######OpenITI# #META# comp: 1 #META# max: 454 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : جامع ابن بركة ج1 ¶ ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع #META# comments: ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع #META# ndata: سلطنة عم9BE8E83Eبة: 29 . #META# bk: جامع ابن بركة ج1 #META# bkord: 221 #META# archive: 1 #META# الكتاب: جامع ابن بركة ج1 #META# cat: جوامع العقيدة والفقه #META# iso: جامع ابن بركه ج 1 #META# bkid: 204 #META# ScrapeDate: 13-03-2020 #META# ScrapedFrom: ShamelaIbadiyya #META#Header#End# ### | CHECK جامع ابن بركة ج1 # سلطنة عمان # وزارة التراث القومي والثقافة ... # ... ... ... # ... كتاب الجامع # تأليف: # ... العالم العلامة ... # الشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد بن بركة البهلوي العماني # الجزء الأول # حققه وعلق عليه # عيسى يحيى الباروني # بسم الله الرحمن الرحيم # مقدمة المؤلف # الحمد لله الواحد القهار، الكبير المتعال، لا مثل له ولا نظير ولا عديل، ~~وهو السميع البصير، العدل في قضائه، الرحيم بعباده، اللطيف بجميع خلقه، ~~الناظر لأهل سمائه وأرضه، المشكور على نعمائه. المبتدئ بنعمته على غير ~~السائلين، والمتفضل على غير المستحقين، نحمده وهو أهله. ونستعين على ما ~~ننال(1) إلا به. ونتوكل عليه توكل من يعلم إيمانه أن كل نعماء (¬1) فمن ~~عنده، وما مسته لأواء فمن جناية يده. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا ~~شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على ~~الدين كله، ولو كره المشركون. (¬2) وصلى الله على محمد النبي،وآله ~~الطاهرين، وسلم تسليما. # الباب الأول في الأخبار # ¬__________ # (¬1) في (ب) و (ج) نعما. # (¬2) هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى ~~بالله شهيدا.(سورة الفتح): 28. PageV01P001 # ثم نبدأ بذكر الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم التي (¬1) ~~تتعلق بها أحكام الشريعة، وإن كان الفقهاء قد اختلفوا في تأويلها وتنازعوا ~~في صحة الحكم بها؛ لأنها قواعد الفقه و(أصول دين الشريعة (¬2) ) لحاجة ~~المتفقه إلى ذلك، وقلة استغنائه عن النظر فيه والاعتبار في معانيه، فالواجب ~~عليه إذا أراد علم الفقة 1أن يتعرف أصول الفقه وأمهاته، ليكون بناؤه على ~~أصول صحيحة ليجعل كل حكم في موضعه ويجريه على سننه، ويستدل على معرفة ذلك ~~بالدلالة الصحيحة، والاحتجاجات الواضحة، وأن لا يسمي العلة دليلا، والدليل ~~علة، والحجة علة، وليفرق بين معاني ذلك، ليعلم افتراق حكم المفترق، واتفاق ~~المتفق؛ لأني رأيت العوام من متفقهي أصحابنا، ربما ذهب عليهم كثير من معرفة ~~ما ذكرنا وتكلم عند النظر ومحاجة الخصوم بما ينكره الخواص منهم، وأهل ~~المعرفة بذلك؛ لأنهم ربما وضعوا اللفظة في غير موضعها ونقلوا الحجة على ~~(¬3) غير ms001 جهتها، واستعملوها في غير أماكنها. # والله نسأل أن يوفقنا وإياهم لما يقربنا إليه، ونحن نذكر بعد هذا في ~~كتابنا هذا من هذه المعاني، ونبين من ذلك ما يرغب (¬4) إلى الله في توفيقه ~~لنا ومعونته على ذلك. # باب في الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وسلم # وهي التي تتعلق الأحكام بها، ويختلف الفقهاء في معانيها ( نسخة تأويلها) ~~وتنازع الحكم في معانيها. فمنها أخبار المراسيل، وأخبار المقاطيع، والأخبار ~~الموقوفة، وأخبار المتن، وخبر الصحيفة، والخبر الزائد على الخبر الناقص، ~~والخبر المتعارض لغيره من الأخبار. والخبران يردان من طريق أو طريقين يكون ~~أحدهما خاصا والآخر عاما. والخبران يكون أحدهما ناسخا والآخر منسوخا. # ¬__________ # (¬1) في (ب) و (ج)، والتي تتعلق، وهذا هو الصحيح. # (¬2) في (ب) و (ج) وأصوله الشريعة. # (¬3) في (ج): إلى. # (¬4) في (ج): نرغب. PageV01P002 # ? فأما أخبار المراسيل فهو أن يرفع (¬1) الخبر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولم يشاهد النبي عليه السلام. فواجب أن يكون بينه وبين النبي صلى الله ~~عليه وسلم صحابي فلا يذكره (¬2) . وإما أن يكون قد سمع من الصحابي فاقتصر ~~على ما روي له ولم يجتمع إلى ذكره مرة أخرى أو يكون صح عنده الخبر عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم بالإخبار عن ذلك الصحابي ويسنده إلى صلى الله عليه وسلم . # ? وأما أخبار المقاطيع، فهو أن يروي الرجل الخبر عن صلى الله عليه وسلم ~~فيسقط في الوسط رجلا فلا يذكره في إسناده، فإذا ترك ذلك الرجل، انقطع الخبر ~~إلى حيث ترك الرجل. # ? وأما الخبر الموقوف من الأخبار، فهو أن يروى الخبر عن الصحابي والتابعي ~~فيوقف الخبر عليها. # ? وأما أخبار المتن، فهي التي تروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يذكر ~~من رواها من الصحابة ويعتمد على صحتها وتسمى مثل هذه الأخبار (¬3) (المتن). # ? وأما خبر الصحيفة، فهو أن يروي الراوي الخبر إلى أن ينتهي به إلى رجل ~~فيقول: عن أبيه عن جده ولم يذكر ذلك المذكور النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~فإذا كان هذا الخبر على هذا الوصف ونحوه سمي ms002 خبر الصحيفة. # ? وأما الخبر الزائد على الناقص، فإنه إذا ورد خبر عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من وجه، وروي ذلك الخبر أيضا من وجه آخر إلا أن أحد (¬4) الخبرين ~~فيه زيادة لفظة استعمل الزائد من الخبرين؛ لأن فيه فائدة لم تذكر في الخبر ~~الآخر، ولم يوردها الراوي الثاني معه، لما قد يجوز أن يكون أحدهما شاهد ~~القصة إلى آخرها (¬5) فيسمع ما لم يسمع الآخر ويشاهد ما لم يشاهد الآخر، ~~فلذلك استعمل الزائد من الأخبار. # ¬__________ # (¬1) في (ب) و (ج): فهو أن يروي التابعي الخبر عن النبي (صلى الله عليه وسلم) # (¬2) في (ب) و (ج) فلا بأس أن يذكره. # (¬3) في (ب) أخبار. # (¬4) في (ب) إلا أحد الخبرين. # (¬5) شاهد القصة إلى الموضع الذي أخبر به والآخر شاهد القصة. PageV01P003 # ? وأما الأخبار المتعارضة، فمثل ذلك أن يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~، خبر بإباحة شيء، ويروى خبر آخر فيحظر ذلك فيوقفا (¬1) جميعا، وينظر ~~المتقدم منهما من المتأخر بالتاريخ، ليعلم الناسخ من المنسوخ. نحو ما روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم : "أنه سهى في صلاته فسجد قبل التسليم". وروي ~~عنه (¬2) "أنه سجد بعد التسليم"، فتنازع الناس في ذلك واختلفوا في الناسخ ~~منهما من المنسوخ والمتقدم من المتأخر. # ? وأما الخاص والعام من الأخبار، فنحو قول النبي صلى الله عليه وسلم : ~~"حيث ما أدركتك الصلاة فصل." (¬3) ، فهذا عموم يوجب جواز الصلاة في كل ~~موضع، وروي عنه صلى الله عليه وسلم : "نهى (¬4) عن الصلاة في المقبرة ~~والمجزرة والمزبلة والحمام وقارعة الطريق ومعاطن الإبل". وكأن هذا خبر خص ~~بعض ما اشتمل عليه عموم الخبر الآخر، فالخاص يعترض على العام. ولا يعترض ~~العام على الخاص، وكذلك الخبر المفسر يقضي على المجمل، ولا يقضي المجمل على ~~المفسر. # ? وأما الناسخ والمنسوخ فهو نحو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: "كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ولا تقولوا هجرا". (¬5) # ? وأما الأخبار التي تنازع الناس في تأويلها عند مبايعاتهم على شروط ~~بينهم. فمنها ما روي عن ms003 النبي صلى الله عليه وسلم : "أنه نهى عن شرطين في ~~بيع". (¬6) هذا ما اتفق الناس على إبطال البيع به. وهو أن يبيع الرجل ~~الغلام لغيره بثمن معلوم على أن يبيع له المشتري غلاما بثمن معلوم أو ثمن ~~يتفقان عليه، فهذا ونحوه لا يجوز في البيع بإجماع الأمة. # ¬__________ # (¬1) في (ب) و (ج) فيوقفان. # (¬2) عنه لا توجد فيه (ب) و (ج). # (¬3) أخرجه مسلم بلفظ: (( أينما أدركتك الصلاة فصل)). # (¬4) في (ب) إنه نهى. # (¬5) رواه الخمسة إلا البخاري. # (¬6) رواه مالك. PageV01P004 # وأما ما اختلفوا في جوازه وفساده فهو نحو ما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم : "أنه اشترى من جابر بن عبد الله بعيرا وشرط جابر ظهره من مكة إلى ~~المدينة. فأجاز صلى الله عليه وسلم البيع والشرط". (¬1) وروي عنه: "أن ~~عائشة اشترت بريرة لتعتقها، فاشترط البائع ولاءها لنفسه، فأجاز صلى الله ~~عليه وسلم (¬2) البيع وأبطل الشرط" وقال: "الولاء لمن أعتق" (¬3) . وروي: ~~"أن تميما الداري باع دارا واشترط سكناها فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم ~~البيع والشرط". (¬4) واختلفت الرواية (¬5) في مقدار مدة السكنى. فقال بعض ~~الرواه: أنه اشترط سكنى سنة وقال (¬6) بعض (¬7) اشترط سكنه أيام حياته. ~~فيحتمل أن تكون هذه الأخبار بعضها ناسخا وبعضها منسوخا، ويحتمل أن يكون ~~النبي صلى الله عليه وسلم تركهم وهذه الأخبار ليجتهدوا فيها آراءهم. # والذي عندي والله أعلم أن خبر بريرة كان شرطه غير جائز؛ لأنه اشترط ما ~~لا يجوز تملكه، وهو الولاء الذي جعله النبي صلى الله عليه وسلم كالنسب ~~لقوله: "لحمة الولاء كلحمة النسب". (¬8) والنسب لا يجوز تملكه لهذا الخبر، ~~فلذلك أبطله النبي صلى الله عليه وسلم . # ¬__________ # (¬1) أخرجه الخمسة. # (¬2) في (ب) و (ج) النبي (ص). # (¬3) ابن ماجه والدارمي وأحمد بن جنس. # (¬4) ابن ماجه والدارمي وأحمد بن جنس. # (¬5) في (ب) واختلف الرواه. # (¬6) وقد قال. # (¬7) بعضهم. # (¬8) في (ب): (( الولاء لحمة كلحمة النسب )) PageV01P005 وأما خبر جابر ~~بن عبد الله في بيع البعير إذ اشترط ركوبه من مكة إلى المدينة،لم يكن في ~~نفس عقد البيع وإنه كان على وجه ms004 العارية، وقد روي هذا أيضا. وأما خبر تميم ~~الداري فإنه يحتمل أن يكون الخبر الذي روي إنه اشترط في البيع سكنى الدار ~~أيام حياته، فإن الجهالة بمدة أيام حياته لا يصح البيع معها؛ لأن ذلك غير ~~معلوم، ولذلك بطل البيع والشرط، ولو كان شرط السكنى مدة معلومة لكان البيع ~~جائزا؛ لأن البيع إذا شرط فيه شرط له قسط من الثمن معلوم جاز البيع. (¬1) ~~والله أعلم. # وإذا ورد خبر أن أحدهما ينفي الفعل والآخر يوجب إثباته، كان الإثبات أولى ~~إذا لم يعلم المتقدم منهما من المتأخر ولا الناسخ من المنسوخ، وهذا على ~~أصول أصحابنا يصح إلى ما يذهبون إليه من (¬2) الحظر والإباحة والأوامر. وقد ~~وافقنا الشافعي في هذا المعنى. # ومن الأخبار الموقوفة لتعارضهما وطلب الدلالة على المتقدم منهما من ~~المتأخر، وأما ما أريد ببعضها دون بعض نحو ما روي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم "نهى عن الشرب قائما". وروي "أنه شرب من زمزم قائما" (¬3) فوجب اتفاق ~~الخبرين، وكان المرجوع إلى قول الله تعالى: ? { وكلوا واشربوا } (¬4) فهذه ~~الآية تبيح الأكل والشرب على أي حال كان عليها الآكل والشارب، إلا أن تخص ~~في بعض الأوقات وبعض الأحوال. # وروي عنه صلى الله عليه وسلم" أنه نهى عن الشرب من فم السقاء". وروي أنه ~~خنث السقا وشرب منه، أي عطفه، وأما الشرب من فم السقا الذي ورد النهي عنه، ~~فقيل: إنه للإشفاق أن تكون فيه دابة. # مسألة في التقليد الجائز # ¬__________ # (¬1) في (ج): البيع به. # (¬2) في (ج) و (ب) في # (¬3) في (ب) و هو قائم. # (¬4) كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين )). الآية 60: ~~سورة البقرة. PageV01P006 # تقليد الصحابة في باب الأحكام وما كان طريقه طريق السمع، ألا ترى أنك ~~تحكي عنهم الإجماع. فإن كان الخبر منقولا عن بعضهم إذا لم ينقل عن أحد منهم ~~خلافا لذلك، ويجوز تقليد الواحد منهم أيضا إذا قال قولا ولم ينكر عليه ~~غيره، وإن علم له مخالف في الصحابة فلا، وخلاف التابعي عليهم ليس كخلاف ~~بعضهم على ms005 بعض؛ لأنه ليس في طبقتهم؛ لأن الصحابة هم الحجة التامة، ألا ترى ~~أن الله تعالى جعل شهادتهم على الناس كشهادة الرسول عليهم بقوله: { وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا } . ~~(¬1) فلا يجوز وقوع الخطأ في شهادتهم إذا كانت شهادتهم كشهادة الرسول عليه ~~السلام عليهم مثل قوله: { ويتبع غير سبيل المؤمنين نزله ما تولى ونصله جهنم ~~وساءت مصيرا. } (¬2) والخارج من قول الصحابة متبع لغير سبيل المؤمنين، وروي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"لا تجتمع أمتي على ضلال". (¬3) فإذا ~~لم ينقل الاختلاف فيهم، وكان المنقول عن بعضهم وترك المخالفة عن الباقين ~~وهم حجة الله جل ذكره في أرضه على عباده، دل تركهم لمخالفة القائل منهم على ~~تصويبه، ومن ادعى على أن في ضمائر بعضهم غير ما كان في الظاهر منهم، أو ~~نفيه منعتهم كان مخطئا، وطعن على الصحابة إنهم لم يقيموا الحجة لله عز وجل ~~(¬4) بالنهي عن المنكر والأمر بالمعروف، (¬5) # ¬__________ # (¬1) سورة البقرة: 143. # (¬2) سورة النساء: 115، وأول الآية: "ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين ~~له الهدى ويتبع" # (¬3) متفق عليه. # (¬4) لا توجد في (ب) و (ج). # (¬5) قال تعالى: " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن ~~المنكر".. PageV01P007 # ولا يجوز التقليد لأهل الاستدلال والبحث والأخبار في عصر غير الصحابة مع ~~الاختلاف، ويجوز الاعتراض عليهم في أدلتهم، ولا يجوز الاعتراض على الصحابة ~~لما ذكرنا، ويجوز للعامة تقليد العلماء والاتباع لهم فيما لا دليل لهم على ~~التفرقة بين أعدل أقاويلهم في باب الشرع، وما كان (¬1) طريقه طريق الاجتهاد ~~واستسلامهم للعلماء كاستسلامهم للحكام فيما يحكمون به لهم وعليهم فيما لا ~~علم لهم بصوابه. وكذلك تقليد الجاهل لمن لا يتهم في الدين، والله أعلم. # باب في ذم التقليد # قال الله تبارك وتعالى في كتابه: { ?وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل ~~الله وإلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا ~~يعلمون شيئا ولا يهتدون. } (¬2) وقال جل ذكره: { ويوم يعض الظالم على يديه ~~يقول يا ليتني ms006 اتخذت مع الرسول سبيلا. يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا ~~لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا. (¬3) وقال عز ~~وجل: { إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم ~~الأسباب. (¬4) وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا ~~كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار } (¬5) . # ¬__________ # (¬1) من (ب) و (ج). # (¬2) سورة المائدة: 104. # (¬3) سورة الفرقان: 27. # (¬4) سورة البقرة: 166. # (¬5) سورة البقرة 167. PageV01P008 # وهذا المعنى كثير في القرآن وفي السنة، من ذلك: أن رجلا أصابته شجة ~~فأجنب، وقد اندملت عليه فاستفتي له فأمر بالغسل ولم يروا له عذرا فاغتسل ~~فكز فمات. فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: "قتلوه قتلهم الله". ~~(¬1) ففي هذا دليل على إنه لم يجعل للمستفتي والمستفتي له عذرا، والله ~~أعلم. ولعل المفتي لم يكن أهلا لذلك، ونحن نعوذ بالله من غلبة الأهواء ~~ومسامحة الآراء وتقليد الآباء، وإياه نسأله أن يجعلنا من المتبعين لكتابه ~~الذابين عن دينه والقائمين بسنة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم. # باب في الناسخ والمنسوخ من القرآن # وإذا رفع الصحابي خبرا عن الرسول عليه السلام بإيجاب فعل وجب العمل به ~~على من بلغه (¬2) من المكلفين إلى أن يلقى خبرا غيره ينسخ ذلك الخبر، كان ~~على من عمل بالخبر الأول الرجوع إلى الثاني وترك العمل بالأول. وكذلك ~~الحاكم يعمل بما قام عليه الدليل عنده من أقاويل العلماء، فإذا قام له دليل ~~بعد ذلك على قول آخر هو أرجح عنده من الأول عمل بالثاني، وترك العمل (¬3) ~~الذي حكم به واستعمله، والله أعلم، وإذا لم يرجح عنده أحد الدليلين، واستوى ~~القولان عنده من كل الوجوه واعتدلا أخذ المتعبد بأي الأقاويل شاء، وبالله ~~التوفيق. # والنسخ على ثلاثة أوجه: (¬4) وجهان منهما مفهومان عند العامة، فأحدهما ~~انتساخ الشيء من كتاب قبله إلى كتاب آخر، والآخر نسخ الشيء وتحويله ~~وتبديله، هذا هو الذي يفهمه الناس في القرآن والسنة جميعا. # ¬__________ # (¬1) رواه النسائي. # (¬2) في (ب) من بلغه من الكلفين. # (¬3) في ms007 (ب) وترك العمل بالأول. # (¬4) في (ج) أقسام أوجه. PageV01P009 # والوجه الثالث: أن يحصي الشيء على عامله ويحتفظ به عليه نحو قول الله جل ~~ذكره: { ?هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } ~~(¬1) يريد والله أعلم إنا كنا نحصيه عليكم حتى نعيد ذكره إليكم فتعلمون ~~إنما (¬2) تجزون بما كسبت أيديكم. # وأما انتساخ الكتاب من كتاب كان قبله إلى كتاب بعده فقد أخبرنا الله ~~تعالى أن القرآن في لوح محفوظ بقوله: ? { بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ } ~~(¬3) وبقوله:? { يمحو الله ما يشاء ويثبت عنده أم الكتاب } (¬4) وإذا كان ~~القرآن عنده في أم الكتاب في لوح محفوظ ثم أنزله على محمد صلى الله عليه ~~وسلم فإنما أنزله على محمد نسخة ما في ذلك اللوح المحفوظ والكتاب المكنون، ~~وذلك الكتاب عند الله في موضعه. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~كان يوما قاعدا في أصحابه إذ ذكر حديثا فقال: (ذلك أو إن نسخ القرآن) فقال ~~رجل كالأعرابي: يا رسول الله ما ينسخ أو كيف ينسخ؟ فقال: "يذهب بأهله ويبقى ~~رجال كأنهم النعام) يعني حلة الطير". # ¬__________ # (¬1) سورة الجاثية: 29. # (¬2) إنكم إنما. # (¬3) سورة البروج: 22. # (¬4) سورة الرعد: 39. PageV01P010 # واختلف الناس في أول سورة أنزلت، فقال بعض: أول سورة أنزلت { ?إقرأ باسم ~~ربك الذي خلق } (¬1) وآخر سورة أنزلت (المائدة) وآخر آية أنزلت: { ?واتقوا ~~يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون } (¬2) ، ~~وقال آخرون: وآخر آية أنزلت (¬3) : ? { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ~~ما عنتم حريص عليكم } (¬4) ، وسنذكر من الناسخ والمنسوخ ما يكون فيه دلالة ~~على معرفة الناسخ الذي يجب العمل به والإيمان بالمنسوخ الذي نهينا عن العمل ~~به بعد نسخه بإذن الله وتوفيقه. قال الله تبارك وتعالى: { ما ننسخ من آية ~~أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها. } (¬5) يعني خيرا منها: لكم أو مثلها في ~~العمل والفرض نسخة في العمل والفضل أو ننسها: نتركها على حالها والله ~~أعلم. وقال قوم من أهل التفسير: { أو ننسها } ، فلا ms008 تقرأ على وجه الدهر، ~~يقول صاحب هذا التفسير (¬6) : أي ننهى عن قرآتها فلا تقرا حتى تنسى، وفي ~~الرواية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرض عليه الصلوات الخمس قبل ~~الهجرة بنحو سنة. وصلى عليه الصلاة والسلام إلى بيت المقدس بعد هجرته سبعة ~~عشر شهرا، وكانت الأنصار وأهل المدينة يصلون إلى بيت المقدس نحو سنتين قيل ~~قدوم النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم، وكان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم- بمكة فصلى إلى الكعبة (¬7) ثماني سنين إلى أن عرج به إلى المقدس، ثم ~~حول إلى قبلة بيت المقدس (¬8) لئلا يتهمه اليهود ولا يكذبونه لما كانوا ~~يجدون من صفته معهم ونعته في التوراة. # ¬__________ # (¬1) العلق: 1. # (¬2) سورة البقرة: 281. # (¬3) في (ج) وقال آخرون آخر آية نزلت. # (¬4) التوبة: 128. # (¬5) سورة البقرة: 106. # (¬6) تفسير القرطبي: الإبطال ولإزالة وهو منقسم في اللغة على ضربين: ~~إبطال الشيء وزواله ، وإقامة آخر مقامه. # (¬7) في (ج): وكان النبي صلى الله عليه وسلم صلى بمكة إلى الكعبة. # (¬8) في (ج) إلى قبيلة بيت القدس. PageV01P011 # فقال اليهود: يزعم محمد إنه نبي، وقد استقبل قبلتنا واستن بسنتنا فما ~~نراه أحدث في نبوته شيئا، وكانت الكعبة أحب القبلتين إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم - وهي قبلة إبراهيم عليه السلام، فكره النبي صلى الله عليه ~~وسلم قبلة اليهود، فسأل جبريل عليه السلام أن يسأل له (¬1) ربه أن ينقله ~~إلى قبلة أبيه إبراهيم عليه السلام، فقال له: إنما أنا عبد مثلك، فانصرف من ~~عنده، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقلب نظره نحو السماء فأنزل الله ~~تعالى: ? { قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام. } (¬2) وأنزل تبارك وتعالى: { ?فمن بدله بعد ما سمعه فإنما ~~إثمه على الذين يبدلونه } . (¬3) # ? وكان الموصي يسلم والوصي يلزمه ذلك. وكان الرجل يوصي بجميع ماله فلا ~~يدع لورثته شيئا، فأنزل الله تبارك وتعالى: { ?فمن خاف من موص جنفا أو إثما ~~فأصلح بينهم فلا إثم عليه } (¬4) فردهم (¬5) رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إلى الثلث. # وأنزل جل ذكره: ? { وليخش الذين لو تركوا ms009 من خلفهم ذرية ضعافا خافوا ~~عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا? } (¬6) # وكان الرجل إذا حضره الموت لم يورث زوجاته ولا بناته ولا الصغار من ~~أولاده، وإنما يورث من أولاده من يحمل السلاح أو يقاتل على ظهور الخيل، ~~فأنزل الله تعالى: ? { وليخشى الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا } ~~?الآية. # ¬__________ # (¬1) له: لا توجد في (ج). # (¬2) سورة البقرة: 144. # (¬3) سورة البقرة: 181. # (¬4) سورة البقرة: 182. # (¬5) في (ب) فردها. # (¬6) سورة النساء: 9. PageV01P012 # وكانت الوصية للوالدين والأقربين جائزة واجبة بقوله عز وجل: { ?كتب عليكم ~~إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين } ? (¬1) ثم ~~نسخت هذه الآية بآيات المواريث التي (¬2) في سورة النساء، وقال قوم ممن ~~يقول بأن السنة تنسخ القرآن: إنما نسخها قول النبي صلى الله عليه وسلم : ~~(لا وصية لوارث) (¬3) . # ¬__________ # (¬1) الآية 180 من سورة البقرة. # (¬2) من (ب). # (¬3) رواه أصحاب السنن. PageV01P013 # وكان فرض الصيام واجبا في الحضر والسفر بقوله جل ذكره: { كتب عليكم ~~الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات } . (¬1) ثم ~~رخص بعد ذلك للمسافر والمريض. وقوله: { كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين ~~من قبلكم } على اليهود والنصارى والملل من قبلكم لعلكم يعني (¬2) لعلكم ~~تتقون الأكل والشرب والجماع وغير ذلك مما نهي عنه في الصوم، وقال تعالى: { ~~وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين } . فقال قوم: يطيقون الصيام من غير ~~مشقة (¬3) مرض، وقال قوم: يطيقون الإطعام، وقال قوم: كانوا يطيقونه ثم ~~عجزوا عنه، وقال قوم: إنها منسوخة نسخها فرض الصيام. وأما قوله تعالى: { ~~فمن تطوع خيرا فهو خير له } (¬4) ، إن أطعم مسكينين كل واحد نصف صاع بر فهو ~~خير له، هكذا وجدت في بعض التفسير (¬5) فالواجب إطعام واحد يقال نسخها ~~قوله: { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى ~~والفرقان? } (¬6) يعني من الحلال والحرام والله أعلم. وقوله: { فمن شهد ~~منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر } ?وأما ~~قوله: { الذي أنزل فيه القرآن } ?عني نزل من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا ~~في ms010 كل ليلة قدر، ما يحتاج إليه الناس لسنتهم والله أعلم. قوله: { يريد الله ~~بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } ?اليسر: السعة، والعسر: الضيق، ولولا إنه ~~رخص للمريض والمسافر لكان قد ضيق عليهما. وأما قوله: "ولتكبروا الله على ما ~~هداكم"، فقال قوم من أهل التفسير: يكبرون على الضحايا والذبائح التي هداكم ~~لتأديتها، وقال قوم: يكبرون على إثر رمضان ليلة الفطر (¬7) وقوله: { ~~فابتغوا ما كتب الله لكم } ?يعني الولد. # ¬__________ # (¬1) سورة البقرة: 183. # (¬2) يعني لكي تتقوا الأكل والشرب هذا في (ب) و (ج). # (¬3) في (ب): من غير مشقة سفر ولا مرض وفي (ج) من غير سفر ولا مرض. # (¬4) سورة البقرة: 184. # (¬5) في (ب): التفاسير. # (¬6) سورة البقرة: 185. PageV01P014 # وأما قوله: { والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم } ، فإنه كان الرجل من ~~العرب في صدر الإسلام يعاقد (نسخة يعاهد) رجلا أجنبيا، يعني يحالفه على ~~النصرة له على عدوه يقول: "هدمي هدمك، ودمي دمك، تنصرني على عدوي وأنصرك ~~على عدوك. ترثني وأرثك، فلا يورث قرابته من ماله شيئا". ثم نسخها قوله جل ~~ذكره: { وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } (¬1) يعني في (¬2) ~~اللوح المحفوظ من العقد والحلف الذي كان يفعله الناس، والقرابات أولى والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) الحض على التكبير في آخر رمضان في قول جمهور أهل التأويل، تفسير ~~القرطبي. فقال الشافعي رضي الله عنه: روي عن سعيد بن المسيب وعروة وأبي ~~سلمة إنهم كانوا يكبرون ليلة الفطر، ويحمدون: قال وتشبه ليلة النحر بها. ~~وقال ابن عباس: حق على المسلمين إذا رأوا هلال شوال أن يكبروا. القرطبي ص 306. # (¬2) سورة الانفا ل: 75. PageV01P015 # وأما قوله تعالى: { الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض ~~وبما أنفقوا من أموالهم } (¬1) يعني مسلطون على النساء في الضرب الذي أمر ~~الله به والتأديب. نسختها آية القصاص: ? { الحر بالحر والعبد بالعبد ~~والأنثى بالأنثى } (¬2) في قول بعض أهل (¬3) التفسير وقال قوم: الآية التي ~~يذكر فيها الضرب والتأديب غير منسوخة، والرجل (¬4) كان يقتص من زوجته وتقتص ~~منه فنسخ الاقتصاص بين الزوجين بقوله: { الرجال قوامون على النساء } (¬5) ، ~~أي ms011 مسلطون، وأما قوله: { ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل } (¬6) يعني: ~~بالظلم، فلما أنزلت هذه الآية قالوا: ما بالمدينة مال أعز من الطعام. فكان ~~الرجل يتحرج الأكل في بيوت الأهل، نسختها: { ليس عليكم جناح أن تأكلوا من ~~بيوتكم أو بيوت آبائكم } (¬7) الآية. وقال قوم: ليس هذا نسخ، هذا تخصيص ~~لبعض الآية. وهذا القول أنظر عندي؛ لأن حقيقة النسخ بأن يدفع حكم المنسوخ ~~بكليته. وأما قوله: { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض ~~تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة. } (¬8) نزلت هذه الآية في الفداء ~~الذي أخذه النبي صلى الله عليه وسلم في أسارى بدر فعاتبه الله على ذلك ثم ~~أباح له الفداء بعد ذلك بقوله تعالى: { فإذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما ~~منا بعد وإما فداء } (¬9) ، فكانت هذه الآية ناسخة للأولى. وأما قوله: { يا ~~أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة } (¬10) # ¬__________ # (¬1) النساء: 34. # (¬2) البقرة: 178. # (¬3) روي عن ابن عباس إنها منسوخة بآية المائدة وهو قول أهل العراق. ~~القرطبي راجع جزء 6 ص 191. # (¬4) في (ب) وإن الرجل. # (¬5) النساء: 34. # (¬6) البقرة: 188. # (¬7) سورة النور: 61. # (¬8) الأنفا ل: 67. # (¬9) سورة محمد صلى الله عليه وسلم 40. # (¬10) سورة المجادلة: 12.. PageV01P016 # نسختها: { أأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب ~~الله عليكم فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } (¬1) . وأما قوله: { يسألونك ~~ماذا ينفقون } ? (¬2) فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحض المسلمين على ~~فعل الصدقة فسألوه عن ذلك فأنزل الله جل ذكره: { يسألونك ماذا ينفقون؟ قل: ~~العفو } ، (¬3) وهو ما فضل من (¬4) القوت، فإن كان من أصحاب الذهب والفضة ~~أمسك لقوته وعياله ويصدق (¬5) بالباقي. # وإن كان ممن يعمل بيده أمسك قوت يومه وأنفق الباقي، نسختها قوله: { وما ~~أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين } (¬6) ثم نسخها قوله تعالى الآية التي ~~في سورة براءة: { إنما الصدقات للفقراء والمساكين } (¬7) ويروى عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - إنه قال: "تصدقوا فإن صدقة السر تقي مصارع السوء ~~وتدفع ميتة السوء" (¬8) . وقوله جل ذكره: { والذين يتوفون منكم ويذرون ~~أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير ms012 إخراج } (¬9) كان الرجل إذا حضره ~~الموت يوصي لزوجته بسكنها ومؤونتها سنة كاملة. ثم نسختها الآية التي قبلها: ~~?والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بانفسهن أربعة أشهر وعشرا } ~~(¬10) وبطلت الوصية لها بقوله عليه السلام: " لا وصية لوارث " (¬11) وصار ~~المفروض لها الربع والثمن من مال زوجها، وأما قوله تعالى: { ?يا أيها الذين ~~آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام } ? (¬12) الآية. # ¬__________ # (¬1) سورة المجادلة: 13. # (¬2) سورة البقرة: 215. # (¬3) البقرة: 219. # (¬4) في (ج): عن. # (¬5) في (ج): وتصدق. # (¬6) البقرة:215. # (¬7) سورة التوبة: 60. # (¬8) رواه الترمذي. # (¬9) سورة التوبة: 60. # (¬10) البقرة: 240. # (¬11) رواه أصحاب السنن. # (¬12) سورة المائدة: 90. PageV01P017 # ولما (¬1) نزل تحريم الخمر قال المشركون: كيف لمن شربها منكم قبل تحريمها ~~؟ وما حال من مات منكم وقد سماه الله رجسا من عمل الشيطان وقد مات منكم من ~~مات على شربها ؟ فأنزل الله: { ?ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم ~~اتقوا وآمنوا } ?الآية (¬2) وأما قوله تبارك اسمه: { ?يا أيها الذين آمنوا ~~لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين ~~البيت الحرام يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا } (¬3) لحجهم، # وذلك أن بعض الصحابة أرادوا أن يقطعوا هديا لقوم سرقوا لهم أموالا ~~بالمدينة وساقوها عليهم فأنزل الله عز وجل: { لا تحلوا شعائر الله ولا ~~الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا آمين البيت الحرام يبتغون فضلا من ~~ربهم ورضوانا?لحجهم، فحرم بهذه الآية القتال في الشهر الحرام وما سيق إلى ~~البيت من هدي ثم نسخها بقوله: { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم?إلى قوله: { ~~واقعدوا لهم كل مرصد } (¬4) ،ونسخ ذلك بقوله: { إنما المشركون نجس فلا ~~يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } (¬5) وأما قوله: { وليس البر بأن ~~تأتوا البيوت من ظهورها } . (¬6) يقال: كانوا إذا أحرموا لم يدخل أحدهم من ~~باب بيته ولم يخرج منه فإنما (¬7) كان يثقب في (¬8) ظهره ثقبا يخرج منه وإن ~~كان خباء رفعه وخرج من ظهره، نسختها: { وليس البر بأن تأتوا البيوت من ~~ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون } . (¬9) # ¬__________ # (¬1) في (أ): ونزل. # (¬2) سورة المائدة: 92. # (¬3) سورة المائدة: 2. # (¬4) التوبة: 5. # (¬5) التوبة: 28. # (¬6) البقرة: 189. # (¬7) في ms013 (ج): وإنما. # (¬8) في ساقطة من (ج). # (¬9) البقرة: 189. PageV01P018 # وأما قوله عز وجل: { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا ~~وتصلحوا بين الناس?، (¬1) كان الرجل إذا حلف على قطع رحم لا يكلمه أو في ~~معروف (¬2) كان لا يفعل ذلك ليبر القسم لئلا يأثم فأنزل الله: { ولا تجعلوا ~~الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس } . وكان الرجل إذا ~~حلف من قوم إذا أغضبه أحدهم خاف أن يحنث فأخبره الله أن الوفاء باليمين ~~معصية فقال: { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت ~~قلوبكم } (¬3) يعني والله أعلم إذا تعمدوا في باب الإثم. # وأما قوله: { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ~~ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن ~~} . (¬4) كان الرجل إذا طلق زوجته واحدة واثنتين كان أملك بردها مالم تتزوج ~~حتى تكون ثلاث تطليقات فتصير أملك بنفسها، وقال قوم: إذا (¬5) طلقها ثلاثا ~~ما لم تتزوج نسختها الآية التي في سورة الطلاق، قول الله عز وجل: { إذا ~~طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة } ، إلى قوله: { لعل الله يحدث ~~بعد ذلك أمرا، فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف } (¬6) . # ¬__________ # (¬1) البقرة: 224. # (¬2) في (ب) ، (ج) أو معروف. # (¬3) البقرة: 225. # (¬4) البقرة: 228. # (¬5) في (ب)، (ج) لو طلقها. # (¬6) الطلاق: 2. PageV01P019 # وأما قوله: { يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا ~~تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة. } (¬1) كان ~~الرجل قبل الإسلام إذا مات وترك امرأته، قام إليها ابنه من غيرها أو وارثه ~~من قرابته إذا لم يكن له ولد طرح ثوبه على امرأة حميمه، فيرث نكاحها بالمهر ~~الأول مهر الميت ثم يمسكها، فإن كانت شابة جميلة ذات مال عجل بها رغبة في ~~مالها وشبابها، وإن كانت كبيرة دميمة أمسكها ولم يدخل بها وضارها حتى تفتدي ~~منه إليها بمالها ثم يخلي سبيلها، فأنزل الله هذه الآية: { لا يحل لكم أن ~~ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا ms014 أن يأتين ~~بفاحشة مبينة?وهو الزنا والله أعلم. وقال قوم: هو النشوز، فإذا فعلت ذلك حل ~~له أخذ المهر منها والفداء، فكان (¬2) الناس كذلك حتى نشزت جميلة بنت عبد ~~الله بن قيس (¬3) من زوجها ثابت بن قيس الأنصاري مرتين تشكو ثابتا بن قيس ~~فيردها أبوها إليه ويقول: يا بنية ارجعي إلى زوجك واصبري، فلما رأت أن ~~أباها لا يشكيها أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه وذكرت إنها له ~~كارهة فأرسل إلى زوجها فقال: يا ثابت: مالك ولأهلك؟ قال: والذي بعثك بالحق ~~نبيا ما على ظهر الأرض أحب إلي منها غيرك، وإني لمحسن إليها جهدي، قال لها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما تقولين فيما قال ثابت؟ فكرهت أن تكذب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سألها فقالت: صدق يا رسول الله، ولكن ~~تخوفت أن يدخلني النار. يعني إنها مبغضة له، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : أتردين عليه ما أخذت منه ويخلي (¬4) # ¬__________ # (¬1) النساء: 192. # (¬2) في (ب) و (ج): وكان الناس. # (¬3) في (ب): أبي قيس. # (¬4) في (ب) و (ج): ويخلي لك سبيلك.. PageV01P020 # سبيلك؟ قالت: نعم، قال: يا ثابت ما تقول أترضى أن ترد عليك ما أخذت منك ~~وتخلي سبيلها؟ قال ثابت: نعم يا رسول الله قد أخذت مني حائطا ترده علي ~~وأخلي سبيلها، فردت عليه وخلى سبيلها، فكان هذا أول خلع في الإسلام (¬1) ، ~~فنسخ العضل وأخذ المال كرها، وأما قوله جل ذكره: (¬2) { والمحصنات من ~~النساء إلا ما ملكت أيمانكم } (¬3) فحرم بهذه الآية كل امرأة لها زوج ثم ~~نسخ هذه الآية، وخص بعض حكمها سبايا "بني المصطلق" وغيرهن ولهن أزواج ~~مقيمون في دار الحرب فقال قوم: بل استثنى في هذه الآية: { إلا ما ملكت ~~أيمانكم?يعني: من السبايا، وأما قوله تعالى: { فما استمتعتم به منهن فآتوهن ~~أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة } (¬4) وفي ~~قراءة عبد الله ابن مسعود: { فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فلا جناح ~~عليكم فيما تراضيتم به من بعد ms015 الفريضة } ، يعني من الأجل الأول والله أعلم. ~~قيل إن هذه متعة كانت في صدر الإسلام للمسلمين ثلاثة أيام، حيث اعتمروا ~~عمرة إلا ما قال بعض يعرفها القضاء، فلما قضى عمرته حرمها ونهى عنها أشد ~~النهي، وكان الرجل ينطلق إلى المرأة من أهل مكة فيستمتع منها بشيء يتفقان ~~عليه بأمر الولي فإذا تم الأمر (¬5) ورغب في زيادة زادها، ولم (¬6) يحضر ~~الولي وإنما يكون على العقد الأول، فإذا مات أحدهما لم يرث الحي منهما، ولم ~~تكن عليها منه عدة، نسختها آية العدة والمواريث، ومن قال بأن السنة تنسخ ~~الكتاب يقول: نسخ بقول النبي عليه السلام "لا نكاح إلا بولي وشاهدين". (¬7) # باب آخر في الناسخ والمنسوخ # ¬__________ # (¬1) رواه البخاري والنسائي. # (¬2) في (ب) و (ج) وعز. # (¬3) النساء: 24. # (¬4) النساء: 24. # (¬5) في (ب) و (ج): الأجل. # (¬6) في (ج): ولو لم. # (¬7) رواه أبو داود والترمذي. PageV01P021 # والنسخ لا يقع إلا في الأمر والنهي ومن يجوز ذلك في الخبر؛ لأنه ليس يجوز ~~أن يقول الصادق جل ذكره إنه يكون وكذا وكذا، ثم نسخ ذلك بأن يقول: إنه لا ~~يكون، أو يقول: إنه يكون ثم يقول: إنه لا يكون وكذلك في الماضي: هذا هو ~~الكذب. والله تعالى يتعالى عنه علوا كبيرا، وقد اختلف الناس في هذا الباب ~~على وجوه قال قوم: إن المنسوخ ما رفع تلاوته وتنزيله له كما رفع العمل به ~~"نسخة بتأويله". وقال آخرون: النسخ لا يقع في قرآن قد نزل وتلي وحكم ~~بتلاوته صلى الله عليه وسلم ، ولكن النسخ ما أبدل الله منه في حكمه من ~~التفسير الذي قد أزاح عنهم ما كان يجوز أن يمتحنهم به من الأمور الشداد، ~~والأمور العظام التي تعبدها من كان قبلهم من الأمم، وهرب هؤلاء من أن ~~يقولوا إن الله جل ذكره ينسخ شيئا بعد نزوله، بعد أن عمل به المؤمنون عن ~~ربهم بحضرة نبيهم صلى الله عليه وسلم ،وزعموا أن من وصف الله بذلك فقد وصفه ~~بالبداء، وقال آخرون: إنما هو الناسخ والمنسوخ أن الله جل ذكره: نسخ القرآن ~~من اللوح ms016 المحفوظ الذي هو أم الكتاب، والنسخ لا يكون إلا من أصل. وقال ~~آخرون: بل يجوز أن ينسخ قرآنا أنزله بأن يبدل به آية أخرى بعدما نزلت به ~~الأولى. فتتلى الآية التي (¬1) كانت التي ويكون العمل على الأخرى. وقد يجوز ~~أن يرفع الله تلاوة الأولى كما رفع العمل بها. واختلفوا في وجه آخر، فقال ~~قوم: لا ينسخ القرآن إلا بقرآن مثله واحتجوا بقول الله تبارك وتعالى: ? { ~~ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها . } # ¬__________ # (¬1) في (ج): كما. PageV01P022 # ولا يكون ما ليس بقرآن خير من القرآن، وقال آخرون: بل السنة تنسخ القرآن ~~والقرآن لا ينسخ السنة. وقال آخرون: السنة إذا كانت بأمر الله تعالى من ~~طريق الوحي، وإن لم تكن ما أوحي به فيها قرآنا فإنها تنسخ القرآن. فإذا ~~كانت على طريق الاجتهاد والرأي فإنها لا تنسخ (¬1) بل لم يكن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ليجتهد في أمر محكم بخلاف ما في القرآن بل الأمر بحكم (¬2) ~~الاجتهاد وفيها منه حكم مبين. قالوا: والقرآن ينسخ السنة عن أمر الله أو ~~باجتهاد رسول الله (¬3) صلى الله عليه وسلم ، وهذا التفسير من السنة إنما ~~يحتاج إليه من يجيز الاجتهاد ويجيزه النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما من ~~أبى ذلك، فإن السنة لا تكون عنده إلا بأمر الله جل ذكره، والسنة عنده تنسخ ~~القرآن، والقرآن ينسخ السنة. # ¬__________ # (¬1) من (ج). # (¬2) في (ب) و (ج) حكم الاجتهاد. # (¬3) في (ج) من رسول الله. PageV01P023 # والنظر يوجب (¬1) أن القرآن والسنة حكمان (¬2) كل واحد منهما بالآخر. ~~ويدل على ذلك قول الله جل ذكره: { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } ~~(¬3) فأخبر جل ذكره أن الكل من عنده وبأمره. واختلفوا في ذلك من وجه آخر، ~~فزعم قوم أن الآيتين إذا أوجبتا حكمين مختلفين، وكانت إحداهما متقدمة ~~للأخرى، فالمتأخرة ناسخة للأولى لقول (¬4) الله عز وجل: { كتب عليكم إذا ~~حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين } (¬5) نسخه قوله ~~بعد ذلك: { ولأبويه لكل واحد منهما السدس } ?وقال: ms017 { فإن لم يكن له ولد، ~~وورثه أبواه فلأمه الثلث } (¬6) فالآخرة ناسخة للأولى، ولن يجوز أن تكون ~~لهما الوصية والميراث. وقال آخرون: بل ذلك جائز وليس في الآيتين ناسخ ولا ~~منسوخ، وإنما نسخ الوصية للوارث بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . ~~قالوا: فالناسخ لا يكون إلا ما يجوز (¬7) اجتماعه والمنسوخ (¬8) فلا (¬9) ~~يجوز الحكم بهما في حال واحد على إنسان واحد، والنظر يوجب عندي والله أعلم ~~أن { الوصية للوالدين والأقربين? } غير منسوخة، وقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم "لا وصية لوارث" ليس نسخ لها وإنما هو بيان لحكمها (¬10) لأنه من ليس ~~بوارث من والدين وأقربين فالوصية لهم واجبة، ومن لم (¬11) يقل إنها واجبة ~~فعنده إنها جائزة، فهذا يدل على أن النهي صلى الله عليه وسلم بين (¬12) # ¬__________ # (¬1) في (ب) و (ج) يوجب عندي. # (¬2) في (ب) حكمان لله ينسخ. # (¬3) سورة النجم: 4. # (¬4) في (ج): كقول. # (¬5) سورة البقرة: 180. # (¬6) سورة النساء: 11. # (¬7) في (ب) و (ج) إلا ما لا يجوز. # (¬8) في (ب) و (ج): مع. # (¬9) في (ب) و (ج) ولا. # (¬10) قال تعالى في هذا المعنى: (قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما ~~كنتم تخفون من الكتاب) سورة المائدة: 15. # (¬11) في (ب) ومن لم يقل وقال: "وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ~~ليبين لهم" سورة إبراهيم: 4. # (¬12) بين: لا توجد في (ب).. PageV01P024 # أن الوصية لا تجب لمن كان وارثا والله أعلم. واختلفوا في ذلك من وجه آخر ~~فقال قوم: الناسخ والمنسوخ قد يكون في وصف الله والثناء عليه، وفيما ليس ~~بأمر ولا نهي من الخبر وغيره، وقد بينا قبل هذا ما نذهب إليه ونختاره وهو ~~قول أهل الحق: إن النسخ لا يجوز أن يكون إلا في الأمر والنهي، وقال قوم ممن ~~ليس يلتفت إلى قولهم إلا إنهم على حال ينسبون إلى أهل القبلة: إن الآية ~~المنصوص عليها زعموا مفوض إليها نسخ القرآن وتبديله، وتجاوز بعض فأفرط حتى ~~خرج من الدين بقوله إن النسخ يجوز على سبيل الابتداء (¬1) وهو أن يأمر الله ~~بالشيء، وهو لا يريد في وقت أمره ms018 أن يغيره ويبدله ولا يبدله، ثم يبدو له ~~فيغير ذلك ويبدله وينسخه جل ذكره وتعالى عما قالوا، وعندهم إنه لا يعلم ~~الشيء حتى يكون إلا ما يقدره، فيعلمه على تقديره. وزعم قوم ممن يدعي علم ~~القرآن: إنما أنزل بالمدينة ناسخ لما نزل بمكة، وهذا غلط عندي لما ذكرنا من ~~أمر النسخ لا يكون إلا في الأمر والنهي؛ لأنه قد يجوز أن يكون قد نزل بكلمة ~~ناسخ لما (¬2) تقدمه في النزول بها، كذلك القول فيما نزل بالمدينة، فمن ~~الحجة على من أبطل بالنسخ (¬3) وأفسده ورأى أن القول به كالقول بالبداء، ما ~~وجدناه من أفعال الله جل ذكره وهو يحيي الإنسان، ما كانت الحياة أصلح له في ~~التدبير ثم يميته، ويصحه ما دامت الصحة أصوب في تدبيره تعالى ثم يسقمه. ومن ~~الحجة عليهم أيضا اختلاف شرائع الأنبياء صلوات الله عليهم في الأحكام لا في ~~التوحيد والوعد والوعيد، ونسخ بعضها البعض، فإن أنكر منكر وزعم، أن شرائع ~~الأنبياء صلوات الله عليهم كانت متفقة، وأن شيئا منها لم ينسخ ما تقدمه ~~فالحجة عليه قول الله عز وجل عن المسيح (¬4) # ¬__________ # (¬1) في (ب) و (ج): البداء. # (¬2) في (ب) ، (ج): ما تقدمه. # (¬3) في (ب): النسخ. # (¬4) في (ج) حكاية عن المسيح.. PageV01P025 # صلى الله عليه وسلم حين يقول: { ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم. } (¬1) ~~وبتحريم صيد السمك يوم السبت على من حرم ذلك عليه، وتحليل ذلك لنا، و بالكف ~~عن العمل يوم السبت، وما أمر به بنوا إسرائيل من ذلك وإباحته لنا. # ودليل آخر هو قول الله تعالى: { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات ~~أحلت لهم } ? (¬2) والحجة على من زعم أن النسخ لا يكون حتى ترفع تلاوته ما ~~نسخ الله من التوراة بالقرآن وهما متلوان جميعا. فأما نسخ القرآن بالسنة ~~فقد قال به أكثر أصحابنا، واحتجوا بأن الله فرض علينا سبع عشرة ركعة في كل ~~يوم وليلة، ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم سن على (¬3) المسافر بعض ذلك ~~جميعه (¬4) فإذا (¬5) احتج محتج مما قال: إن القرآن ms019 لا ينسخه إلا قرآن، وأن ~~نسخ فرض صلاة المقيم بقول الله جل ذكره: { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم ~~جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا. } (¬6) وأن الآية ~~إنما أوجبت القصر على الخوف، وقد أجمع المسلمون من أهل الصلاة عن نبيهم صلى ~~الله عليه وسلم بقصر الصلاة في حال الأمن دون الخوف، وهذا يدل على أن الآية ~~ليست ناسخة والله أعلم. # وأما من زعم أن السنة تنسخ القرآن والقرآن لا ينسخ السنة، فإن من الحجة ~~عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزل يصلي إلى بيت المقدس بغير ~~قرآن نزل، ثم إن الله نسخ ذلك بقرآن أنزله، وحول القبلة إلى الكعبة. # ¬__________ # (¬1) آل عمران: 50. # (¬2) النساء: 160. # (¬3) في (ب) و (ج) أن على. # (¬4) في (ب) دون جميعه. # (¬5) في (ج) فإن. # (¬6) النساء: 101. PageV01P026 # وأما من قال: إن نسخ القرآن مفوض إلى الأئمة فإنهم احتجوا بأن الرسول ~~عليه السلام كان يجتهد رأيه (¬1) في الأحكام. قالوا: فإذا كانت السنة ~~اجتهادا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد يجوز أن ينسخ القرآن بالسنة، ~~وإذا جاز نسخ القرآن بالسنة من طريق الأحكام، وتفويض الأحكام إلى الرسول ~~صلى الله عليه وسلم قالوا: فجائز للإمام بعده الذي نص عليه أن يجتهد فيما ~~فوض (¬2) إليه فالحجة عليهم غير قليل، من ذلك قول الله جل ذكره: { قال ~~الذين لا يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله قل: ما يكون لي أن أبدله ~~من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي } (¬3) وقوله عز وجل: { وما ينطق عن ~~الهوى إن هو إلا وحي يوحى } (¬4) وأما من زعم أن الله جل ذكره وتعالى علوا ~~كبيرا لا يعلم الشيء حتى يكون، فأجاز بذلك البداء على الله، كما أجاز غيره ~~النسخ على أخبار الله وصفاته؛ فالحجة عليه قول الله جل ذكره: { ولو ترى إذ ~~وقفوا على النار فقالوا: يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من ~~المؤمنين } (¬5) ثم قال: { ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ms020 } ~~(¬6) فأخبر بما يقولون قبل أن يقولوا، وأخبر أنهم (¬7) لو ردوا كيف كان ~~حالهم فقد علم ما يكون من قولهم قبل أن يكون، وعلم ما لا يكون أن لو كان ~~كيف كان يكون، ونظائر هذا كثير في هذا القرآن وغيره وبالله التوفيق. # باب في المحكم والمتشابه # ... اختلف الناس في المحكم والمتشابه فقال قوم: إن المحكم هو الناسخ، ~~والمتشابه هو المنسوخ. # ? وقال قوم: إن المحكم هو الفرائض والوعد والوعيد، وأن المتشابه هو القصص ~~والأمثال. # ¬__________ # (¬1) في (ج): برأيه. # (¬2) في (ج): فرض. # (¬3) يونس: 15. # (¬4) النجم: 3. # (¬5) الأنعام: 27. # (¬6) الأنعام: 28. # (¬7) في (أ): بهم. PageV01P027 # ? وقال قوم: المتشابه هو قوله: ألم وألمص. وكهيعص، وحم. وما يحتمل ~~تأويلين (¬1) في اللغة، والمحكم هو الذي تأويله تنزلة (¬2) تجب في القلب ~~معرفته عند سماعه، والمحكم عندنا والله أعلم ما كان حكمه معلقا بظاهره لا ~~يحتمل وجهين مختلفين كقوله: { لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد } . ~~وقوله: { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } . (¬3) وقوله: { وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون } . (¬4) وقوله: { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم ~~وعماتكم وخالاتكم } (¬5) ونحو هذا. والمتشابه فهو لا يعلم المراد به في ~~ظاهر "تأويله" (¬6) تنزيله؛ وإنما يرجع في حقيقة ذلك من وجوه التأويل ~~المحكم له كقوله جل ذكره: { يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله } . (¬7) ~~وقوله: ? { تجري بأعيننا جزءا لمن كان كفر } . (¬8) وقوله: { ?خلقت بيدي } ~~، (¬9) { ?وعملت أيدينا } . (¬10) وقوله: ? { يضل من يشاء ويهدي من يشاء } ~~(¬11) { ?وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون } ، (¬12) { فلما زاغوا أزاغ ~~الله قلوبهم } . (¬13) ويدل على ما قلنا قول الله تعالى: { ?فأما الذين في ~~قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله } . (¬14) ~~يقول والله أعلم : إن الذين في قلوبهم مرض وهم المبطلون إنما يبتغون ما ~~يتعلقون به ويرونه حجة إن كانوا متأويلين من أهل الملة، ويظنون أن فيه ~~مطعنا إن كانوا ملحدين فيما يحتمل تأويله في ظاهره وبالله التوفيق. # مسألة القرآن دليل نفسه # وإنه معجز بعجيب نظمه لا يقدر الخلق على أن يأتوا بمثله. # ¬__________ # (¬1) في (ب) و (ج): تأويلين متساويين. # (¬2) في ms021 (ب) و (ج): تنزيله. # (¬3) الشورى: 11. # (¬4) الذاريات: 56. # (¬5) النساء: 23. # (¬6) تأويله: لا توجد في (ب) و (ج). # (¬7) الزمر: 56. # (¬8) القمر: 14. # (¬9) ص: 75. # (¬10) يس: 71. # (¬11) فاطر: 8. # (¬12) التوبة: 93. # (¬13) الصف: 5. # (¬14) آ ل عمران: 7. PageV01P028 # إن (¬1) رسول الله صلى الله عليه وسلم ، جاء به قوما كانوا هم الغاية في ~~الفصاحة والعلم باللغة والمعرفة بأجناس الكلام (¬2) جيده ورديئه، فشتم ~~آبائهم وأسلافهم وقبح أديإنهم وضعف أخبارهم، وهم أهل الحمية والأنفة ~~والخيلاء والعصبية، فقرعهم بالعجز؛ لأن يأتوا بمثله، ومكنهم من الفحص ~~والبحث والاحتيال، وأمهلهم المدة الطويلة، وأعلمهم أن (¬3) في إتيانهم بمثل ~~الذي أتى به في جنسه ونظمه ما يوجب إحقاقهم وإبطاله حاشا لهم من الباطل ، ~~فبذلوا في إطفاء نوره ودحض حجته أموالهم وآبائهم وأبناءهم وأنفسهم، ولم ~~يعارضوا ما احتج به عليهم من كتاب ربه بأرجوزة، ولا قصيدة، ولا خطبة، ولا ~~رسالة. فصح بهذا (¬4) إنهم لو قدروا على ذلك ما تركوا إلى (¬5) بذل الأموال ~~والأنفس. # ¬__________ # (¬1) في (ج) و (ب): لأن. # (¬2) في (أ): الناس. # (¬3) " إ ن " لا توجد في (ب). # (¬4) في (ج): هذا. # (¬5) في: (أ): إلا. PageV01P029 # وإن (¬1) قال قائل: ما يدريك (¬2) لعل العرب قارضت (¬3) القرآن وأتت ~~بمثله فخفي ذلك وانكتم. قيل: لو جاز ذلك لجاز أن يكون النبي صلى الله عليه ~~وسلم هزمه عدوه يوم بدر فستر ذلك عنا ونقل إلينا خلافه، ولجاز أن يكون ~~النبي صلى الله عليه وسلم قتل في بعض مغازيه فكتمنا ذلك ونقل إلينا أنه مات ~~على فراشه، على إنه قد روي ما امتحن به صلى الله عليه وسلم في أصحابه يوم ~~أحد وغيره من الأيام وما نيل منه في وجهه، وما هجي به وادعي عليه من السحر ~~والكهانة والجنون، وقد طعن الملحدون في القرآن وألفوا في ذلك الكتب، ولو ~~كانت العرب قد عارضته بمثل الذي أتى به فأبطلت حجته لاشتهر ذلك. ولكن أحق ~~بالظهور لشهرته وعظم الخطب فيه من سائر ما ظهر؛ لأنه أغرب وأعجب وأقطع ~~وأشنع، ومحال أن يكون ينقل إلا دون ويترك الأجل القطع (¬4) وبالله التوفيق. # ¬__________ # (¬1) في (ب) و (ج): فإن. # (¬2) في (ج): يدريكم. # (¬3) في (ج): عارضت. ms022 # (¬4) في (ب)، إلا قطع وفي (ج): إلا فظع. PageV01P030 # ? وقد زعم قوم من أهل الكلام أن الحجة في القرآن إنما هو ما فيه من ~~الأخبار عن الغيوب،و (¬1) الله جل ذكره منع العرب و (¬2) صرفهم عن معارضته ~~إلا إنه في نفسه معجز، قيل لهم: لو كان هذا على ما ذكرتم كان الواجب في ~~الحكم أن يستحق نظمه؛ لأن الأعجوبة في عجزهم علة (¬3) مع قدرتهم على ما ~~أجود منه وأفصح كائن يكون أعظم وأجل وأدل على المراد. فقد (¬4) طعن بعض ~~الملحدين في القرآن فقال: نجد الإنسان إنه (¬5) يقول في القرآن: الحمد لله ~~منفردة، ورب العالمين منفردة، وكذلك كل لفظة من القرآن، فإذا كان يمكنه أن ~~يأتي بمثل هذه الألفاظ منفردات فقد صح القدرة عليها، وإذا كان قادرا عليها ~~فما الذي يمنعه من جمعها ومتى يدركه العجز عند اللفظة الثانية والثالثة ~~والرابعة وما (¬6) البرهان على ذلك؟ فعارضهم بعض المتكلمين فقال: أخبرنا ~~(¬7) عن البكاء المفجم ليس (¬8) يقدر على (¬9) أن يقول: قفا نبك منفردة، ~~ومن ذكرى حبيب منفردة، ثم كذلك كل لفظة من هذه القصيدة: فإذا كان يمكنه أن ~~يأتي بها منفردات كان قادرا على ذلك، فما الذي يمنعه من جمعها ونظمها النظم ~~الموزون؟ ومتى يلحقه العجز في اللفظة الثانية والثالثة والرابعة؟ فلم يجدوا ~~في ذلك فرقا (¬10) والحمد لله. # ¬__________ # (¬1) في (ب) و (ج): وأن. # (¬2) في (ب): في. # (¬3) في (ج): عنه. # (¬4) في (ب) و (ج): وقد. # (¬5) إنه: غير موجودة في (ب) و (ج). # (¬6) في (ج): وأما. # (¬7) في (ب) و (ج): خبرونا. # (¬8) في (ب) و (ج): اليس. # (¬9) (على) غير موجودة في (ب) و (ج). # (¬10) في (ب) و (ج): نسخة فرصا. PageV01P031 # وقد قال بعض الجهال، من (¬1) يتهم بالإلحاد ويطعن عليه به ويدعي علم ~~اللغة والفصاحة، إذا قرئت بين يديه الآية أو السورة من القرآن يروم أن ~~يعارض به أشعارا مقولة، وخطبا لبعض المتقدمين معلومة، ويقال (¬2) ما الفرق ~~بين ذي وذلك؟ والذي يدل على جهله أن ما فعله لو كان مما يتعلق به لسبق إليه ~~القوم الذين أورد عليهم ms023 الرسول عليه السلام هذا الكتاب، فهم كانوا أعلم ~~باللغة وأقدر على الكلام المنظوم البليغ الفصيح، فلما تركوا ذلك وقصدوا إلى ~~الحرب التي تأتي على الأنفس والمال، علمنا أن من بعدهم عما عجزوا عنه (¬3) ~~أعجز عنه، وأن هؤلاء إنما يعارضون بما ذكرنا للجهل الذي فيهم والتعجرف، ~~والأموال والمحاربة، (¬4) ولما كان أولئك وإن كانوا أولئك كفارا يستحقونه ~~ولا يتقدمون لمداواتهم (¬5) وأخطارهم. # باب مسألة القول في المتشابه # ¬__________ # (¬1) في (ب) و (ج): ممن. # (¬2) في (ج) يقول. # (¬3) (عنه) لا توجد في (ج). # (¬4) في (ج): المخابة. # (¬5) في (ب) لمداومتهم. PageV01P032 # فأما المعنى في متشابه الكتاب فإن الله جل ذكره خلق عباده ليمتحنهم ~~فيثيبهم كما قال جل وتعالى: { ?إنه يبدؤ الخلق ثم يعيده ليجزي الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات بالقسط } (¬1) ، فعرضهم بخلقه إياهم على المنازل وأشرفها ~~وهو الثواب الذي لا خلاف بين أهل العقول في أنه أشرف من التفضل. والله جل ~~وتعالى جواد كريم، لا يقتصر لعباده (على ما غيره أعلا وأشرف)، (¬2) إذا كان ~~ذلك حكمة وصوابا، ولو كان القرآن كله محكما لا يحتمل التأويل، ولا يمكن ~~الاختلاف فيه لسقطت المجنة (¬3) فيه وتبدلت (¬4) العقول وبطل التفاضل ~~والاجتهاد في السبق إلى الفضل واستوت ومنازل العباد، والله يتعالى أن يفعل ~~ما هذا سبيله، بل الواجب في حكمته، ورحمته ما صنع وقدر فيه، إذ جعل بعض ~~محكما ليكون أصلا يرجع إليه، وبعضه متشابها يحتاج فيه إلى الاستخراج ~~والاستنباط، ورده الحكم وإعمال العقول والفكر. ليستحق بذلك التواب الذي هو ~~العوض، فإن قال قائل: أفما كان الله قادرا على أن يوصل العباد إلى الثواب ~~من غير محنة؟ قيل له: إن الله على ذلك لقادر (¬5) وعلى ذلك (¬6) قدير، وليس ~~كل ما يقدر عليه يفعله جل عن ذلك وتعالى، بل لن يفعل إلا الحكمة والصواب ~~من التدبير، ولو كان يعطي منزلة العامل المجتهد من لا عمل له ولا يساوي ~~(¬7) دون المؤمنين في الجنة بنبي الله عليه السلام في منزلته ودرجته إذ كان ~~الله على ذلك قادرا، الذي أفسد هو، (¬8) ما سأل عنه السائل ولله المنة. ms024 # باب الرد على من يدعي الزيادة والنقصان في القرآن # ¬__________ # (¬1) يونس: 4. # (¬2) في (1): على غيره وأشرف. # (¬3) (ج): المحبة. # (¬4) في (أ) و (ب): وتبدلت. # (¬5) في (ج): قادر. # (¬6) في (ج): وعلى ما يشاء قدير. # (¬7) وأن يساوي. # (¬8) في (ج): والذي أفسد هو الذي أفسد. PageV01P033 # أما الذي يدل على إبطال قول من يدعي0 فيه الزيادة والنقصان وأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يجمعه حتى جمعه أصحابه بعده فهو كتاب الله الذي لا يحتاج ~~معه إلى غيره، قال الله جل ذكره: ? { وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من ~~بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد } (¬1) وقال الله عز وجل: { ?إنا ~~نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } (¬2) وقال تبارك وتعالى: ? { سأصرف عن ~~آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق } (¬3) ونحو هذا في القرآن كثير. ~~وفي بعض هذا ما يغني عن الرد على من ذكرنا لغيره، ويبطل القراءة الفاحشة ~~والروايات الكاذبة على أصحابه وما يروون عن المصحف المنسوب إلى عبد الله بن ~~مسعود وما جعله الله وغيره من المصاحف التي لم تظهر في محفل قط. ولو ظهرت ~~لم تدر لمن هي وما قصتها. كذلك ما حكي عن عبد الله بن مسعود من الزيادة ~~والنقصان، وإني لأعجب ممن يقبل من المسلمين قول من يزعم أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ترك القرآن الذي هو حجته على أمته والذي تقوم به دعوته ~~والفرائض التي جاء بها من عند الله، وبه يصح الذي بعثه الله داعيا إليه، ~~مفرقا في قطع الحرف الذي لم يجمعه ولم يضمه ولم يحصه ولم يحكم الأمر في ~~قراءته وما يجوز من الاختلاف فيها وما لا يجوز، وفي إعرابه ومقداره وتأليف ~~سوره، وهذا لا يتوهم على رجل من عامة المسلمين. فكيف برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم (نسخة) وكيف برسول رب العالمين وعلى آله الطيبين؟ وقد قال رجل ~~ممن يذكر بعلم القرآن: إن مما يدل على خطأ من ذهب إلى مذهب من ذكرنا أن ~~الله جل ذكره أنزله على رسوله صلى الله عليه ms025 وسلم في ثلاث وعشرين سنة ~~كلما أنزلت آية وسورة قرأها على أصحابه في صلاته وحضر (¬4) وجملة (¬5) # ¬__________ # (¬1) فصلت: 42. # (¬2) الحجر: 9. # (¬3) الأعراف: 146. # (¬4) في (ج): وفي كل سفر وحضر. # (¬5) في (ب) و (ج): أجلة.. PageV01P034 # المهاجرين وخيار الأنصار والذين يلونهم في الأقدار. فربما قرأها (¬1) على ~~العوام وفي المواسم العظام، لأن فيه فروضهم وحلالهم وحرامهم ووعدهم ووعيدهم ~~والاحتجاج عليهم ولهم، وكانوا أهل عناية وتعظيم له وحرص عليه يدرسونه ~~نهارهم ويصلون به في ليلهم ويتفقهون فيه ويتفهمون معانيه ويقرئ بعضهم بعضا ~~في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي غيره من مساجدهم ومشاهدهم، وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم مع ذلك يحثهم على التعليم ويرغبهم فيه ويقول: " ~~خيركم من تعلم القرآن وعلمه (¬2) " وكان يقول عليه السلام "إن هذا القرآن ~~مأدبة (¬3) الله فتعلموا مأدبته". (¬4) # ¬__________ # (¬1) في (ب): فربما وفي (ج) فربما قرأها العوام على العوام. # (¬2) رواه البخاري وأبو داود الترمذي. # (¬3) في (ب) بالمد. # (¬4) رواه البخاري وأبو داود الترمذي وأحمد بن ماجه. PageV01P035 # ومن غير الجامع المأدبة هي المدعاة إلى الحق وهو القرآن والمأدبة هي ~~المدعاة إلى الطعام يعني الوعاء والله أعلم. رجع قال يوم أحد في الشهداء: " ~~زملوهم في ثيابهم وقدموا أكثر القوم قرآنا " (¬1) مع قول غير هذا كثير ~~وترغيب شديد، وكانوا هم الحجة على من غاب منهم "نسخة" عنهم، وعلى التابعين ~~بعدهم، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم حجة عليهم، فإن تشاجروا في شيء ~~منه ردوه إلى الله والرسول. (¬2) والرسول قائم عليهم وحريص على تعليمهم، ~~رفيقا بتأديبهم. "نسخة" ومؤدب لهم. وإذا كان الأمر على ما ذكرنا لم (¬3) ~~يخف على من كان على هذه الصفة، وسار على هذه السيرة ناسخ من منسوخ، ومكي من ~~مدني وتقديم من تأخير. # ¬__________ # (¬1) رواه الترمذي وأبو داود. # (¬2) في (ج): ورسوله: # (¬3) "لم": لا توجد في (ج). PageV01P036 # وكيف هم شهود للقصة، حضور للتنزيل، وإنما هو في مغنم أو فداء أو عفو أو ~~قتل أو أسر أو قبض أو صدقة أو صلاة أو صيام أو نسك أو تحريم ربا أو زنا أو ~~خمر ms026 أو خنزير أو قصاص في حد أو ميراث، وفيهم ينزل وإليهم يرجع، ولقد حفظوا ~~من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحكامه وأحاديثه، وأخلاقه وسيره ~~ودلالاته، قبل مبعثه أضعاف ما بين دفتي المصحف، يعلم ذلك جميع الفقهاء، ~~ويخبرك ذلك جميع العلماء، والعرب مخصصون بشدة الحفظ وحسن البيان، وقد كان ~~للنبي صلى الله عليه وسلم كتاب يكتبون الوحي، لا يدفع ذلك صاحب خبر ولا ~~حامل أثر، وكان منهم ابن أبي سرح، وزيد ابن ثابت، ومعاذ بن جبل، ومعاوية ~~بنت أبي سفيان، فإن لم يكن القرآن مجموعا مكتوبا في زمان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فأي شيء كان يكتب هؤلاء؟ وكيف يجوز على القوم الذي ذكرنا ~~أحوالهم أن يتركوا جمع القرآن، والوقوف على تأليفه ومقدمه ومؤخره، وهو إنما ~~أنزل عليهم وفيهم على ما تقدم في شرح العالم الذي ذكرنا في صدر هذا أهل ~~الفضل، ومما يدل على حفظهم لما استحفظوا له، وقيامهم بما استكفوا إياه، ~~إنهم كانوا علماء لنظم السور وتأليف الآي، لا يحرفون الحكاية، ولا يقصرون ~~في التأدية، إن أول ما نزل القرآن بمكة { ?إقرأ باسم ربك الذي خلق } . فأول ~~ما نزل بالمدينة سورة (البقرة)، وآخر ما نزل سورة (براءة). فلو كانوا إنما ~~ألفوا السور على تقدير رأيهم لقدموا (¬1) في المصحف المقدم وأخروا المؤخر، ~~ففي تقديمهم سورة البقرة وفي تأخيرهم سورة براءة دليل على إنهم اتبعوا ولم ~~يبتدعوا، وحكموا ولم يتخرصوا، ولن يخفى على ذي لب إنهم لم يكونوا ليتركوا ~~على وضع السور ما عاينوا، وشاهدوا الأمر على ما ذكرنا صفته على ما حكينا، ~~ولقد وعوه وأحصوه حتى عرفوا من جمعه من الأنصار، وكم حفظه (¬2) # ¬__________ # (¬1) في ( أ): لقدموا. # (¬2) من (ج).. PageV01P037 # ومن حفظه من المهاجرين ومن بقيت عليه السورة والسورتان من أصحاب الحروف، ~~وجمال الوجوه، وكل ما قلنا مشهور معروف، وكذلك قال أبو ذر رحمه الله: (لقد ~~تركنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يقلب طائر جناحيه في السماء إلا ~~وعندنا منه علم)، فكيف يجهل تأليف السور ومواضع ms027 الآي، أمة قد شهدت أول ذلك ~~وآخره وقد اختارهم الله جل ذكره لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وليكونوا ~~حجة كما قال جل ذكره: { ?وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ~~ويكون الرسول عليكم شهيدا } (¬1) وقد روى أصحاب الحديث الذين لا يبالون ما ~~رووا على أصحابهم، أن القرآن كان مفرقا حتى جمعه أبو بكر الصديق، وروى ~~آخرون أن الذي جمعه عثمان وإنهم أخذوا آية من هاهنا وأخرى من هناك، وأن ~~الرجل كان يجيء بالآية، ويسأل عنها الشهود ثم يكتب، وأن زيد بن ثابت لما ~~أمره عثمان بن عفان أن يكتبه في المصحف فقد آيتين حتى وجدهما عند رجلين من ~~الأنصار. # وأن زيدا وغيره من الصحابة تولوا تأليف السور والآيات، وهذه أخبار مطعون ~~عليها، ويقال إن الزنادقة قد دسوا الزيادات، والأحاديث في أحاديث الأمة، بل ~~الأدلة قد قامت من طريق العقل أن السور كانت معروفة مؤلفة في زمان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، وأن القرآن قد كان فرغ من جمعه. وقد روي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال لعبد الله بن مسعود: إقرأ علي، فقال عبد ~~الله: أقرأ وعليك أنزل؟ قال أحب (¬2) أن أسمعه من غيري (¬3) فقرأ سورة ~~النساء حتى إذا بلغ: ? { فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء ~~شهيدا } (¬4) ، استعبر رسول صلى الله عليه وسلم فكف # عبد الله. # ¬__________ # (¬1) البقرة: 143. # (¬2) في (ب) و (ج) إني أحب. # (¬3) في (أ) وغيري. # (¬4) النساء: 41. PageV01P038 # وروى عبد الله بن عمر فقال: أرسل إلي رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فقال له: (ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار) (¬1) ، قال: قلت بلى يا ~~رسول الله، قال: (اقرأ القرآن في شهر، قلت: إني أطيق أفضل (¬2) من ذلك ~~فشددت فشدد علي فقال: إقرأه في عشرين، فقلت: إني أطيق من ذلك فشددت فشدد ~~علي فقال: إقرأه في سبع لا تزد على ذلك) (¬3) فلو لم يكن القرآن مجموعا ~~مؤلفا كيف كان يقرأه عبد الله في شهر أو في سبع، ومن طريق آخر إنه ms028 بلغه عن ~~عبد الله بن عمر يقرأ القرآن في أربعين ليلة فاستزاده حتى بلغ إلى سبعة أيام. # وروي (¬4) أن مجاهدا قال في الحجر: نزل مع سورة الأنعام خمسمائة ملك ~~يحفون بها. # وروي عن الشعبي (¬5) وهو الإمام في علم القرآن قال: لم يجمع القرآن على ~~عهد رسول صلى الله عليه وسلم إلا ستة كلهم من الأنصار، فلو يكن القرآن ~~كله مجموعا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن كلاما نزل ~~عليه مؤلفا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف كان يجمعه ويحفظه ~~هؤلاء الستة. # وعن قتادة عن أنس قال: قرأ القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من الأنصار، أبي، ومعاذ، وزيد، وأبو زيد، وأبو أيوب. والأكثر من الصحابة قد ~~قال: (¬6) يحفظ من القرآن السور المعدودة. وفيهم من يحفظ السورة والسورتين، ~~فالقرآن كله قد كان فيهم محفوظا متلوا، ألا ترى أن كثيرا منا اليوم ممن لا ~~يقرأ القرآن ظاهرا، فلو قرأ بين يديه قارئ منه شيئا فزل عن موضعه أو أسقط ~~كلمة لانتبه لذلك ولشعر (¬7) بذلك وأنكره. # ¬__________ # (¬1) رواه أبو داود. # (¬2) في (ج) أكثر. # (¬3) رواه النسائي والترمذي. # (¬4) رواه الترمذي. # (¬5) رواه الترمذي وأبو داود. # (¬6) قال) لاتوجد في (ج) و (ب). # (¬7) في (ب) و (ج) و أشعر بذلك. PageV01P039 # وروي أن جبرائيل عليه السلام كان ينزل كل عام فيقرئ رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم القرآن مرة، حتى إذا كان العام الذي قبض فيه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عرضه (¬1) ذلك العام مرتين. # وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: حين صنع عثمان بالمصاحف ما صنع، ~~والله الذي لا إله غيره ما أنزلت سورة إلا وأنا أعلم حين أنزلت، وما من آية ~~إلا وأنا أعلم فيمن أنزلت، قيل "نسخة" قال: كانت (¬2) الآية إذا أنزلت، قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : اجعلوها في موضع كذا. # ويدل على ما قلناه ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من تعلم ~~القرآن فنسيه حشر يوم القيامة ms029 أجذم)، فلو لم يكن القرآن مجموعا محفوظا على ~~عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن لذكر هذا الوعيد معنى. # وروي عنه صلى الله عليه وسلم إنه قال: (عرضت علي الذنوب فلم أر ذنبا أعظم ~~ممن حمل القرآن ثم تركه). وفي بعض ما ذكرنا ما يدل على أن القرآن في عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان مجموعا محفوظا والله أعلم. والذي عليه ~~جل فقهاء أصحابنا أن القرآن ينسخ القرآن، وينسخ بالسنة، كما أن السنة تنسخ ~~بالسنة، وقد وجدت لبعض أصحابنا أن السنة لا تنسخ القرآن. # ¬__________ # (¬1) في (ج) أعرضه. # (¬2) في (ج) كاتب الآية. PageV01P040 # ولعل هذا مذهب بعض البصريين، وحجة هؤلاء أن القرآن لا يعلم نسخه، إلا ~~بخبر من الله تبارك وتعالى، أو الرسول عليه السلام، أو إجماع الأمة على ~~النسخ، أو تقوم دلالة على نفس الخطاب، ولم تقم الدلالة من هذه الوجوه، ~~قالوا: وقد قال الله جل ذكره: { ?ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو ~~مثلها } (¬1) ، والسنة فليست مثل القرآن، والسنة وإن كانت حكم الله تعالى، ~~فليست مثل القرآن في نفسه معجزة، قال الله جل ذكره: ? { قل لئن اجتمعت ~~الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم ~~لبعض ظهيرا } . (¬2) والسنة ليست بنفسها معجزة، فإذا لم تكن مثل القرآن ~~(¬3) لم تجز أن تنسخ القرآن، والحجة لمن أجاز نسخ القرآن بالسنة، قالوا: ~~لأن القرآن حكم الله جل ذكره، والسنة حكم الله ينسخ أحدهما بالآخر، واحتجوا ~~بقول الله جل ذكره: ? { وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } ، (¬4) ~~فالكتاب دال على أن يخبر عن الله جل ذكره، فهو ينسخ أحكامه بعضها ببعض، ~~(وفي نسخة) أحكامها ببعضها ببعض، مرة من الكتاب، ومرة على لسان نبيه عليه ~~السلام. والله أعلم بالأعدل من القولين. # باب في الأسماء وما يدل على مسمياتها # ¬__________ # (¬1) البقرة: 106. # (¬2) الإسراء: 88. # (¬3) في (ب) و (ج) فإذا لم تكن مثل القرآن إلا من طريق الحكم. # (¬4) النجم: 3. PageV01P041 # قال الله تبارك وتعالى: ms030 { ?الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان } ~~(¬1) فأخبره الله جل ذكره أن (¬2) البيان في اللسان، ولذلك لزمت الحجة، ~~فإذا ورد (¬3) الخطاب المخاطب بأمر أو نهي لزمت حجته وانقطع عذر، المخاطب ~~به إذا كان من أهل ذلك اللسان، ولولا ذلك لما علم فرق ما بين الأمر والنهي ~~والإباحة والحظر. ولما عرف قول القائل: قم أو اقعد أو تكلم أو اسكت أو تعال ~~أو اذهب أو خذ أو اترك، فجعل الله تعالى هذه الأسماء دلائل وعلامات ليعلم ~~بها الخلق ما خوطبوا به ليمتثلوه ويقصدوا إليه، فخاطبهم بما يعلمونه لتجب ~~الحجة عليهم. فمن الأسماء ما يقع فيها الاشتراك بين مسمياتها، ومنها مالا ~~يقع الاشتراك فيه. # ¬__________ # (¬1) الرحمن: 41. # (¬2) في (ج) بأن. # (¬3) من (ج). PageV01P042 # فما يقع الاشتراك فيه، يعرف المراد منها ويزول الشك عنها، بالبيان بمقدمة ~~أو بصفة أو بإيماء أو إشارة أو دلالة يقع من بيان المراد ويصح معه التكليف. ~~مثل ذلك أن يقول القائل: لفلان يد، احتمل أن يكون أراد اليد التي هي ~~الجارحة التي تبطش (¬1) بها، واحتمل أن تكون اليد التي هي المنة والنعمة، ~~واحتمل أن تكون هي اليد التي هي التصرف في الملك، فاسم اليد على الإطلاق ~~يقع على هذه الأشياء كلها، فإذا أراد المتكلم بذلك الإخبار عنها ليبين لمن ~~خاطبة بقرينة (¬2) أو أصله فعلم المخاطب له بالصلة أو بمقدمة ليزول الشك عن ~~المخاطب. فقوله: فلان كتب هذا الكتاب بيده، علم بذلك أنه أراد بذلك اليد ~~التي هي الجارحة التي يكتب الناس بها. وإذا قال: لفلان عندي يد بيضاء، علم ~~إنه أراد بذلك المنة والنعمة. وإذا قال: هذه الدار في يد فلان، علم بذلك ~~إنه أراد بذلك اليد التي هي الملك والتصرف، فما يعلم بصلة (¬3) أو بمقدمة ~~غير ما يعلم بإطلاق اللفظ به ويقطع ويقع الاسم عليه بمنفرده، فالواجب أن ~~يعتبر الخطاب بصلته أو بمقدمته، (¬4) وما يتعلق به ليصح مراد المخاطب ~~"نسخة: مراد الآمر وقصده"، فإذا قال القائل: واحد، فقد أخبر عن أدني العدد. ~~وإذا قال: اثنان، فقد أخبر عن ثنيته ms031 العدد. وإذا (¬5) قال: ثلاثة، فقد أخبر ~~عن جمع عدد هذا كله. (¬6) وإذا (¬7) قال: ثوب، فقد دل على جنس وأدنى العدد، ~~وإذا قال: ثوبان، دل على التثنية والجنس. وإذا قال: ثلاثة أثواب، دل على ~~الجنس وعلى جماعة أدناها ثلاثة وأقصاها ما لا غاية له. # ومن لا يعرف موضع الخطاب، لم يعلم فائدة الكلام والتبس عليه ضروب الخطاب، ~~والله أعلم وبه التوفيق. # ¬__________ # (¬1) في (ج) يبطش. # (¬2) في (ج) بقريبه. # (¬3) في (ج) بصلته. # (¬4) في (ج) ومقدمته. # (¬5) في (ج) فإذا. # (¬6) في (ج) هذا أقله. # (¬7) في (ج) فإذا. PageV01P043 # ثم إن الله تبارك وتعالى إنما جعل الخطاب للفائدة والإفهام، وليعلم ~~المأمور غرض الآمر ومراد المخاطب، والحكيم لا يخاطب بما لا فائدة فيه، ولا ~~يأمر بما لا يفهم عنه، ألا ترى إنه غير جائز أن يأمر أحدا بالقعود، وهو ~~يريد من القيام، لأنه إنما يأمر لتمثيل (¬1) أمره، فإذا لم يبين مراده، لم ~~يكن أن يمتثل أمره، ولم يتهيأ أن يعتقد طاعته فيما كلفه إياه. وإذا كان ذلك ~~كذلك، لم يجز أن يتأخر البيان عن وقت الخطاب، وتمام فصل الكلام أن (¬2) ~~تأخيره يوجب اعتقاد غير ما ظهر؛ لأنه إذا خاطب بظاهر الإطلاق والعموم، وهو ~~يريد التقييد والخصوص، ثم (¬3) لم يقرنه بدلالة تبين عنه، كأن قد ألزم ~~عباده أن يعتقدوا خلاف ما أراده منهم، ويتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ~~فالخطاب إذا ورد فللعموم صيغة، كما أن للخصوص صيغة، وللأمر صيغة، وللنهي ~~صيغة، ولكل وجه من وجوه الخطاب صيغة يعرف بها حكمه، ويدل المخاطب به على ~~معناه، ولن يجهل ذلك أو شيئا منه أحد من أهل اللسان والمعرفة به من أهل ~~اللغة والبيان، (غير أن العرب لسعة لغتها وكثرة معاني كلامها تعبر عن ~~الخصوص بلفظ العموم وعن العموم بلفظ الخصوص)، (¬4) وعن الحقيقة بلفظ المجاز ~~وعن المجاز بلفظ الحقيقة. # ¬__________ # (¬1) في (ج) ليمتثل. # (¬2) في (ج) لأن. # (¬3) في (ج) وهو ثم. # (¬4) ما بين قوسين لا يوجد في (أ) وهو يوجد في (ج). PageV01P044 # وهذا معروف بينهم ومنسوب عندهم، وعليه أدلة موضوعة به ms032 من مقدمة الكلام ~~وصلته، وبالإشارة المعهودة عندهم على ما يتعارفوا بينهم، فما فرق به الدليل ~~نقل عن موضعه وصيغته، وعلى هذا النحو جرت المخاطبة من الله تعالى في محكم ~~كتابه، خاطبهم باللسان العربي المبين. فعلى هذا يجب أن يعتبر الخطاب من ~~الله جل ذكره أو من رسوله صلى الله عليه وسلم، فما ورد بلفظ العموم أجري ~~على عمومه ما لم يخصه دليل الخصوص، وما جاء بلفظ الخصوص أوقف على خصوصه ما ~~لم يطلق (¬1) دليل العموم، وفي هذا المقدار كفاية لمن أراد الله إرشاده ~~وبالله نستهدي، وعليه نتوكل. # ¬__________ # (¬1) في (ج) يطلقه. PageV01P045 # فالخطاب إنما يرد من الله عز وجل بلغة من يخاطبهم لأنه مريد (¬1) ~~لإفهامهم بقوله تعالى: { ?وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم } ، ~~(¬2) فالقرآن إنما أنزل بلغة القوم الذين بعث فيهم الرسول صلى الله عليه ~~وسلم وهو مشتمل على ضروب من الخطاب، (¬3) فمنه المفسر الذي يستغنى بلفظه عن ~~بيان غيره، ومنه المجمل الذي لا يستغنى عن معرفة بيانه، ومنه المحكم الذي ~~يعرفه السامع، ومنه المتشابه الذي يفكر في تأويله العالم، ومنه ما يحتمل ~~الوجوه التي لا يجوز القطع على شيء منها إلا بدليل يعلم (¬4) ما المراد ~~منها. ومنه الإيجاب والإلزام، ومنه الترغيب والإرشاد، ومنه الفرض والندب، ~~ومنه الإباحة والحظر، (¬5) ومنه الكناية والتصريح، ومنه الحقيقة والمجاز، ~~ومنه الخصوص والعموم، ومنه التعريض والإفصاح، ومنه الإطالة والإيجاز، ~~والحذف، ومنه الإشارة (¬6) والتلويح، ومنه التأكيد والترديد، وكل ذلك معروف ~~في لغة العرب. وعلى اختلاف (¬7) هذه الضروب تختلف معاني أحكامها، ولكل ضرب ~~منها صورة تعرف بها وصيغة أوضعت (¬8) لها يعرف السامع بذلك قصد المخاطب ~~وغرض المتكلم، فمن عرف ذلك وضع الخطاب موضعه، ولم يعدل به إلى غير جهته، ~~ومن قصر علمه عن شيء من ذلك، (وضع الخطاب موضعه ولم يعدل به إلى غير جهته)، ~~(¬9) ومن قصر علمه عن شيء من ذلك التبس عليه ما قصر علمه عنه ولم (¬10) ~~يدرك ذلك من (¬11) لم يكن عاقلا مميزا، وبالله التوفيق. # ¬__________ # (¬1) في (أ) مؤيد. # (¬2) إبراهيم:4. # (¬3) من (ج). ms033 # (¬4) من (ب). # (¬5) في (ب) الحض. # (¬6) في (ب) الإرشاد والصواب: الإشارة. # (¬7) في (ب) و (ج) وعلى حسب اختلاف. # (¬8) في (ج) وضعت. # (¬9) هذه الجملة زائدة في (أ). # (¬10) في (ب) و (ج) ولن. # (¬11) "من" لا توجد في (أ). PageV01P046 # فالواجب أن يعتبر كل خطاب بحسب المعروف في اللسان، لأنه (¬1) منه ما ~~يفترق ولا يتفق، ومنه ما يتفق ولا يفترق، ومنه ما يتفق لفظه ويختلف معناه، ~~(¬2) وكل ذلك معروف عند أهل اللسان. # وقد جعلوا للشيء الواحد أسماء كثيرة كالأسد والسيف والفرس والحمير، (¬3) ~~وغير ذلك مما يكثر وصفه ويطول ذكره، وقد سموا بالاسم الواحد أشياء كثيرة، ~~وسموا بالاسم الواحد الشيء وخلافه، كالأقراء ونحوها، وقد كنوا عن الشيء ~~باسم غيره، وأشاروا إلى الشيء باسم غيره، وأشاروا إلى الشيء بمعنى غيره، ~~واستغنوا عن الاسم بالإشارة إلى العين (¬4) واكتفوا بالإيماء عن الكلام، ~~وأرجو أن أبين معنى ذلك بعد (¬5) هذا إن شاء الله. # ... باب في أحكام القرآن ... # ¬__________ # (¬1) في (ج) لأن. # (¬2) في (ج) وما يتفق لفظه وما يتفق معناه، ومنه ما يفترق لفظه ويتفق معناه. # (¬3) في (ج) والحمر. # (¬4) في (ب) إلى الغير. # (¬5) في (ج) عن بعد هذا. PageV01P047 # قال الله تبارك وتعالى: ? { وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد } . (¬1) وقد طعن قوم من الملحدين في ~~القرآن لاختلاف القراءة (¬2) واختلاف (¬3) أهل العلم في قول الرسول عليه ~~السلام: "أنزل القرآن لنا على سبعة أحرف كلها شاف كاف". فأما الملحدون فلا ~~معنى لقولهم وطعنهم من هذا الوجه؛ لأنهم ذهبوا من الاختلاف إلى التناقض ولم ~~(¬4) يجدوا ذلك بحمد الله، وليس من المحال أن ينزل الحكيم (¬5) كلاما (¬6) ~~يأمر بحفظه ودرسه، ويبيح في قراءته الوجوه الصحيحة، وقول الرسول صلى الله ~~عليه وسلم شاهد بما قلناه، فأما تفسير قول الرسول عليه السلام: أنزل القرآن ~~على سبعة أحرف، قال بعض أهل العلم بالقرآن: ذهب إلى السبعة (¬7) الأحرف: ~~وعد، ووعيد، وحلال وحرام، ومواعظ، وأمثال واحتجاج. وقال بعضهم: حلال، ~~وحرام، وأمر، ونهي، وخبر ما كان قبل، وخبر ما هو كائن بعد، وأمثال، ms034 وقال ~~قوم: هي سبعة أوجه من اللغات متفرقة في القرآن، لأنه لا يوجد فيه حرف واحد ~~قرئ على سبعة أحرف. وقال بعضهم: هي سبع لغات في الكلمة، وقد تكلم أهل العلم ~~في هذا المعنى وأكثروا، وبينوا معاني قولهم بالاحتجاج الصحيح، وهو معروف في ~~آثارهم، وكل قد قال فيه بما يحتمل جوازه، ألا ترى أن الألفاظ قد تختلف ولا ~~يختلف المعنى لاختلاف الألفاظ، والاختلاف فرعان: اختلاف تغاير واختلاف تضاد ~~لا يجوز، وليست واحدة. والحمد لله في شيء من كتاب الله تعالى، إلا في ~~الأمر والنهي من الناسخ والمنسوخ، واختلاف التغاير جائز، وذلك قوله: ? { ~~وادكر بعد أمة } (¬8) بضم الألف، والتشديد أي بعد حين. # ¬__________ # (¬1) فصلت: 24. # (¬2) في (ب) القراءات. # (¬3) في (ب) و (ج) واختلف. # (¬4) في (ج) ولن. # (¬5) في (ب) و (ج) الحكم. # (¬6) في (ب) كلما. # (¬7) في (ج) إلى أن السبعة. # (¬8) يوسف: 45. PageV01P048 # وبعد أمة بفتح الألف والتخفيف وتبيين الهاء، أي بعد نسيان، إلا أنه قد ~~يجوز أن يكون قد اجتمع المعنيان ليوسف صلى الله عليه وسلم ، وكذلك قوله: ? ~~{ إذ تلقونه } ?بالتخفيف وسكون اللام، { و?تلقونه } ?بالتشديد وفتح اللام، ~~ولأنه قد يجوز اجتماع المعنيين (¬1) فيه؛ لأنهم قتلوه وقال: إنه كذب. (¬2) ~~وكذلك قوله: { ?بعد بين أسفارنا } ?على الخبر. و?باعد?على الدعاء. وكذلك ~~قوله: ? { قال لقد علمتما أنزل هؤلاء } (¬3) بفتح التاء وعلمت برفعها؛ لأن ~~المعنيين صحيحان موجودان، وأشباه هذا كثير. # باب (¬4) في تكرير القصص والألفاظ # وقد طعن قوم في تكرير القصة بعد القصة والقول بعد القول، فليس لطاعن في ~~هذا تعلق والحمد لله، والسبب في ذلك أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يبعث ~~إلى القبائل المتفرقة بالسور المختلفة، فلو لم تكن (¬5) الأنباء والقصص ~~مثناة ومكررة، لوقعت قصة موسى عليه السلام إلى قوم، وقصة عيسى عليه السلام ~~إلى قوم، وقصة نوح عليه السلام إلى قوم، فأراد الله تبارك وتعالى بلطفه ~~ورحمته، أن ينشر هذه القصص في أطراف الأرض ويلقيها في كل سمع ويثبتها في كل ~~قلب، ويزيد الحاضرين في الإفهام. # ¬__________ # (¬1) في (ب) و (ج) فيهم. # (¬2) كذا في الأصل، ms035 والمعنى لا يستقيم لأن الآية في سورة النور. # (¬3) الإسراء: 102. # (¬4) في (ب) و (ج) القول بدلا من الباب. # (¬5) في (أ) يكن. PageV01P049 # وأما تكرير الكلام من جنس واحد بعضه (¬1) يجزي عن بعض كتكراره في ?قل يا ~~أيها الكافرون? وفي سورة الرحمن، فإن القرآن نزل بلسان القوم وعلى مذهبهم، ~~ومن مذاهبهم التكرار إرادة التأكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم الاقتصار ~~إرادة للتخفيف والإيجاز؛ إلا أن (¬2) افتنان المتكلم والخطيب في الفنون، ~~وخروجه عن شيء إلى شيء أحسن من اقتصاره في المقام على فن واحد، وقد يقول ~~القائل في كلامه: والله لا أفعله ثم والله لا أفعله، إذا أراد التأكيد (¬3) ~~وحسم (¬4) الأطماع من أن يفعله كما يقول: والله أفعله بإضمار (لا) إذا أراد ~~الإيجاز والاختصار. قال الله جل ذكره: { ?كلا سوف تعلمون ثم كلا سوف تعلمون ~~} ، (¬5) وقال جل ذكره: { ?فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا } (¬6) ~~وقال: { ?أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى } (¬7) وقال: ?وما أدراك ما يوم ~~الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ ~~لله } . (¬8) # كل هذا يريد به التأكيد للمعنى الذي كرره في اللفظ، وقد يقول الرجل ~~لغيره: اعجل اعجل والمراد (¬9) في ارم ارم. # قال الشاعر: هلا سألت جموع كندة يوم ولوا أين أينا. # وقال آخر: كم نعمة كانت لكم كم كم وكم جئنا فجئنا. # ¬__________ # (¬1) في (ج) وبعضه. # (¬2) في (ج) لأن. # (¬3) في (ب) و (ج) تأكيدا. # (¬4) في (ب) أو حسم. # (¬5) التكاثر: 3 4. # (¬6) الانشراح: 5 6. # (¬7) القيامة: 34 35. # (¬8) الانفطار: 19. # (¬9) في (ج): وللرامي. PageV01P050 # وطعن قوم في تكرير معنى بلفظتين مختلفتين، مثل قوله: { ?الرحمن الرحيم? } ~~وقوله: ? { يعلم سركم ونجواكم } (¬1) والنجوى هو السر، فطعنوا في غير مطعن، ~~وذلك أن القرآن نزل بلغة العرب، والعرب تستعمل في لغتها ما أنكروه وطعنوا ~~فيه؛ فإنما يكرر المعنى بلفظتين مختلفتين لاتساعه ولاتساع اللغة في ~~الألفاظ، وذلك قول القائل: آمرك بالوفاء وأنهاك عن الغدر، وآمرك بالتواصل ~~وأنهاك عن التقاطع، والأمر بالتواصل هو النهي عن التقاطع. ونحو قوله: لا ~~تجر عليه ولا تظلمه ms036 فكرر المعنى لما اختلف اللفظان كما يقول: نديم وندمان ~~وعلى مثال قوله: رحيم ورحمان، ويروى عن ابن عباس إنه قال: { ?الرحمن الرحيم ~~} ?إسمان رقيقان (¬2) أحدهما أرق من الآخر ?الرحمن?الرقيق و ?الرحيم?العاطف ~~على عباده الرؤوف، وقد يكون هذا على التكرير والتأكيد، والله أعلم. وقوله: ~~? { فغشاها ماغشى } (¬3) { فأوحى إلى عبده ما أوحى } (¬4) { ?ولا طائر يطير ~~بجناحيه } (¬5) والطيران لا يكون إلا بجناح، ومثل هذا من الكلام كثير كقول ~~القائل: كلمته بلساني ونظرت إليه بعيني، ويقال: بين زيد وبين عمرو، وإنما ~~البين واحد، يراد به بين زيد وعمرو. قال أويس: # ألم تكسف الشمس شمس النهار مع النجم والقمر الواجب. # ¬__________ # (¬1) الأنعام: 3. # (¬2) في (ج) رفيقان. # (¬3) النجم: 54. # (¬4) النجم: 10. # (¬5) الأنعام: 38. PageV01P051 # والشمس لا تكون إلا بالنهار (¬1) فكرر وأكد، ولا شاهدوا على ما ذكرنا ~~أعدل من الشعر (¬2) المشهور، وقد روي أن ابن عباس كان إذا سئل عن شيء من ~~غيوب (¬3) القرآن أنشدهم من الشعر ما يعرفهم إياه. وروي عنه إنه قال: الشعر ~~أو علم العرب وهو ديوانهم، فتعلموا الشعر وعليكم بشعر الحجاز (¬4) فإنه شعر ~~الجاهلية، وقد فسر القرآن وتأوله رجال منهم: قتادة والضحاك ومجاهد وغيرهم. ~~وروي عن مكحول أنه قال في الرجل يقرأ القرآن فيمر بالآية فيتأولها على ~~تأويل لم يسمع به وهو يرى إنه على ما يؤول. (¬5) قال: لا بأس بذلك مالم ~~يعزم عليه، ولولا جهل كثير من الملحدين وعنادهم ما احتج للقرآن بالشعر ولا ~~بغيره؛ لأنهم وإن كانوا مكذبين بين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم ~~مقرون بأنه جاء بهذا القرآن وأنه أورده على العرب، وقرعهم بالعجز عنه، ~~وجعله حجة لنفسه. # وأدنى منازل رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون رجلا من فصحاء العرب، ~~لا يتأخر عن النابغة والأعشى بالعلم باللغة، وما يجوز فيها وما لا يجوز، ~~وهذا مالا يدفعه عن مصدق ولا مكذب، فكيف يجوز أن يحتج بقول هذين، ولا يحتج ~~بقول نفسه، وكيف صار حجة على غيرهما، ولم يكن هو حجة عليهما. # ولكن العلماء لما علموا من سعة الحق احتجوا بشعر الماضين قطعا ms037 للشغب ~~وإزاحة العلة وبالله التوفيق. # ¬__________ # (¬1) في (ج): للنهار. # (¬2) في (أ): الشعراء. والصواب: الشعر. # (¬3) في جميع النسخ "عيوب" وإن القرآن لا يوجد به عيب ، قال جل ذكره: ~~(قرأنا عربيا غير ذي عوج). # (¬4) في (ب) و (ج) أهل الحجاز. # (¬5) في (ج): تأول. PageV01P052 # ? جاءت الرواية أن العرب كانت تفتح كلامها باسمك اللهم على سبيل التبرك ~~وتصدر به كتبها، وكان المسلمون يفعلون ذلك في صدر الإسلام فجرى بذاك ما شاء ~~الله. ثم نزلت: { ?اركبوا فيها باسم الله مجراها ومرساها? } ، فأمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يصدروا بهذا وهو قوله: "بسم الله" فجرى بذلك ما ~~شاء الله. ثم نزلت: ? { قل اعوا الله أو ادعوا الرحمن } (¬1) أمر أن يكتب: ~~بسم الله الرحمن الرحيم، فجرى بذلك ما شاء الله. ثم نزلت: { ?إنه من سليمان ~~وإنه بسم الله الرحمن الرحيم } . (¬2) فثبتت هذه تسمية تجعل في أول السور ~~ويفتتح بها القرآن، وفي صدور الكتب. إن ذكر الله بركة على من ذكره باسمه، ~~فقال أهل الكوفة: "فاتحة الكتاب سبعة آيات. أولهن بسم الرحمن الرحيم". وأبى ~~ذلك أهل البصرة وأهل المدينة. وروي عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس عن ~~فاتحة الكتاب قال: "هي أم القرآن ثم قرآها فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. ~~وقال: إنها آية من كتاب الله، ولا أعلم بين أصحابنا خلافا إنها من السبع ~~المثاني، واختلف الناس في معنى التسمية الله جل وعز أو الإله (¬3) فقال ~~قوم: مأخوذ من النور، وقال قوم: مأخوذ من الولهان؛ لأن القلوب تله إليه، ~~وولههم (¬4) إليه هو تعلق أنفسهم بالرغبة إليه، والانتظار للفرج من كل كربة ~~من عنده، والفزع إلى غياثه، والخوف من عقابه فقال: (¬5) يجوز تسمية المألوه ~~إليه إلها. كما قالوا للمؤتم به إماما، ويقال: إنه الأصل في الإله، ولكن ~~لما كثر استعمال الناس لذلك في الدعاء خففت، وقال قوم: الإله هو الذي تحق ~~له العبادة. وقال قوم: هو اسم سمى به نفسه على سبيل الاختصاص. كما قال عز ~~وجل: { هل تعلم له سميا } . (¬6) # ¬__________ # (¬1) الإسراء: 110. # (¬2) النمل: 30. # (¬3) في ms038 (ب) الله أو الإله. # (¬4) في (ج): وولههم. # (¬5) في (ب) و (ج) فقالوا. # (¬6) مريم: 65.. PageV01P053 # وأظن هذا الذي يذهب إليه أصحابنا، والله يوفقنا وإياهم برحمته. وقد طعن ~~كثير من أعثار الملحدين في قول الله عز وجل: { الرحمن الرحيم } ?وفي قوله: ~~{ الحمد الله رب العالمين } ?وفي كثير من القرآن. فقالوا: إذا كان عندكم ~~الرحمن الرحيم معناها واحد، فلم جاز تكريرهما والإيجاز أفصح؟ وكذلك قالوا: ~~كيف جاز أن يقول: الحمد الله وهو الله، ولم يقل الحمد لنا؟ وهذا من جهلهم ~~بمخاطبات الناس وقصورهم عن علم اللغة. # ? فأما قوله تعالى: { الرحمن الرحيم } ؛ فإن العرب الذين خوطبنا بلغتهم ~~يقولون: نديم وندمان، والذي قد تغدى وتعشى غديان وعشيان وصبحان، وغبقان ~~للذي قد اصطبح واغتبق. وهو كقولهم: رحيم وراحم وقدير وقادر. والرحيم وهو ~~الراحم وعليم وعالم، وتكرير اللفظتين المختلفتين وإن كان معناهما واحد في ~~كثير من اللغة، تقول العرب: جاز مجيز، وأما قوله: ? { الحمد لله رب العلمين ~~} ؛ فإن للمخاطبات منازل ومراتب، ألا ترى أن مخاطبة الرجل لابنه، والسيد ~~لعبده والملك لرعيته تختلف من بمخاطبة الرجل لأخيه. يقول الرجل لابنه: أما ~~تعلم أن من الحق عليك أن تبر أباك. والإمام يكتب أمر: الإمام أمير المؤمنين ~~بكذا وكذا ليقع للسامعين موقع الإجلال والتعظيم. PageV01P054 # ? واختلف الناس في تأويل أوائل السور: ألم، وألمص، والمر، وحم، وحم عسق، ~~ونحو هذا، فقال قوم: هي أسماء للسور (¬1) وافتتاح لها. وقال قوم: أسماء ~~للسور وابتداء لمن يقرأها، وقال قوم: ليس كذلك؛ لأن القرآن ليس فيه شيء لا ~~معنى له، وهذه أسماء (¬2) المعاني. وقال بعضهم: إنها حروف إذا وصلت كانت ~~هجاء لشيء يعرف معناه. وروي عن عكرمة إنه قال: " آلم" قسم، وعندي والله ~~أعلم وعلى نحو ما سمعت أن لهذه (¬3) الحروف معاني تبتدأ بها السور ويعلم ~~بها انقضاء ما قبلها، وأن القارئ قد أخذ في أخرى، وهذا معروف في كلام ~~العرب، وأن الرجل منهم ينشد فيقول: بل وبله، ويقول: بل ما هاج أحزانا وشجوا ~~قد شجا، وقوله، بل ليس من الشعر، ولكن أراد أن يعلم قد قطع ms039 (¬4) كلامه، ~~وأخذ في غيره وأنه مبتدئ للذي أخذ فيه، وقال قوم: كانت العرب تعرض عند ~~قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم استثقالا له ولا تسمع، فجعلت هذه ~~الحروف عند أوائل السور ليكون (¬5) سببا لاستماعهم لما بعدها. فإنهم كانوا ~~إذا استمعوها استغربوها، وتعلقت أنفسهم بها، وكان ذلك سببا لاستماعهم. وإذا ~~كان هذا في اللغة التي خوطب العرب عليها جاز تأويلنا، والله أعلم. وقال ~~قوم: الحروف المقطعة تجوز أن يكون لله تبارك وتعالى أقسم بها كلها فاقتصر ~~على ذكر بعضها من ذكر جميعها فقال: ألم، ويرد (¬6) جميع الحروف المقطعة كما ~~يقول القائل: تعلم (أ ب ت ث)، وهو لا يريد تعليمه هذه الحروف المقطعة ~~الأربعة دون غيرها؛ ولكنه لما طال أن يذكرها كلها اجتزأ بذكر بعضها، والله ~~نسأله التوفيق لمراده من ذلك. # مسألة # في الرد على من زعم أن الخطاب إذا وقع ورد بصيغة الأمر. # ¬__________ # (¬1) في (ج): السور. # (¬2) أسماء: لا توجد في (ب) # (¬3) في (ج) هذه. # (¬4) في (ب) انقطع. # (¬5) في (ج) لتكون. # (¬6) في (ب) و (ج) ولم يرد. PageV01P055 # أن علينا التوفيق (¬1) لما يحتمل من الحكم حتى يعلم أن المراد به أمر ~~ونهي أو ندب أو تخيير أو غير ذلك، يقال له: لو كان الخطاب إذا ورد بصيغة ~~الأمر يوجب التوقف علينا عند وروده، لم تكن في وروده فائدة؛ لأنا قبل وروده ~~متوقفون، وبعد وروده متقفون، فلا فائدة في وروده، فلما كان الأمر يقتضي ~~الفعل، وكان له صيغة تعرف في اللغة التي خوطبنا بها علمنا من (¬2) قال ~~بالتوقف غالط، وبالله التوفيق. # ¬__________ # (¬1) التوقف. # (¬2) في (ج) أن من. PageV01P056 # والذي يذهب (¬1) إليه شيوخنا والأشبه بأصول أئمتنا أن الأمر إذا ورد ~~بفعل، قد خص بوقت فللمأمور اتباعه (¬2) في أوله أو وسطه أو آخره، وتعجيل ~~الفعل في أول الوقت أفضل، وإذا ورد الأمر بفعل غير مخصوص (¬3) بوقت، فإن ~~تأخيره جائز عندهم إلى آخر أيام الحياة، والنظر يوجب عندي ما لم يكن (¬4) ~~مخصوصا (¬5) بوقت فالواجب تعجيله أول أوقات الإمكان. الدليل على ذلك أن ~~الأمر إذا ورد ms040 مطلقا ولم يقيد بوقت، أن وروده لا يخلو من أن يلزم ذلك على ~~الفور مع القدرة، أو يجوز للمأمور التأخير إلى آخر أيام حياته أو إلى وسائط ~~بين الفور وآخر العمر مجهول، والوسائط أيضا مجهولة الأوقات، ولا سبيل إلى ~~علم ذلك. وإذا كان مجهولا لم تصح العبادة به؛ وما كان آخره مجهولا لم يعرف ~~(¬6) ووسائطه لم تعرف، لم يلزم فعله، وإذا بطل هذان الوجهان صح إيجابه على ~~الفور والله أعلم؛ لأن الآمر إذا أمر لم تجب له الطاعة عليه وأزاح عنه ~~العلل فكأن الآمر يريد تعجيل الفعل فعل المأمور به ، لم يكن للمأمور تأخير ~~الفعل عن أول أوقات الإمكان . ويدل على هذا قول الله تعالى: { وسارعوا إلى ~~مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين } (¬7) فأوجب علينا ~~المسارعة إلى الأفعال التي تؤدينا إلى الجنة والمغفرة، والله أعلم. # مسألة صورة الأمر في اللغة # ¬__________ # (¬1) في (ب) ذهب. # (¬2) في (ب) و (ج) إيقاعه. # (¬3) في (أ) محظور. # (¬4) في (ب) و (ج) إن لم يكن. # (¬5) في (أ) محظورا. # (¬6) في (ج) تعرف. # (¬7) آل عمران: 133. PageV01P057 # أن يقول الآمر "إفعل"، مثل قوله تعالى: { أقيموا الصلواة وآتوا الزكوة ~~واركعوا مع الركعين } (¬1) وقوله: ? { يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة ~~الساعة شيء عظيم } (¬2) ومثل قوله: { يا أيها الذين آمنوا واتقوا الله ~~وكونوا مع الصادقين } ، (¬3) وصورة النهي أن يقول الآمر: لا تفعل، مثل قوله ~~جل ذكره: { يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلى قوله: ~~ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما } (¬4) ومثل قوله: { ?