######OpenITI# #META# comp: 1 #META# تحقيق: سليمان بابزيز #META# max: 1139 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : جامع أبي الحسن البسيوي جديد ¶ تحقيق: سليمان بابزيز ¶ تم نشر المتن دون الهوامش ¶ ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع ¶ وترقيم الأجزاء موافق للطبعة الأولى #META# comments: تم نشر المتن دون الهوامش ¶ ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع ¶ وترقيم الأجزاء موافق للطبعة الأولى #META# ndata: [ مقدمة 4F1854CB عليه. #META# bk: جامع أبي الحسن البسيوي - المتن المحقق #META# bkord: 219 #META# archive: 1 #META# الكتاب: جامع أبي الحسن البسيوي جديد #META# cat: جوامع العقيدة والفقه #META# iso: جامع ابي الحسن البسيوي المتن المحقق #META# bkid: 129 #META# ScrapeDate: 13-03-2020 #META# ScrapedFrom: ShamelaIbadiyya #META#Header#End# ### | CHECK جامع البسيوي ج1 # [ مقدمة المؤلف] # بسم الله الرحمن الرحيم، وبه نستعين، رب يسر يا كريم. # الحمد لله الأول قبل كل شيء، والآخر بعد كل شيء، بيده الخير وهو على كل ~~شيء قدير. وأشهد أن لا إله إلا الله، شهادة من وحده بإتقان، وعمل له بالحق ~~ودان. وأشهد أن محمدا ^ عبده ورسوله أرسله بالحق داعيا، وعن الباطل ناهيا، ~~فقام فصدع بأمر الله، وجاهد في سبيل الله حتى أتاه اليقين من عنده، فصلى ~~الله عليه وسلم. # سألت أن أوجدك الدليل الهادي إلى السبيل، الذي من تبعه نجا، ومن خالفه ضل ~~وغوى، وذلك ما لا يبلغه أحد إلا بتوفيق الله، ولا يناله إلا بهداية الله. # وقد نظرت فيما ذكرت فلم أر دليلا ولا هاديا أوضح من كتاب الله المنزل، ~~وسنة نبيه المرسل ^، فإنه السبيل الواضح لمن سلكه، والضلالة عند من تركه. # قال الله لنبيه ^: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة}، وقال: ~~{وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم}، وقال: {وأن هذا صراطي ~~مستقيما فاتبعوه}، والصراط المستقيم: هو الحق، والطريق الواضح. # وقال: {ولا تتبعوا السبل}، والسبل: هي الأهواء الضالة. # وقال: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}، فالقرآن هو الدليل الهادي إلى ~~الطريق المستقيم، وهو الحق الذي لا يضل من سلكه، ولا يهدى من تركه، فما ~~أمرك به فاتبع، وما نهاك عنه فارتدع، وما التوفيق إلا بالله. # [مسألة: في نعم الله تعالى على خلقه] # وذكرت: في نعم الله على خلقه؟ فهي ما لا يحصى عددها: PageV01P001 # فأما أولها: فخلقه إياهم أحياء؛ لأن بالحياة ينالون الملاذ والنعم ~~والمنافع؛ لأن من لم يكن حيا لم يجد لذة ولا نعمة، وقد قال الله تعالى: ~~{وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها} فهي ما لا يحصى، غير أن الحياة من أول النعم. # فأما أفضلها: فهو العقل الذي حسن الله به الحسن، وقبح به القبيح، وبه وجب ~~الحمد والذم، وبه لزم التكليف؛ لأن الله تعالى إنما خاطب العقلاء بما ~~يعقلون، ومن لم يكن له عقل سقط عنه التكليف، ms001 بالإجماع من الأمة على ذلك، ~~قال الله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار}، وقال: {إن في ذلك لذكرى لمن ~~كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد}، /2/ يعني: لمن كان له عقل. فالعقل ~~أفضل نعمة، ومن حرم العقل فقد حرم النعمة، وتمام النعمة على هذه الأمة ~~الإسلام الذي أنعم الله عليهم به، ورضيه لهم دينا، وأكمله لهم وأتم عليهم نعمته. # وكذلك قال الله ||تعالى|| في كتابه: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}. وقال: {إن الدين عند الله الإسلام}، فلا ~~دين أرضى عند الله من الإسلام، فمن سلكه اهتدى، ومن تركه ضل وغوى، وهو واضح ~~سبيله لمن من الله عليهم بقبوله، والعمل به، والتدبر في معانيه، واتباع ~~فرائضه، واجتناب محارمه. # [مسألة في حق الله على العباد] # فأما ما ذكرت: ما حق الله على عباده؟ # فحقه عليهم: أن يعرفوه ويوحدوه ||على ما أنعم||، ويعبدوه ويشكروه ولا ~~يكفروه؛ لأن على العبد أن يعرف المنعم عليه، ويشكره على ما أنعم عليه، ~~ويعترف له بحقه الواجب عليه، ويطيعه فيما أمره ونهاه، وقد قال الله: {ومن ~~شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم}. وقال الله تعالى: {أن ~~اشكر لي ولوالديك}. PageV01P002 # وقال تعالى: {فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون}، فأوجب عليهم الشكر ~~والذكر، والاعتراف له بحقه الذي أوجبه عليهم من المعرفة به، وأنه لهم خالق ~~ورازق، وهاد ومنعم، وأنه بهم رؤوف رحيم. # وقلت: ما أول ما افترض الله على عباده المكلفين؟ # قال: فأول ذلك المعرفة به أنه لهم خالق ورازق على وجه الفكر والنظر ~~والاعتبار؛ لأن الله تعالى ليس بمشاهد، ولا مرئي ولا محسوس، ولكن بالشواهد ~~يستدل عليه العاقل من خلق نفسه، وخلق غيره، وخلق السموات والأرض وما ~~بينهما، يعلم أن لها خالقا لا يشبهها ولا تشبهه، وهو الله الواحد القهار، ~~وقد قال الله تعالى: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم ~~أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد}، وقال: {أولم ينظروا في ملكوت ~~السماوات ms002 والأرض وما خلق الله من شيء}، وقال: {أولم يتفكروا في أنفسهم ما ~~خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق}، وقال تعالى: {وفي أنفسكم ~~أفلا تبصرون}. # وفي كتاب الله /3/ ما قد بين وعرف أنبياءه، وما دلت عليه آياته، وبين أنه ~~حجة يستدل بها عليه ما لا يحتمله كتابي هذا في رقعتي هذه لو عددته، وبذلك ~~دلت عليه الآيات فيما ذكرت. PageV01P003 # فإذا شاهد هذا العبد من نفسه ومن العالم، ونظر من وجه النظر علم أنه ~~محدث، ولابد للمحدث من محدث أحدثه، ومدبر دبره، وهو الله الواحد القهار؛ ~~لأنه لا يتصور في وهمه أنه يكون محدثا إلا من محدث أحدثه، كما أنه لو رأى ~~بناء علم أن له بانيا، ولو رأى كتابا علم أن له كاتبا، وأشباه هذه الأشياء، ~~لا يرى أثرا إلا وأن له مؤثرا دل على أن له خالقا، ولا بد من اعتقاد هذا من ~~النظر والتفكر. # - وقلت: فإن قال: وما يدله أنه مخلوق؟ # قيل له: إذا رأى أنه في حال التمام والكمال، وقد كان نطفة، ثم علقة، ثم ~~مضغة، ثم عظما، ثم لحما، فقد علمنا أنه لم ينقل نفسه من حال إلى حال، فدل ~~أنه مخلوق وأن له خالقا، وقد قال الله تعالى: {وضرب لنا مثلا ونسي خلقه}، ~~وقال: {أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة}، وقال: {وجعلنا لهم سمعا ~~وأبصارا وأفئدة}، وقال: {يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق}. # فقد دل ذلك في العقل، ودل الكتاب المنزل على أن العبد مخلوق وله خالق، ~~وهو الله الواحد القهار. # [اختلاف الناس في المعرفة] # - وأما ما ذكرت: من اختلاف الناس في المعرفة أنها تقع اضطرارا، وقال قوم: ~~تقع اكتسابا، وقد أوجب الله المعرفة به، فما الوجه في عدل ذلك؟ والدليل عليه؟ PageV01P004 # قال: الدليل على ذلك أن الله تعالى قد ذم الجهل به، والفرية عليه، فلو لم ~~يأمر بمعرفته من قد أكمل عقله، وألزمه ذلك لكان قد أباح له جهله، فلما كان ~~الله قد أنعم عليهم، ووضع لهم الأدلة، وأمرهم بشكره ms003 ليشكروه على نعمه، كما ~~قال الله: {فاذكروني أذكركم * واشكروا لي ولا تكفرون}، دل ذلك أن عليهم ~~معرفته وشكره، وقد جعل لهم دليلا على معرفته؛ لأن العالم بما فيه من آثار ~~الصنعة دليل على أن الله لا يجوز في حكمه أن يهملهم وقد نصب لهم ما يعرف به ~~من آثار صنعته، فيعرف ويستدل به عليه؛ إذ لا تجوز عليه الرؤية، ولا ~~المشاهدة، ولا الحس، ولا اللمس، ولا يعرف بغير الاستدلال عليه، والاستدلال ~~/4/ لا يقع إلا من وجه النظر والاكتساب بالدلائل، وليس ذلك من طريق ~~الاضطرار، والله تعالى لا يخلق شيئا لا معنى له؛ إما منفعة عاجلة أو آجلة. PageV01P005 # كذلك أمرهم بالاستدلال عليه، والاستدلال لا يقع إلا من وجه النظر ~~والعبرة، فقال: {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها ~~من فروج * والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج ~~* تبصرة وذكرى لكل عبد منيب * ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات ~~وحب الحصيد * والنخل باسقات لها طلع نضيد}. وقال: {أفلا ينظرون إلى الإبل ~~كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف ~~سطحت * فذكر إنما أنت مذكر}، وأمثال هذا كثير مما يدل على أنه أمر ~~بالاستدلال الذي يعرف به الخالق أنه خالق، ورازق، ومحي، ومميت، فدل ذلك في ~~الكتاب والعقل أن المعرفة تدرك بالاستدلال على المدلول عليه، والدليل هو ~~الهادي إلى الحق، وقد قال الله تعالى: {أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن ~~لا يهدي إلا أن يهدى}، وقال: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم}. # وقد عرف في كتابه أن السماوات والأرض، وما خلق من شيء دليل على ربوبيته ~~ووحدانيته، وأنه ليس كمثله شيء. # [كيف يستدل بالشاهد على الغائب؟] # وأما ما ذكرت: كيف يستدل بالشاهد على الغائب؟ # فذلك أنا إذا شاهدنا نارا علمنا أن كل نار كذلك حكمها، وإذا رأينا ~~الحيوان لا يقع إلا على التناسل حكمنا بذلك على ما غاب عنا من جنس الحيوان، ~~ويستدل بالأثر على المؤثر، والبناء ms004 على الباني، والكتاب على الكاتب، وقد ~~بينا لك من الدلالات ما يكتفى بدونه. # [الدليل على معرفة حدوث الخلق] PageV01P006 وأما ما ذكرت من الدليل على ~~معرفة حدوث الخلق؟ # فإنا وجدنا العالم أجساما وجواهر وأعراضا لا تنفك من الاجتماع والافتراق، ~~||والاجتماع والافتراق|| محدثان كانا بعد أن لم يكونا، فما لم ينفك من ~~الحدث محدث، ولا يتوهم الجسم خاليا منها. # وقد صح وثبت أن الاجتماع والافتراق معنيان، بهما اجتمع المجتمع وافترق ~~المفترق، وهما مجتمعان بجامع جمعهما ومفرق فرقهما؛ فدل بذلك على حدثهما، ~~وقد قال الله تعالى: {إنا كل شيء خلقناه بقدر}. # ومع أن /5/ المحدث هو كل ما لم يكن فكان، فلما لم ينفك الجسم قط مما لم ~~يكن فكان، فهو على الذي دل على حدثه بعد إذ لم يكن فكان، مع الإجماع أن ~~الله كان ولا مكان، ثم خلق المكان، فكان المكان إذا بعد أن لم يكن مكان. # ولما دل الدليل بالإجماع أن الأعراض محدثة لم تنفك من الجواهر دل على أن ~~الجواهر والأجسام محدثة ما لم ينفك منها. # [الدليل على أن للمحدث محدثا] # وأما ما ذكرت أنه إذا كانت الأشياء محدثة، فما الدليل على أن لها محدثا؟ # قيل له: الدليل على ذلك أنها لا تخلو من أن تكون أحدثت نفسها في حال ~~وجودها أو في حال عدمها، فإن كانت أحدثت نفسها في حال وجودها فمحال إيجاد ~~الموجود، وإن كانت أحدثت نفسها وهي معدومة فمحال أن يوجد المعدوم شيئا، فدل ~~أنها محدثة، وكالبناء لا يكون إلا من بان، والكتاب لا يكون إلا من كاتب، ~~فكذلك كل صنعة لا تكون إلا من صانع، فدل ذلك أن الأشياء محدثة مخلوقة ~~مصنوعة، وقد قال الله تعالى: {خلق الله السماوات والأرض بالحق}. # مسألة: [الخالق لا يشبه المخلوق] # وأما ما ذكرت من الدليل على أن الخالق لا يشبه المخلوق؟ PageV01P007 # قيل له: فذلك من قبل أنه لو أشبهها لكان حكمه حكمها في الحدث، ولو أشبهها ~~لم يخل أن يشبهها من كل الجهات أو من بعضها، فلو أشبهها من كل ms005 الجهات كان ~~محدثا مثلها، ولو أشبهها من بعض الجهات كان محدثا من حيث أشبهها، فلما ~~استحال أن يكون المحدث قديما دل ذلك على أن الخالق لا يشبه بالمخلوق المحدث ~~من جهة من الجهات، وقد قال الله تعالى: {ليس كمثله شيء}، {ولم يكن له كفوا أحد}. # مسألة: [في قول الثنوية] # وأما ما ذكرت من قول الثنوية: # فإن قال قائل: ما تنكر أن يكون العالم من أصلين قديمين: أحدهما نور، ~~والآخر ظلمة؟ # قيل له: أنكرنا ذلك من قبل أن لا يخلو الأمر أن يكونا متباينين أو ~~متمازجين، فأيهما كان فقد صح بما يثبت لهما الحدث، والحد، والنهاية. # وقد دللنا أن الأجسام محدثة، فمتى صح أنهما جسمان فقد ثبت أنهما محدثان، ~~والمحدث مصنوع وله صانع. # ووجه آخر: لا يجوز أن يكونا متباينين ثم يصح امتزاجهما أبدا؛ لأنهما ~~عندهم، أحدهما نور والآخر ظلمة، وهما ضدان لا يزدادان إلا تباعدا، ولو كانا ~~متباينين -على ما قالوا- ثم امتزجا لم يخل أن يكون التباين هما أو غيرهما، ~~وكذلك الامتزاج، وقد ثبت أصل ثالث وفسد قولهم. # فإن قال: التباين والامتزاج /6/ غيرهما وثبت أصلا ثالثا. # قيل له: فقد تغير التباين والامتزاج، وإذا تغير فهو محدث، وهما محدثان، ~~فقد ثبت أنهما محدثان، والقديم لا يتغير كالمحدثات، وقد أكذبهم الله بقوله ~~تعالى: {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين ~~كفروا بربهم يعدلون}، فدل أنه خالق الظلمة والنور، وقد بطل ما قالوا وكذبهم ~~الله، وبين في كتابه أن دعواهم باطل ممن قال بذلك من الثنوية وعباد ~~النيران. PageV01P008 # مسألة: [إنكار أن العالم من صانعين قديمين] # وأما ما ذكرت من قولهم: إن قال قائل: ما تنكر أن يكون العالم من صانعين ~~قديمين؟ # قيل له: أنكرنا عليه أشد الإنكار؛ لأنه لو كانا اثنين لكان لا يخلو أن ~~يقع بينهما تمانع، وذلك أنه لو أراد أحدهما أن يجعل جسما في مكان ويريد ~~الآخر أن يجعل في ذلك جسما غير ذلك، أو يريد أحدهما تسكين جسم ويريد الآخر ~~تحريكه، أو يريد أحدهما بقاء ms006 جسم ويريد الآخر فناءه، فلا يجوز أن يكون ما ~~أراداه جميعا، فيكونا جسمين في مكان، أو يكون جسما متحركا ساكنا في حال ~~ووقت واحد، فلما لم يصح ذلك ثبت وصح أن الله إله واحد، ليس كمثله شيء، وقد ~~قال الله تعالى: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش ~~عما يصفون}، وقال: {لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي ~~فارهبون}. وقال: {قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش ~~سبيلا * سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا}، فدل هذا من القرآن وغيره ما ~~يبطل حجة الثنوية وغيرهم من الملل، وممن يزعم أن مع الله إلها آخر غيره، ~~وثبت بذلك وحدانيته. # ولو كانا اثنين لم يخل أن يقدر كل واحد منهما على الآخر أو لا يقدر، فإن ~~كانا لا يقدران فهما ضعيفان، والضعيف ليس بإله، وإن كان يقدر أحدهما على ~~الآخر فالمقدور عليه ضعيف عاجز، والضعيف لا يكون إلها، وإن كان لا يقدر ~~أحدهما على الآخر فهما عاجزان، والعاجز لا يكون إلها، فبطل ما اعتلوا به. PageV01P009 # ولو كانا اثنين لكان لا يخلو أن يريد أحدهما أن يستسر سرا دون صاحبه ~~فيقدر أو لا يقدر، فإن كان يقدر على ذلك، فالمستسر دونه جاهل، /7/ والجاهل ~~ليس بإله، وإن كان لا يقدر فهو عاجز، والعاجز لا يكون إلها، فدل بذلك أن ~~خالق الأشياء واحد، وهو الله الذي ليس كمثله شيء؛ لأن تدبير الاثنين لا يقع ~~على نظام واحد، كما قال الله: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان ~~الله رب العرش عما يصفون}. # مسألة: [دليل إعادة الخلق] # - وسأل فقال: ما الدليل على إعادة الخلق؟ # قيل له: إن الله تعالى خلقه أولا على غير مثال سبق، فإذا خلقه أولا على ~~غير مثال سبق لم يعيه أن يعيده خلقا آخر، وقد قال الله تعالى: {وضرب لنا ~~مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول ~~مرة وهو بكل خلق عليم}، وقال: {وهو ms007 الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم}، ~~وقال: {أئذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون}، و{... لمبعوثون}، [وقال: ~~{فسيقولون من يعيدنا] قل الذي فطركم أول مرة}. # فدل في القرآن في غير موضع أنه يعيدهم، وقال: {ومن آياته أن تقوم السماء ~~والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون}، وقال: {منها ~~خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى}. PageV01P010 # وقال: قالوا: {أئذا كنا عظاما نخرة * قالوا تلك إذا كرة خاسرة * فإنما هي ~~زجرة واحدة * فإذا هم بالساهرة}، فدل بما تلونا من كتاب ربنا، وحجة النظر ~~في ابتداء الخلق دليل على إعادته، كما قال: {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ~~وهو أهون عليه}. # مسألة: [في معرفة الله تعالى] # - وسأل فقال: إذا كان على العبد المعرفة بالله، على ما وقع عليه الدليل ~~في الدلائل من آية واحدة، فما المعرفة به؟ وما يجب على العبد من معرفة ~~توحيده؟ # قيل له: يجب على العبد من الاعتقاد والعلم بأن الله -تبارك وتعالى- واحد، ~~{ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}، {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ~~وهو اللطيف الخبير} كما قال. # وإنه العالم الذي لا يجهل، والقادر الذي لا يعجز، وأنه الواحد القهار، ~~وأنه الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة، هو الرحمن الرحيم، الملك ~~القدوس السلام المؤمن، المهيمن العزيز الجبار المتكبر، سبحان الله عما ~~يشركون، الخالق البارئ المصور، له الأسماء الحسنى، الحي القيوم، واحد أحد، ~~فرد صمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، كما وصف نفسه /8/ في ~~كتابه، ووصفه أنبياؤه، ودلت عليه آثار صنعته مما ذكرته أو لم أذكره. PageV01P011 # فهذه الأسماء وما كان مثلها من أسماء الذات، أو كان من أسماء الصفات، ~~الإيمان بتفسيرها إيمان بجملتها، ||والإيمان بجملتها|| إيمان بتفسيرها، ~~والله بأسمائه يعرف، وتعرف أسماؤه بما وصف في كتابه، ويستدل عليه بآياته ~~وآثار صنعته، وذلك قوله: {سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين ~~لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد * ألا إنهم في مرية من ~~لقاء ربهم ألا ms008 إنه بكل شيء محيط}، فهو على كل شيء شهيد، وهو بكل شيء محيط، ~~فلا يخفى عليه شيء. # مسألة: [معنى قوله تعالى: {ليس كمثله شيء}] # - وسأل فقال: ما معنى قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} ولم يرجعوا إلى واحد ~~من طريق العدد، ولا هو محسوس، ولا متوهم بمثال معروف؟ # قيل له: قلنا ذلك كما وصف نفسه أنه واحد، ليس كمثله شيء، اعتقدنا ذلك ~~بقلوبنا، وأنه لا مثل له، ولا نظير، ولا نهاية، وأنه ليس كمثله شيء مما ~~خلق، ونفينا بذلك قول الثنوية "من قال بالاثنين"، وقول النصارى وغيرهم. # وأنه الواحد الكبير المتعال، ليس كمثله شيء، كما قال: {قل أي شيء أكبر ~~شهادة قل الله}، فالله أكبر الأشياء، وهو الكبير المتعال، وليس كمثله شيء، ~~وهو الواحد القهار. # مسألة: [معنى الحي القيوم] # - وسأل فقال: ما معنى الحي القيوم؟ # قال: الحي: هو الحي الذي لا يموت، والقيوم: الدائم الذي لا يزول، فالله ~~هو الحي الذي لم يزل كما وصف نفسه، والقيوم الذي لا يزول، ولو لم يكن حيا ~~لوصف بضد الحياة. # فإن قال: أفتقولون: إن الله عالم؟ # قلنا له: نعم، كذلك نقول: إنه عالم وعليم، كما قال في كتابه، لا نجاوز ~~ذلك ولا نعدوه. ولما كانت أفعال الله -تبارك وتعالى- متسقة منتظمة غير ~~متفاوتة ولا مختلفة علم أنه عالم. PageV01P012 # - فإن سأل فقال: أفتقولون: إن الله قادر؟ # قيل له: نعم، كذلك نقول كما وصف نفسه أنه القادر، وأنه القدير، كل ذلك ~~سواء، وكل ذلك معنا. # وكما كانت أفعال الله توجد وتصح منه علمنا أنه قادر عليها، ولو لم نصفه ~~بالقدرة لكنا قد وصفناه بضد القدرة، فلما نفينا عنه الأضداد كلها وكان ~~قادرا بالاتفاق وصفناه بها كما وصف نفسه بها مع اتفاق الأمة /9/ على ذلك. # مسألة: [في الدليل على صفات الله] # فإن قال: أفتقولون: إن الله تعالى - عز وجل - لم يزل حيا، عالما قادرا، ~~سميعا بصيرا؟ قيل له: كذلك نقول. # فإن قال: فما الدليل؟ # قيل له: إن الحي إذا لم يكن عالما كان موصوفا بضد العلم، ولو كان ms009 - عز ~~وجل - لم يزل حيا غير عالم لكان موصوفا بضد العلم ولاستحال أن يعلم، فلما ~~دل الدليل أن الأفعال توجد منه وتصح وتقع منتظمة ومتسقة صح أنه لم يزل ~~عالما بها، مع أن اللغة متفقة والأمة مجمعة على أن الله تعالى لم يزل عالما ~~لما يكون قبل كونه. وكذلك قال: {يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون}، وقال: ~~{يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم}، وقال تعالى: {ولو ترى إذ وقفوا على النار ~~فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين}. فقد أخبر بما ~~يقولون قبل أن يقولوا ذلك، وأخبر تعالى أنهم {لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ~~وإنهم لكاذبون}. # مسألة: [في معاني صفات الله] # فإن قال، وسأل وقال: أتقولون: إن الله سميع بصير؟ # قيل له: نعم، كذلك نقول: إن الله سميع بصير وسامع، وقد قال: {إنه هو ~~السميع البصير}. PageV01P013 # فنصفه بما وصف به نفسه، وذلك من صفاته التي يستحيل أن يوصف بضدها؛ لأنه ~~لو لم يوصف بأنه سميع بصير لوصف بأنه غير سميع وبصير، فلما ثبت وصح أنه هو ~~السميع البصير لم تجز الصفة له بغير ذلك من الأضداد، ولم يزل الله تعالى ~~سميعا بنفسه، بصيرا بنفسه، عالما بنفسه، قادرا بنفسه، لا بآلة ولا بجارحة ~~هي غيره، ولكن هو الحي العالم السميع البصير، القادر الواحد القهار، العزيز ~~الجبار، الغني عن كل ما خلق، وكذلك وصف نفسه. # فإن قال: فما معنى العزيز؟ # قيل: معناه: نفي الذلة عنه. ومعنى الغني: هو الغني عن الأشياء، فلا يجوز ~~عليه منها نفع ولا ضر، فهو الغني عنها. وقد وصف نفسه أنه العزيز الحكيم ~~الغني الكريم، وكذلك يوصف كما وصف نفسه. والعزيز: هو الغالب القاهر، وكذلك ~~قال: {وهو الواحد القهار} . # فإن قال: أفتقولون: إن الله رب؟ # قيل له: نعم، ومعنى الرب هو المالك، ولا مالك إلا رب، ولا رب إلا مالك، ~~وكذلك نطقت اللغة والإجماع على أن المالك للشيء هو ربه، والمالك هو القادر. /10/ # فإن قال: أفتقولون لم يزل الله ربا؟ # قيل له: نعم، ms010 لم يزل قادرا، ومالكا لما يقدر عليه. وأما العبد فمالك؛ ~~لأنه انتفع باستخدام غيره، فسمي في اللغة ربه ومولاه على المجاز، ومن ملك ~~شيئا فهو رب له، وأما الله فهو رب على الحقيقة كما قال: {[وهو] رب كل شيء}، ~~و{ربكم ورب آبائكم الأولين}. # فإن قال: ما معنى قولكم الله، والإله، وإله؟ # قيل له: معنى ذلك أن الإله هو المستحق للعبادة، والله هو الإله. # وقد قيل: هو اسم خاص مشتق له يسمى به، وقد سمى نفسه أنه إله، وأنه الله، ~~وأنه الإله، وأنه {لا إله إلا هو العزيز الحكيم}، كما وصف نفسه، لا نعدو ذلك. # فإن قال: أفتقولون: إن الله عظيم؟ # قيل له: نعم، كذلك هو سمى نفسه. PageV01P014 # فإن قال: وما معنى قولكم: عظيم؟ # قيل له: معنى ذلك: عظيم الشأن والمنزلة. # فإن قال: وما معنى قولكم: حكيم؟ # قال: هو من طريق العلم بمعنى عليم، وقد يكون في الفعل متقنا. # فإن قال: أفتقولون: لم يزل حكيما؟ # قيل له: نعم، لم يزل حكيما عليما؛ لأن الحكيم عالم، والعالم حكيم، فهو ~~الحكيم من طريق أنه العليم. # فإن قال: أفتسمونه جوادا؟ # قيل له: نعم، كذلك قال: «إنه جواد كريم»، وقد يكون الجود والكرم في ~~البذل، وقد يكون في النفس، فنسميه كما وصف نفسه أنه الجواد الكريم، ولو لم ~~نصفه بذلك لكنا قد وصفناه ||تعالى|| بضد ذلك، فلما نفينا عن الله تعالى ~~الأضداد وصفناه بأنه الجواد الكريم في الأزل. # مسألة: [وصف الله بالعدل] # - وسأل فقال: أتقولون: إن الله عادل؟ # قيل له: نعم، ولو لم نصفه بالعدل لكان موصوفا بضده، فلما نفينا عنه أن ~~يكون جائرا وصفناه عادلا. # فإن قال: فما معنى العدل؟ # قيل له: هو فعل ما له أن يفعله في الحكمة، وإعطاء المستحق ما يجب له، ~~والجور: ضد العدل، وهو منع المستحق ما يجب له، فلما نفينا عن الله الأضداد ~~وصفناه عادلا. # فإن قال: أفتقولون: إن الله حق؟ # قيل له: نعم، كذلك قال: {[ب]أن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على ~~كل شيء قدير}. ms011 فهو الحق على ما وصف نفسه في كتابه، ولو لم نصفه بأنه الحق ~~لوصفناه بضده، والأضداد عن الله منفية. # وكذلك هو صادق الوعد، والقول كما قال: {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم}، وقال: ~~{ومن أصدق من الله قيلا}. /11/ # فالله أصدق القائلين، فنصفه كما وصف نفسه، لا نجاوز ذلك ولا نعدوه إلى ~~غيره، وننفي بذلك عنه الأضداد، تعالى ربنا وجل. # ومعنى الصادق: أن يكون مخبره على ما أخبره، وضده أن يكون مخبره على خلاف ~~ما أخبره. # مسألة: [في معنى صفات الله] PageV01P015 - وسأل فقال: أتقولون: إن الله ~~هو الملك الجبار؟ # قيل له: نعم. # فإن قال: فما معنى ذلك؟ # قيل له: المعنى أن الملك: هو الذي له الملك، والجبار: هو الذي لا يقاوم ~~في الحقيقة، وقد قال تعالى: {الملك... الجبار} فهو كما قال، وقال: {بيده ~~الملك}، و{بيده ملكوت كل شيء}، وقال: {مالك الملك}، فهو مالك الملك، وبيده ~~الملك، وبيده ملكوت كل شيء، كما وصف نفسه نصفه، وكذلك هو في الحقيقة. # فإن قال: ما معنى: القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن؟ # قيل له: القدوس: هو الطاهر عن الأشياء، فليس له مثل ولا شبيه ولا نظير، ~~نزه نفسه عن الأشباه، فليس كمثله شيء. # ومعنى السلام: أن ذكره سلامة على من ذكره. # والمؤمن: أنه يؤمن منه الجور. # والمهيمن: الشاهد تعالى. # وقد قال: إنه {السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله ~~عما يشركون}، فوصف نفسه بهذه الصفات، ثم نزه نفسه عما يشركون به؛ لأن ~~التسبيح تنزيه وتنزه، ونزه عن الأشباه، فنحن نصفه كما وصف به نفسه، وذلك لا ~~خلاف بين أحد فيه. # فإن قال: أفتصفونه بأنه خالق بارئ مصور؟ # قيل له: نعم هو كذلك، قد وصف نفسه في كتابه، فقال: {الخالق البارئ المصور ~~له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم}. # فنحن نصفه كما وصف نفسه بذلك؛ لأنه خالق الخلق، وبارئ النسم، ومصور ~~الصور، يذرؤكم فيه، ويخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق، ليس كمثله ~~شيء مما خلق، وهو السميع البصير، نزه نفسه عن أشباه ms012 الخلق كما قال: {يسبح ~~له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم}. # فإن قال: أفتقولون: لم يزل خالقا بارئا مصورا؟ PageV01P016 # قيل له: لا نطلق بذلك؛ لأنه يوجب بذلك اللفظ قدم الخلق، والخلق محدث، ~~والله خالقهم ومحدثهم، وهو الله /12/ الخالق البارئ المصور لم يزل، ثم أحدث ~~الخلق، فهو لم يزل قبل خلقهم ثم خلقهم، فهو الله له الأسماء الحسنى، فهو ~~الحي الخالق العالم القادر الذي لم يزل -تعالى ربنا-. # مسألة: [في وصف الله تعالى] # - وسأل فقال: أفتصفونه بأنه الرازق، والمحيي والمميت، الباعث الناشر، ~~المثيب المعاقب؟ # قيل له: نعم، كذلك نقول، وكذلك وصف نفسه في كتابه فقال تعالى {الخالق}، ~~{الرازق}، وقال: {يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم}، فهو كما وصف نفسه. # فإن قال: أفتقولون: إنه لم يزل خالقا، رازقا، محييا مميتا، مثيبا معاقبا؟ # قيل له: لا نطلق ذلك؛ لأن ذلك يوجب قدم الخلق، والرزق، والموت والحياة ~~والمجازاة، والله تعالى لم يزل، ثم أحدث هذه الأشياء التي قد وصف في كتابه ~~أنه خلقها، وخلق خلقه، وأجرى عليهم الرزق، والحياة، والموت، والبعث، ~~والثواب، والعقاب، والمجازاة. # فالله هو المحدث لذلك في خلقه، وهو لم يزل، وهو الخالق الرازق، والمحيي ~~والمميت الباعث، المثيب المعاقب، لا رازق ولا باعث ولا معاقب غير الله ~~تعالى، وكل ما وصف بأنه خلقه وفعله وأحدثه فجائز أن يوصف بذلك أنه أحدثه، ~~ولا يقال: إنه لم يزل يحدث ويخلق ||ويرزق|| ويغفر، وجائز أن يوصف أنه هو ~~الغافر والخالق، والمنشئ النشأة الآخرة، فلم يزل ثم أحدث الأشياء -تعالى ~~ربنا وجل-. # مسألة: [الله متفضل على خلقه] # - وسأل فقال: أتقولون: إن الله متفضل على خلقه؟ # قيل له: نعم، كذلك نقول، وقد قال: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ~~هو خير مما يجمعون}، وقال: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته}. # فإن قال: ما معنى التفضل؟ PageV01P017 # قيل له: هو من أعطى بغير استحقاق، فهو متفضل، وإذا كان له أن يفعل وله ~~ألا يفعل ثم فعل فهو متفضل، وهو على ما وعده أن يفعله وأوجبه لخلقه تفضل منه. # فإن قال: ms013 فمن أين قلت: إنه تفضل وقد استحقه العامل بعمله، ولو كان تفضلا ~~لكان من دفع إلى أجير أجرته متفضلا؟!! # قيل له: الفرق بينهما من قبل أن الأجير قد نفع المستأجر بعمله كما نفعه ~~المستأجر بأجرته، و[أما] العبد فلم يعمل لله شيئا ينفعه به، وإنما نفع نفسه ~~بما عمل، فكان ما أعطاه من القوة على العمل تفضلا، وهدايته إلى ذلك تفضلا، ~~وما أعطاه على عمله تفضلا منه عليه. إذا كان الله تعالى غنيا عن جميع خلقه ~~وعملهم لا يجوز عليه منهم نفع ولا ضر، تبارك وتعالى، وهو الحكيم العليم. /13/ # مسألة: [اختلاف الناس في صفات الله تعالى] # - وسأل فقال: أخبرنا عما اختلف الناس فيه من صفات الله، فزعم قوم أنها ~~محدثة مخلوقة، ما الجواب عليه؟ # قال: يقال لمن زعم أنها محدثة مخلوقة أخبرونا عن الصفة ما هي؟ # فإن قالوا: هي الكلام الذي يتكلم به الناس من قولهم: الله والسميع ~~والبصير وجميع الأسماء التي يصفونه بها؛ قيل لهم: إن كلام الناس وصفاتهم لم ~~يختلف فيه أحد أنه محدث مخلوق، وصفة الواصف هي كلام الواصف، ومن وصف شيئا ~~فكلامه فعله، فإن كان معنى الصفة هي الكلام فإن كلام العبد فعل العبد، ~~والعباد يذكرون الله في جميع أحوالهم. # وفي قياد هذا القول لا يجوز لأحد أن يقول: لم يزل الله، ولا عالم ولا ~~سميع ولا بصير؛ لأن الصفات في قولك: فعل العباد، وفعلهم محدث، والفاعل أقدم ~~من فعله، فعلى قولك: قد كان الخلق ولا صفة لله، إذ كانت صفته هي أفاعيلهم ~~في قولك، وهذا ما لا يجوز في العقل. PageV01P018 # ويقال له: ما دليلك على ما ادعيت أن له اسما غيره مما يسمع من قول ~~القائل: "الله، الرحمن، الرحيم، العليم"، فإنه لا يجد دليلا حتى يرجع ~~فيقول: "لم يزل الله، وهو السميع، العليم، الرحمن، الرحيم، وجميع صفاته". # فإذا قال ذلك، قيل له: ففي قولك خطأ أن صفاته غيره، أنه لم يزل ومعه ~~غيره؛ لأنك زعمت أن الله لم يزل وهو السميع العليم الرحمن الرحيم، وجميع ~~صفاته، ms014 وزعمت أنها غيره، فجعلت معه غيره. # وقد أجمع أهل الصلاة أن الله واحد لم يزل، وما سواه محدث مخلوق، فافهموا ~~ما وصفنا، وبالله التوفيق. # واعلموا أن القوم مع ما قالوا من أسمائه أنها محدثة وقد فرقوا بين أسمائه ~~فزعموا أن بعضها لم تزل وهي له، وبعضها محدثة، وذلك أنهم لم يجدوا بدا من ~~أن يقولوا: إن الله لم يزل وهو الله السميع العليم البصير، القادر الأول ~~الحافظ الشاهد، فلما لم يجدوا بدا من ذلك، قالوا: إن هذه أسماء ذاتية. # يقال لهم: ما تعنون بقولكم: أسماء ذاتية؟ # فإن قالوا: يعنون أنه لم يزل، وهو الله السميع العليم، القادر القاهر ~~الأول، الآخر الشاهد الحافظ؟! # فإن قالوا: نعم. قيل لهم: الحق قلتم، وقد أصبتم. وإن كنتم تعنون: أن الله ~~هو السميع البصير القادر القاهر الأول، الآخر الحافظ الشاهد، هي الأسماء ~~المعني بها الله، فإنها أسماء لم تزل معه، فقد أثبتم أن معه غيره لم يزل، ~~وقد افتريتم إثما عظيما، وقلتم بما به خرجتم من موافقة أهل الصلاة. # فإن قالوا: إنما أثبتنا له اسم العلم نفينا عنه بذلك الجهل، /14/وقلنا ~~له: إنه السميع نفينا عنه الصمم، وبصير نفينا عنه العمى، وقادر نفينا عنه ~~العجز، وحافظ نفينا عنه النسيان. PageV01P019 # يقال لهم: حدثونا عن قولكم: نفينا عنه الجهل فهل ينفي الجهل إلا العلم؟! ~~وقولكم: نفينا عنه الصمم فهل ينفي الصمم إلا السمع؟! وقولكم: نفينا عنه ~~العمى فهل ينفي العمى إلا البصر؟! وقولكم: نفينا عنه الاستكراه فهل ينفي ~~الاستكراه إلا القدرة؟! وقولكم: نفينا عنه الغفلة فهل ينفي الغفلة إلا ~~التذكرة؟ # وفي قياد قولكم هذا إثبات للأضداد، ونحن نسألكم عن هذه الأضداد التي ~~أثبتموها أهي الله نفسه أم هي غيره؟ # فإن قالوا: هي الله نفسه؛ فقد دخلوا في أشنع ما أنكروا على من خالفهم، إذ ~~وصفوا الله بأنه علم، وأنه سمع، وأنه بصر، وأنه قدرة، وأنه حفظ، وأنه ~~تذكرة، والله لم يصف نفسه بشيء مما وصفتموه، إنما قال: هو السميع العليم ~~البصير، وجميع ما وصف به نفسه. فمن ms015 وصفه بغير ما وصف به نفسه فقد افترى ~~إثما عظيما. # وإن قلتم: هذه الأضداد غيره، فقد أثبتم معه غيره وجعلتموه ذا أجزاء ~~كالخلق، تعالى الله علوا كبيرا. # واعلموا أن قولكم: نفينا عنه الجهل، لا يكون الجهل ضد عالم، إنما يكون ~~الجهل ضد العلم، والجاهل ضد العالم، والصمم ضد السمع، ولا يكون ضد السميع، ~~والعمى ضد البصر، ولا يكون ضد البصير؛ فتفهموا الأضداد ومجاريها، وما نفى ~~بعضها عن بعض تعلموا أن القوم ليس على طريق مستقيم. # فإن قالوا: إن العليم لم يزل وهذا من أسماء ذاته، والغفور من أسماء فعله، ~~والخالق والرازق هذه من أسماء فعله، وأن هذه الأسماء عندهم إنما أضيفت إليه ~~بفعله، فمن الحجة عليهم أن يقال لهم: أليس الغفور هو العليم؟ # فإن قالوا: نعم، تركوا قولهم. PageV01P020 # وإن قالوا: هما اسمان، أحدهما قديم والآخر محدث، فلا يكون القديم هو ~~المحدث، ولا المحدث هو القديم، وفي قود هذا القول: إن الله هو غير الغفور، ~~وإن الغفور هو غير الله؛ لأن الغفور عندهم محدث، وهو اسم عندهم غير الله، ~~والله عندهم هو اسم لم يزل. فتفهموا تعلموا أن من قال: إن الله غير الغفور، ~~وإن الله ليس هو الغفور، فقد افترى إثما عظيما. # مسألة: [زيادة بيان عما وصف الله به نفسه] # - وسأل فقال: زدني بيانا /15/ في هذه الأمور؟ # يقال لهم: نعم، اعلم أن كل ما وصف الله به نفسه من هذه الصفات في القرآن ~~فإنما يخبر أنه هو الخالق، وأنه هو الرازق، وأنه هو العالم، وأنه هو ~~السميع، وأنه هو البصير، وأنه هو القادر، وجميع ما وصف به نفسه كما وصف، لم ~~يزل كما وصف به نفسه، لأنما وصف به نفسه غيره، وقد بينا لكم ذلك في صدر ~~كتابنا فتفهموا وكونوا من أمركم على بيان. # ومما يحتجون به أن يقولوا: لم يزل يخلق ويرزق ويغفر ويرحم وأشباه ذلك؟ # فمن الحجة عليهم أن يقال لهم: إن الله تعالى وصف نفسه في كتابه أنه سميع ~~بصير عليم وأشباه ذلك، ووصف نفسه أنه يخلق ms016 ويرزق ويغفر ويرحم وأشباه ذلك. # فقوله: يعلم إنما يخبر أنه العليم بالأشياء، إنما هو مخبر عن نفسه أنه ~~يعلم. ويسمع: يعني أنه السميع. وكذلك يبصر: يعني أنه هو البصير، وفي قوله: ~~يخلق يخبر عن نفسه أنه الخالق. # ولا يجوز لقائل أن يقول: لم يزل يخلق؛ لأنه إنما أخبر أنه يخلق ويرزق ~~ويغفر ويرحم، وليس في قول القائل: خالق خبر عن غير الخالق، إنما قوله: خالق ~~صفة الله أنه هو الخالق، وأنه هو الرازق والرزاق، فتفهموا ذلك، ولا قوة إلا بالله. # مسألة: [في معاني صفات الله] # - وسأل فقال: أتقولون: إن الله يسمع ويرى؟ PageV01P021 # قيل له: نعم، نقول ذلك على أنه السميع البصير، لا أن له سمعا هو غيره، ~~ولا أن له بصرا هو غيره، ولكن نقول كما قال: {إنه هو السميع البصير}. # وقد قال لموسى وهارون: {إنني معكما أسمع وأرى}. معنى ذلك: أنه لا يخفى ~~عليه شيء من الأمور. # فإن قال: أفتقولون: إن لله علما؟ # قيل له: نعم، نقول إن لله علما، يعني: إنه العالم بالأشياء، ولا نقول: له ~~علم هو غيره به علم الأشياء، وإنما قلنا: إن لله علما، كما قال في كتابه: ~~{أنزله بعلمه}، أي: أنزله وهو العالم به. # فإن قال: أفتقولون: إن لله علما وقدرة؟ # فالجواب: أنا نقول: إن الله هو العالم، وهو القادر، ولا نقول: إن له علما ~~وقدرة هما غيره، وإنما قلنا على ما أطلقه الله: {أنزله بعلمه}، أي: أنزله ~~وهو العالم به، وكما أطلقه المسلمون في كلامهم: كان هذا في علم الله؛ ~~معناه: إنه هو العالم به ولا يخفى عليه. # مسألة: [الحجة على من قال: إن الله عالم بعلم] # - وسأل فقال: ما الحجة على من قال: إن الله عالم بعلم؟ # قال: يقال لهم: إذا زعمتم أن الله عالم بعلم، /16/ فقولوا: إنه حي بحياة، ~~وقديم بقدم. # فإن قالوا: هو قديم بقدم، وحي بحياة. # قيل لهم: فحدثونا عن قدمه، أهو قديم بقدم، وقديم بقدم حتى نوجب عليهم أنه ~~قديم بقدم وقديم بقدم إلى ما لا نهاية له، ms017 وكذلك حي بحياة وحياة بحياة إلى ~~ما لا نهاية له، حتى يرجع ويقول: إنه الحي بلا حياة هي غيره، وقديم بلا شيء ~~هو غيره. # وقد قال الله: {هو الحي لا إله إلا هو}، والقديم: هو المتقدم الأشياء قبل ~~كونها وهي عدم لم تكن، والله تعالى قبل كل شيء. # مسألة: [الرد على من قال: إن أسماء الله لا هي هو] # - وسأل عن قول من قال: إن أسماء الله وصفاته لا هي هو ولا هي غيره؟ وكذلك ~~قول من قال: علمه لا يقال هو ولا غيره؟ PageV01P022 # قيل له: أفتقولون: لا هو موجود ولا هو معدوم ولا مجهول ولا معلوم ولا ~~مدروك ولا غير مدروك؟ فإن قالوا كذلك خرجوا من المعقول، فهذا ما يفسد قولهم. # وكذلك قول من يقول: لا يقال علم الله شيء، ولا يقال لا شيء، ولا قديم ولا محدث؟ # يقال لهم: ما الفرق بينكم وبين من قال: لا يقال: علم الله شيء، ولا يقال: ~~لا شيء؛ لأن في هذا إثباتا لشيء ونفيه فلا يجوز، ولو جاز أن يقال: علم الله ~~شيء ولا لا شيء ولا قديم ولا محدث ولا مجهول ولا معلوم ولا موجود ولا ~~معدوم، كان في هذا إثبات النفي، ونفي للإثبات، ومن وصف الله بهذا فقد وصفه ~~بالنفي والإبطال. # ويقال لهم: ما الفرق بينكم وبين من قال: علم الله هو هو لا هو غيره؟ # فإن قالوا: إذا قلنا: هو هو أثبتناه علما، وإذا قلنا: هو غيره أثبتنا ~~عنده غيره، فاستحال الكلام. # قيل لهم: وهو الله إثبات غيره في قولكم، ولا غيره إثبات أنه هو، فهل من ~~فرق؟ ولا يجدون إلى ذلك سبيلا. # فإن قال: أنتم قد قلتم: إن لله علما. # قيل: إنما أطلقنا ذلك، على ما أطلقه الله في كتابه، وأطلقه المسلمون في ~~كلامهم، ورجعنا في قولنا: "لله علم" إلى أنه العالم ولم ننكر ذلك، إنما ~~أنكرنا على من أثبت لله علما ثم ادعى فيه ما وصفنا. # والذي أطلقناه موجود في لغة العرب؛ حيث قالوا: وجه الأمر، وعين ms018 اليقين، ~~ومثله في لغة العرب كثير. # وقال الله تبارك وتعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه} ولم يرجعوا بذلك إلى ~~معنى هو غيره، وإنما قالوا: كل شيء هالك إلا هو. # وكذلك إن قالوا: إذا قلنا: علم الله شيء كان في إثبات شيء إثبات شيئين ~~قديمين، وإذا قلنا: لا شيء، كان /17/آنفا العلم؟ PageV01P023 # قيل لهم: فما الفرق بينكم وبين من قال: لا معدوم ولا موجود ولا معلوم ولا ~~مجهول ولا شيء ولا لا شيء، وهل من فرق؟ وإذا ثبتوا على ذلك تجاهلوا؟ وكذلك ~~من قال: علم الله غيره جعله عالما بعلم هو غيره؟ وقد مضى الجواب فيما تقدم عليه. # ومن جعل علم الله محدثا أثبت أنه لم يكن يعلم ثم علم، وتعالى الله عن هذه ~~الصفة علوا كبيرا، بل هو الله العالم الذي لم يزل عالما بما يكون، وقادرا ~~حيا قيوما سميعا بصيرا كما وصف نفسه في كتابه، ولا نصفه إلا كما وصف نفسه ~~في كتابه من أسمائه، أنه الله الذي {لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه ~~سنة ولا نوم له ما في السماوات وما في الأرض}، فأخبر الله أنه الله الحي ~~وأثبت له الحياة، ونفى أن يكون إله غيره بقوله: {لا إله إلا هو الحي القيوم ~~لا تأخذه سنة ولا نوم} نفى عن نفسه ما يجري على الخلق من السنة والنوم، {له ~~ما في السماوات وما في الأرض} يعني ذلك: له كله وبيده، كما قال: {بيده ~~ملكوت كل شيء}، وقال: {هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو ~~الرحمن الرحيم * هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن ~~المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون}. PageV01P024 # نزه نفسه عن صفات المخلوقين في هذه الأسماء كلها وقال: {هو الله الخالق ~~البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز ~~الحكيم}، وقال: {ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء ~~الحسنى}، وقال: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها}. # فهذه أسماؤه ms019 التي وصف بها نفسه في القرآن، وأمر أن يدعى بها، ووصفها ~~وبينها في كتابه فقال: {له الأسماء الحسنى}، فهي له كما قال: إن له الأسماء ~~الحسنى، ونزه نفسه أن يشبه المخلوقين؛ لأن التسبيح تنزيه وتنزيه عن ~~الأشباه، فإن ما في السموات وما في الأرض يسبح له وينزه عن الأشباه، وأن كل ~~ما في السموات والأرض دلالة عليه أنه الخالق وما سواه مخلوق، وأن أسماءه ~~التي أمر أن يدعى بها لم تزل له، وأن يدعى بأسمائه الحسنى، كما أمر أن يدعى ~~بها، فدعاء الداعي وكلامه وصفته لله /18/بما وصف به نفسه، كلام الواصف وهو ~~محدث مخلوق، والموصوف بأسمائه كما أمر لم يزل، وأسماؤه له كما وصف في ~~كتابه، تعالى ربنا وجل عن شبه المخلوقين. # مسألة: [معنى أن الله شيء ليس كمثله شيء] # - وسأل فقال: أتثبتون أن الله شيء؟ # قيل له: نعم، نثبته شيئا ليس كمثله شيء كما قال في كتابه: إنه {ليس كمثله ~~شيء}، وقال: {قل أي شيء أكبر شهادة قل الله} فهو كذلك، وكل من سماه شيئا ~~فقد ثبته شيئا؛ إذ لا موجود إلا شيء، ولا معلوم إلا شيء، ولا حي ولا عالم ~~ولا قادر إلا شيء، فلما كان تعالى حيا قادرا عالما سميعا بصيرا كان شيئا ~~ليس كمثله شيء من الأشياء مما خلق، جل وعلا علوا كبيرا. # مسألة: [في معاني سورة الإخلاص] PageV01P025 - وسأل فقال: ما معنى: {قل ~~هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد}. # قيل ||له||: {أحد} لا ثاني معه، فهو واحد أحد، {الصمد}: السيد، {لم يلد ~~ولم يولد} نفى عن نفسه الولد؛ لأن الولد شبيه الوالد، فنفى عن نفسه الشبيه، ~~{ولم يولد}؛ لأن المولود محدث، فنفى الأشباه عنه، والمحدث مقهور، {ولم يكن ~~له كفوا أحد}؛ لأن الأكفاء متضادون بعضهم يكافئ بعضا، فنفى عنه الأكفاء ~~والأضداد؛ ولأن المكافئ لكفوه ذليلان ولهما قاهر، فنفى الأشباه والأمثال ~~والأضداد عنه. # مسألة: [معنى أن الله سبحانه هو الواحد الأحد] # - وسأل فقال: أخبروني عن الله ما هو؟ ms020 # قيل له: إن أردت ما هو أن تسميه وتصفه، فهو الله الواحد الأحد، الصمد ~~العالم القادر، الحي السميع البصير، الرحمن الرحيم، الرؤوف الكريم، اللطيف ~~الخبير الجبار المتكبر، الملك القدوس، السلام المؤمن المهيمن، الخالق ~~البارئ المصور، {له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو ~~العزيز الحكيم}. # وإن أردت بقولك: الدلالة عليه؛ فالسموات والأرض وما بينهما من آثار ~~صنعته، وتدبيره دلالة عليه، وقد قال: {أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله ~~السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق}، وقال: {أولم ينظروا في ملكوت ~~السماوات والأرض وما خلق الله من شيء}، وقال: {أولم ير الإنسان أنا خلقناه ~~من نطفة}، وأشباه هذا في القرآن كثير دلالة على الله أنه خالق وصانع ومدبر، ~~وأنه ليس له مثل ولا شبيه ولا نظير مما خلق. /19/ PageV01P026 وإن أردت ما ~~هو (أي الأجناس هو)؟ فالله تعالى ليس بذي جنس مؤلف ولا صورة؛ لأنه قال: إنه ~~الخالق المصور، وخالق كل شيء، وقال: {ليس كمثله شيء}، {له ما في السماوات ~~وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى}. # فإن قال: ولم أنكرتم أن يكون الله -تبارك وتعالى- جسما؟ # قيل له: أنكرنا ذلك أن يكون القائل أراد بقوله ما أنكرتم، أن يكون طويلا ~~عريضا عميقا مجتمعا، أو يكون أراد تسمونه جسما وإن لم يكن طويلا عريضا ~~عميقا مجتمعا، فإن أراد أن يكون كذلك كما يقال في الأجسام - فيما أثبتنا- ~~فهذا لا يجوز؛ لأن المجتمع لا يكون شيئا واحدا؛ ولأن أقل الاجتماع يكون بين ~~الشيئين؛ لأن الشيء الواحد لا يكون لنفسه جامعا، وقد ثبت بالاتفاق أن الله ~~- عز وجل - واحد، فبطل بذلك أن يكون مجتمعا. # وإن أراد جسما: لم لا تسمونه جسما، وإن لم يكن طويلا عريضا عميقا مجتمعا؟ # فالأسماء ليست إلينا، ولا يجوز لنا أن نسمي الله باسم لم يسم به نفسه في ~~كتابه، ولا سماه به رسوله، ولا أجمع المسلمون عليه، وليس لنا أن نصف الله ~~بغير ما وصف به نفسه. # فإن قال: ما أنكرتم أن يكون جسما لا كالأجسام؟ # قيل له: ms021 أنكرنا ذلك؛ لأنا لم نشاهد جسما إلا طويلا عريضا محدودا، له ~~أشكال وأمثال، محتمل للأعراض كالحركات والألوان والسكون والتفريق والتأليف. ~~فلما لم يجز أن يكون الله بهذه الصفة لم يجز أن يكون جسما على هذا المثال، ~~فلما لم يوصف بحركة ولا سكون ولا عرض لم يوصف بأنه جسم. # ولما أن كان الاستدلال بالشاهد على الغائب، ولم يشاهد جسما إلا على ما ~~وصفنا، بطل أن يكون في الغائب جسما على خلاف ذلك. # فإن قال: أتقولون: إنه شيء؟ PageV01P027 # قيل له: نعم، كذلك نقول. وليس قولنا: شيء به صار الجسم شيئا؛ لأن الشيء ~~لم يكن شيئا بمعنى هو فيه؛ لأن الجوهر هو شيء، وما قام به شيء، والجسم طويل ~~عريض عميق مؤلف. # فإن قال: أليس أثبتم الحي على ضربين: حي بحياة فيه وحي بنفسه؟ # قيل له: نعم. # فإن قال: فهلا أثبتم الجسم ضربين، جسما مؤلفا وجسما غير مؤلف؟ # قيل له: الوجه التي استدللنا به على أن الله -تبارك وتعالى- حي هو ما ظهر ~~من أفعاله، فثبت وصح أن هذه الأفعال لا تكون إلا من /20/حي قادر، والقادر ~~العالم لا يكون إلا حيا، وقد وصف نفسه أنه هو الحي، وقال: هو القادر، وأنه ~~الخلاق العليم والعظيم، فصح بما قلنا مع ما وصف به نفسه وصفناه. # ومن هذا الوجه إنما استدللنا على الإنسان أنه حي، والوجه الذي استدللنا ~~به على الإنسان أنه حي بحياة غيره هو بها صار حيا أنه يجوز عليه الموت؛ ~~لأنا وجدناه تارة حيا، وتارة ميتا، وعينه قائمة، فعلمنا أنه لم يكن حيا ~~بنفسه، وإنما كان حيا بحياة غيره، فلما لم يجز هذا المعنى على الله -تبارك ~~وتعالى- من الموت والتغيير ثبت أنه حي بنفسه. # فالوجه الذي من أجله علم أنه حي هو غير الوجه الذي من أجله علم أن له ~~حياة، وهذا الوجه عن الله منفي. # فإن قال: لم قلتم: إنه لا جسم إلا مؤلف؟ # قيل له: لأنا وجدنا التأليف والتركيب خاصة للجسم الذي به صار الجسم جسما، ~~ولولا ذلك لم يكن جسما، ms022 وكانت [الأجسام] جواهر، ولو جاز لكم أن تثبتوا ~~جسما، ثم تنفوا عنه معاني الأجسام الموجودة جاز لمن خالفكم أن يثبته صورة ~~ثم ينفي عنه معنى الموت. # فإن قالوا: لا صورة ولا محدود مؤلف إلا على ما شاهدنا، فمن نفى ذلك عن ~~الصورة والمحدود فقد نفى عن غير حقيقة. # قيل له: فأنتم إذا أثبتم جسما، ثم نفيتم عنه معاني الأجسام فقد علقتم على ~~غير حقيقة. PageV01P028 # فإن قال: فهل شاهدتم فعلا إلا جسما؟ # قيل له: لم نشاهد فعلا إلا جسما، ولم يكن فعالا؛ لأنه جسم؛ لأنا قد وجدنا ~~جسما غير فعال، فدلنا ذلك أن الفعال لم يكن فعالا؛ لأنه جسم، ولا للجسمية ~~التي فيه، إذا كانت الجسمية فيما هو فعال، وفيما يستحيل أن يكون فعالا. # فإن قال: فهل شاهدتم فعالا ليس بجسم؟ # قيل له: نحن وإن لم نشاهد فعالا ليس بجسم، فقد دلنا الدليل أن الفعال لم ~~يكن فعالا من أجل أنه جسم، ولو كان كذلك لم يكن جسما إلا والفعل صحيح منه، ~~كما أنه لما كان فعالا من أجل أنه حي قادر، فلا حي قادر إلا وقد صح أن يكون ~~فعالا، ولا يجب ذلك في الجسم؛ لأن الموات والجماد أجسام، ولا يصح منه الفعل. # فإن قال: إذا نفيتم أن يكون جسما؛ لأنكم لم تشاهدوا جسما إلا بما /21/ ~~وصفتم من الهيئات، فانفوا أن يكون شيئا؛ لأنكم لم تشاهدوا شيئا إلا محدثا؟ # قلنا له: قد أخبرناك أن الشيء قد يعم الأجناس المختلفة كلها، والجسم إنما ~~هو لخاصة هذه الهيئات من الطول والعرض، والعمق، والحركة والسكون، والافتراق ~~والاجتماع، وليس لأحد أن يسمي الله باسم لم يسم به نفسه. # فإن قال: قد اجتمعت الأمة أن الجسم محدود، واختلفوا فيما ليس بجسم، فثبته ~~قوم ونفاه آخرون، فوجب أن يكون القديم إذا كان مثبتا داخلا في باب ما ~~اجتمعوا عليه؟ # قيل له: وقد اجتمعت الأمة على أن المؤلف جسم، واختلفوا فيما ليس بمؤلف أن ~~يكون جسما، فوجب أن يدخل القديم إذا كان مثبتا في باب ما لم ms023 يختلفوا فيه، ~~وإلا كان دليلكم ساقطا على ألسنتكم. # ويقال لمن ثبت لله جسما باقيا لا متحركا ولا ساكنا، فإن زعم ذلك وادعى ما ~~يكذبه الجنس. # فإن قال: لم نشاهد إلا جسما متحركا أو ساكنا؟ # قيل له: فيثبت معبودك كذلك. PageV01P029 # فإن أجاز عليه الحركة والسكون؟ قيل له: فهل يجوز أن يكون متحركا ساكنا في ~~حالة واحدة؟ فإن أجاز ذلك خرج من حكم الشاهد، ونقض عليه قوله، ويطالب بأن ~~يخرج القديم من جميع حكم الشاهد. # فإن لم يجز ذلك عليه في حال، قيل له: فيما لم يزل أكان ساكنا أو متحركا، ~~فأي ذلك ادعى فيه لزمه أن يكون قد تغير من صفة إلى صفة، واحتمل الأعراض، ~~فطولب بما طولب به أهل الدهر. # فإن ثبت له لونا أو طعما أو رائحة قياسا على ما شاهد من الأجسام ~~والألوان، فأي لون ذكر طولب بإثباته على ما ذكر، قياسا على الشاهد، ولا ~~يبلغ هذا أحد إلا كفى خصمه مؤنته، والحمد لله على كل حال بالغدو والآصال. # 1 - باب: في الرؤية # - وسأل فقال: ما الحجة على من قال: إنه يرى الله بالأبصار؟ # قيل له: الحجة عليه من كتاب الله تعالى، منها قوله: {لا تدركه الأبصار ~~وهو يدرك الأبصار}، فنفى عن نفسه درك الأبصار، وامتدح بذلك أن الأبصار لا ~~تدركه، كما امتدح أنه لا تأخذه سنة ولا نوم، وامتدح بذلك كما امتدح أنه لا ~~يظلم الناس شيئا، وأنه يطعم ولا يطعم، ومدائح الله لا تزول في الدنيا ولا ~~في الآخرة، ولما وقع الإجماع أنه لا يطعم ولا تأخذه سنة ولا نوم، /22/ ولا ~~يظلم الناس شيئا، فكذلك لا تدركه الأبصار في الدنيا ولا في الآخرة، كما لا ~~يظلم ولا يطعم في الدنيا ولا في الآخرة. # والإجماع أن الله لا يرى في الدنيا، فهو لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة ~~بالأبصار، والمختلف فيه يرد إلى حكم المتفق عليه أن الله لا يرى في الدنيا ~~ولا تدركه الأبصار، وكذلك في الآخرة. PageV01P030 # ولو جاز أن يرى في الآخرة لجاز أن ms024 تأخذه السنة والنوم في الآخرة، ويطعم ~~في الآخرة ويظلم، فلما كان هذا مدائح الله وصفاته كان ذلك من صفاته التي ~~قال: {لا تدركه الأبصار}، فهي لا تدركه ولا تراه في الدنيا ولا في الآخرة. # وقد قال الله تعالى في كتابه لموسى: {لن تراني}، فهو لا يراه. وقول بني ~~إسرائيل: {أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون}، وقول الكفار: {لولا ~~أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا}، قال الله: {لقد استكبروا في أنفسهم وعتو ~~عتوا كبيرا}. # فهذا ومثله في القرآن لمن احتج بأن الله لا يرى بالأبصار، وأنه لا تدركه ~~الأبصار في الدنيا ولا في الآخرة، وتعالى الله وجل وعلا علوا كبيرا. # فإن قال: من جوز الرؤية من الحشوية، وقال: يرى ولا يدرك؟ # قيل له: لا يجب ما قلت، وذلك أنا رأينا ووجدنا الرؤية بالبصر، هي الإدراك ~~بالبصر، فلو كان مرئيا كان مدركا. # فإن قال: لم قلت ما قلت؟ # قيل له: إنا ندرك بأبصارنا ما نراه بها، كما نعلم بقلوبنا ما نعرفه بها، ~~فلو كانت الرؤية بالبصر غير الإدراك بالبصر لكان العلم بالبصر غير المعرفة ~~بالبصر، فلما كان قول من قال: علمت بقلبي ما لم أعرفه بقلبي محالا كان قول ~~من قال: رأيت ببصري ما لم أدركه ببصري محالا. # فإن قال: الدرك: إحاطة. # قيل له: وكذلك النظر إحاطة بالرؤية، إحاطة بالمرئي. # فإن قال: قد نرى السماء ولا ندركها؟ # قيل له: وإن لم ندرك السماء كلها فقد أدركنا ما رأينا منها. # فإن قال: الدرك: إحاطة، { قال أصحاب موسى إنا لمدركون} أي: محاط بنا. # قيل له: الدرك على وجوه: منها: إحاطة. ومنها: انتهاء، يقال: أدرك الزرع، ~~وأدركت الثمرة، وأدرك الغلام: إذا انتهى واحتلم. PageV01P031 # والرؤية -أيضا- وجوه: فرؤية هي جنس، ورؤية هي علم. وقد نفيتم الدرك عن ~~الله، وإن كان متصرفا في اللغة. فلذلك يجب /23/ نفي الرؤية عن الله، وإن ~~كانت متصرفة في اللغة، وقد قال الله تعالى لموسى: {لن تراني}. ولا فرق بين ~~أن يرى بالبصر، ويدرك بالبصر، ويحاط به النظر. # ووجه آخر: ولما كان ms025 لا يرى إلا جسم أو قائم بجسم وكان الله تعالى ليس ~~بجسم ولا قائم بجسم لم يجز أن يرى. # ووجه آخر: أنك لا ترى إلا ما قابلك أو حاذاك، فكان بين الرائي والمرئي ~~اتصال الصورة، ورفع الموانع عن الأبصار، فلما لم يجز أن يقابل ولا يحاذى ~~ولا يتصل الضياء بينه وبين الرائي له لم يجز أن يرى. # ووجه آخر: لو جاز أن يرى جاز أن يشار إليه بالرائي، فلما لم يجز أن يشار ~~إليه بالرائي ويراه غيره لم يجز أن يرى. # ووجه آخر: هو أن الله -تبارك وتعالى- معنا، وهو بكل مكان، وذلك قوله: ~~{وهو معكم أين ما كنتم} وليس يرى، ولا يخلو أنه لا يرى؛ لأنه لا تجوز ~~الرؤية عليه، أو يكون ليس يرى لساتر وحجاب بيننا وبينه، وليس يرى لأنه في ~~أبصارنا لصغره ولطافته. # فلو كان لا يرى لحجاب لكان الحجاب أكبر منه، ولوجب أنه جسم محدود؛ لأن ~~الحجاب انقطاع الجسم ما بينك وبين المحجوب عنه، وقد قام الدليل أن الله ليس ~~بجسم، ولا محدود. # ولو كان لا يرى لآفة في الأبصار لقد كان يجب أن يحبس تلك الآفة، وكانت ~~تلك الآفة تمنع رؤية المرئيات، ولجاز أن ترتفع تلك الآفة فيرى الله في ~~الدنيا. # كذلك لا يجوز أن يوصف الله بصغر ولا لطافة ولا مسافة بعيدة فلم يبق إلا ~~أنه لا يرى لذاته، وما لا يجوز على الله في وقت، فهو لا يجوز عليه في وقت ~~من الأوقات؛ لأنه لا يتغير -تبارك وتعالى-. # فإن قال: فما تنكر أن يرى على خلاف المرئيات؟ PageV01P032 # قيل له: لو جاز أن يرى على خلاف ما يفعل، ويثبت رؤية على خلاف ما يفعل في ~~الشاهد لجاز أن يثبت المشاهد بخلاف ما يفعل في الشاهد. وكذلك السمع والبصر ~~وجميع الحواس حتى يخبر على الله درك الحواس كلها بخلاف ما يعقل في الشاهد. # فإن قال: اللمس اشتغال اللامس للملموس. # قيل له: وكذلك الرؤية مقابلة الرائي والمرئي. # فإن قال: أليس قد علمت أن الله عالم، وليس هو ms026 بمحدود، ولا قائم لمحدود، ~~ولا يجوز أن يعلم شيئا سواه؟ # قيل له: بلى. /24/ # فإن قال: ما تنكر أن يكون يراه محدودا، ولا قائما بمحدود، ولا يرى شيئا سواه؟ # قيل له: الفرق بين الرؤية والعلم بين؛ وذلك أنه لا شيء إلا وهو يعلم، ~~وليس لا شيء إلا وهو لا يرى، لأن الأشياء كلها مع اختلافها معلومة، وليس ~~كلها مرئية؛ لأن المرئيات أجناس مخصوصة بأعيانها، وليس المعلومات كذلك، وقد ~~علم المعدوم والموجود، ولا يجوز أن يرى المعدوم والموجود، وأعلم الشيء ~~وبيني وبينه ساتر، ولا أراه وبيني وبينه ساتر، وأعلم ما كان أمس، وليس أرى ~~ما كان أمس، وفرق كثير بين الرؤية والعلم. # فإن قال: قد قال الله: {وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة}. PageV01P033 # قيل له: وقد قال: {لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار}، وهذه آية محكمة ~~يعرفها السامع، والأخرى آية متشابهة، والمتشابه يرد إلى المحكم، فلما كان ~~معنى ناظرة يحتمل التأويل بمعان منها: نظر رؤية، ونظر علم، ونظر بصر، ونظر ~~انتظار، ونظر فرج، ونظر خير، ونظر انتظار شر، وانتظار نعمة، وانتظار فرح ~~وسرور، وكان الله تعالى لا يرى في الدنيا باتفاق لم يجز عليه أن يرى في ~~الآخرة بتأويل لا يصح به قول المتأول، إذ لا تجوز الرؤية على الله بالأبصار ~~كما قال: {لا تدركه الأبصار}، وقد قال لموسى: {لن تراني}، وقالوا: {أرنا ~~الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم}، وقد بينا فساد قول من قال بالرؤية ما ~~يكتفى بدونه -إن شاء الله-. # وقد قلنا: إن الأمر في التسمية إلى الله تعالى، لا نسميه إلا بما سمى به ~~نفسه، وإذا امتنع من ذلك امتنعنا. # -وسأل عن حجة من يحتج في الرؤية من {وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة} ~~أنهم ينظرونه في الآخرة؟ # قيل له: قد قال الله في كتابه لموسى: {لن تراني}، فإن كان معهم ناظرة ~~رؤيته، فقد منع موسى من رؤيته. # فإن قالوا: ذلك في الدنيا دون الآخرة، كان عليهم إقامة الدليل. والنظر قد ~~قلنا: يحتمل لمعان كثيرة، وقد قال الله تعالى: {لا ms027 تدركه الأبصار}، فهي لا ~~تدركه في الدنيا ولا في الآخرة. و بالنظر رؤية بالبصر، وقد قدمنا تفسير ذلك. # مسألة: [القرآن لا ينقض بعضه بعضا] # وأما ما ذكرت من قولهم: إن القرآن لا ينقض بعضه بعضا، وأن الأبصار لا ~~تدركه /25/ في الدنيا، وتراه في الآخرة؟ PageV01P034 # يقال لهم: هذان لفظان لا ينقض أحدهما الآخر فينقض القرآن؛ لأن قوله: {لا ~~تدركه الأبصار} فهي {لا تدركه} آية محكمة يرد إليها حكم المشتبه و ~~المتشابه، وهو: {ناضرة إلى ربها ناظرة} يحتمل التأويل والمعاني. وأولى ربنا ~~أن نصفه كما وصف نفسه أن الأبصار لا تدركه؛ لأنه لا يخلو أن تكون الأبصار ~~تقع على الكل أو البعض، فإن وقعت على الكل فقد حدته، والله تعالى ليس ~~بمحدود، وإن وقعت على البعض فقد جزأته، والله تعالى ليس بمتبعض ولا متجزئ، ~~ولم يصف نفسه بشيء من هذه الأوصاف. # والنظر: يحتمل الرؤية، ويحتمل انتظارا، ويحتمل أن الوجوه مشرقة، وقد صح ~~أنا لا نراه في الدنيا، ومن ادعى بالقياس غير الإجماع وناطق القرآن فقد قال ~~بغير برهان. # وإنما قال: {وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة * ووجوه يومئذ باسرة}، ~~و{وجوه يومئذ عليها غبرة}، و{وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة}، و{وجوه ~~يومئذ ناعمة}، وإنما يراد بهذا الإنسان بكليته، لا أن ذلك الوجه دون البدن. ~~وبالله التوفيق. # مسألة: [معنى الاستواء] # -وسأل فقال: ما معنى قوله: {على العرش استوى}؟ واستواء العرش؟ # قيل له: الاستواء على معان: فمنها استواء الشيء على ما هو عليه، ومنها ~~استواء التدبير، ومنه استواء الملك. # فلما كان الله -تبارك وتعالى- ليس بمحدود، ولا يشبه بخلقه كاستواء الشيء ~~مثل استواء الملك على السرير، وذلك عن الله منفي من شبه الخلق، والحلول على ~~الشيء، دل ذلك أن استواءه على العرش بالملك، استواء الملك والتدبير ~~والقدرة، وذل له العرش، واستوى له كل شيء، وأذعن له كل شيء، فليس شيء يمتنع ~~منه، وهو الله رب العرش العظيم، المالك له، والقادر عليه، ولا يمتنع منه، ~~وذل له العرش وأذعن له كل شيء. PageV01P035 # وقوله: {ثم استوى إلى السماء وهي ms028 دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو ~~كرها قالتا أتينا طائعين}، لا يمتنعان مما يراد بهما. # واستوى إلى السماء بالملك والتدبير؛ لا أنه يتحول من مكان إلى مكان ~~-تعالى ربنا وجل-، بل هو الغني عن العرش وعن السماء والأرض، وعن جميع خلقه؛ ~~لأنه لا يشبه بشيء من خلقه. /26/ # فإن قال: ما معنى الغني؟ # قيل له: هو الذي لا يجوز عليه ضرر ولا نفع، ولا به حاجة إلى شيء مما خلق، ~~وهو الغني عن كل شيء، وعن جميع ما خلق. # فإن قال: قوله: {أأمنتم من في السماء}؟ # قال: معناه أأمنتم عقوبة من في السماء حافظ مدبر. # فإن قال: قوله: {وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله}، {وهو الله في ~~السماوات وفي الأرض}؟ # قال: وهو الله في السماء، وهو الله في الأرض، وهو الله في السموات وفي ~~الأرض، لا إله غيره، حافظ مدبر، رازق خالق مالك، قادر عالم، لا إله غيره، ~~{يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون}. # فإن قال: فقوله: {ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو ~~سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما ~~عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم}، {وهو معكم أين ما كنتم والله بما ~~تعملون بصير}. # قيل له: عالم بذلك كله لا يخفى عليه تعقب ذلك بمقدمة قبله وصلة بعده؛ ~~فالمقدمة قوله تعالى: {ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما ~~يكون من نجوى ثلاثة...} إلى آخر الآية. PageV01P036 # وقوله: {والله بما تعملون خبير}. وقوله: {ولا يكلمهم الله ولا ينظر ~~إليهم}. قال: لا يكلمهم بما يسرهم ولا يبشرهم ولا ينظر إليهم برحمته. # فإن قال: قوله تعالى: {فأتى الله بنيانهم من القواعد}؟ قال: أتى أمره ~~وعقوبته. # فإن قال: فقوله: {يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملآئكة}. # قال: يأتي الله بالقضاء والفصل، وينزل الملائكة والغمام، وقضي الأمر بينهم. # قال: وقوله: {هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملآئكة أو يأتي ربك}. # قيل له: ms029 يأتي أمر ربك بالقضاء والفصل، وليس ربنا بزائل ولا متحول ولا ~~يشبه بخلقه في شيء من حالاتهم. # مسألة: [وما قدروا الله حق قدره] # - وسأل فقال: ما تأويل: {ما قدروا الله حق قدره}؟ # قيل له: ما عرفوه حق معرفته. # وكذلك سأل عن قوله: {هل تعلم له سميا}، فهو أن ليس لله مثل ولا شبه ولا ~~نظير، فلا تضربوا لله الأمثال، ولا تشبهوه بخلقه في شيء من حالاتهم، ولا في ~~وجه من الوجوه، وإن اشتبهت الأسماء فلا تشبيه في الأجسام. # - وسأل فقال: هل يجوز أن يقال: إن الله قوي؟ # قيل له: القوي تحتمل معان. فإن قلت: إنه قوي قادر فنعم، وإن أردت بالقوة ~~الملك /27/ والغنى فالله تعالى هو الملك القاهر، وهو الغني عن كل شيء، وقد ~~قال في كتابه تعالى: {ذو القوة المتين}. # وإن أردت بالقوة شدة البطش، فقد قال: {يوم نبطش البطشة الكبرى إنا ~~منتقمون}، وقال: {وهو شديد المحال}، فالقوة من طريق شديد المحال جائزة، ~~وشدة البطش الأخذ. # وأما إن أردت أنه قوي الجسم، أو قوي مثل العرض الذي في الأجسام فتعالى ~~الله عن ذلك. # مسألة: [وصف الله بالنور] # - وسأل فقال: أتصفون الله بأنه نور؟ PageV01P037 # قيل له: نعم، نصفه بأنه نور السموات والأرض يهدي من الضلالة لنوره من ~~يشاء، ولا نقول: إنه ضياء مثل الأنوار المخلوقة؛ لأنه خلق الظلمات والنور. # فإن قال: أتصفونه بأنه عتيق؟ # قيل له: لا؛ لأنه لم يصف نفسه بذلك، ولا يجوز أن يوصف البارئ بغير ما وصف ~~به نفسه. # فإن قال: أفنصفه بأنه نفس؟ # قيل له: نعم، نصفه كما قال: {ويحذركم الله نفسه}، أي: يحذركم إياه أن ~~يعاقبكم إن عصيتموه، ولا أذهب إلى غيره، ولا أن له نفسا منفوسة، تعالى الله ~~عن الأشياء، كما يقول القائل: أخشى عليك نفسي، وكما يقول: حملت نفسي على ~~الخطر، إنما يعني (أي): أنا فعلت أو أنا أفعل، لا يذهب إلى النفس دون غيرها ~~من الإنسان. # فإن قال: أفتصفونه بأن له وجها؟ # قيل له: نصفه كما وصف نفسه، كما قال: {فأينما تولوا ms030 فثم وجه الله}. قال ~~بعض المسلمين: {فثم وجه الله} لا يذهب إلى الوجه دون غيره، وإنما خاطب ~~العرب بما يعقلونه ويعرفونه. يقول قائلهم: هذا وجه الأمر؛ يعني: هذا هو ~~الأمر، يعني: الحق. وقال: {وجوه يومئذ باسرة}؛ يعني: الإنسان بكليته. # وقال: {فولوا وجوهكم شطره} إنما ذلك أن يستقبل الإنسان الكعبة بكليته في ~~صلاته؛ لأنه يحبس وجهه، وإن كان مستديرا، ومثل هذا كثير في اللغة. # فإن قال: له عين؟ # قيل له: إن أردت عينا في الجسد مركبة فتعالى الله عن كل شبيه، وإن أردت ~~عينا كما وصف في كتابه فجائز أن يقال كما قال: {ولتصنع على عيني}؛ أي: ~~بحفظي، كما يقال: أنت بعيني؛ أي: بحفظي، فذلك جائز أن يوصف كما وصف نفسه في ~~كتابه، وما خالف الكتاب فلا يجوز. /28/ # فإن قال: قد قال: {تجري بأعيننا}. PageV01P038 # قيل له: نعم، قد قال ذلك، ومعنى ذلك {بأعيننا} بحفظنا؛ يعني: السفينة، ~~وأنها في حفظنا وقدرتنا، فالعين والأعين على معان في اللغة كثيرة؛ فمنه عين ~~الحفظ، ومنه عين العدو، ومنه عين الأمر، وعين اليقين، وعين المال، وغير ~~ذلك، وقد قال ذلك، وهو الحافظ لموسى من عدوه، وحافظ لسفينة نوح حتى نجاهما، ~~وبالله التوفيق. # فإن قال: له يد؟ # قيل له: نعم، له يد، وله أياد، و{يداه مبسوطتان}، فيده نعمته، ويداه ~~منته، منة الدين، ومنة الدنيا، وقيل: نعمة الدنيا ونعمة الآخرة، وكله جائز، ~~وليس له يدان كأيدي الخلق المصورة، تعالى الله عن ذلك. # فإن قال: له يمين؟ # قيل له: نعم، له يمين، كما قال في كتابه: {والسماوات مطويات بيمينه}؛ أي: ~~ذاهبات فانيات بقدرته. {والأرض جميعا قبضته}؛ يعني: قدرته، فاليمين: ملكه، ~~واليمين: قدرته، واليمين: منته. والقبضة: أيضا ملكه وقدرته. واليد: قدرته ~~وحفظه وملكه، وهذا معروف في اللغة؛ يقول القائل: فلان قبض الدار؛ يعني: ~~ملكها وصارت له، وقبض المال، وقبض غلته. وفلان في يد فلان؛ معناه قادر ~~عليه. وهذا ملك اليمين، وملك يمين، وأمثال هذا في اللغة كثير، فيمين الله ~~ملكه ومنته ونعمته، ويده ملكه، وقبضته قدرته وملكه، فعلى هذا جائز ms031 كما قال ~~الله، ولا نصفه كالخلق؛ لأنه قد نفى عن نفسه شبه الخلق، وقد قال الله: {فلا ~~تضربوا لله الأمثال}، وهؤلاء يضربون لله الأشباه، ولا نجعل لله شبها من خلقه. # مسألة: [وصف الله بأنه قديم] # - وسأل فقال: من أين جاز أن يوصف الله بأنه قديم، ولم يصف نفسه في كتابه ~~بأنه قديم؟ PageV01P039 # قيل له: قد وصف نفسه بأنه الأول، فلما كان هو الأول قبل كل شيء، وكان ~~الأول هو الأول المتقدم قبل خلقه سمي قديما بمعنى المتقدم الأول قبل كل ~~شيء، وقد سماه بذلك المسلمون. # وقد قال في كتابه ما يدل على صحة ذلك، قال: {والقمر قدرناه منازل حتى عاد ~~كالعرجون القديم}، وذلك أن الهلال يبدو كالخيط أعوج كعسق النخل، فلا يزال ~~يمتلئ حتى يكمل ثم يرجع /29/ ينقص حتى يرجع إلى الحال الأولى، فسماه الباري ~~أنه قدره منازل حتى رجع أعوج كما كان العرجون الأول أعوج، وسماه العرجون ~~القديم بمعنى الأول، وكل شيء متقدم لشيء بعده فهو يسمى القديم، فلما كان ~~الله هو الأول قبل خلقه سمي قديما؛ لينفي عنه بذلك الضد الحديث عنه، إذ لا ~~ضد له؛ ولأنه إذا لم يكن قديما كان حديثا، والحديث خلقه، فهو عن الله منفي، ~~تعالى الله عما يقول المفترون. # قال: وكذلك معنى قوله: لم يزل؟ # قيل له: وبصفاته يوصف، لم يزل ينفي الحديث عنه في الأزل، وأنه لم يزل بلا ~~ابتداء له ولا انقضاء، وأنه الأول لم يزل ثم أحدث الأشياء، فهي محدثة، ~~والله أحدثها وهي عدم، وأنشأها ولم تكن، فهو لم يزل قبلها ولا يزال بعدها، ~~ليس كمثله شيء من صفات الخلق، ولا من معانيها، وإن اشتبهت الأسماء في ~~مسمياتها فلم تشتبه في الأجسام. # مسألة: [الحجة على من شبه الله ببعض خلقه] # - وسأل فقال: ما الحجة على من شبه الله ببعض خلقه، ممن ضاهى بقوله قول ~~الكافرين قبله؟ # قيل له: الحجة عليه قول الله: {ليس كمثله شيء}، وإنما قصد الله بذلك قصد ~~خلقه، فانتفى أن يكون يشبه منه شيء. # فإن قالوا: نعم، ms032 قد انتفى من ذلك. PageV01P040 # قيل لهم: فإن الذي أقررتم به لا يعدو أن يكون الله -تبارك وتعالى- إنما ~~عنى أنه ليس كمثله شيء في القبل والقدم، وإن كان لبعض خلقه مشبها في الصفة ~~والمعنى، أو يكون عنى ليس كمثله شيء في القبل والاسم، وإن كان لبعض خلقه ~~مشبها في الصفة، تعالى الله عن ذلك في الصفة والمعنى، أو يكون عنى بذلك ليس ~~كمثله شيء في المعنى كله والصفة. # فإن قالوا: في المعنى كله من الصفة والقدم والقبل والاسم فليس كمثله شيء، ~~وقد انقطعت حجتهم فيما شبهوا الله في بعض كلامهم، وما أضافوا إليه من شبه ~~خلقه؛ ولأن كل من وقع عليه المعنى مخلوق، فقد انتفى الله من ذلك. # مسألة: [في معنى التشبيه] # - وسأل فقال: ما معنى التشبيه؟ # قيل له: هو أن يشبه الله ببعض خلقه فيما يصفه به أنه يبصر ببصر، أو يسمع ~~بسمع، أو يعلم بعلم كالخلق، فذلك التشبيه. ولأن الله تعالى ليس كالخلق، ~~وإنما ذكر أنه هو السميع البصير العليم. # فإن قال: هو علم وسمع وبصر. # قيل لهم: ولا يوصف بذلك؛ لأنه لم يصف نفسه أنه سمع، ولا أنه بصر، ولا أنه ~~علم، ولا دعاه بذلك أحد من المسلمين. # وإنما قال /30/: {إنه هو السميع البصير}، ولا تشبهوا الله بشيء من ~~المخلوقات، ولا تجعلوا أن له علما مثل علم خلقه؛ لأن علم خلقه محدث، وهو ~~غيرهم به علموا، وعلمهم غيرهم وهو مخلوق، والله لم يزل عالما بلا استفادة، ~~فلا يشبه بخلقه في ذلك ولا في شيء من حالاتهم؛ لأنه الخالق لهم، فلا يخفى ~~عليه شيء من أمورهم كما قال: {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}. # فإن قال: فالعلم والقوة واحد؟ # قيل له: قد وصف نفسه بذلك بأنه العالم، وأنه ذو القوة، وهو واحد لا ~~يختلف، والعلم والقوة مما وصف نفسه بذلك أنه العالم ذو القوة. # فإن قال: أيقوى على أن يذهب بالدنيا ويجيء بالآخرة؟ PageV01P041 # قيل له: نعم يذهب بالدنيا ويجيء بالآخرة في الوقت الذي علم أنه يكون، ~~والمدة التي ms033 جعلها في ذلك، ولا يعجزه شيء، وليس ذلك يتقدم ولا يتأخر عن ~~أوقاته التي قد قدرها وعلمها. # فإن قال: أيعلم أن القيامة تقوم بكذا وكذا، ويكون فيها من القول كذا وكذا؟ # يقال له: نعم، ولا يخفى عليه شيء من ذلك، ولا يشبه بخلقه، ولا يجوز عليه الجهل. # فإن قال: أيبصر ما فيها ويسمع؟ # قيل له: البصر قد يكون في معنى العلم، والعالم يسمى بصيرا، وقد اتفقنا ~~"أنه قد علم ذلك" معناه: أنه العالم به، فلا يخفى عليه شيء، وهو العالم ~~السميع البصير، لا تخفى عليه المرئيات و||لا|| المسموعات ولا يشبه بخلقه. # فإن قال: أيعلم الرائحة والذوق؟ # قيل له: لا يخفى عليه شيء، وهو يطعم ولا يطعم، ويدرك علم ما يدرك بالسمع، ~~ولم يلزمه ذلك من جهة الشم والذوق، وما أشبه ذلك من المعاني، تعالى الله عن ~~شبه خلقه. # فإن قال: أفتصفوه بأن له جوارح، أو أنه صورة؟ # قيل له: تعالى ربنا وجل عن شبه خلقه وعلا علوا كبيرا، لا يوصف بذلك؛ لأنه ~~مصور الصور، والجوارح خلق من خلقه فلا يوصف بذلك، فقد أثبتنا من أمر الشبه ~~على ما رجونا فيه كفاية إن شاء الله. # مسألة: [في ولاية الله لعباده] # - وسأل فقال: ما الأصل الذي اختلف الناس فيه أن قال قوم منهم: إن ولاية ~~الله تنقلب على تقلب أعمالهم، فإن عملوا بالإيمان فالله وليهم، وإن عملوا ~~بالكفر فالله عدوهم، أية حال انقلبوا كانوا بتلك المنزلة عند الله؟ /31/ ~~PageV01P042 قال: الحجة على صاحب هذا القول أن ولاية الله هي ثوابه وجنته، ~~وذلك لا تنقلب أحواله، وعداوته عقابه، فهو المثيب لأهل طاعته، ولهم على ~~طاعته الجنة التي وعدهم على أعمالهم التي علم الله أنهم سيعملونها ولا ~~محالة عما علم الله أنهم سيعملونها من الطاعة، وعلى علمه تجري أعمالهم، ولا ~~يخرجون من علم الله، وعلى أعمالهم الصالحة يتولاهم ويثيبهم جنته؛ لأن علمه ~~لا ينقلب وإن تقلبت أعمالهم من الطاعة والمعصية، فهو العالم بأحوالهم، ~~وإنما يثيبهم على خواتم أعمالهم التي علم الله أنهم سيعملونها. # قلت: ms034 وقال آخرون: بل الذين علم الله أنهم أهل الجنة لم يزل وهو يتولاهم، ~~وهم عنده مؤمنون. # ويقال لصاحب هذا القول أيضا: إن الولاية ثواب الله وجنته، وهي محدثة؛ ~~ولأن الجنة محدثة، ولا يصلح لمن يقول: لم يزل يتولاهم، ولا يجوز له أن ~~يقول: وهم في الشرك وهم مؤمنون؛ لأن إيمان المؤمن هو التصديق بالله وبما ~~أمر به من الطاعة، فمن لم يكن مصدقا لم يكن مؤمنا. # فإن قال: أليس قالوا: إن الله لم يزل ساخطا على الكافرين، وراضيا عن ~~المؤمنين؟ # قيل له: وهذا القول -أيضا- يوجب قدم السخط والرضا، والسخط عذاب الله، ~~والرضا جنته، فلو كانا لم يزالا لبطل التوحيد، ولكن يقال: إن الله لم يزل، ~~وهو المعاقب للكافرين، وهو الراضي عن المؤمنين، يعاقب الكافرين على كفرهم ~~الذي علم أنهم سيعملونه، ولا محالة عما علم الله، ولم يزل وهو المثيب ~~للمؤمنين، ولا محالة عما علم الله أنهم سيعملونه من الإيمان، فيجزي كل عامل ~~مما عمل فجائز؛ لأنه لا معاقب ولا مثيب غير الله، وليس الولاية من الله ~~لأهل الطاعة كولاية المخلوقين، ذلك عن الله منفي. PageV01P043 # ولو جاز أن يقال: لم يزل ساخطا على أهل المعصية راضيا على أهل الطاعة، ~~والسخط غير الرضى، والثواب غير العقوبة، والنار غير الجنة، وهما محدثان، ~~وما دخل فيه التغاير خرج من أن يكون قديما، ولو كان ذلك لثبت الثلاثة وبطل ~~التوحيد، فلما لم يجز هذا وأن العقوبة لا تكون إلا بعد الذنب، والذنب محدث، ~~والثواب لا يكون إلا بعد الإيمان /32/ والعمل به، وهو محدث. وإنما يجب بعد ~~استحقاق العامل بفضل من الله بذلك على المؤمنين لما علم الله من أعمالهم، ~~وجازى الكافرين على سوء أعمالهم دل ذلك أنهما لم يكونا إلا بعد أن لم يكونا ~~ثم كانتا، والجنة ثواب للفعل الذي وجب به من الطاعة الذي لم يزل، ثم أحدث ~~الأشياء؛ لأن عقوبته عذابه، وجنته ثوابه، وهما محدثان بعد أن لم يكونا. # فإن قال: لم يزل ساخطا على الكافرين، راضيا على المؤمنين!. # قيل له: فكيف يكون ms035 ذلك ورحمته سبقت غضبه، وإذا كان الشيء سابقا للشيء ~~فالثاني محدث، وما دخل فيه التغاير بطل أن يكون قديما؛ فإما أن يقول: إن ~~الله لم يزل وهو الساخط على أهل المعصية، ولم يزل وهو الراضي عن أهل الطاعة ~~فجائز ذلك. أو يقول: إن الله لم يزل عالما بأهل الطاعة وأعمالهم وما ~~يستحقونه من ذلك، وعالما بمن يعصيه وما استوجب بالعقوبة على معصيته، وكذلك نقول. # فإن قال: أليس قد قيل: إن الله لم يزل يبرأ ممن برئ منه لا ببراءة هي ~~غيره، ولم يزل يتولى أولياءه لا بولاية هي غيره؟ # قيل له: لو جاز ذلك لكان هو ثواب وهو عقاب لا غيره، فلما لم يجز أن يكون ~~هو العقاب ولا الثواب وإنما هو المعاقب والمثيب على الطاعة والمعصية، وهما ~~محدثان، وإنما يحدثهما بما عملوا دل أن ذلك غيره وهو محدث، تعالى الله عن ~~شبه خلقه. PageV01P044 # ولو جاز ذلك لجاز أن يقال: لم يزل الله مثيبا لمثاب، ومعاقبا لمعاقب، ~~فلما لم يجز ذلك وكان المعاقب خلقا استحق بمعصيته، والمثاب خلقا استوجب ~~بعمله، وكله حدث أحدثه الله وكونه، فالله خالقهم ومخرجهم من العدم إلى ~~الوجود، فسد ما قالوا بأنه لم يزل مثيبا ومعاقبا، وذلك كان بعد أن لم يكن. # فأما إن قال: إن الله تعالى لم يزل وهو المثيب والمعاقب، والمتولي ~~والساخط فذلك جائز. # مسألة: [الله عالم بأسماء أهل الجنة وأهل النار] # - وسأل فقال: قد قيل: إن أصل ما أجمع عليه أهل الصلاة أن الله لم يزل ~~عالما بأسماء أهل الجنة، وأسماء آبائهم وعشائرهم وقبائلهم لا يزاد فيهم ولا ~~ينقص منهم، وبأسماء أهل النار وأسماء آبائهم وعشائرهم وقبائلهم لا يزاد ~~فيهم ولا ينقص منهم، ليس عند /33/ أهل الصلاة في هذا اختلاف؟ # قيل له: نعم، هو كذلك، هو العالم بخلقه وبأعمالهم، وما تجري عليه أمورهم، ~~ومن يطيعه منهم ومن يعصيه، ومن يستحق الجنة ومن يستحق النار بعمله، وعلى ~~علمه كانت أعمالهم، وعلى ما علم من أعمالهم الصالحة أثاب أهل الجنة، وكذلك ~~أهل المعصية، ولا ms036 محالة عما علم الله؛ لأنه لم يزل العالم بما يكون قبل ~~كونه وبعد كونه، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، سبحانه ~~وتعالى. # فإن قال: وما عداوة الله للكافرين؟ قوله: {إن الله لعن الكافرين وأعد لهم ~~سعيرا * خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا}، وقال: {إن الذين كفروا ~~وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله والملآئكة والناس أجمعين * خالدين ~~فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون}. PageV01P045 # وقال مخبرا عن جواب أهل الجنة لأهل النار: {أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا ~~حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على ~~الظالمين} وأشباه هذا من القرآن كثير؟ # قيل له: هذا دليل على أن الله تعالى قد أخبر بما يستحقه الكافرون ~~والظالمون والمصرون على معصية الله، وتصديق لما أوعد من عقاب من عصاه وحرم ~~عليه الجنة، ففي هذا تثبيت الوعيد، وقد أخبر بما هو عالم من أمورهم، وبما ~~يكون من جوابهم عند ذلك، وبين أنه يعاقبهم على أعمالهم القبيحة، وهو صادق ~~الوعد والوعيد لا يخفى عليه شيء. # فإن قال: وكذلك الولاية من الله للمؤمنين؟ قوله: {يبشرهم ربهم برحمة منه ~~ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم * خالدين فيها أبدا...}، وقال: {ادخلوها ~~بسلام آمنين}، {وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من ~~الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين}؟ # قيل له: إنه قد بين أن ذلك وفاء لوعده، وأن لهم الجنة بما عملوا من ~~الصالحات، ولا محالة عما علم الله أنهم سيعملونه، وأن لهم الجنة على طاعته. # قالوا: فالولاية لهم ثوابهم الجنة. # مسألة: [هل تتقلب ولاية الله لخلقه؟] # - وسأل فقال: ولاية الله لخلقه تتقلب على الأحوال؟ # قيل له: لا؛ لأن ولايته جنته، وهي لأهل طاعته التي علم الله أنهم ~~سيعملونها ويموتون على الوفاء، فهم أهل الجنة، /34/ وكذلك عقوبته وعداوته ~~لأهل المعاصي الذين يموتون على الكفر من غير توبة، لما علم الله منهم، وهو ~~عالم لا يجهل، وقد علم أهل الثواب وأهل العقاب. ms037 # فإن قال: فمن عمل بالمعصية يكون عدوا أو وليا؟ PageV01P046 # قيل له: إن الولاية قد اتفقنا أنها ثواب، والثواب هو الجنة، والجنة في ~~الآخرة ليس في الدنيا. # فإن قلنا: إنه يثيبه على عمل المعصية خالفنا كتابه؛ لأنه قال: {ادخلوا ~~الجنة بما كنتم تعملون}، وإنما جعل لهم ذلك بعمل الصالحات، فأما عمله ~~بالمعصية فلا يثاب عليه بها، وقد علم الله أنه تائب، وله بعد التوبة الجنة، ~~والجنة في الآخرة، وما عمل بالمعصية قبل التوبة ثم تاب تاب الله عليه كما ~~قال، ولا نحكم في ذلك إلا كما حكم الله أن من لقيه تائبا فله الجنة، ومن ~~لقيه على الإصرار فله النار، وذلك كله على ما يلقونه به من أعمالهم التي ~~علم أنهم سيعملونها ولا محالة عما علم الله، وليست معاداة الله وولايته كما ~~يكون من المخلوقين فتكون تتقلب، فتعالى الله عن كل شبه. # والعداوة هي إيجاب العقاب، ولا يجب العقاب في الآخرة لمن علم أنه يصير ~~إلى الثواب، وكذلك لا يصير إلى الثواب من علم الله أنه يصير إلى العقاب، ~~ولا مخرج للخلق من علم الله السابق فيهم، فأما ثوابهم وعقابهم فقد بينا ~~معناه في الآخرة أنه مجازاة لهم. # وأما ولايته في الدنيا فالنصر لهم، وقد قال: {[ذلك ب]أن الله مولى الذين ~~آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم}؛ أي: لا ناصر لهم. # مسألة: [من آمن وعلم الله أنه من أهل الإيمان تولاه] # - وسأل: قد قال المسلمون: إن من علم الله أنه يؤمن وهو يعمل بالمعاصي أنه ~~مؤمن، وهو في الولاية، وإن أبا بكر وعمر -رحمهما الله- كانا في الشرك وهما ~~مؤمنان بالله؟ # قيل له: هذا تأويل إن صح ما رويته، فإن كان معنى أنه في علم الله أنه ~~يؤمن وهو في الولاية بإيمانه، فذلك كذلك من آمن وعلم الله أنه من أهل ~~الإيمان تولاه، أي: أثابه على إيمانه الجنة. PageV01P047 # وأما قولك: إن أبا بكر وعمر { كانا في الشرك وهما مؤمنان قبل أن يؤمنا ~~ويصدقا بالنبي ^ فذلك نقض لما قاله المسلمون؛ لأنهم جميعا قالوا: ms038 إن ~~الإيمان هو التصديق، والإيمان بالله وبما أنزل الله وأمر به من /35/ طاعته، ~~ولم يكونا مصدقين فيكونا مؤمنين، وإنما جرى لهما اسم الإيمان بعد إقرارهما ~~به وتصديقهما بما جاء به النبي ^، إلا أن يعني أن الله قد علم أن أبا بكر ~~وعمر يؤمنان، فذلك كذلك. # وإن قلت: إنهما مؤمنان بعد إيمانهما وإقرارهما فكذلك. # وإن قلت: لا يضرهما ذلك الذي كانا عليه قبل الإسلام فهو كذلك؛ لأن ~~الإسلام يحبط ما قبله من الشرك، كذلك قال الله ورسوله، ودعا إليه رسوله ~~ونبيه لأمته، وأبو بكر وعمر وغيرهما من خلق الله سواء. # وإن قلت: إن الله يتولاهم على شركهم وهم عنده مؤمنون قبل إقرارهم به فقد ~~عرفناك أن ولاية الله هي ثوابه، وذلك على عمل الإيمان لا على عمل الشرك. # فإن قلت: إن شركهما قبل إسلامهما لم يضرهما حين أسلما، فنعم، قد محا ~~الإسلام الشرك. # وإن قلت: إن الله كان يتولاهما، ومن كان مشركا قبل إيمانه فقد أوجبت له ~~الولاية على الشرك. # وإن قلت: إنه كان في علمه أنهم من أهل الجنة، وأنهم يؤمنون، فكذلك نقول: ~~إن من آمن بالله ومات على إيمانه لم يضره ما كان تقدم في حال شركه من عمله ~~بالمعاصي. # فإن قال: أخبروني عن أبي بكر وعمر، هل كانا عندكم في غير الولاية؟ # قيل له: لم يكونا عندنا قط في غير ولاية؛ لأنا أتانا خبر إسلامهما ~~واستحقاق ولايتهما، فهما عندنا في الحكم كذلك. # فإن قال: أليس قد علمتم أنهما قد عملا بالكفر قبل إسلامهما؟ # قيل له: قد عرفناك أن الإيمان والإسلام يحبط ما قبله، وقد أتانا ولايتهما ~~ولم تأتنا عداوتهما، فنحن على ولايتهما في الحكم متفقون. PageV01P048 # فإن قال: كذلك نحن. قلنا: من علم الله أنه ينقلب إلى الإيمان فهو وليه؛ ~~يعني: إنه من أهل الثواب. # قيل له: إن كنت تقول: إن من علم الله أنه يتوب ويؤمن، وأنه من أهل الثواب ~~على الإيمان فكذلك. # وأما يثاب ويتولى على عمل الكفر فتعالى الله عن ذلك، فلسنا ننازعك في علم ~~الله، ms039 والأمور كلها تجري على ما علم الله لا خلاف لما علم الله، ولا حكم ~~بغير ما حكم، ولا تقديم لما أخر، ولا تأخير لما قدم، بيده الأمر كله والخير ~~كله والفضل كله. # فإن قال: أخبرونا عمن علم الله أنه يصير /36/ إلى النار ثم عمل بالإيمان، ~~أليس الله وليه؟ # قيل له: قد عرفناك أن ولاية الله هي ثوابه لمن عمل أنه يعمل بالإيمان ~~ويموت عليه، فأما من عمل بالإيمان وهو التصديق ثم نقض ذلك بركوب ما حرم ~~الله عليه، وتعدى حدوده التي أوجب الله على أهلها النار، فقد نقض إيمانه ~~وولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا، قال الله تعالى: {الذين ~~آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون}. # فأما من ألبس إيمانه بظلم فلم يعده الله الجنة، ولم يتوله على الظلم، ~~فأما من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإن الله غفور رحيم كما قال، وليس ولاية ~~الله لخلقه تشبه ولاية المخلوقين. # فإن قال: أخبرونا عن محبة الله، ما هي؟ # قيل له: محبته ثوابه، وإيجاب الكرامة لأهل طاعته، وجنته في الدار الآخرة، ~~وفي العاجل مدحه لهم، وتزكيتهم وقبول عملهم والنصر لهم. # فإن قال: فولايته للمؤمنين؟ # قال: هو أن يتولى ثوابهم فيثيبهم على أعمالهم، ويتولى أيضا حفظهم ونصرهم ~~وإنقاذهم من الهلكة التي يقع فيها أعداؤه. # فإن قال: فرضاه عنهم؟ # قال: هو -أيضا- القبول لأعمالهم، ومجازاته لهم الجنة التي لا تبيد أبدا. PageV01P049 # فإن قال: فسخطه على أعدائه؟ قيل له: عقوبته وعذابه. # فإن قال: فقبحهم؟ قال: يشوه خلقهم. # فإن قال: فلعنة الله على الكافرين؟ # قيل له: إبعادهم من رحمته، والملعون: هو المطرود المبعد من الخير، ~~والمقبوح: هو المشوه بخلقه. # 2- باب: [في الوعد الوعيد] # مسألة: في الوعيد # - وسأل عن: الوعد والوعيد، ما هو؟ # قيل له: الوعد: ما وعد الله أهل طاعته من الثواب في الآخرة فهو حق، وما ~~أوعد أهل الكبائر المصرين على معصيته من عذابه؛ فالوعد ثواب، والوعيد عقاب، ~~وقد قال الله: {ومن أصدق من الله قيلا}. # فكل ما قال الله ms040 حق، والإيمان بالوعد والوعيد واجب، وهما ثابتان على من ~~استوجب في علم الله سخطه بمعصيته، ومن استحق الثواب على طاعته، والإيمان ~~والتصديق بالبعث والعقاب والثواب واجب، /37/ قال الله: {وأن الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما}، وقال: {إن الذين لا يرجون لقاءنا ~~ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون * أولئك ~~مأواهم النار بما كانوا يكسبون}، والإيمان بالآخرة واجب، والإيمان بالوعد ~~والوعيد واجب كذلك. # قال الله تعالى: {ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من ~~الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين}، وقال: {ونادى ~~أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ~~ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة الله على الظالمين}، فقد ثبت ~~بما تلونا من كتاب الله أن ما وعد حق، وحق ما أوعد، لا خلاف لوعده تعالى ربنا. PageV01P050 # وقد قال في أهل النار: {وما هم منها بمخرجين}، وقال {[أولئك] أصحاب الجنة ~~هم فيها خالدون}. # ولا خلاف لما أوعد، ومن قال: إنه يكون خلاف ما أوعد فقد جهل الله، تعالى ~~الله عن أن يقول خلاف ما يكون، والله تعالى أصدق القائلين. # وقد وعد أصحاب الجنة الجنة، فإن كان وعدهم وعنده أنه يفي لهم بما وعدهم ~~فكذلك نقول، وإن كان وعدهم وعنده أنهم لا يدخلون الجنة كما وعدهم فهذا هو ~~الكذب، تعالى الله وجل عن الكذب. # فإن قال: فيقضي بهذا الوعيد على كل فاجر، وكل آكل أموال اليتامى ظلما كما ~~قال: {إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا}، {وإن الفجار لفي جحيم}، ~~أويقضي بذلك لبعض دون بعض؟ # قال: المخرج من هذا قريب -والحمد لله- أن الله تعالى قد أوجب الموجبات ~~على أهلها لمن انتهكها إذا لقي الله على ذلك مصرا عليها ولم يتب منها. # فأما التائب فإن الله يتوب عليه، قال الله: {إن المنافقين في الدرك ~~الأسفل من النار [ولن تجد لهم نصيرا] * إلا الذين تابوا...} تمام الآية، ~~وقال: {وهل نجازي إلا الكفور}، ms041 وقال: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار ~~أولئك عليهم لعنة الله والملآئكة والناس أجمعين * خالدين فيها لا يخفف عنهم ~~العذاب ولا هم ينظرون}، وأمثال هذا في القرآن كثير، فاستثنى أهل التوبة، ~~وأوجب التخليد في النار للذين ماتوا على /38/ الكفر. # وقال: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا}، فأوجب المغفرة لمن تاب، ~~وقال: {وقد خاب من حمل ظلما}. PageV01P051 # قال المسلمون: من مات مصرا فقد أوجب على المصر العقاب، وأثبت لأهل التوبة ~~النجاة مما وقع فيه أهل الإصرار، وقد قال: {ولم يصروا على ما فعلوا وهم ~~يعلمون * أولئك جزآؤهم مغفرة من ربهم}، فأوجب المغفرة لمن لم يصر، وأوجب ~~بذلك تمام الوعد على المصر. # وقال النبي ^: «هلك المصرون». وقال ^: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له»، ~~فأوجب لمن تاب أنه كمن لا ذنب له، وألزم الهلاك المصرين. # وفي بعض هذا كفاية في الوعيد لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وقد ~~قال الله في كتابه: {إن الله يغفر الذنوب جميعا}وهو لمن أسلم وتاب، كما ~~قال: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا}، وقال: {إن الله يحب التوابين ~~ويحب المتطهرين}، فأثاب التوابين، وقال: {توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ~~ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم}، وعسى من الله واجب، فثبت أن الجنة لكل تائب ~~والوعد له واجب، والنار لكل مصر، والوعيد له لازم، والعذاب عليه واصب إذا ~~لقي الله على معصيته؛ لأن الله تعالى قد حرم المحارم، وحد الحدود، وأوجب ~~الحقوق، فكل من ركب المحارم، وتعدى حدود الله، وترك فرائض الله، ولم يؤمن ~~بالله ولم يتب ولقي الله على ركوب الكبائر، والإصرار على الصغائر التي أوعد ~~المصرين عليها النار، فلهم النار كما قال، لا خلف لما قال. PageV01P052 # وأما من تاب توبة نصوحا، وتاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى فذلك مغفور له ~~كما قال الله ورسوله ^، وقد قال الله تعالى: {إنما التوبة على الله للذين ~~يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله ~~عليما حكيما * وليست التوبة للذين يعملون ms042 السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت ~~قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا ~~أليما}. # والله أصدق الصادقين، قد أوجب المغفرة والرحمة، وهو أنه يرحمهم ويغفر لهم ~~إذا تابوا من قريب قبل أن ينزل بهم الموت، /39/ ولم يجعل التوبة لمن مات ~~كافرا، ولا لمن أصر حتى يحضره الموت، فقد بين أن الوعد لكل من لقي الله ~~مؤمنا تائبا كما قال، لا خلف لوعده، وأن العذاب الأليم لمن مات مصرا غير ~~تائب، ولقي الله على الكفر. # فالله تعالى قد أوعد أهل النار النار، ووعد أهل الجنة الجنة، فلا خلف ~~لوعده، وقد قال ممتدحا أن لا أحد أصدق منه قيلا: {ومن أصدق من الله قيلا}، ~~وما وعد من خير، وأوعد من شر فهو كائن كما قال: {لا مبدل لكلماته وهو ~~السميع العليم}. PageV01P053 # فإن قال: إن الوعيد خاص للمشركين كان عليه الدليل، وقد قال الله: {ألا إن ~~الظالمين في عذاب مقيم}، وقال: {وبشر الذين كفروا بعذاب أليم}، وقال: {إن ~~المنافقين في الدرك الأسفل من النار}، وقال: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه ~~جهنم خالدا فيها}، وقال: {لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين}، ~~وقال: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا ~~وسيصلون سعيرا}، وقال: {إن الفجار لفي جحيم}. # وقال: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} يخاطب أهل الإقرار. # وقال: {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما * ومن يفعل ذلك عدوانا ~~وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا}. # وقال: {ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء ~~بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير}. # وقال: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها} يعني: في ~~قسم المواريث. PageV01P054 # وقال: {ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك ~~يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا}. وقال: {إن ~~الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب ~~عظيم}. وقال: {والذين ms043 يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ~~ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون}. # وقال: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان ~~من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا ~~فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون} /40/ وأمثال هذا في القرآن كثير. # وأوجب الحدود في الدنيا على السارق والزاني والقاتل؛ فالقاتل يقتل، ~~والقاذف يجلد، والسارق يقطع، وقد بين الله ذلك أنهم يصيبهم، وقال: {ذلك بما ~~قدمت يداك}، وقال: {ذوقوا عذاب الحريق}، و{ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به ~~تكذبون}، {ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط}. # فأوجب الموجبات، وحد الحدود، وأوعد العذاب، وبشر بالثواب لمن اجتنب ~~الكبائر ولم يصر على الصغائر، فمن ركب الكبائر ولقي الله عليها من كل ما ~~أوجب الله عليه حدا في الدنيا وعذابا في الآخرة ولم يتب فله ما قال الله، ~~لا خلف لما أوجب الله. PageV01P055 # فأما من تاب وآمن وعمل صالحا وبما أمره الله فإن الله يتوب عليه كما قال: ~~{إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم * وأنيبوا إلى ربكم ~~وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون}. # وقوله: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون}، يعني: من ~~جميع الذنوب. # وإنما خاطب المؤمنين فقال: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا}، وقال ~~النبي ^: «هلك المصرون»، وقال #: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له». # فمن لقي الله تعالى بعمل الكبائر أو الإصرار على الصغائر ولم يتب من ذلك ~~فله النار كما قال، لا خلف لوعيده في ذلك. وأما من تاب وآمن وعمل صالحا ثم ~~اهتدى، فإنه يغفر له |الذنوب| كما قال، وقد استثنى الله تعالى في كتابه في ~~السارق والمحارب، ومن يقتل النفس التي حرم الله، والزاني أنه من تاب تاب ~~الله عليه، وقال في الذين فروا من الزحف يوم أحد: {ولقد عفا ms044 الله عنهم}، ~~وقد قلنا: إن النبي ^ قال: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له»، وهذه آيات غير ~~متشابهات. # فإن قال أحد: إن هذا مخصوص في شيء من الذنوب أو بعض الذنوب كان عليه ~~إقامة الدليل بنص الكتاب والسنة والإجماع من الأمة، ولكن قد ثبت الوعيد لا ~~خلاف لمن لم يتب مع هذا القول: «هلك المصرون»، مع قول الله: {وقد خاب من ~~حمل ظلما}، فمن مات مصرا فالإصرار مهلك لأهله، وقد قال الله تعالى: {ومن لم ~~يتب فأولئك هم الظالمون}. /41/ PageV01P056 وقال: {التائبون العابدون ~~الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ~~والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين}، تأويلها: يبشرهم بالجنة كما قال: ~~{يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم * خالدين فيها ~~أبدا إن الله عنده أجر عظيم}. # وقد حذرهم الله عقوبته فقال: {لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن ~~استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون}، وقال: {لا ~~تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض}، وقال: {ومن يتولهم منكم ~~فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين}. # وقال: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ~~ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم ~~الإيمان}، يقول: لا تجد مؤمنا يواد كافرا أبدا، فالعقوبة على من يفعل هذا ~~إن لم يتب، ومن تاب فإن الله يتوب عليه، والجنة للتائبين الذين ذكرناهم في ~~أول المسألة. # قال النبي ^: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له»، وقد قال [الله] في ~~المؤمنين: {الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم ~~مهتدون}، وقال: {وبشر المؤمنين}، وقال: {والذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار}، وقال: {أولئك أصحاب الجنة هم فيها ~~خالدون}. PageV01P057 # ووصف هذا كثير مما أعد الله للمتقين، كما قال: {وجنة عرضها السماوات ~~والأرض أعدت للمتقين} الذين اتقوا الكفر ولم يلبسوا إيمانهم بظلم. # فقد بين الله في أحكامه أن الجنة للمتقين، ولمن عمل الصالحات وتاب توبة ~~نصوحا، كما قال: ms045 {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا}، وقال: {ربنا وسعت ~~كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك}، وكل تائب ومؤمن وعامل ~~بالصالحات، ولقي الله على ذلك فله الجنة والثواب، وهم أهل ولاية الله ~~وثوابه، وجنته التي أعدت للمتقين. # {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت ~~الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما}. /42/ # فقد بين الله أحكامه في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. # مسألة: [في تكفير السيئات باجتناب الكبائر] # - وسأل فقال: أليس قد قال الله: {إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر ~~عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما}؟ # قيل له: نعم، قد وعد الله تكفير السيئات لمن اجتنب الكبائر، ولم يوقفنا ~~على هذه السيئات فنعرفها بعينها، إلا أنا قد علمنا أنه حق كما قال: إنه ~~يكفر السيئات التي ذكر لمن اجتنب الكبائر، وقد قال: {من جاء بالحسنة فله ~~خير منها} {ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها}، وقال: {وجزاء سيئة سيئة ~~مثلها}، وقال: {ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذبوا بآيات الله ~~وكانوا بها يستهزؤون}. PageV01P058 # وقال المسلمون: إن السيئات جميع ما عصي الله به من قليل أو كثير، فلما ~~كان كذلك قلنا: إن السيئات مكفرة مع التوبة لا مع الإصرار؛ لأنه قال: {ولم ~~يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون}. # فلما لم يجز الإصرار على الصغير من الذنب ولا الكبير، وقد قال الله: ~~{توبوا إلى الله توبة نصوحا}، {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون} من ~~جميع الذنوب، قلنا: كذلك، إلا ما كان من الخطأ والنسيان من السيئات التي ~~قال الله: {لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا}، وقال النبي ^: « عفي لأمتي من ~~الخطأ والنسيان»، فذلك معفى عنه. # فأما من أصر وظلم فإنما يعفى عنه بالتوبة، وقد قال الله تعالى: {لا ~~تظلمون ولا تظلمون}، {وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا ~~حاسبين}، وقال: {إن الله لا يظلم مثقال ms046 ذرة وإن تك حسنة يضاعفها}. # وقال: {ويل للمطففين} ولم يجز من التطفيف قليل ولا كثير. # وقال: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان ~~من المس}. # وقال: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل...} {ولا تقتلوا أنفسكم} فلو ~~أربى درهما واحدا أو خردلة وجب له ما قال الله، كذلك لو طفف حبة، وكذلك ~~حرام أموال الناس قليل ذلك وكثيره. PageV01P059 # وكذلك الدماء قليلها وكثيرها، ولم يبح الله ولا رسوله /43/ شيئا من ذلك، ~~وقال النبي ^: «دماؤكم وأموالكم عليكم حرام»، حرم قليل ذلك وكثيره، فوجب أن ~~ذلك لا يجوز الإصرار عليه، والمصر عليه له ما قال الله |تعالى| في كتابه ~~ورسوله؛ لأنه قد قال: «هلك المصرون»، وقال الله تعالى: {وقد خاب من حمل ~~ظلما}، إلا ما كان من الخطأ والنسيان فيما يقع العبد مما يعفى عنه، وإن ~~لزمه ضمان بخطإ لم يأثم فيه وعفي عنه، وعليه الضمان إذا كان مثل ذلك له ~~قيمة وحكم، فإن أصر عليه واستحف به لم يسلم من ذلك ولم يجز له، ألا ترى أن ~~رسول الله ^ قال: «ردوا الخيط والمخاط فإن الغلول نار يوم القيامة» فالغلول ~~حرام قليله وكثيره. # وقد روي عن رسول الله ^ أن الأسود الذي كان يرفع رحل النبي ^ وركابه ~~أصابه سهم فقتله، فقال أصحابه: هنيئا لك الجنة، قال النبي ^: «كلا، إن ~~شملته لتحترق عليه بها، كان غلها يوم خيبر»، وجاءه ^ رجل بشراكين لنعلين، ~~فقال -على ما روي-: «إن ذلك مثلها». # ومات رجل من أصحابه فلم يصل عليه، وقال: «إن صاحبكم غل»، فنبشوا رحله فلم ~~يجدوا عنده إلا خرزا من خرز اليهود ما يسوى درهمين فلم يصل عليه. # وأمثال هذا في الأخبار كثير، ولم يرخص الله في شيء من ذلك، فعلمنا أن ~~الذي قال ذلك مما أنه يكفره إلا ما بين من الخطأ والنسيان، وغير ذلك إنما ~~يكون مكفرا بالتوبة ولا شك أنه يكفر السيئات التي قال لمن اجتنب الكبائر، ~~إلا أنا لم نقف على ذنب بعينه. # فإن قال: قد قال الله: {الذين يجتنبون كبائر ms047 الإثم والفواحش إلا اللمم إن ~~ربك واسع المغفرة}. PageV01P060 # قيل له: نعم، إن ربنا واسع المغفرة لمن تاب من كبائر الإثم والفواحش، ~~ويكفر لمن اجتنب كبائر الإثم والفواحش ما لم يصر، وغافر أيضا اللمم عند ~~التوبة، لأن معناه {إلا اللمم}، فهو قد قيل: ما ألم بالقلب من ذكر المعصية، ~~{إن ربك واسع المغفرة} ما لم يفعله أو يعتقده. # مسألة: [في الجزاء] # - وسأل فقال: قال الله: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة ~~فلا يجزى إلا مثلها}؟ # قيل له: نعم، كذلك قال: إنه يجزي بالحسنة /44/ عشر أمثالها وبالسيئة ~~مثلها، والمثل: هو عقوبة مثلها، إلا أنه من عمل من حسنة وعمل من سيئة ثبت ~~كله الإحسان والسيئات؛ لأنه قال: {إنما يتقبل الله من المتقين}، فمن اتقى ~~المعاصي واتقى السيئات قبل إحسانه، ومن ركب المعاصي لم يقبل عمله، فإذا كان ~~ذلك كذلك لم يقبل إحسان مع السيئة؛ لأنه لا يتقبل إلا من المتقين، وكيف ~~يكون من المتقين من زنا وسرق وقذف وشرب الخمر، وأكل أموال اليتامى ظلما ~~وأموال الناس بالإثم، ليس ذلك من المتقين ولا يقبل منه، كذلك دل الكتاب أن ~~الله لا يتقبل إلا من المتقين. # فإن قال: قد قال الله: {خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب ~~عليهم إن الله غفور رحيم}، وعسى من الله واجب؟ PageV01P061 # قيل له: نعم، كذلك قال الله، وعسى واجب من الله، وهذه الآية نزلت في رجل ~~من أصحاب النبي ^، وهو على ما بلغنا: أنه أبو لبابة، أشار بيده إلى حلقه، ~~وقال ليهود بني قريظة، وحين استشاروه أن ينزلوا على حكم النبي ^، فقال: ~~"إنه الذبح"، فرأى أنه قد خان الله ورسوله بهذه الكلمة، وربط نفسه بسارية ~~المسجد، وندم وتاب، فأنزل الله فيه مع ندمه وتوبته: {خلطوا عملا صالحا وآخر ~~سيئا عسى الله أن يتوب عليهم} فتاب الله عليه. # وقال: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها}، وفي ذلك وغيره وفي ~~المتخلفين الثلاثة حتى تاب الله عليهم بذلك؛ لأنه لا يغفر ذنبا بغير توبة، ~~وإنما ms048 يغفر لمن تاب وآمن وعمل صالحا. # فإن قال: إنه يعذب العبد على قدر عمله ثم يخرجه من النار، كذلك قال كثير ~~من الناس؟ PageV01P062 # قيل له: لم يأت كتاب الله بذلك، ولا دليل لهم في القرآن على ما ادعوه، ~~وفي القرآن ما يكذب قولهم، قال الله تعالى: {وقالت اليهود والنصارى نحن ~~أبناء الله وأحباؤه} يعنون: أنا عند الله بمنزلة الولد إن عذبنا الله فإنما ~~يعذبنا بقدر ذنوبنا، قال الله لنبيه: {قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ~~ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء}، وقال في موضع آخر: {وقالوا لن تمسنا ~~النار إلا أياما معدودة}، وقال الله تكذيبا لقولهم: /45/ {قل أتخذتم عند ~~الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون * بلى من ~~كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}، فقد بين أن ~~من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فهو مخلد في النار ما لم يلق الله تائبا منها. # وقال في المصرين من هذه الأمة: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من ~~يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا}، فساوى بينهم ~~وبين أهل الكتاب في ذلك، ولا فرق في ذلك، فالقرآن يدل على أن كل من عمل ~~سوءا أو سيئة ولم يتب منها فله ما قال الحكيم في كتابه، وقوله الحق، وهو ~~صادق الوعد والوعيد. # فإن قال: فمن ظلم حبة أو قتل نفسا كمن قتل مائة نفس، وغصب أموالا كثيرة، ~~كلاهما سواء؟ # قيل له: كلاهما في حكم الذنب، والمجزي كل بعمله سواء، ولكل ضعف كما قال ~~الله: {لكل ضعف ولكن لا تعلمون}، كذلك لأهل الجنة {ولكل درجات مما عملوا}، ~~وليس الأمر كما قال من ذكرت شأنه، وقد بين الله أحكامه في كتابه ولا يختلف ذلك. PageV01P063 # مسألة: [مدلول اسم الكفر] # - وسأل فقال: قد قيل: أن ليس في كتاب الله آية تدل على عذاب الموحدين، ~~وإنما أوجب الله العذاب على الكافرين؟ # قيل له: إن اسم الكفر قد جمع ms049 بين كل من عصى الله من خلقه موحدا أو غير ~~موحد، ويدل على ذلك قوله: {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه ~~سميعا بصيرا * إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا * إنا أعتدنا ~~للكافرين سلاسلا وأغلالا وسعيرا}، فمن لم يكن شاكرا كان كافرا، ولا فرق في ~~ذلك، وليس بينهما منزلة ثالثة. # وقال: {واشكروا لي ولا تكفرون}، وقال: {ومن يشكر فإنما يشكر لنفسه ومن ~~كفر فإن الله غني حميد}، فمن لم يكن شاكرا كان كافرا. # وقال: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، و{الظالمون} ~~و{الفاسقون} فجمع بين الظلم والفسق والكفر، وكل فاسق وظالم كافر. # وقال: {والكافرون هم الظالمون}، وقال: {إلا إبليس كان من الجن ففسق عن ~~أمر ربه}، فسماه كافرا فاسقا. # فصح بما تلونا أن اسم الكفر يلحق بجميع من عمل بمعاصي الله. /46/ # قال: {وهل نجازي إلا الكفور}، وقال: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ~~من يعمل سوءا يجز به} فلا يجازى إلا الكافر. # وقال: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين ~~جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون}، وهذا في الموحد ~~بالاتفاق، عليه الحد، وقد سمى الله الكافر فاسقا. PageV01P064 # وقال: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا ~~والآخرة} وهذا في الموحد. # وقد لعن الله الكافرين ولم يلعن مؤمنا، وقال في المنافقين المتخلفين: ~~{فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة ~~فاقعدوا مع الخالفين * ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره ~~إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون}، فقد سماهم كفارا فاسقين وهم ~~موحدون. # وقال: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك ~~لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون * اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن ~~سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون * ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على ~~قلوبهم فهم لا يفقهون}. # وقد نهى الله عن الصلاة عليهم وسماهم فاسقين، ولم يقل: أشركوا، وسماهم ~~كفارا بخداعهم وهم من ms050 أهل التوحيد، فقد دل من كتاب الله ما دل على عذاب ~~الموحد إذا كان عاصيا لله ولم يتب، وفي كتاب الله أكثر مما تلونا، وقد بينا ~~في كتابنا أن كل عاص استوجب بمعصيته عقوبة الله أنه كافر؛ لأن أهل السعادة ~~هم الشاكرون، وأهل الشقاء هم الكافرون، وكذلك قال: {فاذكروني أذكركم ~~واشكروا لي ولا تكفرون}. # فإن قال: فأخبرونا عن الكفر؟ # قيل له: إن الكفر كفران: كفر بالتنزيل، وكفر بالنعم والتأويل، قال الله ~~تعالى: {ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب}. # فإن قال: فما معنى الشكر؟ PageV01P065 # قيل له: الاعتراف بحق المنعم عليه، فمن أقر لله بذنبه واعترف بنعم الله ~~عليه كان شاكرا، ومن أنكر ذلك وجحده كان كافرا، ومن أقر بالظاهر وخادع ~~بالعمل كان منافقا فاسقا، وقد أوعدهم الله كلهم النار /47/ إلا من تاب، وقد ~~سماهم الله كافرين ظالمين فاسقين، وجميع ذلك في كتاب الله، وقد بيناه فيما ~~تقدم قبله. # والكفر: هو الستر والتغطية على الحق، فمن ستر الحق وأظهر الباطل أو ترك ~~الحق وعمل بغيره كان كافرا. # فإن قال: النفاق ما هو؟ # قيل له: الخداع، فمن أقر باللسان وخادع بالعمل سمي منافقا بمخادعته الحق، ~~واسمه مأخوذ من السرب في الأرض يكون له بابان، قال الله لنبيه: {فإن استطعت ~~أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله ~~لجمعهم على الهدى}. # والنفق: هو السرب الذي له بابان يدخل في أحدهما ويخرج من الآخر، كسرب ~~اليربوع، وهو النافقاء. # فإن قال: فالفسق، والفاسق ما هو؟ # قيل له: هو من دخل في الاسم وعمل بخلافه خرج منه بفسقه وارتكابه ما لا ~~يحل له، كما يقال: فسقت الرطبة: إذا خرجت من قشرتها. # فإن قال: فالظلم ما هو؟ # قال: هو ظلمات، وهو الكفر، وقد قال الله ما بين أن الظلم من الكفر قوله: ~~{الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور}، جعل الإيمان ~~نورا، والكفر ظلمة. PageV01P066 # وكذلك قال: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى ms051 النور والذين ~~كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات}، من الإيمان إلى ~~الكفر، فجعل الكفر ظلمة وظلاما، وهو الكفر والظلم، وقد اجتمعت الدلالة في ~~كتاب الله صفة الظالم والكافر والفاسق والمنافق في معنى واحد، وقد بينه ~~الله في كتابه، وقال: {ما فرطنا في الكتاب من شيء}. # فإن قال: فهل يلحق اسم الشرك اسم النفاق، إذ قد لحقهما اسم الكفر عندك؟ # قيل له: لا يلحق في التسمية؛ لأن المنافق أقر ثم خادع في العمل، وكفر إذ ~~ركب النهي الذي أقر به، وظلم إذ امتنع من العمل بالإيمان الذي أقر به، ~~ويلزمه الحد الذي ركب في الإسلام بنفاقه، ألا ترى أن الحدود على المقرين ~~بها، والمنافق عليه الحدود، ولو كان مشركا لسقط عنه الحد؛ فلما كان عليه حد ~~ما أقر به، باتفاق المسلمين زال عنه اسم الشرك؛ لأن المشرك لا يلزمه الحد، ~~إذ الحدود ساقطة /48/ عن المنكرين لها، لازمة المقرين بها. # كذلك الفاسق ساقط عنه اسم الشرك؛ لأنه يلزمه الحد باتفاق المسلمين. # فأما الظالم فإن كان منكرا لم يلزمه حد، والمقر يلزمه الحد باتفاق ~~بإقراره وإن كان ظالما، كذلك الكافر إن كان منكرا جاحدا لم يلزمه الحد، وإن ~~كان مقرا لزمه الحد، فهذا الفرق في التسمية، بين من سمينا من هذه الأسماء. # مسألة: [في معنى الفاسق] # - وسأل فقال: ما تقول فيمن قال: إن الفاسق لا مؤمن ولا كافر؟ # قيل له: لو كان كذلك لكان لا موحدا ولا ملحدا، ولا كان منه كفر ولا ~~إيمان، ولكان لا وليا ولا عدوا، فلما استحال ذلك فسد قول من قال: إن الفاسق ~~لا مؤمن ولا كافر؛ لما بينا فيما تقدم قبل هذا الخبر معنى الفسق، وأن اسم ~~الكفر لاحق. PageV01P067 # وقد قال بعض المحتجين: إن الإجماع كان قبل حدوث واصل بن عطاء أن الناس ~~على مقالتين: # فقال قوم: إن من ركب الكبيرة مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته. # وقال آخرون: هو كافر بركوبه الكبيرة من الذنوب حتى حدث واصل بن عطاء ~~ففارق الإجماع، وقال: "إن راكب الكبيرة لا ms052 مؤمن ولا كافر"، فخرج من الإجماع ~~وما اتفق عليه المسلمون. # وقد بينا أن راكب الكبيرة فاسق، والكفر به لاحق، واسم كافر وظالم وضال ~~وفاسق به لاحق. # وقد قال الله: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد ~~الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم}، فأحبط إيمانهم ~~بموادة الكافر. # وقال: {قالت الأعراب آمنا} |قال الله لنبيه|: {قل لم تؤمنوا ولكن قولوا ~~أسلمنا} يعني: استسلمنا خشية على دمائنا، ولم يكن تصديقهم إيمانا يوجب لهم ~~ثبوت الإيمان، حتى يستكملوا التصديق به والعمل به والعمل بما أقروا به ~~وصدقوا. # وقال الله: {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر ~~بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون} فجعل ذلك مما يحبط أعمالهم. # وقال: {النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير}، وقد وعد الفاسق النار. # وقد قال: {تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا}، وقال: {وعد الله ~~المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار}، /49/ وإنما وعد الجنة ~~المؤمنين ولم يعدها الكافرين ولا الفاسقين، والذين قالوا: إن الفاسق الذي ~~فسق لا مؤمن ولا كافر يوجبون على الفاسق العذاب بفسقه. PageV01P068 # وقد قال الله في إبليس -لعنه الله-: {ففسق عن أمر ربه}، فله النار بركوبه ~~الذنب وإصراره عليه، وسماه الله كافرا فقال في إبليس: {وكان من الكافرين}، ~~وقد بين الله أحكامه في كتابه العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا ~~من خلفه تنزيل من حكيم حميد، ولا يرفع به الأهواء، وقد بين لكل ذي لب بما ~~تلونا أن الفاسق لاحق به اسم الكافر بالنعم. # ولو جاز أن يقول قائل: إن من كان معه إيمان وركب كبيرة لا مؤمن ولا كافر ~~لجاز لغيره أن يقول: هو لا مؤمن ولا هو كافر ولا فاسق، فلما فسد عندنا ~~وعندهم أنه لا يسمى مؤمنا فهو كافر؛ لأن الناس إما مؤمن وإما كافر، وإما ~~سعيد وإما شقي، وقد قال: {إما شاكرا وإما كفورا}، وقد قال: {ومن شكر فإنما ~~يشكر لنفسه ومن كفر ms053 فإن ربي غني كريم}، فليس [هناك] منزلة ثالثة كما قالت ~~المعتزلة في ذلك. # فإن قال قائل من الحشوية: إنه مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته. # قيل له: فإذا لا يضره ما ركب من الكبائر التي حرمها الله، قال الله: {يا ~~أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل [إلا أن تكون تجارة عن ~~تراض منكم] ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما * ومن يفعل ذلك عدوانا ~~وظلما فسوف نصليه نارا}، وهذا مقر مصدق قد ركب ما وصفناه، فإن كان مؤمنا له ~~-عندهم- الجنة، فقد نقضوا كتاب الله في قولهم. PageV01P069 # وقال: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا ~~والآخرة}، فقد أوجب اللعنة على الظالمين، ولم يلعن مؤمنا، فكيف يكون مؤمنا ~~فاسقا!؟ وقد قال الله: {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم ~~الغالبون}. وقد نهى عن ولاية من ركب الكفر. # فإن قالوا: إنه مؤمن بركوبه الكبائر وله الجنة؛ لأن الجنة للمؤمنين فقد ~~نقضوا قول الله في القرآن، وما أعد لأهل الكبائر من الوعيد والحدود؛ لأن ~~ذلك ليس لأهل هو الإيمان، وقد قال الله: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه ~~جهنم}، فلو قتل مؤمن /50/مؤمنا كان مؤمنا له بالإيمان الجنة، أم له بقتله ~~النار، وقد زال عنه اسم الإيمان؟!. # فإن قالوا: هو مؤمن له الجنة فقد خالفوا كتاب الله. وإن قالوا: هو كافر ~~له النار فقد قالوا الحق، قال الله: {النار وعدها الله الذين كفروا وبئس ~~المصير}، ونقضوا قولهم: هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، في قول الآخرين "لا ~~مؤمن ولا كافر وله النار". # وإنما وعد الله النار الذين كفروا من أهل الكبائر، قال: {ومن يعص الله ~~ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها [أبدا]} وقد {وعد الله المنافقين ~~والمنافقات والكفار نار جهنم} ولم يعدها مؤمنا، فقد بين لكل ذي لب أن النار ~~لمن ركب الكبائر إذا لم يتب، وهو خارج من الإيمان بمعصيته. # فقد بينا ما قلنا من آيات القرآن ما يدل على ما روينا أن الفاسق كافر، ~~وأن ما قالت ms054 المعتزلة: "إن الفاسق لا مؤمن ولا كافر"، وما قالت الحشوية ~~والمرجئة هو من الخطإ، والحق ما أيده القرآن، وهو الدليل والبرهان. # [مسألة: في الإيمان] # فإن قال: فما الإيمان؟ PageV01P070 # قيل له: الإيمان هو الطاعة لله فيما أمر به، والتصديق لذلك، فلما كان ~~المؤمن هو المطيع لله المصدق بما أمر كان مؤمنا، ومنه الأمن، وهو في اللغة: ~~التصديق. قال الله: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة ~~الوثقى}، وقال قوم هود: {وما نحن لك بمؤمنين}. أي: بمصدقين. # وقال إخوة يوسف لأبيهم: {وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين}، يعنون: ~~بمصدق لنا فيما قلنا. # والإيمان: التصديق في اللغة، وهو الطاعة لله، ويدل على أنه الطاعة قوله ~~الله: {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا وعلى ربهم يتوكلون *الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون *أولئك ~~هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم}، فذلك أن الإيمان هو ~~التصديق بالطاعة والعمل بها، فمن ترك شيئا من ذلك، أو ركب ما حرم الله ~~عليه، أو ترك ما أوجب الله عليه خرج من الإيمان ولحق بضده، فافهم ذلك إن ~~شاء الله؛ لأن ضد الإيمان هو الكفر، وقد قال: {أفمن كان مؤمنا كمن كان ~~فاسقا لا يستوون}. PageV01P071 # فمن قال: "هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته" /51/ فقد قال خلاف قول الله، ~~وقد قال الله: إنهم {لا يستوون}، ثم قال: {أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون * وأما الذين فسقوا فمأواهم النار ~~كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي ~~كنتم به تكذبون}. فقد جعل الله النار للذين فسقوا، وسمى الكافر فاسقا، ~~وأوعد الذين كفروا النار، وجعل المنافقين في الدرك الأسفل من النار، وقد ~~بين لأهل العقل أن الفاسق لا يكون مؤمنا، ولا يكون أحد لا مؤمنا ولا كافرا، ~~وقد بينا فساد قول الفريقين لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ونسأل ~~الله الهدى لما يرضى. # مسألة: [في الشفاعة] # - وسأل فقال: ms055 ما تقول في الشفاعة يوم القيامة، أهي حق؟ # قيل له: نعم، هي لمن قال الله تعالى: إن له الشفاعة، كما قال: {ولا ~~يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون}، وقال: {لا تنفع الشفاعة إلا من ~~أذن له الرحمن ورضي له قولا}، فهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى لا غير ذلك. # وقد أخبر تعالى عن أهل النار حيث يقولون: {تالله إن كنا لفي ضلال مبين * ~~إذ نسويكم برب العالمين * وما أضلنا إلا المجرمون * فما لنا من شافعين * ~~ولا صديق حميم}، أيسوا من رحمة الله. # وقد قال: {وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها} |شفاعة|، وقال: {ولو أن لكل نفس ~~ظلمت ما في الأرض لافتدت به}، وقال: {ولا يقبل منها شفاعة}. والشفاعة لأهل ~~الطاعة، ولا شفاعة لأهل المعصية. PageV01P072 # فإن قال: فما يشفع لمن ارتضى؟ قيل له: زيادة في الثواب، وتشريفا لهم في ~~المنازل. # وإن قال: فيخلدهم في النار؟ قيل له: نعم، كذلك قال: {وما هم منها ~~بمخرجين}، و{أصحاب النار هم فيها خالدون}، وقال: {كلما أرادوا أن يخرجوا ~~منها أعيدوا فيها}. # وقد قال الله: {ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء ~~أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين}، والله أصدق ~~القائلين، فقد بين في كتابه. # [مسألة: في عذاب القبر] # فإن قال: فما تقول في عذاب القبر؟ # قيل له: إن ذلك إلى الله، وهم عبيده، إن شاء عذبهم في الدنيا وفي القبر ~~وفي الآخرة. # فأما عذاب الآخرة فلا شك فيه، ومن لم يؤمن بالجنة /52/ والنار وعذاب ~~الآخرة فليس بمؤمن، -وقد بينا ذلك فيما تقدم-، فقد قال الله في اليهود ~~قوله: {ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة ~~عذاب النار}، فأما عذاب النار فلابد لهم منه -كما قال-، وقد كتب عليهم في ~~الدنيا الجلاء من المدينة. # وقد قال الله في [عذاب] الدنيا: {ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب ~~الأكبر لعلهم يرجعون} فهو كذلك -كما قال-، إن شاء عذبهم في الدنيا بما ~~يشاء، وعاقب ms056 فيها من شاء، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. # وقد قال في قوم هود: {لنذيقهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة ~~أخزى وهم لا ينصرون} فهذا لا شك فيه. # فأما عذاب القبر فهو القادر على ذلك إن شاء عذب، وإن شاء عفا، وقد يوجد ~~في الدعاء أن يسأل الله ويستعاذ به من الكفر والفقر وعذاب القبر، وموقف ~~الخزي في الدنيا والآخرة. PageV01P073 # وقد اختلف الناس اختلافا كثيرا في معنى عذاب القبر، وقولنا قول المسلمين، ~~ولا يعجز الله شيء من ذلك. # [مسألة: في سؤال منكر ونكير] # وأما ما سألت: عن منكر ونكير وحساب القبر، فذلك إلى الله يفعل ما يشاء، ~~وفي هذا اختلاف يطول، وقد قال الله: {حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا ~~وهم لا يفرطون * ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع ~~الحاسبين}. وقال: {قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون}، ~~وقد قال الله: {إن إلى ربك الرجعى}، {وهو أسرع الحاسبين} وفي القبر وفي ~~الآخرة لا شك فيه، كيف شاء الله كان ذلك . # فأما قوله تعالى: {إلى ربكم مرجعكم} فهو في الآخرة، وقوله: إنه {أسرع ~~الحاسبين} في الآخرة، لا شك فيه أنه سريع الحساب في الآخرة، ولا شك في ~~الحساب. # فأما منكر و نكير فذلك يوجد في الآثار عن ابن عباس وأيضا عن جابر، وقد ~~وجدنا -الشك مني- عن موسى بن أبي جابر-فالله أعلم بذلك-: إنما يجوز لنا ~~القول في الحكم على ناطق الكتاب أو الإجماع، فأما ما فيه الاختلاف ولم يقع ~~فيه حكم بنص ينصونه، فقولنا فيه قول المسلمين ونحن سائلون. # مسألة: [في أطفال المؤمنين وأطفال المشركين] # - وسأل عن الأطفال: فأما أطفال المؤمنين، فهم لحق لآبائهم بناطق القرآن، ~~قال الله: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ~~ألتناهم من عملهم من شيء} فلا قول فيهم. # وأما /53/ أطفال المنافقين والمشركين فقد اختلف الناس فيهم: # فقائل يقول: هم تبع لآبائهم. # وقائل يقول: بالوقوف عنهم. # وقائل يقول: هم في الولاية. PageV01P074 # والله تعالى ms057 لم يذكرهم في لحوق آبائهم في شيء من حكم الآخرة. # فأما في حكم الدنيا فعلى أطفال أهل الشرك في السبي والحكم بينهم في ~~المواريث، وأما في حكم الآخرة فلم يذكرهم مع آبائهم، وقد قال النبي ^: «إن ~~القلم مرفوع عن الطفل حتى يدرك»، فإذا كان الطفل مرفوعا عنه القلم فلا ذنب ~~عليه. وقد قال الله في كتابه: {وإبراهيم الذي وفى * ألا تزر وازرة وزر ~~أخرى}، وقال: {ولا تكسب كل نفس إلا عليها}، وقال: {لا يجزي والد عن ولده ~~ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق}، وقال: {لن تنفعكم أرحامكم ~~ولا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم}، وقال: {فإذا نفخ في الصور فلا أنساب ~~بينهم يومئذ ولا يتساءلون}. # فلما قال الله تعالى هذا، وكان الطفل لم يعمل شيئا من المعاصي، ولا يزر ~~وزرا، ولا كسب ذنبا، والقلم عنه مرفوع فلا يضره من كسب أبيه شيء، وقال الله ~~تعالى لأهل النار: {ذلك بما قدمت أيديكم}، وذلك بما كنتم تعملون، وقال: ~~{وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون}. # وقد قال: {وهل نجازي إلا الكفور}، و{وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}. PageV01P075 # و[لما] كان الطفل لم يخاطب بأمر من طاعة ولا معصية، ولا قدمت يداه معصية ~~ولا كسبت يداه ذنبا؛ لأن القلم عنه مرفوع، قلنا: بقول من قال: إنهم ليسوا ~~لحقا لآبائهم، وإن الله رؤوف رحيم، قادر على أن يتفضل عليهم برحمته ولا ~~يعذبهم، ولم تكن لهم |معهم| معصية، ويدخلهم جنته كيف يشاء، والله حكيم ~~عليم، غفور رحيم، لا يعاقب إلا من عصاه، وقد بين {ألا تزر وازرة وزر أخرى}، ~~و{لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا}. # وقد روي عن النبي ^ روايات، فمنها أنه سئل عن أطفال المشركين والمنافقين ~~فقال: «خدم أهل الجنة»، والله قادر أن يتفضل عليهم كما تفضل على الولدان ~~والحور العين الحسان. # فإن قال قائل منهم: في قول الله تعالى: {ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا}؟ # قيل له: ذلك لما قال لنوح: {..أنه لن يؤمن من قومك ms058 إلا من قد آمن فلا ~~تبتئس بما كانوا يفعلون}، /54/ {وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ~~ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا}، وإذا بلغ ~~وعاند كان كافرا معاندا. # وقد قيل: إن زوجته خديجة سألته عن أولادها من غيره، فقال: «هم في النار»، ~~وأخبار النبي ^ لا تتناقض، ولكن الطفل في اللغة: هو الذي يركب الخيل ~~ويقاتل، قال القائل: # لقينا بها أطفالهم ... وخيولهم ... عليهم سرابيل الحديد ... المسرد # يعني: الشجاع، قد سمي طفلا في اللغة، ولكن إنما قال لها النبي ذلك لعلمه ~~بأولادها أنهم كانوا بالغين معاندين، ولسنا نقول في هذا بالقياس، وقد أخذنا ~~بقول من لم ير عذابهم ولا تبعا لآبائهم، وقد بين الله في كتابه ما فيه ~~كفاية ما تلونا، وبالله التوفيق وبه نستعين. PageV01P076 # وقد يوجد عن محمد بن محبوب ~ أنه كان يقول بالوقوف عنهم؛ لأنه كان يقول: ~~هذا مما يسعه جهله حتى تبلغه صحة ذلك. # مسألة: [ولاية الله لخلقه] # - وسأل عن: ولاية الله لخلقه ما هي؟ # قيل له: قد تقدم القول في ذلك أن ولاية الله للمؤمنين ثوابهم الجنة، وأن ~~يوفقهم للحق، وينصرهم ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ويهديهم إلى صراط ~~مستقيم. # فإن قال: فما ولاية المؤمنين لله؟ # قيل: هي القيام بمدحه وتوحيده، والقيام بنصرة أوليائه والاعتراف له ~~بنعمته. # فإن قال: فالولاية لرسوله محمد ^؟ # قيل له: هو التولي لتعظيمه وتوقيره، والصلاة عليه والعمل بسنته والمحبة له. # فإن قال: فما الولاية في الجملة، والاعتقاد لجميع أولياء الله؟ # قال: هو التولي لمحبتهم وتعظيمهم، والرد في مغيبهم والاستغفار لهم، ~~والتسليم عليهم وتصويبهم. # فإن قال: فالولاية للمؤمنين في الجملة؟ # قيل له: هو التولي لمحبتهم، وتصويبهم، والاستغفار لهم في المحيا والممات، ~~والرد في مغيبهم، وإعطاؤهم حقوقهم، والتسليم عليهم. # فإن قال: الولاية لأصحاب رسول الله ^؟ # قيل له: هو كما وصفنا في التولي لمحبتهم وتصويبهم، ومعرفة فضائلهم ~~وسابقتهم، والاستغفار لهم، والرد في مغيبهم وعنهم من طعن عليهم. /55/ # فإن قال: فولاية المسلمين لبعضهم بعض؟ # قيل له: هو أن يعلم بعضهم بعضا ms059 الإسلام والفضل والورع، فيتولى بعضهم ~~بعضا، ويستغفرون لهم، وتقع المودة لهم في قلوبهم، والمواصلة لهم، والرأفة ~~بهم، والرحمة لهم -وكذلك وصفهم الله {رحماء بينهم}-، والرد في مغيبهم، ~~والقيام بمدحهم، وتعظيمهم، وتصويبهم، وإعطائهم حقوقهم، والاستغفار لهم. # وكذلك قال الله لقوم قالوا: {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا ~~بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا}. PageV01P077 # فإن قال: فولاية المسلمين بعضهم لبعض في الحكم؟ # قيل له: أن تعلم منه الموافقة للمسلمين في دينهم وقبول الإسلام، وتعرف ~~منه الصلاح والورع والعفاف، وتعرف منه العمل بشرائع الإسلام، فتتولاه ~~وتصوبه، وترد في غيبته وتقع له المحبة في قلبه، وتواصله وتعطيه حقوقه ~~وتعظمه، ولا يكون مسلما من لم يكن المسلم عنده بهذه المنزلة، وقد قال الله: ~~{إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ~~وهم راكعون * ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم ~~الغالبون}. # وقد قيل: «إن من أوثق عرى الإسلام: الحب في الله، والبغض فيه»، «ومن أحب ~~عبدا في الله فكأنما أحب الله»، «ومن ستر عورة مسلم ستر الله عورته»، «ومن ~~رد عن مسلم في غيبته فله من الأجر ما لا يحصى»، «ومن أحب قوما فهو منهم»، ~~«ومن تشبه بقوم يكون منهم»، وقد قيل: «لا يجد المسلم حلاوة الإسلام حتى يحب ~~في الله، ويعادي في الله». # وإنما تعبدهم الله فيما بينهم بحكم ما ظهر من بعضهم إلى بعض، على العلم ~~منهم لبعضهم بعضا، ولم يكلفهم علم ما غاب عنهم من سرائر خلقه؛ لأن ذلك ما ~~لا يطاق. # فإن قال بعض من الناس: إنا لا نتولى إلا بشرط إن كان وليا لله؛ لأنا لا ~~ندري ما حاله عند الله، لعله عند الله كافر؟ PageV01P078 # يقال له: إن الله لم يكلف عباده حكم ما غاب عنهم، وإنما عليهم في الحكم ~~ما ظهر، وقد نقضتم قولكم: إن كل من علمتموه يعمل بالإسلام فهو مسلم، وقد ~~قلنا: إن ولاية العباد بعضهم لبعض على علمهم بإيمان من آمن، فمن علموا منه ~~ذلك تولوه على ذلك، ms060 /56/ وليس عليهم علم ما غاب عنهم. # ويدلك على أن الحكم بالظاهر: لو أن رجلين شهدا بالزور مع الحاكم على رجل ~~أنه قتل رجلا فقتله الحاكم، والله تعالى يعلم أنهما شهدا زورا كان الحاكم ~~قد أدى ما افترض الله عليه، ولم يضره ذلك عند الله، إذ عمل بما أمره الله ~~في الحكم بالظاهر. # إنما أجرى الله الأمور بين العباد على علمهم، وأمرهم أن يعملوا بعلمهم من ~~الولاية والعداوة، والله يقضي بينهم بما علم، فليست لهم الحجة في الشريطة، ~~ولا في قولهم: هل يأمر الله بعداوة أوليائه؟!. # وقد قلنا: إن الله إنما أجرى الولاية والعداوة بين العباد على علمهم فيما ~~بينهم، وقد علمنا أن الأمور قد تكون في الحكم عند الله خلاف ما هي عند ~~العباد في الولاية والبراءة، وإنما هما حكمان يحكم بهما العباد على علمهم ~~بما ظهر، فيثبتون لأهل الولاية حقوقهم من التواصل والترحم والتودد، ويحكمون ~~على أهل العداوة بما يجري من الأحكام، من البغض لهم والهجر، واستقباح ~~فعلهم، ومفارقتهم وتخطئتهم وعداوتهم حتى يتوبوا، ويقاتلون أهل البغي منهم ~~حتى يفيئوا إلى أمر الله. # فإن قال: فيأمر الله بقتل أوليائه؟ # قيل له: إنما أمر بقتال أهل البغي حتى يفيئوا إلى أمر الله، أو يتوبوا من شركهم. PageV01P079 # فأما من قتل على الشرك والبغي فقد علمنا أنه ليس بولي، فليس لك علينا ~~حجة، فأما من تاب من بغيه فإن الله يتوب عليه، وإنما قاتله المسلمون بما ~~ظهر من بغيه وشركه في حكم الظاهر، وفارقوه وبرئوا منه في حكم الظاهر، وهذا ~~حكم أنزله الله لنبيه ولمن أتى من بعده، وعلما جعله الله له ولمن أتى من بعده. # ومن أظهر خلاف الإسلام ممن قتله رسول الله ^ والمؤمنون على شركه علمنا ~~أنه عدو لله، ومن مات [و]علمنا أن الله أمر بقتاله قاتلناه حتى يفيء إلى ~~أمر الله، ويرجع المشرك عن شركه. # وقد قال بعضهم: إن معي معنى كافر هو اسم البدن، ومعنى كفر هو اسم الفعل، ~~ومؤمن اسم البدن، وإيمان اسم الفعل، وقد يعمل العبد بعمل ms061 أهل الإيمان وهو ~~عند الله من أهل النار، ولا يضر من تولاه في الحكم، وهو عند الله في علمه ~~كافر؛ لأن الله [قال]: {إنما يتقبل الله من المتقين}، وليس على العباد علم الغيب. # كذلك من ظهر منه عمل الكفر فارقوه في الحكم، وخطؤوه وقاتلوه على ما يجب ~~عليه في الحكم، ولم يضرهم ما يكون عنده /57/من حاله إن كان من أهل التوبة ~~وتاب عند الله. # فالمعاداة من المسلمين للكافرين على ما وصفنا، إذا علموا منهم العمل ~~بالكفر أغلظوا لهم في القول إن قدروا، وأبغضوهم، وفارقوهم، ولم يجالسوهم، ~~وقاتلوهم حتى يفيئوا إلى أمر الله، فإن اتقوا منهم تقية فارقوهم في ~~السريرة، وأبغضوهم وخطؤوهم ولم يصوبوهم. PageV01P080 # ولا يكون مسلما عند الله من لم يكن بهذه المنزلة، فكل من ركب شيئا من ~~كبائر الذنوب، وأصر على شيء من معاصي الله كائنا ما كان من خلق الله، حيا ~~وميتا، أبا أو ولدا، بعيدا أو قريبا، كل من علم ذلك، وصح معه ذلك فعليه ~~مفارقته، وتخطئته، والبراءة منه، والتبري إلى الله من سوء عمله في حكم ما ~~ظهر له من ذلك. قال الله: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون ~~من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم...} إلى آخر ~~الآية، وقال: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين}، وقال: ~~{ومن يتولهم منكم فإنه منهم}، وقال: {لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن ~~استحبوا الكفر على الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون}، وأمثال ~~هذا في القرآن كثير. # فإن قال: فبماذا يقع الحكم في العداوة؟ # قال: المعاينة للفعل المحرم ممن أحدثه، أو إقرار المحدث بالحدث المكفر، ~~أو الشاهدين العدلين على الفعل، والشهرة التي لا ترد ولا تدفع، ولا يحولها ~~مكذب؛ فبهذا يقع صحة ذلك، والولاية بالموافقة، وبالرفيعة، وبالشاهدين، ~~والشهرة في الحكم بهذا يجب. # وكلما لم يصح بما قد وصفت لك فالإمساك حتى يتبين حكم ذلك في الظاهر. PageV01P081 # وقد بين الله في كتابه معنى البراءة، فقال: {ألم تر إلى الذين يزعمون ~~أنهم ms062 آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ~~وقد أمروا أن يكفروا به}، وليس كفرهم بالطاغوت إنكارا لذلك، ولا جحودا به ~~أنه ليس بالطاغوت، وإنما أمروا أن |يكفروا بأن| يبرؤوا منه، فقد أوجب ~~البراءة من الطاغوت، ودل ذلك أن الكفر قد يكون غير الشرك. # وكذلك قوله: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى}؛ ~~معناه: من يبرأ من الطاغوت ويصدق بتوحيد الله وطاعته فقد استمسك بالعورة ~~الوثقى، /58/ وهي العصمة عن الضلالة. # وقول إبراهيم - عليه السلام - لقومه: {إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون ~~الله كفرنا بكم...