~سافر، ضم الرجل المحتاج إلى رجلين موسرين ~~يخدمهما ويهيء لهما طعامهما وشرابهما، ~~ويصيب من طعامهما، فضم سلمان إلى رجلين من ~~أصحابه في بعض أسفاره، فتقوم سلمان معهما. # فاتفق ذات يوم أنه لم يعد لهما شيئا ~~فغلبته عيناه فنام، فلما قدما قالا له: ما ~~صنعت شيئا؟ قال: لا، قالا: ولم؟ قال: غلبتني ~~عيناي، فقالا: انطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~واطلب لنا منه طعاما وإداما - وقيل: إنهما قالا ~~له: انطلق إلى النبي صلى الله عليه وسلم واسأله لنا ~~فضل إدام إن كان عنده - فذهب فسأل فقال صلى الله ~~عليه وسلم: " إنطلق إلى الخازن فليطعمك إن كان ~~عنده " وكان الخازن يومئذ أسامة بن زيد، ~~فانطلق إليه فلم يجد عنده شيئا. # فرجع إليهما فأخبرهما بذلك، فقالا: إنه بخيل ~~يأمره رسول الله ويبخل هو علينا، فقالا في ~~سلمان: لو بعثناه إلى بئر سميحة لقال: ليس ~~فيها ماء! ثم جعلا يتجسسان هل كان عند أسامة ~~ما أمر لهما به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإدام. ~~فلما جاءا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهما: " ~~ما لي أرى حمرة اللحم على أفواهكما؟ " قالا يا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تناولنا يومنا هذا ~~لحما؟ فقال: " ظلتما تأكلان لحم سلمان وأسامة ~~" فأنزل الله هذه الآية: { يأيها الذين آمنوا ~~اجتنبوا ms1972 كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم ~~ولا تجسسوا }؛ والظن الذي هو الإثم: أن يعرض بقلب الإنسان ~~في أخيه ما يوجب الريبة فيحققه من غير سبب يوجبه، كما روي في ~~الخبر: " إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث " ". # وقوله تعالى: { ولا تجسسوا } التجسس: البحث عن عيب ~~أخيه الذي ستره الله عليه. ومعنى الآية: خذوا ما ظهر ودعوا ما ~~ستر الله ولا تتبعوا عورات الناس، قال صلى الله عليه وسلم: # " لا تجسسوا؛ ولا تحاسدوا؛ ولا تباغضوا؛ ولا ~~تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا ". # وروي: أن رجلا جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~قال له: (إن فلانا يواظب على شرب الخمر، فقال ~~له: إذا علمته يشربها فأعلمني. فأعلمه فذهب ~~معه حتى انتهى إلى داره، فدخل عليه وقال: أنت ~~الذي تشرب الخمر؟ فقال: وأنت تتجسس عيوب ~~المسلمين؟ فقال عمر: تبت أن لا أعود، فقال ~~الرجل: وأنا تبت لا أعود). # وروى زيد بن أسلم: (أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج ~~ذات ليلة ومعه عبدالرحمن بن عوف إذ شبت ~~لهما نار، فأتيا الباب فاستأذنا ففتح لهما ~~فدخلا، فإذا رجل وامرأة تغني وعلى يد الرجل ~~قدح، فقال عمر للرجل: وأنت بهذا يا فلان؟ فقال: ~~وأنت بهذا يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: من هذه ~~معك؟ قال: امرأتي، قال: وفي القدح؟ قال: ماء ~~زلال، فقال للمرأة: وما الذي تغنين؟ فقالت: ~~أقول: # تطاول هذا الليل واسود جانبه # وأرقني أن لا حبيب ألاعبه # فوالله لولا خشية الله والتقى # لزعزع من هذا السرير جوانبه # ولكن العقل والحياء يكفني # وأكرم بعلي أن تنال مواكبه # ثم قال: يا أمير المؤمنين قال الله تعالى: { ولا ~~تجسسوا } قال: صدقت، وانصرف). # قوله تعالى: { ولا يغتب بعضكم بعضا }؛ أي لا ~~يتناول بعضكم بعضا بظهر الغيب بما يسوء مما هو فيه، فإن يتناوله ~~بما ليس فيه فهو بهتان، # " وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الغيبة فقال: " أن ~~تذكر من الرجل ما يكرهه إذا سمعه " فقيل: يا ~~رسول الله، وإن كان حقا؟ فقال: " وإن كان ms1973 حقا، ~~وأما إذا كان باطلا فهو البهتان " ". # وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " إياكم والغيبة، فإن الغيبة أشد من الزنى " ~~قيل: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: " إن الرجل ~~يزني ويتوب، فيتوب الله عليه، وإن صاحب الغيبة ~~لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إذا اغتاب أحدكم أخاه فليستغفر له، فإن ذلك ~~كفارة له ". # وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: # " جاء ماعز إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني ~~زنيت، فأعرض عنه حتى أقر أربع مرات، فأمر ~~برجمه، فمر النبي صلى الله عليه وسلم على رجلين ~~يذكران ماعزا، فقال أحدهما: هذا الذي ستر الله ~~عليه فلم تدعه نفسه حتى رجم كرجم الكلب، ~~فسكت عنهما حتى مرا على جيفة حمار، فقال صلى ~~الله عليه وسلم: " إنزلا فأصيبا أكلة منه " فقالا: يا ~~رسول الله أنأكل من هذه الجيفة؟! فقال: " فما ~~أصبتما من لحم أخيكما أعظم عليكما، أما إنه ~~الآن في أنهار الجنة ينغمس فيها " ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس ~~يخمشون وجوههم ولحومهم، فقلت: من هؤلاء يا ~~جبريل؟ قال: هؤلاء يأكلون لحوم الناس ويقعون ~~في أعراضهم " # وقال رجل لابن سيرين: إني قد اغتبتك فاجعلني في حل، ~~قال: (إني أكره أن أحل ما حرم الله تعالى). # والغيبة في اللغة: هي ذكر العيب بظهر الغيب، وذكر عيب الفاسق ~~المصر على فسقه بمعنى يرجع إلى قبائح أفعاله على وجه التحقير له ~~فليس بغيبة كما ورد في الحديث: # " اذكروا الفاجر عما فيه كي يحذره الناس ". # وكان الحسن يقول في الحجاج: (جاءنا أخيفش وأعيمش، ~~يخرج إلينا ثيابا قصيرة، والله ما عرف فيها ~~عينان في سبيل الله، يرجل جمته ويخطر في ~~مشيته، ويصعد المنبر فيهدر حتى تفوته ~~الصلاة، لا من الله يتقي ولا من الناس يستحي، ~~فوقه الله وتحته مائة ألف أو يزيدون، لا يقول ~~له قائل: الصلاة أيها الرجل) ثم جعل الحسن يقول: ~~(هيهات والله!! حال دون ذلك ms1974 السيف والسوط). # قوله تعالى: { أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ~~ميتا }؛ أي كما كرهتم أكل لحم الميت طبعا فاكرهوا غيبة ~~الحي عقلا، فإن العقل أحق أن يتبع من الطبع. ووجه ~~تشبيه الغيبة لحمه ميتا أن الاغتياب ذكر له بالسوء من غير ~~أن يحس هو بذلك، فهو بمنزلة الأكل من لحمه وهو ميت لا يحس ~~بذلك. # وعن ابن عباس أنه دخل الكعبة فقال: (ما أطيب ~~ريحك وأعظم حرمتك، ولحرمة المؤمن أعظم عند ~~الله من حرمتك، إنما جعلك الله حراما، وحرم من ~~المؤمن دمه وماله وعرضه، وأن يظن به السوء). # وعن الحسن أنه قيل له: إن أقواما يجلسون مجلسك ~~ويحفظون عليك سقط كلامك ثم يغيبونك، فقال: ~~طمعت نفسي في جوار الرحمن وطول الجنان ~~والنجاة من النيران ومرافقة الأنبياء عليهم ~~السلام، ولم أطمع نفسي في السلامة من الناس، ~~إنه لو سلم من الناس أحد لسلم منهم خالقهم، ~~فإذا لم يسلم منهم خالقهم فالمخلوق أجدر أن ~~لا يسلم. # قوله تعالى: { فكرهتموه }؛ أي كما كرهتم هذا ~~فاجتنبوا ذكره بالسوء غائبا. قوله تعالى: { واتقوا ~~الله }؛ أي اتقوه في الغيبة، { إن الله تواب }؛ على ~~من تاب، { رحيم }. ### || [49.13] # قوله تعالى: { يأيها الناس إنا خلقناكم من ~~ذكر وأنثى }؛ نزلت في نفر من قريش قالوا حين سمعوا أذان ~~بلال: أما وجد محمد مؤذنا غير هذا الغراب؟ والمعنى: يا ~~أيها الناس إنا خلقناكم من آدم وحواء، فكلكم متساوون في ~~النسب، لأن كلكم يرجع إلى أب واحد وأم واحدة. ومعنى الآية: ~~الزجر عن التفاخر بالأنساب، قال صلى الله عليه وسلم: # " إنما أنتم من رجل واحد وامرأة واحدة، ليس ~~لأحد على أحد فضل إلا بالتقوى ". # ثم ذكر أنه إنما فرق أنساب الناس ليتعارفوا لا ليتفاخروا ~~فقال تعالى: { وجعلناكم شعوبا وقبآئل لتعارفوا }؛ ~~الشعوب جمع شعب بفتح الشين؛ وهو الحي العظيم مثل ربيعة ~~ومضر، والقبائل دونها وهو كبكر من ربيعة، وتميم من مضر، هذا ~~قول جماعة من المفسرين. # وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: " يريد بالشعوب الموالي، ~~وبالقبائل العرب) وإلى هذا ذهب قوم ms1975 فقالوا: الشعوب من ~~العجم من لا يعرف لهم أصل نسب كالهند والترك، والقبائل من ~~العرب. وقيل: معناه: وجعلكم متشعبين مفرقين نحو العرب وفارس ~~والروم والهند وقبائل العرب وبيوتات العجم. والشعب بكسر الشين: ~~الطريق في الجبل، وجمعه شعاب. # والحاصل أن الشعوب رؤوس القبائل مثل ربيعة ومضر والأوس ~~والخزرج، والقبائل دون الشعوب وهم كبكر من ربيعة وتميم من مضر، ~~ودون القبائل العمائر؛ واحدتها عمارة بفتح العين، وهم ~~كشيبان من بكر ودارم من تميم، ودون العمائر البطون؛ واحدها بطن ~~وهو كبني غالب ولؤي من قريش، ودون البطون الأفخاذ؛ واحدها ~~فخذ وهم بني هاشم وبني أمية من لؤي، ثم الفصائل واحدها ~~فصيلة وعشيرة. # قوله تعالى: { لتعارفوا } أي ليعرف بعضكم بعضا في ~~النسب لا لتفاخروا فيما بينكم، كما أن الله تعالى خالف بين ~~خلقكم وصوركم لتعرفوا بعضكم بعضا، وقرأ الأعمش (لتعارفوا) ~~وقرأ ابن عباس (لتعرفوا) بغير ألف. # وقوله تعالى: { إن أكرمكم عند الله أتقاكم }؛ ~~(أن أكرمكم) بفتح الألف، { إن الله عليم خبير }؛ ~~معناه: إن أكرمكم في الآخرة اتقاكم لله في الدنيا، وقال صلى ~~الله عليه وسلم: # " إن الله قد أذهب نخوة الجاهلية وتعظيمها ~~بالآباء، الناس من آدم؛ وآدم من التراب؛ أكرمكم ~~عند الله أتقاكم، لا فضل لعربي على عجمي إلا ~~بالتقوى ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله " ~~وقال: " كرم الرجل دينه وتقواه، وفضله عقله، ~~وحسبه خلقه ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أقوالكم، ~~ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، وإنما أنتم ~~بني آدم، أكرمكم عند الله أتقاكم ". # وقال ابن عباس: (كرم الدنيا الغنى، وكرم الآخرة ~~التقوى)، وقال الشاعر: # ما يصنع العبد بعز الغنى # والعز كل العز للمتقي # من عرف الله فلم تغنه # معرفة الله فذاك الشقي ### || [49.14] # قوله تعالى: { قالت الأعراب آمنا قل لم ~~تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا }؛ نزلت في نفر من بني ~~أسد بن خزيمة قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~المدينة في سنة جدبة، وأظهروا شهادة أن لا ms1976 إله ~~إلا الله، ولم يكونوا مؤمنين في السر، وأفسدوا ~~طرق المدينة بالعذرات وأغلوا أسعارها، وكانوا ~~يزعمون أنهم مخلصون في إيمانهم، ولم يكونوا ~~كذلك، وكانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: يأتيك ~~العرب بأنفسها على ظهور رواحلها وأتيناك ~~بالأثقال والعيال والذراري، يمنون على رسول الله، ~~ولم نقاتلك كما تقاتلك بنو فلان وبنو فلان، ~~ويريدون بذلك الصدقة ويقولون: أعطنا. فأنزل الله ~~هذه الآية. # والمعنى: أنهم قالوا صدقنا باللسان والقلوب، قل لهم يا ~~محمد: لم تؤمنوا؛ أي لم تصدقوا بقلوبكم كما صدقتم ~~بألسنتكم { ولكن قولوا } استسلمنا وأنقدنا مخافة ~~السبي والقتل: { ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن ~~تطيعوا الله ورسوله }؛ في السر كما أطعتم في العلانية، ~~فتتوبوا من الكفر والنفاق، { لا يلتكم من أعمالكم ~~شيئا }؛ أي لا ينقصكم من ثواب أعمالكم شيئا، { إن الله ~~غفور }؛ لمن تاب، { رحيم }؛ بمن مات على التوبة. # ومن قرأ (لا يألتكم) بالهمزة فهو من ألت يألت ألتا إذا ~~نقص، ويقال: لات يليت ليتا بهذا المعنى، وكلا القراءتين ~~بمعنى واحد. ### || [49.15-17] # قوله تعالى: { إنما المؤمنون الذين آمنوا ~~بالله ورسوله }؛ أي هم الذين أقروا وصدقوا بوحدانية ~~الله ونبوة رسوله، { ثم لم يرتابوا }؛ أي لم يشكوا ~~في دينهم بعد الإيمان، { وجاهدوا }؛ العدو، { بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله }؛ طاعة، { أولئك هم ~~الصادقون }؛ في الإيمان. # فلما نزلت هذه الآية جاء القوم يحلفون لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم إنهم يؤمنون في السر والعلانية، وقد علم الله منهم ~~غير ذلك، فأنزل الله: # قوله تعالى: { قل أتعلمون الله بدينكم والله ~~يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل ~~شيء عليم }؛ معناه: كيف يعلمون الله بالدين الذي أنتم ~~عليه، وهو عالم بكل شيء من كل وجه، وكيف يجوز أن يعلم من ~~كان بهذه الصفة. # وقوله: { يمنون عليك أن أسلموا } وذلك أن هؤلاء ~~المنافقين كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: قاتلتك العرب ~~بأسيافهم ونحن جئناك بالأهل والذراري والأثقال، ولم نقاتلك كما ~~قاتلك بنو فلان، فقال الله تعالى: { يمنون عليك }؛ يا ~~محمد؛ { أن أسلموا قل لا تمنوا ms1977 علي ~~إسلامكم }؛ فإن إجابتكم إلى الإسلام لم تكن إلا لاجابتكم ~~على أنفسكم لا إنكم أنعمتم على من دعاكم إلى ذلك. # ومن المعلوم أن حق الداعي إلى الهداية أعظم من حق المطيع ~~بالإجابة، فليس للمطالب أن يطالب بالحق الذي له وينسى الحق ~~الأعظم الذي عليه، ولذلك قال الله: { بل الله يمن ~~عليكم أن هداكم للإيمان }؛ وأخرجكم من الضلال، { إن ~~كنتم صادقين }؛ في مقالتكم. ### || [49.18] # قوله تعالى: { إن الله يعلم غيب السموت ~~والأرض والله بصير بما تعملون }؛ فيه بيان أنه لا ~~ينفع المنافق عند الله كتمان الكفر؛ لأنه تعالى عالم به. # فإن قيل: كيف تجوز المنة من الله تعالى والمنة مما ~~يكدر الصنيعة؟ قيل: إن المنة عمن يستغنى عنه تكدر ~~الصنيعة، وأما الله تعالى ليس من أحد إلا وهو محتاج إليه، فليس ~~في منته تكدير للنعمة لاستحالة أن يستغنى بغيره عنه. وقد ~~يقال: إذا كفرت النعمة حسنت المنة، وبالله التوفيق. ### | [50 - سورة ق] ### || [50.1] # { ق }؛ قال ابن عباس: (هو اسم من أسماء الله أقسم ~~به)، وقال القرطبي: (هو افتتاح اسمه: قدير؛ وقادر؛ ~~وقاهر؛ وقابض)، وقال عكرمة والضحاك وجماعة المفسرين: (هو ~~اسم جبل محيط بالدنيا من زبرجد أخضر اخضرت ~~السماء منه، وهو وراء الحجاب الذي فيه تغيب ~~الشمس من ورائه بمسيرة سنة، وليس في الأرض ~~بلد إلا وتحتها عرق من عروق ذلك الجبل، فإذا ~~أراد الله أن يزلزل تلك الأرض حرك عرقه ذلك ~~فزلزل، وإذا أراد الله بأهل مدينة هلاكا أمره ~~فحرك عرقه فخسف بهم). # قال وهب: (إن ذا القرنين أتى على جبل قاف، فسأله: ~~هل وراءك شيء؟ قال: ورائي أرض مسيرة خمسمائة ~~عام في عرض خمسمائة من جبال الثلج يخطم ~~بعضها بعضا، ومن ورائك أيضا أرض مثلها من ~~البرد، لولا ذلك الثلج والبرد لاحترقت من حر ~~جهنم). # وقال بعضهم: معنى قوله تعالى { ق } قضي الأمر ما هو كائن، وقال ~~أبو بكر الوراق: (معناه: قف عند أمرنا ونهينا ولا ~~تعديهما). وقيل: معناه: قل يا محمد. # قوله تعالى: { والقرآن المجيد }؛ أي الشريف الكريم ~~على ms1978 الله. واختلف العلماء في جواب القسم، فقال أهل الكوفة جوابه: ~~{ بل عجبوا } ، وقال الأخفش: (جوابه محذوف؛ تقديره: ~~والقرآن المجيد لتبعث). # وقيل: جوابه # ما يلفظ من قول # [ق: 18]. وقيل: جوابه # قد علمنا # [ق: 4] كما قال الله # والشمس وضحاها # [الشمس: 1] إلى أن قال # قد أفلح من زكاها # [الشمس: 9] فذلك جواب القسم، إلا أن اللام حذفت منه، ويجوز أن ~~تجعل (بل) في جواب القسم موضع (لقد). # وجوابات القسم ستة: # 1. (إن) شديدة كقوله # والفجر * وليال عشر # [الفجر: 1-2] إلى أن قال: # إن ربك لبالمرصاد # [الفجر: 14]. # 2. و (ما) في النفي كقوله # والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك # [الضحى: 1-3]. # 3. و (لا) أي النافية، واللام مفتوحة كقوله # فوربك لنسألنهم أجمعين # [الحجر: 92]. # 4. و (إن) الخفيفة كقوله # تالله إن كنا # [الشعراء: 97]. # 5. و (لا) كقوله # وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من ~~يموت # [النحل: 38]. # 6. و (قد) كقوله # والشمس وضحاها # [الشمس: 1] إلى أن قال # قد أفلح من زكاها # [الشمس: 9]. # 7. و (بل) كقوله { ق والقرآن المجيد * بل عجبوا }. ### || [50.2-3] # قوله تعالى: { بل عجبوا أن جآءهم منذر منهم ~~} ، أي مخوف يعرفون حسبه ونسبه وصدقه وأمانته، { ~~فقال الكافرون هذا شيء عجيب }؛ عجبوا لكون ~~محمد رسولا إليهم، فأنكروا رسالته وأنكروا البعث بعد الموت، ~~وهو قوله: { أءذا متنا وكنا ترابا }؛ أي أنبعث إذا ~~متنا؟ قالوا ذلك متعجبين أنهم إذا ماتوا وصاروا ترابا كيف ~~يبعثون بعد ذلك؟ وقالوا: { ذلك رجع بعيد }؛ أي الرد إلى ~~الحياة بعيد غير كائن أبدا، استبعدوا بجهلهم أن يبعثوا بعد ~~الموت. ### || [50.4] # قوله تعالى: { قد علمنا ما تنقص الأرض منهم }؛ ~~أي ما تأكل الأرض من لحومهم ودمائهم وأشعارهم، والمعنى: لا يخفى ~~علينا شيء مما تأخذ الأرض من أبدان الموتى، فمن علم ذلك فهو ~~قادر على إعادة ذلك الخلق بعينه إلى الحياة. # وقوله: { وعندنا كتاب حفيظ }؛ أراد به اللوح المحفوظ، ~~حفظ من الزيادة والنقصان، عندنا كتاب حافظ لعدتهم ~~وأسمائهم، وقد أثبتنا فيه ما يكون من جميع الأشياء المقدرة. ### || [50.5] # قوله تعالى: { بل كذبوا بالحق لما جآءهم }؛ ~~أي كذبوا بالقرآن لما جاءهم ms1979 بدلائل الله، { فهم في أمر ~~مريج }؛ أي مختلط ملتبس عليهم، لا يثبتون على شيء واحد، ~~مرة يشكون وأخرى يجحدون، ومرة يقولون في النبي صلى الله ~~عليه وسلم: إنه ساحر، ومرة يقولون: هو شاعر، ومرة يقولون: ~~معلم مجنون، وتارة يقولون للقرآن: هو سحر يؤثر، وتارة ~~يقولون: هو أساطير الأولين، وتارة يقولون: سحر مفترى. # وقال الحسن: (ما ترك قوم الحق إلا مرج أمرهم)، ~~وقال قتادة: (من ترك الحق مرج عليه رأيه، ~~والتبس عليه دينه)، ومن ذلك المرج لاختلاط أشجارها ~~بعضها من بعض. ### || [50.6] # قوله تعالى: { أفلم ينظروا إلى السمآء فوقهم ~~كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج }؛ ودلهم ~~بهذا على قدرته بعظيم خلقه، فقال: أفلم ينظروا كيف بنيناها ~~وزيناها بالكواكب وما لها من فتوق وشقوق وصدوع. ### || [50.7] # قوله تعالى: { والأرض مددناها }؛ أي بسطناها، { ~~وألقينا فيها رواسي } أي جبالا، { وأنبتنا فيها ~~من كل زوج بهيج }؛ أي من كل لون حسن منظره. ### || [50.8] # قوله تعالى: { تبصرة وذكرى لكل عبد منيب }؛ ~~أي فعلنا ذلك الذي ذكرناه ليبصر به ويتذكر به، فهو تذكير ~~وعظة وتنبيه لكل عبد منيب يرجع إلى الله ويتفكر في ~~قدرته. # قال أبو حاتم: (قوله { تبصرة } منصوب على المصدر) ~~يعني تبصيرا وتذكيرا وتنبيها له؛ لأن من قدر على خلق ~~السماوات والأرض والنبات قدر على بعثهم. ### || [50.9] # قوله تعالى: { ونزلنا من السمآء مآء مبركا }؛ ~~يعني المطر، { فأنبتنا به جنت }؛ أي بساتين، { وحب ~~الحصيد }؛ يعني الزرع الذي من شأنه أن يحصد حصيدا، حصد أم لم ~~يحصد، وذلك البر والشعير وسائر الحبوب التي تحصد وتدخر ~~وتقتات. وإضافة الحب إلى الحصيد وهما واحد لاختلاف اللفظين، كما ~~يقال مسجد الجامع، وربيع الأول، وخف البعير، وحبل الوريد ~~ونحوها. ### || [50.10] # قوله تعالى: { والنخل باسقات لها طلع نضيد }؛ ~~معناه: وأنبتنا النخل طوالا، يقال: بسقت النخلة إذا ~~طالت. والطلع النضيد: هو الكفري ما دام في أكمامها، ~~فهو منضود بعضه فوق بعض، وإذا خرج من أكمامها فليس بنضيد. ### || [50.11] # قوله تعالى: { رزقا للعباد }؛ انتصب على وجهين: ~~أحدهما: رزقناهم هذه الأشياء، والثاني: أنبتناها للرزق، ms1980 فهو ~~منصوب؛ لأنه مفعول له؛ ولأنه مصدر فعل محذوف. # قوله تعالى: { وأحيينا به بلدة ميتا }؛ أي ~~أحيينا بالمطر مكانا ميتا لا نبات فيه، فكما أحيينا هذه الأرض ~~الميتة بالماء، وأنبتنا هذه الأقوات من الحبوب اليابسة، { ~~كذلك الخروج }؛ أي كذلك تنبتون بالمطر في قبوركم ثم ~~تخرجون للبعث، والقدرة على إعادة النبات دليل على القدرة على ~~إعادة الحياة إلى الميت. ### || [50.12-14] # قوله تعالى: { كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب ~~الرس وثمود * وعاد وفرعون وإخوان لوط * ~~وأصحاب الأيكة وقوم تبع }؛ فيه تسلية للنبي صلى ~~الله عليه وسلم يقول: إن هؤلاء الكفار سلكوا التكذيب طريقة من ~~قبلهم من الأمم المكذبة لرسلهم، وقد رأيتم كيف كان إنكاري ~~عليهم، وكيف أهلكناهم. # والرس: برزون اليمامة، والنبي هو حنظل بن سنان. وأصحاب ~~الأيكة قوم شعيب عليه السلام، والأيكة غيظ. وأما قوم تبع ~~فقد تقدم أن تبع اسم ملك حمير، وقد ذكر ذلك في قوله تعالى: # أهم خير أم قوم تبع # [الدخان: 37]. # قوله تعالى: { كل كذب الرسل }؛ أي كل من هؤلاء ~~المذكورين كذب الرسل، { فحق وعيد }؛ أي فوجب عليهم عذابه، ~~وحق عليهم كلمة العذاب. # وسمي تبعا لكثرة أتباعه وكان يعبد النار فأسلم ودعا قومه ~~إلى الإسلام وهم حمير فكذبوه، قال حاتم الرقاشي: كان أسعد ~~الحميري من التتابعة، آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~قبل أن يبعث بسبعمائة سنة، وقال: # شهدت على أحمد أنه # رسول من الله باري النسم # فلو مد عمري إلى عمره # لكنت وزيرا له وابن عم # قال قتادة: (ذم الله قوم تبع ولم يذمه، وكان من ~~ملوك اليمن، فسار بالجيوش وافتتح البلاد وقصد ~~مكة ليهدم البيت، فقيل له: إن لهذا البيت ~~ربا يحميه، فندم وأحرم ودخل مكة وطاف ~~بالبيت وكساه، وهو أول من كسا البيت). ### || [50.15] # قوله تعالى: { أفعيينا بالخلق الأول }؛ هذا جواب ~~لقولهم (ذلك رجع بعيد). والمعنى: أعجزنا حين خلقناهم ~~أولا ولم يكونوا شيئا، فكيف عن بعثهم، وهذا تقرير لهم لأنهم ~~اعترفوا بأن الله الخالق وأنكروا البعث. ثم ذكر أنهم في ~~شك من البعث، فقال الله تعالى: ms1981 { بل هم في لبس من ~~خلق جديد }؛ أي بل هم في شك من البعث. ### || [50.16-18] # قوله تعالى: { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما ~~توسوس به نفسه }؛ أي ولقد خلقنا لبني آدم ونعلم ما ~~يحدث به قلبه؛ أي نعلم ما يخفي ويكن في نفسه، { ونحن ~~أقرب إليه }؛ بالعلم بأحواله وبما في ضميره، { من حبل ~~الوريد }؛ وهو عرق في باطن العنق بين العليا والحلقوم، ~~وهما وريدان عن يمين ثغرة النحر ويسارها، يتصلان من ناحيتي ~~الحلق والعاتق، ينصبان أبدا من الإنسان. وقال الحسن: (الوريد: ~~الوتين؛ وهو عرق معلق به القلب، والله تعالى ~~أقرب إلى المرء من قلبه). # ومعنى الآية: { ونحن أقرب إليه } أي أعلم به وأقدر ~~عليه من بعضه، وإن كان بعضه له حجاب فلا يحجبنا شيء؛ أي لا يحجب ~~علمنا عنه شيء. # ثم ذكر أنه مع علمه وكل به ملكين يكتبان ويحفظان عليه عمله ~~إلزاما للحجة، فقال: { إذ يتلقى المتلقيان عن ~~اليمين وعن الشمال قعيد }؛ قال مقاتل: (هما ملكان ~~يتلقيان عمل ابن آدم ومنطقه) أي يأخذان ذلك ~~ويثبتانه في صحائفهما، أحدهما عن يمين يكتب الحسنات، والثاني عن ~~شمال يكتب السيئات، فذلك قوله { وعن الشمال قعيد } ولم ~~يقل قعيدان؛ لأنه أراد عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، فاكتفى ~~من أحدهما عن الأخرى، كقول الشاعر: # نحن بما عندنا وأنت بما # عندك راض والرأي مختلف # أي نحن بما عندنا راضون. والقعيد مثل قاعد كالسميع والعليم ~~والقدير، وقال أهل الكوفة: أراد قعودا. # روي: # " أن الله تعالى وكل بالإنسان ملكين بالليل، ~~وملكين بالنهار يحفظان عمله، أحدهما يكتب ~~الحسنات، والثاني يكتب السيئات، فإذا تكلم ~~العبد بحسنة كتبها الذي على اليمين عشرا، وإذا ~~تكلم بسيئة قال صاحب اليمين للآخر: أنظره، ~~فنظره ست ساعات أو سبع ساعات، فإن تاب ~~واستغفر لم يكتبها، وإن لم يتب كتب عليه ~~سيئة واحدة " # هكذا قال صلى الله عليه وسلم. # وعن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " وكل بعبده ملكين يكتبان عليه، فإذا مات ~~العبد قالا: يا رب قد قبضت عبدك؛ أفتأذن لنا ms1982 أن ~~نصعد إلى السماء؟ فيقول الله تعالى: سمائي ~~مملوءة من ملائكتي يسبحون، فيقولان: أنقيم في ~~أرضك؟ فيقول: إن أرضي مملوءة من خلقي ~~يعبدونني، فيقولان: أين نذهب؟ فيقول: قوما على ~~قبر عبدي وهللاني وكبراني واكتبا ذلك لعبدي ~~إلى يوم القيامة ". # قوله تعالى: { قعيد } أي رصيد حافظ حاضر ملازم لا يبرح. ~~قوله تعالى: { ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب ~~عتيد }؛ أي حافظ حاضر { عتيد } أي معتد له. ### || [50.19] # قوله تعالى: { وجاءت سكرة الموت بالحق }؛ أي ~~جاءت غمرات الموت وأهواله وشدتها التي تغشى الإنسان وتغلب ~~على عقله، { بالحق } أي بما يصير إليه من أمر الآخرة من ~~شقاوة أو سعادة تحقق عليه عند الموت. ويقال له: { ذلك ~~ما كنت منه تحيد }؛ أي تميل وتهرب وتكره، قد أيقنت أنه ~~الآن، يقال: حاد عن الشيء يحيد عنه حيدا؛ إذا مال وزاغ ~~ونكص، وقرأ أبو بكر الصديق رضي الله عنه (وجاءت سكرة ~~الحق بالموت). ### || [50.20] # قوله تعالى: { ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد ~~}؛ يريد نفخة البعث، يكون يوم القيامة وهو يوم يتحقق فيه ~~الوعيد، وهو اليوم الموعود للأولين والآخرين يجتمعون فيه. ~~وقيل: معناه: ذلك الذي وعد الله الكفار أن يعذبهم فيه. ### || [50.21-22] # قوله تعالى: { وجآءت كل نفس معها سآئق ~~وشهيد }؛ أي سائق يسوقها إلى المحشر، وشاهد يشهد عليها ~~بما عملت قال الكلبي: (السائق هو الذي يكتب ~~السيئات، والشهيد هو الذي يكتب الحسنات)، ~~والمراد بالنفس ها هنا نفس الكافر، يدل عليه قوله تعالى: ~~{ لقد كنت في غفلة من هذا }؛ اليوم في الدنيا، { ~~فكشفنا عنك غطآءك }؛ الذي كان في الدنيا يغشى قلبك ~~وسمعك وبصرك، { فبصرك اليوم حديد }؛ أي فأنت اليوم ~~عالم نافذ البصر، تبصر ما كنت تنكر في الدنيا. وقيل: ~~معناه: { فبصرك اليوم حديد } أي فعلمك نافذ، وهو من ~~البصيرة لا بصر العين، كما يقال: فلان بصير بهذا الأمر؛ أي ~~عالم به. وقيل: معناه: فبصرك اليوم شاخص لما ترى من ~~الهول. ### || [50.23-24] # قوله تعالى: { وقال قرينه هذا ما لدي عتيد }؛ ~~يعني الملك الذي يكتب عمله السيء في الدنيا ms1983 يقول: هذا الذي ~~كتبته من عمله معد محفوظ محصى، يعني أن الملك يقول: لديه ~~هذا الذي وكلتني به قد أحضرته، فيقول الله تعالى لقرينه: { ~~ألقيا في جهنم }؛ إطرحا فيها، { كل كفار }؛ بالله ~~وبنعمته، { عنيد } ، معرض عن الإيمان والقرآن إعراض المضاد ~~له. وهذا خطاب الواحد بلفظ التثنية على عادة العرب، يقولون ~~للواحد: ارحلاها وآزجراها. وقيل: الخطاب لخازن النار، ومخاطبة ~~الواحد بلفظ الاثنين من فصيح كلام العرب، ومنه قولهم للواحد في ~~الشعر (خليلي)، قال امرؤ القيس: # خليلي مرا بي على أم جندب # نقض لبانات للفؤاد المعذب # وقال: # قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل # بسقط اللوى بين الدخول فحومل # وقال الفراء والسدي وأبو ثروان: # فإن تزجراني يا ابن عفان أنزجر # وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا # ومنه قول الحجاج: (يا حرسي إضربا عنقه)، قال الزجاج: ~~(تثنية على الحقيقة والخطاب للمتلقين معا، ~~والسائق والشهيد جميعا)، وقرأ الحسن: (ألقين) بنون ~~التأكيد كقوله تعالى: # لنسفعا بالناصية # [العلق: 15]. ### || [50.25-26] # قوله تعالى: { مناع للخير }؛ أي لا ينزل خيرا ~~ولا يعطي شيئا من حق الله. قوله تعالى: { معتد }؛ أي ~~ظالم لا يقر بتوحيد الله، قوله تعالى: { مريب }؛ أي ~~شاك في البعث والتوحيد. قوله تعالى: { الذي جعل مع ~~الله إلها آخر }؛ أي شريكا، { فألقياه في العذاب ~~الشديد }؛ أي إطرحاه في النار. ### || [50.27] # قوله تعالى: { قال قرينه }؛ أي شيطانه: { ربنا مآ ~~أطغيته }؛ أي ما أغويته، ما أضللته؛ أي لم أتول ذلك. ~~وقيل: معناه: قال قرينه الذي يشهد عليه من الملائكة: { ~~ربنا مآ أطغيته } أي ما عجلت عليه في الكتابة وما كتبت ~~عليه إلا ما قال وفعل، { ولكن كان في ضلال }؛ خطأ، { ~~بعيد }؛ من الصواب. وإنما يقول الملك هذا القول بعد ما يقول ~~الكافر: يا رب علي كتب ما لم أقل ولم أفعل وما أنظرني، ولكن ~~عجل في الكتابة علي. ### || [50.28] # قوله تعالى: { قال لا تختصموا لدي }؛ أي يقول ~~الله تعالى: لا تختصموا عندي كما تختصموا عند ملوك الدنيا، ~~فإني ملك لا يكرر الكلام عندي، { وقد قدمت إليكم ~~}؛ على ألسنة الرسل بالوعد و؛ ms1984 { بالوعيد }؛ لا ينفعكم ~~الاختصام بعد أن أخبرتكم على ألسنة الرسل بعذابي في الآخرة ~~لمن كفر. ### || [50.29] # قوله تعالى: { ما يبدل القول لدي }؛ أي لا خلف ~~لوعدي ووعيدي، وقد قضيت ما أنا قاض عليكم من العذاب، لا تبديل له. ~~وقيل: معناه: لا يكذب عندي ولا يغير القول من جملته؛ لأني ~~أعلم الغيب وأعلم كيف ضلوا وكيف أضللتموهم، ولا يقدر أحد أن ~~يشقي أحدا ممن أسعدته، ولا يسعد أحد ممن أشقيته. # قوله تعالى: { ومآ أنا بظلام للعبيد }؛ أي لا ~~أعاقب أحدا من غير جرم، ولا أخذل أحدا من غير ذنب، ومن عمل ~~سيئة فلا يجزى إلا مثلها. ### || [50.30] # قوله تعالى: { يوم نقول لجهنم هل امتلأت ~~وتقول هل من مزيد } قرأ نافع (يقول) بالياء على معنى: ~~يقول الله. والمعنى: أنذرهم يوم يقول لجهنم: هل امتلأت ~~كما وعدتك، فتقول: { هل من مزيد } أي لم يبق موضع لم ~~يمتلئ فلا مزيد، على هذا قال المفسرون: أراها الله تصديق قوله # لأملأن جهنم # [الأعراف: 18] فلما امتلأت قال لها: هل امتلأت؟ فتقول: هل ~~من مزيد على هذا الامتلاء؟ وهذا استفهام إنكار؛ أي قد امتلأت ولم ~~يبق في موضع خال. هذا قول عطاء ومجاهد. وقال ابن عباس في رواية ~~أبي صالح: (أنها تستزيد إلى ما فيها) ووجه هذا القول أن ~~هذا السؤال في قوله { هل امتلأت } كان قبل دخول جميع أهلها ~~فيها. ويجوز أن يكون المعنى: أنها طلبت أن تزاد في سعتها ~~لتضايقها بأهلها. ### || [50.31-32] # قوله تعالى: { وأزلفت الجنة للمتقين غير ~~بعيد }؛ أي قريب، وأديت الجنة للمتقين الشرك غير بعيد، ~~ينظرون إليها قبل دخولها، ويقال لهم عند تقريبها: { هذا }؛ ~~الذي ترونه، { ما توعدون }؛ في الدنيا على ألسنة الرسل، { ~~لكل أواب حفيظ }؛ أي لكل رجاع عن معاصي الله إلى طاعة ~~الله، حافظ لحدود الله من الخروج إلى ما لا يجوز. # قال مجاهد: (الأواب الذي يذكر الله فيستغفر منه)، ~~وقيل: هو الذي يذنب ثم يتوب، ثم يذنب ثم يتوب. وقيل: ~~الأواب المسبح من قوله # يجبال أوبي معه # [سبأ: 10]. وقيل: هو الذاكر ms1985 لله، وقال مقاتل: (المطيع). ~~وقيل: هو الذي لا يقوم من محله حتى يستغفر الله، وقال أبو بكر ~~الوراق: (هو المتوكل على الله في السراء ~~والضراء، لا يهتدي إلى غير الله). وقيل: هو الذي لا ~~يشتغل إلا بالله. ### || [50.33] # قوله تعالى: { من خشي الرحمن بالغيب }؛ صفة ~~للأواب الحفيظ، والمعنى: من خاف الله وخاف من عذابه وأطاعه ~~ولم يعصه، وعبده حيث لا يراه إلا الله، وهو معنى قوله { ~~بالغيب } { وجآء بقلب منيب }؛ أي جاء بقلب مخلص ~~راجع عن معاصي الله إلى طاعته، والقلب المنيب: هو التائب، ~~وموضع { من خشي } الخفض على نعت الأواب. ### || [50.34-35] # قوله تعالى: { ادخلوها بسلام }؛ يعني سلامة من الهموم والعذاب ~~وأمان من كل مكروه، { ذلك يوم الخلود }؛ في الجنة لأنه لا ~~موت فيها ولا فناء ولا انقطاع، { لهم ما يشآءون فيها }؛ من ~~أنواع النعيم، { ولدينا مزيد }؛ أي نزيدهم من عندنا ما لم ~~يسألوه، ولا خطر على قلوب، ولا بلغته أفهامهم، وقال جابر: " ~~المزيد هو النظر إلى وجه الله الكريم بلا كيف). ### || [50.36-37] # قوله تعالى: { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم ~~أشد منهم بطشا }؛ هذا تخويف لأهل مكة؛ أي كم أهلكنا من ~~قوم هم أشد منهم بطشا، { فنقبوا في البلاد }؛ أي ~~ساروا وتقلبوا وطافوا في البلاد. وأصله من النقب وهو ~~الطريق؛ وكأنهم سلكوا كل طريق فلم يجدوا مخلصا عن أمر ~~الله. # قال الزجاج: (لم يروا مخلصا من الموت، كأنهم ~~ضربوا في الأرض مع شدة شوكتهم وبطشهم، وفي ~~هذا إنذار لأهل مكة أنهم على مثل سبيلهم لا ~~يجدون مفرا من الموت، يموتون فيصيرون إلى عذاب ~~الله). # قرأ الحسن: (فنقبوا) بالتخفيف، وقرأ السلمي على اللفظ الأمر ~~على التهديد والوعيد؛ أي أقبلوا في البلاد وأدبروا يا أهل مكة ~~وتصرفوا منها كل متصرف، وسيروا في الأرض فانظروا، { هل ~~من محيص * إن في ذلك لذكرى }؛ أي إن ما صنع بهم من ~~هلاك القرى لعبرة وعظة؛ { لمن كان له قلب }؛ عقل ~~وحزم وبصيرة، { أو ألقى السمع }؛ أي استمع ما يقال له على ~~جهة التفهم، يقول العرب: ms1986 ألق سمعك؛ أي استمع مني؛ { ~~وهو شهيد }؛ أي شاهد القلب حاضره غير غافل ولا ساه. ### || [50.38] # قوله تعالى: { ولقد خلقنا السموت والأرض ~~وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب }؛ ~~واللغوب هو التعب، وذلك أن اليهود لعنهم الله قالوا: ~~خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام، أولها يوم الأحد، ~~وآخرها يوم الجمعة، فأعيا واستراح يوم السبت! فذلك لا يعمل ~~فيه شيئا. فأكذبهم الله بقوله { وما مسنا من لغوب } ، ~~واللغوب هو التعب، وسبحان الله أن يوصف بتعب أو نصب. ### || [50.39-40] # قوله تعالى: { فاصبر على ما يقولون }؛ أي إصبر يا ~~محمد على ما يقولون من الأذى والتكذيب، وهذا قبل أن يؤمر ~~بالقتال، قوله تعالى: { وسبح بحمد ربك }؛ أي صل ~~بأمر ربك واحمده، { قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ~~}؛ أراد بذلك صلاة الفجر وصلاة العصر. وقيل: معناه: قبل ~~الغروب: الظهر والعصر، { ومن الليل فسبحه }؛ يعني: صلاة ~~المغرب والعشاء. وسميت الصلاة تسبيحا لما فيها من التسبيح: ~~(سبحان ربي العظيم، وسبحان ربي الأعلى). # وقوله تعالى: { وأدبار السجود }؛ يعني الركعتين بعد المغرب ~~وقبل الوتر. وقيل: التسبيح في أواخر الصلاة، يسبحون الله ~~ثلاثا وثلاثين، ويحمدون ثلاثا وثلاثين، ويكبرون ثلاثا وثلاثين. ~~وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنه كان يقول في آخر صلاته عند انصرافه: { ~~سبحان ربك رب العزة عما يصفون... } إلى آخر ~~السورة ". # وعن الشعبي والأوزاعي أنهما قالا: (أدبار السجود ~~الركعتان بعد المغرب، وأدبار النجوم: الركعتان ~~قبل الفجر). وقال ابن زيد: (معنى قوله { وأدبار ~~السجود } وهو النوافل، وأدبار المكتوبات). # قرأ الحسن وأبو عمرو ويعقوب وعاصم والكسائي وابن عامر: ~~(وأدبار) بفتح الألف جمع الدبر. وقرأ الباقون بالكسر على ~~المصدر من أدبر يدبر إدبارا. ### || [50.41] # قوله تعالى: { واستمع يوم يناد المناد من ~~مكان قريب }؛ أي استمع يا محمد صيحة القيامة والبعث ~~والنشر، ويوم النداء هو يوم صيحة إسرافيل، وهو يوم ~~النفخة الأخيرة، يقوم فيه على صخرة بيت المقدس فينفخ في ~~الصور، والصخرة أقرب مكان من الأرض إلى السماء باثني عشر ~~ميلا كذا قال الكلبي. # وفي الحديث: # " أنه ينادي: ms1987 أيتها العظام البالية، والعروق ~~المتمزقة، والشعور المتفرقة، أخرجن لفصل ~~القضاء فيكن، فيخرجون على وجه الأرض ". ### || [50.42] # قوله تعالى: { يوم يسمعون الصيحة بالحق }؛ أي ~~بالبعث، وقيل: إنها كائنة بالحق، { ذلك يوم الخروج ~~}؛ أي من القبور إلى المحشر. ### || [50.43] # قوله تعالى: { إنا نحن نحيي ونميت }؛ أي نحيي ~~الأموات ونميت الأحياء، { وإلينا المصير }؛ في الآخرة ~~للجزاء. ### || [50.44] # قوله تعالى: { يوم تشقق الأرض عنهم سراعا }؛ أي ~~تتصدع عنهم مسرعين، والمعنى يوم تشقق الأرض عنهم خارجين ~~سراعا يسرعون إلى الداعي، { ذلك }؛ الحشر، { حشر ~~علينا يسير }؛ أي هين وسهل. ### || [50.45] # قوله تعالى: { نحن أعلم بما يقولون }؛ يا ~~محمد من تكذيبك من أمر البعث وغير ذلك، يعني كفار مكة، { ~~ومآ أنت عليهم بجبار }؛ أي بمسلط قهار تجبرهم ~~على الإسلام، إنما بعثت مذكرا محذرا، وذلك قبل أن يؤمر ~~بالقتال، قوله تعالى: { فذكر بالقرآن }؛ أي عظ به، { ~~من يخاف وعيد }؛ وإنما خص الخائفين بالوعظ؛ لأنهم هم ~~الذين ينتفعون بذلك، والمعنى: ذكر بالقرآن من يخاف ما وعدت ~~من عصاني من العذاب. ### | [51 - سورة الذاريات] ### || [51.1-2] # { والذاريات ذروا }؛ يعني الرياح تذروا التراب، وتهشم ~~النبات، أي تفرقه، وهي مخفوضة على القسم. قوله تعالى: { ~~فالحاملات وقرا }؛ يعني السحاب تحمل ثقلا من ماء ~~المطر، فتصير كالموقدة، والوقر بكسر الواو الحمل، ~~والوقر بفتح الواو الثقل في الأذن. ### || [51.3-6] # قوله تعالى: { فالجاريات يسرا }؛ يعني السفن تجري ~~في الماء جريا سهلا مع عظمها. قوله تعالى: { ~~فالمقسمات أمرا }؛ يعني الملائكة يقسمون الأمور بين ~~الخلق على ما أمروا به من الأرزاق وغيرها. # أقسم الله بهذه الأشياء لما فيها من الدلالة على صنعته ~~وقدرته. قوله تعالى: { إنما توعدون لصادق }؛ يعني ~~إن الذي توعدون من الثواب والعقاب لصادق، { وإن الدين }؛ ~~أي الجزاء، { لوقع }؛ كائن يوم القيامة. # وعن علي رضي الله عنه أنه قال ذات يوم في خطبة: ~~(سلوني فوالله لا تسألوني عن شيء من القرآن إلا ~~وسأخبركم به. فقال رجل: يا أمير المؤمنين؛ ما ~~الذاريات ذروا؟ فقال: الرياح: وقال: ما الحاملات ~~وقرا؟ قال: السحاب. قال: ما الجاريات يسرا؟ قال: ~~السفن. قال: ms1988 ما المقسمات أمرا؟ قال: الملائكة). # وعن الأعرج قال: بلغنا أن مساكن الرياح تحت أجنحة ~~الكروبيين حملة الكرسي، فتهيج من ثم فتقع ~~بعجلة الشمس، ثم تهيج من عجلة الشمس فتقع ~~برؤوس الجبال، ثم تهيج من رؤوس الجبال فتقع في ~~البر، وأما الشمال فإنها تمر بجنة عدن، ~~فتأخذ من عرف طيبها، فتمر على أرواح ~~الصديقين، ثم يكون مهبها من كرسي بنات نعش ~~إلى مغرب الشمس، وتهب الدبور من مغرب الشمس ~~إلى مطلع سهيل، وتهب الصبا من مطلع الشمس إلى ~~مغرب بنات نعش، لا تدخل هذه في حد هذه، ولا ~~هذه في حد هذه). ### || [51.7] # قوله تعالى: { والسمآء ذات الحبك }؛ هذا قسم آخر، ~~ومعناه: والسماء ذات الخلق الحسن المستوي، هذا قول ~~عكرمة، قال: (ألم تر إلى النساج إذا نسج الثوب ~~فأجاد نسجه، قيل: ما أحسن حبكه!)، وبه قال ابن ~~عباس وقتادة والربيع. وقال سعيد بن جبير: (ومعناه: ذات ~~الزينة). # وقال مجاهد: (والسماء ذات البنيان المتقن). وقال ~~الضحاك: (ذات الطريق التي ترى فيها كحبك الماء إذا ~~ضربته الرياح، وحبك الرمل إذا سفته الريح، ~~وحبك الشعر الجعد، وحبك الثوب الحسن النسيج). # والحبوك في اللغة: ما أجيد عمله، وواحد الحبك حباك، ~~مثل مثال ومثل. ويجوز أن يكون واحدة حبيكة مثل طريقة ~~وطرق. وقيل: الحبك طريق الملائكة، وقال الحسن: ~~(حبكها زينها بالنجوم). وقيل: (ذات الحبك) أي ذات ~~الخلق الشديد، قال تعالى: # وبنينا فوقكم سبعا شدادا # [النبأ: 12]. ### || [51.8] # قوله تعالى: { إنكم لفي قول مختلف }؛ هذا جواب ~~القسم الثاني، والمعنى: إنكم يا أهل مكة لفي قول مختلف من ~~بين مصدق بالنبي صلى الله عليه وسلم ومكذب به، ومتوقف في ~~أمره، وبعضكم يقول في محمد: هو شاعر، وبعضكم يقول: مجنون، وفي ~~القرآن يقول بعضكم: هو سحر، وبعضكم يقول: هو كهانة، وبعضكم يقول: ~~هو أساطير الأولين. ### || [51.9] # قوله تعالى: { يؤفك عنه من أفك }؛ أي ينصرف عن ~~الإيمان من صرف حتى يكذب به، يعني بذلك من حرمه الله ~~الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن. ### || [51.10] # قوله تعالى: { قتل الخراصون }؛ أي لعن ms1989 الكذابون، ~~وقال ابن عباس: (المرتابون)، والقتل إذا أخبر به عن الله ~~كان بمعنى اللعن؛ لأن من لعنه الله فهو بمنزلة المقتول ~~الهالك، كما قال الله # قتل الإنسان مآ أكفره # [عبس: 17] أي لعن. والخراصون: هم الكذابون. # قال الفراء: (والمراد بهم ها هنا الذين قالوا: ~~محمد شاعر وكذاب ومجنون وساحر). والخارص: هو الذي ~~يقطع في الأمور والحكم بمقداره بالتخمين، يعني من غير علم، ~~ومنه خارص الذي يقطع في مقداره بغير حقيقة. ### || [51.11] # قوله تعالى: { الذين هم في غمرة ساهون }؛ نعت ~~لهم، والغمرة هي الجهل، ومنه الغمر الجهل، والساهي هو ~~الغافل عن أمر الآخرة. والمعنى: الذين هم في غفلة وعمى وجهالة عن ~~أمر الآخرة، ساهون لاهون. ### || [51.12-14] # قوله تعالى: { يسألون أيان يوم الدين }؛ أي ~~يسألون متى يكون الجزاء على وجه الإنكار، يقولون: يا محمد متى ~~يوم الجزاء، تكذيبا منهم واستهزاء، فأجيبوا بما يسوءهم، فقيل: ~~{ يوم هم على النار يفتنون }؛ أي يحرقون وينضجون ~~ويعذبون بها. # يقال: فتنت الذهب إذا أحرقت الغش الذي فيه، والكفار غش ~~كلهم فيحرقون، ويقول لهم خزنة النار: { ذوقوا فتنتكم ~~}؛ أي حريقكم وعذابكم، { هذا الذي كنتم به ~~تستعجلون }؛ في الدنيا تكذيبا به. وإنما لم يقل: فتنتكم ~~هذه؛ لأن الفتنة ها هنا بمعنى العذاب، فرد الإشارة إلى المعنى. ### || [51.15-18] # قوله تعالى: { إن المتقين في جنات وعيون * ~~آخذين مآ آتاهم ربهم } أي قابلين ما أعطاهم ربهم من ~~كرامة في الجنة. وقيل: معناه: عاملين بما أمرهم ربهم في ~~الدنيا، وقوله تعالى: { إنهم كانوا قبل ذلك محسنين ~~}؛ في الدنيا في أعمالهم، وقوله تعالى: { كانوا قليلا من ~~الليل ما يهجعون }؛ أي ما ينامون، هذا بيان إحسانهم. # والهجوع: النوم بالليل دون النهار، و(ما) زائدة، والمعنى: ~~كانوا يهجعون قليلا من الليل ويصلون أكثر الليل. ~~وقيل: معناه: قل ليلة أتت عليهم هجعوها كلها، وقال مجاهد: ~~(كانوا لا ينامون كل الليل). # واختار قوم الوقف على قوله { كانوا قليلا } على معنى: كانوا ~~من الناس قليلا، وهو قول الضحاك ومقاتل. ثم ابتدأ فقال: { من ~~الليل ما يهجعون } وهذا على نفي النوم عنهم ms1990 البتة. ~~وقيل: معناه: كانوا لا ينامون حتى يصلوا العتمة، وقال ~~أنس بن مالك رضي الله عنه: (يصلون ما بين المغرب ~~والعشاء). وعن جعفر بن محمد أنه قال: (من لم يهجع ما ~~بين المغرب والعشاء فهو منهم)، عن أبي ذر قال: # " سألت رسول الله: أي صلاة الليل أفضل؟ قال: " ~~نصف الليل وقليل فاعله " # قوله تعالى: { وبالأسحار هم يستغفرون }؛ قال ~~الحسن: (كانوا يمدون الصلاة إلى العصر ثم ~~يأخذون في الاستغفار بالأسحار). ### || [51.19] # قوله تعالى: { وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم ~~}؛ يعني بذلك الحق الزكاة، فليس عليهم من سواها، والسائل: هو الذي ~~يسأل الناس، والمحروم: هو الذي لا يسأل، يحرم نفسه بترك ~~سؤاله، ويحرمه الناس بترك إعطائه. # وقال إبراهيم: (المحروم: هو الذي لا سهم له في ~~الغنيمة)، وقال زيد بن أسلم: (هو المصاب ثمره أو ~~زرعه أو نسل ماشيته)، ويقال: هو صاحب الحاجة بذهاب ماله ~~بدليل قوله # إنا لمغرمون * بل نحن محرومون # [الواقعة: 66-67]. # عن أبي قلابة قال: كان رجل من أهل اليمامة له مال، ~~فجاء سيل فذهب ماله، فقال رجل من أصحاب النبي ~~صلى الله عليه وسلم هذا المحروم فأقسم له). وقال قتادة ~~والزهري: (هو المتعفف الذي لا يسأل)، وقد ذكر النبي ~~صلى الله عليه وسلم فقال: # " لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن لحاجته ~~فيتصدق عليه ". # وعن عبدالله بن عمر والشعبي والحسن ومجاهد أنهم قالوا: (في ~~المال حق واجب سوى الزكاة)، وهي الحقوق التي ~~تلزم عندما يعرض من الأموال من النفقة على ~~الوالدين إذا كانا فقيرين، وعلى ذي الرحم ~~المحرم، وما يجب من إطعام المضطر وحمل ~~المنقطع وغير ذلك. ### || [51.20-21] # قوله تعالى: { وفي الأرض آيات للموقنين }؛ آيات ~~الأرض جبالها وأنهارها واختلاف نباتها وبحارها وأشجارها، بذلك ~~كله دلائل توحيد الله لمن أيقن. قوله تعالى: { وفي ~~أنفسكم أفلا تبصرون }؛ معناه: وفي أنفسكم آيات إذ كانت ~~نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما إلى نفخ الروح. # وقال عطاء: (يعني اختلاف الألسنة والصور والألوان ~~والطبائع). وقال ابن الزبير: (هو أن يأكل ويشرب ~~من مكان واحد، ثم يخرج ms1991 بعد ذلك من مكانين، ~~مكان الغائط ومكان البول، حتى أنه لو شرب ~~لبنا محضا خرج ماء). وقوله تعالى { أفلا تبصرون } أي ~~أفلا تنظرون بقلوبكم نظر من كان يرى الحق بعينه. ### || [51.22] # قوله تعالى: { وفي السمآء رزقكم }؛ يعني المطر الذي ~~هو سبب النبات، والنبات هو مما قسمه الله تعالى للعباد وكتبه ~~في السماء، أخبر الله تعالى أن أرزاق العباد حيث لا يأكله ~~السوس ولا تناله اللصوص، فقال تعالى: { وفي السمآء ~~رزقكم }. # وعن واصل الأحدب أنه قرأ هذه الآية فقال: (إني أرى رزقي في ~~السماء وأنا أطلبه في الأرض، فدخل خربة فمكث ~~فيها ليالي لا يصيب شيئا، فلما كان يوم الرابع ~~إذ هو خوص صرة من دوخلة رطب، فلم يزل كذلك ~~حتى مات). # قوله تعالى: { وما توعدون }؛ قال عطاء: (معناه: وفي ~~السماء ما توعدون من الثواب والعقاب مكتوب)، وقال ~~الكلبي: (وما توعدون من الخير والشر). وقال مجاهد: ~~(الجنة والنار). ### || [51.23] # قوله تعالى: { فورب السمآء والأرض إنه لحق ~~مثل مآ أنكم تنطقون } أقسم الله تعالى بنفسه، والذي ~~بينه من أمر الرزق وغيره (لصدق) كان نطقكم الذي هو ~~الصدق من كلمة التوحيد ونحوها حق قرأه أهل الكوفة (مثل ما ~~أنكم) برفع (مثل) على أنه صفة لقوله (لحق). وقرأ الباقون ~~بالنصب على الترك على معنى إنه يحق حقا { مثل مآ أنكم ~~تنطقون } ، وقيل: تقديره: كمثل ما أنكم تنطقون. # وقال بعض الحكماء: معنى قوله: { مثل مآ أنكم تنطقون } ~~أي كما أن كل إنسان لا ينطق بلسان غيره، كذلك لا يأكل إنسان ~~رزق غيره والذي قدر له، ولا يأكل إلا رزق نفسه، كما لا ~~يتكلم إلا بلسان نفسه. # قال الحسن: (بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " قاتل الله أقواما أقسم لهم ربهم بنفسه فلم ~~يصدقوه " # ، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لو أن أحدكم فر من رزقه لتبعه كما يتبعه ~~الموت " # ، قال الشاعر: # أسعى لأطلبه والرزق يطلبني # والرزق أكثر لي مني له طلبا ### || [51.24-25] # قوله ms1992 تعالى: { هل أتاك حديث ضيف إبراهيم ~~المكرمين }؛ أي قد أتاك يا محمد أضياف إبراهيم عليه السلام ~~الذي أكرمهم بخدمته وقيامه بين أيديهم، قال ابن عباس ومقاتل: ~~(معنى الآية: قد أتاك ولم يكن إذ ذاك آتاك إياه)، ~~وقوله تعالى { المكرمين } يعني عند الله. # وذكر ابن عباس: (أن أضياف إبراهيم: إسرافيل ~~وجبرائيل وميكائيل). وقال مقاتل: (يعني بقوله { ~~المكرمين } أي أكرمهم إبراهيم فأحسن عليهم ~~القيام، وكان لا يقوم على رأس ضيف، فلما رأى ~~هيئتهم حسنة قام هو وامرأته سارة لخدمتهم). ~~وقال الكلبي: (أكرمهم بالعجل). قال صلى الله عليه وسلم: # " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ~~ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل ~~خيرا أو ليسكت ". # قوله تعالى: { إذ دخلوا عليه }؛ وهم جبرائيل ومعه ~~من الملائكة، قال ابن عباس ومقاتل: (كانوا اثنى عشر ~~ملكا)، وقال محمد بن كعب: (كانوا سبعة ما خلا ~~جبرائيل)، وقال عطاء: (كانوا ثلاثة: جبرائيل ~~وميكائيل وإسرافيل). # قوله تعالى: { فقالوا سلاما قال سلام قوم ~~منكرون }؛ معناه: سلموا عليه سلاما. وقيل: قالوا ~~أسلم سلاما؛ كأنهم آنسوه من الوجل. فقال سلام منكم؛ أي ~~أمنت بما جاءني من السلام. قوله تعالى: { قوم منكرون ~~} أي إنه لم يعرفهم لأنه ظن أنهم من الإنس. ### || [51.26-28] # قوله تعالى: { فراغ إلى أهله }؛ أي عدل ومال إلى ~~سارة من حيث لم يعلم أضيافه لأي شيء عدل، { فجآء بعجل ~~سمين }؛ أي كثير الشحم فوضعه بين أيديهم، قال قتادة: ~~(وكان عامة مال إبراهيم البقر) { فقربه ~~إليهم }؛ ليأكلوه، فلم يأكلوا، { قال ألا تأكلون }؛ من ~~طعامي، { فأوجس منهم خيفة }؛ أي فأضمر في نفسه خيفة ~~منهم حيث لم يأكلوا من طعامه، ظن أنهم يريدون به سوء، فلما ~~علموا خوفه، { قالوا لا تخف }؛ إنا رسل ربك، { ~~وبشروه بغلام عليم }؛ حليم في صغره، عليم في ~~كبره وهو إسحاق عليه السلام. ### || [51.29] # قوله تعالى: { فأقبلت امرأته في صرة }؛ أي في ~~ضجة وصيحة؛ أي أخذت تولول؛ أي تقول: يا ويلتا. ~~وقيل: الصرة جماعة النساء، مأخوذ من الصرة التي هي ~~مجمع الدراهم، ومنه الشاة المصراة، وقوله تعالى: ms1993 { فصكت ~~وجهها وقالت عجوز عقيم }؛ قال مقاتل والكلبي: (جمعت ~~أصابعها فضربت جنبيها تعجبا). # ومعنى الصك: الضرب للشيء بالشيء العريض، والصرة مأخوذ من ~~الصر وهو الصوت، كأنها جاءت بشدة الصياح فلطمت وجهها وهي ~~تقول: أألد وأنا عجوز عاقرة، وكانت يوم البشرى بنت ثمان وتسعين ~~سنة، وكان إبراهيم أكبر منها بسنة. # ومعنى قوله تعالى: { وقالت عجوز عقيم }؛ تقديره: أتلد ~~عجوز عقيم، وكانت سارة لم تلد قبل ذلك، وكان بين البشارة ~~والولادة سنة، فولدت سارة وهي بنت تسع وتسعين سنة، وإبراهيم ~~يومئذ ابن مائة سنة. ### || [51.30] # قوله تعالى: { قالوا كذلك قال ربك }؛ أي كما قلنا ~~لك إنك ستلدين غلاما عليما، { إنه هو الحكيم ~~العليم }؛ الحكيم من العقيم بالولد وغير العقيم، العليم بمصالح ~~العباد. والعقيم في النساء هي التي لا تأتي بالولد، وفي الرياح هي ~~التي لا تأتى بالمطر، ولا يكون فيها الخير. ### || [51.31-32] # قوله تعالى: { قال فما خطبكم أيها المرسلون ~~}؛ أي قال إبراهيم: ما شأنكم وفيما أرسلتم، { قالوا إنآ ~~أرسلنآ إلى قوم مجرمين }؛ كافرين لنهلكهم بكفرهم ~~وعملهم الخبيث، أرادوا بذلك قوم لوط. ### || [51.33-34] # قوله تعالى: { لنرسل عليهم حجارة من طين }؛ ~~أراد به الحجارة المطبوخة كالآجر، { مسومة عند ربك ~~للمسرفين }؛ والمسومة المعلمة. روي: أنها كانت ~~مخططة بسواد في حمرة، وكان على كل حجر اسم من جعل ~~إهلاكه. والمسرف هو الخارج من الحق، والشرك أسرف الذنوب ~~وأعظمها. ### || [51.35] # قوله تعالى: { فأخرجنا من كان فيها من ~~المؤمنين }؛ أراد به لوطا ومن كان معه آمن وهما ابنتاه، ~~وهما زعورا و ريثا، أمرهم الله تعالى بأن يخرجوا بقطع من ~~الليل، ومعنى قوله تعالى { من كان فيها } أي في قرية لوط، وذلك ~~قوله # فأسر بأهلك # [هود: 81] أمر الله لوطا بأن يخرج هو ومن معه من المؤمنين ~~لئلا يصيبهم العذاب. ### || [51.36] # قوله تعالى: { فما وجدنا فيها غير بيت من ~~المسلمين }؛ أي غير أهل بيت من المسلمين، يعني لوطا ~~وبنتيه، وصفهم الله بالإيمان والإسلام جميعا؛ لأنه ما من مؤمن ~~إلا وهو مسلم، والمراد بالإسلام ها هنا الإيمان. ### || [51.37] # قوله تعالى: { وتركنا ms1994 فيهآ آية }؛ أي وتركنا في مدينة ~~قوم لوط عليه السلام علامة، { للذين يخافون العذاب ~~الأليم }؛ تدلهم على أن الله أهلكهم فيخافون مثل عذابهم، ~~فإن اقتلاع البلدان لا يقدر عليه أحد إلا الله. ### || [51.38] # قوله تعالى: { وفي موسى إذ أرسلناه إلى ~~فرعون بسلطان مبين }؛ أي وفي خبر موسى عليه السلام ~~وقضيته مع فرعون آية أيضا، وقوله تعالى { بسلطان مبين } ~~أي بحجة ظاهرة وهي العصا واليد. ### || [51.39] # قوله تعالى: { فتولى بركنه }؛ أي أعرض فرعون عن ~~الإيمان به بجمعه وجنده الذين كان يتقوى كالركن الذي يتقوى ~~به البنيان، { وقال ساحر أو مجنون }؛ ونسب موسى إلى ~~السحر والجنون مع ظهور حجته عليه. ### || [51.40] # قوله تعالى: { فأخذناه وجنوده فنبذناهم في ~~اليم }؛ أي فعاقبناه وجموعه فطرحناهم في البحر وأغرقناهم، { ~~وهو مليم }؛ أي وهو مستوجب الملامة؛ لأنه أتى بما ~~يلام عليه حين أدعى الربوبية وكذب الرسل. ### || [51.41] # قوله تعالى: { وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح ~~العقيم }؛ أي وفي خبر قوم هود آية أيضا، حين أرسلنا عليهم ~~الدبور والعقيم التي لا خير لهم فيها ولا بركة ولا تلقح شجرا ~~ولا تحمل مطرا، إنما هي ريح الهلاك، وكانت تلك الريح التي ~~أهلكت بها عاد ريح الدبور، قال صلى الله عليه وسلم: # " نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور ". ### || [51.42] # قوله تعالى: { ما تذر من شيء أتت عليه إلا ~~جعلته كالرميم }؛ معناه: ما تترك من شيء مرت عليه من ~~أنفسهم وأنعامهم إلا جعلته كالحطيم البالي المنسحق. ~~ويقال: الرميم: هو الورق اليابس المتحطم مثل الهشيم الذي ~~يسير كالهباء بأيسر ما تجري عليه. # قال قتادة: (معناه: إلا جعلته كالرميم الشجر)، وقال ~~أبو العالية: (كالتراب المدقق)، وقال ابن عباس: ~~(كالشيء الهالك)، وفي الحديث: # " أن تلك الريح كانت تتبع مسافريهم وما شد ~~من متاعهم فتحمله فتلقيه في وادي صنعاء، ~~ولم تضر غريبا ليس منهم ". ### || [51.43-45] # قوله تعالى: { وفي ثمود إذ قيل لهم تمتعوا ~~حتى حين }؛ أي في خبر ثمود وإهلاكهم آية أيضا، إذ قيل لهم ~~تمتعوا إن أطعتم الله إلى آجالكم، { فعتوا عن أمر ~~ربهم }؛ فأعرضوا ms1995 عن قبول أمر الله، فأخذهم العذاب المحرق ~~وهم ينظرون إلى أنفسهم وإلى قومهم يحترقون في العذاب. وقيل: ~~معناه: لما عقروا الناقة قال لهم صالح: تمتعوا ثلاثة أيام، ~~وهو قوله { حتى حين } ، والتمتع: التلذذ بأسباب ~~اللذة من المناظر والروائح الطيبة وأشباه ذلك. # قوله تعالى: { فأخذتهم الصاعقة }؛ يعني بعد مضي ~~ثلاثة أيام. والصاعقة: كل عذاب مهلك، وقرأ الكسائي ~~(الصعقة) وهي الصوت الشديد، { وهم ينظرون }؛ ذلك ~~عيانا، { فما استطاعوا من قيام }؛ ما قدروا على النهوض ~~من مقامهم حين غشيهم العذاب فيردوه، { وما كانوا ~~منتصرين }؛ أي ما كانت لهم قوة يمتنعون بها منا، ولا ~~كانوا طالبين ناصرا لهم يمنعهم من عذاب الله. ### || [51.46] # قوله تعالى: { وقوم نوح من قبل }؛ فيه قراءتان، قرأ ~~أبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف (وقوم) بالخفض؛ أي وفي قوم نوح ~~وهلاكهم بالطوفان آية أيضا، وقرأ الباقون بالنصب على معنى: ~~وأهلكنا قوم نوح من قبل عاد وثمود. وقيل: نصب على تقدير: ~~واذكر قوم نوح من قبل عاد وثمود وقوم فرعون، { إنهم ~~كانوا قوما فاسقين }؛ أي خارجين من طاعة الله. وقيل: ~~انتصب قوله { وقوم نوح } على قراءة النصب عطفا على الهاء ~~والميم في قوله # فنبذناهم في اليم # [الذاريات: 40] كأنه قال وأغرقنا فرعون وجنوده، وأغرقنا قوم نوح ~~من قبل. ### || [51.47] # قوله تعالى: { والسمآء بنيناها بأييد }؛ أي ~~بقدرة وقوة، { وإنا لموسعون }؛ في السماء على الأرض في ~~كل جهات، ونحن نقدر على أكثر من ذلك، ولم يكن هذا جهد قوتنا، ~~وقال الحسن: (وإنا لموسعون الرزق على من فوقها ~~ومن تحتها). ### || [51.48] # قوله تعالى: { والأرض فرشناها }؛ أي بسطناها على ~~الماء، { فنعم الماهدون }؛ الفارشون، والماهد في اللغة: ~~هو الموظب للشيء المهيء لما يصلح الاستقرار عليه. ### || [51.49] # قوله تعالى: { ومن كل شيء خلقنا زوجين }؛ أي ~~ومن كل شيء خلقنا من الحيوان ذكرا أو أنثى، { لعلكم ~~تذكرون }؛ وقيل: المراد بالزوجين صنفين ولونين من حلو ~~وحامض وأبيض لكي يعتبروا ويتعظوا بذلك، ويعلموا أنه ليس مع الله ~~تعالى إله غيره. ### || [51.50-51] # قوله تعالى: { ففروا إلى الله }؛ أي اهربوا من عقابه إلى ~~رحمته ms1996 بالإخلاص في طاعته وترك ما يشغلكم عن أوامره. وقيل: ~~معناه: ففروا إلى الله من ذنوبكم واهربوا من الكفر إلى ~~الإسلام، ومن العصيان إلى الطاعة، { إني لكم منه نذير ~~مبين }؛ أنذركم العقاب على الكفر والمعصية وأخوفكم عذاب ~~الله بلغة تعرفونها متى تركتم الفرار إلى الله من الله، { ولا ~~تجعلوا مع الله إلها آخر }؛ أي تصفوه بالشريك ~~والولد، { إني لكم منه نذير مبين }؛ رسول أخوفكم ~~لتمتنعوا أن تجعلوا مع الله إلها آخر غيره. ### || [51.52] # قوله تعالى: { كذلك مآ أتى الذين من قبلهم من ~~رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون }؛ أي كما نسبك ~~قومك إلى السحر مرة والجنون أخرى، هكذا ما أتى الذين من قبل ~~قومك من رسول دعاهم إلى الله إلا قالوا لذلك الرسول: هو { ~~ساحر أو مجنون }. ### || [51.53] # يقول الله تعالى: { أتواصوا به }؛ معناه: أتواصوا بهذا ~~القول فتوافقوا عليه وأوصى كل قوم من بعدهم أن يقولوا مثل هذا ~~لرسولهم، هذا اللفظ لفظ الاستفهام، ومعناه: التوبيخ والإنكار. ~~قوله تعالى: { بل هم قوم طاغون }؛ يعني أهل مكة قوم ~~طاغون. ### || [51.54-55] # قوله تعالى: { فتول عنهم فمآ أنت بملوم }؛ أي ~~أعرض يا محمد عن هؤلاء المشركين، فما أنت عندنا بملوم، ~~فأنك قد بلغت وأنذرت، { وذكر فإن الذكرى تنفع ~~المؤمنين }؛ أي وعظ أهل مكة بالقرآن، فإن العظة بالقرآن ~~تنفع المؤمنين وتزيدهم صلاحا، يعني تنفع من علم الله أن ~~يؤمن منهم. وقال الكلبي: (معناه: عظ بالقرآن من آمن ~~من قومك، فإن الذكرى تنفع المؤمنين). ### || [51.56] # قوله تعالى: { وما خلقت الجن والإنس إلا ~~ليعبدون }؛ يعني: ما خلقتهم لجر منفعة ولا لدفع مضرة ولا ~~الاستكثار بهم من قلة، وما خلقتهم إلا لآمرهم بعبادتي ~~وأنهاهم عن معصيتي، ولو أنهم خلقوا لعبادة ربهم لما ~~عصوا ربهم طرفة عين. وقال ابن عباس: (هذه الآية خاصة ~~لأهل طاعة الله لأنه تعالى قال: # ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس # [الاعراف: 179]). # وقرأ ابن عباس: (وما خلقت الجن والإنس من ~~المؤمنين إلا ليعبدون)، وقال علي بن أبي طالب: (معنى ~~الآية: ما خلقتهم إلا لآمرهم ليعبدوني ms1997 ~~وأدعوهم إلى عبادتي). ### || [51.57] # قوله تعالى: { مآ أريد منهم من رزق ومآ أريد ~~أن يطعمون }؛ أي لم يكلفهم أن يرزقوا أنفسهم، ولا أحدا من ~~خلقي، ولم أكلفهم أن يرزقوني، ولا يعينوني على عطاء الرزق ~~لعبادي. # والمعنى: ما أريد منهم أن يرزقوا أحدا من خلقي، ولا أن يرزقوا ~~أنفسهم، وما أريد أن يطعموا أحدا من خلقي، ولا أن يطعموا ~~أنفسهم، وإنما أسند الإطعام إلى نفسه؛ لأن الخلق عيال الله، فمن ~~أطعم عيال أحد فقد أطعمه. ### || [51.58] # قوله تعالى: { إن الله هو الرزاق ذو القوة ~~المتين }؛ معناه: إن الله هو الرزاق جميع خلقه، ذو القوة ~~والاقتدار على جميع ما خلق، { المتين } يعني القوي. قرأ ~~العامة (المتين) بالرفع (ذو) أو هو الله سبحانه، وقرأ الأعمش ~~(المتين) بالخفض على نعت القوة، وكان من حقه أن يقول: ~~المتينة، وإنما ذكره لأنه ذهب به إلى الشيء المبرم ~~المحكم. ### || [51.59-60] # قوله تعالى: { فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ~~ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون } أخبر الله تعالى بهذا ~~أن لمشركي مكة من العذاب مثل ما لغيرهم من الأمم الكافرة. ~~والمعنى: فإن للذين كفروا نصيبا من العذاب مثل نصيب أصحابهم الذين ~~هلكوا نحو قوم نوح وعاد وثمود. # وأصل الذنوب الدلو المملوءة بالماء، قال ابن قتيبة: (كانوا ~~يسقون فيكون لكل واحد ذنوب)، فجعل الذنوب مكان الحظ ~~والنصيب، قال الشاعر: # لنا ذنوب ولكم ذنوب # فإن أبيتم فلنا القليب # وقال آخر: # لعمرك والمنايا طارقات # لكل بني أب منها ذنوب # وقوله تعالى: { فلا يستعجلون } أي لا يستعجلوني بالعذاب، ~~فإني قد أخرتهم إلى يوم القيامة، يدل عليه قوله تعالى: { ~~فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون }؛ ~~يعني يوم القيامة. ### | [52 - سورة الطور] ### || [52.1-2] # { والطور * وكتاب مسطور }؛ الطور هو الجبل الذي كلم ~~الله موسى وهو بمدين بالأرض المقدسة، واسمه زبير، وكل ~~جبل فهو طور بالسريانية، قال أبو عبيدة: (الطور الجبل ~~بالعربية؛ لأن الله تعالى قال: # ورفعنا فوقهم الطور # [النساء: 154]) والكتاب المسطور: هو اللوح المحفوظ المتضمن كل ~~الأمور. ### || [52.3] # قوله تعالى: { في رق منشور }؛ يعني اللوح أيضا تنشره ms1998 ~~الملائكة للدراسة وليعلموا ما فيه. وقيل: الكتاب المسطور: ~~صحائف أعمال بني آدم يوم القيامة، فيعطى كل واحد كتابه ~~بيمينه أو بشماله، ونظيره # وإذا الصحف نشرت # [التكوير: 10] وقوله تعالى: # ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا # [الاسراء: 13]. ### || [52.4] # قوله تعالى: { والبيت المعمور }؛ هو بيت في السماء ~~الرابعة بحيال الكعبة، معمور لحسن الثناء وزيارة الملائكة، ~~حرمته في السماء كحرمة الكعبة في الأرض، ما بينه وبين الكعبة ~~إلى نجوم الأرض السابعة حرم يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم ~~لا يعودون إليه أبدا، لو سقط منه حجر لوقع على ظهر الكعبة. ويقال: ~~البيت المعمور هو الكعبة، معمور بزيارة الناس إياه. ### || [52.5] # قوله تعالى: { والسقف المرفوع }؛ يعني السماء، قال ~~الله تعالى: # وجعلنا السمآء سقفا محفوظا # [الأنبياء: 32] سماها سقفا؛ لأنها للأرض كالسقف للبيت. ### || [52.6-9] # قوله تعالى: { والبحر المسجور }؛ يعني الموقد ~~المحمي، بمنزلة التنور المسجور، كأنه قال: والبحر ~~المملوء بالنار الموقدة، كما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: ~~(هو بحر حار يفتح يوم القيامة في جهنم)، وعن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " لا يركب البحر إلا حاج أو معتمر أو مجاهد ~~في سبيل الله، فإن تحت البحور نار ". # وقال قتادة: (المسجور: المملوء)، وفي الحديث: # " أن الله تعالى يجعل يوم القيامة البحار كلها ~~نارا، فيسجرها في جهنم " # وعن ابن عباس أنه قال: (المسجور المحبوس). # وعن علي رضي الله عنه أنه قال: (البحر المسجور بحر ~~فوق السماء السابعة تحت العرش، عمقه كما بين ~~السماء السابعة إلى الأرض السابعة وهو بحر ~~غليظ، سمي الحيوان يحيي به الله الخلائق يوم ~~القيامة يوم البعث تمطر أربعين صباحا ~~فينبتون به في قبورهم). # أقسم الله بهذه الأشياء لما فيها من الدلالة الواضحة على ~~وحدانية الله تعالى وعظم قدرته على أن تعذيب المشركين حق، ~~وهو قوله تعالى: { إن عذاب ربك لواقع }؛ أي كائن ~~في الآخرة واقع بأهله، { ما له من دافع }؛ يدفعه عنهم. # ثم بين متى يقع بهم ذلك العذاب فقال: { يوم تمور السمآء ~~مورا } أي تدور دورانا وتضطرب ms1999 وتتحرك، والمور في اللغة: ~~الذهاب والمجيء والتردد والدوران. قيل: إنها تدور كما ~~تدور الرحى، ويموج بعضها في بعض. ### || [52.10-12] # قوله تعالى: { وتسير الجبال سيرا }؛ أي تسير الجبال ~~على وجه الأرض كما يسير السحاب في الدنيا فيستوي بالأرض. ~~وقيل: معناه: تزول الجبال عن أماكنها وتصير هباء منثورا، { ~~فويل يومئذ للمكذبين }؛ أي فشدة العذاب يومئذ ~~للمذنبين، { الذين هم في خوض يلعبون }؛ يخوضون في ~~حديث محمد بالتكذيب والاستهزاء، يلهون بذكره. ### || [52.13-16] # قوله تعالى: { يوم يدعون إلى نار جهنم دعا ~~}؛ أي يدفعون إلى نار جهنم دفعا على وجوههم يحفونه، قال ~~مقاتل: (تغل أيديهم إلى أعناقهم وتجمع نواصيهم ~~إلى أقدامهم، ثم يدفعون إلى نار جهنم دفعا على ~~وجوههم، حتى إذا دنوا منها قال لهم خزنتها: ~~ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون في ~~الدنيا). # والدع: هو الدفع بشدة وعنف، تدفعهم الملائكة فيلقونهم ~~في النار على وجه الاستخفاف، ويقولون لهم: { هذه النار التي ~~كنتم بها تكذبون }. قرأ أبو رجاء العطاردي: (يوم ~~يدعون إلى نار جهنم دعا) بالتخفيف من الدعاء. # وتقول لهم ملائكة العذاب: { أفسحر هذا }؛ كما كنتم تزعمون ~~في الدنيا وتنسبون الأنبياء عليهم السلام إلى ذلك، { أم ~~أنتم لا تبصرون }؛ أي قد غطى على أبصاركم، وهذا على وجه ~~التوبيخ، والمعنى: أتصدقون الآن أن عذاب الله واقع، ويقال ~~لهم: { اصلوها }؛ أي اصلوا النار، الزموها وقاسوا شدتها، ~~{ فاصبروا }؛ على العذاب، { أو لا تصبروا سوآء ~~عليكم }؛ الصبر والجزع، { إنما تجزون ما كنتم ~~تعملون }؛ من الكفر والتكذيب. ### || [52.17-19] # قوله تعالى: { إن المتقين في جنات ونعيم * ~~فاكهين بمآ آتاهم ربهم }؛ أي فاكهين؛ أي ذووا فاكهة ~~كثيرة، وفكهين متعجبين ناعمين، { ووقاهم ربهم عذاب ~~الجحيم }؛ أي ضره عنهم، يقال لهم: { كلوا واشربوا ~~هنيئا بما كنتم تعملون }؛ أي كلوا أكلا هنيئا، ~~واشربوا شربا هنيئا، مأمون العافية من التخمة والسقم. # وقيل: انتصب قوله تعالى: { هنيئا } لأنه في صفة ~~المصدر؛ أي هنئتم هنيئا، وهو أن يكون خالصا من جميع الآفات ~~وأسباب التنغيص. # قال زيد بن أرقم: # " جاء رجل من أهل الكتاب إلى رسول الله صلى الله ms2000 عليه ~~وسلم فقال: يا أبا القاسم؛ تزعم أن أهل الجنة ~~يأكلون ويشربون. فقال: " والذي نفسي بيده؛ إن ~~الرجل منهم ليؤتى قوة مائة رجل في الأكل ~~والشرب والجماع " قال الرجل: فإن الذي يأكل ~~ويشرب يكون منه الغائط؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " ~~ذاك عرق يفيض مثل ريح المسك، فإذا كان ذلك ضمر ~~له بطنه " ". ### || [52.20] # قوله تعالى: { متكئين على سرر مصفوفة }؛ في ~~ذكر حالهم معناه: جالسين جلسة الملوك على سرر قد صف ~~بعضها إلى بعض، وقوبل بعضها ببعض، { وزوجناهم بحور عين ~~}؛ الحور: البيضاء نقية البياض من الحسن والكمال، ~~والعين: الواسعات الأعين. ### || [52.21] # قوله تعالى: { والذين آمنوا واتبعتهم ~~ذريتهم بإيمان }؛ يعني أولادهم الصغار والكبار؛ لأن ~~الكبار يتبعون الآباء بإيمانهم منهم، والصغار يتبعون الآباء ~~بإيمان من الآباء، والولد يحكم له بالإسلام تبعا للوالد، { ~~ألحقنا بهم ذريتهم }؛ يرفعون إليهم لتقر بهم ~~أعينهم وإن كانوا دونهم في العمل تكرمة لآبائهم. # وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن المؤمنين وأولادهم في الجنة، والمشركين ~~وأولادهم في النار " # وروي: # " أن خديجة بنت خويلد سألت النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن ولدين ماتا لها في الجاهلية، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: " هما في النار " ". # قوله تعالى: { ومآ ألتناهم من عملهم من شيء ~~}؛ أي لم ننقص الآباء من الثواب حين ألحقنا بهم ~~ذريتهم. # قرأ أبو عمرو (وأتبعناهم) بالألف والنون (ذرياتهم) ~~بالألف وكسر اليائين لقوله { ألحقنا } و(ما ألتنا) لئلا ~~يكون الكلام على نسق واحد. وقرأ الباقون (واتبعتهم) بالتاء من ~~غير ألف. # واختلفوا في قوله (ذرياتهم) بالتاء فقرأ نافع الأول ~~(ذريتهم) بالتاء وضمها بغير ألف، وقرأ الثاني ~~(ذرياتهم) بالألف وكسر التاء. وقرأ ابن عامر (ذرياتهم) ~~بالألف فيهما وكسر التاء، وقرأ الباقون بغير ألف فيهما وفتح الثانية. # قوله تعالى: { كل امرىء بما كسب رهين }؛ أي كل ~~امرئ كافر بما عمل من الشرك مرتهن في النار، والمؤمن لا يكون ~~مرتهنا لقوله: # كل نفس بما كسبت رهينة * إلا أصحاب اليمين # [المدثر: 38-39] واستثنى المؤمنين. ### || [52.22] # قوله تعالى: ms2001 { وأمددناهم بفاكهة ولحم مما ~~يشتهون }؛ معناه: نزيدهم في كل وقت من ألوان الفاكهة، ومن ~~كل لحم مما يشتهون من الأنعام والطيور المطبوخ والمشوي. # قوله تعالى: { يتنازعون فيها كأسا }؛ أي يتعاطون ~~ويتناولون فيها آنية مملوءة من الخمر، هذا من يد ذاك، وذاك من يد ~~هذا، ولا يكون الكأس في اللغة إلا إذا كان مملوءا، فإذا كان ~~فارغا فليس بكأس. ### || [52.23] # قوله تعالى: { لا لغو فيها }؛ أي لا يجري بينهم كلام ~~لغو ولا باطل، ولا تخاصم، { ولا تأثيم }؛ أي لا يكون منهم في ~~حال شربها ما فيه إثم كما يكون في خمر الدنيا، وقال ابن قتيبة: ~~(معناه: لا تذهب بعقولهم فيلهوا ويرفثوا كما ~~يكون من خمر الدنيا، ولا يكون منهم ما ~~يؤثمهم)، والمعنى: أن تلك الكأس لا تجعلهم آثمين. ### || [52.24] # قوله تعالى: { ويطوف عليهم غلمان لهم }؛ أي ~~يطوف عليهم الخدمة بالفواكه والأشربة وصفاء { كأنهم ~~لؤلؤ }؛ في الحسن والبياض، { مكنون }؛ مصون لا تمسه ~~الأيدي. # قال قتادة: # " ذكر لنا: أن رجلا قال: يا نبي الله، هذا الخادم ~~فكيف المخدوم؟ فقال: " والذي نفسي بيده؛ إن ~~فضل المخدوم على الخادم كفضل القمر ليلة ~~البدر على سائر الكواكب " # قالت عائشة رضي الله عنها: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " إن أدنى أهل الجنة من ينادي الخادم من ~~خدمة، فيجيبه ألف يقولون كلهم: لبيك لبيك ~~لبيك ". ### || [52.25] # قوله تعالى: { وأقبل بعضهم على بعض ~~يتسآءلون }؛ أي أقبل بعضهم على بعض في الزيادة يتحدثون في ~~الجنة، ويتذاكرون ما كانوا فيه من التعب والخوف في الدنيا، ~~ويتساءلون عن أحوالهم التي كانت في الدنيا. ### || [52.26-28] # قوله تعالى: { قالوا إنا كنا قبل في أهلنا ~~مشفقين }؛ معناه: إنهم يقولون إنا كنا من قبل أن ~~ندخل الجنة خائفين في الدنيا من القيامة وأهوالها، ومن النار ~~وعذابها بمعصية وقعت منا أو تقصير في طاعتنا، { فمن الله ~~علينا } بالمغفرة وقبول الطاعة، { ووقانا عذاب ~~السموم }؛ أي دفع عنا عذاب سموم جهنم، { إنا كنا من ~~قبل ندعوه }؛ أي نوحده ونعبده في الدنيا، { إنه هو ~~البر الرحيم }؛ أي هو ms2002 اللطيف بعباده، الرحيم بهم. # والسموم: من أسماء جهنم في قول الحسن، وقال الكلبي: (عذاب ~~النار)، وقال الزجاج: (هو لفح جهنم وحرها). ومن قرأ ~~(إنه هو) بكسر الهمز فإنه استأنف الكلام. ### || [52.29] # قوله تعالى: { فذكر فمآ أنت بنعمة ربك ~~بكاهن ولا مجنون } أي فعظ بالقرآن أهل مكة، ولا تترك ~~وعظهم لنسبتهم إياك إلى الكهانة والجنون، فلست بحمد الله كما ~~يقولون. # والكاهن هو المبتدع القول الذي يقول: معي تابع من الجن، ~~والمعنى فما أنت بنعمة ربك بإنعامه عليك بالنبوة بكاهن، وهو ~~الذي يوهم أنه يعلم الغيب ويخبر بما في غد من غير وحي؛ أي لست ~~تقول ما تقوله كهانة ولا تنطق إلا بالوحي. ### || [52.30] # قوله تعالى: { أم يقولون شاعر نتربص به ريب ~~المنون }؛ أي بل يقولون هو شاعر ننتظر به نوائب المنون ~~فنستريح منه، وريب المنون: حوادث الدهر وصروفه؛ أي ننتظر ~~به حدثان الموت وحدثان الدهر، فيهلك كما هلك من قبله من ~~الشعراء. # وفي اللغة: مننت الجبل؛ أي قطعته ومننت الشيء إذا ~~أنقضته، والموت يقطع الأجل فسمي المنون، والدهر ينقض فسمي ~~المنون، وقد يكون المنون بمعنى المنية. ### || [52.31] # قوله تعالى: { قل تربصوا }؛ أي انتظروا في الموت، ~~{ فإني معكم من المتربصين }؛ أي من المنتظرين ~~عذابكم، فعذبوا يوم بدر بالسيف. وقيل: معناه: قل تربصوا ~~بي الدوائر، فإني معكم من المتربصين بكم. # فأهلك الله القوم الذين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم هذا ~~القول قبل قبضه عليه السلام وكان منهم أبو جهل، وكانوا يعلمون ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس بشاعر كما علموا أنه صلى الله ~~عليه وسلم ليس بمجنون. ### || [52.32] # قوله تعالى: { أم تأمرهم أحلامهم بهذآ }؛ ~~معناه: أم تأمرهم عقولهم بهذا، وذلك أن قريشا كانوا يعدون ~~في الجاهلية أهل الأحلام ويوصفون بالعقل، فأزرى الله ~~بحلومهم حيث لم يثمر لهم معرفة الحق من الباطل. وقيل ~~لعمرو بن العاص: (ما بال قومك لم يؤمنوا وقد ~~وصفهم الله بالعقول؟ فقال: تلك عقول لم ~~يصحبها التوفيق). # وقوله تعالى: { أم هم قوم طاغون }؛ أي بل هم قوم طاغون ms2003 ~~حملهم الطغيان على تكذيبك يا محمد، وكانوا يزعمون أن ~~محمدا كان لا يوازيهم في عقولهم وأحلامهم، فقيل لهم على ~~وجه التعجب: أتأمرهم أحلامهم بهذا الذي يفعلونه أم طغيانهم ~~وإفراطهم في الكفر. ### || [52.33-34] # قوله تعالى: { أم يقولون تقوله }؛ معناه: يقولون ~~إن محمدا اختلق القرآن من تلقاء نفسه، والتقول: ~~تكلف القول، لا يستعمل إلا في الكذب، بل ليس كما يقولون، { بل ~~لا يؤمنون }؛ استكبارا. ثم ألزمهم الحجة فقال تعالى: { ~~فليأتوا بحديث مثله }؛ أي مثل القرآن في نظمه وحسن ~~بنائه، { إن كانوا صادقين }؛ أن محمدا تقوله في ~~نفسه، فإن اللسان لسانهم وهم مستوون في السربة. ### || [52.35] # قوله تعالى: { أم خلقوا من غير شيء أم هم ~~الخالقون }؛ معناه: أخلقوا من غير رب، وتكونوا من ذات ~~أنفسهم؟ أم هم الخالقون فلا يسألون عن أعمالهم؟ قال ابن عباس: ~~(معناه: أخلقوا من غير أم وأب فهم كالجماد لا ~~يعقلون ولا تقوم لله عليهم حجة، أليسوا ~~خلقوا من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة). وقال ~~ابن كيسان: (معناه: أخلقوا عبثا فيتركون سدى، لا ~~يؤمرون ولا ينهون، أم هم الخالقون لأنفسهم؟ ~~فلا يجب لله عليهم أمر). ### || [52.36] # قوله تعالى: { أم خلقوا السماوات والأرض }؛ ~~فيكونوا هم الخالقون، بل ليس الأمر على هذا، { بل لا يوقنون }؛ ~~بالحق وهو توحيد الله وقدرته على البعث. ### || [52.37] # قوله تعالى: { أم عندهم خزآئن ربك أم هم ~~المصيطرون }؛ معناه: أبأيديهم مفاتيح ربك بالرسالة، ~~فيضعونها حيث شاءوا؟ وقيل: معناه: أبأيديهم مقدورات ربك. ~~وقال الكلبي: (معناه: خزائن المطر والرزق). # قوله: (أم هم المسيطرون) أي أم هم المسلطون على الناس، ~~فلا يكونوا بحيث أمر ولا نهي يفعلون ما شاءوا. ويقرأ ~~(المصيطرون) بالصاد، والأصل فيه السين، إلا أن كل سين ~~بعدها (طاء) يجوز أن تقلب صادا. وفي هذه الآية تنبيه على عجزهم ~~وتلبيس لسوء طريقتهم. ### || [52.38] # قوله تعالى: { أم لهم سلم يستمعون فيه }؛ أي ~~لهم مصعد ومرقاة يرتقون بها إلى السماء يستمعون فيه الوحي ~~ويعلمون أن ما هم عليه حق، { فليأت مستمعهم }؛ إن كان ~~لهم مستمع، { بسلطان مبين }؛ بحجة ms2004 ظاهرة. ### || [52.39] # قوله تعالى: { أم له البنات ولكم البنون }؛ هذا ~~إنكار عليهم وتسفيه لأحلامهم، ومبالغة لتجهيلهم حيث يصفون البنات ~~إلى الله بقولهم: بنات الله، ويضيفون البنين إلى أنفسهم. ### || [52.40] # قوله تعالى: { أم تسألهم أجرا }؛ معناه: أتسألهم يا ~~محمد على ما جئتهم من الدين والشريعة أجرا؛ أي جعلا، { فهم ~~من مغرم مثقلون }؛ أي أثقلهم ذلك الغرم الذي سألتهم، ~~فمنعهم ذلك عن الإسلام. والمعنى: أسألتهم أجرة تثقلهم وتجدهم ~~وتمنعهم عن الاستماع إلى ذلك. ### || [52.41] # قوله تعالى: { أم عندهم الغيب فهم يكتبون }؛ ~~قال قتادة: (هذا جواب لقولهم: نتربص به ريب ~~المنون. فقال الله تعالى: أعندهم الغيب حتى ~~علموا أن محمدا يموت قبلهم فهم يكتبون). ~~وقيل: معناه: أعندهم علم الغيب حتى علموا أن ما يخبرهم به ~~النبي صلى الله عليه وسلم من أمر القيامة والبعث والحساب والثواب ~~والعقاب باطل غير كائن. ### || [52.42] # قوله تعالى: { أم يريدون كيدا فالذين كفروا ~~هم المكيدون }؛ أي بل يريدون بك كيدا ومكرا ليهلكوا بذلك ~~المكر، وهو كيدهم به في دار الندوة، فالذين كفروا هم ~~المجازون على كيدهم، ويحيق ذلك الكيد والمكر بهم، فقتلوا ~~يوم بدر وأسروا. ### || [52.43] # قوله تعالى: { أم لهم إله غير الله }؛ يمنعهم ~~من مكر الله وعذابه ويحفظهم وينصرهم، { سبحان الله عما ~~يشركون }؛ به من آلهة، وسبحانه عن أن يكون له ولد. # و(أم) في هذه السورة في خمسة عشر موضعا، عشرة منها ليست إلا ~~على وجه الإنكار، وفي الخمسة ما يحتمل الإنكار ويحتمل غيره. ### || [52.44] # قوله تعالى: { وإن يروا كسفا من السمآء ساقطا ~~يقولوا سحاب مركوم } معناه: إن هؤلاء لا يؤمنون حتى لو ~~رأوا قطعا من العذاب ساقطا عليهم لطغيانهم وعتوهم، يقولوا ~~سحاب مركوم، قد ركم بعضه على بعض، فيلبسوا على أنفسهم ~~بغاية جهلهم ما يشاهدون. ### || [52.45-46] # قوله تعالى: { فذرهم }؛ أي اتركهم، { حتى ~~يلقوا }؛ يعاينوا، { يومهم الذي فيه يصعقون }؛ ~~أي يهلكون، والصعق: الهلاك بما يصدع القلب، وقيل: ~~المراد بالصعق ها هنا اليوم الذي فيه النفخة الأولى. قرأ الأعمش ~~وعاصم وابن عامر (يصعقون) بضم الياء؛ أي يهلكون من ms2005 أصعقهم ~~الله إذا أهلكهم، { يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ~~ولا هم ينصرون }؛ وذلك اليوم لا ينفعهم كيدهم ولا يمنعهم من ~~العذاب مانع. ### || [52.47] # قوله تعالى: { وإن للذين ظلموا عذابا دون ~~ذلك }؛ معناه: إن لهؤلاء الكفار عذابا دون عذاب الآخرة، يعني ~~القبر. وقيل: معناه: إن لكفار مكة عذابا في الدنيا قبل ~~عذاب الآخرة، يعني القتل ببدر، وقال مجاهد: (الجوع والقحط)، { ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون }؛ ما هو نازل بهم. ### || [52.48-49] # قوله تعالى: { واصبر لحكم ربك }؛ أي اصبر لحكم ~~ربك إلى أن يقع بهم العذاب، وقيل: اصبر على تبليغ الوحي ~~والرسالة إلى أن يقضي لك ذلك ربك فيهم، { فإنك بأعيننا ~~}؛ أي فإنك بحيث نراك ونحفظك ونرعاك، وإنهم لا يصلون إلى ~~مكروهك. # قوله تعالى: { وسبح بحمد ربك حين تقوم }؛ يعني ~~تقوم من النوم، كما روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~إذا انتبه قال: # " الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه ~~النشور ". # وعن الربيع بن أنس: (أن المراد به القيام في الصلاة، ~~وهو ما يقال عند تكبيرة الافتتاح " سبحانك ~~اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا ~~إله غيرك " ). # وقيل: المراد بهذه الآية صلاة الفجر عند القيام من النوم، ~~ويقال: المراد منه التسبيح عند القيام من كل مجلس، كما روي عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " كفارة المجالس كلمات جاءني جبريل بهن: ~~سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، ~~أستغفرك وأتوب إليك. فإن كان مجلس ذكر، كان ~~كالطابع عليه إلى يوم القيامة، وإن كان مجلس ~~لغو، كان كفارة لما كان قبله ". # والأقرب إلى الظاهر من هذه التأويلات: أنه صلاة الفجر؛ لأن ~~الله تعالى عقبه بقوله: { ومن الليل فسبحه }؛ ~~والمراد به صلاة المغرب والعشاء، وأما، { وإدبار النجوم }؛ ~~فركعتان قبل فريضة الفجر، كما روي عن علي رضي الله عنه أنه ~~قال: (إدبار السجود الركعتان بعد المغرب، ~~وإدبار النجوم الركعتان قبل الفجر). وعن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها ". ### | [53 - سورة النجم] ms2006 ### || [53.1-4] # { والنجم إذا هوى }؛ اختلفوا في القسم الذي في أول هذه ~~السورة، وقال بعضهم - وهو الأظهر -: أن النجم اسم جنس أريد به ~~النجوم كلها إذا هوت للأفول. # فائدة القسم بها ما فيها من الدلالة على وحدانية الله تعالى؛ ~~لأنه لا يملك طلوعها وغروبها إلا الله عز وجل، فالقسم ~~قسم بربها. وجواب القسم: { ما ضل صاحبكم وما غوى * ~~وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى } يعني ~~النبي صلى الله عليه وسلم؛ أي ما ضل عن طريق الهدى وعن الصواب ~~فيما يؤديه عن الله تعالى. # وعن مجاهد: (أنه أراد بالنجم الثريا إذا سقطت ~~وغابت)، والعرب تسمي الثريا نجما وإن كانت في العدد ~~نجوما، قال أبو بكر الدينوري: (هي سبعة أنجم، فستة ~~ظاهرة، وواحد منها خفي يمتحن الناس فيه ~~أبصارهم). # وقال الضحاك: (معناه: والقرآن إذا نزل ثلاث آيات أو ~~أربع آيات وسورة، كان أول القرآن وآخره ثلاث ~~وعشرين سنة، أقسم الله بالقرآن إذ نزل نجوما ~~متفرقة على رسول الله صلى الله عليه وسلم). # وذلك: أن كفار مكة قالوا: إن محمدا يقول القرآن من ~~تلقاء نفسه، فأقسم الله بالقرآن ونزوله نجما بعد نجم، أن ~~محمدا لم ينطق إلا عن وحي يوحى، وإنه لم ينطق به من هوى ~~نفسه. ### || [53.5] # قوله تعالى: { علمه شديد القوى }؛ يعني جبريل عليه السلام ~~هو شديد البنية والخلقة، ومن قوة جبريل: أنه أدخل جناحه ~~تحت قريات قوم لوط فقلعها من الماء الأسود ورفعها إلى ~~السماء، ثم قلبها فأقبلت تهوي من السماء إلى الأرض، وكان من ~~شدته أيضا أنه أبصر إبليس وهو يكلم عيسى عليه السلام على بعض ~~أعتاب الأرض المقدسة، فنفخه بجناحه نفخة ألقاه إلى أقصى جبل ~~بالهند، وكان من شدته أيضا أنه أهلك بصيحته ثمود فأصبحوا ~~جاثمين. ### || [53.6-7] # قوله تعالى: { ذو مرة فاستوى }؛ أي جبريل عليه السلام ~~ذو قوة وشدة في خلقه. وقيل: ذو منظر حسن، قال قطرب: ~~(يقول العرب لكل جزل الرأي حصيف العقل: ذو ~~مرة). قال الشاعر: # قد كنت قبل لقائكم ذا مرة # عندي لكل ms2007 مخاصم ميزانه # وكان من جزالة رأيه وحصافة عقله إن الله تعالى ائتمنه على ~~تبليغ وحيه إلى جميع رسله. # وقوله تعالى: { فاستوى } يعني جبريل، وقيل: المعنى: { ذو ~~مرة } أي ذو مرور في الجو منحدر أو صاعد على السرعة. ~~وقوله تعالى: { فاستوى } أي فانتصب واقعا على صورة الملائكة ~~التي خلقه الله عليها، فرآه النبي صلى الله عليه وسلم منتصبا في ~~السماء بعد أن كان مسرعا، فاستوى في أفق المشرق في رأي ~~العين، كما روي في الحديث: # " أنه طبق الأفق كله بكلكله، له ستمائة ~~جناح فيها ألوان زاهرة، وتتنافر منه الدرر " # وذلك قوله تعالى: { وهو بالأفق الأعلى }؛ يعني جانب ~~المشرق وهو فوق جانب المغرب. ### || [53.8-9] # قوله تعالى: { ثم دنا فتدلى }؛ أي دنا جبريل عليه ~~السلام بعد استوائه بالأفق الأعلى، { فكان قاب قوسين أو ~~أدنى }؛ قال المفسرون: وذلك أن جبريل كان يأتي النبي صلى ~~الله عليه وسلم في صورة الآدميين، فسأله النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يريه نفسه على صورته التي خلق عليها، فأراه نفسه ~~مرتين، مرة في الأرض ومرة في السماء. # فأما في الأرض ففي الأفق الأعلى، يعني أفق المشرق، وذلك أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم كان بحراء فطلع له جبريل من المشرق ~~فسد الأفق إلى المغرب، فخر النبي صلى الله عليه وسلم ~~مغشيا عليه، فنزل جبريل عليه السلام في صورة الآدميين ~~وضمه إلى نفسه، وهو قوله { ثم دنا فتدلى } أي قرب ~~بعد بعده وعلوه في الأفق الأعلى. # والمعنى: نزل جبريل عليه السلام بعد استوائه، فدنا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وتدلى اليه بأن نكس رأسه فرآه ~~النبي صلى الله عليه وسلم متدليا كما رآه منتصبا حتى بينه ~~وبين النبي صلى الله عليه وسلم قدر قاب قوسين من قسي العرب ~~أو أدنى، معناه: وأقرب في رأي العين. # قال الزجاج: (كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم مقدار قوسين، وإنما خص القوس في الآية؛ ~~لأن مقدارها في الأغلب لا يتفاوت بزيادة ولا ~~نقصان). ويقال: إن المراد بالقوس هنا ms2008 الذراع، وسمي الذراع ~~قوسا لأنه تقاس به الأشياء، قال ابن مسعود: (معناه: فكان ~~قدر ذراعين أو أدنى من ذراعين). # وأما دخول (أو) ها هنا في قوله: { أو أدنى } معناه: أو أدنى ~~فيما تقدرون أنتم والله تعالى عالم بمقادير الأشياء، ولكنه ~~يخاطبنا على ما جرت به عادة المخاطبة فيما بيننا. # ومعنى قوله تعالى: { قاب قوسين } أي قدر قوسين، يقال ~~(قاب قوسين) وقيب قوسين وقيد قوسين، كل بمعنى واحد. ~~والتدلي في اللغة: هو الامتداد إلى جهة الأسفل، ومنه تدلى ~~القبر، ومنه إدلاء الدلو وهو إرسالها في البئر. # ومن الدليل على أن المراد بشديد القوى جبريل عليه السلام، ~~قوله تعالى: # إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش ~~مكين # [التكوير: 19-20] # ولقد رآه بالأفق المبين # [التكوير: 23] وهو مطلع الشمس. ### || [53.10] # قوله تعالى: { فأوحى إلى عبده مآ أوحى }؛ أي ~~فأوحى جبريل عليه السلام إلى عبدالله محمد صلى الله عليه وسلم ~~ما أمره الله أن يوحيه إليه، ويجوز أن يكون معناه: فأوحى الله ~~إلى عبده ما أوحى، قال سعيد بن جبير: (أوحي إليه: # ألم يجدك يتيما فآوى * ووجدك ضآلا فهدى... # [الضحى: 6-7] إلى قوله # ورفعنا لك ذكرك # [الإنشراح: 4]. وقيل: أوحى إليه (أن الجنة محرمة ~~على الأنبياء حتى تدخلها، وعلى الأمم حتى ~~تدخلها أمتك). ### || [53.11] # قوله تعالى: { ما كذب الفؤاد ما رأى }؛ أي ما كذب ~~فؤاد محمد صلى الله عليه وسلم فيما رآه ببصره من صورة جبريل ~~عليه السلام، ومن عجائب السماوات؛ يك قبل القلب ذلك، وأيقن أن ~~ما رآه حق، كما هو لم يشك فيه ولا أنكره ولم يعتقد عن ~~تخيل ولا أخبر عن توهم. وقرأ الحسن وأبو جعفر وقتادة وابن ~~عامر: (ما كذب الفؤاد) بالتشديد؛ أي ما كذب قلب محمد ~~ما رأى بعينه تلك الليلة، بل صدقه وحققه. # وقيل: هذا إخبار عن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم ليلة ~~المعراج ربه! قال ابن عباس: (رأى محمد ربه بفؤاده ~~ولم يره بعينه، ويكون ذلك على أن الله جعل ~~بصره في فؤاده أو خلق لفؤاده ms2009 بصرا حتى رأى ~~ربه رؤية غير كاذبة كما يرى بالعين). وقال ~~عكرمة: (إنه رأى ربه بعينه!) وكان يحلف بالله لقد رأى ~~محمد ربه. # ومذهب ابن مسعود وعائشة في هذه الآية: (أنه رأى جبريل في ~~صورته التي خلق عليها). والفؤاد دعاء القلب، فما ~~ارتياب الفؤاد فيما رأى الأصل وهو القلب. ### || [53.12] # قوله تعالى: { أفتمارونه على ما يرى }؛ من آيات ~~الله، قرأ علي وابن مسعود وابن عباس وعائشة ومسروق والنخعي وحمزة ~~والكسائي وخلف ويعقوب: (أفتمرونه) بفتح التاء من غير ألف على ~~معنى أفتجحدونه، تقول العرب: مريت الرجل حقه إذا ~~جحدته. # وقرأ سعيد بن جبير وطلحة وابن مصرف (أفتمرونه) بضم التاء من ~~غير ألف؛ أي تشككونه. وقرأ الباقون (أفتمارونه) أي ~~أفتجادلونه. وفي الحديث: # " لا تماروا في القرآن، فإن المراء فيه كفر ". # وعن الشعبي عن عبدالله بن الحارث قال: (اجتمع ابن عباس ~~وكعب، فقال ابن عباس: أما نحن بنو هاشم ~~فنقول: إن محمدا رأى ربه عز وجل مرتين، ~~وقال ابن عباس: أتعجبون أن تكون الخلة ~~لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد صلى الله ~~عليه وسلم). # وقال الشعبي: (فأخبرني مسروق أنه قال لعائشة: يا ~~أماه؛ هل رأى محمد ربه عز وجل قط؟ قالت: ~~إنك لتقول قولا ليقف منه شعري، قال: قلت: ~~رويدا فقرأ عليها # والنجم إذا هوى... # [النجم: 1] إلى قوله # فكان قاب قوسين أو أدنى # [النجم: 9]. فقالت: أين يذهب بك! إنما رأى جبريل في ~~صورته، من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب، ~~قال الله تعالى: # لا تدركه الأبصر # [الأنعام: 103]. # وفي الرؤية قالت عائشة رضي الله عنها: (من زعم أن ~~محمدا رأى ربه فقد أعظم الفرية على الله عز ~~وجل، ومن حدثك أنه يعلم الخمس من الغيب ~~فقد كذب، قال الله تعالى: # إن الله عنده علم الساعة # [لقمان: 34]، ومن حدثك أن محمدا كتم شيئا من ~~الوحي فقد كذب)، قال عبدالرزاق: (فذكرت هذا الحديث ~~لمعمر فقال: ما عائشة عندنا بأعلم من ابن ~~عباس). ### || [53.13-14] # قوله تعالى: { ولقد رآه نزلة أخرى * عند ~~سدرة المنتهى }؛ أي رأى محمد جبريل ms2010 مرة أخرى، فسماها ~~{ نزلة أخرى } على الاستعارة، وذلك أن جبريل رآه النبي ~~صلى الله عليه وسلم على صورته التي خلق عليها مرتين، مرة في ~~الأرض بالأفق الأعلى، ومرة في السماء عند سدرة المنتهى، ولأنه ~~قال { نزلة أخرى } تقديره: ولقد رآه نازلا نزلة أخرى. # والسدرة: هي شجرة النبق، وها هنا شجرة في السماء ~~السابعة، قيل: إنها شجرة طوبى، وقال الكلبي: (هي شجرة ~~عن يمين العرش فوق السماء السابعة، نبقها مثل ~~قلال هجر وورقها مثل آذان الفيلة، يخرج من ~~باطنها نهران باطنان ونهران ظاهران. # أما الباطنان ففي الجنة، وهما التسنيم ~~والسلسبيل - وقيل: التسنيم والكوثر. وأما ~~الظاهران فالنيل والفرات، وهي تحمل لأهل ~~الجنة الحلي والحلل وجميع الثمار، وسميت ~~المنتهى؛ لأنه ينتهي إليها كل ملك مقرب ~~ونبي مرسل، لا يعلم ما وراءها إلا الله ~~سبحانه). # وقال ابن مسعود: (سميت المنتهى؛ لأنه ينتهي ~~إليها ما يصعد به من الأرض فيقبض فيها، وإليها ~~ينتهي ما يهبط به من فوقها، فيقبض فيها). ~~والمنتهى: موضع الانتهاء. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم فانتهى به إلى ~~السدرة، فإذا هي شجرة يخرج من أصلها أربعة ~~أنهار: نهر من ماء غير آسن، ونهر من لبن لم ~~يتغير طعمه، ونهر من خمر لذة للشاربين، ~~ونهر من عسل مصفى. وهي شجرة يسير الراكب في ~~ظلها سبعين عاما لا يقطعها، والورقة الواحدة ~~منها تغطي الأمة كلها ". # وعن أسماء بنت أبي بكر؛ قالت: # " سمعت رسول الله يذكر سدرة المنتهى قال: " ~~يسير الراكب في ظلها مائة عام " # وقال مقاتل: (هي شجرة لو أن ورقة منها وضعت في ~~الأرض أضاءت لأهل الأرض كلهم، تحمل الحلي ~~والحلل والثمار وجميع الألوان، وهي طوبى التي ~~ذكرها الله في سورة الرعد). ### || [53.15] # قوله تعالى: { عندها جنة المأوى }؛ معناه: عند ~~سدرة المنتهى جنة المأوى، وهي جنة يأوي إليها جبريل والملائكة، وقال ~~مقاتل والكلبي: (جنة تأوي إليها أرواح الشهداء ~~والصالحين). ### || [53.16] # قوله تعالى: { إذ يغشى السدرة ما يغشى }؛ أي ~~يغشى السدرة من النور والبهاء والحسن ms2011 والصفاء ما ليس لوصفه ~~منتهى. # " وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما يغشى ~~السدرة فقال: " يغشاها جراد من ذهب " # وروي # " فراش من ذهب " # وعن ابن عباس: (أنه يغشاها ملائكة أمثال الغربان ~~حتى يقعن على الشجرة). قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " رأيت على كل ورقة من ورقها ملكا قائما ~~يسبح الله عز وجل " # وقيل: يغشى من جهة الله عز وجل فاستنارت. ### || [53.17] # قوله تعالى: { ما زاغ البصر وما طغى }؛ أي ما مال ~~بصر النبي صلى الله عليه وسلم يمينا ولا شمالا ولا طغى ولا ~~تجاوز ما رأى، وهذا وصف أدبه في ذلك المقام إذ لم يلتفت جانبا، ~~ولم يمل بصره ولم يمده أمامه إلى حيث ينتهي. ### || [53.18] # قوله تعالى: { لقد رأى من آيات ربه الكبرى }؛ ~~لقد رأى تلك الليلة من عجائب ربه عجيبة عظماء، وهي جبريل على ~~صورته، وقال ابن مسعود: (رأى رفرفا من الجنة أخضر قد ~~سد الأفق). وقيل: هي الآيات العظمى التي رآها تلك الليلة. ### || [53.19-20] # قوله تعالى: { أفرأيتم اللات والعزى * ومناة ~~الثالثة الأخرى } قرأ مجاهد وأبو صالح (اللات) بتشديد ~~التاء، وقالوا: كان رجلا يلت السويق للحاج، فلما مات ~~عكفوا على قبره يعبدونه. وروى السدي عن أبي صالح: (أنه كان ~~رجلا بالطائف يقوم على آلهتهم ويلت لهم ~~السويق بالزيت، فلما مات عبدوه). وقال الكلبي: (هو ~~رجل من ثقيف يقال له صرمة بن عمر، كان يسلي ~~السمن فيضعه على صخرة، فتأتي العرب فتلت به ~~أسوقتهم). # " وأما العزى فقال مجاهد: (شجرة لغطفان يعبدونها) ~~وهي التي بعث إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خالد بن الوليد فقطعها، وجعل خالد يضربها ~~بالفأس ويقول: يا عزى كفرانك لا سبحانك، إني ~~رأيت الله قد أهانك. فخرجت من تحتها شيطانة ~~عريانة ناشرة شعرها، داعية بويلها، واضعة ~~يدها على رأسها، فقتلها خالد ثم رجع إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وأخبره بذلك، فقال: " تلك ~~العزى، ولن تعبد أبدا " ". # وأما مناة فهو صنم لخزاعة، وقال الضحاك: (معناه: صنم ~~لهذيل)، وقال: (إن مناة ms2012 صنم كانت لهذيل وخزاعة ~~يعبدونها من دون الله). وقال بعضهم: اللات والعزى، ~~ومناة أصنام من حجارة كانت في جوف الكعبة. # والمعنى: أخبرونا عن الآلهة التي تعبدونها من دون الله، هل لها ~~قدرة توصف بها كما يوصف الله بالقدرة والعظمة، وهي أسماء ~~أصنام يعبدونها، وانتقوا لها اسما من أسماء الله تعالى، فقالوا: ~~من الله اللات، ومن العزيز العزى، ومن المنان مناة بالهاء. # وقال الزجاج: (الوقف عليها بالتاء لاتباع ~~المصحف)، وكان ابن كثير يقول: (ومنأة) بالمد والهمزة، ~~والصحيح: قراءة العامة بالقصر، و(الثالثة) نعت لمناة، يعني ~~الثالثة للصنمين في الذكر، والأخرى نعت لها أيضا. ### || [53.21-22] # قوله تعالى: { ألكم الذكر وله الأنثى }؛ هذا ~~إنكار عليهم في أنهم كانوا يزعمون أن هذه الأصنام بنات الله، ~~فقيل لهم: كيف جعلتم هذه الأشياء المؤنثة أولاد الله وأنتم لا ~~ترضون لأنفسكم الإناث وتكرهونها؟ وقوله تعالى: { تلك إذا ~~قسمة ضيزى }؛ أي قسمة جائرة غير عادلة، يقال: ضازه ~~يضيزه إذا نقصه حقه. ### || [53.23] # قوله تعالى: { إن هي إلا أسمآء سميتموهآ ~~أنتم وآبآؤكم }؛ معناه: وما هذه اللات والعزى ومناة إلا ~~أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم الذين مضوا قبلكم، { مآ أنزل ~~الله بها من سلطان }؛ وبرهان؛ أي لم ينزل كتابا لكم ~~حجة بما تقولون أنها آلهة، والمعنى: ما أنزل الله بعبادتها من ~~سلطان، { إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس }؛ ~~في قولهم: إنها آلهة، وقولهم: هذه بنات الله. # وقوله تعالى: { ولقد جآءهم من ربهم الهدى }؛ معناه: ~~ولقد جاءهم من ربهم الكتاب والرسول والبيان أنها ليست بآلهة، ~~وأن العبادة لا تصلح لها، وإنما تصلح لله عز وجل. والمعنى: ~~أنهم يعقلون ذلك بعد أن جاءهم الهدى، وذلك أبلغ في الذم. ### || [53.24-25] # قوله تعالى: { أم للإنسان ما تمنى }؛ أي ما اشتهى، ~~والمراد بالإنسان الكافر، وكان الكفار يعبدون الأصنام، ويزعمون ~~أنها تشفع لهم عند الله، ويتمنون على الله الجنة. والمعنى: ~~أيظنون أن لهم ما يتمنون من شفاعة الأصنام، وليس كما ~~يظنون ويتمنون، بل { فلله الآخرة والأولى }؛ لا يعطي ~~أحدا شيئا بالتمني، وإنما يعطي بالحكمة وعلى سبيل الاستحقاق، ms2013 ~~فيزيد من فضله من يشاء. وقيل: معناه { فلله الآخرة ~~والأولى } أن لا يملك فيهما أحد شيئا إلا بإذنه، يعطي من ~~يشاء ويحرم من يشاء. ### || [53.26] # قوله تعالى: { وكم من ملك في السموت لا ~~تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله ~~لمن يشآء ويرضى }؛ جمع الكناية لأن المراد بقوله { وكم ~~من ملك } الكثرة، والمعنى: لا تغني شفاعتهم أحدا إلا من ~~بعد أن يأذن الله لهم في الشفاعة، ويرضى بشفاعتهم. ويقال: ~~ويرضى المشفوع له، وهذا كقوله # ولا يشفعون إلا لمن ارتضى # [الأنبياء: 28]. ### || [53.27-28] # قوله تعالى: { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ~~ليسمون الملائكة تسمية الأنثى } يعني أنهم قالوا: ~~إن الملائكة بنات الله، تعالى الله عما يقولون علوا ~~كبيرا. قوله تعالى: { وما لهم به من علم }؛ أي ما ~~لهم بتلك التسمية من علم وما يستبقون أنهم إناث، { إن ~~يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من ~~الحق شيئا }؛ أي لا يقوم الظن مقام الحق، وهذا يدل على أن ~~الظان غير عالم، وأن العبادة بالظن لا تدفع من عذاب الله ~~شيئا. ### || [53.29-30] # قوله تعالى: { فأعرض عن من تولى عن ذكرنا }؛ ~~أي أعرض يا محمد عمن أعرض عن القرآن، { ولم يرد إلا ~~الحياة الدنيا }؛ أي ولم يرد بعلمه إلا الحياة الدنيا ~~وزينتها، وهذا مما نسخته آية القتال، وقوله تعالى: { ذلك ~~مبلغهم من العلم }؛ أي لم يبلغوا من العلم إلا ظنهم ~~أن الملائكة بنات الله، وأنها تشفع لهم، فاعتمدوا ذلك ~~وأعرضوا عن القرآن. # وقيل: معناه: أن غاية علمهم أن آثروا الدنيا على ~~الآخرة، وهذا غاية الجهل. قوله تعالى: { إن ربك هو ~~أعلم بمن ضل عن سبيله }؛ إي إنه عالم بهم، فهو يجازيهم، ~~{ وهو أعلم بمن اهتدى }؛ أي إنه عالم بالفريقين. ### || [53.31-32] # قوله تعالى: { ولله ما في السموت وما في ~~الأرض }؛ إخبار عن قدرته وسعة ملكه، ليجزي في الآخرة ~~المحسن والمسيء، معناه: { ليجزي الذين أساءوا }؛ أي ~~أشركوا، { بما عملوا }؛ من الشرك، { ويجزي الذين ~~أحسنوا }؛ أي وحدوا ربهم، { بالحسنى }؛ أي بالجنة. # ثم نعتهم فقال: { الذين يجتنبون كبائر ms2014 الإثم ~~والفواحش }؛ فكبائر الإثم وهو كل ذنب ختم بالنار، ~~والفواحش، كل ذنب فيه حد. قوله تعالى: { إلا اللمم ~~}؛ هذا استثناء منقطع ليس الكبائر والفواحش. # وقال ابن عباس: أشبه شيء باللمم ما قاله أبو ~~هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: # " إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى، وهو ~~الله يدرك ذلك لا محالة، فزنى العينين النظر، ~~وزنى اللسان النطق، وزنى الشفتين التقبيل، وزنى ~~اليدين البطش، وزنى الرجلين المشي، والنفس ~~تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله أو ~~يكذبه، فإن تقدم بفرجه كان زانيا وإلا فهو ~~اللمم ". # وفي هذا دليل أن الأشياء إذا وجدت على التعمد لم تكن من ~~اللمم، واللمم ما يكون من الفلتات النادرة التي لا يملكها ~~ابن آدم من نفسه؛ لأن الأمة اجتمعت على أن متعمد ~~النظر إلى ما لا يحل فاسق. # واللمم في اللغة: هو مقاربة الشيء من غير دخول فيه، ~~يقال: ألم بالشيء يلم إلماما إذا قاربه. وعن هذا يقال: ~~صغائر الذنوب كالنظرة والقبلة والغمزة، وما كان دون الزنى، ~~وقال ابن عباس: " اللمم: النظرة من غير تعمد ~~وهو مغفور، فإن أعاد النظر فليس بلمم وهو ~~الذنب). # قوله تعالى: { إن ربك واسع المغفرة }؛ أي إن ~~رحمة ربك تسع جميع الذنوب، { هو أعلم بكم إذ ~~أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون ~~أمهاتكم } معناه: هو أعلم بكم من أنفسكم إذ خلق أباكم آدم ~~من التراب. والجنين: ما كنتم صغارا في أرحام أمهاتكم علم ~~عند ذلك ما يستحصل منكم، والأجنة: جمع جنين، والمعنى: علم ~~الله من كل نفس ما هي صانعة، وإلى ما هي صائرة، { فلا ~~تزكوا أنفسكم }؛ بما ليس فيها ولا تبرؤونها من العيوب ~~التي فيها. # وقيل: معناه: لا تزكوا أنفسكم بما عملتم، لا يقولن ~~رجل: عملت كذا، وتصدقت بكذا؛ ليكون أبلغ بالخضوع وأبعد من ~~الرياء. وقيل: معناه: لا تبرؤا أنفسكم من الآثام ~~وتمدحونها بحسن عملها، { هو أعلم بمن اتقى }؛ ~~الشرك وآمن وأطاع وأخلص العمل. ### || [53.33-34] # قوله تعالى: { أفرأيت الذي تولى * وأعطى ~~قليلا ms2015 وأكدى }؛ يعني الوليد بن المغيرة، أعرض عن التصديق ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم وأعطى قليلا من الحق بلسانه ثم قطع، ~~وكان الوليد قد اتبع النبي صلى الله عليه وسلم على دينه، فغيره ~~بعض المشركين فترك دينه، فقال: إني خشيت من عذاب الله، فضمن ~~الذي عاينه إن هو أعطاه شيئا من ماله ورجع إلى شركه، أن ~~يتحمل عنه العذاب، ففعل. يعني رجع إلى الشرك وأعطاه ذلك الرجل ~~بعض ما كان ذكر له من المال ومنعه تمامه، فأنزل الله هذه ~~الآية: { أفرأيت الذي تولى * وأعطى قليلا } أي ~~أدبر عن إيمانه وأعطى صاحبه قليلا من المال الذي وعده به { ~~وأكدى } أي بخل بالباقي. # قال المفسرون: (أكدى) أي قطعه ولم يتم عليه، وأصله من ~~الكدية، وهو حجر يظهر في البئر ويمنع من الحفر ويؤس من ~~الماء، قال الكلبي: (يقال: أكدى الحافر وأجبل؛ إذا ~~بلغ في الحفر الكدية والجبل). ### || [53.35-37] # قوله تعالى: { أعنده علم الغيب فهو يرى }؛ أي ~~يعلم أن صاحبه يتحمل عنه عذابه. قوله تعالى: { أم لم ~~ينبأ بما في صحف موسى * وإبراهيم الذي وفى }؛ ~~معناه: ألم يخبر بما كان مكتوبا في صحف، موسى؛ يعني التوراة، ~~وما في صحف إبراهيم { الذي وفى } أي تمم وأكمل ما أمر ~~به. وقيل: معناه: وإبراهيم الذي بلغ قومه وأدى إليهم ما ~~أمر به. # وقيل: أكمل ما يجب لله عليه من الطاعة في كل ما أمر به ~~وامتحن به كما في قوله تعالى: # وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن # [البقرة: 124]. وقيل: معنى ذلك: أنه كان عاهد أن لا يسأل ~~مخلوقا قط خوفا بذلك، حتى قال له جبريل في الوقت الذي أراد ~~قومه أن يلقوه في النار: هل لك حاجة؟ أجابه: أما إليك ~~فلا. وقيل: معناه: وفي رؤياه وقدم بذبح ابنه. وقيل: ~~أدى الأمانة ووفى شأن المناسك. ### || [53.38] # قوله تعالى: { ألا تزر وازرة وزر أخرى }؛ هذا ~~بيان لما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى، ومعناه: لا تحمل ~~حاملة حمل أخرى؛ أي لا تعذب نفس بذنب غيرها، هذا إبطال لقول ~~من ms2016 ضمن الوليد أن يحمل عنه الإثم، وهذا عام في كل شريعة. # وعن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: (كانوا قبل إبراهيم ~~يأخذون الرجل بذنب غيره، ويأخذون الولي في ~~القتل بابنه وأخيه وأبيه وعمه وخاله، والزوج ~~يقتل بامرأته، والسيد بعبده، فلما بعث ~~محمد صلى الله عليه وسلم نهاهم عن ذلك وبلغهم أن ~~لا تزر وازرة وزر أخرى). # يقال: وزرت الشيء آزره إذا حملته، والأوزار: ~~الأحمال، ويسمى الإثم وزرا؛ لأن الإثم يثقل صاحبه، كما قال ~~تعالى: # ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك # [الانشراح: 2-3]. ويسمى الوزير وزيرا ليحمل ثقل الملك في ~~قيامه بالتدبر. ### || [53.39] # قوله تعالى: { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى }؛ ~~أي ليس له إلا جزاء ما عمل من خير وشر، وهذا عطف على قوله ~~تعالى { ألا تزر وازرة } وهو أيضا مما في صحف موسى ~~وإبراهيم. ### || [53.40-41] # وقوله تعالى: { وأن سعيه سوف يرى }؛ معناه: وإن ~~عمله سوف يرى في الأخرى في ديوانه وميزانه، { ثم يجزاه ~~الجزآء الأوفى }؛ لا ينقص من ثواب عمله شيء. ### || [53.42] # قوله تعالى: { وأن إلى ربك المنتهى }؛ أي منتهى ~~العباد ومصيرهم، وهو مجازيهم بأعمالهم. وقيل: منه ابتداء ~~المنة وإليه انتهاء الآمال. # وعن أبي بن كعب # " عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى { وأن إلى ~~ربك المنتهى } قال: " لا فكر في الرب " # والشاهد في هذا الحديث قوله صلى الله عليه وسلم: # " إذا ذكر الله فانتهوا ". # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه وهم ~~يتفكرون، فقال: " فيم أنتم تتفكرون؟ " قالوا: ~~نتفكر الخالق، فقال: " تفكروا في الخلق ولا ~~تتفكروا في الخالق، فإنه لا يحيط به الفكر، ~~تفكروا في أن الله خلق السماوات سبعا والأرض ~~سبعا ثخانة؛ كل أرض خمسمائة عام، وما بين كل ~~أرضين خمسمائة عام، وما بين السماء والأرض ~~خمسمائة عام، وثخانة كل سماء خمسمائة عام، ~~ما بين كل سمائين خمسمائة، وفي السماء ~~السابعة بحر عمقه مثل ذلك كله، فيه ملك ~~قائم لم يجاوز الماء كفيه " ". ### || [53.43] # قوله: ms2017 { وأنه هو أضحك وأبكى }؛ أي أضحك من شاء من ~~خلقه، وأبكى من شاء منهم، وقال الكلبي: (أضحك أهل الجنة ~~فيها، وأبكى أهل النار فيها). وقال عطاء: (معناه: ~~وإنه هو أفرح وأحزن). وقال الضحاك: (أضحك الأرض ~~بالنبات، وأبكى السماء بالمطر). وقيل: أضحك ~~الأشجار بالأثمار، وأبكى السحاب بالأمطار). # وقال ذو النون: (أضحك قلوب العارفين بشمس معرفته، ~~وأبكى قلوب العاصين بظلمة نكرته ومعصيته). ~~وقال سهل: (أضحك المطيع بالرحمة، وأبكى العاصي ~~بالسخط). وسئل ظاهر المقدسي: أتضحك الملائكة؛ ~~فقال: (ما ضحكت من دون العرش منذ خلق الله ~~جهنم). # وقيل لعمر رضي الله عنه: هل كان أصحاب رسول الله ~~يضحكون؟ قال: (نعم، والإيمان والله أثبت في ~~قلوبهم من الجبال الرواسي). وقال محمد بن علي الترمذي: ~~(معنى الآية: هو أضحك المؤمن في الآخرة وأبكاه ~~في الدنيا، وأضحك الكافر في الدنيا وأبكاه في ~~الآخرة). ### || [53.44] # قوله تعالى: { وأنه هو أمات وأحيا }؛ أي أمات في ~~الدنيا وأحيا في البعث للجزاء. وقيل: أمات الآباء وأحيا ~~الأبناء. وقيل: أمات الكافر بالنكدة والقطيعة، وأحيا المؤمن ~~بالمغفرة، والوصلة، قال الله # أو من كان ميتا فأحيينه # [الأنعام: 122]. ### || [53.45-47] # قوله تعالى: { وأنه خلق الزوجين الذكر ~~والأنثى * من نطفة إذا تمنى }؛ أي خلق الصنفين الذكر ~~والأنثى من كل حيوان من نطفة إذا تقذف في الرحم لتقدير ~~الولد، والمعنى: ما يقدر منه الولد. قوله تعالى: { وأن ~~عليه النشأة الأخرى }؛ يعني بالنشأة الأخرى الخلق ~~الثاني للبعث يوم القيامة يعيدهم أحياء. ### || [53.48] # قوله تعالى: { وأنه هو أغنى وأقنى }؛ قال ~~الضحاك: (معناه: أغنى بالذهب والفضة وصنوف ~~الأموال كالإبل والبقر والغنم). وقال الحسن وقتادة: ~~(أغنى وأخدم). # وقال ابن عباس رضي الله عنه: (أغنى وأرضى بما أعطى). ~~وقيل: معناه: أغنى وأفقر، وقيل: أغنى؛ أي أكثر، وأقنى أي ~~أقل، ونظيره قوله تعالى: # يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر # [الروم: 37]. # وقال الأخفش: (أقنى: أفقر وأجوع)، وقيل: أقنى بأرباح ~~الأموال وفروعها، وأقنى بأصولها، فالأولى: مثل الذهب والفضة، ~~يتصرف بهما ويربح عليهما، والثانية: مثل الضياع والأنعام، يستبقي ~~الإنسان أصولها وينتفع بما يحصل له منها. ### || [53.49] # قوله: { وأنه ms2018 هو رب الشعرى }؛ وهو كوكب خلف الجوزاء، ~~كان يعبده أناس من خزاعة، قال الله: أنا رب الشعرى ~~فاعبدوني، يقال للشعرى: مرزم الجوزاء. وهما شعرتان؛ أحدهما: ~~العبور؛ والأخرى: الغميصاء، وأراد ها هنا الشعرى العبور، ~~أعلم الله تعالى أنه رب الشعرى وخالقها، وأنه هو المعبود لا ~~معبود سواه. ### || [53.50-52] # قوله تعالى: { وأنه أهلك عادا الأولى * وثمود ~~فمآ أبقى }؛ معناه: وأنه أهلك قوم هود بريح صرصر، وهم ~~أول عاد كانوا، وأول عاد الأخرى فاقتتلوا فيما بينهم ~~فتفانوا بالقتل، وكانت عاد الأخرى من نسل عاد الأولى. # وقرأ نافع وأبو عمرو ويعقوب: (عادا الأولى) مدغما، وهمز ~~الواو نافع، وقرئ بإسكان اللام وإثبات الهمز وهي الأصل في الكلام. # قوله تعالى: { وثمود فمآ أبقى } وأهلك قوم صالح ~~بالصيحة فما أبقى منهم أحدا. قوله تعالى: { وقوم نوح ~~من قبل }؛ أي وأهلكنا قوم نوح من قبل عاد وثمود، { إنهم ~~كانوا هم أظلم وأطغى }؛ من غيرهم، لأن نوحا عليه ~~السلام لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فما آمن منهم إلا ~~أنفس يسيرة. ### || [53.53-54] # قوله تعالى: { والمؤتفكة أهوى }؛ معناه: وقرى ~~قوم لوط الأربع رفعها جبريل إلى السماء الدنيا فأسقطها إلى ~~الأرض. والمعنى: أهواها جبريل إلى الأرض بعد ما رفعها، وأتبعهم ~~الله الحجارة، فذلك قوله تعالى: { فغشاها ما غشى }؛ ~~يعني الحجارة والجزاء والنكال. وسميت المؤتفكة من قولهم: ~~أفكته؛ أي قلبته، والمؤتفكة هي المنقلبة. ### || [53.55] # قوله تعالى: { فبأي آلاء ربك تتمارى }؛ أي ~~فبأي نعم ربك أيها الإنسان تتشكك وترتاب، قال ابن ~~عباس: (يريد: فبأي نعم ربك التي تدل على ~~وحدانيته تشكك وتكذب يا وليد) يعني الوليد بن ~~المغيرة. # وذلك أن الله تعالى لما عدد ما فعله مما يدل على و ~~حدانيته قال { فبأي آلاء ربك تتمارى }. فإن قيل: ما ~~معنى ذكر النعم ها هنا وقد تقدم ذكر الإهلاك؟ قلنا: إن ~~النعم التي عدت قبل هذه نعم علينا لما نالنا فيها من ~~المزاجر، كيلا يسلك منا أحد مسالكها. ### || [53.56] # قوله تعالى: { هذا نذير من النذر الأولى }؛ ~~يعني محمد صلى الله عليه وسلم من ms2019 النذر الأولى من الرسل ~~قبله، والمعنى: هذا الرسول نذير لكم مجراه في الإنكار مجرى ~~من تقدمه من الأنبياء عليهم السلام. ### || [53.57-58] # قوله تعالى: { أزفت الآزفة }؛ أي دنت القيامة واقتربت: ~~قوله تعالى: { ليس لها من دون الله كاشفة }؛ أي ~~ليس للقيامة إذا غشيت الخلق شدائدها أحد يكشف عنهم، وهذا ~~قول عطاء والضحاك وقتادة وثابت، (كاشفة) على تقدير: ليس لها ~~نفس كاشفة، ويجوز قوله { كاشفة } مصدرا كالجاثية والعاقبة؛ أي ~~{ ليس لها من دون الله كاشفة } أي لا يكشف عنها غيره، ~~ولا يعلم متى هو إلا هو، وهذا كقوله # لا يجليها لوقتهآ إلا هو # [الأعراف: 187]. ### || [53.59-60] # قوله تعالى: { أفمن هذا الحديث تعجبون * ~~وتضحكون ولا تبكون } الخطاب لمشركي قريش، والمعنى: ~~أفمن هذا القرآن الذي يتلى عليكم تعجبون من إنزاله على ~~محمد تكذيبا، وتضحكون استهزاء ولا تبكون مما فيه من ~~الوعيد والزواجر والتخويف. ### || [53.61] # قوله تعالى: { وأنتم سامدون }؛ أي لاهون غافلون عنه، ~~يقال: دع عنك سمودك؛ أي لهوك، قال أمية: # ألا أيها الإنسان إنك سامد # لا تفنى ولا أنت هالك # والسمود: هو الغفلة والسهو عن الشيء، وقال الكلبي: ~~(السامد: الجد بلسان قريش، وبلسان اليمن: ~~اللاهي)، قال الضحاك: (سامدون: أي أشرون بطرون)، وقال ~~مجاهد: (سامدون؛ أي مبرطمون)، والبرطمة: أن يدلي ~~الإنسان شفته من الغضب، وفي لغة اليمن: أسمد لنا؛ أي أعن ~~لنا. # وعن أبي هريرة قال: لما نزلت هذه الآية { أفمن هذا ~~الحديث تعجبون * وتضحكون ولا تبكون } بكى أهل ~~الصفة حتى جرت دموعهم على خدودهم، فلما ~~سمع النبي صلى الله عليه وسلم حنينهم بكى معهم ~~فبكينا، فقال صلى الله عليه وسلم: # " لا يلج النار من بكى معهم من خشية الله، ولا ~~يدخل الجنة مصر على معصية الله، ولو لم ~~تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون فيغفر لهم ". ### | [54 - سورة القمر] ### || [54.1-2] # { اقتربت الساعة وانشق القمر }؛ معناه: دنت ~~القيامة وحدث علم من أعلامها، وهو انشقاق القمر، { وإن ~~يروا آية }؛ يعني أهل مكة علامة تدلهم على وحدانية الله ~~ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم، { يعرضوا }؛ أي يجحدوا، ~~{ ويقولوا سحر ms2020 مستمر }؛ أي شديد قوي من المرة وهي ~~القوة. ### || [54.3] # قوله تعالى: { وكذبوا واتبعوا أهوآءهم }؛ أي كذبوا ~~الرسل وثبتوا على التكذيب وعملوا بهوى أنفسهم في عبادة ~~الأصنام، { وكل أمر }؛ بما أخبر الله به من الأمور الماضية ~~والمنتظرة، { مستقر }؛ أي ثابت لا تلحقه الزيادة والنقصان ~~والتغيير والتبديل. # وسبب نزول هذه الآيات، هو ما روي: # " أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم آية ~~وهم في المسجد الحرام حين قال أبو جهل: واللآت ~~والعزى! لئن أتيت آية كما أتت به الرسل قبلك ~~لنومنن لك، فقال صلى الله عليه وسلم: " وماذا عليك ~~لو حلفت بالله العظيم؟ " فقال: ورب هذه الكعبة ~~لئن أتيت بآية كما أتت به الرسل قبلك لآمنا بك ~~". # وقال ابن عباس رضي الله عنه: # " اجتمع المشركون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: إن كنت صادقا فشق لنا القمر، فقال ~~لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن فعلت تؤمنون؟ " ~~قالوا: نعم، فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه ~~أن يعطيه ما قالوا، فانشق القمر فرقتين، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: " يا فلان؛ ويا فلان؛ ويا ~~فلان: إشهدوا " ". # وعن ابن مسعود قال: # " أشار إلى القمر فانفلق فلقتين، فكانت ~~إحداهما فوق الجبل، والأخرى أسفل من الجبل ~~حتى رأى الجبل بين فلقتي القمر، وقال: " اشهدوا ~~" فقال أبو جهل: إن محمدا سحر القمر! ثم قال ~~أبو جهل لأصحابه: ابعثوا بالرسل إلى البلاد فإن ~~عاينوا من ذلك ما عاينا فهو آية، وإلا فهو ~~سحر. فبعثوا الرسل إلى جميع البلاد، فإذا الناس ~~يتحدثون بانشقاق القمر، فلما رجعوا إليهم ~~وأخبروهم به قالوا: إن هذا ساحر داهي! " ### || [54.4] # قوله تعالى: { ولقد جآءهم من الأنبآء ما فيه ~~مزدجر }؛ يعني أهل مكة جاءهم من أخبار الأمم المكذبة في ~~القرآن ما فيه منتهى لهم عما هم فيه من الكفر والفسوق. ### || [54.5] # قوله تعالى: { حكمة بالغة }؛ بدل من (ما) والمعنى: ~~جاءهم حكمة في نهاية الحكم والصواب. وقيل: المراد ~~بالحكمة البالغة القرآن. قوله تعالى: { فما تغن النذر ~~}؛ ما تغني الرسل ms2021 صلوات الله عليهم عن قوم لا يتدبرون ~~ولا يتفكرون في الآية والنذر. ### || [54.6] # قوله تعالى: { فتول عنهم يوم يدع الداع }؛ أي ~~أعرض عنهم فليس عليك إجبارهم على الدين، وإنما عليك إقامة ~~الحجة وقد بالغت فيها، وهذه الآية منسوخة بآية القتال. وهذا ~~وقف تام، وقوله تعالى { يوم يدع الداع } ابتداء الكلام ~~كلام. # قال مقاتل: (أراد بالداعي إسرافيل ينفخ قائما على ~~صخرة بيت المقدس) { إلى شيء نكر }؛ أي إلى أمر ~~فظيع لم يروا مثله فينكرونه استعظاما، وذلك قوله ~~تعالى: { إلى شيء نكر }. وقوله تعالى: { يوم يدع ~~الداع } منصوب على معنى واذكر. ### || [54.7] # قوله تعالى: { خشعا أبصرهم }؛ نصب على الحال من ~~يخرجون، وذلك دليل على تقدم الحال على الفعل المتصرف، وكذلك ~~يقال: راكبا جاء زيد كما يقال جاء زيد راكبا، وتقديره: ~~ويخرجون من الأجداث خشعا أبصارهم. # قرأ أبو عمرو ويعقوب وحمزة والكسائي وخلف: (خاشعا) بالألف، وقرأ ~~الباقون: (خشعا) على الجمع. قال الفراء: (يجوز في أسماء ~~الفاعلين إذا تقدمت على الجماعة التوحيد ~~والجمع والتأنيث، يقال: مررت بشباب حسن ~~أوجههم، وحسان أوجههم، وحسنة أوجههم). وفي قراءة ~~عبدالله: (خاشعة أبصارهم) أي ذليلة خاضعة عند رؤية العذاب. # قوله تعالى: { يخرجون من الأجداث كأنهم جراد ~~منتشر }؛ أي يخرجون عند النفخة من القبور فزعين لا ~~يهتدون إلى شيء، يحول بعضهم إلى بعض مثل الجراد المنتشر. ~~والمعنى: أنهم يخرجون فزعين لا جهة لأحد منهم فيقصدها، والجراد ~~لا جهة له تكون أبدا مختلفة بعضها فوق بعض. ### || [54.8] # قوله تعالى: { مهطعين إلى الداع }؛ أي منقلبين ~~إلى صوت إسرافيل ناظرين متحيرين مسرعين إليه، { يقول ~~الكافرون هذا يوم عسر }؛ أي صعب شديد، قال ابن ~~عباس: (عسر على الكافرين وسهل يسير على ~~المؤمنين). والإهطاع: الإسراع. ### || [54.9] # قوله تعالى: { كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا ~~عبدنا }؛ أي كذبت قبل قومك قوم نوح كما كذبك قومك، ونسبوا ~~نوحا إلى الجنون، كما نسبك قومك إلى الجنون، { وقالوا ~~مجنون وازدجر }؛ أي فكذبوا عبدنا نوحا وقالوا: مجنون ~~وزجروه عن دعائهم إياهم إلى الإيمان بالشتم والوعيد، ف # قالوا لئن لم تنته ينوح ms2022 لتكونن من ~~المرجومين # [الشعراء: 116]. ### || [54.10-11] # قوله تعالى: { فدعا ربه أني مغلوب فانتصر }؛ ~~معناه: فدعا نوح ربه أني مغلوب بينهم ومقهور، فانتقم لي ~~ممن كذبني، ومعنى قوله تعالى { فانتصر } أي فانتقم منهم ~~لدينك، وإنما دعا عليهم بالهلاك بعد ما أذن له في الدعاء. # فأجاب الله دعاءه فقال الله تعالى: { ففتحنآ أبواب ~~السمآء بماء منهمر } أي بماء سيل منصب انصبابا ~~شديدا لا ينقطع، متدفق مع كثرة شديدة، قال الكلبي: (إنصب ~~أربعين يوما). وقرئ (ففتحنا) بالتشديد على تكثير الفعل، ~~وذكر الأبواب في الآية على معنى أن إجراء الماء كان بمنزلة ~~جريانه كأنه فتح عنه بابا كان مانعا له. ### || [54.12] # قوله تعالى: { وفجرنا الأرض عيونا }؛ أي شققنا ~~الأرض عيونا، { فالتقى المآء }؛ ماء السماء وماء الأرض؛ { ~~على أمر قد قدر }؛ في اللوح المحفوظ وهو هلاك القوم، ~~وقرأ الحجدري: (فالتقى الماءان). ### || [54.13-14] # قوله تعالى: { وحملناه على ذات ألواح ودسر }؛ ~~معناه: وحملنا نوحا ومن آمن معه على سفينة ذات ألواح وهي ~~خشباتها، { ودسر } يعني المسامير يشد بها الألواح واحدها ~~دسار، والمعنى على سفينة ذات ألواح ومسامير. قوله تعالى: ~~{ تجري بأعيننا }؛ أي تجري بحفظنا، ووحينا وأمرنا حتى لا ~~يقع فيها شيء من الماء وتتكسر ولا تغرق، وقوله تعالى: { جزآء ~~لمن كان كفر }؛ أي فعلنا ذلك من إنجائه وإغراقهم ثوابا ~~لمن كفر به وجحد أمره، وهو نوح عليه السلام كفره قومه ~~وجحدوا به، وقرأ مجاهد (جزاء لمن كان كفر) بفتح الكاف ~~والفاء، يعني كان الغرق جزاء لمن كفر بالله وكذب رسوله. ### || [54.15] # قوله تعالى: { ولقد تركناها آية }؛ يعني تركنا هذه ~~الفعلة، ويقال: السفينة التي يصنعها الناس على مثال سفينة نوح ~~عليه السلام علامة للناس ليعتبروا ويستدلوا بها على توحيد الله، ~~{ فهل من مدكر }؛ فهل من متعظ معتبر متدبر متفكر ~~يعلم أن ذلك حق فيعتبر. ### || [54.16] # قوله تعالى: { فكيف كان عذابي ونذر }؛ معناه: ~~فانظر يا محمد كيف كان عقوبتي فيمن أنذرهم الرسل فلم ~~يؤمنوا، وهذا استفهام ومعناه: التعظيم لذلك العذاب، وهذا تخويف ~~لمشركي مكة. ### || [54.17] # قوله تعالى: { ولقد يسرنا القرآن ms2023 للذكر }؛ أي ~~سهلناه للحفظ والقراءة والكتابة، وقال سعيد بن جبير: (ليس ~~كتاب من كتب الله يقرأ كله ظاهرا إلا القرآن)، ~~وقوله تعالى: { فهل من مدكر }؛ أي فهل ذاكر يذكره ~~وقارئ يقرؤه، ومعناه: الحث على قراءة القرآن ودرسه وتعلمه، ~~ولولا تسهيل الله علينا ذلك لم يستطع أحد أن يلفظ به. ### || [54.18-19] # قوله تعالى: { كذبت عاد فكيف كان عذابي ونذر ~~* إنآ أرسلنا عليهم ريحا صرصرا }؛ أي باردة شديدة ~~البرد وشديدة الهبوب، { في يوم نحس مستمر }؛ أي يوم ~~مشؤوم عليهم، دائم الشؤم، روي: أنه كان يوم الأربعاء الذي في ~~آخر الشهر لا يدور. ويقال: معنى قوله { مستمر } استمر بهم ~~العذاب إلى نار جهنم. ### || [54.20] # قوله تعالى: { تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل ~~منقعر }؛ أي تقلع الناس من الأرض من تحت أقدامهم، ثم ترمي ~~بهم على رؤوسهم فتدق رقابهم وتقطع أعناقهم، فتبقي أجسادهم ~~كأنها أعجاز نخل مقطع. # ويقال في معنى { تنزع الناس } لأنهم ضربوا بأرجلهم في ~~الأرض فغيبوها إلى قريب من ركوبهم وقالوا: قل للريح حتى ~~يرفعنا، فجعلت الريح تدخل تحت أقدامهم وترفع كل اثنين وتضرب ~~بأحدهما إلى الآخر في الهواء، ثم تلقيهما في الوادي، والباقون ~~ينظرون إليهم حتى رفعتهم كلهم وصيرتهم في الأرض { كأنهم ~~أعجاز نخل منقعر } أي ساقط، ثم رمت بالتراب عليهم، ~~فكان يسمع أنينهم من تحت التراب. # يقال: قعر النخلة إذا قلعتها من أصلها حتى تسقط، شبههم ~~في طولهم حين صرعتهم الريح وكبتهم على وجوههم بالنخلة ~~الساقطة على الأرض التي ليس لها رؤوس، وذلك أن الريح قلعت ~~رؤوسهم أولا ثم كبتهم على وجوههم. ### || [54.21-22] # قوله تعالى: { فكيف كان عذابي ونذر * ولقد ~~يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر }؛ إنما ~~كرره لأنه ذكر في كل فصل نوعا من الإنذار والتعذيب، انعقد ~~التذكير شيء شيء منه على التفصيل. # قال ابن الأنباري: (وسئل المبرد عن ألف مسألة ~~هذه من جملتها: وهو أن السائل قال له: ما ~~الفرق بين قوله # جآءتها ريح عاصف # [يونس: 22] وقوله تعالى: # ولسليمان الريح عاصفة # [الأنبياء: 81]، وقوله تعالى: # كأنهم أعجاز نخل منقعر # [القمر: ms2024 20] و # أعجاز نخل خاوية # [الحاقة: 7]، فقال: كل ما ورد عليك من هذا الباب ~~فلك أن ترده إلى اللفظ تذكيرا، ولك أن ترده ~~إلى المعنى تأنيثا). ### || [54.23-24] # قوله تعالى: { كذبت ثمود بالنذر }؛ أي بالإنذار ~~الذي جاءهم به صالح عليه السلام، { فقالوا أبشرا منا ~~واحدا نتبعه }؛ أي هو آدمي مثلنا وهو واحد فلا نكون له ~~تبعا، { إنآ إذا }؛ إن فعلنا ذلك، { لفي ضلال }؛ وذهاب ~~عن الحق، { وسعر }؛ أي وشقاء وشدة عذاب مما يلزمنا من ~~طاعته، وقال عطاء: (معنى قوله { وسعر } أي وجنون، من ~~قولهم: ناقة مسعورة؛ إذا كان بها جنون من ~~النشاط، وهو من سعر النار إذا التهبت). ### || [54.25-26] # قوله تعالى: { أءلقي الذكر عليه من بيننا }؛ ~~أنكروا أن يكون الوحي يأتيه، فقالوا: كيف خص من بيننا ~~بالنبوة والوحي، { بل هو كذاب أشر }؛ فيما يقول، { ~~أشر } أي بطر متكبر يريد أن يتكبر علينا بالنبوة، قال ~~الله تعالى: { سيعلمون غدا }؛ حين ينزل بهم العذاب، يعني ~~يوم القيامة، { من الكذاب الأشر }؛ أهم أم صالح؟. ### || [54.27] # قوله تعالى: { إنا مرسلوا الناقة فتنة لهم ~~}؛ أي إنا مخرجو الناقة من الصخرة تشديدا عليهم في التكليف، ~~وذلك أنهم تعنتوا صالحا فسألوا أن يخرج لهم من صخرة ~~حمراء عشراء، وقوله: { فارتقبهم }؛ أي فانتظرهم ما هم ~~صانعون، { واصطبر }؛ على أذاهم ولا تعجل حتى يأتيهم ~~أمري. ### || [54.28] # قوله تعالى: { ونبئهم أن المآء قسمة بينهم ~~} أي أخبرهم أن الماء مقسوم بين الناقة وولدها وبينهم وبين ~~مواشيهم، يوم لهما ويوم لهم. قوله تعالى: { كل شرب ~~محتضر }؛ أي كل منهم يحضر نوبته، فتحضر الناقة وولدها ~~يوم نوبتهما، ويحضر القوم يوم نوبتهم. والشرب: نصيب من ~~الماء، والشرب - بضم الشين -: فعل الشارب. ### || [54.29-32] # قوله تعالى: { فنادوا صاحبهم }؛ أي نادوا قدار بن ~~سالف عاقر الناقة، { فتعاطى فعقر } وذلك أنهم لما ~~مكثوا قسمة الماء زمانا، ثم ضاق عليهم الأمر على مواشيهم بسبب ~~الناقة، غلب عليهم الشقاء، وتواطأ طائفة منهم على قتلها، ~~فنادوا صاحبهم الذي كمن لهما. # وذلك أنه رماها رجل منهم يقال له: مصدع بن دهر بسهم فضربها ~~على ms2025 ساقها، فنادوا قدار بن سالف، وقالوا له: دونك الناقة قد ~~مرت بك فاضربها، فتعاطى قدار عقر الناقة، فعقرها بأن ضرب ~~ساقها الأخرى فسقطت على جنبها، وقطعوا لحمها وقسموه، ~~فعاقبهم الله بصيحة فأهلكهم وهو قوله تعالى: { فكيف ~~كان عذابي ونذر * إنآ أرسلنا عليهم صيحة ~~واحدة فكانوا كهشيم المحتظر }؛ قال عطاء: (يريد ~~صيحة جبريل عليه السلام أسمعهم الله إياها فهلكوا، ~~وصاروا كالورق المتهشم الذي يجمعه صاحب ~~الحضيرة إذا يبس غاية اليبس، وتحطم غاية ~~الانحطام). # قال ابن عباس: (هو رجل يجعل الغنمة حظيرة ~~بالشجر والشوك ليحرسها من السباع، فما سقط ~~من ورق ذلك الشجر ويبس، وداسته الغنم وتحطم ~~وهو الهشيم). وقال ابن زيد: (الهشيم هو الشجر ~~البالي الذي تهشم حتى ذرته الريح، والعرب ~~تسمي كل شيء كان رطبا فيبس فهو هشيم) { ولقد ~~يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر }. ### || [54.33-35] # قوله تعالى: { كذبت قوم لوط بالنذر * إنآ ~~أرسلنا عليهم حاصبا }؛ أي ريحا ترميهم بالحصباء، ~~والحصباء: هي الحجارة التي هي دون ملء الكف، قال ابن عباس: ~~(يريد ما صبوا به من السماء من الحجارة)، وقوله ~~تعالى: { إلا آل لوط نجيناهم بسحر }؛ يعني بنتيه ~~وزوجته المؤمنة، نجاهم الله من العذاب، { نعمة من ~~عندنا }؛ بأن أمرهم بالخروج في وقت السحر، وكانت نجاتهم ~~نعمة من الله عليهم، { كذلك نجزي من شكر }؛ وكذلك يجزي ~~الله كل من عرف إنعامه وقابله بالشكر. ### || [54.36] # قوله تعالى: { ولقد أنذرهم بطشتنا }؛ أي خوفهم ~~لوط عذابنا، { فتماروا بالنذر }؛ فشكوا في الإنذار؛ أي ~~فتدافعوا بالحجاج الباطل، ويقال: جادلوه في أمر الرسالة ~~ولم يصدقوه. ### || [54.37] # قوله تعالى: { ولقد راودوه عن ضيفه }؛ أي طلبوا ~~أن يسلم إليهم أضيافه وهم الملائكة قصدا منهم إلى عملهم ~~الخبيث، فأمر الله جبريل أن يصفق بجناحه فأعماهم فبقوا ~~حيارى، ومعنى: { فطمسنآ أعينهم }؛ أي أعميناهم ~~وصيرناهم كسائر الوجه لا يرى له شق، فكانوا عميانا متحيرين ~~لا يهتدون إلى الباب، فقيل لهم: { فذوقوا عذابي ونذر }؛ ~~يقال: فلان مطموس البصر إذا كان موضع عينيه أملس، لا أثر به ~~للعين من الجفن والحدقة. ### || [54.38-40] # قوله تعالى: ms2026 { ولقد صبحهم بكرة }؛ أي أتاهم ~~العذاب صباحا، يعني أخذهم عند الصبح، { عذاب مستقر }؛ ~~عذاب دائم متصل بعذاب الآخرة، قوله تعالى: { فذوقوا ~~عذابي ونذر * ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل ~~من مدكر }؛ قد مضى تفسيره. ### || [54.41-42] # قوله تعالى: { ولقد جآء آل فرعون النذر }؛ ~~قيل: إن المراد بالنذر: موسى عليه السلام وهارون، وأسماء ~~الجمع يطلق على الاثنين. وقيل: أراد به الآيات التي فيها ~~الإنذار، وقيل: المواعظ: قوله تعالى: { كذبوا ~~بئاياتنا كلها فأخذناهم }؛ أي فأخذناهم بالعذاب، { ~~أخذ عزيز مقتدر }؛ غالب في انتقامه، متقدر قادر على ~~إهلاكهم، والعزيز القوي الذي لا يلحقه ضعف ولا عجز، ولا ~~يعتريه منع ولا دفع. ### || [54.43] # قوله تعالى: { أكفاركم خير من أولئكم }؛ ~~معناه: أكفاركم يا أهل مكة أشد وأقوى من أولئكم الذين ~~قصصنا ذكرهم، وهذا استفهام ومعناه الإنكار؛ أي ليسوا أقوى من ~~قوم نوح وعاد وثمود. قوله تعالى: { أم لكم برآءة في ~~الزبر }؛ معناه: ألكم براءة من العذاب في الكتب لن يصيبكم ما ~~أصاب الأمم الخالية. ### || [54.44] # قوله تعالى: { أم يقولون نحن جميع منتصر }؛ ~~معناه: أم يقولون نحن جميع واحد ومتفقون على الانتصار من أعدائنا، ~~ووحد المنتصر للفظ الجميع وهو واحد في اللفظ. ### || [54.45] # قال الله تعالى: { سيهزم الجمع ويولون الدبر ~~}؛ أي سيهزم الجمع كفار مكة يوم بدر، ويولون الدبر ~~منهزمين. ومعنى الآية: أن كفار مكة يقولون: { نحن جميع ~~منتصر } أي جماعة لا نضام ولا نرام، ولا يصدنا أحد بسوء ~~ولاء، ولا أحد يفرق جمعنا، وكان من حقه أن يقول: نحن جميع ~~منتصرون؛ إلا أنه تبع رؤوس الآي. وقوله تعالى: { سيهزم ~~الجمع } قراءة الكافة بالياء على ما لم يسم فاعله. وقرأ ~~يعقوب بالنون وكسر الزاي (الجمع) بالنصب. # وإنما وحد الدبر لأجل رؤوس الآي، قال مقاتل: (ضرب أبو ~~جهل فرسه يوم بدر وتقدم الصف، وقال: نحن ~~ننتصر اليوم من محمد وأصحابه، فهزمهم الله ~~تعالى). ### || [54.46] # قوله تعالى: { بل الساعة موعدهم والساعة ~~أدهى وأمر }؛ فيه بيان ما نزل بهم من القتل والأسر ببدر ~~لم يكن كافيا في عقوبتهم، بل القيامة موعدهم، والقيامة ms2027 أعظم ~~في الدهاء وأشد مرارة من القتل والأسر في الدنيا، وكل ~~داهية فمعناها الأمر الشديد. ### || [54.47] # قوله تعالى: { إن المجرمين في ضلال وسعر }؛ ~~أراد بالضلال الذهاب عن الصواب في الدنيا، وبالسعر عذاب ~~النار في العقبى. ### || [54.48] # قوله تعالى: { يوم يسحبون في النار على وجوههم }؛ ~~يوم تجرهم الملائكة في النار على وجوههم فيقول لهم: { ذوقوا ~~مس سقر }؛ وسقر اسم من أسماء دركات جهنم. # قال أبو أمامة: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " إن هذه الآية نزلت في القدرية: { إن ~~المجرمين في ضلال وسعر * يوم يسحبون في النار ~~على وجوههم ذوقوا مس سقر } ". # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " مجوس هذه الأمة القدرية، وهم المجرمون ~~الذين سماهم الله { إن المجرمين في ضلال وسعر ~~} ". # وعن هشام بن حسان قال: سمعت الحسن يقول: (والله لو ~~أن قدريا صام حتى يصير كالجبل، ثم صلى حتى ~~يصير كالوتر، ثم أخذ ظلما وزورا حتى ذبح بين ~~الركن والمقام، لكبه الله عز وجل على وجهه ~~في سقر، ثم قيل له: ذق مس سقر). ### || [54.49] # قوله تعالى: { إنا كل شيء خلقناه بقدر }؛ ~~معناه: كل ما خلقنا فمقدور ومكتوب في اللوح المحفوظ قبل ~~وقوعه. # عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن الله عز وجل قدر المقادير وتدبر ~~التقدير قبل أن يخلق آدم عليه السلام بألفي عام " # وقال عليه السلام: # " الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن " # وانتصب قوله تعالى: { كل شيء } بفعل مضمر؛ كأنه ~~قال: إنا خلقنا كل شيء بقدر. # وعن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إذا جمع الله الناس يوم القيامة، نادى مناد ~~يسمعه الأولون والآخرون: أين خصماء الله؟ فتقوم ~~القدرية فيقال لهم: ذوقوا مس سقر ". ### || [54.50] # قوله تعالى: { ومآ أمرنآ إلا واحدة كلمح ~~بالبصر }؛ معناه: وما أمرنا بقيام الساعة أو غير ذلك إلا ~~كلمة واحدة لا تثنى كطرف البصر، بل هو أسرع، ومعنى اللمح: ~~النظر بالعجلة. ### || [54.51] # قوله تعالى: { ولقد أهلكنآ ms2028 أشياعكم }؛ معناه: ~~ولقد أهلكنا أشباهكم ونظراءكم في الكفر من الأمم الماضية، { ~~فهل من مدكر } ، هل من متعظ يتعظ بهم. ### || [54.52-53] # قوله تعالى: { وكل شيء فعلوه في الزبر }؛ ~~ومعناه: كل شيء فعلوه وقالوا من خير أو شر؛ يعني الأشياع؛ ~~مكتوب في اللوح المحفوظ قبل أن يفعلوه، { وكل صغير ~~وكبير }؛ من الذنوب والخلق والأعمال، { مستطر }؛ مكتوب على ~~فاعله قبل أن يفعلوه، تكتبه الملائكة في ديوان ليجزيهم الله ~~على أفعالهم. ### || [54.54-55] # قوله تعالى: { إن المتقين في جنات ونهر }؛ ~~معناه: إن الذين يتقون الشرك والكبائر والفواحش في بساتين ~~وأنهار جارية من الماء والخمر واللبن والعسل، قوله تعالى: ~~{ في مقعد صدق }؛ أي مجلس حسن وموضع قرار وأمن من وقوع ~~الحوادث، { عند مليك مقتدر }؛ أي عند مليك قادر على ~~الثواب والعقاب، قادر لا يعجزه شيء وهو الله عز وجل، ~~ومقعد الصدق هو الجنة، مدح الله المكان بالصدق، ولا يقعد ~~فيه إلا أهل الصدق. # وإنما قال (ونهر) موحدا لأجل رؤوس الآي كقوله تعالى: # ويولون الدبر # [القمر: 45]، وقال الضحاك: (معناه: في فضاء وسعة ونور ~~ومنه النهار، ومن ذلك نهرت الفضة إذا ~~وسعتها)، وقرأ الأعرج وطلحة (ونهر) بضمتين كأنه جمع ~~نهار لا ليل. ### | [55 - سورة الرحمن] ### || [55.1-2] # { الرحمن * علم القرآن }؛ هذا جواب لقول كفار قريش ~~حين قالوا: إن محمدا يقول ما يقول من تلقاء نفسه، ولم يوح ~~إليه شيء، ومنهم من كان يقول: إنما يعلمه بشر، فرد الله عليهم ~~مقالتهم وبين أنه هو الذي علم محمدا القرآن على لسان ~~جبريل عليه السلام. ### || [55.2-4] # قوله تعالى: { خلق الإنسان * علمه البيان }؛ ~~قيل: المراد منه آدم عليه السلام علمه الله جميع اللغات ~~وأسماء كل شيء، وكان آدم عليه السلام يتكلم سبعمائة ألف لغة ~~أفضلها العربية. # ويجوز أن يكون الإنسان اسم جنس بمعنى جميع الناس، { علمه ~~البيان } وهو المنطق والكتابة والحفظ والفهم والإفهام حتى ~~عرف الإنسان ما يقول وما يقال له. # وقيل: معنى البيان: بيان الحلال والحرام، وبيان الخير والشر، ~~وما يأتي وما يذر. وقال أبو العالية: (يعني الكلام). الحسن ~~(النطق والتمييز)، وقيل: ms2029 الكتابة بالقلم، وقال السدي: ~~(علم كل قوم لسانهم الذي يتكلمون به). ### || [55.5] # قوله: { الشمس والقمر بحسبان }؛ معناه: أنهما يجريان ~~على حساب مستقيم لا يختلف، يدلان على عدد الشهور والسنين ~~والأوقات، فإن الشمس تقطع الفلك في ثلاثمائة وخمسة وستين ~~يوما، والقمر يقطع الفلك في ثمانية وعشرين يوما، وستين في يومين، ~~وفي جريمها دلالة على التوحيد. # وقيل: معناه: أنهما تحسب بهما الأوقات والآجال، ولولا ~~الليل والنهار، والشمس والقمر لم يدرك أحد كيف يحسب شيئا، لو كان ~~الدهر كله ليلا كيف يحسب تقدير الآية. والشمس والقمر يجريان ~~بحسبان. ### || [55.6] # قوله تعالى: { والنجم والشجر يسجدان }؛ معناه: ~~والنجم في السماء، والشجر في الأرض يسجدان لله تعالى. وقيل: ~~معناه: النبات والشجر يسجدان، فإن النجم ما نبت على غير ~~ساق، والشجر ما نبت على ساق في اللغة، كما يقال في كل ما طلع: ~~إنه نجم، ومن ذلك نجم القرآن. # ومعنى سجودهما؛ أي يسبحوه ظلالهما كقوله # يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمآئل سجدا ~~لله # [النحل: 48]. وقيل: يسجدان لله على الحقيقة، إلا أننا لا ~~نفقه على سجودهما كقوله تعالى: # ألم تر أن الله يسجد له من في السموت ومن ~~في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال ~~والشجر والدوآب # [الحج: 18]. ### || [55.7] # قوله تعالى: { والسمآء رفعها ووضع الميزان }؛ ~~معناه: رفع السماء فوق الأرض ليستدل على وحدانية الله تعالى ~~وكمال قدرته، وقوله تعالى { ووضع الميزان } قال مجاهد: ~~(معناه: وأمر بالعدل)، وقال الضحاك وقتادة: يعني ~~الميزان الذي يوزن به ليتوصل به إلى الإنصاف ~~والانتصاف، ولولا الميزان لتعذر الوصول إلى ~~كثير من الحقوق). # وقال بعضهم: أنزل الله الميزان على هيئته في زمن نوح عليه ~~السلام ولم يكن قبل ذلك. وقال بعضهم: عرف الله الناس ذلك على ~~لسان بعض الأنبياء، وقيل: إلهام الهمهم كيف يتخذون ~~الميزان ويزنون. ### || [55.8-9] # قوله تعالى: { ألا تطغوا في الميزان }؛ معناه: ~~لئلا تميلوا وتضلوا وتجاوزوا الحد في الميزان. وقيل: ~~معناه: لئلا تظلموا وتأخذوا الأكثر وتعطوا الأقل. وقوله تعالى: { ~~وأقيموا الوزن بالقسط }؛ أي سووا الميزان بالعدل ~~والإنصاف، { ولا تخسروا الميزان }؛ وقيل: معناه: ~~أقيموا ساق ms2030 الميزان بالقسط ولا تخونوا من وزنتهم له، ولا ~~تبخسوا الوزن، وكل شيء نقصته فقد أخسرته. ### || [55.10] # قوله تعالى: { والأرض وضعها للأنام }؛ معناه: ~~والأرض بسطها على الماء لجميع الخلق من الجن والإنسان، مكنها ~~للأحياء، ويدفن فيها الموتى، تدل على وحدانية الله، وقال ~~الشعبي: (الأنام: كل ذي روح). ### || [55.11] # قوله تعالى: { فيها فاكهة }؛ أي في الأرض ألوان ~~الفاكهة، وقوله تعالى: { والنخل ذات الأكمام }؛ أي ذات ~~الأغطية، وهي أوعية التمر، وأكمام النخلة فإغطاء ثمرها يكون ~~في غلف ما لم يشق. ومن ذلك يقال للقلنسوة: الأكمة؛ ~~لأنها تغطي الرأس، وقال الحسن: (أكمامها ليفها)، وقال ~~ابن زيد: (أكمامها: طلعها قبل أن ينفتق)، والحاصل ~~أن كل ما يستر شيئا فهو كم وكمة، ومنه كم القميص. ### || [55.12-13] # قوله تعالى: { والحب ذو العصف والريحان }؛ يريد ~~جميع الحبوب مما في الأرض من الحنطة والشعير وغيرهما، وقوله تعالى { ~~ذو العصف } أي ذو الورق الأخضر الذي يصير تبنا وتقتات ~~به البهائم، ويسمى ورق الزرع عصفا لخفته، وعصوف الريح ~~به مع ثبوت الحب في مكانه. وقيل: سمي عصفا لأن الريح تذهب ~~به في وقت حاجتهم إلى تمييزهم الحب من التبن. # وقوله تعالى: { والريحان } يعني الورق في قول الأكثرين، وقال ~~الحسن: (هو ريحانكم الذي يشم)، وقال مقاتل: ~~(الريحان هو الورق بلغة حمير)، كأنه قال: والحب ذو ~~العصف والورق، وقال سعيد بن جبير: (الريحان: الزرع ~~ويكون في سنبل). # وأما الحب المذكور في الآية، فهو ما يلقى في الأرض من البذر، ~~والريحان هو ما يخلق من الحب في سنبل رزقا للعباد، وقد ~~يذكر الريحان بمعنى الورق كما يقول العرب: خرجنا نطلب ريحان ~~الله؛ أي رزقه. والعصف: هو التبن، والريحان هو ثمرته. ~~وعن ابن عباس: (الريحان هو خضرة الزرع). # قرأ العامة: (والحب ذو العصف والريحان) كل بالرفع ~~عطفا على الفاكهة، والمعنى فيها الحب وفيها الريحان، ونصبها ~~كلها ابن عامر على معنى خلق الإنسان وخلق هذه الأشياء. # وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما: (والريحان) بالكسر عطفا على ~~(العصف) كأنه قال: والحب ذو العصف وذو الريحان، وهو الرزق ~~الذي ms2031 يخلق في السنبل، فالريحان رزق الناس، والعصف رزق الدواب، ~~فذكر قوت الناس والأنعام. # ثم خاطب الجن والإنس فقال: { فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان }؛ وإنما قال الخطاب للجن والإنس؛ لأن تلك الأيام ~~فيما مضى تشتمل على الجن والإنس، والمعنى: فبأي نعمة من نعم ~~ربكما تكذبان من هذه الأشياء المذكورة، فإنها كلها مما أنعم ~~الله بها عليكم، من دلالته إياكم على توحيده، ومن رزقه إياكم ما ~~به قوامكم. # وإنما خاطب الجن والإنس لأنهما مشتركان في الوعد والوعيد. ~~وإنما كررت هذه الآية في هذه السورة تقديرا للنعمة وتأكيدا ~~للتذكير بها على عادة العرب في الإبلاغ والاتباع. # وقال الحسين بن الفضل: (التكرار لطرد الغفلة ~~وتأكيد الحجة). وقيل: لما عدد الله نعمة بعد ~~نعمة، كرر هذا القول ترغيبا في الشكر، وتحذيرا من الكفر ~~والتكذيب بنعم الله. # وهذه على وجه الحقيقة ليس بتكرار؛ لأنه ذكر كل واحد منها عقيب ~~نعمة لم يتقدم ذكرها. وعن جابر بن عبدالله قال: # " قرأ علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة ~~الرحمن حتى ختمها، ثم قال: " ما لي أراكم ~~سكوتا؟ للجن كانوا أحسن منكم ردا، ما قرأت ~~عليهم هذه الآية من مرة { فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان } إلا قالوا: لا بشيء من نعمك ربنا ~~نكذب فلك الحمد " ". ### || [55.14] # قوله تعالى: { خلق الإنسان من صلصال كالفخار }؛ ~~أي خلق أصل الإنسان وهو آدم من طين يابس إذا نقر صل؛ أي ~~صوت كالفخار وهو الخزف الذي طبخ بالنار، يسمع منه الصوت ~~إذا نقر وإذا اصطك بعضه ببعض. والمعنى: من طين يابسة ~~كالخزف. ### || [55.15-16] # قوله تعالى: { وخلق الجآن من مارج من نار }؛ ~~معناه: وخلق أصل الجن وهو الجان أبو الجن من مارج من نار، ~~وهو الصافي من لهب النار، لا دخان فيه. وقيل: من لهب من ~~نار مختلط بسواد النار. وقيل: إنه لسان النار الذي يكون في ~~طرفها إذا التهبت. # وقال مجاهد: (هو ما اختلط بعضه ببعض من اللهب ~~الأحمر والأصفر والأسود الذي يعلو النار إذا ~~أوقدت، وهو من قولهم: مرج إذا اختلط). وقيل: ~~إنه نار ms2032 لا دخان لها تكون بين السماء الدنيا وبين حجاب دونهما ~~فأديم السماء يرى من ذلك الحجاب، ومن تلك النار تكون الصواعق. { ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان }. ### || [55.17-18] # قوله تعالى: { رب المشرقين ورب المغربين }؛ ~~أي مشرق الشمس في الشتاء، ومشرقها في الصيف، ومغربها في ~~الشتاء ومغربها في الصيف، ويعني هو رب المشرقين ورب ~~المغربين. وقيل: معناه: هو رب مشرق الشمس والقمر ومغربهما. { ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان }. ### || [55.19-21] # قوله تعالى: { مرج البحرين يلتقيان }؛ أي أرسل ~~البحرين العذب والمالح بالإجراء في الأرض. ومرجت الدابة ~~إذا أرسلتها ترعى، ويجوز أن يكون معنى مرج: خلط، ومنه ~~المرج لاختلاط أشجاره، وقوله تعالى { يلتقيان } أي يلاقي ~~أحدهما صاحبه، { بينهما برزخ لا يبغيان }؛ أي بينهم ~~حاجز من قدرة الله لا يبغي العذب على المالح فيكونان عذبا، ~~ولا يبغي المالح عليه فيكونان مالحا. # والمعنى: أن الله ذكر عظيم قدرته حيث خلا البحر من العذب ~~والمالح يلتقيان، وجعل بينهما حاجزا من قدرته وحكمته، لا يبغي ~~أحدهما على صاحبه، فلا الملح يبغي على العذب فيفسده ولا العذب ~~على الملح فيخلط به. وقيل معنى قوله { لا يبغيان } أي لا ~~يطغيان على الناس بالغرق. { فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان }. ### || [55.22-23] # قوله تعالى: { يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان }؛ ~~فيه بيان نعم البحر، واللؤلؤ معروف وهو الكبار من جنس ~~اللؤلؤ، والمرجان: صغاره، وإنما يخرجان من الملح دون ~~العذب، كاللقاح للملح، إلا أنه قال { يخرج منهما } لأن ذلك ~~لا يوجد إلا بحيث يكون العذب والملح جميعا. وقيل: المرجان: ~~ضرب من الجوهر كالقضبان يخرج من البحر. # وقال ابن عباس: (يخلق الله اللؤلؤ والمرجان من ~~قطر المطر، وذلك أن السماء إذا أمطرت فتحت الأصداف ~~أفواهها على وجه الماء في البحر الملح، فما وقع من المطر في ~~أفواهها نزل إلى صدرها فانعقد لؤلؤا). # وقال السدي: (المرجان الخرز الأحمر). وعن ابن مسعود: ~~(أن المرجان حجر). وذكر إن كانت في جوفه صدفة، فأصابت ~~قطرة بعض النواة ولم تصب بعضها، فكان حيث أصاب القطرة من ~~النواة لؤلؤة وسائره نواة. # وسائر القراء على أن (يخرج) بضم ms2033 الياء وفتح الراء، وهو ~~اختيار أبي عبيدة وأبي حاتم؛ لأنه يخرج ولا يخرج بنفسه. وقرأ ~~(يخرج) بفتح الياء وضم الراء؛ لأنه إذا أخرج خرج. # فإن قيل: كيف قال (يخرج منهما) وإنما يخرج من أحدهما وهو ~~الملح؟ قيل: هذا جائز في كلام العرب أن يذكر شيئان ثم يخص ~~أحدهما وهو يفعل دون الآخر كقوله تعالى # يمعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم # [الأنعام: 130] والرسل من الإنس دون الجن. قال الكلبي: ~~(وكذلك قوله تعالى: # وجعل القمر فيهن نورا # [نوح: 16] وإنما هو في واحدة منها). وقيل: يخرج من ~~ماء السماء ماء وماء البحر. و { فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان }. ### || [55.24-25] # قوله تعالى: { وله الجوار المنشئات في البحر ~~كالأعلام }؛ فيه بيان نعم الله تعالى بالسفن العظام التي ~~ينتفع بها للتجارات وغيرها، المنشآت: المرفوعات الشراع، وما ~~لم يرفع منها شراعها فلا تكون منشأة. وقيل: المنشآت هي ~~اللواتي ابتدأ بهن في الجري، والأعلام الجبال العظام، شبه ~~السفن في البحر بالجبال في البر. # وقرأ حمزة (المنشآت) بكسر الشين، يعني المبتدئات في السير ~~اللاتي انساب جريهن وسيرهن { فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان }. ### || [55.26] # قوله تعالى: { كل من عليها فان }؛ أي كل من على ~~الأرض يفنى، وهذه كناية عن غير مذكور، ومعنى الآية: كل من دب ~~ودرج على الأرض من حيوان فهو هالك، وفي هذا منع من الركون إلى ~~الدنيا والاغترار بها. قال ابن عباس: (لما نزلت هذه ~~الآية قالت الملائكة: هلك أهل الأرض. فأنزل ~~الله تعالى: # كل شيء هالك إلا وجهه # [القصص: 88] فأيقنت الملائكة بالهلاك). ### || [55.27-28] # قوله تعالى: { ويبقى وجه ربك ذو الجلال ~~والإكرام }؛ معناه: ويبقى ربك، والوجه يذكر على وجهين: ~~أحدهما: بعض الشي كوجه الإنسان، والآخر: يقتضي الشيء العظيم في ~~الذكر كما يقال: هذا وجه الرأي ووجه التدبير، ولما ثبت ~~أن الله تعالى ليس بجسم، كان المعنى: ويبقى الله الظاهر بأدلته ~~كظهور الإنسان بوجهه. # وقوله تعالى: { ذو الجلال والإكرام } أي ذو العظمة ~~والكبرياء واستحقاق المدح بإحسانه وإنعامه. والإكرام: إكرامه ~~أنبياءه وأولياءه، فهو مكرمهم بلطفه مع جلاله وعظمته. # وعن معاذ ms2034 بن جبل قال: # " مر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل يصلي وهو ~~يقول: يا ذا الجلال والإكرام، فقال عليه السلام: ~~" قد استجيب لك " # وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الظوا بيا ذا الجلال والإكرام " # { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. ### || [55.29-30] # قوله تعالى: { يسأله من في السموت والأرض }؛ ~~أي لا يستغني عنه أهل السماء ولا أهل الأرض، قال أبو صالح: ~~(يسأله من في السماوات الرحمة، ويسأله من في ~~الأرض المغفرة والرزق، والكل يلجأون إليه ~~ويسألونه حوائجهم). # وقوله تعالى: { كل يوم هو في شأن }؛ قال المفسرون: من ~~شأنه أنه يحيي ويميت، ويرزق، ويعز ويذل، ويشفي مريضا، ~~ويجيب داعيا، ويعطي سائلا، ويغفر ذنبا، ويكشف كربا إلى ما لا ~~يحصى من أفعاله وإحداثه في خلقه ما شاء. وعن أبي الدرداء عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال في قوله { كل يوم ~~هو في شأن } قال: # " من شأنه أن يغفر ذنبا ويفرج كربا ويرفع ~~قوما ويضع آخرين ". # وقال مجاهد: (هو من شأنه أنه يجيب دعاءنا، ويعطي ~~سائلنا، ويشفي سقيمنا، ويغفر ذنوبنا ويتوب ~~على قوم، ويشقي آخرين). وقيل: شأنه يخرج كل يوم ~~وليلة ثلاثة عساكر: عسكرا من أصلاب الآباء إلى الأرحام، وعسكرا من ~~الأرحام إلى الدنيا، وعسكرا من الدنيا إلى القبور، ثم يرحلون جميعا ~~إلى الله عز وجل. # وحكي: أن بعض الملوك سأل وزيره عن معنى هذه الآية، فاستمهله ~~إلى الغد، ورجع الوزير إلى داره كئيبا لم يعرف ما يقول: فقال ~~له غلام أسود من غلمانه: يا مولاي ما أصابك؟ فزجره، فقال: يا ~~مولاي أخبرني فلعل الله يسهل لك الفرج على يدي، فأخبره ~~بذلك، فقال: عد إلى الملك فقل له: إن لي غلاما أسود إن أذنت ~~له فسر لك هذه الآية، ففعل ذلك. فدعا الملك الغلام فسأله عن ~~ذلك، فقال: أيها الملك؛ شأن الله تعالى أنه يولج الليل في ~~النهار ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويخرج ~~الميت من الحي، ويشفي مريضا ويسقم سليما، ويبتلي معافى، ms2035 ~~ويعافي مبتليا، ويذل عزيزا ويعز ذليلا. فقال له الملك: ~~أحسنت يا غلام فرجت عني. ثم أمر الوزير فخلع ثياب الوزراء ~~فكساها الغلام، فقال: يا مولاي هذا شأن الله تعالى: { فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان }. ### || [55.31-32] # قوله تعالى: { سنفرغ لكم أيه الثقلان }؛ هذا ~~وعيد من الله تعالى للخلق بالمحاسبة، كقول القائل: لأتفرغن ~~لك وما به شغل، وهذا قول ابن عباس والضحاك، وقال الزجاج: ~~(معناه: سنقصد لحسابكم بعد الترك والإمهال، ~~ونأخذ في أمركم ونجزيكم على ما فعلتم بعد ~~طول الإمهال). وهذا على وجه التهديد على ما جرت به العادات في ~~استعمال هذا اللفظ، كما يقول الرجل: سأفرغ لغلامي، يريد سأجعل ~~قصدي له، ولا يريد بذلك الفراغ من شغل هو فيه. # قرأ أبي (سنفرغ إليكم). وقرأ الأعمش (سيفرغ لكم) ~~بياء مضمومة وفتح الراء. وقرأ حمزة والكسائي وخلف بياء مفتوحة ~~وبضم الراء، وقرأ الباقون بنون مفتوحة وضم الراء. # قوله تعالى: { أيه الثقلان } الثقلان الجن ~~والإنس، يدل على ذلك قوله تعالى بعد ذلك، سميا ثقلين ~~لأنهما ثقل على الأرض أحياء وأمواتا، قال الله تعالى # وأخرجت الأرض أثقالها # [الزلزلة: 2]. وقال جعفر الصادق: (سمي الجن والإنس ~~ثقلين؛ لأنهما مثقلان بالذنوب). { فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان }. ### || [55.33-34] # قوله تعالى: { يمعشر الجن والإنس إن استطعتم ~~أن تنفذوا من أقطار السموت والأرض فانفذوا }؛ ~~في هذا بيان ضعف الخلائق عن دفع ما ينزل بهم من قضاء الله ~~وعذابه، يقول: إن قدرتم على الخروج من نواحي السماوات والأرض ~~فاخرجوا هربا مما ينزل بكم في الدنيا، لا تقدرون أن تخرجوا ~~إلا بسلطان يعطيكم الله من قوة وحجة، فحيث ما كنتم شاهدتم ~~بسلطان الله تعالى، وذلك يدلكم على وحدانية الله. وقيل: ~~معناه: إن استطعتم أن تهربوا من الموت بالخروج من أقطار السماوات ~~والأرض فاهربوا واخرجوا. والمعنى: أنكم حيث ما كنتم أدرككم الموت، ~~ولن تستطيعوا أن تهربوا منه. # وقوله تعالى: { لا تنفذون إلا بسلطان }؛ أي لا تنفذون ~~إلا بملكي، أي حيث ما كنتم وحيث ما توجهتم فثم ملكي وقدرتي. ~~وأقطار السماوات والأرض: أطرافهما ونواحيهما. وقيل في معنى ms2036 هذه ~~الآية: يأمر الله تعالى الملائكة يوم القيامة أن تحف بأقطار ~~السماوات والأرض، ثم يقال للجن والإنس: إن استطعتم أن تنفذوا من ~~أقطار السماوات والأرض هربا من الحساب والعقاب فاهربوا. { ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان }. ### || [55.35-36] # قوله تعالى: { يرسل عليكما شواظ من نار ~~ونحاس }؛ أي يرسل على من استحق منكما بمعاصيه لهب من النار، ~~والشواظ: اللهب الذي لا دخان فيه. وقرأ ابن كثير (شواظ) بكسر ~~الشين وهي لغة أهل مكة، قال حسان يهجو أمية بن أبي الصلت: # هجوتك فاختضعت لها بذل # بقافية تأجج كالشواظ # قوله تعالى: { ونحاس }؛ قرأ ابن كثير وأبو عمرو: ~~(ونحاس) بالخفض عطفا على النار، وقرأ الباقون بالرفع عطفا على ~~الشواظ. واختلفوا في معنى النحاس، قال ابن عباس: (هو ~~الدخان) وأكثر القراءة فيه بالرفع عطفا على (شواظ)، والمعنى: ~~يرسل عليكما شواظ، ويرسل نحاس؛ أي يرسل هذا مرة وهذا مرة، ~~ويجوز أن يرسلا معا من غير أن يمتزج أحدهما بالآخر. وقيل: ~~النحاس هو الصفر المذاب يصب على رؤوسهم، وقال مقاتل: (هي ~~خمسة أنهار من صفر مذاب تجري على رؤوس أهل ~~النار)، قوله تعالى: { فلا تنتصران }؛ أي فلا ~~تمتنعان عن ما يراد بكما. # قوله تعالى: { فبأي آلاء ربكما تكذبان }؛ وجه ~~إنعام الله تعالى علينا في إنزال آيات الوعيد: أنه تعالى لما ~~حذرنا من العذاب بأبلغ أسباب التحذير حتى نتقي المعاصي خوفا من ~~عذابه، ونرغب في الطاعات طعما في ثوابه، كان ذلك نعمة منه علينا ~~فلذلك قال تعالى { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. ### || [55.37-38] # قوله تعالى: { فإذا انشقت السمآء فكانت وردة ~~كالدهان }؛ معناه: إذا انشقت وذابت حتى صارت حمراء كلون ~~الوردة الحمراء أو كالدهن الأحمر من نار جهنم مع عظم السماء ~~وكبرها، فكيف بأبدانكم الضعيفة في ذلك اليوم، وهذا كما روي عن علي ~~رضي الله عنه: أنه مر على قوم من الحدادين فقال: ~~(أما أنتم يا معشر الحدادين أحق الناس ~~بالاتعاظ والاعتبار، أما ترون تأثير هذه النار ~~الضعيفة في هذا الحديد الشديد؟ فكيف تأثير تلك ~~النار العظيمة في هذه الأبدان الضعيفة). # ويقال في ms2037 تشبيه السماء بالوردة: أنها تتكون في ذلك اليوم، ~~قال الحسن: (إن السماء أول ما تنشق تحمر ثم ~~تصفر ثم تخضر كالفرس الورد، تكون في الربيع ~~وردة إلى الصفرة، فإذا اشتدت كان الشتاء كانت ~~وردة حمراء، فإذا كان الخريف كانت وردة أغبر). # وشبهها بالدهان المختلفة التي تصب بعضها على بعض، والدهن ~~والدهان واحد، قال قتادة: (إن السماء اليوم خضراء ~~وستكون يوم القيامة حمراء كالدهان). وقيل: إن ~~الدهان جمع الدهن، قال عطاء: (يعني عصير الذائب)، وقال ابن ~~جريج: (معناه: أن السماء تذوب كما يذوب الدهن ~~الذائب وذلك حين يصيبها حر نار جهنم). { فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان }. ### || [55.39-45] # قوله تعالى: { فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ~~ولا جآن }؛ يسأل سؤال استفهام؛ لأن الله تعالى يظهر على ~~كل مجرم علامة تدل على معصيته، وعلى كل مطيع علامة على ~~إطاعته، لأن الله تعالى قال بعد هذه الآية: { فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان * يعرف المجرمون بسيماهم }؛ أي ~~بعلامتهم من سواد الوجوه وزرقة الأعين، { فيؤخذ ~~بالنواصي والأقدام }؛ فيجعل أقدامهم مغلولة إلى نواصيهم ~~من خلف ويلقون في النار كذلك، والناصية: شعر مقدم الرأس، { ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان }. # ويقال للمجرمين عندما يقذفون في النار: { هذه جهنم التي ~~يكذب بها المجرمون }؛ يعني المشركين. قوله تعالى: { ~~يطوفون بينها وبين حميم آن }؛ معناه: يطوفون بين ~~أطباق النيران وبين ماء حار قد انتهى حره، إذا استغاثوا من ~~الحميم من النار، جعل غياثهم الحميم الآخر، وإذا استغاثوا من ~~الحميم جعل غياثهم النار، فيطاف بهم مرة إلى الحميم ومرة ~~إلى النار. # يقال: آنى يأني أنا فهو آن، إذا انتهى في النضج والحرارة، ~~قال قتادة: (طبخ منذ خلق الله السماوات والأرض). ~~حدثنا المردوية الصانع قال: صلى بنا الإمام صلاة الصبح، فقرأ ~~فيها سورة الرحمن ومعنا علي بن الفضيل، فلما قرأ { يعرف ~~المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام } ~~خر مغشيا عليه حتى فزعنا من الصلاة، فقلنا له بعد ذلك: يا ~~علي أما سمعت الإمام يقول: # حور مقصورات في الخيام # [الرحمن: 72] قال: شغلني عنها { يعرف المجرمون ~~بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام ms2038 * فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان }. ### || [55.46-51] # قوله تعالى: { ولمن خاف مقام ربه جنتان }؛ ~~معناه: ولمن خاف وقوفه في عرضات القيامة بين يدي الله ~~تعالى، فترك المعصية رهبة من الله تعالى له جنتان بستانان من ~~الياقوت الأحمر والزمرد الأخضر، ترابهما الكافور والعنبر، ~~وحصاهما المسك الأذفر، كل بستان منهما مسيرة مائة سنة، في ~~وسط كل بستان دار من نور، وقال محمد بن علي الترمذي: (جنة ~~داخل قصره لخوفه وجنة خارج قصره لتركه)، { ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان }. # وفي الحديث: " أن هذه الآية نزلت في من دعته نفسه ~~إلى المعصية، فإذا تمكن منها وقدر عليها ~~وتذكر ما في ارتكابها من العقاب، وما في تركها ~~من الثواب، فتركها فله جنتان " هذه صفتهما: { ~~ذواتآ أفنان }؛ أي ذواتا أغصان، واحدها فنن وهو الغصن ~~المستقيم طولا. وقال الزجاح: (الأفنان: الألوان ~~والأغصان) أي ذواتي الألوان وأصناف من الفاكهة لا يعدم فيه ~~لون من ألوانها، واحدها فن، وجمع عطاء بين القولين فقال: ~~(يريد في كل غصن فنون من الفاكهة)، { فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان }. # وفي ذكر الأغصان بيان كثرة الأشجار، وبكثرة الأشجار تمام حال ~~البستان، فإن البستان لا يكمل إلا بكثرة الأشجار، والأشجار لا ~~تحسن إلا بكثرة الأغصان، { فيهما عينان تجريان }؛ أي في ~~البساتين عينان تجريان، إحداهما: السلسبيل، والأخرى: ~~التسنيم، تجريان في غير شق ولا أخدود. { فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان }. ### || [55.52-53] # قوله تعالى: { فيهما من كل فاكهة زوجان }؛ أي ~~نوعان وصنفان، حلو وحامض، وأحمر وأصفر، ورطب ويابس. ويقال: ~~صنفان: صنف عهدوه في الدنيا، وصنف لم يعهدوه ولا خطر في ~~قلوبهم، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. ### || [55.54-55] # قوله تعالى: { متكئين على فرش بطآئنها من ~~إستبرق }؛ أي جالسين جلسة الملوك مكرمين على فرش ~~بطائنها من استبرق، البطانة: الصفحة مما يلي الأرض في ~~البطانة، والاستبرق: الديباج المنسوج بالذهب. # وإنما ذكرت البطائن من استبرق لتعرف أن البطائن إذا كانت هكذا، ~~فالظاهر لا شك أنها أشرف منها على ما عليه العادة، وقال أبو ~~هريرة رضي الله عنه: (هذه البطائن؛ فما ظنكم ~~بالظواهر). وقيل لسعيد بن جبير: البطائن من ms2039 استبرق ~~فما الظواهر؟ قال: (هذا مما قال الله تعالى: # فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين # [السجدة: 17]). وقال ابن عباس: (وصف البطائن وترك ~~الظواهر؛ لأنه ليس في الأرض أحد يعرف ما ~~الظواهر؟). # قوله تعالى: { وجنى الجنتين دان }؛ أي ثمرهما ~~قريب متناوله، يناوله القائم والقاعد والمضطجع، يأخذه كيف ما ~~أراد، ويدنو إلى أفواههم حتى يناولونه بالأفواه، { فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان }. ### || [55.56-57] # قوله تعالى: { فيهن قاصرات الطرف }؛ أي في هاتين ~~الجنتين وما حولهما من الجنان حور غاضات الأعين، قد قصرن ~~أطرافهن على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم ولا يبغين بهم ~~بدلا. # والطرف: جفن العين، ويجوز أن يكون معنى { فيهن قاصرات ~~الطرف } أي في الفرش التي بطائنها من استبرق، وقال زيد: ~~(إن المرأة من الحور العين القاصرات الطرف تقول ~~لزوجها: وعز ربي ما أرى في الجنة شيئا أحسن ~~منك، فالحمد لله الذي جعلني زوجك وجعلك ~~زوجي). # قوله تعالى: { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن ~~}؛ أي لم يفضضهن، والطمث: هو النكاح بالتدمية، وامرأة ~~طامثة؛ أي حائض، وطمثت الجارية إذا افترعتها، والمعنى: لم ~~يغشهن ولا يجامعهن إنس قبلهم ولا جان؛ لأنهن خلقهن ~~في الجنة، وقيل: الطمث هو المس، { فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان }. ### || [55.58-59] # قوله تعالى: { كأنهن الياقوت والمرجان }؛ أي ~~كأنهن في صفاء الياقوت وبياض المرجان، والمرجان: هو صغار ~~اللؤلؤ وهو أشد بياضا من كباره. وعن عبدالله بن مسعود عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: # " أن المرأة من أهل الجنة يرى بياض مخ ساقها ~~من وراء سبعين حلة من حرير " # ، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. ### || [55.60-61] # قوله تعالى: { هل جزآء الإحسان إلا الإحسان }؛ ~~أي ما جزاء من أحسن في الدنيا إلا أن يحسن إليه في الآخرة، قال ~~ابن عباس: (هل جزاء من قال: لا إله إلا الله، وعمل ~~بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم إلا الجنة). وعن ~~ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " هل جزاء من أنعمت عليه بمعرفتي وتوحيدي ~~إلا أن أسكنه جنتي وحضيرة قدسي ms2040 برحمتي " # { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. ### || [55.62-63] # قوله تعالى: { ومن دونهما جنتان }؛ معناه وله جنتان ~~سوى الجنتين الأوليين، وهما دون الأوليين. قال بعضهم: أراد ~~بالجنتين الأولين جنتين في العلو، وأراد بهذين جنتين في ~~السفل، قال صلى الله عليه وسلم: # " هما جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما من ~~فضة " # وقيل: معناه: { ومن دونهما جنتان } أي أقرب إلى قصره ~~ومجالسه من الجنتين الأوليين، { فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان }. ### || [55.64-65] # قوله تعالى: { مدهآمتان }؛ أي خضراوان تضرب ~~خضرتهما من الرائي إلى السواد، وذلك أحسن ما يكون في الخضرة ~~أولاهم الأسود، يقال: ادهام الزرع إذا علاه السواد ريا. { ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان }. ### || [55.66-67] # قوله تعالى: { فيهما عينان نضاختان }؛ أي ~~فوارتان بالماء من الامتلاء، تنضخ على أولياء الله بالمسك ~~والعنبر والكافور والخير والبركة، بخلاف العينين للأوليين، والنضخ ~~أكثر من النضح، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. ### || [55.68-69] # قوله تعالى: { فيهما فاكهة ونخل ورمان }؛ أي ~~فيهما ألوان الفاكهة. قوله تعالى: { ورمان } يستدل لأبي ~~حنيفة أن النخل والرمان ليسا من الفاكهة؛ لأن الشيء لا يعطف على ~~نفسه، وعند أبي يوسف ومحمد هما من الفاكهة، وإن عطفهما على ~~الفاكهة لزيادة معنى فيهما لا يوجد في سائر الفواكه، كما في قوله ~~تعالى: # من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل ~~وميكل # [البقرة: 98]. وروي: أن نخيل الجنة، عروقها من فضة، وجذوعها ~~ذهب، وسقفها حلل، وثمرها أحلى من العسل وألين من الزبد، ليس ~~له عجم، { فبأي آلاء ربكما تكذبان }. ### || [55.70-71] # قوله تعالى: { فيهن خيرات حسان }؛ قرأ أبو رجاء ~~(خيرات) بالتشديد، وهما لغتان مثل هين وهين ولين ولين، ~~وعن أم سلمة قالت: # " قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرني عن قوله ~~{ خيرات حسان } قال: " خيرات الأخلاق حسان ~~الوجوه " # وقيل: خيرات فاضلات مختارات ليس بذربات ولا دفوات ولا ~~بحرات ولا متسلطات ولا طماحات ولا طوافات في الطرق، { ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان }؛. ### || [55.72-73] # قوله تعالى: { حور مقصورات في الخيام }؛ الحور ~~البيض الحسان البياض، والمقصورات هن المحجوبات المحبوسات ~~والمصونات. والخيام: جمع خيمة، وهي خيمة من درة مجوفة ~~فيها أربعة ms2041 آلاف مصراع من ذهب، طول الخيمة في السماء ستون ~~ميلا، في كل زاوية أهل لا يراهم الآخرون. { فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان }. ### || [55.74-75] # قوله تعالى: { لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جآن ~~}؛ يعني أن صفتهن كصفة القاصرات الطرف. { فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان }. ### || [55.76-77] # قوله تعالى: { متكئين على رفرف خضر وعبقري ~~حسان }؛ قال أبو عبيدة: (الرفرف: البسط) قاله الضحاك ~~ومقاتل والحسن. وقال الزجاج: (الرفرف ها هنا رياض ~~الجنة). وقيل: الرفرف الوسائد. وأما العبقري: فهو ~~البسط من الزرابي وغيرها، وكل ما بولغ في وصفه فهو ~~عبقري، وأصله أن عبقري اسم بلد كان يوشى فيها البسط، ~~وكانت العرب تعتقد أن أفضل البسط ما نسج بعبقر، فأضافه ~~الله تعالى على عادتهم. { فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~}. ### || [55.78] # قوله تعالى: { تبارك اسم ربك ذي الجلال ~~والإكرام }؛ أي عظمت البركة في اسم ربك، فاطلبوا البركة في ~~كل شيء يذكر فيه اسمه، قرأ ابن عامر (ذو الجلال ~~والإكرام). ### | [56 - سورة الواقعة] ### || [56.1] # { إذا وقعت الواقعة }؛ قال ابن عباس: (معناه: إذا ~~قامت القيامة)، والواقعة اسم القيامة، وقيل: معناه: إذا ~~نزلت الصيحة وتلك النفخة الآخرة. ### || [56.2-3] # قوله تعالى: { ليس لوقعتها كاذبة * خافضة ~~رافعة }؛ أي لمجيئها وظهورها كاذبة ولا رد ولا خلاف، وقوله { ~~رافعة } أي تخفض ناسا وترفع آخرين، قال عطاء: (تخفض ~~أقواما كانوا في الدنيا مرفعين، وترفع أقواما ~~كانوا في الدنيا متضعين). وقيل: تخفض قوما إلى النار، ~~وترفع آخرين إلى الجنة. ### || [56.4-5] # قوله تعالى: { إذا رجت الأرض رجا }؛ أي زلزلت ~~الأرض ورجعت وتحركت حركة شديدة حتى ينهدم كل بناء على وجه ~~الأرض. قوله: { وبست الجبال بسا }؛ أي فتت فتا فصارت ~~كالدقيق المبسوس وهي المبلول، والبسيسة عند العرب الدقيق ~~والسويق يلت ويتخذ زادا. قيل: إن الجبال تصير يومئذ ~~كالدقيق أو السويق. ### || [56.6] # قوله تعالى: { فكانت هبآء منبثا }؛ أي صارت غبارا ~~متفرقا كالذي يسفع من حوافر الدواب، ويحول في شعاع الشمس ~~إذا دخل من الكوة وهو الهباء، فيقبض القابض فلا يحصل بيده، ~~وقرأ النخعي (منبتا) بالتاء أي منقطعا. ### || [56.7-8] # قوله تعالى: { وكنتم أزواجا ثلاثة ms2042 }؛ معناه: وكنتم ~~يومئذ أصنافا ثلاثة، ثم فسرهم فقال الله: { فأصحاب ~~الميمنة مآ أصحاب الميمنة }؛ يعني الذين يعطون ~~كتبهم بأيمانهم. وقيل: هم الذين يسلك بهم ذات اليمين إلى ~~الجنة. ### || [56.9] # قوله تعالى: { وأصحاب المشأمة مآ أصحاب ~~المشأمة }؛ هم أصحاب الشؤم والتكذيب، وقيل: هم الذين ~~يعطون كتبهم بشمالهم، ويسلك بهم طريق الشمال إلى النار، ~~ويقال لليد اليسرى الشوماء، قال الشاعر: # الشتم والشر في شوماء يديك لهم # وفي يمينك ماء المزن والضرب # ومنه الشام واليمن؛ لأن اليمن على يمين الكعبة، والشام على ~~شمالها إذا دخلت الحجر تحت الميزاب. وقيل: هم الذين كانوا على ~~شمال آدم عندما أخرج الذرية، وقال الله لهم: # " هؤلاء في النار ولا أبالي ". # وقوله تعالى: { مآ أصحاب الميمنة } و { مآ أصحاب ~~المشأمة } تعجيب لشأن أصحاب الميمنة في الخير، والترغيب ~~في طريقتهم كما يقال: فقيه أي فقيه، وتعظيم لشر أصحاب المشأمة ~~والتحذير عن طريقتهم. ### || [56.10] # قوله تعالى: { والسابقون السابقون }؛ بيان للصنف ~~الثالث، والمعنى: والسابقون في الدنيا إلى الطاعات، هم السابقون ~~في العقبى إلى الدرجات، وقيل: هم الذين سبقوا إلى توحيد الله ~~والإيمان برسوله. # وقال ابن سيرين: (هم الذين صلوا إلى القبلتين، ~~وشهدوا بدرا)، دليله قوله تعالى: # والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار # [التوبة: 100]، وقال ابن عباس: (هم السابقون إلى ~~الهجرة)، وقال علي رضي الله عنه: (هم السابقون إلى ~~الصلوات الخمس)، وقال ابن جبير: (المسارعون إلى ~~التوبة وإلى أعمال البر)، ونظيره # سابقوا إلى مغفرة من ربكم # [الحديد: 21]، وقال # أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون # [المؤمنون: 61]. ### || [56.11-14] # قوله تعالى: { أولئك المقربون * في جنات ~~النعيم }؛ أي هم المقربون إلى كرامة الله تعالى وجزيل ثوابه ~~في أعلى الدرجات، ثم أخبر أين محلهم فقال { في جنات ~~النعيم }. قوله تعالى: { ثلة من الأولين }؛ أي ~~جماعة من أوائل الأمم ممن صدق بالنبيين من ولد آدم إلى زمان ~~نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، { وقليل من الآخرين }؛ ~~أي من هذه الأمة، وذلك أن الذين عاينوا جميع النبيين ~~وصدقوا بهم أكثر ممن عاين نبينا صلى الله عليه وسلم، ألا ترى ms2043 ~~إلى قوله تعالى: # وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون # [الصافات: 147] هؤلاء سوى من آمن بجميع الأنبياء وصدقهم، ~~والثلة في اللغة: هي القطعة، الكثرة من الناس، والجماعة ~~الذين لا يحصى عددهم. ### || [56.15] # قوله تعالى: { على سرر موضونة }؛ أي على سرر ~~منسوجة بقضبان الذهب والفضة والجواهر، قد أدخل بعضها في ~~البعض مضاعفة. قال الأعشى: # ومن نسج داوود موضونة # تساق مع الحي عيرا فعيرا # وإنما قال { على سرر موضونة } لأنها إذا كانت على هذه ~~الصفة، كانت أنعم وألين من السرر التي تعمل من الخشب، قال ~~الكلبي: (طول كل سرير ثلاثمائة ذراع، فإذا أراد ~~العبد أن يجلس عليها تواضعت، فإذا جلس عليها ~~ارتفعت). وقال الضحاك: (موضونة: أي مصفوفة)، يقال: ~~آجر موضون إذا صف بعضه على بعض. ### || [56.16] # قوله تعالى: { متكئين عليها متقابلين }؛ أي ~~جالسين عليها جلسة الملوك للراحة متقابلين، يقال بعضهم بعضا ~~في الزيادة: إذا اشتهى أحدهم حديث صاحبه، ألقى الله في نفس ~~الآخر مثل ذلك، وأمر كل واحد منهم بسريره فأخرج على باب ~~منزله، ثم جلسا على سريريهما يتحدثان، يسمع كل واحد منهما ~~حديث صاحبه وإن بعد عنه، وإذا شاؤوا سارت سريرهم إلى حيث ~~يشاؤون. ### || [56.17] # قوله تعالى: { يطوف عليهم ولدان مخلدون }؛ أي ~~يطوف عليهم للخدمة غلمان لا يهرمون ولا يتغيرون ولا يموتون، ~~خلقوا للخلود وهم دائمون، ويقال: معنى { مخلدون } ~~مقرطون مسورون من الخلدة وهي الحلي، يقال: خلد ~~جاريته إذا أحلاها بالخلد وهو القرط. ### || [56.18-19] # قوله تعالى: { بأكواب وأباريق }؛ الأكواب جمع كوب، ~~وهي الكيزان العظام المدورة الرؤوس التي لا آذان لها ولا خرطوم ~~ولا عرى، والأباريق والأواني التي لها عرى وخراطيم، واحدها ~~إبريق، وهو الذي يبرق من صفائه وحسنه وبريق لونه. # قوله تعالى: { وكأس من معين }؛ الكأس: الإناء الذي ~~فيه الشراب، والمعين: الخمر الذي يجري من العيون الظاهرة لا ~~في الأخدود، والمعنى: وكأس من خمر جارية. قوله تعالى: { لا ~~يصدعون عنها ولا ينزفون }؛ أي لا يصيبهم من شربها ~~صداع كما يكون في شرب خمر الدنيا، ولا تنزف عقولهم، يقال ~~للرجل إذا سكر: نزف ms2044 عقله، والنزيف هو السكران. ### || [56.20] # قوله تعالى: { وفاكهة مما يتخيرون }؛ معناه: ~~ويؤتون بفاكهة مما يتخيرون ليس لها فناء ولا نوى، ظاهرها مثل ~~باطنها، وباطنها مثل ظاهرها. ### || [56.21] # قوله تعالى: { ولحم طير مما يشتهون }؛ أي ~~يؤتون بلحم طير مما يتمنون، كما روي في الحديث: # " أنهم إذا اشتهوا لحم الطير وقع بينهم ~~مشويا، فيتناولون منه قدر الحاجة، ثم يطير ~~كما كان " # وهذا لأن الذبح لا يكون إلا بإراقة الدم، وذلك لا يكون في ~~الجنة. # وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن في الجنة طيرا فيه تسعون ألف ريشة، يجيء ~~فيقع على صحفة الرجل من أهل الجنة، ثم ~~ينتفض فيخرج من كل ريشة لونه أبيض من ~~الثلج وألين من الزبد وأعذب من الشهد، ليس ~~فيه لون يشبه الآخر، ثم يطير فيذهب ". ### || [56.22] # قوله تعالى: { وحور عين }؛ قرأ أبو جعفر وحمزة والكسائي ~~(وحور) بالخفض على معنى وينعمون بحور عين، ويجوز أن يكون ~~خفضا على المجاورة؛ لأنه معطوف على قوله (وفاكهة ~~ولحم طير). # والحور: البيض الحسان، والعين: الواسعة الأعين ~~حسانها، وقرأ النخعي وأشبه العقلي (وحورا عينا) بالنصب على ~~معنى ويزوجون حورا عينا، وبالرفع على معنى: ولهم حور عين. ### || [56.23] # قوله تعالى: { كأمثال اللؤلؤ المكنون }؛ معناه: ~~أن صفاء هذه كصفاء الدر حين يخرج من صدفه قبل أن ~~تصيبه يد أو هواء أو شمس أو غبار. # وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " خلق الحور العين من زعفران " # وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من عبد يدخل الجنة إلا وهو مزوج ~~ثنتين وسبعين زوجة، ليس منهن امرأة إلا ~~ولها قبل شهي، وله ذكر لا ينثني ". # وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " سطع نور في الجنة، فقالوا: ما هذا؟ قالوا: ضوء ~~ثغر حور تبسمت في وجه زوجها ". # ويروى: أن الحور إذا مشت سمع تقديس الخلاخل وتمجيد ~~الأساور في ساعديها، إن عقد الياقوت في نحرها، في ms2045 رجليها ~~نعلان من ذهب شراكهما من اللؤلؤ يصران بالتسبيح والتحميد. ### || [56.24] # قوله تعالى: { جزآء بما كانوا يعملون }؛ فيه بيان ~~أن هذه الأشياء جزاء لهم على أعمالهم الصالحة التي كانوا يعملونها ~~في الدنيا. ### || [56.25-27] # قوله تعالى: { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما }؛ أي ~~لا يسمعون في الجنة إلا قولا يسلمون فيه من اللغو والتأثيم، ~~واللغو: الكلام الذي لا فائدة فيه، التأثيم: أن يؤثم بعضهم ~~بعضا ولا يتكلمون بما فيه إثم. قوله تعالى: { إلا قيلا ~~سلاما سلاما }؛ أي ولكن يقولون قيلا ويسمعون قيلا ~~سلاما يسلمون فيه من اللغو والإثم. قال عطاء: يحيي ~~بعضهم بعضا بالسلام على أحسن الآداب وكريم ~~الأخلاق مع كمال النعيم، ويقول لهم الملائكة: ~~سلمكم الله تعالى من المكاره). # هذا كله نعت السابقين، ثم ذكر الصنف الثاني: # فقال تعالى: { وأصحاب اليمين مآ أصحاب اليمين }؛ وهم ~~عامة المؤمنين دون النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ما ~~تدري ما لهم يا محمد في الجنة من النعيم والسرور. ### || [56.28] # قوله تعالى: { في سدر مخضود }؛ السدر شجر مثمر ~~مرتفع المنظر، طيب الرائحة. والمعنى: في ظلال سدر قد نزع ~~شوكه وكثر حمله، والخضد عطف العود اللين، ولذلك ~~قيل: لا شوكة فيه، قد خضد شوكه؛ أي قطع، ومنه الحديث: # " لا يخضد شوكها ولا يعضد شجرها ". # وقال مجاهد والضحاك ومقاتل: (معنى قوله { مخضود } أي ~~موقر حملا)، ويقال: إن السدر شجر النبق إلا أن ~~ثمرة تلك الشجرة لا تكون مثل شجر النبق في الدنيا ولا ~~رائحتها تشبه رائحتها. ### || [56.29] # قوله تعالى: { وطلح منضود }؛ الطلح شجر الموز، ~~وقوله { منضود } أي بتراكب الموز على أغصانها من أولها إلى ~~آخرها، فليس لها شوك بارز، وقال الحسن: (الطلح شجر له ~~ظل بارد طيب)، وقرأ علي رضي الله عنه (معضود) بالعين أي ~~تحل بتراكب الرطب على أغصانها كما في قوله # لها طلع نضيد # [ق: 10]. ### || [56.30] # قوله تعالى: { وظل ممدود }؛ أي لا تنسخه الشمس، قال ~~الربيع: (يعني ظل العرش)، قال عمرو بن ميمون: (مسيرة ~~سبعين ألف سنة). وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله ms2046 عليه وسلم: # " إن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها ~~مائة عام لا يقطعها، شجر الخلد، إقرأوا إن ~~شئتم { وظل ممدود } ". ### || [56.31] # قوله تعالى: { ومآء مسكوب }؛ أي ماء مصبوب عليهم من ~~ساق العرش في أوعيتهم يشربوه على ما يرون من حسنه وصفائه ~~وطيب رائحته. وقيل: معناه: وماء مصبوب يجري دائما في غير ~~أخدود لا ينقطع. ### || [56.32-33] # قوله تعالى: { وفاكهة كثيرة * لا مقطوعة ولا ~~ممنوعة }؛ أي وأنواع فاكهة كثيرة، لا ينقطع عنهم في وقت من ~~الأوقات، بخلاف فاكهة الدنيا، ولا تكون ممنوعة ببعد متناول أو ~~شوكة تؤذي، بخلاف ما يكون في الدنيا. وقيل: لا مقطوعة ~~بالأزمان ولا ممنوعة بالأثمان، ولا ينقطع ثمرها إذا جنيت بل ~~يخرج مكانها مثلها. قال صلى الله عليه وسلم: # " ما قطعت ثمرة من ثمار الجنة إلا أبدل ~~مكانها ضعفين ". ### || [56.34-36] # قوله تعالى: { وفرش مرفوعة }؛ قال صلى الله عليه وسلم: # " ارتفاعها كما بين السماء والأرض مسيرة ~~خمسمائة عام، موضوعة بعضها فوق بعض، إذا أراد ~~العبد أن يجلس عليها تواضعت حتى يجلس، ثم ~~ترتفع في الهواء " # قال علي رضي الله عنه: (مرفوعة على الأسرة). # وقيل: إنه أراد بالفرش ها هنا النساء المرتفعات القدر في ~~عقولهن وحسنهن وكمالهن، رفعن بالحسن والجمال والفضل على ~~نساء الدنيا، ودليل هذا التأويل قوله تعالى: { إنآ ~~أنشأناهن إنشآء * فجعلناهن أبكارا }؛ وقد تسمى ~~المرأة فراشا ولباسا. # قوله تعالى: { إنآ أنشأناهن إنشآء } أي ~~خلقناهن لأوليائنا بلا ولادة ولا تربية، بخلاف نساء الدنيا. ~~وقيل: المراد بهذه الآية نساء أهل الدنيا يخلقن خلقا ~~بعد خلق، كما روي في بعض الأحاديث: # " أنهن عجائزكم في الدنيا جعلن صبايا، ~~ويلبسن من الحسن والجمال أكثر مما يلبس ~~الحور العين؛ لأنهن عملن في الدنيا، والحور ~~لم يعملن ". ### || [56.37-38] # قوله تعالى: { عربا أترابا * لأصحاب اليمين }؛ ~~العرب: جمع عروب، وهي المتحببة إلى زوجها اللاعبة معه ~~أنسا به ومحبة له، قال المبرد: (هي العاشقة لزوجها ~~الحسنة التبعل لذيذة الكلام). # قوله تعالى: { أترابا } أي مستويات في السن على ميلاد ~~واحد، كلهن في سن ثلاث وثلاثين سنة، سنهن مثل ms2047 سن ~~أزواجهن، ومثل هذا يكون أبلغ في اللذة. قوله { لأصحاب ~~اليمين } أي جميع الذي ذكرناه لأصحاب اليمين. وقيل: معناه: ~~فأنشأناهن إنشاء لأصحاب اليمين. ### || [56.39-40] # قوله تعالى: { ثلة من الأولين * وثلة من ~~الآخرين } أي جماعة من أوائل الأمم، وجماعة من أمة نبينا ~~محمد صلى الله عليه وسلم. وروي: أنه لما أنزل الله ~~تعالى: { ثلة من الأولين * وثلة من الآخرين } ~~بكى عمر رضي الله عنه وقال: يا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ومن ينجو من قليل؟ فأنزل الله { ثلة من ~~الأولين * وثلة من الآخرين }. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " " يا ابن الخطاب؛ قد أنزل الله فيما قلت، فجعل ~~ثلة من الأولين وثلة من الآخرين " فقال عمر ~~رضي الله عنه: (رضينا عن ربنا وتصديق نبينا صلى الله ~~عليه وسلم؛ من آدم إلينا ثلة، ومنا إلى يوم ~~القيامة ثلة) " # وقال مجاهد والضحاك: (الثلتان جميعا من هذه الأمة). ### || [56.41-44] # قوله تعالى: { وأصحاب الشمال مآ أصحاب الشمال ~~}؛ يعني الذين يعطون كتبهم بشمائلهم، ما تدري يا محمد ما ~~لهم من الهوان في العذاب من حر نار وريح حادة تدخل في ~~مسامهم، وهو قوله تعالى: { في سموم وحميم }؛ أي في ~~حر نار وماء حار، { وظل من يحموم }؛ أي من دخان شديد ~~السواد لا كبرد ظل الدنيا؛ لأنه ظل دخان جهنم. # وقال ابن زيد: (اليحموم جبل في جهنم). قوله ~~تعالى: { لا بارد ولا كريم }؛ أي لا بارد المدخل ولا ~~كريم المنظر. وقيل: لا بارد المنزل ولا حسن المنظر. ### || [56.45-48] # قوله تعالى: { إنهم كانوا قبل ذلك مترفين }؛ ~~فيه بيان سبب العقوبة، معناه: إنهم كانوا في الدنيا منعمين ~~متكبرين في ترك أمر الله، وكانوا ممتنعين من الواجب الذي عليهم ~~طلبا للترفه، { وكانوا يصرون على الحنث العظيم ~~}؛ أي وكانوا يقيمون على الشرك بالله. وسمي الشرك حنثا؛ ~~لأنهم كانوا يحلفون أن الله لا يبعث من يموت، والحنث: ~~الإثم. # وقال الشعبي: (الحنث العظيم: اليمين الغموس) وهم ~~كانوا يحلفون بالله أنهم لا يبعثون وكذبوا في ذلك، { وكانوا ~~يقولون أإذا متنا وكنا ms2048 ترابا وعظاما أإنا ~~لمبعوثون }؛ بيان إنكارهم للبعث، وقوله تعالى: { أو آبآؤنا ~~الأولون }؛ هذا القول منهم زيادة استبعاد واستنكار. ### || [56.49-50] # يقول الله تعالى: { قل إن الأولين والآخرين * ~~لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم }؛ أي قل لهم يا ~~محمد: إن آباءكم ومن قبلهم وأنتم ومن بعدكم لمجموعون في ~~قبورهم إلى يوم القيامة. ### || [56.51-56] # قوله تعالى: { ثم إنكم أيها الضآلون ~~المكذبون * لأكلون من شجر من زقوم * فمالئون ~~منها البطون * فشاربون عليه من الحميم * ~~فشاربون شرب الهيم }. وذلك أن الله تعالى يلقي عليهم ~~الجوع حتى يضطرهم إلى أكل الزقوم، فيأكلون منه حتى تمتلئ ~~بطونهم، ثم يلقي عليهم العطش فيضطرهم ذلك إلى شرب الحميم، ~~فيشربون شرب الإبل العطاش التي يصيبها داء الهيام فلا تروى من ~~الماء. # والهيم: الإبل العطاش التي بها الهيام لا تروى، وواحد ~~الهيم أهيم، والأنثى هيماء، ويقال: الهيم هي الرمال التي ~~لا يرويها ماء السماء، مأخوذ من قولهم: كثيب أهيم، وكثبان ~~هيم. قرأ نافع وعاصم وحمزة (شرب) بضم الشين، وقرأ الباقون بفتحها، ~~والمعنى فيها واحد مثل ضعف وضعف، { هذا نزلهم يوم ~~الدين } أي هذا غداؤهم وشرابهم يوم الجزاء. ### || [56.57-59] # قوله تعالى: { نحن خلقناكم }؛ أي نحن خلقناكم أيها ~~الكفار ولم تكونوا شيئا، { فلولا تصدقون }؛ أي فهلا ~~تصدقون بالبعث اعتبارا بالخلقة الأولى. قوله تعالى: { ~~أفرأيتم ما تمنون * ءأنتم تخلقونه أم نحن ~~الخالقون }؛ معناه: أخبروني يا أهل مكة ما تقذفونه من ~~المني وتصبونه في أرحام النساء، أأنتم تخلقونه ولدا أم نحن ~~نخلقه ونجعله بشرا سويا. ### || [56.60-61] # قوله تعالى: { نحن قدرنا بينكم الموت }؛ أي ~~كتبناه عليكم وسوينا به بين أهل السماء والأرض على مقادير آجالهم ~~في مكان معلوم وفي زمان معلوم، فمنكم من يموت صغيرا ومن يموت ~~كبيرا. # قوله تعالى: { وما نحن بمسبوقين * على أن ~~نبدل أمثلكم }؛ أي ما نحن بمغلوبين عاجزين على أن ~~نبدل غيركم أطوع وأخشع منكم، وعلى أنه { وننشئكم في ما ~~لا تعلمون }؛ أي في موضع لا تعلمونه وهو النار. وقيل: في ~~صور لا تعلمونها من سواد في الوجوه وزرقة الأعين، ولو أردنا ~~أن ms2049 نجعل منكم القردة والخنازير لم نسبق ولا فاتنا ذلك. قرأ ابن ~~كثير (نحن قدرنا) مخففا وهما لغتان. ### || [56.62] # قوله تعالى: { ولقد علمتم النشأة الأولى ~~فلولا تذكرون }؛ أي قد علمتم الخلقة الأولى ولم تكونوا ~~شيئا، فخلقناكم من نطفة وعلقة ومضغة، وهلا تذكرون أني ~~قادر على إعادتكم كما قدرت على أعدائكم. ### || [56.63-64] # قوله تعالى: { أفرأيتم ما تحرثون * ءأنتم ~~تزرعونه أم نحن الزارعون }؛ معناه: أخبروني ما ~~تلقون من البذر في الأرض؛ أأنتم تنبتونه وتجعلونه زرعا أم ~~نحن فاعلون ذلك؟. ### || [56.65-67] # قوله تعالى: { لو نشآء لجعلناه حطاما }؛ أي ~~يابسا متنكسا بعد خضرته لا حب فيه فأبطلناه، { فظلتم ~~تفكهون }؛ أي فصرتم تعجبون مما نزل بكم في زرعكم، ونادمون ~~على ما أنفقتم فيه وتحملتم فيه من المشقة، وتقولون: { إنا ~~لمغرمون }؛ أي طقنا غرم عظيم فهذا الزرع، وغرم الحب الذي ~~بذرناه فذهب علنيا بغير عوض، { بل نحن محرومون }؛ أي ~~ممنوعون من الرزق منه. # وأصل ظلتم: ظللتم فحذف اللام الأولى. والتفكه من ~~الأضداد، يقال: تفكه؛ أي تنعم، وتفكه؛ تحزن. ### || [56.68-70] # قوله تعالى: { أفرأيتم المآء الذي تشربون * ~~أأنتم أنزلتموه من المزن }؛ أي من السحاب، { أم ~~نحن المنزلون }؛ عليكم منه، { لو نشآء جعلناه أجاجا ~~}؛ أي مرا شديدا، مرارا محرقا للحلق والكبد، لا يمكن ~~شربه والانتفاع به، { فلولا تشكرون } ، فهلا تنكرون ~~عذوبته. وقيل: الأجاج: شديد الملوحة مع المرارة. ### || [56.71-72] # قوله تعالى: { أفرأيتم النار التي تورون }؛ يعني ~~التي تظهرونها بالزناد من الأعواد، ومعنى: تورون: تقدحون ~~وتستخرجون من زنادكم، يقال: أوريت النار إذا قدحتها. قوله ~~تعالى: { أأنتم أنشأتم شجرتهآ أم نحن ~~المنشئون } أي أأنتم أنبتم شجرة النار أم نحن المنبتون لها ~~في الأرض، وجعلناها خضراء وفيها النار. ### || [56.73-74] # قوله تعالى: { نحن جعلناها تذكرة ومتاعا ~~للمقوين }؛ أي نحن جعلنا النار عظة ليتعظ بها المؤمن. ~~وقيل: جعلناها تذكرة للنار الكبرى؛ إذا رآها الرائي ذكر ~~جهنم، فذكر الله تعالى فاستجار به منها، وترك المعصية. # وقوله تعالى: { ومتاعا للمقوين } أي وجعلناها منفعة ~~للمسافرين الذين ينزلون في الأرض القي في المفاوز، يقال: أقوى ~~الرجل إذا نزل بالأرض القوى ms2050 وهي الخالية القفراء، ويقال: أرض ~~قيء أي القفرى، قال الراجز: # قي يناصيها بلاد قي # والقي والقوى هي الأرض القفرى الخالية البعيدة من ~~العمران، يقال: أقوت الأرض من سكانها، قال النابغة: # يا دار مية بالعلياء فالسند # أقوت وطال عليها سالف الأمد # ومنفعة المسافرين بالنار أكثر من منفعة المقيمين؛ لأنهم ~~يوقدونها ليلا لتهرب منها السباع، ويهتديها الضال من ~~الطريق، ويستضيئوا بها في ظلمة، ويصطلوا بها من البرد ويطبخون بها ~~ويخبزوا، وضرر فقدها عليهم أشد. وقد يقال للذي فقد زاده: ~~المقوي من أقرت الدار إذا خلت، ويقال للمقوين: مقو ~~لخلوه من المال والغنى، مقو لقوته على ما يريد، فعلى ~~هذا المقوي من الأضداد، والمعنى: متاعا للغني والفقير، وذلك ~~أنه لا غنى لأحد عنها. # ولما ذكر الله سبحانه ما يدل على توحيده وما أنعم به، فقال ~~تعالى: { فسبح باسم ربك العظيم }؛ أي برئ الله مما ~~يقول الظالمون في وصفه ونزهه عما لا يليق به. وفي الحديث: # " لما نزلت هذه الآية قال صلى الله عليه وسلم: " ~~اجعلوها في ركوعكم " ". ### || [56.75] # قوله تعالى: { فلا أقسم بمواقع النجوم }؛ معناه: ~~فأقسم، وإنما دخلت (لا) زائدة للتوكيد، ويجوز أن يكون قوله: { ~~فلا } ردا لما يقوله الكفار في القرآن: أنه سحر أو شعر أو ~~كهانة، ثم استأنف القسم على أنه قرآن كريم في كتاب مكنون، ويعني ~~بقوله { بمواقع النجوم } نجوم القرآن التي كانت تنزل على ~~رسول الله متفرقا قطعا نجوما، وقيل: يعني مغارب النجوم ~~ومساقطها، وقرأ حمزة والكسائي (موقع) على المصدر، والمصدر يصلح ~~للواحد والجمع. ### || [56.76] # قوله تعالى: { وإنه لقسم لو تعلمون عظيم }؛ قال ~~الزجاج: (هذا يدل على أن المراد بمواقع النجوم ~~نزول القرآن) والضمير في (إنه) يعود على القسم ودل عليه ~~(أقسم)، والمعنى: أن القسم بمواقع النجوم عظيم. ### || [56.77-78] # قوله تعالى: { إنه لقرآن كريم }؛ هذا جواب القسم، ~~ومعناه: كثير الخير دال على أنه من عند الله لأنه لا يأتي أحد ~~بمثله { في كتاب مكنون }؛ ها هنا هو اللوح المحفوظ مصون ~~عن التغير والتبديل والزيادة والنقصان. ### || [56.79-80] # قوله تعالى: { لا ms2051 يمسه إلا المطهرون * تنزيل ~~من رب العالمين }؛ قال بعضهم: الضمير يعود إلى الكتاب ~~المكنون، معناه: لا يمس اللوح المحفوظ إلا المطهرون من ~~الذنوب وهم الملائكة. وقال: الضمير يعود إلى القرآن، ومعناه: ~~المصحف لا يمسه إلا المطهرون من الأحداث والجنابات والحيض، ~~كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " لا يمس القرآن إلا طاهر ". # وقيل: معنى الآية: لا يعمل به إلا الموفقون. وقيل: لا ~~يجد حلاوته إلا المفسرون: وقيل: معناه: لا يقرؤه إلا ~~الموحدون المطهرون من الشرك، وكان ابن عباس (ينهى أن ~~يمكن اليهود والنصارى من قراءة القرآن). ~~وقيل: معناه: لا يجد لذته إلا من آمن به. وقيل: لا ~~يوفق للعمل به إلا السعداء. # فظاهر الآية: لا يجوز للمحدث مس المصحف، وإن كان ظاهرها ~~نفي، فمعناه: النهي؛ أي لا يمس المصحف إلا المطهرون من ~~الأحداث، وإلى هذا ذهب جمهور الفقهاء. # وذهب حكيم وداود بن علي إلى أنه يجوز للمحدث مس المصحف اذا ~~كان مسلما، ولا يجوز ذلك للمشرك. # والدليل على أنه لا يجوز للمحدث مسه قوله عليه السلام: # " لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر " # وعليه إجماع الصحابة. وسئل علي رضي الله عنه: أيمس ~~المحدث المصحف؟ فقال: (لا). ### || [56.81] # قوله تعالى: { أفبهذا الحديث أنتم مدهنون }؛ ~~معناه: أفبهذا القرآن الذي يقرأ عليكم يا أهل مكة أنتم تكفرون ~~وتكذبون. والمدهن والمداهن: الكذاب المنافق. وقيل: ~~معنى تدهنون: تظهرون خلاف ما تضمرون، مأخوذ من الدهن ~~ومداهنة العدو وملاينته ومصانعته وإظهار مسالمته ~~خلاف ما يضمر. ### || [56.82] # قوله تعالى: { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ~~}؛ أي وتجعلون شكركم أنكم تكذبون بنعمة الله عليكم، فيقولون: ~~سقينا بنوء كذا. وذلك أنهم كانوا يقولون: مطرنا بنوء كذا، ~~لا ينسبون السقيا إلى الله عز وجل، فقيل لهم: وتجعلون ~~شكر رزقكم التكذيب؛ أي تجعلون بدل شكركم تكذيبكم بأنه من عند ~~الله الرزاق. # وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: # " لو حبس الله عن أمتي المطر سبع سنين ثم ~~أنزل عليهم الماء لأصبحت طائفة منهم يقولون: ~~مطرنا ms2052 ". # وروي: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في سفر، فنزلوا ~~فأصابهم العطش، وليس معهم ماء، فذكروا ذلك ~~للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: " أرأيتم إن دعوت ~~لكم إن سقيتم، فلعلكم تقولون: سقينا هذا ~~المطر بنوء كذا؟ " فقالوا: يا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ما هذا بحين الأنواء! فصلى ركعتين ودعا ~~ربه عز وجل، فهاجت ريح ثم هاجت سحابة، ~~فمطروا حتى سالت الأودية وملأوا الأسقية. # فركب صلى الله عليه وسلم فمر برجل يغرف بقدح له ~~وهو يقول: سقينا بنوء كذا، ولم يقل: هذا من رزق ~~الله تعالى. فأنزل الله تعالى هذه الآية: { ~~وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } " # أي وتجعلون شكركم لله على رزقه إياكم أنكم تكذبون ~~بنعمته، وتقولون: سقينا بنوء كذا. # وعن معاوية الليثي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " يصبح الناس مجدبين، فيأتيهم الله برزق من ~~عنده، فيصبحون مشركين، يقولون: مطرنا بنوء كذا ~~وكذا ". ### || [56.83-85] # قوله تعالى: { فلولا إذا بلغت الحلقوم }؛ معناه: ~~وهلا إذا بلغت النفس الحلقوم عند الموت، { وأنتم حينئذ ~~}؛ يا أهل الميت، { تنظرون }؛ مآل الميت، وأنتم حوله ترون ~~نفسه تخرج ولا تقدرون على ردها، { ونحن أقرب إليه }؛ ~~منكم، ورسلنا أقرب إليه، { منكم ولكن لا تبصرون }. # ويجوز أن يكون معناه: يعني ملك الموت وأعوانه، والمعنى: ورسلنا ~~القابضون روحه أقرب إليه منكم، ويجوز أن يكون معناه: ونحن أقرب ~~إليه منكم بالعلم والقدرة، نراه من غير مسافة بيننا وبينه، ~~وأنتم لا تنظرونه إلا بمسافة. ### || [56.86-87] # قوله تعالى: { فلولا إن كنتم غير مدينين * ~~ترجعونهآ إن كنتم صادقين }؛ أي فهلا إن كنتم غير مجزيين ~~ومحاسبين كما تزعمون تردون نفس هذا الميت إلى جسده إذا بلغت ~~تراقيه إن كنتم صادقين في ظنكم أن لكم شيئا من القدرة، ~~فعجزكم عن رد هذه الروح إلى الجسد دليل على أنكم مقهورون ~~عاجزون. # والمعنى: إن كان الأمر كما يقولون إنه لا بعث ولا حساب ولا ~~جزاء ولا إله يحاسب ويجازي، فهلا تردون نفس من يعز عليكم إذا ~~بلغت الحلقوم، وإذا لم تقدروا على ذلك فاعلموا ms2053 أن الأمر إلى ~~غيركم وهو الله عز وجل. قوله تعالى: { ترجعونهآ } ~~جواب عن قوله { فلولا إن كنتم غير مدينين } أجيب ~~بجواب واحد. ### || [56.88-89] # قوله تعالى: { فأمآ إن كان من المقربين * ~~فروح وريحان وجنت نعيم }؛ معناه: فأما إن كان هذا ~~المحتضر الذي بلغت نفسه الحلقوم من السابقين المقربين عند ~~الله، فله روح وهو الروح والاستراحة، وقال مجاهد: (الروح: ~~الفرح، وريحان يعني الرزق في الجنة). قرأ الحسن ~~وقتادة ويعقوب: (فروح) بضم الراء، معناه: الحياة الدائمة التي لا ~~موت فيها. # ويقال: إن الروح بنصب الراء نسيم تستريح إليه النفس، والريحان ~~هو السموم، قال أبو العالية: (يؤتى بعض من ريحان ~~الجنة فيشمه قبل أن يفارق الدنيا ثم تقبض ~~روحه). وقال أبو بكر الوراق: (الروح النجاة من النار، ~~والريحان دخول القرار). # وقال الترمذي: (الروح الراحة في القبر، والريحان ~~دخول الجنة). وقال بسطام: (الروح السلامة، ~~والريحان الكرامة). وقال الشعبي: (الروح معانقة ~~الأبكار، والريحان مرافقة الأبرار). # وقيل: الروح كشف الكروب، والريحان غفران الذنوب. وقيل: ~~الروح تخفيف الحساب، والريحان تضعيف الثواب، وقيل: الروح ~~عفو بلا عتاب، والريحان رزق بلا حساب. وقيل: الروح ~~لأرواحهم، والريحان لقلوبهم، وجنة النعيم لأبدانهم. ### || [56.90-91] # قوله تعالى: { وأمآ إن كان من أصحاب اليمين * ~~فسلام لك من أصحاب اليمين }؛ معناه: وأما إن كان هذا ~~المتوفى من أصحاب اليمين، يعني من عامة المؤمنين دون السابقين، ~~فسلام لك أيها الإنسان الذي من أصحاب اليمين من عذاب الله، ~~وسلمت عليك ملائكة الله، وسلمت مما تكره لأنك من أصحاب ~~اليمين، وترى في الجنة ما يجب من السلام. # قوله تعالى: { فسلام لك } رفع على معنى: لك سلام؛ أي ~~سلامة من العذاب. وقيل: معناه: فسلام عليك من أصحاب اليمين. ### || [56.92-94] # قوله تعالى: { وأمآ إن كان من المكذبين }؛ وأما ~~إن كان هذا المتوفى من المكذبين بالبعث والرسالة، { الضآلين ~~}؛ من الهدى، { فنزل من حميم }؛ أي فالحق الذي يعد له ~~حميم جهنم، { وتصلية جحيم } ، أي أدخل نارا عظيمة. ### || [56.95-96] # قوله تعالى: { إن هذا لهو حق اليقين }؛ يعني ما ~~ذكر من قصة المحتضرين، وجميع ما ms2054 سبق ذكره ليقين حق ~~اليقين لا شك فيه. قوله تعالى: { فسبح باسم ربك ~~العظيم }؛ أي نزه الله عن السوء، والباء زائدة، والاسم ~~بمعنى الذات والنفس، كأنه قيل: فسبح ربك العظيم. ### | [57 - سورة الحديد] ### || [57.1] # { سبح لله ما في السموت والأرض }؛ أي خضع وصلى ~~لله ما في السماوات من الملائكة من الخلق، ونزهوه عن السوء ~~والأنداد، { وهو العزيز }؛ في ملكه وسلطانه، { الحكيم }؛ في ~~أمره وقضائه. ### || [57.2] # قوله تعالى: { له ملك السموت والأرض }؛ أي له ~~خزائن السماوات والأرض من المطر والنبات وغير ذلك، { يحيي }؛ ~~للبعث، { ويميت }؛ عند انقضاء الآجال، { وهو على كل ~~شيء }؛ من الإحياء والإماتة، { قدير } أي قادر. ### || [57.3] # قوله تعالى: { هو الأول والآخر والظاهر ~~والباطن }؛ أي هو الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، لم ~~يزل قديما قبل كل شيء، وهو الدائم بعد فناء كل شيء، وهو ~~الظاهر الغالب على كل شيء، والظاهر هو القاهر، ومنه قوله # فأصبحوا ظاهرين # [الصف: 14] أي غالبين. ويقال: ظهر الأمير على بلد كذا؛ إذا غلب ~~عليها، وهو الباطن الذي لا يدرك بالحواس ولا يقاس بالناس. ~~وقيل: معناه: هو الظاهر بأدلته العالم بما بطن من أمور ~~خلقه. وقيل: الباطن المحتجب عن الأبصار، { وهو بكل ~~شيء }؛ من الظاهر والباطن، { عليم }. ### || [57.4-6] # قوله تعالى: { هو الذي خلق السموت والأرض في ~~ستة أيام ثم استوى على العرش }؛ قد تقدم تفسير ~~ذلك. # قوله تعالى: { يعلم ما يلج في الأرض }؛ أي ما يدخل ~~فيها فيستر، كما يعلم { وما يخرج منها }؛ فيظهر، ويعلم، ~~{ وما ينزل من السمآء } ، من ملك ورزق ومطر، { وما ~~يعرج فيها }؛ وما يصعد إليها من الملائكة وأعمال العباد، { ~~وهو معكم أين ما كنتم }؛ أي وهو أعلم بأقوالكم وأفعالكم ~~وعزائمكم في أي موضع كنتم، فليس يخلو أحد من علم الله وقدرته ~~أينما كان في الأرض أو في السماء أو في بر أو في بحر، { والله ~~بما تعملون بصير }. وما بعد هذا: { له ملك ~~السموت والأرض وإلى الله ترجع الأمور * يولج ~~الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو ~~عليم بذات الصدور ms2055 }. ظاهر المعنى. ### || [57.7] # قوله تعالى: { آمنوا بالله ورسوله }؛ أي صدقوا ~~بالله بأنه خالقكم وإلهكم، وصدقوا برسوله أنه صادق فيما ~~يؤديه إليكم، { وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ~~}؛ في الجهاد وعلى الضعفاء، وغير ذلك من سبل الخير من الأموال ~~التي جعلكم الله مستخلفين فيها بأن أورثكموها ممن كان قبلكم. # ويقال: إن الأموال التي في الدنيا لا تخلو إما أن تكون قد صارت ~~إلينا فنحن خلفاؤهم فيها، أو تصير منا إلى غيرنا فهم خلفاءنا ~~فنحفظها، قوله تعالى: { فالذين آمنوا منكم ~~وأنفقوا لهم أجر كبير }؛ أي لهم ثواب عظيم في الآخرة. ### || [57.8] # قوله تعالى: { وما لكم لا تؤمنون بالله }؛ هذا ~~استفهام إنكار؛ معناه: أي شيء لكم من الثواب في الآخرة إذا لم ~~تؤمنوا بالله بعد قيام الحجة عليكم على وحدانية الله تعالى ~~وتمام علمه وكمال ملكه، وأي عذر يمنعكم من الأيمان بالله ~~تعالى، { والرسول يدعوكم لتؤمنوا بربكم وقد ~~أخذ ميثاقكم }؛ في ظهر آدم بأن الله ربكم لا إله إلا هو ~~ولا معبود سواه. وقيل: معنى: { أخذ ميثاقكم } ركب فيكم ~~العقول وأقام الحجج والدلائل التي تدعو إلى متابعة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم. # قرأ العامة (أخذ) بفتح الهمزة وفتح القاف، وقرأ أبو عمرو بضمها ~~على ما لم يسم فاعله. قوله تعالى: { إن كنتم ~~مؤمنين }؛ يعني إن كنتم مصدقين كما تزعمون. ### || [57.9] # قوله تعالى: { هو الذي ينزل على عبده آيات ~~بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور }؛ ~~معناه: هو الذي ينزل على عبده محمد صلى الله عليه وسلم آيات ~~بينات، يعني القرآن، ليخرجكم من ظلمات الشرك إلى نور ~~الإيمان، ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم. قوله تعالى: { ~~وإن الله بكم لرءوف رحيم }؛ يعني حين بعث الرسول ~~ونصب الأدلة. ### || [57.10] # قوله تعالى: { وما لكم ألا تنفقوا في سبيل ~~الله ولله ميراث السموت والأرض } معناه: أي ~~شيء لكم في ترك الإنفاق في نصرة الإسلام ومواساة الفقراء ~~وأنتم ميتون تاركون أموالكم، والله سبحانه يرزقكم، ويرث ما في ~~السماوات والأرض، يميت من فيهما ويرث من عليها. # قوله تعالى: { لا يستوي منكم ms2056 من أنفق من قبل ~~الفتح وقاتل }؛ معناه: لا يستوي منكم في الفضل من أنفق ~~ماله وقاتل العدو من قبل فتح مكة مع من أنفق من بعد وقاتل. ~~قال الكلبي: (نزلت هذه الآية في أبي بكر الصديق رضي ~~الله عنه) قيل: هذا أنه كان أول من أنفق المال على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في سبيل الله، وأول من قاتل في الإسلام. ~~وقال ابن مسعود: (أول من أظهر إسلامه بعد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وقد شهد ~~له النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أنفق ماله قبل ~~الفتح). # قال العلاء بن عمرو: # " بينا النبي صلى الله عليه وسلم جالس وعنده أبو بكر ~~رضي الله عنه وعليه عباءة، قد خلها على صدره ~~بخلال إذ نزل جبريل عليه السلام فقال: يا محمد: ما ~~لي أرى أبا بكر عليه عباءة؟ فقال: يا جبريل إنه ~~أنفق ماله قبل الفتح علي، قال: فأقرئه مني ~~السلام وقل له: يقول لك ربك: أراض أنت عني في ~~فقرك هذا أم ساخط؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " يا أبا ~~بكر؛ هذا جبريل يقرؤك السلام من الله تعالى، ~~ويقول لك ربك: أراض أنت عني في فقرك هذا أم ~~ساخط؟ " فبكى أبو بكر رضي الله عنه وقال أعلى ربي ~~أغضب؟! أنا عن ربي راض ". # وفي هذه الآية دلالة واضحة وحجة بينة على فضل أبي بكر ~~وتقديمه على سائر الصحابة، كما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: ~~(لا أؤتي برجل فضلني على أبي بكر وعمر إلا ~~جلدته حد المفتري). # قوله تعالى: { أولئك أعظم درجة من الذين ~~أنفقوا من بعد وقاتلوا }؛ معناه: أولئك أعظم ثوابا ~~وأفضل درجة عند الله من الذين أنفقوا من بعد فتح مكة وقاتلوا ~~بعده، وإنما فضل الله المنفقين والمقاتلين من قبل الفتح؛ لأن ~~الإنفاق والقتال في ذلك الوقت كان أشد على النفس، وكانت الحاجة ~~اليها أمس لقلة المسلمين. # ثم بين الله تعالى أن لكلا الفريقين الحسنى وهو الجنة، إلا ~~أنهم ms2057 متفاوتون في الدرجات فقال: { وكلا وعد الله ~~الحسنى }؛ أي وكلا الفريقين وعد الله الجنة، وقرأ ابن عامر ~~(وكل) بالرفع على الاستئناف على لغة من يقول: زيد ضربت. ~~وقوله تعالى: { والله بما تعملون خبير }؛ أي عالم بما ~~يعمله كل واحد منكم. ### || [57.11] # قوله تعالى: { من ذا الذي يقرض الله قرضا ~~حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم }؛ قد تقدم تفسيره ~~في البقرة. قال أهل العلم: القرض الحسن أن يكون من الحلال؛ لأن ~~الله طيب لا يقبل إلا طيبا، وأن يكون من أحسن ما يملكه دون ~~أن يقصد الرديء لقوله تعالى: # ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون # [البقرة: 267]، وأن يتصدق وهو لحب المال ويرجو الحياة؛ لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن أفضل الصدقات فقال: # " أن تتصدق وأنت صحيح شحيح تأمل الغنى وتخشى ~~الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت: ~~لفلان كذا ولفلان كذا، وأن تضع الصدقة في ~~الأحوج الأولى " # وأن يكتم الصدقة ما أمكن لقوله # وإن تخفوها وتؤتوها الفقرآء فهو خير لكم # [البقرة: 271]، وإن لا يتبع الصدقة المن والأذى لقوله تعالى # لا تبطلوا صدقتكم بالمن والأذى # [البقرة: 264]، وأن يقصد بها وجه الله ولا يرائي بها، وأن يستحقر ~~ما يعطي وإن كثر؛ لأن الدنيا كلها قليلة، قال الله تعالى: # قل متاع الدنيا قليل # [النساء: 77] وأن يكون من أحب ماله، قال الله تعالى: # لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون # [آل عمران: 92] وهذه تسعة أوصاف إذا استكملتها الصدقة كانت قرضا ~~حسنا. # قوله تعالى: { فيضاعفه له } فيه قراءتان: من قرأ ~~بالرفع فعلى العطف على { يقرض } أو على الاستئناف على معنى فهو ~~يضاعفه، ومن قرأ بنصب الفاء فعلى جواب الاستفهام بالفاء، وقوله ~~تعالى: { وله أجر كريم } الأجر الكريم الذي يقع به النفع ~~العظيم وهو الجنة. ### || [57.12] # قوله تعالى: { يوم ترى المؤمنين والمؤمنات ~~يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم } معناه: اذكر ~~يوم تراهم، ويجوز أن يكون انتصاب اليوم على معنى ولهم أجر كريم ~~يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم على الصراط يوم القيامة، وهو ~~دليلهم إلى الجنة. # وأراد ms2058 بالنور القرآن، وقيل: نور الإيمان والطاعة، تظهر لهم ~~فيمشون فيه، قال ابن مسعود: (يؤتون نورهم على قدر ~~أعمالهم، فمنهم من يؤتى نوره مثل الجبل، ~~ومنهم من يؤتى نوره كالنخلة، ومنهم من يؤتى ~~نوره كالرجل القائم، وأدناهم نورا نوره على ~~إبهامه يطفيء مرة ويوقد أخرى). وقال قتادة: ~~(المؤمن يضيء له نوره كما بين عدن وصنعاء ~~ودون ذلك، حتى أن من المؤمنين من لا يضيء له ~~نوره إلا موضع قدميه). # قوله تعالى: { وبأيمانهم } قال الضحاك ومقاتل: ~~(وبأيمانهم كتبهم التي أعطوها، فكتبهم ~~بأيمانهم، ونورهم بين أيديهم). وتقول لهم الملائكة: ~~{ بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار }؛ ~~يعني أنهار اللبن والخمر والعسل والماء، { خالدين فيها }؛ ~~لا يموتون ولا يخرجون منها، { ذلك هو الفوز العظيم }. ### || [57.13] # قوله تعالى: { يوم يقول المنافقون والمنافقات ~~للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ~~ارجعوا ورآءكم فالتمسوا نورا }؛ أي احذروا يوم يقول ~~المنافقون للمؤمنين المخلصين: انظرونا نضيء بنوركم فنمضي معكم ~~على الصراط، وذلك أن المنافقين تغشاهم ظلمة حتى لا يكادون ~~ينظرون مواضع أقدامهم، فينادون المؤمنين نقتبس من نوركم. # قرأ حمزة (أنظرونا) بقطع الألف وكسر الظاء؛ أي أمهلونا، وقال ~~الزجاج: (معناه: انتظرونا أيضا)، وقال عمرو بن كلثوم: # أبا هند فلا تعجل علينا # وأنظرنا نخبرك اليقينا # قال المفسرون: إذا كان يوم القيامة، أعطى الله المؤمنين نورا ~~على قدر أعمالهم يمشون به على الصراط، وأعطى الله المنافقين ~~نورا كذلك خديعة لهم فيما بينهم كذلك يمشون، إذا بعث الله ريحا ~~وظلمة فانطفأ نور المنافقين، فعند ذلك يقول المؤمنون: ربنا ~~أتمم لنا نورنا، مخافة أن يسلب كما سلب المنافقون. # ويقول: المنافقون حينئذ للمؤمنين: انظرونا نقتبس من نوركم، ~~فيقولون لهم: لا سبيل لكم إلى الاقتباس من نورنا، فارجعوا وراءكم ~~فاطلبوا هنالك لأنفسكم نورا، فيرجعون في طلب النور فلا يجدون، ~~فيقول لهم الملائكة: ارجعوا إلى الموضع الذي أخذنا منه النور ~~فاطلبوا نورا، فإن المؤمنين حملوا النور من الدنيا بإيمانهم ~~وطاعتهم. # قوله تعالى: { فضرب بينهم بسور }؛ معناه: فيميز ~~بين المؤمنين والمنافقين بأن يضرب بينهم بجدار كبير يقال له ms2059 ~~السور، وهو الذي يكون عليه أصحاب الأعراف، وهو حاجز بين الجنة ~~والنار. قوله تعالى: { له باب }؛ أي للسور باب، { ~~باطنه فيه الرحمة }؛ وهي الجنة التي فيها المؤمنون، { ~~وظاهره }؛ أي وخارج السور، { من قبله العذاب }؛ يعني ~~جهنم والنار. ### || [57.14] # قوله تعالى: { ينادونهم ألم نكن معكم }؛ معناه: ~~أن المنافقين ينادون المؤمنين من وراء السور، ألم نكن معكم في ~~الدنيا على دينكم نناكحكم ونوارثكم ونصلي معكم في مساجدكم، { ~~قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم }؛ أي ~~أهلكتموها بالنفاق والمعاصي والشهوات وكلها فتنة، { ~~وتربصتم }؛ بمحمد الموت وبالمؤمنين الدوائر، وقلتم: ~~يوشك أن يموت محمد فنستريح منه. # قوله تعالى: { وارتبتم }؛ أي شككتم في توحيد الله ~~وفي نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، { وغرتكم الأماني ~~}؛ يعني: ما كانوا يتمنون من قتل محمد صلى الله عليه وسلم وهلاك ~~المسلمين، وغرتكم أيضا الأباطيل وطول الآمال، { حتى جآء ~~أمر الله }؛ يعني الموت والبعث، { وغركم بالله ~~الغرور }؛ أي وغركم الشيطان بحكم الله وإمهاله عن طاعة ~~الله. ### || [57.15] # قوله تعالى: { فاليوم لا يؤخذ منكم فدية }؛ لا ~~يقبل منكم بدل تفدون به أنفسكم من العذاب، { ولا من ~~الذين كفروا }؛ ولا من الذين يظهرون الكفر، قرأ ابن عامر ~~والحسن ويعقوب: (لا تؤخذ) بالتاء. # قوله تعالى: { مأواكم النار هي مولاكم }؛ أي ~~أولى بكم وأحق أن تكون مسكنا لكم قد ملكت أمركم، فهي أولى بكم ~~من كل شيء، وأنتم أولى بها، ومنه المولى لأنه أولى بعبيده من غيره، ~~{ وبئس المصير }؛ النار، قال قتادة: (ما زالوا على ~~خدعة من الشيطان حتى قذفهم الله في النار). ### || [57.16] # قوله تعالى: { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع ~~قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق }؛ معناه: ~~أما حان للمؤمنين الذين تكلموا بكلمة الإيمان إذا سمعوا القرآن ~~أن تخشع قلوبهم لذكر الله وتلين وترق، قال ابن مسعود: (ما ~~كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه إلا ~~أربع سنين). والمعنى: يجب أن يورثهم الذكر خشوعا ولا يكونوا ~~كمن يذكره بالغفلة، ولا يخشع للذكر قلبه. وقوله { وما ~~نزل من الحق } يعني القرآن، قرأ نافع وعاصم ms2060 مخففا. # قوله تعالى: { ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب ~~من قبل }؛ وهم اليهود والنصارى، وموضع { ولا يكونوا } النصب ~~عطفا على قوله تعالى { أن تخشع } و { ولا يكونوا } ، قال ~~الأخفش: (وإن شئت جعلته نهيا) وهذه زيادة في وعظ ~~المؤمنين، معناه: ولا يكونوا في قساوة القلوب كالذين أعطوا ~~التوراة والإنجيل من قبل المؤمنين، { فطال عليهم الأمد }؛ ~~الزمان بينهم وبين أنبيائهم، { فقست قلوبهم }؛ قال ابن عباس: ~~(مالوا إلى الدنيا وأعرضوا عن مواعظ الله، فلم ~~تلن قلوبهم عند سماع كلام الله تعالى). وقوله ~~تعالى: { وكثير منهم فاسقون }؛ أي خارجون عن طاعة الله، ~~وإنما قال { وكثير منهم } لأنه كان منهم من أسلم. ### || [57.17] # قوله تعالى: { اعلموا أن الله يحيي الأرض ~~بعد موتها قد بينا لكم الآيات لعلكم ~~تعقلون }؛ تنبيه على الاستدلال بإحياء الأرض بعد موتها على ~~البعث والنشور. ### || [57.18] # قوله تعالى: { إن المصدقين والمصدقات }؛ قرأ ~~ابن كثير وعاصم بتخفيف الصاد من التصديق، تقديره: إن ~~المؤمنين والمؤمنات، وقرأ الباقون تشديدها، يعني المصدقين من ~~الصدقة، أدغمت التاء في الصاد، { وأقرضوا الله قرضا ~~حسنا } بالصدقة والنفقة في سبيله، { يضاعف لهم }؛ قرأ ابن ~~كثير وابن عامر (يضعف) بالتشديد، وقوله: { ولهم أجر كريم ~~}؛ يعني الجنة. ### || [57.19] # قوله تعالى: { والذين آمنوا بالله ورسله ~~أولئك هم الصديقون }؛ واحدهم صديق وهو الكثير ~~الصدق، والصديقون لم يشكوا في الرسل حين أخبروهم، ولم ~~يكذبوهم ساعة. # قوله تعالى: { والشهدآء عند ربهم }؛ قال بعضهم: ~~تمام الكلام عند قوله { الصديقون } ، ثم ابتدأ فقال: { ~~والشهدآء عند ربهم } وخبره: { لهم أجرهم ~~ونورهم }؛ والشهداء على هذا القول يحتمل أن المراد بهم ~~الأنبياء عليهم السلام الذين يشهدون يوم القيامة لمن ~~صدق بالتصديق وعلى من كذب بالتكذيب، ويحتمل أن المراد بهم ~~الذين قتلوا في سبيل الله. # وقال بعضهم: وقوله { والشهدآء } عطف على الصديقين ومعنى: ~~الشهداء على سائر المؤمنين، ففي الحديث: # " المؤمنون شهداء الله في أرضه " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " كل مؤمن شهيد " # { والذين كفروا وكذبوا بآياتنآ أولئك ~~أصحاب الجحيم }. ### || [57.20] # قوله تعالى: { اعلموا أنما الحيوة الدنيا ~~لعب ولهو وزينة }؛ يعني الحياة الدنيا كاللعب ms2061 واللهو ~~في سرعة فنائها وانقضائها، ونظير هذا قوله صلى الله عليه وسلم: # " الطواف بالبيت صلاة " # أي كالصلاة، ويقال: فلان يجري كالبحر في السخاء، وفلان أسد؛ ~~أي كالأسد في الشجاعة. # وقوله تعالى { وزينة } أي منظر حسن، والمعنى: إنما الحياة ~~الدنيا لعب ولهو كلعب الصبيان، وزينة كزينة النسوان، { ~~وتفاخر بينكم وتكاثر في الأمول والأولد } ~~كتكاثر الدهقان. # قال علي بن أبي طالب لعمار بن ياسر: (لا تحزن على ~~الدنيا؛ فإنها ستة أشياء: مطعوم؛ ومشروب؛ ~~وملبوس؛ ومشموم؛ ومركوب؛ ومنكوح، فأكبر ~~طعامها العسل وهو بزاق ذبابة، وأكبر شرابها ~~الماء وفيه يستوي جميع الحيوانات، وأكبر ~~ملبوسها الديباج وهو نسج دودة، وأكبر مشمومها ~~المسك وهو دم فأرة أو ظبية، وأكبر مركوبها ~~الفرس وعليه يقتل الرجال، وأكبر منكوحها ~~النساء وهو مبال في مبال). # قوله تعالى: { كمثل غيث أعجب الكفار نباته ~~}؛ أي مثل الدنيا كمثل مطر أعجب الزراع نباته، والكفر في ~~اللغة هو التغطية، وسمي الكافر كافرا؛ لأنه يغطي الحق ~~بالباطل، والزارع يغطي الحب بالأرض. # والمعنى: كمثل غيث أعجب الزراع ما نبت من ذلك الغيث، { ~~ثم يهيج فتره مصفرا }؛ أي ثم يبين فيصير مصفرا ~~بعد خضرته وريه، { ثم يكون حطما }؛ أي متكسرا ~~مفتتا تحت أرجل الدواب، كذلك الدنيا تزول وتفنى، كما لا يبقى ~~هذا الزرع. # قوله تعالى: { وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة ~~من الله ورضون }؛ أي عذاب شديد للكفار والمنافقين، ~~ومغفرة من الله ورضوان للمؤمنين المطيعين، وقوله تعالى: { وما ~~الحيوة الدنيآ إلا متع الغرور }؛ هي في سرعة ~~فنائها ونفادها مثل متاع البيت في سرعة فنائه وفراغه وسقوطه ~~وانكساره. # وعن علي رضي الله عنه أنه كان يقول في صفة الدنيا: (أما ماضي ~~فحكم، وأما ما يغني فأماني وغرور). وقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: # " الرغبة في الدنيا تكثر الهم والحزن، ~~والزهد في الدنيا يريح القلب والبدن ". ### || [57.21] # قوله تعالى: { سابقوا إلى مغفرة من ربكم ~~وجنة عرضها كعرض السمآء والأرض }؛ أي سابقوا إلى ~~ما أمرتم وإلى التوبة لتنالوا مغفرة من ربكم جنة سعتها ~~كسعة السماء والأرض. وقيل: المراد بالآية السبق ms2062 إلى ~~الجهاد والجمعة والجماعات وسائر أعمال البر، وباقي الآية ظاهر. { ~~أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشآء والله ذو الفضل العظيم }. ### || [57.22] # قوله تعالى: { مآ أصاب من مصيبة في الأرض ولا ~~في أنفسكم إلا في كتب من قبل أن نبرأهآ }؛ ~~معناه: ما أصاب أحدا مصيبة في الأرض من قحط المطر وقلة النبات ~~ونقص الثمار، { ولا في أنفسكم } من المرض والموت وفقد ~~الأولاد، إلا وهو مكتوب في اللوح المحفوظ من قبل أن نخلق ~~الأرض. ويقال: من قبل أن نخلق النفس، ويقال: من قبل أن نقدر ~~تلك المصيبات في اللوح المحفوظ؛ لأن خلق ذلك وتقديره على الله ~~هين. والبرأ في اللغة هو الخلق، والبارئ: الخالق، ~~والبرية: الخليقة. قوله: { إن ذلك على الله يسير }؛ ~~يعني إثبات ذلك كله مع كثرته على الله هين. ### || [57.23] # قوله تعالى: { لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا ~~تفرحوا بمآ آتاكم }؛ بالصبر عند المصائب، والشكر عند ~~النعم، لأن العاقل إذا علم الذي فاته كان مكتوبا عليه، ~~دعاه ذلك إلى ترك الجزع، وكانت نفسه أسكن وقلبه أطيب، وإذا ~~علم أن الذي أتاه من الدنيا كان مكتوبا له قبل أن يصير إليه، ~~وأنه لا يبقى عليه، دعاه ذلك إلى ترك النظر. # قرأ أبو عمرو (أتاكم) بالقصر؛ أي جاءكم، واختاره أبو عبيد ~~لقوله (فاتكم) ولم يقل: أفاتكم، وقرأ الباقون (آتاكم) ~~بالمد؛ أي أعطاكم، واختاره أبو حاتم، وكان الحسن يقول لصاحب ~~المال: (في ماله مصيبتان لم يسمع الأولون ~~والآخرون بمثلها: يسلب عن كله ويسأل عن ~~كله). # قوله تعالى: { والله لا يحب كل مختال فخور }؛ ~~فيه ذم للفرح الذي يختال ويبطر بالمال والولد والولاية. ### || [57.24] # قوله تعالى: { الذين يبخلون ويأمرون الناس ~~بالبخل }؛ يعني الذين يمتنعون عن أداء الحقوق الواجبة في المال، ~~ويمنعون الناس عن أداء تلك الحقوق، وهذا نعت المختال الفخور. # قوله تعالى: { ومن يتول فإن الله هو الغني ~~الحميد }؛ أي من يعرض عن الإيمان وعن أداء الحقوق، فإن الله ~~هو الغني عنه وعن إيمانه، وهو المحمود في أفعاله، قرأ ms2063 نافع وابن ~~عامر (فإن الله الغني)، وقرأ الباقون (هو الغني). ### || [57.25-26] # قوله تعالى: { لقد أرسلنا رسلنا بالبينات }؛ ~~أي بالآيات والحجج، { وأنزلنا معهم الكتاب }؛ الذي ~~يتضمن الأحكام، وقوله تعالى: { والميزان } يعني العدل؛ أي ~~أمر بالعدل، وقيل: يعني الذي يوزن به؛ أي أمرنا بالميزان، { ~~ليقوم الناس بالقسط }؛ أي ليتعاملون بينهم بالعدل ~~والنصفة. # وقوله تعالى: { وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ~~ومنافع للناس }؛ قال ابن عباس: (نزل آدم من ~~الجنة ومعه الإبرة والمطرقة والكلبتين). ~~وقيل: المراد بإنزال الحديد أنه خلقه الله في الجبال والمعادن. ~~وقوله تعالى { فيه بأس شديد } أي قوة شديدة، لا يلينه ~~إلا النار. قوله تعالى: { ومنافع للناس } يعني ~~الفؤوس والسكاكين والإبرة وآلة الحرب وآلة الدفع يعني السلاح. # قوله تعالى: { وليعلم الله من ينصره ورسله ~~بالغيب }؛ أي وليعلم الله من ينصر دينه وينصر رسله بهذه ~~الأسلحة، والله سبحانه لم يزل عالما بمن ينصر ومن لا ينصر؛ ~~لأن علم الله لا يكون حادثا، لأن المراد بهذا العلم الإظهار ~~والتمييز. وقوله تعالى { بالغيب } معناه: ولم ير الله ولا ~~أحكام الآخرة. # وقوله تعالى: { إن الله قوي عزيز }؛ فيه بيان أنه تعالى ~~لم يأمر بالجهاد عن ضعف وعجز، إنما أمر به ليثيبنا عليه. وما ~~بعد هذا: { ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا في ~~ذريتهما النبوة والكتاب فمنهم مهتد ~~وكثير منهم فاسقون }؛ ظاهر المعنى. ### || [57.27] # قوله تعالى: { ثم قفينا على آثارهم برسلنا }؛ ~~أي أتبعنا الرسل على إثر نوح وإبراهيم ومن كان من الرسل من ~~أولادهما، { وقفينا بعيسى ابن مريم وآتيناه ~~الإنجيل }؛ أي أتبعنا به وأعطيناه الإنجيل دفعة واحدة، { ~~وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه }؛ الحواريين ~~وأتباعهم، { رأفة ورحمة }؛ يعني المودة، كانوا متوادين ~~بعضهم لبعض كما وصف الله تعالى أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ~~بقوله تعالى # رحمآء بينهم # [الفتح: 29]. # قوله تعالى: { ورهبانية ابتدعوها }؛ ليس بعطف على ~~ما قبله، وانتصابه بفعل مضمر يدل عليه ما بعده، كأنه قال: ~~وابتدعوا رهبانية؛ أي جاءوا بها من قبل أنفسهم، وهو قوله ~~تعالى: { ما كتبناها عليهم إلا ابتغآء رضوان ~~الله }؛ معناه: ما فرضناها عليهم ms2064 تلك الرهبانية، بل هي غلوهم ~~في العبادة من حمل المشاق على أنفسهم، وهي الامتناع من المطعم ~~والمشرب والملبس والنكاح والتعبد في الجبال، ما فرضنا عليهم ~~ذلك إلا أنهم طلبوا بها رضوان الله. وقيل: معناها: ما فرضنا ~~عليهم إلا اتباع ما أمر الله. # قوله تعالى: { فما رعوها حق رعايتها }؛ أي قصروا ~~فيما ألزموه أنفسهم ولم يحفظوها حق الحفظ، ويقال: إنه لما ~~لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم حين بعث كانوا تاركين لطاعة ~~الله تعالى غير مراعين لها فضيعوها وكفروا بدين عيسى بن مريم، ~~وتهودوا وتنصروا وتركوا الترهيب. # قوله تعالى: { فآتينا الذين آمنوا منهم ~~أجرهم }؛ وهم الذين أقاموا على دين عيسى حتى أدركوا محمدا ~~صلى الله عليه وسلم فآمنوا به فأعطيناهم ثوابهم، قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " من آمن بي وصدقني واتبعني فقد رعاها حق ~~رعايتها، ومن لم يتبعني فأولئك هم الهالكون " # قوله تعالى: { وكثير منهم فاسقون }؛ معناه: وكثير ~~منهم خالفوا دين عيسى فقالوا هو ابن الله أو نحوا من هذا القول. # والرهبانية في اللغة: خصلة يظهر فيها معنى الرهبنة، وذلك ~~إما في لبسه أو انفراده عن الجماعة للعبادة، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " لا تشددوا على أنفسكم فيشدد الله عليكم، ~~فإن قوما شددوا على أنفسهم فشدد الله ~~عليهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديارات، { ~~ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم } ". # وعن عروة قال: # " دخلت امرأة عثمان بن مظعون على عائشة وهي ~~باذة الهيبة، فسألتها: ما شأنك؟ فقالت: زوجي ~~يقوم الليل ويصوم النهار، فذكرت عائشة ذلك ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فلقي عثمان بن ~~مظعون، فقال له: " يا عثمان إن الرهبانية لم ~~تكتب علينا، فما لك في أسوة، فوالله إني ~~لأخشاكم لله وأحفظكم لحدوده " ### || [57.28] # قوله تعالى: { يأيها الذين ءامنوا اتقوا ~~الله وءامنوا برسوله }؛ أي يا أيها الذين آمنوا بموسى ~~وعيسى اتقوا الله وآمنوا برسوله محمد صلى الله عليه وسلم، { ~~يؤتكم كفلين من رحمته }؛ أي يؤتكم نصيبين من ~~ثوابه وكرامته، نصيبا لإيمانكم به اليوم ونصيبا لإيمانكم المتقدم ~~بالأنبياء عليهم السلام. ms2065 # قوله تعالى: { ويجعل لكم نورا تمشون به }؛ على ~~الصراط، كما قال تعالى # نورهم يسعى بين أيديهم # [التحريم: 8] فهذا علامة المؤمنين في القيامة. وقيل: معناه: ~~ويجعل لكم نورا بالإيمان في الدنيا، يعني الهدى والبينات تهتدون ~~به إلى طاعة الله، { ويغفر لكم والله غفور }؛ لمن مات ~~على التوبة، { رحيم }. ### || [57.29] # قوله تعالى: { لئلا يعلم أهل الكتاب ألا ~~يقدرون على شيء من فضل الله } أي ليعلم أهل الكتاب ~~الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم وحسدوا المؤمنين منهم ~~أن لا يصرفوا النبوة عمن تفضل الله بها عليه إلى غيره، وأن ~~التوفيق بتقدير الله يعطي النبوة من يشاء ممن كان أهلا لها، ~~صالحا للقيام بها. وقيل: ليعلم الذين لم يؤمنوا بمحمد صلى ~~الله عليه وسلم أنهم لا أجر لهم ولا نصيب لهم في فضل الله، { ~~وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشآء }؛ فآتى ~~المؤمنين منهم أجرين، { والله ذو الفضل العظيم }؛ يتفضل ~~على من يشاء من عباده المؤمنين، و(لا) في قوله { لئلا } زائدة ~~المعنى، لأن يعلم مثل قوله: # ما منعك أن تسجد # [ص: 75]. ### | [58 - سورة المجادلة] ### || [58.1] # { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ~~وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركمآ إن ~~الله سميع بصير }؛ # " هذه الآيات نزلت في خولة بنت ثعلبة، وهي امرأة من الخزرج من ~~بني عمرو بن عوف، وفي زوجها أوس ابن الصامت، وكان أوس بن ~~الصامت وعبادة بن الصامت أخوين، وكانت خولة ~~حسنة الجسم، فرآها زوجها ساجدة في صلاتها، ~~فنظر إلى عجزها، فلما فرغت من صلاتها راودها ~~فأبت، فغضب عليها، فقال لها: أنت علي كظهر ~~أمي، وندم بعد ذلك على ما قال، وكان الظهار ~~طلاقا في الجاهلية. # فمضت خولة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدت ~~عائشة تغسل رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: ~~يا رسول الله إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني ~~وأنا شابة غنية ذات مال وأهل، حتى إذا أكل مالي ~~وأفنى شبابي وتفرق أهلي وكبر سني ظاهر مني، ~~وقد ندم على ذلك، فهل شيء ms2066 يا رسول الله يجمعني ~~وإياه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " ما أراك إلا قد ~~حرمت عليه " فقالت: يا رسول الله والذي أنزل ~~عليك الكتاب ما ذكر طلاقا، وإنه أبو ولدي وأحب ~~الناس إلي، فقال صلى الله عليه وسلم: " حرمت عليه ". ~~فقالت: أشكوا الله تعالى. # ثم جعلت تراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~يقول: " حرمت عليه " فقالت: أشكوا إلى الله فاقتي ~~وشدة حالي. فنزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فلما قضى الوحي، قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: " ادعي زوجك " فتلا عليه النبي صلى الله عليه ~~وسلم: { قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها ~~وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركمآ إن ~~الله سميع بصير } ". # وروي: # " أن خولة لما أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت ~~له: يا رسول الله إن أوسا تزوجني وأنا شابة ~~مرغوب في، فلما خلا سني ورق عظمي ونثرت ذا ~~بطني جعلني عليه كأمه، ثم ندم على قوله، ~~ولي منه صبية صغار؛ إن ضممتهم إليه ضاعوا، ~~وإن ضممتهم إلي جاعوا، فقال صلى الله عليه وسلم: " ما ~~عندي في أمرك شيء " فقالت: زوجي وابن عمي وأبو ~~أولادي وأحب الناس إلي، وهو شيخ كبير لا ~~يستطيع أن يخدم نفسه، فقال: صلى الله عليه وسلم: " ما ~~أراك إلا قد حرمت عليه ". # فقالت: يا رسول الله لا تقل ذلك؛ إنه ما ذكر ~~طلاقا وإنما قال كلمة، فقال صلى الله عليه وسلم: " ما ~~أمرت في شأنك بشيء، وإن نزل في شأنك شيء ~~بينته لك " فهتفت وبكت وجعلت تراجع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، ثم قالت: اللهم إني أشكو ~~إليك شدة وجدي وما يشق علي من فراقه، ~~ورفعت يدها إلى السماء تدعو وتتضرع. # فبينما هي كذلك، إذ تغشى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم الوحي، فلما سرى عنه قال: " يا خولة قد ~~أنزل الله فيك وفي زوجك القرآن " ثم تلا { قد ~~سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي ~~إلى الله والله يسمع تحاوركمآ إن الله ms2067 سميع } ~~". # معناه: قد سمع الله قول المرأة التي تسائلك وتخاصمك في أمر ~~زوجها، وترفع إلى الله ما بها من المكروه، والله يسمع تحاوركما ~~ومراجعتكما، إن الله سميع لمقالتكما عليم بأمرها وأمر زوجها، ~~والتحاور: تراجع الكلام. # قوله تعال: { تجادلك في زوجها } وهو أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كلما قال لها # " قد حرمت عليه " # قالت: والله ما ذكر طلاقا، فكان هذا جدالا، وقوله تعالى { ~~وتشتكي إلى الله } وهو قولها: أشكوا إلى الله فاقتي ~~ووحدتي وإن لي صبيانا صغارا إذا ضممتهم إليه ضاعوا، وإذ ضممتهم ~~إلي جاعوا. ### || [58.2] # قوله تعالى: { الذين يظاهرون منكم من نسآئهم ما ~~هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم ~~}؛ أي ليس هن بأمهاتهم، وما هن كأمهاتهم في الحرمة، ~~وقرأ عاصم (ما هن أمهاتهم) بالرفع، كما يقال: ما زيد ~~عالم. قوله تعالى: { وإنهم ليقولون }؛ معناه: وإن ~~المظاهرين ليقولون، { منكرا من القول وزورا }؛ أي قبيحا ~~من حيث يشبوا المرأة التي هي في غاية الإباحة بما هو في غاية ~~الحرمة وهو ظهر الأم، والمنكر الذي هو لا يعرف في الشرع، ~~والزور الكذب. # قوله تعالى: { وإن الله لعفو غفور }؛ أي لكثير ~~العفو عن ذنوب عباده، كثير الغفران والستر عليهم، عفا عنهم وغفر ~~لهم بإيجاب الكفارة عليهم. ### || [58.3] # قوله تعالى: { والذين يظاهرون من نسآئهم ثم ~~يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن ~~يتمآسا }؛ اختلف المفسرون في معنى العود المذكور في الآية، فذهب ~~أصحاب الظواهر إلى أن المراد به إعادة كلمة الظهار، وهذا قول ~~مخالف لقول أهل العلم، وقد أوجب النبي صلى الله عليه وسلم الكفارة ~~على أوس حين ظاهر من امرأته، ولم يسأل أكرر الظهار أم لا؟. # وذهب مالك إلى أن العود هو العزم على الوطئ، قال: (وإذا عزم ~~على وطئها بعد الظهار فعليه الكفارة، سواء ~~أمسكها أو أبانها أو عاشت أو ماتت). وقال الشافعي: ~~(العود ها هنا هو الإمساك على النكاح، إذا أمسكها ~~عقيب الظهار ولم يطلقها، فعليه الكفارة ولا ~~تسقط عنه تلك الكفارة وإن أبانها بعد ذلك. # وذهب أبو حنيفة ms2068 وأصحابه إلى أن معنى العود هو أن يعود المقول ~~فيه فيستبيح ما حرمه بالظهار، وقد يذكر المصدر ويراد به المقول ~~كما قال صلى الله عليه وسلم: # " العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه " # وإنما هو عائد في الموهوب. ويقال: اللهم أنت رجاؤنا؛ أي ~~مرجونا، وقال تعالى: # حتى يأتيك اليقين # [الحجر: 99] أي الموقن به، والعود في الشيء هو فعل ما ~~يناقض ذلك الشيء، وحروف الصفات يقوم بعضها مقام بعض كما في قوله ~~تعالى: # ولأصلبنكم في جذوع النخل # [طه: 71]، فيكون المعنى: ثم يعودون فيما قالوا. # والإمساك على النكاح عقيب الظهار لا يكون عودا على وجه ~~التراخي ولا يناقض لفظ الظهار، فإن الظهار لا يوجب تحريم ~~العقد حتى يكون إمساكها على النكاح عودا، ثم على مذهب أبي حنيفة: ~~إذا قصد أن يستبيحها ثم أبانها سقطت الكفارة عنه. # وفي قوله تعالى: { من قبل أن يتمآسا } دليل على أن هذه ~~الكفارة إنما شرعت لدفع الحرمة في المستقبل، وفيه دليل ~~تحريم التقبيل واللمس قبل التكفير؛ لأن قوله تعالى: { من ~~قبل أن يتمآسا } يتناول جميع ضروب المسيس. # وفي قوله تعالى: { من نسآئهم } دليل على أن الظهار لا ~~يكون في الإماء إلا إذا كن زوجات؛ لأن إطلاق لفظ النساء ينصرف ~~إلى الحرائر كما في قوله تعالى: # أو نسآئهن أو ما ملكت أيمانهن # [النور: 31]. وفي قوله تعالى: { فتحرير رقبة } دليل على جواز ~~إعتاق الرقبة الكافرة في الظهار؛ لأن ذكر الرقبة مطلق في ~~الآية، بخلاف كفارة القتل. # والأصل في الظهار أنه إذا ذكر في المرأة ما يجمعها مثل الجسد ~~والبدن والرأس والرقبة ونحوها، والظهر والبطن والفرج والفخذ ~~وشبهها بمحارمه كان مظاهرا. وإن قال: أنت علي كيد أمي ~~أو رجلها، أو قال: يدك علي أو شعرك علي كظهر أمي كان ~~باطلا. # وقال مالك: (يصح الظهار بالتشبيه بالأجنبية). وقال ~~الشعبي: (لا يصح الظهار إلا بالأم)، وقال الشافعي: ~~(إذا قال: يدك، أو قال: أنت علي كيد أمي، فهو ~~ظهار). { ذلكم توعظون به والله بما تعملون ~~خبير }. ### || [58.4] # قوله تعالى: { فمن لم يجد فصيام ms2069 شهرين ~~متتابعين من قبل أن يتمآسا }؛ أي فمن لم يجد من ~~المظاهرين الرقبة ولا قيمتها، فعليه أن يصوم شهرين متتابعين ~~قبل المسيس. وهذا يقتضي أنه إذا أفطر فيهما لمرض أو غيره كان ~~عليه استقبال الصوم أيضا، وكذا إذا قدر على الرقبة في خلال الصوم ~~فلم يعتقها حتى عجز عنها كان عليه الاستقبال أيضا في قول أبي ~~حنيفة ومحمد، سواء كان المسيس بالليل أو بالنهار. وقال أبو يوسف. ~~(إذا مسها بالليل عامدا أو بالنهار ناسيا لم ~~يستقبل). # قوله تعالى: { فمن لم يستطع فإطعام ستين ~~مسكينا }؛ إذا عجز عن الصوم لكبر أو مرض فكفارته أن ~~يطعم ستين مسكينا، وإن مسها المظاهر بعد ما أطعم بعض ~~الطعام لم يستقبل الإطعام؛ لأنه ليس في ذكر الإطعام في هذه الآية ~~من قبل أن يتماسا، إلا أنا إنما أمرناه بالإطعام قبل ~~المسيس؛ لأنا لو لم نأمره بذلك لم يؤمن أن يمسها فقدر ~~على العتق قبل الإطعام أو يقدر على الصوم قبل الإطعام فيحصل أو ~~الصوم بعد المسيس، وذلك خلاف ما أوجبه الله تعالى. # قوله تعالى: { ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله }؛ أي ~~ذلك الذي أمركم الله به لتستديموا الإيمان بالله ورسوله، ~~وتصدقوا أن الله أمر بذلك. قوله تعالى: { وتلك حدود ~~الله } ، أي التي شرعها الله تعالى في الظهار أحكام الله ~~وفرائضه، { وللكافرين عذاب أليم }؛ وللجاحدين لحدود الله ~~عذاب جهنم. # " فلما نزلت هذه الآية قال النبي صلى الله عليه وسلم لأوس ~~بن الصامت: " هل تستطيع أن تعتق رقبة؟ " قال: ~~فإني قليل المال، قال: " فهل تستطيع أن تصوم ~~شهرين؟ " قال: والله يا رسول الله إني إذا لم آكل ~~في اليوم ثلاث مرات كل بصري وخشيت أن تعشو ~~عيني، قال: " فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟ ~~" قال: لا والله إلا أن تعينني يا رسول الله، فقال ~~صلى الله عليه وسلم: " إني معينك بخمسة عشر صاعا وأدعو ~~لك بالبركة " فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم ". # وروي: # " أن خولة لما ظاهر منها أوس بن الصامت، خرج ~~فجلس في قومه، ثم رجع إليها ms2070 فراودها عن ~~نفسها، فقالت: كلا؛ والذي نفس خولة بيده لا ~~تصل إلي حتى يحكم الله في وفيك. ثم مضت إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت عليه قصتها، ~~فأنزل الله هذه الآيات. # فقال صلى الله عليه وسلم: " مريه أن يعتق رقبة " ~~فقالت: والله ما عنده ذلك، قال: " مريه فليصم ~~شهرين متتابعين " قالت: يا نبي الله إنه شيخ ~~كبير ما به من صوم، قال: " مريه فليطعم ستين ~~مسكينا " قالت: والله ما يجد ما يطعم، قال: " إنا ~~سنعينه بعرق من تمر " - وهو مكتل سبع وثلاثين صاعا - ~~قالت: أنا أعينه يا رسول الله بعرق آخر ". ### || [58.5-6] # قوله تعالى: { إن الذين يحآدون الله ورسوله ~~كبتوا كما كبت الذين من قبلهم } معناه: إن الذين ~~يخالفون الله ورسوله في الدين، ويصيرون في حد غير الحد الذي ~~فيه أولياء الله، أذلوا وأخزوا بالعذاب كما أذل الذين ~~أشركوا من قبل أهل مكة، من الذين خالفوا الأنبياء صلوات ~~الله عليهم. # والكبت في اللغة: الكب، ومنه كبت الله عدوك. وقيل: ~~معناه: كبدوا أي ضربوا على أكبادهم، فقلبت الدال تاء. # قوله تعالى: { وقد أنزلنآ آيات بينات }؛ أي فرائض ~~معروفة، { وللكافرين عذاب مهين }؛ أي ولمن لم يعمل ~~بها ولم يصدق بها عذاب مهين. ثم بين ذلك العذاب فقال تعالى: { ~~يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا ~~}؛ ويجزيهم عليه، وقوله تعالى: { أحصاه الله ونسوه ~~والله على كل شيء }؛ مما يجب لهم وعليهم، { شهيد }؛ ~~عالم. ### || [58.7-8] # قوله تعالى: { ألم تر أن الله يعلم ما في ~~السموت وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة ~~إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم }؛ ~~معناه: إن الله يعلم بكل ما في السماوات وكل ما في الأرض ~~مما ظهر للعباد، # وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا ~~في السمآء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في ~~كتاب مبين # [يونس: 61]. # وقوله تعالى: { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو ~~رابعهم } يعني المسار؛ ما تناجي به صاحبك من شيء إلا هو ~~رابعهم بالعلم. يعني ms2071 نجواهم معلومة عنده كما تكون معلومة عند ~~الرابع الذي هم معهم، { ولا أدنى من ذلك ولا أكثر ~~إلا هو معهم أين ما كانوا }؛ ولا أقل من ثلاثة ولا ~~أكثر من الخمسة إلا وهو عالم بهم وقادر عليهم في أي موضع ~~كانوا، { ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة }؛ عند ~~الجزاء والحساب، { إن الله بكل شيء عليم }؛ وهذه الآية ~~نزلت في اليهود والمنافقين لما أعياهم الإسلام وظهوره وجعلوا ~~يتناجون فيما بينهم فيوهمون المؤمنين أنهم يتناجون فيما يسوءهم. # وكانوا إذا خرجت سرية من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فرأى هؤلاء رجالا ممن خرج لهم في السرية صديق أو قريب ~~تناجوا فيما بينهم ليظن الرجل أنه حدث بصاحبه حادث فيحزن عليه ~~لذلك. فلما كثر ذلك وطال شكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فنهاهم عن المناجاة دون المسلمين، فلم ينتهوا وعادوا إلى ~~مناجاتهم، فأنزل الله: # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ~~ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم ~~والعدوان ومعصيت الرسول }؛ معناه: ألم تر إلى هؤلاء ~~الذين نهاهم الله عن مناجاة بعضهم بعضا دون المؤمنين في الآية ~~التي قبل هذه، ثم عادوا إليها مغايظة لأصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ويتشاورون فيما بينهم بالكذب والاعتداء، ويوصي بعضهم ~~بعضا بمخالفة النبي صلى الله عليه وسلم، { وإذا جآءوك }؛ يا ~~محمد، { حيوك بما لم يحيك به }؛ أي سلموا عليك ~~بما لم يسلم به الله عليك. # " وذلك أن اليهود دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: السام عليك! وكانت عائشة من وراء ستر ~~فلعنتهم، فقال صلى الله عليه وسلم: " مهلا يا عائشة " ~~فقالت: أما سمعت ما قالوا؟ قال: " أوما سمعت كيف ~~أجبتهم؟ " ثم قال: " إذا سلم عليكم أحد من أهل ~~الكتاب فقولوا: عليك ما قلت " # والسام هو الموت. # قوله تعالى: { ويقولون في أنفسهم لولا ~~يعذبنا الله بما نقول }؛ معناه: أنهم كانوا يقولون في ~~أنفسهم: ألا ينزل الله العذاب بنا بما نقول لنبيه إن كان ~~نبيا كما يزعم، فلو كان ms2072 محمد نبيا لعذبنا الله بما نقول، ~~فقال الله تعالى: { حسبهم جهنم يصلونها }؛ أي ~~كافيهم جهنم عذابا لهم يلزمونها ويقاسون حرها، { فبئس ~~المصير }؛ أي فبئس المرجع يرجعون إليه. ### || [58.9] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا ~~تناجيتم فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ~~ومعصيت الرسول }؛ معناه: يا أيها الذين آمنوا إذا ~~تجالستم للسر فيما بينكم، فلا تجالسوا وتخالفوا بالمعصية ~~والظلم ومخالفة الرسول، ولا تكونوا كاليهود والمنافقين، { ~~وتناجوا بالبر والتقوى }؛ أي بفعل ما أمرتم به، ~~وترك ما نهيتم عنه، { واتقوا الله الذي إليه ~~تحشرون } ، واتقوا عذاب الله الذي إليه ترجعون في الآخرة. ### || [58.10] # قوله تعالى: { إنما النجوى من الشيطان ~~ليحزن الذين آمنوا وليس بضآرهم شيئا إلا ~~بإذن الله }؛ معناه: إنما النجوى الذي يفعله اليهود ~~والمنافقون من عمل الشيطان ووساوسه ليحزن به الشيطان الذين ~~آمنوا وأخلصوا، وليس تناجيهم يضر المؤمنين شيئا إلا بعلم الله ~~وقضائه، { وعلى الله فليتوكل المؤمنون }؛ ~~ويستعيذوا به من الشيطان. ويقرأ (ليحزن) بضم الياء وهما ~~لغتان. ### || [58.11] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا قيل لكم ~~تفسحوا في المجالس فافسحوا يفسح الله لكم }؛ ~~قال مقاتل: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرم أهل بدر من ~~المهاجرين والأنصار، فجاء ناس من أهل بدر ~~ومنهم ثابت بن قيس بن شماس وقد سبقوا في ~~المجلس، فقاموا حيال النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقالوا: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله ~~وبركاته، فرد عليهم النبي صلى الله عليه وسلم. ثم ~~سلموا على القوم بعد ذلك، فردوا عليهم. # فقاموا على أرجلهم ينتظرون أن يوسع لهم، ~~فعلم النبي صلى الله عليه وسلم ما لحقهم من ضرر ~~القيام، فشق عليه، وقال لمن حوله لمن لم ~~يكن من أهل بدر: " قم يا فلان وأنت يا فلان " ~~فأقام من المجلس بقدر النفر الذين قاموا بين ~~يديه من أهل بدر. # فشق ذلك على من أقيم من مجلسه، وعرف النبي ~~صلى الله عليه وسلم الكراهية في وجوههم، فقال ~~المنافقون للمسلمين: ألستم تزعمون أن ~~صاحبكم يعدل بين الناس؟ فوالله ما عدل على ~~هؤلاء إن قوما أخذوا ms2073 مجالسهم، وأحبوا القرب ~~من نبيهم فأقامهم وأجلس غيرهم، فأنزل الله ~~هذه الآية ". # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا قيل لكم ~~تفسحوا في المجالس } أي أوسعوا في المجلس { فافسحوا ~~} أي أوسعوا على من حضر مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحب ~~سماع كلامه؛ لتشتركوا في سماع الدين منه، وهذا أمر لهم ~~بالتأديب كي لا يؤذي أحد جليسه بفعل الزحام، ولئلا يكون غرضهم ~~إلا التواضع لله تعالى وللدين، وذلك أنهم كانوا قد جلسوا ~~متضايقين حول النبي صلى الله عليه وسلم، فأمروا أن يتنحوا عنه ~~في الجلوس ويتوسعوا المجلس غيرهم معهم. قوله تعالى: { ~~يفسح الله لكم } أي يوسع مجالسكم في الجنة. # قوله تعالى: { وإذا قيل انشزوا فانشزوا }؛ معناه: ~~وإذا قيل: انهضوا إلى صلاة أو أمر بمعروف ونودي للصلاة ~~فانهضوا. وقيل: معناه: وإذا قيل لكم اخرجوا إلى الجهاد ~~فاخرجوا يرفع الله درجاتكم في الجنة، ويرفع الله الذين أوتوا ~~العلم درجات فوق درجات الذين أكرموا بالإيمان بغير علم. # وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " إن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان ~~في الماء والطير في جو السماء، وفضل العالم ~~على الذي ليس بعالم سبعون درجة، الله أعلم ما ~~بين كل درجتين " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " فضل العالم على العابد كفضلي على سائر أمتي ~~" # ، وقال صلى الله عليه وسلم: # " يؤتى بالعالم يوم القيامة والعابد، فيقال ~~للعابد: أدخل الجنة، ويحبس الفقيه فيقول: ~~فبم حبستموني؟! فيقال له: اشفع ". # قرأ أهل المدينة والشام وعاصم (انشزوا فانشزوا) بضم الشين، ~~وقرأ الآخرون بكسرها، وهما لغتان، ومعناهما: إذا قيل لكم: تحركوا ~~وقوموا وارتفعوا وتوسعوا لإخوانكم فافعلوا. وقيل: معناه: إذا ~~قيل لكم انهضوا إلى الصلاة والذكر وعمل الخير، فانشزوا ولا ~~تقصروا. # وقوله تعالى: { يرفع الله الذين آمنوا منكم }؛ يعني ~~يرفعهم بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقيامهم من مجالسهم ~~وتوسعهم لإخوانهم، { والذين أوتوا العلم درجات ~~والله بما تعملون خبير }؛ منهم بفضل عملهم، قال صلى ~~الله عليه وسلم: # " من جاءت منيته وهو يطلب العلم، فبينه ~~وبين الأنبياء ms2074 درجة واحدة ". ### || [58.12-13] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم ~~الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة ذلك ~~خير لكم وأطهر }؛ وذلك أن الأغنياء كانوا يستخلون ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم فيشاورونه بما يريدون ويلحون عليه ~~بالحاجات والمسائل، ويشغلون بذلك أوقاته التي كانت مستغرقة ~~بالعبادة والإبلاغ إلى الأمة، وكان الفقراء لا يتمكنون من النبي ~~صلى الله عليه وسلم كتمكن الأغنياء منه. # فأمر الله الناس بتقديم الصدقة على نجواهم مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم إعظاما له وتوقيرا لمقام مناجاته، ونفعا ~~للفقراء بتلك الصدقة، وبين أن ذلك خير لهم من الكف عن الصدقة ~~وأصلح لقلوبهم وقلوب الفقراء، ورخص من لم يجد ما يتصدق به أن ~~يكلم النبي صلى الله عليه وسلم بما شاء من غير صدقة، وهو ~~قوله تعالى: { فإن لم تجدوا فإن الله غفور ~~رحيم }. # فلما علم الله ضيق صدر كثير منهم من ذلك الوجوب نسخ الله ~~ذلك الحكم بقوله: { ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي ~~نجواكم صدقات }؛ معناه: أبخلتم يا أهل الميسرة، وثقل ~~عليكم تقديم الصدقة، بين نجواكم مع النبي صلى الله عليه وسلم، { ~~فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم }؛ وخفف الله ~~عنكم بإسقاط تلك الصدقة، { فأقيموا الصلاة }؛ أي داوموا ~~عليها، يعني الصلاة المفروضة، { وآتوا الزكاة }؛ المفروضة، { ~~وأطيعوا الله }؛ في الفرائض، { ورسوله }؛ في السنن، { ~~والله خبير بما تعملون } من الخير والشر. # وعن علي رضي الله عنه قال: (إن في كتاب الله آية ما عمل ~~بها أحد قبلي، ولا يعمل بها أحد بعدي وهي آية ~~النجوى، كان لي مثقال فبعته بعشرة دراهم، ~~فكلما أردت أن أناجي رسول الله قدمت درهما، ~~فقدمت هذه الصدقات بين يدي نجواي، ثم ~~نسخت). قال مجاهد: (نهوا عن مناجاة النبي صلى الله عليه ~~وسلم حتى يتصدقوا، فلم يناجه إلا علي كرم ~~الله وجهه، قدم دينارا فتصدق به، فنزلت ~~الرخصة). ### || [58.14-15] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين تولوا قوما ~~غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم }؛ نزلت هذه ~~الآية في قوم من المنافقين كانوا يتولون اليهود وينقلون أسرار ms2075 ~~المسلمين إليهم مغايظة لهم، ولم يكونوا من المؤمنين ولا من ~~اليهود، وكانوا يحلفون للمؤمنين بأنا مؤمنون مصدقون، وهم ~~يعلمون أنهم كاذبون في حلفهم، قال الله تعالى: { ما هم ~~منكم ولا منهم } أي ولا من اليهود، { ويحلفون على ~~الكذب وهم يعلمون }؛ أنهم كذبة. # وقال السدي ومقاتل: # " نزلت هذه الآية في عبدالله بن نبتل المنافق، ~~كان يجالس النبي صلى الله عليه وسلم يرفع حديثه إلى ~~اليهود، فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ ~~قال: " يدخل عليكم الآن رجل قلبه قلب جبار، ~~وينظر بعيني الشيطان " فدخل عبدالله بن نبتل، ~~وكان أزرقا. # فقال صلى الله عليه وسلم: " علام سببتني أنت وأصحابك؟ ~~" فحلف بالله ما فعل، فقال له النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " وقد فعلت " فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا ~~بالله ما سبوه، فأنزل الله هذه الآية): { ألم تر ~~إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم ~~منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم ~~يعلمون } " # { أعد الله لهم عذابا شديدا }؛ أي هيأ لهم عذابا ~~شديدا في قبورهم، { إنهم سآء ما كانوا يعملون }؛ في ~~الدنيا من موالاة اليهود وكتمان الكفر والحلف الكاذب مع العلم ~~به. ### || [58.16] # قوله تعالى: { اتخذوا أيمانهم جنة }؛ أي اتخذوا ~~أيمانهم الكاذبة ترسا من القتل وجعلوها عدة ليدفعوا عن ~~أنفسهم التهمة، وقرأ الحسن (إيمانهم) بكسر الألف، وقوله تعالى: ~~{ فصدوا عن سبيل الله }؛ أي صرفوا الناس عن ذكر الله ~~وطاعته بإلقاء الشبهة عليهم في السر. وقيل: فصدوا المؤمنين ~~عن جهادهم بالقتل، { فلهم عذاب مهين }؛ يهينهم في ~~الآخرة. ### || [58.17] # قوله تعالى: { لن تغني عنهم أموالهم ولا ~~أولادهم من الله شيئا }؛ أي لن يدفع عنهم كثرة أموالهم ~~ولا كثرة أولادهم من عذاب الله شيئا، { أولئك أصحاب ~~النار هم فيها خالدون }. ### || [58.18] # قوله تعالى: { يوم يبعثهم الله جميعا }؛ انتصب ~~على الظرفية من قوله # أولئك أصحاب النار # [المجادلة: 17] { فيحلفون له }؛ أي يحلفون لله يومئذ أنهم ~~كانوا مخلصين في الدنيا، { كما يحلفون لكم ويحسبون ~~}؛ يومئذ؛ { أنهم على شيء }؛ على صواب، { ألا إنهم ~~هم الكاذبون }؛ عند الله في ms2076 حلفهم. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " ينادي مناد يوم القيامة: أين خصماء الله، ~~فيقوم القدرية مسودة وجوههم مزرقة ~~أعينهم، مائلة أشداقهم يسيل لعابهم، يقولون: ~~والله ما عبدنا من دونك شمسا ولا قمرا ولا صنما ~~ولا وثنا ولا اتخذنا من دونك إلها ". # قال ابن عباس: (صدقوا والله؛ أتاهم الشرك من ~~حيث لا يعلمون) ثم تلا ابن عباس هذه الآية { ~~ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم ~~الكاذبون } هم والله القدريون، هم والله ~~القدريون). ### || [58.19] # قوله تعالى: { استحوذ عليهم الشيطان }؛ أي غلب عليهم ~~واستولى عليهم وحولهم، { فأنساهم ذكر الله }؛ أي شغلهم ~~عن ذكر الله وعن طاعته حتى تركوه وصاروا إلى الخسران، { ~~أولئك حزب الشيطان }؛ أي جنده، { ألا إن حزب ~~الشيطان هم الخاسرون }. ### || [58.20] # قوله تعالى: { إن الذين يحآدون الله ورسوله ~~}؛ أي يخالفون الله ورسوله، { أولئك في الأذلين }؛ أي ~~في المغلوبين المقهورين، ومن جملة من يلحقهم الذل في ~~الدنيا والآخرة. ### || [58.21] # قوله تعالى: { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي }؛ ~~أي كتب ذلك في اللوح المحفوظ، وقال الحسن: (ما أمر نبي بحرب ~~فغلب قط، وإن الرسل على نوعين: منهم من ~~بعث بالحرب، ومنهم من بعث بغير حرب، فهو ~~غالب بالحجة)، وقال تعالى: # وإن جندنا لهم الغالبون # [الصافات: 173]. وقوله تعالى: { إن الله قوي عزيز }؛ أي ~~مانع حزبه من أن يذل، عزيز غالب لمن نازع أولياءه. ### || [58.22] # قوله تعالى: { لا تجد قوما يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله ولو ~~كانوا آبآءهم أو أبنآءهم أو إخوانهم أو ~~عشيرتهم }؛ # " نزلت هذه الآية في حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أنه كتب إلى ~~أهل مكة: أن محمدا يريد أن يغزوكم فاستعدوا ~~له، فأعلم الله تعالى نبيه عليه السلام بذلك، فقال: صلى الله ~~عليه وسلم: " ما دعاك يا حاطب إلى ما فعلت؟ " فقال: ~~أحببت أن أتقرب إلى أهل مكة لمكان عيالي ~~فيهم، ولم يكن على عيالي ذاب هنالك. فأنزل الله ~~هذه الآية ". # ومعناها: لا تجد قوما يصدقون بوحدانية الله تعالى ms2077 وبالعبث بعد ~~الموت يناصحون ويطلبون مودة من خالف الله ورسوله في ~~الدين، ولو كانوا أقاربهم في النسب، فإن البراءة واجبة من ~~المحادين لله. وسنذكر هذه القصة أول سورة الممتحنة إن شاء ~~الله تعالى. # أخبر الله تعالى بهذه الآية: أن إيمان المؤمنين يفسد بمودة ~~الكفار، وإن من كان مؤمنا لا يوالي من كفر، وإن كان أباه أو ~~ابنه أو أخاه أو أحدا من عشيرته. وعن عبدالله بن مسعود في هذه ~~الآية أنه قال: (قتل أبو عبيدة أباه يوم أحد)، ~~فمعنى قوله { ولو كانوا آبآءهم }. # " وقوله { أو أبنآءهم } يعني أبا بكر رضي الله عنه دعا ~~ابنه يوما إلى البراز وقال: (دعني يا رسول الله ~~أكر عليه) فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ~~متعنا بنفسك يا أبا بكر، أما تعلم أنك عندي ~~بمنزلة سمعي وبصري " ". # وقوله تعالى: { أو إخوانهم } يعني مصعب بن عمير قتل أخاه ~~عبيد بن عمير بأحد. وقوله تعالى: { أو عشيرتهم } يعني عمر ~~رضي الله عنه قتل خالد العاصي بن هشام بن المغيرة يوم بدر، وكذلك ~~علي رضي الله عنه قتل شيبة بن ربيعة، وكذلك حمزة رضي الله عنه ~~قتل عتبة. # قوله تعالى: { أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ~~وأيدهم بروح منه }؛ يعني الذين لا يوادون من حاد ~~الله ورسوله أثبت الله في قلوبهم حب الإيمان كأنه مكتوب في ~~قلوبهم { وأيدهم بروح منه } أي قواهم بنور الإيمان حتى ~~اهتدوا للحق وعملوا به. وقيل: المراد بالروح جبريل عليه ~~السلام يعينهم في كثير من المواطن. وقيل: معناه: وأيدهم ~~بنصر منه في الدنيا على عدوهم، لأنهم عادوا عشيرتهم الكفار ~~وقاتلوهم، غضبا لله ولدينه. # وقوله تعالى: { ويدخلهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار خالدين فيها }؛ ظاهر المعنى. وقوله تعالى: { رضي ~~الله عنهم ورضوا عنه }؛ بإخلاصهم في التوحيد والطاعة، ~~ورضوا عنه بما أعد لهم من الثواب والكرامة في الآخرة. # قوله تعالى: { أولئك حزب الله ألا إن حزب ~~الله هم المفلحون }؛ أي يا أهل هذه القصة جند الله ~~وأولياؤه، ألا إن جند الله هم الفائزون بالبقاء الدائم ~~والنعيم ms2078 المقيم. ### | [59 - سورة الحشر] ### || [59.1] # { سبح لله ما في السموت وما في الأرض وهو ~~العزيز الحكيم }؛ ظاهر المعنى. ### || [59.2-4] # قوله تعالى: { هو الذي أخرج الذين كفروا من ~~أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر }؛ قال ~~المفسرون: # " نزلت هذه الآية والسورة بأسرها في بني النضير واليهود، ~~وعاهدوه أن لا يكونوا معه ولا عليه، لا يقاتلون معه ولا ~~يقاتلونه، فكانوا على ذلك حتى كانت وقعة أحد، فأصابت المسلمين ~~يومئذ نكبة، فنقضوا العهد، وركب كعب ابن الأشرف في أربعين ~~راكبا إلى مكة، فأتوا قريشا فطلبوا إلى أبي سفيان وأصحابه ~~فحالفوهم وعاقدوهم بين الكعبة والأستار على حرب النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وأن كلمتهم واحدة. # ثم رجع كعب بن الأشرف وأصحابه إلى المدينة. فنزل جبريل عليه ~~السلام على النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بأمرهم وقال له: " إن ~~الله يأمرك بقتل كعب بن الأشرف " فجمع النبي ~~صلى الله عليه وسلم أصحابه وأخبرهم بما صنع كعب بن ~~الأشرف وقال لهم: " إن الله أمرني بقتله، ~~فانتدبوا إلى ذلك ". # فانتدب رهط منهم وفيهم محمد بن مسلمة، ~~وكان أخا كعب من الرضاعة وحليفه، فانطلقوا في ~~أول الليل إلى دار كعب، فناداه محمد بن ~~مسلمة فاستنزله من داره، وأوهمه أنه يكلمه ~~في حاجة، فلما نزل أخذ محمد بن مسلمة ~~بناصيته وكبر، فخرج أصحابه وكانوا من وراء ~~الحائط، فضربوه حتى برد مكانه، فصاحت امرأته ~~وتصايحت اليهود، فخرجوا إليهم وقد رجع ~~المسلمون. # فجاء المسلمون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأخبروه بذلك، فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم ~~خرج إليهم غازيا، فتحصنوا في دورهم فوجدهم في ~~قرية لهم يقال لها (زهوة) وهم ينوحون على كعب ~~وكان سيدهم، فقالوا: يا محمد؛ باغية على إثر ~~ناعية، وباكية على إثر باكية؟ قال: " نعم " ~~قالوا: ذرنا نبكي شجوا على كعب. # وقد كان عبدالله بن أبي سلول المنافق وأصحابه ~~أمر إلى اليهود سرا بأن لا تخرجوا من الحصن، ~~وقاتلوا محمدا وأصحابه، فإن قاتلوكم فنحن ~~معكم ولا نخذلكم ولننصرنكم، ولئن أخرجتم ~~لنخرجن معكم. فدربوا على الأزقة ms2079 وحصنوها، ~~فحاصرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى وعشرين ~~ليلة. # فلما عجزوا عن مقاومة المسلمين وآيسوا من ~~نصر المنافقين لهم طلبوا الصلح، فأبى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يخرجوا من مدينتهم ~~على ما يأمرهم به، فقبلوا ذلك، فصالحهم على ~~الجلاء، وعلى أن يحمل كل أهل ثلاثة أبيات من ~~متاعهم على بعير واحد ما شاء، ولنبي الله ما ~~بقي، ويخرجوا, إلى الشام، ففعلوا ذلك وخرجوا إلى ~~الشام إلى أذرعات وأريحا والحيرة وخيبر. # فذلك قوله تعالى: { هو الذي أخرج الذين كفروا ~~من أهل الكتاب } " # يعني بني النضير من ديارهم التي كانت بيثرب وحصونهم. # قال ابن اسحاق: (كان إجلاء بني النضير عند مرجع ~~النبي صلى الله عليه وسلم من أحد، وكان فتح قريظة ~~عند مرجعه من الأحزاب، وبينهما سنتان). # قوله: { لأول الحشر } معناه: هو الذي أخرج هؤلاء اليهود من ~~منازلهم وحصونهم لأول جمع أجلوا من جزيرة العرب وهي أرض الحجاز ~~حشروا إلى الشام، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~لهم يومئذ: " اخرجوا " قالوا إلى أين؟ قال: " إلى ~~المحشر " فخرجوا إلى أذرعات وأريحا من الشام. ~~وأما ثاني الحشر فهو أن يحشر الخلائق يوم القيامة إلى أرض ~~الشام أيضا. ويقال: إنما قال { لأول الحشر } لأن الحشر ~~أربعة: حشر بني النضير أولا، ثم حشر خيبر، ثم أهل نجران، ثم ~~حشر جميع أهل الكتاب من جزيرة العرب في خلافة عمر رضي الله عنه على ~~ما روي: أنه أجلاهم منها، وقال: (عهد إلي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن لا يجتمع في جزيرة العرب ~~دينان). # قوله تعالى: { ما ظننتم أن يخرجوا }؛ أي ما ظننتم ~~أيها المؤمنون أن يخرج بنو النضير من منازلهم لشدة تمكنهم ~~وقوتهم بالأموال والمنعة، وذلك أنهم كانوا أهل حصون وعقار ~~ونخيل كثيرة وسلاح. # قوله: { وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من ~~الله }؛ وظن بنو النضير أن حصونهم تمنعهم من الله؛ أي من ~~أمر الله فيهم، { فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ~~}؛ أي فأتاهم أمر الله من حيث لم يظنوا ms2080 أن ينزل بهم ما نزل من ~~قتل كعب ابن الأشرف وقتلهم وإجلائهم ونصر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من حيث لم يتوهم القوم، { وقذف في قلوبهم الرعب ~~}؛ بقتل سيدهم كعب بن الأشرف، وكان ذلك أعظم شيء عليهم إذ أتاهم ~~ما لم يظنوه. # قوله تعالى: { يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي ~~المؤمنين }؛ وذلك أنهم لما أيقنوا بالجلاء حسدوا ~~المسلمين أن يسكنوا منازلهم، فجعلوا يخربونها من داخل، ~~والمسلمون يخربونها من خارج. وقيل: إنهم كانوا يهدمونها ~~من داخل بأيديهم ليرموا المسلمين بأحجارها، ويهدمها المؤمنون ~~ليتمكنوا من قتالهم. # قوله تعالى: { فاعتبروا يأولي الأبصار }؛ معناه: ~~فليعتبر بما أصاب بني النضير كل من له بصر بأمر الله، ولينظر ~~إلى عاقبة الكفر والغدر والطعن في النبوة، وليحذر كل قوم من ~~الكفار مثل صنيع بني النضير. والمعنى: تدبروا وانظروا فيما صنع، ~~نزل بهم يا أهل البيت والعقل والبصائر. # قوله تعالى: { يخربون بيوتهم } ، قرأ العامة ~~بالتخفيف من الإخراب؛ أي يهدمونها، وقرأ الحسن وأبو عمرو ~~(يخربون) بالتشديد من التخريب، قال أبو عمرو: وإنما اخترت ~~التشديد؛ لأن الإخراب ترك الشيء خرابا بغير ساكن، وبنو النضير ~~لم يتركوا منازلهم فيرتحلوا عنها، ولكنهم خربوها بالنقض ~~والهدم. # وقال بعضهم: التخريب والإخراب بمعنى، قال الزهري: (وذلك ~~أنهم لما أيقنوا بالخروج كانوا يهدمون أعمدة ~~بيوتهم وينتزعون الخشب والالات وينقضون ~~السقوف وينقبون الجدارات ويقتلعون الخشب ~~حتى الأوتاد لئلا يسكنها المسلمون حسدا ~~وبغضاء، وكان المسلمون يخربون ما بقي من ~~بنائهم). # وقوله تعالى: { ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء ~~لعذبهم في الدنيا }؛ معناه: لولا أن قضى الله عليهم في ~~اللوح المحفوظ بالانتقال والخروج من أوطانهم إلى الشام وخيبر ~~لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي كما فعل ببني قريظة، { ولهم ~~}؛ مع ما أصابهم في الدنيا، { في الآخرة عذاب النار }؛ ~~ولكن علم الله أن الجلاء أصلح. # وقوله تعالى: { ذلك بأنهم شآقوا الله ورسوله }؛ ~~أي ذلك الجلاء والعذاب بأنهم خالفوا أولياء الله وأخذوا في ~~شق غير شق أولياء الله ورسوله، { ومن يشآق الله }؛ ~~ومن يخالف الله ورسوله في الدين ففعل فعل هؤلاء، { فإن ~~الله ms2081 شديد العقاب }؛ له في الدنيا والآخرة. ### || [59.5] # قوله تعالى: { ما قطعتم من لينة أو تركتموها ~~قآئمة على أصولها فبإذن الله }؛ وذلك أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما نزل ببني النضير وتحصنوا في ~~حصونهم، أمر بقطع نخيلهم وإحراقها، فقالت ~~اليهود: ما بعث نبي إلا بالصلاح، وليس في هذا ~~إلا إفساد المعيشة علينا وعليهم، وقالوا: يا ~~محمد إنك تريد الصلاح، أفمن الصلاح قطع ~~النخيل والأشجار؟ وهل وجدت فيما زعمت أنزل الله ~~عليك الفساد في الأرض. # فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم ووجد ~~المسلمون في أنفسهم من ذلك مشقة، وكان بعض ~~المسلمين يمعنون في قطع النخل، وبعضهم ينهى ~~عن ذلك، فأنزل الله تعالى هذه تصديقا للذين ~~نهوا عن قطع النخيل وتحليلا لمن قطعه، ~~وبراءة لهم من الإثم وتصويبا للفريقين، فقال ~~تعالى: { ما قطعتم من لينة أو تركتموها قآئمة ~~على أصولها فبإذن الله } بين أن ما قطع منها ~~قطع بإذن الله، وما ترك منها بإذن الله. # واللينة هي النخلة، قال ابن عباس وقتادة: (اللينة هي ~~كل نخلة ما لم تكن عجوة)، وقيل: اللينة: ما ~~خلا العجوة والبرني وجمعه ليان، وروي: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقطع نخيلهم إلا ~~العجوة " # قال عكرمة: (والنخل كله ليان ما خلا العجوة)، وقال ~~سفيان: (اللينة هي كرام النخل). وقال مقاتل: (هو ضرب ~~من النخل ثمرها شديد الصفرة يغيب فيه الضرس ~~عند أكله، وكان من أجود ثمرهم وأعجبه إليهم)، ~~والعرب تسمي النخل كله ليان. # قوله تعالى: { وليخزي الفاسقين }؛ معناه: وليهين ~~الله ويذل اليهود ويخزيهم بأن يريهم أموالهم يتحكم ~~فيها المؤمنون كيف أحبوا لأنهم نقضوا العهد. ### || [59.6] # قوله تعالى: { ومآ أفآء الله على رسوله منهم ~~فمآ أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب }؛ معناه: وما ~~رد الله على رسوله من غنائم بني النضير، فمما لم توجفوا عليه ~~أنتم خيلا ولا ركابا ولكن مشيتم إليه مشيا؛ لأن ذلك كان قريبا ~~من المدينة؛ أي لم يحصل ذلك بقتالكم، فلا شيء لكم من ذلك، { ~~ولكن الله يسلط رسله على من ms2082 يشآء والله ~~على كل شيء قدير }؛ إنما كان ذلك بتسليط الله تعالى ~~نبيه صلى الله عليه وسلم، والله يمكن رسله صلوات الله ~~عليهم من أعدائه بغير قتال، والله على كل شيء من النصر ~~والغنيمة قادر. # والضمير في قوله { أوجفتم عليه } أي على ما أفاء الله، ~~والإيجاف الإسراع والإزعاج للسير، يقال: أوجف السير، ~~وأوجفته أنا، والوجيف: نوع من السير فوق التقريب، ويقال: ~~وجف الفرس والبعير يجف وجفا إذا أسرع السير، وأوجفه ~~صاحبه إذا حمله على السير السريع. # ومعنى الآية: { ومآ أفآء الله على رسوله } من مال بني ~~النضير { فمآ أوجفتم عليه } أي فما وضعتم عليه من خيل ~~ولا إبل ولم تنالوا فيه مشقة ولم تلقوا حربا وإنما مشيتم إليه ~~مشيا، إلا النبي صلى الله عليه وسلم فإنه ركب جملا فافتتحها ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأجلاهم وأخذ أموالهم. # فسأل المسلمون النبي صلى الله عليه وسلم في القسمة في تلك ~~الأموال، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فجعل أموال بني النضير ~~خاصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يضعها حيث يشاء، فقسمها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين ولم يعط الأنصار منها شيئا، ~~إلا ثلاثة نفر كانت لهم حاجة، وهم: أبو دجانة؛ وسهل بن ~~حنيف؛ والحارث بن الصمة. # وعن عمر رضي الله عنه: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~ينفق على أهله من مال بني النضير نفقة سنة، ~~وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل ~~الله؛ لأنه مما أفاء الله على رسوله، ولم يوجف ~~المسلمون بخيل ولا ركاب، فكان خالصا لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم). # وأراد بهذا ما كان يحصل من غلة أراضيهم في كل سنة. وفي هذه ~~الآية دلالة على أن كل مال من أموال أهل الشرك لم يغلب عليه ~~المسلمون عنوة وإنما أخذ صلحا أن يوضع في بيت مال المسلمين ~~ويصرف إلى الوجوه التي تصرف فيها الجزية والخراج؛ لأن ذلك ~~بمنزلة أموال بني النضير. ### || [59.7] # قوله تعالى: { مآ أفآء الله على رسوله من ~~أهل ms2083 القرى فلله وللرسول ولذي القربى ~~واليتامى والمساكين وابن السبيل }؛ اختلف أهل اللغة ~~في الفيء ما هو؟ فقال بعضهم: هو مما ملكه الله المسلمين من ~~أموال المشركين بغير قتال أو بقتال، فالغنيمة فيء والخراج ~~فيء. # قال بعضهم: الغنيمة اسم لما أخذه المسلمون من الكفار عنوة ~~وقهرا، والفيء ما صالحوا عليه، فبين الله تعالى في هذه الآية ~~حكم الفيء، فقال تعالى: { مآ أفآء الله على رسوله ~~من أهل القرى } أي من غنائم قرى المدنية في قريظة وبني ~~النضير وفدك، فإن ذلك خاصة للنبي صلى الله عليه وسلم دون ~~الغانمين، وكان أمر النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك جائزا، فكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يصرفها بأمر الله تعالى إلى قرائب نفسه ~~وفقراء قرابته ويتامى الناس عامة والمساكين عامة، يعني ~~المحتاجين وأبناء السبيل والفقراء المهاجرين. # واختلف العلماء في حكم هذه الآية، فقال بعضهم: أراد بقوله { ~~مآ أفآء الله على رسوله من أهل القرى } الغنائم ~~التي يأخذها المسلمون من أموال الكفار عنوة وغلبة، وكانت في بدء ~~الإسلام لعامة الغانمين المسلمين دون الغانمين الموجفين عليها، ثم ~~نسخ الله ذلك بقوله تعالى في سورة الأنفال # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه ~~وللرسول # [الأنفال: 41] والآية التي قبل هذه الآية في بيان حكم أموال بني ~~النضير خاصة، وهذه الآية في بيان حكم جلب الأموال التي أصيبت بغير ~~قتال ولم يوجف عليها بالخيل والجمال. # وقال آخرون: هما واحد، والثانية بيان قسم المال الذي ذكر الله ~~تعالى في هذه الآية الأولى، والغنائم كانت في بدء الإسلام لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يصنع بها ما يشاء، كما قال تعالى # قل الأنفال لله والرسول # [الأنفال: 1] ثم نسخ ذلك بقوله # واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه # [الأنفال: 41] الآية، فجعل أربعة أخماسها للغانمين يقسم ~~بينهم، وأما الخمس الباقي فيقسمه على خمسة أسهم: سهم لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وسهم لذوي القربى، وسهم لليتامى، وسهم ~~للمساكين، وسهم لبني السبيل. # وقوله تعالى: { كي لا يكون دولة بين الأغنيآء منكم ms2084 ~~}؛ معناه: كي لا يكون الفيء متداولا بين الأغنياء منكم، والفرق ~~بين الدولة والدولة بفتح الدال عبارة عن المدة من ~~الاستيلاء والغلبة، والدولة اسم للشيء المتداول، والمعنى: كي ~~لا يتداوله الأغنياء منكم، يكون لهذا مرة ولهذا مرة، كما يعمل في ~~الجاهلية، وكانوا إذا أخذوا غنيمة أخذ الرئيس ربعها وهو ~~الرباع، والأغنياء والرؤساء، وقال مقاتل: (كي لا يغلب ~~الأغنياء الفقراء فيقسمونه بينهم). # ثم قال: { ومآ آتاكم الرسول }؛ من الفيء والغنيمة، { ~~فخذوه }؛ فهو حلال لكم، { وما نهاكم عنه }؛ أي عن أخذه، { ~~فانتهوا }؛ وهذا نازل في أمر الفيء، ثم هو عام في كل ما أمر ~~الله به النبي صلى الله عليه وسلم ونهى عنه، قال الحسن في قوله: { ~~وما نهاكم عنه فانتهوا }: (يعني ما نهاكم عنه ~~من الغلول). وقوله تعالى: { واتقوا الله }؛ معناه: ~~اتقوا عذاب الله، { إن الله شديد العقاب }؛ إذا عاقب ~~فعقوبته شديدة. ### || [59.8] # قوله تعالى: { للفقرآء المهاجرين الذين ~~أخرجوا من ديارهم وأموالهم }؛ معناه: كي لا يكون ~~دولة بين الأغنياء، ولكن يكون للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ~~ديارهم، يعني أن كفار مكة أخرجوهم، { يبتغون فضلا من ~~الله }؛ أي رزقا يأتيهم، { ورضوانا وينصرون الله ~~ورسوله }؛ رضى ربهم حين خرجوا إلى دار الهجرة ينصرون الله ~~ورسوله، { أولئك هم الصادقون }؛ في إيمانهم. # والمعنى بقوله { للفقرآء المهاجرين } بيان المحتاجين ~~المذكورين في الآية التي قبل هذه الآية، كأنه قال: لهؤلاء الفقراء ~~المحتاجين ما تقدم ذكره من الفيء، وكانوا نحوا من مائة رجل، ~~وكانوا شهدوا بدرا أجمعين، ولذلك أثنى الله عليهم بقوله { ~~يبتغون فضلا من الله ورضوانا } أي يطلبون بتلك ~~الهجرة ثواب الله ورضوانه، وينصرون بالسيف والجهاد أولياء الله ~~وأولياء رسوله، { أولئك هم الصادقون } في الإيمان وطلب ~~الثواب. ### || [59.9] # قوله تعالى: { والذين تبوءوا الدار والإيمان ~~من قبلهم يحبون من هاجر إليهم }؛ قال الكلبي: ( { ~~والذين تبوءوا الدار } مبتدأ، وخبره { يحبون ~~} ). وهذا ثناء على الأنصار، # " وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أعطى ~~المهاجرين ما قسم لهم من فيء بني النضير لم ~~يأمن على غيرهم أن يحسدهم إذ لم يقسم ms2085 لهم. # فقال للأنصار: " إن شئتم قسمتم لهم من دوركم ~~وأموالكم، وقسمت لكم ما قسمت لهم، وإما أن ~~يكون لهم القسم ولكم دياركم وأموالكم " ~~فقالوا: لا؛ بل نقسم لهم من ديارنا وأموالنا ~~ولا نشاركهم في قسمهم. فأثنى الله تعالى عليهم بهذه ~~الآية ". # والمعنى: لزموا دار الهجرة ولزموا الإيمان من قبل هجرة ~~المهاجرين ووطنوا منازل أنفسهم، فهم يحبون من هاجر إليهم من ~~مكة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، { ولا يجدون في ~~صدورهم حاجة }؛ ضيقا وحسدا، { ممآ أوتوا }؛ مما ~~أعطي المهاجرين من الغنائم. # ومعنى الآية: { والذين تبوءوا الدار } يعني المدينة، وهي ~~دار الهجرة، وتبوأها الأنصار قبل المهاجرين. وتقدير الآية: ~~والذين تبوءوا الدار من قبلهم والإيمان؛ لأن الأنصار لم ~~يؤمنوا قبل المهاجرين، وعطف (الإيمان) على (الدار) في الظاهر ~~لا في المعنى؛ لأن الإيمان ليس بمكان تبوء. والتقدير: وآثروا ~~الإيمان واعتقدوا الإيمان. # قوله تعالى: { ويؤثرون على أنفسهم ولو كان ~~بهم خصاصة }؛ معناه: ويؤثرون المهاجرين على أنفسهم ~~بأموالهم ومنازلهم، ولو كان بهم فقر وحاجة إلى الدار والنفقة، بين ~~الله أن إيثارهم لم يكن عن غنى عن المال ولكن عن حاجة، فكان ذلك ~~أعظم لأجرهم. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني ~~جائع فأطعمني؟ فبعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~أحد أزواجه: " هل عندكن شيء؟ " فكلهن قلن: ~~والذي بعثك بالحق ما عندنا إلا الماء، فقال صلى ~~الله عليه وسلم: " ما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ~~يطعمك هذه الليلة " ثم قال: " من يضيف هذا ~~هذه الليلة رحمه الله؟ ". # فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله، - قال في صحيح ~~مسلم: هو أبو طلحة، وقيل: أبو أيوب، والضيف أبو ~~هريرة - فمضى به إلى منزله، فقال لأهله: هذا ضيف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكرميه ولا تدخري عنه ~~شيئا، فقالت: ما عندنا إلا قوت الصبية، قال: ~~قومي فعلليهم عن قوتهم حتى يناموا، ثم أسرجي ~~وأحضري الطعام، فإذا قام الضيف ليأكل قومي ~~كأنك تصلحين ms2086 السراج فأطفئيه، وتعالي نمضغ ~~السنتنا لضيف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يشبع. # فقامت إلى الصبية فعللتهم حتى ناموا ولم ~~يطعموا شيئا، ثم قامت فأسرجت، فلما أخذ ~~الضيف ليأكل قامت كأنها تصلح السراج ~~فأطفأته، وجعلا يمضغان ألسنتهما، فظن ~~الضيف أنهما يأكلان معه، فأكل الضيف حتى ~~شبع، وباتا طويين. فلما أصبحا غدوا إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فلما نظر إليهما تبسم ثم ~~قال: " لقد عجب الله من فلان وفلانة هذه ~~الليلة فأنزل الله تعالى هذه الآية { ويؤثرون ~~على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } ". # وقال أنس رضي لله عنه: (أهدي لبعض الصحابة رأس شاة ~~مشوية وكان مجهودا، فقال: لعل جاري أحوج إليه ~~مني، فبعث به إليه، ثم إن جاره قال مثل ذلك، ~~فوجه به إلى جار له، فتداوله تسعة أنفس حتى ~~رجع إلى الأول، فأنزل الله تعالى: { ويؤثرون ~~على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة } ). # ويحكى عن أبي الحسن الأنطاكي: أنه اجتمع عنده نيف وثلاثون ~~رجلا بقرية من قرى الري ومعهم أرغفة قليلة لم تشبع جوعتهم، ~~فكسروا الرغفان وأطفأوا السراج وجلسوا ليأكلوا، فلما ~~رفع فإذا الطعام بحاله لم يأكل منه أحد إيثارا لصاحبه على ~~نفسه. # ويحكى عن حذيفة العدوي قال: (انطلقت يوم اليرموك ~~أطلب ابن عم لي ومعي شيء من ماء، فإذا أنا به ~~فقلت: أسقيك؟ فأشار: أي نعم، فإذا رجل يقول: آه، ~~فأشار ابن عمي أن انطلق به إليه، فإذا هو هشام ~~بن العاص، فقلت: أسقيك؟ فسمع آخر يقول: آه، ~~فأشار هشام: أن انطلق به إليه، فإذا هو قد مات، ~~ثم رجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، ثم رجعت إلى ~~ابن عمي فإذا هو قد مات). # ويحكى عن أبي يزيد البسطامي قال: " ما غلبني إلا شاب من ~~أهل بلخ قدم علينا حاجا، فقال لي: يا أبا يزيد ~~ما حد الزهد عندكم؟ قلت: إذا وجدنا أكلنا، وإذا ~~فقدنا صبرنا. قال: هكذا عندنا كلاب بلخ! ~~فقلت: ما حد الزهد عندكم؟ قال: إذا فقدنا ~~صبرنا، وإذا وجدنا آثرنا). وسئل ذو النون ms2087 عن الزهد ~~فقال: (ثلاث: تفريق المجموع، وترك المفقود، ~~والإيثار عند القوت). # قوله تعالى: { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون }؛ أي من يدفع عنه غائلة نفسه وحرص النفس حتى ~~تطيب نفسه بذلك، فأولئك هم الناجون السعداء، الباقون في ~~الآخرة. والشح في الآخرة: منع النفع، وأما في الدنيا فهو ~~منع الواجب، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " برئ من الشح من أدى زكاة ماله، وأقرى ~~الضيف، وأعطى في النائبة " # وقال سعيد بن جبير: (شح النفس هو أخذ الحرام ومنع ~~الزكاة). # وجاء رجل إلى عبدالله بن مسعود فقال: لقد خفت ~~أن لا تصيبني هذه الآية { ومن يوق شح نفسه ~~فأولئك هم المفلحون } والله ما أقدر أعطي ~~شيئا أطيق منعه، فقال عبدالله: (إنما ذلك ~~البخل وبئس الشيء البخل، ولكن الشح أن تأخذ ~~مال أخيك بغير حقه). # وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يجتمع الشح والإيمان في قلب رجل مسلم، ~~ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في ~~جوف مسلم قط ". # واختلف العلماء في الشح والبخل، فقال بعضهم: هما واحد، وهو ~~منع الفضل. وقال بعضهم: بينهما فرق، والبخل أن يبخل الرجل ~~بما في يده، والشح أن يبخل بما في أيدي الناس. # وعن جابر بن عبدالله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، ~~حملهم أن سفكوا الدماء واستحلوا محارمهم ". # وعن أبي الهياج الأسدي قال: " كنت أطوف بالبيت، ~~فرأيت رجلا يقول: اللهم قني شح نفسي، لا يزيد ~~على ذلك، فقلت له في ذلك، فقال: إذا وقيت شح ~~نفسي لم أسرق ولم أزن، وإذا الرجل عبدالرحمن ~~بن عوف). # ويحكى أن كسرى قال لأصحابه ذات يوم: أي شيء أضر بابن آدم؟ ~~قالوا: الفقر، فقال كسرى: والشح أضر من الفقر؛ لأن الفقير ~~إذا وجد شبع، وإن الشحيح لا يشبع أبدا. ### || [59.10] # قوله تعالى: { والذين جآءوا من بعدهم يقولون ~~ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ~~بالإيمان }؛ يعني التابعين وهم الذين جاءوا ms2088 بعد المهاجرين ~~والأنصار إلى يوم القيامة، قال ابن عمر: (هؤلاء هم التابعين ~~بالإحسان إلى يوم القيامة). قال ابن أبي ليلى: (الناس ~~على ثلاثة منازل: الفقراء، والذين تبوءوا ~~الدار والإيمان، والذين جاءوا من بعدهم، فاجهد ~~أن لا تكون خارجا من هذه المنازل). # ثم ذكر الله تعالى أن هؤلاء التابعين يدعون لأنفسهم وللسلف ~~الذين سبقوهم، فقال تعالى { يقولون ربنا اغفر لنا ~~ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في ~~قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنآ إنك رءوف ~~رحيم }؛ أي لا تجعل في قلوبنا غشا وحسدا وبغضا وحقدا ~~للمؤمنين، فكل من لم يترحم على جميع الصحابة وكان في قلبه ~~غل لهم على أحد منهم كان خارجا من أقسام المؤمنين؛ لأن الله ~~رتب المؤمنين على ثلاث مراتب: المهاجرين، والأنصار، والتابعين إلى ~~يوم القيامة. ### || [59.11-12] # قوله تعالى: { ألم تر إلى الذين نافقوا }؛ يعني ~~عبدالله بن أبي وأصحابه، ومعنى { نافقوا } أي أظهروا خلاف ~~ما أضمروا، { يقولون لإخوانهم الذين كفروا من ~~أهل الكتاب }؛ وهم بنو قريظة وبنو النضير، سماهم إخوانهم ~~لأنهم كفار مثلهم. # قوله تعالى: { لئن أخرجتم }؛ أي لئن أخرجتم من ~~دياركم؛ أي لغربة { لنخرجن معكم }؛ أي لا نساكن ~~محمدا، { ولا نطيع فيكم أحدا أبدا }؛ ولا نطيعه على ~~قتالكم، { وإن قوتلتم لننصرنكم }؛ فإن قاتلكم ~~محمد وأصحابه، لنعاوننكم عليه حتى تكون أيدينا يدا واحدة ~~في المقاتلة حتى نغلبهم، وعدوهم أنهم ينصرونهم، فكذبهم الله ~~في ذلك بقوله تعالى: { والله يشهد إنهم لكاذبون ~~} في مقاتلتهم، وقد بان كذبهم في ما نزل ببني النضير من ~~الجلاء وفيما أصاب بني قريظة من القتل. # ثم ذكر الله أنهم يخلفونهم ما وعدوهم من الخروج والنصر، ~~فقال تعالى: { لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن ~~قوتلوا لا ينصرونهم }؛ فكان الأمر على ما ذكر الله تعالى؛ ~~لأنهم أخرجوا من ديارهم فلم يخرج معهم المنافقون، وقوتلوا فلم ~~ينصرونهم أظهر الله كذبهم وأبان صدق ما قال الله تعالى. # وقوله تعالى: { ولئن نصروهم ليولن الأدبار ~~ثم لا ينصرون }؛ معناه: ولئن قدر وجود نصرهم؛ لأن ما ~~نفاه الله لا يجوز وجوده، قال الزجاجي: ms2089 (معناه: لو ~~قصدوا نصر اليهود لولوا الأدبار مهزومين). { ~~ثم لا ينصرون } يعني بني النضير لا يصيرون منصورين ~~إذا انهزم ناصروهم. ### || [59.13] # قوله تعالى: { لأنتم أشد رهبة في صدورهم من ~~الله }؛ معناه: لأنتم يا معشر المسلمين أهيب في قلوب المنافقين ~~واليهود من عذاب الله، وخوفهم منكم أشد من خوفهم الله لعلمهم ~~بكم وصفاتكم، وجهلهم بالله وعظمته، { ذلك }؛ الخوف الذي بهم ~~منكم دون الله، { بأنهم قوم لا يفقهون }؛ لا يعرفون ~~الله تعالى، ولو عرفوه لعلموا أن عقوبة الله أعظم مما عساه ~~يقع بهم من فعل المؤمنين. # وفي هذه الآية بيان أنه لا ينبغي لأحد أن يكون خوفه من الناس ~~أزيد من خوفه من الله تعالى، وإن من زاد خوفه من أحد من الناس ~~على خوفه من الله فليس بفقيه، إنما الفقيه من يخشى الله كما في ~~آية أخرى # إنما يخشى الله من عباده العلماء # [فاطر: 28]، والفقه: العلم بمفهوم الكلام في إدراك ظاهره ~~بمضمونه، والناس يتفاضلون في الإدراك لاختلافهم في جودة ~~القريحة وسرعة الفطنة. ### || [59.14] # قوله تعالى: { لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى ~~محصنة أو من ورآء جدر } ومعناه: لا يقاتلونكم بنو ~~قريظة إلا في حصون موثقة أو من خلف جدار، لما قذف ~~الله في قلوبهم الرعب، ولا يقاتلونكم مبارزة. # قرأ ابن عباس ومجاهد وابن كثير وأبو عمرو (أو من وراء ~~جدار) بالألف على الواحد. ويروي بعض أهل مكة (جدر) بفتح ~~الجيم وجزم الدال وهي لغة في الجدار، وقرأ يحيى بن وثاب (جدر) بضم ~~الجيم وجزم الدال، وقرأ الباقون بضمهما. # قوله تعالى: { بأسهم بينهم شديد }؛ يعني بغضهم ~~وعداوة بعضهم لبعض شديد، وبينهم مخالفة وعداوة عظيمة، { ~~تحسبهم جميعا }؛ أي تحسبهم متفقين على أمر واحد بنيات ~~مجتمعة إذا قاتلوا المؤمنين، { وقلوبهم شتى }؛ أي متفرقة ~~لا يتعاونون لمعاداة بعضهم بعضا، وإن أظهروا الموافقة، والمعنى: ~~أنهم مختلفون لا تستوي قلوبهم ولا نياتهم لأن الله خذلهم، ~~{ ذلك }؛ الاختلاف، { بأنهم قوم لا يعقلون }؛ ما فيه ~~الحظ لهم ولا يعقلون الرشد من الغي. ### || [59.15] # قوله تعالى: { كمثل الذين من قبلهم ms2090 قريبا ~~ذاقوا وبال أمرهم }؛ معناه: مثل هؤلاء اليهود كمثل ~~الذين من قبلهم وهم كفار مكة، يعني: مثلهم في ما ينزل من ~~العقوبة كمثل مشركي مكة، وقوله تعالى: { قريبا ذاقوا ~~وبال أمرهم } يعني القتل والأسر ببدر، وكان ذلك قبل غزوة ~~بني النضير بستة أشهر، { ولهم عذاب أليم }؛ في الآخرة. ### || [59.16] # قوله تعالى: { كمثل الشيطان إذ قال للإنسان ~~اكفر فلما كفر قال إني بريء منك }؛ أي مثل ~~الكافرين في غرورهم لبني النضير وخلانهم، كمثل الشيطان في ~~غروره لابن آدم إذ دعاه إلى الكفر بما زينه له من المعاصي، ~~فلما كفر الآدمي تبرأ الشيطان منه ومن دينه في الآخرة. # ويقال: إن المراد بهذه الآية إنسان بعينه يقال له برصيصا، ~~عبد الله تعالى في صومعة له سبعين سنة، وكان من بني إسرائيل، ~~فعالجه إبليس فلم يقدر عليه، فجمع ذات يوم مردة الشياطين وقال ~~لهم: ألا أحد منكم يكفيني أمر برصيصا؟ فقال له الأبيض: أنا ~~أكفيكه، وكان من شدة تمرد هذا الأبيض أنه اعترض النبي صلى ~~الله عليه وسلم ليوسوس إليه، فدفعه جبريل دفعة هينة فوقع في ~~أقصى أرض الهند. # فقال الأبيض لإبليس: أنا أزين له، فتزين بزينة الرهبان ~~ومضى حتى أتى صومعة برصيصا، فأقبل على العبادة في أصل الصومعة ~~فانفتل برصيصا فاذا هو يراه قائم يصلي في هيئة حسنة من هيئة ~~الرهبان، فأقبل إليه وقال: يا هذا ما حاجتك؟ فقال: أحب أن أكون ~~معك فأتعلم منك وأقتبس علمك، فتدعو لي وأدعو لك، فقال ~~برصيصا: إني لفي شغل عنك، فإن كنت مؤمنا فسيجعل الله لك ~~نصيبا مما أدعوه للمؤمنين والمؤمنات. # ثم أقبل على صلاته وترك الأبيض، وقام الأبيض يصلي فلم يلتفت ~~برصيصا إلا بعد أربعين يوما، فلما التفت بعد الأربعين رآه قائما ~~يصلي، فلما رأى برصيصا شدة اجتهاده وكثرة ابتهاله وتضرعه أقبل ~~إليه، وقال: اطلب حاجتك، قال: حاجتي أن تأذن لي فارتفع إليك ~~فأكون في صومعتك، فأذن له فارتفع اليه. # فأقام في صومعته حولا كاملا يتعبد، لا يفطر إلا في كل ~~أربعين يوما يوما، ولا ms2091 ينفتل إلا في كل أربعين يوما يوما، ~~فلما رأه برصيصا ورأى شدة اجتهاده أعجبه شأنه، وتقاصرت عنده ~~عبادة نفسه. # فلما حال الحول قال الأبيض لبرصيصا: إني منطلق إلى صاحب لي ~~غيرك أشد اجتهادا منك، وإنه قد كان بلغني عنك من العبادة ~~والاجتهاد غير الذي أرى منك، فدخل على برصيصا من كلامه ذلك أمر ~~عظيم وكره مفارقته لما رأى من شدة اجتهاده في العبادة. # فلما ودعه قال له الأبيض: إن عندي دعوات أعلمكها تدعو ~~بها، فهي خير لك مما أنت فيه، يشفى بها السقيم، ويعافى بها ~~المبتلى والمجنون، فقال برصيصا: إني أكره هذه المنزلة، وإن ~~لي في نفسي شغلا، وإني أخاف إن علم الناس بذلك شغلوني عن ~~العبادة. فلم يزل به الأبيض حتى علمه. # وانطلق الأبيض حتى أتى إبليس وقال له: قد والله أهلكت الرجل. ثم ~~انطلق الأبيض إلى رجل فخنقه، ثم جاء إلى أهله في صورة طبيب ~~فقال لهم: إن بصاحبكم جنونا، فقالوا له: عالجه لنا وداوه، ~~فقال: إني لا أقوى على جنيته! ولكن أرشدكم إلى من يدعو له ~~فيعافى، قالوا: دلنا. # قال: انطلقوا إلى برصيصا، فإن عنده الاسم الأعظم الذي إذا دعا ~~الله به أجاب، فمضوا بصاحبهم إليه، فدعا له بتلك الكلمات التي ~~علمه إياها، الأبيض فذهب عنه الشيطان. # ثم انطلق الأبيض إلى صبية من بنات الملوك ولها ثلاثة إخوة، وكان ~~لهم عم هو ملك بني إسرائيل، فخنقها ثم جاء إليهم في صورة ~~طبيب، فعالجها وداواها، فلم يذهب عنها، فقال لهم: إن الذي ~~عرض لها مارد لا يطاق، ولكني أرشدكم إلى رجل يدعو لها ~~بدعوات فتعافى، قالوا: من هو؟ قال: برصيصا. قالوا: وكيف ~~يجيبنا ذلك إلى هذا الأمر؟ وكيف يقبلها منا؟ قال: ابنوا لها ~~صومعة إلى جنب صومعته وتكون لزيقا بصومعته، وقولوا له: هذه ~~أمانة عندك فاحتسب فيها. # قال: فانطلقوا بها إليه فلم يقبلها، فبنوا لها صومعة كما ذكر ~~لهم الأبيض وتركوها فيها، وقالوا لبرصيصا: هذه أختنا وقد عرض لها ~~عدو من أعداء الله، فهي أمانة عندك فاحتسب فيها، ms2092 ثم انصرفوا. ~~فلما انفتل برصيصا عن صلاته عاينها فرأى جمالا رائقا وحسنا ~~فائقا فسقط في يديه، ودخل عليه أمر عظيم، فجاءها الأبيض ~~فخنقها، فلما رأى برصيصا ذلك انفتل من صلاته ودعا بتلك الدعوات، ~~فذهب عنها الشيطان، ثم جاء الأبيض إلى برصيصا، قال: وأين تجد ~~مثل هذه؟ واقعها وأنت تتوب بعد ذلك ولم يزل به حتى واقعها، ~~فأقامت معه وهو يواقعها حتى حملت وظهر حملها. # فقال له الأبيض: ويحك! إنك قد افتضحت، فهل لك أن ~~تقتلها وتتوب؟ فإن سألوك عنها فقل: جاء شيطانها فذهب بها ولم ~~أطق، ففعل ذلك فقتلها ثم ذهب بها الى ناحية من الجبل ودفنها، ~~فجاء الشيطان ليلا وهو يدفنها فجذب طرف إزارها حتى صار خارجا ~~من التراب، ثم رجع برصيصا إلى صومعته وأقبل على صلاته. # فجاء إخوتها يتعاهدونه وكانوا في سائر الأيام يأتون ~~برصيصا ويتعاهدون أختهم ويوصوه بها، فأتوه في هذه المرة ~~كعادتهم فلم يجدوها، فقالو: أين ذهبت أختنا؟ فقال برصيصا: جاء ~~شيطانها فذهب بها ولم أطقه، فصدقوه، وانصرفوا عنه وهم ~~مكروبون. # فجاءهم الأبيض في صورة إنسان وأخبرهم بالخبر وقال لهم: هي مدفونة ~~في موضع كذا، وأن برصيصا قد فعل بها كذا وكذا ثم قتلها ودفنها، ~~وإن طرف إزارها خارجا من التراب. فانطلقوا فوجدوها كما قال ~~فجمعوا لبرصيصا علماؤهم وعساكرهم وجاءوا بالفؤوس والمساحي ~~فهدموا صومعته وأنزلوه وكتفوه، وانطلقوا به إلى الملك ~~مغلولا، فسأله عن ذلك فأقر على نفسه فصلبه الملك على خشبة. # فجاء إبليس إلى الأبيض فقال له: أي شيء صنعت في برصيصا، الآن ~~يقتل ويكون قتله كفارة لما كان منه، وما يغني عنك ما صنعت ~~فيه؟! فقال الأبيض: أنا أكفيك فيه، فأتاه وهو مصلوب، فقال له: يا ~~برصيصا أتعرفني؟ قال: لا، قال: أنا صاحبك الذي علمتك الدعوات، ~~أما اتقيت الله في أمانة وضعت عندك، خنت أهلها وأنت أعبد ~~بني إسرائيل، وما استحييت من الله، أما راقبته في دينك، فلم ~~يزل يعيره ويوبخه. # ثم قال له: وما كفاك ما صنعت حتى أقررت على نفسك، فضحت ~~أشياخك، فإن ms2093 مت في هذه الحالة لم تفلح أبدا. قال فكيف أصنع؟ ~~قال: تطيعني في خصلة حتى أنجيك مما أنت فيه، وآخذ بأعينهم ~~وأخرجك من مكانك، قال: وما هي؟ قال: تسجد لي سجدة واحدة، قال: ~~كيف أسجد لك وأنا مصلوب على هذه الحالة؟ قال: أكتفي منك ~~بالإيماء، فأومأ بالسجود فكفر بذلك، فقال: يا برصيصا هذا الذي ~~أردت منك أن صارت عاقبتك إلي أن كفرت بربك، إني بريء ~~منك، { إني أخاف الله رب العالمين }؛ ثم ذهب عنه ~~وتركه فقتل. # فضرب الله هذا مثلا لبني قريظة والنضير والمنافقين من أهل ~~المدينة، وذلك أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن ~~يجلي بني النضير فدس إليهم المنافقون أن لا يجيبوا محمدا ~~إلى ما دعاكم ولا تخرجوا من دياركم، فإن قاتلوكم كنا معكم، وإن ~~أخرجكم خرجنا معكم، فأطاعوهم فدربوا على حصونهم وتحصنوا في ~~دورهم، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاربهم فناصبوه الحرب ~~يرجون نصرة المنافقين، فخذلوهم وتبرؤا منهم كما يترأ الشيطان ~~من برصيصا وخذله. ### || [59.17] # قوله تعالى: { فكان عاقبتهمآ أنهما في النار ~~خالدين فيها }؛ معناه: فكان عاقبة الشيطان والذي كفر ~~أنهما في النار مقيمين دائمين، { وذلك جزآء الظالمين }؛ ~~أي وذلك عاقبة الكافرين، فليحذر امرؤ أن يقع في مثل ما وقع ~~فيه هذا الكافر، وقال مقاتل: (معنى الآية: فكان عاقبة ~~المنافقين واليهود أن صاروا إلى النار وذلك ~~جزاؤهم). ### || [59.18] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا اتقوا الله ~~}؛ معناه: واتقوا الله بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، { ~~ولتنظر نفس ما قدمت لغد }؛ أي ليوم القيامة عملا ~~صالحا ينجيها أم عملا سيئا يوبقها، قال الحسن: (ما زال ~~الله يقرب الساعة حتى جعلها كغد). { واتقوا ~~الله إن الله خبير بما تعملون }. ### || [59.19-20] # قوله تعالى: { ولا تكونوا كالذين نسوا الله }؛ ~~أي تركوا حق الله وأمره حتى صار كالمنسي عندهم، { ~~فأنساهم أنفسهم }؛ أي فخذلهم حتى لم يعملوا لله طاعة، ~~ويقدموا خيرا لأنفسهم، قال ابن عباس: (يريد قريظة ~~والنضير) وباقي الآيتين، { أولئك هم الفاسقون * لا ~~يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب ~~الجنة ms2094 هم الفآئزون } ، ظاهر المعنى. ### || [59.21] # قوله تعالى: { لو أنزلنا هذا القرآن على جبل ~~لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك ~~الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون }؛ ~~معناه: لو جعل في الجبل تمييز وعقل مثلكم، وعلم من القرآن ~~كما تعلمون أنتم لرأيته يخشع ويتصدع خوفا من عذاب الله، ~~وكبره وصلابته فأنتم مع ضعفكم وصغركم أولى بالخشوع والعمل على ~~مقتضى الدين في تمييز الحق من الباطل. # وقيل: معناه: لو شعر الجبل مع صلابته وشدته بالقرآن ~~لخشع تعظيما للقرآن ولصدع من خشية الله، فالإنسان أحق بهذا ~~منه، وهذا وصف للكافر بالقسوة حين لم يلن قلبه بمواعظ القرآن ~~الذي لو أنزل على جبل لخشع. ### || [59.22] # قوله تعالى: { هو الله الذي لا إله إلا هو ~~عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم }؛ ~~قيل: إن هذه الآيات مردودة إلى أول السورة، والمعنى: هو الذي ~~أخرج الذين كفروا وهو الله الذي تحق له العبادة، ولا يشركه في ~~ذلك غيره، وهو العالم بكل شيء مما غاب عن العباد ومما علموه. ### || [59.23] # قوله تعالى: { هو الله الذي لا إله إلا هو ~~الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز ~~الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون }؛ ~~القدوس: هو الظاهر عن كل عيب، المنزه عن كل ما لا يليق ~~به. والسلام: هو الذي سلم من كل نقص وعيب، وقيل: هو الذي ~~سلم العباد من ظلمه. # والمؤمن: هو الذي أمن أولياؤه عذابه. والمهيمن: هو ~~الشهيد على عباده بأعمالهم، ومنه قوله تعالى: # ومهيمنا عليه # [المائدة: 48] أي شاهدا عليه، ويقال: هيمن يهيمن فهو ~~مهيمن، إذا كان رقيبا على الشيء. # والعزيز: الممتنع الذي لا يغلبه شيء ولا يمنع من مراده. ~~والجبار: هو العظيم، وجبروت الله عظمته، ويجوز أن يكون ~~فعالا من جبر إذا أغنى الفقير وأصلح الكسير. ويجوز أن يكون ~~من جبره على كذا اذا أكرهه على ما أراد. قال السدي ومقاتل: ~~(هو الذي يقهر الناس ويجبرهم على ما يشاء). ~~والمتكبر: هو المستحق لصفات التعظيم وهو من الكبرياء، ~~وإنما تذم صفة المتكبر في الناس لأنه ينزل نفسه منزلة لا ms2095 ~~يستحقها. # قوله تعالى: { هو الله الخالق البارىء المصور ~~}؛ الخالق: هو المنشئ للأعيان. والبارئ: المقدر ~~والمسوي لها، والبرية: الخلق، وبريت القلم إذا ~~سويته. والمصور: الناقش كيف يشاء، يعني الممثل ~~للمخلوقات بالعلامات المميزة والهيئات المتفرقة. ### || [59.24] # قوله تعالى: { له الأسمآء الحسنى يسبح له ما ~~في السموت والأرض وهو العزيز الحكيم } ، ~~والأسماء الحسنى هي الصفات العلى. # وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة الحشر، غفر الله له ما تقدم من ~~ذنبه وما تأخر ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " ومن قرأ حين يصبح الثلاث آيات من آخر الحشر ~~وكل الله به سبعون ألف ملك يصلون عليه حتى ~~يمسي، فإن مات من ذلك اليوم مات شهيدا، ومن ~~قرأها حين يمسي كان بتلك المنزلة ". # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " سألت حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اسم الله ~~الأعظم، فقال: " عليك بآخر سورة الحشر، فأكثر ~~قراءتها " فأعدت عليه فأعاد علي، فأعدت ~~عليه، فأعاد علي ". ### | [60 - سورة الممتحنة] ### || [60.1] # { يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي ~~وعدوكم أوليآء }؛ # " نزلت هذه الآية في حاطب بن أبي بلتعة، وذلك أن سارة ~~مولاة أبي عمرو صيفي بن هشام أتت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة بعد بدر ~~بسنتين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتجهز لفتح ~~مكة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: " أمسلمة ~~جئت " قالت: لا: قال: " أمهاجرة جئت؟ " قالت: لا، ~~قال: " فما حاجتك؟ " قالت: كنتم الأهل والعشيرة ~~والموالي، وقد ذهبت أموالي واحتجت حاجة شديدة، ~~فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني وتحملوني، قال: ~~" وأين أنت من شباب أهل مكة؟ " وكانت مغنية ~~ونائحة، قالت: ما طلب مني شيء بعد وقعة بدر، ~~فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب ~~فكسوها وأعطوها نفقة. # فأتاها حاطب بن أبي بلتعة الأزدي حليف بني ~~أسد، فكتب إلى أهل مكة وأعطاها عشرة دنانير ~~على أن توصل الكتاب إلى أهل مكة، وكتب في ~~الكتاب: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ms2096 أهل مكة: رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يغزوكم، فخذوا حذركم. ~~مع أشياء كتب بها يتنصح لهم فيها، فمضت سارة ~~بالكتاب. # فنزل جبريل عليه السلام فأخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم بما فعل حاطب، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم ~~وراءها علي بن أبي طالب والزبير بن العوام ~~والمقداد، فخرجوا يعادي بهم خيلهم، فطلبوا ~~منها الكتاب، فقالت: ما عندي كتاب، وحلفت على ~~ذلك، ففتشوا متاعها فلم يجدوه، وقالت: إنكم ~~لا تصدقوني حتى تفتشوا ثيابي، واصرفوا وجوهكم ~~عني فصرفوها، فطرحت ثيابها ففتشوها فلم ~~يجدوا شيئا، فتركوها وهموا بالرجوع. # فقال علي بن أبي طالب: إني أشهد أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لم يكذبنا، وإنها هي الكاذبة ~~فيما تقول: فسل سيفه وقال: أخرجي الكتاب وإلا ~~والله لأضربن عنقك وأقسم على ذلك، فلما رأت ~~الحد أخرجته من ظفائر رأسها، فأخذوه وخلوا ~~سبيلها ورجعوا بالكتاب إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. # فأرسل إلى حاطب فأتاه، فقال له: " يا حاطب هل ~~تعرف هذا الكتاب؟ " قال: نعم، قال: " ما حملك على ~~ذلك؟ " قال: والله يا رسول الله ما كفرت منذ ~~أسلمت، ولا غششتك منذ صحبتك، ولا أحببتهم ~~منذ فارقتهم، فلا تعجل علي يا رسول لله، إني ~~كنت امرءا ملصقا في قريش، ولم أكن منهم، ولم ~~يكن أحد من المهاجرين إلا وله بمكة من يمنع ~~عشيرته، وأنا غريب فيهم، وكان أهلي بين ~~أظهرهم، فخشيت على أهلي فأردت أن أتخذ عندهم ~~يدا، فوالله ما فعلت ذلك شكا في ديني ولا رضى ~~بالكفر بعد الإسلام، ولا ارتبت في الله منذ ~~أسلمت، وقد علمت أن الله تعالى نزل عليهم ~~بأسه، وإن كتابي لا يغني عنهم شيئا. # فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعذره وقال: " ~~إنه قد صدق ". فقام عمر رضي لله عنه وقال: يا رسول ~~الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: " إنه قد شهد بدرا، وما يدريك أن ~~الله تعالى قال لأهل بدر: اعملوا ما شئتم فقد ~~غفر ms2097 لكم ". # وروي: # " أن عبدا لحاطب جاء يشتكي من حاطب إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ليدخلن ~~حاطب النار، فقال: " كذبت! لا يدخلها أبدا لأنه ~~شهد بدرا والحديبية " ". # ثم أنزل الله تعالى هذه الآية يعرف بها النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن حاطبا مؤمن، فقال { يأيها الذين آمنوا لا ~~تتخذوا عدوي وعدوكم أوليآء } معناه: لا ~~تتخذوا الكافرين أحباء في العون والنصرة، { تلقون ~~إليهم }؛ أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وسره، { ~~بالمودة }؛ التي بينكم وبينهم وتخبرونهم بما يخبر به الرجل ~~أهل مودته، { وقد كفروا بما جآءكم من الحق }؛ ~~جحدوا بما جاءكم من الحق يعني القرآن، ومع ذلك، { يخرجون ~~الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم }؛ أي ~~يخرجون الرسول من مكة ويخرجونكم أيضا من دياركم لأجل إيمانكم ~~بربكم. # قوله تعالى: { إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي ~~وابتغآء مرضاتي }؛ هذا شرط وجوابه متقدم عليه وهو قوله { ~~لا تتخذوا عدوي وعدوكم أوليآء }. تقديره: إن ~~كنتم خرجتم جهادا مجاهدين في طاعتي وسنتي ومتبعين ~~مرضاتي، فلا تتخذونهم أولياء، وقوله تعالى: { جهادا في ~~سبيلي وابتغآء مرضاتي } منصوبان لأنهما مفعول لهما. # وقوله تعالى: { تسرون إليهم بالمودة }؛ أي تخفون ~~مودتهم، { وأنا أعلم بمآ أخفيتم ومآ أعلنتم ~~}؛ وأنا أعلم بما تضمرون في صدوركم، وما تظهرون بألسنتكم. ~~قوله تعالى: { ومن يفعله منكم }؛ يعني الإسرار وإلقاء ~~المودة إليهم، { فقد ضل سوآء السبيل }؛ أي فقد أخطأ ~~طريق الهدى، والمعنى: ومن يفعل منكم يا معشر المؤمنين ما فعل حاطب، ~~فقد أخطأ طريق الحق والهدى. ### || [60.2] # قوله تعالى: { إن يثقفوكم يكونوا لكم أعدآء }؛ ~~معناه: إن يصادفوكم ويظفروكم في حال لا يخافونكم عليها ~~يظهروا عداوتكم، { ويبسطوا إليكم أيديهم }؛ ~~بالقتل والضرب، { وألسنتهم بالسوء }؛ بالشتم والطعن، ~~{ وودوا لو تكفرون }؛ ويحبون أن تكفروا بالله بعد ~~إيمانكم كما أنهم كافرون، والمعنى: لا ينفعكم التقرب إليهم بنقل ~~أخبار النبي صلى الله عليه وسلم إليهم. ### || [60.3-5] # قوله تعالى: { لن تنفعكم أرحامكم ولا ~~أولادكم }؛ أي توادوهم بسبب الأرحام والأولاد، فإن الأرحام ~~والأولاد لا ينفعوكم، فلا تعصوا الله ولا تخونوا رسوله ms2098 لأجلهم، ~~{ يوم القيامة يفصل بينكم }؛ فيدخل أهل طاعة الله ~~الجنة، ويدخل أهل الكفر النار، { والله بما تعملون }؛ من ~~الخير والشر، { بصير }. # قرأ عاصم ويعقوب (يفصل بينكم) بفتح الياء وكسر الصاد ~~مخففا، وقرأ ابن عامر والأعرج (يفصل) بضم الياء وفتح الصاد ~~مشددا، وقرأ طلحة والنخعي (نفصل) بالنون وبضمة وكسر الصاد ~~مشددا، وقرأ الباقون (يفصل) بضم الياء وفتح الصاد مخففا. # ثم ضرب الله لهم إبراهيم مثلا حين تبرأ من قومه فقال تعالى: { ~~قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين ~~معه }؛ أي قد كانت لكم قدوة حسنة في إبراهيم خليل الله والذين ~~معه من المؤمنين، { إذ قالوا لقومهم }؛ لأقاربهم من ~~الكفار: { إنا برءآؤا منكم }؛ ومن دينكم، { ومما ~~تعبدون من دون الله }؛ من الأصنام، { كفرنا بكم } ، ~~تبرأنا منكم، { وبدا }؛ وظهر، { بيننا وبينكم ~~العداوة }؛ بالفعل، { والبغضآء }؛ بالقول، { أبدا }؛ إلى ~~الأبد، { حتى تؤمنوا بالله وحده }؛ تقروا ~~وتصدقوا بوحدانية الله تعالى، فهلا تأسيت يا حاطب بإبراهيم ~~في إظهاره معاداة الكفار، وقطع الموالاة بينكم وبينهم كما فعله ~~إبراهيم ومن معه. # قوله تعالى: { إلا قول إبراهيم لأبيه }؛ أي قد ~~كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم وأموره، إلا في قوله لأبيه ~~لأستغفرن لك، { لأستغفرن لك ومآ أملك لك من الله ~~من شيء }؛ إن عصيته، نهوا أن يتأسوا بإبراهيم في هذا ~~خاصة فيستغفروا للمشركين. # والمعنى: قد كانت لكم أسوة حسنة في صنع إبراهيم إلا في ~~استغفاره لأبيه وهو مشرك. ثم بين الله عذره إبراهيم في سورة ~~التوبة في استغفاره لأبيه فقال تعالى: # وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة ~~وعدهآ إياه # [التوبة: 114] وكان هذا قبل إخبار الله تعالى أن لا يغفر أن يشرك ~~به. وقول إبراهيم: { ومآ أملك لك من الله من شيء } ~~معناه: لا أقدر على دفع شيء من عذاب الله عنك إن لم تؤمن. # وكان من دعاء إبراهيم وأصحابه: { ربنا عليك توكلنا }؛ ~~أي وثقنا، { وإليك أنبنا }؛ أي فوضنا أمورنا وإليك ~~رجعنا بالتوبة والطاعة، { وإليك المصير }؛ في الآخرة، { ~~ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر ~~لنا ربنآ إنك ms2099 أنت العزيز الحكيم }؛ أي لا تظهر ~~الكفار علينا فيظنوا أنهم على الحق وأنا على الباطل ~~فيفتنوا بها، هكذا قال قتادة. وعن ابن عباس أنه قال: ~~(معناه: لا تسلطهم فيفتنونا). وقال مجاهد: ~~(معناه: لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك ~~فيقولوا: لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم هذا). ### || [60.6-7] # قوله تعالى: { لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة ~~لمن كان يرجو الله واليوم الآخر }؛ معناه: لقد كان ~~لكم في إبراهيم والذين معه قدوة صالحة فيما يرجع إلى رجاء ثواب ~~الله وحسن المنقلب في اليوم الآخر. # وهذا يقتضي وجوب الاقتداء بهم في أفعالهم، وأما الأولى فنهوا ~~الاقتداء بهم في باب العداوة لله في أمر الدين. قوله تعالى: { ~~لمن كان يرجو الله } بدل من قوله { لكم فيهم } وهذا ~~كقوله تعالى # ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا # [آل عمران: 97]. ومعنى { يرجو الله } أي يخاف الله ويخاف ~~الآخرة، { ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد ~~}؛ أي من يعرض عن الإيمان ويوالي الكفار فإن الله هو الغني ~~عن خلقه، الحميد إلى أوليائه وأهل طاعته. # قال مقاتل: (فلما أمر الله المسلمين بعداوة ~~الكفار أظهروا لهم العداوة والبراءة امتثالا ~~لأمر الله تعالى) فأنزل الله: { عسى الله أن يجعل ~~بينكم وبين الذين عاديتم منهم }؛ أي كونوا على ~~رجاء وطمع في أن يجعل الله بينكم وبين الذين عاديتم من المشركين، { ~~مودة }؛ يعني من كفار مكة. # ففعل الله ذلك بأن أسلم كثير منهم بعد الفتح، منهم أبو سفيان بن ~~حرب؛ وأبو سفيان بن الحارث؛ والحارث بن هشام؛ وسهيل بن عمرو؛ ~~وحكم بن حزام، وكانوا من رؤساء الكفار والمعادين لأهل الإسلام، ~~فصاروا لهم أولياء وإخوانا، فخالطوهم وناكحوهم، وتزوج رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أم حبيبة بنت أبي سفيان بن حرب، فلان ~~لهم أبو سفيان، فهذه المودة التي جعلها الله تعالى بينهم، { ~~والله قدير }؛ على أن يجعل بينكم المودة، { والله غفور ~~رحيم }؛ بهم بعد ما تابوا وأسلموا. ### || [60.8] # قوله تعالى: { لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم في الدين ms2100 ولم يخرجوكم من دياركم } ~~يعني أهل العهد الذين عاهدوا المؤمنين على ترك القتال ~~والمظاهرة، وهم خزاعة، { أن تبروهم } ، والمعنى: لا ~~ينهاكم الله عن بر الذين لم يقاتلوكم، وهذا يدل على جواز البر ~~بأهل الذمة وإن كانت الموالاة منقطعة. # ولذلك جوز أبو حنيفة ومحمد صرف صدقة الفطر والكفارات ~~والنذور المطلقة إليهم، وأجمعوا على جواز صرف صدقة التطوع ~~إليهم، وأجمعوا على أنه لا يجوز صرف الزكوات إليهم لقوله عليه ~~السلام: # " أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأردها على ~~فقرائكم ". # وقوله تعالى: { أن تبروهم } في موضع خفض بدل من { الذين ~~} كأنه قال عن أن تبروا الذين لم يقاتلوكم، وقوله تعالى: { ~~وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين }؛ ~~القسط إليهم أن نعطيهم قسطا من أموالنا على جهة البر، ~~ويقال: أقسطت إلى الرجل اذا عاملته بالعدل، قال الزجاج: ~~(معناه: وتعدلوا فيما بينكم وبينهم من ~~الوفاء بالعهد). ### || [60.9] # قوله تعالى: { إنما ينهاكم الله عن الذين ~~قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا ~~على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم ~~فأولئك هم الظالمون }؛ يعني المحاربين من الكفار، ~~نهى الله أن يتصدق عليهم، ونهى عن موالاتهم ومكاتباتهم. ~~والمظاهرة: المعاونة للظهور بها على العدو بالغلبة. ### || [60.10-11] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا جآءكم ~~المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن } وذلك أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم لما صالح قريشا يوم الحديبية ~~على أن يرد عليهم من جاءه من المسلمين، ~~فلما هاجر إليه النساء أبى الله أن يرجعن على ~~المشركين وأمر بامتحانهن، وقوله تعالى: { ~~فامتحنوهن } وذلك أن تستحلف المهاجرة ما هاجرت لحدث ~~أحدثته، ولا خرجت عشقا لرجل من المسلمين ولا خرجت إلا ~~رغبة في الإسلام. # قال ابن عباس: # " صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم كفار مكة عام ~~الحديبية على أن من أتاه من مكة رده عليهم، ~~ومن أتى مكة من أصحابه فهو لهم، ولم يردوه ~~عليه، وكتب النبي صلى الله عليه وسلم بذلك كتابا ~~لهم وختم عليه، فلما ختم عليه النبي صلى الله ~~عليه وسلم جاءته سبيعة بنت الحارث الأسلمية ~~مسلمة. # فجاء زوجها ms2101 إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو كافر ~~وقال: يا محمد ردها علي، فإنك شرطت لنا ذلك ~~عليك، وهذه طينة كتابنا لم تجف، فأنزل الله ~~هذه الآية { يأيها الذين آمنوا إذا جآءكم ~~المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم ~~بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ~~ترجعوهن إلى الكفار لا هن حل لهم ولا هم ~~يحلون لهن }؛ فاستحلفها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم " بالله ما أخرجك إلينا إلا الحرص على الإيمان ~~والرغبة فيه والمحبة لله ولرسوله وللإسلام " ~~فحلفت بالله العظيم الذي لا إله إلا هو ما خرجت ~~إلا لذلك، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطى ~~زوجها مهرها الذي أنفق عليها، فأعطوه مهرها ~~وذلك معنى قوله: { وآتوهم مآ أنفقوا } ". # قوله تعالى: { الله أعلم بإيمانهن } أي هذا ~~الامتحان لكم، والله عالم بهن، وليس عليكم إلا علم الظاهر، ~~والله أعلم بإيمانهن قبل الامتحان وبعده، فإن علمتموهن في ~~الظاهر بالامتحان أنهن مؤمنات فلا تردوهن إلى أزواجهن الكفار ~~بمكة، لا المؤمنات حل للكفار ولا الكفار يحلون للمؤمنات. وقوله ~~تعالى: { وآتوهم مآ أنفقوا } أي أعطوا أزواج المهاجرات من ~~الكفار ما أنفقوا عليهن من المهر. # قوله تعالى: { ولا جناح عليكم أن تنكحوهن إذآ ~~آتيتموهن أجورهن }؛ أي لا جناح عليكم أن تتزوجوهن إذا ~~أعطيتموهن مهورهن ولو كان لهن أزواج كفار في دار الكفر؛ لأن ~~الإسلام قد فرق بينها وبين الكافر، وهذا كله دليل أن ~~الحرة إذا هاجرت إلينا مسلمة أو ذمية وقعت الفرقة بينهما ~~بنفس المهاجرة، كما هو مذهب أصحابنا. # ولهذا قال أبو حنيفة: (إن المهاجرة لا عدة عليها ~~لأن الله تعالى أباح للمسلمين التزوج ~~بالمهاجرات من غير أن يشرط انقضاء العدة، ~~ولو كانت الزوجية باقية بعد المهاجرة لما ~~أمر الله برد مهورهن على أزواجهن. # وعلى هذا إذا خرج الزوج إلينا مسلما أو ذميا ~~وقعت الفرقة بينه وبين امرأته، وأما إذا دخل ~~الحربي إلينا بأمان، أو دخل المسلم دار الحرب ~~بأمان، أو أسلم الزوجان في دار الحرب ثم خرج ~~أحدهما إلينا لم يبطل نكاحهما). # قوله تعالى: { ولا تمسكوا بعصم ms2102 الكوافر }؛ ~~معناه: أن المرأة المسلمة إذا كفرت والعياذ بالله زالت ~~العصمة بينها وبين زوجها وانقطع النكاح بينهما. والكوافر: جمع ~~كافرة، نهى الله المؤمنين عن المقام على نكاح المشركات. # قوله تعالى: { واسألوا مآ أنفقتم وليسألوا مآ ~~أنفقوا }؛ معناه: واطلبوا من أهل مكة مهور النساء اللاتي ~~يخرجن منكم إليهم مرتدات، وليسأل الكفار منكم ما أنفقوا على ~~نسائهم اللواتي خرجن إليكم مهاجرات، { ذلكم حكم الله ~~يحكم بينكم والله عليم }؛ بمصالحكم، { حكيم }؛ فيما ~~حكم بينكم وبينهم. # قال الزهري: (فلما نزلت هذه الآية أقر المسلمون ~~بحكم الله فأما المشركون فأبوا أن يقروا) فأنزل ~~الله تعالى: { وإن فاتكم شيء من أزواجكم إلى ~~الكفار فعاقبتم فآتوا الذين ذهبت أزواجهم ~~مثل مآ أنفقوا }؛ معناه: إن ذهبت امرأة من نسائكم إلى ~~الكفار فعاقبتم أي فضحتم. # قال الزجاج: (معناه: فكانت العقبى لكم، أي كانت ~~الغلبة لكم حتى غنمتم)، فأعطوا أزواج الذين ذهبت نساؤهم مثل ما ~~أنفقوا من المهور، قبل أن تقسم الغنائم، ثم اقسموا الغنائم كما ~~أمر الله. وقوله تعالى: { واتقوا الله الذي أنتم به ~~مؤمنون }؛ أي اتقوه في مخالفة ما أمركم به. ### || [60.12] # قوله تعالى: { يأيها النبي إذا جآءك ~~المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله ~~شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ولا يقتلن ~~أولادهن }؛ # " وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة، ~~جلس عند الصفا وإلى جنبه عمر رضي الله عنه والنساء ~~يأتين يبايعنه صلى الله عليه وسلم وفيهن هند بنت ~~عتبة متنكرة مع النساء خوفا أن يعرفها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قد أنزل هذه الآية، فقال: صلى ~~الله عليه وسلم: " أبايعكن على أن لا تشركن بالله شيئا ~~" فقالت هند: أشركنا وعبدنا الآلهة فما أغنت ~~عنا شيئا. # فقال صلى الله عليه وسلم: " ولا تسرقن " فقالت هند: ~~إن أبا سفيان رجل شحيح ممسك، وإني أصيب من ~~ماله لغناه، ولا أدري أيحل لي أم لا؟ فقال أبو ~~سفيان: ما أصبت من شيء فيما مضى أو قد بقي فهو ~~لك حلال، فضحك رسول الله صلى الله عليه ms2103 وسلم وعرفها ~~وقال: " إنك لهند بنت عتبة؟ " قالت: فاعف عما ~~سلف يا نبي الله عفا الله عنك. # فقال: " ولا تزنين " قالت: وهل تزني الحرة؟ ~~فضحك عمر رضي الله عنه وقال: لا لعمري ما تزني ~~الحرة، فقال: " ولا تقتلن أولادكن " فقالت ~~هند: زيناهم صغارا وقتلتموهم كبارا، وكان ~~ابنها حنظلة بن أبي سفيان قتل يوم بدر، فضحك ~~عمر رضي الله عنه حتى استلقى على ظهره، وتبسم ~~النبي صلى الله عليه وسلم ". # ومعنى الآية: { ولا يقتلن أولادهن } أي لا يدفن ~~بناتهن أحياء كما كان العرب يفعلونه، فقال تعالى: { ولا ~~يأتين ببهتن يفترينه بين أيديهن ~~وأرجلهن }؛ أي لا تلحق بزوجها ولدا ليس منه، وذلك أن ~~المرأة كانت تلتقط لقيطا فتضعه بين يديها ورجليها وتقول لزوجها: ~~ولدت هذا الولد، فذاك البهتان والافتراء. ويقال: أراد بين الأيدي ~~أن يوضع بين يديها ولد غيرها وبين أيديهن أن يأتين بولد حرام، ~~وهذا كناية عن الفرج، فلما قال عليه السلام، قالت هند: والله ~~إن البهتان لقبيح وما تأمرنا إلا بالرشد ~~ومكارم الأخلاق. # قوله تعالى: { ولا يعصينك في معروف }؛ أي وجميع ما ~~تأمرهن وتنهاهن من النوح وشق الجيوب وخمش الوجوه ورنة ~~الشيطان وغير ذلك من أصوات المعصية ومن صوت اللعب واللهو ~~والمزامير وغير ذلك. والمعروف: كل ما كان طاعة، والمنكر: كل ما ~~كان معصية، فلما قال صلى الله عليه وسلم: " ولا يعصينك في ~~معروف " قالت هند: وما جلسنا مجلسنا هذا وفي ~~أنفسنا أن نعصيك في شيء، فأقرت النسوة بما ~~أخذ عليهن. # وقوله تعالى: { فبايعهن واستغفر لهن الله إن ~~الله غفور رحيم }؛ معناه: إذا بايعنك على هذه الشروط ~~فبايعهن، فقال صلى الله عليه وسلم: " قد بايعتكن " كلاما ~~كلمهن به من غير أن مست يده يد امرأة، وكان على يد عمر رضي ~~الله عنه ثوب يصافح به النساء. # قال القرظي: (ومعنى قوله تعالى: { ولا يعصينك في ~~معروف } قال: المعروف الذي لا معصية فيه). وقال ~~الربيع: (كل ما يوافق طاعة الله فهو معروف). قال ~~مجاهد: (غير المعروف هو خلو المرأة بالرجل). # وعن سعيد ms2104 بن المسيب: (أن معناه: ولا يحلقن ولا ~~يخرقن ثوبا ولا ينتفن شعرا ولا يخمشن وجها ~~ولا يحدثن الرجل إلا ذا رحم محرم، ولا تخلو ~~المرأة برجل غير ذي رحم محرم ولا تسافر مع ~~غير ذي رحم). وقال ابن عباس: (ولا يخن). # وعن مصعب بن نوح قال: (أدركت عجوزا ممن بايعن النبي ~~صلى الله عليه وسلم فحدثتني عن قوله تعالى: { ولا ~~يعصينك في معروف } فقالت: النوح). وعن أبي هريرة رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " النوائح يجعلن يوم القيامة صفين وتنبح ~~كما تنبح الكلاب ". # وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " تخرج النائحة من قبرها يوم القيامة شعثا ~~غبرا، عليها جلباب من لعنة ودرع من جرب، ~~واضعة يدها على رأسها تقول: واويلاه، وملك ~~يقول: آمين، ثم يكون من بعد ذلك حظها النار " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " أربع في أمتي من الجاهلية لا يتركونهن: ~~الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء ~~بالنجوم، والنياحة " # وقال: # " النائحة إذا لم تتب قبل موتها بعام جاءت يوم ~~القيامة عليها سربال من قطران ". # وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: [لعن الله النائحة ~~والمستمعة والحالقة والسالقة والواشمة ~~والموشومة]. وعن عمر رضي الله عنه: (أنه سمع نائحة ~~فضربها حتى وقع خمارها عن رأسها، فقيل: يا ~~أمير المؤمنين إنها قد وقع خمارها، قال: إنها لا ~~حرمة لها). ### || [60.13] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تتولوا ~~قوما غضب الله عليهم }؛ ختم الله هذه السورة بمثل كما ~~افتتحها به، حيث نهى المؤمنين عن تولي أعداء الله، وأراد بالقوم ~~الذين غضب الله عليهم اليهود، والمعنى: يا أيها الذين آمنوا لا ~~تتولوا اليهود. # قوله تعالى: { قد يئسوا من الآخرة }؛ لأنهم كانوا ~~يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبنائهم، وكانوا لا ~~يؤمنون به، فآيسوا من أن يكون لهم في الآخرة خير. وقيل: إنهم ~~كانوا يزعمون أنه لا يكون في الآخرة أكل ولا شرب ولا نعمة، والمراد ~~بذلك اليهود. # وقوله تعالى: ms2105 { كما يئس الكفار من أصحاب القبور }؛ ~~معناه: كما يئس المشركون الذين لا يؤمنون بالبعث من رجوع أصحاب ~~القبور ومن أن يبعثوا. وقيل: معناه: كما يئس الكفار إذا ~~ماتوا وصاروا في القبور من أن يكون لهم في الآخرة حظ، ويئسوا من ~~أن يكون لهم في الآخرة نصيب. ### | [61 - سورة الصف] ### || [61.1-3] # { سبح لله ما في السموت وما في الأرض وهو ~~العزيز الحكيم }؛ قد تقدم تفسيره. قوله تعالى: { ~~يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون } ~~قال مقاتل: (وذلك أن المؤمنين قالوا قبل أن ~~يؤمروا بالقتال: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله ~~تعالى لعملنا وبذلنا فيه أموالنا وأنفسنا، ~~فدلهم الله على أحب الأعمال إليه) فقال: { إن ~~الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم ~~بنيان مرصوص } فابتلوا يوم أحد بما أصابهم، ~~فتولوا عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى شج وجهه ~~وكسرت رباعيته، فذمهم الله على ذلك فقال: { ~~يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * ~~كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون }؛ أي ~~عظم ذلك في المقت والبغض عند الله؛ أي أن الله يبغضه بغضا ~~شديدا أن تعدوني من أنفسكم شيئا ثم لم توفوا به. # وموضع { أن تقولوا } رفع، وانتصب قوله { مقتا } على ~~التمييز. # وذكر الكلبي: (أن المسلمين كانوا يقولون قبل ~~فرض الجهاد: لو علمنا أي الأعمال أحب إلى الله ~~لفعلناه، فدلهم الله على ذلك بقوله تعالى: # هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم # [الصف: 10]، ولم يبين ما هي، فمكثوا على ذلك ما ~~شاء الله، ثم قالوا: يا ليتنا نعلم ما هي ~~فنسارع إليها، فأنزل الله تعالى # تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله # [الصف: 11] إلى آخر الآيات). # وقال قتادة: (كان الرجل إذا خرج إلى الجهاد ثم رجع ~~قال: قلت وفعلت، ولم يكن فعل، فأنزل الله ~~تعالى: { يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا ~~تفعلون } ). ### || [61.4] # قوله تعالى: { إن الله يحب الذين يقاتلون في ~~سبيله صفا }؛ يحب الذين يصفون أنفسهم عند القتال صفا { ~~كأنهم بنيان مرصوص }؛ أي ملتزق ms2106 بعضه إلى بعض، أعلم ~~الله أنه يحب من تثبت في القتال ويلزم مكانه كثبوت البناء ~~المرصوص الذي قد أحكم وأتقن، ليس فيه فرجة ولا خلل. ### || [61.5] # قوله تعالى: { وإذ قال موسى لقومه يقوم لم ~~تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم }؛ ~~في هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فيما لقي من أذى الكفار ~~والمنافقين، وقد مر تفسير أذاهم موسى في سورة الأحزاب. # قوله تعالى: { فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ~~}؛ أي بإيذائهم أمالها عن الحق وخذلها ومنعها الهدى مجازاة لهم ~~بايذائهم، { والله لا يهدي القوم الفاسقين } إلى ثوابه ~~وجنته. ### || [61.6] # قوله تعالى: { وإذ قال عيسى ابن مريم يبني ~~إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما ~~بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من ~~بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا ~~هذا سحر مبين }؛ معناه: واذكر يا محمد لقومك قصة ~~عيسى وعاقبة من آمن معه، وعاقبة من كفر. # قوله تعالى: { مصدقا } نصب على الحال؛ أي في حال تصديقي ~~بالتوراة التي أوتيها موسى عليه السلام من قبلي، وفي حال تبشيري ~~برسول من بعدي يأتي اسمه أحمد. # وذلك أن الحواريين قالوا لعيسى عليه السلام: يا روح ~~الله هل من بعدنا من أمة؟ قال: نعم؛ أمة ~~أحمد. قالوا: يا روح الله وما أمة أحمد؟ قال: ~~حكماء علماء أبرار أتقياء؛ كأنهم من الفقه ~~أنبياء، يرضون من الله باليسير من الرزق، ويرضى ~~الله منهم باليسير من العمل، ويدخلهم الجنة ~~ب لا إله إلا الله. # وفي تسمية نبينا عليه السلام أحمد قولان: أحدهما: أن الأنبياء ~~كانوا حمادين لله تعالى، ونبينا صلى الله عليه وسلم أحمد؛ أي ~~أكثر حمدا لله منهم، فيكون معنى أحمد المبالغة في الفاعل. # والثاني: الأنبياء كلهم محمودون، ونبينا عليه السلام أكثر ~~مناقبا للفضائل، فيكون معناه مبالغة من المفعول، يعني إنه يحمد ~~بما فيه من الأخلاق والمحاسن أكثر مما يحمد غيره. # قال صلى الله عليه وسلم: # " إن لي أسماء: أنا أحمد؛ وأنا محمد؛ وأنا الماحي ~~الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي ~~يحشر الناس ms2107 على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس ~~بعدي نبي ". ### || [61.7-8] # قوله تعالى: { ومن أظلم ممن افترى على الله ~~الكذب وهو يدعى إلى الإسلام والله لا يهدي ~~القوم الظالمين * يريدون ليطفئوا نور الله ~~بأفوههم والله متم نوره ولو كره الكفرون ~~}؛ معناه: وأي ظلم من الكفرة ممن افترى على الله الكذب بأن ~~جعل لله شريكا أو ولدا وهو يدعى إلى دين الإسلام، والله يرشده ~~إلى دينه، ومن كان في سابق علمه أنه يموت على الكفر. ### || [61.9] # قوله تعالى: { هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين ~~الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون }؛ أي هو الذي أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم ~~بالقرآن والدعاء إلى دين الحق ليظهره على جميع الأديان، وإن ~~كره المشركون ذلك، فلا تقوم الساعة حتى لا يبقى أهل دين إلا ~~دخلوا في الإسلام وأدوا الجزية إلى المسلمين. # وقوله تعالى قبل هذه الآية { يريدون ليطفئوا نور الله ~~بأفوههم } يريدون ليغلبوا دين الله مع ظهوره وقوته ~~بتكذيبهم بألسنتهم، كمن أراد إطفاء نور الشمس بأخف الأشياء وهو ~~الريح التي يخرجها من فيه { والله متم نوره } أي هداه ~~ومظهر دينه، وغالب أعدائه وناصر أوليائه على عدوهم من الكفار. ### || [61.10] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا هل أدلكم ~~على تجارة تنجيكم من عذاب أليم }؛ أي هل أدلكم على ~~طاعة تخلصكم من عذاب مؤلم. وإنما سميت الطاعة تجارة لأنه ~~يربح عليها الجنة والثواب كما يربح على تجارة الدنيا زيادة ~~المال. ### || [61.11] # قوله تعالى: { تؤمنون بالله ورسوله }؛ تفسير للتجارة ~~المذكورة، وإنما قدم ذكر الإيمان في هذه الآية لأنه رأس ~~الطاعات، وقوله تعالى: { وتجاهدون في سبيل الله ~~بأموالكم وأنفسكم }؛ أي وتجاهدون العدو في طاعة الله ~~بنفقتكم وخروجكم من أنفسكم، وقد تكون الطاعات بالمال دون ~~النفس بأن يجهز غازيا بماله، وقد تكون بالنفس دون المال بأن ~~يجاهد بنفسه بمال غيره. # قوله تعالى: { ذلكم خير لكم }؛ أي التجارة التي ~~دللتكم عليها خير من التجارة في الأموال، { إن كنتم تعلمون ~~}؛ ثواب الله، لأن تلك التجارة تؤدي إلى ربح لا يزول ولا يبيد ms2108 ~~بخلاف التجارة في الأموال في أمور الدنيا. ### || [61.12] # قوله تعالى: { يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار }؛ إنما جزم { يغفر } ~~على المعنى، تقديره: إن فعلتم ذلك يغفر لكم، وقال الزجاج: (هو ~~جواب تؤمنون وتجاهدون؛ لأن معناه الأمر، ~~كأنه قال: آمنوا بالله ورسوله وجاهدوا يغفر ~~لكم). # قوله تعالى: { ومساكن طيبة }؛ المساكن الطيبة هي ~~المنازل التي طيبها الله بالمسك والرياحين، { في جنات ~~عدن }؛ أي في بساتين إقامة، يقال: عدن بالمكان إذا أقام به. ~~وقوله تعالى: { ذلك الفوز العظيم }؛ أي ذلك الذي ذكرت لكم ~~هو التجارة العظيمة، والنعيم المقيم. ### || [61.13] # قوله تعالى: { وأخرى تحبونها }؛ أي ذلكم خصلة ~~أخرى في العاجلة تحبونها مع ثواب الآخرة، وهي الغنيمة والفتح، { ~~نصر من الله }؛ على أعدائكم، { وفتح قريب }؛ أي عاجل ~~يعني فتح مكة، وقيل: فتح عامة البلاد. وقوله تعالى: { ~~وبشر المؤمنين }؛ أي بشرهم بهاتين النعمتين: نعمة ~~العاجل ونعمة الآجل، ومعناه: بشر المؤمنين يا محمد بالنصر ~~في الدنيا والجنة في الآخرة. ### || [61.14] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا كونوا أنصار ~~الله }؛ أي كونوا أنصار دين الله على أعدائه بالسيف ودوموا على ~~ذلك، كما نصر الحواريون عيسى عليه السلام. # وقرئ (أنصار الله) من غير تنوين. والأنصار: جمع ناصر، كصاحب ~~وأصحاب، والحواريون: خلصاء الأنبياء الذين نقوا من كل عيب، ~~ومنه الدقيق الحواري وهو المنقى. # وقوله تعالى: { كما قال عيسى ابن مريم ~~للحواريين من أنصاري إلى الله } أي مع الله كما ~~في قوله تعالى: # ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم # [النساء: 2]. # وقوله تعالى: { قال الحواريون نحن أنصار الله ~~فآمنت طآئفة من بني إسرائيل }؛ أي صدقت جماعة منهم ~~بعيسى، { وكفرت طآئفة }؛ وذلك أنه لما رفع عيسى عليه ~~السلام تفرق قومه ثلاث فرق: # فرقة قالوا كان الله فارتفع، وفرقة قالوا كان ابن الله فرفعه ~~الله، وفرقة قالوا: كان عبد الله ورسوله فرفعه الله إليه وهم ~~المؤمنون. فاتبع كل فريق منهم طائفة من الناس، فاقتتلوا فظهر ~~الفرقتان الكافرتان على المؤمنين حتى بعث محمد صلى الله عليه ~~وسلم فظهرت الفرقة المؤمنة على الكافرة، فذلك قوله ms2109 تعالى: { ~~فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ~~ظاهرين }؛ أي غالبين، والمعنى: فاصبحت حجة من آمن بعيسى ~~ظاهرة بتصديق محمد صلى الله عليه وسلم أن عيسى عبد الله، ~~وكلمته وروحه والتأييد. # وعن الحسن قال: (سألت عمران بن الحصين وأبا ~~هريرة عن تفسير هذه الآية قوله تعالى: { ~~ومساكن طيبة في جنات عدن } ، فقال أبو هريرة: # " سألت عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " ~~قصر من لؤلؤة في الجنة، في ذلك القصر سبعون ~~دارا من ياقوت أحمر، في كل دار سبعون بيتا من ~~زمرد أخضر، في كل بيت سبعون سريرا وسبعون ~~فراشا، على كل فراش امرأة من الحور العين، في كل ~~بيت سبعون مائدة، على كل مائدة سبعون لونا ~~من طعام، يعطي الله المؤمنين من القوة ما يأتي ~~على ذلك كله " ". ### | [62 - سورة الجمعة] ### || [62.1] # { يسبح لله ما في السموت وما في الأرض }؛ ظاهر ~~المعنى، { الملك القدوس العزيز الحكيم }؛ القدوس: ~~المستحق للتعظيم لتنزيه صفاته عن كل نقص، ويقال: معناه: ~~كثير البركة. ### || [62.2] # قوله تعالى: { هو الذي بعث في الأميين رسولا ~~منهم }؛ الأميون هم العرب كلهم، من كتب منهم ومن لم ~~يكتب؛ لأنهم لم يكونوا من أهل الكتاب. وأول ما ظهرت الكتابة ~~في العرب ظهرت في أهل الطائف، تعلموا من الحيرة، وتعلم أهل ~~الحيرة من أهل الأنبار. # وقوله تعالى { رسولا منهم } يعني محمدا صلى الله عليه ~~وسلم نسبه مثل نسبهم وجنسه مثل جنسهم، { يتلوا عليهم ~~آياته }؛ يعني القرآن، { ويزكيهم }؛ أي يطهرهم من ~~الدنس والكفر، فيجعلهم أزكياء بما يأمرهم به من التوحيد ~~ويدعوهم إليه من طاعة، { ويعلمهم الكتاب والحكمة }؛ ~~أي القرآن والعلم، { وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ~~}؛ أي وقد كانوا قبل مجيئه إليهم بالقرآن لفي ظلال مبين، يعبدون ~~الأصنام ويستقسمون بالأزلام. ### || [62.3] # قوله تعالى: { وآخرين منهم لما يلحقوا بهم ~~وهو العزيز الحكيم }؛ معناه: وبعثه في آخرين منهم يعني ~~الأعاجم، والنبي صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى كل من شاهده من ~~العرب والعجم وإلى كل من يأتي منهم بعد ذلك. # وقوله تعالى ms2110 { منهم } لأنهم إذا أسلموا صاروا منهم، والمسلمون ~~كلهم يد واحدة وأمة واحدة وإن اختلف أجناسهم. وقوله تعالى: { ~~لما يلحقوا بهم } في الفضل والسابقة؛ لأن التابعين لا ~~يدركون شأن الصحابة. ### || [62.4] # قوله تعالى: { ذلك فضل الله يؤتيه من يشآء }؛ ~~يعني الإسلام والهداية إلى دينه، وقيل: النبوة والكتاب ~~والإسلام يعطيه الله قريشا ممن يراه أهلا له به، { والله ذو ~~الفضل العظيم }؛ على من اختصه بالنبوة والإسلام، ~~وقيل: ذو المن العظيم على خلقه ببعث محمد صلى الله عليه ~~وسلم. ### || [62.5] # قوله تعالى: { مثل الذين حملوا التوراة ثم ~~لم يحملوها }؛ معناه: مثل اليهود الذين أمروا بما في ~~التوراة، ويظهروا صفة محمد ونعته فيها، ثم لم يفعلوا ~~ما أمروا به ولم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، { كمثل ~~الحمار يحمل أسفارا }؛ أي يحمل كتبا من العلم ~~عظاما لا يدري ما عليه وما حمل. # والأسفار: جمع سفر، وهو الكتاب الكبير، شبة اليهود إذ لم ~~ينتفعوا بما في التوراة وهي دالة على الإيمان بالحمار يحمل ~~كتب العلم، ولا يدري ما فيه، وليس حمل التوراة من الحمل على ~~الظهر، وإنما هو من الحمالة وهو الضمان والكفالة والقبول كما ~~في قوله تعالى # فأبين أن يحملنها # [الأحزاب: 72] أي يقبلنها. فاليهود ضمنوا العمل بها ثم لم ~~يفعلوا بما ضمنوا وجحدوا بعض ما حملوا، فلذلك قيل: { ثم ~~لم يحملوها }. # قوله تعالى: { بئس مثل القوم الذين كذبوا ~~بآيات الله }؛ يعني اليهود كذبوا بالقرآن وبالتوراة حين لم ~~يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، { والله لا يهدي ~~القوم الظالمين }؛ الذين ظلموا أنفسهم بتكذيبهم الأنبياء. ### || [62.6-8] # قوله تعالى: { قل يأيها الذين هادوا إن ~~زعمتم أنكم أوليآء لله من دون الناس ~~فتمنوا الموت إن كنتم صادقين }؛ هذا جواب لليهود في ~~قولهم # نحن أبناء الله وأحباؤه # [المائدة: 18] وقال الله تعالى لنبيه: قل لهم: إن ~~ادعيتم أنكم أحباء الله وأهل ولايته وأن الجنة في الآخرة ~~لكم من دون الناس، فاسألوا الله الموت إن كنتم صادقين في ~~مقالتكم، قولوا: اللهم أمتنا كي تصلوا إلى نعيم الآخرة ~~وتستريحوا من تعقب الدنيا، ms2111 وسيميتكم الله إن قلتم ذلك. # كما روي في الحديث: # " أنه لما نزلت هذه الآية قال لهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم: " قولوا: اللهم أمتنا، فوالذي نفسي ~~بيده، ليس أحد منكم يقول ذلك إلا غص بريقه ~~فمات مكانه " فكرهوا ذلك وأبوا أن يقولوا " # ، وعرفوا أنه سيكون ذلك إن قالوا. فأنزل الله تعالى: ~~{ ولا يتمنونه أبدا بما قدمت أيديهم }؛ أي لا ~~يتمنون ذلك بما قدموا من التكذيب بمحمد صلى الله عليه وسلم، ~~والتحريف لصفته في التوراة. # قوله تعالى: { والله عليم بالظالمين }؛ إخبار عن ~~معلوم الله فيهم، حذرهم الله بقوله: { قل إن الموت الذي ~~تفرون منه فإنه ملاقيكم }؛ أي قل يا محمد ~~لليهود: إن الموت الذي تفرون منه لأن تلقوه فإنه نازل بكم ~~لا محالة عند انقضاء آجالكم، { ثم تردون إلى عالم ~~الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون }؛ ~~من خير أو شر. ### || [62.9] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إذا نودي ~~للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله ~~وذروا البيع }؛ يعني النداء إذا جلس الإمام على المنبر يوم ~~الجمعة؛ لأنه لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نداء ~~سواه، كان إذا جلس على المنبر أذن بلال على باب المسجد، وكذا كان ~~على عهد أبي بكر وعمر. # والنداء المشروع لهذه الصلاة الأذان الثاني يقوله المؤذن عند ~~صعود الإمام المنبر، كما روي عن السائب بن يزيد أنه قال (ما كان ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا مؤذن واحد يؤذن ~~إذا قعد على المنبر، ثم يقيم إذا نزل، ثم أبو ~~بكر كذلك، ثم عمر كذلك، فلما كان في أيام ~~عثمان رضي الله عنه وكثر الناس زاد نداء غيره). # قوله تعالى: { فاسعوا إلى ذكر الله } يعني الذهاب ~~والمشي إلى الصلاة، والسعي: هو إجابة النداء في هذه الآية، ~~والمبادرة إلى الجمعة، وفي قراءة ابن مسعود رضي لله عنه (فامضوا ~~إلى ذكر الله) وكان يقول: (لو أمرت بالسعي لسعيت ~~حتى سقط ردائي). وقيل: السعي هنا هو العمل إذا نودي ~~للصلاة فاعملوا على المعنى إلى ذكر ms2112 الله من التفرغ له ~~والاشتغال بالطهارة والغسل والتوجه إليه بالقصد والنية. # واختلف مشائخنا: هل يجب على الإنسان الإسراع والعدو إذا خاف ~~فوت الجمعة أم لا؟ قال بعضهم: يلزمه ذلك بظاهر النص، بخلاف ~~السعي إلى سائر الجماعات لا يؤمر به وإن خاف الفوت. وقال بعضهم: ~~لا يلزمه ذلك، وليس السعي إلا العمل كما قال تعالى # وأن ليس للإنسان إلا ما سعى # [النجم: 39]. وقال صلى الله عليه وسلم: # " إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، ~~وأتوها وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم ~~فصلوا، وما فاتكم فاقضوا " # ، وهذا عام في جميع الصلوات. # قال بعضهم: فاسعوا إلى ذكر الله، يعني الصلاة مع الإمام، وذلك ~~هو المراد بذكر الله. وقال بعضهم: هي الخطبة لأنها تلي النداء، ~~عن أبي بكر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من اغتسل يوم الجمعة خرجت ذنوبه وخطاياه، ~~فإذا راح كتب الله له بكل قدم عمل عشرين سنة، ~~فإذا قضيت الصلاة أجيز بعمل مائتي سنة ". # وعن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " من اغتسل يوم الجمعة فأحسن غسله، ولبس من ~~صالح ثيابه، ومس من طيب بيته أو دهنه، ثم لم ~~يفرق ما بين اثنين، غفر الله له ما بينه ~~وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام بعدها ~~". # وعن أنس رضي الله عنه: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في جمعة من ~~الجمع: " يا معشر المسلمين، إن هذا يوما جعله ~~الله عيدا للمسلمين فاغتسلوا فيه، ومن كان ~~عنده طيب فلا يضره أن يمس منه، وعليكم ~~بالسواك " ". # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ليلة أسري بي رأيت تحت العرش سبعين مدينة، ~~كل مدينة مثل دنياكم هذه سبعين مرة ~~مملوءة من الملائكة، يسبحون الله ويقدسونه، ~~ويقولون في تسبيحهم: اللهم اغفر لمن شهد ~~الجمعة، اللهم اغفر لمن اغتسل يوم الجمعة ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن يوم الجمعة وليلتها أربع وعشرون ساعة، ~~لله تعالى في كل ساعة ستمائة ألف عتيق من ~~النار ". # وقال صلى ms2113 الله عليه وسلم: # " لعل أحدكم يتخذ الضيعة على رأس ميل أو ~~ميلين وثلاثة، تأتي عليه الجمعة فلا يشهدها، ~~ثم تأتي الجمعة فلا يشهدها، ثم تأتي عليه ~~الجمعة فلا يشهدها، فيطبع على قلبه ". # وقال صلى الله عليه وسلم في الجمعة: # " من تركها استخفافا بها أو جحودا لها، فلا جمع ~~الله شمله ولا بارك له في أمره، ألا فلا صلاة ~~له، ألا فلا زكاة له، ألا فلا صيام له، ألا فلا ~~حج له، إلا أن يتوب عليه، فإن تاب، تاب الله ~~عليه ". # قوله تعالى: { وذروا البيع } قال الحسن: (إذا أذن ~~المؤذن يوم الجمعة لم يحل الشراء ولا ~~البيع، فمن باع تلك الساعة فقد خالف الأمر، ~~وبيعه منعقد) لأنه نهي تنزيه لقوله تعالى: { ذلكم ~~خير لكم }؛ وهذا على الترغيب في ترك البيع، { إن كنتم ~~تعلمون }؛ ما هو خير لكم وأصلح. # قرأ العامة (من يوم الجمعة) بضمتين، وقرأ الأعمش بجزم ~~الميم وهما لغتان، قال الفراء: (وفيها لغة ثالثة: جمعة ~~بفتح الميم كما يقال: رجل ضحكة وهمزة ~~ولمزة، وهي لغة بني عقيل). # وإنما سمي هذا اليوم جمعة لما روي عن سلمان قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " سميت الجمعة جمعة لأن آدم جمع فيها خلقه ~~" # وقيل: إن الله تعالى فرغ فيه من خلق المخلوقات. وقيل: ~~تجتمع الجماعات فيها. وقيل: لاجتماع الناس فيها للصلاة. ~~وقيل: أول من سماها جمعة كعب بن لؤي، وكان يقال ليوم ~~الجمعة: العروبة. وقيل: أول من سماها جمعة الأنصار. ### || [62.10] # قوله تعالى: { فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في ~~الأرض }؛ أي إذا فرغتم من الصلاة فانتشروا في الأرض، هذا أمر ~~إباحة، قال ابن عباس: (إن شئت فاخرج، وإن شئت فصل ~~إلى العصر، وإن شئت فاقعد). وكذلك قوله تعالى: { ~~وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا ~~لعلكم تفلحون }؛ إباحة لطلب الرزق والتجارة والبيع بعد ~~المنع. # وعن ابن عباس قال: (لم تؤمروا في هذه الآية بطلب ~~شيء من الدنيا، ولكن عيادة مريض وحضور جنازة ~~وزيارة أخ في الله تعالى). وقال الحسن: ( { وابتغوا من ~~فضل ms2114 الله } يعني طلب العلم). والقول الأول أظهر. # واختلف العلماء في موضع وجوب الجمعة، وعلى من تجب، وكم يشترط ~~له الجماعة؟ فقال أبو حنيفة: (لا تجب الجمعة إلا في مصر ~~جامع لقوله عليه السلام: # " لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع " # ولا تصح في القرى، ولا تجب على السواد ولو ~~قربت من المصر، إلا إذا كانت متصلة به). # وقال الشافعي: (تجب الجمعة على أهل السواد إذا ~~سمعوا النداء من المصر، ووقت اعتبار سماع ~~الأذان أن يكون المؤذن صيتا، والأصوات هادئة ~~والريح ساكنة). # وقال ابن عمرو وأبو هريرة وأنس: (تجب على كل من كان على ~~عشرة أميال من المصر). وقال سعيد بن المسيب: (تجب ~~على من كان دون المبيت). وقال الزهري: (على ستة ~~أميال)، وقال ربيعة: (أربعة أميال)، وقال مالك: (ثلاثة ~~أميال). # وعند الشافعي: (تجب الجمعة في كل قرية اجتمع ~~فيها أربعون رجلا أحرارا بالغين، لا يظعنون ~~عنها شتاء ولا صيفا إلا ظعن حاجة، فإذا كان ~~كذلك وجب عليهم إقامة الجمعة. وإن كان أقل ~~من ذلك، وكان بقربها موضع تقام فيه الجمعة، ~~فعليهم الحضور فيه للجمعة إذا كانوا بحيث ~~يسمعون النداء). وقال مالك: (إذا كانت القرية فيها ~~سوق ومسجد وجب عليهم إقامة الجمعة). # وأما أهل الوجوب، فتجب الجمعة على كل مسلم إلا على أربعة: عبد؛ ~~أو مريض؛ أو مسافر؛ أو امرأة، فمن استغنى عنها بلهو أو تجارة ~~استغنى الله عنه، والله غني حميد. # وأما العدد الذين تنعقد بهم الجمعة، فقال الحسن: (تنعقد ~~باثنين)، وقال أبو يوسف والليث بن سعد: (بثلاثة)، وقال أبو ~~حنيفة ومحمد وسفيان: (بأربعة)، وقال ربيعة: (باثني عشر)، ~~وقال الشافعي: (لا تنعقد إلا بأربعين). ### || [62.11] # قوله تعالى: { وإذا رأوا تجارة أو لهوا ~~انفضوا إليها وتركوك قآئما }؛ قال الحسن: # " أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر، فقدم ~~دحية بن خليفة الكلبي من الشام بتجارة، وكان ~~يقدم المدينة بكل ما يحتاج إليه من دقيق ~~وبر وغيره، فينزل في سوق المدينة ويضرب ~~الطبل ليعلم الناس بقدومه، فيخرجون إليه ~~ليبتاعوا منه. # فقدم ذات يوم ms2115 جمعة - وكان قبل إسلامه - ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قائم يخطب على المنبر، فضرب ~~الطبل فخرج الناس من المسجد، ولم يبق إلا ~~ثمانية رهط ثبتوا مع النبي صلى الله عليه وسلم - ~~وقيل: بقي اثنى عشر رجلا وامرأة - فقال صلى الله ~~عليه وسلم: " لو لحق آخرهم أولهم لالتهب الوادي ~~عليهم نارا " فأنزل الله هذه الآية ". # وقوله تعالى { انفضوا إليها } أي تفرقوا بالخروج إليها { ~~وتركوك قآئما } على المنبر تخطب. وفي هذا دليل على وجوب ~~استماع الخطبة؛ لأن الله تعالى عاتبهم على ترك الاستماع، ولو ~~لم يكن فرضا لم يعاتبوا على ذلك. # ويستدل من هذه الآية على أن من السنة أن يخطب الإمام ~~قائما. والكناية في قوله تعالى: { إليها } راجعة إلى التجارة ~~دون اللهو، وإنما خصت التجارة برد الضمير إليها؛ لأنها ~~كانت أهم إليهم لأن السنة كانت سنة مجاعة وغلاء سعر. # قوله تعالى: { قل ما عند الله خير من اللهو ~~ومن التجارة }؛ معناه: ما عند الله من ثواب الصلاة والثبات ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم خير من اللهو ومن التجارة، { ~~والله خير الرازقين }؛ أي ليس يفوتهم من أرزاقهم ~~لتخلفهم عن الميرة شيء، ولا بتركهم البيع في وقت الصلاة. ### | [63 - سورة المنافقون] ### || [63.1] # { إذا جآءك المنافقون }؛ معناه: إذا جاءك يا محمد ~~منافقوا أهل المدينة عبدالله بن أبي وأصحابه، { قالوا ~~نشهد إنك لرسول الله } ، قالوا: نقسم إنك لرسول ~~الله، وعلى ذلك ضميرنا واعتقادنا، { والله يعلم إنك ~~لرسوله } ، من غير شهادة المنافقين وحلفهم { والله يشهد ~~إن المنافقين لكاذبون }؛ أي والله يخبر أن المنافقين ~~لكاذبون فيما يعتقدونه بقلوبهم وما يقولون بألسنتهم، فهم ~~كاذبون في إخبارهم عما في ضمائرهم، فأما شهادتهم بألسنتهم أنه ~~رسول الله فقد كانت صدقا. ### || [63.2] # قوله تعالى: { اتخذوا أيمانهم جنة }؛ أي ~~سترة يدفعون بها عن أنفسهم السبي والقتل والجزية كمن أعد على ~~نفسه جنة لدفع الجراح. قوله تعالى: { فصدوا عن ~~سبيل الله }؛ أي منعوا الناس عن طاعة الله وامتنعوا عنها، { ~~إنهم سآء ما كانوا يعملون }؛ في نفاقهم من الكذب ~~والخيانة. # وفي هذه ms2116 الآية دليل أن قول الرجل: أشهد، يمين؛ لأن القوم ~~قالوا (نشهد) فجعله الله يمينا في هذه الآية، وعلى هذا أقسم ~~وأعزم وأحلف، كلها إيمان عند أبي حنيفة وصاحبيه، والثوري ~~والأوزاعي. # وقال مالك: (إن أراد به اليمين فهو يمين)، وقال ~~الشافعي: (أقسم ليس بيمين وأقسم بالله يمين). وفي ~~قراءة الحسن (اتخذوا إيمانهم) بكسر الألف، أي إنا مؤمنون، ~~اتخذوه تقية عن القتل. ### || [63.3] # قوله تعالى: { ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا ~~فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون }؛ أي ذلك الحكم ~~بنفاقهم، ويقال: ذلك الصد بأنهم كانوا مؤمنين في العلانية ~~بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا عادوا إلى قومهم ثبتوا على ~~الكفر في السر، فأورث ذلك طبعا على قلوبهم فهم لا يفقهون ~~الإيمان والقرآن، ولا يعون ما يوعظون به. ### || [63.4] # قوله تعالى: { وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن ~~يقولوا تسمع لقولهم }؛ أي في صحة أجسامهم وحسن ~~منظرهم؛ لأنهم يكونون على صورة حسنة، وكان عبدالله بن أبي ~~رجلا فصيحا لسنا، وكانوا إذا قالوا شيئا أصغى النبي صلى ~~الله عليه وسلم لحسن كلامهم، ولهذا أدخلت اللام في { تسمع ~~لقولهم } ، ويجوز أن يكون معناه: إلى قولهم. # قوله تعالى: { كأنهم خشب مسندة }؛ فيه بيان في ~~ترك التفهم والاستبصار بمنزلة الخشب المسندة إلى الجدار، ~~لا ينتفع إلا بالنظر إليها، والخشب لا أرواح فيها ولا تعقل ولا ~~تفهم، وكذلك المنافقون لا يسمعون الإيمان ولا يعقلونه. ~~و(المسندة) الممالة إلى الجدار، ويقرأ (خشب، وخشب) ~~بجزم الشين، ومنها. # قوله تعالى: { يحسبون كل صيحة عليهم }؛ أي ~~يظنون من الجبن والخوف أن كل من خاطب النبي صلى الله ~~عليه وسلم فإنما يخاطبه في أمرهم وكشف نفاقهم. ويقال: لا يسمعون ~~صوتا إلا ظنوا أن قد أتوا (فإذا نادى مناد في العسكر، ~~وانفلتت دابة، أو أنشدت ضالة، ظنوا أنهم يرادون مما في ~~قلوبهم من الرعب) أن يكشف الله أسرارهم. # قوله تعالى: { هم العدو }؛ ابتداء كلام، والمعنى: هم ~~على الحقيقة العدو الأدنى إليك، { فاحذرهم }؛ يا محمد ~~ولا تأمنهم وإن أظهروا أنهم معك، ولا تطلعهم على سرك ~~كأنهم عيون ms2117 لأعدائك من الكفار. # قوله تعالى: { قاتلهم الله أنى يؤفكون }؛ أي ~~لعنهم الله وأخزاهم وأحلهم محل من يقاتله عدوا قاهرا له، ~~{ أنى يؤفكون } أي يصرفون من الحق إلى الباطل. ### || [63.5] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم ~~رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم ~~مستكبرون }؛ أي إذا قيل لهؤلاء المنافقين بعد ما افتضحوا: ~~هلموا إلى رسول الله يستغفر لكم ذنوبكم، عطفوا رؤوسهم ~~استهزاء به ورغبة عن الاستغفار، ورأيتهم يصدون عن الاستغفار وعن طلب ~~المغفرة. # ومعنى { يصدون } أي يمتنعون، ويمنعون غيرهم عن طلب ~~المغفرة، وهم مستكبرون عن استغفار رسول الله لهم وعن قبول الحق. ~~وذلك: أن عبدالله بن أبي لما رجع من أحد بكثير ~~من الناس مقته المسلمون وعنفوه، فقال له بنوا ~~أبيه؛ إئت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يستغفر ~~لك، قال: لا أذهب إليه ولا أريد أن يستغفر لي. ~~ومن قرأ (لووا) بالتخفيف فهو من لوى يلوي إذا صرف الشيء ~~وقلبه. ### || [63.6-8] # قوله تعالى: { سوآء عليهم أستغفرت لهم أم لم ~~تستغفر لهم }؛ أي سواء عليهم الاستغفار وتركه، { لن ~~يغفر الله لهم إن الله لا يهدي القوم ~~الفسقين }؛ لإبطانهم الكفر. وهذا في قوم مخصوصين علم ~~الله أنهم لا يؤمنون فلم يستغفر لهم النبي صلى الله عليه وسلم، { ~~هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول ~~الله حتى ينفضوا }. # " وذلك: أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا ~~نزولا على الماء في غزوة بني المصطلق، إذ وقع ~~بين غلام لعمر رضي الله عنه من بني غفار يقال له: ~~جهجاه بن سعيد يقود لعمر فرسه وبين غلام ~~لعبدالله بن أبي سلول يقال له: سنان الجهني، ~~فأقبل جهجاه يقود فرس عمر فازدحم هو وسنان ~~على الماء فاقتتلا، فصرخ سنان: يا معشر ~~الأنصار، وصرخ الغفاري: يا معشر المهاجرين. ~~فاشتبك الناس وعلت الأصوات. # فقال عبدالله بن أبي: ما أدخلنا هؤلاء القوم ~~في ديارنا إلا ليركبوا أعناقنا، والله ما مثلنا ~~ومثلهم إلا كما يقول القائل: سمن كلبك ~~يأكلك! أما والله لئن رجعنا إلى ms2118 المدينة ~~ليخرجن الأعز منها الأذل، يعني الأعز نفسه ~~والأذل رسول الله صلى الله عليه وسلم! ثم أقبل على من ~~حضره من قومه فقال: هذا ما فعلتموه لنفسكم ~~أحللتموهم بلادكم، قاسمتموهم أموالكم، أما ~~والله لو أمسكتم طعامكم ومنعتم أصحاب هذا ~~الرجل الطعام لتفرقوا عنه ورجعوا إلى ~~عشائرهم، وتحولوا عن بلادهم، فلا تنفقوا ~~عليهم حتى ينفضوا؛ أي يتفرقوا من حول ~~محمد. # فسمع زيد بن أرقم كلامه، فقال: والله أنت ~~الذليل البغيض، القليل المبغوض في قومك، ومحمد ~~صلى الله عليه وسلم في عز الرحمن وعزة من ~~المسلمين: ثم ذهب زيد إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وأخبره بذلك وعنده عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~فقال: دعني أضرب عنقه يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إذ ترعد له أنف كثير بيثرب. فقال عمر: فإن ~~كرهت يا رسول الله أن يقتله رجل من المهاجرين، ~~فمر سعد بن معاذ أو محمد بن مسلمة أو عباد ~~بن بشر فليقتلوه. # فقال صلى الله عليه وسلم: " فكيف يا عمر إذا تحدث ~~الناس أن محمدا يقتل أصحابه؟ لا ولكن أذن ~~بالرحيل " وذلك في ساعة لم يكن يرتحل فيها، ~~فارتحل الناس، فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى ~~عبدالله بن أبي فأتاه، فقال له: " أنت صاحب هذا ~~الكلام الذي بلغني؟ " فقال: والذي أنزل عليك ~~الكتاب ما قلت شيئا من ذلك، وإن زيدا لكاذب. # وكان عبدالله بن أبي في قومه شريفا عظيما، ~~فقال من حضر من الأنصار: يا رسول الله شيخنا ~~وكبيرنا عبدالله بن أبي، لا تصدق عليه كلام ~~صبي من غلمان الأنصار، عسى أن يكون هذا الصبي ~~وهم في حديثه ولم يحفظ ما قال، فعذره النبي ~~صلى الله عليه وسلم. وفشت الملامة من الأنصار لزيد ~~وكذبوه، فقال له عمه: ما أردت يا ولد إلا أن ~~كذبك رسول الله والناس ومقتوك. وكان زيد يساير ~~النبي صلى الله عليه وسلم فاستحى بعد ذلك أن يدنو من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # وبلغ ولد عبدالله بن أبي ما كان من ms2119 أمر أبيه، ~~فأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول ~~الله بلغني أنك تريد قتل عبدالله بن أبي لما ~~بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرني فأنا أحمل ~~إليك دأبته، وإني أخشى أن تأمر به غيري ~~فيقتله، فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتله ~~يمشي بين الناس، فأخاف أن أقتله فأقتل مؤمنا ~~بكافر فأدخل النار، فقال صلى الله عليه وسلم: " بل ~~ترفق به وتحسن صحبته ما بقي معنا ". # وكذلك جاء أسيد بن حضير إلى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: يا رسول الله لقد كنت في ساعة لم يكن ~~يمشى فيها، فقال له: " أوما بلغك ما قال صاحبك؟ ~~زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز ~~منها الأذل " فقال أسيد: بل أنت والله يا رسول ~~الله تخرجه إن شئت، هو والله الذليل وأنت ~~العزيز، فوالله يا رسول الله لقد جاء الله بك، وإن ~~قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه، فهو يرى ~~أنك سلبته ملكه. # ثم سار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وافى المدينة، فأنزل ~~الله هذه الآية { هم الذين يقولون لا تنفقوا على ~~من عند رسول الله حتى ينفضوا } الآية إلى قوله: { ~~ولله خزآئن السموت والأرض ولكن ~~المنافقين لا يفقهون * يقولون لئن رجعنآ إلى ~~المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل }؛ فأخذ ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذن زيد فقال: " يا زيد ~~إن الله صدقك ". # وكان عبدالله بن أبي بقرب المدينة، فلما أراد ~~أن يدخلها جاء ابنه عبدالله حتى أناخ على ~~مجامع طرق المدينة ومنع أباه أن يدخلها، فقال ~~له: ما لك؟ قال: ويلك! والله لا تدخلها أبدا إلا ~~أن يأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولتعلمن ~~اليوم من الأعز ومن الأذل. # فشكا عبدالله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منع ~~ابنه، فأرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم: " أن دعه ~~يدخل " فقال: أما إذا جاء أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فنعم. فلبث بعد أن دخل أياما قلائل ثم ~~مرض ومات ". # قوله ms2120 تعالى: { ولله خزآئن السموت والأرض } ~~أي هو الرزاق لهؤلاء المهاجرين لا هو؛ لأن خزائن السماوات ~~والأرض المطر والنبات، وهما لله فلا يقدر أحد أن يعطي شيئا ~~إلا بإذنه ولا يمنعه شيئا وبمشيئته { ولكن المنافقين ~~لا يفقهون } إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون. # وقال الجنيد: (خزائن السماوات الغيب، وخزائن ~~الأرض القلوب، وهو علام الغيوب مقلب القلوب). ~~وقال رجل لحاتم الأصم: (من أين تأكل؟ فقال: { ولله خزآئن ~~السموت والأرض } ). # قوله تعالى: { يقولون لئن رجعنآ إلى المدينة } ~~يعني من هذه الغزوة وهي غزوة بني المصطلق حي من هذيل، { ~~ليخرجن الأعز منها الأذل } قد ذكرنا قائل هذه المقالة ~~وهو عبدالله بن أبي. # قيل: إن إبنه عبدالله قال له: أنت والله الأذل ~~ورسول الله صلى الله عليه وسلم الأعز. وكان عبدالله بن أبي ~~يعني بالأعز نفسه، فرد الله عليه فقال: { ولله العزة ~~ولرسوله وللمؤمنين }؛ فعزة الله تعالى بقهره لخلقه، ~~ولرسوله بإظهار دينه على الأديان كلها، وعزة المؤمنين نصره ~~إياهم على أعدائهم فهم ظاهرون. وقوله تعالى: { ولكن ~~المنافقين لا يعلمون }؛ ولو علموا ما قالوا هذه المقالة. ### || [63.9] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا لا تلهكم ~~أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله }؛ أي لا ~~تشغلكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله، يعني الصلاة ~~المفروضة، والمعنى: لا تشغلكم كثرة أموالكم وحفظها وتنميتها، ولا ~~تربية الأولاد وإصلاح حالهم عن طاعة الله وعن الصلاة. # قوله تعالى: { ومن يفعل ذلك فأولئك هم ~~الخاسرون }؛ أي ومن ينشغل بالمال والأولاد عن طاعة الله ~~فأولئك هم المغبونون لذهاب الدنيا والآخرة عنهم، وهلاك أنفسهم ~~التي هي رأس مالهم. ### || [63.10] # قوله تعالى: { وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل ~~أن يأتي أحدكم الموت }؛ معناه: وأنفقوا الأموال في ~~الزكاة والجهاد وغيرهما من الحقوق الواجبة من قبل أن يأتي أحدكم ~~الموت فيعلم أنه ميت، { فيقول رب لولا أخرتني إلى ~~أجل قريب فأصدق }؛ في الدنيا؛ أي يتمنى القليل من ~~التأخير ليتصدق به ويكون من الصالحين بالتلافي والتوبة واستئناف ~~العمل الصالح، ولا ينفعه تمنيه عند ذلك، والمعنى: إنه ms2121 يستزيد في ~~أجله حتى يتصدق ويزكي. # قوله تعالى: { وأكن من الصالحين }؛ قيل: إن ~~معناه وأحج، عن ابن عباس. وقوله: { وأكن من الصالحين } ~~على قراءة من جزم عطفه على موضع { فأصدق } لأنه على معنى ~~إن أخرجتني أصدق وأكن، ولولا الفاء لكان فأصدق مجزوم، ~~ومن قرأ (وأكون) فهو عطف على لفظ { فأصدق }. وانتصب قوله ~~تعالى { فأصدق } لأنه جواب التمني، فالفاء وأصله: ~~فأتصدق. ### || [63.11] # قوله تعالى: { ولن يؤخر الله نفسا إذا جآء ~~أجلهآ }؛ أي لا يؤخرها عن الموت إذا جاء وقت إهلاكها، { ~~والله خبير بما تعملون }؛ من الخير والشر، وبمن أخر ~~في أجله أنه يتوب أو لا يتوب. ### | [64 - سورة التغابن] ### || [64.1-2] # { يسبح لله ما في السموت وما في الأرض }؛ قد ~~تقدم تفسيره، وقوله: { له الملك وله الحمد }؛ أي له ~~الملك الدائم الذي لا يزول، وله الحمد في السماوات والأرض، { ~~وهو على كل شيء }؛ من أمور الدنيا والآخرة، { قدير }. ~~قوله تعالى: { هو الذي خلقكم فمنكم كافر ~~ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير }؛ ظاهر ~~المعنى. ### || [64.3-4] # قوله تعالى: { خلق السموت والأرض بالحق ~~وصوركم فأحسن صوركم }؛ أي صوركم في أرحام ~~الأمهات، فجعل صوركم أحسن من صور سائر الحيوانات، { وإليه ~~المصير }؛ في الآخرة، وباقي الآيتين، { يعلم ما في ~~السموت والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون ~~والله عليم بذات الصدور }؛ ظاهر المعنى. ### || [64.5-6] # قوله تعالى: { ألم يأتكم نبأ الذين كفروا من ~~قبل فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم }؛ أي ~~ألم يأتكم خبر الذين كفروا من قبلكم من الأمم الخالية كيف ~~أذاقهم الله عقوبة تكذيبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب. ~~جميع، { ذلك }؛ العذاب، { بأنه كانت تأتيهم رسلهم ~~بالبينات }؛ أي بالمعجزات، { فقالوا أبشر يهدوننا ~~}؛ فقالوا آدمي مثلنا يدعونا إلى خلاف دين آبائنا، { ~~فكفروا }؛ بالكتب والرسل وأعرضوا عن القبول منهم، { ~~وتولوا واستغنى الله }؛ عن إيمانهم وطاعتهم، { ~~والله غني }؛ عن أفعال العباد، { حميد }؛ في إنعامه عليهم. # ومعنى قوله { وبال أمرهم } أصل الوبال من الثقل، ~~يقال: أمر وبيل؛ أي ثقيل، يسمى جزاء المعصية وبالا لثقله. ### || [64.7-8] # قوله تعالى: { زعم الذين كفروا ms2122 أن لن يبعثوا ~~}؛ أي قال كفار مكة قولا بالظن غير يقين أنهم لا يبعثون بعد ~~الموت، { قل }؛ لهم يا محمد: { بلى وربي لتبعثن }؛ ~~بعد الموت، { ثم لتنبؤن بما عملتم }؛ في الدنيا { ~~وذلك }؛ الجزاء والبعث، { على الله يسير }؛ أي سهل هين، ~~{ فآمنوا }؛ يا أهل مكة، { بالله ورسوله }؛ محمد ~~صلى الله عليه وسلم، { والنور الذي أنزلنا }؛ يعني القرآن، { ~~والله بما تعملون خبير }. ### || [64.9-10] # قوله تعالى: { يوم يجمعكم ليوم الجمع }؛ يعني ~~يوم القيامة يجمع فيه الأولون والآخرون، { ذلك يوم ~~التغابن }؛ يغبن فيه أهل الحق أهل الباطل، وأهل الإيمان ~~أهل الكفر، فلا غبن أبين منه، هؤلاء يدخلون الجنة وهؤلاء ~~يدخلون النار. والغبن: فوت الحظ والمراد. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " ما من مؤمن يدخل الجنة إلا وقد رأى مقعده ~~من النار لو أساء ليزداد شكرا. وما من عبد ~~كافر يدخل النار إلا وقد رأى مقعده من الجنة ~~لو أحسن ليزداد حسرة ". # فالمغبون من غبن أهله ومنازله من الجنة، ويظهر يومئذ ~~غبن كل كافر بترك الإيمان، وغبن كل كافر بتقصيره في الأحسن ~~وتضييعه الأيام. { ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا ~~يكفر عنه سيئاته ويدخله جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا ذلك الفوز ~~العظيم * والذين كفروا وكذبوا بآيتنآ ~~أولئك أصحب النار خلدين فيها وبئس المصير ~~}. ### || [64.11-13] # قوله تعالى: { مآ أصاب من مصيبة إلا بإذن ~~الله }؛ أي ما أصاب أحدا في البدن والأهل والمال إلا بعلم الله ~~وقضائه، { ومن يؤمن بالله }؛ أي من يصدق بأن المصيبة من ~~الله، { يهد قلبه } ، للرضا والصبر، ويقال: يوفقه ~~للاسترجاع. # وقرأ السلمي: (يهد قلبه) على ما لم يسم فاعله، ~~وقرأ طلحة بن مصرف بالهمز والرفع في قوله (يهدئ قلبه) على ~~معنى يسكن قلبه. { والله بكل شيء عليم * ~~وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن توليتم ~~فإنما على رسولنا البلاغ المبين * الله لا ~~إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون }. ### || [64.14] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا إن من ~~أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم }؛ وذلك ~~أن الرجل كان لا يستطيع أن يهاجر ms2123 مع أزواجه وأولاده، وكان إذا ~~أراد أن يهاجر بنفسه تعلقت به امرأته وأولاده وقالوا له: إلى من ~~تدعنا؟ ننشدك الله أن تجلس وتدع الهجرة، فأنزل الله هذه ~~الآية بالمدينة، ينهاهم عن ذلك ويحذرهم طاعة الأزواج والأولاد ~~في معصية الله، وذلك قوله تعالى: { إن من أزواجكم ~~وأولادكم عدوا لكم }. # ودخول (من) هنا يدل على أنه ليس جميع الأزواج والأولاد عدوا، ~~وإنما منهم من يحب هلاككم ليرث مالكم، وأي عدو أعدى ممن ~~يحب موتك لمنفعة نفسه، ومنهم من يحملوكم على أن تعصوا الله ~~بأخذ غير الواجب، ويمنع الواجب لمنفعة ترجع إليهم، ومعنى قوله ~~تعالى { فاحذروهم } أي فاحذروا أن تطيعوهم وتدعوا الهجرة. # قوله تعالى: { وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا ~~فإن الله غفور رحيم } وذلك أن الرجل كان إذا أراد ~~الجهاد والهجرة عرض على امرأته وقرائبه إذا أبوا عليه أقسم أن ~~لا ينفق عليهم، فإذا عاد كف عن النفقة ليمينه، فقيل لهم: { ~~وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا } أي وإن تعفوا عنهم ~~وتجاوزوا عن صدهم إياكم، وتغفروا ذنوبهم بعد ما رجعتم وبعد ~~ما اجتمعتم في دار الهجرة، ولم تكافؤوهم عن سوء ما فعلوه، { ~~فإن الله غفور رحيم } يغفر لكم كذلك كثيرا من ذنوبكم. # وقيل: معنى الآية: إن الرجل من هؤلاء إذا رأى الناس قد سبقوه ~~إلى الهجرة وتفقهوا في الدين هم أن يعاقب زوجته وأولاده ~~الذين يبطئونه عن الهجرة، وإن لحقوا به في الهجرة لم ينفق ~~عليهم، فأنزل الله تعالى { وإن تعفوا وتصفحوا ~~وتغفروا فإن الله غفور رحيم }. ### || [64.15] # قوله تعالى: { إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة ~~}؛ أي بلاء وشغل عن الآخرة، والإنسان بسبب المال والولد يقع في ~~العظائم ويتناول الحرام إلا من عصمه الله، { والله عنده ~~أجر عظيم }؛ إن لم يشغله ماله وولده عن طاعة الله. # وعن بريدة قال: # " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب فجاء الحسن ~~والحسين وعليهما قميصان أحمران يمشيان ~~ويعثران، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~المنبر، فحملهما فوضعهما بين يديه، ثم قال: ~~" صدق الله عز وجل { إنمآ أموالكم وأولادكم ~~فتنة ms2124 } نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ~~ويعثران، فلم أصبر عنهما حتى قطعت حديثي ~~ورفعتهما " ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~خطبته ". ### || [64.16] # قوله تعالى: { فاتقوا الله ما استطعتم }؛ أي ~~اتقوا الله جهدكم وقدروا سعيكم باجتناب محارمه وأداء فرائضه ~~وجميع طاعاته، { واسمعوا }؛ ما تؤمرون به، { وأطيعوا }؛ ~~أمر رسوله، { وأنفقوا }؛ من أموالكم في طاعة الله يكن ذلك، { ~~خيرا لأنفسكم }؛ لأن نفع الآخرة أعظم، ويقال: الخير ها ~~هنا المال، كأنه قال: أنفقوا مالا من أموالكم، وهذه الآية ~~نسخت قوله تعالى: # اتقوا الله حق تقاته # [آل عمران: 102]. # وقوله تعالى: { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون }؛ أي من يدفع عنه بخل نفسه فأولئك هم ~~المزكون لطلبتهم. والشح الذي في اللغة: منع الواجب، ومن ~~الشح أن يعمد الرجل إلى مال غيره فيأكله. ### || [64.17-18] # قوله تعالى: { إن تقرضوا الله قرضا حسنا ~~يضاعفه لكم ويغفر لكم }؛ معناه: إن تعطوا في الصدقة ~~مالا عن حسبة صادقة من قلوبكم، يقبله منكم ويضاعفه لكم ~~ويغفر لكم ذنوبكم، { والله شكور }؛ يقبل اليسير ويعطي ~~الجزيل من الثواب، { حليم }؛ لا يعجل بالعقوبة على من بخل ~~بالصدقة، واستحق العقوبة على ذنوبه، { عالم الغيب ~~والشهادة }؛ أي يعلم ما تكنه صدوركم مما لا تعلمه ~~الحفظة، ويعلم كل ما ظهر مما سقط من ورقة، وما قطر من قطر ~~المطر، وهو، { العزيز }؛ في ملكه وسلطانه، { الحكيم }؛ في ~~أمره وقضائه. ### | [65 - سورة الطلاق] ### || [65.1] # { يأيها النبي إذا طلقتم النسآء فطلقوهن ~~لعدتهن }؛ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون ~~داخلون فيه؛ لأن خطاب الرئيس خطاب للأتباع، خصوصا إذا كانوا ~~مأمورين بالاقتداء به، والمعنى: يا أيها النبي إذا أردت أنت ~~وأمتك الطلاق، فطلقوا النساء لعدتهن، وهذا كقوله تعالى # يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة # [المائدة: 6] أي أردتم القيام. # والطلاق للعدة هو أن يطلقها في طهر لم يمسها فيه، لما روي # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين سئل عن ~~الطلاق: " طلقها طاهرا من غير جماع، أو حاملا ~~قد استبان حملها " " # ويقال في معنى الطلاق للعدة: أن ms2125 يفرق الطلاق الثلاث على ~~أطهار العدة، فيطلقها في كل طهر لم يمسها فيه تطليقة. # والطلاق السني: أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، فقد روي: # " أن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما طلق ~~امرأته وهي حائض، فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر وتحيض عنده ~~حيضة أخرى، ثم تطهر من حيضتها، فإذا أراد أن ~~يطلقها فليطلقها حين تطهر قبل أن يجامعها " # فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء. # والطلاق البدعي: أن يقع في حال الحيض، أو في طهر قد جامعها ~~فيه، وهو واقع وصاحبه آثم، وروي: # " أن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض، فذكر عمر ~~ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: " مره ~~فليراجعها، فإذا طهرت فليطلقها إن شاء " قلت: ~~ويحتسب لها؟ قال: " فمه؟ " ". # قوله تعالى: { وأحصوا العدة }؛ إنما أمر بإحصاء ~~العدة لتوزيع الطلاق على الأطهار، والمعنى بذلك: أحصوا عدة ~~المطلقات لما تريدون من رجعة أو تسريح، فإذا حاضت المعتدة ~~حيضة وطهرت، فأراد الزوج أن يطلقها ثانية قبل أن تحيض، فإذا ~~حاضت وطهرت طلقها أخرى إن شاء، فتبين الثلاث وقد بقي من ~~عدتها حيضة. # قوله تعالى: { واتقوا الله ربكم }؛ أي اتقوه في ~~النساء إذا طلقتموهن واحدة أو اثنتين أو ثلاثا، { لا ~~تخرجوهن من بيوتهن }؛ التي طلقتموهن فيها، وهي بيوت ~~أزواجهن، والمعنى: اتقوا الله فلا تعصوه فيما أمركم به، فلا ~~يجوز للزوج أن يخرج المطلقة المعتدة من مسكنه الذي كان ~~يساكنها فيه قبل الطلاق. # قوله تعالى: { ولا يخرجن إلا أن يأتين ~~بفاحشة مبينة }؛ أي ولا يخرجن من قبل أنفسهن حتى ~~تنقضي عدتهن، ولهذا لا يباح لها السفر في العدة، ولا يباح لها ~~التزوج وإن أذن لها الزوج. وأما المنكوحة فيجوز لها الخروج من ~~المنزل بإذن الزوج. # قوله تعالى: { إلا أن يأتين بفاحشة مبينة } أي لا ~~يخرجن إلا أن يكون خروجهن معصية، وقال الحسن: (معناه: إلا ~~أن يزنين فيظهر ذلك الزنا عليها بشهادة أربعة ~~من الشهود، فيخرجن لإقامة الحدود). # وقال ابن عباس: (إلا أن ms2126 يطلن بألسنتهن على أهل ~~المنزل بإيذائهن). كما روي: أن فاطمة بنت قيس، ~~طلقها زوجها أبو عمرو ابن حفص بن المغيرة ~~المخزومي، وكانت تستطيل على حماتها بلسانها، ~~فنقلها النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت ابن أم ~~مكتوم، وكان ضريرا تعتد فيه). # وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " تزوجوا ولا تطلقوا، فإن الطلاق يهتز منه ~~العرش!! " # ، وقال: عليه السلام: # " أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس ~~فحرام عليها رائحة الجنة!! " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " لا تطلقوا النساء إلا من ريبة، فإن الله عز ~~وجل لا يحب الذواقين والذواقات! " # ، وعن أنس رضي لله عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: # " ما حلف بالطلاق ولا استحلف به إلا منافق ". # قوله تعالى: { وتلك حدود الله }؛ أي هذه أحكام الله ~~وفرائضه في الطلاق في السنة والعدة، فلا تجاوزوها إلى ما نهى ~~عنه، { ومن يتعد حدود الله }؛ بالمخالفة، { فقد ظلم ~~نفسه }؛ أي فقد أضر نفسه، { لا تدرى لعل الله ~~يحدث بعد ذلك أمرا }؛ أي طلقوهن كما أمرتم، لا تدري ~~أيها المخاطب لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا، فيوقع في قلب ~~الزوج المحبة، فيندم في طلاقها ويريد رجعتها فلا يقدر على ~~ذلك، ولا ينفعه الندم. ### || [65.2-3] # قوله تعالى: { فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن ~~بمعروف أو فارقوهن بمعروف } معناه: إذا قاربن ~~انقضاء عدتهن فراجعوهن بحسن الصحبة قبل أن يغتسلن من ~~الحيضة الثالثة، أو يتركوا مراجعتهن بإيفاء المهر ونفقة العدة حتى ~~تنقضي عدتهن، ولا يجوز أن يكون المراد بهذه الآية حقيقة بلوغ ~~الأجل لأنه لا رجعة بعد بلوغ الأجل الذي هو انقضاء العدة. # قوله تعالى: { وأشهدوا ذوى عدل منكم }؛ أي ~~أشهدوا على الطلقة والرجعة ذوى عدل منكم من المسلمين، وهذا أمر ~~استحباب احتياطا من التجاحد، كي لا يجحد الزوج الطلاق، ولا تجحد ~~المرأة بعد مضي العدة الرجعة. ثم قال للشهود: { وأقيموا ~~الشهادة لله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر }؛ أي ذلك الذي ذكر لكم من الأمر ~~والنهي والطلاق والرجعة وإقامة الشهادة، ms2127 يوعظ به من كان يؤمن ~~بالله، ويصدق بالبعث بعد الموت؛ لأنهم هم الذين ينتفعون ~~بالوعظ. # قوله تعالى: { ومن يتق الله يجعل له مخرجا }؛ ~~أي ومن يتق الله بامتثال أوامره واجتناب نواهيه يجعل له مخرجا ~~من المعصية إلى الطاعة، ويقال: من الحرام والشبهات إلى الحلال. ~~وقيل: يجعل له مخرجا من شبهات الدنيا ومن غمرات الموت، ومن ~~شدائد يوم القيامة، { ويرزقه }؛ في الآخرة من نعيم الجنة، { ~~من حيث لا يحتسب }؛ ويقال: يرزقه في الدنيا من حيث لا ~~يأمل، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من أكثر من الاستغفار جعل الله له من كل هم ~~فرجا، ومن كل ضيق مخرجا ". # قوله تعالى: { ومن يتوكل على الله فهو حسبه ~~}؛ أي من يفوض أموره إلى الله عالما واثقا بحسن تقديره ~~وتدبيره فهو كافيه، لا يحتاج إلى غيره. قوله تعالى: { إن ~~الله بالغ أمره }؛ أي منفذ أمره ممضي إرادته، لا ~~يمنع عما يريد، { قد جعل الله لكل شيء قدرا }؛ ~~من أحكامه مقدارا وأجلا معلوما فلا عذر للعبد في تقصير يقع منه. ### || [65.4-5] # قوله تعالى: { واللائي يئسن من المحيض من ~~نسآئكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ~~واللائي لم يحضن }؛ # " وذلك أنه لما أنزل الله تعالى عدة المطلقات ~~والمتوفى عنها زوجها في سورة البقرة، قال: ~~أبي بن كعب: يا رسول الله إن ناسا يقولون: قد ~~بقي من النساء ما لم يذكر فيه شيء؟ قال: " ~~ومن هم؟ " قال: الصغار والكبار وذوات الحمل، ~~فنزلت هذه الآية " # { واللائي يئسن من المحيض من نسآئكم } لكبرهن { ~~إن ارتبتم } أي إن شككتم في عدتهن، { فعدتهن } إذا ~~طلقن بعد الدخول { ثلاثة أشهر }. # وقوله تعالى: { واللائي لم يحضن } معناه: واللاتي في حال ~~الصغر هن بمنزلة الكبيرة التي قد يئست، عدتهن ثلاثة أشهر. ~~قوله تعالى: { وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن ~~حملهن }؛ معناه: وذوات الأحمال عدتهن تنقضي بوضع ما في ~~بطونهن من الحمل، مطلقة كانت الحامل أو متوفى عنها زوجها. # قوله تعالى: { ومن يتق الله يجعل له من ~~أمره يسرا }؛ أي من يخش الله ويمتثل ms2128 أوامره ويجتنب ~~نواهيه ييسر عليه أمره ويوفقه للعبادة، ويسهل عليه أمر ~~الدنيا والآخرة. قوله تعالى: { ذلك أمر الله أنزله ~~إليكم }؛ أي ذلك الحكم الذي قد سبق حكم الله في الطلاق ~~والعدة والرجعة أنزله إليكم، { ومن يتق الله } بطاعته ~~وترك معصيته، { يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرا ~~}؛ أي يستر ذنوبه عنه ويدفع عنه عقابها ويعطيه على ذلك ثوابا ~~حسنا في الجنة. ### || [65.6] # قوله تعالى: { أسكنوهن من حيث سكنتم من ~~وجدكم } أي أسكنوا المطلقات حيث سكنتم من البيوت التي ~~تجدون أن تسكنوهن فيها على قدر سعتكم وطاقتكم، فإن كان ~~موسرا أوسع عليها في المسكن والنفقة، وإن كان فقيرا فعلى قدر ذلك. ~~قوله تعالى: { ولا تضآروهن }؛ أي لا تضاروهن في ~~المسكن ولا في أمر النفقة، { لتضيقوا عليهن }؛ يعني ~~أعطوهن في المسكن ما يكفيهن لجلوسهن وطهارتهن، ومن النفقة ما ~~يكون كفافا لهن بالمعروف، وهذا عام في المبتوتة والرجعية. # قوله تعالى: { وإن كن أولات حمل فأنفقوا ~~عليهن حتى يضعن حملهن }؛ يعني تجب نفقة الحامل إلى ~~أن تضع، سواء طالت مدة الحمل أم قصرت، لأن عدتها تنقضي بوضعه، ~~فلها النفقة إلى أن تضع حملها. ولا نفقة للمتوفى عنها زوجها لأن ~~قوله تعالى { أسكنوهن } وقوله تعالى { فأنفقوا ~~عليهن } خطاب للأزواج وقد زال عنهم الخطاب بالموت. # قوله تعالى: { فإن أرضعن لكم فآتوهن ~~أجورهن }؛ يعني بعد وضع الحمل إذا أرضعن لكم أولادكم ~~فأعطوهن أجرة الرضاع، وهذا دليل بأن الأم أولى بإرضاع ~~الولد بأجرة المثل، وأولى بالحضانة من كل أحد، وفيه دليل أن ~~الأجرة لا تستحق بالعقد، وإنما تستحق بالفراغ من العمل؛ لأن ~~الله تعالى أوجبها بعد الرضاع. # وقوله تعالى: { وأتمروا بينكم بمعروف }؛ أمر الرجل ~~والمرأة أن يأتمروا في الولد بالمعروف، وهو أن ينفق الرجل بنفقة ~~الرضاع من غير تقتير ولا إسراف، أو تقوم المرأة على ولدها في ~~إرضاعه وتتعهده من غير تقصير. قوله تعالى: { وإن ~~تعاسرتم فسترضع له أخرى }؛ معناه: وإن تضايقتم ~~وتمانعتم فأبت الأم أن ترضع الولد، أو طلبت على ذلك أكثر من ~~أجرة المثل، وأبى الأب أن ms2129 يعطيها ما طلبت، فليطلب الأب ~~للولد مرضعة غير الأم، إلا أنه يجب أن يكون في بيت الأم لأن ~~الأم أحق بإمساك الولد. ### || [65.7] # قوله تعالى: { لينفق ذو سعة من سعته }؛ أي لينفق ~~غني على نسائه وأولاده على قدر غناه، { ومن قدر عليه ~~رزقه فلينفق ممآ آتاه الله }؛ معناه: ومن ضيق عليه ~~رزقه فلينفق مما أعطاه الله من المال، { لا يكلف الله ~~نفسا إلا مآ آتاها }؛ من الرزق. # قوله تعالى: { سيجعل الله بعد عسر يسرا }؛ فيه ~~تسلية للصحابة، فإن أكثرهم كانوا فقراء، فوعدهم الله اليسر ~~بعد العسر، ففتح الله عليهم بعد ذلك وجعل يسرا بعد عسر. ~~ويستدل من هذه الآية على أن الواصي يأمر المرأة أن تستدين ~~على زوجها المعسر مقدار ما تستحق عليه من النفقة، لأن المعسر ~~يرجى له اليسر. ### || [65.8] # قوله تعالى: { وكأين من قرية عتت عن أمر ~~ربها ورسله }؛ أي وكم من أهل بلدة عتوا من أمر ربهم ~~ورسله؛ أي جاوزوا الحد في المعصية، { فحاسبناها حسابا ~~شديدا }؛ فجازيناهم في الآخرة جزاء شديدا على كل صغيرة ~~وكبيرة، { وعذبناها }؛ وعذبناهم في الدنيا، { عذابا نكرا ~~}؛ أي عذابا خارجا عن العادة لم يعهدوا مثله. ### || [65.9-11] # قوله تعالى: { فذاقت وبال أمرها }؛ أي فذاقوا جزاء ~~كفرهم، { وكان عاقبة أمرها خسرا }؛ أي هلاك النفوس ~~وهي رأس أموالهم، { أعد الله لهم }؛ في الآخرة، { عذابا ~~شديدا }؛ يعني الذي نزل بهم في الدنيا، { فاتقوا الله ~~يأولي الألباب }؛ أي يا أولي العقول لا تسيروا بسيرهم ~~فينزل بكم ما نزل بهم. # قوله تعالى: { الذين آمنوا قد أنزل الله ~~إليكم ذكرا * رسولا } { الذين آمنوا } نعت أولي ~~الألباب، وقوله تعالى { قد أنزل الله إليكم ذكرا * ~~رسولا } أي أنزل إليكم كتابا آتاه رسولا ليؤديه إليكم. ~~وقيل: معناه: قد أنزل الله إليكم قرآنا وأرسل رسولا، { ~~يتلوا عليكم آيات الله مبينات }؛ يعني الرسول، { ~~ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من ~~الظلمات إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل ~~صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار ~~خالدين فيهآ أبدا }. وقوله تعالى: { قد أحسن الله ~~له رزقا } يعني الجنة ms2130 التي لا ينقطع نعيمها. ### || [65.12] # قوله تعالى: { الله الذي خلق سبع سموت ومن ~~الأرض مثلهن }؛ أي سبع أرضين أيضا، وليس في القرآن آية ~~تدل على أن الأرضين سبع غير هذه. قوله تعالى: { ~~يتنزل الأمر بينهن } ، أي تنزل الملائكة بالتدبير من ~~الله تعالى، ومن سماء إلى سماء، ومن السماء الى الأرض بحياة بعض ~~وموت بعض، وغنى بعض وفقر بعض، وسلامة هذا وهلاك هذا، { ~~لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن ~~الله قد أحاط بكل شيء علما }؛ فلا يخفى عليه شيء. ### | [66 - سورة التحريم] ### || [66.1] # { يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك }؛ # " وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم الأيام بين ~~نسائه وكان له تسع نسوة، وكان لكل امرأة ~~منهن يوم وليلة، ثم إن حفصة زارات أباها في ~~يوم كان ذلك اليوم لعائشة، فدخل النبي صلى الله ~~عليه وسلم ذلك اليوم بيت حفصة فوجد فيه جاريته ~~مارية فأخلا بها، فلما رجعت حفصة إلى منزلها، ~~وقفت حفصة على ذلك الباب فلم تدخل حتى خرجت ~~مارية، ثم دخلت فقالت للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~إني قد رأيت من كان معك في البيت، فلما رأى ~~النبي صلى الله عليه وسلم الغيرة والكآبة في وجهها ~~قال: " اكتمي علي، ولا تخبري عائشة بذلك " ثم ~~قال: " هي علي حرام " يعني مارية، فأخبرت ~~حفصة عائشة وكانتا متصافيتين، فنزل جبريل ~~عليه السلام فأخبر النبي بذلك، فدعا النبي صلى الله ~~عليه وسلم حفصة وقال لها: " ما الذي حملك على ذلك؟ ~~" قالت: ومن الذي أخبرك؟ قال: " أخبرني العليم ~~الخبير ". # فغضب النبي صلى الله عليه وسلم على حفصة فطلقها ~~تطليقة واعتزل نساءه كلهن، فمكث سبعا ~~وعشرين ليلة ينتظر ما ينزل فيهن، فأنزل ~~الله هذه الآيات. ومعناها: يا أيها النبي لم تحرم ما أحل ~~الله لك، { تبتغي مرضات أزواجك }؛ طالبا رضى أزواجك، ~~{ والله غفور }؛ لما كان منك من التحريم، { رحيم }؛ بك ~~حيث رخص لك الخروج منه بالكفارة، فأعتق رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم رقبة وعاد إلى مارية ". # وروي: # " أن حفصة ms2131 رضي الله عنها استأذنت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في زيارة أبيها في يومها، فأذن لها ~~وهو جالس في بيتها، فمضت، فأرسل النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى جاريته مارية القبطية فأدخلها في ~~حضنه، وكان ذلك في يوم حفصة، فلما رجعت ~~حفصة وجدت باب بيتها مغلقا، فجلست على الباب ~~حتى خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجهه يقطر ~~عرقا وحفصة تبكي، فقال لها: " ما يبكيك؟ " قالت: ~~إنما أذنت لي بالزيارة من أجل هذا؛ أدخلت أمتك ~~بيتي ووقعت عليها في يومي وعلى فراشي؟ ما ~~رأيت لي حرمة وحقا، ما قط صنعت هذا بامرأة من ~~نسائك؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " هي جاريتي فلا ~~أحلها الله، اسكتي هي علي حرام، ألتمس بذلك ~~رضاك، ولا تخبري بذلك امرأة منهن، وهذه أمانة ~~عندك ". # ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقامت حفصة ~~على الجدار الذي كان بينها وبين عائشة، فقالت ~~لها: ألا أبشرك يا عائشة أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قد حرم جاريته مارية، وقد أراحنا الله ~~منها. وكانت عائشة وحفصة متصافيتين ~~متظاهرتين على سائر أزواج النبي صلى الله عليه ~~وسلم، فنزل جبريل عليه السلام فأخبره بذلك، فغضب ~~على حفصة وقال: " ما حملك على ذلك " ، ثم ~~طلقها تطليقة ". # وذهب بعض المفسرين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ~~دخل على زينب بنت جحش شرب عندها شراب عسل ~~تصلحه له، وكان يطول مكثه عندها، فاجتمعت ~~عائشة وحفصة على أن يقولا له: إنا نجد معك ~~رائحة المغافير - وهو صمغ متغير الرائحة ~~يقع على الطرف يأكله النحل - فلما صار إلى ~~كل واحدة منهما قالت له: إني أشم معك رائحة ~~المغافير، فحرم النبي صلى الله عليه وسلم على نفسه ~~شرب العسل، فأنزل الله تعالى هذه الآيات. والقول ~~الأول أظهر، ولا يمتنع أن الأمرين قد كانا، وأن هذا نزل فيهما. ### || [66.2] # قوله تعالى: { قد فرض الله لكم تحلة ~~أيمانكم } أي وجبت لكم كفارة أيمانكم، { والله ~~مولاكم }؛ أي متول أموركم وهو أولى أن يؤثروا ms2132 مرضاته، { ~~وهو العليم }؛ بما فيه صلاح خلقه، { الحكيم }؛ في تدبير ~~أمره. وإنما سميت الكفارة تحلة؛ لأنها تجب عند انحلال ~~اليمين، قال مقاتل: (معناه: قد بين الله لكم كفارة ~~أيمانكم في سورة المائدة، وأمر نبيه صلى الله عليه ~~وسلم أن يكفر عن يمينه، ويراجع جاريته مارية). ### || [66.3] # قوله تعالى: { وإذ أسر النبي إلى بعض ~~أزواجه حديثا }؛ يعني إسراره إلى حفصة، فلما أخبرت عائشة ~~به أطلع الله نبيه عليه السلام على ذلك. قوله تعالى: { ~~فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه ~~وأعرض عن بعض }؛ # " وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان عندما رأى ~~الكآبة في وجهها والغيرة أسر إليها شيئين: ~~تحريم الجارية، وقال: " أخبرك يا حفصة أن أباك ~~وأبا بكر سيملكان أمتي بعدي " فلما أظهره الله ~~عليه أخبر حفصة بما قالت لعائشة من تحريم الجارية، وأعرض عن ذكر ~~خلافة أبي بكر وعمر ". # وقرأ الحسن البصري والكسائي وقتادة (عرف بعضه) بالتخفيف أي ~~غضب على حفصة من ذلك وجاراها فطلقها، من قول القائل لمن ~~أساء إليه: لأعرفن لك ما فعلت؛ أي لأجازينك عليه، فجازاها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن طلقها، فلما علم عمر رضي ~~الله عنه بذلك قال: لو كان في آل الخطاب خير لما ~~طلقك رسول الله صلى الله عليه وسلم. # ونزل جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يقول له: ~~راجعها فإنها صوامة قوامة، وهي إحدى نسائك ~~في الجنة، فراجعها رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال ~~مقاتل: (لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة، ~~وإنما هم به، فأتاه جبريل وقال له: لا ~~تطلقها فإنها صوامة قوامة وهي من نسائك في ~~الجنة، فلم يطلقها)، وكان سفيان الثوري يقول: (ما ~~استقصى كريم قط، وما زال التغافل من فعل ~~الكرام، عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حفصة بعض ~~ما فعلت، وأعرض عن بعض). # قوله تعالى: { فلما نبأها به }؛ أي لما أخبر ~~حفصة بما أظهره الله عليه، { قالت }؛ له: { من أنبأك ~~هذا }؛ أي من أخبرك أني أفشيت سرك؟ ms2133 { قال نبأني ~~العليم الخبير }. ### || [66.4] # قوله تعالى: { إن تتوبآ إلى الله }؛ معناه: إن ~~تتوبا إلى الله من إظهار الغيرة وإيذاء النبي صلى الله عليه ~~وسلم والتعاون عليه، { فقد صغت قلوبكما }؛ أي مالت إلى ~~الإثم وعدلت عن الحق، وهو أنهما أحبتا ما كره رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، { وإن تظاهرا عليه } أي تعاونا عليه ~~بالإيذاء وإظهار الغيرة عليه من الجارية، { فإن الله هو ~~مولاه }؛ يتولى حفظه ونصره ودفع الأذية عنه، { ~~وجبريل وصالح المؤمنين }؛ أبو بكر وعمر يتوليانه ~~وينصرانه على من عاداه، { والملائكة بعد ذلك ظهير }؛ ~~أعوانه وأنصاره. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (حدثني عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه قال: لما اعتزل النبي صلى الله عليه ~~وسلم نساءه، دخلت عليه وأنا أرى في وجهه الغضب، ~~فقلت: يا رسول الله ما شق عليك من أمر النساء؟ ~~فإن كنت طلقتهن فإن الله معك وملائكته ~~وجبريل وميكائيل، وأنا وأبو بكر والمؤمنون ~~معك، وقلما تكلمت وأحمد الله بكلام، إلا ~~رجوت أن يكون الله يصدق قولي الذي أقول، فنزلت ~~هذه الآية { وإن تظاهرا عليه فإن الله هو ~~مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ~~ذلك ظهير } ). # وعن ابن عباس قال: (سألت عمر رضي الله عنه فقلت: يا ~~أمير المؤمنين من المرأتان اللتان تظاهرا على ~~النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: عائشة وحفصة). # ثم أخذ عمر رضي الله عنه يسوق الحديث قال: (كنا ~~معشر قريش قوما نغلب نساءنا، فلما قدمنا ~~المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق ~~نساؤنا يتعلمن من نسائهم، قال: فغضبت على ~~امرأتي فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني، ~~فقالت: وما ينكر أن أراجعك؟ فوالله إن أزواج ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ليراجعنه وتهجره ~~إحداهن اليوم إلى الليل. قال: فانطلقت فدخلت ~~على حفصة فقلت: أتراجعين رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ قالت: نعم، قلت: وتهجره إحداكن اليوم إلى ~~الليل؟ قالت نعم، قلت: أفتأمن إحداكن أن ~~يغضب الله لغضب رسوله فإذا هي قد هلكت؟! لا ~~تراجعي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسليني ما ms2134 بدا لك، ~~ولا يغرك إن كانت جارتك هي أوسم وأحب إلى ~~رسول الله منك) يعني عائشة رضي الله عنها. # قرأ أهل الكوفة (تظاهرا عليه) بالتخفيف، وقرأ الباقون ~~بالتشديد. ### || [66.5] # قوله تعالى: { عسى ربه إن طلقكن أن يبدله ~~أزواجا خيرا منكن }؛ هذا إيعاد وتخويف لحفصة وعائشة ~~وسائر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وعد النبي صلى الله عليه ~~وسلم بخير منهن إن أحوجنه إلى مفارقتهن، و { عسى } من الله ~~واجبة، { مسلمات مؤمنات }؛ نعت للأزواج اللاتي كان ~~يبدله لو طلق نساءه، ومعنى { مسلمات } أي خاضعات لله ~~بالطاعة، مسلمات لأمر الله وقضائه، أي مصدقات مؤمنات بتوحيد الله ~~بالألسن والقلوب، { قانتات }؛ أي طائعات لله والنبي صلى الله ~~عليه وسلم، { تائبات }؛ أي راجعات إلى ما يحبه الله، { ~~عابدات }؛ لله متذللات لله ولرسوله، { سائحات }؛ أي ~~صائمات، { ثيبات وأبكارا }؛ ظاهر المراد. ### || [66.6] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم ~~وأهليكم نارا }؛ أي يا أيها الذين آمنوا ادفعوا عن ~~أنفسكم وأهليكم نارا، { وقودها الناس والحجارة } ، ~~حطبها الناس والحجارة، يعني حجارة الكبريت، والمعنى: اعملوا ~~بطاعة الله وانتهوا عن معصيته، وعلموا أولادكم وأهليكم الاجتناب ~~عما تجب لهم به النار. وعن عمر رضي الله عنه: # " أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول ~~الله نقي أنفسنا، فكيف لنا بأهلنا؟ قال: " ~~تنهوهم عما نهاهم الله عنه، وتأمروهم بما ~~أمركم الله به " ". # قوله تعالى: { عليها ملائكة غلاظ شداد }؛ أي على ~~النار ملائكة غلاظ الأخلاق شداد أقوياء الأخذ والعقوبة، يدفع ~~الواحد منهم في الدفعة الواحدة سبعين ألفا في جهنم، لم يخلق ~~الله فيهم شيئا من الرحمة، { لا يعصون الله مآ أمرهم ~~}؛ من تعذيب أهلها، { ويفعلون ما يؤمرون }؛ من ذلك، جعل ~~الله سرورهم في تعذيب المعذبين كما جعل سرور المؤمنين في الجنة. ~~وجاء في الخبر: # " أن الملك منهم يكسر عظام المعذب، فيقول له: ~~ألا ترحمني؟ فيقول له: كيف أرحمك وأرحم ~~الراحمين لم يرحمك ". ### || [66.7] # قوله تعالى: { يأيها الذين كفروا لا تعتذروا ~~اليوم }؛ أي لا تعتذروا اليوم فيما قدمتم لأنفسكم، إنه لا ~~تقبل ms2135 منكم الأعذار، { إنما تجزون ما كنتم تعملون ~~}؛ في الدنيا، ولا تظلمون بزيادة على ما تستحقون من العذاب. ### || [66.8] # قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا توبوا إلى ~~الله توبة نصوحا }؛ قال ابن عباس: (التوبة ~~النصوح: هي الندم بالقلب، والاستغفار باللسان، ~~والإقلاع بالبدن، والإضمار على أن لا يعود). # " وعن معاذ بن جبل قال: يا رسول الله ما التوبة ~~النصوح؟ قال: " أن يتوب التائب ثم لا يرجع في ~~ذلك، كما لا يعود اللبن في الضرع " ". # قال ابن مسعود: (التوبة النصوح أن تكفر كل ~~سيئة)، وقال أبو ذر: (النصوح: الصادقة) أي يتوبوا توبة ~~صادقة، يقال: نصحته أي صدقته. وقيل: النصوح المستقيمة ~~المتقنة التي لا يلحقها النقص والإبطال. وقال الفضيل: ~~(التوبة النصوح: أن يكون الذنب نصب عينيه، ولا ~~يزال كأنه ينظر إليه)، وقال أبو بكر الوراق: (هو ~~أن تضيق الأرض عليك بما رحبت، وتضيق عليك ~~نفسك كتوبة الثلاثة الذين خلفوا). وقال الدقاق: ~~(هي رد المظالم، واستحلال الخصوم، وإدمان ~~الطاعات). # وقال ذو النون: (علامتها ثلاثة أشياء: قلة ~~الكلام، وقلة الطعام، وقلة المنام). وقال بعضهم: ~~هي أن يكون لصاحبها دمع مسفوح وقلب من المعاصي جموح، فإذا كان كذلك ~~فيه توبة نصوح. # وقال فتح الموصلي: (علامتها ثلاثة: مخالفة ~~الهوى، وكثرة البكاء، ومكابدة الجوع والظمأ). ~~وقال شقيق البلخي: (هي أن يكثر صاحبها لنفسه ~~الملامة، ولا يقلع من الندامة). وقال الجنيد: (هي ~~أن ينسى ما سوى الله، ولا يذكر إلا الله). # قوله تعالى: { عسى ربكم أن يكفر عنكم ~~سيئاتكم }؛ هذا وعد من الله لأن { عسى } من الله واجبة، ~~والصلوات الخمس كفارات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر. ~~قوله تعالى: { ويدخلكم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار يوم لا يخزى الله النبي }؛ أي يكرم الله ~~تعالى المؤمنين بهذه الكرامة في يوم لا يسوء الله النبي ولا ~~يخجله ولا يسوء { والذين آمنوا معه }؛ والمعنى: لا ~~يدخلهم الله النار. # وقوله: { نورهم يسعى بين أيديهم }؛ ليدلهم في الجنة، ~~{ وبأيمانهم }؛ يعني نور كتابهم الذي يعطونه بها، { ~~يقولون ربنآ أتمم لنا نورنا }؛ أي يقولون ذلك بعد ما ~~ذهب نور ms2136 المنافقين، والمعنى: أتمم لنا نورنا على الصراط إلى ~~أن ندخل الجنة، { واغفر لنآ }؛ ما سلف من ذنوبنا، { إنك ~~على كل شيء قدير }؛ من إتمام النور والمغفرة، فيجيب الله ~~دعاءهم ويفعل ذلك لهم، فيكون الصراط على المؤمنين كما بين صنعاء ~~والمدينة، يمشي عليه بعضهم مثل البرق، وبعضهم مثل الريح، وبعضهم ~~كعدو الفرس، وبعضهم يمشي وبعضهم يزحف، ويكون على الكافرين كحد ~~السيف مذهبه. ### || [66.9] # قوله تعالى: { يأيها النبي جاهد الكفار ~~والمنافقين }؛ أي جاهد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان ~~بالزجر والوعظ حتى يسلموا، وسماهما جهادا لاشتراكها في ~~بذل الجهد، { واغلظ عليهم }؛ أي على الفريقين بالفعل ~~والقول، { ومأواهم جهنم وبئس المصير }؛ وبين أن ~~مصيرهم في الآخرة إلى النار. # وقال الحسن: (كانوا أكثر من كان يصيب الحدود في ذلك ~~الزمان المنافقون، فأمر الله أن يغلظ عليهم في ~~إقامة الحد). وعن ابن مسعود قال: (إذا لم تقدروا أن ~~تنكروا على الفاجر - ف - بوجوه مكفهرة). ### || [66.10] # قوله تعالى: { ضرب الله مثلا للذين كفروا ~~امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من ~~عبادنا صالحين فخانتاهما }؛ أي فخالفتاهما في الدين، ~~قال ابن عباس: (ما بغت امرأة نبي قط، فأما خيانة ~~امرأة نوح، فإنها قالت لقومه: إنه مجنون فلا ~~تصدقوه، وأما خيانة امرأة لوط فإنها كانت ~~تدل قومه على أضيافه، كان إذا نزل بلوط ضيف ~~بالليل أوقدت النار، وإذا نزل بالنهار أدخنت ~~ليعلم قومه أنه قد نزل به ضيف). وقال الكلبي: ~~(أسرتا النفاق، وأظهرتا الإيمان) ولأن الخيانة في ~~الفراش لا يجوز أن تكون مرادة في هذه الآية؛ لأنها عيب يرجع ~~إلى الزوج فينفر الناس عنه. # قوله تعالى: { فلم يغنيا عنهما من الله شيئا ~~}؛ أي لم يدفعا عنهما عذاب الله، أعلم الله تعالى أن أحدا لا ~~يجزي عن أحد شيئا، وأن الإنسان لا ينجو إلا بعمله، وقطع الله ~~بهذه الآية طمع من ركب المعصية، ورجا أن ينفعه صلاح غيره، ~~وأخبر الله تعالى أن معصية غيره لا تضره إذا كان مطيعا وهو ~~قوله تعالى: { وقيل ادخلا النار مع الداخلين }. ### || [66.11] # قوله تعالى: { وضرب ms2137 الله مثلا للذين آمنوا ~~امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في ~~الجنة }؛ وهي آسية بنت مزاحم، كانت قد آمنت بموسى عليه السلام، ~~فلما علم فرعون بإسلامها وتد لها أربعة أوتاد في يديها ~~ورجليها، ومدها للعذاب وشدها على الأرض بالأوتاد، وألقى على ~~صدرها صخرة عظيمة وألقاها في الشمس. # فكانت الملائكة تظلها بأجنحتها وأبصرت الجنة وهي كذلك ~~فقالت: { رب ابن لي عندك بيتا في الجنة } ، فاستجاب ~~الله دعاءها وألحقها بالشهداء، ولم تجد ألما من عذاب فرعون ~~لأنها قالت: { ونجني من فرعون وعمله ونجني من ~~القوم الظالمين }؛ أي الكافرين أهل دين فرعون. وليس في هذه ~~الآية أن فرعون قتلها، وقد اختلف في ذلك، والأقرب أنه أجاب ~~الله دعاءها فنجاها من فرعون وقومه. # وفي قوله تعالى في الآية الأولى { وقيل ادخلا النار مع ~~الداخلين } تخويف لحفصة وعائشة، كأنه قال لعائشة وحفصة لا ~~تكونا بمنزلة امرأة نوح ولوط في المعصية، وكونا بمنزلة امرأة ~~فرعون ومريم. ### || [66.12] # قوله تعالى: { ومريم ابنت عمران التي أحصنت ~~فرجها }؛ عطف مريم على امرأة فرعون، وإحصان الفرج إعفافه ~~وحفظه عن الحرام. قوله تعالى: { فنفخنا فيه من ~~روحنا }؛ أي في جيب درعها، وذلك أن جبريل عليه السلام مد جيب ~~درعها بإصبعه، ثم نفخ في جيبها فحملت، وبالكناية عن غير مذكور. # وقوله تعالى: { وصدقت بكلمات ربها }؛ والشرائع التي ~~شرعها الله في كتبه المنزلة، وقرأ عيسى الجحدري والحسن (بكلمة ~~ربها) على التوحيد يعنون عيسى عليه السلام. قوله تعالى: { ~~وكتبه }؛ أي وصدقت بكتب الله تعالى وهو التوراة والإنجيل ~~والفرقان وصحف ابراهيم وموسى وداود، وقرأ أبو عمرو ويعقوب ~~(وكتبه) بالجمع، وتفسيره ما ذكرناه، وقرأ الباقون (وكتابه) على ~~الواحد، والمراد به الإنجيل. # قوله تعالى: { وكانت من القانتين }؛ أي من ~~المطيعين لله، وقال عطاء: (من المصلين، كانت تصلي ~~بين المغرب والعشاء) تقديره: وكانت من القوم القانتين، ~~ولم يقل من القانتات؛ لأن متعبدها كان في المسجد مع العباد. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء ~~إلا ms2138 مريم ابنة عمران، وآسية أمرأة فرعون، ~~وإن فضل عائشة على سائر النساء كفضل الثريد ~~على سائر الطعام " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " سيدات نساء أهل الجنة أربع: مريم وآسية ~~وخديجة وفاطمة ". # وعن معاذ بن جبل قال: # " دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خديجة وهي ~~تجود بنفسها فقال: " أتكرهين ما نزل بك يا ~~خديجة وقد جعل الله في الكره خيرا كثيرا، فإذا ~~قدمت على ضراتك فأقرئيهن مني السلام " قالت: ~~يا رسول الله ومن هن؟ قال: " مريم بنت عمران، ~~وآسية بنت مزاحم، وكليمة بنت عمران أخت موسى " ~~، فقالت: بالرفاه والبنين ". ### | [67 - سورة الملك] ### || [67.1] # { تبارك الذي بيده الملك }؛ أي تعالى باستحقاق ~~التعظيم الذي بيده إعطاء الملك وأخذه، يؤتي الملك من يشاء ~~فيعزه وينزعه ممن يشاء فيذله، { وهو على كل ~~شيء قدير }؛ من الإعزاز والإذلال. ### || [67.2] # قوله تعالى: { الذي خلق الموت والحياة }؛ معناه: ~~الذي قدر الإماتة والإحياء، { ليبلوكم }؛ فيما بين الإحياء ~~والإماتة، { أيكم أحسن عملا }؛ اللام في ليبلوكم ~~متعلق بخلق الحياة دون خلق الموت، لأن الابتلاء في الحياة، ~~ومعنى { ليبلوكم } أي ليعاملكم معاملة المختبر، فيجازيكم ~~على ما ظهر منكم لا على ما يعلم منكم، ومعنى { أيكم أحسن ~~عملا } أي أحسن عقلا وأورع عن محارم الله، قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " أتمكم عقلا أشدكم خوفا لله، وأحسنكم نظرا ~~فيما أمر الله به ونهى عنه ". # وقال الحسن: (معناه: ليبلوكم أيكم أزهد في ~~الدنيا وأترك لها) وارتفع { أيكم } على الابتداء لأنه ~~بتأويل ألف الاستفهام ولا يعمل فيها ما قبلها، تقديره: ليبلوكم ~~أنتم أحسن عملا أم غيركم. قوله تعالى: { وهو العزيز ~~الغفور }؛ أي العزيز بالنقمة لمن لا يؤمن، الغفور لمن تاب ~~وآمن. ### || [67.3-4] # قوله تعالى: { الذي خلق سبع سموت طباقا }؛ أي ~~مطبقة بعضها على بعض مثل القبة، { ما ترى }؛ أيها ~~الرائي، { في خلق الرحمن من تفاوت } ، في مخلوقات ~~الرحمن من تفاوت؛ أي لا ترى بعضها حكمة وبعضها عبثا، ولا ~~ترى في السماء اضطرابا وتباينا في الخلقة، وقال مقاتل: (ما ~~ترى ابن آدم في خلق السماوات ms2139 من عيب). # وقال قتادة: (ما ترى فيها خللا ولا اختلافا)، { ~~فارجع البصر هل ترى من فطور }؛ أي كرر النظر هل ترى ~~في السماء من شقوق أو صدوع أو خروق، { ثم ارجع البصر ~~كرتين }؛ أي إن لم تستدرك بالمرة الأولى، فرد البصر ~~مرة أخرى مستقصيا، وردد البصر مرة أخرى بعد مرة، { ~~ينقلب إليك البصر خاسئا }؛ صاغرا بمنزلة الخاسئ وهو ~~الذليل، { وهو حسير }؛ أي كليل منقطع قد أعيى بمنزلة ~~الحسير الذي طلب شيئا فلم يجده كما يحسر البعير. ### || [67.5] # قوله تعالى: { ولقد زينا السمآء الدنيا ~~بمصبيح }؛ السماء الدنيا هي الأدنى إلينا، وهي التي يراها ~~الناس، والمصابيح: النجوم، واحدها مصباح، سميت بذلك؛ لأنها ~~تضيء كما يضيء المصباح، ومن ذلك الصبح والصباح وهو ~~السراج، والنجوم لثلاث خصال: زينة، وعلامات يهتدى بها، { ~~وجعلنها رجوما للشيطين } أي ورجوم لمن يسترق ~~السمع من الشياطين، { وأعتدنا لهم }؛ في الآخرة، { عذاب ~~السعير }؛ مع ما جعلنا لهم في الدنيا من الرمي بالشهب. ### || [67.6] # قوله تعالى: { وللذين كفروا بربهم عذاب ~~جهنم وبئس المصير }؛ ظاهر المعنى. ### || [67.7] # قوله تعالى: { إذآ ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا ~~}؛ أي صوتا قطيعا كصوت الحمار، وهو آخر ما ينهق بنفس ~~شديد، وهو أقبح الأصوات، وإذا اشتد لهب النار سمع لها صوت ~~شديد كأنها تطلب الوقود. قوله تعالى: { وهي تفور }؛ أي ~~تغلي بهم كغلي المرجل. وقال مجاهد: (تفور بهم، كما ~~يفور الماء الكثير بالحب القليل)، والفور ارتفاع ~~الشيء بالغليان. ### || [67.8-11] # قوله تعالى: { تكاد تميز من الغيظ }؛ أي تكاد ~~تنشق وتتقطع من تغيظها على أهلها لتأخذهم، والمعنى: تكاد ~~النار ينفرق بعضها من بعض غضبا على الكفار، وانتقاما لله ~~عز وجل منهم، { كلما ألقي فيها فوج }؛ من الكفار؛ أي ~~جماعة، { سألهم خزنتهآ }؛ أي النار، { ألم يأتكم ~~نذير }؛ أي رسول منذر، وهذا التوبيخ زيادة لهم في العذاب، { ~~قالوا بلى قد جآءنا نذير فكذبنا وقلنا } ، له، { ~~ما نزل الله من شيء }؛ مما تقول، وقلنا للرسول: { ~~إن أنتم إلا في ضلال كبير }؛ أي خطأ عظيم. وقيل: إن ~~قوله { إن أنتم إلا في ضلال ms2140 كبير } من قول ~~الزبانية للكفار؛ أي ما كنتم في الدنيا إلا في ضلال كبير. # وقال أهل النار معترفين بجهلهم: { وقالوا لو كنا ~~نسمع أو نعقل }؛ أي لو كنا نسمع الهدى من الرسل ~~سماع من يتفكر ويعقل منهم عقل من يميز، { ما كنا في ~~أصحاب السعير * فاعترفوا بذنبهم }؛ أي أقروا بذلك، ~~{ فسحقا لأصحاب السعير }؛ أي أسحقهم الله سحقا؛ أي ~~باعدهم من رحمته، والسحق: البعد، والمعنى: فبعدا لأصحاب النار ~~من رحمة الله. ### || [67.12] # قوله تعالى: { إن الذين يخشون ربهم بالغيب ~~لهم مغفرة وأجر كبير }؛ معناه: إن الذين يعملون لربهم ~~ويتقون معصيته في سرهم، ويخافونه ولم يروه، لهم مغفرة ~~لذنوبهم وثواب عظيم في الجنة، والخشية في الغيب أدل على ~~الإخلاص وأبعد من النفاق. ### || [67.13-14] # قوله تعالى: { وأسروا قولكم أو اجهروا به ~~إنه عليم بذات الصدور } وهذا تحذير للكفار عن الإقدام ~~على المعاصي، يقول: إن أخفيتم كلامكم في أمر محمد صلى الله ~~عليه وسلم أو جهرتم به، فإنه عليم بما في القلوب من الخير والشر. # قال ابن عباس: (كانوا ينالون من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فيخبره جبريل فيقول بعضهم لبعض: أسروا ~~قولكم كيلا يسمع به إله محمد) قال الله هذه الآية: ~~{ ألا يعلم من خلق }؛ هذه الأشياء ما في الضمير. وقيل: ~~معناه: ألا يعلم الله مخلوقاته، وقيل: ألا يعلم سر العبد من ~~خلقه، { وهو اللطيف الخبير }؛ أي لطف علمه بالأشياء ~~حتى لا تخفى عليه غوامض الأمور، الخبير بمصالح عباده. ### || [67.15] # قوله تعالى: { هو الذي جعل لكم الأرض ذلولا }؛ ~~أي سهلة تنصرفون فيها فلا تضطرب بكم ولا تمتنع عليكم، يقال: دابة ~~ذلول إذا كانت سهلة الركوب، والذلول لا تمتنع على صاحبها فيما ~~يريدها. قوله تعالى: { فامشوا في مناكبها }؛ أي في ~~أطرافها، وقيل: في جبالها وآكامها وجوانبها، { وكلوا من ~~رزقه }؛ أي وكلوا من نباتها الذي جعله الله رزقا لكم في ~~الأرض، { وإليه النشور }؛ أي وإلى الله المرجع في الآخرة ~~للحساب والجزاء، والنشور هو البعث من القبور. ### || [67.16] # قوله تعالى: { أءمنتم من في السمآء أن ms2141 يخسف ~~بكم الأرض }؛ معناه: أأمنتم يا أهل مكة من في السماء ~~سلطانه وقدرته وملكه أن يغيبكم في الأرض جزاء على قبح ~~أفعالكم. وقيل: معناه: أأمنتم عقوبة من في السماء وعذاب من ~~في السماء. وقيل: معناه: من جرت عادته أن ينزل نقمته ~~من السماء على من يكفر به ويعصيه. # وقيل: أأمنتم من في السماء، وهو الملك الموكل بالعذاب، ~~يعني جبريل أن يخسف بكم الأرض بأمر الله تعالى، { فإذا هي ~~تمور }؛ أي تضطرب وتتحرك، والمعنى: أن الله تعالى يحرك ~~الأرض عند الخسف بهم حتى تضطرب، وتتحرك فتعلو بهم وهم يخسفون ~~فيها، والأرض تمور فوقهم فتقلبهم إلى أسفل. والمور: التردد ~~في الذهاب والمجيء؛ لأنه إذا خسف بقوم دارت الأرض فتدور بهم كما ~~يدور الماء بمن يغرقه. ### || [67.17-18] # قوله تعالى: { أم أمنتم من في السمآء أن يرسل ~~عليكم حاصبا }؛ كما أرسل على قوم لوط، والحاصب: الريح ~~التي ترمي بالحصباء لا دافع لها { فستعلمون }؛ في الآخرة، { ~~كيف نذير }؛ أي إنذاري إذا عاينتم العذاب، { ولقد كذب ~~الذين من قبلهم فكيف كان نكير }؛ معناه: ولقد كذب ~~الذين من قبل أهل مكة من كفار الأمم الماضية، فكيف كان الإنكار ~~عليهم بالعذاب. ### || [67.19] # قوله تعالى: { أولم يروا إلى الطير فوقهم ~~صفت }؛ معناه: أولم يروا إلى الطير صافات فوق ~~رؤوسهم بانبساط أجنحتها تارة وقابضاتها أخرى، معناه: صافات ~~أجنحتها، { ويقبضن }؛ أجنحتها بعد البسط، وهذا معنى الطير؛ ~~وهو بسط الجناح وقبضه بعد البسط. # قوله تعالى: { ما يمسكهن إلا الرحمن }؛ أي ما ~~يمسكهن ويحفظهن في الهواء في الحالين؛ في حال البسط والقبض ~~إلا الرحمن. وهذا أكبر آية دالة على قدرة الله تعالى إذ أمسكها ~~في الهواء على ثقلها وضخم أبدانها، فمن قدر على إمساك الطير في ~~الهواء قدر على إرسال الحاصب من السماء. قوله تعالى: { ~~إنه بكل شيء بصير }؛ أي عالم، كما يقال: فلان بصير ~~بالنحو وبالقرآن؛ أي عالم به. ### || [67.20] # قوله تعالى: { أمن هذا الذي هو جند لكم ~~ينصركم من دون الرحمن }؛ فيه تنبيه على أنه إن أراد ~~الله تعذيبهم ليس لهم ms2142 منعه، ولا أحد يصرف عنهم العذاب، ولفظ ~~الجند موحد، وهذا استفهام إنكار؛ أي لا جند لكم ينصركم ~~ويمنعكم من عذاب الله. قال ابن عباس: (معنى ينصركم: ~~يمنعكم مني إن أردت عذابكم). قوله تعالى: { إن ~~الكافرون إلا في غرور }؛ أي في غرور من الشيطان، يغرهم ~~بأن العذاب لا ينزل بهم. ### || [67.21] # قوله تعالى: { أمن هذا الذي يرزقكم إن ~~أمسك رزقه }؛ معناه: هل يقدر أحد من معبودكم أن يوصل ~~إليكم أرزاقكم إن حبس الله عنكم المطر والنبات، { بل لجوا ~~}؛ بل لج الكافرون { في عتو ونفور }؛ أي في مجاوزة ~~الحد في الطغيان والتباعد عن سماع الحق وقبوله، وليسوا ~~يعتبرون ولا يتفكرون، لجوا في طغيانهم وتماديهم وتباعدهم عن ~~الإيمان. ### || [67.22] # قوله تعالى: { أفمن يمشي مكبا على وجهه ~~أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم }؛ معناه: ~~أفمن يمشي ناكسا رأسه على وجهه لا يرى ما يصدمه أو يهجم ~~عليه من حفرة، أو بئر في طريقه، فلا ينظر يمينا ولا شمالا، يمشي ~~مشي العميان؛ وهو مثل الكافر يقول: أهدي صوب طريقا أم ~~المؤمن الذي يمشي مستويا على طريق مستقيم، يعني الإسلام. # وإنما شبه الكافر بالمكب على وجهه؛ لأنه ضال أعمى القلب عن ~~الهدى، وقال قتادة: (هذا في الآخرة) معناه: أفمن يمشي مكبا ~~على النار يوم القيامة أهدى أم من يمشي على طريق الجنة؟ كما قال ~~تعالى في الكفار # ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا ~~وبكما # [الاسراء: 97]. ### || [67.23] # قوله تعالى: { قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم ~~السمع والأبصار والأفئدة }؛ أي قل لهم يا محمد: هو ~~الذي خلقكم وخلق لكم السمع فاستمعوا إلى الحق، والأبصار فأبصروا ~~بها الحق، والأفئدة فاعلموا بها الحق، { قليلا ما ~~تشكرون }؛ نعم الله عليكم. ### || [67.24] # قوله تعالى: { قل هو الذي ذرأكم في الأرض }؛ أي ~~هو الذي خلقكم صغارا ورباكم إلى أن صيركم كبارا، { ~~وإليه تحشرون }؛ أي تجمعون في الآخرة فيجزيكم بأعمالكم. ### || [67.25-26] # قوله تعالى: { ويقولون متى هذا الوعد }؛ أي هذا ~~الحشر الذي تعدنا به، { إن كنتم صادقين }؛ أن يكون ذلك، { ~~قل إنما العلم } بوقت ms2143 الحشر، { عند الله وإنمآ ~~أنا نذير مبين }؛ أي مخوف لكم بلغة تعرفونها. ### || [67.27] # قوله تعالى: { فلما رأوه زلفة سيئت وجوه ~~الذين كفروا }؛ معناه: فلما رأوا العذاب قريبا تبين ~~السوء في وجوههم وساءهم ذلك. وقيل: أحرقت وجوه الذين ~~كفروا، فاسودت وعلتها الكآبة والقترة. وقيل: معنى { ~~سيئت } قبحت وجوههم بالسواد، { وقيل }؛ لهم: { هذا ~~}؛ العذاب، { الذي كنتم به }؛ من أجله، { تدعون }؛ ~~الأباطيل والأكاذيب أنكم إذا متم. وكنتم ترابا وعظاما أنكم ~~لا تبعثون. وقرأ الضحاك وقتادة ويعقوب (تدعون) مخففا؛ أي ~~تدعون الله أن يأتيكم به، من الدعاء وهو قولهم # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك # [الأنفال: 32] الآية. ### || [67.28] # قوله تعالى: { قل أرأيتم إن أهلكني الله ~~ومن معي أو رحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب ~~أليم }؛ وذلك أن الكفار متمنون موت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وموت أصحابه، فقيل لهم: أرأيتم إن أصبتم مناكم فينا ~~بالهلاك، فمن يجيركم من العذاب الذي لا بد نازل بكم، أتظنون ~~أن الأصنام أو غيرها تجيركم؟ فإذا علمتم أن لا مجير لكم فهلا ~~تمسكتم بما يخلصكم من العذاب وهو الإيمان بالله. ### || [67.29] # قوله تعالى: { قل هو الرحمن آمنا به وعليه ~~توكلنا }؛ أي هو الرحمن الذي نعبده، ونفوض أمورنا إليه، { ~~فستعلمون }؛ في الآخرة، { من هو في ضلال مبين }؛ نحن ~~أم أنتم. ### || [67.30] # قوله تعالى: { قل أرأيتم إن أصبح مآؤكم ~~غورا }؛ أي غائرا في الأرض لا تناله الأيدي والدلاء، { ~~فمن يأتيكم بمآء معين؛ } ظاهر يظهر من العيون إلا ~~الله الذي به تشركون، فإذا لم تقدروا أنتم ولا آلهتكم على أن ~~تجعلوا الماء الغائر في الأرض ظاهرا، فكيف تقدرون على أن ~~تدفعوا عذاب الله عن أنفسكم إذا نزل بكم؟ وكيف يقدر على ذلك من ~~اتخذتموه إلها من دون الله. # ويحكى أن متهما في دينه سمع رجلا يقرأ { قل أرأيتم ~~إن أصبح مآؤكم غورا فمن يأتيكم بمآء معين } ~~فقال: الماء مع الفأس والمعول، فنام من ليلته تلك فأصبح وقد ~~ذهب ماء عينيه وبقي أعمى إلى أن مات، والعياذ بالله من ~~الخذلان. ms2144 ### | [68 - سورة القلم] ### || [68.1-2] # { ن والقلم وما يسطرون }؛ قال ابن عباس رضي الله ~~عنهما: (يعني بقوله { ن } الحوت الذي على الأرض واسمه لوثيا، ~~وذلك أنه لما خلق الله الأرض وفتقها، بعث الله ملكا من تحت ~~العرش فهبط إلى الأرض حتى دخل تحت الأرضين السبع، فوضعها على ~~عاتقه وإحدى يديه بالمشرق والأخرى بالمغرب، فلم يكن لقدميه ~~قرار، فأهبط الله من الفردوس ثورا له أربعون ألف قرن وأربعون ~~قائمة، وجعل قرار قدم الملك على سنامه، فلم تستقر قدماه، ~~فخلق الله قوة خضراء غلظها مسيرة خمسمائة سنة، فوضعها بين سنام ~~الثور وآذانه فاستقرت عليها قدماه، وقرون ذلك الثور خارجة من أقطار ~~الأرض ومنخاراه في البحر، فهو يتنفس كل يوم نفسا، فاذا ~~تنفس مد البحر، وإذا رد نفسه جزر، فلم يكن لقوائم الثور ~~موضع قرار، فخلق الله صخرة خضراء كغلظ سبع سماوات وسبع أرضين، ~~فاستقرت قوائم الثور عليها، وهي الصخرة التي قال لقمان لابنه # فتكن في صخرة # [لقمان: 16]، فم يكن للصخرة مستقر، فخلق الله نونا، وهو الحوت ~~العظيم فجعل الصخرة على ظهره وسائر جسده خال، والحوت على البحر، ~~والبحر على متن الريح، والريح على القدرة). # وقال بعضهم: هو اسم السورة. وقيل: هو آخر حروف الرحمن وهي ~~رواية عكرمة عن ابن عباس قال: (الر و حم و ن حروف الرحمن). ~~وقال قتادة والضحاك: (النون هي الدواة)، وقال بعضهم: هو ~~لوح من نور. وقال عطاء: (هو افتتاح اسم الله تعالى: ~~نور، وناصر). واختلفوا القراءة فيه، فقرأ بعضهم بإظهار النون، ~~وقرأ بعضهم بإخفائها، وقرأ ابن عباس بالكسر على إضمار حروف ~~القسم، وقرأ عيسى بن عمر بالفتح على إضمار فعل. # قوله تعالى: { والقلم وما يسطرون } قال المفسرون: ~~هو القلم الذي كتب به اللوح المحفوظ، قال ابن عباس: (أول ما ~~خلق الله القلم، فقيل له: اكتب ما هو كائن إلى ~~يوم القيامة، وهو قلم من نور طوله ما بين ~~السماء والأرض). وقيل: لما خلق الله القلم، نظر إليه ~~فانشق نصفين ثم قال له: إجر، قال يا رب بما أجري؟ ms2145 قال: بما ~~هو كائن إلى يوم القيامة، فجرى على اللوح المحفوظ بذلك. # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: # " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أول شيء ~~خلق الله القلم، ثم خلق النون وهي الدواة، ثم ~~قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل ~~ورزق وأجل، فكتب ما كان وما يكون من ذلك " ". # قوله { وما يسطرون } يعني وما تكتب الملائكة الحفظة من ~~أعمال بني آدم، وجواب القسم { مآ أنت بنعمة ربك ~~بمجنون } وهو جواب لقولهم # يأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون # [الحجر: 6]، فأقسم الله تعالى بالنون والقلم وبأعمال بني آدم ~~فقال: { مآ أنت }؛ يا محمد؛ { بنعمة ربك بمجنون }؛ ~~أي ما أنت بإنعامه عليك بالنبوة والإيمان بمجنون. ### || [68.3] # قوله تعالى: { وإن لك لأجرا }؛ معناه: وإن لك أجرا ~~بصبرك على افترائهم عليك ونسبتهم إياك إلى الجنون، { غير ~~ممنون }؛ أي غير منقوص ولا مقطوع. ### || [68.4] # قوله تعالى: { وإنك لعلى خلق عظيم }؛ أي على ~~دين عظيم لم أخلق دينا أحب إلي، ولا أرضى عندي منه، يعني ~~الإسلام، وروي عن عكرمة عن ابن عباس: (يعني القرآن) ~~والمراد آداب القرآن كما أمر الله به نبيه عليه السلام. # وسئلت عائشة رضي الله عنها عن خلقه، فقالت ~~للسائل: (إقرأ العشر التي في أول سورة ~~المؤمنين، فقرأها، فقالت: تلك خلقه). وقيل: ~~لما سئلت عائشة عن خلقه، قالت: (كان خلقه ~~القرآن، يسخط لسخطه، ويرضى لرضاه). # ويقال: # " إن جبريل عليه السلام لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~بقوله: { خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين } قال: " أتيتك يا محمد بمكارم الأخلاق: ~~أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ~~ظلمك " # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " بعثت لأتمم مكارم الأخلاق، أدبني ربي فأحسن ~~تأديبي ". # ويقال: # " إنه صلى الله عليه وسلم احتمل لله في البلاء إلى أن قال حين ~~شج في وجهه: " اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ~~" فأنزل الله تعالى { وإنك لعلى خلق عظيم } " # قال ms2146 الجنيد: (سمى خلقه عظيما لأنه لم يكن له هم ~~سوى الله تعالى). وقيل: إنه صلى الله عليه وسلم عاشرهم ~~بخلقه وزايلهم بقلبه، كان ظاهره مع الخلق وباطنه مع الحق! ~~وقيل: سمى خلقه عظيما لاحتمال مكارم الأخلاق فيه. # وقالت عائشة رضي الله عنها: (إن الرجل ليدرك ~~بخلقه درجة قائم الليل وصائم النهار)، وقال صلى ~~الله عليه وسلم: # " ما من شيء أثقل في الميزان من خلق حسن " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن أحبكم إلى الله تعالى أحاسنكم أخلاقا، ~~الموطئون أكنافا، الذين يؤلفون ويألفون. ~~وأبغضكم إلى الله تعالى المشاءون بالنميمة، ~~المفرقون بين الإخوان، الملتمسون للعثرات ". ### || [68.5-6] # قوله تعالى: { فستبصر ويبصرون } ، أي ستعلم ~~ويعلمون، يعني أهل مكة، وهذا وعيد لأهل مكة بالعذاب ببدر، ~~يعني: سترى ويرى أهل مكة إذا نزل بهم العذاب ببدر، { ~~بأييكم المفتون }؛ الباء زائدة، والمعنى: أيكم المجنون ~~الذي فتر بالجنون أأنت أم هم؟ يعني أنهم يعلمون عند العذاب أن ~~الجنون كان لهم حين عبدوا الأصنام، وتركوا دينك. ### || [68.7] # قوله تعالى: { إن ربك هو أعلم بمن ضل عن ~~سبيله }؛ معناه: إن ربك يا محمد أعلم بمن سبق له ~~الشقاء في علمه، { وهو أعلم بالمهتدين }؛ أي أعلم ~~بمن سبقت له السعادة. ### || [68.8-9] # قوله تعالى: { فلا تطع المكذبين }؛ بالكتب ~~والرسل، وهم رؤوس الكفار الذين كانوا يدعونه إلى دين آبائه. ~~وقوله تعالى: { ودوا لو تدهن فيدهنون }؛ معناه: ~~تمنى الكفار يا محمد أن تضايعهم فيضايعونك، وتلاينهم ~~فيلاينونك، مأخوذ من الدهن. # وقال مجاهد: (معناه: إظهار القول باللسان بخلاف ما ~~في القلب، كأنه شبه التليين في القول بتليين ~~الدهن). وقال مجاهد: (معناه: ودوا لو تركن إليهم ~~وتترك ما أنت عليه من الحق فيمالؤك). وقال ~~الضحاك: (ودوا لو تكفر فيكفرون). وقال زيد بن أسلم: ~~(ودوا لو تنافق وترائي فينافقون). قال ابن قتيبة: ~~(كانوا أرادوه أن يعبد آلهتهم مدة ويعبدون ~~الله مدة). ### || [68.10] # قوله تعالى: { ولا تطع كل حلاف مهين }؛ هذا ~~تحذير للنبي صلى الله عليه وسلم عن الركون. والحلاف: كثير ~~الحلف بالباطل، والمهين: قيل: من المهانة؛ وهي الحقارة ms2147 ~~والضعف في الرأي والتمييز، قيل: إن المراد به الوليد بن ~~المغيرة المخزومي، وكان قد عرض على النبي صلى الله عليه وسلم ~~ليرجع عن دينه، وسمي مهينا لاستخارته الحلف والكذب على ~~الصدق، ثم كانت الآية عامة في كل من كان في طريقته. وقيل: ~~المراد به الأسود بن عبد يغوث، وقيل: الأخنس بن شريق. ### || [68.11] # قوله تعالى: { هماز مشآء بنميم }؛ الهماز: المغتاب ~~الطعان للناس، مشاء بنميم: أي يمشي بالنميمة بين الناس؛ ~~ليفسد بينهم. وقيل: الهماز: الوقاع في الناس، العائب لهم ~~بما ليس فيهم، ويسمى النمام: القتات، قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا يدخل الجنة قتات ". ### || [68.12-13] # قوله تعالى: { مناع للخير }؛ أي كثير المنع للخير، ~~وكان الوليد بن المغيرة بهذه الصفة يمنع الناس من اتباع النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وكان يمنع أهله وولده والحمية عن الإسلام، ~~يقال: المناع للخير البخيل الذي هو كثير المنع للحقوق الواجبة ~~في المال. # قوله عز وجل: { معتد أثيم }؛ المعتدي: هو الغشوم ~~الظلوم على عباد الله، والأثيم: الكذاب الذي هو كثير الإثم. ~~قوله تعالى: { عتل بعد ذلك زنيم }؛ العتل: شديد ~~الخصومة بالباطل. وقيل: الشديد الحلف، أكول شروب رحيب ~~البطن سريح صحيح الجسم على بطنه، ويجيع عبده ويمنع ~~رفده، ومأخوذ من العتل وهو الشدة في السحب. وقيل: شديد ~~الخلق وأحسن الخلق. وقيل: هو الجافي القاسي اللئيم ~~العسر الضجر. وقال الكلبي: (هو الشديد في كفره). # قوله تعالى: { بعد ذلك زنيم } أي مع ما وصفناه به ~~زنيم، وقيل: معناه عتل مع ذلك زنيم، والزنيم: ~~الملصق في القوم وليس منهم، والزنيم هو الدعي، قال ~~الشاعر: # زنيم ليس يعرف من أبوه # بغي الأم ذو حسب لئيم # وعن ابن عباس في قوله تعالى { زنيم } قال: (يعرف بالشر ~~كما تعرف الشاة بزنمتها). وقال ابن عباس: (معنى ~~قوله { زنيم } أي هو مع كفره دعي في قريش ~~ليس منهم). قيل: إنما ادعاه أبوه إلا بعد ثماني عشرة ~~سنة. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (الزنيم الذي لا أصل ~~له). قال ابن قتيبة: (لا نعلم أن ms2148 الله وصف أحدا كما ~~ذكره، ولا بلغ من ذكر عيوبه كما بلغ عيوب ~~الوليد بن المغيرة، لأنه وصفه بالحلف ~~والمهانة والعيب للناس والمشي بالنمائم ~~والبخل والظلم والإثم والجفا والدعوة، فألحق ~~به عارا لا يفارقه في الدنيا والآخرة). # وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: # " " لا يدخل الجنة جواظ ولا جعظري ولا ~~العتل الزنيم " وقيل: يا رسول الله ما الجواظ؟ ~~قال: " الذي جمع ومنع تدعوه لظى نزاعة للشوى ~~" قيل: وما الجعظري؟ قال: " الفظ الغليظ " قيل: ~~وما العتل الزنيم؟ قال: " الشديد الخلق الرحيب ~~البطن، ظلوم للناس " ". # قال صلى الله عليه وسلم: # " " تبكي السماء من رجل أصح الله جسمه وأرحب ~~جوفه وأعطاه الدنيا، فكان للناس ظلوما، فذلك ~~العتل الزنيم " قال: " وتبكي السماء من الشيخ ~~الزاني ما تكاد الأرض تقله " # وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: # " لا يدخل الجنة ولد الزنا ولا ولده ولا ولد ~~ولده، وأن أولاد الزناة يحشرون في يوم ~~القيامة في صورة القردة والخنازير ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " لا تزال أمتي بخير ما لم يفش فيهم ولد ~~الزنى، فإن فشا فيهم ولد الزنا فيوشك أن ~~يعمهم الله بعقاب " # ، وقال عكرمة: (إذا كثر أولاد الزنا قل المطر). ### || [68.14] # قوله تعالى: { أن كان ذا مال وبنين }؛ معناه: لا ~~تطعه لأنه كان ذا مال وبنين؛ أي لا تطعه لماله وبنيه، ~~وكان ماله نحوا من سبعة آلاف مثقال من فضة، وكان له بنون عشرة، ~~وكان يقول لهم: من أسلم منكم فلا يدخلن داري، ولا أنفعه بشيء ~~أبدا. وقرأ ابن عامر ويعقوب (أن كان ذا مال) بالمد، وقرأ حمزة ~~وعاصم (أأن) كان بهمزتين. وقرأ غيرهم على الخبر حين قرأ بالاستفهام، ~~فمعناه: ألأن كان ذا مال وبنين تطيعه، ويجوز أن يكون راجعا الى ~~ما بعده، والمعنى: لأجل أن كان ذا مال وبنين. ### || [68.15-16] # قوله تعالى: { إذا تتلى عليه آياتنا }؛ وهي القرآن أبى ~~أن يقبلها و؛ { قال أساطير الأولين }؛ أي ما كتبه ~~الأولون من أحاديثهم قد درسه محمد ms2149 وأصحابه. قوله تعالى: { ~~سنسمه على الخرطوم }؛ أي سنسمه بالسواد على الأنف، ~~وذلك أنه يسود وجهه قبل دخول النار، والمعنى: سنعلمه بعلامة ~~يعرفه بها جميع أهل القيامة، ويقال: سنسمه بسيماء لا ~~تفارقه آخر الدهر؛ أي نلحق به عارا يبقى ذلك عليه أبدا، كما ~~تعرف الشاة بسيمتها، والخرطوم: الأنف، وقال الضحاك: ~~(سنكويه على وجهه). ### || [68.17-18] # قوله تعالى: { إنا بلوناهم كما بلونآ أصحاب ~~الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين }؛ معناه: ~~إنا امتحنا أهل مكة بالجوع والقحط والقتل والسبي والهزيمة ~~يوم بدر، كما امتحنا أهل البستان، وأراد به بستانا كان باليمن ~~يعرف بالقيروان دون صنعاء بفرسخين، كان يطئوه أهل الطريق، قد ~~غرسه قوم بعد عيسى عليه السلام وهم قوم بخلاء، وقيل: من بني ~~إسرائيل، وكانوا مسلمين باليمن، ورثوا هذا البستان من أبيهم وفيه ~~زرع ونخيل، وكان أبوهم يجعل مما فيه حظا للمسلمين عند الحصاد ~~والصرام. # فلما مات أبوهم ورثوه وكانوا ثلاثة، قالوا: إن المال قليل ~~والعيال كثير، فلا يسعنا أن نفعل ما كان يفعل أبونا، وإنما كان ~~أبونا يفعل ذلك لأن المال كان كثيرا والعيال قليلا، فعزموا على ~~حرمان المساكين، فتحالفوا بينهم يوما ليغدوا غدوة قبل خروج ~~الناس ليقطعوا نخلهم إذا أصبحوا بسرقة من الليل من غير أن ~~يشعر بهم المساكين، { ولا يستثنون }؛ أي ولا يقولون إن شاء ~~الله، وذلك قوله تعالى: { إذ أقسموا ليصرمنها } ~~أي ليقطعن ثمرها { مصبحين } أي عند طلوع الفجر قبل أن ~~يخرج المساكين إليه { ولا يستثنون } أي ولم يقولوا إن شاء ~~الله. # وروي أن أباهم كان يأخذ من هذا البستان قوت سنة لنفسه، وكان ~~يتصدق بما بقي على المساكين. وقيل: إنه كان يترك لهم ما خرج ~~من السباط الذي كان يسقط تحت النخلة إذا صرمت، فقال بنوه بعد ~~موته: نحن جماعة وإن فعلنا ما كان يفعله أبونا ضاق عيشنا، ~~فحلفوا ليصرمنها مصبحين لئلا يصل إلى المساكين منها شيء، ~~ولا يستثنون. # وإنما شبه اختبار أهل مكة باختبار أهل البستان؛ لأن أبا جهل ~~كان قال يوم بدر قبل التقاء الفئتين، والله لنأخذهم أخذا، ms2150 ~~ولم يستثن، فقال صلى الله عليه وسلم حين بلغه الخبر: # " اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم سنين ~~كسنين يوسف " # ، وكان هذا الدعاء قبل وقوع الهزيمة على الكفار، فابتلاهم الله ~~بالجوع والقحط سبع سنين حتى أكلوا العظام المحرقة. ### || [68.19-20] # قوله تعالى: { فطاف عليها طآئف من ربك وهم ~~نآئمون }؛ وذلك أنهم لما تخافتوا تلك الليلة على أن ~~يصرموها، سلط الله على جنتهم بالليل نارا فأحرقته وهم ~~نائمون. ولا يكون الطائف إلا بالليل، { فأصبحت كالصريم ~~}؛ أي كالليل المظلم سوداء محترقة. والصريمان: الليل ~~والنهار، ولا يصرم أحدهما من الآخر، وقيل: سمي الليل ~~صريما؛ لأنه يقطع بظلمته عن التصرف في الأمور. ### || [68.21-22] # قوله تعالى: { فتنادوا مصبحين * أن اغدوا على ~~حرثكم إن كنتم صارمين }؛ أي أصبحوا عند طلوع الفجر ~~ينادي بعضهم بعضا: أن اغدوا إلى بستانكم وزروعكم إن كنتم ~~قاطعين للثمار والأعناب والزروع قبل أن يعلم المساكين بنا. ### || [68.23-24] # قوله تعالى: { فانطلقوا وهم يتخافتون }؛ أي ~~فتنادوا مصبحين، وخرجوا مسرعين يتخافتون؛ أي يسرون الكلام ~~فيما بينهم ويتشاورون فيما بينهم { أن لا يدخلنها اليوم ~~عليكم مسكين }؛ يزاحمهم على الثمرة أن لا يقطعنها أحد من ~~المحتاجين، والمعنى: أنهم كانوا يتشاورون يقول بعضهم لبعض: { لا ~~يدخلنها اليوم عليكم مسكين } ، والتخافت: هو ~~إخفاء الحركة، والخفوت: السكوت. ### || [68.25] # قوله تعالى: { وغدوا على حرد قادرين }؛ أي غدوا ~~على قصد منع الفقراء قادرين في زعمهم على إحراز ما في جنتهم من ~~الثمار دون الفقراء، وهم لا يعلمون أنها قد احترقت ليلا وهم ~~نائمون. وقيل: إن الحرد هو المنع والغضب والحنق على المساكين، ~~وقيل: الحرد هو الجد، وقيل: الغلظ. ### || [68.26-27] # قوله تعالى: { فلما رأوها قالوا إنا لضآلون ~~* بل نحن محرومون }؛ فلما رأوا جنتهم عند الصباح سوداء ~~محترقة قالوا: إنا قد ضللنا الطريق وليست هذه جنتنا، فلما أمعنوا ~~النظر عرفوها، فعلموا أنها عقوبة، فقالوا: { بل نحن ~~محرومون } أي حرمنا ثمر جنتنا لمنعنا المساكين، وما ~~أخطأنا الطريق إليها. ### || [68.28-29] # قوله تعالى: { قال أوسطهم ألم أقل لكم لولا ~~تسبحون }؛ أي قال أعدلهم وأفضلهم، وقيل: أوسط الثلاثة ~~سنا، قال ms2151 لهم: ألم أقل لكم هلا تستثنون في حلفكم وقد ~~كان قال لهم ذلك عند قسمهم. # وإنما أقيم لفظ التسبيح مقام الاستثناء؛ لأن في الاستثناء ~~تعظيم الله، والإقرار بأن أحدا لا يقدر أن يفعل فعله إلا ~~بمشيئة الله تعالى. ويقال: كان استثناء القوم في ذلك الزمان ~~التسبيح. ويجوز أن يكون معنى التسبيح ها هنا: هلا تنزهون ~~الله وتستغفرونه من سوء نياتكم؟ { قالوا }؛ عندما رأوا من ~~قدرة الله تعالى: { سبحان ربنآ }؛ أي تنزيها لربنا وتعظيما ~~واستغفارا له، { إنا كنا ظالمين }؛ لأنفسنا بما عزمنا عليه ~~من الذهاب بحقوق الفقراء ومنعنا لهم. ### || [68.30-33] # قوله تعالى: { فأقبل بعضهم على بعض ~~يتلاومون }؛ أي أقبلوا يلوم بعضهم بعضا بما كان منهم من منع ~~المساكين، يقول كل واحد منهم لصاحبه: هذا من عملك، وأنت الذي ~~بدأت بذلك، ثم { قالوا }؛ بأجمعهم: { يويلنا إنا ~~كنا طاغين }؛ حين لم نصنع ما صنع أبونا من قبل. والطاغي: ~~المتجاوز عن الحد. # ثم رجعوا إلى الله تعالى ورجوا منه العقبى، وسألوه أن يبدلهم ~~خيرا منها فقالوا: { عسى ربنآ أن يبدلنا خيرا منهآ ~~إنآ إلى ربنا راغبون }؛ أي نرغب إليه ونرجو منه ~~الخلف في الدنيا، والثواب في الآخرة. قال الله تعالى: { ~~كذلك العذاب }؛ أي هذا العذاب في الدنيا لمن منع حق الله ~~ولمن كفر بنعمة الله، { ولعذاب الآخرة أكبر }؛ وأشد ~~على كفار مكة، { لو كانوا يعلمون }؛ أن الذي يخوفهم الله ~~به حق. ### || [68.34-36] # قوله تعالى: { إن للمتقين عند ربهم جنات ~~النعيم * أفنجعل المسلمين كالمجرمين * ما لكم ~~كيف تحكمون }؛ وذلك أن عتبة بن ربيعة كان يقول: إن كان ما ~~يقوله محمد حقا في النعيم في الآخرة لنكونن أفضل منهم في ~~الآخرة، فضلنا عليهم في الدنيا. فأنزل الله هذه الآيات لبيان ~~أن جنات النعيم في الآخرة خاصة للذين يتقون الشرك ~~والفواحش. # وقوله تعالى: { أفنجعل المسلمين كالمجرمين } هذا ~~استفهام معناه الإنكار والتوبيخ. وقوله تعالى: { ما لكم كيف ~~تحكمون } إنكار عليهم أيضا لما حكموا بالسوية وبين أهل ~~الثواب وأهل العقاب. ### || [68.37-38] # قوله تعالى: { أم لكم كتاب فيه تدرسون * إن ms2152 ~~لكم فيه لما تخيرون } أي ألكم يا أهل مكة كتاب من ~~الله، فيه تقرأون بأن لكم في الدنيا والآخرة ما تختارون لأنفسكم. ~~والمعنى: ألكم فيه كتاب تقرأون أن لكم في ذلك الكتاب ما تختارون. ### || [68.39-40] # قوله تعالى: { أم لكم أيمان علينا بالغة إلى ~~يوم القيامة إن لكم لما تحكمون }؛ معناه: ألكم ~~علينا عهود وثيقة إلى يوم القيامة، بأن لكم ما تقضون لأنفسكم أن لكم من ~~الخير والكرامة، وإنما كسرت (إن) في هاتين الآيتين لدخول اللام في ~~خبرها. # ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام: { سلهم أيهم بذلك ~~زعيم }؛ أي سلهم يا محمد أيهم كفيل لهم بأن لهم في ~~الآخرة ما للمسلمين، والزعيم هو الكفيل الضامن. ### || [68.41] # قوله تعالى: { أم لهم شركآء فليأتوا ~~بشركآئهم إن كانوا صادقين }؛ معناه: ألهم فيما يقولون ~~شهداء وأعوان عليه؟ فليأتوا بشركائهم يشهدون لهم بذلك إن كانوا ~~صادقين في مقالتهم، وأراد بالشركاء الأصنام التي أشركوها بالله ~~تعالى. ### || [68.42-43] # قوله تعالى: { يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى ~~السجود فلا يستطيعون } معناه: يوم يكشف عن الأمور ~~الشدائد وهو يوم القيامة، وهذا مما كثر استعماله في كلام العرب ~~على معنى يوم يشتد الأمر كما يشتد ما يحتاج إلى أن يكشف فيه عن ~~ساق، ومن ذلك قولهم: قامت الحرب على ساق، وكشفت عن ساق، وإن ~~لم يكن للحرب ساق. # وانتصب قوله { يوم يكشف } على الظرف لقوله { فليأتوا ~~بشركآئهم } في ذلك اليوم لتنفعهم أو تشفع لهم، وعن عكرمة ~~قال: سئل ابن عباس عن قوله تعالى: { يوم يكشف ~~عن ساق } فقال: إذا خفي عليكم شيء من القرآن ~~فابتغوه في الشعر، فإنه ديوان العرب، أما ~~سمعتم قول الشاعر: # والخيل تعدو عند وقت الإشراق # وقامت الحرب بنا على ساق # أي يوم القيامة يوم كرب وشدة، وقال ابن قتيبة: (أصل هذا أن ~~الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجد فيه ~~يشمر عن ساقيه) فاستعير الكشف عن الساق في موضع الشدة، ~~وقال دريد بن الصمة يرثي أخاه: # كشمس الإزار خارج نصف ساقه # صبور على الجلا طلاع ms2153 أنجد # يقال للأمر إذا اشتد وتفاقم وتراكب غمه وكشف عن ساقه يوم ~~يشتد الأمر، كما يشتد ما يحتاج إليه إلى أن يكشف عن ساق. # قوله تعالى: { ويدعون إلى السجود فلا ~~يستطيعون } قال المفسرون: يسجد الخلق كلهم سجدة واحدة، ~~ويبقى الكفار والمنافقون يريدون أن يسجدوا فلا يستطيعون، كما روي: ~~أن أصلابهم يومئذ تصير عظما واحدا مثل صياصي البقر، يعني ~~قرونها. ويقال: يأمر الله أهل القيامة بالسجود، فمن كان يسجد ~~له في الدنيا قدر على السجود في الآخرة، ومن لا فلا، فيكون ذلك ~~أمارة تمييز المؤمن من الكافر. قوله تعالى: { خشعة ~~أبصرهم }؛ أي ذليلة، وذلك إذا عاينوا النار، وأيقنوا ~~بالعذاب. قوله تعالى: { ترهقهم ذلة }؛ أي تغشاهم ~~ذلة الندامة والحسرة، وتعلوهم كآبة وحزن وسواد الوجه. # قوله تعالى: { وقد كانوا يدعون إلى السجود }؛ ~~يعني وقد كانوا يدعون بالأذان في الدنيا، ويؤمرون بالصلاة ~~المكتوبة، { وهم سلمون }؛ أي معافون ليس في أصلابهم مثل ~~سفافيد الحديد. ### || [68.44-45] # قوله تعالى: { فذرني ومن يكذب بهذا الحديث }؛ أي ~~خل بيني وبين من يكذب بهذا القرآن، لا تشغل قلبك به، ~~كله فأنا أكفيك أمره. قوله تعالى: { سنستدرجهم ~~من حيث لا يعلمون }؛ أي كلما جددوا معصيته جددنا لهم ~~نعمة وأنسيناهم شكرها ثم أخذناهم بغتة. قوله تعالى: { ~~وأملي لهم إن كيدي متين }؛ قد تقدم تفسيره. ### || [68.46-47] # قوله تعالى: { أم تسألهم أجرا فهم من مغرم ~~مثقلون }؛ أي أتسألهم أجرا يا محمد على ما تدعوهم إليه ~~من الإيمان جعلا فهم من الغرم الذي يلزمهم بإجابتك ~~مثقلون فيمتنعون عن الإجابة بسببه. قوله تعالى: { أم ~~عندهم الغيب فهم يكتبون }؛ أي أعندهم الوحي بأنك ~~على الباطل وهم على الحق، فيكتبون ذلك الوحي ويخاصمونك به. ### || [68.48-50] # قوله تعالى: { فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب ~~الحوت }؛ أي اصبر يا محمد على تبليغ الوحي والرسالة، ولا ~~تكن في الضجر والعجلة كصاحب الحوت يونس عليه السلام، والمعنى: ~~لا تضجر فيما يلحقك من الأذية من جهلهم كما ضجر صاحب الحوت، ~~فخرج من بين ظهرانيهم قبل أن يأذن الله له حتى التقمه ~~الحوت، { إذ ms2154 نادى }؛ فنادى وهو في بطن الحوت: # لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين # [الأنبياء: 87]. # قوله تعالى: { وهو مكظوم }؛ أي مملوء غما، { ~~لولا أن تداركه نعمة من ربه }؛ بقبول توبته، { ~~لنبذ بالعرآء وهو مذموم }؛ أي لألقي من بطن الحوت ~~على وجه الأرض، وقيل: معناه: لنبذ بالضجر وهو ملوم مذموم، ~~ولكن قبل الله توبته، فنبذ وهو غير مذموم. قوله ~~تعالى: { فاجتباه ربه فجعله من الصالحين }؛ أي ~~اختار يونس لنبوته وللإسلام، فجعله من الصالحين بقبول ~~توبته، فرد إليه الوعي وشفعه في قومه. ### || [68.51-52] # قوله تعالى: { وإن يكاد الذين كفروا ~~ليزلقونك بأبصارهم }؛ اختلفوا في ذلك، قال بعضهم: كان ~~عادة العرب أنهم إذا حسدوا إنسانا تجوعوا ثلاثة أيام، ثم ~~خرجوا عليه فقالوا له: ما أحسنك؛ ما أجملك؛ ما كذا وكذا ~~ليصيبوه بأعينهم، فتواطؤا على أن يفعلوا ذلك بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم، فدفع الله عنه كيدهم وشرهم. وقيل: إن العين كان في ~~بني إسرائيل أشد، حتى أن الناقة السمينة والبقرة السمينة كانت ~~تمر بأحدهم، فيعاينوها ثم يقول: يا جارية خذي الزنبيل ~~والدرهم واذهبي ائتنا بلحم من هذه، فما يبرح أن تنحر من ~~ساعتها. # قال الكلبي: (كان رجل من العرب يمكث لا يأكل ~~يومين أو ثلاثة، ثم يرفع جانب خبائه فتمر ~~به الإبل، فيقول فيها ما يعجبه، فما تذهب إلا ~~قريبا حتى تسقط لوقتها، فسأل الكفار هذا ~~الرجل أن يصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعينه ~~ويفعل به مثل ذلك، فأجابهم إلى ذلك، فعصم الله ~~تعالى نبيه وحفظه عنهم، وأنزل هذه الآية). # وروي أن الكفار كانوا يقصدون رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يصيبوه بالعين، وكانوا ينظرون إليه نظر أشد يدا بالعين، وقال ~~الزجاج: (معنى الآية: أن الكفار كانوا من شدة ~~بغضهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ينظرون إليه ~~نظر البغضاء)، والمعنى: تكاد الكفار بنظرهم إليك أن ~~يصرعوك. # وقرأ نافع (ليزلقونك) بفتح الياء، يقال: زلق هو ~~وزلقته، مثل حزنته وحزن هو، وقرأ الباقون ~~(ليزلقونك) من أزلقه من موضعه إذا نحاه، وعن ms2155 رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " العين حق، ولو كان شيء يسبق القدر لسبقته ~~العين " # وقال: # " إن العين لتدخل الرجل القبر، والجمل ~~القدر " # وقيل: معنى الآية: وإن يكاد الذين كفروا من شدة إبغاضهم ~~وعداوتهم لك يسقطونك ويصرفونك عما أنت عليه من تبليغ ~~الرسالة ويزيلونك عن المقام الذي أقامك الله فيه. # قوله تعالى: { لما سمعوا الذكر ويقولون إنه ~~لمجنون }؛ أي لما أعيتهم الحيلة عن صرف الناس عنك نسبوك إلى ~~الجنون مع علمهم بخلاف ذلك. قوله تعالى: { لما سمعوا ~~الذكر } يعني القرآن، وذلك أنهم كانوا يكرهون القرآن أشد ~~الكراهة، فيحدون النظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم حين يتلوه ~~بالبغضاء، وكانوا ينسبونه إلى الجنون إذا سمعوه يقرأ القرآن، ~~فقال الله تعالى: { وما هو إلا ذكر للعالمين }؛ أي ما ~~القرآن الذي يقرؤه عليهم إلا عظة للخلائق كلهم. ### | [69 - سورة الحاقة] ### || [69.1-3] # { الحاقة * ما الحآقة }؛ اسم من أسماء القيامة، سميت به ~~حاقة لأنها حقت فلا كاذبة لها، ولأن فيها حواق الأمور ~~وحقائقها، وفيها يحق الجزاء على الأعمال؛ أي يجب، يقال: حق ~~عليه الشيء إذا وجب، قال الله تعالى: # لكن حقت كلمة العذاب على الكافرين # [الزمر: 71]، ولا يكون في القيامة إلا حقائق الأمور. # وقوله تعالى: { ما الحآقة } استفهام بمعنى التفخيم لشأنها، ~~كما يقال: زيد ما هو؟ على التعظيم لشأنه، ثم زاد في التهويل ~~فقال: { ومآ أدراك ما الحاقة }؛ أي كأنك لست تعلمها إذا ~~لم تعاينها، ولم تر ما فيها من الأهوال. ### || [69.4] # قوله تعالى: { كذبت ثمود وعاد بالقارعة }؛ أي ~~بطغيانهم وكفرهم، هذا قول ابن عباس ومجاهد، كذبوا بالقيامة ~~فأهلكهم الله، والقارعة من أسماء القيامة، سميت بذلك لأنها ~~تقرع القلوب بالأهوال والمخافة. ### || [69.5] # قوله تعالى: { فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية }؛ ~~أي بطغيانهم وكفرهم، هذا قول ابن عباس ومجاهد، وقال آخرون: ~~يعني أهلكوا بالصيحة الطاغية، وهي التي جاوزت الحد والمقدار. ### || [69.6] # قوله تعالى: { وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر ~~عاتية }؛ أي بريح باردة شديدة البرد جدا بالغة منتهاها في ~~الشدة. والصرصر: شدة البرد، والصرصر: ما يتكرر فيه ms2156 ~~البرد الشديد، كما يقال: صل اللجام إذا صوت، فإذا تكرر صوته ~~قيل: صلصل، والعاتية من قولهم: عتا النبت إذا بلغ منتهاه ~~في الجفاف، ومن ذلك قوله تعالى: # وقد بلغت من الكبر عتيا # [مريم: 8]، وقيل: معنى عاتية عتت عن خزائنها فلم يكن لهم ~~عليها سبيل، ولم يعرفوا كم خرج منها. ### || [69.7-8] # قوله تعالى: { سخرها عليهم سبع ليال ~~وثمانية أيام حسوما }؛ أي أرسلها عليهم سبع ليال ~~وثمانية أيام حسوما؛ أي متتابعة لا ينقطع أوله عن آخره، ~~كما يتابع الإنسان الكي على المقطوع الجسم دمه؛ أي يقطعه. وفي ~~الحديث: # " إن هذه الريح التي أصابتهم كانت قطعة من ~~زمهرير على قدر ما يخرج من حلقة الخاتم " # قال وهب: (هذه الأيام التي أرسلت الريح على عاد ~~هي أيام العجوز ذات برد ورياح شديدة، وانقطع ~~العذاب في اليوم الثامن). وقيل: سميت أيام العجز؛ ~~لأنها في عجز الشتاء، ولها أسامي مشهورة تعرف في كتب اللغة. # قوله تعالى: { فترى القوم فيها صرعى }؛ معناه: ~~فترى أيها الرائي القوم في تلك الأيام والليالي صرعى؛ أي ~~ساقطين بعضهم على بعض موتى، { كأنهم أعجاز نخل ~~خاوية }؛ أي كأنهم أصول نخل ساقطة بالية قد نحرت ~~وتآكلت وفسدت. والصرعى جمع صريع، نحو قتيل وقتلى. ~~قوله تعالى: { فهل ترى لهم من باقية }؛ أي هل ترى ~~لهم من نفس باقية قائمة، والمعنى: لم يبق منهم أحد إلا هلكته ~~الريح. ### || [69.9-10] # قوله تعالى: { وجآء فرعون ومن قبله }؛ قرأ أبو عمرو ~~والحسن والكسائي ويعقوب بكسر (قبله) بكسر القاف وفتح الباء، ~~ومعناه: وجاءوا فرعون ومن يليه من جنوده وأتباعه وجموعه، وقرأ ~~الباقون بفتح القاف وإسكان الباء، ومعناه: ومن تقدمه من القرون ~~الخالية. # قوله تعالى: { والمؤتفكات بالخاطئة }؛ يعني قوم ~~لوط انقلبت قرياتهم بأهلها حين خسف بهم جاءوا بالخطئ العظيم وهو ~~الشرك بالله تعالى. قوله تعالى: { فعصوا رسول ربهم ~~}؛ يعني لوطا عليه السلام وموسى عليه السلام، والمعنى: فعصوا رسل ~~ربهم، إلا أنه وحد الرسول؛ لأنه قد يكون مصدر وأقيم مقام لفظ ~~الجماعة، وقوله تعالى: { فأخذهم أخذة رابية }؛ أي زائدة ~~نامية تزيد ms2157 على الأخذات التي كانت فيمن قبلهم، ومنه الربوة ~~للمكان المرتفع، ومنه الربا لما فيه من الزيادة. ### || [69.11] # قوله تعالى: { إنا لما طغا المآء حملناكم في ~~الجارية }؛ معناه: لما جاوز الماء القدر وارتفع حد أيام ~~الطوفان في زمن نوح عليه السلام حتى علا الماء على كل شيء ~~وارتفع، حملنا آباءكم وأنتم في أصلابهم في السفينة الجارية التي ~~تجري على الماء. وسمى ارتفاع الماء في ذلك اليوم طغيانا ~~لخروجه في ذلك اليوم عن طاعة خزانه. ويقال: لا ينزل قطر من ~~السماء إلا وعلم الملائكة محيط بها إلا في ذلك اليوم. ### || [69.12] # قوله تعالى: { لنجعلها لكم تذكرة }؛ أي لنجعل تلك ~~الأخذة وتلك السفينة بما كان من إغراق قوم نوح وإنجائه والمؤمنين ~~معه عظة يتعظ بها الخلق، فلا تفعلوا ما كان القوم يفعلونه. ~~قوله تعالى: { وتعيهآ أذن واعية }؛ أي تسمعها ~~وتحفظها أذن حافظة لما جاء من عند الله. # قال قتادة: (أذن سمعت وعقلت ما سمعت، وقال الفراء: ~~(لتحفظها كل أذن) فيكون عظة لمن يأتي بعد، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: # " " سألت الله تعالى أن يجعلها أذنك يا علي " ~~قال علي: فما سمعت شيئا فنسيته بعد ذلك " # وفي تفسير النقاش: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين نزلت { وتعيهآ ~~أذن واعية } أخذ بأذن علي رضي الله عنه وقال: هي ~~هذه ". ### || [69.13] # قوله تعالى: { فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة ~~}؛ قال عطاء: (يريد النفخة الأولى)، وقال الكلبي ومقاتل: ~~(النفخة الثانية). والنافخ إسرافيل، وأكثر المفسرين على ~~أنها النفخة الأولى التي تكون للموت. ### || [69.14] # قوله تعالى: { وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة ~~واحدة }؛ أي تحملها الملائكة الموكلون بها فيضربون الأرض ~~بالجبال والجبال بالأرض دفعة واحدة، فتصير الجبال هباء ~~منبثا، قال الحسن: (تصير غبرة نفس وجوه الكفار). ~~والدك: هو الكسر والدق، والمعنى: فدقتا وكسرتا ~~كسرة واحدة لا يثني، وقيل: الدك البسط بأن يوصل بعضها إلى ~~بعض حتى تندك، ومنه الدكان، واندك سنام البعير إذا ~~انغرس في ظهره. ### || [69.15-16] # قوله تعالى: { فيومئذ وقعت الواقعة }؛ أي قامت ~~القيامة، { وانشقت ms2158 السمآء }؛ من هيبة الرحمن، { فهي ~~يومئذ واهية }؛ أي ضعيفة جدا لا تستقل يومئذ لانتقاض ~~بنيتها. قوله تعالى: { والملك على أرجآئهآ }؛ أي ~~على أطرافها ونواحيها، واحدها أرجا مقصورة وتثنيته رجوان. # قال الضحاك: (إذا كان يوم القيامة، أمر الله السماء ~~الدنيا فتشققت، وتكون الملائكة على جوانبها ~~حتى يأمرهم الله تعالى، فينزلون إلى الأرض ~~فيحيطون بالأرض ومن عليها كما قال تعالى # وجآء ربك والملك صفا صفا # [الفجر: 22]). والملك لفظه لفظ الواحد وأن المراد به اسم ~~الجنس. ### || [69.17] # قوله تعالى: { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ~~ثمانية }؛ قال ابن عباس: (ثمانية صفوف من ~~الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله تعالى). قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " اليوم تحمله أربعة، فإذا كان يوم القيامة ~~أيدهم الله بأربعة أخرى فكانوا ثمانية " # ومعنى الآية: ويحمل عرش ربك يوم القيامة فوق الأربعة الذين هم ~~على الأرجاء ثمانية. وقال بعضهم: ثمانية من الملائكة على صورة ~~الأوعال من أظلافهم إلى ركبهم كما بين السماء والأرض. ### || [69.18] # قوله تعالى: { يومئذ تعرضون }؛ أي تعرضون للحساب، { ~~لا تخفى }؛ على الله؛ { منكم } ، نفس؛ { خافية }؛ ولا ~~يخفى عليه من أعمالكم شيء. قرأ الكوفيون غير عاصم (لا يخفى) ~~بالياء، وقرأ الباقون بالتاء. وقيل: معنى قوله تعالى: { لا ~~تخفى منكم خافية } أي لا تخفى سريرة خافية. ### || [69.19] # قوله تعالى: { فأما من أوتي كتبه بيمينه ~~فيقول هآؤم اقرءوا كتبيه }؛ وهم أهل الثواب، يعطون ~~كتابهم بأيمانهم فيقول كل واحد منهم للناس سرورا بكتابه: ~~تعالوا اقرأوا ما في كتابيه من الثواب والكرامة، وهذا كلام من ~~بلغ غاية السرور. # ومعنى { هآؤم اقرءوا } أي هاتوا أصحابي اقرأوا كتابيه، قال ابن ~~السكيت: (يقال: هاء يا رجل، وهاؤما يا رجلان، ~~وهاؤم يا رجال) والأصل هاكم فحذفت الكاف، وأبدلت منها ~~همزة، وألقيت حركة الكاف عليها. # وعن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " " أول من يعطى كتابه من هذه الأمة عمر بن ~~الخطاب، وله شعاع كشعاع الشمس " فقيل له: ~~فأين أبو بكر؟ فقال: " هيهات هيهات! زفته ~~الملائكة إلى الجنة " # وعن عائشة ms2159 رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى لله ~~عليه وسلم: # " يا عائشة كل الناس يحاسبون يوم القيامة إلا ~~أبا بكر، فهو في عيشة راضية مرضية ". ### || [69.20] # قوله تعالى: { إني ظننت أني ملاق حسابيه }؛ ~~معناه: إني علمت وأيقنت في الدنيا أني أحاسب في الآخرة، وكنت ~~أستعد لذلك، وسمي اليقين ظنا؛ لأنه علم الغيب لا علم شهادة، ~~ففيه طرف من الظن ولذلك قال عليه السلام: # " ليس الخبر كالمعاينة ". ### || [69.21] # قوله تعالى: { فهو في عيشة راضية }؛ أي في حالة من ~~العيش مرضية برضاها بأن لقي الثواب وأمن من العقاب، ومعنى ~~{ راضية } أي مرضية، كقوله: ماء دافق. ### || [69.22-24] # قوله تعالى: { في جنة عالية }؛ المنازل الرفيعة البناء. ~~وقوله تعالى: { قطوفها دانية }؛ أي ثمارها دانية ممن ~~يتناولها، وهو جمع قطف وهو ما يقطف من الثمار، والمعنى: ثمارها ~~قريبة ينالها القائم والقاعد والمضطجع، لا يمنعهم من تناولها شوك ~~ولا بعد. # ويقال لهم: { كلوا واشربوا هنيئا }؛ أي كلوا واشربوا في ~~الجنة، { بمآ أسلفتم في الأيام الخالية }؛ بما ~~قدمتم في الأيام الماضية من الأعمال الصالحة، ويعني بالأيام ~~الماضية أيام الدنيا. والهناء: ما لا يكون فيه أذى من بول ولا ~~غائط، ولا يعقبه دار ولا موت. # وكان ابن عباس يقول: (بما أسلفتم في الأيام ~~الخالية: الصوم في الأيام الحارة). كما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إن من أبواب الجنة بابا يدعى الريان، من ~~دخله لا يظمأ أبدا، يدخله الصائمون، ثم يغلق ~~عليهم فلا يدخل معهم غيرهم ". # ويقال: إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا أوليائي ما ~~نظرت إليكم في الدنيا، قد قلصت شفاهكم من العطش، وغارت ~~أعينكم وخمصت بطونكم، فكونوا اليوم في نعيمكم، فكلوا ~~واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية. ### || [69.25-26] # قوله تعالى: { وأما من أوتي كتبه بشماله }؛ ~~قال ابن السائب: (تلوى يده اليسرى خلف ظهره، ثم ~~يعطى كتابه). وقيل: ينزع من صدره إلى خلف ظهره، { ~~فيقول يليتني لم أوت كتبيه * ولم أدر ما ~~حسابيه }؛ قال الكلبي رحمه الله: (نزلت الآية ~~الأولى قوله ms2160 تعالى: # فأما من أوتي كتبه بيمينه # [الحاقة: 19] في أبي سلمة ابن عبد الأسد زوج أم ~~سلمة، وكان مسلما يعطيه الملك كتابه بيمينه ~~صحيفة منشورة يقرأ سيئاته في باطنه، ويقرأ ~~الناس حسناته في ظاهره، فإذا بلغ آخر الكتاب ~~وجد أن قد غفر له، فيقول: # هآؤم اقرءوا كتبيه # [الحاقة: 19] ثم صارت عامة للمسلمين). # قال الكلبي: ونزلت هذه الآية الثانية في أخي أبي ~~سلمة، وهو الأسود بن عبد الأسد وكان كافرا ~~يعطيه الملك الذي يكتب أعماله كتابا من وراء ~~ظهره، فيجد حسناته غير مقبولة، وسيئاته ~~غير مغفورة، فيسود وجهه ويقول: { يليتني لم ~~أوت كتبيه } وهو عام في كل كافر، يتمنى ~~الكافر يومئذ أنه لم يعط كتابه ولم يعلم ما ~~حسابه تحسرا على ما كان منه من الكفر ~~والقبائح. # والهاء في (كتابيه) و(حسابيه) هاء الوقف والاستراحة، ولهذا ~~يوقف عليها كما في قوله تعالى: # ومآ أدراك ما هيه # [القارعة: 10]. ### || [69.27] # قوله تعالى: { يليتها كانت القاضية }؛ معناه: يا ~~ليت الموتة الأولى كانت ماضية على الدوام، قال الحسن: ~~(يتمنون الموت حينئذ ويحبونه، وكان من ~~أكره الأشياء إليهم في الدنيا). ويقال: إن الهاء في ~~قوله { يليتها } كناية عن الصيحة التي أخرجته من القبر، ~~يقول: يا ليتها قضت علي فاستريح. ### || [69.28] # قوله تعالى: { مآ أغنى عني ماليه }؛ يعني لم ~~ينفعني كثرة مالي الذي جمعته في الدنيا لأوقات الشدائد والكرب ~~لا يمكنني أن أفتدي بشيء منه، ولم أعمل منه شيئا لهذا اليوم، بل ~~فرقته فيما لا يحل وخلفته للوارث ولم يدفع عني من عذاب الله ~~شيئا. ### || [69.29-31] # قوله تعالى: { هلك عني سلطانيه }؛ أي ضلت عني ~~حجتي حين شهدت علي جوارحي بالشرك وبجميع ما عملت في الدنيا. ~~وقيل: معنى السلطان العز والأمر والنهي بطل منه كل ذلك، ~~وضالا أسيرا لا يقدر على دفع العذاب عن نفسه. # يقول الله: { خذوه }؛ أي يقول الله تعالى للزبانية الموكلين ~~بتعذيبه: خذوه؛ { فغلوه }؛ فيثبون عليه فيأخذونه ويجعلون ~~الغل في عنقه. # يروى: " أنه يثب عليه من جهنم ألف ملك من ~~الزبانية، فيأخذونه فينقطع في أيديهم، فلا ~~يرى ms2161 منه في أيديهم إلا الودك ثم يعاد خلقا ~~جديدا، فيجعلون الغل في عنقه، ويجمعون ~~أطرافه إلى الغل الذي يجعلونه في عنقه، ثم ~~يقذفونه في الجحيم حتى يتوقد في النار " فذلك ~~قوله تعالى: { ثم الجحيم صلوه }؛ أي أدخلوه ~~وألزموه الجحيم. ### || [69.32] # قوله تعالى: { ثم في سلسلة ذرعها سبعون ~~ذراعا فاسلكوه }؛ السلسلة: حلقة منتظمة ذرعها سبعون ~~ذراعا، الذراع سبعون باعا، كل باع أبعد ما بين الكوفة ~~ومكة، قال الحسن: (الله أعلم بأي ذراع هو). قال ابن أبي ~~نجيح: (بلغني أن جميع أهل النار في تلك ~~السلسلة). # وقوله تعالى { فاسلكوه } أي أدخلوها في دبره، وأخرجوها من ~~فيه، وألقوا ما فضل منها في عنقه. يقال: سلكت الخيط في الإبرة ~~إذا أدخلته فيها، وتقول العرب: أدخلت الخاتم في إصبعي، والقلنسوة ~~في رأسي، ومعلوم أن الإصبع هي التي تدخل في الخاتم، ولكنهم ~~أجازوا ذلك؛ لأن معناه لا يشكل. # وفائدة السلسلة: أن النار إذا رمت بأهلها إلى أعلاها جذبتهم ~~الزبانية بالسلاسل إلى أسفلها، قال ابن عباس: (لو وضعت ~~حلقة من تلك السلسلة على ذروة جبل لذاب كما ~~يذوب الرصاص، ولو جمع صديد الدنيا كله لما ~~وزن حلقة واحدة من حلق تلك السلسلة). قال ~~الكلبي: (معنى قوله { فاسلكوه } أي اسلكوا ~~السلسلة فيه كما يسلك الخيط في اللؤلؤ). ### || [69.33-34] # قوله تعالى: { إنه كان لا يؤمن بالله العظيم ~~}؛ أي لا يصدق بتوحيد الله وعظمته، وفيه بيان أن هذا النوع من ~~العذاب لا يكون إلا للكفار، وقوله تعالى: { ولا يحض على ~~طعام المسكين }؛ وهذا راجع إلى منع الحقوق الواجبة في الشرع، ~~مثل الزكاة ونحوها، وفيه دليل أن الكافر يؤاخذ بالشرعيات في ~~الآخرة. ### || [69.35-36] # قوله تعالى: { فليس له اليوم ها هنا حميم }؛ أي ~~ليس له في الآخرة قريب ينفعه ويحميه، { ولا طعام }؛ يشبعه، { ~~إلا من غسلين }؛ وهو ماء يسيل من أجسام أهل النار من ~~الصديد والقيح والدم، وكل جرح غسلته فخرج منه شيء فهو ~~غسلين، قال ابن عباس: (لو أن قطرة من الغسلين ~~وقعت في الأرض أفسدت على الناس معايشهم). ### || [69.37] # قوله ms2162 تعالى: { لا يأكله إلا الخاطئون }؛ أي لا يأكله ~~إلا من يخطئ وخطؤهم الشرك، وعن عكرمة قال: (قرأنا عند ~~ابن عباس (لا يأكله إلا الخاطئون) فقال: مه ~~كلنا نخطئ). والخطأ في الآية ضد الصواب لا ضد العمد. ~~والذي ذكره الله في قوله: # ليس لهم طعام إلا من ضريع # [الغاشية: 6] لا يخالف ما في هذه الآيات، ولأن النار دركات، فمنهم ~~من طعامه الغسلين، ومنه من طعامه الضريع، ومنهم من طعامه ~~الزقوم. ### || [69.38-40] # قوله تعالى: { فلا أقسم بما تبصرون * وما لا ~~تبصرون }؛ معناه: أقسم بما تشاهدون مما في السماء ~~والأرض، وبما لا تشاهدون مما وراء السماء والأرض، { إنه ~~لقول رسول كريم }؛ إن هذا القرآن لقول جبريل عليه السلام ~~يرويه إلى محمد صلى الله عليه وسلم. # والقرآن قول أقسم الله بجميع ما خلق إعظاما للقسم، وذكر في ~~أول الآية (لا) وذلك لأنه قد يزاد في القسم كما يقال: لا ~~والله لا أفعل كذا، ويجوز أن تكون (لا) هاهنا صلة في الكلام ~~مولدة، وهو قول البصريين. ويجوز أن تكون لرد مقالة الكفار ~~عليهم، وهو قول الفراء، والمعنى: ليس كما يقول المشركون أقسم بما ~~تبصرون. ### || [69.41-43] # قوله تعالى: { وما هو بقول شاعر قليلا ما ~~تؤمنون }؛ أي القرآن من عند الله، وأراد بالقليل نفي إيمانهم ~~أصلا، { ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون } والكاهن: ~~هو المنجم، وقيل: هو الذي يوهم معرفة الأمور بما يزعم ~~أن له خدما من الجن. وقوله تعالى: { تنزيل من رب ~~العالمين }؛ معناه: ولكنه تنزيل من خالق الخلق أجمعين على ~~محمد صلى الله عليه وسلم. ### || [69.44-45] # قوله تعالى: { ولو تقول علينا بعض الأقاويل * ~~لأخذنا منه باليمين }؛ معناه: لو اخترع علينا محمد ~~صلى الله عليه وسلم بعض هذا القرآن، وتكلف القول من تلقاء نفسه ~~ما لم نقله، لأخذنا منه بقوتنا وقدرتنا عليه ثم أهلكناه، ~~واليمين تذكر ويراد بها القوة، قال الشاعر: # إذا ما رأية رفعت لمجد # تلقاها عرابة باليمين ### || [69.46] # قوله تعالى: { ثم لقطعنا منه الوتين }؛ وهو ~~عرق يجري في الظهر حتى يتصل بالقلب، إذا انقطع ms2163 مات صاحبه. ### || [69.47] # قوله تعالى: { فما منكم من أحد عنه حاجزين }؛ ~~أي ليس منكم أحد يحجزنا عنه بأن يكون حائلا بينه وبين عذابنا. ~~والمعنى: لو تكلف ذلك لعاقبناه، ثم لم تقدروا أنتم على دفع ~~عقوبتنا. ### || [69.48-52] # قوله تعالى: { وإنه لتذكرة للمتقين }؛ يعني ~~القرآن عظة لمن اتقى عقاب الله، { وإنا لنعلم أن ~~منكم مكذبين }؛ بالقرآن، { وإنه لحسرة على ~~الكافرين }؛ في الآخرة يندمون على ترك الإيمان به، { وإنه ~~لحق اليقين }؛ أي أصدق يقين أنه من الله تعالى لمن تدبر ~~وانصف، { فسبح باسم ربك العظيم }؛ أي سبح الله ~~العظيم ونزهه عما لا يليق به. ### | [70 - سورة المعارج] ### || [70.1-2] # { سأل سآئل بعذاب واقع }؛ نزلت في النضر بن الحارث ~~حين قال # اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر ~~علينا حجارة من السمآء أو ائتنا بعذاب أليم # [الأنفال: 32] والمعنى دعا دعاء على نفسه بعذاب، وذلك العذاب واقع ~~لا محالة لا بد منه، ذلك العذاب عند وقوعه، { للكافرين ~~ليس له دافع }؛ يدفعه عنهم، فقتل النضر يوم بدر صبرا ~~وهو من الكافرين، ولم يقتل يومئذ من الأسارى غيره وغير عقبة ~~بن أبي معيط. ### || [70.3] # قوله تعالى: { من الله ذي المعارج }؛ أي وقوع ذلك ~~العذاب من الله ذي الفواضل والنعم، وسميت معارج؛ لأنها على ~~مراتب. وقيل: معناه: ذي معالي الدرجات التي يعطيها أولياءه ~~في الجنة. وقال الكلبي: (معناه: ذي السماوات) سماها ~~معارج؛ لأن الملائكة تعرج فيها. وقال ابن زيد: (معنى الآية ~~على قراءة من قرأ (سال) بغير همزة؛ أي سال واد ~~من أودية جهنم بعذاب واقع للكافرين ليس له ~~دافع). ### || [70.4] # قوله تعالى: { تعرج الملائكة والروح }؛ أي تصعد ~~الملائكة والروح يعني جبريل عليه السلام { إليه }؛ أي إلى ~~الموضع الذي لا يجري لأحد سواه فيه حكم. وقوله تعالى: { في يوم ~~كان مقداره خمسين ألف سنة }؛ قال عكرمة وقتادة: ~~(يعني يوم القيامة) وعن أبي سعيد قال: # " قيل: يا رسول الله؛ ما أطول هذا اليوم - يعني ~~يوم القيامة -! فقال صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي ~~بيده إنه ليخفف على المؤمن ms2164 حتى يكون أخف ~~عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا " ". # وقيل: معنى الآية: تعرج الملائكة والروح إليه في يوم يكون ~~مقداره خمسين ألف سنة لعروج غيرهم، وذلك أن من أسفل الأرضين ~~السبع إلى فوق السماوات السبع خمسين ألف سنة، هكذا روي عن ~~مجاهد. وأما قوله # يدبر الأمر من السمآء إلى الأرض ثم يعرج ~~إليه في يوم كان مقداره ألف سنة # [السجدة: 5] هو ما بين سماء الدنيا إلى الأرض في الصعود خمسمائة ~~سنة، وفي النزول خمسمائة سنة كذلك، فذلك قوله { ألف سنة } ~~لغير الملائكة. # وقال يمان: (يعني: القيامة في يوم القيامة خمسون ~~موطنا، كل موطن ألف سنة). وفيه تقديم وتأخير؛ كأنه ~~قال: ليس له دافع في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، تعرج الملائكة ~~والروح إليه. وقيل: معنى الآية: لو جعل الله محاسبة الخلائق إلى ~~أحد غيره لم يفرغ منه في خمسين ألف سنة، وهو يفرغ منه في ساعة ~~واحدة؛ لأنه سريع الحساب. ### || [70.5-10] # قوله تعالى: { فاصبر صبرا جميلا }؛ أي اصبر يا ~~محمد على تبليغ الوحي والرسالة وعلى ما يلحقك من الأذية من ~~الكفار، والصبر الجميل هو الذي لا جزع فيه ولا شكوى. قوله ~~تعالى: { إنهم يرونه بعيدا }؛ أي يرون العذاب بعيدا ~~غير كائن، كما يخبر الرجل عن شيء فيقول: هذا بعيد؛ أي هذا مما لا ~~يكون، ونحن، { ونراه قريبا }؛ أي صحيحا كائنا؛ لأن كل ~~ما هو كائن قريب. # ثم أخبر متى يقع العذاب فقال تعالى: { يوم تكون السمآء ~~كالمهل } أي كالصفر المذاب، وقيل: كدردي الزيت، ~~وقال الحسن: (مثل الفضة إذا أذيبت)، { وتكون الجبال ~~كالعهن }؛ أي كالصوف الأحمر، وهو أضعف الصوف، { ولا ~~يسأل حميم حميما }؛ أي لا يسأل قريبا عن قرائبه لاشتغال ~~كل بنفسه من شدة الأهوال. # وقرأ البزي عن ابن كثير (ولا يسأل حميم) بضم الياء أي لا ~~يقال لحميم: أين حميمك؟ قال الفراء: (ولست أشتهي ذلك؛ ~~ضم الياء؛ لأنه مخالف لجماعة القراء). ### || [70.11-14] # قوله تعالى: { يبصرونهم }؛ أي يعرف الأقارب أقاربهم ~~ساعة من النهار في ذلك اليوم، ثم لا تعارف ms2165 بعد تلك الساعة، ~~فيبصر الرجل حميمه بعد ذلك فلا يكلمه. والمعنى: يعرف ~~الحميم حميمه حتى يعرفه، ومع ذلك لا يسأله عن شأنه لشغله ~~بنفسه. # قوله تعالى: { يود المجرم لو يفتدي من عذاب ~~يومئذ ببنيه * وصاحبته وأخيه }؛ أي يتمنى الكافر ~~أن يفدي نفسه من عذاب الله بأولاده وزوجته وأخيه. وقوله تعالى: { ~~وفصيلته التي تؤويه }؛ أي وعشيرته الأقربين التي تضمه ~~ويأوي إليها، وتنصره في المكاره والشدائد، ويود أيضا أن يفتدي، { ~~ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه } ذلك الفداء من العذاب. ### || [70.15-16] # قوله تعالى: { كلا }؛ لا ينجيه؛ قوله تعالى: { ~~إنها }؛ وهي من أسماء النار، سميت بهذا الاسم في قوله: { ~~لظى }؛ أي توقد، واللظى هو اللهب الخالص. قوله ~~تعالى: { نزاعة للشوى }؛؛ صفة النار؛ أي كثيرة النزع ~~للأعضاء والأطراف. # والشوى: جمع الشواة؛ وهو الطرف، وسميت جلدة الرأس ~~أيضا بهذا الاسم. وفي الحديث: # " إن النار تنزع قحف رأسه فتأكل الدماغ ~~كله، ثم يعود كما كان، فتعود لأكله، فذلك ~~دأبها أبدا " # وقيل: ارتفع قوله (نزاعة) على إضمار: هي نزاعة للشوى؛ ~~تنزع اليدين والرجلين وسائر الأطراف، فلا تترك لحما ولا ~~جلدا إلا أحرقته. ### || [70.17-18] # قوله تعالى: { تدعوا من أدبر وتولى } أي تدعو ~~النار من أعرض عن الإيمان وتولى عن التوحيد وأدبر عن الحق، ~~فتقول: إلي يا مشرك؛ إلي يا منافق؛ إلي.. إلي، فإن ~~مستقرك في، وتدعوا أيضا من { وجمع } ، المال في الدنيا، { ~~فأوعى }؛ أي فجعله في الأوعية، لم يصل به رحما ولا أدى ~~فريضة ولا أنفقه في طاعة الله تعالى. ### || [70.19-21] # قوله تعالى: { إن الإنسان خلق هلوعا }؛ أي ضجورا ~~شحيحا شديد الحرص مع قلة الصبر، وتفسير الهلوع مع ما ذكره ~~الله تعالى: { إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه ~~الخير منوعا }؛ يعني إذا أصابه الفقر والشدة جزع فلم ~~يصبر ولم يحتسب، وإذا أصابه ما يسر به من المال والسعة منع ~~خلق الله منه ولم يشكر. # وعن ابن عباس أنه قال: (الهلوع الذي يرضى عند ~~الموجود، ويسخط عند المفقود). وقيل: هو الذي يكون ~~نساء عند النعم، دعاء عند المحن، وهذا ms2166 كله إخبار عما ~~خلق الإنسان عليه من جهة الطبع، ثم نهاه عن الجزع والمنع، ~~يستحق بذلك جزيل الثواب. ### || [70.22-23] # قوله تعالى: { إلا المصلين * الذين هم على ~~صلاتهم دآئمون }؛ يعني: فإنهم يغلبون فرط الهلع ~~لثقتهم بربهم، وثقتهم بمقدوراته، والمعنى: إلا المصلين ~~الصلوات الخمس، ويدومون عليها ولا يدعونها ليلا ولا نهارا. ~~وعن عمران بن الحصين: أن معناه: (هم الذين لا ~~يلتفتون في صلاتهم يمينا ولا شمالا). ### || [70.24-25] # قوله تعالى: { والذين في أمولهم حق معلوم ~~}؛ يعني الزكاة المفروضة؛ لأن ما لا يكون مفروضا لا يكون ~~معلوما، وقوله تعالى: { للسآئل والمحروم }؛ السائل: ~~الطواف الذي يسال الناس، والمحروم: الذي يحرم وجوه ~~الاكتساب، لا يسأل ولا يعطى. وعن ابن عباس قال: (هو الذي ~~لا تستقيم له تجارة). وقيل: هو الذي يسهم له في ~~الغنيمة. # " وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المحروم فقال: " هو ~~الذي تحمل نخل الناس، ولا يحمل نخله، ويزكو ~~زرع الناس، ولا يزكو زرعه، وتلبن شاء الناس ~~ولا تلبن شاهه " # ووجه استثناء المصلين والمنفقين: أن المصلين لا يفعلون ما ~~يفعله الهلوع؛ لأنهم يؤدون حق الله؛ فإن مداومتهم على ~~طاعة الله تمنعهم عن أفعال الكفار. ### || [70.26-28] # قوله تعالى: { والذين يصدقون بيوم الدين * ~~والذين هم من عذاب ربهم مشفقون }؛ أي خائفون ~~حذرون، { إن عذاب ربهم غير مأمون } أي لا يؤمن ~~وقوعه بمن يستحقه. ### || [70.29-31] # قوله تعالى: { والذين هم لفروجهم حافظون * ~~إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم }؛ أي لا ~~يرسلونها إلا على أزواجهم الأربع أو جواريهم، { فإنهم ~~غير ملومين } ، أي فإنهم لا يلامون على ترك حفظ فروجهم ~~عن هؤلاء، { فمن ابتغى ورآء ذلك }؛ أي فمن اعتدى وضل ~~في استباحة الوطئ طريقا غير هذين الطريقين، { فأولئك هم ~~العادون }؛ يتعدون الحلال إلى الحرام. ### || [70.32] # قوله: { والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون }؛ ~~معناه: والذين هم لأماناتهم التي ائتمنوا عليها في أمر الدين، ~~والذين للعهد الذي بعث به الأنبياء إلى الخلق راعون، وكل ~~محافظ على شيء فهو راع له، والإمام راع لرعيته. ويدخل في هذه ~~الآية أمانات الناس فيما ms2167 بينهم وعهودهم وعقودهم بينهم. ### || [70.33-35] # قوله تعالى: { والذين هم بشهاداتهم قائمون }؛ ~~أي الذين يقومون بأدائها على وجهها، ولا يكتمونها وإن كانت على ~~أنفسهم، { والذين هم على صلاتهم يحافظون }؛ أي ~~يراعون مواقيتها وشروطها وحدودها. # والفائدة في إعادة ذكر الصلاة؛ لتعظيم أمرها وتفخيم شأنها. ~~وقوله تعالى: { أولئك في جنات مكرمون }؛ معناه: الذين ~~استجمعوا هذه الخصال في جنات في الآخرة مكرمين بالتحف ~~والهدايا. ### || [70.36] # قوله تعالى: { فمال الذين كفروا قبلك مهطعين ~~}؛ هذه الآية في المستهزئين؛ وهم خمسة سميناهم من قبل، كانوا قد ~~جلسوا حول النبي صلى الله عليه وسلم يستهزئون بالقرآن ويكذبون ~~به، فقال الله تعالى: ما لهم ينظرون إليك، ويجلسون عندك وهم ~~لا ينتفعون بما يسمعون، والمهطع: المقبل على الشيء ببصره ~~لا يزيله، وكانوا ينظرون إلى النبي صلى الله عليه وسلم نظرة ~~العداوة غيظا وحنقا. وقيل: معنى مهطعين: مديمين ~~النظر متطلعين نحوك، وهو نصب على الحال. ### || [70.37-39] # قوله تعالى: { عن اليمين وعن الشمال عزين }؛ أي ~~عن يمين النبي صلى الله عليه وسلم وشماله حلقا حلقا، وجماعة ~~جماعة، وعصبة عصبة، والعزين: جماعة في تفرقة، واحدتها ~~عزة، ونظيرها ثبة وثبين. # وكان هؤلاء الكفار يقولون: إن كان أصحاب محمد يدخلون الجنة، ~~فإنا ندخلها قبلهم، فقال الله تعالى: { أيطمع كل ~~امرىء منهم أن يدخل جنة نعيم * كلا }؛ لا يكون ~~ذلك، { إنا خلقناهم مما يعلمون }؛ أي من المقاذير ~~والأنجاس والنطف والعلق، فأي شيء لهم يدخلون به الجنة، ~~ومن حكمنا في بني آدم أن لا يدخل أحد منهم الجنة إلا ~~بالإيمان والعمل الصالح، فماذا يطمعهم في ذلك وهم كفار؟ وفي هذا ~~تنبيه على أن الناس كلهم من أصل واحد، وإنما يتفاضلون ~~بالإيمان والطاعة. # قرأ الحسن وطلحة (يدخل) بفتح الياء وضم الخاء، ومعنى: إنا ~~خلقناهم مما يعلمون، يعني لا يستوجب أحد الجنة بكونه شريفا، ~~فإن مادة الخلق واحدة، بل يستوجبونها بالطاعة. قال قتادة في ~~هذه الآية: (إنما خلقت يا ابن آدم من قذر فاتق ~~الله). قال بعضهم: أنى لابن آدم الكبر؛ وقد خرج من مخرج البول ~~مرتين، ثم من ms2168 بطن أمه متلوثا بالدم متلطخا ببوله ~~وخرائه. ### || [70.40-42] # قوله تعالى: { فلآ أقسم برب المشرق ~~والمغرب }؛ معناه: فأقسم برب مشارق الشمس ومغاربها في ~~الشتاء والصيف، يعني مشرق كل يوم في السنة ومغربه، { ~~إنا لقدرون * على أن نبدل خيرا منهم }؛ أي ~~على أن نهلكهم، ونأتي بخلق أطوع لله منهم، { وما نحن ~~بمسبوقين }؛ أي بمغلوبين بالفوت { فذرهم يخوضوا ~~ويلعبوا }؛ أي اتركهم يا محمد يخوضوا في باطلهم ~~ويلعبوا في كفرهم، { حتى يلقوا }؛ يعاينوا، { يومهم ~~الذي يوعدون }؛ فيه وهو يوم القيامة، فأنتقم منهم بأعمالهم، ~~وهذا لفظه لفظ الأمر، ومعناه: الوعد. وقيل: إن هذه الآية ~~منسوخة بآية القتال. ### || [70.43] # قوله عز وجل: { يوم يخرجون من الأجداث ~~سراعا }؛ بيان اليوم الذي يوعدون، وهو يوم خروجهم من القبور ~~سراعا نحو الداعي، وذلك حين يسمعون الصيحة الآخرة، { ~~كأنهم إلى نصب يوفضون }؛ أي إلى علم منصوب لهم ~~يسرعون ويستبقون إلى موضع الحساب. # والأجداث: جمع الجدث وهو القبر، وكذلك الحرف، ~~والسراع: جمع سريع، والسرائع بمعنى المسرع، كالأليم ~~بمعنى المؤلم، والإيفاض: الإسراع، يقال: وفض يوفض؛ وأوفض ~~يوفض؛ إذا أسرع في عدوه. ### || [70.44] # قوله تعالى: { خشعة أبصرهم ترهقهم ذلة }؛ ~~أي يخرجون من القبور ذليلة أبصارهم تعلوهم مذلة وسواد ~~الوجوه، { ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون }؛ فيه العذاب ~~على ألسنة الرسل، فلم يصدقوهم. # وقرأ زيد بن ثابت وأبو الرجاء وأبو العالية والحسن وابن عامر (إلى ~~نصب) بضمتين ومعناه: الأصنام التي كانوا ينصبونها ويعبدونها ~~ويذبحون تقربا إليها. ### | [71 - سورة نوح] ### || [71.1-2] # { إنآ أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك }؛ ~~أي خوفهم من السخط والعذاب إن لم يؤمنوا بالله، { من قبل ~~أن يأتيهم عذاب أليم }؛ وهو الغرق بالطوفان، فأتاهم؛ ~~{ قال يقوم إني لكم نذير مبين }؛ أي رسول مخوف ~~بلغة تعرفونها. ### || [71.3-4] # قوله تعالى: { أن اعبدوا الله واتقوه }؛ أي ~~أرسلت إليكم لتعبدوا الله وتوحدوه وتأتمروا بجميع ما آمركم ~~به، وتتقوا سخطه وعذابه، { وأطيعون } فيما أبينه لكم عن ~~الله تعالى: { يغفر لكم }؛ جواب الأمر؛ أي افعلوا ما ~~أمرتكم به يغفر لكم، { من ذنوبكم }؛ ويزيل عقابه عنكم. # ودخول (من) في ms2169 الآية لتخصيص الذنوب من سائر الأشياء، لا لتبعيض ~~الذنوب كما في قوله تعالى: # فاجتنبوا الرجس من الأوثان # [الحج: 30]. ويقال: معناه: نغفر لكم من الذنوب ما لا تبعة ~~لأحد فيه ولا مظلمة. # قوله تعالى: { ويؤخركم إلى أجل مسمى }؛ أي ~~يؤخركم بلا عذاب إلى منتهى آجالكم، فلا يصيبكم غرق ولا شيء من ~~عذاب الاستئصال إن آمنتم. قوله تعالى: { إن أجل الله ~~إذا جآء لا يؤخر }؛ معناه: آمنوا قبل الموت تسلموا من ~~العقوبات والشدائد، فإن أجل الموت إذا جاء لا يمكنكم ~~الإيمان. قوله تعالى: { لو كنتم تعلمون }؛ أي لو كنتم ~~تصدقون ما أقول لكم. ### || [71.5-7] # قوله تعالى: { قال رب إني دعوت قومي ليلا ~~ونهارا }؛ يعني لما آيس نوح من إيمان قومه قال: رب إني ~~دعوت قومي إلى التوحيد والطاعة ليلا سرا ونهارا علانية، { ~~فلم يزدهم دعآئي إلا فرارا }؛ فلم يزدادوا عند ~~دعائي إياهم إلا تباعدا عن الإيمان بالجهل الغالب عليهم، { ~~وإني كلما دعوتهم }؛ إلى طاعتك والإيمان بك، { ~~لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم }؛ لئلا ~~يسمعوا صوتي، { واستغشوا ثيابهم }؛ أي غطوا بها ~~وجوههم؛ لئلا يروني، { وأصروا }؛ على كفرهم، { ~~واستكبروا }؛ عن قبول الحق والإيمان بك، { استكبارا }. ### || [71.8-12] # قوله تعالى: { ثم إني دعوتهم جهارا }؛ أي ~~معلنا لهم بالدعاء وعلا صوتي، { ثم إني أعلنت لهم ~~وأسررت لهم }؛ أي كررت الدعاء معلنا و، { إسرارا } ~~، وسلكت معهم في الدعوة كل مسلك ومذهب، وتلطفت لهم كل ~~تلطف، { فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا ~~}؛ للذنوب يجمع لكم من الحظ الوافر في الآخرة، الخصيب في ~~الدنيا والغنى، { يرسل السمآء عليكم }؛ بالمطر، { ~~مدرارا }؛ كثير الدرور، كلما احتجتم إليه، { ويمددكم ~~بأموال وبنين }؛ في الدنيا بساتين، { ويجعل لكم ~~جنات ويجعل لكم أنهارا }؛ تجري على وجه الأرض ~~لمنافعكم. # وذلك أن الله تعالى كان قد حبس المطر حتى لم يبق لهم دابة ~~ولا نباتا أخضر، وأعقم أرحام النساء وأصلاب الرجال حتى لم يكن ~~لهم ولد في مدة سبع سنين، فوعدهم نوح عليه السلام برد ذلك كله ~~عليهم إن آمنوا. # والسنة في الاستسقاء تقديم القرب والطاعات، والاستكثار من ms2170 ~~الاستغفار كما روي عن عمر رضي الله عنه: (أنه خرج ~~للاستسقاء، فجعل يستكثر من الاستغفار، فقيل ~~له: ما سمعناك استسقيت وما رددت عن ~~الاستغفار؟ فقال: لقد استسقيت بمجاديح السماء ~~التي يستنزل بها القطر، ثم قرأ: { استغفروا ~~ربكم إنه كان غفارا * يرسل السمآء عليكم ~~مدرارا } ). # وكان بكر بن عبدالله يقول: (إن أكثر الناس ذنوبا ~~أقلهم استغفارا، وأكثرهم استغفارا أقلهم ~~ذنوبا). وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (طوبى ~~لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا). ### || [71.13-14] # قوله تعالى: { ما لكم لا ترجون لله وقارا }؛ أي ~~ما لكم لا تخافون لله عظمة، وتفعلون ما أمركم به تعظيما له، ~~وترجون منه بذلك الثواب، والمعنى: ما لكم لا تعلمون حق عظمته ~~فتوحدوه وتطيعوه، وقد جعل لكم في أنفسكم آية تدل على توحيده ~~من خلقه إياكم، فقال تعالى: { وقد خلقكم أطوارا }؛ يعني ~~نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم صبيا ثم شابا ثم شيخا، وقلبكم ~~في ذلك حالا بعد حال، قال ابن الأنباري: (الطور: الحال). ### || [71.15-16] # قوله تعالى: { ألم تروا كيف خلق الله سبع ~~سموت طباقا }؛ أي مطبقة بعضها فوق بعض، { وجعل ~~القمر فيهن نورا }؛ قال ابن عباس: (وجهه في السماء ~~وقفاه في الأرض)، فالقمر وإن كان في السماء الدنيا، ~~فإنما يلي السماوات منه يضيء لهم، وما يلي الأرض منه يضيء ~~لأهل الأرض. # قوله تعالى: { وجعل الشمس سراجا }؛ أي سراجا ~~للعالم يبصرون بها منافع دنياهم، كما أن المصباح سراج الإنسان ~~في البيت المظلم، قال عبدالله بن عمر: (وجه الشمس ~~والقمر إلى السماوات، وقفاهما إلى الأرض، يضيئان ~~في السماء، كما يضيئان في الأرض). # وقيل لعبدالله بن عمر: ما بال الشمس تعلونا أياما ~~وتبرد أياما؟ قال: (إنها في الصيف في السماء ~~الرابعة، وفي الشتاء في السماء السابعة، ولو ~~كانت في سماء الدنيا لما قام لها شيء). ### || [71.17-18] # قوله تعالى: { والله أنبتكم من الأرض نباتا }؛ ~~يعني مبتدأ خلق آدم، فهو خلق من الأرض والناس أولاده، ونباته في ~~هذا الموضع أبلغ من إنباته، كأنه قال: أنبتكم فنبتم نباتا، ~~والنبات ما يخرج ms2171 حالا بعد حال. وقوله تعالى: { ثم يعيدكم ~~فيها }؛ أي في الأرض بعد الموت، يعني يقبرون فيها، { ~~ويخرجكم }؛ منها، { إخراجا }؛ عند النفخة الأخيرة للبعث. ### || [71.19-20] # قوله تعالى: { والله جعل لكم الأرض بساطا }؛ أي ~~فرشها وبسطها لكم كهيئة البساط، تستقرون عليها وتنصرفون ~~فيها، جعلها الله لكم كذلك؛ { لتسلكوا منها سبلا فجاجا ~~}؛ طرقا بينة واسعة، قال ابن عباس: (أراد بالفجاج ~~الطرق المختلفة) والفج: الطريق بين الجبلين. ### || [71.21] # قوله تعالى: { قال نوح رب إنهم عصوني }؛ أي لم ~~يجيبوا دعوتي، { واتبعوا من لم يزده ماله وولده ~~إلا خسارا }؛ أي واتبعوا السفهاء والفقراء والرؤساء ~~والكبراء الذين لم تزدهم كثرة الأموال والأولاد إلا ضلالا في ~~الدين وعقوبة في الآخرة. والمعنى: أن نوحا عليه السلام قال: يا رب ~~إنهم عصوني فيما أمرتهم به ودعوتهم إليه، واتبعوا رؤساءهم ~~وكبراءهم، بسبب الكثرة والثروة، وكانوا يصرفون سفلتهم عن دين ~~الإسلام. والولد والولد مثل القرب والقرب ~~والعجم والعجم. ### || [71.22-23] # قوله تعالى: { ومكروا مكرا كبارا }؛ أي مكرا ~~عظيما، والكبير والكبار بمعنى واحد، ومكرهم الكبير إعظام ~~القربة على الله تعالى، وتوصية بعضهم بقولهم: { وقالوا لا ~~تذرن آلهتكم }؛ أي لا تدعوا عبادة أصنامكم. وقيل: ~~مكرهم الكبير: أنهم جروا سفلتهم على قتل نوح عليه السلام، قرأ ~~ابن محيصن وعيسى (كبارا) بالتخفيف. # قوله تعالى: { ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا ~~يغوث ويعوق ونسرا } ، أي لا تدعن عبادة أصنامكم، ولا ~~تدعن عبادة ودا ولا سواعا ويغوث ويعوق ونسرا، هذه خمسة ~~أصنام لهم كانوا يعبدونها ويقدمونها على غيرها. # فلما جاء الغرق اندفنت تلك الأصنام، وكانت مدفونة إلى أن أخرجها ~~الشيطان لمشركي العرب، فوقع كل صنم منها في أيدي قوم، فاتخذت ~~قضاعة ودا يعبدونها بدومة الجندل، ثم توارثوها إلى أن ~~جاء الإسلام، وهي عندهم. وكان سواع لهذيل، وكان يغوث لبني ~~غطيف من مراد، وكان يعوق لكهلان، ونسر لخثعم، وأما اللات ~~لثقيف، والعزى لسليم وغطفان وجشم وسعد ونضر بن بكر. ~~ومناة لقديد، وأساف ونائلة وهبل لأهل مكة، فكان أساف حيال ~~الحجر الأسود، ونائلة حيال الركن اليماني، وهبل في جوف ~~الكعبة، ثمانية ms2172 عشر ذراعا. قال الواقدي: (كان ود على ~~صورة فرس، ونسر على صورة نسر من الطير). قرأ ~~نافع (ودا) بضم الواو، وقرأ الباقون بفتحها وهما لغتان. ### || [71.24] # قوله تعالى: { وقد أضلوا كثيرا }؛ أي أضل الأصنام كثيرا ~~يعني ضلوا بسببها لقوله تعالى # رب إنهن أضللن كثيرا من الناس # [إبراهيم: 36]، والمعنى: قد ضل كثير من الناس بهذه الأصنام، وإنما ~~أضاف الضلال إلى الأصنام؛ لأنها كانت سبب ضلالتهم. # وقوله تعالى: { ولا تزد الظالمين إلا ضلالا }؛ هذا ~~دعاء عليهم بعذاب، أعلمه الله أنهم لا يؤمنون وهو قوله تعالى: # لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن # [هود: 36]، والمعنى: لا تزدهم إلا خسرانا وهلاكا، وإنما لم ~~يصرف (ويغوث ويعوق) لأنهما ضارعا الأفعال. ### || [71.25] # قوله تعالى: { مما خطيئاتهم أغرقوا ~~فأدخلوا نارا }؛ أي من أجل خطاياهم أغرقوا في الدنيا ~~فأدخلوا بذلك الغرق نارا، وفي هذا دليل على عذاب القبر، لأن حرف ~~الفاء للتعقيب، فاقتضى أنهم نقلوا عقيب الغرق إلى النار، ~~والكافر إنما يدخل نار جهنم يوم القيامة، وخطاياهم في هذه ~~الآية الكفر. و(ما) ها هنا صلة، والمعنى: من خطاياهم؛ أي من أجلها ~~وسببها. قوله تعالى: { فلم يجدوا لهم من دون ~~الله أنصارا }؛ أي فلم يجدوا لأنفسهم من دون الله أحدا ~~فينصرهم ولا يمنعهم من عذاب الله. ### || [71.26] # قوله تعالى: { وقال نوح رب لا تذر على الأرض ~~من الكافرين ديارا }؛ روى قتادة أنه قال: (ما دعا نوح ~~بهذه الآية إلا بعد أن نزل عليه أنه # لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن # [هود: 36]. والديار: متخذ الدار وساكنها، فعم الله جميع ~~أهل الأرض بالهلاك بدعائه، غير علج فإنه غير علج إلى زمان ~~موسى عليه السلام؛ لأنه لم يتخذ ديرا ولا سكن الدار، ويقال: ما ~~بالدار ديار؛ أي أحد. ### || [71.27] # قوله تعالى: { إنك إن تذرهم يضلوا عبادك }؛ ~~أي إنك إن تتركهم على وجه الأرض ولا تهلكهم يضلوا عبادك ~~عن دينك، { ولا يلدوا إلا فاجرا }؛ أي خارجا عن ~~طاعتك، { كفارا }؛ لنعمك، أخبر الله تعالى نوحا عليه ~~السلام أنهم لا يلدون مؤمنا ms2173 أبدا. ### || [71.28] # قوله تعالى: { رب اغفر لي ولوالدي }؛ يعني أباه ~~لامك بن متوشلخ، وأمه شخماء بنت أنوش، وكانا مؤمنين، ~~ولذلك استغفر لهما، وقوله تعالى: { ولمن دخل بيتي مؤمنا ~~}؛ أراد ببيته هنا السفينة، وقيل: مسجده، وقيل: داره. # وقوله تعالى: { وللمؤمنين والمؤمنات }؛ عام في كل ~~من آمن وصدق الرسل. وقوله تعالى: { ولا تزد الظالمين ~~إلا تبارا }؛ والتبار: الهلاك والدمار، ولذلك سمي ~~المكسور متبرا، وقد جمع نوح بين دعوتين، دعوة على الكفار، ~~ودعوة للمؤمنين، فاستجاب الله دعاءه على الكفار فأهلكهم، ونرجو ~~أن يستجيب دعاءه في المؤمنين. ### | [72 - سورة الجن] ### || [72.1-3] # { قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن ~~فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا }؛ وذلك أن السماء لم ~~تكن تحرس فيما بين عيسى ومحمد صلوات الله عليهما، ~~فلما بعث الله محمدا نبينا حرست السماء ورميت الشياطين ~~بالشهب، فلم يبق صنم إلا خر لوجهه. # فقال إبليس للجن: لقد حدث في الأرض حدث لم يحدث مثله، ولا ~~يكون هذا إلا عند خروج نبي، ففرق جنده في الطلب وأمرهم أن ~~يضربوا مشارق الأرض ومغاربها، وبعث تسعة نفر من أشراف جن نصيبين ~~إلى أرض تهامة، وكان رئيسهم يسمى عمروا، فلما انتهوا إلى بطن ~~نخلة وجدوا النبي صلى الله عليه وسلم قائما يصلي بأصحابه ~~صلاة الفجر. # فلما سمعوا القرآن رقت له قلوبهم، ودنا بعضهم من بعض حبا ~~للقرآن حتى كادوا يتساقطون على النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا ~~يعلم، وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فذلك قوله ~~تعالى: # وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون ~~القرآن # [الأحقاف: 29] فآمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ورجعوا إلى ~~قومهم منذرين، ولم يأتوا إبليس. # وقالوا لقومهم: { إنا سمعنا قرآنا عجبا } أي بليغا ذا ~~عجب يعجب من بلاغته وحسن نظمه، { يهدي إلى الرشد ~~}؛ أي يدعو إلى الصواب من التوحيد والإيمان، { فآمنا به }؛ ~~وصدقنا به أنه من عند الله، { ولن نشرك بربنآ أحدا ~~}؛ من بعد هذا اليوم، كما أشرك إبليس. # " فاستجاب لهم جماعة من الجن فجاءوا بهم إلى النبي صلى الله عليه ms2174 ~~وسلم، فأقرأهم القرآن فآمنوا به، وقالوا: يا رسول الله إن ~~الأرض بيننا وبينك حجل ليس لنا فيه شيء، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: " لكم الروث وكل أرض سبخة ~~تنزلون بها تكون مكلبة لكم، ولكم العظم، ~~وكل عظم مررتم عليه تجدون عليه اللحم حيث ~~يكون " ". # ثم يكره أن يستنجى بالعظم والروث. ثم انصرفت الجن عنه، ~~فأوحى الله إليه بهذه الآيات لبيان أن الجن لما ظهر لهم ~~الحق اتبعوه، فالإنس أولى بذلك لأنهم ولد آدم، فكان المخالف ~~منهم ألوم. # ومعنى الآية: قل يا محمد لأهل مكة: أوحي إلي أنه استمع ~~إلى القرآن طائفة من الجن، فلما رجعوا إلى قومهم قالوا: يا ~~قومنا { إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد ~~فآمنا به ولن نشرك بربنآ أحدا } بعد هذا اليوم؛ أي ~~لا نتبع إبليس في الشرك، { وأنه تعالى جد ربنا ~~ما اتخذ صاحبة ولا ولدا }؛ هذا من قول الجن لقومهم، ~~معطوف على قوله { إنا سمعنا قرآنا عجبا } وإنه تعالى ~~جد ربنا وعظمته عن أن يتخذ صاحبة أو ولدا، وهذا كما يقال: ~~فلان أعظم وأجل من أن يفعل كذا وكذا، فالجد: العظمة، ~~وقال الحسن: (معنى الجد في هذه الآية الغنى) ومنه ~~قولهم في الدعاء: # " ولا ينفع ذا الجد منك الجد " # أي لا ينفع ذا الغنى منك غناه. ### || [72.4] # قوله تعالى: { وأنه كان يقول سفيهنا على الله ~~شططا }؛ والمراد بالسفيه في هذه الآية إبليس، وقيل: من كان ~~لا يؤمن من الجن، وسفهه أن جعل لله صاحبة وولدا. والشطط: ~~السرف في الخروج عن الحق، وسمي القول البعيد من قولهم: ~~شططت الدار إذا بعدت. وقيل: الشطط: الكذب والجور، ~~وهو وصفه بالشريك والولد. ### || [72.5] # قوله تعالى: { وأنا ظننآ أن لن تقول الإنس ~~والجن على الله كذبا }؛ أي قالت الجن: إنا ظننا أن ~~الإنس والجن كانوا لا يكذبون على الله بأن له شريكا وصاحبة ~~وولدا حتى سمعنا القرآن وتبينا الحق منه. ### || [72.6] # قوله تعالى: { وأنه كان رجال من الإنس يعوذون ~~برجال من الجن فزادوهم رهقا }؛ معناه: إن أهل ~~الجاهلية كانوا ms2175 إذا نزلوا بواد، أو بأرض فأمسوا هنالك، قالوا: ~~نعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه، أرادوا بذلك سيد الجن، ~~فيبيتون في جوار منهم يحفظونهم حتى يصبحوا، وقالت الجن: قد ~~سدنا الجن والإنس حتى بلغ سؤددنا الإنس فزادهم تعوذ الإنس ~~لهم رهقا؛ أي كبرا وعظمة في نفوسهم وسفها وطغيانا ~~وظلما. # وعن كردم بن أبي السائب الأنصاري قال: (خرجت مع أبي إلى ~~المدينة وآوانا المبيت إلى راعي غنم، فلما انتصف ~~الليل جاءنا ذئب فأخذ حملا من الغنم، فوثب ~~الراعي فنادى: يا عامر الوادي جارك! فنادى مناديا ~~لا نراه: يا سرحان أرسله. فأتى الحمل يشتد ~~حتى دخل بين الغنم لم يصبه شيء، فأنزل الله ~~تعالى على رسوله بمكة { وأنه كان رجال من ~~الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا } ). ~~قال ابن عباس: (يعني زادوهم بهذا التعوذ طغيانا ~~حتى قالوا: سدنا الإنس والجن). والرهق في كلام ~~العرب: الإثم وغشيان المحارم. ### || [72.7] # قوله تعالى: { وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن ~~يبعث الله أحدا }؛ معناه: أن كفار الجن ظنوا كما ~~ظننتم يا أهل مكة، أن لن يبعث الله رسولا، ويقال: أن لن ~~يبعث الله أحدا من قبره بعد الموت. والمعنى: أنهم كانوا لا ~~يؤمنون بالبعث، كما أنكم أيها المشركون لا تؤمنون. ### || [72.8] # قالت الجن: { وأنا لمسنا السمآء فوجدناها ملئت ~~حرسا شديدا وشهبا }؛ هذا إخبار " عن " قول الجن الذين ~~سمعوا القرآن وآمنوا به ورجعوا إلى قومهم منذرين. والمعنى: ~~إنا صعدنا السماء وأتيناها للطلب كما كنا نسمع إلى ~~الملائكة من قبل: فوجدناها ملئت حفظة أقوياء من الملائكة، ~~ونيرانا مضيئة يرمون بها إلينا ويزجرونا عن الاستماع. ~~والحرس: جمع الحارس وهو الحافظ. والشهب: جمع الشهاب، وهو ~~الشعاع الذي يحدث من النجم ويستنير في الهواء، تسميه العامة: ~~الكوكب المنقض. ### || [72.9] # قوله تعالى: { وأنا كنا نقعد منها مقاعد ~~للسمع }؛ روي عن ابن عباس أنه قال: (لم تكن قبيلة من ~~الجن إلا ولها من السماء مقاعد للسمع، فكان ~~إذا نزل الوحي سمعت الملائكة صوتا كصوت ~~الحديدة ألقيت على الصفا، فإذا سمعته ~~الملائكة خروا ms2176 لها سجدا، ثم تقول الملائكة ~~بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم؟ فإن كان مما يكون ~~في السماء قالوا: الحق وهو العلي الكبير، وإذا ~~كان مما يكون في الأرض من عيب أو موت تكلموا ~~به، فتسمعه الشياطين فينزلون به على أوليائهم ~~من الإنس. فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم زجروا ~~بالنجوم) فذلك قوله تعالى: { فمن يستمع الآن يجد ~~له شهابا رصدا }؛ أي من يحاول الاستماع الآن يجد له ~~كوكبا قد أرصد له يرميه بناره. ### || [72.10] # قوله تعالى: { وأنا لا ندري أشر أريد بمن في ~~الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا }؛ معناه: أنهم ~~قالوا: لا ندري أنا رمينا بالشهب أن الله تعالى أراد إنزال ~~العذاب بالناس لمعاصيهم، أو أراد بعث الرسول صلى الله عليه وسلم، ~~وذلك أن السماء لم تحرس قط إلا لنبوة، أو لعقوبة عاجلة ~~عامة. ### || [72.11] # قوله تعالى: { وأنا منا الصالحون ومنا دون ~~ذلك }؛ أي منا المطيعون له في أمره ونهيه، ومنا أهل ~~المعاصي، { كنا طرآئق قددا }؛ أي كنا أهل ملك شتى مؤمنين ~~وكافرين. وقيل: كنا جماعات متفرقين وأصنافا مختلفة. ~~والقدة: القطعة من الشيء، يقال: صار القوم قددا إذا ~~تفرقت حالاتهم، قال الحسن: (الجن أمثالكم، منهم ~~مرجئة وقدرية ورافضية وشيعة). # وقال الأخفش: (معنى قولهم { كنا طرآئق } أي ضروبا). ~~وقال أبو عبيد: (أصنافا)، وقال المؤرج: (أجناسا). وقال ابن ~~كيسان: (شيعا وفرقا لكل فرقة هوى). وقال ابن ~~المسيب: (كنا مسلمين ويهودا ونصارى). ويقال: فلان ~~طريقة قومه، أي سيد مطاع فيهم. ### || [72.12-13] # قوله تعالى: { وأنا ظننآ أن لن نعجز الله في ~~الأرض }؛ أي إنا علمنا أن لن نعجز الله في الأرض إذا أراد ~~بنا أمرا، { ولن نعجزه هربا }؛ أي إنه يدركنا حيث ~~كنا. قوله تعالى: { وأنا لما سمعنا الهدى ~~آمنا به }؛ أي لما سمعنا القرآن آمنا به؛ وصدقنا أنه من ~~عند الله، { فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا }؛ أي لا ~~يخاف نقصانا من ثواب عمله، { ولا رهقا }؛ أي ولا ظلما ولا ~~مكروها يخشاه. ### || [72.14-15] # قوله تعالى: { وأنا منا المسلمون ومنا ~~القاسطون }؛ أي ومنا ms2177 الجائرون الظالمون، قال ابن عباس: ~~(القاسطون هم الذين جعلوا لله ندا)، فالقاسط: هو ~~العادل عن الحق، والمقسط: هو المعدل إلى الحق، ~~ونظيره: ترب الرجل إذا افتقر، وأترب إذا استغنى، فالأول هو ~~الذي ذهب ماله حتى قعد على التراب، والثاني كثر ماله حتى صار ~~كالتراب. # قوله تعالى: { فمن أسلم }؛ معناه: فمن أخلص بالتوحيد، ~~{ فأولئك تحروا رشدا * وأما القاسطون ~~فكانوا لجهنم حطبا }؛ أي العادلون عن طريقة الإسلام، ~~فأولئك بمنزلة الحطب في النار تشتعل النار في أبدانهم، إلى ~~هنا كلام الجن وانقطع. ### || [72.16] # قوله تعالى: { وألو استقاموا على الطريقة ~~لأسقيناهم مآء غدقا }؛ أوحى إلى أنه لو استقام أهل مكة ~~على طريقة الهدى، لوسعنا عليهم أرزاقهم بالمطر والنبات والماء. ~~والغدق: الكثير، قال مقاتل: (معناه: لأسقيناهم ماء ~~كثيرا من السماء بعد ما رفع عنهم المطر سبع ~~سنين) ونظير هذا قوله تعالى: # ولو أن أهل القرى ءامنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركت من السمآء والأرض # [الأعراف: 96]، وقوله تعالى: # لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم # [المائدة: 66]، ويقال: مكان غدق بكسر الدال إذا كان كثير ~~الندا، وعيش غدق أي واسع، والغدق بفتح الدال مصدر. ### || [72.17] # قوله تعالى: { لنفتنهم فيه }؛ أي لنتعبدهم ~~بالشكر، وذهب الكلبي إلى أن معنى الآية لو استقاموا على ~~طريقة الكفر والضلال فكانوا كفارا كلهم لأعطيناهم ماء ~~كثيرا ووسعنا عليهم وأرغدنا عيشهم لنفتنهم فيه عقوبة لهم ~~واستدراجا حتى يفتنوا بهذا فنعذبهم، قال عمر رضي الله عنه: (أين ~~ما كان المال كانت الفتنة) ودليل هذا التأويل قوله ~~تعالى: # فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب ~~كل شيء # [الأنعام: 44]. والقول الأول أولى؛ لأن الطريقة معرفة ~~بالألف واللام، ولا تذكر الاستقامة إلا على الحق. # وقوله تعالى: { ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا ~~صعدا }؛ يعني من يعرض عن القرآن ندخله عذابا شاقا ذا ~~صعد؛ أي ذا مشقة، والصعد: الشاق الشديد، ومنه قولهم: ~~تنفس الصعداء، وفي الحديث: # " صخرة ملساء في جهنم يكلف الكافر صعودها، ~~يجذب من لقامه بالسلاسل، ويضرب من خلفه ~~بالمقامع، فإذا انتهى إلى أعلاها ولا يبلغه في ~~أربعين ms2178 سنة، فإذا بلغ أعلاها أحدر إلى أسفلها، ~~فكان دأبه هذا أبدا " # ويقال: سلكت الشيء أو أسلكته بمعنى واحد وهو الإدخال. قرأ ~~كوفي ويعقوب (يسلكه) بالياء، وقرأ مسلم بن جندب (نسلكه) ~~بنون مضمومة وكسر اللام. ### || [72.18] # قوله تعالى: { وأن المساجد لله فلا تدعوا ~~مع الله أحدا }؛ يعني هذه المساجد المغلوقة لم تبن ~~إلا لذكر الله، فلا تدعو مع الله فيها أحدا غير الله كما ~~تدعو النصارى في بيعهم، وكما دعا المشركون في كعبة ربهم، وعن ~~الحسن قال: (من السنة أنه إذا دخل المسجد أن ~~يقول: لا إله إلا الله لا أدعو مع الله أحدا). ~~وقيل: إن المساجد ما يسجد الإنسان عليه من جبهته ويديه ~~وصدور قدميه، فلا تضعوا هذه الآراب في التراب لغير خالقها. ### || [72.19] # قوله تعالى: { وأنه لما قام عبد الله يدعوه ~~}؛ معناه: وأنه لما قام النبي صلى الله عليه وسلم يدعو الله ~~ويقرأ القرآن في الصلاة ببطن نخلة بين مكة والطائف إذ أتى ~~تسعة من الجن، { كادوا يكونون عليه لبدا }؛ أي كادوا ~~يسقطون عليه رغبة في القرآن وتعجبا منه وحبا لاستماعه. # ومعنى (لبدا) كاد يركب بعضهم بعضا في الازدحام، وقرأ (لبدا) ~~وهي قراءة مجاهد، فهي بمعنى الكثير من قوله # أهلكت مالا لبدا # [البلد: 6]، وقال الحسن وقتادة: (لما قام رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم تلبدت الإنس والجن على أن يطفئوا نور ~~الله، فأبى الله إلا أن ينصره ويظهره على من ~~ناوأه). # ويقال: لما قام صلى الله عليه وسلم في عبادته بمكة، كاد مشركو ~~مكة بشدة كيدهم له أن يكونوا عليه متكاتفين بعضهم فوق بعض ~~ليزيلوه بذلك عن دعوته إلى الله. ### || [72.20] # قوله تعالى: { قل إنمآ أدعو ربي ولا أشرك به ~~أحدا }؛ أي قال النبي صلى الله عليه وسلم لأهل مكة حيث قالوا له: ~~إنك جئت بأمر عظيم فارجع عنه، فقال: { إنمآ أدعو ربي } ~~أي أعبده وأدعوا الخلق إليه { ولا أشرك به أحدا }. ### || [72.21-22] # قوله تعالى: { قل إني لا أملك لكم ضرا ولا ~~رشدا }؛ أي قل لأهل مكة: لا أملك ms2179 تغيير نعم الله عليكم، ولا ~~أجبركم على العبادة، ولا يملك ضركم ورشدكم إلا الله، { قل ~~إني لن يجيرني من الله أحد }؛ وإنما أنا عبد خاضع، إن ~~غضب فلا مجير لي ولا ناصر، { ولن أجد من دونه ~~ملتحدا }؛ أي مدخلا في الأرض، ولا ملجأ ألجأ إليه، ولا ~~حوزا أقبل إليه. واشتقاق الملتحد من اللحد. ### || [72.23] # قوله تعالى: { إلا بلاغا من الله ورسالاته }؛ ~~أي لا ينجيني من عذاب الله إلا أن أبلغ عن الله ما أرسلت به، ~~وبذلك أرجو النجاة، ونيل الكرامة. قوله تعالى: { ومن يعص ~~الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيهآ ~~أبدا }؛ معناه: ومن يعص الله ورسوله من الأمم بعد البلاغ فلم ~~يؤمن، فإن له نار جهنم. جواب الشرط بالفاء ولذلك لا يجوز ~~بالكسر { خالدين فيهآ } نصب على الحال. ### || [72.24-27] # قوله تعالى: { حتى إذا رأوا ما يوعدون }؛ ابتداء ~~كلام، والعرب تبتدئ ب (حتى) والمعنى: إذا رأى الكفار الذين ~~يستطيلون على النبي صلى الله عليه وسلم العذاب إما في الدنيا ~~أو في الآخرة، { فسيعلمون }؛ عند ذلك، { من أضعف ناصرا ~~وأقل عددا } أي من أضعف مانعا وأقل جندا، أهم أم ~~المؤمنون؟ # فلما سمعوا هذا قال النضر بن الحارث: متى هذا الوعد الذي ~~تعدنا به؟ فأنزل الله: { قل إن أدري أقريب ما ~~توعدون }؛ من العذاب؛ أي ما أدري أقريب هذ العذاب، { أم يجعل ~~له ربي أمدا }؛ أي غاية وبعدا، قال عطاء: (يعني أنه ~~لا يعلم يوم القيامة إلا الله تعالى وحده) وهو ~~قوله تعالى: { علم الغيب فلا يظهر على غيبه ~~أحدا }؛ أي لا يطلع على غيبه أحدا من خلقه، { إلا من ~~ارتضى من رسول }؛ فإنه إذا أراد إطلاعه بالوحي على ما ~~يشاء على الغيب، { فإنه يسلك من بين يديه ومن ~~خلفه رصدا }؛ أي جعل من بين يدي الرسول ومن خلفه حفظة من ~~الملائكة ليحيطوا به، ويحفظونه، ويحفظوا الوحي من أن ~~تسترقه الشياطين، فتلقيه إلى الكهنة. # وذلك أن الله تعالى كان إذا أنزل جبريل بالوحي على النبي صلى ~~الله عليه وسلم، أرسل ملائكة ms2180 يحيطون به وبالنبي صلى الله عليه وسلم ~~حتى يفرغ من وجهه، كيلا يقرب منه شيطان ولا جان يذهبون به ~~إلى كهنتهم حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم أول من تكلم ~~به؛ ليكون ذلك دليلا على نبوته. ### || [72.28] # قوله تعالى: { ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ~~ربهم }؛ أي ليعلم محمد صلى الله عليه وسلم أن الملائكة ~~قد أبلغوا رسالات ربهم، وأن الرسالة لم تصل إلى غيره. ~~وقيل: ليعلم الجن والإنس أنهم قد أبلغوا. وفي قراءة ابن ~~عباس (ليعلم) بضم الياء. وهذه الآية تدل على أنه يعلم ~~بالنجوم ما يكون من حياة أو موت أو غير ذلك، فهو كافر بالقرآن ~~وبما فيه. # قوله تعالى: { وأحاط بما لديهم }؛ أي أحاط علمه ~~بما عندهم، يعني أحاط علم الله بما عند الرسل فلم يخف عليه ~~شيء، { وأحصى كل شيء عددا } أي علم عدد الأشياء ~~وأوقاتها كلها مع كثرتها على تفاصيلها، لم يفته علم شيء حتى ~~مثاقيل الذر والخردل. ### | [73 - سورة المزمل] ### || [73.1] # { يأيها المزمل }؛ الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~نودي في حال كونه ملتففا بثيابه في بعض الليل، وأمر ~~بالقيام بالصلاة وهجران النوم، والمعنى: يا أيها ~~المتلفف بثيابه، يقال: تزمل وتدثر بثوبه إذا تغطى ~~به، وزمل غيره إذا غطاه. # قال أبو عبيدالله الجدلي: (سألت عائشة رضي الله عنها ~~عن قول الله تعالى { يأيها المزمل } ما كان ~~تزمله؟ قالت: في مرط كان طوله أربعة عشر ~~ذراعا، نصفه علي وأنا نائمة، ونصفه على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي. فسألتها مم كان؟ ~~قالت: والله ما كان خزا ولا قزا ولا صوفا، كان ~~سداه شعرا ولحمته وبرا). قال السدي: (معناه: يا ~~أيها النائم قم فصل). قالت الحكماء: إنما خوطب ~~بالمزمل والمدثر في أول الأمر لأنه لم يكن بلغ شيئا من ~~الرسالة، ثم خوطب بعد ذلك: يا أيها النبي، يا أيها الرسول. ### || [73.2-4] # قوله تعالى: { قم اليل إلا قليلا * نصفه أو ~~انقص منه قليلا }؛ أي قم للصلاة؛ أي صل أكثر الليل أو ~~قم نصف الليل أو ms2181 انقص من النصف قليلا، أو انقص من النصف، { ~~أو زد عليه }؛ خيره الله تعالى في قيام الليل في هذه ~~الساعات. # قال المفسرون: معنى قوله { نصفه أو انقص منه قليلا } ~~أي انقص من النصف إلى الثلث أو زد على النصف إلى الثلثين، ~~جعل له سعة في قيام الليل وخيره في هذه الساعات، قال الحسن: ~~((فرض الله على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه ~~وهم بمكة أن يقوموا بثلث الليل وما زاد)). # سئلت عائشة رضي الله عنها عن قيام رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقالت: ((أما تقرأون هذه السورة { ~~يأيها المزمل }؟ قالوا: بلى، قالت: فإن الله ~~فرض قيام الليل في أول هذه السورة، فقام رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى انتفخت قدماه، وأمسك الله ~~خاتمة السورة اثنى عشر شهرا، ثم ترك التخفيف ~~في آخر السورة بعد أن قام النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه حولا، فصار قيام الليل تطوعا بعد ~~ذلك)). # وكان قيامه فرضا قبل أن فرض " الله " الصلوات ~~الخمس، ولا خلاف بين المسلمين في أن قيام الليل مندوب إليه ~~مرغب فيه، قال صلى الله عليه وسلم: # " أحب الصلاة إلى الله تعالى صلاة داود عليه السلام، ~~كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه. ~~وأحب الصيام إلى الله تعالى صيام داود، كان يصوم ~~يوما ويفطر يوما ". # وروي: (أن هذه الآيات لما نزلت قام النبي صلى الله ~~عليه وسلم وأصحابه، وكان الرجل من الصحابة لا يدري ~~متى ثلث الليل ومتى النصف ومتى الثلثان، فكان ~~يقوم حتى يصبح مخافة أن لا يحفظ القدر ~~الواجب، حتى شق عليهم ذلك وانتفخت أقدامهم ~~وتغيرت ألوانهم، فرحمهم الله تعالى وخفف ~~عنهم، ونسخ بقوله # علم أن سيكون منكم مرضى # [المزمل: 20]، وكان بين أول السورة وآخرها سنة). # وقوله تعالى: { ورتل القرآن ترتيلا }؛ أي بينه ~~بيانا واقرأه قراءة بينة. والترتيل: ترتيب الحروف على ~~حقها في تلاوتها بتبين وتثبت من غير عجلة، وكذلك ~~الترسل. والمعنى: تفهم معانيه، وطالب نفسك بالقيام ~~بأحكامه. وأما الحدر فهو الإسراع في القراءة، وعن ابن ms2182 عمر ~~رضي الله عنهما قال: (كانت قراءة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ترتيلا) أي ترسلا. وقال أبو حمزة: ((قلت لابن ~~عباس: إني رجل في قراءتي وكلامي عجلة، فقال ~~ابن عباس: لئن أقرأ البقرة وأرتلها أحب إلي ~~من أن أقرأ القرآن كله هدرمة)). ### || [73.5] # قوله تعالى: { إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا }؛ ~~ليس على ثقل الحفظ، ولكن قال الحسن: ((إنهم ليهذون ~~هذاؤه، ولكن العمل به ثقيل)). وقال قتادة: ((ثقيل ~~والله فرائضه وحدوده))، وقال مقاتل: ((ثقيل لما فيه ~~من الأمر والحدود)). وقال أبو العالية: ((ثقيل بالوعد ~~والوعيد والحلال والحرام، فلا يقدر أحد أن ~~يؤدي جميع أوامره إلا بتكلف يثقل)). # ويقال: معناه: كلاما محكما ليس بسفساف كما يقال: هذا كلام ~~له وزن. وقيل: إنما سمي ثقيلا لثقله في الميزان مع خفته ~~على اللسان، وعن الحسن في قوله تعالى { إنا سنلقي عليك ~~قولا ثقيلا } قال: ((العمل))، وقيل: ثقيل لا يحمله إلا ~~القلب المؤيد بالتوفيق ونفس مؤمنة بتوحيده. # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: [لقد رأيته ينزل ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم في اليوم الشديد ~~البرد فينفصم عنه، وإن جبينه لينفص عرقا]. ~~وقالت عائشة أيضا: [إن كان ليوحى إليه وهو على ~~راحلته فتضرب بجرانها]. ### || [73.6] # قوله تعالى: { إن ناشئة الليل هي أشد وطأ }؛ ~~معناه: إن القيام في ساعات الليل أثقل وأشد على القائم من ~~القيام بالنهار؛ لأن الليل إنما خلق للراحة والسكون، ففعل ~~الطاعة فيه أشد من فعلها بالنهار، وقال ابن مسعود: ((إن ~~ناشئة الليل قيام الليل)). وقالت عائشة: ((الناشئة ~~القيام بعد النوم))، وعن ابن الأعرابي: ((إذا نمت من ~~أول الليل، ثم قمت فتلك الناشئة)) ومنه ناشئة ~~الليل. # وقيل: ناشئة الليل ساعاتها كلها، وكل ساعة منه فهي ناشئة، ~~سميت بذلك؛ لأنها تنشئ، ومنه نشأت السحابة إذا بدت، وجمعها ~~ناشئات، وعن حاتم بن أبي صغيرة قال: ((سألت ابن أبي ~~مليكة عن ناشئة الليل فقال: على اللبيب سقطت، ~~سألت ابن عباس فزعم أن الليل كله ناشئة، ~~وسألت الزبير عنها فأخبرني مثل ذلك)). # وقال ابن جبير: ms2183 ((أي ساعة قام من الليل فقد نشأ))، ~~وقال قتادة: ((ما كان بعد العشاء فهو ناشئة)). وقال ~~عبيد بن عمير لعائشة رضي الله عنها: ((رجل قام من أول ~~الليل أيقال له ناشئة؟ قالت: لا؛ إنما الناشئة ~~القيام بعد النوم)). وقال ابن كيسان: ((هي القيام ~~من آخر الليل)). وعن ابن عباس قال: ((إذا نشأت قائما ~~فهو ناشئة))، وعن مجاهد أنه قال: ((إذا قام الإنسان ~~الليل كله فصلى فهو ناشئة، وما كان بعد ~~العشاء الأخيرة فهو ناشئة)). # قوله تعالى: { هي أشد وطأ وأقوم قيلا } أي أثقل ~~على المصلي من ساعات النهار، من قول العرب اشتدت على القوم ~~وطأة السلطان؛ إذا ثقل عليهم ما يلزمهم، ومنه قوله صلى الله ~~عليه وسلم: # " اللهم اشدد وطأتك على مضر ". # وقرأ أبو عمرو وابن عامر (وطئا) بكسر الواو والمد على معنى ~~المواطأة والموافقة، ومنه قوله تعالى: # ليواطئوا عدة ما حرم الله # [التوبة: 37]، قال ابن عباس: ((يواطئ السمع القلب))، ~~والمعنى: أن صلاة ناشئة الليل يواطئ السمع والقلب فيها أكثر ~~مما يواطئ في ساعات النهار؛ لأن الليل أفرغ للانقطاع عن كثر ~~ما يشغل بالنهار. ويقال: واطأت فلانا على كذا مواطأة ~~ووطأة؛ إذا وافقته عليه. # قوله تعالى: { وأقوم قيلا }؛ أي أبين قولا ~~بالقرآن، وقيل: أستر استقامة وأطرب قراءة، وعبادة الليل ~~أشد نشاطا وألد إخلاصا وأكثر بركة. ### || [73.7] # قوله تعالى: { إن لك في النهار سبحا طويلا }؛ ~~أي إن لك في النهار تصرفا وإقبالا وإدبارا في حوائجك ~~وأشغالك، وسعة لتصرفك وقضاء حوائجك، والمعنى: إن لك في ~~النهار فراغا للنوم والتصرف في الحوائج، فصل من الليل. # والسبح: التقلب، ومنه السابح في الماء لتقلبه بيديه ~~ورجليه. وقيل: معناه: إن لك في النهار تصرفا واشتغالا في ~~حوائجك حيث لا تتفرغ لصلاة النفل، فخذ حظك من قيام ~~الليل، وكان شغل النبي صلى الله عليه وسلم بالنهار ما كان عليه ~~من تبليغ الوحي والرسالة وتعليم الناس الفرائض والسنن، وقيامه ~~بأدائها وأمور معاشه ومعاش عياله. ### || [73.8] # قوله تعالى: { واذكر اسم ربك وتبتل إليه ~~تبتيلا }؛ معناه: واذكر اسم ربك بالتوحيد ms2184 والتعظيم. ويجوز أن ~~يكون المراد به الذكر المشروع لافتتاح الصلاة، ويجوز أن يكون ~~المراد به كثرة ذكر الله في الصلاة وخارج الصلاة. # قوله تعالى: { وتبتل إليه تبتيلا } أي انقطع ~~إلى الله في العبادة، وتأميل الخير منه دون غيره. ومن هذا سميت ~~فاطمة البتول؛ لأنها انقطعت إلى الله تعالى في العبادة، ~~والبتل في اللغة: القطع وتميز الشيء من الشيء، ومنه صدقة ~~بتلة؛ أي منقطعة من مال صاحبها، وطلقة بتلة: قاطعة ~~للزوجة. # وإنما قال { تبتيلا } ولم يقل تبتلا على معنى تبتل ~~لنفسك إليه تبتيلا. وقال ابن عباس: ((معنى { وتبتل ~~إليه تبتيلا } أي أخلص إليه إخلاصا)). وقال الحسن: ~~((اجتهد اجتهادا)). وقال شقيق: ((توكل عليه ~~توكلا). وقال زيد بن أسلم: ((التبتل: رفض الدنيا ~~وما فيها، والتماس ما عند الله)). ### || [73.9] # قوله تعالى: { رب المشرق والمغرب لا إله ~~إلا هو }؛ قرأ أهل الحجاز وأبو عمرو ونافع وحفص (رب ~~المشرق) بالرفع على معنى: هو رب المشرق، وقرأ الباقون بالخفض ~~على معنى نعت الرب في قوله { اسم ربك }. وقيل: على البدل ~~منه، ويجوز أن تكون قراءة الرفع على الابتداء، وخبره { لا ~~إله إلا هو }. وقوله تعالى: { فاتخذه وكيلا }؛ أي ~~اتخذه حافظا لك، وكفيلا فيما وعدك من النصر والثواب لك ~~ولأمتك. ### || [73.10] # قوله: { واصبر على ما يقولون }؛ يعني: واصبر يا محمد ~~على ما يقوله الكفار والمنافقون من التكذيب، { واهجرهم هجرا ~~جميلا }؛ أي لا جزع فيه؛ أي اصطبر اقتصر على إظهار الوحي من ~~غير خصومة، وهذا قبل الأمر بالقتال. ### || [73.11] # قوله عز وجل: { وذرني والمكذبين أولي ~~النعمة }؛ أي كل أمرهم إلي ولا تهتم بهم، فإني ~~أكفيكهم. يقال: ذرني وزيدا؛ أي دعني وزيدا؛ أي لا ~~تهتم به فإني أكافيه. وقوله تعالى: { أولي النعمة } ~~أي ذووا النعمة ذوو الغنى وكثرة المال. # قالت عائشة رضي الله عنها: ((لما نزلت هذه الآية ~~إلى قوله { ومهلهم قليلا }؛ لم يكن إلا يسيرا ~~حتى وقعت وقعة بدر)). والنعمة بفتح النون ~~التنعم، والنعمة بالكسر المال والغنى، والنعماء: ~~قرة العين بضم النون. ### || [73.12-14] # قوله تعالى: { إن لدينآ أنكالا ms2185 وجحيما }؛ أي إن ~~عندنا في الآخرة لهم قيودا وأغلالا، واحدها نكل؛ وهو ~~القيد من الحديد لا يحل. وقوله تعالى: { وطعاما ذا غصة ~~} أي لا يسوغ في الحلق، يعني الزقوم. وقال عكرمة: ((شوك ~~يأخذ بالحلق، لا يدخل ولا يخرج))، وقال الزجاج: ~~((يعني الضريع)). وقيل: طعام يأخذ بحلوقهم لخشونته ~~وحرارته، لا ينزل فيها بل تضيق أنفاسهم عنها فيختنقون بها. # قوله تعالى: { وعذابا أليما * يوم ترجف الأرض ~~والجبال }؛ أخبر الله تعالى أن هذا العذاب المذكور يكون في ~~يوم ترجف الأرض والجبال؛ أي تزلزل وتحرك، وهو يوم ~~القيامة. والراجفة: من أسماء القيامة. وقوله تعالى: { ~~وكانت الجبال كثيبا مهيلا }؛ أي رملا سائلا، يقال: ~~تراب مهيل ومهيول؛ أي مصبوب ومرسل. والكثيب: القطعة ~~العظيمة من الرمل إذا حرك أسفلها انهال أعلاها. ### || [73.15-16] # قوله تعالى: { إنآ أرسلنآ إليكم رسولا شاهدا ~~عليكم }؛ أي بعثنا إليكم محمدا يا أهل مكة رسولا ~~شاهدا عليكم بالتبليغ، وشهيد عليكم بأعمالكم يوم القيامة، { ~~كمآ أرسلنآ إلى فرعون رسولا }؛ يعني موسى عليه ~~السلام، { فعصى فرعون الرسول }؛ أي موسى ولم يجبه ~~إلى ما دعاه { فأخذناه أخذا وبيلا } أي عاقبنا فرعون ~~عقوبة عظيمة، يعني الغرق الوبيل الثقيل جدا، ومنه الوبال ~~لثقله، ويقال للمطر العظيم: الوابل، وطعام وبيل؛ أي ثقيل ~~واخم. ### || [73.17] # قوله تعالى: { فكيف تتقون إن كفرتم يوما }؛ أي ~~بأي شيء تتحصنون من عذاب يوم القيامة إن كفرتم في الدنيا ولم ~~تؤمنوا برسولكم. قوله تعالى: { يجعل الولدان ~~شيبا }؛ معناه: فكيف تتقون إن كفرتم عذاب يوم يجعل الولدان ~~شيبا؛ أي تشيب الصغار في ذلك اليوم، وذلك حين يسمعون ~~النداء: # " " يا آدم ابعث بعثك من ذريتك إلى النار، من ~~كل ألف واحد إلى الجنة والباقي إلى النار، فعند ~~ذلك يشيب الصغير " فقالوا: يا رسول الله أينا ذلك ~~الواحد؟ فقال: " إني أرجو أن تكونوا ثلث أهل ~~الجنة " فكبروا وحمدوا، فقال: " إني أرجو أن ~~تكونوا نصف أهل الجنة " فكبروا وحمدوا، فقال: ~~" ما أنتم في الناس إلا كالشعرة البيضاء في جلد ~~الثور الأسود " ". ### || [73.18] # قوله تعالى: { السمآء منفطر به }؛ أي السماء ~~منشقة ms2186 بذلك اليوم، وذكر السماء؛ لأن معناها السقف كما في ~~قوله # سقفا محفوظا # [الأنبياء: 32]. وقوله عز وجل: { كان وعده مفعولا ~~}؛ أي كان وعد الله من البعث وأهوال يوم القيامة كائنا لا شك ~~فيه. ### || [73.19] # قوله تعالى: { إن هذه تذكرة }؛ أي إن هذه السورة ~~عظة للناس، وقيل: معناه: إن آيات القرآن موعظة، { فمن ~~شآء اتخذ إلى ربه سبيلا }؛ أي طريقا. ### || [73.20] # قوله تعالى: { إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى ~~من ثلثي اليل ونصفه وثلثه }؛ معناه: إن ربك يا ~~محمد يعلم إنك تقوم أقل من ثلثي الليل في بعض ~~الليالي، وأقل من نصف الليل في بعض الليالي، وأقل من ~~الثلث في بعضها. قوله تعالى: { وطآئفة من الذين ~~معك }؛ يعني: المؤمنون كانوا يقومون معه. # قرأ الكوفيون وابن كثير (ونصفه وثلثه) بالنصب فيهما على ~~معنى: ويقوم نصفه وثلثه. وقال الحسن: ((لم يقم النبي ~~صلى الله عليه وسلم قط أقل من ثلثي الليل، وإنما ~~قال: (أدنى) في الطائفة الذين معه)) ولفظه (أدنى) ~~تعقل منها القلة، لا يقال: عندي دون العشرة إلا والنقصان ~~منها قليل. # قوله تعالى: { والله يقدر اليل والنهار }؛ أي ~~يعلم مقاديرهما وساعاتهما على الحقيقة، { علم أن لن تحصوه ~~}؛ أي علم أنكم لم تعلموا حقيقة قدرهما، يعني أنكم ما تعرفون ~~مقادير الليل والنهار، ولذا لم تعلموا حقيقة المقدار الذي أمركم ~~بالقيام فيه لم تطيقوه إلا بمشقة، { فتاب عليكم }؛ أي ~~فتجاوز عنكم قيام الليل بالتخفيف عنكم، { فاقرءوا ما تيسر ~~من القرآن }؛ في صلاة الليل. # قوله تعالى: { علم أن سيكون منكم مرضى }؛ لا ~~يقدرون على قيام الليل بقراءة السور الطوال، { وآخرون ~~يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله }؛ أي وآخرون ~~يسافرون لطلب رزق الله فلا يطيقون ذلك، { وآخرون يقتلون ~~في سبيل الله }؛ أي وعلم أن فيكم من يجاهد في سبيل الله، ~~يعني يقاتل أعداء الله لا يطيقون قيام الليل، { فاقرءوا ما ~~تيسر منه }؛ أي من القرآن في الصلاة. # قوله تعالى: { وأقيموا الصلوة }؛ أي وأقيموا ~~الصلوات الخمس بشرائطها وما يجب من حق الله فيها، فنسخ قيام ~~الليل بالصلوات ms2187 الخمس على المؤمنين، وثبت على النبي صلى الله ~~عليه وسلم خاصة. قوله تعالى: { وآتوا الزكوة }؛ يعني ~~المفروضة، { وأقرضوا الله قرضا حسنا }؛ من الصدقة ~~سوى الزكاة من صلة الرحم، وقرى الضيف، وصدقة التطوع. # قوله تعالى: { وما تقدموا لأنفسكم من خير ~~تجدوه عند الله }؛ أي ما تفعلوا من صدقة فريضة أو تطوع أو ~~عمل صالح تجدوا ثوابه عند الله، { هو خيرا }؛ لكم، { ~~وأعظم أجرا }؛ من الذي تؤخرونه إلى الوصية عند الموت. # وإنما انتصب (خيرا) لأنه المفعول الثاني، وأدخل (هو) فصل، ~~ويسميه الكوفيون العماد، { واستغفروا الله }؛ لما مضى ~~من الذنوب والتقصير في الطاعة، { إن الله غفور }؛ لمن ~~استغفر، { رحيم }؛ لمن مات على التوبة. # وقد تضمنت هذه الآية معان: أحدها: أنه نسخ بها فريضة قيام ~~الليل. الثاني: أنها تدل على لزوم فرض القراءة في الصلاة؛ لأن ~~القراءة لا تلزم في عين الصلاة. والثالث: دلالة جواز الصلاة ~~بقليل القراءة. والرابع: أن ترك قراءة الفاتحة في الصلاة لا ~~تمنع جوازها إذا قرأ فيها غيرها. # فإن قيل: هذه الآية نزلت في قيام الليل وذلك منسوخ، فكيف ~~تستدلون بها على هذه الأحكام؟ قلنا: المراد بقوله تعالى { ~~فاقرءوا ما تيسر من القرآن } أمر بالقراءة بعد ذكر ~~النسخ، ثم نسخ فرض الصلاة لا يوجب نسخ شرائطها وسائر أحكامها. # فإن قيل: المراد بقوله: { فاقرءوا ما تيسر } في صلاة ~~التطوع. قلنا: إذا ثبت وجوب ذلك وحكمه في التطوع فالفرض مثله؛ ~~لأن أحدا لا يفرق بينهما في هذه الأحكام، وصلاة التطوع وإن لم ~~تكن فرضا لكن إذا شرع فيها يلزمه إقامتها بجميع أركانها كما ~~لزمه إقامتها بجميع شرائطها من الطهارة وستر العورة ونحو ~~ذلك. ### | [74 - سورة المدثر] ### || [74.1-2] # قال مقاتل: # " ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسير إلى جبل ~~حراء، إذ سمع مناديا ينادي من فوق رأسه يقول: ~~يا محمد، فنظر من خلفه يمينا وشمالا فلم ير ~~شيئا، فمضى على وجهه، ثم نودي الثانية، فنظر ~~كذلك فلم ير شيئا ففزع، فمضى على وجهه، ~~فنودي الثالثة فنظر إلى خلفه يمينا وشمالا، ~~ثم ms2188 نظر إلى السماء فنظر مثل السرير بين ~~السماء والأرض عليه جبريل مثل النور المتوقد ~~يتلألأ، ففزع فوقع مغشيا عليه، ثم أفاق فقام ~~يمشي ورجلاه تصطكان. # فرجع حتى دخل على خديجة، فصب عليه ماء ~~باردا، فقال: " دثروني دثروني " فدثروه بقطيفة ~~حتى استدفأ؛ فلما أفاق، قال: " لقد أشفقت على ~~نفسي " فقالت خديجة: أبشر فلا يخزيك الله أبدا، ~~إنك لتصدق الحديث، وتصل الرحم، وتحمل الكل، ~~وتقوي الضعيف، وتعين على نوائب الحق. # فأتاه جبريل عليه السلام وهو مدثر بثيابه على ~~فراشه ليلا، فقال: يا أيها المدثر بثيابه ~~مضطجعا على فراشه قم فأنذر كفار مكة العذاب ~~أن يوحدوا ربك، وادعهم إلى الصلاة والتوحيد " # والدثار: ما تدثرت به من الثوب الخارج. والشعار: ~~الثوب الذي يلي الجسد. ### || [74.3-4] # قوله تعالى: { وربك فكبر }؛ أي صفه بالتعظيم، ~~وعظمه مما يقوله عبدة الأوثان، ويقال: أراد به التكبير ~~لافتتاح الصلاة. قوله تعالى: { وثيابك فطهر } أي ~~طهر ثيابك من النجاسة لإقامة الصلاة. وقيل: معناه: طهر ~~نفسك وخلقك عما لا يجمل بك. وقيل: معناه: وقلبك ~~فطهر، وقد يعبر بالثوب عن القلب. وقيل: معناه: وعملك ~~فأصلحه، قال السدي: (يقال للرجل إذا كان صالحا أنه ~~طاهر الثياب، وإذا كان فاجرا أنه خبيث الثياب). ### || [74.5] # أي والإثم فاتركه ولا تقربه. وقيل: معناه: والأصنام فتباعد ~~عنها، والرجز في اللغة: العذاب، والمعنى في هذا: فاهجر ما يؤذيك ~~إلى عذاب الله. قرأ الحسن وعكرمة ومجاهد وشيبة ويعقوب (والرجز) ~~بضم الراء ومثله روي عن عاصم، وقرأ الباقون بكسرها، وهما لغتان. ### || [74.6-7] # قوله تعالى: { ولا تمنن تستكثر }؛ معناه: لا تعط ~~شيئا من مالك لتأخذ أكثر منه، والمعنى: لا تعط مالك مصانعة ~~لتعطى أكثر منه في الدنيا، أعط لربك. أدب الله نبيه صلى ~~الله عليه وسلم بأشرف الآداب. وقيل: معناه: لا تمنن بالنبوة ~~على الناس تستكثر عملك. وقيل: معناه: لا تعط شيئا وتعطي ~~أكثر من ذلك، وهذا للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة لأنه كان في أعلى ~~مكارم الأخلاق، كما حرمت عليه الصدقة، وأما غيره فليس عليه ~~إثم في أن يهدي هدية ms2189 يتوقع بها الكثير منها. قوله ~~تعالى: { ولربك فاصبر }؛ على طاعته وفرائضه، والمعنى: لأجل ~~ثواب ربك. وقيل: معناه: فاصبر على الأذى والتكذيب. وقيل: ~~فاصبر على البلوى والامتحان، فإن الله يمتحن أحباءه ~~وأصفياءه. ### || [74.8-10] # قوله تعالى: { فإذا نقر في الناقور }؛ أي فإذا نفخ في ~~الصور النفخة الثانية، { فذلك يومئذ يوم عسير }؛ يعني ~~يوم النفخ في الصور يوم عسير، { على الكافرين } ، منه الأمر ~~على الكفار، وقوله: { غير يسير }؛ بدل من يوم عسير؛ أي لا يكون ~~هينا عليهم. ### || [74.11-12] # قوله تعالى: { ذرني ومن خلقت وحيدا }؛ يعني الوليد ~~بن المغيرة المخزومي خلقته في بطن أمه وحيدا فريدا لا مال له ~~ولا ولد؛ أي كل إلي أمر من خلقته فريدا بلا مال ولا ولد، { ~~وجعلت له }؛ ثم أعطيته بعد ذلك، { مالا ممدودا }؛ أي ~~كثيرا يمد بالنماء كالزرع والضرع والتجارة، قال عطاء: (ما ~~بين مكة إلى الطائف من الإبل والخيل المسومة ~~وعبيد وجوار). وقيل: معنى قوله { مالا ممدودا } يأتي ~~شيئا بعد شيء غير منقطع. # وقد اختلفوا في مبلغ ماله، قال مجاهد وسعيد بن جبير: ((مائة ~~ألف مثقال))، وقال سفيان الثوري: ((ألف ألف مثقال))، وقال ~~مقاتل: ((كان له بستان في الطائف لا تنقطع ~~ثمارها شتاء ولا صيفا)). ### || [74.13] # أي حضورا معه بمكة لا يغيبون عنه، قال سعيد بن جبير: ((كانوا ~~ثلاثة عشر ولدا))، وقال مجاهد: ((كانوا عشرة كلهم ~~ذكور، منهم الوليد بن الوليد، وخالد بن ~~الوليد؛ وعمارة وهاشم بن الوليد؛ والعاصي وقيس ~~بن الوليد؛ وعبد شمس بن الوليد، فأسلم منهم ~~ثلاثة خالد وهاشم وعمارة). وقالوا: فما زال الوليد بعد ~~نزول هذه الآية في نقصان من ماله وولده حتى هلك. # وانتصب قوله { وحيدا } على الحال. ويجوز أن يكون صفة المخلوق على ~~معنى خلقته وحده، ويجوز أن يكون من صفة الخالق على معنى خلقته ~~وحدي لم يشركني في خلقه أحد. ### || [74.14-16] # قوله تعالى: { ومهدت له تمهيدا }؛ أي بسطت له في ~~العيش وطول العمر بسطا، { ثم يطمع أن أزيد }؛ معناه: ثم ~~يطمع أن أزيد له في المال والولد، وقد كفر بي ms2190 وبرسولي، { كلا } ~~، لا أزيده، لم يزل الوليد بعد هذا في نقصان من المال والحال حتى ~~صار يسأل الناس ومات فقيرا. وقوله تعالى: { إنه كان لآياتنا ~~عنيدا }؛ معناه: إنه كان لكتابنا ورسولنا معاندا، والعنيد: ~~الذاهب عن الشيء على طريق العداوة، والجمل العنود: هو الذي ~~يمر على جانب من القطار. ### || [74.17] # أي سأكلفه في النار ارتقاء الصعود، وهو جبل من صخرة ملساء في ~~النار، يكلف الكافر أن يرتقيه حتى إذا بلغ أعلاه في أربعين ~~عاما، كلما وضع يده عليه ذابت، وإذا رفعها عادت. وعن أبي ~~سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " الصعود جبل من نار، يصعد فيه سبعين خريفا ~~ثم يهوي كذلك منه أبدا، كلما وضع يده عليها ~~ذابت وإذا رفعها عادت، وإذا وضع رجله ذابت وإذا ~~رفعها عادت، وكلما بلغ أعلى ذلك الجبل انحدر ~~إلى أسفله، ثم يكلف أيضا أن يصعد، فذلك دأبه ~~أبدا يجذب من أمامه بسلاسل الحديد، ويضرب من ~~خلفه بمقامع الحديد مسافة كل صعود أربعون ~~سنة ". ### || [74.18-19] # قوله تعالى: { إنه فكر وقدر }؛ معناه: إنه فكر ~~في أمر النبي صلى الله عليه وسلم في احتياله للباطل، وقدر القول ~~فيه، وقيل: معناه: تفكر ماذا تقول في القرآن؟ وقدر القول في ~~نفسه، وذلك أنه لما نزل قوله تعالى: # حم * تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم * ~~غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول ~~لا إله إلا هو إليه المصير # [غافر: 1-3] قام رسول الله صلى الله عليه وسلم والوليد بن ~~المغيرة قريبا منه يستمع قراءته، فلما نظر ~~النبي صلى الله عليه وسلم استماعه إلى قراءته عاد إلى ~~قراءة الآية، فانطلق الوليد حتى أتى مجلس ~~قومه بني مخزوم وقال: والله لقد سمعت من ~~محمد الآن كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من ~~كلام الجن، إن له لحلاوة ولطلاوة، وإن ~~أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ~~ولا يعلى. # ثم انصرف إلى منزله، فقالت قريش: صبأ والله ~~الوليد، والله لتصبأن قريش كلها، وكان يقال ~~للوليد ريحانة قريش، فقال ms2191 أبو جهل: أنا ~~أكفيكموه، ثم انطلق فقعد إلى جنبه حزينا، فقال ~~له الوليد: ما لي أراك حزينا يا ابن أخي؟ قال: وما ~~لي لا أحزن وهذه قريش يجمعون لك نفقة ~~يعينونك على كبر سنك، يزعمون أنك زينت ~~كلام محمد وتدخل إليه وإلى أبن أبي قحافة ~~لتنال من فضل طعامهم. فغضب الوليد وقال: ألم ~~تعلم قريش أني من أكثرهم مالا وولدا؟ وهل ~~يشبع محمد وأصحابه من الطعام حتى يكون لهم ~~فضل؟ # ثم قام مع أبي جهل حتى أتى مجلس قومه، فقال ~~لهم: إن الموسم قد دنا، وقد فشا أمر هذا الرجل ~~في الناس، فما أنتم قائلون لمن سألكم عنه؟ ~~قالوا: نقول إنه مجنون؛ قال: إذا يخاطبونه ~~فيعلمون أنه غير مجنون. فقالوا: نقول إنه ~~شاعر؛ قال: العرب يعلمون الشعر ويعلمون أن ~~الذي جاء به غير الشعر. فقالوا: نقول إنه ~~كاهن؛ فقال: إن الكاهن يصيب ويخطئ ولا يقول في ~~كهانته: إن شاء الله، وهذا يقول في كلامه: إن شاء ~~الله، وقوله لا يشبه قول الكهنة. فقال بعضهم ~~لبعض: قد صبأ الوليد، فإن صبأ فلم يبق واحد ~~من قريش إلا صبأ. # فقيل له: كيف تقول أنت يا أبا المغيرة في ~~محمد، فتفكر في نفسه ثم نظر، ثم عبس وقال: ~~ما هو إلا ساحر ما رأيتموه يفرق بين الرجل ~~وأهله وولده ومواليه بسحره، ألا ترون أنه ~~يفرق بين المرء وزوجه، فإن المرأة تكون ~~معنا ويكون زوجها معه! فتفرقوا على هذا ~~القول. # ومعنى الآية: إنه فكر لمحمد بتهمة يتعلق بها في ~~تكذيبه، وقدر لينظر فيما قدره أستقيم له أن يقوله أم لا؟ ~~قوله تعالى: { فقتل كيف قدر }؛ أي لعن وعذب على ~~أي حال قدر من الكلام، كما يقال: لأعرفنه كيف صنع ~~إلي على أي حالة كانت منه. ### || [74.20-21] # قوله تعالى: { ثم قتل كيف قدر }؛ أي ثم لعن ~~وعوقب بعقاب آخر، كيف ذهب إلى هذا التقدير، { ثم نظر }؛ ~~معناه: نظر إلى أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم نظر العداوة ~~بكراهة شديدة ليتخذ طعنا فيهم. وقيل: ثم نظر ms2192 في طلب ما يدفع ~~به القرآن ويرده. ### || [74.22] # أي ثم كلح في وجوه أصحابه وقبض جبهته، والبسور أشد من ~~العبوس، والمعنى: ثم كلح بوجهه ونظر بكراهة شديدة. ### || [74.23-25] # قوله تعالى: { ثم أدبر واستكبر }؛ أي ثم أعرض ~~عن قبول القرآن واتباع الرسول وتعظم من الإيمان، { فقال ~~إن هذآ إلا سحر يؤثر }؛ أي قال ما هذا القرآن إلا ~~سحر يروى عن السحرة؛ أي يأثره محمد عن غيره، وذلك أنه ~~كره أن يقول إن محمدا ساحر، فيغضب بنو هاشم، فقال: ~~إنما السحر في الأعاجم، وهذا إنما يأثر السحر عن غيره، وكان ~~يقول في القرآن: ما هو سحر ولا كهانة ولكنه سحر يؤثر عن قول ~~البشر؛ أي يحكى بينهم. ومعنى قوله تعالى: { إن هذآ إلا ~~قول البشر }؛ يعني أنه كلام الإنس وليس من عند الله. ### || [74.26-28] # قوله تعالى: { سأصليه سقر }؛ أي سأدخله وألزمه في ~~الآخرة سقر بما فعل، واستكبر عن قبول الحق، وسقر اسم من ~~أسماء النار، وهي معرفة مؤنثة، فلذلك لم تنصرف. قوله ~~تعالى: { ومآ أدراك ما سقر }؛ تعظيم لأمرها، وإنما سميت ~~بهذا الاسم لشدة إيلامها من قولهم: سقرته الشمس إذا آلمت ~~دماغه. قوله تعالى: { لا تبقي ولا تذر }؛ أي لا ~~تبقي لحما ولا تذر عظما، وعن مجاهد: ((لا تبقي من فيها ~~حيا ولا تذره ميتا)). ### || [74.29] # أي مغيرة للجلد حتى تجعله أسود، يقال: لوحته الشمس، ~~ولاحه السقم والحزن إذا غيره. قيل: إنها تغير ~~الجلد حتى تدعه أسود سوادا من الليل. ### || [74.30-31] # قوله تعالى: { عليها تسعة عشر }؛ أي تسعة عشر من ~~الزبانية الموكلين بتعذيب أهلها، جاء في الحديث: # " إن أعينهم كالبرق الخاطف، وأنيابهم ~~كصياصي البقر، يخرج لهب النار من أفواههم، ما ~~بين منكبي أحدهم مسيرة سنة، يسع كف أحدهم ~~مثل ربيعة ومضر، نزعت الرحمة من قلوبهم، ~~يسرون بتعذيب أهل النار، يدفع أحدهم سبعين ~~ألفا فيرميهم حيث أراد من جهنم " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " لأحدهم مثل قوة الثقلين " # وقال عمرو بن دينار: ((يدفع أحدهم بالدفعة الواحدة ~~في جهنم مثل ربيعة ومضر)). # قال ابن ms2193 عباس والضحاك: ((لما نزلت هذه الآية قال أبو ~~جهل: أما لمحمد من الأعوان إلا تسعة عشر ~~يخوفكم بهم وأنتم الدهم - يعني العدد الكثير ~~- فتعجز كل مائة رجل منكم أن تبطش بواحد ~~منهم، ثم تخرجون من النار؟!)). # وروي: أن أبا جهل قال لقريش: ثكلتكم ~~أمهاتكم! أنتم الدهم الشجعان فتعجز كل ~~عشرة منكم أن يبطشوا بخزنة جهنم؟ فقال رجل ~~من بني جمح يقال له كلدة بن أسد: أنا أكفيكم ~~يا أهل مكة سبعة عشر؛ أحمل عشرة منهم على ~~ظهري، وسبعة على صدري، فاكفوني أنتم اثنين! # وروي: أنه قال: يا معشر قريش إذا كان يوم ~~القيامة فأنا أمشي بين أيديكم على الصراط ~~فأدفع عشرة بمنكبي الأيمن، وتسعة بمنكبي ~~الأيسر في النار، فنمضي ندخل الجنة! فأنزل ~~الله تعالى قوله: { وما جعلنآ أصحب النار إلا ~~ملئكة }؛ أي ما جعلنا خزانها إلا ملائكة، ومن المعلوم ~~أن الملك الواحد إذا كان كافيا لقبض أرواحهم، كان تسعة عشر ~~ملكا أكفى، ألا ترى أن ملكا واحدا وهو ملك الموت يقبض ~~أرواح الخلق كلهم؟ فكيف يعجز تسعة عشر ملكا عن تعذيب الناس؟! # قوله تعالى: { وما جعلنا عدتهم إلا فتنة ~~للذين كفروا }؛ أي ما جعلنا عددهم في القلة إلا محنة ~~لكفار مكة لجهلهم بالملائكة وتوهمهم أنهم كالبشر، والمعنى: ~~وما جعلنا عدة هؤلاء الملائكة مع قلتهم في العدد إلا ضلالة ~~للذين كفروا حتى قالوا ما قالوه من التكذيب، وقال كلدة بن ~~أسد: أنا أكفيكم سبعة عشر فاكفوني أنتم اثنين. # وقوله تعالى: { ليستيقن الذين أوتوا الكتب }؛ أي ~~ليعلم اليهود والنصارى بذلك صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم ~~حين يجدون ما أتى به موافقا لما في التوراة والإنجيل، فإن ~~عدد هؤلاء الخزنة في كتبهم تسعة عشر، فيعلمون أن ما أتى به ~~محمد صلى الله عليه وسلم موافق لما عندهم. قوله تعالى: { ~~ويزداد الذين ءامنوا إيمنا }؛ أي ولكي يزداد المؤمنون ~~تصديقا على تصديقهم لتصديق أهل الكتاب لذلك. # قوله تعالى: { ولا يرتاب الذين أوتوا الكتب ~~والمؤمنون }؛ أي؛ ولئلا يشك الذين أوتوا الكتاب في أمر ~~القرآن، ms2194 ولا يشك المؤمنون بالتدبر والتفكر فيه. # قوله تعالى: { وليقول الذين في قلوبهم مرض }؛ ~~أي شك ونفاق، والمراد بهم المنافقون، { والكفرون ماذآ ~~أراد الله بهذا مثلا }؛ يعني أهل مكة؛ أي أي شيء ~~أراد الله بذكر عدد خزنة جهنم صفة من قلة الملائكة، يعني: ~~أنهم لا يصدقون بهذا العدد، والمثل يكون الحديث نفسه؛ أي أن ~~يقولون ما هذا الحديث. # قوله تعالى: { كذلك يضل الله من يشآء ويهدي ~~من يشآء }؛ أي كما أضل من أنكر عدد الخزنة، وهدى من ~~صدق بذلك، يضل من يشاء، والمعنى يخذل الله من كان أهلا ~~للخذلان، ويوفق من كان أهلا للهدى، { وما يعلم جنود ~~ربك إلا هو }؛ يعني الملائكة الذين خلقهم لتعذيب أهل النار، ~~لا يعلم عددهم إلا الله. # والمعنى أن التسعة عشر هم خزنة النار من الأعوان، والجنود من ~~الملائكة ما لا يعلم عددهم إلا الله. وقيل: معناه: وما يعلم ~~جموع ربك يا محمد من الملائكة من عددهم، ومقادير قولهم إلا ~~الله. # قوله تعالى: { وما هي إلا ذكرى للبشر }؛ يعني ~~سقر؛ للصفات التي ذكرها ما هي إلا غظة للخلق وإنذار لهم ~~بأن نار الدنيا تذكرهم نار الآخرة فيجتنبوا ما يؤديهم ~~إليها. ### || [74.32-34] # هذا قسم على عظم نار سقر، معناه: حقا والقمر؛ والليل إذا ~~جاء بعد النهار؛ والصبح إذا أضاء، إن سقر لإحدى العظائم ~~التي هي دركات النار. والعرب تؤكد القسم بلفظ كلا كما ~~تؤكده ب (حقا). ويقال: معناه: ورب القمر. قرأ نافع وحمزة وخلف ~~ويعقوب وحفص: (إذ أدبر) على لفظ الإدبار؛ أي إذا انقضى وذهب، ~~ويقال: كلاهما لغتان: دبر النهار وأدبر. ### || [74.35] # أي سقر لإحدى الكبر، قال مقاتل والكلبي: ((أراد بالكبر ~~دركات جهنم؛ وهي سبعة: جهنم؛ ولظى؛ ~~والحطمة؛ والسعير؛ وسقر؛ والجحيم؛ والهاوية)). ### || [74.36] # قال الزجاج: ((هو حال من قوله (قم) في أول ~~السورة؛ أي قم نذيرا للبشر)) وهكذا روي عن عطاء عن ابن ~~عباس، وقيل: { نذيرا } نصب على الحال؛ يعني أنها لكبيرة ~~في حال الإنذار، وذكر النذير بلفظ التذكير فإن معنى النار العذاب، ~~يعني أن النار نذيرا ms2195 للبشر، قال الحسن: ((والله ما أنذر الله ~~بشيء أدهى منها)). ### || [74.37] # بدل من قوله { للبشر } ، والمعنى أنها نذير لمن شاء أن ~~يتقدم في العبادة والإيمان والخير فينجوا منهما، أو يتأخر عن ~~الإيمان والطاعة فيقع فيهما، والمعنى: أن الإنذار قد حصل لكل ~~أحد ممن آمن أو كفر، قال الحسن: ((هذا وعيد لهم، كقوله ~~تعالى: # فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر # [الكهف: 29])). ### || [74.38-39] # قوله تعالى: { كل نفس بما كسبت رهينة }؛ أي كل ~~نفس مأخوذة بعملها مرهونة به، وعن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: ((مرتهنة في جهنم)) { إلا أصحاب ~~اليمين }؛ وهم المؤمنون الذين يعطون كتبهم بأيمانهم، فإن ~~الله تعالى أعتق رقابهم من الرهن وأدخلهم الجنة. # ويقال: هم الأطفال الذين لا ذنوب لهم فإنهم غير مرتهنين. وعن ~~عائشة رضي الله عنها قالت: # " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أطفال ~~المسلمين أين هم؟ قال: " في الجنة " وسألته عن ~~أطفال المشركين فقال: " إن شئت أسمعتك تضاغيهم ~~في النار " ". ### || [74.40-47] # قوله تعالى: { في جنات يتسآءلون * عن ~~المجرمين }؛ معناه: في بساتين يتساءلون عن أهل النار، يقولون ~~لهم: { ما سلككم في سقر }؛ أي شيء أدخلكم النار وحبسكم ~~فيها؟ # فيقولون لهم: { قالوا لم نك من المصلين }؛ في دار ~~الدنيا؛ { ولم نك نطعم المسكين }؛ في الله؛ { وكنا ~~نخوض مع الخآئضين }؛ وكنا نخوض مع أهل الباطل في الباطل ~~والتكذيب، { وكنا نكذب بيوم الدين } أي بيوم الحساب؛ { ~~حتى أتانا اليقين }؛ فشاهدناه، ويجوز أن يكون اليقين ها هنا ~~الموت الذي يعرف المرء عنده أمر الآخرة. ### || [74.48] # أي ما تنفعهم شفاعة الملائكة والنبيين كما ينفع الموحدين، قال ~~الحسن: ((فما تنفعهم شفاعة ملك ولا شهيد ولا ~~مؤمن، يشفع يومئذ النبيون؛ ثم الصديقون؛ ~~ثم الشهداء، ويبقى قوم في جهنم فيقول لهم: # ما سلككم في سقر * قالوا لم نك من المصلين * ~~ولم نك نطعم المسكين.. # [المدثر: 42-44] إلى قوله تعالى: { فما تنفعهم شفاعة ~~الشافعين } ))، قال ابن مسعود: ((فهؤلاء الذين يبقون ~~في جهنم)). ### || [74.49-50] # قوله تعالى: { فما لهم عن التذكرة معرضين }؛ ~~معناه: ما لأهل مكة عن القرآن ms2196 الذي يقرأ عليهم معرضين؛ أي ~~أي شيء لكفار مكة في الآخرة إذا أعرضوا عن القرآن، ولم ~~يؤمنوا به مع هذه الدلالة. # ثم شبههم بالحمر الوحشية في إعراضهم عما يقرأ عليهم فقال ~~تعالى: { كأنهم حمر مستنفرة }؛ قرأ نافع وابن عامر بفتح ~~الفاء؛ أي منفرة مذعورة، وقرأ الآخرون بكسر الفاء؛ أي نافرة. ### || [74.51] # يعني فرت من الأسد، قال ابن عباس: ((الحمر الوحشية إذا ~~عاينت الأسد هربت منه)) كذلك هؤلاء المشركون إذا سمعوا ~~النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ القرآن هربوا منه، وقال الضحاك ~~ومقاتل: ((القسورة: الرماة الذين يرصدونها، لا ~~واحد له من لفظه)). ### || [74.52] # قال المفسرون: إن كفار مكة قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~لتصيح قريش عند رأس كل رجل هذا كتاب منشور من الله يأتيك ~~رسوله يؤمر فيه باتباعك. # والصحف جمع صحيفة: و(منشرة) معناه: منشورة، وقيل: ~~معناه: بل يريدون بإفراط جهلهم أن يعطى كل واحد منهم كتابا من ~~السماء مفتوحا: هذا كتاب من فلان إلى فلان بأن محمدا رسول ~~الله. ### || [74.53] # معناه: كلا لا يؤتون الصحف ولا يكون لهم ذلك، بل هم لا يخافون ~~الآخرة حين لم يؤمنوا بها، ولو خافوا ذلك لما اقترحوا الآيات بعد ~~قيام الدلالة. ### || [74.54-56] # قوله تعالى: { كلا إنه تذكرة }؛ أي حقا إن ~~القرآن عظة من الله تعالى، { فمن شآء ذكره }؛ أي اتعظ به، ~~{ وما يذكرون إلا أن يشآء الله }؛ وما يتعظون إلا أن ~~يشاء الله ذلك لهم، وقيل: لهم المشيئة. وقيل: إلا أن يشاء ~~الله لهم الهدى. # قوله تعالى: { هو أهل التقوى }؛ أي هو أهل أن ~~يتقى فلا يعصى، ولا يجعل معه إله آخر، { وأهل ~~المغفرة }؛ يغفر لمن اتقى، قال الله تعالى: أنا أهل ~~أن أتقى فلا يجعل معي إله، فمن اتقى أن يجعل معي إلها فإني ~~أهل أن أغفر له، وقال قتادة: ((هو أهل أن تتقي محارمه، ~~وأهل أن يغفر الذنوب)). ### | [75 - سورة القيامة] ### || [75.1] # معناه: أقسم بيوم القيامة، و(لا) صلة. وقال الفراء: ( { لا } ~~رد على الذين أنكروا البعث والجنة والنار) ~~ويدل على معنى ms2197 إثبات القسم، قراءة الحسن والأعرج بغير ألف، ~~وتقديره على هذه القراءة: لأقسمن فحذفت النون. ### || [75.2] # يعني بجميع أنفس الخلائق؛ لأنه ليس من نفس بارة ولا فاجرة ~~إلا وهي تلوم نفسها، قال صلى الله عليه وسلم: # " ليس يوم القيامة أحد إلا ويلوم نفسه، إن ~~كان محسنا قال: يا ليتني أزددت، وإن كان مسيئا ~~قال: يا ليتني لم أفعل " # ومعنى: { بالنفس اللوامة }: الملومة، وقيل: إنما سميت ~~النفس لوامة؛ لأنها كثيرة اللوم لا صبر لها على محن ~~الدنيا وشدائدها. ### || [75.3-4] # قوله تعالى: { أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه ~~}؛ يعني الكافر بالبعث؛ يقول: أيظن الكافر أن لن نجمع عظامه ~~بعد التفرق، ولن نبعثه في الآخرة، { بلى قادرين على أن ~~نسوي بنانه }؛ بلى بجمعها قادرين على تسوية بنانه، قال ~~ابن عباس: ((المراد به أبو جهل، يقول الله له: ~~أتحسب أن لن نبعثك)) { بلى قادرين على أن ~~نسوي بنانه }؛ على ما كانت وإن قل عظامها وصغرت ~~فنردها، ونؤلف بينها حتى نسوي البنان، ومن قدر على جمع ~~صغار العظام كان على جمع كبارها أقدر. # وقيل: معناه: قادرين على أن نسوي بنانه وأنامله، ~~ونجعل أصابع يديه ورجليه شيئا واحدا كخف البعير أو ككف ~~الخنزير وكحافر الحمير، فلا يمكنه أن يفعل بها شيئا، ولكن ~~مننا عليه ففرقنا أصابعه حتى يأخذ بها ما شاء، ويقبض إذا شاء ~~ويبسط إذا شاء. ### || [75.5] # أي بل يريد الكافر أن يكذب بما قدامه من البعث، ويقدم ~~الذنب ويؤخر التوبة ويكفر أبدا ما عاش، قال ابن الأنباري: ~~((معناه: مدة عمره وليس في نيته أن يتوب)). ~~والمعنى: ما يجهل ابن آدم أن ربه قادر على جمع عظامه بعد ~~الموت، ولكنه يريد أن يفجر أمامه؛ أي بمعنى قداما ~~قداما في معاصي الله، راكبا رأسه لا يقلع ولا يتوب حتى ~~يأتيه الموت على أشر أحواله وأسوء أعماله. ### || [75.6] # أي يسأل متى يوم القيامة تكذيبا به، ويقال في معنى { ليفجر ~~أمامه } أن يعزم على الفجور في مستقبل عمره في أوقات لعله لا ~~يعيش فيها، ولا يبلغ إليها، وأصل الفجور: الميل ms2198 عن القصد، يقال ~~للكافر: فاجر، وللمكذب بالحق: فاجر. ### || [75.7-10] # قوله تعالى: { فإذا برق البصر }؛ معناه: إذا حار ~~البصر وفزع، وذلك عند رؤية جهنم، وهذا جواب لقوله تعالى # أيان يوم القيامة # [القيامة: 6] فيقول الله تعالى: { فإذا برق البصر } قرأ نافع ~~بفتح الراء من البريق، أي يشخص البصر إلى ما يتوقع من أهوال يوم ~~القيامة، كنظر المحتضر عند نظره إلى الملائكة. قوله: { وخسف ~~القمر }؛ أي وذهب ضوء القمر، والخسوف ذهاب الضوء، { ~~وجمع الشمس والقمر }؛ أي جمعا في ذهاب نورهما كالنورين ~~القريبين، يعني كورا يوم القيامة. وقيل: إنهما يرمى بهما في ~~النار، خلقا من النار ثم يعودان فيها. قوله تعالى: { يقول ~~الإنسان يومئذ أين المفر }؛ معناه: يقول الكافر ~~المكذب بيوم القيامة: أين المفر وأين المهرب من الأهوال. ### || [75.11] # أي حقا لا موضع يلج إليه ولا حصن ولا حرز. والوزر في ~~اللغة: كل ما تحصنت به، والتجأت إليه، ومنه الوزير؛ لأن ~~الناس يلتجئون إليه. ### || [75.12] # أي المنتهى والمرجع والمصير: وقيل: المستقر موضع الحساب. ~~وقيل: يعني أن مستقر المؤمنين الجنة، ومستقر الكافرين ~~النار. ### || [75.13] # أي بما قدم من طاعة الله، وما أخر من طاعة الله فلم يعمل به، ~~وقيل: معناه: ينبؤ الإنسان بأول عمله وآخره. وقيل: ~~بما قدم من أمواله، وما خلف للورثة. وقيل: بما عمل في ~~أول عمره, وما عمل في آخر عمره. ### || [75.14] # يعني أن جوارحه تشهد عليه بما عمل، فهو شاهد على نفسه ~~بشهادة جوارحه، والمعنى: على الإنسان رقباء يشهدون عليه ~~بعمله وإن أرخى ستوره وأغلق أبوابه، يعني بالرقباء سمعه ~~وبصره وذكره ويديه ورجليه وجميع جوارحه. ودخول الهاء في بصيرة ~~لأن المراد بالإنسان ها هنا الجوارح. ### || [75.15] # أي ولو اعتذر وجادل عن نفسه لم ينفعه ذلك، وإن اعتذر فعليه من ~~يكذب عذره. وقيل: المعاذير جمع المعذار وهو الستر، ~~معناه: وإن أسبل الستر؛ ليختفي بما عمل، فإن نفسه شاهدة ~~عليه. ### || [75.16-17] # قوله تعالى: { لا تحرك به لسانك }؛ خطاب للنبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول: لا تحرك بالقرآن لسانك، { لتعجل به }؛ ~~بقراءته قبل أن ms2199 يفرغ جبريل من قراءته عليك، وذلك أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه شيء من الوحي ~~لم يفرغ جبريل من آخره حتى تلاه النبي صلى الله ~~عليه وسلم مخافة أن ينفلت منه، فأعلمه الله ~~بقوله: { إن علينا جمعه وقرآنه }؛ أي إن علينا ~~حفظه في قلبك، وتأليفه على ما يأمره الله به، وأعلمه بأنه لا ~~ينسيه إياه، كما قال تعالى # سنقرئك فلا تنسى # [الأعلى: 6] فلم ينس النبي صلى الله عليه وسلم شيئا حتى مات. # وعن ابن عباس في معنى هذه الآية قال: ((كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم يعالج من التنزيل شدة، كان إذا نزل ~~عليه الوحي يحرك لسانه وشفتيه قبل فراغ ~~جبريل من قراءة الوحي مخافة أن لا يحفظ، ~~فأنزل الله عليه الآية: { لا تحرك به لسانك ~~لتعجل به } ). ومثله قوله # ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه # [طه: 114]. قوله تعالى: { إن علينا جمعه } في صدرك ~~{ وقرآنه } أي إن جبريل يقرؤه عليك حتى تحفظه. ### || [75.18-19] # قوله تعالى: { فإذا قرأناه فاتبع قرآنه }؛ أي فإذا ~~قرأه جبريل بأمرنا وفرغ منه، فاقرأه أنت إذا فرغ جبريل من ~~قراءته. وقيل: معناه: فإذا جمعناه، وألقيناه فاتبع ما فيه من ~~الحلال والحرام والأمر والنهي. قوله تعالى: { ثم إن ~~علينا بيانه }؛ أي بيان ما أشكل عليك من معانيه، وبيان ~~مجملاته مثل أركان الصلاة وشروطها ونصاب الزكاة ومقاديرها. ### || [75.20-21] # قوله تعالى: { كلا بل تحبون العاجلة }؛ معناه: ~~كلا لا يؤمن أبو جهل وأصحابه بالقرآن وببيانه بل يحبون ~~العاجلة، يعني كفار مكة يحبون الدنيا ويعملون لها، { ~~وتذرون الآخرة }؛ ويذرون العمل للآخرة، فيؤثرون الدنيا ~~عليها، وقرأ نافع والكوفيون (تحبون) و(تذرون) بالتاء؛ أي قل ~~لهم يا محمد: { بل تحبون العاجلة * وتذرون ~~الآخرة }. ### || [75.22-23] # قوله تعالى: { وجوه يومئذ ناضرة }؛ معناه: وجوه ~~يوم القيامة ناعمة غضة حسنة مضيئة مسفرة مشرقة بنعيم ~~الجنة، وهي وجوه المؤمنين كما قال تعالى # تعرف في وجوههم نضرة النعيم # [المطففين: 24] وقوله تعالى: { إلى ربها ناظرة }؛ قال ~~الكلبي: ((تنظر إلى الله تعالى يومئذ لا تحجب ~~عنه))، ms2200 قال مقاتل: ((تنظر إلى ربها معاينة)). # قال صلى الله عليه وسلم: # " إذا دخل أهل الجنة يقول تعالى: أتريدون شيئا ~~أزيدكم؟ فيقولون: ألم تنضر وجوهنا؟ ألم تدخلنا ~~الجنة؟ ألم تنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، ~~فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم، ~~ينظرون إلى الله تعالى في الجنة بلا كيف ولا ~~تحديد، كما عرفته القلوب بلا كيف ولا تشبيه ". # وعن عبدالله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " إن أدنى أهل الجنة منزلة أن ينظر في ملكه ~~ألف سنة يرى أقصاه كما يرى أدناه، وينظر في ~~سرره وأزواجه وخدمه، وإن أفضلهم منزلة من ~~ينظر إلى الله يوم القيامة كل يوم نظرتين ". ### || [75.24-25] # قوله تعالى: { ووجوه يومئذ باسرة }؛ أي كالحة ~~عابسة كاشرة مسودة، وهي وجوه الكفار، { تظن أن يفعل ~~بها فاقرة }؛ أي تستيقن أن يفعل بها داهية من العذاب، ~~والفاقرة: الداهية العظيمة والأمر الشديد الذي يكسر فقار ~~الظهر، قال ابن زيد ((هي دخول النار)). ### || [75.26-27] # قوله تعالى: { كلا إذا بلغت التراقي * وقيل ~~من راق }؛ هذا ذكر حال من يحضره الموت ليرتدع الناس عما ~~يؤديهم إلى العذاب، والمعنى: إذا بلغت الروح الترقوة، ~~ويقول من يحضر الميت من أهله: هل من راق يرقيه وطبيب ~~يداويه، يطلبون الأطباء؛ ليكشفوا عنه إما بالرقى، أو بالعلاج. ~~وقال بعضهم: هذا من قول الملائكة؛ لأن النفس عندما تقبض ~~يحضرها سبعة أملاك من ملائكة الرحمة، وسبعة أملاك من ملائكة ~~العذاب أعوان لملك الموت، ينظر بعضهم إلى بعض أيهم يرقى ~~بروحه. # والتراقي: جمع ترقوة؛ وهي عظم وصل بين ثغرة النحر ~~والعاتق، وهما ترقوتان عن يمين ثغرة النحر وعن شمالها ~~كالحوضين. ### || [75.28-30] # قوله تعالى: { وظن أنه الفراق }؛ أي تيقن عند ~~ذلك المريض الذي بلغت روحه تراقيه أنه الفراق من الدنيا، ~~ومفارقة المال والأهل والولد. قوله تعالى: { والتفت ~~الساق بالساق }؛ أي اجتمعت عليه الشدائد والتقى عليه أمر ~~الدنيا والآخرة، وهو في شدة كرب الموت وهول المطلع وآخر شدائد ~~الدنيا مع أول شدة الآخرة. # وقال الضحاك: ((الناس يجهزون بدنه، ms2201 والملائكة ~~يجهزون روحه)). وقال الحسن: ((معناه: والتفت ~~ساقاه في الكفن يلف أحدهما إلى الآخر)). وقال قتادة: ~~((ماتت ساقاه فلم تحملاه، وقد كان عليهما ~~جوالا)). قوله تعالى: { إلى ربك يومئذ المساق ~~}؛ أي إليه المرجع والمنتهى في الآخرة إلى حيث يأمر الله، إما إلى ~~عليين وإما إلى سجين. ### || [75.31-33] # قوله تعالى: { فلا صدق ولا صلى }؛ يعني أبا جهل ~~يقول الله فيه: لم يصدق بالقرآن، ولم يصل لله، { ولكن ~~كذب وتولى }؛ أي كذب بالقرآن وتولى عن الإيمان به، ~~ويدخل في هذا كل كافر مثله، { ثم ذهب إلى أهله ~~يتمطى }؛ أي رجع إلى أهله يتبختر في المشي ويختال فيه، ~~وأصله: يتمطط أي يتمدد، والمط هو المد، وتمطى ~~الإنسان إذا قام من منامه يمتد، والمطي هو الظهر، ~~وتمطى إذا مد مطاه. ### || [75.34-35] # هذا وعيد على وعيد من الله لأبي جهل، وهذه كلمة موضوعة للتهديد ~~والوعيد، والمعنى كأنه يقول لأبي جهل: الويل لك يوم تموت، ~~والويل لك يوم تبعث، والويل لك يوم تدخل النار، وقيل: ~~المعنى أولاك المكروه يا أبا جهل وقرب منك ما تكره. ### || [75.36] # معناه: أيظن الكافر أن يترك مهملا لا يؤمر ولا ينهى ولا ~~يوعظ ولا يتلى ولا يحاسب بعمله في الآخرة، والسدى: ~~المهمل. ### || [75.37-38] # قوله تعالى: { ألم يك نطفة من مني يمنى }؛ ~~معناه: ألم يك هذا الإنسان في ابتداء خلقه نطفة من مني ~~تصب في الرحم، قرئ (تمنى) يعني النطفة، وروي (يمنى) ~~بمعنى المني. قوله: { ثم كان علقة }؛ ثم صار دما منعقدا ~~بعد النطفة، { فخلق فسوى }؛ فخلقه وسواه باليدين ~~والرجلين والعينين والأذنين إلى أن بلغه هذا الحد الذي شاهد، ~~وخلق منه الروح. ### || [75.39-40] # قوله: { فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى }؛ أي ~~خلق من هذه النطفة أولادا ذكورا وإناثا. قوله تعالى: { ~~أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى }؛ معناه: ~~أليس الذي خلق الإنسان من المني، ونقله من تلك الأحوال إلى ~~هذه الحالة قادر على أن يحيي الموتى. والمعنى: من قدر على ~~الابتداء، كان على البعث أقدر بعد الموت، دلهم الله تعالى على ~~البعث بابتداء ms2202 الخلق. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم # " أنه كان إذا ختم هذه السورة قال: " سبحانك ~~اللهم وبلى " # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((إذا قرأ أحدكم { ~~أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى } ~~فليقل: اللهم بلى)). ### | [76 - سورة الانسان] ### || [76.1] # { هل أتى على الإنسان حين من الدهر }؛ أي قد أتى ~~على آدم أربعون سنة التي مرت به وهو بصورة الإنسان قبل أن ينفخ ~~فيه الروح، { لم يكن }؛ يذكر اسمه، ولا يدري ما يراد به، كان { ~~شيئا }؛ ولم يكن، { مذكورا }؛ لأنه كان ترابا وطينا إلى أن ~~نفخ فيه الروح. ومعنى الآية: قد أتى على آدم أربعون سنة ملقى ~~بين مكة والطائف قبل أن ينفخ فيه الروح لم يكن شيئا مذكورا، لا ~~يذكر ولا يعرف ولا يدري ما اسمه ولا ما يراد به. # يروي: ((أن عمر رضي الله عنه سمع رجلا يقرأ { هل ~~أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا ~~مذكورا } فقال عمر: ليتها تمت)) أي ليته بقي ~~على ما كان لا يلد. وقرأ رجل عند ابن مسعود { لم يكن شيئا ~~مذكورا } فقال: ((ليت ذلك لم يكن)). ولفظ (هل) بمعنى ~~(قد)؛ لأنه لا يجوز على الله أن يستفهم؛ لأنه لم يزل عالما ~~بالأشياء كلها، ولا يزال عالما. ### || [76.2] # قوله تعالى: { إنا خلقنا الإنسان من نطفة ~~أمشاج نبتليه }؛ يعني نسل آدم خلقه الله من نطفة أمشاج؛ أي ~~أخلاط واحدها مشيج، وهو شيئان مخلوطان، يعني اختلاط نطفة ~~الرجل بنطفة المرأة، أحدهما أبيض والآخر أصفر، فما كان من عصب ~~وعظم وقوة فمن نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر فمن نطفة ~~المرأة. وتم الكلام، ثم قال: { فجعلناه سميعا بصيرا }؛ ~~معناه: جعلناه سميعا بصيرا لنبتليه. # والأمشاج الاختلاط، يقال: مشجت هذا بهذا؛ أي خلطته به فهو ~~ممشوج؛ أي مخلوط، وقال ابن عباس والحسن وعكرمة ومجاهد: ~~((يعني ماء الرجل وماء المرأة يختلطان في ~~الرحم، فيكون منهما جميعا الولد، فماء الرجل ~~أبيض غليظ يجري من الصلب، وماء المرأة أصفر ~~رقيق يجري من الترائب، ثم ms2203 يختلطان فأيهما ~~علا ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له)). ويقال: جعل ~~الله في النطفة أخلاطا من الطبائع التي تكون في الإنسان من ~~الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة، وقال الحسن: ((نعم والله ~~خلق الإنسان من نطفة مشجت بدم الحيض، فإذا ~~حلت النطفة ارتفع الحيض)). ### || [76.3] # قوله تعالى: { إنا هديناه السبيل }؛ أي بينا له ~~طريق الهدى وطريق الضلالة، فمكناه من الكفر والشكر، ثم ~~إنه يكون بعد الابتلاء: { إما شاكرا وإما كفورا }؛ أي إما ~~موحدا طائعا، وإما مشركا كافرا، والمعنى: إما أن يختار ~~طريق الإسلام، وإما أن يختار طريق الكفر. ومعنى (نبتليه) ~~أي نتعبده فيظهر ما علمنا منه، ولا يقع الابتلاء إلا ~~بعد تمام الخلقة. ### || [76.4] # بين الله بهذا ما أعد في الآخرة للكافرين وما أعد للمؤمنين، ~~والمعنى: إنا هيأنا في جهنم لكل كافر سلسلة في النار ~~طولها سبعون ذراعا، يسلك فيها وقرناؤه من الشياطين، وقوله ~~تعالى { وأغلالا } أي أغلالا من حديد تغل بها أيديهم إلى ~~أعناقهم من ورائهم. وقوله { وسعيرا } أي ونارا موقدة يعذبون ~~بها. # قرأ نافع وعاصم والأعمش والكسائي وأيوب (سلاسلا) بالتنوين، وكذلك ~~{ قواريرا } ، وفيه وجهان: أحدهما: أن من العرب من يصرف جمع ~~ما لا ينصرف. والثاني: أن هذا الجمع أشبه الآحاد؛ لأنهم قالوا ~~صواحبات يوسف في جمع صواحب، وكذلك مواليات في جمع ~~موالي، فإذا كان صواحب في معنى الواحد، فكذلك سلاسلا. ### || [76.5] # يعني بالأبرار المطيعين لله الصادقين في إيمانهم في الدنيا. ~~وقيل: هم الذين يبرون الآباء والأمهات من المؤمنين. ~~وقيل: هم الذين لا يؤذون الذر ولا يرضون بالشر. وقوله تعالى ~~{ من كأس } أي من خمر، وقوله تعالى { كان مزاجها كافورا ~~} أي كان مزاج الخمر التي كانت في الكأس كافورا. # قال بعضهم: أراد بذلك ما يشم من ريحها من جهة طعمها، كما روي ~~عن مجاهد أنه قال: ((يمزج شرابهم بالكافور وريح ~~المسك وطعم الزنجبيل، ليس ككافور الدنيا ولا ~~كمسكها وزنجبيلها، ولكن وصف الله ما عنده بما ~~عندنا لتهتدي له القلوب)). ويقال: يغير الله طعم ~~الكافور إلى نهاية ما يشتهى، فيجتمع طيب الرائحة ms2204 مع لذة الطعم. ### || [76.6] # قوله تعالى: { عينا }؛ منصوب على البدل من (كافورا)، ويقال في ~~معنى (يشربون... عينا) أي من عين فوارة في أرض الجنة، ~~وقوله تعالى: { يشرب بها عباد الله يفجرونها ~~تفجيرا }؛ يجوز أن يكون معناه: يشربها، يقال: شربت بماء ~~كذا؛ أي شربته، ويجوز أن يكون معناه: يشرب بالجنة أو بالأرض ~~التي بها العين، كما يقال: شربنا كذا شرابا صافيا. # قوله { عباد الله } أي أولياؤه، يفجرون تلك العين، ~~ويسوقونها إلى حيث شاءوا لمن دونهم من أهل الجنة، بخلاف عيون ~~الدنيا وأنهارها. والتفجير: تشقيق الأرض بجري الماء. ~~وقيل: معنى { يفجرونها } أي يقودون تلك العين حيث شاءوا من ~~منازلهم ودورهم وحيث شاءوا. ### || [76.7] # قوله تعالى: { يوفون بالنذر }؛ يعني الأبرار هذه ~~صفاتهم في الدنيا، كانوا يوفون بطاعة الله من الصلاة والحج، ~~ومعنى (النذر) في اللغة: الإيجاب، ومعنى الوفاء بالنذر إتمام ~~العهد والوفاء به وإقامة فروض الله تعالى. قوله تعالى: { ~~ويخافون يوما كان شره مستطيرا }؛ معناه: ويخافون من ~~نقض العهد عذاب يوم كان شره ممتدا فاشيا. يقال: استطار ~~الخير إذا فشا وظهر. وعن قتادة قال: ((استطاروا لله شر ذلك ~~اليوم حتى ملئت السماوات والأرض منه)) نحو ~~انشقاق السماء، وانتثار الكواكب، ونسف الجبال، ~~وخسوف الشمس والقمر، وفزع الملائكة. ### || [76.8] # قوله تعالى: { ويطعمون الطعام على حبه }؛ أي ~~على حب الطعام وقلته على أشد ما يكونون محتاجين إليه، ويؤثرون ~~على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. ويقال: على حب الله لطلب ~~مرضاته، وقوله تعالى: { مسكينا ويتيما وأسيرا } فالمسكين ~~هو الذي يسأل، وقيل: هو المتعفف الذي لا يسأل. واليتيم: الذي ~~لا أب له من يتامى المسلمين. والأسير: الكافر المأسور في أيدي ~~المؤمنين. # قال قتادة: ((كان أسيرهم يومئذ من المشركين، ~~فوالله لأخوك المسلم أعظم حرمة وحقا عليك)). ~~ويقال: الأسير العبد، ويستدل من هذه الآية على أن في إطعام ~~أهل الجوع ثوابا جزيلا من الله تعالى، وعن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: # " ما من مسلم أطعم مسلما على جوع إلا أطعمه ~~الله من ثمار الجنة، ومن سقى مسلما ms2205 على ظمأ ~~سقاه الله من الرحيق ". ### || [76.9] # قال مجاهد: ((أما والله نعم؛ لم يتكلموا بذلك ~~ولكن علم الله ما في قلوبهم فأثنى عليهم ~~خيرا)). والمعنى: أنهم يقولون في أنفسهم وفيما بينهم وبين ربهم: ~~إنما نطعمكم لطلب ثوابه. وقوله { لا نريد منكم جزآء ولا ~~شكورا } أي لا نريد منكم مكافأة ولا محمدة. # وقوله { شكورا } مصدر مثل القعود والخروج. وفي هذه الآية دليل ~~على أن من أطعم غيره للمكافأة أو لكي يمدحه ويشكره لا ~~يستحق بذلك الثواب، وإنما يستحقه إذا فعله خالصا لله لا ~~يريد شيئا من الدنيا. ### || [76.10] # معناه: إنا نصنع ما نصنع خوفا من عذاب ربنا وطمعا في رحمته، ~~اليوم العبوس: هو الذي تعبس فيه الوجوه من هوله فلا تنبسط، ~~والقمطرير: الشديد الغليظ العصب، يقال: يوم قمطرير ~~وطر إذا كان عظيم الشر طويل البلاء. # وعن ابن عباس قال: ((العبوس: الضيق، والقمطرير: ~~الطويل)). وقال مجاهد: ((القمطرير: الذي يقلص ~~الوجه ويقبض الجبهة، وما بين الأعين من ~~شدته)). قال ابن عباس: ((يعبس الكافر يومئذ حتى ~~يسيل من بين عينيه عرق مثل القطران سحا))، ~~قال الحسن: ((سبحان الله! ما أشد اسمه وهو أشد من ~~اسمه)). ### || [76.11-12] # قوله تعالى: { فوقهم الله شر ذلك اليوم }؛ أي ~~دفع الله عنهم شر ذلك اليوم، { ولقاهم نضرة وسرورا }؛ ~~أي حسنا في الوجوه وسرورا في القلوب لا انقطاع له. قوله ~~تعالى: { وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا }؛ أي ~~جزاهم بما صبروا في الدنيا على طاعة الله، وعلى ما أصابهم من ~~الشدائد في ذات الله جنة يسكنونها وحريرا يلبسونه في ~~الجنة. ### || [76.13] # قوله تعالى: { متكئين فيها على الأرائك }؛ ~~نصب على الحال فيها؛ أي في الجنة " متكئين " على الأرائك؛ أي على ~~السرر في الحجال، ولا تكون أريكة إذا اجتمعا، قال مقاتل: ~~((الأرائك: السرر في الحجال من الدرر والياقوت، ~~موضونة بقضبان الدر والذهب والفضة وألوان ~~الجواهر. والحجال: شبه القباب فوق السرر))، { لا ~~يرون فيها شمسا ولا زمهريرا }؛ لا يصيبهم في الجنة ~~شمس ولا زمهرير؛ أي لا يصيبهم حر الشمس ولا برد الزمهرير، ~~البرد الشديد ms2206 الذي يحرق ببرودته إحراق النار. # وروي أن هذه الآيات نزلت في علي وفاطمة وجارية لهما يقال لها ~~فضة، قال ابن عباس: # " مرض الحسن والحسين، فعادهما جدهما رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ومعه أبو بكر عمر، فقالوا ~~لعلي: " لو نذرت على ولديك نذرا؟ " فقال علي ~~رضي الله عنه: إن برئ ولداي مما بهما صمت ثلاثة ~~أيام، فقالت فاطمة كذلك، وقالت جاريتهما كذلك، ~~فوهب الله لهما العافية. # فانطلق علي رضي الله عنه إلى سمعون اليهودي ~~فاستقرض منه ثلاثة أصع من شعير، فطحنت ~~الجارية صاعا، وخبزت منه خمسة أقراص، لكل ~~واحد منهم قرص، وصلى علي مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم المغرب ثم أتى المنزل، فوضع الطعام ~~بين يديه، إذ أتاهم مسكين فوقف بالباب وقال: ~~السلام عليكم يا أهل بيت محمد، مسكين من ~~مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد ~~الجنة، فسمعه علي رضي الله عنه فأنشأ يقول: " # فاطم ذات المجد واليقين # يا بنت خير الناس أجمعين # أما ترين البائس المسكين # قد قام بالباب له حنين # يشكو إلى الله ويستكين # يشكو إلينا جائع حزين # كل أمرئ بكسبه رهين # وفاعل الخيرات يستبين # موعده في جنة علين # حرمها الله على الضنين # وللبخيل موقف مهين # تهوي به النار إلى سجين # شرابه الحميم والغسلين # " فأنشأت تقول: " # أمرك يا ابن عم سمع وطاعه # ما بي من لوم ولا وضاعه # غديت في الخبز له صناعه # أطعمه ولا أبالي الساعه # أرجو إذا أطعمت ذا المجاعه # أن ألحق الأخيار والجماعه # وأدخل الجنة ولي شفاعه # " فأعطوه طعامهم ولم يذوقوا ليلتهم إلا ~~الماء. فلما كان اليوم الثاني أصبحوا صياما، ~~فطحنت الجارية الصاع الثاني، وخبزت منه خمسة ~~أقراص، فصلى علي مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ~~أتى المنزل فوضع الطعام بين يديه، وإذا بيتيم ~~قد وقف على الباب، فقال: السلام عليكم يا أهل ~~بيت محمد، أنا يتيم من أولاد المهاجرين، ~~استشهد والدي يوم العقبة، أطعموني أطعمكم الله ~~من موائد الجنة، فسمعه علي رضي الله عنه فأنشأ ~~يقول: " # فاطم بنت السيد الكريم # بنت ms2207 نبي ليس باللئيم # قد جاءنا الله بذي اليتيم # من يرحم اليوم يكن رحيم # موعده في جنة النعيم # قد حرم الخلد على اللئيم # يساق في العقبى إلى الجحيم # " فأنشأت فاطمة تقول: " # إني سأعطيه ولا أبالي # وأوثر الله على عيالي # أمسوا جياعا وهم أشبالي # أصغرهم يقتل في القتال # بكربلا يقتل باغتيال # للقاتل الويل مع الوبال # تهوي به النار إلى سفال # مقيد اليدين بالأغلال # كبولة زادت على الأكبال # " فأعطوه الطعام وباتوا على الماء، فلما كان ~~اليوم الثالث، طحنت الجارية الصاع الثالث ~~وصنعته خمسة أقراص، فصلى علي مع النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ثم أتى المنزل فوضع الطعام بين ~~يديه، فإذا بأسير قد وقف بالباب، فقال: السلام ~~عليكم يا أهل بيت محمد، تأسروننا وتشدوننا ~~ولا تطعموننا! أطعموني فإني أسير أطعمكم الله ~~من موائد الجنة!! فسمعه علي فأنشأ يقول: " # فاطم يا بنت النبي أحمد # بنت نبي سيد مؤيد # هذا أسير للنبي المهتد # مكبل في غله مقيد # من يطعم اليوم يجده في غد # عند العلي الواحد الموحد # فأطعم من غير من أنكد # حتى تجازى بالنعيم السرمد # " فأنشأت فاطمة تقول: " # لم يبق مما جبت غير صاع # قدمته بالكف والذراع # أطعمته لله في الجياع # وما على رأسي من قناع # " فأعطوه طعامهم وباتوا لم يذوقوا إلا الماء. ~~فلما أصبحوا اليوم الرابع، أخذ علي رضي الله عنه ~~الحسن بيده اليمنى، والحسين بيده اليسرى، ومضى ~~بهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهما يرتعشان ~~من شدة الجوع، فلما رآهما قال: " ماذا أرى بكم؟ ~~انطلقوا بنا إلى فاطمة " فانطلقوا إليها فوجدوها ~~في محرابها وهي قد لصق بطنها بظهرها وغارت ~~عيناها من شدة الجوع، فقال: صلى الله عليه وسلم: " ~~واغوثاه يا الله، أهل بيت محمد يموتون جوعا؟ ". # فهبط جبريل عليه السلام فقال: يا محمد خذ ما ~~أعطيت، هناك الله في أهل بيتك، فقال: " وما آخذ؟ ~~" فقال: { إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها ~~كافورا * عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها ~~تفجيرا * يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره ~~مستطيرا... } إلى قوله: { وكان سعيكم ms2208 مشكورا } ". ### || [76.14] # قوله تعالى: { ودانية عليهم ظلالها }؛ نعت ~~للجنة؛ أي وجزاهم بما صبروا جنة دانية ظلالها؛ أي قريب ظلال ~~أشجارها عليهم، دانت دانية؛ لأن الظلال جمع. وفي قراءة ~~عبدالله (ودانيا عليهم). # قوله تعالى: { وذللت قطوفها تذليلا }؛ أي وسخرت ~~وقربت ثمارها تسخيرا، لا يمنعهم عنها شوك ولا بعد، ينالها ~~القائم والقاعد والمضطجع يتناولونها كما شاءوا، فإذا كان الرجل ~~قائما تطاولت له الشجرة على قدر قيامه، وإن كان قاعدا ومتكئا ~~أو مضطجعا انخضعت له على قدر ذلك. ومثله قوله تعالى: # قطوفها دانية # [الحاقة: 23]. # قال مجاهد: ((أرض الجنة من فضة، وترابها من ~~مسك، وأصول شجرها من ذهب، وورقها لؤلؤ ~~وزبرجد، والتمر تحت ذلك، فمن أكل قائما لم ~~يؤذه، ومن أكل قاعدا لم يؤذه، ومن أكل ~~مضطجعا لم يؤذه)). ### || [76.15] # قوله تعالى: { ويطاف عليهم بآنية من فضة }؛ ~~أي بأقداح من فضة، { وأكواب } ، أي كيزان لا عرى لها ولا ~~خراطيم، { كانت قواريرا }؛ أي كانت تلك الأكواب من فضة، وهي ~~في صفاء القوارير، يرى من خارجها ما في داخلها من الأشربة، قال ~~ابن عباس: ((لو أخذت من فضة أهل الدنيا ~~فضربتها حتى صارت مثل جناح الذباب لم يبصر ~~ما فيها من رآها، ولكن قوارير الجنة في بياض ~~الفضة وفي صفاء القوارير)). # قال الكلبي: ((إن الله جعل قوارير كل قوم من تراب ~~أرضهم، وإن أرض الجنة من فضة، فجعل من تلك ~~الفضة قوارير يشربون فيها)). وفي قوله تعالى { ~~قواريرا } قراءتان، من لم ينونهما فهو لا يصرف، ومن صرفهما ~~فعلى اتباع رؤوس الآي. ### || [76.16] # أي قدرها الملائكة قبل مجيئهم لها تقديرا، فجاءت على ما قدروا، ~~كما روي: ((أن المؤمن لا يحدث نفسه بشيء من ~~شراب الجنة إلا أتاه الملك بالشراب الذي اشتهى ~~في قدح من فضة - على صفة الفضة التي ذكرنا - ~~على مقدار ري الشارب وشهوته من غير زيادة ولا ~~نقصان حتى يستوفي الكمال من غير أن يتكلم ~~به)) # وألذ الشراب ما لا يكون فيه فضل ولا عجز عن الري، ويقال في ~~معناه: إنها تكون على قدر كف ms2209 الخدم، وري المخدوم ولم يثقل ~~حملها على أحد منهم. ### || [76.17] # أي يسقون في الجنة بآنية مملوءة من الخمر كان مزاجها زنجبيلا لا ~~يشبه زنجبيل الدنيا، لكن سماه الله باسمه ليعرف؛ لأن العرب ~~تستطيب رائحة الزنجبيل في الدنيا، وأما هذا الزنجبيل المذكور في ~~الآية فهو زنجبيل الجنة يشوق ويطرب من غير حرق ولدغ، وإنما ~~قال ذلك؛ لأن العرب كانت تضرب المثل بالخمر الممزوجة بالزنجبيل، ~~قال الشاعر: # كأن القرنفل والزنجبي # ل باتا بفيها وأريا مشورا ### || [76.18] # معناه تمزج الخمر بالزنجبيل، والزنجبيل من عين في الجنة ~~تسمى تلك العين سلسبيلا، والمعنى: من عين فيها تسمى ~~سلسبيلا، قال مقاتل: ((السلسبيل عين من الخمر ~~تنبع من تحت العرش من جنة عدن إلى أهل ~~الجنان)). ### || [76.19] # قوله تعالى: { ويطوف عليهم ولدان مخلدون }؛ ~~أي يطوف عليهم بالخدمة وصفاء خلقوا للخلود، ولا يتغيرون عن ~~سنهم وشبابهم. وقيل: معنى { مخلدون } مسورون ~~مقرطون، يقال لجماعة الحلي الخلد، { إذا رأيتهم ~~}؛ يا محمد، { حسبتهم }؛ لصفائهم وحسن ألوانهم، { ~~لؤلؤا منثورا }؛ أي كاللؤلؤ المنثور، فإن على البساط كان ~~أحسن منه منظوما. ### || [76.20] # قوله تعالى: { وإذا رأيت ثم }؛ إذا نظرت إلى الجنة، ~~{ رأيت نعيما }؛ لا يوصف، { وملكا كبيرا }؛ أي وملكا ~~عظيما لا يلحقه الزوال والعزل، فقال مقاتل: ((الملك الكبير ~~استئذان الملائكة، لا يدخل رسول رب العزة من ~~الملائكة عليهم إلا بإذنهم، ولا يدخل إلا ~~بالهدايا من الله تعالى، والسلام من الله تعالى ~~كما قال تعالى: # سلام قولا من رب رحيم # [يس: 58]. # فإذا انتهى الملك إلى الباب قال للحاجب الذي على ~~الباب: ائذن لي بالدخول، فيقول الحاجب: لا أستطيع ~~أن آذن لك على ولي الله، ولكن أخبر الذي يليني، ~~فيخبر الذي يليه فيقول الثاني كذلك، فلا يزال ~~هكذا حتى يأتيه الخبر في سبعين بابا، فذلك هو ~~الملك الكبير، فإذا دخل عليه الملك قال له: إن ~~الله يقرؤك السلام، فيضع الهدية بين يديه " ~~فيها " ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على ~~قلب بشر، ثم يقول له الملك: إن الله عنك راض، ~~فهذا القول عنده ms2210 أكبر من السلام والهدية ~~والنعيم الذي هو فيه)) فذلك قوله تعالى: # ورضوان من الله أكبر # [التوبة: 72]. ### || [76.21] # قوله تعالى: { عاليهم ثياب سندس خضر ~~وإستبرق }؛ قرأ قتادة ومحمد وابن سيرين ونافع وحمزة والأعمش ~~وأيوب (عاليهم) بإسكان الياء، وهي في موضع رفع بالابتداء، ~~والمعنى: الذي يعلوهم من الثياب، ويقال: الذي يعلوهم على حجالهم، ~~وقرأ الباقون (عاليهم) بنصب الياء على الظرف؛ أي فوقهم، ويجوز ~~أن يكون نصبا على الحال؛ أي يطوف على الأبرار ولدان مخلدون في ~~هذه الحالة؛ أي في حال علو ثياب السندس عليهم. # وقوله تعالى { خضر } قرأ ابن كثير (خضر) بالخفض على نعت ~~السندس و(إستبرق) بالرفع على نعت الثياب، وقرأ أبو عمرو وابن ~~عامر (خضر) بالرفع على نعت الثياب، و(إستبرق) بالخفض على معنى ~~ثياب من سندس ومن استبرق. وقرأ نافع وأيوب (خضر وإستبرق) ~~كلاهما بالرفع عطفا للإستبرق على قوله (خضر)، وقرأ الأعمش وحمزة ~~والكسائي وخلف كلاهما بالخفض. # قوله تعالى: { وحلوا أساور من فضة }؛ أي حلي ~~أهل الجنة أساور من فضة، وفي آية أخرى # يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا # [فاطر: 33] فاقتضت " دلالة " الآيتين أن كلا منهم يحلى ثلاثة ~~أسورة: سوار من ذهب وسوار من فضة وسوار من لؤلؤ. قال بعضهم: ~~الضمير في قوله تعالى { وحلوا } راجع إلى ال (ولدان). # وقوله تعالى: { وسقاهم ربهم شرابا طهورا }؛ أي شرابا ~~من خمر ليس بنجس، كما كانت خمر الدنيا نجسة، وقيل: شراب من ~~خمر لا يخالطه شيء من الفساد والقبائح ولا ينقلب إلى التغير، بل ~~هو من عين على باب الجنة، من شرب منها نزع الله من قلبه ~~الغل والحسد والغش، قال أبو العالية: ((معناه: أنه لا ~~يصير بولا نجسا، ولكنه يصير رشحا في أبدانهم ~~كريح المسك)). ### || [76.22] # قوله تعالى: { إن هذا كان لكم جزآء }؛ أي يقال ~~لهم هذا الثواب والكرامة كان لكم جزاء لأعمالكم في الدنيا، { ~~وكان سعيكم مشكورا }؛ أي وكان عملكم في الدنيا مقبولا، ~~هذا معنى الشكر؛ لأنه لا يكون لأحد على الله منة يستحق بها عليه ~~الشكر، ولكن شكره لعباده قبول ms2211 طاعاتهم ومغفرة ذنوبهم. ### || [76.23-24] # قوله تعالى: { إنا نحن نزلنا عليك القرآن ~~تنزيلا }؛ أي إنا نحن نزلنا عليك القرآن يا محمد متفرقا ~~آية وآيتين وثلاث آيات وسورة، وفصلناه في الإنزال ولم ينزله ~~جملة واحدة. قوله تعالى: { فاصبر لحكم ربك }؛ أي ~~اصبر على قضائه، على تبليغ الرسالة، { ولا تطع منهم ءاثما ~~أو كفورا }؛ أي لا تطع من مشركي مكة آثما؛ أي كذابا ~~فاجرا ولا كفورا؛ أي كافرا بنعم الله. # ويعني بقوله { ءاثما }: عتبة بن ربيعة، ويعني بالكفور: الوليد ~~بن المغيرة. وقيل: الآثم الوليد، والكفور عتبة بن ربيعة، ~~كانا قالا للنبي صلى الله عليه وسلم: ارجع عن هذا الأمر ~~ونحن نرضيك بالمال والتزويج، وكان عتبة قال للنبي ~~صلى الله عليه وسلم: إن كنت صنعت هذا من أجل النساء! ~~فلقد علمت قريش أن بناتي من أجملها بنات، ~~فأنا أزوجك بنتي وأسوقها إليك بغير مهر، ~~فارجع عن هذا الأمر. وكان الوليد قال للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: إن كنت صنعت هذا يا محمد من أجل المال! ~~فلقد علمت قريش بأني من أكثرهم من المال، ~~فأنا أعطيك من المال حتى ترضى، فارجع عن هذا ~~الأمر. فأنزل الله تعالى: { ولا تطع منهم ءاثما ~~أو كفورا }. ### || [76.25-26] # قوله تعالى: { واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا }؛ ~~أي صل لله تعالى صلاة الفجر وصلاة الظهر والعصر، { ومن ~~الليل فاسجد له }؛ أي فصل له المغرب والعشاء. قوله ~~تعالى: { وسبحه ليلا طويلا }؛ أي صل له في الليل ~~الطويل، يعني: التطوع بعد المكتوبة، وكان على النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يقوم كل الليل، ثم نسخ بقوله # قم اليل إلا قليلا # [المزمل: 2]. ### || [76.27] # قوله تعالى: { إن هؤلاء يحبون العاجلة }؛ ~~يعني كفار مكة يحبون الدار العاجلة وهي الدنيا، { ويذرون ~~ورآءهم يوما ثقيلا }؛ أي يتركون العمل للآخرة، وسمي ~~يوم القيامة يوما ثقيلا؛ لشدة أهواله، وقد يذكر الوراء ~~بمعنى قدام، قال الله تعالى: # وكان ورآءهم ملك # [الكهف: 79]. ### || [76.28] # قوله تعالى: { نحن خلقناهم وشددنآ أسرهم }؛ ~~أي نحن خلقنا أهل مكة وجميع الناس، وقوينا خلقهم بعد أن خلقوا ~~من ms2212 ضعف. وقيل: شددنا مفاصلهم؛ لئلا يسترخي منها شيء؛ أي ~~شددنا بعضها إلى بعض بالعروق والعصب. وقيل: يعني موضع البول ~~والغائط، شددناهما بحيث إذا خرج الأذى منهما ينقبضا. قوله ~~تعالى: { وإذا شئنا بدلنآ أمثالهم تبديلا }؛ أي ~~وإذا شئنا أهلكناهم، وأتينا بأشباههم فجعلناهم بدلا منهم. ### || [76.29-30] # قوله تعالى: { إن هذه تذكرة }؛ أي إن هذه السورة ~~موعظة من الله، { فمن شآء اتخذ إلى ربه سبيلا }؛ أي ~~طريقا بالعمل الصالح. قوله تعالى: { وما تشآءون إلا ~~أن يشآء الله إن الله كان عليما حكيما }؛ أي ما ~~يشاءون اتخاذ السبيل إلا بمشيئة الله ذلك لكم، وقوله تعالى { إن ~~الله كان عليما حكيما } أي عليما قبل خلقكم بمن يتخذ ~~سبيلا ومن لا يتخذ، حكيما فيما أمركم به. # واختلفوا في تفسير هذه الآية، والصحيح: أن معناها: وما تشاءون ~~إلا أن يشاء الله لكم أن تشاءوا، ودليل ذلك أنه لما نزل ~~قوله تعالى: # لمن شآء منكم أن يستقيم # [التكوير: 28] قالوا: قد جعلت المشيئة لنا ولا ~~نشاء، فشق ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فنزل { ~~وما تشآءون إلا أن يشآء الله }. # ومن نفى المشيئة قال: إن هؤلاء مخصوصون لا يشاءون إلا أن يشاء ~~الله أن يكرههم عليه، قال الحسن: ((ما شاءت العرب أن ~~يبعث الله محمدا رسولا، فشاء الله ذلك وبعثه ~~على كره منهم). وعن النضر بن شميل أنه قال: ((لا تمضي ~~مشيئة إلا بمشيئة الله تعالى، ولا تمضي مشيئة ~~من العبد إلا بعلم الله، فمن علم الله منه خيرا ~~شاء الإيمان، ومن شاء الإيمان شاء الله له أن ~~يوفقه، ومن شاء الكفر شاء الله أن يخذله)). ### || [76.31] # قوله تعالى: { يدخل من يشآء في رحمته }؛ أي يكرم ~~من يشاء بدين الإسلام بتوفيقه من كان أهلا لذلك، وقوله تعالى: { ~~والظالمين أعد لهم عذابا أليما }؛ نصب (الظالمين) ~~على المجاورة؛ ولأن ما قبله منصوب، والمعنى: ويعذب الظالمين، أعد ~~لهم عذابا أليما، ويعني بالظالمين مشركي مكة. ### | [77 - سورة المرسلات] ### || [77.1-2] # { والمرسلات عرفا }؛ يعني الرياح أرسلت متتابعة كعرف ~~الفرس؛ أي ورب المرسلات عرفا، وقال ms2213 مقاتل: ((معناه: ~~والملائكة التي أرسلت بالمعروف من أمر الله ~~ونهيه)). وقوله تعالى: { فالعاصفات عصفا }؛ يعني الريح ~~الشديدة الهبوب، فإذا وقعت الريح الشديدة في البحر صارت قاصفة. ### || [77.3] # يعني الرياح التي تنشر السحاب للمطر نشرا، وهي اللينة التي ~~يرسلها الله نشرا بين يدي رحمته، وقيل: العاصفات الملائكة ~~تعصف بأرواح الناس؛ أي تذهب بها، وقيل: الناشرات الملائكة ~~أيضا؛ لأنها تنشر الصحائف بأمر الله. ### || [77.4-9] # قوله تعالى: { فالفارقات فرقا }؛ يعني الملائكة تنزل ~~بالوحي للفرق بين الحلال والحرام، والحق والباطل. قوله ~~تعالى: { فالملقيت ذكرا }؛ يعني الملائكة تلقي كتب ~~الله إلى أنبيائه. قوله تعالى: { عذرا أو نذرا }؛ ~~معناه عذرا من الله، وإنذارا لخلقه، والإعذار قطع ~~المعذرة، والإنذار الإعلام بموضع المخافة لتبقى، ولهذا بعث ~~الرسل وأنزل الكتب. # والمعنى بهذه الآيات: أن كفار مكة لما أنكروا البعث أقسم ~~الله تعالى بما بين من قدرته وتدبيره الملائكة والسحاب والرياح ~~أن قيام الساعة كائن فقال: { إنما توعدون لوقع }؛ أي ~~إن أمر الساعة والبعث لكائن لا محالة. # ثم ذكر متى يقع فقال: قوله تعالى: { فإذا النجوم ~~طمست }؛ أي محي نورها وسلب ضوءها وتساقطت، كما قال ~~الله تعالى: # وإذا الكواكب انتثرت # [الانفطار: 2]. قوله تعالى: { وإذا السمآء فرجت }؛ أي ~~شقت من هيبة الرحمن، وانفطرت بعد أن كانت سقفا محفوظا، فأول ~~حالها الوهي ثم الانشقاق، قال الله تعالى: # وانشقت السمآء فهي يومئذ واهية # [الحاقة: 16] ثم الانفتاح، قال الله # وفتحت السمآء # [النبأ: 19] ثم الانفراج حتى يتلاشى فتصير كأنها لم تكن. ### || [77.10-11] # قوله تعالى: { وإذا الجبال نسفت }؛ أي قلعت من ~~أماكنها بسرعة. قوله تعالى: { وإذا الرسل أقتت }؛ ~~أي بين مواقيتها للفصل والقضاء بينهم وبين الأمم. وقيل: جمعت ~~لوقتها، وإنما قلبت الواو همزة على قراءة غير الواو؛ لأن كل واو ~~انضمت وكانت ضمتها لازمة جاز إبدالها همزة؛ ولأن العرب ~~تعاقب بين الواو والهمزة كقولهم: أكدت ووكدت، وأرخت الكتاب ~~وورخت، ووسادة وإسادة. # قرأ أبو عمرو (وقتت) بالواو والتشديد على الأصل، وقرأ أبو جعفر ~~(وقتت) بالواو والتخفيف، وقرأ عيسى وخالد بن الياس (أقتت) ~~بالألف، وقرأ الباقون بالألف والتشديد. ms2214 ### || [77.12-13] # قوله تعالى: { لأي يوم أجلت }؛ معناه: لأي يوم ~~أخرت هذه الأشياء من الطمس والنسف وغيرهما. ثم بين متى ذلك ~~فقال: { ليوم الفصل }؛ أي أخرت ليوم الفصل بين الخلائق، ~~وهو يوم القيامة، سمي بهذا الاسم لأنه يفصل فيه بين المحق ~~والمبطل، وبين الظالم والمظلوم. ### || [77.14-15] # قوله تعالى: { ومآ أدراك ما يوم الفصل }؛ فيه تعظيم ~~لأمر ذلك اليوم؛ أي لم تكن تعلم يا محمد ما يوم الفصل، وما ~~أعد الله فيه لأوليائه من الثواب، ولأعدائه من العقاب حتى أتاك ~~خبر ذلك، قوله تعالى: { ويل يومئذ للمكذبين }؛ ~~الويل: واد في جهنم للمكذبين بالوعيد. ### || [77.16-19] # قوله تعالى: { ألم نهلك الأولين }؛ معناه: ألم ~~نهلك قوم نوح بالعذاب في الدنيا حين كذبوا نوحا؛ { ثم ~~نتبعهم الآخرين }؛ أي ثم ألحقنا بهم قوم هود ومن بعدهم، { ~~كذلك نفعل بالمجرمين }؛ من أمتك يا محمد، يعني ~~كفار مكة ممن سلك طريقهم. # قرأ الأعرج ثم (نتبعهم الآخرين) بالإسكان عطفا على (نهلك)، ~~وقرأ الكافة (نتبعهم) بالرفع على معنى ثم نحن نتبعهم، وفي ~~قراءة ابن مسعود (سنتبعهم الآخرين)، { ويل يومئذ ~~للمكذبين }. ### || [77.20-22] # قوله تعالى: { ألم نخلقكم من مآء مهين }؛ ~~تنبيه على القدرة على الإعادة، والتحذير من التكبر؛ لأن الذي ~~يقدر على أن يخلق من الماء الحقير بشرا على هذه الصفة، قادر ~~على إعادة الخلق بعد الموت، والمراد بالماء المهين النطفة، ~~وقوله تعالى: { فجعلناه في قرار مكين }؛ أي في الرحم، { ~~إلى قدر معلوم }؛ يعني مدة الحمل على اختلاف مدد حمل ~~الحيوانات، لا يعلم مقدار ذلك ولا الحمل إلا الله تعالى. ### || [77.23-24] # قوله تعالى: { فقدرنا فنعم القادرون }؛ قرأ السلمي ~~وقتادة ونافع وأيوب بالتشديد من التقدير يعني نطفا وعلقا ~~ومضغا وعظاما وذكرا وأنثى وقصيرا وطويلا، وقرأ الباقون مخففا، ~~ومعناهما " في التخفيف والتشديد واحد " ويجوز أن يكون من القدرة، ~~وقوله تعالى { فنعم القادرون } ، معناه: على هذا فنعم القادرون ~~على الخلق، وعلى الأول فنعم القادرون لهذه المخلوقات، { ويل ~~يومئذ للمكذبين }. ### || [77.25-26] # معناه: يكفتهم أحياء على ظهرها في دورهم ومنازلهم، ويكفتهم ~~أمواتا في بطونها؛ أي يجوز " أن يكون ms2215 عني أنها تكفت أذاهم " في ~~ظهرها للأحياء وبطنها للأموات. وعن مجاهد: ((معناه: تكفت ~~الميت فلا يرى منه شيء، وتكفت الحي في بيته ~~فلا يرى من عمله شيء، وفي كل واحد من هذين من ~~النعمة ما لا يخفى على عاقل)). # والكفت في اللغة الضم، وسمي الوعاء كفاتا بكسر الكاف ~~لأنه يضم الشيء، وفي هذه الآية دليل على وجوب مواراة الميت ~~ودفنه ودفن شعره وسائر ما يزايله. ### || [77.27-28] # قوله تعالى: { وجعلنا فيها رواسي شامخات }؛ أي ~~جبالا ثوابت، والشامخات الطوال العاليات المرتفعات جعلت ~~أوتادا للأرض فسكنت بها، وكانت تمور كالسفينة لا تستقر ~~على الماء إلا بمرساة تثقلها، { وأسقيناكم مآء فراتا ~~}؛ أي عذبا حلوا غير ملح ولا أج، { ويل يومئذ ~~للمكذبين }؛ بنعم الله التاركين لشكرها. ### || [77.29-31] # قوله تعالى: { انطلقوا إلى ما كنتم به ~~تكذبون }؛ معناه: ويقال لهم يوم القيامة، تقول لهم الخزنة: ~~انطلقوا إلى العذاب الذي كنتم به تكذبون في الدنيا أنه لا يكون، { ~~انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب }؛ أي انطلقوا إلى دخان ~~من جهنم قد سطع، ثم افترق ثلاث فرق، وهو قوله { ذي ثلاث ~~شعب } شعبة فوقهم، وشعبة عن يمينهم، وشعبة عن شمالهم. وذلك ~~أنه يخرج لسان من نار فيحيط بهم فيحبسون إلى أن يساقوا إلى ~~النار أفواجا أفواجا، قال إبراهيم النخعي: ((هذا الظل مقيل ~~الكفار قبل الحساب))، والمعنى: انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث ~~شعب فكونوا فيه إلى أن يفرغ من الحساب. # ثم وصف الله ذلك الظل فقال: { لا ظليل }؛ أي لا يظل من ~~الحر، { ولا يغني من اللهب }؛ أي ولا يرد عنكم لهب ~~جهنم؛ أي إنهم إذا استظلوا بذلك الظل لم يدفع عنهم من حر ~~النار شيئا، فأما المؤمنون فيقبلون في الجنة كما قال تعالى: # أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن ~~مقيلا # [الفرقان: 24]. ### || [77.32] # معناه: أن النار تقذف بشرر متفرق متطاير كالقصر وهو ~~البناء العظيم كالحصن. وقيل: مثل قصور الأعراب على المياه، ~~يعني الخيام، قال مقاتل: ((شرر النار في ذلك اليوم يكون ~~من الكثرة عدد النجوم وورق الأشجار، لا يقع ~~شيء ms2216 منها إلا على أكتاف الرجال)). والشرر ما ~~يتطاير من النار وينتشر في الجهات متفرقا. # قرأ علي وابن عباس (كالقصر) بفتح الصاد، أراد كأعناق ~~النخل، وقيل: كأعناق الدواب، والقصر العنق وجمعه قصر ~~وقصرات. وقرأ سعيد بن جبير (كالقصر) بكسر القاف وفتح الصاد وهي ~~لغة فيه. ### || [77.33-34] # قوله تعالى: { كأنه جملت صفر }؛ يعني أن لون ~~الشرر يشبه لون الجمالات الصفر، وجمالات جمع جمال، ~~قراءة حمزة والكسائي وحفص وخلف: (جمالة) بكسر الجيم من غير ألف ~~على جمع جمل مثل حجر وحجارة. وقرأ يعقوب (جمالة) بضم الجيم ~~من غير ألف، أراد الأشياء العظيمة المجموعة. وقرأ ابن عباس ~~(جمالات) بضم الجيم جمع جمالات وهي الشيء المجمل، { ~~ويل يومئذ للمكذبين }. # وقوله { صفر } معناه سود، قال الفراء: ((الصفر سوداء ~~الإبل، لا يرى أسود من الإبل إلا وهو مشرب ~~صفرة)) لذلك سمت العرب سود الإبل صفرا، والأصفر الأسود، قال ~~الأعشى: # تلك خيلي وتلك منه ركائب # هن صفر أولادها كالزبيب # أي هن سود. ### || [77.35] # قال المفسرون: إن في يوم القيامة مواقف، ففي بعضها يختصمون ~~ويتكلمون، وفي بعضها يختم على أفواههم فلا يتكلمون. # وعن قتادة قال: ((جاء رجل إلى عكرمة فقال: أرأيت ~~قول الله تعالى { هذا يوم لا ينطقون } ، وقوله ~~تعالى: # ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون # [الزمر: 31]؟ فقال: إنها مواقف، فأما موقف منها ~~فيتكلموا ويختصموا، ثم ختم على أفواههم ~~فتكلمت أيديهم وأرجلهم، فحينئذ لا ينطقون)) ~~وهذا الوقت المذكور في الآية من المواطن التي لا يتكلمون فيها. ### || [77.36-37] # قوله تعالى: { ولا يؤذن لهم فيعتذرون }؛ قال مقاتل: ~~((لا ينطقون أربعين سنة ولا يؤذن لهم ~~فيعتذرون)) وإنما رفع (فيعتذرون) لأنه عطف على ~~(يؤذن)، ولو قال فيعتذروا على النصب لكان حسنا كقوله تعالى: # لا يقضى عليهم فيموتوا # [فاطر: 36] ولو كان لهم عذر لم يمنعوا من الاعتذار، قال الجنيد: ~~((أو أي عذر لمن كفر بآيات ربه، وأعرض عن ~~منعمه))، { ويل يومئذ للمكذبين }. ### || [77.38] # أي هذا يوم الفصل بين أهل الجنة والنار، جمعناكم مكذبي هذه ~~الأمة والأولين الذين كذبوا أنبياءهم. ### || [77.39-40] # قوله تعالى: { فإن ms2217 كان لكم كيد فكيدون }؛ أي يقال ~~لهم ذلك على وجه التقريع: إن كان لكم حيلة في دفع العذاب، ~~فاحتالوا لأنفسكم. وقيل: معناه: إن كان لكم كيد تكيدون به ~~أوليائي، كما كنتم تكيدونهم في الدنيا فكيدوهم، { ويل يومئذ ~~للمكذبين }. ### || [77.41-47] # قوله تعالى: { إن المتقين في ظلال وعيون }؛ أي ~~في ظلال الأشجار وقصور الدر وعيون جارية تجري بالماء والخمر ~~واللبن والعسل، { وفواكه مما يشتهون }؛ يقال لهم: { ~~كلوا }؛ من ثمار الجنة، { واشربوا }؛ من شرابها، { هنيئا ~~بما كنتم تعملون }؛ أي سليما من الآفات بما كنتم تعملون ~~الطاعات في الدنيا، { إنا كذلك نجزي المحسنين }؛ أي ~~هكذا نجزي المحسنين على إحسانهم. # ثم يقال لكفار مكة: { ويل يومئذ للمكذبين * كلوا ~~وتمتعوا قليلا }؛ في الدنيا إلى منتهى آجالكم، { إنكم ~~مجرمون }؛ أي مشركون بالله، { ويل يومئذ ~~للمكذبين }. ### || [77.48-50] # قوله تعالى: { وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون ~~}؛ أي إذا أمروا بالصلوات الخمس لا يصلون، { ويل يومئذ ~~للمكذبين }؛ أي لمن كذب بالركوع، { فبأي حديث ~~بعده يؤمنون }؛ أي إن لم يؤمنوا بهذا القرآن مع ظهوره ~~ووضوحه، فبأي كتاب يصدقون، ولا كتاب بعده. ### | [78 - سورة النبإ] ### || [78.1-5] # { عم يتسآءلون * عن النبإ العظيم }؛ قال المفسرون: ~~لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم وأخبرهم بتوحيد الله والبعث ~~بعد الموت، وتلا عليهم القرآن، جعلوا يتساءلون بينهم ويقولون: ما نرى ~~الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وما الذي أتى به، فأنزل ~~الله تعالى هذه الآية. # ومعناها: عن أي شيء يتحدثون فيما بينهم، وهذا لفظه لفظ ~~الاستفهام، والمعنى تفخيم القصة. وأصله عن ما فأدغمت النون في ~~الميم وحذفت الألف؛ لأن العرب إذا وضعت (عن ما) في موضع الاستفهام ~~حذفت نونها فرقا بينهما وبين أن تكون اسما مثل قوله # فيم أنت من ذكرها # [النازعات: 43] و (علام تفعل)، بخلاف قولهم: سألت فلانا عما ~~فعل، لا يجوز فيه حذف الألف؛ لأن معناها الذي، وكذلك إذا كانت ~~(ما) للصلة كقوله تعالى: # عما قليل ليصبحن نادمين # [المؤمنون: 40]. # قوله تعالى: { عن النبإ العظيم } أي الخبر الشريف، وهو ~~القرآن، فإنه خبر عظيم الشأن، ms2218 لأنه ينبئ عن التوحيد وتصديق ~~الرسول، والخبر عما يجوز وما لا يجوز، وعن البعث والنشور. قوله ~~تعالى: { الذي هم فيه مختلفون }؛ يعني أنهم اختلفوا ~~في القرآن، فجعله بعضهم سحرا وبعضهم كهانة وبعضهم شعرا، وبعضهم ~~أساطير الأولين. # ثم أوعد الله من كذب بالقرآن فقال تعالى: { كلا سيعلمون }؛ ~~أي ليس الأمر على ما قالوا، سيعلمون عاقبة تكذيبهم حتى تنكشف الأمور، { ~~ثم كلا سيعلمون } وعيد على إثر وعيد. وقيل: معنى ~~(كلا) ارتدعوا وانزجروا، فليس الأمر على ما تظنون، وسيعلم ~~الكفار عاقبة أمرهم، { ثم كلا سيعلمون }؛ أمر القيامة ~~وأهوالها، وما لهم من أنواع العذاب في النار. ### || [78.6-7] # قوله تعالى: { ألم نجعل الأرض مهدا * والجبال ~~أوتادا }؛ نبه سبحانه على عظيم قدرته، ولطيف حكمته؛ ~~ليعرفوا توحيده. والمهاد: الوطاء؛ للتصرف عليه من غير كلفة، ~~فالأرض مهاد يسيرون في مناكبها ويسكنون في مساكنها، والمهاد ~~والمهد بمعنى واحد، والمهاد: الفراش، والجبال أوتاد للأرض؛ ~~لأن الأرض كانت تنكفئ بأهلها على وجه الماء، فأرساها الله ~~بالجبال الثوابت حتى لا تميد بأهلها، وكان أبو قبيس أول جبل ~~وضع على الأرض. ### || [78.8-11] # قوله تعالى: { وخلقناكم أزواجا }؛ أي ذكرانا ~~وإناثا، ويقال: ألوانا وأصنافا، وكلكم ترجعون إلى أب واحد، { ~~وجعلنا نومكم سباتا }؛ أي راحة لأبدانكم، فكل من ~~تعب من الخلق إذا نام استراح، والسبات مأخوذ من السبت وهو ~~القطع، والسبات قطع العمل، والسبات ها هنا أن ينقطع عن الحركة، ~~والروح في بدنه. قوله تعالى: { وجعلنا اليل لباسا }؛ ~~سابغا بظلمته وسواده لكل شيء، { وجعلنا النهار معاشا ~~}؛ أي ذا ضياء لطلب المعاش بالحراثة والتجارة ونحوهما. ### || [78.12-13] # قوله تعالى: { وبنينا فوقكم سبعا شدادا }؛ أي ~~رفعنا فوق رؤوسكم سبع سماوات غلاظا شديدة الإتقان، قائمة ~~بإذن الله لا تنهار ولا تتغير من طول الزمان، غلظ كل سماء ~~خمسمائة عام، { وجعلنا سراجا وهاجا }؛ أي وقادا ~~متلألئا مشتعلا بالنور العظيم، تنضج الأشياء بحرها، وتضيء ~~للناس بنورها، والوهج مجمع النور والحرارة. ### || [78.14] # قال مجاهد ومقاتل وقتادة والكلبي: ((المعصرات الرياح؛ ~~لأنها تعصر السحاب حتى تخرج منه المطر)). قال ~~الأزهري: ((هي الرياح ذوات الأعاصير))، و(من) ms2219 معناها ~~الباء كأنه قال: بالمعصرات؛ ولأن الرياح تستدر المطر، وقال أبو ~~العالية والربيع والضحاك: ((المعصرات السحاب التي ~~ينجلب منها المطر، كالمرأة المعصورة وهي ~~التي دنا حيضها))، قال الشاعر: # جارية بإبرقين دارها # قد أعصرت أو قد دنا إعصارها # يسقط من غلمتها إزارها # تمشي الهوينا ساقطا خمارها # وقال يزيد بن أسلم: ((المعصرات: السماوات))، وقال ابن ~~كيسان: ((المغيبات)). # والماء الثجاج: هو السيال الصباب، والثج: الصب، ~~كما روي في الحديث: # " أفضل الحج العج والثج " # أراد بالعج: رفع الصوت بالتلبية، والثج: إراقة الدم. ~~وقال مجاهد: ((ثجاجا أي مدرارا)) وقال قتادة: ((متتابعا ~~يتلو بعضه)). ### || [78.15-16] # قوله تعالى: { لنخرج به حبا ونباتا }؛ أي ~~لنخرج بالمطر حبا يأكلونه ونباتا ترعاه أنعامكم. { ~~وجنات ألفافا }؛ أي بساتين ملتفة الأشجار، واحدها لف ~~بالكسر، وجمعه لف بالضم، وجمع الجمع ألفاف. ### || [78.17-18] # قوله تعالى: { إن يوم الفصل كان ميقاتا }؛ ~~معناه: إن يوم الفصل بين الخلائق وهو يوم القيامة كان ميقاتا ~~للأولين والآخرين أن يجتمعوا فيه، وميقاتا لما وعد الله من ~~الثواب والعقاب. # ثم بين متى يكون ذلك فقال تعالى: { يوم ينفخ في الصور ~~فتأتون أفواجا } يعني نفخة البعث فيأتي كل أناس بإمامهم ~~فوجا بعد فوج، وزمرا بعد زمر من كل مكان للحساب. ~~والصور: قرن ينفخ فيه إسرافيل. # وعن معاذ بن جبل قال: # " قلت: يا رسول الله؛ أرأيت قوله تعالى: { يوم ~~ينفخ في الصور فتأتون أفواجا }؟ قال: " يا معاذ ~~سألت عن عظيم من الأمر " ثم بكى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وقال: " يا معاذ يحشر الناس عشرة ~~أصناف من أمتي أشتاتا قد بدل الله صورهم ~~وغيرهم من جماعة المسلمين، فبعضهم على ~~صورة القردة، وبعضهم على صورة الخنازير، ~~وبعضهم منكسون على رؤوسهم وأرجلهم فوق ~~وجوههم يسحبون، وبعضهم عمي يترددون، ~~وبعضهم صم بكم لا يعقلون، وبعضهم يمضغون ~~ألسنتهم وهي مدلاة على صدورهم، يسيل القيح ~~من أفواههم لعابا يتقذرهم أهل الجمع، وبعضهم ~~مقطعة أيديهم وأرجلهم، وبعضهم مصلبون على ~~جذوع من نار، وبعضهم أشد نتنا من الجيف، ~~وبعضهم يلبسون جبابا من قطران لازقة ~~بجلودهم. # فالذين هم على ms2220 صورة القردة النمامون، ~~والذين هم على صورة الخنازير الأكالون السحت، ~~والذين هم منكسون على رؤوسهم أكلة الربا، ~~والعميان الجائرون في الحكم، والصم البكم هم ~~الذين يعجبون بأعمالهم، والذين يمضغون ~~ألسنتهم العلماء الوعاظ الذين خالف قولهم ~~أعمالهم، والمقطعة أيديهم وأرجلهم الذين ~~يؤذون الجيران، والمصلبون على جذوع النار ~~السعاة إلى السلطان، والذين هم أشد نتنا من ~~الجيف هم الذين يتنعمون باللذات والشهوات، ~~ومنعوا حق الله من أموالهم، والذين يلبسون ~~الجباب هم أهل الكبر والفجور والخيلاء " ". ### || [78.19] # أي فتحت لنزول الملائكة، فكانت ذات أبواب، قرأ أهل الكوفة ~~(وفتحت) بالتخفيف. ### || [78.20] # أي سيرت على وجه الأرض فصارت كالتراب المنبث، إذا رآه ~~الناظر يحسبه سرابا بعد شدتها وصلابتها. والسراب: الغبار ~~المنبث في الهواء يحسبه العطشان عند وقوع الشمس أنه ماء وليس ~~بماء. ### || [78.21-22] # قوله تعالى: { إن جهنم كانت مرصادا }؛ أي طريقا ~~وممرا للعباد، ولا سبيل إلى الجنة حتى تقطع النار، وقال ~~مقاتل: ((إن جهنم كانت محبسا)) معدة { للطاغين }؛ ~~أي للكافرين، { مآبا }؛ أي مرجعا يرجعون إليه، وفي الحديث: # " أنها أعرف بأصحابها من الوالدة بولدها ". ### || [78.23] # قرأ حمزة (لبثين فيها أحقابا)، وقرأ الباقون (لابثين) وهما ~~بمعنى واحد؛ أي ماكثين فيها مقيمين بها. # واختلف العلماء في معنى الحقب، فروي عن عبدالله بن عمر: ~~((أن الحقب الواحد أربعون سنة، كل يوم منها ~~ألف سنة))، فهذا هو الحقب الواحد، وهي أحقاب لا يعلم عددها ~~إلا الله. وعن علي رضي الله عنه: ((أن الحقب الواحد ~~ثمانون سنة، كل سنة اثنا عشر شهرا، كل شهر ~~ثلاثون يوما، كل يوم ألف سنة)). # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " والله ما يخرج من النار من دخلها من ~~المشركين حتى يكونوا فيها أحقابا، والحقب بضع ~~وثمانون سنة، والسنة ثلاثمائة وستون يوما، ~~كل يوم ألف سنة ". # وعن الحسن: ((إن الله لم يذكر شيئا إلا وجعل لها ~~مدة ينتهي إليها، ولم يجعل لأهل النار مدة، ~~بل قال: { لابثين فيهآ أحقابا } ، فوالله ما هي ~~إلا إذا مضى حقب دخل آخر، ثم آخر إلى أبد ~~الآبدين)). ms2221 فليس للأحقاب عدة إلا الخلود في النار، ولكن قد ~~ذكر أن الحقب الواحد سبعون ألف سنة، كل يوم منها ألف ~~سنة مما تعدون. # وقال مقاتل: ((الحقب الواحد سبعة عشر ألف سنة))، ~~وقال: ((هذه الآية قوله تعالى: { فلن نزيدكم ~~إلا عذابا } يعني أن العدد قد انقطع، وأن ~~الخلود قد حصل))، وعن عبدالله بن مسعود قال: ((لو علم ~~أهل النار أنهم يلبثون في النار عدد حصى الدنيا ~~لفرحوا، ولو علم أهل الجنة أنهم يلبثون في ~~الجنة عدد حصى الدنيا لحزنوا)). ### || [78.24-25] # قوله تعالى: { لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا }؛ ~~أي لا يذوقون في تلك الأحقاب نوما ولا شرابا من الماء. وقيل: ~~معناه: لا يذوقون في جهنم من شدة حرها بردا ينفعهم من حرها، ~~ولا شرابا ينفعهم من عطشها. # وقيل: معناه: لا يذوقون في جهنم برد ريح ولا ظلا ولا ~~شرابا باردا، { إلا حميما وغساقا }؛ أي إلا ماء حارا ~~في غاية الحرارة، و(غساقا) وهو ما يغسق أي يسيل من صديد أهل ~~النار، وكل ذلك يزيد في العطش. # وقال شهر بن حوشب: ((الغساق واد في النار، فيه ~~ثلاثمائة وثلاثون شعبا، في كل شعب ثلاثمائة ~~وثلاثون بيتا، في كل بيت أربع زوايا، في كل ~~زاوية ثعبان كأعظم ما خلق الله، في رأس كل ~~ثعبان سم قاتل لا يعلم قدره إلا الله تعالى)). # وعن أبي معاذ النحوي قال في قوله تعالى: { لا يذوقون ~~فيها بردا ولا شرابا }: ((أن البرد النوم))، ومثله ~~قال الكسائي وأبو عبيدة، والعرب تقول: منع البرد البرد؛ أي ~~أذهب البرد النوم، ولأن العطشان لينام فيبرد غليله، فلذلك ~~سمي النوم بردا، قال الشاعر: # وإن شئت حرمت النساء سواكم # وإن شئت لم أطعم نقاحا ولا بردا # أي نوما. ### || [78.26] # انتصب على المصدر؛ أي جوزوا على وفق أعمالهم جزاء. وقيل: ~~تقديره: جزيناهم جزاء، وقوله تعالى { وفاقا } أي وفقوا ~~أعمالهم وفاقا كما يقول: قاتل قتالا، والمعنى: جوزوا بحسب ~~أعمالهم، قال مقاتل: ((وافق العذاب الذنب، فلا ذنب أعظم ~~من الشرك، ولا عذاب أعظم من النار)). ### || [78.27-28] # قوله تعالى: ms2222 { إنهم كانوا لا يرجون حسابا }؛ أي إنهم ~~كانوا لا يخافون أن يحاسبوا، والمعنى: أنهم كانوا لا يؤمنون ~~بالبعث ولا بأنهم يحاسبون، { وكذبوا بآياتنا كذابا }؛ ~~أي وكذبوا بمحمد صلى الله عليه وسلم والقرآن تكذيبا، و(فعال) ~~من مصادر التفعيل، قال الفراء: (هي لغة فصيحة ~~يمانية)، يقال حرقت القميص حراقا. ### || [78.29-30] # قوله تعالى: { وكل شيء أحصيناه كتابا }؛ أي ~~وكل شيء من الأعمال بيناه في اللوح المحفوظ، كقوله تعالى: # وكل شيء أحصيناه في إمام مبين # [يس: 12]. قوله تعالى: { فذوقوا فلن نزيدكم إلا ~~عذابا }؛ أي يقال لهم: ذوقوا العذاب في النار، فلن نزيدكم إلا ~~ألوان العذاب لونا بعد لون، وكل عذاب يأتي بعد الوقت، فهو ~~زائد على الأول. ### || [78.31-32] # قوله تعالى: { إن للمتقين مفازا }؛ المتقي هو ~~المؤمن المطيع لله، الكاف عن جميع معاصيه. والمفاز: موضع ~~الفوز وهو الجنة، والمعنى: أن للمتقين فوزا ونجاة من النار. ~~وقوله تعالى { حدآئق وأعنابا }؛ تفسير لذلك الفوز. والحدائق: ~~جمع الحديقة، وكل ما أحيط به الحائط من الأشجار فهو حديقة وهو ~~البستان الجامع. والأعناب: أنواع العنب في البستان، والمعنى: { إن ~~للمتقين مفازا حدآئق وأعنابا } يعني أشجار الجنة ~~وثمارها. ### || [78.33-34] # قوله تعالى: { وكواعب أترابا }؛ الكواعب: جمع ~~الكاعب، وهي الجارية الناهد المفلكة الثدي، وهي التي خرج ~~ثديها بأحسن الخروج، ولم يفطم بعد. والأتراب: اللدات ~~المستويات في السن، ويجوز أن يكون المعنى: مثل أزواجهن في السن ~~والصورة والقد. قوله تعالى: { وكأسا دهاقا }؛ الكأس: ~~الإناء الذي فيه الشراب، والدهاق: الملآن المتابع، والمعنى: ~~وكأسا ممتلئة. ### || [78.35] # أي لا يسمعون في مجالسهم في الجنة كلاما لا فائدة فيه، ولا ~~يكذب بعضهم بعضا، والمعنى: لا يسمعون في الجنة إذا شربوا الخمر ~~باطلا من الكلام، ولا يكذب بعضهم بعضا، قال ابن عباس: ((ذلك ~~أن أهل الدنيا إذا شربوا تكلموا بالباطل، وأهل ~~الجنة إذا شربوا لم يتكلموا عليها شيئا ~~يكرهه الله)). وقرأ الكسائي: (ولا كذابا) بالتخفيف؛ أي لا ~~يكذب بعضهم بعضا، والكذاب مصدر المكاذبة، وهو حسن المعنى. ### || [78.36] # أي جزاهم الله بهذه الأشياء من ربك وأعطاهم عطاء حسابا، وقال ~~ابن ms2223 قتيبة: ((عطاء كافيا))، يقال: أحسبت فلانا؛ أي أكثرت ~~له وأعطيته ما يكفيه، قال الزجاج: ((في ذلك الجزاء كل ما ~~يشتهون، ومن ذلك: حسبي كذا؛ أي كفاني)). والمعنى: ~~جزاء من ربك عطاء كثيرا كافيا وافيا. ### || [78.37-38] # قوله تعالى: { رب السموت والأرض وما ~~بينهما الرحمن }؛ قرأ نافع وأبو عمرو وابن كثير: (رب ~~السماوات) برفع الباء، و(الرحمن) بالرفع أيضا على معنى: هو ~~رب السماوات والأرض وما بينهما وهو الرحمن، وإن شئت قلت: ~~(رب) مبتدأ و(الرحمن) خبره. # وقرأ ابن عامر ويعقوب كلاهما بالخفض على البدل من (ربك). وقرأ ~~حمزة والكسائي وخلف (رب) بالخفض، و(الرحمن) رفعا، قال أبو ~~عبيدة: ((وهذه القراءة أعدلها عندي؛ لأن قوله ~~تعالى: { رب } قريب من (ربك) فيكون نعتا له. ~~وارتفع (الرحمن) لبعده عنه، فيكون مبتدأ وما ~~بعده خبره)). # قوله تعالى: { لا يملكون منه خطابا }؛ قال مقاتل: ~~((لا تقدر الخلق أن يكلموا الرب إلا بإذنه)). ~~وقال الكلبي: ((معناه: لا يشفعون إلا بإذنه)). ~~وقيل: لا يتجرأ أحد أن يتكلم في عرصات القيامة إلا ~~بإذنه، ثم وصف ذلك اليوم فقال تعالى: { يوم يقوم الروح ~~والملائكة صفا }؛ قيل: معناه: في يوم يقوم الروح. # واختلفوا في الروح، قال الشعبي والضحاك: ((هو جبريل الذي ~~سماه الله الروح الأمين)). وقال ابن عباس: ((هو ملك ~~من أعظم الملائكة خلقا)). وقال ابن مسعود: ((هو ملك ~~عظيم أعظم من السماوات ومن الجبال، وأعظم من ~~الملائكة، وهو يسبح في السماء الرابعة كل يوم ~~اثني عشر ألف تسبيحة، يخلق الله من كل تسبيحة ~~ملكا)). # وقال مجاهد وقتادة: ((الروح خلق من خلق الله على صورة ~~بني آدم وليسوا منهم، يقومون صفا، والملائكة ~~صفا، هؤلاء جند، وهم جند)). وعن ابن عباس: ((أنه ~~ملك لم يخلق الله في الملائكة أعظم منه))، فإذا ~~كان يوم القيامة قام وحده صفا، وقامت ~~الملائكة كلهم صفا، فيكون عظم خلقه مثل ~~صفوفهم. وقيل: هم خلق غير الإنس والجن يرون الملائكة، ~~والملائكة لا يرونهم، كما أن الملائكة يروننا ونحن لا نراهم. # قوله تعالى: { لا يتكلمون إلا من أذن له ~~الرحمن }؛ معناه: الخلق ms2224 كلهم المؤمنون لا يتكلمون إلا من ~~أذن الله له الكلام، ولا يأذن إلا لمن إذا قال: { وقال ~~صوابا }. وقيل: معناه: إلا من أذن له الرحمن وقال في ~~الدنيا قولا صوابا عدلا، وهو كلمة التوحيد؛ يعني: لا إله ~~إلا الله؛ لا إله إلا الله. ### || [78.39-40] # قوله تعالى: { ذلك اليوم الحق }؛ أي ذلك اليوم ~~وصف هو الحق، { فمن شآء اتخذ إلى ربه مآبا }؛ أي ~~رجعا حسنا؛ أي من شاء رجع إلى الله بطاعته. # ثم خوف الكفار فقال تعالى: { إنآ أنذرناكم عذابا ~~قريبا }؛ أي خوفناكم من عذاب قريب كائن، يعني عذاب الآخرة، وكل ~~ما هو آت قريب، والخطاب لأهل مكة. ثم بين متى يكون ذلك العذاب، ~~فقال تعالى: { يوم ينظر المرء ما قدمت يداه } أي ~~يوم يرى الرجل فيه جزاء عمله في الدنيا من خير أو شر، وخص ~~اليدين؛ لأن أكثر العمل يكون بهما. # وأما الكافر فيقول: { ويقول الكافر يليتني كنت ~~ترابا }؛ أي ليتني لم أبعث، وليتني بقيت ترابا بعد ~~الموت، وقال مقاتل: ((إن الله يجمع الدواب والطيور ~~والوحوش يوما، ويقضي بين الثقلين الجن ~~والإنس، ثم يقضي للجماء من القرناء، فإذا فرغ ~~من ذلك، قال: من ربكم؟ فيقولون: الرحمن ~~الرحيم، فيقول الله تعالى: أنا خلقتكم ~~وسخرتكم لبني آدم، وكنتم لي مطيعين أيام ~~حياتكم، فارجعوا للذي خلقتكم منه. فيصيرون ~~ترابا، فعند ذلك يقول الكافر: { يليتني كنت ~~ترابا }.)). قال أبو هريرة: ((فيقول التراب للكافر: لا ~~حبا ولا كرامة لك أن تكون مثلي)). ### | [79 - سورة النازعات] ### || [79.1] # أقسم الله بالملائكة إعظاما لهم، ولله أن يقسم بغيره، ~~وليس للعباد أن يقسموا إلا به. ويجوز أن يكون القسم ها هنا ~~برب الملائكة، كأنه قال: ورب النازعات. والنازعات: الملائكة ~~الذين ينزعون أرواح الكفار بالشدة من أجسادهم، من تحت كل ~~شعرة، ومن تحت الأظفار وأصول القدمين، ثم يردونها في جسدها حتى ~~إذا كادت تخرج ردوها في بدنه. # قال مقاتل: ((يعني ملك الموت وأعوانه)). قال سعيد بن ~~جبير: ((ينزعون أرواحهم فيفرقونها ثم يقذفون ~~بها في النار)). وقال السدي: ((هي النفس التي ms2225 تغرق ~~في الصدور)). وقيل: يرى الكافر نفسه وقت النزع كأنها ~~تغرق. وقيل: معناه: تنزع الملائكة أرواح الكفار عن أجسادهم ~~كما يغرق النازع في القوس فيبلغ بها غاية المد، ~~والمغرق اسم مصدر أقيم مقام الإغراق. ### || [79.2] # هم الملائكة ينشطون روح الكافر من قدميه إلى حلقه نشطا كما ~~ينشط الصوف من سفود الحديد. قيل: إنهم ينشطون أرواح ~~الكفار نشطا عظيما ويجذبونها جذبا شديدا بكرب ومشقة ~~وغم، كنشط السفود الكثير الشعر من الصوف المتلبد، فيشتد عليهم ~~خروج أرواحهم، يقال: نشطت يد البعير إذا نطقته بالحبل، ~~وأنشطته إذا حللته. ### || [79.3] # هم الملائكة الموكلون بقبض أرواح المؤمنين، يسلونها سلا ~~رفيقا، ثم يدعونها تستريح رويدا كالسائح بالشيء في الماء ~~يرفق به، وقال مجاهد: ((هم الملائكة ينزلون من ~~السماء مسرعين كالفرس الجواد السابح لسرعته)). ~~وقال الكلبي: ((يقبضون أرواح المؤمنين كالذي يسبح ~~في الماء، فأحيانا ينغمس وأحيانا يرتفع، ~~يسلونها سلا رفيقا)). وقال قتادة: ((هي النجوم ~~والشمس والقمر، قال الله تعالى # كل في فلك يسبحون # [الأنبياء: 33])). وقال عطاء: ((هي السفن)). ### || [79.4-5] # قوله تعالى: { فالسابقات سبقا }؛ هم الملائكة سبقت ~~بني آدم بالخير والعمل الصالح والإيمان والتصديق. وقيل: ~~يستبقون بأرواح المؤمنين إلى الجنة. قوله تعالى: { ~~فالمدبرات أمرا }؛ يعني جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك ~~الموت، يدبرون أمر الله في أهل الأرض، فجبريل للوحي والتنزيل، ~~وميكائيل للقطر والنبات، وإسرافيل للصور، وملك الموت لقبض ~~الأرواح، وجواب هذه الأقسام محذوف، تقديره: لتبعثن للجزاء ~~والحساب ولتحاسبن. ### || [79.6-7] # قوله تعالى: { يوم ترجف الراجفة }؛ يعني النفخة ~~الأولى التي يموت فيها جميع الخلق، والرجفة صيحة عظيمة فيه ~~تردد واضطراب، { تتبعها الرادفة }؛ يعني النفخة الثانية ~~ردفت النفخة الأولى، وبينهما أربعون سنة، وسميت الثانية ~~رادفة تشبها بالرادف من الراكب. ### || [79.8] # أي مضطربة قلقة لما عاينت من أهوال يوم القيامة. قيل: أراد ~~بها قلوب الكفار. والوجيف: اضطراب القلب، وقال مجاهد: ((معنى ~~واجفة: وجلة))، وقال السدي: ((زائلة عن أماكنها)). ~~وقيل: غير هادئة ولا ساكنة، وقال أبو عمرو: ((مرتكضة)). ### || [79.9-11] # قوله تعالى: { أبصارها خاشعة }؛ أي أبصار أصحابها ~~ذليلة خاضعة، وذلك أن المضطرب الخائف لا بد ms2226 أن يكون نظره نظر ~~الذليل الخاضع؛ لترقب ما ينزل من الأمر. ويقال: ذليلة عند ~~معاينة النار، كقوله # خاشعين من الذل # [الشورى: 45]. # قال عطاء: ((يريد أبصار من مات كافرا)) يدل عليه أنه ~~ذكر منكري البعث، فقال: { يقولون أإنا لمردودون في ~~الحافرة }؛ معناه: تقول الكفار وهم في الدنيا: أنرد إلى ~~أول حالنا وابتداء أمرنا فنصير أحياء؟ كما كنا، يقال: رجع ~~فلان في حافرته، أي رجع من حيث جاء. والحافرة عند العرب اسم لأول ~~الشيء، وابتداء الأمر. والمعنى أنهم كانوا يستبعدون البعث، ويقولون: ~~{ أإذا كنا عظاما نخرة }؛ أنرد إلى الحياة الأولى، ~~وتعاد فينا الروح بعد أن نصير عظاما نخرة؛ أي بالية, ~~ومنه قولهم: رجع فلان في حافرته؛ إذا رجع في الطريق الذي جاء ~~فيه. # وقال بعضهم: الحافرة الأرض التي تحفر فيها قبورهم، والحافرة ~~بمعنى المحفورة كما في # عيشة راضية # [الحاقة: 21، القارعة: 7] وما وافق معناه: ومعناه: أئنا ~~لمردودون إلى الأرض فنبعث خلقا جديدا، ونمشي على أقدامنا، ~~وقال ابن زيد: ((الحافرة: النار))، وقيل: معناه: أنرد ~~أحياء في قبورنا. # قوله تعالى: { أإذا كنا عظاما نخرة } قرأ أهل ~~الكوفة (ناخرة) بالألف، وهي قراءة عمر رضي الله عنه وابن عباس ~~وابن مسعود وابن الزبير. وقرأ الباقون (نخرة) بغير ألف، ~~والنخرة: البالية، والناخرة: المجوفة، يقال: ~~نخر العظم ينخر فهو ناخر ونخرا إذا بلي وتفتت، ~~وقال الأخفش: ((هما لغتان؛ أيهما قرأت فحسن)). ~~والمعنى: أنهم أنكروا البعث، فقالوا: أنرد أحياء إذا متنا ~~وبليت عظامنا. ### || [79.12-14] # قوله تعالى: { قالوا تلك إذا كرة خاسرة }؛ كانوا ~~يقولون على جهة التكذيب: إن كان الأمر على ما يقول محمد، ~~فتلك الرجعة خاسرة. والخاسرة: ذات الخسران؛ أي إن ~~رددنا بعد الموت لنخسرن بما يصيبنا بعد الموت. # ثم أعلم الله سهولة البعث عليه فقال تعالى ردا عليهم: { ~~فإنما هي زجرة واحدة }؛ يعني النفخة الأخيرة صيحة ~~واحدة يسمعونها وهم في بطون الأرض أموات، { فإذا هم ~~بالساهرة }؛ أي فإذا هم أحياء على وجه الأرض. والساهرة: ~~وجه الأرض وظهرها، فإنما هي نفخة واحدة وصيحة واحدة هائلة { ~~فإذا هم بالساهرة } أي فإذا ms2227 هم على ظهر الأرض بعد أن كانوا ~~في جوفها. والعرب تسمي وجه الأرض ساهرة؛ لأن فيها نوم ~~الجفون وسهرهم. يقال: إن المراد بالساهرة أرض بيت المقدس. ~~ويقال: أراد به أرض الآخرة. وقيل: الساهرة: جهنم. ### || [79.15-16] # قوله تعالى: { هل أتاك حديث موسى }؛ أي هل جاءك - ~~يا محمد - حديث موسى، { إذ ناداه ربه }؛ أي هل بلغك ~~قصة موسى وخبره، وهذا استفهام بمعنى التقرير، كما يقول الرجل ~~لغيره: هل بلغك حديث فلان، وهو يعلم أنه بلغه ذلك، ولكن ~~يريد بهذا الكلام التحقيق. # ويجوز أن يراد بهذا الابتداء الإخبار، كأنه قال: لم يكن عندك - ~~يا محمد - ولا عند قومك ما أعلمك الله به من حديث موسى إذ ~~أسمعه الله نداءه، { بالواد المقدس طوى }؛ أي بالوادي ~~المطهر الذي كلمه الله عليه، واسم ذلك الوادي (طوى). وهذا ~~يقرأ بالتنوين وغيره، فمن نونه وصرفه؛ فلأنه مذكر سمي ~~به مذكر، ومن لم يصرفه جعل له اسم البقعة التي هي مشتملة على ~~ذلك الوادي. ### || [79.17-22] # قوله تعالى: { اذهب إلى فرعون إنه طغى }؛ أي ~~ناداه ربه فقال له: يا موسى اذهب إلى فرعون إنه علا وتكبر ~~وكفر وتجاوز عن الحد في المعصية، { فقل هل لك إلى أن ~~تزكى }؛ أي تتطهر عن الشرك وتشهد أن لا إله إلا الله، ~~وتعمل عمل الأزكياء، و؛ هل لك رغبة في أن، { وأهديك ~~إلى ربك }؛ أي إلى معرفة ربك وعبادته وتوحيده ومعرفة صفاته، { ~~فتخشى }؛ عقابه إن لم تطعه. # ثم بين الله لموسى أن يمضي، { فأراه الآية الكبرى }؛ ~~حتى أراه الآية الكبرى، يعني العصا إذ كانت أكبر آية، وقال بعضهم: ~~اليد البيضاء التي أخرجها، لها شعاع كالشمس، { فكذب ~~وعصى }؛ أي فكذب فرعون بأنها من الله، وعصى موسى فلم يطعه، ~~{ ثم أدبر يسعى }؛ أي أدبر عن الإيمان، وأعرض عنه بعمل ~~الفساد في الأرض، ويقال: أدبر: أسرع هاربا من الجنة. ### || [79.23-24] # قوله تعالى: { فحشر }؛ أي فجمع قومه وجنوده، { ~~فنادى }؛ لما اجتمعوا، { فقال أنا ربكم الأعلى ~~}؛ أي لا رب فوقي، وقيل: إنه جمع قومه بالشوط يستنصر بهم ~~على إبطال ms2228 أمر موسى ودفع ضرر الحية، فنادى فيهم: أعيدوا ~~أصنامكم التي كنتم تعبدونها، وأنا رب أصنامكم الأعلى. ### || [79.25-27] # قوله تعالى: { فأخذه الله نكال الآخرة ~~والأولى }؛ معناه: لما بلغ في استكثاره وكفره إلى حد لا ~~ينفع فيه الوعظ، حينئذ أخذه الله بعقوبة صار بها نكالا في ~~الدنيا والآخرة، و # النار يعرضون عليها غدوا وعشيا # [غافر: 46] ولو تفكر هؤلاء الجهال لعلموا أنه لو كان إلها لم ~~يحتج إليهم لدفع ضرر الحية التي يخافها. # وقيل: معنى { فأخذه الله نكال الآخرة } يعني كلمتي ~~فرعون حين قال # ما علمت لكم من إله غيري # [القصص: 38] وقوله { أنا ربكم الأعلى } وكان بينهما ~~أربعون سنة. قال مجاهد: ((هذا معنى الآخرة والأولى، ~~وهي الكلمة الأخيرة، وقوله تعالى # ما علمت لكم من إله غيري # [القصص: 38] هي الكلمة الأولى)) وهذا قول أكثر المفسرين. # وقال الحسن: ((معنى: نكال الدنيا والآخرة، الأولى: ~~غرقه في الدنيا، وعذابه في الآخرة بالنار)). وعن ~~ابن عباس قال: ((قال موسى: يا رب أمهلت فرعون ~~أربعمائة سنة وهو يقول: أنا ربكم الأعلى، ~~ويكذب بآياتك ورسلك، فأوحى الله إليه أنه كان ~~حسن الخلق سهل الحجاب، فأحببت أن أكافئه)). ~~قوله تعالى: { إن في ذلك لعبرة لمن يخشى }؛ أي ~~إن في الذي فعل فرعون من العقوبة حين كذب عظة لمن يخشى عذاب ~~الله. والعبرة: هي الدلالة المؤدية إلى الحق. # ثم خاطب منكري البعث فقال تعالى: { ءأنتم أشد خلقا أم ~~السمآء }؛ الخطاب لأهل مكة، يقول أأنتم أشد خلقا، ~~معناه: أخلقكم بعد الموت أشد عندكم أم السماء في تقديركم؟ ~~وهما في قدرة الله واحد، وهذا كقوله # لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس # [غافر: 57]. وقوله تعالى: { بناها }؛ أي بناها مع عظمها، فكيف لا ~~يقدر على إعادتكم مع صغر أجسامكم؟! ### || [79.28] # أي رفع سقف السماء فوق كل شيء بلا عمد تحتها، ولا ~~علاقة فوقها، فسواها من الفطور والعيوب. وقيل: فسواها ~~بلا سقوف ولا فطور. ### || [79.29] # أي أظلم ليلها وأظهر نهارها: والغطش: الظلمة وأصناف ~~الليل والنهار إلى السماء؛ لأن الليل إنما يكون بغروب الشمس، ~~والشمس منسوبة إلى ms2229 السماء، فإذا غربت الشمس كان مبدأ الظلام من ~~جانب السماء، وذلك الضياء يظهر قبل طلوع الشمس من جانب السماء. ### || [79.30] # أي سطحها بعد خلق السماء، مأخوذ من الدحو وهو البسط، ~~وذلك أن الله خلق الأرض قبل السماء مجموعة، ثم خلق السماء ~~وشمسها وقمرها وليلها ونهارها، ثم دحا الأرض بعد ذلك " فهو " ~~أدل على القدرة. ### || [79.31-33] # قوله تعالى: { أخرج منها مآءها ومرعاها }؛ أراد ~~بالماء ماء الآبار والعيون التي تخرج من الأرض، وبالمرعى النبات ~~مما يأكل الناس والأنعام وهو قوله تعالى: { والجبال ~~أرساها }؛ أي أثبتها وثقل بها الأرض، فعل ذلك، { متاعا ~~لكم ولأنعامكم }؛ أي منفعة لكم ولدوابكم لا لمنفعة نفسه، ~~فإنه منزه عن المضار والمنافع. ### || [79.34-36] # قوله تعالى: { فإذا جآءت الطآمة الكبرى }؛ يعني ~~النفخة الثانية التي فيها البعث، والطامة: الحادثة التي تطم ~~على ما سواها؛ أي تعلو فوقه، والقيامة تطم على كل شيء ~~فسميت الطامة. قوله تعالى: { يوم يتذكر الإنسان ~~ما سعى }؛ أي ما عمل في الدنيا من خير أو شر، ويقرأ ~~كتابه، { وبرزت الجحيم لمن يرى }؛ أي أظهرت لجميع ~~الخلائق حتى يراها أهل الموقف كلهم، والطامة عند العرب ~~الداهية التي لا تستطاع. وقيل: إن الطامة الكبرى حين ~~يساق أهل النار إلى النار، وأهل الجنة إلى الجنة. ### || [79.37-41] # قوله تعالى: { فأما من طغى * وآثر الحياة ~~الدنيا * فإن الجحيم هي المأوى }؛ معناه: فأما من ~~جاوز الحد في معصية الله، واختار ما في الدنيا من زهرتها ~~وزينتها على الإيمان بالله وطاعته، فإن الجحيم هي المأوى؛ أي ~~مأواه، { وأما من خاف مقام ربه }؛ للحساب واجتنب ~~المعاصي، { ونهى النفس عن الهوى }؛ أي المحارم التي ~~يشتهيها، قال مقاتل: ((هو الرجل يهم بالمعصية، ~~فيذكر مقامه للحساب فيتركها)) { فإن الجنة ~~هي المأوى }. ### || [79.42-45] # قوله تعالى: { يسألونك عن الساعة أيان ~~مرسها }؛ أي متى قيامها ووقوعها، يعني يوم القيامة يسألونه عن ~~تلك لتكذيبهم بها، وقوله تعالى: { فيم أنت من ذكرها }؛ أي في ~~أي شيء أنت من ذكر القيامة ووقتها، ولم يعرفك الله ذلك، ~~والمعنى: لست في شيء من علمها؛ أي لا ms2230 تعلمها، وقوله تعالى: { إلى ~~ربك منتههآ * إنمآ أنت منذر من يخشها }؛ معناه: ~~إنما أنت مخوف من يخاف قيامها؛ أي إنما ينتفع بإنذارك من ~~يخافها. ### || [79.46] # قوله تعالى: { كأنهم يوم يرونها }؛ أي كأنهم ~~يوم يرون القيامة، { لم يلبثوا }؛ في الدنيا، { إلا }؛ ~~قدر، { عشية أو ضحها }؛ من العشيات وقدر ضحى ~~العشية، وذلك أنهم إذا استقبلهم أمر الآخرة ذهب عنهم الكفر في ~~مقدار مكثهم في الدنيا، ومقدار مكثهم في قبورهم لعظم ما ~~استقبلهم من الشدائد، والمعنى: إن الذي أنكروه سيرونه حتى ~~كأنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة مضت كأنها لم تكن. ~~والضحى وقت ارتفاع النهار، والعشي: ما بعد الزوال. ### | [80 - سورة عبس] ### || [80.1-2] # وذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عنده عمه ~~العباس، وأبو جهل، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن ~~خلف وغيرهم من أشراف قريش، وقد أقبل إليهم ~~يدعوهم إلى الإيمان، ويقرأ عليهم القرآن رجاء ~~أن يؤمنوا فيؤمن بإيمانهم بشر كثير. # فجاء عبدالله بن أم مكتوم وهو الأعمى ~~المذكور، فجعل يسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~آيات أنزلت، ويقول: أقرئني يا رسول الله، ~~وعلمني مما علمك الله، وهو لا يعلم شغل قلب ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا يدري أنه مشغول ~~بالإقبال على غيره، فأعرض رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقطب وجهه وعبس، وأقبل على القوم الذين ~~يكلمهم. فأنزل الله تعالى هذه الآيات. # والمعنى: عبس محمد، وأعرض بوجهه لأن جاءه الأعمى، و(أن) في ~~موضع نصب؛ لأنه مفعول له. والتولي عن الشيء: هو الإعراض عنه، ~~فإنه صرف وجهه عن أن يليه. ### || [80.3-4] # قوله تعالى: { وما يدريك لعله يزكى }؛ معناه: ~~ما يعلمك يا محمد لعل ابن أم مكتوم يزكى بالعمل ~~الصالح بجوابك عن سؤاله، { أو يذكر فتنفعه الذكرى ~~}؛ ويتعظ فتنفعه ذكراك. وقيل: معنى (يزكى): يتطهر ~~من الذنوب بالعمل الصالح، أو يذكر فيتعظ بما يعلمه من مواعظ ~~القرآن. قرأ عاصم (فتنفعه) بالنصب على جواب (لعل) بالفاء، ~~وقرأ الباقون بالرفع عطفا على (يزكى أو يذكر). ### || [80.5-6] # قوله تعالى: { أما من استغنى }؛ يعني ms2231 أشراف قريش، ~~قال بعضهم: معناه: أما من استغنى بماله، وقيل: استغنى عن وعظك، ~~أي جعل نفسه غنيا عنك، وقال ابن عباس: (معناه: استغنى عن الله ~~وعن الإيمان، { فأنت له تصدى } لوعظه؛ أي تعرض له ~~وتقبل عليه بوجهك وتميل اليه وتصغي إلى كلامه. يقال: فلان ~~تصدى لفلان؛ أي يتعرض له ليراه. قرأ نافع وابن كثير وأبو ~~جعفر (تصدى) بالتشديد على معنى تتصدى، وقرأ الباقون بالتخفيف ~~على الحذف. ### || [80.7-10] # قوله تعالى: { وما عليك ألا يزكى }؛ أي وما عليك ~~ألا يؤمن ولا يهتدي، فإنه ليس عليك إلا البلاغ، { وأما ~~من جآءك يسعى }؛ لعمل الخير وهو ابن أم مكتوم جاءك ~~يسرع في المشي إليك يلتمس منك الدين، { وهو يخشى }؛ ~~عذاب الله، وقيل: يخشى العثور في مشيته، { فأنت عنه ~~تلهى }؛ أي تتشاغل فتعرض بوجهك عنه، يقال: ألهيت على ~~الشيء إلهاء إذا تشاغلت عنه، وليس من لها يلهو، ومن هذا ~~قولهم: اذا استأثر الله بشيء فاله عنه؛ أي اتركه وأعرض عنه. ### || [80.11-14] # قوله تعالى: { كلا }؛ أي حاشا أن تعود إلى مثل ذلك، لا ~~تعد إليه ولا تفعل مثله، والمعنى: أن (كلا) ها هنا كلمة ~~ردع وزجر، أو كلا لا تفعل بعدها مثلها. وقوله تعالى: { ~~إنها تذكرة }؛ أي إن هذه الآيات التي أنزلها الله عليك ~~موعظة يتعظ بها عباد الله تعالى، { فمن شآء ذكره }؛ أي ~~من شاء ألهمه وفهمه القرآن حتى يذكره ويتعظ به. # " وهذا كله تأديب للنبي صلى الله عليه وسلم، وتبين أن المحافظة ~~على الإقبال على المؤمنين أولى من الحرص على من هو كافر رجاء أن ~~يترك. فلما أنزلت هذه الآيات أكرم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ابن أم مكتوم وألطفه واستخلفه على ~~المدينة مرتين في غزوتين غزاهما ليصلي ~~بالناس، وكان صلى الله عليه وسلم إذا رآه يقول: " مرحبا ~~بمن عاتبني فيه ربي، هل لك من حاجة؟ " ". # ولا يمتنع أن يكون إعراض النبي صلى الله عليه وسلم عن ابن أم ~~مكتوم لأنه كان يريد أن يعلم الناس طريقة حفظ الأدب في تعلم ~~العلم. وقوله ms2232 تعالى { فمن شآء ذكره } أي فمن شاء ذكر ما ~~أنزل من الآيات، ويقال: من شاء الله له أن يتعظ اتعظ. # ثم أخبر الله تعالى بجلالة القرآن في اللوح المحفوظ عنده ~~فقال تعالى: { في صحف مكرمة }؛ أي في كتب معظمة بما ~~تضمنت من الحكمة، { مرفوعة }؛ القدر في السماوات، { ~~مطهرة }؛ أي منزهة من الدنس ومن التناقض والاختلاف كما ~~قال تعالى في آية أخرى # لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه # [فصلت: 42]. والصحف: جمع الصحيفة: وقيل: يعني بقوله { في ~~صحف مكرمة } اللوح المحفوظ. قوله تعالى: { ~~مرفوعة } يعني في السماء السابعة وقوله تعالى: { مطهرة ~~} أي لا يمسها إلا المطهرون، وهم الملائكة. ### || [80.15-16] # قوله تعالى: { بأيدي سفرة }؛ يعني الكتبة من ~~الملائكة، واحدهم سافر مثل كاتب وكتبه، وقال الفراء: ~~((السفرة ها هنا الملائكة الذين هم رسل الله ~~بالوحي إلى أنبيائه، ومنه السفارة وهو السعي ~~بين القوم)). ثم أثنى الله عليهم فقال تعالى: { كرام ~~بررة }؛ أي كرام على ربهم مطيعين له، والكريم الذي من شأنه أن ~~يأتي بالخير، والبررة: جمع بار، وهم الفاعلين للبر ~~المطيعين لله. ### || [80.17-19] # قوله تعالى: { قتل الإنسان مآ أكفره }؛ أي لعن ~~الكافر ما أكفره بالله وبنعمته مع كثرة إحسانه إليه، قال ~~مقاتل: ((نزلت في عتبة بن أبي لهب، والمراد به كل ~~كافر)). قوله { مآ أكفره } تعجيب بمعنى التوبيخ، يقال: أي ~~شيء حمله على الكفر مع وضوح الدلائل على وحدانية الله، ~~فتعجبوا من كفره. وأما الله تعالى فلا يجوز أن يتعجب من شيء ~~لكونه عالما لم يزل. قوله تعالى: { من أي شيء خلقه ~~}؛ معنى الآية: ما أشد كفره بالله، اعجبوا أنتم من كفره. # ثم بين من أمره ما كان ينبغي معه أن يعلم أن الله خالقه، ~~فقال تعالى: { من أي شيء خلقه } ، لفظ استفهام، ومعناه: ~~التقرير: ثم فسر ذلك فقال تعالى: { من نطفة خلقه } أي من ~~ماء مهين حقير خلقه فصوره في رحم أمه على الاستواء ~~باليدين والرجلين وسائر الأعضاء، { فقدره }؛ على ما يشاء من ~~خلقه طويلا أو قصيرا؛ ذميما أو حسنا؛ ms2233 ذكرا أو أنثى؛ شقيا أو ~~سعيدا، وغير ذلك من الأوصاف. ### || [80.20] # قال السدي ومقاتل: ((أخرجه من الرحم وهداه إلى ~~الخروج من بطن أمه)). قال مجاهد: ((ثم يسر له ~~سبيل الدين، ومكنه من سلوكه)). ### || [80.21-22] # قوله تعالى: { ثم أماته فأقبره }؛ أي أماته عند ~~انقضاء أجله، وجعل له قبرا يوارى فيه، أمر عباده أن يواروه، ~~ولم يجعله ممن يلقى على الأرض كما تلقى البهائم، ثم أكرمه ~~الله بذلك، يقال: أقبرت فلانا إذا جعلت له قبرا يدفن فيه، ~~وقبرته إذا دفنته، والقابر الدافن. قوله تعالى: { ثم ~~إذا شآء أنشره }؛ أي إذا شاء بعثه، وأحياه بعد الموت. ### || [80.23-25] # قوله تعالى: { كلا لما يقض مآ أمره }؛ أي حقا ~~لم يقض ما أمره الله به، ولم يؤد حقه مع كمال نعمة الله ~~عليه. ثم ذكر رزقه ليعتبر، فقال تعالى: { فلينظر الإنسان ~~إلى طعامه }؛ أي ليتأمل الكافر في طعامه كيف خلقه الله، ~~وقدره سببا لحياته، { أنا صببنا المآء صبا }؛ قرأ أهل ~~الكوفة ويعقوب (أنا) بالفتح على نية تكرير الخافض، تقديره: ~~ولينظر إلى أنا صببنا المطر من السماء صبا، وقرأ الباقون ~~بالكسر على الابتداء، والمطر ينزل من السماء إلى السحاب ~~صبا، ثم ينزل من السحاب إلى الأرض قطرة قطرة، ليكون أقرب إلى ~~النفع وأبعد من الضرر. ### || [80.26-30] # قوله تعالى: { ثم شققنا الأرض شقا }؛ أي صدعنا الأرض ~~بالنبات، { فأنبتنا فيها حبا }؛ يعني الحبوب كلها يتغذى ~~بها، { وعنبا }؛ أي كرما، { وقضبا }؛ للدواب، { وزيتونا ~~}؛ هو الذي يعصر منه الزيت، وقال الحسن: ((القضب: العلف))، ~~{ ونخلا }؛ جمع نخلة، { وحدآئق غلبا }؛ الحدائق: جمع ~~الحديقة، وهو البستان الذي أحدق بالحيطان، والغلب: الشجر ~~العظام الغلاظ، وقيل: الغلب الملتفة بالأشجار بعضها في ~~بعض، يقال: شجرة غلباء إذا كانت عظيمة غليظة، ورجل غلب إذا ~~كان غليظ العنق. ### || [80.31] # يعني ألوان الفواكه، والأب: هو المرعى والكلأ الذي لم ~~يزرعه الناس مما يأكله الأنعام. وسئل ابن عمر رضي الله ~~عنهما عن الأب فقال: ((أي سماء تظلني وأي أرض ~~تقلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم)). # وعن أنس رضي ms2234 الله عنه أن عمر قرأ هذه الآية فقال: ((عرفنا ~~الفاكهة فما الأب؟)) ثم قال: ((هذا لعمرو الله ~~التكلف، وما عليك يا ابن أم عمر أن تدري ما ~~الأب)) ثم قالوا: اتبعوا ما بين لكم من هذا الكتاب وما لم ~~يبين فدعوه. # وقال الحسن: ((الأب هو الحشيش وما تأكله ~~الدواب)). وقال قتادة: ((أما الفاكهة فلكم، وأما ~~الأب فلأنعامكم)). وعن ابن عباس قال: ((هو ما أنبتت ~~الأرض مما يأكل الناس والأنعام)). ### || [80.32] # قوله تعالى: { متاعا لكم ولأنعامكم }؛ أي خلقنا ~~هذه الأشياء متاعا لكم ولدوابكم لسد خلتكم وتتميم حاجتكم، ~~وعن مجاهد رضي الله عنه في قوله تعالى # فلينظر الإنسان إلى طعامه # [عبس: 24]: ((يعني إلى مدخله ومخرجه)). # " وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل: " ما ~~طعامكم؟ " قال: الحب واللبن يا رسول الله، قال: " ~~ثم يصير إلى ماذا؟ " قال: إلى ما قد علمت، قال: " ~~فإن الله ضرب ما يخرج من ابن آدم تمثيلا ~~للدنيا " ". # وقال أبو قلابة: ((مكتوب في التوراة: يا ابن آدم ~~انظر إلى ما بخلت به إلى ما صار)). وعن ابن عباس رضي ~~الله عنهما: ((أن معناه: فلينظر الإنسان إلى أول ~~طعامه ثم عاقبته فليعتبر)). ### || [80.33-36] # قوله تعالى: { فإذا جآءت الصآخة }؛ يعني صيحة ~~القيامة تصخ الأسماع التي تصمها لشدة الصيحة، والصاخة من ~~أسماء القيامة، ثم بين في أي وقت تجيء فقال: { يوم يفر ~~المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصحبته وبنيه ~~} لا يلتفت أحد إلى أحد منهم لعظم ما هم فيه، ومخافة إن سأله ~~أحد منهم يحمل عنه شيئا من عقابه ويواشيه بشيء من ثوابه. ~~وقيل: يفر منهم حذرا من مطالبتهم إياه بما بينهم من التبعات ~~والمظالم. وقيل: لعلمه بأنهم لا ينفعونه. # وعن الحسن قال: ((أول من يفر من أبيه يوم القيامة ~~إبراهيم، ويفر محمد صلى الله عليه وسلم من أمه، ~~ويفر لوط عليه السلام من زوجته، ونوح من إبنه ~~كنعان، وهابيل من أخيه قابيل) وهذا في أولي الثواب ~~من أهل العقاب، وفي أهل العقاب فيما بينهم، وأما ~~أهل الثواب فيما ms2235 بينهم فليسوا كذلك، ولكن ~~يسألون ربهم إلحاق ذريتهم. ### || [80.37] # أي شأن يشغله عن الأقرباء ويصرفه عنهم، عن عائشة رضي الله ~~عنها قالت: # " قلت يا رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث الناس ~~يوم القيامة حفاة عراة غرلا، فقلت: يا رسول ~~الله فكيف بالعورات؟! فقال: " لكل امرئ منهم ~~يومئذ شأن يغنيه " ". # عن سودة أم المؤمنين قالت: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يبعث الناس يوم ~~القيامة حفاة عراة غرلا " قالت: قلت يا رسول ~~الله، واسوأتاه ينظر بعضنا إلى بعض؟! قال: " شغل ~~الناس عن ذلك، لكل امرئ منهم يومئذ شأن ~~يغنيه " ". ### || [80.38-42] # قوله تعالى: { وجوه يومئذ مسفرة }؛ أي مضيئة ~~مشرقة حسنة فرحة معجبة، مسرورة بما أكرمها الله تعالى به، وهي ~~وجوه أهل الثواب، { ضاحكة }؛ بالسرور، { مستبشرة }؛ أي ~~فرحة بما تنال من الله من الكرامة، { ووجوه يومئذ ~~عليها غبرة }؛ أي غبار من البلاء وسواد وكآبة، { ~~ترهقها قترة }؛ أي يعلوها ويغشاها كسوف وسواد عند معاينة ~~النار، والقترة: سواد كالدخان الأسود. ثم بين من أهل هذه ~~الوجوه، قال تعالى: { أولئك هم الكفرة الفجرة }؛ أي ~~الكفرة بالله الكذبة على الله، جمع كاذب فاجر. ### | [81 - سورة التكوير] ### || [81.1] # أي لفت كما تلف العمامة، يقال: كورت العمامة على رأسي ~~أكورها وكورتها تكويرا إذا لففتها، وقال الكلبي ومقاتل: ~~((كورت أي ذهب ضوءها)). وقال مجاهد: ((اضمحلت)). وقال ~~المفسرون: تجمع الشمس بعضها إلى بعض، ثم تلف فيرمى بها في ~~النار، ويقال: نعوذ بالله من الحور بعد الكور؛ أي من التشتت ~~بعد الألفة، ومن النقصان بعد الزيادة. ### || [81.2] # أي تساقطت وتناثرت، يقال: انكدر الطائر في الهواء إذا انقض، ~~قال الكلبي وعطاء: ((تمطر السماء يومئذ نجوما، فلا ~~يبقى نجم في السماء إلا وقع على الأرض)) وذلك أن ~~النجوم كالقناديل معلقة بسلاسل من نور بأيدي ملائكة من نور، فإذا ~~مات الملائكة تساقطت تلك السلاسل من أيديهم فتنكدر النجوم. ### || [81.3] # أي تسير على وجه الأرض كما يسير السحاب، فتصير هباء منبثا. ### || [81.4] # العشار: هي النوق الحوامل إذا أتت عليها عشرة أشهر وبقي ~~شهران، فهي ms2236 أحسن ما يكون في الإبل وأعزها على أهلها، وليس ~~يعطلها أهلها إلا في حالة الشدة العظيمة، واحدها عشرا وليس ~~في القيمة عشار، ولكن هذا على وجه التمثيل حتى لو كان الرجل ~~يومئذ عشارا لعطلها واشتغل بنفسه، ونظيره # يوم ترونها تذهل كل مرضعة عمآ أرضعت # [الحج: 2]، ومعنى (عطلت) أي تركت هملا بلا راع لما جاءهم ~~من أهوال يوم القيامة. ### || [81.5] # الوحوش: جمع الوحش، وهو ما يأوي إلى الفلوات، وينفر عن ~~الناس، وقوله تعالى { حشرت } أي جمعت حتى يقتص بعضها من ~~بعض، وقال ابن عباس: ((حشر البهائم موتها)). ### || [81.6] # قرأ أبو عمرو وابن كثير مخففا، وقرأ الباقون بالتشديد، ومعناه ~~واحد؛ أي وإذا البحار ملئت وفجر بعضها في بعض، ثم صيرت ~~بحرا واحدا. وقال بعضهم: أحميت من قولهم: سجرت التنور إذا ~~أحميته. # والمراد بالبحار على هذا القول بحار في جهنم تملأ من الحميم ~~لتعذيب أهل النار. وفي الحديث: # " أن الله تعالى يفني ماء هذه البحار " # كما روي أن البحار كلها تسيل حتى تبلغ إلى الثور الذي على قرنه ~~الأرضون، فإذا بلغته فتح فاه فابتلعها كلها، فإذا وقعت المياه ~~كلها في جوفه يبست، فلا يرى منها قطرة بعد ذاك! ### || [81.7] # أي ردت الأرواح إلى أجسادها، فقرنت كل روح إلى جسدها، وسئل ~~عمر رضي الله عنه عن ذلك فقال: ((معناه: يقرن الرجل ~~الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، ويقرن ~~الرجل السوء مع الرجل السوء في النار، فذلك ~~تزويج النفس)) ومنه قوله تعالى: # احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا ~~يعبدون # [الصافات: 22] وقرناءهم. # وقال عطاء: زوجت نفوس المؤمنين بالحور العين، ~~وقرنت نفوس الكفار بالشياطين، قال الله تعالى: # ومن يكن الشيطان له قرينا فسآء قرينا # [النساء: 38]. ### || [81.8-9] # قوله تعالى: { وإذا الموءودة سئلت }؛ قال ~~الفراء: ((سئلت الموءدة فقيل لها: { بأى ذنب ~~قتلت } )) ومعنى سؤالها توبيخ قاتلها، لا يقول: قتلت بغير ~~ذنب. والموءودة: المقتولة بثقل التراب الذي يطرح عليها، ومنه ~~قوله تعالى: # ولا يؤوده حفظهما # [البقرة: 255] أي لا يثقل حفظ عليه السماوات والأرض، وكانت العرب ~~تئد البنات من أولادها حية؛ ms2237 كيلا يخطبن إليهم، ومخافة ~~الإملاق كما قال تعالى # ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق # [الإسراء: 31]. # قال المفسرون: هي الموءدة المقتولة المدفونة حية، سميت ~~بذلك لما يطرح عليها من التراب فيؤودها؛ أي يثقلها حتى تموت، ~~قالوا: وكان الرجل من العرب إذا ولدت له بنت، فإذا أراد أن يستبقيها ~~ألبسها جبة من صوف ترعى له الإبل والغنم، وإذا أراد أن ~~يقتلها تركها حتى إذا صارت سداسية ثم يقول لأمها: طيبيها ~~وزينيها حتى أذهب بها إلى بيت أقاربها، وقد حفر لها بئرا في ~~الصحراء، فإذا بلغ البئر قال لها: انظري إلى هذا البئر فيدفعها ~~من خلفها في البئر، ثم يهيل عليها التراب حتى يسويها بالأرض. # قال قتادة: ((كان أهل الجاهلية يقتل أحدهم ~~ابنته ويغذو كلبه)). ويجوز أن يكون معنى سئلت: طلبت ~~من قاتلها لم قتلها كما تقول: سألت حقي من فلان إذا أخذته ~~وطلبت حقك منه. ### || [81.10] # أراد به ديوان الحسنات والسيئات، وذلك أنه إذا مات ابن آدم ~~طويت صحيفته على مقدار عمله، فإذا كان يوم القيامة نشرت ~~وأعطي كل واحد منهم صحيفته على مراتبهم، فينبغي لكل عاقل أن ~~يذكر حالة الطي في آخر عمره، وحالة النشر يوم القيامة، ~~ويجتهد أن يملي صحيفته في حياته من الطاعات. ### || [81.11] # أي نزعت عن أماكنها فطويت كما يكشط الغطاء عن الشيء، وقال ~~الزجاج: ((قلعت كما يقلع السقف))، ومعنى الكشط رفع ~~الشيء عن شيء قد غطاه، كما يكشط الجلد عن الشاة. وفي قراءة ~~ابن مسعود (قشطت) بالقاف، والمعنى واحد. ويقال: معنى الكشط أن ~~ينزع عنها ما فيها من الشمس والقمر والنجوم، يقال كشطت الحرف ~~عن البياض إذا قلعته ومحوته. ### || [81.12-13] # قوله تعالى: { وإذا الجحيم سعرت }؛ أي أوقدت ~~للكافرين والمنافقين، قرأ نافع بالتشديد؛ أي أوقدت مرة بعد ~~مرة، وزيد في وقودها وشدة لهبها. قوله تعالى: { وإذا ~~الجنة أزلفت }؛ أي أدنيت من المتقين وقربت لهم، ~~ودنا دخولهم إياها، كما قال في آية أخرى # وأزلفت الجنة للمتقين # [ق: 31] ومن ذلك المزدلفة لقربها من عرفات. ### || [81.14] # جوابه هذه الأشياء، يقول: إذا كانت ms2238 هذه الأشياء التي تكون في ~~القيامة علمت ذلك الوقت كل نفس ما أحضرته من خير أو شر تجزى ~~به. ### || [81.15-16] # قوله تعالى: { فلا أقسم بالخنس }؛ معناه أقسم برب ~~الخنس، و(لا) في هذا الموضع مؤكدة زائدة، وقوله تعالى: { ~~الجوار الكنس }؛ أي الجارية في الأفلاك، وتخنس في ~~مجراها؛ أي ترجع إلى مطالعها في سيرها، ثم تستتر عند غروبها، ~~فتغيب في المواضع التي تغيب فيها كما تكنس الظباء بأن تستتر ~~في كناسها. # والخنس: هو التأخر، ومنه الخنس في الأنف تأخره في ~~الوجه، يقال: رجل أخنس والمرأة خنساء، وسمي الأخنس بن ~~شريف بهذا الاسم لتأخره عن يوم بدر عن أصحابه. ومنه الخناس ~~وهو الشيطان؛ لأنه يغيب عن أعين الناس. والخنس: جمع خانس، ~~وهي النجوم الخمسة: زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد، ~~تجري في الأفلاك وتخنس في مجراها؛ أي ترجع إلى مجراها في سيرها. # وروي: أن رجلا من خثعم جاء إلى علي رضي الله عنه ~~فقال: يا أمير المؤمنين ما الخنس؟ قال: ((ألست ~~رجلا عربيا؟!)) قال: بلى، ولكن أكره أن أفسر ~~القرآن على غير ما أنزل؟، فقال: ((الخنس هي ~~النجوم الخمسة: الزهرة والمشتري وبهرام ~~وعطارد وزحل)). # فقال: ما الكنس؟ قال: ((مستقرهن إذا انقبضن، ~~وهن الجواري تخنس خنوس القمر، يرجعن وراءهن ~~ولا يقدمن كما يقدم النجوم، وليس من نجم ~~غيرهن إلا يطلع، ثم يجري حتى يقطع ~~المجرة)). وقيل: معنى خنوسها أنها تستتر بالنهار ~~فتخفى، وتنكس في وقت غروبها. ### || [81.17-21] # قوله تعالى: { والليل إذا عسعس }؛ أي إذا أقبل ~~بظلامه، وقيل: إذا أدبر بظلامه. والعس: طلب الشيء ~~بالليل، ومنه العسس، ويقال: عسعس الليل إذا أقبل، وعسعس ~~إذا أدبر، وهو من الأضداد، إلا أن ما بعد هذه الآية دليل على ~~أن المراد به أدبر، وهو قوله تعالى: { والصبح إذا ~~تنفس }؛ أي إذا امتد ضوؤه حتى يصير نهارا بينا، ومنه ~~تنفس الصعداء، ومنه امتداد نفس الخوف بالخروج من الأنف ~~والفم. # ثم ذكر جواب القسم فقال: # قال تعالى: { إنه لقول رسول كريم }؛ يعني القرآن أتى به ~~جبريل عليه السلام من عند الله ms2239 وهو رسول كريم، فقرأه على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. قوله تعالى: { ذي قوة عند ذي ~~العرش مكين }؛ يعني جبريل عليه السلام ذي قوة فيما كلف ~~وأمر به، ومن قوته أنه قلب قرى قوم لوط وهي أربع مدائن، في ~~كل مدينة أربعمائة ألف مقاتل سوى الذراري، فحملهم من الأرض ~~السفلى بقوادم جناحه، ورفعها إلى السماء حتى سمع أهل ~~السماء أصوات الدجاج ونباح الكلاب، ثم قلبها بأمر الله فهوت ~~بهم، كل هذا من غير كلفة لحقته. # قوله تعالى: { عند ذي العرش مكين } عند خالق العرش ~~ومالكه، وحيه رفيع القدر، يقال: فلان مكين عند الأمين؛ أي ~~ذو قدر ومنزلة. قوله تعالى: { مطاع ثم أمين }؛ أي ~~مطاع في السماوات، يطيعه أهل السماوات بأمر الله تعالى، يقال: ~~فرض طاعته على أهل السماء كما فرض طاعة النبي صلى الله عليه ~~وسلم في الأرض على أهل الأرض. وقوله { أمين } أي فيما يؤدي عن ~~الله إلى أنبيائه عليهم السلام، حقيق بالأمانة فيه، لم يخن ~~ولم يخون. ### || [81.22] # يعني محمدا صلى الله عليه وسلم والخطاب لأهل مكة، وذلك أنهم ~~قالوا: إن محمدا مجنون، فأقسم الله تعالى أن القرآن نزل ~~به جبريل، وأن محمدا ليس بمجنون كما قالوه، وفي هذا بيان ~~غاية جهل قريش حيث نسبوا أعقل خلق الله إلى الجنون. والمجنون في ~~اللغة: هو المغطى على عقله لآفة نزلت به. ### || [81.23] # أي ولقد رأى محمد جبريل بالأفق الأعلى وهو مطلع الشمس الذي ~~يجيء منه النهار، وقد تقدم في سورة النجم: أن جبريل عليه ~~السلام كان يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في صورة ~~دحية الكلبي، وأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ير ~~جبريل في صورته التي هو عليها إلا مرتين. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لجبريل: # " " إني أحب أن أراك في صورتك التي تكون عليها ~~في السماء " قال: لن تقوى على ذلك، قال: " بلى " ~~قال: أين تشاء أتخيل لك، قال: " بالأبطح " قال: ~~لن يسعني، قال: " بمنى ms2240 " قال ": لا يسعني، قال: " ~~بعرفات " قال: فهبط جبريل بعرفات بخشخشة ~~وكلكلة قد ملأ ما بين المشرق والمغرب، ورأسه ~~في السماء ورجلاه في الأرض، فخر النبي صلى الله ~~عليه وسلم مغشيا عليه، فتحول جبريل في صورة ~~دحية وضمه إلى صدره، وقال: يا محمد لا تخف، ~~فكيف لو رأيت إسرافيل ورأسه تحت العرش ~~ورجلاه في التخوم السابعة والعرش على كاهله ". ### || [81.24] # قال بعضهم: أراد به جبريل ليس بمتهم على تبليغ الوحي والرسالة ~~ولا تخيل، بل هو صادق موثوق به. وقال بعضهم: أراد به النبي صلى ~~الله عليه وسلم، والمراد بقوله { على الغيب } أي على الوحي، وقرأ ~~الحسن والأعمش وعاصم وحمزة ونافع وابن عامر (بضنين) بالضاد، وكذلك ~~هو في مصحف أبي بن كعب، ومعناه: وما هو على الغيب ببخيل، لا ~~يبخل عليكم، بل يعلمكم وتخبركم به، تقول العرب: ضننت ~~بالشي بكسر النون فأنا به ضنين؛ أي بخيل، قال الشاعر: # أجود بمضنون التلاد وإنني # بسرك عمن سألني لضنين # وقرأ الباقون بالظاء، وهي قراءة ابن مسعود وعروة بن الزبير وعمر ~~بن عبدالعزيز، ومعناه: (بمتهم)، والمظنة التهمة. ### || [81.25-26] # قوله تعالى: { وما هو بقول شيطان رجيم }؛ هذا ~~رد على الكفار، فإنهم كانوا يزعمون أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم يأتيه شيطان اسمه الري يتزيا له فيلقيه على لسانه، ~~والرجيم: اللعين المرجوم بالشهب. أو المعنى: وما القرآن ~~بقول شيطان رجيم. قوله تعالى: { فأين تذهبون }؛ خطاب ~~لكفار مكة يقول: أي طريق تسلكون أبين من هذا الطريق بين ~~لكم، ويقول: أين تذهبون بقلوبكم عن معرفة ما بين الله لكم من ~~صحة نبوة النبي صلى الله عليه وسلم. ### || [81.27-29] # قوله تعالى: { إن هو إلا ذكر للعالمين }؛ أي ما ~~القرآن إلا عظة بليغة لجميع الخلق. وقوله تعالى: { لمن شآء ~~منكم أن يستقيم }؛ أي يتمسك بطريقة الإيمان. قوله ~~تعالى: { وما تشآءون إلا أن يشآء الله رب ~~العالمين }؛ أعلم الله أن المشيئة والتوفيق والخذلان إليه ~~تعالى، ولأنهم لا يعلمون شيئا من الخير والشر إلا بمشيئة ~~الله. # وقد اختلفوا في تفسير هذه الآية على قولين، ms2241 قال بعضهم: هذا القرآن ~~ذكر لمن شاء الله له أن يستقيم، وما تشاءون أن تستقيموا إلا أن ~~يشاء الله ذلك لكم. وقال بعضهم: هذا ذكر عام للعالمين، فمن شاء ~~أن يستقيم استقام. ### | [82 - سورة الإنفطار] ### || [82.1-3] # { إذا السمآء انفطرت }؛ أي انشقت وانقضت. والانفطار ~~والانصداع والانشقاق بمعنى واحد. قوله تعالى: { وإذا ~~الكواكب انتثرت }؛ أي تساقطت على وجه الأرض، { وإذا ~~البحار فجرت }؛ أي فتح بعضها في بعض، ورفع الحاجز بين ~~العذب والملح. ### || [82.4-5] # قوله تعالى: { وإذا القبور بعثرت }؛ أي محيت ~~فانتثرت وكشفت عن الأموات واستخرج ما فيها من الموتى، { علمت ~~نفس ما قدمت }؛ من عمل، { وأخرت }؛ أي عند ذلك تعلم ~~النفس ما قدمت وأخرت، هذا جواب الشرط، ويقال: ما قدمت من ~~الطاعة والمعصية، وما أخرت من الحسنة والسيئة. ويقال: ما قدمت ~~وأسلفت من الخطايا، وسوفت من التوبة. وقيل: ما قدمت " من " ~~الصدقات وأخرت من التركات. ### || [82.6-8] # قوله تعالى: { يأيها الإنسن ما غرك بربك ~~الكريم }؛ الخطاب في هذه الآية للكفار، والمراد بالإنسان ~~كلدة بن أسيد، ويقال: الخطاب للكفار والعاصين، يقال له يومئذ: ~~بم اغتررت وتشاغلت عن طاعة الله وطلب مرضاته وهو الكريم ~~الصفوح عن العباد، { الذي خلقك فسواك }؛ خلقك في بطن ~~أمك باليدين والرجلين وسائر الأعضاء لم يخلقها متفاوتة، ولو ~~كان خلق إحدى رجليك أطول من الأخرى لم تكمل منفعتك. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنه تلا هذه الآية فقال: { يأيها الإنسن ما ~~غرك بربك الكريم }؟ فقال: " جهله يا رب " # وقال قتادة: ((غر الإنسان عدوه المسلط عليه)). ~~قيل للفضيل بن عياض: لو أقامك الله يوم القيامة ~~بين يديه فقال: { ما غرك بربك الكريم } ما ~~كنت تقول؟ فقال: ((أقول: غرني ستورك المرخاة)). ~~وقال مقاتل: ((غره عفو الله حين لم يعجل عليه ~~بالعقوبة)). وقال السدي: ((غره رفق الله به))، وقال يحيى ~~بن معاذ: ((لو أقامني بين يديه فقال: ما غرك بي؟ ~~لقلت: غرني بك رفقك بي سالفا وآنفا)). # قال أهل الإشارة: إنما قال { بربك الكريم } دون سائر ~~صفاته، كأنه لقنه الإجابة حتى يقول: ms2242 غرني كرم ~~الكريم. وعن ابن مسعود قال: ((ما منكم من أحد إلا ~~سيقال له يوم القيامة: { ما غرك بربك الكريم ~~}؟ يا ابن آدم ماذا عملت؟ فيما علمت؟ ماذا أجبت ~~المرسلين؟)). وقال أبو بكر الوراق: ((لو قال لي: { ما ~~غرك بربك الكريم }؟ لقلت: غرني كرم ~~الكريم)). # قوله تعالى: { فعدلك }؛ قرأ أهل الكوفة بتخفيف الدال؛ أي ~~صرفك إلى أي صورة شاء من الحسن والقبح والطول والقصر، ~~وقرأ الباقون بالتشديد؛ أي قوم خلقك، معتدل الخلق معتدل ~~القامة في أحسن صورة، كما في قوله تعالى # في أحسن تقويم # [التين: 4]. قوله تعالى: { في أى صورة ما شآء ~~ركبك } أي في شبه أب أو أم أو خال أو عم. ### || [82.9] # { كلا } كلمة ردع، ومعناها لا تغتر بغير الله تعالى ~~فتترك عبادة الله. وقيل: معناه: حقا إنكم لا تستقيمون ~~على ما توجبه نعمتي عليكم، بل تكذبون بالإسلام مع هذه النعم. ~~ويقال: أراد بالدين ها هنا يوم الحساب والجزاء. ### || [82.10-11] # قوله تعالى: { وإن عليكم لحافظين }؛ ابتداء ~~إخبار من الله، معناه: وإن عليكم رقباء يحفظون أعمالكم وأفعالكم ~~وهم الملائكة. قوله تعالى: { كراما كاتبين }؛ أي كراما ~~على الله كاتبين يكتبون أقوالكم وأفعالكم، قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: # " ما من أحد يأوي إلى مضجعه إلا شكت أعضاؤه إلى ~~الله تعالى مما يجني عليها الإنسان " # ، وإنما قال كراما على الله ليكون أدعى إلى احترامهم وإلى ~~الامتناع عن فعل ما يؤذيهم. ### || [82.12] # في الظاهر دون الباطن، يعني يعلمون ما تفعلون دون ما تعتقدون، قال ~~ابن مسعود: ((يكتبون كل شيء حتى الأنين)) ونظيره ~~قوله # وكل صغير وكبير مستطر # [القمر: 53]. ### || [82.13-14] # أراد بالأبرار الصادقين في إيمانهم، وأراد بالفجار الكفار. ~~وقيل: أراد بالأبرار عمال الإحسان من المؤمنين، وبالفجار ~~عمال الإساءة من الفساق. ### || [82.15-16] # قوله تعالى: { يصلونها يوم الدين }؛ أي يدخلونها ~~يوم الحساب والجزاء، { وما هم عنها بغآئبين }؛ إلى أن ~~يقضي الله بإخراج من كان فيها من أهل التوحيد، وأما الكفار فلا ~~يغيبون عنها أبدا. ### || [82.17-18] # قوله تعالى: { ومآ أدراك ما يوم الدين }؛ أي ما ms2243 ~~أعلمك يا محمد ما في ذلك اليوم من الشدائد على الكفار، { ~~ثم مآ أدراك ما يوم الدين }؛ ثم أعلمك ما فيه من ~~النعيم للأبرار. ### || [82.19] # قوله تعالى: { يوم لا تملك نفس لنفس شيئا }؛ ~~قرأ ابن كثير وأبو عمرو برفع الميم نعتا لقوله تعالى { يوم ~~الدين } أو بدلا منه، وقرأ الباقون بالنصب على الظرف؛ أي في يوم، ~~ومعناه: لا تملك نفس لنفس؛ أي لا يملك آخر لآخر نفعا ولا ~~ضرا؛ لأن الأمر يومئذ لله، { والأمر يومئذ لله }؛ ~~دون غيره. ### | [83 - سورة المطففين] ### || [83.1] # يعني الذين ينقصون الناس، ويبخسون حقوقهم في الكيل ~~والوزن. والويل: الشدة في العذاب، وهي كلمة تستعمل لكل من ~~وقع في الهلكة. وها هنا رفع بالابتداء وخبره { ~~للمطففين }. والتطفيف: التنقيص في الكيل والوزن، ~~والطفيف: الشيء القليل، وإناء طفآن إذا لم يكن ملآن. ### || [83.2-3] # قوله تعالى: { الذين إذا اكتالوا على الناس ~~يستوفون } ، يعني إذا اكتالوا من الناس و(على) و(من) يتعاقبان. ~~والمعنى: إذا أخذوا من الناس حقوقهم أخذوه على الوفاء، { وإذا ~~كالوهم أو وزنوهم يخسرون }؛ وإذا كالوا للناس أو ~~وزنوا لهم ينقصون في الكيل والوزن. # والإخسار والخسار بمعنى واحد. واطلاق لفظ المطلق لا يتناول ~~إلا من يتفاحش منه التطفيف، بحيث لو وقع ذلك المقدار في التفاوت ~~بين الكيلين العدلين لزاد عليه، وأما الإيفاء بين الناس فإنهم ~~يجتهدون في استيفاء حقوقهم أن يكون ذلك أميل إلى الرجحان، كما ~~روي: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى دينه فأرجح " فقيل ~~له في ذلك فقال: " إنا كذلك نزن " ". ### || [83.4-5] # معناه ألا يستيقن أولئك أنهم مبعوثون، وفيه بيان أن التطفيف ~~ليس يفعله من يعلم أنه مبعوث للحساب ليوم عظيم وهو يوم القيامة، ~~كأنه قال: لو علموا أنهم مبعوثون ما نقصوا في الكيل والوزن، ~~وكان الحسن يقول: ((نزلت هذه الآية في الموحدين، وما ~~آمن بيوم القيامة من طفف في الميزان)). ### || [83.6] # فيه بيان صفة ذلك اليوم، قال الكلبي: ((يقومون مقدار ~~ثلاثمائة سنة لا يؤذن لهم فيعتذروا)). وعن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: # " يقوم الناس ms2244 لرب العالمين حتى أن أحدهم ~~ليغيب في رشحه إلى أنصاف أذنيه، وحتى يقول ~~الكافر: رب أرحني ولو إلى النار ". # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " " خمس بخمس " قالوا: يا رسول الله وما خمس بخمس؟ ~~قال: " ما نقض قوم العهد إلا سلط الله عليهم ~~عدوهم، وما حكموا بغير ما أنزل الله إلا فشا ~~فيهم الفقر، وما ظهرت فيهم الفاحشة إلا فشا ~~فيهم الموت، ولا طففوا الكيل إلا منعوا النبات ~~وأخذوا بالسنين، ولا منعوا الزكاة إلا حبس الله ~~عنهم القطر ". # وعن مالك بن دينار قال: ((دخلت على جار لي، وقد نزل ~~به الموت، فجعل يقول: جبلين من نار جبلين من ~~نار، قلت: ما تقول؟! قال: يا أبا يحيى كان لي ~~مكيالان أكيل بأحدهما وأكتال بالآخر، قال: فقمت ~~فجعلت أضرب أحدهما بالآخر، فقال: يا أبا يحيى ~~كلما ضربت أحدهما بالآخر ازداد علي عظما، قال: ~~فمات في مرضه ذلك)). # وقال عكرمة: ((اشهدوا على كل كيال ووزان أنه في ~~النار))، قيل: إن ابنك كيال أو وزان، قال: ~~((اشهدوا أنه في النار)). وكان ابن عمر يمر بالبائع ~~فيقول له: ((اتق الله وأوف الكيل والميزان ~~بالقسط؛ فإن المطففين يوقفون يوم القيامة ~~حتى أن العرق ليلجمهم إلى أنصاف آذانهم)). ومر ~~علي رضي الله عنه على رجل يزن الزعفران فقال: ~~((أقم الوزن بالقسط، ثم أرجح بعد ذلك ما شئت)). ### || [83.7] # أي ليس الأمر على ما يظنون أنهم لا يبعثون ليوم عظيم، وقيل: ~~إن { كلا } هاهنا كلمة ردع وزجر؛ أي ارتدعوا عن التطفيف. ~~قوله تعالى: { إن كتاب الفجار لفي سجين } يعني ~~الكتاب الذي يكتب فيه أعمالهم، قال ابن عباس: ((السجين ~~صخرة سوداء تحت الأرض السابعة، وهي التي ~~عليها الأرضون، مكتوب فيها عمل الفجار)). عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " سجين جب في جهنم مفتوح، والفلق جب في ~~النار مغطى ". ### || [83.8-9] # قوله تعالى: { ومآ أدراك ما سجين }؛ تعجب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم يقول: ليس ذلك مما تعلمه أنت ولا قومك؛ ~~لأنكم لم تعاينوه، ثم ms2245 فسره فقال: { كتاب مرقوم }؛ أي ~~مثبت عليهم في تلك الصخرة كالرقم في الثوب لا ينسى ولا يمحا ~~حتى يجازون به، ومعنى الرقم على هذا القول هو الطبع في ~~الحجر. ### || [83.10-13] # قوله تعالى: { ويل يومئذ للمكذبين * الذين ~~يكذبون بيوم الدين * وما يكذب به إلا كل ~~معتد أثيم }؛ يعني الوليد بن المغيرة، { إذا تتلى ~~عليه آياتنا } ، كان إذا قرئ عليه القرآن، { قال أساطير ~~الأولين }؛ أحاديثهم وأباطيلهم التي سطروها في الكتب، وهذه ~~الآية عامة في كل كافر يقول مثل مقالته، والمعتدي هو المتجاوز ~~عن الحد في المعصية، والأثيم كثير الإثم. ### || [83.14] # أي حاشا أن يكون القرآن أساطير الأولين، بل غلب على قلوبهم ما ~~كانوا يكسبون من الكفر والمعصية، يقال: رانت الخمر على عقله ~~إذا سكر فغلبت على عقله، ويقال في معنى الرين: إنه كثرة ~~الذنوب كالصدى يغشى على القلب، وقال الحسن: ((هو الذنب على ~~الذنب حتى يموت القلب)). وقال مجاهد: ((هو الطبع)). # وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " المؤمن إذا أخطأ خطيئة كانت نكتة سوداء في ~~قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه منها، ~~وإن لم يتب زادت حتى تعلو قلبه في الرين ~~الذي قال الله في كتابه { بل ران على قلوبهم ما ~~كانوا يكسبون } ". ### || [83.15-17] # قوله تعالى: { كلا إنهم عن ربهم يومئذ ~~لمحجوبون }؛ أي حقا إنهم عن رحمة ربهم وكرامته لممنوعون؛ ~~{ ثم إنهم لصالوا الجحيم }؛ أي أنهم مع كونهم ~~ممنوعون عن الجنة ونعيمها، يدخلون الجحيم غير خارجين منها أبدا، ~~{ ثم يقال }؛ لهم على وجه التقريع على طريق الذم، { هذا ~~الذي كنتم به تكذبون }؛ في الدنيا. وقيل: معناه ~~محجوبون عن رؤية الله تعالى. ### || [83.18-21] # قوله تعالى: { كلا إن كتاب الأبرار لفي ~~عليين }؛ أي حقا إن عمل الأبرار وهم الصادقون في إيمانهم ~~لمكتوب في أعلى الأمكنة فوق السماء السابعة. قوله تعالى: { ~~ومآ أدراك ما عليون }؛ تعجيب للنبي صلى الله عليه وسلم ~~بأن ذلك غير معلوم وسيعرفه. قوله تعالى: { كتاب ~~مرقوم }؛ تفسير للكتاب الذي في عليين إعظاما لذلك الكتاب ~~وتشريفا، ms2246 وفي إعظام كتاب المرء إعظاما له. # وقال قتادة: ((عليون قائمة بالعرش اليمنى))، وقال ~~مقاتل: ((ساق العرش إليه ترفع أرواح المؤمنين)). ~~وقيل: إن العليين جمع العلية، وهي المرتبة العالية ~~محفوفة بالجلالة. وقال بعضهم: معناه: علو في علو مضاعف. ~~وقوله تعالى: { يشهده المقربون }؛ أي يحضره السبعة ~~أملاك الذين ذكرناهم. ### || [83.22-27] # قوله تعالى: { إن الأبرار لفي نعيم }؛ أي في نعيم ~~دائم وهو نعيم الجنة، { على الأرآئك ينظرون }؛ أي على ~~السرر من الدر والياقوت في القباب المضروبة ينظرون إلى نعيم ~~الجنة. وقيل: إلى أعدائهم كيف يعذبون. قوله تعالى: { ~~تعرف في وجوههم نضرة النعيم }؛ أي بريق النعيم ~~ونوره ونظارته وبهجته وحسنه، { يسقون من رحيق مختوم * ~~ختامه مسك }؛ أي خمر صافية خالصة من الغش بيضاء مختومة ~~بالمسك، قال قتادة: ((تمزج لهم بالكافور، وتختم لهم ~~بالمسك)). وقيل: معناه: آخر طعمه مسك. # وقرأ علقمة (خاتمه مسك) أي آخره، ويقال: معناه: أنهم إذا ~~شربوا من ذلك الشراب انختم ذلك بطعم المسك ورائحته. ويقال: معنى ~~المختوم ها هنا أن ذلك الشراب في الآخرة هو مختوم بالمسك بدل ~~الطين الذي يختم بمثله الشراب في الدنيا، فهو مختوم بالمسك ~~يوم خلقه الله تعالى لا ينفك حتى يدخل أهل الجنة الجنة، ~~فينفك ذلك لهم تعظيما لشرابهم. # قوله تعالى: { وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ~~}؛ أي في مثل هذا النعيم فليرغب الراغبون وليجتهد المجتهدون، لا في ~~النعيم الذي هو مكدر لسرعة الفناء. قوله تعالى: { ~~ومزاجه من تسنيم }؛ معناه: ومزاج الرحيق من عين ~~تنزل عليهم من ساق العرش، سميت بذلك؛ لأنها تسنم عليهم، ~~فتنصب انصبابا من فوقهم في منازلهم، ومنه سنام البعير ~~لعلوه من بدنه، وذلك الشراب إذا كان أعلا كان أطيب وأهنأ. ### || [83.28] # قوله تعالى: { عينا }؛ منصوب على الحال؛ أي في الحال التي ~~تكون عينا لا ماء راكدا. وقيل: انتصب على تقدير يسقون ~~عينا أو من عين. وقيل: على إضمار أعني عينا. # وقوله تعالى: { يشرب بها المقربون }؛ يشرب بها أفاضل ~~أهل الجنة صرفا بغير مزاج، ويشربها سائر أهل الجنة بالمزاج، ~~وقيل: إن الباء في قوله { بها ms2247 } زائدة كما في قوله # تنبت بالدهن # [المؤمنون: 20]. وقيل: إن التسنيم عين تجري في الهواء في ~~أواني أهل الجنة على مقدار مائها، فإذا امتلأت أمسك الماء حتى لا ~~يقع منه قطرة على الأرض. ### || [83.29-32] # قوله تعالى: { إن الذين أجرموا كانوا من ~~الذين آمنوا يضحكون }؛ معناه: إن الذين أشركوا وهم أبو ~~جهل، والوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل وأصحابه من مشركي مكة ~~كانوا يضحكون من ضعفة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهم بلال ~~وصهيب وعمار وسلمان، كانوا يستهزئون بهم ويعيرونهم على الإسلام، ~~{ وإذا مروا بهم }؛ أي مر بهم أحد من أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وهم جلوس، { يتغامزون }؛ بالطرف طعنا عليهم. # وكانوا يقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين تركوا شهوتهم في الدنيا ~~يطلبون بذلك نعيم الآخرة بزعمهم، { وإذا انقلبوا إلى ~~أهلهم انقلبوا فكهين }؛ وكانوا إذا رجعوا إلى أهلهم ~~يرجعوا فاكهين؛ أي ناعمين فرحين معجبين بما هم فيه لا يبالون ~~بما فعلوا بالمؤمنين، { وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء ~~لضالون } ، ويقولون إنهم ضالون باتباعهم محمدا صلى الله ~~عليه وسلم. ### || [83.33] # أي ما أرسل الكفار ليحفظوا على المؤمنين أفعالهم، فما لهم ~~وإياهم؟ بل أرسل المؤمنين ليحفظوا على الكفار أفعالهم، فيشهدوا ~~عليهم يوم القيامة. ### || [83.34-36] # قوله تعالى: { فاليوم الذين آمنوا من الكفار ~~يضحكون }؛ معناه: يوم القيامة الذين صدقوا بتوحيد الله، ~~ونبوة رسوله يضحكون من الكفار قصاصا وشماتة بهم كما ضحك ~~الكفار منهم في الدنيا، { على الأرآئك ينظرون }؛ أي على ~~السرر في الحجال جالسون ينظرون إلى أهل النار كيف يعذبون. # وذلك أنه يفتح بينهم وبين الكفار باب إلى الجنة، فإذا ~~نظر الكفار إلى ذلك الباب أقبلوا نحوه يسحبون في النار، فإذا ~~انتهوا إلى الباب سد عنهم، فعند ذلك يضحك المؤمنون وهم على ~~الأرائك في الدرجات، يقول يطلعهم الله على أهل النار الذين كانوا ~~يسخرون منهم في الدنيا، فيرونهم في النار يدورون فيها وإن ~~جماجمهم لتغلي من حر النار، فيقول المؤمنون: { هل ثوب ~~الكفار ما كانوا يفعلون }؛ أي هل جوزوا على صنيعهم ~~واستهزائهم بنا، ويجوز أن ms2248 يكون قوله تعالى: { هل ثوب ~~الكفار } من قول الله؛ ومعناه: التحقيق، ومعنى ثوب جوزي. ### | [84 - سورة الإنشقاق] ### || [84.1-2] # { إذا السمآء انشقت }؛ وذلك أن أبا سلمة بن عبد ~~الأسد المخزومي وكان مسلما، جادل أخاه الأسود ~~بن عبد الأسد في الإسلام، وكان الأسود كافرا، ~~فأخبره أبو سلمة بالبعث، فقال له الأسود: ~~ويحك! أترى أني مصدق أئذا كنا ترابا وعظاما ~~أنبعث؟ فأين السماء والأرض يومئذ؟ وما حال ~~الناس؟ فأنزل الله هذه السورة. # ومعناها: واذكر إذا السماء انشقت لنزول الملائكة وهيبة ~~الرحمن، { وأذنت لربها وحقت }؛ أي سمعت وأطاعت ~~لأمر ربها بالانشقاق، وحق لها أن تطيع ربها. يقال: أذنت ~~للشيء إذا سمعت، وأذنته إذا سمعته. ### || [84.3-5] # قوله تعالى: { وإذا الأرض مدت }؛ أي بسطت بسط ~~الأديم العكاظي، فجعلت كالصحيفة الملساء، لا يبقى جبل ولا ~~بناء ولا شجر إلا دخلت فيها، { وألقت }؛ الأرض، { ما فيها ~~}؛ من الأموات، { وتخلت }؛ عن ذلك كما كانت من قبل، { وأذنت ~~لربها وحقت }؛ أي سمعت وانقادت لأمر ربها، وحق لها أن ~~تسمع وتطيع. # وجواب (إذا) في هذه السورة محذوف؛ تقديره: رأى الإنسان عند ذلك ~~ما قدم من خير أو شر، وقيل: جوابه: فملاقيه، والمعنى: ~~إذا كان يوم القيامة لقي الإنسان كدحه وهو عمله. وقيل: ~~جوابه: # يأيها الإنسن إنك كادح إلى ربك كدحا # [الانشقاق: 6]؛ تقديره: إذا السماء انشقت لقي كل كادح ما ~~عمله. ### || [84.6] # اختلفوا في الخطاب لمن هو، فروى عبدالله بن عمران: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ثم ~~قال: " أنا ذلك الإنسان، أنا أول من تنشق عنه ~~الأرض يوم القيامة، فأجلس جالسا في قبري، ثم ~~يفتح لي باب إلى السماء بحيال رأسي حتى أنظر إلى ~~عرش ربي، ثم يفتح لي باب إلى الأرض السفلى حتى ~~أنظر إلى الثور والثرى، ثم يفتح لي باب عن ~~يميني حتى أنظر إلى الجنة وإلى منازل أصحابي، ~~وأن الأرض تتحرك تحتي فأقول لها: ما لك ~~أيتها الأرض؟ فتقول: إن ربي أمرني أن ألقي ما في ~~جوفي وأن أتخلى، فأكون كما كنت إذ لا شيء ms2249 في " ~~". # والمعنى على هذا القول: إنك عامل لربك عملا فملاقي ربك ~~ترجع إليه فيجازيك. وقال بعضهم: الخطاب للمكذب بالبعث، وهو ~~أبي بن خلف الجمحي، والمعنى: إنك عامل عملا في كفرك، ~~فترد إلى ربك في الآخرة، فتلقى جزاء عملك. # والظاهر: أن الخطاب لجميع الناس. والكدح في اللغة هو السعي ~~الدؤوب في العمل في الدنيا والآخرة، قال الشاعر: # فما الدهر إلا تارتان فمنهما # أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح # والمعنى: أيها الإنسان سترى جزاء ما عملت من خير أو شر، ~~فانظر اليوم ماذا تعمل وفيم تتعب نفسك، فلا تعمل إلا لله ~~حتى تستريح من الكدح. ### || [84.7-9] # قوله تعالى: { فأما من أوتي كتبه بيمينه * ~~فسوف يحاسب حسابا يسيرا } أي من أعطي ديوان عمله ~~بيمينه، فسوف يحاسب حسابا هينا. والحساب الهين: هو أن ~~يعرف جزاء عمله، وما له من الثواب، وما يحط عنه من الوزر، ~~وخرج ما عليه من المظالم، { وينقلب إلى أهله }؛ أي فينقلب ~~إلى أهله من الحور العين وأقربائه من المؤمنين، { مسرورا }؛ بهم، ~~وعن عائشة رضي الله عنها قالت: # " قلت يا رسول الله أيحاسب المؤمن؟ قال: " يا ~~عائشة من حوسب عذب " قالت: قلت: يا رسول الله { ~~فأما من أوتي كتبه بيمينه * فسوف يحاسب ~~حسابا يسيرا } ، قال: " يا عائشة ليس ذلك الحساب، ~~إنما ذلك العرض، من نوقش الحساب عذب " ". ### || [84.10-12] # قوله تعالى: { وأما من أوتي كتبه ورآء ظهره ~~}؛ يعني الكافر تكون يمينه مغلولة إلى عنقه، وتلوى يده ~~اليسرى من ورائه، فيدفع إليه كتابه من ورائه، فإذا رأى إلى ما ~~فيه من سيئاته، { فسوف يدعوا ثبورا }؛ دعا بالويل ~~والثبور على نفسه: واويلاه؛ واثبوراه. والثبور: ~~الهلاك. وقوله تعالى: { ويصلى سعيرا }؛ أي يدخل نارا ~~موقدة، قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي (ويصلى) ~~بضم الياء وتشديد اللام على وجه المبالغة؛ أي يكثر عذابه في ~~الآخرة. ### || [84.13-14] # قوله تعالى: { إنه كان في أهله مسرورا }؛ أي كان ~~مسرورا في أهله في الدنيا بمعاصي الله، وكان لا يحزنه خوف ~~القيامة، وكان يمنعه السرور في أهله عن إقامة فرائض الله. ~~قوله ms2250 تعالى: { إنه ظن أن لن يحور }؛ معناه: إنه ظن ~~في الدنيا أن لا يرجع إلى الله في الآخرة، فلذلك كان يركب ~~المآثم، والمعنى: أنه ظن أن لن يرجع إلى الله تعالى. ### || [84.15] # قوله تعالى: { بلى }؛ أي ليس كما ظن، بل يحور إلينا ~~ويبعث؛ أي بلى ليرجعن إلى ربه بعد البعث، { إن ربه ~~كان به بصيرا }؛ أي عالما به قبل أن يخلقه بأن مرجعه ~~ومصيره إليه. والحور في اللغة: هو الرجوع. ### || [84.16] # أي أقسم برب الشفق، و(لا) هاهنا زائدة. والشفق عند أكثر أهل ~~العلم: الحمرة التي ترى بعد سقوط الشمس، وعند أبي حنيفة هو ~~البياض. والشفق في الأصل هو الرقة، ومنه شفيق إذا كان ~~رقيقا، ومنه الشفقة لرقة القلب، فإذا كان هكذا فالبياض منه ~~أولى الحمرة؛ لأن البياض أرق من الحمرة، والحمرة أكثف من ~~البياض. ### || [84.17-18] # قوله تعالى: { والليل وما وسق }؛ معناه: والليل وما ~~جمع ورد إلى مأمنه ومبيته من كان منتشرا في النهار، يقال: ~~طعام موسوق؛ أي مجموع في الغرائر، والوسق من الطعام: ~~ستون صاعا، قال عكرمة: ((معناه: والليل وما جمع ~~فيه من دوابه وعقاربه وحياته وظلمته)). ~~قوله تعالى: { والقمر إذا اتسق }؛ أي إذا اجتمع ~~ضوءه، وتكامل واستدار في الليالي البيض، يقال: اتسقت ~~الأمور إذا تكاملت واستوت. ### || [84.19] # جواب القسم، وهو خطاب لكل الناس اذا قرئت بضم الباء على ~~الجمع، والمعنى: أيها الناس لتركبن يوم القيامة حالا بعد ~~حال، وشدة بعد شدة، تقول العرب: وقع في بنات طبق، تريد ~~الدواهي العظام. # ويقال: أراد بالآية تغير الأحوال من حال النطفة إلى حال ~~العلقة، ومن العلقة الى المضغة، ومن المضغة إلى ~~الصغر، ومن الصغر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الكهولة، ~~ومن الكهولة إلى الكبر، ومن الكبر إلى الموت، ومن الموت إلى ~~البعث، ومن البعث إلى الحساب، ومن الحساب إلى الصراط، ومن الصراط ~~إلى موضع الجزاء، إما إلى الجنة أو إلى النار. # وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي (لتركبن) بفتح الباء، وهي ~~قراءة عمر بن الخطاب وابن مسعود وابن عباس قال: ((يعني: يا ~~محمد ms2251 لتركبن طبقا عن طبق؛ أي سماء بعد ~~سماء، ودرجة بعد درجة، ورتبة بعد رتبة)). ### || [84.20-22] # قوله تعالى: { فما لهم لا يؤمنون }؛ أي ما لهؤلاء ~~المشركين لا يؤمنون بهذا القرآن، وبما جاء به محمد صلى الله عليه ~~وسلم من عند الله بعد ظهور الحجج والأدلة، { وإذا قرىء ~~عليهم القرآن لا يسجدون }؛ أي يصلون لله، ولا ~~يخضعون { بل الذين كفروا يكذبون } ، وهذا بيان وجوب ~~سجدة التلاوة؛ لأنه ذمهم على تركها عند السماع. وظاهر الآية ~~يقتضي وجوب السجدة عند سماع سائر القرآن، خصصنا ما عدا مواضع ~~السجود بالإجماع، فاستعملنا في مواضع السجود، إذ لو لم يفعل ذلك ~~لألغينا حكم الآية رأسا. ### || [84.23] # أي بما يضمرون في قلوبهم، والإيعاء: جعل الشيء في الوعاء، ~~والقلوب أوعية لما يحصل فيها من معرفة أو جهالة أو عزيمة أو ~~خير أو شر. ### || [84.24-25] # قوله تعالى: { فبشرهم بعذاب أليم }؛ أي أخبرهم ~~بعذاب وجيع، مكان البشارة للمؤمنين بالنعيم المقيم، { لا ~~الذين ءامنوا وعملوا الصلحت لهم أجر غير ~~ممنون }؛ أي لكن المؤمنين المطيعين لهم ثواب لا يكدر عليهم ~~بالمن، ويقال: { غير ممنون } أي لا ينقص على مر ~~الدهور، ويقال: غير مقطوع ولا منقوص. ### | [85 - سورة البروج] ### || [85.1] # أي ذات النجوم. وقيل: ذات القصور على ما روي # " إن في السماء قصورا يسكنها خلق من خلق الله " # والأظهر: أن البروج ها هنا منازل الكواكب السبعة، سميت بروجا ~~لارتفاعها وسعتها، وهي اثنا عشر من الحمل إلى الحوت، تسير ~~الشمس في كل برج ثلاثين يوما وبعض يوم، ويسير القمر في ~~كل برج يومين وثلث يوم، فذلك ثمانية وعشرون يوما ثم يستتر في ~~ليلتين. ### || [85.2-3] # قوله تعالى: { واليوم الموعود }؛ هو يوم القيامة، ~~وعد أهل السماوات والأرض أن يصيروا إلى ذلك اليوم لفصل القضاء. ~~قوله تعالى: { وشاهد ومشهود }؛ قيل: إن الشاهد ~~النبي صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى: # وجئنا بك على هؤلاء شهيدا # [النساء: 41]، والمشهود يوم القيامة كما قال تعالى: # وذلك يوم مشهود # [هود: 103]. # وقيل: الشاهد جميع الأنبياء كما قال تعالى: # ويوم نبعث من كل أمة ms2252 شهيدا # [النحل: 84] والمشهود جميع الأمم. ويقال: الشاهد يوم الجمعة، ~~والمشهود يوم عرفة كما قال صلى الله عليه وسلم: # " خير الأيام يوم الجمعة وهو الشاهد، ~~والمشهود يوم عرفة، والموعود يوم القيامة " # ويقال: الشاهد يوم النحر، والمشهود يوم الجمعة. ### || [85.4] # هذا جواب القسم، تقديره: لقد قتل أصحاب الأخدود، والمعنى: ~~قتلتهم النار. والأخدود: شق يشق في الأرض، جمعها ~~أخاديد. ويجوز أن يكون معنى (قتل): لعن على الدعاء عليهم. # وقصة ذلك ما روي: أن رجلا من النصارى كان أجر ~~نفسه من يهودي ليعمل له عملا، فرأت ابنة ~~المستأجر النور في البيت لقراءة الأجير ~~الإنجيل، فذكرت ذلك لأبيها فرمقه حتى رآه، ~~فسأله عن ذلك فلم يجبه، فلم يزل به حتى ~~أخبره أنه على دين عيسى، وكان ذلك قبل مبعث ~~نبينا صلى الله عليه وسلم، فتابعه هو وسبعة وثمانون ~~إنسانا من بين رجل وامرأة. # فأخبر ملك اليهود واسمه يوسف بن ذي نؤاس ~~الحميري، فخد لهم في الأرض وأوقد فيه النار، ~~وطرح فيه النفط والقصب والقطران، وعرضهم على ~~اليهودية، فمن أبى منهم أن يتهود دفعه في ~~النار، ومن رجع عن دين عيسى تركه. وكان في ~~آخرهم امرأة معها صبي رضيع، فلما رأت النار ~~صدت، فقال لها الصبي: يا أماه قفي فما هي إلا ~~غميضة، فصبرت فألقيت في النار، وارتفعت ~~النار أربعين ذراعا، فأحرقت اليهود الذين ~~كانوا حول الأخدود. # قال ابن عباس: (كانوا يطرحونهم في النار، فمن أبى ~~منهم ضربوه بالسياط حتى ألقوهم جميعا في ~~النار، فأدخل الله أرواحهم الجنة قبل أن تصل ~~أجسامهم إلى النار). # وعن وهب بن منبه، (أن رجلا كان على دين عيسى، فوقع في نجران ~~فدعاهم فأجابوه، فسار إليه ذو نؤاس اليهودي بجنوده من حمير، ~~وخيرهم بين النار واليهودية، فخد لهم الأخاديد وحرق اثنى ~~عشر ألفا). وقال الكلبي: (كان أصحاب الأخدود سبعين ~~ألفا). # وروي: أن اليهود لما ألقوا من كان على دين عيسى، كان معهم امرأة ~~معها ثلاثة أولاد أحدهم رضيع، فقال لها الملك: ارجعي عن دينك ~~وإلا ألقيتك وأولادك في النار. فأبت. فأخذ ms2253 ابنها الأكبر ~~فألقاه في النار، ثم قال لها: ارجعي عن دينك، فأبت. # فأخذ ابنها الثاني فألقاه في النار، ثم قال لها: ارجعي عن دينك، ~~وأخذ الطفل منها ليلقيه في النار، فهمت بالرجوع عن دينها، فقال ~~لها الطفل: يا أماه لا ترجعي عن الإسلام واصبري فإنك على الحق، ~~فألقي الطفل وأمه في النار، فذلك قوله تعالى: { قتل ~~أصحاب الأخدود } الأخدود: هي الحفر المشقوقة في الأرض ~~مستطيلة وجمعها أخاديد، يقال: خددت في الأرض؛ أي شققت فيها ~~حفرة طويلة، وعن عطية قال: (خرجت عنق من النار ~~فأحرقت الكفار عن آخرهم). ### || [85.5-7] # قوله تعالى: { النار ذات الوقود }؛ أي ذات الحطب ~~والنفط. قيل: أراد بالوقود أبدان الناس، وقوله تعالى: { إذ ~~هم عليها قعود }؛ جمع قاعد مثل شاهد وشهود، وكان الكفار ~~قعودا على شفير الأخدود على الكراسي. قوله تعالى: { ~~وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود }؛ أي وهم على ~~ما يفعله الجلاوزة الذين كانوا يلقون المؤمنين في النار شهود؛ أي ~~حضور يرون ذلك منهم. ### || [85.8-9] # قوله تعالى: { وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا ~~بالله العزيز الحميد }؛ فيه بيان ما لأجله قصدوا إحراق ~~المؤمنين، ومعناه: وما طعنوا وما أنكروا عليهم شيئا إلا ~~إيمانهم بالله المنيع بالنقمة ممن عصاه، المستحق للحمد على ~~كل حال، والمعنى: ما علموا منهم عيبا وما وجدوا لهم جرما ولا ~~رأوا منهم سوءا إلا من أجل أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد، { ~~الذي له ملك السماوات والأرض }؛ الذي له القدرة على ~~أهل السماوات والأرض، { والله على كل شيء شهيد }؛ أي ~~عالم بجزاء كل عامل بما عمل. ### || [85.10-11] # قوله تعالى: { إن الذين فتنوا المؤمنين ~~والمؤمنات }؛ أي إن الذين أحرقوا وعذبوا المؤمنين، { ثم ~~لم يتوبوا }؛ من ذلك، { فلهم عذاب جهنم }؛ في ~~الآخرة، { ولهم عذاب الحريق }؛ الذي أصابهم في الدنيا، ~~يقال: فتنت الشيء إذا أحرقته، ومنه قوله تعالى: # يوم هم على النار يفتنون # [الذاريات: 13]. وقيل: أراد بالفتنة الامتحان، وهو قولهم ~~للمؤمنين: إن رجعتم عن الإيمان وإلا قذفناكم في النار، وهذا هو ~~الإكراه، وهو من أعظم الفتن في باب الدين. ms2254 # وفي الآية تنبيه على أن هؤلاء الكفار لو تابوا بعد الكفر ~~والقتل لقبلت توبتهم، وفيه دليل أيضا على أن الأولى ~~بالمكره على الكفر أن يصبر على ما خوف به، وإن أظهر كلمة ~~الكفر كالرخصة له في ذلك، ولو صبر حتى قتل كان أعظم لأجره، لأنه ~~تعالى أثنى على الذين قتلوا في الأخدود، وبين أن لهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار، قال الله تعالى: { إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات لهم جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ذلك الفوز الكبير }. ### || [85.12] # ابتداء كلام من الله، ويقال إنه جواب القسم المذكور في أول ~~السورة، ويقال: جواب القسم محذوف؛ تقديره: والسماء ذات ~~البروج لتبعثن يوم القيامة ولتجزون على أعمالكم. والبطش في ~~اللغة: هو الأخذ بالعنف على سبيل القدرة والقوة، وفيه تخويف لكل ~~من أقام على الكفر. ### || [85.13-16] # قوله تعالى: { إنه هو يبدىء ويعيد }؛ أي يخلق ~~الخلق أولا من النطفة ويعيدهم بعد الموت خلقا جديدا، { وهو ~~الغفور الودود }؛ أي هو كثير التجاوز والستر على عباده، ~~كثير المحبة للمؤمنين بإحسانه عليهم. وقوله تعالى: { ذو ~~العرش المجيد }؛ أي ذو التشريف. والمجيد في اللغة: هو ~~العظيم الكريم لما يكون فيه من الخير، قرأ حمزة والكسائي وخلف ~~(المجيد) بالخفض نعتا للعرش، وقرأ غيرهم بالرفع. قوله ~~تعالى: { فعال لما يريد }؛ أي يفعل ما يشاء لا يدفعه ~~دافع، ولا يمنعه مانع. ### || [85.17-18] # قوله تعالى: { هل أتاك حديث الجنود }؛ أي هل بلغك ~~- يا محمد - حديث الجموع من الكفار كيف فعلوا؟ وكيف فعل ~~الله بهم؟ وهذا استفهام بمعنى التقرير. ثم بين أولئك الجنود ~~فقال تعالى: { فرعون وثمود }؛ وإنما خص فرعون وثمود ~~بالذكر وهم بعض الجنود؛ لاختصاصهم بكثرة العدد والعدد. ### || [85.19] # قوله تعالى: { بل الذين كفروا في تكذيب }؛ ~~معناه: بل هؤلاء المشركون في تكذيب بك وبما أنزل إليك عن ما أوجب ~~الاعتبار بفرعون وثمود، كأنه تعالى يقول: قد ذكرنا أمثال من قبلكم ~~من المكذبين وما حل بهم من النقمة؛ ليعتبروا ويرتدعوا، فلم ~~يفعلوا بل هم في تكذيب. ### || [85.20-22] # قوله تعالى: { والله من ورآئهم محيط }؛ أي ms2255 وعلم ~~الله محيط بهم، وقدرته مشتملة عليهم، { بل }؛ هذا الذي أتى به ~~محمد، { هو قرآن مجيد }؛ أي شريف كريم ليس كما يزعمون ~~أنه سحر وشعر وكهانة أو أساطير الأولين، ولكنه؛ { في لوح ~~محفوظ }؛ عند الله وهو أم الكتاب. # قرأ نافع (محفوظ) بضم الظاء، نعت القرآن، وقرأ الباقون بالخفض ~~على نعت اللوح، فمن جعل قوله تعالى (محفوظ) للقرآن فمعناه ~~محفوظ من الزيادة والنقصان والتبديل والتغير؛ لأنه معجز لا ~~يقدر أحد أن يزيد فيه، وعن ابن عباس أنه قال: ((إن في صدر ~~اللوح: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ودينه ~~الإسلام، ومحمد عبده ورسوله، فمن آمن بالله ~~عز وجل وصدق وعبده واتبع رسوله، أدخله ~~الجنة)). # قال: ((واللوح من درة بيضاء، طولها ما بين ~~السماء والأرض، وعرضها ما بين المشرق ~~والمغرب، حافتاه الدر والياقوت، ودفتاه ~~ياقوتة حمراء، قلمه نور وكلامه نور معقود ~~بالعرش، وأصله في حجر ملك محفوظ من ~~الشياطين))، وبالله التوفيق. ### | [86 - سورة الطارق] ### || [86.1] # أول السورة قسم، وجوابه # إن كل نفس لما عليها حافظ # [الطارق:4]. والطارق كل ما يأتي ليلا، يعني بذلك النجم يظهر ~~ليلا ويخفى نهارا، وكلما جاء ليلا فهو طارق، ومنه حديث جابر: # " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرق المسافر ~~أهله ليلا، وقال: حتى تستحد المعيبة وتمتشط ~~الشعثة " # وقالت هند: # نحن بنات طارق # نمشي على النمارق # تريد: إن النجم أتانا يوم أحد في شرفه وعلوه. وقال ابن ~~الرومي: # يا راقد الليل مسرورا بأوله # إن الحوادث قد يطرقن أسحارا # لا تفرحن بليل طاب أوله # فرب آخر ليل أجج النارا ### || [86.2-3] # قوله تعالى: { ومآ أدراك ما الطارق }؛ تعجيب للنبي ~~صلى الله عليه وسلم من شأنه. قوله تعالى: { النجم الثاقب ~~}؛ تفسير للطارق، والثاقب: وهو النير المضيء من النجوم كلها، ~~وعن ابن عباس: (ثقوبه توقده بناره كأنه ثقب ~~مكانا فظهر). ويقال: ثقب النار فتثقبت اذا أضأتها ~~فأضاءت، أثقب نارك، أي أضئها، ويقال معناه: الثاقب ~~العالي الشديد العلو، وعن علي رضي الله عنه أنه قال في هذه الآية: ~~(زحل ms2256 يطرق من السماء السابعة بالليل إلى ~~السماء الدنيا، ويختفي عند الصبح). وقال مجاهد: ~~((الثاقب: المتوهج)). وقال عطاء: ((الثاقب هو الذي ~~ترمى به الشياطين فتحرقهم)). ### || [86.4] # (ما) هنا صلة كما قال تعالى: # فبما رحمة من الله # [آل عمران: 159] أي فبرحمة من الله، والمعنى: إن كل نفس ~~لعليها حافظ من الملائكة يحفظها ويحفظ عليها عملها وأجلها، حتى ~~إذا انتهى إلى المقادير كف عن الحفظ. # وقرأ الحسن وابن عامر وعاصم وحمزة بالتشديد، يعنون ما كل نفس ~~إلا عليها حافظ، وهي لغة هذيل، يقولون نشدتك الله لما قلت، ~~يعنون إلا قلت، قال ابن عباس: ((هم الحفظة من ~~الملائكة)). قال الكلبي: ((معناه حافظ من الله ~~يحفظ قولها وفعلها)). # وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " وكل بالمؤمن مائة وستون ملكا يذبون عنه ~~ما لم يقدر عليه، من ذلك البصر سبعة أملاك ~~يذبون عنه كما يذب الرجل الذباب عن قصعة ~~العسل، ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين ~~لاختطفته الشياطين ". ### || [86.5-7] # قوله تعالى: { فلينظر الإنسان مم خلق }؛ أي من ~~أي شيء خلقه الله في رحم أمه، ثم بين ذلك فقال: { خلق ~~من مآء دافق }؛ أي مدفوق مصبوب مهراق في رحم المرأة، ~~يقال: سر كاتم؛ أي مكتوم. وقوله تعالى: { يخرج من ~~بين الصلب والترآئب }؛ يعني ماء الرجل وماء المرأة؛ ~~لأن الولد مخلوق منهما، فماء الرجل من صلبه، وماء المرأة من ~~ترائبها. # والترائب: جمع التريبة وهو موضع القلادة من الصدر، وهي ~~أربعة أضلاع من يمنة الصدر، وأربعة أضلاع من يسرة الصدر، ~~وسئل عكرمة عن الترائب فقال: ((هذه، ووضع يده على صدره ~~بين ثدييه)). ### || [86.8-9] # قوله تعالى: { إنه على رجعه لقادر }؛ أي إنه ~~على إحياء الإنسان بعد الموت والبلى لقادر، وعن مجاهد أن معناه ~~((إنه على رد ذلك الماء إلى الإحليل كما كان ~~لقادر)) كأنه يقول: إنه على رد الإنسان من الكبر إلى ~~الشباب، ومن الشباب إلى الصبا، ومن الصبا إلى النطفة، ومن ~~النطفة إلى الإحليل، ومن الإحليل إلى الصلب قادر، فكيف لا يقدر ~~على ms2257 إحيائه بعد الموت. # ثم أخبر متى يكون البعث، فقال تعالى: { يوم تبلى السرآئر ~~}؛ أي استعدوا ليوم تظهر فيه سرائر الضمائر التي لم يطلع عليها ~~أحد من البشر، وقيل: أراد بالسرائر الأعمال التي أسرها ~~العباد فلم يظهروها، يظهرها الله تعالى يوم القيامة. ### || [86.10] # أي فما للإنسان يومئذ من قوة يدفع بها عذاب الله عن نفسه، ولا ~~ناصر ينصره ويعينه. ### || [86.11-14] # أقسم الله بالسماء الراجعة في كل عام بالمطر بعد المطر على ~~قدر الحاجة، حاجة العباد إليه، وبالأرض الصادعة عن النبات الذي هو ~~قوت الخلائق، إن القرآن حق يفصل به بين الحق والباطل، وليس هو ~~باللعب. # والمعنى: { والسمآء ذات الرجع } بالغيب وأرزاق العباد كل ~~عام، لولا ذلك لهلكوا أو هلكت مواشيهم، { والأرض ذات ~~الصدع }؛ أي تتصدع عن النبات والأشجار والأنهار، نظيره # ثم شققنا الأرض شقا * فأنبتنا فيها حبا # [عبس: 26-27] إلى آخره. قوله: { إنه لقول فصل }؛ أي إن ~~القرآن حق وجد يفصل بين الحق والباطل، { وما هو بالهزل ~~}؛ أي وما هو باللعب والباطل. ### || [86.15-17] # قوله تعالى: { إنهم يكيدون كيدا * وأكيد كيدا ~~}؛ يعني كفار مكة يريدون الإيقاع بالنبي صلى الله عليه وسلم من حيث ~~لا يشعر، وذلك أنهم تواطئوا على قتل النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فأعلم الله نبيه أنه يجازيهم جزاء كيدهم، فذلك معنى قوله تعالى { ~~وأكيد كيدا }. قوله تعالى: { فمهل الكافرين ~~أمهلهم رويدا }؛ أي أجلهم وأنظرهم، ولا تعجل في طلب ~~هلاكهم، فإن الذي وعدتك فيهم غير بعيد منهم. # قوله تعالى: { أمهلهم رويدا } أي أجلهم أجلا ~~قليلا، فقتلهم الله تعالى يوم بدر، و { رويدا } كلام مبني ~~على التصغير، ويقال: أرودية، وقد يوضع (رويد) موضع الأمر، ~~يقال: رويد زيدا؛ أي أرود زيدا أو أصله من رادت الريح ~~ترود رودانا؛ إذا تحركت حركة خفيفة، ويجوز أن يكون ~~(رويدا) منصوب على المصدر، كأنه قال: أرودهم رويدا. وبالله ~~التوفيق. ### | [87 - سورة الأعلى] ### || [87.1] # الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم؛ والأمة داخلون معه في هذا ~~الخطاب، والمعنى: صل لربك ونزهه عن كل ما لا يليق به من ms2258 ~~الصفات، وقل: سبحان ربي الأعلى. وقد يذكر الاسم ويراد به ~~تعظيم المسمى، كما قال الشاعر: # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما # ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # وقال قوم: معناه: نزه ربك الأعلى عما يقول فيه الملحدون ~~ويصفه به المشركون، وجعلوا الاسم صفة. ويجوز أن يكون معناه: ~~نزه الله عن إجرائه على غيره، وكان علي وابن عباس وابن عمر ~~رضي الله عنهم إذا قرأ أحدهم بهذه السورة قال: ~~((سبحان ربي الأعلى))، والأعلى من صفات الله بمعنى العلي ~~مثل الأكبر بمعنى الكبير، وليس هذا من علو المكان وإنما معناه ~~القاهر القادر، فلا شيء أقدر منه. ### || [87.2-3] # قوله تعالى: { الذي خلق فسوى }؛ أي خلق الإنسان وكل ذي ~~روح، فسوى خلقه باليدين والرجلين والعينين والأذنين وسائر ~~الأعضاء، وعدل الخلق. وقوله تعالى: { والذي قدر فهدى }؛ ~~أي قدر الذي خلقه حسنا وذميما، وقدر عليه السعادة ~~والشقاوة، فهدى كل مكلف من الضلال إلى الهدى، ومن الباطل إلى ~~الصواب، ومن الغي إلى الرشاد. وقيل: هدى الإنسان لسبيل الخير ~~والشر، وبصره السبيل إما شاكرا، وإما كفورا. # وقيل: ألهم كل حيوان ما يحتاج إليه في أمر معيشته، ~~وعرفه كيف يأتي الذكر الأنثى، وجعل الهداية في قلب الطفل حتى ~~طلب ثدي أمه، وميزه من غيره، وهدى الفرخ لطلب الرزق، وهدى ~~الأنعام لمراتعها. وقيل: معنى قوله { والذي قدر فهدى ~~} أي قدر مدة الجنين في الرحم تسعة أشهر، أو أقل أو أكثر، فهدى ~~للخروج من الرحم. وقيل: قدر الأرزاق وهداهم لطلبها. ~~وقيل: الذنوب على عباده وهداهم للتوبة. وقيل: قدر الخلق ~~على صورهم، وعلى ما جرى لهم من الأرزاق، فهداهم إلى معرفة ~~توحيده. قرأ الكسائي والسلمي (قدر فهدى) مخففا. ### || [87.4-5] # قوله تعالى: { والذي أخرج المرعى }؛ أي أنبت ~~الكلأ الأخضر بالمطر للبهائم، ثم، { فجعله غثآء أحوى }؛ ~~معناه: فجعل النبت بعد الخضرة هشيما يابسا باليا كالغثاء ~~الذي يقذفه السيل على جنبات الوادي، وقوله تعالى: { أحوى } أي ~~أسود، وقد يدخل النبت الأحوى لحاجة البهائم إليه، وقد يكون حطبا ~~للناس، وهذا كله إخبار عن قدرة الله تعالى ms2259 وإنعامه على العباد. ### || [87.6-7] # قوله تعالى: { سنقرئك فلا تنسى }؛ أي سيقرؤك ~~جبريل القرآن بأمرنا فلا تنساه، فلم ينس النبي صلى الله عليه وسلم ~~حرفا من القرآن بعد نزول هذه الآية. قوله تعالى: { إلا ~~ما شآء الله }؛ أي إلا ما شاء الله أن تنساه، وهو ما نسخت ~~تلاوته، فنأمرك ألا تقرأه حتى تنساه على وجه الأيام، وهذا نسيان ~~النسخ دون التضييع. # وقيل: إلا ما شاء الله أن تنساه ثم تذكره بعد ذلك. وقيل: ~~إنما ذكر الاستثناء لتحسين النظم على عادة العرب، تذكر الاستثناء ~~عقيب الكلام وهو كقوله تعالى # خلدين فيهآ إلا ما شآء الله # [الأنعام: 128] ربك، معلوم أن الله تعالى لم يشأ إخراج أهل ~~الجنة من الجنة ولا إخراج أهل النار من النار، ولكن المراد به ما ~~ذكرناه. # وقوله تعالى: { إنه يعلم الجهر وما يخفى } أي يعلم ~~ما يقرؤه العباد من القرآن، وما يذكرونه من الذكر في سر أو جهر. ~~وقيل: يعلم العلانية من القول والعمل، ويعلم السر وما يحدث ~~الإنسان نفسه بعده، ويعلم إعلان الصدقة وإخفاءها. ### || [87.8-9] # قوله تعالى: { ونيسرك لليسرى }؛ أي نيسرك ~~لعمل الجنة، ونوفقك للشريعة السهلة وهي الحنيفية السمحة، ~~{ فذكر إن نفعت الذكرى }؛ أي عظ بالله إن نفعت ~~المواعظ، وليس على وجه الشرط، فإن الموعظة تنفع لا محالة. ### || [87.10-11] # قوله تعالى: { سيذكر من يخشى }؛ أي سيتعظ بالقرآن من ~~يخشى عذاب الله، { ويتجنبها الأشقى }؛ أي يتجنب التذكر ~~والعظة ويتباعد عنها الأشقى في علم الله فلا يتذكر ثوابا. # وروي أن المراد بقوله { سيذكر من يخشى }: عبدالله بن ~~أم مكتوم، ويدخل فيه كل مؤمن، والمراد بالأشقى الذي يتجنب ~~الموعظة الوليد بن المغيرة، ويدخل فيه كل كافر. ### || [87.12-13] # قوله تعالى: { الذى يصلى النار الكبرى }؛ وهي ~~السفلى من أطباق النار، وقيل: سميت نار جهنم النار ~~الكبرى؛ لأنها أعظم من هذه النار، كما روي في التفسير: أن نار ~~الدنيا جزء من سبعين جزء من نار جهنم، ولقد غمست في البحر ~~مرتين حتى لانت، ولولا ذلك ما انتفع بها أحد. وروي: أن نار ~~الدنيا تستجير ms2260 أن يردها الله إلى نار جهنم. قوله تعالى: ~~{ ثم لا يموت فيها ولا يحيا }؛ أي لا يموت موتا ~~فيستريح من عذابها، ولا يحيا حياة يجد فيها روح الحياة. ### || [87.14-15] # قوله تعالى: { قد أفلح من تزكى }؛ أي صار إلى ~~البقاء الدائم والنعيم المقيم من تزكى بالإسلام والتوبة من ~~الذنوب، والمعنى: قد أفلح من تطهر من الشرك وقال: لا إله إلا ~~الله، وكان عمله زاكيا صالحا، وأدى زكاة ماله، { وذكر ~~اسم ربه فصلى }؛ أي وافتتح الصلاة بذكر اسم الله، وصلى ~~الصلوات المفروضات، وكان ابن مسعود يقول: ((رحم الله امرءا ~~تصدق ثم صلى، ثم يقرأ هذه الآية)). # وقيل: معناه: قد أفلح من أدى زكاة الفطر ثم صلى صلاة ~~العيد، ويستدل بهذه الآية على جواز افتتاح الصلاة بغير ~~التكبير؛ لأنه تعالى ذكر الصلاة عقيب اسمه، إذ الفاء ~~للتعقيب من غير تراخ، فلا فصل في الآية بين التكبير وبين سائر ~~الأركان. ### || [87.16-17] # قوله تعالى: { بل تؤثرون الحياة الدنيا }؛ قرأ ~~العامة بالتاء، كذلك قراءة ابن كعب: (بل أنتم تؤثرون ~~الحياة الدنيا)، والخطاب للكفار؛ كأنه قال: بل أنتم أيها ~~الكفار تختارون الدنيا على الآخرة، وقرأ أبو عمرو (يؤثرون) ~~بالياء يعني الأشقياء. قوله تعالى: { والآخرة خير ~~وأبقى }؛ أي ثواب الآخرة خير من الدنيا وما فيها وأدوم. وفي ~~الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ما الدنيا في الآخرة " إلا " كرجل أدخل إصبعه ~~في اليم، فلينظر بم يرجع ". ### || [87.18] # أراد به قوله تعالى # قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى # [الأعلى: 14-15] كما هو في القرآن، ويقال: مذكور في الصحف الأولى: ~~أن الناس يؤثرون الحياة الدنيا، وأن الآخرة خير وأبقى، أراد ~~به السورة كلها. ### || [87.19] # قال قتادة: ((تتابعت كتب الله تعالى أن الآخرة خير ~~وأبقى)). ويقال: إن في صحف إبراهيم: ((ينبغي للعاقل أن يكون ~~حافظا للسانه عارفا بزمانه مقبلا على شأنه)). # وقال أبو ذر: # " قلت: يا رسول الله كم الأنبياء؟ فقال: " مائة ~~ألف نبي، وأربعة وعشرون ألف نبي " قلت: كم ~~المرسلون منهم؟ قال: " ثلاثمائة وثلاثة عشر ms2261 ". # قلت: أكان آدم نبيا؟ قال: " نعم كلمة الله، ~~وخلقه الله بيده. يا أبا ذر أربعة من الأنبياء ~~من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك " قلت: يا ~~رسول الله كم أنزل الله من كتاب؟ قال: " مائة ~~وأربعة كتب، منها على آدم عشر صحائف، وعلى ~~شيت خمسون صحيفة، وعلى آخنوخ وهو إدريس ثلاثون ~~صحيفة، وهو أول من خط بالقلم، وعلى إبراهيم ~~عشر صحائف، والتوراة والإنجيل والزبور ~~والفرقان " ". ### | [88 - سورة الغاشية] ### || [88.1] # أي قد أتاك حديث الغاشية، يعني القيامة تغشى كل شيء بالأهوال؛ ~~لأنها داهية تغشى جميع الناس، وقال سعيد بن جبير: ((أراد ~~بالغاشية نار جهنم تعم أهلها من جميع ~~الجوانب، وتغشى وجوههم النار)). ### || [88.2-3] # قوله تعالى: { وجوه يومئذ خاشعة }؛ أي وجوه يوم ~~القيامة خاشعة ذليلة، وهي وجوه الكفرة والمنافقين في الآخرة، { ~~عاملة }؛ أي تجر في النار على وجوهها، { ناصبة }؛ أي في ~~تعب وعناء ومشقة وبلاء من مقاسات العذاب، قال الحسن: ((لم ~~تخشع لله في الدنيا ولم تعمل له، فأخشعها في ~~الآخرة وأعملها وأنصبها بمعالجة الأغلال ~~والسلاسل)). وقال قتادة: ((تكبرت في الدنيا عن ~~طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار)). وقال ~~الضحاك: ((يكلفون ارتقاء جبل من حديد في النار)). # والنصب: الدأب في العمل، وقال عكرمة والسدي: ((عاملة ~~في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في النار يوم ~~القيامة)). وقال سعيد بن جبير: ((هم الرهبان أصحاب ~~الصوامع الذين يتعبون وينصبون في العبادة، ~~ثم لا يخلصون في الآخرة من ذلك على شيء لوقوع ~~ذلك على غير موافقة العلم)). ويقال: هم الخوارج. ~~ويقال: المراد به كل من عمل عملا، وخلط بعمله ما يبطله من ~~ربا أو شرك أو عجب. ### || [88.4-5] # قوله تعالى: { تصلى نارا حامية }؛ أي تلزم نارا قد ~~انتهى حرها، قال ابن مسعود: ((يخوض في النار كما تخوض ~~الإبل في الوحل)). # قرأ العامة (تصلى) بفتح التاء، وقرأ أبو عمرو ويعقوب وأبو بكر ~~بضمها اعتبارا بقوله: { تسقى من عين آنية }؛ أي من عين ~~متناهية في الحر، قال الحسن: ((قد انتهى طبخها منذ ~~خلق الله السماوات والأرض إلى تلك الساعة)). ### || [88.6-7] ms2262 # قوله تعالى: { ليس لهم طعام إلا من ضريع }؛ قال ~~مجاهد وعكرمة وقتادة: ((وهو نبت ذو شوك لاطئ بالأرض، ~~تسميه قريش الشبرق حين يكون رطبا، فإذا يبس فهو ~~الضريع)) يصير عند اليبس كأظفار الهرة سما، ~~لا تقربه دابة وإنما تأكله الإبل في الربيع من ~~فوقه. وقال ابن زيد: ((أما في الدنيا فإن الضريع ~~الشوك اليابس، وأما في الآخرة فهو شوك في ~~النار)). # وقال الكلبي: ((الضريع لا تقربه دابة، إذا يبس لا ~~يرعاه شيء)). وقال عطاء: ((هو شيء يطرحه البحر ~~المالح تسميه أهل اليمن الضريع)). وعن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال: # " الضريع شيء يكون في النار يشبه الشوك أمر من ~~الصبر، وأنتن من الجيفة، وأشد حرا من النار، ~~سماه الله ضريعا ". # وقيل: إن الله يرسل على أهل النار الجوع حتى يعدل ما بهم من ~~العذاب، فيستغيثون من الجوع فيغاثون بالضريع، ثم يستغيثون فيغاثون ~~بطعام ذي غصة، فيذكرون أنهم كانوا يسلكون الغصص في الدنيا ~~بالماء، فيسقون فيعطشون ألف سنة، ثم يسقون من عين آنية لا شربة ~~هنية ولا مرية، فكلما أدنوه من وجوههم سلخ جلود وجوههم ~~وسودها، فإذا وصل إلى بطونهم قطعها، فذلك قوله تعالى: # وسقوا مآء حميما فقطع أمعآءهم # [محمد: 15]. # فلما نزلت هذه الآية قال المشركون: إن إبلنا لتسمن على ~~الضريع، فأنزل الله قوله تعالى: { لا يسمن ولا يغني من ~~جوع }؛ وكذبوا، فإن الإبل لا ترعاه إلا ما دام رطبا، وأما إذا ~~يبس فلا تقربه دابة، ورطبه يسمى شبرقا لا ضريعا، ~~والمعنى: لا يسمن من أكله ولا يسد جوعة. ### || [88.8-10] # قوله تعالى: { وجوه يومئذ ناعمة * لسعيها ~~راضية }؛ هذه صفة وجوه أهل الجنة يقول: وجوههم يومئذ نضرة ~~حسنة جميلة، آثار النعمة عليها ظاهرة، وهي لعملها راضية بما ~~أداها إليه من الثواب والكرامة، { في جنة عالية }؛ أي مرتفعة ~~في القدر والشرف. ### || [88.11] # أي لا يسمع أصحاب تلك الوجوه كلمة ذات لفق ولا حلفا كاذبا ~~ولا كلاما باطلا، وذلك لأن سماع ما لا فائدة فيه يثقل على ~~العقلاء، ولا يتكلم أهل الجنة إلا ms2263 بالحكمة وحمد الله تعالى ~~على ما رزقهم من النعيم المقيم. ### || [88.12] # أي فيها لكل إنسان في قصره عين جارية من كل شراب يشتهيه، يجري ~~إلى حيث يشاء على حسب إرادته ومحبته. ### || [88.13] # في الهواء رفيعة القدر بعضها فوق بعض، من الذهب والفضة وغير ذلك ~~من الجواهر العظيمة، عليها من الفرش والحجال. قال صلى الله عليه ~~وسلم: # " لو ألقي من أعلاها فراش لهوى إلى قرارها مائة ~~خريف " # والحكمة في ذلك الارتفاع أن يرى المؤمن بجلوسه عليها جميع ما ~~خوله الله من الملك والنعمة. ### || [88.14-15] # قوله تعالى: { وأكواب موضوعة }؛ الأكواب: جمع كوب، ~~وهو الكوز الذي لا عرى له ولا خراطيم، موضوعة على حافة العين ~~الجارية معدة لأشربتهم وهو من اللؤلؤ الرطب على ما ورد في ~~الحديث. وقوله تعالى: { ونمارق مصفوفة }؛ هي جمع ~~نمرقة، وهي الوسادة المنسوجة من قضبان الذهب المكللة ~~بالدر والياقوت، قد صف بعضها إلى بعض للراحة ورفع المنزل، ~~قال الشاعر: # كهول وشبان حسان وجوههم # على سرر مصفوفة ونمارق ### || [88.16] # الزرابي هي الطنافس العجيبة، واحدتها زريبة، وهي البسط ~~العريضة، والمبثوثة الكثيرة المبسوطة المفرقة في المجالس. ### || [88.17] # فيه تنبيه على قدرة الله تعالى، يقول: أفلا يرون إلى الإبل مع ~~عظمها وشدتها كيف تبرك إذا أريد ركوبها فتحمل عليها ~~وتركب، ثم تقوم فيقودها الصغير وينخيها ويحمل عليها الحمل ~~الثقيل وهي باركة، فتنهض بثقله دابة بحملها ((وليس ذلك في شيء من ~~الحيوان)) إلا البعير. # وقيل: في وجه اتصال هذه الآية بما قبلها: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما وصف للمشركين سرر أهل الجنة مع علوها ~~وارتفاعها، وأنها تنحط لصاحبها إذا أراد صعودها ثم ترتفع، ~~استبعدوا ذلك، فذكر الله ما يزيل استبعادهم وكانوا أرباب إبل، ~~فأراهم دلائل توحيده فيما في أيديهم. # وتكلمت الحكماء في وجه تخصيص الإبل من بين سائر الحيوانات، فقال ~~مقاتل: ((لأنهم لم يروا بهيمة قط أعظم منها، ~~ولم يشاهدوا الفيل " إلا " الشاذ منهم)). وقال الحسن: ~~((لأنها تأكل النوى، وتخرج اللبن)). وقيل: ~~لأنها مع عظمها تلين للحمل الثقيل وتنقاد للقائد الضعيف يذهب ms2264 ~~بها كيف شاء. # وحكى الأستاذ أبو القاسم بن حبيب: أنه رأى في بعض التفاسير: أن ~~فأرة أخذت بزمام ناقة، فجعلت الفارة تجر الناقة وهي تتبعها حتى ~~دخلت الجحر، فجرت الزمام فبركت، فجرته فقربت فمها من جحر ~~الفارة، فسبحان الذي قدرها وسخرها وذللها. # وقال أبو عمر: ((الإبل هي السحاب، وهي أليق بما بعد ~~من ذكر السماء والجبال)) إلا أن هذا غير معروف ~~في اللغة، وإنما يقولون للسحاب: الإبل بتشديد اللام. ### || [88.18-20] # قوله تعالى: { وإلى السمآء كيف رفعت }؛ في الهواء ~~فوق كل شيء لا تنالها الأيدي، بلا عماد تحتها ولا علاقة فوقها، { ~~وإلى الجبال كيف نصبت }؛ فجعلها مرساة مثبتة لا ~~تزلزل، وفجر في أعلاها العيون لمنافع الناس، { وإلى الأرض ~~كيف سطحت }؛ أي بسطت على وجه الماء. فالذي فعل هذه الأشياء ~~قادر على أن يخلق نعيم الجنة بالصفات التي ذكرها. # قال أنس بن مالك: ((صليت خلف علي بن أبي طالب، ~~فقرأ: (أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، وإلى ~~السماء كيف رفعت * و... نصبت * و... سطحت) برفع ~~التاء))، وقرأ الحسن بالتشديد. ### || [88.21-22] # قوله تعالى: { فذكر إنمآ أنت مذكر }؛ أي عظهم ~~يا محمد بالقرآن، إنما أنت واعظ مبلغ { لست عليهم ~~بمصيطر }؛ أي بمسلط تجبرهم على الإيمان، وتمنعهم عن ~~الكفر، وهذا كان من قبل آية القتل فنسخ بها، وتسيطر الرجل إذا ~~تسلط. ### || [88.23-24] # أي لكن من أعرض عن الإيمان وثبت على كفره فكله إلى الله ~~تعالى لست له بمذكر؛ لأنه لا يقبل منك، وسيعذبه الله في الآخرة ~~بأعظم النيران، وإنما قال ذلك لأن من المعذبين من هو أشد عذابا ~~من غيره. ### || [88.25-26] # قوله تعالى: { إن إلينآ إيابهم }؛ أي طب نفسا يا ~~محمد وإن عاندوا وجحدوا، فإن إلينا مرجعهم؛ أي إلينا ~~مرجعهم وجزاؤهم، والإياب: الرجوع والمعاد، { ثم إن ~~علينا حسابهم }؛ وإخراج ما لهم وعليهم حتى يظهر مقدار ما ~~يستحقون من العذاب. ### | [89 - سورة الفجر] ### || [89.1-2] # أقسم الله برب الفجر، والفجر: هو الصبح الذي يطلع في آخر ~~الليل، وهو دلالة على نعم الله تعالى وعلى توحيده، وفي ذكره ms2265 حث ~~على الشكر، وترغيب في إقامة صلاة الفجر. وقوله تعالى: { ~~وليال عشر } هن عشر ذي الحجة، شرفها الله تعالى، لتسارع ~~الناس فيها إلى الخيرات والطاعات. وعن ابن عباس: ((يعني العشر ~~الأواخر من شهر رمضان)). وقيل: العشر الأول من ~~المحرم. ### || [89.3] # الشفع: هو يوم النحر، يشفع بما قبله من الأيام من ~~الشهر. والوتر: يوم عرفة أوتر بما قبله من أيام الشهر. ~~وعن الحسن وقتادة: ((أن هذا قسم بالخلق كلهم، فإنهم ~~شفع ووتر)). وقال مقاتل: ((الشفع آدم وحواء، ~~والوتر هو الله تعالى)). وقال مجاهد ومسروق: ((هو ~~الخلق كله))، قال الله تعالى: # ومن كل شيء خلقنا زوجين # [الذاريات: 49] الكفر والإيمان، والشقاوة والسعادة؛ والسعادة؛ ~~والهدى والضلال؛ والليل والنهار؛ والسماء والأرض؛ والبر ~~والبحر؛ والشمس والقمر؛ والجن والإنس. والوتر هو الله عز ~~وجل الواحد الأحد الفرد. # وقيل: الشفع: صلاة الفجر، والوتر: صلاة المغرب. وقيل: ~~الشفع: درجات الجنات؛ لأنها ثمان، والوتر: دركات النار؛ ~~لأنها سبع، كأنه أقسم بالجنة والنار. وقيل: الشفع: صفات ~~المخلوقين من العز والذل؛ والقدرة والعجز؛ والقوة والضعف؛ ~~والعلم والجهل؛ والبصر والعمى، والوتر: انفراد صفات الله تعالى؛ ~~عز بلا ذل؛ وقدرة بلا عجز؛ وقوة بلا ضعف؛ وعلم بلا جهل؛ وحياة ~~بلا موت. # قرأ الأعمش وحمزة والكسائي وخلف (والوتر) بكسر الواو، واختاره ~~أبو عبيد؛ لأنه أكثر في الكلام وأنشأ، ومنه وتر الصلاة، ولم يسمع ~~شيء من الكلام، الوتر بالفتح، وقرأ الباقون بالفتح وهي لغة أهل ~~الحجاز. ### || [89.4] # قسم برب الليل إذا يسر بمضيه وانقضائه إلى طلوع الفجر. ~~ويقال: إنه أقسم بليلة المزدلفة اذ أسري فيها، وعلى هذا قال ~~بعضهم: إن المراد بالفجر يوم عرفة. # ووجه حذف الياء من (يسر) أنها رأس آية، ورؤوس الآي كالفواصل ~~من العشر. قرأ نافع وأبو عمرو بالياء في الوصل، وقرأ ابن عامر وعاصم ~~بحذفها وصلا ووقفا، وقرأ ابن كثير ويعقوب بالياء في الحالتين. ### || [89.5] # لفظه لفظ استفهام بمعنى التقرير، يقول: بعد هذا الذي عقل ~~قسم، والحجر: هو العقل، وجواب القسم # إن ربك لبالمرصاد # [الفجر: 14]. ### || [89.6-8] # قوله تعالى: { ألم تر كيف فعل ms2266 ربك بعاد }؛ ألم ~~تعلم كيف صنع ربك بعاد وكيف أهلكهم، { إرم ذات العماد } ~~، وأما إرم فهو صفة لعاد، وهي عادان: عاد الأولى وهي إرم، ~~وعاد الآخرة. ولم يصرف إرم؛ لأنها اسم للقبيلة، وكان إرم أبا ~~عادين فنسبوا إلى أبيهم. وقيل: إن إرم كانت قبيلة من عاد وكان ~~فيهم الملك، { التي لم يخلق مثلها في البلاد }. # قوله تعالى: { ذات العماد } أي القامات الطوال والقوى ~~الشدائد، يقال رجل معمد ورجل عمدان إذا كان طويلا قويا، قال ~~ابن عباس: ((كانت قامة الرجل منهم أربعمائة ~~ذراع، لم يخلق مثلهم في زمانهم قوة وخلقا)). ~~ويقال: إنه اسم مدينة ذات العماد والذهب والفضة، بناها شداد بن ~~عاد. والقول الأول أقرب إلى ظاهر الآية؛ لأن الغرض بهذه الآية زجر ~~الكفار، وكان الله بين بإهلاكهم مع قوتهم أنه على إهلاك هؤلاء ~~الكفار أقدر. # وقصة مدينة إرم ذات العماد ما روى وهب بن منبه عن عبدالله بن ~~قلابة: أنه خرج في طلب إبل له شردت. فبينما هو في صحارى عدن، إذ ~~وقع على مدينة في تلك الفلوات، عليها حصن وحول الحصن قصور كثيرة ~~وأعلام طوال. # فلما دنا منها ظن أن فيها أحدا يسأله عن إبله، فلم ير خارجا ولا ~~داخلا، فنزل عن دابته وعقلها، وسل سيفه ودخل من باب الحصن، ~~فلما خلف الحصن وراءه إذ هو ببابين عظيمين وخشبهما من أطيب عود، ~~والبابان مرصعان بالياقوت الأبيض والأحمر، ففتح أحدهما فإذا هو ~~بمدينة فيها قصور، كل قصر تحته أعمدة من زبرجد وياقوت، وفوق كل ~~قصر منها غرف، وفوق الغرف غرف مبنية بالذهب والفضة واللؤلؤ ~~والياقوت، ومصاريع تلك الغرف من أطيب عود مرصعة بالياقوت الأبيض ~~والأحمر، والغرف مفروشة كلها باللؤلؤ والمسك والزعفران. # ثم نظر في الأزقة فإذا في كل زقاق شجر مثمر، وتحت الأشجار ~~أنهار مطردة ماؤها في مجاري من فضة. فقال الرجل: هذه هي الجنة ~~التي وصفها الله تعالى في كتابه، فحمل معه من لؤلؤها ومسكها ~~وزعفرانها؛ ورجع إلى اليمن وأعلم الناس بأمره. # فبلغ معاوية فأحضره وسأل كعب الأحبار: هل ms2267 في الدنيا مدينة من ~~ذهب وفضة؟ قال: نعم، قال أخبرني من بناها؟ قال: بناها شداد بن ~~عاد، واسم المدينة إرم ذات العماد، وهي التي لم يخلق مثلها في ~~البلاد. قال معاوية: فحدثني بحديثها. # قال: يا معاوية إن رجلا من عاد الأولى كان له إبنان: شداد ~~وشديد، كان قد قهر البلاد وأخذها عنوة، وليس هو من قوم هود، وإنما ~~عاد هو من ذريته، فأقام شداد وشديد ما شاء الله أن يقيما، ثم ~~مات شديد وبقي شداد، فملك وحده وتدانت له ملوك الأرض، وكان ~~ولعا بقراءة الكتب. # فلما مر فيها بذكر الجنة، دعته نفسه إلى بناء مثلها ~~عتوا على الله تعالى، فأمر ببناء هذه المدينة المذكورة، فأمر ~~على صنعتها مائة أمير، مع كل أمير ألف من الأعوان، وكتب إلى ~~كل ملك في الدنيا أن يجمع له ما في بلاده من الجواهر، وكانت تحت ~~يده مائتان وستون ملكا. # قال معاوية: كم أقام في مدة بنائها؟ قال: أقاموا ثلاثمائة ~~سنة في بنائها وعمارتها. قال: فكم كان عمر شداد؟ قال: سبعمائة ~~سنة، وإنما سماها الله ذات العماد؛ لأجل الأعمدة التي تحتها من ~~الزبرجد والياقوت. # قال كعب: فلما فرغوا من بنائها أعلموا شدادا بذلك فقال لهم: ~~انطلقوا واجعلوا فيها حصنا واجعلوا حوله ألف قصر، عند كل قصر ~~ألف علم حتى أجعل في كل قصر وزيرا من وزرائي. فرجعوا فعملوا ~~تلك القصور والأعلام والحصون، ثم أتوه فأخبروه بفراغ ذلك، فأمر ~~الوزراء أن يتهيأوا بالنقلة إليها، وأمر جنده ونساءه وخدمه ~~أن يتجهزوا، فأقاموا في جهازهم عشر سنين. # ثم سار الملك بجيش لا يحصي عددهم إلا الله، فلما صار إليها، ~~ليسكنها وبلغ إلى أن صار بينه وبينها مسيرة يوم وليلة، بعث الله ~~عليهم جميعا هو وجنوده ووزراؤه صيحة عظيمة من السماء فهلكوا ولم ~~يبق منهم أحد، ولم يدخل شداد ولا أحد من قومه تلك المدينة، ولم ~~يقدر أحد على دخولها إلى يوم القيامة، وسيدخلها رجل من المسلمين في ~~زمانك ولا يبلغها أحد غيره أبدا. # قال معاوية: فهل تقدر أن ms2268 تصفه يا أبا إسحاق؟ قال: نعم؛ هو رجل ~~أحمر قصير، على حاجبه خال وعلى عنقه خال، يخرج في طلب إبل له فيقع ~~على تلك المدينة، فيدخلها ويحمل شيئا مما فيها، وكان الرجل حينئذ ~~مختفيا عند معاوية، فقام ليذهب، فالتفت كعب التفاتة فرآه، فقال: ~~هو هذا يا أمير المؤمنين. فقال له معاوية: لقد فضلك الله يا كعب ~~على غيرك من العلماء. فقال: يا أمير المؤمنين ما خلق الله شيئا في ~~الدنيا إلا وقد فسره في التوراة لعبده موسى عليه السلام. ### || [89.9] # معناه: ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب ذات العماد، { وثمود ~~الذين جابوا الصخر بالواد } وهم قوم صالح، كانوا يقطعون ~~الصخر، وينحتون من الجبال بيوتا آمنين بقرب المدينة التي كانوا ~~نازلين فيها، ومعنى قوله { بالواد } القرى. قال أهل التفسير: ~~أول من جاب الصخر؛ أي قطع الصخور، ونحت الجبال والرخام ~~ثمود. ### || [89.10] # عطفا على ثمود. واختلفوا في معنى { ذى الأوتاد } قال بعضهم: ~~معناه: ذو الجنود والجموع. وقال بعضهم: ذو الملك الثابت، ~~وجنوده الذين كانوا يشدون أمره، سموا أوتادا؛ لأن قوامه ~~بهم. ويقال: معناه: أنه كان إذا غضب على أحد مده على الأرض، ~~ووتد على رجليه ويديه ورأسه على الأرض بأربعة أوتاد حتى يموت ~~ممدا كما فعل بأمر امرأته آسية. ### || [89.11-13] # قوله تعالى: { الذين طغوا في البلاد * ~~فأكثروا فيها الفساد }؛ الذين أفرطوا في الظلم والفساد ~~والكفر والقتل بغير حق، { فصب عليهم ربك سوط عذاب ~~}؛ أي صب عليهم لونا من العذاب. وقيل: وجع عذاب. وقيل: هذا ~~على الاستعارة؛ لأن السوط عند العرب غاية العذاب، يقال ساطه ~~يسوطه سوطا؛ إذا خلطه، والسوط مما يخلط الدم واللحم. ### || [89.14] # أي بحيث يرى ويسمع، وقال مقاتل: ((يجعل رصدا من ~~الملائكة يرصد الناس على الصراط معهم ~~الكلاليب)). وقال الضحاك: ((بمرصد لأهل الظلم ~~والمعصية)). وقال عطاء: ((معناه: إن ربك لا يفوته ~~أحد، وإنه لا محيص عنه، وهو عالم بهم وإليه ~~المصير)). ### || [89.15-16] # قوله تعالى: { فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه ~~فأكرمه ونعمه }؛ معناه: فأما الإنسان الذي لا يعرف نعمة ~~عليه ms2269 عند سعة الرزق وتضييقه، { فيقول ربي أكرمن }؛ ~~فيقول عند السعة: ربي أكرمني بالمال والسعة، { وأمآ إذا ~~ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن ~~}؛ ويقول عند ضيق الرزق عليه إذا كان رزقه على مقدار البلغة ربي ~~أهانني بالفقر، وضيق المعيشة، وأذلني بذلك، ولم يشكر الله على ~~ما أعطاه من سلامة الجوارح. ### || [89.17] # أي حاشا أن يكون إكرام الله لعباده مقصورا على توسعة النعم ~~عليه، وأن تكون إهانة الله لعباده مقصورة على تضييق الرزق عليهم، بل ~~يوسع الله تعالى النعم على من يشاء على ما تقتضيه الحكمة. قال ~~الحسن: ((أكذبهم جميعا؛ يقول: ما بالغنى أكرمت، ولا ~~بالفقر أهنت)). # وقوله { كلا بل لا تكرمون اليتيم } معناه: لا يعرفون ~~حق اليتيم بالعطية والصدقة، ولا يحفظون ماله عليه، وفي هذا ~~بيان أن إهانة الله إنما تكون بالمعصية لا بما توهم الكافر. ~~وروي أن هذه الآيات نزلت في أمية بن خلف، كان في حجره يتيم كان ~~لا يحسن إليه ولا يعرف حقه. # ومعنى (كلا) رد عليه؛ أي لم أبتليه بالغنى لكرامته علي، ولم ~~أبتليه بالفقر لهوانه علي، والفقر والغنى من تقديري وقضائي، فلا ~~أكرم من أكرمته بالغنى، ولا أهين من أهنته بالفقر، ولكني أكرم ~~من أكرمته بطاعتي، وأهين من أهنته بمعصيتي. قيل: معناه: أهنت ~~من أهنت من أجل أنه لم يكرم اليتيم، قال صلى الله عليه وسلم: # " أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة " # وقال: # " كافل اليتيم كالصائم لا يفطر، وكالقائم لا ~~يفتر " # و # " من مسح على رأس يتيم تعطفا عليه، كتب الله ~~له بكل شعرة مرت عليها يده عشر حسنات " # وقال عيسى عليه السلام: ((الفقر مشقة في الدنيا ~~مسرة في الآخرة، والغنى مسرة في الدنيا مشقة ~~في الآخرة)). # قرأ ابن عامر (فقدر عليه رزقه) بتشديد الدال، وهما ~~لغتان، وكان أبو عمرو يقول: ((قدر بمعنى قتر، وقدر هو ~~أن يعطيه ما يكفيه)). ### || [89.18] # أي لا يحثون الناس على الصدقة على المساكين، قال عمران بن ~~الحصين: # " ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا إلا وحث ms2270 ~~على الصدقة ونهى عن المسألة ". # واختلف القراء في هذه الآية، فقرأ أبو عمرو (يكرمون) وما بعده ~~بالياء كلها، وقرأ الباقون بالتاء، وقرأ أهل الكوفة (تحاضون) ~~بالألف وفتح التاء؛ أي يحض بعضهم على ذلك والتحاض: الحث، ~~وروي عن الكسائي (تحاضون) بضم التاء. ### || [89.19] # أي تأكلون الميراث أكلا شديدا؛ أي تلمون بجميعه من قولهم: ~~لممت ما على الخوان؛ إذا أكلته أجمع، قال الحسن: (هو أن ~~يأكل الرجل نصيب نفسه ونصيب صاحبه من ~~الميراث))، ويقال: أراد أكل ميراث اليتيم بغير حق؛ لأنه هو ~~الذي سبق ذكره، ويقال: المراد أن يصرف ما ورثه من نصيب نفسه إلى ~~الباطل. # وفائدة تخصيص الميراث التنبيه به على حكم غيره؛ لأنه إذا منع ~~عن الأكل أحل أمواله بالباطل، ففي أكل غير ذلك أولى، ويقال معنى { ~~أكلا لما } أي يأكل نصيبه ونصيب غيره، قال بكر بن عبدالله: ~~((اللم: الاعتداء في الميراث، يأكل ميراثه ~~وميراث غيره)). # وقال ابن زيد: ((اللم: الذي يأكل كل شيء يجده ~~ولا يسأل عنه أحلال هو أم حرام؟ ويأكل الذي ~~له ولغيره، وذلك أنهم كانوا لا يورثون ~~النساء ولا الصبيان)). وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " من قطع ميراثا فرضه الله، قطع الله ميراثه من ~~الجنة ". ### || [89.20] # أي حبا كثيرا شديدا، لا تنفقونه في سبيل الله، تحرصون عليه في ~~الدنيا، وتعدلون عن أمر الآخرة. ### || [89.21] # معناه: كلا ما هكذا ينبغي أن يكون الأمر، فلا تفعلوا ذلك، ~~وانزجروا عنه وارتدعوا، و { كلا } كلمة ردع وزجر، ثم أوعدهم ~~فقال تعالى { إذا دكت الأرض } أي ستذكرون وتندمون إذا زلزلت ~~الأرض، قصرت بعضها ببعض حتى استوت الأرض، وصارت كالصخرة الملساء، ~~وتكسر كل شيء على ظهرها. ### || [89.22] # أي وجاء أمر ربك بالمجازاة والمحاسبة، والملائكة صفوف صفا بعد ~~صف عند حساب الناس، يشاهدون ما يجري عليهم، ويقال: إن الملائكة ~~يصفون صفا واحدا حول الجن والإنس يحيطون بهم. ### || [89.23] # قوله تعالى: { وجيء يومئذ بجهنم }؛ جاء في ~~التفسير: أنها تقاد يوم القيامة بسبعين ألف زمام، على كل زمام ~~سبعين ألف ms2271 ملك، لها تغيظ وزفير، ويكشف عنها غطاؤها حتى يراها ~~العباد، قال الله تعالى: # وبرزت الجحيم لمن يرى # [النازعات: 36]. # قوله تعالى: { يومئذ يتذكر الإنسان }؛ أي يتحسر ~~ويندم على ما فاته لما رأى النار والعذاب، { وأنى له ~~الذكرى }؛ أي ومن أين له في ذلك الوقت توبة تنفعه، أو عظة ~~تنجيه. ### || [89.24-26] # قوله تعالى: { يقول يليتني قدمت لحياتي }؛ أي ~~يا ليتني عملت في حياتي الفانية لحياتي الباقية، { فيومئذ لا ~~يعذب عذابه أحد * ولا يوثق وثاقه أحد }؛ قراءة ~~العامة بكسر الذال، و(يوثق) بكسر الثاء، معناه: لا يعذب كعذاب ~~الله أحد، ولا يوثق كوثاقه أحد. # وقرأ الكسائي ويعقوب بفتح الذال والثاء، ومعناه: لا يعذب عذاب الكفار ~~الذي لم يقدموا لحياتهم أحد، ولا يوثق مثل وثاقه أحد. قيل: إن ~~هذا الإنسان المعذب أمية بن خلف الجمحي. ### || [89.27-30] # قوله تعالى: { يأيتها النفس المطمئنة }؛ ~~المراد بها نفس المؤمن، يقول لها الملائكة عند قبضها، وإذا ~~أعطيت كتابها بيمينها التي أيقنت بأن الله ربها، وعرفت ~~توحيدها خالقها فاطمأنت بالإيمان وعملت للآخرة، وصدقت بثواب ~~الله، { ارجعي إلى ربك راضية مرضية * فادخلي ~~في عبادي * وادخلي جنتي }؛ ارجعي إلى ما أعد الله لك من ~~نعيم الجنة، راضية عن الله بالثواب، مرضية عنده بالإيمان والعمل ~~الصالح، فادخلي في جملة عبادي الصالحين، وادخلي جنتي التي ~~أعدت لك. # وقال مجاهد: ((معناه: يا أيتها النفس المنيبة ~~التي أيقنت أن الله خالقها، المطمئنة إلى ما ~~وعد الله، المصدقة بما قال، الراضية بقضاء الله ~~الذي قد علمت بأن ما أصابها لم يكن ليخطئها، ~~وما أخطأها لم يكن ليصيبها). وقيل: معناه: ~~المطمئنة بذكر الله المتوكلة على الله، الواثقة بما ضمن لها ~~من الرزق. # وعن عبدالله بن عمرو بن العاص قال: # " إذا توفي العبد المؤمن أرسل الله ملكين ~~معهما تحفة من الجنة، فيقال لنفسه: أيتها ~~النفس المطمئنة، أخرجي إلى روح وريحان، ورب ~~عنك راض. فتخرج كأطيب ريح المسك. فتشيعها ~~الملائكة في السماء، فيقولون: قد جاء من الأرض ~~روح طيبة، فلا تمر بباب إلا فتح لها، ولا ~~بملك إلا صلى عليها، وتقول ms2272 الملائكة: ربنا ~~هذا عبدك فلان، كان يعبدك ولا يشرك بك شيئا. ~~فيقول الله: يا ميكائيل اذهب بهذه النفس، ~~فاجعلها مع أنفس المؤمنين حتى أسألك عنها ~~يوم القيامة. # ثم يأمر بأن يوسع عليه في قبره سبعين ~~ذراعا عرضه، وسبعين ذراعا طوله، ويجعل له ~~فيه نورا كالشمس، وكان كالعروس ينام فلا ~~يوقظه إلا أحب أهله إليه، فيقوم من نومه ~~كأنه لم يشبع منه ". # وعن جعفر عن سعيد قال: # " قرأ رجل عند رسول الله { يأيتها النفس ~~المطمئنة * ارجعي إلى ربك راضية مرضية } ، ~~فقال أبو بكر رضي الله عنه: ما أحسن هذا يا رسول الله؟ ~~فقال: " يا أبا بكر إن الملك سيقوله لك " ". ### | [90 - سورة البلد] ### || [90.1-2] # { لا أقسم بهذا البلد }؛ يعني مكة، أقسم الله بها ~~إعظاما لها، وحرف (لا) زائدة. قوله تعالى: { وأنت حل ~~بهذا البلد }؛ أي وأنت - يا محمد - حل بمكة، يعني: ~~وأنت مقيم فيها، وقيل: أنت حلال فيها، تصنع ما تريد من القتل ~~والأسر، يعني: وأنت حلال لك أن تتصرف فيها، وذلك أن الله تعالى ~~أحل لنبيه عليه السلام مكة يوم الفتح حتى قاتل، وقتل ابن ~~خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، ومقيس بن صبابة وغيرهما. ### || [90.3-4] # قوله تعالى: { ووالد وما ولد }؛ فهذا قسم بآدم ~~وذريته، وجواب القسم: { لقد خلقنا الإنسان في كبد }؛ ~~أي في شدة من حين ينفخ فيه الروح إلى أن يصل إلى الآخرة، ليعلم ~~أن الدنيا دار كد ومشقة، والجنة دار الراحة والنعمة. ~~والمكابدة في اللغة: هو أن يكابد الإنسان أمر المعاش والمعاد، قال ~~الحسن: ((تكاد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة، لا ~~تلقى ابن آدم إلا يكابد أمر الدنيا في مشقة)). ### || [90.5] # كناية عن الإنسان، وقد جاء في التفسير: أنه نزل في أبي الأشد بن ~~كلدة الجمحي، كان قويا شديدا يضع الأديم العكاظي ~~فيقف عليه ويقول: من أزالني عنه فله كذا وكذا، فيجتمع عليه عشرة ~~أقوياء ويجرون الأديم، فكان ينقطع الأديم ولا تزول قدماه عن ~~مكانهما. # والمعنى: يظن هذا الكافر بشدته وقوته أن لن يقدر عليه أحد؛ ~~أي على أخذه ms2273 وعقوبته أحد، وأن لن يبعث، والله قادر عليه، ~~فيقال: إنه لما نزل ذلك حصر بطنه وانحصر بوله فكان يتمرغ ~~في التراب ويقول: قتلني رب محمد. ### || [90.6-7] # قوله تعالى: { يقول أهلكت مالا لبدا }؛ يعني هذا ~~الكافر المذكور يقول: أهلكت مالا كثيرا في عداوة محمد ~~وأصحابه فلم ينفعني ذلك. واللبد: كل ما لبد بعضه على بعض. ~~قوله تعالى: { أيحسب أن لم يره أحد }؛ معناه: ~~أيظن أنه لم يحص عليه ما أنفق، وأنه لا يسأل عنه من أين ~~اكتسبه، وفيم أنفقه؟. ### || [90.8-9] # ذكر الله منته عليه فقال: ألم نجعل له عينين يبصر بهما، ~~ولسانا يتكلم به، وشفتين يستعين بهما على الكلام. ### || [90.10] # أي وبينا له وعرفناه الخير والشر، ليسلك طريق الخير، ويجتنب ~~طريق الشر، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " أنه قرأ { وهديناه النجدين } وقال: " أيها ~~الناس إنهما نجدان: نجد الخير، ونجد الشر " ". # وقيل: معنى { وهديناه النجدين }: ألهمناه مص ~~الثديين، والثديان هما النجدان، وهذا قول سعيد بن المسيب ~~والضحاك، ورواية عن ابن عباس. ### || [90.11-12] # قوله تعالى: { فلا اقتحم العقبة }؛ معناه: فلا جاد ~~بماله بإنفاقه في طاعة الله، وهلا دخل في عمل البر، وانفق ~~ماله في فك الرقاب وإطعام الجياع ليجاوز العقبة، فيكون خيرا ~~له من إنفاقه في عداوة محمد صلى الله عليه وسلم. # وقال مجاهد والضحاك والكلبي: ((يعني بالعقبة الصراط، ~~يضرب على جهنم كحد السيف مسيرة ثلاثة آلاف ~~سنة سهلا وصعودا وهبوطا، بجنبيه كلاليب ~~وخطاطيف كأنها شوك السعدان، فناج سالم، وناج ~~مخدوش، ومكردس في النار منكوس. # ومن الناس من يمر عليه كالبرق، ومنهم من ~~يمر عليه كالريح، ومنهم كالفارس، ومنهم ~~كالرجل يعدو، ومنهم كالرجل يمشي، ومنهم من ~~يزحف ومنهم الزالق. واقتحامه على المؤمن كما ~~بين صلاة العصر إلى العشاء)). # وقال قتادة: ((هذا مثل ضربه الله تعالى، يقال: إن ~~المعتق والمطعم يقاحم نفسه وشيطانه مثل من ~~يتكلف صعوده))، قال ابن زيد: ((معنى الآية: فهلا ~~سلكت الطريق الذي فيها النجاة)). # ثم بين ما هي، قوله تعالى: { ومآ أدراك ما ~~العقبة }؛ تعظيم لشأن العقبة، تقول: ms2274 ما أعلمك يا محمد ~~بأي شيء تجاوز عقبة الصراط، قال سفيان بن عيينة: ((كل شيء ~~قال الله فيه: { ومآ أدراك } فإنه أخبر به، وما ~~قال فيه: (وما يدريك) فإنه لم يخبره)). ### || [90.13] # من قرأ بضم الكاف فمعناه: اقتحامها فك رقبة من رق أو شر أو ~~ظلم ظالم أو من سلطان جائر. والاقتحام: الدخول في الشيء على ~~الشدة. ### || [90.14-16] # قوله تعالى: { أو إطعام في يوم ذي مسغبة * ~~يتيما ذا مقربة }؛ منك، { أو مسكينا ذا متربة }؛ ~~لاصقا بالتراب من الجهد والفاقة، ويقال: إن المتربة شدة ~~الحاجة إذا افتقر. ومن قرأ (فك) بالنصب (أو أطعم) فمعناه: ~~أفلا فك الرقبة وهلا أطعم في يوم ذي مسغبة. # وعن البراء بن عازب قال: # " جاء أعرابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا ~~رسول الله علمني عملا يدخلني الجنة، فقال: " ~~لئن كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة: ~~فك الرقبة وأعتق النسمة " قال: أوليسا سواء ~~يا رسول الله؟! قال: " عتق النسمة أن تنفرد ~~بعتقها، وفكها أن تعين في ثمنها، فإن لم تطق ~~ذلك فكف لسانك إلا من خير " ". ### || [90.17] # معناه: إن أفعال القرب إنما تنفعه إذا كان مع ذلك من الذين ~~آمنوا. وحرف (ثم) ها هنا للترادف في الإخبار، لا للترادف في ~~المحال، كأنه قال: وكان مؤمنا قبل ذلك من الذين يتواصون بالصبر. ~~ويجوز أن يكون معناه: فعل ذلك ثم ثبت على الإيمان إلى أن يلقى ~~الله تعالى. # وقوله تعالى: { وتواصوا بالصبر } أي وصى بعضهم بعضا ~~بالصبر على طاعة الله، والصبر عن معاصيه، { وتواصوا ~~بالمرحمة } أي وأوصى بعضهم بعضا بالتراحم على الناس ~~واليتامى والمساكين والضعيف والمظلوم، وفي الحديث: # " من لم يرحم الناس لم يرحمه الله ". ### || [90.18] # معناه: أولئك الذين اجتمعت فيهم هذه الخصال هم أصحاب اليمن ~~والبركة، وهم الذين يعطون كتبهم بأيمانهم، ويؤخذ بهم ذات اليمين ~~إلى الجنة. ### || [90.19-20] # قوله تعالى: { والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب ~~المشأمة }؛ أي هم أصحاب الشؤم على أنفسهم، وهم الذين يعطون ~~كتبهم بشمائلهم، ويؤخذ بهم ذات الشمال " إلى " النار. قوله ~~تعالى: ms2275 { عليهم نار مؤصدة }؛ أي مطبقة أبوابها عليهم ~~مسدودة، من قولك: أوصدت الباب وأوصدته إذا أطبقته، ومنه ~~سمي الباب الوصيد. # قال صلى الله عليه وسلم: # " من قرأ سورة البلد أعطاه الله الأمان من غضبه ~~يوم القيامة ". ### | [91 - سورة الشمس] ### || [91.1-2] # { والشمس وضحاها }؛ أقسم الله سبحانه بالشمس ونحوها مما ~~ذكره من أول السورة لما فيها من دلائل وحدانية الله تعالى ~~فقال { والشمس وضحاها } أراد بالضحى ارتفاعها، قال ~~مجاهد: ((معناه: والشمس وضوئها)) { والقمر إذا ~~تلاها }؛ أي إذا تبع الشمس وطلع بعد غروبها، وذلك في أول ~~ليلة الهلال إذا سقطت الشمس ريء الهلال، وكذلك في نصف الشهر إذا ~~غربت الشمس يتبعها القمر في الطلوع من المشرق، وأخذ موضعها وصار ~~خلفها. ### || [91.3-4] # قوله تعالى: { والنهار إذا جلاها }؛ أي إذا بين ~~الشمس، وذلك أن الشمس إنما تضيء وتتبين إذا انبسط النهار، وأما في ~~حال طلوعها فهي تطلع لا نور لها، ثم يضحيها الله تعالى. ويجوز أن ~~يكون معناه: إذا جلا ظلمة الليل أو جلا الدنيا، فيكون هذا ~~كناية عن غير مذكور، وقوله: { والليل إذا يغشاها }؛ أي إذا ~~يغشى الشمس فيذهب بنورها، وتظلم الدنيا عند غروبها. ### || [91.5-6] # قوله تعالى: { والسمآء وما بناها }؛ أي والسماء وما ~~بناها؛ وهو تأليفها الذي نشاهده في سعتها، وارتفاع سمكها، ~~وقرارها بغير عمد. و(ما) مع الفعل بتأويل المصدر، ويجوز أن يكون ~~معناه: والسماء والذي بناها كما يقال: سبحان من سبحت له وسبحان ~~من سبح الرعد بحمده. # والمعنى { والسمآء وما بناها } أي ومن خلقها، وهو الله ~~تعالى كما قال تعالى # فانكحوا ما طاب لكم # [النساء: 3] # ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم # [النساء: 22] وعلى هذا قوله تعالى: { والأرض وما طحاها ~~}؛ معناه على القول الأول: والأرض وطحوها وهو بسطها على وجه الماء، ~~وعلى القول الثاني والأرض ومن طحاها. ### || [91.7-8] # معناه على القول الأول: والأنفس كلها وتسويتها باليدين ~~والرجلين والعينين والأذنين وغير ذلك من الحواس، وما ألهمها ~~الله من طريق فجورها لتتركه، وطريق تقواها لتلزمه، فعرفت ذلك ~~بأدلة الله، وعلى القول الثاني: ونفس ومن سواها، فبين لها ما ms2276 ~~تأتي، وما تبقي، وخذلها للفجور. ### || [91.9-10] # قوله تعالى: { قد أفلح من زكاها }؛ جواب القسم، ~~يقول: قد فاز ونجا من طهر نفسه بالإيمان والطاعة فصار زاكيا ~~طاهرا بنعيم الجنة، { وقد خاب من دساها }؛ أي وقد خسر من ~~دس نفسه؛ أي أهملها في الكفر والمعاصي. # ويقال: معناه: قد أفلح من زكى الله نفسه؛ أي أصلحها الله ~~وطهرها من الذنوب ووفقها للتقوى، وقد خاب وخسر من دساها، ~~دسا الله نفسه أي شهرها وأخذلها وأحملها وأخفى محملها حتى ~~عملت بالفجور وركبت المعاصي. وقيل: معنى (دساها) أغواها ~~وأضلها وأثمها وأفجرها. وقال ابن عباس: ((أهلكها)). # والأصل في جواب القسم أن يقال: (لقد أفلح) باللام، وإنما حذفت؛ ~~لأن الكلام إذا طال صار طوله عوضا من اللام. ### || [91.11] # أي كذبت قوم صالح الرسل بطغيانهم، والطغوى مصدر كالفتوى ~~والدعوى، والمعنى: كذبت ثمود بطغيانها وعدوانها. ### || [91.12] # أي حين قام أشقاها لعقر الناقة، وصار هو السبب لهلاك الكل. ~~قيل: إنه كان أشقاهم رجل يقال له مصدع، وهو الذي ابتدأ عقرها، ~~وقال الكلبي: ((كانا اثنين مصدع وقدار)). والمعنى إذ ~~انبعث أشقاها، وإنما ذكرها بلفظ التأنيث؛ لأن الهاء راجعة إلى ~~القبيلة، وقيل: المراد بقوله { أشقاها } قدار بن سالف، ~~وكان رجلا أشقر أزرق قصيرا ملتزق الخلق، واسم أمه قديدة. ### || [91.13] # أي قال لهم صالح عليه السلام: احذروا ناقة الله التي هي الآية ~~الدالة على توحيده أن تصيبوها بمكروه فتؤخذوا بذلك، واحذروا ~~سقياها؛ أي شربها ونوبتها؛ أي لا تزاحموها في يومها. هذا نصب ~~كما يقال: الأسد الأسد. ### || [91.14] # قوله تعالى: { فكذبوه فعقروها }؛ أي فكذبوا صالحا ~~فيما قال لهم: إنكم إن أصبتموها بسوء أخذكم عذاب يوم عظيم، ~~فعقروها وقتلوها. قوله تعالى: { فدمدم عليهم ~~ربهم بذنبهم فسواها }؛ أي فأطبق عليهم بالصيحة، وأرجف ~~بهم الأرض، ودمر عليهم، يقال: دمدمت على الميت إذا أطبقت عليه ~~القبر. # قال ابن الأنباري: ((أصل الدمدمة: الغضب)) والمعنى: ~~غضب عليهم ربهم فسوى عليهم العقوبة، فلم ينفلت منهم صغير ولا ~~كبير. ويجوز أن يكون معناه: فسواها؛ أي سوى الأرض عليهم حتى لم ~~ير لهم أثر. ms2277 ### || [91.15] # أي ولا يخاف الله عاقبة إهلاكهم. وقيل: إن قوله تعالى { ~~ولا يخاف } راجع إلى رسولهم صالح عليه السلام، كان لا يخاف عند ~~التدمير من عاقبة أمرهم. وقيل: هو راجع إلى قوله تعالى # إذ انبعث أشقاها # [الشمس: 12] كأنه قال: قام لعقرها وهو كالآمن من نزول الهلاك به ~~وبقومه جهلا منه. ### | [92 - سورة الليل] ### || [92.1-3] # { والليل إذا يغشى }؛ أقسم الله بالليل إذا يغشى ~~الأفق، ويعم الأشياء كلها بالظلام، { والنهار إذا ~~تجلى }؛ أي أضاء، وأنار، وذهب بظلمة الليل، { وما خلق ~~الذكر والأنثى }؛ وأقسم بخلقه الذكر والأنثى لإبقاء ~~النسل، وقيل: معناه: ومن خلق الذكر والأنثى. ### || [92.4] # أقسم الله بهذه الأشياء لما فيها من دلائل وحدانية الله على ~~أن أعمال العباد في الدنيا مختلفة، منهم من يريد الدنيا فيجعل ~~سعيه لها، ويعمل في هلاك رقبته، ومنهم من يريد الآخرة ويجعل ~~سعيه لها، ويعمل في فكاك رقبته، وشتان ما بين العملين. ### || [92.5-7] # قوله تعالى: { فأما من أعطى واتقى }؛ بين الله ~~اختلاف سعيهم بقوله: فأما من أعطى الحقوق من ماله، واتقى ~~المعاصي واجتنب المحارم، { وصدق بالحسنى }؛ أي أيقن ~~بالخلف في الدنيا، والثواب في الآخرة، وقيل: معناه: وصدق ~~بالجنة، { فسنيسره لليسرى }؛ فسنوفقه للعود إلى ~~الطاعة مرة بعد أخرى لتسهل عليه طريق الجنة. وعن أبي الدرداء ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " ما من يوم غربت شمسه إلا وملكان يناديان: ~~اللهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا " # وقال الضحاك: ((معنى قوله تعالى: { وصدق بالحسنى ~~} ب: لا إله إلا الله)). وقيل: إن هذه الآية نزلت في أبي ~~بكر رضي الله عنه. ### || [92.8-10] # قوله تعالى: { وأما من بخل واستغنى }؛ أي بخل ~~بماله، ومنع ما يلزمه من حقوق الله، واستغنى عن ربه، ولم يرغب في ~~ثوابه، فعمل عمل من يستغني عن الله، { وكذب بالحسنى }؛ ~~وكذب بثواب المصدقين في الجنة، وكذب بالتوحيد والنبوة، { ~~فسنيسره للعسرى }؛ أي يخذله بمعاصيه ومصيره النار، ~~والمراد به أبو جهل، ويدخل فيه كل من عمل مثل عمله. ### || [92.11] # أي ما ينفع هذا الكافر الذي بخل بماله ms2278 كثرة ماله بعد موته إذا ~~هوى وسقط في هوى النار، لم يؤد منه فريضة، ولا وصل منه رحما. ~~وقال مجاهد: ((معنى { إذا تردى }: إذا مات))، وقال قتادة: ~~((إذا هوى في جهنم)). ### || [92.12-13] # قوله تعالى: { إن علينا للهدى }؛ أي أن نبين ~~طريق الهدى من طريق الضلالة، وأن نبين الحق من الباطل، وقال ~~الفراء: ((معناه: من سلك الهدى فعلى الله سبيله ~~لقوله تعالى # وعلى الله قصد السبيل # [النحل: 9])) { وإن لنا للآخرة والأولى }؛ معناه: وإن ~~لنا للآخرة، فنعطي منها ما شئنا على ما توجبه الحكمة لمن كان أهلا ~~لذلك، وإن لنا للأولى وهي الدنيا، فنعطي منها من نشاء. ### || [92.14] # أي خوفتكم يا أهل مكة إن لم تؤمنوا بالقرآن نارا تتوقد ~~وتتوهج. ولا يجوز أن يكون هذا بمعنى الماضي؟ لأنه لو كان ماضيا ~~لقيل: تلظت. ### || [92.15-16] # قوله تعالى: { لا يصلاهآ إلا الأشقى }؛ أي لا يدخلها ~~ولا يلزمها إلا الأشقى في علم الله تعالى، { الذي كذب ~~وتولى }؛ وهو الكافر الذي كذب بتوحيد الله تعالى والقرآن، ~~وأعرض عن الإيمان. ### || [92.17-21] # قوله تعالى: { وسيجنبها الأتقى }؛ أي سيباعد عنها ~~التقي، { الذى يؤتي ماله يتزكى * وما لأحد عنده ~~من نعمة تجزى }؛ أي لم يفعل مجازاة لبر أسدي إليه ولا ~~لمثابة الدنيا، ولكن أعطى ما أعطى لطلب ثواب الله ورضاه، ولسوف ~~يعطيه الله في الآخرة من الثواب حتى يرضى. # قيل: إن قوله { وسيجنبها الأتقى } إلى آخر السورة ~~نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، حدثنا هشام بن عروة عن أبيه: ~~((أن أبا بكر رضي الله عنه أعتق سبعة، كلهم كانوا ~~يعذبون في الله تعالى، وهم: بلال؛ وعامر بن ~~فهيرة شهد بدرا وأحدا وقتل يوم بئر معونة ~~شهيدا. وأم عميس وزنيرة، فأصيب بصرها حين ~~أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات ~~والعزى! فقالت: كذبوا وثبتها الله، فرد الله ~~بصرها. وأعتق النهدية وابنتها، وكانتا ~~لامرأة من بني عبد الدار، ومر بجارية بني ~~مؤمل حي من بني عدي بن كعب، وكانت مسلمة، ~~وعمر بن الخطاب يعذبها لترك الإسلام وهو ~~يومئذ مشرك، فاشتراها ms2279 أبو بكر فأعتقها. # فأما بلال فكان لبعض بني جمح مولدا من ~~مولديهم وهو بلال بن رباح، وكان اسم أمه ~~حمامة، وكان صادق الإسلام طاهر القلب، وكان ~~أمية بن خلف الجمحي يخرجه إذا حميت ~~الظهيرة فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم ~~يأمر بالصخرة العظيمة، فتوضع على صدره، ويقال ~~له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد ~~وتعبد اللات والعزى، فيقول وهو في ذلك ~~البلاء: أحد أحد. # فمر به أبو بكر يوما وهم يصنعون به ذلك، فقال ~~لأمية بن خلف: (ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ ~~حتى متى؟) فقال: أنت أفسدته فأنقذه مما ترى. ~~فقال أبو بكر: (عندي غلام أسود أجلد منه، وأقوى ~~على دينك أعطيكه به). قال: قد قبلت، قال: (هو ~~لك). فأعطاه أبو بكر غلامه ذلك وأخذ بلالا ~~فأعتقه. فقالوا: لو أبيت أن تشتريه إلا ~~بأوقية لما منعناك. فقال أبو بكر: (ولو أبيتم ~~إلا بمائة أوقية لأخذته). # وأما النهدية وابنتها فكانتا لامرأة من بني ~~عبد الدار، مر بهما أبو بكر وهما يطحنان، ~~وسيدتهما تقول: والله لا أعتقكما أبدا، فقال ~~لها أبو بكر: (يا أم فلان خل عنهما)، فقالت: ~~بل أنت خل عنهما، أنت أفسدتهما، فقال: (بكم ~~هما؟) قالت: بكذا وكذا، قال: (أخذتهما بذلك وهما ~~حرتان لله تعالى) ثم قال لهما: (قوما واربعا ~~لها طحينها)، قالتا: ألا نفرغ من طحينها ونرده ~~إليها؟ قال: (ذلك إليكما إن شئتما). # فقال أبو قحافة لأبي بكر: (يا بني إني أراك ~~تعتق رقابا ضعافا، فلو أنك أعتقت رجالا جلادا ~~يمنعونك ويقومون دونك؟) فقال أبو بكر: (يا أبه ~~إني إنما أريد الله)، فنزل فيه قوله تعالى: { ~~فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى. # .. }؛ إلى قوله: { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } ~~إلى آخر السورة)). # وعن سعيد بن المسيب قال: ((بلغني أن أمية بن خلف ~~الجمحي قال لأبي بكر حين طلب منه أن يعطيه ~~بلالا قال له: لا أبيعه منك إلا بغلامك منطاس، ~~وكان مشركا، فراوده أبو بكر على الإسلام فأبى، ~~وكان لمنطاس عشرة آلاف دينارا ومواش ms2280 وجوار. # فراوده أبو بكر على الإسلام، ويكون ماله له ~~فأبى، فأبغضه أبو بكر، فلما قال له أمية ذلك ~~باعه منه، فقال المشركون: ما فعل أبو بكر ذلك ~~لبلال إلا ليد كانت لبلال عنده، فأنزل الله ~~تعالى { وما لأحد عنده من نعمة تجزى } )) { إلا ~~ابتغآء وجه ربه الأعلى * ولسوف يرضى }؛ بثواب ~~الله في العقبى عوضا عما فعل في الدنيا. ### | [93 - سورة الضحى] ### || [93.1-3] # قال ابن عباس وقتادة: # " لما سألت اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~الروح، وعن ذي القرنين، وأصحاب الكهف، قال لهم: ~~" سأخبركم غدا " ولم يقل: إن شاء الله، فاحتبس ~~الوحي عنه وأبطأ عنه جبريل خمس عشرة ليلة ~~لتركه الاستثناء، فقال المشركون والمنافقون: ~~إن محمدا ودعه ربه وقلاه فأنزل الله هذه ~~السورة تكذيبا لهم، وأقسم ببياض النهار وسواد ~~الليل أنه سبحانه لم يودعه ولم يقله ". # وفيه إضمار تقديره: ورب الضحى وهو النهار كله، وقال بعضهم: ساعة ~~ارتفاع الشمس على ما هو المعهود من الكلام. وقوله تعالى { ~~والليل إذا سجى } أي إذا أظلم، واشتد ظلامه حتى يستر ~~الأشياء كلها بالظلام، ومنه قولهم: فلان يسجى بثوبه؛ أي ~~مغطى، ومنه قولهم: سجى قبر المرأة. وقيل: معناه: إذا سكنت ~~الأشياء فيه، ومن ذلك: بحر ساج؛ أي ساكن، ويقال: بلد ساجية إذا ~~كان أهلها في سكون، وكذلك طريق ساج؛ أي آمن، قال الشاعر: # أنا ابن عم الليل وابن خاله # إذا سجى دخلت في سرباله # قوله تعالى: { ما ودعك ربك وما قلى } أي ما ~~تركك منذ اختارك، ولا بغضك منذ أحبك، وهذا جواب القسم. ### || [93.4] # أي لثواب الآخرة مما أعده الله لك فيها من الكرامة والمقام ~~المحمود خير لك من الدنيا التي هي مشوبة بالأحزان والزوال. ### || [93.5] # معناه: سيعطيك خالقك في الآخرة من الشفاعة، وثواب الطاعة حتى ~~ترضى. ويجوز أن يكون هذا وعدا له من الله بالنصرة والتمكين ~~وكثرة المؤمنين. # وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((رضى محمد أن لا ~~يدخل أحد من أهل بيته النار)). وقيل: الشفاعة في ~~جميع المؤمنين، وعن علي ms2281 رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # " أشفع لأمتي حتى ينادي ربي عز وجل: أرضيت يا ~~محمد؟ فأقول: رضيت ". # وعن جعفر بن محمد قال: # " دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على فاطمة وهي ~~تطحن بيدها وترضع ولدها، فلما أبصرها كذلك ~~دمعت عيناه، فقال: " يا بنتاه تعجلي فتجرعي ~~مرارة الدنيا بحلاوة الآخرة، فقد أنزل الله ~~علي { ولسوف يعطيك ربك فترضى } " " # وعن ابن عباس: قال: ((يعطيه الله في الجنة ألف قصر ~~من اللؤلؤ ترابه المسك، في كل قصر من كل ما ~~يشتهى على أحسن الصفات)). ### || [93.6] # عدد عليه نعمه الموصولة إليه من صغره إلى كبره، والمعنى: ~~ألم يجدك يتيما عن أبيك فضمك إلى أبي طالب، ورباك في ~~حجره، وفضلك على أولاده، وقد كان أبوه مات وهو في بطن أمه، ~~وماتت أمه وهو ابن سنتين، ومات جده وهو ابن ثماني سنين. ### || [93.7] # أي ضالا عن علم النبوة، وأحكام الشريعة غافلا عنها، فهداك ~~إليها، دليله قوله تعالى: # وإن كنت من قبله لمن الغافلين # [يوسف: 3]، وقوله تعالى: # ما كنت تدري ما الكتاب # [الشورى: 52]. ولا يجوز أن يقال في معناه: إنه عليه السلام كان على ~~دين قومه، فهداه الله؛ لأنه تعالى لا يختار للرسالة من كفر. # وقيل: معناه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ضل في صغره ~~عن قومه في شعاب مكة، فوجده أبو لهب فرده على جده. ~~وقيل: معناه: وجدك ضائعا بين قوم ضوال لا يعرفون حرمتك، ~~فهداهم الله تعالى إلى معرفة قدرك. ### || [93.8] # أي ووجدك فقيرا فأغناك بمال خديجة والغنائم، وذلك أنها كانت ~~تبذل مالها للنبي صلى الله عليه وسلم. والعيلة في اللغة: الفقر، ~~يقال: عال الرجل إذا كثر عياله وافتقر، قال الشاعر: # وما يدري الفقير متى غناه # وما يدري الغني متى يعيل # وحذف الكاف من قوله تعالى (فآوى، فأغنى، فهدى) لمشاكلة رؤوس ~~الآي؛ ولأن المعنى معروف، قال مقاتل: # " وكل فصل من هذه الفصول قراءة جبريل عليه ~~السلام على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: " بلى يا ms2282 ~~رب " ثم قال: " يمن علي ربي وهو أهل المن، ~~يمن علي ربي وهو أهل المن " ". # وعنه صلى الله عليه وسلم قال: # " سألت ربي مسألة وددت أني لم أسألها قط، ~~قلت: يا رب اتخذت إبراهيم خليلا، وكلمت موسى ~~تكليما، وسخرت لداود الجبال يسبحن، وأعطيت ~~سليمان كذا وكذا. # فقال الله تعالى: ألم أجدك يتيما فآويتك؟ قلت: ~~بلى يا رب، قال: ألم أجدك ضالا فهديتك؟ قلت: بلى ~~يا رب، قال: ألم أجدك عائلا فأغنيتك؟ قلت: بلى ~~يا رب، قال: ألم أشرح لك صدرك؟ قلت بلى يا رب، ~~قال: ألم أرفع لك ذكرك فلا أذكر إلا وتذكر ~~معي؟ قلت بلى يا رب، قال: ألم أؤتك ما لم أوت ~~نبيا قبلك خواتيم سورة البقرة؟ قلت: بلى يا ~~رب، قال: ألم اتخذك حبيبا كما اتخذت إبراهيم ~~خليلا؟ قلت: بلى يا رب ". ### || [93.9] # وهذا حث للنبي صلى الله عليه وسلم على محاسن الأخلاق ليقتدي به ~~الناس، ويجدوا في سلوك طريقته. ومعنى قهر اليتيم: أن يقهره ~~على ماله، وأن يظلمه بقول أو فعل. وفي قراءة ابن مسعود (فلا ~~تكهر) بالكاف، ومعناه: الزجر والاتعاظ. وتخصيص اليتيم لأنه لا ~~ناصر له غير الله. وفي الحديث: # " اتقوا ظلم من لا ناصر له غير الله ". # وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من ضم يتيما فكان في مؤنته ونفقته كان له ~~حجابا من النار يوم القيامة، ومن مسح برأس ~~يتيم كان له بكل شعرة حسنة " # وقال صلى الله عليه وسلم: # " إن اليتيم إذا بكى اهتز لبكائه عرش الرحمن، ~~فيقول الله: يا ملائكتي من أبكى هذا اليتيم الذي ~~غيبت أباه في التراب؟ فتقول الملائكة: ربنا ~~أعلم، فيقول: يا ملائكتي أشهدكم أن كل من ~~أسكته وأرضاه أن أرضيه يوم القيامة " # قال: ((فكان عمر إذا رأى يتيما مسح على رأسه ~~وأعطاه شيئا)). ### || [93.10] # وهو الزجر بالصياح في الوجه، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: # " إذا سأل السائل فلا تقطعوا عليه مسألته حتى ~~يفرغ منها، ثم ردوا عليه بوقار ولين أو ببذل ~~يسير ms2283 أو برد جميل، فإنه قد يأتيكم من ليس ~~بإنس ولا جان، ينظرون كيف صنعكم فيما خولكم ~~الله " # و # " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم متى يباح أن يرد الفقير؟ ~~فقال: " إذا رددته ثلاثا تلطفا فلا يذهب، فلا ~~بأس أن تزبره " ". # وكان الحسن يقول: ((أراد بالسائل في هذه الآية سائل ~~العلم لا ترده خائبا)). وقال يحيى بن آدم في هذه الآية ~~قال: ((إذا جاءك طالب العلم فلا تنهره)). وعن أبي ~~هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " لا يمنعن أحدكم السائل أن يعطيه إذا سأل، ~~وإن رأى في يديه قلبين من ذهب " # وعن إبراهيم بن أدهم قال: ((نعم القوم السؤال، ~~يحملون زادنا إلى الآخرة، يجيء السائل إلى باب ~~أحدكم فيقول: هل توجهون إلى أهليكم شيئا)). ### || [93.11] # أي حدث الناس بما أنعم الله عليك من النبوة والإسلام، وذلك ~~أن من شكر النعم التحدث تعظيما للمنعم. ويقال: إن الشكر ~~على مراتب، فالمرتبة الأولى: أن تعلم أن النعمة من الله، ~~والثانية: أن تؤدي عليها حقوق الله، والثالثة: أن تعترف بذلك ~~وتخبر الناس بها، والرابعة: الاستظهار بها على معصية الله. # وفي الحديث: # " إذا أنعم الله على عبد أحب أن يرى أثر نعمته ~~عليه " # ، وقال صلى الله عليه وسلم: # " من أعطي خيرا فلم ير عليه، سمي بغيض الله ~~معاديا لنعمة الله " # قال صلى الله عليه وسلم: # " من لم يشكر القليل لم يشكر الكثير، ومن لم ~~يشكر الناس لم يشكر الله، والتحدث بالنعمة ~~شكر ". ### | [94 - سورة الشرح] ### || [94.1-4] # { ألم نشرح لك صدرك }؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~شق بطنه من عند صدره إلى أسفل بطنه فاستخرج منه قلبه ~~فغسل في طشت من ذهب بماء زمزم، ثم ملئ إيمانا وحكمة وأعيد ~~مكانه، قال: وهذا معنى شرح الصدر. ويقال: إن شرح الصدر، ~~وترحيبه وتليينه؛ لاحتمال الأذى والصبر على المكاره، والطمأنينة ~~بالإيمان وشرائعه. وقيل: معناه: ألم نلين لك قلبك ~~ونوسعه بالإيمان والنبوة والعلم والحكمة. # قوله تعالى: { ووضعنا عنك وزرك }؛ أي حططنا عنك ms2284 ~~ذنبك، كما قال تعالى في آية أخرى # ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر # [الفتح: 2] وقوله تعالى: { الذي أنقض ظهرك }؛ أي أثقل ~~ظهرك، { ورفعنا لك ذكرك }؛ أي شرفناك وعظمنا قدرك بما ~~أوجبناه على خلقنا من التصديق بنبوتك. وقيل: معناه: قرنا ~~ذكرك بذكرنا، فلا يذكر الله إلا وتذكر معه في كلمة ~~الشهادة والأذان والخطبة وغير ذلك. ### || [94.5-6] # معناه إن مع الشدة التي أنت فيها من جهاد " هؤلاء " المشركين ~~رجاء أن يظفرك الله عليهم حتى ينقادوا للحق طوعا وكرها، { ~~إن مع العسر يسرا } لتأكيد الوعد وتعظيم الرخاء. ~~وقيل: معناه: فإن مع العسر يسرا في الدنيا، إن مع العسر ~~يسرا في الآخرة. # وقيل: إن هذه الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ~~فيما كانوا فيه من الشدة والفقر، يقول: إن مع الشدة رخاء ~~وسعة. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزلت هذه الآية ~~قال لأصحابه: # " أبشروا فقد آتاكم الله اليسر، لن يغلب عسر ~~يسرين ". # وإنما قال ذلك؛ لأن العسر معرفة، و(يسرا) نكرة، والمعرفة إذا ~~أعيدت كان الثاني هو الأول، والنكرة إذا أعيدت كان الثاني غير ~~الأول، واليسر الأول هو اليسر في الدنيا يعقب العسر، واليسر ~~الثاني هو اليسر في الآخرة بالثواب، يقول الرجل لصاحبه: إذا اكتسبت ~~درهما فأنفق درهما، يريد بالثاني غير الأول، فإذا فقال: إذا ~~اكتسبت درهما فأنفق الدرهم، فالثاني هو الأول. # وعن ابن مسعود قال: ((والذي نفسي بيده، لو كان العسر ~~في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه، إنه لن ~~يغلب عسر يسرين)). ### || [94.7-8] # قوله تعالى: { فإذا فرغت فانصب }؛ أي إذا فرغت من ~~أمور الدنيا فانصب لما أمرت به من الإبلاغ والعبادة. وعن الحسن ~~أنه قال: ((فإذا فرغت من الجهاد فانصب للعبادة)) ~~أي اتعب لها. وعن عمران بن الحصين أنه قال: ((إذا فرغت من ~~الصلاة فاتعب للدعاء، وسله حاجتك، وارغب ~~إليه)). وقوله { فانصب } من النصب والدؤب في العمل. وقوله ~~تعالى: { وإلى ربك فارغب }؛ أي ارفع حوائجك إلى ربك، ولا ~~ترفعها إلى أحد من خلقه. ### | [95 - سورة ms2285 التين] ### || [95.1] # هذا قسم برب التين والزيتون، وجوابه # لقد خلقنا الإنسان # [التين: 4]. وسئل ابن عباس عن التين والزيتون فقال: ((هو ~~تينكم هذا)). # وفي تخصيص التين من بين سائر الفواكه أنه ثمر شجرة مثل الخبيص ~~على مقدار اللقمة، ظاهره مثل باطنه، وباطنه مثل ظاهره، لا يخالطه ~~قشر، ولا نوى على صفة ثمار الجنة. والزيتون ثمر شجرة يعصر ~~منها الزيت بما فيه من الطيب، وإصلاح الغداء في أكثر الأطعمة مع ~~الاصطباح به والادهان به. وعن قتادة قال: ((التين هو دمشق، ~~والزيتون هو بيت المقدس))، وقال القتيبي: ((هما ~~جبلان بالشام، يقال لهما طور تينا وطور زينا؛ ~~لأنهما ينبتانهما)). ### || [95.2] # هو الجبل بمدين الذي كلم الله تعالى بها موسى عليه السلام، ~~وسينين وسيناء من أسماء ذلك الجبل، وعن السدي أنه قال: ((معنى ~~سينين الشجر)). # ويقال: معناه: المبارك. وعن عكرمة: ((أن معناه الجبل في ~~الشتاء؛ لأنه كثير النبات والأشجار)). ### || [95.3] # يعني مكة؛ لأن أهلها في أمن من الغارة، وكانوا إذا سافروا لم ~~يتعرض لهم لحرمة الحرم، والصيد في الحرم آمن، ومن قتل ~~قتيلا، ثم لجأ إلى الحرم لم يقتص منه في الحرم. ### || [95.4] # أي في أحسن صورة واعتدال على أحسن صورة وهيئة، وعلى كمال في ~~العقل والفهم، وذلك أن الله خلق كل شيء منكبا على وجهه إلا ~~الإنسان. وقيل: خلقنا الإنسان مديد القامة يتناول ما يأكله ~~بيده. ### || [95.5-6] # قوله تعالى: { ثم رددناه أسفل سافلين }؛ أي ~~رددناه إلى أرذل العمر، وإلى حال الهرم وفقد العقل بعد ~~الشباب والقوة. وقال بعضهم: معناه: رددناه إلى أسفل دركات ~~النار في أقبح صورة. # ثم استثنى المؤمنين المطيعين، فإنهم لا يردون إلى أسفل ~~سافلين، ويجوز أن يكون هذا استثناء منقطعا بمعنى لكن، { إلا ~~الذين ءامنوا وعملوا الصلحت }؛ أي الطاعات فيما ~~بينهم وبين ربهم، { فلهم أجر غير ممنون }؛ أي ثواب غير ~~مقطوع؛ أي لا ينقطع ثوابهم بموتهم. # وفي الحديث: # " إن المؤمن إذا عمل في حال شبابه وقوته، ثم ~~مرض أو هرم، كتب الله له حسناته، كما كان يعمل ~~في حال شبابه وقوته، ms2286 لا ينقص منه شيء ". # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " إذا مات المؤمن فدفن في قبره قال ملكان: يا ~~رب قد مات عبدك فلان، فأذن لنا أن نصعد إلى ~~السماء فنسبحك، فيقول الله تعالى: سمائي مملوءة ~~من ملائكتي يسبحونني، فيقولون: يا رب فأين ~~تأمرنا؟ فيقول: قوما على قبر عبدي فسبحاني ~~وكبراني واحمداني وهللاني، واكتبا ثواب ذلك ~~لعبدي حتى أبعثه من قبره ". ### || [95.7] # أي ما يحملك على التكذيب أيها الكافر بعد هذا البيان من الله ~~تعالى بمجازاة الله في الآخرة. وقيل: معناه: ما يكذبك أيها ~~الإنسان بعد الصورة الحسنة والشباب، ثم الهرم والموت والحساب، أفلا ~~تعتبر بحالك لتعلم أن الذي خلقك قادر على أن يبعثك. ### || [95.8] # أي أليس الله بأفضل الفاضلين وأعدل العادلين، وكان صلى الله عليه ~~وسلم إذا قرأ السورة قال: # " بلى يا رب أنت أحكم الحاكمين، وأنا على ذلك من ~~الشاهدين ". ### | [96 - سورة العلق] ### || [96.1] # قالت عائشة رضي الله عنها: # " أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من ~~الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، كان لا يرى ~~رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. ثم حبب إليه ~~الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتعبد فيه حتى ~~جاءه الحق وهو في غار حراء. # فجاءه جبريل فقال له: اقرأ، فقال: " ما أنا ~~بقارئ " قال: " فأخذني فغطني حتى أخذ مني الجهد ~~ثم أرسلني، فقال لي: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، ~~فأخذني فغطني الثانية كذلك ثم أرسلني، فقال ~~لي: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فغطني الثالثة ثم ~~أرسلني فقال لي: { اقرأ باسم ربك الذي خلق * ~~خلق الإنسان من علق }. فرجع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يرجف فؤاده، فدخل على خديجة فقال: " ~~زملوني زملوني " ، فزملوه حتى ذهب عنه ~~الروع، فأخبر خديجة بالخبر وقال: " خشيت على ~~نفسي ". # فانطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل وهو ابن ~~عمها، وكان امرءا تنصر في الجاهلية، وكان ~~يكتب من الإنجيل بالعبرانية، وكان شيخا كبيرا ~~قد ضعف بصره، فقالت له خديجة: يا ابن عم ~~اسمع من ms2287 ابن أخيك، فقال له ورقة بن نوفل: يا ~~ابن أخي ماذا رأيت؟ فأخبره بما رأى، فقال ورقة: ~~هذا هو الناموس الذي نزل على موسى، فيا ليتني ~~أكون حيا حين يخرجك قومك، فقال صلى الله عليه وسلم: " ~~أومخرجي هم؟! " قال: لم يأت أحد بمثل ما جئت ~~به إلا عودي وأوذي، وإن يدركني يومك أنصرك ~~نصرا مؤزرا. ثم إن ورقة لم يدرك وقت الدعوة ~~أن توفي ". # واختلفوا في الباء في قوله { باسم ربك } قال بعضهم: هي ~~زائدة؛ وتقديره: اقرأ اسم ربك، كما يقال: قرأت بسورة كذا. وقال ~~بعضهم: افتح القراءة بسم الله. وقيل: معناه: اقرأ القرآن ~~بعون الله وتوفيقه. وقوله تعالى { الذي خلق } أي خلقك. ~~وقيل: خلق الأشياء كلها. ### || [96.2] # قال بعضهم: أراد به آدم، خلقه من طين يعلق باليد. وقال بعضهم: ~~الإنسان هذا اسم جنس، والعلق جمع العلقة، وهي الدم الخاثر ~~المنعقد الذي يضرب إلى السواد. ### || [96.3] # أي اقرأ القرآن في صلاتك وتبليغك إلى الناس وربك الأعظم الذي ~~يعطي من النعم ما لا يقدر على مثله غيره. ويجوز أن يكون ~~الإكرام هاهنا أنه تعالى يعينه على حفظ القرآن وتبليغه، ويثيبه ~~على ذلك جزيل الثواب. وقيل: الأكرم الحليم على جهل العباد، فلا ~~يعجل عليهم بالعقوبة. ### || [96.4] # أي الذي علم الملائكة ما في اللوح المحفوظ، وأضيف إلى القلم؛ ~~لأنه هو الذي كتب ما في اللوح. وقيل: معناه: الذي علم ~~الناس علم الكتابة بالقلم، وهو نعمة عظيمة، ولولا القلم لضاعت ~~الحقوق ودرست العلوم واختلت أمور المعايش. ### || [96.5] # أي علم آدم الأسماء كلها. وقيل: علم جميع الناس بالقلم ~~من أمر دينهم ما لم يعلموا من قبل. وقيل: الإنسان هاهنا محمد ~~صلى الله عليه وسلم، بيانه # وعلمك ما لم تكن تعلم # [النساء: 113]. ### || [96.6-7] # قوله تعالى: { كلا إن الإنسان ليطغى }؛ أي حقا ~~إن الإنسان الذي خلقه الله من علق وتمم نعمته عليه ليطغى ~~بأنعم الله، ويتكبر على توحيده، ومعنى { ليطغى } ليتجاوز ~~حده، فيستكبر على ربه، { أن رآه استغنى } ، أن رأى نفسه ~~مستغنيا بكثرة ماله. روي: # " أن هذه ms2288 الآية نزلت في أبي جهل، وكان صلى الله عليه وسلم يقول: " ~~أعوذ بك من فقر ينسي، ومن غنى يطغي " ". ### || [96.8] # فيه تخويف بالرجعة إلى الآخرة للحساب؛ أي إن إلى ربك المرجع في ~~الآخرة. ### || [96.9-10] # نزلت في أبي جهل نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة حين ~~فرضت عليه، وكان يؤذيه، ويعبث به حتى يشغله عن الصلاة، وكان ~~يهدد النبي صلى الله عليه وسلم وكان يقول: إذا رأيت محمدا ~~يصلي توطأت عنقه، وهذه الآية متروكة الجواب، معناه: أرأيت يا ~~محمد الذي ينهى عن الصلاة لا تراه يفلح. ### || [96.11-12] # قوله تعالى: { أرأيت إن كان على الهدى }؛ معناه: ~~أرأيت أيها الناهي إن كان المنهي عن الصلاة على الهدى، { أو ~~أمر } ، الخلق، { بالتقوى } ، أكنت تنهاه وتعاديه على ذلك. ~~وقيل: معناه: أرأيت - يا محمد - إن كان الناهي على الهدى، ~~أو أمر بالتقوى، أليس كان خيرا له. ### || [96.13-14] # قوله تعالى: { أرأيت إن كذب وتولى }؛ معناه: ~~أخبرني يا محمد إن كذب أبو جهل بالقرآن، وتولى عن الإيمان؛ أي ~~أعرض عنه، { ألم يعلم بأن الله يرى }؛ ألم يعلم أبو ~~جهل أن الله يرى صنعه. ### || [96.15] # قسم من الله تعالى: لئن لم يمتنع أبو جهل عن مقالته وصنعه ~~لنأخذن بمقدم شعر رأسه، ولنأمرن بجذبه إلى النار، والسفع ~~في اللغة: هو الجذب الشديد، والعرب لا تأنف من شيء أنفها من ذكر ~~الناصية. وقيل: معنى السفع الإحراق، واللفح نظيره، ~~والمعنى: لنحرقن موضع ناصيته، وقال الحسن: ((معناه: ~~لنجمعن ناصيته وقدميه)) كما قال تعالى # فيؤخذ بالنواصي والأقدام # [الرحمن: 41]. ### || [96.16] # إبدال الاقدام النكرة من المعرفة، والمراد بالناصية هاهنا صاحب ~~الناصية كاذب خاطئ، يأكل رزق الله، ويعبد غيره. ### || [96.17-18] # قال ابن عباس: # " لما قال أبو جهل للنبي صلى الله عليه وسلم: ألم ~~أنهك عن الصلاة، انتهره النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأغلظ له وتهدده، فقال أبو جهل: أتهددني ~~وأنا أكبر أهل الوادي، والله لأملأن عليك الوادي ~~خيلا جردا ورجالا مردا " # ، فأنزل الله تعالى { فليدع ناديه * سندع الزبانية ~~} أي فليدع قومه وعشائره ليعاونوه، سندع الزبانية ms2289 ليأخذوه. # والنادي في اللغة: المجلس، والمراد بالمجلس هاهنا أهل المجلس. ~~والزبانية: هم الملائكة الموكلون بتعذيب أهل النار، واحدهم زبن، ~~والزبن الدفع، يقال: زبنت الناقة الحالبة إذا ركضته ~~برجلها، قال صلى الله عليه وسلم: # " لو نادى ناديه لأخذته الزبانية عيانا ". ### || [96.19] # هذا قسم من الله، ويجوز أن يكون معناه: ليس كما يقول أبو جهل، ~~لا تطعه فيما يأمرك به من ترك الصلاة، وصل لله واقترب إلى ~~رحمته بالسجود على رغم من ينهاك عنه. # روي: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد هذه السورة، ~~فأتاه أبو جهل ليؤذيه على عادته، فوجده يقرأ هذه السورة، ~~فخاف وانصرف. فقيل له: أخفته؟! وما الذي منعك أن تفعل به ما ~~هممت به؟ قال: وجدت عنده حارسا يحرسه، وسمعته يهددني ~~بالزبانية، أما الحارس فهو فحل أهوى إلي أراد أن يأكلني، ~~والله ما أدري ما زبانيته فهربت ". ### | [97 - سورة القدر] ### || [97.1] # معناه: إنا أنزلنا القرآن في ليلة القدر، والهاء في قوله { ~~أنزلناه } كناية عن المضمر المذكور في السورة التي قبل هذه ~~السورة، وهو القرآن، فإنه تقدم في أولها { اقرأ }؛ أي اقرأ ~~القرآن. ويجوز أن يكون معناه: إنا أنزلنا جبريل بهذا القرآن في ~~ليلة القدر في شهر رمضان. # وذلك أن القرآن أنزل جملة واحدة إلى السماء الدنيا إلى ~~الكتبة، ثم أنزل بعد ذلك نجوما في عشرين سنة - وقيل: ثلاث ~~وعشرين -. وسميت هذه الليلة ليلة القدر؛ لأنها ليلة الحكم والقضاء، ~~يقدر الله فيها كل شيء يكون في السنة إلى السنة، ومعنى ~~تقديره: أن يأمر الملائكة أن يكتبوه ويقرأوه. ### || [97.2-3] # قوله تعالى: { ومآ أدراك ما ليلة القدر }؛ تعجب ~~وتعظيم لحرمتها؛ أي ما أعلمك يا محمد ما شرف هذه الليلة لولا ~~أن الله أعلمك بذلك، { ليلة القدر خير من ألف ~~شهر }؛ أي العمل فيها خير من العمل في ألف شهر، وعلى هذا قالوا: ~~إن من صلى فيها ركعتين كان له ثواب من صلى ليالي ألف شهر ~~ركعتين، بل ثواب هاتين الركعتين أكثر من ثواب تلك الصلاة كلها. # وسبب نزول هذه ms2290 السورة: # " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر يوما لأصحابه: " أن ~~أربعة من بني إسرائيل وهم: أيوب وزكريا ~~وحزقيل ويوشع بن نون عبدوا الله ثمانين سنة لم ~~يعصوه فيها طرفة عين " ، فتعجب أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم من ذلك، فأتى جبريل فقال له: عجبت أمتك من عبادة ~~هؤلاء النفر ثمانين سنة لم يعصوا الله فيها طرفة عين، فقد أنزل ~~الله عليك خيرا منه، ثم قرأ { إنا أنزلناه في ليلة ~~القدر... } إلى آخرها، وقال: هذا أفضل مما عجبت منه أنت ~~وأمتك، فسرت الصحابة بذلك ". # وروي: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلا من بني ~~إسرائيل حمل السلاح على عاتقه في سبيل الله ألف شهر، ~~فعجب المسلمون من ذلك عجبا شديدا، وتمنى النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن يكون مثله في أمته، فأعطاه الله ليلة القدر. # واختلفوا في وقتها؛ فقال بعضهم: كانت على عهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ثم رفعت، والصحيح: أنها لم ترفع وأنها إلى يوم ~~القيامة، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قيل: له: هل ~~رفعت ليلة القدر؟ فقال: " بل هي إلى يوم ~~القيامة " # عن عبدالله بن حسن قال: قلت لأبي هريرة رضي الله عنه: زعموا أن ~~ليلة القدر قد رفعت، قال: ((كذب من قال)) قلت: أهي كل شهر ~~رمضان؟ قال: ((نعم)). # وقال بعضهم: هي في ليالي السنة كلها، وأن من علق طلاق ~~امرأته أو عتق عبده بليلة القدر لم يقع شيء من ذلك إلى مضي سنة من ~~يوم حلفه. والجمهور من العلماء: أنها في شهر رمضان في كل عام. ~~وسئل الحسن عن ليلة القدر فقال: ((والله الذي لا إله إلا ~~هو؛ إنها في كل رمضان)). # واختلفوا في أي ليلة هي، فقال أبو رزين العقيلي: ((هي أول ~~ليلة في شهر رمضان))، وقال الحسن: ((هي ليلة سبع ~~عشرة، وهي الليلة التي كانت صبيحة وقعة ~~بدر)). # والصحيح: أنها في العشر الأواخر من رمضان، وقال أبو سعيد الخدري: ~~((هي ليلة إحدى وعشرين))، وعن أبي بن كعب ms2291 قال عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " تحروا ليلة القدر من كل سبع وعشرين من ~~رمضان ". # وروي أن عمر قال لابن عباس: ((أخبرني برأيك في ليلة ~~القدر. فقال: إن الله وتر يحب الوتر، السماوات ~~سبع؛ والأرضون سبع؛ والطواف سبع؛ والرمي ~~للجمار سبع، فلا أراها إلا في سبع وعشرين من ~~رمضان)). # قال: ((وعدد حروف سورة القدر إلى قوله تعالى { ~~سلام } هي سبع وعشرون، فيجب أن تكون ليلة ~~سبع وعشرين))، وأراد بالحرف الكلمة، فقال له عمر: ((وافق ~~رأيي رأيك. ثم ضرب على منكبه فقال: ما أنت بأقل القوم ~~علما)). # وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: # " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة القدر: " من كان ~~متحريا فليتحرها في ليلة سبع وعشرين " # وعن أبي بن كعب قال: # " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بأذني وإلا فصمتا: " ~~أن ليلة القدر سبع وعشرين " ". # وقال أبو بكر الوراق: ((إنه قسم كلمات هذه السورة ~~على عدد ليالي رمضان، فلما بلغ إلى السابعة ~~والعشرين أشار إليها فقال: هي)). وقال بعضهم: هي ليلة ~~إحدى وعشرين. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " ليلة القدر ليلة السابع والعشرين أو التاسع ~~والعشرين، وأن الملائكة في تلك الليلة بعدد ~~الحصى " # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم: # " في الليلة من علامتها أنها ليلة سمحة لا ~~حارة ولا باردة، تطلع الشمس صبيحتها ليس لها ~~شعاع ". # وقال بعضهم: إن من علامتها أن ماء البحر فيها يكون عذبا ~~سلسا! # " وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا أدركت ليلة القدر فما أقول؟ قال: " ~~قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني " ~~". ### || [97.4] # قوله تعالى: { تنزل الملائكة والروح فيها }؛ أي ~~تنزل ملائكة السماوات السبع إلى السماء الدنيا وجبريل معهم، { ~~بإذن ربهم من كل أمر }؛ أمرهم الله به في تلك ~~الليلة. # وقد يقام حرف من مقام الباء، كما في قوله تعالى: # يحفظونه من أمر الله # [الرعد: 11] معناه: أي بأمر الله، فكذلك معنى { من ms2292 كل أمر } ~~أي بكل أمر قدره الله تعالى في تلك الليلة إلى مثلها من ~~السنة القابلة. ويقال: إن الملائكة ينزلون إلى الدنيا في تلك ~~الليلة، ويسلمون على المؤمنين على كل قائم وراكع وساجد إلى طلوع ~~الفجر. # قرأ طلحة بن مصرف (تنزل الملائكة) مخففا. والمراد ~~بالروح جبريل في قول أكثر المفسرين، وقال مقاتل: ((الروح ~~طائفة من الملائكة، لا تراهم الملائكة إلا ~~تلك الليلة، ينزلون من غروب الشمس إلى طلوع ~~الفجر)). وقيل: هو ملك عظيم. ### || [97.5] # قوله تعالى: { سلام هي }؛ تمام الكلام عند قوله تعالى { ~~من كل أمر } ، ثم ابتدأ فقال: { سلام هي } أي ليلة القدر، ~~سلامة هي؛ أي خير كلها ليس فيها شر، قال الضحاك: ((لا ~~يقدر الله في تلك الليلة إلا السلامة، فأما ~~الليالي غيرها فيقضي فيهن البلاء والسلامة)). ~~قال مجاهد: ((هي سالمة لا يستطيع الشيطان أن يعمل ~~فيها شرا ولا أذى)). وقال الشعبي: ((هو تسليم ~~الملائكة ليلة القدر على أهل المساجد من حين ~~تغيب الشمس إلى أن يطلع الفجر)). # وفي قراءة ابن عباس (من كل أمر سلام) معناه: من كل ~~ملك سلام على المؤمنين في هذه الليلة، وقيل: على هذه القراءة ~~أيضا أن (من) بمعنى (على)؛ تقديره: على كل امرئ من المسلمين سلام ~~من الملائكة، ونظيره قوله تعالى: # ونصرناه من القوم # [الأنبياء: 77] أي على القوم. # قوله تعالى: { حتى مطلع الفجر }؛ أي إلى مطلع ~~الفجر، و(حتى) حرف غاية، قرأ الأعمش والكسائي وخلف (مطلع) بكسر ~~اللام، وقرأ الباقون بفتحها وهو الاختيار؛ لأن المطلع بفتح اللام ~~بمعنى الطلوع، يقال: طلعت الشمس طلوعا ومطلعا، وأما المطلع ~~بكسر اللام، فإنه موضع الطلوع، ولا معنى للاسم ها هنا. # والحكمة في إخفاء ليلة القدر على العباد: أنهم لو عرفوها لقصدوها ~~بالعبادة، وأهملوا في سائر الليالي، وإذا لم يعرفوها بعينها عبدوا ~~الله في جميع ليالي شهر رمضان رجاء أن يدركوها. ### | [98 - سورة البينة] ### || [98.1-3] # { لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب }؛ وهم ~~اليهود والنصارى، { والمشركين }؛ وهم عبدة الأوثان، { ~~منفكين }؛ أي منتهين عن كفرهم وشركهم، وقيل: لم يكونوا ms2293 ~~زائلين، { حتى تأتيهم البينة }؛ الواضحة، وهي محمد ~~صلى الله عليه وسلم أتاهم بالقرآن، فبين ضلالتهم وجهالتهم ثم ~~دعاهم. # ثم فسر البينة فقال: { رسول من الله يتلوا صحفا ~~مطهرة }؛ من الباطل والتناقض، { فيها كتب قيمة }؛ أي ~~مستقيمة عادلة، ومعنى قوله تعالى { رسول من الله } يعني ~~محمدا صلى الله عليه وسلم { يتلوا صحفا مطهرة } أي ~~يقرأ عليهم ما تضمنته الصحف المطهرة من المكتوب، سميت ~~مطهرة؛ لأنها مطهرة من الباطل والتناقض، ولا يمسها إلا ~~المطهرون من الأنجاس وهم الملائكة، وأراد بها الصحف التي في ~~أيديهم كما قال # بأيدي سفرة * كرام بررة # [عبس: 15-16]، في تلك الصحف { كتب قيمة } أي مستقيمة في جهة ~~الصواب، لا تؤدي إلى اعوجاج، ولا تدل إلا على الحق؟ ### || [98.4-5] # قوله تعالى: { وما تفرق الذين أوتوا الكتاب ~~إلا من بعد ما جآءتهم البينة }؛ فيه تقريع لليهود ~~والنصارى، فإنهم ما اختلفوا في أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~إلا من بعد ما جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن والمعجزات، ~~{ ومآ أمروا إلا ليعبدوا الله }؛ أي ما أمر هؤلاء ~~الذين سبق ذكرهم من اليهود والمشركين في جميع كتب الله إلا أن ~~يعبدوا الله، { مخلصين له الدين }؛ في دينهم؛ { حنفآء ~~}؛ مائلين عن كل دين سوى الإسلام؛ وأن؛ { ويقيموا ~~الصلاة }؛ بحقوقها في مواقيتها، وأن؛ { ويؤتوا }؛ يعطوا؛ { ~~الزكاة }؛ المفروضة، { وذلك دين }؛ الله { القيمة }؛ أي ~~المستقيمة. ### || [98.6] # أي شر خليقة، ومنه برئ الله، والبرئة بالهمز هم الخليقة، ~~ومنه برأ الله الخلق، ومنه البارئ بمعنى الخالق، ومن قرأ بغير ~~الهمز كأنه ترك الهمز على وجه التخفيف. ### || [98.7-8] # قوله تعالى: { إن الذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات أولئك هم خير البرية }؛ أي خير ~~الخليقة، { جزآؤهم عند ربهم جنات عدن }؛ أي بساتين ~~إقامة، { تجرى من تحتها الأنهار }؛ الأربعة، { خالدين ~~فيهآ أبدا رضى الله عنهم }؛ بإيمانهم، { ورضوا ~~عنه }؛ بالثواب الذي أكرمهم الله به، { ذلك لمن خشي ~~ربه }؛ بامتثال أوامره، واجتناب معاصيه. ### | [99 - سورة الزلزلة] ### || [99.1] # وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قيام الساعة متى ~~يكون، فأنزلت هذه ms2294 السورة لبيان أشراطها وصفاتها. والزلزلة ~~هي الحركة الشديدة، ونظير هذا قوله تعالى: # إذا رجت الأرض رجا # [الواقعة: 4]، وذلك أن الأرض تحرك يومئذ حركة شديدة حتى يتقطع ~~جميع ما فيها من بناء وجبل وشجر، حتى يدخل فيها كل ما على ~~وجهها. ### || [99.2] # أي لفظت الأرض عند ذلك ما فيها من الأموات والأموال، قال الله ~~تعالى: # وألقت ما فيها وتخلت # [الانشقاق: 4]. وفائدة إلقاء الكنوز وإظهارها أن تتحسر عليها ~~نفوس الذين كنزوها، وأن يعذبوا بها، كما قال الله تعالى: # يوم يحمى عليها في نار جهنم # [التوبة: 35]. ### || [99.3-5] # قوله تعالى: { وقال الإنسان ما لها }؛ الإنسان هاهنا ~~اسم جنس أريد به الذين يخرجون من جوفها، يقول كل منهم ما للأرض ~~وما حالها؟ ولأي شيء زلزالها؟ قوله تعالى: { يومئذ ~~تحدث أخبارها }؛ أي يومئذ تخبر الأرض بما عمل على ظهرها ~~من خير، أو شر عبرة للمتفكر فيها، تقول في المؤمن: صلى علي ~~وحج وصام، فيفرح المؤمن، وتقول في الكافر: أشرك علي وسرق ~~وزنا وشرب الخمر، فيحزن، وذلك الإخبار بأن الله ألهمها وأنطقها، ~~كما أنطق الله الجوارح. قوله تعالى: { بأن ربك ~~أوحى لها }؛ أي أذن لها وأمرها. ### || [99.6] # قوله تعالى: { يومئذ يصدر الناس أشتاتا }؛ أي ~~يصدرون من قبورهم متفرقين إلى أرض المحشر فرقا فرقا أهل كل ~~دين على حدة، فيسار بهم إلى موضع الحساب. قوله تعالى: { ~~ليروا أعمالهم }؛ من كتبهم التي تسجل أعمالهم فيها. ~~وقيل: يرجعون من موضع الحساب متفرقين ليروا جزاء أعمالهم، ~~فريق في الجنة وفريق في السعير. ### || [99.7-8] # اختلفوا في مثقال الذرة، قال بعضهم: هو ما يقع في الكون من شعاع ~~الشمس من الهباء، وقال بعضهم: هي النملة الحمراء الصغيرة، وذلك أن ~~قوما كانوا لا يرون أنهم يؤجرون على قليل من الخير، ولا يعاقبون ~~على قليل من الشر، فأنزل الله هذه، وحثهم على كل خير قل أو ~~كثر، وحذرهم من كل شر قل أو كثر، كما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: # " اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا ~~فبكلمة طيبة ". ### | [100 ms2295 - سورة العاديات] ### || [100.1] # أقسم الله تعالى بالخيول العاديات في سبيله إكراما للغزاة، ~~ولله أن يقسم بما شاء من خلقه، وليس لنا أن نقسم إلا به. ~~والضبح حمحمة الخيل، وما يسمع من أصوات أنفاسها إذا ~~عدت. # وعن علي رضي الله عنه: ((أن المراد بالعاديات الذاهبة ~~إلى العدو، يوم بدر قال: ولم يكن معدا ~~يومئذ إلا فرس واحد ركبها المقداد)). وانتصب ~~قوله { ضبحا } على المصدر تقديره: والعاديات تضبح ضبحا. ### || [100.2] # أي فالمظهرات بسنابكها النار بوطئها بنعالها للحجارة، وبضربها ~~الحصى بعضها ببعض كنار القادح، والقدح والإيراء بمعنى واحد، ~~وتقديره: فالقادحات قدحا. ### || [100.3] # يعني الخيل تغير عند الصبح في سبيل الله، أضاف الإغارة إليها ~~وأراد بذلك ركابها، وذلك أنهم كانوا يسيرون إلى العدو ليلا ~~ويأتوهم صبحا. ### || [100.4-5] # قوله تعالى: { فأثرن به نقعا }؛ أي هجمت بالمكان ~~الذي انتهت إليه غبارا. وإنما لم يذكر المكان؛ لأن في الكلام دليلا ~~عليه، وذلك أن إثارة الغبار لا يكون إلا بمكان. قوله تعالى: { ~~فوسطن به جمعا }؛ أي دخلن في ذلك المكان في وسط جمع ~~المشركين للإغارة. ### || [100.6] # هذا جواب القسم هاهنا، والإنسان عبارة عن جنس الناس، وقيل: ~~المراد به الكافر، والكنود هو الكافر، الذي # " يمنع رفده، ويأكل وحده، ويجلد عبده " # وهكذا قال النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الكلبي: ((الكنود ~~بلسان معد: العاص))، وبلسان مضر وربيعة وقضاعة: الكفور، وبلسان ~~بني مالك: البخيل. وقال الحسن: ((يعد المصائب، وينسى ~~النعم)) وقال عطاء: ((الكنود الذي لا خير فيه)). ~~والأرض الكنود الذي لا تنبت ثانيا، وقيل: هو الحقود الحسود. ### || [100.7] # معناه: إن الله على صنع هذا الكنود وكفرانه لنعمه لشهيد ~~يحصي عليه أعماله. وقيل: معناه: إن الإنسان على نفسه ~~لشهيد، يشهد بذلك حاله في بخله، وإعراضه عما يجب عليه، فالهاء على ~~هذا القول راجعة للإنسان. ### || [100.8] # الضمير عائد على الإنسان، معناه: إن الإنسان في حقه، ويقال في ~~معناه: وإنه لحبه المال لبخيل، ويقال: رجل شديد إذا كان بخيلا. # قال ابن زيد: ((سمي المال خيرا وعسى أن يكون خبيثا ~~وحراما، ولكن الناس يعدونه خيرا، ms2296 وسمى المال ~~خيرا، وسمى الجهاد سوء، فقال # فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم ~~سوء # [آل عمران: 174])) أي فقال وليس هو عند الله سوء ولكن يسمونه سوء. ~~ومعنى الآية شأنه من أجل حب المال الشديد بخيل، ويقال للبخيل: شديد ~~ومتشدد، قال طرفة: # أرى الموت يعتام الرجال ويصطفي # عقيلة مال الفاحش المتشدد # والفاحش البخيل، قال الله تعالى: # ويأمركم بالفحشآء # [البقرة: 268] أي بالبخل. ### || [100.9-11] # قوله تعالى: { أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور }؛ ~~معناه: أفلا يعلم هذا الإنسان إذا بعث الموتى من قبورهم، { ~~وحصل ما في الصدور }؛ أي وأظهر ما في صدورهم من الخير ~~والشر والسخاء والبخل، { إن ربهم بهم يومئذ ~~لخبير }؛ أي عالم يعلم ما أسروه وما أعلنوه، ويجازيهم على ~~أعمالهم. # ولولا دخول اللام في جواب (إن) لجاءت مفتوحة لوقوع العلم عليها، ~~ولكن لما دخلت اللام كسرت (إن) على عادة العرب، كما في قوله ~~تعالى: # نشهد إنك لرسول الله # [المنافقون: 1]. # ويحكى: أن الحجاج غلط في قراءة هذه السورة فقال: (أن ~~ربهم) بالفتح، واستدرك الغلط من جهة العربية وحذف اللام فقال: ~~(خبير) فالتفت الحسن إلى أصحابه وقال: ((ألا تنظرون إلى ~~عدو الله يغير كتاب الله ليقوم لسانه!)). ### | [101 - سورة القارعة] ### || [101.1-3] # { القارعة }؛ القارعة من أسماء القيامة، سميت بذلك، لأنها ~~تقرع القلوب بالأهوال والأفزاع. والمعنى: ستأتيك القارعة، ويقال: ~~إن القارعة هي الصيحة العظيمة، وقوله تعالى: { ما القارعة }؛ ~~تفخيم لأمر القيامة، { ومآ أدراك ما القارعة } ، تقديره: ~~القارعة ما هي؟ وأي شيء هي؟ وما أعلمك ما هي لو لم أعلمك؟ ~~وهذا كما يقال: وأي فقيه؟. ### || [101.4] # معناه: يوم يموج الناس بعضهم في بعض حين يخرجون من قبورهم، ~~كالجراد الكثير المتفرق الذي يدخل بعضه في بعض، ويركب بعضه بعضا ~~يعني الغوغاء، وهي صغار الجراد، نظيره قوله تعالى: # يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر # [القمر: 7] وسمي الجراد فراشا؛ لأنه يتفرش حين يتفرق، ويقال ~~الفراش ما يطير حول السراج من البق ونحوه، وإنما شبه الناس ~~يومئذ بالفراش؛ لأنهم يذهبون في ذلك اليوم على وجوههم لا يدرون من ~~أين ms2297 يجيئون، ولا أين يذهبون. ### || [101.5] # معناه: تصير في ذلك اليوم بعد القوة والشدة كالصوف، والمنفوش: ~~المندوف، وذلك أوهى ما يكون من الصوف. ### || [101.6-7] # قوله تعالى: { فأما من ثقلت موازينه }؛ يعني ~~بالطاعات والحسنات، { فهو في عيشة راضية }؛ أي ذات رضى ~~يرضاها الله، وقيل: معنى { راضية } أي مرضية. ### || [101.8-9] # أي خفت من الأعمال الصالحة فمسكنه ومأواه الهاوية، يأوي إليها، ~~كما يأوي الولد إلى أمه. وقيل: يهوي على أم رأسه في النار ~~دركة من دركات النار. # واختلفوا في كيفية وزن الأعمال، فقال بعضهم: توزن صحائف ~~الحسنات في كفة، وصحائف السيئات في كفة. وقال بعضهم: يخلق الله ~~من الحسنات نورا يكون علامة للحسنات، فتوضع في كفة الحسنات، ~~ويخلق من السيئات ظلمة تكون علامة للسيئات، فتوضع في كفة ~~السيئات. # واختلفوا فيمن يزن الميزان، قال بعضهم: يتولاه ملك من ~~الملائكة موكل بالموازين. وقال بعضهم: يتولاه جبريل فيقف بين ~~الكفتين ويزن الأعمال، فمن رجحت حسناته على سيئاته نادى بصوت ~~يسمعه أهل الموقف: الآن فلان بن فلان، سعد سعادة لا شقاء ~~بعدها أبدا، ومن رجحت سيئاته على حسناته نادى الملك بصوت ~~يسمعه أهل الموقف: الآن فلان بن فلان، شقي شقاوة لا سعادة ~~بعدها أبدا. ### || [101.10-11] # قوله تعالى: { ومآ أدراك ما هيه }؛ أي ما أعلمك - يا ~~محمد - ما الهاوية لو لم أعلمك؟ وهذه الهاء تسمى هاء ~~السكت. وقوله تعالى: { نار حامية }؛ تفسير للهاوية؛ ~~ومعناه: نار قد تناهت حرارتها منتهاها. # ويروى: ((أن الفضيل بن عياض كان كلما افتتح ~~هذه السورة قطعته العبرة من شدة الهول، ~~ففارق الدنيا وما ختمها)). ### | [102 - سورة التكاثر] ### || [102.1-4] # { ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر }؛ أي ~~شغلتكم المباهاة والمفاخرة بكثرة المال والعدد عن طاعة ربكم حتى ~~متم ودفنتم في المقابر قبل أن تتوبوا، ويقال لمن مات: ~~زار حفرته، وتوسد لحده. هذا خطاب لمن حرص على الدنيا ~~وجمع أموالها وهو يريد التكاثر والتفاخر بها. # وقيل: إن هذه السورة نزلت في حيين من قريش؛ أحدهما: ~~بنو عبد مناف، والآخر: بنو سهم، فعدوا أيهم أكثر، فكثرهم ~~بنو عبد مناف، فقال ms2298 بنو سهم: إنما أهلكنا البغي في الجاهلية، ~~فعدوا أمواتنا وأمواتكم وأحياءنا وأحياءكم، فتعادوا فكثرهم ~~بنو سهم، فأنزل الله هذه السورة تهديدا لهم. والمعنى: شغلكم ~~التفاخر بالأنساب والمناقب عن توحيد الله حتى عددتم الموتى في ~~المقابر. # ثم زاد في وعيدهم فقال: { كلا سوف تعلمون }؛ أي حقا سوف ~~تعلمون ماذا تلقون من العذاب عند الموت وفي القبر، { ثم كلا ~~سوف تعلمون }؛ أي ثم حقا سوف تعلمون ماذا تلقون في ~~الآخرة من عذابها، ولا بد أن يكون المراد بهذا الثاني غير المراد ~~الأول، وكيف يكون هذا تكرارا، وقد دخل بينهما حرف (ثم) التي هي ~~للتراخي. ### || [102.5] # قال بعضهم: جواب هذا محذوف؛ أي حقا لو علمتم ماذا ينزل بكم في ~~الآخرة علم اليقين لما تفاخرتم في الدنيا، وما ألهاكم ~~التكاثر. ### || [102.6-8] # قوله تعالى: { لترون الجحيم }؛ أي لترون الجحيم ~~في الموقف إن متم على هذا، { ثم لترونها عين اليقين ~~}؛ معاينة، إذا دخلتموها، وتشاهدون في الآخرة كل ما شككتم فيه ~~في الدنيا، { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم }؛ ثم ~~لتسألن يوم القيامة عن اشتغالكم بنعيم الدنيا حتى تركتم ما ~~لزمكم من الفرائض. # واختلفوا في هذا السؤال، قال بعضهم: هو سؤال توبيخ وتقريع ~~للكفار في النار، يقال للكافر وهو في النار: أين ذهب تفاخرك ~~وملكك ومملكتك وعددك، ويؤيد هذا ما روي: # " أن أبا بكر رضي الله عنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن أكلة أكلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيت ~~أبي الهيثم بن التيهان الأنصاري من لحم وخبز ~~شعير وماء عذب وبسر قد ذنب، فقال: يا نبي ~~الله أتخاف علينا أن يكون علينا من النعيم الذي ~~نسأل عنه؟ فقال صلى الله عليه وسلم: " إن ذلك للكفار، ~~ثم ثلاث لا يسأل الله العبد عنهم يوم ~~القيامة: ما يواري به عورته، وما يقيم به صلبه، ~~وما يكنه من الحر والبرد. وهو مسؤول بعد ~~ذلك عن كل نعمة " ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " ما أنعم الله على عبد من نعمة صغيرة أو كبيرة ~~فقال عليها: الحمد ms2299 لله، إلا أعطي خيرا مما أخذ ~~". # وعن أنس قال: # " جاء جبريل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له ~~جبريل: من يستطيع أن يؤدي شكر ما أنعم الله ~~عليه؟ قال: " من علم أن تلك النعمة من قبل ~~الله فقد أدى شكرها " ". # وسئل ابن مسعود عن النعيم المذكور في هذه الآية فقال: ((الأمن ~~والصحة))، وسئل علي رضي الله عنه عن ذلك فقال: ((خبز ~~الشعير، والماء القراح)). ويقال: إنه بارد الشراب، ~~وظل المساكن، وشبع البطون. ويقال: يسأل عن الماء البارد في ~~شدة الحر، وعن الماء الحار في شدة البرد. # وهذا كله محمول على ما إذا تشاغل بشيء من هذه المباحات، فترك بها ~~واجبا عليه، وأما إذا لم يكن ذلك، فإنه لا يسأل عنها ولا يحاسب ~~عليها. # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " النعيم الماء البارد والرطب " # وقال عبدالله ابن عمر: ((هو الماء البارد في الصيف)). ~~وفي الخبر المأثور: # " أن أول ما يسأل الله العبد يوم القيامة أن ~~يقول له: " ألم نصح لك جسمك؟ ألم أروك من ~~الماء البارد؟ " ". # وقال صلى الله عليه وسلم: # " " إذا شرب أحدكم الماء، فليشرب أبرد ما يقدر ~~عليه " قيل: ولم؟ قال: " لأنه أطفأ للمرء، ~~وأنفع للعلة، وأبعث للشكر " # وقال أبو حاتم: ((الماء البارد يستخرج الحمد من ~~وسط القلب)). # وقال رجل للحسن: إن لنا جارا لا يأكل الفالوذج ~~ويقول: ما أقوم بشكره، فقال: ((ما أجهل جاركم ~~هذا! إن نعمة الله بالماء البارد أكثر من نعمة ~~تجتمع عليها الحلواء)). # عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # " من أكل خبز البر وشرب الماء البارد وكان له ~~ظل، فذاك النعيم الذي يسأل عنه ". # وعن ابن عباس قال: # " لما نزلت { ثم لتسألن يومئذ عن النعيم } ~~قالت الصحابة: يا رسول الله وأي نعيم نحن فيه، ~~وإنما نأكل في أنصاف بطوننا الشعير؟! فأوحى ~~الله إليه: " أن قل لهم: أليس تجدون النعال ~~وتشربون الماء البارد؟ فهذا من النعيم " ". # وعن أنس قال: # " جاء رجل فقال: يا رسول الله هل ms2300 علي من ~~النعمة شيء؟ قال: " نعم؛ التنعل، والظل، ~~والماء البارد " ". # وقيل: يسأل الله العباد يوم القيامة عن خمس: شبع البطون، ~~وبارد الشراب، ولذة النوم، وظل المساكن، واعتدال الخلق. وعن ~~إبراهيم النخعي: ((من أكل فسمى، وفرغ فحمد الله ~~تعالى، لم يسأل عن نعيم ذلك الطعام)). # وقال ابن عباس: ((النعيم صحة الأبدان والاستماع ~~والإبصار، ويسأل الله العباد فيما استمعوه، وهو ~~قوله تعالى: # إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان ~~عنه مسؤولا # [الإسراء: 36])). # وقيل: إن من نعمة الله على عباده الأكل والشراب، وتسهيل خروج ~~الأخبثين، قال بكر بن عبدالله: ((يا لها من نعمة! يأكل ~~متلذذا ويخرج ذلك سهلا)). ### | [103 - سورة العصر] ### || [103.1] # معناه: والدهر، أقسم الله بالدهر في تردده وتقلبه لما ~~فيه من الدلالة على وحدانية الله، ويجوز أن يكون المراد به: ورب ~~العصر، وقال بعضهم: المراد بالعصر العشي، وفائدة ذكره: ما فيه من ~~الدلالة على توحيد الله من إقبال الليل، وإدبار النهار، وذهاب ~~سلطان الشمس. ### || [103.2] # هذا جواب القسم، والإنسان ها هنا جنس أراد به جميع الناس، ولذلك ~~استثنى منهم المؤمنين المطيعين. وقيل: المراد بالإنسان ها هنا ~~الكافر بخسره نفسه وماله وأهله ومنزله وخدمه في الجنة، ~~ويرثه المؤمن. # ويقال: معنى الخسر ها هنا نقصان العمر، كل إنسان رأس ماله " ~~العمر " ، والمؤمن وإن كان ينقص من عمره الذي هو رأس ماله، فإنه ~~يربح عليه بالطاعة فلا يعد ذلك خسرانا؛ لأنه لا يتوصل إلى ~~الربح إلا بإخراج رأس المال من يده، فمعنى الخسران لا يتحقق إلا ~~في الكافر. # وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من استوى يوماه فهو مغبون، وإن كان يومه ~~خيرا من أمسه فهو مغبوط، ومن كان يومه شرا ~~من أمسه فهو ملعون، ومن لم يكن في الزيادة ~~فهو في النقصان، ومن كان في النقصان فالموت ~~خير له من الحياة ". ### || [103.3] # فهؤلاء هم الذين يتمسكون بما يؤديهم إلى الفوز بالثواب، والنجاة ~~من العقاب، فإنهم لا يقصرون على طاعة أنفسهم بل يحثون غيرهم على ~~الطاعة ليقتدى بهم وليكونوا سببا ms2301 في طاعة غيرهم. وقوله ~~تعالى: { وتواصوا بالحق } أي أوصى بعضهم بعضا باتباع ~~القرآن، وطاعة الله، { وتواصوا بالصبر } على الشدائد في ~~ذات الله. # وعن أبي بن كعب قال: قرأت على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم { والعصر } فقلت: يا رسول الله ما تفسيرها؟ ~~فقال: " أقسم ربك بآخر النهار { إن الإنسان } ~~وهو أبو جهل { لفى خسر } ، { إلا الذين آمنوا } ~~يعني أبا بكر الصديق { وعملوا الصالحات } يعني ~~عمر بن الخطاب، { وتواصوا بالحق } يعني عثمان ~~بن عفان، { وتواصوا بالصبر } يعني علي بن أبي ~~طالب " رضوان الله عليهم أجمعين. ### | [104 - سورة الهمزة] ### || [104.1] # قال ابن عباس: ((نزلت في الأخنس ابن شريق، كان ~~يهمز الناس ويلمزهم مقبلين ومدبرين)). وقال ~~مقاتل: ((نزلت في الوليد بن المغيرة)). وحرف (كل) ~~يقتضي أن هذا الوعيد لكل كافر يغتاب الناس ويعيبهم. والويل ~~كلمة تقولها العرب في كل من وقع في هلكة، ويقال: إنه واد في ~~جهنم مملوء من القيح والصديد مما يسيل من أهل النار. # والهمزة: الطاعن على غيره بغير حق بالسفه والجهل، ~~واللمزة: المغتاب المعياب، وعن أبي العالية قال: ~~((الهمزة: الذي يلمز من خلف، واللمز: هو ~~العيب، قال الله تعالى: # ولا تلمزوا أنفسكم # [الحجرات: 11] أي لا يعيبن بعضكم على بعض)). وقال ابن عباس: ~~((الهمزة اللمزة: هم المشاءون بالنميمة ~~المفرقون بين الأحبة)). # وقيل: الهمزة: الذي يأكل لحوم الناس ويغتابهم، واللمزة: ~~الطعان عليهم. وقيل: اللمزة: الذي يكرم الناس بلسانه ~~ويهمزهم بعينه، وقال ابن كيسان: ((الهمزة: الذي يؤذي ~~جليسه بسوء اللفظ، واللمزة: الذي يكسر عينه ~~على جليسه، ويشير برأسه، ويومئ بعينيه، ويرمز ~~بحاجبه)). ### || [104.2] # قرأ ابن كثير وأبو عامر ونافع وعاصم (جمع) بتخفيف الميم، وقرأ ~~غيرهم بالتشديد، ومعنى الآية: الذي جمع مالا كثيرا من الحرام ~~وعدده لنوائب دهره. وقيل: عده وأحصاه وأحرزه، وقرأ ~~الحسن (وعدده) بالتخفيف؛ أي جمعه وعدده؛ أي وخدمه واتباعه، ~~تقول العرب: جمعت الشيء إذا كان متفرقا، وجمعت الشيء ~~بالتشديد إذا أكثرت الجمع منه. ### || [104.3] # معناه: يحسب هذا الكافر الطاعن اللعان أن كثرة ماله ~~تخلده وتبقيه؟ أي يعمل عمل من يظن ms2302 أن ماله يبقيه؟ ### || [104.4] # قوله تعالى: { كلا }؛ أي حاشا أن يخلد أحد في الدنيا. ~~ويجوز أن يكون معناه: حقا؛ { لينبذن في الحطمة }؛ أي ~~ليطرحن فيها، وقرأ الحسن (لينبذان) أي ليطرحان هو وماله. ~~والحطمة: اسم دركة من دركات النار، سميت بذلك؛ لأنها كثيرة ~~الحطم للكفار، وأصل الحطم الكسر، يقال: رجل حطمة إذا كان ~~كثير الأكل. ### || [104.5-7] # قوله تعالى: { ومآ أدراك ما الحطمة }؛ تفخيم ~~لشأنها، وقوله تعالى: { نار الله الموقدة }؛ أي لا ~~تخمد أبدا، وقوله تعالى: { التي تطلع على ~~الأفئدة }؛ أي تشرف على القلوب، تأكل كل شيء من الجلود ~~واللحوم والعظام والعروق حتى يبلغ إحراقها إلى القلوب. ### || [104.8-9] # قوله تعالى: { إنها عليهم مؤصدة }؛ أي إن ~~الحطمة عليهم؛ أي على الكفار مطبقة الأبواب مغلقة لا تدخل فيها ~~روح، ولا يخرج منها غمها. قوله تعالى: { في عمد ~~ممددة }؛ قرأ أهل الكوفة (عمد) بضمتين، وقرأ غيرهم ~~بالنصب، واختاره أبو عبيد لقوله تعالى # رفع السماوات بغير عمد ترونها # [الرعد: 2]، والعمد والعمد جمع عمود، قال الفراء: ((هو ~~جمع عماد، وهو الاسطوانة))، والمعنى: تمد أيديهم ~~وأرجلهم إلى عمد ممدودة في النار، وتجعل في أعناقهم السلاسل؛ ~~ليكون ذلك زيادة في تعذيبهم. ### | [105 - سورة الفيل] ### || [105.1] # وذلك أن فئة من قريش خرجوا تجارا إلى أرض النجاشي، ~~فساروا حتى دنوا من ساحل البحر، ثم نزلوا بحضرة بيت، وكان ذلك ~~البيت مصلى للنجاشي وقومه من النصارى، فأججوا نارا ~~استعملوها لبعض ما احتاجوا إليه، ثم رحلوا ولم يطفئوا تلك النار، ~~وكان ذلك في يوم عاصف، فهاجت الريح فاحترق البيت الذي كان مصلى ~~للنجاشي، وكانوا يعظمون ذلك البيت كتعظيم العرب الكعبة، فقصدوا ~~بذلك السبب مكة عازمين على تحريق بيت الله تعالى، ويستبيحوا أهل ~~مكة. # فبعث النجاشي أبرهة، فخرج أبرهة في سائر الحبشة، وخرج معه ~~بالفيل، فسمعت بذلك العرب، فأعظموه ورأوا جهاده حقا عليهم حين ~~سمعوا أنه يريد هدم الكعبة، فخرج إليه ملك من ملوك حمير يقال ~~له ذو نفر، فدعا قومه ومن أجابه من العرب إلى حرب أبرهة ~~وجهاده، فأجابه من أجابه فقاتله، فهزم ms2303 ذو نفر وأصحابه، ~~وأخذ ذو نفر أسيرا، فلما أراد أبرهة أن يقتله قال له ذو نفر: لا ~~تقتلني فإني عسى أن يكون بقائي معك خيرا لك من قتلي، فتركه ~~من القتل وحبسه معه في وثاق، وكان أبرهة رجلا حليما. # ثم مضى أبرهة على وجهه للذي يريد، حتى إذا كان بأرض خثعم عرض ~~له نفيل بن حبيب الخثعمي فقاتله فهزمه أبرهة، وأخذ نفيل ~~أسيرا وأتي به إلى أبرهة، فلما هم بقتله قال له: لا تقتلني ~~فإني دليلك في أرض العرب، فخلى سبيله، وخرج معه يدله. حتى ~~إذا مر بالطائف خرج إليه مسعود الثقفي في رجال من ثقيف، فقالوا ~~له: أيها الملك؛ إنما نحن عبيدك سامعون لك مطيعون، ليس لنا عندك ~~خلاف، وليس بيننا هذا الذي تريد هدمه - يعنون اللات - إنما تريد ~~البيت الذي بمكة، ونحن نبعث معك من يدلك عليه، فتجاوز عنهم، ~~واللات بيت لهم بالطائف كانوا يعظمونه نحو تعظيمهم الكعبة. # قال ابن اسحاق: فبعثوا معه أبا رغال يدله على الطريق إلى ~~مكة، فخرج أبرهة ومعه أبو رغال، فهنالك رجمت العرب قبره، ~~فهو القبر الذي يرجم بالمغمس، فلما نزل أبرهة بالمغمس بعث ~~رجلا من الحبشة يقال له: الأسود بن مقصود، على خيل له حتى انتهى إلى ~~مكة، فساق إليه أموال أهل يمامة من قريش وغيرهم، وأصاب فيها ~~مائتي بعير لعبد المطلب بن هاشم، وهو يومئذ كبير قريش وسيدها، ~~فهمت قريش وكنانة وهذيل ومن كان بذلك الحرم أن يقاتلوه، ثم ~~عرفوا أنه لا طاقة لهم به فتركوا ذلك. # وبعث أبرهة حناطة الحميري إلى مكة وقال له: سل عن سيد هذا ~~البلد وشريفهم، وقل له: إني لم آت لحربكم، إنما جئت لهدم هذا ~~البيت، فإن لم تعرضوا دونه بحرب فلا حاجة لي بدمائكم، فإن هو لم ~~يرد حربي فأتني به. # فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له: عبد ~~المطلب بن هاشم، فجاءه فقال له ما أمره أبرهة، فقال له عبد ~~المطلب: ما لنا به من طاقة ولا نريد حربه، ms2304 ولكن هذا بيت الله ~~وبيت خليله إبراهيم، فإن لم يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن لم ~~يحل بينه وبينه، فوالله ما عندنا دفع عنه. # فقال له حناطة: انطلق معي إليه، فإنه قد أمرني أن آتيه بك. ~~فانطلق معه عبد المطلب حتى أتى المعسكر، فسأل عن ذي نفر وكان له ~~صديقا حتى دخل عليه وهو في مجلسه، فقال: يا ذا نفر، هل عندك من ~~غنى فيما نزل بنا، فقال: وما غنى رجل أسير بيد ملك ينتظر أن ~~يقتله غدوا أو عشيا، ما عندي من غنى في شيء إلا أن ~~أنيسا سائس الفيل صديق لي، فسأرسل إليه وأوصيه بك، وأعظم ~~عليه حقك، وأسأله أن يستأذن لك الملك، ويكلمه بما يدنيك ~~إليه، ويشفع لك عنده بخير إن قدر على ذلك، فقال: افعل. # فبعث ذو نفر إلى أنيس فقال له: إن عبد المطلب سيد قريش ~~وصاحب عير مكة، يطعم الناس بالسهل، والوحش في رؤوس الجبال، ~~وقد أخذ له الملك مائتي بعير، فاستأذن له عليه واشفع له عنده بما ~~استطعت. فكلم أنيس أبرهة فقال: أيها الملك هذا سيد قريش ~~ببابك يستأذن عليك، وهو رجل يطعم الناس بالسهل، والوحش في ~~رؤوس الجبال، فأذن له حتى يدخل عليك فيكلمك في حاجته. # فأذن له أبرهة، وكان عبد المطلب من أوسم الناس وأجملهم، فلما ~~رآه أبرهة أجله وأكرمه عن أن يجلسه تحته، وكره أن تراه ~~الحبشة يجلس معه على سرير ملكه، فنزل أبرهة عن سريره، فجلس على ~~بساطه وأجلسه معه إلى جنبه، ثم قال لترجمانه: قل له اذكر ~~حاجتك، فقال له: حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير ~~أخذها. فلما قال له ذلك، قال له أبرهة: لقد كنت أعجبتني حين ~~رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني في مائتي بعير أخذتها لك، ~~وتترك شيئا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه فلم تكلمني فيه. # قال له عبد المطلب: إني أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا ~~سيمنعكه. قال: ما كان ليمتنع مني، قال: أنت وذاك. فرد أبرهة ~~على عبد المطلب ms2305 إبله، فأخذها ورجع إلى قومه، فأمرهم بالخروج من ~~مكة والتحرز في شعف الجبال والشعاب خوفا من معرة الجيش ~~إذا دخل. # ثم قام عبد المطلب فأخذ بحلقة باب الكعبة، وقام معه نفر من قريش ~~يدعون الله ويستنصرونه على أبرهة وجنده، فقال عبد المطلب وهو ~~آخذ بحلقة باب الكعبة: # لاهم إن العبد يم # نع رحله فامنع حلالك # لا يغلبن صليبهم # ومحالهم غدوا محالك # عمدوا حماك بجهلهم جهلا # وما رقبوا جلالك # إن كنت تاركهم وكعب # تنا فأمر ما بدا لك # ثم أرسل عبد المطلب حلقة الباب، وانطلق هو ومن معه من قريش إلى ~~شعف الجبال، فتحرزوا فيها ينتظرون ما أبرهة فاعل بمكة إذا ~~دخلها، فلما أصبح أبرهة تهيأ لدخول مكة، وهيأ فيله وعبأ ~~جيشه، وكان اسم الفيل محمودا، وأبرهة مجمع لهدم البيت. # فلما وجهوا الفيل إلى مكة أقبل نفيل بن حبيب حتى قام إلى جنب ~~الفيل، ثم أخذ بأذنه، فقال: ابرك محمودا أو ارجع راشدا من ~~حيث أتيت، فإنك في بلد الله الحرام. ثم أرسل أذنه، فبرك الفيل ~~وخرج نفيل يشتد حتى صعد الجبل، فضربوا الفيل ليقوم فأبى، ~~فضربوه في رأسه بالطبرزين وهو الكلاب ليقوم فأبى، فأدخلوا ~~محاجن لهم في مراقه فبزغوه بها ليقوم فأبى، فوجهوه راجعا ~~فقام يهرول، ووجهوه نحو الشام فغط مثل ذلك، ووجهوه إلى ~~المشرق ففعل مثل ذلك، ووجهوه نحو مكة فبرك، فجعل ~~كيدهم في تضليل، وأرسل عليهم طيرا من البحر ~~أمثال الخطاطيف، مع كل طائر منهم ثلاثة أحجار يحملها، ~~حجرا في منقاره وحجران في رجليه أمثال الحمص، لا تصيب أحدا ~~منهم إلا هلك، وليس كلهم أصابت. # وخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي جاءوا منها، ويسألون عن نفيل ~~بن حبيب ليدلهم على الطريق إلى اليمن، فقال نفيل حين رأى ما أنزل ~~الله بهم من نقمته: # أين المفر والإله الطالب # والأشرم المغلوب ليس الغالب # وكان أبرهة أشرم من ضربة ضربه إياها إرياط بحربة على جبهته، ~~فشرمت حاجبه وعينه وأنفه وشفتيه، فكان يسمى الأشرم من ~~حينئذ. # قال ابن اسحاق: فجعل عسكر أبرهة يتساقطون ms2306 من الحجارة بكل طريق، ~~ويهلكون على كل منهل، وأصيب أبرهة في جسده وخرجوا به معهم ~~تسقط أنامله أنملة أنملة، كلما سقطت أنملة منها تبعتها ~~مدة تمث قيحا ودما، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ ~~الطائر، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه. # فلما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم كان مما يعد الله ~~على قريش من النعم عليهم وفضله ما رد عنهم من أمر الحبشة لبقاء ~~أمرهم، فقال تعالى: { ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب ~~الفيل... } إلى آخرها. ### || [105.2] # معناه: ألم يجعل مكرهم في بطلان حيث لم ينتفعوا به. ### || [105.3] # قوله تعالى: { وأرسل عليهم }؛ من البحر؛ { طيرا ~~أبابيل }؛ أي كثيرة يتبع بعضها بعضا، وقيل: أقاطيع ~~كالإبل المؤبلة، والأبابيل: جماعة في تفرقة، زمرة لا واحد ~~لها عند أبي عبيدة والفراء، ويقال: واحدها أبول كما يقال عجول ~~وعجاجيل، ويجوز أن يكون واحدها إبيل، كما يقال: إكليل ~~وأكاليل. ### || [105.4] # أي بحجارة من طين مطبوخ خالصة، كما يطبخ الآجر. وقيل: ~~السجيل الشديد، كأنه قال: من شديد عذابه، وعن أبي صالح قال: ~~((رأيت في بيت أم هانئ بنت أبي طالب نحوا من ~~قفيز من تلك الحجارة سود مخططة بخطوط حمر ~~على قدر بعر الغنم، كأنها جزع ظفاري)). ### || [105.5] # أي جعلهم كورق الزرع الذي وقع فيه الدود فخرقه، وكان ابن ~~عباس يقول في صفة الطير الأبابيل: ((لها خراطيم ~~كخراطيم الطير، وأكف ككف الكلاب، وكان إذا وقع ~~الحجر على رأس الإنسان منهم خرج من دبره)). # واختلفوا في تاريخ عام الفيل، فقال الكلبي: ((كان قبل ~~مولد رسول الله صلى الله عليه وسلم بثلاث وعشرين ~~سنة)). وروي: أنه كان في العام الذي ولد فيه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وعلى هذا أكثر العلماء، وعن عائشة رضي الله ~~عنها قالت: ((رأيت قائد الفيل وسائسه بمكة ~~أعميين مقعدين يستطعمان)). ### | [106 - سورة قريش] ### || [106.1-2] # { لإيلاف قريش }؛ اختلفوا في هذه اللام المذكورة، قال بعضهم: ~~هي لام كي أي " متعلق ب " # فجعلهم كعصف مأكول # [الفيل: 5] أو ليؤلف قريشا. # ثم فسر الإيلاف ms2307 فقال تعالى: { إيلافهم رحلة الشتآء ~~والصيف }؛ أي ليؤلفهم رحلة الشتاء ورحلة الصيف. وإنما قال ~~ذلك لأنهم لما خافوا من أبرهة، فتفرقوا في البلاد، فمن الله ~~عليهم فقهر عدوهم. # وكانت مكة بلدا لم يكن فيها زرع ولا شجر؛ ولا رطب، وكان معاش ~~أهلها ما ينقل إليها، فأهلك الله عدوهم ليأتلفوا؛ لأن ~~تأليف رحلة الشتاء والصيف في التجارة، ولولا تجارتهم في هاتين ~~الرحلتين لاضطروا إلى الخروج والتفرق في البوادي، فأراد الله ~~أن يكثروا بمكة إلى أن يبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم ~~منهم نبيا إليهم وإلى غيرهم. # وكان بعضهم يعد السورتين سورة واحدة، وقال سفيان بن عيينة: ~~((كان لنا إمام لا يفصل بينهما ويقرأهما معا)). ~~وقال عمرو بن ميمون: ((صليت خلف عمر ابن الخطاب رضي ~~الله عنه صلاة المغرب، فقرأ في الركعة الأولى # والتين # [التين: 1]، وفي الثانية # ألم تر كيف # [الفيل: 1] و { لإيلاف قريش }. والمعنى: أن هلاك أصحاب الفيل ~~كان سببا لبقاء إيلاف قريش، ونظام حالهم. # وقريش هم ولد النضر بن كنانة، فمن ولده النضر فهو ~~قرشي، ومن لم يلده فليس بقرشي. وعن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: # " إن الله اصطفى بني كنانة، واصطفى من بني ~~كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم " # وسموا قريشا من التقريش؛ وهو التكسب والتقلب والجمع ~~والطلب، وكانوا قوما تجارا على المال. # قوله تعالى: { إيلافهم رحلة الشتآء والصيف } ~~بدل من الإيلاف الأول. واختلفوا في انتصاب (رحلة)، فقيل: انتصب ~~على المصدر؛ أي ارتحالهم رحلة، وإن شئت نصبته بوقوع ~~(إيلافهم) عليه، وإن شئت على الظرف. # واختلفوا في تفسير رحلة الشتاء والصيف، فروي عن ابن عباس قال: ~~((كانوا يشتون بمكة، فأمرهم الله تعالى أن يقيموا ~~بالحرم، ويعبدوا رب هذا البيت)). وقيل: كانت لهم في ~~السنة رحلتان: إحداهما في الشتاء إلى اليمن لأنها أدفأ، ~~والأخرى في الصيف إلى الشام، وكان الحرم جدبا لا زرع فيه ولا ~~ضرع ولا شجر، وإنما كان قريش يعيشون بتجارتهم ورحلتهم، وكان لا ~~يتعرض له أحد بسوء، وكانت الناس تقول: سكان حرم الله، ms2308 فلولا ~~الرحلتان لم يكن لأحد بمكة مقام، ولولا الأمن بجوار البيت لم ~~يقدروا على التصرف. ### || [106.3-4] # الذي سبب أرزاقهم وأمنهم من خوف العدو ومن خوف الطريق. ~~ويقال: أراد بالإطعام: أن أهل مكة كانوا أصابتهم سنون كسني ~~يوسف بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى أكلوا الجيف والعظام ~~المحرقة، فأزال الله عنهم الجوع وأمنهم بعد ارتفاع ذلك من ~~الجذام الذي يبتلى به ذلك الوقت أهل البلد التي وراء مكة. ~~وقيل: معناه: لا يتعرض لهم أحد في الجاهلية. ### | [107 - سورة الماعون] ### || [107.1-3] # قال مقاتل والكلبي: ((نزلت في العاص بن وائل ~~السهمي))، معناه: أرأيت أعلمت يا محمد الذي كذب ~~بالبعث والحساب والجزاء. # وكان العاص بن وائل أول من أنكر إظهار البعث، وكان في حجره ~~يتيم ظلمه ومنعه حقه وأكل ميراثه، وكان لا يطعم المسكين ~~بنفسه، ولا يأمر غيره بالإطعام. وهذه السورة فيها تهديد له ~~ولكل من يعمل عمله. قوله تعالى { يدع اليتيم } ~~الدع: هو الدفع على وجهه العنيف. ### || [107.4-6] # قوله تعالى: { فويل للمصلين * الذين هم عن ~~صلاتهم ساهون }؛ أراد بذلك المنافقين الذين يسهون في صلاتهم ~~عن ذكر الله من حيث لا يقصدون عبادته والتقرب إليه، ولذلك قال ~~تعالى: { الذين هم يرآءون }؛ إذا رآهم المخلصون صلوا ~~معهم رياء، وإذا لم يروهم لم يصلوا. وفي هذا بيان أنه ليس المراد ~~في الآية سهو نسيان. # وعن الحسن أنه قال: ((يسهون عن ميقاتها حتى تفوت))، ~~وقال مجاهد: ((يسهون عنها، ويلهون ولا يفكرون ~~فيها))، وعن أنس قال: ((الحمد لله الذي لم يجعل ~~السهو ها هنا في صلاتهم، وإنما جعل السهو عن ~~صلاتهم)). وعن عطاء بن دينار أنه قال: ((الحمد لله الذي ~~قال: { عن صلاتهم ساهون } ولم يقل: في صلاتهم ~~ساهون)). وقيل: الساهي عنها هو الذي إذا صلاها؛ صلاها رياء، ~~وإذا فاتته لم يندم. ### || [107.7] # روي عن ابن مسعود وابن عباس ((ما يبذله الجيران ~~بعضهم لبعض مثل الفأس والمسحاة والقدر ~~والدلو وأشباه ذلك)). وقيل: الماعون: ما لا يحل منعه ~~مثل الماء والملح والنار. # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ms2309 # " قلت: يا رسول الله ما الذي لا يحل منعه؟ قال: ~~" الماء والنار والملح " قلت: يا رسول الله؛ هذا ~~الماء فما بال النار والملح؟ قال: " يا حميراء ~~من أعطى نارا فكأنما تصدق بجميع ما طبخ بذلك ~~النار. ومن أعطى ملحا فكأنما تصدق بجميع ما ~~طيب بذلك الملح، ومن سقى شربة من الماء حيث ~~يوجد الماء فكأنما أعتق ستين رقبة، ومن سقى ~~شربة حيث لا يوجد الماء فكأنما أحيا نفسا " ". # وعن علي رضي الله عنه: ((أن الماعون الزكاة ~~المفروضة)). ### | [108 - سورة الكوثر] ### || [108.1] # الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والكوثر في اللغة: الخير ~~الكثير، وهو فوعل من الكثرة كنوفل من النفل. واختلفوا في ~~الكوثر في هذه السورة، قال ابن مسعود: ((أريد به القرآن))، ~~وقال الحسن: ((النبوة ورفعة الذكر والنصر على ~~الأعداء)). # وعن أنس وأبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: # " رأيت ليلة أسري بي نهرا في الجنة، حافتاه ~~اللؤلؤ - وقيل: من الزبرجد، وقيل: من الذهب - ~~ومجراه على الدر والياقوت، وطينه أطيب من ~~المسك الأذفر، وماؤه أشد بياضا من اللبن، ~~وأحلى من العسل، من شرب منه لا يظمأ بعدها ~~أبدا ". # وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ((الكوثر نهر في ~~الجنة، من أدخل إصبعيه في أذنيه سمع خرير ~~ذلك النهر)). # والكوثر يصب في حوض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصفة الحوض: ~~حصاؤه الياقوت الأحمر، والزبرجد الأخضر، والدر والمرجان، ~~وحمأته المسك الأذفر، وترابه الكافور، ماؤه أشد بياضا من ~~اللبن وأحلى من العسل، وأبرد من الثلج، يخرج من أصل سدرة ~~المنتهى، عرضه وطوله ما بين المشرق والمغرب، وحوله من الآنية ~~والأباريق عدد نجوم السماء، لا يشرب منه أحد فيظمأ بعده أبدا. ### || [108.2] # أي فاشكر الله على هذه النعمة العظيمة بالصلاة والنحر، قال ابن ~~عباس: ((إنه أراد بذلك صلاة العيد، ثم نحر ~~البدن يوم الأضحى)). وقيل: أراد بذلك صلاة الفجر في يوم ~~النحر. وقيل: أراد بذلك جميع الصلوات المكتوبة. ### || [108.3] # أي مبغضك هو الأبتر الذي لا عقب له ولا خير له في ms2310 الدنيا ~~والآخرة، ونزل ذلك في العاص بن وائل السهمي، كان يكلم النبي صلى ~~الله عليه وسلم على باب المسجد الحرام بعد موت عبدالله بن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم. # فلما انطلق النبي صلى الله عليه وسلم قيل للعاص: من هذا الذي كنت ~~معه قائما تكلمه؟ قال: هذا الأبتر محمد. يريد أنه ليس له ابن ~~يخلفه ويقوم مقامه، فأنزل الله هذه السورة إكراما للنبي صلى ~~الله عليه وسلم وجوابا للخبيث، يقول: سنميته عن أهله وماله فلا ~~يذكر بخير أبدا، وأما أنت يا محمد فقد جعلت ذكرك مع ~~ذكري فلا ينقطع ذكرك أبدا، والشانئ من الشنئان وهو ~~البغض. ### | [109 - سورة الكافرون] ### || [109.1-5] # { قل يأيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون }؛ # " نزلت في رهط من المشركين من قريش، منهم الحارث بن قيس السهمي؛ ~~والعاص بن وائل؛ والوليد بن المغيرة؛ والأسود بن عبد يغوث؛ ~~والأسود بن عبد المطلب؛ وأمية بن خلف، قالوا: يا محمد ~~هلم فاتبع ديننا، ونتبع دينك ونشركك في أمرنا كله، ~~تعبد آلهتنا سنة، ونعبد إلهك سنة، فقال: " معاذ الله أن ~~أشرك به غيره " قالوا: فاستلم بعض آلهتنا نصدقك ~~ونعبد إلهك ". # فأنزل الله تعالى هذه السورة { قل يأيها الكافرون } أي ~~قل لهم: يا أيها الكافرون توحيد الله، ليست في حالتي هذه ~~بعابد ما تعبدون من الأصنام، { ولا أنتم عابدون مآ ~~أعبد }؛ أي ولا أنتم عابدون إلهي بجهلكم الإخلاص في عبادة الله، ~~{ ولا أنآ عابد }؛ فيما استقبل، { ما عبدتم }؛ من ~~الأصنام، { ولا أنتم عابدون }؛ فيما تستقبلون، { مآ أعبد ~~}؛ إلهي الذي أعبده. # وفي هذه القصة أنزل الله تعالى # قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها ~~الجاهلون # [الزمر: 64]، فلما نزلت هذه السورة غدا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إلى المسجد الحرام وفيه ملأ من قريش، فقام على رؤوسهم، ثم ~~قرأها عليهم، فآيسوا منه عند ذلك وآذوه وآذوا أصحابه. # وأما تكرار الكلام فمعناه: لا أعبد ما تعبدون في الحال، ولا ~~أنتم عابدون ما أعبد في الحال، ولا أنتم عابدون ما أعبد في ~~الحال، ولا أنا عابد ms2311 ما عبدتم في الاستقبال، ولا أنتم عابدون ما ~~أعبد في الاستقبال، وهذا خطاب لمن سبق في علم الله تعالى أنهم ~~لا يؤمنون. # وقال بعضهم: نزل القرآن بلغة العرب، ومن مذهب العرب التكرار في ~~الكلام على وجه التأكيد حتما للإطماع، كما أن من مذهب الاختصار ~~إرادة التخفيف والإيجاز، ومثل هذا كثير في الكلام والأشعار، كما ~~روي أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد المنبر فقال: # " إن بني مخزوم استأذنوني في أن ينكحوا عليا ~~فتياتهم، فلا آذن، فلا آذن، إن فاطمة بضعة مني، ~~يسوءني ما يسوءها، ويسرني ما يسرها ". # وكذلك قال الشاعر: # يا علقمه يا علقمه يا علقمه # خير تميم كلها وأكرمه # وقال: # أخيركم نعمة كانت # لكم كم وكم ### || [109.6] # قرأ نافع (ولي) بالتحريك، ومعناه: لكم جزاؤكم على عبادة الأوثان، ~~ولي جزائي على عبادة الرحمن. # وقيل: إن هذه الآية منسوخة بآية السيف. ### | [110 - سورة النصر] ### || [110.1-2] # { إذا جآء نصر الله والفتح }؛ قال ابن عباس: ~~((نزلت هذه السورة في الحديبية))، ومعناه: إذا جاء ~~نصر الله على الأعداء من قريش وغيرهم، وجاء فتح مكة، { ~~ورأيت }؛ يا محمد، { الناس يدخلون في دين الله ~~}؛ الإسلام، { أفواجا }؛ جماعات جماعات بعد أن كانوا في ابتداء ~~الإسلام واحدا واحدا واثنين اثنين. ### || [110.3] # قوله تعالى: { فسبح بحمد ربك }؛ أي صل له مع ~~شكرك إياه على إنعامه عليك، { واستغفره }؛ لذنبك وللمؤمنين ~~والمؤمنات، { إنه كان توابا }؛ أي متجاوزا على المستغفرين. # " فلما نزلت هذه السورة جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يكثر التسبيح، وعاش رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه ~~السورة سنتين، وكان كثيرا ما يقول: " سبحانك اللهم ~~ربنا وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك " فقيل له في ~~ذلك، فقال صلى الله عليه وسلم: " قد جعلت لي علامة في ~~أمتي، إذا رأيتها قلتها " ". # وكان الحسن يقول: ((اختموا أعمالكم بخير، فإن النبي ~~صلى الله عليه وسلم لما قرب أجله أمر بكثرة التسبيح ~~والاستغفار)). ### | [111 - سورة المسد] ### || [111.1] # روي عن ابن عباس أنه قال: # " " لما " نزل قوله تعالى: { وأنذر عشيرتك ~~الأقربين } صعد رسول الله ms2312 صلى الله عليه وسلم على الصفا ~~ونادى: " يا صباحاه " فاجتمعت إليه قريش فقال ~~صلى الله عليه وسلم: " يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، ~~يا بني لؤي، لو أخبرتكم أن خيلا بسفح الجبل ~~قد أظلتكم أكنتم تصدقونني؟ " قالوا: نعم، قال: ~~" فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد " فقال أبو ~~لهب: تبا لك! ألهذا دعوتنا؟ فأنزل الله تعالى: { ~~تبت يدآ أبي لهب وتب } ". # والتبات: الخسران الذي يؤدي إلى الهلاك، والمعنى: خسرت ~~يداه من كل خير. وأضافه إلى اليدين؛ لأن العمل أكثر ما يجري ~~على اليدين. # ومعنى قوله { وتب } أي وخسر هو بنفسه خسرانا لا يفلح ~~بعده أبدا، واختلفوا في المعنى الذي ذكره الله بالكنية، قال ~~بعضهم: إنما ذكره بها؛ لأنه كان اسمه عبد العزى فلذلك ذكر ~~بالكنية. وقال بعضهم كان مشهورا بهذه الكنية. وقال بعضهم: كانت ~~وجنتاه حمراوين. ### || [111.2] # أي لا تنفعه كثرة ماله في الآخرة ولا ينفعه ما أعد من الكيد ~~والحيل. وقيل: معناه: ما أغنى عنه ماله وولده، سمي الولد ~~كسبا؛ لأن ولد الرجل من كسبه، قال صلى الله عليه وسلم: # " إن أفضل ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من ~~كسبه ". ### || [111.3] # أي سيدخل أبو لهب نارا لا يسكن لهبها ولا يطفأ جمرها، قرأ أبو ~~رجاء (سيصلى) بالتشديد وضم الياء. ### || [111.4] # اسمها أم جميل بنت حرب، أخت أبي سفيان، يصليها الله معه، ~~وكانت عوراء، وقوله تعالى: { حمالة الحطب } أي نقالة ~~للكذب، قال ابن عباس: ((إنها كانت تمشي بالنميمة))، تقول ~~العرب: فلان يحطب على فلان؛ أي ينم عليه. # وقال الضحاك: ((كانت تأتي بالشوك والفضلات، ~~فتطرحها بالليل في طريق النبي صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه لتعقرهم، وكانت تعير رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالفقر، فعيرها الله تعالى بالاحتطاب)). # وهو ما تحمله من الشوك. قراءة العامة (حمالة) بالرفع، على أنه ~~خبر لمبتدأ، ويجوز أن يكون نعتا وخبر المبتدأ (في جيدها)، ومن نصب ~~(حمالة) فعلى الذم والشتم، كقوله تعالى # ملعونين # [الأحزاب: 61] والمعنى: أعني حمالة الحطب، وفي قراءة عبد الله ~~(ومريته حمالة ms2313 الحطب)، وقراءة أبي قلابة (وامرأته ~~حاملة الحطب) على وزن فاعلة. ### || [111.5] # أي في عنقها حبل في الآخرة له ثقل الحديد، وحرارة النار، ~~وخشونة الليف، وقال ابن عباس: ((معناه: في عنقها ~~سلسلة ذرعها سبعون ذراعا من حديد، لو وضعت ~~منها حلقة على جبل لذاب، كما يذوب الرصاص، ~~تدخل في فيها، وتخرج من دبرها، ويلوى سائر ~~باقيها في عنقها، وذلك لأنها كانت لها قلادة ~~فاخرة وكانت تقول: لأنفقنها في عداوة محمد ~~صلى الله عليه وسلم)). # ويقال: إنها اختنقت في الدنيا بحبل من ليف خنقها الله به ~~فأهلكها، ويجعل في الآخرة في عنقها جبل من نار تساق به إلى النار. # والمسد في اللغة: الفتل، والممسود: المفتول. وقيل: ~~المسد: الحديدة التي تدور عليها البكرة تجعل في عنقها سلسلة، ~~وتجعل السلسلة في تلك الحديدة، فهي تجتذب بها في النار وتختلف ~~بها في النار، كما تختلف بالدلو في البئر على البكرة، يشهرها ~~الله بهذه العلامة في جهنم، ترفع مرة، وتخفض أخرى مع سائر ~~أنواع العقوبات. ### | [112 - سورة الإخلاص] ### || [112.1] # اختلف المفسرون في سبب نزول هذه السورة فروي عن ابن عباس: ~~((أن المشركين قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: صف ~~لنا ربك الذي تدعونا إليه)). وعن مقاتل: ((أن عامر ~~بن الطفيل العامري قال للنبي صلى الله عليه وسلم: ~~إنعت لنا ربك من ذهب هو أم من فضة أم من ~~نحاس أم من حديد أم من صفر، فإن آلهتنا من ~~هذه الأشياء؟! قال: بين لنا أيأكل ويشرب؟! ~~وكيف هو؟ فشق على النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل ~~الله هذه السورة)). # وعن سعيد بن جبير: ((أن اليهود قالوا للنبي صلى الله ~~عليه وسلم: يا أبا القاسم إنك أخبرتنا أن الله خلق ~~السماء من دخان وخلق الجان من مارج من نار ~~وخلق آدم من طين، فأخبرنا عن ربك مم خلقه؟!)). ~~وروي أنهم قالوا: إن هذا الخلق خلق الله فمن خلقه؟ ~~فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حتى جعل لحمه يربو ~~عليه وحتى هم أن يباسطهم، فأوحى إليه جبريل: ~~أن اسكن، ms2314 وأنزل الله عليه هذه السورة. # وقال ابن كيسان: ((قالت اليهود: صف لنا ربك، ~~فإنه قد نزل نعته في التوراة، فما طوله وما ~~عرضه؟ فارتعد النبي صلى الله عليه وسلم ووضع ~~إصبعيه في أذنيه وفاضت عيناه، فجعل أبو بكر ~~رضي الله عنه يمسح الدموع عن وجنتيه، فأنزل الله ~~هذه السورة جوابا لهم تعالى الله عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا)). # والمعنى: قل لهم يا محمد: الذي سألتم عن تبيين نسبه هو ~~الله، وهذا الاسم معروف عند جميع أهل الأديان والملل، كما قال ~~تعالى: # ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله # [الزخرف: 87]. والأحد والواحد في اللغة بمعنى واحد، وقال ثعلب: ~~((واحد وأحد وفرد سواء)). ### || [112.2] # معناه: هو الله الذي يصمد إليه في الحوائج وإليه المفزع في ~~الشدائد، تقول العرب: صمدت إلى فلان أصمد صمدا بسكون الميم ~~إذا قصدته، والمصمود: المقصود. # وعن ابن عباس: (أن الصمد السيد الذي قد كمل في ~~سؤدده، والشريف الذي قد كمل في شرفه، والعظيم ~~الذي قد كمل في عظمته، والجبار الذي قد كمل ~~في جبروته، والغني الذي قد كمل في غناه، ~~والعليم الذي قد كمل في علمه، والحكيم الذي ~~قد كمل في حكمته، والحليم الذي قد كمل في ~~حلمه، فهو الله الذي له هذه الصفات كلها لا ~~تنبغي إلا له)). # وقال قتادة: ((الصمد: الباقي بعد فناء خلقه))، ~~وقيل: هو الدائم، وقال السدي: ((الصمد المقصود إليه ~~في الرغائب، المستعان به عند المصائب))، والعرب تسمي ~~السيد الصمد، قال الشاعر: # ألا بكر الناعي بخير بني أسد # بعمرو بن مسعود وبالسيد الصمد # وعن أبي بن كعب قال: ((الصمد الذي لم يلد ولم ~~يولد؛ لأنه لا شيء يلد إلا سيورث، وليس شيء ~~يولد إلا سيموت، والله سبحانه لا يورث ولا ~~يموت)). # وكتب أهل البصرة إلى الحسن بن علي يسألوه عن معنى الصمد، ~~فكتب إليهم: ((بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد؛ ~~فلا تخوضوا في القرآن بغير علم، فإن الله جل ~~ذكره قد فسر الصمد فقال: { لم يلد ولم يولد ~~* ولم يكن له كفوا أحد } )). # وعن محمد ms2315 بن الحنفية قال: ((الصمد الغني عن غيره))، وعن ~~زيد بن علي قال: ((الصمد الذي أمره إذا أراد شيئا أن ~~يقول له كن فيكون)). ### || [112.3] # أي لم يلد أحدا فيرث ملكه، ولم يولد عن أحد فيرث عنه ~~الملك، والحاصل من هذا يرجع إلى نفي الحدث والحاجة عن الله تعالى؛ ~~لأنه لو كان مولودا لكان محدثا، ولو كان له ولد لكان محتاجا، لأن ~~أحدا لا يستولد إلا لحاجته إلى الولد والاستمتاع، والله تعالى ~~منزه عن هذه الصفات كما قال تعالى: # بديع السموت والأرض أنى يكون له ولد ولم ~~تكن له صحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء ~~عليم # [الأنعام: 101]. ### || [112.4] # تقديره: ولم يكن أحد كفؤا له؛ أي ليس كمثله شيء، و " في " قوله ~~تعالى { كفوا } ثلاث قراءات، قرأ حمزة ويعقوب وخلف ساكنة الفاء ~~مهموزة، ومثله مروي عن أبي عمرو ونافع، وقرأ حفص عن عاصم كفوا ~~مثقلة غير مهموزة، وقرأ الباقون كفؤا مهموزة مضموم الفاء، والكفؤ ~~والكفاء والكفى واحد، وهو المثل والنظير، تعالى الله عن المثل ~~والنظير. ### | [113 - سورة الفلق] ### || [113.1-2] # قال الكلبي: هذه السورة والتي بعدها أنزلت على ~~النبي صلى الله عليه وسلم حين سحر، فأمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم أن يتعوذ بهما، وذلك أن رجلا من اليهود ~~يقال له: لبيد بن أعصم، سحر النبي صلى الله عليه وسلم ~~واشتد شكواه حتى تخوف عليه. # " فبينا النبي صلى الله عليه وسلم بين النائم ~~واليقظان إذ أتاه ملكان؛ أحدهما عند رأسه ~~والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رأسه للثاني، ~~أي شيء به؟ قال: سحر، قال: من فعل به؟ قال: لبيد ~~بن أعصم اليهودي، قال: فأين جعله؟ قال: في ~~بئر لبني زريق، وجعله في صخرة في كوبة، قال: ~~فما دواؤه؟ قال: نبعث إلى تلك البئر فينزح ~~ماؤها، ثم تقلع الصخرة فتستخرج الكوبة من ~~تحتها فيها إحدى عشرة عقدة. وإنما قال ذلك؛ ~~لكي يفهم النبي صلى الله عليه وسلم، فانتبه النبي صلى ~~الله عليه وسلم وقد فهم ما قالا. # فأرسل النبي صلى الله عليه وسلم ms2316 عمار بن ياسر في ~~نفر من أصحابه إلى تلك البئر، فانتهى إليها ~~عمار، وقد تغير ماؤها كهيئة الحناء من ذلك ~~السحر، فنزحوا ذلك الماء حتى بدت الصخرة فإذا ~~تحتها كوبة، فأخذوها وإذا في الكوبة وتر فيه ~~إحدى عشرة عقدة، فجاء بها إلى النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأحرقت وأنزلت المعوذتان إحدى عشرة آية ~~فحلت كل آية عقدة، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~أن يتعوذ بهما، وكان صلى الله عليه وسلم يعوذ بهما ~~الحسن والحسين، فكان لبيد بعد ذلك يأتي النبي ~~صلى الله عليه وسلم فما رأى في وجه النبي صلى الله عليه وسلم ~~شيئا من ذلك قط ولا ذاكره إياه ". # وفي بعض الروايات: # " أن بنات لبيد بن أعصم اللواتي سحرن النبي صلى ~~الله عليه وسلم، فذهب بذلك لبيد فجعله في وعاء الطلع ~~- أعني كوزي النخل - وجعله في بئر تحت صخرة، ~~فلما أطلع الله نبيه على ذلك بعث أبا بكر ~~وعمر حتى أخرجاه. وقيل: بعث عليا في ~~استخراجه، فأنزل الله هاتين السورتين ". # والفلق على قول الكلبي وقتادة: ((الصبح عند بيانه ~~وظهوره))، وعن ابن عباس: ((أن الفلق الخلق يخرجون ~~من أصلاب آبائهم وأرحام أمهاتهم كما ينفلق ~~الحب من النبات)). وهذا القول أعم من الأول وأقرب إلى ~~تعظيم الله تعالى، لأن الفلق كلمة جامعة من لطائف القرآن، والله ~~تعالى فالق الإصباح وفالق الحب والنوى، وفالق البحر لموسى. # ومعنى السورة: قل يا محمد: امتنع واعتصم واستعذ برب ~~الفلق من شر كل ذي شر من الجن والإنس والسباع والحيات ~~والعقارب وغيرها، وعن كعب الأحبار أنه قال: ((الفلق بيت في ~~النار لو فتح بابه صاح جميع أهل النار من ~~شدته)). قال السدي: ((الفلق بئر في جهنم)). ### || [113.3] # الغاسق: هو الليل إذا اشتدت ظلمته، ووقوب الليل دخوله في ~~الظلام، هكذا عن قتادة، وأصل الغسق: الجريان بالضرر من قولهم: ~~غسقت القرحة إذا جرى صديدها، والغاسق صديد أهل النار، ~~والغاسق كل هاجم بالضرر كائنا ما كان، وسمي الليل غاسقا؛ ~~لأنه تخرج فيه السباع من آجامها، والهوام من مكانها. ms2317 # وإنما أضيف الشر إلى الليل؛ لأن الإنسان يحذر في أوقات الليل من ~~الشر ما لا يحذر مثله بالنهار، كأنه قال تعالى: ومن شر ما في ~~الغاسق، كما يقال: أعوذ بالله من هذا البلد إذ كثر فيه الظلم ~~والفساد. # وعن علي رضي الله عنه أنه قال: ((الغاسق هو الظالم، ~~ووقوبه دخوله على الظلم)). ويقال: الغاسق سقوط ~~الثريا؛ لأن الطواعين والأسقام تكثر عند سقوطها، وترتفع عند ~~طلوعها. # وعن عائشة رضي الله عنها قالت: # " أراني رسول الله صلى الله عليه وسلم القمر فقال: " ~~تعوذي بالله من شر هذا الغاسق إذا وقب " " # أي إذا كسف واسود. ### || [113.4] # أي من شر السواحر ينفثن؛ أي يسحرن في عقد السحر، وهن ~~الجماعات السواحر، وذلك أنهن إذا أردن الإضرار بإنسان نفثن عليه ~~ورقينه بكلام فيه كفر وشرك وتعظيم الكواكب من الأدوية الضارة ~~والسموم القاتلة بالاحتيال، ثم يزعمن إذا ظهر الضر عليه أن ذلك ~~من رقاهن. # وإذا أردن نفع إنسان نفثن عليه، واحتلن أن يسقينه شيئا من ~~الأدوية النافعة، ثم إذا اتفق للعليل خفة الوجع أوهمن أنهن ~~اللواتي نفعنه من النفع والرقى، والنفث هو أن يلقي الإنسان ~~بعض ريقه على من يعوذه، يقال: نفث ينفث، وتفل يتفل ~~بمعنى واحد. ### || [113.5] # معناه: إن الحاسد يستعظم نعمة صاحبه ويريد زوالها، فيحمله ذلك ~~على الظلم والبغي والاحتيال بكل ما يقدر عليه لإزالة تلك النعمة ~~عنه. والحسد في اللغة بمعنى زوال النعمة عن صاحبها لما يدخل ~~على النفس من المشقة بها. # ويقال: معناه: التلهف على جود الله تعالى، وهذا هو الحسد المذموم، ~~وأما إذا تمنى لنفسه نعمة من الله تعالى مثل نعمة صاحبه من غير ~~أن يتمنى زوالها عنه، فذلك يكون غبطة، ولا يكون حسدا. # وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بهذه الآية: استعاذة من شر ~~عين الحاسد، واستدل على ذلك بما روي: # " أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عائشة أن تسترقى ~~من العين " # ، ويستحب للعائن عند إعجابه بما يراه أن ~~يقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، كما روى أنس ms2318 عن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " من رأى شيئا يعجبه فقال: الله الله! ما شاء الله ~~لا قوة إلا بالله، لم يضره شيء ". # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: # " العين حق، فلو كان شيء يسبق القدر لسبقته ~~العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا ". # وإنما ختمت السورة بالحسد، ليعلم أنه أخس من الأشياء التي ~~قبله، وهو أخس الطبائع. ### | [114 - سورة الناس] ### || [114.1-5] # { قل أعوذ برب الناس * ملك الناس * إله الناس ~~* من شر الوسواس الخناس }؛ أي قل يا محمد: امتنع ~~واعتصم بخالق الخلق المقتدر عليهم، المالك لنفعهم وضرهم وحياتهم ~~وموتهم، المستحق للعبادة الذي إليه مفزعهم وملجأهم، من شر ~~الشيطان ذي الوسواس المستقر المختفي عن أعين الناس، { الذى ~~يوسوس في صدور الناس }؛ الذي يصل بوسوسته إلى صدور ~~الناس، كما جاء في الحديث: # " إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، ~~فتعوذوا بالله منه ". # قال قتادة: ((إن الخناس له خرطوم كخرطوم الكلب ~~في صورة الإنسان، جاثم على قلب ابن آدم، إذا غفل ~~العبد عن ذكر الله وسوس، وإذا ذكر الله خنس)). ~~وروي: أن عيسى عليه السلام دعا ربه أن يريه موضع الشيطان من ~~ابن آدم، فجلى له فإذا رأسه رأس الحية واضع رأسه على ثمرة القلب، ~~فإذا ذكر العبد ربه خنس، وإن لم يذكر ربه وضع رأسه على ~~ثمرة قلبه وحدثه. ### || [114.6] # قيل: ذلك عائد على الوسواس، كأنه قال: شر الوسواس الذي هو من ~~الجنة، والوسواس الذي هو من الناس. ويقال: معناه: من شر كل ~~مارد من الجن والإنس. وقيل: إن قوله تعالى { من الجنة ~~والناس } عائد على لفظ الناس المذكور في قوله تعالى: { في ~~صدور الناس }؛ لأن اسم الناس يصلح للإنس والجن، كما قال تعالى # وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من ~~الجن # [الجن: 6] فجعلهم رجالا، والشيطان يوسوس في صدور الجن، كما يوسوس ~~في صدور الإنس، ودليل هذا قوله تعالى في أول السورة { قل أعوذ ~~برب الناس } أراد به رب الإنس والجن جميعا. ms2319