يا أيها ~~الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله } ، (¬5) فإذا ورد الخطاب معرى ~~من القرائن المقيدات (¬6) والمقدمات فهو أمر ونهي، واللفظة قد ترد مقرونة ~~بقرينة أو بصلة أو بمقدمة فتدل على التخيير أو الندب مثل قوله تعالى: { ~~فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير } (¬7) وكقوله: ? { فإذا وجبت جنوبها ~~فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر } (¬8) وقد أجمع الجميع أن الأكل منها ~~غير واجب وأنا فيه مخيرون، فالآية لم ترد إلا مقرونة بالتوقيف وإن ما (¬9) ~~يدل ms041 على قدرة الآمر وعجز المأمور فمثل قوله عز وجل: ? { قل كونوا حجارة أو ~~حديدا أو خلقا مما يكبر في صدوركم } (¬10) ومعلوم أن الله تعالى لم يرد ~~منهم أن يجعلوا أنفسهم حجارة أو حديدا، إذ ليس في طاقتهم وقدرتهم؛ وإنما ~~أراد أن يبين عجزهم. وأما الذي يدل على التهدد والزجر فمثل قوله تعالى: { ~~?أفمن يلقى في النار خير أم يأتي آمنا يوم القيامة، اعملوا ما شئتم إنه بما ~~تعملون بصير } (¬11) وكقوله جل وعز: ? { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ~~ورسوله والمؤمنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون ~~} (¬12) # ¬__________ # (¬1) البقرة: 13. # (¬2) سورة الحج: 1. # (¬3) التوبة: 119. # (¬4) النساء: 29. # (¬5) الحجرات: 1. # (¬6) في (ب) المفيدة. # (¬7) الحج: 28. # (¬8) الحج: 36. # (¬9) في (ب) و (ج): وأما الذي. # (¬10) الإسراء: 51. # (¬11) فصلت: 40. # (¬12) التوبة: 105.. PageV01P058 # وكقوله (¬1) : { ?وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون ~~وانظروا إنا منتظرون } (¬2) فهذه الآيات لم ترد إلا على مقدمات قبلهن ~~وقرائن بعدهن تدل على التهدد والزجر. وأما الذي يدل على الإطلاق بعد الحظر ~~فمثل قوله جل ثناؤه: ?فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل ~~الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون } (¬3) . # وكقوله: { وإذا حللتم فاصطادوا } (¬4) وقد أجمعوا جميعا أن الاصطياد ~~والانتشار غير واجبين. (¬5) وأما الذي يدل على التكوين دون امتثال الأمر ~~فمثل قوله جل ذكره (¬6) ? { كونوا قردة خاسئين } (¬7) قد (¬8) تقدمت ~~المعرفة إنهم غير قادرين على تكوين أنفسهم قردة؛ فدلت المقدمة على التكوين ~~دون امتثال الأمر، والله خاطبنا بما تعقل العرب في خطابها والعرب تقول: ~~إفعل ولا (¬9) تفعل أمرا ونهيا (¬10) فإذا أمر من تجب طاعته والانقياد ~~لأمره كان على المأمور إتيان ما أمر وبالله التوفيق. # باب في الربا # ¬__________ # (¬1) في (ج) وكقوله تعالى. # (¬2) هود: 121 122. # (¬3) الجمعة: 10. # (¬4) المائدة: 2. # (¬5) في (أ) "عين" وفي (ج) "غير" وهي الصواب. # (¬6) في (ج) جل ذكره جل وعز. # (¬7) البقرة: 65. # (¬8) في (ج) فقد. # (¬9) في (ج) أو لا. # (¬10) في (ج) أو. PageV01P059 # قال الله تبارك وتعالى: { ?وأحل الله البيع وحرم الربا } (¬1) واختلف ~~الناس في معنى الربا فرجع كل منهم إلى ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنه قال: ms042 (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر ~~بالتمر والملح بالملح سواء بسواء فمن زاد (¬2) واستزاد فقد أربى) (¬3) فقال ~~قوم: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ما حرمه وهو (¬4) فيما (¬5) يكال وفيما ~~يوزن، فكل شيء مما يكال أو يوزن مما نص عليه، أو لم ينص عليه بعينه فالربا ~~فيه؛ لأنه نبه عن ذلك صلى الله عليه وسلم بما يدخل في الكيل والوزن، وكل ~~شيء من طعام وغيره ففيه الربا، فهذه كلمة أصحاب الرأي. وقال قوم: العلة ~~فيما نص النبي صلى الله عليه وسلم بعينه فيما يكال أو يوزن من طعام وسائر ~~ما يؤكل. وقال قوم: الربا فيما بينه النبي صلى الله عليه وسلم دون غيره وهي ~~سنة الأجناس التي ذكرها (¬6) وقال قوم: النص فيما نص عليه في كل مقتات ~~ومدخر، فهذه علة هؤلاء، وبعضهم جعلوا علته (¬7) ما يزكى، وعلى هذا النحو ~~جرى الاختلاف بين أسلافنا. ومنهم (¬8) من جعل الربا فيما أنبتت الأرض (نسخة ~~بما أنبتت)، وكانت هذه علة لمن قال بهذا القول لأنها أعم. واحتج من نفى ~~القياس ولم يعتبر قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما حرم من البيوع من معنى ~~النص، واقتصر على المذكور دون غيره واحتج بقول الله تعالى: { وأحل الله ~~البيع وحرم الربا } ، (¬9) # ¬__________ # (¬1) البقرة: 275. # (¬2) في (ج) أو. # (¬3) متفق عليه. # (¬4) في (ج) و (ب) وهو في شيئين فيما. # (¬5) في (ب) مما. # (¬6) في (ب) ذكرت. # (¬7) في (ب) و (ج) علة. # (¬8) (منهم) لا توجد في (ج). # (¬9) البقرة: 275.. PageV01P060 # قالوا: قوله عز وجل: ?وأحل الله البيع وحرم الربا?خاصا، وهو ما أخرجه من ~~جملة المباح من البيع بالستة يقال لهم: لو كان قوله عز وجل: ?وأحل الله ~~البيع وحرم الربا ?يبيح التفاضل في كل عقد إلا ما خصته السنة؛ لوجب أن يكون ~~قوله تعالى: ?وحرم الربا?مانعا من التفاضل لتساوي الظاهرين وورودها (¬1) ~~معا في سياق ونسق واحد، بل الواجب أن يكون الاستدلال بتحريم ثمن الربا على ~~تحريم التفاضل أصح وأولى في الاستدلال على إباحة التفاضل بإباحة البيع؛ لأن ~~الربا في اللغة ms043 هي الزيادة والفضل في الجنس الواحد، وبالله التوفيق. # ? وأحد أصولهم التي جرى فيها الاختلاف بينهم فيما هو أن الله جل ذكره لما ~~حرم بيع البر بالبر إلا مثلا بمثل، على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم وجب ~~عند القائسين تحريم بيع الأرز بالأرز إلا مثلا بمثل؛ لأن الأرز معهم في ~~معنى البر، ثم هم مع (¬2) ذلك مختلفون في العلة التي من أجلها صار الأرز ~~مقيسا على البر، فقال بعضهم: هما متفقان من أجل أنهما مأكولان، (وقال ~~بعضهم: لا بل إنهما مكيلان، وقال بعضهم: لا بل إنهما مكيلان مأكولان. وقال ~~بعضهم: لا بل إنهما مقتاتان ومدخران) (¬3) وقال بعضهم: لا بل لأنهما ~~يزكيان، فكل جعل علة الربا أحد هذه المعاني التي اعتمد عليها وبالله ~~التوفيق. # ¬__________ # (¬1) من (ب) و (أ) وورودهما، وفي (ج) وورودهم. # (¬2) في (ب) بعد. # (¬3) ما بين القوسين ساقطة من (ج). PageV01P061 # ? فمن ذهب إلى أن العلة في الربا هو الاقتيات والادخار واحتج بذلك بأن ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم، لما ذكر أجناسا مقتاتة مدخرة، وخصها بالذكر ~~فذكر أغلى ما يقتات منها، وهو البر وما دون (¬1) ذلك وهو الملح الذي ~~يدخرونه لإصلاح أقواتهم والانتفاع به في أغذيتهم، علم ذكره أغلى القوت ~~ورجوعه إلى دونه، وذكره الملح بعد ذكره البر مع تفاوت ما بينهما من البعد، ~~على أن العلة هي المقتات المد لتخصيصه إياه بالذكر، ومن ذهب إلى أن العلة ~~المأكول احتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر أجناسا مأكولة، وخصها ~~بالذكر فذكر أغلى المأكول منها وهو البر وما دونه (¬2) وهو الملح، علم بذلك ~~أن رجوعه إلى الملح مع ذكر البر مع ما بينهما من التفاوت والبعد على أن ~~العلة المأكول وهو الجنس لتخصيصه ذلك بالذكر، واحتج من ذهب إلى أن العلة في ~~الربا الكيل (¬3) المأكول ذهب إلى مثل ذلك المعنى أيضا، واحتج من ذهب إلى ~~أن العلة في ذلك ما يتعلق فيها وجوب الزكاة فيه، قال: إن الشعير والبر ~~والتمر أجناس يتعلق فيها وجوب الزكاة، فوجب أن تكون ms044 العلة عنده ما ذكر. ~~فهذه العلل يقرب بعضها من بعض، وإن كان بعضها أخص من بعض، فكلها حجج لمن ~~قال بالقياس والعبرة. # ¬__________ # (¬1) في (ج) و (أ) دون. # (¬2) في (ج) و (أ) دونه. # (¬3) في (ج) المكيل. PageV01P062 # وكذلك من ذهب أصحابنا إلى أن العلة في التحريم ما أنبتت الأرض بما أنبتت؛ ~~أنه لما كان مما وردت فيه الشريعة تحريمه، وأثبت النبي صلى الله عليه وسلم ~~اسم الربا فيه هو هذه الأصناف الستة، وكلها من نبات الأرض وجب عندهم أن ~~تكون العلة هي الأرض، وكذلك من ذهب إلى ما يوزن بما يوزن لا يجوز؛ لأنه لما ~~كان محرمه الرسول عليه السلام من هذه الأصناف، فمنها ما يكال وما يوزن، فكل ~~ما يكال بما يكال لا يجوز، وكذلك ما يوزن بما يوزن لا يجوز، وقد روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم ~~" ولهذا الخبر إن كان صحيحا تأويل، والله ولي التوفيق؛ لأن آية الربا توجب ~~حكما " في الظاهر وهذا الخبر يوجب ظاهره حكما" (¬1) غيره ولا يخلو هذا ~~الخبر من أن يكون متقدما للآية، أو يكون معها أو يكون بعدها، فإن كان الخبر ~~مع الآية فهو بيان لها أو مستثنيا لبعض ما خص من جملتها، فإن كان بعدها فهو ~~ناسخ لبعضها فقد ورد تخصيص لبعضها، أو مبين لغرضها أو ناسخ لها. وإن كان ~~قبلها (¬2) اعتبروه (¬3) معنيان: أحدهما: أن يكون منسوخا بها، والآخر: أن ~~يكون مرتبة عليه فتكون جارية على عمومها إلا فيما خص الخبر من جملتها. ~~والنظر يوجب عندي أن تكون علة ما يكال في المكيل، وعلة ما يوزن في الموزون؛ ~~لأن الخبر ورد بذكر ما يكال أو ما يوزن إلا أن يمنع من ذلك خبر مسلم أو ~~اتفاق من الأمة والله أعلم. وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم (ابتاع ~~بعيرا ببعيرين) (¬4) # ¬__________ # (¬1) ما بين قوسين لا توجد في (ب) و (ج). # (¬2) في (ب) و (ج) بعدها، والصواب قبلها، لأن كلمة بعدها وردت في الجملة ms045 ~~التي قبلها. # (¬3) في (ب) اعتدوه، وفي (ج) اعتزوه. # (¬4) رواه أبو عبيدة عن جابر بن زيد: شرح الجامع الصحيح ج 3/ 215.. PageV01P063 # وروي أنه (أجاز عبدا بعبدين) وهذا اتفاق منهم (إلا إنه يد بيد) (¬1) ~~وأجاز أبو حنيفة تمرة بتمرتين، وفلسا بفلسين، وحبة بحبتين، وأجاز الشافعي ~~بيع الحيوان بعض ببعض، ثم نقض قوله فمنع من بيع السمك بعضه ببعض، (والجراد ~~بعضه ببعض) (¬2) وهو حيوان، فإن كانت علة الأكل فالإبل والبقر والغنم حيوان ~~ويؤكل (¬3) أيضا فنسأل الله الهداية. # ? وأيضا فإن أحد ما يدل على جواز القياس والقول باجتهاد الرأي عند ~~الحادثة للعلماء مما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب إلى أبي ~~موسى الأشعري، وروي أنه كتب إلى شريح أيضا بمثله أن (قس الأمور وانظر ~~الأشباه والأمثال، ولا يمنعك قضاء قضيته بالأمس هديت فيه لرشدك أن تراجع ~~الحق فيه، فإن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل). # مسألة # الخطاب إذا ورد مطلقا وظاهره خطاب معروف وهو على إطلاقه، وإذا ورد مقيدا ~~فهو على تقييده، ألا ترى إنه لو قال قائل: فلان كافر، كان ظاهره أنه كافر ~~بالله، وإن كان يحتمل أن يكون أراد الطاغوت. وكذلك لو قال: فلان مؤمن، ~~فالظاهر أنه مؤمن بالله، وإن كان يحتمل أن يكون أراد القائل أنه مؤمن ~~بالطاغوت. # باب فيما يذكر الشيء ويراد غيره إذا كان من سببه. # ¬__________ # (¬1) من كلام ابن عباس رضي الله عنه "إلا أن هذا يد بيد" شرح الجامع ~~الصحيح ج13 / 215. # (¬2) ساقطة من (ب). # (¬3) في (أ) تؤكل. PageV01P064 # قال الله تعالى: ? { يخادعون الله والذين آمنوا } (¬1) فذكر أنهم يخادعون ~~الله، وإنما يخادعون رسوله. وكقوله عز وجل: { ?من شر الوسواس الخناس } ?، ~~فذكر الوسواس، والوسواس هو الفعل، والفعل ليس له شر، وإنما الشر للفاعل، ~~فذكر الوسواس وأراد الموسوس وهو إبليس لعنه الله. وهو مثل قوله جل ذكره: { ~~?ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء } (¬2) فذكر ~~الناعق وأراد المنعوق به، وإنما أراد ذكر الداعي وأراد الدواب؛ لأن بهم ضرب ~~المثل، والعرب إذا أرادت ms046 ذكر الشيء قد تجريه على اسم ما يقرب منه أو سببه. ~~وكذلك قوله تعالى: ? { ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة } (¬3) فذكر ~~أن المفاتيح تنوء بالعصبة، وإنما العصبة هي تنوء (من) المفاتيح؛ لأنها تجد ~~ثقلها والله أعلم. # وكذلك قوله جل اسمه فيما حكى عن موسى عليه السلام أنه قال: { ?فعصيت أمري ~~؟ } (¬4) والأمر لا يعصى، وإنما يعصى الآمر. وقوله جل ثناؤه: { وجاء ربك ~~والملك صفا صفا } (¬5) أي جاء أمره والله أعلم. ونحو قوله: ? { ملاقوا ربهم ~~} (¬6) وقوله: ? { إلى يوم يلقونه } (¬7) وإنما يلقون ما وعدهم من خير وشر ~~"ولو ترى إذ وقفوا على ربهم" (¬8) وهو يعني على ما وعدهم ربهم. ويدل على ~~ذلك قوله: { ?أليس هذا بالحق؟ قالوا: بلى وربنا } (¬9) وكذلك قول الناس: من ~~مات فقد لقي الله أي لقي جزاء عمله، وقد أجمع الناس على صحة الرواية عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أن "من حلف على يمين ليقتطع بها مال امرئ مسلم ~~لقي الله وهو عليه غضبان". (¬10) # ¬__________ # (¬1) البقرة: 9. # (¬2) البقرة: 171. # (¬3) القصص: 76. # (¬4) طه: 93. # (¬5) الفجر: 22. # (¬6) البقرة: 46. # (¬7) التوبة: 77. # (¬8) الأنعام: 30. # (¬9) الأنعام: 30. # (¬10) رواه أبو عبيدة عن جابر بن زيد بهذا اللفظ "من خلف يمينا على مال ~~امرئ مسلم ليقطعه لقي الله وهو عليه غضبان ". PageV01P065 # وقد أجمع أهل الصلاة أن الله لا يجوز أن يراه أحد من أعدائه في الآخرة، ~~ومما يذكر الشيء ويراد معناه قوله عز وجل: { ?فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا ~~أنفسكم } (¬1) فجعل استسلامهم للقتال قتلا منهم لأنفسهم، ومما يضاف الفعل ~~إليه إذا كان من سببه مثل قوله عز وجل: { ?فأخرجهما مما كانا فيه } (¬2) ~~وإنما أخرجهما فعلهما، فأضيف إليه إذ كان من سببه، ومما يقرب من هذا المعنى ~~قوله جل ذكره: { ?فزادهم رجسا إلى رجسهم } (¬3) ولم يزدهم رجسا. ولكن لما ~~ازدادوا عند نزولها عنادا وكفرا جاز أن يضاف ذلك إليها. وقوله جل وعز: { ~~فلم يزدهم دعائي إلا فرارا } (¬4) لما ازدادوا نفورا عن دعائه إياهم إلى ~~الله جل وتعالى جاز أن يقول: إن دعاءه زادهم نفورا لقربه منه قولهم: راوية ~~ماء، والراوية هي البعير الذي يستقى عليه ms047 الماء، فإذا كثر صحبة الشيء للشيء ~~أجري عليه اسمه كقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الجفاء والقساوة في ~~الفدادين) يعني الزراع أصحاب البقر التي يحرث عليها والفدادون هي البقر، ~~واحدها فدان بالتخفيف، فأجرى على أربابها اسمها، ونحو ذلك مما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه (نهى عن عسب الفحل) قال أكثر أهل اللغة: أنه إنما ~~نهى عن الكري الذي يؤخذ على ضراب الفحل، فذكر العسب وأراد ما يؤخذ عليه من ~~كسب المال، وقال بعض الشعراء يهجو قوما حبسوا عليه غلاما أعاره إياهم (¬5) ~~فقال شعرا: # ولولاعسبه لتركتموه وشر منيحة عسب معار. # باب الاضمار والكناية # ¬__________ # (¬1) البقرة: 54. # (¬2) البقرة: 36. # (¬3) التوبة: 125. # (¬4) نوح: 6. # (¬5) في (ج) أعارهم إياه. PageV01P066 # وأما الإضمار: فمثل قوله عز وجل: ? { حرمت عليكم أمهاتكم } (¬1) يعني ~~تزويج أمهاتكم، فأضمر التزويج. وأما الكناية: فمثل قوله عز وجل: ? { هن ~~لباس لكم وأنتم لباس لهن } (¬2) كقوله: { ?لتسكنوا إليها } (¬3) فما كان ~~على هذا أو يجري مجراه فهو الكناية، وكقوله: { أو جاء أحد منكم من الغائط } ~~(¬4) فذكر الموضع وكنى عن السبب الذي يكون فيه، وكذلك العذرة هي فناء الدور ~~سميت الأنجاس التي تلقى بفناء الدور باسم المكان، # وكذلك النجو مأخوذ اسمها من المكان الذي يذهب إليه الإنسان وينتهي بحاجته ~~إليه، وهو المكان المرتفع، تسميه العرب إذا ارتفع من الأرض نجوة. # هذا ومثله مما يذكر الشيء ويراد غيره ويكنى عن ذكره أيضا. # ? ومن الكناية أيضا قول المغيرة بن شعبة أنه قال: (كان النبي صلى الله ~~عليه وسلم إذا ذهب لحاجة الإنسان ذهب فأبعد المذهب)، يعني الغائط فأكنى عن ذكره. # ¬__________ # (¬1) النساء: 23. # (¬2) البقرة: 187. # (¬3) الروم: 21. # (¬4) النساء: 43. PageV01P067 # ? ومن الإضمار أيضا قوله عز وجل: { ?فاستشهدوا عليهن أربعة منكم } (¬1) ~~فأضمر ذكر الزنا. ومن الإضمار أيضا قوله عز وجل: ? { واختار موسى قومه ~~سبعين رجلا لميقاتنا } (¬2) يعني من قومه، فأضمر (من) ولذلك نصب قومه، ~~وكقوله عز وجل: { ?ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من ~~دابة } (¬3) يعني الأرض، فأضمرها في الخطاب والله أعلم. وفي موضع آخر: ?ما ~~ترك عليها من دابة } (¬4) يعني ms048 الأرض، والله أعلم، وكقوله: { حتى توارت ~~بالحجاب } (¬5) يريد الشمس، فأضمر ذكرها، وكما تقول الناس لإنسان: ما بها ~~أعلم (من) فلان، يعنون بذلك القرية والبلدة والمدينة ونحوها. وكقوله تعالى: ~~? { فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق } (¬6) فأضمر في الخطاب ~~أنه ضرب فانفلق، وأضمر ذكر (ضرب). # باب في الخاص والعام # ¬__________ # (¬1) النساء: 15. # (¬2) الأعراف: 155. # (¬3) فاطر: 45. # (¬4) النحل: 61. # (¬5) سورة ص: 32. # (¬6) الشعراء: 63. PageV01P068 # وأما الخاص والعام فمثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (الصلاة خير موضع، ~~فمن شاء فليقلل ومن شاء فليكثر)، هذا عموم في كل وقت، والخاص المعترض عليه ~~مثل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا صلاة بعد صلاة العصر، حتى تغرب ~~الشمس، ولا صلاة بعد صلاة الصبح، حتى تطلع الشمس) (¬1) والخاص يعترض على ~~العام، والعام لا يعترض على الخاص، وليس مثل هذا يكون نسخا؛ لأن النسخ ~~حقيقة أن يرفع الكل. وأما ما سمي (¬2) الشيء باسم الفعل قبل كونه، قوله ~~تعالى: { ?واستشهدوا شهيدين من رجالكم } ? (¬3) فسماهما شهيدين ولم يقع ~~الفعل منهما؛ ولما جاز أن يشهد مثلهما ويكون في الحال الثانية ممن يشهد، ~~ويستحق الاسم جاز أن يجري عليهما اسم ما يستحقان (¬4) من بعده، وكذلك قوله ~~عز وجل فيما حكاه عن صاحب الملك: { ?إني أراني أعصر خمرا } (¬5) وليس بخمر ~~في حال العصر، وإنما يعصر عنبا حلالا، ولكن لما جاز أن يصير خمرا، ويستحق ~~اسم الخمر من بعد، جاز أن يسمى بالاسم الذي ينتقل إليه. وكذلك الصيد يسمى ~~صيدا قبل اصطياده ويقع عليه اسم الصيد فسمي صيدا أيضا بعد أخذه. وقد يجري ~~على الشيء اسم فعل قد انقضت أوقاته، نحو قوله جل ذكره: { ?فألقي السحرة ~~ساجدين } ? (¬6) فأجرى عليهم في حال سجودهم، وبعد توبتهم وإسلامهم إسم ~~السحر الذي كانوا عليه قبل إسلامهم، وكذلك قوله عز وجل: { والذين يتوفون ~~ويذرون منكم أزواجا } (¬7) يعني بذلك والله أعلم اللواتي كن أزواجا، ومثل ~~هذا كثير، ويوجد في اللغة جوازه. وأما ما يجئ لفظه لفظ الآمر، والمراد به ~~الخبر مثل قول الله: { ?اعملوا بما شئتم إنه بما تعملون بصير } (¬8) ~~فابتداؤه كالأمر وهو ms049 خبر قرن بوعيد. # ¬__________ # (¬1) متفق عليه. # (¬2) في (ج) يسمى. # (¬3) البقرة: 282. # (¬4) في (ج) يستحقانه. # (¬5) يوسف: 36. # (¬6) الأعراف: 120. # (¬7) البقرة: 234. # (¬8) فصلت: 40. PageV01P069 # وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من كذب علي متعمدا مقعده من النار" ~~(¬1) فهذا خبر عن جزاء فعل. # ومن الأخبار ما روي: "إنما (¬2) أدرك الناس من كلام النبوة، إذا لم تستح ~~فاصنع ما شئت" (¬3) قيل هو إخبار عن جزاء مثل قوله عز وجل: ? { اعملوا ما ~~شئتم } (¬4) . # وأما أدوات الخفض فإن بعضها ينوب عن بعض نحو قول الله جل اسمه: { ?ثم ~~لأصلبنكم في جذوع النخل } (¬5) وكقوله: ?قد نرى تقلب { وجهك في السماء } ~~(¬6) يعني إلى السماء. # وقوله: ? { فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن من معروف ~~} (¬7) يعني بما فعلن في أنفسهن من البروز وطلب الأزواج، وقوله عز وجل: { ~~?وإن منها لما يهبط من خشية الله } (¬8) يعني بخشية الله. وقوله: { ?له ~~معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله } (¬9) يعني بأمر الله. ~~والله أعلم. # باب فيما يوجب العقل # في باب التوحيد وإثبات النوة # ¬__________ # (¬1) متفق عليه. # (¬2) في (ب) و (ج) إن ما. # (¬3) رواه مسلم. # (¬4) فصلت: 40. # (¬5) طه: 71. # (¬6) البقرة: 144. # (¬7) البقرة: 234. # (¬8) البقرة: 47. # (¬9) الرعد: 11. PageV01P070 # وإنما (¬1) يميزون بين النبي والمتنبي لا يجوز أن يرد السمع بخلافه، ألا ~~ترى أنا إذا قلنا: علة المتحرك الحركة. فلا يجوز أن يتحرك إلا بحركة، ولا ~~يجوز أن يرد السمع بخلافه، فيقول أثبتوه متحركا بغير حركة، وكذلك إذا قلنا ~~السكون علة الساكن، ولا ساكن إلا بسكون، ولا يجوز أن يرد خبر فيقول: أثبتوه ~~ساكنا بغير سكون، فهذه علل لا يجوز انقلابها، ولا يجوز أن يأتي السمع ~~بخلافها. وأما القائسون في باب الحلال والحرام فجائز عندهم، أن يرد السمع ~~بخلافه؛ فإذا (¬2) كان ذلك يجوز (¬3) كان علة طريق القائسين غير علة ما لا ~~يجوز انقلابه؛ لأن العلة التي يوجبها العقل لا يختلف فيها العقلاء، ألا ترى ~~إنهم قد اختلفوا في العلل التي قد أثبتوها أصولا لهم وتأويلا يرجعون إليه، ~~ومعقلا يفزعون إليه في استنباط الحكم عند الحوادث النازلة بهم، التي لا نص ms050 ~~عليها باسمها. فقال الشافعي: علة الربا في المأكول دون غيره، وخالفه عاقل ~~مثله وهو مالك بن أنس فقال: علة الربا الاقتيات والادخار، وخالفهما عاقل ~~مثلهما، وهو أبو حنيفة فقال: علة الربا الكيل والوزن، فهذا الاختلاف منهم، ~~يدل على ما يوجبه العقل على ضربين، فضرب متعلق بالعلم الحقيقي الذي لا يجوز ~~عليه الانقلاب، وضرب متعلق بعلم الظاهر الذي لا يكون معلومه معتقدا، (¬4) ~~وقد يجوز أن يرد ما يوجب اعتقاد خلافه نحو قول الله تعالى: ? { فكاتبوهم إن ~~علمتم فيهم خيرا } (¬5) ، وقوله: { ?فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى ~~الكفار } (¬6) ونحو ذلك والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) في (ج) وما. # (¬2) في (ج) وإذا. # (¬3) في (ج) مجوزا. # (¬4) من (ج) و (أ) منعقدا. # (¬5) النور: 33. # (¬6) الممتحنة: 10. PageV01P071 # والحكم حكمان: حكم بأصل موقف عليه، وحكم بفرع بقياس مستخرج بأصله. فحكم ~~الأصل موقف عليه بعينه، ألا ترى أنه لو كان حكم الأصل مستخرجا، وحكم الفرع ~~مستخرجا كان لا فرق بين الفرع وأصله، وكاد يكون الفرع أصلا والأصل فرعا، ~~والقياس لا يصح إلا على أصل متفق عليه، على ما بينا من اختلافهم من التفاضل ~~في البيع قياسا على الخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الربا ~~بقوله عليه السلام: (البر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والذهب ~~بالذهب والفضة بالفضة والملح بالملح) (¬1) فاستخرج كل من القائسين علة هذا ~~من الخبر، وقاس عليه الحادث، واستنبط منها حكما على ما قدمنا ذكره من ~~اختلاف بعض القائسين من المتفقهة من مخالفينا، وعلى نحو هذا اختلف علماؤنا ~~في البيوع، ووجه آخر أبينه لك من اختلافهم في العلة. قال أبو حنيفة: دم ~~الرعاف نجس قياسا على دم المستحاضة (نسختين) الاستحاضة، ودم الرعاف ينقض ~~الطهارة عنده؛ لأن دم الاستحاضة ينقض الطهارة. # ¬__________ # (¬1) تقدم ذكره. PageV01P072 # قال مالك: دم الرعاف لا ينقض الطهارة؛ لأن علة نقض الطهارة من دم ~~الاستحاضة؛ لأن مخرجه النجاسات، ومخرج الرعاف ليس من مخرج النجاسات، ولا ~~مخرج ينقض الطهارة. وقول أبي حنيفة نحو قول أصحابنا؛ لأن العلة في ذلك ~~النجاسة، وكل دم هذا حكمه؛ دم رعاف ms051 أو غيره، ووافق الشافعي قول المالك في ~~قوله وعلته. وقال أبو بكر الأصم دم الرعاف ينقض الطهارة، لأن دم الاستحاضة ~~دم عرق، ودم الرعاف دم عرق وكل منهم رجع إلى أصل متفق عليه، وقاس علته عليه ~~وهي الاستحاضة. وقال مالك والشافعي وأبو بكر الأصم وداود: إن دم الاستحاضة ~~ليس بنجس، وعندي أن ذلك خطأ منهم؛ لأنه دم، وقد سمى الله الدم أذى، وعم ~~الدم بتحريمه لقوله عز وجل: { ?حرمت عليكم الميتة ولحم الخنزير } (¬1) وقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنه دم عرق، ودم الرعاف دم عرق" (¬2) ~~ومخرجه مخرج النجاسات، وإذا اعتورته هذه الأسباب فأقل أحواله أن يكون نجسا ~~ينقض الطهارة والله أعلم. # وكل قد اجتهد وقاس وشبه الحادثة إذا وردت بأصل متفق عليه من الكتاب ~~والسنة والإجماع، والمانع من القياس قد ترك المناصحة لنفسه، وقد روي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قاس واجتهد في بعض الحوادث، ومن ذلك أن الخثعمية ~~لما سألته فقالت: يا ر سول الله: "إن أبي شيخ كبير ولا يستمسك على راحلته، ~~وقد أدركته فريضة الحج، أفأحج عنه؟ فقال صلى الله عليه وسلم لها: "أرأيت لو ~~كان أبيك دين فقضيتيه أكنت قاضيه عنه؟ قالت: نعم. قال: فدين الله أحق، أو ~~قال أولى" (¬3) ، فقد شبه لها وتركها والاستدلال لما (¬4) بينهما من وجه ~~القياس، والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) المائدة: 3. # (¬2) رواه أبو داود. # (¬3) متفق عليه. # (¬4) في (ج) بما. PageV01P073 # ? وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: يا رسول الله إني هششت وأنا صائم ~~فقبلت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أرأيت لو مضمضت فاك أكنت ~~مفطرا ؟ قال: لا. قال: فذاك ذاك" (¬1) وقيل إنه اجتهد في الحروب برأيه ~~وغزواته. وروي عن عائشة أنها كانت توجب إعادة الطهارة من الكلمة الخبيثة. ~~وقولها في "الاكسال منكر على من ترك الغسل منه" (¬2) وتقول: يتوضأ أحدكم من ~~الطعام الطيب، ولا يتوضأ من الكلمة العوراء يقولها لأخيه. وقولها في ~~"الاسكال منكرة" على من ترك الغسل منه كيف أوجب عليه الحد، ولا يوجب عليه ~~صاعا ms052 من ماء، يعني الغسل، وهذا يدل على أن الصاع من الماء كاف للغسل، ~~وقولها: ولا يتوضأ أحدكم من الكلمة العوراء يقولها لأخيه؛ يدل على إنها ~~كانت ترى نقض الطهارة من الكذب المتعمد عليه ما يذهب إليه أصحابنا، وكثير ~~من الصحابة قد قالوا بالقياس في الحوادث واجتهدوا آراءهم فيها وللحوادث ~~التي كانت بينهم من الاختلاف في الحوادث يدل على ما قلنا، وتركهم التكبر ~~على بعضهم البعض، والتخطئة لهم البراءة منهم يدل على أن الحق في اختلاف ~~المختلفتين والله أعلم. فالواجب على المتفقه إنه يتأمل هذه المعاني وأن ~~يعتبر أحكامها عند النوازل به منها، وبالله التوفيق. # مسألة # الحادثة إذا حدثت لا تخلو من حكم الله فيها، إما أن يكون منصوصا عليها ~~بأخص أسمائها، أو يكون منصوصا عليها في الجملة مع غيرها، والاختلاف بين ~~الصحابة في الحوادث وما يتنازع العلماء فيه من الأحكام لاختلاف المذاهب في ~~المختلف فيه. # ¬__________ # (¬1) رواه أبو داود. # (¬2) هذه الجملة ما بين قوسين زائدة في (أ). PageV01P074 # فقال قوم: كان اختلاف الصحابة على طريق القياس والاجتهاد. وقال قوم: كان ~~اختلافهم استخراج الحكم بالدليل المستنبط به، والاختلاف أيضا قد يقع بين ~~العلماء في نفس المنصوص؛ لأن من العلماء من يقول: بالعموم، ومنهم من يقول: ~~بالخصوص. وربما كان اختلافهم من وجه آخر؛ لأن من العلماء من يقول: إن ~~الأوامر على الوجوب، ومنهم من يقول: هي على الندب، ومنهم من يقول: الأوامر ~~إذا وردت كانت على الوقف لا حكم لها حتى يرد بيان يرفع الشبهة عن ~~المأمورين، ويزيح العلل عنهم، وإذا كان هذا هكذا فالاختلاف قد يقع عليه في ~~المنصوص عليه بعينه. ويقع الاختلاف أيضا في المنصوص عليه باسمه في الجملة، ~~ألا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلمكيف يقول: (إذا اختلف الجنسان ~~فبيعوا كيف شئتم) (¬1) ثم أجمعوا أن بيع الذهب بالفضة أحدهما بالأخرى غير ~~جائز إذا كان أحدهما غائبا. وقد نهى (عن بيع المنابذة والملامسة) ولم يقل: ~~كيف شئتم إلا المنابذة والملامسة، فهذا يدل على أنه قد قال: بيعوا كيف شئتم ms053 ~~إلا ما نهيتكم عنه من البيوع، والله أعلم. # باب في التذكية # ¬__________ # (¬1) متفق عليه. PageV01P075 # قال الله تبارك وتعالى: { ?ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه ~~لفسق } ، (¬1) وقال جل ذكره: { ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ~~ما رزقهم من بهيمة الأنعام } (¬2) وقال جل ذكره: ? { حرمت عليكم الميتة ~~والدم ولحم الخنزير? إلى قوله: ?إلا ما ذكيتم } (¬3) وحرم الله تعالى ~~الحيوانات التي أباح أكلها من سائر ما حرم الله من الحيوان إلا بعد التذكية ~~لقوله تعالى: ?إلا ما ذكيتم?ولا يخلو قوله: ?إلا ما ذكيتم?الذكاة الدموية ~~والشرعية، فمن قول الجميع أنه لم يرد اللغوية وإنما أراد الشرعية للوقف ~~(¬4) عليها؛ لأن الذكاة في اللغة هي الشق على ما سمعنا من أهلها. وأجمعوا ~~أنه لو شق شقا لم يوقف عليه، لم يجز أكله ولا يناول شيئا من ذلك. فعلمنا أن ~~الذكاة المشهورة المطلوبة هي الشرعية؛ لا كل ما يستحق اسم ذكاة في اللغة ~~فتجب أن تكون هي ما لا عصيان فيها، لأن الشرع لا يرد بالمعاصي، والذبائح ما ~~ليس له أو بالسكين المغتصبة أو المسروقة عاصيا في الذبائح، والفعل واحد في ~~الوقت الواحد من فاعل واحد لا يكون طاعة ومعصية، وقد حصل هذا الفاعل على ما ~~ذكرنا عاصيا في فعله، واستعمال السكين المغصوبة في الذبح أو ذبح الشاة ~~المسروقة لا يجوز أن تكون تلك الحركة التي تحرك (¬5) بها، والذبح الذي ذبحه ~~وهي معصية تكون طاعة، إذ الذكاة طاعة، والمتعدي في شاة غيره معصية، والطاعة ~~والمعصية متنافيتان. وإذا بطل أن تكون طاعة، فقد بطل أن تكون ذكاة شرعية. ~~وإذا بطل أن تكون ذكاة شرعية لم يجز بها تناول الحيوانات، فإن قال قائل: ~~الغاصب يكون عاصيا في الفعل وفي السرقة ولا يكون عصيانه مبطلا لذبحه. قلنا ~~أيضا: فإن سرقته معصية واستعماله في الذبح معصية أخرى كرجل سرق طعاما فهو ~~عاص بالسرقة، فإذا كان (¬6) # ¬__________ # (¬1) الأنعام: 121. # (¬2) الحج: 34. # (¬3) الأنعام: 3. # (¬4) في (ج) الموقف. # (¬5) في (ج) تحركها. # (¬6) "كان" زائدة في (أ).. PageV01P076 # أكله حصلت له معصية أخرى في الأكل، ms054 وكذلك الذابح لها عاصيا (نسختين)، عاص ~~باستعماله كعصيانه في سرقتها، وإذا كان هذا هكذا فقد ثبت ما قلناه. فإن ~~قال: في أي موضع من السكين منع استعمال السكين: قيل له: نسختين. وقلنا له: ~~أجمع الناس جميعا أن ليس له أن يذبح بها، فإن قال قائل: وليس ورود النهي في ~~هذا الموضع ما يمنع "نسختين لما يمنع" من أكلها إذا ذبحت فلم منعت من أكلها ~~؟ قيل له: منعنا من أكلها لما تقدم من ذكرنا له، وإن لم يأت بالذكاة ~~الشرعية ولو كان ورود النهي في الآلة التي يذبح بها لا يمنع من أكلها للزم ~~الشافعي المبيح لها أن يقول: الذبح بالسن والظفر أن يؤكل، فلما قال أنه لا ~~تؤكل لنهي الله والرسول له عن ذلك، فلزم أيضا أبا حنيفة وأصحابه ممن أجاز ~~أكلها على ما وصفنا، قال: إذا ذبح بالسن والظفر النابتين (¬1) في موضعهما ~~لم تؤكل الذبيحة، وأما مالك فأجاز أكلها إذا ذبحت بالسن والظفر سواء كانتا ~~نابتتين أو غير نابتتين فاعتمدنا (¬2) على ما تقدم ذكرنا له، وروي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم إنه قال: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو مردود)، وقد ~~عمل هذا المتعدي على شاة غيره أو بسكين مغتصبة عملا عليه نهي النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وإذا كان منهيا كان فعله مردودا ولم يكن مجوزا (¬3) وبالله ~~التوفيق. # باب في الزنا # ¬__________ # (¬1) لعلها النابتتين. # (¬2) في (ج) فاعتمادنا. # (¬3) في (أ) مجورا. PageV01P077 # اختلف الناس في اسم النكاح "نسختين في اسم الزنا" في اللغة، قال الله ~~تعالى: { ?الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان ~~أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين } (¬1) على قولين؛ فقال بعضهم: إن معنى ذلك ~~والمراد به هو الجماع نفسه، وقالت الفرقة الثانية: هو عقد النكاح، وهذا هو ~~القول، لأن العرب تسمي العقد نكاحا؛ لأنه يبيح النكاح، فسمي السبب باسم ~~المسبب، وإذا كانت الأمة على قولين فيفسد أحدهما صح الآخر، وقد نظرنا فإذا ~~هو العقد دون الجماع، الدليل على ذلك قول الله ms055 جل ذكره: ? { الزاني لا ينكح ~~إلا زانية } ، فهذا عموم في الخطاب، فلما كان الزاني قد يزني بغير زانية ~~كالصبية والمجنونة والمغلوبة على عقلها بالنوم علمنا أن هذا الخطاب لم يرد ~~به ما قال مخالفونا، لأن العموم إذا ورد ولم يرد تخصيص منه بدليل فالواجب ~~إجراؤه على عمومه، ولو خصصنا هذا العموم وحملناه تخصيصا كنا قد أجزنا على ~~إخبار الله تعالى الكذب؛ لأن مخالفينا ذهبوا إلى هذا الخطاب، إنما هو إخبار ~~فلو كان خبرا لم يكن صدقا لقيام الدليل على خروج بعض ما تضمنه الخبر، وليس ~~بمنكر في اللغة أن يرد الخطاب ورود الخبر في الظاهر والمراد به الأمر، ألا ~~ترى (¬2) إلى قول الله تعالى: { ?والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } ~~(¬3) فظاهره هذا خبر، والمراد به الأمر والإلزام. وكذلك قوله عز وجل: { ?إن ~~يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين } (¬4) فظاهره ظاهر الخبر عن كون ~~الغلبة عند القتال، والمراد بذلك الفرض والإلزام. ومثل هذا في القرآن كثير، ~~فقوله: { ?لا ينكح إلا زانية } ?نهي عن تزويج غير الزانية. ويدل على ذلك ~~قوله عز وجل: { ?وحرم ذلك على المؤمنين } (¬5) يعني هذا المذكور والله أعلم ~~بأن هذا وذلك معناهما واحد في اللغة. # ¬__________ # (¬1) النور: 3. # (¬2) "ألا ترى" ساقطة من (ج). # (¬3) البقرة: 228. # (¬4) الأنفال: 65. # (¬5) النور: 3. PageV01P078 # فإن قال قائل: ما تنكرون (¬1) أن يكون معنى قوله عز وجل: ? { وحرم ذلك ~~على المؤمنين } ، لا يريد به ما ذهبتم إليه، وذلك لو أن رجلا زنى في غيبة ~~زوجته أو زنت فلم يعلم زوجها، لم تقع الحرمة بينهما عندكم، فما أنكرتم أن ~~لا يتوجه (¬2) حكم الآية إلى ما ذهبتم إليه. ولو كان تأويلكم صحيحا لوجب أن ~~يلزم من زنى من الزوجين أن يحرم على الآخر عند نفسه؛ لأنه قد حرم بفعله ~~الزنا أن يكون من المؤمنين، قيل له: قد أجمعت الأمة إنها لا تحرم عليه ~~زوجته، ولا يحرم عليها زوجها إذا استتر زنا أحدهما عن الآخر، والإجماع ~~منعنا (¬3) على (¬4) القياس إذ لاحظ للقياس (¬5) مع التوقيف. فإن قال: ~~فالعلة موجودة في وجود التحريم وهو الزنا، ms056 قيل له: قد عرفناك أن (¬6) ~~الإجماع قد منع من ذلك، وقد يحض الإجماع بعض ما يشتمله الاسم فيكون حكمه قد ~~خرج من جملة ما دخل تحت الاسم، وليس يمكن (¬7) ذلك مع العلماء وبالله ~~التوفيق. # ¬__________ # (¬1) من (ب) و (ج) ينكرون. # (¬2) في (ج) يتزوجه. # (¬3) في (أ) معنا. # (¬4) في (ج) عن. # (¬5) في (ج) للنظر. # (¬6) "أن" ساقطة من (ج). # (¬7) في (ب) و (ج) بمنكر. PageV01P079 # فإن قال: فإذا تابا من زناهما هل يجوز أن يرجعا إلى حكم المؤمنين ويعود ~~إليهما بنكاح جديد أو بغير نكاح؟ قيل له: ليس له أن يرجع إليهما كما لم يكن ~~للملاعن أن يرجع إلى زوجته، وإذا كذب نفسه وتاب من قذفه إياها بالزنا من ~~قبل أن يحكم إذا جرى مجرى العقوبة أو كان حدا من الحدود لم (¬1) يرتفع ~~بالتوبة، وهذا مثله بتوفيق الله إياها في إصابتها الحق دون الفرقة الأخرى ~~التي قد شذت عنه وخفي عليها معنى خطاب الله تعالى لم تجز لها الرجعة في ~~التوبة وغير التوبة، وإذا كانت الأمة قد اختلفت في حكم على قولين، فأخطأ من ~~ذهب إلى أحد القولين وأصاب الفريق الثاني، ولا يجوز أن يكون الحق خرج من ~~أيديهم جميعا، وإذا كان البعض في يده الحق كان هو كالأمة وحده، فإن قال: لم ~~قلتم إن هذه الفرقة لما كانت مصيبة لهذا الحكم دون غيرها من الناس كان ~~قولها محكوما به في كل مكان؟ قيل له: قد قلنا: إن الحكم إذا كان مطلوبا من ~~الأمة قام الدليل على خطأ بعضهم، وذهابه عن الحق كانت الطائفة المصيبة ~~كإجماع الأمة وكانت هي الأمة، وجاز أن يحتج بقولها وأن الله تعالى أخبر أن ~~الإجماع هو الحجة، والحق لا يخرج منه إذا كان في الجميع من ليس بحجة ~~والباقي منهم هم الحجة، وإذا كانوا هم الحجة جاز أن يحتج بالإجماع، وبالله ~~التوفيق. # فإن قال قائل: فما تقولون في الواطئ في الحيض؟ قيل له: نرى تصويب من قال ~~بالتفرقة بين الزوجين إذا اتفقا على الوطء في الحيض من طريق العمد ms057 من جهة ~~النصرة لهم، فإن قال: وكذلك من وطئ في الدبر قيل له: هما عندنا سواء في باب ~~الحكم، فإن قال: فما وجه جواز ذلك عند من قال به؟ قيل له من قبل: إن أهل ~~اللغة يسمون الدخول في المضيق زنا، فلما رأينا الواطئ في الدبر والحيض ~~داخلين في المضيق عليهما علمنا أنهما قد استحقا اسم الزنا، والزاني يفرق ~~بينه وبين زوجته على ما تقدم قولنا في أول المسألة. # ¬__________ # (¬1) في (ج) ولم. PageV01P080 # فإن قال: وما الدليل على جواز قولكم، وأي موضع ذلك في اللغة؟ قيل له قول ~~الشاعر: # ولست بزان في مضيق لأنني أحب وساع العيش والخلق الرحبا (¬1) # وقال آخر: وإذا قذفت إلى زنا قعرها غبراء مظلمة من الأحفار. # والرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا يصلي أحدكم وهو زناء) ممدود ~~غير مشد النون، يريد والله أعلم؛ الحاقن، يعني بذلك الذي يجمع البول في ~~مثانته حتى يضيق به، فلما كانت العرب تسمي الدخول في المضيق زناء، وجب أن ~~يجري حكم الزنا عليه والله أعلم. قال الكسائي وأبو عبيدة: هو الذي يجمع ~~بوله في مثانته ويضيق عليه. قال: فأصل الزنا المضيق؛ لأن الزنا الذي يوجب ~~الحد ما كان بالفرج لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (العينان تزنيان ~~واليدان تزنيان والرجلان تزنيان ويصدق ذلك ويكذبه الفرج)، (¬2) وكل من دخل ~~بفرجه في ضيق مضيق عليه فهو زان، وكل من استحق اسم الزاني فالحد واجب عليه ~~إلا ما قام دليله، ودليل من طريق القياس يدل على صحة ما قلنا، إنا لما ~~رأينا الأمة قد أجمعت على حرمان قاتل العمد ممن يصير (ماله إليه) (¬3) في ~~الحال الثانية، فلما تسرع إلى ارتكاب ما نهي عن فعله منع من الإرث الذي كان ~~يستحقه بترك ما ارتكب مما نهي عن فعله. فكذلك الواطئ في الحيض المتعمد ~~لركوب ما نهي عنه لا يستحق ما كان يستحقه بترك ما ارتكب (¬4) مما نهي عن ~~فعله من الوطء في الحيض، ولما كانت سنة أجمع الناس على قبولها والعمل بما ~~وجب ms058 القياس عليها، ألا ترى أن (¬5) ما روي عن عمر ابن الخطاب وبذلك قال ~~مالك بن أنس في رجل خطب امرأة في عدتها من طريق العمد أنه لا يحل له ~~تزويجها بعد انقضاء عدتها ويحرم عليه تزويجها أبدا فحرم بمعصيته (¬6) # ¬__________ # (¬1) في (ب) والخلو. # (¬2) رواه أبو داود. # (¬3) في (ج) إليه ماله. # (¬4) "ارتكب" ساقطة من (ج). # (¬5) في (ج) إلى. # (¬6) في (ب) و (ج) بمعصيته.. PageV01P081 # ما كان مباحا له بتركها، ونحو هذا قد يجري مجرى العقوبات والله أعلم. ~~والزنا في اللغة هو الدخول في المضيق، وقد مضى الاستشهاد على ذلك من قول ~~الشاعر فيما مضى من أول المسألة. # المسألة لله والدعاء فريضة # يقول الله جل ذكره: ? { وقال ربكم ادعوني أستجيب لكم إن الذين يستكبرون ~~عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين } ، (¬1) وقال جل ذكره: { ?وإذا سألك عبادي ~~عن فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم ~~يرشدون } (¬2) وقال جل ذكره: { ?واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شيء ~~عليما } (¬3) وقال: { ?أدعوا ربكم تضرعا وخفية إنه لا يحب المعتدين } (¬4) ~~. ففيما تلونا من آيات القرآن ما يدل على ما قلنا وعلى فضل الدعاء وكبر ~~منزلته، وعلى أن الإجابة فيه مضمونة إذا وقع على الوجه المرغب فيه دون ~~المحظور منه؛ لأن ما لا يجوز ليس يقع الضمان بإجابته أن ليس (¬5) في الحكمة ~~أن تقول للناس: سلوني ما لا يجوز أن أجيبكم إليه؛ لأن ذلك يقع على غير فعل ~~الحكيم، ويدل على ذلك أيضا ما يعرفه الناس من مسألة العبد ربه الرحمة ~~والغفران عند حادث يحدث به لا يأمن أن يكون عقابا، وعند توبته من ذنب قد ~~سلف منه، فإن الدعاء في مثل هذا وأشباهه قد يلزم فعله ولا يجوز تركه؛ لأن ~~المسلمين جميعا يعيبون على من أعرض عن ذلك، ولم يفزع (¬6) إليه. واختلف ~~الناس في الدعاء، فقال قوم: الواجب أن يدعوا الإنسان ويكون سؤاله مقيدا في ~~العقد والضمير، بشريطة (¬7) # ¬__________ # (¬1) غافر: 60. # (¬2) البقرة: 186. # (¬3) النساء: 32. # (¬4) الأعراف: 55. # (¬5) في (ج) لأن. # (¬6) الفزع: الاستغاثة. # (¬7) في (ب) و (ج) ms059 شريطة.. PageV01P082 # حكم الله فيه وما هو أعلم به من حق تدبيره لئلا يقع دعاؤه موقع الاعتراض ~~على ربه والحكم عليه؛ لأن العبد هو المربوب فلا حكم له على سيده فيما هو ~~أملك به وأعلم بوجهه منه، وقال قوم: قد يحسن إظهار ما يضمر في ذلك في أمور، ~~ولا يحسن في أمور أخرى. وذلك كقول القائل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا ~~لي واغنني ما كان الغناء خيرا لي، وهذا لعمري شائع في الدعاء والمسألة. PageV01P083 # وعندي أنه لو أفرد الدعاء والمسألة بالحياة والغناء بغير إظهار شرط الخير ~~كان جائزا إذا كان عقده وضميره على ما يدعو به المسلمون. وقال قوم: الدعاء ~~والمسألة لا يحتاج معها إلى ضمير يعتقده ولا يشترط معها، (¬1) ولا إظهار ~~ذلك أيضا، لأن موضع الدعاء والمسألة هو على ذلك، ولا وجه لاشتراط الدعاء ~~فيه بإظهار لفظ و (¬2) لا يعتقده ضميره، وعندي أنه يجب إذا دعا ربه وسأله ~~أن يفقره أو يميته أو نحو هذا، فلا بد له من إظهار الاشتراط، بأن يقول ما ~~كان الفقر خيرا لي في ديني، وما كان الموت أنفع لي من الحياة، ولا يرسل ~~المسألة في مثل (¬3) هذا إرسالا والله أعلم. لأن من لم يشترط في مثل هذا ~~الموضع خرج دعاؤه مخرج السخط والاستصغار لنعم الله عليه، ولا ينبغي للعبد ~~أن يسأل إلا ما يكون بدعائه مطيعا. ولا يجوز أن يسأل ربه ما لو فعله لم يكن ~~لعله كان فعله خروجا من الحكمة، وذلك مثل قولهم: اللهم أحي لي من أمت من ~~أهلي، وقرابتي قبل يوم القيامة، وأرجعهم إلى الدنيا، واجعل مدة عمري ألف ~~سنة، وهب لي ملكا مثل ملك سليمان بن داود النبي عليه السلام، فلو فعل هذا ~~ودعا به كان جاهلا متحكما على الله تعالى، وخروجا من (¬4) حد مسألة المتهيب ~~الخاضع إلى حد مسألة المتحكم الملزم. وليس من مسألة العبد لسيده في شيء ~~وإنما يجرى مجرى الأمر والإلزام وإيجاب الفروض، والمسألة وإن كان لفظها لفظ ~~الأمر فإنها تتفضل بما يطلق له اسم ms060 الأمر بما يجامعها من القصد والإرادة ~~والخضوع (¬5) # ¬__________ # (¬1) في (ج) معهما. # (¬2) "و" لعلها زائدة وهي موجودة في جميع النسخ. # (¬3) "مثل" لا توجد في (ج). # (¬4) في (ج) عن. # (¬5) في (ج) للخضوع.. PageV01P084 # والاستكانة والتواضع ونفي الأنفة، ولهذا لم يجز أن يقال: إن العباد ~~يؤمرون الله وينهون بدعائهم له ومسألتهم إياه، وقد ذهب بعض المعتزلة إلى أن ~~الأمر والمسألة يقعان على حد واحد، فزعموا أنه لم يسم دعاء الله، ومسألته ~~أمرا استعظاما لله تعالى، وكأنهم ذهبوا إلى أن قائلا لو قال ذلك لم يكن ~~مخطئا. ولسنا نذهب إلى ذلك بالذي نختاره: إنما يطلق له اسم المسألة ~~والدعاء، ويقع على غير حد الأمر والنهي، ووجدت بعض من يتخصص بالنحو يذكر أن ~~لفظ الأمر والنهي على وجهين، فما كان لمن هو دونك فهو أمر ونهي، وما كان ~~لمن هو فوقك (¬1) فهو مسألة. # وقال بعضهم: وما كان لله فهو دعاء كأنه يذهب إلى أن يسأل (¬2) الله عز ~~وجل أن يفعله، فهو وإن كان مسألة فهو دعاء أيضا، وإن كان مسألة الله عز وجل ~~تخص بهذه (¬3) الصفة ويفرد بها وهذا وجه شائع، ألا ترى أنك تقول: دعوت الله ~~بكذا غير قولك دعوت فلانا إلى كذا. # وأما مسألة الله للعبد فهو عندي والله أعلم إنها للترفق والاستعطاف، ~~والدلالة على موضع الحض مثل قوله: ? { ولا يسألكم أموالا إن يسألكموها ~~فيحفكم تبخلوا } (¬4) وقوله: { ?إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم } . (¬5) # ¬__________ # (¬1) علم المعاني من البلاغة: باب الانشاء: منها الأمر، وهو طلب إلى ~~الفعل على وجه الاستعلاء، وقد تخرج صيغ الأمر إلى معان أخرى مثل الدعاء ~~كقوله تعالى: ((ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا)) الكهف: ~~16، وقوله عز وجل: ((فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الحجيم)) ~~غافر: 7. # (¬2) في (ج) إلى أن ما يسأل. # (¬3) في (ج) بهذا. # (¬4) سورة محمد: 36 37. # (¬5) التغابن: 17. PageV01P085 # ودعاء العبد ربه فهو مسألة الخاضع المستكين، ومن هذا ونحوه لم يجز أن ~~يدعو داع فيقول: (يا رب لا تجر علي ولا تظلمني، وإن كان معلوما أن ms061 الله لا ~~يفعل شيئا من ذلك، لأن هذا للفظ) (¬1) وما شاكله يخرج عن حد خطاب التعظيم ~~والهيبة والإجلال، فمن أجل ذلك لم يجز هذا وشبهه في دعاء الله تعالى، وجاز ~~أن يقال: { ?ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا } (¬2) وإن كان من ~~حكم الله أن لا يحمل أحدا ما لا طاقة له به إذا كان هذا الكلام يدل على ~~الخضوع والاستكانة وعلى الانقياد وليس من الأول في شيء، وكل شيء سأله ~~السائل ربه أن يفعله فهو عندي على ضربين: أحدهما شيء من حكم الله أن يفعله ~~دعا به الداعي أو لم يدع به، وشيء من حكم الله أن لا يفعله إلا بعد دعاء، ~~وأما المعنى الذي من حكمه أن يفعله يدع به فكالذي حكاه الله عز وجل من دعاء ~~ملائكته وسؤالهم إياه واستغفارهم للمؤمنين فقالوا: { ?ربنا وسعت كل شيء ~~رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم } (¬3) ~~الآية. وقد علمنا أن الله تعالى يدخل المؤمنين الجنة وأنه يغفر للذين ~~تابوا، دعا بذلك داع أو لم يدع. # ¬__________ # (¬1) ما بين قوسين من (ج). # (¬2) البقرة: 286. # (¬3) غافر: 7. PageV01P086 # وأما الضرب الذي ليس من حكم الله أن يفعله إلا بعد الدعاء، كدعاء ~~الأنبياء للأشياء التي لولا دعاؤهم بها لما تفق كونها على سبيل ما اتفقت ~~عليه من الكثرة وتقادير الأوقات لعلم الله جل وعز؛ لأن ذلك لا يكون موجبا ~~للحجة ولا واقعا موقع (نسخة: موقعا للمصلحة) إلا بأن يكون بعد ذلك الدعاء ~~وقد علمنا بأن المسلمين يوجهون دعاءهم إلى الله في النصرة على المشركين وفي ~~استسقاء الغيث وفي كشف ما يكون (¬1) من المكارة وفيما يشبه ذلك، وجرى مجراه ~~رغبة إلى الله جل ذكره وطمعا في أن يكون اجتهادهم سببا لاجتلاب ما سألوه، ~~فقد يكون ذلك على أن من الدعاء ما (¬2) لم يكن الشيء المسؤول فيه وإن كنا ~~لا نعرف كل شيء من ذلك بعينه فيما سواه، ولكنا نعلم في الجملة أن مما ندعو ~~به أن الله يفعله دعونا به أو ms062 لم ندع به ومنه ما نعلم أن الله جل اسمه لا ~~يفعله إلا بأن ندعوه به، ومنه ما لا ندري من أي الصنفين هو، فنحن ندعو به ~~لحسن الدعاء لما في ذلك من الوجهين والله أعلم. فإن قال قائل: ما وجه ~~الدعاء لما معلوم أن الله يفعله بغير دعاء؟ قيل له: وجه ذلك ما يكسبه (¬3) ~~الداعي فضل الطاعة بالدعاء، وما يرجو له من الثواب عليه، وما يتعجل من ~~الانتفاع به من خشوع قلبه والتأديب لنفسه، وأيضا فإن الدعاء ما (¬4) يجرى ~~مجرى التسبيح (¬5) والتقديس وسائر ضروب الذكر الذي يفعله المسلمون فكل وجه ~~يحسن فيه تسبيح (¬6) الله وتقديسه، فهو يحسن منه دعاؤه ومسألته، وعلى أن ~~للداعي بما يعلم أن الله يفعله بغير دعاء يتعرض (¬7) # ¬__________ # (¬1) في (ب و (ج) ما كان. # (¬2) في (ج) لو. # (¬3) في (ج) يكسب به. # (¬4) "ما" غير موجودة في (ج). # (¬5) في (ج) السبيح. # (¬6) في (ج) سبيح. # (¬7) في (ج) يعترض.. PageV01P087 # للإجابة إذا كان وقوع ما يقع من ذلك الشيء الذي دعا الله به وهو لا ~~محالة فاعله قد يقع على وجه الإجابة وعلى غير وجه الإجابة؛ لأن إجابة ~~الدعاء إنما تكون بأن يريد الله جل ثناؤه، وأن يفعل ما يفعل إجابة مسألة ~~الداعي، وفيما سأل ليس بأن يفعل ذلك بعد الدعاء فقط، ألا ترى أن سبيله ألا ~~(¬1) يفعله إلا بدعاء (¬2) ، لعله أراد أن يفعله بلا دعاء أو قد فعله بعد ~~دعاء الداعي على غير وجه الإجابة لدعائه غير (كان) (¬3) مجيب له فيما دعا، ~~وإن كان قد فعل ما أراد الداعي بدعائه أن يفعله، وكذلك أيضا إن ما (¬4) ~~يفعله بغير دعاء فقد صح أن يفعله على وجه الإجابة لدعاء الداعي، فإذا جاز ~~أن يقال إن الله تبارك وتعالى يجيب الملائكة في دعائهم (للمؤمنين) (¬5) ~~وأهل التوبة بالمغفرة ودخول الجنة؛ لأنه عز وجل يفعل (¬6) ذلك (مريدا له) ~~(¬7) الإنعام على من يغفر له، والإنعام على الملائكة بإجابة دعائهم، ويدل ~~على ذلك لو أن إنسانا عزم على صلة رجل وبره بمال يدفعه إليه، فبعث رجلا ms063 ~~فسأله ذلك وهو لا يعلم عزمه ونيته، لجاز أن يقول: إني كنت قد عزمت على هذا ~~وعملت عليه، وما كنت لأغفل وأعرض عنه، وأنا الآن أفعل ذلك ليجتمع لي أمران: ~~أحدهما قضاء حق مسألتك، والأخرى قضاء (¬8) حق الرجل الذي سالت فيه، لكان ~~بهذا القول محسنا مجملا وموجبا على السائل (شكرا) (¬9) عند أهل المعرفة ~~والعقول، وهذا الذي يقوي عندي قول من يقول: إن الإجابة بموافقة الإرادة، ~~ولا يشترط في ذلك شيئا من هذه الجملة. وقد اختلف (الناس) (¬10) # ¬__________ # (¬1) في (ج) أن لا. # (¬2) ساقطة من (أ) وموجودة في (ب) و (ج). # (¬3) لا توجد في (أ). # (¬4) "ما" لا توجد في (أ). # (¬5) ساقطة من (أ). # (¬6) "يفعل" ساقطة من (أ). # (¬7) من (ب) و (أ) من بداية و (ج): بداية / مريدا. # (¬8) في (ج) قضات. # (¬9) من (ج). # (¬10) من (ج).. PageV01P088 # في إجابة الله عز وجل من يدعوه، فقال بعض المعتزلة: إن ذلك ثوابا للداعي ~~(¬1) وإن الكافر والفاسق لا يستجاب (¬2) لهما دعاؤهما؛ لأنهما ليسا من أهل ~~الثواب (¬3) ؛ ولأن إجابة الله عندهم للداعي تشريف له ورفع من منزلته، وهذا ~~القول عندي غلط من قائله؛ لأنه ليس بمستحيل (¬4) بأن يقع (¬5) من الله ~~إجابة لبعض خلقه على غير جهة تشريف للداعي، بل يجوز أن يكون على سبيل ~~الاستصلاح له والاستدعاء بذلك إلى طاعته، وربما كان في ذلك (مزجرة) (¬6) ~~لبعض خلقه كنحو الإجابة لدعوة المظلوم، وإن كان ذلك المظلوم مشركا أو فاسقا ~~(كما) (¬7) ورد الخبر بذلك: (إن دعوة المظلوم والحاج والوالد مستجابة) (¬8) ~~؛ وفي رواية أخرى: (إن دعوة المظلوم لا يردها راد حتى تقصد إلى السماء)، ~~ومثل هذه الأخبار كثير ولو كانت الإجابة لا تكون إلا تشريفا وتعظيما ~~للداعي، لم يجز أن يجيب النبي صلى الله عليه وسلم سائلا يسأله شيئا حتى ~~يكون مؤمنا تقيا، وهذا ما لا يذهب فساده على (¬9) أحد من أهل الصلاح والله ~~نستهديه (¬10) لما يحبه ويرضاه. وأيضا فإن الإجابة قد تكون تشريفا وقد تكون ~~احتجاجا واستعطافا، (¬11) كنحو ما يتعارفه الناس من أن إنسانا لو سأله عدو ~~له حاجة قضاها (¬12) ، وهو ms064 غير منصرف لقضائها من عدواته، لم يكن فعله ~~قبيحا، بل يعتد بذلك الزيادة في نبله ودالة على حالته (¬13) وسعة صدره، ~~وأنه بذلك قد استعطف عدوه وينشطه (¬14) حتى يكون له وليا بعد أن كان (¬15) # ¬__________ # (¬1) في (ج) توابا للداعي. # (¬2) في (ج) يستجابهما. # (¬3) في (ج) ثواب. # (¬4) مستحيل. # (¬5) في (ج) نفع. # (¬6) من (ب) و (ج) وفي (أ) مؤخرة. # (¬7) من (ب) و (ج). # (¬8) رواه أبو داود وابن ماجه. # (¬9) "على" ساقطة من (ب). # (¬10) من (ج) و (أ) نستهديه أي نطلب من الهداية. # (¬11) في (ب) واستعظاما. # (¬12) (ب) و (ج) فقضاها. # (¬13) في (ج) حلالته. # (¬14) في (ج) وتنشطه. # (¬15) في (ج) يكون.. PageV01P089 # له عدوا (¬1) وبالله التوفيق. # ¬__________ # (¬1) وفي هذا المعنى يأمرنا الله سبحانه وتعالى بأن ندفع السيئة بالحسنة ~~حتى تتقارب القلوب بالمحبة والوئام، قال تعالى: "ولا تستوي الحسنة ولا ~~السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم" ~~فصلت: 34، ما أجمل هذا الدستور الإلهي الذي كرم به عباده المؤمنين وأراد ~~لهم كل الخير والسعادة، في ظل الخلق القويم والصراط المستقيم، وذلك خلق ~~الرسول العربي الأمين: إذ قال صلى الله عليه وسلم : (أدبني ربي فأحسن ~~تأديبي) وقالت عائشة رضي الله عنها: (كان خلقه القرآن) وقال رجل وعلا مادحا ~~نبيه أشرف الأنبياء والمرسلين: "وإنك لعلى خلق عظيم" ويقول له: "لو كنت فظا ~~غليظ القلب لانفظوا من حولك". PageV01P090 # ? وذهب بعض من يقول بالوعيد: إن الله يجيب كل داع يدعوه على الشريطة التي ~~لا يجوز (¬1) أن يخرج الدعاء إلا عليها. وزعموا أن الله جل ذكره قد تضمن ~~بقوله: { ?أدعوني أستجيب لكم } ، (¬2) وقوله تعالى: { ?وإذا سألك عبادي عني ~~فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان } . (¬3) قالوا: ولم يخص بهذا وليا دون ~~عدو، ولا مؤمنا دون كافر، قالوا: فقد دل على عموم كل داع على سبيل التي أمر ~~الله بالدعاء عليها؛ لأنه إذا خالف ذلك خرج من جملة المتضمن لهم بالإجابة؛ ~~لأن المتضمن لهم الإجابة هم الذين يفعلون ما أمروا به من الدعاء دون غيرهم. ~~وكان بعض شيوخنا يناظرني (¬4) في هذه ms065 المسألة ويحتج علي بشيء توهمت أنه كان ~~يذهب إليه ويعتقده (¬5) ويقول به، وهو أن الله جل ذكره لم يتضمن الإجابة ~~لكل من دعاءه بما أمره أن يدعوه به، وإنما أعلم العباد أنه ذو إجابة لدعوة ~~الداعي. وهذا وصف قد يتحصل لإجابة البعض، كما أن وصفه لنفسه بأنه ذو مغفرة ~~للناس على ظلمهم، قد تتحصل المغفرة للبعض دون الكل، والذي نختاره (¬6) ~~ونذهب إليه (¬7) أن الإجابة قد تكون ثوابا وغير ثواب، وقد تكون للمؤمن وغير ~~المؤمن، بحسب ما يعلم الله جل ثناؤه في فعل ذلك من الصلاح، للحجة التي ~~ذكرناها فيما تقدم ذكرنا له، والله نسأله التوفيق لما يحبه ويرضاه. # مسألة # ¬__________ # (¬1) في (ج) تجوز. # (¬2) غافر: 60 الآية: "وقال ربكم أدعوني أستجيب لكم، إن الذين يستكبرون ~~عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين". # (¬3) البقرة: 186. # (¬4) في (أ) يناظر. # (¬5) في (أ) ويعتقد وفي (ج) ويعتقده. # (¬6) في (أ) يختاره. # (¬7) في (أ) ويذهب. PageV01P091 # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق أنس صلى الظهر ذات يوم، جلس ثم ~~قال: (سلوني عما شئتم ولا يسألني اليوم أحد منكم عن شيء إلا أخبرته؛ فقام ~~الأقرع بن حابس فقال يا رسول الله: الحج علينا واجب كل عام؟ فغضب صلى الله ~~عليه وسلم حتى احمرت وجنتاه فقال: والذي نفسي بيده لو قلت نعم لوجبت، ولو ~~وجبت لم تفعلوا، وإن لم تفعلوا لكفرتم، ولكن إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا، ~~وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم). (¬1) وفي هذا الخبر دليل على أن ~~الأمر بالفعل لا يوجب إلا فعلا واحدا، إلا أن تقوم دلاته بتكريره. # مسألة # ¬__________ # (¬1) متفق عليه. PageV01P092 # القياس لا يجوز إلا على علة، ولا يجوز أن يقاس إلا على معلول وهو أن يرد ~~حكم المسكوت عنه إلى حكم المنطوق (¬1) به بعلة تجمع بينهما، ولا يجب تسليم ~~العلة لكل من ادعاها، ولا تسلم بدليل، ولو جاز (¬2) تسليمها بغير دليل لجاز ~~لكل أحد أن يدعي ما يشاء ويعتل به. فإن قال قائل: ما الدليل على صحة العلة؟ ~~قيل له: إن ذلك يستدرك من ms066 وجهين: أحدهما أن ينصب العلة فتجري على ~~معلولاتها، ولا يمنع من جريانها نص، فإذا جرت في جميع معلولاتها ولم يكن ~~هنالك مانع من جريانها، دل على صحتها (نسختين) على صحتها، والوجه الآخر ~~يوجد الحكم بوجودها ويرفع بارتفاعها. ومثل ذلك أن (¬3) التحريم في الخمر ~~متعلق بالشدة. والدليل على ذلك أن العصير حلال، فإذا حصلت الشدة فيه حصل ~~التحريم، فإذا (¬4) زالت الشدة عنه وصار خلا حل وارتفع التحريم، فقد رأينا ~~(التحريم) (¬5) معلقا بها يوجد بوجودها ويرتفع بارتفاعها، فلما كان التحريم ~~معلقا بها يوجد بوجودها ويرتفع بارتفاعها فإذا رأينا هذه الشدة في غير ~~الخمر لحقناه (¬6) به للعلة الجامعة بينهما، فإن قال قائل ممن ينفي (¬7) ~~القياس: إن قولكم يؤدي إلى أن لا يحكم بصحة العلة حتى يعلم جميع الشريعة، ~~ولا يشذ عنا خبر وهذا ما (¬8) لا يضبط، لأنا لا نعلم صحتها إلا أن نعلم ~~جريانها في كل المعلولات، ولا نعلم جريانها (¬9) في كل المعلولات إلا أن ~~نعلم الشرع كله، وأن لا يكن (¬10) # ¬__________ # (¬1) من (ج) في (أ) المنطق.ب # (¬2) من (ج) و (أ) جاءت. # (¬3) "أن" من (ج). # (¬4) في (ب) و (ج) وإذا. # (¬5) من (ج). # (¬6) في (ج) ألحقناه. # (¬7) كذا في الأصل. ولعل الصواب "يقبل". # (¬8) في (ب) و (ج) "ما" لا توجد. # (¬9) من (ب) و (ج) في (أ) صحتها. # (¬10) في (ب) و (ج) يكون.. PageV01P093 # في الشريعة خبر يمنعها من جريانها في معلولاتها، وذلك ما لا نعلمه إلا أن ~~نعلم الأخبار كلها، فإذا علمنا جميع المعلولات وجميع الأخبار حكمنا بصحتها، ~~وهذا ما لا يضبط؛ وهذا أقوى ما عارضوا به فيما علمنا وراموا الكسر به على ~~القائسين، يقال لهم: هذا إلزام (¬1) فاسد، وذلك أنكم تقولون في الأخبار مثل ~~هذه (¬2) لأنكم تحكمون بالخبر وإن كنتم تجوزون (نسخة) تجوز لم تعلموه، فإن ~~لزمنا ألا (¬3) نحكم بصحة العلة حتى نعلم الأخبار كلها لزمكم أن لا تقولوا ~~الخبر حتى تعلموا جميع الأخبار كلها وبالله التوفيق. # مسألة # الدليل على من قال: إن العموم لا يستغرق الجنس، قال الله جل ذكره: { ?وما ~~تسقط من ورقة ms067 إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض } (¬4) وقوله عز وجل: { ~~?وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها } (¬5) لا يدخل في هذا الخصوص ~~والله أعلم. # ... مسألة ... # ¬__________ # (¬1) في (ب) و (ج) الإلزام. # (¬2) في (ب) و (ج) هذا. # (¬3) في (ب) و (ج) أن لا. # (¬4) الأنعام: 59. # (¬5) هود: 6. PageV01P094 # الخنزير بمجموعه محرم، ولا يجوز الانتفاع منه بشيء، فإن قال قائل: ما ~~أنكرتم أن يكون التحريم إنما وقع على ما ذكر في الآية فلم (¬1) لا يكون ~~الشحم منه مباحا؟ (نسخة) خالصا مباحا، إذ ظاهر الآية خص منه اللحم ~~بالتحريم، قيل له: إن الله تبارك وتعالى حرم شحم الخنزير وغيره من وجوه: ~~أحدهما الإجماع وكفى به حجة؛ ووجه آخر أن الخنزير محرم بكليته حتى شعره؛ ~~لأن الله جل ذكره قال: { ?أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا } (¬2) فرد ~~الكناية إلى أقرب (¬3) المذكور وهو الخنزير، ألا ترى إلى قوله: { ?أو لحم ~~خنزير } ?فأتى بذكر الخنزير بعد اللحم، فرد الكناية إليه فقال: ? { فإنه ~~رجس } ، وهذا موجود في اللغة، يجوز (¬4) أن يقول للعربي (¬5) أكرم غلام زيد ~~فإن له علي حقا (¬6) ، يريد بذلك زيدا وإن كان يجوز أن يريد العبد؛ لأن زيد ~~أقرب المذكورين، وإذا كان في اللغة جائزا وجب القول به عموما. ووجه آخر بأن ~~لا يتوصل إلى شحم الخنزير إلا من وجهين: إما بعد قتله، أو في حياته، فإن ~~أخذناه في حياته فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل المأخوذ منه ميتة بقوله: ~~(ما قطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة)، (¬7) كذلك لو أخذنا شحم الشاة في ~~حياتها كان محرما، وإن أخذنا ذلك بعد إتلافه فالذكاة غير لاحقة به؛ لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أخرج الخنزير من جنس ما يذكى وجعله في حيز ما يجب ~~(¬8) قتله وإتلافه قد (¬9) وجب (¬10) ؛ # ¬__________ # (¬1) في (أ) فلما. # (¬2) الأنعام: 145 أول الآية: "قل لا أجد فيما أوحي إلا محرما على طاعم ~~يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير" الآية. # (¬3) في (ج) قرب. # (¬4) في (أ) إذ لا يجوز. # (¬5) في ms068 (ب) و (ج) العربي. # (¬6) لا توجد في (ب) و (ج). # (¬7) رواه أبو داود والترمذي والنسائي. # (¬8) في (ب) و (ج) وجب. # (¬9) لا توجد في (ب) و (ج). # (¬10) في (ب) و (ج) حيث.. PageV01P095 # قال عليه السلام: (بعثت بكسر الأصنام "نسخة الصليب" وقتل الخنزير وإراقة ~~الخمر) (¬1) ، وإذا كان هذا على ما بيناه وذكرناه لم يتوصل إلى أخذ شحمه من ~~طريق لا يسمى (¬2) ميتة، وفي الإجماع كفاية عما ذكرناه وبالله التوفيق. # مسألة # قال الله تبارك وتعالى: ? { والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ~~ما ملكت أيمانكم فإنهم غير ملومين } (¬3) ، وظاهر هذه الآية يبيح نكاح ~~الزوجات (والإماء) (¬4) في كل حال، ثم قال جل ذكره: { فاعتزلوا النساء في ~~الحيض } (¬5) فخصت هذه الآية نكاح كل حائض في وقت حيضها حتى تطهر. (¬6) ثم ~~سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن سبايا (¬7) أوطاس من الإماء، (فنهى عن وطء ~~الحوامل منهن حتى يضعن، وعن الحوائل حتى يحضن)، (¬8) # والحائل التي يأتيها (¬9) الدم حالا بعد حال، والله أعلم. فما خص الإباحة ~~بتحريم وقت فهو حرام، والباقي على إباحته، وإطلاق الكتاب بجوازه والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) رواه البيهقي وابن ماجه. # (¬2) من (ب) و (ج). # (¬3) المؤمنون: 5. # (¬4) ، (ب) و (ج). # (¬5) البقرة: 222 وأول الآية "ويسألونك عن المحيض قل: هو أذى". # (¬6) أي تحريم نكاح الحائض في حالة حيضها. # (¬7) في (أ) أسبايا. # (¬8) رواه ابن كثير. # (¬9) في (أ) لا يأتيها. PageV01P096 # واختلف أصحابنا في الصغيرة من الإماء، فقال بعضهم: تستبرأ (¬1) أربعين ~~يوما قبل الوطء، وقال بعضهم بخمسة وأربعين يوما، قياسا (¬2) على الحرة ~~الصغيرة، وكل منهم قد (¬3) ذهب إلى تأويل بقوله (¬4) واختياره، والقياس لا ~~يصح إلا على أصل متفق عليه، وليس في ذلك أصل متفق عليه. والحرة الصغيرة ~~أيضا إنما تؤخذ بالعدة وتعتد بعد الوطء، وهم أوجبوا استبراء الصغيرة من ~~الإماء من غير وطء، وإنما أوجبوه بانتقال ملك فلا أدري بأي علة قاسوا أو ~~بأي أصل شبهوا. والحرة لا تجب عليها العدة بانتقال ملك الزوجية، فأين موضع ~~الشبهة (نسختين) (¬5) الشبه، ووجه القياس فيجب أن ينظر في ذلك والله الموفق ~~للصواب. ms069 ويوجد في الأثر لمحمد بن محبوب (¬6) إنه إذا رباها صغيرة في بيته ~~جاز له وطؤها دون أن تستبرأ، وإن رباها غيره من عدل أو خلافه، أو امرأة لم ~~يجز له وطؤها إلا بعد استبراء، ويوجد لغيره، قال: إذا ربتها امرأة لم ~~يستبرئها المشتري، والاستبراء في اللغة هو: الاستكشاف للأمر (¬7) ، والمشكل ~~وأي إشكال في الصغيرة؟ وإلى الله نرغب في توفيق وهدايته. # ... مسألة ... # ... # قال الله تعالى: { ?فاقض ما أنت قاض } (¬8) لم يكن أمرا منهم له بقتلهم ~~فيكونوا قد أعانوا على قتل أنفسهم، ويستحق فرعون به مدحا إذ سارع إلى ~~طاعتهم، بل كان هذا القول منهم تسليما للقضاء وقنوعا بما أعد الله لهم (¬9) ~~من الجزاء، ومثل هذا مشهور في كلام العرب. وقال أبو سحر الحملي: # ¬__________ # (¬1) في (أ) تشترى. # (¬2) من (ج) ساقطة من (أ). # (¬3) من (ج) ساقطة من (أ) و (ب). # (¬4) في (ب) بقوله. # (¬5) في (ب) نسخة. # (¬6) محمد بن محبوب: من علماء القرن الثالث الهجري. تولى القضاء على ~~صحار سنة 249ه، وبقي قاضيا إلى أن توفي رحمه الله يوم الجمعة 3 من المحرم 260ه. # (¬7) في (أ) الأم. # (¬8) طه: 72. # (¬9) في (ب) و (ج) له. PageV01P097 # فتيقني أني كلفت بكم (¬1) ثم اصنعي ما شئت عن علمي (¬2) # مسألة # احتج قوم بأن الله لا ينقل العباد من تخفيف إلى تثقيل، يقال له (¬3) إن ~~الله تعالى قد نقل المؤمنين من تخفيف إلى تثقيل بأمره إياهم بقتال (¬4) ~~المشركين بعد أن كانوا بذلك غير معتدين، (¬5) فقال: ? { إلا تنفروا يعذبكم ~~عذابا أليما } (¬6) فقد صاروا بالتخلف (¬7) عن القتال متوعدين بعد أن كانوا ~~به غير مأمورين. # مسألة # ¬__________ # (¬1) في (أ) يحبكم، (ب) و (ج) بكم. # (¬2) من (ب) و (ج) في (أ) من. # (¬3) من (ج). # (¬4) في (ب) و (ج) لقتال. # (¬5) في (ب) و (ج) متعدين، المعتد: المتهيأ، في قاموس المحيط: هيأه. # (¬6) التوبة: 39. # (¬7) في (ج) بالتخفيف. PageV01P098 # ما دل عليها البيان في ظاهره تعزية (¬1) لنبيه صلى الله عليه وسلم ~~وإعلاما بما في أيدي المشركين من زهرة الدنيا غير موصول بنعيم الآخرة وإنما ~~هو فتنة لهم في العاجلة ms070 (¬2) ووبال عليهم في الآجل (¬3) قال جل ذكره: ? { ~~ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم ~~فيه ورزق ربك خير وأبقى } . (¬4) وقال جل ذكره: { ?فلا تعجبك أموالهم ولا ~~أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم ~~كافرون } ، (¬5) كل هذا القول من الله تعالى تعزية لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم (¬6) وقال تعالى: { ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم خير لأنفسهم ~~إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين } ، (¬7) وقال عز وجل: ? { ولا ~~تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون } (¬8) الآية. وقال عز وجل: ? { ولا ~~تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام } ، (¬9) فكل هذا إخبار ~~من الله عز وجل وتحذير في أواخر هذه الآيات ما يدل على تأويل أوائلها. ألا ~~ترى إنه لما قال جل اسمه: { ?ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم ~~زهرة الحياة الدنيا } (¬10) لم يدع ذلك الكلام منقطعا من البيات حتى قال: ? ~~{ ولنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى } . ولما قال جل ذكره: { ?فلا تعجبك ~~أموالهم ولا أولادهم? } لم يدع الكلام مرسلا فيكون تأويله مشكلا حتى وصله ~~بأن قال: { ?إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا } ، وكذلك ~~الآيتان اللتان ذكرناهما بعد هذا أوصل كل آية منهما في آخرها بخبر يدل على ~~تأويل ما قبله فتبين هذا تجده كثيرا في الكتاب فإن من سبق له التوفيق اجتزأ ~~بالتبين. # ¬__________ # (¬1) في (ج) تعزية. # (¬2) في (ج) فالعاجلة. # (¬3) في (ب) و (ج) الآجلة. # (¬4) الحجر: 88. # (¬5) التوبة: 55. # (¬6) من (ج). # (¬7) آل عمران: 178. # (¬8) إبراهيم: 42. # (¬9) إبراهيم: 47. # (¬10) الحجر: 88. PageV01P099 # (¬1) # مسألة # إتفق علماؤنا فيما تناهى إلينا عنهم أن من لزمه فرض الصلاة والزكاة والحج ~~والصدقة، والعتق عن يمين حنثها أو نذور وجبت (¬2) عليه الوفاء بها، وما كان ~~من سائر الحقوق التي أمر الله بفعلها، ولا خصم له من المخلوقين فيما مما هو ~~أمين في أدائها، ولم يؤدها ولا أوصى بها أنه لا شيء على الوارث، ولا تعلق ~~عليه أداؤها ولا أداء شيء منها كان الهالك تاركا لذلك من ms071 طريق النسيان أو ~~العمد. واختلفوا فيه إذا أوصى بها وأمر بإنفاذها، فقال سليمان بن عثمان ~~(¬3) وغيره: يجب إخراج ذلك من جملة المال، واحتجوا بأن ما (¬4) كان واجبا ~~إخراجه من جملة المال على المأمور أيام حياته، لا يجب زواله من جملة المال ~~بعد الموت، وسبيله سبيل سائر الحقوق المأمور بإخراجها من جملة المال، ~~واحتجوا أيضا بقول النبي صلى الله عليه وسلم لما سألته الخثعمية (¬5) ~~فقالت: (يا رسول الله إني أبي شيخ كبير لا يستمسك على الراحلة وقد أدركته ~~فريضة الله في الحج، أفأحج عنه: فقال صلى الله عليه وسلم: أرأيت أن (¬6) لو ~~كان على أبيك دين فقضيته عنه أكنت قاضية لذلك؟ قالت: نعم. فقال: فدين الله ~~أحق). (¬7) فقالوا: قد شبه الحج بالدين، فلما كان الدين من رأس المال كان ~~الحج مثله والله أعلم. # ? قال موسى (¬8) ابن علي، ومحمد (¬9) بن محبوب، وأبو معاوية (¬10) ، وأبو ~~المؤثر (¬11) وغير هؤلاء من الفقهاء: ما كان من هذه الحقوق التي ذكرناها من ~~الحج وغيره ترجع إلى الثلث إذا أوصى به الميت، وهذا هو الذي يوجبه النظر ~~عندي، ويشهد بصحة الخبر، وذلك أن الدين قضاؤه وإن لم يوص به. # ¬__________ # (¬1) في (ب) و (ج) باليسير. # (¬2) في (ب) و (ج) وجب. # (¬3) من فقهاء المذهب. # (¬4) في (ب) و (ج) بأن ما. # (¬5) متفق عليه. # (¬6) غير موجودة في (ب) و (ج). # (¬7) رواه موسى بن علي (بالتصغير) ابن رباح اللخمي. # (¬8) من فقهاء المذهب. # (¬9) من فقهاء المذهب. # (¬10) من فقهاء المذهب. # (¬11) من فقهاء المذهب. PageV01P100 # والحج لا يوجب (¬1) قضاؤه إلا بعد الوصية باتفاقهم جميعا على ذلك. وأيضا ~~فإن الدين لو قضي عنه في حياته بغير أمره أسقط عنه أداؤه، وكذلك بعد وفاته ~~باتفاق. ودليل آخر أن المريض لو كان عليه دين وحج ولم يخلف وفاء لقضائهما ~~(¬2) أنه يبدأ بالدين فيقضى ولو كان سبيله سبيل الدين لضرب له معه. ودليل ~~آخر قول الله تعالى: ? { وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت ~~فيقول: رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين، ولن يؤخر الله ms072 ~~نفسا إذا جاء أجله } . (¬3) # فالإنسان لا يتحسر على ما لا يقدر على فعله، وكذلك قوله جل اسمه: ? { قال ~~رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت } (¬4) إنما يطلب الرجعة إلى ما فاته ~~من الواجب (¬5) ، وغير الواجب لا يطلب، وإنما شبهه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالدين، فإن المرأة سألته عن الأداء فشبه ذلك بأداء الدين إذا قضته ~~عنه كان قضاؤها عنه كقضائها الدين عنه إذا قضته، ولم تسأله عن الوجوب فيرد ~~الجواب عنه والله أعلم وبه التوفيق. # ... ... مسألة ... # كل مسألة لم يخل الصواب فيما من أحد قولين، ففسد أحدهما لقيام (¬6) ~~الدليل على فساده صح أن الحق في الآخر. وكذلك إن صح أن الحق في واحد منهما ~~بعينه فالآخر فاسد، قال الله جل ذكره: ? { فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى ~~تصرفون } (¬7) . # مسألة # ¬__________ # (¬1) في (ب) و (ج) يجب. # (¬2) في (ب) و (ج) لقضائهما، (أ) لقضائها. # (¬3) المنافقون: 10 بقية الآية: "والله خبير بما تعملون". # (¬4) المؤمنون: 99. # (¬5) في (أ) والواجب. # (¬6) القيام. # (¬7) يونس: 32. PageV01P101 # اختلف الناس في القياس على أربعة أضرب، فذهب بعضهم على إثباته في التوحيد ~~والأحكام جميعا. وذهب آخرون إلى إثباته في التوحيد ونفيه في الأحكام، وذهب ~~آخرون إلى إثباته في الحكم ونفيه في التوحيد وذهب آخرون إلى نفيه في ~~الحالين "جميعا"، (¬1) وهذا قول داود (¬2) و بعض أهل الحديث. والقياس في ~~نفسه هو تشبيه الشيء بغير هو الحكم به هو والحكم للفرع بحكم أصله (¬3) إذا ~~استوت علته وقع الحكم بسببه "نسختين" من أجله. ومثل ذلك أن الله جل ذكره ~~حرم قفيز البر بقفزين على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم ، فأجمع القائلون ~~بالقياس أن القفزين من الأرز بقفزين حرام مثله؛ لأنه مساو له في علته التي ~~وقع التحريم بها، ثم اختلفوا بعد اتفاقهم على استوائهما (¬4) في التحريم في ~~العلة التي وقع التحريم من أجلها، ما هي؟ فزعم قوم أن البر إنما حرم؛ لأنه ~~مكيل، والأرز مكيل مثله. وقال بعضهم: لا، بل من أجل أنه مأكول. والأرز ~~مأكول مثله. وقال قوم: لا، بل وقع التحريم؛ ms073 لأنه مكيل ومأكول، والأرز فيه ~~هذان المعنيان مساو به. # وقال بعضهم: لا، بل وقع التحريم، لأنه مزكى والأرز مثله أيضا مزكى، تتلو ~~هذه المسألة مسألة أو لها الدليل على من قال: العموم لا يستغرق الجنس، وهو ~~مكتوبة قبل باب الوصايا في آخر الكتابة في السابع من النسخة. وعلى أثر هذه ~~المسألة مسألة في صيغة الأمر مكتوبة بعد باب حد السارق الآخر من الكتاب ~~تجده إن شاء الله، وتدبره لئلا يلتبس عليك. # مسألة # ¬__________ # (¬1) من (ج). # (¬2) داود الظامري. # (¬3) في (أ) نحو. # (¬4) في (أ) استوائها. PageV01P102 # قال الله جل ذكره: { ?لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم (¬1) } ، وقال عز وجل: ? ~~{ ولا تأكلوا مما يذكر اسم الله عليه } (¬2) كان هذا الخطاب يوجب تحريم كل ~~طعام لم يذكر اسم الله عليه من حيوان أو غيره، إذ ليس في نفس الآية تفضيل ~~لطعام (¬3) من طعام، فلما اتفق أهل الإسلام على أن المقصود الظاهر في هذه ~~الآية الحيوان دون غيره، صح أن الآية خاصة وإن كانت في الظاهر عامة، وجاء ~~في التفسير أن المشركين قالوا للمسلمين: لم تأكلون ما قتلتم؟ يعنون ما ~~ذكيتم، ولا تأكلون ما قتل الله لكم يعنون الميتة، فأنزل الله: ? { ولا ~~تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق } ، (¬4) وقوله عز وجل: { ?لا ~~تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم } (¬5) ، وقال جل ذكره: ? { ولا تكونوا من ~~الذين كذبوا بآيات الله فتكونوا من الخاسرين } (¬6) فكان ظاهر هذا الخطاب ~~يدل على الخصوص، فلما قال: { ?إنه لا يحب الظالمين } ?كان هذا القول دليل ~~على أن هذا الفعل محرم (¬7) على كل (¬8) من فعله من المخاطبين. # وكذلك قوله تعالى: { ?ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد ~~كل أولئك كان عنه مسئولا } ، (¬9) فعرف السمع والبصر والفؤاد بالألف واللام ~~ولم يتقدم لشيء منها ذكر، فاستدللنا على أنه إنما قصد بالتعريف إلى الجنس، ~~فكان كل سمع وبصر وفؤاد، وفعل صاحبه ذلك الفعل فهو مسؤول عنه فصار كل من ~~وقف (¬10) ما ليس له به علم مأزورا في فعله وإن كان ظاهر ms074 النهي خاصا ~~للمخاطب (¬11) في نفسه. # ¬__________ # (¬1) المائدة: 95 أول الآية " يا أيها الذين آمنوا" الآية. # (¬2) الأنعام: 121. # (¬3) في (أ) الطعام. # (¬4) تقدم ذكرها. # (¬5) لقمان: 13. # (¬6) يونس: 95. # (¬7) في (أ) يحرم. # (¬8) في (أ) "على كل حال" وغير موجودة في (ب) و (ج). # (¬9) الإسراء: 36. # (¬10) في (أ) قفا. # (¬11) في (أ) للخاطب. PageV01P103 # وأما قوله تعالى: { ?لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا ~~نساء من نساء } (¬1) فدل هذا أن من سخر ممن هو شر منه فلا شيء عليه، إذ ~~النهي وقع عمن يمكن أن يكون خيرا ممن سخر منه. ونظير ذلك قوله جل ذكره: { ~~?الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم ~~فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم } ، (¬2) وكذلك قوله عز وجل: ? ~~{ ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } ، (¬3) فدل ظاهر ~~الخطاب لعلة على تحريم التداعي، بالصفات والعلامات والأسماء إذا كانت ملقبة ~~به ظالما له فيه. وفي الرواية أن يقول له: يا كافر يا فاسق، والألقاب في ~~اللغة هي كل من نصب علما على شخص فعرف به فهو يسمى لقبا له. # ... مسألة # ¬__________ # (¬1) الحجرات: 11. # (¬2) التوبة: 76. # (¬3) الحجرات: 11. PageV01P104 # قال الله تبارك وتعالى: ? { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول ~~مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } ، (¬1) ففي هذه الآية دليل من ~~الله تعالى لمن يغفل عنه خطابه على أنه لم يفوض الأمر إلى عباده ليستبد كل ~~امرئ منهم بمراده، كما زعم الملحدون في آياته، المنكرون لأحكام كتابه، إذ ~~قالوا: فقد شاء الله من الخلق أن يؤمنوا وكره منهم أن يكفروا. وأحب ~~الكافرون أنفسهم أن يكفروا، فكانت محبتهم غالبة لمحبته، ومشيئتهم ظاهرة على ~~مشيئته. فهم إن شاءوا أن لا يكفروا نفذت مشيئتهم، والله تعالى عندهم فقد ~~شاء من الخلق ألا يكفروا فلم تنفذ مشيئته، وأراد أن يؤمنوا فلم يبلغ إرادته ~~فكيف يكون كذلك وهو يقول عز وجل: ? { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء، كذلك ~~يجعل ms075 الله الرجس على الذين لا يؤمنون } (¬2) ، أفليس في هذا القرآن دليل ~~لأولي التمييز والأبصار على أنه لا يستطيع من يسبق له الخذلان أن يدخل في ~~ملة (¬3) أهل الإيمان؟ # ولا يقدر أحد ممن سعد بالإسلام على الخروج من الإيمان إلا بمشيئة الله ~~تعالى، فلا سابق لأمره ولا راد لحكمه، خالق الخلق ومدبر الأمر، تعالى عما ~~يقول المبطلون علوا كبيرا. # ... مسألة # ... # ¬__________ # (¬1) هود: 119. # (¬2) الأنعام: 125. # (¬3) في (ب) و (ج) مسألة. PageV01P105 # ذكر ترتيب ما نزل من الأحكام في القرآن، فكان (¬1) محتاجا من الرسول عليه ~~السلام إلى بيان فهو غير منفك من ثلاثة أقسام: إما أن يكون لو ترك الناس مع ~~ما يحتمله القرآن لم يصلوا إلى حكمه إلا ببيان، أو يكون مما لو تركوا مع ~~ظاهر لفظه إلى توقيف على حكمه لوجب عليهم إنفاذ الحكم به على كل ما دخل تحت ~~اسمه، إذا كان ممكنا لهم باستعمال كل ما دخل في جملة ظاهره أو يكون مما لو ~~دخلوا مع ظاهر لفظه لوجب عليهم أن يأتوا من حكمه بما إذا أتى آت بمثله كان ~~مؤديا لفرضه، إذ قد فعل ما ندب في الظاهر إلى فعله، فإن (¬2) لم يكن ~~مستوعبا لجميع ما يحتمله ظاهر لفظه، فأما ما كان الناس قبل وجوبه يفعلونه ~~ويعرفونه فنزل القرآن موجبا له باسمه منفردا، فالواجب عليهم أن يأتوا ~~بالفعل الذي يتعارفونه متجردا ما لم يردهم النبي صلى الله عليه وسلم (فيه ~~حكما مجردا أو ينقصهم بما يحتمله ظاهره حكما منفردا ومحال أن يدعهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم) (¬3) فيما كانت هذه الصفة بلا بيان إذا كان لله جل ~~(¬4) ذكره فيه مراد غير ما تظهره (¬5) تلاوة القرآن. وأما ما كان الناس لا ~~يعرفونه قبل أن ينزل القرآن بوجوبه ولم يكن جائزا في صفتهم أن يأتوا بكل ما ~~دخل تحت اسمه على كمال حقه لعجز بينهم (نسخة) لعله بعجز (¬6) منهم عن (¬7) ~~القيام بكل ما شرطه، وبين (¬8) لهم إنهم لم يؤمروا إلا بالبعض، إذ محال أن ~~يتعرض من الأحكام بما لا طاقة لهم به، ms076 ولم يعلموا بالبعض الذي يجب عليهم ~~المسارعة إلى فعله، ولم يأت في القرآن توقيف على حد، فمحال أن يدعهم النبي ~~صلى الله عليه وسلم مع ظاهر القرآن حتى يتبعه بيان. # مسألة # ¬__________ # (¬1) في (ب) و (ج) وكان. # (¬2) في (ب) و (ج) وإن. # (¬3) هذه الجملة ساقطة من (ب). # (¬4) في (ب) و (ج) عز. # (¬5) في (ج) ظهره. # (¬6) في (ج) بعجز. # (¬7) في (ب) و (ج) على. # (¬8) في (ب) و (ج) تبين. PageV01P106 # قال الله جل ثناؤه: { ?يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء ~~لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى ~~بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما ~~تعملون خبيرا } . (¬1) فكان أمر الله المؤمنين بالقيام بالقسط أمرا عاما ~~لهم أجمعين، والقسط الذي أمرهم بالقيام به لا ينفك من أحد أمرين: إما أن ~~يكون قسطا معلوما بعينه فتكون الإشارة دالة عليه دون غيره، أو لا تكون ~~الإشارة وقعت على قسط معلوم بعينه فتكون دالة على ما وقع عليه اسم قسط. ~~فلما كانت الإشارة بالألف واللام دالة على التعريف ولم يكن معنا (¬2) دليل ~~على قسط بعينه معروف، صح أن هذه إشارة إلى الجنس، فوجب علينا القيام بكل ما ~~وقع عليه اسم قسط. وأما قوله عز وجل: { ?إن الله يأمر بالعدل والإحسان } ~~(¬3) إلى آخر الآية. فلما لم تقم الدلالة (¬4) على عدل بعينه وجب القيام ~~بالعدل كله، وأما قوله: { ?ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ~~فلا تميلوا كل الميل } (¬5) إلى آخر الآية، وأخبر أن هذا العدل لا يستطاع ~~بين النساء فعله، فقد صح أن هذا هو الفعل (نسختين) العدل الذي يؤدي إليه ~~الاجتهاد من ترك التفضيل بينهن؛ لأن من لم يمل كل الميل كما قال الله عز ~~وجل، ولئن فضلنا بعضهم وإن لم يفضل بعضا على بعض فهو عادل في الحكم، لأنه ~~لم يتعد أمر الله، والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) النساء: 135. # (¬2) في (ج) معنى. # (¬3) النحل: 90. # (¬4) في (أ) الآية. # (¬5) النساء: 129. PageV01P107 # وأما قوله جل ذكره: ms077 ? { يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء ~~لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين } (¬1) فأمر عباده المؤمنين أن ~~يقيموا بالقسط في السراء والضراء على الأولياء والأقرباء والأنفس والآباء، ~~فجرى حكم القسط عليهم أجمعين. ولم يرخص في ذلك لأحد من العالمين. وأيضا فإن ~~جعل القيام بالقسط فرضا يجب على الكافة ولم يوجبه على الخاصة دون العامة؛ ~~لأنه تعالى دعاءهم باسم المؤمنين، والمؤمنون يدخل فيهم الحكام وغير الحكام، ~~فلم يجب لأحد من أهل الإسلام أن يرى مقاما لله فيه مقالا ليدعه اتكالا على ~~غيره والله أعلم. ولم يجعل الأمر في تسمية القسط في الدين مردودا إلى ~~اجتهاد المتعبدين، وتختلف فيه آراؤهم وتتحكم فيه أهواهم، فما رأوه حسنا في ~~عقولهم فعلوه، وما قبح في أنفسهم اجتنبوه. بل دعاهم إلى فعل ما ارتضاه لهم، ~~حسن أو قبيح عندهم، فقال عز وجل: { ?إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما ~~فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا } . (¬2) # ... مسألة ... # الدليل على أن (¬3) المعصية لا تكون إلا من قاصد إليها قول الله جل ذكره: ~~? { وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم } . (¬4) # مسألة # ¬__________ # (¬1) النساء: 135. # (¬2) النساء: 135. # (¬3) ناقصة من (ج). # (¬4) الأحزاب: 5. PageV01P108 # قال الله تبارك وتعالى: { ?والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء } (¬1) ، ~~فلو لم ينقل إلينا بيان حكم المطلقات لكان الواجب علينا أن يجري (¬2) على ~~كل من وقع عليه اسم مطلقة ثلاثة قروء، إذ لم يذكر في هذه الآية صغيرة ولا ~~كبيرة ولا مؤيسة ولا غير مؤيسة ولا حائل (نسخة) غير حائل من حامل ولا مدخول ~~بها من غير مدخول بها، فلما قال تعالى: ? { واللائي يئسن من المحيض من ~~نسائكم إن ارتبتم فعدتهم ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الأحمال أجلهن ~~أن يضعن حملهن } (¬3) وقال تعالى: { ?إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من ~~قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها } (¬4) ، ففرق جل ذكره بهذه ~~الآيات بين حكم المطلقات ببيان هذه الآية. فإن قال قائل: ما الدليل على أن ~~تلك الآية مجملة وأن (¬5) هذه الآيات مفسرات دون أن تكون ms078 (تلك) (¬6) منسوخة ~~أو تكون ناسخة وهذه الآيات منسوخات؟ قيل له: لا يجوز أن يقضي على آية قد ~~أحكم تنزيلها بنسخ بغير دليل. # مسألة # ¬__________ # (¬1) البقرة: 228. # (¬2) في (ج) نجري. # (¬3) الطلاق: 4. # (¬4) الأحزاب: 49. # (¬5) غير موجودة في (ج). # (¬6) من (ج). PageV01P109 # إن سأل سائل فقال: من أين جاز أن تكون (¬1) قصص الأنبياء ويعاد ذكرها في ~~القرآن؟ وما وجه الحكمة في ذلك؟ والتكرار عند الفصحاء غير جائز؟ وقد تجد ~~القصة الواحدة لبعض الأنبياء قد كررت وأعيدت في غير موضع في القرآن؟ يقال ~~له: إن لله جل ثناؤه في إعادتها حكمة لطيفة، وهو أن الرجل إذا سمع الموعظة ~~لم يعد عليه ذكرها خفي عليه قدرها وذهب عليه فضلها، فإذا وعظ بها مرة بعد ~~مرة صارت نصيبا (¬2) لخاطره وفكره ووفقا على همه وذكره، ولذلك صارت الخطباء ~~تعيد الموعظة الواحدة في كل مقام ومشهد، وتردد القصة في كل محفل ولا يسمى ~~ذلك عيبا. (¬3) وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يردد الآية من ~~القرآن مرارا. قال الله جل ذكره: { ?ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب } ~~(¬4) ولم يقل تقرؤوا آياته فتكون قراءة النبي صلى الله عليه وسلم مرة واحدة ~~مجزية عن إعادة ذكرها حالا بعد حال، بل قد ذم (من) (¬5) يمر بالآيات فلا ~~يتدبرها، ويرى المعجزات فلا يتأملها، فقال جل ذكره: ? { وكأين من آية في ~~السموات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون } ، (¬6) وقد ذكر بعض العلماء ~~أن إعادة قصص الأنبياء في القرآن وذكر أخبارهم عليهم السلام بخروجها (¬7) ~~إلى المواضع المختلفة ودخول الناس في المواضع القاصية قوما بعد قوم، فاحتج ~~بما عليه فصحاء العرب من الخطباء والشعراء أنهم يعيدون الخطبة والشعر ~~ليسمعه من لم يكن سمعه، ولو لم يعيدوا ذلك لفات المتأخر ولم يسمعه إلا من ~~شاهده في أول. وهذا أيضا وجه من الصواب إن شاء الله. # مسألة # ¬__________ # (¬1) في (ب) و (ج) تعاد. # (¬2) في (ب) و (ج) نصبا. # (¬3) في (أ) و (ب) و (ج) عيا. # (¬4) سورة ص: 29 أول الآية: "كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته" الآية. # (¬5) من (ب) ms079 و (ج). # (¬6) يوسف: 105. # (¬7) من (ج) و (أ) لخروجها. PageV01P110 # قال الله جل ثناؤه: { ?فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا ~~رجعتم تلك عشرة كاملة } ، (¬1) فإن قال قائل: فنحن نعلم أنه محال أن يكون ~~عشرة إلا كاملة؛ لأنها متى نقصت لم يجز أن تسمى عشرة؛ قيل له: هذا القول له ~~وجهان: أحدهما البيان الذي تؤكد به العرب وتبين (¬2) المعنى به، والآخر كان ~~ممكنا أن يظن ظان أن من صام عشرة أيام لا يكون له من الأجر كما يكون لمن ~~وجد الهدي، فلما كان كل واحد منهما ينوب مناب الآخر في أداء الفرض، كما أن ~~صلاة العاجز عن القيام قعودا يؤدي بها الفرض، وصلاة القائم يؤدي بها الفرض ~~وجاز النسك، بين الله هذا الصيام يكمل له الأجر فليلحقه (¬3) بمن يجد ~~(نسختين) نحو الهدي والله أعلم. # مسألة # وأما قوله جل ذكره: ? { ما بعوضة فما فوقها } (¬4) ، وقوله: ? { فيما ~~نقضهم ميثاقهم } (¬5) ، فهذه ما صلة (¬6) تقدير ذلك: ?إن الله لا يستحي أن ~~يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها } (¬7) والله أعلم. # مسألة # ¬__________ # (¬1) البقرة: 196. # (¬2) في (ج) ويبين. # (¬3) في (ج) فيلحقه. # (¬4) البقرة: 26 أول الآية "إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا" الآية. # (¬5) النساء: 155 "فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم ~~الأنبياء بغير حق" الآية، والمائدة: 13 "فيما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا ~~قلبهم قاسية". # (¬6) في (أ) و (ب) و (ج) الماصلة. # (¬7) البقرة: 26. PageV01P111 # الدليل لمن قال بتأخير الحج من أصحابنا وما وجب فرضه لغير وقت محظور (¬1) ~~، أن الله تعالى أوجب الحج على نبيه صلى الله عليه وسلم وعلى سائر أمته فلم ~~يحج النبي صلى الله عليه وسلم إلا بعد عشر حجج من هجرته، ولا أنكر على من ~~تخلف عن الحج من أمته، فهذا (¬2) فرض لم يخير الله تعالى بوقته؛ وإنما فعله ~~النبي صلى الله عليه وسلم بعد وجوبه بزمان، واحتج من يخالفهم في ذلك فقال: ~~إن كل فرض لم يؤقت على أداء فرض فالواجب المسارعة إلى فعله إذا لم يبين ~~إباحة التأخير لأدائه في الكتاب ولا ms080 في السنة. واحتجوا أيضا أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم لم يكن يلزمه الحج إلا في تلك السنة التي حج فيها، ولو كان ~~الحج لزمه قبل ذلك لكان له عذر لإصلاح شأن المسلمين (¬3) المؤمنين ويشغل ~~محاربة المشركين، وأما الحج فقد كان واجبا على الناس أجمعين. وقد بعث بأبي ~~بكر الصديق وبعث معه عليا على الموسم، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~من طريق ابن عباس نه قال: (عجلوا الخروج إلى مكة فإن أحدكم لا (¬4) يدري ~~متى ما يعرض له من مرض أو حاجة). (¬5) # مسألة # ¬__________ # (¬1) في (ب) و (ج) محضور. # (¬2) في (ج) وهنا. # (¬3) غير موجودة في (ج). # (¬4) من (ج) وفي (أ) ما. # (¬5) رواه البيهقي. PageV01P112 # ذكر ما ورد خاصا في غير ظاهر التنزيل وثبت حكمه على الخلق عاما بدليل، ~~وأما ما يجري ظاهره من الأخبار مجرى الخصوص وصحبه دليل يرد حكمه إلى معنى ~~العموم فمنه قول الله جل ذكره: { ?فلينظر الإنسان مم خلق } (¬1) ، وقوله: { ~~أو لم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين } (¬2) ، وقوله: ? ~~{ وبدأ خلق الإنسان من طين } (¬3) ؛ وقوله تعالى: { ?والعصر إن الإنسان لفي ~~خسر } (¬4) ، فهذه الآيات كلها في لفظ مخصوص في الظاهر، إذ الذكر فيها وقع ~~باسم الإنسان ولم يقع باسم الناس، ويتيقن حكمها في معنى العموم الدلالة على ~~خروج جمعها (نسختين) جميعها على (¬5) الخصوص إلى العموم، إن دخول الألف ~~واللام في الإنسان دالة على التعريف، والمعروف إذا لم يكن قبل التعريف ~~مذكورا بنفسه فيكون التعريف إشارة إلى شخصه، صح أن التعريف راجع إلى الجنس ~~كله؛ وأما قوله جل ذكره { وبدأ خلق الإنسان من طين } (¬6) ، فآدم عليه ~~السلام، وإذا خلق آدم من طين فالناس كلهم مبتدؤون من طين، لأنهم ذريته إلا ~~حواء وحدها. فإنا (¬7) لا ندري ما اسمها تسمى ذرية له أم لا؟ غير أنا نعلم ~~أنها خلقت منه لقول الله تعالى: { خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها } ~~(¬8) ، وأما قوله تعالى: ? { والعصر إن الإنسان لفي خسر? } إلا من استثنى، ~~ويدل على ما قلنا ms081 أن هذا اسم الجنس، إلا أن الاستثناء لا يكون إلا من جملة ~~كثيرة. وأما قوله تعالى: ? { خلق الإنسان } ?(نسختين): ? { إنا خلقنا ~~الإنسان من نطفة } (¬9) فخرج مخرج الخصوص والمعنى للعموم وخرج آدم عليه ~~السلام بدليل. # مسألة # ¬__________ # (¬1) الطارق: 5. # (¬2) يس: 77. # (¬3) السجدة: 7. # (¬4) سورة العصر: الآية 1، 2. # (¬5) في (ج) عن. # (¬6) السجدة: 7 وأول الآية: "الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين". # (¬7) في (ج) وإنا. # (¬8) النساء: 1 أول السورة: "يا أيها الناس اتقوا ربكم". # (¬9) الإنسان: 2. PageV01P113 # اتفق أصحابنا فيما علمت أن الحاكم إذا استحلف الرجل على دعوى، فقد قطع ~~الخصومة بينه وبين خصمه بعد أن يحتج على المدعي: هل لك بينة؟ فإن ادعى بينة ~~فأهدرها ورضي باليمين بدلا من إقامة البينة، فإذا أهدر ببينته وأبطلها لم ~~يسمع منه الحاكم البينة بعد اليمين. ونحو هذا يقول به داود (¬1) بن علي. ~~وأما أبو حنيفة والشافعي، فيسمعان البينة بعد اليمين ويحتجان بما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (شاهدا عدل خير من يمين فاجرة) (¬2) ؛ ~~وهذا الخبر إن صح طريقه فيحتمل التأويل والقول بما قاله أصحابنا: إن اليمين ~~جعلت لقطع الخصومة، وهي أيضا في معنى الإبراء من الدعوى، ألا ترى أنه لو ~~أنكر فقال المدعي: قد أبرأته من دعواي ثم أقام البينة لم يسمعها منه، فكذلك ~~إذا استحلفه لم يسمع (¬3) البينة؛ لأنه رضي باليمين. فهذا يدل على أن ~~اليمين جعلت لقطع الخصومة والله أعلم. # ويدل على ذلك أيضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتاه آت فقال ~~له: "يا رسول الله إن فلانا أخذ مالي منعني حقي، أو قال: جحدني أو كلام هذا ~~معناه. فقال له النبي علية السلام: أعندك بينة؟ قال: لا، قال: فيمينه، قال ~~يا رسول الله: إذا يحلف ويذهب مالي، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~ليس لك إلا ذلك" (¬4) ، فهذا يدل على أنه ليس للمدعي بعد اليمين غيرها بقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم "ليس لك إلا ذلك" والله أعلم. # مسألة # ¬__________ # (¬1) داود الظاهري. # (¬2) رواه الترمذي. ms082 # (¬3) في (ج) تسمع. # (¬4) رواه ابن ماجه والترمذي.ج PageV01P114 إتفق أصحابنا _ إلا من شذ ~~عنهم بقول لا عمل عليه_ أن الإمام والحاكم أن يهجما (¬1) على السارق ~~والقاتل والممتنع با (¬2) لحق في بيته وأمنه الذي كان قبل ذلك ومن كان في ~~معناها من المتعدين (¬3) وإخراجهما إلى حيث ينصف الحاكم بينهما "نسخة" ~~منهما؛ وأجمعوا "على" (¬4) أنهم لا يهجمون على مديون استدان برأي صاحبه بحق ~~استدانه برأي صاحبه ولو تولى بدفعه. واختلفوا فيه إذا حكم الحاكم عليه ~~بتسليم الحق فخرج عن موضع حكم الإمام أو تأخر (¬5) في الحبس ولم يسلم الحق ~~الذي قضى به الإمام عليه وأمره بتسليمه، فقال بعضهم: يأمر الحاكم ببيع ماله ~~وتسليم ما ثبت (¬6) عليه من حق، وبهذا يقول محمد بن محبوب. وقال آخرون: ~~يدعه في الحبس أبدا إلى أن يعطي الحق من نفسه وينتهي بالغائب حالا يبلغ ~~إياه (¬7) من موت أو أوبة أو غير ذلك، ولا يبيع الحاكم عليه ماله في حياته ~~وبغير أمره. فإن قال قائل: لم جاز الهجوم على بعض المغلوبين بالحق دون ~~مطلوبين، وكل ممتنع بحق عليه مطلوب به؟ قيل له: إن الغريم الذي تحمل الدين ~~بأمر صاحبه ليس بمتعد عليه ولا جان على ماله بل هو مالك له دون من صار إليه ~~منه، فلذلك جاز أن لا يهجم عليه ولا يؤذى ولا يروع (كما يروع) (¬8) # ¬__________ # (¬1) في (أ ) يهجمنا. # (¬2) في (ب) على. # (¬3) في (ج) المتعبدين. # (¬4) غير موجودة في (ج). # (¬5) في (أ) تماخر وفي (ج) تماجز، ولعل صوابها تأخر وهذه الأخيرة أقرب ~~إلى معنى الجملة. # (¬6) في (ج) يثبت. # (¬7) من (ج) و (أ) إليها. # (¬8) من (ج).. PageV01P115 # المتعدي بالهجوم عليه في أمنه، كما يهجم على أهل المنكرات في منازلهم ~~والأماكن التي يستترون بمنكرهم فيها، ولهؤلاء أيضا بتعديهم من أهل المنكر ~~الذي يجوز الهجوم عليهم في منازلهم ليخرجوا إلى حيث لا يمتنعون بباطلهم، ~~ويدل على ما قلنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (بعث بلالا فاستدان له ~~دينا فلما حل طولب بالدين، أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أني ms083 طولبت (¬1) ~~بالدين الذي تحملته وقد ضيق علي في المطالبة وشدد علي فيه، فأمره النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن يتوارى عن أهل الحقوق إلى أن يتيسر ما يقضون به) (¬2) ، ~~فلو كان التواري لا يستر بلالا من الغرماء لم يأمره النبي صلى الله عليه ~~وسلم بذلك. فهذا يدل على افتراق حكم المتعدي وغير المتعدي وبالله التوفيق. ~~وأيضا فإن السارق والمتعدي على مال غيره تناولا مالا لغيرهما باعتداء منهما ~~على صاحبه، ولم ينتقل ملك صاحبه عنه فهما ظالمان له في كل حال. وقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم (لعن الله من أحدث في الإسلام حدثا أو آوى محدثا) (¬3) ~~يدل على ما قلنا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم منع بهذا القول أن يؤويه ~~(¬4) أحد فلما لم يكن له مكان يستره علمنا أن كل موضع كان فيه ستر له. ~~وبالله التوفيق. # مسألة في إنكار المنكرات # ¬__________ # (¬1) في (ج) طلب. # (¬2) رواه ابن ماجه والبيهقي. # (¬3) رواه ابن مردويه. # (¬4) في (أ) يوجبه. PageV01P116 # إذا رجا الإنسان قبول أهل المنكر وأمكنه القول كان واجبا عليه أن ينهى ~~عنه، وإن يئس لم يكن عليه أن ينهى إذا كان قد نهى مرة واحدة؛ لأن النهي مع ~~الإياس بعد ذلك يكون نفلا، ومع الرجاء وغلبة الظن يكون فرضا، وما كان آمنا ~~على نفسه وهو يرجو مع ذلك وظن يغلب عليه بأن (¬1) يبل منه الحق، فعليه أن ~~يقول ويدعو إلى الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، قال الله تبارك ~~وتعالى: { ?ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا } (¬2) . ومع الإياس ~~من القبول فالفرض عليه من (¬3) القول مرة واحدة فيما يكون الإنكار بالقول. ~~فإن قال قائل: أليس الله تبارك وتعالى قد ذم قوما تركوا الإنكار على أهل ~~السبت، ومدح قوما أنكروا عليهم؟ فقال: { ?وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما ~~الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا: معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون } ~~(¬4) ، قيل له: أولئك تركوا النهي مع الرجاء، والدليل على ذلك قول الله ~~تعالى فيما أخبر عنهم إنهم { قالوا: ?معذرة إلى ms084 ربكم ولعلهم يتقون } ؛ فإن ~~قال: أليس قد أنجى الناهي وعذب القاعدين (¬5) ؟ قيل له: بل عذب الذين ~~امتنعوا من القبول بقوله تعالى: ? { وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما ~~كانوا يفسقون } (¬6) ، فإن قال: أيجوز للمؤمن أن يجالس أهل المنكر والسفه ~~وهم يخوضون في منكرهم وباطلهم؟ قيل له: لا يجوز ذلك. فإن قال: لم لا يجوز ~~ذلك؟ (¬7) قيل له: بل يجب عليه الإعراض عنهم إلى أن يتركوا ذلك. # ¬__________ # (¬1) في (ج) أن. # (¬2) فصلت: 33. # (¬3) في (أ) مع. # (¬4) الأعراف: 164. # (¬5) في (أ) قد عذب الناهي (نسختين): أنجى الناهي وعذب القاعدين. # (¬6) الأعراف: 165. # (¬7) لا توجد في (ج). PageV01P117 # فإن قال: فلم نهيتم المؤمن عن مجالسة الظالمين وأهل السفه في حال منكرهم ~~وخوضهم وباطلهم؟ قيل له: إن الله عز وجل قد نهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن ~~مجالستهم بقوله عز وجل: ? { وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم ~~حتى يخوضوا في حديث غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم ~~الظالمين وما على الذين يتقون من حسابهم من شيء } (¬1) بعد الإنكار عليهم ~~والموعظة لهم، ويدل على ذلك قوله عز وجل: ? { ولكن ذكرى لعلهم يتقون } ، ~~وقال تبارك اسمه في موضع آخر: { ?فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره ~~إنكم إذا مثلهم } (¬2) . وقال جل ذكره: { ?والذين لا يشهدون الزور وإذا ~~مروا باللغو مروا كراما } (¬3) زعموا والله أعلم أنهم يعرضون عنهم ~~وينكرون عليهم، ومعنى قوله: { ?لا يشهدون الزور } ?أي لا يشاهدون أهله ولا ~~يجالسونهم في حال ذلك منهم، وإذا جازوا بهم أعرضوا عنهم، وإن أمكنهم أنكروا ~~عليهم، بالوعظ لهم والتخويف والله أعلم. فإن قال قائل: فإن كان منكرهم بدعة ~~عن أحد أهل المذاهب هل يحضر مجالسهم؟ قيل له (¬4) : إن حضر لمناظرتهم مع ~~الرجاء أنهم يقبلون منه أو يقبل منه أحد منهم أو بعض من يحضرهم فجائز، فإن ~~قال: فإن كانوا في المسجد؟ قيل له: يكون في عزلة من ذلك المسجد إذا كان ~~ينتظر الصلاة، ويظهر مع ذلك الكراهية لما هم عليه. فإن قال: فلم (¬5) لا ~~يجوز أن ينكر ms085 الواحد على الجماعة؟ قيل له: ليس عليه أن ينكر على الجماعة ~~إلا عند الطمع (¬6) الغالب عليه والأمن على نفسه وإنهم يقبلون منه إلا أن ~~يكون قادرا عليهم. # ¬__________ # (¬1) الأنعام: 68 69. # (¬2) النساء: 140. # (¬3) الفرقان: 72. # (¬4) غير موجودة في (ج). # (¬5) في (أ) فلما. # (¬6) في (أ) طمع. PageV01P118 # فإن قال: لم لا يجوز ذلك؟ قيل له: إن الله عز وجل لم يوجب على الواحد أن ~~يقاتل أكثر من الإثنين، فإن قال: أليس قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: (المقتول دون ماله شهيد) (¬1) ، وقال عليه السلام: (أفضل الأعمال ~~كلمة حق يقتل عليها صاحبها عند سلطان جور) (¬2) ؟ قيل له: قد قال ذلك النبي ~~صلى الله عليه وسلم، والمعنى في ذلك أن الإنسان إذا قاتل على ماله من يرجو ~~أن يظفر به ويمتنع من تعديه، فقتله المتعدي، فهو شهيد؛ لأنه إذا جاءه مائة ~~رجل بالسلاح فله أن يقاتلهم مع علمه أنه لا يبلغ منهم مراده من المنع، وأما ~~قتاله لهم إنما يؤدي إلى قتله دون سلامته، فهذا قاتل لنفسه وألقى بيده إلى ~~التهلكة. وإنما (¬3) الذي يتكلم بالحق عند سلطان جائر، فقتل عليه فهو أن ~~يتكلم بكلمة حق وهو يرجو بها النجاة في الدنيا والآخرة من تصويب دين ~~المسلمين، أو بنهي السلطان عن منكر يفعله وهو يرجو أن يقبل منه وينتهي عن ~~ذلك، ويحسن موضع النهي معه ويقتل عليها فهذا ونحوه. فإن قال: فهل يجوز أن ~~يتزيا أحد المسلمين بزي يعرف به الفساق ويبينون به من غيرهم كالجبابرة (¬4) ~~وعمالهم وأهل الذمة؟ قيل: لا ينبغي للمؤمن أن يلبس شيئا من زيهم ولا بتزيا ~~به لئلا يتهمه من يراه، ويجب على المستور من الناس أن لا يفعل فعلا يتهم من ~~أجله، كما لا يجوز له مجالسة المنهوكين في المواضع الوعرة، كما لا يجوز ~~للمؤمن أن يتشبه بزي أهل الذمة في زيهم، ولا يؤثم الناس بفعل يفعله بنفسه؛ ~~لأنه يصير متهما بأنه منهم. والله أعلم. # مسألة # ¬__________ # (¬1) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد. # (¬2) رواه مسلم وأبو داود. # (¬3) في ms086 (ب) و (ج) وأما. # (¬4) في (أ) الخيانة. PageV01P119 # أجمع علماؤنا على أن إقامة الحد لا تكون إلا لأئمة العدل، ولا يجوز أن ~~يعمها غير العدل من الأئمة، ولا يجوز عندهم الرفعان إليهم فيها ولا في شيء ~~منها. فإن قال: فيجب أن يكون الجبار إذا (¬1) قام الحد ثم قدر عليه الإمام ~~أن يقيمه ثانية ويعيده عليه؟ قيل له (¬2) : الجبار قد تعجل وتعدى وفعل فعلا ~~غيره أولى به منه ولا تجوز إعادته. # ¬__________ # (¬1) في (أ) فإذا # (¬2) لا توجد في (ج). PageV01P120 # والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إدرأوا الحدود بالشبهات ~~ما استطعتم) (¬1) ولا شبهة أولى من حد أقيم (¬2) على تأويل. فإن قال قائل: ~~لم لا يقيم الحد كل إنسان قدر عليه مطيعا كان أو عاصيا؛ لأن الأمر به عام ~~لقول الله تعالى: { ?الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة } ~~(¬3) ، وقوله جل اسمه: { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة } (¬4) ، والأمر به عام كما قال: ?وأقيموا الصلاة ~~وآتوا الزكاة } (¬5) ، وقوله: { ?ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا } (¬6) ، فهذا كله لأمر به على العموم، والمطيع منهم كالعاصي، بحضور ~~الإمام وغير الإمام في ذلك سواء، وكقوله عز وجل: ? { وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتلوا قأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي ~~تبغي حتى تفئ إلى أمر الله } (¬7) فهذا كله عام قيل له: الأمر بإقامة الحد ~~ليس بعام، الدليل على ذلك إجماع الأمة أن الشاهد لا يقوم بالحد إذا قدر ~~عليه، فإجماعهم على بعض خروج المخاطبين دليل على أنه مخصوص. فإن قال: فما ~~أنكرتكم أن يكون الرفعان إلى الجبار غير جائز؟ قيل له: لسنا نجيز الرفعان ~~إليه إلا فيما يكون الحق فيه واحدا: فان قال:ولم لا يجيز (¬8) الرفعان إليه ~~في جميع الحقوق التي ليست بحدود؟ قيل له: إنما لم يجز (¬9) ذلك لأن (¬10) ~~لا يحكم على المسلمين برأيه؛ لأنه ليس من أهل الرأي وأن (¬11) طاعته غير ~~واجبة على المسلمين، وإن (¬12) كان ذلك كذلك فلأحد الخصمين أن يأخذ يغير ms087 ~~رأي هذا الحاكم ممن يكون له الرأي فيمتنع من قبول حكمه عليه. # ¬__________ # (¬1) رواه الجماعة. # (¬2) في (ب) و (ج) قد أقيم. # (¬3) النور: 2. # (¬4) النور: 4. # (¬5) البقرة: 83. # (¬6) آل عمران: 97. # (¬7) الحجرات: 9. # (¬8) في (ب) و (ج) تجيزوا. # (¬9) في (ج) نجز. # (¬10) في (ب) و (ح) لئلا. # (¬11) في (ج) ولأن. # (¬12) في (ج) وإذا. PageV01P121 # فإن قال: فلم جوزتم الرفعان إليه فيما يكون الحق فيه واحدا؟ قيل له: إنما ~~جاز أن يرفع إليه في حق متفق عليه على سبيل الاستعانة به كما يستعان ~~بالعوام على بعضهم في حق يمتنع عن تسليمه إلى ربه. فإن قال: فما أنكرتم أن ~~يكون الرفعان إلى الجبار لا يجوز في كل شيء لأن في ذلك الشد على عضده ~~والتقوية لسلطانه. قيل له: لو كان في ذلك الشد على عضده وتقوية سلطانه، كان ~~المستعين ببعض الفساق من الرعية على غيره في أخذ الحق عليه، واستعان به على ~~أمر بمعروف أو نهي عن منكر أمره الله به كان شاذا على عضده، قد قواه على ~~فسقه ومعاصيه، فلما كان المستعين بالظالم على القيام بالحق والنهي عن ~~المنكر ليس بمعين له على ظلمه وفسقه، وجب أن يكون المستعين بالجبار على حق ~~هو له ليس بمقو له (على) (¬1) فسقه. فإن قال: أليس في ذلك إبهام أن الحكم ~~يجب له؟ قيل له: إن توهم ذلك من توهمه فلا يضر إلا المتوهم دون من لا (¬2) ~~يأتمنه (¬3) ولا يقلده ولا يرى له منزلة الحاكم، وليس إذا استعان بالعوام ~~على خصومنا كان ذلك إبهاما أن الحكم يجب لهم، وإنما هم بمنزلة استعانتنا به ~~على اللصوص إذا خفنا منهم، فإن قال: فهل تقلده (¬4) في شيء من الأحكام؟ قيل ~~له: لا. ولا نحتكم إليه فيما لا نعرفه (¬5) . فإن قال: فهل للعوام أن ~~يحتكموا إليهم فيما لا يعرفون العدل فيه (¬6) ؟ قيل له: لا يجوز (¬7) ~~للعوام أن يحتكموا إليهم إلا فيما يعرفون العدل فيه من قول المسلمين؛ لأن ~~الجبار غير مأمون في حكم ولا هو للحكم أهلا. فإن قال: لم لا تقلدونه؟ قيل ~~له: إنما يجب أن ms088 يقلدوا من أوجب الله لهم عليهم الطاعة ليقلدوه ذلك. # ¬__________ # (¬1) من (ج). # (¬2) من (ج). # (¬3) في (ج) يتمنه. # (¬4) في (ج) يقلده. # (¬5) في (أ) يعرفونه. # (¬6) من (ج) النقية. # (¬7) من (ج). PageV01P122 # ولا يجب أن يقلدوا من ليس له عليهم طاعة، وإنما قلنا إنه لما يكن في ~~المصر من يلزمه هذا الحق الذي يمتنع به هذا الظالم صرنا به إلى هذا الجبار، ~~ليلزمه الحق. وذهابنا إليه بهذا الظالم كذهابنا إليه في الاستعانة به على ~~تغيير المنكر الذي لا نقدر على تغييره إلا به. وإنما وجب أن يرفع (¬1) إلى ~~حكام العدل فيما يعلم الحكم فيه وفيما لا يعلم (¬2) ، وأن نأتمنهم على ذلك ~~ونقلدهم لوجوب طاعتهم وفرض الطاعة لهم والانتهاء إلى أمرهم، والله أعلم وبه ~~التوفيق. # مسألة في أهل الذمة # وإذا ظفر الإمام بأرض المسلمين وفيها ذمة، قد كان عقدها لهم جبار تلك ~~الأرض الذي كان قد استولى عليها قبل الإمام، لم يكن للإمام أن ينقض ذمة ~~الجبار ويحل عليه ما عقد لهم، وكذلك إن كان الجبار قد أخذ منهم الجزية ~~لأعوام قد نقضت في حال استيلائه على تلك الأرض، فإن قال قائل: فلم جعلتم ~~فعل الجبار كفعل الإمام في العهد وأخذ الجزية، وعندكم إنه لا يستحق أخذها؟ ~~قيل له: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (المسلمون يد على من سواهم يسعى ~~بذمتهم أدناهم) (¬3) . فهذا الخبر يوجب إسقاط أخذ الجزية منهم بعد أن أخذها ~~من هو أدنى المسلمين بتأويل والله أعلم. # مسألة في العطية (¬4) وإعطاء المحبة # ¬__________ # (¬1) في (أ) يدفع. # (¬2) في (أ) يعلم. # (¬3) متفق عليه. # (¬4) في (ج) النقية. PageV01P123 # وإذا أخذ بعض الجبابرة والكفار بالله العظيم مسلما فقال له: إن لم تصوبني ~~أو تقر بأن ديني صواب قتلتك، وكان من عادته أن يقتل على مثل ذلك، أو يقتل ~~من رد عليه أمره، وغلب على ظنه إنه إن لم يفعل له ذلك قتله، فإن له أن يظهر ~~له ما أراد منه بلسانه ويكره ذلك بقلبه، وكذلك إن خاف منه أن يضربه الضرب ~~الشدد الذي يؤدي إلى تلف نفسه، ms089 وإن خاف الحبس دون القتل، والضرب وأمن به ~~العطش والجوع اللذان يؤديان إلى التلف، فليس له أن يقول ذلك ولا يصوبه ولا ~~يزكيه في فعله، فإن قال قائل: فإن خاف أن يأخذ (¬1) ماله، أوكان من عادة ~~الكافر ذلك أو الجبار، هل له أن يقول ذلك ليخلص ماله عنده (¬2) ويسلم به؟ ~~قيل له: إن كان ما يأخذه من ماله يؤديه إلى هلاكه وهلاك عياله فله أن يقول، ~~وإن كان ما يأخذون (¬3) منه مالا يضره كثير الضرر وله ما بقيته ويقيت عياله ~~أو يرجع إلى كفاية وسلامة، فليس له أن يصوب الكفر لأجل المال. # ¬__________ # (¬1) في (أ) و (ج) يؤخذ. # (¬2) في (ج) منه. # (¬3) في (ج) يأخذوا. PageV01P124 # فإن قال قائل: فلم لا يجوز للمؤمن أن يصوب الكفار ويظهر الرضى بدينهم ~~ليخلص به المال لجاز لمن له دين على الكفار أو أحد من ملل (¬1) المشركين لا ~~يقدر على استخراجه من أيديهم إلا أن يظهر لهم الموافقة في دينهم، وأن يقول: ~~دينكم هو الحق ودين من خالفكم هو الخطأ، ليستخرج بذلك ماله منهم وهذا مالا ~~أعلمه يجوز في قول أهل العلم. فإن قال: أليس (¬2) قد أذن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم للحجاج بن عياض لما استأذنه في الذهاب إلى مكة ليقول في ~~النبي ما يرضي الكفار به ليستخرج ماله من أيديهم ودينه الذي كان له عليهم ~~فأذن له على ذلك؟ قيل له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأذن للحجاج ~~في القدح في الرسول، ولا بالقدح في الإسلام ليستخرج بذلك ماله منهم، وإنما ~~أذن له بأن يرضيهم بالقول في النبي صلى الله عليه وسلم إذا خاف على نفسه ~~منهم القتل إذا وصل إليهم ليستخرج ماله (¬3) . فإن قال: فإن كلفه الجبار أن ~~يجي له الخراج من الناس؟ قيل له: عليه أن يهرب منه إن قدر على فعل ذلك، فإن ~~فعل شيئا من ذلك كان ظالما ضامنا شادا على عضده، فإن قال: فإن الجبار أمره ~~بضرب رجل أو قتله، وقال له: إن لم تقتله ms090 قتلتك؛ هل أن يجي نفسه بهذا الفعل؟ ~~قيل له: ليس أن يجي نفسه بتلف غيره، ولا يفدي النفس بمثلها، وإنما يجوز أن ~~يفديها بدونها، فإن قال: فإن أخذه الجبار بشرب الخمر أو الميتة أن يأكلها، ~~هل له فعل ذلك؟ قيل له: نعم إذا خاف على نفسه؛ لأن الله جل ذكره قد أباح ~~ذلك في الاضطرار بقوله عز وجل: ? { فمن اضطر في محضة غير متجانف لإثم } ~~(¬4) ، وقال عز وجل: { ?فمن اضطر غير باغ ولا عاد } (¬5) ، # ¬__________ # (¬1) في (ج) ملك. # (¬2) في (أ) ليس. # (¬3) رواه مسلم وأبو داود. # (¬4) المائدة: 2. # (¬5) الأنعام: 145 " فمن اضظر غير باغ فإن ربك غفور رحيم" ، " فمن اضطر ~~غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم " النحل 115.. PageV01P125 # فإن قال: فإن كلفه أن يقذف المحصنات، أو يقول في أحد من المسلمين ما ليس ~~فيه، هل يجوز له ذلك؟ قيل له: نعم إذا خاف على نفسه القتل أو الضرب الشديد ~~المؤدي إلى الهلاك، فإن قال: ولم أجزتم قذف المحصنات هو كذب عليهن، وكذلك ~~القول فيالمؤمن بما ليس فيه ولا يشبه هو كذب. # وقد أباح الله جل ذكره عند الاضطرار الكذب لقوله: ? { إلا من أكره وقلبه ~~مطمئن بالإيمان } (¬1) ، فعذره في هذا الحال وهو يقول: { إن الله ثالث ~~ثلاثة } وهذا أعظم الكذب؛ لأنه كذب على الله تعالى، فالكذب على المسلمين ~~أيسر إذا لم يعرف المعاريض، فأما إذا عرف المعاريض فليس له أن يقول إذا قدر ~~(¬2) ، ألا ترى إنهم لو قالوا له: قل إن محمدا يكذب على الله، وهو يعرف ~~محمدا آخر يكذب على الله في تنزيل أو تأويل، فقال محمد كذاب: (وهو يعني ~~محمد الكذاب) (¬3) ، فإن قال (¬4) : فإن كلفه الزنا وخاف القتل إن لم يفعل؟ ~~قيل له: لا يجوز له ذلك؛ لأن الزنا ظلم للمرأة فليس له أن يظلم غيره ليحيي ~~نفسه. فإن قال: فإن كانت المرأة راضية بذلك مطاوعة له هل له ذلك؟ قيل له: ~~لا يجوز له أيضا ذلك ولو طاوعته؛ لأنه ظلم لها لما يكلفها (نسختين) يلحقها ~~من العار والعيب القبيح، ms091 والإثم العظيم عند الله عز وجل، وإذا كانت بذلك ~~راضية؛ لأن الله جل اسمه لم يأذن لها بأن ترضى به، فرضاها بما لم يجعل الله ~~الرضاء لها به لا (¬5) يصير غير ظلم (¬6) # ¬__________ # (¬1) النحل: 106. # (¬2) في (ج) عذب. # (¬3) ناقصة من (ج). # (¬4) في (ج): كان. # (¬5) في (أ): لأنه. # (¬6) في (أ): ظالم.. PageV01P126 # منه لها، كما أن لو رضي رجل بأن يقتله هذا المؤمن ليخلص به نفسه إذا ~~أكرهه الجبار على أن يقتله لم يكن له ذلك، وإن الله لم يجعل له الرضاء ~~بذلك، فإن قال: فإن أكرهت المرأة على الزنا؟ قيل له: عليها أن تمسك جوارحها ~~وليست هي كالرجل؛ لأن الفعل منه، فالمرأة ليس لها فعل (نسختين منها فعل) ~~ولا تحرم عليها إلا المطاوعة وترك الاضطراب وليس سبيلها كسبيل الرجل. PageV01P127 # فإن قال: فخبرني عن مؤمن أخذه الجبار بمال كثير يطلبه منه، وعلم أنه إن ~~لم يدفع إليه هذا المال إنه يقتله. أيجوز أن لا يدفع ذلك إليه وهو يقدر ~~عليه؟ قيل له: لا يجوز إلا أن يدفعه إليه إذا كان عنده، إنه يقتله إن لم ~~يدفعه إليه، وعليه أن يفدي نفسه بالمال وإلا كان عاصيا لربه، فإن قال: ولم ~~قلتم ذلك؟ قيل له: إن الله أوجب عليه أن تكون نفسه أبر عنده من ماله وأن ~~ينفق ماله (¬1) في صلاح نفسه، فلا صلاح لنفسه أكثر ولا أولى من أن يفدي ~~نفسه من القتل. وأيضا فإنه لو لم يكن عليه أن يفدي نفسه بماله لم يكن له أن ~~يفدي بدرهم واحد وإن كان ماله كثيرا إذا كان الفداء بالمال غير واجب، وإذا ~~وجب فداء النفس بالمال كان بالقليل والكثير، ألا ترى أن الفقهاء جميعا ~~أوجبوا عليه أن يشتري الماء بالثمن الكثير مع وجود البدل وهو الصعيد، فإذا ~~امتنع بالغلاء لم يكن عليه. وغلاؤه أن يدفع في ثمنه ما يخاف أن يضره إخراجه ~~من ماله فإحياء نفسه (¬2) أولى، وكذلك لو وجده بملكه كله ليشرب من خاف على ~~نفسه الموت من العطش أن يشتريه بجميع ماله ولا ms092 يقتلها، وهو يقدر على فدائها ~~وكان على صاحب الماء أن يرد عليه فضل قيمة الماء في موضعه. فإن قال: فإن ~~كان عنده أن الجبار يأخذ منه الفداء، ثم يقتله هل له أن لا يدفع إليه شيئا؟ ~~قيل له: نعم. لأن هذا يتلف مالا في غير نفع، وكل من أنفق ماله بغير (¬3) ~~نفع في عاجل ولا آجل فهو آثم. فإن قال: فإن كانت نجاته من هذا الجبار بجميع ~~ملكه هل له أن يدفع إليه؟ قيل له: نعم، عليه أن يحيي نفسه بما يقدر عليه. # ¬__________ # (¬1) من (ج) وفي (أ): نفسه. # (¬2) (ج): النفس. # (¬3) في (ج): لغير. PageV01P128 # فإن قال: أرأيت إن كان بعض المسلمين في يد عدو، وقد أسره وطلب فداء عليه، ~~كان على (¬1) المسلمين تخليصه بشيء من مالهم؟ قيل له: على الإمام أن يخلصه ~~من بيت المال، فإن لم يكن إماما فعلى المسلمين تخليصه، إلا أن يكون المال ~~الذي يطلبه إذا دفعوه إليه أضعفهم (وقوي العدو به على جميعهم) (¬2) أو ~~ضعفوا به عن عدوهم فهو أشد ضررا منه عليهم، فحينئذ لا يدفعون إليه شيئا ولا ~~يلزمهم؛ لأن قتل واحد أيسر على المسلمين من جميعهم، أو ذهاب الحق من ~~أيديهم، فإن قال: ولم أوجبتم عليهم (¬3) بتخليصه المال؟ قيل له: لأن عليهم ~~أن يخلصوه بأنفسهم وأن يقاتلوا عنه ليخلصوه إذا رجوا (¬4) ذلك وكان الغالب ~~على ظنهم أن يقدروا على تخليصه فتخليصهم إياه بالمال أيسر. فإن قال: فلم ~~أوجبتم على المسلمين أن ينفقوا أموالهم في صلاح غيرهم؟ قيل له: على ~~المسلمين أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر إذا رجوا (¬5) القدرة على ~~ذلك بأنفسهم وسلاحهم ودوابهم، وهذا إجماع من الناس. # ¬__________ # (¬1) في (أ): عليه. # (¬2) في (ب) و (ج): وقوي به عليهم واستولى به على جميعهم. # (¬3) في (أ): عليه. # (¬4) في (ج): رجعوا. # (¬5) في (أ): رجعوا. PageV01P129 # فإن قال: فإن أخذه الجبار بمال ولم يكن عنده إلا وديعة لغيره، هل كان ~~عليه أن يفدي نفسه بها؟ قيل له: نعم ويضمن؛ فإن قال: فهل له أن لا يسلمها ~~حتى يقتل؟ ms093 قيل له: ليس له أن يقاتل عليها إذا كان عنده أنه ألا يتخلص من ~~القتل ويؤخذ فلا يبقى ولا تبقى هي أيضا، وإنما يجوز له أن يقاتل عليها وعلى ~~ماله، وإذا كان بين الخوف والرجاء، فأما إذا كان العدو عشرة وهو وحده وليس ~~في عادته عند القتال أن يغلب عند القتال اثنين منهم، كان محاربته إياهم ~~قتلا منه لنفسه، فإن قال: فإن طولب بمال ولم يجد إلا مالا لغيره هل يقصد ~~إليه فيأخذ منه ويخلص به نفسه، قيل له: نعم وعليه الضمان، فإن قال: ولم ~~أبحتم له أخذ مال غيره ليحيي به نفسه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ~~(لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه)؟ قيل له: على صاحب هذا المال إذا علم ~~بظلم الجبار، وأنه يريد قتله، وقد على تخليصه به، كان عليه أن يخلصه من ~~القتل بهذا المال كما قلنا فيما تقدم من كلامنا في أول المسألة، وأيضا فلا ~~خلاف بين أهل العلم أن رجلا لو كان في سفر أو حضر وعدم الطعام وخاف على ~~نفسه الهلاك من الجوع، ولم يجد ما يأكله إلا مال رجل مسلم أنه يأكل منه ~~بغير رأي صاحبه، ويضمن، ويحيي نفسه من الموت، ولا أعلم في هذا اختلافا بين ~~أهل العلم واختلفوا فيه إذا وجد الميتة وهو يقدر على أكلها ووجد طعاما لرجل ~~مسلم فقال أكثر العلماء: يأكل من المال ويضمن ولا يأكل من الميتة. فإذا كان ~~الإجماع من الناس على أن للإنسان أن يحيي نفسه بمال غيره من الطعام؛ الذي ~~هو مال بغير رأي صاحبه، كان إحياؤه نفسه بمال غيره جائز وعليه أن يضمن. PageV01P130 # وقال بعض فقهاء مخالفينا ولعل ذلك قول الجميع منهم ووافقهم على ذلك أبو ~~معاوية عزازين الصقر (¬1) وغيره من الفقهاء من أهل عمان في قوم ركبوا سفينة ~~(¬2) في البحر فخافوا الغرق والهلاك لشدة الحب (¬3) أن لهم أن يلقوا ما ~~فيها من حمولة الناس وأموالهم ليخلصوا أنفسهم من الموت إذا رجوا ذلك بإلقاء ~~أموال الناس في البحر ms094 ويضمنوا القيمة. ويوجد في الأثر عن أبي معاوية (أيضا) ~~(¬4) وإن كان صاحب المتاع رمى بمتاعه من غير مواطأة (¬5) كانت بينه وبينهم ~~فسلموا كان له عليهم ضمان المتاع على عدد رؤوسهم ، وأن الحاكم يحكم له ~~عليهم بذلك، فإن قالوا فإن أمن القتل بالسيف أو خاف الضرب الشديد؟ قيل له: ~~الضرب قد يأتي معه القتل (¬6) . فإن قال: فإن خاف الحبس وأمن القتل والضرب؟ ~~قيل له: إذا كان الحبس فلا (¬7) يدفع من أموال الناس شيئا، ولا من وديعته ~~إلا أن يخاف على نفسه من شدة البرد والحر ما يؤديه الحبس إلى تلف النفس ~~والله أعلم. # باب (¬8) تأويل آية من القرآن # فإن قال قائل: ما معنى قول الله تعالى: { ?الآن خفف الله عنكم وعلم أن ~~فيكم ضعفا } (¬9) ، أيقول (¬10) : إنه لم يكن له علم قبل ذلك عندما ألزمهم ~~من الفرض الأول؟ قيل له: هو عالم بما كان وما يكون ولا يخفى عليه شيء، ولكن ~~خفف عليهم وألزمهم هذا الفرض الثاني والله أعلم وأحكم؛ ولما كان المسلمون ~~أقلاء في صدر الإسلام وكانت نياتهم أقوى فرض الله عليهم الفرض الأول لقوة ~~نياتهم، ولما كثر المسلمون وكان الحرص منهم على قتال العدو ضعيفا خفف ~~المحنة عليهم وألزمهم هذا الفرض الثاني والله أعلم. # مسألة في الغصب # ¬__________ # (¬1) من (ج). # (¬2) (ج): السفينة. # (¬3) كذا في الأصل، ولعل صوابها: البحر. # (¬4) من (ج).ج # (¬5) في قاموس: المحيط: واطأه على الأمر: وافقه. # (¬6) في (ج) القيد. # (¬7) في (أ): قد. # (¬8) في (ج) مسألة. # (¬9) الأنفال: 66. # (¬10) في (أ): أيقول. PageV01P131 # وإذا غصب رجل جبار حبا، فزرعه في أرض نفسه فنمت وطالت، فوجدها صاحبها ~~المغصوبة منه، فإن الجبار إن شاء قلعها وأخذها، وإن شاء أخذ قيمتها وهي على ~~تلك الحال. فإن قال قائل: فما الفرق بين غصب النخل والحب؟ قيل له: إن صاحب ~~الحب لا يقدر أن يصير إلى حبه لهلاكه وذهاب عينه وصاحب الفسلة يقدر عليها ~~لأنها قائمة العين فحق صاحبها (عنها) (¬1) لم يزل فلما زالت عينه (وتلف ~~بالتعدي كان مضمونا بالبدل أو القيمة، وما كانت عينه قائمة لم تكن ms095 الخصومة ~~إلا في عينه) (¬2) والله أعلم. # مسألة # ¬__________ # (¬1) من (ج). # (¬2) ما بين قوسين ساقطة من (ج). PageV01P132 # أجمع أصحابنا على جواز الإقامة للمسلمين في بلد قد غلب عليها الجبابرة، ~~وأن تعمر فيه الأموال، وتزرع فيه الزرائع، ويغرس فيها الأشجار، مع علمه ~~بأنهم يأخذون منه الأموال على سبيل الخراج من غير أن يستحقوا ذلك المال، ~~وأنهم يستعينون به على ظلمهم وبغيهم. فإن قال قائل: ليس (¬1) في ذلك تقوية ~~لهم، وشد على أعضادهم، فما أنكرتم أن لا تجوز الإقامة معهم للمسلمين لما ~~ينالوا منهم من المنافع والأموال التي يستعينون بها، ولولا (¬2) يأخذون من ~~زرائع المسلمين وثمارهم لم تكن بهم إقامة (معهم) (¬3) ، وهلا قلتم: إن ~~إقامتهم على الظلم في هذا البلدان بسبب من أقام معهم من المسلمين لما ~~يأخذون منهم؟ قيل له: قد تجوز للمسلمين الإقامة في أملاكهم في المواضع التي ~~لم يأت في سكنها حظر من قبل الله عز وجل، ويزرعون فيها ويعمرون الأموال ~~ويغرسون الأشجار، وإن كانوا يعلمون أن الجبابرة يأخذون منهم بسببها أموالا ~~تؤدي إلى تقويتهم على ظلمهم إذا كانوا إنما يزرعون ويعمرون لنفع أنفسهم ~~وستر عيالهم، وإصلاح أحوالهم وللمسلمين أيضا. ولكن إذا كانوا يزرعون ~~ويعمرون وينوون بذلك تقوية الجبابرة والمعونة لهم، فهم عصاة لله في فعلهم. ~~فأما إذا كانت نياتهم أن يزرعوا لأنفسهم ولنفقة عيالهم وصلاح للمسلمين (¬4) ~~، فلا إثم عليهم، وأيضا فلو كان ما يزرعون لأناس (¬5) ومرادهم في ذلك ~~الصلاح وقصدهم فيه الخير يكونوا (¬6) # ¬__________ # (¬1) لعل صوابها: أليس. # (¬2) لعل صوابها: ولولا ما. # (¬3) من (ج). # (¬4) في (ج) ولصلاح المسلمين. # (¬5) في (ج) للناس. # (¬6) لعل صوابها: يكونون.. PageV01P133 # آثمين بذلك إن علموا أن أحدا يظلمهم ويأخذ منهم بسببه شيئا يقوى به على ~~ظلمه لكان الله تبارك وتعالى يقطع الغيث ولا ينزله، ولا ينبت به العشب إذا ~~كان يعلم أن الكفار يزرعون به وتكثر عليهم أموالهم وتسمن به مواشيهم ويزيد ~~عددهم، وفي ذلك قوتهم على عدوهم من المسلمين، ألا ترى أنه لو قطع عنهم ~~المطر لهلكوا في بواديهم؛ فإن قال: فمن أين جاز للمسلم أن ms096 يقيم في بلد يعلم ~~أنه يظلم فيه ويناله بسبب إقامته الظلم والذل (¬1) ؟ قيل له: لا يحرم على ~~المسلم أن يفعل فعلا تناله منفعة جزيلة وينجو به من ذل الفقر. فإن (¬2) كان ~~يعلم أنه يناله بعض الذل والظلم، إذا كان يعلم الذي يناله من عز الغنى أكثر ~~كما يجوز للمسلم أن يعمل لأهل الذمة؛ إذا كان احتاج عملا ينال به عزا يرفعه ~~عن الفقر ومسألة الناس. وإن كان في ذلك إذلال النفس واحتمال المكروه الذي ~~هو دون غيره إذا كانت نيته أن يزرع لمنفعة نفسه وستر عياله، ولو لزم هذا ~~لكان لا يجوز للمسلمين تخليص أسراهم من يد عدوهم بمال إذا قدروا على ذلك؛ ~~لأن في ذلك تقوية لهم وإعانة منهم على أنفسهم، وقد أباح الله جل ذكره ~~معاداة المشركين في كتابه فقال: { ?حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق. فإما ~~منا بعد وإما فداء } (¬3) ، وقد فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر ~~ورجع قوم منهم فحاربوهم، ولم يكن نيته عليه السلام تقوية منه لهم ولا تقوية ~~على محاربته. وإنما كانت إرادته منهم التوبة التي كان يرجوها منهم، فإن ~~قال: فلم منعتم من حمل السلاح والطعام إليهم؟ قيل له: أما في غير المحاربة ~~فلسنا نمنع من ذلك إلا أن يكون الحامل ينوي بذلك معونة لهم به وتقويتهم، ~~فحينئذ لا يجوز؛ وأما في وقت الحرب فلا يجوز ذلك للإجماع من الأمة ولولا ~~الإجماع لكان جائزا، ومع ذلك فإن منع الإمام يوجب ترك الركون (¬4) # ¬__________ # (¬1) في (ج) الذل والظلم. # (¬2) في (ج) وإن. # (¬3) سورة محمد: 4. # (¬4) في (ب) و (ج) الركوب.. PageV01P134 # والانتهاء إلى أمره ومخالفته حرام. فإن قال: فيجوز للمسلم أن يقيم لهم " ~~نسخة معهم" ويبايعهم. قيل له: نعم ما لم يعلم أنه أغصب أو حرام، أو أنهم ~~يكرهونه على تصويب الباطل ويلحقونه إلى إظهار شيء من الباطل (¬1) . فإن ~~قال: أفيجوز للمسلم الغزو معهم؟ قيل له: نعم إن (¬2) الله عز وجل أمر بذلك ~~في كتابه أمرا عاما لقوله: { ?قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم ms097 ~~الآخر } (¬3) ، وقال جل ذكره: ? { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } (¬4) ، ~~وقال تعالى: { ?قاتلوا الذين يلونكم من الكفار } ? (¬5) . وأيضا فإن القتال ~~جائز بغير إمام الله والله أعلم. # مسألة في عمل المغشوش # وللإمام أن يمنع في عمل المغشوش من الدارهم وغيرها، والمزيف والمكحل من ~~الدنانير، وما يصنعه أهل الصناعات من الأمتعة وأهل الأسواق، وله أن يزجر عن ~~ذلك ويعاقبهم عليه بما يراه زجرا لهم، وأدعى لهم إلى التوبة مما هم عليه من ~~الفعل. فإن قال قائل: لم جاز للإمام المنع عن ذلك وإن لهم " نسختين" له مع ~~ذلك التعزير والعقاب لهم على ذلك؟ قيل له (¬6) :إن الغش منكر وظلم منهم ~~لبعضهم بعضا، فإن قال: فهل له أن يمنع من المعاملة بذلك المغشوش؟ قيل له: ~~لا. ليس للإمام أن يمنعهم عن المعاملة بما يتراضون به فيما بينهم. فإن قال: ~~ولم جاز أن يعاقب على فعل ثم لا ينهى عن الرضى به؟ قيل له: إنها أمتعة ~~وأملاك وأموال للناس، وإن كانت مكسورة أو فاسدة أو متغيرة بفعل أربابها؛ ~~فإن حق أربابها لم يزل عنها ولا ملكهم، ولها مع ذلك قيمة فإذا وقف المشتري ~~على عيبها أو عرفه البائع جاز للبائع والمشتري، ولم يكن للإمام أن يمنع ~~الناس أن يتصرفوا في أموالهم وإن كانوا أفسدوها. # مسألة في الدين المضيق على صاحبه # ¬__________ # (¬1) في (ج) إلى إظهار من الباطل. # (¬2) في (ج) لأن. # (¬3) التوبة: 29. # (¬4) التوبة: 5. # (¬5) التوبة: 123. # (¬6) ساقطة من (ج). PageV01P135 # ولو أن رجلا عليه ديون كثيرة من أموال اغتصبها، ومظالم ارتكبها وله مال ~~يملكه بقدر ما عليه،لم يكن له فيما بينه وبين خالقه أن يتصرف فيه، ويحسبه ~~على قضائه في تلك المظالم، إلا بقدر ما يكفيه لقوته الذي يبلغه إلى قوت ~~مثله. فإن قال قائل: فإن وهب منه شيئا أو باع أو اشترى شيئا منه أو تزوج ~~عليه، أكان يجوز له ذلك؟ قيل له: نعم هو ملكه وله أن يتصرف فيه تصرف الملاك ~~(¬1) . كل ذلك يجوز ويحكم به الحاكم، وأما في بينه وبين ربه فهو آثم، فإن ~~قال: ولم قلتم ms098 أنه يكون مأثوما مع تجويز كم له التصرف فيه؟ قيل له: إن هذا ~~المال هو مال له، وله أن ينفق منه ويتصرف فيه كيف شاء، وإنما قلنا لا يجوز ~~له ذلك فيما بينه وبين الله؛ لأن أصحاب المظالم مضيقون عليه فليس له أن ~~يحبس عليهم مالهم، وإذا كان يقدر على تسليم حقوقهم وهم غير موسعين عليه ~~فيها كان حبسه ذلك عنهم معصية لقول النبي صلى الله عليه وسلم (مطل الموسر ~~ظلم) (¬2) ؛ والمغصوب منه والمتعدي عليه في ماله بمنزلة المطالب المضيق ~~عليه، لأنه غير مبيح له لمن ظلمه ولا موسع عليه في تأخير حقه الذي هو غير ~~ماله أو قيمته، فإن قال: فما تقول إن كانت هذه الأموال من ديون تحملها من ~~أربابها، فعل عليه إثم إن حبسها عنهم ولم يدفع إليهم بدلها؟ قيل له: هذا ~~غير آثم في حبسها عليهم إلا أن يطالبوا أو يضيقوا فحينئذ يكون آثما إن حبس ~~عليهم وهو يقدر على ذلك، فإن قال: فلم فرقتم (¬3) # ¬__________ # (¬1) في (ج): نسخة: الأملاك. # (¬2) رواه الترمذي وأبو داود. # (¬3) في (أ) قرنتم.. PageV01P136 # بين الديون والمظالم وما تحمله برأي أربابه وبين ما تحمله بغير رأيهم؟ ~~قيل له: إن الدين الذي تحمله برأي أربابه وأنفسهم بذلك طيبة فهو غير آثم، ~~إلا أن يضيقوا عليه ويطالبوا ولا تطيب نفوسهم بحبسه عليهم، فحينئذ يأثم ~~بتأخيره إياه عنهم وهو يجد السبيل إلى دفع حقوقهم، وأما المتعدي على الناس ~~في أموالهم والآخذ لهم بغير رأيهم، وأنفسهم بذلك غير طيبة، وهم مضيقون عليه ~~وطالبون له أن يجدوا السبيل إلى مطالبته وقد حرج الله عليه حبسه مالهم عليه ~~وتأخيره عنهم حقوقهم؛ فإن قال: فهل لوارثه أن يحبس من هذا المال شيئا لقوت ~~يومه أو من (¬1) كان يجوز لمن ورث عنه إذا مات المتعدي وأقر بهذه الديون؟ ~~قيل له: لا يجوز؛ لأن الميت كان مالكا لذلك المال والوارث ليس بمالك له إلا ~~بعد أن يقضي تلك الديون كلها، قال الله جل ذكره: { ?من بعد وصية يوصى بها ~~أودين } (¬2) ؛ فإن قال: ms099 فإن كان عليه زكاة كثيرة هل يأثم بتأخيرها ؟ قيل: ~~لا يأثم إن أخرها إلا أن يطالب بها الإمام أو من يطالبها بأمر الإمام، ~~فحينئذ إن أخرها كان آثما، فإن قال: فإن لم يكن إمام هل يضيق عليه إن أخرها ~~الزمان الطويل؟ قيل له: لا يأثم بتأخيرها إلا أن يرى (¬3) الفقراء بسوء حال ~~من جوع أو عري فحينئذ يأثم إن أخرها عنهم. فإن قال: ولم قلتم: إنه يكون ~~عاصيا بتأخيرها ولم تطلب منه؟ قيل له: إن الفقراء ليس (¬4) # ¬__________ # (¬1) في (ج): ما. # (¬2) النساء: 11. # (¬3) (ج): يرا. # (¬4) لعل صوابها "ليسوا" كما هو ظاهر.. PageV01P137 # بخصوم فيها وإن كانوا يستحقونها، فالله تعالى جعلها حقا لهم، فإذا كانوا ~~شديدي الحاجة إليها وهو يعلم بذلك كان آثما إن حبسها عنهم، فإن قال: ولم ~~جعلتم لمن عليه زكاة ولم يطالب بها أن يكون غير آثم بتأخيره إياها؟ قيل له: ~~لا تمانع بين أهل العلم أن أهل القرى والمواضع في أيام النبي صلى الله عليه ~~وسلم وفي عصور الأئمة كانت تجب عليهم الزكاة، وكانوا يحبسونها إلى أن يصل ~~القابض لها، ولو مضى لذلك المدة الطويلة. فهذا يدل على أن تأخيرها غير مخرج ~~صاحبها من (¬1) عدالته ومنزلته، فإن قال: فإذا لم يكن لهذا المغتصب ~~والمتعدي والذي عليه الديون من المظالم أن يحبس عن أصحاب الحقوق حقوقهم، ~~ويؤخر هذا المال في يده، فلم أجزتم له بيعه والتجارة فيه؟ قيل له: فإذا لم ~~يكن المال الذي هو (¬2) في يده هو الذي اغتصبه بعينه، وأخذه بغير رأي ~~صاحبه، وهو مالك له في الحقيقة، وليس لأصحاب المظالم عليه على ماله سبيل، ~~وليس هو مال لهم بل هو ماله، وإنما قلنا إنه يأثم بتأخيره إياه عنهم لقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم (مطل الموسر ظلم). (¬3) فإن قال: فإذا قلتم إنه ~~مالك لهذا المال في الحقيقة وإن ملك أصحاب المظالم زائل عنه، فقولوا: إن له ~~أن يهبه أو يتجر بع ولا إثم عليه. قيل له: إنما قلنا إنه آثم لتأخيره عن ~~قضائه في المظالم؛ لأن الله ms100 قد أمره بذلك وهو آثم بمخالفته أمر الله. # ¬__________ # (¬1) في (ج): نسخة عن. # (¬2) ساقطة من (ج). # (¬3) رواه ابن ماجه والدار قطني. PageV01P138 # ويدل على ذلك أن المسرف يكون عاصيا في إنفاقه ماله وهو عاص لربه بنهي ~~الله إياه، مع ذلك فهبته وعطيته وبيعه وشراؤه جائز؛ لأنه ملكه وإن كان في ~~فعله آثما؛ فإن قال : ولم لا يجوز أن يكون الفقراء خصوما فى مطالبته الزكاة ~~إذا غاب الإمام وعدم، وأن يقوموا في ذلك مقام أصحاب الدين، إذ الزكاة هي ~~لهم؟ قيل له: إن الزكاة هي لجماعة الفقراء وليس هي لقوم منهم دون قوم غيرهم ~~بأعيانهم فيكونوا خصوما فيها، ألا ترى أن الذي عليه الزكاة لو لم يعطها ~~لهؤلاء الخصوم وأعطاها غيرهم جاز له، فلذلك قلنا ما قلنا وبالله التوفيق. # ... مسألة ... # اختلف علماؤنا في رجل مات وعليه دين لرجل، ولم يوص إلى أحد من الناس، ولم ~~يكن لصاحب الدين بينه على الميت، فقال بعضهم: إن قدر على شيء من مال الهالك ~~من العروض والحيوان أخذه سرا وباعه واستقضى منه وقبض حقه ويقيم نفسه في ذلك ~~مقام الحاكم. # وقال آخرون: ليس له ذلك ويكون متعديا في الظاهر والباطن؛ لأنه يفعل بغير ~~أمر الله؛ لأنه ليس بوكيل فيما يبيع ولا وصي. فأجمعوا على أنه إذا وجد في ~~مال الهالك مثل عين (¬1) ماله من الجنس الذي له من الذهب والفضة، أو ما ~~يضبط بالكيل والوزن ويتساوى ولا يختلف أن له أخذ ذلك إذا قدر عليه سرا، ولا ~~يأخذه جهارا، ويواجه بأخذه ظاهرا، لأنه يكون متعديا في الظاهر. # ¬__________ # (¬1) في (أ) غير. PageV01P139 # وقوله ليس بحجة في دعواه، فإن قال قائل: أليس للحاكم أن يقضي عن الميت ~~الدين من ماله، فلم لا يجوز لصاحب الدين إذا عدم البينة وعدم الحاكم، وقدر ~~على أن يأخذ من مال الميت مما خلفه فيبيع ذلك، ويقضي دينه منه؟ قيل له: إن ~~الحاكم هو الذي جعل لذلك ونصب له، وليس ذلك للعوام، ولو جاز ذلك جاز لرجل ~~من العوام أن يقوم فيبيع من ms101 مال الميت ويقضي عنه دينه، كما يجوز للحاكم. ~~فإن قال: فإن جحده وقدر على شيء من ماله، هل له أن يأخذه من ماله؟ قيل له: ~~إذا جحده أو هلك فكان ذلك سواء؛ لأنه لا يقدر على أخذه منه بالجحد والموت، ~~فإن قال: لم لا يأخذه ويقتضي حقه من ماله ببيع أو قيمة، ويكون هذا اتفاق ~~بينهم (¬1) ؟ قيل له: ليس له ذلك عند هذه الطائفة من أجل أن عين ماله غير ~~ما أخذه،فلا يجوزأن يملك هذا المتاع إلا بشراء، ولا يجوز له أيضا أن يتصرف ~~بالبيع في مال لا يملكه، إلا بوكالة أو وصاية أو بملك تقدم له فيه. فإن ~~قال: فإن وجد دراهم، هل له أن يأخذها من ذهب له عليه؟ قيل له: وهذا أيضا لا ~~يجوز، فإن قال: لم لا يجوز والذهب والفضة بعضه ببعض، ويحمل بعضها على بعض ~~في الزكاة وهما أثمان للأشياء؟ قيل له: لا يجوز؛ لأن الدراهم تحتاج إلى ~~مصارفة، ولا يجوز أن يملكها إلا به وذلك يتعذر عليه. فإن قال: أليس " قد ~~أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة وقد شكت إليه من زوجها أبي ~~سفيان بن حرب أنه قطع عنها وعن أولادها الكسوة والنفقة، فأمرها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم أن تأخذ من ماله بغير إذنه" (¬2) ؟ قيل له: ورد لخبر ~~بأنه أذن لها أن تأخذ حقها وحق صبيانها من ماله، وليس في الخبر أنه أمرها ~~أن تأخذ غير ما يجب لها وتبيعه وتملكه (¬3) عليه من حق منعها إياه، سوى ما ~~صار إليها، بل الذي يجب أن يكون (¬4) # ¬__________ # (¬1) في (ج) منهم. # (¬2) متفق عليه. # (¬3) في (ج) أو تملكه. # (¬4) ساقطة من (ج).. PageV01P140 # الرسول صلى الله عليه وسلم أمرها أن تأخذ ما يكفيها ويكفي صبيانها من ~~ماله، وللمرأة على زوجها حقوق مختلفة من حب وتمر وأدم ودهن وثياب، وصداق ~~وغير ذلك، فكل شيء أخذته فهو من جنس حق لها، وأيضا؛ فإنه إن صح أنه أذن لها ~~أن تأخذ غير الذي لها، وغير عين ms102 حقها عليه، فإنها أخذت بحكم حاكم، ومن حكم ~~له حاكم بأخذ حق له في مال غريمه جاز له أخذه وبالله التوفيق. # مسألة في اللقطة # اختلف الناس في اللقطة لما جاءت من الأخبار المختلفة فيها، فروي أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم: " سأله أعرابي عن لقطة لقطها فقال له: عرفها سنة فإن ~~جاءك مدعيها بوصف عقاصها ووكائها فهي له، وإلا فانتفع بها" (¬1) . # وروي أن زيد بن ثابت التقط صرة فيها مائة دينار فجاء إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم فقال له: (عرفها سنة فمن جاءك بالعلامة، وقيل إنه قال: أمارتها، ~~ووعاؤها، ووكاؤها، فادفعها إليه، ثم جاءه بعد انقضاء السنة فقال: يا رسول ~~الله عرفتها سنة، فقال: عرفها سنة أخرى، ثم جاءه بعد انقضاء السنة الثانية ~~فأخبره أنه قد عرفها. فقال: هو مال الله يؤتيه من يشاء). وقال بعض مخالفينا ~~أنه قال: (هي لك وهي مال الله يؤتيه من يشاء)؛ ولم يصح معنا هذه الزيادة، ~~فيحتمل أن يكون الأعرابي التقط شيئا يسيرا، ويحتمل أن يكون الأعرابي فقيرا ~~فأمره بالانتفاع بها، فهو إذا أحق بها لفقره. وأما أمره لزيد بن ثابت ~~بتعريفها لسنتين، فيحتمل أن يكون لعظم خطرها رجاء أن تصير إلى صاحبها، وقال ~~بعض أهل العراق: لا تدفع اللقطة إلا بشاهدي عدل، كقول بعض أصحابنا إنها ~~مال، والأموال لا تدفع إلا بالبينة، واتباع السنة عندي أولى إذا كانت ~~مخصوصة بهذا الحكم من سائر الأموال، وبالله التوفيق. # ¬__________ # (¬1) رواه مسلم وأبو داود النسائي. PageV01P141 # ? وقد قال بعض مخالفينا ووافقه على ذلك بعض أصحابنا إن للملتقط أن ~~يردها إلى مكانها ولا شيء عليه، وهذا عندي غلط من قائله؛ لأنه عرضها للتلف ~~بإلقائه لها بعد أن صارت في يده وخلصت لصاحبها عنده، وخالف أمر النبي عليه ~~السلام في أمره إياها بحفظها وتعريفها، فأقل أحواله أنه ضامن لها، واتفق ~~أصحابنا على تضمين الملتقط اللقطة إذا عرفها حولا، وأمروه بالصدقة بها، ولم ~~يسقطوا عنه الضمان بعد أن يفرقها على الفقراء، ووافقهم على ذلك الحسن ~~البصري. وأمروه بحفظها لصاحبها، ms103 بأن يتصدق بها بعد الحول إذا لم يعرف ربها، ~~وألزموه بعد ذلك ضمانها ولم يجعلوه إن سرقت خصما في مطالبتها إذا وجدها مع ~~سارقها، ونحن نطلب لهم الحجة في ذلك إن شاء الله. والقاصد إلى أخذ (¬1) ~~اللقطة لا يخلو بأن (¬2) يكون تناولها لنفسه، أو تناولها ليحفظها لصاحبها، ~~أو تناولها غافلا في أخذها لا ليخون ربها فيها، ولا محتسبا في أخذها ~~لمالكها. فإذا كانت أحوال اللقطة لا تخلو من هذه الوجوه الثلاثة، والنظر ~~يوجب عندي إن كان قصد إلى أخذها لنفسه ثم عزم على ردها وتاب من نيته وفعله، ~~فعليه الضمان في حال أخذه مال غيره بتعديه فيه، فالضمان الذي يلزمه بها لا ~~يبرئه منها، إلا الخروج إلى صاحبها منها، وإن كان أخذه لها غافلا في أخذها ~~فالضمان أيضا يلزمه؛ لأن الخطأ في الأموال يوجب الضمان، وأرجو أنه لا إثم ~~عليه إذا لم يقصد إلى التعدي. وأما إن كان أخذها ليحفظها على ربها محتسبا ~~لأخيه المسلم في ماله وحفظه له متأولا بذلك قول الله تبارك وتعالى: { ~~وتعاونوا على البر والتقوى } (¬3) ، # ¬__________ # (¬1) في (ج) لأخذ. # (¬2) في (ج) من أن. # (¬3) المائدة: 2.. PageV01P142 # ولئلا يكون قد قدر على حفظ مال أخيه المسلم فيدعه حتى يتلف، فهذا عندي ~~أنه لا ضمان عليه لأنه في الابتداء محسن، وإذا كان في ابتدائه محسنا لم يكن ~~لها ضامنا، قال الله تعالى: ? { ما على المحسنين من سبيل } (¬1) . # ? وأما محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة فكان يقول: إذا أشهد الملتقط عند ~~أخذها أنه يحفظها لصاحبها ثم جاء صاحبها بالعلامة أو البينة، فادعى ضياعها ~~لم يكن لها ضامنا، وإن لم يشهد وادعى ذلك مع المخاصمة أنه يضمن. # ¬__________ # (¬1) التوبة: 91. PageV01P143 # ? وأما الحسن البصري فقد قدمنا ذكر مذهبه فيها وتضمينه إياها لصاحبها، ~~ولم ينقل عنه فيما علمت: "إذا أخذها متعديا ولا غير متعد". والذي يوجبه ~~النظر عندي ما تقدم ذكره من اختياري فيها أن الملتقط إذا التقط ما يجب عليه ~~تعريفها مما يعرف بوصف يوصل إلى معرفته، وهو عازم على أن يعرفه ويقوم بحق ms104 ~~الله فيه، وحفظه لصاحبه فضاع منه بغير خيانة كانت منه، لم يكن لها ضامنا؛ ~~لأنه لم يتعد فيه ولم يتعمد، وإنما فعل ما أمره الله به من حفظ غيب (¬1) ~~مال أخيه المسلم والحفظ عليه، وما أمره النبي عليه السلام من التعريف لها. ~~وفي الرواية أن الحسن البصري كان من قوله: إن الملتقط للمال إذا كان محتاجا ~~إليه، كان أحق به من غيره، ولم ينقل عنه قبل التعريف ولا بعده، وإذا التقط ~~الرجل شيئا مما يعلم أنه لا يبقى مدة التعريف حتى يهلك قبل ذلك، ويتلف ~~بفساد. أو كان الشيء الملتقط مما لا يوصل إلى معرفته بعلامة، كالقطعة من ~~الذهب والفضة، والكسر من الصوغ أو طرف سبيكة، أو ما لا تكون له علامة فيوصل ~~إلى الحاكم بها، فإن على الملتقط لذلك الحفظ والنظر لصاحبها، وأن يفعل ما ~~فيه الحظ له؛ لأن الواجب على المسلم حفظ مال أخيه المسلم إذا أمكنه ذلك. ~~وكذلك الإمام، عليه أن ينظر لربها ما فيه الحظ له فيه إذا انتهى إليه ذلك ~~أن يكون تعريف اللقطة حيث مجامع الناس وفي الأسواق، وحيث تتناقل الأخبار بذلك. # ¬__________ # (¬1) في (ج) "نسخة" مال. PageV01P144 # وقد قال بعض أصحابنا: إن تعريفها في المساجد التي يحضرها الناس للجماعات ~~والجوامع، وهذا لعمري أبلغ الإنذار بها، وفي نفسي من ذلك سبب (¬1) ؛ لأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعرابي الذي بال في المسجد: (إنما بنيت ~~هذه المساجد أو قال: جعلت المساجد لذكر الله والصلاة) (¬2) ، وينبغي ~~للملتقط أن يكون على حفظ ما يوصله إلى معرفة اللقطة له من العلامات والأدلة ~~كحفظه لها، والعلامة التي سماها النبي صلى الله عليه وسلم عقاصها ووكائها ~~هو الوعاء الذي يكون فيه من خرقة أو جلدة أو غير ذلك يقوم مقامه، أو يكون ~~في معنى ذلك، وكذلك سمت العرب ما يشد به رأس القارورة عقاصها، لأنه كالوكاء ~~(نسختين) كالوعاء، والصمام ما يدخل في فم القارورة فهو سد به رأسها وليس ~~ذلك عقاصها، والوكاء هو الخيط الذي يشد به، يقال: أوكيت إكياء ms105 وعقصتها ~~اعقاصا إذا شد العقاص عليها، وإذا جعل لها الجاعل عقاصا، فقال: عقصتها. # والرواية عن عمر بن الخطاب كان يشدد في أمر اللقطة على ملتقطها، ويأمر ~~الملتقط أن يوافي بها الموسم فيعرفها هنالك. # ¬__________ # (¬1) لعل الأصح: شيء. # (¬2) متفق عليه. PageV01P145 # وأما ابن عباس والشافعي ومالك فكانوا يأمرون بأن يعرف بها على أبواب ~~المساجد وفي الأسواق، وحيث اجتماع الناس ومواضع العامة، فإن وجد لها ربا، و ~~إلا فهي له في قول مالك والشافعي، ولا أعرف لابن عباس في ذلك قولا في حكمها ~~غير ما ذكرنا عنه، والذي نختاره أن الملتقط إذا قصد إلى أخذها محتسبا لربها ~~في حفظها عليه، غير متعد فيها، وكان فقيرا فليأكلها وهو أحق بها بعد تعريفه ~~إياها سنة، إذا كانت مما يوصل إلى معرفتها، وكانت مما تبقى إلي تلك المدة، ~~وإن كان غنيا تصدق بها بعد المدة على الفقراء، وإن صح لها مالك رجع بقيمتها ~~على الملتقط غنيا كان أو فقيرا، إلا أن يختار ربها الآخر، فإن قال قائل: لم ~~حكمتم بوجوب الضمان عليه بعد أن برئت ذمته منها؟ قيل له: إنما حكمنا له ~~بالرجوع عليه كما حكم لمن ملك مالا حلالا في الظاهر يأكله وينفق منه، ثم ~~يستحقه عليه بعد ذلك مستحق، فلا يكون غاصبا فيما تقدم من فعله قبل الدرك، ~~وهو مال الله تبارك وتعالى يحله لواحد وقتا ويحرمه عليه وقتا، والضمان قد ~~يلزمه بغير التعدي لعلة من طريق التعدي. # وقد روي أن ابن عمر مع زهده كان إذا مر بثمرة ساقطة التقطها وأكلها. وأما ~~ابن عباس فالرواية عنه قال: من وجد من سقط (نسختين) سقاط المتاع فلينتفع ~~به، كالسوط والنعلين والعصا وشيء من سائر المتاع، وقد قال: يجوز ذلك كثير ~~من أصحابنا، وقال ابن عباس: وإن رجع إليه صاحبه رده إليه، كذلك في الرواية ~~عنه، والله أعلم. # وروي أن عبد الله بن عمر كان مع رجل في بعض الطريق، فرأى صاحبه دينارا ~~ساقطا فمد يده إليه ليأخذه، فضرب ابن عمر يده، فقال مالك وإياه، ونهاه ms106 عن ~~أخذه. وأما جابر بن زيد فالرواية عنه أنه كان يكره أخذ اللقطة. PageV01P146 # وأما من وجد ركازا فهو أحق به، وليس عليه فيه تعربف، وهو دفن في ~~الجاهلية. وإن وجده ظاهرا على وجه الأرض فلا أحفظ فيه قولا، وأحب أن يكون ~~سبيله سبيل اللقطة أنها عندي بمنزلة ما يسقط من الناس من الأموال؛ لأنها ~~مخالفة لوصف الركاز الذي هو كنز والله أعلم. # وإن وجد الصبي اللقطة أخذها الإمام من يده ودفعها إلى ثقة يعرفها، فإن لم ~~يجد لها طالبا فهي للصبي إن كان فقيرا فكان أحق بها من غيره من الفقراء، ~~وإن (¬1) ظهر الإمام على من يعرف بالتعدي على أموال الناس والخيانة لهم في ~~أموالهم قد التقط لقطة، فعندي أنه يأخذها من يده ويجعلها في يد نفسه من ~~الناس ليعرفها، فإذا مرت المدة ولم يعرف لها ربا، ردها إليه إن كان فقيرا، ~~وإن كان غنيا تصدق بها على الفقراء. واتفق أصحابنا في اللقطة على من التقط ~~لقطة لها أمارة أن عليه تعريفها والمبالغة في طلب ربها سنة كاملة. # ¬__________ # (¬1) في (ج) وإذا. PageV01P147 # واختلفوا في تسليمها، فقال بعضهم: لا يجوز دفعها إلا بشاهدي عدل مع دعوى ~~المدعي لها؛ لأنها مال، والأموال لا تجوز أن تنتقل على وجه الحكم ولا يحكم ~~لمدعيها بها إلا بشاهدي عدل لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: (على المدعي البينة وعلى المنكر اليمين). وقال الباقون وهم الأكثر ~~وعلى قولهم العمل وإليه نذهب أن اللقطة مخصوصة بحكم، وعلى ذلك النقل وعمل ~~الناس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتسليم اللقطة إلى من جاء ~~يدعيها وجاء بعلامتها وهو وعاؤها ووكاؤها، وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم : (عقاصها ووكاؤها) فلما جعل النبي صلى الله عليه وسلم هذه العلامات ~~موجبة للتسليم إلى من جاء بها دل على أنها تقوم مقام الشاهدين، وكانت ~~اللقطة مخصوصة بهذا الحكم، فالاقتداء بالرسول عليه السلام أولى من تأويل من ~~لا يؤمن معه الغلط، قالوا: فإن لم يجدر ربها وعدم معرفة ms107 صاحبها تصدق بما ~~ملتقطها على الفقراء، وأجمعوا على تضمينه إياها بعد ذلك، وجعلوا الخيار ~~لربها إذا جاء يطلبها، وصح أنه كان مالكا لها، إن شاء أخذ بدلها مثلها أو ~~الثواب الذي هو عوض عنها، ولم أعلم أن أحدا من أهل الخلاف عليهم أوجب ~~الضمان على الملتقط لها إذا بالغ في طلب ربها ثم تصدق بها بعد سنة أو سنتين ~~على ما جاء الخلاف بينهم، وقد وجدت أن لأبي أيوب وائل بن أيوب فيمن لزمه ~~ضمان من مال الناس لا يعرفهم من تجارة أربى فيها، أو ضمان التجاهل في البيع ~~والشراء ثم رغب في التوبة، أن عليه أن يتصدق بها على الفقراء إذا لم يعرف ~~أرباب تلك الأموال التي ضمنها وأخذها، ولم يوجب عليه بعد الصدقة ضمانا، وقد ~~شككت في قوله في اللقطة، وأظن أن سبيلها عنده في زوال الضمان بعد الصدقة ~~بها سبيل ما جناه التاجر في تجارته وما لزمه من الضمان في معاملته، وعندي ~~أن أمر اللقطة أيسر في باب العذر والله أعلم. PageV01P148 # والحجة توجب عندي أن اللقطة إذا أخذها الآخذ لها على وجه التعدي أو ~~الغفلة، أن سبيله في أمرها (¬1) سبيل من يلزمه ضمان مال لأحد من الناس لا ~~يعرفه، إذا تصدق به على الفقراء بعد إياسه لمعرفة صاحبه. وإذا تناول اللقطة ~~وكان أخذه إياها ليحفظها لصاحبها من طريق الاحتساب والقربة إلى الله في ~~ذلك، وأن لا يضيع مال امرئ مسلم بين ظهراني المسلمين وهم يقدرون على حفظه، ~~لم يلزمه الضمان إذا تصدق بها على الفقراء بعد إياسه من معرفة صاحبها، قال ~~الله جل ذكره ? { ما على المحسنين من سبيل } (¬2) ، ويدل على صحة ما قلنا ~~فعل عبد الله بن يحيى الحضرمي لما ظهر على اليمن واستولى على خزائن السلطان ~~الذي كان بها مما كان جباه على سبيل الخراج من أموال أهل اليمن، واختلطت ~~الأموال فلم يعرف لها ربا فتصدق بها على الفقراء، ولم يرد الخبر أنه ألزم ~~نفسه ضمان تلك الأموال، ولو كان يعتقد أن ضمانها يلزمه، لم ms108 يقصد إلى مال ~~غيره ويتلفه على أربابه ويلزم نفسه الضمان، وكان ينبغي على هذا أن يكون في ~~فعله ذلك متعديا حاشاه الله مما لا يليق في صفته. # ¬__________ # (¬1) في (ج) إنها سبيل. # (¬2) التوبة: 91. PageV01P149 # وأيضا قد روى الناس وأصحابنا فيهم أن علي بن أبي طالب لما هزم طلحة ~~والزبير قصد إلى ما كانا جبياه من أموال أهل البصرة على وجه الخراج وأنهما ~~يستحقان في حال تقدمهما عليه، عمد إلى تلك الأموال وفرقها بين أ صحابه، ~~فبلغنا أنه حصل لكل رجل منهم خمسمائة درهم وكانوا إثني عشر ألف رجل، ولا ~~يجوز أن يكون علي بن أبي طالب فرقها على أصحابه، مع علمه بأن أربابها يوصل ~~إلى معرفتهم، فلما جعلها الإمام في عز دولته على سبيل ما تجعل الزكاة التي ~~هي صدقة للفقراء، فهذا يدل على أن هذه الأموال التي لا رب لها يعرف أن ~~سبيلها سبيل ما يتصدق به، ولم ير أحد فيما علمنا أن عليا ألزم نفسه ضمانها، ~~وكل مال أيس من معرفة ربه أنه مصروف في الفقراء والمساكين، واللقطة مال من ~~هذه الأموال التي ذكرناها، مع أنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~(أن زيد بن ثابت جاءه وقد التقط صرة فيها مائة دينار فأمره رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يعرفها حولا، ثم جاءه فقال: يا رسول الله قد عرفتها ~~حولا، فقال له: عرفها حولا آخر، ثم جاءه فقال: يا رسول الله إني قد عرفتها ~~حولا ثانيا كما أمرتني. فقال: خذها وانتفع بها فهو مال الله يؤتيه من ~~يشاء). فقال بعض أهل العلم: إنه أمره أن يعرفها حولا ثانيا لكثرتها، وقال ~~بعض: خص زيدا بذلك والله أعلم. PageV01P150 # فإن قال قائل: فإن كان الملتقط لها فقيرا هل له أن يأكلها؟ قيل له: نعم ~~يجوز له أن يأكلها بالفقر أيضا، فإن قال: فهل يجوز له أن يأكل زكاة عليه ~~إذا كان فقيرا وقد عزلها وميزها ثم افتقر وهي قائمة في يده بعد، هل له أن ~~يأكلها؟ قيل له: ms109 لا يجوز ذلك لأنها عليه، ولا يجوز أن يبرأ من دين هو عليه ~~إلا بأدائه إياه، فإن قال: فإن لم يؤدها حتى مات وخلف ولدا، هل لولده من ~~بعده أن يأكلها إذا كان فقيرا؟ قيل له: لا يجوز ذلك، فإن قال: أليس الزكاة ~~هي للفقراء فلم لا يجوز لهذا الفقير أن يأكلها؟ ولم لا تكون كاللقطة تجوز ~~لمن التقطها ولوارثه أكلها والجميع فقراء؟ قيل له: إن اللقطة جائز أكلها ~~للفقراء وهي لهم ولمن التقطها أن يأكلها بإجماع الأمة إذا كان فقيرا، فلما ~~كان له أكلها جاز لولده أيضا أكلها، والزكاة هي دين عليه للفقراء، وما كان ~~عليه فلا يجوز أن يكون له، وكذلك ولده مأمور بعده بإخراجها فليس له أن ~~يأكلها؛ لأنها عليه في تركة أبيه. وأيضا فإن الميت لا يدفعها إلى أحد ممن ~~يلزمه عوله في حياته، فإذا لم تكن هذه وجبت له في حياة الميت لم تجب له بعد ~~وفاته؛ لأنه ليس بوارث لها. فإن قال: أليس الإمام إذا دفع شيئا منها جاز له ~~أخذه؟ قيل له: نعم؛ لأن الإمام إذا دفعها زالت عن الميت، ولو دفعها إليه ~~وهو حي أيضا جاز له أكلها، فجائز له أن يدفعها إلى من يلزم الميت عوله إذا ~~كان فقيرا. فإن قال: فلم قلتم: إن الإمام لا يجوز له أن يدفع إلى رجل من ~~زكاة قد اجتمعت عليه لحدوث فقره وكان فقيرا قد اجتمعت عليه وهو محتاج ~~إليها؟ قيل له: الدليل على ذلك الإجماع على أن الإمام إذا قبض من رجل زكاة ~~ماله فجعلها في بيت المال، ثم حدث له الفقر أن على الإمام أن يدفع إليه من ~~بيت مال المسلمين. فإذا دفع إليه من بيت المال فقد صار إليه ما دفع أو شيئا ~~منه، ولا فرق بين الكل في أكله إياه وبين البعض منه والله أعلم. PageV01P151 # مسألة # إختلف أصحابنا فيمن حلف عن بيع شيء معين فبادل به، فقال محمد بن محبوب: ~~يحنث ولم يره غيره حانثا. والنظر يوجب عندي وقوع الحنث ms110 على ما ذهب إليه أبو ~~عبد الله؛ لأن البدل يسمى بيعا على التوسع، والدليل على ذلك قول الله تبارك ~~وتعالى { ?أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى } (¬1) ، فسمى استبدالهم ~~الكفر بالإيمان شراء منهم لذلك، والله أعلم. # إلا أن محمد بن محبوب لم يمض في هذا على أصله؛ لأن من مذهبه أن رجلا لو ~~بادل مالا بمال لم يكن للشفيع في ذلك شفعة وجعل في البيع الشفعة، ويسمى بدل ~~الأرض بالأرض قياضا، والقياض عنده بيع والله أعلم ما وجه ما ذهب إليه. ~~والنظر عندي يوجب في القياض الشفعة؛ لأنه بيع عند الجميع وبالله التوفيق. # مسألة # أجمع علماء أصحابنا فيما علمت على المنع من مصافحة أهل الذمة، وأن يعادوا ~~إذا مرضوا، وأن يكنوا إذا خوطبوا، وأن يبدأوا بالسلام إذا لقوا؛ والنظر لا ~~يوجب عندي ذلك إلا من قصد إلى تعظيمهم والإجلال لهم بذلك. ألا ترى إلى قول ~~الله جل ذكره: { لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم ~~من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين } (¬2) . ثم قال: ~~{ ?إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا ~~على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون } (¬3) . # مسألة # ¬__________ # (¬1) البقرة: 16. # (¬2) الممتحنة: 8. # (¬3) الممتحنة: 9. PageV01P152 # فإن قال قائل: لم جاز لأهل الشروط تكرار ذكر البيع وغيره في الكتاب، ولم ~~يجيزوا بذكره مرة واحدة عن إعادة ذكره مرة ثانية حتى قالوا:اشترى فلان جميع ~~الأرض، وهذا كلام حتى أعادوا هذا فقالوا: اشترى؟ قيل له: هذا كلام ليس بتام ~~حتى يوصل بأسباب البيع والأسماء، والأسباب إذا فصلت بين اسم المشتري واسم ~~المشترى منه احتيج إلى إعادة ذكر " اشترى " مرتين، ليكون كلاما تاما، وقد ~~جاء في القرآن في مثل هذا كثير يدل على صحة ما قلناه، وهو قول الله جل ~~ذكره: { قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم } (¬1) ، فأعيد ذكر ~~الثانية لانقطاع ما بين خبر الأولى وما بين خبرها. ولو قيل: إن الموت الذي ~~تفرون منه ملاقيكم لجاز، غير أن الذي جاء ms111 في القرآن أفصح، ومثل ذلك قول ~~الله تعالى: { ?ثم إن ربك للذين عملوا السوء بجهالة ثم تابوا من بعد ذلك ~~وأصلحوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (¬2) ? } وقوله عز وجل: { ثم إن ربك ~~للذين هاجروا من بعدما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم ~~} (¬3) . فلما دخل بين "إن" وخبرها كلام ليس من جنس الخبر، أعيدت "إن" ~~ليقرأ خبرها منها والله تعالى أعلم. # باب في ذنوب الأنبياء صلى (¬4) الله عليهم أجمعين # ¬__________ # (¬1) الجمعة: 8. # (¬2) النحل: 119. # (¬3) النحل: 110. # (¬4) في (ج) صلوات. PageV01P153 # اختلف الناس في ذنب آدم عليه السلام وذنوب سائر الأنبياء صلوات الله ~~عليهم أجمعين، مع إجماع أهل العلم على أنها كلها كانت صغائر، وأن الأمر ~~فيها لم يكن على ما يأتي به الجهال من القصاص، ولا ما يرويه بعض أهل الحديث ~~عن جهلة أهل الكتاب. وقال قوم: إنها كانت عمدا مع الذكر المنهي إلا أنهم ~~كان معهم عليه السلام من الخوف والوجل والإشفاق ما لا يكون عند مثلهم. ~~قالوا: لو لم تكن عمدا لم تكن ذنوبا، قالوا: والدليل على ذلك أن إبليس قد ~~ذكره النهي حين قال: { ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين ~~أو تكونا من الخالدين } (¬1) . وقالوا: وكيف يكونان ناسيين وهو يذكرهما، ~~واحتجوا بقول الله: { ?ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما } ? ~~(¬2) ، يجوز أن نسي التوعد (¬3) دون النهي. وقال قوم: كان ذنبه عن قصد ~~الأكل، ولم يكن كالرجل يريد الشيء فيفعل غيره على طريق السهو، ولكنه كان ~~غافلا عن النهي وناسيا له، قالوا: وقد ذكره إبليس النهي فلم يواقع الذنب في ~~ذلك الوقت. # ¬__________ # (¬1) الأعراف: 20. # (¬2) طه: 115. # (¬3) في (ج) موعدا. PageV01P154 # بل لما وافق دعاؤه وغروره مع ماكان آدم عليه السلام محتاجا له مائلا إليه ~~بطبعه الذي هو طباع البشر سوى ذلك في نفسه، واستغرقه حتى غفل عن النهي ~~ونسيه، واحتجوا بقول الله تعالى: { ولقد عهدنا آدم من قبل فنسي ولم نجد له ~~عزما } ، قالوا: وذلك كالرجل يكون صائما يشتغل بضرب من الشغل ms112 حتى يغلب عليه ~~فيستغرقه فيأكل ويشرب من غير قصد لذلك إلا أنه ساه عن الصوم، قالوا: وهذا ~~الضرب من السهو والإغفال مرفوع عن المسلمين، وقد يجوز أن يؤاخذوا به وليس ~~بموضوع "نسختين" بمرفوع عن الأنبياء صلوات الله عليهم؛ لأنهم حملوا ذلك ~~لعظم أخطارهم، وارتفاع قدرهم، وعلو درجاتهم، لما شاهدوا من الآيات ~~والبينات؛ ولأنهم القدوة والأئمة ما وضع على غيرهم، وقد قال الله جل ذكره: ~~{ يا نساء النبي لستن كأحد من النساء } ? (¬1) ، ثم قال: { من يأت منكن ~~بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين } ? (¬2) ، وذلك لعظم أخطارهن. ولما ~~شاهدنه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني أوعك كما يوعك رجلان ~~منكم"، وقالوا: وهذا الضرب من السهو والغفلة يمكن التحفظ منه، وليس مما ~~يخرج عن قدرة العباد، إلا أن الله وضعه بلطفه ورحمته عن المؤمنين، كما وضع ~~سائر الصغائر عنهم، ولو أخذهم بها كان ذلك عدلا، وقال بعضهم: بل كان ذنب ~~آدم عليه السلام من جهة الغلط في التأويل، وحين اجتهد وأخطأ، وكذلك سائر ~~الأنبياء صلوات الله عليهم، كأنه كان قيل له عليه السلام: لا تأكل من هذه ~~الشجرة، وأريد بذلك جنس تلك الشجرة أو نخلة، كما قيل للمريض: لا تأكل من ~~هذا اللون من الطعام يكون بين يديه يشار إليه، وإنما يراد الكل مما هو من ~~جنس ذلك اللون، فيقال: فتأول (¬3) عليه السلام إنما نهي عن تلك الشجرة التي ~~أشير له إليها دون ما هو مثلها من جنسها، فأكل منها وهو يرى أنه غير منهي ~~عن ذلك. # ¬__________ # (¬1) الأحزاب: 32. # (¬2) الأحزاب: 30. # (¬3) غير موجودة في (ج). PageV01P155 # قالوا: وكان الواجب عليه أن يتحفظ ولا يتقدم حتى يستعلم؛ لأن الوحي كان ~~يأتيه، قالوا: وليس للأنبياء صلوات الله عليهم أن يجتهدوا في الحوادث إذا ~~كان الوحي غير منقطع عنهم، ولغيرهم من بعدهم أن يجتهدوا لانقطاع الوحي، ~~ولعدم الرسول أو غيبته، وقال بعض هؤلاء: للأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين ~~أن يجتهدوا فيما لم يأت فيه بعينه أمر ولا نهي، فأما ما أتى فيه النهي ~~فعليهم أن يتوقفوا ms113 ويتحفظوا على الذي اجتهد فيه آدم صلى الله عليه وسلم ~~لم يكن مما يخاف فواته، كأمور الحرب وما أشبهه، وإنما كان أمرا مال إليه ~~بطبعه وعملت فيه الشهوة له، وآخر ما أقدم عليه إلا أن يستأمر ويستعلم ما ~~كان في ذلك ضرر ولا مكروه، قالوا: وقد يجوز أن يباح للأنبياء صلوات الله ~~عليهم الاجتهاد في الحوادث وفي الفتيا. فأما ما أشبه قصة آدم صلوات الله ~~عليه مع نزول الوحي وكان الواجب فيه الانتظار، قالوا: فإن قال قائل: إنكم ~~أردتم تحسين قصة آدم صلوات الله عليه فزدتموها قبحا، وذلك أنكم جعلتم الذنب ~~ذنبين فأخبرتم بأن (¬1) يكون اجتهد فيما لم يكن له أن يجتهد فيه مما أكل ~~مما نهي من أكله؛ قلنا له: ولا سواء؛ لأنا إنما أردنا أن يزيل عنه أن يكون ~~ذاكرا لنهي ربه في وقت إقدامه على ما أقدم عليه، وهو إن كان جمع بين ~~الأمرين اللذين ذكرتموهما فلم يأت واحدا منهما وهو ذاكر لنهي ربه إياه عنه، ~~وليس بمنكر أن يكون ألف ذنب من هذه الوجوه أيسر وأصغر من ذنب واحد مع الذكر ~~المنهي (¬2) # ¬__________ # (¬1) في (ج) أن. # (¬2) في (ج) للنهي.. PageV01P156 # عنه في وقت الإقدام عليه؛ قالوا: وأي ذنب أقبح من أن يكون نبي من ~~الأنبياء قد رفع الله درجته، وأئتمنه على وحيه، وجعله خليفة في عباده ~~وبلاده، يسمع ربه يناديه: لا تفعل؛ لأنك إن فعلت فعلت، فيمضي قدما مختارا ~~للدنية قاصدا لقضاء شهوته غير منقلب إلى نهي ربه، ولا منزجر عن وعده ~~(نسختين) ووعيده؛ قالوا: فإن قال: وكان آدم عليه السلام عالما بأن ليس له ~~أن يجتهد فيه قد كان تقدم إليه في ذلك. قيل له: فقد (¬1) يجوز أن لا يكون ~~أتاه في ذلك أمر من جهة السمع، وإنما كان يجب عليه لفكره ونظره، ففكر ونظر ~~فعدل على الواجب، كما يخطئ الناظر المجتهد، وأما الكلمات التي تلقاهن آدم ~~عليه السلام من ربه، فالذي وجدت في الرواية عن ابن عباس أنهن أي: (رب إني ~~تبت إليك وأصلحت) فجاءه ms114 الجواب: إذا أرجعك إلى الجنة، واستغفر آدم ربه فتاب ~~عليه إنه هو التواب الرحيم، ويروى عن الضحاك قال: الكلمات هن قول الله ~~تعالى: { ?قالا: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من ~~الخاسرين } (¬2) ، ووجدت عن مجاهد وسعيد بن جبير والحسن قالوا: هن: { ?ربنا ~~ظلمنا أنفسنا } ، والذي عندي والله أعلم ما يدل به عليه ظاهر الكتاب، وفي ~~بعض الروايات ما يدل عليه أن الله عز وجل كان أوحى قبل ذلك أن من أذنب ذنبا ~~صغيرا أو كبيرا ثم ندم على ما فاته، وعزم على أن لا يعود، واعتقد على أنه ~~ظالم لنفسه فيما صنع من أنه قد خسر وخاب إن لم يغفر له ذنبه، وعلمت صحة ~~جميع ذلك منه، فإني أتوب عليه، فتلقى آدم ذلك من قول ربه وعمل به صلوات ~~الله عليه، ويدل على هذا ما أخبر جل ذكره في كتابه حاكيا عنهما أنهماقالا: ~~?ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين } (¬3) . # ¬__________ # (¬1) في (ج): قد. # (¬2) الأعراف: 23. # (¬3) الأعراف: 23. PageV01P157 # وفي هذا تحذير من (¬1) صغير من المعاصي وكبيرها، وذلك أن الله جل ذكره ~~أهبط نبيه عليه السلام من جنة كان أنعم بها عليه من أجل صغيرة من الصغائر، ~~فكيف لمن اجترأ عليه وارتكب كبائر ما نهي عنه، والله نسأله العصمة ~~والتوفيق. # مسألة في الضالة # قال الله تعالى جل ذكره: { ?واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله ~~عنده أجر عظيم } (¬2) ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (دماؤكم وأموالكم ~~عليكم حرام) (¬3) ، فالواجب على من وجد أنه تملك في قرية من قرى الإسلام، ~~أو حيث يكون مثلها محظورا على الناس تملكه، فعليه أن يتقي الله تبارك ~~وتعالى فيها، ولا يقصد إلى أخذها إلا قصدا محتسبا لصاحبها بالاحتياط له في ~~حفظها، وتجنبه إياها عندي أسلم من أخذها، لما ورد من التشديد في أمر ~~الضالة. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يؤوي الضالة إلا ضال". # وقال عليه السلام: (ضالة المؤمن حرق النار، والكف عن أخذها خير من التعرض ms115 ~~إليها، إذا لم يكن عارفا لربها) (¬4) ، فإن قال قائل: لم لا يساوي بين ~~الضالة واللقطة وهما مال، وهل الضالة إلا مال يلتقط كالدراهم والدنانير مال ~~يلتقط؟ قيل له: إن الضالة لا تكون إلا في الحيوان، وقد فرق النبي صلى الله ~~عليه وسلم بيم الضالة واللقطة في الحكم. والعرب لا تعرف الضالة في الدراهم ~~والدنانير فلا يقع عليها اسم ضالة، والمتعارف من كلام العرب أن يقول ~~قائلها: ضلت إبلي وضلت غنمي، ولا يقول: ضلت دراهمي ودنانيري. # ¬__________ # (¬1) غير موجودة في (ج). # (¬2) الأنفال: 28. # (¬3) رواه البيهقي وأبو داود. # (¬4) رواه النسائي وابن حبان. PageV01P158 # وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن ضالة الإبل فنهى عن أخذها وأمر ~~بتعريف اللقطة. فهذا فرق بين حكم الضالة وحكم اللقطة؛ ودليل آخر على أن ~~الضالة التي توعد على أخذها بالنهي أنها غير اللقطة التي أمر بتعريفها، ~~وأمره بأن يعرفها أمرا منه بأن يأويها، والضالة اسم خاص للحيوان، والضالة ~~في كلام العرب هو أن، يتجاوز الغرض المقصود إلى غيره فيكون القاصد له إذا ~~أخطأه ضالا عنه، وهذا لا يقع إلا من قاصد يريد شيئا فيصيب غيره، ويحتمل أن ~~يكون المؤدي للضالة المتوعد عليها بما ذكرنا عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~، هو الحابس لها بمعنى المنع لها عن ربها، إلا من حبسها لربها ليحفظها له، ~~وهذا تأويل يسوغ. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للقائل عن ~~الضالة: (هي لك أو لأخيك أو للذيب) (¬1) . فهذا الخبر يدل على ذلك التأويل. ~~وأما عمر بن الخطاب فالرواية عنه أنه قال: أصحاب الضوال هم الضالون ما لم ~~يعرفوها، والله أعلم بتأويل هذه الأخبار، وهذه الأخبار التي وردت مختلفة ~~يحتمل أن يكون بعضها ناسخا لبعض، ويحتمل أن يكون لاختلاف أحكام الضوال ~~واختلاف المواضع، وإذ لم يعلم المتقدم منهما من المتأخر، ولا الناسخ منهما ~~من المنسوخ، جاز أن يكون لاختلاف أجناس الضوال ولاختلاف البقاع، لأن التعبد ~~جائز بمثل هذا كله، وسنذكر ما يتوجه التأويل في ذلك في موضعه إن شاء الله. ms116 # ¬__________ # (¬1) رواه أحمد والنسائي وابن ماجه أو "للذئب". PageV01P159 # وأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الضالة أن ناسا من بني ~~عامر قالوا: (يا رسول الله إنا نجد هوامل من الإبل في الطريق؛ فقال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : ضالة المؤمن حرق النار) (¬1) وقيل: (نسختين). ~~وروي أن رجلا من أصحابه أمر ببقرة كانت لحقت ببقرة في الرعي فطردت، وقال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا يؤوي الضالة إلا ضال). وروي أن ~~رجلا قال له: يا رسول الله: (كيف ترى لنا في ضالة الغنم؟ فقال له: خذها ~~فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب) (¬2) . قال: فما تقول في ضالة الإبل؟ قال: ~~فاحمر وجهه وغضب، وقال: مالك ولها معها حذاؤها وسقاؤها ترد الماء وتأكل ~~الشجر حتى يجدها ربها (¬3) ؛ وفرق صلى الله عليه وسلم بين ضالة الإبل ~~وضالة الغنم، لأن الإبل تقدر على ما لا يقدر عليه الغنم، ورود المياه مع ~~بعدها عنها والصبر عنه، وأكل الأشجار وحذاؤها أخفافها وسقاؤها ما تقدر به ~~على شرب الماء. والغنم لا تقدر على ما تقدر الإبل، وضالة الإبل باتفاق لا ~~يجوز أخذها ولا يكون الآخذ لها إلا متعديا في أخذه إياها، فيحتمل أن تكون ~~الضالة التي ورد الخبر بالوعيد على أخذها هي ضالة الإبل، إذ قد صح البيان ~~فيها بهذا الخبر، وأن الضالة التي قد قال فيها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : (هي لك أو لأخيك أو للذئب)، هي غير الإبل لأن ضالة الإبل قد صح ~~النهي عنها، فيحتمل أن تكون الضالة التي أباح أخذها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم من جملة ما توعد عليه من أخذ الضوال ما يخرج من البلدان، وصارت ~~نحو المواضع التي لا يصلب أربابها إليها ولا يرجع مثلها إلى القرى التي ~~خرجت عنها، والله الموفق للصواب. # ¬__________ # (¬1) رواه النسائي وابن حبان. # (¬2) تقدم ذكره. # (¬3) رواه النسائي وابن حبان. PageV01P160 # فمن وجد بعيرا ضالا لا يقدر على ورد الماء وأكل الشجر، فليس له أن يأخذه، ~~فإن أخذه ms117 وجب عليه أن يرده إلى ربه؛ لأنه مال لغيره متعديا في أخذه لنهي ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وكان ضامنا له حتى يرده إلى ربه، لأن من ~~أخذ مالا هو ملك لغيره متعديا بأخذه كان عليه أن يرده إلى ربه، وليس له أن ~~يرده إلى الموضع الذي أخذه منه. وإن خلى سبيله فتلف كان ضامنا أيضا؛ لأنه ~~كان في أخذه له متعديا، وإن أخذ رجل بعيرا ضالا قد رآه في حال مضجعه لا ~~يقدر على ورد الماء ولا أكل الشجر، فقصد إلى حفظه ورده إلى صاحبه، فهو مطيع ~~لله جل ذكره في فعله، إذ قصد إلى حفظ مال أخيه المسلم؛ لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لم ينه عن أخذ بعير هذا وصفه، فإن تلف البعير في يده لم يكن ~~ضامنا إذ لم يكن تلفه منه ولم يكن معه حذاؤه وسقاؤه، والذي لأجله منع النبي ~~صلى الله عليه وسلم من أخذه. فإن قال قائل: لم أجزت أخذه والنبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: (لا يؤوي الضالة إلا ضال) (¬1) ، وقال عليه السلام: (ضالة ~~المؤمن حرق النار) (¬2) ، والظاهر يمنع من أخذه. قيل له: إنما هذا الوعيد ~~لمن فعل ما قد نهي عنه، وأما من تقرب إلى الله تعالى بأخذ البعير وحفظه على ~~ربه في حال كان فيها لو ترك لتلف، وليس معه شرطه الذي نهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن أخذه لأجله، وإذا كان هذا هكذا كان مطيعا في فعله لقول الله ~~تعالى: { ?وتعاونوا على البر والتقوى } . ومعلوم أن من البر والتقوى أخذ ~~البعير المعلوم في ظاهر العادة. # ¬__________ # (¬1) رواه النسائي وابن حبان. # (¬2) رواه النسائي وابن حبان. PageV01P161 # وأنه إن لم يؤخذ تلف فأخذه وحفظه لربه احتسابا ممن فعله، ولا يكون المحسن ~~مسيئا ولا معلوما، وإنما يكون داخلا في النهي من جنس بعير لغيره على نفسه ~~واقتطعه عن ربه متعديا في أخذه، وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه ~~قال: (من آوى الضالة فهو ضال ما لم ms118 يعرفها)، فهذا يدل على أنه إذا عرفها ~~فحبسها على ربها كان مأجورا. وروى أصحاب الحديث من مخالفينا عن الزهري أنه ~~قال: كانت الإبل أيام عمر بن الخطاب مؤتلفة تناتج لا يمسكها أحد، حتى كان ~~في أيام عثمان فأمر ببيعها بعد تعريفها، فإن جاء لها رب دفع إليه ثمنها. ~~واختلف في النفقة على البعير إذا حبسه على ربه ولم يجد سبيلا إلى النهوض ~~بنفسه، فقال بعضهم: للمنفق على ربه النفقة. وقال آخرون: لا نفقة له على رب ~~البعير؛ لأنه مقطوع بفعله ولا مفروض له بأمره، ولا وكله بالنفقة على بعيره، ~~وهذا القول الأخير أشبه بمعنى السنة، وأقرب إلى النفس؛ لأن فيه الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يلزم في النفس من فعل الواجب ولا يجب أن ~~يكون به بدل، وبالله التوفيق. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ضالة المؤمن حرق النار) ~~وقال عليه السلام: (لا يؤوي الضالة إلا ضال). فذهب بعض الناس إلى أن اسم ~~الضالة يقع على اللقطة، وإنما ضمانها غير زائل وإن عرفها بظاهر الخبر. # وقد ذكرنا هذه المسألة وشرحنا هذه الأخبار وغيرها مما هو في معناها من ~~الأخبار في غير هذا الموضع. ومن قال بأن اللقطة يقع عليها اسم ضالة فعندي ~~أن قوله غلط، لأن اللقطة لا يقع عليها اسم ضالة، والضالة إنما تكون في ~~الحيوان، ولا يعرف الناس في كلامهم غير هذا والله أعلم لأنهم يقولون في ~~اللقطة ضاعت وسقطت، وفي الحيوان ضلت وذهبت، ونحو هذا وجدته لأبي عبيدة قاسم ~~بن سلام. # الباب الثاني في الوضوء ونحوه # بسم الله الرحمن الرحيم. PageV01P162 # قال الله تبارك وتعالى: ? { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } ~~(¬1) الآية. ففرض الطهارة بالماء من كتاب الله عز وجل ومن سنة نبيه صلى ~~الله عليه وسلم ، فأما من الكتاب فقوله جل ذكره: { ?وأنزلنا من السماء ماء ~~طهورا } (¬2) يعني مطهرا؛ لأن الطهور في اللغة هو الفعول للطهارة، ومن ~~السنة قول النبي صلى ms119 الله عليه وسلم أنه قال: (الماء طهور لا ينجسه شيء) ~~(¬3) ، فكانت هذه الصفة منه عليه السلام مضارعة الآية. وفي رواية أخرى عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: (الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو ~~طعمه أو ريحه) (¬4) ؛ ولا اختلاف بين الناس في تأويل هذا الخبر، والاتفاق ~~حجة، والاختلاف منهم رأي، واتباع الحجة أولى من اتباع الرأي الذي ليس بحجة، ~~والماء الطاهر المطهر باتفاق الأمة: ماء السماء، وماء البئر، وماء العيون، ~~وماء البحر. إلا في قول عبد الله بن عمرو بن العاص في ماء البحر وحده، ~~واتباع السنة أولى من قول (نسختين) اتباع عبد الله بن عمرو. ولما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن رجل سأله عن ماء البحر. فقال: رسول الله إنا ~~نركب البحر على أرماث لنا وتحضرنا الصلاة وليس معنا ماء إلا لشفاهنا، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم : (هو الطهور ماؤه والحل ميتته) (¬5) ، ~~والأرماث جمع رمث في البحر، وهي الخشب المضموم بعضها على بعض. ويدل على ذلك ~~قول جميل شعرا: # تمنيت من حي بثينة أننا على رمث في البحر ليس لنا وكر. # ¬__________ # (¬1) سورة المائدة: 6. # (¬2) الفرقان: 48. # (¬3) متفق عليه. # (¬4) متفق عليه. # (¬5) متفق عليه. PageV01P163 # وماء طاهر لا يجوز التطهر به للصلاة: الماء المستعمل والماء المضاف إلى ~~صفة لا يعرف إلا بها مما لا يتميز منها ولا يقع عليه اسم ماء مطلق، كنحو ~~ماء الباقلاء، وماء الزعفران، وماء الورد، ونحو ذلك مما هو طاهر في نفسه ~~غير مطهر للأحداث، إلا أحداث لا تزول إلا به، وإذا كان عند رجل ماء مستعمل ~~وماء مطلق وحضرت الصلاة وأراد الطهارة، لم يعرف المستعمل منها فإنه يمسح ~~بها جميعا ويصلي صلاة واحدة، ولو كان أحدهما نجسا صلى صلاتين (نسختين) من ~~كل واحدة منهما مرة بعد أن يغسل بالماء الأخير مواضع الماء الأول منه. ومن ~~غسل بعض جوارحه ثم نواه للطهارة وبنى على مسحه لم يجزه؛ لأنه قدم عمله على ~~نيته، ولا تجوز الطهارة إلا بتقديم النية لها بأسرها، ms120 فإن كان عنده ماءان: ~~أحدهما مستعمل وهو في السفر فأراق أحدهما ولم يعرف الباقي، أنه يتوضأ ~~بالباقي منهما ويتيمم، فإن كان الماء الباقي هو المستعمل وقع التيمم موقعه ~~من الطهارة، وإن كان الباقي هو الذي له أن يتوضأ به فقد (¬1) وقع موقعه من ~~الطهارة، وخرج به من العبادة وأداء الفرض الذي عليه ولم يدخل التيمم عليه ~~ضررا (¬2) والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) في (أ) وقد. # (¬2) في (أ) ضرارا. PageV01P164 # والفرائض في الطهارة للصلاة ست خصال: الماء الطاهر، والنية، وغسل الوجه، ~~واليدين. ومسح الرأس، وغسل القدمين. والحجة في وجوب النية قول الله تعالى: ~~{ ?وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } (¬1) والنية عقد بالقلب، ~~وعزيمة على الجوارح؛ والحجة في وجوب التطهر بالماء الطاهر قول الله تعالى: ~~? { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } (¬2) ، وقد تقدم هذا المعنى في أول ~~المسألة. والحجة في وجوب غسل الأعضاء قول الله عز وجل: { ?يا أيها الذين ~~آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا ~~برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين } (¬3) ،وحد الوجه المفترض غسله من أول منابت ~~شعر الرأس إلى أصل الأذن، وما أقبل من الوجه إلى الذقن، الدليل على هذا قول ~~الله: ? { # قد نرى تقلب وجهك في السماء } (¬4) الآية. والوجه في لغة العرب (¬5) ما ~~واجه الشيء. فإن قال قائل: فإن مقدم الأذنين مواجه بهما، قيل له: الأذن وإن ~~واجه بها الإنسان فلا يعرفها الناس وجها ولو كانت وجها، لأنها مما يواجه به ~~لكان الصدر أيضا يجب غسله مع الوجه لأنه يواجه به. # ¬__________ # (¬1) البينة: 5. # (¬2) الفرقان: 48. # (¬3) المائدة: 6. # (¬4) البقرة: 144. # (¬5) في (أ) العرض. PageV01P165 # والحجة في غسل المرفقين مع اليدين قول الله عز وجل: { ?وأيديكم إلى ~~المرافق } ، ?فإن قال قائل: لم أوجبتم غسل المرفقين وهما حدان، والحد لا ~~يدخل في حد المذكور؟ قيل له: لما خاطبنا الله تبارك وتعالى بغسل اليدين إلى ~~المرفقين وهما حدان اعتبرنا ذلك من أبناء الحد، يدل على معنيين: أحدهما لا ~~يكون داخلا في حكم المذكور وهو غسل اليدين، والآخر داخل فيه؛ ورأينا ~~المحدودات على ضربين: فحد من ms121 جنس المحدود فحده داخل فيه، ومحدود إلى غير ~~جنسه فحده لا يدخل فيه. فأما المحدود الذي يدخل في جنسه فهو ما قال الله ~~تعالى: ? { ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم } (¬1) أي مع أموالكم، وكذلك ~~قوله عز وجل: { ?فلما أحس عيسى منهم الكفر قال: من أنصاري إلى الله } (¬2) ~~أي مع الله. وأما المحدود إلى غير جنسه فحده لا يدخل فيه. وهو ما قال الله ~~تعالى: { ثم أتموا الصيام إلى الليل } (¬3) ، فذلك حد وانتهاء، وكذلك قوله ~~جل ثناؤه: ? { يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا } (¬4) أي ركبانا. فلما ~~كان المرفقان حدين من جنس ما حد الله (نسختين) ما حد إليه وجب أن يدخلا معه ~~في الغسل، وأيضا فإن غسل المرفقين مع اليدين واجب بإجماع الأمة، وهو أقوى ~~حجة عند النظر، وبالله التوفيق. ومسح جميع الرأس واجب في الطهارة عند بعض ~~أصحابنا، والنظر عندي يوجبه، والحجة لمن ذهب إلى هذا الرأي قول الله تعالى: ~~? { ثم ليقضوا تفثهم.وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق } (¬5) ، فأفاد ~~بهذه الآية أن الطواف بالبيت العتيق جميع البيت. وكذلك قوله في التيمم: { ~~?فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم } (¬6) أنه ~~جميع الوجه باتفاق الأمة. فهذان دليلان لأصحاب هذا الرأي، وقال أكثر ~~أصحابنا: إن مسح بعض الرأس من مقدمه يجزي للماسح. # ¬__________ # (¬1) النساء: 2. # (¬2) آل عمران: 52. # (¬3) البقرة: 187. # (¬4) مريم: 85. # (¬5) الحج: 29. # (¬6) النساء: 43. PageV01P166 # والحجة لهم على ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه (مسح بعض ~~ناصيته) والناصية بعض الرأس وهو مقدمه، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه (مسح بعض رأسه)، ففي هذين الخبرين مع أصحاب الحديث ضعف، ولهم دليل آخر ~~أن الماء المذكور يقع على الكل وعلى البعض في اللغة، وأن العرب تسمي البعض ~~باسم الكل كنحو قوله عز وجل: { ?تدمر كل شيء بأمر ربها } (¬1) ولم يدمر ~~الكل. وكذلك يسمى بعض الماء باسم الماء، ويسمى بعض النار باسم النار؛ ~~ولأصحاب هذا الرأي أيضا أدلة غير هذا كثيرة، منها قول القائل: مسحت يدي ~~بالمنديل، لا يريد الكل، وكذلك مسحت يدي بالأرض، معقول ms122 أنه لا يريد جميع ~~الأرض؛ ومسحت رأس اليتيم بيدي، لا يريد كل الرأس، ونحو هذا والله أعلم، وهو ~~الموفق للصواب. # ? والحجة في وجوب غسل القدمين وأن الغسل أولى من المسح عليهما وإن كانا ~~في التلاوة سواء؛ لأن بعض القراء قرأوا: ?"وأرجلكم" ?بالنصب، وبعض قرأوا: ~~"وأرجلكم" بالخفض. فمن قرأ بالنصب فصل بين المسح والغسل بالإعراب، وكل ذلك ~~أشبه بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وبأمره لأمته، لأنه المنقول إلينا ~~عنه فعل الغسل، وما نقل إلينا من قوله صلى الله عليه وسلم : (ويل للعراقيب ~~من النار) (¬2) ، فهذا نهي يوافق ما أوجبت القراءة التي تذهب إليها، على أن ~~الأغلب من القراء على ما يذهب إليه فنحن مع الأغلب منهم، وقد أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بلزوم الجماعة، والدليل من ذلك الإجماع أنهم أجمعوا ~~جميعا أن من غسل قدميه فقد (أدى) (¬3) الفرض الذي عليه. # ¬__________ # (¬1) الأحقاف: 52. # (¬2) رواه مسلم والنسائي وأبو داود. # (¬3) من (ج). PageV01P167 # واختلفوا فيمن مسح عليهما فنحن معهم فيما اتفقوا عليه، والإجماع حجة، ~~والاختلاف ليس بحجة. اختلف الناس في غسل بعض الأعضاء، فقال بعضهم: يجوز ~~تقديم ما تأخر ذكره في تلاوة الآية، وقال بعضهم: لا يجوز إلا على الترتيب ~~الذي ذكره في التلاوة. وذهب أصحابنا إلى جواز التقديم والتأخير ما لم يقصد ~~المتطهر بذلك الفعل مخالفة السنة؛ والنظر عندي يوجب أن يكون على الترتيب ~~الذي ذكره في الآية، لأن قوله عز وجل: { ?فاغسلوا وجوهكم وأيديكم } (¬1) ، ~~قالوا: و (¬2) هنا واو النسق. قال صلى الله عليه وسلم على الصفا: (ابدؤا ~~بما بدأ الله به) (¬3) ، فدل بسنته عليه السلام على أن فعل ذلك يكون ~~متواليا، فإن عارض معارض بقول الله تعالى: ? { ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا ~~نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق } (¬4) ، فقال: أرأيت لو قدم الطواف أو أتى ~~الأول من المذكور في الآية أليس كان جائزا، فما أنكرتم (نسختين) أنكرت أن ~~يكون هذا مثله؟ يقال له: إن الذي عارضت به لا يلزم، وذلك أن المذكور ها هنا ~~فرض وغير فرض، فلا بأس بتقديم بعضه على بعض؛ ms123 لأن الطواف بالبيت فرض عليه، ~~فالواجب تعجيله، فإن أخر ما ليس بفرض مما ليس له وقت معلوم فلا بأس بذلك، ~~فإن احتج محتج بقول الله تعالى: { ?يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع ~~الراكعين } (¬5) ، فقال: أليس مأمورة بالسجود قبل الركوع، وعليها الركوع ~~قبل السجود، وإن كان ذكر السجود هو المتقدم؟ قيل له: الانفصال من ذلك قريبا ~~إن شاء الله. وذلك أن التعبد كان لمريم عليها السلام في خاصة نفسها وكان ~~ذلك التعبد لأهل ذلك العصر. والتعبد علينا خلافه، لأن الله جل ذكره قال: { ~~يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا } (¬6) ، # ¬__________ # (¬1) المائدة: 6. # (¬2) في (أ) و (ج) قالوا وها. # (¬3) متفق عليه. # (¬4) الحج: 29. # (¬5) آل عمران: 43. # (¬6) الحج: 77.. PageV01P168 # ووجه آخر من الدليل أن العرب تسمي الركوع سجودا والسجود ركوعا، وهو ما ~~قال الله تعالى: ? { وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب } ~~(¬1) والركوع ها هنا السجود أي خر ساجدا. وكذلك قوله تعالى: ?يا مريم اقنتي ~~لربك واسجدي واركعي مع الراكعين } (¬2) أي اسجدي مع الساجدين، والله أعلم. ~~والعرب تقول للشيخ إذا انحنى من الكبر: سجد، وتقول للنخل إذا مالت: نخل ~~سواجد، وسجد الجمل إذا خفض رأسه، وهو معروف في اللغة، ويدل على ذلك قول ~~لبيد شعرا (¬3) : # أليس ورائي إن تراخت منيتى لزوم العصا تحنى عليها الأصابع. # أخبر أخبار القرون التي مضت أدب كأني كلما قمت راكع # والعرب تسمى السجود ركوعا والركوع سجودا # والسنة فى الوضوء للصلاة ست خصال: التسمية، وغسل اليدين، والاستنجاء ، ~~والمضمضة، والاستنشاق، والمسح بالأذنين؛ والحجة في التسمية قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم: "لا وضوء لمن لا يذكر اسم الله على وضوئه" (¬4) الفائدة في ~~هذا ما يتصرف الإنسان من الطاعات فأرشدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن الاعتصام بذكر الله في تصرفنا فيما أردناه من الطاعات لله عز وجل، ~~والحجة في غسل اليدين قوله عليه السلام: " إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا ~~يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده" والحجة فى ~~الإستنجاء بظاهر التنزيل وهو ما ms124 أثبته من المدح لأهل قبا قول الله تبارك ~~وتعالى { فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين } ؛والحجة فى ~~المضمضة والاستنشاق هو ما # ¬__________ # (¬1) سورة ص: 24. # (¬2) آل عمران: 43. # (¬3) ساقطة من (ج). # (¬4) متفق عليه 2رواه الأربعة PageV01P169 (¬1) نقل عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم من فعله (¬2) مواظبا عليه وأنه كان يبدأ بهما قبل الأعضاء، فهذه ~~سنة منقولة إلينا عنه عملا منه في الليل والنهار. والحجة في مسح الأذنين ~~مستنبط من الإجماع وهو أنهم أجمعوا جميعا أن الماسح عليهما لا يجزيه من ~~المسح على رأسه، والمحرم لا يجزيه الأخذ من شعرهما من تقصيره في إحرامه، ~~فدل هذا على أن حكمهما خارج من حكم الرأس وحكم الوجه. وقد أجمعوا من بعد ~~إجماعهم على أن ليس على المتيمم أن يمر يده عليهما مع مسح الوجه. والإجماع ~~يدل على خروجهما من حكم الرأس وحكم الوجه وصارتا بهذا الدليل سنة على ~~حيالهما، وبالله التوفيق. # مسألة في الفرائض التي لا تتم الصلاة إلا بها # ¬__________ # (¬1) التوبة: 108. # (¬2) رواه الخمسة. PageV01P170 # سبع خصال: النية والطهارة والسترة الطاهرة، وطهارة الموضع الذي يستقر ~~المصلي عليه، والعلم بالوقت، والتوجيه إلى الكعبة، والقيام منتصبا عند فعل ~~الصلاة، والحجة في وجوب النية هو ما تقدم من ذكرنا له وهو قول الله جل ~~ذكره: ? { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } (¬1) ، وقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "نية المؤمن في العمل خير من عمل لا نية فيه" (¬2) . ~~الدليل على ذلك قول الله جل ذكره: { ?ليلة القدر خير من ألف شهر } (¬3) ~~وليلة القدر فيه. روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "يحشر الناس ~~يوم القيامة بأعمالهم". والحجة في وجوب الطهارة قول الله تعالى: { ?يا أيها ~~الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } (¬4) الآية، والحجة في ~~وجوب ستر العورة قول الله عز وجل: ? { يا بني آدم قد أنزلنا عليكم لباسا ~~يوارى سوآتكم وريشا، ولباس التقوى ذلك خير } (¬5) . وقوله عز وجل: { خذوا ~~زينتكم عند كل مسجد } (¬6) ، وأجمعوا أن المصلي إذا صلى وهو عريان يجد ~~السبيل إلى ms125 السترة الطاهرة أن صلاته باطلة، وما جاءت به السنة تؤكد (¬7) ما ~~قلنا، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم : (ملعون من نظر إلى عورة أخيه ~~أو قال فرج أخيه) (¬8) ، والحجة في وجوب طهارة الثوب هو ظاهر التنزيل، قال ~~الله عز وجل: ? { وثيابك فطهر } (¬9) ، وقوله: ? { وخذوا زينتكم عند كل ~~مسجد } (¬10) ، والزينة لا تكن نجسة مستقذرة، وأجمعت الأمة أنه لا يجوز أن ~~يصلى بالثوب النجس مع الإمكان لغيره. والحجة في طهارة الموضع قول الله عز ~~وجل: { ?فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } (¬11) وهو الطاهر. # ¬__________ # (¬1) البينة: 5. # (¬2) رواه النسائي وابن ماجه. # (¬3) القدر: 3. # (¬4) المائدة: 6. # (¬5) الأعراف: 26. # (¬6) الأعراف: 31. # (¬7) في (أ) يؤكد. # (¬8) رواه أحمد وأبو داود. # (¬9) المدثر: 4. # (¬10) الأعراف: 31. # (¬11) النساء: 43، المائدة: 6. PageV01P171 # وقول النبي عليه السلام: (جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا) (¬1) ، ~~والمسجد (¬2) ما استقرت عليه مساجد المصلي، ونهي النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن الصلاة في معاطن الإبل والمزابل والطرقات ما يدل على أنه لا يصلي إلا في ~~البقعة الطاهرة، والحجة في وجوب الصلاة بعد العلم بدخول الوقت وأنه لا تجوز ~~على غير علم قول الله تعالى: { ?أقم الصلاة لدلوك الشمس } (¬3) يعني زوالها ~~، أفادنا بهذه الآيةمواقيت الصلاة وأما ماروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في تعريف جبرائيل عليه السلام له مواقيت الصلاة دلالة على العلم بها، ومن ~~اتفاق الأمة ما يدل على صحة ذلك أنهم أجمعوا أن الله جل ذكره لا يتعبدهم ~~بمجهول. # ¬__________ # (¬1) متفق عليه. # (¬2) من (ج). # (¬3) الإسراء: 78. PageV01P172 # والحجة في وجوب التوجيه (¬1) إلى الكعبة ما قال الله تعالى: { ?قد نرى ~~تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ~~ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } (¬2) ، والحجة في وجوب القيام قول الله عز ~~وجل: { وقوموا لله قانتين } (¬3) ، وقوله: { الذين يذكرون الله قياما ~~وقعودا وعلى جنوبهم } (¬4) فأفادنا بهذه الآية أحوال المصلي، فحال القيام ~~مع القدرة، وحال القعود مع العجز، وحال الاضطجاع مع المرض وعدم الاستطاعة. ~~والدليل على ذلك أيضا قول الله جل ذكره: { ?حافظوا على الصلوات والصلاة ~~الوسطى وقوموا لله قانتين } (¬5) يعني راغبين. وقد قيل: ms126 دائمين، والله ~~أعلم. وقوله عز وجل: { ?