######OpenITI# #META# الكتاب : المناقب و المثالب #META# تأليف : القاضي نعمان المغربي #META# الموضوع : أهل البيت #META# الناشر : الأعلمي #META#Header#End# ### | [مقدمة المؤلف] # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الأول الأزلي بغير غاية، والآخر الأبدي ~~الذي عنت الوجوه لعظيم قدرته، وخضعت له الرقاب لجلال هيبته وانحسرت الأبصار ~~دون (...) [1]، ووجلت القلوب من خشيته، وارتعدت الفرائص من فرقه، فالخلائق ~~معا له عباد داخرون، والملائكة المقربون، فلديه من مخافته [لا] يجادلون، ~~وله آناء الليل والنهار يسبحون ويقدسون، ويخافون عذابه وما يذنبون، ويسبح ~~كل شيء بحمده (ويستغفرون) [2]. # وصلى الله على نبيه محمد وعبده وصفيه من البرية، ورسوله إلى جميع الأمم ~~الملية والأمية، الصادع بما أرسل، والناهض بأعباء ما جاء، وعلى علي وليه ~~وأبي عترته، ووصيه وخليفته في أمته، وعلى الأئمة البررة الطاهرين من ذريته. # والحمد لله خالق الخلق لما أراد، ومستعمل العباد ليجزيهم يوم المعاد، ~~الذي جعل بعضهم لبعض فتنة كما في كتابه ذكره، وفضل بعضهم على بعض كما فيه ~~قد أخبره، وتعبد بعضهم لبعض بالطاعات ورفع بعضهم كما قال عز وجل: @QUR03 ~~فوق بعض درجات* [3] واصطفى عليهم منهم صفوة مرضيين فقال وهو أصدق القائلين: ~~@QUR016 إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية ~~بعضها من بعض والله PageV01P013 # @QUR02 سميع عليم [1]. # ولم يشمل بالصفوة ذراري النبيين على الكلية، ولا جعل الذرية كلها معا ~~بالسوية، بل انتجب منها الواحد بعد الواحد بالرسالة والإمامة، فأوجب لمن ~~سلم لأمره وأطاعه الفضيلة والكرامة، وأبعد من عند عنه ونفاه كما قد نفى عن ~~نوح من ولده من عصاه، وشرف الله بقرب الفاضل منها من قرب منها، ممن أطاعه ~~ولم يكن عند عنه ونفعه بقربه إليه وجعل له بذلك فضلا لديه، فقال وهو أصدق ~~القائلين في كتابه المنزل المبين: @QUR019 والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ~~بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب ~~رهين [2]. # قال أهل التفسير في ذلك: هذا في المؤمن تكون له الدرجة يبلغها بعمله في ~~الجنة، وتكون درجته لا تبلغ بأعمالها درجته تلك، فيرفعها الله عز وجل إليها ~~ليقر بها عينه، فيكون الله عز وجل قد زادها في الفضل لمكانه ولم يلبث هو ms001 ~~[مكانه] إذ ساوى بينها وبينه، لكنه زاده بذلك فضلا وشرفا [3]. # قال بعضهم: وإذا كان ذلك للمؤمن فهو أحرى وأوجب أن يكون لرسول الله صلى ~~الله عليه وعلى آله الطيبين، فيكون للمؤمنين منهم المتبعون لأمره المسلمون ~~للفاضل منهم في كل عصر من بعده، درجة في الجنة في درجته. # وذرية النبي صلى الله عليه وآله هم ولد علي وفاطمة صلوات الله عليهما ما ~~تناسلوا لا ذرية غيرهم، وقد دفع بعض جهال الناس ذلك وقالوا: ليس لرسول الله ~~صلى الله عليه وآله ذرية، كقول الناصبين له بالعداوة من أهل الجاهلية الذين ~~قالوا: إنه أبتر، أي لا ذرية له، فأنزل الله PageV01P014 # عز وجل تكذيبهم والرد عليهم في كتابه حيث يقول: @QUR03 إنا أعطيناك ~~الكوثر إلى قوله: @QUR04 إن شانئك هو الأبتر [1]، وسنذكر ذلك في موضعه إن ~~شاء الله. # وقال الذين نفوا أن تكون لرسول الله صلى الله عليه وآله ذرية، وقد علموا ~~مكان فاطمة وأنه لا عقب له من ولد غيرها، ولا ذرية له إلا منها: ليس من ولد ~~فاطمة بذرية لرسول الله، وإنما تكون ذرية الرجل من ولده الذكور لصلبه، فأما ~~ولد بناته وهم ذرية آبائهم لا ذراري أجدادهم لأمهاتهم [2]. # وكتاب الله عز وجل يؤيد ما قلناه ويبطل قول هؤلاء الجاهلين، لأنه يقول ~~وهو أصدق القائلين: @QUR042 وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع ~~درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا ~~هدينا من قبل ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي ~~المحسنين وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين [3]. # فأدخل الله عز وجل عيسى عليه السلام في جملة ذرية نوح وإبراهيم صلى الله ~~عليهم وعلى محمد نبيه وعلى آله بنسب أمه، فمن دفع أن يكون ولد فاطمة ذرية ~~رسول الله صلى الله عليه وآله أكذب كتاب الله عز وجل. # فلهم عليهم السلام فضل ذرية النبوة الذي لا يدفعه إلا من كابر الحق ~~وعانده، وقد أمر الله جل ذكره نبيه صلى الله عليه وآله بانذار الناس كافة ms002 ~~في آي من كتابه وبإفراد عشيرته بالإنذار خاصة، اختصاصا لهم بالفضل والكرامة ~~فقال وهو أصدق القائلين: @QUR02 وأنذر عشيرتك PageV01P015 # @QUR01 الأقربين [1]، وسنذكر كيف أنذرهم صلى الله عليه وآله لما أمره ~~الله عز وجل بإنذارهم، وما دعاهم عند ذلك إليه، ومن استحق الكرامة والفضل ~~منهم يومئذ له في موضعه لك إن شاء الله، فهو اختصاص لله عز وجل لعشيرته ~~بهذه الفضيلة وخوفه عليها من الاعجاب بأنفسهم، والاتكال على قرابتهم منه ~~وانتسابهم [إليه]. # قال صلى الله عليه وآله: «يا بني عبد المطلب لا يأتيني الناس بأعمالهم ~~وتأتوني بأنسابكم» [2]. # وأبان الله عز وجل الصفوة منهم الأدنين بافتراض المودة على كافة ~~المؤمنين، دلالة على تصيير الإمامة فيهم، فقال وهو أصدق القائلين لكافة ~~المؤمنين: @QUR09 قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى [3] فجعل عز ~~وجل مودتهم فرضا على جميع المسلمين، لمكانتهم من رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وليدل بذلك على طاعتهم، واعتقاد إمامة الأئمة منهم صلى الله عليهم ~~أجمعين، وإكراما من الله عز وجل لرسوله صلى الله عليه وآله وإبانة لفضله ~~على من سواه من رسله، إذ قد ذكر غيره من النبيين بمثل هذا في كتابه بقوله: ~~@QUR05 قل لا أسئلكم عليه أجرا* و@QUR09 لا أسئلكم عليه مالا إن أجري إلا ~~على الله [4] وقد تأول هذا جماعة ممن ادعى علم التأويل من العامة، واختلفوا ~~فيه اختلافا كثيرا. # فقال بعضهم: قوله تعالى: @QUR09 قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى معناه: # ولا المودة في القربى. # وهذا من الإغراق في الجهل، والغلو في العداوة لآل الرسول صلى الله عليه ~~وآله، ولو جاز هذا PageV01P016 # لجاز أن يكون ذلك في مثله مما استثناه الله عز وجل في كتابه وأوجبه في ~~إيجابه، وهو أكثر من أن يذكر هاهنا أو يرى مما إذا وجه على هذا الوجه الذي ~~وجهه هؤلاء، عاد الحلال به حراما والحرام حلالا والعذاب رحمة والرحمة عذابا ~~والصواب خطأ والخطأ صوابا. # ويقال لهذا القائل: أفترى أن الله عز وجل رخص بهذا القول في عداوة القربى ~~وبغضهم؟ # فإن قال: لا، ms003 نقض قوله، وإن قال: نعم، سئل عما أوجب ذلك لهم لقرابتهم من ~~رسول الله صلى الله عليه وآله ووجبت بغضهم وعداوتهم، ولا أحسب أحدا يقول ~~ذلك، وهذا من أبعد تأويل وأضعف قول قيل. # وقال آخرون قوله: @QUR09 قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ~~قالوا: كانت للنبي صلى الله عليه وآله قرابة في كل العرب فسألهم أن يودوه ~~لقرابته منهم [1]. # وهذا قول من لم يتدبر قول الله جل ذكره كما أمره به، فلم يقتصر الله عز ~~وجل في هذا القول على العرب خاصة فيكون ما قاله هذا القائل، بل عم بذلك ~~جميع المؤمنين من الناس كافة، لأنه إنما قال عز وجل: @QUR018 ذلك الذي يبشر ~~الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة ~~في القربى فدخل في هذه المخاطبة من المؤمنين جميع العرب وغيرهم، فدل ذلك ~~على إبطال تأويل من تأول هذا التأويل الذي ذكرناه. # وقال آخرون: نسخ هذه الآية قوله: @QUR012 قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن ~~أجري إلا على الله [2]. PageV01P017 # فحكموا بنسخ ما جعله الله عز وجل فضلا لرسوله، وأوجبه من مودة أولي ~~القربى منه، وهذا تجاسر على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله وعلى آله، ~~وليست من هاتين الآيتين بحمد الله ناسخة ولا منسوخة، بل كلاهما من المحكم ~~والله أعلم، وليس ينبغي أن يقطع بالقول على إبطال شيء من القرآن بتوهم ~~متوهم ولا برأي ذي رأي، وإثبات ذلك يوجد السبيل إليه. # وقوله عز وجل: @QUR05 قل ما سألتكم من أجر يعني في مودة القربى فهو لكم، ~~أي تؤجرون فيه وتثابون عليه، لا أنه لي، وأجري أنا على الله، هذا إن كانت ~~هذه الآية نزلت بعدها. # وإن كانت قبلها، فالأول لا ينسخ الآخر مع أن الله عز وجل قد بين هذا الذي ~~اختلفوا فيه من هذا التأويل، على لسان الرسول الذي تعبده ببيان ما أنزل ~~الله عليه، وذلك ما يبطل قول كل متأول خالفه بلا اختلاف بين المسلمين فيه. # ويؤيد ما قدمنا ms004 ذكره وذهبنا إليه، قول من جامعنا من العامة عليه، فقد قال ~~قوم من العامة كقولنا: هي فريضة من الله عز وجل، يعنون مودة قرابة رسول ~~الله صلى الله عليه وآله. وقالوا: # إن الآية محكمة، ورووا عن عبد الله بن عباس، وذكروه في التفسير عنه أن ~~قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله لما نزلت هذه الآية: @QUR09 قل لا ~~أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى . PageV01P018 # فقال الناس: يا رسول الله من قرابتك هؤلاء الذين أمرنا بمودتهم؟ # فقال صلى الله عليه وآله: «علي وفاطمة وولدهما» [1]. # وهذا التوقيف والبيان من رسول الله صلى الله عليه وآله الذي لا يجب لأحد ~~أن يتأول عليه ولا يعدوه إلى غيره. # وهذه رواية ابن عباس وشهادته على نفسه بالخروج من هذه الفضيلة، وإن كانت ~~له من رسول الله صلى الله عليه وآله قرابة قريبة. # وفي هذا دليل على الإمامة، فجعل الله عز وجل قرابة النبوة فضيلة لا تدفع ~~وحقا لا ينكر، لمن حافظ على ما قدمناه وعرف للأئمة ما قدمنا ذكره ووصفناه. # وجعل الله عز وجل شرف الأبوة للأبناء الحافظين لشرف آبائهم السالكين ~~سبيلهم وحفظهم لهم من بعدهم، فقال عز وجل: @QUR03 وكان أبوهما صالحا [2] ~~فحفظ الغلامين لأبيهما وحائطهما بعد موته. # وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «إن الله ليحفظ العبد المؤمن في ~~ولده- يعني الصالح- سبعين خريفا من بعده» [3] وهذا رسول الله صلى الله عليه ~~وآله على ما أعطاه الله عز وجل من الفضل العظيم، ومنحه من الفخر الجسيم ~~يقول: «أنا دعوة أبي إبراهيم» [4] يفخر به صلى الله عليه وآله ويعترف ببركة ~~دعوته ويذكر مع ذلك كرم آبائه وطهارت أمهاته فيقول: «نقلت من كرام الأصلاب ~~إلى مطهرات الأرحام، وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح، PageV01P019 # وما مسني عرق سفاح قط، وما زلت أنقل من الأصلاب السليمة من الوصوم البرية ~~من العيوب» [1]. # ففي كل هذا ما دل على ما قصدنا إليه وبدأنا بذكره من تفضيل عترة الرسول ~~صلى الله عليه وآله واستحقاقهم الفضل به، ووجوب الإمامة لهم ms005 بقربه. # ويؤيد ذلك قوله صلى الله عليه وآله: «الأئمة من قريش» [2] وبذلك احتج ~~المهاجرون على الأنصار لما سموا إليها وأرادوا أن يتناولوها، وإذا كان ذلك ~~كذلك وكان سبب الاقتصار بها على قريش بقربها من رسول الله صلى الله عليه ~~وآله فهي لأقربها منه بلا شك، وإنما أكثر من هلك من الأولين والآخرين ~~بإنكار المفضولين فضل الفاضلين، ودفعهم حقهم الذي افترض الله عز وجل لهم ~~على العالمين، وتلك أول خطيئة كانت في السماء والأرض من الإنس والجن، خلد ~~الله عز وجل اللعنة على من أتاها، ومعصية أوجب الخلود في النار لمن قد ~~عصاها، ولم ينفعه معها ما سبق له من الفضل الكريم والشرف العظيم، لأن ~~منازعة الفضل أهله يسقط كل شرف سابق ويبطله، وذلك أنه لما أمر الله ~~الملائكة بالسجود لآدم عليه السلام فاستكبر عليه إبليس اللعين وقال: @QUR09 ~~أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين* [3]. # ولما قبل الله قربان ابن آدم دون أخيه فنافسه الفضل وحسده عليه، فلم يغن ~~عن إبليس اللعين حسده، إن كان من الملائكة الكرام، ولا عن ابن آدم أبوه آدم ~~عليه السلام بل باءا بغضب من الله ولعنة، إذ نازعا الفضل من تعبدا بطاعته. # وعلى سبيل ذلك من أمر شرار السلف جري من بعدهم من سوء الخلق حذو النعل ~~بالنعل والقذة بالقذة، وإنما ذكرنا من هذا ما ذكرناه وبسطنا في صدر كتابنا ~~هذا PageV01P020 # منه ما بسطناه، لما نادى إلينا وسمعنا من دعوى بني أمية الفضل مع العترة ~~الطاهرة آل الرسول، وعيوب بني أمية مع ذلك بادية مكشوفة، وفضائل آل الرسول ~~ظاهرة معروفة، وطاعة الأئمة منهم عليهم السلام لازمة لهم وحقوقهم عليهم ~~واجبة، فاستكبروا كاستكبار إبليس، وعندوا عنوده، وادعوا كما ادعى الفضل على ~~من فضله الله عز وجل عليه، فرأينا وبالله التوفيق وبه نستعين بسط كتابنا ~~هذا في إبطال دعواهم وذكر أسباب عداوتهم وما جرى عليه منها من تقدم من ~~أسلافهم من قبل مبعث رسول الله صلى الله عليه وآله وبعد مبعثه ووفاته، ومن ~~نصب له ms006 منهم العداوة في حياته تكذيبا لنبوته، وما نال وصيه وذريته منهم من ~~بعد موته، ونذكر مثالبهم ومناقب آل الرسول صلى الله عليه وآله، لنوضح الحق ~~لمن أبصره من أولياءه، ويهدي الله بذلك إليه إن شاء من يحب أن يهديه ويمن ~~بالتوفيق عليه، ولو لا أن ذكر المثالب والمساوئ هاهنا من الضرورة لما ~~ذكرناها، ولو وجدنا بدا من ذكرها لسترناها، فقد كان يقال: لا خير في ذكر ~~العيوب إلا من ضرورة، وستر المساوئ في الواجب من الخيانة، وليس هذا مما ~~يعارض بالحديث المرفوع: «لا تسبوا الأحياء بسب الأموات» [1] إنما ذلك في ~~الأموات الذين لا يجوز سبهم، فأما من كان سبهم فريضة، ونشر معايبه من أوجب ~~الشريعة، فليس من معنى هذا الحديث. # وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «من كتم علما يعلمه جاء يوم ~~القيامة ملجما بلجام من نار» [2] فهذا والله ورسوله أعلم في العلم الذي يجب ~~في الحق إظهاره ونشره، ولا يسع كتمانه كائنا ما كان، نحو هذا الذي قدمنا ~~ذكره وما هو في معناه، فكالشهادة وأشباه ذلك، فليس ذلك على العموم، فيكون ~~على كل من علم شيئا أن يتكلم به PageV01P021 # ويذكره، بل ثم أشياء من الفرض يجب كتمانها وسترها وقد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله: «إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه- يعني فيما ~~يقطعها من الحق- فإن لم يفعل فعليه لعنة الله» [1]. # ولا نعلم بدعة هي أضر بالمسلمين والملة الحنيفية والدين من بدعة تعاطى ~~بها المفضول منزلة الفاضل، وجلس بها إمام البغي منزلة مجلس الإمام العادل، ~~ولا ثواب إن شاء الله أجزل من ثواب قائل أبان الحق في ذلك، ونفى الشبهة ~~عنه، ودمغ بقوله الباطل وأظهر عوار مدعيه، # نسأل الله بلوغ ذلك والعون عليه. # ولما نظرنا في عداوة بني أمية للعترة الطاهرة الزكية، رأيناها عداوة ~~أصلية قديمة، ووجدنا أحقادهم عليهم أحقادا جاهلية وإسلامية، وذحولهم ذحول ~~قتلى منهم بدرية وأحدية، فاعتقدوا لهم الحمية، فأردنا كشف الأمر في ذلك لمن ~~عسى أنه غاب عنه، وإيضاحه لمن لعله علم ms007 شيئا منه، فإنه بلغ من إيهامهم ~~الأمة لما تغلبوا وتشبيههم عليها، إذ تمكنوا ما ادعوا عندها قرابة رسول ~~الله ليشرفوا بنسبه، وزعموا أنه لا قرابة له غيرهم ولا أهل بيت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله سواهم، وقبل ذلك من كان قد تولاهم من طغام الشام، حتى ~~لقد حلف جماعة من شيوخهم لبني العباس عند ظهورهم أنهم ما كانوا علموا أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله قرابة غير بني أمية، بما أوهموهم من ذلك، فما ~~الظن بقوم غلب باطلهم هذه الغلبة وأدخلوا على الأمة مثل هذه الشبهة. # ورأينا وبالله التوفيق أن نبتدئ بذكر هذه العداوة من حيث ابتدأت، وبذكر ~~أصلها ومن أين تأصلت، وتشعبها بعد وكيف تشعبت، إلى أن بلغت ما بلغت وانتهت ~~حيث انتهت، ونذكر من شرف آباء رسول الله صلى الله عليه وآله الذين قد ذكرنا ~~من فضلهم ما قد علمناه، ومن ضعة من عاداهم من بني أمية وأسلافها ما نادى ~~إلينا وما رويناه، ونجمع من ذكر PageV01P022 # كل واحد منهم وذكر من كان في عصره ممن قد ناواه، ونصف مناقب الفاضل ~~ومثالب المفضول ونأتي على ذلك بالشاهد والدليل، ونتبع ذلك بما بعده ونتلوه ~~أولا فأولا إلى وقت تأليف كتابنا هذا باختصار من القول، وايجاز لإيثار ~~التخفيف فيه، ونذكر من ذلك ما هو مشهور معروف في كتب السير والأنساب ~~والأخبار الصحيحة، ونترك الأسانيد والإكثار، لإيثار التخفيف في ذلك ~~والاختصار، ومن عسى أن نذكر مناقبه وفضله من آباء رسول الله صلى الله عليه ~~وآله، فقد ذكرنا ما قد ذكرهم به عليه السلام من الكرم والطهارة والبراءة من ~~الوصوم، وفي ذلك غاية المدح لهم وقد كانوا متمسكين بكثير من شريعة أبيهم ~~إبراهيم عليه السلام ومتدينين بها. # وسنذكر ذلك عنهم، وقول رسول الله صلى الله عليه وآله لبعض من سأله بعد ~~إسلامه ممن كان في مثل حالهم: أنت على ما أسلمت من خير، في موضع ذلك، وحيث ~~ينبغي ذكره فيه إن شاء الله تعالى، وهم وإن كانوا على ما كانوا عليه ms008 من ~~انتحالهم، فقد شرفوا على من سواهم ممن كان في أزمانهم ممن نازعهم الفضل من ~~قرابتهم وغيرهم، وكان ينتحل ما ينتحلونه ويذهب إلى ما يذهبون إليه بأبوة ~~رسول الله صلى الله عليه وآله فيهم وانتقاله في أصلابهم، وبما ذكره صلى ~~الله عليه وآله من فضلهم، وما سنذكر من أفعالهم. # وإنما قصدنا بذكر فضلهم وشرفهم، لننبه على من كان معهم قد ادعاه ونازعهم ~~إياه ممن كان، لا على أنا أردنا الفخر بالجاهلية لمن دان بالإسلام، ولا على ~~أنا نجمع بالفضل بينهم في مقام، ولكنا جمعنا بين كل واحد منهم ومناوئيه في ~~عصره وحاسده في فضله وفخره، وبالله نستعين ونستوهبه توفيقا إلى ما يرضيه ~~ويزكوا لديه ويزدلف به إليه. PageV01P023 PageV01P024 ### | ذكر مناقب عبد مناف بن قصي وشرفه ونسبه وبأبيه من قبله # بدأنا بذكر عبد مناف بن قصي، ووصف شرفه وفضله بنفسه وبأبيه من قبله، لما ~~كان بدأ التنازع في الفضل الذي قصدنا إلى ذكره، بين ولديه لصلبه اللذين ~~تداعياه وتنازعا فيه. # واسم عبد مناف: المغيرة [1]، وكان يدعى: القمر، لجماله، والسيد، لشرفه ~~وسؤدده [2]، وولد رسول الله صلى الله عليه وآله، فوجب له بذلك الفضل الذي ~~قدمنا ذكره بأبوته، واستحق الكرم بشهادة رسول الله صلى الله عليه وآله بذلك ~~له فيما قدمنا ذكره، ولم يكن صلى الله عليه وآله ليوجب الكرم لمن لا تقوى ~~له مع أن الله عز وجل يقول: @QUR05 إن أكرمكم عند الله أتقاكم [3] فلما كان ~~الكرم معقودا بالتقوى لم يوجبه رسول الله صلى الله عليه وآله إلا لمن هو له ~~أهل. # وقد جاء في الحديث: أن حجرا وجد بالحجر مكتوبا عليه: أنا المغيرة بن قصي ~~آمر بتقوى الله وبر الرحم. # ولم يكن يأمر بتقوى الله، وهو لا يتقيه مع شرفه والفضل الذي كان فيه، ولا ~~كان ليرغب عما كان يأمر به ويدعوا إليه. # وهو المغيرة، وشهر: بعبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن ~~غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة ms009 بن الياس بن مضر ~~بن PageV01P025 # نزار بن معد بن عدنان. # وأمه حبا بنت حليل بن حبيشة بن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة بن حارث ابن ~~عمر بن عامر ابن خزاعة. # وقيل: إن أمه هي التي سمته عبد مناف، فغلب عليه [1]. # ومناف صنم كان مستقبل الركن الأسود، والأسماء لا تنقص من سمي بها من فاضل ~~ولا شرف المفضول. # وقيل: إن معاوية قال لقريش: تعالوا نحيل أسماء آباءنا التي كانت تنسب ~~لغير الله، فسمى بني عبد مناف بني عبد الله وبني عبد الدار بني عبيد الله، ~~وبني عبد العزى بني عبد الرحمن، فقال له عبد الله بن الزبير: دعنا من ~~التلعب بأنسابنا، فرسول الله صلى الله عليه وآله يقرها وتحيلها أنت. # وقيل: إن معاوية أيضا سأل أعرابيا عن اسمه، فقال: نعامة. # فضحك وقال له: ويحك ما وجد لك اسما غير هذا؟ # فقال له الأعرابي: يا معاوية إنما هي علامة وليست بكرامة، ولو كانت كرامة ~~لاشترك الناس كلهم في اسم واحد. # وإن كان رسول الله صلى الله عليه وآله قد أحال بعض أسماء المسلمين، فقد ~~قر أسماء المتقدمين. وكانت السقاية والندوة لعبد مناف وفيه النبوة والثروة، ~~وفيه يقول ابن الزبعرى: # كانت قريش بيضة فتفلقت %~% فالمخ خالصة لعبد مناف # الرائشون وليس يوجد رائش %~% والقائلون هلم للأضياف [2] # وقال محمد بن مسلم بن شهاب الزهري: كانت الرئاسة في بني عبد مناف فأرادوا PageV01P026 # أن يأخذوا اللواء والحجابة من بني عبد الدار، فحالف بنو عبد الدار بني ~~سهم ليمنعوهم من بني عبد مناف، فأخذت البيضاء التي يقال لها أم حكيم جفنة، ~~فملأتها خلوقا فوضعتها في الحجر وقالت: من تطيب بها فهو منا. فتطيب بها بنو ~~عبد مناف وأسد وزهرة وبنو تيم وبنو الحارث، فسموا المتطيبين. # فلما رأى ذلك بنو سهم نحروا جزورا وقالوا: من لعق من دمه فهو منا. # ففعل ذلك بنو سهم وبنو عدي وبنو عبد الدار وبنو جمح وبنو مخزوم فسموا ~~الأحلاف، ثم لم يكن بينهم شيء، وفي ذلك قال الفضل بن عباس اللهبي: ms010 # وسمينا الأطائب من قريش %~% على كرم فلا طبنا وطابا # وأي الخير لم نسبق إليه %~% ولم نفتح به للناس بابا. # ولذلك قال عبد الله بن صفوان لعبد الله بن عباس: كيف رأيت أمرة الأحلاف، ~~يعني خلافة عمر ليفتخر به. # فقال له عبد الله بن عباس: أمرة المتطيبين كانت أفضل، يعني أمرة أبي بكر. # وفي عبد مناف يقول الشاعر: # ما ولدت والدة من ولد %~% أكرم من عبد مناف وحسبا. ### || فأما شرف عبد مناف بأبيه: # فأبوه قصي بن كلاب، ومات أبوه كلاب بن مرة وهو طفل صغير وأخوه زهرة أكبر ~~منه، وأمهما فاطمة بنت سعد بن سليل، فقدم ربيعة بن حزام بن عذرة بن سعد بن ~~زيد بن قضاعة إلى مكة فتزوج فاطمة ومضى بها إلى قومه بني عذرة ومضت معه ~~بقصي وكان فطيما، وخلفت زهرة مع قومه وهو رجل، وكان اسم قصي زيدا فسمته أمه ~~فاطمة قصيا، لما أقصي عن داره فشب في حجر ربيعة، لا ينتمي إلا إليه ولا ~~يعرف غيره ولا يرى إلا أنه أبوه إلى أن كبر، فنازع بعض بني عذرة فقال له ~~العذري: # الحق بقومك فإنك لست منا. # فقال: وممن أنا؟ PageV01P027 # فقال: سل أمك تخبرك. فأتاها فسألها، فقالت: أنت أكرم منهم نفسا ووالدا ~~ونسبا، أنت ابن كلاب بن مرة، وقومك آل الله في حرمه وعند بيته. # فكره قصي المقام دون مكة وأحب اللحوق بها، فقالت له أمه: أي بني، إني ~~أخاف عليك، ولكن أقم حتى يجيء الشهر الحرام فتخرج في حجاج قضاعة، ففعل، ~~فلما صار إلى مكة أقام بها، ونشأ على الشرف والسؤدد ومكارم الأخلاق، وكان ~~رجلا جلدا نهدا حليما عاقلا وقورا عفيفا كريما، قد فضله الله بأبوة رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وجعل النبوة في ذريته، فأكمل له خصال الخير ~~والشرف، وخطب قصي إلى حليل بن حبشة بن سلول الخزاعي ابنته حبى بنت حليل، ~~وكان حليل يومئذ يلي الكعبة وأمر مكة، فعرف حليل قدره ونسبه، فزوجه فولدت ~~منه عبد الدار وعبد مناف وعبد العزى وعبدا بني ms011 قصي [1] وكانوا سادة ~~وأشرافا، وكان عبد مناف أفضلهم، لما اختصه الله به من أبوة رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وجعل النبوة في ذريته، وقد ذكرنا شرفه، ولبني قصي يقول ~~الحرث بن ظالم: # إذا فارقت ثعلبة بن سعد %~% وإخوتهم نسبت إلى لؤي # إلى نسب كريم غير وغل %~% وحيهم أكارم كل حي # فلن يعصب بهم نسبي %~% فمنهم قرابين الإله بنو قصي [2] # فقيل: جعلهم قرابين الإله يتقرب إلى الله بهم، لأنهم قطين البيت وسكان ~~الحرم وأهل الله وحجاب بيته وأهل السقاية والرفادة والسيادة والرئاسة ~~واللواء والندوة ومكارم مكة، وكانوا على إرث من دين أبويهم إبراهيم ~~وإسماعيل عليهم السلام من قرى الضيوف ورفد الحاج والمعتمر وتعظيم الحرم ~~ومنعه من الظلم والإلحاد فيه وقمع الظالم ومنح المظلوم. PageV01P028 # وعظم أمر قصي بمكة وساد من بها وألقت مقاليدها إليه، فهو مالك كلبها، ~~وغلب على أمر مكة، وحارب خزاعة وبني بكر وثبتت معه قضاعة، وأعانه أخوه لأمه ~~رزاح ابن ربيعة بقومه من قضاعة، وكان قد دعى قريشا لحرب خزاعة فخافتها ~~وتثاقلت عليه، فلما استنصر بأخيه رزاح وجاءه بأخوته ومن أطاعه من قضاعة، ~~قامت معه قريش، وفي ذلك يقول رزاح: # ولما أتى من قصي رسول %~% فقال الرسول أجيبوا الخليلا # نهضنا إليه نقود الجياد %~% ونطرح عنا الملول الثقيلا # نسير بها الليل حتى الصباح %~% ونكمن حين النهار النزولا. # في أبيات له، فحارب قصي بقريش ومن نصره من قضاعة خزاعة فغلب عليها، ثم ~~تداعوا للصلح وحكموا بينهم يعمر بن عوف بن كعب بن كنانة، فقضى لقصي بالبيت ~~وأمر مكة، وكانت خزاعة بمكة أكثر من قريش، فأحدثت في الحرم واستخفت به، ~~فنفى قصي خزاعة عن البيت، وولي أمره وأمر مكة وأمر الحجيج وكانت له السدانة ~~والرفادة والسقاية [1]. # ولما صار إليه أمر مكة وحضر وقت الحج أطعم الحجيج وسقاهم، وأوسعهم نزلا ~~وإكراما، فقال في ذلك بعضهم: # أب الحجيج طاعمين لحما %~% أوسعهم رفد قصي شحما # ولبنا محضا وخبزا هشما %~% يملأ من ذلك جفانا رذما [2] # ثم كان بعد ذلك قد ولي الرفادة، وكان يطعم الحجيج ms012 اللحم والخبز والزبيب ~~ويسقيهم اللبن، ولما قضى يعمر بن عوف على خزاعة بما قضى، حسبوا القتلى PageV01P029 # ففضل لهم عشرة فأبوا من تركهم، فقال لهم يعمر: فإني أشدخ رءوس قتلاكم ~~برجلي هذه، فإن أبيتم فاعدوا على الحرب. فرضوا وسلموا، ولذلك سمى يعمر ~~الشداخ [1]. # وبقى البيت في يد قصي وبنى دار الندوة، وهي أول دار بنيت بمكة، فلم يكن ~~يعقد أمر تجتمع فيه قريش إلا فيها، وبقيت لولده من بعده. # قال محمد بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف: وكان قصي بن كلاب ~~أول من أصاب ملكا من ولد كعب بن لؤي أطاع له به قومه، وكانت إليه الحجابة ~~والرفادة والندوة واللواء والسقاية وحكم مكة كله، وكان يعشر من دخل مكة من ~~غير أهلها، وكان له شرف مكة كله، واتخذ دار الندوة وجعل بابها إلى البيت، ~~وقطع مكة رباعا بين قريش، فأنزل لكل قوم من قريش منازلهم من مكة، وسمي ~~مجمعا لما جمع أمر قريش، وتيمنت قريش به وشرفته وملكته، فما ينكح رجل من ~~قريش امرأة ولا يعقدون عقدا ولا يتشاورون في أمر ولا يعقدون لواء حرب، إلا ~~في دار الندوة بين يديه وهو يلي ذلك لهم، ولا تدرع جارية من قريش إلا في ~~داره، ولا تخرج عير لقريش إلا من داره، ولا تنزل إذا قفلت إلا بها، وكانت ~~قريش في حياته وبعد موته تتبع أمره كالدين المتبع، ونفى خزاعة من مكة [2]. # ولما قسم مكة على قريش شكوا إليه كثرة الشجر بها، وأنهم تحرجوا من قطعها ~~لما كان في الحرم، فنهاهم عن قطعه وقال: قد رأيتم صنع الله بخزاعة لما ~~استخفت بالحرم، ولكن ابنوا فما مات منه في دوركم فلا عليكم في ذلك. # ففعلوا ذلك عن أمره ولم يتعدوا إلى غيره، وفيه يقول الشاعر: PageV01P030 # أبوكم قصي كان يدعى مجمعا %~% به جمع الله القبائل من فهر ~~[1] # وكان أول سبب حرب قصي مع خزاعة: أن مفتاح الكعبة كان في يد أبي غبشان ~~الخزاعي وكان يلي البيت، فاجتمع معه قصي بالطائف، ms013 فاشتراه منه بزق خمر وجاء ~~به قومه من قريش فقال: هذا مفتاح أبيكم إسماعيل قد رده الله إليكم من غير ~~غدر ولا ظلم. # وأقبلت خزاعة على أبي غبشان تذمه فأنكر البيع وقال: إنما رهنته إياه، ~~فقال الناس: (اخسر صفقة من أبي غبشان) فذهبت مثلا، ووقعت الحرب بين قصي ~~وأبي غبشان على ذلك فظهر عليه قصي، وفي ذلك يقول الشاعر: # أبو غبشان أظلم من قصي %~% وأظلم من بني فهر خزاعة # فلا تلحوا قصيا في شراءه %~% ولوموا شيخكم إذ كان باعه [2] # وقيل: إن قصيا اشترى مفتاح الكعبة من أبي غبشان بزق خمر وكبش [3]. # وقيل: إن ولاية الكعبة ومفتاحها كان بيد حليل بن حبيشة بن سلول، وتزوج ~~قصي ابنته، وكان حليل قد كبر فجعل إليها مفتاح الكعبة فقالت: لا أقدر على ~~فتح الباب وإغلاقه، فجعل ذلك إلى أبي غبشان- واسمه سليم بن عمر- فاشترى قصي ~~ولاية البيت منه بزق خمر وقعود، وقامت عليه خزاعة وقامت معه قضاعة، ونصره ~~أخوه لأمه رزاح بن ربيعة بقومه بني عذرة فغلب على خزاعة، وكانوا قد استخفوا ~~بالبيت والحرم، فأجلاهم عنه وعظمه وولي أمر مكة، وساد قريشا وملك أمرها ~~ودانت له PageV01P031 # بأسرها. # وكان عبد مناف شريفا بنفسه وبأبيه، لا يدفع شرفه ولا ينازع فيه، وكان عبد ~~الدار أكبر ولد قصي وكان فيه ضعف، وكان عبد مناف أشرف ولد قصي قد شرف في ~~حياة أبيه، فادعى من لم يشرف بنفسه من بنيه الفضل به مع من شرف بنفسه ~~وبشرفه، وقد بينا أن ذلك لا يصلح لمن ادعاه، وسنذكر من ادعى ذلك وفساد ~~دعواه. # وقيل: إن قصيا لما كبر ورأى تخلف عبد الدار، وهو يكره علو عبد مناف عليه ~~رق له وحمى فيه وأراد أن يجعل له شرفا، فأعطاه مفتاح الكعبة واللواء، وأعطى ~~عبد مناف السقاية والرفادة ودار الندوة، والله عز وجل يؤتي الفضل من يشاء ~~من عباده، فجعل عز وجل الفضل والشرف في عبد مناف، ونقل النبوة إلى صلبه ~~وجعلها في عقبه إلى ما خصه به من مكارم الأخلاق التي وصفناها ms014 والفضائل التي ~~عددناها. PageV01P032 ### | ذكر مناقب هاشم بن عبد مناف ومثالب عبد شمس بن عبد مناف وهو أخوه # وولد لعبد مناف بن قصي هاشما، واسمه عمرو، وقيل له: عمرو العلي، لشرفه، ~~وسمي هاشما، لأنه أول من هشم الخبز وثرده وأطعمه، فسمي به هاشما وغلب ذلك ~~عليه [1]. # ومن فضله وشرفه أنه والد رسول الله صلى الله عليه وآله فاستحق من الفضل ~~ما قدمنا ذكره، لقول الله عز وجل: @QUR05 إن أكرمكم عند الله أتقاكم [2] ~~وقول رسول الله صلى الله عليه وآله فيه: «نقلت من كرام الأصلاب إلى مطهرات ~~الأرحام» [3] دون أخوته عبد شمس وغيره. # ولقول رسول الله صلى الله عليه وآله: «ما افترقت فرقتان إلا وكنت من ~~خيرهما» [4] وقوله صلى الله عليه وآله: # «وبعثت من خير قريش» [5]. # فدل ذلك على أن الفضل والشرف فيمن هو منه صلى الله عليه وآله دون من نازع ~~ذلك ممن بان عنه، ومن ذلك الحديث المرفوع أنه صلى الله عليه وآله أمر بلالا ~~أن يؤذن لصلاة الظهر يوما قبل وقتها، وذلك في رجب لثلاث عشرة ليلة مضين ~~منه، ففعل ذلك بلال وفزع الناس له PageV01P033 # وقالوا: قد حدث أمر. # واجتمعوا إلى المسجد فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله يمشي حتى انتهى ~~إلى باب الشاميين، وهو باب من أبواب المسجد، فأخذ بعضادتيه وفي المسجد مكان ~~يسمى السدة، فقال: «هل تسمعون يا أهل السدة؟». # فقالوا: سمعنا وأطعنا يا رسول الله. # فقال: «هل تبلغون؟». # قالوا: ضمنا يا رسول الله. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «إن الله خلق الخلق قسمين فجعلني في ~~خيرهما قسما، وذلك قوله عز وجل: @QUR05 وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين ~~[1]@QUR05 وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال [2] فأنا من أصحاب اليمين ~~والباقون من أصحاب الشمال وأنا خير من أصحاب اليمين، وجعل القسمين أثلاثا ~~فجعلني من خيرها ثلثا وذلك قوله عز وجل: @QUR014 فأصحاب الميمنة ما أصحاب ~~الميمنة وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة والسابقون السابقون أولئك ~~المقربون [3] فأنا من السابقين وأنا خير السابقين، ثم جعل الأثلاث قبائل ~~فجعلني من خيرها قبيلة، ms015 وذلك قوله: @QUR012 يا أيها الناس إنا خلقناكم من ~~ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا [4] فقبيلتي خير القبائل وأنا ~~سيد ولد آدم وأتقاهم لله ولا فخر، ثم جعل القبائل بيوتا فجعلني في خيرها ~~بيتا وذلك قوله: @QUR09 إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم PageV01P034 # @QUR01 تطهيرا [1] ألا وإن الله اختارني في ثلاثة من أهل بيتي أنا سيد ~~الثلاثة وأتقاهم لله ولا فخر، اختارني من بين علي وحمزة وجعفر، وكنا رقودا ~~بالأبطح ليس منا إلا مسجى بثوبه على وجهه، علي عن يميني وجعفر عن يساري ~~وحمزة عند رجلي، فما نبهني عن رقدتي غير حفيق أجنحة الملائكة وبرد ذراع علي ~~على صدري، فانتبهت عن رقدتي وجبرئيل في ثلاثة أملاك يقول أحدهم: يا جبرئيل ~~إلى أي الأربعة بعثت؟ # فرفسني برجله وقال: إلى هذا. # فقال: ومن هذا؟ # فقال: هذا محمد سيد المرسلين، ثم أومى إلى علي فقال: هذا وصيه سيد ~~الوصيين، وأومى إلى حمزة فقال: وهذا سيد الشهداء، وأومى إلى جعفر فقال: ~~وهذا الطيار في الجنة يكون له فيها جناحان خضيبان يطير بهما» [2]. # فهذا أوضح ما ذكرناه في أن الفضل في القرب من رسول الله صلى الله عليه ~~وآله، فمن نازع أهل الفضل في فضلهم أو ادعاه معهم أو دونهم، فقد ناصب الله ~~عز وجل وأولياءه وباء بغضب من الله ورسوله. # وولي هاشم بعد أبيه ما كان له من السقاية والرفادة، دون أخوته عبد شمس ~~والمطلب ونوفل وعبد أبي عمرو، وسلمت له ذلك قريش كلها، وقام به دونها ~~ووليه، وكان يقوم خطيبا في قريش في أول يوم من ذي الحجة مسندا ظهره إلى باب ~~الكعبة، فيحض قريشا على مكارم الأخلاق ويخطبها فيقول: معشر قريش أنتم سادة ~~العرب أحسنها وجوها وأعظمها أحلاما وأوسط العرب أنسابا وأقرب العرب بالعرب PageV01P035 # أرحاما، يا معشر قريش إنكم جيران بيت الله عز وجل، أكرمكم الله بولايته ~~واختصكم بجواره دون بني إسماعيل، وحفظ منكم أحسن ما حفظ جار من جواره، ~~فاكرموا ضيفه وزوار بيته، فإنهم يأتونكم شعثا غبرا من كل بلد، فو ms016 رب هذا ~~البيت لو كان مالي يحمل ذلك لكفيتكموه، ولكني مخرج من طيب مالي وحلاله ما ~~لم يقطع فيه رحم، ولم يؤخذ بظلم ولم يدخل فيه حرام فواضعه، فمن شاء منكم أن ~~يفعل من ذلك ما قدر عليه وأمكنه فعل، وأسألكم بحرمة هذا البيت ألا يخرج رجل ~~منكم من ماله، لكرامة زوار البيت ومئونتهم إلا طيبا لم يؤخذ ظلما ولم يقطع ~~فيه رحم، وكانت بنو كعب بن لؤي تجتهد كلها في ذلك، فإذا أخرجوا ما يخرجونه ~~من أموالهم أتوا به هاشم بن عبد مناف فوضعوه في داره دار الندوة، حتى أن ~~أهل البيت ليرسلون بالشيء اليسير على قدرهم، فيطعمون بذلك الحجيج [1]. # وكان هاشم يأمر بحياض من أدم فتجعل في موضع زمزم، وذلك قبل أن تحفر وينقل ~~الماء إليها فيشرب الحاج منها ويسقون، وكان يطعمهم بمكة قبل التروية ويوم ~~التروية بمنى وعرفة وبجمع والمزدلفة، وكان يثرد لهم الخبز ويطعمهم اللحم ~~والسمن والسويق والتمر، ويسقيهم اللبن ويحمل لهم الماء، إلى أن ينفر الناس ~~إلى بلدانهم، يفعل ذلك كل عام، ولذلك سمي هاشما، وسمي القمر، لشرفه وجماله، ~~وفي ذلك يقول مطرود الخزاعي، وقد دعى إليه بعض من نازعه في خصومة: # إلى القمر الساري المقيم دعوته %~% ومطعمهم في الأزل من قمع الجزر [2] # وفيه يقول آخر: # عمرو الذي هشم الثريد لقومه %~% ورجال مكة مسنتون عجاف [3] PageV01P036 # وكان هاشم أول من أمن سبل مكة، وذلك أن قريشا كانوا تجارا، ولم تكن ~~تجارتهم تجاوز مكة، ولا يخرجون منها حتى ركب هاشم بن عبد مناف إلى الشام، ~~فنزل بقيصر وكان يذبح كل يوم شاة ويضع جفنة ثريد، ويدعو من حوله فيأكلون، ~~وكان من أحسن الناس غصنا وأجملهم، فذكروا أمره لقيصر فدعاه، فلما رآه أعجب ~~به وخصه وأدناه وحسنت منزلته عنده، فقال له هاشم: أيها الملك إن لي قوما ~~وهم تجار العرب، فإن رأيت أن تكتب لهم كتابا بالأمان تؤمنهم وتؤمن تجارتهم، ~~فيقدمون عليك بما تستطرفه من أدم الحجاز وثيابه فيبيعونها عندك. فكتب له ~~كتابا بالأمان لمن أتى منهم. # وأقبل ms017 هاشم بذلك الكتاب، فجعل كلما مر بحي من أحياء العرب على طريق ~~الشام، واقفهم على أن قريشا تحمل لهم البضائع، فيكفونهم حملها ويردون إليهم ~~رءوس أموالهم وربحهم، فذلك الإيلاف، وأخذ هاشم الإيلاف لمن بينه وبين ~~الشام، حتى قدم مكة فأتاهم بأعظم شيء ما أتوا به قط بركة، فخرجوا بتجارة ~~عظيمة وخرج هاشم معهم يجوز بهم ويوفيهم الإيلاف الذي أخذ لهم من العرب، فلم ~~يبرح يجمع بينهم وبين العرب حتى ورد الشام، ومات في تلك السفرة بغزة من أرض ~~الشام [1]. # ففي ذلك يقول مطرود الخزاعي ونظر إلى رجل كان نازلا في بني سهم ببنيات له ~~وامرأة في مسغبة شديدة، فحولوه وأمروه أن ينتقل عنهم، فخرج يحمل متاعه ~~وولده وخرج بامرأته لا يأويه أحد، فقال مطرود: # يا أيها الرجل المحول رحله %~% هلا حللت بآل عبد مناف PageV01P037 # هبلتك أمك لو حللت بدارهم %~% ضمنوك من جوع ومن إقراف # الآخذون العهد في آفاقها %~% والراحلون لرحلة الإيلاف [1] # وقيل: إن رسول الله صلى الله عليه وآله مر ومعه أبو بكر برجل يقول: # يا أيها الرجل المحول رحله %~% هلا حللت بآل عبد الدار. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لأبي بكر: «هكذا قال الشاعر؟». # قال: لا يا رسول الله، ولكنه قال: # يا أيها الرجل المحول رحله %~% هلا حللت بآل عبد مناف. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «نعم هكذا كنا نسمعها» [2]. # وقيل: إن الرجل المحول رحله أوس الأنماري، وكان قدم مكة فنزل على بعض بني ~~جمح فنادم يوما بعضهم وكان فيمن نادمه أمية بن خلف وأبي بن خلف، فانتشى أوس ~~فقال للقوم: إنه ورب الكعبة لا يسألني اليوم واحد منكم شيئا إلا أعطيته ~~إياه. # فقال غلام من غلمان بني جمح: فإني أسألك أن تعطيني امرأتك. # فقال: نعم، فقام وأخذ بيده وقام به إلى منزله فقتله وحول رحله من بني ~~جمح، فله يقول مطرود الخزاعي: # يا أيها الرجل المحول رحله %~% هلا حللت بآل عبد مناف # بأبيات، وقال مطرود الخزاعي يرثي هاشما: # مات الندى بالشام يوم ثوى %~% أودى ms018 بغزة هاشم لا يبعد # فجفانه رذم لمن بفنائه %~% والنصر منه باللسان وباليد [3] # وكان هاشم وعبد شمس توأمين ولدا في بطن واحد، وهما أكبر ولد عبد مناف، PageV01P038 # وأمهما عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم ~~بن منصور بن عكرمة بن حفصة بن قيس بن غيلان. # وقد قيل عنها: إنها حسستهما في حين الولادة يتنازعان الخروج، وكان ذلك ~~أول ما عرف من اختلاف ما بينهما، ولما نشأ هاشم وشب نشأه على طباع الكرم ~~والسؤدد والخير والشرف، وأبانه الله عز وجل بذلك الفضل بأبوة رسول الله صلى ~~الله عليه وآله، ولأنه نقل إلى صلبه وحرم ذلك عبد شمس وغيره من ولد عبد ~~مناف، دلالة على فضل أبوة رسول الله صلى الله عليه وآله، فنقل الله عز وجل ~~ولادة النبوة إليه ووسع من الدنيا عليه، فحسده عبد شمس للفضل الذي جعله ~~الله عز وجل فيه دونه. # وقيل: إن هاشما هو الأكبر بسبق الولادة، واستشهد القائل لذلك بقول آدم بن ~~عبد العزيز: # يا أمين الله إني قائل %~% قول ذي لب ودين وحسب # عبد شمس لا تهنها إنما %~% عبد شمس عم عبد المطلب # عبد شمس كان يتلو هاشما %~% وهما بعد لأم ولأب [1] # وقال آخرون: عبد شمس هو الأكبر، قالوا: وإنما قال يتلو هاشما يعني في ~~الفضل. # وإذا كان هذا فهو أفخر، وليست السابقة في السن حجة في الفضل، وقد كان وصي ~~آدم أصغر ولده وكان أفضلهم، وكان عبد الله أبو رسول الله صلى الله عليه ~~وآله أفضل ولد عبد المطلب وكان أصغرهم سنا، وكان المطلب شقيق هاشم وعبد ~~شمس، وكان يميل إلى هاشم، ومال نوفل إلى عبد شمس، ولذلك قال رسول الله صلى ~~الله عليه وآله: «نحن وبنو المطلب كهاتين- وجمع بين إصبعيه لم نفترق في ~~جاهلية ولا في إسلام» [2]. # وكان لهاشم من الفضائل ما ذكرناه ومن المناقب ما عددناه، ولم تكن لعبد ~~شمس PageV01P039 # فضيلة بنفسه ولا منقبة ولا لولده، وإنما ذكر بأبيه وبولد ولده، وقد ذكرنا ~~فيما تقدم ms019 ضعف الشرف بالأبوة إذا لم يكن للأبناء شرف بأنفسهم، وذلك ~~بالأبناء وأبناء الأبناء أضعف، وسيما إذا كان الشرف المدعى بهم أقل من أن ~~يوصف، وسنذكر فيما بعد حالهم والشرف المدعى لهم إن شاء الله. # ومن مثالب عبد شمس: منازعة الشرف أهله، وقد ذكرنا ما يدخل من النقص في ~~ذلك على من فعله، وكان عبد شمس مقلا [1]، وكان يكثر السفر والاختلاف إلى ~~الشام، حسدا واغتماما لما يراه من شرف هاشم وسؤدده، وهو عما يكسب ذلك معرض ~~لم يشهر فيه باسمه، ولا عرف له فيه أثر. PageV01P040 ### | ذكر مناقب عبد المطلب بن هاشم ومثالب أمية بن عبد شمس ### || [مناقب عبد المطلب بن هاشم] # فولد هاشم عبد المطلب جد رسول الله صلى الله عليه وآله لأبيه، وكان له من ~~الفضل بأبوته بقدر قرب ميلاد النبوة فيه، وكان له من الشرف والسؤدد ما غلب ~~له أمره على أهل مكة وكافة قريش، واشتهر في سائر العرب. # وأمه: سلمى بنت عمر بن زيد بن لبيد بن خداش بن عامر بن غنم بن عدي بن ~~النجار. # واسم النجار: تيم الله بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج [1] # وكان هاشم مر بيثرب فنزل على عمرو بن زيد فرأى سلمى ابنته فخطبها إليه ~~فزوجه بها، وشرط عليه أنها متى حملت أتى بها لتلد في دار قومها، وبنى هاشم ~~بها بيثرب ومضى بها إلى مكة فحملت، فلما أثقلت أتى بها إلى يثرب في السفرة ~~التي توجه فيها إلى الشام، فمات هناك وولدت سلمى عبد المطلب بيثرب واسمه ~~شيبة، سمي بذلك لشيبة كانت في رأسه ولد بها وشب بيثرب عند أمه، فمر به رجل ~~من بني الحرث بن عبد مناف، وهو مع صبيان يتناضلون فرآه أجملهم وأحسنهم ~~إصابة، وكلما رمى فأصاب قال: أنا ابن هاشم، أنا ابن سيد البطحاء. # فأعجب الرجل ما رأى منه ودنا إليه فقال له: من أنت يا بني؟ # فقال: أنا شيبة بن هاشم بن عبد مناف. # فقال: بارك الله فيك وكثر فينا مثلك. # فقال: ومن أنت يا عم؟ # قال: ms020 رجل من قومك. PageV01P041 # فقال: حياك الله ومرحبا بك، وسأله عن حاله وحاجته فرأى الرجل منه ما ~~أعجبه. # فلما أتى مكة لم يبدأ بشيء حتى أتى المطلب بن عبد مناف فأصابه جالسا في ~~الحجر، فخلا به وأخبره خبر الغلام وما رأى منه. # فقال المطلب: والله لقد أغفلته وما كنت بالذي أرجع إلى أهلي ولا مالي حتى ~~أنتهي إليه. # وركب قلوصا ولحق بالمدينة فقصد محلة بني النجار، فإذا هو بالغلام في ~~غلمان منهم فلما رآه عرفه فأناخ له قلوصه، وقصد إليه فأخبره بنفسه وأنه جاء ~~للذهاب به، فما كذب أن جلس على عجز الرجل وركب المطلب القلوص ومضى به. # وقيل: بل كانت أمه علمت بمجيئه ونازعته فيه، فقال المطلب: # يا سلمى يا أخت بني النجار %~% كفى حياء ودعي انتهاري # إني ورب البيت ذي الأستار %~% لو قد شددت العيس بالأكوار # لراح وسط النفر السنار %~% حتى يرى أبيات عبد الدار # وسار به حتى أتى مكة وهو خلفه، فلما رآه الناس قاموا إليه وسلموا عليه ~~وقالوا: # من أين أقبلت؟ # قال: من يثرب. # قالوا: ومن هذا معك؟ # قال: عبد ابتعته. # فلما أتى محله اشترى له حلة فألبسه إياها وأتى به مجلس بني عبد مناف ~~فقال: # هذا ابن أخيكم هاشم، وأخبرهم بخبره. # فقالوا: هو الذي قلت بالأمس إنه عبدك. فغلب عليه اسم عبد المطلب [1]. # ونشأ على مكارم الأخلاق والفضل والسؤدد والكرم، فسمي بشيبة الحمد، وفي PageV01P042 # ذلك يقول حذافة بن غانم بن عوف بن عبيد الله بن عويج بن عدي بن كعب يمدح ~~بني عبد المطلب: # على شيبة الحمد الذي كان وجهه %~% يضيء ظلام الليل كالقمر البدر # كهولهم خير الكهول ونسلهم %~% كنسل الملوك لا تبور ولا تحري # وساقي الحجيج ثم للخبز هاشم %~% وعبد مناف السيد الغمر الفهري # متى تلق منهم خارجا في شبابه %~% تجده على أجرار والده يجري # هم ملئ البطحاء مجدا وسؤددا %~% وهم نكلوا عنا غواة بني بكر # وهم يغفرون الذنب ينقم مثله %~% وهم تركوا رأي السفاهة والهجر # أخارج أما أهلكن فلا تزل %~% لهم شاكرا حتى تغيب ms021 في القبر [1] # وروى جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه صلوات الله عليهم: أن سبب ~~قول حذافة هذه الأبيات: أن ركبا من جذام خرجوا صادرين عن الحج من مكة، ~~ففقدوا رجلا منهم غالته بيوت مكة، فتلقوا حذافة فأخذوه وربطوه ثم انطلقوا ~~به، فتلقاهم عبد المطلب مقبلا من الطائف وقد كف بصره ومعه ابنه أبو لهب ~~يقود به، فلما رآه حذافة هتف به، فقال عبد المطلب لابنه أبي لهب: ويلك ما ~~هذا؟ # فقال: هذا حذافة بن غانم مربوطا مع ركب. # قال: الحق بهم فاسألهم عن حاله. # فلحقهم فأخبروه بخبره، فرجع إلى عبد المطلب فأخبره بخبره. # فقال: ويحك هل معك شيء تفديه به؟ # فقال: لا والله. # قال: فالحقهم لا أم لك فارهنهم رهنا به وافتكه منهم. PageV01P043 # فلحقهم أبو لهب وقال: قد عرفتم تجارتي ومالي وأنا أحلف لكم لأعطينكم ~~عشرين أوقية من ذهب وعشرا من الإبل وفرسا، وهذا ردائي رهنا على ذلك. # فقبلوه منه وأطلقوا حذافة فأقبل به، فلما سمع عبد المطلب صوت أبي لهب ~~قال: وأبي إنك لعاص، أمض لما أمرتك به. # فقال: يا أبت قد فعلت وهذا الرجل قد جئت به. # فناداه عبد المطلب: يا حذافة اسمعني صوتك. # فقال: نعم ها أنا ذا بأبي وأمي أنت يا ساقي الحجيج [اردفني]. # فقال له عبد المطلب: ادن مني. # فدنا منه فأردفه حتى دخل به مكة، فقال حذيفة هذا الشعر: # بنو شيبة الحمد الذي كان وجهه %~% يضيء ظلام الليل كالقمر البدر # وخارجه ابنه الذي قال له فيها: # أخارج أما أهلكن فلا تزل %~% لهم شاكرا حتى تغيب في القبر [1] PageV01P044 ### || [عبد المطلب وحماية بيت الله] # ومن حديث ابن شهاب: أن أول ما ذكر من شرف عبد المطلب وفضله أن قريشا خرجت ~~فارة من أصحاب الفيل، وعبد المطلب يومئذ غلام شاب فقال: والله لا أخرج من ~~حرم الله أبغي العزة في غيره فجلس في البيت وأجلت قريش عنه فقال عبد ~~المطلب: # لا هم أن المرء يمنع حله فامنع حلالك %~% لا يغلبن صليبهم ومحالهم عدو ~~محالك ms022 # فلم يزل ثابتا في الحرم حتى أهلك الله أصحاب الفيل، فانصرفت قريش وقد عظم ~~أمره عندها، بحسن رأيه وبصيرته وتعظيمه حرم ربه [1]. # ولما وصل أصحاب الفيل إلى مكة أصابوا إبلا لعبد المطلب، واتصل خبره ~~ومقامه بالبيت وشرفه إلى أبرهة ملك الحبشة فأرسل إليه، فلما رآه ونظر إلى ~~جماله وهيبته أجلسه إلى جانبه، وأقبل عليه وحدثه وبسطه، وسأله عن حاجة إن ~~كانت له. # قال: نعم، إبل لي أصابها قومك فتأمر بردها إلي. # فأعرض عنه أبرهة مليا ثم قال: قد سقطت من عيني وما ظننت أنك تسألني لأترك ~~هذا البيت الذي جئت لأهدمه ومحله عندك محله، فتركت ذلك تسألني في إبل هينة ~~القدر. # فقال عبد المطلب: إنما سألت مالي الذي أنا ربه، وهذا البيت له رب سيمنعه ~~منك إن شاء. # فعظم في عين أبرهة، ووقع كلامه منه موقعا عظيما، وأمر برد إبله عليه. # وصدق الله مقالة عبد المطلب وحمى بيته من أصحاب الفيل وأرسل عليهم PageV01P045 # طيرا أبابيل [1]. # وتلك باهرة من بواهر النبوة فيه، ودليل بين ظاهر واضح من دلائلها منه، ~~وقال عبد المطلب في ذلك: # صرمت ومالك لا تصرم %~% ورأسك من كبر أشيم # تبد لك الشيب بعد للشباب %~% فمالك في خلد مزعم # فدع عنك ذكرك أمر الوصال %~% فإنك من ذكره أحلم # وعد القوافي ذات الصواب %~% لجيش أتاك بها الأشرم # غداة أتوك بمثل البطاح %~% كانا أناس لهم مغنم # بفيل يزجونه للوقاع %~% إذا زمروه له همهم # به زحفوا نحو بيت الإله %~% ليترك بنيانه يهدم # وبنيان من كان في دهره %~% خليلا بخالقه يكرم # فردهم الله عن هدمه %~% وأعياهم الفيل لا يقدم # بطير أبابيل ترميهم %~% كان مناقيرها العندم # تبس الحجارة في هامهم %~% كرمي ذوي الكتب من ترجم # فأضحى النسور بهم وقعا %~% عكوفا كما اعتكف المأتم # وأورثنا الله خير البلاد %~% بلاد بها حفرت زمزم # بنصر من الله رب العباد %~% على رغم من أنفه يرغم # وقال أيضا في ذلك: # منعت من ابرهة الحطيما %~% والنصب من مكة والحريما # وكنت فيما ساره زعيما %~% قلت لقومي منطقا عظيما PageV01P046 # يا قوم ابلوا ms023 مشهدا كريما %~% قد قال من يستجهل الحليما # ابرهة الناذر أن يقوما %~% على رجاء بيتكم مهدوما # فسار يزجي فيله الملموما %~% يدعوا إلى ما نابه يكسوما # والحبش من سواده الصميما %~% وسرت لا وخلا ولا سؤما # حتى التقينا موقفا معلوما %~% بين ثنايا ترجم الهموما # وكان ذو العرش بنا رحيما %~% أيدنا وأهلك الظلوما # بالطير ترميهم جثوما %~% بمرسلات سومت تسويما # قذف اليهود العاهر المرجوما %~% فأصبحوا وفيلهم رميما # تخالهم في الملتقى هشيما %~% وفيت لا مود ولا مذموما # قد فلجت حجتي الخصوما # وقال في ذلك أيضا: # لما سمعت الأشرم الضئيلا %~% لنا يزجي خيله والفيلا # وجحفلا كالليل مستجيلا %~% يملأ حزن الأرض والسهولا # تخال صوت الضرب والصهيلا %~% صوت دوي النحل أو عويلا # من يرهم في مجمع نزولا %~% يفزع وينظر منظرا جليلا # دعوت ربي دعوة هؤلاء %~% دعوة من قد خاف أن يزولا # والله في الجيش أجاب القيلا %~% ولم يكن ناصره مخذولا # هو الذي إذ ركبوا الجليلا %~% صب على أبرهة السجيلا # والطير من فوقهم مثولا %~% فامطرتهم مطرا وبيلا # فوقعوا صعر الرءوس ميلا %~% كالزرع يلفي رأسه مأكولا # وقال عبد المطلب في ذلك أيضا: # الحمد لله الأجل الأعظم %~% أيدنا اليوم زحوف الأشرم # بالنصر والريح وطير حوم %~% ترميهم بالجندل المسوم PageV01P047 ### || [حفر زمزم] # وقيل: إن عبد المطلب رأى في المنام آتيا أتاه فقال: احفر زمزم خبية الشيخ ~~الأعظم [1]. # فاستيقظ فقال: اللهم بين لي. # ثم نام فأتاه فقال: احفر زمزم لا تنزف ولا تذم. # فانتبه فقال: اللهم بين لي. # فقيل له: احفر زمزم تروي الحجيج الأعظم. # فقال: اللهم بين لي. # فقيل له: احفر المضنونة ضن بها عن الناس إلا عنك. # فقال: اللهم بين لي. # فقيل له: احفر زمزم بين الفرث والدم، في مبحث الغراب على قرية النمل، ~~مستقبل الأنصاب الحمر فقام. # فمشى حتى جلس في المسجد الحرام ينتظر ما قيل له، فبينا هو كذلك إذ أقبلت ~~بقرة نحوها قوم، فانفلتت من جازرها بحشاشة نفسها، فهجمت في المسجد الحرام ~~وسقطت في موضع زمزم، وأدركها الجازر فأجهز عليها مكانها وسلخها واحتمل ~~لحمها، وأقبل غراب يهوي حتى وقع في ms024 الفرث، فبحث فيه عن قرية نمل، فقام عبد ~~المطلب فاحتفر هنالك، فجاءته قريش فقالت: ما هذا الصنيع تحفر في مسجدنا وما PageV01P048 # نظنك بالجهل. # فقال عبد المطلب: أنا حافر هاهنا بئرا ومجاهد من صدني عنها. # فكفوا عنه لما يعلمون من فضله واجتهاده في دينه، فلم يزل يحفر حتى أدرك ~~سيوفا ودروعا دفنت في زمزم لما دفنت، فلما رأت قريش ذلك قالت له: أجدنا مما ~~وجدت. # قال: هي لبيت الله. # ثم حفر حتى انبط الماء، ثم بحرها لئلا تنزف، وبنى عليها حوضا [1]. # وكانت زمزم بئر إسماعيل، فلما رحلت جرهم عن مكة دفنت فيها ما دفنت ~~وردمتها وأخفت مكانها، فلما علمت قريش أنها بئر أبيهم إسماعيل عليه السلام ~~وأن عبد المطلب هدي إليها وفضل باستخراجها وما استخرج منها، زادت في تعظيمه ~~وزمزم هي بئر اسماعيل عليه السلام التي أسقاه الله إياها حين ظمئ وهو صغير، ~~فلما احتفرها عبد المطلب عطلت قريش كل سقاية كانت بمكة، وأقبلوا عليها ~~التماس بركتها يشربون ويغسلون منها في حوضها، فأخربوه وثلموه، فأري عبد ~~المطلب في المنام فقيل له: # قل اللهم لا أحلها لمغتسل ولكن هي لشارب حل وبل. فقال ذلك فلم يغتسل منه ~~أحد بعد ذلك إلا رمي جسده بداء، فلما رأوا ذلك تركوه [2]. # وفي احتفار عبد المطلب زمزم يقول خويلد بن أسد بن عبد العزى: # أقول وما قولي عليهم بسبة %~% إليك ابن سلمى أنت حافر زمزم # حفيرة إبراهيم يوم ابن هاجر %~% وركضة جبرئيل على عهد آدم [3] PageV01P049 # وقيل: إن عبد المطلب أصاب في زمزم غزالا مصوغا من ذهب [1]. وقيل: غزالين ~~وحليا كثيرا فطلبت ذلك منه قريش، فضرب عليه بالسهام لهم وللبيت، فخرج سهم ~~البيت فحلاه به، وكان أول حلي حليت به الكعبة [2]. # وجاء عن علي صلوات الله عليه: «أن قريشا لما رأت ما استخرجه عبد المطلب ~~من زمزم، اجتمعوا إليه فقالوا: يا عبد المطلب هذه بئر أبينا إسماعيل عليه ~~السلام وأن لنا فيها حقا فأشركنا فيها وفيما أصبت منها. # فقال: ما أنا بفاعل ذلك إن هذا الأمر قد ms025 خصصت به دونكم وأعطيته من بينكم. # فأبوا عليه إلا أن يعطيهم وقالوا: حاكمنا في ذلك. # ودعوه إلى كاهنة بني سعد بن هذيم، فخرج معهم وخرج من كل قبيلة من قريش ~~نفر، وكانت الأرض إذ ذاك مفاوز، حتى إذا كانوا ببعض تلك المفاوز بين الحجاز ~~والشام فني ماء عبد المطلب ومن معه من أصحابه، فاستسقوا من معهم من قبائل ~~قريش، فأبوا عليهم وقالوا: إنا بمفازة ونحن نخشى على أنفسنا ما أصابكم. # فلما رأوا ذلك نزلوا واحتفر كل واحد منهم حفيرا جلس فيها وقالوا: من مات ~~منا دفنه من بقي. # ثم إن عبد المطلب قال: والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في ~~الأرض ولا نبتغي لأنفسنا لعجز. # ثم قام إلى راحلته فركبها، فلما انبعثت به انفجرت من تحت خفيها عين من ~~ماء عذب فكبر عبد المطلب فكبر أصحابه، ثم نزل فشرب وشربوا واستسقوا وملئوا ~~أسقيتهم، ثم دعا القبائل الذين كانوا معه من قريش وقال: هلموا إلى الماء ~~فقد سقانا الله. PageV01P050 # فشربوا وأسقوا واستسقوا ثم قالوا: والله لقد قضى الله لك علينا يا عبد ~~المطلب، والله لا نخاصمك في زمزم أبدا، وأن الذي سقاك الماء بهذه الفلاة ~~لهو سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدا. # فرجع ورجعوا معه وخلوا بينه وبينها» [1]. # وقيل: إن الذي رأى عبد المطلب في منامه، قائل يقول له حين أمر بحفر زمزم: # قم فادع بالماء الروي غير الكدر %~% لكنه ماء حياء ماء غمر # يسقي حجيج الله في كل مبر %~% ليس يخاف منه ماء بخمر # فخرج عبد المطلب فأعلم قريشا بما رأى [وقال: تعلموا أني قد أمرت أن أحفر ~~لكم زمزم]. # قالوا: هل بين لك مكانها؟ # قال: لا. # قالوا: فارجع إلى مضجعك، فإن تكن الرؤيا من الله بين لك وإن تكن من ~~الشيطان فلن يعود إليك. # فرجع إلى مضجعه فنام فقيل له: # عبد مناف أحفر حفير زمزم %~% إنك إن حفرتها لم تندم # وهي تراث من أبيك الأعظم %~% لا تنزف الدهر ولا تذمم # سقيا الحجيج المحرمين الأعظم %~% مثل نعام جافل ms026 لم يقسم # ينذر فيها ناذر لمنعم %~% تكون ميراثا وعقدا محكم # ليست كبعض الأمر ما لم تعلم %~% وهي حفير من بين فرث ودم # قال: وأين هي؟ PageV01P051 # قال: عند قرية النمل حيث ينقر الغراب غدا [1]. # وقيل: إن قريشا لما سألت عبد المطلب مما أصاب في زمزم قال لهم: هل لكم أن ~~نضرب عليها بالقداح لي ولكم وللكعبة، فرضوا بذلك فجعل قد حين أصفرين للكعبة ~~وقد حين أسودين له وقد حين أبيضين لقريش، ثم أعطوا صاحب القداح الذي يضرب ~~بها عند هبل، فقام عبد المطلب يدعوا ويقول: # اللهم أنت الملك المحمود %~% ربي وأنت المبدئ والمعيد # من عندك الطارف والتليد %~% إن شئت الهمت لما تريد # فخرج الأصفران على الغزالين للكعبة، والأسودان على الأسياف والأدرع لعبد ~~المطلب، وتخلف قدحا قريش، فصير عبد المطلب كل شيء للكعبة [2]. # وهذا قد يجوز أن يكون كان بعضه، ويجوز أن يكون كان كله في مقام بعد مقام، ~~والله أعلم. # وقيل: إن عبد المطلب لما احتفر زمزم نذر أن ينحر عند تمامها أحد ولده ~~[3]. # وقيل: بل نذر ذلك لما أرادت قريش صده عن حفر زمزم، ولم يكن له ولد يومئذ ~~غير الحارث، فنذر إن ولد له عشرة من الولد يمتنع بهم أن ينحر أحدهم، وسنذكر ~~هذه الرواية بتمامها في موضعها إن شاء الله. # وقيل: بل كان قد ولد له تسعة فنذر إن ولد له عاشر أن ينحره، وهذه الرواية ~~أصح، وجاءت عن أهل البيت عليهم السلام [4]. PageV01P052 # فولد له عبد الله أبو رسول الله صلى الله عليه وآله فألقى الله عليه ~~محبته وضن به عن القتل، فأخرج عشرة من الإبل وقال: أنحرها وأنذرها وادعه، ~~ثم قال: وما يدريني أن الله لا يرضيه ذلك مني ولا يفي بنذري، ولكني أقرع ~~عليها وعليه. # ففعل فخرج السهم على عبد الله فزاد عشرة وأقرع فخرج السهم عليه ولم يزل ~~كذلك يزيد عشرة عشرة، والسهم يخرج على عبد الله حتى بلغت مائة، فخرج السهم ~~على الإبل فقال: لا والله لا أنتهز هذه الفرصة في مرة واحدة حتى ms027 يقع السهم ~~على الإبل عشر مرات، كما وقع على عبد الله وإلا زدت، فخرج السهم على الإبل ~~عشر مرات، فقال: الآن علمت أن ربي قد رضي، فنحرها. # وقال للناس: دونكم إياها، فانتهبوا لحمها، ففي ذلك يقول مرة بن خليف ~~الفهمي: # كما قسمت نهبا ديات ابن هاشم %~% ببطحائها في حيث تغتصب البزل [1] # وقيل: كان عبد المطلب أشرف قريش في عصره وسيدها غير مدافع، وكان يرى فيه ~~نور النبوة وهيبة الملك، ومكارمه أكثر من أن تحصى أو يحاط بها، وكان يدعى ~~سيد الوادي، يعنون مكة وما حولها [2]. ### || [وفاة عبد المطلب ومراثيه] # وقيل: إنه لما احتضر جمع بناته وكن ستا فقال لهن: ابكين علي حتى أسمع، ~~ففعلن فقالت عاتكة بنت عبد المطلب: # أعيني جودا ولا تبخلا %~% بدمعكما قبل نوم النيام PageV01P053 # أعيني واسحنفرا واسكبا %~% وشوبا دموعكما بالتدام # أعينيني واستخرطا واسجما %~% على سيد غير نكس كهام # على الجحفل الغمر في النائبات %~% كريم المساعي وفي الذمام # على شيبة الحمد واري الزناد %~% وذي مصدق بعد ثبت المقام # وسيف لدى الحرب صمصامه %~% ومردي المخاصم عند الخصام # وسهل الخليفة طلق اليدين %~% وفي حسب عد ملي لهام # تبنك في باذخ بيته %~% رفيع الذؤابة صعب المرام # وقالت صفية بنت عبد المطلب: # أرقت لصوت نائحة بليل %~% على رجل بقارعة الصعيد # ففاضت عند ذلكم دموعي %~% على خدي كمنحدر الفريد # على رجل كريم غير وغل %~% له الفضل المبين على العديد # على الفياض شيبة ذي العلى %~% أبيك الخير وارث كل جود # صدوق في المواطن غير نكس %~% ولا سخب المقام ولا سنيد # وقالت البيضاء أم حكيم بنت عبد المطلب: # ألا يا عين جودي واستهلي %~% وبكى ذا الندى والمكرمات # ألا يا عين ويحك اسعديني %~% بدمع من دموع هاطلات # وبكى خير من ركب المطايا %~% أباك الخير تيار الفرات # وقالت برة بنت عبد المطلب: # أعيني جودا بدمع درر %~% على الطيب الخيم والمعتصر # على ماجد الجد واري الزناد %~% جميل المحيا عظيم الخطر # على شيبة الحمد ذي المكرمات %~% وذي المجد والعز والمفتخر # وقالت أروى بنت عبد المطلب: # بكت عيني وحق لها ms028 البكا %~% على شيخ سجيته الحياء PageV01P054 # على سمح الخليفة أبطحي %~% كريم الخيم نيته العلاء # على الفياض شيبة ذي المعالي %~% أبيك الخير ليس له كفاء # وقالت أميمة بنت عبد المطلب: # ألا هلك الراعي العشيرة ذو الفقد %~% وساقي الحجيج والمحامي عن المجد # ومن يولف الضيف الغريب لبيته %~% إذا ما سماء الناس تبخل بالرعد # كسبت وليدا خير ما يكسب الفتى %~% فلم تنفكك تزداد يا شيبة الحمد # أبو الحارث الفياض خلى مكانه %~% فلا تبعدن إذ كل حي إلى بعد # وإني لباك ما حييت وموجع %~% وكان له أهلا لما كان من وجدي # قيل: فلما سمعهن أشار إليهن برأسه: أن هكذا فابكين [1]. # وقالت أخته رقية بنت هاشم تبكيه: # ألا عين جودي واسعديني %~% بدمع من دموعك غير نذر # ألا يا عين وازري الدمع سحا %~% بسجل من سجالك غير هذر # ألا يا عين لا تسهي وجودي %~% بتحقان وترشاش وغمر # على الفياض شيبة ذي المعالي %~% أخيك الخير وارث كل فخر [2] # وقالت أشفاء بنت هاشم تبكي أخاها: # ألا يا عين ويحك اسعديني %~% بدمع واكف هطل غزير # على سمح السجية ذي فضول %~% كريم الخيم ذي نفل كثير # طويل الباع أروع شيظمي %~% أغر كغرة القمر المنير # على الفياض شيبة ذي المعالي %~% أخيك الأعظم الحدث الكبير [3] PageV01P055 # وقالت الضعيفة بنت هاشم تبكي أخاها عبد المطلب: # يا عين جودي بدمع دائم السيل %~% وابكي ابن هاشم ذي الخيرات والنفل # وابكي الفتى غير زميل ولا برم %~% ولا دني ولا نكس ولا وغل # على فتى يحمل الأعباء مضطلعا %~% صقر كريم نجيب بعد مقتبل # صعب البديهة يسمو للعلى قدما %~% محض الضريبة صاف غير ذي ذحل # وقالت خالدة بنت هاشم تبكي أخاها عبد المطلب: # ألا يا عين ويحك اسعديني %~% بدمع من دموعك ذي غروب # وجودي بالدموع ولا تملي %~% فقد فارقت ذا كرم وطيب # أخاك الخير شيبة ذي المعالي %~% وذا النسب المهذب والصليب # طويل الباع أبيض شمر يا %~% نجيبا وابن منتجب نجيب [1] # وقالت سبيعة بنت عبد شمس تبكي ابن عمها عبد المطلب: # أعيني جودا بالدموع السواكب %~% على خير شخص من لؤي بن ms029 غالب # أعيني جودا عبرة بعد عبرة %~% على رجل سمح كريم الضرائب # أعيني لا تستحسروا من بكاكما %~% على ماجد الأعراق عف المكاسب # أبي الحارث الفياض ذي العلم والنهى %~% وذي الباع والخيرات غير التكاذب ~~[2] PageV01P056 # وقالت أيضا تبكيه: # أعيني جودا بالدموع الهوامل %~% على الصدر مني مثل فيض الجداول # ولا تسأما أن تبكيا كل ليلة %~% ويوم على شخص كريم الشمائل # أعيني لا يغني وجيع بكاكما %~% على خير حاف من معد وناعل # على رجل عف عن الفحش والخنا %~% كريم المساعي واسع الرأي فاضل # على رجل لم يورث اللؤم جده %~% أشم طويل الساعدين حلاحل # أخي ثقة ماضي الغزيمة ماجد %~% له إرث مجد ثابت في الحواصل [1] # وقال مطرود بن كعب الخزاعي يبكي عبد المطلب: # يا أيها الرجل المحول رحله %~% هلا حللت بآل عبد مناف # هبلتك أمك لو حللت بدارهم %~% ضمنوك من جوع ومن إقراف # المنعمين إذا النجوم تغيرت %~% والظاعنين لرحلة الإيلاف # والمطعمين إذا الرياح تناوحت %~% حتى تغيب الشمس في الرجاف # أما هلكت أبا الفعال فما غدت %~% يوما على شرواك ذات نطاق # إلا أبيك أخي المكارم وحده %~% والفيض مطلب أبي الأضياف [2] ### || [مثالب أمية بن عبد شمس] ### || [أمية بن عبد شمس] # وكان بإزاء عبد المطلب ممن قدمنا ذكره أمية بن عبد شمس، وفيه عدد ولد عبد ~~شمس، وكان أمية متخلفا عن أسباب المكارم غير مذكور بها ولا موصوف بشيء ~~منها، ليست له فضيلة معروفة ولا سابقة موصوفة، وإنما ذكر بنيه وذكر بنوه ~~بمخالفة الحق وعداوة أهله، وسنذكر أخبارهم في موضعها إن شاء الله. # وكان أمية في نفسه مع عدمه خصال الشرف، ردئ الفرج عاهرا، موصوفا بذلك PageV01P057 # معروفا به، وكان أيضا مع ذلك ضعيف العقل دني الهمة. # وقيل: إنه تعرض يوما لامرأة من بني زهرة، فضربه رجل منهم بسيف فحمى فيه ~~بنوه وبنو أبيه ونصرهم قوم من قريش، فقاموا على بني زهرة وأرادوا إخراجهم، ~~فقام دونهم قيس بن عدي السهمي وكانوا أخواله، وكان منيع الجانب شديد ~~العارضة أبي النفس حمي الأنف، فقام دونهم ونادى: أصبح ليل، فذهبت مثلا ~~ونادى: ألا ms030 إن الظاعن مقيم، يعني بني زهرة. # ففي ذلك يقول وهب بن عبد بن مناف بن زهرة: # مهلا أمي فإن البغي مهلكة %~% لا يكسبنك يوما شره ذكر # تبدوا كواكبه والشمس طالعة %~% يصب في الكأس منه الصاب والمقر [1] # وفي عهر أمية يقول نفيل بن عبد العزى جد عمر بن الخطاب، وقد تنافر إليه ~~عبد المطلب وحرب بن أمية فعجب نفيل من جرأة حرب على ذلك وتعاطيه إياه، ~~وبكته فيه وأخزاه ونكله وقال له: # أبوك معاهر وأبوه عف %~% وذاد الفيل عن بلد الحرام [2] # وكان أمية أيضا لما رأي ما هيأه الله عز وجل لهاشم من الشرف والسؤدد على ~~أبيه، وأن أباه عجز عن ذلك، حسد هاشما عمه، ورام مناعيه فأعجزته، فشمت ~~بأمية ناس من قريش، فغضب من ذلك وأتى إلى هاشم فدعاه إلى المنافرة، فأعرض ~~عنه استخفافا به واستحقارا له، فقالت له وجوه قريش: إنك متى رجعت عنه كان ~~له مقال، ولم يزالوا به حتى أجابه، وجعل كل واحد منهما في ذلك خمسين ناقة ~~ينحرها ببطن PageV01P058 # مكة [والجلاء عن مكة عشر سنين] [1] واتفقا على كاهن خزاعة فنفر هاشم على ~~أمية، وأخذ هاشم من أمية الإبل فنحرها وأطعمها من حضر، وكثر القول في أمية ~~والطعن، فخرج إلى الشام فأقام به عشر سنين لذلك. # وقيل: إن هذا أول شيء وقع بين هاشم وأمية [2]. # وذلك أيضا مما دل على ضعف أمية أن ينافر عمه، ومن كان أبوه عجز عنه وهو ~~كان أقل وأذل من أبيه، وينافر عمه وأبوه حي ما تعاطى ذلك، وذلك أن هاشما ~~مات قبل عبد شمس، وهو أول من مات من ولد عبد مناف، ثم عبد شمس ثم نوفل ثم ~~عبد المطلب، وافترقت قبورهم. # مات هاشم بغزة من أرض الشام، وعبد شمس بمكة، ونوفل بسلمان من طريق ~~العراق، والمطلب بردمان من أرض اليمن. # ويقال: إن أمية صنع شيئا لم يصنعه أحد قبله في الجاهلية من العرب ولا ~~غيرها، وناله منه عار وسبة، وذلك أنه نزل عن امرأة له وزوجها ابنه أبا عمرو ~~بن ms031 أمية وأدخلها عليه وهو حي، وذلك ما دل على ما ذكر من سخفه وضعفه الذي ~~كان يوصف به. # قالوا: وإنما كان يستقبح في الجاهلية أن يتزوج الرجل الزوج امرأة أبيه ~~بعد وفاته، فتجاوز هذه أمية وصنعه في حياته [3]. # وقال ابن الكلبي: خرج أمية بن عبد شمس إلى الشام فأقام بها عشر سنين، ~~فوقع هنالك على أمة للخم يهودية من أهل صفورية [4] يقال لها: ثريا، وكان ~~لها زوج من PageV01P059 # أهل صفورية يهودي، فولدت ولدا فدعاه أمية ونسبه إلى نفسه وأتى به مكة وهو ~~أبو عمرو، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله لعقبة ابن أبي معيط بن ~~أبي عمرو: «هذا إنما أنت يهودي من أهل صفورية». # وذلك أن عقبة بن أبي معيط كان مع المشركين يوم بدر فأسر، فلما انصرف رسول ~~الله صلى الله عليه وآله من بدر وانتهى إلى الصفراء أمر بضرب رقبته، فقال: ~~يا محمد أأقتل من بين قريش؟ # فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: «أو من قريش أنت! إنما أنت يهودي ~~من أهل صفورية». # فقال: يا محمد فمن للصبية بعدي، يعني ببنيه. # فقال صلى الله عليه وآله: «النار لهم». # وبنوه يومئذ الوليد وعمارة وخالد وهشام بنو عقبة، فشهد لهم رسول الله صلى ~~الله عليه وآله بالنار [1]. PageV01P060 # وكان الوليد منهم أخا عثمان بن عفان، لأمه وكانت أمهما أروى بنت عامر بن ~~كريز ابن حبيب بن عبد شمس وسنذكر خبره في موضعه إن شاء الله تعالى. PageV01P061 PageV01P062 ### | ذكر مناقب عبد الله بن عبد المطلب أبي رسول الله صلى الله عليه وآله ومثالب حرب بن أمية بن عبد شمس لعنة الله عليه ### || [مناقب عبد الله بن عبد المطلب] # قد ذكرت في الباب الذي قبل هذا الباب، الهام الله عز وجل عبد المطلب ~~النذر بذبح ابنه عبد الله ليتقرب به إلى الله عز وجل، كما أري إبراهيم عليه ~~السلام ذلك في المنام وأمر بذبح إسماعيل عليه السلام، وفدى عبد المطلب ابنه ~~عبد الله بمائة من الإبل بعد أن أقرع عليه ms032 وعليها، وكما ذكرنا كمثل ما فدى ~~إسماعيل عليه السلام بالكبش، فألحقه الله عز وجل في الفضل به وخصه بولادة ~~رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان أفضل ولده وأكرمهم لقربه إليه، لقول ~~رسول الله صلى الله عليه وآله: «نقلت في كرام الأصلاب إلى مطهرات الأرحام» ~~[1] وقوله هذا فضيلة أبان بها نفسه وفخر ذكره لآبائه، ولم يكونوا ممن يدفع ~~الألوهية ولا ينكر الربوبية ولا يبطل النبوة، بل كانوا متمسكين بكثير من ~~شريعة أبيهم إبراهيم عليه السلام، ومن مكارم الأخلاق وفعل المعروف واجتناب ~~المساوي، بحيث لا يدفع ذلك دافع ولا ينكره منكر. # وقد جاء: أن حكيم بن حزام قال لرسول الله صلى الله عليه وآله: يا رسول ~~الله أرأيت أشياء كنت أصنعها في الجاهلية من صدقة وعتاقة وصلة رحم، هل لي ~~فيها من أجر؟ # فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: «أسلمت على ما سلف لك من خير» [2] ~~فجعل صلى الله عليه وآله ما فعله في الجاهلية من الخير خيرا، وكذلك يكون ما ~~فعله من السوء سوءا. # وكان ابن حزام هذا كثير المعروف في الجاهلية والإسلام، وجاء الإسلام ودار ~~الندوة في يده فأقره رسول الله صلى الله عليه وآله فيها، فاشتراها منه ~~معاوية في أيام تغلبه بمائة ألف درهم، يبتغي أن يشرف بها لما كانت شرف من ~~كانت له في الجاهلية. PageV01P063 # وتصدق حكيم بن حزام بالمائة ألف، فقيل له: بعت مكرمة قريش. # فقال: قد أذهب الإسلام مكارم الجاهلية، وقد اشتريت من الله دارا في الجنة ~~بثمنها [1]. # وعاش في الجاهلية ستين سنة وفي الإسلام ستين سنة، ولما حصر مشركوا قريش ~~بني هاشم في الشعب، كان حكيم يأتي بالعير تأتيه من الشام عليها الحنطة إلى ~~الشعب فيدفعها إليهم. # وحضر بدرا مع المشركين فنصح لعتبة بن ربيعة في أن ينصرف عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله فقال: انطلق إلى أبي جهل فإن انصرف انصرفت. # فانطلق إليه فذكر له ذلك وأبلغه قول عتبة، فقال: أما وجد رسولا غيرك؟ # قال: لا، ولم أكن لأكون رسولا ms033 لغيره ولا له إلا في مثل هذا. # فقتل أبو جهل وعتبة يومئذ، ونجا حكيم فيمن نجا، وأسلم يوم فتح مكة، وكان ~~قبل ذلك يراسل رسول الله صلى الله عليه وآله، واشترى حلة ذي يزن بثلاثمائة ~~دينار وأهداها إليه، فردها رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يقبلها، ~~فباعها فاشتراها رسول الله صلى الله عليه وآله فلبسها ثم كساها أسامة بن ~~زيد، فرآها عليه حكيم بعد أن أسلم فقال له: هنيئا يا أسامة عليك حلة ذي ~~يزن. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «قل له: ولم لا ألبسها وأنا خير من ~~ذي يزن وأبي خير من أبيه» [2] يعني رسول الله صلى الله عليه وآله وكان قد ~~تبناه، فبمثل هذه الأفعال الجميلة تعد لمن عملها في جاهلية كانت أو في ~~إسلام. PageV01P064 ### || [نور النبوة] # ونشأ عبد الله بن عبد المطلب أبو رسول الله على مكارم الأخلاق والطهارة ~~والكرم والسؤدد والشرف، وكان جميلا وسيما، وكان نور النبوة يرى بين عينيه ~~بينا ظاهرا، لقرب ولادة رسول الله صلى الله عليه وآله، ورأت ذلك امرأة من ~~العرب قيل: إنها أخت ورقة بن نوفل، وكان ورقة قد قرأ الكتب، وكان يبشر ~~ببعثة رسول الله صلى الله عليه وآله ويخبر بقرب ظهوره، وكانت أخته هذه تسمع ~~ذلك منه، فلما رأت النور الذي بوجه عبد الله قدرت أنه نور النبوة وأن النبي ~~صلى الله عليه وآله في صلبه، وطمعت أن يكون منها، فدعته إلى نفسها فأبى ~~عليها من ذلك [1]. # وقيل: إن المرأة التي دعته إلى ذلك كاهنة من خثعم يقال لها: فاطمة بنت ~~مرة من أهل تبالة، وكانت قد قرأت الكتب وكانت ذات علم، فلما رأت النور الذي ~~في وجهه طمعت أن يكون لها ولد منه، فدعته إلى نفسها فأبى عليها، فلم تزل ~~ترغبه وتبذل له إلى أن بذلت له مائة ناقة، فأبى عليها وقال في ذلك: # أما الحرام فالممات دونه %~% والحل لم يأت الذي تلينه # فكيف بالأمر الذي تبغينه # فلما وقع بزوجته جاز بها فلم تكلمه، فقال ms034 لها في ذلك، فقالت: يا فتى ~~والله ما كنت صاحبة ريبة، ولكني رأيت في وجهك نورا وأنا على علم من نبي ~~يبعث قد قرب وقت ميلاده، فرجوت أن يكون ذلك وأن ألده، ولا أرى ذلك النور ~~إلا وقد زال عنك، فما كان من خبرك. # فأخبرها أنه وقع بأهله، فقالت فاطمة: PageV01P065 # إني رأيت محيلة لمعت %~% فتلألأت كتلألؤ القمر # في وجهه نور يضيء له %~% ما حوله كإضاءة البدر # فرجوتها فخرا أبوء به %~% ما كل قادح زنده يوري # لله ما زهرية سلبت %~% نورا فحل بها وما تدري # وقالت أيضا فاطمة: # بني هاشم قد غادرت من أخيكم %~% أمينة إذ للباة يعتركان # كما غادر المصباح عند خموده %~% فتائل قد شبت له بدهان # وما كل ما يحوي الفتى من تلاده %~% لعزم ولا ما فاته لتوان # فاجمل إذا طالبت أمرا فانه %~% سيكفيكه جدان يعتلجان # سيكفيكه إما يد مقفعلة %~% وإما يد مبسوطة ببنان # ولما حوت منه أمينة ما حوت %~% حوت منه فخرا ما لذلك ثان [1] # وعصم الله عز وجل عبد الله كما عصم يوسف بن يعقوب عليه السلام، ودخل الى ~~أهله فأصاب منها، وأقر الله ذلك النور قراره من طهارة الولادة، وعصمه من ~~السفاح، وحملت منه أمينة بنت وهب، وهي زوجة عبد الله برسول الله صلى الله ~~عليه وآله يومئذ. # وهي: أمينة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن ~~غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة. # فهذه الفضائل التي لا يدفعها ولا ينكرها إلا من أنكر النبوة وجحدها. PageV01P066 ### || [وفاة عبد الله بن عبد المطلب] # وتوفي عبد الله بن عبد المطلب بالمدينة ورسول الله صلى الله عليه وآله ~~ابن شهرين، فقالت أمه آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وآله ترثي ~~أباه عبد الله بن عبد المطلب: # كان ابن هاشم سيدا في قومه %~% طودا يلاذ بركنه في المجد # غيثا إذا قحط الغمام ولم يكن %~% جفرا يوكل فوق ظهر الفدفد # فهناك تطلب من تلوذ بركنه %~% عند الخلاء ms035 وعند جمع المشهد # يغلي السديف لمن ألم برحله %~% ويذيب إيماض الشريف المجمد # وقالت أيضا ترثيه: # عفا جانب البطحاء من ابن غالب %~% وجاور لحدا مدرجا في الغمائم # دعته المنايا دعوة فأجابها %~% وما تركت في الناس مثل ابن هاشم # عشية راحوا يحملون سريره %~% تعاوره أصحابه بالتزاحم # فإن يك غالته المنون وريبها %~% فقد كان معطاء كثير المكارم [1] # وقالت أيضا ترثيه: # أضحى ابن هاشم في يهماء مظلمة %~% في حفرة بين أحجار لدى الحفر # كان ابن هاشم في أبيات محضهم %~% واري الزناد لدى مستصلد الفقر # سباق غاياتها في كل لازبة %~% من السنين كريما طيب الخبر PageV01P067 # فإن نسوه فإني لست ناسية %~% ما غنت الأوراق في الأغصان ~~بالشجر # سهل العريكة قرما ذا محافظة %~% يعطي الجزيل ثبت المواصل في منر [1] # الجود والحلم كانا من سجيته %~% والعقل حين يقاس العقل بالغبر # فإن يكن قد ثوى في قعر مظلمة %~% مجاور اللحد طول الدهر للقدر # فرب شيحانة وجناء مجفرة %~% تفري الخمائل مرجاة على السفر # أعطيتها غير ملتاث ولا ضجر %~% للعقل حين يخاف العقل في العسر # وكل عبل الشوى نهد مراكله %~% حديد خمس غذي للجحظ في الضور # سقى جوانب قبر أنت ساكنه %~% غيث أحم الذرى ريث من المطر ### || [بشارة الولادة] # وقيل: إن آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وآله لما حملت به رأت في ~~منامها آتيا أتاها فقال: إنك حملت سيد هذه الأمة فإذا وضعته فقولي: أعيذه ~~بالواحد من شر كل حاسد. # وسماه محمدا، ورأت أنه خرج منها نورا أضاءت له قصور بصرى، فأخبرت PageV01P068 # بذلك أباه عبد الله فسره، وأخبر أباه عبد المطلب به وكان ينتظره، فلما ~~وضعته قالت ما قيل لها أن تقوله، وأتى عبد المطلب فاحتمله سرورا به ودخل به ~~إلى الكعبة فدعا له، فقال: # الحمد لله الذي أعطاني %~% هذا الغلام الطيب الأردان # قد ساد في المهد على الغلمان %~% أعيذه بالبيت ذي الأركان # حتى أراه بالغ البنيان %~% أعيذه من كل ذي شنان [1] # ثم خرج إلى أمه فدفعه إليها واسترضع له ظئيرا. # وولد رسول الله صلى الله عليه وآله فيما ms036 يذكرون عام الفيل، وكان ما صنعه ~~الله لقريش من الدفاع عنها ببركته، ولئلا يظهر عليها عدوه وهو فيها طفل ولا ~~حمل، وماتت آمنة أمه وهو ابن أربع سنين [2]، وقيل: ابن ست سنين [3]، وكفله ~~عبد المطلب، ومات عبد المطلب وهو ابن ثمان سنين فأوصى به إلى ابنه أبي ~~طالب- واسم أبي طالب عبد مناف- فأحسن كفالته، ويقال: إنه شهد حرب الفجار ~~فشهد به معه، وكان إذا حضر هزمت قيس وإذا غاب هزمت كنانة، حتى أن كنانة ~~علموا ذلك فكانوا يسألون أبا طالب إحضاره صلى الله عليه وآله [4]. # وكان أبو طالب لرسول الله صلى الله عليه وآله بمنزلة الوالد البر الشفيق، ~~ولم يكن عنده أحد من PageV01P069 # ولده في مثل حاله، وكان أبو طالب من سادات قريش مع قلة وجيده [1]، وكان ~~ذلك ما يعد من فضائله. # ويقال: إنه لم يكن يسود أحد في الجاهلية إلا بمال، إلا أبو طالب بن عبد ~~المطلب وعتبة بن ربيعة [2]، وسنذكر ما وليه أبو طالب من أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وآله في باب نفرده لذلك إن شاء الله. ### || [مثالب حرب بن أمية] ### || [حرب بن أمية] # وكان حرب بن أمية بإزاء عبد الله بن عبد المطلب على القعدد والموازنة ~~[3]، وهو كان أمثل ولد أبيه أمية وأشرفهم فيهم، وإن كان لم يشرف هو ولا ~~أخوته بخصلة من خصال الخير التي توجب الكرم والتقوى على ما قدمنا ذكره، ~~وإنما ذكر هو وأخوته بمقام كان لهم في حرب عكاظة، ورام حرب بعد وفاة عبد ~~المطلب السيادة، وأطعم أياما فلم يستقم له ذلك، وغلب عليه عبد الله بن ~~جدعان، وعقدت قريش في داره حلف الفضول، ثم عاد الشرف في ولد عبد المطلب ~~لأبي طالب وحمزة والعباس، حتى أتى الله بالإسلام وأكمل الشرف لرسول الله ~~صلى الله عليه وآله. ### || [سبب حلف الفضول] # وكان سبب حلف الفضول: أن رجلا تظلم بمكة، فاجتمعت قريش في دار عبد الله ~~بن جدعان، فعقدوا بنيهم حلفا: أن لا يجدوا بمكة مظلوما إلا نصروه وأخذوا له ~~بحقه ممن ظلمه، وحضر ms037 رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك الحلف وهو غلام ~~صغير، وكان صلى الله عليه وآله يقول: # «لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو PageV01P070 # أدعى به في الإسلام لأجبت» [1]. # وقيل: إن الوليد بن عتبة بن أبي سفيان كان عاملا على المدينة أيام ~~معاوية، فاستطال بسلطانه على الحسين بن علي صلوات الله عليه في حق له، فقال ~~الحسين عليه السلام: «أقسم بالله لتنصفني من حقي أو لآخذنه بسيفي، ثم ~~لأقومن به في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله ثم لأدعون بحلف الفضول». # فقال عبد الله بن الزبير وكان حاضرا: وأنا أحلف بالله لئن دعا إليه لآخذن ~~سيفي ثم لأقومن معه حتى تنصف من حقه أو نموت جميعا. # وقال المسور بن مخرمة مثل ذلك، واتصل ذلك القول بعبد الرحمن بن عثمان بن ~~عبيد الله التيمي وقال مثل ذلك، فتخوف الوليد بن عتبة من ذلك فأنصف الحسين ~~صلوات الله عليه من حقه وأرضاه [2]. # وقال قوم: كان حرب بن أمية هذا معولا على عبد الله بن جدعان، يطعمه ~~ويسقيه وينادمه وينيله ويعطيه ويتفضل عليه، كذلك كان محله من مرداس بن أبي ~~عامر السلمي، وأقطعه مرداس نصف القرية ضيعة كانت له، وفي ذلك يقول مرداس بن ~~أبي عامر: # إني أقدم قبل القوم حجته %~% كيما يقال ولي الأمر مرداس # إني انتخبت له حربا وأخوته %~% إني بحبل وثيق العقد دساس [3] # وهذه الحال أذم حال عند العرب وأخسها، وفي مثلها يقول الحطيئة في رجل PageV01P071 # يهجوه: # ذر المكارم لا ترحل لبغيتها %~% واقعد فانك أنت الطاعم الكاسي [1] # جاء في أخبار العرب: أن حربا ومرداسا أحرقا شجرا كان بالقرية، فاحترق ~~فيها جن فسمع فيها هاتف يقول: # ويل لحرب خالسا %~% وسيرا مخالسا # ويل أم عمرو فارسا %~% إذ لبسوا القوانسا # كلاهما إذ مارسا %~% أصبحت منه بائسا # فقيل: اسم الجني الذي احترق عمرو [2]. # قالوا: إن حربا عرض له ذلك الجني، يعنون الحنث، فضرب فصرع في الوقت، فقيل ~~لمن كان معه: بادروه الجن فعالجوه ms038 واسقوه، فإنه إن يمت يمت صاحبكم. # فعالجوه وسقوه فلم ينتفع بذلك ومات فمات حرب مكانه. # والذين قالوا: إن حربا ومرداسا أضرما النار بالقرية فاحترق منها الجن، ~~قالوا: فمات حرب ومرداس لذلك، فهم يقولون: قتلهما الجن، ودفن مرداس ~~بالقرية. # ولذلك يقول عباس بن مرداس لكليب بن عيهمة وقد ادعى القرية: # أكليب ما لك كل يوم ظالما %~% والظلم أنكد وجهه ملعون # قد كان قومك يحسبونك سيدا %~% وأخال أنك سيد معيون # فإذا رجعت إلى نساك فادهن %~% إن المسالم رأسه مدهون # وافعل بقومك ما أراد بوائل %~% يوم الغدير سميك المطعون # وأخال أنك سوف تلقى مثلها %~% في صفحتيك سنانها المسنون PageV01P072 # إن القرية قد تبين أمرها %~% إن كان ينفع عندك التبيين # حتى انطلقت بحظها لي ظالما %~% وأبو يزيد بتريها مدفون [1] # ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة وتبعه المسلمون، ~~خرجوا من دورهم وأموالهم إلى الله وخرج فيمن خرج منهم بنو جحش بن رباب ~~خلفاء بني أمية، فعدا أبو سفيان على دورهم فباعها عمرو بن علقمة أخي عامر ~~بن لؤي، فلما بلغ بني جحش ما صنع أبو سفيان في دارهم، ذكر ذلك عبد الله بن ~~جحش لرسول الله صلى الله عليه وآله. # فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: «ألا ترضى يا عبد الله أن يعطيك ~~الله بها دارا في الجنة». # قال: بلى. # قال: «فذلك لك» [2]. # وقال أبو أحمد بن جحش بن رباب وهو يذكر بني أمية وما بينه وما بينهم من ~~الصهر والرحم والحلف، وكان حليفهم وكانت أمه آمنة بنت عبد المطلب، وكانت ~~تحته القارعة بنت أبي سفيان بن أمية: # أبني أمية كيف يظلم جاركم %~% وحليفكم في العسر واليسر # لا تنقصوا حظي وقد حالفتكم %~% عند الجمار عشية النحر # وعقدت حبلكم بحبلي عندها %~% وأخذت منكم واثق النذر # ولقد دعاني غيركم فأبيتهم %~% وذخرتكم لنوائب الدهر # فوصلتم رحمي وحقن دمي %~% بكم ومنعتم عظمي من الكسر # لكم الوفاء وأنتم له أهل %~% إذ في بيوت سواكم الغدر # منع الرقاد فما أغمض ساعة %~% هم يضيق بذكره صدري # فلم ms039 يقبلوا عليه وأمضى أبو سفيان بيع دارهم فقال أبو أحمد بن جحش بن ~~ريان: PageV01P073 # أبلغ أبا سفيان عني رسالة %~% فحرب أبوك العين والقين فاسد # بنو قين سوء كان يعرف كيره %~% أمية جزار لدي الفرث قاعد # لعمري لقد أورثتم حرب خزية %~% يسب بها أولاده في المشاهد # أقيموا على ضرب النضال واعرضوا %~% عن الفضل إن الفضل في آل أحمد # توارثتم خزيا ولوم مروة %~% وصقل سيوف مع عمر بن صارد # فهذا لكم عندي بعلم أقوله %~% وأكشف عنكم ذكر تلك المرائد # غدوتم على جحش تبيعون دارهم %~% حليفكم ما كان عنكم براقد # غدرتم به إن الخيانة منكم %~% قيون بنو قين لئام المحاتد # فصارت لعمري عند ذلك داره %~% تبخس ولم توفوا بعهد المعاهد # وقال في ذلك أيضا: # ألا أبلغ أبا سفيان عن %~% أمر عواقبه ندامه # دار ابن عمك بعتها %~% تقضي بها عنك الغرامة # وحليفكم بالله رب %~% الناس مجتهد القسامة # اذهب بها اذهب %~% بها طوقتها طوق الحمامه # فلما فتح رسول الله صلى الله عليه وآله مكة، كلمه أبو أحمد بن جحش في ~~دارهم فأبطأ عليه جوابه، فقال الناس لأبي أحمد: إن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله يكره لكم أن ترجعوه في شيء من أموالكم التي أصيبت منكم في الله فأمسك ~~عن ذكرها [1]. # فهذه مناقب بني أمية وأمثالها، وهي إذن حصلت مثالب لا مناقب، وهم على ذلك ~~ينازعون الفضل أهله حسدا وتعديا لأطوارهم، وجهلا منهم بأقدارهم. # وهذا حرب على ما فيه ينافر عبد المطلب إلى نفيل لحسده إياه، وقد ذكرنا ~~خبره وما أعظمه نفيل من تعاطيه، وتجاوزه طوره وتعديه، وقاله له في ذلك ما ~~قال مما PageV01P074 # ذكرناه، وما هو في ذلك بدون معاوية لعنه الله ومروان وآل مروان لعنهم ~~الله فيما تعاطوه وفعلوه وتعدوا إليه وتخطوه، وما حملهم الحسد وطلب الرئاسة ~~عليه من محاربة أولياء الله، واغتصاب تراث رسول الله صلى الله عليه وآله، ~~والتغلب على عترته وقتلهم من قتلوه من أخائر أسرته، واستيثارهم بحقهم ~~وجلوسهم مجالسهم، وسنذكر ذلك في موضعه ونأتي به في مكانه إن شاء ms040 الله ~~تعالى. PageV01P075 PageV01P076 ### | ذكر مناقب أبي طالب بن عبد المطلب وبنيه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وعن أبيه من قبله ومناواة من ناواه من بني أمية وغيرهم عليه وناصبوه فيه ### || [مناقب أبي طالب بن عبد المطلب] # كان أبو طالب عم رسول الله شقيق أبيه واسم أبي طالب عبد مناف، وكان هو ~~وعبد الله والزبير بنو عبد المطلب أشقاء، أمهم فاطمة بنت عمرو بن عابد بن ~~عمران بن مخزوم، فلما كان من نذر عبد المطلب ما قدمنا ذكره وأراد أن يذبح ~~ابنه عبد الله على وجد شديد عليه، وضمن عن القتل به لمحبة كان الله عز وجل ~~ألقاها له في قلبه وقلوب من رآه من عباده، وأخذ بيده وذهب به ليذبحه قامت ~~عليه قريش يسألونه فيه ويقولون: إنك إن ذبحته لم يزل الرجل منا يقتدي بك في ~~ذلك فيذبح ابنه. # قال: فما أصنع وقد نذرت ذلك؟ # قالوا: تثبت في ذلك وراجع فيه. # وقال في ذلك أخواله بني مخزوم، فقال المغيرة بن عبد الله بن عمر بن ~~مخزوم: # واعجبا من قتل عبد المطلب %~% وذبحه خرفا كتمثال الذهب # يا شيب لا تعجل علينا بالعجب %~% فما ابننا بشرط القوم النجب # ولا ابننا بالمستذل المغتصب %~% فنفاديه بالمال حتى يحترب # فسوف أفديه بمالي والسلب %~% وسوف ألقى دونه مر العطب # وحمى فيه أيضا أبو طالب شقيقه وقال في ذلك: # كلا ورب البيت ذي الأنصاب %~% ورب ما أنضي من الركاب # كل قريب الدار أو منتاب %~% يزور بيت الله ذي الحجاب # ما ذبح عبد الله باللعاب %~% من بين رهط عصبة شباب # بين نساء شطن الأنساب %~% أغر بين البيض من كلاب PageV01P077 # وبين مخزوم ذوي الأنساب %~% أهل الجياد القب والقباب # لستم على ذلك بالأرباب # وقال أيضا: # الله ربي أنا موف نذره %~% أخاف ربي إن عصيت أمره # هذا بني قد أردت نحره %~% فإن يؤخره ويقبل عذره # أوجبت لله العظيم شكره # ثم صنع في الإبل والسهام عليها ما قدمنا ذكره حتى فداه الله بها ووفى ~~بنذره، وكان من أبي طالب في ذلك ms041 المقام المحمود والنصرة البينة، وسر بخلاصه ~~ونجاته مسرة عظيمة. ### || [أبو طالب يكفل رسول الله صلى الله عليه وآله] # ولما احتضر عبد المطلب ورسول الله صلى الله عليه وآله يتيم في حجره أوصى ~~به إلى أبي طالب وقال له في ذلك: # أوصيك يا عبد مناف بعدي %~% بموحد بعد أبيه فرد # فارقه وهو ضجيع المهد %~% فكنت كالأم له في الوجد # تدنيه من أحشائها والكبد %~% حتى إذا خفت المدى للوعد # أوصيت أرعى أهله للرفد %~% بابن الذي غيبته في اللحد # بالكره مني ثم لا بالعمد %~% فقال لي والقول ذو مرد # ما ابن أخي بما عشت في معد %~% إلا كادني ولدي في الرد # محمد الرجوة للأشد %~% وكل أمر في الغد PageV01P078 # قد علم القوم من أهل العمد %~% إن الفتى سيد أهل النجد [1] # فكنف [2] أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وآله وتبناه وخصه وأدناه، ~~وكان أفضل كل ولده عنده وأحبهم إليه، وأراد أبو طالب عليه السلام سفرا إلى ~~الشام في جماعة من قريش فتأهب له وأخذ في عدته وجهازه، فرأى من رسول الله ~~صلى الله عليه وآله كسرة وأبصر عليه كآبة، فسأله عن حاله، فشكا إليه فقده ~~وما يجد من الوحشة بعده، وسأله أن يخرج به معه، فرق له أبو طالب وخرج به ~~معه، فنزلوا بقرب صومعة راهب بأرض بصرى يقال له: بحيراء، وكانت قريش تمر به ~~كثيرا وتنزل بقرب صومعته، فلا ينزل إليهم ولا يكلم أحدا منهم، فلما نزلوا ~~ذلك المنزل ورسول الله صلى الله عليه وآله معهم، نزل إليهم ذلك الراهب ~~وسألهم عن حالهم، وكان ذا علم بالكتب وأخبار ما يكون، فنظر إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وتأمله وسأله عن حاله وقصته، فأخبر بذلك فخلا بأبي طالب ~~وقال له: إن لابن أخيك هذا شأنا، وأنه سيبعث نبيا وهذا وقته وهذه صفته، ~~فاحذر اليهود عليه وارجع به إلى بلدك، فإن اليهود إن رأوه خفتهم عليه. # فهو على ذلك معهم إذ أقبل عليه قوم من اليهود فرأوا بحيراء مع أبي طالب، ~~ونظروا إلى رسول ms042 الله صلى الله عليه وآله فعرفوا دلائل النبوة فيه، فهموا ~~به، فهموا به، فخلا بهم بحيراء ونهاهم عنه وحذرهم أمر قريش، وأنهم لن ~~يسلموه، وانصرف أبو طالب إلى مكة، وقال أبو طالب في ذلك: # محمد ذو العرف والذوائب %~% ولست بالأمس غير الراغب # بأن يحق الله قول الراهب %~% فيه وأن يفضل آل غالب # إني سمعت أعجب الأعاجب %~% من كل حبر وعالم وكاتب # بأنه يقتاد كالجنائب %~% من حل بالأبطح والأخاشب PageV01P079 # أيضا ومن ثاب إلى الثاوب %~% من ساكن الحرم والمجانب # وقال في ذلك أبو طالب أيضا: # إن ابن آمنة الأمين محمدا %~% عندي بمثل منازل الأولاد # لما تعلق بالزمام رحمته %~% والعيس قد قلص بالأزواد # فارفض من عيني دمع ذارف %~% مثل الجمان مفرق ببداد # راعيت فيه قرابة موصولة %~% وحفظت فيه وصية الأجداد # وأمرته بالسير بين عمومة %~% بيض الوجوه مصالت أنجاد # ساروا لا بعد طية معلومة %~% ولقد تباعد طية المرتاد # حتى إذا القوم بصرى عاينوا %~% لاقوا على شرك من المرصاد # حبرا فأخبرهم حديثا صادقا %~% عند ورد معاشر الحساد # قوما يهودا عاينوه فأبصروا %~% فيه النبوة وغر الأكباد # ثاروا لقتل محمد فنهاهم %~% عنه وأجهد غاية الإجهاد [1] # وقيل: إن بحيراء الراهب رأى على رسول الله صلى الله عليه وآله شبيها ~~بالغمامة من نور يظله، ويسير معه متى سار، فلذلك نزل إليه وأعد للقوم طعاما ~~ودعاهم إليه، فأتوه وتركوا رسول الله صلى الله عليه وآله يحفظ متاعهم، وأن ~~الذين عارضوه من اليهود أحبار ذلك الموضع، وهم زبير وتمام ودريس، وفي ذلك ~~قال أبو طالب عليه السلام أيضا: # ألم تر أني بعدهم هممته %~% بفرقة حر الوالدين كرام # بأحمد لما أن شددت مطيتي %~% برحلي وقد ودعته بسلام # فلما بكى والعيس قد فصلت بنا %~% وقد ناش بالكفين ثنى زمام # ذكرت أباه ثم رقرقت عبرة %~% تجود من العين ذات سجام # فقلت ترحل راشدا في عمومة %~% مواسير في البأساء غير لئام PageV01P080 # فرحنا مع العير التي راح ركبها %~% شآم الهوى والأصل غير شآم # فلما هبطنا أرض بصرى تشرفوا %~% لنا فوق دور ينظرون جسام # فجاء بحيرا الناقي ms043 محاشدا %~% لنا بشراب عنده وطعام # وقال اجمعوا أصحابكم لطعامنا %~% فقلنا جمعنا القوم غير غلام # يتيم فقال ادعوه إن طعامنا %~% كثير عليه اليوم غير حرام # فلما رآه مقبلا فوق رأسه %~% يوقيه حر الشمس ظل غمام # حنى ظهره شبه السجود وضمه %~% إلى نحره والصدر أي ضمام # وأقبل ركب يطلبون الذي رأى %~% بحيرا برأي العين وسط خيام # فثار إليهم خشية لعرامهم %~% وكانوا ذوي حقد معا وعرام # دريس وتمام وقد كان فيهم %~% زبير وكل القوم غير نيام # فجاءوا وقد هموا بقتل محمد %~% فردهم عنه بحسن خصام # بتأويله التوراة حتى تيقنوا %~% وقال لهم ما أنتم بطغام # فذلك من أعلامه وبيانه %~% وليس نهار مبصر كظلام [1] # وقال أبو طالب في ذلك أيضا: # بكى جزعا لما ارتحلنا محمد %~% كأن لا يراني راجعا بالمعاد # فبت يجافيني تهلل دمعه %~% وعبرته عن مضجعي ووسادي # فرح رائحا في الراجعين مشيعا %~% لذي رحم في القوم غير معاد # فقلت له قرب فتورك وارتحل %~% ولا تخش مني جفوة ببداد # وخل زمام العيس وارحل بنا معا %~% على عزمة من أمرنا ورشاد # فرجعنا مع العير التي راح ركبها %~% يؤمون من عرار أرض إياد # فما رجعوا حتى رأوا من محمد %~% أحاديث تجلوا غم كل فؤاد PageV01P081 # وحتى رأوا أحبار كل مدينة %~% سجودا له من عصبة وفراد # زبيرا وتماما وقد كان حاضرا %~% دريس وهموا كلهم بفساد # فقال لهم قولا فأيقنوا %~% به بعد تكذيب وطول بعاد # كما قالت الرهط الذين تهودوا %~% وجاهدهم في الله حق جهاد # وقال ولم يملك له النصح رده %~% فإن له أرصاد كل مضاد # وإني أخاف الحاسدين وإنه %~% لفي الكتب مكتوب بها بمداد [1] # وكان رسول الله صلى الله عليه وآله كذلك مع عمه أبي طالب كأحد ولده، بل ~~كان يؤثره على ولده ومحله منه فوق محلهم، حفظ أخيه عبد الله وكان شقيقه، ~~ولوصية أبيه عبد المطلب إليه به، ولما أراه الله فيه من الآيات وما رجاه له ~~من النبوة التي أخبر بها، ولما رأى من طهارته وأمانته وحلمه وعقله وورعه ~~ونزاهته، وكان آثر الناس عنده وأحبهم إليه، إلى ms044 أن بلغ مبلغ الرجال صلى ~~الله عليه وآله. ### || [زواج النبي صلى الله عليه وآله وبداية البعثة] # وتزوج خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، وكانت امرأة تاجرة ~~ذات مال ونعمة واسعة، وقد كانت أخباره بلغتها فعرضت نفسها عليه فتزوجها، ~~فأباحت له مالها فاتسع صلى الله عليه وآله فيه، وأخذ عليا عليه السلام من ~~أبيه وضمه إليه ليجزيه فيه ما قد كان صنعه به، فلما اصطفاه الله للرسالة ~~وأكرمه بالنبوة كان أول من آمن به خديجة رحمها الله، ثم خلا بعلي فعرض عليه ~~الإسلام فقال: «أنظرني يومي هذا» وأضمر أن يشاور في ذلك أباه أبا طالب. # فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: «أنا أنظرك ولكن ما قلت لك بأمانة ~~عندك». # فقال عليه السلام: «أما إذا كان ذلك فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأنك ~~محمد رسول الله». PageV01P082 # فكان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا حضرت الصلاة خرج بعلي مستخفيا إلى ~~بعض شعاب مكة فيصليان، وأقاما على ذلك ثمان سنين ليس على وجه الأرض أحد ~~يدين الله بالإسلام غيرهما وخديجة بنت خويلد، وعبر عليهما أبو طالب فقال ~~لرسول الله صلى الله عليه وآله: ما هذا الذي تصنعه يا ابن أخي؟ # فقال: «يا عم هذا دين الله أرسلني به، وهذه ملة أبينا إبراهيم، وأنت يا ~~عم أحق من بدأت له بالنصيحة ودعوته إلى دين الله، وأنت أحق من أجاب إليه ~~وأعلن عليه». # فزعموا أنه قال له: أما مفارقة ما أنا عليه فما لي إلى ذلك من سبيل، وأما ~~عونك فو الله لا يخلص إليك أحد بشيء تكرهه ما بقيت. # وقال لعلي: اتبع ما يقول لك محمد ولا تفارقه والزمه، فإنه لم يدعك إلا ~~إلى دين الله [1]. # ثم أنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وآله: @QUR03 وأنذر عشيرتك ~~الأقربين [2] فخاف صلى الله عليه وآله تكذيبهم إياه وأن ينالوا منه، فتوقف ~~عن ذلك فأتاه جبرئيل فقال: يا محمد إنك إن لم تفعل ما تؤمر به يعذبك ms045 ربك ~~[3]. # وقيل: إن الله عز وجل أنزل عليه في ذلك: @QUR019 يا أيها الرسول بلغ ما ~~أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس [4] ~~فأمر عليا صلوات الله عليه أن يدعوا إليه بني عبد المطلب، وقد صنع لهم ~~طعاما بصاع من بر ورجل شاة وهيأ لهم عسا من لبن، فأتاه علي عليه السلام بهم ~~وهم أربعون رجلا، وكان الرجل الواحد PageV01P083 # منهم ليأكل ذلك الطعام وحده وما يكتفي منه، فأدخل رسول الله صلى الله ~~عليه وآله يده فيه وقربه إليهم وقال: «كلوا بسم الله». # فأكلوا حتى صدروا عنه ما بأحدهم إليه من حاجة، فبقي الطعام بحاله ما رأي ~~فيه إلا مواضع أيديهم، ثم قال لعلي: «اسقهم». # فجاءهم بذلك العس فشربوا منه عن آخرهم حتى ارتووا، فلما أراد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله أن يتكلم بدره أبو لهب بالكلام فقال: لو لم تستدلوا على ~~سحر صاحبكم إلا بما رأيتموه صنع في هذا الطعام واللبن لكفاكم. # ثم قام وقاموا وتفرقوا ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا مما ~~أراد أن يقوله، ثم أمر عليا عليه السلام فجمعهم إليه من غد، وصنع لهم طعاما ~~مثل ذلك، فلما أكلوا وشربوا تكلم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: «يا ~~بني عبد المطلب، إني والله ما أعلم شابا في العرب حتى جاء قومه بأفضل مما ~~جئتكم به، قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة وقد أمرني الله أن أدعوكم إليه ~~فأيكم يؤازرني على أمري هذا على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم». # فأحجم القوم عن جوابه، فلما رأى ذلك علي عليه السلام وهو أحدثهم سنا ~~فقال: «أنا يا رسول الله أكون وزيرك عليه». # فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله بيد علي عليه السلام فقال: «هذا أخي ~~ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا». # فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك ابن أخيك أن تسمع وتطيع ~~لابنك [1]. # هذا نص قول محمد بن إسحاق صاحب المغازي بروايته فيها، وهذا خبر مشهور ms046 PageV01P084 # وقد روي من طرق شتى ووجوه كثيرة، تزيد بعض الروايات فيه على بعض في اللفظ ~~ومعناه واحد. # وقد رواه أهل الحديث، وعرف ذلك من قدم على علي عليه السلام غيره، فليت ~~شعري بأي وجه جاز لهم ذلك مع هذا الحديث وصحته وخبر يوم الغدير؟ وقد ذكرته ~~فضلا عن أن يدعي معاوية لعنه الله بعد ذلك ما ادعاه أو يتعاطى ما تعاطاه، ~~ولكني أقول في ذلك كما قال الله تعالى في كتابه المسطور: @QUR010 فإنها لا ~~تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور [1]، وكما جاء في الحديث: ~~«حبك الشيء يعمي ويصم» [2]. # ومضى أبو طالب على رأيه في نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله والشد على ~~يده وتقوية أمره، وأمره الله عز وجل بالدعاء إليه وأن يصدع بأمره، فأظهر ~~صلى الله عليه وآله نفسه ودعا قريشا وأهل مكة إلى الإسلام وأخبرهم بما أتاه ~~من عند الله، وأنذرهم بأسه وعاب عبادتهم وما يعبدونه من دونه، وانتصب أبو ~~طالب لمن أراد إنكار ذلك عليه أو منعه، فشق على قريش ذلك وعظم أمره عليها، ~~إذ ذكر آلهتها فمشى بعضهم إلى بعض في ذلك، وكان الذي قام بذلك وقعد وأعاد ~~فيه وأبدى وجمع وألب وحرض وحزب، أبو سفيان- لعنة الله عليه- بن حرب بن ~~أمية، وبنوا أبيه من بني أمية لعنهم الله وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو ~~البختري بن هشام، والأسود بن المطلب، والوليد بن المغيرة، والحكم بن عاص، ~~والعاص بن وائل، وأبو جهل بن هشام لعنهم الله، فاجتمعوا وتدبروا رأيهم ~~فرأوا أن يبدءوا بأبي طالب، فأتوه فقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب ~~آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا، ونراك قد انتصبت دونه، فإما ~~أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه. # فقال أبو طالب لهم قولا لينا رفيقا وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه، ومضى ~~رسول PageV01P085 # الله صلى الله عليه وآله على ما كان عليه من الدعاء إلى الله عز وجل كما ~~أمر، وأسلم ناس كثير من أفناء قريش، فشق ذلك على بني ms047 أمية للعداوة الأصلية، ~~فمشوا إلى من كانوا اجتمعوا معه وأتوا أبا طالب فقالوا له: يا أبا طالب قد ~~كنا أتيناك وشكونا إليك ما لقينا من ابن أخيك، ولك فينا شرف ومنزلة وما كنا ~~لنصبر على ما نزل بنا من ابن أخيك من سب آلهتنا ونقص آبائنا وتسفيه ~~أحلامنا، وقد أغوى جماعة من قريش، فأما كففته عنا أو كفيتنا أمره وإلا فإنا ~~منازلوه وإياك ومن اتبعه حتى يهلك أحد الفريقين. # فرد عليهم أبو طالب ردا جميلا وقال: أنا أنظر في ذلك بما يكون فيه الصلاح ~~إن شاء الله. # واتصل به أن رأيهم قد اجتمع على محاربته، وأنهم رأوا أن المبادرة إلى ذلك ~~في ابتداء الأمر أهون عليهم من أن يدعوه حتى يتمكن ويعظم. # فعظم ذلك على أبي طالب ولقى رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: يا ابن ~~أخي إنه قد لعله بلغك ما كان من أمر قومك وما اجتمعوا فيه إلي من أمرك مرة ~~بعد مرة، وقد دفعتهم بالتي هي أحسن، فلم أرهم يرجعون عنك وعني إلا عن شر، ~~ولا أدري كيف يكون في ذلك الأمر، فأبق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ~~ما لا أطيقه. # فظن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قد بدا لأبي طالب في نصرته، فعظم ~~ذلك عليه واستعبر ثم قال: «يا عم إن شئت فلا تكلف نفسك ما لا تطيقه، فأما ~~أنا فو الله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي لما تركت هذا الأمر ~~حتى يظهره الله أو أهلك دونه» وقام عنه فولى. # فدعاه أبو طالب وقال: يا ابن أخي اذهب فقل ما أحببت واصنع ما شئت فو الله ~~لا أسلمتك لشيء أبدا، وقال في ذلك أبو طالب: # والله لن يصلوا إليك بجمعهم %~% حتى أوسد في التراب دفينا # فاجهد لأمرك ما عليك غضاضة %~% أبشر وقر بذاك منك عيونا # ودعوتني وزعمت أنك ناصح %~% فلقد صدقت وأنت كنت أمينا PageV01P086 # وعرضت دينا قد علمت بأنه %~% من خير أديان البرية دينا # لو لا الملامة أو ms048 حذاري سبة %~% لوجدتني سمحا بذاك مبينا # فلما علمت بنو أمية وإخوتها من عبد شمس ما عزم عليه أمر أبي طالب قال ~~بعضهم لبعض: إن لم تنظروا في هذا الأمر ومعكم فيه من معكم من بني عبد مناف، ~~خيف عليكم أن يصيروا إلبا واحدا فلا يمكنكم منه شيء. فمشوا إلى من اجتمع ~~معهم من بني عبد مناف، وذكروا ما كان من أمر أبي طالب وشعره، فاجتمع رأيهم ~~على معاودة أبي طالب بأمر رأوه، ليعرضوه عليه فأتوه فقالوا: يا أبا طالب قد ~~ذكرنا مرة بعد مرة ما نالنا من ابن أخيك، وعلمنا رأيك فيه ومحبتك له لما ~~رأينا من حاله، وقد رأينا أن نعرض عليك أمرا، هذا عمارة بن الوليد- وقد ~~جاءوا به معهم- من قد علمت حاله، أنهد فتى في قريش وأشعرهم نحن ندفعه إليك ~~فخذه، فلك عقله ونصره واعده ولدا مكان محمد، وخل بيننا وبين محمد، فقد خالف ~~دينك ودين آبائك وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم، فإنما هو رجل كرجل. # فقال لهم أبو طالب: ليس والله ما تسومونني أن تعطوني ابنكم أغذوه لكم ~~وأخلي بينكم وبين ابني تقتلونه هذا ما لا يكون أبدا. # فقال له المطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف: والله يا أبا طالب لقد أنصفك ~~قومك وجهدوا في التخلص منك، فما أراك تريد أن تقبل منهم. # فقال له أبو طالب: لا والله ما أنصفوني ولا أنصفتني أنت ومن والاهم من ~~بني عبد مناف، ولو أردتم منهم مثل ما أرادوه منكم لما أجابوكم إليه، ~~ولكانوا في بني أبيهم أحمى منكم في بني أبيكم. # فتهاجز القوم وتنابذوا للحرب فقال أبو طالب في ذلك يحرض بني عبد مناف على ~~نصرته ويستميل بني عبد شمس: # ألا قل لعمرو والوليد ومطعم %~% ألا ليت حظي من حياطتكم بكر # من الخور حجاب كثير رغاؤه %~% يرش على الساقين من بوله قطر PageV01P087 # تخلف خلف الورد ليس بلا حق %~% إذا ما علا الفيفاء قيل له ~~وبر # أرى أخوينا من أبينا وأمنا %~% إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمر # بلى ms049 لهما الأمر الذي ينكر أنه %~% ولو نكلا عنا لما خشي الأمر # أخص خصوصا عبد شمس ونوفلا %~% هما نبذانا مثل ما ينبذ الجمر # هما أغمزا للقوم في أخويهما %~% فقد أصبحت منهم أكفهما صفر # هما أشركا في الأمر من لا أبا له %~% من الناس إلا أن يرس له ذكر # وليد أبوه كان عبدا لجدنا %~% إلى علجة زرقاء جال بها السحر # وتيم ومخزوم وزهرة منهم %~% فكانوا لنا مولى إذا بغى النصر # فقد سهفت أحلامهم وعقولهم %~% فكانوا كجفر بئس ما صنعت جفر # فو الله لا تنفك منا عداوة %~% ولا منهم ما كان في نسلنا شفر [1] # فلم يزد هذا القول بني عبد شمس إلا تماديا على ما هم عليه للعداوة ~~الأصلية لبني عبد مناف، ووقع ذلك من بني هاشم وبني عبد المطلب موقعا، صرف ~~قلوبهم إلى نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله ما خلا ما كان من اللعين أبي ~~لهب. # وكانوا بنو عبد المطلب وبنو هاشم في القديم كما ذكرنا أمرهم واحد، فقال ~~أبو طالب: # حتى متى نحن على فترة %~% يا هاشما والقوم في جحفل # تدعون بالخيل على رقبة %~% منا لدى خوف وفي معزل # كالحرة السوداء تغلو بها %~% سرعانها في سبسب مجهل # عليهم الترك على رعلة %~% مثل القطا الساري للمنهل # يا قوم ذودوا عن جماهيركم %~% بكل مفضال على مسبل PageV01P088 # حد يد خمس لهز خده %~% مآرث الأفضل فالأفضل # عريض ست لهب خصره %~% يصان بالتذليق في مجدل # كم قد شهدت الحرب في فتية %~% عند الوغى في عثير القسطل # لا متنحين إذا جئتهم %~% وفي هياج الحرب كالأشبل [1] # فلما اجتمع لأبي طالب بنو هاشم وبنو المطلب، وثق بأمر نفسه وزادت بصيرته ~~في نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله وباين عبد شمس وبني أمية ومن قام ~~معهم من بطون قريش بالعداوة وصرح لهم بها وقال: # منعنا الرسول رسول المليك %~% ببيض تلألأ كلمع البروق # بضرب يذبب دون النهاب %~% حذار الوتائر والخنفقيق # أذب وأحمي رسول المليك %~% حماية عم عليه شفيق # وما أن أدب لأعدائه %~% دبيب البكار حذار الفنيق # ولكن أزير ms050 لهم ساميا %~% كما زار ليث بغيل مضيق [2] # ومدح بني هاشم بما كان منهم، وفخر برسول الله صلى الله عليه وآله وقال: # إذا اجتمعت يوما قريش لمفخر %~% فعبد مناف سرها وصميمها # وإن حصلت أشراف عبد منافها %~% ففي هاشم أشرافها وقديمها # وإن فخرت يوما فإن محمدا %~% هو المصطفى من سرها وكريمها # تداعت قريش غثها وسمينها %~% علينا فلم تظفر وطاشت حلومها # وكنا قديما لا نقر ظلامة %~% إذا ما ثنوا صعر الخدود نقيمها # ونحمي حماها كل يوم كريهة %~% ونضرب عن أحجارهامن يرومها PageV01P089 # بنا انتعش العود الذواء وإنما %~% بأكنافنا تندى وتنمي ~~أرومها [1] # فلما رأى مشركوا قريش اتفاق بني هاشم وبني عبد المطلب مع أبي طالب على ~~الدفع عن رسول الله صلى الله عليه وآله، علموا أنهم لا يصلون إليه، فأجمعوا ~~أمرهم على أن يقبض كل بطن منهم على من أسلم منهم فيأخذونه بالرجوع إلى ~~دينهم، فمن لم يفعل عذبوه وأكرهوه على الرجوع، ففعلوا ذلك بكل ضعيف منهم ~~ممن لا يجد من يحميه منهم، وحمى أبو طالب فيمن تبعه رسول الله صلى الله ~~عليه وآله فلم يصل إليه أحد بمكروه، وصبر من فتن من المسلمين عن دينه على ~~عذاب قومه إياه، ورأوا منهم في ذلك ما أعجزتهم الحيلة له في أمرهم، وقرب ~~وقت الموسم فاجتمعوا إلى الوليد بن المغيرة وكان ذا سن فيهم فقالوا له: يا ~~أبا عبد شمس قد قرب قدوم العرب علينا، وقد ترى ما نشأ من أمر محمد، ونخاف ~~أن يستميل قبائل العرب، فما ترى أن نقول لها فيه لندفعها عنه؟ قل لنا في ~~ذلك قولا نجتمع عليه. # فقال: بل أنتم فقولوا حتى أسمع ما تقولون. # قالوا نقول لها إنه كاهن. # قال: إذا لا يقبلون منكم ذلك، قد سمعنا كلام الكهان وسمعوه فما كلامه ~~يشبه كلامهم. # قالوا: فنقول إنه شاعر. # قال: وكذلك قد عرفنا الشعر وعرفوه فما يشبه قوله قولهم. # قالوا: فنقول مجنون. # قال: قد عرفنا المجانين وعرفوهم فما يشبه حاله حالهم. # قالوا: فنقول ساحر. # قال: ولا ذاك قد رأينا السحرة ورأوهم فما ms051 هو منهم. PageV01P090 # قالوا: فما نقول يا أبا عبد شمس؟ # قال: والله لا تقولون فيه قولا إلا عرف باطله، ولكن أقرب القول فيه أن ~~تقولوا: إنه ساحر وقد فرق بين المرء وزوجه وبين الوالد وولده وبين المرء ~~وعشيرته، فأجمعوا على ذلك. # فلما أقبلت العرب خرجوا يجلسون على طرقها يحذرون منه كل من قدم، ويقولون: ~~حدث عندنا ساحر فإياكم أن يهلككم بسحره. # وأنزل الله عز وجل في ذلك في الوليد بن المغيرة: @QUR063 ذرني ومن خلقت ~~وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له تمهيدا ثم يطمع أن أزيد ~~كلا إنه كان لآياتنا عنيدا سأرهقه صعودا إنه فكر وقدر فقتل كيف قدر ثم قتل ~~كيف قدر ثم نظر ثم عبس وبسر ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن ~~هذا إلا قول البشر سأصليه سقر وما أدراك ما سقر لا تبقي ولا تذر [1] وأنزل ~~الله على رسوله في الذين اجتمعوا إليه: # @QUR07 فو ربك لنسئلنهم أجمعين عما كانوا يعملون [2] فلم يزالوا يقولون ~~ذلك لكل من جاء من ناحية من نواحي بلاد العرب، حتى صدروا عن الحج وأغروهم ~~به واستنصروهم عليه، فوعدهم كثير منهم النصرة وانتشر ذلك من أمرهم في ~~العرب، وخاف أبو طالب دهماءها واجتماعها على رسول الله صلى الله عليه وآله ~~للحمية في دينها، ولما ألقته بنو أمية ومن والاها من قريش من أمر وإليها ~~وتحريضهم عليه واستنفارهم إليه وأشفق من ذلك على رسول الله صلى الله عليه ~~وآله إشقاقا شديدا، فلم ير إلا الحيلة في دفع ذلك عنه وإصلاح جانب العرب ~~له. PageV01P091 ### || [لامية أبي طالب] # وكان إظهار أبي طالب ما يظهره من التمسك بدين العرب والرغبة فيه مع ما ~~ذكرناه ونذكره عنه من تصديق رسول الله صلى الله عليه وآله والإقرار بنبوته، ~~وما ذكر من ذلك في شعره تقية عليه وذبا عنه، لأنه لو أظهر الإسلام كما ~~أظهره حمزة عليه السلام لرفضته العرب ولم يلتفت إليه ولم يصل إليه منهم من ~~مآل إليه، وعضده على نصرة رسول الله صلى ms052 الله عليه وآله لما نصره وقام ~~بأمره وأظهر الحمية فيه لقرابته منه، وكان أبو طالب سيدا من سادات العرب ~~كما ذكرنا، تعرف له حقه ولا تكاد تدخل فيما يسوؤه، ولا تظاهره إلا بالمعروف ~~وهو على دينها، فقال شعره الذي استعطف العرب به وتودد إلى أشرافها فيه، ~~ليصرفهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وأخبرهم أنه على دينهم لم يبدله. # فقال أبو طالب: # خليلي ما أذني لأول عاذل %~% بصغواء في حق ولا عند باطل # خليلي إن الرأي ليس بشركة %~% ولا نهبة عند الأمور التلائل # ولما رأيت القوم لا ود فيهم %~% وقد قطعوا كل العرى والوسائل # وقد صار حونا بالعداوة والأذى %~% وقد طاوعوا أمر العدو المزايل # وقد حالفوا قوما علينا أظنة %~% يعضون غيظا خلفنا بالأنامل # صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة %~% وأبيض عضب من تراث المقاول PageV01P092 # وأحضرت عند البيت رهطي وإخوتي %~% وأمسكت من أثوابه بالوصائل # قياما معا مستقبلين رتاجه %~% لدى حيث يقضي حقه كل نافل # وحيث ينيخ الاشعرون ركابهم %~% بمفضى السيول من أساف ونائل # موسمة الأعضاد أو قصراتها %~% محبسة بين السديس وبازل # أترى الودع فيها والرخام وزينة %~% من العهن في أعناقها كالعثاكل # أعوذ برب الناس من كل طاعن %~% علينا بسوء أو ملح بباطل # ومن كاشح ليسعى لنا بنميمة %~% ومن ملحق في الدين ما لم نحاول # وأوثر من أرسى ثبراه كانه %~% وراق ليرقى في حراء ونازل # وبالبيت حق البيت من بطن مكة %~% وبالله إن الله ليس بغافل # وبالحجر المسود إذ يمسحونه %~% إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل # وموطئة إبراهيم في الصخر وطأة %~% على قدميه حافيا غير ناعل PageV01P093 # وأشواط بين المروتين إلى الصفا %~% وما فيهما من صورة وتماثل # ومن حج بيت الله من كل راكب %~% ومن كل ذي نذر ومن كل راجل # وبالمشعر الأقصى إذا عمدوا له %~% الآل إلى مفضى الشراج القوابل # وليلة جمع والمنازل من منى %~% وهل فوقها من حرمة ومنازل # وتوقا فهم فوق الجبال عشية %~% يقيمون بالأيدي صدور الرواحل # وجمع إذا ما المقربات أجزنه %~% سراعا كما يخرجن من وقع وابل # وبالجمرة الكبرى إذا صمدوا ms053 لها %~% يؤمون قذفا رأسها بالجنادل # وكندة إذ هم بالحصاب عشية %~% تجير بهم حجاج بكر بن وائل # حليفان شدا عقدا ما اختلفا له %~% وردا عليه عاطفات الوسائل # وحطمهم سمر الصفاح وسرحة %~% وشبرقه وخد النعام الجوافل # فهل بعد هذا من معاذ لعائذ %~% وهل من حليف يتق الله عادل PageV01P094 # يطاع بنا الأعداء وودوا لو أننا %~% تسد بنا أبواب ترك وكابل # كذبتم وبيت الله نترك مكة %~% ونظعن إلا أمركم في بلابل # كذبتم وبيت الله نبزى محمدا %~% ولما نطاعن دونه ونناضل # ونسلمه حتى نصرع حوله %~% ونذهل عن أبنائنا والحلائل # وينهض قوم في الحديد إليكم %~% نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل # وحتى نرى ذا الضغن يركب ردعهم %~% من الطعن فعل الأنكب المتحامل # وأنا لعمر الله إن جد ما أرى %~% لتلتبس أسيافنا بالأنامل # بكفي فتى مثل الشهاب سميدع %~% أخي ثقة حامي الحقيقة باسل # من السر من فرعي لؤي بن غالب %~% منيع الحمى عند الوغى غير واكل # شهورا وأياما وحولا محرما %~% علينا وتأتي حجة بعد قابل # وما ترك قوم لا أبا لك سيدا %~% يحوط الذمار غير ذرب مواكل PageV01P095 # وأبيض يستسقي الغمام بوجهه %~% ثمال اليتامى عصمة للأرامل # يلوذ به الهلاك من آل هاشم %~% فهم عنده في نعمة وفواضل # لعمري لقد أجرى أسيد وبكره %~% إلى بغضنا وجزانا لآكل # جزت رحم عنا أسيدا وخالدا %~% جزاء مسيء لا يؤخر عاجل # وعثمان لم يربع علينا وقنفذ %~% ولكن أطاعا أمر تلك القبائل # أطاعا أبيا وابن عبد يغوثهم %~% ولم يرقبا فينا مقالة قائل # كما قد لقينا من سبيع ونوفل %~% وكل تولى معرضا لم يجامل # فإن يلفيا أو يمكن الله منهما %~% نكل لهما صاعا بصاع المكايل # وذاك أبو عمرو أبا غير بغضنا %~% ليظعننا في أهل شاء وجامل # يناجي بنا في كل ممسى ومصبح %~% فناج أبا عمرو بنا ثم خاتل # ويقسم لنا بالله ما إن يغشنا %~% بلى قد نراه جهرة غير حائل PageV01P096 # أضاق عليه بغضنا كل تلعة %~% من الأرض بين أخشب فمجادل # وسائل أبا الوليد ما ذا حبوتنا %~% بسعيك فينا معرضا كالمخاتل # وكنت أمرد ممن يعاش برأيه %~% ورحمته ms054 فينا ولست بجاهل # فعتبة لا تسمع بنا قول كاشح %~% حسود كذوب مبغض ذي غوائل # ولست أباليه على ذات نفسه %~% فعش يا ابن عم ناعما غير ثاكل # فقد خفت إن لم تزدجرهم وترتدع %~% تلاق وتلق مثل إحدى الزلازل # ومر أبو سفيان عني معرضا %~% كما مر قبل من عظام المقاول # يفر إلى نجد وبرد مياهه %~% ويزعم أني لست عنكم بغافل # ويخبرنا فعل المناصح أنه %~% شفيق ويخفي عاركات الدواخل # أمطعم لم أخذلك في يوم نجدتهم %~% ولا مطعم عند الأمور الجلائل # ولا يوم خصم إذا أتوك لشدة %~% أولى جدل من الخصوم المساجل PageV01P097 # أمطعم إن القوم ساموك خطة %~% وإني متى أوكل فلست بوائل # جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا %~% عقوبة شر عاجل غير آجل # بميزان قسط لا يبخس شعيرة %~% له شاهد من نفسه غير عائل # لقد سفهت أحلام قوم تبدلو %~% بني جمح من قومهم والغياطل # ونحن الصميم من ذوابة هاشم %~% وآل قصي في الخطوب الأوائل # وكان لنا حوض السقاية فيهم %~% وفخر الذرى من غالب والكواهل # فما أدركوا ذحلا ولا سفكوا دما %~% وما خالفوا إلا شرار القبائل # بني أمة مجنونة هندكية %~% بني جمح عبد القيس بن عاقل # وسهم ومخزوم تمالوا وألبوا %~% علينا العدى من كل طمل وخامل # وجرت بنو سهم علينا عديها %~% عدي بن كعب فاحتبوا بالحمائل # يعضون من غيض علينا أكفهم %~% بلا ترة بعد الحمى والتواصل PageV01P098 # وسائط كانت في لؤي بن غالب %~% نفاهم إلينا كل صقر حلاحل # ورهط نفيل شر من وطىء الحصى %~% والأم حاف من معد وناعل # فعبد مناف أنتم خير قومكم %~% فلا تشركوا في أمركم كل واغل # فقد خفت إن لم يصلح الله أمركم %~% تكونوا كما كانت أحاديث وائل # لعمري لقد وهنتم وعجزتم %~% وجئتم بأمر مخطئ للمفاصل # وكنتم حديثا حطب قدر فأنتم %~% من الآن حطب أقدر ومراجل # ليهن بني عبد مناف عقوقنا %~% وخذلاننا وتركنا في المعاقل # فإن نك قوما نتبر ما صنعتم %~% وتحتلبوها لقحة غير باهل # فابلغ قصيا إن سينشر أمرنا %~% وبشر قصيا بعدنا بالتخاذل # ولو طرقت ليلا قصيا عظيمة %~% إذا ما لجأنا ms055 دونهم في المداخل # ولو صدقوا ضربا خلال بيوتهم %~% لكنا أسى عند النساء المطافل PageV01P099 # فإن تك كعب من لؤي ضعيفة %~% فلا بد يوما مرة من تخاذل # وإن تك كعب من شعوب كثيرة %~% فلا بد يوما أنها في المحافل # وكنا بخير قبل تسويد معشر %~% هم ذبحونا بالمدى والمعاول # وكل صديق وابن أخت نعده %~% وجدنا لعمري غبة غير طائل # سوى أن رهطا من كلاب ابن مرة %~% براء إلينا من معقة خاذل # بني أسد لا تطرفن على القذى %~% إذا لم يقل بالحق في الناس قائل # ونعم ابن أخت القوم غير مكذب %~% زهير حساما مفردا من حمائل # أشم من الشم إليها ليل ينتمي %~% إلى حسب في حومة المجد فاضل # لعمري لقد كلفت وجدا بأحمد %~% وأخوته دأب المحب المواصل # ولا زال في الدنيا جمالا لأهلها %~% وزينا لمن ولاه رب المشاكل # فمن مثله في الناس أي مؤمل %~% إذا قاسه الحكام عند التفاضل PageV01P100 # فأيده رب العباد بنصره %~% فأظهر دينا حقه غير باطل # فو الله لو لا أن أجيء بسبة %~% تعد على أشياخنا في المحافل # لكنا اتبعناه على كل حالة %~% من الدهر جدا غير قول التهازل # وقد علموا أن ابننا لا مكذب %~% لدينا ولا نعبى بقول الأباطل # رجال كرام غير ميل نماهم %~% إلى الخير آباء كرام المفاضل # وقمنا لهم حتى تبدد جمعهم %~% ويحسر عنا كل باغ وجاهل # شباب من المطيبين وهاشم %~% كبيض السيوف بين أيدي الصياقل # بضرب ترى الفتيان فيه كأنهم %~% ضواري أسود فوق لحم خرادل # ولكننا نسل كرام لسادة %~% بهم نعتلي الأقوام عند التطاول # سيعلم أهل الضغن أيي وأيهم %~% يفوز ويعلوا في ليال قلائل # ومن ذا يمل الحرب مني ومنهم %~% ويحمد في الآفاق في قول قائل PageV01P101 # فأصبح فينا أحمد في أرومة %~% تقتصر عنها سورةالمتطاول # حديث بنفسي دونه وحميته %~% ودافعت عنه بالذرا والكلاكل [1] # وما هذا القول والله أعلم إلا كقول مؤمن من آل فرعون الذي كان يكتم ~~إيمانه، مع قول أبي طالب وكفاحه عن رسول الله وشهادته له بالنبوة، وعلمه ~~قديما بما كان من القول فيه والدلائل التي دلت ms056 عليه، ولو أظهر أبو طالب ~~الإسلام لم يجد من يواليه وينصره ممن والاه ونصره من قريش، ولكان يكون ~~كواحد ممن أسلم من سائر من نبذه قومه، ولكن الله عز وجل أيد دينه ونبيه به، ~~وجمع له الناصر من قومه بسببه عند ابتداء ظهور الدين وقلة عدد المسلمين، ~~نظرا من الله جل ذكره لدينه ولنبيه صلى الله عليه وآله. # وفشى شعر أبي طالب هذا في العرب، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله، ~~وقيام بني عبد شمس ومن أطاعها عليه وانتصاب بني هاشم ومن تولاها دونه، ~~وعلموا قديما ما بين الفئتين من البغضاء وحسد بني عبد شمس بني هاشم الفضل، ~~على ما قدمنا في هذا الكتاب ذكره وشرحنا فيه خبره، فتوقف من كانوا أغروه من ~~قبائل العرب برسول الله صلى الله عليه وآله، وانحنى بعضهم إليه وكذب أكثرهم ~~مقالهم فيه، وذكر أهل يثرب ما كانت اليهود خبرتهم وحدثتهم به من ظهور نبي ~~فيهم، قد أزف وقت ظهوره وإخبارهم عن شأنه وأموره، فلما بلغهم أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وآله تطلعت أعينهم إليه، وقد رأوا أنه هو صلى الله عليه ~~وآله. # واستنهض مشركوا قريش من كان وعدهم النصرة على رسول الله صلى الله عليه ~~وآله، فتوقفوا عنهم وعظموا أمر الحرم وذكرهم قول أبي طالب تعظيمه، وأرسل ~~بعضهم إليهم يعظونهم وينهونهم عن حرب قومهم، فاسقط ما في أيديهم لما رأوا ~~أنه لم يلحق PageV01P102 # مكرهم، ولم يتم لهم في رسول الله مرادهم. # وكان أبو قيس بن الأسلت صهرا لقريش، كانت عنده أرنب بنت أسد بن عبد ~~العزى، وكان يأتي بها مكة فيقيم المدة عند قومها، وكانت له بهم خلطة وكان ~~شاعرا، فقال شعرا بعث به إليهم ينهاهم عن الحرب ويحضهم على اتباع رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وهو يقول: # أيا راكبا أما عرضت فبلغن %~% مغلغلة عني لؤي بن غالب # مقال امرئ قد راعه ذات بينكم %~% على النائي محزون بذلك ناصب # وقد كان عندي للهموم معرس %~% ولم أقض منها حاجتي ومأربي # فنبتكم شرخين ms057 كل قبيلة %~% لها أزمل من بين مذك وحاطب # أعيذكم بالله من شر ضغنكم %~% وشر تباغيكم ودس العقارب # وإظهار اخلاف ونجوى سقيمة %~% كوخز الأشافي وقعها حق صائب # فذكرهم بالله أول وهلة %~% وإحلال إحرام الظباء الشوازب # وقل لهم والله يحكم حكمه %~% ذروا الحرب تذهب عنكم في المراحب # متى تبعثوها تبعثوها ذميمة %~% هي الغول للأقصين أو للأقارب PageV01P103 # تقطع أرحاما وتهلك أمة %~% وتبري السديف من سنام وغارب # وتستبدلوا بألا تحميه بعدها %~% شليلا وأصداء ثياب المحارب # وبالمسك والكافور غبرا سوابغا %~% كان قتيريها عيون الجنادب # فإياكم والحرب لا تعلقنكم %~% وحوضا وخيم الماء مر المشارب # تزين للأقوام ثم يرونها %~% بعاقبة إذ بينت أم صاحب # تحرق لا تشوي ضعيفا وتبتغي %~% ذوي العز منكم بالحتوف الصوائب # ألم تعلموا ما كان في حرب داحس %~% فتعتبروا أو كان في حرب حاطب # فكم قد أصابت من شريف مسود %~% طويل العماد ضيفه غير خائب # عظيم رماد النار بحمد أمره %~% وذي شيمة محض كريم المضارب # فمرت طحينا في رحاها كأنها %~% أذاعت به ريح الصباق الجنائب # فإن كنتم لم تعلموا الحرب فاسألوا %~% عن الحرب في استقبالها والعواقب PageV01P104 # يخبركم عنها امرئ حق عالم %~% بأيامها والعلم علم التجارب # فبيعوا الحراب ملئ محارب واذكروا %~% حسابكم والله خير محاسب # ولا تعجلوا بغيا عليكم وحاسبوا %~% نفوسكم والله خير محاسب # ولي امرئ فاختار دينا فلا يكن %~% عليكم رقيبا غير رب الثواقب # أقيموا لنا دينا حنيفا فأنتم %~% لنا غاية قد يهتدي بالذوائب # وأنتم لهذا الناس نور وعصمة %~% تؤمون والأحلام غير عوازب # وأنتم إذا ما حصل الناس جوهر %~% لكم سره البطحاء شم الأرانب # تصونون أجسادا كراما عتيقة %~% مهذبة الأنساب غير أشائب # ترى طلب الحاجات نحو بيوتكم %~% عصائب هلكى تهتدي بعصائب # لقد علم أقوام أن سراتكم %~% على كل حال خير أهل الجباجب # وأفضله رأيا وأعلاه سنة %~% وأقوله بالحق وسط المواكب PageV01P105 # فقوموا فصلوا ربكم وتمسحوا %~% بأركان هذا البيت بين الأخاشب # فعندكم منه بلاء مصدق %~% غداة أبي يكسوم هادي الكتائب # كتيبته بالسهل تمشي ورجله %~% على القاذفات من رءوس المراقب # فلما أتاكم نصر ذي العرش ردهم %~% جنود ms058 المليك بين ساف وحاصب # فولوا سراعا هاربين ولم يأب %~% إلى أهله مل جيش غير عصائب # فإن تهلكوا نهلك وتهلك مواسم %~% يعاش بها قول امرئ غير كاذب [1] # فلما يئست بنو عبد شمس ومن والاها من نصرة العرب، لم تطق لرسول الله صلى ~~الله عليه وآله إلا الأذى بألسنتها، وهو في ذلك يدعوهم إلى الله عز وجل ~~ويتلوا عليهم ما أنزله عليه من كتابه، وهم على ذلك مصرون على الكفر ~~والتكذيب له على ما يأتيهم به من الآيات، ويرون معه من البراهين والدلالات. # واتصل خبر رسول الله صلى الله عليه وآله بمن في بلاد العرب من يهود ~~ونصارى فأتاه جماعة من أحبارهم ورهبانهم فحاجوه، فكل يحتج عليه ويرى فيه ~~دلائل النبوة التي عندهم على ما يجدونه في كتبهم، وترى منهم قريش الاستكانة ~~إليه وما يدل على المعرفة به، ويرجعون إلى مواضعهم فيذكرون ذلك عنه، والحسد ~~والعداوة له يمنعان أكثرهم من الإقرار بنبوته صلى الله عليه وآله، وفشا ~~الإسلام واشتهر خبر رسول الله صلى الله عليه وآله في الآفاق، ومالت PageV01P106 # إليه قلوب كثير من العرب، وكانت في ذلك أخبار يطول ذكرها عن حد هذا ~~الكتاب، وإنما قصدنا في هذا الباب إلى ذكر كفاح أبي طالب عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله، وتأييد الله عز وجل دينه. # وقال أبو طالب يحذر قريشا عذاب الله في تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وأذاهم إياه: # أفيقوا بني غالب وانتهوا %~% عن البغي في بعض المنطق # وإلا فإني لكم خائف %~% بوائق في داركم تلتقي # تكونوا لغابركم عبرة %~% ورب المغارب والمشرق # كما ذاق من كان من قبلكم %~% ثمود وعاد فمن ذا بقي # غداة أتاهم بها صرصر %~% وناقة ذي العرش إذ تستقي # فحلت عليهم بها سخطة %~% من الله في ضربة الأزرق # غداة يعض بعرقوبها %~% حسام من الهند ذو رونق # وأعجب من ذلك في أمركم %~% عجائب في الحجر الملصق # بكف الذي قام من خبثه %~% إلى الصابر الصادق المتقي # فأيبسه الله في كفه %~% على رغم ذا الخائف الأحمق # أحيمق مخزومكم ms059 اذ غوى %~% لغي الغواة ولم يصدق [1] # يعني بالحجر الملصق: أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما قوى أمره أظهر ~~عبادة ربه، وكان يأتي البيت فيصلي، فنظر إليه أبو جهل يوما وهو يصلي، فقام ~~إلى حجر عظيم قدر ما احتمله، وأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ~~ساجد ليرضخ رأسه به بعد أن حرضه عليه بنو عبد شمس، وجلسوا لينظروا إلى ما ~~يفعله، فلما دنا منه بالحجر وهو ساجد رجع ناكصا عنه قد امتقع لونه مرعوبا، ~~وقد يبست يده على الحجر حتى قذف به. PageV01P107 # فقاموا إليه فقالوا: مالك يا أبا الحكم؟ # قال: لما دنوت منه عرض لي فحل من الإبل والله ما رأيت مثل هامته ولا ~~قصرته ولا أنيابه فاغرا فاه إلي، ما ظننت أني أنجو منه. # فقال بعضهم لبعض: قد والله نزل بنا من محمد ما لم ينزل بقوم من رجل قبله ~~[1]. # وجعلوا يذكرون ما نقموا عليه فلم يروا إلا التشديد على من اتبعه منهم، ~~فجعل كل قوم منهم ينالون ممن أسلم من جماعتهم ويعذبونهم ويضربونهم ~~ويؤذونهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأذن لهم في الهجرة ~~إلى أرض الحبشة، فخرج جماعة منهم وكان ذلك سبب إسلام النجاشي لما صاروا ~~إليه، وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بعض من هاجر منهم أن يدعوه، وكان ~~عدد من هاجر من المسلمين إلى أرض الحبشة ثلاثة وثمانين رجلا سوى من معهم من ~~نسائهم وأولادهم، فأحسن النجاشي نزلهم وبرهم وأكرمهم ونبذ من جاء من مشركي ~~قريش. ### || [إلى أرض الحبشة] # وقيل: إن بني عبد شمس لما رأوا ذلك تحيروا من دهاتهم، وأفضل من فيهم ~~عمارة بن الوليد وعمرو بن العاص لعنهم الله، وجمعوا مالا عظيما فاشتروا من ~~ألطاف الحجاز وهدايا كثيرة، وبعثوا بها معهما إلى ملك الحبشة وإلى جميع ~~رجاله فخرجا بالهدايا، فلما وصلا إلى أرض الحبشة أوصلا إلى بطارقة النجاشي ~~هداياهم وأوصلا هديته إليه، وذكرهم البطارقة له فأدخلهما إليه فقالا: أيها ~~الملك إنه قد صار إلى بلادك ms060 منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا ~~في دينك، وأتوا ببدعة لا تعرفها أنت ولا نحن، وقد أرسلنا إليك أشراف قومنا ~~من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم. PageV01P108 # فقال بطارقته لما أتياهم به من الهدايا: صدقا أيها الملك، قومهم أعلم بهم ~~فارددهم إليهم. # وقد كان أبو طالب بعث مع من توجه إلى الحبشة بابنه جعفر، وكتب إلى ~~النجاشي معه كتابا يعرفه فيه ما كان من أمر النبي صلى الله عليه وآله وقيام ~~عبد شمس ومن والاها من قريش عليه، وما نالوه ممن اتبعه، وأنهم قد تحرموا به ~~واستجاروا بملكه، ويسأله حياطتهم وحفظهم، وقال فيما كتب به إليه: # تعلم أخير الناس أن محمدا %~% وزيرا لموسى والمسيح ابن مريم # أتى بالهدى مثل الذي أتيا به %~% فكان بأمر الله يهدي ويعصم # وأنكم تتلونه في كتابكم %~% بصدق حديث لا حديث الترجم # وأنك ما تأتيك منا عصابة %~% لفضلك إلا أن جفوا بالتكرم # ولا تجعلوا لله ندا وسلموا %~% فإن طريق الحق ليس بمظلم # وكان جعفر عليه السلام قد أوصل كتاب أبيه إليه فوقع إليه منه وقعا، وكان ~~سبب ما نالهم من بره وحسن نزله، فلما قال عمارة بن الوليد وعمرو بن العاص ~~ما قالاه للنجاشي وأعانهما البطارقة، وأشاروا على النجاشي برد من جاء إليه ~~من المسلمين، غضب النجاشي وقال: والله ما كنت بالذي أسلم قوما قصدوا إلي ~~ونزلوا ببلادي واختاروني على من سواي، وأحضرهم فسألهم عن الذي أتاهم به ~~محمد صلى الله عليه وآله فذكروا ما كانوا عليه من عبادة الأصنام وأمر ~~الجاهلية، وما أتاهم به رسول الله صلى الله عليه وآله من الحق وعبادة الله ~~وما نالهم من قومهم على القبول منه. # فقال النجاشي لجعفر عليه السلام: هل معك مما جاء به ابن عمك شيئا؟ # قال: نعم أيها الملك، وقرأ عليه صدرا من سورة كهيعص، فبكى النجاشي حتى ~~اخضلت لحيته وبكت أساقفته حتى اخضلت مصاحفهم. # فقال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى روح الله عليه السلام يخرج من ~~مشكاة واحد. PageV01P109 # وقال لعمارة وعمرو: اذهبا ms061 فو الله لا أسلمهم إلى أحد. # فخرجا من عنده سوء خروج، فأما عمارة فيئس من النجاشي وأعرض عن ذكر القوم، ~~وأما عمرو بن العاص فقال: والله لا أدعهم حتى أهلكهم على يدي النجاشي ثم ~~مشى إلى البطارقة الذين أرضاهم بالهدايا فقال: استأذنوا لي على الملك، فإني ~~أخبره عن هؤلاء القوم بقول يقولونه في عيسى لا يحل له معه أن يبقى أحد منهم ~~على وجه الأرض. # فأعلموه بذلك، فأذن له فقال: أيها الملك إن هؤلاء النفر الذين أتوك ~~يقولون في عيسى عليه السلام قولا عظيما، فأرسل إليهم فاسألهم عنه، فإن جاز ~~لك تركهم على ما يقولون فأنت أعلم. # فدعاهم بحضرته فقال: ما تقولون في عيسى؟ # قال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا إنه عبد الله ورسوله ~~وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. # فضرب النجاشي بيده إلى الأرض فأخذ منها عودا وقال: ما عدا عيسى بن مريم ~~مما قلت هذا العود، اذهبوا فأنتم آمنون ما أحب أن لي جبلا من ذهب وأني أتيت ~~إلى أحد منكم شيئا يكرهه. # ثم أمر برد هدية قريش على عمارة وعمرو بن العاص وقال: لا حاجة لي بها، فو ~~الله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد إلي ملكي فأخذ الرشوة فيه، وما أطاع ~~الناس في فأطيعهم فيه [1]. # وقد كان انتزع ملك الحبشة من يدي أبيه وسبى هو ثم صار إليه ملك الحبشة ~~بعد ذلك في خبر طويل. PageV01P110 # فأيس عمرو وشمت به عمارة وكانا لما خرجا من مكة إلى أرض الحبشة، ركبا في ~~سفينة فشربا ذات ليلة وهما في البحر خمرا، فانتشى عمارة وكان رجلا جميلا ~~عاهرا مغرما بالنساء، وكانت مع عمرو امرأته فجعل يحدثها عمارة حتى صبا بها ~~فقال لها: # قبليني قبلة. # وعمرو معه يسمعه، فامتنعت عليه المرأة، فألح عليها فقال لها عمرو: قبلي ~~ابن عمك. # ففعلت، ثم قام عمرو إلى شفير السفينة ليبول، فقام إليه عمارة فدفعه ~~فألقاه في البحر، فسبح عمرو حتى تعلق بالسفينة فصعد ونجا من الغرق. # فقال ms062 عمارة: ما علمت أنه يسبح. # وإنما أراد به أن يغرق فيموت فيصل إلى امرأته، فكظم عمرو عليها لئلا يفسد ~~ما جاءا له، فلما كان من أمر النجاشي ما كان إليهما انتهى إلى عمرو أن ~~عمارة وقع ببعض نساء النجاشي، فسأله عن ذلك فأخبره وأعطاه طيبا كانت أعطته ~~إياه امرأة النجاشي، فأخبر عمرو النجاشي وأتاه بالطيب فعرفه، فأمر بعمارة ~~فصنع به صنيعا هلك منه [1]. # وأبطأت أخبار المسلمين عن رسول الله صلى الله عليه وآله فقال أبو طالب في ~~ذلك: # ألا ليت شعري كيف في الناي من جعفر %~% وعمرو واعدى العدو الأقارب # وهل نال إكرام النجاشي جعفرا %~% وأصحابه أم عاق عن ذاك شاغب # تعلم أبيت اللعن أنك ماجد %~% كريم فلا يشقي لديك المجانب PageV01P111 # تعلم بأن الله زادك بسطة %~% وأسباب خير كلها بك لازب # وأنك فيض ذوي سجال غزيرة %~% نيال الأعادي نفعها والأقارب # وكتب إلى النجاشي كتابا وسمه هذه الأبيات، فأتاه جوابه [1]. # وكتب المسلمون إلى أهليهم ما كان من أمر النجاشي، وما هم فيه عنده من ~~الإكرام وحسن النزل، وبما كان من أمر العمارة وعمرو بن العاص، وقالوا في ~~ذلك أشعارا يطول ذكرها، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله من ذلك ما سره ~~وحمد الله عليه، وجاء عمرو بن العاص إلى بني أمية وبني عبد شمس ومن والاها ~~من ذلك بما كرهوا، واشتد غمهم له واجتمعوا في الحجر، فقال بعضهم لبعض: ~~انظروا ما أنتم صانعون في أمر محمد، فو الله لئن تركتموه ليكونن سبب ~~هلاككم. # فإنهم على ذلك إذ أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله فهموا به فعلم ذلك ~~منهم ورأى الشر في وجوههم، فوقف عليهم ثم قال: «أتسمعون أما والذي نفسي ~~بيده لقد جئتكم بالذبح». # فنحتت كلمته هذه قلوبهم وبهتوا إليه وقالوا: يا أبا القسم ما عهدناك ~~جهولا. # فانصرف عنهم وأقبل بعضهم يلوم بعضا في تركه، فإنهم لعلى ذلك إذ أقبل ~~إليهم فقاموا إليه فنالوا منه فأعرض عنهم صلى الله عليه وآله وكان أكثرهم ~~قولا أبو جهل. ### || [إسلام حمزة] # وجاء ms063 حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وآله من نحو صيد كان ~~خرج يبغيه وهو متوشحا قوسه، فمر على دار عبد الله بن جدعان بالصفا، فقالت ~~له مولاة لعبد PageV01P112 # الله بن جدعان: يا أبا عمارة لو رأيت ما لقى ابن أخيك محمد آنفا من أبي ~~الحكم سبه وآذاه وبلغ منه ما يكره. # فمضى حمزة مسرعا حتى دخل المسجد، وكان شأنه إذا دخل المسجد أن يطوف ~~بالبيت ويقف على أندية قريش فيسلم عليهم ثم يأتي نادي بني عبد المطلب ~~ويجلس، فدخل المسجد مغضبا لا يلوي على شيء من ذلك، حتى وقف على أبي جهل وهو ~~جالس، فرفع القوس فضربه بها فشجه شجة منكرة وقال: أتشتم ابن أخي؟ # فأنا على دينه أقول ما يقوله، فاردد علي إن استطعت. # فقام رجال من بني مخزوم لينتصروا منه، فقام إليهم أبو جهل فقال: دعوا أبا ~~عمارة فإني والله سببت ابن أخيه سبا قبيحا. # وأظهر حمزة الإسلام وأتى رسول الله صلى الله عليه وآله وقال في فعله بأبي ~~جهل ما فعله: # فذق أبا جهل بما غشيتا %~% بأمرك الظالم إذ مشيتا # تؤذي رسول الله إذ قد نهيتا %~% عن أمرك الظالم إذا دعيتا # لانفك الرغم بما أتيتا %~% لو كنت ترجو الله ما شقيتا # ولا تركت الحق إذ دعيتا %~% وقد هويت قبل ما هويتا # تؤذي رسول الله قد غويتا %~% ما كنت حيا بعد ما عدوتا # حتى يذوق الذل قد لقيتا %~% فقد شفيت النفس اذ شفيتا # فلما أظهر حمزة الإسلام علمت بنو عبد شمس أنه سيمنع رسول الله صلى الله ~~عليه وآله، فكفوا عما كانوا ينالون منه، وكان حمزة منيع الجانب في قريش ~~شديد العارضة أبي النفس، ولما رأت بنو عبد شمس ما كان من أمر حمزة تعاظمته. ### || [عروض قريش] # واجتمع شيبة وعتبة ابنا ربيعة وأبو سفيان بن حرب وأمية بن خلف والعاص بن ~~وائل، وجماعة وجوه بني عبد شمس ومن أطاعهم من قريش، فتكلموا في أمر PageV01P113 # رسول الله صلى الله عليه وآله وأداروا فيه الآراء والحيل، ms064 فقال لهم عتبة ~~بن ربيعة: يا معشر قريش أرى أن أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله ~~يقبل منا بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا. # قالوا: نعم يا أبا الوليد فقم إليه فكلمه. # فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا ابن أخي ~~إنك منا حيث قد علمت من البسطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك أتيت ~~قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت آلهتهم ودينهم ~~وكفرتهم ومن مضى من آبائهم، فاسمع منى أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك أن ~~تقبل منها بعضها. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «قل يا أبا الوليد، أسمع ما تقول». # فقال: يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا القول مالا، جمعناه ~~لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا ~~حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا ~~الأمر الذي يأتيك إنما يأتيك به رئيا تراه- يعني تابعا- لا تستطيع دفعه عن ~~نفسك، طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا حتى نبريك منه، فإنه ربما غلب ~~التابع على عقل الرجل حتى يداوى منه، فانظر في أي ذلك تحبه أو كله، جمعناه ~~لك أو فعلنا لك منه ما تريد. # فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: «قد فرغت من كلامك يا أبا ~~الوليد». # قال: نعم. # قال: «فاسمع مني». # قال: نعم يا ابن أخي أسمع منك. # قال: «@QUR016 بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب ~~فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون [1]» ثم مضى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله في سورة السجدة في قراءتها، PageV01P114 # وعتبة منصت يستمع إليه قد ألقى يده خلف ظهره معتمدا عليها حتى انتهى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله إلى موضع السجدة، فسجد ثم قال: «قد سمعت يا أبا ~~الوليد ما سمعت فأنت وذاك». # فقام عتبة إلى أصحابه، فلما نظروا إليه مقبلا قال بعضهم لبعض: ms065 نحلف بالله ~~لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلما جلس إليهم قالوا: ما ~~وراءك يا أبا الوليد؟ # قال: ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالسحر ولا ~~الشعر ولا الكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، خلوا بين هذا الرجل ~~وبين ما هو فيه واعتزلوه، فو الله ليكونن له نبأ، فإن تصبه العرب فقد ~~كفيتموه بغيركم، وإن يظهر عليها فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس ~~به. # قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. # [قال: هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم [1]. # وأن أبا جهل وأبا سفيان والأخنس بن شريق، خرجوا ليلة ليسمعوا من رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وهو يصلي بالليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلسا ~~ليستمع منه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له حتى إذا أصبحوا ~~وطلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق فتلاوموا وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، ~~فلو رآكم بعض سفهائكم لاوقعتم في نفسه شيئا. ثم انصرفوا، حتى إذا كانت ~~الليلة الثانية عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع ~~الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة. ثم ~~انصرفوا، فلما كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون ~~له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق PageV01P115 # فقالوا: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود. # فتعاهدوا على ذلك ثم تفرقوا. فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه ثم خرج ~~حتى أتى أبا سفيان في بيته فقال: اخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من ~~محمد؟ # فقال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها وأعرف ما يراد بها ~~وأشياء لا أعرفها ولا أعرف ما يراد بها. # فقال الأخنس: وأنا والذي حلفت به. # ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل فدخل عليه بيته فقال: يا أبا الحكم ما ~~رأيك فيما سمعت من محمد؟ # فقال: ما ذا سمعت] أطعموا وأطعمنا وأعطوا وأعطينا، حتى إذا تنازعنا الشرف ms066 ~~وجثونا فيه على الركب وكنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من ~~السماء، لا والله لا ندعه لهذا أبدا [1]. ### || [إسلام عمر بن الخطاب] # وكان كل من أسلم ممن يستضعف في قومه ويخافهم على نفسه خرج إلى أرض ~~الحبشة، ومن كان له في قومه منعة أقام عزيزا، فأعز الله المسلمين وأذهب كيد ~~المشركين، ولم يزل المشركون على ذلك يبغون رسول الله صلى الله عليه وآله ~~الغوائل ويحيلون فيه الآراء، وذكر لهم يوما أن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله قد اجتمع إليه قوم من أصحابه في بيت عند PageV01P116 # الصفا، يحدثهم ويقرأ عليهم ما أنزله الله عليه من القرآن، فغاظهم ذلك ~~فقال عمر بن الخطاب وكان فيهم: فأنا أقوم إليه فأفتك به وأقتله وأريحكم ~~منه. # فقالوا: أنت لذلك يا أبا حفص. # وجعلوا يطرونه ويغرونه، فأخذ سيفا له فتقلده واشتمل عليه بثوبه، ومضى ~~يريد رسول الله صلى الله عليه وآله فلقيه نعيم بن عبد الله فقال: إلى أين ~~تريد يا عمر؟ # فقال: أريد محمدا هذا الصابي، الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها وعاب دينها ~~وسب آلهتها. # قال: وما تريد أن تصنع به؟ # قال: أقتله. # قال له نعيم: والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر، إنه من بني هاشم فإن ~~فعلت ذلك أتاركتك هي تمشي على الأرض ساعة من نهار وقد قتلت محمدا؟ أفلا ~~ترجع إلى أهلك فتقيم أمرهم قبل إن كنت صادقا. # قال: وأي أهلي تعني. # قال: أختك فاطمة بنت الخطاب، قد آمنت بمحمد هي وزوجها- يعني سعيد بن زيد ~~بن عمرو بن نفيل- وهذا خباب بن الأرت عندهما الساعة قد بعث به محمدا إليهما ~~يعلمهما الإسلام ويقرأ عليهما القرآن. # قال: وإن ذلك لكذلك. # قال: نعم. # فرجع عمر إليهم، فلما أحسوا به تغيب خباب في مخدع كان في بيت فاطمة بنت ~~الخطاب، وترك صحيفة كانت معه فيها سورة طه كان يقرؤها عليها وعلى زوجها ~~سعيد بن زيد، فأخذتها فاطمة فجعلتها تحت فخذيها، ودخل عمر وقد سمع قراءة ~~خباب لما دنا من البيت، فأصاب ms067 سعيدا وفاطمة فقال: ما هذه الصحيفة التي ~~سمعت. PageV01P117 # قالا: ما سمعت شيئا. # قال: بلا والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدا وأن خباب بن الأرت عندكما ~~يسمعكما قوله. # وقام إلى المخدع فقام دونه سعيد بن زيد فواثبه عمر، فقامت أخته فاطمة ~~بينه وبين زوجها سعيدا لتحول بينهما، فضربها عمر فشجها فسربلها دما، فلما ~~رأى ذلك عمر ندم واستطال عليه سعيد فقال: يا عمر قد أسلمنا وآمنا بالله ~~ورسوله فاصنع ما بدا لك. # وقالت أخته فاطمة مثل ذلك، وأخرجا إليه خباب بن الأرت، فكسر ذلك من ارعوى ~~عمر، ورأى الصحيفة في يد أخته فقال لها: أريني هذه الصحيفة. # قالت: ما كنت بالتي أفعل. # فقال لها في ذلك وترضاها، فقالت: نخشاك عليها. # فحلف لها أنه لا يحدث فيها حدثا، فدفعتها إليه فنظر فيها، فلما قرأ صدرا ~~منها قال: ما أحسن هذا من كلام، ثم وضعها وخرج فتوشح على سيفه وعمد نحو ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وهو مع أصحابه في بيت الصفا، فقرع الباب ~~عليهم فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله فنظر ~~من خلال الباب، فرأى عمر متوشحا على سيف معه، فرجع إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وهو فزع فقال: يا رسول الله هذا عمر بن الخطاب متوشحا السيف يقرع ~~الباب. # وكان حمزة عم رسول الله صلى الله عليه وآله حاضرا بين يديه مع القوم، ~~فقال للرجل الذي جاء بخبر عمر: وما ذاك ائذن له، فإن أراد شرا قتلته بسيفه. # فنظر الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: «نعم ائذن له». # فخرج الرجل ونهض رسول الله صلى الله عليه وآله في أثره، ففتح الرجل الباب ~~ودخل عمر فلقيه رسول الله صلى الله عليه وآله في وسط الحجرة، فأخذ يجمع ~~رداءه وجبذه جبذة شديدة وقال: «ما جاء بك يا ابن الخطاب، فو الله ما أرى أن ~~تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة من PageV01P118 # السماء» وقبض على السيف من يده فامتقع وجه عمر. ms068 # وقال عمر: يا رسول الله جئتك لأؤمن بالله وبك وبما جئت به. # فأدخله على أصحابه وأخذ عليه العهد وعلمه الإسلام، فانتهى ذلك من أمره ~~إلى بني عبد شمس ومن كان أغراه برسول الله صلى الله عليه وآله فأسقط في ~~أيديهم، وبلغ ذلك بعض المسلمين فأنكره وقال: لا يسلم عمر حتى يسلم حمار ~~الخطاب [1]. ### || [صحيفة قريش] # فلما رأت بنو عبد شمس أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله قد امتنع ~~منهم من صار إلى النجاشي، وأن أبا طالب قد حمى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وأن عمه حمزة قد أسلم وكان منه ما قد ذكرنا، وأن من قد بقي من ~~المسلمين أهل منعة لا يصلون إليهم بسوء، وأن بني هاشم قد اجتمعوا مع أبي ~~طالب على نصرة رسول الله صلى الله عليه وآله وأجمع معهم على ذلك بنو ~~المطلب، ورأوا أنهم لا يصلوا إليهم بسوء، وآيسوا من العرب أن ينصروهم، ~~اجتمعوا وجمعوا إليهم من والاهم من قريش، فأجالوا الآراء وقلبوا الحيل، فلم ~~يروا إلا أن يكتبوا كتابا فيما بينهم يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني ~~المطلب على أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم، فكتبوا في ذلك صحيفة وتعاهدوا على ~~ما فيها وعلقوها في جوف الكعبة، وانحاز بنو هاشم وبني المطلب إلى أبي طالب ~~بن عبد المطلب فدخلوا في شعبه واجتمعوا إليه، وخرج من بني هاشم أبو لهب عبد ~~العزى بن عبد المطلب إلى بني عبد شمس ومن ظاهرهم على بني هاشم وبني المطلب ~~وحده من جميع بني هاشم، فأثنى عليه بنو عبد شمس خيرا، ولقيته هند بنت عتبة ~~فأثنت عليه بجميل فقال: هيه يا بنت عتبة هل نصرت اللات والعزى وفارقت من ~~فارقهما PageV01P119 # وظاهر عليهما؟ # قالت: نعم، فجزاك الله خيرا يا أبا عتبة. # وقال أبو طالب في ذلك من أمرهم: # ألا أبلغا عني على ذات بيننا %~% لؤيا وخصا من لؤي ابن غالب # ألم تعلموا أنا وجدنا محمدا %~% نبيا كموسى خط في أول الكتب # وأن عليه في العباد محبة %~% ولا خير ms069 ممن خصه الله بالحب # وأن الذي لفقتم من كتابكم %~% لكم كائنا نحسا كراغية السقب # أفيقوا أفيقوا قبل أن يحفر الورى %~% ويصبح من لم يجن ذنبا كذي الذنب # ولا تتبعوا أمر الغواة وتقطعوا %~% أواصرنا بعد المودة والقرب # وتستجلبوا حربا عوانا وربما %~% أمر على من ذاقه جلب الحرب # فلسنا ورب البيت نسلم أحمدا %~% لعزاء من عض الزمان ولا كرب # ولما تبن منا ومنكم سوالف %~% وأيد أثرت بالقساسية الشهب # بمعترك ضنك ترى كسر القنا %~% به والنسور الطخم يعكفن كالشرب # كان مجال الخيل في حجراته %~% ومعمعة الأبطال معركة الحرب # أليس أبونا هاشم شد أزره %~% وأوصى بنيه بالطعان وبالضرب # ولسنا نمل الحرب حتى تملنا %~% ولا نشتكي مما ينوب من النكب # ولكننا أهل الحفائظ والنهى %~% إذا طار أرواح الكماة من الرعب [1] # وقال أيضا أبو طالب عليه السلام في ذلك: # ألا أبلغا عني لؤيا رسالة %~% بحق وما تغني رسالة مرسل # بني عمنا الأدنين فيما نخصهم %~% وإخوتنا من عبد شمس ونوفل PageV01P120 # أظاهرتم قوما علينا ولاية %~% وأمرا غويا من غواة وجهل # يقولون إنا إن قتلنا محمدا %~% أقرت نواصي هاشم بالتذلل # كذبتم ورب الهدى تدمى نحوره %~% بمكة والركن العتيق المقبل # تنالونه أو تصطلوا دون قتله %~% ضرابا يفري كل عظم ومفصل # وتدعى بأرحام وأنتم ظلمتم %~% مقاليت في يوم أغر محجل # فمهلا ولما تنتج الحرب بكرها %~% بخيل تمام أو بآخر معجل # وأنا متى ما نمرها بسيوفنا %~% نجالح فغترك ما نشاء بكلكل # وتلقوا ربيع الأبطحين محمدا %~% على ربوة من رأس عنقاء عيطل # وتأوى إليه هاشم إن هاشما %~% عرانين كعب آخر بعد أول # فإن كنتم ترجون قتل محمد %~% فروموا بما جمعتم نقل يذبل # فأنا سنحميه بكل طمرة %~% وذي ميعة نهد المراكل هيكل # وكل رديني ظماء كعوبه %~% وعضب كأيماض الغمامة مقصل # بإيمان شم من ذوائب هاشم %~% مغاوير بالأبطال في كل محفل [1] # وقال حمزة بن عبد المطلب أيضا في شأن الصحيفة وما أجمع القوم عليه من ~~عداوتهم: # ألا يا قوم للأمور العجائب %~% وصرف زمان بالأحبة ذاهب # وأقوال أقوام أضل حلومهم %~% مع البغي والعدوان غي الضرائب # يقولون ms070 أنا سوف نسخي بأحمد %~% لقول سفيه أو إشارة عائب # وقد جاء بالحق الجلي وبينت %~% رسائل صدق وحيها غير كاذب # رسائل من ذي قوة يصطفي بها %~% عبادا ذوي حق على الله واجب # فإن تقبلوا ما جاء من عند ربكم %~% إليكم وقول المرسلين الأطائب PageV01P121 # يكن ذلكم خيرا لكم من حرابنا %~% وبئس خلال الحرب حرب ~~الأقارب # فلا تحسبونا مسلمين محمدا %~% لكم ما عنس ذمول براكب # له رحم فينا تعز جواره %~% فمن دونه ضرب الطلى والحواجب # وجرثومة من هاشم عرفت له %~% كرام مساعيها لؤي بن غالب # فمهلا ولما تشغب الحرب بيننا %~% بشنعاء تعمي كل أس ورائب # تفرق شعب الحي بعد اجتماعه %~% قبائل تبدي عن خدام الكواعب # وتذلل أقواما وكانوا أعزة %~% أصابهم دهرا كثير النوائب # فأقام كذلك بنو هاشم وبنو المطلب ثلاثة أعوام، لا يبايعون ولا يشارون ولا ~~يصل إليهم ما يصل من الطعام إلا في خفية ورقبة، وكان حكيم بن حزام بن خويلد ~~بن أسد كثيرا ما يأتي بالطعام إلى بني هاشم عامة وإلى رسول الله صلى الله ~~عليه وآله خاصة، لمكان عمته خديجة بنت خويلد وكونها عند رسول الله صلى الله ~~عليه وآله، وكان حكيم ذا مال وجاه ومنعة في قريش، فكان يجئ بالقطار من ~~الجمال بعد القطار ليلا فيولجه شعب بني هاشم، فظهر عليه أبو جهل في بعض ذلك ~~فتعلق به وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم والله لا أدعك حتى أفضحك في ~~قريش. # فجاء أبو البختري بن هشام بن حارث وقد تعلق به فقال: مالك وله؟ # قال: يحمل الطعام إلى بني هاشم. # فقال أبو البختري: وما ذاك، طعام لعمته عنده بعث به إليها، أفتمنعه أن ~~يأتيها بطعامها؟ خل سبيل الرجل. # فأبى عليه أبو جهل، فوثب إليه أبو البختري فضربه بلحى جمل فشجه ووطئه ~~وطئا شديدا، فصبر أبو جهل على ذلك ولم يظهره، خوفا من أن يتصل بني هاشم ~~فيشمتوا به ورسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك كله منيع جانبه عزيز ~~مكانه، والمسلمون كذلك وهم يزيدون، ولا ضير على بني ms071 هاشم ومن تولاهم، إلا ~~ما منعوه من مبايعتهم. # وقال أبو طالب لأبي لهب في اعتزاله بني هاشم يستعطفه: PageV01P122 # عجبت لحلم يا ابن شيبة حادث %~% وأحلام أقوام لديك سخاف # يقولون شايع من أراد محمدا %~% بسوء وقم في أمره بخلاف # أصاميم إما حاسد ذو خيانة %~% وإما قريب منك غير مصاف # فلا تتركن الدهر منه ذمامه %~% وأنت امرئ من خير عبد مناف # ولا تتركنه ما حييت واطعمن %~% وكن رجلا ذا نجدة وعفاف # تذود العدى من ذروة هاشمية %~% ألا فهم في الناس خير إلاف # فإن له قربى لديك قريبة %~% وليس بذي حلف ولا بمضاف # ولكنه من هاشم من صميمها %~% إلى أبحر فوق البحور طواف # وزاحم جميع الناس عنه وكن له %~% وزيرا على الأعداء غير مخاف # فإن غضبت منه قريش فقل لها %~% بني عمنا هل قومكم بضعاف # فما بالنا تعشون منا ظلامة %~% وما بال أرحام هناك جوافي # وما قومنا بالقوم يخشون ظلمنا %~% ولا نحن فيما ساءهم بخفاف # ولكننا أهل الحفائظ والنهى %~% وعز ببطحاء الحطائم واف [1] # واستجار أبو سلمة بن عبد الأسد بأبي طالب من قومه بني مخزوم وقد أرادوا ~~فتنته فحماه منهم أبو طالب، فأتوا أبا طالب فقالوا له: يا أبا طالب ما هذا؟ ~~منعت منا ابن أخيك محمدا فما لك ولصاحبنا تمنعه منا. # قال: إنه استجار بي وهو ابن أختي، وإن أنا لم أمنع ابن أختي لم أمنع ابن ~~أخي. # فنازعوه في ذلك فقام إليهم أبو لهب فقال: قد والله أكثرتم على هذا الشيخ ~~ما تزالون توثبون عليه في جواره من بين قومه، والله لتنتهن عنه أو لنقومن ~~معه فيما قام حتى يبلغ ما أراد. # فقالوا: بل ننصرف عما تكره يا أبا عتبة. PageV01P123 # وخافوا أن يجتمع أمره مع أبي طالب فيعظم الأمر عليهم ولم يكن من أبي لهب ~~قبل ذلك خير، فلما سمع منه أبو طالب ما سمع طمع فيه فقال: # إن امرئ أبو عتبة عمه %~% لفي روضة ما إن يسام المظالما # أقول له وأين منه نصيحتي %~% أبا معتب ثبت سوادك قائما # ولا تقبلن ms072 الدهر ما عشت خطة %~% تسب بها أما هبطت المواسما # وول سبيل العجز غيرك منهم %~% فإنك لم تخلق على العجز لازما # وحارب فإن الحرب نصف وإن ترى %~% أخا الحرب يعطي الخسف حتى يسالما # وكيف ولم يجنوا عليك عظيمة %~% ولم يخذلوك غانما أو مغارما # جزا الله عنا عبد شمس ونوفلا %~% وتيما ومخزوما عقوقا وماثما # بتفريقهم من بعد ود وألفة %~% جماعتنا كيما ينالوا المحارما # أطاعوا ابن ذكوان وقيسا وديسما %~% فضلوا وذاقوا بالجميع المياسما PageV01P124 # كذبتم وبيت الله نبزى محمدا %~% ولما تروا يوما لدى الشعب ~~قائما [1] # يعني بابن ذكوان: عقبة بن أبي معيط، وديسم: الوليد بن المغيرة، وقيس: قيس ~~بن عاقل، فلم يكن من أبي لهب في ذلك غير ما كان. ### || [فشل مؤامرة الصحيفة] # ولما كان من أمر حكيم بن حزام ما قدمنا ذكره وذكر اعتراض أبي جهل عليه ~~وانتصار أبي البختري له، تحرك في ذلك هشام بن عمرو بن الحرث، وكان ابن أخي ~~نضلة بن هاشم بن عبد مناف، وكان نضلة وعمرو أخوين لأم، فكان هشام لبني هاشم ~~واصلا، وكان ذا شرف في قومه وكان فيمن يفتقدهم بالطعام، فلما طال ذلك عليه ~~مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبيد الله بن عمر بن مخزوم، وكانت ~~أمه عاتكة بنت عبد المطلب فقال له: يا زهير أقد رضيت أن تأكل الطعام وتلبس ~~الثياب وتنكح النساء، وأخوالك حيث قد علمت لا يبايعون ولا يبتاع منهم ولا ~~ينكحون ولا ينكح إليهم؟ أما إني أحلف بالله لو كانوا أخوال أبي الحكم بن ~~هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه منهم ما أجابك إليه أبدا. # فقال زهير: ويحك يا هشام فما ذا أصنع إنما أنا رجل واحد، والله لو أن معي ~~رجلا آخر لقمت في نقض الصحيفة. # قال: وجدته لك. # قال: ومن هو؟ # قال: أنا. PageV01P125 # قال زهير: ابغنا ثالثا. # فذهب إلى المطعم بن عدي فقال: يا مطعم أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد ~~مناف وأنت شاهد لذلك موافق لقريش فيه؟ والله لئن أمكنتموهم من ms073 هذه لتجدنهم ~~إليها منكم سراعا. # قال: ويحك فما ذا أصنع إنما أنا رجل واحد. # قال: قد وجدت لك ثانيا. # قال: من؟ # قال: أنا. # قال: ابغنا ثالثا. # قال: قد فعلت. # قال: من هو. # قال: زهير بن أبي أمية. # قال: ابغنا رابعا. # فذهب إلى أبي البختري بن هشام فقال له نحو ما قال لمطعم فقال: وهل أحد ~~يعين على هذا؟ # قال: نعم. # قال: من. # قال: زهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأنا معك. # قال: ابغنا خامسا. # فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن الأسد، فكلمه وذكر له قرابتهم ~~وحقهم فقال: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد؟ # قال: نعم، وسمى له القوم، فاتعدوا له ليلا بأعلى مكة، فاجتمعوا هناك ~~وأجمعوا أمرهم وتعاهدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها. PageV01P126 # قال زهير: أنا أبدؤكم فأكون أولكم يتكلم. # فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم وغدا زهير بن أبي أمية عليه حلة له، فطاف ~~بالبيت (سبعا) [1] ثم أقبل على الناس فقال: يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس ~~الثياب وبنو هاشم بيننا هلكى، لا يباعون ولا يبتاع منهم، والله لا أقعد حتى ~~تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة. # قال أبو جهل وكان في ناحية المسجد: كذبت وبيت الله لا تشق. # قال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب ما رضينا كتابها حين كتبت. # قال أبو البختري: صدق زمعة، لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به. # قال المطعم بن عدي: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ومما ~~كتب فيها. # وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك. # قال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل وتشور فيه بغير هذا المكان. # وأبو طالب جالس في ناحية المسجد، وقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها، ~~فوجد الأرضة قد أكلتها فلم يبق فيها من الكتاب إلا باسمك اللهم، وكان الذي ~~كتبها منصور بن عكرمة فشلت يده، فمزقها المطعم على ما هي عليه وقال: إن لكم ~~في هذه الآية. # وقال أبو طالب يذكر ذلك ويمدح القوم الذين قاموا ms074 في إبطال الصحيفة: # ألا هل أتى بحرينا صنع ربنا %~% على نأيهم والله بالناس أرود # فيخبرهم أن الصحيفة مزقت %~% وإن كل ما لم يرضه الله يفسد # تراوحها أفك وسحر مجمع %~% ولم يلف سحر آخر الدهر يصعد # تداعى لها من ليس فيها بقرقر %~% فطائرها في رأسها يتردد PageV01P127 # وكانت كفاء وقعة باثيمة %~% تقطع فيها ساعد ومقلد # ويظعن أهل المكتين فيهربوا %~% فرائصهم من خشية الشر ترعد # ويترك حراث يقلب أمره %~% أيتهم فيهم عند ذاك وينجد # وتصعد بين الأخشبين كتيبة %~% لها حدج سهم وقوس ومزود # فمن ينس من حضار مكة عزه %~% فعزتنا في بطن مكة أتلد # نشأنا بها والناس فيها قلائل %~% فلم ننفكك نزداد خيرا ونحمد # ونطعم حتى يترك الناس فضلهم %~% إذا جعلت أيدي للفيضين تحمد # جزى الله رهطا بالحجون تبايعوا %~% على ملاء يهدي لحزم ويرشد # قعودا على حطم الجحون كأنهم %~% مقاولة بل هم أعز وأمجد # أعان عليها كل صقر كأنه %~% إذا ما مشى في رفرف الدرع أحرد # جري على جلي الخطوب كأنه %~% شهاب بكفي قابس يتوقد # من الأكرمين من لوي بن غالب %~% إذا سيم خسفا وجهه يتربد # طويل النجاد خارج نصف ساقه %~% على وجهه يسقى الغمام ويسعد # عظيم الرماد سيد وابن سيد %~% يحض على مقرى الضيوف ويحشد # ويبني لأبناء العشيرة صالحا %~% إذا نحن طفنا في البلاد ويمهد # وينمي كثيرا حيث كان من العدى %~% طلاق العدى لا غير ذلك يجهد # الفا بهذا الصلح كل مبرأ %~% عظيم اللواء أمره ثم يحمد # قضوا ما قضوا في ليلهم ثم أصبحوا %~% على مهل وسائر الناس رقد # هم رجعوا سهل بن بيضاء راضيا %~% وسر بها خير الأنام محمد # متى شرك الأقوام في جل أمرنا %~% وكنا قديما قبلها نتودد # وكنا قديما لا نقر ظلامة %~% وندرك ما شئنا ولا نتشدد # فيال قصي هل لكم في نفوسكم %~% وهل لكم فيما يجيء به غد PageV01P128 # فإني وإياكم كما قال قائل %~% لديك البيان لو تكلمت أسود [1] # وقال أبو طالب أيضا في شأن الصحيفة: # ألا من لهم آخر الليل منصب %~% وشعب العصا من قومك المتشعب # وجربى أراها ms075 من لوي بن غالب %~% متى ما تزاحمها الصحيحة تجرب # إذا ما مشير قام فيها بخطة %~% الظ به ذنب وليس بمذنب # وما ذنب من يدعو إلى البر والتقى %~% وإن يستطع أن يرب الشعب يرأب # وقد جربوا فيما مضى عيب أمرهم %~% وما عالم أمرا كمن لم يجرب # وقد كان في أمر الصحيفة عبرة %~% متى ما يخبر غائب القوم يعجب # محا الله منها كفرهم وعقوقهم %~% وما نقموا من ناطق الحق معرب # وأصبح ما قالوا من الأمر باطلا %~% ومن يختلق ما ليس بالحق يكذب # فأمسى ابن عبد الله فينا مصدقا %~% على ساخط من قومنا غير معتب # فلا تحسبونا خاذلين محمدا %~% لدى غربة منا ولا متقرب # ستمنعه منا يد هاشمية %~% مركبها في الناس خير مركب # فلا والذي تحدى له كل نضوة %~% طليح بجنبي نخلة بالمحصب # وينصره الله الذي هو ربه %~% بأهل العفير أو بسكان يثرب # يمينا صدقنا الله فيها ولم نكن %~% لنخلف بطلا بالعتيق المحجب # نفارقه حتى نصرع حوله %~% وما بال تكذيب النبي المقرب # فيا قومنا لا تظلمونا فإننا %~% متى ما نخف ظلما من الناس نغضب # فكفوا إليكم من فضول حلوبكم %~% ولا تذهبوا في رأيكم كل مذهب [2] PageV01P129 # وكان رسول الله صلى الله عليه وآله مدة ذلك كله مجدا ومجتهدا في الدعاء ~~إلى الله عز وجل، حريصا على أن يهدي الله به عباده، صابرا على أذى من ~~يؤذيه، والقرآن ينزل عليه والوحي من الله عز وجل في كل وقت يأتيه، والآيات ~~والبراهين تنبي عنه وتشهد له، وأعداءه من عبد شمس وبني أمية الذين قدمنا ~~ذكرهم، ومن استمالوه إليهم مجتهدون في اعتراضه بالمكروه، يبغونه الغوائل ~~وينصبون له الحبائل ويصدون عنه من قدروا عليه أن يصدوه من قومهم، وممن طرأ ~~إليهم من غيرهم ممن سمع بخبره وانتهت إليه آياته، وعمه أبو طالب على النصرة ~~والمكافحة دونه، لا يصل إليه أحد منهم بسوء معه إلا بالوقيعة واللمز والأذى ~~باللسان، فكان صلى الله عليه وآله إذا ضاق صدره استراح إليه، وإذا دهمه من ~~قريش أمر فرجه عنه، ووجد أيضا في ms076 حمزة رحمه الله عونا كثيرا ونفعا عظيما، ~~وتحاماه كثير من سفهاء قريش من أجله. ### || [عام الحزن] # وكان إذا أوى إلى بيته وحدث خديجة بما يناله عزته في ذلك، ووجد إليها ~~الراحة فيه وبذلت له مالها وقامت في خدمته بنفسها، فلم يكن له صلى الله ~~عليه وآله ممن يستريح إليه ويجد الفرج لديه آثر عنده منها ومن عمه أبو ~~طالب، فماتا جميعا في عام واحد، فعظم ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله ~~واشتد حزنه له، وتطاول إليه سفهاء بني عبد شمس ومن والاهم من قريش لما مات ~~أبو طالب، فنالوا منه بالأذى وضعف أمر بني هاشم بعد أبي طالب، وكان رسول ~~الله صلى الله عليه وآله يقول: «ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو ~~طالب». # فلم يكن لرسول الله صلى الله عليه وآله بعد أبي طالب أحد يستريح إليه ~~ويتضرح عنده بما لديه غير علي بن أبي طالب، فإنه بلغ مبلغ الرجال، وأيده ~~الله عز وجل به وخصه بأخوته ووصيته، فكان بعد أبيه يستريح ويعول في أسبابه ~~عليه، إلى أن كثر أذى أعداءه له، وأذن الله عز وجل بالهجرة له، وحرمهم خيره ~~وأزال عنهم بركته، فهاجر PageV01P130 # إلى المدينة واتبعه المؤمنون به، وكان من تأييد الله عز وجل له ونصره ~~إياه أن أمكنه ممن عاداه وأظفره بهم، فقتل منهم من قتل وأسر ومن أسر ومن ~~على من من عليه، واعتصم منهم بالإسلام منه من جعله جنة له وتحصينا لمهجته، ~~إلى أن أمكنته الفرصة بعده صلى الله عليه وآله فاهتبلها [1] وأصاب العزة ~~فاغتنمها، ونشأ على ذلك من الطعن والحقد الأخلاف بعد الأسلاف، فطالبوا ~~بالدخول [2] واعتقدوا بغضة آل الرسول وطالبوهم بثأر من قتل منهم على الكفر ~~من آبائهم وعشائرهم، وسنذكر ما يحسن بهذا الكتاب ذكره من أخبارهم إن شاء ~~الله. # وقيل: إن أبا طالب لما حضره الأمر أتاه أبو سفيان بن حرب بن أمية وعتبة ~~وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل بن هشام وأمية بن خلف، في رجال من بني عبد ms077 شمس ~~وبني أمية ولفيفها من قريش فقالوا له: يا أبا طالب إنك منا حيث قد علمت ~~وحضرك من الأمر ما ترى وتخوفنا عليك، وقد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك، ~~فدعه إليك وخذ له منا وخذ لنا منه، ليكف عنا ونكف عنه. # فأرسل أبو طالب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأتاه وأخبره بمقالتهم ~~فقال: «نعم، كلمة واحدة يعطونها يملكون بها العرب وتدين لهم بها العجم». # فقالوا: نعم وأبيك وعشر كلمات. # قال: «تقولون لا إله إلا الله وتخلعون ما تعبدون من دونه». # فقالوا وصفقوا بأيديهم: يريد محمد أن يجعل الآلهة إلها واحدا، أليس هذا ~~من العجائب! # فأنزل الله عز وجل في ذلك من القرآن الآيات: @QUR06 أجعل الآلهة إلها ~~واحدا إن هذا PageV01P131 # @QUR02 لشيء عجاب [1] في شأنهم وتفرقوا. # فقال أبو طالب لرسول الله صلى الله عليه وآله: والله ما سألتهم شططا، أي ~~أمرا بعيدا، فلما قال ذلك طمع رسول الله صلى الله عليه وآله فيما يزعمون في ~~إسلامه فقال له: «يا عم فقل هذه الكلمة أجد الوسيلة بها لك إلى الشفاعة عند ~~الله». # فقال: والله يا ابن أخي لو لا أن يقال: إني جزعت عند الموت لقلتها. # قالوا: فلما قرب منه الأمر حرك شفتيه فأصغى العباس إليه، فقال: يا ابن ~~أخي قد والله قال أبو طالب ما سألته أن يقوله. # فزعموا أن النبي قال: «لم أسمعه» ومات أبو طالب [2]. PageV01P132 # فقال حمزة يبكيه: # أرقت لنوح آخر الليل غردا %~% نعين الحليم والرئيس المسددا # أبا طالب مأوى الصعاليك ذا الندى %~% وذا الحلم لا خلفا ولم يكن قعددا # أخالك خلى ثلمة ستسدها %~% بنو هاشم أن تستباح وتضمدا PageV01P133 # فأمست قريش يفرحون لفقده %~% ولست ترى حيا لشيء مخلدا # رجاة أمورا زينتها حلومها %~% لهم سوف توردهم من الغي موردا # يرجون تكذيب النبي وقتله %~% وأن يفتروا بهتا عليه ويجحدا # كذبتم وبيت الله حتى نذيقكم %~% صدور العوالي والصفيح المهندا # ويبدو منا منظر ذو كريهة %~% إذا ما تسربلنا الحديد المسردا # فإما تبيدونا وإما نبيدكم %~% وإما تروا سلم العشيرة أرشدا # وإلا فإن ms078 الحي دون محمد %~% بنو هاشم خير البرية محتدا # وإن له منكم من الله ناصرا %~% ولست بلاق صاحب الله أوحدا # نبي أتى من كل وحي بخطة %~% وسماه ربي في الكتاب محمدا # أغر كضوء البدر صورة وجهه %~% جلى الغيم عنه ضوءه فتوقدا # أمين على ما استودع الله قلبه %~% وإن قال قولا كان فيه مسددا [1] ### || [ليلة المبيت] # وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يعرض نفسه في كل موسم على قبائل ~~العرب، فلم يجبه أحد منهم ومضى بنفسه إلى الطائف فلم يقبلوه، إلى أن عرض ~~نفسه في بعض المواسم على الأوس والخزرج من أهل يثرب، فوفقهم الله للإسلام ~~وأسلم منهم نفر وبايعوه ومضوا بخبره، وكانوا جيران يهود يسمعون منهم أنه قد ~~أطل خروج نبي يجدونه في كتبهم، فكان ذلك من أسباب سعادتهم، ووفد عليه وفد ~~بعد وفد منهم يسلمون، فأذن رسول الله صلى الله عليه وآله لأصحابه في الهجرة ~~إليهم، فهاجر إليهم جماعة من المسلمين، فلما رأت بنو عبد شمس ذلك وعلموا ~~أنه قد صار له حزب وناصرون وملجأ، خافوا ذلك واجتمعوا في دار الندوة وحضرهم ~~فيما يقال إبليس اللعين في PageV01P134 # صورة شيخ، فأنكروه وقالوا: من أين أنت؟ # قال: رجل من أهل نجد، بلغني ما اجتمعتم له فجئت للحضور معكم فيه، ولن ~~تعدموا معي رأيا فيه صلاح. # فتكلموا وقالوا: إن محمدا قد صدقه أهل يثرب وأجاروا من أتاهم من أصحابه، ~~وإنا نخاف أن يصير إليهم فيعظم علينا أمره ويكثر ناصره، ويحاربنا بمن أجابه ~~فما ترون؟ # فقال بعضهم: نقبض عليه ونوثقه ونحبسه. # فقال: ما هذا برأي، يستنقذه أهل بيته من أيديكم ويجتمعون له. # قالوا: صدق الشيخ. # فقال آخر: فننفيه عنا يصنع ما شاء أن يصنع ونستريح منه. # فقال الشيخ: هذا الذي تخوفتموه وتعقبتموه. # قال آخر: نقتله. # قال الشيخ: هذا أحسن ما رأيتم، ولكن تخرجون من كل بطن منكم رجلا وتعطونه ~~سيفا فيضربونه ضربة رجل واحد، فإذا كان ذلك حمى كل قوم من قريش صاحبهم ~~وتفرق دمه فيهم فلم تطقهم بنو هاشم. # فأجمعوا على ذلك ms079 واتعدوا له ليلة يأتونه فيها، فأتى جبرائيل إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله بخبرهم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله عليا ~~أن ينام على فراشه تلك الليلة، وخرج عن منزله فتوارى، وأتى القوم فرأوا ~~عليا فلم يشكوا فيه أنه رسول الله صلى الله عليه وآله وأقاموا حتى اجتمعوا، ~~فلما دخلوا وثب إليهم علي عليه السلام فأسقط في أيديهم وأحجموا عنه، وأذن ~~الله عز وجل لرسوله في الهجرة إلى يثرب، فهاجر وخلف عليا عليه السلام في ~~منزله وأمره بدفع ودائع كانت للناس عنده إليهم وبقضاء ديون كانت عليه لهم، ~~فأقام علي عليه السلام بعده ثلاثة أيام حتى أحكم ذلك ثم لحق به، وطلبته ~~قريش وجعلت فيه مائة ناقة لمن رده، فنجاه الله منهم وقدم يثرب فأعز بنصره ~~وكان ما قد كان من أمره، ولحق به PageV01P135 # المهاجرون وآخى بين المسلمين وقال في ذلك وقد جمع المسلمين، نعوذ بالله ~~أن نقول عليه ما لم يقل «تآخوا في الله أخوين أخوين». # وأخذ بيد علي عليه السلام فقال: «وهذا أخي» [1]. # وكانت لعلي عليه السلام من النصرة لرسول الله صلى الله عليه وآله والقيام ~~معه ما يخرج عن حد هذا الكتاب ذكره، وقد ذكرت ونذكره فيه جملا من ذلك إن ~~شاء الله. ### || [جعفر الطيار] # وأما جعفر بن أبي طالب وهو ذو الجناحين، فقد ذكرنا هجرته إلى الحبشة ~~ونصرته لرسول الله صلى الله عليه وآله ودعاءه النجاشي إلى الإسلام حتى ~~أسلم، وما كان من أمره هناك، وقد وفد على رسول الله صلى الله عليه وآله يوم ~~فتح خيبر من أرض الحبشة فقال صلى الله عليه وآله: «ما أدري بأيهما أنا أسر ~~أبفتح خيبر أم بقدوم جعفر» [2] وضمه إليه وقبله بين عينيه وأرسله في غزاة ~~مؤتة إلى الروم، وأمره على الجيش ولقى العدو المسلمين في جمع عظيم ~~والمسلمون في قلة، وثبت جعفر عليه السلام وأخذ الراية فضرب عليها فقطعت ~~يده، فأخذها باليد الأخرى فضرب عليها فقطعت يده، فاعتنق الراية وثبت مكانه ~~حتى استشهد رحمه الله تعالى. ms080 # وقد ذكرنا كونه مع رسول الله صلى الله عليه وآله في أول وقت أوحى الله عز ~~وجل إليه وقول جبرئيل فيه، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله. يقول: «خلق ~~الناس من شجر شتى وخلقت أنا وجعفر من شجرة واحدة» [3]. PageV01P136 # وقال في حديث آخر «إنا آل عبد المطلب من شجرة واحدة وأنا وجعفر من غصن من ~~أغصانها فأشبه خلقه خلقي وخلقه خلقي». # وقال في حديث آخر: «إني وجعفر من طينة واحدة» [1]. # ومر أبو طالب ومعه جعفر ورسول الله صلى الله عليه وآله هو وعلي يصليان ~~فقال لجعفر: صل جناح ابن عمك. فصلى جعفر مع النبي صلى الله عليه وآله، ~~فكانت أول صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وآله في جماعة. # وكان جعفر يوم بدر بأرض الحبشة فضرب له رسول الله صلى الله عليه وآله ~~بأجره وسهمه، ولما أتى نعيه من مؤتة قال رسول الله صلى الله عليه وآله: ~~«لقد سار في ملأ من الملائكة له جناحان خضيبان أبيض القوادم» [2] وحزن عليه ~~حزنا شديدا، وقال لأهله: «اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد جاءهم ما يشغلهم عن ~~النظر لأنفسهم» [3] فكانت بعد ذلك سنة في الناس يصنع لأهل الميت أحباؤهم ~~الطعام عند موته ما داموا في نعيه. # وقيل: إنه وجد فيه بعد أن قتل بضع وتسعون جراحة، ما بين ضربة وطعنة ورمية ~~لما ثبت يومئذ، وقتل وهو ابن ثلاثين سنة، وقيل: ابن خمس وعشرين سنة [4]. # وقالت في ذلك زوجته أسماء بنت عميس فيه ترثيه: # يا جعفر الطيار خير مضرب %~% للخيل يوم تطاعن وشياح # قد كنت لي جبلا ألوذ بظله %~% فتركتني أمشي بأجرد ضاحي # قد كنت ذات حمية ما عشت لي %~% أمشي البراز وأنت كنت جناحي PageV01P137 # وإذا دعت قمرية شجوا لها %~% يوما على فنن دعوت صباحي # فاليوم أخضع للذليل وأتقي %~% منه وأدفع ظالمي بالراح [1] # وقال حسان بن ثابت يرثيه وزيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة، وذلك أن ~~جعفرا لما قتل أخذ الراية زيد بن حارثة فقتل بعده، ثم أخذها عبد الله بن ~~رواحة ms081 فقتل بعده، وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وآله عهد إليهم: # رأيت خيار المسلمين تتابعوا %~% شعوبا وخلفا بعدهم يتأخر # فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا %~% بمؤتة فيهم ذو الجناحين جعفر # وزيد وعبد الله حين تتابعوا %~% جميعا وأسباب المنية تخطر # غداه غدا بالمؤمنين يقودهم %~% إلى الموت ميمون النقيبة أزفر # أغر كضوء البدر من آل هاشم %~% أبي إذا سيم الظلامة مجسر # فطاعن حتى طال غير موسد %~% بمعترك فيه القنا تتكسر # وصار مع المستشهدين ثوابه %~% جنان وملتفت الحدائق أخضر # وكنا نرى في جعفر من محمد %~% وقارا وأمرا حازما حين يأمر # وما زال في الإسلام من آل هاشم %~% دعائم عز لا يزلن ومفخر # هم حبل الإسلام والناس حولهم %~% رضام إلى طود يروق ويقهر # قيام فمنهم جعفر وابن أمه %~% علي ومنهم أحمد المتخير # وحمزة والعباس منهم وفيهم %~% عقيل وماء العود من حيث يعصر [2] # وقال كعب بن مالك يرثي جعفرا: PageV01P138 # نام العيون ودمع عينك يهمل %~% سحا كما وكف الضباب المخضل # وكأنما بين الجوانح والحشى %~% مما تأوبني شهاب مدخل # وجدا على النفر الذين تتابعوا %~% يوما بمؤتة عوذروا لم ينقلوا # صلى الإله عليهم من فتية %~% وسقى عظامهم الغمام المسبل # صبروا بمؤتة للإله نفوسهم %~% حذر الردى وحفيظة أن ينكلوا # إذ يهتدون بجعفر ولوائه %~% قدام أولهم ونعم الأول # حتى تفرقت الصفوف وجعفر %~% بين الصفوف لدى الحتوف مجدل # فتغير القمر المنير لفقده %~% والشمس قد كسفت فكادت تأفل # قوم بهم عصم الإله عباده %~% وعليهم نزل الكتاب المنزل # بيض الوجوه ترى بطون أكفهم %~% تندى إذا اعتذر الزمان الممجل # وبهديهم رضى الإله لخلقه %~% وبجدهم نصر النبي المرسل [1] ### || [طالب بن أبي طالب] # وكان طالب أسن ولد أبي طالب وليس له عقب، وهو الذي يقول في رسول الله صلى ~~الله عليه وآله: # وقد حل مجد بني هاشم %~% مكان النعائم والزهرة # ومحض بني هاشم أحمد %~% رسول المليك على فترة # عظيم المكارم نور البلاد %~% جري الفؤاد صدي الزبرة # كريم المشاهد سمح البنان %~% إذا ظن ذو الجود بالقدرة # عفيف تقي نقي الرداء %~% طهير السراويل والأزرة # جواد ربيع على المعتفين ms082 %~% من حي ربع ومن زهرة PageV01P139 # واشوس كالليث لم تنهه %~% لدى الحرب زجرة لذي الزجرة # فكم من صريع له قد ثوى %~% طويل التأوه والزفرة [1] # وكان قد أسلم وتخلف عن الهجرة، فلما كان يوم بدر أخرج مشركوا قريش بني ~~هاشم مكرهين، وكذلك قال رسول الله صلى الله عليه وآله يومئذ للمسلمين: «من ~~استطعتم أن تأسروه من بني هاشم فلا تقتلوه فإنما أخرجوا كرها» [2]. # وكان فيمن أخرج منهم طالب فقال في ذلك: # يا رب إما خرجوا بطالب %~% في مقنب من هذه المقانب # فاجعلهم المغلوب غير الغالب %~% وارددهم المسلوب غير السالب [3] # فلما صاروا ببعض الطريق قيل ذلك عنه فقالوا: والله ما كان ينبغي لنا أن ~~نخرج برجل من بني هاشم، لأنا نعلم أنهم لا يريدون إلا أن يظفر محمد، وحسبكم ~~بقول طالب هذا. فاجتمعوا إليه فردوه من الطريق فانصرف إلى مكة. # وكان عقيل بن أبي طالب من أحب ولد أبي طالب إليه، ولما أتاه رسول الله ~~صلى الله عليه وآله والعباس لأخذ بعض ولده قال: إذا تركتم لي عقيلا فخذوا ~~من شئتم. # فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله عليا وأخذ العباس جعفرا، وكان عقيل ~~أضعف من بني أبي طالب، وهو على ذلك أجزل وأعف وأفضل من أخائرهم بني أمية ~~عندهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول له: «يا عقيل إني لأحبك ~~حبين حبا لك وحبا لحب أبي طالب لك» [4]. PageV01P140 # وجاء مع مشركي قريش فيمن أكره من بني هاشم يوم بدر، فأسر فيمن أسر، فمر ~~بعلي وهو مشدود بنسعة [1] يده إلى عنقه، فلما رآه علي صلوات الله عليه صرف ~~وجهه عنه، فصاح به عقيل: يا ابن أم أما والله لقد رأيتني ولكن عمدا تصد ~~عني. # فأتى علي صلوات الله عليه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: «يا ~~رسول الله هل لك في أبي يزيد مشدودة يده إلى عنقه بنسعة». # قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: «انطلق بنا يا علي لنراه». # فانطلقا فلما أبصر رسول الله صلى الله عليه ms083 وآله قال: يا رسول الله إن ~~كنتم قتلتم أبا جهل فقد ظفرتم، وإلا فادركوا القوم ما داموا يحدثان قرحتهم. # فقال له النبي صلى الله عليه وآله: «قد قتله الله عز وجل» [2]. # وقال النبي صلى الله عليه وآله للعباس: «افد نفسك وعقيلا» [3]. # ففداه وأقام مع رسول الله صلى الله عليه وآله وشهد معه المشاهد وأغنى ~~وتعفف، فيقال: إنه أتى يوم حنين إلى امرأته فاطمة بنت عتبة بن ربيعة بسيفه ~~وقد تلطخ بالدم فقالت له: # قد علمنا أنك قاتلت ولكن ما جئتنا به من الغنيمة؟ # قال: والله إن جئتك بشيء إلا لعن، أخذت إبرة فأصلحت بها ثوبا لي وبقيت ~~عندي، وها هي هذه فخذيها تنتفعي بها. # فأخذتها، فهم على ذلك إذ سمع منادي رسول الله صلى الله عليه وآله ينادي ~~في الناس: أيها الناس احذروا الغلول فإن الغلول في النار، أدوا الخياط ~~والمخيط. # فقال لامرأته: لا أرى إبرتك والله إلا فاتتك. PageV01P141 # فأخذها منها ومضى إلى المغنم فرمى بها فيه [1]. # وأصاب يوم مؤتة فصا، فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وآله فتركه له. # فأين من تحرج ممن أظهر الإسلام من بني أمية هذا التحرج أو تنزه هذه ~~التنزه؟ # فأما جزالته وبلاغته على ما فيه من الضعف فقد قيل: إنه جاء عليا عليه ~~السلام فسأله أن يعطيه، فأعطاه عطاءه فقال: لا يقوم بي هذا. # فأعطاه من عطائه صدرا فلم يرضه، وأعطاه من عطاء الحسن والحسين عليه ~~السلام، فاستقل ذلك وقال: علي دين. # قال له: «نكتب لك إلى ينبع فتعطى». # فقال عقيل: وما عسى أن تعطيني من ينبع، والله لأذهبن إلى رجل يعطيني. # فلحق بمعاوية فسر معاوية لقدومه عليه وجمع أهل الشام وقال: هذا أخو علي ~~قد رغب عنه وأتانا، وأدخله إليه بحضرتهم فقال: يا أبا يزيد أجئتنا محبة لنا ~~وإيثارا، فنحن أحب إليك من علي # فقال علي أحب نفسه وآثر لما عند ربه فلم يرضنا ذلك منه، فأتيناك لعلمنا ~~بخلاف ذلك عندك، فعلي خير لنفسه منك وأنت لنا خير من علي. # فسكت عنه ms084 معاوية ورأى أن ذلك يجوز على أهل الشام، ورآهم يتغامزون ~~ويبتسمون، فعلم أنهم قد علموا ما قال. # فقال: فانصرف إذا يا أبا يزيد إلى علي. # فقال: خير من انصرفت إليه، فو الله لقد جئت إليه فما أصبت من دينه وجئتك ~~فما أصبت من دنياك. # قال: فإنا نصيبك منها. # قال: ما تصيبني منها إلا والذي تصيب من دينك أكثر. PageV01P142 # فحمى معاوية وأراد أن يفحمه فقال: يا أهل الشام هل تدرون من هذا؟ هذا عمه ~~الذي قال الله عز وجل فيه: @QUR04 تبت يدا أبي لهب يا أبا يزيد أين ترى عمك ~~اليوم؟ # فقال عقيل: يا أهل الشام تدرون من هذا؟ هذا معاوية وعمته حمالة الحطب. # ثم قال: يا معاوية إن سألت عن أبي لهب فانظر إذا دخلت النار يوم تدخلها، ~~فخذ ذات يسارك تجد أبا لهب مفترشا عمتك حمالة الحطب، فو الله الراكب خير من ~~المركوب. # فأفحم وتلطف له ووصله وصرفه، إذ لم يجد عنده في علي رخصة ولا ما ظن أنه ~~شبه على أهل الشام به [1]. # وكان علي صلوات الله عليه أصغر ولد أبي طالب، ويقال: إنه كان بين كل واحد ~~من ولد أبي طالب وبين من يتلوه منهم عشر سنين، كان أسنهم طالب، وبين عقيل ~~وبين جعفر عشر سنين وبين جعفر وبين علي عشر سنين، وكانوا كلهم في المحبة ~~لرسول الله صلى الله عليه وآله على ما عاهدوا عليه أباهم أبا طالب. PageV01P143 ### | ذكر من نصب الحرب والعداوة لرسول الله صلى الله عليه وآله # من بني أمية وبني عبد شمس ومن تآلفوه من قبائل قريش، وما كان من أمرهم ~~بعد الهجرة. # قد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا الباب، ما كان من كيد بني أمية ومن ~~تآلفوه من قبائل قريش لرسول الله صلى الله عليه وآله، من ابتعثه الله تعالى ~~إلى أن هاجر إلى المدينة، ونحن نذكر في هذا الباب ما كان من حربهم إياه ومن ~~قتل الله عز وجل منهم على يديه، وما أصابوه من المسلمين وكيدهم للدين ~~والمؤمنين، ولما ms085 استقر رسول الله صلى الله عليه وآله بالمدينة وبلغ بني ~~أمية ومن والاها من قريش عليه ما جمع الله عز وجل له من ألفة المهاجرين ~~والأنصار واجتماع المؤمنين وظهور الدين، ساءهم واغتموا به غما شديدا ~~وتلهفوا على فوات رسول الله صلى الله عليه وآله إذا لم يقدروا عليه. # وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله عمه حمزة بن عبد المطلب في سرية إلى ~~ساحل البحر من ناحية العيص في ثلاثين راكبا من المهاجرين وعقد راية له ~~عليهم، وكانت أول راية عقدت لحمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله ~~عليه وآله، وانتهى الخبر إلى قريش فأخرجوا إليه ثلاثمائة راكب، وخرج عليهم ~~أبو جهل فالتقوا، فحجز بينهم محمد بن عمر الجهني وكان موادعا للفريقين، ~~فافترقوا من غير قتال وانصرف حمزة رحمة الله عليه ومن معه من المهاجرين، ~~وفي ذلك يقول حمزة رحمه الله: # ألا يا قوم للتحلم والجهل %~% وللنقص من رأى الرجال وللعقل # وللراكبين بالمظالم لم نطأ %~% لهم حرمات من سواهم ولا أهل # كانا قبلناهم ولا مثيل عندنا %~% لهم غير أمر بالعفاف وبالعدل # وأمر بإسلام فلا يقبلونه %~% وينزل منهم مثل منزلة الهزل # فما برحوا حتى انتدبت لغارة %~% لهم حيث حلوا ابتغي راحة العقل PageV01P144 # بأمر رسول الله أول خافق %~% عليه لواء لم يكن لاح من قبل # لواء لديه النصر من ذي كرامة %~% إله عزيز فعله أفضل الفعل # عشية ساروا حاشدين وكلنا %~% مراجله من غيظ أصحابه تغلي # فلما تراءينا أناخوا فعقلوا %~% مطايا وعقلنا مدى غرض النبل # فقلنا لهم حبل الإله نصيرنا %~% وما لكم إلا الضلالة من حبل # فثار أبو جهل هنالك باغيا %~% فخاب ورد الله كيد أبي جهل # وما نحن إلا في ثلاثين راكبا %~% وهم مائتان بعد واحدة فضل # فيا للؤي لا تطيعوا غواتكم %~% وفيئوا إلى الإسلام والمنهج السهل # فإني أخاف أن يصب عليكم %~% عذاب فيأتي بالندامة والثكل [1] ### || [معركة بدر الكبرى] # ثم خرج أبو سفيان وعمرو بن العاص في جماعة من قريش إلى الشام في تجارة، ~~واتصل خبر انصرافهم برسول الله صلى ms086 الله عليه وآله، فخرج إليهم وخرج معه من ~~المهاجرين والأنصار من خف منهم للخروج، ولا يرون أنهم يلقون كيدا ولا ~~يقابلهم أحد، لأن العير إنما كان فيها نحوا من أربعين رجلا من قريش، فخرج ~~إليهم من المهاجرين والأنصار مع رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاثمائة ~~وأربعة عشر رجلا يتعاقبون الجمال معهم فرسان، واتصل الخبر بأبي سفيان فعرج ~~عن الجادة وبعث رسولا إلى مكة يستنفر أهلها، فخرج أكثرهم ولم يبق من ~~أشرافهم والمذكورين منهم أحد لم يخرج إلا أبو لهب فإنه تأخر، وأخرجوا معهم ~~بني هاشم وبني المطلب كرها، وذلك أن أكثرهم كانت له في العير تجارة، فلما ~~أتاهم الصريخ من أبي سفيان: أن محمدا وأصحابه قد قطعوا على أموالكم، نفروا ~~بجماعتهم للحمية التي كانت فيهم، واستفزهم أولئك النفر من بني عبد شمس وبني ~~أمية، فاختلفوا في زهاء ألف رجل بين راجل وراكب PageV01P145 # فيهم مائة فارس وستمائة دراع ومعهم الأحابيش بالحراب، ولم يدعوا أحدا ~~يذكر من أهل مكة إلا أخرجوه، وقالوا لأبي لهب: أخرج معنا. # فقال: أنا أخرج عني رجلا. # فبعث مكانه العاص بن هشام بن المغيرة وكان العاص بن هشام أخو أبي جهل، ~~يعد في نوكي [1] قريش، وكان قد قامر [2] أبا لهب فقمره حتى أخرجه من ماله ~~فقال: # فامرني على أهلي، فقامره حتى ملك أهله، فقال: فقامرني على نفسي، فقامره ~~حتى ملكه فأخرجه يوم بدر عنه وكان فيمن قتل بها. # فالتقوا ببدر وقد فاتت العير أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ونجا ~~بها أبو سفيان، وأقبل سائر بني عبد شمس وبني أمية ومن نفر معهم من قريش على ~~قتال رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه، واستهانوا بهم لقلتهم ورأوا ~~أنهم في أيديهم ودعوا للبراز. # وبرز عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة ودعوا للبراز، فبرز إليهم ~~علي بن أبي طالب صلوات الله عليه وحمزة عليه السلام عم رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب وكان مسنا، وخرج يومئذ يتوكأ على ~~عصى فبارزه ms087 عتبة، وبارز حمزة شيبة، وبارز الوليد عليا، وفيهم أنزل الله عز ~~وجل: @QUR05 هذان خصمان اختصموا في ربهم [3]. # فقتل علي الوليد، وقتل حمزة شيبة، واختلف بين عبيدة وعتبة ضربتان أثبت كل ~~واحد منهما صاحبه، فعطف حمزة وعلي على عبيدة فاستنقذاه وقتلا عتبة، وقد قطع ~~عتبة رجل عبيدة فمات بعد منصرف رسول الله صلى الله عليه وآله بالصفراء رحمة ~~الله عليه، وحمل المسلمون على المشركين فانهزموا، وقتل الله أكثرهم وأباح ~~للمسلمين غنائمهم وأسر جماعة منهم واستشهد بعض المسلمين، وكان فيمن قتل ~~يومئذ من PageV01P146 # أشراف قريش أبو جهل بن هشام وعتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة قتله ~~علي عليه السلام وحنظلة بن أبي سفيان قتله علي، وعبيدة بن سعد بن العاص ~~قتله الزبير، والعاص بن سعيد بن العاص قتله علي، وعقبة بن أبي معيط قتله ~~علي عليه السلام صبرا، وعامر بن عبد الله الأنماري قتله علي، وطعيمة بن عدي ~~قتله علي، وزمعة بن الأسود والحارث بن زمعة وعقيل بن الأسود وأبو البحتري ~~بن هشام ونوفل بن خويلد قتلهم علي، والنضر بن الحارث بن كلدة قتله علي ~~صبرا. # وأمية بن خلف وعلي بن أمية في خمسين رجلا من قريش قتلوا يوم بدر منهم ~~اثنا عشر رجلا من بني عبد شمس. # وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بهم فرموا في قليب من قلب بدر، ثم وقف ~~عليهم فقال: «يا أهل الكفر يا شيبة بن ربيعة يا عتبة بن ربيعة يا أبا جهل ~~بن هشام» وجعل يسميهم بأسمائهم «هل وجدتم ما وعد ربكم حقا؟». # فقيل له: يا رسول الله أتخاطب موتى؟ # فقال: «ما أنتم بأسمع منهم ولو أذن لهم في رد الجواب لأجابوا» [1]. # وأسر من جميعهم اثنان وأربعون رجلا. وقيل: بل كان القتلى سبعين والأسرى ~~سبعين. # وكان أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة قد أسلم وهاجر وحضر بدرا، فلما رأى أباه ~~مقتولا تغير وجهه، وتبين رسول الله الحزن عليه فقال له: «أساءك ما صنع ~~بأبيك؟» # فقال: لا والله يا رسول الله، إلا أنه كان ms088 رجلا عاقلا وكنت أرجوا أن ~~يهديه الله [2]. # وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قال للمسلمين يوم بدر: «إن بني عبد ~~المطلب لم يخرجوا PageV01P147 # إلا كرها، فمن قدرتهم أن تأسروه منهم فلا تقتلوه». # فقال أبو حذيفة: يأمرنا فنقتل آباءنا وأبناءنا واخواننا وينهانا عن قتل ~~قرابته، والله لئن لقيت العباس لأحطمنه بالسيف. # فبلغ قوله رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لعمر: «أما بلغك قول أبي ~~حذيفة يحلف أن لقى عمي ليضربن وجهه بالسيف». # فقال عمر: يا رسول الله قد نافق، فإذن لي أن أضرب عنقه. فسكت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله. # فهذا مما قد ذكرناه من العداوة الأصلية والبغضة في القلوب المستحكمة. # ومن ذلك أنه أسر يومئذ العباس وعقيل، وأما عقيل فقد ذكرنا فيما تقدم أنه ~~لم يشغله أنه مأسور مشدود يده إلى عنقه، لما رأى رسول الله صلى الله عليه ~~وآله أنه قال: يا رسول الله لا يفتكم أبو جهل إن لم تكونوا قتلتموه فاطلبوه ~~ما دامت القرحة. # وسمع العباس رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه يأتمرون بعد هزيمة ~~المشركين بالعير أن يلحقوها، وكان بالقرب من بدر كما قال الله تعالى: ~~@QUR04 إذ أنتم بالعدوة الدنيا يعني النبي وأصحابه بعدوة بدر @QUR03 وهم ~~بالعدوة القصوى يعني المشركين @QUR02 والركب أسفل [1] يعني عير قريش التي ~~خرج إليها المسلمون. # فقال العباس وقد سمع ذلك وهو أسير في الوثاق: يا رسول الله قد نصرك الله ~~وأعطاك ما وعدك، وإنما وعدك إحدى الطائفتين، يعني قول الله: @QUR014 وإذ ~~يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم [2] ~~يعني الطائفة التي قاتلوها ببدر، وذات الشوكة أي ذات الحرب، وإنما كان ~~المسلمون أرادوا العير وخرجوا إليها، وإنما كان فيها زهاء ثمانين رجلا فلم ~~يروا أنهم يقاتلون أحدا، فقال PageV01P148 # العباس: فإنما وعدك هذه، وإن سرت إلى ما لم يعدك لم تنله وكانت كسرة ~~عليك، فارض بما قسم الله عليك. فقبل رسول الله صلى الله عليه وآله منه إذ ~~علم أنه قد نصح له. # فهذه ms089 أيضا نيات بني هاشم في بني عبد شمس وإن كانوا معهم وفي حزبهم، لما ~~ذكرناه من اعتقاد الفريقين وبغضة ما بين الطائفتين قديما وحديثا وعلى ذلك ~~هم إلى اليوم. # ولما قتل رسول الله صلى الله عليه وآله من قتل من الأسارى قال لمن بقي ~~منهم: «من أحب منكم الفداء فليفد نفسه». # فأرسل أهل مكة ففدوا أوليائهم فمنهم من أسلم وأقام ومنهم من انصرف، وقال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله للعباس عمه: «افد نفسك وابن أخيك عقيل بن أبي ~~طالب ونوفل بن الحارث وحليفك عتبة بن عمرو بن جحدم فإنك ذو مال». # فقال: يا رسول الله إني كنت مسلما، ولكن القوم استكرهوني # فقال: «الله أعلم بإسلامك، إن يكن ما تقول حقا فالله يجزيك، فأما ظاهر ~~أمرك فقد كان علينا». # وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قد أخذ منه عشرين أوقية من ذهب، فقال: ~~يا رسول الله أحبسها لي من فدائي. # فقال: «ذلك شيء أعطانا الله إياه». # قال: إنه ليس لي مال. # قال: «فأين المال الذي وضعته بمكة حين خرجت عند أم الفضل بنت الحارث ليس ~~معكما أحد، ثم قلت لها: إن أصبت في سفري هذا فللفضل كذا ولعبد الله كذا ~~وكذا ولقاسم كذا ولعبيد الله كذا وكذا؟» # قال: والذي بعثك بالحق ما علم بهذا أحد غيري وغيرها، وأني لأشهد أنك PageV01P149 # رسول الله. ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه [1]. # وكان قد قتل يوم بدر حنظلة بن أبي سفيان قتله علي عليه السلام وأسر أخوه ~~عمر بن أبي سفيان فأرسل إلى أبيه ليفديه فقال: ما كنت بالذي يجمع على دمه ~~وماله، يقتلون حنظلة وأفدي منهم عمر يصنعون به ما أحبوا. فأبقاه رسول الله ~~صلى الله عليه وآله. # وكانت قريش قد عهدت ألا تعرض لمن جاء مكة حاجا أو معتمرا، فخرج سعد بن ~~النعمان بن أكال أخو بني عمرو بن عوف وكان شيخا كبيرا معتمرا، فعدا عليه ~~أبو سفيان بمكة فاحتبسه وقال: ما كنت ببارح أو يخلي ابني وقيده. فأرسل سعد ~~إلى قومه ms090 يخبرهم الخبر. # وقال أبو سفيان في ذلك: # أرهط ابن أكال أجيبوا دعاه %~% غداة دعا لا تسلموا السيد الكهلا # فإن بني عمر لئام أذلة %~% لئن لم يفكوا عن أسيرهم الكبلا # فأتى قومه رسول الله صلى الله عليه وآله فأعلموه بذلك فأطلق عمر وسرح أبو ~~سفيان سعدا. # واستشهد يوم بدر من المسلمين أربعة عشر رجلا، ستة من المهاجرين وثمانية ~~من الأنصار، وانصرف رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة بالغنائم ~~والأسارى، قد أظفره الله من المشركين وأتى أهل قريش إلى مكة منهزمين، وكان ~~أبو لهب قد تخلف فبعد أن قدم المنهزمون عليه من قريش بسبع ليال، ضربه الله ~~بقرحة يقال لها: العدسة [2]، فمات منها. # وقال علي صلوات الله عليه في مثان يوم بدر: PageV01P150 # ألم تر أن الله أبلى رسوله %~% بلاء عزيز ذي اقتدار وذي فضل # بما أنزل الكفار دار مذلة %~% فلاقوا هوانا من إسار ومن قتل # فامسى رسول الله قد عز نصره %~% وكان رسول الله أرسل بالعدل # فجاء بفرقان من الله منزل %~% مبينة آياته لذوي العقل # فآمن أقوام بذلك فأيقنوا %~% فأمسوا بحمد الله مجتمعي الشمل # وأنكر أقوام فزاغت قلوبهم %~% فزادهم ذو العرش خبلا على خبل # وأمكن فيهم يوم بدر رسوله %~% وقوما غضابا فعلهم أحسن الفعل # بأيديهم بيض خفاف عصوبها %~% وقد حادثوها بالجلاء وبالصقل # فكم تركوا من ناشئ ذي حمية %~% صريعا ومن ذي نجدة منهم كهل # تبيت عيون النائحات عليهم %~% تجود بإسبال الرشاش وبالوبل # نوائح تنعى عتبة الغي وابنه %~% وشيبة تنعاه وتنعى أبا جهل # وذا الرجل تنعى وابن جدعان فيهم %~% مسلبة حرى مبينة الثكل # ثوى منهم في بئر بدر عصابة %~% ذوي نجدات في الحروب وفي الحل # دعا الغي منهم من دعا فأجابه %~% وللغي أسباب موصلة الوصل # فأضحوا لدى دار الجحيم بمعزل %~% عن الغي والعدوان في أسفل السفل # فأجابه الحرث بن هشام: # عجبت لأقوام تغنى سفيههم %~% بأمر سفاه ذي اعتراض وذي بطل # تغنى بقتلى يوم بدر تتابعوا %~% كرام المساعي من غلام ومن كهل # مصاليت بيض من ذوابة غالب %~% مطاعين في الهيجاء مطاعيم في ms091 المحل PageV01P151 # أصيبوا كراما لم يبيعوا عشيرة %~% بقوم سواهم نازحوا نازحوا ~~الدار والأهل # كما أصبحت غسان فيكم بطانة %~% لكم بدلا منا فيا لك من فعل # عقوقا وإثما بينا وقطيعة %~% يرى جوركم فيها ذوو الرأي والعقل # فإن يك قوم قد مضوا لسبيلهم %~% وخير المنايا ما يكون من القتل # فلا تفرحوا أن تقتلوهم فقتلكم %~% لهم كائن خبلا مقيما على خبل # بفقد ابن جدعان الحميد فعاله %~% وعتبة والمدعو فيكم أبا جهل # وشيبة فيهم والوليد وفيهم %~% أمية مأوى المعتمرين وذو الرجل # أولئك فانعى ثم لا تنعى غيرهم %~% نوائح تدعوا بالرزية والثكل # وقولوا لأهل المكتين تحاشدوا %~% بأجمعكم إلى آطام يثرب ذي النخل [1] # وقال حمزة بن عبد المطلب رضى الله عنه: # أرقت وشفني ليل طويل %~% وهم بين أضلاعي دخيل # لعاذلة تؤنبني سفاها %~% وبعض العاذلات لها سبيل PageV01P152 # فلامت وهي مشفقة نصوح %~% وذات النصح مشفقة عذول # تلومك أن رأت بجيوب بدر %~% ملاحم بينهن دم يسيل # هم ألهموا الرسول وكذبوه %~% كذاك الظلم متخم وبيل # فقد قلنا وأوعزنا إليهم %~% فلم ينفعهم في ذاك قيل # بمكة إذ طغوا وبغوا علينا %~% وللأيام دائلة تدول # فساروا عامدين لبطن بدر %~% تقاد مع المخزمة الخيول # حلفنا حلفة وجبت علينا %~% بها من هاشم ثقة كفيل # ففارقوا أحمد أو تتركوه %~% فيحلم بعد جهلته الجهول # فلاقوا جمعنا جمعه جهارا %~% كأسد الغاب يقدمنا الرسول # فضاربناهم حتى تولوا %~% وعتبة تحت رايتنا قتيل # وشيبة في مكر قد بتتنا %~% وفوق جبينه عضب صقيل # بأمر الله والرحمن يقضي %~% بما يهوى وليس لنا بديل # فعز على العشيرة ما أتاها %~% بمكة إذ علا بهم العويل # وقالت هند بنت عتبة تبكي أباها وعمها وأخاها: # من حس لي الأخوين %~% كالغصنين أو من رآهما # أسدين في غيل يحيد %~% القوم عن عدواهما # قرمين لا يتظلمان %~% ولا يرام حماهما # سيفين هذين سن %~% القين حد ظباهم # رمحين خطيين %~% وكبد السماء ذراهما # ويلي على أبوي والق %~% بر الذي واراهما # لا مثل كهلي في الكهول %~% ولا فتى كفتاهما # ابني ربيعة لا يمل %~% الناس عن ذكراهما # ما خافا ما او ودعا %~% وتواليا شرواهما PageV01P153 # خلقا لكل ms092 ملمة %~% في النائبات تراهما # سادا بغير تكلف %~% عفوا بفيض نداهما # وقالت هند في أبيها عتبة لما بارزه عبيدة، ثم مال عليه حمزة وعلي عليه ~~السلام: # أعيني جودا بدمع سرب %~% على خير خندف لم ينقلب # تداعى له رهطه غدوة %~% بنو هاشم وبنو المطلب [1] # وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قد قدم عبيدة بن الحارث إلى المبارزة، ~~ولما قطعت رجله فأدركه لما انصرف بالصفراء وقد جرى مخ ساقه وهو لما به، ~~فأتاه رسول الله صلى الله عليه وآله وجلس إليه فقال: يا رسول الله نحن كما ~~قال أبو طالب: # ونسلمه حتى نصرع حوله %~% ونذهل عن أبنائنا والحلائل # وقال فيما كان منه: # ستبلغ عنا أهل مكة وقعة %~% يهب لها من كان عن ذاك نائيا # بعتبة إذ ولى وشيبة بعده %~% وما كان فيها بكر عتبة راضيا # فإن تقطعوا رجلي فاني مسلم %~% أرجي بها عيشا من الله وافيا # مع الحور أمثال التماثيل أخلصت %~% مع الجنة العليا لما كان عاليا # وبعت بها عيشا تعرفت صفوه %~% وعالجته حتى فقدت الادانيا # وأكرمني الرحمن من فضل منه %~% بثوب من الإسلام غطى المساوئا # وما كان مكروها إلي قتالهم %~% غداة دعا الأكفاء من كان داعيا # لقيناهم كالأسد نخطر بالقنا %~% ونقتل في الرحمن من كان عاصيا # فما برحت أقدامنا من مقامنا %~% ثلاثتنا حتى أزيروا المثاويا [2] # ومات رحمه الله في مكانه بالصفراء، ثم قتل رسول الله صلى الله عليه وآله ~~من قتل من الأسارى لما PageV01P154 # مات عبيدة وانصرف رسول الله إلى المدينة، ففدى الأسارى من أنفسهم وأسلم ~~أكثرهم. ### || [معركة أحد] # فلما جاء مكة فل [1] قريش نذر أبو سفيان أن لا يمس رأسه ماء حتى يغزو ~~محمدا، فخرج في مائتي راكب يريد أن يفيء بنذره لما لم يجد من يخفف معه، ~~فانتهى العريض فأصاب رجلا من الأنصار وحليفا له فقتلهما وكر راجعا، وانتهى ~~الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فخرج يطلبه ففاته ولم يلحق به فرجع ~~إلى المدينة، ثم إن أبا سفيان لما صار إلى مكة أقام مدة يحرض أهل مكة ms093 ~~ويتآلف إليه بني عبد شمس ومن أطاعه من سائر قريش، ويذكر كل من أصيب بوليه ~~يوم بدر ويعنفهم في ترك دمائهم، وندب كل من كانت له تجارة في العير التي ~~كان فيها إلى المعونة وقال: إنما نفر من قتل ببدر لاستنقاذ أموالكم هذه، ~~فأعينوا بها على طلب ثاركم، فإني مخرج في ذلك ما كان لي ففعلوا. # قيل: فيه وفيهم أنزل الله عز وجل: @QUR016 إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ~~ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون [2]. # وأرسلوا في كنانة يستعينون بهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وآله ~~فاجتمعوا إليه وحشدوا واتفقوا وتجهزوا، وأقبلوا بجماعتهم إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله في جمع عظيم جاءوا فيه بالنساء والعبيد، واتصل به الخبر، ~~فجمع المهاجرين والأنصار وشاورهم فاختلف القول، فرأى صلى الله عليه وآله أن ~~يقيم بالمدينة ولا يبرحها حتى يأتوه، فأبى ذلك جماعة ورآه جماعة، وكان أكثر ~~رأي الخروج، فدخل صلى الله عليه وآله فلبس درعه وأخذ سلاحه PageV01P155 # ثم خرج، فلما رأوه قال الذين رأوا الخروج: نخشى يا رسول الله أن نكون قد ~~أكرهناك على الخروج فأقم. # قال: «لم يكن لنبي إذا لبس لامته أن ينزعها حتى يلقى العدو» وخرج وتخلف ~~عنه الذين رأوا القعود وقالوا: سمع رأي هؤلاء، فنحن ندعه وإياهم لما رأوه. # فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله فوافى أبا سفيان ومن معه من قريش ~~بأحد، وهم في ثلاثة آلاف ومنهم مائتا فارس، وحصل مع رسول الله بأحد تسع ~~مائة رجل فعبأهم وأوقف الرماة موقفا أمرهم أن لا يبرحوا منه وأمرهم ~~بالقتال، فلما رآهم المشركون فشلوا وخاف أبو سفيان أن تكون الحال فيهم كيوم ~~بدر، فقال لبني عبد الدار: إنكم وليتم اللواء يوم بدر فانهزمتم، وإنما يؤتى ~~الناس من قبل راياتهم إذا زالت زالوا، فإما أن تكفونا اللواء أو تخلوا ~~بيننا وبينهم. # فغضبوا وأسمعوه كلاما خشنا، وذلك الذي أراد منهم أن يحرضهم، وقامت هند مع ~~النساء يضربن الدفوف، وهند تقول تحرض المشركين: # نحن ms094 بنات الطارق %~% نمشي على النمارق # والدر في المخانق %~% والمسك في المفارق # إن تقبلوا نعانق %~% ونفرش النمارق # أو تدبروا نفارق %~% فراق غير وامق # * * * # والتحم القتال وأبلى علي وحمزة رحمه الله بلاء شديدا، ونادى طلحة بن طلحة ~~صاحب لواء المشركين: يا أصحاب محمد أنكم تزعمون أن من قتل منا كان في النار ~~ومن قتل منكم كان في الجنة، فأيكم يبرز إلي ليعجلني إلى النار أو أعجله إلى ~~الجنة. # فبرز إليه علي عليه السلام فقال: «أنا والله لا أفارقك حتى أعجلك إلى ~~النار إن شاء الله». # وحمل بعضهما على بعض وهما مدججان، فانحسرت الدرع عن ساق طلحة فضربه علي ~~عليه السلام بالسيف فأبان رجله، وقام على رأسه ليقتله فناشده بالله والرحم ~~فتركه علي، فقيل لعلي في ذلك فقال: «استحييت لما ناشدني بالرحم ورأيت أنه ~~لا PageV01P156 # يعيش فكففت عنه». # فمات طلحة، ثم أخذ لواء المشركين أبو سعيد بن أبي طلحة فقتله سعيد بن أبي ~~وقاص، ثم أخذه عثمان بن أبي طلحة فقتله حمزة، ثم أخذه مانع ابن أبي طلحة ~~فقتله عاصم بن ثابت، وصدق المسلمون القتال وأثخنوا في المشركين بالقتل ~~والجراح فانهزم المشركون، فلما رأى الرماة الهزيمة خلوا ما أمرهم به رسول ~~الله صلى الله عليه وآله من لزوم مراكزهم واتبعوا العدو يريدون الغنائم ~~وقالوا: فاتتنا الغنائم يوم بدر. # فلما انكشفت الرماة عن رسول الله صلى الله عليه وآله كر أبو سفيان وخالد ~~بن الوليد وطائفة معهما، ونظرت امرأة من بني الحارث يقال لها: عمرة بنت ~~علقمة إلى اللواء مطروحا فرفعته فانصرفوا. # وفي ذلك يقول حسان بن ثابت: # لا إذا عضل سيقت إلينا كأنها %~% جداية شرك معلمات الحواجب # أقمنا لهم طعنا وضربا منكلا %~% وحزناهم بالضرب من كل جانب # فلولا لواء الحارثية أصبحوا %~% يباعون في الأسواق بيع الجلائب # وانكشفت الناس وثبت حمزة وأبلى بلاء شديدا إلى أن استتر له وحشي، فرماه ~~بحربة بحيث لم يره فوقعت فيه فقتله، وانهزم المسلمون وانكشفوا عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله، وثبت صلى الله عليه وآله على الصخرة ms095 بأحد وقد تظاهر ~~بين درعين، وعلي بين يديه يحميه إلى أن جرح رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وكسرت ثنيته وهشمت البيضة على رأسه، وذهب الناس عنه لا يرون إلا أنه قتل، ~~وأحاط المشركون برسول الله صلى الله عليه وآله من كل جانب وعلي بين يديه، ~~ثم أتاه سعيد بن أبي وقاص وكان راميا فحماه بالنبل، ثم صمم أبي بن خلف على ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: يا محمد لا نجوت إن نجوت. وشد عليه ~~وتناول رسول الله صلى الله عليه وآله حربة كانت في يد بعض أصحابه وانتقض من ~~بينهم انتقاضة تطايروا حوله، وضرب أبي بن خلف بالحربة فقتله وأخذ كفا من ~~حصى فرمى به وجوه المشركين فولوا، وتراجع المسلمون وولى المشركون عنهم، ~~وكان يوم PageV01P157 # بلاء ومحنة وأصيب حمزة رضي الله عنه وقد مثل به، وشقت هند عن كبده ~~فأخرجته ولاكتها. # فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وآله أحزنه وقال: «لئن أظهرني الله ~~عليهم لأمثلن بسبعين منهم» فأنزل الله عز وجل عليه: @QUR07 وإن عاقبتم ~~فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به [1] الآية، واغتم المسلمون بما أصيبوا به فأنزل ~~الله عز وجل: @QUR014 أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل ~~هو من عند أنفسكم [2] يعني ما خالفوا فيه رسول الله صلى الله عليه وآله في ~~خروجهم عن المدينة وتخلية الرماة مكانهم، وأمر رسول الله بدفن القتلى ~~فدفنوا في مصارعهم. # وقالت هند بنت عتبة لعنة الله عليها: # شفيت من حمزة نفسي بأحد %~% حين بقرت بطنه عن الكبد # أذهب عني ذاك ما كنت أجد %~% من لذعة الحزن الشديد المعتمد # وقالت فيه: # نحن جزيناكم بيوم بدر %~% والحرب بعد الحرب ذات سعر # ما كان عن عتبة لي من صبر %~% ولا أخي وعمه وبكر # شفيت نفسي وقضيت نذري %~% شفيت وحشي غليل صدري # فشكر وحشي على عمري %~% حتى تضم أعظمي في قبري # فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن عبد المطلب بن عبد مناف: # خزيت في بدر وغير بدر %~% يا بنت وقاع عظيم ms096 الكفر # صبحك الله غداة الفجر %~% بالهاشميين الطوال الزهر # بكل قطاع حسام يفري %~% حمزة ليثي وعلي صقري # إذ رام شيب وأبوك غدري %~% فخضبا منه ضواحي النحر PageV01P158 # ونذرك السوء فشر نذر %~% أعطيت وحشيا ضمير الصدر # هتك وحشي حجاب الستر %~% ما للبغايا بعدها من فخر [1] # وقيل: إن هندا كانت بذلت نفسها لوحشي ليقتل حمزة رضي الله عنه وكانت من ~~العواهر اللواتي يتحزبن على أعينهن، وكان أحب الرجال إليها السودان. # وفيها يقول حسان بن ثابت لما استأذن رسول الله صلى الله عليه وآله في ~~هجاء قريش فأذن له وقال: «قل فإن الله تعالى أيدك بروح القدس» وقال في هند: # لعن الإله وزوجها معها %~% هند الهنود طويلة البظر # خرجت مرقصة إلى أحد %~% بأبيك وابنك يوم ذي بدر # وبعمك المستوه يعطي دبره %~% شبان مكة غير ذي ستر [2] # يعني بابنها حنظلة بن أبي سفيان وإنما هو ابن زوجها فنسبه إليها، وأمه ~~ريحانة بنت أبي العاص، ويعني عمها شيبة بن ربيعة، وكان من المشهورين ~~بالأبنة من قريش. # قال الهيثم بن عدي عن ابن عباس والكلبي وحماد الرواية: المشهورين بالأبنة ~~من قريش أبو جهل بن هشام وكان يخضب دبره بالحناء، فلذلك قال له عتبة بن ~~ربيعة يوم بدر لما حاوله عن الرجوع فأبى وقال: انتفخ سحرك. # فقال عتبة: سيعلم مصفرا استه من انتفخ سحره. # وقيل: إن ذلك لم يكن يعلم منه ولم يكن اطلع عليه أحد، فأطلع الله عليه ~~رسوله صلى الله عليه وآله فأعلمه عليا عليه السلام وأمر بتقريعه به لما كثر ~~أذاه له، ففعل ذلك علي عليه السلام. # فعظم ذلك على أبي جهل، وقال لبعض من كان يسر إليه أمره: والله ما اطلع ~~على هذا أحد غيري، فمن أين انتهى هذا إلى محمد؟ # قالوا: ومنهم أبو أمية بن المغيرة وأبي بن خلف وشيبة بن ربيعة، ولذلك قال PageV01P159 # حسان لهند: (وبعمك المستوه). # وعفان بن أبي العاص أبو عثمان بن عفان، وهو الذي يقول في أبي أحيحة سعيد ~~ابن العاص وكان يأتيه: # يا جوار الحي عد نفسيه %~% يا خواتي ms097 لا تلمننيه # كيف التذ الحياة وقد %~% نزعوا عني معلليه # كيف يلحوني على رجل %~% لو سقاني سم ساعتيه # لم أقل إني ندمت ولا %~% أنني فاضت مدامعيه # أو أصابته منيته %~% شرقت عيني بعبرتيه # وكان عفان هذا مخنثا يضرب الدف ويزمر، وفي ذلك يقول عبد الرحمن بن جبل ~~الجمحي لعثمان بن عفان يعيره بأبيه: # زعم ابن عفان وليس بهازل %~% إن القراءة له يحوز المشرق # خرج له من شاء أعطى فضله %~% منا وتلك مقالة لم تصدق # أني لعفان سوى دونه %~% وبراعة خرقاء لما تنطق # ويردنا لو كنت أنثى مثله %~% فيكون رق فتاتكم لم يعتق [1] # وسنذكر باقي أخبار هند في العهار عند ذكر معاوية إن شاء الله. # وانصرف رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة، فسمع بكاء نساء ~~الأنصار على من قتل منهم فقال: «لكن حمزة لا بواكي له». # فلما سمع ذلك نساء الأنصار ندبن حمزة فأثنى عليهن النبي صلى الله عليه ~~وآله خيرا وصرفهن [2]. PageV01P160 # ولما انصرف أبو سفيان أمر رسول الله صلى الله عليه وآله بالخروج في أثره، ~~وقال أبو سفيان لما بعد قليلا: والله ما صنعنا شيئا غلبنا القوم فلا كنا ~~جعلناها واحدة فدمرنا يثرب، فمتى يتهيأ لنا مثل هذا الجمع؟ وانصرف فبلغه أن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله خرج في طلبه، واحتفل معه المهاجرون والأنصار، ~~فاضطرب الناس عليه لما بلغهم ذلك، وانصرفوا عنه وانصرف رسول الله صلى الله ~~عليه وآله إلى المدينة. # وكان أبو سفيان قد بارز يوم أحد حنظلة بن أبي عامر غسيل الملائكة فصرعه ~~حنظلة، فأتاه ابن شعوب فأعان عليه فقتله أبو سفيان ونجا أبو سفيان، وفي ذلك ~~يقول: # فلو شئت نجتني كميت طمرة %~% ولم أحمل النعماء لابن شعوب # وكان علي عليه السلام قتل ابنه حنظلة يوم بدر فنادى أبو سفيان: أعل هبل ~~حنظلة بحنظلة. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «الله أعلى وأجل ولا سواء، قتلانا في ~~الجنة وقتلاكم في النار» ورأى الملائكة تغسل حنظلة فقال: «سلوا امرأته عنه ~~ما كان حاله» فذكرت أنه خرج وقد ms098 أصاب منها ولم يتطهر [1]. # وكان جميع من استشهد يوم أحد من المسلمين من المهاجرين والأنصار خمسة ~~وستون رجلا، وقتل من المشركين اثنان وعشرون رجلا يومئذ. # وقال عليه السلام في يوم أحد: # رأيت المشركين بغوا علينا %~% ولجوا في الغواية والضلال # وقالوا نحن أكثر إذ نفرنا %~% غداة الروغ بالأسل النهال # فإن يبغوا ويفتخروا علينا %~% بحمزة وهو في الغرف العوالي PageV01P161 # فقد أردى بعتبة يوم بدر %~% وقد أبلى وجاهد غير آل # وقد فللت خيلهم ببدر %~% واتبعت الهزيمة بالرجال # وقد غادرت كبشهم جهازا %~% بحمد الله طلحة في المجال # قتل بوجهه ورفعت عنه %~% رفيق الحد جودث بالصقال # كان الملح خالطه إذا ما %~% تلظى كالعقيقة في الظلال # وقال عليه السلام أيضا في ذلك: # الله حي قديم قادر صمد %~% وليس يشركه في حكمه أحد # هو الذي عرف الكفار كفرهم %~% والمؤمنين سيجزيهم بما وعدوا # فإن تكن دولة كانت لنا عظة %~% فهل عسى أن يرى في غيها رشد # وينصر الله من والاه إن له %~% نصرا ويمكر بالكفار إذ عندوا # فإن نطقتم بفخر لا أبا لكم %~% فيمن تضمن من إخواننا اللحد # فإن طلحة غادرناه منجدلا %~% وللصفائح نار بيننا تقد # والمرء عثمان أردته أسنتنا %~% فجيب زوجته إذ خبرت قدد # في تسعة إذ تولوا بين أظهرهم %~% لم ينكلوا من حياض الموت إذ وردوا # كانوا الذؤابة من فهر وأكرمها %~% شم الأنوف وحيث الفرع والعدد # وأحمد الخير قد أردى على عجل %~% تحت العجاج أبيا وهو مجتهد # فظلت الطير والضبعان تركبه %~% فحامل قطعة منه ومقتعد # ومن قتلتم على ما كان من عجب %~% منا فقد صادفوا خيرا وقد سعدوا # لهم جنان من الفردوس طيبة %~% لا يعتريهم بها حر ولا صرد # صلى الله عليهم كلما ذكروا %~% فرب مشهد صدق قبله شهدوا # قوم وفوا لرسول الله واحتسبوا %~% شم العرانين منهم حمزة الأسد # ومصعب ظل ليثا دونه حردا %~% حتى تزمل منه ثعلب جسد # ليسوا كقتلى من الكفار أدخلهم %~% نار الجحيم على أبوابها الرصد PageV01P162 # وقال عليه السلام لما انصرف وناول فاطمة صلوات الله عليها سيفه: # أفاطم هاك السيف غير ذميم %~% فلست ms099 برعديد ولا بمليم # لعمري لقد قاتلت في حب أحمد %~% وطاعة رب بالعباد رحيم # وسيفي بكفي كالشهاب أهزه %~% أجذبه من عاتق وصميم # فما زلت حتى فض ربي جموعهم %~% وحتى شفيت لنفس كل حليم [1] ### || [بدر الصغرى] # وكان أبو سفيان لما انصرف عن أحد قال: يا محمد ميعاد ما بيننا وبينك بدر ~~في مثل هذا الوقت من العام المقبل. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «نعم». # فلما أتى الوقت خرج رسول الله صلى الله عليه وآله من المدينة مع ~~المهاجرين والأنصار حتى أتى بدرا لميعاد أبي سفيان، فأقام ثماني ليال ~~ينتظره وبلغ أبا سفيان مقامه، فخرج من مكة في جمع من أهلها حتى بلغ عسفان، ~~فرأى في أصحابه قلا فرجع وقال: إنه لا يصلح الناس إلا عام خصب يرعون فيه ~~الشجر ويشربون اللبن. # وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله انصرافه فانصرف إلى المدينة بأصحابه، ~~وقال في ذلك عبد ابن رواحة رضي الله عنه: # وعدنا أبا سفيان بدرا ولم نجد %~% لميعاده صدقا وما كان وافيا # فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا %~% رجعت ذميما وافتقدت المواليا # تركنا به أوصال عتبة وابنه %~% وعمرا أبا جهل تركناه ثاويا # عصيتم رسول الله أف لدينكم %~% وأمركم السوء الذي كان غاويا # فإني وإن عنفتموني لقائل %~% فداء رسول الله أهلي وماليا PageV01P163 # أطعناه لم نعدله فينا بغيره %~% شهابا لنا في ظلمة الليل ~~هاديا [1] ### || [الخندق] # وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قد أوقع قبل ذلك ببني النضير من ~~اليهود وفشا الإسلام، وأقام رسول الله صلى الله عليه وآله بالمدينة- بعد ~~انصرافه من بدر لميعاد أبي سفيان- سنة ودخل في الأخرى، ثم إن نفرا من ~~اليهود أتوا أبا سفيان فظاهروه على رسول الله صلى الله عليه وآله، فأرسل ~~بهم في قبائل العرب يستنفرهم إلى رسول الله ويحذرهم أمرهم ويخوفهم وقوعه ~~بهم، فتحزب الأحزاب وأقبلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله، وخرجت قريش ~~وقائدها أبو سفيان، وغطفان وقائدها عيينة بن حصين بن حذيفة بن بدر، والحرث ~~بن عوف المروي في بني مرة، ومسعود بن رحيلة ms100 في قومه من أشجع، ورأس الأحابيش ~~كلها صفوان بن أمية. # وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله خبره فخندق على المدينة، وكانت بنو ~~قريظة من اليهود قد حالفوه فنقضوا حلفه، ونزل الأحزاب في عدد عظيم على رسول ~~الله صلى الله عليه وآله، فلما رأوا الخندق قالوا: إن هذه لمكيدة ما كانت ~~تعرفها العرب. فنزلوا على الخندق وأقام رسول الله صلى الله عليه وآله ولم ~~يخرج إليهم ولم يكن بينهم قتال. # ثم إن عمرو بن عبد ود- وكان من أبطال قريش- أتى مع نفر من قريش منهم ~~عكرمة بن أبي جهل، وهبيرة بن وهب المخزوميان، ونوفل بن عبد الله، وضرار بن ~~الخطاب، ومرداس أخو محارب، فاقتحموا الخندق بخيلهم على رسول الله صلى الله ~~عليه وآله ودعوا البراز فلم يبرز أحد إليهم، فأنشأ عمرو يقول: # وقد بححت من النداء %~% بجمعهم هل من مبارز # فنهض إليه علي عليه السلام فقال: «يا عمرو لقد كنت تعاهد الله ألا يدعوك ~~أحد إلى خصلتين إلا أجبته إلى إحداهما». PageV01P164 # قال: نعم. # قال له علي عليه السلام: «فإني أدعوك إلى الله ورسوله». # قال له: مالي بهذه من حاجة. # قال: «فإني أدعوك إلى المبارزة». # قال له: يا ابن أخي ما أحب والله أن أقتلك. وكان بينه وبين أبي طالب ~~وصلة. # فقال له علي عليه السلام: «لكني والله أحب أن أقتلك». # فغضب عمرو ونزل عن فرسه ومشى إليه علي عليه السلام فالتقيا فتجاولا وثارت ~~بينهما عجاجة، وقام المسلمون ينظرون فلم يروهما، فانجلت العجاجة وعلي عليه ~~السلام يمسح سيفه على عمرو وقد قتله، وولى أصحابه هاربين على خيلهم إلى ~~أصحابهم، وسقط نوفل بن عبد الله في الخندق فتعاوره المسلمون بالحجارة فقال: ~~يا معشر العرب قتلة أحسن من هذه. # فنزل إليه علي عليه السلام فقتله، وجاء المشركون يطلبون جثته وبذلوا ~~عليها مالا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «دعوهم وجثته فلا حاجة لنا ~~فيها ولا في ثمنها». # وقال علي عليه السلام في ذلك: # أعلي تقتحم الفوارس هكذا %~% عني وعنهم أخبروا أصحابي # اليوم تمنعني ms101 الفرار حفيظتي %~% ومصمم في الهام ليس بناب # أدريت عميرا حين أخلص صقله %~% ها في الحديدة يستنض ثيابي # وغدوت التمس القراع بمرهف %~% عضب مع البتراء في أقرابي # إلى ابن عبد حين شد إليه %~% وحلفت فاستمعوا على من الكذاب # ألا يصد ولا يهلل فالتقى %~% رجلان يضطربان كل ضراب # فصدرت حين ركبته متجدلا %~% كالجذع بين دكادك وروابي # وعففت عن أثوابه ولو أنني %~% كنت المجدل بزني أثوابي # لا تحسبن الله خاذل دينه %~% ونبيه يا معشر الأحزاب PageV01P165 # وكان نعيم بن مسعود الأسود الأسلمي قد حالف رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وجاء في جملة الأحزاب، فتسلل متسللا فقال: يا رسول الله إني قد أسلمت ولم ~~يعلم قومي بإسلامي فجئت معهم، فما ترى أن أفعل؟ # قال: «إنما أنت رجل واحد فاخذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة». # فمضى ابن مسعود الأسلمي إلى بني قريظة وكانت بينه وبينهم وصلة، وكانوا في ~~حصونهم فأراهم أنه أتاهم زائرا، فأكرموه وأنزلوه فلما خلا بهم قال: يا بني ~~قريظة أتشكون في نصيحتي لكم؟ قالوا: لا والله. # قال: ما جئتكم إلا ناصحا، إنكم وقعتم في أمر عظيم، نقضتم حلف محمد ولم ~~تتوثقوا لأنفسكم من هؤلاء القوم، فإن انصرفوا وتركوكم أليس يقتلكم محمد ~~وأصحابه؟ # قالوا: صدقت والله، فما الحيلة؟ # قال: الحيلة أن تسألوا القوم في رجال من وجوههم- وسمى لهم رجالا من قبائل ~~قريش وغطفان وغيرهم ممن حضر- يكونون عندكم في حصونكم، فلا تكاد عشائرهم أن ~~تسلمهم. # فجزوه خيرا، فاستكتمهم الخبر ومضى إلى أبي سفيان فقال: إن عندي لخبرا ~~عظيما. # قال: وما هو؟ # قال: سرت إلى بني قريظة وبيني وبينهم وصلة قديمة، فأسر إلي بعضهم أنهم ~~ندموا على نقض حلف محمد، وسألوه عقده فأبي عليهم إلا أن يلقوا في يديه ~~رجالا منكم وسماهم. # قال: وكيف لهم بذلك؟ # قال: يسألونكم أن تعطوهم إياهم رهائن لئلا تدعوهم. # فسكت أبو سفيان ثم أراد أن يختبر ذلك، فأرسل إلى بني قريظة أن أخرجوا ~~فإنا PageV01P166 # نريد أن نناجز محمدا وأصحابه. # فأرسلوا إليه فقالوا: لا والله لا نفعل حتى توثقنا برجال ms102 منكم يكونون ~~عندنا، وسموا أولئك الذين سماهم ابن مسعود. # فأيقن أبو سفيان خبره فأسقط في يديه، وأرسل الله عز وجل الريح التي وصفها ~~في كتابه في قوله: @QUR06 فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها [1]. # قال حذيفة اليمان: فإني في ليلة من ليالي الخندق لأنظر إلى رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وهو قائم يصلي من الليل، إذ التفت إلينا فقال: «من منكم ~~يمضي فيعرف لنا خبر القوم؟» # فو الله ما انتدب إليه أحد لشدة ما كنا فيه من البرد والريح وخوف العدو، ~~ثم صلى هويا من الليل ثم قال: «من يفعل ذلك وأنا أضمن له الجنة على الله؟» # فما قام أحد، ثم صلى هويا من الليل ثم قال مثل ذلك وقال: «من يفعله يكون ~~رفيقي في الجنة وأضمن له الرجوع سالما». # فما قام أحد، فلما رأى ذلك دعاني وقال: «يا حذيفة» فقمت ولم أقدر أن ~~أتأخر قال: «أمض فانظر ما حال القوم ولا تحدثن حديثا حتى تنصرف إلينا». # فأخذت قوسي وكنانتي وسرت حتى دخلت طرف العسكر وقد انقبض بعضهم إلى بعض، ~~ما يثبت لهم مربط خيمة ولا منصب برمة، فما كدت أن أجلس حتى رأيت رجلا قام ~~فوضع رجله على راحلته ورحلها فقامت فقال: يا معشر قريش لينظر كل امرئ منكم ~~من إلى جانبه. فإذا هو أبو سفيان. فو الله لو لا أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله عهد إلي أن لا أحدث حدثا لرميته بسهم فرجوت أن أقتله، فبدرت من ~~كان إلى جانبي منهم وقلت: من أنت؟ # قال: أنا فلان. # وناداه الناس قد عرفنا فقال: يا معشر قريش ما أنتم بدار مقام قد هلك الخف PageV01P167 # والحافر وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره وحل بنا من هذه الريح ~~ما ترون فارتحلوا، فإني مرتحل، فارتحلوا. # قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله وهو قائم يصلي، فما تمالكت أن جلست إلى ~~جنبه، فرمى علي فضل مرط كان عليه لبعض نسائه يسترني به، ثم ركع وسجد وتشهد ~~وسلم فأخبرته بالخبر فحمد الله، فلما ms103 أصبح انصرف إلى المدينة ووضع سلاحه، ~~فأتاه جبرئيل فقال: (يا محمد أوضعت سلاحك؟) # قال: «نعم». # قال: (فإن الملائكة ما وضعت بعد أسلحتها، فإن الله يأمرك أن تلحق ببني ~~قريظة). # فنادى رسول الله صلى الله عليه وآله وخرج إلى بني قريظة فحاصرهم فنزلوا ~~على حكم سعيد بن معاذ، فحكم أن يقتل مقاتلهم ويسبي ذراريهم، فقال رسول الله ~~صلى الله عليه وآله: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة». # وفعل بهم ذلك، فأنزل الله في ذلك ما ذكره في سورة الأحزاب، وبكت نساء بني ~~عبد شمس عمرو بن عبد ود، ورثاه شعراء قريش بمراثي كثيرة. # ولما انصرف أبو سفيان والأحزاب عن الخندق قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله للمسلمين: «أما إنه لن تغزوكم قريش بعد عامهم هذا ولكنا نغزوهم» [1]. # وكان عمرو بن العاص في كل هذه المشاهد مع أبي سفيان، حضر معه أحد والخندق ~~وكان معه في العير، فلما رأى إقبال المسلمين وإدبار الكافرين، خرج إلى ~~النجاشي إلى أرض الحبشة فأقام بها حتى أسلم النجاشي ودعاه إلى الإسلام، ~~فخافه PageV01P168 # على نفسه فأسلم على يديه وجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ذلك ~~[1]. # ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله خرج في ذي القعدة من سنة ست من ~~الهجرة يريد العمرة وزيارة البيت لا يريد قتال أحد، وخرج معه سبعمائة رجل ~~من المهاجرين والأنصار، وانتهى الخبر إلى أبي سفيان فاستنفر قريشا وخرجوا ~~ليصدوا رسول الله صلى الله عليه وآله، فأخبرهم أن لم يأت لحرب وإنما أتى ~~زائرا للبيت يريد الحج والعمرة وساق الهدي فأبوا عليه، ومشت الرسل بينهم ~~فصالحهم على أن ينصرف من عامه ذلك ويعتمر من قابل، فنحر الهدي وانصرف صلى ~~الله عليه وآله وأنزل الله تعالى: @QUR012 هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد ~~الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله [2] الآية وما فيها وما بعدها في سورة ~~الفتح، فبشر رسول الله صلى الله عليه وآله الناس بما وعده الله من الفتح، ~~ثم افتتح رسول الله صلى الله ms104 عليه وآله خيبر، وأتى جعفر بن أبي طالب ~~وأصحابه من هجرة الحبشة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يوم فتح خيبر، ~~فقال: «والله ما أدري بأيهما أنا أسر بفتح خيبر أم بقدوم جعفر» [3]. # وأعز الله الإسلام وكثر المسلمون وأغنمهم الله الغنائم ووسع عليهم في ~~الأموال، وأقام رسول الله صلى الله عليه وآله إلى مثل الوقت الذي صدته فيه ~~قريش عن البيت من العام المقبل، فخرج بأصحابه يريد العمرة حتى دخل مكة ~~فاعتمر وانصرف، وأراد رسول الله صلى الله عليه وآله أن يتآلف أبا سفيان، ~~وكانت ابنة أبي سفيان رملة وهي أم حبيبة عند عبد الله بن جحش، وكان قد تنصر ~~وخرج بها إلى أرض الحبشة فمات هناك وهي معه، فأرسل رسول الله صلى الله عليه ~~وآله إلى النجاشي ليخطبها عليه. # قالت أم حبيبة: فإني يوما في منزلي بأرض الحبشة فما شعرت إلا بأبرهة ~~جارية النجاشي قائمة تستأذن علي، فأذنت لها فدخلت علي فقالت: إن الملك ~~أرسلني PageV01P169 # إليك يقول لك: إن رسول الله كتب إلي بذكرك، فما تقولين؟ # قلت: بشرك الله تعالى بخير. ودفعت إليها سوارين من فضة وخدمتين وخواتم ~~فضة كن في أصابع رجلي سرورا بما بشرتني به. # فقالت: يقول لك الملك ووكلي من يزوجك. # فأرسلت إلى خالد بن سعيد فوكلته. # وعقد عليها النجاشي لرسول الله صلى الله عليه وآله وساق إليها عنه ~~أربعمائة دينار وأطعم يومئذ من شهد النكاح، وأرسل إليها رسول الله صلى الله ~~عليه وآله شرحبيل بن حسنة فجاء بها وبنى عليها، واتصل الخبر بأبي سفيان ~~وقيل له: إن محمدا قد نكح ابنتك. # فما زاده ذلك إلا تماديا على عداوة رسول الله صلى الله عليه وآله وأكثر ~~ما قال في ذلك: هو الفحل لا يقرع أنفه [1]. ### || [خوف أبي سفيان وإسلامه] # وكان أبو سفيان وقريش إذا وادعوا رسول الله صلى الله عليه وآله بالحديبية ~~جعلوا بينهم أن من شاء أن يدخل في عهده دخل ومن يشاء أن يدخل في عهدهم دخل، ~~وكان فيما بين بكر بن عبد ms105 مناة بن كنانة وخزاعة، حرب في دم كان بينهم ثم ~~سكن الأمر، لما كان من أمر رسول الله صلى الله عليه وآله فلما كانت ~~الموادعة مالت قريش ميل بني بكر، ودخلت بنو بكر في عهدهم وحاربوا خزاعة، ~~فدخلت خزاعة في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فظاهر قريش بني بكر ~~وحاربوا معهم خزاعة، وبيتوهم ليلا فأصابوا منهم فكان في ذلك منهم نقض لما ~~عقدوه مع رسول الله صلى الله عليه وآله إذ كانت خزاعة قد دخلت في عهده، ~~وبعثت خزاعة رجلا منها يقال له: عمرو بن سالم، فقدم على رسول الله صلى الله ~~عليه وآله المدينة فوقف عليه PageV01P170 # وهو في المسجد في جماعة من المهاجرين والأنصار فقال: # لا هم أني ناشد محمدا %~% حلف أبيه وأبينا ألا تلدا # ووالدا كنا وكنت ولدا %~% ثمت أسلمنا ولم ننزع يدا # وانصر رسول الله نصرا اعتدا %~% وادع عباد الله ياتوا مددا # فيهم رسول الله قد تجردا %~% إن سيم خسفا وجهه تربدا # في فيلق كالبحر يجري مزبدا %~% إن قريشا أخلفوك الموعدا # ونقضوا ميثاقك المؤكدا %~% وجعلوا لي في كداء رصدا # هم بيتونا بالوتير هجدا %~% فقتلونا ركعا وسجدا # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «قد نصرت يا عمرو» ثم أتى بديل بن ~~ورقاء في نفر من خزاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره بالخبر ~~وبما أصيب منهم وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم ثم انصرفوا. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «كأنكم بأبي سفيان قد أتاكم يطلب أن ~~يشد في العقد ويزيد في المدة». فما كان بأوشك من أن قدم أبو سفيان المدينة، ~~وقصد ابنته رملة وهي عند رسول الله صلى الله عليه وآله فأومى ليجلس على ~~فراش رسول الله صلى الله عليه وآله فقامت فطوته دونه، فقال: يا بنية أرغبت ~~بي عن هذا الفراش أو رغبت به عني؟ # قالت: إنه فراش رسول الله وأنت رجل مشرك نجس، لا ينبغي لي أن أدعك تجلس ~~عليه. # فقال: والله يا بنية لقد أصابك شر بعدي. # وخرج ms106 عنها وأتى رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره بما جاء له من شد ~~العقد والزيادة في المدة، ورغب في ذلك إليه وسأله فيه، فلم يرد عليه جوابا، ~~فأتى أبا بكر فسأله أن يكلم له رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك فأبى ~~عليه، فأتى عمر فسأله فامتنع عليه وأغلظ، فأتى عليا صلوات الله عليه في ~~بيته فقال: يا أبا الحسن أنت أمس القوم بي رحما، وقد جئت لأمر قد علمته ~~قريش ولا أرجع خائبا، سل لي ابن عمك. PageV01P171 # فقال له: «ويحك يا أبا سفيان إن رسول الله قد عزم على أمر وما كنت بالذي ~~أعارضه فيه». # فقال لفاطمة عليها السلام والحسن بين يديها صبي صغير يدرج: يا بنت محمد ~~لو أمرت ابنك هذا أن يجير بين الناس فيكون لك فخرا للأبد. # قالت: «لا والله يا أبا حنظلة ما بلغ من ابني ما يجير على رسول الله». # فقال لعلي: فأشر علي يا أبا الحسن، فإني أرى الأمور قد اشتدت علي. # فقال له علي عليه السلام: «ما أرى لك إلا أن تجير بين الناس لنفسك إن شئت ~~فأنت اليوم سيد كنانة فقم فأجر بين الناس والحق بأرضك». # فقال له أترى ذلك مغنيا عني شيئا؟ # قال: «لا والله ما أظن ولكن لا أجد لك غير ذلك». # فقام أبو سفيان في المسجد فقال: أيها الناس إني قد أجرت بين الناس، وركب ~~بعيره فانطلق فأتى مكة، فسألته قريش عما صنع، فأخبرها بأمره علي بجهته وأنه ~~لم يجد إلا ما قال علي ففعله، قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ # قال: لا. # قالوا: فما زاد علي على أن لعب بك وبعقلك. # وتجهز رسول الله صلى الله عليه وآله وأمر الناس فتجهزوا لا يدرون أين ~~يريد بهم، وقد كثر الله المسلمين، وخرج يريد غزو مكة في عشرة آلاف من ~~المسلمين وقال: «اللهم خذ الأخبار والعيون عن قريش حتى نبغتها في بلادها» ~~فلم يأت قريش عنه خبر حتى قرب من مكة، وتلقاه العباس بن عبد المطلب في بعض ms107 ~~الطريق وقد أسلم، ثم لقيه أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطلب وعبد الله بن ~~أبي أمية بن المغيرة، فالتمسا الدخول عليه فأبى عليهما، وكلمته أم سلمة ~~فيهما فقالت: يا رسول الله ابن عمك- تعنى أبا سفيان- وابن عمتك وصهرك، تعني ~~عبد الله. # قال: «لا حاجة لي فيهما أما ابن عمي فهتك عريضي- وكان أبو سفيان بن PageV01P172 # الحرث شاعرا فقال أشعارا كثيرة في الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وبين أهل مكة وذكره بها- وأما ابن عمتي وصهري فهو الذي قال لي بمكة ما ~~قال» وكان قد نال من رسول الله صلى الله عليه وآله وأسمعه بمكة. # فلما بلغهما ذلك قال أبو سفيان: والله إن لم يأذن لي رسول الله لآخذن بيد ~~هذا- ومعه ابن له صغير- ثم لأضربن بوجهي في الأرض حتى أموت حتفا هزلا. # فرق له رسول الله صلى الله عليه وآله فأدخلهما إليه. # وأنشد أبو سفيان في إسلامه واعتذاره: # لعمرك إني حين أحمل راية %~% لتغلب خيل اللات خيل محمد # لكالمدلج الحيران أظلم ليله %~% فهل أواني حين أهدي فأهتدي # في شعر طويل وأشعار كثيرة له في هذا المعنى، وعميت أخبار رسول الله صلى ~~الله عليه وآله عن قريش حتى إذا قرب من مكة بات بالقرب منها ليصبحها، وقال ~~العباس بن عبد المطلب: وأسوأ صباح قريش إذ دخل رسول الله صلى الله عليه ~~وآله مكة عنوة قبل أن يستأمنوه أنه لهلاك قريش إلى آخر الدهر. # وخرج من الليل نحو مكة يرجو أن يلقى أحدا يرسله بالخبر إليهم، وكان أبو ~~سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء خرجوا تلك الليلة يتجسسون ~~وينظرون هل يجدون خبرا أو يسمعون به، لأنه قد كان انتهى إليهم خروج رسول ~~الله صلى الله عليه وآله ولا يدرون إلى أين يريد، فبينا العباس يسير إذ سمع ~~كلام أبي سفيان وبديل ابن ورقاء يتراجعان، وقد نظرا إلى نيران أصحاب رسول ~~الله وأبو سفيان يقول: ما رأيت كالليلة مثلها نيرانا. # وبديل يقول له: هي نيران خزاعة. # فيقول أبو سفيان: ms108 خزاعة والله أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها # فعرف العباس صوت أبي سفيان فناداه: يا أبا حنظلة. # فقال أبو سفيان: من هذا أبو الفضل؟ PageV01P173 # قال: نعم. # قال: مالك فداك أبي وأمي؟ # قال: ويحك يا أبا سفيان هذه نيران رسول الله وأصحابه وأسوأ صباح قريش ما ~~جئت إلا منذرا. # قال: فما الحيلة فداك أبي وأمي؟ # قال له العباس: والله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، ولكن اركب خلفي حتى آتي بك ~~رسول الله فأستأمنه لك. # وكان العباس على بغلة رسول الله صلى الله عليه وآله فركب خلفه حتى دخل به ~~العسكر، كلما مر بنار من نيران المسلمين عرفوا بغلة رسول الله صلى الله ~~عليه وآله والعباس حتى مرا بنار عمر، فعرف أبا سفيان فاشتد يخبر رسول الله ~~صلى الله عليه وآله ودخل عليه ودخل العباس معه فقال عمر: يا رسول الله هذا ~~عدو الله أبو سفيان قد جاء به الله عن غير عهد ولا عقد، فأمرني فأضرب عنقه. # فقال العباس: يا رسول الله إني قد أجرته. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله للعباس: «اذهب به إلى رحلك فإذا أصبحت ~~فأعد به علي». # فغدا به عليه، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وآله قال: «ويحك يا أبا ~~سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله». # قال له أبو سفيان: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، والله لقد علمت ~~أنه لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى شيئا بعد. # قال: «ويحك يا أبا سفيان فما آن لك أن تعلم أني رسول الله». # فقال: بأبي أنت وأمي ما أحلمك وأكرمك وأوصلك، أما هذه فو الله إن في ~~النفس منها شيئا. # قال له العباس: اسلم ويلك، واشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ~~قبل أن يضرب عنقك. PageV01P174 # فأسلم أبو سفيان على خوف من القتل، فقال العباس: يا رسول الله إن أبا ~~سفيان رجل يحب الفخر، فاجعل له اليوم شيئا يفخر به. # قال: «ينادي بمكة من ms109 دخل المسجد الحرام فهو آمن ومن أغلق عليه بابه فهو ~~آمن ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن». # فجعل أبو سفيان: يقول داري داري يا رسول الله استعظاما لديك. # ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله للعباس: «احبسه بمضيق الوادي حتى ~~تمر به جنود الله فيراها». # فحبسه هناك ومرت به القبائل على راياتهم، كلما مرت به قبيلة قال: من هذه؟ # فيقول له العباس: هذه راية بني فلان. # فيقول: ما لي ولبني فلان. # حتى مرت به القبائل، ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وآله في كتيبته ~~الخضراء في المهاجرين والأنصار ما يرى منهم إلا الحدق من الحديد. # قال أبو سفيان: سبحان الله من هؤلاء يا أبا الفضل؟ # قال: هذا رسول الله صلى الله عليه وآله في المهاجرين والأنصار. # فقال: والله ما لأحد بهؤلاء طاقة، ولقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما. # قال له العباس: ويحك لا تقل مثل هذا إنه رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وإنها النبوة. # قال: نعم إذن. # قال له العباس: النجاة يا أبا سفيان والحق أهل مكة قبل أن يهلكوا. # فمر يشتد حتى إذا جاء مكة نادى بأعلى صوته: يا معشر قريش هذا محمد قد ~~جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل داري فهو آمن. # فقامت إليه هند امرأته فأخذت بشاربه وقالت: اقتلوا الحمية الدسم، قبح من ~~طليعة قوم رآها. # قال أبو سفيان: ويلكم لا تغرنكم هذه من أنفسكم، فإنه والله قد جاءكم بما ~~لا قبل PageV01P175 # لكم به، من دخل داري فهو آمن. # قالوا: وما عسى أن تغني عنا دارك وكم عسى أن تسع؟ # قال: ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن. # قالوا: كيف نفارق نساءنا وأموالنا؟ # قال: ومن أغلق على نفسه باب داره فهو آمن. # فتفرق الناس إلى دورهم، ودخل رسول الله صلى الله عليه وآله مكة وانتصب ~~بعض قريش في ناحية من مكة، فلقيهم خالد بن الوليد بمن معه من المسلمين ~~فقتلوا منهم بضعة عشر نفسا، وافترق الباقون وهرب كل من كان يعلم ms110 أنه قد وتر ~~رسول الله صلى الله عليه وآله واستخفى بعضهم، فأما عمرو بن العاص فكان قد ~~هرب قبل ذلك في رجال من قريش إلى أرض الحبشة. # وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قد أمر أمراء جنوده: ألا يقتلوا أحدا ~~بمكة إلا من قاتلهم، وأمر بقتل رجال سماهم لهم منهم: عبد الله بن سعيد بن ~~أبي سرح، وكان قد أسلم وهاجر، وكتب لرسول الله صلى الله عليه وآله الوحي ثم ~~ارتد مشركا فهرب ولحق بمكة وقال: قد أنزلت قرآنا، وذلك أنه كان يملي عليه ~~رسول الله صلى الله عليه وآله: عزيز حكيم، فيكتب عليم قدير وعزيز حكيم، ~~فيقول رسول الله صلى الله عليه وآله: هو كذلك. # وفي عبد الله بن سعيد أنزل الله عز وجل: @QUR07 ومن قال سأنزل مثل ما ~~أنزل الله [1] ففر إلى عثمان بن عفان فآواه وقد هدر رسول الله صلى الله ~~عليه وآله دمه، وكان أخا عثمان من الرضاعة [2]، فلما سكن أمر الناس دخل به ~~على رسول الله صلى الله عليه وآله وسأله فيه. PageV01P176 # فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله طويلا لا يجيبه بشيء ثم قال: «نعم»، ~~ثم قال لمن بحضرته: «سكت رجاء أن يقوم إليه أحد منكم فيضرب عنقه». # فقيل له: ألا أومأت إلينا يا رسول الله. # فقال: «إنه ليس لنبي أن يومي». # وأمر بقتل عبد الله بن حنظل وكان قد أسلم فقتل رجلا من المسلمين ثم ارتد ~~مشركا فأصيب يومئذ فقتل. # وأمر بقتل الحويرث بن نفيل، وكان رجل من الأنصار قتل أخاه خطأ، فأتى رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وأسلم، ثم قتل الأنصاري وارتد مشركا فقتل يومئذ. # وهرب عكرمة بن أبي جهل إلى اليمن، وأسلمت امرأته واستأمنت له بعد ذلك ~~فآمنه رسول الله صلى الله عليه وآله، والحويرث بن نفيل بن وهب كان يؤذي ~~رسول الله صلى الله عليه وآله فقتله علي بن أبي طالب عليه السلام. # وقينة كانت لابن حنظل تغني بهجاء رسول الله صلى الله عليه وآله فأمر ~~بقتلها فقتلها. ms111 ### || [إسلام هند بنت عتبة] # وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قد أمر بقتل هند بنت عتبة، لما صنعت ~~بحمزة، فبلغ ذلك أبو سفيان فأخفاها حتى لقيت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~مع معاوية، فأسلما ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وآله يقتل من أتاه ~~مسلما من قبل أن يقدر عليه وإن هدر دمه. # وقيل: إنها لما أتت لتسلم، أتت متنكرة تخاف رسول الله صلى الله عليه وآله ~~أن يقتلها، فبعد أن أسلمت عرفها فقال لها: «أهند؟» # قالت: نعم، واعف عما سلف. # فسكت ثم حرم رسول الله صلى الله عليه وآله مكة وقال: «لم تحل لأحد قبلي ~~ولا تحل لأحد بعدي فهي حرام كما كانت» وأسلم من قريش من أسلم. PageV01P177 ### || [براءة النبي صلى الله عليه وآله من فعل خالد] # وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله خالدا بن الوليد يدعو من حول مكة، ولم ~~يأمره بقتال أحد ولا قتله، وبعث معه رجالا من قبائل العرب، فأتى بني خزيمة ~~بالغميصاء، وكانوا قد قتلوا في الجاهلية عوف بن عبد عوف أبا عبد الرحمن بن ~~عوف والفاكهة بن المغيرة، فلما رأوا خالدا بن الوليد أخذوا السلاح فقال ~~لهم: ضعوا سلاحكم. # فقال لهم رجل منهم يقال له جحدم: ويحكم إنه خالد، والله ما بعد وضع ~~السلاح إلا الإسار وما بعد الإسار إلا ضرب الأعناق، والله لا أضع سلاحي. # فأخذه قومه وقالوا: يا جحدم تريد أن تسفك دماءنا، إن الناس قد أسلموا ~~ووضعت الحرب أوزارها. فلم يزالوا به حتى وضع سلاحه ووضعوا أسلحتهم لقول ~~خالد، فلما وضعوا السلاح أمر بهم خالد عند ذلك فكتفوا وقتل منهم. # فانتهى الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فرفع يديه إلى السماء ثم ~~قال: «اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد» ثم دعا عليا صلوات الله عليه ودفع ~~إليه مالا وقال: «اخرج إلى هؤلاء القوم فانظر في أمرهم وضع أمر الجاهلية ~~تحت قدميك». # فتوجه علي عليه السلام حتى أتاهم فودى قتلاهم وما انتهبت من أموالهم على ms112 ~~ما قالوا وأرضاهم وقال: «هل بقي لكم شيء؟» # قالوا: لا. # قال: «فقد بقيت معي بقية مما وجه به معي رسول الله» فدفعها إليهم وأتى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره بذلك فقال صلى الله عليه وآله: «لهذا ~~أحب إلي من حمر النعم» ثم قام فاستقبل القبلة ورفع يديه حتى رأي بياض ابطيه ~~ثم قال: «اللهم إني أبرأ إليك مما فعل خالد» ثلاث مرات [1]. PageV01P178 ### | ذكر نكت من أخبار بني أمية ومن والاهم من قريش بعد الفتح # ومما يدل على أن إسلامهم لم يكن إلا للخوف والتقية من القتل، وأنهم بقوا ~~على اعتقاد الجاهلية والعداوة الأصلية لرسول الله صلى الله عليه وآله ولأهل ~~بيته صلوات الله عليهم، فقد تقدم من ذكر عداوة بني عبد شمس كافة لبني عبد ~~مناف، وعداوة بني أمية خاصة لرسول الله صلى الله عليه وآله ولأهل بيته، ما ~~قد ذكر فيما تقدم من هذا الكتاب، وذكر فيه أيضا ما استفزعوه من مناصبتهم له ~~ومحاربته وبذل مجهودهم في قتله وإطفاء نور الله عز وجل الذي أبى إلا أن يتم ~~نوره ولو كره الكافرون، وقطع دينه الذي أوجب إظهاره على الدين كله ولو كره ~~المشركون، وذكر إسلامهم وكيف كان لما أخذته الغلبة وأيقنوا بالهلكة وأحسوا ~~قرع السيوف ورأوا أسباب الحتف، فأسلموا مستسلمين لا مسلمين وأسروا الكفر ~~والعداوة لرسول الله صلى الله عليه وآله ولأهل بيته والبغضة الذي كانوا ~~عليها مجتمعين، فكانت ألسنتهم تظهر الإسلام للمسلمين، وأفعالهم تدل على ما ~~هم عليه من الكفر معتقدين، وسنذكر طرفا من أخبارهم بمقدار ما تقدم شرط ذكره ~~في هذا الكتاب. ### || [حقيقة إسلام أبي سفيان ومعاوية] # فمنهم: أبو سفيان بن حرب بن أمية، وقد مر من ذكره وكيف كان إسلامه، ما دل ~~على ما نريد ذكره مما يجري في هذا الباب، فما يؤثر عنه بعد إسلامه أنه قال ~~لرسول الله صلى الله عليه وآله يوما وهو معه في بيت ابنته أم حبيبة يظهره ~~أنه يمازحه: والله إن هو إلا تركتك فتركتك العرب إن انتطحت ms113 جماء ولا ذات ~~قرن. PageV01P179 # فضحك رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: «أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة؟» ~~[1] يداريه لما كان عليه، ولم يزل على ذلك إلى أن قبض رسول الله صلى الله ~~عليه وآله. # ونظر رسول الله صلى الله عليه وآله إليه يوما مقبلا وخلفه ابنه معاوية ~~فقال: «اللهم العن التابع والمتبوع، اللهم عليك بالأقيعس» يعني معاوية [2]. # ورآه يوما راكبا ومعاوية يقوده ويزيد يسوقه فقال: «اللهم العن الراكب ~~والقائد والسائق» [3]. # وقيل: في أبي سفيان أنزلت: @QUR09 فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم ~~لعلهم ينتهون [4][5]. # وقيل: إنه رأى وقد كف بصره في المسجد وقد قامت الصلاة، فلم يجد بدا من أن ~~دخل فيها مع الناس، فلما ركع الإمام طال عليه الركوع فجعل يقول لقائده وهو ~~إلى جانبه: ألم يرفعوا رءوسهم؟ # قال: لا. # قال: لا رفعوها. # استخفافا منه بالصلاة وتركا لاعتقادها، ودليلا على أنه إنما كان يرائي ~~بها، وأن اعتقاده الشرك الذي كان عليه لم يفارقه ولا خرج عنه. # ودخل يوما على عثمان بن عفان وقد ذهب بصره فجلس فقال: هل علي من عين؟ PageV01P180 # قيل له: لا. # فقال لعثمان وهو يومئذ في إمارة عثمان: لا تكن حجر بن حجر- يعني عمر- ~~أنظر هذا الملك فتداولوه لكم وتلقفوها تلقف الكرة. # وكان البراء بن عازب بالحضرة فاستحى منه عثمان وقال لأبي سفيان: أنت شيخ ~~وقد خرفت [1]. # مر يوما ومعه أبو بكر ببلال وسلمان وصهيب فقالوا: قد كان في قصرة [2] عدو ~~الله هذا مواضع لسيوف المسلمين. # فسمعهم أبو بكر فقال: تقولون مثل هذا القول لشيخ من شيوخ قريش؟ وانطلق ~~فأخبر النبي صلى الله عليه وآله بما قالوه. # فقال له النبي صلى الله عليه وآله: «لعلك أغضبتهم، إن كنت أغضبتهم فإنما ~~أغضبت ربك» [3]. # وقيل: إن أبا سفيان مرض في أيام عمر فدخل عثمان يعوده، فلما أراد القيام ~~تمسك به وقال: لي إليك حاجة. # فقال: ما هي؟ # قال: إن مت فلا يليني غيرك ولا يصلي علي إلا أنت. # فقال عثمان: وكيف لي بذلك مع عمر؟ # قال: فادفني ms114 ليلا ولا تخبره. # قال: نفعل. PageV01P181 # قال: فأحلف لي باللات والعزى لتفعلن ذلك. # فقال عثمان: خرفت يا أبا حنظلة. # فنقه من علته تلك ومات في أيام عثمان وصلى عليه. # وقيل: إنه أنزل في قادة الأحزاب: @QUR011 إن الذين كفروا سواء عليهم ~~أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون [1] فأخبر عز وجل أنهم لم يؤمنوا بقلوبهم. # وفيهم نزلت: @QUR016 ألم تر إلى الذين بدلوا نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم ~~دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار [2]. # ولم يظهر الإسلام من قادة الأحزاب إلا أبو سفيان والحكم بن أبي العاص ~~[3]، ولا كان ذلك منهما عن اعتقاد، وكيف يكون ذلك وقد أخبر الله عز وجل ~~أنهم لم يؤمنوا وأوجب لهم النار. # وقال أبو سفيان بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله: والله ما علمت ~~أنه نبي حتى رأيته بعرفة في حجة الوداع وهو يخطب، ورأيت ما حوله من الخلائق ~~فقلت في نفسي: لو كان معي مثل نصف هؤلاء لقمت عليه. # فترك الخطبة وأقبل علي بوجهه وقال: «إذا يكبك الله في النار على وجهك» ~~وعلمت حينئذ أنه نبي. # ومرة أخرى مر بي ومعي هند فقلت لها: يا هند بما ذا غلبني هذا الغلام من ~~بني هاشم وأنا أكبر منه سنا وأعظم شرفا في قومي عنه؟ وكنا في سفر. # فلما نزل يومه ذلك مضيت إليه فسلمت عليه فقال: «بالله والله غلبتك يا أبا ~~سفيان». PageV01P182 # فقلت في نفسي: ومتى لقيته هند بعدي فأخبرته، والله ما سمع مني ذلك غيرها، ~~ولأضربنها ضربا وجيعا، وسكت وتغافلت عن قوله، فلما أردت أن أقوم قال: «هيه ~~أبا سفيان أفقلت في نفسك: أن هندا أخبرتني ما قلت لك فأردت ضربها، لا والله ~~ما هي أخبرتني». # قال أبو سفيان: فعلمت أنه يوحى إليه. # وكان أبو سفيان وابنه معاوية من المؤلفة قلوبهم، وأسلم معاوية إسلام ~~أبيه، وحضرا مع رسول الله صلى الله عليه وآله حنينا فانهزما فيمن انهزم ~~وقال أبو سفيان ما قال، فلما نصر الله رسوله وأغنمه تآلف وجوه القبائل ممن ~~لم يصح إسلامه بالغنائم، فأعطى ms115 أبا سفيان بن حرب، ومعاوية بن أبي سفيان، ~~وحكيم ابن حزام، وابن النضر بن الحارث بن كلدة، والحارث بن هشام، وسهيل بن ~~عمرو، والعلاء بن الحارثة، وحويطب بن عبد العزى، وصفوان بن أمية، وعيينة بن ~~حصن بن حذيفة بن بدر، والأقرع ابن حابس التيمي، وملك بن عوف البصري، كل ~~واحد منهم مائة من الإبل، وأعطى آخرين من قريش دون المائة، وهؤلاء من ~~المؤلفة قلوبهم الذين لم يصح إسلامهم، فتآلفهم رسول الله صلى الله عليه ~~وآله بالغنائم، إذ كان الله عز وجل قد سمى لهم سهما منها في كتابه، لما ~~علمه الله عز وجل من أن الدنيا تستميلهم وحطامها يغلب عليهم، وقد أنكر ذلك ~~قومه يومئذ، فقال قائل لرسول الله صلى الله عليه وآله: أعطيت عيينة والأقرع ~~وتركت جعيل بن سراقة. # فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «أما والذي نفسي بيده لجعيل بن سراقة ~~خير من طلاع الأرض كلهم مثل عيينة والأقرع، ولكني تآلفتهما على إسلامهما ~~ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه» [1]. PageV01P183 # وقال رجل من بني تميم يقال له: ذو الخويصرة لرسول الله صلى الله عليه ~~وآله يومئذ: يا محمد قد رأيت ما صنعت هذا اليوم؟ # قال: «فما رأيت؟» # قال: لم أرك عدلت. # فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال: «ويحك إذا لم يكن العدل عندي ~~فعند من يكون؟» # فقال عمر بن الخطاب: ألا أقتله يا رسول الله؟ # قال: «دعه إنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج ~~السهم من الرمية» [1]. # وأتى سعيد بن عباد يومئذ رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول ~~الله إن هذا الحي من الأنصار وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء ~~الذي أصبت، قسمت في قومك وأعطيت عطايا في قبائل العرب ولم يكن في الأنصار ~~منها شيء؟ # فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: «فأين أنت من ذلك يا سعد؟» # فقال: يا رسول الله ما أنا إلا رجل من قومي. # قال: «فاجمع لي قومك». ms116 # فجمعهم وأتى بهم رسول الله صلى الله عليه وآله فحمد الله وأثنى عليه ثم ~~قال: «يا معشر الأنصار ما مقالة بلغتني عنكم وموجدة وجدتموها في أنفسكم، ~~ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف بين قلوبكم». # فقالوا: بلى يا رسول الله، لله ولرسوله المن والفضل. # قال: «ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟». PageV01P184 # قالوا: وبما نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المن والفضل. # قال: «أما لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدقتم: أتيتنا مكذبا فصدقناك ومخذولا ~~فنصرناك وطريدا فآويناك وعائلا فواسيناك، أفوجدتم في أنفسكم يا معشر ~~الأنصار في لعاعة من الدنيا تآلفت بها أقواما ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم؟ # أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول ~~الله في رحالكم؟ فو الذي نفس محمد بيده لو لا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ~~ولو سلك الناس شعبا وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم ~~الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار». # قال: فبكى القوم حتى اخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا، ~~وتفرقوا وطابت أنفسهم [1]. # وجاء يومئذ عبد الله بن مسعود إلى رسول الله وهو يعطي تلك العطايا فقال: ~~يا رسول الله إني سمعت رجلا من الأنصار يقول: والله إنها لعطايا ما يراد ~~بها وجه الله. # فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وأطرق ساعة ثم قال: «يرحم الله ~~موسى فلقد أوذي بما هو أكثر من هذا فصبر» [2]. # وكان أبو سفيان ومعاوية من المؤلفة قلوبهم ومن لم يصح إسلامهم، وإنما ~~أسلما خوفا من القتل وقد ذكرنا ذلك. # وقد ذكر ابن إسحاق في المغازي من حسن إسلامه من المؤلفة قلوبهم الذين ~~تقدم خبرهم قال: وممن حسن إسلامه من قريش من مسلمي الفتح: قيس بن مخرمة، PageV01P185 # وجبير بن مطعم، والحارث بن هشام، وحكيم بن حزام، وحويطب بن عبد العزى، ~~وسهيل بن عمرو، ولم يذكر غيرهم. # ولما أسلم أهل الطائف سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله أن يدع لهم ~~اللات والعزى، وكانوا يعبدونها مدة ألا يهدمها وقالوا: نخشى في هدمها ms117 ~~سفهاءنا. # فأبى عليهم وأرسل أبا سفيان لهدمها، ومضى معه المغيرة بن شعبة، وتوقف أبو ~~سفيان عن هدمها وأقام في ماله بذي الهرام إعظاما لهدمها وأبى أن يدخل ~~الطائف وقال للمغيرة: امض أنت إلى قومك. # فمضى فهدمها، ولما رأى أبو سفيان تهدم جعل يقول، واها للات، أسفا على ~~هدمها [1]. # وقيل: إنه خرج مع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى حنين والأزلام معه في ~~كنانته يستقسم بها، ولما انهزم الناس يومئذ عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله تكلم بها أهل الكفر بما في أنفسهم، فقال أبو سفيان يومئذ: هذه هزيمة ~~لا ترجع دون البحر [2]. وصار في أول المنهزمين، وثبت أبو سفيان بن الحارث ~~بن عبد المطلب يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه وآله فيمن ثبت. ### || [الفاسق] # ومنهم الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمر بن أمية، قتل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله أباه يوم بدر وقد مضى خبره، وأوجب له يومئذ النار بقوله لما ~~قال عقبة: فمن للصبية يا محمد؟ PageV01P186 # قال: «النار». # فأظهر بعد ذلك الوليد الإسلام لما أدركته الغلبة، وعداوة رسول الله صلى ~~الله عليه وآله في قلبه لقتله لأبيه، واستعمله رسول الله صلى الله عليه ~~وآله على الصدقات في بني المصطلق، فأتاه فقال: # منعوني الصدقة. # ولم يكونوا منعوه ولكنه كذب بهم عليهم، فأمر رسول الله صلى الله عليه ~~وآله بالسلاح والخروج إليهم، فأنزل الله عز وجل: @QUR018 يا أيها الذين ~~آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما ~~فعلتم نادمين [1]. # فسماه الله فاسقا، فأمسك رسول الله عن بني المصطلق، فلما استبطئوا رسوله ~~أتاه القوم بصدقاتهم، فسألهم عن قول الوليد فيهم فأكذبوه وحلفوا لرسول الله ~~صلى الله عليه وآله على ذلك، فلعنه [2]. # ووقع بين الوليد وعلي عليه السلام كلام فقال له الوليد: أنا أرد الكتيبة ~~وأضرب لهامة البطل المشيح منك، فأنزل الله عز وجل فيهما: @QUR08 أفمن كان ~~مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون [3][4] فسماه الله عز وجل فاسقا في موضعين ms118 ~~من كتابه. # واستعمله عثمان بن عفان على الكوفة وكان عليها سعد بن أبي وقاص فعزله ~~وولى الوليد، فلما قدم الوليد على سعد قال له سعد: أكست بعدنا أم حمقنا ~~بعدك؟ # قال الوليد: ما كسنا بعدك ولا حمقت بعدنا، ولكن القوم استأثروا عليك ~~بسلطانهم. PageV01P187 # قال له سعد: صدقت. # وأقام الوليد بالكوفة أميرا فصلى بالناس وهو سكران، فلما التفت إلى الناس ~~قال: # هل أزيدكم؟ # ففيه يقول الحطيئة: # شهد الحطيئة حين يلقى ربه %~% إن الوليد أحق بالعذر # خلعوا عنانك إذ جريت ولو %~% تركوا عنانك لم تزل تجري [1] # وزيد فيها غير قول الحطيئة: # نادى وقد تمت صلاتهم %~% أأزيدكم سكرا وما يدري # ولو استزادوه لزادهم %~% حتى يزيدهم على العشر [2] # فلما انتهى ذلك من أمره إلى عثمان وشهد به عليه عزله، وكان أخاه لأمه، ~~أمه أم عثمان: أروى بنت كريز بن حبيب بن عبد شمس، ولما وصل إليه أدخله بيتا ~~وأمر بأن يضرب الحد، لما لم يجد من ذلك بدا، فكلما دخل إليه أحد ليضربه ~~قال: أناشدك بالله أن تقطع رحمي ويغضب عليك أمير المؤمنين، يعني عثمان، ~~فإذا سمع ذلك من يدخل عليه ليضربه تركه. # فلما رأى علي عليه السلام ذلك غضب لتعطيل حدود الله، فأخذ السوط ودخل ~~عليه ودخل معه الحسن عليه السلام فقال له الوليد مثل ذلك. # فقال له الحسن: «صدق يا أبت دعه يليه غيرك». # فدفع علي عليه السلام في صدر الحسن عليه السلام ثم أخذ السوط فضرب الوليد ~~الحد. # وكان ممن نقم الناس على عثمان: استعماله الوليد إلى الكوفة وعزله عنها ~~سعد PageV01P188 # ابن أبي وقاص، واستعماله عبد الله بن عامر بن كريز على البصرة وعزله عنها ~~أبا موسى الأشعري، وكان عبد الله بن عامر ابن خال عثمان، وعامر أخو أروى أم ~~عثمان. # وكان سبب توليته إياه: أن يزيد بن خرشبة بن ضرار الضبي وفد على عثمان ~~فقال له: أما فيكم وضيع فترفعوه ولا فقير فتجبروه، عمدتم إلى نصف سلطانكم ~~فأعطيتموه هذا الأشعري. # فعزله وولى عبد الله ابن خاله. # فقال الناس: استأثر عبد ms119 الله. # والوليد بن عقبة هذا القائل لبعض بني: # بني هاشم إنا وما كان بيننا %~% كصدع الصفا لا يرأب الصدع شاعبه [1] # وقال الوليد في قتل عثمان أخيه لأمه يحرض أخاه عمارة على الطلب بدمه: # وإن يك ظني بابن أمي صادقا %~% عمارة لا يطلب بذحل ولا وتر # يظل واقبال ابن عفان عنده %~% مخيمة بين الخورنق والجسر # ألا إن خير الناس بعد ثلاثة %~% قتيل التجيبي الذي جاء من مصر # فرد عليه أبو الهياج عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث، وقيل: إنه الفضل ~~بن عباس بن عتبة بن أبي لهب: # تمنيت أمرا لست منه ولا له %~% وأين الصفوري أين ابن ذكوان من عمرو # كما اتصلت بنت الحمار بأمها %~% وخلت أباها إذ رماها ذو الهجر # وأنك ممن قد يمن ويدعى %~% إليه كقرب الفيل من ولد الوبر [2] # والوليد أيضا القائل لمعاوية يحرضه على حرب علي عليه السلام. PageV01P189 # ألا أبلغ معاوية بن حرب %~% فإنك من أخي ثقة مليم # قطعت الدهر كالسدم المعنى %~% مقيما في دمشق فما تريم # يمنيك الخلافة كل ركب %~% لأنقاض العراق لهم رسيم # فإنك والكتاب الى علي %~% كدابغة وقد حلم الأديم # لك الخيرات فاحملنا عليهم %~% فإن الطالب الترة الغشوم # وقومك بالمدينة قد أبيدوا %~% فهم صرعى كأنهم هشيم # فلما صار معاوية إلى ما صار إليه ودخل الكوفة وصعد المنبر قال: أين أبو ~~وهب؟ # يعني الوليد بن عقبة. # فقام إليه، فقال له: أنشدني قولك. # فأنشده الأبيات، فقال معاوية: # ومستعجب مما يرى من أناتنا %~% ولو زينته الحرب لم يترمرم [1] # وكان أبو معيط جد الوليد بن عقبة هذا خمارا يبيع الخمر في الجاهلية، وكان ~~عبد الله بن مسعود بالكوفة أيام وليها الوليد، فلما انتهت إليه أحداث عثمان ~~ورأى ما رأى منها، كان إذا اجتمع إليه الناس تكلم بكلام فيقول: إن أصدق ~~الحديث كتاب الله، وإن أحسن الهدي هدي محمد رسول الله صلى الله عليه وآله، ~~وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة كفر، ~~وكل كفر في النار. # فلما كثر قوله هذا قال له ms120 الوليد سرا بينه وبينه: عبد الله إما أن تدع ~~عنك هذا الكلام وإما أن تخرج عنا. # فقال: ما كنت لأدع قول الحق. # فكتب إلى عثمان بخبره، فكتب إليه عثمان: إن ترك كلامه وإلا فأخرجه. PageV01P190 # فبعث الوليد إليه عبد الرحمن بن حبيس الاذري ورجلا معه، فأتياه إلى منزله ~~ليلا ومعه أصحاب له فجعلهم حيث يسمعون وأدخل الرجلين فقالا: إن الأمير يقرأ ~~عليك السلام ويقول لك: إن قولك هذا مما يهيج الناس على إمامهم، فإما أن ~~تدعه وإلا فاخرج عنا. # فقال: ما أقول بأسا ولا شرا. # قالا: هو كذلك، ولكن عرفناك قول الأمير وقد ورد عليك بذلك كتاب أمير ~~المؤمنين فهو لا يدعك إلا أن تدع كلامك أو تخرج. # قال: لا، بل أخرج [1]. # فخرج من الكوفة مطرودا على قوله هذا، أخرجه الوليد إنكارا لهذا القول ~~عليه، وهو القول الذي لا ينكره مسلم عرف الله ورسوله، وابن مسعود من لا ~~تجهل صحبته ومكانته، فنفاه الوليد على أن قال الحق ودعا إليه وأمر به. # وكان عثمان لما قدم عليه أهل الكوفة يذكرون له سوء حال الوليد، كذب ذلك ~~ونفاه عنه، قالوا له: فابعث ثقة من عندك تكشف عما ذكرناه لك. # فبعث مولى له يقال له: حمران بن أبان، فكشفه فأصاب الأمر على ما قيل فيه، ~~فأقبل إلى عثمان ولقيه طلحة بن عبد الله وقد خرج من المدينة إلى بعض أمواله ~~خارجا من المدينة فقال: ما وراءك يا حمران؟ # قال: وجدت والله ما قال القوم فيه حقا، وقص عليه خبره. # ودخل إلى عثمان فأخبره فقال له: اكتم يا هذا عليه، ومن سألك فقل له: لم ~~أجد مما جاءوا به شيئا، وأنه باطل كله ثم انصرف. # ودخل طلحة على عثمان وعنده حمران، فقال عثمان لطلحة: قد أرسلنا هذا فأصاب ~~كل ما ذكره القوم في الوليد باطلا، فما جزاء هؤلاء الذين كذبوا عليه وليس PageV01P191 # أحد يذكر ذلك غيرهم. # فقال طلحة: وا ثكلاه، ألم تخبرني يا حمران بكيت وكيت! # فقال حمران: نعم، وهو كما أخبرتك والله أحق أن ms121 يؤثرنا. # فاستحى عثمان من طلحة وغضب على حمران وحلف ألا يقيم معه ببلد، فارتحل ~~حمران إلى البصرة [1] وسمع الرهط الذين أتوا يشكون بالخبر، فأتوا إلى عثمان ~~فحذف قول حمران وقال: أنتم مدعون فأقيموا بينة من غيركم. # فأتوه من الشهود بما لم يجد فيه مقالا، فعند ذلك عزله وأمر بإقامة الحد ~~عليه، وولى مكانه سعيد بن العاص فعمل على الكوفة ست سنين، وكانت سيرته أسوأ ~~من سيرة الوليد، وكان يقال: أول ما فعله لما وصل إلى الكوفة أن دخل المسجد ~~راكبا حتى أتى المنبر، فدعى بجرة من ماء وقال: اغسلوه، فغسل المنبر وهو ~~واقف على دابته ثم صعد المنبر فخطبهم. # ولما أكثروا على عثمان الشكوى فيه كتب إليه بالقدوم، فقدم معه بقوم قد ~~أرضاهم ليذكروه بخير ففعلوا، فرده عثمان وانتهى الخبر إلى أهل الكوفة ~~بانصرافه، فقام الأشتر النخعي فصعد منبر الكوفة فحمد الله وأثنى عليه ثم ~~قال: # إنكم معشر العرب كنتم شر الناس دينا ودنيا وعيشا، يغذو الرجل منكم كلبه ~~ويقتل ولده ويغير على جاره ويرجع وقد أغير على أهله، حتى بعث الله فيكم ~~رسوله محمدا صلى الله عليه وآله وأنزل عليه كتابا حلل فيه الحلال وحرم فيه ~~الحرام، وسن فيه السنن، PageV01P192 # وشرع فيه الشرائع، فعمل رسول الله صلى الله عليه وآله بكتاب الله حتى ~~قبضه الله، وقد عرفنا الله الحق من كتابه وسنة رسول الله، أفحين عرفنا ذلك ~~نرجع على أعقابنا، وقد علمتم سيرة ابن العاص فيكم وقد رد إليكم، فمن كان ~~يرى لله عليه حقا فليخرج إليه، ونزل. # فخرج الناس من الكوفة بالسلاح والعدة فلقوا سعيد بن العاص بوادي السباع، ~~فلما التقوا مع أوائل أصحابه جعلوا يقولون: أين الشقي؟ ويطلبون، فرجع سعيد ~~إلى عثمان فأخبره الخبر فأمره بالمقام، وكتب إلى أهل الكوفة: لكم ما ~~تريدون. # قالوا: تستعمل علينا أبا موسى الأشعري وعلى المدائن حذيفة، ففعل لهم ذلك ~~وترضاهم. ### || [الطريدان] # ومنهم الطريدان: فأحد الطريدين الحكم بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، ~~وهو أبو مروان لعنه رسول الله صلى ms122 الله عليه وآله ومروان في ظهره، ونفاه ~~إلى الدهلك من أرض الحبشة، فلم يزل منفيا حياة رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وحياة أبي بكر وعمر، فلما ولى عثمان رده وأعطاه مائة ألف درهم، وكان ~~ذلك من بعض ما نقمه الناس على عثمان [1]. # وكان الحكم من أشد الناس مباينة بالبغضاء لرسول الله صلى الله عليه وآله، ~~وجعل يوما يحكي مشيته مستهزأ فابتلى بتخليع أعضائه عقوبة لذلك، وكان منخلع ~~المشية، وفي ذلك يقول بعض الشعراء لبني أمية: # لا حجاب وليس فيكم سوى الكبر %~% وبغض النبي والشهداء # بين حاكي مخلج وطريد %~% وقتيل بلعن أهل السماء [2] # يعني بالشهداء: عليا وجعفرا وحمزة عليهم السلام، والحاكي المخلع: الحكم ~~بن PageV01P193 # أبي العاص. # والتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وآله يوما وهو خلفه ورسول الله ~~يتكلم، فرآه يعوج شدقيه ويحكي كلامه فقال له: «كذلك فلتكن» [1]. # وسمع رسول الله صلى الله عليه وآله يلعن فقيل: يا رسول الله لمن تلعن؟ # فقال: «الحكم بن أبي العاص جاء فشق إلى الجدار وأنا مع أهلي، فلما نظرت ~~إليه كلح في وجهي». # ثم قال صلى الله عليه وآله: «كأني أنظر إلى بنيه يصعدون على منبري ~~وينزلون» [2]. # ولهذا قال الحسن عليه السلام لمروان: «إن رسول الله لعن أباك وأنت في ~~ظهره» [3]. # وقال له أيضا عبد الله بن الزبير وهو مستند إلى الكعبة: ورب هذا البيت ~~الحرام والبلد الحرام إن الحكم بن أبي العاص وولده ملعونون على لسان رسول ~~الله صلى الله عليه وآله [4]. # وأيضا قالت عائشة لمروان وقد كتب إليه معاوية ليبايع ليزيد، فقال عبد ~~الرحمن بن أبي بكر: جئتم بها والله هرقلية تبايعون لأبنائكم. # فقال مروان لمن حضره: هو الذي يقول الله فيه: @QUR05 والذي قال لوالديه ~~أف لكما [5] فلما بلغ ذلك عائشة قالت لمروان: والله ما هو بالذي قلت، ولو ~~شئت أن أسميه لسميته، ولكن الله قد لعن أباك على لسان رسوله وأنت في صلبه، ~~فأنت قطعة PageV01P194 # من لعنة الله [1]. # وقال رسول الله صلى الله عليه وآله لما نفى الحكم بن ms123 أبي العاص: «إن ~~رأيتموه تحت أستار الكعبة فاقتلوه». # والطريد الثاني: معاوية بن المغيرة بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس، وهو ~~جد عبد الملك ابن مروان لأمه، فجد عبد الملك بن مروان لأبيه وأمه طريدا ~~رسول الله صلى الله عليه وآله. # وكان معاوية بن المغيرة هذا ممن يبغض رسول الله صلى الله عليه وآله ويظهر ~~عداوته، فنفاه وأجله ثلاثا وهدر دمه أن يبقى بعدها، فتردد في ضلاله ولم ~~يخرج، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وآله عليا وعمارا فقتلاه. ### || [من أسباب قتل عثمان] # وأما الحكم بن أبي العاص فإن رسول الله صلى الله عليه وآله نفاه وأهله ~~وولده، فخرج منفيا بنفي رسول الله صلى الله عليه وآله بأهله وولده، وحاول ~~عثمان [ارضاء] رسول الله صلى الله عليه وآله وسأله ورغب إليه ردهم، فأبى ~~عليه في ذلك وأغلظ له فيه، ثم سأل هو وبنو أمية أبا بكر بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وآله أن يردهم، فأنكر ذلك عليهم وقال: ما كنت ممن يأوي من نفاه ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وطرده، ثم سألوا عمر فقال مثل ذلك وغلظ عليه، ~~ثم ولي عثمان فردهم وآواهم، ولما كثر إحداثه كتب أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وآله إلى المسلمين في كل وجه: # أنكم خرجتم تقيمون دين الله وأن دين الله قد غير وراءكم فأقبلوا. # وكان أول من قدم أهل مصر فأتوا مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وبقية ~~الصحابة فيه فذكروا لهم ما جاءوا إليه له وما نقموه، وعددوا أفعال عثمان ~~فقال لهم علي عليه السلام: «لا تعجلوا حتى تأتوه وتذكروا ذلك له، ثم ترون ~~بعد ذلك رأيكم». PageV01P195 # قالوا: فقم معنا إليه لتشهد قولنا وقوله وتعلم أينا أولى بالحق. # فقال لهم: «يشهد ذلك منكم ومنه من هو أعلم به مني». # قالوا: ومن هو؟ # قال عليه السلام: «الله بينكم وبينهم». # قالوا: صدقت ونعم ما قلت. # ومضوا إلى عثمان ودخلوا عليه فرحب بهم، وقد علم ما جاءوا له وسألهم عن ~~حالهم، ms124 فذكروا إحداثه وعددوا عليه شيئا شيئا، وكل ذلك يرجع عنه ويتوب منه، ~~حتى ذكروا له أمر الحكم وما استعظمه الناس من أمر رده وخلاف أمر رسول الله ~~صلى الله عليه وآله فيه، فأبى رده. # فخرجوا وأخبروا بذلك عنه، فأتاه ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وآله فقالوا له: # إنك قد أقدمت هؤلاء النفر الذين نفاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وإنا ~~نذكرك الله والإسلام ومعادك إن كان لك معاد ومنقلب، فإنك مسئول عن ذلك وعن ~~كل ما عملت، لما أخرجتهم كما أخرجهم رسول الله صلى الله عليه وآله ولا ~~تخالف أمره، فقد علمت رأي صاحبيك الماضيين فيهم، وأن أحدا لم يطمع في ردهم ~~عندهما. # فقال عثمان: هم عندي من المنزلة التي قد عرفتم من القرابة والحق، وقد مات ~~رسول الله وإنما أخرجهم لكلمة بلغته عن الحكم، وقد كان أطمعني في أن يأذن ~~لهم في القدوم، ولن يضركم مكانهم شيئا، وفي الناس من هو أشر منهم. # فانصرفوا عنه ولم يعطهم فيه هوادة، ولا رجع عن رأيه فيهم وأرسل إلى علي ~~عليه السلام وقال: قد ترى ما قدم له هؤلاء القوم وهم إنما يريدون قتلي وأنا ~~ابن عمك، وقد رماني الناس عن قوس، فتلطف في صرفهم ولك الله لأرجعن إلى كل ~~ما تريده. # وأرسل إلى عمرو بن العاص بمثل ذلك وذكر له قرابته ورحمه. # فاجتمع علي عليه السلام مع القوم وقال لهم: «إن الرجل قد رجع عن كثير مما ~~نقمه المسلمون عليه ووعد أن يرجع عن باقيه، وقد كتب لكم ثواب ما جئتم له». PageV01P196 # وقال عمرو بن العاص مثل ذلك، فانصرف القوم وأتى علي وعمرو بن العاص إلى ~~عثمان فأخبراه بذلك وبانصراف القوم، فخرج إلى المسجد وخطب الناس وذكر أمر ~~الوفد وقال لهم: إنهم جاءوا لأحاديث كاذبة بلغتهم، فلما تيقنوا فسادها ~~انصرفوا عارفين بذلك مكذبين للذي بلغهم. # فقام عمرو بن العاص من ناحية المسجد فقال: اتق الله يا عثمان ودع عنك ~~التهاتر، واقصد قصد الحق وتب إلى الله مما ms125 أتيت، فإن الله لا يرضيه إلا ذلك ~~عنك ولا يرضى المسلمين إلا هو منك. # فقال: وإنك هاهنا يا ابن النابغة، ثم استقبل عثمان القبلة ورفع يده فقال: ~~اللهم إني أتوب إليك مما صنعت وأستغفرك، وقد جاءنا ناس من المغازي فانصرفوا ~~إلى مغازيهم. # ولما وصل وفد مصر إلى إيلة لحق بهم راكب مالت به الطريق إليهم، وأنكروه ~~فأخذوه وفتشوه فأصابوا معه كتاب عثمان إلى عبد الله بن سعد بن أبي سراح ~~عامله على مصر يأمره بقتلهم، فانصرفوا بالكتاب وفيهم عبد الرحمن بن عديس ~~البلوي فقال: # رجعن عن أليون الصعيد %~% سربلات حلق الحديد # يطلبن حق الله في الوليد %~% وفي ابن عفان وفي سعيد # والحكم المخلع الطريد # وانصرفوا بالكتاب وكان بخط مروان، وكان عثمان استكتبه وبطابع عثمان ومع ~~بريد على ناقة لعثمان، فأعلموا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وعامة ~~الناس بذلك، فعرفوا الكتاب والخاتم والرسول والناقة، وأنكر ذلك عثمان وحلف ~~عليه وخرج فرقى المنبر ليخطب ويعتذر، فحصبه الناس من كل جانب حتى وقع مغشيا ~~عليه، فحمل ورجع عليه الناس خلا نفر من بني أمية، وخرج عمرو بن العاص عنه ~~إلى ناحية أرضه بفلسطين لما علم أنه سيقتل، وجاءه علي عليه السلام يعوده ~~ويسأل عن حاله، فقال له من PageV01P197 # حضر من بني أمية قولا أغضبه، وعرضوا فيه بأنه أعان عليه، فخرج مغضبا وهو ~~يقول: «والله لو لا مكاني لاحتز الذي فيه عيناه» واعتزل الناس. # وقاموا بأجمعهم عليه ورأسهم في ذلك طلحة والزبير، فحوصر إلى أن قتل، وكان ~~سبب ذلك ما ذكرناه من رده الحكم وبنيه وأهله الذين نفاهم رسول الله صلى ~~الله عليه وآله. # هذا نص الخبر فيهم والروايات التي أتت بأخبارهم [1]. PageV01P198 ### | ذكر ما جاء من القول في جملة بني أمية وأشياعهم من مبغضي رسول الله صلى الله عليه وآله # روى الثقات من طرق شتى وجهات يطول ذكرها، حذفنا ذكر أسانيد ذلك اختصارا ~~كما شرطنا في أول الكتاب، وذكرنا أنا لم نأت فيه إلا بالمشهور المعروف ~~والثابت الصحيح: أن رسول الله صلى ms126 الله عليه وآله أصبح يوما خائرا حزينا ~~فقيل له في ذلك، فقال: «رأيت الليلة في منامي غلمان بني الحكم يصعدون على ~~منبري وينزلون فقلت: يا رب في حياتي؟ فقيل: لا ولكنهم بعدك». # فأنزل الله تعالى في ذلك عليه: @QUR018 وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا ~~فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا ~~كبيرا [1][2]. # وروي عن عمر أنه قال: كان قرأ فيما نقرأ: @QUR07 وجاهدوا في الله حق ~~جهاده هو اجتباكم [3] في آخر الزمان كما جاهدتم في أوله، قيل له: ومتى ذلك؟ # فقال: إذا كانت بنو أمية الأمراء وبنو المغيرة الوزراء [4]. # وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: «إذا بلغ بنو أبي العاص ~~ثلاثين رجلا اتخذوا دين الله دغلا وماله دولا وعباده خولا» [5]. PageV01P199 # وعنه: أنه رأى بني أمية على منابره فساءه ذلك، فقيل له: إنما هي دنيا ~~يعطونها فقرت عينه [1]. # وعن علي عليه السلام أنه قال: «لكل شيء آفة تفسده وآفة الدين بنو أمية» ~~[2]. # وقيل: إنه كان أبغض الأحياء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله بني أمية ~~[3]. # وعن أبي جعفر محمد بن علي الباقر أنه قال في قول الله: @QUR04 وتنذر به ~~قوما لدا [4]. # قال: «يعني بنو أمية» [5]. # وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: «ليرعفن جبار من جبابرة بني ~~أمية على منبري هذا» [6]. # فرعف عمرو بن سعيد بن العاص حتى سال رعافه على درج المنبر وما نزل عنه. # وخطب علي عليه السلام فقال في خطبته: «إن رأيتم رجلا من بني أمية في ~~الماء إلى حلقه فغطوه في الماء حتى يغرق، فإنه لو لم يبق منهم إلا رجل واحد ~~لبغى دين الله عوجا». # وعن الحسين بن علي عليه السلام: أنه كان جالسا في مسجد النبي صلى الله ~~عليه وآله فسمع رجلا من PageV01P200 # بني أمية يحدث أصحابه ويسمع الحسين عليه السلام حديثه، وهو يقول وقد ذكر ~~آل أبي طالب: قد شركناهم في النبوة حتى نلنا منها مثل ما نالوا منها من ~~السبب والنسب، ونلنا من ms127 الخلافة ما لم ينالوا، فبم يفخرون علينا؟ فردد هذا ~~القول ثلاث مرات. # فأقبل الحسين عليه السلام بوجهه إلى ناحيته وقال: «أما في أول وهلة فإني ~~كففت عنك حلما، وأما الثانية فإني كففت عنك عفوا، وأما الثالثة فإني أجيبك: ~~إني سمعت أبي يقول: إن في الوحي الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه ~~وآله أنه إذا قامت القيامة الكبرى، حشر الله بني أمية في صورة الذر يتوطأهم ~~الناس حتى يفرغ من الحساب ثم يؤتى بهم فيحاسبوا ويصار بهم إلى النار». # وعن أبي عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام أنه قال: «ما أهل بيت إلا ~~ولله فيهم نجيب أو فيهم ناج، ما خلا بني أمية فإن الله لم يجعل فيهم نجيبا ~~ولا ناجيا». # وعن أبي بكرة أنه ذكر بني أمية فقيل له: كأنك إنما عتبت على معاوية وزياد ~~في الدنيا. # فقال: وأي ذنب أعظم من استعمالهم فلانا على كذا وفلانا على كذا، لا والله ~~ولكن القوم كفروا صراحة [1]. # وقال في موضع آخر: يرى الناس إنما عتبت على هؤلاء في الدنيا وقد استعملوا ~~عبد الله على فارس وروادا على ديوان الرزق وعبد الرحمن على بيت المال، كلا ~~والله ولكني إنما عتبت عليهم لأنهم كفروا صراحا. # وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «أئمة الكفر خمسة منهم معاوية وعمرو» ~~[2]. # وقال ابن مسعود: خمسة من قريش ضالون مضلون فذكر منهم معاوية وعمرو. PageV01P201 # وعن حذيفة اليماني أنه قال: كنت أقود برسول الله صلى الله عليه وآله ~~وعمار يسوق به ليلة العقبة، إذ أقبل إلينا اثنا عشر راكبا وقد علون العقبة ~~ما يرى منهم إلا الحدق لينفروا برسول الله، فجعلت أضرب وجوههم عنه فقال: ~~«دعهم فسيكفيكهم الله» ثم دعا بهم وسماهم رجلا رجلا، وقال: «هؤلاء ~~المنافقون في الدنيا والآخرة». # قال: وكان فيهم أبو سفيان ومعاوية وعتبة وعمرو بن العاص وأبو الأعور ~~السلمي والمغيرة بن شعبة وجماعة من بني أمية [1]. # وعن جعفر بن محمد الصادق أنه قال: «مر رسول الله صلى الله عليه وآله بعد ~~منصرفه ms128 من جنازة ابنه القاسم بعمرو بن العاص والعاص بن وائل فقال أحدهما ~~لصاحبه: والله إني لأشنؤه فقال الآخر: دعه فقد أصبح أبتر، يعني لموت ابنه، ~~فأنزل الله عز وجل بهما: # @QUR010 إنا أعطيناك الكوثر فصل لربك وانحر إن شانئك هو الأبتر [2]. # وهجا عمرو بن العاص رسول الله صلى الله عليه وآله بسبعين بيتا فقال: ~~«اللهم إني لا أحسن الشعر فالعنه بكل بيت لعنة»، وعمرو بن العاص لغير رشده ~~[3]. # وقال ابن الكلبي وابن إسحاق والهيثم بن عدي: كانت النابغة أم عمرو بن ~~العاص من العواهر المشتهرات ذوات الرايات، وكن يحضرن عكاظ ومجنة وذا المجاز ~~أسواق العرب، ينصبن فيها الرايات لتدل عليهن من أراد العهار ليأتيهن، وكان ~~للنابغة أم عمرو وراثة الأبطح، وكان خزيمة بن عمرو الخزاعي وغيره يأتونها، ~~ووقع عليها العاص بن وائل وكان بيطارا يعالج الخيل والإبل فجاءت منه بعمرو، ~~ففي ذلك يقول حسان بن ثابت يهجوه لما هجا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~أعني يقول: PageV01P202 # أما ابن نابغة أعني الهجين فقد %~% انحيت فيه لسانا صارما ~~ذكرا # ما بال أمك زاغت عن ذوي شرف %~% إلى جذيمة لما عفت الأثرا # باتت بليل وملحان يعالجها %~% عند الجحون فما ملا ولا فترا [1] # وملحان مولى الخزاعة، وكان أيضا يقع بالنابغة أم عمرو. # قال هشام: كان من حديث النابغة أم عمرو بن العاص: أنها كانت بغيا من ~~طوائف العرب، فقدمت مكة ومعها بنات لها، فوقع عليها نفر من قريش في ~~الجاهلية فيهم: # أبو لهب بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، وهشام بن المغيرة المخزومي، وأبو ~~سفيان بن حرب بن أمية، والعاص ابن وائل السهمي، بطهر واحد فحملت فولدت ~~عمرو، واختصم القوم جميعا فيه كلهم يزعم أنه ابنه، ثم ضرب عنه ثلاثة وأكب ~~عليه اثنان: العاص بن وائل وأبو سفيان. # فقال أبو سفيان: أما والله إني وضعته في رحم أمه. # فقال له العاص: ليس مما تقول شيء هو ابني. # فحكما فيه أمه فقالت: هو للعاص. # فقيل لها بعد ذلك: ويحك ما حملك على ما صنعت، فو ms129 الله إن أبا سفيان لأشرف ~~من العاص. # قالت: إن العاص كان ينفق على بناتي ولو ألحقته بأبي سفيان لم ينفق علي ~~العاص شيئا، وخفت الضيعة. # وكان ابن النابغة من عشرة وكان العاص جزارا، ولذلك قيل لعمرو: إنه اختصم ~~فيه من قريش أحرارها فغلب عليهم جزارها. # وكان العاص بن وائل استخلفه وائل وكان أصله من ناحية بحر تهامة. # وروي عن سلمان الفارسي رحمة الله عليه أنه قال يوما لما بايع الناس أبا ~~بكر: لقد PageV01P203 # فعلتم فعلة أطمعتم فيها أبناء اللعناء [1]. # وقال علي عليه السلام وهو يقاتل معاوية: «يا معشر المسلمين @QUR09 ~~فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون هم هؤلاء ورب الكعبة ~~والبيت الحرام» [2]. # وروي عن علي عليه السلام أنه قال: «رأيت النبي في منامي فجعلت أبكي ~~وأقول: ما ذا لقيت من أمتك بعدك يا رسول الله؟ # فقال: لا تبك وارفع رأسك، فرفعت رأسي وإذا أنا بمعاوية وعمرو بن العاص ~~معلقين يرضخ رأسهما بالحجارة، فجعلت آخذ الحجر العظيم فأرضخ به رأسهما». # فقص هذه الرؤيا على الناس، وكان بينها وبين موته خمسة عشر يوما [3]. # وقال علي عليه السلام في قول الله تعالى: @QUR028 ألم تر إلى الذين بدلوا ~~نعمت الله كفرا وأحلوا قومهم دار البوار جهنم يصلونها وبئس القرار وجعلوا ~~لله أندادا ليضلوا عن سبيله قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار [4]. # قال: «نزلت في الأفجرين من قريش من بني أمية وبني المغيرة، فأما بنو ~~مغيرة فقطع الله تعالى دابرهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين» [5]. # وعن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: «قال لي جبرئيل: يا محمد ما ~~ركزت لواء قط في موضع إلا ركز إبليس لواءه، ولما ركزت لوائي في بني هاشم ~~ركز لواءه في بني أمية، وما زال ينازلني المنازل فلما نزلت إليكم نزل في ~~بني أمية». PageV01P204 ### | ذكر مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ومثالب معاوية بن أبي سفيان لعنة الله عليه ### || مناقب علي بن أبي طالب صلوات الله عليه وفضائله: # لو استقصينا ms130 ذكر ما رويناه منها وبسطناه في هذا الكتاب، لخرج عن حده الذي ~~بنيناه عليه، لكثرة ذلك وطوله واتساع القول فيه، وكذلك مثالب معاوية ~~ومخازيه، ولما لم ينبغ استقصاء ذلك على الكمال ولا تركه على كل حال، رأينا ~~أن نذكر منه وجوها يكتفى بها، ونكتا يستغنى بذكرها عما سواها، وقد ذكرنا ~~نحو هذا في صدر هذا الكتاب، ولكنا أردنا أن نوضحه في هذا الباب، وكذلك ما ~~نجري ذكره فيما بعد من الأبواب التي تجمع فيها بين مناقب أولياء الله ~~ومثالب أعدائه، فإنما نذكر من ذلك جملا من المعروف والمشهور، والبين الواضح ~~الملموس، نختصرها على مقدار ما بسطنا عليه الكتاب، ورتبنا عليه ما بوبناه ~~فيه من الأبواب. # وقد يذكر نحو هذا الكلام كثير من مؤلف الكتب تدليسا وتمويها، فيظهر أنه ~~اختصر القول وهو أبلغ ما عنده وغاية ما وجده، فمن عسى أن يظن ذلك بنا فيما ~~قلناه ممن قد نظر في شيء من الأخبار وعرف طرفا من الفضائل، قد وقف على أنه ~~قد جمع في فضائل علي عليه السلام أضعاف هذا الكتاب بأسره، فلو جئنا بذلك ~~كله فأثبتناه بجملته لطال الكتاب عن تأليفه وخرج عن حده، فمن قال في ذلك ما ~~قاله تدليسا وكذبا، فإنا لم نقل بحمد الله منه إلا صدقا وحقا. ### || [إسلام علي عليه السلام] # وقد ذكرت فيما تقدم: أن أبا طالب عم رسول الله صلى الله عليه وآله كفله ~~بعد موت جده وأبيه، وأن جده عبد المطلب كان أسند إليه أمره، وكان له فيه من ~~الكفالة والتربية وحسن القيام والذب والنصرة والمعونة والحمية ما ذكرنا ~~أيضا لطال ذكره، وهو مذكور في PageV01P205 # كتب المغازي والأنساب والأخبار، مقيدا بالأسانيد مؤكدا بشواهد الأشعار، ~~رواه الثقات وجمعه الرواة. # فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله مبلغ الرجال، وصار إلى حد الضبط ~~والكمال، أخذ إليه عليا من أبي طالب أبيه، ليجزيه فيه بما صنع إليه وهو ~~غلام صغير، فكفله دون أبيه وولي حضانته وتربيته والقيام عليه، وأحله من ~~نفسه محل الوالد من والده ms131 والأخ الشقيق من أخيه، فنشأ علي عليه السلام في ~~حجر رسول الله صلى الله عليه وآله وتأدب بآدابه وأخذ عنه لما أراد الله من ~~كرامته وتطهيره، فلم يعبد صنما قط ولا أشرك بالله طرفة عين، حتى إذا أكرم ~~الله رسوله بالرسالة واختصه بالنبوة والكرامة، كان أول من دعاه إلى الإسلام ~~من ذكور أمته، وأخص من اختصه بذلك من جميع أقاربه وعترته، فأسر ذلك إليه ~~وأطلعه عليه ودعاه إليه، فقال له: «انظرني الليلة» واضمر أن يشاور في ذلك ~~أباه أبا طالب. # فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: «إن أردت ذلك فافعل وهي أمانة ~~عندك». # فقال علي صلوات الله عليه: «أما إذا كانت أمانة فما أنتظر، ولكني أشهد أن ~~لا إله إلا الله وأنك رسوله». # فآمن بالله وبرسوله معا والناس مشركون، وصدق نبيه وهم له مكذبون، فكان ~~أول المؤمنين إيمانا وأسبق السابقين سبقا، فكان لذلك من المقربين والصديقين ~~وأحق من ذكر بهذين الاسمين، ولذلك قيل: كل آية في القرآن @QUR04 يا أيها ~~الذين آمنوا* فعلي رأسها [1]. # ولما أنزل الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وآله: @QUR03 وأنذر ~~عشيرتك الأقربين [2] جمع PageV01P206 # بني عبد المطلب، وكانوا يومئذ أربعين رجلا منهم عشرة يأكل كل واحد منهم ~~الجفنة ويشرب منهم الفرق، فصنع لهم طعاما برجل شاة وقدمه إليهم مع قدح من ~~لبن، فأكلوا منه حتى صدروا وشربوا اللبن من ذلك القدح كلهم حتى ارتووا، ~~وقال لهم: «يا بني عبد المطلب أطيعوني تكونوا ملوك الأرض وحكامها، إن الله ~~عز وجل لم يبعث نبيا إلا جعل له وصيا ووارثا ووزيرا وأخا، فأيكم يكون وصيي ~~ووزيري وأخي؟» # فسكتوا، فجعل يعرض ذلك عليهم رجلا رجلا ليس منهم أحد يقبله، حتى إذا ~~انتهى إلى علي عليه السلام وكان آخرهم وأحدثهم سنا، فعرض ذلك عليه فقال: ~~«نعم أنا يا رسول الله». # قال: «أنت يا علي». # فانصرفوا يستهزءون ويقولون لأبي طالب: قد قدم اليوم ابنك عليك. # وقال لهم أبو لهب لعنة الله: لو لم تستدلوا على سحره إلا بما رأيتم، قد ms132 ~~أتاكم بفخذ شاة وقدح من لبن فأشبعكم ذلك وأرواكم وصدرتم عنه [1]. ### || [الوصي والوزير] # وكان علي وصي رسول الله صلى الله عليه وآله ووزيره، وآخى بين أصحابه ~~وتركه فقال: «يا رسول الله قد بقيت لا أخ لي». # فقال: «إنما أخرتك لنفسي، أنت أخي في الدنيا والآخرة، وأنت وصيي وخليفتي ~~من بعدي وخير من أخلف من أهل بيتي، أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ~~لا نبي بعدي» [2]. PageV01P207 # وكان هارون وصي موسى عليه السلام في قومه وخليفته عليهم. # ولما أنزل الله عز وجل: @QUR06 أفمن كان على بينة من ربه يعني رسول الله ~~صلى الله عليه وآله @QUR03 ويتلوه شاهد منه [1] فقال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله: «علي مني وأنا منه» [2]. # فدل بذلك من قوله على أنه الشاهد على الأمة بعده. # ولما أراد رسول الله صلى الله عليه وآله الهجرة، وذلك لما أتاه جبرئيل ~~وأخبره أن قريشا قد تعاقدوا عليه ليأتوه ليلا في منزله فيقتلوه وأخبره ~~بالليلة التي تواعدوا لها، خرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى الغار ~~وأمر عليا عليه السلام أن يضطجع في مضجعه ليرى أنه لم يزل، وكانت محنة ~~امتحن الله ورسوله بها عليا صلوات الله عليه، فصبر لها موطنا نفسه على ~~القتل، فنام على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله واستخلفه على قضاء ~~ديونه ودفع أمانات كانت للناس في يديه وأمورا أمره بإحكامها واللحوق به بعد ~~ذلك، فامتثل ذلك من أمره ولحق به وكان [أيام] مقامه في الغار يختلف إليه ~~بالطعام ويأتيه بالأخبار، واشترى له ما احتاج إليه في سفره وأتى به [3]. # وبنى الناس بيوتا حول مسجده صلى الله عليه وآله وفتحوا أبوابها إليه، ~~فأمره الله عز وجل بسد الأبواب على من بناها، فسدوها كلها وترك باب علي ~~عليه السلام معه وحده، وتكلم في ذلك بعض أهل بيته. # فقال: «والله ما أنا سددت أبوابكم وفتحت باب علي بل الله فعل ذلك» [4]. PageV01P208 # وشهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ابن ثمان عشرة سنة، ~~فانهضه ms133 رسول الله صلى الله عليه وآله إلى مبارزة أبطال قريش وصناديدها ~~فقتلهم الله عز وجل بيده، وانهزم الناس عن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~يوم أحد ويوم حنين، وثبت بين يديه يقيه بنفسه ويدفع عنه بمهجته، وقتل الله ~~عند ذلك أبطال المشركين بيده، واقتحم عمرو بن عبد ود العامري الخندق على ~~رسول الله صلى الله عليه وآله فأنهض أصحابه إليه فأحجموا دونه، فبرز إليه ~~علي عليه السلام فقتله الله بيده [1]، وكان واحد العرب نجدة وشجاعة لا تعدل ~~العرب به رجلا منها. # وانهزم الناس عن خيبر فأنهض رسول الله صلى الله عليه وآله إليها عليا ~~عليه السلام وهو أرمد وتفل في عينيه فبرئ وأعطاه الراية وقال- قيل: ذلك لما ~~انهزم الناس عنها-: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ~~ورسوله، لا يرجع حتى يفتح الله على يديه» [2]. # فأعطاها عليا عليه السلام ونهض فافتتح خيبر وأقلع باب حصنها بيده فألقاه، ~~فلم يرفع بعد ذلك حتى اجتمع عليه أربعون رجلا [3]. # وشهد له رسول الله صلى الله عليه وآله بالجنة في غير موطن، ولم يقدم عليه ~~أحدا قط في بعث، ولا أخرجه فيه إلا كان هو المقدم على من معه. PageV01P209 # ودعا له بالعلم وكان أعلم الناس بعده، وقال: «أقضاكم علي» [1] والقضاء ~~يجتمع على جميع العلوم، ولا يستحقه إلا من يكون أعلم القوم الذين يستقضي ~~عليهم، واستقضاه رسول الله صلى الله عليه وآله على اليمن، وأمره فقضى غير ~~مرة بحضرته، واستحسن ما قضى به وقال: «أوصي من آمن بي وصدقني بولاية علي بن ~~أبي طالب، فإن ولاءه ولائي، أمر أمرني به ربي وعهد عهده إلي» [2]. # وأمر الله عز وجل رسوله بمباهلة الحبرين من النصارى، كما ذكر في كتابه ~~للذين حاجاه في أمر عيسى عليه السلام في قوله: @QUR016 فقل تعالوا ندع ~~أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت ~~الله على الكاذبين [3] فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله للمباهلة بعلي ~~وفاطمة والحسن والحسين، فكاع الحبران عن مباهلته ونظرا إلى دلائل النبوة ms134 ~~معه [4]. # وفي ذلك اليوم بسط الكساء عليه وعلى علي عليه السلام وفاطمة والحسن ~~والحسين وأنزل الله فيهم: @QUR010 إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل ~~البيت ويطهركم تطهيرا [5][6]. PageV01P210 # وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله ببراءة مع أبي بكر إلى أهل مكة، ~~ليقرأها عليهم ونبذ إليهم عهدهم، فلما وصل بها إلى المدينة أنزل الله عز ~~وجل على رسوله: لا يبلغ عنك إلا علي، فأرسل به في طلب أبي بكر فأخذ براءة ~~منه وبلغها مشركي أهل مكة ونبذ إليهم عهدهم [1]. # وفخر عليه عثمان بن شيبة بسدانة البيت والبيت والعباس بالسقاية، وفخر ~~عليهما هو بالسبق إلى الإيمان والجهاد في سبيل الله، وترافعوا في ذلك إلى ~~رسول الله صلى الله عليه وآله فأمسك عن جوابهم حتى أنزل الله في ذلك عليه: ~~@QUR019 أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم ~~الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله إلى قوله: @QUR03 عنده أجر ~~عظيم [2][3]. # وزوجه رسول الله صلى الله عليه وآله ابنته فاطمة عليها السلام سيد نساء ~~العالمين وقال: «ما زوجته إياها في الأرض حتى زوجه الله في السماء، وأشهد ~~على ذلك ملائكته، ونثر في الجنة نثارها، وابتهجت الملائكة بهما» في حديث ~~طويل ذكره صلى الله عليه وآله [4]. # وجعل الله عز وجل ذرية رسوله محمد صلى الله عليه وآله ولد فاطمة عليها ~~السلام من علي عليه السلام، فليس لرسول الله صلى الله عليه وآله ذرية ~~غيرها، وكان علي عليه السلام صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وآله وقال PageV01P211 # يوما: «أول من يدخل الجنة علي بن أبي طالب». # فقال له بعض أصحابه: أليس قد قلت يا رسول الله إن الجنة محرمة على ~~الأنبياء والأمم حتى تدخلها أنت، فإنك أول من يدخل الجنة. # فقال: «نعم، وعلي صاحب لوائي في الدنيا وهو صاحب لواء الحمد يوم القيامة ~~فيدخل به الجنة بين يدي وصاحب اللواء أمام القوم» [1]. # وعلي عليه السلام الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: «أنا خاتم ~~النبيين وأنت خاتم ms135 الوصيين» [2]. # وهو أحد الخمسة أصحاب الكساء، شهد القرآن بتطهيرهم وذهاب الرجس عنهم، وهم ~~رسول الله وعلي وفاطمة والحسن والحسين صلى الله عليه وعليهم. # وهو الذي نادى جبرئيل يوم أحد لما رآه أبلى في قتل المشركين: لا فتى إلا ~~علي ولا سيف إلا ذو الفقار. # وقال لرسول الله صلى الله عليه وآله: يا محمد إن هذه للمواساة. # فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: «إنه مني وأنا منه». # قال جبرئيل: وأنا منكما [3]. # وهو الذي أبانه رسول الله صلى الله عليه وآله بالخلافة وأشهد له بالولاية ~~في حجة الوداع بغدير خم، ونادى في الناس وجمعهم إليه، وقد اختلفوا من مشرق ~~ومغرب وأتوا من كل أفق يشهدوا الحج معه، فنادى فيهم وجمعهم، ثم قام خطيبا ~~فحمد الله وأثنى عليه وأقام عليا إلى جانبه وقال للناس: «ألستم تعلمون أني ~~أولى بكم من أنفسكم». PageV01P212 # قالوا: اللهم نعم. # قال: «فمن كنت مولاه فعلي مولاه». # وأخذ بيد علي عليه السلام فرفعهما حتى رأي بياض ابطيه ثم قال: «اللهم وال ~~من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله وأدر الحق معه حيث ~~دار، ألا هل بلغت؟» # قالوا: نعم. # قال: «اللهم اشهد» [1]. # وهو الذي أمره رسول الله صلى الله عليه وآله بقتال الناكثين والقاسطين ~~والمارقين لما أنزل الله عز وجل: @QUR010 يا أيها النبي جاهد الكفار ~~والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم* [2] وقال عز وجل: @QUR020 وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى ~~فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله [3]. # فأجمع عامة المسلمين: على أن الذين قاتلوا عليا من أصحاب الجمل وأهل ~~النهروان ومعاوية وأصحابه هم أهل البغي، وأن عليا عليه السلام وأصحابه ~~طائفة العدل، كذلك قال فقهاء العامة، ومن سيرة علي عليه السلام فيهم أخذوا ~~السيرة في أهل البغي وهو أصلهم الذي بنوا عليه [4]. PageV01P213 # وأخبر أصحابه عن رسول الله صلى الله عليه وآله بصفة ذي الثدية وقال: ~~«اطلبوه في القتلى» يعني قتلى الخوارج، فطلبوه فلم يجدوه، فجعل يقول: ~~«والله ما كذبت ms136 ولا كذبت» وطلبه حتى وجده واستخرجه من تحت القتلى على الصفة ~~التي وصفها لهم عن رسول الله صلى الله عليه وآله له ثدي كثدي المرأة إذا ~~مدت امتدت [1]. # وهو الذي أخر صلاة العصر لأمر أراد به رضى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~حتى همت الشمس أن تغرب، فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله أن تحبس عليه ~~فحبست عليه حتى صلى العصر ثم غابت [2]. # وهو الذي علمه رسول الله صلى الله عليه وآله من العلم والحكمة ألف باب، ~~كل باب منها يفتح PageV01P214 # ألف باب [1]. # وهو الذي قال: «كنت إذا سألت رسول الله أجابني فإذا سكت ابتدأني» [2]. # وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: «أنت أول الناس بي إيمانا ~~وآخرهم بي عهدا وأول من يصافحني يوم القيامة» [3]. # وأوصى إليه ودفع إليه سلاحه، واستخلفه في أهله وعلى أمته، وفاضت نفسه في ~~يده فمسح بها وجهه، وأوصاه بغسله وقال له: «لا ينظر إلى عورتي أحد غيرك إلا ~~عمي»، وقال: «ستعان على غسلي». # فكان يجد حس يد معه تقلبه وهي يد جبرئيل عليه السلام وهو غسله معه، وأراد ~~علي أن ينزع عنه القميص فناداه مناد يسمعه ولا يراه: لا تنزع القميص، فغسله ~~في قميصه وأدخل يده تحته يلي بها جسده، وأراد أن يكبه لوجهه ليغسل ظهره ~~فناداه: # لا تكبه لوجهه، فقلبه لجنبه ولم يدر الناس كيف يصلون عليه، فقال لهم: «إن ~~رسول الله إمام حيا وميتا» وأدخلهم عليه عشرة عشرة وكانوا يصلون عليه ~~وينصرفون [4]. # وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: «لا يحبك إلا مؤمن ولا ~~يبغضك إلا منافق» [5]. PageV01P215 # وقال بعض أصحابه: ما كنا نعرف المنافقين فينا إلا ببغضهم عليا [1]. # وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: «أنت يعسوب المؤمنين ~~والمال يعسوب المنافقين» [2]. # وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: «حربك حربي وسلمك سلمي، ~~من حاربك فكأنما حارب الله ورسوله، وما دعوت الله لنفسي شيئا إلا دعوت لك ~~بمثله» [3]. # وهو الذي ms137 قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وقد حدثه عن الإسراء: «ما ~~مررت بأهل سماء إلا وهم يقولون لي: يا محمد استوص بوصيك علي خيرا، ورأيت في ~~ساق العرش مكتوبا: لا إله إلا الله محمد رسول الله أيدته بعلي ونصرته به» ~~[4]. # وهو الذي قال النبي صلى الله عليه وآله لأهل الطائف: «والذي نفسي بيده ~~لتدينن الله بدينه ولتقمن الصلاة ولتؤتن الزكاة أو لأبعثن إليكم رجلا طاعته ~~كطاعتي ومعصيته كمعصيتي، وهو باب الله الذي يؤتى منه ليقتلنكم عن آخركم» ثم ~~أومى بيده إلى علي وقال: «هو هذا» [5]. # وهو الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله لأصحابه: «خليفتي فيكم خاصف ~~النعل» وكان PageV01P216 # بفناء البيت يخصف نعل رسول الله صلى الله عليه وآله [1]. # وهو الذي كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله لما أتى وفد الملائكة، ~~فسمع سلامهم عليه وأبصر عددهم، وكان كلما سمع سلاما منهم سلم وعقد بيده، ~~فبلغ عددهم ثلاثمائة وستة وستين، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله ~~فقال له: «صدقت يا علي» أعد الجواب فهذه علامات الوصي. # وفي ذلك يقول السيد الحميري: # وظل يعقد بالكفين مستمعا %~% كأنه حاسب من أهل دارينا [2] # وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: «إذا كان يوم القيامة ~~نادى مناد: أين النبي الأمي محمد بن عبد الله فأجيب، ثم يؤذن لي فأناديك: ~~أين علي بن أبي طالب مبرئ ذمتي ومنجز عداتي وصاحب كنانة علمي وأخي في ~~الدنيا وأخي في الآخرة، فتجيء فأقيمك مقامك وأدفع إليك لواء حمدي فيقول ~~الملائكة: من هذا؟ فيقال: علي بن أبي طالب عليه السلام، أما ترضى يا علي أن ~~تدعى إذا دعيت وتجيء إذا جئت وتكسى إذا كسيت» [3]. # وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: «عرضك من عرضي فمن سبك ~~فقد سبني». # وهو الذي قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: «إنك ستلقى بعدي اثرة» ~~وأوجب له على ذلك الجنة [4]. # فهذه مناقب علي بن أبي طالب عليه السلام. PageV01P217 ### || [معاوية بن ms138 أبي سفيان] # وأما ما شرطناه من ذكر بعض مثالب معاوية لعنه الله، فقد ذكرنا عداوته ~~وعداوة أبيه لرسول الله صلى الله عليه وآله ولعنته إياهما، وفي ذلك ما كفى ~~من المثالب وأغنى من ذكر المعايب، وأسلم معاوية في ظاهر أمره عام الفتح مع ~~أبيه مستسلمين كما ذكرنا لا راغبين في الإسلام ولا داخلين فيه باعتقاد، ~~ولكن للخوف من القتل لما أبقاه بالغلبة، وزعم معاوية فيما حكي عنه: أنه ~~أسلم عام الحديبية، وأنه لقى رسول الله ووصف له الإسلام فقبله، ولم يثبت ما ~~ادعاه من ذلك. # وهو وأبوه عند كافة أهل العلم بالأخبار والحديث من المؤلفة قلوبهم، إلا ~~أن بعضهم زعم أن معاوية بعد ذلك حسن إسلامه، وكذب هذا القائل، بل ازداد ~~كفرا إلى كفره وفسقا إلى فسقه، بمحاربة وصي رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وما سنذكره من حاله، ولم يزل معتقدا بغضه النبي صلى الله عليه وآله وبغضه ~~أهل بيته على سبيل اعتقاد أوليته وحقده وعداوته، وتسموا نفسه إلى حيث لا ~~ينبغي أن تسموا إليه مثله، وفي مثل ذلك ما قيل عنه: إنه قال لدغفل النسابة، ~~وقد دخل عليه في أيام تغلبه: يا دغفل نحن أفضل أم بنو هاشم؟ # قال له دغفل: اعفني من هذا الكلام في هذا يا أمير المؤمنين. # قال: لا بد أن تقول وما أنا بمعفيك. # قال: بنو هاشم أفصح وأصبح وأسمح، وأنتم أغدر وأنكر وأمكر، فتغير عليه ~~[1]. # فهذا هو عدو الله يروم أن يكون أفضل من رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وينكر أن يفضل عليه، وثقات أهل المعرفة بالأخبار يأثرون هو الذي سم الحسن ~~بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه فمات من ذلك [2] مع ما قتل بسببه من ~~أفاضل الصحابة من PageV01P218 # المهاجرين والأنصار، ومن قتل بعد ذلك منهم صبرا لما تغلب، وما اقتطعه من ~~مال الله وأموال عباده، مما أفل من ذلك من فعله يوجب الفسق والكفر، مع ما ~~روي عن النبي صلى الله عليه وآله من طرق وجهات شتى ونقل الثقات، ms139 فقد روي عن ~~عبد الله بن عمرو بن العاص من طرق شتى أنه قال: جلست عند رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وهو في جماعة من أصحابه فسمعته يقول: «أول طالع يطلع عليكم ~~من هذا الفج يموت على غير ملتي». # قال عبد الله: وكنت تركت أبي ليلبس ثيابه ليأتي رسول الله صلى الله عليه ~~وآله فما زالت عيني إلى الطريق، وكنت كحابس البول خوفا من أن يكون أبي هو ~~الذي يطلع، إلى أن طلع معاوية فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله: «هو ~~هذا» [1]. # فقال بعض من نقل الحديث: ما كان أسوأ ظن عبد الله بأبيه. ولو قال هذا ~~القائل: # ما كان أعلم عبد الله بأبيه، لكان ذلك أشبه وأقرب إلى الصواب. # وعمرو بن العاص أسوأ حالا من معاوية وسنذكر أخباره، ولو لم يكن عبد الله ~~ابنه يعلم سوء حاله لما خاف ذلك عليه. # وقد ذكرت هجوه لرسول الله صلى الله عليه وآله ولعن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله إياه، ومن لعنه رسول PageV01P219 # الله صلى الله عليه وآله فقد لعنه الله. # وهو كان شيطان معاوية، وبه قوى أمره، وبحيلته اشتد مكره. # وسمع ابن عباس حديث عبد الله بن عمرو هذا فقال: فأين كان عبد الله عن هذا ~~الحديث حين قاتل عليا عليه السلام مع معاوية لعنه الله. # وكان لعبد الله عند نفسه لا عند غيره في ذلك عذر لم يعلمه ابن عباس، وذلك ~~أنه قيل: كان يوما جالسا مع قوم إذ مر بهم الحسين بن علي عليه السلام فقال ~~عبد الله بن عمرو: أما والله إنه لأحب أهل الأرض إلى أهل السماء، وما كلمني ~~كلمة من أيام صفين، ولو كلمني ورضى عني لكان أحب إلي من حمر النعم. # وأرسل إليه بعد ذلك من ترضاه وأخبره بما قال فيه، وسأله أن يأذن له، فأذن ~~له ودخل عليه فقال له الحسين صلوات الله عليه: «تعلم أني أحب أهل الأرض إلى ~~أهل السماء وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله ms140 يقول: الحسن والحسين ~~سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما، ثم تقاتله؟». # فقال: والله يا ابن رسول الله ما حملني على ذلك إلا قول قاله لي رسول ~~الله صلى الله عليه وآله شكاني إليه عمرو في شيء وقال: هو يصوم النهار ~~ويقوم الليل وقد أمرته أن يرفق بنفسه فعصاني. # فقال لي: «أطع أباك». # فلما صار إلى معاوية أمرني بالسير معه فأطعته كما أمرني رسول الله صلى ~~الله عليه وآله. # فقال له الحسين: «أو لم تسمع قول الله عز وجل في كتابه وقد أمر ببر ~~الوالدين ثم قال: @QUR011 وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما ~~[1] وقول رسول الله صلى الله عليه وآله: إنما الطاعة في المعروف». PageV01P220 # فقال: كأني والله يا ابن رسول الله ما سمعته وقد سمعته [1]. # وروي عن طاوس أنه قال: ما كان معاوية مؤمنا. # وأكثر المنسوبين إلى العلم يكفر معاوية ويلعنه، وبعضهم يفسقه ويوجب أنه ~~بغى على علي عليه السلام [2]. # وحدث أحمد بن شعيب النسائي أهل الشام بفضائل الصحابة ولم يذكر معاوية ~~فقالوا له: حدثنا بفضائل معاوية. # فتغافل عنهم فألحوا عليه، فقال: أما يكفيكم أن أسكت عنه [3]. PageV01P221 # وروي عن ابن المسيب وغيره من جلة التابعين: أن معاوية لما مرض مرضه الذي ~~مات منه واشتد به الأمر قال لطبيب نصراني كان يعالجه: ويحك إني أرى الأمر ~~يتزيدني، فهل بقيت عندك من حيلة؟ # فقال: لا والله إلا عندنا صليبا من ذهب ما علقه في عنقه ذو علة إلا برىء. # قال: فجيئني به. # فأتاه به فعلقه في عنقه فمات وهو معلق في عنقه، وأنه لما مات انزوى ما ~~بين عينيه فصار ذلك الانزواء كتابا (كافر) لا يراه أحد إلا قرأه كافر. # وقيل: إن أسقف نجران كتب إليه يستعينه في بناء كنيسة، فأرسل إليه بمائتي ~~ألف درهم من بيت مال المسلمين. # وقيل أيضا: إن معاوية أرسل بصور أصنام من فضة وذهب ونحاس إلى أرض الهند، ~~لتباع هناك ممن يعبدها، وأرسلها في سفينة فمرت السفينة في البحر بموضع فيه ~~مسروق. ms141 # فأخبر بذلك فقال: والله لو علمت أن معاوية إنما يقتلني لغرقت هذه ~~السفينة، ولكنني أخاف أن يعذبني فيفتنني في ديني، والله ما أدري أي الرجلين ~~معاوية، أرجل يئس من رحمة الله فهو لا يبالي ما صنع، أم رجل زين له سوء ~~عمله فرآه حسنا. # وقيل: إن أبي شيرين تلى هذه الآية: @QUR07 سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ~~وأملي لهم* PageV01P222 # @QUR03 إن كيدي متين* [1] فقال: إن لم يكونوا هؤلاء معاوية وأصحابه فلسنا ~~ندري من هم. # وقيل: إن أبي شيرين قال: إن أول من ظاهر بنقض قضاء رسول الله صلى الله ~~عليه وآله «أن الولد للفراش وللعاهر الحجر» معاوية، فنفى معاوية زيادا عن ~~فراش من ولد أبيه على فراش ونسبه إلى أبيه، وزعم أنه كان زنى بأمه، فخالف ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وقد قال الله عز وجل: @QUR012 فليحذر الذين ~~يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم [2]. # وروى عن أبي شيرين أنه قال: رأيت معاوية في المنام بعد أن مات فقلت: أنت ~~معاوية، ما ذا فعل الله بك؟ # فقال: أنا الحيارى، تركت قومي حيارى لا مسلمين ولا نصارى. # ونظر عبد العزيز بن سعيد إلى قوم نقم عليهم معاوية أمرا، فأمر بهم فحلقت ~~رءوسهم وطيف بهم كما يفعل النصارى بمن يريدون به المثلة فقال: قبح الله ~~معاوية، جعل الله عز وجل الحلق نسكا لحجيج بيته، فجعله هو مثلة لمن أراد أن ~~يمثل به. # وروى عنه أنه قال لقوم من أهل العراق: أترون أني إنما كنت قاتلتكم لأنكم ~~لا تصومون ولا تصلون؟ والله ما قاتلتكم إلا لأتأمرن عليكم وقد تأمرت [3]. # وهذا قول صدق فيه عن نفسه، ولو قال غيره لم يكن يقبله من سمعه منه، ~~ولكذبه فيه. # وكذلك خطب في المدينة في أول حجة حجها بعد تغلبه فقال: # يا أهل المدينة إني لم آخذ أمركم عن هوادة، ولكن أخذته قسرا بالسيف، وقد PageV01P223 # رضيت نفسي على سيرة ابن أبي قحافة، فنفرت من ذلك وأخذتها بعمل ابن الخطاب ~~فلم تطع، وراودتها على سيئات ابن ms142 عفان فأبت، فسلكت بكم طريقة بين ذلك، لي ~~فيها منفعة، ولكم مؤاكلة ومشاربة حسنة جميلة على بعض الأثمرة، وإذا لم ~~تجدوا من يقوم لكم بأمركم كله فبعضه، وألا تعدوني خيركم فإني من خيركم لكم. # وخطب بدمشق فقال في خطبته: # إن الله ولى عمر بن الخطاب فولاني عمر بعض ما ولاه الله، فو الله ما خنته ~~ولا كذبته ولا خالفت أمره، ثم إن الله ولاني فلم يكن بيني وبينه أحد، ~~فتقدمت وتأخرت وأحسنت وأسلمت [1]، فمن يكن قد عرفني فإني لا أجهل نفسي، ~~وأنا أستغفر الله عن سيئتي [2]. # فهذه شهادته على نفسه ودعواه ما ليس له. # وقيل: إنه لما مرض مرضه الذي مات فيه جعلوا يقلبونه على فراشه، فقال: أي ~~شيخ تقلبون إن نجاه الله من النار [3]. # وقال: لو لا هواي في يزيد لأبصرت رشدي [4]. # ولما بايع الناس عليا صلوات الله عليه وأفضيت الخلافة إليه، عزل كل عامل ~~كان استعمله عثمان أو أقره ممن كان من تقدمه استعمله، ممن علم علي عليه ~~السلام فسقه وظلمه. # وكان يزيد أخو معاوية بن أبي سفيان عاملا على الشام فمات هنالك في أيام PageV01P224 # عمر، وكان معاوية معه وأثبت معاوية مكان أخيه، وعزى عنه أبا سفيان فقال: ~~ما صنعت يا أمير المؤمنين في عمله؟ # فقال: أسندته إلى أخيه معاوية. # فقال: وصلت رحمك، وشكر له، فلما ولى عثمان أبقاه فلما نظر علي عليه ~~السلام في أمر العامل كتب إليه بعزله، فراجعه ودس إليه من يستعطفه، وتبين ~~لعلي عليه السلام امتناعه، فأشار عليه بعض من رأى أنه نصح له أن يكتب إليه ~~بعهده، فإذا أخذ البيعة على من بحضرته كتب إليه بعزله، فلم ير ذلك صلوات ~~الله عليه وتلى قول الله عز وجل: @QUR05 وما كنت متخذ المضلين عضدا [1] ~~ولذلك قال بعد ذلك: «والله لو استحسنت المكر ما كان معاوية أمكر مني» [2]. # وكان عمرو بن العاص بمصر فخاف أيضا من علي فصار إلى معاوية، وكان من أمر ~~معاوية وامتناعه وتغلبه بالشام ومحاربته عليا عليه السلام ما يطول ذكره، ~~وسنذكر بعد ms143 هذا ما يجب ذكره في هذا الكتاب منه موضعه إن شاء الله. ### || [مقتل علي عليه السلام] # وكان مذ أفضى الأمر إليه في محنة من توثب معاوية واستمالة الناس بالدنيا ~~إليه، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قد أخبره أنه مقتول وأنه يقتل به ~~وعرفه قاتله، وكان يقول لابن ملجم: «متى تخضب هذه من هذا» ويومي إلى لحيته ~~ورأسه. # فيقول: أعوذ بالله يا أمير المؤمنين. # فيقول: «والله ما كذبت ولا كذبت». PageV01P225 # فيقول له الناس: أفلا تقتله يا أمير المؤمنين؟ # فيقول: «فمن يقتلني إذا؟ وكيف تقتلونه بغير حق، إذا فعل ذلك فولي الدم ~~أنظر» [1]. # وقيل: إن ابن ملجم كان يرى رأي الخوارج، وإنه اجتمع يوما مع قوم منهم على ~~أن يقتل هو عليا ويقتل آخر معاوية ويقتل آخر عمرو بن العاص، فأتى هو المسجد ~~فلما خرج علي عليه السلام في السحر إلى المسجد ضربه، وتخلف الآخران عن ~~معاوية وعمرو. # وقيل: إن معاوية أمره ذلك، ودس إليه فيه وجعل له مالا عليه، وكذلك قالت ~~أروى بنت [الحارث بن] عبد المطلب في بعض ما رثت به عليا عليه السلام: # ألا أبلغ معاوية بن حرب %~% فلا قرت عيون الكاشحينا # أفي الشهر الحرام فجعتمونا %~% بخير الناس طرا أجمعينا [2] ### || [الحسن بن علي ومعاوية] # ولما استشهد علي عليه السلام وفني خيار أصحابه، ونهكت الحرب من بقي منهم، ~~واستشهد وجوههم، وامتازت الخوارج منهم وقتل أكثرهم، واسند الأمر إلى الحسن ~~بن علي عليه السلام، نهض إلى معاوية لحربه ونهض معاوية إليه، فقعد عن الحسن ~~أكثر الناس وتغير من كان معه عليه، وانتهب ثقله، وأرسل إليه معاوية يسأله ~~الصلح، فنظر إلى أمر لا يقوم له فآثر من الصبر والإمضاء ما آثره علي عليه ~~السلام بعد رسول الله صلى الله عليه وآله. # فأجاب معاوية على الصلح، إذ لم يجد غيره تقية على نفسه وعلى من بقي من ~~المؤمنين معه، فأعطاه معاوية من العهد والميثاق وما وثق به منه، واجتمعا ~~فخطب الحسن الناس فقال في خطبته: «أيها الناس هذا حق لي قد ms144 تركت منه ما غلب ~~عليه PageV01P226 # معاوية @QUR08 وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين » [1][2] وأشار إلى ~~معاوية. # وعلم عليه السلام أن الذي غلب عليه معاوية من أمر الدنيا، فسلمه إليه لا ~~ينقصه شيئا من كراهة الله عز وجل إياه، ولا يزيل من بعد يده ما جعل له من ~~الإمامة، فأقام على ما فرض الله تعالى من حملها والقيام لمن تمسك به من ~~الأمة بها، وكان ما أعطاه معاوية الحسن عليه السلام من العهد بلسانه وهو ~~ينطوي على النكث به، يدل على ذلك قوله لما دخل المدينة ودخل دار عثمان يسلم ~~على أهله ودخل معه الحسن والحسين صلوات الله عليهما، فلما رأتهما عائشة بنت ~~عثمان أعولت وقالت: وآثار والداه. # فلما انصرف الناس من عند معاوية دعا لها خاليا فقال: يا بنت أخي إن هؤلاء ~~أعطونا سلطانا وأعطيناهم أمانا وأظهرنا لهم حلما تحته غضب، وأظهروا لنا ~~طاعة تحتها حقد وابتعنا منهم هذا بهذا، فإن أعطيناهم غير ما اشتروا شحوا ~~على حقهم ومعهم سيوفهم وهم يرون مكان شيعتهم، وإن نكثنا بهم نكثوا بنا ولم ~~ندر أعلينا تكون الدائرة أم لنا، ولأن تكوني بنت عم أمير المؤمنين خير لك ~~من أن تكوني امرأة من سائر نساء المسلمين [3]. # وكان اجتماعه مع معاوية بمسكن [4] من أرض الكوفة، وخطب معاوية الناس ~~يومئذ فأراد أن يقول في خطبته: كل شيء كان بيني وبين الحسن فهو تحت قدمي. PageV01P227 # يعني هذا ومضى بينهما فقال: كل شيء أعطيته للحسن فهو تحت قدمي [1]. # غلب على لسانه ما كان يعتقده من النكث به والبغي عليه، فلم يزل يكيده ~~المكائدة ويبغيه الغوائل ويدس إليه من يسمه، إلى أن بلغه أن شجر بينه وبين ~~امرأته جعدة بنت أشعث بن قيس شر، وأنه قلاها وأراد أن يطلقها، فأرسل معاوية ~~إليها بسم لتسقيه الحسن، وبمال أرضاها به، ووعدها أن يزوجها ابنه يزيد، ~~فرغبت في ذلك منه وآثرت موت الحسن لتريه، ولئلا يطلقها فيلزمها عار الطلاق، ~~فسقته ذلك السم فعمل فيه. # فيقال: إنه خرج يوما على من ms145 عنده من أصحابه وهو عليل فقال: «والله ما ~~خرجت إليكم حتى ألقيت من كبدي طائفة أقلتها بعود، ولقد سقيت السم مرارا فما ~~كان بأعظم علي من هذه المرة». # فقيل: ومن يك يا ابن رسول الله؟ # قال: «وما تريدون من ذلك؟». # قالوا: نطلبه بك. # قال: «إنكم لا تقدرون عليه ولكن الله بيني وبينه وعلم من حيث أتى». # ومات من ذلك صلوات الله عليه [2]. # وأسند الإمامة إلى أخيه الحسين عليه السلام فقام بها من بعده، وسنذكر بعد ~~هذا خبره في موضعه إن شاء الله تعالى. # وروي عن الأسود: أنه دخل يوما على عائشة، ومعاوية لعنة الله يحارب عليا ~~عليه السلام فقال: يا أم المؤمنين أما تعجبين لرجل من الطلقاء ينازع ~~بالخلافة رجلا من أهل بدر؟ PageV01P228 # فقالت: أو ليس قد ملك فرعون بني إسرائيل أربعمائة سنة، الملك لله يعطي ~~البر والفاجر [1]. # وقيل: إن عمر نظر إلى معاوية لعنه الله يوما فقال: هذا كسرى العرب [2]. # وعن جابر بن عبد الله أنه قال: والله ما عادى معاوية عليا إلا بغضة لرسول ~~الله صلى الله عليه وآله، ولقد قاتله علي وقاتل أباه وهو يقول: «صدق الله ~~ورسوله» وهما يقولان: كذب الله ورسوله، والله لا يساوى بين أهل بدر وبين ~~المنافقين والطلقاء. # وقيل لمعاوية في حين تغلبه: لو سكنت المدينة فهي دار الهجرة وبها قبر ~~النبي صلى الله عليه وآله. # فقال: قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين. # وذكر علي صلوات الله عليه معاوية فقال عليه السلام: «معاوية منافق ابن ~~منافق وطليق ابن طليق» وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وآله أبا سفيان ~~ومعاوية ويزيد. # وسمع رسول الله صلى الله عليه وآله معاوية وعمرو بن العاص يتغنيان فرفع ~~يديه فقال: «اللهم اركسهما في الفتنة ركسا ودعهما في نار جهنم دعا» [3]. # وسمع علي عليه السلام رجلا يلعن أهل الشام فقال: «ويحك لا تلعنهم ولكن ~~العن PageV01P229 # معاوية وعمرو وشيعتهما» وكان يلعنهما في قنوته [1]. # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله أشرف يوم أحد على عسكر المشركين ~~فقال: ms146 «اللهم العن القادة والأتباع، فأما الأتباع فإن الله يتوب على من ~~يشاء منهم، وأما القادة والرءوس فليس منهم نجيب ولا ناج» ومن القادة يومئذ ~~أبو سفيان ومعاوية [2]. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: «معاوية في صندوق من نار ~~مقفل عليه، ما تحته إلا فرعون في أسفل درك جهنم، ولو لا قول فرعون: أنا ~~ربكم الأعلى، لما كان تحت معاوية» [3]. # وقال: «يخرج من أدخل النار من هذه الأمة بعد ما شاء الله، ويبقى فيها رجل ~~تحت صخرة ألف سنة ينادي: يا حنان يا منان» وكان يقال: هو معاوية [4]. # وقال صعصعة بن صوحان في أيام يزيد لعنه الله: ليت القبر لفظ إلينا معاوية ~~لننظر إليه كيف عذبه الله، وينظر إلينا كيف عذبنا ابنه. # وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله يوما إلى معاوية فقالوا: هو يأكل، ~~فلبث ساعة ثم بعث إليه فقالوا: هو يأكل، فقال: «لا أشبع الله بطنه» فلم يكن ~~بعد ذلك يشبع [5]. # وقال صلى الله عليه وآله: «إذا رأيتم معاوية يخطب على المنبر فاقتلوه». PageV01P230 # فقال الحسن البصري: فقد رأوه فلم يفعلوا [1]. # وقال صلى الله عليه وآله يوما وقد نظر إليه: «إن هذا سيطلب هذا الأمر ~~بعدي، فمن أدركه يطلب ذلك فليبقر بطنه بالسيف» [2]. # وقال: «إذا رأيتم عمرا مع معاوية فافرقوا بينهما فإنهما لن يجتمعا لخير» ~~[3]. # قالوا: وأجرى معاوية ماء على موضع قبور شهداء أحد وأمر بنبشهم، فنبشوا ~~وأخرجوا من قبورهم رطابا يثنون ولا يستثنون، وأصابت المسحاة رجل حمزة عليه ~~السلام فدميت وأزالهم معاوية من قبورهم، وقد أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وآله بدفنهم فيها وقال: # «ادفنوهم في مصارعهم» وحمل بعضهم إلى المدينة فأمر برده، فخالف ذلك ~~معاوية من أمره وغيره من فعله صلى الله عليه وآله [4]. ### || [أقوال في معاوية] # وسئل أبو سعيد الخدري عن قتال معاوية لعلي عليه السلام فقال: معاوية ~~الفاسق نازع الحق وأهله. # وبلغ سعد بن أبي وقاص كلام تكلم به معاوية فقال: ومن أين يدري الفاسق ~~هذا. # وذكر الحسن البصري معاوية فقال: ms147 جبار فاسق. PageV01P231 # وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله نظر إلى معاوية يتبختر في بردة ~~حبرة وينظر إلى عطفيه فلعنه وقال: «أي يوم أسوأ لأمتي منك، وأي يوم أسوأ ~~لذريتي من جرو يخرج من صلبك يتخذ آيات الله هزوا ويستحل من حرمتي ما حرم ~~الله عز وجل». # وعن أبي ذر أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: «ترد على ~~الحوض أمتي على خمس رايات» وذكر حديثا طويلا قال فيه: «ثم يرد فرعون في ~~أتباعه، فآخذ بيده فإذا أخذتها اسود وجهه ورجفت قدماه وخفقت أحشاؤه ويفعل ~~ذلك بأتباعه» ثم قال: «هو معاوية بن أبي سفيان. # فأقول: بما ذا خلفتموني في الثقلين بعدي؟ # فيقولون كذبنا الأكبر ومزقناه وقاتلنا الأصغر وقتلناه. # فأقول: اسلكوا طريق أصحابكم. # فيصرفون ظمأ مسودة وجوههم لا يطعمون منه قطرة» [1]. # ومن أجل هذا الحديث حل بأبي ذر ما حل به من النفي والتكذيب، على أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله قد أبانه بالصدق وشهد له به، لئلا يتهم في حديثه ~~فقال: «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر ~~الغفاري» [2]. # فرد قوم قول رسول الله صلى الله عليه وآله وأبطلوا شهادته له، ونسب الكذب ~~إليه وأريد قتله، ثم نفي إلى الربذة فمات بها منفيا طريدا وحيدا رحمة الله ~~عليه. # وقد روي أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله في غزوة تبوك لما تأخر ~~عنه من تأخر من الناس، وكان على جمل رفيق له، فوقف به وبقي في آخر الناس ~~فقيل: يا رسول الله هذا رجل بقي في آخر الناس. PageV01P232 # فقال: «دعوه، فإن يكن فيه خير فسيأتيكم الله به، وإن لم يكن فيه خير ~~فكفيتموه». # فلما لم يجد في جمله همة نزل عنه واحتمل رحله، وأقبل يشتد حتى دنا من ~~رسول الله صلى الله عليه وآله فقيل: يا رسول الله هذا الرجل المتأخر قد دنى ~~منا. # فقال: «يكن أبا ذر». # فإذا هم قد ميزوا فقالوا: هو والله أبو ذر ms148 يا رسول الله. # فقال: «رحم الله أبا ذر، يمشي وحده ويموت وحده ويبعث وحده». # فلما احتضر بالربذة قال لأهله: إذا أنا مت فأغسلوني وكفنوني وضعوني على ~~الطريق، فإذا مر بكم أحد من المسلمين فعرفوه بي ليدفنوني. # ففعلوا ومر بهم عبد الله بن مسعود في نفر معه فقالوا: معشر الركب إن ~~رأيتم أن تدفنوا أخاكم أبا ذر فافعلوا. # فبكى ابن مسعود وذكر قول رسول الله صلى الله عليه وآله «يموت وحده» ~~ونزلوا فصلوا عليه ودفنوه [1]. # وروي أيضا أن معاوية سم سعد بن أبي وقاص. # وقال مالك بن أنس فيما رواه عنه سعيد بن داود الزبيري: يقول الناس: ما ~~أحلم معاوية. # وكيف يكون حليما من أرسل بسر بن أرطاة ما بينه وبين اليمن لا يسمع بأحد ~~عنده خبر يخاف منه إلا قتله، حتى إذا قتل الناس حلم عن الناس! ما كان بحليم ~~ولا مبارك. # فهذا قول مالك بن أنس في معاوية وأصحابه، اليوم يرونه من أئمة المسلمين ~~وابنه يزيد، ويرون أن الحسين عليه السلام خرج عليه غلوا في الباطل وجهلا ~~بالحق، وبغضة PageV01P233 # لأولياء الله، وركونا إلى الظالمين أعدائه، الذين تواعد بالنار من ركن ~~إليهم، وصدق مالك في قوله هذا. # وكيف يكون حليما من قتل النفس التي حرم الله بغير الحق؟ ### || [مقتل حجر بن عدي] # ولا يحصى عدة من قتل معاوية وقتل بسببه إلا الله وحده لا شريك له، ولا ~~سفه أعظم من القتل واغتصاب الإمامة والتغلب على أهلها فيها، وابتزاز ما ~~يوجبه في ظاهر أمرها. # وقد قيل: إن الشعبي ذكر معاوية فقال: كان كالجمل الطب، إن سكت عنه أقدم ~~وإن قدم عليه تأخر [1]. # وقيل لشريك بن عبد الله: أكان معاوية حليما؟ # فقال: لا، وكيف يكون حليما من سفه الحق [2]. # وروي عن الحسن البصري أنه قال: غزوت الدروب زمن معاوية، وعلينا رجل من ~~التابعين ما رأيت رجلا أفضل منه، فانتهى إليه أن معاوية قتل حجر بن عدي ~~وأصحابه، فصلى بنا الظهر ثم صعد المنبر فقال: أما بعد، فقد حدث في الإسلام ~~حدث لم ms149 يكن مذ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله: أن معاوية قتل حجر بن عدي ~~وأصحابه من PageV01P234 # المسلمين صبرا، فإن يكن عند الناس تغيير وإلا فإني أسأل الله أن يقبضني ~~إليه. # قال الحسن: فو الله ما صلينا العصر حتى مات رحمه الله. # وكان حجر من فضلاء الصحابة، ولم يقتل في الإسلام مسلما صبرا قبله، وأسروا ~~أصحابه وحملوا إلى معاوية مصفدين [1]، فلما قربوا منه قال: لا أرى معاوية ~~إلا قاتلي فادفنوني في مكاني ولا تطلقوا عني الحديد، فإني لاق معاوية على ~~الجادة [2]. # قيل: إن معاوية قتله هو وأصحابه في بستان [3]، فجفت البستان من يوم قتل، ~~وكان من أصحاب علي. # وقيل: إن معاوية دخل بعد قتله إياه على عائشة فقالت: تدخل علي وقد قتلت ~~حجرا وأصحابه، أما خفت أن أقعد لك رجلا ليقتلك؟ # فقال لها معاوية: لا أخاف ذلك، لأني في دار أمان، ولكن كيف أنا لك في ~~حوائجك؟ # قالت: صالح. # قال: فدعيني وإياهم حتى نلتقي عند الله. # قالت: وكيف أدعك وقد أحدثت مثل هذا الحدث وغيرت حكم رسول الله صلى الله ~~عليه وآله [وقد] قال: «الولد للفراش» فنفيت زيادا عمن ولد على فراشه، ~~ونسبته إلى أبيك، ووليت يزيد برأي نفسك. # قال: يا أم المؤمنين أما إذا أبيت فإني لو لم أقتل حجرا لقتل بيني وبينه ~~خلق كثير، وأما زياد فإن أبي عهد إلي فيه، وأما يزيد فإني رأيته أحق الناس ~~بهذا الأمر فوليته. PageV01P235 # وكان عند عائشة المغيرة والمسور بن مخرمة فقالت لهما: أما تسمعان عذر ~~معاوية؟ # فأما المغيرة فرفق له في القول، وأما المسور فغلظ ثم افترقوا، فوفد ~~المسور بعد ذلك على معاوية في جماعة فحجبه دونهم وقضى حوائجهم وأخره، ثم ~~أدخله بعد ذلك إليه فقال له: أتذكر كلامك عند عائشة؟ # قال: نعم ما أردت به إلا الله، فأنت ما أردت بما فعلت؟ # قال: دع هذا وهات حوائجك [1]. # فأما اعتراف معاوية بقتل حجر وأصحابه ظلما لأمر ظنه قد يكون وقد لا يكون، ~~ولو كان لم يجب أن يبدأ بقتل من لم ms150 يقتل ولا وجب القتل عليه، وإن لم يكن ~~فأمر يوجب النار له، قال الله عز وجل: @QUR016 ومن يقتل مؤمنا متعمدا ~~فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما [2]. # وأما قوله: إن أباه عهد إليه في زياد، فاتبع عهد أبيه ورفض عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وخالف أمره، فذلك ما يوجب العذاب والفتنة لقول الله في ~~رسوله صلى الله عليه وآله: @QUR012 فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم ~~فتنة أو يصيبهم عذاب أليم [3]. # وأما قوله: إنه رأى يزيد أحق الناس بإمامة المسلمين وصيرها بزعمه، فرأيه ~~هذا الفاسد هو الذي أهلكه وأضله، وقد اعترف بفساده بعد ذلك، فقال فيما حكي ~~عنه: # لو لا هواي في يزيد لأبصرت رشدي. # وهذا الهوى ومثله هو الذي حذر الله منه بقوله: @QUR05 ولا تتبع الهوى ~~فيضلك عن PageV01P236 # @QUR02 سبيل الله [1]، وقوله: @QUR05 أفرأيت من اتخذ إلهه هواه [2]. ### || [الأدعياء] # وأما زياد فإن أمه كانت تدعى سمية، كانت أمة لبعض ملوك كندة، فاعتل ذلك ~~الملك بالجمرة فجاءه الحارث بن كلدة طبيب العرب فعالجه منها فبرئ، فأجازه ~~وكساه ووهب له إماء كانت فيهن سمية، فأعجبت الحارث فوقع بها وكانت بغيا، ~~ووقع بها غلام أسود كان للحارث يقال له: مسروح فحملت منه فجاءت بولد أسود ~~وهو نفيع أبو بكرة، أدرك النبي صلى الله عليه وآله فأسلم على يديه وتولاه، ~~فقال الحارث بن كلدة: # ما أعرف في آبائي أسود؟ # ونفى نفيعا عن نفسه، واعتزلها وزوجها عبدا له يقال له: عبيد، ووهبهما ~~لابنة له، فولدت سمية زيادا على فراش عبيد، فأعتقته مولاته بنت الحارث، ~~فخرج منكرا ظريفا ذا مكر ودهاء وفطنة وذكاء. # فأما أبو بكر نفيع فكان ينسب إلى مسروح، ولما احتضر حضره بنوه فقال: أنا ~~مولى رسول الله صلى الله عليه وآله فإن أبى هؤلاء إلا أن ينسبوني، فإني ابن ~~مسروح [3]. # ولقي زياد أبا موسى الأشعري بالبصرة فرأى فيه نباهة وحركة فاستكتبه، ثم ~~قدم على علي عليه السلام لما فرغ من أصحاب الجمل، فرأى فيه فضل عقل وقوة ms151 ~~على العمل، فاستعمله ووجه به إلى فارس، وكان بها إلى أن أصيب علي عليه ~~السلام وهو بفارس، فخافه معاوية ورأى أن يستعطفه ويستميله، فكتب إليه فيه ~~يعرفه أنه أخوه ويعده ويمنيه، فأبى عليه زياد فلم يزل به معاوية يكاتبه ~~ويتلطف به حتى انحنى إليه، وقدم عليه بعد PageV01P237 # مكاتبة ومراجعة كانت بينهما يطول ذكرها. # وأعد معاوية المغيرة بن شعبة وأبا مريم السلولي للشهادة على ذلك، فلما ~~حضر زياد جمع معاوية الناس إلى المسجد وصعد المنبر، وقد أعد المغيرة وأبا ~~مريم وحضر زياد، فحمد الله معاوية وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه ~~وآله ثم قال: أما بعد، فإني أنشد الله رجلا علم من أبي سفيان علما في زياد ~~إلا قام به، فإني قد علمت أنه ابن أبي سفيان حقا، غير أني أحببت أن يقوم ~~بذلك شاهدان من المسلمين ولا أقتصر على علمي. # فقام أبو مريم فقال: أشهد أن أبا سفيان قدم علينا الطائف وهو يريد اليمن، ~~فبدأ بنا فقال لي: هل تعلم مكان امرأة أصيب منها؟ # فقلت له: ما بحضرتنا إلا سمية بغي بني علاج. # قال: فانطلق فأتني بها. # فأتيته بها فكانت معه، فلما قضى منها حاجته قلت: كيف وجدتها؟ # قال: لا بأس بها على دفرها وعظم ثديها. # فخاف معاوية أن يغضب زياد بذلك فينكره فقال لأبي مريم: رحمك الله إنما ~~قمت شاهدا ولم تقم شاتما، فدع هذا وقصد ما لا بد منه. # قال: نعم، ثم قال لي أبو سفيان: يا بني قد وطئت هذه الجارية عند طهرها ~~ومن حقي عليك أن تحبسها عندك حتى تستبرئ رحمها. # قال: فحبستها عندي حتى كلفت وجنتاها وتفتل شعر عينيها واسودت حلمتا ~~ثدييها ونتا بطنها ثم ولدت، فحبست مذ يوم وقع بها إلى يوم ولادتها، فوجدتها ~~ولدته تماما. # ثم قام المغيرة بن شعبة فقال: أشهد أني كنت مع أبي سفيان بفناء الكعبة ~~قبل ذهاب بصره، فمر بنا زياد غلاما خضا بضا يقول صغيرا حين نشأ، فنظر إليه ~~أبو سفيان نظرا أنكرته فقلت: لشد ما ms152 نظرت إلى هذا الغلام يا أبا سفيان. PageV01P238 # فقال: لو لا أن نبيكم يقول: الولد للفراش وللعاهر الحجر، لأخبرتك أنه ~~ابني، بل هو ابني حقا. # فهذا إن ثبت من قول أبي سفيان مما يدل على ما قدمنا ذكره من إنكار نبوة ~~محمد صلى الله عليه وآله ورفضه للإسلام، لقوله: نبيكم، ولم يقل: النبي صلى ~~الله عليه وآله ولا نبينا ولقوله: بل هو ابني حقا، بعد حكايته قول رسول ~~الله صلى الله عليه وآله «الولد للفراش وللعاهر الحجر». # فقال معاوية: وعى سمعك ووفى لسانك، زياد بن أبي سفيان حقا [1]. # وهذا أيضا من معاوية تكذيب لرسول الله صلى الله عليه وآله ورد لقوله ونقض ~~لقضائه، وفي ذلك ما دل على ما ذكرناه عنه من كفره وسوء اعتقاده، وفي قوله ~~وقد أثبت نسب زياد من أبي سفيان وهو عاهر، ونفاه عن نسب من ولد على فراشه ~~ومخالفته بذلك حكم رسول الله صلى الله عليه وآله. # وقوله: زياد بن أبي سفيان حقا، ما دل على أن اعتقاده أن قول رسول الله ~~صلى الله عليه وآله باطل، وهذا يقوله على منبر المسلمين فيما يزعمون وعلى ~~رءوسهم وهم عنه بمعزل، ولكنهم طغام الشام وجهال الأمة، ومثل هذا أنكرته ~~عليه عائشة وغيرها ممن حكينا قوله، وممن لم يحكه ممن له فهم وعقل وبصر، ولم ~~يستحل أحد منهم أن ينسب زياد إلى أبي سفيان، وأكثر ما يقولون وإلى اليوم: ~~زياد ابن أبيه. # ومعاوية أول من حمل إليه رأس مسلم في الإسلام، وهو رأس عمرو بن الحمق ~~الخزاعي أرسل إليه فقتل وأتى إليه برأسه [2]. # ولما أتى معاوية موت الحسن بن علي عليه السلام استفزه السرور فكبر وكبر ~~لذلك من حوله واتصل التكبير، فسمعه ابن عباس وهو في المسجد وكان قد وفد على ~~معاوية، PageV01P239 # فقال: ما هذا التكبير؟ # قالوا: جاءت وفاة الحسن إلى معاوية وقد أذن للناس. # فقام فدخل عليه فوجده متهللا مسرورا فقال له: إن الحسن قد هلك. # قال ابن عباس: ولذلك كبرت، والله ما عجل لك ذلك ما تريد، ms153 ولا زاد في ~~أجلك، ولا سد حفرتك، وإنك لصائر إلى ما صار إليه، ولئن كنا قد أصبنا به لقد ~~أصبنا بأفضل منه رسول الله صلى الله عليه وآله ثم جبر الله تلك المصيبة. # فقال له معاوية: ما كلمناك يا ابن عباس إلا وجدناك معدا للجواب. وأخذ في ~~الحديث [1]. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: «لما أسري بي إلى السماء ~~سمعت معاوية يخطب على منبري فساءني ذلك فأنزل الله عز وجل: @QUR08 وإن أدري ~~لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين [2]» [3]. ### || [هند بنت عتبة] # وروى الكلبي عن أبي صالح والهيثم عن محمد بن إسحاق وغيره: أن معاوية كان ~~لغير رشده، وأن أمه هند بنت عتبة كانت من العواهر المعلمات اللواتي كن ~~يخترن على أعينهن، وكان أحب الرجال إليها السود، وكانت إذا علقت من أسود ~~فولدت له قتلت ولدها منه، ولما أسلمت وأنزل الله عز وجل: @QUR020 يا أيها ~~النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا ~~يزنين ولا يقتلن أولادهن [4] الآية، PageV01P240 # أتت هند لتبايع رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لها: «لا تسرقي». # قالت: بأبي وأمي إني لأسرق من مال أبي سفيان لأيتام عبد مناف. # قال: «فلا تفعلي». # قالت: لا أفعل. # قال: «ولا تزني ولا تقتلي ولدك». # قالت: بأبي أنت وأمي وهل تزني الحرة؟ # فالتفت رسول الله صلى الله عليه وآله إلى بعض من بحضرته وتبسم بعلمه بها ~~[1]. # قالوا: وكان معاوية يعزى- أي ينسب- إلى ثلاثة: إلى مسافر بن أبي عمرو بن ~~أمية بن عبد شمس، وإلى عمارة بن الوليد بن المغيرة، وإلى العباس بن عبد ~~المطلب، وكان أبو سفيان يصحبهم وينادمهم، ولم يكن أحد يصحبه إلا رمى بهند، ~~لما كان يعلم من عهرها [2]. # وقيل: إنه جرى بين إسحاق بن طابة وبين يزيد بن معاوية كلام في أيام ~~معاوية، PageV01P241 # فقال يزيد: والله إن خيرا لك أن يدخل آل حرب كلهم الجنة. # قال إسحاق: وأنت والله إن خيرا لك أن يدخل بنو العباس كلهم الجنة. # فلم ms154 يدر يزيد ما عنى إسحاق بذلك، وانتهت إلى معاوية فقال ليزيد: ما أراد ~~إسحاق بقوله لك: إن خيرا لك أن يدخل بنو العباس كلهم الجنة؟ # قال: لا أدري. # قال له: فكيف تشاتم الرجال وأنت لا تدري ما يقال فيك؟ إنهم يقولون: إن ~~العباس بن عبد المطلب هو أبي [1]. # وهذه دعوى من معاوية ليدخل بزعمه في نسب بني هاشم بمثل ما أدخل هو زيادا ~~في نسب أبيه، والذي أثبتوا أنه ابن مسافر بن أبي عمرو، وكان مسافر جميلا، ~~وكانت هند تختار على أعينها، فأعجبها فأرسلت إليه فوقع بها فحملت منه ~~بمعاوية، فجاء أشبه الناس به جمالا وتماما وحسنا. # وكان أبو سفيان ذميما قصيرا أخفش العينين، فكل من رأى معاوية ممن رأى ~~مسافرا ذكره به. # فأما الصباح فكان شابا من أهل اليمن، أسود له جمال في السودان، وكان ~~عسيفا لأبي سفيان، فوقع بها فجاءت منه بعتبة، فلما قرب نفاسها خرجت إلى ~~أحياء لتضعه هنالك وتقتله كما كانت تفعل بمن تحمل به من السودان، فلما ~~وضعته رأت البياض غلب عليه وأدركتها حنة فأبقته ولم تنبذه، ولذلك يقول حسان ~~بن ثابت: # لمن الصبي بجانب البطحاء %~% ملقى عليها غير ذي مهد # نجلت به بيضاء أنسة %~% من عبد شمس صلته الخد # غلبت على شبه الغلام وقد %~% بدا فيه السواد الحالك جعد [2] PageV01P242 # فلما فشى خبر الصباح ووقوعه بهند، غاربه عمارة بن الوليد بن المغيرة وكان ~~يأتيها، فخرج بالصباح إلى سفر وأمر به فطبخ له قدرا فأتاه به في يوم حار ~~فقال: طعام حار في يوم حار. وأمر به فشد في شجرة ورماه بالنبل حتى قتله، ~~لما نقمه عليه من أمر هند، وفي نبذ هند من ولدته من السودان يقول حسان بن ~~ثابت: # لمن سواقط سودان منبذة %~% باتت تفحص في بطحاء أجياد # فيهم صبي له أم لها نسب %~% في ذروة من ذرى الأحساب أياد # تقول وهنا وقد جد المخاض لها %~% يا ليتني كنت أرعى الشول للغادي # قد غادرته لحر الوجه منعفرا %~% وخاله وأبوه سيد النادي [1] # يعني بأبيه: عمارة ms155 بن الوليد بن المغيرة، وخاله: الوليد بن عتبة بن ~~ربيعة. # وقيل: إن معاوية كان سبب ادخال الغناء إلى أرض العرب، وإنما كان الغناء ~~عند العرب غناء الركبان، فأرسل معاوية إلى أرض فارس فأتى برجلين يجيدان ~~الغناء الخسرواني وأظهرا أنهما بناءان، وكان حينئذ يبني بناء له، فغنيا ~~وانتشر هذا الغناء الخسرواني عنهما، وكان معاوية أول من سمع الغناء. # وقيل له فيه: هذا الشعر الذي ينشدك إياه الأعرابي الجلف الجافي فتستحسنه؟ # تنشدك إياه الجارية الحسنة الوجه الطيبة الرائحة بحلاوة منطقها. # فقال: جيئوا بها. # فأتته مغنية فقال لها: أنشديني. # قالت له: هو بلحنه أحسن. # فقال: هاتيه. # فغنته فارتاح وطرب، وأجاز من فتح له ذلك واستحسنه. # وقيل: إن معاوية سمع عند يزيد مغنيا يغنيه ليلا، فوقف وراء الباب حتى ~~أعيا وهو يستمع، ثم دعى بكرسي فجلس عليه حتى أصبح وهو يسمع غناءه. PageV01P243 PageV01P244 ### | ذكر البيان على إثبات إمامة علي بن أبي طالب صلوات الله عليه # ومن دارت الإمامة عنه من ولده إليه، وتغلب معاوية بن أبي سفيان وتعديه، ~~ومن تغلب من بعده من بني أمية وتيبب به. # قد ذكرنا في الباب الذي قبل هذا الباب ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله من تقديم علي عليه السلام وعقده الولاية له بغدير خم، وذلك ما يغني عن ~~كل شاهد ودليل، ويكتفي به من قول الجماعة والواحد. # ثم كان من أمر هؤلاء القوم بعد رسول الله صلى الله عليه وآله في عقدهم ~~الأمر لمن عقدوه ما ليس إلى ذكره والحجة فيه قصدناه فنستقصيه، ولكن لا بد ~~أن نأتي لما أردنا بطرف منه، وأكثر ما احتجوا به في تقديمهم من قدموه ~~تراضيهم به واتفاقهم عليه، على أن كثيرا من أشرافهم ممن كان بالحضرة من ~~الصحابة وذي الرحم والقرابة، لم يحضر معهم فيمن حضر ولا رضي بما فعلوه ولا ~~سلم لمن نصبوه ولا رضي بمن قدموه، فضلا عمن غاب، ثم أقام الأول الثاني ~~باختيار نفسه دون مشورة من أحد غيره، بل أطبقوا كراهيته وأتوه، لما بلغهم ~~استخلافه ms156 إياه فقالوا: نناشدك الله أن تولي علينا رجلا فظا غليظا. # فقال: أبا لله تخوفونني؟ إذا لقيت رسول الله أقول له: إني قد وليت عليهم ~~خير أهلك [1]. # فقدمه عليهم على كراهية منهم ولم يلتفت في ذلك إلى احتجاجهم، وهذا يدفع ~~حجة الاختيار التي احتج بها من احتج للأول. # وجعل الثاني الأمر شورى بين ستة نفر، قصر ذلك عليهم وأخرج الرأي من أيدي PageV01P245 # من سواهم، وهذا خلاف الأمرين الأولين، وفي هذا احتجاج كثير ومقال طويل ~~يدخل فيه القوم، وهذا التناقض والتغير في هذا الأصل الكبير من أصول الدين، ~~ولا اختلاف بين المسلمين أعلمه أن من بدل شيئا من سنن الله ودينه فقد خرج ~~من جملة أهله، وقد قال الله تعالى: @QUR010 ولن تجد لسنة الله تبديلا* ولن ~~تجد لسنت الله تحويلا [1] ولو جاز ذلك لجاز للذين لم يحضروا أن يقيموا هم ~~أيضا إماما لأنفسهم، حتى يكون ذلك لكل إنسان ينفرد، وذلك ما يبطل الإمامة، ~~فيصير عدد الأئمة إلى غير ما نهاية، بل يكون كل إنسان في نفسه إماما، ويكون ~~على هذا الوزن الأئمة الذين يقيمون الإمام لا هو، لأنه عن أمرهم إذا يقوم ~~وهم أمروه، ولو لا أمرهم إياه لم يكن إماما ولا يجوز مع ذلك أمره على ~~غيرهم، لأنه لا اختلاف في أحكام المسلمين أعلمه أن أحدا لا يجوز له أن يوكل ~~وكيلا إلا على ما يملك من أمر نفسه أو من يلي عليه، وإن وكل على غيرهم لم ~~يجز وكالته، فكيف الإمامة التي يكون للإمام بها الحكم في دماء من أمر عليهم ~~وفروجهم وأموالهم؟ # فأحرى أن لا يجوز ذلك إذا كانت الإمامة بالاختيار والرضى إلا على من ~~اختاره ورضيه دون غيرهم، مع أنه لو جاء ذلك لجاز للناس أن يقيموا نبيا منهم ~~وربا معبودا، تعالى الله أن يجعل شيئا من ذلك لخلقه، وقد تعبدهم بطاعته ~~وطاعة أنبيائه والأئمة من عباده وجعلها طاعة موصولة، فقال جل ثناؤه: @QUR07 ~~أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم [2]. # فلما لم يجز لهم أن يتخذوا من دونه ms157 إلها ولا رسولا غير من أرسله، لم يجز ~~لهم أن يتخذوا إماما لم يقمه لهم هو ولا رسوله، ولو كان أولو الأمر كما زعم ~~بعضهم: أمراء PageV01P246 # السرايا [1]، لكان الذين أمروهم أولى بذلك منهم، لأن طاعتهم واجبة عليهم، ~~ولو كانوا علماؤهم كما قال آخرون منهم [2]، وهم مختلفون في دينهم وفتياهم، ~~لم يعلم المتعبدون بطاعتهم منهم، لأن في طاعة بعضهم عصيان البعض، ولن يأمر ~~الله بطاعة قوم مختلفين، لأنه يقول وهو أصدق القائلين: @QUR010 ولو كان من ~~عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [3]. # فأخبر أن ما كان من عنده لا اختلاف فيه، وأن الاختلاف فيما يكون من عند ~~غيره، وهذا كلام يطرد الحجج فيه، ويقصر هذا الكتاب عن أن يستقصيه، فإن أبوا ~~إلا ما زعموا من اختيار من تقدم من أسلافهم على ما كان مما ذكرناه من ~~اختلافهم، فقد أجمعوا أنهم بعد ذلك أطبقوا على إمامة علي عليه السلام بلا ~~اختلاف، بل أجمع عليها من تقدمهم من الأسلاف، فكانت آكد إمامة على قولهم، ~~إذ لم يختلف فيها أحد منهم، فوجب على قولهم فسوق من عند عنه، ونكث بيعته ~~ومحاربة من حاربه، ولذلك قال بذلك من ذكرنا منهم من المهاجرين والأنصار ~~والتابعين بإحسان، وفسقوا معاوية في عنوده عليه، وكفره بعضهم مما ظهر من ~~سوء أعماله وقبيح أفعاله، وانتحاله ما قدمنا في هذا الكتاب ذكره. PageV01P247 ### || [مقتل عثمان] # إنما كان معاوية عاملا لمن تقدم قبل علي عليه السلام، فلما أفضى الأمر ~~إليه على قولهم فعزله، لم يكن له أن يخالف أمره، وحرم عليه المقام فيما ~~عزله عنه، فلم يمتثل ذلك من أمره بل عصاه وخالفه وتعداه ونصب له وألب عليه، ~~وقام بدم عثمان ابن عمه وليس هو ولي دمه، ولا له أن ينظر في ذلك لأوليائه، ~~وإنما قال جل ذكره: @QUR07 ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا [1] فإن ~~كان عثمان قتل مظلوما، فليس لأولياء دمه أن يطلبوا به عند غير الإمام، ولا ~~لهم أن ينتصفوا من ذلك دونه ممن ادعوه عليه وناظرهم فيه، إلا بحكم ms158 الإمام ~~المنصوب للأحكام بين الأنام، فما قضى من ذلك عمل به. # على هذا بني الإسلام وبه جاء الرسول ونطق الكتاب، لا على أن يكون من ادعى ~~حقا على غيره انتصف منه بيده واستعان على ذلك بغيره، وإنما هذه أفعال ~~الجاهلية الخارجة عن أحكام الأمم الملية، فأحياها معاوية وأقامها ودعى ~~بالدنيا من آثرها، فأجابه إليها من طغام الشام وأهل الجهالة بأحكام ~~الإسلام، وثبت مع علي عليه السلام خيار الصحابة من المهاجرين والأنصار ~~والتابعين بإحسان، وامتاز الفريقان وتحاجز الجمعان وكان من أمرهم في ذلك ما ~~قد كان، واستقصاء الحجج كما ذكرنا في هذا الباب يخرج عن حد هذا الكتاب، ~~وذلك مثبت في كتاب الإمامة، وإنما قصدنا هاهنا إلى إبطال دعوى معاوية ~~للخلافة ومن تسبب به من بني أمية، فذكرنا من ذلك نكتا وجملا في ذلك خاصة، ~~دون ما تقدم قبل ذلك، إذ لم يكن قصدنا إليه ولا ابتداء قولنا فيه، وسنذكر ~~بعد هذا الباب إن شاء الله تعالى ما يؤيد ذكر ما شبه به معاوية من المحال، ~~لجاز له ما شبه من ذلك على الجهال. PageV01P248 # كان أول ما استفز به معاوية طغام الشام، أن عمد إلى قميص فخضبه بدم ورفعه ~~على قناة وقال: هذا قميص خليفتكم المظلوم [1]. # وأمر أن يدار به في أعمال الشام يستفزهم بذلك، وبذل من دنياه لمن نفر ~~إليه منهم وأتاه ما أرغبه به وأرضاه، ومعاوية كان أشهد في قتل عثمان ممن ~~قتله، إذ توسل بذلك إلى ما توسل به وهو كان ممن خذله فيمن خذل، وذلك أنه ~~بعث إليه المسور بن مخرمة وقد هم الناس به لينصره، فقال مسور: فجئت إليه ~~برسالة عثمان فقلت: يا معاوية أغث ابن عمك وخليفتك، فإنه مقتول إن تركته. # فقال لي يا مسور ما أصنع بعثمان، إن عثمان بدأ فعمل بما شاء الله أن يعمل ~~به ثم غير فغير الله حاله، فأقوم فأرد أنا ما غير الله؟ # فحدث المسور بهذا الحديث لما قام معاوية يطلب بدم عثمان وهو مستقبل ~~الكعبة ثم قال: وما ms159 أقبل من هذا البيت وما أدبر لهذا قول معاوية لي، ثم خرج ~~عدو الله يطلب بدمه [2]. # وكذلك أمر عائشة، وذلك أنها نقمت على عثمان أنه نقصها مما كان يعطيها ~~عمر. # فقالت: إذا كنت تنقصني مما جعل لي عمر فأعطني ميراثي من رسول الله صلى ~~الله عليه وآله. # قال: أو لست الشاهدة في دفع فاطمة عن ميراثها منه أنه قال: إنا معشر ~~الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة. # فكانت له مغاضبة وعليه عاتية إلى أن حصر، فخرجت تريد الحج فجاءها مروان ~~بن الحكم وعبد الرحمن بن عتاب فقالا: يا أم المؤمنين تذهبين وتدعين هذا ~~الرجل قد تظاهر عليه الناس، فلو أقمت تذبين عنه. # قالت: ما أستطيع قد أخذت في حوائج الحج فما كنت بقاعدة دونه. PageV01P249 # فلما لم يجدا فيها حيلة قاما من عندها وتمثل مروان: # حرق قيس على البلاد %~% حتى إذا اشتعلت أجذما # فسمعته فقالت: ارجع أيها المتمثل، فرجع وبين يديها غرائر تغرى لها فقالت: ~~قد سمعت ما قلت، أتراني في شك من صاحبك؟ والله الذي نفس عائشة بيده لوددت ~~أنه في غرارة من غرائري هذه مخيطا عليه احتمله معي حتى أقذفه في البحر. # قال لها مروان: قد والله بينت. # قالت: هو ذلك، فاذهب على ذلك. # ثم خرجت حتى إذا كانت بالصلصل [1] مر بها عبد الله بن عباس وقد خرج يقيم ~~الحج للناس فقالت: يا ابن عباس إنك قد أعطيت لسانا وعقلا وعلما، وإني ~~أناشدك الله أن تدفع عن هذه الطاغية غدا في الموسم إذا لقيت الناس. # ثم مضت فلما قضت حجها أتاها الخبر أنه قتل فقال: إيها ذا الاصبع، تعني ~~طلحة وأقبلت حتى إذا كانت بسرف [2] لقيها عبيد الله بن سلامة الليثي مقبلا ~~من المدينة فقالت: ويلك ما وراءك؟ # فقال: اجتمع الناس على علي بن أبي طالب عليه السلام. # فقالت: والله لوددت أن هذه وقعت على هذه- تعني السماء على الأرض- ولم يكن ~~ذلك. # ثم رجعت إلى مكة وأتاها طلحة والزبير اللذان سعيا في قتله، فخرجا بها ~~يطلبان بدمه [3]. PageV01P250 # وقد ذكرنا في ms160 الباب الذي قبل هذا الباب فساد قيام معاوية وغيره بطلب دم ~~عثمان عند غير الإمام، ونسب قتله إلى علي بن أبي طالب وأنه منع منه قاتليه، ~~وعثمان قتل في دار الهجرة وبحضرة المهاجرين والأنصار الذين جعلوا اجماعهم ~~فيمن قدموه حجة، فأجمعوا عليه بين قاتل وخاذل لا اختلاف في ذلك، ولم يدع ~~علي عليه السلام فيه قولا ولا فعلا أكثر مما جاء في ذلك عنه من قوله: «ما ~~أمرت ولا نهيت ولا سخطت ولا رضيت ولا سرني ولا ساءني» [1] في مثل هذا من ~~الكلام المحتمل التأويل، حتى لقد تأول من نفى ذلك عنه قوله: «ما سرني ولا ~~ساءني» قال: يريد ما سرني إذا قتل ولا ساءني إذا صار إلى الجنة، لأنه كان ~~عليه السلام عالما ما يؤول الأمر إليه بإخبار رسول الله صلى الله عليه وآله ~~إياه، فتحفظ في المقال من احتجاج الجهال. # وإنما فتح هذا الباب لمعاوية أصحاب الجمل، لأنهم قبل ذلك قاموا به وشبهوا ~~على الجهال بسببه، وهم قتلة عثمان فيمن قتل وخاذلوه فيمن خذل، وممن عدد ~~إحداثه عليه واحتج بها في خلعه، وحاصروه لما امتنع أن يسلم الأمر أو يختلع، ~~ومنعوه الماء، فأرسل به إليه علي عليه السلام مع الحسن عليه السلام. # وأكثر ما قيل في علي عليه السلام في ذلك: قول سعد لبعض من سأله عن قتلة ~~عثمان [قال: قتل عثمان بسيف] سلته عائشة وشحذه طلحة وسمه ابن أبي طالب. # قيل له: فالزبير؟ # قال: صمت وأشار [بيده وأمسكنا] ولو شئنا نحن لدفعنا، ولكن رأينا عثمان ~~تغير وخلط فأحسن وأساء، فإن كنا أثمنا فنستغفر الله [2]. PageV01P251 # والذي لم يختلف فيه الأخبار أن طلحة والزبير كانا اللذين قاما وقعدا في ~~أمر عثمان وألبا عليه وحاصراه حتى قتل، وأنه لما أجهده العطش أرسل إلى علي ~~عليه السلام يقول له: يا علي إن طلحة والزبير قتلاني عطشا والموت بالسلاح ~~أروح إلي. # فسألهما علي أن يخليا له الماء، فامتنعا. # فقال لهما علي: «ما كنت أظن أني أسأل أحدا من قريش في شيء فيجبهني». ms161 # قال له طلحة: والله لا أفعل وما أنت من ذلك في شيء. # فغضب علي عليه السلام وقال: «ستعلم يا ابن الحضرمية أكون في شيء من ذلك ~~أم لا». # وقال: «والله لو لا يمين سبقت مني لأرويته أو أموت». # وبعث إليه بالماء مع الحسن عليه السلام فدخل إليه، وأمره بأن يقاتل دونه، ~~فأبى عليه عثمان وقال: والله لا يراق دوني دم امرئ مسلم [1]. # ولم نقصد هاهنا الحجة على أهل الجمل فنذكر فعلهم في عثمان، ولا قول عائشة ~~فيه التي أقاموها لطلب دمه، وإنما قصدنا قصد معاوية، وكان أيضا مما ادعاه ~~وشبه على الجهال به أن قيل لهم: هذا معاوية خال المؤمنين، ليعظم في أعينهم ~~ويجل مكانه من قلوبهم، ويروه أهلا لما قام به من أمرهم، وذلك لمكان أخته ~~رملة بنت أبي سفيان من أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله. # وقد ذكرنا فيما تقدم من هذا الكتاب قصتها وسبب تزويج رسول الله إياها وما ~~قصد بذلك، وأراد به من استمالة أبي سفيان وتآلفه على الإسلام، فما نفع ذلك ~~فيه ولا في معاوية، ولا صرفهما عما كانا عليه من عداوة رسول الله صلى الله ~~عليه وآله، فلما قال الله تعالى: @QUR07 النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ~~وأزواجه أمهاتهم [2] جعل ذلك معاوية PageV01P252 # من أغلوطاته فادعى أنه خال المؤمنين ولو ألزم ظاهر حكم ذلك على قوله، ~~لحرم عليه نكاح المؤمنات، إذ هو خالهن بزعمه، ولكن الله لم يجعل هذا نسبا ~~ينسب به ولا يتوارث من أجله، ولو كان ذلك لورث نساء النبي المؤمنين به ~~وورثهن المؤمنون من أجله، وقد قال الله تعالى: @QUR03 إنما المؤمنون إخوة ~~[1] فلم يتوارثوا بهذه التسمية ولا أوجبت لهم نسبا ولا قرابة، ولو كان ذلك ~~أيضا لحرم على بعضهم نكاح بنات بعض، إذ حرم على الرجل أن ينكح ابنة أخيه، ~~ولكنه أراد بهذا الفتنة، وأراد بأمومة أزواج النبي ألا ينكحن بعده لما ~~امتدت لذلك أعين بعضهن، وقلن: لو طلقنا لكان لنا في قومنا أكفاء. # واعتزلهن رسول الله صلى الله عليه وآله شهرا ms162 وخيرهن بعد ذلك فاخترنه، إذ ~~علمن أنهن حرمن على المؤمنين غيره، وأكد الله تعالى ذلك بالبيان فقال: ~~@QUR020 وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا ~~إن ذلكم كان عند الله عظيما [2]. # هكذا جاءت الأخبار في هذا، وظاهره تغليظ عليهن فيما قلن، لا أنه شرف يشرف ~~به من ناسبهن، ولا أدري كيف جاز لمعاوية أن يكون خالا للمؤمنين، فيتبع لذلك ~~ويكون إماما متبوعا من أجله؟ # وهو إنما أراد بذلك القيام على محمد بن أبي بكر ليقتله، لأنه قتل عثمان ~~فيما ذكر، ومحمد بن أبي بكر أحق بهذا الاسم منه، لأنه أخو عائشة وعائشة ~~عندهم أفضل من رملة، مع ما لهذا من أبوة أبي بكر وقديم الإسلام، فكان ~~الواجب على هذا القول أن يكون هو المتبوع لا معاوية. PageV01P253 ### || [التحكيم] # ومن ذلك: أن معاوية ناصب عليا عليه السلام ودافعه أولا وهو يدعي الإمارة ~~التي أمره عليها عثمان، وقد ذكرنا قبل هذا فساد هذه الدعوى وما يجب بإجماع ~~من زوال الإمارة بموت الإمام الذي أمره عليها، وأن الحكم في ذلك يصير إلى ~~الإمام بعده، يقر من رأى أن يقره من العمل ويصرف من شاء منهم، وكذلك فعل من ~~تقدم من أئمتهم. # وإنما ولى معاوية عمر بن الخطاب، فلما ولي عثمان أقره، ولو عزله لما كان ~~له عند نفسه أن يقيم على ذلك العمل بعد موت من استعمله عليه، وكذلك لو عزله ~~الذي كان يستعمله، لزال حكمه عنه، ثم إن معاوية لما استولت عليه الغلبة ~~وأخذته وأصحابه الهزيمة، احتال له عمرو بن العاص فرفع المصاحف ودعى إلى ~~الحكم بما فيها، فكف عنهم أصحاب علي تحرجا، لأنهم كانوا أهل بصائر ودين، ~~فأمرهم علي عليه السلام بالتمادي عليهم، وأخبرهم أنها مكيدة منهم، فاختلفوا ~~في ذلك عليه ورفعوا السيوف عن عدوهم وافترق جمع منهم، فرأى علي عليه السلام ~~إيضاح الحق لهم، وعلم أن الكتاب يشهد له فأجابهم إلى الحكومة بما فيه، ~~فأصاب معاوية الوسيلة والوصول إلى الحيلة، وقدم [معاوية] عمرو بن العاص ms163 ~~وقدم علي أبا موسى الأشعري للمناظرة والحكم بكتاب الله الذي رفعوه، ودعا ~~إليه واشترط ذلك وأكد فيه، وكتب كتاب قضيته: بأن لا يكون الحكم إلا بكتاب ~~الله لا يعدوه أحد إلى غيره، كما كان الدعاء إليه. # فمكر عمرو بن العاص بأبي موسى الأشعري وأظهر بره وإكرامه وإجلاله ~~وإعظامه، وكان إذا حضرت الصلاة قدمه وقال: أنت صاحب رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وأسبق مني إلى الإسلام وأقدم سنا. # وقال: هلم بنا يخلع كل واحد منا صاحبه، ثم نتفق على من نقدمه. وأوهمه في ~~ذلك أن يرجع إلى قوله ويقدم من أراده وأطمعه في ذلك. # فصعد أبو موسى المنبر فخلع بزعمه عليا عليه السلام وقال لعمرو: اصعد أنت ~~فاخلع PageV01P254 # معاوية. # فصعد وأثبته، وأوهم من سمع ذلك أنه الذي اتفقا عليه. # فأنكر ذلك أبو موسى وقال لعمرو: لعنك الله فإنما أنت كالكلب إن تحمل عليه ~~يلهث أو تتركه يلهث. # وقال عمرو: بل أنت، فلعنك الله فإنما أنت كالحمار يحمل أسفارا. # وافترقا على ذلك يلعن كل واحد منهما صاحبه، وخاض الناس في ذلك وكانت في ~~أصحاب علي عليه السلام فرقة من أجله، واعتزل الخوارج عنه الذين أصروا أولا ~~على التحكيم، ولم يروا دفع ما دعا معاوية إليه من كتاب الله، وقالوا: كان ~~ينبغي لعلي أن لا يرجع إلينا وأن يمضي على ما هو عليه من الحق. # وقوى أمر معاوية فادعى بهذه الخديعة والحيلة الخلافة، وتسمى بأمير ~~المؤمنين، وثبت مع علي عليه السلام أهل الحق والعلم والبصائر. # وهذا الذي كان من أمر معاوية وعمرو بن العاص وخديعته أبا موسى وفعل أبي ~~موسى [1]، ولو لم يخدع وكان قد أتى ذلك على قصد إليه بإجماع من المسلمين، ~~غير لازم لعلي عليه السلام ولا مخرج من يده ما قد جعله الله تعالى إليه، ~~لأن المسلمين قد أجمعوا على أنه ليس للوكيل على أن يعدو أمر من وكله ولا ~~يخالفه، وأنه إن خالف ذلك لم يجز فعله عليه فيما لم يجعل إليه، وإنما يجوز ~~من ذلك ما جعله ms164 له وأمره به ليس له أن يعدوا ذلك إلى غيره، ولا أن يحيله عن ~~وجهه، ولا أن يخالف شيئا منه، فإن فعل ذلك أو شيئا منه على خلاف ما جعل له ~~لم يلزم من وكله شيء من ذلك، فكذلك إن استقضى الإمام قاضيا أو استعمل عاملا ~~وأمره بالعمل بالحق فخالفه إلى الباطل، كان تباعة ذلك عليه ولم يكن من ذلك ~~شيء على من استعمله، وقد استعمل PageV01P255 # رسول الله صلى الله عليه وآله خالد بن الوليد فخالف أمره فتبرأ إلى الله ~~منه ومن فعله، وإنما قدم علي أبا موسى على المناظرة عنه والحكومة بكتاب ~~الله واستقضاه على ذلك ووكله عليه، فلما خالف أمره إلى غيره لم يجز فعله ~~عليه، كما أنه لو وهب شيئا من ماله أو تصدق به عليه إذ لم يجعله له، وهذا ~~ما لا اختلاف بين المسلمين فيه، وقد أجمع أهل المعرفة بالأخبار على أن أبا ~~موسى خدع وسخر منه [1]. # وقد قيل: إنه كان يتهم بالميل إلى أصحاب معاوية، وأي ذلك كان أو غيره مما ~~خالف فيه أمر من أقامه، فقد بينا أنه لا يجوز فعله عليه، فزعم معاوية أنه ~~صار بهذه PageV01P256 # الخديعة والمحال أمير المؤمنين وتسمى بذلك وشبه به على الناس وطغام ~~الشام، فأطاعوه واتبعوه وأجازوا ذلك وسوغوه إياه. # والحجة في أمر الحكمين تحتاج إلى كتاب مفرد وقول مشبع مؤكد [1]، ولكن لما ~~ذكرناها فلا بد من أن نأتي بجمل من الحجج فيها، فنقول لمن أنكر الحكومة من ~~أصلها، وطعن على علي عليه السلام إذ رضي بها: قد حكم الله عز وجل الرجال في ~~كتابه فقال: @QUR011 وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من ~~أهلها [2] الآية، وقد أجمع أهل الفتيا على أن الحكمين لو حكما بين الزوجين ~~بخلاف الحق، لما جاز حكمهما لو فرقا بين الزوجين بلا طلاق ولا عدة، أو جمعا ~~بينهما على خلاف ما يوجبه الكتاب والسنة، لم يجز ذلك من فعلهما، وإن حكما ~~في ذلك بكتاب الله وسنة رسوله جاز ما حكما به، ms165 وقد حكم رسول الله صلى الله ~~عليه وآله سعد بن معاذ في بني قريظة لما حاصرهم، فحكم سعد بأن تقتل مقاتلهم ~~وتسبى ذراريهم، فأجاز رسول الله صلى الله عليه وآله حكمه وقال: «لقد حكمت ~~بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» [3]. # ولو حكم بخلاف ذلك ولم يجعلهم ذمة ولا أوجب عليهم قتلا ولا سبيا ولا ~~جزية، لم يجز حكمه لخلاف الحق، وعلى هذا المعنى يطرد في الحكومة ما قدمنا PageV01P257 # ذكره، وكيف يجوز حكم من خالف الحق والله عز وجل يقول: @QUR09 ومن لم يحكم ~~بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ... @QUR01 الظالمون ... @QUR01 الفاسقون ~~[1]. # فإن قال قائل: فلم امتنع علي عليه السلام في أول الأمر من الحكومة ~~وأباها، وأمر أصحابه بقتل أصحاب معاوية وهم يدعون إليها، وهي كما ذكرت في ~~الكتاب والسنة؟ # قيل له: إن الحكومة لا تلزم من دعي إليها وتجب وجوب فرض عليه، ولسنا ~~نقول: إن التحكيم يجب لكل من دعا إليه، ولا أنه حق واجب يلزم من طلب منه من ~~أهل العدل إذا دعى إلى ذلك أهل البغي أو من المسلمين إذا طلبه منهم ~~المشركون، وإنما ذلك أمر مفوض فيه إلى الأئمة عليهم السلام وإلى من أقاموه، ~~فإن أرادوا محاكمة من خالفهم أو موادعتهم أو دعاهم إلى الاحتجاج عليهم، ~~فعلوا من ذلك ما رأوه وما لم يروا منه أمضوا أمرهم على ما أراهم الله عز ~~وجل من جهاد عدوهم، وإنما التحكيم كالأمان والموادعة والصلح، يرى الأئمة ~~فيه رأيهم صلوات الله عليهم فيما هو أصلح لهم وللمؤمنين وأعود عليهم، ولو ~~لم يحكم رسول الله صلى الله عليه وآله سعدا في بني قريظة ومضى على قتالهم ~~وقتلهم، لكان ذلك إليه كما فعل ذلك بكل من قاتله وحاصره من المشركين، فلما ~~دعا إلى ذلك معاوية وأصحابه وقد أخذتهم السيوف واستولت عليهم الهزيمة، وعلم ~~علي عليه السلام أن ذلك منهم إنما هو مكر وابتغاء للخلاص من القتل لم يجب ~~إليه، وأمر أصحابه بالجد في طلبهم وقتلهم والإثخان فيهم، فلما لم يقبلوا ~~ذلك منه وانقض جمعهم ms166 عنه، ورأى أن الشبهة قد دخلت عليهم والفشل قد فشا ~~فيهم، رأى أن يجيب معاوية إلى التحكيم بكتاب الله، إذ كان كتاب الله يشهد ~~له، ليوضح الأمر في ذلك لمن التبس عليه والحق لمن شك فيه، فكان من أمر ذلك ~~ما كان. # وقالت الخوارج: قد كنا أخطأنا في إجابتنا إلى التحكيم، وإذا قد علم علي ~~ذلك PageV01P258 # فكان من الواجب عليه أن لا يتبعنا على الخطأ، ولكن يمضي على الصواب وهو ~~قول صاحب الكتاب [1]. # وهو لم يخطأ عليه السلام كما نسبوا الخطأ إليه، ولكنهم هم أخطئوا أولا ~~وآخرا بمخالفته، ولم يدع أحد أن عليا صلوات الله عليه حكم الحكمين على أن ~~يخلعاه إن أحبا، وإنما حكمهما على أن يحكما بكتاب الله الذي دعا إلى ~~الحكومة به معاوية وأصحابه، إذ علم علي أن الكتاب يحكم له ولم يكن في شك من ~~ذلك ولا على جهل به، ولم يكن صلوات الله عليه خدع هو في ذات نفسه ولا مكر ~~به، لأن رفع المصاحف لم يخف عنه المراد به فيلزمه حكم المخدوع، وإنما يلزم ~~ذلك أبا موسى، وقد برأه الله من خطائه وما اقترف، كما برأ رسوله من فعل ~~خالد بن الوليد فيما سلف، وليس المكر من أخلاق المؤمنين ولا الخديعة من شيم ~~الصالحين، ولا أعلم أحدا مدح بالمكر فاضلا في دينه، ولا وصف بالحيل ~~والخدائع بالباطل صالحا في نفسه. # والمكر والخديعة عار ونقص على من أتاهما في أبواب الباطل، قد يكن قد تهيأ ~~لمعاوية بهما ما أراد من ذلك، فهو عار عليه ونقص له، وحكم الحكمين يدفع ~~القتل والقتال عن الفئة الباغية، ولم تفيء إلى أمر الله خلافا لكتاب الله، ~~وما خالف كتاب الله فهو رد، وأعظم من ذلك خلعهما فيما زعما عليا عليه ~~السلام وهو إمام مفترض الطاعة، وحكم المحكم كقضاء القاضي لا يجوز منه ما ~~خالف الكتاب والسنة. # والإمامة أمر من أوامر الله عز وجل وفرض من فروضه لا تستحق بتسليم من ~~سلمها، ولا بتغلب من تغلب عليها، ولا بإعراض من ms167 تركها أو أعرض عنها، لأنها ~~شعبة من شعب النبوة قد أمر الله عز وجل بطاعة أوليائه كما أمر بطاعة ~~أنبيائه، فكما أن النبوة لا تغتصب ولا تسلب ولا تسلم ولا تفوض فكذلك ~~الإمامة، وكذلك يجري PageV01P259 # مجراها ما تفرع منها: لو أن الإمام استعمل عاملا واستقضى قاضيا فسلم عمله ~~ذلك العامل وقضاه ذلك القاضي إلى غيرهما، أو غلبهما عليه أحد، لم يجز ذلك ~~للمتغلب ولا للمسلم إليه، وإنما هو لمن جعل له. # وكذلك لو وكل رجل وكيلا على أمر لم يعده به، فوكل ذلك الوكيل على ذلك ~~الأمر غيره، لم تجز وكالته ولم يكن من وكله جائزا فعله فيما وكله عليه مما ~~أسند إليه. # على هذا مضت الأيام وبه جرت الأحكام، فليس لمعاوية في الإمامة حق ~~بالتحكيم، ولا فيما ادعاه من الحسن عليه السلام من أمر التسليم. PageV01P260 ### || [صفات كاذبة] # ومما موه معاوية وموه لديه: أن قيل: كان كاتب الوحي، لأنه كتب شيئا من ~~القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وكانت الكتابة في العرب يومئذ ~~قليلة، فمن كان يحسن أن يكتب استكتبه رسول الله صلى الله عليه وآله وقد كتب ~~مثل ذلك جماعة ممن لم يدع إمامة، ولا استوجب بذلك فضيلة من فضائلها، مثل: ~~حنظلة بن ربيعة من بني تميم، وزيد بن ثابت من الأنصار، وعبد الله بن سعد بن ~~أبي سرح، وبدل ما أملي عليه فقال: قد أنزلت قرآنا. # فأنزل الله عز وجل فيه: @QUR07 ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله [1] فهدر ~~رسول الله صلى الله عليه وآله دمه، وكان أخا عثمان بن عفان من الرضاعة، ~~فتطاول عليه فسأل رسول الله صلى الله عليه وآله فيه فأعرض عنه، فلما ولى ~~عثمان استعمله على مصر وبعث به ففتح إفريقية، فما حجز هذا كاتب الوحي عن ~~لعنة الله ولعنة رسوله صلى الله عليه وآله. # وإن نزل القرآن بما نزل فيه كما لم يدع ذلك معاوية عما ارتكبه وصار إليه ~~مما أوبقه وأخرجه من ربقة الإسلام، وعلي كتب الوحي كله في ms168 حياة رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وكان أول من جمعه بعد وفاته، وآلى على نفسه بعد أن قبض ~~رسول الله صلى الله عليه وآله أن لا يرتدي برداء إلا لجمعة حتى يجمع ~~القرآن، فجمعه وكتبه من لفظ رسول الله صلى الله عليه وآله. # وكان يقول عليه السلام: «ما من آية أنزلت إلا وأنا أعلم يوم نزلت وفيما ~~أنزلت، ولو سألتموني عما بين اللوحين لأخبرتكم، فاسألوني قبل أن تفقدوني» ~~[2]، وهذا ما لم يدعه أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله ولا قال ~~به. PageV01P261 # وروي عن محمد بن سيرين أنه ذكر مصحف علي عليه السلام فقال: لو وجدناه ~~لوجدنا فيه علما كثيرا [1]. # وهذا المصحف بخط علي عليه السلام عند الأئمة من ولده، قد أصاره عز وجل ~~إليهم ورده ممن اغتصبه عليهم. # ولا أعلم أحدا في القديم ولا في الحديث من أهل العلم قرن بين علي عليه ~~السلام وبين معاوية في مفاخرة ولا أقامهما في موازنة ولا مناظرة، لتفاوت ما ~~بينهما، ولأن عليا عليه السلام في نهاية الشرف والفضل ومعاوية في ضد ذلك. ### || [قول النجاشي الشاعر] # ولقد كثر عجب كثير ممن تقدم من قول النجاشي الشاعر [2] لمعاوية في علي ~~عليه السلام: # نعم الفتى أنت لو لا أن بينكما %~% كما تفاضل ضوء الشمس والقمر [3] # وقالوا: من ذا الذي يقول: إن بين علي وبين معاوية مثل ما بين ضوء الشمس ~~والقمر! # وأي فضيلة لمعاوية يستحق أن ينزل بها هذه المنزلة! # بل أي نقص لم يقعد به عن كل فضيلة حتى طلبوا للنجاشي في ذلك المخارج ~~ووجهوا له فيه الوجوه! PageV01P262 # فقال بعضهم: أراد بذلك أسلاف علي وأسلاف معاوية كما كان بين هاشم وعبد ~~شمس وبين عبد المطلب وحرب بن أمية وبين أبي طالب وأبي سفيان في اللسان ~~والبيان والفصاحة، وما يتفاضل به البر والفاجر ويتساوى فيه الجاهلي ~~والإسلامي، وهذا ما قدمنا ذكره وأبنا فيه فضل أسلاف علي عليه السلام على ~~أسلاف معاوية. # وقال آخرون: هذا جائز في لسان العرب أن يجمعوا بين من ms169 له الفضل وبين من ~~لا فضل له في مثلة، واحتج هؤلاء لذلك بقول الله عز وجل: و@QUR010 قل أي شيء ~~أكبر شهادة قل الله شهيد بيني وبينكم [1]، وقوله: @QUR08 ذلك خير أم جنة ~~الخلد التي وعد المتقون [2]. # وقالوا: وليس ذلك على الجمع بين الحالين ولا على الموازنة للأمرين. # وقالوا: والكلمة تكون جوابا فتدل على معنى وتكون ابتداء فتدل على خلاف ~~ذلك، وربما كانت كفرا في حال وإيمانا في حال، وأنشدوا في ذلك: # فهلا فذاك الموت من كنت زينه %~% ومن هو أسوأ منك حال وأقبح # أرادوا: أن قائل هذا لم يرد: أن لمن مدحه بهذا سوء حال، فيكون من أراد أن ~~يفديه أسوأ حالا منه. # وقالوا: فعلى هذا من المدح لعلي عليه السلام ما يخرج قول النجاشي، وفي ~~مثل ذلك يقول حسان بن ثابت لعمرو بن العاص أو لغيره ممن هجا رسول الله صلى ~~الله عليه وآله: # أتهجوه ولست له ند %~% فشركما لخيركما فداء [3] # لم يرد أنه كان لرسول الله صلى الله عليه وآله بشر كان من هجاه أكثر شرا ~~منه، ولا أن لمن هجاه PageV01P263 # خيرا كان خير رسول الله صلى الله عليه وآله أفضل منه، وهذا مخرج حسن من ~~مخارج ألفاظ العرب لما قاله النجاشي، وفيه معنى غيره وهو أحسن منه عندي ولم ~~أسمعه، وذلك: نعم الفتى أنت، لو بقيت بحالها لكانت مدحا له، فلما أتبعها ~~بلو لا، أسقطت لو لا مدح نعم الفتى أنت وأزالته واستثنته، لا أنه إنما يكون ~~نعم الفتى أنت لو لا هذه الخصلة، فلما كانت لم تكن كذلك، وهذا معروف في ~~لسان العرب وهو من التقديم والتأخير، ومعناه: لو لا عيب كذا وكذا في فلان ~~لكان فاضلا، فليس بفاضل عندهم مع ذلك العيب. # ولو قال قائل: إن القمر لا نور له وإن النور الذي يظهر منه إنما هو نور ~~الشمس، غير ما قال أصحاب الفلك، لكان وجها، وقد قال الله عز وجل: @QUR011 ~~وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة [1]. # قال أصحاب التفسير: آية ms170 الليل والنهار الشمس والقمر [2]. # وروي ذلك عن علي عليه السلام، أن ابن الكواء سأله فقال: ما هذا السواد ~~الذي في القمر؟ # فقال: «هو المحو- وتلى قول الله-: @QUR07 فمحونا آية الليل وجعلنا آية ~~النهار مبصرة » [3]. # وقد قال الله: @QUR07 هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا [4] فيجوز على ~~هذا ما قالوه: أن يكون نور القمر من ضياء الشمس، كما يكون النور للشيء ~~الأبيض في PageV01P264 # الظلام إذا أضاء له السراج، وإن لم يضيء له لم يكن له نور. # فيكون مجاز هذا القول: أن يكون فخر معاوية إنما استحق عند النجاشي ~~لقرابته من علي عليه السلام، وهذا على ما قدمنا ذكره لا يستحق، لأن من نافس ~~الفاضل فضله ونازعه فيه لم يستحق الفضل به ولو كان أقرب الناس إليه، وقد ~~ذكرنا هذا فيما تقدم وبيناه، ولعل الذي دعى النجاشي إلى هذا التشبيه، الخبر ~~الذي روي عن عمر: أنه وجه حابس بن سعد الطائي قاضيا إلى الشام فانصرف فقال: ~~ما الذي صرفك؟ # قال: رأيت بالشام رؤيا أفزعتني. # قال: وما هي؟ # قال: رأيت الشمس والقمر يقتتلان وكأن الكواكب بعضها مع الشمس وبعضها مع ~~القمر وكأني كنت في بعضها فقتلت. # قال له عمر: مع من كنت؟ # قال: مع القمر. # قال: اذهب فما كنت بالذي يعمل لي عملا أبدا ثم قرأ: @QUR07 فمحونا آية ~~الليل وجعلنا آية النهار مبصرة ثم قال: هذا رجل يموت على ضلالة. # وكان حابس بن سعد رجلا في أصحاب معاوية بصفين وقتل يومئذ، فتأولوا رؤياه ~~بعده وقالوا: الشمس التي رآها حابس علي عليه السلام والقمر معاوية والنجوم ~~التي كانت معهما الصحابة [1]. # فإن ذهبوا بذلك إلى تأويل عمر، فقد شهد على معاوية وأصحابه بالضلالة، مع ~~أن هذا طلب المخرج إلى من لم يلتفت إلى قوله، ولا حجة فيه لمن عسى أن يحتج ~~به، ولو أن النجاشي قال: إن معاوية أفضل من علي عليه السلام، لم يكن قوله ~~حجة مع إطباق PageV01P265 # علماء الأمة على خلافه، وإنما تكلمنا فيه لأنه قيل وجرى ذكره، والنجاشي ~~أقل من أن يكون قوله ms171 لو كان ما عسى أن يقوله حجة على علي عليه السلام وعلى ~~من اعتقد فضله وقال به. # وقد كان علي عليه السلام أتى بالنجاشي وقد شرب الخمر في شهر رمضان فضربه ~~الحد ثم أخرجه من غد فضربه أسواطا فقال: يا أمير المؤمنين ما هذه العلاوة؟ # قال: «لاستخفافك بالصوم، وإفطارك في شهر رمضان» [1]. # فليس النجاشي ممن يعد في هذا قوله ولا يلتفت إليه، ولا يؤمن أن يكون ~~لعداوته لعلي عليه السلام ألقى هذه النكتة لمعاوية، إذ لم يمكنه فيه غيرها ~~ليجري فيها مثل ما جرى من القول. # وقال بعض من بالغ في مدح معاوية: كان عاقلا، فاستمال الناس إليه وصرف ~~قلوبهم نحوه بمداراتهم، وأصلح ناحية كل واحد منهم بما رأى أن فيه صلاحه، ~~وليس بعاقل من أفسد دينه وليس العقل لو سلم من فساد الدين مما يستحق به ~~وحده الخلافة، وقد ذكر بالعقل كثير من الناس، لم يرهم من ذكرهم به أهلا ~~للخلافة، وإنما يوصف بالعقل من كان على هدى، فأما من كان على ضلالة فليس ~~بمنسوب إلى العقل، كأن الله عز وجل إنما وصف الضالين عن سبيله بأنهم لا ~~يعقلون وبأنهم يجهلون في مواضع من كتابه، فلا ينبغي أن يوصف بالعقل ضال عن ~~سبيل الله ولا صاد عن تذكره، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: @QUR04 إنما ~~يتذكر أولوا الألباب* [2] والألباب العقول، فمن لم ينتفع بالتذكرة فليس بذي ~~عقل، وإنما يوصف بالعقل من عقل عن الله أمره ونهيه واهتدى بهديه، فأما من ~~قاده العقل الفاسد إلى الضلالة فهو PageV01P266 # من الجهال لا محالة. # وقال قوم يمدحونه: كان بليغا. # والبلاغة لا محالة مقصورة على علي عليه السلام لا ينازع فيها ولا يساوى ~~به أحد في شيء منها، وهو من معدن اللسن وينبوع البلاغة، وإنما يحمل البلاغة ~~في الحق والصدق، فأما في الجهل والضلالة فالعي خير منها لا محالة، لأن ~~البلاغة في الضلالة فتنة للجهال وزيادة في أثم متعاطيها المنسوب إليها، ~~والعي الصامت على ضلالته أسلم من المتكلم بجهالته. # وروي: أن عليا صلوات الله عليه ms172 خطب بخطبة فانتهت إلى معاوية فقال لعمرو ~~بن العاص: والله لوددت أن هذه الخطبة كانت لي، وأن لعلي بها دوني حمر ~~النعم. # فقال له عمرو: وما يمنعك منها اخطب بها وأدعها لنفسك، فالإمامة التي ~~نازعته إياها أكبر منها، فواحد يصدقك وآخر يصدق عليا. # فقبل ذلك من رأيه وخطب بها وادعاها. # ووصفوه بالحلم، وقد تقدم ذكر نقض ذلك وأنه لا يعد حليما من قتل المؤمنين ~~ظلما، وانتهك محارمهم، واستحل ما حرم الله منهم، ولا سفه أعظم من هذا. # وقد قيل: إنه كان يتعرض لمن يشتمه فيحلم عنه، ليذكر بالحلم. # وقالوا: ليس بحليم من تعرض للسفيه. # ووصفوه بالدهاء والمكر، وقد ذكرنا أن ذلك ليس من أهل الفضل، وقول علي ~~عليه السلام: «لو استحسنت المكر ما كان معاوية أمكر مني» [1] مع أكثر ما ~~ناله بالمكر. # فعن عمرو بن العاص أخذه وهو فتقه له، وكان هو وعمرو بن العاص أشهر في قتل ~~عثمان، وأرغب فيه ممن قاما في ذلك بزعمهما عليه، فأما معاوية فلما تسبب به PageV01P267 # إليه وتعاطاه من أمر الخلافة بعده، وأما عمرو بن العاص فقد كان فيمن سعى ~~في قتله والتأليب عليه. # ونقم عليه أنه عزله عن مصر واستعمل عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح ~~وكان أخا لعثمان من الرضاعة، ولذلك قال وقد بلغه أنه محصور وكان بمصر: أنا ~~أبو عبد الله، والله ما نكأت قرحة إلا أدميتها. # ثم جاءه الخبر بأن الناس بايعوا عليا عليه السلام فقال: الخلافة والنبوة ~~في بيت واحد! والله لا نقر على هذا. # فخرج فلحق بمعاوية إذ علم أنه لا يتهيأ له عند علي عليه السلام ما يريده، ~~ولم يأمنه على نفسه لما تقدم من سوء فعله [1]. ### || [الرجوع إلى عثمان] # فقد جاء أن عثمان لما كثر إنكار الناس عليه أفعاله، وانتهى ذلك إليه ~~وتخوف الأمر فيه، أرسل إلى خاصته من عمال البلدان: إذا حضر الحج في الموسم ~~فاخرجوا. # فخرجوا يريدون الحج ويجتمعوا عنده، فاجتمع إليه معاوية وهو عامله على ~~الشام، وسعد بن العاص وهو يومئذ ms173 عامله على الكوفة، وعبد الله بن أبي سرح ~~وهو يومئذ عامله على مصر، وعبد الله بن عامر بن كريز وهو يومئذ عامله على ~~البصرة، وعمرو بن العاص وليس على عمل. # فقال لهم: أشيروا علي فإن الناس قد أكثروا في. # فبدرهم سعيد فقال: إن الناس قد تفرقوا فتحدثوا وأيسروا فبطروا وطعنوا، ~~فجهز بعوثهم حتى تكون دبرة في ظهر أحدهم أهم إليه من ذمك والتفرغ إلى عيبك. PageV01P268 # وقال معاوية: إنك بلغت من كرامتنا ما لم يبلغ أحد لأحد قبلك من أهل بيته، ~~ووليتنا الآفاق واستعملتنا على الأعمال، وجعلتنا على رقاب الناس، فخذ كل ~~إنسان منا بما قبله فليكفيكه، خذني بأهل الشام فإني جاعلهم لك أرضا تطأها. # وقال عبد الله بن عامر: إن الناس لم ينقموا عليك في صلواتهم ولا صيامهم ~~ولا زكاتهم ولا حجهم، وإنما نقموا عليك فيما بذلت من الدنيا لمن بذلت في ~~ذلك به، فابذل المال لوجوههم ورؤسائهم واخض [1] في عامتهم يرضوا عنك وعول ~~على ما أحببت. # وقال عبد الله بن أبي سرح: قد مضى قبلك رجلان عملا عملا رضى به الناس، ~~فاعمل عملهما يرضى الناس عنك كما رضوا عنهما. # وقال عمرو بن العاص: أنت يا أمير المؤمنين حملت الناس على ما أنكرت، ~~ووليت فولوا فضلك فضلوا، فاتق الله واعدل وإلا فدعهم واعتزل. # فنظر إليه عثمان وتنكر له وقال: يا ابن النابغة ما كان هذا قولك بمصر، ~~ولكن قل فرؤك فوغر صدرك، وما زلت غاصا بريقك مذ عزلتك عن مصر. # قال: لعمري ما هو كذلك، ولكنه رأيي ورأي جميع من وراء بابك، واستشرت ~~فنصحتك وصدقتك. # ثم خلا عثمان بعمرو فقال: ويحك يا ابن العاص أبجد منك ما سمعت؟ # فأثنى عمرو وقال: لا والله ما هذا بالجد، ولكني علمت أنه سيحدث عن قولنا، ~~فأردت أن يعلم الناس مني ما قلت، ويرجعوا إلي ويسمعوا قولي، فان أغنيت عنك ~~أغنيت وإلا صرف عنك ما استطعت. # فقبل منه ورضى عنه وأخذ برأي معاوية وأمر العمال به وردهم إلى أعمالهم، ~~فعوجل دون ما دبره. PageV01P269 ### || [الداهية ms174 عمرو بن العاص] # ولما رآه عمرو بن العاص وما نقم الناس عليه وأجمعوا له فيه، خرج إلى أرض ~~له بفلسطين، حتى أتاه الخبر أن عثمان قتل وبايع الناس عليا عليه السلام، ~~ولما أراد اللحوق بمعاوية استشار ابنيه عبد الله ومحمدا، فقال له عبد الله: ~~يا أبت أرى لك أن تتق الله وتلزم بيتك حتى يجتمع الناس على أمر فتدخل فيه، ~~فإنما أنت هامة اليوم أو غد. # وقال له محمد: أنت ناب من أنياب العرب وشريف من أشرافها لك حظك منها ~~ونصيبك، فلا أرى لك أن يختلف العرب في هذا الجسيم من أمرها وأنت معتزل في ~~بيتك، حتى تأخذ نصيبك ممن يصير ذلك إليه. # فقال عمرو: أما أنت يا عبد الله فأشرت علي بما هو أفضل وأسلم لي في أمر ~~آخرتي، وأما أنت يا محمد فأشرت علي بالذي هو انبه لذكري وأفضل في أمر ~~دنياي. # ثم توجه نحو معاوية فألفاه قد داخل أهل الشام بالملاطفة لهم والتحبب ~~إليهم، يعود مرضاهم ويتفقدهم ويحضر جنازتهم، ويجلس لهم فيعظهم ويرغبهم في ~~القيام بدم عثمان ويقول: أنتم خير قوم من المسلمين قمتم في دم خليفتكم ~~المظلوم وأنتم وأنتم، ويذكر لهم ثواب ذلك بزعمه ويرغبهم فيه. # فأقام عنده عمرو أياما ليجد عنده ما أراده، فقال له ابنه عبد الله: والله ~~ما أرى معاوية يشتغل بك، فقد أهلكت دينك ولا أراك أصبت دنياك وكان يرجوا أن ~~يفرق بينه وبين معاوية ويصرفه عنه. # فقال: دعني حتى أبانيه. # فخلا به يومئذ فقال: يا معاوية لا تنزلني منزلة طغام أهل الشام الذين ~~تستميلهم بقصصك عليهم غدوة وعشية، تخبرهم أنهم يطلبون بدم خليفة من خلفاء ~~الله قتل مظلوما، وتخبرهم أنه من مات منهم دخل الجنة ومن عاش عاش على خير ~~مجاهد في سبيل الله ما الأمر على ذلك، وأن من مات على ما أنت ونحن عليه معك ~~لإلى PageV01P270 # النار، ومن عاش عليه عاش على شر وما هي إلا الدنيا نطلبها ونكاثر عليها، ~~أترانا إنما فارقنا عليا لفضل بنا عليه، وإنا أولى ms175 بالأمر منه؟ # والله ما الأمر على ما تقول به فدعني من تشبيهك على هؤلاء الطغام وتلطفك ~~بهم وقولك: ما أنا أولى بالأمر منكم، ونحو هذا مما تستميلهم به، لست ممن ~~يرضى عنك بهذا المحال ولا يقيم معك على هذه الحال، أعندك دنيا أنالها وإلا ~~فإني ناظر إلى آخرتي؟ # فلما سمع ذلك معاوية منه خاف زواله عنه فقال: مهلا يغفر لك الله يا أبا ~~عبد الله، لو شئت أن أقول لك غير هذا لقلت، ولكني أنظر ما تحبه فإني تبع لك ~~فيه. # قال: دعني من هذا والله لا تقول لي غير هذا مما نخالفه إلا قلت الباطل ~~الذي لا أقبله، هلم عاجلك وإلا فدعني لآجلي. # قال: أما ما كان حاضرا فيدك فيه مع يدي لا أحيد لك مسألة ولا أردك عن ~~مراد، وإذا ظهرنا أقطعتك مصر طعمة لك فهي موضعك، وبها وترك عثمان تعطي ~~جندها عطاياهم وأرزاقهم، وما فضل عنها فهو لك. # قال: الله عليك بذلك. # قال: نعم الله علي به. # فاستوثق منه ثم خرج فلقي ابنه فقال: هيه قد أخذت لك مصر. # قال: وما مصر! # فدفع في صدره وقال: لا أم لك ولا شبعت إن لم تشبعك مصر فما عسى أن يكون ~~من أبيك، وإنما أتى معاوية بسيفه إلى ما لا يحصى عددا من سيوف أهل الشام ~~عنده فتستقل له عنده مصر [1]. # وإنما أراد عبد الله منه أن ينصرف عن معاوية. PageV01P271 # وقيل: إن عمرو بن العاص بعد ذلك استزاد معاوية لما سار علي عليه السلام ~~إلى معاوية فقال عمرو لمعاوية: لي مصر ولا بني عبد الله الكوفة. # قال: ذلك لك وله. # قال: والله على ما تقول وكيل. # قال: والله على ما نقول وكيل. # وعلى هذا اتبع عمرو بن العاص معاوية وشايعه وولاه وباعه آخرته بدنياه. # وكان عمرو معروفا بالموجدة على عثمان والرزية عليه مذ عزله عن مصر، فهو ~~كان أسر الناس بما أصابه، فلما صار الأمر إلى علي عليه السلام جاءت العداوة ~~الأصلية والضغائن الجاهلية، وكان سبب عزل عثمان عمرا ms176 عن مصر: أن عبد الله ~~بن سعد بن أبي سرح كان عامله بمصر على الخراج والجزية، فكتب إليه يشتكي ~~عمرا: أنه كسر عليه الجزية وأخرب عليه الأرض، وكان أخا عثمان لأمه ورضيعه، ~~وقد ذكرنا خبره واستنقاذه إياه من رسول الله صلى الله عليه وآله يوم فتح ~~مكة لما أمر بقتله. # وكتب عمرو: أن عبد الله أمسك يده عن عدوه. # فعزل عثمان عمرا وجمع العمالة كلها لعبد الله فوفر المال، فلما دخل إلى ~~عثمان أحضر عمرو بن العاص فقال له: هل علمت يا أبا عبد الله أن اللقاح قد ~~درت من بعدك. # قال: ذلك إنكم أعجفتم أولادها [1]. # ولم يزل عمرو متسخطا على عثمان مذ عزله، وقد ذكرنا عداوة عمرو بن العاص ~~لعنة الله عليه لرسول الله صلى الله عليه وآله وهجاءه إياه، وخروجه إلى أرض ~~الحبشة يستنصر عليه، وأن إسلامه إنما كان استسلاما كإسلام أبي سفيان ~~ومعاوية لما غلب عليه، وهو الذي أشار إلى معاوية برفع المصحف، وحمل علي ~~عليه السلام عليه في يوم من أيام صفين PageV01P272 # فلما علاه بالسيف ورأى أنه قاتله ألقى بنفسه إلى الأرض وكشف سوأته، فغض ~~علي بصره حياء وتكرما وانصرف عنه فنجا، وعيره معاوية بذلك شبيها بالممازح ~~فقال: # أما والله لو كنت أنت لما اهتديت لها. # ولذلك قال علي عليه السلام يوما بالعراق وقد انتهى إليه عن عمرو مقال قال ~~فيه، فضرب بين يديه فقال: «يا عجبا لابن النابغة يزعم لأهل الشام أني ذو ~~دعابة وأني امرؤ تلعابة أعافس وأمارس، لقد قال كذبا، إنما يمنعني من ذلك: ~~ذكر الموت، وقراءة القرآن، وخوف البعث والحساب، وشر القول الكذب، إنه ليقول ~~فيكذب ويعد فيخلف ويسأل فيبخل وينقض العهد ويقطع الآل، فإذا كان يوم البأس ~~فإنه زاجر وآمر ما لم تأخذ السيوف هام الرجال، فإذا كان ذلك ولاهم استه، ~~قبحه الله وترحه» [1]. # وعمرو وهو الذي ألقى الشبهة لأهل الشام في قتل عمار، لأنهم كانوا يروون ~~أن النبي صلى الله عليه وآله قال له: «يا عمار تقتلك الفئة الباغية» [2] ~~فلما ms177 قتله أصحاب معاوية تكلموا في ذلك وفشى القول فيه واغتم معاوية لذلك، ~~فقال لهم عمرو: إنما قتل عمارا علي [لأنه هو] الذي جاء به وألقاه في الحرب ~~وعرض به القتل. فجازت عليهم. # وقد قال علي عليه السلام لما بلغه ذلك: «إن كنت أنا قتلت عمارا فرسول ~~الله صلى الله عليه وآله قتل من استشهد معه من المهاجرين والأنصار! يا لها ~~من عقول ناقصة». # وكان معاوية وعمرو يتفاخران بالمكر ويتعارضان بالدهاء، وقيل: إن رجلا ممن ~~كان مع علي عليه السلام هرب إلى معاوية، فدخل إليه وقد احتفل أهل الشام ~~عنده وعمرو بن العاص بحضرته، فقال معاوية للرجل: من أين أقبلت إلينا؟ PageV01P273 # قال: من عند هذا العي البخيل الجبان. # قال: من هو هذا الذي تعني؟ # قال: علي بن أبي طالب. # فسكت معاوية، فقام عمرو وقال: يا معاوية لا يسرك من يغرك. # فقال معاوية: اجلس يا أبا عبد الله فأنت كما قال الأول: # مهما تسرك من تميم خصلة %~% فلما يسؤك من تميم أكثر # وترك الرجل حتى إذا انصرف من كان في مجلسه من أهل الشام ولم يبق إلا عمرو ~~قال للرجل: ويحك، أما قولك: أن عليا عي، فو الله لو لم يكن بهذه الأمة غير ~~لسان علي لكفاها، وأما قولك: إنه بخيل، فلو أن لعلي بيتين، بيتا من تبن ~~وبيتا من تبر، لأنفق تبره قبل تبنه، وأما قولك: إنه جبان، فهل بلغك أنه ما ~~بارز أحدا إلا قتله، أفإلي تتقرب بالكذب؟ # قال الرجل: فإذا كان كما وصفته فلم قاتلته؟ # فأخذ عمرو يد معاوية وقال: على هذا الخاتم الذي من غلب عليه جازت طينته ~~[1]. # وهذا يشبه قول معاوية لأهل العراق وقد ذكرناه: إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم ~~وقد تأمرت. # وصدق في ذلك وصدق عمرو، أرادا الدنيا فمتعا فيها حتى حين، ومعاوية لم يدع ~~فضلا على علي عليه السلام ولا ساوى نفسه به، فكيف يدعي ذلك له غيره أو ~~يساوي بينه وبينه؟ # وإنما تهيأ له ما تهيأ من مناصبة ما ذكرناه من حيله ومكره، وبأمور تهيأت ms178 ~~له سنذكر ما ينبغي ذكره منها في الباب الذي يلي هذا الباب إن شاء الله ~~تعالى. PageV01P274 ### | ذكر وجوه تهيأت لمعاوية قويت لها أسبابه وكثر لها أتباعه وأصحابه # تهيأ لمعاوية: أنه كان في الشام وهم جهال طغام ما قيل لهم اتبعوه، ومن ~~ملك فيهم أطاعوه، لأن الشام دار مملكة في القديم وبها كان ملوك الروم، فنشأ ~~أهله على ما عرفوه، وعلى ما كان أسلافهم من طاعة الملوك عليه، وأن عليا ~~عليه السلام كان بأرض الحجاز لا يعرف أهله طاعة الملوك عليه ولا يدينون ~~لهم، وكان أصحابه مع ذلك وجوه العرب وأخائر الصحابة من المهاجرين والأنصار، ~~أهل العقول والبصائر والآراء والأنفة والنفوس الأبية، يرى كل واحد منهم ~~الرأي والإمارة ولا القول إلا ما قاله، ولذلك قيل: إن عليا عليه السلام لما ~~أراد المسير إلى معاوية أمر رجلا أن يركب قلوصا ويتهيأ بهيئة السفر ويمضي ~~حتى يأتي حمص- وبها يومئذ معاوية- فيدخل على هيئته تلك المسجد الجامع به، ~~ومن يسأله عن مقدمه أخبره أنه قدم من العراق، فإن سئل عما وراءه أخبرهم أن ~~عليا عليه السلام عزم على غزوهم والمجيء بجميع من معه إليهم، ويرجع إليه ~~بخبرهم. # ففعل ذلك وفشى خبره بحمص وانتهى إلى معاوية، فخرج حتى أتى المسجد فرقى ~~المنبر فاجتمع الناس وحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه ~~وآله ثم قال: أيها الناس إنه قد انتهى إلي خبر لعله اتصل بأكثركم: أن عليا ~~ومن معه عازمون على حربكم والمجيء إليكم فما أنتم قائلون؟ وما أنتم صانعون؟ # فسكتوا عن آخرهم ولم يجبه أحد منهم، فقام رجل من وجوه حمير كان فيهم ~~فقال: أيها الأمير أنت الملك ونحن المملوكون وأنت الأمير ونحن المأمورون، ~~فعليك المقال وعلينا انفعال، كلمة حميرية يجعلون النون مكان اللام يريدون ~~الفعال. # قال: فإني أرى أن تبرزوا بجمعكم من غد إن شاء الله تعالى، ثم نزل. # فلما أصبحوا برزوا عن آخرهم، فأتى الرجل عليا عليه السلام فأخبره بما كان ~~من أمرهم، PageV01P275 # فنادى في الناس فخرج إلى المسجد فرقى المنبر ms179 فحمد الله وأثنى عليه وصلى ~~على النبي صلى الله عليه وآله ثم قال: «أيها الناس إنه انتهى إلي أن معاوية ~~بلغه ما نريده من حربه فبرز بجمعه لذلك وأعد له فما أنتم قائلون؟ وما أنتم ~~صانعون؟» # فقام رجل فقال: يا أمير المؤمنين الرأي في ذلك كذا، وقام آخر فقال كلاما ~~غير ذلك، وقام آخر وآخر، حتى قام خلق كثير واعتكر الكلام وكثر الرأي واختلف ~~القول، ونزل علي عليه السلام وهو يقول: «إنا لله وإنا إليه راجعون أفلتني ~~ابن آكلة الأكباد، وفي طاعة الجند عون للوالي وصلاح للحال». # ومن ذلك: أن عليا عليه السلام لم يكن يداري أحدا في الحق، ولا يرخص له في ~~الحق، ولا يغض له عن واجب يجب عليه، ولا يرخص له في شيء من الباطل يأتيه، ~~ولا يؤثر أحدا على أحد ولا يفضله عليه، وعزل عمال عثمان وانتزع منهم ~~الأموال ورد قطائعه وما استأثر به، وقسم بالسوية، وعدل بين الناس، وكان ذلك ~~سبب نكث من نكث عليه ومحاربة أصحاب الجمل إياه، وقعود من قعد عن نصرته، ~~وتخلف عن الخروج معه في حروبه، والحق ثقيل إلا على من خففه الله عليه. # وكان علي عليه السلام إذا نقم على أحد شيئا لم يداهنه وكاشفه فيه وعنفه ~~عليه وأغلظ القول له، حتى أن الحسن عليه السلام كان إذا سمع ذلك منه لمن ~~يخاف أن يؤثر فيه من وجوه الناس ومن رؤساء العشائر، جلس له حتى يخرج من ~~عنده فيأخذ بيده ويدخله إليه ويخلو به ويتلطف له، ليسل سخيمته ويذهب ما في ~~نفسه مما أسمعه علي فيه، إيثارا لأمر الله وقياما بحقه وتركا لابتغاء النصر ~~إلا من حيث أمر الله به، إذ هو أعلم تبارك وتعالى بخلقه وما يصلحهم من ~~أمره. # وكان معاوية على خلاف ذلك، يسترضي من سخط عليه، ويبذل الدنيا لمن سأل ~~منه، ودينه لمن سامه إياه، ويغضي على الباطل لأتباعه، ويداهن في الحق ~~لأشياعه، ويحلم له إذا نالوا منه، فمال ميلة من آثر الدنيا وقصد قصده، ورفض ~~الآخرة ms180 وأطرحها، ونزع إليه من رؤساء القبائل ووجوه العشائر ورجال العرب من ~~مصر واليمن PageV01P276 # والأعراب من هذه حاله، ومن كل من خاف مطالبة علي عليه السلام فيها اختان ~~به وخباه من عمال عثمان وأتباعهم ومن تسبب بأسبابهم، وعلموا أنه لا يقرب من ~~علي عليه السلام إلا من تعفف وتنزه وتقشف، ورأوا عطايا معاوية لمن نزع ~~إليه، وتوسيعه من الدنيا على من صار إليه وفشى ذلك عنه، وكاتب من صار إليه ~~بذلك من خلفه من أصحابه، ولذلك قال خالد بن المعتمر وقد صار إلى معاوية [1] ~~وكان مع علي عليه السلام لعلي بن هيثم يستدعيه، وكان صاحب له وخلفه مع علي ~~عليه السلام: يا علي انظر لنفسك وعشيرتك، ما تأمر في رجل قد كنت رأيت مقامي ~~عنده، فسألته يوما وقد رأيت ضيق حال ابنيه الحسن والحسين أن يزيد شيئا ~~يسيرا في عطائهما، فأبى من ذلك وتجهم لي فيه وأغلظ القول علي له، فهل ينفعك ~~من لم ينفع ولده. # فلم يكن يصبر مع علي عليه السلام إلا أهل الورع والبصائر، والذين آثروا ~~الصبر على مرارة الحق فيما سر وساء وأسخط وأرضى، وأطرحوا عاجلا أمر الدنيا. # ومن ذلك: أن أنصار علي عليه السلام على معاوية كان أكثرهم أهل العراق، ~~وهم أهل تمييز وفطن وعقول ورأي ونظر وفحص وتأويل، فمن أجل ذلك دخل عليهم ما ~~دخل يوم رفع المصاحف في الحكمين، وعارضوا عليا عليه السلام في كلا الأمرين، ~~وعلى ذلك قبائل العرب وأهل العراق إلى اليوم. # وأصحاب معاوية أتباع دنيا، فمن أصابوها عنده رضوا بها عوضا مما سواها، ~~وعامتهم أهل الشام أبعد الناس أذهانا وأنقصهم عقولا وأقلهم أفهاما، وأطوع ~~الناس لمن ملكهم، وأكثرهم تسليما لمن ولي أمرهم، وأقلهم تمييزا وفحصا، ~~ولذلك عدلوا معاوية بعلي عليه السلام وحاربوه معه. # ومن ذلك: أن أصحاب علي عليه السلام نهكتهم الحرب، وطالت عليهم الشقة، ولم PageV01P277 # يخرجوا من حرب أصحاب الجمل حتى دخلوا في حرب صفين، ولا انصرفوا عن حرب ~~معاوية حتى وقعوا في حرب الخوارج، وكانوا من أهل البصائر فيهم، ms181 فزال منهم ~~صدر بزوالهم. # وأصحاب معاوية على خلاف ذلك، بالقرب من دارهم في حال راحتهم وجمامهم، ~~والامداد تأتيهم، وأهل الطمع في حطام الدنيا والركون إليها يزيدون إليهم. # ومما قوى عزائمهم وزاد عندهم في بصائرهم وحقق ما شبه به معاوية عليهم، ما ~~كان من أصحاب علي عليه السلام إليهم في أول يوم واقفوهم فيه، وذلك مما ~~قدمنا ذكره من حدة أصحاب علي عليه السلام وإقدامهم واستقباحهم الآراء دون ~~إمامهم، من أن أصحاب معاوية نادوهم بما تصافوا وتواقفوا: ادفعوا إلينا قتلة ~~عثمان ونحن لكم سلم، فلم يدعوا الجواب إلى إمامهم فيجيبهم بما تقوم الحجة ~~في ذلك عليهم، ولعل ذلك لو كان لكسر من عزمهم وأبصر الحق كثير منهم، لكنهم ~~نادوهم بأجمعهم في الوقت استخفافا بهم واستهانة بجوابهم: كلنا قتلة عثمان، ~~فرأى القوم أنه قد حل لهم قتالهم وقتلهم، لما زينه معاوية وأصحابه لهم [1]. # وذكرنا فيما تقدم فساد قول معاوية في الطلب بدم عثمان، والواجب في الطلب ~~بذلك لو قد كان. # فبهذه الأسباب وغيرها قويت أمور معاوية وتهيأ له أن قاوم عليا عليه ~~السلام وناصبه، وادعى الأمر معه وحاربه، وإلا فمن أين كانت الأذهان تقع على ~~ذلك والعقول تقبله والأوهام يتوهمه، وبينهما الارتفاع والخفض كمثل ما بين ~~السماء والأرض. PageV01P278 ### | ذكر مناقب مولانا الحسن ومولانا الحسين صلوات الله عليهما ومثالب يزيد ومروان لعنهما الله ### || [مناقب مولانا الحسن ومولانا الحسين صلوات الله عليهما] # الحسن والحسين صلوات الله عليهما ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وأقرب ذريته الطاهرة الزكية إليه، ومناقبهما أكثر من أن يحتوي عليهما هذا ~~الكتاب، ولكنا نذكر منها جملا كما شرطنا في هذا الكتاب، مما هو فيهما ~~ومأثور عند الخاص والعام مشهور. # فمن ذلك: قول رسول الله صلى الله عليه وآله: «الحسن والحسين سيدا شباب ~~أهل الجنة وأبوهما خير منهما» [1]. # ومنه: قوله صلى الله عليه وآله: «الولد ريحانة من الله قسمها بين العباد ~~وأن ريحانتي الحسن والحسين». # ومنه: أنه كان صلى الله عليه وآله يدعوهما ابنيه، ولما ولد الحسن عليه ~~السلام أتى ms182 رسول الله صلى الله عليه وآله بيت فاطمة فقال: «أريني ابني» ~~فأخرجوه إليه فحنكه، وأذن وأقام في أذنه وسماه، وفعل مثل ذلك بالحسين عليه ~~السلام وقال: «سميت ابني هذين الحسن والحسين باسم ابني هارون شبر وشبير» ~~[2]. # وكان يأتيان وهما صغيران ورسول الله صلى الله عليه وآله يصلي، فيدخلان ~~بين رجليه فيفرج لهما حتى يخرجا من الناحية الأخرى، وإذا سجد وثبا على ظهره ~~فيطيل السجود حتى ينزلا أو يؤخذا عن ظهره، يحب بذلك ما سرهما ويكره أن يكسر ~~عليهما أو PageV01P279 # يسوؤهما [1]. # وأنه قال صلى الله عليه وآله: «اللهم إني أحبهما فأحببهما وأحب من أحبهما ~~وابغض من أبغضهما» [2]. # وأنه كان صلى الله عليه وآله إذا سمعهما يبكيان راعه ذلك وأفزعه وأنكر ~~على من هاجهما [3]. # ولعبا ذات يوم بين يديه فجعلا يصطرعان، فجعل يقول للحسن: «إيها حسن». # فقالت فاطمة: «يا رسول الله أتقول للحسن إيها حسن وهو الأكبر، كأنه ~~أحبهما إليك». # فقال صلى الله عليه وآله لها: «ما أحدهما بأحب إلي من الآخر، ولكن هذا ~~جبرئيل يقول إيها حسين» [4]. # وكان النبي صلى الله عليه وآله كثيرا ما يحملهما على عاتقه فيقال له: نعم ~~المطية أنت لهما يا رسول الله. # فيقول: «ونعم الراكبان هما» [5]. # وكان إذا نظر إلى أحدهما عثر أو سقط، قام فزعا وبادر إليه وقال: «إن ~~الولد لفتنة، PageV01P280 # لقد قمت وما أعقل ما أنا فيه» [1]. # وكان يعوذهما فيقول: «أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن ~~كل عين لامة»، ويقول: «هكذا كان إبراهيم عليه السلام يعوذ إسماعيل وإسحاق ~~عليهما السلام» [2]. # وأنه لما احتضر دعا بهما فضمهما إليه وجعل يلثمهما، وأخذ يد كل واحد ~~منهما فجعلهما على وجهه ثم أغمي عليه، فأخذهما علي عليه السلام فنحاهما ~~عنه، فأفاق فردهما وقال لعلي عليه السلام: «دعهما يستمتعان مني وأستمتع ~~منهما، فإنه سيصيبهما بعدي أثرة» [3]. # وأن أم سلمة رحمة الله عليها رأته في منامها ليلة قتل الحسين وعلى رأسه ~~ولحيته تراب، فقالت: ما هذا يا رسول الله؟ # قال: «شهدت قتل الحسين آنفا» [4]. # وسئل رسول الله ms183 صلى الله عليه وآله: من أحب أهل بيتك إليك؟ # قال صلى الله عليه وآله: «الحسن والحسين» [5]. PageV01P281 # وقال صلى الله عليه وآله: «أتاني جبرئيل وقال: يا محمد إن أمتك بعدك تقتل ~~الحسين وإن شئت أريتك التربة التي يقتل عليها، فأراني تربة حمراء» وبكى صلى ~~الله عليه وآله [1]. # وأنه صلى الله عليه وآله نظر إلى الحسن والحسين وإلى أبيهما وأمهما فقال: ~~«أنا سلم لمن سالمتم وأنا حرب لمن حاربتم» [2]. # وأن فاطمة عليها السلام قالت له: «يا رسول الله انحل ابنيك». # قال: «نعم، أما الحسن فقد نحلته هيبتي وحلمي وعلمي، وأما الحسين فقد ~~نحلته جودي ونجدتي» [3] فكانا كذلك صلوات الله عليهما. # وقيل: إن الحسن لم تسمع منه كلمة سوء إلا مرة، فإنه كان بين الحسين وعمرو ~~بن عثمان خصومة في أرض، فذكر ذلك الحسين للحسن صلوات الله عليهما فقال ~~الحسن: «ليس لعمرو عندنا إلا ما يرغم أنفه» [4]، فكانت هذه الكلمة حفظت ~~عنه، وذلك ما نحله رسول الله صلى الله عليه وآله من حلمه. # وأما الحسين: فكان أشجع الناس وأجود الناس، وكان الحسن أشبه الناس برسول ~~الله صلى الله عليه وآله ما بين الرأس إلى الصدر، والحسين أشبه الناس به ~~بما هو أسفل من ذلك [5]. PageV01P282 # وقال صلى الله عليه وآله: «من أحب الحسن والحسين أحببته ومن أحببته أحبه ~~الله، ومن أبغضهما أبغضته ومن أبغضته أبغضه الله، ومن أحبه الله أدخله ~~الجنة ومن أبغضه الله أدخله النار» [1]. # ولما أنزل الله عز وجل: @QUR09 قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى [2] قال الناس: يا رسول الله من قرابتك الذين افترض الله مودتهم؟ # قال صلى الله عليه وآله: «علي وفاطمة والحسن والحسين» يقول ذلك ثلاثا ~~[3]. # ونزلت آية التطهير على رسول الله صلى الله عليه وآله: @QUR010 إنما يريد ~~الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا [4] وهو في بيت أم سلمة مع ~~علي وفاطمة والحسن والحسين، وكانت أم سلمة على باب البيت فقالت: يا رسول ~~الله أنا منكم؟ # قال صلى الله عليه وآله: «أنت على خير، أنت ms184 من أزواج النبي» [5]. # وحج كل واحد من الحسن والحسين صلوات الله عليهما خمس عشرة حجة ماشيا، ~~وشاطر ربه ماله مرتين، فأخرج ذلك في سبيل الله، حتى أنه كان ليعطي نعلا ~~ويمسك نعلا ويعطي خفا ويمسك خفا [6]. # وكان الحسن أسن من الحسين بطهر واحد من الحمل، وبايعهما رسول الله صلى ~~الله عليه وآله PageV01P283 # وهما صغيران، ولم يبايع صغيرا غيرهما من أهل بيته [1]. ### || [وفاة الحسن بن علي] # وكان علي عليه السلام قد عهد إلى الحسن منهما وهو الأكبر، وقام بعده بأمر ~~الناس، وقد تقدم في ذلك خبره وكيف سمه معاوية فمات عليه السلام، وقد فوض ~~الأمر إلى الحسين أخيه وعهد إليه، فقام بالأمر من بعده، وأراد الحسين عليه ~~السلام أن يدفن أخاه الحسن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وكان قد أوصى ~~بذلك، ومات بالمدينة، فقيل ذلك لعائشة وهي يومئذ في البقاع فقالت: ما بقي ~~في البيت إلا مكان قبر كنت رأيت أن أدفن فيه فالحسن أحق به [2]. # وقيل: بل منعت ذلك لما أتاها الخبر، وركبت بغلا واستعدت بني أمية وقالت: # أغلب على بيتي ويدفن فيه بغير أذني، وإنما بقي فيه موضع قبر أعددته ~~لنفسي. # وفيه يقول بعض الشعراء يومئذ: # فيوما على بغل %~% ويوما على جمل # وقال آخر: # أيا بنت أبي بكر %~% ولا كان ولا كنت # تجملت تبغلت %~% ولو شئت تفيلت # لك التسع من الثمن %~% فبالكل تملكت # فقال بنو أمية: لا والله لا يدفن فيه. # وذلك قبل موت الحسن عليه السلام، فانتهى ذلك إليه فقال: «أما إذا كان هذا ~~هكذا PageV01P284 # فادفنوني في المقبرة إلى جنب أمي فاطمة عليها السلام» [1]. # وقبض عليه السلام في شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين، وهو ابن سبع ~~وأربعين سنة [2]. # فقال الحسين عليه السلام: «ما كنت لأدفنه إلا مع رسول الله صلى الله عليه ~~وآله». # وانتهى ذلك إلى سعيد بن العاص وكان يومئذ عاملا على المدينة، وأتاه بنو ~~أمية فقالوا: ما أنت صانع في أمر هؤلاء، يريدون أن يدفنوا حسنا في بيت رسول ~~الله، وقد منعوا منه ms185 عثمان؟ # فقال: ما كنت بالذي أحول بينهم وبين ذلك. # فغضب مروان بن الحكم وكان بالحضرة وقال: إن كنت لا تصنع في هذا شيئا فخل ~~بيني وبينهم. # فقال: أنت وذاك. # فجمع مروان بني أمية وحشمهم ومواليهم، وبلغ ذلك الحسين عليه السلام فجمع ~~أصحابه وأخذوا السلاح وحمل النعش، وخرج الناس ليصلوا عليه وخرج سعيد بن ~~العاص، فدفع الحسين في قفا سعيد وقال: «تقدم فلو لا السنة لما قدمتك». # يعني في ظاهر الأمر والتغلب، ولأن السلطان أو من أقامه السلطان للصلاة ~~إذا حضر الجنازة كان أحق بالصلاة عليها، فصلى عليه سعيد بن العاص [3] ~~وانحاز بنو PageV01P285 # أمية ومواليهم بالسلاح. # وجعل مروان يقول: يا رب هيجاء خير من دعة [1]، أيدفن عثمان بالبقيع ويدفن ~~الحسن مع النبي؟ والله لا يكون ذلك أبدا وأنا أحمل السيف. # فلما صلوا عليه قام عبد الله بن جعفر فأخذ بمقدم السرير ومضى به نحو ~~البقيع، فقال الحسين: «إلى أين يا عبد الله؟» # قال: عزمت عليك يا أبا عبد الله أن تلقي شرا، اقض حاجتي. PageV01P286 # وجعل يسأله ويذكر له وصية الحسن في أن لا يهاج في ذلك شر، وأن يدفن ~~بالبقيع إلى جانب أمه، ولم يزل به حتى أجابه إلى ذلك وافترقوا. # وانتهى الأمر إلى معاوية أن الحسن أوصى أن يدفن مع رسول الله صلى الله ~~عليه وآله فقال: إن صدق ظني بمروان بن الحكم فإنه سيمنع من ذلك، وجعل يقول: ~~إيها مروان أنت لها. # فلما جاءه الخبر سر بما بلغه من ذلك، وأثنى على مروان- لعنة الله- خيرا ~~[1]. ### || [خروج الحسين عليه السلام ومقتله] # وقام الحسين عليه السلام بالإمامة ودعى إلى نفسه واعتقد المؤمنون إمامته، ~~ومات معاوية لعنة الله وقام ابنه يزيد لعنه الله مقامه، وبلغته أخبار ~~الحسين، فتواعده وبلغ ذلك الحسين عليه السلام وبلغته فساد يزيد بالعراق، ~~فخرج من المدينة بأهله وولده ومن خف معه من أهل بيته وبدأ بالحج فحج، فلما ~~قضى حجه توجه إلى العراق لقيه ابن الزبير فقال له: يا أبا عبد الله إنك ~~مطلوب، فلو أقمت بمكة فكنت أحد ms186 حمام هذا البيت، واستجرت بحرم الله. # فقال: «ليمنعني من ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وآله: إنه سيستحل هذا ~~الحرام من أجلي رجل من قريش. والله لا أكون أنا ذلك الرجل صنع الله بي ما ~~هو صانع» وخرج يريد العراق، فلما مر بباب المسجد الحرام تمثل وقال: # لا ذعرت السوام في فلق الصبح %~% مغيرا ولا دعيت يزيدا # يوم أعطى مخافة الموت ضيما %~% والمنايا يرصدنني أن أحيدا [2] # وسار يريد العراق وبلغ يزيد سيره، وقيل له: إن صار إلى العراق قام معه ~~أكثر أهله، وكان مسلم بن عقيل بن أبي طالب قد قام بالكوفة بدعوة الحسين ~~عليه السلام وأجابه أهلها، PageV01P287 # وبلغ ذلك عامل يزيد عليها وهو النعمان بن بشير الأنصاري، فقال: ابن بنت ~~رسول الله صلى الله عليه وآله أحب إلينا من ابن بنت بجدل، يعني يزيد لعنه ~~الله. # فعزله يزيد لعنه الله وولى عبيد الله بن زياد لعنه الله، فقبض على مسلم ~~ورفعه إلى أعلى القصر فضرب عنقه والناس ينظرون إليه وصلبه على الكناسة، ~~فلما انتهى خروج الحسين عليه السلام من مكة إلى يزيد لعنه الله أرسل إلى ~~عبيد الله بن زياد وقال له: # عليك بالحسين بن علي لا يفوتن، بادره قبل أن يصل إلى العراق. # فأرسل إليه عبيد الله بن زياد الحر بن يزيد الحنظلي في عسكر فلقيه ~~بكربلاء فواقفه وتهيب الحر قتاله، فاتبعه عبيد الله بعمر بن سعد في عسكر ~~ضخم، فقطع عليه بالطف من كربلاء، فلما رآهم الحسين وأيقن أنهم قاتلوه، قام ~~في أصحابه خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: # «قد ترون ما نزل من الأمر وأن الدنيا قد تغيرت وتنكرت، وأدبر معروفها ~~واستمرت، حتى لم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، وإلا خسيس عيش كالمرعى ~~الوبيل، ألا ترون أن الحق لا يعمل به وأن الباطل لا يتناهى عنه، فليرغب ~~المؤمنون في لقاء الله، فإني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين ~~إلا برما». # وقتل صلوات الله عليه بالطف يوم عاشوراء سنة إحدى وستين، وهو ms187 ابن ست ~~وخمسين سنة، وقيل: هو ابن ثمان وخمسين سنة. # قتله سنان بن أنس النخعي، وأجهز عليه خولي بن يزيد الأصبحي من حمير، ~~وأجتز رأسه وأتى به عبيد الله بن زياد وهو يقول: # أوقر ركابي فضة وذهبا %~% إني قتلت الملك المحجبا # قتلت خير الناس أما وأبا [1] PageV01P288 # وأقامت بعد مقتله أفق السماء محمرة أربعين يوما، وقيل: إنه لم يبق ممن ~~شهد مقتل الحسين صلوات الله عليه إلا قتل أو أصابه بلاء [1]. # وروي أن رجلا أتى إلى السدي فقال له: إني كنت فيمن شهد قتل الحسين، والله ~~ما رميت بسهم ولا طعنت برمح ولا ضربت بسيف، وإني رأيت في المنام كأن ~~القيامة قد قامت وكأن الناس قد حشروا، فمررت برسول الله صلى الله عليه وآله ~~فقال: «أنت ممن شهد قتل الحسين». # فقلت: نعم، ولكني والله يا رسول الله ما أعنت عليه ولا على أحد ممن معه، ~~وما طعنت برمح ولا ضربت بسيف ولا رميت بسهم. # قال: فبخص بإصبعيه في عيني، فأصبحت كما ترى أعمى. # فقال له السدي: ترو من الماء البارد [2]. # وقال عبد الرزاق: سمعت رجلا من الأنصار يحدث معمرا قال: كنت بمنى يوم ~~عاشوراء، فلما أمسيت قمت من الليل فسمعت صوت امرأة على كبكب جبل مما يلي ~~المسجد الحرام، وذلك في جوف الليل وقد هدأ كل جرين، وهي تقول وتمد صوتها ~~كالنياحة: أبك أبكي حسينا أيما. # فأجابتها أخرى من ثبير كذاك تقول: أبك ابكي ابن الرسول أيما. # قال الرجل: فراعني ما سمعت وكتبت ذلك اليوم، فاذا هو اليوم الذي أصيب فيه ~~الحسين صلوات الله عليه. PageV01P289 # وقالت أم سلمة: ما سمعت نوح الجن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~حتى كانت الليلة التي قتل فيها الحسين عليه السلام- في اليوم الذي قبلها- ~~سمعت في جوف الليل قائلة تقول: # ألا يا عين فاحتفلي بجهد %~% ومن يبكي على الشهداء بعدي # على رهط تقودهم المنايا %~% إلى متجبر ملك عنيد [1] # وروى عبد الله بن مسلم المتلالي عن أبيه عن جده قال: سمعت نوح الجن على ~~الحسين ms188 عليه السلام وقائلة تقول في جوف الليل: # أبك ابن فاطمة الذي %~% من موته شاب الشعر # ولقتله زلزلتم %~% ولقتله كسف القمر [2] # وروي عن ابن جرثومة الكلبي قال: لما قتل الحسين عليه السلام سمعت من ~~الليل قائلا يقول: # أيها القاتلون جهلا حسينا %~% أبشروا بالعذاب والتنكيل # كل أهل السماء يدعو عليكم %~% من نبي ومالك وقتيل # قد لعنتم على لسان ابن داود %~% وموسى وصاحب الإنجيل [3] # ولما بلغ زيد بن أرقم قتل الحسين بن علي عليه السلام قال: فعلوها، أشهد ~~لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول للحسن والحسين: «اللهم إني ~~استودعك إياهما واستودعهما صالح المؤمنين». PageV01P290 # ثم دخل على عبيد الله بن زياد لعنه الله فأجلسه معه على سريره، ثم أتى ~~برأس الحسين عليه السلام فوضع بين يديه، فجعل ينكت ثناياه بقضيب كان في ~~يده، فقال له زيد: # نح قضيبك، فإني أراك تضعه موضعا طالما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله ~~يضع فاه عليه يقبله، ثم وثب عن سريره وألصق جبينه بالأرض وقال: اللهم أشهد ~~لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وقد وضع يده على هذا الرأس وهو ~~يقول: «اللهم إني أستودعك وصالح المؤمنين» فما حفظتم والله وديعة رسول الله ~~صلى الله عليه وآله، وخرج. # فقال له عبيد الله بن زياد: أنت شيخ قد خرفت [1]. # وبعث عبيد الله بن زياد برأس الحسين عليه السلام ورءوس من أصيب معه من ~~ولده وأهل بيته، ووجه بنسائهم إلى يزيد بن معاوية لعنه الله، وسنذكر بعد ~~هذا بقية أخبارهم في موضعها إن شاء الله تعالى. ### || [مثالب يزيد بن معاوية] ### || [يزيد بن معاوية] # فأما يزيد بن معاوية فقد ذكرنا لعن رسول الله صلى الله عليه وآله إياه مع ~~أبيه وجده وكفاه بذلك خزيه، ومن لعنه رسول الله صلى الله عليه وآله فقد ~~لعنه الله، ومن لعنه الله أصلاه جهنم وساءت مصيرا، وفي هذا ما يكتفى به من ~~ذكر مثالبه ونقصه ومعايبه، وكان مع ذلك من سوء الحال على ما لا يشك فيه ولا ~~يدفع عنه، ms189 وعلى ما كان عليه أبوه وجده من إظهار الإسلام واعتقاد الكفر، ~~وذكر رسول الله صلى الله عليه وآله يوما عنده فقال: # تلاعب بالبرية هاشمي %~% بلا وحي أتاه ولا كتاب [2] # تكذيبا منه لعنه الله لرسول الله صلى الله عليه وآله. PageV01P291 # ولما عهد إليه معاوية في حياته أنكر الناس ذلك عليه إنكارا شديدا، وقال ~~بعض الصحابة: جعلها معاوية هرقلية [1]. # وقال الحسين بن علي عليه السلام فيه: «ولي يزيد رقاب المسلمين وهو غلام ~~يشرب الشراب ويلعب بالكلاب» في كلام ذكره في معاوية طويل [2]. # وقيل: إن الحسين عليه السلام اجتمع مع عبد الله بن جعفر عند معاوية، فخرج ~~بخروجه فقال له ابن جعفر: يا ابن رسول الله إن لي إلى يزيد حاجة فلو وقفت ~~معي إليه. # قال: «نعم». # فأتياه فأصاباه يشرب الخمر وعنده مسلم بن عمرو الباهلي يغنيه، وكان يضرب ~~بالطنبور. # وقيل: إنه أول من تغنى بالشراب. # [وروي أنه لما حج الناس في خلافة معاوية، جلس يزيد بالمدينة على شراب، ~~فاستأذن عليه ابن عباس والحسين بن علي] [3] فأذن لهما وهو على حاله، فلما ~~رآه الحسين عليه السلام تعاظم أمره # فقال يزيد للساقي: اسقهما. # فنظر الحسين عليه السلام نظرا منكرا وأمسك الساقي هيبة له. # فقال يزيد لمسلم: يا مسلم غنني: # ألا يا صاح للعجب %~% دعونا فلم يجب # إلى القينات واللذات %~% والشهوات والطرب PageV01P292 # وباطية مكللة %~% عليها سادة العرب # وفيهن التي تبلت %~% فؤادك ثم لم تثب # وكان معاوية قد عهد إلى يزيد، فقال الحسين: «أعطي الله عهدا لئن خلص ~~الأمر إليك وأنا في الحياة لا أعطيتك إلا السيوف بعد أن شهدت عليك بهذا ~~المشهد» وقام، فخرج معه عبد الله بن جعفر. # فقال يزيد لمسلم وهما موليان غنني فغنى: # تحمل أهلها عنها فبانوا %~% على آثار من ذهب العفاء # فقال الحسين عليه السلام: «بل عليك يا ملعون» [1]. # ولم تكن ليزيد فضيلة يستحق بها الخلافة عند خاص ولا عام، وكانت ولايته ~~ثلاث سنين قتل فيها الحسين عليه السلام، وتلك خطيئة من خطاياه ملأت ما بين ~~السماء والأرض، ولم يرضها أحد ms190 من المسلمين ولا ممن يدين بدين الله، ولا شك ~~أحد من المسلمين في أن من قتل الحسين أو أعان عليه من أهل النار [2] خلا ~~طائفة زعمت أن PageV01P293 # الحسين خرج إلى يزيد ورأوا أن يزيد كان إماما، وهذا من قولهم يدل على ~~استحلال دم الحسين عليه السلام، فهم في جملة قاتليه، لعن الله منتحلي ذلك ~~وقائليه. # وقد ذكرنا قول رسول الله صلى الله عليه وآله لعلي وفاطمة والحسن والحسين ~~صلوات الله عليهم: «أنا سلم لمن سالمتم وحرب لمن حاربتم» فهؤلاء حزب الله ~~ورسوله ومن تولاهم فهو منهم، لقول الله جل من قائل: @QUR011 ومن يتولهم ~~منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين [1]. # وقد ذكرنا قول رسول الله صلى الله عليه وآله في الحسن والحسين: «من ~~أبغضهما أبغضته ومن أبغضته أبغضه الله ومن أبغضه الله أصلاه جهنم وساءت ~~مصيرا» فأوجب النار في بغضهما فكيف بقتلهما؟ # وكانت أيام يزيد اللعين كلها ظلما وفتنة، وبعد أن قتل الحسين وقتل من معه ~~من أهل بيته وبنيه، وسيق إليه حرمه وأطفاله سبايا على أقتاب الجمال يسار ~~بهم على أعين الرجال، وهم ذراري رسول الله صلى الله عليه وآله وحرمه وأهل ~~بيته وعترته، وفعل ما فعل بهم وبه، قيل له: إن ابن الزبير يريدك. PageV01P294 # فجهز الجيوش وبعث بها إليه مع مسلم بن عقبة إلى مدينة النبي صلى الله ~~عليه وآله وهو حرمه الذي حرمه كما حرم إبراهيم مكة، ولعن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله من أحدث في المدينة حدثا، فقتل أهلها وأباحها ثلاثة أيام ~~يقتل فيها الرجال ويسبي النساء وينتهب الأموال، ثم سار إلى مكة فمات بطريق ~~مكة [1] وولي يزيد الحصين [2] مكانه فانتهى إلى مكة فأباحها، وأضرم النار ~~في أستار الكعبة فاحترقت واحترق سقفها وسقط جدارها، وهي حرم الله الذي حظره ~~وحرمه وعظمه، ولم يتقدم عليه المشركون ولا أهل الجاهلية في جاهليتهم تعظيما ~~له ولحرمته. # وأظهر يزيد في أيامه شرب الخمر والمعازف وأباح المحارم وعطل الأحكام، PageV01P295 # وعيوبه ومثالبه أكثر من أن تحصى، وما علمنا أن ms191 أحدا ادعى له فضلا فيدخل ~~فينا ويحتج بمعايبه عليه، والذين زعموا أنه إمام لا ينكرون سوء حاله، ~~ولكنهم يزعمون: # أن الفاجر يكون إماما. # وهذا رد لقول رسول الله صلى الله عليه وآله لأنه يقول: «يؤمكم أفضلكم ~~وإمام القوم وافدهم إلى الله» [1] ويزيد على هذا أفضل من هؤلاء الذين ~~ائتموا به على سوء حاله، وهو وافدهم وقائدهم إلى نار الله وغضبه ولعنته ~~بتوليهم إياه، وهو من الأئمة الذين ذكر الله عز وجل أنهم يدعون إلى النار. ### || [مروان بن الحكم] # وأما مروان بن الحكم: فقد ذكرنا فيما تقدم أنه جزء من لعنة الله، وأن ~~رسول الله صلى الله عليه وآله لعن أباه وهو في صلبه، وأنه لما ولد أتي به ~~رسول الله صلى الله عليه وآله يحنكه كما كان يفعل بأبناء المسلمين، فلم ~~يفعل ورده محروما من خيره وقال: «أتوني بأزرقهم» [2]. # وذكرنا مباينته للحسن والحسين عليهما السلام وما كان من منعه أن يدفن ~~الحسن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وانتصابه لحرب الحسين عليه السلام ~~في ذلك، فدخل في جملة حرب الله ورسوله، لقوله صلى الله عليه وآله للحسن ~~والحسين صلوات الله عليهما: «أنا سلم لمن سالمتم وحرب لمن حاربتم» [3] ~~وفيمن أوجب له النار في بغضهما لقوله صلى الله عليه وآله: «من أبغضهما ~~أبغضته ومن أبغضته أبغضه الله ومن أبغضه الله أصلاه جهنم وساءت مصيرا» [4]، ~~فمروان PageV01P296 # على هذا من أهل هذه الطبقة الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وصاروا إلى نار الله. # ولما أتي برأس الحسين عليه السلام إلى عمرو بن سعيد وهو عامل يزيد على ~~المدينة، وكان يزيد أرسله إليه وعنده بنو أمية مجتمعون، سمعوا صياح نسوة ~~فقال عمرو بن سعيد: ما هذا؟ # قيل: نساء بني هاشم يبكين لما رأين رأس الحسين. # فقال مروان لعنة الله عليه متمثلا وكان فيمن حضر: # عجت نساء بني زياد عجة %~% كعجيج نسوتنا غداة الأرنب [1] # يعني اللعين: أن هؤلاء عججن كعجيج نسوة قريش بمصاب أهل بدر، فاستفز ~~اللعين الفرح إلى أن أبدى ضغنه ms192 وأظهر مسره، وهذه ذحول بني أمية التي طالبوا ~~بها رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته صلى الله عليهم ونالوا بها ما ~~نالوه منهم، فقال عمرو بن سعيد: والله لوددت أن أمير المؤمنين لم يكن بعث ~~برأس الحسين إلي. # فقال له مروان: اسكت لا سكت فليس كما قلت، ولكن كما قال الأول: # ضربوا رأس شريف ضربة %~% أثبتت أوتاد ملك فاستقر # ثم قال لحامل الرأس: هاته. # فناوله إياه فأخذه بيده فجعل يقول: # يا حبذا بردك في اليدين %~% ولونك الأحمر في الخدين [2] # فهذه العداوة الأصلية والطلب القديم بثار الجاهلية، لم يستطع مروان ~~اللعين PageV01P297 # سترها، ولم يتمالك أن أبدى ما في ضميره من حقدها، لنفي رسول الله صلى ~~الله عليه وآله إياه ولعنته إياه، ولو وجد سبيلا إلى إظهار الكفر لأظهره أو ~~إلى تكذيب رسول الله صلى الله عليه وآله لما ستره، وقد ذكرنا من عداوته ~~لرسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته ما أبداه من منع الحسن أن يدفن مع ~~رسول الله صلى الله عليه وآله، وقبل ذلك ما أشار على معاوية وقد صار إلى ~~الكوفة أن ينبش قبر علي عليه السلام، فجعل معاوية يسأل عن مكان قبر علي ~~عليه السلام وقد كان الحسن أخفاه خوفا عليه، فأتى معاوية رجل من أهل الكوفة ~~فقال: أنا أدلك على قبر علي. # فقال لمروان: ما تقول؟ # فقال متمثلا: # أجنوا أخاهم في الحفير ووسدوا %~% أخاهم فألقوا عامرا لم يوسد # وحرضه على نبش قبر علي عليه السلام، فقال معاوية لعنه الله لعبد الله بن ~~عامر بن كريز: # ما تقول؟ # فقال: ما أحب أن تعلم مكان قبره ولا تسأل عنه، ولا أحب أن تكون هذه ~~العقوبة بيننا وبين قومنا. # فقبل معاوية من عبد الله ما أشار به عليه وأعرض عن ذلك. # هذا وقد كان علي عليه السلام أسر مروان هذا يوم الجمل، وأشار عليه أصحابه ~~بقتله لما يعلمون من سوء حاله، فمن عليه علي عليه السلام وأطلقه، فما حفظ ~~ذلك الامتنان ولا رعى ذلك الإحسان، بل ms193 زاده عداوة لخساسة نفسه ولؤم أصله. # وجعل يزيد الأمر من بعده لابنه معاوية، فلما مات يزيد ولى معاوية بعده ~~فقيل: # إنه تحرج منها وعلم اغتصاب أبيه وجده إياها، وأراد أن يسلمها إلى أهلها، ~~فعمل عليه مروان وبنو أمية فسم. # وقيل: بل قتل، وقيل: بل طعن. # وذلك بعد وفاة أبيه يزيد بأربعين يوما، وقيل: بل عشرين يوما. # وزعم الذين قالوا: إنه تحرج من الخلافة وخرج منها، أنه أمر فنودي في ~~الناس PageV01P298 # الصلاة جامعة، فاختلفوا في المسجد، فخطبهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ~~أما بعد، فقد نظرت في أمركم فضعفت عنه، فابتغيت رجلا لكم مثل عمر بن الخطاب ~~حين فزع إليه أبو بكر فلم أجده، فابتغيت لكم ستة في الشورى مثل ستة عمر فلم ~~أجدهم، فأنتم أولى بأمركم فاختاروا له من أحببتم. # ثم نزل فدخل منزله فلم يخرج إلى الناس حتى مات، فقيل: دس إليه سم فسقاه ~~ومات، وقيل: بل طعن. وكانت أيام طاعون فمات، وكان يكنى أبا ليلى، وفيه يقول ~~الشاعر: # إني أرى فتنة تغلي مراجلها %~% فالملك بعد أبي ليلى لمن غلبا [1] ### || [خلافة مروان بن الحكم] # واضطرب أمر بني أمية، وكان ابن الزبير قد غلب على مكة والمدينة ومصر ~~والعراق ونفى من هنالك من بني أمية إلى الشام، فاجتمعوا هناك ودعى أكثر أهل ~~الشام إلى ابن الزبير، وأخذ مروان ابن الحكم في المسير إليه ليبايعه وخافه ~~بنو أمية، فأجمعوا على أن يقدموا خالد بن يزيد وهو يومئذ غلام حدث، إلا أنه ~~كان ذا بلاغة وجزالة، واجتمع نفر من بني أمية بالجابية [2] وتفاوضوا في ~~ذلك، واجتمع أهل الجابية في المسجد الجامع بها بعد أن تواعدوا للاجتماع ~~ليقيموا رجلا يبايعونه، وكان رأي من حضر يومئذ من بني أمية البيعة لخالد بن ~~يزيد وكان صغيرا وقالوا: ننظر في رجل منا يلي عليه ويكفله إلى أن يدرك. # فدس مروان من يذكره لذلك وقال: أين لهذا الأمر مثل مروان. PageV01P299 # ومشوا له في ذلك ليلا إلى جماعة، وعاقده عمرو بن سعيد بن العاص على أن ~~يسعى ms194 له في ذلك، وأن يجعل الأمر له من بعده وكان يومئذ أسنهم، ثم اجتمعوا ~~من غد في جماعة الناس فتفاوضوا في ذلك، فقام عمرو بن سعيد فقال: من لهذا ~~الأمر مثل مروان شيخ بني أمية اليوم، لقد شاب حتى شابت ذراعاه. # فلم يجد له فضلا يومئذ يذكره غير ذلك، وقد كان مثله من شيوخ السوء كثير ~~أسن منه يومئذ، فقام كل من عوقد على ذلك من الليل فقالوا: نعم هو أهل لذلك، ~~حتى كثر القول فيه فقال بعض من شهد: هذا أمر مشى فيه بليل. # وولوه فتزوج بأم خالد ليضعه ويصغر شأنه، وكان إذا احتفل الناس عنده ورآه ~~أزرى به وعابه، ثم لما تمكن أمره عهد إلى ابنه عبد الملك فوجدت لذلك أم ~~خالد، ودخل إليه خالد يوما وعنده جماعة فقال له: يا ابن الرطبة. # كنحو ما كان يصغر إليه نفسه ويرى ذلك من شهده، ليضع عندهم منه فأخبر خالد ~~بذلك أمه، فنقمته عليه وأتته وهو نائم فألقت على وجهه وسادة وقعدت عليه حتى ~~مات، فهو يعد فيمن قتلته النساء، وكان الذي ولى له السعي في أمره وألف من ~~ألف من الناس له عمرو بن سعيد بن العاص، على أن شرط عليه وعاهده أن يجعل ~~الأمر من بعده له، وذلك بعد أن قام عبيد الله بن زياد بالبصرة يطلبها ~~لنفسه، وقدم أهل الشام الوليد بن عتبة بن أبي سفيان فعمل فقتل. # وقيل: إنه طعن كما قيل في معاوية بن يزيد، ثم أرادوا أن يقدموا عثمان بن ~~عتبة، فامتنع وقام ابن الزبير وملك مكة والحجاز والبصرة والكوفة واليمن ~~وخراسان، واضطرب أمر بني أمية فلم يزل عمرو بن سعيد يحتال لمروان لما عاقده ~~عليه، حتى ولي فنقض عهده وولى ابنه من بعده. # وقتل عبد الملك عمرو بن سعيد لما صار الأمر إليه بعد أبيه، من بعد أن ~~أبلى مع مروان حتى استقام له الأمر، وكان مروان بن الحكم خال عمرو بن سعيد، ~~وكانت أم PageV01P300 # عمرو أم البنين بنت الحكم [1]. # ونازع مروان الضحاك ms195 بن قيس الفهري، وكان قد استولى على عمل دمشق وخرج في ~~عسكر معه لحرب مروان، فخالفه عمرو بن سعيد إلى دمشق ولقيه مروان فهزمه ~~وقتله، وفي ذلك يقول مروان: # لما رأيت الأمر أمرا صعبا %~% دعوت غسان له وكلبا # والسكسكين رجالا غلبا %~% بالاعوجيات يثبن وثبا # لا يأخذون الملك إلا غصبا [2] # فاغتصب مروان أمر الإمامة كما ذكر، وعبث فيها وبطر، ولما قتل عبد الملك ~~عمرو بن سعيد فهو ابن عمته أم البنين بنت الحكم، وكان سبب قتله إياه قيامه ~~بأبيه وما جعل له على نفسه أن يوليه بعده، فخافه عبد الملك فقتله بيده، ~~وذلك أنه دخل إليه في جماعة من مواليه فأظهر أن له معه سرا فخلا به، وقد ~~أعد جامعة فرماها في عنقه وشده وقال لبنيه ومواليه: شأنكم به فاقتلوه. # وخرج إلى المسجد ليصلي، فلما صلى ركعتين خاف أن يقتلهم، فوضع يده على ~~أنفه يوهم المصلين أنه رعف، وقدم رجلا مكانه ورجع فأصابهم لم يقتلوه فقتله، ~~وعلم أهله ومواليه فثاروا وثار الناس معهم عليه، ففتح لهم بيت المال ~~فانتهبوه واستغلوا بذلك منه إلى أن تفرقوا، فقتل كل من كان قد قام عليه ~~بالحيل، حتى أباد كل من يخاف منه جانبه، وأسرف في القتل [3]. PageV01P301 # فمن ذاك قيل: إنه هو الذي وطد أمر بني أمية ولم يكن من تقدمه يفعل مثل ~~ذلك، وكانوا يصفحون عمن انصرف إليهم ممن كان خالفهم، وقليل من قتلوه ممن ~~كان يأتيهم. # وكان مروان اللعين يسب عليا صلوات الله عليه على المنبر وينال منه [1]. # وقيل: إنه أتى سعد بن أبي وقاص لما حضرت سعد الوفاة، فاستأذن عليه فلم ~~يأذن له فقال له بنوه: إنك إن فعلت خفناه على أنفسنا بعدك. # فلما دخل عليه قال: يا أبا إسحاق أتوصي بشيء لك حاجة؟ # قال سعد: أجلسوني. # فأجلسوه فقال: لو لا كلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وآله ما ~~ذكرت لك شيئا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: «إن من حق المسلم ~~على أخيه أن ينصح له» [2] وأني ms196 أنهاك عن سب علي بن أبي طالب. # فسكت مروان لعنه الله ثم نهض ليقوم، فوضع سعد عليه يده وقال: اجلس فليس ~~هذا حين القيام، وجعل يحدثه عما سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله من ~~فضائله، وعما شهده من مناقبه، ومروان يتفلت ويريد القيام، وسعد يكف بيده ~~ويقول: اجلس، ومروان يتلون، حتى إذا أكثر من ذلك عارضه بنوه وقطعوا عليه، ~~وقام مروان لعنه الله يجر رجليه وقد أربد وجهه وتغير. # وتغلب على أمر الناس بلا سبب يوجب ذلك ولا نسب ولا عهد إليه ولا اتفاق ~~ممن تراضى عليه، خلا من صانعه من أهل الجابية ممن لا يجوز بعقدهم على ملي ~~ولا ذمي عقد بيع بدانق لو عقدوه ولا غرم فلس لو أوجبوه. # وقد ذكرنا فيما تقدم فساد عقد الجماعة على غيرهم لو كانوا ممن يرتضى، PageV01P302 # وكيف ممن لا خلاق له فيما مضى؟ وكفى بهذا على قوم هذا أصل دعواهم، وبه ~~استحقوا الفضل بزعمهم على من سواهم أبناء لعنة الله وذرية أعداء رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وأغصان الشجرة الملعونة في كتابه. # وعاش بعد أن ولي تسعة أشهر [1]، وقيل: عشرة أشهر غير ثلاثة أيام [2]. # ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة [3]، وقيل: ابن إحدى وستين سنة [4]. PageV01P303 PageV01P304 ### | ذكر مناقب علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام ومثالب عبد الملك بن مروان لعنة الله عليه وعلى آبائه وأبنائه. ### || [مع أحزان كربلاء] # وولد الحسين صلى الله عليه: عليان الأكبر والأصغر، فأما علي الأكبر فقيل: ~~إنه قتل معه بالطف، وأمه ليلى بنت أبي مرة وأمها ميمونة بنت أبي سفيان [1]. # ولما تواقف أصحاب الحسين عليه السلام وأصحاب عمر بن سعد بالطف قال لهم ~~الحسين عليه السلام: «ما تريدون منا؟» # قالوا: نريد قتالك. # قال: «ولم؟» # قالوا: لأنك جئت لتفسد أهل هذا المصر- يعنون الكوفة- على أمير المؤمنين، ~~يعني يزيد اللعين. # قال: «ما جئت لذلك». # قالوا: بلى، وانتهى إلى أمير المؤمنين أن قوما منهم كاتبوك على ما ~~يبايعونك. # وقيل: إن ذلك افتعل عليهم. # قال: «فإن كان ذلك فأنا أنصرف ms197 إلى المدينة». # فكتبوا إلى عبيد الله بن زياد بقوله فقال: الآن لما علقته أيدينا ندعه؟ ~~لا والله إلا أن PageV01P305 # يأتي إلي على حكمي فأنفذ فيه ما رأيته. # فقالوا له ذلك فقال: «فأنا أمضي إلى يزيد حتى أضع يدي في يده» فأبوا ~~عليه. # وكان الحر بن يزيد الحنظلي قد جاء قبل عمر بن سعد في عسكر، فواقف الحسين ~~ثم لحق به عمر بن سعد في عسكر آخر، فقال الحر لعمر بن سعد: والله لو سألنا ~~مثل هذا الترك والديلم لما وسعنا قتالهم، أقبلوا ذلك منه. # قال عمر: قد أمرنا الأمير- يعني عبيد الله بن زياد- بأمر لا نخالفه. # فضرب الحر وجه فرسه إلى الحسين عليه السلام وكان معه حتى قتل مع أصحابه، ~~ولما تواقفوا للقتال نادى رجل من أهل الشام علي بن الحسين الأكبر، فقال له: ~~إن لك قرابة من أمير المؤمنين- يعني يزيد اللعين، يريد أن ميمونة بنت أبي ~~سفيان جدته لأمه- فإن شئت آمناك وصرت إلينا. # فقال علي: قرابة رسول الله صلى الله عليه وآله أحق أن ترعى، ثم شد عليهم ~~وهو يقول: # أنا علي بن الحسين بن علي %~% أنا وبيت الله أولى بالنبي # أضربهم بالسيف أحمي عن أبي %~% تالله لا يحكم فينا ابن الدعي # فلم يزل يجلي فيهم ويضرب ثم يرجع إلى أبيه فيقول: يا أبت العطش. # فيقول له: «اصبر حبيبي فلعلك لا تمسي حتى يسقيك رسول الله صلى الله عليه ~~وآله» حتى رمي بسهم فوقع في حلقه. # ويقال: بل حمل عليه مرة بن منقذ بن النعمان بن عبد القيس لعنه الله فطعنه ~~فأنفذه فانصرف، فأخذه الحسين صلوات الله عليه فضمه إليه فجعل يقول له: يا ~~أبت هذا رسول الله صلى الله عليه وآله يقول لك: عجل القدوم إلينا، فلم يزل ~~كذلك على صدره حتى مات. # فقال عليه السلام وقد نظر إليه ميتا: «على الدنيا بعدك العفا» [1]. PageV01P306 # ثم دعى عليا الأصغر فعهد إليه، وكان يومئذ معه عليلا قد نهكته العلة، وهو ~~يومئذ ابن ثلاث وعشرين، هذا هو المتعارف عند الناس. # وقال أهل ms198 العلم والخبرة بذلك: علي الأصغر هو الباقي منهما، وهو كان ولي ~~عهد الحسين صلوات الله عليه في حياته والإمام بعد وفاته، والأكبر هو ~~المقتول [1]. # وقيل: إنه قتل يومئذ وفي أذنه شنف [2]. # فلما قتل الحسين وأصحابه أتي بعلي بن الحسين وهو لما به من العلة إلى عمر ~~بن سعد، فلما رأى ما به تركه وأمر أن لا يعرض له. # قال علي بن الحسين: «فلما تركني عمر بن سعد لعنه الله بقيت مطروحا لما ~~بي، وأتاني رجل من أهل الشام فاحتملني ومضى بي وهو يبكي وقال لي: يا ابن ~~رسول الله إني أخاف عليك فكن عندي، ومضى بي إلى منزله، فأكرم نزلي وكان ~~يبكي كلما دخل وكلما خرج ونظر إلي، فكنت أقول في نفسي: إن يكن أحد عنده خير ~~من هؤلاء القوم فهذا الرجل. # فلما صرنا إلى عبيد الله بن زياد سئل عني فقيل: قد ترك، وطلبت فلم أوجد، ~~فنادى مناديه: ألا من وجد علي بن الحسين فليأت به وله ثلاثمائة درهم، فدخل ~~علي الرجل وهو يبكي وجعل يربط يدي إلى عنقي ويقول: أخاف على نفسي يا ابن ~~رسول الله إن سترتك عنهم أن يقتلني، وأخرجني فدفعني إليهم مربوطا وأخذ ~~ثلاثمائة درهم، وأنا أنظر إليه». PageV01P307 # ومضى بعلي بن الحسين صلوات الله عليه إلى عبيد الله بن زياد، فلما صار ~~بين يديه قال له: من أنت؟ # قال: «أنا علي بن الحسين». # قال: أو لم يقتل الله عليا؟ # قال: «كان علي الأكبر أخي وقد قتله الناس». # فقال عبيد الله: بل قتله الله. # قال علي: «الله يتوفى الأنفس حين موتها». # فأمر عبيد الله بن زياد بقتله، فصاحت زينب بنت علي عليه السلام: يا ابن ~~زياد حسبك من دمائنا، أنشدك الله إن قتله لتقتلني معه. # فتركه ووجه به إلى يزيد مع من وجه من حرم الحسين عليه السلام، فأدخل على ~~يزيد وهو عليل دنف وأدخل معه حرم الحسين عليه السلام، فلما صاروا بين يديه ~~قام رجل من أهل الشام فقال: يا أمير المؤمنين نساءهم لنا حلال؟ ms199 # فقال علي بن الحسين: «كذبت إلا أن تخرج من ملة الإسلام فتستحل ذلك ~~بغيرها». # فأطرق يزيد مليا وأمر بالنسوة فأدخلن إلى نسائه، ثم أمر برأس الحسين عليه ~~السلام فرفع على سنان قناة، فلما رأين ذلك النساء أعولت، فدخل يزيد اللعين ~~على نسائه فقال: ما لكن لا تبكين مع بنات عمكن، فأمرهن بأن يعولن معهن ~~تمردا على الله وعلى أوليائه، ثم قال: # نفلق هاما من رجال أحبة %~% إلينا وهم كانوا أعق وأظلما # وجعل الطرب يستفزه والنساء يبكين ويندبن ونساءه معهن ويقول: # شجي بكى شجوة فاجعا %~% قتيلا وباك على من قتل # فلم أر كاليوم في مأتم %~% كان الظباء به والنفل # وكذب عدو الله لو شجاه قتله، لما عبث برأسه ورفعه على القناة وطاف به ~~وأرسل PageV01P308 # به إلى البلدان، ولما أمر بقتله وكان له إذ خافه فيما زعم على نفسه في ~~حبسه والتوثق منه بلغة عند نفسه، لا أن ذلك له، أعني اللعين ولا لغيره، ~~فيمن أوجب الله طاعته وآكد إمامته، ولكنها ذحول بني أمية بدماء الجاهلية. # ولما بلغ من أمره ما أراد، أمر بإطلاق علي بن الحسين عليه السلام وخيره ~~بين المقام عنده والانصراف، فاختار الانصراف إلى المدينة فسرحه. # وكان الحسين لما انتهى إليه أمر عبيد الله بن زياد، وأنه قتل مسلم بن ~~عقيل بسببه وجهز العساكر إليه، وأن شيعته بالكوفة خافوا فتفرقوا، جمع ~~أصحابه فأعلمهم الخبر وقال: «من أحب منكم الانصراف فلينصرف». # فانصرف عنه عامة من كان معه، فلم يبق معه إلا أقل من سبعين رجلا رضوا ~~بالموت معه حتى قتلوا عن آخرهم. # وكان جميع من قتل من أصحاب الحسين عليه السلام ومن أخوته وبنيه وأهل بيته ~~الذين قتلوا معه اثنين وسبعين رجلا، وقتلوا من أصحاب عمر بن سعد في المعركة ~~ثمانية وثمانين رجلا سوى من أدركته الجراح بعد ذلك فمات منها. # وكان ممن قتل مع الحسين عليه السلام من بنيه: علي بن الحسين قتله مرة بن ~~منقذ بن النعمان العبدي، وعبد الله بن الحسين، قتله هاني بن الحضرمي، وأبو ~~بكر ms200 بن الحسين، قتله عبد الله بن عقبة الغنوي. # وقتل معه من ولد الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام: عبد الله بن ~~الحسن قتله حرملة الكاهلي بسهم، والقاسم بن الحسن قتله سعد بن عمرو بن نفيل ~~الأزدي. # وقتل معه من أخوته من ولد علي بن أبي طالب: العباس، وكان يومئذ صاحب راية ~~الحسين قتله زيد بن رقاد الجنبي، وكان العباس بن علي لما منع الحسين الماء ~~جعل يحمل على الناس فيفرجون حتى يأتي الفرات، ويأتي بالماء فيسقي الحسين ~~وأصحابه فسمي السقاء يومئذ، وقتل بين الفرات ومصرع الحسين عليه السلام فثم ~~قبره، PageV01P309 # وقطعوا يومئذ يديه ورجليه [1]. ### || [في رحاب زين العابدين عليه السلام] # وصارت الإمامة إلى علي بن الحسين، ومنه تناسل ولد الحسين كلهم، وليس ~~للحسين عقب إلا منه، وكان ورعا عابدا فاضلا، يعرف ذلك له الخاص والعام ~~والمؤالف والمخالف [2]. # وكان يدعى: سيد العابدين، ويقال له: ذو الثفنات [3]، لأنه كان بمواضع ~~السجود منه كثفنات البعير من كثرة السجود، وكان يسقط منها الشيء بعد الشيء، ~~فلما مات جعل ذلك معه في أكفانه. # وكان يصلي كل يوم وليلة ألف ركعة، ويتصدق كل ليلة بما فضل عن قوته وقوت PageV01P310 # عياله، ولما مات وأخذوا في غسله نظروا على حبل عاتقه إلى أثر شاخص، ~~فقالوا لابنه أبي جعفر عليه السلام: ما هذا الأثر يا ابن رسول الله؟ # قال: «أما إنه ما يعرف ما هو غيري ولو لا أنه مات لما ذكرته، كان إذا جنة ~~الليل وقام ليصلي نظر إلى كل ما فضل عن قوته وقوت عياله من الطعام، فجعله ~~في جراب ورمى به على عاتقه وخرج متسللا لا يعلم به أحد غيري، فإني كنت ربما ~~علمت به من حيث لا يعلم، فيأتي دور قوم فقراء قد عرفوا وقت مجيئه ولا ~~يعلمون من هو، فإذا رأوه مقبلا تباشروا به وقالوا: هذا صاحب الجراب قد ~~أقبل، فيفرق عليهم ما فيه وينصرف فيصلي باقي ليلته وهذا أثر ذلك الجراب» ~~[1]. # وروي عنه عليه السلام أنه كان يصوم النهار ويقوم الليل، ms201 فإذا هدأت كل عين ~~دعا بدعاء كان يدعوا به فيقول: «إلهي غارت نجوم سماواتك، ونامت عيون خلقك، ~~وهدأت أصوات عبادك، وغلقت ملوك بني أمية عليها أبوابها، وطاف عليها حراسها، ~~واحتجبوا عمن يسألهم حاجة، أو يبتغي منهم فائدة، وأنت إلهي ملك حي قيوم لا ~~تأخذك سنة ولا نوم، ولا يشغلك شيء عن شيء. # أبواب سماواتك لمن دعاك مفتحات، وخزائنك غير مغلقات، ورحمتك غير محجوبة، ~~وفوائدك لمن سألكها غير محظورات بل هي مبذولات. # إلهي أنت الكريم الذي لا ترد سائلا من المؤمنين سألك، ولا تحتجب عن طالب ~~منهم أرادك، لا وعزتك ما تختزل حوائجهم دونك، ولا يقصرها أحد غيرك. # اللهم وقد ترى وقوفي وذل موقفي بين يديك، وتعلم سريرتي، وتطلع على ما في ~~قلبي، وما يصلحني لآخرتي ودنياي. # إلهي وترقب الموت، وهول المطلع، والوقوف بين يديك، نغصني ومطعمي PageV01P311 # ومشربي، وغصني بريقي، وأقلقني من وسادي، وهجعني ومنعني من رقادي. # إلهي كيف ينام من يخاف بغتات ملك الموت في طوارق الليل وطوارق النهار». # ثم يبكي حتى ربما أيقظ بكاؤه أهله، فيفزعون إليه فيجدونه قد ألصق خده ~~بالتراب وهو يقول: «رب أسألك الراحة والروح والأمن والأمان» [1]. # وقال طاوس اليماني: حججت فدخلت الحجر ليلا فرأيت علي بن الحسين يصلي، ~~فدنوت منه وقلت: رجل من الصالحين لعلي أسمع منه دعاء فأنتفع به. # قال: فسمعته يقول في دعائه وهو ساجد: «عبدك بفنائك، مسكينك بفنائك، فقيرك ~~بفنائك، سائلك بفنائك» ثم يدعو بما يريد. # قال طاوس: فأخذتهن عنه، فما دعوت بعد ذلك بهن في كرب إلا فرج عني [2]. # وقيل: إن سائلا سأل في سكك المدينة في بعض الليل، فقال في سؤاله: أين ~~الزاهدون في الدنيا الراغبون في الآخرة؟ # فنودي من ناحية البقيع لا يعرف من ناداه: ذلك علي بن الحسين عليه السلام ~~[3]. # وقيل: إن الحسن بن الحسن بن علي وقف على علي بن الحسين فأسمعه بالشتم، ~~فسكت علي بن الحسين ولم يجبه بحرف، وكان معه رجال من أصحابه فساءهم ذلك ~~وغمهم، فبعد أن مضى الحسن قال لهم علي بن الحسين: ms202 «قد سمعتم ما قال هذا ~~الرجل؟» # قالوا: نعم سمعنا ذلك، ولقد كنا نحب أن نقول له وتقول، فتلى صلوات الله ~~عليه: PageV01P312 # @QUR08 والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين [1]. # ثم قال: «أريد أن تقوموا معي إلى منزله حتى تسمعوا ردي عليه، فإنه لم ~~ينبغ أن أرد عليه في مجلسي». # فقام القوم معه وهم يرون أنه يستنصف منه، فلما أتى إلى منزله استأذن ~~عليه، فخرج إليه الحسن وهو يرى ذلك، فواثبه فقال: «على رسلك يا أخي قد سمعت ~~ما قلت لي في مجلسي، ونحن في مجلسك فاسمع ما أقول لك: إن كنت قلت في ما هو ~~في فإني أسأل الله أن يغفر لي، وإن كنت قلت في ما ليس في فإني أسأل الله أن ~~يغفره لك». # فاستحى الحسن وقام إليه فقبل رأسه وما بين عينيه وقال: بل قلت والله ما ~~ليس فيك، وأستغفره واعتذر إليه [2]. # وكان إذا أخذ في وضوئه للصلاة تغير لونه وارتعد وحال أمره، فقيل له في ~~ذلك، فيقول: «إني أريد الوقوف بين يدي ملك عظيم» [3]. # وفضله عليه السلام معروف لا يدفع ومشهور لا يجهل، والعامة تروي له من ~~الفضائل وتعرف له من المناقب وتذكر له من العجائب، ما تفرق فيه حتى لقد ~~قيل: إن بعض بني مروان كان يقول للزهري لما كان يروي ويحدث به عنه: يا زهري ~~ما فعل نبيك؟ # ينسبه فيه إلى الغلو ويزري بذلك عليه، لما كان يروي عنه ويحدث به من فضله ~~كحديثه عنه، وقد كان قارف ذنبا فتعاظمه، ووله من أجله وهام على وجهه واختبل PageV01P313 # بعض عقله، فلقيه علي بن الحسين صلوات الله عليه فقال له: «يا زهري لقنوطك ~~من رحمة الله التي وسعت كل شيء أشد عليك مما تخوفته عليك من ذنبك، فتب إلى ~~الله من ذنبك واستغفره بجرمك، فإن الله يحب التوابين كما ذكر، ويغفر ~~للمذنبين كما أخبر ثم تلا عليه قوله عز وجل: @QUR024 قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا ms203 إنه ~~هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم [1] الآية. # فتاب الزهري إلى نفسه وقال: الله أعلم حيث يجعل رسالته [2]. # وأخبره صلوات الله عليه: أنه ليس من الواجب على من قارف الذنوب أن يشعر ~~نفسه اليأس من رحمة الله، ولا يقطع رجاءه من الله، ولكن الواجب عليه أن ~~يتنصل فما كان في ذنوبه من التباعات إلى أهلها ويتوب إلى الله ويستغفره ~~فيما كان بينه وبينه منها، ويستشعر الندم على ما سلف منها، ويعقد قلبه على ~~أنه لا يعود إليها، ويتوسل إلى الله بأوليائه كما قال عز وجل في كتابه: ~~@QUR015 ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول ~~لوجدوا الله توابا رحيما [3] لا أن ييأس من رحمة الله ويستوحش من النار كما ~~فعل الزهري ويهيم على وجهه، وقد جعل الله للمذنبين من عباده أبوابا يتوسلون ~~بها إلى رحمة الله. # وكان علي بن الحسين عليه السلام يقول: «الحلم هو الذل» [4]. # وروي عنه: أن جارية له وقفت عليه توضئه بإبريق في يدها، فسقط الإبريق من ~~يدها على وجهه فشجه، فرفع إليها رأسه ونظر إليها فقالت: يا مولاي إن الله ~~يقول: PageV01P314 # @QUR02 والكاظمين الغيظ . # قال: «قد كظمت غيظي». # قالت: ويقول: @QUR03 والعافين عن الناس # قال: «قد عفوت عنك». # قالت: ويقول: @QUR03 والله يحب المحسنين* . # قال عليه السلام: «فأنت حرة لوجه الله» [1]. # وولى هشام بن إسماعيل المخزومي المدينة، فنال من علي بن الحسين من الأذى ~~والمكروه أمرا عظيما، فعزله الوليد بعد ذلك وأمر بأن يوقف للناس، فلم يكن ~~من أحد أخوف منه من علي بن الحسين عليه السلام لما ناله منه، أن يرفع عليه ~~ويقول، فلم يقل شيئا فيه ونهى خاصته وأهل بيته وكل من يسمع له عن القول فيه ~~بسوء، ثم أرسل إليه وهو واقف عند دار مروان: «أنظر ما أعجزك من مال تؤخذ ~~به، فعندنا ما يسعك لذلك وطب نفسا منا ومن كل من يطيعنا». # فنادى هشام وهو قائم بأعلى صوته: الله أعلم حيث يجعل رسالته [2]. # وروي أن علي بن الحسين نادى مملوكا له، فلم ms204 يجبه وهو يسمعه. # فقال: «يا بني أناديك فلا تجيبني، أما تخاف أن أعاقبك». # قال: لا والله ما أخافك، وذلك الذي حملني على أن لم أجبك. # فقال علي بن الحسين عليه السلام: «الحمد لله الذي جعل مملوكي آمنا مني» ~~[3]. # وروي عن علي بن الحسين عليه السلام أنه قال: «خرجت يوما من منزلي أيام ~~فتنة ابن PageV01P315 # الزبير، وقد ضاق صدري بما ينتهي إلي منها، فانتهيت إلى حائط لي فاتكأت ~~عليه ووقفت كذلك مقاربا، فإني على ذلك إذ وقف علي رجل عليه ثياب بيض، فنظر ~~إلى وجهي وما أعرفه فقال لي: يا علي بن الحسين ما لي أراك كئيبا حزينا، ~~أعلى الدنيا حزنك، فرزق حاضر للبر والفاجر. # فقلت: اللهم لا، ما آسى على شيء من الدنيا. # قال: أفعلي الآخرة حزنك، فهو وعد صادق يحكم فيه ملك قادر. # قلت: اللهم لا، ولا لذلك كان ما ترى. # قال: ففيم حزنك؟ # قلت: تخوفت فتنة ابن الزبير [1]. # فضحك وقال: يا علي بن الحسين هل رأيت أحدا قط توكل على الله فلم يكفه؟ # قلت: لا. # قال: يا علي هل رأيت أحدا خاف الله فلم ينجه؟ # قلت: لا. # قال: يا علي هل رأيت سائلا سأل الله فلم يعطه؟ # قلت: لا. PageV01P316 # فسكت وبقيت مفكرا في قوله، ثم رفعت عيني فلم أر أحدا» [1]. # وقيل: إنه كان بالمدينة عدة بيوت يأتيهم قوتهم من علي بن الحسين عليه ~~السلام، ولا يدرون من أين يأتيهم ذلك، فما عرفوا ذلك حتى مات وانقطع عنهم، ~~لأنه كان يسر ما يرسله إليهم رجاء ثواب صدقة السر. # وقيل: إن تلك البيوت حصيت فوجدت مائة بيت في كل بيت جماعة من الناس [2]. # ولما احتضر زيد بن أسامة بن زيد، جعل يبكي وعنده علي بن الحسين عليه ~~السلام فقال له: «ما يبكيك؟» # فقال: خلفت علي خمسة عشر ألف دينار دينا، وليس فيما أخلف وفاء ذلك. # فقال له علي بن الحسين عليه السلام: «فطب نفسا علي وفاء ذلك عنك» فوفاه ~~عنه [3]. # وقيل: إن مولى لعلي بن الحسين عليه السلام كان يعمر ms205 له ضيعة، فجاء فأصاب ~~فيها فسادا، فقرعه بسوط كان بيده قرعة واحدة ومضى، ثم أرسل إليه فظن أنه ~~يريد PageV01P317 # عقوبته، فوجد السوط بين يديه فقال له: «يا هذا حملني الغضب على أن ضربتك، ~~فخذ السوط واقتص مني». # فقال: يا مولاي والله إن ظننت إلا إنك تريد عقوبتي وإني لأستحق ذلك، فكيف ~~أقتص منك؟ # فقال: «ويحك اقتص مني». # فقال: يا مولاي معاذ الله أنت في حل وسعة، فكرر ذلك عليه والمولى يحلله، ~~فلما لم يره يقتص منه قال: «الضيعة صدقة عليك» وأعطاه إياه [1]. # وكان يتصدق بكسوته في الشتاء إذا انقضى الشتاء وبكسوته في الصيف إذا ~~انقضى الصيف، وكان يلبس من خز الثياب، فقيل له: تعطيها من لا يعرف قيمتها ~~ولا يليق به لباسها، فلو بعتها فتصدقت بثمنها. # فقال: «إني لأكره أن أبيع ثوبا صليت فيه» [2]. # وكان صلوات الله عليه إذا وقف في الصلاة لم يسمع شيئا ولم يشتغل بغير ~~صلاته، وكان أهله قد عرفوا ذلك منه، فسقط بعض ولده في بعض الليالي وهو ~~يصلي، فصاح أهل الدار وأتاهم الجيران، وأرسل أبو جعفر إلى المجبر فجبر ~~الصبي وهو يصيح من الألم، وكل ذلك لا يسمعه علي بن الحسين عليه السلام ~~لشغله بالصلاة، فلما أصبح ورأى يد الصبي مربوطة إلى عنقه قال: «ما لهذا؟» ~~فأخبروه [3]. # وكان علي بن الحسين صلوات الله عليه ورعا عابدا عاقلا حليما وقورا جميلا. # وقيل: إنه حج، فجعل الناس ينظرون إلى جماله وكماله، ويقول من لم يعرفه ~~منهم لمن عسى أن عرفه: من هذا؟ فيخبره. PageV01P318 # وقال قائل من الناس للفرزدق: من هذا؟ # فأنشد يقول: # هذا الذي تعرف البطحاء وطأته %~% والبيت يعرفه والحل والحرم # هذا ابن خير عباد الله كلهم %~% هذا التقي النقي الطاهر العلم # يكاد يمسكه عرفان راحته %~% ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم # يغضي حياء ويغضى من مهابته %~% فما يكلم إلا حين يبتسم # إذا رأته قريش قال قائلها %~% إلى مكارم هذا ينتهي الكرم # أي القبائل ليست في رقابهم %~% لأولية هذا أوله نعم [1] # وبلغ علي بن الحسين عليه السلام. ms206 أن مسرفا ولي المدينة وأنه تواعده بسوء، ~~فلما قدم المدينة أرسل في طلبه فمضى إليه وهو يدعو، وكان ممن حفظ عنه من ~~دعائه: # «رب كم من نعمة أنعمتها علي قل لك عندها شكري، وكم من بلية ابتليتني بها ~~قل لك عندها صبري، فيا من قل عند نعمته شكري فلم يحرمني، ويا من قل عند ~~بليته صبري فلم يخذلني، يا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبدا، ويا ذا النعماء ~~الذي لا يحصى لها عدد، صل على محمد وعلى آل محمد، وبك أدفع في نحره، ~~وأستعيذك من شره». # فلما دخل عليه وجد عنده مروان بن الحكم، وقد جاء لما بلغه أنه أرسل إليه ~~ليغريه به، فلما دخل عليه رحب به وقام إليه، فسلم عليه وأكرمه وأجلسه إلى ~~جانبه، وأقبل إليه إقبالا حسنا. # فلما رأى ذلك مروان جعل يثني عليه ويذكر من فضله، فقال له مسرف: دعنا عنك ~~فليس الذي صنعنا إليه من أجل قولك. PageV01P319 # ثم قال له: لو لا أنا نخاف أن يسيء ظن أهلك لسألناك أن تؤنسنا بنفسك، ~~فانصرف إليهم وقدموا دابته. # فقيل له: ما له دابة. # فقال: قدموا إليه دابتي، وعزم عليه أن لا ينصرف إلا عليها [1]. # ومات علي بن الحسين سنة أربع وتسعين، وهو ابن ثمان وخمسين سنة [2]. # وقيل: إنه لما دفن ضربت امرأته على قبره فسطاطا، وكانت له ناقة يركبها ~~ويحج عليها يقال لها: درة، فجاءت يوما من المرعى إلى الفسطاط الذي فيه قبر ~~علي بن الحسين عليه السلام، فبركت وضربت بجرانها في الفسطاط، وجعلت نحن ~~حنينا دائما، فجاء الناس ينظرون إليها، وبلغ ذلك أبا جعفر فأمر غلاما له أن ~~يزيلها، لئلا تصير من ذلك شناعة، فأتي فأخذ بمشفرها فما أقامها إلا عن جهد ~~[3]. # ولما استشهر فضل علي بن الحسين عليه السلام وهو مع ذلك يخمله ويخفيه، ~~وحمل العلم عنه واحتاج الناس فيه إليه، سمي سيد العابدين. # وأراد بنو أمية قتله وسعوا فيه، والله يمنعهم في ذلك كله ويقيه، ليتم ~~أمره. # وكان علي بن الحسين عليه السلام بعد ms207 قتل الحسين عليه السلام يدعو دبر كل ~~صلاة فيقول: # «اللهم أبقني حتى تبلغني أملي». # فقيل له: وما أملك؟ # قال: «أن أرى قاتل أبي مقتولا». PageV01P320 # فلما قتل المختار عمر بن سعد وعبيد الله بن زياد لعنهما الله بعث ~~برأسيهما إلى علي بن الحسين صلوات الله عليه، وقال لرسوله: إنه يقوم من ~~الليل فإذا صلى الفجر نام شيئا، ثم يقوم ويستاك ويقدم إليه طعامه، فقس عليه ~~إذ وضعت المائدة بين يديه فأدخل وضع الرأسين عليهما. # ففعل، فسجد علي بن الحسين صلوات الله عليه وقال: «الحمد لله الذي بلغني ~~أملي في دنياي وأقر عيني بقتل عدوي» [1]. ### || [عبد الملك بن مروان بن الحكم] # وأما عبد الملك بن مروان، فقد ذكرنا تغلب أبيه على ما ادعاه من الخلافة، ~~وكيف يحتال واحتيل له إلى أن صار إلى ذلك، بعد أن أوجب لعمرو بن سعيد- هو ~~الذي سعى له في ذلك- أن يجعل الأمر إليه بعده، فلو كان ذلك له صار عنه إلى ~~عمرو بن سعيد بن العاص بتصييره إياه إليه وللشرط الذي جعله في ذلك عليه، ~~وذكرنا قتل عبد الملك إياه بعد أبيه وجلوسه مجلسه، وتغلبه على من كان تغلب ~~عليه بلا حجة ولا برهان ولا دليل ولا بيان، وهو على ذلك لعنة الله عليه نسل ~~ونجل طريدي رسول الله صلى الله عليه وآله. # وقد ذكرنا شأنهما ومما يؤثر عنه ويعرف من قوله في أول بدىء أمره: أنه لما ~~أتاه رسول أبيه ليعهد إليه وبشره الرسول بذلك، وجده يقرأ في المصحف فطواه ~~وقال: # هذا فراق بيني وبينك [2]. # فأظهر الله ذلك على لسانه وفارق كتاب الله بشهادته على نفسه، وما كان قبل ~~ذلك مع كتاب الله جل ذكره هو ولا من تقدمه من سلفه حزب الشيطان وأغصان ~~الشجرة PageV01P321 # الملعونة في القرآن، وكان على ذلك من سوء حاله بالنذالة موصوفا، ~~وبالقذارة معروفا، كان يلقب: (رشح الحجر) لبخله [1]، ويكنى أبا ذباب لبخره، ~~وكان شديد البخر [2]. # وقيل: إنه ربما مرت الذبابة بفيه فتسقط لشدة رائحته. # وهو الذي قتل مصعب بن الزبير واستعمل ms208 الحجاج بن يوسف وبعثه إلى عبد الله ~~ابن الزبير فقاتله بمكة، فلما غلب عليه لجأ ابن الزبير إلى البيت فنصب ~~الحجاج عليه من المنجنيق. # قال الليث بن المظفر في كتاب العين: حدثني شيخ من بني شيبة في مسجد مكة ~~قال: إني لأذكر حدين نصب الحجاج المنجنيق على جبل أبي قبيس وابن الزبير قد ~~تحصن في البيت، فجعل يرميه بالحجارة والنيران، فاشتعلت النار في أستار ~~الكعبة حتى أسرعت فيها، فجاءت سحابة من نحو جدة مرتفعة كأنها ملأة، يسمع ~~منها الرعد ويرى فيها البرق، حتى استوت فوق البيت فمطرت، فما جاوز مطرها ~~البيت ومواضع الطواف، فأطفأت النيران وسال الميزاب في الحجر، ثم عدلت إلى ~~جبل PageV01P322 # أبي قبيس فرمت بصاعقة فأحرقت المنجنيق ومن عليها. # قال الليث: فحدثت هذا الحديث بالبصرة قوما وفيهم رجل من أهل واسط، فقال: # إني سمعت أبي يحدث بهذا الحديث، وأن الحجاج لما رأى ذلك ذعر منه وأمسك عن ~~القتال، وكتب إلى عبد الملك بالخبر. # فكتب إليه عبد الملك: أن بني إسرائيل كانوا إذا قربوا قربانا فتقبله الله ~~منهم بعث نارا من السماء فأكلته، وأن الله عز وجل قد رضى عملك وتقبل قربانك ~~فجد في أمرك [1]. # فهذا العتق والعنود على الله والتمادي على ما أسخطه بعده تخويفه، نعوذ ~~بالله من الإصرار على معاصيه. # وكان الحجاج جلدة ما بين عيني عبد الملك وأحب الناس إليه [2]، والحجاج ~~عدو الله من الظلم والغش والجور والفسق، في غاية لا يدفع ذلك عنه دافع، ولا ~~يريه منه ولي له ولا مكابر، وهو على ذلك أقرب الناس من عبد الملك وأخصهم به ~~وأحضاهم لديه، فلو لم يكن لعبد الملك خطيئة إلا الحجاج وتوليته إياه رقاب ~~المسلمين بالحرمين والعراقين، يسومهم الخسف، ويسير فيهم بالعنف، ويحكم فيهم ~~بخلاف كتاب الله وسنة رسوله، يعاقب الولي بالولي والسمي بالسمي، ويسفك الدم ~~الحرام، ويرتكب الكبائر والآثام، وهو في ذلك يؤيده ويقوي أمره، ويرتضي ~~عمله، ويشكر فعله، ويحتج بالباطل له، وينال ممن اشتكى ويعاقب من تظلم منه ~~[لكفاه]. # وضيع عبد الملك بن ms209 مروان جهاد المشركين وأقبل على استهلاك المسلمين، PageV01P323 # حتى قوى أمر الروم وطمعوا في الإسلام وغزوه في أرض الشام وأشرفوا عليه، ~~فصالحهم على أن يؤدي إليهم في كل جمعة ألف دينار [1]، فنقص بذلك الإسلام ~~والمسلمين، وصنع صنيعا لم يسبق إليه، واحتقب به إثما ونقصا عليه بإعطائه ~~الدنية في دينه للمشركين، وإعطائهم الجزية ووادعهم، وترك حربهم وأقبل على ~~حرب ابن الزبير، ولو كان إنما وادعهم عن غير منقصة لحرب من حاربه، لكان ~~معذورا، ولكنه أعطى الدنية من نفسه وأدخل النقص على المسلمين بسوء رأيه، ~~ولو حاربهم ورد وجهه وشوكته إليهم، لما خاف جانب ابن الزبير ولا غيره، بل ~~كانوا يكونون في حربهم معه، وهو على هذا من سوء حاله أشرف من ولي من بني ~~أمية عندهم، والذي وطد لهم فيما زعموا سلطانهم وأسس ملكهم، وأكثر ما يصفونه ~~به من جميل الحال ما تقدم له قبل أن يصير إلى ما صار إليه مما كان يرى به ~~تصنعا لما تغلب عليه، فهم يقولون: إن الخلافة وضعته لما لم يجد، وأستر ~~لعيوبه فيها وظلمه لما تغلب عليها. # ثم ما يصفونه من الدهاء والمكر وشدة الوطأة بالظلم، وذلك من أقبح المعايب ~~وأجل المثالب، لأن من تعدى حدود الله جل ذكره وخالف كتابه وغير سنن رسوله، ~~فهو من أسوإ الناس حالا وأكثرهم عيبا. # وكان يكنى أبا الوليد، فقال له أرطاة بن شبهة المري، لما عظم على الأمة ~~أمره، واستبعد الناس أجله واستطالوا مدته وتمنوا موته: # رأيت المرء تأكله الليالي %~% كأكل الأرض ساقطة الحديد # وما تجد المنية حين تأتي %~% على نفس ابن آدم من مزيد # واعلم أنها ستكر حتى %~% توفي نذرها بأبي الوليد # وكان الشعراء قد تناذروه وخافوه أن يقولوا فيه شيئا، فانتهت هذه الأبيات ~~إليه PageV01P324 # فأشخص إليه أرطاة فلم يشك أنه قاتله، فلما مثل بين يديه قال له: ما أنت ~~وذكري في شعرك؟ # قال: وأين ذكرتك يا أمير المؤمنين؟ # قال: ألست القائل هذه الأبيات؟ فأنشده إياها. # قال: نعم أنا قائلها ولم أعنك، وإنما عنيت نفسي وأنا أبو ms210 الوليد. # وكذلك كان يكنى، فسأل عن ذلك عبد الملك فوجده كما قال، فأفلت منه وخلى ~~سبيله وانصرف إلى بلدة، فلما قرب منه قال: # إذا ما طلعنا من ثنية لفلف [1] %~% فبشر رجالا يكرهون إيابي # وخبرهم أن قد رجعت بغبطة %~% أحد أظفاري وأصرف نابي # وإني ابن حرب لا تزال تهرني %~% كلاب عدو أو تهر كلابي [2] # وكفى بهذا ردعا للناس وتخويفا لهم ونهيبا فيهم، لا سيما الشعراء الذين لا ~~يرجعون عن القول فيمن صغر وكبر وجل وقل، وفي مثل هذا من القول الذي لا شك ~~فيه ولا بد منه: أن الموت حتم لا حائل دونه وسبيل لا معدل عنه، وبمثل هذه ~~الغلظة والخيفة قطع عبد الملك ذكر فضائل علي عليه السلام وأخذ على أيدي ~~المحدثين: أن لا يذكروا شيئا منها ولا يظهروا كتابا فيها، وأمر من استعماله ~~منهم بدنياه وأناله منها وأرضاه، أن وضع له أخبارا في فضائل بني أمية لعنة ~~الله عليهم وأظهر لعن علي عليه السلام على المنابر، وتتبع من ينتحل فضله ~~ويقول بإمامته بالقتل والتشريد. # ومن تعارفه في التهيب عند الناس وتخوفهم نفسه، أنه خطب فيما روي عنه ~~فقال: إني والله ما أنا بالخليفة المستضعف، ولا بالخليفة المداهن، ولا ~~بالخليفة PageV01P325 # المأبون [1]. # يعني بالمستضعف: عثمان، وبالمداهن: معاوية، وبالمأبون: يزيد لعنه الله، ~~وهؤلاء أئمتهم وبهم توسل إلى ما تغلب عليه وصار إلى ما صار إليه، ومن كان ~~كما وصفه لم يجز أن يكون خليفة، وإذا كان ذلك كذلك بطلت دعواه، فإن كان ~~صادقا في قوله، فقد أوهن أمر نفسه من حيث أراد أن يتقنه، وهدمه من حيث أراد ~~أن يبنيه، وأقل ما يدخل في ذلك عليه أنه أراد تعجيز أئمته، وفي ذلك بيان ~~فساد رأيه والدليل على فساد عقله وسخفه. # ومات عبد الملك لعنه الله بدمشق يوم الخميس، النصف من شوال سنة ست ~~وثمانين، وكانت ولايته من يوم بويع إلى يوم توفي إحدى وعشرين سنة وشهرا ~~ونصفا، أقام منها تسع سنين يقاتل عبد الله بن الزبير، ولم يسلم عليه ~~بالخلافة إلا بعد ms211 مقتل مصعب، ولم يجتمع له الأمر إلا بعد مقتل عبد الله بن ~~الزبير، وعاش بعد ذلك ثلاث عشرة سنة وأربعة أشهر إلا سبع ليال، ومات وهو ~~ابن ستين سنة، وقيل: ابن ثلاث وستين سنة [2]. PageV01P326 ### | ذكر مناقب محمد بن علي وجعفر بن محمد صلوات الله عليهما ومثالب من ولي من بني مروان لعنة الله عليهم في أيامهما ### || [مناقب محمد بن علي وجعفر بن محمد صلوات الله عليهما] # كان محمد بن علي صلوات الله عليه، أول من اجتمعت فيه ولادة الحسن والحسين ~~[1]، كانت أمه أم عبد الله بنت الحسن بن علي بن أبي طالب صلوات الله عليه. # وهو كان أعلم أهل زمانه، ويسمى باقر العلم، لأنه أول من بقر عنه وتكلم ~~فيه وصنفه وأخذ عنه وعرف به [2]، وروى ذلك عنه أكابر رواة الشيعة، ~~والمشهورون بالسبق والمنسوبون إلى العلم والحديث من العامة، ممن أدرك عصره ~~ولحق منهم أيامه من أكابر التعليم آثروا عنه وسمعوا منه، وكان عندهم وعند ~~من تعقبهم من بعدهم وعند سائر أهل العلم قدوة فيه، وغاية في الثقة لمن أخذ ~~عنه وفيما يسند إليه. # حتى أن المقطوع من الحديث عندهم عنه يعد موصولا ويذكر مرفوعا، لصدقه ~~عندهم وثقته، ولأنه لا يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله إلا ما ثبت ~~عنه أنه قد قاله، وإن لم يذكر إسناده ويسم من روى عنه ذلك، وحجة رسول الله ~~صلى الله عليه وآله حجة الوداع لم يروها الناس على التمام بما جاء فيها من ~~السنن والأخبار، إلا عنه عن جابر بن عبد الله رضى الله عنه عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله، حتى لقد بسط بعض المتأخرين منهم ما ذكر فيها من ~~الفرائض PageV01P327 # والسنن وشرح ذلك وبينه فكمل عنه كتاب كبير [1]. # وكان جابر بن عبد الله سأل عن ولد ولد الحسين، هل ولد فيهم من اسمه محمد؟ # إلى أن مر يوما وقد كف بصره بباب علي بن الحسين، وخادمة تدعو محمدا عليه ~~وعلى آبائه أفضل الصلاة: يا محمد. # فقال لقائده: أليست ms212 هذه دار علي بن الحسين عليه السلام؟ # قال: نعم. # فقال للخادمة: ومن محمد هذا الذي دعوت به؟ # قالت: محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام. # قال: قربيه مني. # فقربته منه وهو صبي فضل يلتزمه ويمرغ وجهه عليه ويقبل يديه ورجليه ويقول: # يا ابن رسول الله جدك رسول الله صلى الله عليه وآله يقرؤك السلام. # فقيل لجابر في ذلك، فقال: رأيت الحسين بين يدي رسول الله صلى الله عليه ~~وآله فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: «يا جابر إنك ستعيش حتى تدرك ~~ولد ولد هذا، يقال له محمد الباقر، يهب الله له النور والحكمة فاقرأه مني ~~السلام» [2]. # وله يقول القرظي: PageV01P328 # يا باقر العلم لأهل الهدى %~% وخير من لبى على الأجبل [1] # وله يقول مالك بن أعين الجهني: # إذا طلب الناس علم القرآن %~% لكانت قريش عليه عيالا # وإن قيل هذا ابن بنت النبي %~% رأيت لذلك فرعا طوالا # نجوم تهلل للمدلجين %~% جبال تورث علما جبالا [2] # وروي عن عبد الله بن عطاء المكي أنه قال: ما رأيت العلماء عند أحد قط ~~أصغر منهم عند أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين، ولقد رأيت الحكم بن عيينة ~~بين يديه كأنه صبي متعلم [3]. # وقيل: إن هشام بن عبد الملك حج فدخل المسجد الحرام وهو يتكئ على سالم ~~مولاه، فنظر سالم إلى محمد بن علي عليه السلام وهو جالس في المسجد فقال ~~لهشام: يا أمير المؤمنين هذا محمد بن علي بن الحسين. # فقال له هشام: المفتون به أهل العراق. # قال: نعم. # قال: اذهب فقل له: يقول لك أمير المؤمنين: ما الذي يأكل الناس ويشربون ~~يوم القيامة إلى أن يفصل بينهم؟ # فذهب إليه سالم وقال ذلك له. # فقال له محمد بن علي عليه السلام: «يحشر الناس يوم القيامة على مثل قرصة ~~تقي، PageV01P329 # فيها الأنهار مفجرة فيأكلون منها ويشربون- وتلى قوله الله عز وجل-: ~~@QUR06 يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات [1] قال: فيجعل الله عز وجل ~~معاشهم من تلك الأرض يأكلون منها إلى أن يفصل بينهم». # فرجع سالم إلى هشام ms213 فأخبره، فقال: الله أكبر، وضحك ورأى أنه قد ظفر. # وقال لسالم: ارجع إليه وقل له: إنما في هول يومئذ ما يشغل عن الطعام ~~والشراب؟ # فرجع إليه بذلك فقال له محمد بن علي عليه السلام: «هم في النار أشد شغلا ~~منهم يومئذ، فما شغلهم ذلك عن أن قالوا: @QUR08 أفيضوا علينا من الماء أو ~~مما رزقكم الله [2] وإن أكلوا فيها الضريع والزقوم وأشربوا المهمل والحميم، ~~إن ابن آدم خلق أجوف لا بد له من الطعام». # فرجع سالم إلى هشام فأخبره، فأطرق ولم يحر جوابا [3]. # وقال محمد بن المنكدر: ما كنت أظن أني أرى مثل علي بن الحسين عليه السلام ~~حتى رأيت ابنه محمدا، ولقد لقيته مرة فأردت أن أعظه فأوعظني، قيل له: وكيف ~~ذلك؟ # قال: لقيته وقد أقبل من بعض أمواله في يوم شديد الحر في الهاجرة، وهو بين ~~عبدين له يعتمد عليهما، وكان رجلا بدينا ثقيلا وقد تعب وعرق، فاستعظمت ما ~~رأيته منه وقلت في نفسي: والله لأعظنه، فواجهته فسلمت عليه فرد علي وهو ~~منبهر وقد تصبب عرقا، فقلت: أصلحك الله شيخ من أشياخ قريش في مثل هذه ~~الساعة تحل نفسك هذه المحل في طلب الدنيا، أرأيت لو جاءك الموت وأنت على ~~هذه الحال؟ PageV01P330 # فقال: «لو جاءني وأنا على هذه الحال لجاءني وأنا على طاعة الله، أكف بها ~~نفسي عن الناس، وإنما كنت أخاف أن لو جاءني الموت وأنا على معصية من معاصي ~~الله». # قلت: رحمك الله أردت أن أعظك فوعظتني [1]. # وقيل: إن أبا هاشم ابن محمد بن الحنفية وقف على أبي جعفر محمد بن علي ~~عليه السلام وهو في مسجد المدينة والناس حوله يستمعون منه، فحسده، فشتمه ~~وشتم أباه علي بن الحسين عليه السلام وقال: تدعون وصية رسول الله صلى الله ~~عليه وآله بالأباطيل والكذب. # فأقبل إليه أبو جعفر غير مكترث فقال: «قل ما بدا لك أنا ابن فاطمة وأنت ~~ابن الحنفية». # ووثب الناس إلى أبي هاشم، فرموه بالحصى والنعال حتى أخرجوه من المسجد. # وتوفي محمد بن علي عليه السلام ms214 سنة أربع عشر ومائة، في زمن هشام بن عبد ~~الملك، وهو ابن ثمان وخمسين سنة [2]. ### || [زيد بن علي] # وكان أخوه زيد بن علي بن الحسين قد قام على هشام فنهاه محمد عن ذلك وقال ~~له: «احذر أن تكون المصلوب غدا بالكناسة» فلم يقبل منه. # فقال محمد بن علي: «إنما مثل القائم من أهل البيت قبل أوان قيام مهدينا، ~~بمنزلة فرخ طائر طار من وكره قبل أن يستوي جناحاه فأخذه الصبيان يتلاعبون ~~به». PageV01P331 # وكان كما قال فيه، وحذره صلوات الله عليه [1]. PageV01P332 # وكان سبب قيام زيد على هشام، أنه طلبه وأمر بالقبض عليه، وذلك لما عزل ~~خالد بن عبد الله القسري عن الكوفة وأخذه يوسف بن عمر بمكة، واتهمه أن يكون ~~عنده مال خالد وأخذ معه داود بن علي، ففي ذلك يقول كثير بن كثير بن المطلب ~~بن أبي وداعة السهمي: # يأمن الطير والحمام ولا يأ %~% من أهل النبي عند المقام # طبت بيتا وطاب أهلك أهلا %~% أهل بيت النبي والإسلام # رحمة الله والسلام عليكم %~% كلما قام قائم بسلام # حفظوا خاتما وجر رداء %~% وأضاعوا قرابة الأرحام # ثم أطلقه يوسف بن عمر، فغضب له الشيعة فأتوه فسألوه القيام، فقام معهم ~~وقال: # ليس الإمام إلا من أشهر سيفه وقام بأمر الله، لا من قعد في بيته وأغلق ~~عليه بابه [1]. # يعني أبا جعفر عليه السلام، إذ قد علم أنه الإمام وعلم ذلك شيعته، فلبس ~~عليهم بهذا القول، ولو تدبروه لعرفوا فساده، وقد أقام رسول الله صلى الله ~~عليه وآله صدرا من نبوته لا يقاتل أحدا، وأقام كذلك علي بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وآله، ومن بعده من الأئمة من ولده ألا يقاتلون في غير حال ~~الإمكان، وفي هذا وجوه يطول ذكرها، وفي هذا القول كفاية منها إن شاء الله. PageV01P333 # وقيل: لما استفحل أمر زيد بن علي واتبعه أكثر الشيعة، وخاف محمد عليه ~~السلام أن تكون من ذلك فتنة وفسادا في الدين، تقدم إلى رجل من المؤمنين كان ~~وثق به في أن يصير إليه أمره بما ms215 يعمل به، فصار إليه ذلك الرجل ودخل في ~~جملته واحتفل يوما عنده أصحابه، فانتدب ذلك الرجل إليه وقال له: يا ابن ~~رسول الله هذا الأمر الذي دعوت إليه من قيامك ونصرتك أوصى أبوك إليك فيه ~~وأقامك إماما من بعده؟ # قال: لا، ومعاذ الله أن أقول عليه ما لم يقله، ولكن الإمام منا من شهر ~~سيفه وقام بأمر الإمامة، لا من قعد في بيته وأرخى عليه ستره. # قال له الرجل: فإن لم يقم أحد لم يكن منكم إمام، وإن قام منكم جماعة ~~يكونون كلهم أئمة؟ # فسكت ولم يحر جوابا، وعلم من حضر فساد قوله. # ثم قال له الرجل: إن أخاك أبا جعفر أخبرنا أن أباكما عهد إليه وأقامه من ~~بعده مقامه. # قال له زيد: لو قد فعل ذلك أبي لكان أطلعني عليه، والله لقد كان ينفض ~~المخ من العظم، فإذا رآه حارا نفخ عليه يبرده ثم يطعمني إياه، وهو يتقي علي ~~من حر المخ ولا يتقي علي من حر النار فيخبرني أنه عهد إلى أخي بيعته ويطلع ~~على ذلك شيعته؟ # قال له الرجل: فما بال يعقوب قال ليوسف: لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا ~~لك كيدا، يحذره من أخوته وكتم أمره عنهم، ولم يكتم ذلك ولا حذره من الناس؟ # فسكت زيد ولم يحر جوابا وانتهر الرجل. # فعلم فساد دعواه أهل البصائر من الشيعة فافترقوا عنه [1]. PageV01P334 # وقيل: بل كان ذكر لهم أنه عن أمره قام، وأنه أمره بالقيام ودعا إليه ~~فاتبعوه، فسئل بعد ذلك وقد اجتمعت إليه الشيعة عن أبي بكر وعمر فتولاهما، ~~فافترقت الشيعة عليه فرقتين: فرقة أقاموا معه على ما قال فسموا الزيدية، ~~وفرقة فارقوه ورفضوا أمره فسموا الرافضة [1]. # وغلب عليه هشام فقتل وصلب وأحرق بالنار، وكان قتله يوم الإثنين لليلتين ~~خلتا من صفر سنة [اثنين] [2] وعشرين مائة. وهو ابن اثنين وأربعين سنة [3]. ### || [عبقات من جعفر بن محمد الصادق عليه السلام] # وأما جعفر بن محمد بن علي صلوات الله عليه فصار أمر الإمامة إليه عن أبيه ~~عليه السلام، وهو أبو ms216 عبد الله. # وروى للناس الفقه والحديث عن أبيه، وسمع الناس منه وأخذوا عنه وعن أبيه، ~~وممن أخذ عنه من أكابر فقهاء العامة [4]، ولقيه أبو حنيفة النعمان بن ثابت ~~صاحب الرأي الكوفي، ومالك بن أنس فقيه أهل المدينة، وسفيان الثوري، وشعبة، ~~وسفيان PageV01P335 # بن عيينة، وحي بن صالح، وأيوب السجستاني، وعمرو بن دينار، وكثير من علماء ~~الأمصار [1]. # وكان عالما، ورعا، فاضلا، لا ينكر فضله، ولا يجهل مقامه. # وقيل: إن أبا حنيفة [2] استأذن عليه يوما ليسمع منه، فخرج إليه يتوكأ على ~~عصى، فقال له أبو حنيفة: ما بلغت من السن يا أبا عبد الله ما تحتاج معه إلى ~~عصى. # قال: «هو كذلك، ولكنها عصى رسول الله صلى الله عليه وآله أردت أن أتبرك ~~بها». # قال أبو حنيفة: والله لو علمت أنها عصى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~لقبلتها. # فنظر إليه أبو عبد الله عليه السلام ثم حسر له عن ذراعه وأومى إليه فقال: ~~«والله لقد علمت أن هذا من شعر رسول الله صلى الله عليه وآله وهذا من بشره ~~فما قبلته، فتقبل عصاه؟» # فعلم أبو حنيفة أنه قد أخطأ في قوله: لو علمت أنها عصى رسول الله، بعد أن ~~أخبره أنها عصاه، وقام فأهوى إلى يده يريد أن يقبلها، فضمها إليه أبو عبد ~~الله عليه السلام وقام فدخل بيته ولم يسمعه يومئذ شيئا [3]. # وقيل: إن مالك بن أنس كان إذا قال: حدثني الثقة، فإنما يريد جعفر بن PageV01P336 # محمد عليه السلام [1]. # وقيل: إن سفيان الثوري قال له يوما وقد تكلم بكلام أعجب سفيان فقال: هذا ~~والله يا ابن رسول الله الجوهر. # فقال له أبو عبد الله: «والله خير من الجوهر، وهل الجوهر إلا حجر» [2]. # وسأله الحسن بن صالح بن حي يوما فقال: يا ابن رسول الله ما تقول في قول ~~الله: # @QUR07 أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم [3] من أولو الأمر ~~الذين أمر الله بطاعتهم؟ # فقال: «العلماء». # فلما خرج من عنده قال لمن كان معه من أصحابه: ما صنعنا شيئا فارجعوا. # فرجعوا معه ms217 فقال له: يا ابن رسول الله من هؤلاء العلماء؟ # قال: «الأئمة منا أهل البيت» [4]. # فعلى مثل هذا روت العامة كثيرا ممن كان يفتي فيه بمجمل من القول على ~~التقية، فيحمله من حمله عنه على ظاهر قوله، كقوله الأول للحسن بن صالح بن ~~حي. PageV01P337 # وقال يوما لأبي حنيفة- أي نعمان-: «ما الذي تعتمد عليه فيما تفتي به؟» # قال: كتاب الله وسنة رسوله. # قال: «فما لم تجده نصا في ذلك؟» # قال: أقيسه على ما وجدته فيه. # قال: «ويحك يا نعمان إن أول من قاس إبليس فأخطأ قال: @QUR06 خلقتني من ~~نار وخلقته من طين* [1] فرأى أن النار أشرف من الطين، وأن الفاضل لا يسجد ~~للمفضول، وكان في قياسه هلاكه، ما تقول يا نعمان أيهما أطهر، البول أم ~~المني؟» # قال: المني. # قال: «فكيف جعل الله في البول الوضوء وفي المني الغسل وهو أطهر؟ هل يحسن ~~هذا في القياس؟ وأيهما أعظم الزنا أم قتل النفس؟» # قال: قتل النفس. # قال: «وقد جعل الله في قتل النفس شاهدين وفي الزنا أربعة، وكان القياس أن ~~يكون الأربعة في القتل؟ وأيهما أعظم الصلاة أم الصوم؟» # قال: الصلاة. # قال: «فقد أمر رسول الله صلى الله عليه وآله الحائض أن تقضي الصوم ولا ~~تقضي الصلاة؟» # فسكت أبو حنيفة ولم يحر جوابا [2]. # وقال يوما لابن أبي ليلى وقد جلس إليه: «أتقضي بين الناس يا عبد الرحمن؟» # قال: نعم يا ابن رسول الله. # قال: «بما ذا تقضي؟» # قال: بكتاب الله. PageV01P338 # قال: «فما لم تجده في كتاب الله؟» # قال: ألتمسه في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله. # قال: «فما لم تجده فيها؟» # قال: آخذه بقول الصحابة. # قال: «بقول أيهم؟» # قال: يقول من رأيته منهم. # قال: «وإن اختلفوا؟» # قال: نعم. # قال: «فهل تخالف شيئا ثابتا عن علي عليه السلام؟» # قال: ربما فعلت ذلك إذا رأيته في قول غيره. # فسكت أبو عبد الله مليا ثم قال: «يا عبد الرحمن فما يكون جوابك إذا أخذ ~~رسول الله صلى الله عليه وآله يوم القيامة بيدك ووقفك بين يدي ms218 ربك فقال: أي ~~رب إن هذا بلغه عني قول فخالفه». # فقال: يا ابن رسول الله وكيف أخالف قول رسول الله صلى الله عليه وآله؟ # قال: «أفلم يبلغك عنه أنه قال: أقضاكم علي؟» # قال: نعم. # قال: «فإذا خالفته أفليس قد خالفت رسول الله صلى الله عليه وآله؟» # فلم يحر ابن أبي ليلى جوابا [1]. # وحج جعفر بن محمد عليه السلام فجلس في مسجد منى، وقد احتفل وتحلق الناس ~~فيه يتناظرون في العلم، فلما رأوه تقوضت إليه الحلق وأحاطوا به، وجاء ابن ~~شبرمة فلم يصل إليه، فنادى من وراء الناس: يا ابن رسول الله أنا ابن شبرمة، ~~هل لي أن أسألك؟ PageV01P339 # قال: «سل عما بدا لك»، وسكت الناس. # فقال: إني أقضي بين الناس بما وجدت في كتاب الله، فما لم أجده فيه ~~التمسته في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله، فما لم أجده فيها آخذ بقول ~~الصحابة، فما لم أجده قسته على ما وجدته. # قال له أبو عبد الله عليه السلام: «فبأي أصحاب رسول الله تريد أن تقتدي؟» # فقال: والله إني لأحب أن أقتدي بعلي بن أبي طالب عليه السلام. # قال: «فإن علي بن أبي طالب عليه السلام يأبى عليك القياس». # وقال سفيان الثوري: ما رأيت مثل جعفر بن محمد عليه السلام، إنا عنده يوما ~~نستمع منه وكأن وجهه قمر، فسمع صيحة في داره فقال: «لا حول ولا قوة إلا ~~بالله» وقام عنا وقال: «أثبتوا مكانكم». # فأقام ساعة وهدأ الصوت، ثم خرج إلينا فأنكرنا وجهه، قلت: ألا خير يا ابن ~~رسول الله. # قال: «كل ما جاء من عند الله فهو خير، لي ولد صغير كانت تحمله جارية فسقط ~~من يدها عن السطح فمات وتنحت الجارية، والله ما بي إلا ذعرها». # فقيل له: قد ظهرت يا ابن رسول الله. # قال: «قولوا لها: لا عليك أنت حرة لوجه الله، ولك مثل ما ثمنك ألف ~~وسبعمائة درهم». # فتعجبنا من ذلك وقلنا: قد كانت بالعقوبة أحق! # قال: «كلا إنا لا نؤاخذ بما لم تتعمده، وما عمدت ms219 لذلك، وقد خافت منا ~~فحقيق علينا أن نؤمن خوفها ونحسن إليها، وجميع ما نحن فيه عواري من الله ~~عندنا، يمتعنا بما يشاء من ذلك ويرتجع منه ما يشاء، وحمده وشكره واجب علينا ~~فيما أمتع وارتجع». PageV01P340 # قال سفيان: فقلت الله أعلم حيث يجعل رسالته [1]. # ولما قتل داود بن علي المعلى بن خنيس وأخذ ماله، أتاه جعفر بن محمد عليه ~~السلام فقال: «قتلت مولاي وأخذت مالي». # قال: ما قتلته. # قال: «ومن قتله؟» # قال: هذا، وأومى إلى شرطي بين يديه. # فهم به جعفر بن محمد عليه السلام، فجعل الشرطي يقول: تأمرني بقتل الرجل ~~فإذا قتلته بأمرك قلت: هو قتله؟ # ودار بين جعفر بن محمد عليه السلام وداود بن علي كلام، فقام جعفر بن محمد ~~عليه السلام عنه وهو يقول: «والله لأدعون الله عليك». # فقال داود: يهددنا بدعائه. # فقام جعفر بن محمد عليه السلام ليلته تلك قائما وساجدا وداعيا، وسمع يقول ~~في دعائه: «يا ذا القوة المتين، ويا ذا المحال الشديد، ويا ذا العزة التي ~~كل خلقك لها ذليل، عجل أخذك لداود وانتقامك منه». # فما أصبح حتى سمع الهائعة على داود، فإذا به قد مات تلك الليلة [2]. # وسعي بجعفر بن محمد عليه السلام إلى أبي الدوانيق وأوغر [3] عليه صدره، ~~فقال للربيع حاجبه: يا ربيع أتني بجعفر، قتلني الله إن لم أقتله. # فأحضره فلما قرب منه دعا بدعاء ثم دخل عليه فقال له: يا جعفر حاولت ~~الفتنة وأردت سفك دماء المسلمين، تلحد في سلطاني وتبغني الغوائل. PageV01P341 # فقال له جعفر بن محمد عليه السلام: «يا أمير المؤمنين ما فعلت ولا أردت، ~~فإن بلغك ذلك فمن كاذب- ثم قال-: ولو كنت فعلت لقد ظلم يوسف فغفر، وابتلي ~~أيوب فصبر، وأعطى سليمان فشكر، وهؤلاء أنبياء الله وإليهم يرجع نسبك». # قال: أجل ارتفع هاهنا. # فرفعه إليه وأجلسه على فراشه إلى جانبه، ثم دعا برجل فقال: ألست القائل ~~في هذا كذا وكذا. # قال: نعم. # قال: وأنت سمعت ذلك منه أو بلغته. # قال: بل سمعته. # قال: أفتحلف على ذلك؟ # قال: نعم. # ثم ms220 ابتدأ يحلف بالله الذي لا إله إلا هو. # فقال جعفر عليه السلام: «دعني أحلفه يا أمير المؤمنين، فإن العبد إذا مجد ~~الله ووحده استحى أن ينتقم منه وإن كذب». # قال: استحلفه كيف شئت. # قال له جعفر عليه السلام: قل: «برئت من حول الله وقوته وأسلمت إلى حولي ~~وقوتي إن لم يكن جعفر بن محمد قال كذا وكذا». # فقال الرجل ذلك، فما برح من مكانه حتى صرع ميتا. # فقال أبو الدوانيق: خذوا برجله لعنه الله، فجروه. # فلما انصرف أبو عبد الله عليه السلام لحقه الربيع فقال له: يا ابن رسول ~~الله رأيتك لما دخلت عليه حركت شفتيك، وأحسب أنك دعوت، فعلمني ما دعوت به. # فقال: «دعوت بدعاء جدي الحسين بن علي عليه السلام: يا عدتي عند شدتي، ويا PageV01P342 # غوثي عند كربتي احرسني بعينك التي لا تنام، واكفني برحمتك التي لا ترام» ~~[1]. # وأرسل إليه أيضا في شيء بلغه عنه فأتاه، فلما دخل عليه حرك شفتيه فرآه ~~فقال: # ما قلت؟ # قال: «يا أمير المؤمنين قلت: اللهم إنك تكفيني من كل شيء، ولا يكفيني منك ~~شيء، فاكفنيه يا كافي كل شيء». # قال له أبو الدوانيق: لا والله مثلك يترك. # فقال له أبو عبد الله: «يا أمير المؤمنين قد بلغت سنا من الكبر لم يبلغه ~~أحد من آبائي في الإسلام، ما أرى أصحبك إلا قليلا، وما أرى هذه السنة تتم ~~لي». # قال: فإن بقيت. # قال: «ما أراني أبقى». # فرق له فخلى سبيله، فمات في تلك السنة [2]. # وكان موته سنة ثمان وأربعين ومائة، وهو ابن ثمان وستين سنة [3]. # وقال فيه بعض الشعراء يرثيه: # يا عين ابك جعفر بن محمد %~% زين المشاعر كلها والمسجد [4] # ثم قال فيه مالك بن أعين الجهني يرثيه: PageV01P343 # فيا ليتني ثم يا ليتني %~% شهدت وإن كنت لم أشهد # فآسيت في بثه جعفرا %~% وساهمت في لطف العود # فإن قيل نفسك قلت الفدا %~% وكف المنية بالمرصد # عشية يدفن فيك الندى %~% وغرة زهر بني أحمد [1] ### || [خلافة الوليد بن عبد الملك] # وولي بعد عبد الملك بن مروان ms221 ابنه الوليد بن عبد الملك لعنه الله، وكان ~~قبيح الفعل، خبيث الولاية، بذيء اللسان سفيها، وذكره الواقدي فقال: كان ~~جبارا عنيدا، وهو أول من غير مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله عن بنائه ~~الذي بناه، وذلك في صفر سنة ثمان وثمانين، وكان قد ولى عمر بن عبد العزيز ~~المدينة، فكتب إليه يأمره بهدم مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وهدم ~~بيوت رسول الله صلى الله عليه وآله التي كان فيها أزواجه وإدخالها في ~~المسجد وإدخال ما يليها من الدور، حتى تكون مائتي ذراع في مائتي ذراع. # وأمره أن يقدم القبلة، وأمره أن يعرض على أهل الدور التي تلي المسجد ~~ببيعها، فإن باعوها منه وإلا أكرههم وأعطاهم قيمتها، ففعل ذلك عمر. # وكتب الوليد إلى ملك الروم يستعينه في بناء مسجد النبي صلى الله عليه ~~وآله، ويخبره أنه قد هدمه، ففرح بذلك ملك الروم وأرسل إليه مائة ألف دينار ~~ومائة عبد يعملون، وأرسل إليه من الفسيفساء أربعين جملا. # وأمر بأن يتتبع ما في المدائن التي خربت، ويوجه بما وجد منها إلى الوليد، ~~وأعجبه تغيير مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وهدمه، وأن يكون بناءه ~~بماله ورجاله، ليرى الناس أنه أهل له، فأرسل ذلك الوليد إلى عمر بن عبد ~~العزيز فبنى به مسجد PageV01P344 # النبي [1]. # واحتفر الوليد بن عبد الملك بئرا بمكة بين طوى والحجون، فخرج ماؤها عذبا ~~وترك الناس زمزم وكانوا يستقون منها، فأخبر بذلك الوليد فكتب إلى خالد بن ~~عبد الله القسري وكان قد استخلفه على مكة: أن يخطب الناس ويعرفهم فضله ~~بذلك. # وخطبهم على المنبر فقال: أيها الناس، أيهما أعظم خليفة الرجل على أهله أم ~~رسوله إليهم؟ # والله لو لم تعلموا فضل الخليفة على الرسول إلا بما شاهدتموه، إن إبراهيم ~~خليل الرحمن استسقاه لابنه اسماعيل فسقاه ملحا أجاجا، واستسقاه الخليفة لكم ~~فسقاكم عذبا زلالا. # فأكبر الناس ذلك من قوله، وانتهى إلى الوليد فأعجبه وحمده له، فأصبح ~~الناس يوما إلى تلك البئر التي احتفرها الوليد ليستقوا منها، فأصابوها قد ms222 ~~غارت وهوت وارتدمت، فلم يدر أين مكانها إلى اليوم [2]. # وأبقى الوليد خالدا بن عبد الله القسري على مكة إلى أن هلك الوليد لم ~~يعزله، ولا أنكر عليه ما قاله فيه من تفضيله على النبيين، لعنهما الله ومن ~~والاهما من الناس أجمعين [3]. PageV01P345 # وكان خالد بن عبد الله يخطب على منبر مكة فيقول: والله لا أوتي بأحد يطعن ~~على أمير المؤمنين- يعني الوليد لعنه الله- إلا صلبته في الحرم، ولا تقولوا ~~كيت وكيت، إنه لا رأى فيما كتب به الخليفة أو رآه إلا أمضاه، وبلغني أن ~~قوما من أهل الخلاف يأتون مكة فينزلون عند بعض أهلها، ولا أوتي بأحد نزل ~~عنده أحد من أهل الخلاف إلا هدمت منزله، فانظروا من تنزلونه [1]. وذلك أن ~~الحجاج كان أشار بولايته، فنظر إلى كل من هرب من العراق من الحجاج فأخرجهم ~~من مكة ووجه بهم إليه. # وكان فيمن وجه إليه سعيد بن جبير، فقال الحجاج: لعن الله ابن النصرانية- ~~يعني خالدا- أترى أني لم أعرف مكان سعيد بمكة؟ والله لقد عرفت ذلك، وعرفت ~~الدار التي كان بها. # وكان كره قتله فقتله الحجاج، ولم يلبث بعده إلا نحوا من أربعين يوما لم ~~ينم فيها، كان إذا نام رآه آخذا بمجامع ثيابه يقول: لم قتلتني يا عدو الله. # فينتبه فيقول: مالي ولسعيد بن جبير [2]. # وحج الوليد سنة إحدى وتسعين، فأكرم خالدا وعظم حرمته، وتوجه إلى المدينة ~~ومسجد رسول الله صلى الله عليه وآله يبنى، فأمر بإخراج من فيه ودخل وحده مع ~~عمر بن عبد العزيز ينظر إلى عمله، وكان في المسجد سعيد بن المسيب، فلم يقم ~~إليه ولم يخرج فيمن خرج، فجعل عمر بن عبد العزيز ينكب به عنه لئلا يراه، ~~إلى أن حانت من PageV01P346 # الوليد التفاتة فرآه فقال: من هذا؟ لعله سعيد. # فقال عمر بن عبد العزيز: هو يا أمير المؤمنين، ومن حاله وحاله، وجعل ~~يطريه وقال: هو ضعيف البصر، ولو رآك لأتاك وسلم عليك. # ومشى الوليد حتى وقف عليه وسلم عليه وسأله عن حاله. # فقال: أنا بخير والحمد لله رب ms223 العالمين. # ولم يقم إليه ولا حفل به، لعلمه بسوء حاله، وقيل له قبل أن يأتيه: هذا ~~أمير المؤمنين فقم إليه. # فقال: لا والله ولا كرامة له. # وخطب الناس بمسجد رسول الله صلى الله عليه وآله يوم جمعة، فخطب الخطبة ~~الأولى جالسا، فقيل له في ذلك. # فقال: كذلك فعل معاوية. # قيل له: فإن رسول الله صلى الله عليه وآله والخلفاء بعده لم يفعلوه؟ # فقال: ما سنه لنا معاوية اقتدينا به فيه. # وإنما فعل ذلك معاوية لما أسن وضعف، ولم يكن له أن يفعل ذلك إلا أن يخالف ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وآله [1]. # وكتب عمر بن عبد العزيز إلى الوليد يخبره بما يتصل به عن الحجاج من ظلمه ~~وفسقه وغشه وما حل بأهل العراق منه وينصح له فيه، وذلك أن قوما هربوا من ~~العراق من جوره ونزلوا المدينة، ولم يلتفت إلى قوله، وبلغ الحجاج ذلك، فكتب ~~إلى الوليد: أن من مراق أهل العراق قد لجئوا إلى المدينة ولاذوا بعمر بن ~~عبد العزيز، وأني لا آمنه عليك. # فعزله الوليد عن المدينة واستعمل مكانه عثمان بن حيان، وكان الحجاج هو ~~أشار PageV01P347 # به عليه، وهو أشار أيضا عليه بتولية خالد بن عبد الله القسري على مكة، ~~على أن عمر ابن عبد العزيز لم يأل الوليد طاعة [1]. # وقد كتب إليه في ضرب حبيب بن عبد الله بن الزبير، فضربه بالسياط في يوم ~~شات، وصب عليه قربة من ماء بارد، ووقفه على باب المسجد حتى كز [2] فمات، ~~فما نفعه ذلك عنده ولا أغنى عنه لديه [3]. # وصير عثمان على من كان وجده من أهل العراق في عمله في جوامع، وبعث بهم ~~إلى الحجاج، وخطب أهل المدينة فتوعدهم وحذرهم أن يأوي أحد منهم أحدا من أهل ~~العراق، إلا عاقبه أشد العقوبة وهدم منزله، وقال في خطبته: والله ما اختبرت ~~أحدا من أهل العراق قط إلا وجدته يقول في آل أبي طالب ما يقول [4]، يعني ~~يتولاهم. # وكانت ولاية عثمان [على] المدينة سنة أربع وتسعين. # وخرج الوليد يريد الحج، ms224 فلما كان بوادي القرى جرى بينه وبين أخيه مروان ~~كلام فشتمه الوليد شتما قبيحا تجاوز فيه إليه وأمضه، فأراد مروان أن يرد ~~عليه فبادر عمر بن عبد العزيز فوضع يده على فيه ليسكته، فقال: ويحك قتلتني ~~رددت غيظي في جوفي. # فما راحوا من وادي القرى حتى دفنوه، وفيه يقول الشاعر: # لقد غادر الركب اليمانون اذ غدوا %~% بوادي القرى جلد الجنان مشيعا PageV01P348 # فسيروا فلا مروان للقوم إذ غدوا %~% وللركب إذ أمسوا مكلين ~~جوعا [1] # وكان الوليد يوصف بالحمق والرقاعة [2] والسفه، وهذا من إفراط ذلك فيه أن ~~يكون من تسمى بالخلافة وادعى أمرة المؤمنين، يسفه على أخيه ويشتم شتما ~~قبيحا يبلغ به الموت. # ومات الحجاج لعنه الله في زمن الوليد بدمشق، ثم مات الوليد بدمشق سنة ستة ~~وتسعين، وهو ابن ثمان وأربعين سنة، وكانت ولايته تسع سنين وثمانية أشهر. ### || [خلافة سليمان بن عبد الملك] # ثم ولي من بعده سليمان بن عبد الملك، وكان نهما مستهترا بالنساء، همه ~~بطنه وفرجه، لا يبالي من حيث نال ذلك، ومضى على سيرة من تقدمه من إظهار لعن ~~علي عليه السلام وسوء السيرة والاستيثار بأموال المسلمين، وكان معجبا ~~بنفسه، يطري بجماله وكماله [3]. # وقيل: إن جارية من جواريه نظرت إليه يوما وهو يراها وهي بين يديه فأدامت ~~النظر، فقال لها: ما تنظرين؟ # فأنشأت تقول: # أنت خير المتاع لو كنت تبقى %~% غير أن لا بقاء للإنسان # ليس مما علمته فيك عيب %~% كان في الناس غير أنك فان # فلم يعجبه أن نعته إلى نفسه، وغضب ونفض عمامته وانزوى عنها [4]. PageV01P349 # وقيل: إنه دعا يوم جمعة بثياب ليلبسها ويخرج إلى الجمعة فلم تعجبه، فدعا ~~بغيرها فلم تعجبه، حتى دعا بكثير من الثياب كل ذلك لا يعجبه فردها، إلى أن ~~أتي بثياب خضر من خز بعث بها يزيد بن المهلب فأعجبته فلبسها، ثم أعتم فنظر ~~في المرآة فأعجبته نفسه، فقال لمن كان بحضرته: كيف تروني؟ # فقالوا: من أحسن ما رأينا. # فحسر عن ذراعيه وقال: أنا الملك الشاب. # إعجابا بنفسه، وخرج إلى الجمعة فصلى بالناس، ms225 وكان آخر جمعة صلاها [1]. # ومات يوم الجمعة لعشر ليال مضين من صفر، وكانت ولايته سنتين وثمانية أشهر ~~إلا خمسة أيام [2]. # وكان سبب موته: أن بعض من كان يهاديه قبل أن يلي قال له لما ولي: لا تقطع ~~عني ما كنت عليه. # قال: فأتيته بزنبيلين: أحدهما فيه بيض مسلوق، والآخر فيه تين. # فقال: قربه إلي وناولني منه. # قال: فجعلت أقشر البيضة وأضعها على التينة فيأكلها حتى أتى على جميعه. # وكان ذلك سبب موته، وكان من المنهومين والمعدودين من المستأكلين [3]. # قال الشمرذل: مر سليمان بن عبد الملك يريد الطائف فدخلت عليه، فقال: # يا شمرذل ويحك أعندك شيء تطعمني إياه؟ # وكنت قد عرفت ذلك منه، فأعددت له فقلت: بلى والله إن عندي لجديا كانت PageV01P350 # تروح عليه بقرة وتغدو أخرى. # قال: أعجل علي به. # فأتيته به كأنه عكة سمن، وكان معه عمر بن عبد العزيز فقال: ادنه يا أبا ~~حفص. # قال: إني صائم. # فأكل وحده حتى أتى على الجدي، فقال: ويحك يا شمرذل ما عندك غير هذا؟ # قلت: نعم عندي ست دجاجات كأنهن ريبال النعام. # قال: قربهن. # فقربتهن إليه فأتى عليهن، قال: وكان ذلك هو الذي أعددت له. # قال: فقال: ويحك يا شمرذل أعندك شيء؟ # قلت: لا والله إلا أن عندي جذيذة كأنها قراضة الذهب. # قال: هاتها. # فأتيته منها بعيس يغيب الرأس فيه، فجعل يشرب حتى أتى عليه، ثم تجشأ كأنه ~~صاح في جيب، ثم قال لطباخه: يا غلام أفرغت من غدائنا؟ # قال: نعم. # قال: أعرضه علي. # فأتاه به قدرا قدرا، وقد وضع بين يديه طبقا مملوءا رقاقا، وأكل من كل قدر ~~عرضها عليه من ثلاث لقم إلى لقمة، وكانت نيفا وثمانين قدرا، ثم قال: ائذن. # فأتاه أهل مائدته وجلس معهم فأكل كأكل أنهمهم. # وقيل: إنه لم يوجد له ثوب إلا وفيه أثر الدسم من شدة نهمته، فترك عمر بن ~~عبد العزيز لولده كل ثوب رأي فيه ذلك كان في خزانته، وضم ما لم يجد ذلك فيه ~~إلى بيت المال، وعلم أنه لم يكن ms226 يلبسه، وإنما كان ترك لولده من ثيابه ما ~~كان قد لبسه، وهذه من همم الأشرار وأفعال الكفار. PageV01P351 # قال رسول الله صلى الله عليه وآله: «المؤمن يأكل في معاء واحد والكافر في ~~سبعة أمعاء» [1]. ### || [خلافة عمر بن عبد العزيز] # ولم يكن له ولد كبير، فلما عهد إلى بعض بنيه وهو صغير لم يبلغ، قيل له: ~~إن مثله لا يقوم بهذا الأمر، اعهد إلى عمر بن عبد العزيز، واجعل العهد بعده ~~ليزيد بن عبد الملك، وكان غائبا. # وقال: إن لم أجعل لبني عبد الملك أمرا يرضيهم لم يتم لعمر معهم ما يريد. # وغضب هشام وأبى أن يبايع عمر، حتى هموا بقتله، وأظهر عمر بن عبد العزيز ~~كراهة ذلك الأمر ولم يدعه، فلما ولي بعده عمر بن عبد العزيز، أمسك عن لعن ~~علي عليه السلام ونهى عنه، ورد فدكا لولد فاطمة عليها السلام. # فقام في ذلك عليه بنو أمية وقالوا: أتظلم أبا بكر وعمر ومن مضى من سلفك؟ # فاسترجع ذلك، وكان يغتله ويزيد عليه ويبعث به سرا إلى ولد فاطمة عليها ~~السلام فيقسم فيهم [2]. # وأظهر التعفف والتورع عما كان عليه سلفه، فذهب الناس به ورأوا أنه قد ~~عدل، وكان إذا خلا مع من يأمنه ويثق به ذكر ظلم سلفه واغتصابهم ما هو في ~~يديه. # فقال له ابنه عبد الله يوما: يا أبت فهل برئت من هذا الأمر ورددته إلى ~~أهله من ذرية رسول الله صلى الله عليه وآله؟ # فقال: يا بني لو فعلت ذلك لقتلت وقتلوا. PageV01P352 # وتكلم يوما مع شوذب الخارجي فذكر ظلم سلفه، فقال له شوذب: فلم لا تلعنهم ~~وتبرأ منهم؟ # فقال له: فمتى عهدك أنت تلعن فرعون والبراءة منه؟ # قال شوذب: لا عهد لي بذلك. # قال: أيسعك ترك ذلك من فرعون ولا يسعني تركه من قومي [1]؟ # فرأى أنه جاء بحجة وهذه غاية الجهل بالمناظرة، وشوذب لم يتوسل بفرعون إلى ~~شيء هو في يديه ولا تولاه كما تولى هذا قومه، وحاز ما اغتصبوه من بعدهم ~~وجلس مجلسهم، وشهادته بالظلم عليهم وهو يتوالاهم ms227 ويركن إليهم، شهادة لنفسه ~~بالنار ولهم باللعنة، لأن الله يقول: @QUR05 ألا لعنة الله على الظالمين ~~[2] وقال: @QUR07 ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار [3]. # وقد قيل: إن سيرة عمر بن عبد العزيز إنما حمدت وذكرت بخير، لما كانت ~~ولايته بعقب ولاة قد بدلوا أكثر شرائع الدين وسنن الإسلام، وكان الناس معهم ~~من الجور والظلم والتهاون بحرمات الدين في شيء صغر في جنب ما عاينوه منه، ~~فوصفوه بالورع والنسك. # قالوا: وكيف يكون كذلك من جلد خبيب بن عبد الله بن الزبير مائة سوط في ~~يوم بارد ثم صب عليه جرة ماء بارد حتى كز فمات، فما وداه ولا استغفر وليه ~~من دمه، وما كان خبيب ممن لزمه ذلك، ولو لزمه الضرب فكيف يعذب بمثل هذا ~~العذاب PageV01P353 # المميت [1]؟ # قيل: ومما يدل على أنه على ما كان عليه من قبله، من سوء الحال الذي حسنت ~~حاله بعدهم عند الناس، أن كثير عزة لما بالغ في مدحه قال: # وليت فلم تشتم عليا ولم تخف %~% بريئا ولم تتبع مقالة مجرم [2] # فدل ذلك على أن من كان قبله كانوا يفعلون ذلك، وقد فعلوا أكثر منه، ~~وخالفوا أحكام الدين وتركوا أمر رب العالمين، وحكموا بأحكام ملوك العجم، ~~وزعموا أن ذلك من الرأي في الحكم والتدبير، كأن الناس عندهم لا يصلحون على ~~تدبير أحكامه الله وسنن رسوله وأنبيائه، وإنما يصلحون على تدبير ملوك ~~الأرض، وهذا من أعظم الرد على الله وعلى رسله، ولو لم يعب عمر فعلهم، لكان ~~أجدر به من أن يعيبهم ويتولاهم. # وقد قيل: إنه لما جاء موت الحجاج إلى الوليد بن عبد الملك قال له: ما كان ~~أحسن رأي الحجاج فيك يا أبا حفص؟ # فقال: فهل كان الحجاج يا أمير المؤمنين إلا منا أهل هذا البيت [3]، وكفى ~~بمن تولى الحجاج فيه. # وقيل: إنه لما بلغه أن سليمان بن عبد الملك يوصي، جلس على طريق من يدخل ~~إليه، فمر به رجاء بن حيوة وهو يريد الدخول إلى سليمان، فقال له: أنشدك ~~بالله أن تذكرني لهذا الأمر وتشير ms228 بي، فو الله ما لي عليه طاقة. PageV01P354 # فقال له رجاء: قاتلك الله ما أحرصك عليها [1]. # وهذا من أقبح الحرص وأقبح التعريض والاستخفاف بالرأي. # واستجداه رجل من أهل بيته وذكر له دينا فادحا لزمه، وعيالا كثيرا له، ~~فاعتل عليه ولم يأمر له بشيء. # فقال له الرجل: فهلا اعتللت على عبد الله بن الحسن؟ # فقال له: ومتى شاورتك؟ # قال له الرجل: أو مشير تراني؟ # قال: أو هل أعطيته إلا بعض حقه؟ # قال: ولم قصرت به عن كله؟ # فأمر بإخراجه وأقصاه وحرمه وكان آخر عهده به [2]. # وولى عبد الرحمن بن عبد الله القشيري أحد بني الأعور الخراج بخراسان، ~~وولى عبد الرحمن بن النعيم الصلاة والحرب بها، وكتب إلى أهل خراسان: أني ~~استعملتهما عن غير معرفة مني بهما، فإن كانا على ما تحبون فاحمدوا الله، ~~وإن كانا على غير ذلك فاستعينوا بالله ولا حول ولا قوة إلا به [3] # ومثل هذه الأمور لا ينبغي أن يستعمل عليها من لا يعرف، ومن العجب أنه كتب ~~في عهد عبد الرحمن بن نعيم لما بعثه هذا المبعث: أما بعد، فكن عبدا ناصحا ~~لله في عباده ولا تأخذك في الله لومة لائم، فإن الله أولى بك من الناس وحقه ~~عليك أعظم، ولا تولين شيئا من أمور المسلمين إلا المعروف بالنصيحة لهم ~~والتوفير عليهم، وأداء PageV01P355 # الأمانة فيما استرعى، وإياك أن يكون ميلك ميلا إلى غير الحق، فإن الله لا ~~تخفى عليه خافية، ولا تذهبن عن الحق مذهبا، فإنه لا ملجأ من الله إلا إليه ~~[1]. # فأمره أن لا يولي إلا من يعرفه بالخير وهو قد ولاه على الدين والأنفس ولا ~~يعرفه، وذلك ما لا ينبغي اختيار الناس فيه من غير معرفتهم ونقض قوله بقوله. # ومما يؤكد ذلك عليه: أنه ولى الخراج بخراسان بعد القشيري عقبة بن زرعة ~~الطائي، وكتب: إن للسلطان أركانا لا يثبت إلا بها، فالوالي ركن، والقاضي ~~ركن، وصاحب بيت المال ركن، والركن الرابع أنا، وليس من ثغور المسلمين ثغرا ~~أهم إلي ولا أعظم عندي من ثغر خراسان، فاستوعب ms229 الخراج وأحوزه في غير ظلم، ~~فإن كان كفافا فامر عطائهم فسبيل ذلك، وإلا فاكتب إلي أحمل إليك الأموال ~~[2]. # فهذا أيضا ما يؤكد أمر ما غرر فيه أولا ولو كان هذا من غيره، لكان حجة ~~عليه، فكيف وهو منه عليه؟ # ومات عمر بن عبد العزيز بخناصرة [3]، يوم الأربعاء لخمس ليال بقين من ~~رجب، سنة إحدى ومائة وهو ابن تسعة وثلاثين سنة وأشهر، ودفن بدير سمعان [4]. PageV01P356 ### || [خلافة يزيد بن عبد الملك] # وولي بعد عمر بن العزيز يزيد بن عبد الملك، وكان منهمكا في الخلاعة ~~والبطالة، وهو صاحب حبابة وسلامة المشهور بهما، وسماع للغناء واللهو، لا ~~يرفع رأسه منه. # قال الميداني: وكانت حبابة وسلامة قينتين بالمدينة، فأما سلامة فكانت ~~لسهيل بن عبد الرحمن، ولها يقول ابن قيس الرقيات: # لقد فتنت ريا وسلامة القسا %~% فلم تتركا للقس عقلا ولا نفسا # فتاتان أما منهما شبيهة %~% الهلال وأخرى منهما تشبه الشمسا # اختان إحداهما كالشمس طالعة %~% في يوم دجن وأخرى تشبه القمرا [1] # هذا هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار من بني جشم بن معاوية، وكان ~~قد فتن بسلامة، وفيها يقول: # أهابك أن أقول بذات نفسي %~% وأني لو اطعت القلب قالا [2] # وكان القيس هذا عابدا ورعا، فسمع غناء سلامة عن غير تعمد، فبلغ ذلك منه ~~كل مبلغ، فرآه مولاها فقال: هل لك أن تدخل فتسمع؟ # فأبى، فقال له مولاها: اقعدها لك في موضع تسمع غناءها ولا تراها ولا ~~تراك. # فأبى، فلم يزل به حتى دخل وأسمعه غناءها، فزاد إعجابا بها فقال له ~~مولاها: هل لك أن أخرجها إليك؟ # فأبى، فلم يزل به حتى أخرجها وأقعدها بين يديه، فتغنت فشغف بها وشغفت به ~~واختلف إليها. # فقالت له يوما: أنا والله أحبك. PageV01P357 # قال: وأنا والله أحبك. # قالت: وأحب أن أضع فمي على فمك. # قال: وأنا أحب ذلك. # قالت: وأحب أن ألصق بطني ببطنك. # قال: وأنا أحب ذلك. # قالت: فما يمنعك، فو الله إن الموضع لخال؟ # قال: إني سمعت الله عز وجل يقول: @QUR07 الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو ms230 ~~إلا المتقين [1] وأنا أكره أن تكون خلة ما بيني وبينك [تؤول بنا] عداوة، ثم ~~قام فانصرف، وعاد إلى ما كان عليه من النسك [2]. # ومن قوله فيها أيضا: # إن التي طرقتك بين ركائب %~% تمشي بمزهرها وأنت حرام # لتصيد قلبك أو جزاء مودة %~% إن الرفيق له عليك ذمام # باتت تعللنا وتحسب أننا %~% في ذاك أيقاظا ونحن نيام # حتى إذا سطح الصباح لناظر %~% فإذا وذلك بيننا أحلام # قد كنت أعذل في الصبابة أهلها %~% فأعجب لما تأتي به الأيام # فاليوم أعذرهم وأعلم إنما %~% سبل الضلالة والهدى أقسام [3] # وقال فيها أيضا: # ألم ترها لا يبعد الله دارها %~% إذا رجعت في صوتها كيف تصنع # تمد نظام القول ثم ترده %~% إلى صلصل من صوتها يترجع PageV01P358 # وقال فيها أيضا: # ألا قل لهذا القلب هل أنت مبصر %~% وهل أنت عن سلامة اليوم مقصر # ألا ليت إني حيث طارت بها النوى %~% جليس لسلمى كل ما عج مزهر # وقال فيها أيضا: # سلام ويحك هل تحبين من مبتل %~% أو ترجعين على المحزون ما فاتا # وقال فيها أيضا: # سلام هل لي منكم ناصر %~% أم هل لقلبي عنكم زاجر # قد سمع الناس بوجدي بكم %~% فمنهم اللائم والعاذر # في أشعار له كثيرة قد شهر بها. # وأما حبابة، فكانت لرجل من أهل المدينة يقال له ابن سيناء [1]، فبلغ ~~خبرها يزيد قبل أن يلي، فأعطاه فيها خمسة آلاف دينار وبلغ ذلك أخاه سليمان ~~فأنكره عليه، فاستقال مولاها فأقاله، وكان اسمها يومئذ: عالية، فاشتراها ~~رجل من أهل مصر فسار بها، فلما ولي يزيد اشترى سلامة القيس من مولاها سهيل ~~بن عبد الرحمن، وسأل عن عالية، فأخبر بخبرها فتأسف عليها. # فأرسلت سعدة امرأة يزيد- وكانت من آل عثمان بن عفان- مولاها فاشتراها من ~~مصر بأربعة آلاف دينار وقدم بها عليها. # فهيأتها وأجلستها في بيت، وقالت له: هل بقي إليك شيء من الدنيا لم تنله؟ # قال: نعم. # قالت: وما هو؟ # قال: العالية. # قالت: فتعرفها إذا رأيتها؟ PageV01P359 # قال: نعم والله أعرفها. # فأخرجتها إليه فقال: نعم هي والله. # قالت: فهي لك، وأحلتها فحظيت عنده ms231 لذلك الفعل الذي فعلته [1]. # وأقبل يوما إلى البيت الذي هي فيه، وقام من وراء الستر فسمعها تترنم، ~~فوقف من حيث لا تراه ولا علمت به فسمعها تقول: # كان لي يا يزيد حبك حينا %~% كاد يقضي علي يوم التقينا # فرفع الستر، فرآها مضطجعة على خشبة لها، مقبلة بوجهها على الجدار، فعلم ~~أنها لم تعلم، فألقى بنفسه عليها ووقعت منه موقعا، وسماها حبابة لحبه إياها ~~[2]. # وغنته يوما فقال: أطير والله. # قالت: فإلى من تدع الناس جعلت فداك؟ # قال: إليك [3]. # وغنته يوما آخر بهذه الأبيات: # وبين التراقي والفؤاد حرارة %~% مكان الشجى ما تطمئن فتبرد # فأهوى ليطير، فقالت: لا تفعل، بنا إليك حاجة. # وغلبت عليه هي وسلامة، فلم يكن ينفك مضطجعا ومغتبقا معهما ومع غيرهما من ~~المغنين، وانهمك في ذلك وأعرض عن أمور الناس، فعاتبه مسلمة بن عبد الملك في ~~ذلك ووبخه وخوفه سوء العواقب، وقال: تركت شهود الجماعة والصلاة والجلوس ~~للناس والركوب والنظر في مصالح الرعية. # فجلس للناس وأمر ونهى ونظر في الأمور. PageV01P360 # فقالتا له: ما هذه الجفوة؟ # فقال: خفت فساد الأمر. # فقالتا: فاجعل لنا منك حظا في الليل. # ففعل، وأرسلتا إلى الأحوص أن يقول في ذلك شعرا فقال: # وما العيش إلا ما تلذ وتشتهي %~% وان لام فيه ذو الشنان وفندا # بكيت الهوى جهدي فمن شاء لا مني %~% ومن شاء آسى في البكاء وأسعدا # وإني وإن فندت في طلب الهوى %~% لأعلم أني لست في الحب واحدا # إذا كنت عزفت عن اللهو والصبا %~% فكن حجرا أملس الصخر جلمدا # فصاغتا له لحنا وغنتاه، فضرب الأرض بخيزرانه وقال: صدقتما والله، على ~~مسلمة لعنة الله عليه وعلى ما جاء به. # وكان يزيد إذا دب فيه الشراب وطابت نفسه، عنى ورقص ودار في جوانب الدار ~~وصرخ، فلما رأتاه قد بلغ ما يفعل له ذلك غنتاه من هذا الشعر وهو طويل، إذا ~~بلغنا قوله: # وإني لأهواها وأهوى لقاءها %~% كما يشتهي الصادي الشراب المبردا # علاقة حب لج في سنن الصبى %~% فأبلى وما يزداد إلا تجددا # فقام فرقص في جوانب الدار، ms232 وقال: لمن هذا الشعر؟ # قالتا: للأحوص، فأمر له بصلة وكسوة [1]. PageV01P361 # وكان إذا أجلس حبابة عن يمينه وسلامة عن يساره فغنتاه: # وترى لها دلا إذا نطقت %~% تركت بنات فؤاده صغرا # فاختلفتا فيه، فقال: ما هذا الاختلاف، من أين أخذت كل واحدة منكما؟ # قالتا: من معبد. # فأرسل في طلب معبد فسأله فقال: القول ما قالته حبابة. # فقالت له سلامة: والله يا ابن الفاعلة إنك لتعلم إن القول ما قلت، ولكنك ~~علمت أن حبابة آثر مني عند أمير المؤمنين فاتبعت هواه. # فضحك يزيد وطرب وأخذ وسادة فصيرها على رأسه وقام يدور في الدار ويرقص ~~ويصيح: السمك الطري أربعة أرطال، حتى دار الدار كله، ثم رجع فقال شعرا وأمر ~~معبدا أن يغني به، وهو: # أبلغ حبابة استقي ربعها المطر %~% ما للفؤاد سوى ذكراكم خبر # إن ساد صحبي لم أملك تذكرهم %~% أو عرسوا فهم التذكار والسمر # فغناه، وبأشعار أخر فطرب وسر ووصله [1]. # وقيل: إنه قال لحبابة يوما: قد وليت ما وراء بابي مولاي فلانا لكي أخلو ~~معك. # قالت: فإني أنا قد عزلته. # فغضب عليها ثم رجع إليها فقال لها: قد عزلته. # قالت: فإني قد وليته. # قال: الأمر إليك. # وقيل: إن حبابة كانت قبل أن تصير إلى يزيد وهي بالمدينة، كان لها رجل ~~يواصلها يقال له: البيداق، وكان يقرأ بألحان ويغني، فأطرته ليزيد فأمر ~~بإحضاره، فأدخل إليه وهو على فراش وحبابة على فراش، فسلم فأمرته حبابة ~~بالجلوس فجلس، وقالت: PageV01P362 # هيه. # فظن أنها تريد القرآن فقرأ، فانقبض يزيد، فأومت إليه أن غن فغناه شعرا: # أنت زودته الجوى %~% بئس زاد المزود # من لصب معمدها %~% ثم القلب مقصد # ولو أني لم أرتجيك %~% إذا خف عودي # تأويا تحت حفرة %~% عند رمس بفدفد # غير أني أعلل النفس %~% باليوم والغد # فطرب يزيد ورماه بطبق ذهب كان بين يديه مرصع بجوهر. # فأومأت إليه حبابة أن يأخذه فأخذه وأدخله كمه، فقال يزيد: يا حبابة ألا ~~ترين ما صنع؟ # قالت: يا أمير المؤمنين إنه إليه لمحتاج. # فضحك وأمر له مع ذلك بمائة دينار. # وقيل: إن ms233 يزيد لما لم يجد فيه أحد ممن كان يرجوه صلة، وانهمك في الخلوة ~~بالقينات، كلموا مولى له كان شيخا خراسانيا، وكان ذا بلاء عظيم عنده وكانت ~~فيه لكنة، فكلمه ونصح له. # فقال له يزيد: اسمع هذا الذي تنهاني عنه فإن استقبحته فانهني عنه، ولكني ~~أقول للجواري: إنك عم من عمومتي، وإياك أن تتكلم فيعلمن بك فينالك منهن ما ~~تكره. # وقدمه إليهن أن عمه يريد أن يسمعهن وأن يأخذن أنفسهن بالتحفظ، وأدخله ~~فسقاه كئوسا حتى خالطه الشراب، وأمرهن فغنين بصوت واحد: # وقد كنت آتيكم بعلة غيركم %~% فأفنيت علاتي فكيف أقول # فطرب الشيخ وقال: لا قيف والله، يريد لا كيف. # فعرفن أنه ليس بعمه، فقمن بالعيدان إلى رأسه يردن أن يكسرنها عليه، فحال ~~دونه وقال له بعد ذلك: كيف ترى أن ندع ما سمعت؟ PageV01P363 # فقال: لا والله. # فكانوا إذا عذلوه قال: سلوا فلانا يخبركم عما سمع، فإن رأى تركه تركته. # وكان سليمان بن عبد الملك لما ولي عمر بن عبد العزيز جعل يزيد بن عبد ~~الملك بعده، وقد ذكرناه ذلك والعلة فيه، فخرج قوم من الخوارج على عمر بن ~~عبد العزيز فأرسل إليهم يناشدهم وقال: ابعثوا إلي من أناظره، فإن كان الحق ~~معكم صرت إليه. # فبعثوا إليه رجلين فناظراه، فكان مما قطعاه به أن قالا له: ما تقول في ~~يزيد بن عبد الملك هل ترضاه للمسلمين؟ # قال: لا. # قالا: فلم جعلته الخليفة بعدك؟ # قال: غيري جعله. # قالا: فلو وليت مالا لغيرك فأجريته إلى غير مأمون عليه أكنت أديت ~~الأمانة؟ # قال: انظراني ثلاثا أنظر في جواب هذا. # فخرجا عنه، وبلغ الخبر إلى يزيد، فقيل: إنه دس إليه سما، فسقاه فمات منه ~~قبل الثلاث [1]. # وماتت حبابة في حياة يزيد، فجزع عليها جزعا شديدا وأقام أياما لا يخرج ~~ولا يجلس للناس حتى عوتب في ذلك، وخاف أمر الناس فخرج وهو يقول: # فإن تسل عنك النفس أو يذهل الهوى %~% فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد [2] # وبقيت سلامة إلى أن مات، وخرجت أمام جنازته في وصائف لها وهي ms234 تقول: # لا تلمنا أن خشعنا %~% أو هممنا بالخشوع PageV01P364 # قد لعمري بت ليلي %~% كأخى الداء الوجيع # ثم بات الهم مني %~% دون من لي من ضجيع # للذي حل بي اليوم %~% من الأمر الفظيع # كلما أبصرت ربعا %~% خاليا فاضت دموعي # قد خلا من سيد كا %~% ن لنا غير مضيع # ثم تنادي: وا أمير المؤمنين [1]. # وكانت وفاته يوم الجمعة لخمس ليالي بقين من شعبان، سنة خمس ومائة، وهو ~~ابن خمس وثلاثين سنة، وصلى عليه الوليد ابنه وهو ابن خمس عشرة سنة، ومات ~~ببلقاء [2]. ### || [خلافة هشام بن عبد الملك] # وولى بعده هشام بن عبد الملك، وطالت ولايته [حتى] بلغت زهاء عشرين سنة. # وكان موصوفا بالغلظة والشدة في الأمور والبخل، وكان أحول، ومطل الجند ~~بأرزاقهم عطاء بعد عطاء، حتى حصل له بذلك المطل عطاء سنة، فقيل: سرق الجند ~~عطاء سنة، وسمي لذلك الأحوال السراق [3]. # وقيل: إنه أخرج لأهل المدينة عطاء في سنتين وضرب عليهم فيه ثلاث بعوث. # وقال في ذلك بعض الشعراء شعرا: # كيف يصفوا لنا بها الدهر عيش %~% أو تخف الظهور من حمل دين PageV01P365 # وبعوث ثلاثة في عطاء %~% وعطاء يكون في سنتين # وقيل: إن شاعرا أنشده شعرا يمدحه فيه، فقال فيما أنشد منه: # رجاك أنساني تذكر إخوتي %~% ومالك انساني بخرشين ماليا # فقال هشام: ذلك حمق لك. # وقال له أخوه مسلمة قبل أن يلي: أتطمع في الخلافة وأنت جبان بخيل؟ # قال: وإن كنت كذلك، فأنا حليم عفيف [1]. # فاعترف بالجبن والبخل وهما من أسوأ الحالات، وادعى الحلم والعفة ونفت عنه ~~أفعاله ذلك. # وأنشده أبو النجم ارجوزة مدحه بها بعد أن استنشده إياها التي ابتداؤها: # الحمد لله الوهوب المجزل. # ومر فيها، فما زال هشام يصفق بيده استحسانا لها إلى أن ذكر الشمس، فقال: # وهي في الأفق كعين الأحول. # فتغير هشام لما كان أحول، وأمر فوجئ قفاه [2]. # وهذا ضد ما ادعاه من الحلم، مع ضعف شديد وجهل عظيم. # فأما دعواه العفة، فليس بعفيف من سرق الإمارة، وخان الله ماله، واقتطع ~~أموال عباده. # ومما يوصف من سخفه وضعفه: أن حاديا ms235 حدى به وهو على بختي فقال: # إن عليك أيها البختي %~% اكرم من يمشي به المطي # فقال: صدق والله وهذه الرقاعة العظيمة [3]. PageV01P366 # ووقع بينه وبين سليمان بن عبد الملك اختلاف، فقال: والله لأشكونه يوم ~~القيامة إلى أمير المؤمنين عبد الملك [1]. # وهذا هو أيضا من الحمق البين والسخف والضعف. # وقيل: إن عبد الملك رأى في منامه: أنه بال في محراب المسجد أربع مرات. # فقص رؤياه على بعض المعبرين فقال له: يلي هذا الأمر أربعة من ولدك [2]. # فأعجبه ذلك من عبارته، والبول في المسجد حدث في الدين لا سيما في ~~المحراب، وولي من ولده أربعة هشام رابعهم، وهم كما رأى إحداث في الدين ~~ونجس، كالبول الذي رآه أبوهم، بل هو وهم أنجس من ذلك. # وكان عمر بن عبد العزيز لما ولي عمد إلى كل ثوب لبسه سليمان فتركه لولده، ~~وورثهم إياه وجعل ما سوى ذلك مما تركه في بيت المال، فاتخذ هشام من مال ~~الله وأموال المسلمين من رفيع الطراز وخزه ما قيل: إنه يحمل على سبعمائة ~~جمل مقطوعا كله، قد لبس ذلك وآثر فيه ليورثه بنيه، ولئلا يعرض لهم فيه من ~~يصير إليه الأمر من بعده. # وكان قد بالغ في استجادته والمغالات في أثمانه، ليوفر لهم الأموال، وعلم ~~ذلك أهل الطراز فكانوا يبالغون له في الجودة، ليكثر لهم الثمن إذ كان ~~يزيدهم على القيمة ويعطيهم ما لا يجدونه من الثمن ويربحهم ربحا كثيرا، ~~فبالغوا في تحسين الطراز وجودته لذلك، ولأنه لم يكن يشتري منه إلا الرفيع. # وكان من بعض خيانته التي ادعى معها العفاف، وأسوأ الخيانة حالا من استكثر ~~من الخيانة لمن بعده، وتقلد له وزره وباء بإثمه وارتحل بتباعاته لغيره، ~~ولذلك قال هارون وقد سمع شعر الكثير يمدح به بعض بني مروان فاستحسنه، فقال ~~له يحيى بن PageV01P367 # خالد: يا أمير المؤمنين ما مدحكم به مروان بن أبي حفصة أجود من هذا، وهو ~~الذي يقول: # نور الخلافة في المهدي نعرفه %~% وذلك النور في موسى وهارونا # فقال هارون: دع هذا عنك يا أبا ms236 علي، فو الله لا نمدح بمثل شعر كثير حتى ~~يحاك لنا مثل طراز هشام [1]. # فخلف هشام في هذا أموالا جسيمة لا يريد بها إلا اقتطاعها لولده من أموال ~~المسلمين، ولم يكن ذلك رغبة منه في اللباس ولا همة فيه، بل كان من البخل ~~والشدة وسوء الهمة في غاية اللؤم وأسوأ أحوال أهل البخل. # قال عقال بن شبة: دخلت على هشام حين وجهني إلى خراسان، فرأيت عليه قباء ~~أخضر كنت أعرفه عليه قبل أن يلي، وجعلت أنظر إليه ففطن لي فقال: كأنك عرفت ~~هذا القباء يا عقال؟ # قلت: نعم يا أمير المؤمنين أظنه الذي كنت رأيتك تلبسه قبل أن تلي ~~الخلافة. # قال: هو والله، والله وما لي قباء غيره [2]. # وإنما كان يلبس من الثياب ليوفر فيها لتبقى لولده، لا لهمة فيه ولا رغبة ~~في التجمل به. # ومما يوصف من بخله: أنه أضاف إلى بعض مواليه ضيعة فأحسن القيام عليها، ~~فجاءت بغلة عظيمة فبعث بها مع ابن له، فسر بها هشام ثم عمرها أيضا، فتضاعفت ~~غلتها فبعث بالغلة مع ابنه، فقدم بها على هشام وأخبره عن الضيعة فشكر وأحسن ~~الثناء عليه وعلى ابنه وبما جاء به وانبسط له. # فسأل الرجل حاجة تساوي عشرة دنانير، فتغير عليه وتقبض وقال ما يرى أحدكم PageV01P368 # عشرة دنانير عنده [في العطاء] كلا شيء، لا لعمري لا أفعل [1]. # ورفع إليه ابنه سليمان: أن دابته عجزت عليه، ويسأله أن يأمر له بدابة. # فوافاه في رقعته: إن ضعف دابتك من تضييعك إياها وقلة عهدك لعلفها، فتعهد ~~دابتك والقيام عليها بنفسك، تصلح لك إن شاء الله [2]. # وجاءته كمأة [3] من بعض عماله فعرضت عليه فرأى بعضها قد تغير، فكتب إليه: # قد وصلت الكمأة التي بعثت وهي أربعون، وقد تغير بعضها ولم تؤت إلا من ~~حشوها، فإذا بعثت منها شيئا فأجد حشوها في الظرف الذي تجعلها فيه في الرمل، ~~حتى لا تضطرب فتصيب بعضها بعضا [4]. # وأرسل إليه بعض عماله بطيرين ظريفين، فدخل بهما الرسول عليه وهو على سرير ~~له في عرصة الدار فقال: ms237 أرسلهما في الدار. # فأرسلهما، فلما رآهما أعجب بهما واستظرفهما، فلما رأى ذلك الرسول استوهبه ~~شيئا. # فقال: ويلك ما أهبك على هذا، خذ أحدهما. # فجعل الرسول يعدو في الدار فلا يستطيع أخذهما حتى تعب ومضى [5]. # ووقف على هشام محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر يبتغي نائلة فقال: مالك ~~عندي شيء. # فلما ولى قال: إياك أن يغرك أحد فيقول لك: لم يعرفك أمير المؤمنين فترجع ~~إلي PageV01P369 # تعرفني بنفسك، إني قد عرفتك، أنت محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن ~~الخطاب، فلا تقيمن تنفق ما معك، فليس عندي لك صلة، فالحق بأهلك [1]. # وكان وفاة هشام يوم الأربعاء لست ليال خلون من شهر ربيع الآخر، سنة خمس ~~وعشرين ومائة، وهو ابن خمس وخمسين سنة، وقيل: أربع وخمسين سنة، وقيل: # اثنين وخمسين [2]. # توفى بالرصافة وبها قبره، ومات من الذبحة [3]. ### || [خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك] # وولى بعد هشام الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وكان خليعا ماجنا، ردئ الفرج ~~[4]، سفيها، يشرب الخمر، ويعتكف على الملاهي، ويقول أشعار المغنين، ويركب ~~عليها الألحان، ويغني بها، وهي إلى اليوم تذكر به في الأغاني وتنسب إليه، ~~وكان يألف المغنين، ويسمي عمرو بن داود الودادي جامع شملي، وكان عمرو هذا ~~مغنيا مخنثا وضرب له ابن صاحب الوضاء، وكان أيضا مخنثا، فأعجبه ضربه وقال ~~له: # اسمع ضربي. # فضرب الوليد واستجاد الآخر ضربه، فقال له الوليد: فكيف لو سمعت ضرب PageV01P370 # معلمي. # وكان للوليد غلام مغني يقال له: أبو كامل الغزيل، وكان من أهل الشام، ~~وكان يغنيه بأشعاره التي كان يسمعها للغناء. # ومما يعرف له ما كان يغنى به من شعر الوليد بن يزيد: # أمدح الكأس ومن أعملها %~% واهج قوما قتلونا بالعطش # إنما الراح نعيم باكر %~% فإذا ما غاب عنا لم نعش # وغنى أبو الكامل يومئذ الوليد بشعر للوليد: # جنباني ديار كل لئيم %~% إنه مستمات شر نديم # ثم إن كان في النديم لئيم %~% فأذيقوه بعض مس النعيم # إن تلك الفضول إن تك يوما %~% للئيم ترد فضل اللئيم # فطرب ms238 الوليد طربا شديدا وأعطاه قلنسوة كانت عليه من برود، فكان أبو كامل ~~إذا دعاه أحد ليغني له ممن يتجمل له لبسها وقال: هذه قلنسوة أمير المؤمنين. # وفي أبي كامل يقول الوليد بن يزيد: # من مبلغ عني أبا كامل %~% إني إذا ما غاب كالهامل # وزادني شوقا إلى قربه %~% فيما مضى من دهرنا الحامل # إني إذا أعطيته مرة %~% ظلمت بيوم الفرح الجاذل # وحكى عن عمرو الودادي أنه قال: دخلت يوما إلى الوليد بن يزيد فأصبته يشرب ~~الخمر ومعه ندماؤه، ولم يكن لي بشربها عهد فقال لي: اشرب. # فشربت ولم أقدر أن أخالفه، ثم قال: غنني فغنيته: # حبست لهم نفسي على الحكم بالرضى %~% ليأمن ذو خوف ويدرك طالب # إذا أنت لم تصلح بحلمك ما جنى %~% تسفيهك كانت في الصديق معايب PageV01P371 # فاستحسنه وقال: ويحك ما سمعتك غنيت بهذا قط، فأعده علي. # فأعددته مرارا، ثم قال لي: خذه علي، فأخذته عليه حتى أحسنه فأداه كما هو، ~~ثم قال لي: خذه على أصحابنا. # فأخذته عليهم واحدا واحدا حتى ضبطوه كلهم، ثم دعا بدفوف فأخذ واحدا منها ~~وقال: ليأخذ كل واحد منكم دفا، فأخذنا وقام فقمنا. # فقال: اضربوا بها كلها وخذوا هذا الصوت. # ففعلنا ومشى فمشينا خلفه، وهو يريد باب القصر، فبدر إليه الحاجب وقال: يا ~~أمير المؤمنين الناس بالباب، فالله الله لما رجعت. # فقال: اسقوه. # قال: والله ما شربتها، يعني الخمر. # فقال: اضجعوه، فأضجعوه. # وقال: صبوا في فيه. # فجعل في فيه قمع، فما زال يصب في فيه ويشربه حتى سكر، فأعطي دفا وقام ~~يضرب معنا، وقد فاق سكرا فرأينا منه منظرا عجبا، ورجع فقال: هلموا بنا ~~فلنشرب حتى نصير كما صار. # فأتينا بالأرطال ونحن قيام نغني وهو كذلك معنا وما زلنا نشرب حتى سقطنا ~~واحدا واحدا في صحن الدار، فمنا واحد عند الكنيف وآخر مع حائط، وآخر عند ~~باب بيت، ما يعقل أحد منا كيف سقط. # وقال حماد الراوية: بينما أنا يوما عند يوسف بن عمر بالكوفة، إذ ورد عليه ~~كتاب من الوليد بن يزيد، ففكه ms239 ونظر فيه، ثم دفعه إلي فإذا فيه: أما بعد، ~~فإذا قرأت كتاب أمير المؤمنين فسرح إلي حماد الراوية على ما يشاء من دواب ~~البريد وأعطه عشرة آلاف درهم يتأهب بها. # قال حماد: فقلت: السمع والطاعة. PageV01P372 # وأمر لي بالمال وسرت، حتى إذا دخلت عليه أصبت عنده معبدا ومالك بن أبي ~~السمح وأبا كامل، ورأيت عليه حلتين صفراوين تقيان الزعفران، فتركني حتى سكن ~~جأشي ثم قال: يا حماد أنشدني: أمن المنون وريبها تتوجع. # فأنشدته إياها، فقال: يا شبرة اسقه. # فسقاني ثلاثة كئوس حيرن ما بين الذوابة والنعل، ثم قال لمالك بن أبي ~~السمح: # غنني: ألا هل جاءك الأظعان إذ جاوزن مطلحا. # فغناه، ثم قال: غنني: ابني إذ تودعني سلمى. # فغناه، ثم قال غنني: # جلى أمية عني كل مظلمة %~% سهل الجناب وأوفى بالذي وعدا # إذا حللت بأرض لا أراك بها %~% ضاقت علي ولم أعرف بها أحدا # فغناه. # ثم قال: يا شبرة اسقني برب فرعون. # فأتاه بقدح طويل معوج، فشرب ثم دخل الحاجب فقال: يا أمير المؤمنين الذي ~~طلبت بالباب. # فقال: ائذن له. # فدخل غلام ما رأيت وجها أحسن منه، إلا أن برجليه فدعا [1] فأمره فجلس، ثم ~~أقبل عليه الوليد فقال: غنني. # فغناه: # طرق الخيال فمرحبا %~% أهلا بروية زينبا # فطرب الوليد وصفق وصاح وزحف، حتى كاد أن يقع عن سريره، فغضب معبد فقال: ~~يا أمير المؤمنين إنا مقبلون بأسناننا وأقدارنا فتركتنا وأقلبت على هذا ~~الغلام؟ PageV01P373 # فقال: والله يا أبا عباد ما فعلت ذلك جهلا بسنك وقدرك، ولكن هذا الغلام ~~طرحني على مثل الطناجير. # قال حماد: فسألت عن الغلام، فقيل: هو ابن عائشة. # وكان يزيد بن عبد الملك قد عقد الخلافة بعده لهشام أخيه ولابنه الوليد ~~بعد هشام، وكان الوليد يوم عقد ذلك أبوه ابن إحدى عشرة سنة، فلم يمت حتى ~~بلغ على الوليد خمس عشرة سنة، فندم يزيد على استخلافه هشاما أخاه بعده. # وكان إذا نظر إلى ابنه الوليد قال: الله بيني وبين من جعل هشاما ما بيني ~~وبينك، يعني من أشار عليه ذلك، ms240 وكان الذي أشار عليه به مسلمة بن عبد الملك. # وكان يزيد إذا أراد أن يعقد لعبد العزيز بن الوليد قال مسلمة: يا أمير ~~المؤمنين أولد عبد الملك أحب إليك أم ولد الوليد؟ # قال: ولد عبد الملك. # قال: فأخوك أحق بالخلافة أم ابن أخيك؟ # قال: إذا لم تكن في ولدي فأخي أحق بها. # قال: فابنك لم يبلغ، فبايع لهشام ثم ابنك. # ففعل، وكان ذاك لأمر تخوفه على نفسه، فلما لم يكن وكبر ابنه ندم على عقده ~~لهشام، فلما مات يزيد وولي هشام نظر إلى ما عليه الوليد من المجون وشرب ~~الشراب، فعذله في ذلك وعاتبه عليه، فأظهر ندما ورجوعا، فولاه الحج سنة ست ~~عشرة ومائة، فمضى معه بالشراب والكلاب في الصناديق. # فقيل: إنه سقط منها صندوق وانكسر فخرج منه كلب، ورأى ذلك أهل الموسم، ~~وأراد هشام خلعه والبيعة لابنه مسلمة بن هشام، وأراده على أن يخلع نفسه ~~فأبى له هشام، ثم قال له يوما: والله يا وليد ما أدري ما دينك، أعلى إسلام ~~أنت أم أطرحته؟ # قال: ولم شككت في يا أمير المؤمنين؟ # قال: انهماكك في شرب الخمور والبطالة. PageV01P374 # فقال الوليد: # يا أيها السائل عن ديننا %~% نحن على دين أبي شاكر # نشربها صرفا وممزوجة %~% بالسخن أحيانا وبالفائر # وأبو شاكر هو مسلمة بن هشام الذي رشحه للعهد، وكان كذلك يشرب الشراب ~~ويلهو بالكلاب، فعتب عليه أبوه فقال: هذا الوليد قد وجد فيك مطعنا وأنا ~~أرشحك للخلافة. # فأظهر مسلمة النسك والوقار ووصل بالأموال ليصرف إليه قلوب الرجال، فقال ~~بعض من وصله واصطنعه يرد على الوليد: # يا أيها السائل عن ديننا %~% نحن على دين أبي شاكر # الواهب الجرد بأرسانها %~% ليس بزنديق ولا كافر # يعرض بالوليد، وجعل هشام يعيب الوليد ويذكر مساويه، ووطأ قوما على خلعه ~~وعقد البيعة لمسلمة ابنه، فأجابه إلى ذلك قوم وأباه آخرون، وكان ممن أبى ~~ذلك خالد بن عبد الله القسري وقال: أنا أبرأ من خليفة يكنى أبا شاكر [1]. # وكان هشام يقول: أترى الناس يرضون بعدي بالوليد أو يقصوه. # فلما مات ms241 هشام وأتاه الخبر بموته وكان الوليد ببعض القرى قد نزع إليها ~~وأقام بها، فأرسل في الختم على خزائنه فقيل: إنه طلب له قمقم يسخن فيه ~~الماء لغسلة فما وجد له إلا عارية، وختم على خزائنه فلم يوجد له كفن، حتى ~~كفنه غالب مولاه، وقال الوليد لما أتاه نعيه: # طال ليلي وبت أسقي المدام %~% إذ أتاني البريد ينعى هشاما # وأتاني بحلة وقضيب %~% وأتاني بخاتم ثم قاما # وقال أيضا: PageV01P375 # إني سمعت خليلي نحو الرصافة رنة %~% فقمت أسحب ذيلي كما أرى ~~شأنهن # إذا بنات هشام يندبن والدهن %~% يندبن شيخا كريما قد كان يكرمهن # يقلن ويلا وعولا والويل حل بهن %~% أنا المخنث حقا أن لا أنيكهن # وذلك أن هشاما كان يدعو المخنث، وكانت أشعاره هذه كلها يغنى له بها وهو ~~القائل: # أحب الغناء وشرب الطلا %~% وآنس النساء ورب السور # وهل الغواني وعزف القيان %~% وتغريدهن قبيل السحر # فأما الصياح فلقف القداح %~% وخيل نواج جواد جياد حضر # ونصف النهار عراك الجوار %~% وحل الأزار إذا ينبهر # فأما العصر فأمر حلي %~% وقتل الكمي بعضب ذكر # عينيتك النعومة بدل رخيم %~% ووجه نضير كشبه القمر # وخلق عميم وخد أسيل %~% كسيف صقيل يحير البصر # وكان يسمي عمرو الودادي جامع لذتي وقال أيضا: # إن حظي اليوم من %~% كل معاش لي وزاد # قهوة أبذل فيها %~% طارفي ثم تلادي # قد يظل القلب فيها %~% هائما في كل وادي # إن في ذاك صلاحي %~% وفلاحي ورشادي [1] # وقال أيضا: # عللاني واسقياني %~% من شراب أصبهاني # من شراب الشيخ كسرى %~% وشراب الفيرزاني # وامزج الكاس ولا %~% تكثر مزاج العسقلاني PageV01P376 # إن بالكاس لمسكا %~% أو بكفي من سقاني # ولقد غودر فيها %~% حين صبت في الرداني # إنما الكاس ربيعا %~% يتعاطى بالبنان # وحميا الكاس دبت %~% بين عرقي ولساني # وقال أيضا: # اسقني يا زبير بالقرقارة %~% قد طربنا وحنت بالزمارة # اسقني خمرة فإن ذنوبي %~% قد أحاطت فما لها كفارة # وقال أيضا وقد سئل عن بعث أراد إخراجه: # أصبح اليوم وليد %~% هائما بالفتيات # عنده طاس وابريق %~% وراح بالسوات # ابعثوا خيلا لخيل %~% ورماة لرماة # وقال فيها أيضا: # اسقني يا ms242 زيد صرفا ا %~% واسقني بالطرجهارة # اسقنيها مزة تأ %~% خذني منها استدارة # اسقني كي تسلي %~% ما بقلبي من حرارة # وقال فيها أيضا: # ليت هشاما كان حيا يرى %~% مكانه الأوفر قد أترعا # كلناه بالصاع الذي كالنا %~% وما ظلمنا به أصبعا # وما أتينا ذاك عن بدعة %~% أحله الفرقان لي أجمعا [1] # وتمادى الوليد في المجون والخلاعة ومد يده إلى الحرام، فثقل على الناس ~~أمره، وأراد أن يبايع لابنه الحكم، وهو الأكبر وعثمان وهو الأصغر، وكان ~~الحكم الأكبر بعده PageV01P377 # لم يبلغ الحلم، فأبى من ذلك عليه جماعة وقالوا: كيف نبايع لمن لا يصلي ~~خلفه ولا تقبل شهادته؟ # وفشا ذلك، فقال بعضهم للوليد: والله ما تقبل شهادته، ولا تجب الصلاة ~~بعده، فكيف نأتم به وهو على ما هو عليه من الفسق؟ # وقيل: إنه كان يأتي أمهات أولاد أبيه، ويرمى بالكفر والزندقة [1]. # وكان يتعشق سلمى بنت سعيد بن خالد بن عمرو بن عثمان بن عفان، ويقول فيها ~~الأشعار وهي، أخت امرأته أم عبد الملك بنت سعيد وطلقها من أجل ذلك ليتزوج ~~أختها، وذلك أنه دخل يعود سعيدا أباها، فرآها فعلقها [2]. # وقيل: إنه احتال لرؤيتها، وكانت بقزوين فذهب إليها، ومر بزيات يدور ~~بالزيت فأخذ ثياب الزيات فلبسها، وساق الحمار حتى أدخله قصر سعيد، وجعل ~~ينادي: # من يشتري الزيت. # فخرجت الجواري ينظرن فقالت جارية منهن لسلمى: ما رأيت إنسانا أشبه ~~بالوليد من هذا الزيات ابن اللخناء. # فنظرت سلمى إليه فقالت للجارية: ويحك هو والله الوليد وقد رآني، قولى له: ~~يا PageV01P378 # زيات اخرج لا نريد رؤيتك. # فخرج وهو يقول: # إنني أبصرت شخصا %~% حسن الوجه المليح # وعلي ثوب سوء %~% من عباء ومسوح # وأبيع الزيت بيعا %~% خاسرا غير ربيح # وفيها يقول وقد بلغه أنها خرجت في يوم عيد: # خبروني أن سلمى %~% خرجت يوم المصلى # فإذا طير مليح %~% فوق غصن يتفلى # قلت من يعرف سلمى %~% قال أنا ثم تعلى # قلت أهل أبصرت سلمى %~% قال لا ثم تولى [1] # وقال فيها أيضا: # ألا ليت الإله يجيء بسلمى %~% كذاك الله يفعل ما يشاء # فيخرجها فيطرحها بأرض ms243 %~% فيرقدها وقد سقط الرداء # ويأتي بي فيطرحني عليها %~% فيوقظنا وقد قضى القضاء # ويرسل ديمة سحا علينا %~% فيغسلنا ولا يبقى عناء [2] # وقال أيضا فيها: # شاع شعري بسليمى وظهر %~% ورواه كل بدو وحضر # وتهادته العذارى بينها %~% وتغنين به حتى انتشر # قلت قولا لسليمى معجبا %~% مثل ما قال جميل وعمر # لو رأينا لسليمى أثرا %~% لسجدنا ألف ألف للأثر PageV01P379 # واتخذناها إماما مرتضى %~% ولكانت حجنا والمعتمر # إنما بنت سعيد قمر %~% هل حرجنا إن سجدنا للقمر [1] # وفيها يقول أيضا: # أراني الله يا سلمى حياتي %~% وفي يوم الحساب كما أراك # ألا تجزين من همت دهرا %~% ومن لو تطلبين لقد قضاك # ومن لو ميت مات ولا تموتي %~% ولو أنسى له أجل بكاك # ومن حقنا لو أعطى ما تمنى %~% من الدنيا العريضة ما عداك # ايتيني هائما كلفا معنى %~% إذا خدرت له رجل دعاك # وقال أيضا: # ويح سلمى لو تراني %~% لعناها ما عناني # متلفا في اللهو مالي %~% عاشقا حور الغواني # ولقد كنت زمانا %~% خالي الذرع لثاني [2] # وله فيها أيضا يقول: # بات من بات خليا من ألم %~% وبلائي بت ليلي لم أنم # احكمي في الوصل إذ وليته %~% ليس قتل الناس من عدل الحكم # إن سلمى ولنا من حبها %~% ديدن في القلب مشعور السقم # تيمتني بلذيذ طعمه %~% وثنايا لم يتنهن قصم # وله أيضا: # نزلت سلمى بسلمى %~% منزلا ذا عدواء # فزجرت النفس عنها %~% لو تناهت لانتهاء PageV01P380 # قلت يا نفس ذريني %~% ما لسلمى من رجاء # فلقد كان رجال %~% بهم أمثال دائي # نظرت سلمى وقالت %~% حين صدت يا نسائي # نظر الظبية ربيت %~% وهي وسنا في ظبائي # وله أيضا: # منازل قد تحل بها سليمى %~% دوائر من قد أضربها السنون # أرميت حفظ السر يا سلمى %~% إذا ما السرباح به الخئون # وله أيضا قوله: # وجدت العيش يا سلمى %~% سراج الكأس للكأس # إذا ما الكاس دارت ثم %~% هزت فروة الرأس # وفتيانا أنادمهم %~% كراما غير انكاس # أراني زائرا سلمى %~% وما بالحب من بائس # خسرت اليوم في سلمى %~% براذيني وأفراسي # وجدت الحب بليه %~% تعادي الناس بالناس # وقال لما قاموا عليه ليخلعوه: ms244 # دعوا لي سلمى والنبيذ وقينة %~% وكأسا ألا حسبي بذلك مالا # إذا ما صفى عيشي برملة عالج %~% وعانقت سلمى لا أريد بدالا # خذوا ملككم لا ثبت الله ملككم %~% ثباتا يساوي ما حييت عقالا # وخلوا عناني قبل عثر وما جرى %~% ولا عنفوني أن أموت ضلالا [1] # ثم قال لعمرو: يا جامع لذتي غنني، فغناه بهذا الشعر. # وقاموا إليه وقد أحاطوا به، فقال: ما نقمتم مني، ألم أزدكم في عطاياكم ~~وأغنيت PageV01P381 # فقراكم وأخدمت زمناكم، ورفعت عنكم المؤن، فما نقمتم علي؟ # فقالوا: نقمنا عليك بانتهاكك حرم الله، وشرب الخمور، ونكاح أمهات أولاد ~~أبيك، واستخفافك بحق الله. # ورموه بالحجارة وقالوا: اقتلوا اللوطي قتل قوم لوط. # فانصرف وجلس وأخذ المصحف وقرأ فيه وقال: يوم كيوم عثمان، فدخلوا عليه ~~وقتلوه [1]. # وله في سليمى: # إن سليمى عليك زارية %~% غضبى ففيم الغداة تغضبها # أريد اتيانها فيمنعني %~% علمي بما عندها فأرهبها # أخشى هنات لها إذا غضبت %~% وحلفة لا تزال توجبها # قد اجتمعت هجرة وحملها %~% واش ملظ بما يحربها # يحلف بالله لا يزال بها %~% يصدقها مرة ويكذبها # وله في سليمى قاله على لسانها: # أقرأ على الوليد سلاما %~% قل مني تحية للوليد # مني فقد تجشمت فينا %~% دلج الليل في سقوط الجليد # حسدا ما حسدت أخنى عليه %~% ربنا بيننا وبين سعيد # يعني أباها، وقال أيضا: # قربا مني خليلي %~% عبد لا دون الشعار # اسقياني وابن حرب %~% واسترانا بالإزار # فلقد أيقنت أني %~% غير مبعوث لثار PageV01P382 # لا ولا جنة خلد %~% ذات روض وقرار # واتركا من يطلب الجنة %~% يسقى في خسار # ساروض الناس حتى %~% يركبوا دين الحمار [1] # وله وقد عاتبه أهل بيته: # اسقني يا ابن سالم قد أتانا %~% كوكب الصبح وانجلى واستنارا # اسقني من سلاف ريق سلمى %~% واسق هذا النديم كأسا عقارا # ربما سرك البعيد من الناس %~% وكان القريب نارا فنارا # وله أيضا فيها: # أم سلام لو لقيت من الوجد %~% عشير الذي لقيت بذاك # فأثيبي بالود صبا عمدا %~% وشقيقا يشجبه ما عنه باك # أنت تفدين عنه من كل سوء %~% ومن السوء قد يكون فداك # من لقلب أمسى كئيبا ms245 حزينا %~% مستهاما قد ذاب بين التراك # أم سلام ما ذكرتك إلا %~% شرقت بالدموع عني المآقي # حذرا أن تبين دار سليمى %~% ويصبح الناعي لها بفراقي # وقال فيها أيضا: # أنا في يمنى يديها %~% وهي في يسرى يديه # إن هذا لقضاء %~% غير عدل في القضية # ليت من لام صحبا %~% في الهوى لاقى البليه # فاستراح الناس منه %~% ميتة غير سويه [2] # فقال لما عذل وقيل له: إنك قد شبت: PageV01P383 # ولقد قضيت وإن تحلل لمتى %~% شيب على رغم العدى لذاتي # من كاعبات كالدمى ومناصف %~% ومراكب للصيد والنشوات # في ثنية يأبى الهوان وجوههم %~% شم الأنوف حجا حج سادات # إن يطلبوا بتراتهم يعطوا بها %~% أو يطلبوا لا يدركوا بترات PageV01P384 ### || [خلافة يزيد بن الوليد بن عبد الملك] # فبايع الناس يزيد بن الوليد بن عبد الملك لعنه الله، فقاموا معه على ~~الوليد فقتلوه، وكان مقتله يوم الخميس لليلتين بقيتا من جمادى الأخرى، في ~~سنة ست وعشرين ومائة، وكان يكنى أبا العباس [1]. # واختلف في سنه فقيل: قتل وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، وقيل: ابن ست ~~وثلاثين، وقيل: ابن أربعين سنة، وقيل: ابن خمس وأربعين سنة، وقيل: ابن إحدى ~~وأربعين سنة [2]. # وولي بعده يزيد بن الوليد بن عبد الملك، وكان قدريا وغدا خبيثا، وقصرت ~~أيامه عن أن يذكر فيها، وقامت عليه الثورة وكانت أيامه أيام حرب، وهو الذي ~~يقال له: # الناقص، لأنه نقص الجند من العطاء فسمي بذلك [3]، ولذلك يقول بعض بني ~~أمية يرثي مسلمة بن عبد الملك: # وليتك لم تمت وفداك قوم %~% تزيح أنينهم عنها الديار # سقيم الصدر أو عسر نكيد %~% وآخر لا يزور ولا يزار # قالوا: يعني بسقيم الصدر: يزيد الناقص ابن الوليد، وبالعسر النكد: هشام ~~بن عبد الملك، وبالذي لا يزور ولا يزار: مروان بن محمد [4]. # وولى يزيد بن الوليد العهد أخاه إبراهيم بن الوليد، وأخذ له البيعة على ~~الناس. PageV01P385 # ومات يزيد سلخ ذي الحجة من سنة ست وعشرين ومائة، وكانت خلافته خمسة أشهر ~~وليلتين، وقيل: بل مات لعشر بقين من ذي الحجة، وقيل: سلخ ذي الحجة من هذه ms246 ~~السنة بدمشق، وهو ابن ست وأربعين سنة، وقيل: ابن ثلاثين، وقيل: ابن سبع ~~وثلاثين [1]. ### || [خلافة إبراهيم بن الوليد ومروان بن محمد] # وولي بعده أخوه إبراهيم بن الوليد فقام عليه مروان بن محمد، وذلك أنه ~~بلغته أبيات الحكم بن الوليد بن يزيد، وكان قد ولاه أبوه وكان بنو أمية ~~يروون أن ملكهم ينقطع على ابن أمة. # فقيل: إنهم لذلك كرهوا الحكم، فقال: # أتنزع بيعتي من أجل أمي %~% وقد بايعتم قبلي هجينا # ومروان بأرض بني نزار %~% كليث الغاب مفترشا عرينا # فإن أهلك أنا وولي عهدي %~% فمروان أمير المؤمنينا # في شعر طويل له، فمن أجل قوله: فمروان أمير المؤمنينا، طلب ذلك مروان ~~وكان بالشام [2]. # فلما هلك يزيد بن الوليد وولى أخوه إبراهيم بن الوليد سار إليه مروان ~~بأهل الجزيرة وأهل قنسرين وأهل حمص، وأرسل إليه إبراهيم بن الوليد سليمان ~~بن هشام بن عبد الملك في أهل الشام، فالتقوا بأرض الغوطة، فانهزم سليمان ~~ووصل إلى إبراهيم، وسار مروان في أثره فخلع إبراهيم نفسه ودخل في طاعته، ~~واجتمع الأمر PageV01P386 # لمروان، فنبش يزيد بن الوليد وصلبه [1]. # وقيل: إن خلع إبراهيم كان في شهر ربيع الآخر سنة سبع وعشرين ومائة، وكانت ~~ولايته سبعين ليلة لم يتم له فيها أمر، مرة يسلم عليه بالخلافة ولا ~~بالإمرة، ومرة لا يسلم عليه بالخلافة ولا بالإمرة، وبقي بعد أن خلع إلى أن ~~حضر مروان يوم الزاب، فانهزم مع مروان فغرق مع من غرق في النهر يوم السبت ~~لإحدى عشرة خلت من جمادي الآخر سنة اثنين وثلاثين ومائة. # ثم اضطرب أمر مروان وكثر عليه القيام إلى أن قام عليه أبو مسلم، فانتزع ~~الأمر من يديه وقتله وكان لأم ولد، فهم يرون أنهم كذلك كانت روايتهم: أن ~~أمرهم ينقطع على يدي ابن أمة، فرأوا أن ذلك هو مروان. # ولما غلب مروان بن محمد على أمره جعلوا يطلبونه وهو يسير بين أيديهم كلما ~~قربوا منه سار حتى أتى مصر، ثم انتهى إلى قرية من قرى الفيوم يقال لها: ~~بوصير [2]، فقتل بها يوم الأحد لثلاث ms247 بقين من ذي الحجة سنة اثنين وثلاثين ~~ومائة، وهو ابن اثنين وستين سنة في قول بعضهم، وقال آخرون: ابن ثمان وخمسين ~~سنة، وقيل: ابن تسع وستين [3]. # وكانت أمه أمة لإبراهيم بن الأشتر النخعي أصابها أبوه محمد بن مروان بن ~~الحكم يوم قتل ابن الأشتر في ثقله، فاتخذها مروان وولدت على فراشه. PageV01P387 # وقيل: إنها كانت حاملا يوم أصابها أبوه به، ولذلك قال عبد الله بن عياش ~~المنتوف لأبي العباس لما دخل عليه: الحمد لله الذي أبدلنا بحمار الجزرة ~~وابن أمة النخع بابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله [1]. # وكانت أيام مروان كلها أيام حرب، وقام عليه الناس من كل جهة إلى أن قتل ~~بها. # فأما الخبر المشهور عن علي عليه السلام أنه كان يقول: «هلاك بني أمية على ~~رجل أحول منهم» [2]، فإن الأحول منهم هو هشام، ورجل هاهنا: عقبه من بعده، ~~والهلاك هو دمارهم أجمعين، وقد بقيت منهم البقية الملعونة بأرض الأندلس عبد ~~الرحمن، ويقال: إن آخرهم كذلك يكون عبد الرحمن كما كان أولهم بالمشرق مروان ~~وآخرهم مروان، هذا فيما يحكى قديما ويؤثر، والله بالغيب أعلم. # وكان قيام أبي مسلم على بني أمية بدعوة إمام الهدى من أهل بيت رسول الله ~~صلى الله عليه وآله جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام، وأظهر ~~القيام بثار الحسين وصبغ بالسواد أعلامه، وألبسه رجاله إظهارا للحزن على ~~الحسين عليه السلام والدعوة إلى الإمام من ولده، وهو مستور لا يظهر خبره، ~~ومكتوم لا يعلم أمره. # فلما فشت الدعوة وظهرت، وقام بها الدعاة وانتشرت، وانتقصت أطراف مروان بن ~~محمد وهزمت جيوشه موقفا بعد موقف، وهو في ذلك على عزم قوي وكفاح شديد ~~ومكابرة عظيمة، اضطر الدعاة إلى أمر خافوا الفتق من أجله أن يظهروا الإمام، ~~ورأوا أنهم إن لم يفعلوا ذلك فسد الأمر عليهم وخافوا انحرافه في أيديهم، ~~فطالعه في ذلك من يتصل به منهم، فامتنع من الظهور وسلطان أمية قائم وأمر ~~مروان على ما كان عليه، فلما لم يجدوا في ذلك حيلة ms248 دبروا أن يقيموا رجلا ~~يظهرون أنه الإمام الذي دعوا إليه، حتى إذا أتوا على ما يريدون أزالوه ~~وأظهروا الإمام. PageV01P388 # وكان أبو العباس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس حينئذ ~~مطلوبا مستترا وعلموا موضعه، فرأوا من الرأي أن يظهروا أنه هو الذي دعوا ~~إليه ولأنه أيضا من بني هاشم، فإذا تم له الأمر أخروه وأظهروا الإمام، ~~ففعلوا ذلك، فلما قتل مروان وأرادوا ذلك وجدوا عمومة أبي العباس وأهل بيته ~~قد آزروه ومنعوه، فلم يمكنهم فيه في ذلك الوقت، وخافوا أن ينفتق من ذلك فتق ~~ورجال بني أمية بتوفرهم وهم قريبوا عهد سلطانهم، فجعلوا يقتلونهم ~~ويشردونهم، وأمر أبي العباس بتسوي واستعماله بعض الدعاة ثم مات، وولى أخوه ~~أبو الدوانيق، وأراد أبو مسلم إظهار الأمر فعاجله أبو جعفر فقتله واستحكم ~~له الأمر واستتر الإمام، وكانت في ذلك أخبار تخرج عن حد هذا الكتاب، وليس ~~إليها قصدنا فنستقصيها. PageV01P389 PageV01P390 ### | ذكر مناقب الأئمة القائمين بالإمامة المهديين ومثالب المتغلبين بأرض الأندلس من بني أمية الظالمين لعنهم الله # وقفنا في الباب الذي قبل هذا الباب من مناقب الأئمة، وعلى مناقب جعفر بن ~~محمد صلوات الله عليه، وذكرنا ما كان من أمر الدعوة إليه وتغلب بني العباس ~~عليها بالسبب الذي قدمنا ذكره فيما ذكرنا من أخبارها، فطالب بنو العباس كل ~~من ركنوا عليه أن الدعوة كانت إليه، وكان الذي طالبهم أبو الدوانيق، وكان ~~قبل ذلك قد حضر مجلس جعفر بن محمد وهو يرى حينئذ أنه من خاصته، وقد جرى ذكر ~~تخلخل أمر بني أمية وما داخلهم من الوهن، فقال لأبي عبد الله جعفر بن محمد ~~عليه السلام بعض من كان أيضا يرى أنه من خاصته: يا أبا عبد الله إلى متى ~~هذه الغفلة عن حقك وترك زمام القيام بأمرك، وأنصارك كثير وشيعتك من كل بلد. # فقال له: «ليس هذا زمن ذلك، إنها والله لا تصير إلينا حتى يتلاعب بها هذا ~~وأبناؤه من بعده دهرا طويلا». # فكان إذا ذكر له جعفر بن محمد صلوات الله ms249 عليه ذكر هذا الحديث، ويقول: ~~أنا أعلم بجعفر، ليس هو ممن يقوم في هذا الأمر. # فصرف الله عنه شره بذلك، على أنه قد رامه غير مرة فحاله الله بينه وبينه ~~بقدرته. # وابتدأ بنو العباس دولتهم بأمر وكيد وتغليظ شديد، فاستتر جعفر بن محمد ~~صلوات الله عليه، واستتر الإمام إلا عن ولده وخاصة شيعته، ومضى الأمر على ~~ذلك إلى وقت ظهور مهديهم الذي دلت عليه العلامة، وتواترت بذكره عن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله الروايات بما لو ذكرنا بجملته لخرج عن حد هذا ~~الكتاب قدره، وقد أفردنا لذلك كتابا مثله. PageV01P391 ### || [المهدي الموعود وبعض روايات الظهور] # ونذكر في هذا الباب كما شرطنا نكتا منه: # فمن ذلك: ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: «لو لم يبق من ~~الدنيا إلا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا من أهل بيتي، ~~يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت ظلما وجورا» [1]. # وقال صلى الله عليه وآله: «أبشروا بالمهدي فإنه يبعث على تتابع من الفتن ~~وغلظ من الزمن» [2]. # وقال صلى الله عليه وآله: «المهدي من ولد فاطمة يظهر من جهة المغرب فيملأ ~~الأرض عدلا». # فقيل: يا رسول الله ومتى يكون ذلك؟ # فقال: «إذا ارتشت القضاة وفجرت الأمة، وهو الفريد الغريب». # قيل: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: «ينفرد من أهله، ويتغرب عن وطنه» [3]. # وقال صلى الله عليه وآله: «تطلع الشمس من مغربها على رأس الثلاثمائة» ~~[4]. # فذهب الناس إلى أنها شمس السماء، فلم يكن ذلك مع صحة الحديث واشتهاره، ~~فعلم أنه صلى الله عليه وآله أراد بالشمس هاهنا المهدي الذي بشر به وأخبر ~~أنه يظهر من PageV01P392 # المغرب، وهذا معروف في لسان العرب، يسمون الرجل الشريف قمرا وشمسا، وقد ~~ذكرنا أن هاشم بن عبد مناف كان يسمى: القمر. # فقال النابغة في النعمان: # لأنك شمس والملوك كواكب %~% إذا طلعت لم يبد منها كوكب [1] # وقال فرزدق: # أخذنا بآفاق السماء عليكم %~% لنا قمراها والنجوم طوالع [2] # فقالوا: يعني بالقمرين الشمس والقمر، كما قالوا: العمران، لأبي ms250 بكر وعمر، ~~لما كانت أيام عمر أطول وأشهر فنسب أبو بكر إليه [3]، وكذلك لما كان القمر ~~يرى ليلا ونهارا وكانت الأبصار أكثر عليه وقوعا من الشمس كان أشهر عندهم ~~فأضافوا الشمس إليه، فقالوا: القمران. # وقالوا: أراد الفرزدق هاهنا بالشمس رسول الله صلى الله عليه وآله وبالقمر ~~إمام الزمان من أهل بيته، ومثل هذا في الشعر كثير. # وقال رسول الله صلى الله عليه وآله: «المهدي رجل من ولدي وجهه كالكوكب ~~الدري، اللون لون عربي والجسم جسم إسرائيلي، يملأ الأرض عدلا كما ملئت ~~جورا، يرضى بخلافته أهل الأرض وأهل السماء» [4]. # وقال صلى الله عليه وآله: «يخرج المهدي من المغرب وفيه علامة، بين كتفيه ~~شامة وفي ساقه PageV01P393 # شامة» [1]. # وقال صلى الله عليه وآله: «إذا ظهر المهدي في أمتي، أخرجت الأرض زهرتها ~~وأمطرت السماء مطرها» [2]. # وقال علي عليه السلام: «ذكر رسول الله المهدي فقلت: هو منا يا رسول الله ~~أو من غيرنا؟ # قال: بل منا أهل البيت، بنا يختم الدين كما فتح بنا» [3]. # وقال صلى الله عليه وآله: «المهدي منا أهل البيت يصلح الله له أمره كله ~~في ليلة واحدة» [4]. # وقال صلى الله عليه وآله: «رأيت بني أمية على منابر الأرض، وسيملكونكم ~~فتجدونهم أرباب سوء لا يقاومهم أحد إلا نطحوه، فانتظروا بهم اختلاف ~~سفهائهم، فإذا اختلف سفهاؤهم ارتدوا على أعقابهم لا يرتقون فتقا إلا فتق ~~الله عليهم أعظم منه حتى يخرج مهدينا» [5]. # وقال صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام في مجلس ليس فيه غير بني هاشم: ~~«يا أبا الحسن إن جبرئيل أخبرني أنك مقتول». # ثم نظر إلى بني هاشم فقال: «كأني بكم من بعده وقد وليكم بنو أمية يقصدون ~~بكم الضرورة ويلتمسون بكم المشقة، ثم تكون دولة بني العباس يعملون فيها ~~بأعمال الجبارين، فالويل لعترتي ولبني أمية منهم». # قالوا: يا رسول الله يكون هذا ونحن أحياء؟ PageV01P394 # فقال: «والذي نفسي بيده لمن في أصلاب فارس والروم أرجى عندي لأهل بيتي ~~منهم، ثم يخرج رجل من أهل بيتي فيملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت جورا ms251 ~~وظلما، يسقيه الله يوم القيامة من صوب الغمام». # والحديث في هذا كثير كما ذكرنا والدلائل مشهورة كما وصفناه، فهذه ~~العلامات والدلائل كانت في المهدي، وقد جاء عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله أنه ذكر المهدي عليه السلام فوصف ما يكون من أمره في غير حديث فقالوا: ~~يا رسول الله هذا كله يكون في عصر المهدي ووقته؟ # فقال: «ما لم يكن في عصره ووقته من ذلك، فهو كائن في أعصار الأئمة من ~~ولده». # وهذا أيضا في لسان العرب موجود، يضيفون فعل المرء إلى غيره إذا كان ~~المضاف إليه يتصل به أو يتسبب بسببه أو يتولاه أو عنه يكون أمره، كما يقال: ~~ضرب الأمير فلانا، وإنما ضربه بأمره بعض أعوانه، وقتله إذا قتله بأمره بعض ~~عماله، وفعل القوم كذا وفعله أسلافهم قال الله عز وجل: @QUR05 قل فلم ~~تقتلون أنبياء الله [1] لقوم قتلهم أسلافهم، وقد ذكر الله في كتابه: أنه ~~يظهر رسول الله بدينه على الدين كله، وقبضه إليه ولم يظهره إلا على بعض ~~ذلك، وأظهر من بعده من أوليائه وأهل دعوته، ويظهرهم كما وعد، وكما أن كل ~~ظهور يكون للمسلمين، وكل فتح يفتح الله في الإسلام فهو لرسول الله صلى الله ~~عليه وآله إذا كان أصله وسببه وعنه يفرع أمره، وكذلك ما يكون في أعصار ~~الأئمة من ولد المهدي، فهو ينسب على هذا التنزيل إليه، إذ كان هو أول قائم ~~بالحق منهم وصادع بأمر الله لهم. # ولما أفضت الإمامة إلى المهدي وفشت في أقطار الأرض دعوته، وأن من قيامه ~~وقته، خرج مهاجرا إلى دعوة كانت له بناحية المشرق، فصد عنها فصار إلى أقصى PageV01P395 # المغرب، وطلب من وقت خروجه من رحلته، وفرقت الرسل والكتب في أثره بطلبه، ~~والله يكلؤه في ذلك ويقيه ويكف عنه كل متطاول بسوء إليه، إلى أن بلغ أقصى ~~مهاجرة من أرض المغرب مستترا، ثم بدأ مما هنالك ظاهرا كما جاءت به الروايات ~~ودلت عليه العلامات، وكان ذلك في الوقت الذي تقدم الخبر به وجاء الحديث ~~بتحديده، وقام فريدا ms252 كما قيل فيه وحل غريبا كما وصف، وأيد الله أمره وأعز ~~نصره وأظهر أعلام الحق بقيامه وأعز دينه وسلطانه، وكانت له من المعجزات ~~والبراهين والآيات ما يخرج ذكره عن حد هذا الكتاب. # ولقد ألفنا في ذلك كتابا، نذكر هجرته وقيامه وسيرته ودعوته وآياته في ~~مقدار هذا الكتاب، فمن أراد استقصاء ذلك وجده فيه بتمامه، وكذلك أثبتنا ~~سيرة القائم والمنصور من ولده وما اقتفيا به آثاره من بعده، وأخبار الفتنة ~~التي استدبرها القائم واستقبلها المنصور، وكل ما جرى في ذلك من خبر مذكور ~~وأمر مشهور في كتاب أيضا في مقدار ذلك، فمن ابتغى ذلك أصابه فيه، وذكرنا ~~سيرة المعز من بعدهم صلوات الله عليهم وما سمعناه منه وتأدى إلينا عنه، من ~~شريف كلمة ولفظة، فاضلة في كتابين: أحدهما في ذكر أيامه وسيرته، والآخر في ~~جزالة ألفاظه وحكمته، ونحن نجمع ذلك فيهما وننظمه في أبوابهما إلى حين ~~تأليف هذا الكتاب، فمن ابتغى أيما شيئا من ذلك وجده فيهما مضمنا ملخصا، ~~أصابه في أبوابهما مستوعبا مستقصى، والذي انتهى إليه من كل واحد منهما ~~يجاوز مقدار جمع هذا الكتاب بأسره، ويزيد ما اجتمع في كل واحد منهما على ~~قدره، وليس ما فيه فيهما ولا فيما ذكرنا، إنا جمعناه من سير الأئمة قبلهما، ~~مما يحسن إخراج البعض منه مختصرا إلى هذا لكتاب كما أخرجنا ما ذكرناه، إنا ~~أخرجناه من ذلك فيما تقدم من أبواب الكتاب، ولكثرة مذاهبه وفنونه واتساع ~~القول في غرر نوادره وعيونه، ولأن بعضه ببعض مقيد ومنظوم مؤكد مشدد، يشهد ~~أوله لآخره وصادره لغابره، ولكنا نذكر جل المعاني في ذلك بجملة واحدة، وما ~~الأمة على تصديق قولنا فيه شاهدة غير جاحدة: إنهم قاموا يدعون PageV01P396 # بكتاب الله ربهم إلى إحياء سنة رسول الله جدهم صلى الله عليه وآله وبحجج ~~باهرة منهما لما دعوا إليه، وتأويل من كتاب الله قد جاء ذكره فيه، كما قام ~~رسول الله صلى الله عليه وآله بتنزيله، إذ كان الله قد أودعهم علم تأويله، ~~وجعله لهم برهانا وآية ودليلا عليهم ms253 ومعجزة، لم يرعهم عن ذلك أن مكن الله ~~لهم وأظهر ملكهم وأقدرهم، فيدعون شكرا لرعاياه بإهمالها وتركها، وما تخيرته ~~من مذاهبها وانتحالها، كما فعل ذلك من كان غرضه من المتغلبين من بني أمية ~~وبني العباس، أن يملك أمر ما تغلب عليه من أمور الناس، ثم لا يبالي بما ~~انتحلوه ولا ما بدلوه من دينهم وغيروه ولا ما أحدثوه وابتدعوه، إذا هو ظفر ~~بدنياهم، فأعطوه أزمة طاعتهم ومقاليد أمورهم، إذ كان منهاج الأئمة صلوات ~~الله عليهم وقصدهم القيام بما حملهم الله من صلاح أمر عباده وتقويمهم على ~~سبيل دينه ومنهاجه، وغرض المتغلبين ما قصدوه من حطام الدنيا وعاجل متاعها، ~~ثم لا يعبئون بما كان عليه أهلها. # وكان قصد الأئمة عليهم السلام إقامة منهاج الدين وتبيان سبيل السنن ~~والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر عدل الله في بلاده، وإقامة حدوده ~~على عباده، وحسم ما عليه ملوك بني أمية وبني العباس، من إظهار المعاصي ~~والعدوان وشرب الخمور وعزف القيان والتفكه بالعواهر والغلمان، كفعل شرار ~~الملوك الكفار وذوي المعاصي من العوام والأشرار، وعلى ذلك من القيام بأمر ~~الله في عباده وبلاده. # ومضى من الأئمة السلف وعليه من بقي منهم من الخلف مع العدل والإحسان ~~والتطول على الرعايا والامتنان، وقمع أهل التجاوز والعدوان، لم يوصم أحد ~~منهم بزلة ولا ادعى عليه بخزية ولا وسم بمعصية ولا هفوة، وسوآت من نازعهم ~~الأمر في ذلك بادية، وعيوبهم للخلائق مكشوفة ظاهرة، لا ينكرها وليهم ولا ~~يدفعها من احتج لهم، ولا يرى من استقضوه قبول شهادتهم، ولا يعتقد من تغلبوا ~~عليه لهم عدالة في إمارتهم. PageV01P397 ### || [خلافة عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك وولده] # وأما فرع بني أمية عند ما ذكرناه من انقطاع مدتهم ممن نزح إلى أرض ~~الأندلس، لخوف بني العباس وسطوتهم، فإن بني العباس لما انتزعوا ملكهم من ~~أيديهم وتغلبوه بالقهر- كما ذكرناه- عليهم يطلبونهم بالقتل في مظانهم ~~ويشردونهم عن أوطانهم ومكانهم، فنزح عبد من بعض عبيدهم بغلام، ذكر ذلك ~~النازح به أنه: عبد الرحمن بن معاوية ms254 بن هشام بن عبد الملك بزعمه، وقد قيل: ~~إنه دعي، وقال قوم: هو منسوب لغير رشده، فإن يرد لذلك النقص فلا أنقص ممن ~~انتسب إليه ولا أحسن ممن ادعاه واتصل به، ولأن يكون دعيا ولغير رشده خير له ~~من النسب الذي نسب إليه وقام به. # وكان الغلام الذي أتى به زعم أنه إنما أتى به فارا بزعمه من بني العباس ~~مخافة منهم عليه، وهو يومئذ غلام حدث، وزياه بزي العبيد، وكان إذا مر به من ~~يخافه عليه أن يعرفه ابن عمه، عمد إليه فصقع قفاه لئلا يؤبه به، إلى أن وصل ~~به أرض الأندلس وبها يومئذ عامل بني أمية، وقد انتهى إليه انقطاع مدتهم ~~وذهاب سلطانهم، فسلم العمل خوفا مما يأتيه وحذرا من سوء العاقبة فيه، وكان ~~الذي استعمله عليه صاحب إفريقية، وكانت أرض الاندلس من عمله، فهاجت ~~بإفريقية فتنة الفهري وهجومه وتغلبه على أهلها. # وطالت الأيام بها وانقطع عن أرض الاندلس أمرها وبقي أهلها هملا، فدخل هذا ~~الغلام بعبد الرحمن هذا إليها [1]، وجعل يدور به في أقاليمها يستجدي له ~~الناس، ويسألهم من صدقاتهم له وينسبه لهم ويصف ما بينه وبين أمية، فمن رق ~~له أعطاه ومن شاء أحرمه، فقيل: إنه لما تأمر بعد ذلك وقوى أمره حاسب أهل ~~القرى على ما PageV01P398 # كانوا يعطونه، فأوجب على كل من أعطاه (...) [1] كان عنده أن ذلك الذي ~~أعطاه إنما أعطاه من صدقة وجبت على المعطي، ومن لم يعطه شيئا لم يعرض له، ~~فكان ذلك مما عرف من خساسته وسوء مذهبه ونذالته. # ولم يزل كذلك يستجدي له الناس، ويطوف في أقاليم الاندلس إلى أن شب وكبر، ~~وخاف من كان من العمال بالاندلس سوء عواقب الزمان وحذروا طلب بني العباس، ~~فسلموا الأعمال، واحتال ذلك العبد الذي جاء على تسليم ذلك له، فإن كان ما ~~يكره وقع به تسمى بالأمير على وهن وضعف وتغرير. # ودامت الغفلة عن أرض الاندلس واستقلها واستعبدها من ولي إفريقية من ولاة ~~بني العباس، لأنها كانت من أعمال إفريقية، واستصغروا ما يكون ms255 منها في جانب ~~ما يلزم في غزوها، واشتغلوا بتوثب الجند عليهم واليا بعد والي. # وامتد الأمر لعبد الرحمن ولمن ولي بعده من نسله لهذه العلة والسبب، وهم ~~على ذلك من حال عبد الرحمن يتسمون بالأمراء، وإذا عظم الواحد منهم من أراد ~~تعظيمه قال: يا ابن الخلائف. # وكان تأمير عبد الرحمن أولهم على ما تأمر عليه بلا سبب يوجب ذلك له من حق ~~ولا باطل ولا بحجة له من تغلب ولا واجب، لأن جده هشاما لم يكن عهد إلى أبيه ~~ولا صار شيء من ذلك الأمر المغتصب إليه، ولا هو من أهله، ولا استعمل أحد ~~على ما وليه، فولى ذلك أيام حياته وولى كذلك بنوه بعد وفاته. # وكان دخوله أرض الاندلس سنة ثمان وثلاثين ومائة، فيقال: إنه لما استحكم ~~أمره قتل ذلك العبد الذي كان قد خلصه وأصاره إلى ما صار إليه، وذلك أنه نقم ~~عليه صقعه لقفاه. PageV01P399 # ويقال: بل قطع يده فمات [1]. # وولى بعده ابنه هشام، وولي بعد هشام ابنه الحكم، ثم عبد الرحمن بن الحكم، ~~ثم محمد بن عبد الرحمن، ثم المنذر بن محمد، ثم عبد الله بن محمد، ثم عبد ~~الرحمن بن محمد [2]. # وكل هؤلاء كان خبث الولاية، رديء الفرج، دنيء الهمة، يشرب الخمور، ويلهو ~~بالمعازف، ويتفكه بالغلمان، وينادم المجان، ويستمع القيان، ويأكل الحرام، ~~ويتعدى في الأحكام، كسبيل من مضى من أسلافهم، وكانوا كلهم يتسمون بالأمراء، ~~لا يدعون الخلافة، ولا يتسمون بالإمامة، ولا يخطبون على منبر ولا يخطب لهم ~~عليه، ولا يضرب بأسمائهم دينار ولا درهم، ولا يسمون في طراز ولا علم، وكانت ~~السكة عندهم تضرب باسم صاحب إفريقية من أمراء بني العباس، وذلك كله على ما ~~جرت عليه رسوم البلد مع عماله، لم يكن ينساغ لهم تعدي ذلك، ولا مخالفة شيء ~~منه، ولا لخروج عن حدود من تقدمهم فيه من ولاة البلدان، الذين جلسوا ~~مجالسهم وتغلبوا على مكانهم، إلى أن مضى صدر من أيام عبد الرحمن بن محمد، ~~فتعدى طوره وتجاوز إلى ما لم يتجاوز سلفه، وسوغه ms256 ذلك من طغام أهل الأندلس ~~ما لو رامه آبائه لم يسوغهم ذلك آبائهم ولا رضوا به لهم، فتسمى بأمير ~~المؤمنين بزعمه، ونقش السكة وطرز الطراز باسمه، وبائن أوليائه بعداوته على ~~سوء حاله وخساسة طبعه وهمته وقبح رأيه، وعلته أنه جمع إلى ما ذكرناه من سوء ~~أحوال سلفه، أنه كان مرهونا في نفسه مفعولا به، لا يستر في ذلك من حاله ولا ~~يدرءوه عنه من عسى أن يقوم بحجته، قد عرف بذلك واشتهر به واتخذ من ذوي ~~الجلد والقوة على الباه من الغلمان قوما بعد قوم له، قد عرفوا بذلك ووسموا ~~به، مع إظهاره شرب الخمور، PageV01P400 # وسماع القيان، وضرب الطنابير والعيدان، يفد أصحاب الملاهي عليه من شاسع ~~البلدان، وينزلهم لديه لذلك في أقرب المكان، ويؤثرهم بأجزل العطاء ~~والإحسان، ويظهر العبث بالمردان وإن كان هو المعبوث به لا محالة، ولكن هو ~~يدعي ذلك للتمويه والنذالة، ويعتقد على رعيته في حسن السيرة بزعمه، بأن ~~أباح هذه المعاصي لها وترك النكير فيها عليها، وخلاها وما يعتقده من ~~مذاهبها، فتفكهوا بالغلمان وجاهروا باللواط عن إعلان، وفشت فيهم الأبنة لما ~~اعتادوها صغارا فدرجوا عليها كبارا، وظهر فيهم الزنا، وجاهروا بالمعاصي ~~والغناء، وتاجروا بالخمر في أسواقهم، وأمن لديه من ظاهر بالمعاصي من ~~فساقهم، فهو يعتد بذلك عليهم ويذكر من يريد طراء ذلك من أهل البلدان إليهم، ~~ويفخر بمن نزع إليه منهم، على أن ذلك لو كان مفخرا لكان عليه لا له، لما ~~انتشر في أقطار الأرض ونواحي البلدان من أهل بلده، ما لو تأملهم متأمل ~~واختبرهم مختبر، لم يجد قرية يجتمع فيها المسلمون بالمشرق والمغرب إلا ~~وفيها طائفة منهم ممن قد نزح عن علمه رغبة عنه وخوفا من سخط الله أن يحل ~~بمن فيه، وما ذلك إن شاء الله ببعيد منه بأيدي أوليائه كما وعدهم وأنصار ~~دينه كما كتب لهم، ثم تعرض لشقوته ولما أراده الله جل ذكره من أن يحل به من ~~نقمته بحرب المعز لدين الله، فأذاقه الله لما تعرض له منه أليم بأسه، ~~وأناله ms257 الذلة والخزية في عقر داره، ومنح الله النصر لوليه وأعلا عليه ~~كلمته، وقد ذكرت ما جرى من ذلك في سيرة المعز لدين الله، ولو أعدته في هذا ~~الكتاب لكان تكرارا وتطويلا وإكثارا، ولخرج الكتاب بذكر جملته عن حده ~~والمعنى الذي بسط من أجله، ومن أراد علم ذلك وما ذكرناه أثبتناه في غير هذا ~~الكتاب فالتمسه تجده كاملا فيما ذكرناه إن شاء الله تعالى، ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله وحده لا شريك له، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم ~~النصير. ### |PARATEXT| # اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وبارك وسلم. # تم كتاب المناقب لأهل بيت رسول الله النجباء، والمثالب لبني أمية ~~اللعناء، بعون PageV01P401 # الله الملك العلام وماده وليه في أرضه عليه السلام في يوم الأحد في اليوم ~~الحادي والعشرين، من شهر صفر المظفر سنة 1348 ثمان وأربعين وثلاثمائة من ~~الألف، من هجرة النبي المختار صلى الله عليه وعلى آله الأطهار، ما أظلم ~~الليل وأشرق النهار، بخط أقل الأقلين محمد علي بن ملا سلطان علي، في زمان ~~فترة وأوان حيرة، كتبه لنفسه ولأبناء جنسه اللهم اغفر لي ولقارئيه ~~ولمستمعيه ولمن دعا لي بالمغفرة، آمين يا رب العالمين، وحسبنا الله ونعم ~~الوكيل، ونعم المولي ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ~~اللهم صل على محمد وآله غفر الإله ذنوب هذا الساطر وذنوب قارئيه وناظريه، ~~بحمد الله شكرا شكرا. PageV01P402 ms258