يا مريم اقنتي لربك } (¬6) ، ومعناه اطلبي القيام ~~لربك والله أعلم. والذي ينبغي للإنسان إذا أراد الوضوء للصلاة بأن يذكر اسم ~~الله قبل أن يدخل يده في الماء لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (لا وضوء ~~لمن لم يذكر اسم الله على وضوئه) (¬7) ، والذكر قد يكون بالقلب، فمن أراد ~~الوضوء (¬8) لله (¬9) تعالى أو شيء (¬10) مما يقرب إليه فقد ذكر اسم الله ~~عنده. عنده وهذا يدل عليه وعلى صحته قول النبي صلى الله عليه وسلم : (إنما ~~الأعمال بالنيات ولكل امرىء ما نوى) (¬11) ، وإن كان بعض أصحابنا قد أطلق ~~إجازة الطهارة بغير نية إذا أتى بصفة الفعل المأمور بها وأثبتها له، وأظن ~~أصحاب هذا القول يذهبون إلى الأمر بالنية من النبي صلى الله عليه وسلم ~~لأمته ترغيبا لهم في نيل الثواب، كقول النبي صلى الله عليه وسلم : "لا ~~صلاة لجار مسجد إلا في المسجد" (¬12) ، # ¬__________ # (¬1) في (ج) التوجه. # (¬2) البقرة: 144. # (¬3) البقرة: 238. # (¬4) آل عمران: 19. # (¬5) البقرة: 238. # (¬6) آل عمران: 43. # (¬7) تقدم ذكره. # (¬8) في (ج) يوضونه. # (¬9) في (ج) الله. # (¬10) في (ج) بشيء. # (¬11) متفق عليه. # (¬12) رواه الدرقطني وأبو داود.. PageV01P173 # فلما كان جار المسجد إذا صلى في غير المسجد مؤديا الفريضة بإجماع الأمة، ~~كذلك عندهم قول النبي صلى الله عليهم وسلم: "لا وضوء لمن يذكر اسم الله ~~على وضوئه"؛ إنما أراد به تضعيفا لثوابه، فعندهم أن هذا من الرسول عليه ~~السلام حث وترغيب لأمته فيما تشرف أعمالهم به. وعندهم أيضا أن قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات" أنه عمل وإن لم تكن له نية؛ ~~لأنه ليس في الخبر لا عمل إلا بالنية كما تقول العرب: "الرجل بعشيرته ~~والمرء بقومه والإنسان بنفسه وهو رجل وإن لم تكن له عشيرة"، وهذا على تأكيد ~~الخبر والمجاز. والذي نختاره نحن أن لا يكون متطهرا لوضوء الصلاة أو لغسل ~~جنابة إلا بنية وقصد؛ لأن الوضوء فريضة، والفريضة لا تؤدى إلا بالإرادات ~~وصحة العزائم ونحو هذا، قال خلف بن زياد (¬1) النجراني (¬2) في سيرته عندما ~~أمر به وحث عليه ms127 قال: ولتحضركم مع ذلك نياتكم بابتغاء الوسيلة إليه والنجاة ~~عنده في أداء حقوقه واتقاء نهيه؛ لأن الله عز وجل لا يقبل الطاعة ممن أطاعه ~~إلا على ذلك (¬3) من النية؛ لأن كل فعل أوجبه الله على أحد من عباده فمحال ~~أن يكون خارجا منه إلا بأدائه وليس بمؤد له من لم يقصده إلى أداء فرضه. ~~ويجب للمتطهر إذا أراد أن يغسل يده للطهارة من حدث نوم الليل ألا يدخلها في ~~الماء حتى يغسلها ثلاثا لقول النبي صلى الله عليه وسلم : "إذا استيقظ ~~أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أن ~~باتت يده" (¬4) ، وهذا عندنا على الندب لا على الفرض يدل على ذلك ما روي في ~~خبر آخر أنه قال عليه السلام: "فإنه (¬5) # ¬__________ # (¬1) في (أ) ريال . # (¬2) في (ج) البحراني. # (¬3) في (أ) ذكر . # (¬4) تقدم ذكره . # (¬5) في (ج) أنه .. PageV01P174 # لا يدري أين باتت يده" منه إشفاقا أن يكون وقعت على موضع نجس من بدنه، ~~وهذا كان قبل وجوب الاستنجاء بالماء، وقد خالفنا في تأويل الخبر داود ~~ومتبعوه وذهبوا إلى أن غسل اليد على الفرض بظاهر الخبر. وحكم الجنب والحائض ~~والنفساء حكم الطاهر في الاسم لما روي أن حذيفة بن اليمان لقيه النبي صلى ~~الله عليه وسلم فمد يده ليصافحه فقبضها وقال: إني جنب، فقال: النبي عليه ~~السلام: " "المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا" (¬1) أو قال: "المؤمن لا يكون ~~نجسا"، ومن لم يجد ماء فعليه أن يتيمم بالصعيد مقيما كان أو مسافرا؛ لأن ~~ظاهر الآية يدل على ذلك، وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن التيمم لا يجب إلا ~~للمسافر دون المقيم، وذكر أن الآية التي فيها ذكر التيمم إنما هي على صفة ~~العليل والمسافر. # ¬__________ # (¬1) رواه أحمد وأبو داود . PageV01P175 # ونحن على ظاهر الآية إذا لم نجد دليلا يدل على خلاف الظاهر، وكل ما وقع ~~عليه اسم ماء مطلق فالتطهر به جائز كدرا كان أو صافيا، راكدا كان أو جاريا، ~~سخنا كان أو باردا؛ لأن هذه صفات كلها ms128 للماء وكل ما وقع في الماء من كافور ~~أو ريحان أو دهن فاعتبره، فإن كان ناقلا للماء عن اسمه ومغيرا له عن حاله ~~ووصفه لم يجز التطهر به. فإن قال قائل: لم منعتم من التطهر بالماء المضاف ~~وقد أجمع الناس على التطهر بماء البحر؟ قيل له: التطهر بماء البحر مخصوص ~~بسنة النبي صلى الله عليه وسلم لقوله: "الطهور ماؤه والحل ميته" (¬1) ~~فأخذنا في هذا بقول الرسول عليه السلام، وأخذنا في الأول بكتاب الله عز ~~وجل، وكل (¬2) ماء وجد متغيرا ولم يعلم أن تغيره من نجاسة فهو محكوم له ~~بحكم الطهارة؛ لأنا على يقين من أنه كان طاهرا ولسنا على يقين أنه قد صار ~~نجسا، وليس شكنا في زوال الطهارة عنه بموجب ثبوت (¬3) النجاسة فيه، فكذلك ~~كل ما كان على يقين من تمام طهارته ثم شك في فسادها لم تجب عليه إعادتها. ~~وكذلك من تيقن أنه قد أحدث ثم شك أنه قد تطهر فشكه غير مزيل لتيقنه. وقد ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا وضوء إلا من صوت أو ريح" ~~(¬4) ؛ وهذا خبر له تأويل وشرح طويل ولن يخفى على خواص أصحابنا إن شاء ~~الله؛ لأن الكتاب لهم جمعناه (¬5) وإياهم قصدنا به، لأن المرجوع إليهم ~~والمعول (¬6) عليهم. # ¬__________ # (¬1) تقدم ذكره . # (¬2) في (أ) كلما . # (¬3) في (ج) لثبوت . # (¬4) رواه الشيخان . # (¬5) في (ج) جمعنا . # (¬6) في (أ) والمعقول . PageV01P176 # ومن كان بحضرته ماء نجس وهو عطشان، وحضرته الصلاة وهو محدث، جاز له أن ~~يشرب منه إذا كان مضطرا إليه؛ لأن الله جل ذكره قد أمره بإحياء نفسه وليس ~~له أن يتطهر به "للصلاة، لأنه ليس من الماء الذي يجوز أن يتطهر به إذا كان ~~غير مميز مما قد نهي عن التطهر" (¬1) به ولا منفصل منه؛ والله تعالى إنما ~~أمره أن يتطهر بالماء دون غيره. والذي نختاره للمسلم إذا أراد التطهر أو ~~البراز في الأرض أن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم في فعله ~~والإتباع لأمره والانتهاء عما نهى عنه في أدائه وعزمه، ms129 وأن لا يستقبل ~~القبلة بغائط ولا بول. وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان من آدابه ~~أنه لا يكشف إزارا إذا أراد حاجة الإنسان حتى يقرب إلى الأرض، وروي عنه من ~~طريق عبد الله بن عمر " أن رجلا مر به صلى الله عليه وسلم وهو يريد البول ~~أو في حال أمر (¬2) البول فسلم عليه فلم يرد عليه السلام" فينبغي لمن رغب ~~في الاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم في آدابه أن لا يسلم على أحد ~~وهو مشتغل ببول ولا غائط، ولا يرد البائل أيضا السلام. وقد (¬3) قال بعض ~~أصحابنا: إن عليه أن يرد السلام إذا فارق الحال التي كان عليها. وكذلك ~~قالوا في المصلي إذا سلم عليه الداخل إليه: أن عليه أن يرد عليه السلام إذا ~~فرغ من صلاته، في الرواية ما يدل على سقوط رد السلام في تلك الحال وبعدها؛ ~~لأنه ليس في الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم رد السلام على المسلم ~~بعد ذلك، لأن رد السلام فرض، والفرض لا يجب إلا أن يوجبه ما يوجب التسليم ~~له ، ولسنا نوجب ذلك إلا أن يوجبه اتفاق أو سنة؛ وقد روي عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه نهى عن الغائط والبول في الأحجرة، وفسر ذلك بعض أهل العلم ~~فقال: إنما نهى عن ذلك عليه السلام " لأنها مساكن إخوانكم من الجن" (¬4) ، # ¬__________ # (¬1) ساقطة من (ج) . # (¬2) في (ج) من . # (¬3) ناقصة من (ج) . # (¬4) رواه الدارقطني والبهيقي .. PageV01P177 # ويروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا بال أحدكم فلا يمس ذكره ~~بيمينه" (¬1) ؛ ففي هذا دليل أنه قد نهى عن الاستنجاء من البول والغائط ~~باليمين، وإذا كان الرجل متطهرا ثم أصاب ظاهر يده بنجاسة (¬2) فعلق به منها ~~شيء نقض طهارته، فإن قال قائل: لم حكمتم عليه بنقض طهارته وألزمتموه ~~إعادتها وقد كان متطهرا قبل الحدث، وما أنكرتم أن يكون حدوث الحدث به لا ~~يوجب زوال "الطهارة المتقدمة له، ولم لم يأمروه بإماطتها عن يده أو بغسلها ~~بالماء ويكون على أصل ما ms130 تقدم من" (¬3) طهارته؟ قيل له: هذه معارضة فاسدة ~~ومطالبة غير لازمة، وذلك أن الله تبارك وتعالى لم يجعل له إذا أراد أداء ~~فرض الصلاة ولم يجز له الدخول فيها إلا أن يجتمع له اسمان: أحدهما الطهر، ~~والآخر التطهر، والطهر يكون من النجاسة، والتطهر يكون بالماء، لأنا قد ~~أجمعنا وإياكم أن رجلا لو كان طاهرا من النجاسة وغير متطهر بالماء وصلى، لم ~~يكن مؤديا لفرضه حتى يجتمع له اسم الطهر والتطهر، فلما كان هذا المتطهر إذا ~~أصابته النجاسة لا يسمى في حالة ذلك إلا متنجسا غير متطهر، وجب زوال حكم ~~عليه لحدوث ما به من زوال حكم (¬4) ما كان عليه قبل ذلك. # ¬__________ # (¬1) رواه أحمد . # (¬2) في (ج) نجاسة . # (¬3) ما بين قوسين ناقصة من (ج) . # (¬4) في (أ) الحكم. PageV01P178 # فإن قال: فإذا غسله فقد حصل له اسم طاهر ومتطهر؟ قيل له: هذا أيضا غلظ ~~منك، وذلك أن اسم التطهر لا يصح له إلا بعد اسم الطهر. والدليل عليه أن ~~الأمة اجتمعت، أن رجلا لو تغوط وبقي أثر الغائط على بدنه، ثم تطهر للصلاة ~~وغسل سائر أعضائه ثم رجع إلى الاستنجاء من الغائط، أنه لا يكون متعبدا (¬1) ~~بذلك التطهر الذي فعله قبل الاستنجاء. ولا فرق بين أن يكون الغائط ظاهرا ~~هنالك منه شيء، أو على رأسه إذا كان ذلك على جسده، فإن قال: لم فرقت بين ~~الطهر والتطهر وما أنكرت أن يكونا اسمين ومعناهما واحد؟ قيل له: إن الله ~~تعالى ذكر في كتابه الطهر والتطهر، وجعل لكل واحد منهما حكما بقوله: { ولا ~~تقربوهن حتى يطهرن } (¬2) يعني من الحيض والنجس وينقى، ثم قال: { فإذا ~~تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله } (¬3) ، ولو أنها نقيت من الدم وغسلت ~~مواضع الدم كان سائر جسدها طاهرا، ولا يجوز لزوجها مع ذلك مجامعتها حتى ~~تطهر بالماء، وهذا تأويل أكثر أصحابنا. ووافقهم عليه أبو حنيفة، واحتجوا ~~بقول الله تعالى: { فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله } قالوا: فليس ~~يخلو كلام رب العالمين من فائدة، فلما ذكر الطهر ثم ذكر التطهر، علمنا ms131 أنه ~~قد أفادنا وجعل لكل واحد منهما حكما، وقد قال بعض أصحابنا بغير هذا ~~التأويل، ونحن نذكره بعد هذا الموضع إن شاء الله. # مسألة في غسل الوجه # ¬__________ # (¬1) في (ج) معتدا. # (¬2) و4_ البقرة: 222. PageV01P179 # والوجه ما واجه به الإنسان؛ لأن العرب لا تعقل إلا ما ظهر لها وواجهها، ~~وإنما خوطبت بما تعرفه في لغتها، وليس انكشاف الشعر من مواضعه بزائد في ~~طهارته، وغسل مواضع اللحية واجب؛ لأنه مواجه به إذا لم يكن هناك شعر، فإذا ~~ظهر فيه شعر يستره ولم يمكن وصول الماء إليه إلا بماء جديد، وذلك شديد أو ~~غير شديد لم يجب غسله؛ لأن اسم غسل (¬1) قد زال عنه، وليس يصح عندي ما ~~قاله بعض أصحابنا في إيجاب تخليل اللحية، ولا قول من أمر بذلك استحبابا، ~~ومن فعله فهو عندي غير ملوم. ومن تركه فليس بمتأثم، ولا أعلم اختلافا بين ~~أحد من الناس، أن الوجه الذي أمر الله بغسله بالماء هو الوجه الذي أمر ~~بمسحه بالصعيد، ولا أعلم خلافا أن المتطهر بالصعيد لا يجب عليه تخليل ~~اللحية (¬2) ، ولا يؤمر بذلك استحبابا. واتفاقهم على أن تارك ذلك مؤد لفرضه ~~ماسحا لجميع وجهه دليل على أن اسم الوجه غير لاحق بالمواضع الذي يواريه ~~شعره. ومن كان أقطع اليد أو ممتنعة لعذر، كان الفرض عليه فيما بقي وسقط فرض ~~ما عدم إذا امتنع بالعذر، فلا (¬3) يجب عليه التيمم مع ذلك، وإن كان قد ~~خالفنا فيه بعض أصحابنا فأوجب المسح بالماء والتيمم بالصعيد في وقت واحد. ~~فأوجب أحد الفرضين مع القدرة والوجود، والتزم مع العدم والعذر فرضين فيجب ~~أن ينظر في ذلك، وذكر محمد بن جعفر في الجامع مع إجازة التطهر بالنبيذ لمن ~~عدم الماء ويتيمم أيضا. والذي عندي أن الواجب عليه التيمم بالصعيد؛ لأن ~~صاحب هذا النبيذ لا يخلو أن يكون واجدا الماء (¬4) أو عادما له، فإن كان ~~عادما له فالتيمم طهارة له، وإن كان واجدا له فالنبيذ غير مجزي (¬5) # ¬__________ # (¬1) في (ج) وجه. # (¬2) في (ج) لحيته. # (¬3) في (ج) ولا. # (¬4) في (ج) ms132 للماء. # (¬5) في (ج) مجز.. PageV01P180 # عنه؛ لأنه أبعد في الإجازة من الماء المستعمل، وتخليل الأصابع في المسح ~~غير واجب بإجماع، وإن كان إيصال الماء إلى مواضع التخليل واجبا، وفي هذا ~~دليل على أن من أصابه الماء في مواضع الوضوء والتطهر من الجنابة إذا لم يمر ~~الإنسان يده عليه مع الماء أنه يجزيه إذا جرت اليد على الأكثر منه في قول ~~من رأى إمرار اليد مع الماء واجبا في الطهارة. # ... # مسألة في إيجاب النية # قال الله جل ذكره: { ?وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } (¬1) ~~وأجمع المسلمون أن التطهر عبادة تعبد الله بها عباده، فلا يجوز إلا بنية، ~~وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنما الأعمال بالنيات ~~وإنما لكل امرىء ما نوى) (¬2) ، فإذا لم تكن للمتطهر نية لم يكن له ذلك ~~العمل، ووجه آخر: هو أن صورة الفعل وهيئته لا تدل على طاعة ولا معصية، ~~وإنما يصير الفعل طاعة أو معصية إذا أضيفت (¬3) إليه النية. # ¬__________ # (¬1) البينة: 5. # (¬2) تقدم ذكره (عن طريق أبي هريرة عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه). # (¬3) في (ج) انضافت. PageV01P181 # الدليل على ذلك قول الله عز وجل: { ?ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ~~ويتيما وأسيرا. إنما نطعمكم لوجه الله } (¬1) مدحهم (¬2) الله تعالى ~~بإنفاقهم لأموالهم إذا كانت المقاصد لله عز وجل، وقال عز وجل في موضع آخر: ~~? { والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس } (¬3) فذمهم بالإنفاق؛ لأنهم لم ~~يقصدوا الله جل ذكره بها. وقد استوى الإنفاقان في الظاهر، وهذا منفق وذلك ~~(¬4) منفق، حصل أحدهما طائعا بالإخلاص والقصد إلى الله جل وعز، والآخر ~~عاصيا لتعريه من هذه الحال (نسختين) هذه الحالة مع تساويهما في الإنفاق. ~~وأيضا فإن الإنسان لو أصبح غير ناو للصوم واشتغل عن الأكل والشرب، والمنكح ~~حتى غربت الشمس لم يستحق اسم صائم ولا يسمى مطيعا؛ لأنه معرى عن الإمساك مع ~~النية، وما أتاه فهو صورة الصوم، ولو تقدم هذا الإمساك بنية من الليل لسمي ~~مطيعا واستحق اسم صائم؛ وإذا كان هذا هكذا فقد صح أن هيئة ms133 الفعل وصورته لا ~~تدل على طاعة ولا معصية، وقد الله تبارك وتعالى: { ?ليبلوكم أيكم أحسن عملا ~~} (¬5) ، فالإنسان إذا لم يعمل ما أمر به بقصد واختيار لم يسم مطيعا، وإنما ~~يسمى (¬6) المطيع مطيعا أن يرقب أمر المطاع فيأتيه امتثالا لأمره، فحينئذ ~~يستحق اسم مطيع. وقد أجاز أبو حنيفة الطهارة بغير نية مع إجازته للقياس ~~والقول به، والأولى لمن قال بالقياس أن لا يجيز الطهارة إلا بالنية؛ لأن ~~التيمم عنده بدل من الطهارة، وقد قامت الدلالة عنده أن هذا البدل لا يجوز ~~إلا بقصد ونية، فالذي أبدل منه أولى أن لا يجوز إلا بنية. وإذا كان هذا ~~هكذا وجب إحضار النية للطهارة وسائر العبادات بظواهر الأدلة التي ذكرناها، ~~وبالله التوفيق. # ¬__________ # (¬1) الإنسان: 8 9. # (¬2) في (ج) فمدحهم. # (¬3) النساء: 38. # (¬4) في (ج) وذاك. # (¬5) هود: 7. # (¬6) في (ج) سمي. PageV01P182 # فإن احتج محتج لأبي حنيفة فقال: إن التيمم قد نزل النص فيه بالنية ~~والطهارة بالماء معراة من هذا التعبد وفي (نسخة) التعبيد، ألا ترى إلى قول ~~الله عز وجل: { ?فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } (¬1) ، والتيمم هو ~~القصد في اللغة، قيل له: ليس فيما أوردت دلالة (نسخة) على صحة مقالتك. وذلك ~~أن الله تعالى أوجب عليه قصد التراب، وليس في أمره لقصد التراب دلالة أن ~~التيمم يفتقر إلى النية؛ لأن الإنسان قد يقصد التراب، فإذا وجده وصار إليه ~~يأتي بالتيمم بغير نية، ولو كان أمره جل وتعالى بقصد التراب يوجب النية في ~~التيمم، لكان أمره بطلب الماء يوجب النية للطهارة، فإن قال: إن الأمر بطلب ~~الماء لا يوجب النية. قيل له: أيضا أمره بقصد التراب لا يوجب النية، وبالله ~~التوفيق. # وإذا تطهر الإنسان للنافلة جاز له أن يصلي به الفريضة، الدليل على ذلك أن ~~المتطهر لا يوجب عليه أن يصمد بالطهارة صلاة بعينها، وإنما أمر أن يعتقد ~~الطهارة لرفع الأحداث، فإذا اعتقد رفع الأحداث صار طاهرا لما يوقع من ~~الصلوات، فإذا أتى بكمال الطهارة فحصوله طاهرا عند اعتقاده لرفع الأحداث، ~~وإذا كان هذا هكذا جاز له أن يصلي ms134 بتلك الطهارة ما شاء من الصلوات إلى أن ~~يحدث، ودليل آخر أن الإنسان لا يخلو من أن يكون طاهرا عند تطهره، أو ميقا ~~على حدثه، ولا يجوز أن يكون طاهرا من جهة محدثا من جهة. وإذا كان هذا هكذا ~~فحصول الطهارة برفع الأحداث، وإذا كانت الأحداث مرتفعة فالصلاة مقبولة ~~بالطهارة التي حصلت. # فالواجب على الإنسان استصحاب النية للعبادات إذا أراد فعلها، واستصحابه ~~لها هو أن لا ينقلها من عمل موفيه إلى غيره، وأما غروب النية من غير أن ~~يكون هو الناقل لها ولا يقدح في الاستصحاب، ولا أعلم في ذلك (¬2) خلافا ~~والله أعلم وبه التوفيق. # ¬__________ # (¬1) النساء: 43. # (¬2) في (ج) لذلك. PageV01P183 # وحد الوجه من منابت شعر الرأس إلى الذقن وإلى الأذنين، سواء إن كان ~~المتطهر ذا لحية أو غير لحية، والمنشا داخل في الوجه، وهو البياض الذي بين ~~العارض والأذن، وليس عليه إيصال الماء إلى أصول شعر اللحية، الدليل على ذلك ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ واحدة واحدة، وليس في وسع الإنسان ~~وطاقته إيصال الماء إلى أصول الشعر إذا كان كثيفا بمرة واحدة، فإن قال ~~قائل: بلى في وسعه أن يبتل البلة من أصول الشعر، قيل له: هذا دعوى تدعيه ~~والمشاهدة خلافه، ولو كان الأمر على ما ذكرت لم تكن له فيه دلالة؛ لأن ~~الموصل البلة إلى أصول الشعر لا يسمى غاسلا، وإنما يسمى ماسحا، والوجه أخذ ~~فيه الغسل لا المسح، وإذا بطل أن يسمى (¬1) غاسلا فالمسح غير واجب في ~~الوجه، إذ الغسل معنى والمسح غيره، ويدل على ذلك تفرقة الله جل وعلا بين ~~الغسل والمسح، فجعل محل الغسل وجها، ومحل المسح رأسا؛ وإذا كان هذا هكذا ~~فأكثر ما في الباب أن يسمى ماسحا إيصاله البلة إلى أصول الشعر والغسل ساقط، ~~والكلام بيننا في الغسل لا في المسح، وبالله التوفيق. # ¬__________ # (¬1) في (ج) يكون. PageV01P184 # ? وأما مسح المرفقين فقد تقدم ذكرنا له فيما فيه الكفاية إن شاء الله، ~~وتنازع الناس في مسح الرأس، فقال قوم: يمسح جميعه، وقال آخرون: الربع، ms135 وقال ~~آخرون:الثلث، وقال آخرون: بالناصية، وقال آخرون: أقل ما يقع عليه اسم ماسح. ~~وتنازعوا أيضا في الاستنشاق، فقال قوم: واجب ولا يصح اسم الطهارة إلا به، ~~واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة: (إذا استنشقت ~~فأبلغ إلا أن تكون صائما) (¬1) ، قالوا: والأوامر على الوجوب؛ وقال قوم: ~~غير واجب. واحتجوا بقول النبي صلى الله عليه وسلم للسائل عن الطهارة: ~~(توضأ كما أمر الله) (¬2) ، فرد ذلك إلى القرآن، والذي يوجبه النظر عندي أن ~~الطهارة لا تتم إلا به لقول النبي عليه السلام للقيط بن صبرة، وقوله لغير ~~لقيط: (إذا توضأت فضع في أنفك ماء ثم استنشق) (¬3) ، والاستنشاق واجب ~~بالسنة كوجوب سائر الأعضاء بالقرآن، قال الله جل ذكره: { ?فلا وربك لا ~~يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما } (¬4) ؛ وقوله تعالى: { ?من يطع الرسول فقد أطاع الله } ~~(¬5) ، وقال: { ?وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى } (¬6) ، ولو صح ~~اعتراض المعترض لقول الرسول عليه السلام: (توضأ كما أمرك الله) يوجب زوال ~~وجوب الاستنشاق، وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر به وفعله لكان ~~قول من تعمد على هذا المذهب، ويقول به يرى إجازة المسح على الخفين بالسنة ~~التي ذكرها لكان مسح الخفين أيضا باطلا عنده على مذهبه، وبالله التوفيق. # ¬__________ # (¬1) رواه ابن حبان وأبو داود. # (¬2) رواه مسلم وأبو داود. # (¬3) متفق عليه. # (¬4) النساء: 65. # (¬5) النساء: 80. # (¬6) النجم: 3. PageV01P185 # اختلف الناس في حكم الأذنين، فقال قوم: هما من الرأس، وقال بعضهم: هما من ~~الوجه، وقال آخرون: ظاهرهما من الرأس، وباطنهما من الوجه، فمن ذهب إلى ~~أنهما من الوجه غسلهما مع الوجه، ومن ذهب إلى أنهما من الرأس مسحهما مع ~~الرأس؛ ومن ذهب إلى أن ظاهرهما من الرأس وباطنهما من الوجه مسح ظاهرهما مع ~~الرأس وغسل باطنهما مع الوجه. والنظر يوجب عندي أن مسحهما غير واجب، ولست ~~أنكر أن يكونا من الرأس، وإنما تنازع أهل العلم أنهما من الرأس المأمور ~~بمسحه أم لا؟ والوجه أيضا من ms136 الرأس، ألا ترى أن الرجل المطاع إذا أمر أن ~~يؤتى برأس إنسان أنه يوجب على المأمور أن يأتي بالرأس المركب على العنق ~~والوجه معه، وإن خص باسم متفرد به، ويدل على أن الأذنين ليستا من الرأس ~~المأمور بمسحه. وأن (¬1) الناس يتنازعون في مسح الرأس، فمنهم من أوجب مسج ~~جميعه، ومنهم من أوجب الثلث، ومنهم من أوجب الربع، ومنهم من أوجب أقل ~~القليل منه ما لم ينقص عن مقدار ثلاث شعرات. فقال الموجب الكل: لو مسح جميع ~~(¬2) رأسه وترك أذنيه أجزأه ذلك. فمن قوله: إنهما ليستا من الرأس المأمور ~~بمسحه، ومن قال بالثلث أو الربع قال: لو أتم الربع أو الثلث بالأذنين لم ~~يجزه ذلك، فدل من قولهما أنهما ليستا من الرأس المأمور بمسحه. ومن قال ~~يجزيه مسح أقل القليل قال: لو مسح أذنيه لم يجزه ذلك، فكان فيما ذكرناه ~~دلالة أنهما ليستا من الرأس المأمور بمسحه، فهذا يدل على أنها سنة على ~~حيالها (¬3) مرغب في إتيانها، لأن ذلك واجب. ويدل على ما قلنا أيضا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أوجب على المحرم يوم النحر أن يقص رأسه أو ~~يحلق، وأجمعوا أنه لو كان على أذنيه شعر كثير فأخذ منهما لم يكن محلا بذلك، ~~ولو كانتا من الرأس لأجزى ذلك عنه. # ¬__________ # (¬1) في (ج) أن. # (¬2) في (أ) و (ج) أجمع. # (¬3) في (ج) حيالهما. PageV01P186 # وأجمعوا أنه لو حلق رأسه كله وترك الشعر الذي على أذنيه لسمي حالقا رأسه، ~~ولم يقل أحد فيما علمنا أنه ترك بعض شعر رأسه فإذا (¬1) كان هذا هكذا كان ~~القول ما قلنا دون ما ذهب إليه مخالفونا. فإن قال قائل: ما ينكر باطنهما من ~~الوجه؛ لأنهما مما يواجه به الإنسان فيحسب إذا كان الوجه مما يواجه به ~~الإنسان إذا كان الوجه مأخوذ من المواجهة وباطنهما مما يواجه به الإنسان، ~~فيجب أن يدخل في جملة الوجه، قيل له: هذا غلط من الاعتلال؛ وذلك أن الوجه ~~ليس مأخوذا من المواجهة، إذ لو كان مأخوذا من المواجهة لسمي الصدر وجها ms137 ~~لأنه مما يواجه به، وقد يواجه غير الوجه أيضا فلا يستحق اسم وجه، والله أعلم. # ولما رأيت الناس يتنازعون في وجوب مسح القدمين أو غسلهما وأحببت (¬2) ~~غسلهما ومسحهما أن يؤتى بهما في مسح الصلاة والطهارة لها به يوجب (¬3) ~~القراءتين، وإن أتى بغسل يشتمل على المسح أجزأه ذلك، وقد اتفقوا على صحة ~~القراءتين، وأن الآية قرأها الصحابة بالنصب والخفض، فالخفض يوجب المسح، ~~لأنه معطوف به على الرأس، والنصب يوجب الغسل، لأنه معطوف به على الوجه ~~واليدين. وأجمع الكل على أن القراءتين صحيحتان فصارتا بمثابة (¬4) الآيتين، ~~والآيتان إذا أوردتا ولم يكن في الأخذ بواحدة رفعا للأخرى وأمكن استعمالهما ~~وجب إتيان ما تضمنتاه، فإذا كان هذا كذا فالواجب أن يأتي المتوضئ بغسل ~~يشتمل على مسح ليكون في ذلك استعمال القراءتين. # ¬__________ # (¬1) في (ج) وإذا. # (¬2) في (ج) أحببت. # (¬3) في (ج) موجب. # (¬4) في (ج) بمثاله. PageV01P187 # فإن قال قائل: أما ما ذكرتم في الخفض لا يوجب مسحا، ألا ترى أن العرب قد ~~تكلم بمثل هذا، يقول قائلهم: تقلدت سيفا ورمحا، وأكلت خبزا ولبنا، وعلفت ~~الدابة تبنا وماء. ومعلوم أن الرمح لا يتقلد، والماء لا يعلف، واللبن لا ~~يؤكل. وإذا كان هذا هكذا، كان قوله عز وجل: { ?وأرجلكم } ?لا يوجب مسحا ~~وإنما يوجب غسلا، ألا ترى إلى قول العرب: جحر ضب خرب، فخفض من طريق ~~المجاورة، لأنه معطوف على ما يقتضي في الحكم، قيل له: لسنا ننكر أن ترد هذه ~~اللفظة في باب العطف، فلا يراد بها أن يكون حكمها حكم ما عطف عليها عند ~~قيام الدلالة، وإنما ينتقل ذلك عند الضرورات. فلو أمكن لنا لتقلدنا الرمح ~~ولعلفنا الدواب بالماء (¬1) . لم ينقل عن موضع (نسختين) عن موجب العطف، ~~ولما أن كان الخراب لا يكون (¬2) إلا للبقاع، والضب لا يوصف إلا بالخراب، ~~نقل ذلك ضرورة، وليس لمستنكر أن يؤمر بمسح الرجلين؛ إذ ذلك جائز فيهما بحكم ~~المعطوف أن يكون على ما تقدم من المذكور؛ وأن يكون حكمه حكمه. ألا ترى إذا ~~قال العربي: ضربت زيدا وعمرا والضرب ممكن ms138 فيهما، يوجب أن يحكم أنهما ~~مضروبان، وإن كانت اللغة، يقال: ضربت زيدا وعمرا أكرمت، إلا أن الظاهر من ~~اللفظ ما قلناه. # وإذا كان ذلك كذلك، وجب على المتوضئ أن يأتي بغسل يشتمل على مسح لا يجزي، ~~لعله لأن يجزي أحدهما عن الآخر، بموجب القراءتين والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) في (ج) الأميا. # (¬2) في (ج) يوصف. PageV01P188 # والمستحب للمتوضئ للصلاة أن يتوضأ ثلاثا لكل عضو مأمور به، فإن توضأ ~~واحدة فهو الفرض إذا عم الجارحة بها، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~: (أنه توضأ واحدة واحدة، ثم قال: هذا وضوء لا تقبل الصلاة إلا به، ثم ثنى ~~فقال: من ضاعف ضاعف الله له، ثم أعاد الثالثة وقال: هذا وضوئي ووضوء ~~الأنبياء قبلي) (¬1) وأكره أن يكون الوضوء متفرقا، لأن من نقل كيفية الوضوء ~~عن النبي عليه السلام لم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق وضوءه، ~~ولا أعلم واحدا منهم فرق الوضوء إلا في موضع واحد. وقوله عليه السلام: (هذا ~~وضوء لا تقبل الصلاة إلا به) (¬2) مع فعله له في موضع واحد يدل على ذلك، ~~لأن النبي صلى الله عليه وسلم مقتدى به في قوله وفعله. ومن زعم أن تفرقة ~~الوضوء جائزة صعب عليه إقامة الدليل؛ وأوجب الله تعالى الطهارة على ~~المحدثين، فإذا أراد الإنسان القيام إلى الصلاة وهو محدث أتى بالطهارة التي ~~خاطب الله بها المحدثين بقوله: ? { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى ~~الصلاة... } ?والله أعلم؛ وإذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون، وقيل ~~أيضا إن معنى قوله جل ذكره: { ?إذا قمتم إلى الصلاة } ? يريد من مضاجعكم من ~~النوم، والذين خوطبوا بالتيمم هم الذين خوطبوا بالماء عند وجوده، فالمتطهر ~~لم يدخل في هذا الخطاب. # ¬__________ # (¬1) رواه أبو داود والبيهقي. # (¬2) رواه النسائي وأبو داود والبيهقي. PageV01P189 # فإن قال قائل: ما تنكر أن يكون كل قائم إلى الصلاة فواجب عليه التطهر، ~~سواء إن كان محدثا أو متطهرا، قيل له: هذا سؤال لا يصح لأحد،؛ لأن هذه ~~الآية لو حملت على ظاهرها لاشتغل الإنسان ms139 بالطهارة دهره عن الصلاة؛ لأنه ~~إذا تطهر ثم أراد القيام إلى الصلاة لزمه التطهر، وإن كان متطهرا فلا يتوصل ~~إلى الصلاة واشتغل، وإلا بطل هذا الوجه صح أن الخطاب للمحدثين، ولو كان هذا ~~الخطاب لكل قائم إلى الصلاة لم يكن في قوله فائدة: { ?أو جاء أحد منكم من ~~الغائط أو لامستم النساء } فدل ما عقب به من الكلام أن الله جل وعلا لم يرد ~~كل قائم إلى الصلاة، وإنما أراد المحدثين دون المتطهرين؛ فإذا ثبت للإنسان ~~طهارة جاز له أن يصلي بها ما شاء من الصلوات إلى أن تزول طهارته؛ ودليل آخر ~~أن الإنسان له حالان: حال خوطب فيها بالطهارة، وحال خوطب فيها بالصلاة. ولا ~~يخاطب بالصلاة إلا من سقط عنه فرض الطهارة والله أعلم. # مسألة # وإذا كان عند إنسان ماء يخاف على نفسه إن استعمله؛ من برد أو عطش يلحقه ~~فيتلفه وهو محدث، وقد أمر بالصلاة فلا يحل له أن يستعمله لطهارة، فإن ~~استعمله لذلك كان عاصيا لربه، وكذلك المغتصب للماء والسارق (¬1) له أيضا؛ ~~لأن الطهارة عبادة وفعلها ثواب يستحقه من فعل تلك العبادة التي أمر بها، ~~فإذا فعل ما نهي عنه كان فعله معصية لا يكون طاعة ولا يثاب عليها فاعلها، ~~وإذا كان الإنسان في موضع يقدر على الماء لم يكن له أن يتيمم للجنازة؛ لأن ~~الله تعالى أباح العدول إلى التراب عند عدم الماء، وأما عنده وجوده (¬2) ~~الماء والقدرة على استعماله فلا سبيل إلى العدول عنه. # ¬__________ # (¬1) - في (ج) السارق. # (¬2) - في (ج) وجود. PageV01P190 # وقد وجدت محمد بن جعفر يذكر في الجامع أن من خاف فوت الجنازة في الحضر، ~~ولم يكن الماء بحضرته وهو محدث أن يتيمم ويصلي، والله أعلم ما وجه هذا ~~القول؛ ونحن نطلب الحجة لهذا القول الذي ذكره إن كان قولا من قول أصحابنا ~~رضي الله عنهم. فإن قال قائل ممن يحتج بهذا القول: إني رأيت الله تبارك ~~وتعالى أباح التيمم إذا خشي الإنسان فوات (¬1) الصلاة، وإن كان يصلي إلى ~~الماء بعد خروج وقتها. ألا ms140 ترى أن الإنسان إذا كان في موضع بينه وبين الماء ~~مسافة، وهو يقدر علىيه بعد خروج الوقت أنه يأمر أن يتيمم ويصلي، وإن كان ~~يقدر على الماء بعد خروج الوقت لئلا تفوته الصلاة، ورأينا الجنازة تفوت ~~المحدث؛ قلنا: إنها بمثابة الصلاة التي يخشى فوتها. قيل له: صلاة الجنازة ~~لا تشبه الصلاة التي شبهتها بها؛ لأن الحاضرين للجنازة لا يخلوا أن يكونوا ~~غير متطهرين كلهم أو فيهم متطهر، أو يكون من حضرها فيهم محدثون غير متطهرين ~~أو يكون من حضرها فيهم متطهرون بالماء وغير متطهرين، فإن كان الكل محدثين، ~~فقد قال الكل من الناس: إن عليهم أن يتطهروا بالماء، ثم يصلوا، إلا أن ~~يكونوا في موضع قد أيسوا من وجود الماء، ويخاف على الميت إن أخروه إلى وجود ~~الماء، فحينئذ يجتمعون على التيمم ويصلون عليه. وإن كان بعض من حضر الجنازة ~~متطهرا بالماء؛ ومنهم من ليس متطهرا به، ففرض الصلاة لزم المتطهرين بالماء ~~دون من كان محدثا؛ لأن الصلاة على الجنازة فرض على الكفاية إذا قام بها ~~البعض سقط عن الباقين؛ إذا كان الفرض قد لزم المتطهرين بالماء دون المحدثين ~~لم يكن للمتنفل أن يتيمم في الحضر إلا بطهارة الماء، إذ وقت النفل في كل ~~زمان إلا وقت منع التنفل فيه، والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) - في (ج) فوت. PageV01P191 # ووجه آخر من الدليل يوجب صحة ما قلنا، إن الأمة اجتمعت على أن من خشي ~~فوات (¬1) الجمعة لم يكن له التيمم، وإن فاتته فليس له أن يصليها إلا ~~بطهارة الماء. فلو كانت العلة التي ذهب إليها من قال: يجوز (¬2) التيمم ~~لصلاة الجنازة هي فوات الصلاة، لوجب أن يجيز التيمم لمن خشي فوات الجمعة أن ~~يتيمم، والجمعة وسائر الصلوات المفروضات أشبه؛ لأن الجمعة ليس بفرض على ~~الكفاية. كما أن صلاة الظهر ليس بفرض على الكفاية، لو شبه بالظهر كان دليله ~~أهدى من أن يشبه بالصلاة التي موضوعها (¬3) على الكفاية إذا قام بها البعض ~~سقطت عن الباقين. فإن قال: إن الجمعة لها بدل، والجنازة ليست لها ms141 بدل. قيل ~~له: إذا أقت (¬4) أنت الجمعة صار لها بدل، فعليك توجب أن لا تفوتها، والذي ~~أوجب له الصلاة بالتيمم على الجنازة فليس بواجب عليه إتيان تلك الصلاة، ولا ~~يشبهها بالصلاة التي ليس له تركها. وأحكام الشريعة كلها مأخوذة من طريق ~~واحد، وأصل واحد، وهو كتاب رب العالمين، فهو قوله: { ?اتبعوا ما أنزل إليكم ~~من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون } (¬5) ، والسنة أيضا ~~مأخوذة من الكتاب، قال جل ذكره: { ?وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول } (¬6) ، ~~وقال: { ?فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الآخر } (¬7) ؛ وقال جل ذكره: ? { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن ~~تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم } (¬8) ؛ وقال: { ?من يطع الرسول فقد أطاع ~~الله } (¬9) ؛ وقال: { ?فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم ~~لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } (¬10) . # ¬__________ # (¬1) - في (أ) و (ج) فوت. # (¬2) في (ج) لجواز. # (¬3) في (أ) موضعها. # (¬4) في النسخ (أ) و (ج) أفدت، ولعل الصواب فوتت. # (¬5) الأعراف: 3. # (¬6) المائدة: 92. # (¬7) النساء: 59. # (¬8) النور: 63. # (¬9) النساء: 80. # (¬10) النساء: 65. PageV01P192 # وقال: { ?وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى } (¬1) . # والسنة عمل بكتاب الله، وبه وجب اتباعها، والإجماع أيضا عمل بكتاب الله ~~وبالسنة التي هي من كتاب الله؛ لأن الإجماع توقيف، والتوقيف لا يكون إلا من ~~الرسول صلى الله عليه وسلم . والسنة أيضا على ضربين: فسنة قد اجتمع عليها، ~~وقد استغنى بالإجماع عن طلب صحتها؛ وسنة مختلف فيها، لم يبلغ الكل علمها، ~~وهي التي يقع التنازع بين الناس في صحتها. فلذلك تجب الأسانيد والبحث عن ~~صحتها ثم التنازع في تأويلها إذا صحت بنقلها، فإذا اختلفوا في حكمها كان ~~مرجعهم إلى الكتاب. # مسألة # وإذا كان عند الرجل ماء، وهو محدث من غائط أو بول ولا يكفيه لغسل حدثه، ~~وطهارة أعضائه "نسختين" أعضاء بدنه، أنه كان عليه في قول بعض أصحابنا ~~بالاستنجاء، فإذا حصل طاهرا ولم يجد ماء لأعضائه يتيمم. وكان عند أصحاب هذا ~~القول مخاطبا بالآية: { ?فلم تجدوا ماء فتيمموا } (¬2) ، وقال ms142 بعضهم: عليه ~~إماطة النجاسة ونقلها عن بدنه ثم يستعمل الماء لأعضائه التي خوطب بتطهيرها ~~بالماء عند قيامه إلى الصلاة، والتطهر يوجب عندي أنه مخير في استعماله ~~لأيهما شاء؛ لأنهما فرضان، وغسل الأعضاء بالماء فرض عند وجوده، وغسل ~~النجاسة فرض بالماء عند وجوده، وإذا لم تقم دلالة على أحدهما كان مخيرا في ~~استعماله الماء لأيهما شاء، والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) النجم: 3. # (¬2) النساء: 43. PageV01P193 # وإذا كان محدثا ولا نجاسة في بدنه وعنده من الماء ما لا يكفيه لغسل ~~أعضائه المأمور بغسلها إذا أراد الصلاة. كان المأمور به استعمال الماء على ~~ما يكفيه من أعضائه، ويتيمم لما بقي منها؛ وقال بعض مخالفينا منهم أبو ~~حنيفة وداود: إن عليه أن يتيمم ولا يستعمل الماء؛ لأن الله جل ذكره لم ~~يتعبد بطهارة واحدة بالماء وبالتيمم، واحتجوا بقول الله تعالى: { ?فلم ~~تجدوا ماء فتيمموا } (¬1) ، فمعناه عندهم ما لم تجدوا ماء تتطهرون به، وهذا ~~ماء غير مطهر لنا. # قال: وإذا لم يكن عنده ماء لا يكفي إلا لبعض أعضائه فهو عندي غير واجد ~~للماء الذي أمر بالطهارة به، فالواجب عليه التيمم، وليس عليه استعمال الماء ~~الذي لا يطهر، والذي قلنا أشبه بالسنة وأولى بالحجة، وذلك أن الله جل ذكره ~~أوجب بالغسل على كل عضو على انفراد، ولم يقل إذا عجزتم عن غسل بعض أعضائكم ~~فلا تستعملوا الماء، فالواجب أن يستعمل ما قدر على استعماله؛ الدليل على ~~ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا نهيتكم عن شيء فانتهوا، وإذا ~~أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم" (¬2) ؛ وهذا يقدر أن (¬3) يغسل بعض ~~أعضائه فعليه إتيان ما استطاع، ودليل آخر، أنه لا يجوز له العدول إلى ~~التراب وهو واجد للماء، قال الله تعالى: { ?فلم تجدوا ماء فتيمموا } (¬4) ؛ ~~فجعل شرط التيمم بعد عدم الماء، والماء موجود فليس له أن يعدل إلى التراب ~~حتى يفنيه (¬5) ، فيدخل في قوله تعالى: ? { فلم تجدوا ماء } ، ولم يقل الله ~~عز وجل: فلم تجدوا ماء ما يكفي أعضاءكم، فإذا كان هذا هكذا وجب عليه ~~استعمال الماء، فإذا عدم الماء ms143 وبقي من أعضائه شيء عدل إلى التراب بظاهر ~~الآية، والله أعلم. # مسألة # ¬__________ # (¬1) النساء: 43. # (¬2) رواه ابن حيان وابن ماجه. # (¬3) لا توجد في (ج). # (¬4) النساء: 43. # (¬5) في (ج) يفتيه. PageV01P194 # وإذا كان عند رجل ماء واجتنب (نسختين) وأجنب رجل وطهرت امرأة من حيضها، ~~ومات إنسان، كان بعض أصحابنا يذهب إلى أنه يجود به على من يشاء منهم. ~~والنظر عندي يوجب أن يغسل به الميت، أو يدفعه إلى من يغسل؛ لأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: "اغسلوا أمواتكم" (¬1) ، وهو داخل في الفرض بالأمر ~~ولم يخاطب في الجنب والحائض، وإذا (¬2) كان هو الجنب، فهو أولى به وليس له ~~دفعه إلى غيره، لأنه مخاطب بالطهارة إذا كان قادرا عليها بالماء، وهو قادر ~~على ذلك، والله أعلم. # وإذا كان الماء للميت فهو أحق به، وليس لأحد أن يأخذه لنفسه إلا أن يخاف ~~واحد على نفسه العطش فله إحياء نفسه ويضمن لورثته بالثمن (¬3) في أكثر قول ~~أصحابنا، والله أعلم. # مسألة في الطهارة # ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالاجتمار؛ والاجتمار (¬4) ~~إزالة النجو بالحجارة الصغار، ويسمى حصى أيضا، وتسمى جمار مكة حصى لصغرها. ~~ألا ترى إلى قول الشاعر: # هي الشمس إلا أنها تسحر الفتى ولم أر شمسا قبلها تحسن السحرا. # رمت بالحصى يوم الجمار فليته بعيني وليت الله صيره جمرا. # ويقال للمستنجي بالحجارة: استطاب الرجل، ومنه قيل: استطاب، فهو مستطيب ~~إذا استنجى؛ يريد بذلك أنه طيب نفسه بإزالة الأذى عنها. فإذا وجد الإنسان ~~الماء لم يكن له استعمال غيره؛ لأن فيه غاية الاستطابة، ولأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أراد بالاستنجاء الاستطابة، وبالماء أبلغ الاستطابة ~~والتنظيف. وسواء تعدى النجو للمخرج أو لم يتعده لعموم اللفظ. # ¬__________ # (¬1) متفق عليه. # (¬2) في (ج) أن. # (¬3) من (ج). # (¬4) ناقصة من (ج). PageV01P195 # والقائل: إن الاستنجاء بالحجارة أو غيرها للمتغوط الذي تعدى الغائط مخرجه ~~محتاج إلى دليل؛ فإن قال قائل: لم قلتم إن استعمال الماء عند وجوده لا ~~ينبغي غيره، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالحجارة وأجاز الاستنجاء ~~بها؟ قيل ms144 له: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وأراد الطهارة، إلا أن ~~الشافعي أجاز الاستنجاء بحجر واحد إذا كان له ثلاثة أحرف، مع روايته ~~للأعداد ثلاثة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فأقامه مقام ثلاثة أحجار، ~~وعدل عن المنصوص، وقال: كذلك قال داود: أنه يكفي المستنجي بما ينقيه، ولم ~~يخص بالذكر حجرا يوصف ولا غيره، قال: ولو أنقي بحجر واحد أجزأه، وكذلك قال: ~~ولو أعدل (¬1) عن الحجارة إلى الخزف أو الخزف والخشب أن ذلك يجزيه، وقال ~~أبو حنيفة: عليه (¬2) أن يزيل ما عدا المخرج، وإجماعهم يدل على أن المراد ~~التنظيف. # وبعد، فقد أجمع مخالفونا على تصويبنا باستعمالنا الماء، ولم نوافق أحدا ~~منهم إذا عدل عن الماء بادعائه إجازة ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~خيرهم في أي هذه الطهارات شاؤا فعلوا. # ¬__________ # (¬1) في (ج) عدل. # (¬2) في (أ) على. PageV01P196 # وقد أمر الله تعالى باجتناب الخبائث، وأوجب إزالة النجاسات عن الأبدان ~~والثياب للصلاة، لئلا يقربها المخاطب بها إلا بعد طهارته، فالواجب على ~~المتعبد إزالتها، وقد عرفنا أن الماء طهور يعني مطهرا. فهو مطهر لنا لقول ~~الله جل ذكره: ? { وأنزلنا من السماء ماء طهورا } (¬1) . وقوله: { ليطهركم ~~به } (¬2) ، وعلى من ادعى غيره إقامة الدليل، والوضوء من المذي واجب لقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم : (الوضوء من المذي والغسل من المني) (¬3) ، ~~فالطهارة واجبة منه باتفاق الأمة. وقد روي عن سعيد بن المسيب أنه قال: "لو ~~جرى فسال على فخذي لم أقطع منه الصلاة". وسنة النبي صلى الله عليه وسلم ~~قاضية عليه، والنوم مع الاضطجاع ينقض الوضوء لقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم : (إن الوضوء على من نام مضطجعا) (¬4) ، وروي ذلك عن ابن عباس عنه ~~صلى الله عليه وسلم ، وكان أبو موسى الأشعري لا يرى النوم ينقض الطهارة على ~~كل حال، ومن طريق ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد فنام، حتى غط ~~فنفخ، فقام فصلى، فقلت: يا رسول الله قد نمت، فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : (إنما الوضوء على من ms145 نام مضطجعا) (¬5) ، وقال صلى الله عليه ~~وسلم : (العينان وكاء السه) (¬6) ، والوكاء هو الخيط الذي يشد به رأس ~~القربة، فجعل صلى الله عليه وسلم العينين وكاء الدبر من طريق المجاز، وأن ~~السه في اللغة هي حلقة الدبر على ما يرى العرب. ويسمى أصل كل شيء السه، ~~ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في الوكاء حيث قال في اللقطة: أعرف ~~عقاصها ووكاءها. # ¬__________ # (¬1) الفرقان: 48. # (¬2) الأنفال: 11. # (¬3) متفق عليه. # (¬4) رواه مسلم والبيهقي وابن حبان. # (¬5) رواه مسلم والبيهقي وابن حبان. # (¬6) رواه أبو داود والبيهقي. PageV01P197 # يريد بذلك الخيط والعقاص الوكاء، فجرى هذا المعنى من النبي صلى الله ~~عليه وسلم في النوم الذي ينقض الطهارة منه في معنى قول الله تعالى: { ~~?حرمت عليكم الميتة } (¬1) ، ثم قال صلى الله عليه وسلم : (إنما حرم ~~أكلها) (¬2) فصار المحرم منها مخصوصا، كذلك النوم الذي ينقض الطهارة منه ~~مخصوص بالاضطجاع والله أعلم. # والوضوء لا يجب مما مسته النار، فإن قال قائل: فقد روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه توضأ مما مست النار، قيل له: الوضوء في لغة العرب ~~مأخوذ من النظافة. الدليل منه قول الشاعر: # مساميح الفعال ذوو أناة مراجيح وأوجههم (¬3) وضاء. # يريد من النظافة، فقد يمكن أن يكون المراد بالوضوء في النظافة في هذا ~~الموضع وهو غسل اليد استحبابا لا إيجابا، فلسنا نوجب فرضا بغير دليل، ولو ~~كان موجبا للوضوء الذي للصلاة كان ما روي عنه من غير هذا الموضع معارضا له، ~~وذلك أنه أتى بكتف موربة، والموربة الموفرة فأكل منها ولم يتوضأ، والموربة ~~هي الموفرة غير الناقصة في اللغة، ويدل على ذلك قول بعض الشعراء: وكان لعبد ~~القيس عضو مؤرب. # يعني تاما غير ناقص. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتي بسويق ~~فشربه، ومضمض فاه وصلى؛ وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا وضوء ~~من طعام أحل الله أكله) (¬4) ، والوضوء بفتح الواو اسم الماء الذي يتوضأ ~~به، والوضوء بضم الواو اسم الفعل. وكذلك السحور بفتح السين اسم الطعام الذي ~~يؤكل في السحر، والسحور ms146 بضم السين اسم الفعل. والوقود بفتح الواو اسم ~~الحطب، والوقود بضم الواو اسم اللهب. قال الله تعالى: ? { قوا أنفسكم ~~وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة } (¬5) ، يريد حطبها والله أعلم، ومنه ~~قول الشاعر: # ¬__________ # (¬1) المائدة: 3. # (¬2) متفق عليه. # (¬3) في جميع النسخ وواجههم. # (¬4) رواه أبو داود. # (¬5) التحريم: 6. PageV01P198 # فأمسوا وقود النار (¬1) في مستقرها وكل كفور في جهنم صائر. # يريد أمسوا حطبها. وقال آخر أيضا: # أحب الموقدين إلي موسى وحرزة (¬2) لو أضاء لنا الوقود. # ويريد أضاء اللهب والله أعلم. # وأما الوضوء مما مست النار على ما جاءت به الرواية عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه أمر بالوضوء مما مست النار، وهو عندنا غسل اليد والفم، ~~وكانت الأعراب لا تغسل منه وتقول: فقد الطعام أشد علينا من ريحه. فأفاد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بغسل الأيدي مما مست النار من الأطبخة ~~والشواء من الدهونية (¬3) ، يقولون: إذا غسلوا أيديهم وأفواههم من الأطعمة ~~توضأنا، هكذا نعرف في اللغة والله أعلم. # وروي عن الحسن البصري أنه قال: الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر، وبعده ينفي ~~(¬4) الهم (نسخة) اللمم، والوضوء مأخوذ من الوضاءة ومن النظافة والحسن، منه ~~قيل: وضيء الوجه، أي نظيفه وحسنه، فكأن الغاسل وجهه وضاه أي نظفه وحسنه، ~~ومن غسل عضوا من أعضائه فقد وضاه، والوضوء الذي في كتاب الله هو الغسل. # والمتوضئ يقول: مسحت، والمسح خفيف الغسل؛ لأن الغسل للشيء تطهير له ~~بإفراغ الماء، والمسح له تطهير بإمرار الماء، وقد كانوا يجتزئون بالقليل من ~~الماء ولا يسرفون. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بمدين ~~(¬5) من ماء، والمد قيل: إنه رطل وثلث برطل زماننا. فهذا يدل على أنه كان ~~يمسح أعضاءه وهو لها غاسل؛ والغسل عند أصحابنا هو إفراغ الماء وإمرار اليد ~~على البدن، وهو قول مالك وابن (¬6) عليه؛ وأما غيرهم (¬7) فصب الماء عندهم ~~بظاهر اللغة، واحتج من ذهب إلى هذا المعنى بقول بعض الشعراء (¬8) : # ¬__________ # (¬1) في (ج) الناس. # (¬2) في (ج) حرره. # (¬3) في (ب) و (ج) الزهومة. # (¬4) في (أ) ينقي. # (¬5) في (ج) بمد من ماء. ms147 # (¬6) وابن عليه من (ب) و (ج) في (أ) وأثر عليه. # (¬7) في (ج) غيرنا. # (¬8) ناقصة من (ج). PageV01P199 # وبتنا جميعا ناعمين بلذة تحدثني طورا وأنشدها الغزل. # وجاءت سحابة فاغتسلنا بقطرها وما علمت كفي عراكا لمغتسل. # ويكره لطم الوجه بالماء عند الطهارة، فإذا مسح بدنه بالماء فقد غسله، ألا ~~ترى أن الجنب إذا اغتسل ثم ذكر عضوا من أعضائه لم يصبه الماء أنه يمسحه من ~~بلل بدنه، وفي الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه اغتسل من جنابة ~~فرأى في بدنه لمعة لم يصلها الماء فعصر حمته (¬1) عليها ومسحها) (¬2) ، ~~فهذا يدل على أن الماء المستعمل إذا لم يباين الجسد يجوز لنا استعماله في ~~الجزء الذي فاتته الطهارة. # مسألة في الاستنجاء # والاستنجاء مأخوذ من النجو، وهو ما ارتفع من الأرض، وكان الرجل إذا أراد ~~قضاء حاجته استتر بنجوة، وقالوا: ذهب (¬3) ينجو، كما قالوا: ذهب يتغوط إذا ~~أتى الغائط، وهو الموضع المطمئن من الأرض. ثم يسمى الحدث نجوا باسم الموضع، ~~(واستحق لعلة) (¬4) ، واشتق لاسم (¬5) الحدث اسم من المكان الذي ينتهي إليه ~~به، كما سمي المتمسح بالأحجار الماسح بها مستجمرا؛ لأن الحجارة الصغار تسمى ~~جمارا، كما تسمى حجارة العقبة جمارا. ومنه الحديث: (إذا توضأت فاستجمر، ~~وإذا استجمرت فأوتر)، والاستنشاق من الاستنثار مأخوذ من النثرة، وروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال للرجل: (ضع في أنفك ماء ثم استنثره) ~~والنثرة في اللغة: الأنف. # باب في المياه (¬6) وأحكامها # ¬__________ # (¬1) في (ج) جمته. # (¬2) متفق عليه. # (¬3) في (أ) إذهب. # (¬4) من (ج). # (¬5) في (أ) اسم. # (¬6) في (أ) و (ب) و (ج) الأمياه. PageV01P200 # قال الله جل ذكره: { ?وأنزلنا من السماء ماء طهورا } (¬1) ، فالطهور الذي ~~يطهر الشيء، وهو الفعول للطهارة، ولو تركنا والظاهر (¬2) كنا نحكم بتطهير ~~كل ما لاقاه الماء الذي سماه الله طهورا، غير أن أدلة قامت في بعض المواضع ~~فامتنعنا لذلك عند قيام الأدلة؛ وكل موضع تنازع المسلمون فيه فطهارته حاكمة ~~بما قلناه، وقد تنازع المسلمون في القليل من الماء إذا دخلته (¬3) النجاسة ~~فلم تغير له لونا ولا ms148 طعما ولا ريحا، فقال القائلون: الماء نجس مع ارتفاع ~~أعلام النجاسات. وقال قائلون الماء طاهر إذا لم يكن فيه شيء من أمارة ~~النجاسة، والقرآن قد أورد (¬4) أن الماء طهورا، فهذا الطاهر يوجب أن يكون ~~البول قد طهر بغلبة الماء عليه مع ارتفاع أعلام النجاسة التي حلت. فإن (¬5) ~~الله عز وجل قلب عينه؛ لأن الله جل وعلا يجعل الماء بولا، والبول ماء، ~~والقائل (¬6) إن الماء غير مطهر في هذا الموضع محتاج إلى دليل، ودليل آخر ~~أن الله عز وجل قال: { ?وأنزلنا من السماء ماء طهورا } ، والطهور في لغة ~~العرب هو الفعول للطهارة، وهو الذي تعرف منه تطهير (¬7) الشيء بعد الشيء، ~~والماء الذي لا الشيء، والماء الذي لا يطهر الأشياء لا يستحق هذا الاسم؛ ~~لأن الإنسان إذا عرف من عادته من غذائه المتعارف، ومن شربه المتعارف، لم ~~يسم أكولا ولا شروبا، وإنما يسمى أكولا إذا أكثر الأكل، ومنه سمي شروبا إذا ~~كثر شربه، فظاهر الآية يوجب أن الماء الذي سماه الله طهورا إذا لاقى شيئا ~~من النجاسات طهرها بتسميته إياها ماء طهورا فالواحب إجراء العموم على ~~ظاهره، إلا ما قام عليه دليله؛ ووجه آخر: أجمع المسلمون جميعا أن الماء (¬8) # ¬__________ # (¬1) الفرقان: 48. # (¬2) في (أ) الظاهر. # (¬3) في (ج) داخلته. # (¬4) في (ج) ورد. # (¬5) في (ج) وإن. # (¬6) في (ج) فالقائل. # (¬7) في (أ) تطهر. # (¬8) من (ب) و (ج).. PageV01P201 # قد يحكم له بحكم الطهارة، وإن حلته النجاسات ما لم يتغير له لون ولا طعم ~~ولا ريح (¬1) ، وإنما اختلفوا في الحدود والنهايات. والحدود لله تعالى، ~~وليس لأحد من الأمة أن يضع حدا يوجب بوضعه في الشريعة حكما إلا أن يتولى ~~وضع ذلك الحد كتاب ناطق أو سنة ينقلها صادق عن صادق. أو يتفق على ذلك علماء ~~أمة محمد صلى الله عليه وسلم . فإن قال قائل: إن الماء لا ينجس عينه، ~~وإنما يمتنع عن استعماله من طريق المجاورة، إذ لا يصل إلى استعماله إلا ~~ومعه جزء من النجاسات؛ لأن الماء لا ينجس (¬2) عينه. لأن الماء جسم والبول ~~جسم، والأجسام لا ms149 تتداخل، وإنما تتجاور، فلذلك قلنا: يقال لمن ذهب إلى هذا ~~وجعله دليلا لنفسه واعتمد عليه بمذهبه (نسختين) لمذهبه واعتقاده حجة لنفسه، ~~أن قول النبي صلى الله عليه وسلم (¬3) قاض على فساد قولك، بقوله صلى ~~الله عليه وسلم : (الماء لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه) ~~(¬4) ، ينجسه وليس للمفعول (نسخة) للعقول مجال عند ورود الشرع؛ لأن المطهر ~~للماء هو المنجس له على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم إذ الطاهر والنجس ~~إسمان شرعيان، فالواجب علينا تسليم ما ورد الشرع (¬5) به وبالله التوفيق. # ¬__________ # (¬1) في (أ) رائحة. # (¬2) في (ج) تنجس. # (¬3) من (ج). # (¬4) رواه أحمد وأبو داود والترمذي بلفظ (الماء طهور لا ينجسه شيء) ~~ورواه البيهقي بلفظ (إن الماء طهور إلا إن تغير ريحه أو لونه أو طعمه ~~بنجاسة تحدث فيه) وقال الشافعي رضي الله عنه: (إنه إذا تغير طعم الماء أو ~~ريحه أو لونه كان نجسا) وقال ابن المنذر: (قد أجمع العلماء على أن الماء ~~القليل والكثير إذا وقعت فيه نجاسة فتغير له طعما أو لونا أو ريحا فهو نجس ~~فالإجماع هو الدليل على نجاسة ما تغير أحد أوصافه. # (¬5) - من (ج). PageV01P202 # ثم يقول له: هب (¬1) أنا سلمنا لك ما زعمت فخبرنا عن هذه المجاورة حتى ~~ننتهي عن (¬2) استعمالها إلى ذلك الموضع وتمثيله (¬3) ما هي، (نسخة) ما هو؟ ~~ويقول: خبرنا عن نقطة بول وقعت في البحر ما حد المجاورة (¬4) التي تمنع ~~بها؟ فإن قال: حيث بلغت الحركة، لأنا نتيقن أن النجاسة تسري إلى موضع ~~الحركة، قيل له: لم يبين لنا شيء إذ الحركات مختلفة، فبين لنا حد هذه ~~الحركة، ما هي؟ أحركة قوي؟ أم ضعيف؟ أم صغير؟ أم كبير؟ (¬5) أم بسقوط بعرة؟ ~~أو ما يكون روز (¬6) الفيل؟ فإن قال: ليست الحركة ما ذهبت إليه (نسخة) ~~إليها، وإنما الحركة وقوع واقع فيه، قيل: المسألة قائمة لأنا نحتاج أن نعلم ~~الواقع ما صورته صغير أم كبير، ونحتاج أن نعلم المسافة التي تقع (¬7) فيها ~~كم (¬8) مقدارها، وهذا لا يضبط ولا يوجد إلى ms150 بيان ذلك سبيل. ثم تقول له: ~~نسلم لك ما ادعيت، لم أثبت المجاوزة إلى آخر الحركة؟ فمن قوله: إنا لا نعلم ~~أنها لا تسري من المحل الذي حلته إلا إلى مقدار موضع الحركة. قلنا له: ~~خبرنا عن آخر الحركة، هل ثبتت النجاسة فيه؟ (¬9) فمن قوله: نعم، قلنا له: ~~فإذا حركنا آخر الحد ثم لا يثبت إلى آخر حركة أخرى، فإن قال: إنا قد علمنا ~~أنها إذا سرت من محلها إلى آخر حد الحركة لم يبق فيها من القوة ما يسري إلى ~~آخر حد الحركة ثانية؛ قيل له: فهل زعمت (¬10) هذا في النجاسة الأولى؟ فإن ~~كانت النجاسة قليلة مثل النملة يجب أن تثبت (¬11) حركتها إلى آخر حد حركة ~~الأولى؛ لأنا نعلم أن ليس فيها من القوة ما يسري إلى آخر حد الحركة، فيجب ~~أن يقول: (¬12) # ¬__________ # (¬1) - من (ب) و (ج). # (¬2) - في (أ) إلى. # (¬3) - في (ب) و (ج) ونمتثله. # (¬4) - في (أ) المجاوزة. # (¬5) في (ج) كثير. # (¬6) في (ج) رور الميل. # (¬7) من (ب) و (ج). # (¬8) من (ب). # (¬9) من (ب) و (ج). # (¬10) فهل لا زعمت في (أ) و (ب) و (ج). # (¬11) في (أ) يثبت. # (¬12) في (أ) تهول.. PageV01P203 # إذا كانت النجاسة قليلة لا تجعل الحركة حدها، وإذا كانت كثيرة ثبتت ~~حركات، فلما أن أسرت سويت بين قليل النجاسات وكثيرها، وضعيفها وقويها، بطل ~~اعتلالك (¬1) لضعف النجاسة، والاعتماد على ما تقدم ذكرنا له من قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم : "الماء لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ~~ريحه" (¬2) والمياه (¬3) ثلاثة: فماء مضاف إلى الواقع فيه، وماء مضاف إلى ~~الخارج منه، وماء مضاف إلى ما كان يقوم به، فالماءان المتقدم ذكرهما لا ~~يجوز التطهر بهما وإن كان طاهرين. إذ اسم الماء لا يقع عليهما مطلقا، ~~والماء الذي ورد الشرع به من الذي استحق اسم الماء مطلقا، ألا ترى إلى قول ~~الله تعالى: { ?فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } (¬4) ، وماء يضاف إلى ~~مكان، فجائز التطهر به؛ لأن إضافته إلى المكان لا يخرج عن حد الماء المطلق، ms151 ~~إذ الماء لا يقوم إلا في محل، فإن قال قائل: إن الظاهر يوجب استعمال كل ما ~~(¬5) وقع عليه اسم ماء مقيدا كان أو مطلقا، إذ تقييده لا يخرجه من استحقاقه ~~اسم الماء. قيل له: لا أعلم أن أحدا أجاز التطهر بما ذكرت، وإنما الخلاف ~~بين الناس في الماء المستعمل، فأما ما ذكرنا فلا خلاف فيه فيما علمنا والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) في (أ) اعتاولك. # (¬2) تقدم ذكره. # (¬3) في (أ) و (ب) و(ج) الأمياء. # (¬4) النساء: 43، والمائدة: 6. # (¬5) في (أ) الكمال. PageV01P204 # فإن قال: فإن أصحاب أبي حنيفة يجيزون التطهر بالنبيذ، قيل له: إنهم لم ~~يبيحوا ذلك لاستحقاق اسم الماء، وإنما أجازوا ذلك بسنة ادعوها، والكلام ~~بيننا وبينهم فيها. والدليل على أنهم لم يبيحوا ذلك من طريق الإسم، وأنهم ~~قالوا: التطهر بالنبيذ واجب عند عدم الماء ففي ذلك دلالة لأنهم (¬1) لم ~~يجيزوه من طريق الاسم. والدليل على ما قلناه أن الله عز وجل خاطبنا بما ~~يعقل (¬2) العرب في لغتها؛ والعرب تعقل بالمقيد ما لا تعقله بالمطلق، وتعقل ~~بالمطلق ما لا تعقله بالمقيد، الدليل على هذا قول الله تعالى: ? { وقالت ~~اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم } (¬3) . فأخبر أن اليهود قالت، وأطلق ~~القول إطلاقا، ولم يفت كيف الوجه الذي استحق القول به هذا الاسم. إلا أن ~~الإطلاق يوجد (نسخة) يوجب في اللغة أن القول هو قول باللسان واعتقاد ~~بالقلب، وقال في موضع آخر: { ?يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم } (¬4) ، ~~فلم يطلق القول حتى قيده؛ لأن (¬5) لا يتوهم أحد أنه أراد بالقول كما خبر ~~عن اليهود فقيده ولم يطلق. وقال في موضع آخر: { ?يقولون في أنفسهم } (¬6) ~~فسمى اعتقاد الضمائر قولا، ولا يطلقه إذ لو قال لحكمنا أنهم قالوا: ~~بألسنتهم واعتقدوا بقلوبهم، فلما أراد القول الذي لا يرد بورود الإطلاق ~~قيده، ولما كان القول المطلق معقولا (¬7) في اللغة، وهو قول باللسان ~~واعتقاد بالقلب لم يحتج إلى شرحه وتبيينه عندما خبر عن اليهود ما خبر، وإذا ~~كان هذا هكذا ثبت أن المطلق يعقل ما لا يعقل بالمقيد؛ وأن المقيد يعقل به ms152 ~~ما لا يعقل بالمطلق، وبالله التوفيق. # ¬__________ # (¬1) في (ج) أنهم. # (¬2) في (ج) تعقل. # (¬3) المائدة: 64. # (¬4) آل عمران: 197. # (¬5) في (ج) لئلا. # (¬6) المجادلة: 8. # (¬7) في (ب) مفعولا. PageV01P205 # وقد (¬1) تنازع الناس في التطهر بماء البحر، فقال بعضهم: لا يتطهر به إلا ~~إذا ألجىء إليه ولم يكن معه ماء غيره؛ وقال بعضهم: التيمم أحب إلي منه، وهو ~~قول عبد الله بن عمرو بن العاص. وقال الجمهور من الناس: جائز عندهم التطهر ~~بماء البحر والعذب المطلق عليه اسم الماء، والصواب ما قالت هذه الفرقة إذ ~~السنة وردت بصحة قولها لما روي أبو هريرة قال: سئل النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقيل: (يا رسول الله إنا نكون على أرماث لنا في البحر وليس معنا ماء ~~إلا لشفاهنا أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : هو ~~الطهور ماؤه والحل ميتته) (¬2) . وقد قال جل وعز: { ?وأنزلنا من السماء ماء ~~طهورا } (¬3) . وسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم ماء البحر طهورا، ~~والمفرق بينهما مع وجود الأدلة محتاج إلى دليل. والأرماث جمع رمث، والرمث ~~هو الخشب المضموم بعضها إلى بعض، الدليل على ذلك قول جميل شعرا: # تمنيت من حبي بثينة أننا على رمث في البحر ليس لنا وكر. # وأما من ادعى من أصحاب أبي حنيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم من ~~إجازته (¬4) التطهر بالنبيذ، فلو ثبت قولهم لم يكن فيما ادعوه دلالة على أن ~~التطهر بغير الماء جائز، وذلك أن النبيذ أصله المنبوذ، فنقل من مفعول إلى ~~فعيل، كما يقول: مقتول وقتيل، ومجروح وجريح، واسم النبيذ قد يقع على الماء ~~الملقى في الطرق (¬5) ، وإن لم يماع (نسختين) ينمع التمر في الماء. الدليل ~~على ما ذكرناه قول الله عز وجل: { فنبذوه وراء ظهورهم } (¬6) ، وقوله جل ~~ذكره: ? { لنبذ بالعراء وهو مذموم } (¬7) أي ألقيناه، ويدل على ذلك قول بعض ~~الشعراء: فخبرني من كنت أرسلت أنما أخذت كتابي معرضا بشمالكا (¬8) # ¬__________ # (¬1) من (ج) و (أ) قال. # (¬2) تقدم ذكره. # (¬3) الفرقان: 48. # (¬4) في (أ) أجازت. # (¬5) في (ج) الطروق. # (¬6) آل عمران: 187. # (¬7) القلم: 49. # (¬8) ناقصة من (ج). PageV01P206 # نظرت إلى ms153 عنوانه فنبذته كنبذك نعلا اختلقت (¬1) من نعالكا. # وإذا كان اسم النبيذ واقعا على الماء والتمر من قبل أن يمتزجا، يكن فيما ~~ادعوه دلالة على صحة ما اعتقدوه؛ والدليل على ما قلناه التمر لا (¬2) يماع ~~في الماء، قول الرسول عليه السلام عند مشاهدته له: (تمرة طيبة وماء طهور) ~~(¬3) ، فأثبت صلى الله عليه وسلم أن في الإدارة ماء وتمرا ولو إنماع لم ~~يستحق اسم الماء، واسم التمر، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم هو الحكم ~~بين المختلفين؛ ولو ثبت التطهر بالنبيذ في زمان من الأزمان كان منسوخا؛ لأن ~~(¬4) ليلة الجن التي روى الخبر فيها عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كانت من (الأزمان) (¬5) بمكة ونزل فرض التيمم بالمدينة، فكان التيمم ~~عند عدم الماء ناسخا للنبيذ، والمنسوخ قد ارتفع حكمه والحكم به (نسختين) ~~فيه غير واجب والله أعلم؛ والعلة التي ذكرها أصحابنا في آثارهم عند ~~اختلافهم في الماء إذا حلته النجاسة؛ وكم قدره ونهايته يكيل القلة فأكثر ~~قولهم: إن القلة هي الجرة التي تحملها الخدم في العادة الجارية من ~~استخدامهم العبيد لها (¬6) ، واللغة توجب غير الجرة، والقلة اسم يقع على ~~الجرة الصغيرة والكبيرة، والكوز الصغير والكبير، وذكر الشافعي أن القلة ~~قربتان ونصف بقلال (¬7) هجر؛ والقلة مأخوذة من استقل فلان بحمله، وأقله إذا ~~أطاقه وحمله، وإنما سميت الكيزان قلالا؛ لأنها تقل بالأيدي وتحمل ويشرب ~~منها؛ فهذا يدل على أن القلة اسم يقع على الكوز الصغير والكبير. والجرة ~~والجب الذي يستطيع القوي من الرجال أن يقله ويحمله، ويدل على ذلك قول جميل شعرا: # فظللنا بنعمة واتكأنا (فشربنا من الحلال قليله). (¬8) # ¬__________ # (¬1) في (أ) أخلقت. # (¬2) في (ب) و (ج). # (¬3) رواه أبو نعيم. # (¬4) في (أ) لئن. # (¬5) انفردت به نسخة (أ) فقط. # (¬6) في (ج) بها. # (¬7) في (أ) بقال. # (¬8) في (ب) و (ج) فشربنا الحلال من قلله. PageV01P207 # واختلف الناس في مقدار الصاع والمد؛ فقال أهل العراق: الصاع ثمانية ~~أرطال، والمد رطلان، وذهبوا إلى خبر النبي صلى الله عليه وسلم : "كان ~~يغتسل بالصاع"، وزعموا أنه كان (يغتسل) ms154 (¬1) بثمانية أرطال. وأما أهل ~~الحجاز، فلا يختلف معهم أن الصاع خمسة أرطال وثلث، والمد رطل وثلث، يعرفه ~~عالمهم وجاهلهم لكفارة الأيمان والزكاة وصدقة النسك وصدقة الفطر، وإلى هذا ~~يذهب أصحابنا. وأما الفرق فهو ستة عشر رطلا، والقسط نصف صاع، فهذه مكاييل ~~أهل الحجاز. # مسألة # ¬__________ # (¬1) من (ج). PageV01P208 # اختلف أصحابنا فيمن نسي ماء في رحله وهو مسافر، وحضرت الصلاة ولم يعلم ~~فتيمم وصلى، ثم وجد الماء وعلم به بعد فراغه من الصلاة، فقال بعضهم: عليه ~~الإعادة، وقال بعضهم: لا إعادة عليه، الحجة لأصحاب القول الأخير أن الله ~~أوجب عليه التيمم عند عدم الماء؛ لأنه علق التيمم بعدم الوجد (¬1) لا بعدم ~~كون الماء، وقد (لا) (¬2) يوجد الشيء وهو في موضعه. ولم يقل الله جل ذكره: ~~فإن لم يكن ماء فتيمموا؛ وإنما قال: { فلم تجدوا ماء فتيمموا } (¬3) ، وقد ~~يكون الشيء المطلوب (¬4) في موضعه ولا يجده من يطلبه، فإذا لم يجده فقد حصل ~~الشرط الذي يجوز به التيمم وصلى كان مصليا كما أمر، ولا إعادة عليه والله ~~أعلم؛ والحجة لأصحاب الرأي الأول أن العبادات إذا لزمت الأبدان فليس جهل ~~وجود الماء بمسقط فرض ما وجب من فرض طهارة الصلاة؛ وذلك مثل رجل يحتلم ~~فينسى الاحتلام ويتوضأ ويصلي، فإذا علم بجنابته وجب عليه الإعادة، وكانت ~~غفلته ونسيانه لا يسقطان عنه ما وجب عليه من فرض الإغتسال؛ وكذلك الصغير ~~إذا وجب في ماله الزكاة وهو لا يعقل، ثم بلغ وعلم ما وجب عليه من إتيان ~~الزكاة على أصول أصحابنا، وهو اتفاق بينهم، وجهله لم يسقط عنه فرض ما وجب ~~من الزكاة. قالوا: فكذلك جهله بالماء وهو في رحله لا يسقط عنه فرض الطهارة ~~بالماء بل عليه إتيانه عند علمه. # ¬__________ # (¬1) في (ج) الوجدان. # (¬2) من (ج). # (¬3) البقرة: 43، النساء: 6. # (¬4) في (ج) المطلق. PageV01P209 # وأظن أن الشيخ أبا مالك كان يختار هذا ويقول به وحجته به، وذلك (¬1) أنهم ~~أجمعوا (¬2) وهذه عندي أنظر (¬3) ، وذلك أنهم أجمعوا وأرجوا أنه إجماع من ~~مخالفيهم أيضا، أن رجلا لو لزمه كفارة عن ظهار فلم يعلم ms155 بأن الرقبة كانت في ~~ملكه، أن عليه أن يرجع فيعتق الرقبة. ولم يكن نسيانه بكونها في ملكه بمسقط ~~لزومها له، وكذلك المأمور بطهارة الماء إذا جهل كون موضعه من رحله (¬4) لا ~~يسقط عنه ما أمر بإتيانه أيضا، فإن اتفاقهم في الرقبة هو أصل العلة ينبغي ~~أن يرجعوا إليه عند الاختلاف، وحكم القائسين من أن يرجعوا عند التنازع إلى ~~الأصل المتفق عليه، وهذا القول بأصولهم أشبه والله أعلم وبه التوفيق. # مسألة # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق بلال قال: حدثني مولاي أبو بكر ~~رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا يتوضأ أحدكم ~~من طعام أحل الله أكله) (¬5) فإن ثبت الخبر الذي رواه مخالفونا أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء مما مست النار، فإنه يحتمل أن يكون أمرهم ~~بتنظيف أيديهم من الدسم؛ لأن الوضوء في كلام العرب مأخوذ من الوضاء وهي ~~النظافة والحسن. ومنه يقال: فلان وضيء الوجه، أي حسن نظيف، قال الشاعر # مساميح الفعال ذوو أناة مراجيح وأوجههم وضاء. # والأمر إذا ورد بالوضوء كان ظاهره يوجب على المتعبد أن يأتي بفعل يسمى به ~~متوضيا، وإذا وضأ يده من الزهومة سمي بذلك متوضيا، وخرج مما تعبد به إلا ~~وضوء أجمعوا أنه لا يجزئ إلا هو، والوضوء بضم الواو هو اسم الفعل، والوضوء ~~بفتح الواو وهو اسم الماء المتوضأ به، وكذلك الوقود بضم الواو اسم اللهب ~~(¬6) ، (والوقود بفتح الواو اسم للحطب) (¬7) قال (¬8) الشاعر: # ¬__________ # (¬1) من (ج). # (¬2) من (ج). # (¬3) في (ج) نظر. # (¬4) في (أ) ورحله. # (¬5) رواه ابن حبان. # (¬6) من (ج) وفي (أ) الفعل. # (¬7) من (ج) وفي (أ) "واسم الحطب اللهب، بفتح الواو". # (¬8) يعرف به. PageV01P210 # فأمسوا وقود النار في مستقرها وكل كفور في جهنم صائر. # أراد أمسوا حطبها، وقال الشاعر (في معنى اللهب) (¬1) أيضا شعرا (¬2) ~~(الذي هو فعل الموقد) (¬3) # أحب الموقدين إلي موسى وحرزة (¬4) لو أضاء لنا الوقود. # وكذلك السحور بضم السين فعل الأكل، والسحور (¬5) بفتح السين اسم للمأكول، ~~وعلى هذا يكون إعرابه وبالله ms156 التوفيق. # مسألة # ¬__________ # (¬1) من (ج). # (¬2) لا توجد في (ج). # (¬3) من (ج). # (¬4) وحرره. # (¬5) من (ج). PageV01P211 # قال الله تبارك وتعالى: { ?وأنزلنا من السماء ماء طهورا } (¬1) وقال: { ~~?ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض } (¬2) ، فالماء ~~الطاهر هو ما نزل من السماء وما خرج من الأرض اختلاف بين الناس في ذلك قبل ~~أن يختلط بغيره أو يضاف إلى شيء يعرفونه (¬3) ، وقال (¬4) النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، وقد سئل عن ماء البحر فقال: " الطهور ماؤه والحل ميتته" (¬5) ، ~~وهو داخل في جملة ما تلونا من كتاب الله عز وجل، فكل ما نزل (¬6) من ~~السماء، أو وجد على وجه الأرض، أو نبع من موضع، فهو الماء الذي جعله الله ~~طهورا، عذابا كان أو مالحا، خالطه ما مر عليه أو لم يخالطه، كالماء الجاري ~~على السبخة أو الحمالة (¬7) ونحو ذلك ما لم يخرجاه من عموم الآية، ولا يجوز ~~التطهر بماء الورد وماء الزعفران وما كان من نحوهما؛ لأنه خارج من عموم ~~الآية؛ ولأنه استحال عن الماء المطلق الذي هو طهور بغير إضافة. ولا يجوز ~~أيضا الطهور (نسختين) الوضوء بماء الباقلاء والحمص؛ لأنه في جملة المأكولات ~~كالمرقة التي يتأدم بها، ولا يجوز التطهر بالنبيذ، ولأن الخل لا يجوز ~~التطهر به وهو أطهر منه، فأما الماء الذى قد توضي به أواغتسل به فإن التطهر ~~منه فلا (¬8) يجوز لما روي أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: ~~"نهى عن الجنب أن يغتسل في الماء الدائم" (¬9) ، فقيل له: يا أبا هريرة كيف ~~نفعل؟ قال: تتناوله تناولا، فلولا أن غسله فيه من الجنابة يؤثر فيه تأثيرا ~~يمنع من استعماله لم ينه عنه. # ¬__________ # (¬1) الفرقان: 48. # (¬2) الزمر: 21. # (¬3) يعرف به. # (¬4) في (ج): قال. # (¬5) تقدم ذكره. # (¬6) في (أ) و(ب) و( ج) إنزل. # (¬7) في ( ج ) الحماة. # (¬8) في (ج) لا. # (¬9) متفق عليه. PageV01P212 # ولا يجوز صرفه عنه إلا بمعنى يوجب التسليم والله أعلم، وهذا القول يدل ~~على المنع من استعمال كل ما قد استعمل لطهارة الصلاة، ولقول عمر رضي الله ~~عنه : " لا يسلم ms157 مولاه يأكل من الصدقة يأكل من أوساخ الناس أرأيت إن توضأ ~~إنسان بماء أكنت شاربه؟"، ولقول ابن عباس: " إنما يغسل بالماء أن تقع فيه ~~وأنت جنب"، فأما إذا اغترف منه فلا بأس، كما قال أبو هريرة حين روى الخبر، ~~روي عن علي وعن ابن عمر أنهما قالا: "خذوا للرأس ماء جديدا"، وروي نحو ذلك ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ألا ترى أنه لو غسل يديه إلى المرفقين ثم ~~رده إلى الأصابع لم تعده الأمة متوضيا مرتين، ويدل على ما قلنا أن رجلا لو ~~كان في سفر ولا ماء عنده، وعند رفقائه ماء فمنعوه منه، لم يبح له أحد من ~~الفقهاء أن يتطهر بغسالتهم، وفضل ما تطهروا به مما لاقى (¬1) أعضاءهم، بل ~~قيل له: تيمم، وأبطلوا جواز الوضوء به، ولولا ذلك لم يجز تيممه. ويجوز ~~استعمال الماء المستعمل في إزالة الأنجاس، لأنه يزيل (¬2) النجاسة بطهارته ~~في نفسه؛ فأما التطهر به من غير نجاسة في الإنسان؛ فإنما ذلك لإنفاذ ~~العبادة بالطاهر. والله أعلم. # مسألة # الدليل على أن الماء المستعمل لا يجوز التطهر به للصلاة ولو كان في نفسه ~~طاهر، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الوضوء بفضل وضوء ~~المرأة، والفضل في اللغة البقية الفاضلة، واحتمل أن يكون البقية من مائها ~~الذي فضل عنها. # واحتمل أن يكون فضل ما لاقاه بدنها (¬3) ، لعله (¬4) بعد استعمالها إياه، ~~فلما ثبت أن كان يتنازع هو وعائشة من إناء واحد الماء للطهارة، (تقول له: ~~أبق لي، ويقول لها: أبقي لي) (¬5) كان الوجه الآخر هو الصحيح، وهو الذي ~~استعمل والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) في ( أ) لاق. # (¬2) في (أ) يرسل. # (¬3) في (أ) يدنها. # (¬4) رواه أبو داود. # (¬5) ساقطة من (ج). PageV01P213 # فإن قال قائل: فإن النبي صلى الله عليه وسلم خص المرأة بذلك فلم أدخلتم ~~الرجال مع النساء إن صح وسلم لكم خصومكم مع طعن من طعن في الخبر من ~~المتفقهة (¬1) ، وهو صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن فضل المرأة والنساء ~~يدخلن (¬2) مع الرجال، ولا يدخل ms158 الرجال مع النساء؛ وإن (¬3) المؤنث إذا ~~انفرد لم يدخل المذكر فيه، فإذا أخبر عن المذكر دخل المؤنث فيه؟ قيل له: إن ~~الرجال والنساء يدخل (¬4) بعضهم مع بعض في الخطاب والأمر والنهي، وقد ثبتت ~~السنة بقول النبي صلى الله عليه وسلم : (من أعتق شقصا (¬5) له في عبد قوم ~~عليه) وكانت الأمة في معناه بإجماع، وإن كان (¬6) الذكر في العبد دون ~~الأمة؛ كذلك ماروت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا مست ~~المرأة فرجها انتقضت طهارتها) (¬7) ، فكان الرجال مع النساء، ويدل على صحة ~~هذا التأويل قول الله عز وجل: { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة ~~شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة } (¬8) . وكان المحصنون في معناهم، ويجب على ~~قاذف المحصنين ما يجب على قاذف المحصنات من الحكم، وإن كان الذكر خص به ~~المحصنات دون المحصنين. وكذلك قال الله جل ذكره: { ?فإذا أحصن فإن أتين ~~بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } (¬9) ، لكان العبد في حكم ~~الأمة باتفاق، وإن الذكر خص به الأمة دون العبد. وأما أبو يوسف صاحب أبي ~~حنيفة كان يرى الماء المستعمل (¬10) نجسا، وهذا من عجائبه كما قيل في ~~الخبر: حدث عن (¬11) بني إسرائيل ولا حرج. # باب في الاغتسال من الجنابة # ¬__________ # (¬1) في (أ) القهقهة. # (¬2) في (أ) لايدخلن. # (¬3) في (أ) وإنما. # (¬4) في (أ) يدخلن. # (¬5) في (أ) و (ج) سقصا. # (¬6) من (ج). # (¬7) رواه الدارقطني وابن ماجه. # (¬8) النور: 4. # (¬9) النساء: 25. # (¬10) في (أ ) المغتسل. # (¬11) من (ج) و (ب). PageV01P214 # والواجب على الجنب أن يتطهر للصلاة قبل الاغتسال، ثم يغتسل؛ لأنه مخاطب ~~عند قيامه للصلاة بالطهارتين جميعا، إذا كان جنبا بظاهر الآية والله أعلم. # وقد قال بعض أصحابنا: إن عليه إحدى الطهارتين، غسل الأعضاء إذا كان محدثا ~~في غير جنابة، وغسل سائر البدن إذا كان جنبا، والواجب على المغتسل من ~~الجنابة أن يتبع بالماء سائر جسده، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~من طريق أبي هريرة أنه قال: ( بلوا الشعر ونقوا البشر، فإن تحت كل شعرة ~~جنابة) (¬1) ، يعني بذلك والله أعلم أن ms159 (¬2) من الحكم لا أن هناك موضعا لها ~~ولا حالة فيه، ولا يجزيه إلا إمرار اليد على سائر البدن مع إفراغ الماء ~~عليه؛ لأن الاغتسال لا يعقل عنه إلا هكذا. يقال: "غسلت ثوبي"، لا يعقل عنه ~~إلا باليد، وغسلت النجاسة وطهرت الثوب والإناء، كل ذلك باليد. وقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم : "وأنقوا البشر" فيه (نسختين) ليس فيه دليل على ما ~~قلناه والله أعلم. وليس للمقيم ولا للمسافر من التطهر بالماء عند الخوف منه ~~لشدة البرد إذا خافا على نفسيهما الهلاك منه، أو ما يؤدي إليه، لما روي أن ~~(¬3) عمرو بن العاص اجتنب وهو أمير على جيش في غزوة ذات السلاسل، فخاف من ~~شدة الماء، فتيمم وصلى، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ~~أخبره أصحابه عن ذلك، فقال: يا عمرو لم فعلت ذلك؟ أو قال: من أين علمت ذلك؟ ~~فقال: يا رسول الله) (¬4) سمعت الله يقول:? { ولا تقتلوا أنفسكم إن الله ~~كان بكم رحيما } ? (¬5) فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد عليه شيئا. # ¬__________ # (¬1) رواه النسائي وأبو داود. # (¬2) من (أ) و (ب). # (¬3) في (ب) و (ج). # (¬4) ما بين قوسين ساقطة من (ج). # (¬5) النساء:29. PageV01P215 # والذي يتيمم به المسافر عند عدم الماء هو الصعيد الذي ذكره الله في ~~كتابه، وهو التراب دون ما سواه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (جعلت لي ~~الأرض مسجدا، وجعل لي ترابها طهورا) (¬1) ، وقد أجاز أصحابنا التيمم ~~بالتراب وما كان في معناه، ومن ادعى زيادة (معنى في الخطاب) (¬2) كان عليه ~~إقامة الدليل، وإذا عدم الجنب الماء أجزأه التيمم في الحضر والسفر، وإذا ~~وجد الماء اغتسل ولم يكن عليه إعادة ما صلى بالتيمم، لقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم لأبي ذر: (الصعيد الطيب الطهور يكفيك ولو إلى سنين، فإذا وجدت ~~الماء فأمسسه جلدك) (¬3) وفي خبر آخر: فإنه خير؛ فإن قال قائل: ما أنكرتم ~~أن يكون الاغتسال ندبا دون أن يكون واجبا لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ~~فإنه خير؟ قيل له: ليس في هذا دليل ms160 على أنه ندب، بل الأمر إذا ورد بالفعل ~~فهو على الوجوب إلى أن يقوم دليل بخلافه. وقال الله تبارك وتعالى: { يا ~~أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا ~~البيع ذلكم خير لكم } (¬4) ، فليس في (¬5) هذا مما (¬6) يدل على أنه فرض ~~ولا (¬7) ندب والله أعلم. أعلم. # ¬__________ # (¬1) تقدم ذكره. # (¬2) في (ب) في معنى الخطاب. # (¬3) رواه أحمد وأبو داود والنسائي. # (¬4) الجمعة: 9. # (¬5) فليس في من (ب) و (ج). # (¬6) في (ج) ما. # (¬7) في (أ) لا. PageV01P216 # وأجمع (¬1) علماؤنا على ما تناهى إلينا منهم أن من تعمد لتأخير الغسل وهو ~~جنب في شهر رمضان أنه يصبح مفطرا، لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: (من أصبح جنبا أصبح مفطرا) (¬2) ، واختلف أصحابنا فيما ~~يجب من القضاء عليه فقال بعضهم: يقضي يوما واحدا، وهذا على قول من قال: إن ~~كل يوم من رمضان فريضة، وقال بعضهم: عليه قضاء ما مضى من شهره، وهذا على ~~قول من ذهب إلى أن رمضان عبادة واحدة وفرض واحد، كالصلاة بجميع ركوعها ~~عبادة واحدة، إذا فسد بعضها فسد سائرها، وتعلقوا بظاهر الخبر. وقال بعضهم: ~~عليه قضاء شهره، وكلهم قد اتفقوا على أنه قد هتك حرمة الشهر بالإفطار، مع ~~علمه بنهي الرسول عليه السلام، واختلفوا فيما يلزمه من الكفارة. فبعضهم ~~أوجب عليه قضاء شهره (وكفارة المتعمد للإفطار، وبعضهم أوجب عليه قضاء شهر) ~~(¬3) ، وجعل ذلك كفارة لهم (نسخة) له. واختلفوا في الناسي، فقال بعضهم: ~~عليه قضاء يومه الذي أصبح فيه مفطرا: وتعلقوا بظاهر الخبر، وأسقط القضاء ~~عنه آخرون، وقال (¬4) : الناسي لجنابته لا لوم عليه، ولا يقال له: لم لم ~~تعلم بها فصار مخاطبا لها (¬5) بالغسل، فإن علم بها بالنهار (¬6) فليس له ~~حينئذ تأخير الغسل، واتفقوا على إسقاط الكفارة عن الجاهل بالحكم، فإن قال ~~قائل من مخالفينا: فلم قلتم ذلك؟ وقد روت عائشة: (أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان يصبح صائما، فيغتسل من جنابته من جماع من غير احتلام)، قيل له: ~~يحتمل أن ms161 يكون ناسيا لجنابته وأخر الغسل في الوقت (¬7) # ¬__________ # (¬1) وأجمع من (ب) و (ج)، و (أ) أعلم. # (¬2) رواه أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي هريرة في مسند الإمام الربيع ~~بن حبيب. # (¬3) ما بين قوسين من (ب) و (ج) ساقطة من (أ). # (¬4) في (ج) وقالوا. # (¬5) ساقطة من (ج). # (¬6) في (ج) في النهار. # (¬7) في (أ) وقت.. PageV01P217 # الذي كان له تأخير الغسل فيه فغلبه النوم حتى أصبح، ويحتمل أن يكون ~~التأخير ما ذهبتم إليه من التأخير على العمد بقوله صلى الله عليه وسلم : ~~(من أصبح جنبا أصبح مفطرا) هو عموم، وفيه تفسير الخبر الذي رويتموه من طريق ~~عائشة، وقد أجمعنا نحن وإياكم على أن الناسي لا لوم عليه والنظر بيننا في ~~العمد، فخبرنا عموم يقتضي العمد والنسيان، فلما أجمعنا على أن الناسي لا ~~شيء عليه، وجب الوجه الأخير، وهو ما قلناه، وهو العمد الذي أراده النبي ~~صلى الله عليه وسلم ونهى عنه، وهذا أحد قولين: (نسختين) وهو قول الشافعي ~~إذ ليس عندكم أنه أخر جنابته تعمدا لتأخير الغسل حتى أصبح ففيما رويتموه ~~(¬1) بيناه دليل على فساد معارضتكم وبالله التوفيق. # فإن قال قائل: إن المجامع يصير (¬2) جنبا في اللغة، فما أنكرتم أن يكون ~~قوله عليه السلام: (من أصبح جنبا) أي مجامعا؟ قيل له: (هذا ليس) (¬3) ~~بمشهور في اللغة، فإن كان جائزا فيها فهو لنا دونك، إذ الجنب يشتمل على ~~اسمين، فنحن تعلقنا بالعموم، فمن ادعى التخصيص كان عليه إقامة الدليل، فإن ~~قال: فإن الله تبارك وتعالى أباح الأكل والشرب والجماع إلى آخر الليل، ~~فأوجب الغسل من الجماع فيجب أن يكون وقته بعد الليل، قيل له: إذا كان قد ~~زجرنا عن تأخير الغسل على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: (من أصبح ~~جنبا أصبح مفطرا) علمنا أنه قد خص بعض هذه الجملة من هذا الوقت الذي كان ~~أباحه لنا في حكم (¬4) ما حظره علينا من حكم النهار، إذ الغسل من أحكام ~~الجماع الذي منعنا منه ومن قليله في النهار والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) من ms162 (ج). # (¬2) في (ج) يسمى. # (¬3) في (ج) ليس هذا المشهور. # (¬4) في (ج) بطهارة. PageV01P218 # ألا ترى أن الصلاة لها أول وآخر، فالمتعبد بها يوقعها فيه، وفي أي وقت ~~منه، ثم مع ذلك لا يجوز فيه إلا بالطهارة، فقد خص للطهارة وقتا من أوقات ~~الصلاة، وكذلك الغسل من الجماع خص له وقتا من أوقاته والله أعلم. # مسألة # اختلف أصحابنا في الجنب يغتسل للجمعة، فقال بعضهم: يجزيه ذلك للجنابة، ~~ويكون بذلك متطهرا؛ وقال بعضهم: لا يجزيه ذلك عن طهارته للصلاة من الجنابة، ~~وهذا هو القول عندي، والنظر يوجبه، والسنة تؤيده. وإن توضأ لنافلة أو ~~لقراءة في مصحف، أو لجنازة أو سجود قراءة القرآن، أجزأه أن يصلي به فريضة، ~~وهذا باتفاق منهم فيما علمت؛ فإن قال قائل: لم قلت إنه إذا اغتسل للجمعة لم ~~يجزه للجنابة، وقد أجزت له وضوءه للنافلة من الفرض، وما الفرق وجميع ذلك ~~نفل؟ قيل له: الفرق بين هذه الأشياء وبين الغسل للجمعة أن علة الطهارة أن ~~ينوي دفع الأحداث، أو ينوي ما يؤدي بتلك الطهارة الفرائض والنوافل، فيغني ~~ذلك عن نية رفع الحدث، فإذا صح ذلك ثم توضأ لنافلة، فالنافلة لا تؤدى إلا ~~بعد رفع الحدث، كما لا يؤدى الفرض إلا بعد رفع الحدث، وكذلك سجود القرآن لا ~~يأتي به إلا متطهرا؛ لأن ذلك عندنا صلاة، وأما المصحف فلا يمسه إلا متطهر، ~~ومسه محرم بقول الله تعالى: { ?إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا ~~المطهرون } (¬1) ؛ فلا يمس المصحف إلا طاهر. وكذلك في الخبر، فصار معنى ~~ذلك؛ النافلة التي لا تجوز إلا برفع الحدث، ولو أراد أن يصلي فرضا أو نفلا ~~أو قراءة قرآن أو سجود قرآن لما ندب أن يتوضأ ثانية؛ لأن المقصد في ذلك رفع ~~الحدث، وقد رفع بطهارته الحدث، فلا معنى في الأمر بإعادته، وأما غسل يوم ~~الجمعة فليس القصد في ذلك رفع الحدث. وإنما القصد في ذلك تجديد الفعل من ~~أجل الوقت. والدليل على هذا أنه لو دخل عليه يوم الجمعة وهو مغتسل لما (¬2) # ¬__________ ms163 # (¬1) الواقعة: 79. # (¬2) في (أ) ما.. PageV01P219 # أجزأه ذلك الغسل، ولاحتاج أن يغتسل ثانية، فهذا يدل على أن المقصد في ذلك ~~رفع الحدث، كما كان ذلك فيما ذكرناه والله أعلم. # وإذا نوى فتوضأ ثم عزمت نيته أجزأته نية واحدة، ما لم ينقلها فيحدث مع ~~الفعل أنه يتبرد بالماء أو يتنظف به. فإن قال قائل: إذا كان الوضوء عندكم ~~لا يجزي إلا بنية، فلم لايحتاج الإنسان إلى دوام النية إلى أن يفرغ من ~~الفعل الذي كان له ينوي؟ وما الفرق بين أوله وآخره؟ قيل له: إذا نوى ~~الطهارة في حال مباشرة الفعل لها فليس عليه ذكر ذلك إلى أن يفرغ منها؛ لأن ~~توقي النسيان إلى أن يفرغ من الفرض لا يمكن، وتلحق فيه مشقة، ألا ترى أن ~~الصوم لا يجزئ إلا بنية، ثم ينسى صاحبه وينام ويأكل ناسيا ولا يضره ذلك. ~~وكذلك لا يجوز له الدخول في الصلاة إلا بنية، ثم قد ينسى ويسهو ولا يضره ~~ذلك إذا عرض له ما ذكرناه باتفاق؛ لأن استدامة ذلك إلى أن يفرغ من الفرض ~~يشق ويؤدي (¬1) إلى بطلان الفرائض والله أعلم. وقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه سلم أنه قال: ( لا صيام لمن يثبت الصيام من الليل)، (¬2) فأجاز تقديم ~~النية في الصيام والطهارة، كذلك عندي والله أعلم. # غير أن نية الطهارة مع الدخول فيها، وكذلك النية في الصلاة والزكاة والحج ~~مع الفعل لذلك، والنية للصيام وقتها أبعد، وكان التقدير في الصيام كغيره، ~~غير أن الصيام وقته طلوع الفجر وهو وقت لا تتهيأ لأكثر الناس ضبطه، ولأن ~~أكثر الناس فيه نيام. فلو أخذوا أن يكونوا في الوقت متأهبين (¬3) لشق عليهم ~~مراعاة وقتهم ولحقهم في ذلك ضرر شديد. فإذا نوى فهو على نية، وعليه ~~استصحابها، واستصحابه لها هو أن لا ينقلها إلى غير ما دخل فيه ونواه، ~~وبالله التوفيق. # مسألة # ¬__________ # (¬1) في(ج) يؤدي. # (¬2) رواه مسلم وأحمد البخاري. # (¬3) في (ب) و (ج) متهيين. PageV01P220 # ومن أصبح بجنابته وهو صائم من غير عمد بتأخيرها كان عليه قضاء يومه لما ~~روي عن ms164 النبي صلى الله عليه وسلم من طريق أبي هريرة أنه قال: ( أصبح جنبا ~~أصبح مفطرا ) (¬1) . وقال أبو بكر محمد بن داود: روينا عن عروة بن الزبير ~~وعطاء بن أبي رباح، والحسن البصري، والنخعي أنهم كانوا يأمرون بالقضاء لمن ~~أصبح جنبا، وقد ذكرنا هذه المسألة في غير هذا الموضع من كتابنا هذا. # مسألة # ¬__________ # (¬1) تقدم ذكره. PageV01P221 # ومن تيقن حدثا ثم شك، هل تطهر أم لم يتطهر (¬1) كان على حدثه، ومن تيقن ~~طهارة ثم شك، فلم يدر أحدث أم لم يحدث، فهو على طهارته. الدليل على ذلك أن ~~التيقن لا يرتفع بالشك؛ لأنه تيقن بعلم، وما شك فيه بغير معلوم، والمعلوم ~~لا يرتفع بغير معلوم. ووجه آخر هو أن الله عز وجل قد أوجب علينا إتيان ~~الطهارة، فإذا تيقنا الحدث فقد ارتفعت الذمة بالطهارة، ولا يجوز أن يرفع ما ~~تيقنا وجوبه بالتجويز، والواجب عليه أن يأتي ما يكون به على يقين من أداء ~~ما افترض الله عليه. فإذا كان هذا هكذا فشكه فيما أمر به أوقعه أو لم ~~يوقعه لا يزيل عنه ما تيقن وجوبه، والأحداث التي تنقض الطهارة وتوجب الغسل ~~بالكتاب والسنة والإجماع ثلاث: خروج الماء الدافق من الرجل الذي له رائحة ~~كرائحة (¬2) الطلع، وهو الثخين الأبيض، وقد يصفر من علة إلا أن الرائحة لا ~~تنقطع عنه، وهو الذي عند خروجه توجد اللذة، وتنقطع بعده الشهوة، ويفتر ~~الذكر عن هيئته الأولى، سواء كان خروجه في نوم أو يقظة، خرج ذلك بعلاج أو ~~بغير علاج يوجب الغسل للآية وهو قول الله عز وجل (¬3) : { وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا } (¬4) ، ولا تنازع بين أهل العلم فيما ذكرناه. وكذلك المرأة إذا ~~انقطع حيضها فعليها الغسل بإجماع الأمة، فقد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال في الحيضة: "إذا أدبرت فاغتسلي وصلي" (¬5) ، وإذا ارتفع دم ~~النفاس فالغسل واجب باتفاق الأمة. # ¬__________ # (¬1) في (ج) أم لا تطهر. # (¬2) ساقطة في (ج). # (¬3) في (ج) جل ذكره. # (¬4) المائدة: 6. # (¬5) متفق عليه. PageV01P222 # واختلف أصحابنا في المرأة ترى ما يراه الرجل في ms165 المنام من الاحتلام ~~أفتنزل؟ فقال بعضهم: لا غسل عليها حتى يكون ذلك باختيار منها بعلاج، والنظر ~~يوجب عندي صحة قول من أوجب عليها الغسل إذا أنزلت باختيار أو غير اختيار ~~وبعلاج أو غير علاج، وماء المرأة أصفر رقيق، وهو يخرج من ترائب الصدور، ~~وماء الرجل من الصلب، قال الله جل ذكره: { يخرج من بين الصلب والترائب } ~~(¬1) ، يريد به صلب الرجل وترائب المرأة. ولا تنازع بين الناس في ذلك. وقد ~~روي أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: (يا رسول الله برح ~~الخفاء؛ المرأة ترى في النوم ما يراه الرجل. فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم: وعليها الغسل إذا أنزلت) (¬2) . وفي التقاء الختانين اتفاق من ~~أصحابنا وكثير من مخالفينا أن الغسل يجب بذلك، وإن لم يكن إنزال ماء لما ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا قعد الرجل من المرأة بين ~~شعابها الأربع وأجهد نفسه فعليه الغسل أنزل أو لم ينزل" (¬3) ، ولما روت ~~عائشة قالت: (كنت أفعله أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم ) تريد الاغتسال ~~من التقاء الختانين. وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا التقى ~~الختانان وجب الغسل أنزل أو لم ينزل" (¬4) . والتقاء الختانين اسم لا يصح ~~إلا بعد غيبوبة الحشفة ويلتقي ختانه وختانها. وقد روي أن في الإكسال الغسل، ~~وهو هذا المعنى الذي ذكرنا، والإكسال هو انكسار الذكر قبل الإنزال. كذا ذكر ~~ثعلب في كتاب خلق الإنسان، فقد قال بعض الشعراء: # ولست بخوان لجاري وإن نأى محافظة مني وإن غاب جاريا. # ألا إن في الإكسال حق دراية بتركه إجلالا لما قد يرانيا . # يريد أن البقية من الوطيء الإنزال فقد أفعل ولا أتمكن من اللذة بالإنزال، ~~والحد قد وجب والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) الطارق: 7. # (¬2) متفق عليه. # (¬3) متفق عليه. # (¬4) متفق عليه. PageV01P223 # أجمع أصحابنا أن الجنب لا يصح له صوم إلا فيما لا يلحقه فيه لائمة وهو ~~النسيان، وترك التفريط في ذلك، والدليل على ذلك أنه لما كانت الحائض لا يصح ~~منها صوم ولا صلاة ms166 لعدم الطهارة، وكان الجنب لا تصح منه الصلاة لعدم ~~الطهارة، وجب أن يستويا في باب الصوم والله أعلم. # مسألة في نقض الوضوء # وإذا لمس الرجل المرأة أو غيرها بيده وهو متطهر كان على طهارته، فإن قال ~~قائل: إن ذلك ينقض الطهارة، واحتج بقول الله تبارك وتعالى: { أو لامستم ~~النساء } (¬1) ، قيل له: هذا غلط منك في تأويل الآية، لأن اللمس في هذا ~~الموضع هو الجماع، وإنما ذكر اللمس وقد أراد الجماع، فأكنى عنه باسم غيره ~~على مجاز اللغة؛ والدليل على ذلك قول الله جل ذكره: { أو لامستم النساء } ، ~~وهذا طريقه طريق التفاعل. والتفاعل لا يكون إلا من فاعلين، فإن قال: فقد ~~قرئ { أو لمستم النساء } . وأجمعوا أن القراءتين صحيحتان: { أو لامستم ~~النساء } ?يوجب التفاعل، { أو لمستم } يوجب وقوع الفعل للامس (¬2) وحده. ~~ولا يوجب التفاعل. قيل له: قد دلت الآية الأخرى على المراد، وهو قوله جل ~~ذكره: { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ~~} (¬3) . وقد أجمعوا أن اللمس ها هنا هو الجماع دون غيره، ولا فرق بين ~~الظاهرين، وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس أنهما قالا: (اللمس المذكور ~~في القرآن هو الجماع) (¬4) وأما ابن مسعود فروي عنه أنه قال: (اللمس دون ~~الجماع) في قول الله تبارك وتعالى: { ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ~~} (¬5) ، عن علي وابن عباس أنهما قالا: هم المسافرون. # مسألة # ¬__________ # (¬1) النساء: 43. # (¬2) في (أ) للمس. # (¬3) البقرة: 237. # (¬4) كناية عن الجماع. # (¬5) النساء: 43. PageV01P224 # قال أكثر أصحابنا: من نام متكئا وزالت مقعدته عن موضع استواء جلوسه ~~انتقضت طهارته، وقال بعض على قول منهم: إن طهارته لا تنقض حتى يضع جنبه ~~نائما، وهذا القول مع قلة استعمالهم له عندي أنظر؛ لأن السنة تشهد بصحته ~~لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إتكأ على يده نائما، حتى نفخ فقام ~~فصلى، فقيل له: إنك نعست، فقال صلى الله عليه وسلم : ( تنام عيني ولا ينام ~~قلبي )، ولم يعد الطهارة، فقال من ذهب إلى أن نقض طهارة من نعس ms167 متكئا أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ليس كغيره، لقوله عليه السلام: ( تنام عيني ولا ~~ينام قلبي ) يقال لهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم مستو هو وغيره في حكم ~~البشرية إلا فيما أخبرنا أنه مخصوص به، وكيف وقد نام حتى طلعت الشمس عليه، ~~ولو لم ينم قلبه لم يؤخر الصلاة عن وقتها حتى يذهب وقتها ويصليها في غير ~~وقتها هو وأصحابه، والله أعلم بتأويل الخبر الذي يعتمدون عليه. # مسألة # والقهقهة في الصلاة تنقضها، وتنقض الطهارة تعظيما لشأن الصلاة، ولا تنقض ~~الطهارة في غير الصلاة، ولا ينكر مثل هذا في الشرع، ولا يجب أن يقاس على ~~غيرها وهي سنة على حيالها، ولكن إن وجدت حادثة في معناها جاز أن يقاس ~~عليها، ألا ترى أن النوم مضطجعا ينقض الطهارة، والنوم في حال القعود لا ~~ينقضها، ولو نام إنسان على وجهه في السجود انتقضت طهارته إذا لم يكن في ~~الصلاة، ولو كان نومه في حال السجود للصلاة لم تنتقض طهارته، ومثل هذا في ~~الشرع لا ينكر. # مسألة # اختلف محمد بن محبوب وموسى بن علي في محجوب البصر يؤم في الفريضة، فأجاز ~~موسى بن على ذلك، ولم يجز محمد بن محبوب، وكذلك اختلافهما في العبد وغيره، ~~وإذا اختلفا انظر (¬1) ما أيده الدليل وعمل به أهل العلم قبلهما، ولم يرجع ~~في ذلك إلى تقليد واحد منهما بغير دليل والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) في (ج) نظر. PageV01P225 # وقول محمد بن محبوب أنظر لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~( يؤمكم أقرؤكم) (¬1) فيقدم؛ إلا في القاريء من هو أنقض حالا ممن هو أعلى ~~منه درجة في الفضل الذي يؤدي إلى صلاح في الدين في الإمامة بقوله صلى الله ~~عليه وسلم " (يؤمكم أقرؤكم )، وهذا دليل يوجب منع تقديم من هو أنقص من ~~غيره حالا، ألا ترى أن المرأة لا تؤم ولا تتقدم؛ لأن فيها دليل النقصان عن ~~رتبة إمامة الرجل، وكذلك رتب إمامة الرجل (¬2) ، ورتب لهم إذا اجتمعوا من ~~فيه زيادة، وله رتب ليست لغيره مع ms168 استحقاقهم اسم الفضل، وهذه فضيلة لا تجوز ~~إضاعتها والله أعلم. # مسألة # والعلة في المعنى هي التي يطلب منه الدليل، والدليل هو حجة الله على ~~الخلق، والحجة هي التي يحتج بها الإنسان على خصمه، وهو فعله ولم يعدم صحة ~~معرفة هذا وما يشاكله من ناصح نفسه واجتهد لها ورغب إلى الله تعالى في ~~إرشاده وطلب بتعليمه وجه الله، وما التوفيق إلا بالله. # مسألة في السارق إذا قطع # قال بعض أصحابنا: عليه ضمان ما قطعت يده من المسروق، وقال بعضهم: إذا قطع ~~فلا ضمان عليه، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق أبي هريرة ~~أنه قال: ( إذا قطع السارق فلا ضمان عليه ) وأفتى أبو هريرة فيما روي عنه ~~إنه أوجب على السارق الضمان إذا قطع. # فقال أبو حنيفة: أقبل خبره عن النبي صلى الله عليه وسلم بزوال الضمان، ~~وأرد قول أبي هريرة بوجوب الضمان. # مسألة # ¬__________ # (¬1) رواه أحمد. # (¬2) في (ج) الرجال. PageV01P226 # وروي أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إذا ولغ الكلب ~~في إناء أحدكم فليغسل سبع مرات أولاهن وأخراهن في نسخة أخراهن بالتراب) ~~(¬1) ، وأفتى أبو هريرة بغسل الإناء من ولوع الكلب ثلاث مرات، فقال أبو ~~حنيفة: أقبل فتياه وأجعله دليلا على حفظ نسخ الخبر عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ؛ لأنه لا يكون يفتي بغير ما حفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم ما ~~هو سنة عنه صلى الله عليه وسلم ، قال الشافعي: أقبل خبره في غسل الإناء ~~سبعا ولا أقبل فتياه لما يجوز أن يكون قد نسي الخبر، لأنا قد تعبدنا الله ~~بتصديق الرأي إذا كان عدلا، ولا نتعبد بنسخ السنن المروية، يقول من يجوز ~~عليه الغلط وتعمد الكذب فانظروا رحمكم الله إلى هاتين الأعجوبتين من قول ~~هذين الإمامين، وتفكروا في ذلك تعلموا فضل الله عليكم. # مسألة # اختلف أصحابنا في المرأة تجامع ثم تحيض قبل الاغتسال، فقال بعضهم: إذا ~~طهرت اغتسلت غسلا واحدا للجميع، وهو قول أكثرهم؛ وقال بعضهم: عليها غسلان، ~~وهذا الذي نختاره، ms169 لأن الله تعالى أوجب على الجنب التطهر بقوله جل ذكره: { ~~وإن كنتم جنبا فاطهروا } (¬2) . فهذه لفظة مشتملة على الذكور والإناث، ~~فعليها الاغتسال من الجنابة بأمر الله تعالى لها بذلك، وقد أمرها رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عند إدبار الحيضة بالإغتسال، بقول صلى الله عليه ~~وسلم: ( إذا أدبرت الحيضة فاغتسلي وصلي) (¬3) ، فعليها أن تغتسل بالكتاب ~~والسنة غسلتين؛ فإن قال قائل ممن يخالف هذا (¬4) القول: أليس لها إذا عدمت ~~الماء كان لها أن تتيمم تيمما واحدا باتفاق؟ وكذلك يجب أن يكون حكم المبدل ~~منه؛ قيل له: ومن سلم لك ذلك، ولا يجوز أن يكون ذلك (¬5) باتفاق قبل الحسن، ~~ويقول بعده بخلافه هكذا أظن به من مع علمه واطلاعه على معرفة الاختلاف ~~والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) متفق عليه. # (¬2) المائدة: 6. # (¬3) تقدم ذكره. # (¬4) في (ج) بهذا. # (¬5) ساقطة من (ج). PageV01P227 # باب في التيمم # الطهارة بالصعيد واجبة عند عدم الماء لقول الله عز وجل: { فلم تجدوا ماء ~~فتيمموا صعيدا طيبا } (¬1) ، والصعيد في كل كلام العرب وهو التراب، وقيل ~~أيضا هو ما صعد على وجه الأرض منها، ومعنى قوله: { طيبا } ?هو الطاهر ~~الحلال، والله أعلم. # والتيمم في لغة العرب هو الطلب، وقد يقال إن معنى تيمموا صعيدا أي اقصدوا ~~(¬2) صعيدا، وهو ما تصاعد على وجه الأرض؛ وأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~تيمم بالتراب، وقال للسائل: ( هو كافيك ما لم تجد (¬3) الماء ولو إلى سنين) ~~(¬4) ، وكان أمره بذلك مضارعا لفعله، وكان الكتاب شاهدا بهذه السنة، واتفقت ~~الأمة أن التراب يؤدي به الفرض عند عدم الماء، واختلفوا فيما سوى ذلك عن ~~غير التراب، ونحن معهم على ما أجمعوا عليه حتى يتفقوا فيما اختلفوا فيه، ~~والشاهد من اللغة على صحة ذلك أن العرب تسمي التراب صعيدا ولا تسمى ما سوى ~~ذلك صعيدا. وفرض التيمم أربع خصال: النية، والصعيد الطيب، وضربة للوجه، ~~وضربة لليدين، الحجة لوجوب النية والصعيد الطيب قد تقدم بيان ذلك، وأما ~~وجوب الضربتين فهو ما رواه عمار بن ياسر وعبد الله بن عمر أنهما قالا: ~~تيممنا مع رسول ms170 الله صلى الله عليه وسلم ، فضربنا ضربة للوجه وضربة لليدين (¬5) . # ولا يجوز أن يصلي المصلي صلاتين فريضتين بتيمم واحد، إلا في حال جمعهما، ~~فإنهما في الحكم في الصلاة كصلاة واحدة، وقد وجدت لبعض أصحابنا البصريين ~~تجويز الصلاتين، والثلاث بتيمم واحد، وأن التيمم عندهم الصعيد طهارة تامة ~~كالماء، فإن عارض معارض فقال: لم أجزتم أن يصلي المصلي التطوع الكثير بتيمم ~~واحد إذا كان في مقام واحد؟ قيل له: أجزنا ذلك كما قلنا في الجميع (¬6) لأن ~~التطوع وإن كثر فهو كالصلاة الواحدة إذا كان في مقام واحد. # ¬__________ # (¬1) النساء: 43. # (¬2) في (ج) يقصدوا. # (¬3) في (ج) تجدوا. # (¬4) تقدم ذكره. # (¬5) - متفق عليه. # (¬6) في (أ) الجميع. PageV01P228 # الدليل على الفرق بين صلاة التطوع والصلاة المكتوبة، أن التيمم لا يجوز ~~للفريضتين إلا بعد دخول وقتها، والتيمم للتطوع جائز في كل وقت إذا أراد ~~المصلي التطوع، وليس للمتطوع وقت معلوم. والفرض له وقت معلوم، ووجه آخر هو ~~ما أجمعوا عليه من أن تكبيرة الإحرام، لا يجوز للمصلي بها فريضتين ويجوز أن ~~يصلي بها للتطوع ما شاء المصلي في مقامه، فهذا يدل على افتراق حكمها والله ~~أعلم. وإذا تيمم الرجل لصلاة الفريضة فقضى به الصلاة فليس له أن يصلي ~~التطوع حتى يحدث له تيمما غيره بعد طلب الماء، والإياس منه كما فعل قبل ذلك ~~لصلاة الفريضة. فإن قال قائل: لم أوجبتم عليه التيمم الثاني وطهارته لم ~~تنقض من تيمم الفريضة؟ قيل له: لما كان مخاطبا بالفريضة لزمه طلب الماء ~~لها، فلما أيس وجب عليه البدل، وهو التيمم، فكذلك لما قضى الصلاة وأراد ~~صلاة غيرها لم يكن مخاطبا بها، ولا وجب عليه فعلها لزمه عند قيامه إليها ~~طلب الطهارة التي خوطب بها من أراد الصلاة، فلما لم يجد الطهارة المأمور ~~بها للصلاة وهو الماء كان عليه البدل وهو التيمم. PageV01P229 # اختلف الناس فيما يجوز التيمم به، فقال بعضهم: يجوز بالتراب والرمل ~~والنورة والزرنيخ وما أشبه ذلك. وقال بعضهم: لا يجوز التيمم إلا بالتراب ~~وحده، ورأيت أصحابنا يقولون: بجواز (¬1) غير التراب ويقيمونه مقامه. ms171 والنظر ~~يوجب عندي أن التيمم لا يجوز إلا بالتراب دون غيره؛ لأن الخطاب من الله ~~تعالى يدل على ذلك لقوله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى ~~الصلاة...? إلى قوله: فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا } (¬2) ، فدل جل ~~ثناؤه من يعقل عنه الخطاب بقوله: { فلم تجدوا ماء فتيمموا? } على أن ما أمر ~~به بمسحه من الأعضاء يجب غسله بالماء إذا وجده، ولا يجوز التطهر لمن فقده ~~إلا بالصعيد وحده، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (لا تقبل صلاة بغير ~~طهارة) (نسختين) (بغير طهور). وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا ~~إيمان لمن صلاة له ولا صلاة لمن لا وضوء له) (¬3) ، وقد تعلق بعض مخالفينا ~~بظاهر هذين الخبرين، فقال: من لم يجد الماء والصعيد وعدمها سقط عنه فرض ~~الصلاة، ونحن نبين هذا المعنى في موضعه إن شاء الله. قال الله تبارك ~~وتعالى: { فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } ~~(¬4) ، فالواجب على الإنسان أن يأتي من المسح ما يسمى له ماسحا وجهه ويديه، ~~ولو تركنا والظاهر لأجزنا مسح بعض الوجه لاستحقاقه اسم ماسح، غير أن الأمة ~~أجمعت أن عليه أن يأتي بالمسح الذي يستوعب الوجه كله، فعدلنا عن موجب اللغة ~~إلى استيعاب الوجه بالاتفاق، وبقي التنازع بين الناس في اليدين. والقول ~~عندنا أن كل من سمي ماسحا بيده فقد امتثل ما أمر به إلا ما قام عليه دليله، ~~والإنسان إذا مسح كفيه سمي ماسحا يديه (¬5) ، فإذا استحق هذا الإسم خرج من ~~العبادة. # ¬__________ # (¬1) في (أ) يجوز. # (¬2) النساء: 43، المائدة: 6. # (¬3) رواه الطبراني في الأوسط. # (¬4) النساء: 43، المائدة: 6. # (¬5) في (أ) بيديه. PageV01P230 # فإن قال قائل: اليد تسمى إلى المنكب يدا، فهلا (¬1) أمرت باستيعابها؟ قيل ~~له: الواجب على المتعبد أن يأتي بما يسمى به ماسحا يده، فهذا الاسم يستحق، ~~فإن قال: فالإنسان يسمى ماسحا يده إذا مسح أصابعه، ألا ترى إلى العربي ~~يقول: قطعت يدي السكين، إذا قطع إصبعه ولو لم يبنها، قيل له: لولا أن الأمة ~~أجمعت أن ما دون ms172 الكف لا يجزي لأجزناه، ولكن لاحظ للنظر مع الإجماع فكل من ~~يسمى ماسحا يده سقط فرض المسح عنه، إلا موضعا قامت الدلالة له (¬2) ، ويدل ~~على ما قلنا أن الكف يسمى يدا ما أجمعت عليه الأمة من أن في الدية خمسون ~~(¬3) من الإبل، ولو كانت اليد المطلوبة إلى المنكب كان الإمام إذا قطع كف ~~السارق مع الأمر له بقطع يده أن يكون قاطعا بعض يده. ودليل آخر أن بعض ~~المخالفين لنا الموجبين المسح إلى المرافق والقائلين: إن اليد إلى المنكب، ~~قالوا: لو قطع يد السارق من الساعد كان عليه ما عدا الكف حكومة. ففي هذا ~~دلالة أن اليد المطلوبة الكف وحده، ألا ترى أنهم أوجبوا دية، وحكومة في ~~اليد التي أمر الله بمسحها، وهي التي أمر الله بقطعها في السرقة، وإذا كان ~~على ما ذكرنا كان الكف هو المأمور بمسحه وبالله التوفيق (¬4) . # ¬__________ # (¬1) في (ج) فهي. # (¬2) من (ب) و (ج). # (¬3) في (ج) خمسين. # (¬4) (وبقي الدليل على الموجبين المسح إلى المرفقين). PageV01P231 # والموجبين إلى المنكب (نسختين) المناكب ولله الحمد والمنة، فإن التيمم ~~بدل من الطهارة بالماء، والبدل ينوب مكان المبدل عنه. يقال لهم: هذا غير ~~لازم لنا، ولو كان الأمر على ما ذكرتموه لما جاز أن يقتصر بالتيمم على ~~الوجه واليدين؛ لأن "هذا بدل من ستة أعضاء، فلما قلتم إن هذا، وإن كان بدلا ~~من الماء فإن بعض الأعضاء ينوب مناب الكل، فغير منكر أيضا أن ينوب الكف ~~مناب الذراع"، فإن قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم مسح اليد إلى ~~المرفقين في التيمم: وروى غيرنا أنه مسح إلى المنكبين قيل لهم: رويتم أيضا ~~أنه مسح إلى الكفين ولفظ به. فلما اقتصرتم على بعض ما رويتم ولم تعملوا بكل ~~أخباركم فإن (¬1) كانت الأخبار ولم يعلم الناسخ منها من المنسوخ، ولا ~~المتقدم منها من المتأخر، وجب اتفاقها، وكان المرجوع إلى حكم القرآن ~~بالاستدلال عليه باللغة التي خوطبنا بها والله أعلم. ولا يجوز التيمم إلا ~~بالتراب دون غيره، وهو الصعيد الذي سماه الله صعيدا وأمرنا ms173 بالقصد إليه، ~~فأما ما أجازه مخالفونا من التيمم بالنوره والزرنيخ والرماد فذلك عندنا ~~خطأ، فإن قال بعض من يحتج لمن أجاز التيمم بغير التراب الخالص: إن الصعيد ~~مأخوذ مما تصاعد على الأرض وعلاها، فالتراب وغيره يستحق هذا الاسم؛ يقال له ~~هذا إغفال منك، إذ ليس اسم الصعيد مأخوذ من الصعيد، ولو كان كل ما ارتفع من ~~الأرض وعلاها يسمى صعيدا لكان الحيوان، وما كان في معناه يسمى صعيدا بل اسم ~~الصعيد اسم علم ليس باشتقاق. ألا ترى إلى قول الشاعر: # قوم حنوطهم الصعيد وغسلهم نجع الترائب والرؤوس تقطعت (¬2) # ¬__________ # (¬1) في (ب) و (ج) فإذا. # (¬2) في (ب) تقطع و (ج) تقطعت. PageV01P232 # ويدل على ذلك أيضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "جعلت ~~الأرض مسجدا وجعل لي ترابها طهورا" (¬1) ، والمتيمم إذا وجد الماء وقد دخل ~~في الصلاة قطعها، ولزمه فرض طهارة الماء، ووافقنا على هذا أبو حنيفة، وأما ~~الشافعي وداود قالا: إذا دخل في الصلاة ثم رأى الماء مضى في صلاته، ولم تكن ~~رؤية الماء وهو في الصلاة حدثا يوجب قطعها؛ الدليل على صحة قولنا أن التيمم ~~بدل الماء، فإذا وجد المبدل منه عاد إليه وترك البدل؛ لأن "الأبدال كلها ~~هذا سبيلها عندنا وعندهم، ألا ترى أن وجود الماء عندنا وعندهم حدث قبل ~~الصلاة: والأحداث لا تختلف قبل الصلاة وبعد الدخول فيها، فيجب أن يكون في ~~كل موضع يوجب هذا الحدث، فالطهارة بوجوده واجبة؛ لأن الأحداث لا تختلف ~~أحكامها سواء حدث في الصلاة أو قبلها؛ وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ~~"فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك" عموم فوجب (نسختين). يوجب استعماله عند ~~وجدانه في الصلاة وقبلها والله أعلم، وليس للمسافر أن يتيمم للصلاة قبل ~~دخول وقتها، فإن تيمم لها قبل دخول وقتها عند عدمه للماء وإياسه من وجوده ~~له كان تيممه باطلا، لقول الله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى ~~الصلاة.. } إلى قوله: { .. فلم تجدوا ماء فتيمموا } (¬2) معناه والله أعلم ~~إذا أردتم القيام إلى الصلاة وهي ms174 الصلاة المعهودة فليس له أن يتقدم ~~بالطهارة قبل دخول وقتها على موجب الطهارة، غير أن الأمة أجمعت أن له أن ~~يتقدم بطهارة الماء قبل دخول الوقت، فسلم ذلك للإجماع؛ وتنازعوا هل له أن ~~يتقدم بالتيمم قبل دخول الوقت والقرآن ورد بعد دخول الوقت؟ فنحن على موجب ~~الآية عند التنازع، فإنا (¬3) # ¬__________ # (¬1) تقدم ذكره. # (¬2) النساء: 43، المائدة: 6. # (¬3) في (ج) فلما.. PageV01P233 # رأينا الأمر بالآية والخطاب لها بعد دخول الوقت كان الواجب استعمال ذلك ~~في وقته بالماء، والصعيد فلما رخص لنا تقديم الماء قبلنا الرخصة من الله ~~تعالى وعملنا بها وبقيت طهارة الصعيد على حكمها والله أعلم. # فإن تيمم لنافلة أو لجنازة أو لصلاة وجبت عليه من طريق النذر، أو لصلاة ~~فائتة تركها بنسيان أو غيره، فقد ثبتت له الطهارة، فإذا دخل وقت الصلاة صار ~~مخاطبا بالطهارة: { فلم تجدوا ماء } ?عاد التيمم والله أعلم. # مسألة # وجائز التيمم في أول وقت الصلاة وفي وسطه وآخره، لقول الله تبارك وتعالى: ~~{ يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة.. } ?إلى قوله { ..فلم تجدوا ~~ماء فتيمموا صعيدا طيبا } ?ولم يشترط إذا قمتم من آخر الوقت، وقد ذهب بعض ~~أصحابنا إلى أن له التيمم في آخر وقت الصلاة، وليس له التيمم في أول الوقت ~~لما يرجو من وجود الماء، وهذا القول الذي ذهبنا إليه من قول بعضهم أنظر، ~~لأن الله تعالى عقب ما ذكر من ذكر الطهارة بالماء: { فلم تجدوا ماء فتيمموا ~~صعيدا طيبا } ، فكان من أراد القيام إلى الصلاة وقد خوطب بفعلها عند دخول ~~وقتها، فالواجب الطهارة له بالماء، فإن لم يجد الماء تيمم، وليس عليه أن ~~يؤخرها إلى آخر وقتها، بل يجب تعجيل الصلاة لما يلحق التأخير من الأسباب ~~والعوائق، والمخصص لوقت دون وقت محتاج إلى دليل؛ وأجمعوا إن الإنسان إذا ~~كان في موضع يعلم أنه يصل إلى الماء قبل خروج (¬1) الوقت أن عليه قصد ~~الماء: وليس له أن يتيمم؛لأنه داخل في قوله: { إذا قمتم إلى الصلاة? } وهذا ~~يقدر (¬2) أن يأتي بالطهارة التي أمر بها وهو الماء، ms175 وليس له أن يعدل إلى ~~التراب إذا علم أنه يصل إلى الماء قبل خروج الوقت، ولا تنازع بين أحد من ~~أهل العلم في ذلك والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) في (ب) آخر. # (¬2) في (ب) القدر. PageV01P234 # وإذا تيمم ثم وجد الماء في رحله بعد أن صلى، كانت صلاته ماضية؛ لأنه فعل ~~ما أمر به، وقد كان غير واجد للماء، وليس وجدانه له في حالة ثانية ما يوجب ~~أنه كان واجدا للماء مثل وجدانه للماء مثل وجدانه إياه، ألا ترى أن الإنسان ~~قد يضيع منه الشيء فيطلبه فلا يجده وهو موجود في العالم، فيسمى (غير واجد ~~له) وليس كونه في الدنيا بموجب أن يكون واجدا له، ولو كان الأمر على ما ~~ذكره بعض أصحابنا من إعادة الصلاة، كان من ضاع (¬1) له شيء غير جائز أن ~~يقول غير واجد له، لأنه موجود في العالم، والوجود هو القدرة على الشيء ~~المأمور باستعماله، وقد يقدر (¬2) عليه ويمنع من استعماله، وفي (نسخة)؛ لأن ~~الوجود قد يحصل ويوجد، إلا أن الواجد قد يحصل له سوى استعماله له إذا لم ~~يستعمله، فإذا وجد الماء بثمن وكان الثمن يجحف به من ذهاب نفقته أو رحله، ~~وخشي عند إخراج ذلك الثمن من يده على نفسه لم يكن عليه شراء الماء وتيمم، ~~وهذا لا تنازع فيه بين الناس فيما علمنا. فإذا وجده بثمن وكان الثمن غير ~~مجحف به وجب عليه شراؤه؛ لأن القادر على الثمن قادر على الماء ،فإذاوجده ~~بثمن يجد مثل ذلك الماء بدون ذلك الثمن إذا كان الوقت قائما، فأما إذا لم ~~يجد إلا ذلك الماء فالواجب عليه شراؤه، لأن الثمن المطلوب (¬3) منه حيث لا ~~ماء غيره، وكذلك إذا جاء إلى بئر وليس عنده حبل ولا دلو وجب عليه شراء حبل ~~ودلو ليتوصل إلى الماء إذا وجد السبيل إلى شرائهما، وبالله التوفيق. # ¬__________ # (¬1) في (ج) أما ، (أ) أضاع. # (¬2) في (أ) تقدم. # (¬3) في (ج) المطلوب. PageV01P235 # وإذا تيمم المسافر ودخل في صلاة ثم رأى الماء أن عليه أن يقطع الصلاة ~~ويرجع إلى الطهارة ms176 بالماء، فإن قال قائل: لم أوجبتم عليه الخروج من الصلاة ~~وقد دخل فيها بأمر الله جل ذكره، وقد تطهر بالطهارة التي أمر الله بها عند ~~عدم الماء، وحصل بها طاهرا، وكان مأمورا بالصلاة؟ قيل له: عليه استعمال ~~الماء عند وجدانه إياه لعموم الخبر، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم : ~~(الصعيد الطيب طهور المسلم ولو إلى عشر حجج، فإن وجدت الماء فأمسسه جلدك) ~~(¬1) ولم يذكر في صلاة من غير صلاة؛ قال الله تعالى: { وإن كنتم مرضى أو ~~على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء } (¬2) ، الدليل على ~~أن للجنب أن يتيمم إذا لم يجد الماء، لأن الله جل ذكره في ابتداء الآية ~~بأنواع الطهارات بالماء، فلما قال: { وإن كنتم مرضى أو على سفر? } أراد أن ~~تكون طهارة التيمم مقام الطهارات بالماء والله أعلم، فوجب أن يكون قوله: { ~~أو لامستم النساء? } كناية عن الجماع، وليقوم ذلك مقام قوله: { وإن كنتم ~~جنبا فاطهروا } (¬3) ، ويؤكد ذلك ما روي عن عمار أنه أجنب فتمعك في التراب، ~~فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إنما يكفيك هكذا، ومسح بكفيه ~~وجهه ويديه) (¬4) ، ومن طريق أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن ~~الجنب أيتيمم؟ قال: (التيمم طهور المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجد الماء ~~فليمسه بشرته) (¬5) ، وظاهر الخبر يدل على أن الغسل باليد ليس بواجب والله ~~أعلم؛ والتيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين، كما لابد لكل عضو من ماء ~~جديد. وقد روي مثل ذلك عن عمار أنه قال: (تيممنا في سفر عند رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بضربتين: فضربة للوجه، وضربة لليدين) (¬6) # ¬__________ # (¬1) تقدم ذكره. # (¬2) النساء: 43 ، المائدة: 6. # (¬3) المائدة: 6. # (¬4) رواه أحمد والنسائي. # (¬5) كيفية التيمم. # (¬6) رواه أحمد والنسائي.. PageV01P236 # ولا يجوز التيمم عندي إلا بالتراب دون غيره لقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم : (جعلت لي الأرض مسجدا وجعل ترابها طهورا) (¬1) ، وهذا اللفظ المنقول ~~عنه يوجب ما قلنا، والله أعلم. والتيمم (¬2) أن يضرب بيديه على الأرض ويفرق ~~بين (¬3) أصابعه، ولا بأس ms177 أن ينفضهما ثم يمسح بهما وجهه، ثم يضرب بهما ضربة ~~أخرى فيضع اليسرى على ظاهر يده اليمنى ويمرها على ظاهر الكف، ثم يعمل كفه ~~اليمين (¬4) على ظاهر كفه الأيسر مثل ذلك، وإن أخطأ شيئا من مواضع الوضوء ~~لم يصبه التراب أجزأه، وليس عليه أن ينوي بالتيمم فريضة ولا صلاة تطوع، ~~ولكن ينوي به طهارة للصلاة، أو لرفع الحدث. وقد وجدت في الأثر (¬5) لبعض ~~أصحابنا البصريين أن التيمم لا ينقضه إلا وجود الماء أو الحدث كطهارة الماء ~~باقية لهم، ولعلهم يحتجون بقول النبي صلى الله عليه وسلم : (التيمم طهور ~~المسلم ولو إلى عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسسه جلدك) (¬6) والله أعلم. ~~والتيمم لكل مسافر طال سفره أو قصر، لأن عموم الآية وظاهرها يوجب ذلك؛ ~~وكذلك كل مريض يخاف زيادة مرض بالماء، وروي عن ابن عباس أنه قال: نزلت هذه ~~الآية فيمن به جراح أو قروح، ومن صلى وبه دم ولم يمكنه غسله صلى كما أمكنه ~~من جبائر أو غيرها، ولا إعادة عليه، ألا ترى أن المستحاضة تصلي مع سيلان ~~دمها، ومن أجنب ولم يجد من الماء ما يكفيه لغسله وهو في سفر تيمم لأن الله ~~جل ذكره قال: { وإن كنتم جنبا فاطهروا } ، فمن لم يدخل في هذه الجملة ممن ~~أجنب دخل في قوله: { ولم تجدوا ماء فتيمموا } ، لأن هذا غير واجد لما أمر ~~الله به والله أعلم. وقال بعض أصحابنا: من نسي الماء ولم يعلم مكانه وهو ~~عنده أو في رحله وتيمم وصلى، ثم علم بمكانه أنه (¬7) # ¬__________ # (¬1) تقدم ذكره. # (¬2) كيفية التيمم. # (¬3) من (ج). # (¬4) في (ج) اليمنى. # (¬5) الأثر: أي خبر الأولين وبعض ما تركه أجلاء العلماء في الفقه ~~الإسلامي. # (¬6) تقدم ذكره. # (¬7) في (ج) أن.. PageV01P237 # لا قضاء عليه: لأنه غير واجد للماء، وقال بعضهم: عليه القضاء، والنظر ~~يوجب عندي هكذا لأن الناسي للرقبة في ملكه لا يجزيه الصوم الذي هو بدل ~~منها؛ وكذلك من صلى بثوب نجس ولم يعلم، أو نسي نجاسته أو صلى على غير طهور ~~وهو ناس لحدثه، فعليه القضاء، ms178 وهذا باتفاق منهم والله أعلم وبه التوفيق. # وإذا خوطب الإنسان بفعل الصلاة وقد حضر وقتها فلم يجد ماء ولا صعيدا فإن ~~عليه الصلاة، وليس عجزه عن وجود ما يتطهر به لها يسقط عنه فرضها، كما قال ~~بعض مخالفينا: واحتج بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : (لا تقبل صلاة ~~بغير طهور) واعتمد على ظاهر الخبر، ونفى أن تكون الصلاة مقبولة إذا لم تكن ~~طهارة، واحتج بأن الله جل ذكره، لا يكلف الإنسان صلاة غير مقبولة. وهذا ~~عندنا لمن قدر على الطهارة، الدليل على ذلك أن الصلاة قد وجبت بقول الله ~~تعالى: { أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة } ، ?وقد تيقنا ثبوتها، وما تيقنا ~~ثبوته فلا نزيله إلا بدلالة، والخبر الذي احتج به محتمل أن لا تقبل صلاة ~~بغير طهور ممن يقدر عليه. PageV01P238 # فإذا كان الاحتمال واقعا لم ينتقل عما تيقناه؛ فإن قال: إن من شأننا ~~التعلق بالعموم، والخصوص، ولا يزيل الظاهر بما يحتمل من الخصوص إلا بدلالة؛ ~~قيل له: والآية أيضا محتملة أن تكون (¬1) : { وأقيموا الصلاة } ، ?وليس فيه ~~إذا كنتم طاهرين، وقد (¬2) تعلق كل منا بعموم، واحتمل قول مخالفينا ~~التخصيص، ومن أمر بفعل شيئين فعجز عن فعل أحدهما لم يسقط عنه فعل ما قدر ~~عليه، وقد أمر بالطهارة والصلاة، فعجزه عن الطهارة لا يسقط عنه فرض الصلاة ~~والله أعلم. ألا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم : (إذا نهيتكم عن ~~شيء فانتهوا وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) (¬3) وهذا مستطيع ~~للصلاة ومعذور عن الطهارة. ووجدت أن ابن جعفر (¬4) يذكر في الجامع: أن عليه ~~أنه ينوي (¬5) التيمم ويصلي إذا لم يجد ماء ولا ترابا ولا أعرف وجه قوله في ~~هذا، فإن كان قولا لأحد من علمائنا فسواء إن كان من طريق الإيجاب ~~والاستحباب الأمر بالنية للطهارة، فيجب أن يكون منوبا للطهارة بالماء (¬6) ~~لأن التيمم بدل من الماء والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) في (أ) تكون. # (¬2) في (ج) فقد. # (¬3) تقدم ذكره. # (¬4) رواه محمد بن جعفر. # (¬5) من (ج). # (¬6) من (ب) و (ج). PageV01P239 # واختلف أصحابنا فيه ms179 إذا وجد الماء وقد خرج الوقت، فقال بعضهم: عليه قضاء ~~تلك الصلاة؛ لأنه صلاها بغير طهارة، والحجة لأصحاب هذا الرأي: إنما خص ~~بوقت، فخروج الوقت لم يسقط إلا فعله أو بدلا منه، ألا ترى إلى النائم ~~والناسي خروج الوقت لا يسقط عنهما فرض الصلاة، فإن قال قائل: إن النائم ~~والناسي إنما وجب عليهما بقول النبي صلى الله عليه وسلم ولولا ذلك لكان ~~سبيله ما لم يرد به وجوب فرض والله جل وعلا أن يفرق بين أحكام المتشابهات. ~~قيل له: لقد رأينا من جعل له حكم الإفطار من صومه لعجزه عنه عن البدل، وإن ~~خرج الوقت بل القضاء يجب عليه مع القدرة أحد أدلة من قال: بإيجاب البدل ~~عليه إذا وجد الماء وإن خرج الوقت، والله أعلم بالأعدل من القولين. # وقال بعضهم: لا قضاء عليه، وهذا القول عندي أنظر؛ لأنه صلى كما أمر، ~~فوجود الماء بعد خروج الوقت لا يوجب عليه قضاء قد زال في وقته والله أعلم؛ ~~فيجب لمن صلى بغير طهور لعجزه عن الطهارة وقد كان معذورا أن يأتيها إذا قدر ~~عليها، ولا فرق بين الصلاة والصوم عند من أوجب القضاء على المصلي بغير طهور ~~عدم الطهارتين الماء والتراب، والنظر يوجب عندي أنه لا قضاء عليه؛ لأن ~~القضاء إيجاب لفرض ثان ولا يجب إلا بخبر يوجبه التسليم؛ لأن الله تعالى قد ~~فرق بين العاجزين في الحكم، فأوجب على العاجزين عن الصوم القضاء، ولم يوجب ~~على العاجزين عن الصلاة القضاء، والقياس يؤيد ما اخترناه؛ لأن القياس صحيح ~~أن يشبه الصلاة بالصلاة أولى من أن (¬1) يشبه الصلاة بالصوم، وذلك (¬2) أن ~~الله تعالى أوجب على المرأة الصلاة كما أوجبها على الرجل. # ¬__________ # (¬1) في (أ) من (ج) ممن. # (¬2) في (أ) وذلك. PageV01P240 # كما أسقط عنها الصلاة في حال الحيض والنفاس لعجزها عن الطهارة، ثم لا بدل ~~عليها، كذلك يجب أن يكون الرجل تسقط عليه الصلاة بعجزه عن الطهارة، ثم لا ~~بدل عليه، فمن شبه العاجز بالعاجز والصلاة بالصلاة، أولى ممن يشبه الصلاة ~~بالصوم وبالله ms180 التوفيق. # وإذا امتنع الماء بغلائه وبلغ فوق ثمنه، وكان في شرائه على من عدمه ضرر ~~كثير، جاز له التيمم والاستبدال (¬1) به عنه، والاستغناء بالتيمم، وليس له ~~أن يتلف جزءا من ماله يضر (¬2) نفسه، الدليل على ذلك أن ثوبه لو كانت عليه ~~نجاسة فغسلها فلم يخرج أثرها لم يكن له قطعه، ولا إخراج جزء من ماله ولا ~~إتلافه، وإذا قطعت يد المتعبد من المرفق وجب عليه أن يغسل موضع القطع؛ لأنه ~~ظاهر موضع الوضوء؛ فإن قال قائل: ما أنكرتم أن لا يلزمه غسل ذلك من قبل أن ~~هذا الموضع لما كان باطنا في الابتداء قبل القطع، ولم يلزمه غسله أن يكون ~~بعد القطع كذلك؟ قيل له: هذا خطأ من قبل أنه لو أصابته في ساعده جراحة لها ~~غزر فبري (¬3) فيلزمه غسل الموضع؛ وكذلك لو ذهب جلده وزال، لزمه غسل ذلك ~~الموضع، وإن كان باطنا قبل ذهاب الجلد، والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) في (أ) الاستبلال. # (¬2) في (أ) بغير. # (¬3) برى من (ج). PageV01P241 # وإذا نسي المأمور بالصلاة الماء في رحله في حال (¬1) السفر حتى صلى ~~بالتيمم، قال بعض أصحابنا: يجزيه ولا إعادة عليه إذا تيمم وذكر الماء بعد ~~فراغه من الصلاة، فإن صلاته تامة لعدم القدرة على وجود العذر وهو في السفر؛ ~~فإن قال قائل: فما تقول في الناسي للقراءة في الصلاة، ليس هو غير قادر ~~عليها في حال النسيان ولم يسقط ذلك عندكم (¬2) فرض القراءة؟ قيل له: هذا ~~غير لازم، وذلك أنا لم نقتصر على عدم القدرة فقط بل ضممنا (¬3) (لعله ~~جمعنا) إليها معنى آخر وهو العذر ألا ترى إلى المكفر عن الظهار لما نسي ~~الرقبة أنها في ملكه وصام أنه لا يجزيه الصوم؛ لأن النسيان بمجرده لا يسقط ~~الفرض حتى ينضم إليه معنى آخر والله أعلم؛ ومن لزمه (¬4) عتق رقبة ولم يجد ~~إلا نصفا سقط عنه وكان عليه الصوم؛ ومن لزمه فرض الطهارة ولم يجد إلا ما ~~يكفي بعض أعضائه للطهارة كان عليه أن يتوضأ بما معه من الماء ويتيمم لما ~~بقي من ms181 أعضائه؛ الفرق بينهما أن الرقبة لو قطع بعضها لم تجز عن العتق، ولو ~~قطع بعض الأعضاء كان الفرض باقيا في الباقي منهما، ودليل آخر، أن الفرض في ~~كل عضو دون الآخر؛ فإذا توضأ بما معه من الماء لبعض أعضائه التي قد انفرد ~~كل عضو منها بالأمر بغسله بقي الأمر بوضوء باقيه، فإن وجد الماء لبقاء ~~الخطاب في باقيه، وإلا تيمم والله أعلم. # وقال بعض مخالفينا: إن فرض الطهارة يسقط عنه لأنها لا تجزي عنه ويتيمم ~~(¬5) ، وإذا اجتنبت المرأة ثم حاضت، لم يجب عليها الغسل لأجل الجنابة من ~~قبل أن الإغتسال ليس بواجب بعينه، وإنما يجب بغيره من العبادات في الصلاة ~~وقراءة القرآن، وهذا المعنى ساقط عنها بالحيض، فلذلك سقط عنها الغسل من جهة ~~الجنابة. # باب فيما ينقض الطهارة # ¬__________ # (¬1) في (ج) فيحال. # (¬2) في (أ) عدم. # (¬3) ا في (ج) ألزمه. # (¬4) في (ج) فإذا. # (¬5) من (ج). PageV01P242 # الذي ينقض الطهارة بإجماع الأمة خروج الغائط والبول أو أحدهما إذا كان ~~ينقطع وقتا ويعود وقتا، وخروج الريح من الدبر، وغيوب الحشفة في الفرج، ~~والنوم مضطجعا، وزوال العقل بجنون أو سكر أو مرض، والمذي والودي والمني ودم ~~النفاس؛ واختلفوا فيما سوى ذلك وفي الرواية من طريق ابن عباس (أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم كان ينام متكئا حتى ينفخ، ثم يقوم ويصلي، فقلت: يا ~~رسول الله إنك نمت، فقال:إنما تنتقض طهارة من نام مضطجعا( (¬1) فهذا يحتمل ~~أن يكون في كل حال في صلاة وغيرها. # ... ... مسألة ... # ¬__________ # (¬1) رواه النسائي وابن ماجه والبيهقي. PageV01P243 # إذا دخل الصبي في الصلاة ثم بلغ، عليه الخروج مما هو فيه؛ وعليه أن يتطهر ~~للصلاة، ويأتيها إذا كان مدركا لوقتها، ومن أدرك ركعة والوقت قائم فهو مدرك ~~للوقت إذا كان متطهرا. وإذا قدر على الطهارة ولم يبق في الوقت ما يأتي ~~بركعة، والوقت قائم ، فهو غير مدرك لقول النبي صلى الله عليه وسلم : )من ~~أدرك من العصر ركعة فقد أدرك الصلاة( (¬1) ، فإن قال قائل: لم وجب عليه ~~الخروج مما دخل فيه، وقد كان مأمورا ms182 بها وفعل الطهارة التي أتى بها؟ قيل ~~له: لما بلغ لزمه الفرض، فوجب أن لا يأتيه إلا بطهارة يقصدها، وصلاة ~~ينويها، لأنه صار في جملة المخاطبين بالآية وهو قول الله تعالى: { وما ~~أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين } (¬2) وقد كان قبل ذلك زائلا عنه ~~الخطاب، وإن قال: وكيف يعلم بلوغه وهو في الصلاة؟ قيل له: البلوغ يقع من ~~وجوه، أحدها: حدوث المني، ومنها استكمال السنين التي هي حد للبلوغ، وإن ~~اختلف الناس في ذلك الوقت، وإذا بلغ في النهار لم يلزمه صوم ذلك اليوم من ~~رمضان، ولا يجب عليه القضاء، وإن كان قد قال بالقضاء كثير من أصحابنا، لأن ~~اليوم الذي بلغ فيه غير مخاطب في بعض النهار فلا يلزمه صوم ذلك اليوم، ولا ~~يجب عليه قضاؤه ولا قضاء ما مضى من الشهر، لأن اليوم الذي بلغ فيه غير ~~مخاطب بصومه؛ لأن صوم بعض اليوم لا يجوز. ولا يصح الصوم إلا بنية من الليل. ~~فإن قال: فما الفرق بين الصوم والصلاة؟ قيل له: اختلاف حاليهما (¬3) في ~~الأوقات، لأن في الصوم وقتا يشتغل به من أوله إلى آخره، ولا يجوز إيقاع ~~الصوم في بعض وقته؛ والصلاة لها وقت لا يوجب الاشتغال به من أوله إلى آخره. ~~وجائز أن يؤتى بها في بعض وقتها، فالمدرك للركعة مع ثبوت الطهارة والوقت ~~قائم مدرك للوقت، فمن لزمه الخطاب بعد انقضاء بعض (¬4) وقت الصوم (¬5) # ¬__________ # (¬1) رواه أبو داود وأحمد. # (¬2) البينة: 5. # (¬3) في (ج) حالتهما. # (¬4) من (ج). # (¬5) في (أ) الصلاة.. PageV01P244 # لا يمكنه أن يأتي به لما ذكرناه آنفا أن وقته مخالف وقت الصلاة، والقضاء ~~إنما يجب إذ الخطاب قد لزم فلم يأته أو عذر بتركه، فأما من لم يخاطب بالشيء ~~فالقضاء عليه غير واجب والله أعلم. # اختلف أصحابنا في المتوضئ يمس الفرج وهو ناس، فقال بعضهم إذا مس ذلك وهو ~~ناس لم تنتقض طهارته؛ لأن الناسي لا لوم عليه، وكان (¬1) في التقدير غير ~~فاعل إذا لم يقصد إلى الفعل، وقال بعضهم: عليه النقض للطهارة في المس، ms183 ~~ناسيا كان أو عامدا، والنظر يوجب عندي إعادة الطهر على الطهر من مس متعمدا ~~أو ناسيا، فإن احتج محتج ممن أسقط عن الناسي الطهارة، وإن كان القاصد إلى ~~المس ممنوعا من ذلك بخبر النبي صلى الله عليه وسلم ، ووجب عليه إعادة ~~الطهر عليه لركوبه المنهي (¬2) بالقصد إلى فعل ذلك؛ والناسي فليس بقاصد إلى ~~فعل خالف فيه نهيا؛ يقال له: ما أنكرت أن يكون نقض الطهارة يجب بالعمد ~~بالخبر، ويجب نقض الطهارة على من مس ناسيا بالدليل فيكون الخطأ والعمد ~~سواء، لاتفاقنا على أن خروج الريح من الدبر تنقض الطهارة بالعمد والقصد ~~لإخراجها، وخروجها بغير قصد وعمد ينقض الطهارة أيضا، فنقض الطهارة يجب ~~بالعمد والسهو جميعا، وكذلك بالجنب أوجب الله عليه الغسل، وأوجبه عليه ~~الرسول عليه السلام أيضا، فخروج المني ناقض للطهارة بالاختيار، وبالاحتلام ~~الذي يخرج بغير اختيار، وكذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن ~~الشيطان ليأتي أحدكم وهو في الصلاة فينفخ بين إليتيه فلا ينصرف حتى يسمع ~~(¬3) صوتا أو يشم ريحا (¬4) # ¬__________ # (¬1) نسخة وكأنه من (ج). # (¬2) لعله المنهي عنه. # (¬3) في (ج) سمع. # (¬4) رواه مسلم والنسائي وأبو داود.. PageV01P245 # )، وقد علم أن ذلك إذا خرج فليس باختيار من المصلى، وكذلك قد أوجب الرسول ~~صلى الله عليه وسلم على المستحاضة الطهارة في الصلاة، واختلف في حكم ~~طهارتها، وما يخرج من المستحاضة فليس باختيار منها، فهذا يدل على أن ما ~~أوجب الوضوء فهو على (¬1) العمد والسهو سواء، والله أعلم وبه التوفيق. # وقال بعض أصحابنا: من تطهر لصلاة بعينها ثم شك في طهارته أنه لا يصلي ~~بتلك الطهارة حتى يتيقن أنه لم يحدث، وهذا قول عندي فيه نظر؛ لأن الطهارة ~~مأمور بها من كان بها محدثا، فإذا حصلت له وتيقنها كان له أن يصلي ما شاء ~~بتلك الطهارة ما لم يحدث، فإذا تيقن ثبوت الطهارة لم يكن شكه فيها هل أحدث ~~أم لم يحدث (¬2) لم تجزه صلاته حتى يتيقن الطهارة التي يدخل بها الصلاة، لا ~~تجزيه إلا بيقين. # الجواب عن هذا: أن الخبر ms184 قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم بالأمر ~~(¬3) بالثبات على اليقين المتقدم في الطهارة بقوله صلى الله عليه وسلم : ~~(إذا شك أحدكم فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يشم ريحا) (¬4) ، فلما جعل عليه ~~السلام البناء على الصلاة مع وقوع الشك، كان ينبغي أن يكون استفتاح الصلاة ~~مع وقوع الشك في الطهارة، ولا فرق بينهما وبالله التوفيق. # ¬__________ # (¬1) في (ج) في (برافع لما قد تيقنه ووافق أهل هذا الرأي الذي حكيناه ~~أهل المدينة واحتجوا بأنه إذا شك في الحدث). # (¬2) من (ج) (وليس له أن يبقى على اليقين الأول، وكما لا تسقط عنه ~~الصلاة إلا بيقين فكذلك الطهارة). # (¬3) لعلها بالبناء وهذا اللفظ أقرب عندي إلى الصواب. # (¬4) متفق عليه. PageV01P246 # وإذا ثبت الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم فليس إلا اتباعه، وقد ~~وافقنا الشافعي في هذا وقال: من ثبت له حكم يقين بشيء لم يزل الحكم عنه إلا ~~بيقين ثان، ثم لم يمض على قوله واستقامته في هذا الباب حتى قال في رجل وجد ~~رجلا ملفوفا في ثوب فضربه بالسيف فقطعه على نصفين، أنه لا شيء على القاطع ~~حتى يعلم أن الملفوف كان حيا، والحياة قد تقدمت بيقين، فلا يجب أن يزيل ما ~~تيقنه من حكم الحياة للشك المعترض، هل يحدث فيه موت؟ وقال أهل المدينة إذا ~~ضرب المتيمم بيده على الأرض أجزأه، علق بيده شيء أم لم يعلق، وهذا القول ~~(غلط عندي) (¬1) ممن قال به، الدليل على ذلك قوله جل ذكره: { ?فتيمموا ~~صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه } (¬2) يعني من الصعيد وقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم : (جعلت لي الأرض مسجدا. وجعل لي ترابها طهورا) (¬3) ، ~~فمن مسح بغير التراب فلم يمسح بالصعيد، والله أعلم. # والتراب النجس هو عندي كالماء النجس، وتراب الآجر والخزف هو عندي كالماء ~~المستعمل؛ لأن اسم التراب قد زال عنه، وصار مضافا إلى غيره (¬4) ، وتغير ~~بالصنعة، لعله بالصفة الحادثة فيه كالماء المستعمل الذي قد تغير عن وضعه ~~الأول لحدوث الواقع فيه والخارج منه، والله أعلم. # مسألة # ¬__________ # (¬1) في ms185 (ج) عندي غلط. # (¬2) النساء: 43. # (¬3) تقدم ذكره. # (¬4) من (ب) ، (ج). PageV01P247 # وغيبة المؤمن من كبائر الذنوب، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: (غيبة المؤمن تفطر الصائم وتنقض الطهارة) (¬1) ، ولا تنقض (¬2) ~~الطهارة وتفطر (¬3) الصائم وهما أكبر طاعات المؤمنين إلا كبائر الذنوب ~~وهذه الغيبة التي نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم هي الغيبة ~~للمؤمنين، ألا ترى إلى قوله عليه السلام: (أذيعوا عن (¬4) ذكر الفاسق تعرفه ~~الناس) (¬5) ، وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما لكم تورعون عن ~~ذكر الفاسق، أذكروا الفاسق بما فيه تعرفه الناس) (¬6) . # وقال الله تبارك وتعالى: { ?أبصر بهم وأسمع } (¬7) أي بصر بهم وسمع، ~~ففيما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لتعريف الفاسق إعلام الناس إياه ~~والإذاعة به وبأخباره لئلا يغتر به أحد من المسلمين، دليل على أنه إنما نهى ~~عن غيبة المؤمن دون غيبة الفاسق،ويدل على ذلك أيضاما روي عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: (لا تتبعوا عورات إخوانكم) (¬8) فهذا يدل من قوله على أن ~~الأمر بالستر على زلة المؤمن وغفلته، وأن يحذر من الفاسق ويعلن بخبره على ~~جهة النصح للمسلمين لئلا يغتر به أحد منهم، ويحسبه من جملة من يستنام إليه ~~في (¬9) أمر الدين والدنيا، والله أعلم. # مسألة # ¬__________ # (¬1) رواه البيهقي والنسائي. # (¬2) في (ج) ينقض. # (¬3) في (ج) يفطر. # (¬4) في (ج) يذكر. # (¬5) رواه الطبراني. # (¬6) رواه الطبراني. # (¬7) الكهف: 26 "أبصر به وأسمع، ما لهم به ولي". # (¬8) رواه مسلم و أبو داود وأحمد. # (¬9) في ساقطة من (ج). PageV01P248 # والواجب على المتطهر للصلاة أن يأتي بها على ترتيب القراءة، وعلى ما عليه ~~عمل الناس، وليس بمفروض ذلك عليهم في الكتاب ولا في السنة والله أعلم؛ وكان ~~الشافعي لا يجيز طهارة الأعضاء للصلاة إلا على ترتيب قراءة آية الطهارة، ~~وأنكر على من خالفه في ذلك، وأجاز هو غسل اليسرى قبل اليمنى، وأن يبتدئ ~~المتوضئ من المرفقين إلى الكعبين مع قول الله جل ذكره: { ?إلى المرافق? } ~~وبالله التوفيق. # ومن توضأ لفريضة أو نافلة أو لصلاة بعينها فهو على ms186 طهارته ما لم يحدث، ~~وهذا القول يدعي فيه مخالفونا بالإجماع عليه من الصحابة. والواجب غسل الفم ~~وداخل الأنف من الجنابة. الدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : ~~(فبلوا الشعر وأنقوا البشرة) (¬1) فلما كان الفم وداخل الأنف يباشران الفعل ~~وجب غسلهما لاستحقاقهما اسم البشرية والله أعلم. وأيضا فإن من خالفنا في ~~هذا وقد (¬2) وافقنا في غسل داخل الأذن، وداخل الأنف كداخل الأذن، فإن احتج ~~بشعر الأذن؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بأن يبل الشعر قيل له: ~~فيجب غسل داخل الأنف للشعر الذي فيه ولا فرق في ذلك، والله أعلم. # باب في غسل الميت # ¬__________ # (¬1) 6 تقدم ذكره. # (¬2) في (ج) قد. PageV01P249 # وواجب غسل الميت قبل دفنه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (إغسلوا ~~موتاكم) (¬1) ، وغسل الموتى فرض على الكفاية إذا قام به (¬2) بعض الناس سقط ~~على الباقين، وفي رواية (¬3) عن النبي صلى الله عليه وسلم : (يغسل المحرم ~~بماء وسدر) (¬4) والمستحب للفاعل (¬5) أن يبدأ عند غسل الميت بميامنه، ~~والفرض في ذلك غسلة واحدة، والمأمور به ثلاث غسلات، ولا ينظر الغاسل إلى ~~عورته: (لنهي النبي صلى الله عليه وسلم أن ينظر المؤمن إلى عورة أخيه ~~المسلم) (¬6) ؛ لما روي عنه عن جابر بن عبد الله، وللزوجين أن يغسل كل واحد ~~منهما صاحبه؛ لأن العصمة باقية بينهما بعد الموت (¬7) ، قال الله جل ثناؤه ~~(نسخة) ذكره: { ?ولكم نصف ما ترك أزواجكم } (¬8) وقال: ? { والذين يتوفون ~~منكم ويذرون أزواجا } (¬9) والمدعي قطع العصمة بينهما محتاج إلى دليل؛ وإذا ~~ماتت المرأة وقد طهرت من الحيض، أو من الجنب، أجزأه غسل واحد؛ لأن غسل ~~الميت فرض على الأحياء، وغسل الحائض والجنب هو المتعبد به في حال (¬10) ~~حياته، فلا ينتقل إلى غيره: والغسل من الجنابة والحيض والنفاس يجب ~~بالطهارة، والميت قد زالت عنه الصلاة، ولا يؤخذ من شعر الميت ولا من أظفاره ~~وإن كان فاحشا، فإن فعل ذلك كان مخطئا؛ لأن الإنسان ممنوع من التسلط (¬11) ~~في جسد غيره إلا بدليل يوجبه ما يوجب التسليم له. والمحرم إذا غسل لم ms187 يكفن ~~إلا في ثوبه، ولا يمس بطيب ولا يخمر رأسه، لما روي (¬12) عن ابن عباس عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم ذلك، وأجمع الجميع أن (¬13) الماء القراح جائز ~~لغسل الأحياء والأموات. # ¬__________ # (¬1) تقدم ذكره. # (¬2) في (أ)، (ج) بذلك. # (¬3) في (ج) الرواية. # (¬4) رواه ابن حبان. # (¬5) في (ج) للغاسل.6من"ج" # (¬6) تقدم ذكره. # (¬7) رواه ابن حبان. # (¬8) النساء: 12. # (¬9) البقرة: 234، 240. # (¬10) في (ج) فيحال. # (¬11) في (ب). والمقتول في المعركة. # (¬12) أن يكون. # (¬13) من (ج). PageV01P250 # والمقتول (في المعركة أ) (¬1) لا يغسل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: (دم المقتول في سبيل الله يفوح مسكا يوم القيامة) (¬2) ، وفي هذا من ~~الأخبار كثير في دماء الشهداء، ومن قتل في غير المعركة فليس هذا سبيله، ولا ~~يجوز شق بطن الحامل إذا ماتت، ومن شق بطنها فقد أخطأ؛ لأن الحمل لا يعلم ~~(¬3) حقيقته، ولا يشق بطنها، ولا يعلم أيكون (¬4) أم لا يكون (¬5) ، واختلف ~~الناس في حكم الميت هل هو نجس بعد الموت، أو طاهر؟ فقال أصحابنا: نجس حتى ~~يطهر، وقال بعض مخالفيهم: هو طاهر وغسله ليس بمطهر له؛ لأنه نجس، وإنما هو ~~عبادة على الأحياء. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم (¬6) أنه قال: ~~(المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا) (¬7) ، فإن كان الخبر صحيحا فحلول الموت فيه ~~لا ينقل حكمه عما كان عليه قبل ذلك والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) من (ب)، (ج). # (¬2) رواه أبو داود. # (¬3) في (ج) تعلم. # (¬4) في (ب) أن يكون. # (¬5) من (ج). # (¬6) من (ب)، (ب). # (¬7) متفق عليه. PageV01P251 # وامرأة يفرق شعرها عند غسلها، وكذلك في الرواية عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم (¬1) أنه سئل عن امرأة ماتت: (فأمر (¬2) بفرق شعرها عند غسلها) وكذلك ~~في الرواية، والكفن (¬3) من رأس المال لقول النبي صلى الله عليه وسلم (¬4) ~~في ميت مات بحضرته فقال: "كفنوه في ثوبيه" (¬5) فأضاف الملك إليه. وقد غلط ~~من ذهب إلى أن الكفن من ثلث ماله، ويكره تضعيف الثياب وكثرتها على الميت ~~لما روت عائشة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب ليس ~~فيها قميص ولا عمامة) (¬6) ، ومن طريق ms188 غيرها (أنه كفن في ثوبين): والمأمور ~~به في الكفن البياض من الثياب للذكور والإناث، لما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: "عليكم بهذه الثياب البياض (¬7) ألبسوها أحياءكم، ~~وكفنوا بها موتاكم فإن من خيار ثيابكم (¬8) ، ولا يجوز الكفن للرجال إذا ~~كان من القز أو الحرير: ويقول النبي صلى الله عليه وسلم وقد أخذ قطعة من ~~ذهب وخرقة من حرير وقال: (هذان محرمان على رجال أمتي ومحللان (¬9) لنسائها) ~~(¬10) وكفن المرأة في خمسة أثواب، وكذلك روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~رفع في كفن ابنته أم كلثوم خمسة أثواب (¬11) ، ويستحب الطيب للميت ويتبع به ~~مواضع السجود، ويستحب تعجيل دفن الميت، لما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: (لا ينبغي أن تحبس جيفه مسلم بين ظهراني أهله) (¬12) . ~~ويكره أن يسرع بالجنازة إسراعا عنيفا، ويكره أن يتقدم الجنازة؛ لأنها ~~متبوعة والمستحب هذا (¬13) # ¬__________ # (¬1) من (ب)، (ج). # (¬2) أحمد والنسائي. # (¬3) من (ج). # (¬4) متفق عليه. # (¬5) رواه النسائي والطبراني. # (¬6) أخرجه الستة والبيهقي وأحمد. # (¬7) في (ج) البيض. # (¬8) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي وأحمد وقال الحاكم: ~~(صحيح على شرط مسلم). # (¬9) في (ج) محللان. # (¬10) متفق عليه. # (¬11) رواه البيهقي وأبو داود. # (¬12) رواه مسلم والترمذي. # (¬13) في (ج) ويستحب.. PageV01P252 # وإن تبعها أحد راكبا فلا بأس، وأولى بالصلاة على الميت عندي أفضل القوم ~~لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (ليؤم القوم أفضلهم) (¬1) ، وهذا الخبر ~~عموم ولم يخص صلى الله عليه وسلم صلاة من صلاة. وقال أصحابنا غير هذا، ~~فإن اعتل معتل بقول الله تعالى: { ?وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض } (¬2) ~~قيل له: قد يكون الأولى بالميت من طريق الرحم عبدا أو ذميا فلا يكون أولى ~~به في الصلاة. # ¬__________ # (¬1) تقدم ذكره. # (¬2) الأنفال: 75. PageV01P253 # واختلف الناس في غسل الميت يغسل ثم يحدث قبل أن يدخل أكفانه. فقال بعضهم: ~~يعاد عليه الغسل ما أمكن، وقال أصحابنا: يعاد عليه الغسل خمس مرات ثم يدرج ~~في أكفانه، وقال غيرهم: إذا غسل ثم أحدث لم يعد عليه الغسل ثانية ووضيء ~~وضوء الصلاة، (وقال آخرون: ms189 يغسل الحدث وحده، والنظر يوجب عندي أن يوضأ وضوء ~~الصلاة (¬1) ، لأن فرض غسله قد سقط بالغسلة الأولى، وإعادة الغسل عليه لا ~~يلزمهم؛ لأنه فرض ثان لا يجب إلا بخبر يقطع العذر ويلزمه (¬2) العمل به، ~~والنبي صلى الله عليه وسلم لم يجمع بين الحي والميت في الحرمة، ويجب أن ~~يفعل فيه كما يفعل في المحدث الحي إذا أحدث بعد سقوط الغسل عنه، والله ~~أعلم. وغسل الميت فرض على الكفاية إذا قام بغسله البعض سقط عن البعض الآخر، ~~لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (إغسلوا موتاكم) (¬3) فهذا خطاب ~~للمسلمين، فكل ميت من أهل الإسلام واجب غسله لأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم ، إلا الشهيد فإن النبي صلى الله عليه وسلم خصه من جملة موتى ~~المسلمين فأخرجه منهم بالنهي عن غسله بقوله: (زملوهم في ثيابهم ودمائهم) ~~(¬4) ، والشهداء هم الذي يقتلون في الحرب، وليس كل مقتول ظلما هو شهيد، وإن ~~كان قد خالفنا كثير من مخالفينا فزعم أن كل مقتول ظلما فهو شهيد، حتى ذكر ~~أن الساقط من النخلة، ومن سقط عليه شيء فقتله فهو شهيد، والشهداء (¬5) ~~عندنا هو المتفق عليه من قتل في حرب المسلمين محاربا معهم، ومعنى قوله عليه ~~السلام: (زملوهم في ثيابهم) (¬6) أي لفوهم فيها، وكل ملفوف فهو مزمل. # باب في الحائض # الثاني من كتاب الوضوء وما ينقض الطهارة # ونحو ذلك من النجاسات وغير ذلك. # بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين: # ¬__________ # (¬1) ما بين قوسين ساقطة من (ج). # (¬2) في (ج) ويندم. # (¬3) متفق عليه. # (¬4) رواه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه والبيهقي. # (¬5) لعلها: الشهيد. # (¬6) تقدم ذكره. PageV01P254 # اختلف الناس في الحائض تسمع آية السجدة. فقال بعضهم: عليها أن تسجد، وقال ~~آخرون: إذا طهرت سجدت، وقال أصحابنا: لا سجود عليها في ذلك، وهذا هو الذي ~~يوجبه النظر، ويدل اللب عليه، لأن الأمة أجمعت أن الحائض لا صلاة عليها ~~وأنها ممنوعة من الصلاة لأجل حيضها، فإذا بطل فرض الصلاة عنها لعلة الحيض ~~فالسجدة أولى أن لا تجب عليها، وأيضا فإن نفس سجود القرآن مختلف في ms190 إيجابه ~~على الطاهرة، فأما الحائض فلا معنى لسجودها إذ السجود صلاة، والصلاة لا ~~تجوز بغير طهور، ولا سبيل للحائض إلى الطهر، إنما يجب بزوال الحدث، وحدث ~~الحائض قائم بحاله، ومحال أن تكون الحائض بالماء متطهرة وحيضها موجود، ~~والموجب عليها السجود في حالها بعد التطهر من الحيض أيضا محتاج إلى دليل؛ ~~واختلف أصحابنا في الجنب يقرأ القرآن، فروى علي بن أبي طالب قال: كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم لا يمتنع عن قراءة القرآن إلا إذا كان جنبا، ~~وروي عن ابن عمر أنه سئل عن الجنب هل يقرأ القرآن؟ فقال: لا، قيل له: فآية، ~~قال: ولا نصف آية. وروي عن ابن عباس أنه أجاز للجنب أن يقرأ القرآن الآية ~~والآيتين. وروي عن غير هؤلاء من الصحابة إجازة القراءة للجنب، والمشهور مما ~~عليه من الفقهاء أن الجنب لا يقرأ القرآن لما عندهم في ذلك من الروايات ~~الصحيحة، وضعف بعض أصحاب الحديث ما روي عن علي بن أبي طالب. وبعض المتفقهة ~~ممن أجاز القراءة للجنب تأول حديث علي بن أبي طالب على غير وجهه، فإذا كان ~~الجنب ممنوعا من قراءة القرآن فالحائض أولى عندي بالمنع؛ والله أعلم. PageV01P255 # ولا تجوز للجنب الصلاة حتى يتطهر، وكذلك لا يجوز للحائض حتى تطهر وتتطهر؛ ~~وقالت الفرقة المجوزة للجنب قراءة القرآن: إن النبي صلى الله عليه وسلم ~~يذكر الله في كل أحواله، والذكر لله قد يكون قرآنا وغير قرآن، وكل ما وقع ~~عليه اسم ذكر الله تعالى فغير جائز أن يمتنع منه أحد. قال: ولو كان الخبر ~~في منع الجنب من قراءة القرآن صحيحا لم يجز رد الحائض إليه قياسا، وكان ~~الله تعالى قد أباح للناس أجمعين تلاوته وخص الجنب بالمنع من جملة من أذن ~~له بذلك، وبقي الباقي على الإباحة، وقد غلط من ذهب إلى إجازة القرآن للجنب ~~والحائض من حيث تأوله الروايات والمنع لهما من ذلك. ولعمري لولا الخبر ~~الوارد بذلك لكان الاستكثار من ذكر الله بالقرآن في كل الأحوال أفضل لمن ~~فعله (¬1) ، ولكن لاحظ ms191 للنظر مع ورود الخبر، ولله أن يتعبد عباده بما شاء، ~~ألا ترى إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم (الصلاة خير موضوع، فمن شاء ~~فليقلل ومن شاء فليكثر) (¬2) ، @@ومع ذلك فالحائض والجنب ممنوعان من الصلاة ~~مع قول النبي صلى الله عليه وسلم لحذيفة بن اليمان وقد أجنب وقد امتنع من ~~مصافحة النبي صلى الله عليه وسلم لأجل جنابته، فقال له النبي صلى الله ~~عليه وسلم : (المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا) (¬3) وبالله التوفيق. # ¬__________ # (¬1) في (ج): تركه. # (¬2) رواه الطبراني في الأوسط. # (¬3) متفق عليه. ... PageV01P256 # واختلف علماء المسلمين من المتقدمين والمتأخرين في الحائض ترى الدم وقد ~~دخل وقت الصلاة، فقال بعضهم: إذا حاضت وقد دخل الوقت فعليها إعادتها إذا ~~طهرت، وقال بعضهم: إذا حاضت وقد دخل من الوقت بقدر ما لو تطهرت وصلت قضت ~~صلاتها فأخرتها حتى حاضت أن عليها قضاءها إذا طهرت، وإذا كان دون ذلك فلا ~~قضاء عليها، وأما بعض مخالفينا فإنه يرى أنه لا قضاء عليها إذا حاضت في وقت ~~الصلاة، لأنها كان لها أن تؤخر الصلاة بالتوسعة لها في ذلك فإن حاضت في وقت ~~كان لها أن تأخر الصلاة فيه، ثم منعت من الصلاة بالحيض الحادث عليها، لم ~~تكن مضيعة لصلاتها، ولا إعادة عليها إلا أن تكون قد أخرتها إلى آخر وقت ~~الصلاة، أو في حال لو أرادت أن تصلي لم يكن لها في الوقت ما تقضي فيه ~~الصلاة، وقول أصحابنا أقوى في باب الحجة والله أعلم؛ لأنها خوطبت بالصلاة ~~وأمرت بفعلها فالأمر بالفعل لا يسقط التأخير. PageV01P257 # واختلفوا أيضا إذا طهرت وقد بقي من الوقت اليسير الذي لا يمكنها فيه ~~التطهر والصلاة، فرأى عليها بعض الفقهاء تلك الصلاة لأنها طهرت وهي في ~~الوقت، وأسقط عنها الصلاة آخرون، واختلفوا أيضا في التعاويذ تكون في الرجل ~~والمرأة، ثم يجنب الرجل وتحيض المرأة، وفي مس الدراهم وعليه ذكر الله أو ~~شيء من القرآن فرخص (¬1) فيه بعض الفقهاء وشدد فيه آخرون، وفي الرواية عن ~~عائشة إنها قالت: (كنت أغسل رأس رسول الله صلى ms192 الله عليه وسلم وأنا حائض) ~~(¬2) ، وغسلها في يديها، لأن حكم اليد حكم سائر البدن، إلا موضعا فيه نجاسة ~~قائمة، وإذا لم يكن (¬3) هنالك نجاسة مرئية أو محسوسة لم يجب أن يتغير حال ~~الإنسان عن حكم حاله التي كان عليها؛ واتفق أيضا جل علمائنا على أن الحائض ~~إذا طهرت من الحيض لم يجز لزوجها غشيانها إلا بعد التطهر والاغتسال أو ~~الصعيد عند عدم الماء؛ ووجدت قولا في الأثر لبعض أصحابنا أجاز ذلك قبل ~~الاغتسال: والأول هو الذي يوجبه النظر، وعليه العمل عندنا؛ وجماعة من وجوه ~~فقهاء مخالفينا يقولون بذلك عندنا: والذي يذهب إليه من جوز غشيانها إذا ~~طهرت من الحيض قبل التطهر حجته؛ إنها لا تخلو أن تكون حائضا أو تطهرة، فإن ~~تكن حائضا لم تؤمر بالصلاة ولم يكن لزوجها وطؤها، وإن كانت طاهرة مأمورة ~~بالصلاة إذ الصلاة لا يؤمر بها إلا من كان طاهرا فلزوجها غشيانها؛ وحجة ~~أصحاب القول الأول إنهم أجمعوا مع مخالفيهم على تحريم وطئها لأجل حيضها. ثم ~~اختلفوا في إباحة وطئها بعد انقطاع دمها، واتفقوا على إباحتها بعد التطهر ~~بالماء، فهم على الحظر (¬4) حتى يجمعوا على ارتفاعه وإباحته وبالله ~~التوفيق. # ¬__________ # (¬1) من (ب) ، (ج)، (أ) من خص. # (¬2) رواه مسلم وأبو داود والنسائي. # (¬3) (ج): تكن. # (¬4) في (أ) الحصر (ب)، (ج) الحضر. PageV01P258 # واختلف أصحابنا في المرأة تجنب (¬1) ثم تحيض قبل أن تغتسل، فقال بعضهم: ~~إذا طهرت اغتسلت غسلين؛ (¬2) لأن فرض كل واحد منهما غير الفرض الآخر، وهي ~~مأمورة بالتطهر من كل حدث منهما، ولا تخرج مما أمرت به إلا بفعله. وقال ~~آخرون: يجزيها غسل واحد للجميع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطوف ~~على نسائه في الليلة ثم يغتسل لذلك غسلا واحدا. ولو أن رجلا كان محدثا ومعه ~~ماء قليل وليس عنده غير ثوب نجس، والماء لا يكفيه لحدثه وطهارة ثوبه كان له ~~أن يستعمله لحدثه إن شاء، وإن شاء لطهارة ثوبه لأن تطهير الثوب للصلاة فرض؛ ~~يقول الله عز وجل: { ?وثيابك فطهر } (¬3) ، والتطهر من الحدث بالماء فرض ms193 ~~عند وجوده بقوله تعالى: { ?إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم } (¬4) ~~الآية. وقال أصحابنا: إنه يستعمل الماء لحدثه ويصلي بالثوب، واختلف أصحابنا ~~في المرأة تجامع ثم تحيض قبل الاغتسال، فقال بعضهم: إذا طهرت اغتسلت غسلا ~~واحدا للجميع وهو قول أكثرهم. وقال بعضهم: عليها غسلان وهو الذي نختاره؛ ~~لأن الله تعالى أوجب على الجنب التطهر بقوله جل ذكره: ? { وإن كنتم جنبا ~~فاطهروا } (¬5) ، فهذه لفظة مشتملة على الذكور والإناث فعليها الاغتسال من ~~الجنابة بأمر الله تعالى لها بذلك، وقد أمرها رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عند إدبار حيضها بالاغتسال؛ لقول صلى الله عليه وسلم (إذا أدبرت ~~الحيضة فاغتسلي وصلي) (¬6) ، فعليها أن تغتسل بالسنة والكتاب غسلين (¬7) . # ¬__________ # (¬1) في (ج) نسخة تجنتب. # (¬2) في (ج) غسلتين. # (¬3) المدثر: 4. # (¬4) المائدة: 6. # (¬5) النساء: 43. # (¬6) متفق عليه. # (¬7) في (ج) غسلتين. PageV01P259 # فإن قال قائل ممن يخالف هذا القول: أليس إذا عدمت الماء كان لها أن تتيمم ~~تيمما واحدا بإتفاق؟ وكذلك يجب أن يكون حكم المبدل منه، قيل له: ومن يسلم ~~لك ذلك، والحسن يقول عليها طهارتان، والطهارة تكون بالماء وبالتيمم أيضا، ~~ولا يجوز أن يكون باتفاق قبل الحسن ويقول بعده بخلافه. هكذا يظن به مع علمه ~~وإطلاعه على معرفة الاختلاف والله أعلم. # باب في النجاسات PageV01P260 أجمع الناس على جواز استعمال الجلد المذكى ~~والمطهر والتطهر بما فيه من الماء، وإن لم يكن مدبوغا، وتنازعوا في استعمال ~~جلد الميتة إذا دبغ، واختلف أصحابنا أيضا على قولين، فجوز بعضهم استعماله ~~بعد الدباغ، وقال آخرون: الميتة لا يطهرها الدباغ. وحجة من لم يجوز قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم : (لا تنتفعوا من الميتة بشيء) (¬1) ، والحجة ~~لمن أجاز الانتفاع به بعد الدباغ قول النبي صلى الله عليه وسلم : (أيما ~~إهاب دبغ فقد طهر) (¬2) ، وظاهر هذا الخبر يبيح استعمال كل جلد محرم علينا ~~استعماله قبل الدباغ، إذ العموم يوجب ذلك، إلا ما قام دليله، وهذا الذي ~~نذهب إليه ونختاره، إجازة الانتفاع بجلد كل ميتة بعد الدباغ إلا جلد ~~الخنازير (¬3) . فإن قال قائل: لم تركت الخبر ولم تستعمل عمومه ms194 والظاهر ~~يوجب استعمال العموم؟ قيل له: قد قام الدليل على تخصيص الخنزير. فإن قال: ~~وأي شيء خصه؟ قيل له: القياس خصه. فإن قال: وأي قياس خص ذلك العموم؟ قيل ~~له: إن الخنزير نجس بعينه، وإذا كانت النجاسة بعينها محرمة لم يصح فيها ~~طهارة والعين قائمة، والميتة قد كانت غير نجسة ثم تنجست بالتحريم، فلما ~~نقلها الرسول صلى الله عليها وسلم من نجاسة إلى طهارة لم يدخل فيه ما لا ~~توجد الطهارة فيه والله أعلم، فإن احتج محتج لمن لم يجوز الانتفاع بجلد ~~الميتة إذا دبغ بقول النبي صلى الله عليه وسلم : (لا تنتفعوا من الميتة ~~بشيء) (¬4) قيل له: هذا خبر ضعيف قد تكلم فيه بعض حملة (¬5) # ¬__________ # (¬1) رواه البيهقي وأبو داود. # (¬2) متفق عليه. # (¬3) (ج) الخنزير. # (¬4) في (أ) جملة. # (¬5) رواه ابن حبان.. PageV01P261 # الأخبار، ولو كان ثابتا لم تكن فيه دلالة على ما ادعيت؛ لأن من شأن أهل ~~العلم أن يعتبروا الخبرين إذا وردا، فإذا كان أحدهما عاما والآخر خاصا ~~اعترضوا بالأخص على الأعم، ولا يعترضون بالأعم على الأخص، فقوله صلى الله ~~عليه وسلم : (لا تنتفعوا من الميتة بشيء) (¬1) لا يفيد أكثر مما أفاد في ~~الآية، وهو قول الله تعالى: { حرمت عليكم الميتة } (¬2) ، ومن شأن العلماء ~~أن يطلبوا الخبر الذي فيه زيادة وفائدة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ~~(أيما إهاب دبغ فقد طهر) (¬3) . فقد خص بعض تلك الجملة فأدخلها في خبر (¬4) ~~الإباحة، وإذا كان هذا هكذا وجب أن يعترض بقوله صلى الله عليه وسلم : ~~(أيما إهاب دبغ فقد طهر) (¬5) على قوله (لا تنتفعوا من الميتة بشيء) (¬6) ، ~~لأن هذا عام وذلك خاص، فإن قال بعض من يحتج لمن لم يجوز الانتفاع بالإهاب ~~بعد الدباغ فقال: ها هنا خبر ورد لا عموم فيه، وصمد الرسول صلى الله عليه ~~وسلم إلى الجلد بعينه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : (لا تنتفعوا من ~~الميتة بشيء بإهاب ولا عصب) فالتعارض قد وقع، وإن تعارض الخبران وجب أن ~~يوقفا، ورجعنا إلى قول الله جل ذكره: { حرمت عليكم ms195 الميتة } ، والآية توجب ~~تحريم الميتة في جميع جهاتها، فلو (¬7) كان خبرك يبيح الجلد وخبرنا يمنع ~~منه علمنا أن هذا طريقه الخصوص والعموم. يقال له: هذا خبر قد تكلم فيه بعض ~~أهل النقل، ولو كان ثابتا ما لزمنا ما ألزمت (¬8) ، # ¬__________ # (¬1) رواه ابن حبان. # (¬2) المائدة: 3. # (¬3) متفق عليه. # (¬4) في (ب)، (ج): حيز. # (¬5) تقدم ذكره. # (¬6) تقدم ذكره. # (¬7) في (ج) فلما. # (¬8) ساقطة من (ج).. PageV01P262 # وذلك أن خبرك ورد بتحريم الإهاب، ونحن فلا نبيح استعماله مع استحقاق اسم ~~الإهاب، ولا نجيز استعماله حتى يزول عنه اسم الإهاب؛ لأن العرب إنما تسمي ~~الجلد إهابا ما لم يدبغ، فإذا دبغ سموه أديما فنحن لم نبح استعماله إلابعد ~~زوال اسم الإهاب عنه. والدليل على صحة ما قلناه من اللغة قول الشاعر حيث ~~عاب رجلا ووضع منه وعيره (¬1) إذ كان فقيرا ثم استغنى فقال شعرا: # قد كان نعلك قبل اليوم من أهب فصرت تخطر (¬2) في نعل من الأدم. # فهذا يبين ما قلناه وبالله التوفيق. # واتفق أصحابنا فيما علمت على استعمال صوف الميتة وشعرها وريشها وخالفنا ~~الشافعي في ذلك فحرم الشعر والوبر والصوف والعظام والقرن، واحتج بقول الله ~~عز وجل: { حرمت عليكم الميتة } (¬3) ، قال: فاسم الميتة مشتمل على جميعها، ~~لا فرق بين شعرها وصوفها ولحمها لعموم الآية، يقال: إن الله تعالى لم يشر ~~إلى عين بعينها، وإنما تركنا مع الاسم فكل ما وقع عليه اسم ميتة فهو محرم ~~تناوله، لم تقم الدلالة على استحقاقه اسم الميتة، والتحريم غير واقع عليه؛ ~~وقد تنازع الناس في وقوع اسم الميتة على الشعر والوبر، ولا دليل يدل على ~~وقوع اسم ميتة عليه: فمن تعلق بعموم الآية قوبل بعموم مثله، وهو قول الله ~~تعالى: { ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين } (¬4) ، ولم ~~يخص بعد هذا العموم الميتة ولا غيرها، فإن قال: { من أصوافها وأوبارها ~~وأشعارها } إذا لم تكن ميتة، قيل له: حرمت عليكم الميتة إلا الصوف والشعر ~~والوبر، ويكون كل منا متعلق بالعموم يطلب به، والصحيح ما قال أصحابنا. ~~الدليل على صحة مقالتهم أن ms196 الشعر والوبر والصوف والعظم والقرن لم يدخل في ~~ذلك التحريم عند قوله: { حرمت عليكم الميتة } (¬5) لما روي عن النبي صلى الله # ¬__________ # (¬1) في (ج) وغيره. # (¬2) في المنجد: مشى وهو يرفع يديه ويضعها. # (¬3) المائدة: 3. # (¬4) النحل: 80. # (¬5) المائدة: 3. PageV01P263 # عليه وسلم إنه مر بشاة لمولاة لميمونة، وقد كانت أعطيتها من الصدقة وقد ~~ماتت، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (هلا أخذتم إهابها فدبغتموه ~~وانتفعتم به؟ (¬1) ، قالوا: يا رسول الله إنها ميتة) تعلقوا بما تعلق به ~~الشافعي، فقال صلى الله عليه وسلم : (ليس الأمر كما وقع لكم إنها إنما حرم ~~أكلها)، فرد التحريم إلى ما يؤكل دون ما لا يؤكل، فهذا يبين أن التحريم لم ~~يقع على ما جوزه أصحابنا، وإنما يقع على ما يؤكل منها والله أعلم، ودليل ~~آخر يدل على صحة هذه المقالة قول الرسول صلى الله عليه وسلم : (ما قطع من ~~البهيمة وهي حية فهو ميتة) (¬2) ، وأجمع الكل على أن لو قطع عضو من أعضائها ~~وقع عليه اسم الميتة، ولو جز شعرها ووبرها لم تسم ميتة. وكان في إجماعهم ~~دلالة على تفريق بين ما يؤكل وما لا يؤكل، والعظم عندي على ضربين: فعظم ~~يؤكل، وعظم لا يؤكل، والعظم الذي لا يؤكل داخل في خبر الحظر (¬3) ، والعظم ~~الذي يؤكل فخارج من خبر الحظر، فإن قال قائل: ما العلة في النهي عن استعمال ~~إهاب الميتة إلا بعد الدباغ، وهو إنما يوضع به ملح أو رماد أو تراب، ويجعل ~~في الشمس، وما الذي نقل هذا من غير ما حكي عنه (¬4) ؟ قيل له: التعبد قد ~~ورد بذلك، وقد يرد الشرع على إيجاب فمنه بألفاظ، ومنه مالا يعقب بألفاظ، ~~وما عقب بألفاظ قد لا يكون علة وقد يكون علة. فأما ما يكون علة فقوله عز ~~وجل: { يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر ~~الله وذروا البيع ذلكم خير لكم } (¬5) ، فكان ما عقب به من ذكره { خير لكم ~~} علة لما رغب، وقد لا يعقب الخطاب بذكر شيء والعلة قد تعلمها (¬6) # ¬__________ # (¬1) - رواه ms197 الجماعة إلا ابن ماجه. # (¬2) - متفق عليه. # (¬3) - في (ج) حيز الحضر. # (¬4) - في (ج) نهي. # (¬5) الجمعة: 9 . # (¬6) (أ) تطيب .. PageV01P264 # إنها للمصلحة من فعل الحكيم، وما يعقب بالألفاظ قد لا يكون الحكم معلقا ~~به، وإنما يجري بطيب (¬1) النفس بسبب المحث على فعله والمرغب فيه؛ لأن ~~الإنسان يحب النظافة ويختارها، وفيما أمر عليه السلام من دباغ الإهاب ~~وتغييره عن حاله الأولى ضربا مما تميل إليه النفس وتختاره حتى يكون ذلك مما ~~يشتمل عليه إتيانه؛ الدليل على ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه دخل على سعد بن أبي وقاص. فقال: يا رسول الله أوصي بمالي؟ قال: لا، ~~قال: فالشطر؟ قال: لا، قال: فالثلث؟ قال: الثلث، والثلث كثير وإنك إن تدع ~~ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس بأيديهم) (¬2) فأراه صلى ~~الله عليه وسلم أنه فيما نهاه عنه صلاحا لمخلفه (¬3) وعيالهم ليسهل (¬4) ~~عليه ما أمره به، ولم يعلق الحكم بغنى الورثة ولا بفقرهم، ويدل على هذا ~~أيضا؛ لو كان للإنسان ألف دينار وكان له ورثة لم يجز له أن يزيد على الثلث ~~في الوصية حبة، ولو لم يكن في الحبة غنى للورثة. وأجمعوا أن لو خلف درهما ~~واحدا ووارثه يملك ألف دينار لم يكن له أن يزيد على الثلث حبة واحدة، وإن ~~لم يكن له في الحبة غنى لوارثه وبالله التوفيق. # وإن احتج محتج بأن إهاب الخنزير إذا دبغ طهر، واحتج بقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم : (أيما إهاب دبغ فقد طهر) (¬5) ، فقال: هذا عموم يشتمل على ما ~~يقع عليه اسم إهاب، يقال له: وكذلك قال الله تعالى: { وما أكل السبع إلا ما ~~ذكيتم } (¬6) ، وهذا عموم يدخل فيه الخنزير وغيره، فإن قال: إلا الخنزير، ~~يقال له: إلا إهاب الخنزير، وبالله التوفيق. # مسألة # ¬__________ # (¬1) (ج) تطيب . # (¬2) رواه البخاري، ومسلم وأبو داود وأحمد والنسائي. # (¬3) في (ج) لمخلفه. # (¬4) في (أ) ليشهد. # (¬5) تقدم ذكره. # (¬6) المائدة: 3. PageV01P265 # قال أصحابنا باستعمال السمن الذائب (¬1) إذا حكم له بحكم النجاسة للسراج؛ ~~لأن ما عرض فيه من النجاسة لم تحرم ms198 (¬2) عين السمن (¬3) ، وإنما منع من ~~استعماله للأكل لاختلاط النجاسة به، فإن قال قائل: لم لا يكون محرما ~~الانتفاع به لأجل نجاسته لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (لعن الله ~~اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها) (¬4) ، قيل له: الشحم ~~حرمه الله عليهم بعينه فعينه محرمة عليهم: والشحم والسمن الحلال المعترض ~~عليهم النجاسة ليس كذلك، بل إنهما عرض فيهما من النجاسة، فقد قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : (فإن كان مائعا فأريقوه وإن كان جامدا فألقوها وألقوا ~~ما حولها) (¬5) . # ولو جاز الانتفاع به ما أمرنا بإراقته، وهو ينهى عنه إضاعة المال، ألا ~~ترى إلى سؤر الكلب لما لم يجوز الانتفاع به أمرنا بإراقته، ولما مر بشاة ~~مولاة لميمونة وهي ميتة لم يجوز الانتفاع بها في الحال بوجه من الوجوه لبقي ~~المعنى الذي به يتوصلون إلى الانتفاع به مع حصول النجاسة في الحال الثاني ~~وهو الدباغ، فلو كان للسمن وجه يجوز الانتفاع به مع حصول النجاسة فيه لما ~~أمرنا بإراقته، قيل: إن الأمر بإراقته لا يوجب ترك الانتفاع به من قبل أن ~~إراقته فيه إستهلاك، وقد يقع فيه الاستهلاك بوجه وينتفع به مثل الدباغ ~~والسراج وغيره أيضا، فإن الذي أفادنا الأمر بإراقته هو المانع من أكله، وقد ~~روي عنه _ صلى الله عليه وسلم _ أنه أمر بالاستصباح به من طريق علي، وإذا ~~كان الأمر على هذا حملناه على الوجه الذي يقع فيه (¬6) الانتفاع به، وإن ~~كان استهلاكا إذا لم يكن ذلك الانتفاع بالأكل. وإذا جاز الانتفاع به بعد ~~الدباغ وإن كان نجسا أباح ما كان ممنوعا من أجله والله أعلم. # مسألة (¬7) # ¬__________ # (¬1) (ج): الذيب. # (¬2) (أ) تحرم. # (¬3) من (ب) ، (ج)، (أ) غير. # (¬4) متفق عليه. # (¬5) متفق عليه. # (¬6) ناقصة من (ج) # (¬7) في(ب) فإن قال قائل. PageV01P266 # وإذا وقعت نجاسة في ماء فظهر فيه طعمها أو ريحها أو لونها نجس ما وصلت ~~إليه، قليلا كان الماء أو كثيرا، إلا أن يعلم أن ما وقع منها في طائفة ولم ~~يصل إلى بقيته، فتكون هذه البقية مما يجوز ms199 التطهر بها لزوال النجاسة عنها؛ ~~فلذلك قلنا إن الناحية التي فيها النجاسة لا يجوز التطهر منها، والأخرى ~~طاهر يجوز التطهر منها؛ لأن الله تعالى حرم النجاسة فلما علم كونها فيه ~~فشربه واستعماله حرام، ولا يشبه الماء الراكد الماء الجاري إذا وقعت فيه ~~نجاسة؛ لأن الماء الراكد لا يرفع (¬1) النجاسة من حيث حلت، والجاري فما ~~دونه تدفع النجاسة من موضعها حتى لا يعلم مكانها "فما لم ير لها أثر، ولم ~~يعلم موضعها فجائز الوضوء بالماء الجاري حتى يرى أثر النجاسة فيه، أو يغلب ~~ذلك الرأي فتقوى صحته في النفس والله أعلم. # والماء الجاري على ضربين " الأول: فجار فيه نجاسة متجسدة لا ينجس بها منه ~~إلا ما طابقها ولقيها من أجزائه بأجزائها دون سائره، ثم إذا انتقلت دفعت ~~مادة الماء إلى مكانها فطهرته، والضرب الثاني من الجاري أن تكون النجاسة ~~فيه مما حلته تفرقت أجزاؤها وصار على سبيل المجاورة، فحكمه النجاسة إلا أن ~~يكثر عليها الماء (¬2) فتصير فيه كالمستهلك، فحكم ذلك الطهارة لتلاشي ~~النجاسة فيه والله أعلم". # مسألة # ¬__________ # (¬1) في (ب) ، (ج) يدفع . # (¬2) في (أ) بالماء. PageV01P267 # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال: (لا يبولن أحدكم في الماء ~~الراكد ثم يتوضأ منه) (¬1) قال أصحاب الحديث (¬2) : الظاهر ولغير (¬3) ~~البائل الممنوع أن يتوضأ منه، والنظر يوجب عندي أن النهي عن التوضيء منه ~~لقلته؛ لأن الراكد من الماء قد يكون كثيرا، ويدل على ما قلنا قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم "حكمي على (¬4) الواحد منكم حكمي على الجميع" لقول ~~الله عز وجل: { وما أرسلناك إلا كافة للناس } . وليس إذا ذكر واحدا بمنع أو ~~إباحة لم يدخل فيه معه غيره (¬5) في باب العبادة، والحال (¬6) بينهما واحد ~~(¬7) والله أعلم؛ والماء الراكد على ضربين: فراكد قليل، وراكد كثير، وقد ~~روي من طريق آخر أنه قال عليه السلام: "الماء الدايم" (¬8) ، فالخبر إذا ~~سلم طريقه وصح نقله، فالنهي عن القليل الذي لا يحمل النجاسة لقلته، ويؤيد ~~ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : "الماء لا ينجسه شيء" يريد ms200 والله ~~أعلم إنه لا ينجسه شيء لكثرته وغلبته على النجاسة، وإذا وقع في ماء بير أو ~~غيرها إنسان، فمات فيه أخرج منها ونزح ماؤها كله أو مقدار ما فيها من الماء ~~إذا لم يقدر على نزح مائها كله، لما روي (¬9) عن ابن عباس وابن الزبير ~~أنهما نزحها زمزما من زنجي وقع فيها فمات، والتقدير لأصاحبنا في نزح البير ~~النجسة أربعين دلوا أو خمسين دلوا، إنما هو مقدار ما فيها من الماء قبل أن ~~يزيد ماء العيون، هكذا ظني أن قصدهم هذا، والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) متفق عليه، ورواه الجماعة. # (¬2) من (ب) ، (ج) أصحاب الحديث الظاهر. # (¬3) (ج) ولعن . # (¬4) من (ج) . # (¬5) من (ج) . # (¬6) في (أ) والمجال . # (¬7) ساقطة من (ج) . # (¬8) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي . # (¬9) رواه أبو داود والبيهقي . PageV01P268 # وقد روي عن ابن عباس وأبي هريرة وجابر بن عبد الله أن الجنب إذا اغتسل في ~~الماء أفسده، والميت أولى بفساد الماء إذا مات فيه؛ ولا يجب غسل جوانب ~~البئر إذا نزحت للإجماع على ذلك؛ ولأن الذي يلاقي جوانب البئر من الماء ~~النجس يزيله عنها ما يقع من جوانب البئر، لأنه ماء جار أو يرده إلى الماء ~~الراكد فيها فلا تبقى على جوانبها نجاسة، ولا يشبه الآبار مما وصفنا ~~الأواني؛ لأن ما لاقى جوانب الأواني لا يزيله إلا الغسل عنها، إذ لا يمتنع ~~(¬1) من جوانبها. وفي الرواية أن الصحابة أن اختلفوا في فأرة ماتت في بئر، ~~فأمر بعضهم أن ينزح منها أكثر مما أمر به الآخر، واتفقوا على نزحها، وإنما ~~الاختلاف بينهم في قلة الماء وكثرته، ولم ينقل مقدار الماء الذي كان فيها، ~~ومثل هذا يحتمل التأويل في قلة الماء وكثرته ومع وجود الطعم والرائحة والله ~~أعلم. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال: (لا يبولن أحدكم في ~~الماء الراكد ثم يتوضأ منه) (¬2) ، قال داود: ولغيره أن يتوضأ منه، يقال ~~له: إن الراكد قد يكون قليلا وقد يكون كثيرا. فما ينكر أن يكون أراد (¬3) ~~عليه السلام الماء القليل؛ فإن قال: هذا ms201 عموم، وكل ما وقع عليه اسم راكد ~~فالبائل فيه ممنوع من التطهر منه بظاهر الخبر. قيل له: ما تنكر أيضا أن ~~يكون غيره ممنوعا منه، وإن خص البائل بالذكر دون غيره لقول النبي صلى الله ~~عليه وسلم : (حكمي على الواحد منكم حكمي على الجميع) (¬4) فإن قال: فإن ~~البائل قد خص بهذا الحكم، قيل له: عليك إقامة الدليل، والظاهر معنا (¬5) ~~والعموم أيضا، ويقال له: ما تنكر أيضا أن يكون قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم : (فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك) (¬6) # ¬__________ # (¬1) في (أ) يستمتع. # (¬2) تقدم ذكره. # (¬3) في (أ) المواد. # (¬4) النسائي وابن ماجه. # (¬5) في (ج) معا. # (¬6) تقدم ذكره.. PageV01P269 # أن التعلق بهذا العموم واجب، فيكون هذا خطابا لكل محدث من جنابة قد كان ~~تيمم ثم وجد (¬1) الماء (¬2) . إلا من منع منه بنجاسة؛ فإن احتج بخبر ذؤيب ~~الخزاعي، قيل له: إن الإجماع منعنا من مشاركة غيره معه، وإذا ورد التوقيف ~~لم يكن معه للنظر حظ وبالله التوفيق. # وقد روي من طريق عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه: (نهى عن إلقاء ~~النجاسات في الماء) (¬3) ولم يذكر راكدا، ولا غيره؛ وفي هذا الخبر دليل على ~~أن حكم البول في الماء والتغوط فيه سواء، وقد فرق داود بينهما في الحكم ~~والله الموفق للصواب. # ¬__________ # (¬1) وجده في (ج). # (¬2) ساقطة من (ج). # (¬3) متفق عليه. PageV01P270 # إختلف أصحابنا في رجيع الأنعام فحكم بنجاسته بعضهم، ولم ير ذلك آخرون، ~~ويوجد عن أبي عبد الله أن رجيع الخيل والحمير وما لا يجتر فلا بأس برجيعه، ~~وقال العباس والمغيرة: إن رجيع مالا يؤكل لحمه من الخيل والحمير وما ~~أشبههما أولى أن يكون نجسا، وما يؤكل لحمه هو أشبه بالجواز في حكم التطهر، ~~لأن الناس اختلفوا في بول ما يؤكل لحمه، ولم يختلفوا في بول ما لا يؤكل ~~لحمه، والله أعلم؛ وقال بعض أئمتنا ممن يذهب إلى تنجيس البئر إذا حلتها ~~النجاسة القليلة وهي بمدذاحرها (¬1) إنها تنزح خمسين دلوا بعد أن تكون ~~الدلو طاهرة، وتطهر الدلوا بعد فراغ النزح بها، فإن كانت النجاسة ms202 متجسدة ~~لها غير قائمة في البئر لم يطهرها النزح الذي ذكرناه فيها إلا بعد إخراجها ~~من البئر، قال وإن وقعت الدلو في بئر أخرى قبل أن يغسل نزحت البئر الثانية ~~أيضا خمسين دلوا بعد أن يطهر الدلو، وكذلك كل بئر هذا سبيلها. قال: وإذا ~~بقي فيها دلو واحدة من الخمسين لم تنزح (¬2) في ذلك اليوم (نسختين) المقام ~~وأخرت إلى اليوم الثاني استقبل نزحها من أوله، وقد كان يجب من (¬3) أصله ~~أنه لا يوجب إخراج غير ذلك الدلو الباقية التي تتم بها نزح البئر وتطهر به؛ ~~لأن إبقاءها في البئر قبل (¬4) إخراجها لم يجب إخراج غيرها، كذلك إذا عادت ~~إليها لم تحدث حكما لم يكن في حال كونها في الماء والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) كذا في الأصل. # (¬2) في (ج) تنزح. # (¬3) في (ج) على. # (¬4) في (ج) قل. PageV01P271 # وأما أبو حنيفة فقال: لو استقى من طوي نجسة فصب في طوي طاهرة حكم للطوي ~~بالنجاسة، قال: وإذا نزح منها مقدار ما صب فيها من الطوي النجسة عادات إلى ~~طهارتها ولم يوجب إخراج ما صب فيها من النجس، وفرق الشافعي بين الوارد من ~~(¬1) النجاسة على الماء وبين المورود (¬2) عليه، ثم ناقض من قبل إنه قال: ~~القلتين من الماء إذا وردتا على النجاسة أو وردت النجاسة عليهما (¬3) ، ~~فسوى في هذا الموضع بين الوارد والمورود عليه، وكذلك في أقل من القلتين كذا ~~يقول (¬4) والله أعلم (¬5) ، ونسأله التوفيق. وإذا اجتنبت المرأة ثم حاضت ~~لم يجب الاغتسال من الجنابة من قبل أن الاغتسال ليس بواجب لعينه، وإنما يجب ~~لغيره من العبادات به في الصلاة وقراءة القرآن وهذا المعنى ساقط عنها ~~بالحيض، فلذلك سقط عنها الغسل من جهة الجنابة. # مسألة في الخاص والعام # ومعرفة الخصوص والعموم نحو قول الله عز وجل: { ولا تنكحوا المشركات حتى ~~يؤمن } (¬6) ، فحرم جميع المشركات بعموم هذه الآية، ثم خص من جملة ما حرم ~~نكاح المشركات الكتابيات لقوله عز وجل: { والمحصنات من المؤمنات من الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم } (¬7) فخص المشركات الكتابيات من سائر جميع ما حرم ms203 ~~من المشركات، ونحو ذلك ما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع ما ليس ~~معك، فكان هذا تحريما عاما، ولا يجوز للإنسان بيع شيء ليس في ملكه ثم خص من ~~جملته السلم وهو بيع ما ليس معه. # مسألة # ¬__________ # (¬1) في (أ) على. # (¬2) في (ج) المورود. # (¬3) في (أ) عليها. # (¬4) في (ج) نقول. # (¬5) ساقطة من (ج). # (¬6) البقرة: 221 . # (¬7) المائدة: 5. PageV01P272 # إختلف الناس في أبوال الدواب، واتفقوا على أن بول الخنزير وبول ابن آدم ~~نجس، وعندنا أن الأبوال كلها نجسة بدليل قول الله تعالى: { ويحل لهم ~~الطيبات ويحرم عليهم الخبائث } (¬1) ، والأبوال كلها مما تجتنب (¬2) ~~وتستقذر، وهي (¬3) في حيز الخبائث، فإن قال قائل: لم حكمتم بتنجيس بول ما ~~يؤكد لحمه، وقد خالفكم بعض العراقيين من أصحاب أبي حنيفة؟ قيل له: قد ~~وافقونا على أن بول جميع السباع والبهائم التي لا يؤكل لحمها إنه نجس، ~~وادعوا طهارة بول ما يؤكل لحمه ولا فرق بين ما يؤكل لحمه؛ إذ الأبوال كلها ~~سواء في المعنى، الدليل على ذلك أنا رأينا فيما لا يؤكل لحمه شيئين مائعين ~~أحدهما الدم، والآخر البول، فلما اتفقنا جميعا على أن حكم دم ما يؤكل لحمه ~~كحكم دم مالا يؤكل لحمه، كان البول بالبول أشبه في باب القياس والله أعلم؛ ~~واختلف الناس في بول الغلام قبل أن يطعم الطعام، واتفقوا على أن بول ~~الجارية نجس قبل أن تطعم الطعام، وعندنا أنهما سواء في النجاسة لما روي عن ~~علي بن أبي طالب سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن بول الرضيع: فقال ينصح ~~بول الصبي بالماء ويغسل بول الجارية # وفي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسل بول الجارية وهي لا تطعم ~~الطعام دليل على أن بول ما يؤكل لحمه نجس. # مسألة # ¬__________ # (¬1) الأعراف: 157. # (¬2) في (ج) تخبث. # (¬3) في (أ) وهو. PageV01P273 # وجائز الصلاة بالسترة إذا كانت من شعر الميتة وصوفها ووبرها لقول الله عز ~~وجل: { ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين } (¬1) وقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم في شاة مولاة لميمونة: (إنما حرم ms204 أكلها) وشعر ~~الخنزير محرم استعماله؛ لأن التحريم وقع عليه بكليته لأنه أقرب المذكورات ~~إلى الكناية؛ وإنما اختلف الناس في أبعد المذكورات إلى الكناية، والخنزير ~~أقرب المذكورات، والإجماع على ذلك هو كاف إن شاء الله، فإن قال قائل: ما ~~معنى قول الله عز وجل: { أو لحم خنزير فإنه رجس } (¬2) إذا لم يكن التحريم ~~مقصورا على اللحم؟ قيل له: قد يمنع الإنسان من الشيء لأجل الشيء، ألا ترى ~~أنك تقول لمن تجب عليه طاعتك: أكرم غلام زيد فإن له علي حقا، وأقرب المذكور ~~إلى الكناية زيد، فليس يستنكر أن يقول: (أو لحم خنزير)، فإن الخنزير رجس ~~والله أعلم، فإن احتج بعض المتأخرين بأبي عبيدة في طهارة الماء لغلبته على ~~النجاسة الواقعة فيه، فإن قال قائل: وجدت الله تعالى يعبد بعبادات عرفت ~~المتعبدين بعضها توقيفا عليها بعينها ودلهم على بعضها بأسمائها فنهى عن ~~البول وأمر باجتنابه، فكل ما وقع عليه اسم بول فقد دخل في حكم المنهي عنه، ~~إلا أن تقوم دلالة بتخصيص شيء منه، فينتقل حكمه، وكذلك أمرنا بالتطهر ~~بالماء وجعله طهارة للمتعبدين، وكل ما استحق اسم ماء فجائز التطهر به إلا ~~أن يمنع من ذلك ما يجب التسليم له، فإذا اجتمع ما أمرنا (¬3) باجتنابه من ~~البول والجنابة منه لطهارته وهو الماء: اعتبرنا حكمه بالأسماء والعلامات (¬4) # ¬__________ # (¬1) النحل: 80. # (¬2) الأنعام: 145. # (¬3) في (ج) أمر. # (¬4) في (ج) والعلامات.. PageV01P274 # الدال عليه فما استحق من اسمه كان حكمه ما دخل (ونسخة) اسم ما كان، فحكمه ~~ما دخل تحت اسمه، ولله تعالى أن يجعل البول ماء، ويجعل الماء بولا، ألا ترى ~~إلى أن ما اجتمع عليه أهل دعوتنا أن ما كان من الكرش نجس، وهو الفرث وهو ~~مجتمع الطعام الطاهر والماء والعلف، فإذا اجتمع هذان الطاهران في قرار واحد ~~وتجاورا نقل الله حكمهما عن حكمهما قبل ذلك، وانتقل اسم الطهارة عنهما إلى ~~اسم النجس يفترقان من محلهما، فيلقي الكرش البول إلى المثانة فيكون له حكم ~~النجاسة، ويلقي الفرث إلى الأمعاء فيصير له حكم الطهارة، وكذلك نقلت أحوال ~~عصير ms205 العنب من تحليل إلي تحريم، ثم إلى تحليل والجوهر واحد، وإنما تتغير ~~أحكامه بتغير أسمائه وانتقالهما لتغيير أوصافه والله أعلم، وهو الموفق ~~للصواب. # وقد كان هاشم بن عبد الله الخراساني يقول بقول أبي عبيدة في الماء، (¬1) ~~ويوافقه فيه بغلبة الاسم، ووجدت في الأثر، قال الوضاح بن العباس: سألت ~~والدي عن قدر الماء الذي يغتسل فيه الجنب، قال: خمس جرار؛ وقال سليمان بن ~~سعيد بن مبشر (¬2) : سألت والدي سعيد بن مبشر عن قدر الماء الذي يستنجي منه ~~(¬3) الرجل، قال: نحو قربتين من ماء، وقد قيل لأبي عبد الله: أتأخذ بذلك؟ ~~قال: نعم، يعني خوض أبي عبيدة ذلك الماء قال: قيل له: فهل يجوز الوضوء من ~~مثل ذلك الماء الذي خاضه أبو عبيدة؟ قال: لا، قال: قلت، فإن (¬4) مس منه ~~ثوبا رطبا فطار منه هل ينجسه؟ قال: ما أبلغ به إلى فساد صلاته، ويدل على أن ~~صب الماء بغير إجراء اليد عليه غسل يكفي قول أبي على موسى بن علي في جراب ~~كنز (¬5) بماء نجس أن ينكل ويصب عليه الماء صبا، وكذلك قالوا في بول الصبي ~~يصب عليه الماء صبا، وقالوا في جراب تبول عليه شاة: إن صب الماء على ظاهره ~~يكفي ولم يشترطوا إجراء اليد عليه. # باب في سؤر السباع # ¬__________ # (¬1) في (ج ) توافقه. # (¬2) في (ج) بشر. # (¬3) في (ج) فيه. # (¬4) في (أ) لأن. # (¬5) كذا في الأصل. PageV01P275 # إتفق أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة، ومالك بن أنس على إجازة سؤر الكلب ~~وطهارة فضل مائه وكذلك سائر السباع وأكل لحومها، وضعف الخبر المروي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في خبير في تحريم لحوم الحمر الأهلية، وكل ذي ~~ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير، طعنوا في بعض رجاله، والخبر قد ينقل ~~عن الرسول صلى الله عليه وسلم ويكون صحيحا عند بعض، وفاسدا عند آخرين، ~~إلى أن تقوم حجة الفاسد، والصحيح كالشاهد يكون عدلا عند معدل، ساقط الشهادة ~~عند معدل آخر، والله أعلم. الدليل لمن قال بتنجيس سؤر الكلب ما روي عن ms206 ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن ~~يغسل سبع مرات أولاهن وآخرهن بالتراب) (¬1) . # ¬__________ # (¬1) رواه مسلم والنسائي. PageV01P276 # وهذا الخبر منقول عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق أبي هريرة، وأما ~~ما روي من طريق ابن معقل (والثامنة بالتراب)، والزيادة عند أصحاب الحديث ~~معمول بها إذا صحت في أحد الخبرين كانت عندهم فائدة، قالوا والنبي صلى ~~الله عليه وسلم لا يسمي طهور الإناء وهو طاهر، وقالوا أيضا: وقد نهى صلى ~~الله عليه وسلم عن إضاعة المال، وفي نسخة الماء، وقد أمرنا بإراقة الماء ~~من ولوغ الكلب فلو لم يكن نجسا لم يأمر بتضييع ما أمر بحفظه، واحتج بعض من ~~احتج بقول أبي عبيدة ومالك أن الله تعالى سمى الجنب طاهرا وأمره أن يتطهر ~~بالماء الطاهر، فقال: { وإن كنتم جنبا فاطهروا } وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم (المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا)، قالوا: والتضييع لا يكون إلا ما لا ~~عوض عليه عاجلا ولا آجلا، ألا تراه أمرنا بالطهارة للصلاة ومن كان طاهرا. ~~وفي ذلك إراقة الماء وإتلافه، وكذلك الزكاة أمر بإخراج المال وقد أمر ~~بحفظه، ويقال: طهر الرجل أعضاءه وتطهر للصلاة، والطهور يقع عليه اسم الطاهر ~~والنجس، وأما داود بن علي فيوجد عنه أن الإناء يغسل عنده من ولوغ الكلب، ~~والماء عنده طاهر يجوز استعماله وغسل الإناء من ولوغ الكلب على الاختلاف ~~بين الناس اتفاقا قبل الاستعمال له، ولا يلزمه غسله على من لم يرد استعماله ~~باتفاق من الناس على ذلك. وكذلك الثوب وغيره من الأواني والله أعلم. # باب في سؤر الهر PageV01P277 اختلف الناس في سؤر الهر، فقال بعضهم: سؤره ~~نجس كسؤر الكلب، وقال آخرون: سؤره طاهر، واحتج هؤلاء بما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه كان يصغي الإناء إلى الهر ليشرب، وقال بعض مخالفينا: ~~يغسل الإناء من ولوغ الهر مرة أو مرتين، وقال داود: الحيوانات كلها طاهرة ~~إلا المشرك فإنه نجس عنده وسؤره طاهر معه، وقال الشافعي: سؤر الحيوانات ms207 ~~كلها طاهرة إلا الكلب والخنزير، وقال أبو حنيفة: سؤر المشرك طاهر، وروي عن ~~مالك في سؤر المشرك قولان أحدهما أنه نجس، والآخر أنه طاهر، وقال أبو ~~حنيفة، سؤر المشرك طاهر وسؤر الكلب نجس، والمشرك عندي أنه كلب نجس من قبل ~~أن الله تعالى سماه نجسا بقوله: { إنما المشركون نجس } (¬1) ، وسمى ~~المشركين قردة وخنازير؟، وسمى الكافر كلبا، قال: { فمثله كمثل الكلب } ، ~~وقال: { إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون } (¬2) ، وقال عز ~~وجل: { أولئك هم شر البرية } (¬3) ، فأخبر جل وتعالى: أنه لا أحد ممن خلق ~~وبرأ أ نه أشر من الكافر، والله نستهديه لما يحبه ويرضيه. # ¬__________ # (¬1) التوبة: 28. # (¬2) الأنفال: 55. # (¬3) البينة: 6. PageV01P278 # وسؤر السباع ولحمها عند أبي عبيدة حلال، وضعف خبر من روى عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في خيبر من تحريم لحوم كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من ~~الطير والحمر الأهلية؛ ووافقه على ذلك مالك بن أنس، وكانا في عصر واحد، ~~وأما ما ذهب إليه أصحابنا من أهل عمان من كراهيتهم لأكل لحومها وإن أكل آكل ~~منهم ذلك لم يخطوه (¬1) فلا نعرف في قصدهم لذلك وجها، لأن الناس على قولين، ~~منهم من قال: بقول أبي عبيدة في جواز أكلها وطهارة سؤرها، ومنهم من قال: ~~الخبر (¬2) وصحح الإسناد وحرم به الأكل والسؤر، والنظر عندي يوجب صحة الخبر ~~لأن إسناده ثابت ورجاله معهم عدول، وانتشار الخبر في المخالفين وقولهم به ~~كالمشهور فيهم، وعندي أن لحم جميع السباع حرام وسؤرها نجس، إلا السنور، فإن ~~سؤره ليس بنجس لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (إنها من الطوافين ~~عليكم والطوافات) (¬3) ، فخص صلى الله عليه وسلم السنور من جميع السباع، ~~(وإنه كان ليصغي إليه بالإناء ليشرب)؛ وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه ~~سئل عن الماء يكون بالفلاة وما تؤويه من السباع فقال: (إذا زاد الماء على ~~قلتين لم يحمل الخبث) (¬4) ؛ ومعلوم أن سؤر السباع لو لم ينجس شيئا من ~~الماء لم يكن للتفريق بين ما زاد على القلتين وما دونها ms208 معنى والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) لم يخطئوه. # (¬2) في (ج) بالخبر. # (¬3) رواه الخمسة. # (¬4) في (ج) عركات (رواه الخمسة). PageV01P279 # ودليلنا على من وافقنا في التحريم للحوم السباع وخالفنا في سؤرها أن ~~السؤر أيضا نجس، إنا لما رأينا الخنزير حرام لحمه ولبنه وسؤره نجس ~~بالإجماع، وجب أن يكون كل ما حرم لحمه ولبنه من السباع سؤره نجس، فإن احتج ~~محتج فقال: إنكم تحوزون سؤر السنور وتحرمون لحمه وهو سبع، ونحن أيضا حرمنا ~~لحم السباع وجوزنا سؤرها، قيل له: ليس يلزمنا هذا في السباع؛ لأن السباع لا ~~بلوى علينا بها ولا نكاد نبتلي بها كالسنور الذي خففت المحنة عنا به لأجل ~~البلوى به والله أعلم. وسؤر السباع وسائر النجاسات كالبول وغيره مما لا عين ~~له قائمة فإنه يطهر بثلاث غسلات، لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: (إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى ~~يغسلها ثلاثا؛ فإنه لا يدري أين باتت يده) (¬1) احتياطا من كل نجاسة ~~أصابتها في حال نومه نحو كلب لحسها، أو بال عليها، أو وقعت على نجاسة، أو ~~في نومه مما يتوهم أصابتها في حال (¬2) نومه، وأبو هريرة روى الخبر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم . قال: (طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن ~~يغسله سبعا) (¬3) ، وروى الخبر جميعا ثم فتواه في ولوغ الكلب ثلاث غسلات ثم ~~لا يختلف عنده من خالفنا أن سؤر الكلب وبول الإنسان وغيره من النجاسات ~~المائعات في البئر حكمها واحد في باب التطهير، وموافقتهم لنا في باب تطهير ~~البئر يدل على صحة قولنا إذ لم يختلف واختلف قول من خالفنا والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) تقدم ذكره. # (¬2) في (ج) فيحال. # (¬3) مسلم والنسائي. PageV01P280 # وأما سؤر ما لا يؤكل لحمه كالحمار الأهلي، وما يؤكل لحمه من الطير فرخص ~~فيه أشياخنا، لأجل أنه لا يمتنع منه في البيوت كنحو الفأرة والسنور وما جرى ~~مجراهما، وأيضا في الطير تأخذ الماء بمنقارها فلا يتيقن اختلاط لعابها ~~بالماء، ولا تأخذ بألسنتها مثل السباع والله أعلم، ms209 وذكاة البهائم طهارة ~~لإهابها، ودباغ جلد الميتة ذكاته وطهارة له لقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) (¬1) ، فإن قال قائل: فعموم هذا الخبر يوجب ~~تطهير جلد الخنزير؟ قيل له: إن الخنزير لا تصح فيه الذكاة، والسباع والميتة ~~لقول الرسول عليه السلام: (إنما حرم أكلها) (¬2) والخنزير؛ فرد التحريم فيه ~~إلى جميعه، كقوله عز وجل: { أو لحم خنزير } رده إلى العين بكليتها؛ لأنها ~~أقرب المذكور والله أعلم، ولم تختلف الأمة فيما تناهى إلينا في جواز صوف ~~الميتة والوبر منها والشعر في حياتها وبعد مماتها وليس ذلك جائز في الخنزير ~~والله أعلم. # والقهقهة في الصلاة تنقض الطهارة والصلاة جميعا، لما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم من طريق إبراهيم النخعي وكان يفتي بذلك، وكذلك روى الحسن ~~وأبي العالية، وروي عن محمد بن سيرين إنه قال: كنا صبيانا إذا ضحكنا في ~~الصلاة نؤمر بإعادة الطهارة والصلاة، ومعلوم أن الأمر بذلك كان في أيام ~~الصحابة، وكان ذلك ظاهرا فيما بينهم ولم يعب (¬3) هؤلاء الرواة بروايتهم ~~إلا بعد ثبوتها عندهم. # ¬__________ # (¬1) متفق عليه وتقدم ذكره,. # (¬2) تقدم ذكره. # (¬3) في من (ب)، (ج)، كذا في الأصل. PageV01P281 # والرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق أبي العالية إنه قال: ~~أمرنا بإعادة الصلاة والطهارة من القهقهة في الصلاة، والقصة في ذلك مشهورة: ~~وهو أن أعمى جاء يريد الصلاة وبادر إلى الجماعة مع النبي صلى الله عليه ~~وسلم والناس في الصلاة معه، فتردى في بئر فضحك بعضهم، فأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بإعادة الصلاة والطهارة على من قهقه، وحدثنا محمد بن علي ~~الداودي عن ابن الأعرابي أحمد بن محمد بن زيد "عن محمد بن عيسى المدايني، ~~عن الحسن ابن قتيبة عن عمرو بن عبيد عن الحسن البصري" عن عمران بن الحصين ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم : (من قهقه في الصلاة أعاد الطهارة والصلاة) ~~وليس (¬1) في المأكول والمشروب وضوء لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~(أنه أكل كتف شاة ثم صلى ولم ms210 يتوضأ). ولما روى جابر بن عبد الله أن آخر ~~الأمرين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (ترك الوضوء مما مست النار) ولو ~~كان فيه وضوء لكان ذلك أظهر وأشهر من حكم الغائط لكثرة البلوى به وملامسة ~~النساء باليد (¬2) لا يوجب الوضوء، لما روت عائشة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم (إنه كان (¬3) يقبل بعض نسائه ثم يصلي ولا يتوضأ). وبهذا القول كان ~~يقول علي وابن عباس. ألا ترى أن الله جل ذكره ذكر لمس النساء عند الأمر ~~بالتيمم بدلا مما في ابتداء الآية فكنى باللمس على الجماع، والله أعلم. # باب في النجاسات # ¬__________ # (¬1) في (أ) فليس. # (¬2) من (ج). # (¬3) من (ج). PageV01P282 # النجس اسم يقع على معنيين، أحدهما يكون نجسا لعين، والآخر نجسا لنجاسة ~~حلت به، فما كان نجسا لعينه فزوال اسم النجس عنه غير جائز ما كانت عينه ~~باقية كالدم والعذرة والبول ونحو ذلك، والضرب الثاني يسمى نجسا بحلول نجاسة ~~فيه فزوال ما صار به متنجسا يرفع اسم النجس عنه، ويدل على أن بعض أصحابنا ~~كان يذهب إلى أن النجاسات أعيان مرئية يحكم بتنجيس ما لا قته في حال تعلقها ~~به وظهورها عليه، وإذا كانت عين النجاسة قائمة بشيء تقدمت له الطهارة انتقل ~~إلى حكم ما لاقاه من النجاسة، فإذا زالت النجاسة عنه بماء أو غيره، وذهبت ~~عين النجاسة منه عاد إلى حكم ما كان عليه من حكم الطهارة والاسم الأول قبل ~~حدوث النجاسة فيه، ألا ترى إلى قولهم في الأرض يصيبها البول أو غيره من ~~النجاسات فحكم (¬1) المكان نجس به حتى يصب الماء عليه أو تذهب عنه بغير ~~ماء، وكذلك قالوا في النعل والخف يطأ بها في النجاسة فهما نجسان، فإذا ذهبت ~~عين النجاسة عنهما صارا طاهرين، وكذلك ما ذكر عن محمد ابن جعفر في الجامع ~~أن البيض إذا كان رطبا وحمله المصلي في ثوبه أن صلاته تفسد لحكم نجاسته ~~بالرطوبة التي خرج بها من المخرج النجس، فإذا صلى به وقد جف وليس عليه أثر ~~رطوبة أن صلاته جائزة، ms211 وكذلك قالوا في الدواب يضعن أولادهن ملطخين بالدماء ~~وغيرها من الأنجاس. فإذا جف ما ظهرعلىأبدانهن من النجاسة بشمس أو تراب أو ~~لحس أم فذهبت عنه عين النجاسة صار حكمه حكم الطاهر، وكذلك قالوا في الشاة ~~وغيرها من الدواب تأكل النجاسة بفمها وتشرب النجس وينقلب (¬2) # ¬__________ # (¬1) في (أ) يحكم. # (¬2) في (ج) تنقلب.. PageV01P283 # ببدنها في البول، فإذا ذهبت عينه بتراب أو شمس أو ريح أو غير ذلك عاد إلى ~~حكمه من الطهارة، وكذلك ما يعاين من منقار الدجاجة من العذرة، والجلالة من ~~الحمير، والبقر، وأكل السنور للفأر وظهور الدم بفمه، فإذا غابوا ثم عادوا ~~في مدة قصيرة ولم يعاينوا عليهم من تلك النجاسة شيئا حكموا لهم حكم الطهارة ~~(¬1) ، وصار سؤرهم طاهرا، وكذلك قالوا في عظم المشرك وعظم الميتة وقرنها ~~نجس في حال (¬2) الرطوبة النجسة به، فإذا جفت وزالت الرطوبة صار طاهرا ~~عندهم، ونحو هذا من قولهم كثير، ويدل على صحة هذا ما روي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: (أيما إهاب دبغ فقد طهر) (¬3) فلما كان إهاب ~~الميتة يطهر بالملح أو بالشمس أو بالتراب (نسخة) أو بتراب أو ما تذهب ~~الرطوبة منها التي هي عين النجاسة وجب أن تكون عين النجاسة إذا زالت عن ~~الشيء صار طاهرا، والله أعلم، فإن قال قائل: إن النعل تأكلها الأرض فتذهب ~~عين النجاسة وما لاقته النجاسة، قيل له: هذا إغفال ممن احتج به، وذلك أن ~~النعل قد يطأ بها في المائع من النجاسات، كالبول والماء النجس والدم وما ~~جرى مجراه، فتنشف النعل منه حتى تنتهي إلى ظاهرها أو دون ظاهرها فلا يؤمر ~~صاحبها أن يجتنبها إذا تطهر للصلاة لبسها حتى يأكل الأرض النعل إلى منتهى ~~ما بلغت النجاسة إليه، أو تفنى، فلما أجازوا له الصلاة فيها ولبسها والقدم ~~رطبة إذا زالت عين النجاسة عنها، علمنا أن هذه علة تكلفها بعض المتأخرين، ~~لقول من ذكرنا قوله من المتقدمين، والله أعلم وبه التوفيق. # ¬__________ # (¬1) في (ج) بحكم الطاهر. # (¬2) فيحال. # (¬3) تقدم ذكره. PageV01P284 # فإن قال قائل: ما أنكرتم ms212 أن يكون هذا من قولهم في غير الإنسان المتعبد، ~~فأما من لا عبادة عليه فلا،لأنهم لم يقولوا بمثل هذا فيما مس البدن والثوب ~~والحصيروالأوانى، فلمالم يقولوا إلا بتطهيرذلك بالماء كان هو الدليل على أن ~~ما يطهر بغير الماء إنما خص به من لا عبادة عليه، قيل له: هذا غلط من قبل ~~أنا متعبدون بأن نجتنب الأنجاس، وإنما ذكرنا تعبدنا فيه بأن لا نمسه ولا ~~نستعمله ولا نباشره في حال طهارتنا، وأن ما (¬1) لاقانا منه فحكمه النجاسة ~~وعلينا العبادة منه بالطهارة. ألا ترى أن العلة لهم غير ما توهمت أنهم ~~قالوا إن من رعف أو قاء أو خرج منه فيه دم أن زوال عين النجاسة عمن لحقه ~~ذلك حكمه حكم الطهارة من غير تطهير بالماء؛ وكذلك ما روي عن محمد بن جعفر ~~في الجامع: من توضأ وعلى بعض الجوارح منه نجاسة قائمة العين، نحو الدم أو ~~غيره، فمسه بحجر أو مسه له غيره، أو بنى على مسحه لم يؤمر بغسله بالماء؟ ~~وكذلك ما ذهب إليه بعضهم من جواز أكل الخبز إذا عجن بماء نجس فأذهبت النار ~~عين الرطوبة منه، فهذا يدل على ما قلنا دون ما توهمت، والله أعلم. # مسألة في أواني الطين # ¬__________ # (¬1) في (أ) وإنما. PageV01P285 # إذا أصابتها نجاسة وهي رطبة، غسلت بالماء وقد طهرت، وإذا (¬1) أصابتها ~~وهي يابسة فتلوحتها (¬2) ودخلتها النجاسة فيها لم تطهر بغسل ظاهرها، واختلف ~~أصحابنا في تطهير ما كان هذا وصفه وحلته النجاسة حتى خالطت جسمه، قال قوم: ~~يطهر بثلاثة أمواه، كل ماء يبقى فيه يوما وليلة، ثم يراق الماء منه، وقال ~~بعضهم: ثلاثة أمواه أيضا، يكون كل ماء في الليل وفي النهار، يصب الماء منه ~~ويقام في الشمس، فيكون في الليل فيه الماء والنهار في الشمس فارغا من الماء ~~ثلاث مرات على هذا ثم يطهر، وقال بعضهم: يطهر بماء واحد يكون فيه يوما ~~وليلة، قال بعضهم: لا أجد لذلك حدا، ولكني اعتبر الوقت وحال الإناء إذا ~~حلته النجاسة وفيه ماء أو رطب أو يابس فارغ ms213 من الماء فآمر بصب الماء فيه، ~~ثم أحكم له بحكم الطهارة بقدر ما يغلب على ظني أن الماء الطاهر قد بلغ إلى ~~حيث انتهت إليه النجاسة، قياسا على بول الأعرابي لما بال في مسجد الرسول ~~صلى الله عليه وسلم فأمر بصب الماء عليه وحكم بطهارته، وهذا عندي هو الذي ~~يوجبه النظر ويشهد بصحته الخبر، والله أعلم. # وإذا جف الإناء وسائر أواني الطين بشمس أو ريح أو مدة أذهبت منه عين ~~النجاسة ورطوبتها، فإنه يصير طاهرا بغير ماء قياسا على ما اتفق عليه ~~أصحابنا من الأرض إذا حلتها النجاسة، فذهبت عينها بشمس أو ريح أو مدة ~~طويلة، أن حكم الموضع يصير طاهرا، وكذلك أواني الطين إذ هي من الطين، هذا ~~سبيلها والله أعلم، وأما الذي نجده لأصحابنا أن أواني الطين لا تطهر إلا ~~بالماء، ولا أعرف لهم فرقا فيما حكمه في الظاهر واحد من الأرض، وما خرج من ~~طينها والله نستهديه لما يقرب إليه. # مسألة # ¬__________ # (¬1) في (ج) وأن. # (¬2) كذا في الأصل. PageV01P286 # إختلف السلف في الفأرة ونحوها إذا ماتت في البئر كم ينزح منها، ومع ~~اختلافهم في ذلك أجمعوا أن تنزح بعضها ويطهر الباقي منها، وذلك أن الميتة ~~أول ملاقاتها للماء لا يلحقه منها إلا أجزاء خفيفة من ظاهرها ليس من شأنها ~~الاختلاط بالماء بل تعلوه، وما كان هكذا فسريع الانحدار إلى الدلو إذا كانت ~~الأجزاء يسيرة، وإذا كانت الأجزاء يسيرة لم يحتج إلى كثير نزح، فإذا زادت ~~الأجزاء زيد في النزح منها بقدرها، وإذا (¬1) كثرت وغلبت ينزف ماؤها كله إن ~~قدر على ذلك، فإن لم يقدر على ذلك فبقدر مائها كما روي عن ابن عباس وابن ~~الزبير في زمزم لما تفسخ الزنجي فيها نزف ماؤها كله بعد إخراجه أو إخراج ما ~~قدر عليه منه أمر بسد العيون بالخرق وغيرها، والقياس أن الماء قد فسد كله ~~كما لو كان في الأواني، ولكن رأوا أن ذلك يوؤل إلى مشقة في باب العبادة . # ¬__________ # (¬1) في (ب) ، (ج) فإذا . PageV01P287 # ومما يقع في الماء فيموت ms214 فيه مما ليس به دم سائل كالعقرب والذباب (¬1) ~~والنحل ونحو ذلك، فليس بمفسد للماء، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه" (¬2) ، وروي عنه صلى الله ~~عليه وسلم من طريق أنس أنه قال في ذلك "فامقلوه ثم أخرجوه ثم أمقلوه" فإن ~~كان الخبر صحيحا فمعلوم أن بعضها يموت من ذلك، ولم ينقل عنه صلى الله عليه ~~وسلم فيما بلغنا أنه حكم بإفساد طعام مات فيه مثل هذا (¬3) ، كدود الخل ~~والبعوض والدبي وما أشبه هذا، وأما الضفدع ونحوه كالسنجاب الذي يعيش في ~~الماء ويموت فيه ولا يفسد هذا الماء بموته فيه كالسمك الذي في البحر موته ~~فيه ذكاته كذكاة صيد البر الذبح، ويدل على ذلك ما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه سئل عن الوضوء بماء البحر فقال: "الطهور ماؤه والحل ميتته" ~~(¬4) ، يعني أنها لا تفسد الماء، وإنما يفسده لو مات فيه ما لا يعيش فيه ~~والله أعلم . # ولو أن معناه ما ذكرناه لم يكن الذكر (¬5) مقرونا بحكم الماء ~~معناه،والسؤال لم يقع عنها وروي عن ابن عباس في برمة لحم وقع فيها طائر ~~فمات أنه قال: "يؤكل اللحم ويراق المرق" (¬6) ، والذي عندي أن الخبر لم ~~ينزل مفسرا، والواجب أن يعتبر، فإن كان الطائر مات فيها وقد سكنت أكل اللحم ~~بعد أن يغسل ويصب المرق، وإن كان مات في حال غليان البرمة لم يؤكل اللحم ~~ولا المرق، لأن النجاسة قد تداخلت في اللحم والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) في (أ) الذبي . # (¬2) من (ب) و (ج) . # (¬3) رواه البخاري . # (¬4) رواه الخمسة . # (¬5) في (ج) لذكره . # (¬6) رواه البيهقي وابن ماجه . PageV01P288 # إختلف الناس في المشرك إذا أسلم، قال بعضهم: يؤمر بالاغتسال استحبابا: ~~لملامسة (¬1) الأنجاس، وقال بعضهم: لا غسل عليه ولا يؤمر بذلك إلا أن يعلم ~~أن به نجاسة، فإذا لم يكن على بدنه نجاسة ظاهرة من (¬2) عين مرئية من نجس، ~~كان له حكم الظاهر من أصحاب هذا القول لا يأمرونه بالغسل إذا خرج إلى ~~الإسلام إيجابا ولا استحبابا، وقال ms215 بعضهم: الغسل عليه واجب، لقول الله ~~تعالى: { إنما المشركون نجس } (¬3) ، فظاهر الآية أوجب له اسم النجس، وروي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق أبي هريرة "أن رجلا أسلم على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمره بالغسل" ،وهذا القول يذهب إليه ~~أصحابنا، فإذا ثبت هذا الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو أقوى حجة ~~لأصحابنا، فإن قال قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المشرك ~~بالاغتسال، ولم يعرفنا لماذا أمره إيجابا أو استحبابا أو لعله بنجاسة كانت ~~عليه؟ قيل له: الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم إذا ورد فالواجب ~~استعماله، وإباحة الأمر به واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فيه حتى ~~تقوم دلالة بغير ذلك، وعلى من ادعى غير الوجوب إقامة الدليل، وبالله ~~التوفيق. # ¬__________ # (¬1) في (ج) لملامسته . # (¬2) في (ج) ولا . # (¬3) التوبة: 28 . PageV01P289 # والحجة لأصحابنا أن المشرك إذا توضأ في حال شركه، أو كان جنبا فاغتسل ثم ~~أسلم: أنه على حدثه وعليه الاغتسال من جنابته، وحدثه باق على جهته،لأنه لم ~~يغسل ولم يتطهر على الدينونة لله تعالى بذلك، لأنه لم يكن تعبده بتلك ~~الطهارة أن يأتي بها إلا بعد خروجه إلى الإسلام، وإنما فرض الله الوضوء ~~والغسل دينا وتقربا إلى الله بهما، لأن الطهارة إنما جعلها الله للصلاة ~~لأنه لم يكن يدين في حال كفرة بطهارة ولا صلاة، ولا تعبد الله بها في حال ~~شركه فيقعان منه موقع العبادة والقربة إليه، فكما لا تجزيه صلاة في حال ~~شركه بتلك الطهارة فكذلك الغسل والطهارة، لأن الغسل لو كان طهارة في تلك ~~الحالة لجازت به الصلاة إذا كان الله تعالى، إنما جعل الوضوء والغسل لتجوز ~~الصلاة بهما، فعليه إذا أسلم وقد كان جنبا أن يعيد غسله، وكذلك إن كان توضأ ~~في حال كفره بالله العظيم، أن يعيد الوضوء إذا كان بذلك متقربا إلى معبوده، ~~إذا كان الوضوء كالصلاة في التعبد، والله أعلم. فإن قال قائل: فما تقول في ~~المسلم إذا توضأ ثم ارتد؟ قلنا له: كفره ms216 حدث ينقض طهارته، فإن قال: ولم، ~~وقد فعلها في حال وقت كانت مقبولة منه؟ قيل: لما كانت عملا من أعمال ~~المسلمين توقع به الصلوات الآخرة لما (¬1) كان مسلما، فلما كفر حبط هذا ~~العمل منه بقول الله جل ذكره: { ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في ~~الآخرة من الخاسرين } (¬2) فلما كان خاسرا لأعماله بكفره لم تثبت له مع ~~الكفر طهارة وغيرها من أعماله، ودليل آخر وهو قول الله تعالى: { إنما ~~المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا } (¬3) # ¬__________ # (¬1) (ج) ما. # (¬2) المائدة: 5. # (¬3) التوبة: 28.. PageV01P290 # فهو نجس بقول الله جل ذكره، ومن ثبت له اسم نجس لم يكن متطهرا ولم يستحق ~~اسم تطهر مع استحقاقه اسم النجس، والله أصدق المسمين وبه التوفيق؛ وفيما ~~أجمعوا عليه دليل أن المرتد لو عقد على امرأة نكاحا في حال ردته أن نكاحه ~~باطل، وكذلك لو عقد له عليها في حال إسلامه ثم ارتد أن نكاحه يكون باطلا ~~أيضا، سواء كان بدأه في الكفر أو الإسلام، وكذلك عقده للطهارة في الكفر ~~يبطل بالارتداد يكون باطلا، والله أعلم # مسألة # وروث ما يؤكل لحمه غير نجس، الدليل على ذلك ما روي أن الجن شكوا إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم قلة الزاد، فقال عليه السلام: (كل ما مررتم ~~بعظم قد ذكر اسم الله عليه فهو لكم لحم عريض (¬1) ، وكلما مررتم بروث فهو ~~علف لدوابكم، فقالوا يا رسول الله: إن بني آدم ينجسونه علينا)؛ فعند ذلك ~~(نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستنجى بالروث والرمة)، فلو كان ~~نجسا لم يقولوا إن بني آدم ينجسونه علينا، وينهى هو صلى الله عليه وسلم ~~عن تنجيسه عليهم، والله أعلم. # باب في أمر الدم # ¬__________ # (¬1) في (ج) غريص. PageV01P291 # ودم الرعاف نجس عند أصحابنا، لا خلاف بينهم فيما علمنا إنهم يقولون ~~بتنجيسه، ووافقهم على ذلك أبو حنيفة فقال بتنجيسه قياسا على دم الاستحاضة؛ ~~وقال مالك: دم الرعاف لا ينقض الطهارة؛ لأن علة نقض الطهارة عنده المخرج؛ ~~فدم الاستحاضة مخرجه مخرج النجاسات، ومخرج ms217 الرعاف ليس مخرج النجاسات ولا ~~مخرجا ينقض الطهارة، وقال أبو حنيفة: إن العلة بنجاسته، فكل دم هذا حكمه، ~~دم رعاف أو غيره؛ والنظر يوجب عندي أن المستحاضة لما كان دمها ينقض الطهارة ~~بإجماع إذا كان مخرجه مخرج النجاسات، وإنه أذى وإنه دم عرق، لقول رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ؛ فيجب أن يكون هذا أولى وأقوى في باب الاحتجاج، وكل دم ~~عرق فهو نجس؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نبه عن نجاسة الدم بقوله عليه ~~السلام: (إنه دم عرق) فهو نجس وناقض للطهارة (¬1) ، وإذا كان القياس على ~~أصلين أو ثلاثة أصول فهو أقوى من التعلق بأصل واحد، والسنة تؤيده وحكم ~~الشريعة يوجبه، كان الراجع بقياسه إلى أصلين أعم لعلته. # والقياس لا يصح إلا على أصل يجتمع (¬2) عليه، فكل القياسيين، ومن تعاطى ~~الحكم بالقياس، ورام الحكم به ورجع إلى أصل بقياسه واستنباط علته وما اختلف ~~فيه، فلا (¬3) يكون أصلا ولا يقاس عليه. ومن رعف فلم (¬4) # ¬__________ # (¬1) رواه مسلم والبيهقي وابن ماجه والنسائي. # (¬2) في (ب) و (ج) مجتمع. # (¬3) في (ب) لا. # (¬4) في (ج) ولم. PageV01P292 # يرقأ دمه ولم ينقطع فإنه يصلي قاعدا ويتوقى ثيابه أن يصيبها الدم، ولتكن ~~صلاته جلوسا في رمل أو رماد، وحيث لا يسر (¬1) به الدم فيحفر بين يديه خبة ~~(¬2) يقطر الدم فيها، ويصلي كما يمكنه بطهارة الماء إلا موضع الحدث إذا لم ~~يمكنه فيسده، ولا يمتنع من خروجه، هكذا قال أصحابنا، وقال بعضهم: ويتيمم ~~لما بقي من موضع طهارته، والنظر يوجب عندي أن المرعوف ومن لم يرقأ دمه أن ~~الجمع للصلاتين يجزيه قياسا على المستحاضة، وهذا أشبه بأصول أصحابنا، لأن ~~المستحاضة جاز لها الجمع بالمشقة، وكان (¬3) الجمع من الله لها تخفيفا ~~عليها ورخصة، وكذلك الجمع للمسافر رخصة من الله له لمشقة السفر، وقد قال ~~بعض أصحابنا: إن المبطون يجمع الصلاتين للمشقة عليه في الطهارة عند كل صلاة ~~والتعب الذي يلحقه، وكذلك قالوا بجواز الجمع في اليوم المطير للمشقة، والذي ~~أختاره فيمن رعف أو كان في معناه ولم ينقطع ms218 دمه أن الجمع له جائز، والله أعلم. # إختلف الناس في دم الرعاف، هل هو حدث ينقض الطهارة؟ فقال مالك: لا ينقض ~~الطهارة، وقال أبو حنيفة: ينقض الطهارة، وعلة أبو حنيفة في نقض الطهارة من ~~دم الرعاف، أن دم الاستحاضة يزيل الطهارة بإجماع، فلما كان دم الاستحاضة ~~ينقض الطهارة بإجماع كان دم الرعاف مثله في نقض الطهارة، وعلة مالك أن دم ~~الاستحاضة ينقض الطهارة لمخرجه، ودم الرعاف ليس بمخرج ينقض الطهارة، والعلة ~~لأصحابنا أن دم الرعاف ينقض الطهارة؛ لأن دم الاستحاضة دم عرق، لقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم : "فكل دم عرق نجس وينقض الطهارة" (¬4) لمقال رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : "إن دم الاستحاضة من عرق"، فكان في هذا الخبر توقيفا ~~منه أن خروجه من العرق علة لإزالة الطهارة، وبالله التوفيق. # ¬__________ # (¬1) في (ج) ينش. # (¬2) كذا في الأصل. # (¬3) في (ج) فكان. # (¬4) - في (ج) لنقض. PageV01P293 # وكل قد قاس على أصل متفق عليه، والحكم عند القائسين حكمان: حكم بأصل موقف ~~عليه بعينه، وحكم بفرع بقياس، فحكم الفرع مستخرج بأصله، وحكم الأصل موقف ~~عليه بعينه؛ ولو كان الأصل مستخرجا (¬1) وحكم الفرع مستخرجا، كان لا فرق ~~بين الفرع وأصله؛ وكان يكون الفرع أصلا، والأصل فرعا، ويلزم مالكا والشافعي ~~لما (¬2) قالا: لأن دم الرعاف ليس بنجس، لأن مخرجه غير نجس، فيجب أن يحرما ~~الوطء في دم الاستحاضة، لأن الله جل ذكره حرم دم الحيض وحرم الوطء فيه ~~بقوله: { هو أذى } ، ودم الاستحاضة هو أذى، والمخرج واحد، ولا يقبل مالك ~~بخروج الدم من مخرج غير نجس، وبالله التوفيق. # ¬__________ # (¬1) - في (أ) مستخرجا من حكم الفرع وأصله. # (¬2) - في (ب) و (ج) كما. PageV01P294 # ودليل آخر لنا أن دم العرق نجس، وكل دم من عرق وغيره فهو نجس لوقوع الاسم ~~عليه، وإذا تعلقنا بأصلين، أحدهما: أن دم الحيض نجس، ودم الاستحاضة فهو دم ~~عرق، فكل دم عرق أو غيره فهو نجس، إذا كان الدمان نجسين، وكل دم عرق فهو ~~نجس بسنة النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما قام ms219 دليله؛ وغسل الدم وغيره من ~~الأنجاس عندنا واجب قليله وكثيره، ولا تجد فيه حدا لما روت أسماء بنت أبي ~~بكر إنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت يا رسول الله: "إن دم ~~الحيض قد يصيب الثوب، فقال عليه السلام: اقرصيه بالماء" فدم الحيض قد يصيب ~~منه القليل والكثير، وهذا الخبر صحيح مع أهل الخلاف لنا في نقلهم، ومن ~~خطئهم فيما ذهبوا إليه من تحديدهم في النجاسة قدر الدرهم والدينار في الكف ~~واللمعة، وأن هذا المقدار لا بأس به عندهم مع العلم بكون النجاسة، وفي ظاهر ~~هذا القول منهم من الوحشة ما يغني ذكره وحكايته عن الاحتجاج على قائله، ~~ويردع الألباء عن التشاغل به وإظهار فساده، وبالله التوفيق؛ قال بعض ~~المتفقهة من مخالفينا: إن المصلي إذا صلى بثوب فيه دم كثير وهو عالم بذلك ~~أن صلاته جائزة وهو عاص لربه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل ~~الدم من الثوب للصلاة، وغسل الثوب لذلك تعبد، والدم ليس بنجس عنده، وأن ~~المصلي عنده مطيع بالصلاة عاص لتركه أمر النبي صلى الله عليه وسلم في غسل ~~الثوب، وهذا في الخطأ أعظم مما تقدمه، وقالت فرقة منهم أخرى: إذا لم يعلم ~~بالنجاسة حتى صلى جازت صلاته، وإن علم بها قبل أن يصلي فسدت، واحتجوا بخبر ~~أبي نعامة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بنعليه بعض صلاته وفيهما قذر، ~~ثم علم فخلعهما وبنى على صلاته، وهذا القول فيه نظر، والحجة توجب إبطاله، ~~ولأن الخبر أيضا واه عند أصحاب الحديث، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم ~~أي يصلي في الثوب الطاهر كما أمر أن يصلي المأمور PageV01P295 بالصلاة وهو ~~طاهر، وليس جهله بنجاسة في ثوبه يوجب عذره لأداء الفرض الذي عليه، ولو كان ~~جهله بالنجاسة يوجب عذره إذا جهلها لكان له عذر في النجاسة إذا كانت في ~~بدنه ولم يعلم بها، فلما اتفق الجميع أن الجاهل بحدثه حتى يقضي صلاته أن ~~عليه إعادتها كان الجاهل بالحدث في ثوبه كذلك، إذا كان المصلي ms220 مأمورا ~~بالتطهر للصلاة وطهارة الثوب لها لا فرق بينهما، والله أعلم. # وقد وجدت في الأثر لبعض أصحابنا قولا يوافق قول من اعتمد على خبر أبي ~~نعامة، وذلك إنه قال: إن استقبال العذرة للمصلي تفسد صلاته إذا علم بها قبل ~~الصلاة، وإن علم وقد صلى بعض صلاته صفح بوجهه عنها وبنى على ما صلى، وهذا ~~القول يلحقه عندي النظر ما لحق غيره والله أعلم. # واختلف الناس في الثوب الذي يصيبه الدم فيبقى أثره بعد الغسل، فقال قوم: ~~لا يطهر إلا بزوال الأثر، وقال آخرون: إذا غسل فزال الطعم والرائحة فقد ~~طهر، وقال آخرون: إذا يولغ في تطهيره حتى يتغير، وإن بقي له أثر فقد طهر، ~~وهو قول أصحابنا، ولعمري إن غسل ذي اللون لا يوصل إلى تطهيره إلا هكذا، ولو ~~كان يجب غسل النجاسة حتى تذهب بزوال أثرها وطعمها ورائحتها على قول من ذهب ~~إليه من مخالفينا لوجب على المختضبة بالحناء النجس لا تطهر منه حتى يسلخ ~~(¬1) جلدها، ولكان على الخاضب لحيته ورأسه بالحناء إذا حلته النجاسة أن ~~يحلق لحيته ويقطع جلده، فإن قال قائل: فإن الله تبارك وتعالى لم يأمر بحلق ~~اللحية إذا حلتها النجاسة، وإنما أمر بغسلها لأنه حرم حلق اللحى؟ قيل له: ~~ولم يأمر بقطع الثوب وإنما أمر بغسله ونهى عن إضاعة المال، فإن قال: قطع ~~الثوب ليس فيه كثير ضرر، قيل له: لم يبح لنا إدخال الضرر في المال والنفس، ~~والله أعلم # باب في الصلاة على الجنازة # ¬__________ # (¬1) - في (ب) و (ج) تسلخ. PageV01P296 # إتفق أصحابنا في تكريه الكلام خلف الجنازة إلا بما يكون في طاعة الله ~~تعالى من قراءة القرآن، أو التسبيح، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~والسؤال والجواب عن أمر الدين، واختلفوا في جواز الكلام وإباحته بعد هذه ~~الكراهية، فقال قوم: إلى أن يصلي على الميت، وقال قوم: حتى يوضع في قبره، ~~وقال آخرون: حتى يدفن ويرش عليه الماء، كل (¬1) ذلك تعظيم للموت، وفي ~~الرواية أن المسلمين كانوا في بدء الإسلام إذا أرادوا دفن الميت، ms221 وعند ~~وضعهم إياه في قبره لم يجلسوا حتى يدفن، كل ذلك تعظيم منهم للموت، حتى مر ~~بهم حبر (¬2) من أحبار (¬3) اليهود وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~فرآهم قياما، فقال: (وهكذا نفعل بموتانا، فجلس صلى الله عليه وسلم وأمر ~~أصحابه أن يجلسوا) (¬4) ، ولعل ذلك كان منه صلى الله عليه وسلم ليخالفهم ~~في فعلهم لئلا يتوهموا إنه اقتدى بهم، والله أعلم. # وكذلك روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قلم أظافره (¬5) دفنها، ~~فبلغه أن بعض اليهود قال اقتدى بنا محمد في هذا الفعل، فروي إنه كان بعد ~~ذلك ينثرها يمينه وشماله (نسختين) وشملة، والله أعلم. # ... ... ... مسألة في الصلاة على القبر # اختلف أصحابنا في الصلاة على القبر، فأجازها بعضهم، ولم يجزها آخرون، ~~وحجة من أجازها أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على النجاشي وهو بالحبشة ~~بعد أن أتاه خبر موته بمدة، فجمع أصحابه بالمدينة وصلى عليه. وحجة من لم ~~يجوز الصلاة على الميت بعد أن يدفن أن الصلاة على النجاشي كانت مخصوصة، ~~وهذا القول أشيق (¬6) إلى نفسي، والنظر يوجبه. # ¬__________ # (¬1) في (ج) وكل. # (¬2) في (ج) خبر. # (¬3) في (ج) أخبار. # (¬4) رواه الدارقطني. # (¬5) في (ج) أظافيره. # (¬6) ساقطة من (أ) في (ب) أسبق وفي (ج) أشيق. PageV01P297 # والذي عندي ، والله أعلم أن النجاشي لم يكن صلي عليه، ومن لم يكن يصلى ~~عليه فجائز أن يصلى على قبره؛ لأن الصلاة على موتى المسلمين واجبة، فمن صلي ~~عليه من المسلمين فقد سقط الفرض عمن (¬1) لم يصل عليه لقيام البعض بذلك، ~~لأن صلاة الموتى وجوبها على الكفاية، وإذا سقط الفرض لم يبق الكلام إلا في ~~النفل، ولم يرد خبر يجوز (¬2) صلاة النفل على القبور، ولا أجمع الناس على ~~ذلك العمل على ما الناس عليه اليوم، إذ الإجماع تقدم في ذلك، ولا بخبر (¬3) ~~يقطع العذر بوجوبه. ومما يدل على أن الصلاة على القبر لا تجوز إذا كان قد ~~صلي عليه، أنا وجدنا الأمة جميعا هي تسافر إلى قبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم زائرة له من ms222 كل وطن ونازح على مشقة السفر وعظم المؤنة، مع الرغبة ~~وطلب الفضل من الله، والثواب على ذلك، ومع ذلك فلا يصلون على قبر النبي ~~صلى الله عليه وسلم إذا وصلوا إليه، ولو كانت الصلاة جائزة على القبر لكان ~~قبره صلى الله عليه وسلم أحق القبور بذلك وأوفر أجرا على الصلاة، فلما ~~أجمعوا على ترك ذلك، واقتصروا على الدعاء، علمنا أن قبر غيره أولى بأن لا ~~يجوز أن يصلي عليه بعد أن يدفن، وبالله التوفيق. ولا تجوز صلاة الجنازة إلا ~~بقراءة فاتحة الكتاب لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (كل صلاة لا يقرأ ~~(¬4) فيها فاتحة الكتاب فهي خداج) (¬5) ، ولم يخص صلاة من صلاة، ولا يخرج ~~منها إلا بالتسليم لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (تحريمها التكبير ~~وتحليلها التسليم) (¬6) يعني الصلاة، وهذه صلاة، ولا يجوز إثباتها إلا ~~بطهارة لقول النبي عليه السلام: (لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول) (¬7) # ¬__________ # (¬1) في (أ) عمن من. # (¬2) في (ج) بجواز. # (¬3) في (ج) خبر. # (¬4) في (ج) لم. # (¬5) متفق عليه. # (¬6) رواه الخمسة. # (¬7) متفق عليه.. PageV01P298 # ولا يصلى على عضو من أعضاء المسلمين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ~~بالصلاة على موتى المسلمين فلا يجوز أن يصلى على ميت في موضع ورد النهي عن ~~الصلاة فيه لأن النهي لم يرد بتخصيص صلاة من صلاة؛ وإذا اختلط قتلى ~~المسلمين بقتلى (¬1) المشركين قصد بالصلاة على قتلى المسلمين ودعا لهم، ~~وإذا فات المصلي من صلاة الجنازة شيء أعاده لقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~: (فليصل ما أدرك وليبدل ما فاته). وقال أصحابنا: لا إعادة عليه فيما فاته، ~~والإنسان مخير إذا وضع الميت في قبره بين القعود والقيام، إن شاء قام وإن ~~شاء قعد، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم مر به حبر من أحبار اليهود ~~وهو وأصحابه قيام، وميت من المسلمين يدفن، فقال اليهودي: هكذا نفعل عند دفن ~~موتانا، فقعد النبي صلى الله عليه وسلم وأمر أصحابه بالقعود؛ ولا يدفن ~~الميت في ثلاث ساعات نهى النبي صلى ms223 الله عليه وسلم عن دفن الميت فيهن: ~~عند طلوع قرن من الشمس حتى ينفصل، وعند غروبها حتى تغيب، ونصف النهار عند ~~استوائها في كبد السماء حتى ترتفع، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعض الصحابة أنه قال: (نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في ~~ثلاث ساعات من النهار وأن ندفن فيه موتانا) (¬2) # ¬__________ # (¬1) في (ج) قتلا. # (¬2) رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود والترمذي وابن ماجه والبيهقي.. PageV01P299 # وذكر هذه الأوقات، والنصرانية واليهودية إذا ماتت وفي بطنها حمل من مسلم ~~دفنت مع أهل ملتها، لأن الحمل الذي في بطنها لا تعلم حقيقته، أحي أم ميت؟ ~~أنفخت فيه الروح أم لم تنفخ فيه؟ ويستحب لمن وسع عليه وكان موسرا أن يوضع ~~تحته في قبره مضربة أو غيرها ،من شيءلين لما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ألقيت تحته قطيفة في قبره، ويكره أن يذبح على القبر، لما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا عقر في الإسلام) (¬1) ، لأن العرب ~~كانت تنحر على قبور موتاها، ويكره القعود على القبور، والمشي عليها، ~~والتجصيص لها، والبناء عليها، وإظهار العمارة فيها (¬2) ، لما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: (خير القبور ما درس) (¬3) ، وروي أن عبد الله ~~بن عمر مر بقبر قد بني عليه بناء فسأل عنه فقيل له: هذا قبر عبد الرحمن بن ~~أبي بكر أحبت أخته عائشة أن تجعل عليه ضلالا، فقال: فقولوا لها إنما يظله ~~عمله، فلما بلغها ذلك قالت: صدق عبد الله، وقد كان بعض الفقهاء يكره المشي ~~بين القبور بالنعل، برواية ذكرها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر ~~أصحابه بخلع النعال بين القبور، والمستحب للمصاب بمصيبة الموت أن يقول ما ~~روت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا أصابت أحدكم ~~مصيبة فليقل: إنا لله وإنا إليه راجعون (¬4) اللهم إني عبدك فاحتسب (¬5) ~~مصيبتي فأجرني عليها (نسخة) فأجرني فيها وأبدلني بها خيرا منها). وكذلك ~~يستحب أيضا تعزية ms224 أهل الميت لعظيم الأجر في ذلك. وكذلك يستحب لجار الميت ~~وقراباته أن يتخذوا لورثة من أهل المصيبة به (¬6) # ¬__________ # (¬1) رواه ابن ماجه والدارقطني. # (¬2) في (ج) عليها، نسخة: فيها. # (¬3) رواه ابن حبان والبيهقي. # (¬4) رواه النسائي وابن ماجه. # (¬5) في (ج) احتسب، نسخة: فاحتسب. # (¬6) كذا في الأصل.. PageV01P300 # طعاما، لما روي من طريق عبد الله بن جعفر وأنه لما جاء نعي جعفر قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم لبعض أهله: (إصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتى ما ~~شغلهم) (¬1) وجائز البكاء على الميت، لا من طريق النوح والقول المحرم، وقد ~~بكى النبي صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيم عليه السلام، وقد روى ~~جابر بن عبد الله الأنصاري أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ ابنه وهو ~~يجود بنفسه فوضعه في حجره وبكى، فقال له عبد الرحمن (أظنه بن عوف) أتبكي ~~وتنهانا عن البكاء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (إنما أبكي رحمة له، ~~إنما نهيت عن صوتين أجمعين فاجرين: خدش الخدود وشق الجيوب ورنة الشيطان) ~~(¬2) ، وفي رواية أخرى عنه صلى الله عليه وسلم في مثل هذا المعنى أنه ~~قال: (صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: صوت مزمار عند نغمة، وصوت مرنة عند ~~مصيبة) (¬3) ، وأما الخبر الذي رواه أهل الحديث عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم من طريق عمر وعبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~(فإن (¬4) الميت يعذب ببكاء أهله) وهذا خبر غير موافق لكتاب الله، ولا توجب ~~صحته العقول، ولم يرد وروده الأخبار التي ينقطع العذر بصحتها، قال الله ~~تبارك وتعالى: { ولا تزر وازرة وزر أخرى } (¬5) ، وقال جل ذكره: { فكلا ~~أخذنا بذنبه } (¬6) وإن (¬7) كان الخبر صحيحا، فوجب (¬8) التأويل فيه ~~والله أعلم أنه ما أمر به الميت من الفعل المحرم فهو يعذب بذاك البكاء ~~المنهي عنه، والفعل الذي لا يجوز، ووجه آخر أن النساء كن (¬9) يبكين (¬10) # ¬__________ # (¬1) رواه مسلم وأحمد وأبو داود. # (¬2) رواه أبو داود والبيهقي. # (¬3) رواه البزار والضياء عن أنس بإسناد صحيح. # (¬4) في (ج) أن. # (¬5) الأنعام: 164. # (¬6) الأنعام: 164، العنكبوت: 40. # (¬7) في (ج) ms225 فإن. # (¬8) في (ج) فوجه. # (¬9) من (ب). # (¬10) من (ب) و (ج).. PageV01P301 # أمواتهن بعد مجئ الإسلام بما كن يبكين به موتاهن في الجاهلية، من المدح ~~لهم بذلك من الأفعال التي كانوا يأتونها، ويسرفون بما عندهم، فقيل: إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم مضى بامرأة وهي تبكي على ميت وتقول: أنت الذي ~~أغرت على بني فلان وعلى ديارهم وقتلت أبطالهم وكذا (¬1) وكذا من (¬2) ~~الأفعال القبيحة في الإسلام، فقال عليه السلام: (لا تبكي بهذا فإن الميت ~~يعذب بهذا البكاء الذي هو عندك مدح) (¬3) والله أعلم. # ? ويستحب لمن حضر الميت وهو يجود بنفسه أن يذكره بما يقربه إلى الله ~~تعالى: لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال: (لقنوا موتاكم ~~شهادة أن لا إله إلا الله) (¬4) ، وواجب غسل الميت قبل دفنه لقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم : (أغسلوا موتاكم) (¬5) ، وغسل الموتى فرض على الكفاية ~~إذا قام بذلك بعض سقط عن الباقين، وفي الرواية أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: (يغسل المحرم بماء وسدر) (¬6) والمستحب للغاسل أن يبدأ غسل ~~الميت بميامنه، والفرض في ذلك غسلة واحدة، والمأمور به ثلاث غسلات. # مسألة # ¬__________ # (¬1) في (أ) وكذلك. # (¬2) من (ب) و (ج). # (¬3) رواه مسلم والنسائي وأبو داود والبيهقي. # (¬4) رواه أحمد وابن حبان وابن ماجه. # (¬5) تقدم ذكره. # (¬6) تقدم ذكره. PageV01P302 # أجمع الناس على ما تناهى إلينا من أقاويلهم على جواز السجود على ما أنبتت ~~الأرض، واختلفوا على ما لم تنبته الأرض، نحو الصوف والجلود والقز والإبريسم ~~وما جرى هذا المجرى، وأجمع علماؤنا على جواز الصلاة على ما أنبتت الأرض دون ~~غيره، ويوافقهم على ذلك أهل المدينة من التبع، والحجة لهم في ذلك قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم : (جعلت لي الأرض مسجدا. وجعل لي ترابها طهورا) (¬1) ~~فلولا الإجماع لم يجز السجود إلا على أديم الأرض وحده، فلما اتفقوا على ~~جواز ذلك على الأرض وما أنبتت وجب التسليم للإجماع، وبقي الباقي في جملة ما ~~لم يؤمر بالسجود عليه، والمجوز للسجود على شيء طاهر غير ما أنبتت الأرض ~~محتاج إلى ms226 دليل، وكره أصحابنا السجود على الثياب والفضة والذهب، وإن كان ~~ذلك مما أنبتت الأرض كراهية تأديب (¬2) ؛ لأن تركهم الأمر لإعادة الصلاة ~~لمن سجد على ذلك يدل على ما قلنا، والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) تقدم ذكره. # (¬2) في (ج) تأدبية. PageV01P303 # ولا أظن كراهيتهم للسجود على بعض ما دخل في جملة الإجماع إلا للتواضع ~~والتذلل لله تعالى في حال السجود؛ ولأن في إجازة ذلك ما يؤمن معه من دواعي ~~الفخر والخيلاء، وما يدخل صاحبه في زي الأعاجم والمترفين والمتنعمين، لما ~~(¬1) كانوا عليه من الاقتداء بالسلف الصالح، أهل التواضع والتقشف، ولبس ~~الخشن، (وأكل الخشن) (¬2) ، والإقتصاد في المطاعم والمشارب (¬3) والملابس، ~~ولذلك كرهوا الركوب على سروج النمور، ومنعوا عن ذلك، لأن فعل ذلك وإباحته ~~منهم لا يؤمن معه (¬4) الدخول في قول النبي صلى الله عليه وسلم : (من جر ~~ثوبه في مخيلة لم ينظر الله إليه يوم القيامة) (¬5) . وقد روي أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم (أهديت إليه حلة فلبسها في الصلاة ثم نزعها وألقاها عن ~~نفسه، وقال: إنها شغلتني عن صلاتي) (¬6) فهذا فيما نراه والله أعلم من ~~قولهم كنحو كراهية النبي صلى الله عليه وسلم لبس الحلة المشهورة في ~~السنة، وقد كان علي بن أبي طالب يكره لبس جلود الثعالب المدبوغة، وسائر ~~الملابس الداعية إلى مشابهة زي المترفين والجبابرة والمتنعمين على غير وجه ~~التحريم، وهذا يدل على ما تأولناه لأصحابنا من نهيهم من ركوب سروج جلود ~~النمور، والسجود على الثياب والذهب والفضة، وقد يحتمل أن تكون كراهية على ~~لبس القز ولخوف (¬7) النجاسة، وقد كان أكثر من يقوم بذلك في ذلك العصر ~~الأعاجم والمجوس، وغيرهم من أهل الذمة، ومن لم يفرق بين الدبوغ وغيره ~~والطاهر والنجس؛ ويدل على هذا كراهة السلف أكل الجبن، وقال: إنه وضع ~~الأعاجم، وربما جعلوا فيه الأنفحة الميتة، وإنما ذلك إشفاق منهم من (¬8) ~~تناول الحرام. # ¬__________ # (¬1) في (ج) بما. # (¬2) من (ج). # (¬3) ساقطة من (ج). # (¬4) في (أ) منه. # (¬5) رواه النسائي والترمذي وأبو داود. # (¬6) رواه النسائي وابن ماجه. # (¬7) من (ج) و (أ) ولحوم. # (¬8) في (أ) ms227 و (ج) من. PageV01P304 # ومن اضطر إلى أكل الميتة جاز له الأكل منها إلى أن يزول ما به أبيح له ~~الأكل؛ سواء كان في سفر (¬1) أو حضر لأن الآية التي أباحت أكل الميتة لمضطر ~~لم تخص وقتا من وقت، ولا سفرا من حضر، بقوله تعالى: { إنما حرم عليكم ~~الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فمن اضطر غير باغ ولا عاد ~~فلا إثم عليه } (¬2) والذي أهل به لغير الله هو ما ذبح للأصنام والأوثان؛ ~~لأن الذابح لهذا كان يرفع صوته كما يرفع المسلمون أصواتهم عند الذبح بذكر ~~الله، والإهلال رفع الصوت في اللغة؛ ومن هذا قيل للمولود: أهل، إذا صاح ~~(¬3) ، إذا سمع صوته قيل: استهل. فجعل الله تبارك وتعالى تحريم ما ذبح لغير ~~الله كتحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، ويبين أمر من اضطر إلى أكل ذلك في ~~الموضع (¬4) # ¬__________ # (¬1) في (ج) حضر أو سفر. # (¬2) البقرة: 173. # (¬3) علامة الحياة في المولود هو الصياح، إذا استهل الصبي صارخا حالة ~~الوضع ثبت له ما يثبت للأحياء من الناحية الشرعية، يرث ويورث، ويصلى عليه ~~إذا مات . # (¬4) في (ج) الوضع .. PageV01P305 # الذي لا يجد فيه غيره، فخاف على نفسه الموت إن لم يأكله أن له أن يأكل ~~ذلك، ولا إثم عليه في أكله؛ قال أصحابنا: فإن كان المضطر في حال بغي على ~~المسلمين، أو متعد عليهم، لم يجز له أكل ذلك، ولم يبح الله تعالى له أكل ~~الميتة، وعليه الامتناع عن أكلها، وإن كان في أكلها حياة نفسه فليس له أن ~~يحي نفسه بها من الموت، وظاهر الآية يدل على قولهم وعلى غيره أيضا، وفي ~~نفسي من هذا التأويل شيء والله أسأله التوفيق والهداية لما يحب ويرضى، ~~وعندي والله أعلم أن معنى قوله: { غير باغ ولا عاد } وغير باع في الأكل ~~ولا متعد في الأكل؛ لأن العادي هو المتعدي الذي قد تعدى إلى ما نهاه الله ~~عنه، لأن من أكل في غير الاضطرار فهو في أكله متعد وباغ، وإذا كان مضطرا ~~إلى ذلك كان معذورا في ms228 هذا الأكل، وكان فيه غير باغ ولا عاد؛ لأن الأكل ~~إنما أبيح له إذا خاف على نفسه الموت؛ ولأنه يحيي نفسه به، وليس خروجه لبغي ~~أو غير بغي مما يمنع من إحياء نفسه إذا قدر على ذلك وبالله التوفيق. # مسألة # قال أكثر أصحابنا: إن الحائض إذا طهرت من حيضها لم يجز وطؤها إلا بعد غسل ~~يكون مطهرا لها للصلاة، فإذا (¬1) غسلت بماء نجس أو بماء مستعمل فهي على ~~حكم الحائض، وقال بعضهم وهو كالشاذ من قولهم: إن حيضها إذا ارتفعت عادت ~~إلى ما كانت عليه من الطهارة؛ وهذا القول عندي أنظر؛ لأن مجيء الحيض هو ~~الذي أزال حكم الأولى عنها، وكذلك ارتفاع الحيض يوجب ردها إلى ما كانت عليه ~~قبل مجيء حيضها من الطهارة، إذ الحيض اسم وجب رفع الطهارة، وارتفاعه يوجب ~~زوال اسمه وعودها إلى ما كانت عليه والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) - في (ج) فإن. PageV01P306 # ويقال إلى من ذهب إلى أن المرأة لا تطهر بزوال الحيض ولا تحل لزوجها أن ~~يطأها حتى تغتسل بالماء الطاهر الذي هو طهر الصلاة و إلا فهي في حكم ~~الحائض، ما تقول في الذمية والمجنونة المطبق عليها إذا انقضى حيضها واغتسلت ~~بالماء، أليس الوطء منها يكون حلالا لزوجها؟ فإن قال: نعم، يقال له: ~~فالذمية والمجنونة يغتسلان الغسل الذي هو طهر للصلاة، أو طهر من النجاسة، ~~أو طهر تعبد، فإن كان من نجاسة، فأي نجاسة تكون في غير موضع الدم؟ وإن كان ~~تطهرا للصلاة فمتى يصح ذلك منها؟ وعندي أن الذمية والمجنونة إذا طهرتا من ~~الحيض، وارتفع الدم عنهما، كان غسل الذمية بلا نية لأنها قد أقرت على ~~دينها، والمجنونة لا تغتسل وإن تولى غسلها عاقل ولا يجب أكثر من ذلك، فمن ~~قولك إباحة وطؤها على هذا وعدم الغسل سواء، بل اغتسال العاقلة بالماء ~~المستعمل أشبه بالطهارة وآكد في باب الجواز، وعندك إنه ليس بطهر، ولا تكون ~~متطهرة وبالله التوفيق. # وإذا قامت المجنونة واغتسلت الذمية اغتسلتا بنية الصلاة، كالمتيمم إذا ~~وجد الماء اغتسل فكان بغسله متطهرا ms229 لما يستقبل من العبادات والله أعلم. ~~وإنما يجب التكليف على ما يمكن، ألا ترى إلى قول الرسول عليه السلام: "لا ~~صلاة بغير طهور ولا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب" (¬1) ، وكذلك في طهارة ~~البدن والثوب والموضع إنما كان ذلك على القدرة والإمكان، فإذا جاءت العوارض ~~وحدث العجز سقط (¬2) اللزوم وتغيرت الأحكام لوجود العذر، والله أعلم . # كتاب الصلاة # باب في الأذان # ¬__________ # (¬1) تقدم ذكره # (¬2) في (ج) وسقط . PageV01P307 # الذي يؤمر به المؤذن إذا أراد الأذان، أن يكون على طهارة الصلاة، إلا في ~~صلاة الصبح، فقد اتفق الناس على إجازة إلا في شهر رمضان، فإنه لا يؤذن إلا ~~بعد طلوع الفجر لما في ذلك من منع الناس عن الأكل، وخاصة العوام الذين لا ~~يعرفون الأوقات، وإنما يرجعون في ذلك إلى تقليد المؤذنين، وينبغي له أن ~~يرفع صوته بالأذان لما في ذلك من الفضل، وفي الخبر أن كل شيء بلغ إليه صوته ~~شهد له يوم القيامة، وقد قيل: يستغفر له. PageV01P308 # وقد كان بعض الفقهاء يختار أن يكون المؤذن حسن الصوت عاليا (¬1) ، وقد ~~كان بعض المتقدمين من أصحابنا قد ذكره الشيخ لي، أنه كان يقول: إني راغب ~~(¬2) أن أكون مؤذنا وأكره (¬3) التقدم، وروى ابن عباس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: (يؤذن لكم خياركم وليؤمكم أقرؤكم) ويستحب أن يكون ~~المؤذن فقيها عارفا بالأوقات، بصيرا بما يجب على المقيم للصلاة (¬4) ، وما ~~(¬5) يفسدها ويثبتها، وقد بلغني أن محمد بن محبوب رأى رجلا يقيم الصلاة ~~(¬6) ثم أراد أن يتقدم عن موضع الإقامة فأمسكه؛ ولعل ذلك كان هو إمام ~~المسجد؛ لأن محمد بن محبوب يؤكد في الإقامة، قال الله تبارك وتعالى: { يا ~~أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله } ~~(¬7) ، { وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا } (¬8) ، واتفقوا على ~~أن الأذان المقصود به الصلوات المفروضات، واتفقوا على أن التطوع لا أذان له ~~ولا إقامة، واتفقوا على أن من أدرك شيئا من الجماعة فلا أذان عليه ولا ~~إقامة، واختلفوا في تقليد المؤذنين والصلاة بأذانهم، ms230 فقال بعضهم: لا تقليد ~~في أوقات الصلاة، وأن الفرض لا يؤدي إلا بيقين، قال الشيخ رضي الله عنه : ~~كان قول ابن أبي عمر أخذه عن بعض المتقدمين من أصحابنا، والجمهور من الناس ~~يذهب إلى أن المؤذنين أنهم حجة في أوقات الصلوات لأن أهل الإسلام حجة، ~~والدليل على ذلك ما عليه الناس (¬9) أن القوم يكونون في المسجد فيأتي ~~المؤذن، فيؤذن فيقيم (¬10) # ¬__________ # (¬1) - في (ج) غالبا . # (¬2) - في (ب) و (ج) أرغب. # (¬3) - في (ج) كره . # (¬4) - من (ب) و (ج) . # (¬5) - في (ج) مما . # (¬6) - في (أ) للصلاة . # (¬7) - الجمعة: 9 . # (¬8) - المائدة: 58 . # (¬9) - من (ج). # (¬10) - في (ج) ويقيم .. PageV01P309 # ويصلى بهم ويكون الإمام غيره وهو في جماعتهم، وقد تقدم قعوده مع القوم ~~قبل دخول الوقت، وكذلك المرأة تكون في منزلها والرجل الأعمى يسمعون الأذان ~~في مثل الوقت الذي يرجونه ولا ينكرونه، فيصلون بأذان المؤذن، ولا تجد ~~الفقهاء يمنعون عن ذلك ولا لهم مع تعليمهم الناس أمر الدين يشترطون عليهم ~~ترك تقليد المؤذنين، وقال كثير من أصحابنا بإجازة الأذان قبل دخول الوقت ~~(¬1) لصلاة الجمعة والفجر؛ ووجه قولهم إن بلالا كان يؤذن بليل فردوا الجمعة ~~قياسا على السنة من فعل بلال، فإن قال قائل: لم لم تردوا غير الجمعة من ~~الصلوات قياسا على الفجر كما رددتم على (¬2) الجمعة، وما الفرق بين الجمعة ~~وغيرها من سائر الصلوات من الجماعات وغيرها؟ قيل له: لما نبه النبي صلى ~~الله عليه وسلم من العلة التي أوجبت إجازة الأذان للفجر قبل وقته بقوله ~~عليه السلام: (إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم) ~~(¬3) ، ثم قال في خبر آخر: (إن بلالا يوقظ نائمكم ويرد غائبكم) (¬4) ، كانت ~~هذه العلة موجودة في صلاة الجمعة؛ لأن أكثر عادة الناس في أيام النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، أن صلاة الصبح تفوتهم عند النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~فقال عليه الصلاة والسلام: (من سمع نداءنا (¬5) فليجب) كانت الجماعة عنده ~~إذا فاتت لم تلحق، وكذلك الجمعة إذا اشتغل الناس عنها بنوم أو بغيره وفاتت ~~لم تلحق وغير الجمعة يلحقها ms231 من فاتته مع إمام غيره، والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) - في (ج) وقت صلاة الجمعة. # (¬2) - ساقطة من (ج) . # (¬3) - متفق عليه. # (¬4) - متفق عليه . # (¬5) - في (أ) نداء . PageV01P310 # والقول الثاني لأصحابنا: إن الأذان لا يجوز قبل دخول وقت الصلاة إلا صلاة ~~الفجر، فهذا القول يوجبه النظر عندي، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: (إذا حضرت الصلاة فأذنا وأقيما) فهذا الخبر يوجب ظاهر الآن (¬1) يوجب ~~(¬2) الأذان إلا بعد دخول الوقت، وهو حضور وقت الصلاة، وكان جواز الأذان ~~للفجر قبل وقته مخصوصا من جملة ما نهي عنه، لأن (¬3) أمره بالأذان بعد حضور ~~وقت الصلاة نهي عن ذلك قبل دخول الوقت والله أعلم . # وسألت الشيخ أبا مالك رضي الله عنه فقلت له: أكون في منزل حيث لا أرى ~~الشمس، ولا أعرف الوقت دخل أو لم يدخل، وأسمع المؤذن فأصلي بأذانه؟ فقال: ~~إن كان المؤذن فقيها ولعله أراد فقيها بأوقات الصلاة وهو مع ذلك عدل لأنه ~~لا يستحق اسم الفقيه إلا أن يجتمع له اسمان: معرفة وورع، لأن اسم فقيه اسم ~~مدح والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) - في (ج) أن لا . # (¬2) - في (ج) يجوز . # (¬3) - في (أ) أن . PageV01P311 # واتفق أصحابنا فيما علمت أن عدد الأذان الذي جاءت به الراية خمس عشر ~~كلمة، والإقامة سبع عشر كلمة، والمؤذنون في أيام النبي صلى الله عليه وسلم ~~ثلاثة: بلال، وابن مكتوم، وأبو محذورة، وكان الشافعي يقول في التقديم في ~~التثويب في أذان الصبح، ثم كره ذلك من بعد، لأن أبا محذورة لم يرو عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم وهو الذي علمه النبي الأذان، وأما بلال فروي أنه كان ~~يتثاءب في أذان الصبح، ولم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم علمه الأذان، ~~وإنما علمه عبد الله بن زيد الأنصاري، والثقة بخبر من علمه النبي صلى الله ~~عليه وسلم وسمع منه وأخذ عنه، أولى بالقبول ممن أخذ من صحابي وغير النبي ~~صلى الله عليه وسلم ؛ وكان بدء الأذان أن النبي صلى الله عليه وسلم أهمه ~~الإعلام بالصلاة، وقد كان استشار الصحابة في ذلك، فأشار ms232 بعضهم بالناقوس، ~~وقال بعضهم: ينصب بالأعلام، حتى أهمهم ذلك، فرأى عبد الله بن زيد الأنصاري ~~الأذان في المنام، فأخبر النبي _ صلى الله عليه وسلم ، فقال: علمه بلالا، ~~وقال: إن عمر نهى بلالا عن التثاؤب في الأذان، فكان بلال يؤذن بليل، فإذا ~~طلع الفجر الأخير أذن ابن أم مكتوم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (إن ~~بلالا يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرد قائمكم، فإذا سمعتم أذان ابن أم مكتوم ~~فصلوا) (¬1) ؛ # ¬__________ # (¬1) - تقدم ذكره .. PageV01P312 # واختلف الناس في الأذان، فقال بعضهم: هو فرض، وقال آخرون: هو سنة، وقال ~~بعضهم: هو فرض على الكفاية، وإلى هذا ذهب المدني وأبو ثور، وقال مالك: من ~~صلى في بلد لم يؤذن فيه فصلاته باطلة، إلا أن يؤذن هو؛ واحتج من قال: بأن ~~الأذان سنة وأن الفرض لا يدعه النبي صلى الله عليه وسلم في سفر ولا حضر، ~~وقد أمر بلالا يوم الخندق وقد تهور الليل أن يقيم ولم يؤذن، واحتج من ذهب ~~إلى إيجاب فرضه إنه إنما لم يأمره بالأذان لفوات وقته، لأن الأذان إعلام ~~بوجوب الصلاة، فإذا فات وقتها كان فعلها قضاء، فلذلك لم يأمر (¬1) بالأذان، ~~واحتج من قال: بأن الأذان سنة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أمر بلالا ~~وقد طلعت عليهم الشمس أن يؤذن ويقيم، وصلوا جماعة في بعض أسفاره، والقصة في ~~ذلك مشهورة؛ وقال من ذهب إلى أن الأذان فرض أن الصلاة في السفر والحرب قد ~~سقط بعض فرضها، فلما كان الفرض يسقط بعضه في السفر والحرب ووقت المشقة، ولم ~~ينكر أن يكون الأذان يسقط في مثل الحال التي كان عليها النبي صلى الله ~~عليه وسلم في (¬2) السفر. # ¬__________ # (¬1) - في (أ) يؤمر . # (¬2) في (ج) نسخة: وفي. PageV01P313 # يقال لمن احتج بهذا أن الفرض قد يسقط بعضه ولا يجب سقوطه كله إلا بنسخ ~~ووجوب بدل منه، فإن قال: إن الصوم قد يسقط في السفر كله فلا يفعل فما أنكرت ~~أن يكون الأذان مثله؟ قيل له: إن الصوم إذا سقط رجع إلى بدل، وكذلك ms233 فرض ~~الطهارة بالماء يسقط عند عدمه ويرجع فيه إلى بدل، ولو كان الأذان فرضا إذا ~~سقط أعيد منه بدل، فلما لم يقل أحد بإيجاب بدل من أذان دل على أن الأذان ~~ليس بفرض؛ وايضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد عرف أوقات الصلاة وقال: ~~(ما بين هذين الوقتين) ولو كان الأذان فرضا كان الاشتغال به يمنع من الوقت ~~الأول الذي حده النبي صلى الله عليه وسلم من الوقت، فلما كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم قد حد للصلاة وقتا، ثم كان الأذان فرضا، منع وقت فرض ~~الأذان والاشتغال بتأديته عن تأدية الصلاة في الوقت الذي حده لها، فيكون ~~وقتها وقتا واحدا. فإن قال قائل: ما أنكرت أن يكون ما ذكرت لا يمنع من ~~القول بفرض الأذان، وإنه لما كان من أعمال الصلاة لم ينكر أن يكون لها وقت ~~من أوقات الصلاة كما قلتم في الجنب بغسله في شهر رمضان وقت من أوقات ~~الجماع، وإن كان يبيح (¬1) له الجماع والأكل والشرب في الليل كله. قيل له: ~~إن الفرائض لها أوقات محظورة بها مأمور بفعلها فيه، ثم وجدنا الأذان يفعل ~~في أوقات مختلفة في الليل لصلاة الصبح قبل دخول وقت الصلاة وبعد وجوب ~~الصلاة في النهار، وعلمنا أن سبيله غير سبيل الفرائض، ألا ترى أن بلالا كان ~~يؤذن بليل والفرض المأمور بفعله إذا لم يكن محظورا في وقت، ولم يوقف ~~المتعبد عليه، لم يمكنه إلى الوصول إلى فعله في الوقت المأمور به، وبالله ~~التوفيق. # ¬__________ # (¬1) في (ج) أبيح. PageV01P314 # وقد قال بعض الفقهاء إن أذان بلال كان للسحور، وقد أجمعوا أن الأذان كان ~~دعاء إلى الصلاة، وحثا (¬1) عليها، وإعلاما بوقتها، ولا يجوز أن يعلم بها ~~ويدعو إليها قبل وقتها ولما حضر (¬2) وقتها، والنظر يوجب عندي أن الأذان ~~ليس بفرض، الدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم : (إذا حضرت ~~الصلاة فأذنا وأقيما وليؤمكم أسنكم) (¬3) ، فلما أجمعوا أن الأصغر لو تقدم ~~الأسن (¬4) لجازت الصلاة، دل على أن ذلك يوجه إلى التأديب دون ms234 الفرض والله ~~أعلم؛ وروي عن أبي محذورة أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه الإقامة سبع ~~عشر كلمة، وروى جماعة من الصحابة أن بلالا كان يؤذن ويقيم مثنى مثنى، وزيد ~~في الإقامة عند قوله: (قد قامت الصلاة) للتفرقة بين الأذان والإقامة، ولا ~~ينبغي للمؤذن أن يؤذن إلا على طهارة، فإن أذن على غير طهارة كره له ذلك، ~~كما يكره للجنب أن يدخل المسجد. وليس للمرأة أن تؤذن، فإن أذنت أحببنا أن ~~يعاد الأذان لأنها ليست ممن يؤذن لأنها مأمورة بخفض الصوت، ورفع الصوت ~~للرجال، ألا ترى إنها تصفق في الصلاة إذا عناها أمر، والرجل يسبح، لذلك لا ~~يسمع صوتها، ولا يتكلم المؤذن في أذان لأنه اشتغال بغير ذلك، وإعادة أذانه ~~أحب إلي، ويؤمر بالأذان والإقامة في الحضر والسفر، وإذا ترك المسافر الأذان ~~فحاله أيسر لأجل ماله من التخفيف في السفر، والله أعلم؛ ويروى أن الشيطان ~~يدبر إذا سمع الأذان، فإذا سكت المؤذن أقبل هو (¬5) ، ولا يجوز الأذان قبل ~~الصلاة ومن أذن قبل دخول الصلاة أعاد أذانه، هكذا روي أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: (إن بلالا يؤذن بليل ليوقظ نائمكم) (¬6) ، # ¬__________ # (¬1) في (أ) وأحث. # (¬2) لعلها ولم يحضر. # (¬3) متفق عليه. # (¬4) في (أ) إلى الأسن. # (¬5) ساقطة من (ج). # (¬6) تقدم ذكره.. PageV01P315 # قالوا: والأذان بالليل للعلة المذكورة في الخبر لا للصلاة، ويجلس المؤذن ~~بين كل أذان وإقامة، إلا المغرب، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~إنه قال: (بين كل أذانين صلاة إلا المغرب) يعني المهلة، والله أعلم. # ... # باب في الصلاة # قال الله تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم : { قل لعبادي الذين ~~آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم ~~لا بيع فيه ولا خلال } (¬1) ، وقال عز وجل: { حافظوا على الصلوات والصلاة ~~الوسطى وقوموا لله قانتين } (¬2) وقال جل ذكره: { فإن خفتم فرجالا أو ~~ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون } (¬3) . # ويقال في الخبر: (إن أول ما يحاسب به العبد الصلاة)، وفي الرواية ms235 عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم من طريق ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بعث معاذا وقال له: (إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا ~~إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله عز ~~وجل افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة) (¬4) . # ¬__________ # (¬1) سورة إبراهيم: 31. # (¬2) البقرة: 238. # (¬3) البقرة: 239. # (¬4) رواه البخاري ومسلم وأحمد. PageV01P316 # وقال عليه السلام عام حجة الوداع: (أيها الناس إنه لا نبي بعدي ولا أمة ~~بعدكم، فاعبدوا ربكم وصلوا خمسكم وصوموا شهركم وأدوا زكاتكم طيبة بها ~~أنفسكم وأطيعوا ولاة أموركم تدخلوا جنة ربكم) (¬1) ، فقوله صلى الله عليه ~~وسلم : (صلوا خمسكم)، وهو قول الله تعالى: { والصلاة الوسطى } (¬2) يدل على ~~الفرض خمس، وأن الوتر ليس بفرض، ولو كان الوتر فرضا لقال صلى الله عليه ~~وسلم ستا، ولم يكن لقول الله تعالى: { والصلاة الوسطى } معنى نعرفه، إذا ~~الوسطى لا تكون إلا ما كان قبلها من عدد مساويا لما بعدها، وتسمى متوسطة إذ ~~هي بين شيئين مستويين، فهذا يتهيأ في الخمس ولا يتهيأ في الست، فإن قال ~~قائل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (زادكم الله صلاة سادسة) (¬3) ، ~~قيل له: قال زادكم ولم يقل زاد عليكم، يريد بذلك الثواب، والله أعلم. وقال ~~الله تبارك وتعالى: { يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى ~~حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا } (¬4) ، وقال ~~الله تعالى: { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة ~~قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا } (¬5) ، فالذي ينبغي ~~لمن قصد إلى الصلاة أن يقوم إليها بأولى الجهات (¬6) فيها، غير متشاغل (¬7) ~~بغيرها، ولا متكاسل عن أداء فرضها. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~من طريق عروة عن أبيه إنه قال: (إذا حضر الخلاء وأقيمت الصلاة فابدأوا ~~بالخلاء) (¬8) . ويروى عنه من طريق عائشة عليها السلام إنه قال: (إذا وضع ~~العشاء وحضرت العشاء فابدءوا بالعشاء) (¬9) # ¬__________ # (¬1) رواه أحمد وأبو داود ms236 والنسائي. # (¬2) البقرة: 238. # (¬3) رواه ابن حبان. # (¬4) النساء: 43. # (¬5) النساء: 42. # (¬6) في (أ) الهيئات. # (¬7) في (ج) مشاغل. # (¬8) رواه الدار قطني. # (¬9) متفق عليه، ورواه أبو داود.. PageV01P317 # فالواجب على المرء أن يلقي علائقه قبل القيام إليها، ليقوم مقبلا بجوارحه ~~عليها، منصرف الهمة إليها، منقطع الخواطر عن غيرها، فإذا قام إليها بهذه ~~الصفات التي أمرناه بها فشك فيها أو سها عن بعضها بما لا يكون من فرضها، ~~ولا تتم إلا به من أعمالها لمن (¬1) يكن خارجا يتعرض (¬2) للسهو عنها إذ قد ~~جرى (¬3) بحسب طاقته؛ ولم يكلف الله أحدا ما ليس في قدرته؛ وللمصلي أن ~~ينصرف (¬4) عن صلاته إذا كان عنده إنه صلاها ولو لم يكن متيقنا لما روي أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم : (صلى بأصحابه ركعتين ثم سلم وقام لينصرف، فقال ~~له رجل أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~إني نسيت ولا إنها قصرت) (¬5) ؛ وزعم بعض مخالفينا إنه بنى على صلاته بعد ~~أن سألهم، وقال أصحابنا: إن كان ذلك في وقت كان الكلام في الصلاة جائزا قبل ~~أن يرد نسخ الكلام في الصلاة. # ¬__________ # (¬1) في (ج) لم. # (¬2) في (ج) لتعرضه. # (¬3) في (ج) تجري. # (¬4) في (ج) يصرف. # (¬5) متفق عليه. PageV01P318 # وفي هذا الخبر دلالة على أن المصلي إذا انصرف عن صلاته على أنه قد صلاها ~~لما عنده من اليقين كان مؤديا لفرضه، ولو كان لا ينصرف إلا عن يقين لا شك ~~فيه كما قال أصحابنا لما كان النبي صلى الله عليه وسلم ينصرف عن ركعتين ~~حتى أخبره أصحابه إنه انصرف من غير يقين، ولو كان انصرف عن يقين لم يصدقهم ~~ويعود إلى الصلاة ويزيل يقينه، وهذا يدل على جواز غير هذا أيضا في باب ~~العبادات؛ وقد عظمت مائدة هذا الخبر وجل خطره؛ لأن النبي صلى الله عليه ~~وسلم خرج من الصلاة ولم يكملها، وعنده أنه قد فرغ منها، فجائز للناس أن ~~يخرجوا من الفرائض إذا كان عندهم في ms237 الظاهر إنهم قد أكملوا وإن لم يعلموا ~~ذلك علما يقينا لا يجوز عليه الانقلاب؛ ومن سها عن تكبيرة الافتتاح أعاد ~~الصلاة من أولها لأنه لم يدخل فيها، ومن شك فلم يدر أكبرها أم لم يكبرها، ~~فالأصل إنه لم يأت بها فلا يخرج من فرضها إلا بيقين؛ قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم) (¬1) ، # ¬__________ # (¬1) تقدم ذكره (رواه الخمسة إلا النسائي).. PageV01P319 # ولا يحرم فيها إلا ما كان محللا من الكلام وغيره إلا بالإحرام؛ وقد ذهب ~~أكثر أصحابنا أن تكبيرة الإحرام وغيرها مما هو في الصلاة إذا جاوز المصلي ~~موضعه لم يعده إذا شك فيه ولم يرجع إليه، ونحن نختار قول من فرق بين تكبيرة ~~الإحرام وسائر التكبير الذي في الصلاة؛ لأن ذلك ليس بفرض كتكبيرة الإحرام، ~~ألا ترى لو تركها المصلي ونسيها كانت صلاته فاسدة لإجماع الأمة، ولو ذكر ~~أنه نسي غيرها من التكبير أن صلاته لا تفسد ولو كثر، حتى قال أهل الخلاف ~~على أصحابنا أنه لو عتمد لترك ذلك كله فإن صلاته ماضية، ومن كبر تكبيرة ~~الإحرام قبل إمامه وهو يرى أن إمامه قد كبر، أعاد التكبيرة بعد أن يكبر ~~إمامه لأنه نوى الاقتداء به ثم سبقه وكان واضعا التكبير في غير موضعه، ~~وكذلك إن سلم وهو يرى بأن الإمام قد سلم أو سبق إمامه في ركوع أو سجود أن ~~عليه أن يرجع إلى حاله حتى يفعل إمامه ذلك الفعل ثم يتبعه ولا ينتظر إمامه ~~حتى يلحقه، ومن سها حتى قدم شيئا قبل شيء عاد إلى فعل ما نسي ثم فعل الذي ~~بعده والذي كان فعله باطلا. # والتشهد الأول فرض في الصلاة لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وأمر ~~به، وقول من خالفنا في هذا باطل؛ وكل من قدم شيئا من فرائض الصلاة قبل وقته ~~وأخر شيئا منها عن موضعه بطل ما قدمه وما أخره وعاد أتى بالأول (¬1) ثم نسق ~~عليه بالثاني، وإن تعمد لفعل ذلك فسدت صلاته، والذي يؤمر به المصلي إذا قصد ~~إلى ms238 الجماعة أن لا يسرع المشي خوف فواتها (¬2) لما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم إنه قال: (إذا سمع أحدكم الإقامة فليأت الصلاة وعليه السكينة ~~والوقار فليصل ما أدرك وليعد ما فاته) (¬3) . # ¬__________ # (¬1) في (أ) بالأولى. # (¬2) في (ج فوتها. # (¬3) رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه. PageV01P320 # والذي يؤمر به أهل الجماعة إذا أرادوا الصلاة خلف إمامهم أن يليه منهم ~~أهل العلم بالصلاة والفضل منهم، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه ~~قال: (ليليني منكم أولوا الأحلام والنهى) (¬1) ، وفي الخبر أن ابن مسعود هو ~~الذي كان وراء ظهر النبي صلى الله عليه وسلم (في صلاته بالجماعة، وقيل إن ~~عمر بن الخطاب كان يؤخر من لا يعرفه من الصف الأول؛ وقال: لا ندع خلف نبينا ~~عليه السلام من لا نعرفه، وقد قيل: إن عمر كان يفعل ذلك حذرا على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ) (¬2) من مكيدة أعدائه من المنافقين وغيرهم، والرواية ~~عن ابن مسعود إنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسوي مناكبنا، ~~ويقول: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم) والصف الأول أفضل، والأخبار ~~كثيرة في فضل صلاة المصلي في الصف الأول. والرواية عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم إنه قال: ( خير صفوف الرجال أولها، وخير صفوف النساء آخرها) (¬3) ، ~~وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال: ( إن الله وملائكته يصلون على ~~الصف الأول) (¬4) . # إختلف أصحابنا في بدء فريضة الصلاة كيف افترضت، فقال بعضهم: افترضت في ~~ابتدائها صلاة السفر ركعتين، ثم زيد في صلاة المقيم وتركت صلاة المسافر ~~بحالها، وقال بعضهم: افترضت في الابتداء صلاة المقيم أربعا ثم حصلت عن ~~المسافر فقصرت وتركت صلاة المقيم. # ¬__________ # (¬1) رواه الدار قطني وابن ماجه. # (¬2) ما بين قوسين ساقطة من (ج). # (¬3) متفق عليه. # (¬4) رواه ابن حبان والبيهقي وأبو داود. PageV01P321 # والذي عندي ، والله أعلم أن الصلاة افترضها الله في القرآن جملة ثم بين ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الجملة بالسنة، وبين أن الفرض في ~~الجملة على المقيم ما هو، وهو ما ms239 عليه الناس من صلاة المقيم والمسافر. ~~والذي أتوهمه أن أبا المنذر بشير بن محمد بن محبوب كان يقول بهذا من غير ~~يقين مني لذلك، لأني وجدت له قولا في كتابه المعروف بالخزاية يدل على هذا. ~~قال: إن الله تعالى افترض الصلاة والزكاة جملة وفسرها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بالسنة، وهكذا بالقياس، والأشبه والأقرب إلى النفس لعدم صحة ~~الأصل، ويدل على صحة ما استدللناه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وأصحابه قبل نزول فرض الصلاة بالقرآن إنما كان يصلون النوافل، فلما جاء فرض ~~الأمر بالإلزام في الجملة وبينه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسنة أزاح ~~الشبهة، ولو كان الفرض لازما في الابتداء ركعتين فزيد في صلاة المقيم، لكان ~~صلاة المسافر في المغرب ركعتين، وأيضا فلما أجمعت الأمة أن صلاة المغرب في ~~الحضر والسفر ثلاث ركعات، سواء كان المصلي مقيما أو مسافرا، دل على أن الذي ~~ذكرناه أولى بالصواب وأشبه بالسنة، وكذلك الجمعة ركعتين ليس بظهر لمن صلاها ~~مقيما أو مسافرا، والله أعلم. # مسألة PageV01P322 روي عن النبي صلى الله عليه من طريق ابن عمر أنه نهى ~~أن يصلي الرجل صلاة في يوم مرتين، وفي هذا الخبر دلالة أن خبر معاذ منسوخ ~~به، وقال أبو حنيفة: إن قرأ المصلي بالفارسية جازت صلاته، واحتج له بعض ~~أصحابه بقول الله تعالى: { وإنه لفي زبر الأولين } (¬1) ، وإن زبر الأولين ~~غير العربي، وإذا صلى الرجل خلف الصفوف وحده لم تجز صلاته، لما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم (إنه رأى أبا بكر يصلي خلف الناس، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : زادك الله حرصا ولا تعد) ، وقال بعض أصحابنا: إن كان ~~خلف الصفوف قصد الإمام جازت صلاته، وفي (¬2) الخبر يمنع جوازها، والله أعلم. # مسألة في ترتيب الأئمة # ¬__________ # (¬1) الشعراء: 196 . # (¬2) في (ج) هذا . PageV01P323 # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ليؤمكم أقرؤكم لكتاب الله، ~~فإن كانوا في القرآن سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في ذلك سواء أكبرهم ~~سنا، فإن كانوا ms240 في ذلك سواء فأقدمهم هجرة) (¬1) ، وقال صلى الله عليه وسلم ~~: (إنما جعل الإمام إماما ليؤتم به) (¬2) ، وقال: (من سمع النداء فلم يجب ~~فلا صلاة له إلا من عذر) (¬3) ، ومن جمع بين العلم والقراءة كان أولى ~~بالإمامة ولأنه قد جمع من الخصال ما هو أولى بها من غيره، وإذا استووا كان ~~أكبرهم سنا لما في النفوس من تعظيم ذوي الأسنان، فإذا استووا في ذلك ~~فأثبتهم ورعا وصلاحا، لأنه لا يخفى على ذي لب إنه قد جمع من الفضائل ما لا ~~يرغب عن اتباعه إلا ناقص. ولذلك كرهنا إمامة الفاسق مع جواز الصلاة خلفه، ~~لما فاته من تعظيم النفوس له من جهة الدين، وإن كان ذلك من طريق الحكم، ولا ~~يشبه الفاسق في هذا المشرك، لأنه لو تاب وقد صلى لم تكن عليه إعادة صلاته، ~~ولو أسلم الكافر وقد كان قد (¬4) صلى أعاد صلاته، ألا ترى إلى قول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم : (الإمام ضامن) (¬5) ، # ¬__________ # (¬1) رواه أحمد وأبو داود . # (¬2) متفق عليه . # (¬3) رواه مسلم والنسائي وأبو داود . # (¬4) زائدة في (أ). # (¬5) متفق عليه.. PageV01P324 # وهذا حكم على كل إمام، وفي حال هو فيها إمام، فلولا أنه مؤد فيما يؤدي عن ~~نفسه وعن غيره لم يكن فيها ضامنا، ألا ترى أن مدرك الإمام في الركوع تجوز ~~ركعته، فإن قلنا: فإن عليه قضاء ما فاته، وقد قال كثير من أصحابنا مع ~~مخالفيهم: إن ركعته جائزة ولا إعادة عليه منها، وهذا يبين لك إنه فيما يؤدي ~~عن نفسه مؤد عن غيره؛ وكذلك القارئ إذا صلى خلف الأمي لم تجز صلاته؛ لأن ~~الذي يؤدي عن نفسه لا يصلح أن يكون أداء عن القارئ، وكذلك ما تؤدي المرأة ~~عن نفسها لا يصح أن يكون أداء عن الرجل، فإذا صلى القارئ خلف الأمي جازت ~~صلاة الإمام، وفسدت صلاة القارئ، كامرأة صلت برجل ونساء، إن صلاة النساء ~~جائزة وصلاة الرجل فاسدة، وكذلك الأمي بالأمي، وكذلك الإمام إذا كان ممن ~~فرضه في صلاته الإيماء لم تجز خلفه صلاة من يركع ويسجد ms241 إلا من ركع وسجد لا ~~إيماء (¬1) له فيما هو ركن صلاته؛ وكذلك المتوضئ خلف المتيمم من الجنابة، ~~وكذلك الطاهر من النساء خلف المستحاضة، والمتوضئ خلف من به سلس البول؛لأن ~~هؤلاء صلاته ضرورة، فإذا زالت الضرورة قبل تمام الصلاة أعادها لاستحالة ~~وجود الضرورة والقدرة. والله أعلم. # مسألة # إختلف علماؤنا في الصلاة على الصفا والسجود عليه، فجوز ذلك بعضهم وكره ~~آخرون، والنظر عندي إنه لا يجوز، الدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه ~~وسلم : (جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا (¬2) ، وكل ما صلح أن يكون ~~طهورا منها صلح أن يكون مسجدا للمصلي عليها، والله أعلم. # مسألة # ¬__________ # (¬1) في (ج) الإمام. # (¬2) تقدم ذكره. PageV01P325 # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال: (لن (¬1) يلج النار أحد صلى ~~قبل طلوع الشمس وقبل غروبها)، ثم قرأ { وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~غروبها } (¬2) ، وهذا خبر له تأويل، وفيه دليل على بقاء وقت العصر إلى قبل ~~غروب الشمس، ويدل على صحة هذا التأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم يوم ~~الخندق: (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر حتى غربت الشمس ملأ الله ~~قبورهم نارا) (¬3) ، وقول الله تعالى: { وأقم الصلاة طرفي النهار } (¬4) ، ~~يعني بذلك والله أعلم صلاة الفجر وصلاة العصر؛ وهذا يدل على بقاء وقتها ~~إلى آخر النهار، والله أعلم. # وروي عنه صلى الله عليه وسلم إنه قال: (بين كل أذانين (¬5) صلاة إلا ~~المغرب) يريد بالأذانين والله أعلم الأذان والإقامة ، فأجرى على الإقامة ~~اسم الأذان لدوام حجتهما. # ¬__________ # (¬1) في (ب: لم. # (¬2) طه: 130. # (¬3) رواه أحمد ومسلم وابن ماجه. # (¬4) هود: 114. # (¬5) من (ب)، و (ج). PageV01P326 # وتعلق قوم بقول الله جل ذكره: { فسبحه وإدبار النجوم } (¬1) على أن تأخير ~~صلاة الصبح أفضل، فقالوا: إن النجوم لا تدبر إلا في آخر الليل، وقال بعضهم: ~~هذه الآية يريد (¬2) بها الحث على ركعتي الفجر، والمأمور بفعلهما قبل ركعتي ~~الفرض، والله أعلم، ومن ذكر ركعتي الفجر بعد صلاة العصر أخر قضاءهما إلى ~~وقت جواز صلاة النوافل، وإذا كان عند بعض مخالفينا أن الوتر في ms242 ذلك الوقت ~~لا يجوز فعله فركعتا الفجر أبعد في الجواز من الفعل في ذلك الوقت، وقد جوز ~~أصحابنا في ذلك الوقت لهما، ولم أعرف وجه جواز قولهم وبالله التوفيق. ومن ~~أدرك من العصر ركعة فعليه قضاء الصلاة بعد خروج الوقت المنهي عن الصلاة فيه ~~لخبر النبي صلى الله عليه وسلم : (من أدرك من صلاة العصر ركعة فقد أدركها) ~~(¬3) يدل على إنه قد نهى عن هذه الأوقات والله أعلم، وروي عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم في بعض الأخبار إنه قال: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها ~~إذا ذكرها، فذلك وقتها) ولا كفارة عليه غير ذلك، ففي هذا الخبر دليل على أن ~~الكفارة تجب على غير الناسي والنائم والله أعلم. # مسألة # ¬__________ # (¬1) الطور: 49 أول الآية " ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم". # (¬2) في (ج أريد. # (¬3) متفق عليه. PageV01P327 # قال الله تبارك وتعالى: { واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من ~~القول } (¬1) وقال: { ادعوا ربكم تضرعا وخفية } (¬2) تأويل هذا عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم إنه قال: (يجهر بها جهرا في خفض (¬3) صوت ثم يقرأ ~~السورة) فهكذا نقلت الأئمة ما روي أبو سعيد الخدري قال: (أمرنا نبينا صلى ~~الله عليه وسلم أن نقرأ في صلاتنا فاتحة الكتاب وما تيسر) (¬4) ، وقال أبو ~~هريرة: (أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنادي، أن لا صلاة إلا ~~بفاتحة الكتاب وسورة) (¬5) ومن طريق عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم إنه قال: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب فصاعدا) (¬6) ، وروي عنه ~~صلى الله عليه وسلم (إنه أمر أعرابيا أن يقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر)، ~~ومن اقتصر على آية واحدة (¬7) قصيرة بعد فاتحة الكتاب أجزأه ذلك والله ~~أعلم، ومن طريق آخر إنه قال: (بفاتحة الكتاب ومعها شيء من القرآن)، وروي ~~عنه صلى الله عليه وسلم إنه قال: (كل صلاة (¬8) لا يقرأ فيها بفاتحة ~~الكتاب فهي خداج) (¬9) زعم أبو حنيفة ذلك على نفي الفضيلة والكمال والصلاة ~~مع (ترك) (¬10) فاتحة الكتاب جائزة، وهذا غلط منه. وقد بينا ms243 معنى الخداج في ~~غير هذا الموضع من كتابنا. # مسألة في تارك الصلاة # ¬__________ # (¬1) الأعراف: 205 . # (¬2) 2 الأعراف:55 . # (¬3) في (ج) حفظ . # (¬4) متفق عليه . # (¬5) رواه الجماعة . # (¬6) رواه أحمد وأبو داود . # (¬7) في (ج) واحدة واحدة. # (¬8) في (ج) لم. # (¬9) متفق عليه. # (¬10) من (ب)و (ج). PageV01P328 # اختلف أصحابنا في تارك الصلاة عمدا فقال بعضهم: يقتل إذا فات وقتها، وقال ~~آخرون: يضرب حتى يفعلها، لا يرفع عنه الضرب حتى يفعل الصلاة أو يقتل ~~بالضرب، والنظر يوجب عندي أن لا يقتل ما دام مقرا بفرضها، فإذا جحد فرضها ~~قتل؛ لأن الأمة أجمعت أن مؤخر الحج والصيام والزكاة لا قتل عليه ، وقد قال ~~أبو بكر الصديق: (لأقتلن من فرق بين الصلاة والزكاة) (¬1) ، فإذا لم يجب ~~على تارك الزكاة قتل كان تارك الصلاة مثله والله أعلم، والذين قتلهم أبو ~~بكر رضي الله عنه على الزكاة جحدوا فرضها، ولو أقروا لم يقتلهم فلذلك قلنا ~~إن حكم فرض الصلاة كحكم الزكاة والله أعلم، قال الله تبارك وتعالى: { ولا ~~تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره } (¬2) فنزلت هذه الآية على أن ~~الصلاة على الميت والقيام على قبره أمر معمول به، فدل على ذلك أيضا ما روى ~~أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من صلى على جنازة ~~وانصرف كان له من الأجر قيراط، ومن تبعها وصلى عليها ثم قعد حتى يدفن الميت ~~كان له من الأجر قيراطان) (¬3) . ولم تختلف الأمة في وجوب غسله وتكفينه ~~وحمله والصلاة عليه، الدليل لمن قال من أصحابنا: إن تارك الصلاة يجب عليه ~~القتل أنه لما كان الإيمان عملا على البدن لا يقوم به غيره ولا يسده مسده ~~بمال، وكانت الصلاة عملا على البدن لا يقوم به غيره ولا يسد (مسده بمال، ~~وكانت الصلاة عملا على البدن لا يقوم به غيره ولا يسد) (¬4) مسدها بمال وجب ~~الجمع بينهما من هذه الطريق. # ¬__________ # (¬1) متفق عليه. # (¬2) التوبة: 84. # (¬3) رواه البيهقي وابن حبان. # (¬4) ما بين قوسين من (ج) ناقصة من (أ). PageV01P329 # وإذا كان هذا هكذا وكان تارك ms244 الإيمان يقتل، كان تارك الصلاة يقتل أيضا، ~~ودليل لهم آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نهى عن قتل المصلين دل ~~على أن تارك الصلاة يقتل، والحجة لمن لم يوجب القتل أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لما قال: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، ~~أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير حق) (¬1) ، ولم يدخل تارك الصلاة في ~~هؤلاء دل على سقوط القتل عنه وتأخير عقوبته، ودليل لهم آخر بأن تارك الصوم ~~لا يقتل باتفاق، والصلاة مثله، والحجة على هذا لمن أوجب القتل بأن الصوم لا ~~يقتل تاركه، لأن الصوم قد يجبر ويصلح بالمال في حال من الأحوال، وليس كذلك ~~غيره من الإيمان، والصلاة تصلح بالمال وتقوم مقامه، ويدل على ذلك قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم : (فرق ما بين الكفر والإيمان ترك الصلاة) (¬2) وبالله ~~التوفيق. ويروى عن الشافعي أنه كان يذهب إلى قتل تارك الصلاة، وذهب بعض ~~أصحابه إلى مثل قول بعض أصحابنا في إيجاب الضرب على تارك الصلاة حتى يأتي ~~الضرب على نفسه، وروي عن زفر (¬3) وهو أحد فقهاء العراق أنه كان يوجب على ~~الحاكم أن يمنع تارك الصيام من الأكل والشرب ويحصل له الصوم بذلك لأن رمضان ~~عنده مستحق صومه، فلذلك أوجب الصوم لتارك الأكل والشرب وإن لم يرده ولم ~~ينوه، وبالله التوفيق.. # ¬__________ # (¬1) متفق عليه. # (¬2) رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي. # (¬3) زفر: من فقهاء العراق ومن تلامذة أبي حنيفة. PageV01P330 # روي أن النبي صلى الله عليه وسلم : (نهى عن الصلاة في الثوب الواحد) ~~(¬1) ، وروي عنه صلى الله عليه وسلم في خبر آخر أنه (نهى عن الصلاة في ~~ثوب واحد ليس على عاتق المصلي منه شيء) (¬2) ، فأما إذا كان متوشحا به فقد ~~رويت إباحة ذلك عنه صلى الله عليه وسلم ، فإن سلم طريق الخبر الأول فهو ~~يدل على قول أصحابنا أن المصلي إذا صلى بثوب ولم يتوشح به أو لم يستر ظهره ~~وصدره من غير عذر أن صلاته باطلة، فنهي النبي صلى ms245 الله عليه وسلم عن ~~الصلاة في الثوب الواحد إذا كان على ما وصف (¬3) علماؤنا فهو صحيح، والله ~~أعلم وبه التوفيق. # مسألة # ¬__________ # (¬1) رواه أحمد. # (¬2) رواه البخاري ومسلم وأحمد. # (¬3) في (أ) و (ج) وصفت. PageV01P331 # اختلف أصحابنا في المصلي يخرج من الصلاة بغير تسليم، قال بعضهم: ليس له ~~الخروج من الصلاة إلا بعد التسليم وقراءة التحيات، فإن قصر على ذلك كانت ~~عليه الإعادة، والحجة لمن ذهب إلى هذا الرأي قول النبي صلى الله عليه وسلم ~~: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم) (¬1) فلما كان الدخول فيها لا يصح ~~إلا بالتكبير (كان الخروج منها لا يصح إلا بالتسليم. وقال بعضهم: إن الدخول ~~فيها لا يصح إلا بالتكبير) (¬2) والخروج قد يصح بالتسليم وغير التسليم، لأن ~~الإحرام عليه الاتفاق والخروج من الصلاة فيه اختلاف. والحجة لأصحاب هذا ~~القول أن الخروج لم يكن معلقا بالتسليم دون غيره، وقد يكون الخروج كنحوه ~~بالتسليم وبغيره، وهذا نحو ما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (الشهر تسعة ~~وعشرون يوما) (¬3) ليس يوجب أن يكون شهر إلا تسعة وعشرين يوما، وكذلك قوله ~~عليه السلام: (العمد قود وليس كل ذي عمد قود) (¬4) ، وكذلك قوله صلى الله ~~عليه وسلم : (الإمامة في قريش، أن لا إمامة إلا في قريش) (¬5) مع قول عمر ~~رضوان الله عليه وهو أحد الرواة لهذا الخبر (لو كان سالم حيا ما خالجني فيه ~~الشكوك) وكقوله عليه السلام: (إذا ماتت الفأرة في السمن الذائب فأريقوه) ~~(¬6) فليس الحكم معلقا بها دون غيرها، وإن لم يذكر العصفور ونحوها، بل يكون ~~ذلك معلق الحكم بالمذكور وما كان في معناه، وكذلك قوله عليه السلام: (لا ~~قطع إلا في أربع دينار) (¬7) ، وكان هذا الحكم معلقا بالمذكور وغيره والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) تقدم ذكره. # (¬2) ما بين قوسين ساقطة من (ج). # (¬3) رواه أبو داود. # (¬4) رواه مسلم وابن ماجه. # (¬5) رواه أحمد. # (¬6) تقدم ذكره. # (¬7) رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجه . PageV01P332 # وهذا القول عندي أنظر، وعليه أكثر أصحابنا، وقد روي عنه صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال لبعض من كان يعلمه الصلاة: (فإذا رفعت رأسك ms246 من السجود وقعدت ~~وقلت فقد تمت صلاتك) (¬1) ، وهذا أيضا بدلا عن (¬2) صحة اختيارنا، فإن قال ~~قائل: إن هذا الخبر صحته تبيح إسقاط قراءة التحيات إذا كان التخيير مباحا ~~له بين القول والترك، وهو ما عبتموه من قول أبي حنيفة، قيل له: إن أبا ~~حنيفة أغفل المعنى في هذا الخبر وذهب عن تأويله، وليس بتخيير وإنما المعنى، ~~والله أعلم: إنك إذا قعدت وقلت فقد تمت صلاتك، وقال الله جل ذكره: { ولا ~~يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن } (¬3) لأنها تبدي لواحد منهم دون ~~الآخر على معنى التخيير، وإنما معنى الآية والله أعلم ولا يبدين زينتهن ~~إلا لبعولتهن أو آبائهن، والله أعلم. # مسألة # وإذا قام إمام القراة (¬4) قدامهم والمرأة أمام النساء في الصلاة وهي ~~إمام لهن، أو قامت المرأة إلى جانب الرجل في الصلاة، أو قام المأموم على ~~يسار الامام، وكذلك من كان في معناهم لمن خالف ترتيب النبي صلى الله عليه ~~وسلم لهم في الصلاة، فصلاة هؤلاء كلهم باطلة، ولا يكونون مطيعين في صلاتهم ~~مع مخالفتهم للنبي صلى الله عليه وسلم على ترتيبه إياهم، وقد قال الله ~~تعالى: { فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ~~} (¬5) . # مسألة # ¬__________ # (¬1) متفق عليه . # (¬2) في (ج) على . # (¬3) النور : 31 . # (¬4) في (أ) القراءة . # (¬5) النور: 63 . PageV01P333 # ومن (¬1) ذكر صلاة عليه لم يكن صلاها حتى فات وقتها لم يجز له أن يصلي ~~غيرها حتى يصليها، إلا صلاة هو في آخر وقتها، لما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: (لا صلاة لمن عليه صلاة)، وروي عنه صلى الله عليه ~~وسلم (أنه فاته أربع صلوات يوم الخندق فصلاهن على الترتيب) وفعله ذلك بيان ~~له (به) (¬2) عن قوله: { أقم الصلاة } ، وفعل النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا وقع على جهة البيان فهو على الوجوب. الدليل على ذلك فعله لأعداد ~~الركعات، وكذلك فعله لمناسك الحج إذا كان بيانا عن جملة قوله: { ولله على ~~الناس حج البيت } (¬3) ، وكذلك سبيل ما يقع من أفعاله بيانا عن جملة مذكورة ms247 ~~في الكتاب وهو على الوجوب إلا أن يقوم دليل، فإن قال قائل: لو كان الترتيب ~~واجبا ما أسقطه البيان، قيل له: النبي صلى الله عليه وسلم جعل وقتها ~~الذكر، لقوله صلى الله عليه وسلم : (فليصلها إذا ذكرها) (¬4) فإذا عدم ~~الذكر لم يحصل وقت لها، فلذلك لم يجب اعتبار وجوب الترتيب عند النسيان حسب ~~اعتبارها عند الذكر، فإن قال: فيجب اعتبار الترتيب إذا كان أكثر من يوم ~~وليلة، قيل له: إذا زاد على يوم وليلة سقط الترتيب، لأن الترتيب يقع فيه ثم ~~ينتقل الترتيب إلى يوم ثان لقوله صلى الله عليه وسلم : (خمس صلوات كتبهن ~~الله في اليوم والليلة) (¬5) ، ففصل بين كل يوم وليلة وما يأتي بعده بهذا، ~~والله أعلم. # مسألة # ¬__________ # (¬1) - من (ب) و (ج) . # (¬2) - من (ب) و (ج) . # (¬3) - آل عمران: 97 . # (¬4) تقدم ذكره . # (¬5) - رواه الخمسة . PageV01P334 # وينبغي لإمام المسجد أن يستخلف بعده رجلا عند الحدث والغيبة لما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم : (أنه جاء والناس في الصلاة يؤمهم أبو بكر ~~فأشار عليه صلى الله عليه وسلم أن أقم مكانك فتأخر وقدم النبي صلى الله ~~عليه وسلم وصلى بهم) (¬1) فصار ذلك فضلا (¬2) بجواز الصلاة بإمامين والله أعلم. # مسألة (¬3) # وإذا وجد العاري ثوبا وقد صلى بعض صلاته لبسه وأعاد، وكذلك المتيمم إذا ~~وجد الماء وهو في الصلاة نقض ما صلى وأعاد، وكذلك كل من أمر بالصلاة على ~~وصف فلم يفعل لعذر أو لعجز ثم قد ارتفع العذر عنه وعاد إلى ما كان مأمورا ~~بفعله ما لم يكن قضى ما امر به بفعله مع العذر والله أعلم. وأما ما كان ~~مأمورا بالصلاة في الابتداء على وصف، ولم يكن أمر بغيره فعجز ووجب العذر ثم ~~انتقل إلى حال (¬4) ثانية فلزمه زيادة الفرض لم يلزمه الخروج مما أمر به ~~حتى يتم، وهذا مخالف للأول، نحو الأمة تعتق وهي في الصلاة فعليها ستر رأسها ~~والبناء على ما صلت لأنها لم تكن في ابتداء الصلاة مأمورة بستر رأسها، فلما ~~عتقت (¬5) لزمها زيادة فرض وهو ستر ms248 الرأس، وكذلك المقعد إذا حدث (¬6) له ~~الصحة بنى على صلاته قائما، إلا أن يكون صحيحا قبل ذلك فحدث له العجز فيه ~~فعذر بالحادث فأمر بالقعود ثم وجد القدرة إلى ما كان عليه من (¬7) حال ~~القيام المأمور به في الصلاة قبل ذلك، فهذا ينقض صلاته ويبتديء، وأما من ~~علم شيئا من القرآن في الصلاة لم يكن يعلمه ولا يعلم شيئا من القرآن قبل ~~ذلك أنه بنى على صلاته وهذا زيادة فرض في الصلاة، ألا ترى أن أهل (قبا) لما ~~جاءهم الخبر بتحويل القبلة وهم في الصلاة تحولوا إليها، وبنوا على صلاتهم، ~~وكان التحول في الصلاة بالخبر الواصل إليهم زيادة فرض، والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) - متفق عليه . # (¬2) - في (ج) فصلا . # (¬3) - من (ج). # (¬4) - في (ج) حالة . # (¬5) - في (ج ) اعتقت . # (¬6) - في (ج) حدثت . # (¬7) - في (ج) في . PageV01P335 # مسألة # أجمع الناس على أن من صلى بصلاة إمام جاهلا بحاله، ثم تبين له أنه من أحد ~~أصناف المشركين، أن عليه إعادة الصلاة وإن خرج الوقت، وقد وجدت في الأثر ~~لبعض أصحابنا أن رجلا صلى بقوم في بعض أسفارهم نحو سنة، ثم تبين لهم أنه ~~كان مشركا فأوجب الفقهاء عليهم الإعادة لما صلوا خلفه، ووجدت في الأثر عن ~~الوضاح بن عقبة في رجل صلى بقوم وهو على (غير) (¬1) طهور عمدا منه ثم ~~أخبرهم بعد ذلك أن عليهم البدل، فإن كان الوقت قد فات فلا بدل عليهم، وفي ~~هذا القول نظر لأنهم قد أدوا فرضهم على ظاهر ستر إمامهم وسلامة حاله عندهم، ~~ثم أخبرهم بعد سقوط الفرض عنهم بفسقه لعمده في الصلاة بغير طهور، والنظر ~~يوجب عندي أن لا بدل عليهم بقوله، والله أعلم. # وأما قوله: فإن كان الوقت قد فات فلا بدل عليهم ففيه أيضا نظر، لأن الفرض ~~إذا لزم البدل لم يسقط بذهاب الوقت، والله أعلم، وإذا أحدث الإمام حدثا ~~فسدت صلاته بذلك، أو تقدم حدثه قبل الصلاة ولم يكن علم بحدثه، أو صلى بثوب ~~نجس ثم علم بحدثه في الصلاة وجب عليه الخروج من وقته، وبنى القوم ms249 على ~~صلاتهم بإمام أو غير إمام، وهذا قول أكثر أصحابنا، وحجتهم في جواز صلاتهم ~~أن كلا مؤد لفرض نفسه؛ وفي قول بعض أصحابنا أن صلاة المأموم تفسد بفساد ~~صلاة إمامه، وأن صلاة الإمام متضمنة لصلاة المأموم، وحجة أصحاب هذا الرأي ~~أن الإمام يتحمل من صلاتهم (¬2) عنهم ما لا تتم الصلاة إلا به وهو القراءة ~~والسهو الذي يلزمهم معه وغير ذلك. # ¬__________ # (¬1) - من (ج) . # (¬2) - في (ب) و (ج) . PageV01P336 # والقول الأول هو الأكثر والنظر يوجبه. اتفق أصحابنا أن المصلي للعصر يدرك ~~وقتها ما دامت الشمس بيضاء نقية، لما روى بعض الصحابة أنه قال: (صلينا مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم والشمس بيضاء نقية). واختلفوا فيمن صلى بعد ~~ذلك، فقال بعضهم: يدركها إلى أن يغيب من الشمس قرن، وقال بعضهم: حتى تصفر ~~الشمس، لما روى بعض الصحابة (أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة ~~العصر والشمس على رؤوس الجبال كعمائم الأنصار) (¬1) يعني صفراء، وقال قوم: ~~غيبوبة القرن من الشمس هو صفرتها وتغيير ضوئها، واختلف أصحابنا في هذا ~~القول الآخر على قولين: فمنهم (¬2) من قال: المصلي في هذا الوقت الذي ~~ذكرناه مؤد لفرضه كان ذاكرا أو نائما أو ناسيا، وقال بعضهم: هذا وقت للنائم ~~والناسي، وأما الذاكر فآخر وقته قبل اصفرار الشمس وغيبة القرن، لما روى في ~~ذلك من الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (صلاة المنافقين ~~يجلس أحدهم حتى إذا اصفرت الشمس للغروب) (¬3) وفي خبر آخر (إذا تضيقت ~~للغروب) يعني مالت للغروب، قام فيقرأ أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا. ~~وهذا يدل على أن المدرك لذلك الوقت الناسي والنائم،لأنه لو كان الوقت وقتا ~~لهذا لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يذكرأنهاصلاة المنافقين، وكان ~~يقول: إنها صلاة المطيعين، وأصحاب الرأي الأول يحتجون على صحة قولهم، لما ~~روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من أدرك من صلاة العصر ركعة ~~فقد أدرك الصلاة، ومن أدرك من صلاة الصبح ركعة فقد أدرك الصلاة) (¬4) ، # ¬__________ # (¬1) - رواه الدار قطني ms250 # (¬2) - في (ج) ففهم . # (¬3) - رواه البيهقي والنسائي . # (¬4) - متفق عليه .. PageV01P337 # واحتجاجهم بظاهر الخبر، والأول أحب إلينا وأثبت، والقول به أقوى في باب ~~الاحتياط؛ وأجمعوا أن من صلى وهو يرى أنه متوجه إلى القبلة ثم تبين أنه كان ~~صلى لغير القبلة لمانع منعه من غيم أو غيره أنه لا إعادة عليه في الوقت ولا ~~في غير الوقت، وأجمعوا أنه لو صلى وهو يرى أن الوقت قد دخل ثم تبين له أنه ~~صلى في غير الوقت أن عليه أن يعيدها متى علم بذلك الوقت، وأجمعوا أن أول ~~وقت الصلاة أفضل وأوفر على المصلي ثوابا، وإن كان قد خالفنا في ذلك بعض ~~العراقيين في أن آخر وفت الصلاة أفضل، وقد خالفهم بعض مخالفينا ممن غلط في ~~ذلك كغلطهم، فقال: أول الوقت وآخره سواء في أداء الفرض واستيعاب الأجر ~~(نسخة) استيفاء الأجر، الدليل على صحة قول أصحابنا أن من لزمه فرض فسارع ~~إلى أدائه كان أوفر لثوابه إذ قد يجوز على من أخره أن يحرمه الموت قبل أن ~~يؤديه، إلا في الوقت الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتأخير الصلاة ~~فيه، لقوله صلى الله عليه وسلم :؛ (إذا اشتد الحر فأبردوا بالظهر فإن شدة ~~الحر من فيح جهنم) (¬1) ، وهذا خبر يخص به صلاة الظهر وحدها من سائر ~~الصلوات لأجل العلة التي ذكرها صلى الله عليه وسلم ، ويدل أيضا على فضل ~~تعجيل الصلاة قول النبي صلى الله عليه وسلم (أول الوقت رضوان الله وآخره ~~عفو الله) (¬2) ، وأقل ما للمصلي في أول وقتها أن يكون عليها محافظا ومن ~~المخاطرة بالشغل والنسيان عن الأوقات خارجا، ورضوان الله إنما يكون ~~للمحسنين، والعفو يشبه أن يكون للمقصرين (¬3) ، والله أعلم. # مسألة # ¬__________ # (¬1) - متفق عليه. # (¬2) متفق عليه . # (¬3) في (أ) للمصرين . PageV01P338 # لم يختلف أصحابنا في صلاة الظهر والعصر أنهما بفاتحة الكتاب في الركعتين ~~الأوليين، وإن قال قائل ممن خالفنا في ذلك: لم لم توجبوا مع فاتحة الكتاب ~~سورة أو شيئا من القرآن؟ قيل له: الدليل قام لنا من إجماع الأمة مع موافقة ~~من وافقنا ms251 على ذلك؛ مثل الحسن بن أبي الحسن وغيره من التابعين، مع ما روي ~~لنا ونقل إلينا عن الرسول عليه السلام في ذلك، فإن قال: فإن السنة التي ~~ادعيتموها غير صحيحة عندنا، فما الدليل الذي قام لكم من إجماع الأمة؟ قيل ~~له: وجدنا الأمة توجب الإجهار في كل موضع قرئ فيه بفاتحة الكتاب وسورة، وكل ~~موضع لم يجهر بالقراءة فيه فإنما يقرأ بفاتحة الكتاب وحدها، ثم أجمعوا على ~~أن صلاة الظهر والعصر لا إجهار فيهما بقراءة، كان هذا دليلا لنا أنه لا ~~يقرأ فيهما إلا بفاتحة الكتاب وحدها، فإن قال: ما أنكرتم أن يكون ترك ~~الاجهار فيهما لأنهما من صلاة النهار، وصلاة النهار لا جهار فيها؟ قيل له: ~~لو كانت العلة في ذلك أنهما من صلاة النهار لوجب أن لا يجهر في صلاة الصبح ~~وصلاة الجمعة لأنهما من صلاة النهار، فلما أجمعوا جميعا أن الإجهار بصلاة ~~الجمعة وصلاة الصبح واجب دل على فساد ما ادعيت وسقوط ما به عارضت، فإن قال: ~~صلاة الصبح مختلف فيها انها من صلاة الليل أو من صلاة النهار، والجمعة ~~فلإجماع (¬1) عليها بالإجهار مخصوصة بذلك، قيل له: فحكم المختلف فيه مردود ~~إلى الحكم المتفق عليه، وقد أريناك فساد علتك التي نصبتها وعارضتنا عليها. # ¬__________ # (¬1) في (ب) فلا إجماع. PageV01P339 # فإن قال قائل: فإن القائسين لا يقيسون على المخصوص، قيل له: ومن وافقك أن ~~الجمعة مخصوصة وهي فرض باين بنفسه قد أجمع المسلمون عليه؟ فإن قال: ما ~~أنكرتم أن تكون فيها قراءة مع فاتحة الكتاب وإن لم يجهر فيهما؟ قيل له: هذا ~~ظن منك وغلط وذهاب عن الدليل، وذلك أنا وجدنا الصلاة الواحدة في الليل ~~والنهار يجهر فيها بما فيه فاتحة الكتاب وسوره، ويخفى ما فيه قراءة فاتحة ~~الكتاب وحدها، فهذا دليل مع ما قدمنا ذكره على ما ذكرناه، وسقوط لما ~~عارضتنا به ولو كان لا إجهار فيهما لأنهما من صلاة النهار، ولم يكن ترك ~~الإجهار لأنهما بفاتحة الكتاب وحدها لكانت صلاة الليل يجهر فيها، ولم يكن ~~ما يقرأ ms252 فيه بفاتحة الكتاب وحدها (من) (¬1) صلاة المغرب والعشاء الآخرة ~~يخافت فيها بالقراءة فيما لا قراءة فيه بغير فاتحة الكتاب، والله أعلم. # مسألة # إتفق أصحابنا على إيجاب الصلاة بالثوب النجس إذا لم يجد المصلي ثوبا غيره ~~وإن كان المصلي في نفسه طاهرا متطهرا، قالوا: وفرض الإستتار بالثوب وإن كان ~~نجسا غير زائل عنه به، وإن كان قد خالفهم في ذلك الشافعي وأصحابه من أهل ~~الحجاز، فقالوا: يصلي وهو عريان. وأما أبو حنيفة وأصحابه من أهل العراق ~~أجازوا له الصلاة إذا كانت النجاسة أقل من ملاة، وإذا كانت النجاسة مستفرغة ~~له، خير المصلي بين أن يصلي فيه أو يصلي وهو عريان، الدليل لأصحابنا على ~~صحة مقالتهم إجماع الجميع على أن من لا يستمسك بوله ولا غائطه أن عليه ~~الصلاة. # ¬__________ # (¬1) من (ج). PageV01P340 # وكذلك من كانت به جراحات لا ترقأ ولا ينقطع منها الدم أن فرض السترة على ~~هؤلاء ولو امتلأت بالدم والنجاسة، ولم يسقط الله فرض السترة من أجل أنها ~~نجسة لا يجدون إلى غيرها سبيلا، ففي هذه الأشياء دلالة على أن من لا يجد ~~سبيلا إلى ثوبا طاهر أن فرض السترة في الثوب الذي ليس بطاهر واجب بغير ~~الثوب الطاهر في الصلاة واجب أيضا، وأن السنة جاءت بأن المستحاضة تصلي وإن ~~كان دمها يقطر ولا يمكنها حبسه، وإن امتلأ ثوبها وقطر على حصيرها، وهذا يدل ~~على أن فرض السترة على المصلي وإن كانت غير طاهرة إذا لم تجد ثوبا طاهرا، ~~وقد روي أن عمر بن الخطاب كان يصلي وأن دمه ينبعث من الطعنة، وقد وافقنا ~~على هذه المقالة الحسن بن أبي الحسن ومحمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، وأيضا ~~فإن فرض الإستتار واجب بالثوب الطاهر، والنجس كان في الصلاة أولى إذا عدم ~~الطاهر. # مسألة PageV01P341 إختلف أصحابنا في الصلاة في الثوب المغتصب والأرض ~~المغتصبة على قولين: فأجازها أكثرهم ورووا (¬1) انما وقعت طاعة من عاص، وأن ~~الفعل وقع موقعه من أداء الفرض، وعلى المصلي رد الثوب إلى صاحبه والخروج من ~~(¬2) الأرض المغتصبة منه، ms253 وكان ممن يقول بهذا القول وأيده واحتج له أبو ~~محمد عبد الله بن محمد بن محبوب فيما حفظه لنا عنه أبو مالك رضي الله ~~عنهما، وكان ممن ينصر الآخر (¬3) ويقوله ويستدل على صحته أبو المنذر بشير ~~بن محمد بن محبوب. وهو مشهور من قوله، وكان آخر ما يحتج به أن قال: رأيت ~~الصلاة طاعة أمر الله بها، ورأيت الثوب المغتصب قد نهى الله المغتصب له في ~~كل حال أن يلبسه، وكان فرض الصلاة وشرطها ومالا تقوم إلا به الإستتار ~~بالثوب الطاهر والقرار الطاهر الذي يكون عليه، فلما كان الثوب الذي يقف فيه ~~للصلاة والقرار الذي يكون عليه للصلاة قد نهي عنها، وأمر برد الثوب على ~~صاحبه، والخروج من الأرض في كل أقواله، لم يجز أن تكون الصلاة واقعة منه، ~~وكانت الصلاة مأمورا بها منهيا عنها، لأنها لا تقوم إلا بما قد نهي عنه، لم ~~يجز أن تكون طاعة مأمورا بها، والطاعة والمعصية متنافيتان. ومما يؤيد قوله ~~إن المصلي مأمور بالصلاة في الأرض الطاهرة من غير غصب ونجس، كما أمر ~~بالصلاة في ثوب طاهر من غير غصب ونجس، فلما كان المصلي في الأرض النجسة ~~مخالفا لما أمر به كانت صلاته فاسدة بالإجماع، وجب أن يكون إذا صلى في ~~الأرض المغتصبة تفسد صلاته لمخالفة الأمر فيها، وكذلك القول في الثوب ~~المغتصب والنجس، لأن النهي عن الأرض المغتصبة والثوب المغتصب كالنهي عن ~~الصلاة في الأرض النجسة والثوب النجس، وهذا القول أقرب إلى النفس وأصح دليلا. # مسألة # ¬__________ # (¬1) في (ب) الأثر ويقويه ويستدل على صحته، وفي (ج) ورأى. # (¬2) في (ج) عن. # (¬3) في (ج) الأجر. PageV01P342 # وستر العورة واجب في الصلاة، ومن لم يستر عورته في الصلاة وهو يقدر على ~~ذلك كانت صلاته باطلة بإجماع الأمة؛ والمرأة كلها زينة إلا الوجه والكفين، ~~قال الله تبارك وتعالى: { ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها } (¬1) ، وهو ~~الوجه والكفان بإجماع الأمة، لأن الشاهد ودافع الحق إليها لا يصلون إلى ~~معرفتها عند المشاهدة لها إلا بكشف الوجه، ومن أظهر منهن ms254 شيئا من زينتهن مع ~~نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك في صلاتها، كانت صلاتها باطلة لأنها ~~صلاة منهي عنها. قال محمد بن محبوب: صلاة المرأة جائزة في بيتها مكشوفة ~~الرأس، فإن احتج محتج فقال: إنها مستترة ببيتها، قيل له: لو جاز ذلك لجاز ~~للمستتر في بيته من الرجال أن يصلي كاشفا عورته، أو بثوب يشف أو في الليل، ~~فلما أجمعوا على فساد صلاة هؤلاء صح ما قلنا، ولا أعلم أن أحدا من ~~الموافقين أو فقهاء المخالفين جوزوا ذلك، والله أعلم، وهو ولي التوفيق. # مسألة # ¬__________ # (¬1) - النور: 31 . PageV01P343 # واختلفوا في القدمين، وروي عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (تغطي المرأة ظهر قدميها) (¬1) ، ~~وللأمة أن تصلي مكشوفة الرأس باتفاق الناس، وكذلك أم الولد والمدبرة تصليان ~~مكشوفة الرأس لثبوت الرق عليهما، والمانع لنا من أم الولد مكشوفة الرأس ~~محتاج إلى دليل لثبوت الرق عليها، إذ لا دليل يدل على حريتها (¬2) ~~بالولادة، ولا بموت السيد إذ لم يخلف منها ولدا، والواجب على المتعبد ~~بالصلاة أن لا يأخذ لها إلا سترة طاهرة لقول الله تعالى: { خذوا زينتكم عند ~~كل مسجد } (¬3) ، والعرب لا تعقل الزينة المستقذرة والمجتنب، لأن المستقذر ~~المجتنب داخل في حيز (¬4) الخبائث، ولا تجوز الصلاة إلا في سترة واسعة يغطي ~~بها المصلي عورته، ويخالف بين طرفيها على عاتقه إذا كان قادرا على ذلك لما ~~روي أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يصلي أحدكم في الثوب ~~الواسع ليس على منكبيه منه شيء) (¬5) ولما روي عن جابر بن عبد الله ~~الأنصاري قال: (صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته، وكانت ~~علي بردة صغيرة فاجتهدت أن أخالف طرفيها على عاتقي فلم تنل، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : إذا كان واسعا مخالفا بين طرفيه وإن كان ضيقا فاشدده ~~على حقويك) (¬6) ، ومن أسبل إزاره في الصلاة خيلاء فلا تجوز صلاته، لما روى ~~عبد الله بن مسعود عن رسول ms255 الله صلى الله عليه وسلم : (من أسبل إزاره في ~~الصلاة فليس من الله في حل ولا حرام) (¬7) ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ~~(فضل الإزار في النار) (¬8) ، # ¬__________ # (¬1) - رواه الدار قطني . # (¬2) - في (ج) حريتهما. # (¬3) - الأعراف: 31 . # (¬4) - في (أ) خبر . # (¬5) - تقدم ذكره . # (¬6) - متفق عليه واللفظ لأحمد . # (¬7) - رواه ابن حبان . # (¬8) - رواه الدار قطني .. PageV01P344 # ومن طريق أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما تحت الكعب من ~~الإزار في النار)، وفي رواية ابن مسعود (رأى رجلين يصليان أحدهما ينقر ~~سجوده والآخر يرخي إزاره في الأرض، فقال: أحدهما لا ينظر الله إليه، والآخر ~~لا يغفر (¬1) الله له) (¬2) وفي الرواية أن الذي لا ينظر الله إليه هو صاحب ~~الإزار، وصلاته مقرونة بالوعيد غير جائزة، ولا يجوز للمصلي أن يشتمل ~~الصماء، ومن صلى على ذلك كانت صلاته فاسدة لنهي النبي صلى الله عليه وسلم ~~عن لباس الصماء في الصلاة، فلما كانت الصلاة لا تقوم إلا بسترة، وهذه سترة ~~منهي عنها كانت الصلاة باطلة. وللمرأة أن تطيل ذيلها، ولا اختلاف بين أهل ~~العلم في ذلك من مخالف وموافق، وصلاة الواصلة شعرها بشعر غيرها جائزة، وإن ~~(¬3) قال قائل: لم أجزت (¬4) صلاة الواصلة مع نهي النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولم تجز صلاة اللابس الصماء، والنهي واقع بهما جميعا قيل له: لباس ~~الصماء هو أحد ما لا تقوم الصلاة إلا به وهي السترة. والنهي عن وصال (¬5) ~~الشعر بالشعر ليس هو من شرط الصلاة ولا مما تقوم الصلاة إلا به، وإنما توجه ~~(¬6) النهي إلى الفعل الذي ليس هو من الصلاة (ولا مما تقوم) (¬7) الصلاة ~~إلا به، فالنهي لم يكن لأجل الصلاة، فلذلك لم يكن النهي قادحا في الصلاة، ~~وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الواصلة والمستوصلة والواشمة ~~والمستوشمة والواشرة والمستوشرة والنابصة (¬8) والمتنبصة والقاشرة ~~والمتفلجات للحسن) (¬9) ولا يقدح جميع ذلك في الصلاة. # ¬__________ # (¬1) - في (أ) ينظر . # (¬2) - رواه أحمد وأبو داود ومسلم . # (¬3) - في (ج ) فإن . # (¬4) - في (ج) أجزتم . # (¬5) - في (ج ) وصل . # (¬6) - من ( ج) و (أ) يوجبه . # (¬7) - في (أ) إلا ms256 ما لا تقوم . # (¬8) - في (ج) والنابضة والمتنبضة . # (¬9) - متفق عليه . PageV01P345 # ولا تجوز الصلاة في المقبرة ولا المجزرة ولا المزبلة ولا على ظهر الكعبة ~~وقارعة الطريق، ولا في معاطن الإبل ولا في الحمام، لما روي عن ذلك من النهي ~~عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد اختلف أصحابنا في جواز هذه ~~المواضع، وجائزة الصلاة عندنا في مرابض الغنم، ولا تجوز في معاطن الإبل ~~للرواية الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا حضرت الصلاة ~~في مرابض الغنم فصل، وإذا حضرت وأنت في معاطن الإبل فلا تصل) (¬1) ، والله ~~أعلم ما وجه الحكم في افتراق حكميهما في باب التعبد، وروي عنه صلى الله ~~عليه وسلم أنه سئل عن الإبل فقال: (إنها جن، من جن خلقت). ومرابض الغنم قد ~~تكون في حال طاهرة فيجوز أن يكون أمرهم بالصلاة في مرابض الغنم إذا كان ~~مواضعها طاهرة لعلمه بما يعلمون من نهيه إياهم عن الصلاة في المواضع ~~النجسة، فإن قال قائل: قال النبي صلى الله عليه وسلم للسائل: (حيث ما ~~أدركتك الصلاة فصل) (¬2) يدل على ما تقدم من قولك. قيل له: قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم : (جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا) (¬3) ، فهذا الخبر ~~معترض على خبرك الذي رويته لأن خبر (حيث ما أدركتك الصلاة فصل) أعم، وخبر: ~~(جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا) أخض، والأخص يقضي على الأعم، فإذا ~~أخذنا بالخبرين جميعا ولم يسقط أحدهما كان قوله عليه الصلاة والسلام: (حيث ~~ما أدركتك الصلاة فصل) إلا في موضع ليس بطاهر (¬4) . # مسألة # ¬__________ # (¬1) - رواه أبو داود . # (¬2) - متفق عليه . # (¬3) - تقدم ذكره . # (¬4) - في (ج) بظاهر . PageV01P346 # أوجب الله تعالى على من خوطب بالصلاة التوجه إلى الكعبة لقوله تعالى: { ~~فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره } (¬1) ، فإذا ~~كان المصلي على التوجه قادرا وجب عليه استقبالها، وإذا كان المصلي مشاهدا ~~لها صلى إليها من طريق المشاهدة، فإذا كان عنها غائبا استدل عليها بالدلائل ~~التي نصبها الله تعالى عليها، مثل الشمس والقمر والأرياح ms257 والنجوم وما أشبه ~~ذلك. ولا خلاف بين أهل الصلاة في إيجاب ذلك عليه، فإذا خفيت عليه الأدلة ~~سقط عنه فرض التوجه، وكان عليه فرض التحري نحوها، فإذا صلى بعض الصلاة ثم ~~انكشفت له الدلالة (¬2) التي يستدل بها إلى الكعبة توجه إليها، وبنى على ما ~~مضى من صلاته، لأن فرض التوجه لزمه عند علمه بالجهة لما روي عن ابن عمر ~~قال: بينما الناس في صلاة الصبح بقباء إذ أتاهم آت فقال: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم انزل عليه القرآن وأمر أن يستقبل الكعبة فاستقبلوها، وفي ~~هذا الخبر دليل على وجوب العمل بخبر الواحد، وكانت وجوههم نحو الشام ~~فاستداروا إلى الكعبة، وكذلك إذا صلى جميع صلاته ثم علم لم تكن عليه ~~إعادتها خرج الوقت أو لم يخرج، ويدل على هذا ما روي بعض الصحابة أنه قال: ~~(كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مظلمة فلم ندر أين القبلة، ~~وصلى كل واحد منا على خياله، ثم أصبحنا فذكرنا للنبي صلى الله عليه وسلم ، ~~فقرأ: { أينما تولوا فثم وجه الله } (¬3) ). ولا تجوز الصلاة المفروضة في ~~الكعبة، وإن كان بعض أصحابنا قد جوزوا (¬4) ذلك، الدليل على أنها لا تجوز ~~أن الله تبارك وتعالى أوجب على القائم إلى الصلاة استقبالها، وفي أمره ~~باستقبالها نهي عن استدبارها واستدبار بعضها. # ¬__________ # (¬1) - البقرة: 144 . # (¬2) - في (ب) و (ج) الأدلة . # (¬3) - القرة: 115 . # (¬4) - في (ج ) جوز . PageV01P347 # فألزم المتعبد استيعاب جميع الكعبة والاستقبال على قدر طاقته، والمصلي في ~~الكعبة قد ترك شيئا من الكعبة مع قدرته على استقبالها، ولو سمي المتوجه إلى ~~بعضها مستقبلا للكعبة لسمي المستدبر لبعضها مستدبرا للكعبة، وقد روي أن ~~جابر بن زيد رأى رجلا يصلي على الكعبة فقال: من المصلي؟ لا قبلة له. ويجوز ~~أن يصلي في الكعبة تطوعا لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيها ركعتين ~~تطوعا، فيجوز لمن فعل ذلك تأسيا برسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وكذلك ~~يجوز التطوع على الراحلة وهو سائر حيث ما توجهت راحلته إذا ابتدأ ms258 بصلاته ~~نحو القبلة، وقد روي ذلك عن ابن عباس وأنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا سار وأراد أن يصلي تطوعا على راحلته استقبل بناقته القبلة ~~وكبر ثم أرسلها حيث ما توجهت؛ وفي الرواية عن ابن عمر أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم كان ربما أوتر على الراحلة، والذي نختاره للمصلي إذا أراد ~~الصلاة أن يجعل تلقاء وجهه شيئا قائما مثل السارية والعصا، فإن لم يقدر على ~~شيء خط في الأرض أمامه خطا، لما روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: (إذا صلى أحدكم فليجعل بين يديه تلقاء وجهه شيئا، فإن لم ~~يجد فلينصب عصا، فإن لم تكن معه، فليخط بين يديه خطا ثم لا يضره ما مر بين ~~يديه) (¬1) وقد خالفنا بعض أصحابنا في الخط والسترة، وقال: إن الصلاة لا ~~يقطعها شيء وليس هي كالحبل الممدود، وقد غلط من قال منهم بهذا القول الذي ~~(¬2) روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في العصا والخط، وفي أمر النبي ~~صلى الله عليه وسلم بذلك دليل على أن الصلاة تفسد ببعض ما يمر بين يدي ~~المصلي لأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم لا يخلو من فائدة. # ¬__________ # (¬1) - متفق عليه . # (¬2) - في (ج) لما . PageV01P348 # وقد روي عن طلحة بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا ~~كان بين يدي المصلي مثل مؤخرة الإنسان لم يبال ما مر بين يديه) (¬1) ، وفي ~~قوله عليه الصلاة والسلام: (يدرأ المصلي نفسه ما مر بين يديه ما استطاع) ~~(¬2) دليل على ما قلنا، وغير هذا من الأخبار عن عمر بن الخطاب وغيره ما يدل ~~على ذلك؛ ويأمره أيضا أن يمنع المار بين يديه وهو في الصلاة، لأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أمره بذلك؛ وفي الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~من طريق أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يدرأ المصلي ~~عن نفسه ما استطاع فإن أبى أن يمتنع المار فليقاتله فإنما ms259 هو شيطان) (¬3) ، ~~فلتنظر في هذا الخبر لأن آخره نظر، لأنه قد روي عنه عليه الصلاة والسلام من ~~طريق آخر أنه قال: (لا يقطع الصلاة شيء وادرؤوا ما استطعتم) (¬4) ، فإذا صح ~~الخبران لم يكن أحدهما ناقضا للآخر فكأنه قال عليه الصلاة والسلام: إن ~~الصلاة لا يقطعها شيء إلا ما أمرتكم بقتاله أو إصرافه؛ وعلى كل حال فإن ~~المار بين يدي المصلي من غير عذر إذا لم يكن ممن يقطع الصلاة مروره آثم، ~~والله أعلم، لقول عمر بن الخطاب: لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه ~~لأقام حولا خير له. # ¬__________ # (¬1) - رواه أحمد . # (¬2) - رواه مسلم وأحمد وأبو داود . # (¬3) - رواه مسلم والنسائي والترمذي . # (¬4) - متفق عليه . PageV01P349 # والواجب على المصلي أن لا يدخل الصلاة إلا بنية لما ثبت من إيجاب النيات ~~عند إيجاب (نسخة) إنفاد العبادات؛ ولا تفتتح الصلاة إلا بالتكبير لقول ~~النبي صلى الله عليه وسلم : (مفتاح الصلاة التكبير) (¬1) ، وفي رواية أخرى ~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم) ~~(¬2) ، وقول الرجل يعلمه الصلاة: (إذا قمت فكبر)، وقوله صلى الله عليه ~~وسلم : (صلوا كما رأيتموني أصلي)، وليس في هذه الروايات كلها أنه أمر برفع ~~اليدين مع التكبير ولو صح ذلك قمنا به (¬3) ، وروى مخالفونا أنه رفع ولم ~~يرفع، ولو صحت الرواية بذلك كان العمل على ما مات عليه الرسول عليه الصلاة ~~والسلام، وإذا لم يكن مع مخالفينا خبر لقطع العذر بأن كان الرفع آخر عمله، ~~واحتمل أن يكون أولا، واحتمل أن يكون آخرا لم يكن بد (¬4) من العمل ~~بأحدهما، وكان المرجوع إلى الأصل وهو أين يرفع مع ما قد ثبت من الخبر عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن رفع اليدين في الصلاة لقوله: (ما بالكم ~~ترفعون أيديكم في صلاتكم كأنها أذناب خيل شمس) (¬5) فلم يختلف معنا من ~~خالفنا في رفع اليدين في صحة هذه الرواية، وإنما خالفونا في تأويل الخبر، ~~وإذا لم يكن معهم ظاهرنا كما يتعلق بظاهر الخبر أهدى منهم سبيلا، وأعمال ~~الصلاة كلها من ركوع إلى ms260 (¬6) سجود أو قيام أو قعود بالتكبير، ولا خلاف بين ~~أحد أنه ليس بفرض سوى تكبيرة الافتتاح، وإذا ركع المصلي فليقل في ركوعه: ~~سبحان ربي العظيم. # ¬__________ # (¬1) - تقدم ذكره . # (¬2) - تقدم ذكره . # (¬3) - في (ب) و (ج) قلنا . # (¬4) - في (أ) بدأ . # (¬5) - رواه مسلم عن حديث جابر بن سمرة . # (¬6) - في (ج) أو . PageV01P350 # ما أراد، والمستحب له أن يأتي بثلاث، وإذا سجد فليقل في سجوده: سبحان ربي ~~الأعلى ما شاء، والمستحب له أيضا أن يقول ذلك ثلاث مرات، لما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه أمر أصحابه عند نزول قول الله تعالى: { فسبح باسم ~~ربك العظيم } (¬1) أن يجعلوها في الركوع، ولما نزلت: { سبح اسم ربك الأعلى ~~} (¬2) ، قال: (اجعلوها في سجودكم) ولم يأمر بعد ذلك والله أعلم. والمعروف ~~في الآثار عن محمد بن محبوب أنه كان يأمر بقول (سبحان ربي العظيم) وبحمده ~~في الركوع، وفي السجود سبحان ربي الأعلى وبحمده؛ وتأول ذلك من قول الله ~~تبارك وتعالى: { سبح اسم ربك الأعلى } (¬3) ، واتباع النبي صلى الله عليه ~~وسلم أولى. # ¬__________ # (¬1) - الواقعة: 96 . # (¬2) - الأعلى: 1 . # (¬3) - الأعلى: 1 . PageV01P351 # ولا يجوز السجود على الصوف والجلود والخز والقز، لتنازع الناس في ذلك، ~~ولأن النبي صلى الله عليه وسلم _ أمر المصلي أن يمكن جبهته من الأرض، ~~ولولا اتفاق الناس على السجود على ما أنبتت الأرض لما كان جائزا، ويدل على ~~أن السجود على غير الأرض وعلى غير ما وقع عليه إسم الإجماع مما أنبتت الأرض ~~غير جائز قول النبي صلى الله عليه وسلم : (جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا) ~~(¬1) . وفي رواية أخرى: (وجعل لي ترابها طهورا). ويدل على أن ما لم يكن من ~~الأرض فليس بمسجد للمصلي كما أن لم يكن ترابا لم يكن طهورا عند عدم الماء، ~~ووافقنا على هذا أهل المدينة ومن ذهب مذهبهم على أن المصلي أن يسجد على ~~سبعة أرآب لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (صلوا كما رأيتموني أصلي)، ولم ~~ير أحدكم (¬2) فيما علمت أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد على أقل من ~~ذلك، ms261 وقد روي من طريق العباس بن عبد المطلب عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: (إذا سجد العبد سجد معه سبعة أرآب) وهي الجبهة والكفان والركبتان ~~والقدمان، ولا يجوز الإقعاء في الصلاة ولا افتراش الذراعين في السجود لما ~~روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم : (يا علي ~~إني أحب لك ما أحب لنفسي وأكره لك ما أكره لنفسي، ولا تقرأ راكعا ولا ساجدا ~~ولا تنظر قبل وجهك ولا عن يمينك، ولا تصلي وأنت عاقص شعرك، ولا تقعد على ~~عقبيك في الصلاة، ولا تفترش ذراعيك في الصلاة كما يفترش الكلب، ولا تعبثن ~~(¬3) بالحصاة) (¬4) ونهى عليه السلام (عن عقبى الشيطان) (¬5) ، # ¬__________ # (¬1) - تقدم ذكره . # (¬2) - في (ب) و (ج) واحد . # (¬3) في (ب) تعبث. # (¬4) في (ج) بالعصي. # (¬5) رواه النسائي وابن ماجه.. PageV01P352 # وعقبى الشيطان هو أن يضع المصلي إليته على عقبيه، والإقعاء هو أن يقعد ~~على إليته وقدميه وينصب الركبتين، وأما التسليم فواحدة هو أن يصفح بوجهه ~~على يمينه ثم يصفح على يساره ويقول: السلام عليكم ورحمة الله، وقد روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم : (سلم واحدة وسلم اثنتين) (¬1) وكيف فعل المصلي ~~فقد خرج من الصلاة. # وقول النبي صلى الله عليه وسلم : (تحريمها التكبير وتحليلها التسليم) ~~(¬2) . فكل ما وقع عليه اسم ما يستحق أن يسمى به المصلي مسلما فقد أخرج ~~(¬3) به من الصلاة، ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم تحريمها التكبير يريد ~~والله أعلم أنه حرم عليه ما كان محللا له قبل ذلك من الكلام وغيره والله ~~أعلم، وإذا عنى الرجل أمر في الصلاة سبح لذلك والمرأة تصفق. جاءت الرواية ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم إجازة ذلك، ويستحب للمصلي أن يجعل نظره أمام ~~وجهه، وأحب إلي أن يكون موضع سجوده، لأن في ذلك ضربا من الخشوع، قال الله ~~تبارك وتعالى: { الذين هم في صلاتهم خاشعون } (¬4) ، فإن نظر المصلي ما علا ~~رأسه من سقف أو سماء بطلت صلاته، لما روي عن أنس ابن مالك عن النبي صلى ms262 ~~الله عليه وسلم أنه قال: (ما بال قوم يرفعون أبصارهم في صلاتهم قبل ~~السماء) (¬5) ، وأسند في ذلك قوله عليه السلام: (لينتهن عن ذلك أو لتخطفن ~~أبصارهم) (¬6) ، ولا يضع المصلي يديه في خاصرتيه في حال صلاته لما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم (أنه نهى عن الاختصار في الصلاة) والاختصار ~~الذي نهى عنه عليه السلام هو هذا، والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) رواه الدار قطني والبيهقي. # (¬2) تقدم ذكره. # (¬3) في (ج) خرج. # (¬4) المؤمنون: 2. # (¬5) رواه أحمد وأبو داود. # (¬6) رواه مسلم والنسائي والترمذي. PageV01P353 # فإن اعترضت للمصلي في صلاته حية أو عقرب قتلهما إذا خافهما في قول ~~أصحابنا، وليس في الخبر إجازة قتلهما في الصلاة مع الخوف والله أعلم بوجه ~~ما ذهبوا إليه من اشتراطهم الخوف. ولما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~: (اقتلوا الأسودين في الصلاة، الحية والعقرب) (¬1) ، واختلف أصحابنا في ~~صلاته إذا قتلهما، فقال بعضهم: يبني على صلاته. وقال آخرون: يبتدئ، والأول ~~أنظر لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المصلي بقتلهما ولم يرد الخبرأنه ~~أمره بإعادة ما صلى، والفعلان وقعا بأمر الله تعالى، فالموجب عليهما ابتداء ~~الصلاة يحتاج (¬2) إلى دليل؛ وكذلك عندي أنه لو أشار إلى إنسان ليس في ~~الصلاة ليقتلهما لم تفسد صلاته؛ وقد روي أن سليمان بن عثمان دخل في صلاة ~~جماعة وصلى مع الناس شيئا من الصلاة ثم فسدت صلاة الإمام، فدفع سليمان رجلا ~~ليتقدم، وبنى على صلاة الإمام، وفي الأثر أيضا: أن رجلا نعس في ركوعه مع ~~الإمام وبحذائه بعض الفقهاء يصلي فنخسه ليتبع الإمام، والنخس والدفع هما ~~عندي أكثر من الإشارة، والله أعلم . # ¬__________ # (¬1) متفق عليه . # (¬2) في (ج محتاج . PageV01P354 # وقد روي ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي وعلى يمينه رجل يصلي ~~بصلاته ودخل معهما جابر بن عبد الله، فقام على شمال النبي صلى الله عليه ~~وسلم فأدارهما خلفه وهو في الصلاة) (¬1) وقد اتفق الجميع على جواز العمل ~~القليل في الصلاة، وأكره العمل في الصلاة وإن قل لغير الصلاة، لأنها عبادة ~~الله تعبدبها، فلا يشتغل المصلي ms263 بغيرها. قال الله جل ذكره: { فمن كان يرجو ~~لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } (¬2) وقد روي ( أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم حمل في صلاته أمامة بنت أبي العاص بن ربيعة وهي ~~ابنة ابنته زينب) (¬3) والله أعلم إذا أراد الركوع والسجود كان ذلك قبل ~~نسخ الكلام في الصلاة أو بعده؛ وفي الرواية أنه كان يحملها إذا قام ويضعها ~~إذا ( ركع وسجد) (¬4) ، وقد قال أصحابنا: إن للمرأة أن تحمل ولدها في ~~الصلاة على هذا الوصف وترضعه إذا بكى وخافت أن يشتغل قلبها عن صلاتها، ~~ولعلهم ذهبوا في ذلك إلى هذا الخبر، وإذا جاز للمرأة في ولدها حمله في ~~الصلاة فللنبي صلى الله عليه وسلم أجوز لأن ولد الولد ولد، وقد روي ( أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قرأ سورة مريم في ركعة من صلاة الصبح، وقرأ في ~~الثانية قل هو الله أحد، فسئل عن ذلك فقال عليه السلام: سمعت صبيا يصيح ~~فظننت أن أمه خلفي فرحمته) (¬5) . # ¬__________ # (¬1) رواه مسلم . # (¬2) الكهف: 110 . # (¬3) رواه أبو داود . # (¬4) في (ج إذا أراد الركوع والسجود . # (¬5) رواه النسائي PageV01P355 ومن حول وجهه في الصلاة عن القبلة مختارا ~~لذلك، وكان يجد السبيل على الاستدلال عليها فلم يفعل، فسدت صلاته بإجماع ~~الأمة، فإن فعل ذلك في حال الضرورة جازت صلاته بإجماع الأمة، لأنهم أجمعوا ~~أن المحارب يصلي حيث ما توجه، فعندي أنه ما كان في معناه كان مثله، وكانت ~~ضرورة كالمطلوب والمريض الذي لا يجد السبيل إلى الانتقال، ونحو هؤلاء، ~~وتجوز صلاة النافلة إلى غير القبلة إذا ابتدأها مستقبلا بوجه القبلة لما ~~تقدم من ذكرنا لذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم _ ، ولا يجوز أن يصلي ~~في ثلاث ساعات من النهار: إذا طلعت الشمس حتى ترتفع، وإذا تصنعت (¬1) ~~للغروب، ونصف النهار، لما روي عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: ( نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في ثلاث ساعات عن ~~النهار وأن نقبر فيهن موتانا) (¬2) وذكر هذه الأوقات، ms264 وفي رواية أخرى عنه ~~صلى الله عليه وسلم ( أنه نهى عن الصلاة نصف النهار، وقال: إنها ساعة تشجر ~~(¬3) فيها جهنم ) ولهذا الخبر ذهب أصحابنا إلى جواز الصلاة نصف النهار إلا ~~في الحر الشديد، وأجمع الناس على جواز الصلاة يوم الجمعة نصف النهار، لأن ~~في الرواية التي ذكرناها إلا يوم الجمعة، لأن جهنم لا تشجر فيه، ولا يجوز ~~للإنسان أن يصلي نافلة إذا كان مخاطبا بالجماعة، لقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: ( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) (¬4) . # ¬__________ # (¬1) في (ب) و(ج) تضيقت. # (¬2) رواه مسلم . # (¬3) في (ج تسجر. رواه أبو داود . # (¬4) متفق عليه . PageV01P356 # ومن تعمد ترك الصلاة حتى فات وقتها فعليه قضاؤها، لقول النبي صلى الله ~~عيه وسلم : ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) (¬1) فإن قال ~~قائل ممن يخالفنا: إن المتعمد عاص ولا إعادة عليه لخروج الوقت الذي أمر أن ~~يوقع الصلاة فيه، وإنما أمر بإعادة الصلاة إذا كان نائما أو ناسيا، قيل له: ~~النسيان في اللغة على وجهين: أحدهما ذهاب الحفظ، والآخر الترك، قال الله جل ~~ذكره: { نسوا الله فنسيهم } (¬2) ، أي تركوا أمر الله فتركهم من رحمته ~~وثوابه، والله أعلم. # وكذلك قوله عز وجل: { ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما } ~~(¬3) يدل على ذلك، واللوم لا يلزم إلا المتعمد للترك، ومن ذهب عنه الحفظ ~~فلم يذكر لا يقال له: لم لم تحفظ، فلما كانت الصلاة مفترضة عليه واجبة بأمر ~~الله تعالى لم يسقط عنه النسيان لإيجاب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ~~عليه، فالناسي التارك للعمد وذهاب الحفظ يجب عليه استحقاقه اسم تارك، ومن ~~ارتد عن الإسلام لم تجب (¬4) عليه إعادة ما ضيع من الصلاة في حال ارتداده ~~بلا خلاف بين أحد، والصلاة تجب على من حصل منه الإيمان، ألا ترى إلى قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: (أدعهم إلى ~~شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فإن هم أجابوك فأعلمهم ms265 أن الله ~~فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة) (¬5) . # ¬__________ # (¬1) تقدم ذكره . # (¬2) - التوبة: 67 . # (¬3) - طه: 115 . # (¬4) - في (ب) و (ج) لم تجب . # (¬5) - رواه الترمذي والنسائي . PageV01P357 # ومن ترك الصلاة من طريق (الاستحلال كان مرتدا بذلك، يقتل إن لم يتب ~~باتفاق، وإن تركها من طريق) (¬1) التهاون حتى يخرج وقتها كما يترك سائر ~~المفروضات مع اعتقاده لوجوبها على هذا الوصف لم يلزمه عندي القتل، وقد قال ~~كثير من أصحابنا: يقتل وإن كان دائنا بفرضها، والمجنون والمغمى عليه لا ~~قضاء عليهما إذا أفاقا مع خروج وقت الصلاة إذا لم يكن الوقت دخل من قبل ~~زوال العقل لعدم الدليل على إيجاب ذلك عليهما؛ ومن نسي صلاة لا يعرفها صلى ~~صلاة يوم وليلة. فإن قال قائل ممن يخالفنا في ذلك: لم أوجبتم عليه خمس ~~صلوات، وإنما عليه صلاة واحدة، وما أنكرتم أن لا يجب عليه ما ذكرتم حتى ~~يعرف أي صلاة عليه؟ قيل له: فإن الذمة إذا لزمها فرض (¬2) عمل لم يزل الفرض ~~إلا بأدائه، وفي أمرنا له بخمس صلوات أمرا منا له بإبراء ذمته مما لا مخلص ~~له إلا بفعله، ومتى أمرناه بغير ذلك لم يمكنا أن نقول له: قد برئت ذمتك، لو ~~قلنا له لا تصلي حتى تعلم ما ضيعت كنا قد أمرناه أن لا يصلي لجواز عدم ~~ذكرها حتى يموت ويبقى الفرض عليه، وإن ذكر أن عليه صلاة وهو يصلي قطع صلاته ~~إذا كان الوقت ممدودا للصلاة وصلى الأولى (¬3) ثم صلى هذه التي هو فيها، ~~لقول (¬4) النبي صلى الله عليه وسلم : (فليصلها إذا ذكرها) (¬5) . وفي خبر ~~آخر أنه قال عليه الصلاة والسلام: (فذلك وقتها) (¬6) ، ولم يخص وقتا من وقت ~~ولا مصل من غير مصل، وقد قال بعض أصحابنا: يصلي التي هو فيها ثم يصلي التي ~~نسيها، وإذا فرغ من صلاته المنسية ابتدأ التي قطعها، لأن الصلاة الواحدة لا ~~تؤدى متفرقة، والذي يقول من مخالفينا بأنه يبنى على ما كان صلى من الأولى ~~بعد أن قطعها محتاج إلى دليل. # مسألة # ¬__________ # (¬1) - ما بين قوسين ms266 من (ب) . # (¬2) - ساقطة من (ج) . # (¬3) - غير موجودة في (ج) . # (¬4) - في (ج) بقول . # (¬5) - تقدم ذكره . # (¬6) - تقدم ذكره . PageV01P358 # وللإنسان أن يصلي إلى غير القبلة إذا خشي من التوجه (¬1) إليها، وكذلك ~~يجوز أن يصلي راكبا وراجلا من طريق الإيماء، قال الله جل ذكره: { فإن خفتم ~~فرجالا أو ركبانا } (¬2) والمريض على حسب طاقته، والعريان يصلي قائما، لقول ~~الله: { وقوموا لله قانتين } (¬3) ، لأن فرض الصلاة على من قدر على القيام ~~بإجماع الأمة (¬4) ، فالفرض إذا وجب على وجه لا (¬5) يسقط إلا بما يجب به ~~سقوطه كفرض القيام لا يسقط إلا بالعجز عنه، قال أصحابنا: العراة يصلون قعودا. # وإذا شك المصلي في سجوده أنه سجد واحدة أو اثنتين زاد سجدة أخرى ليكون ~~على يقين، وقال موسى بن علي: إذا شك أنه صلى ثلاثا أو أربعا وهو في القعود ~~يأتي بما فيها ليكون على يقين، قال: فإن كان قد صلى أربعا لم تضره تلك ~~الركعة الخامسة لأنه كان بقي عليه التسليم، وإن كان قعد للثالثة فقد أتى ~~بالرابعة وتمت صلاته، وقال بعض مخالفينا: إذا شك في ثلاث ركعات أو أربع ~~ألغى ما شك فيه وبنى على يقينه، وروى في ذلك خبرا عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيجب أن يعتبر معنى قولهم، لأن أصحابنا قد وافقوا أهل هذا القول في ~~السجود، وفارقهم موسى بن علي في عدد الركوع على غير الوصف الذي ذكرناه من ~~قوله، والتسليم على غير العمد (لا يقطع الصلاة) (¬6) بإجماع الأمة، وسجود ~~السهو بعد التسليم، في رواية ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم (أنه ~~سجد بعد الصلاة) (¬7) . # ¬__________ # (¬1) - في (ج) التوجيه . # (¬2) - البقرة: 239 . # (¬3) - البقرة: 238 . # (¬4) - ساقطة من (ج). # (¬5) - في (ج) لم . # (¬6) - من (ج) . # (¬7) - رواه ابن ماجه . PageV01P359 # وينبغي للآباء والقائمين بأمور الأطفال أن يعلموهم الأذان والإقامة ~~والصلاة وشرائع الإسلام إذا صاروا في حال يعقلون ما يراد منهم لئلا تذهب ~~طائفة من الزمان عند بلوغهم في التعليم، لأنهم إذا كانوا قبل البلوغ عالمين ~~أتوا بالعبادات عند البلوغ على الفور، وهذا من التعاون على البر والتقوى ms267 ~~الذي أمر الله به (¬1) ،. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~(مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين، فإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها) (¬2) . # والأذان والإقامة ليستا بفرض كما قال بعض مخالفينا: ولو كانتا فرضا ~~للزمتا كل إنسان في خاصة نفسه، وعندنا أنهما على الكفاية، ولو كانتا فرضا ~~لأوجبهما من قال بوجوب فرضها على كل مصل، فلما وافقنا من خالفنا أن المنفرد ~~بصلاته لا أذان عليه، ولا إقامة، صح ما قلنا. # ويستحب للمؤذن أن لا يأخذ أجرا على الأذان، فإن أخذ أجرا فلا شيء عليه ~~عندنا، وكذلك المعلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أوجب لتعليم ~~القرآن عوضا لما بيناه في غير هذا المكان. # ¬__________ # (¬1) - قال عز وجل في ذلك: ((وتعاونوا على البر والتقوى )) سورة ~~المائدة: 5 . # (¬2) - متفق عليه . PageV01P360 # وصلاة الجماعة فرض على الكفاية، وينبغي لمن سمع الأذان والإقامة أن لا ~~يتخلف عن الجماعة لقول الله تبارك وتعالى: { يا أيها الذين آمنوا استجيبوا ~~لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم } (¬1) ، والأذان أمر به النبي صلى الله ~~عليه وسلم وهو الداعي لنا به إلى الصلاة، وفي الرواية: (أن ابن أم مكتوم ~~قال: يا رسول الله إني رجل ضرير البصر، شاسع الدار لا قائد لي، فهل لي رخصة ~~أن أصلي في بيتي؟ قال: هل تسمعن النداء؟ قال: نعم، قال: أجب النداء) (¬2) ، ~~وقيل: إنه أمر أن يشد له حبلا إلى المسجد، وخبر شد الحبل انفرد به أصحابنا ~~وفيه نظر، وفي الرواية أن صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد بضعا وعشرين ~~درجة، وفي إثبات النبي صلى الله عليه وسلم للمنفرد بالصلاة ثوابا وإن ~~كانت الجماعة أكثر ثوابا إسقاط لقول من أوجب الجماعة فرضا على كل إنسان في ~~خاصة نفسه. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من سمع ~~النداء فلم يجب فلا صلاة له إلا من عذر، قيل: يا رسول الله وما عذره؟ قال: ~~خوف أو مرض) (¬3) ، وفي رواية أخرى عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ( لا ~~صلاة ms268 لجار المسجد إلا في المسجد) (¬4) وهذا عندي والله أعلم حث على ~~الجماعة، وترغيب في نيل الثواب الذي ينال الجماعة، لأنهم أجمعوا أن جار ~~المسجد إن صلى في بيته فقد أدى فرضه، ومما يدل على الترغيب في الجماعة ما ~~روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا ابتلت النعال فالصلاة في ~~الرحال) (¬5) . # ¬__________ # (¬1) - الأنفال: 24 . # (¬2) - رواه مسلم وأبو داود . # (¬3) - متفق عليه . # (¬4) - رواه أبو داود والنسائي . # (¬5) - رواه الدار قطني . PageV01P361 # وكذلك إذا كانت ليلة باردة أو مطيرة، و (نهى عليه الصلاة والسلام أن يصلي ~~المصلي وهو يدافع الأخبثين) (¬1) وهو يعني الغائط والبول، ومن طريق زيد بن ~~أرقم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا وجد أحدكم الخلاء وسمع ~~النداء فليبدأ بالخلاء) (¬2) وإذا سمع المدعو إلى الصلاة (فليأتها وعليه ~~السكينة والوقار) (¬3) وكما قال صلى الله عليه وسلم : (إذا ذهب أحدكم إلى ~~الصلاة) وفي رواية أخرى: ( إذا أتيتم الصلاة فأتوها وعليكم السكينة والوقار ~~وليصل ما أدرك وليبدل ما فاته) (¬4) . # ¬__________ # (¬1) - متفق عليه . # (¬2) - رواه أبو داود . # (¬3) - رواه مسلم . # (¬4) - رواه مسلم وأبو داود. PageV01P362 # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ~~وأقدمهم هجرة، فإن كانوا في القراءة سواء فليؤمهم أكبرهم سنا ولا يؤم الرجل ~~في بيته، ولا في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه) (¬1) والتكرمة ~~الفراش والمخدة، فالواجب على المرء امتثال ما أمر به النبي صلى الله عليه ~~وسلم من فرض وندب (¬2) في الصلاة وغيرها، وأجمعوا على أن الإمام إذا كان ~~يحسن أداء ما يلزم في الصلاة من قراءة وغيرها أن إمامته جائزة، وإذا (¬3) ~~كان في المؤمنين من هو أقرأ منه وأكبر سنا. وإمامة العبد والأعمى والخصي ~~لعلة، والصبي، جائزة إذا كان بالوصف الذي وصف رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ؛ قال محمد بن محبوب: لا تجوز الصلاة خلف أحد من هؤلاء، وإمامة الصبي ~~غير جائزة لأنه غير مخاطب بالصلاة، والجماعة تجب على المخاطبين، ولا تنعقد ~~إلا بهم و الإمام الذي لا يحسن القراءة لا يجوز أن يأتم به ms269 من يحسن القراءة ~~ولكن يكون إماما لمثله، وإن كان يحسن ما يؤدي به الصلاة من القراءة وغيرها ~~فجائز، وإمامة ولد الزنا والمنبوذ وولد الملاعنة جائزة، والمانع من ذلك ~~محتاج إلى دليل، ولا يجوز أن تؤم المرأة رجلا، ولا تنازع بين الأمة في ذلك؛ ~~والخصي لا يكون إماما إتفاقا، وليس على النساء صلاة الجماعة وإن حضرت ~~صلاتهن جائزة، وإن جمعت فكانت التي تؤمهن في وسطهن في الصف الأول. وروي أن ~~عائشة كذلك كانت تفعل، وسقوط الجماعة عن النساء بإجماع، وينبغي أن لا (¬4) ~~يكبر الإمام حتى يستوي القوم خلفه، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه أقبل عليهم بوجهه فقال: (سووا صفوفكم ثلاثا) (¬5) يقول ذلك، ثم قال: ~~(لتقومن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم) (¬6) ، # ¬__________ # (¬1) - متفق عليه . # (¬2) - في (ج) نقل، نسخة: ندب . # (¬3) في (ج وان . # (¬4) ( لا) ساقطة من (ج). # (¬5) رواه الترمذي. # (¬6) رواه أبو داود.. PageV01P363 # وفي خبر آخر: (تراصوا بين صفوفكم فلا (¬1) يخللنكم الشيطان) (¬2) ، وفي ~~خبر آخر: (وسطوا الإمام وسدوا الخلل) (¬3) ، والمنفرد بصلاته خلف الإمام ~~فاسد صلاته، فإن قال قائل: لم حكمتم بفسادها وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم : (حيثما أدركتك الصلاة فصل) (¬4) ؟ قيل له: هذا خبر عام، وخبر سدوا ~~الخلل ورصوا صفوفكم أخص، والأخص هو المعترض على الأعم. وروي عنه صلى الله ~~عليه وسلم (أنه رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده، فأمره بالإعادة) (¬5) ، ولا ~~يجوز للمأموم أن يسبق الإمام بشيء من أفعال الصلاة، فإن سبقه متعمدا خرج ~~بذلك من أن يكون مأموما متبعا وفسدت صلاته، لقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~: (إنما جعل الإمام إماما ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا، ~~وإذا قرأ فأنصتوا) (¬6) . فمن أتى بصلاته على غير ما أمر به كانت صلاته ~~باقيا فرضها عليه، وإن سبق إمامه ناسيا رجع إلى حده الذي خرج منه بالنسيان ~~ليكون متبعا لإمامه، ولا تجوز صلاة المأموم إلا بفاتحة الكتاب، وقد ذهب بعض ~~أصحابنا إلى أن لا يقرأ خلف إمامه، واحتجوا بقول الله تعالى: { وإذا قرئ ~~القرآن فاستمعوا له ms270 وأنصتوا لعلكم ترحمون } (¬7) فاعتل من ذهب إلى هذا ~~القول بظاهر الآية. والحجة عليهم ببيان النبي صلى الله عليه وسلم : (لا ~~صلاة إلا بفاتحة الكتاب) (¬8) ، وخبر النبي صلى الله عليه وسلم هو ~~المعترض على الآية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الموكل بالتبيان، ~~فإن قال قائل ممن يحتج بظاهر الآية: إنه قد روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: (ما بالي (¬9) أنازع القراءة) (¬10) ، # ¬__________ # (¬1) ساقطة من (ج). # (¬2) رواه أحمد. # (¬3) رواه أحمد. # (¬4) تقدم ذكره. # (¬5) رواه البخاري ومسلم. # (¬6) متفق عليه. # (¬7) الأعراف: 214. # (¬8) متفق عليه. # (¬9) في (ج) ما لي. # (¬10) رواه مسلم والنسائي وأحمد.. PageV01P364 # قيل له: قد ثبت عنه الخبر، وأبين من هذا أنه قال عليه السلام: (أتقرؤن ~~خلف الإمام؟ قالوا: نعم بهذه (¬1) هذا، قال: لا تقرأوا إلا بفاتحة الكتاب ~~فإن الصلاة لا تجوز إلا بها) (¬2) ، والمستحب للإمام أن يخفف بأصحابه إذا ~~صلى بهم، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا صلى أحدكم ~~فليخفف فإن فيكم الضعيف وذا الحاجة، وإذا صلى وحده فليطل ما شاء) (¬3) ، ~~وقيل: إنه كان إذا جلس الجلسة الأولى للتشهد كأنه على الرضف، والرضف ~~الحجارة المحمية، وجائز للإمام أيضا أن يخفف عند أمر يحدث، لما روي عنه ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إني لأقوم (¬4) إلى الصلاة وأنا أريد أن ~~أطيل فيها، فأسمع بكاء الصبي فأوجز مخافة أن أشق على أمه) (¬5) ولا يجوز ~~للإمام إذا أحس بدخول أحد (¬6) في صلاته أن ينتظره، لأن الانتظار عمل ليس ~~من أعمال الصلاة، قال الله جل ذكره: { فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا ~~صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا } (¬7) ، فإذا طول في الركوع والسجود ~~والقراءة لأجل الداخل ليلحق به صار الفعل لله وللداخل في الصلاة، وقد ذهب ~~بعض أصحابنا إلى إجازة ذلك؛ وإذا صف الرجل مع المرأة على التحاذي بطلت ~~صلاتهما، لأنهما ممنوعان من ذلك، ولكل واحد منهما مقام أبانه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم به، وإذا ترك كل واحد منهما مقامه بطلت صلاته، والذي ~~يأمر هما به ms271 أن تصف المرأة خلف الرجل، والرجل خلف الإمام. وإذا أقيمت ~~الصلاة في المسجد قطع من في المسجد صلاته لقول النبي صلى الله عليه وسلم ~~: ( إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة) (¬8) ، # ¬__________ # (¬1) في (ج) فهذه. # (¬2) رواه أحمد وأبو داود والترمذي. # (¬3) متفق عليه. # (¬4) من (ج) و (أ) لا أقوم. # (¬5) من (ج). رواه مسلم والنسائي. # (¬6) في (ج) رجل . # (¬7) الكهف: 110 . # (¬8) تقدم ذكره .. PageV01P365 # والذي عندي والله أعلم أن إقامتها تكبيرة الإحرام، وهو الدخول فيها، ~~ولأنه عليه السلام لم يقل إذا قمتم للصلاة، وقد ذهب بعض أصحابنا أن عليهم ~~أن يقطعوا عند الإقامة للصلاة لهذا الخبر، واجب (¬1) لمن وافق الجماعة أن ~~يصلي بصلاة الإمام إذا أدى فرضه، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه رأى رجلين لم يصليا معه فقال: ( ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: صلينا ~~في رحالنا، قال: إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الإمام فليصل معه فإنها له ~~نافلة) (¬2) ، وقد خالفنا في هذا بعض أصحابنا، ولعلهم ذهبوا إلى ما روي عن ~~ابن عمر أنه قال: ( لا تصلوا صلاة كل يوم مرتين) (¬3) ، ويجوز للمتيمم أن ~~يصلي بالمتطهرين لثبوت طهارته عند الجميع، وقد اختلف أصحابنا في ذلك، فصلاة ~~الحرب إذا كانت جماعة لم تنعقد عندي بأقل من خمسة أنفس، لقول الله تعالى: { ~~وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم ~~فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك } ~~(¬4) . والطائفة في هذا الموضع إثنان فما فوقهما لأنه قال: { فليصلوا معك } ~~وهذا جمع، ثم قال: { ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك } . # مسألة في افتتاح الصلاة # ¬__________ # (¬1) في (ج) وأحب . # (¬2) رواه البخاري ومسلم وأحمد . # (¬3) رواه البيهقي وأبو داود . # (¬4) النساء: 102 . PageV01P366 # وافتتاح الصلات التكبير، والتكبير هو ما نقلته الأمة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم عملا وقولا، وهو أنه كان إذا افتتح الصلاة قال: ( الله أكبر ) ~~فليس لأحد عندي مخالفة هذا النص، وقد وجدت محمد بن جعفر يذكر في الجامع أن ~~من افتتح الصلاة بغير ms272 التكبير مثل قوله: الله أعلم، والله أجل أنه يجزيه ~~ويقوم مقام قوله الله أكبر، فهذا عندي خلاف النص والله أعلم ما وجه قوله ~~وهو قريب من قول أبي حنيفة، لأن أبا حنيفة أجاز للداخل في الصلاة أن يفتتح ~~بعد التكبير مما هو تعظيم الله، واحتج بأن التكبير تعظيم لله فكل من دخل في ~~الصلاة بما هو تعظيم لله فصلاته بذلك عنده جائزة، وأما الشافعي فقال: لا ~~يجوز افتتاح الصلاة إلا بالتكبير وحده، وخالف من وجه آخر قال: وإن قال ~~المصلي الله الأكبر مكان الله أكبر فصلاته جائزة، قال: لأنه قد أتى ~~بالتكبير المنصوص وزاد ألفا ولاما، قيل له: قد زاد هذا لا ما وياء وأتى ~~بالتكبير المنصوص، فقال لأن التكبير يحتمل أن يكون كبيرا وغيره أكبر منه، ~~فلذلك لم أجوزه، وهذا غلط منه إذ عدل عن الصواب بعد أن اعتقده فلم يوفق، ~~وقد قال الله جل ذكره: { الكبير المتعال } فلو كان في ذكر الكبير نقصان عن ~~غاية التعظيم لم يسم نفسه بذلك، وقد اتفقنا على أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم كان إذا افتتح الصلاة قال: الله أكبر. وقد قال النبي صلى الله عليه ~~وسلم : ( صلوا كما رأيتموني أصلي) (¬1) فقال أحدهما: هذا يتوجه إلى المرئي ~~دون المسموع، وقال: الآخر (¬2) هذا يتوجه إلى المرئي والمسموع لأن العرب ~~يجري عليها إسم المرئي بقول القائل منهم: رأيت الله يقول كذا وكذا، أو: ~~سمعت الله أوجب ذلك، لا فرق عندهم بينهما في حكم المسموع، وقد خالف عندي ~~المرئي والمسموع، وبالله التوفيق . # مسألة # ¬__________ # (¬1) تقدم ذكره . # (¬2) في (ج ) آخر . PageV01P367 # في قراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام؛ الذي يوجد في الجامع وغيره أن محمد بن ~~محبوب كان لا يوجب على المصلي خلف إمامه قراءة شيء من القرآن، وقد نقل ~~إلينا رجوعه عن ذلك، وأما من قال من الفقهاء إن حجرة تكون في فيه أحب إلي ~~من القراءة خلف الإمام فغلط، وهذا القول يقارب قول أبي حنيفة، فإن قال من ~~احتج لأبي حنيفة من أصحابه: فإن الصلاة تصح ms273 وإن لم يقرأ فيها فاتحة الكتاب، ~~لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل صلاة لم يقرأ فيها ~~فاتحة الكتاب فهي خداج) (¬1) ، والخداج هو النقصان، فقال: وقد أثبتها النبي ~~صلى الله عليه وسلم صلاة ناقصة، وأنتم تنفون أن تكون هنالك صلاة، فقيل له: ~~قد نقل إلينا عنه عليه الصلاة والسلام خبران أحدهما هذا الذي ذكرته والآخر ~~قوله عليه الصلاة والسلام: ( لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بأم القرآن) (¬2) ، ~~فمن استعمل الخبرين أولى ممن يلغي أحدهما، وقد نفى بهذا الخبر أن تكون له ~~صلاة، كما قال صلى الله عليه وسلم : (لا صلاة بغير طهور)، والخداج (¬3) ~~على ضربين، ولعمري أن أصلها النقصان كما ذكروا، فخداج ينتفع به وهذا الذي ~~يسمى أخدج إذا كان في أطرافه نقصان، وخداج لا ينتفع به وكما يقال: خدجت ~~الناقة إذا ألقت جنينها ميتا، هكذا وجدت في كتب أهل اللغة، فهذا نقصان لا ~~ينتفع به، فالخداج الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي لا ينتفع ~~به لأنه نفى أن يكون له صلاة في الخبر الأول، وأيضا فإن العراقيين عندهم أن ~~الإنسان إذا صلى ولم يقرأ في صلاته بأم القرآن وقرأ آية من القرآن أن صلاته ~~تامة غير ناقصة، فلا تعلقوا بتأويلهم، ولا تعلقوا بالخبرين، والله أعلم (¬4) . # مسألة # ¬__________ # (¬1) تقدم ذكره. # (¬2) تقدم ذكره . # (¬3) في (أ) هو الخداج. # (¬4) في (ب) و (ج) والحمد لله. PageV01P368 # وقد (¬1) قال الله: { وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل } (¬2) ~~وقال جل ثناؤه: { أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن ~~قرآن الفجر كان مشهودا } (¬3) فأول وقت صلاة الظهر زوال الشمس لا تنازع بين ~~أهل العلم في ذلك. وآخر وقتها إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، وأول العصر إذا ~~زاد الظل على كل شيء مثله، ولا يكون آخر وقت الظهر أول وقت العصر على ما ~~ذهب إليه بعض مخالفينا لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (ليس في النوم ~~تفريط؛ وإنما التفريط في اليقظة أن تؤخر الصلاة حتى تدخل ms274 وقت الأخرى) (¬4) ~~، فجعل صلى الله عليه وسلم لكل صلاة وقتا وأن التفريط ما لم يدخل وقت ~~الأخرى، والتفريط في اللغة هو أن المتقدم في الشيء يسمى مفرطا لأنه قدم ~~التقصير فيه، ومنه قول الشاعر: # فاستعجلونا (¬5) وكانوا من صحابنا كما تعجل فراط الوارد (¬6) # وآخر وقت العصر إلى أن يدرك المصلي ركعة منها قبل غروب الشمس، وكذلك كل ~~صلاة إذا لحق منها مقدار ركعة والوقت قائم فقد أدركها، لما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم من طريق أبي هريرة أنه قال:( من أدرك من الصلاة ركعة ~~فقد أدركها) (¬7) . # ¬__________ # (¬1) في (ب) و (ج) قال. # (¬2) هود: 144. # (¬3) الإسراء: 78. # (¬4) رواه مسلم وأحمد وأبو داود. # (¬5) في (ب) و (ج) استعجلونا. # (¬6) في (ب) لوارد ناقصة من (ج). # (¬7) تقدم ذكره . PageV01P369 # وأول وقت المغرب إذا غابت الشمس لا تنازع بين العلماء في ذلك، وآخر وقتها ~~إلى أن يغيب الشفق (¬1) لما روي ذلك عن ابن عمر أنه قال: (وقت المغرب إذا ~~غربت الشمس إلى أن يغيب الشفق) قال الشافعي: وقت المغرب وقت واحد، فخالف ~~الناس بقوله هذا، لأن الوقت الواحد لا يمكن أن يؤدي الإنسان فيه الصلاة، ~~وقال بعض أصحابه: الوقت الذي أراده الشافعي مقدار ما يتطهر الإنسان ويصلي ~~في عادة الناس، وقال بعض أصحابه: إذا غربت الشمس مقدار التطهر وصلاة ثلاث ~~ركعات فما كان فوق هذا فهو قضاء الصلاة، وأول وقت العشاء الآخرة من مغيب ~~الشفق إلى نصف الليل. وقال بعض أصحابنا: إلى ثلث الليل، وبعد ذلك صلاة ~~الوتر إلى طلوع الفجر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (إن الله قد زادكم ~~صلاة سادسة هي خير لكم من حمر النعم. ألا إنها صلاة الوتر ما بين صلاة ~~العشاء الآخرة إلى الفجر) (¬2) ، فإن قال قائل: وأي شفق تجب صلاة الآخرة ~~به، وهما شفقان أحدهما أحمر والآخر أبيض؟ قيل له: إختلف أصحابنا في ذلك، ~~فقال بعضهم: الشفق الأول وهو الأحمر، وقال بعضهم: هو الشفق الأبيض الذي بعد ~~الأحمر، ونحن نختار قول من أوجب الفرض بالشفق الأول منهما، فإن قال قائل: ms275 ~~ما الذي دلك على عدل هذا الرأي والفرض إذا كان يجب بالإسم وكل واحد من ~~الشفقين إسم للشفق الذي يراد به الفرض، وما تنكر أن يكون من صلى بالأول صلى ~~بغير يقين؟ والفرائض لا تؤدى إلا باليقين. # ¬__________ # (¬1) أي الشفق الأحمر . # (¬2) متفق عليه. PageV01P370 # قيل له: لما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (إلى أن يغيب الشفق) فتركنا ~~مع الإسم، فالإسم هو المطلوب والتعلق بأوائل الأسماء جائز، فإذا قيل: غاب ~~الشفق إستحققنا الاسم، ولو كان مراده صلى الله عليه وسلم الأبيض دون ~~الأحمر لبينه صلى الله عليه وسلم إذ هو المبعوث بالبيان، وكان يقول (حتى ~~يغيب الشفقان)، فلما لم يقل ذلك وتركنا مع الإسم راعينا استحقاقه والله أعلم. # وأما الصلاة الوسطى فعندي أنها صلاة العصر، وقد روي عن بعض الصحابة أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالمحافظة على العصرين، والعصران في اللغة ~~بعد طلوع الشمس وقبل غروبها، وفيه قال الشاعر في العصرين: # أما طله العصرين حتى يملني ويرضى ببعض الحق (¬1) والأنف راغم # مسألة # في معرفة الفجر والشفقان الأحمر والأبيض في السماء # فالأحمر في أفقها والأبيض فوقه، ويغيب الأحمر ويصير الأبيض في محله، وبين ~~غيبوبة الشفق الأحمر وبين غيبوبة الشفق الأبيض، كما بين غيبوبة الشمس إلى ~~غيبوبة الشفق الأحمر فيما سمعنا والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) في (ب) و (ج) الدين. PageV01P371 # والفجر فجران، فجر يطلع إذا بقي من الليل مقدار الساعة التي يستطيلها ~~الناس من الوقت والساعتين فيتطاول إلى ربع السماء كذنب السرحان، وهكذا روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم ، والسرحان ولد الذئب، وهذا الفجر لا يكون ~~ببياضه أسفل، ويكون أسفله سواد، ثم ينحط إلى المشرق ويبقى أصله مثل قيد ~~الرمح في رأي العين طويلا ثم يبدو شبه (¬1) الخطوط والغبار في السواد الذي ~~أسفل منه حتى يغلب ذلك البياض السواد، ثم يختلط بالبياض الفوقاني ويعترض ~~يمنة ويسرة فهو الفجر الذي يحرم الطعام به ويوجب صلاة النهار، وإذا (¬2) ~~أردت أن تعرف ذلك فقف في موضع تطالع منه طلوع الشمس، فإذا طلعت علمت ذلك ms276 ~~الموضع، ثم إذا كان الليلة الثانية وقفت في ذلك الموضع وطلبت الفجر عن ~~يسرته على مقدار ثلاثة أذرع أو أربعة أذرع في رأي العين فيتبين لك ما وصفت ~~لك من الفجرين بإذن الله، وإذا كانت ليلة قمر فإنه ليس يبين لك جيدا كما ~~وصفته إذا كانت ليلة مظلمة؛ وإذا أردت أن تعرف زوال الشمس في أي زمان كنت ~~ولم يكن بحضرتك من يعرفك الزوال وقفت في موضع مستو من الأرض قبل أن تزول ~~الشمس فتعلم قدميك في الموضع الذي بلغ في رأسك ثم تنح عنه ثم تعود إليه، ~~فما دام الظل ينقض فالنهار في الزيادة، فإذا انتهى نقصانه وزاد قليلا فقد ~~زالت الشمس لأن الفيء في أكثر الزمان باق، فإذا صار ظل كل شيء مثله من موضع ~~الزوال فهو آخر وقت الظهر؛ ويجب أن يعلم الفيء من الموضع الذي زاد الظل بعد ~~انقضائه، فإذا زاد عن ستة أقدام ونصف من الموضع الذي زاد الزوال فقد دخل ~~وقت العصر، وغروب الشمس مدرك وقته بالعيان؛ وإذا كان في الليلة غيم أو حائل ~~بينهما وبين الشمس نظرت إلى المشرق الذي بحذائها والشمس إذا انحطت حتى يبقى ~~بينها وبين موضع (¬3) غروبها مقدار ذراع ابتدأ السواد من المشرق ومقداره ~~قامة في نظر العين، فإذا أغرب (¬4) # ¬__________ # (¬1) في (ج) أشبه . # (¬2) في(ج).فإذا # (¬3) - ساقطة من (ج). # (¬4) - في (ج) غاب .. PageV01P372 # بعض الشمس صار على السواد حمرة كالعصابة، حتى إذا غابت الشمس كلها فسار ~~(¬1) ذلك السواد في تلك الحمرة، فإذا لم يبق من الحمرة إلا شيء يسير وغابت ~~الشمس وتبين لك ذلك في اليوم الذي لا يكون فيه بينك وبين الشمس حائل فتستدل ~~بما قلت لك بتوفيق الله. وقد قيل: إن أحد دلائل الشفق الأحمر إذا خفي وقته ~~بغيم، أو حال (¬2) حائل بينه وبين الطالب له، وإذا ظهرت النجوم الصغار ~~وبانت وكثرت فقد غاب الشفق الأحمر، وينبغي أن يستدل على صحته بما يقصد إليه ~~الإنسان إلى طلب ذلك في الليلة التي لا غيم فيها ولا حائل بين الشفق ~~والطالب ومعرفته، ms277 وبالله التوفيق. # مسألة في القبلة # ¬__________ # (¬1) - في (ج) فشا، لعلها فسرى . # (¬2) - ناقصة من (ج) . PageV01P373 # ولا تجوز الصلاة إلا بالتوجه إلى الكعبة مع القدرة عليها، والمصلي لا ~~يخلو من ثلاثة أحوال فمصل (¬1) بحضرة الكعبة ذو بصر، فالواجب عليه ~~استقبالها من طريق المشاهدة، ومصل حاضر لها ليس له حاسة تدركها فالواجب ~~عليه أن يتوجه إليها من طريق الخبر، وكذلك إذا غاب عنها ولم تكن له حاسة ~~يدرك بها الدليل (¬2) عليها رجع إلى الخبر. ومصل غائب عنها فعليه أن يستدل ~~عليها بالأعلام المنصوبة من الشمس والقمر والنجوم والرياح، وإذا لم يكن ممن ~~يعلم ذلك وجب عليه أن يتعلم الدلائل عليها بالشمس والقمر والنجوم والرياح، ~~فإذا عرف المصلي هذه الدلائل استدل بها على الجهة التي يقصد بالصلاة إليها؛ ~~وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: أوضح الدلائل على القبلة الرياح، ~~ولعمري أنه قد قال قولا لأن الرياح أربع، والكعبة لها أربع جهات، فلكل جهة ~~منها ريح يستدل بها عليها، وهي دبور، وصبا، وتسمى قبول؛ وجنوب وشمال. وقد ~~قيل: إن العرب تسمي الرياح بهذه الأسماء بالكعبة لأنها قبلة لأهل الدنيا، ~~فلما رأت الرياح جاءت فضربت الجانب الذي من الشمال لعله سموها شمالا، ولما ~~جاءت فضربت وجه البيت سموها قبولا وصبا لأنها جاءت من قبل البيت، ولما جاءت ~~وضربت ظهر البيت سموها دبورا لأن الظهر يسمى دبرا، قال الله تعالى: { ومن ~~يولهم يومئذ دبره } (¬3) يعني ظهره، والله أعلم . # صفة الأرياح لاستدلال القبلة: # ¬__________ # (¬1) - في (ج) فصل . # (¬2) - في (ج) الدلائل . # (¬3) - الأنفال: 16 . PageV01P374 # ويقال حد ريح الشمال من موضع القطب إلى غروب الشمس عند استواء الليل ~~والنهار، وحد ريح الدبور من هذا المغرب إلى مغرب سهيل، وحد ريح الجنوب من ~~مغرب سهيل إلى مطلع الشمس عند استواء الليل والنهار، وحد ريح القبول من هذا ~~المشرق إلى حد القطب، والنظر يوجب عندي أن الإنسان إذا كان جاهلا بالقبلة ~~وهو عارف بالدلائل التي يستدل عليها بها من الرياح والنجوم والشمس والقمر، ~~أو يجد من يتعرفها به أو يعرفه ms278 الدلائل عليها فإنه لا يعذر بجهلها، وعذره ~~مقطوع لقيام الحجة عليه بما ذكرنا، والله أعلم. # قال الله جل ذكره: { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } (¬1) فكل (¬2) من تعبد ~~بالتقرب إلى الله به فهو حسن لا يدخل في حيز القبائح، ومن أتى قبيحا وفعله ~~فقد تقدم الدليل له باستحقاقه العقاب على ذلك، ولا يدخل في حيز الطاعات وإن ~~كان الحكم واقفا به فأمر الله عز وجل بإتيان الصلاة ليبلونا بها أينا أحسن ~~عملا؛ وقد قال الله جل ذكره: { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ~~حنفاء } (¬3) ، والأمر قد وقع بإتيان الصلاة فلا يجوز إتيانها إلا بالإخلاص ~~لله جل وعلا (¬4) ، والمخالف فيها لله تعالى غير مخلص له بها؛ بل قد تبع ~~الشيطان وخالف الرحمن، فإذا صلى في أرض مغتصبة فقد بارز ربه، بمقامه بين ~~يديه، إذ الله قد نهى عن اللبث فيها، وأمره أن لا يأتي الصلاة في بقعة نهاه عنها. # ¬__________ # (¬1) هود: 7. # (¬2) في (أ) وكل. # (¬3) البينة: 5. # (¬4) في (ج) وعز. PageV01P375 # والصلاة على ضربين مع علمنا بهيئتها وصورتها، فصلاة نهي عن إتيانها، ~~وصلاة أمر بإتيانها، فالتي نهي عن إتيانها هي التي فعلها في الأرض ~~المغصوبة، لأن الله جل ذكره قال لا يصلى هاهنا، فإذا أوقع هذه الصلاة فقد ~~أتى بصلاة منهي عنها، ولا تكون هذه الصلاة المنهي عنها التي أمر بفعلها، ~~ولا تسقط هذه الصلاة التي نهي عنها فرض الصلاة المأمور بها وتعبد بفعلها، ~~وإذا كان الأمر على ما ذكرنا فمحال أن تكون صلاة واحدة مأمور بها منهي عنها ~~في حال واحدة، ألا ترى أن القيام والركوع والسجود منهي عن جميع ذلك في هذا ~~المكان ويستحق العقاب عليه، والصلاة التي أمر بها هي التي تكسبه الثواب ~~ويكون بها طائعا بفعل واحد، والفعل الواحد من فاعل واحد وفى ( نسخة) على ~~مكان واحد فى وقت واحد لا يكون طاعة ومعصية؛ وقد روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد) (¬1) فإن كان ~~الخبر ثابتا فالرد لا يقع في ms279 الفعل، لأن الفعل لا يبقى (ببقاء) (¬2) وقتين ~~وإنما يرد حكمه. فإن قال قائل: إن الله جل اسمه أوجب أحكاما بوطء محرم ~~وأثبت أموالا به ونقل الأملاك بالبياعات المنهي عنها، وأثبت الحدود بالشرط ~~(¬3) الذي غصبه الإمام فرددنا هذه الصلاة، وإن كان منهيا عن فعلها في الغصب ~~إلى ما ذكرناه من وطء وبيع وإقامة حد قياسا، قيل له: أما ما تشبهه لعله ~~شبهته غير مشتبه، لأن من شأن القائسين أن لا يردوا شيئا إلى شيء إلا بعلة ~~تجمع بينهما، ألا ترى أن الشافعي رد الأرز إلى البر لأنه مأكولا، وإن كان ~~الأرز غير مذكور في السنة عندما ذكر تحريمه في باب الأكل والتفاضل. # ¬__________ # (¬1) رواه البخاري وأبو داود. # (¬2) من (ب) و (ج). # (¬3) في (ج) بالسوط. PageV01P376 # فالعلة عنده الأكل، وذهب أبو حنيفة إلى رد الموزونات والمكيلات إلى الستة ~~الأشياء المنصوص عليها في باب التحريم عند التفاضل من طريق الكيل والوزن، ~~فخبرنا عن العلة الجامعة بين الصلاة والبيع ما هي، والبيع أصل والصلاة أصل؛ ~~وليس من شأن القائسين أن يردوا أصلا إلى أصل ومع ذلك إنا نستودعك (¬1) ذلك ~~ونسلمه لك، فما العلة الجامعة بين هذين الأصلين؟ فإن قال: البيع الذي حكمنا ~~به مجوز مع ورود النهي فيه، وكذلك الصلاة مجوزة مع ورود النهي فيها، قيل ~~له: فكانت العلة الجامعة بينهما هو النهي، ومن شأنك أن العلة إذا لم تجز في ~~معلولاتها بطلت فيحتاج أن يجري النهي في كل شيء وتمضيه، فلما كانت ها هنا ~~أشياء منهي عنها لا يمضيها ويحكم بفاسدها بطلت العلة لأنها إذا لم تجز في ~~معلولاتها بطلت، وعندك أن النهي عن بيع الصيد وعن أكله لا تجوز استباحتها ~~لأجل النهي، وكذلك عن عقد النكاح على المحرم لا يجوز لأجل النهي ولا يصح ~~شيء من ذلك، ثم يقال له: ما الفضل (¬2) بينك وبين من عارضك؟ فقال: البيع ~~المنهي عنه على ضربين، فضرب مجاز، وضرب لا يجاز، فإن جاز لك أن ترد الصلاة ~~إلى الضرب المنهي عنه وقد اخترته حكما جاز الآخر أن ms280 يردها إلى الضرب الذي ~~نهي عنه وأبطل حكما ودينا، لأن علتك النهي وعلته النهي، ولم صرت أنت أولى ~~بعلتك منه بعلته، ومن رد الصلاة إلى الصلاة أولى ممن ردها إلى البيع ~~والمكان بالمكان أشبه، والسبب المانع بالسبب المانع أشبه، فلما قلت مع من ~~وافقك: إن الصلاة على الأرض النجسة غير جائزة لأن الله جل ذكره نهى المصلي ~~أن يصلي عليها إذا كانت هناك نجاسة، وجعلت النهي دليلا لإبطال صلاته، فكذلك ~~قال أيضا في المكان الثاني: إن المنع ما دام قائما من رب البقعة فلا صلاة ~~في البقعة لأنه ممنوع من فعلها مع المنع (¬3) # ¬__________ # (¬1) في (ب) فإنا نستودعك، وفي (أ) تستودعك. # (¬2) في (ج) الفصل. # (¬3) في (أ) من المانع.. PageV01P377 # كما منعت من فعلها مع كون النجاسة في البقعة ما دامت النجاسة قائمة، فإذا ~~زال السبب المانع جاز للمصلي أن يصلي وزوال السبب المانع في الأرض النجسة، ~~وزوال السبب في ألأرض التي لم يأذن بها في الصلاة فيها زوال المنع، و (¬1) ~~شبه المكان بالمكان والنهي بالنهي والسبب بالسبب أولى ممن رد الصلاة إلى ~~البيع؛ فإن قال: فإن الأرض المغصوبة قد أذن سيدها فيها بالصلاة فتجوز ~~الصلاة فيها؟ قيل له: إذا وقع الإذن زال المنع، والعلة فيها المنع، كما أن ~~العلة في الأرض النجسة كون النجاسة، فلا يعتل بما يزول سببه على ما لم يزل ~~سببه، ووجه آخر أن أئمة العدل لا يوصفون بالغصب؛ والإمام لا ينسب إليه ذلك ~~لأن الغاصب فاسق والأئمة لا تكون فسقة، فكأنك قلت: إن إماما أخرج نفسه من ~~الإمامة بالفسق لغصبه السوط، ألا ترى إلى قول الله عز وجل: { وإذا ابتلى ~~إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال: إني جاعلك للناس إماما قال } إبراهيم: { ~~ومن ذريتي } أيضا { قال } الله { لا ينال عهدي الظالمين } (¬2) فلم يجبه أن ~~يجعل من ذريته إماما إذا كان ظالما . فإذا أخرج نفسه من الإمامة بالإقدام ~~على محاربة الله صار رجلا من الرعية، فكأن رجلا من الرعية تعدى على زان ~~فجلده الحد بين الزاني وبين الرعية ، والرعية ms281 إذا جلده واحد منهم واجب أن ~~لا يسقط عنه ما وجب عليه من الحد ، وحاشا الأئمة أن توصف بالغصوب ، بل هم ~~المطهرون المبرؤون من الأدناس ، غير أن المناظر إذا لم تكن له حجة وقل دينه ~~(¬3) لجأ إلى الشغب، والتعلق بمثل هذه الأشياء والطعن على الأئمة وإدخال ~~تجويز ما لا يجوز على مثلها؛ من فعل ما يكفرهم مع الوصف لهم بالأسماء ~~الشريفة، والله ولي التوفيق . # مسألة # ¬__________ # (¬1) في (ج) من. # (¬2) البقرة : 124 # (¬3) في ( ج) ديته ... PageV01P378 # اختلف أصحابنا في السجود على كور العمامة في الصلاة فجوزه بعضهم وكره ~~آخرون، ولم يقدم على بناء الأمر له بإعادتها، وأفسدها بعضهم، وهذا القول ~~الأخير عندي أنظر بدليل ظاهر كتاب الله: { سيماهم في وجوههم من أثر السجود ~~} (¬1) ، فأخبر جل ذكره أن السجود له تأثير في الوجه، فمدح المؤمنين ~~بدوامهم على الصلاة التي أثر سجودها في وجوههم، ومن سجد على كور العمامة ~~فأدام (¬2) فعل ذلك لم يكن في وجهه تأثير سجود ولا سمة الممدوحين بكثرة ~~السجود في وجهه، ولا ينبغي للإنسان أن يرغب في ظهور علامة كثرة صلاته ~~وسجوده وليعلم الناس ذلك منه وليستدلوا بما ظهر إليهم في وجهه من كثرة ~~فعله، لأن في ذلك ضربا من النفاق والله أعلم؛ وقد روي عن الحسن البصري: ~~(لأكونن بريئا من النفاق أحب إلي من طلاع الأرض ذهبا) (¬3) يعني ملؤها، ~~وروي عن عطاء بن أبي رباح أنه قال: (خففوا على الأرض؛ يريد بذلك السجود، ~~يقول: لا ترسل نفسك على الأرض إرسالا ثقيلا فيؤثر في وجهك (¬4) لعله جبهتك ~~أثر السجود) والله أعلم. # وروي عن مجاهد سأله رجل فقال: إني أخاف أن يؤثر السجود في جبهتي، فقال: ~~إذا سجدت فتجاف، يعني خفف نفسك وجبهتك على الأرض؛ ومن الناس من روى الخبر ~~بالخاء، ومنهم من رواه بالجيم ومعناهما يتقارب ويؤول إلى معنى واحد والله ~~أعلم، والسجود مأخوذ من التضامم والميل. # مسألة في غسل الميت # لم تختلف الأمة في وجوب غسل الميت قبل الصلاة عليه وتكفينه وحمله والصلاة ~~عليه، وروى عن الحسن بن أبي ms282 الحسن عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : (لما قبض نبي الله آدم عليه السلام أتته الملائكة ~~فغسلوه بالسدر والماء وكفنوه في وتر من الثياب ثم لحدوا له (¬5) ودفنوه ثم ~~قالوا: هذه سنة ولد آدم من بعده). # ¬__________ # (¬1) الفتح: 29 . # (¬2) - ما دام . # (¬3) - رواه الحسن البصري . # (¬4) - رواه عطاء بن أبي رباح . # (¬5) - في (أ) لحدوه. PageV01P379 # ومن طريق ابن عباس: (أن آدم لما حضرته الوفاة أتته الملائكة بحنوط من ~~الجنة، وكفن من الجنة فغسلوه ثلاث غسلات: أولهن بماء قراح، والثانية (¬1) ~~بماء وسدر، والثالثة بماء فيه كافور، وكفنوه في ثلاثة أثواب فصلوا عليه ~~وكبروا أربعا وقالوا: يا آدم هذه سنة ذريتك من بعدك). # ... باب في أمر الصلاة ... # والصلاة من طريق اللغة الدعاء، قال الله جل ذكره لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم : { خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم } (¬2) أي أدع ~~لهم. وقوله جل ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم : { وصلوات } أي دعاء ~~الرسول، وأما الصلاة الشرعية فهي (¬3) ما ضم إلى الدعاء والركوع والسجود ~~والقراءة وغير ذلك مما وقف الرسول عليه الصلاة والسلام عليه وبينه من مراد ~~الله بقوله تعالى: { أقيموا الصلاة } ويدلك على أن الصلاة دعاء من طريق ~~اللغة، أن الصلاة على الميت دعاء ليس فيها ركوع ولا سجود والله أعلم، ~~والركوع في اللغة الإنحناء، يقال للشيخ إذا انحنى من الكبر: قد ركع، ويدل ~~على ذلك قول لبيد شعرا: # أليس ورائي إن تراخت منيتي لزوم العصا تحنى عليها الأصابع؟ # أخبر أخبار القرون التي مضت أدب كأني كلما قمت راكع # ¬__________ # (¬1) - في (ج) والثاني . # (¬2) - التوبة: 103 . # (¬3) - في (ج) فهو . PageV01P380 # ويجوز أن يسمى الراكع ساجدا غير أنه ليس بمستعمل في الصلاة، وأما جواز ~~ذلك في اللغة فمعروف عند أهلها، ويسمى السجود ركوعا والركوع سجودا، والله ~~أعلم؛ والسجود مأخوذ من التضامم والميل، يقال للبعير إذا خفض رأسه ليركب: ~~سجد البعير، وسجدت النخلة إذا مالت، وهذه نخل سواجد: أي موائل؛ ويقال لمن ~~وضع جبهته على الأرض: ساجدا، لتضاممه، ويجوز أن يسمى ms283 ساجدا لخشوعه وتذلله، ~~والله أعلم؛ وكل شيء خشع وذل فقد سجد، ومن ذلك سجود الظلال إنما هو ~~استسلامها وانقيادها، وكذلك قول الله جل ذكره: { ألم تر أن الله يسجد له من ~~في السماوات ومن في الأرض } (¬1) الآية، كل ذلك استسلام وانقياد، والله أعلم. # وأما السعي المأخوذ به إلى الجمعة فهو الحث عليها والوصول إليها، (فمن ~~وصل إليها) (¬2) وفعلها ماشيا أو راكبا فقد سعى، وقول من قال: إن السعي لا ~~يكون إلا على القدمين خاصة فغلط، الدليل على ذلك قول طرفة: # سعيت إليه والرماح تنوشني وطرفي يخوض الموت والقلب ثابت # فخبر عن نفسه بأنه سعى إليه وهو راكب، وأما قولهم إذا دعوا إليك (بسعي) ~~(¬3) ويحفد وهو المبادرة، وأصل الحفد في اللغة مداركة الخطو والإسراع، ~~يقال: حفد الحادي وراء الإبل إذا أسرع وتدارك خطوه، وكذلك قيل للعبيد ~~والإماء حفدة، لأنهم يسرعون إذا مشوا للخدمة. قال الله عز وجل: { وجعل لكم ~~من أزواجكم بنين وحفدة } (¬4) يريد والله أعلم أنهم بنون وهم حفدة، قال ~~الشاعر: # حفد الولاية حولهن وأس لمت بأكفهن أزمة الأجمال # ¬__________ # (¬1) - الحج: 18 . # (¬2) - من (ج) . # (¬3) - من (ج) . # (¬4) - النحل: 72 . PageV01P381 # والقنوت أصله القيام، يدل على ذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: (أفضل الصلاة أطولها قنوتا) (¬1) ، أي أطولها قياما، وإنما سمي الدعاء ~~قنوتا لأنهم يدعون به وهم قيام، على ما يسمى الشيء باسم غيره إذا كان منه ~~سبب، والقنوت ينصرف على وجوه، قال الله جل ذكره: { يا مريم اقنتي لربك } ~~(¬2) أي دومي على طاعة ربك، والله أعلم، وقوله جل ذكره: { وكانت من ~~القانتين } (¬3) أي من الدائمين على طاعة الله تعالى. # مسألة في فرائض الصلاة # ¬__________ # (¬1) - رواه أبو داود والترمذي . # (¬2) - آل عمران: 43 . # (¬3) - التحريم: 12 . PageV01P382 # والفرائض في الصلاة خمس خصال باتفاق: تكبيرة الإحرام، والقراءة، والركوع، ~~والسجود، والجلوس للتشهد. واختلفوا فيما سوى ذلك، وقد قيل: إن من الواجب ~~على المصلي الاعتدال بعد الفراغ من الركوع والجلسة بين السجدتين والصلاة ~~على النبي صلى الله عليه وسلم ، والحجة في وجوب فرض تكبيرة الإحرام ms284 قول ~~الله تعالى: { وكبره تكبيرا } (¬1) معناه: عظمه تعظيما، والله أعلم، وقوله ~~جل ذكره: { وربك فكبر } (¬2) هو معناه تكبيرة الإحرام، والحجة في وجوب ~~القراءة قول الله جل وعلا: { فاقرؤا ما تيسر من القرآن } (¬3) ، وقول النبي ~~صلى الله عليه وسلم : (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب) (¬4) ، وأجمعت الأمة أن ~~المصلي وحده إذا صلى بغير قراءة أن صلاته باطلة. والحجة في وجوب الركوع قول ~~الله جل ذكره: { اركعوا واسجدوا } (¬5) وقوله: { والذين يبيتون لربهم سجدا ~~وقياما } (¬6) ، والحجة في وجوب التشهد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يعلم أصحابه التشهد كما يعلمهم السورة من القرآن، فلذلك يدل على تأكيده ~~ووجوبه، والحجة في وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قول الله جل ~~ذكره: { إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه ~~وسلموا تسليما } (¬7) ، والحجة في وجوب اعتدال الركوع والجلسة بين السجدتين ~~قوله عليه الصلاة والسلام: (اعتدلوا في ركوعكم وسجودكم ولا ينبسطن أحدكم ~~كانبساط الكلب) (¬8) ، والحجة في وجوب التسليم قوله عليه الصلاة والسلام: ~~(تحريمها التكبير وتحليلها التسليم) (¬9) . # مسألة في سجدتي السهو # ¬__________ # (¬1) - الإسراء: 111 . # (¬2) - المدثر: 3 . # (¬3) - المزمل: 20 . # (¬4) - تقدم ذكره . # (¬5) - الحج: 77 . # (¬6) - الفرقان: 64 . # (¬7) - الأحزاب: 56 . # (¬8) - رواه الترمذي . # (¬9) - تقدم ذكره . PageV01P383 # وسجدتا السهو واجبتان؛ على كل من سها، بالسنة المنقولة عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه فعل ذلك، واختلف الناس في حكمها من الصلاة، فقال قوم: ~~هما جبر ما لحق في الصلاة من ثلم، وقال قوم: هما ترغيم للشيطان، والله أعلم. # مسألة في التوجه # روى عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق عبد الله بن مسعود وعمر بن ~~الخطاب وعائشة أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك تبارك ~~اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، واختار أصحابنا أن ضموا إلى هذا توجيه ~~إبراهيم عليه السلام: { إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما ~~أنا من المشركين } (¬1) ولعلهم اقتدوا في ذلك ببعض الصحابة والتابعين، ~~واختلف أصحابنا في المصلي وحده والداخل في صلاة الإمام إذا أحدث وهو في ~~التشهد، ms285 فقال بعضهم: إذا قعد قدر التشهد ثم أحدث فقد تمت الصلاة ولو كان ~~مأموما، وقال بعضهم: إذا قعد وقال شيئا من التشهد فقد تمت صلاته (¬2) ، ~~وقال بعضهم: ما لم يتم التشهد ويخرج من الصلاة بالتسليم فعليه الإعادة، لأن ~~الصلاة عند صاحب هذا القول ما بين الإحرام والتسليم، وقال محمد بن محبوب: ~~إذا بلغ إلى (والصلوات والطيبات) ثم أحدث فقد تمت صلاته، وأجمعوا أنه إن ~~تعمد للخروج من الصلاة قبل تمام التشهد من غير حدث أن عليه الإعادة، ~~واختلفوا في صلاته إذا تم التشهد وانصرف من غير تسليم، فقال بعضهم: صلاته ~~تامة، وقال بعضهم: صلاته فاسدة إذا تعمد لذلك، ولا تفسد بالنسيان، وقد قال ~~بعضهم: حتى يسلم كان ناسيا أو متعمدا، وقد روي عن علي أنه قال: إذا قعد ~~الرجل مقدار التشهد ثم أحدث فقد تمت صلاته. وروي عنه أيضا أنه قال: من وجد ~~قيئا أو رعافا وقد تشهد فليقم وقد تمت صلاته ولا ينتظر الإمام. # مسألة # ¬__________ # (¬1) - الأنعام: 79 . # (¬2) - في (أ) الصلاة . PageV01P384 # والائتمام بالصبي في الفرض والنفل غير جائز، وقال بعض أصحابنا: يجوز في ~~النفل، الدليل على صحة اختيارنا أن الجماعة لا تنعقد إلا بالمخاطبين ~~المأمورين بالصلاة لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (إذا حضرت الصلاة ~~فليؤذن أحدكما وليؤمكما أكبركما) (¬1) ، وهذا خطاب يتوجه إلى المكلفين ~~البالغين دون من لا يلحقه الخطاب لصغره وطفولته، فإن قال قائل: إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أثبت للصبي حجا فما أنكرتم أن تثبت له الصلاة؟ قيل له: ~~ليس كل من ثبت له الصلاة جائزا أن يؤتم به؛ بإجماع الجميع أن المرأة لها ~~الصلاة ولا يجوز الائتمام بها، فإثبات الصلاة لا يكون دليلا على انعقاد ~~الجماعة، ولسنا ننكر أن تكون للصبي صلاة كما يكون له حج. فإن قال قائل: فهل ~~يثاب على حجه؟ قيل له: إن طريق الثواب طريق التفضل لا الاستحقاق، لأن ~~الكبير المخاطب يستحق الثواب على الطاعة بنفس الفعل، لأن المخاطب بالطاعة ~~عليه من نعيم الله جل وعلا ما لو قوبل فعله من ms286 طريق الطاعة بها لصغر عندي ~~(¬2) هذا الثواب على الطاعة، فدل بهذا أن الثواب طريقه طريق التفضل إذا كان ~~الله جل ذكره يأمر وينهى ولا يجعل على ذلك ثوابا، وإنما سمي مستحقا لأن ~~الله جل وعلا تفضل بالوعد على الطاعة، وإذا كان هكذا فجائز أن يتفضل على ~~الصغير بما شاء. # مسألة # ¬__________ # (¬1) تقددم ذكره. # (¬2) في (ب) و (ج) عندها. PageV01P385 # الدليل على فساد صلاة الرجل بقيامه إلى جنب المرأة في صلاة واحدة أن ~~المرأة مقامها خلف مقامه بقول النبي صلى الله عليه وسلم : (خير صفوف ~~الرجال المقدم، وخير صفوف النساء المؤخر) (¬1) فإن بان صفوفهن من صفوف ~~الرجال واختلاف المقام يوجب فساد صلاة الرجال، ويدل على ذلك لو أن لو ائتم ~~بالمرأة فسدت صلاته، وليس هذا معنى يوجب فساد صلاته غير اختلافهم في ~~المقام، وهذا المعنى موجود في قيامه إلى جانب المرأة لأنها منهية عن القيام ~~إلى جنبه، وكذلك هو منهي عن القيام إلى جنبها، كما أنه منهي عن الائتمام ~~بها، والله أعلم. # وإنما أوجبنا فساد صلاته، لأن الرجل هو المختص بفساد الصلاة من جهة ~~الاختلاف دونها عند الجميع في حال اقتدائه بها، (وأيضا فإن الإمام) (¬2) ~~منهي عن القيام في وسط الصف كما أن الرجل منهي عن القيام إلى يسار الإمام ~~فيجب أن يكون النهي يوجب حكم الفساد، والله أعلم. # مسألة # ¬__________ # (¬1) رواه مسلم وأبو داود والترمذي وأحمد والنسائي بلفظ "أولها" بدلا من ~~المقدم و "آخرها" بدلا من المؤخر. # (¬2) في (أ) المأموم. PageV01P386 # وستر العورة واجب في الصلاة لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (لا تقبل ~~صلاة حائض إلا بخمار، وإن صلت وبعض فخذها أو بعض ساقها مكشوفا فسدت صلاتها) ~~(¬1) وإنها لم تعلم كماأنها لو صلت وبثوبها نجاسة لم تعلم بها إلا بعد ~~فراغها أعادت صلاتها. الدليل على أن صلاة المأموم منعقدة بصلاة الإمام ~~وأنها تفسد بفسادها، اجتماعهم جميعا على أن الجمع لا يصح إلا بجماعة، فلو ~~كان واحد منهم مصليا لنفسه لم يكن لإجماعه معنى ولجاز أن يفتتح كل واحد ~~منهم مصليا لنفسه، ms287 وتصح لهم الجمعة مع الاجتماع، فلما لم يصح إلا باعتبار ~~دخولهم في صلاة الإمام دل على أن صلاتهم منعقدة بصلاته، وإذا لم يقدر ~~العريان على ثوب يستر به عورته صلى قاعدا ويومئ إيماء لأن فرض الستر آكد من ~~الأفعال؛ والدليل على ذلك أن الرجل يبتدئ التطوع على الراحلة إيماء. وليس ~~له أن يصلي بغير ستر مع القدرة عليه، وإذا كان هكذا لزمه فعل ما هو ستر له ~~وصلى إيماء من قبل أنه لو ركع وسجد لبدا من عورته ما لم يكن يبدو إذا أومأ ~~إيماء، وإنما قلنا إن فرض القيام يسقط عنه أيضا من قبل أنه ليس في أصول ~~(¬2) صلاة الإيماء فأمرناه بالقعود في الصلاة ليأتي بها على نحو ما في ~~الأصول، والله أعلم. # ويحتمل عندي أيضا من جهة النظر أن يجوز له أن يصلي قائما ويركع ويسجد ~~بغير ستره، فإن قال قائل: لم أجزت صلاته قائما بغير سترة؟ قيل له: إن ~~الركوع والسجود فرض أيضا، فإن كان الستر فرضا من فروض الصلاة فلما لم يمكنه ~~فعل الستر وأمكنه بعض فروض الصلاة كان عليه فعل ما أمكنه وعذر بترك ما عجز ~~عنه، والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) متفق عليه. # (¬2) في (ج) الأصول. PageV01P387 # وإذا كان الثوب نجسا فعند أصحابنا أنه يصلي به قائما إذا لم يجد ثوبا ~~طاهرا، والنظر يوجب عندي أن له أن يصلي قاعدا على ما ذهبوا إليه، ويلقي ~~الثوب النجس عن نفسه ويصلي عريانا قاعدا لأنهما فرضان: السترة الطاهرة مع ~~الوجود، والقيام مع القدرة، وإذا كان مدفوعا إلى ترك أحدهما كان له أن يترك ~~أيهما شاء لاستواء أحوالهما، والله أعلم. # مسألة PageV01P388 واتفق أهل الصلاة جميعا على أن الحرة المسلمة إذا بلغت ~~وجب عليها أن تستر رأسها، وأنها إذا صلت وجميع رأسها مكشوف فسدت صلاتها، ~~ووجدت قولا في الأثر ينسب إلى محمد بن محبوب أنه أجاز للحرة أن تصلي في ~~بيتها كاشفة رأسها والله أعلم إن كان هذا قولا له فعلى أي وجه أجاز ذلك؟ ~~واختلفوا إذا كان بعض رأسها مكشوفا، ms288 فقال أبو حنيفة: إذا انكشف من رأسها ~~ربع شعرها أو ثلثه لم تفسد صلاتها، وإن انكشف ربع ساقها أو ثلثه فسد صلاتها ~~ولا تفسد بدون ذلك، وقال أبو يوسف صاحبه (¬1) : حتى يكون النصف من جميع ~~(¬2) الرأس والساق، ثم حينئذ تفسد صلاتها ولا تفسد بدون ذلك، وقال أصحابنا: ~~عليها ستر جميع رأسها وسائر جسدها في الصلاة إلا ما أبيح لها بالإجماع، وهو ~~الوجه والكفان، وهذا هو الصواب؛ لأن المرأة كلها زينة يجب أن تستر كل ذلك ~~مع الإمكان، فإن ظهر من ذلك شيء ولو قل فسدت صلاتها، وقد أغفل أبو حنيفة ~~ومن وافقه سبيل الصواب فيما انتحلوا إذ لا خبر قلدوا ولا إلى أصل موجب ~~أوجبوا، جوزوا التقليد، والتقليد لا يجوز عند دخول الدليل الصحيح من الكتاب ~~والسنة والإجماع أو حجة العقل، وإنما يجب التقليد في حال يعدم فيها المقلد ~~صحة الاستدلال من الجهات التي ذكرناها، والدليل من أوجه منها قائم ولا معنى ~~للتقليد، والدليل على إغفالهم؛ لأن أهل الصلاة أجمعوا في الأصل أن على (¬3) ~~المرأة تغطية (رأسها جميعا) (¬4) # ¬__________ # (¬1) أي صاحب أبي حنيفة. # (¬2) في (ج) الجميع. # (¬3) في (أ) و (ج) على أن على المرأة. # (¬4) في (ب) و (ج) جميع رأسها.. PageV01P389 # إذا دخلت في الصلاة، ثم اختلفوا في جواز صلاتها بعد إجماعهم، فالفرض ~~عليها إذا أجمعوا ندبا أن عليها أن تغطي جميع رأسها، واختلافهم ليس بحجة في ~~كشف بعض رأسها، فإن قال قائل: لما اختلفوا في فساد صلاتها وجب ثبوتها حتى ~~يجتمع على إبطالها، قيل له: هذا القول يدل على إغفالك موضع الإجماع، وذلك ~~أن الإجماع يوجب على المرأة بوصف فلا تكون مؤدية لفرضها إلا به ويقال له: ~~لا تخلو المرأة في تغطية رأسها من أحد أمرين، إما أن يكون الواجب عليها ~~تغطية جميعه فكشف البعض غير المغطى منه، وحكم القليل بما يجب من التغطية ~~كحكم الكثير، أو لا يجب عليها تغطية رأسها، فإن قلت: ليس عليها تغطية جميع ~~رأسها كذلك الإجماع، ويقال له: خبرنا عن المرأة إذا صلت وبعض فرجها ms289 مكشوف، ~~أتجوز صلاتها عندك؟ فإن قال: لا، ولا بد من هذا الجواب يقال له: أتفسد ~~صلاتها بانكشاف القليل من فرجها كما تفسد بكثير الانكشاف منه؟ فإن قال: ~~نعم، يقال له: لم قلت ذلك؟ فإن قال: لا، عليها ستر جميعه إذا أمكن، وظهور ~~بعضه يفسد الصلاة، قيل له: فكذلك بعض الساق أو الرأس يفسد الصلاة إذا أمكن؛ ~~لأن عليها ستر جميعه، وأجمع الكل من أهل الوفاق وغيرهم من مخالفيهم أن ~~الصلاة للأمة جائزة مع انكشاف جميع رأسها وأن تغطية رأسها في الصلاة ليس ~~بواجب عليها. # مسألة PageV01P390 أجمع أهل الحديث ونقلة الأخبار من أصحابنا أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم (نهى عن الصلاة بعد صلاة العصر وبعد صلاة الفجر) (¬1) ~~، وفسر ذلك علماؤنا فقالوا: النهي منه صلى الله عليه وسلم عن صلاة النفل، ~~وهذا هو الصحيح لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من نام عن صلاة أو ~~نسيها فليصلها إذا ذكرها) (¬2) ، فالصلاة التي نسيها أو نام عنها يصليها في ~~كل وقت. كما قال صلى الله عليه وسلم إلا في الوقت الذي نهى عن الصلاة فيه ~~باتفاق، وهو عند طلوع الشمس وعند غروبها، وإذا كانت في كبد السماء قبل ~~الزوال، والأخبار كلها صحيحة، والقول بها جائز، والعمل بها ثابت، والغلط في ~~التأويل، والله أعلم. وقد روى أصحاب الحديث من مخالفينا أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: (لا تصلوا بعد صلاة العصر إلا أن تكون الشمس مرتفعة) (¬3) ~~وروي عنه (أنه كان إذا صلى فريضة صلى بعدها ركعتين إلا صلاة الصبح وصلاة ~~العصر) (¬4) ، وروي عن علي بن أبي طالب أنه صلى بأصحابه في بعض أسفاره صلاة ~~العصر ثم دخل فسطاطه وصلى ركعتين، ورووا أيضا أن علياروى عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: (لا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس، ولا صلاة بعد ~~صلاة الصبح حتى تطلع الشمس) (¬5) ، فانظر إلى تناقض أخبارهم وتركهم النظر ~~في تأويلها إن كانت صحيحة في تأويلهم عندهم كما رووها، وكيف يكون علي هو ~~الذي روى الخبر عن النبي صلى ms290 الله عليه وسلم بالنهي عن الصلاة في ذلك ~~الوقت ثم هو الفاعل لما روى من النهي عنه، وهذه الأخبار إن كانت صحيحة فلها ~~تأويل عندنا صحيح إن شاء الله، وذلك أن قوله عليه السلام: (لا تصلوا بعد ~~صلاة العصر إلا أن تكون الشمس مرتفعة) (¬6) # ¬__________ # (¬1) متفق عليه. # (¬2) تقدم ذكره. # (¬3) متفق عليه . # (¬4) متفق عليه . # (¬5) تقدم ذكره . # (¬6) تقدم ذكره .. PageV01P391 # فهو بعد أن تغيب، وارتفاعها هو ذهابها كما تقول الناس: ارتفعت البركة، ~~وارتفع القحط عن الناس، وارتفع الغلاء عن المسلمين، وهذايبين معنى الخبر ~~الذي رواه أصحابنا، ويؤيده ويدل عليه ما رواه علي بن أبي طالب عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغيب الشمس)0 ~~(¬1) والله أعلم. وأما ما روي أن عليا صلى بأصحابه في السفر صلاة العصر ثم ~~دخل فسطاطه وصلى ركعتين، فهذا يدل على أنه صلى صلاة كانت عليه ذكرها في ذلك ~~الوقت، ألا ترى أنه هو الذي روى الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: (لا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغيب الشمس) (¬2) ولسنا ننكر أخبار ~~مخالفينا فيما تفردوا به دون أصحابنا من غير أن نعلم فسادها، لأنا قد علمنا ~~فساد بعضها، ويجوز أن يكون ما لم يعلم بفساده أن يكون صحيحا، وإن لم ينقلها ~~معهم أصحابنا لما يجوز أن يكون البعض من الصحابة علم بالخبر أو بعض ~~الأخبار، ولم يستقص في الكل، علم ذلك الخبر ولم يشتهر بينهم، وقد تختلف ~~الأخبار بيننا وبينهم لتأويلها أو لانقطاع بعض الأخبار أو اتصالها وقلة ~~حفظنا فيها، وقد كان بعض الصحابة يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم أو ~~الرجل يصل إلى الصحابي، وقد ذكر بعض الخبر، ومنهم من ينسى من الخبر شيئا ~~فيغير معناه أو يزيد فيه، ومنها ما ينقل على وجه القصص أو لفائدة الأدب أو ~~لغيره، والصحيح منها ما أيده العمل أو وقع عليه الإجماع لذلك (¬3) ، وكذلك ~~اختلفت الأخبار وأحكامها، والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) تقدم ذكره . # (¬2) تقدم ذكره. # (¬3) في (ب) نسخة وكذلك. PageV01P392 # وقد ms291 روي عن عائشة بلغها أن أبا هريرة روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: (الشؤم في ثلاثة: في الدار والدابة والخادم) فقالت: غلط أبو ~~هريرة، دخل علي النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (لعن الله اليهود ~~تقول: إن الشؤم في ثلاثة) (¬1) ... فسمع آخر الخبر، ونحو ذلك ما روي أنس بن ~~مالك في الحائض حتى (¬2) تسأل النبي صلى الله عليه وسلم عن حكمها فأنزل ~~الله جل ذكره: { ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ~~ولا تقربوهن حتى يطهرن } (¬3) فكانت إذا حاضت عندهم المرأة لم يؤاكلوها ولم ~~يشاربوها وأخرجوها من البيت، وكان عند أنس فيما أظن أن الحائض في حال حيضها ~~نجسة، حتى نزلت الآية، فبين النبي صلى الله عليه وسلم أمرها في حال حيضها ~~أنها كسائر النساء الطاهرات في حال الطهارة، ويدل على ذلك ما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة: (ناوليني الخمرة وهي المصلى، فقالت: ~~إني حائض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليست الحيضة في كفك) (¬4) ... . # مسألة في الصلاة أيضا # ¬__________ # (¬1) رواه البزار. # (¬2) من (ج). # (¬3) البقرة: 222. # (¬4) متفق عليه. PageV01P393 # ولا تجوز صلاة السكران ولا المغلوب على عقله، لأن الفرض لا يجوز إلا بنية ~~، ومن لم يقل بوجوب الفرض لم يجز فعله لأنه لم يعد إلى تأدية ما أمر به ، ~~وليس السكر بمسقط عنه فرض الصلاة التي خوطب بها في وقتها ، وقد غلط قوم في ~~قولهم : إن السكران نهي عن الصلاة في حين سكره ، واحتجوا بقول الله جل ذكره ~~: { لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون } (¬1) ، وليس ~~التأويل على ما ذهبوا إليه لأن الله تبارك وتعالى لا يسقط عن المكلفين ~~الفرائض لتشاغلهم عنها، ولا بفعل ما نهاهم عنه، والمعنى في ذلك أنه نهاهم ~~عن السكر الذي لا يعقلون معه الصلاة، والله أعلم . # ¬__________ # (¬1) النساء: 43. PageV01P394 # ولا تجوز الصلاة إلا بالقراءة العربية، ولا الأذان إلا بالصفة التي أخذت ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد خالفنا في ذلك أبو حنيفة ms292 ، وأجاز الأذان ~~بالطوسية )نسخة) بالفارسية لمن لم يحسن العربية ، وهذا خطأ منه لأن الأذان ~~الذي وقفنا عليه رسول صلى الله عليه وسلم هي ألفاظ بالعربية ، والفارسية ~~غيرها فإن زعم أن الفارسية هي العربية كابر عقله وكفى مؤنته ، وإن اعترف ~~بأن الفارسية غير العربية ، قيل له : ولم أجزت غير ما أمر به صلى الله عليه ~~وسلم؟ فإن قال : لأن الفارسية ترجمة العربية ، قيل له : إن نفس قولك ترجمة ~~بالعربية دليل على أن غير العربية ، وأنها غير ما أمر به النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، وقد قال أبو حنيفة أيضا قولا أقبح من هذا ، زعم أن قراءة ~~القرآن تجوز بالفارسية في الصلاة بها، وهذا إغفال من قائله ، ومن كتاب الله ~~يدل على فساد قوله، وقوله تعالى من قوله الحق محتجا لنبيه عليه السلام على ~~مكذبيه: { ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر ، لسان الذي يلحدون إليه ~~أعجمي وهذا لسان عربي مبين } (¬1) ، فلو كان القرآن العربي يتهيأ بنقل إلى ~~لسان الأعجمي لكان ابتداؤه أيضاكان أعجميا فنقل إلى لسان عربي ، ولكانت ~~الحجة لا تكون به للنبي صلى الله عليه وسلم على أعدائه فيما أضافوه إليه ~~مما قد برأه الله منه، فتدبر ما قلنا واستعن بالله عما (¬2) سواه ، والله ~~التوفيق. # ¬__________ # (¬1) النحل : 103 # (¬2) في ( ج) على ما. PageV01P395 # والواجب على القائم إلى الصلاة أن يحضرها بقلب حاضر وجوارح خائفة ، وأنه ~~في مقام عظيم بين يدي رب رحيم كريم ، يناجي فيخفى كلامه (¬1) ولا يخفى عليه ~~شيء (¬2) ما ينطوي عليه ضميره . وروى بعض الصحابة عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال ( آمرك بثلاث وأنهاك عن ثلاث ، آمرك بصيام ثلاثة أيام في كل ~~شهر ، ولا تنام إلا عن وتر وركعتي الضحى ، قال: ونهاني عن التلفت في صلاتي ~~التفات الثعلب ، وأن أقعى إقعاء القرد ، وأن لا أنقرها نقر الديك ) (¬3) ، ~~وقال أحدهم في ذلك شعرا: # ولا تنقرن الأرض نقر الخطفة كديك يرى حبا فواقا بالنقر # وأما الثلاث الأوائل فليس بفرض فعل ذلك عليه بإجماع الناس، وأما الإقعاء ~~والنقر في السجود ms293 فهما يفسدان الصلاة ، وكثرة التلفت الذي يشغل المصلي عن ~~صلاته فهو أيضا مفسد ، وليس بمفسد في الصلاة ما كان دون ذلك من التلفت ، ~~ولكن ينقص فضل الصلاة ، والله أعلم وأحكم . وروى أن (¬4) النبي صلى الله ~~عليه وسلم سار ومعه أصحابه في بعض غزواته فرقدوا فذهب بهم النوم حتى طلعت ~~الشمس ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنكم كنتم أمواتا فرد الله ~~إليكم أرواحكم ، فمن نام عن الصلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ) (¬5) ، ~~واتفق الناس على أن البالغ إذا زال عقله بنوم أو سكر حتى يخرج وقت الصلاة ~~أن عليه الإعادة، والنائم والناسي يقضيان بالسنة، والسكران باتفاق الأمة، ~~والله أعلم. # باب في صلاة الجمعة # ¬__________ # (¬1) في ( ج) من . # (¬2) ساقطة من ( ج .) # (¬3) رواه أبو يعلى . # (¬4) في ( ج) عن . # (¬5) تقدم ذكره . PageV01P396 # اختلف أصحابنا في صلاة الجمعة خلف الجبابرة، فقال بعضهم: تجوز معهم وهم ~~الأقل، وحجتهم في ذلك أن الجمعة وجبت في الأصل مع الإمام العادل باتفاق ~~الأمة، وهي واجبة مع الإمام العادل للاتفاق على ذلك، واختلفوا في لزومها مع ~~غير العادل، فقالوا: لا يوجبها إلا حيث أوجبها الإجماع، ولا دليل لنا على ~~وجوبها مع غير العادل، وقال الباقون: إن الجمعة تجب مع العادل وغير العادل ~~لأن فرضها واجب (¬1) بأمر الله تعالى بقوله: { إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله } (¬2) فهذا أمر عام، فلا يزول فرضها إلا ~~بالإجماع، وإن (¬3) لم يكن في الأمر عادل ولا غير عادل، وهذا الأخير عندي ~~أشبه القولين وأقربها إلى الحجة، فإن قال قائل ممن خالفنا في ذلك فقال: لم ~~تجوزون الصلاة خلف الجبار مع فسقه جمعة كانت أو غير جمعة؟ قيل له: نعم لأن ~~الجمعة عليه فرض كما أنها فرض على سائر المسلمين، فإذا صلاها فهو مؤد لذلك ~~الفرض، وصلاته ماضية مع فسقه، لأن الفسق لا يفسد الصلاة، وذلك أن الفاسق لا ~~يعيد صلاته إذا ترك فسقه كما يعيد صلاته إذا كان غير متطهر، وإذا كان فسقه ~~لا يفسد صلاته، فصلاة من صلى خلفه أحرى أن ms294 لا يفسدها، فإن قال: أوليس ~~الكافر بالله لا تجوز الصلاة خلفه؟ قيل له: نعم، فإن قال: فما الفرق بينه ~~وبين الفاسق؟ قيل له: إن الكافر بالله إنما تجب عليه الصلاة بعد خروجه إلى ~~الإسلام، كما أن المحدث إنما أمر بالصلاة بعد أن يتطهر، ولا تجوز الصلاة ~~خلفهما لأنهما أمرا بالصلاة بعد الإسلام والتطهر، والعاصي لربه الفاسق في ~~فعله مأمور بالصلاة مع فسقه ومعاصيه، فإن قال: أفليس الغاصب لا تجوز صلاته ~~في الموضع الذي اغتصبه على قول بعض أئمتكم؟ قيل له: نعم. # ¬__________ # (¬1) - في (ج) وجب . # (¬2) - سورة الجمعة ؛ الآية: 9 . # (¬3) - في (ج) ولم . PageV01P397 # فإن قال: أوليس هذا الجبار قد غصب مقام الإمام العادل ومنعه منه والإمام ~~هو أولى بذلك الموضع منه؟ قيل له: إن موضع الإمام للصلاة ليس بملك ولا يجوز ~~أن يكون مغصوبا، ولكن قد منع الإمام من موضع هو أولى به منه فصلاته جائزة ~~مع ذلك ؛ لأنه عزم أن لا يدع الإمام يصلي فيه، كما أن الجبار إذا منع إمام ~~المسلمين عن دخول البلد الذي فيه الجمعة فإن صلاته جائزة لأنه مع ذلك مأمور ~~بالصلاة. فإن قال: أوليس قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~(من صلى بقوم وهم له كارهون فلا تجوز صلاته) (¬1) ؟ قيل له: هذا مثل قوله ~~عليه الصلاة والسلام: (لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد) (¬2) لم يرد ~~بذلك إلا نقصان أجرها، والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) - رواه البيهقي وأبو داود . # (¬2) - متفق عليه وقد تقدم ذكره . PageV01P398 # فإن قال: فإن نهى الإمام الجبار عن الصلاة هل تجوز الصلاة خلفه؟ قيل له: ~~ليس للإمام أن ينهى الجبار عن صلاة ليس هو حاضر لها لأن في ذلك إضاعة الفرض ~~وترك إقامة الصلاة. فإن قال: أليس الخطبة تقوم مقام ركعتين، وهم يعصون الله ~~فيها، ولا تجوز أن يكونوا مأمورين بذلك؟ قيل له: ليس الخطبة تقوم مقام ~~ركعتين لأنها لو كانت بدلا من الركعتين لكان لمن لم يدرك الخطبة أن يعيدها ~~أربعا، وأيضا فلو كانت تقوم مقام ركعتين لجاز أن ms295 يقال: بعض الصلاة يستقبل ~~بها القبلة وبعضها يستدبر القبلة بها، فإن قال: قد يجوز أن يحضر المؤمن ~~مكانا يسمع فيه المنكر، قيل له: إن أمكنه إنكار ذلك فعليه إنكاره، فإن قال: ~~فإذا لم يطق الإنكار على من سمع منه المنكر، أليس عليه أن لا يقيم معه ولا ~~يقصد إلى حيث يكون ذلك المنكر؟ قيل له: ليس يجب عليه أن يدع المسجد لأن فيه ~~معصية ولا يكن قصده إلى استماع المعصية بل لا يكون قصده إلا إلى الصلاة، ~~وفعل الطاعة؛ الدليل على ذلك إجماع العلماء على أن مسجدا لو كان بقربه صوت ~~مزمار أو بعض المنكرات لم يجب لأهل المسجد أن يعطلوه ويخربوه لأجل ما ~~يسمعون من المنكر وهم فيه لا يطيقون دفع ذلك، وكذلك لا يجوز ترك الجنازة ~~وتعطيل القيام بها وما يجب على المسلمين من فرض دفن موتاهم والصلاة عليهم ~~إذا كان هناك (¬1) نوح وأصوات منكر (¬2) لا يمكن صرفها. وقد روي أن الحسن ~~بن أبي الحسن (صحب جنازة وخلفها نوح، فقال له رجل من أصحابه: يا أبا سعد ~~أما تسمع إلى هذا المنكر؟ وهم الرجل بالانصراف، فقال له الحسن: يا هذا إن ~~كنت كلما سمعت منكرا تركت لأجله معروفا أسرع ذلك في دينك)، فإن قال: فهل ~~للمسلمين أن يصلوا جمعة إذا عدم قائم بها من إمام عادل أو جائر (¬3) ؟ قيل ~~له: نعم: إذا كانت اليد للمسلمين (¬4) وهم القوامون (¬5) # ¬__________ # (¬1) - في (ب) و (ج) هنالك . # (¬2) - في (ج) مناكر . # (¬3) - في (ج) جابر . # (¬4) - في (ج) المسلمين . # (¬5) - في (أ) القوام .. PageV01P399 # بإقامة الأئمة وإليهم الحل والعقد جاز أن يأمروا رجلا من المسلمين يرضونه ~~لصلاتهم فيصلي بهم الجمعة، فإن قال: أفيصلي ركعتين أو أربعا بغير خطبة؟ قيل ~~له: بل يصلي بهم ركعتين بعد خطبة يوحد الله فيها ويثني عليه ويصلي على ~~النبي صلى الله عليه وسلم ويستغفر لذنبه وللمؤمنين والمؤمنات، فإن قال: ~~ولم أجزتم الجمعة مع غير إمام؟ قيل له: إن الأمر بها عام للمسلمين بقول ~~الله تعالى: { إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا ms296 إلى ذكر الله } (¬1) ، ~~وقد كان أهل الكوفة أخرجوا عاملهم في ولاية عثمان بن عفان وسعيد بن العاص ~~وقدموا أبا موسى الأشعري فصلى بهم ركعتين بعد خطبته، وكذلك أهل البصرة ~~قدموا الحسن بن أبي الحسن فصلى بهم ركعتين بعد خطبة وقد كانت قد خلت من ~~أمير فهذا عمل أهل المصر (¬2) ، ويدل على أن صلاة الجمعة واجبة مع الإمام ~~وغير الإمام وفرضها على المسلمين عاما، ولم نعلم أن أحدا ينقل أن عثمان ~~أنكر على أهل الكوفة ذلك الفعل الذي كان منه؛ لأن الإمام يعرف رعيته ما ذهب ~~عليهم من دينهم وينكر فعل الخطأ منهم، ويرسل بذلك إليهم لأنه أحد المؤدبين ~~لهم والمسؤول يوم القيامة عن رعيته، والله أعلم وبه التوفيق. # مسألة # ¬__________ # (¬1) - الجمعة: 9 . # (¬2) - في (ب) و (ج) عمل لأهل مصرين . PageV01P400 # ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم (صلى بعرفة الظهر والعصر صلاة المسافر ~~فكان يوم الجمعة) (¬1) ، فهذا يدل على أن الإمام إذا سافر فوافق الجمعة كان ~~حكمه حكم المسافرين، وقول من قال إن الإمام حكمه في الحضر والسفر وصلاة ~~الجمعة سواء، وأنه حيث حضر الجمعة صلى الجمعة صلاة المقيم باطل، لأنه لم ~~يجهر بالقراءة في صلاة الظهر بعرفة كما يفعل الإمام في صلاة الجمعة، ~~والرواية بذلك صحيحة، فمن ادعى أنه جهر بالقراءة فعليه إقامة الدليل. ~~والجمعة تنعقد باثنين فما فوقهما لأن الجماعة تنعقد باثنين لقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم : (إثنان فما فوقهما جماعة) (¬2) ، وقوله عليه الصلاة ~~والسلام لما رأى رجلان يصليان جماعة فقال: (هذان جماعة) (¬3) ، ففي هذا ~~الخبر دليل على أن جماعة في جمعة وغيرها تنعقد باثنين، وفيه (¬4) دليل آخر ~~يدل على أن الاثنين جمع، وقد قال أكثر أصحابنا: إن صلاة الجمعة لا تنعقد ~~باثنين حتى يكون أكثر من ذلك، وأقل ما قالوا مع اختلافهم ثلاثة: إمام ~~ومأمومان، والخطبة للجمعة من شرط فرضها وليست بعضها فيها كما قال بعض ~~مخالفينا في هذا إنها بدل من ركعتين، والمستحب للخطيب أن يتوكأ على قوس أو ~~عصا أو سيف تأسيا برسول الله صلى ms297 الله عليه وسلم ، وإذا أخذ الإمام في ~~الخطبة قطع الناس الكلام واستقبلوه ما كانت وجوههم إلى القبلة، ولا أعلم أن ~~أحدا رخص في الانحراف عنه. واختلف أصحابنا في كلام من يحضر الجمعة والامام ~~يخطب فيها (¬5) فقال بعضهم: تفسد صلاته ويأمرونه بالخروج من المسجد ثم يدخل ~~من باب آخر لأن الكلام عندهم يفسد الجمعة عليه لقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم : (من لغا فلا جمعة له) (¬6) . # ¬__________ # (¬1) - رواه مسلم . # (¬2) - متفق عليه. # (¬3) - رواه البخاري وأحمد . # (¬4) - ناقصة من (ج) ، ثم في (ج) ودليل . # (¬5) - ناقصة من (ج) . # (¬6) - رواه أحمد وأبو داود . PageV01P401 # قالوا: فلما كان الصمت عليه واجبا فترك الواجب وتكلم بما قد نهي عنه عند ~~الخطبة، وهي مما لا تكون الجمعة، لا تصح إلا بها، ثم تصح له الجمعة، فأمروه ~~بالخروج من المسجد وأمروه بالدخول إليه في جملة الداخلين؛ ليكون حكمة حكم ~~من دخل معه في ذلك الوقت، وفاته ما كان يستحقه من الثواب بالسبق الذي لو لم ~~يفسده بالكلام، كما فات من دخل معه ثواب السابقين إليها بالعدو كما جاءت ~~الرواية في البدنة ثم نزلت إلى البيضة؛ وقال بعضهم: إذا تكلم بذكر الله وما ~~تقرب إليه من الدعاء والتسبيح لم تفسد جمعته ولم يكن لاغيا، لأن اللغو: ~~الكلام المكروه عندهم، لأن الجمعة تفسد به لأنه اللغو: وحجة الأول عندي ~~أنها أقوى، والله اعلم. لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من لغا فلا ~~جمعة له ومن قال لجاره: صه، فقد لغا) (¬1) ومعنى صه اسكت، فلو كان بعض ~~الكلام لا يفسدها لكان لا يفسدها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقال ~~بعض: إن اللغو لا يبطل فرضها بل يكون المصلي وإن لغا مؤديا لفرضه ساقطا ~~عنه، وإنما ورد النهي ليكمل الثواب لمن حضر لتأدية فرضه، لأن الكلام ~~والإمام يخطب ليس بكلام في الصلاة، لأن الخطبة والوقت الذي هو فيه غير وقت ~~الصلاة التي تفسد فيه أو تتم، وهذا النهي عند أصحاب هذا القول كنحو ما ورد ~~النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: ms298 (لا صلاة لجار المسجد إلا في ~~المسجد) (¬2) +- # ¬__________ # (¬1) -رواه أحمد . # (¬2) - تقدم ذكره . PageV01P402 # وقد أجمعوا أن جار المسجد لو صلى في بيته لسقط عنه فرض الصلاة فمعنى قوله ~~(لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد)، أنه لا تضعيف لصلاته من الثواب، كذلك ~~عند أصحاب هذا القول أنه منع صلى الله عليه وسلم من حضر الجمعة أن يتكلم ~~والإمام يخطب من قوله: (من لغا فلا صلاة له) (¬1) على هذا المعنى والله ~~أعلم. والرواية عن عمر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~(الجمعة يحضرها ثلاثة نفر؛ فرجل يحضرها بلغو فهو حظه منها، ورجل يحضرها ~~بدعاء فهو رجل سأل ربه إن شاء أعطاه وإن شاء منعه (¬2) ، ورجل يحضرها ~~بإنصات وسكون ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحدا فهي (¬3) كفارة له إلى ~~الجمعة التي تليها) (¬4) ؛ وقد روي لنا أن محمدا ابن محبوب كان يقول على ~~المنبر: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صلاة الجمعة كفارة ما بعدها ~~إلى الجمعة ما اجتنب العبد الكبائر) (¬5) ، ويجوز للرجل في صلاة الجمعة ~~وغيرها التحول ليسد الفرجة وهو في الصلاة ولا يؤذ أحدا لما روي في ذلك من ~~الفضل أن أفضل خطوة في الأرض يخطوها المسلم خطوة يسد بها فرجة في الصلاة أو ~~فرجة في صف في سبيل الله، ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحبوة ~~يوم الجمعة والخطيب يخطب، كذا جاءت الرواية، وعندي أن ذلك إنما يكون بالثوب ~~لا باليد، لأن الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم (كان إذا قصد احتبى ~~(¬6) بيديه)، وهذا خبر يدل على جوازه في حال الانتظار للصلاة وغيره، ومن ~~خصه كان محتاجا إلى دليل. # ¬__________ # (¬1) تقدم ذكره؛ رواه أحمد . # (¬2) في (ج) منه . # (¬3) في (ج) فهو . # (¬4) رواه الترمذي وأبو داود . # (¬5) رواه أبو داود . # (¬6) رواه مسلم . PageV01P403 # ويجوز أن يخطب الرجل ويكون الإمام غيره إذا كان المتقدم أولى بالصلاة، ~~وقد تجوز صلاة الجمعة بلا إمام عند فقد الإمام لأن الله تعالى أمر بها أمرا ~~عاما، فغيبة الإمام لا تسقط فرض ms299 الجمعة لأن الأمر بها ليس فيه شرط إمام، ~~والجمعة إذا فات وقتها صلاها أربعا، ولا أعلم بين الناس في ذلك اختلافا ~~(¬1) ، فإذا أحرم الامام ودخل في صلاة الجمعة ثم تفرقوا ولم يبق معه أحد ~~كان عليه إتمام ما لزمه فرضه لدخوله فيه، والموجب عليه غير ذلك محتاج إلى ~~دليل، قال أصحابنا: يرجع ينقض صلاته ويصلي أربعا، قال الله تعالى: { يا ~~أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا ~~البيع } (¬2) ، فإذا زالت الشمس من يوم الجمعة صعد الإمام المنبر ويؤذن ~~المؤذن بين يديه، وخطب، وهو الذكر الذي أمر الله تعالى بالسعي إليه، والله ~~أعلم. لأن ليس بعد أذان يوم الجمعة ذكر يجب السعي إليه إلا الخطبة، ووجوب ~~السعي إليه دليل على وجوبه وتأكيده، وآكد ذلك ما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: (إذا قال الرجل لصاحبه: أنصت والإمام يخطب فقد لغا) ~~(¬3) (¬4) ، وأقل ما تصح الجمعة فيه من العدد ومن (¬5) يقع عليه اسم عدد من ~~الرجال لقوله الله جل ذكره: { وإذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ~~ذكر الله } (¬6) ، وأقل ما تنعقد (¬7) الجمعة بأربعة أنفس، مؤذن يدعو ~~إليها، وإمام، ورجلان أقل الجمع، والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) في (أ) خلافا . # (¬2) الجمعة: 9 . # (¬4) تقدم ذكره . # (¬5) في (ج) من . # (¬6) - الجمعة: 9 . # (¬7) - في (ج) تعقد . PageV01P404 # وإن حضر الجمعة رجلان رجوت بأن يجزيء، لأن الاثنين يقومان خلف الإمام إلا ~~النساء لم تكن جمعة، لأن الجمعة لا تكون ولا تنعقد إلا بالمخاطبين بها، لأن ~~المتعبدين به شرط في تجويز صلاة الجمعة كالإمام، فحكمهم حكم الإمام، فمن لا ~~يصلح أن يكون إماما فيها لم يصح أن يكون شرطا في تجويزها، ومن أدرك الإمام ~~وهو في التشهد فقد أدرك الجمعة، ويقضي ركعتين، لقول النبي صلى الله عليه ~~وسلم : (فليصل ما أدرك وليبدل ما فاته) (¬1) ولا تجوز الجمعة إلا في مصر أو ~~في موقع إقامة الإمام، فأما المصر فلأجل أن عمر رضي الله عنه مصر الأمصار ~~للجمعة، فصار على ذلك الاتفاق ولم ms300 يخالف عليه أحد في فعله، واختلفوا في هذه ~~الأمصار، والاتفاق حجة والاختلاف فلا حجة به؛ وأما الاقامة فالحجة به أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يرو عنه(أنه صلى الجمعة في شيء من أسفاره) ~~(¬2) وإن كان مروره على قرى كثيرة، الدليل على ذلك أن أهل الأمصار متى ~~تركوا الجمعة عوقبوا وسقطت عدالتهم، وليس كذلك شأن أهل القرى، ولا يقيمها ~~إلا ذو سلطان أو بأمره لأن فرض الظهر لا يسقط إلا بعد سقوط شرائط الجمعة، ~~وفي شرطها الإمام المطلق أو بأمره، ألا ترى ما روي عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: (لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على رجال ~~يتخلفون عن الجمعة بيوتهم) (¬3) وإذا افتتح الامام الجمعة، ثم تفرق عنه ~~الناس لعلة بعد (¬4) ما دخل فيها أتمها (¬5) # ¬__________ # (¬1) - رواه أبو داود وأحمد . # (¬2) - رواه مسلم . # (¬3) - رواه أحمد ومسلم . # (¬4) - من (ج) . # (¬5) - في (ج) تمها .. PageV01P405 # جمعة، قال أصحابنا: إذا تفرقوا عنه صلى ظهرا، والنظر يوجب عندي ما قلناه ~~لأنهم اشتركوا (نسخة) اشترطوا فيما يحسب من أركانها وعليه بناؤها كلها، ألا ~~ترى أن الإمام إذا أحدث بعد ما افتتح ثم استخلف عليها ولم يشهد الخطبة ~~وفاته منها شيء يبني على ما بقي منها للزومه ذلك، والله أعلم؛ وإذا صلى ~~المأموم مع الإمام الجمعة فنسي سجدة لم يذكرها حتى جاوز حدا واحدا ليس فيه ~~الإمام ولا هو في مثله أن صلاة تفسد، وفي نفسي من هذا معنى لأني لم أعرف ~~وجه قول أصحابنا في هذا، والنظر يوجب عندي (¬1) ما نسي في آخر الصلاة، ولا ~~تبطل جمعته لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (فليصل ما أدرك وليبدل ما ~~فاته) (¬2) والذي نسيه أو سبقه فقد فاته سواء كان دخل معه في الصلاة أو لم ~~يدخل، لعموم الخبر، والله أعلم. ولقوله صلى الله عليه وسلم : (الإمام يركع ~~قبلكم ويسجد قبلكم) (¬3) ، ومن دخل المسجد والإمام يخطب جلس وأنصت ولم ~~يركع، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (إذا قال الرجل لصاحبه أنصت ~~والإمام يخطب فقد لغا) ms301 (¬4) ، معنى هذا الخبر دليل على غلط الشافعي في ~~تجويز صلاة التطوع والإمام يخطب، وإذا كان ممنوعا من الأمر بالمعروف مع ~~وجوبه كان من صلاة التطوع أشد منعا، والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) - يبدو أن هنا سقطا لعله: يعيد . ليستقيم المعنى . # (¬2) - تقدم ذكره . # (¬3) - متفق عليه . # (¬4) - تقدم ذكره . PageV01P406 # فإن تعلق بخبر رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أن سالكا (¬1) ~~الغطفاني قال له النبي صلى الله عليه وسلم : (قم فاركع ركعتين ولا تعود ~~لمثل هذا) (¬2) ، يقال له: إن صح هذا الخبر فقد منعه من العود إلى مثله، ~~وقد روي من طريق جابر أنه دخل المسجد والنبي صلى الله عليه وسلم على ~~المنبر ولم يذكر أن قال له وهو يخطب، فهذا يوجب أنه كان في غير الخطبة، ~~وليس على النساء والعبيد والمسافرين جمعة، فمن حضرها منهم وصلاها أجزأته عن ~~فرضه بإجماع الأمة، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( صلاة ~~المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في صحن دارها. وصلاتها في دارها أفضل لها ~~من صلاتها في مسجد جماعة) (¬3) فلذلك لم تجب عليها الجمعة ولأن الجمعة إذا ~~لم تجب إلا على أهل الأمطار فليس العبيد من أهلها، لأن المصر لمواليهم ~~والآية في الأحرار، ألا ترى إلى قوله تعالى: { إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع } (¬4) وليس للعبيد (¬5) من البيع ~~إلا ما أذن لهم فيه بعد إذن مولاهم (¬6) والآية فيمن له ذلك، وأقل الخطبة ~~التي تصح بها الجمعة ويعقب بها صلاة العيدين ويتم بها النكاح ما حفظنا عن ~~الشيخ أبي مالك رحمه الله وهي: الحمد الله رب العالمين والعاقبة للمتقين، ~~ولا عدوان إلا على الظالمين، وصلى الله على محمد النبي وآل صحبه وسلم، ~~اللهم اغفر لنا ولجميع المسلمين، وقال أبو حنيفة: تجزئ تسبيحة واحدة لأنها ~~ذكر الله، وعندي أن تسبيحة واحدة لا يقع عليها اسم خطبة، ولا (¬7) # ¬__________ # (¬1) - في (ب) و (ج) سليك . # (¬2) - رواه أحمد ومسلم وأبو داود . # (¬3) رواه النسائي وابن ماجه . # (¬4) الجمعة:9، 10. # (¬5) ، في (ج) العبيد . # (¬6) في (ج) مولاه ms302 . # (¬7) - لعل كلمة: يجوز، ساقطة من الأصل .. PageV01P407 # لداخل المسجد والإمام يخطب أن يسلم على الناس، وليس لهم أن يردوا عليه، ~~ولا يشمت العاطس لأنهم أمروا بالإنصات في حال الخطبة، كما أمروا بالإنصات ~~في حال الصلاة، لأنا نهينا عن الأمر بالمعروف في ذلك الوقت؛ واختلف أصحابنا ~~فيمن صلى الظهر يوم الجمعة في بيته ثم حضر الجمعة أن صلاته الأولى تنتقض، ~~ولزمه فرض الجمعة، في أن الأمر بالسعي لا يجتمع مع فرض الظهر، فقال بعضهم: ~~الظهر هي صلاته التي صلاها ولا تنتقض، وتكون الجمعة له نفلا، وإن قرأ ~~الإمام وهو يخطب يوم الجمعة آية فيها سجدة فلا بأس أن ينزل ويسجدها لأنه لو ~~قرأها في الصلاة وسجدها (¬1) والخطبة أولى بذلك، ولا بأس أن يسافر الإمام ~~وغيره يوم الجمعة ما لم يدخل المؤذن في الأذان لأن السعي يوجه (¬2) إلى يوم ~~(¬3) الجمعة بالأذان، فما لم يلزمه السعي لم يمنع من السفر، والله أعلم. ~~ولا يجوز لمن دخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب أن يركع ولا يتخطى رقاب ~~الناس، لما روي: أن عليا كان يخطب على المنبر يوم الجمعة وقد امتلأ المسجد ~~وأخذ الناس مجالسهم وأتى الأشعب فجعل يتخطى حتى دنا منه ثم قال علي هذه ~~الحمراء فقال: ما بال هذه الظباطرة حتى إذا أخذ الناس مجالسهم جاء يتخطى ~~رقابهم .. # ¬__________ # (¬1) - في (ج) نسخة ولعله سجدها . # (¬2) - في (ج) توجه . # (¬3) - لا توجد في (ج) . PageV01P408 # نحو هذا الكلام، ومعنى الظباطرة الحمير، والله أعلم ما كان معنى كلام ~~علي، وعلى أي حال كان معنى هذا الكلام منه، فإن كان أراد بهذا القول الأشعب ~~وحده وقصده بهذا القول فهو يدل على ما كان يقال بينهما حالا ليست بالصالحة، ~~وليس للإمام ومن حضره أن يتكلم وقت الخطبة، فإن كان الخبر صحيحا فيحتمل أن ~~يكون علي لم يكن دخل في الخطبة، ويحتمل أن يكون خرج منه ذلك القول على وجه ~~الموعظة للناس والله أعلم؛ والذي عندي أن الخطبة جزء من الصلاة، أو مما لا ~~تقوم الصلاة إلا به، وان الكلام لا يجوز ms303 استباحته فيها ابتداء ولا جوابا ~~لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا قلت لصاحبك ~~والإمام يخطب أنصت فقد لغوت) (¬1) ولما روي عنه صلى الله عليه وسلم من ~~طريق أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : (من لغا فلا جمعة له ومن ~~قال صه فلا جمعة له) (¬2) ، ومعنى صه: أسكت؛ وفي رواية عنه أنه (كان يخطب ~~فقرأ عليهم سورة، فأقبل أبو ذر على رجل إلى جنبه فقال له: متى نزلت هذه ~~السورة؟ فأعرض عنه، فلما انصرف من صلاته قال له الرجل: مالك من صلاتك إلا ~~ما لغوت، فسأل صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: صدق) (¬3) وروي عن ابن ~~عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (الذي يتكلم يوم الجمعة ~~والإمام يخطب كالحمار يحمل أسفارا) (¬4) ، وروي أن عليا خطب قبل الزوال، ~~والذي يذهب إليه أنه لا تجوز الخطبة للجمعة إلا بعد الزوال لإجماع العمل ~~على ذلك، وما روي عن فعل علي في تقديم الخطبة قبل وجوب الصلاة. فلم (¬5) ~~يرد الخبر مجيء الأخبار التي ينقطع بها العذر، وإن صح ففعل غيره من الصحابة ~~أولى أن يتبع لأن الحجة تؤيده (¬6) ، # ¬__________ # (¬1) - تقدم ذكره . # (¬2) - تقدم ذكره . # (¬3) - رواه الترمذي . # (¬4) - رواه أبو داود . # (¬5) - في (ج) نسخة لم . # (¬6) - في (ج) تؤديه .. PageV01P409 # ولا تجوز الخطبة للجمعة إلا من قائم، وقد روي أن عليا خطب قائما فلم ~~يجلس، فإن قال قائل: إن عليا خطب قائما فلم يجلس لأنه قد كان فيمن يخطب من ~~الناس (من يجلس (¬1) في خطبته كلها حتى يفرغ) فلذلك روي أن عليا كان يخطب ~~قائما، قيل له: هذا غلط منك في معنى الخبر وسوء تأويل ذهبت إليه، لأن الناس ~~اختلفوا في الخطبة، فقال قوم: إن فيها جلسة خفيفة، وقال قوم: لا جلوس فيها، ~~وإنما فعل عثمان في آخر أيامه للكبر، وقال قوم: إن ذلك أحدثه معاوية، ~~والصحيح هو الذي أحدث الجلوس بعد علي، ولذلك روي على سبيل الإنكار لفعله أن ~~عليا كان يخطب قائما، ولو كان ms304 للخطبة جلسة خفيفة كما رووا أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم فعل ذلك لروي أن عليا كان يخطب قائما إلا مقدار الجلسة ~~التي ادعاها مخالفونا، فلما لم يرد ذلك صح ما قلنا وإن فائدة الخبر إجراؤه ~~على ظاهره، إذ لا دليل لمن ادعى فيه تخصيصا، ويؤيد هذا التأويل الذي ذهبنا ~~إليه قول الله تعالى مخاطبا لنبيه بذلك: { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا ~~إليها وتركوك قائما } (¬2) في حال الخطبة لا خلاف بين أحد من أهل القبلة في ~~ذلك وبالله التوفيق. وقد جاءت الروايات الصحيحة مع نقل بعض من مخالفينا أن ~~أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا لا يقعدان في الخطبة، وأول من قعد ~~معاوية، وروي عن الشعبي (نسخة) الشافعي أنه قال: إنما خطب معاوية جالسا حين ~~كثر شحم بطنه ولحمه، وعن طاووس قال: الجلوس يوم الجمعة بدعة، وأول من فعله ~~معاوية، ثم رووه من بعده؛ وليس على الإمام جمعة في السفر ولا تصلي في السفر ~~إلا صلاة مسافر، وروي أن عمر بن الخطاب رحمه الله: (صلى بأهل مكة ركعتين ثم ~~قال: أتموها فإنا قوم سفر) (¬3) # ¬__________ # (¬1) - زائدة في (أ) . # (¬2) - الجمعة: 11 . # (¬3) - في (ب) و (ج) مسافرون .. PageV01P410 # وأن عليا صلى بالناس يوم الجمعة ركعتين ثم التفت إليهم فقال: أتموا ~~صلاتكم، وكان يرى أن القصر على الإمام وغيره في السفر، وكان لا يرى الجمعة ~~إلا في مصر جامع، ومن أدرك من صلاة الجمعة ركعة أضاف إليها أخرى وتمت ~~صلاته، ومن أدرك التشهد صلى أربعا وفاتته الجمعة، وهذا مذهب علي بن أبي ~~طالب، وبين أصحابنا في هذا اختلاف، وقد كان في الصحابة من يخالف عليا في ~~مثل هذه المسألة، وكان يرى أن من أدرك التشهد فقد أدرك الجمعة ويأتي ~~بركعتين، والله أعلم بالأعدل من القولين. وقال (¬1) من تعسف مذاهب السلف ~~بغير علم إلا حرم التوفيق، والجمعة يجب فرضها على من يصح فيه أوصاف العقل ~~والحرية والبلوغ والمقام، ومن فرائض الجمعة الوقت والخطبة والنداء بالصلاة، ~~فالحجة في لزوم إتيانها ما أمر الله تعالى ms305 به لقوله: { يا أيها الذين آمنوا ~~إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله } (¬2) والذكر هو ~~الصلاة، والسعي هو القصد على ما رواه بعض من يوصف بمعرفة اللغة أن في اللغة ~~كذلك، وأجمعوا جميعا أن الله جل ثناؤه خاطب بهذا الخطاب البالغين الأصحاء ~~العقول من أهل الإقامة والحرية من الرجال دون النساء، وقرن الخطاب بالصفات ~~ما كانت موجودة بالمخاطبين مما لزمهم فرضها، فإن صلى المسافر والعبد أجزأهم ~~عن فرضها وهو إجماع فيما علمت، والله أعلم. وسنة الجمعة أربع خصال: الغسل ~~ومس الطيب والبكور (¬3) والإنصات للخطبة، قال أصحابنا: ليس على المسافر ~~والعبد والمرأة جمعة، الإجماع على ذلك، وإذا حضروها صلوها مع الإمام وسقط ~~الفرض عنهم، وفي نفسي من ذلك شيء لأنهم أتوا بما لم يؤمروا به وتركوا الفرض ~~الذي أمروا به، فأرى الفرض باقيا عليهم، والله أعلم؛ ولاحظ للنظر مع ~~الإتفاق والنص . # باب في صلاة السفر # ¬__________ # (¬1) في (ج) وقل . # (¬2) الجمعة: 9 . # (¬3) في (ج) لعله البخور . PageV01P411 # قال الله تبارك وتعالى: { وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا ~~من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا } (¬1) فأباح القصر المذكور في ~~الآية بشرط الخوف فجعل القصر وإباحته للخوف، وأما صلاة السفر فليس عندي ~~بقصر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمى صلاة السفر تماما غير قصر، في ~~رواية جابر بن عبد الله عن صلاة السفر: (أقصرها يا رسول الله؟ فقال: لا، ~~لأن الركعتين في السفر ليستا بقصر إنما القصر واحدة عند القتال) (¬2) ثم ~~ذكر الحديث إن لكل طائفة ركعة، ثم سلم وسلم من خلفه، وسلم أولئك من غير ~~قضاء شيء منها، وعلى هذا النحو ما روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: إن الله ~~فرض على لسان نبيكم الصلاة في الخوف ركعة، تأويله أنه أباح الإنصراف عنها ~~نحو العدو لضرورة الخوف، ولولا ما أفسدت الضرب عن (¬3) الإنصراف، ويحتمل أن ~~المراد أن تصلي طائفة ركعة مع الإمام ويمسك عن اتباعه وتنصرف مقبلة على ~~العدو وتصلي الطائفة الثانية الركعة الثانية مع ms306 الإمام، ثم قضت كل طائفة ~~ركعة ركعة كما روى ابن مسعود وابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ~~ويجوز أن يكون المراد بالقصر المذكور في الآية تخفيف بالسرعة، والله أعلم؛ ~~ونزلت هذه الآية: { فإن خفتم فرجالا أو ركبانا } (¬4) يوميء إيماء مستقبل ~~القبلة وغير مستقبلها، فهذا مع شدة الخوف، ومن الدليل على جواز الجمع بين ~~الصلاتين ما أجمع عليه الكل على وجوب الجمع بعرفة، ومن قول مخالفينا: إن ~~ذلك للمسافرين دون أهل مكة، والاعتبار في ذلك العذر والمشقة التي تلحق بترك ~~الجمع؛ وزعم بعض أصحاب أبي حنيفة أنهم أجمعوا لأن (¬5) الظهر لا يجوز ~~تأخيرها بعرفة إلى وقت العصر، قلنا: وكيف يكون أصل (¬6) # ¬__________ # (¬1) - النساء: 101 . # (¬2) - رواه مسلم . # (¬3) - في (أ) و . # (¬4) - البقرة: 239 . # (¬5) - في (ب) و (ج) أن . # (¬6) - ساقطة من (ب) و (ج) .. PageV01P412 # هذا أصلا لها، وجاز للمسافر أن يجمع صلاتين في حال سفره ويضم الأخيرة إلى ~~الأولى فيصليها في وقت الأولى، والأولى في وقت الآخرة فيصليها جميعا فيه. ~~وكذلك في صلاة المغرب والعشاء لما روى معاذ بن جبل، قال: (غزونا مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~إذا ارتحل وقد زالت الشمس جمع، وإذا ارتحل قبل أن تزول الشمس أخر الظهر ~~وصلاها مع العصر قبل أن يمضي وقت العصر، وكذلك في المغرب والعشاء) (¬1) ، ~~وذكر بعض مخالفينا أن الجمع إنما يجوز أن يجر الثانية إلى الأولى قياسا على ~~الجمع بعرفة، وقال غير صاحب هذا القول من أهل الخلاف أيضا: إن الجمع لا ~~يجوز إلا أن يقرب بين الصلاتين، فيصلي كل صلاة في وقتها، وصاحب هذا القول ~~قد غلط غلطا لما رواه معاذ وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم من أفعاله ~~في أسفاره وفي الجمع بعرفة، والله الموفق للصواب؛ ولا يجوز الجمع للصلاتين ~~إلا بنية تقدمها بعد دخول الأولى إلى قبل دخول الثانية؛ وحد السفر عندي ~~فرسخان مع انقطاع العمار وهو أقل ما يقع عليه اسم السفر، لأن النبي صلى ~~الله عليه ms307 وسلم (كان إذا سافر فصار بذي الحليفة حاجا أو غازيا قصر) (¬2) ، ~~وقصر الصلاة في أي سفر كان المسافر في سفره طائعا أو عاصيا إذا كانت الصلاة ~~عليه في جميع أحواله، مطيعا كان أو عاصيا، والوجوب (¬3) عليه التمام في حال ~~سفره إذا خرج عاصيا محتاج إلى دليل، وقد أجمع المنسوبون إلى العلم إلا من ~~لا يعد خلافه خلافا أن للمسافر أن يقصر الصلاة مع الأمن من فتنة الكافرين، ~~لما روى بعض الصحابة قال: سألت عمر بن الخطاب، فقلت: يا أمير المؤمنين قال ~~الله عز وجل: { فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم ~~الذين كفروا } (¬4) ، # ¬__________ # (¬1) - رواه البيهقي وأبو داود . # (¬2) - رواه مسلم . # (¬3) - في (ج) والموجب . # (¬4) - النساء: 601 .. PageV01P413 # ونحن اليوم نقصر مع الأمن؟ فقال عمر رضي الله عنه: قد عجبت مما عجبت منه، ~~فسألت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: (صدقة تصدق الله عليكم بها ~~فاقبلوا صدقته) يعني الرخصة لأن الصدقة تفضيل (¬1) فسمي النبي صلى الله ~~عليه وسلم الرخصة باسم الصدقة لأنها تفضل وأن (¬2) الرخصة في تقصير الصلاة ~~كان لأجل الخوف من الذين كفروا أن يفتنوهم وأن يحملوا عليهم في صلاتهم ~~وتشاغلهم بها، ثم جعل الله هذه الرخصة ثابتة وإن أمن الناس، وأما الجمع في ~~الحضر الذي ادعاه بعض مخالفينا فيما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم جمع ~~في الحضر والله أعلم كيف كان جمعه إن كان ما رووه صحيحا، وقد أجاز أصحابنا ~~الجمع للمستحاضة في الحضر لروايات تثبت عندهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~بإجازة ذلك، وأجاز بعض أصحابنا الجمع للمبطون في الحضر، والصحيح في اليوم ~~المطير للمشقة والضرورة، والخبر (¬3) عندهم في ذلك. وعندي أن الله تعالى له ~~أن يبتلي هؤلاء ويمتحنهم بأعظم من هذا، وإن كان عليهم في ذلك مشقة إذا صلوا ~~كل صلاة في وقتها وهم مقيمون. وقد روي عن ابن عباس أنه قال: من جمع بين ~~الصلاتين في الحضر من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر، وإذا قدم ~~المسافر إلى بلده ms308 ثم ذكر صلاة نسيها في سفره فإن عليه بدلها قصرا في قول ~~أصحابنا، لأنه خوطب بها في السفر قصرا، والنظر يوجب عندي أن الناسي لم ~~يخاطب في حال نسيانه وإنما خوطب بها وأمر بعملها لما ذكرها لقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم : (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فذلك وقتها) ~~(¬4) فيجب أن ينظر في ذلك فإن النظر يوجب عليه التمام، ولقول الله تبارك ~~وتعالى: { وأقم الصلاة لذكري } (¬5) # ¬__________ # (¬1) - في (ب) و (ج) تفضل ، رواه مسلم . # (¬2) - في (ب) و (ج) وأول . # (¬3) - في (ب) والخبر . # (¬4) - تقدم ذكره . # (¬5) - سورة طه: 14 .. PageV01P414 # والذي اخترناه أشبه بأصولهم لأنهم قالوا: لو خوطب بالصلاة في وقتها وهو ~~في السفر فأخرها إلى موضع تمامه، والوقت قائم أن يصليها تماما؛ وقال ~~أكثرهم: لو خرج في وقت صلاة وقد خوطب بها ولم يصلها حتى ينتهي إلى حد السفر ~~والوقت قائم أن يصلي قصرا. وأما إن فسدت في السفر صلاها في الحضر قصرا. فإن ~~قال قائل: فما الفرق بين أن يجب عليه فعلها من طريق النسيان أو طريق ~~الفساد؟ قيل له: الناسي إنما يجب عليه الفرض في (¬1) الوقت لقول النبي صلى ~~الله عليه وسلم : (فذلك وقتها) والذي فسدت عليه صلاته كان الفرض عليه في ~~الوقت الذي صلى فيه، فلما علم بفسادها كان عليه البدل، فالبدل لا يكون إلا ~~كالمبدل منه والله أعلم. وقد قيل: إن الفرض كان قد زال عنه للفعل الأول، ~~وهذا فرض ثان يجب في الوقت من طريق التعبد والله أعلم. وللإنسان أن يصلي ~~إلى غير القبلة إذا خشي التوجه إليها. وكذلك يجوز أن يصلي راكبا وراجلا من ~~طريق الإيماء، قال الله جل ذكره: { فإن خفتم فرجالا أو ركبانا } (¬2) ، ~~وللمريض أن يصلي حسب طاقته، والعريان يصلي قائما لقول الله تعالى: { وقوموا ~~لله قانتين } (¬3) لأن فرض الصلاة على من قدر على القيام بإجماع. فالفرض ~~إذا وجب على وجه لم يسقط إلا بما يجب سقوطه ففرض القيام لا يزول إلا بالعجز ~~عنه. قال أصحابنا: العراة يصلون قعودا. # ¬__________ ms309 # (¬1) - (ج) من . # (¬2) - سورة البقرة: 239 . # (¬3) - سورة البقرة: 238 . PageV01P415 # اختلف أصحابنا في الموضع الذي يجب قصر الصلاة فيه للمسافر، فقال قوم: إذا ~~خرج من منزله يريد سفرا قصر الصلاة، وقال بعضهم: إذا ابتدأ العمران بعمران ~~بلده لم يقصر حتى يخرج من العمارة، والنظر عندي يوجب أن اتصال العمار لا ~~يسمى به مسافرا من طريق اللغة لأن السفر مأخوذ من الإسفار، ومن كان في ~~العمران لا يقال قد أسفر، ألا ترى أن المرأة إذا كشفت عن وجهها الغطاء ~~يقال: أسفرت ويقال أسفر النهار إذا زالت عنه ظلمة الليل، والذي اخترناه قول ~~علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة. # باب في صلاة الوتر PageV01P416 اختلف أصحابنا في صلاة الوتر، قال موسى بن ~~علي: إنها سنة وليست بواجبة. وقال محمد بن محبوب: هي فريضة كسائر الصلوات ~~المفروضات ولكل واحد منهم حجة نذكرها في غير هذا الموضع إن شاء الله تعالى، ~~والنظر يوجب وجوبها وليس بفرض لما فيها من التأكيد، والواجب قد يكون فرضا ~~وقد يكون غير فرض لأن الفرض معناه في اللغة القطع والتقدير، ألا ترى إلى ~~قولهم فرض الحاكم النفقة ومهر المثل، يراد بذلك أنه قدر النفقة لمن حكم ~~بها، وفرض مهر المثل أي قطع بذلك والله أعلم. وأما الوجوب (¬1) فهو اللزوم ~~للفعل؛ يدل على هذا قول الله تعالى: { فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا ~~} (¬2) وليس ذلك بفرض ولكن صار واجبا. ويدل على أن الوتر واجب فعله ما روي ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق أبي سعيد أنه قال: (من نام عن الوتر ~~أو نسيه فليوتر إذا ذكر أو استيقظ) (¬3) . ولولا أدلة قد قامت لنا أنه غير ~~فرض لقلنا بذلك، لأن أوامره على الوجوب، فقد أمر بفعله ولم يجعل له وقتا ~~معلوما كسائر الفرائض، ولا يجب فعله إلا بعد العشاء الآخرة فدل بذلك على ~~أنه من توابع الصلوات، ولا يصلي جماعة والله أعلم. وقد اختلف أصحابنا في ~~صلاة الوتر فقال بعضهم: يصلي ثلاثا بإحرام واحد وتسليمة واحدة، وقال آخرون: ~~يصلي ثلاثا بإحرام ms310 واحد وتسليمتين، وخير صاحب هذا القول فقال: إن شاء وصل ~~وإن شاء فصل. وقال آخرون: الوتر واحدة بعد ركعتين، والنظر يوجب عندي إجازة ~~الواحدة والثلاث، والمصلي مخير بين فعل الواحدة والثلاث، وما فعل من ذلك ~~فقد وافق السنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد نقل عنه فعل الواحدة ~~والثلاث وأنه أوتر ب { سبح إسم ربك الأعلى } ، و { قل يا أيها الكافرون } ، ~~و { قل هو الله أحد } ، وهذا يدل على أنه أوتر بثلاث ركعات. # ¬__________ # (¬1) - (ج) الواجب . # (¬2) - سورة الحج: 28 . # (¬3) - رواه أحمد . PageV01P417 # وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خفت ~~الصبح فأوتر بواحدة) (¬1) وهو الوتر المفرد في اللغة. فمن أوقعه من طريق ~~اللغة فقد فعل ما أمر به ما لم يخرج بذلك من الإجماع، إلا أنا نختار الثلاث ~~في الحضر والسفر لأن الثواب يقع عليه أوفر لثقل مشقة الركعة، وفعل الثلاث ~~أقرب إلى ما يخرج (¬2) به المصلي من الاختلاف بين الناس، وفي الرواية عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (وإذا استجمرت فأوتر). وقد استجمر ~~بثلاثة أحجار في رواية ابن مسعود وغيره، وأما الشافعي فجوز الاستجمار بحجر ~~واحد إذا كان له ثلاثة أحرف، فزعم أنه قد استعمل المعنى من العدد وأتى ~~بالاسم الذي هو الوتر، وفي الخبر (إن الله وتر كريم). وما روي عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في آدابه لأصحابه: (اكتحلوا وترا لا تزيدوا واحدة) (¬3) . # مسألة # والفجر فجران؛ أحدهما: الأول وهو المشكل الذي لا يحرم شيئا ولا يحله، ~~وكانت العرب تسميه الكاذب، وهو مستدق (¬4) صاعد في غير اعتراض، وهو ~~كالأشمط، والأشمط من الرجال إذا كان في رأسه سواد وبياض، كذلك الفجر الأول. ~~وأما الفجر الثاني فهو المستطير، وإنما سمي مستطيرا لأنه منتشر فى الأرض ~~وكل شيء انتشر فىالأرض يسمى مستطيرا وهو الفجر الصادق. قال جرير: # أراد الطاعنون ليحزنوني فها جوا صدع قلبي ما (¬5) استطارا # ومنه قول الله تبارك وتعالى: { يخافون يوما كان شره مستطيرا } (¬6) أي ~~مشتدا (¬7) وإنما الفجر الأخير فإن العرب ms311 كانت تسميه الصادق والمصدق وإنما ~~سمته الصادق والمصدق لأنه يصدق عن الصبح؛ وبينه قول (¬8) أبي ذؤيب: # شغف الكلاب الضاريات فؤاده # إذا رأى الصبح المصدق يفزع # وقال جرير: # ¬__________ # (¬1) مسلم . # (¬2) - (أ) يقرب . # (¬3) أبو داود . # (¬4) في (ب) مسفر . # (¬5) (ب،ج) فاستطار . # (¬6) سورة الإنسان: 7 . # (¬7) (ب،ج) منتشرا . # (¬8) (ج) : وقال . PageV01P418 # فلما أضاءت لنا سدفة ولاح من الصبح خيطا أنارا # والسدفة ضوء، أي بدا وظهر. وقال بعض المفسرين: { حتى يتبين لكم الخيط ~~الأبيض من الخيط الأسود من الفجر } (¬1) وقال: وهو بياض النهار من سواد ~~الليل، ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم السحور غداء لأنه بين الفجرين ~~قبل أن ينتشر الضوء ويكثر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسميه الغذاء ~~المبارك، وأما الشفقان أحدهما أحمر والآخر بياض (¬2) يرى في المغرب والأبيض ~~بعد الشفق الأحمر وبعد سواد يكون بينهما كالظلمة الساطعة ثم يطغو المغرب ~~ويكون الشفق الثاني. والناس مختلفون في مقدار ما بين الشفقين، فاختلف ~~الفقهاء في وقت وجوب صلاة العشاء الآخرة. وقال قوم: إذا غاب الشفق الأول ~~وجبت الصلاة لأن الصلاة تجب بغيبة الشفق، ونحن نراعي وجوب الإسم، وتعلقوا ~~بقول من قال بأوائل الأسماء؛ وقال: وقال آخرون: لا تجب الصلاة إلا بعد غيبة ~~الشفق الثاني لأنا أمرنابفعلها بعد غيبة الشفق، وما كان الشفق قائما فنحن ~~ممنوعون من الصلاة حتى يغيب والله أعلم بالأعدل من القولين؛ وفي الأخذ ~~بالقول الثاني في (¬3) الاحتياط، والأخذ بالقول الأول فيه مخاطرة للإختلاف؛ ~~والقول الثاني عليه الاتفاق؛ وزوال الشمس التي يجب به فرض صلاة الظهر ~~هوانحطاطها عن كبد السماء، وكبدها وسطها الذي تقوم فيه عند الزوال، يقال ~~عند انحطاطها: زالت الشمس ومالت وزاغت الشمس. # ¬__________ # (¬1) سورة البقرة: 187. # (¬2) ج: أبيض . ((والأبيض يكون بعد الشفق الأحمر وبعد سواد يكون بينهما ~~كالظلمة الساطعة ثم يطغو المغرب)) . # (¬3) ناقصة من (ج). PageV01P419 # وأما الصماء التي (¬1) نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها في الصلاة ~~فهو أن يلبس الرجل ثوبه ويشده على بدنه ويديه، وهكذا عند العرب صفة الصماء ~~إذا تخلل (¬2) به ولم يرفع منه جانبا، وإنما سميت صماء ms312 لأنه يشد على بدنه، ~~وبدنه كالصخرة الصماء التي ليس فيها صدع ولا خرق. وأما السدل الذي نهى عنه ~~النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة وهو أن يرسل الرجل بثوبه على جانبيه ~~ولا يضم طرفيه، وكذلك قيل لإرخاء الستر على الزوجين أسدل عليهما. # مسألة # اختلف أصحابنا في عدد الوتر، فقال بعضهم: ثلاث ركعات في السفر والحضر، ~~وقال بعضهم: واحدة جائزة وثلاثة أحب إلينا لزيادة العمل. واختلف من قال ~~بالثلاث على قولين، فقال بعضهم: ثلاث ركعات لا يفصل بينهن، وقال آخرون: ~~ثلاث ركعات يفصل بينهن بتسليم، والنظر يؤيد عندي (¬3) قول من قال بالثلاث ~~من غير فصل بينهن في الحضر والسفر لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~(أنه كان يقرأ في الوتر سبح اسم ربك الأعلى، وفي الركعة الثانية بقل يا ~~أيها الكافرون، وفي الركعة الثالثة بسورة الإخلاص) (¬4) . # ولم يرد عنه أنه فصل بينهن بتسليم فيما علمت. وقد روي عنه صلى الله عليه ~~وسلم من طريق ابن عمر أنه قال: (صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشيت الصبح ~~فأوتر بواحدة) (¬5) . وهذا الخبر الذي تعلق به من قال بالركعة الواحدة من ~~أصحابنا وغيرهم، فيحتمل أن تكون هذه الركعة موصولة بغيرها على ما ذهب إليه ~~من قال بالركعة، ويحتمل أن تكون مفردة لأجل الصبح لأن فيه شرطا إذا خاف ~~المصلي أن يفجأه الصبح، ومن احتج بجواز الواحدة فلا حجة له مع وجود الشرط، ~~فاسم الوتر يقع على الواحدة والثلاث، ومن أتى بواحدة فغير خارج من ~~الاختلاف، والذي قلنا أكثر احتياطا وبالله التوفيق. # مسألة # ¬__________ # (¬1) (ج): الذي. # (¬2) (ج): تحلل. # (¬3) ساقطة من (ب ج). # (¬4) تقدم ذكره. # (¬5) رواه الجماعة. PageV01P420 # أجمع الناس على أن صلوات (¬1) الفرائض لا تصلى على ظهور الدواب وهي سائرة ~~إلا في حال الضرورة، والنوافل تصلى على ظهور الدواب في حال مسيرها وعلى ~~الأرض، كل ذلك جائز في حال القدرة والعجز، وقد فعل النبي صلى الله عليه ~~وسلم ذلك ولم ينقل عنه أحد فيما علمنا أنه نزل عن دابته لصلاة نافلة، كما ~~نقل عنه ms313 أنه كان ينزل لصلاة الفريضة، وروي عنه (¬2) ( أنه نزل لصلاة الوتر) ~~فاحتج بذلك من أوجب فرض الوتر إذ أدخل حكمها في حكم الفرائض، وكان محمد بن ~~محبوب ممن يقول بفرض الوتر ويلزم تاركه من الحكم الوعيد ما يلزم من ترك ~~شيئا من فرائض الصلاة، وأما موسى بن علي فكانت عنده سنة يؤكدها (¬3) على ~~فعلها وليست بمفروض فعلها عنده، والحجة عنده أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~: (صلى الوتر على الراحلة، وصلاها على الأرض أيضا) ولم ينقل عنه أنه صلى ~~الفريضة على الراحلة. فدل هذا من فعله على أنه قد أخرجها من حكم الفرائض، ~~فإن احتج محتج ممن ذهب إلى قول من أوجب فرضها فقال: لما قال النبي صلى ~~الله عليه وسلم : (إن الله قد (¬4) زادكم صلاة إلى صلاتكم (¬5) ) وذكر ~~الحديث الذي فيه قصة (¬6) الوتر وكانت الزيادة في الشيء حكمها حكمه، علمت ~~أنها فرض، وأن فعلها واجب. قيل له: قد زادكم (¬7) الله صلاة العيدين وصلوات ~~من ركوع الضحى وركعتي الفجر ولم يكن فرضا؟ فإن قال: إن النبي صلى الله ~~عليه وسلم لا يخلو كلامه من فائدة ومعنى بينه (¬8) # ¬__________ # (¬1) في (ب: الصلاة. # (¬2) غير موجود في (ج)؛ أبو داود. # (¬3) - في (ج ) : يؤكد ؛ ابن ماجه . # (¬4) - ناقصة (ج ) . # (¬5) - في (ب،ج) : صلوتكم تقدم ذكره . # (¬6) - من (ب ، ج) . # (¬7) - في (ج) زادنا . # (¬8) - في (ج) : مكانها بياض .. PageV01P421 # عنه، فلما خص الوتر بهذه اللفظة علمنا أنها الفائدة، فما أنكرت أن تكون ~~فائدتها تعريفنا فرضها، وما تنكر أن يكون معنى قول الله تعالى جل ذكره: { ~~لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة } (¬1) أي عليكم فقوله: زادكم الله ~~بمعنى (¬2) زاد عليكم قيل له: هذا غلط في باب التأويل وليس إذا قام لنا ~~دليل يدل على مجاز لفظه من طريق اللغة وجب العدول على موجب اللغة وحقيقتها، ~~وحقيقة اللغة إنما هو لنا بخلاف ما هو علينا، وأيضا فإن الوتر لما لم يجز ~~معناه إلا بعد العشاء الآخرة دل على أنه من توابع الصلاة وليس بمفروض محظور ~~(¬3) بوقت والله أعلم. # باب في ms314 صلاة العيدين # قال الله جل ذكره: { قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى } (¬4) قيل: إنها ~~نزلت في صدقة الفطر وصلاة العيد والله أعلم. والرواية متواترة أن النبي ~~صلى الله عليه وسلم صلى صلاة العيد وحرض عليها وأمر بها حتى أمر بخروج ~~النساء إليها، ولولا الإجماع أنها ليست بفرض لكان هذا التأكيد يوجب فرضها. ~~ألا ترى أن رواية أم عطية حين قالت: (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن نخرج في العيدين الغواني وذوات الخدور، وأمر الحيض أن يعتزلن مصلى ~~المسلمين) (¬5) . وصلاة المرأة في بيتها في غير العيدين أفضل لها من ~~الجماعة، ويستحب تعجيل صلاة الأضحى لما يرجع الناس فيه إلى ضحاياهم. # ¬__________ # (¬1) - سورة الأحزاب: 21 . # (¬2) - كذا في الأصل . # (¬3) - في (أ) : محذور . # (¬4) - الأعلى: 14 . # (¬5) - أحمد وأبو داود . PageV01P422 # ويستحب تأخير صلاة الفطر انتظار الناس لما يشغلهم من الصدقة فيه وزكاة ~~النفس (¬1) المأمور بتعجيلها قبل الصلاة. ويستحب في يوم الفطر الأكل قبل ~~الغدو إلى الصلاة، وتأخير الأكل يوم النحر إلى بعد الصلاة اقتداء برسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، ومن سنن التنفل غسل العيدين: السواك والطيب ~~واللبس الحسن. واختلف الناس في تكبير صلاة العيدين مع اتفاقهم أنها ركعتان، ~~وقول ابن عباس: إن التكبير فيهما يجزيء بسبع وتسع وإحدى عشرة وثلاث عشرة ~~تكبيرة وكل سنة. # مسألة # في الخاص والعام ومعرفة الخصوص والعموم لقول الله جل ذكره: { ولا تنكحوا ~~المشركات حتى يؤمن } (¬2) فحرم جميع المشركات بعموم هذه الآية، ثم خص من ~~جملة ما حرم نكاح المشركات الكتابيات بقوله عز وجل: { والمحصنات من ~~المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم } (¬3) ، فخص المشركات ~~الكتابيات من سائر ما حرم من المشركات، ونحو ذلك ما (نهى النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن بيع ما ليس معك) وكان هذا تحريما عاما لا يجوز للإنسان بيع ~~شيء ليس في ملكه ثم خص من جملته (¬4) السلم وهو بيع ما ليس معك. # مسألة في التراويح # ¬__________ # (¬1) - في (ج): الأنفس . # (¬2) - البقرة: 221 . # (¬3) - المائدة: 5 . # (¬4) - متفق عليه . PageV01P423 # وصلاة التراويح في الجماعة أفضل ms315 من صلاة المنفرد لأن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: (فضل صلاة الجماعة تزيد على صلاة المنفرد ببضع وعشرين ~~درجة) (¬1) لم يخص جماعة من جماعة. وقد روي أن عمر بن الخطاب كان يأمر أبي ~~بن كعب أن يصلي بالناس صلاة التراويح في شهر رمضان ويحثه على ذلك ويبعثه ~~عليه. ولا يجوز أن يأمره بصلاة غيرها أفضل منها. وليلة القدر في العشر ~~الأواخر من شهر رمضان لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (إلتمسوها في العشر ~~الأواخر من شهر رمضان) (¬2) ويستحب التكبير ليلة الفطر لقول الله تبارك ~~وتعالى: { ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم } (¬3) فإذا أصبحوا ~~طعموا قبل الخروج إلى المصلى، وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم كان ~~يطعم غداة الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى ويؤخر الأكل غداة الأضحى إلى أن ~~يرجع من الصلاة، ويعجبني أن يكون تأخير الأكل أيضا إلى أن ينحر لقول الله ~~تبارك وتعالى: { فصل لربك وانحر } (¬4) فجمع بين الصلاة والنحر ولا أحب أن ~~يفرق (¬5) بينهما بأكل ولا بما يكون (¬6) من نحو هذا. # مسألة # ¬__________ # (¬1) - متفق عليه . # (¬2) - متفق عليه . # (¬3) - البقرة: 185 . # (¬4) - الكوثر: 2 . # (¬5) - في (ج) أفرق . # (¬6) - في (أ) و . PageV01P424 # ولا تجوز الصلاة إلا بفاتحة الكتاب للإمام والمأموم، والذي يوجد في جامع ~~محمد بن جعفر أن محمد بن محبوب كان لا يرى القراءة خلف الإمام، وروي أنه ~~رجع عن ذلك، وأما ما يوجد لبعض فقهائنا: أن جمرة تكون في فيه أحب إليه من ~~القراءة خلف الإمام، فهذا عندي إغفال من قائله والله أعلم. وهذا (¬1) مقارب ~~(¬2) قول العراقيين لأنا نذهب إلى تخطئة أبي حنيفة في هذا المعنى. فإن احتج ~~لمن اعتقد هذا القول محتج بأن الصلاة تصح له وأن يقرأ فيها بفاتحة الكتاب ~~لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كل صلاة لم يقرأ فيها ~~بفاتحة الكتاب فهي خداج) (¬3) والخداج هو النقصان، قال: فقد أثبتها رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم صلاة ناقصة وأنتم تبغون أن تكون هاهنا صلاة؛ قيل ~~له: قد نقل عنه ms316 صلى الله عليه وسلم خبران: أحدهما هذا الذي ذكرته، والآخر ~~قوله صلى الله عليه وسلم : (لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب) (¬4) فمن ~~استعمل الخبرين أولى ممن ألقى أحدهما، وقد نفى هذا الخبر أن تكون له صلاة ~~كما قال عليه الصلاة والسلام: (لا صلاة بغير طهور) (¬5) والخداج على ضربين، ~~ولعمري أن أصله النقصان كما ذكروا؛ فخداج ينتفع به وهو الذي يسمى أخدج إذا ~~كان في أطرافه نقصان، وخداج لا ينتفع به، كما يقال: خدجت الناقة إذا ألقت ~~جنينا ميتا، هكذا وجدت في كتب أهل اللغة، فهذا نقصان ولا ينتفع به؛ والخداج ~~الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي لا ينتفع به لأنه قد نفي أن ~~تكون له صلاة في الخبر الأول، وأيضا فإن العراقيين عندهم أن الإنسان إذا ~~صلى ولم يقرأ في صلاته بأم القرآن وقرأ آية من القرآن أن صلاته تامة غير ~~ناقصة، فلا تعلقوا بتأويلهم ولا تعلقوا بالخبرين والحمد لله. # مسألة # ¬__________ # (¬1) - في (ج) فهذا . # (¬2) - في (ب) و (ج) مقارب ، وفي (أ) مقابل . # (¬3) - متفق عليه وقد تقدم ذكره . # (¬4) - تقدم ذكره . # (¬5) - متفق عليه . PageV01P425 # أجمع أصحابنا فيما تناهى إلينا أن القهقهة في الصلاة تقطعها وتفسد ~~الطهارة، واختلفوا في القيء والرعاف في الصلاة، فقال بعضهم: إنه ينقض ~~الطهارة، والصلاة، وقال بعضهم: تنتقض الطهارة ولا تقطع الصلاة. والذي عندي ~~أنه حدث ينقض الطهارة ويقطع الصلاة كالقهقهة المتفق عليها، قال مالك: لأن ~~القهقهة لا تنقض الطهارة ولا الصلاة، وكذلك قوله في الرعاف، لأن من أصله أن ~~قطع الصلاة والطهارة لا يكون إلا من حدث متفق عليه، ثم ناقض، فقال: إذا دخل ~~المتيمم في الصلاة ثم وجد الماء انتقضت طهارته ولا تثبت الصلاة بغير طهارة ~~وهذا ليس بحدث مجتمع عليه، وله قول آخر (¬1) يضاد هذا القول وهو أن المتطهر ~~بالتيمم إذا تمت صلاته انتقضت طهارته. وهذا ليس بحدث مجتمع عليه إن كان ~~حدثا، وقد عاب أبو حنيفة على مالك إذ جوز الصلاة مع زوال الطهارة بالرعاف، ~~وقال: إن الصلاة لا تثبت مع ms317 زوال الطهارة بالرعاف، يقول: يذهب فيتوضأ ويرجع ~~يبني على ما كان قد صلى، فدخل فيما عاب على غيره، وقد كان ينبغي أن يمضي ~~على أصله ويوجب قطع الصلاة، لأن الحدث عنده يوجب قطع الصلاة كما قال في ~~القهقهة ورؤية الماء في الصلاة لمن كان متيمما، وعاب على مالك، وعند مالك ~~أن الرعاف ليس بحدث يقطع الصلاة فكان بالعيب أولى، والله نسأله الهداية ~~والتوفيق. ويلزم أبا حنيفة ومن قال بقوله أن يجبر التيمم إذا انتقضت طهارته ~~بوجوده الماء وهو في الصلاة أن يخرج يتوضأ ويبني، كما زعم أن الذي زالت ~~طهارته بالحدث يخرج ويتوضأ لا سيما وهو رجل يقول بالقياس، فتارة يزعم أن ~~خروجه من الصلاة بغير حدث يفسد الطهارة، وتارة يقول إن خروجه منها بحدث لا ~~يفسد الصلاة. وقال الشافعي: ورؤية الماء قبل الدخول في الصلاة ينقض طهارة ~~المتيمم، ورؤية الماء بعد الدخول في الصلاة لا ينقض الطهارة ولا الصلاة، ~~وعنده أنه رؤية الماء حدث ينقض الطهارة قبل الصلاة فلم (¬2) # ¬__________ # (¬1) - في (ب) أيضا . # (¬2) - في (أ) فلما. وفي (ج) فلو .. PageV01P426 # لا كان هذا الحدث ينقض الطهارة في الصلاة وهو حدث واحد؟. # باب في الزكاة # اختلف أصحابنا في رجل سلم زكاة ماله إلى رجل من العوام، يؤديها عنه إلى ~~أهلها وهو عنده ثقة فضيع الزكاة قبل أن تصل إلى الفقراء، فقال بعضهم: إذا ~~أخرجها إلى ثقة وقبضها منه فقد زال عنه ضمانها قبل أن تصل إلى الفقراء، ~~فضياعها بعد ذلك لا يوجب عليه الضمان، قالوا: كرجل دفع زكاة ماله إلى ~~الساعي والقابض للزكاة بأمر الإمام، ثم تضيع قبل أن تصل (¬1) إلى الإمام ~~فلا ضمان على من أخذت منه الزكاة، وهذا اتفاق في صاحب الإمام. وقال آخرون: ~~إذا دفعها إلى صاحب الإمام فتلفت فلا ضمان على أحدهما، وإذا دفعها إلى ثقة ~~عنده فتلفت قبل أن تصل إلى الفقراء، فعلى المرسل بها الضمان لأنه دفعها إلى ~~أمين له فكأنها فقدت (¬2) في يده، وهذا القول أشبه وأقرب إلى النفس، وذلك ~~أنه دفعها إلى ثقة ms318 فهو وكيل له في قضاء ما عليه فلا يزول عنه ما عليه من حق ~~إلا أن يؤديه هو عن نفسه، أو يؤديه عنه وكيله، والإمام هو وكيل الفقراء في ~~قبض حقهم من الزكاة، فإذا تلفت من يده أو يد رسوله الذي قبض هو قبضه فقد ~~زال الضمان عن المزكي، لأن قبض الوكيل والموكل سواء، فإن قال: فإن دفعها ~~إلى جبار أو فاسق من الرعية هل يبرأ من ضمانها علمت أنها صارت إليهم أو لم ~~تصر إليهم؟ قيل له: إن كان جعلهم رسلا له بها إلى الفقراء فعلم أنهم (¬3) ~~قد أدوها عنه فقد زال الضمان عنه. وإن لم يعلم فالضمان باق عليه؛ فإن قال ~~قائل: فإن وثب عليها جبار فأخذها بغير رأي صاحبها، ولا بطيب من نفسه فدفعها ~~إلى الفقراء بحضرته وهو يرى ذلك، هل يبرأ من ضمانها؟ قيل له: لا يبرأ ولا ~~يزول عنه الضمان. # ¬__________ # (¬1) - في (ب) و (ج) يؤصلها . # (¬2) - في (أ) أبعد ، وفي (ج) بعد . # (¬3) - غير موجودة في (ب) . PageV01P427 # فإن قال قائل: ولم لم يزل عنه الضمان وقد زالت وصارت إلى الفقراء؟ قيل ~~له: لما وثب عليها الجبار فأخذها متعديا على أخذها منه كان عليه ضمانها ~~لصاحبها، فلا يجوز أن تكون لصاحبها ضمانها والفرض زائل عنه، فإن قال: فهل ~~للفقراء أخذ الزكاة المؤخذة من غير أن يدفعها إليهم المزكي؟ قيل له: لا؛ ~~فإن قال: أو أليس هي لهم؟ قيل له: هي للفقراء، وليست لقوم منهم دون بعض، ~~ولا هي من المال شيء معلوم دون غيره، وإنما يزول فرضها عن صاحبها بأن يقصد ~~إلى إخراجها. فإن قال: فإن كان بيننا فقراء قد أضر بهم الجوع والبرد ولم ~~يكن على أحد منا زكاة، هل يلزمنا لهم غير الزكاة، وإن نحن تركناهم هل نحن ~~آثمون بذلك؟ قيل له: الواجب عليكم أن تواسوهم من أموالكم إن لم تكن عليكم ~~زكاة تدفعوا عنهم الضرر الذي بهم وإلا كنتم آثمين. وكذلك إذا كان أحد منهم ~~متجردا متكشفا وليس عليه ما يستر به ويصلي فيه، ms319 ولم يكن هناك ثوب يواريه، ~~فيجب على المسلمين ستره ودفع ما يصلي فيه وإلا كانوا آثمين، فإن قال: ولم ~~أوجبتم على الناس غير الزكاة للفقراء؟ قيل له: إن الله جل ذكره أوجب على ~~الناس حقوقا غير الزكاة بقوله: { ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق ~~والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين ~~وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين ~~وفي الرقاب، وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا ~~والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم ~~المتقون } (¬1) يعني أنهم اتقوا النار، والنار إنما تتقى بأداء الفرائض ~~فهذا يدل على وجوب أشياء في الأموال غير الزكاة. وفي السنة عن الرسول عليه ~~الصلاة والسلام أنه قال: (ليس بمؤمن من بات شبعان وجاره طاو) (¬2) # ¬__________ # (¬1) - البقرة: 177 . # (¬2) - رواه مسلم وأحمد وأبو داود .. PageV01P428 # فهذا يدل على أن المسلمين لا يتركون الفقراء بسوء الحال وهم يقدرون على ~~تغيير حالهم من غير المفروض، لأن الفرض له وقت يعرف، وسوء حال الفقراء ~~أوقاته مختلفة لا تعرف. # مسألة # الزكاة تجب في مال كل مسلم بالغا كان أو غير بالغ، مغلوبا على عقله أو ~~عاقلا، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (أمرت أن آخذ الصدقة من ~~أغنيائكم وأردها على فقرائكم) (¬1) ، وأطفال المسلمين ومجانينهم داخلون في ~~حكمهم. فإن قال قائل: إن الخطاب لا يقع إلا على عاقل بالغ فكيف تكون الزكاة ~~واجبة على من لا تلحقه المخاطبة؟ قيل له: إن الزكاة فيها معنيان: أحدهما حق ~~يجب على الأغنياء فمن زال عنه (¬2) الخطاب من الأغنياء لم يكن زوال الفرض ~~عنه مبطلا لما وجب في ماله، فإن قال: فقد قال الله تعالى: { خذ من أموالهم ~~صدقة تطرهم وتزكيهم بها } (¬3) ، والطفل لا يطهره أخذ ماله، قيل له: هذا ~~شيء لا يوصل إلى علمه، قد يجوز أن ينفع الله الطفل إذا بلغ بما أخرج الإمام ~~والوصي والمتولي له من ماله قبل بلوغه، الدليل على ذلك ما روي (أن امرأة ~~أخذت بعضد صبي ms320 ورفعته إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، قالت: يا رسول الله ~~ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر) (¬4) وبعد فإنا لم نقل إن الزكاة كلها أوجبت ~~(¬5) بآية واحدة فتحمل (¬6) الخلق على حكمها، قال الله جل ذكره: { وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة } (¬7) فلا يدخل في هذا الخطاب إلا عاقل بالغ، وقال: { ~~خذ من أموالهم صدقة تطرهم وتزكيهم بها } (¬8) فلا يدخل في هذه الآية إلا من ~~تكون الزكاة طهارة له، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (أمرت أن آخذها ~~من أغنيائكم) (¬9) # ¬__________ # (¬1) متفق عليه . # (¬2) في (ب) منه . # (¬3) التوبة: 103 . # (¬4) البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود . # (¬5) في (ج) وجبت . # (¬6) في (ب) و (ج) فيحمل . # (¬7) البقرة: 43 83 110، النور: 56 ، المزمل: 20. # (¬8) التوبة: 103 . # (¬9) تقدم ذكره .. PageV01P429 # فكل من وقع عليه اسم الغني من المسلمين صغيرا كان أو كبيرا، عاقلا كان أو ~~مجنونا فالإمام مأمور بأخذ الزكاة من ماله، والمشرك لا يدخل في هذه الجملة ~~لأن الكاف والميم من قوله: أمرت أن آخذ الزكاة من أغنيائكم، راجعة على ~~المسلمين بذلك، على أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر معاذا أن يقول لهم ~~هذا بعد أن يقروا بأن لا إله إلا الله وأنه رسول الله، والله أعلم وبه ~~التوفيق. وأما من شبه الصلاة بالزكاة فغلط، لأن الصلاة عمل على البدن ليس ~~لأحد فيه حق، والزكاة دين لقوم في ماله يخرجها هو، ويخرجها غيره بأمره، ~~ويخرجها الإمام إلى أهلها إذا غاب أو منعها بغير رأيه، لأن الإمام حاكم ~~يحكم بما يثبت عنده من حق على الغائب والحاضر والممتنع، والله أعلم وبه ~~التوفيق. وقال بعض أصحابنا: من تصدق على فقير بصدقة فلا يرجع يشتريها منه ~~ويأكلها من عنده، وعندي (¬1) أنهم تأولوا ما روي أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال لعمر: (لا تعد في صدقتك) (¬2) فإن كانوا اعتمدوا على هذا الخبر ~~فعندي أنه غلط في التأويل، وذلك أن عمر حمل رجلا على فرس في سبيل الله ثم ~~وجدها بعد ذلك تباع في السوق فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يأخذها ms321 وقد كان أخرجها الله تعالى فمنعه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~ذلك وقال: (لا تعد في صدقتك) (¬3) ، وفي بعض الروايات أن هذا الخبر آخره: ~~(فإن الراجع في هبته كالكلب يقيء ثم يرجع فيه) والنظر يوجب عندي جواز ذلك ~~لأن الفقير قد ملك بالصدقة ما قد ملكه الغني، ولكل مالك ملكا أن له أن ~~يتصرف في ملكه. الدليل على ما قلنا إجماعهم على أن رجلا لو تصدق على فقير ~~ممن يرثه شيئا ثم رده الإرث إليه لجاز له وعاد في صدقته، وليس هذا هو ~~المعنى الذي ذهبوا إليه، والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) في (ب) وعنده . # (¬2) رواه أحمد . # (¬3) رواه أحمد . PageV01P430 # واختلفوا في حمل الشعير على البر في الصدقة، قال محمد بن محبوب: يحمل ~~أحدهما على الآخر لتتم به الصدقة ثم يخرج منها؛ وأما وائل بن أيوب فكان لا ~~يحمل الشعير على البر في الصدقة، ورآهما جنسين مختلفين وثمرتين متفاوتتين، ~~وخالفه في أيامه موسى بن أبي جابر ورأى أن أحدهما يحمل على الآخر وبالله ~~التوفيق. PageV01P431 # وكان محمد بن محبوب لا يجوز أخذ الذكر من البقر على الأنثى في الصدقة، ~~وقال: لم أسمع بجواز ذلك، ورأى جواز أخذ ابن لبون مكان ابنة مخاض من الإبل ~~في الصدقة، وهذا عنده سنة متفق عليها، فنزل القياس مع وجود السنة؛ واختلف ~~أصحابنا في زكاة المال إذا خفي مكانه فلم يعلم صاحبه أين دفنه، أو جهل ~~معرفة من كان استودعه إياه ثم وجده بعد سنين كثيرة، وقد كانت الزكاة تجري ~~فيه أو لم تكن الزكاة تجري فيه قبل ذلك، وهو نصاب تام أو أكثر من ذلك، ~~وكذلك قولهم في المال يكون في البحر يبعث به صاحبه للتجارة حتى يأتي عليه ~~زمان لا يرجوه صاحبه بعده (¬1) ، ثم يرجع إليه، وكذلك الدين (¬2) يكون على ~~مفلس لا يرجوه صاحبه أو على فقير أو على من جحده وحلف عليه (وما كان هذا ~~سبيله من الأموال التي لا ترجى ثم ترجع إلى أربابها بعد ذلك فقال بعضهم ~~(¬3) ): عليه زكاة سنة واحدة ولا ms322 زكاة عليه فيما مضى من السنين، وقال ~~بعضهم: عليه لكل سنة مضت زكاتها ولو كان في إخراجها استفراغ الجميع. وقال ~~آخرون: عليه زكاة كل (¬4) سنة خلت إلا مقدار الزكاة التي وجبت فيه لأنها حق ~~للفقراء فيه إلى أن يصير إلى حد النصاب ثم لا زكاة فيه بعد ذلك؛ والقول ~~الأول شيق إلى نفسي. وقد روي أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله ميمون بن ~~مهران لمظالم كانت في بيت المال أن يردها على أربابها، ويأخذ منها زكاة ~~عامها، فإن كان مالا ضمارا، والضمار من المال الذي لا يرجى، وقال أبو ~~عبيدة: إذا رجى فليس بضمار، وهذا الخبر المروي عن عمر يدل على أنه كان يرى ~~على المال الغائب الذي لا يرجى زكاة سنة واحدة إذا رجع إلى صاحبه، والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) - لا توجد في (ب) . # (¬2) - في (ب) الدين . # (¬3) - ناقصة من (ب) . # (¬4) - لا توجد في (ب) . PageV01P432 # واختلف أصحابنا في فضل الصدقة الواجبة وغير الواجبة، فقال بعضهم: الفضل ~~للمتصدق إذا أخفى صدقته ولم يعلن بإخراجها، واحتج من ذهب إلى هذا الرأي ~~بظاهر قول الله: { إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء ~~فهو خير لكم } (¬1) ؛ ومما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ~~عندما ذكر المتقربين إلى الله بالأعمال الصالحة: (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها ~~حتى لا تعلم شماله ما أعطت يمينه) (¬2) ، وروي عنه صلى الله عليه وسلم ~~أنه (نهى عن قسم الصدقة بحضرة الفقراء) (¬3) ، واحتج من قال بإبدائها ~~والإعلان بها أفضل، وكذلك سائر الطاعات أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى ~~عن الجذاذ في الليل، وأنه نهى عن الحصاد في الليل وهو الصرام، لأن الفقراء ~~كانوا يحضرون الثمار ليأخذوا الصدقة عند الجذاذ، فنهى عليه الصلاة والسلام ~~عن الجذاذ في الليل لئلا يخفى على الفقراء، وربما كان في ذلك فرار من ~~الصدقة؛ وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لبعض أصحابه: (ليس لك من ~~دنياك إلا ثلاث؛ ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو عملت فأبديت) (¬4) فرغب ~~النبي ms323 صلى الله عليه وسلم في إبداء العمل الصالح إذ لم يقل فأخفيت، ~~ولعمري إن العمل إذا قرنه عامله بالنية والاحتراز من سوء ظنهم به ولئلا ~~يستأثم الناس في نفسه لئلا تؤثر علامته في الإنسان بما يبدو منه، والمسلمون ~~شهود الله على عباده، وهذا الرأي أشيق إلى نفسي إذا كان الفاعل قصده في ~~فعله ما ذكرناه، والله أعلم. # مسألة # ¬__________ # (¬1) - البقرة: 271 . # (¬2) - رواه البخاري ومسلم وأبو داود من حديث: (سبعة يظلهم الله تعالى ~~يوم القيامة، يوم لا ظل إلا ظله ... الحديث) . # (¬3) - رواه أبو داود . # (¬4) - رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي . PageV01P433 # فرض الزكاة ثلاث خصال: استكمال النصاب، واستقرار الملك، واستكمال الحول، ~~والحجة في استكمال النصاب قول النبي صلى الله عليه وسلم : (ليس فيما دون ~~خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمس أواق صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق صدقة، ~~وليس فيما دون عشرين دينارا صدقة، وليس فيما دون مائتي درهم صدقة) (¬1) ، ~~والحجة في استكمال الحول قوله عليه الصلاة والسلام: (ليس في مال زكاة حتى ~~يحول عليه الحول) (¬2) ، وقوله لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: (انتظر ~~بأرباب الأموال حولا ثم خذ منهم ما أمرتك به) (¬3) . # مسألة # ¬__________ # (¬1) - متفق عليه . # (¬2) - متفق عليه . # (¬3) - متفق عليه . PageV01P434 # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن المسألة لا تحل إلا ~~لثلاثة، إلا لرجل تحمل بحمالة بين قوم، ورجل أصابته جائحة فاجتاحت ماله ~~فليسأل حتى يصيب سدادا من عيش أو قواما من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يشهد ~~له ثلاثة (¬1) من أهل الحجى من قومه أنه قد أصابته فاقة وأنه قد حلت له ~~المسألة، وما سوى ذلك من المسائل سحت) (¬2) ؛ والفاقة: الفقر، والسداد: كل ~~شيء سددت به حالا فهو سداد بكسر السين، ولذلك سمي سداد القارورة وهو صمامها ~~لأنه يسد رأسها، وأما السداد بفتح السين فإنه الإصابة في المنطق، يقال: إنه ~~لذو سداد في منطقه وتدبيره، وهذا خبر يدل على التشديد في المسألة لأنه قد ~~حصر المسألة بهذا الخبر، ورخص لهؤلاء الثلاثة. ومن طريق عمر (¬3) عن ms324 النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا تحل المسألة إلا من فقر مدقع، أو غرم ~~مفظع أو دم موجع) (¬4) ومعنى الخبرين واحد إلا أن الألفاظ مختلفة، والله ~~أعلم. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من سأل الناس عن ظهر ~~غنى جاءت مسألته يوم القيامة خدوشا أو خموشا أو جدوعا في وجهه، قيل: يا ~~رسول الله ما غناه؟ قال: خمسون درهما أو عدلها من الذهب) (¬5) وفي حديث آخر ~~عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من سأل الناس ومعه أوقية فقد سأل الناس ~~إلحافا) (¬6) ، وروي عن الحسن البصري أنه قال: (لا يعطى من الزكاة متأثل ~~مالا، والمتأثل الجامع) (¬7) ، ولم يجد في المقدار حدا، والله أعلم. # مسألة # ¬__________ # (¬1) - ساقطة من (ج) . # (¬2) - رواه مسلم وأحمد . # (¬3) - في (ب) ابن عمر . # (¬4) - رواه مسلم وأبو داود وأحمد . # (¬5) - رواه البيهقي وأبو داود . # (¬6) - متفق عليه . # (¬7) - رواه أحمد . PageV01P435 # اختلف أصحابنا قي العوامل من الإبل والبقر وما اقتني في البيوت من الغنم، ~~فقال بعضهم: الزكاة في جميع ذلك إذا بلغ كل جنس منها نصابا لعموم قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم (في أربعين شاة شاة، وفي خمس من الإبل شاة) (¬1) ، ولم ~~يوجب بعضهم الزكاة في العوامل لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (في سائمة ~~الغنم الزكاة وفي خمس من الإبل سائمة زكاة شاة) (¬2) ، وهذا يوجب صحة ~~الرواية، قال: (ليس في القتوبة صدقة ولا في الإبل الجارة صدقة) (¬3) ~~والقتوبة التي على ظهرها الاقتاب، والجارة التي تجر بأزمتها؛ وعندي والله ~~أعلم أن ذكر السائمة تسقط الزكاة في غير السائمة لأن أحد الخبرين فيه بيان ~~غير الآخر، وأحد الخبرين أسقط فيه الراوي زيادة لفظة لم يحفظها الآخر، ولا ~~يوجب إسقاط الزيادة لأن فيها معنى ليس في الخبر الآخر، وهكذا يعمل في سائر ~~الأخبار نحو هذا، وروي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ~~(إذا لم يجد المحرم النعلين فليلبس الخفين) (¬4) ، وروي من طريق ابن عمر عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (فليقطعهما أسفل ms325 من الكعبين) (¬5) ~~وكان الخبران يرجعان إلى خبر واحد لأنه بيان عما يلبس المحرم عند عدم ~~النعلين. ومن أوجب في العوامل الزكاة فلابد من ترك أحد الخبرين، فإن قال ~~قائل: فإن زمان النبي صلى الله عليه وسلم كان يعطي الناس عن السواني فخرج ~~كلام النبي صلى الله عليه وسلم على ما يعرفونه بينهم. # ¬__________ # (¬1) - متفق عليه . # (¬2) - متفق عليه . # (¬3) - رواه مسلم وأحمد . # (¬4) - رواه وأبو داود . # (¬5) - رواه مسلم . PageV01P436 # قيل له: لو كان هذا لازما كان عليك مثله فيما قال صلى الله عليه وسلم ~~على كل حر وعبد من المسلمين، إن هذا الشرط دخوله وخروجه سواء، فخرج كلام ~~النبي صلى الله عليه وسلم على ما يتعارفونه، لأن أكثر عبيد أهل المدينة ~~كانوا يومئذ في زمان النبي صلى الله عليه وسلم مسلمين، فيجب أن يكون (¬1) ~~في المشركين من العبيد الزكاة، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ~~قال: (عفي لكم عن صدقة الخيل) (¬2) ، فقال قوم: هذا عموم، وقال آخرون: إذا ~~لم يكن للتجارة ومن باع ماشيته قبل الحول لا يكون فرارا عن الزكاة، كما أن ~~الممتنع من الجماع لا زال يجب عليه الغسل لا يوجب في ذلك فرارا من العبادة ~~التي هي الغسل. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كتب لوائل ابن حجر ~~الحضرمي ولقومه: (من محمد رسول الله إلى الاقيال (¬3) العباهلة من أهل حضر ~~موت بإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وعلى التبيعة شاة، واليتيمة لصاحبها، وفي ~~السيوب الخمس، لا خلاط ولا وراط، ولا شناق ولا شغار، ومن أجبى فقد أربى، ~~وكل مسكر حرام). # تفسير ذلك على ما تناهى إلينا، والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) - في (ج) يجب . # (¬2) - متفق عليه . # (¬3) - في (ج) القيال. رواه مسلم وأحمد والترمذي وابن ماجه . PageV01P437 # الأقيال ملوك اليمن دون الملك الأعظم، واحدهم قيل أن يكون ملكا على قومه ~~ومخالفه ومحجره، والعباهلة الذين أقروا على ملكهم لا يزالون عنه. وقوله ~~عليه الصلاة والسلام: وعلى التبعية شاة، والتبعية أربعون من الغنم، ~~واليتيمة يقال إنها الزيادة على الأربعين حتى يبلغ الفريضة الأخرى، ويقال ~~أيضا: ms326 إنها شاة تكون لصاحبها في منزله يحلبها وليست بسائمة، وتسمى أيضا ~~جمعهن (¬1) الربايب، وقد قال بعض الفقهاء: ليس في الربايب صدقة وربما احتاج ~~صاحبها إلى لحمها فذبحها، فيقال عند ذلك أتام الرجل وأتامت المرأة، والسيوب ~~الركاز، قال أبو عبيدة: ولا أراه أخذ إلا من السيب وهو العطية، يقال: هو ~~سيب الله وعطاؤه. وأما قوله: الأخلاط والأوراط، فإنه يكون بين المشتركين ~~عشرون ومائة شاة لأحدهما ثمانون، والآخر أربعون وهي مشاعة بينهما غير ~~مقسومة فإذا أتى المتصدق وأخذ منها شاتين رد صاحب الأربعين ثلث شاة فتكون ~~عليه شاة وثلث، وعلى الآخر ثلثا شاة، وإن أخذ المتصدق من العشرين ومائة ~~شاة، شاة واحدة، رد صاحب الثمانين على صاحب الأربعين ثلث شاة، فتكون على ~~صاحب الثمانين ثلثا شاة، وعلى الآخر الثلث. وإنما أوجب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم في العشرين ومائة شاة، شاة واحدة، فهذا في الخليط والمشاع، لأن ~~ظاهر السنة تدل على ذلك وهو معنى الإختلاط، وفي رواية أخرى عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم ما يدل على هذا وهو قوله عليه الصلاة والسلام: (وما كان ~~بين خليطين فإنهما يترادان بالسوية) (¬2) ، والأوراط مثل قوله: ولا يجمع ~~بين متفرق (¬3) ولا يفرق بين مجتمع، وقوله عليه الصلاة والسلام: لا شناق، ~~فإن الشنق ما بين الفريضتين وهو ما زاد من الإبل على الخمس إلى العشرة، وما ~~زاد على العشرة إلى الخمسة عشر، يقول: لا يؤخذ من ذلك شيء. # ¬__________ # (¬1) - - في (ج) أجمعهن . # (¬2) - رواه الدار قطني وابن حبان . # (¬3) - في (ج) مفترق . PageV01P438 # وقوله عليه الصلاة والسلام: من أجبى فقد أربى، إلا جبا بيع الحرث قبل أن ~~يبدو (¬1) صلاحه، وفي الخليطين اختلاف بين أهل العراق وبين أهل الحجاز، قال ~~أهل العراق: إذا كان أربعون شاة بين رجلين مع راع واحد مشاعة أو غير مشاعة، ~~فلا يؤخذ منها شيء حتى يكون لكل واحد منهما أربعون شاة، وأهل الحجاز ~~يعتبرون الراعي ولا يعتبرون الملك. # وقد كان هذا قول مالك بن أنس لا يوجب الصدقة إلا بعد أن يملك كل واحد ms327 ~~أربعين شاة فصاعدا (¬2) ، وهو قول أبي بكر الموصلي فيما أظن، والله أعلم. ~~وقال أبو عمرو الوقصي: ما بين الفريضتين، وكذلك الشنق وجمعه أوقاص وأشناق، ~~وبعض الفقهاء يجعل الأوقاص في البقر خاصة، والأشناق في الإبل خاصة، وهما ~~جميعا ما بين الفريضتين. # مسألة # ¬__________ # (¬1) - في (ج) بدو . # (¬2) - في (ج) ترك مكانها بياضا . PageV01P439 # والزكاة تجب في مال كل امرئ مسلم بالغ كان أو غير بالغ، مغلوب على عقله ~~أو عاقل، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (أمرت أن آخذها من أغنيائكم ~~وأردها على فقرائكم) (¬1) وأطفال المسلمين ومجانينهم داخلون في حكمهم، فإن ~~قال قائل: إن الخطاب لا يقع إلا على عاقل فكيف تكون الزكاة واجبة على من لم ~~تلحقه المخاطبة؟ قيل له: إن الزكاة فيها معنيان: أحدهما حق يجب للفقراء، ~~والآخر حق يجب على الأغنياء، فمن زال عنه الخطاب من الأغنياء لم يكن زوال ~~الفرض مبطلا لما وجب لغيره في ماله. فإن قال: فقد قال جل ذكره: { خذ من ~~أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها } (¬2) والطفل لا تكون له طهارة في أخذ ~~ماله، قيل له: هذا شيء لا يوصل إلى علمه، ويجوز أن ينفع الله الطفل إذا بلغ ~~بما أخرج من ماله قبل بلوغه. وقد روي أن امرأة رفعت صبيا عندها بعضده إلى ~~النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: (يا رسول الله: ألهذا حج؟ قال: نعم ولك ~~الأجر) (¬3) . ولعل محمد بن محبوب ذهب إلى جواز حج الصبي والعبد بهذا ~~الخبر، والله أعلم بقوله صلى الله عليه وسلم : (أمرت أن آخذها من ~~أغنيائكم) (¬4) فكل من وقع عليه اسم غني من المسلمين صغيرا كان أو كبيرا، ~~مجنونا كان أو عاقلا، فالإمام مأمور بأخذ الزكاة من ماله، والنظر يوجب عندي ~~أن من أوجب الزكاة المفروضة لأهل الذمة ولأهل الحرب إذا غاب من (¬5) # ¬__________ # (¬1) - تقدم ذكره . # (¬2) - التوبة: 103 . # (¬3) - رواه البخاري ومسلم . # (¬4) - تقدم ذكره . # (¬5) - في (ب) و (ج) عن .. PageV01P440 # بلدان المسلمين، وكان في دراهم قد غلط في تأويل السنة؛ لأن قول النبي ~~صلى الله عليه وسلم : (أمرت أن آخذها من ms328 أغنيائكم) لم يدخل في هذا القول ~~أهل الكفر بالله، لأن الكاف والميم من قوله: أمرت أن آخذها من أغنيائكم، ~~راجعان على المسلمين، وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر معاذا لما ~~بعثه إلى اليمن أن يقول لهم ذلك بعد أن يقروا بالإسلام، وكان عمر بن الخطاب ~~وعلي بن أبي طالب وعائشة وابن عمرو الشعبي وعطاء والشافعي وداود ومالك ~~يوجبون الزكاة في مال اليتيم؛ وأما ابن عباس وغيره من الصحابة فالرواية ~~عنهم وعنه أنهم قالوا: لا تجب الزكاة في مال اليتيم حتى تجب عليه الصلاة؛ ~~وأما أبو حنيفة فلم يوجب في مال اليتيم زكاة وأوجب عليه زكاة رمضان، ~~والزكاة في اللغة مأخوذ من الزكا وهو النماء والزيادة، سميت بذلك أنها تنمي ~~المال، ومنه يقال: زكا الزرع وزكت البقعة إذا بورك فيها. ومنه قول الله ~~تعالى: { أقتلت نفسا زكية بغير نفس } (¬1) أي نامية وزائدة. ومنه تزكية ~~القاضي للشهود، لأنه رفعهم بالتعديل والذكر الجميل، يقال: فلان أزكى من ~~فلان أي أظهر، ثم قيل: زكاة الفطرة، والفطرة الخلقة في هذا الموضع، ومنه ~~قول الله تعالى: { فطرة الله التي فطر الناس عليها } (¬2) أي الخلقة الجبلة ~~التي جبل الناس عليها؛ واختلف أصحابنا في السلت المذكور مع الحبوب التي ~~فيها الزكاة فقال بعضهم: هو اسم لجميع الحبوب، وقال بعضهم: هو الشعير ~~الأقشر، والذي سمعت أنه ضرب من الشعير صغير الحب ليس عليه قشر والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) - الكهف: 74 . # (¬2) - الروم: 30 . PageV01P441 # وكان سعد بن أبي وقاص فيما بلغنا في الحديث يكره بيع السلت بالبر لأنهما ~~في جنس واحد عنده ؛ اختلف أصحابنا فى الثمار إذا تداركت فى وقت واحد نحو ~~البر والشعير أن أحد الجنسين يحمل على الآخر لتتم به الزكاة، وهو قول أبي ~~عبد الله ومحمد بن محبوب رحمه الله، وقال غيره من فقهائنا: لا يحمل أحدهما ~~على الآخر، إنما تجب زكاة كل واحد منهما في عينه، فإن حصل ثلاثمائة صاع من ~~كل جنس (¬1) بصاع النبي صلى الله عليه وسلم خرج الزكاة منه، وإن حصل من ~~الجنسين ms329 ثلاثمائة صاع لم تجب في واحد منهما، ولا أكثر زكاة حتى يحصل من ~~واحد ثلاثمائة صاع فصاعدا، ووجه قول محمد بن محبوب أنه يخرج على ما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة) (¬2) . ~~والوسق يشتمل على جملة الكيل، سواء كان من جنس واحد أو من أجناس مختلفة، ~~وأيضا فإنها كما كانت زكاة واحدة ووقتها واحد، كانت كالدراهم (¬3) ~~والدنانير يحمل بعضها على بعض، وكذلك المكيل، والله أعلم. وأما الرقة التي ~~أوجب النبي صلى الله عليه وسلم فيها الزكاة بقوله عليه الصلاة والسلام: ~~(وفي الرقة ربع العشر) (¬4) وهو الفضة مضروبة كانت أو مكسرة، والفضة ~~المكسرة لا تسمى ورقا حتى تكون مضروبة، فإذا صارت دراهم مضروبة سميت ورقا، ~~وفي الرواية (أن رجلا من الصحابة قطع أنفه في بعض الوقائع فصاغ أنفا من ورق ~~فأنتن عليه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ أنفا من ذهب) (¬5) ، ~~والله أعلم بصحة الخبر، وأما الفضة فهو الرقة مضروبة هكذا تعرف في اللغة. # ¬__________ # (¬1) - في (ج) حين . # (¬2) - تقدم ذكره . # (¬3) - في (ج) الدراهم . # (¬4) - متفق عليه . # (¬5) - رواه ابن هشام ومحمد بن جعفر . PageV01P442 # واختلف أصحابنا في العوامل أو غير العوامل من الإبل والبقر، والسائمة ~~وغير السائمة من الغنم، هل تجوز؟ لعله تجب الزكاة في جميعه أو في بعضه؟ ~~فقال بعضهم: لا تجب الزكاة إلا في السائمة وهي التي ترعى، وقال بعضهم: إذا ~~كان في عملها الزكاة فلا زكاة فيها، وإن لم تجب فيما تعمل الزكاة ففيها ~~الزكاة إذا كان عددا تجب في مثله الزكاة، وقال آخرون: تجب الزكاة في ~~العوامل وغير العوامل مما تكون في عمله الزكاة إذا كانت سائمة، لا فرق عند ~~هؤلاء في ذلك، وتعلقوا بظاهر الخبر وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم : ~~(في خمس من الإبل شاة وفي خمس من البقر شاة. وفي الأربعين شاة، شاة) (¬1) ، ~~وهذا يحتمل أن يكون المراد به ما وقع عليه الاسم وما حمل في التأويل ~~والتخصيص؛ والنظر عندي يوجب أن الزكاة واجبة فيما ms330 وقع عليه الاجماع من وجوب ~~الزكاة في السائمة، فأما ما اقتني واستعمل فلا أرى الزكاة فيه واجبة والله ~~أعلم. لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لم يوجب في الكسعة صدقة، ~~والكسعة هي العوامل من الإبل والبقر والحمير، وإنما سميت كسعة لأنها تكسع ~~أي تضرب، والكسع أن يضرب الضرب الضرع باليد بعد أن ينضح بالماء البارد ~~ليصعد اللبن. وفي الحديث أيضا عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا صدقة ~~في الإبل الجارة) (¬2) والجارة التي تجر بأزمتها، والله أعلم. وسميت جارة ~~في معنى مجرورة، كما يقال: سر كاتم، وأرض غامر، إذا غمرها الماء مفعولة في ~~معنى فاعلة. وروي أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله (ليس في الإبل ~~العوامل، ولا في الإبل القطار، ولا في القتوبة صدقة) (¬3) والقتوبة التي ~~يوضع الاقتاب على ظهرها، كما يقال: ركوبة القوم، وحمولتهم، وإنما أراد ~~الصدقة في السوائم، وهي التي ترعى والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) - تقدم ذكره . # (¬2) - رواه أبو داود . # (¬3) - رواه مسلم وأحمد . PageV01P443 # وأما ما أوجبه النبي صلى الله عليه وسلم وجاءت به الرواية عنه عليه ~~الصلاة والسلام أنه قال: (وفي الركاز الخمس) (¬1) قال أصحابنا: الركاز كنوز ~~الجاهلية، ووافقهم على ذلك أهل الحجاز. وأما أهل العراق عندهم أنه المعادن، ~~والقول عندي ما قاله أصحابنا، لأن اسم الركاز مأخوذ من أركز الرمح فأثبت ~~أصله، فطريقة أصحابنا ومن وافقهم أهدى من طريقة من خالفهم في هذا وفي غيره، ~~والله أعلم. # مسألة # ¬__________ # (¬1) - متفق عليه . PageV01P444 # والصدقة في الإبل واجبة إذا بلغت نصابا، سائمة كانت أو غير سائمة، ~~والنصاب هو الذي يلزم به أول الفرض، لما روي عن علي بن أبي طالب (نسخة) عن ~~عمر بن الخطاب، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وفي الغنم في الأربعين ~~شاة، شاة، فإن لم يكن إلا تسعة وثلاثين فليس فيها شيء) (¬1) ، وروت عائشة ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (في الأربعين شاة،شاة) (¬2) ولم يخص ~~سائمة من غيرها، فالمسقط للصدقة من غير السائمة محتاج إلى دليل، وذكر ~~السائمة في ms331 الرواية لا ينفي وجوب الصدقة في غير السائمة، لأن الأخذ ~~بالخبرين بما فيهما من الزيادة أولى من إسقاط أحدهما. وأجمع الناس على وجوب ~~الصدقة في الجواميس وإلحاقها بالبقر في حكم الصدقة، واسم البقر واقع عليها، ~~ومحمولة على البقر، كالضأن والمعز محمول أحدهما على الآخر، ولا يؤخذ من ~~الغنم في الصدقة الهرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس الغنم إلا أن يشاء المتصدق ~~(¬3) ، بذلك جاءت الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم وقال: (ليس فيما ~~دون خمس ذود صدقة، وليس فيما دون خمسة أواق صدقة، وليس فيما دون الخمسة ~~أوسق صدقة) (¬4) ، والذود خمس من الإبل، والأوقية أربعون درهما، والوسق ~~ستون صاعا، ولولا الإجماع لوجب أن تكون الصدقة في كل ما وقع عليه اسم ذهب ~~أو فضة، وفي الرقة ربع العشر ليس في ظاهره ما يدل على أن لا صدقة فيما دون ~~عشرين مثقالا ذهبا، ولا فيما دون مائتي درهم، وقد قال تبارك وتعالى: ~~(والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) (¬5) # ¬__________ # (¬1) متفق عليه . # (¬2) تقدم ذكره . # (¬3) في (أ) و (ج) والمصدق، ومعناها: أخذ المصدقات، والمتصدق: معظيها، ~~هكذا في مختار القاموس . # (¬4) تقدم ذكره . # (¬5) التوبة: 34 .. PageV01P445 # فظاهر الكتاب يوجب الإنفاق منهما أو انفاقهما، وقول النبي صلى الله عليه ~~وسل : ( وفي الرقة ربع العشر) (¬1) بيان للمقدار الذي يجب أن يخرج منه . # باب في زكاة الفائدة (¬2) # ¬__________ # (¬1) ساقطة من (أ ، ج) ، في (ب) والفضة .ب # (¬2) ليس المقصود بالفائدة معنى الربا الشائع في أيامنا، بل المال ~~المستفاد خلال العام والزائد عن النصاب . أه مصححة . PageV01P446 # ثم أجمعت الأمة على بيان ثان أنه لا يجب أن يخرج ربع العشر من هذا المال ~~حتى يكمل المقدار الذي أجمعوا عليه، وهو عشرون مثقالا، أو مئتا درهم، ~~والفائدة في الذهب والفضة والماشية لا زكاة فيها حتى يحول عليها الحول، وقد ~~رفع الشيخ أبو مالك رضي الله عنه عن أبي محمد بن عبد الله ابن محمد بن ~~محبوب رحمهم الله أنه قال (¬1) : كان رأي أبي محمد؛ وذكره على وجه ms332 الحكاية ~~لمذهب مالك. والنظر يوجب عندي الأخذ بهذا القول لما روي عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: (لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول) (¬2) والفائدة ~~مال مخاطب صاحبها فيها يوجب الزكاة كخطابه في النصاب، والموجب في الفائدة ~~الزكاة بعد شهره عند حلول الزكاة محتاج إلى دليل. وقال أصحابنا: تجب الزكاة ~~في الفائدة مع الأصل عند حلول الزكاة في الأصل، ولا يعتبرون في الفائدة ~~وقتا غير وقت النصاب وبالله التوفيق. ولا تجب الزكاة إلا على المخاطب (¬3) ~~بها من أهل الإسلام لقول النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى ~~اليمن فقال له: (إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فادعهم إلى شهادة أن لا إله ~~إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن هم أجابوك فأعلمهم أن الله افترض عليهم ~~زكاة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم) (¬4) فبين النبي صلى ~~الله عليه وسلم بها أن الزكاة إنما خوطب بها من استحق اسم الإيمان، ~~والزكاة واجبة في مال اليتيم لما روي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر ~~وعائشة. # ¬__________ # (¬1) - في (ب) أنه قال: ليس في الفائدة زكاة حتى يحول عليها الحول ، وأن ~~هذا قول مالك بن أنس المدني وقد شككت أنه قال . # (¬2) - متفق عليه . # (¬3) - في (ج) نسخة مخاطب . # (¬4) - تقدم ذكره . PageV01P447 # واختلفت الرواية عن علي بن أبي طالب في ذلك إنهم قالوا: إن الزكاة في مال ~~اليتيم واجبة، فإن قال قائل: فإن الزكاة خوطب بها من خوطب بالصلاة فلا تجب ~~إلا على من تجب عليه الصلاة، واليتيم لا صلاة عليه. فكذلك ما أنكرتم إلا ~~تجب الزكاة عليه، يقال له: لما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (أمرت أن ~~آخذها من أغنيائكم وأردها إلى فقرائكم) (¬1) فكان فيمن يرجع إليه الصغار ~~والكبار. وكذلك يجب أن تؤخذ من الأغنياء صغارا كانوا أو كبارا. ويدل على ~~ذلك ما روي أن عائشة كانت تخرج من (¬2) أموال أولاد أخيها بحق ولايتها ~~عليهم، وأجمع الناس على جواز إخراج البدل عما يجب من الزكاة. واختلفوا ms333 في ~~دفع القيمة عن الواجب. واختلف أصحابنا في الشريكين إذا ملكا أربعين شاة ~~وحال عليها الحول، فقال أكثرهم: فيها الزكاة، وكذلك قالوا في الخليطين إذا ~~كان كل واحد منهما عارفا بحصته من حصة صاحبه أن عليهما الزكاة إذا بلغت ~~غنمهما أربعين شاة, وأن الصدقة تؤخذ من الجملة ويترادان الفضل فيما بينهما. ~~وقال أبو بكر الموصلي: لا تجب الزكاة على واحد منهما حتى يملك أربعين شاة، ~~كانت الشركة خلطة أو مشاعة، هكذا حفظت عن الشيخ أبي مالك رحمه الله، والقول ~~الأول هو الأكثر وعليه العمل، وظاهر السنة تؤيده وتشهد بصحته، قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم : (في أربعين شاة شاة) (¬3) ولم يخص بوجوبها شركة ولا ~~منفردة (¬4) بملكها وقوله صلى الله عليه وسلم : (وما كان من خليطين ~~يترادان الفضل بينهما بالسوية) (¬5) يدل على ذلك. وليس في الحوائط المحبسة ~~على الفقراء زكاة؛ لأنها لا ملك عليها معين من الناس (¬6) . # ¬__________ # (¬1) - متفق عليه . # (¬2) - في (ج) : عن . # (¬3) - متفق عليه . # (¬4) - في (ج) : منفردا . # (¬5) - رواه مسلم وأبو داود والترمذي . # (¬6) - في (ب ، ج ) : في . PageV01P448 # وفي ثمار الأرضين المملوكة العشر إذا شربت بالسماء والعيون، وفيما سقي ~~بالنواضح والسواقي ففيه نصف العشر بما روي عن (¬1) سالم بن عبد الله بن عمر ~~أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فيما سقت السماء والعيون أو كان بعلا ~~العشر، وفيما سقي بالنواضح والسواقي نصف العشر) (¬2) والثمار إذا هلكت قبل ~~الكيل، وكانت مجموعة وقبل أن تجتمع أمه لا زكاة فيها. وإن كيلت ولم تكن ~~بالحضرة من الفقراء ومن يستحق قبض الزكاة منها فلا زكاة على أربابها، وإن ~~لم يكن منهم تفريط في تأخير الزكاة. والنظر يوجب عندي أن لا زكاة عليهم؛ ~~لأنهم أمناء لشركائهم من الفقراء ولا ضمان عليهم إلا بالتعدي فيها بخيانة ~~تكون منهم بمنع أو تأخير، وليس في زراعة أهل الذمة ولا في ثمارهم صدقة، ~~وإنما الصدقة على أغنياء المسلمين، وإنما يؤخذ منهم ما وافقوا عليه من ~~العهد بينهم وبين المسلمين، والأرض الخراجية إذا بلغت فيها الزكاة كانت ~~الزكاة في الكل، ولا ms334 يسقط الخراج شيئا من (¬3) الزكاة لأن الخراج بمنزلة ~~الإجارة للأرض، فأرض عمان ليست أرضا خراجية. ولعامل الصدقة قبول الهدية لا ~~(¬4) من طريق الرشوة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل الهدية وقال: (لو ~~أهدى إلي ذراع لقبلت) (¬5) ونهى العمال عن قبول الهدية إلا لمن (¬6) كان ~~بينه وبينه ذلك جائزا قبل الحكم والولاية. وجائز للغني أن يأكل من الصدقة ~~إذا باعه غيره بالفقر (¬7) ، ومن منع من أصحابنا من جواز ذلك فعندي أنه قد ~~غلط، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من طعام تصدق به على بريرة، قال: ~~(هو لها صدقة، ولنا من عندها هدية). # ¬__________ # (¬1) - ساقطة من (ج ) . # (¬2) - ساقطة من (ج ) - رواه مسلم وأحمد . # (¬3) - في (ج) : بشيء . # (¬4) - في (أ) بدلا . # (¬5) - رواه ابن حبان . # (¬6) - في (أ) : ممن . # (¬7) - في (ب): بالفقراء - مسلم . PageV01P449 # والاقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم أولى، ومن وجد ركازا قل أو ~~كثر كان عليه الخمس يخرجه إلى الفقراء إذا عدم الإمام؛ والركاز دفن ~~الجاهلية، قال أصحابنا: (¬1) إن كان أقل من خمسة دوانيق فلا شيء عليه، ولم ~~يرد الخبر بتحديد مقداره، واختلف أصحابنا في مستحقي الصدقة من الفقراء، ~~فقال بعضهم: إذا ملك الرجل دون ألف درهم جاز له أخذ الزكاة، وقال آخرون: ~~إذا ملك مائتي درهم لم يأخذ الزكاة، وقال آخرون: إذا كان في يده خمسون ~~درهما ناضة أي مستغنى عنها لم يجز له أخذ الزكاة، وقال بعضهم: إذا لم ~~تدرك ثمرته ثمرة أخرى جاز له أخذ الزكاة، وقال آخرون: إذا كان عنده من ~~المال ما يكفيه ويكفي عياله غلته، ويفضل عنده لم يكن مستغنيا، وجاز له أخذ ~~الزكاة، كل هذه الأقاويل قالوها من طريق الاجتهاد، وليس عندي للغنى والفقر ~~حد لأنه قد يستغني بدرهم واحد لحركته وكسبه واحتياله واضطرابه ومعرفته ~~بوجوه المكاسب، والآخر (¬2) لا يستغني بأضعاف ذلك لأنه قليل الحيل كثير ~~الخوف، فإذا كان الرجل مستغنيا بصنعة يكتسب (¬3) منها بيديه لم يستحق من ~~الصدقة شيئا لاستحقاق اسم الغني لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (لا تحل ~~الصدقة لغني ms335 ولا لذي مرة سوي) (¬4) . والمرة: القوة، وقول الإنسان مقبول ~~(¬5) في ادعائه المسكنة والفقر لأن الأصل لا ملك له، وكذلك يقبل قول ابن ~~السبيل لأنه عازب عاجز عن بلده، لأنه في الظاهر غير قادر عليه، والغارم له ~~حق في الصدقة ويعجبني أن لا يقبل قول الغارم، إلا ببينة لأنه في الأصل غير ~~غارم، وكذلك العبد لا تقبل دعواه أن سيده (¬6) # ¬__________ # (¬1) - شيوخ المذهب . # (¬2) - في (ج) : وآخر . # (¬3) - في (ج) : يتكسب . # (¬4) - رواه مسلم وأحمد . # (¬5) - ساقطة من (ب ) . # (¬6) - في (ج) : أن يسده .. PageV01P450 # كاتبه إلا ببينة، والقرابة أحق بصدقة المرء إذا كانوا لها أهلا إلا أقارب ~~تلزمه نفقتهم، فهم به أغنياء، وإذا كان فقيرا عنده ثم تبين غناه لم يكن ~~عليه غرم ما دفع، لأن الله تبارك وتعالى إنما تعبده بأن يدفع الصدقة إلى ~~فقير عنده، (¬1) ولم (¬2) يكلف أن يعلم مغيبه لأن حقيقة الفقير لا يعلمها ~~إلا الله، فإن وجدها قائمة في يده أخذها منه إن قدر على استرجاعها بحاكم أو ~~غيره ويسلمها إلى فقير غيره، ولصاحب الصدقة أخراجها على يد ثقة عنده، فإذا ~~أخبره أنه قد أخرجها إلى مستحقيها فقد برئت ذمته وسقط الفرض عنه لأن قول ~~الثقة فيما يوجب العمل حجة، ويدل على ذلك قول الله تبارك وتعالى في كتابه: ~~(يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) (¬3) أمر بالتبيين عند ~~خبر الفاسق، علمنا إنه قد أمرنا بترك التبيين عند خبر غير الفاسق، لأنه لو ~~كان أمرنا بالتبيين عند خبر الفاسق وغير الفاسق، ولم يكن بين الفاسق وغير ~~الفاسق فضل لم يكن لذكر الفاسق دون غيره معنى، وأحب لصاحب الصدقة أن يتولى ~~إخراجها بنفسه لأنه يكون على يقين من إخراجها وأدائها. والزكاة على وجوه: ~~منها زكاة حول في عين أو ورق وماشية، فتلك يراعى فيها مقدار الملك وصفة ~~المالك؛ فأما المقدار فالنصاب والحول، وأما الصفة فالإسلام ولزوم الخطاب. ~~ومنها زكاة حرث تجب في الملك ولا يراعى بها وقت ولا مالك، وثمار أولاد ~~المسلمين فيها الزكاة بإجماع الناس، والاختلاف فيما سوى ذلك. # ¬__________ ms336 # (¬1) - في (أ) : غيره . # (¬2) - في (أ) : لا . # (¬3) - الحجرات: 6 . PageV01P451 # وإنما روي أن عليا بن أبي طالب كان يخرج الزكاة من أموال بني أبي رافع ~~مولى النبي صلى الله عليه وسلم وهم أيتام، فقال أهل الكوفة: يحتمل أن ~~تكون زكاة حرث، ويحتمل أن تكون زكاة غيره أو ماشية، وإذا احتمل هذا وذلك لم ~~تكن حجة علينا في إسقاط الزكاة من أموال الأيتام لأنهم غير مخاطبين، ~~وقالوا: وعلي بن أبي طالب هو الرافع للخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~في: (رفع القلم عن الثلاثة، عن الصبي حتى يبلغ وعن المجنون حتى يفيق وعن ~~النائم حتى يستيقظ) (¬1) وقد كان من قول علي أن الماعون الذي توعد الله على ~~مانعه بالويل هو الزكاة، قالوا: فقد علمنا أن الصبي ممن لا يتوجه إليه ~~الوعيد، فالحجة عليهم بأن الخبر ورد بأن عليا كان يخرج الزكاة من أموال بني ~~أبي رافع، فالمدعي لتخصيص الخبر عليه إقامة الدليل. والخبر إذا ورد فالواجب ~~إجراؤه على عمومه لا يخص إلا بحجة، وأيضا فلو كان ما احتجوا به من قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم من رفع القلم عن الصبي يسقط الزكاة من ماله مع ~~قوله صلى الله عليه وسلم : (أمرت أن آخذها من أغنيائكم)، فالصبي إذا كان ~~ذا مال فهو مستحق لاسم الغني، والزكاة في ماله واجبة بظاهر قول النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، وكان النبي يسقط الزكاة من ماله لارتفاع القلم عنه في حال ~~نومه. وقد أجمعوا أن الزكاة في ماله في حال نومه ويقظته. # مسألة # ¬__________ # (¬1) - رواه الجماعة . PageV01P452 # اختلف الناس في الغارم الذي يدفع إليه من الصدقة المفروضة، فقال قوم: هو ~~الذي لزمه غرم غيره، وقال بعضهم: الغارم هو كل من تحمل دينا لنفسه وعن ~~غيره، فاسم غارم يقع عليه، وقال بعضهم: الغارم: من حمل دينا من غير إسراف ~~فلزمه قضاؤه وغرمه، والنظر يوجب عندي أن الغارم الذي عليه الدين ولا يجد ~~قضاؤه، ولا يقال لمن يجد القضاء غارم، وإن كان مثقلا بالدين، والغرم في ~~اللغة: الخسران، ومنه ms337 قيل: في الرهن له غنمه وعليه غرمه، أي له ربحه وعليه ~~خسارته وهلاكه، والغنم الربح، وكذلك سميت الغنائم لإنها ربح ومال أفاءه ~~الله المسلمين ونقله (¬1) إليهم. وأما الفقير فهو الذي عنده البلغة، وأما ~~المسكين فهو الذي لا شيء معه. وكذلك قيل: ما في بني فلان أسكن من فلان، ~~يراد بذلك شدة المسكنة والفقر وسوء الحال. وقد قيل لأعرابي: أنت فقير، ~~فقال: بل أنا مسكين، ويدل على ذلك قول الله جل ذكره: (أما السفينة فكانت ~~لمساكين يعملون في البحر) (¬2) المراد في ذلك والله أعلم الإخبار عن سوء ~~حالهم وشدة فقرهم، وقد ذكرنا فيما تقدم من كتابنا الاختلاف بين الفقهاء في ~~معنى المزابنة، وجدت من طريق اللغة أن المزابنة مأخوذ من طريق الدين وهو ~~التدافع والتخاصم، (فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع المزابنة) (¬3) ~~لأن المتبائعين (¬4) إذا وقفا على الغبن وأراد المغبون (¬5) # ¬__________ # (¬1) - في (أ) : وانقله . # (¬2) - الكهف : 79 . # (¬3) - في (ب) : المتباعدين . # (¬4) - رواه الدار قطني وابن حبان ومسلم . # (¬5) - في (ب) : المغبن .. PageV01P453 # أن يفسخ والآخر يريد أن يمضي البيع تزابنا أي تدافعا، واحتكما، والزبن هو ~~الدفع يقال: زبنته الناقة برجلها أي دفعته، ويدل على ذلك أن مالكا كان يجعل ~~كل بيع وقع فيه غرر، ومخاطرة مزابنة للمخاصمة وللمدافعة التي تكون بين ~~المختلفين فيه، وعن مالك أن المزابنة كل شيء من الجزاف الذي لا يعلم كيله ~~ولا عدده ولا وزنه، بيع شيء مسمى من الكيل والوزن والعدد. # مسألة في أخذ الجزية # والجزية ساقطة عن النساء والصبيان والعبيد بإجماع الأمة، قال أصحابنا: ~~ولا تجب على الزمنى والرهبان، ولا على الشيخ الفاني، وقد وافقهم بعض ~~مخالفيهم على ذلك، والنظر يوجب أخذ الجزية منهم إلا من خرج بالإجماع، قال ~~الله تعالى في كتابه: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) (¬1) # فظاهر الآية يوجب أخذ الجزية من الرهبان والشيوخ وغيرهم إلا من خصه ~~بالإجماع، والله أعلم. ms338 # ¬__________ # (¬1) - التوبة: 29 .أن يفسخ والآخر يريد أن يمضي البيع تزابنا أي ~~تدافعا، واحتكما، والزبن هو الدفع يقال: زبنته الناقة برجلها أي دفعته، ~~ويدل على ذلك أن مالكا كان يجعل كل بيع وقع فيه غرر، ومخاطرة مزابنة ~~للمخاصمة وللمدافعة التي تكون بين المختلفين فيه، وعن مالك أن المزابنة كل ~~شيء من الجزاف الذي لا يعلم كيله ولا عدده ولا وزنه، بيع شيء مسمى من ~~الكيل والوزن والعدد. # مسألة في أخذ الجزية # والجزية ساقطة عن النساء والصبيان والعبيد بإجماع الأمة، قال أصحابنا: ~~ولا تجب على الزمنى والرهبان، ولا على الشيخ الفاني، وقد وافقهم بعض ~~مخالفيهم على ذلك، والنظر يوجب أخذ الجزية منهم إلا من خرج بالإجماع، قال ~~الله تعالى في كتابه: (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب ~~حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) (¬1) # فظاهر الآية يوجب أخذ الجزية من الرهبان والشيوخ وغيرهم إلا من خصه ~~بالإجماع، والله أعلم. # ¬__________ # (¬1) - التوبة: 29 . # ----NO PAGE NO------ ms339