} يدل على أنه قد برئ منهم، وكفره بهم ليس إنكارا أنهم ~~ليسوا من قومه، ولا جحودا بهم، ولكن كفره بهم في دينهم مفارقة لهم في ~~دينهم، وبراءة منهم ولأعمالهم. # فدل أن من الكفر ما لا يكون شركا ولا جحودا، فصح أن من الكفر ما هو غير ~~الشرك، وأن من كفر النعمة وركب المعاصي قد كفر. # والكفر: مأخوذ من كفرت الشيء: إذا غطيته؛ كما يقال: كافورة النخلة للقب ~~الذي كان على الطلع، وكل كافر منافق مفارق، وقد لعن الله الظالمين ولم يلعن ~~المؤمنين، فدل أن من ظلم فليس بمؤمن كما زعم من ذهب عنه دليل الصواب أن ~~راكب الكبيرة مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته. # مسألة: [في معنى قوله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي}] # - وسأل، فقال: قوله: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ~~آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}، ما معناه؟ PageV01P082 # قال: الله يغفر للنبي وتستغفر له الملائكة، والذين آمنوا يصلون عليه ~~ويسلموا تسليما، والسلام: مأخوذ من التحية، والسلامة سلمت. # فإن قال: فالصلاة على النبي فريضة؟ # قيل له: نعم، قد قيل: إنها فريضة؛ فقال قوم: إن الفرض من ذلك واحدة. وقال ~~آخرون: عند كل صلاة، وما كان بعدها فهو تطوع ونوافل وفضائل، وكلما صلى عليه ~~أكثر كان أفضل، وقد قيل: إنه قال: «إن أبخل الناس من ذكرت عنده فلم يصل ~~علي»، صلى الله عليه وسلم تسليما. # فإن ms063 قال: قول الله: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى ~~النور وكان بالمؤمنين رحيما}؟ # قيل له: هو الذي يغفر لكم، وتستغفر لكم ملائكته؛ ليخرجكم بذلك من الكفر ~~إلى الإيمان، وكان رحيما بالمؤمنين، وهي من الولاية، وقد قال الله: {ومن ~~يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}، يقول من يصدق ~~بتوحيد الله ويعمل بطاعته، فإنهم الغالبون في الجنة. # وقد قال الله: {فالله هو الولي وهو يحي الموتى وهو على كل شيء قدير}، ~~فالولي: هو المتولي لثواب المؤمنين، والمولى: من الموالاة والنصر لهم، ~~والمولى أيضا: المالك. /59/ # ويدل على أن الموالاة النصرة لهم قوله: {وإن تظاهرا عليه فإن الله هو ~~مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملآئكة بعد ذلك ظهير}؛ يعني: ناصره، ~~والملائكة والمؤمنون يؤازرونه وينصرونه على عدوه. # قال: {إن تنصروا الله ينصركم}، {ولينصرن الله من ينصره...}. وقد قيل: من ~~ينصر رسوله على عدوه ينصره الله ويوفقه لذلك. # مسألة: [في معنى الموازين والصراط] # - وسأل فقال: ما معنى: {ونضع الموازين القسط}؟ PageV01P083 # قال: هو الحق، قال الله: {ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس ~~شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين}. # يقول عندنا: الحق، ونضع القسط: الحق، فلا تظلم نفس شيئا، ولا مثقال حبة ~~من خردل إلا أتينا بها وكفى بنا حاسبين. # فإن قال: ما معنى الصراط المستقيم؟ # قيل له: هو الحق -أيضا- المستقيم، والصراط: هو الطريق للحق الواضح، النهج ~~الذي لا عوج فيه، فقد بين الله أحكامه في كتابه العزيز الذي لا يأتيه ~~الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. # مسألة: [في معرفة الله برسله] # - وسأل فقال: أخبرونا عن الله أعرف برسله، أم رسله به عرفوا؟ # يقال له: لا، بل رسله به عرفوا أنه حكيم لا يبعث بكتب الحق كاذبا، تعالى ~~الله، وإنما دعت الرسل إلى الله من قد عرفه ثم جحده، وقد يكون بعض يعرفه، ~~وبعض لا يعلم بذلك، فبينت الرسل ذلك، ودعوا إلى الله بالدلائل والعلامات. # ألا ترى أن نوحا ms064 قال: {ألا تتقون * إني لكم رسول أمين * فاتقوا الله ~~وأطيعون * وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين * فاتقوا ~~الله وأطيعون * قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون}، ولم يجحدوا الله، وإنما ~~هو أتاهم داعيا إلى الطاعة، ويحذرهم العقوبة التي لم يكونوا يعرفونها، ~~والبعث الذي أنكروه. # وكذلك جميع الأنبياء قالوا: {أفي الله شك فاطر السماوات والأرض يدعوكم ~~ليغفر لكم من ذنوبكم}. PageV01P084 # وكانت العرب يحجون البيت ويعظمونه، وإنما يعبدون الأصنام لتقربهم إلى ~~الله زلفى، وقالوا: {شفعاؤنا عند الله}، وإنما دعاهم رسول الله ^ إلى ترك ~~الأصنام وعبادة الرحمن فلم يصدقوه، وقال قائلهم: "لو نعلم أنك رسول الله ~~لاتبعناك"، وقال المنافقون: /60/ {نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك ~~لرسوله} فقد عرفوا الله، وإنما هم كذبوا أن يكون النبي رسول الله، وذلك قول ~~الله تعالى: {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله}. # كذلك عباد النيران إنما جعلوا الله نورا فعبدوا النار وأخطؤوا فأكذبهم الله. # ألا ترى أن الإنسان إنما يرسل رسوله فيما يريد إلى غيره إذا كان المرسل ~~إليه يعرف المرسل، فإن أنكر الرسول أتاه بالعلامة والدلالة التي تقع له ~~الصحة، ولو كان لا يعرف الرسول ولا المرسل لم يلتفت إلى ما أرسله إليه به ~~وأنكره قبله؛ لأنه لا يعرف المرسل ولا العلامة. # فهذا قول بعض المسلمين الذين قالوا: إن رسل الله عرفوا به. # وقال آخرون: إنهم به عرفوا وبهم عرف، وهذا يوجب أنهم دعوا إليه من عرفه ~~ومن لم يعرفه، فعرفوا بالله عند من عرف الله، وعرفوا الله عند من لم يكن به ~~عارفا، والله أعلم. # وإن قال قائل: بماذا عرف رسول الله ^؟ PageV01P085 # قيل له: إن المعجزات في ذلك، والعلامات التي أتى بها عند من أرسل إليه ~~كثيرة مما لم يوقف على جملتها، وأوضح المعجزات التي جاء بها والدلالة التي ~~لا يرتاب فيها هذا القرآن الذي جاء به محمد ^ معجز نظمه عن كلام البشر؛ ~~لأنهم لا يأتون بمثله، وقد قال الله: {قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن ~~يأتوا بمثل هذا القرآن لا ms065 يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا}، وقال: ~~{قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين}. ~~فقرعهم بالعجز عنه، فلما عجزوا قهرهم به، ولم يقدروا أن يجيبوه بمثله أو ~~بقصيدة ولا أرجوزة ولا غير ذلك. # صحت رسالته بالمعجز من القرآن فاتبعه متبعون، وكذبه مكذبون، فلما لم ~~يقدروا على جوابه، وبذلوا فيه الأموال والأنفس، فأعجزهم حتى بذلوا فيه مهج ~~أنفسهم على إطفاء نوره وحاربوه، وحاربهم بمن صدقه حتى أظهر الله دينه، وتمت ~~كلمته، وأكمل دينه، صلى الله على رسوله محمد كما بلغ رسالة ربه، وجاهد في ~~سبيله حتى أتاه اليقين. # ومن المعجزات -أيضا-: كلام الذئب، وكلام العجل، وكلام الجمل، والميضأة ~~التي كان الماء يفور من بين أصابعه، وخبر القليب الذي غرز فيه السهم /61/ ~~حتى خرج الماء، وشاة أم معبد، وتسبيح الحصى في كفه، وإجابة الشجرة إلى شجرة ~~أخرى حتى استظل بهما، وكلام عضد الشاة المشوية المسمومة، وغير ذلك مما لا ~~يحصى مما أتاهم من العلامات والآيات، والطعام القليل الذي أتي به إليه، ~~فأكل منه هو وأصحابه حتى شبعوا، ولم يروه نقص منه شيء، وأشباه هذا مما روي ~~ووجد في الآثار والأخبار كثير. PageV01P086 # فأما معجز القرآن فكفاية، مع إجماع الأمة من الآفاق أن الذي بعث بتهامة ~~في مكة وأتى بهذا القرآن هو محمد ^، وأنه رسول من الله، ولا يجتمع أهل ~~الآفاق إلا على الصواب، فدل بما تلونا صحة نبوة محمد ^. # فإن قال قائل: إن اليهود والنصارى ينكرونه؟ # قيل له: إن اليهود والنصارى يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، كما قال الله: ~~{وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون}، وقد وجدوا صفته ونعته في ~~كتابهم، فهم وإن لم يقروا به في الظاهر فهو عندهم رسول الله، وأنه نبي الله ~~في الباطن، فلا يغير جحدانهم وكتمانهم شيئا إلا أنفسهم. # فإن قال أحد منهم: دلونا على ما تدعون. # قيل له: الدليل لكم أنه النبي الذي بشر به موسى وعيسى في التوراة ~~والإنجيل. # فإن قالوا: فإنا لا نعرف ذلك!؟ # قيل لهم: فأنتم أيضا ms066 على غير الهدى، فما دليلكم على ما في أيديكم؟ # فإن قالوا: إنا على دين موسى وعيسى اللذين تقرون بهما. # قيل لهم: فإنا لا نعرف موسى وعيسى اللذين تقولون إلا اللذين أخبرنا بهما ~~نبينا محمد ^، فإن يكن صادقا عندكم فعليكم اتباعه، وإن يكن كاذبا عندكم ~~فيما قال فأنتم على الضلال عندنا؛ لأنا لا نعرفهما إلا بما جاء به محمد، ~~فليس لكم علينا حجة في أن تصح لكم علينا نبوته، فعليكم الدليل أن موسى ~~وعيسى نبيان كما تزعمون. # فإن قالوا: أتيانا بالتوراة والإنجيل. # قيل لهم: ومحمد أتانا بالقرآن المفرق بين الحق والباطل. # فإن قالوا: لا نعرف ذلك!. PageV01P087 # قيل لهم: ولا نعرف نحن ما تقولون مما في أيديكم أنه من الله، ولا أن موسى ~~وعيسى أتيا بشيء مما في أيديكم، وإنما عرفنا بمحمد ^ خبر موسى وعيسى، ~~والتوراة والإنجيل، فإن صدقتموه فاتبعوه، وإن أنكرتم ما في كتابكم فنحن لا ~~نعرف ذلك إلا عن /62/ محمد ^، فإن كان صادقا عندكم فعليكم تصديق ذلك، وإن ~~كان كاذبا ولم يصدق عندكم في موسى وعيسى فليس هما نبيين عندنا، وإنما ~~النبيان اللذان أخبر بهما محمد الصادق -صلى الله عليه وعلى جميع الأنبياء ~~والمرسلين-، فهم حق وقولهم حق، آمنا بجميعهم وصدقنا بما جاؤوا به عن ربهم. # مسألة: [في كلام الله لموسى - عليه السلام - ] # - وسأل عن: اختلاف الناس في كلام الله لموسى - عليه السلام - ؟ # قيل له: إن الناس قد اختلفوا في ذلك؛ فقال قوم: إنه أسمعه نفسه متكلما. ~~وقال آخرون: أسمعه صوتا أفهمه به الكلام. وقال قوم: إنه كلمه بالوحي، وقد ~~قال الله تعالى: {وكلم الله موسى تكليما}، وذلك حق من الله، وقد كلمه كما ~~قال، كما شاء على ما شاء من ذلك. # ومن حجة الذي قال: إن كلامه له بالوحي منه قول الله: {وما كان لبشر أن ~~يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب}، وهذا خبر غير منسوخ؛ لأن الأخبار لا ~~تنسخ، فيجوز أن يكون كلمه بالوحي منه إليه، وقد سمى الله التوراة نورا، ~~وسماها كلامه، وذلك قوله لنبيه ms067 محمد ^ في أهل الكتاب فقال: {وقد كان فريق ~~منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون}. PageV01P088 # فالله أعلم، قد سمى التوراة كلامه، كما ذكر أنه كلم موسى، وذكر أنه أنزل ~~التوراة والإنجيل وأنزل الفرقان، وقد سمى القرآن كلامه؛ لقوله: {حتى يسمع ~~كلام الله ثم أبلغه مأمنه}، وسماه نورا، وذكر أنه أنزله في الحكم في ذلك، ~~لا يختلف في ذلك أنه أنزل ذلك على رسله، وهو كلامه. # وقال: {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب}، فذلك أن ~~الكلام لا يكون إلا بالوحي كما قال. # ألا ترى أن الوحي كان ينزل إلى النبي ^، بالاتفاق أن القرآن وحي، وقد ~~سماه الله كلامه، وقال الله لنبيه: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح ~~والنبيين من بعده}، إلى تمام القصة، فذلك بالوحي كما قال الله تعالى. # مسألة: [في خلق كلام الله] # - وسأل فقال: كلام الله مخلوق أو غير مخلوق؟ # قيل له: قد اختلف الناس في ذلك؛ فقال قوم: إن كلام الله مخلوق. /63/ # وقال آخرون -وهم أكثر الأمة-: إن كلام الله ليس بمخلوق. # ووقف في ذلك واقفون. # وكلام الله تعالى من صفاته، وصفاته لم تزل له، ولو جاز لقائل أن يقول: إن ~~الله لم يكن متكلما ثم تكلم لجاز لقائل أن يقول: لم يكن الله عالما ثم علم. # فلما فسد هذا القول على قائله، وكان الإجماع أن الله لم يزل الرحمن ~~الرحيم، الحي العالم القادر السميع البصير المتكلم فسد قول من يقول: إن ~~كلام الله مخلوق؛ إذ هو المتكلم كما أنه هو العالم، والكلام صفته، فدل بذلك ~~أن كلامه غير مخلوق. PageV01P089 # ولو جاز أن يكون غير متكلم ثم تكلم لجاز أن يقول: لم يكن عالما ثم علم، ~~فلما كان موصوفا بالعلم كان موصوفا بالكلام، ولو لم يوصف بالكلام لوصف بضده ~~من السكوت والآفة، فلما لم يجز أن يوصف الله بذلك وجب أن يكون متكلما، ~~وكلامه غير مخلوق. # ولو جاز أن يكون الله تعالى موصوفا بأنه حي غير ms068 متكلم لكان موصوفا بضد ~~الكلام، ولو لم يوصف بالحياة لوصف بضد ذلك، فلما فسد ذلك لم يجز ما قالوا؛ ~~لأن الأضداد عن الله منفية. # وإن قال: فإذا كان الله تعالى غير فاعل فيما لم يزل، وجب أن يكون عاجزا ~~أو تاركا؟ # قيل له: ليس العجز مضادا للفعل، وذلك أنه ليس جنس من أجناس الفعل يضادد ~~العجز، وقد يكون الشيء مع العجز. # ومن الدلالة على أن كلام الله تعالى هو شيء غير محدث ولا مخلوق؛ لأن ~~الكلام لا يخلو من أن يكون قديما أو محدثا، فإن كان محدثا لم يخل أن يكون ~~أحدثه في نفسه، أو قائما بنفسه أو في غيره، فيستحيل أن يحدثه في نفسه؛ لأنه ~~ليس بمحل للحوادث بالاتفاق، ويستحيل أن يحدثه قائما بنفسه؛ لأنه صفة، ~~والصفة لا تقوم بنفسها. # ويستحيل أن يحدثه في غيره؛ لأنه لو أحدثه في غيره لوجب أن يسبق لذلك ~~الجسم الذي فيه الكلام من أخص أوصاف الكلام اللازمة لنفسه. # فإن كان أخص أوصافه أنه أمر وجب أن يكون ذلك الجسم آمرا أو ناهيا، فلما ~~استحال أن يكون متكلما بكلام غيره استحال أن يحدث كلام الله في غيره، وأنه ~~يكون |به| متكلما، فلما فسدت هذه الوجوه التي لا يخلو الكلام منها صح أنه ~~لم يزل /64/ متكلما؛ لأن من صفته الكلام. # فإن قال: يجوز أن يحدث في غيره كلاما، يكون به متكلما؟! # قيل له: لو لزم ذلك للزم أن يعلم ويقدر بعلم وقدرة يحدثهما في غيره، كما ~~يتفضل وينعم بما يحدثه في غيره، فإن لم يجز هذا لم يجز ما قلتموه. PageV01P090 # فإن قالوا: أفليس جائز أن يحدث الله كتابه في غيره، ولا يكون الشيء الذي ~~قامت به الكتابة كاتبا؟ # قيل لهم: إذا أحدث كتابه في غير ضرورة كان ذلك الغير كائنا باضطرار، وإن ~~كانت الكتابة كسبا كان ذلك الغير كائنا باكتساب؛ فيجب إذا أحدث الله كلامه ~~في غيره كان ذلك الغير متكلما بكلام الله، فلما لم يجز ذلك كان هذا دليلا ~~على قدم الكلام. # فإن قال: ms069 فكيف يكون كلام الله تعالى؟ # قيل له: كلامه ليس يكون من مخارج الكلام، ولا كلامه بلهوات ولا شفتين ~~كالخلق -تعالى الله-، ولم يكن الكلام كلاما؛ لأنه حرف ولا أنه حروف، ~~والكلام معروف، وهو البيان، وقد قال الله تعالى: {الرحمن * علم القرآن * ~~خلق الإنسان * علمه البيان}. # فإن قال قائل: لم جاز لكم أن تقولوا: إن الله - عز وجل - لم يزل متكلما، ~~وأن كلام الله غير مخلوق؟ # قيل له: لأن من صفته الكلام، وصفته لم تزل له، فهو المتكلم، وكلامه غير ~~مخلوق، وقد قال الله تعالى: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن ~~فيكون}. # ولو كان قوله مخلوقا لكان الله قائلا له: "كن"، والقرآن قوله ويستحيل أن ~~يكون قوله مقولا له؛ لأن هذا يوجب قولا ثانيا، والقول في القول الثاني وفي ~~تعلقه بقول ثالث كقوله في القول الأول، وهذا يفضي إلى ما لا نهاية له، وذلك ~~فاسد، فإذا فسد أن يكون كلامه مخلوقا. # فإن قال: القرآن مخلوق أم لم يزل؟ # قيل له: قد اتفقنا أن القرآن كلام الله، وأن الله قد سماه كلامه، وقد قام ~~الدليل أن كلام الله غير مخلوق؛ فالقرآن لا يكون مخلوقا وهو كلام الله ~~بالاتفاق، وكلامه من صفاته التي لا تجوز عليها الأضداد، ولو كان القرآن ~~الذي هو كلام الله مخلوقا لم يخل أن يكون خلقه في نفسه أو في غيره، أو خلقه ~~لا في نفسه ولا في غيره، والقرآن صفة. PageV01P091 # فإن قلت: خلقه في نفسه أحلت؛ لأن نفسه ليست بمحل للحوادث ولا للمخلوقات. # وإن قلت: خلقه لا في نفسه /65/ ولا في غيره أحلت؛ لأن الصفة لا تقوم ~~بنفسها، والقرآن صفة. # وإن قلت: خلقه في غيره لم يجز أن يكون متكلما بكلامه غيره، ولا يكون كلام ~~غيره هو كلامه، فكان قوله لشيء مخلوق: "كن مخلوقا" بقول ثان: "كن"، والثاني ~~بالثالث، والثالث بالرابع، وذلك ما لا نهاية له. # وأيضا: قد اتفقنا أن أسماء الله التي تصفونه بها أسماء ذاتية في القرآن، ~~والأسماء الذاتية لا تجوز عندنا وعندكم ms070 أن تكون مخلوقة، فلما كانت صفات ~~الله الذاتية غير مخلوقة، وهي في القرآن، كان القرآن غير مخلوق، إلا أن ~~يقولوا: إن أسماءه وصفاته الذاتية مخلوقة وهي ثابتة معه، فقد جعلتم معه ~~غيره مخلوقا، وقد سميتموه ذاتيا، وفي هذا فساد. # وإن قال: إن أسماءه غيره، وهي محدثة مخلوقة، فسد قوله: إنها أسماء ذاتية؛ ~~لأن صفات الله التي لذاته غير مخلوقة، ولا تكون ذاتية مخلوقة، ولو كان كذلك ~~كان الله في قياد قولهم مخلوقا. # فإن قال: أتقولون: إنه هو الصفات؟ # قيل له: إن كنت تعني أن الصفات كلام الناس: الله، والرحمن، والقادر، ~~والعالم، والمتكلم، والسميع، والبصير، فكلام الناس وألفاظهم بذلك محدثة. # وإن أردت أن الأسماء أنه اسم أو صفة فتعالى الله، ولكن صفاته له، كما ~~قال: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها}، والموصوف بهذه الصفات لم يزل هو ~~الله الرحمن الرحيم، العالم القادر الحي، الخالق البارئ، السميع البصير ~~المتكلم، الملك الجبار الغني، فهذه صفاته لم تزل له، وأسماؤه له؛ لأن الله ~~لم يزل هو العالم الرحمن الرحيم، لا أن معه شيء غيره، بل هو الله الواحد ~~القهار. PageV01P092 # فأما صفة العبد لربه الله الخالق الغني الرحمن، فذلك قول العباد لا يختلف ~~في حدوثته، والموصوف بهذه الأسماء والمعني بها هو الله الذي لم يزل له أحسن ~~الأسماء، وأشرف المدح، وأتقن التدبير. # وقد أقررتم معنا أن أسماءه ذاتية، وأنها لم تزل له، فقد نقضتم قولكم؛ لأن ~~عندكم أن صفاته بعضها صفة ذات، وبعضها صفة فعل، ولم تجعلوها واحدة، ~~والموصوف بها واحد، فلا تلبسوا الحق بالباطل، وتكتموا الحق وأنتم تعلمون. # فإن قال قائل: القرآن محدث، والمحدث مخلوق؛ لقول الله: /66/ {ما يأتيهم ~~من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون}، {وما يأتيهم من ذكر من ~~الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين}. # قيل له: أتقولون: إن هؤلاء المشركين الذين كانوا في عصر النبي ^ وأنزل ~~الله عليه هذه الآية لم يكن لله ذكر إلا أتاهم به، وهم لاهية قلوبهم وهم ~~يلعبون؟ # فإن قال: نعم، قيل له: وما دليلك على ms071 ما قلت، وقد كان الذكر قبل أولئك، ~~وقد أنزل الله التوراة والإنجيل، وقد سمى التوراة كلامه ونورا وكتابا، ~~وفيها حكم الله، وكذلك الإنجيل والزبور، وكذلك الفرقان وهو ذكر، وقد قال ~~الله لنبيه: {إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده...} إلى ~~تمام القصة كلها. # فإن قال: أتى هؤلاء وهؤلائك وهو كلام مخلوق؟ # قيل له: فالقرآن إنما أوتي النبي، وأولئك أتاهم ذكر ونور غير القرآن الذي ~~يقرؤونه. # فإن قال: المعنى واحد، وهو خلق، فقد نقض قوله. # وإن قال: القرآن مخلوق؟ PageV01P093 # يقال له أيضا: إن كان خلقه في ذاته فليس هو محل للحوادث، والذكر قد أتى ~~قبل هذا مما تقدم قبل هؤلاء الكفار، وقد قال: {إن هو إلا ذكر وقرآن مبين}، ~~وإنما سمي قرآنا لا قرآن حروف التلاوة، فالتلاوة له والقراءة هي كلام ~~المخلوقين، والقراءة مخلوقة لا خلاف بين أحد أن كلام العباد وقراءتهم ~~مخلوقة، فأما القرآن نفسه فهو لم يتفق أنه مخلوق؛ لأنه كلام الله، وقد بينا ~~أنه غير مخلوق، وإنما سمي قرآنا في اللغة؛ لاقتران بعضه إلى بعض، وهو ~~اقتران كتابته وتلاوته. # وقوله: {عربي مبين}، فإنه لما كانت قراءته وتلاوته بالعربية، سمي عربيا. ~~وقد قال الله تعالى: {وإنه لفي زبر الأولين}، وزبر الأولين غير العربية. # وقال: {إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل}، وبنو إسرائيل يقص عليهم ~~التوراة بالعبرانية، فدل ذلك أن هذه الأسماء إنما هي بالصفة تلاوة بالعربية ~~والعبرانية وغير ذلك، يتلى بكل لغة قوم نبي على ما ينزل عليهم، وهو كلام ~~الله الذي لا يختلف، وإنما يختلف لتغاير قراءته وتلاوته وإحداث تلاوة ~~المتغاير، والحروف المكتوبة إلى الأنبياء، نبي بعد نبي، إنما تحدث إليهم ~~التلاوة؛ لأن الله خلق كلامه في ذاته، ثم أنزله بعد خلقه؛ لأنه ليس بمحل ~~للحوادث، -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا-. /67/ # فلا يشبه الله بشيء من خلقه، ولا أن كلامه كلام الخلق، ولا أن علمه ~~وقدرته مثل الخلق -جل وعلا-. ولا خلاف بين أحد أن الله هو المتكلم، كما أنه ~~هو العالم، وإذا ms072 كان الله هو العالم لذاته كان هو المتكلم لذاته، ولما كان ~~الإجماع على أنه هو العالم المتكلم صح أنه لم يزل العالم المتكلم لذاته، ~~وعلى من يدعي الفرق بين الكلام والعلم الدليل أن أحدهما محدث والآخر قديم. PageV01P094 # ولما كان الله -تعالى- ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ولا يوصف بأشباه ~~خلقه، ولا بشيء من حالاتهم لم يجز أن يشبه علمه بهم، ولا كلامه بكلامهم. # ولما كان الإجماع أن كلام العباد وعلمهم اكتساب، وهو غيرهم |وهو| مخلوق ~~وهم مخلوقون، فصح حدثهم. # ولما كان الإجماع أن علم الله غير مكتسب، ولا كلامه باكتساب، ولا يشبه ~~بكلام العباد لم يجز أن يقال: إن كلامه مخلوق، فيقع الاشتباه في ذلك بقول ~~القائل: إن كلامه مخلوق، ويشبه بخلقه؛ لأن معاني المخلوق تشتبه، فناقض ~~القائل ما وقع من الإجماع أن الله لا يشبه بشيء من خلقه، ولا كلامهم مثل ~~كلامه في شيء، ولا كلامه مكتسب بشيء، ولم يجز لقائل هذا. # ولما نطق القرآن أن الله واحد {ليس كمثله شيء}، وهو الله الواحد القهار ~~العالم المتكلم بالإجماع، فسد قول من أوجب الله حدثا في صفته، ووصفه بصفة ~~خلقه، وقد قال الله تعالى: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر ~~قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا}، وقال: {ولو أنما في الأرض من ~~شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم}. # فكلمات الله كما قال: لا تنفد، وكلامه لا ينقطع، ولو جاز لقائل أن يقول: ~~"إن الله خلق كلاما به تكلم" لجاز لقائل أن يقول: "إن الله خلق علما به علم". # فلما لم يجز هذا لقائله بإجماع الأمة، و"أن الله هو العالم ولم يزل" جاز ~~لقائل أن يقول: "إن الله هو المتكلم لم يزل"، وإذا ثبت أن الله هو العالم ~~المتكلم لم يزل عالما متكلما، وإذا ثبت أنه هو العالم المتكلم صح أن كلامه ~~من صفته، كما أن علمه من صفته ولا يشبه بخلقه -تعالى الله وجل-. ms073 /68/ # باب: مسألة: في الإرادة PageV01P095 - وسأل عن: اختلاف الناس في الإرادة، ~~فقال قائلون: إن إرادة الله فعل من فعله؟ # قيل له: لو جاز أن يقال: إن إرادة الله تعالى هي فعل من فعله لجاز لقائل ~~أن يقول: إن علم الله هو فعل من فعله، ولو جاز أن يقال: إن الله خلق إرادة ~~بها خلق الأشياء لجاز لقائل أن يقول: إن الله خلق علما به علم الأشياء؛ ~~فلما لم يجز هذا القول لقائله لم يجز أن يقال: إن إرادة الله مخلوقة بها ~~خلق الأشياء. # فإن قال: فما الوجه في ذلك؟ # قيل له: الوجه أن الله هو العالم القادر المريد لما يشاء، وبذلك وصف ~~نفسه، ولا يجوز أن يوصف بغير ما وصف به نفسه، فإذا صح وثبت أنه هو العالم ~~المريد صح أنها صفة قدرة، وهو القادر، وإنما نصفه بالقدرة كما وصف نفسه ~~بالقدرة، فهو القادر المريد. # فلما كان هذا من صفاته فسد أن يكون فعلا، ولو كان فعل إرادة كان فعل ~~قدرة، وعلما به علم وقدرة وإرادة؛ فلما فسد هذا فسد أن يكون فعلا. # ولما لم يجز أن يقال: له علم هو غيره به علم، وقدرة هي غيره بها قدر لم ~~يجز أن يقال: له إرادة بها أراد هي غيره؛ لأنه قال: {إذا أراد شيئا أن يقول ~~له كن فيكون}، فلو كان فاعلا إرادة محدثة بها خلق، لم يخل أن يكون أحدث ~~إرادة في نفسه أو في غيره. # فإن قال: أحدثها في نفسه؟ فليس هو محلا للحوادث. # فإن قال: إنه أحدثها في غيره كان ذلك الغير هو المريد. # فلما فسد هذان الوجهان صح أن الله لم يزل مريدا كما أنه لم يزل قادرا عالما. PageV01P096 # ومما يدل على فساد ما قالوا من أن الله تعالى خلق إرادة بها أراد قوله: ~~{إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون}، فلما لم يجز أن يقول ~~قوله مقولا له لم يجز أن يخلق إرادة بها أراد. فلو جاز أن يقول بقوله لجاز ~~أن يريد ms074 بإرادته، وكان قد أراد إرادة بإرادة، وإرادة بإرادة إلى ما لا ~~نهاية له، وهذا قول فاسد لا يجوز لقائله. # ولما كان لا يجوز أن يكون قوله مقولا له، ولا أراد بإرادة محدثة بطل ~~اعتلالهم الذي ذكروه. # فإن قال قائل: إن قوله: {أردناه} إنما هو فعلناه؟! # قيل له: إن كان معنى قوله أن الله أراد فعل الشيء أنه فعله، ومعنى أراد ~~/69/ حركة الشيء أنه حركه، ولم تكن له إرادة في الحقيقة، وقد بطل قولكم: ~~إنه خلق إرادة بها أراد، إذا كان إنما هو فعل من غير إرادة. # فإن قال: ما أنكرتم أن الله لم يكن مريدا ثم أراد؟ # قيل له: أنكرنا؛ لأنه لو لم يكن مريدا لكان موصوفا بضد الإرادة من الترك، ~~والأضداد عن الله منفية. PageV01P097 # ولو جاز لقائل أن يقول: إن الله تعالى لم يكن مريدا، ثم خلق إرادة بها ~~أراد المراد لجاز لقائل أن يقول: إن الله لم يكن قادرا ثم خلق قدرة بها خلق ~~المقدور عليه، ولم يكن عالما حتى خلق علما به علم، فلما لم يجز هذا لقائله، ~~وكان قولا فاسدا، وكان القائل في هذا جاهلا كان من قال: "إن الله لم يرد ثم ~~أحدث إرادة بها أراد" جاهلا؛ لأن الذي أراد كون الشيء هو الذي علم كونه، ~~وهو القادر على كونه كما شاء وأراد وعلم، لا مخرج للعباد من علم الله ~~وقدرته، والخلق إنما يكون بإرادة الله كما قال: {إنما قولنا لشيء إذا ~~أردناه أن نقول له كن فيكون}، يدلك على أن الله هو المريد، وإذا كان هو ~~المريد |فلم يزل هو المريد| لما علم أنه يكون في حين كونه، ولما استحال ~~فيما بينا أن يوصف الله بضد العلم استحال أن يوصف بأنه غير مريد؛ لأن من ~~وصف الله بذلك وصفه بالأضداد، والله جل وعلا عن كل ضد من الجهل والسهو ~~والغفلة. # ومما يدلك على أن الله هو المريد بنفسه لا بشيء غيره ما تقدم مما قد ~~قلنا: إنه لا يخلو أنه أحدث إرادة في نفسه ms075 أو في غيره أو قائمة بنفسها، ~~فلما لم يجز واستحال أن يحدثها في نفسه؛ لأنه ليس بمحل للحوادث، ويستحيل أن ~~يحدثها قائمة بنفسها؛ لأنها صفة لا تقوم بنفسها، وكما لا يجوز أن يحدث علما ~~وقدرة له قائمتين بأنفسهما، ويستحيل أن يحدثهما في غيره؛ لأن هذا يوجب أن ~~يكون ذلك الغير مريدا بإرادة الله، فلما استحال ذلك أجمع، صح وثبت أن الله ~~لم يزل مريدا. PageV01P098 # فإن قال: إن المريد غير العالم، أكذبه الإجماع؛ لأن الاتفاق أن الله هو ~~المريد العالم القادر، وهذه الصفات له ثابتة في كتابه، ووصف بها نفسه، وأنه ~~إذا أراد شيئا أن يقول له: كن فيكون. وأيضا فإنه قال: {فعال لما يريد}، ~~وكان قوله: {إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} وكان هو المريد لذاته كانت ~~من صفة القدرة. # وكان قوله: {يفعل ما يشاء}، و{يخلق ما يشاء}، /70/ {وما تشاؤون إلا أن ~~يشاء الله}، وقوله: {إنا كل شيء خلقناه بقدر} كان ذلك من صفته أنه القادر، ~~وكان الله موصوفا بأنه لم يزل قادرا وصف بأنه لم يزل مريدا، كما لم يزل عالما. # فإن قال قائل: بل لم يكن مريدا ثم أراد. # قيل له: ما الفرق بينك وبين من قال: إنه لم يكن عالما ثم علم. # فإن قال: إن ذلك لا يجوز؛ لأنا قد اتفقنا أنه لم يزل عالما. # قيل له: وكذلك لم يزل مريدا؛ لأنا اتفقنا أنه هو المريد كما أنه هو ~~العالم، والمختلف فيه يرد إلى حكم المتفق عليه، ولو كانت الإرادة فعلا من ~~فعله كان هو غير مريد؛ لأنه قد كان وهو غير فاعل. ولو كان كذلك لم يكن ~~مريدا ثم أراد، وقد كان غير مريد للشيء ثم بدا له لا يعدو منزلتين: # إما أن يكون مصيبا في ألا يريد ثم أراد، وقد رجع عن الصواب إلى الخطأ إذا ~~كان في ألا يريد مصيبا فهو في أن يريد بعد ألا يريد مخطئا. # وإن كان مخطئا في ألا يريد ثم أصاب بأن أراد فقد انتقل عن الخطأ ms076 إلى ~~الصواب، أو من الصواب إلى الخطإ؛ فقد دخله الخطأ في الوجهين جميعا. # فلما كان هكذا مخطئا فسد قول من يقول: إنه لم يرد ثم أراد؛ لأن هذا موضع ~~البداء. PageV01P099 # والله تعالى عن أن يحله الخطأ، ولا البداء، ولا البدوات، ولا الغفلة، ولا ~~السهو، ولا النسيان، ولا الاستكراه، ولا يشبه بشيء من خلقه، فلما كان ما ~~وصفنا ثبت أنه لم يزل مريدا، وأن تكون الأشياء في أوقاتها. # وقد وجدنا كل من بدا له أمر فإن ذلك لجهله بعواقب الأمور، وإنما تبدو لهم ~~الأشياء بجهلهم بعواقب الأمور قبل أن تبدو لهم مصالحها. # فلما كان هذا هكذا وكان ذلك عن الله منفيا علمنا أن الله هو المريد لا ~~بإرادة هي غيره، كما أنه هو العالم والقادر، لا أن له علما وقدرة هما غيره، ~~ولم يصف الله نفسه بإرادة هي غيره، إنما قال: {وإذا أردنا أن نهلك قرية ~~أمرنا مترفيها}، وقال: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه}، {ومن يرد الله ~~فتنته}، كما قال: إنه عالم وقادر، ولا فرق فيما وصف به نفسه. # وقد أجمعت الأمة أن الله لم يزل عالما بخلقه قبل أن يخلقهم وأعمالهم ~~وأرزاقهم وإرادتهم وأعمارهم وأسماءهم وأسماء /71/ آبائهم، وما يأتون في ~~ليلهم ونهارهم، وطاعاتهم ومعاصيهم. # وأجمعوا أن علم الله لا يبطل في خلقه، وأنهم لما علم منهم ماضون، وعلى ما ~~أراد وشاء يعملون. # وإذا كان هذا هكذا، وكانوا لا يخرجون من علم الله، وأنهم لا يعلمون خلاف ~~ما علم فقد صح إنفاذ ما علم على ما علم وأراد وشاء، كذلك سمى نفسه "الفعال ~~لما يريد". # فإن تجاهل وقال: إن الله قد علم الشيء، ولم يرد كل شيء؟ # قيل له: ما الفرق بينك وبين من زعم أنه أراد كون الشيء ولم يعلمه؛ لأن ~~فيما بينا أن الإنسان قد يريد يفعل الشيء ولا يعلمه كيف يفعله، فإن لم يجب ~~هذا لم يجب ما قلتموه. # فإن قالوا: إن القدرة والعلم لا يجوز أن يوصف الله بالقدرة عليها ولا على ~~خلافها، والإرادة قد يوصف بها ms077 وبخلافها. # قيل له: وكيف يكون ذلك؟ PageV01P100 # فإن قالوا: يجوز أن يقال: أراد ولم يرد، ولا يجوز أن يقال: علم ولم يعلم. # قيل له: قد قال: {أتنبئون الله بما لا يعلم...}. ويقال لهم: وما دليلكم ~~على ذلك، وما الحجة فيه؟ وهو المريد بنفسه، والعالم بنفسه، ولا فرق فيما ~~اعتللتم به؟ # ويقال لهم: أتقولون: إنه يريد كون خلاف ما علم؟ # فإن قالوا: نعم، كفروا. # وإن قالوا: لا يريد إلا ما علم. # قيل لهم: أفتقولون: إنه يعلم خلاف ما أراد؟ # فإن قالوا: نعم. قيل لهم: وما ذلك؟ # فإن قالوا: أراد الطاعة ولم يرد المعصية، وقد يعلم الطاعة والمعصية. # قيل لهم: فعلى قولكم هذا لم يرد إنفاذ ما علم، ونقضوا قولهم: إنه لا يكون ~~إلا ما علم أنه لا يكون خلاف ما علم، وكفروا بقولهم: إن الله لم يرد كون ما ~~علم أنه يكون، وخرجوا بذلك من لسان الأمة أنه لا يكون خلاف ما علم. # وإن رجعوا فقد أقروا أنه لا يكون خلاف ما علم الله أنه يكون، وقد علم ~~الله أن المعاصي تكون من العصاة، فقد أقروا بأنه يريد إنفاذ ما علم. # وإن رجعوا فقالوا: إن الله لم يرد ذلك كما علم؛ فقد قالوا: إن الله قد ~~أراد خلافا لما علم، ولم يرد إنفاذ ما علم كما علم، وقد أخطؤوا في ذلك، كيف ~~وهو يقول: {فعال لما يريد}، وقوله: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له ~~كن فيكون}، وقد خالفوا كتاب الله، وذلك قوله: /72/ {فمن يرد الله أن يهديه ~~يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في ~~السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون}، وقد قال المسلمون في ~~هذه: من علم الله أنه يضل لم يهتد، ومن علم أنه يهتدي لم يضل، وبهذا بطل ~~قولهم: إنه يريد خلاف ما علم. PageV01P101 # ويقال لمن زعم أن الله يعلم الطاعة ممن يطيعه، والمعصية ممن يعصيه، يقال ~~لهم: أراد إنفاذ ما علم أو إبطاله. # فإن قالوا: أراد إنفاذه ms078 وكونه فقد أقروا بأنه المريد لكون ما علم من ~~الطاعة والمعصية، وانتقض قولهم: إنه لم يرد المعصية. # وإن قالوا: أراد الطاعة ولم يرد المعصية، فقد قالوا: إنه أراد إبطال ما ~~علم أنه يكون. # ويقال لهم: أتقولون: إن الله قد علم الطاعة من المطيع، والمعصية من ~~العاصي؟! # فإذا قالوا: نعم. # قيل لهم: فأراد المعصية من العاصي، والطاعة من المطيع. # فإن قالوا: أراد الطاعة، ولم يرد المعصية. # قيل لهم: وقد علم الطاعة، ولم يعلم المعصية. # فإن قالوا: نعم، كفروا. وإن قالوا: لا، قد علم جميع ذلك. # قيل لهم: فأراد إنفاذ ذلك أم إبطاله؟ # فإن قالوا: أراد إبطاله كفروا، وإن قالوا: إنفاذه نقضوا قولهم. # وقد قال بعض من أبطل القدر من أهل الخذلان: إن الله أمر بالطاعة وأرادها، ~~ونهى عن المعصية ولم يردها، وإن العباد أرادوا المعصية ولم يريدوا الطاعة، ~~وأن العباد أرادوا ما لم يرد الله، فكانت إرادتهم غالبة لإرادة الله، ~~ومشيئتهم غالبة لمشيئة الله، تعالى الله عما يقول المفترون. # وقالوا: إن لله إرادة هي من صفات فعله؛ لقوله: {يريد الله بكم اليسر ولا ~~يريد بكم العسر}، فانظر إلى تجاهلهم، هل هنا مريد غير الله لقوله: {يريد ~~الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} إنما هو المريد، لا أن هنالك إرادة هي ~~غيره، ولم يصف نفسه بذلك، إنما وصف نفسه أنه الفعال لما يريد فهو المريد لا غيره. # فإن قال: ما معنى قوله: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}؟ PageV01P102 # قيل له: معنى ذلك: من أمر الصوم رخص للمريض وللمسافر أن يفطرا في شهر ~~رمضان، وقال في كتابه: إنه يريد بهم اليسر /73/ في التخفيف عليهم، ولم يرد ~~بهم العسر (الشدة) في تكليف المريض والمسافر الصوم، فكان من إرادته ~~التخفيف، ولم يكن في إرادته العسر في التكليف، وليس ذلك مما يدل على أنه ~~مريد بإرادة هي غيره؛ لأنه قال: {يريد} فهو المخاطب بأنه المريد لذلك، كما ~~أنه العالم بذلك وبما أنزل. # فإن قال: الله يوصف بالقدرة على الإرادة وضدها. # قيل له: وكيف ms079 ذلك؟ # فإن قال: يريد ولا يريد. # قيل له: ليس ذلك ضدا فيما ذكرت، إنما يخرج معنى الضد أنه إذا لم يقدر أن ~~يريد وصف بضد ذلك، وهو العجز والسهو، وذلك عن الله منفي. # فأما يريد ولا يريد كقوله: {أتنبئون الله بما لا يعلم}، ولا يكون شيئا ~~إلا بعلمه، وإنما أراد أتنبئون الله بخلاف ما يعلم، كذلك قوله: يريد ولا ~~يريد، إنما هو يريد كون ما علم أنه يكون، ولا يريد كون ما علم أنه لا يكون، ~~فليس لهم في هذا حجة، والحمد لله على كل حال. # مسألة: [في الإرادة] # - وسأل فقال: إن قال قائل: لا يصح أن يكون الله مريدا ولا مرادا؛ لأن ~~معنى مريد هو أن يريد المراد، فإذا لم يكن يريد المراد، فإنما يكون على ~~التمني والعزم، ولا يجوز أن يوصف الله تعالى بالتمني، فإذا لم يجز ذلك لم ~~يجز أن يكون الله يريد ولا يكون المراد. # قيل له: وليس هذا له حجة أيضا، بل هو الله المريد لكون المراد في الوقت ~~الذي أراد وعلم أنه يكون فيه، وإن لم يرد كون المراد كله في الوقت. # والمريد القادر العالم إذا أراد كون ذلك كما علم في الوقت الذي أراد كونه ~~فيه، وهو المريد لكونه، والعالم والقادر على كونه كما علم لم يزل تعالى. PageV01P103 # فإن قال: لو جاز أن يكون مريدا، والمراد معدوم قياسا على المعلوم؛ لكان ~~لنا مرادات معلومة، كما جاز أن يكون لنا معلومات معدومة. # قيل له: وليس صفات الله تعالى فيما أراد وعلم كصفات العباد في إرادتهم ~~وعلمهم، وقد انتفى الله من الأشباه بشيء من خلقه في صفاته وعلمه وإرادته ~~بقوله: {ليس كمثله شيء}، فلا تكون له علة؛ لأن إرادة العباد وعلمهم هو شيء ~~غيرهم، والله هو المريد العالم بلا شيء هو غيره. # وقوله: لكان لنا إرادات [معدومة] كما لنا معلومات معدومة. # قيل له: فإرادتنا وعلمنا أعراض، والله /74/ تعالى بريء من كل ذلك -جل ~~وعلا- لا يشبه بخلقه، ومراد الله للشيء لا يشبه بمرادنا، وعلمه لا يشبه ms080 ~~بعلمنا، لا يشبهه خلقه. والله تعالى إنما وصف نفسه بأنه العالم الحي القادر ~~المريد الخالق، إذا أراد شيئا أن يقول له: كن فيكون. # فهذه صفته لنفسه، فإحداثه للأشياء على ما علم وأراد في أوقات كونها. ألا ~~ترى أنه لم يزل عالما بها قبل كونها، كذلك قادر عليها في حين كونها، وهو ~~القادر قبل كونها، فكذلك مريد لها في حال كونها، وهو المريد لما يكون قبل ~~كونه، وهو الله لا إله غيره، فهذه الصفة وصف نفسه أنه الفعال لما يريد، ~~والعالم والقادر على ما يريد، وهو الله السميع الرحمن الرحيم، الخالق ~~الرازق المصور {له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو ~~العزيز الحكيم}. # 3 - باب: # مسألة: في الضلال # - وسأل فقال: ما معنى قول الله: {من يضلل الله فلا هادي له}؟ # قيل له: من علم الله أنه يضل لم يكن له هاد. # - وعن قوله: {من يشإ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم}؟ # قيل له: من علم أنه يضل لم يهتد، ومن علم أنه يهتدي لم يضل. PageV01P104 # - وعن قوله: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله ~~يجعل صدره ضيقا حرجا}؟ # قيل له: من علم أنه يضل لم يهتد، ومن علم أنه يهتدي لم يضل، ويدلك على ~~أنه قد أراد وشاء ضلال من ضل عن الحق، وكذلك قد أراد أن يهتدي من اهتدى، ~~وأنهم لا يخرجون عما أراد الله فيهم، ولا مخرج لهم من مشيئته فيهم، وعلمه ~~بأمورهم. # ونقض القول من يزعم أنه أراد الهدى ولم يرد الضلالة، وقد أكذبهم الله في ~~هذه الآية، وأخبر أنه من شاء وأراد هداه اهتدى، ومن أراد أن يضله لم يهتد. # ويكذب قول من قال: أراد الإيمان ولم يرد الكفر، وأراد الطاعة ولم يرد ~~المعصية، فصح بهاتين الآيتين بطلان قولهم: {من يشإ الله يضلله ومن يشأ ~~يجعله على صراط مستقيم}، وقوله: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ~~ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا}، فلا خلف ms081 لما قال جل وعلا. # فإن قال: قد قال الله: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}؟ # فقل له: قد بينا فيما /75/ تقدم من القول في ذلك أنه في الصوم وأوضحنا معناه. # فإن قال: قد قال الله: {وما الله يريد ظلما للعباد}، {وما الله يريد ظلما ~~للعالمين}؟ PageV01P105 # قيل له: صدق الله فيما قال؛ فأما قوله تعالى: {وما الله يريد ظلما ~~للعباد} فأخبر عن الرجل المؤمن من آل فرعون في خطابه لقومه: {إني أخاف ~~عليكم مثل يوم الأحزاب * مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود والذين من بعدهم وما ~~الله يريد ظلما للعباد} فبين أنه يخاف أن يصيبهم بمعصيتهم مثل ما أصاب ~~أولئك من العذاب، وإنما أصابهم الله بذلك بظلمهم وكفرهم، وما الله في ذلك ~~بظالم لهم فيما أصابهم من العقوبة التي عاقبهم بها؛ فقال المؤمن: وما الله ~~يريد فيما دعاكم إليه من الإيمان به ظلما لكم، وإن لم تؤمنوا أصابكم مثل ما ~~أصاب أولئك. # كذلك العالمون لم يرد الله أن يظلمهم فيما دعاهم إليه من الإيمان. # ويدلك على [ذلك] قوله تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت ~~وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون * وأما الذين ~~ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون * تلك آيات الله نتلوها عليك ~~بالحق وما الله يريد ظلما للعالمين}. # لم يرد ظلمهم فيما دعاهم إليه، وإنما عاقب من لم يؤمن به وسود وجهه عدلا ~~منه لا ظلما، فهذا معناه أنه لم يرد عقوبة من عاقب ظلما منه لهم، ولم ~~يظلمهم، {وما ربك بظلام للعبيد}. # وإن كان الله قد أراد أن معصيتهم التي استحقوا بها عقوبته معصية لا طاعة، ~~وقبح لا عدل، فقد أراد الله ذلك قبيحا وظلما وجورا، به عاقبهم ولم يظلمهم. PageV01P106 # ألا ترى أنه أراد الجور من الجائرين معصية، وأراد الكفر من الكافرين ~~معصية، وأراد كون المعصية من العاصين خلافا للطاعة، وأراد الطاعة خلافا ~~للمعصية، والمعصية خلافا للطاعة، والإيمان خلافا للكفر، وقد أراد الإيمان ~~ممن آمن به طاعة، وأراد الكفر ms082 معصية، وكذلك علمه وشاءه وجعله قبيحا. # ألا ترى أن من خالفنا يقر بأن الله أراد أن يكون الإيمان طاعة، وقالوا: ~~لم يرد أن يكون الكفر معصية فناقضوا /76/ قولهم؛ لأنه إذا أراد الإيمان ~~طاعة كان قد أراد ما هو خلاف للإيمان من الكفر معصية، والمختلف فيه يرد إلى ~~حكم المتفق عليه، وإذا أراد الإيمان حسنا فقد أراد الكفر قبيحا. # ألا ترى أن العباد الذين عملوا المعاصي وكانوا يقولون: إن أعمالنا حسنة ~~وهي قبيحة، لم يستطيعوا أن ترجع حسنة ولا طاعة، ولو جدوا في ذلك وبذلوا ~~الأموال. # ألا ترى أن عباد الأصنام قد كانوا يريدون أن تكون عبادتهم طاعة، وأنها ~~شفعاؤهم عند الله، فلم يكن حسنا ما أرادوا، وكان ذلك قبيحا من فعلهم، ذلك ~~لما أن جعله الله قبيحا مسخوطا، وعلمه قبيحا، وشاءه وأراده قبيحا، وأوجب ~~عليهم |الجزاء و| الحد في ذلك والعقوبة. # وقد أراد الكفار إطفاء نور الله وألا يؤمنوا، وبذلوا في ذلك أموالهم ~~وأنفسهم، يقاتلون أهل الإيمان على إطفاء الحق فلم يبلغوا إرادتهم، وأتم ~~الله نوره ولو كره الكافرون، ولم يكن ما أراد العباد في الوجهين جميعا، ~~وكان ما أراد الله كونه من حسن وقبيح، وفاسد وصحيح، كما شاء وعلم تعالى ~~الله وجل وعلا علوا كبيرا. # مسألة: [الآمر الناهي هو الله تعالى] # - وسأل عن قول من قال: إن الله أمر بالإيمان ولم يرده، ونهى عن الكفر ~~وأراده؟ PageV01P107 # قيل له: هنا |هذا| قول فحش وقبح من قائله، وتعالى الله وجل عن هذا؛ لأن ~~هذه الصفة لا تكون صفة حكيم عليم، ولا يصف الله تعالى بهذه الصفة إلا جاهل ~~بالقول: إن الله تعالى أمر بطاعته، ونهى عن معصيته، وأراد الطاعة ممن أتى ~~بها طائعا لا مكرها، ولم يردها ممن لم يأت بها، ونهى عن معصيته وقبحها، فمن ~~عمل بالمعصية فقد عمل بما نهاه الله عنه وقبحه، وأراده فعلا قبيحا لا طاعة ~~ممن أتى به، وأراد الطاعة حسنة، وأراد المعصية قبيحة، ولا مخرج للعباد مما ~~علم الله وأراد فيهم. # فإن قال: فإن الله ms083 أراد الطاعة ولم يرد المعصية؟! # قيل له: قد عرفناك أنه أراد المعصية قبيحة مسخوطة، ولم يردها طاعة ولا ~~حسنة، والله حكيم لم يزل، ولم يزل تعالى عالما بما يعمل العباد من طاعة ~~ومعصية، وعلمه ماض في خلقه، مريدا لإنفاذ ما علم، لا أن المريد غير العالم، ~~بل هو المريد العالم الراضي /77/الساخط الآمر الناهي لا غيره. # فإن قال: الرضى والسخط محدثان، وكذلك الأمر والنهي؟ # قيل له: إن الرضى من الله هو الثواب، والسخط عقاب، وهو غير الراضي؛ لأن ~~الراضي والساخط هو الله الذي لم يزل، ثم جعل الثواب لأهل طاعته، والعقاب ~~لأهل معصيته. PageV01P108 # فأما الأمر والنهي فهما غير الله؛ لأن الله هو الآمر والناهي، وقد قلنا: ~~إن الأمر والنهي هو كلام الله، وقد قام الدليل أن الله هو المتكلم الآمر ~~الناهي، وكلامه غير مخلوق؛ لأنه لا يخلو أن يكون أحدثه في نفسه ثم تكلم به، ~~فليس هو محلا للحوادث أو أحدثه في غيره، وإن كان في غيره كان الغير هو ~~المتكلم الآمر الناهي، وإذا كان الغير هو المتكلم الآمر الناهي لم يكن لله ~~أمر ولا نهي، فلما فسد ذلك وكان الله هو الآمر الناهي، وكان كلامه من صفاته ~~دل أن كلامه غير مخلوق؛ لأن المتكلم العالم القادر القاهر هذه صفة من لم ~~يزل له أحسن الأسماء، وأشرف المدح، وأتقن التدبير. # ومما يدل على أن الله لم يرد الإيمان من العاصين له الذين ماتوا على ~~معصيته قوله: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم ~~من الجنة والناس أجمعين}، فلم يشأ أن يؤتي كل نفس هداها. # وقوله: {ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون}، وإنما فعلوا ما شاء ~~الله فعله مما افتروا. # وقوله: {ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم} يدل على أنه شاء أن ~~يقتتلوا. # وقوله: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا}، فدل على أنه لم يشأ ~~الإيمان من جميع أهل الأرض وإنما شاء الإيمان ممن أقر من المؤمنين ~~المطيعين، فلا ms084 يكون إلا ما شاء وأراد وعلم -جل وعلا وعز-، له الملك والأمر ~~والخلق يفعل ما يشاء. PageV01P109 # وقد قال: {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين}، ففي هذا تثبيت ~~لمشيئته وإرادته، وإبطال قول من قال: إن العباد يفعلون خلاف ما شاء الله ~~وأراد، ولو جاز قولهم لكانوا قد فعلوا خلافا لما علم الله -تعالى عن ذلك-، ~~وهذا كثير في القرآن مما يطول ذكره مما يدحض حجة المبطلين لما أراد، وأن ~~المشيئة لله وحده. # مسألة: [في معنى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}] # - وسأل فقال: إذا كان مما وصفت، /78/ فأين معنى قوله: {وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون}، هذا يدل أنما خلقهم لعبادته؟ # قيل له: إن الله صادق فيما قال، وهذا قد تأوله من قد تأوله، وقال: إن ~~قوله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}: ما أمرتهم إلا بذلك. PageV01P110 # وقال بعض المتفقهين من مخالفينا: إن هذا مخصوص في أهل الطاعة دون غيرهم؛ ~~لأن القرآن لا يتناقض. والحجة فيما رأيت من قول الله: {وله أسلم من في ~~السماوات والأرض طوعا وكرها}، إنما قيل: إنهم الذي أسلموا من أهل الأرض ~~طوعا وفد عبد القيس، وفيهم نزلت على ما قيل. وقال النبي ^: «أنتم وإخوانكم ~~الأنصار» فصاروا مخصوصين؛ لأنه لم يسلم من في الأرض كلهم جميعا طوعا، ولا ~~أسلموا جميعا طوعا وكرها، وهذا له معنيان؛ لأن القرآن لا ينقض بعضه بعضا؛ ~~لأن قول من قال: إن قوله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} معناه: إلا ~~ليطيعون جميعا، ولم يطيعوا جميعا، وكان قوله: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن ~~يقول له كن فيكون}، وقد أراد الطاعة كما قال من زعم أنه أراد الطاعة من ~~الجميع، وأراد العبادة من الجميع؛ لأنه خلقهم لذلك ولم يفعلوا. كان في قياد ~~قول هذا القائل: إن الجن والإنس قد فعلوا خلاف ما أراد الله منهم، وكانت ~~إرادتهم غالبة لإرادة الله فيهم، وفعلهم خلافا لما خلقهم له، وكانوا قد ~~أكرهوا عليه، وكان في قوله ذلك غير صادق، جل الله وعز. # فلما لم ms085 يجز هذا القول لقائله، وكان قول الله: {إنما أمره إذا أراد شيئا ~~أن يقول له كن فيكون} صدقا، وهو صادق غير كاذب، ولم ينقض القرآن بعضه بعضا، ~~دل ذلك أنه لو أراد الإيمان من العاصين ممن خلق من الجن والإنس لآمنوا كلهم ~~جميعا، ولكن لم يرد ذلك؛ لأنه قال: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم ~~جميعا} يدل أنه لم يشأ الإيمان من الجميع، وكان قوله: {وما خلقت الجن ~~والإنس إلا ليعبدون} له معان: # - إما مخصوص في بعض المؤمنين. PageV01P111 # - أو معنى ذلك أنهم لا يمتنعون من مراد الله فيهم، وإنما خلقهم دلالة على ~~قدرته لمن يعتبر، وأراد العبادة ونظر خلقهم علم أن لهم معبودا. # - أو أراد بقوله: ما أمرتهم إلا ليعبدون: إلا لعبادتي، وما أمرتهم ~~بمعصيتي. /79/ # فهذه معان تحتمل، والقرآن لا يتناقض. # وقوله: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} يدل على ما قلنا، ~~وإنه لا يكون غير ما أراد -تبارك وتعالى-. # وكذلك قوله: {إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون} فلو أراد ~~الطاعة من الجميع ولم يكن ذلك لم يكن قوله هذا حقا، فلما كان حقا مع الجميع ~~والمكذب له كافر دل أنه لم يرد الإيمان إلا ممن آمن طائعا، ولم يرد المعصية ~~طاعة، وقد أراد المعصية ممن عصاه قبيحة مسخوطة، وأراد الطاعة حسنة مقبولة. # مسألة: [في معنى: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون}] # - وسأل فقال: قول الله: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون} ~~أهو الأمر بالقول أو الأمر غير القول؟ # قيل له: وقد يكون الأمر قولا وغير قول. # فأما القول مما أمر به من جميع أوامره فهو أمر بقول، وأما غير ذلك فقد ~~يكون قوله: {أمرنا} هو إيتاء المراد؛ لأن قوله: {إنما قولنا لشيء إذا ~~أردناه أن نقول له كن فيكون}، كما قال: {أتاها أمرنا ليلا أو نهارا}، ~~وقوله: {أتى أمر الله}، وكقوله: {إذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها}، ~~وقد يكون غير ms086 قول، وكقوله: {قل إن الأمر كله لله} وأشباه هذا قد يكون غير قول. PageV01P112 # وقد يكون الأمر علامة أمر، والأمر قد يكون التكثير وغير ذلك في اللغة، ~~والخطاب إنما هو على ما يتعارف [به] في اللغة التي نزل بها القرآن في لغة ~~العرب؛ {ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء} {وهو أعلم بالمهتدين}، ~~يدلك أن أحدا لا يهتدي بغير مشيئة الله وإرادته. # مسألة: [في معنى: {وكان أمر الله قدرا مقدورا}] # - وسأل عن قول الله تعالى : {وكان أمر الله قدرا مقدورا}، {وكان أمر الله ~~مفعولا}؟ # قيل له: قد قلنا إن الأمر قد يكون بغير قول، وقد يكون قولا، وذلك في ~~خطابه لنبيه ^ من تزويجه لزينب لما طلقها زيد، قال: {ما كان على النبي من ~~حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل} يعني: التزويج. {وكان ~~أمر الله مفعولا} إذا أراد ذلك التزويج كان مفعولا. # وقال: {لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن ~~وطرا} {وكان أمر الله قدرا مقدورا}؛ يعني: في التزويج، أنه كان أمره ذلك في ~~التزويج قدرا مقدورا، فهذا في هذا المعنى؛ لا أن هذا يوجب /80/ أن أوامره ~~التي هي كلامه مخلوقة له، ولا أن قوله مقول له تعالى عن الأشباه بخلقه. # مسألة: [في معنى: {كونوا قوامين بالقسط}] # - وسأل عن قول الله: {كونوا قوامين بالقسط}؟ # قيل له: ذلك أمر منه للمؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط: بالحق؛ لأن القسط ~~هو الحق. {شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين} فأوجب عليهم ~~القيام بالحق كله شهداء لله. # فإن قال: قوله: {كونوا قردة خاسئين} مثله؟ PageV01P113 # قيل له: لا، إنما ذلك جعلهم قردة عقوبة منه لهم في اعتدائهم في السبت. # وأما قول من قال: أراد الخير والصلاح ولم يرد الكفر والضلال؛ فإن الجواب ~~عليه قد مضى فيما تقدم، أن الله أراد الصلاح ممن أتى به مختارا غير مكره ~~طاعة، ولم يرد أن يكون الصلاح معصية، ولم يرد الكفر والضلال إيمانا ولا ~~طاعة، ولكن أراد ms087 الكفر من فعل الكافر معصية غير طاعة، وضلالا غير هدى، ~~وكفرا غير إيمان، فهكذا القول. # مسألة: [في معنى {تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة}] # - وسأل عن قول الله: {تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة}؟ # قال: فأخبر أنه أراد غير ما أرادوا؟ # قيل له: قوله لهم: {تريدون عرض الدنيا} لا تبطل إرادتهم إرادة الله؛ ~~لأنهم قد يريدون شيئا لا يبلغونه، ويريد الله خلافا لذلك فيكون ما أراد. # وإنما هذا خطاب للنبي ^ في أخذ الفداء، ولم يكن تعالى أباح لهم ذلك، ~~وفعلوه ولم يستأمروه، فقال لهم: تريدون عرضا من الدنيا يسيرا من أخذ ~~الفداء، والله يريد بكم الظفر بعدوكم والأجر في الآخرة، ولم يكن أراد أخذهم ~~الفداء طاعة؛ لأنه لم يأمرهم، وأراده خطأ ولذلك عاتبهم، وتابوا من الخطإ، ~~وليس هذا حجة لمن يريد إبطال إرادة الله في خلقه تعالى. # فإن قال: فقوله: {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب ~~عليكم...}، {ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما}. قال: فأخبر ~~أنه أراد من الخلق الهداية. # قيل له: هذا خطاب للمؤمنين، أراد بما أنزل أن يبين لهم ويهديهم سنن الذين ~~من قبلهم من النبيين فيما أنزل عليهم. PageV01P114 # وقوله: {ويريد الذين يتبعون الشهوات} هم أهل المعاصي، أن تميلوا عن الحق ~~ميلا عظيما، فلم يبلغ أهل المعاصي ما أرادوا من اتباعهم للمؤمنين في ~~المعاصي والميل، وقد بطلت إرادة أهل الميل /81/ عن الحق، إذ كانت إرادة ~~النبيين للحق، وقد بين ذلك. فالله تعالى قد أراد ميل أهل الأهواء والشهوات ~~عن الحق معصية لا طاعة، ولم يرد ميلهم طاعة له في ذلك. # فإن قال: فقوله: {يريدون ليطفؤوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو ~~كره الكافرون} وقد صدق الله أنه متم نوره وهو الإيمان، وقد أتمه ولم تنفذ ~~إرادة من أراد إطفاء الإيمان بأفواههم، وقد كان ذلك الذي أرادوه في علم ~~الله قبيحا، ولم يرده طاعة، ولا تشبه إرادة الله بإرادة خلقه. # مسألة: [في قوله: {كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها}] # - وسأل عن ms088 قول الله: {كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها}، وقال: {كره الله ~~انبعاثهم فثبطهم}، فأخبر أنه كره المعاصي، فعلمنا أنه لا يريدها، ولا يجوز ~~أن يريد ما يكره، كما لا يريد ما يسخط. # قيل له: جواب ذلك أنه لا يريد ما يكره طاعة له، وإنما أراد ما كره معصية ~~ممن أتى بالمكروه وعصاه ولا يرضى ما يسخط، فلا تستقيم له حجة في ذلك؛ لأن ~~رضاه جنته وسخطه عقوبته، فلا ترجع الجنة نارا ولا النار جنة، ولا الرضى ~~سخطا ولا السخط رضى، ولا الثواب عقابا ولا العقاب ثوابا. وقد علم الله أهل ~~الرضى وأهل السخط وأهل الثواب وأهل العقاب، وقد مضى الجواب في ذلك على ما ~~أراد وعلم |الله| تعالى. # فإن احتج فقال: وما يدل على أن الله يريد الكفر والفجور؛ لأن المريد ~~لشتمه سفيه غير حكيم، فلما كان الله حكيما علمنا أنه لا يريد شتمه. PageV01P115 # قيل له في جواب هذا: إن الله أحكم الحاكمين فلا تشبه إرادته بإرادة خلقه، ~~وقد أراد شتم الشاتمين له، خلاف مدح المادحين له، وأراد شتم الشاتمين له ~~معصية لا طاعة. # فإن قال: فإن الكفار فعلوا ما أراد الله من الكفر كانوا محسنين؛ لأن من ~~فعل ما أراد الله كان محسنا، ومن أحب ما أحبه الله فقد أحسن، فلما لم يكن ~~الكافر محسنا علمنا أنه لم يفعل لما أراد الله. # قيل له: إن الكافر لم يفعل ما أراد الله طاعة فيكون محسنا، وإنما كفر ~~الكافر بفعله ما هو له معصية غير طاعة مما علم الله، وأراد من فعل الكافر ~~الكفر الذي نهاه عنه. # وأما قوله: "من فعل ما أوجبه الله فقد أحسن"، فكذلك من فعل ما أراده الله ~~طاعة مما أحبه، إن كان يعني ذكر المحبة من ذكر الإرادة؛ لأن المحبة /82/ ~~ثواب، وإنما جاز أن يقال: أحب، أي: أراد؛ فأعقبوا ذكر المحبة من ذكر ~~الإرادة، ولا يشبه الله بخلقه. # فإن قال: لو كان في الأرض ما لم يأمر الله به كان مغلوبا. # قيل له: وقع الاتفاق ms089 بين الخصوم أن في الأرض ما لم يأمر الله به من ~~المعاصي والظلم، وقد أراد الله ذلك قبيحا يعاقب عليه من فعله؛ لأنه قد نهى ~~عنه، وقد يكون بلا خلاف في الأرض ما لم يرض به وما لم يأمر به؛ لأن رضاه ~~ثوابه، وقد تكون في الأرض المعاصي وقد نهى عنها ولم يأمر بها، وقد يكون في ~~الأرض ما لم يرده طاعة وقد نهى عنها وأرادها معصية، وليست المحبة كالإرادة. # فإن قال: العلم ساق العباد إلى ما عملوا من المعاصي؟!. PageV01P116 # قيل له: لا، بل سولت لهم أنفسهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم حتى كان منهم ~~ما أراد الله وشاء وعلم، وذلك قوله: {ولكن الله يفعل ما يريد}، وقال: {ولو ~~شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد}، وقال: {من يشإ الله يضلله ~~ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم}، وقال: {إن الله بكل شيء عليم} فهو العليم ~~المريد لما يشاء، وقوله: {...لو يشاء الله لهدى الناس جميعا}، {ولو شاء ~~لهداكم أجمعين} فهذا يدل على أنه لم يشأ ذلك من جميعهم. # فإن قال: فقول الله |تعالى|: {سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ~~ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء}. # قيل له: إنما قالوا ذلك على وجه الاستهزاء غير تحقيق من قولهم ولا تصديق ~~منهم بذلك، وإنما هو على ما قيل على وجه الاستهزاء فأكذبهم الله فقال: {كذب ~~الذين من قبلهم}. # وقد قالوا: و{لو شاء الله ما أشركنا} يدل على أنه شاء شركهم معصية، فكل ~~مشيئة خالفت مشيئة الله وعلمه ضائعة. # فاعلم أن مشيئة العبد وإرادته غير مشيئة الله وإرادته؛ لأن العبد غير ~~إرادته، والمراد غير المريد، وقد يريد العبد ثم يبدو له ألا يريد، ويريد أن ~~يفعل فلا يبلغ ما يريد. فالله تعالى إنما يفعل ما يريد على علمه لما علم ~~أنه كائن، ولا يجوز على الله البدوان، ولا علمه محدث، وهو لم يزل عالما بما ~~يكون وبما لا يكون، فكل ما كان من علم الله ومشيئته في خلقه، ومشيئته وما ms090 ~~أراد فيهم فيما قد /83/ سبق في علمه، فهو على ما وصفنا، ونسأل الله الهداية ~~للصواب. # مسألة أخرى في الإرادة أنها من صفات الذات # - وسأل عن: قول الله: {إن الله يفعل ما يريد} هو صفة ذات أم صفة فعل؟ PageV01P117 # قيل له: صفة ذات؛ لأن كل ما فعله الله فقد أراده، وإذا كان قوله: {إن ~~الله يفعل ما يريد} كان ذلك صفة الله تعالى أنه المريد؛ لأن ذلك شيء مخلوق ~~أراده بإرادة؛ لأن هذا يصف غير الله، والله هو الفعال لما يريد، كما أنه ~~يفعل ما يشاء، وكما أنه لا يخفى عليه شيء، فثبت أن الله هو المريد، ولما ~~ثبت أنه هو المريد لما يشاء دل ذلك على ما قلنا، كما أنه القادر على كل ~~شيء، والعالم بكل شيء، وذلك من صفاته، وصفاته لم تزل له. # ولا فرق بين القائل الذي قال: إن الله أراد بإرادة هي غيره مخلوقة، وبين ~~من قال: إن الله عالم بعلم هو غيره، فلو جاز هذا جاز هذا. # فلما لم يجز عند المعتزلة أنه عالم بعلم هو غيره لم يجز قولهم: إنه أراد ~~بإرادة هي غيره مفعولة، وهذا القول أفحش من قول من قال: إن الله عالم بعلم. # ولو كان أراد بإرادة هي غيره لم يكن بد من أن يكون أرادها بإرادة أخرى ~~إلى ما لا نهاية له، فثبت أنه المريد كما أنه العالم. وكذلك وصف نفسه، فمن ~~وصفه بغير ما وصف به نفسه في كتابه لم يصب. # مسألة: [هل شاء الله من المشركين الشرك] # - وسأل فقال: إن الله شاء من المشركين الشرك؟ # قيل له: نعم. # فإن قال: فما الدليل؟ # قيل له: قول الله تعالى: {ولو شاء الله ما أشركوا} دليل على أنه شاء أن ~~يشركوا. وقوله: {ولو شاء الله ما فعلوه}، {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} ~~دليل على أنه شاء أن يفعلوا، وإذا شاء ذلك فقد أراد ما شاء أن يفعلوه، دل ~~ذلك على أنه هو الذي أراد، وهي صفة ذات وليست بصفة فعل، كذلك ms091 المشيئة ~~والعلم والقدرة. وقوله: {ولو شاء الله ما اقتتلوا} دليل على أنه شاء أن ~~يقتتلوا. # مسألة: [في إرادة الله للإيمان من الخلق] # - وسأل عن قول من قال: إن الله أراد الإيمان وشاءه من الخلق كلهم؟ PageV01P118 # قيل له: ولو شاء ذلك وأراده لكان. # فإن قال: فما الدليل؟ # قيل له: قول الله: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا} دليل على ~~أنه لم يشأ أن يؤمنوا جميعا؛ لأنه قد أخبر أنه لو شاء /84/ لآمنوا جميعا. ~~فلما لم يؤمنوا جميعا علمنا أنه لم يشأ أن يؤمنوا. # فإن قال: لو شاء لآمنوا بالجبر. # قيل له: إن الإيمان قد يكون بجبر وبغير جبر، فلم جاز ذلك أن يقول: لو شاء ~~لآمنوا بالجبر دون غيره، فليس لك أن تزعم أن معنى ذلك خاص إلا بآية من ~~الكتاب تدل على خصوص هذه الآية، فأما الله تعالى فلم يجبر أحدا، وإنما آمن ~~من آمن مختارا غير مجبور. # فأما ذكر الجبر أنهم يكرهون عند القتال حتى يقروا بالإيمان، وقد قال: ~~{إنه تذكرة * فمن شاء ذكره * وما يذكرون إلا أن يشاء الله}، وقال: {فمن يرد ~~الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا}، ~~ففي هذا تثبيت المشيئة وأنه لا يكون إلا ما علم الله وشاء وأراد، وفي هذا ~~إبطال قول من زعم أنهم يفعلون خلاف ما علم منهم، وخلاف ما أراد -تعالى الله ~~علوا كبيرا-. # 4- باب: # مسألة في القدر # - وسأل فقال: أتقولون: إن الخير والشر كله من الله؟ # قيل له: إن كنت تعني أنه من خلق الله فنعم، الخير والشر كله خلق من الله، ~~خلقه على ما هو عليه، فهو من الله خلق، ومن العباد عمل، وذلك قوله: {وخلق ~~كل شيء وهو بكل شيء عليم}، فجمع ذلك كله في هذه الآية، وبين أنه خلقه، ~~وعليم به، ولا يشبه خلقه بفعل المخلوقين. # وقال الله |تعالى|: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} فقد أخبر أنه يبلوهم ~~بذلك، ولا يجوز ابتلاؤه إلا من تدبيره، والفتنة قد تصرف ms092 على معان كثيرة. PageV01P119 # وقال: {إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير ~~منوعا}، فدل أن الذي ابتلاهم به هو من تدبيره وصنعه، وقد سمى الله من ~~المعاصي ما هو شر فقال: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره}، فدل أن ذلك من البلوى، والخير طاعة، والشر معصية، قد ابتلاهم به فتنة. # فإن قال: إذا قلت: إن الخير والشر كله من الله، فقد قلت: إن الله فعل الكفر. # قيل له: إن أردت أنه فعله خلقه، فقد قلنا: إنه خلق الكفر كفرا قبيحا ~~مذموما، وخلقه فعلا للكافر؛ لأنه لا يكون شيئا إلا والله خلقه، والكفر فعل ~~الكافر باكتساب منه لفعله، وذلك قوله: {ذوقوا ما كنتم تكسبون}،/85/ وقوله: ~~{بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}، ~~فسماه الله كسبا للكافر. والمكتسب لا يكون خالقا لكسبه، إنما كسب خلق غيره، ~~والله خالقهم وكسبهم وعملهم، وهو غير مكتسب لشيء -تعالى-. # وإذا كان هذا هكذا دل أن كسبهم خلق لغيرهم خلقه كسبا لهم، ولا يشبه فعله ~~بفعل خلقه؛ لأنه لا يشبه بخلقه في جميع أمورهم، والعقوبة من الله تعالى ~~والثواب، إنما يجزي بهما على الأعمال المكتسبة من الخير والشر والإيمان ~~والكفر، فمن كسب خيرا وعمل بالإيمان الذي أمر به فله الثواب، ومن كسب شرا ~~وارتكب ما نهي عنه عوقب عليه فوقع ذلك على الأمر والنهي، فمن عمل ما نهي ~~عنه فعليه العقاب، ومن فعل ما أمر به فله الثواب، والله حكيم في ذلك كله، ~~ولم تقع العقوبة على ما خلق؛ لأن خلقه للأشياء حكمة بالغة. # فإن قال: لم سمى الكفر كفرا؟ # قيل له: من طريق التغطية والستر على الحق. # فإن قال: لم صار كفرا؟ PageV01P120 # قيل له: لنهي الله عنه وعن فعله فصار فعله كفرا، والفاعل له كافر. # فإن قال: لم صار قبيحا؟ # قيل له: لأن الله سخطه ولم يقبله، ونهى عنه، ولم يأمر به، فصار الفاعل له ~~مرتكبا لما نهاه الله عنه، كافرا ms093 لنعمة الله عليه. # فإن قال: لم عاقب الكافر؟ # قيل له: لأنه عصى الآمر له، وركب ما نهاه عنه من فعل ما حرم عليه فعله من ~~القبيح. # فإن قال: لم صار الإيمان حسنا؟ # قيل له: لطاعة الآمر له، وهو في اللغة: التصديق بما أمر الله من الطاعة. # فإن قال: لم صار من صدق به مؤمنا؟ # قيل له: لأنه صدق بما أمر الله به وعمل، فصار مؤمنا آمنا من العقوبة. # فإن قال: لم صار حسنا؟ # قيل له: لأنه تصديق واعتراف بحق المنعم، واتباع ما أمره. # فإن قال: فما الدليل على خلق الإيمان والكفر؟ # قيل له: الدليل على ذلك قول الله: {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ~~وجعل الظلمات والنور}، وقال -أيضا-: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من ~~الظلمات إلى النور} من الكفر إلى الإيمان، {والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت ~~يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}، ولو لم ~~يكن الكفر ظلمات لم يخلدوا في النار. # فذلك يدلك أنهما مخلوقان، وهما الكفر والإيمان، وهما مما تلونا نور ~~وظلمات، والله خالق ذلك كما قال. # فإن قال: فجبرهم على ذلك؟! /86/ # قيل له: لا، بل فعلوه باختيارهم. # فإن قال: فكيف خلقه ولم يجبرهم عليه. # قيل له: خلقه كسبا لهم لا له، وخلقه لا يشبه بما كسبوه؛ لأنه لا يشبه ~~بهم، وقد أخبر أنه خالق ذلك، ونحن لما قال تبع. # فإن قال: فالكفر هو الكافر؟! PageV01P121 # قيل له: لا، الكفر فعل الكافر، والكافر غير الكفر، والكفر غير المكفور ~~به، وإنما وقعت العقوبة على الكافر بمعصيته دون الكفر. # ألا ترى أن الكفر غير معاقب؛ لأنه فعل، وهو عرض غير معاقب، وإنما عوقب ~~الكافر بارتكابه المحرم. وكذلك الإيمان غير المؤمن، والذي آمن وصدق غير ~~الذي أومن به، والذي أومن به هو الله، والذي آمن وصدق هو العبد، والإيمان ~~والتصديق هو الفعل، والثواب وقع على المؤمن نفسه لا على الفعل والتصديق، ~~ولكن به مجزي، وكذلك الكافر بالكفر مجزي، وذلك بالأمر والنهي واجب، والله ~~خالق ذلك، وكله يعلمه -تعالى-، ms094 وهو العليم الخبير. # مسألة: [في الكسب] # - وسأل فقال: إن الله سخط عليهم ما خلق فيهم؟. # قيل له: سخطه عقوبته، وإنما سخط عليهم لارتكابهم ما نهاهم عنه، فلما ~~ركبوا نهيه عاقبهم، ولم تقع العقوبة على ما خلق، إنما عاقب من ارتكب ما نهى عنه. # وإن قال قائل: وإذا كان الله جاعلا ما جعلته العباد كان عادلا بعدلهم، ~~ومصلحا بصلاحهم، ومفسدا بفسادهم، وكاذبا بكذبهم، وجائرا بجورهم. # قيل لهم: تعالى الله عن هذه الصفة؛ لأنه ليس هو بغيره فيكون فاعلا بفعله، ~~هو الذي ليس كمثله شيء من خلقه؛ لأن ما جعله العباد كسبا كسبوه، وليس ذلك ~~خلقا خلقوه؛ لأن المكتسب غير الخالق والكسب غير الخلق. PageV01P122 # وإذا كان بالاتفاق أن فعلهم وجعلهم وعملهم كسب بطل ما اعتل به صاحب هذا ~~القول، وقد قال الله ما يدلهم على أن أفعالهم كسب قوله: {ولا تكسب كل نفس ~~إلا عليها}، وقال: {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت}، فالمكتسب لا يكون ~~خالقا، والله تعالى جعله خلقا لا كسبا بالاتفاق، ولم يقل أحد: إن الله ~~مكتسب لما خلق، فلما لم يكن مكتسبا لم يجز أن يقال: فاعلا ما خلقه لعباده، ~~ولا يقال: إنهم كسبوا خلق الله، ويقال: خلق الله كسبهم؛ /87/ لأن الله خالق ~~كل شيء، فلا خالق غير الله، وقد قال الله: {يا أيها الناس اذكروا نعمت الله ~~عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى ~~تؤفكون}؛ أي: تكذبون أن مع الله خالقا غيره، فلا خالق إلا الله، فالله ~~تعالى خالق ما عملته العباد كسبا لهم لا له. # ولا يجوز أن يقال: إنه عادل بعدل خلقه، ولا جائر بجورهم، هذا عن الله ~~منفي، -جل وعلا علوا كبيرا-. # فإن قال قائل: لا يجوز أن يعذب الله العباد على فعله. # قيل له: نعم، لا يعذب الله العباد إلا على أفعالهم. # فإن قالوا: لو جاز أن يمدح العباد ويذمهم على ما خلق فيهم لجاز أن يعذبهم ~~على ما خلق فيهم من طولهم، وقصرهم، وسوادهم، وبياضهم. ms095 # قيل له: تعالى الله أن يعذب العباد على ما خلق فيهم، إنما يعذبهم على ~~معاصيهم التي نهاهم عنها، فركبوا نهيه، وإنما يثيبهم على طاعتهم له فيما ~~أمرهم به وأطاعوه، ولم تكن العقوبة على ما خلق فيهم، بل خلقه حكمة بالغة. # فإن قال قائل: لو كانت المعاصي من خلق الله لوجب على العباد الرضى بها، ~~والتسليم لقضاء الله كما يرضون ويصبرون على الموت والصحة والسقم. PageV01P123 # قيل له: المعاصي هي فعل العاصي إذا عصى الله الآمر له، وهي من العاصي كسب ~~لا خلق، والله تعالى خلق المعصية معصية من فعل العاصي قبيحة مسخوطة، معاقب ~~عليها من فعلها إذا عصى الآمر له، والمسلمون لا يرضون بالمعاصي، ورضى الله ~~تعالى هو ثوابه، ولا يثيب الله العاصي. # فأما من عمل بالمعصية مختارا فهو راض بما عمل من المعاصي، ورضى الله ~~تعالى هو ثوابه، ولا يثيب الله العاصي على عصيانه. وقد سماه الله عاصيا ~~وجعل فعله معصية، وحكم عليه أنه عاص فيما ارتكب من نهيه. # وذلك الذي سماهم به، وحكم به عليهم، فعلى العباد الرضى بذلك الحكم، واجب ~~عليهم أن يرضوا بما سماهم به، وجعلهم عصاة لمعصيتهم كرضاهم بعافيتهم ~~وبلائهم، وقد تبين لكل ذي عقل أن فعل الله وما حكم به على أهل المعصية من ~~العقوبة محكم متقن غير متناقض ولا مشتبه. # فإن قال قائل: فأين الدليل، على أنه خلق /88/ المعاصي؟ # قيل له: قول الله تعالى: {وخلق كل شيء فقدره تقديرا} ومعاصيهم شيء. وقال: ~~{إنا كل شيء خلقناه بقدر} فأفعالهم شيء. وقال: {والله خلقكم وما تعملون}، ~~وقال: {خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون}؛ أي: تكذبون؛ لأن الإفك هو ~~الكذب، {لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى}. # وإنما صار الكافر كفورا لتغطيته نعم الله عليه، بكفره وارتكابه ما نهاه ~~الله عنه، فعصاه بذلك، ولم يشكر ولم يطع. والكفر أيضا لا يعاقب، إنما ~~العقوبة على الكافر بفعله الكفر، وعصيانه الأمر وارتكابه النهي. PageV01P124 # وكذلك وجب عليه ما أحل بنفسه من معصيته الذي ms096 لم يزل، وقد جعل الله الكفر ~~خلافا للإيمان، وقد بين ذلك فقال: {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه ~~فجعلناه سميعا بصيرا * إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا}. وقال: ~~{ليبلوني أأشكر أم أكفر}، وقال:{واشكروا لي ولا تكفرون}، فجعل الشكر طاعة ~~وإيمانا، والكفر معصية، والعاصي مجزي بما عصى، والمطيع مجزي بما أطاع، وقد ~~جعل الله ذلك كذلك، وعلمه وأتقنه وبينه. # وقال: {حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق ~~والعصيان}، وذلك كله تدبير الله تعالى. # فإن قال قائل: إن فاعل الظلم ظالم، فلما كان الله تعالى أحكم الحاكمين ~~علمنا أنه غير فاعل للظلم. # قيل له: تعالى الله أن يفعل الظلم على وجه ما يفعله العباد، ولا يأمر ~~بالظلم ولا الفحشاء، بل يأمر بالعدل والإحسان، وينهى عن الفحشاء والمنكر. # وقال: {لا تظلمون ولا تظلمون}، وقال: {وما للظالمين من أنصار}، والله ~~تعالى لا ينسب إليه الظلم، و{لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم ~~يظلمون}. # فأما خلق الظلم فالله تعالى قد قال: {خالق كل شيء}، {وجعل الظلمات ~~والنور}، وقال: {يخرجهم من الظلمات إلى النور}، فهو خالق لجميع المخلوقات كلها. # وقد قال: {هل من خالق غير الله} ممتدحا أنه لا خالق غيره، فقد جعل الظلم ~~ظلما من الظالم فعلا مكتسبا له؛ لأن العبد لم يخلقه ولكن اكتسبه، وقد قال ~~الله: {ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه}. PageV01P125 # فأما الخالق فلا يشبه فعله بفعل المخلوقين؛ إذ هو لا يشبههم، وليس كمثله ~~شيء، ففعله غير مكتسب، وهو خلق /89/ أحكمه الله وأتقن تدبير أفعال خلقه كلها. # فإن قال: «خصلتان لا ينفع معهما صوم ولا صلاة -فيما روي عن رسول الله ^-: ~~الإشراك بالله، وأن يزعم عبد أن الله أجبره على معصيته». # قيل له: كذلك نقول. # 5- باب: # مسألة: في خلق الأفعال # - وسأل فقال: ما معنى قول الله: {أتعبدون ما تنحتون * والله خلقكم وما ~~تعملون}؟ # قيل له: الآية على ظاهرها أنه خلقهم وخلق أعمالهم |لهم|، لا خالق غير ~~الله، كما قال: {هل من خالق غير الله}. # فإن قال ms097 قائل:{خلقكم وما تعملون} يقول: نحتم من خشب، يقول: خلقكم وخلق ~~الخشب الذي عملتم منه صنما، فسمى الصنم الذي عملوه عملا لهم. # قيل له: فإذا سمى الصنم الذي نحتوه عملا لهم، وقد قال: {خلقكم وما ~~تعملون}، فقد أخبر أنه خلق عملهم ذلك، ونحتهم وحركاتهم للصنم، والمنكر لذلك ~~عليه الدليل، ألا ترى أنه قال: {خلقكم وما تعملون}، فجمع بهذا كل عمل، فمن ~~ذلك قلنا: إن أعمالهم مخلوقة، إذ كان ذلك من قوله. # فإن قال: إنما قال إبراهيم لقومه: {أتعبدون ما تنحتون * والله خلقكم وما ~~تعملون} من الخشب الذي تنحتونه أصناما؟ # قيل لهم: إن جاز لكم أن تقولوا: إن قوله: {خلقكم وما تعملون} خاص للأصنام ~~دون ما كانوا يعملون من السيئات لجاز لكم أن تزعموا أنه خاص لتلك الأصنام ~~والخشب الذي خاطب إبراهيم فيها قومه، دون غيرها من الخشب والأصنام. # فإن قال: كل خشب وصنم يكون فهو مخلوق، لقوله: {خلقكم وما تعملون}؟ PageV01P126 # قيل له: وكذلك كل ما يعملون من الأصنام والأفعال من الطاعة والمعصية، فكل ~~ذلك مخلوق؛ لأنه عم بقوله: {خلقكم وما تعملون}، فلا يجوز لقائل أن يقول: ~~"خلقكم وبعض ما تعملون"، ولو جاز هذا لجاز لقائل أن يقول: {حرمت عليكم ~~أمهاتكم}، إنما هو لبعض الأمهات، و لجاز أن يكون قوله: {يا أيها الذين ~~آمنوا} إنما خاطب بعض الذين آمنوا. فلما لم يجز هذا، وكان عاما في الذين ~~آمنوا، وفي جميع الأمهات لعموم الآيات، كان قوله: {خلقكم وما تعملون} عاما ~~في كل ما تعملون، إلا ما قام به دليل من الكتاب أنه خاص، والآية على ظاهرها ~~{خلقكم وما تعملون}: خلق كل شيء تعملونه من المعاصي والطاعة والأصنام وغير ~~ذلك، فكما دلت الآية أنه خلقهم، وكذلك خلق أعمالهم. # ودليل آخر يدل على أن عملهم مخلوق قوله: {والذي خلق الأزواج كلها}؛ يعني: ~~الأصناف كلها، {وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون}،/90/ فأخبر أنه جعل ~~لهم الفلك وهم الذين نحتوا الخشب، ولاقوا بعضه إلى بعضه، وشدوه بالدسر ~~وجعلوه في البحر، فسماه الله جعلا له، والجعل: خلق ms098 من الله مما جعل، فقد ~~سماه مما عملوه من غير الأصنام جعلا له وخلقا له، وكذلك ركوبهم وعبادتهم، ~~وصيادتهم، وقد قال: {وسخر لكم الفلك}، ولم يسخر لكم إلا ما كان من تدبيره. ~~وقال: {الذي أحسن كل شيء خلقه} فخلقه |عظاما فجعله| عاما لكل شيء. # فإن قال: إنما عنى بذلك خلق السموات والأرض، والليل والنهار، والإنس ~~والجن، ولم يخلق الظلم |والكذب|؛ إذ لم يكن ظالما ولا كاذبا؟ PageV01P127 # قيل له: ولو جاز ما اعتللت به، من خصوص ما ذكرت بغير حجة أنه لم يخلق ~~الظلم والكفر، لجاز لمن يقول إنه لم يخلق الطاعة والإيمان؛ إذ كلاهما عرض ~~من أفعال العباد، فلما لم يجز هذا جاز أن تكون الآية على عمومها أنه أحسن ~~كل شيء خلقه، فخلقه عام لكل شيء خلق. # وليس إذ خلق كفر العباد وظلمهم وكذبهم فعلا لهم أن يكون ظالما ولا كاذبا؛ ~~لأنه إنما خلقه فعلا لهم لا له، وكسبا لهم كسبوه، ألا ترى أن ذلك منهم ~~بالإجماع والكتاب كسب: قوله: {ذوقوا ما كنتم تكسبون} و {ذوقوا ما كنتم ~~تعملون} فجمعه، فالكسب لا يكون خلقا للمكتسب؛ لأن المكتسب إنما كسب خلق غيره. # ولولا أن الله جعل الكفر كفرا، والظلم ظلما بالنهي عنه، لم يكن كذلك في ~~فعل العباد؛ لأن العباد قد جهدوا أن يجعلوا الشرك وعبادة الأصنام حسنا، فلم ~~يكن ما أرادوه، وكان ظلما إذ جعله الله ظلما وكفرا، وأراده قبيحا مسخوطا، ~~ونهى عنه وذم فاعله، وقد قال: {خلق الموت والحياة}، فكل ما وقع عليه اسم ~~موت أو حياة فهو مخلوق بظاهر الآية. # ومن أفعال الخلق ما يسمى موتا وحياة، وقال الله تعالى: {ومن أحياها ~~فكأنما أحيا الناس جميعا}، وقال: {وأحي الموتى بإذن الله}. # فمن أفعال العباد ما يسمى موتا وحياة قوله |تعالى| في الذي حاج إبراهيم ~~في ربه، فقال: {أنا أحيي وأميت}، وقد قال تعالى: {يخرج الحي من الميت ويخرج ~~الميت من الحي}؛ «الكافر من المؤمن، والمؤمن من الكافر»، وهي على ما قيل: ~~قراءة الحسن. PageV01P128 # فثبت أن الكفر والإيمان ms099 يسميان موتا وحياة. وقد /91/ قال الله تعالى: {أو ~~من كان ميتا فأحييناه}، وقال الحسن: الميت: الضال، فثبت أن الضلال يسمى ~~موتا، والإيمان يسمى حياة، وقد قال الله تعالى: {خلق الموت والحياة}. ~~والكفر والإيمان من أفعال العباد الذي سماه موتا وحياة مخلوقين؛ لأن ~~أفعالهم كسب، فصح أن قوله: {الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى}، وقال: {أتقن كل ~~شيء}، وقال: {وخلق كل شيء}، وقال: {خلقكم وما تعملون}، فثبت أن كل شيء من ~~فعل العباد، وغير ذلك من الخلق أن الله خلقه، وأحسن خلقه، وأتقن تدبيره، ~~وجعله على ما هو عليه كما شاء وعلم، لا خلاف لما علم وأراد -تبارك وتعالى-. # فإن قال: هذا خاص للموت الذي يخرج به العبد من حد الحياة دون غيره. # قيل له: ما الفرق بينك وبين من قال: خلق السمع والبصر، إنما خلق بعض ما ~~سمي سمعا وبصرا دون بعض. # فإن قال قائل: لا يجوز؛ لأن كل ما وقع عليه اسم سمع وبصر فهو مخلوق. # قيل له: وكل ما وقع عليه اسم الموت والحياة فهو مخلوق. # وقد قال الله تعالى: {يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها}. # ولو أن قائلا قال: يجوز، إنما يتوفى بعض الأنفس دون بعض ما كان حجتك ~~عليه، وأنت تزعم أنه خلق الموت والحياة، إنما خلق بعض ما سمي موتا وحياة، ~~وقد ثبت أن الموت والحياة مخلوقان، وهما داخلان في الآية، فمن ادعى خصوص ~~ذلك لم يجز له إلا أن يأتي بآية من كتاب الله يخبر عن بعض ما سمى موتا ~~وحياة دون بعض، وأن ذلك غير مخلوق. PageV01P129 # ودليل آخر: {وربك يخلق ما يشاء}، فثبت في قولنا وقول مخالفينا: إن الطاعة ~~مخلوقة؛ لأن ذلك مما يشاء الله، وإن زعموا أنه يخلق بعض ما يشاء دون بعض ~~لزمهم أن قوله: {عالم الغيب} إنما يعلم بعض الغيب؛ لأن مخرج الآيتين عام، ~~ولو جاز أن إحداهما خاص جاز في الأخرى، وإن بطل في إحداهما بطل في الأخرى. # ومما يدل على خلق الأفعال وغيرها من ms100 كتاب الله تعالى قوله: {خالق كل شيء ~~فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل}. فلو كان إنما خلق الأجسام والسموات والأرض ~~والنجوم دون الأفعال لم يكن وكيلا إلا على ذلك دون الأفعال، فلما كان الله ~~وكيلا على كل شيء،/92/وقائما على كل نفس بما كسبت بالإجماع، ومما دل عليه ~~الكتاب، فسد قول من قال بالخصوص لبعض الآية دون بعض؛ لأنه أعم بالآية {كل ~~شيء}، وعلى من يدعي خصوص الآية الدليل. # ودليل آخر: قوله تعالى: {وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم}، و{...على كل شيء ~~حفيظ}، فلما كان الله -بلا خلاف- بكل شيء عليم، وعلى كل شيء حفيظ، كان خالق ~~كل شيء بعموم الآية، وعلى من يدعي الخصوص الدليل من القرآن. # فإن قال: قد قال الله فيه: {تبيانا لكل شيء}، {وأوتينا من كل شيء}، ~~وقوله: {وأوتيت من كل شيء}، ولم تؤت بلقيس من السماء شيئا، ولم يؤت سليمان ~~من الجنة شيئا، وهذا يدل على الخصوص. PageV01P130 # قيل له: هذا إنما فعله الله لهم، وآتاهم من ذلك ما شاء، وهذه الآية ~~بالاتفاق مخصوصة لهما دون غيرهما، والعباد لم يعلموا كل شيء، ولم يؤتوا من ~~السماء إلا ما يشاء الله. فأما الحكيم العليم الذي أحسن كل شيء خلقه، وخلق ~~كل شيء وهو بكل شيء عليم، وعلى كل شيء وكيل، وعلى كل شيء قدير، لا يشبه ~~بخلقه. ولا خلاف أن هذه الآيات عامة، والأخرى خاصة. وليس في: {وأوتيت من كل ~~شيء} دليل على أن قوله: {وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم} مخصوص؛ لأن علمه ~~محيط بأفعال خلقه، وهو قائم على كل نفس بما كسبت. # ومما يدل على أنه خالق كل شيء؛ قوله: {وخلق كل شيء فقدره تقديرا}، وقوله: ~~{إنا كل شيء خلقناه بقدر}، {ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى ~~تؤفكون}. # فإن قال: إن قوله: {صنع الله الذي أتقن كل شيء}، و{أحسن كل شيء خلقه}، ~~قال: فلما لم يكن الكفر حسنا ولا متقنا لم يكن خلق الله؟ # قيل له: إن الإتقان من الله ms101 هو خلقه للأشياء كلها حكمة متقنة غير ~~متفاوتة، فذلك قوله: {أتقن كل شيء}، و{أحسن كل شيء خلقه}، وأنه أحسن صنعه ~~وتدبيره، ومن إتقانه خلق كل شيء، إذ جعل الكفر قبيحا غير الإيمان، والظلم ~~غير الإحسان، فلما فرق بين الكفر والإيمان كان ذلك منه إتقانا وحسنا من ~~خلقه؛ إذ لم يساو بين ذلك، وجعل الكفر قبيحا والإيمان حسنا، والكفر فعل ~~الكافر، واكتسابه المذموم عليه وتغطية الحق، والدليل على فعل الخلق قوله: ~~/93/{قل أعوذ برب الفلق * من شر ما خلق}. # فإن قال: إنما خلق الحيات والعقارب وغيرها مما تعوذ من شر ما خلق من ذلك؟ # قيل لهم: تعوذ من شر الجسم. # فإن قالوا: إنما يتعوذ من شر الحيات والعقارب. PageV01P131 # قيل لهم: يتعوذون من شر الجسم، أو من شر الفعل؟ # فإن قالوا: من شر الجسم فقد أحالوا أن الحية والعقرب وكل دابة إذا كانت ~~ميتة لا تقدر على فعل لم يكن للتعوذ منها معنى؛ لأن المتعوذ إنما يتعوذ من ~~شر أفعالهم لا من شر أجسامهم، فثبت أن الشر الذي يتعوذ منه هو ما خلق الله ~~من شر أفعالهم، |فثبت أن ما تعوذ منه هو ما خلق الله من شر أفعالهم|، فثبت ~~بهذا أن كل شيء من أفعال الخلق يتعوذ منه فهو مما خلق الله. # ولو كان قوله: {من شر ما خلق} إنما أراد أن يتعوذ من الأجسام لا من ~~الأفعال، كأن يقول تعالى: "ممن خلق"؛ لأن كل شيء حي مخلوق، فإنما يقال: ~~"ممن خلق". # فإذا كان فعلا قيل: "هذا مما خلق الله"، وقد قال الله: {أهم أشد خلقا أم ~~من خلقنا}، لم يقل: "ما خلقنا"؛ لأنه أراد الملائكة، ولما ذكر الفعل قال: ~~{أماذا كنتم تعملون}، فثبت أن قوله: {من شر ما خلق} يريد من الأفعال التي خلقها. # ومن الدلالة على خلق الفعل: قوله: {ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب ~~من عنده أو بأيدينا}، فثبت أن الله يصيب الكفار بأيدي المؤمنين، فيكون فعل ~~المؤمنين بالكفار من القتل والجراحة مصيبة أصابهم الله بها، فأضاف ms102 ذلك إلى ~~الله أنه أصابهم بها على أيدي المؤمنين، فذلك فعل من الله أصابهم إياه بتلك ~~المعصية، وهو فعل المؤمنين، فهذا دليل على أن فعل الخلق يضاف إلى الله على معنى. # وقال: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم}، فثبت أن قتالهم وضربهم بالسيف عذاب ~~عذب الله به الكفار، وهو فعل المؤمنين جعله الله عذابا على أيديهم. # والدليل من السنة على خلق الفعل قول النبي ^ وآثار الصحابة أن الفعل ~~مخلوق. قول النبي ^ لمعاذ: «ما خلق الله خلقا أحب إليه من العتاق، ولا أبغض ~~إليه من الطلاق». PageV01P132 # وقال: «لو أن الناس نظروا إلى خلق الرفق لرأوا خلقا حسنا لم يروا خلق شيء ~~أحسن منه، ولو نظروا إلى خلق الخرق لم يروا شيئا أقبح منه». /94/ # ويروى عن علي: أنه سأله رجل عن فعل العباد "أمن الله أو منهم؟"، قال: "هو ~~منهم عمل، ومن الله خلق". # وقال حذيفة: "إن الله خلق كل صانع وصنعته". # وعن مجاهد: في قول الله: {ومن كل شيء خلقنا زوجين}. قال: الكفر والإيمان، ~~والخير والشر، والهدى والضلال. # وعن الحسن في قوله: {وجعل الظلمات والنور}، قال: الكفر والإيمان. # ومن القياس على خلق الفعل: أن الدليل على أن فعلنا مخلوق، وهو ما دلنا ~~على أن نومنا مخلوق، وأن الأمراض والأسقام ونحو ذلك مخلوق. وقوله تعالى: ~~{ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله} دليل على أن فعلنا مخلوق. # فإن قال: فإن النوم لا يجيء الإنسان إلا وهو يكرهه. # قيل له: وكذلك قد يفعل الإنسان أفعالا وهو يكرهها، قال الله: {إلا من ~~أكره وقلبه مطمئن بالإيمان}. # فإن قال: فالنوم ليس من فعل العباد. # قيل له: هذا دعوى منك؛ لأنه لا يجد علة بها يثبت بها خلق النوم إلا وفي ~~الفعل مثل تلك العلة، كذلك العلة في تلك الأمراض يوجد في الفعل مثلها، ~~فدلنا على أن الفعل مخلوق. # ويقال لمن نفى خلق الفعل: نفيت ذلك، وليس ذلك بظاهر في الكتاب ولا في السنة. # فإن قال: فإن الله لا يحب ذلك، ولو فعل ذلك لم يعذب عليه؟ ms103 # قيل له: فيلزم في قياسك أن تقول: إنما يحب ولا يعذب عليه فهو مخلوق، وإلا ~~بطل ما اعتللت به من ذلك. # فإن قال: ما أفضل؛ فعل الله أم فعل العبد؟! # قيل له: فعل الله. # فإن قال: الصلاة؛ فعل الله أم فعل العبد؟ # قيل له: من الله أمر وخلق، ومن العبد عمل وكسب. PageV01P133 # فإن قال: فالنوم؛ فعل الله أم فعل العبد؟ # قيل له: النوم: الاضطجاع فعل العبد، وما يغشى العبد من النعاس فعل الله. # فإن قال: ما أفضل؛ الصلاة أم النوم؟ # قيل له: الصلاة التي هي فعلي أفضل من فعلي في النوم، وخلق الله في ذلك ~~أفضل من فعلي. # فإن قال: إن بلالا كان يقول للنبي ^: "الصلاة خير من النوم". # قيل له: معنى ذلك أن يقوم يصلي أفضل من اضطجاعه في النوم، وإنما خلق الله ~~في جميع ذلك، ولا يقاس بفعل العبد. /95/ # مسألة: في الإرادة # وقال: إن المعتزلة رجلان: # أحدهما يقول: إن ما أراد الله من أفعال عباده الأمر بها. # وآخر يقول: إنما أراد الله من أفعال عباده غير الأمر بها. # قيل له: فمن ذهب إلى الأمر لزمه إذا لم يكن البارئ آمرا بأفعال الأطفال ~~والمجانين أن يكون كارها لها، إن كان يجب ابتغاء أفعال العباد الكراهية، ~~والله لا يكره إلا معصية كما لا ينهى إلا عن معصية، وإذا لم يكن هذا هكذا ~~عندهم بطل ما قالوه، وهذا يوجب أن كل مباح معصية. # ومن ذهب إلى أن إرادة الله لأفعال عباده غير الأمر بها، قيل له: إن كان ~~يجب نفي الإرادة لأفعال عباده غير الكراهية، فحدثنا: هل إرادة الله كون ~~الأعمال التي ليست معاصي ولا طاعات؟ # فإن قال: نعم. # قيل له: فيلزمك أن تكون طاعة؛ لأن الطاعة عندك إنما كانت طاعة للمطاع؛ ~~لأنه أرادها. # فإن قال: لم يردها. # قيل له: فيلزمك أن تقول: إنه كاره لكونها، وهذا يوجب أن تكون معصية؛ لأن ~~ما كره الله فهو معصية عندك. # ويقال لهم: إذا كان نفي الإرادة عندكم يوجب إثبات كراهية إن كنتم تنفون ms104 ~~الإرادة عندكم تثبت كراهية، فيلزمكم إذا كان لم يزل غير |مدبر| مريد لشيء ~~أن يكون لم يزل كارها. # ويقال للمعتزلة: لم زعمتم أنه لا يريد السفه إلا سفيه. # فإن قالوا: لأن مريد السفه سفيه. PageV01P134 # قيل لهم: فكذلك من أراد منا ما يعلم أنه لا يكون إلا له متمنيا فاقضوا ~~بذلك على الله، إذا زعمتم أنه أراد أن يكون ما علم أنه لا يكون، أو أراد ~~ألا يكون ما يعلم أنه يكون. # 6- باب: # مسألة: في الهدى # - وسأل فقال: هدى الله الكفار؟! # قيل له: نعم، هداهم أن بين لهم؛ لأن الهدى هو البيان والدلالة على الحق، ~~وذلك قوله: {وأما ثمود فهديناهم}؛ معناه: بينا لهم. # وقد هدى الله بهذا الهدى كل مكلف من المؤمنين والكافرين، وبين لهم. # وقد قال أيضا: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما ~~يتقون إن الله بكل شيء عليم}، فدل أنه لا يضل أحدا إلا بعد أن يبين له، وقد ~~بين الله لعباده كما قال: {وهديناه النجدين}. # ومن الهدى: هدى السعادة وهدى الثواب لا يعطيه إلا المؤمنين؛ لقوله: {يهدي ~~به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور} /96/ من ~~الكفر إلى الإيمان، وقوله: {ويهدي إليه من أناب}، وقوله: {والذين قتلوا في ~~سبيل الله فلن يضل أعمالهم * سيهديهم ويصلح بالهم * ويدخلهم الجنة عرفها ~~لهم} فهذا هدى السعادة، والهدى على هذين الوجهين. # وقد قال الله لنبيه ^: {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}؛ يعني: تدل وتبين. ~~ومن دل على شيء فقد هدى له، والدال: هو الهادي إلى صراط مستقيم. # 7- باب: # مسألة: في الضلال # - وسأل عن الضلال، ما هو؟ # قيل له: إن الضلال قد يكون اتباع غير الحق، وقد يكون الإغواء والعمى عن ~~الحق ضلالة. وقد قال الله تعالى: {من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد ~~له وليا مرشدا}. PageV01P135 # فلا خلاف بين أحد أن من غوى عن الحق فقد ضل عنه، ومن غوى عن الطريق فقد ~~ضل. والضلال منه الهلاك؛ لأنه قال: {يعذب من ms105 يشاء ويرحم من يشاء}، وقال: ~~{يضل من يشاء ويهدي من يشاء}، وقال: {ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا}، ~~وقوله: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء}، وقوله: {وما كان ~~الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون}. # وقد يكون الضلال بمنزلة الترك لم يرشدهم، وقد يكون الضلال من النسيان، ~~كقوله تعالى: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى}. # ومن الضلال: الهلاك، مثل قوله: {ألم يجعل كيدهم في تضليل}، {وأضل فرعون ~~قومه وما هدى}: أغواهم حتى هلكوا. وقالوا في النار: {وما أضلنا إلا ~~المجرمون}. # والضلال على وجهين: ضلال عمى، وضلال هلاك. والهدى: هدى السعادة، وهدى ~~البيان. # 8- باب: # مسألة: في القدر ما هو؟ # - وسأل عن: القدر ما هو؟ # قيل له: القدر هو الخلق، وقد قال: {إنا كل شيء خلقناه بقدر}. وقال: {وخلق ~~كل شيء فقدره تقديرا}، فالقدر هو الخلق. # فإن قال: فيعذب الله على القدر؟! # قيل له: لا؛ ليس الله يعذب على القدر، وإنما يعذب على المقدور. # فإن قال: وما الفرق بينهما؟ # قيل له: القدر فعل الله، والمقدور فعل العبد الذي إن فعل خيرا حمد عليه، ~~وإن فعل شرا عوقب عليه، والمقدور فعلهم. # وكذلك قول الله: {وكان أمر الله قدرا مقدورا}، فالقدر فعله، والمقدور ~~/97/ فعل الخلق، وكسبهم إنما يقع بالمقدور، وفعل الله هو القدر. وهذا دليل ~~على أن فعل الله لأعمال خلقه لا يشبه عملهم، ولأنهم لا يشبهون به في شيء من ~~حالاتهم. PageV01P136 # وقد روي عن علي بن أبي طالب حين رجع من صفين؛ سأله شيخ فقال: "يا أمير ~~المؤمنين، أخبرنا عن مسيرنا إلى الشام أكان بقضاء وقدر؟". فقال علي: "والذي ~~فلق الحبة، وبرأ النسمة ما وطئنا موطئا، ولا هبطنا واديا إلا بقضاء الله ~~وقدره". # فقال الشيخ: "أحتسب عناي، والله ما أرى أن لي من الأجر شيئا". فقال له ~~علي: "بل لقد عظم الله أجركم في مسيركم وأنتم سائرون، وفي منصرفكم وأنتم ~~منصرفون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين، ولا إليها مضطرين". # قال الشيخ: "كيف ms106 لم نكن مضطرين والقضاء والقدر كان عليهما مسيرنا؟". # فقال له علي: "ويلك أيها الشيخ! لعلك ظننت قضاء لازما وقدرا حائلا، لو ~~كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب، والوعد والوعيد، والأمر والنهي، ولم تكن ~~لائمة لمذنب، ولا محمدة لمحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان، وجند الشيطان، ~~وخصماء الرحمن، وشهود الزور، وأهل العمى والفجور، وأهل العمى عن الصواب، ~~وهم قدرية هذه الأمة ومجوسها، إن الله أمر تخييرا، ونهى تحذيرا، وكلف ~~يسيرا، ولم يعص مغلوبا، ولم يطع مكرها، ولم يخلق السموات والأرض وما بينهما ~~باطلا، ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار". # معنى هذا: أنه لم يجبر عباده، ولكن كان قضاؤه وقدره على ما علم من أفعال ~~خلقه، ولم تكن معصية العاصي لغلبة، ولا طاعة المطيع على كرهه وجبره، تعالى ~~الله وجل. # مسألة: [في معنى القضاء] # - |وسأل| فقال: القضاء والقدر ساقا العباد إلى ما عملوا من المعاصي؟ # قيل له: لا؛ بل سولت لهم أنفسهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم، حتى كان منهم ~~ما علم الله أنه سيكون منهم، مما قدره عليهم، وقضى من خلقه وكتابه. # فإن قال قائل: ما معنى القضاء؟ PageV01P137 # قيل له: يتصرف على معان؛ فمنه: قضاء علم، ومنه: قضاء خلق، ومنه: قضاء ~~حكم، ومنه: قضاء كتاب، ومنه: قضاء وصية، وقضاء إعلام، وقضاء أمر، وقضاء ~~نهي؛ فأي ذلك أردت معناه /98/ جرى حكمه عليه من تلك الأحكام. # مسألة: [في قوله: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه}] # - وسأل فقال: ما معنى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه}. # قيل له: هو قضاء الوصية والأمر، وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «اللهم إني ~~أسألك رضا بقضائك وقدرك». # مسألة: [هل الكفر والشرك من قضاء الله؟] # - وسأل عن قول من قال: لو كان الكفر والشرك من قضاء الله لوجب التسليم ~~والرضا بالكفر والشرك والمعاصي؟ قال: فلما لم يجب الرضا بالشرك والكفر ~~والمعاصي علمنا أنه ليس من قضاء الله؟ # قيل له: إن الكفر والشرك والمعاصي هي من قضاء الله وحكمه، وإنها شرك وكفر ~~ومعاص مسخوطة عن غير طاعة، وقد ms107 قضى الله بالعقوبة على فاعلها، وحكم بالعقاب ~~على من عمل بالمعاصي، وذلك حكم من الله واجب الرضى به، والتسليم لما قضى به ~~على أهل معصيته، وأن من القضاء حكما، والحاكم قاض. والعامل بالمعصية فهو ~~أيضا راض بفعله غير ساخط له. # وإن أردت القضاء بذلك الحكم فقد قيل: إنه قد قضى عليكم في ذلك أن القوة ~~عليه فعليهم العقوبة حكم منه؛ لأن القضاء قضاء حكم، فبطل قول من قال: إنه ~~ليس من قضاء الله، وقد قال الله تعالى: {والله يقضي بالحق}؛ معناه: يحكم بالحق. # وقد بينا قضاءه على أهل المعصية، وقد يخرج معنى قضائه في هذا أنه كتب ~~عليهم أنهم سيعصون، فقد قضى ذلك أيضا قضاء الكتاب، وذلك قوله: {وقضينا إلى ~~بني إسرائيل في الكتاب}، فهو قضاء الكتاب. PageV01P138 # و[قضاء] الإعلام: {لتفسدن في الأرض}، كتب عليهم لتفسدن في الأرض، وقد قضى ~~المعصية قضاء الكتاب، وقد يخرج معنى ذلك أنه قضاء الكفر والشرك. # قضاء الخلق: أنه جعل ذلك منهم قبيحا فاسدا بقضاء الله، كقوله: {فقضاهن ~~سبع سماوات}، وقوله: {فلما قضينا عليه الموت}، فالموت بقضاء الله، والخلق ~~كلهم بقضاء الله، وقد بينا ذلك فيما تقدم. # وقد يكون ذلك قضاء علم، كما يقال: "هذا في علم الله". # والعباد ||كلهم|| لا يخرجون من علم الله، فقد انقطعت حجة الخصم فيما بينا ~~من كتاب ربنا في القضاء، فإما أن يكون قضى بذلك أمرا، أو قضاء وصية، أو رضي ~~به فلا؛ لأن أمره بالطاعة ورضاه ثواب. # - فإن قال: إن الله لا يحب عمل المفسدين؟ # قيل له: نعم؛ لأن محبته /99/ ثوابه فلا يثيبهم على ذلك. # - فإن قال: إن الله لا يعمل عمل المفسدين؟ # قيل له: نعم، إن الله تعالى لا يشبه بخلقه، وقد قلنا: إنه خلق ذلك قبيحا، ~~وذلك عمل المفسدين باكتساب، ولم يقل الله في كتابه: إنه يعمل عمل المفسدين، ~~وإنما يخبر أنه هو الخالق والجاعل، لا كعمل المفسدين؛ لأنه ليس بمأمور ولا ~~منهي، ولا مكتسب لشيء، فيكون كما وصف هذا إنما وصف عباده بالعمل، فقال: {من ~~عمل ms108 صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها}، يدلك على ما وصف خلقه بما اكتسبوا ~~فقال: {وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله}. # - فإن احتج أنه قد قال: {مما عملت أيدينا}. # قيل له: إنما قال: {خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما}. والأيادي: هي ~~نعمة، والخلق أنه قد خلق لهم أنعاما، ولا يشبه الله بخلقه، تعالى الله عن ~~صفة العباد. # - وأما قوله: فلا يلعن أحباءه؟ فنعم؛ هو ذلك، لم يلعن الله مؤمنا، وقد ~~لعن الكافرين. PageV01P139 # - وقوله: لا يقتل أنبياءه وأولياءه بيد أعدائه؟ فهذا نقض للقرآن، قال ~~الله: {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم}. # فإن قال: كان يعني: لا يقتلهم، لم يكتب عليهم القتل فقد نقض القرآن؛ لأنه ~~قد كتب أنهم سيقتلون. وقد قال مجيبا لمن قال: {لو أطاعونا ما قتلوا قل ~~فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين} فأكذبهم. # وقال: {ويتخذ منكم شهداء} واتخاذه: أنهم قد قتلوا في سبيله، واتخاذه: جعل ~~ذلك، وقضاه كائنا وغالبا وحاكما أنهم سيقتلون. # مسألة: [في أفعال العباد] # - وسأل فقال: لا تخلو أفعال العباد أن تكون كلها فعل رب العالمين، لا ~~فاعل لها غيره، أو تكون فعله وفعل خلقه، وكسبه وكسبهم على الشركة، أو فعل ~~العباد وليس فعل رب العالمين. # قيل له: الأفعال خالية من هذا كله؛ لأنها لم تكن فعل رب العالمين ولم ~~يعملها العباد، فيكون فعله دونهم. ولا كانت كسبه ولا كسبهم فتكون على ~~الشركة؛ لأن الله ليس بمكتسب، ولا فعله كسب، ولكن أفعال خلقه كسب، فبطل أن ~~تكون شركة. ولم يفعلها العباد، ولم تكن خلقا لله فيكون فعلهم وكسبهم دون أن ~~يخلقها، فبطل ما اعتلوا به في هذه المسألة، وقد بين الله ذلك في كتابه، ~~فقال: {والله خلقكم وما تعملون}. # مسألة: [في معنى: {وتخلقون إفكا}] /100/ # - وسأل فقال: قول الله تعالى: {وتخلقون إفكا}؟ # قيل له: الإفك: الكذب، فقال: أتدعون باطلا: ||إفكا باطلا||، والباطل: ~~الكذب. {إن الذين جاؤوا بالإفك} فهو الكذب في قذف عائشة، إنما ادعوا إفكا باطلا. # مسألة: [في الإيمان بالقدر] # - وسأل عن ms109 الإيمان بالقدر وخيره وشره، أواجب؟ PageV01P140 # قيل له: الإيمان بالقدر وخيره وشره واجب يجب الإيمان به؛ لأن القدر كله ~~خلق الله، ويجب الإيمان بأن الله هو الخالق والخلاق العليم. # فكما أنه العليم والخلاق والقادر والمقتدر فالقدر كله حق من الله، ويجب ~~الإيمان به على كل ما علم وسبق في علمه، وجرى الخلق من الخير والشر، والنفع ~~والضر، والغنى والفقر، والإيمان والكفر، ولا مخرج للعباد من علم الله ~~وقدره. ولم يكن العلم ساقهم إلى ما عملوا ولا اضطرهم إلى ذلك، ولكن سولت ~~لهم أنفسهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم، حتى كان منهم ما علم الله منهم من ~~المعاصي، وأما الطاعات فبفضل الله وتوفيقه لهم، على ما كان سبق في علمه، ~~وقدر ذلك لهم وكونه. # مسألة: [في المعاصي] # - وسأل عن قول الله: {إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا ~~مسه الخير منوعا}، الشر: معاصي أو غيرها؟ # قيل له: من الشر معاص؛ لأنه قال: {إلا المصلين}، فاستثناهم من أولئك. وقد ~~بين أن المعاصي شر، قوله: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ~~ذرة شرا يره}، فسماه شرا. # مسألة: في القضاء # - وسأل فقال: وقوله: {ويقتلون النبيين بغير حق}، {والله يقضي بالحق}. ~~قال: فعلمنا أن ما كان بغير حق غير ما قضى بالحق. ولو كان قتل الأنبياء ~~بقضاء الله كان حقا، وكان يجب الرضا بقضاء الله؟! PageV01P141 # قيل له: الرضا بجميع ما قضى الله واجب. وأما قوله: {ويقتلون النبيين بغير ~~حق} فذلك أنهم يقتلونهم بالظلم، فليس لنا أن نرضى بفعل الظالمين الذين ~~ظلموا الأنبياء، وقد قضى الله أن الذين قتلوا الأنبياء قتلوهم ظلما، حاكما ~~بذلك؛ لأنهم ظلموهم. فنحن نرضى بقضاء الله الذي قضاه على الظالمين، من ~~الحكم الذي حكم به بأنه ظلم، وقد قضى على الظالمين في ذلك بالعقوبة في ~~الدنيا /101/ والآخرة، وقضاؤه هذا حق، ونحن نرضى بما قضى به من قتل ~~الأنبياء، بذلك حكم، والحكم قضاء. وعلينا في ذلك الرضا بالذي قضى به عليهم، ~~وقد قضى على الظالمين الذين قتلوا الأنبياء بالعقوبة، فنحن ms110 نرضى بقضاء الله ~~ذلك الذي أوجب على قاتلي الأنبياء، فقضاؤه بالحق. # وقد حكم على القاتل أن يقتل فعلينا الرضى بقضاء الله ذلك، وهو حق لا جور ~~{والله يقضي بالحق}، وقد قضى بقتل الأنبياء؛ أي: خلق وعلم أنهم سيقتلون ~~ويظلمون، وقضاؤه ذلك من الخلق والعلم حقا، فعلينا الرضى به. # وذلك قوله: {فلما قضينا عليه الموت}: خلق وعلم وكتب عليهم القتل، فنحن ~~نرضى بالكتاب الذي كتب عليهم الله وقضى به من موت الأنبياء وأنهم سيقتلون، ~~ونرضى بقضاء الله الذي علم أن الأنبياء سيظلمون ويقتلون، فالرضى بذلك يجب. # فأما من فعل الظلم بالأنبياء فلم يقضه الله آمرا ولا راضيا؛ لأن رضاه ~~ثوابه. لأن من قضى الأمر فلم يكن آمرا، وقد قضاه الله ناهيا عنه، وحرمه ~~فقضاء الله كله بالحق، وليس قضاء الله مثل قضاء الخلق، وقد قال تعالى: ~~{والله يقضي بالحق}، وكل ما قضى به وقضاه فهو حق. # مسألة: [في قضاء الوصية] # - وسأل فقال: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا}، فقضى ~~ببر الوالدين، ولم يقض بعقوقهما؟!. PageV01P142 # قيل له: صدق الله فيما قال، وفي كل ما قضى به وحكم، ||قد قال: {وقضى ربك ~~ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا}|| وهذا قضاء وصية، وأمر ببر ~~الوالدين. # وقولك: "ولم يقض بعقوقهما": فالقول: إنه لم يقض بعقوقهما آمرا، وإنما ~~أوصى بذلك، ونهى عن عقوقهما، وهو قضاء حق. فإن عقهما أحد من أولادهما فقد ~~حكم وقضى على العاق بالعقوبة، فقد قضى بحق وعلم وكتاب أن بعض الأولاد يعق ~~والديه، فذلك قضاء علم وكتاب. والقضاء ليس للخصم على الله حجة، وبالله ~~التوفيق. # 9- باب: # مسألة: في الجبر والضلال والقضاء # - وسأل عن الضلال، فقد مضى الجواب أن من الضلال: الهلاك، ومنه الإغواء، ~~وقد قال في قصة إبليس: {قال رب بمآ أغويتني}. # - وسأل عن الجبر، فقال: هل جبر الله أحدا على طاعة أو معصية؟ # قيل له: لا، لم يجبر الله أحدا على فعل المعاصي،/102/ ولم يعملوا خلاف ما ~~علم الله، ولا مخرج للعباد من علم الله. # فإن قال: فهل قضى ms111 بالباطل؟ # قيل له: لا؛ إن الله يقضي بالحق، ولا يقضي بالباطل؛ لأن هذا يتوهم أن ~~قضاء الله باطل، وهذا ما لا يجوز، ولكن قضاء الله الذي حكم، فصار الباطل ~~باطلا ممن فعله، فكذلك قضاء حكم أن المعصية معصية من المأمور إن لم يفعل ما ~~أمره به وعصى الآمر له، وذلك من الله قضاء بالحق لا بالباطل. # وقضاء الخلق أن خلق الله الباطل قبيحا. # وقضاء العلم أن فعل المعاصي قبيح والطاعة حسنة. # وقضاء الكتاب: كتب أن أهل المعاصي سيعصون ويفسدون، ولم يقض بذلك آمرا، ~~وقد قضاه ناهيا عن فعل القبائح والمعاصي، ولا يخرج العباد من قضاء الله ~~وقدره، وعلمه بهم محيط، وهم صائرون إلى مشيئة الله كما شاء وعلم. # فإن قال: فأحب الله الفساد والفحشاء والمنكر؟! # قيل له: لا؛ بل سخطه، وقبحه، ونهى عنه، وذم فاعله. # فإن قال: فكيف يكون قضاؤه؟ PageV01P143 # قيل له: قضاه معصية قضاء الكتاب، وقضاه معصية ومنكرا وقبيحا قضاء حكم. # قيل له: حكم أنه كذلك، وقضاء منكر قضاء علم ||قد علم|| أنه سيكون ممن كسبه. # فإن قال: فأراده معصية؟ # قيل له: أراده مسخوطا منهيا عنها، ولم يرده طاعة ولا حسنا. # فإن قال: قدر ذلك؟ # قيل له: قدر ذلك، أن جعل المعصية معصية منهيا عنها، والطاعة طاعة مأمورا ~~بها، وقد قال: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس}، وقال: {فمنهم شقي ~~وسعيد}؛ فإذا خلقهم كذلك، وعلم أنهم إلى ذلك صائرون فهم يعملون على ما علم. # فإن قال: العلم ساق العباد إلى ما عملوا من المعاصي؟ # قيل له: لا، بل سولت لهم أنفسهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم حتى كان منهم ~~ما علم الله أنه يكون منهم، لا خلاف بين أحد أن العباد على علمه منقادون، ~~وعلى ما سطر في المكنون من كتابه ماضون. # وقد روي عن سراقة بن مالك أنه سأل رسول الله ^ أنه قال: "يا رسول الله ~~أنعمل بما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، أو لسابقة بين أيدينا ~~وأرجلنا"، فقال ^: «لا، بل بما جفت به الأقلام وجرت به ms112 المقادير»./103/ ~~فقال سراقة بن مالك: فما نعمل؟! فقال ^ -على ما بلغنا-: «اعملوا، فكل ميسر ~~لما خلق له». # وقد وجدت نحوا من هذا عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه سأل رسول ~~الله ^، فقال له رسول الله ^: «اعمل يا ابن الخطاب فكل ميسر لما خلق له»، ~~وقد سبق علم الله في عباده، فمنهم شقي وسعيد، وغوي ورشيد، وضال ومهتد. # ومن الحجة على من قال: إن الله أراد خلاف ما علم، يقال لهم: هل علم الله ~~ما العباد عاملون، وإلى ما هم صائرون قبل أن يخلقهم؟ # فإن قال: لا، كفر وخرج مما عليه أهل الصلاة من قولهم: إن الله لم يزل ~~عالما لما يكون قبل كونه. PageV01P144 # وإن قال: نعم. قيل له: وأراد إنفاذ ما علم أو إبطاله؟ # فإن قال: لم يرد أن يكون ما علم كما علم كفر. وإن قال: إنه أراد كون ما ~~علم كما علم انقطعت حجته التي يحتج بها في الإرادة؛ لأن الله تعالى قد علم ~~أن المعصية من العاصي معصية مسخوطة، وقضاها قبيحة وأرادها معصية خلافا ~~للطاعة والإيمان، وقد قال: {ومن لم يحكم بما أنزل الله} وقضى به في كتابه ~~{فأولئك هم الكافرون}، و{الظالمون} و{الفاسقون}. # وإنما حكم المسلمون بحكم الله الذي أنزله في كتابه، وقضى به في كتابه على ~~عباده كما أمر ونهى، وبالله التوفيق. # مسألة: [في أفعال العباد] # - وسأل فقال: فإن قال قائل: هل يخلو العبد بين نعمة وبلية؟ # قيل له: لا يخلو العبد الحي الفاعل من نعمة أو بلية؛ فالنعمة: يجب عليه ~~شكرها، وكذلك قال الله: {وسيجزي الله الشاكرين}، وقال: {فاذكروني أذكركم ~~واشكروا لي ولا تكفرون}. فالعبد لا يخلو من نعمة وبلية؛ والبلية: ما يجب ~~الصبر عليها، كالمصائب والأمراض في الأموال والأولاد وما أشبه ذلك، ومنها ~~ما لا يجب الصبر عليها كالكفر وسائر المعاصي. # فإن قال: فهل قضى الله المعاصي؟ # قيل له: نعم، بأن قدرها وخلقها وكتبها، كما قال: {وقضينا إلى بني إسرائيل ~~في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين}، قضاء كتاب وخلق وإعلام، كقوله: {إلا ms113 ~~امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين} قضاء خلق، ولا نقول قضاها /104/ آمرا بها. # فإن قال: قضاء الله الحق. # قيل له: نعم، قضاء الله حق، قضاء الحكم، فالله يقضي بالحق، وقضاؤه حق ~~قضاء الخلق، وقضاؤه حين قضى إعلام، وقضاؤه حق قضاء الكتاب، وقضاؤه حق قضاء ~~علم، وقضاؤه حق مما أمر به من الطاعة. # فإن قال: قضاء المعصية حق؟ PageV01P145 # قيل له: إن أردت قضاءه المعصية حقا أن خلق المعصية خلاف الطاعة فهو حق؛ ~~أي: خلق. # وإن أردت أنه كتب أنها تكون من المعاصي شيء منهي عنها حق كما كتب؛ فنعم. # وإن أردت أنه علم المعصية خلاف الطاعة؛ فنعم، ذلك حق. # وإن أردت قضى المعصية آمرا بها فتعالى الله فالله لا يأمر بالفحشاء ~~والمنكر، بل يأمر بالقسط، ولم يقضها آمرا، ولكن قضاها معصية ناهيا عنها ~~قبيحة، معاقب عليها فاعلها. # والقضاء فينا قضاء حكم، وقضاء خلق، وقضاء إعلام، وقضاء كتاب، وقضاء علم، ~~ذلك قضاء الله، وحكمه بالمعصية أنها خلاف الطاعة. # فإن قال: أفترضى بقضاء الله الكفر؟ # قيل له: لا، وقد قال الله تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه ~~لكم}، ونحن فيجب علينا الرضى بقضاء الله أن الكفر قبيح خلاف الإيمان، ونرضى ~~بقضاء الله الذي هو حكم على أن حكم بأن من فعل كذا وكذا كفر، ولا يرضى بفعل ~~الكافر وعمله بالكفر الذي ذمه الله وقبحه وسخطه ولم يرض به، فقد رضينا ~~بقضاء الله فيما حكم به على أهله، ويلحقه إياه بخلاف الطاعة. # مسألة: [في الدليل على خلق الأعمال] # - وسأل عن الدليل على خلق الأعمال؟ # قيل له: الدليل على خلق الأعمال من الكتاب الذي قلنا به فيما تقدم ما فيه كفاية. # فإن قال: فما الدليل من القياس؟ # قيل له: الدليل من القياس أنا وجدنا الكفر قبيحا فاسدا باطلا متناقضا، ~~ووجدنا الإيمان حسنا، ووجدنا الكافر يقصد إلى أن يكون الكفر حسنا حقا فيكون ~~بخلاف قصده، ووجدنا الإيمان أن لو شاء المؤمن أن يكون متعبدا ولا مؤمنا لم ~~يكن ذلك كائنا على حسب مشيئته، فدلنا على ms114 أن الأعمال مخلوقة لخالق. PageV01P146 # وأيضا: فقد علمنا أن الفعل لا يحدث /105/ على حقيقته إلا من محدث أحدثه ~~على ما هو عليه؛ لأنه لو جاز أن يحدث على حقيقته لا من محدث أحدثه على ما ~~هو عليه لجاز أن يحدث لا من محدث أحدثه؛ فلما لم يجز أن يكون الفعل محدثا ~~إلا من محدث أحدثه دل على أنه مخلوق من محدث. # ألا ترى أن حركة الاضطرار تدل على أن الله تعالى هو الفاعل لها على ~~حقيقتها، ولا تدل على أنه هو المتحرك بها في الحقيقة، ولا يجب أن يكون ~~المتحرك المضطر إليها فاعلا لها على حقيقتها إذا كان متحركا بها، وكان معنى ~~المتحرك أن الحركة خالية، ولم يكن ذلك جائزا على ربنا تعالى. # وكذلك إذا كان الكسب دالا على فاعل فعله على حقيقته لم يجب أن يدل على أن ~~الفاعل له على حقيقته هو المكتسب له، ولا على أن المكتسب له هو الفاعل له ~~على حقيقته إذا كان المكتسب مكتسبا للشيء؛ لأنه وقع بقدرة له عليها محدثة، ~~ولم يجز أن يكون رب العالمين قادرا على الشيء بقدرة محدثة، فلم يجب أن يكون ~~مكتسبا للكسب، وإن كان فاعلا له على الحقيقة. # فإن قال: فما الفرق بين الحالين أن الاضطرار لا يجوز دفعه؟ # قيل له: قد وجب إذا كان العجز على أحد الحالين، أن القدرة التي هي ضدها ~~حادثة في الحال الأخرى؛ لأن العجز لو كان في الحالين جميعا لكان سبيل ~~الإنسان سبيلا واحدا، فلما لم يجز هذا، وكان القدرة مع أحد الحالين وجب أن ~~يكون كسبا؛ لأن حقيقة الكسب أن الشيء وقع من المكتسب له بقوة محدثة، ~~ولافتراق الحالين في الحركتين. # ولأنا وجدناهما معنيين، فالتي ضرورة وجب أن تكون ضرورة؛ ولأن الأخرى ~~بمعنى الكسب وجب أن تكون كسبا، ودليل الخلق في حركة الاضطرار وحركة ~~الاكتساب واحد، وجب إذا كان أحدهما خلقا وجب أن يكون الآخر خلقا. PageV01P147 # ألا ترى أن افتراقهما في الحدث والكون بعد أن يكونا، فكذلك لا يجب ~~افتراقهما في باب ms115 الضرورة والكسب افتراقهما في الخلق. # فإن قال قائل: ما أنكرت أن يكون الذي دل على أن إحدى الحركتين مخلوقة ~~لله، وهي حركة الاضطرار؛ لأنها وقعت معجوزا عنها، فإذا وقعت الأخرى مقدورا ~~عليها، فإن خرجت بأن تكون له مخلوقة؟ # قيل له: لو وجب ذلك لم يؤمن أن تكون حركة المرتعش /106/ من الفالج والحمى ~~قد أقدر عليها بعض ملائكته، وكان لا يستحيل عند مخالفينا أن يقدر القادر من ~~المخلوقين على أن يفعل في غيره فبطل دلالتها على أن الله تعالى فعلها على ~~ما هي عليه. # وكذلك القول في حركات الفلك، واجتماع السماء وتأويلها وتأليفها، فإذا كان ~~هذا هكذا فقد بطلت دلالة هذه الأشياء أن يكون الله خلقها، ولم يؤمن أن يكون ~~لأجزاء السماء جامع غير الله، ولا الأفلاك والكواكب محرك غيره. # وإذا لم يجز ذلك فقد بطل ما قالوه: إن الشيء إذا كان مقدورا عليه لغير ~~الله أن يكون مخلوقا. # وأيضا: فإن العجز ليس يدل على أن الله تعالى خلق المعجوز عنه، بأولى من ~~أن تكون القدرة التي فعلها الله -تبارك وتعالى- دلالة على أن الله تعالى ~~خلق المقدور عليه، فهو عليه أقدر، كما أن ما خلق فينا من العلم فهو به ~~أعلم، وكما خلق السمع فهو له أسمع، فإذا استوى ذلك في قدرة الله عليه وجب ~~إذا قدرنا على حركة الاكتساب أن يكون هو الخالق لها فينا كسبا لنا؛ لأن ما ~~قدر عليه أن يفعله فينا كسبا لنا، وإذا دل على أنه كسب لنا استحال ألا نكون ~~له مكتسبين؛ فدل على ما قلنا على أنا لم نكتسبه إلا وقد خلقه الله لنا كسبا. # فإن قال قائل: فإذا كان كسب الإنسان خلقا، فما أنكرتم أن يكون له خلقا؟ PageV01P148 # قيل له: لم نقل إن كسبنا خلق لنا فيلزمنا أن نكون له خالقين، وإنما قلنا: ~~إنه خلق لغيرنا، فكيف يلزمنا إذا كان خلقا لغيرنا أن يكون له خالقا ونكون ~~له خالقين، ولو كان كسبي إذا كان خلقا لله كنت له خالقا لكانت حركة المتحرك ~~عند ms116 الاضطرار إذا كانت خلقا لله كان بها متحركا، فلما لم يجز ذلك؛ لأنه ~~خلقها حركة لغيره لم يلزمنا ما قالوا، فصح أن كسبنا خلق لغيرنا. # فإن قال: فخلق الله جور العباد؟ # قيل له: خلقه جورا لهم لا له. # فإن قال: فما أنكرتم أن يكون جائرا؟ # قيل لهم: لم يكن الجائر جائرا؛ لأنه خلق الجور جورا لغيره. # وأيضا: فلو لزم ما قالوا للزم ما فعل إرادة وشهوة وحركة لغيره لا له، ~~لوجب أن يكون مشتهيا متحركا، فلما لم يجز هذا لم يجز ما قالوه. # فإن قالوا: فقد خلق الله حركة لا يكسبها أحد ولا يكون متحركا؟ # قيل له: وكذلك لو خلق الله جورا /107/ لا يكسبه أحد لم يكن جائرا، وكان ~~من يكسبه جورا له به جائرا. # فإن قال: فلم لا يقول بقول غيره كما خلق جور غيره؟ # قيل له: لم نقل يجور بجور غيره، فيلزمنا أن يكون بقوله قائلا، وإنما ~~قلنا: إنه يخلق قولا لغيره فيكون الغير به قائلا. # وأيضا: فقد دللنا على أن كلام البارئ - عز وجل - من صفات ذاته في صدر ~~الكتاب، فاستحال أن يكون بقول غيره قائلا، إذا كان العلم من صفات ذاته، ولو ~~جاز ذلك أن يكون بقول غيره قائلا لجاز أن يكون بعلم غيره عالما، أو يكون ~~عالما بعلم محدث، فقد بينا في خلق الأفعال والإرادة ما وفق الله تعالى. # 10- باب: # مسألة: في الاستطاعة # - وسأل عن: الاستطاعة ما هي؟ # قيل له: الاستطاعة لفظة تسمى بها أشياء كثيرة، وهي اسم لمعان؛ فالصحة ~~والغنى ونحو ذلك تسمى استطاعة. PageV01P149 # قال الله تعالى في الصوم: {فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا}، فمن كان ~~ضعيفا من مرض لا يستطيع الصوم زال عنه فرض الصوم بزوال اسم الاستطاعة التي ~~هي معناها الصحة، ووجود المال يوجب استطاعة الطعم. # وقال: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات}؛ يعني: سعة في المال أن ~~يأخذ الحرة المحصنة {فمن ما ملكت أيمانكم}، فإذا لم يجد الغنى في تزويج ~~الحرائر فقد أبيح له الإماء. # فالاستطاعة اسم لمعان، ms117 وقد يكون الصحيح الجسم تنفى عنه الاستطاعة في فعل ~~من الأفعال لعدم ذلك الفعل، وقد قال الخضر لموسى ^: {إنك لن تستطيع معي ~~صبرا}، وقد كان موسى صحيحا فنفى عنه الاستطاعة لعدم الفعل؛ لأن صبره لما ~~كان معدوما كانت الاستطاعة كذلك معدومة، فمن زعم أن الاستطاعة قبل الفعل لم ~~يجز على قياس قوله. # فمن زعم أن موسى كان مستطيعا للصبر؛ لأن الصبر فعل يكون بالقلب، فلما كان ~~موسى صحيح القلب والجسم لا لعلة فيه لزمهم أن يزعموا أنه كان مستطيعا ~~للصبر، فكذبوا الخضر في مقالته - عليه السلام - . # وإن زعموا أنه كان غير مستطيع للصبر فقد تركوا قولهم، وقد قال الله ما ~~يدل على ذلك: {وكانوا لا يستطيعون سمعا}، وقوله: {ما كانوا يستطيعون السمع ~~وما كانوا يبصرون} /108/وقوله: {فضلوا فلا يستطيعون سبيلا}. وقد أمروا ~~بالسمع؛ لأنه من أفعالهم، ثم أخبر أنهم لا يستطيعون السمع، وهم أصحاء ولم ~~ينف عنهم الصحة، وإنما نفى عنهم الاستطاعة التي يكون بها الفعل موجودا، كما ~~نفى الخضر عن موسى -صلى الله عليهما-. وهم غير معذورين في ترك السمع الذي ~~أمروا به، وإن كانوا مستطيعين له على هذا المعنى. PageV01P150 # ولو كانوا لا يستطيعون السمع على معنى قوله: {فمن لم يستطع فإطعام ستين ~~مسكينا} لعذرهم كما عذر أولئك. # فالاستطاعة عندنا قد تجوز أن تنسب في رجل وتنفى عنه في حالة واحدة؛ لأن ~~الرجل إذا كان صحيحا ففيه صحة، وتسمى استطاعة بصحة، وهو تارك لبعض الأفعال، ~~ويقال: هو غير مستطيع لهذا الفعل، كما أن موسى كان في استطاعة صحة الجوارح، ~~وكان غير مستطيع للصبر؛ لأن الصبر لم يكن فاعلا له في تلك الحال، فثبت أنه ~~لا يقال للإنسان: يستطيع هذا الفعل؛ إلا أن يكون الفعل موجودا. # فإذا قلت في الصحيح: هذا لا يستطيع فعل كذا وكذا، فإنما تريد بذلك أنه ~~ليس بفاعل له ولا موفق، وإن لم يشأ كون هذا الفعل منه ليس يريد بذلك أنه ~~عاجز عنه، محال بينه وبينه، كما أن المريض أو الفقير إذا قلت: لا يستطيع، ms118 ~~إنما تقول: إنه عاجز. # فإن قال قائل: أيستطيع الكافر الإيمان في حال ما هو كافر؟ قيل له: لا. # فإن قال: لم قلت ذلك؟ قيل له: إنما لم نقل: إنه لا يستطيع الكافر ~~الإيمان؛ لأنه عاجز عنه سقيم الجسم، وقف عنه من أمرين: يرده على أنه سقيم ~~القلب؛ لأن سقيم القلب مانع من الاستطاعة، وسقيم القلب يرد قبول الإيمان، ~~ولا يكون سقيم الجسم كذلك، وهذا من الكتاب، والله أعلم. # الاستطاعة من مانع معذور كما عذر من لم يستطع الصوم -المريض-، وإنما ~~قلنا: لا يستطيع الإيمان على حد ما قال الله: {ما كانوا يستطيعون السمع}، ~~وهم غير معذورين، وكما قال: {إنك لن تستطيع معي صبرا}، ونحو ذلك على هذه ~~اللغة التي لم توجب لصاحبها عذرا، قال الشاعر: /109/ # ... فأصبحت الغداة ألوم ... نفسي ... على شيء وليس ... بمستطاع ~~PageV01P151 فهذا الدليل من الكتاب واللغة يدل على أن من ترك فعلا قيل له: ~~إنه لا يستطيع، على حد ما ذكرنا من هاتين الآيتين، لا أنه غير مستطيع له ~~لضعف الجسم، ونحو ذلك. # وقد قال النبي ^ لابن عباس: «جفت الأقلام بما هو كائن، فلو أجمع الخلق ~~كلهم على أن ينفعوك أو يعطوك شيئا لم يكتبه الله لك لم يقدروا على ذلك، أو ~~يضروك شيئا لم يكتبه الله عليك لم يقدروا على ذلك». فثبت أنهم لا يقدرون ~~على أنهم يوفقون لفعل شيء لم يكتبه الله لهم؛ لا أنهم مرضى مسقومون. ففي ~~هذا بيان معنى الاستطاعة والكلام فيها. # ويقال: لمن زعم أن الاستطاعة قبل الفعل: أيجوز عندك أن يقال لمن ترك ~~فعلا: إنه لا يقدر على هذا؟ # فإن قال: لا يجوز ذلك. قيل له: فالخضر حين قال لموسى ^: {إنك لن تستطيع ~~معي صبرا} كان مصيبا في ذلك أم مخطئا؟ # فإن زعم أنه كان مصيبا وأنه جائز أن يقال لمن ترك فعلا لا يستطيعه لزمه ~~أن يقول: إن الكفار لا يستطيعون الإيمان؛ لأنهم تاركون له. # فإن زعم أن الخضر كان مخطئا خرج من الحق ورد القرآن. # فإن احتج بقول الله: {وسيحلفون ms119 بالله لو استطعنا لخرجنا معكم}، فكذبهم ~~الله حين قالوا: {لو استطعنا لخرجنا معكم}. # قيل له: أرأيت قوله: {لو استطعنا لخرجنا معكم} ما مخرجه عندك؛ أي: إنهم ~~لا يستطيعوا أن يخرجوا؟! # فإن قال: نعم. قيل له: فيلزمك أن قوله: {ولو شاء ربك لآمن من في الأرض ~~كلهم جميعا}. أي: أنه لم يشأ، كما قالوا: {لو استطعنا}، أنهم لم يستطيعوا. PageV01P152 # فإن جوز هذا قيل له: فإنهم لما قالوا: {لو استطعنا} أكذبهم الله، دليل ~~على أنهم قالوا: لم يستطيعوا لزوال صحة الجسم، فأكذبهم الله؛ لأنهم قالوا: ~~لن نستطيع، على معنى قوله: {لا يستطيعون سمعا}، وقول الخضر - عليه السلام - ~~لموسى: {لن تستطيع معي صبرا} فأكذبهم الله تعالى. # وفيها تأويل غير هذا قوله: {لو استطعنا لخرجنا معكم}؛ يعنون: الظهور ~~والجداء؛ فأكذبهم الله؛ لأنهم كانوا قادرين على الخروج من الظهور التي ~~يتحملون عليها والجداء، فأكذبهم الله، وهذا في استطاعة المال /110/ وغير ذلك. # دليل آخر في الاستطاعة: قوله: {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول ~~الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون}، أرأيت ~~قولهم: {إنك لرسول الله}، أكذب هو أم لا؟ # فإن قال: ليس كذب. قيل له: وفي ماذا أكذبهم الله حتى قال: {والله يشهد إن ~~المنافقين لكاذبون}. # فإن قال: أيستطيع الكافر الإيمان؟ # قيل له: إن أردت يستطيع أنه صحيح الجسم؛ يجوز من مثله الإيمان فنعم، وإن ~~أردت أنه يستطيع الإيمان ولم يشأ الله ذلك منه، فلا يستطيع على ما قال ~~الله: {لا يستطيعون سمعا}. # فإن قال: الاستطاعة مع الفعل؟ # قيل له: إن أردت بقولك: الاستطاعة مع الفعل والتوفيق والتسديد، فنعم. وقد ~~قال الله: {إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا}. PageV01P153 # وقد كانت قلوبهم مختلفة، ثم صارت متآلفة، والله ألف بينهم بالفعل الذي ~~ألف به بين قلوبهم، لم يتقدم ذلك ولم يتأخر؛ لأن ذلك لو تقدم الائتلاف لجاز ~~أن يقال للمتباغضين: قد ألف الله بين قلوبهم، وذلك محال. ولو تأخر ذلك لكان ~~محالا وبطل قوله: {واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء ms120 فألف بين ~~قلوبكم}، وثبت أن الائتلاف من الله بين قلوبهم مع ائتلافهم. # وكذلك قوله: {حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم}، فثبت أنه مع محبتهم لم ~~يتقدم ذلك ولم يتأخر عن أوقاته، ولو تقدم لجاز أن يقال: قد حبب إلى الكفار ~~الإيمان، ولو تأخر لكان محالا، فثبت أن الاستطاعة مع الفعل، وذلك بتوفيق ~~الله وتسديده. # ويقال للمخالفين: أرأيتم من استطاع شيئا في وقت أجائز عندكم أن يفعله في ~~غير ذلك الوقت الذي يستطيعه فيه أم محال؟ # فإن قال: جائز. قيل: أرأيت الكافر يستطيع الكفر في وقت ما هو مؤمن؟ # فإن قال: ذلك جائز أن يكون كافرا مؤمنا في وقت واحد قال ما لا يكون. # وإن قال: ذلك لا يجوز لزمه أن يستطيع الشيء، ومحال عنده أن يفعله في وقت ~~ما يستطيع، وهذا خارج من المعقول. # ويقال له: الاستطاعة التي أعطاها الله الكفار في حال كفرهم، ومحال عندكم ~~كون الإيمان منهم في حال كفرهم لا منفعة لهم في تلك الاستطاعة. # فإن قال قائل: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} /111/ إلا ما تطيق. # قيل له: هذا له معان؛ وقوله: {إلا وسعها}: إلا ما تطيق بعون الله، كما ~~قال: {واصبر وما صبرك إلا بالله}، فكلفهم من الصبر ما لا يكون إلا بعونه. PageV01P154 # وقول آخر: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} إلا دينها الذي افترضه الله ~~عليها، وليس لمخالفينا حجة في ظاهر قوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} ~~إلا ما تطيق، لكان الكافر يطيق الكفر، فلو كلفه الله ما يطيق كان قد كلفه ~~الكفر الذي يطيق. # فلما فسد ذلك وأن الله لا يكلف الكفر علمنا أن الآية خاصة لبعض ما يطيقون ~~مما كلفوا. قيل: يطيقون لما كلفوا من الدين مع عون الله وتوفيقه. # وقد يقال: لا يطيقون ما أمروا على قول الله: {لا يستطيعون سمعا} ، وقد ~~أمروا بالسمع، فثبت بهذا أنه كلفهم ما يطيقون من أمر الدين إذ هم أصحاء، ~~يجوز من أمثالهم الفعل؛ لأنهم يطيقون ذلك، وإن قد وفقوا له وفعلوه. # فإن قال ms121 قائل: إنا نزعم أن من لم يستطع الشيء لم يعذب عليه؟ قيل له: من ~~قال هذا فقد أخطأ القياس، وذلك أن الله لم يعذبهم؛ لأنهم يستطيعون، فيكون ~~إذا لم يستطيعوا عذبوا، فلو كان الله لا يعذب لعلة أنه لا يستطيع؛ لكان إذا ~~استطاع عذب فهذا محال، فثبت أن العذاب لا يزول عن الكفار، وإن كانوا غير ~~مستطيعين الإيمان. # مسألة: في الاستطاعة # ويقال لمن قال: إن الاستطاعة قبل الفعل ليس جائزا عندكم أن تقولوا: يقدر ~~على كذا وكذا وأنتم لا تقدرون عليه، ولستم بكاذبين. # فإن قالوا: لا يجوز ذلك؛ لأني إذا قلت: إني أقدر، ولست بقادر كذبت. PageV01P155 # فيقال لهم: أرأيتم قول الله: {حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن ~~أهلها أنهم قادرون عليهآ أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا} فثبت ~~بهذا أن الإنسان قد يجوز أن يظن أنه قد يقدر على الشيء ثم لا يقدر عليه، ~~وأن القدرة لا تكون قبل الفعل؛ لأنهم ظنوا أن قدرتهم عليها موجودة؛ فلما ~~قال: {فجعلناها حصيدا} علموا أنهم لم يكونوا يقدرون عليها. # وكذلك قوله: {وغدوا على حرد قادرين * فلما رأوها قالوا إنا لضالون}، ~~فظنوا في أنفسهم أنهم يقدرون على أن يصرموها مصبحين، {فأصبحت كالصريم}، ~~/112/ فلما رأوها علموا أنهم لم يكونوا يقدرون عليها، فكل من زعم أنه يقدر ~~على الشيء قبل أن يكون ذلك الشيء فقد أخطأ؛ لأنه قد يجوز أن يهلك ذلك الشيء ~~فلا يقدر عليه. # ألا ترى أن رجلا لو قال: والله إني أقدر أكل هذه اللقمة، فلما رفعها إلى ~~فيه يبست يده، وأخذ منه إنسان تلك اللقمة فأكلها كان كاذبا في قوله إذا لم ~~يقدر عليها. # ولو أن رجلا قال لعبده: إني أقدر أن أشرب هذا الماء الذي في هذا الكوز، ~~فإن لم أشربه فأنت حر، فانكسر الكوز وذهب الماء، كان قد كذب في قوله وعتق ~~عبده؟! فليس لأحد أن يقول: إني أقدر على فعل كذا وكذا، إلا أن يقال: إن شاء الله. # ألا ترى إلى قوله تعالى: {ولا تقولن لشيء إني ms122 فاعل ذلك غدا * إلا أن يشاء ~~الله}؛ لأنه لا يدري لعله يموت قبل ذلك. # وكذلك قال الخضر لموسى: {إنك لن تستطيع معي صبرا} فلم يقل موسى: بلى، ~~أقدر أن أصبر معك، ولكن قال: {ستجدني إن شاء الله صابرا}، فليس لأحد أن ~~يقول في شيء لم يفعله بعد: إني أقدر عليه إلا أن يقول: إن شاء الله. # 11- باب PageV01P156 مسألة: في القدرة أنها عرض في الإنسان # ألا ترى أن القدرة التي في الإنسان هي عرض في الجسم، وليس القدرة هي جسما ~~في الجسم، فلما كانت عرضا في الجسم، والعرض لا يقوم بنفسه، ولا يثبت في ~~وقتين، وهو يدفع بعضه بعضا، لم يجز للإنسان أن يقول: أنا قادر على شيء لم ~~يعلم يوفق له أم لا. # فإن قال: ما معنى قوله: {لن تستطيع معي صبرا}؟ # قال: لعلمه أن موسى لم يكن مستطيعا للصبر، وقد أجاب موسى على ظن واستثنى ~~إن شاء الله، ولم يقل: أقدر حتى قال: إن شاء الله. # فإن قال: فما معنى قوله: {وكانوا لا يستطيعون سمعا}؟ # قيل له: لم يكونوا مستطيعين لقبول الحق واتباعه. # فإن قال: فما معنى قوله: {لا يستطيعون نصرهم}؟ # قال: لا يقدرون على نصرهم. # فإن قال: فما معنى قول الله: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه ~~سبيلا}؟ # قيل له: هذه الاستطاعة: المال من الزاد والراحلة مع الصحة في الجسم ~~والقيام بذلك. # فإن قال: فما معنى قوله: {فصيام شهرين متتابعين... فمن لم يستطع فإطعام ~~ستين مسكينا}؟ # قال: من لم /113/ يستطع الصوم ولم يطق من العلة الحائلة فإطعام بالمال. # والاستطاعة على وجوه ومعان كثيرة. # مسألة: في الاستطاعة # - وسأل فقال: لم قلتم إن الإنسان يستطيع باستطاعة هي غيره؟ # قيل له: لأنه يكون ساعة مستطيعا، وساعة عاجزا، كما يكون ساعة عالما وساعة ~~جاهلا، وساعة متحركا وساعة غير متحرك، فوجب أن يكون مستطيعا بمعنى هو غيره، ~~كما وجب أن يكون متحركا بمعنى هو غيره، وعالما بمعنى هو غيره، ولو كان ~~متحركا بنفسه لوجب ألا يوجد إلا متحركا أبدا، فثبت وصح ms123 أن الاستطاعة غيره. # فإن قال: فإذا أثبتم له استطاعة هي غيره فلم زعمتم أنه يستحيل تقديمها ~~قبل الفعل؟ PageV01P157 # قيل له: زعمنا ذلك من قبل أن الفعل لا يخلو من أن يكون حادثا مع ~~الاستطاعة أو قبلها أو بعدها، فإن كان حادثا معها في حال حدوثها فقد صح ~~أنها مع الفعل والمفعول. # وإن كان حادثا قبلها أو بعدها فقد دلت الدلالة أنها لا تنفي حدوث الفعل ~~بقدرة معدومة، ولو جاز ذلك لجاز أن يحدث العجز بعدها، أو يكون واقعا بقدرة ~~معدومة، ولو جاز أن يقع في الحال ما هو فيه جائز عاجز فيها بقدرة معدومة ~~لجاز أن يفعل بعد مائة سنة في حال حدث القدرة، وإن كان عاجزا في المائة ~~السنة كلها بقدرة عدمت، وهذا فاسد. # فإن قال: لم زعمتم أن القدرة لا تبقى؟ # قيل له: لأنها لو بقيت لكانت لا تخلو أن تبقى لنفسها، أو لبقاء يقوم بها، ~~فإن كانت تبقى لنفسها وجب أن يكون لنفسها بقاء لها، وألا توجد إلا باقية، ~~وإن كانت تبقى ببقاء يقوم بها والبقاء صفة، وقد قامت الصفة بالصفة، والعرض ~~بالعرض وهذا فاسد. # ولو جاز أن تقوم الصفة بالصفة لجاز أن تقوم القدرة بالقدرة، والحياة ~~بالحياة، والعلم بالعلم؛ وهذا فاسد. # فإن قال: لم أنكرتم أن تكون القدرة على الشيء قدرة على ضده؟ # قيل له: إن من شرط القدرة المحدثة أن تكون في وجودها وجود مقدورها؛ لأن ~~ذلك لو لم يكن من شرطها وجاز وجودها وقتا ولا مقدورا لجاز وجودها وقتين ~~وأكثر من ذلك، ولو جاز هذا هكذا لجاز وجودها أبد الأبد، /114/ وهو قادر غير ~~فاعل على وجه من الوجوه. PageV01P158 # ألا ترى أنه لما لم يكن من شرطها قدرة الباري أن في وجودها وجود مقدورها، ~~وجاز وجودها ولا فعل لم يستحل ألا يزال ولا فعل على وجه من الوجوه، ولما ~~استحال أن توجد قدرة الإنسان وليس هو بموجود، ولا يوجد منه الفعل، لا حد ~~ولا ترك ولا طاعة ولا معصية ولا أمر ولا نهي، فلما استحال ms124 ذلك وقتا واحدا ~~أن يوجد ولا مقدور، فقد وجب أن يكون من شرط قدرة الإنسان أن في وجودها وجود ~~مقدورها، فإذا كان ذلك كذلك استحال أن يقدر الإنسان على الشيء وضده؛ لأنه ~~لو قدر عليهما لوجب وجودهما معا، وذلك محال. # مسألة: في الاستطاعة # ومما يدل على أن الاستطاعة مع الفعل للفعل، أن من لم يخلق الله له ~~استطاعة لم يوجب أن يكسب شيئا، فلما استحال أن يكسب الفعل إذ لم تكن ~~استطاعة لعدمها صح أن الكسب إنما يوجد بوجودها، وفي ذلك إثبات وجودها مع الفعل. # فإن قال: أليس في عدم الجارحة عدم الفعل؟ # قيل له: في عدم الجارحة عدم الاكتساب؛ لأنها إذا عدمت القدرة استحال ~~الكسب، فبعدم القدرة استحال الكسب، لا لعدم الجارحة، ولو عدمت الجارحة عدم ~~الاكتساب ووجدت القدرة كان الاكتساب واقعا. # ولو كان إنما استحال الاكتساب لعدم الجارحة لكان إذا وجدت وجد الاكتساب، ~~فلما كانت توجد ويقارنها العجز وتعدم القدرة فلا يكون كسبا، علم أن ~~الاكتساب إنما يعدم لعدم الاستطاعة لا لعدم الجارحة. # وقد قال الله: {ما كانوا يستطيعون السمع}، وقد أمروا أن يسمعوا الحق ~~وكلفوه، فدل ذلك على جواز التكليف؛ وأن من لم يقبل الحق ولم يسمعه على طريق ~~القبول لم يكن له مستطيعا. # فإن قال: لا يستطيعون قبول الحق للاشتغال بغيره؟ # قيل له: ما الفرق بينك وبين من قال: إنهم لا يستطيعون قبول الحق للاشتغال بتركه. # 12- باب # مسألة في الاستطاعة # - وسأل عن قول الله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها}؟ PageV01P159 # قيل له: ذلك إنما هو لا يكلف الله نفسا إلا دينها، وذلك قوله: {لا يكلف ~~الله نفسا إلا وسعها} /115/ يعني: في الحكم في نفقة المرضعة. # فإن قال: قوله: {لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها}. # قيل: ذلك في نفقة الحامل والمرضع، وذلك قوله: {سيجعل الله بعد عسر يسرا}؛ ~~يعني: بعد الضيق سعة. # وقال: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} في النفقة، وهذا في استطاعة المال ~~لم يكلف الله نفسا في ذلك فوق طاقتها من النفقة، وأما ms125 {من قدر عليه رزقه ~~فلينفق مما آتاه الله} من المال، فمن سلب المال في هذا لم يكن مستطيعا ~~للنفقة. # فإن قال: فقوله: {فاتقوا الله ما استطعتم}؟ # قيل له: أمر بالتقوى مع الاستطاعة لقبول الحق والعمل به بتوفيق الله لذلك ~~مع الفعل. # فإن قال: فمن سلب الاستطاعة لقبول الحق زال عنه فرض التقوى؟ # قيل له: لا، من سلب القدرة، ولم يوفق للعمل، ولم يقبل الحق لم يكن ~~مستطيعا، كما قال الله: {ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون}، وقد ~~كلفوا ذلك فلم يفعلوه، ولو كان إذا لم يقبلوا الحق ولم يستطيعوا السمع، ولم ~~يبصروا الحق زال عنهم الفرض لكان الفرض قد زال عن الكافر الذي لم يقبل الحق ~~ولم يستطع سمعا، فلما فسد هذا فسد ما قالوه، ولا تكون الاستطاعة إلا مع الفعل. # فإن قال: قد قال الله: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا}؟ # قيل له: هذه الاستطاعة هاهنا للمال من الزاد والراحلة، ولم تكن استطاعة ~~الجوارح، والاستطاعة هي على معان. # فإن قال: فقوله: {وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم [يهلكون أنفسهم] ~~والله يعلم إنهم لكاذبون}. PageV01P160 # قيل له: هذا الخطاب في الخروج مع النبي ^ في الظهور والحذا والمال، فلما ~~أن تخلفوا وحلفوا أنهم لم يمكنهم الظهور أكذبهم الله؛ لأنه علم أن ذلك كان ~~يمكنهم. # فإن قال: فقوله: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين}. # قيل له: ذلك في الصوم؛ فإن لم يقدر الصوم من الكبر أو المرض زال عنه ذلك، ~~وقد يطعم مسكين وذلك لعدم القدرة، فمن عدم القدرة في وقت الفعل لم يلزمه ما ~~عجز عنه. # فإن قال: لو كان كلفهم ما لا يطيقون، كان قد حمل عليهم الضيق؟ # قيل له: تكليف ما لا يطاق [مثل] من كلف /116/الأصم السمع، والأعمى البصر، ~~والزمن النهوض. # فأما من كلف الطاعة العقلاء فقد كلفهم الإيمان والعمل به، فمن لم يقبل ~~الحق لم يكن له مستطيعا، كما قال الله: {ما كانوا يستطيعون السمع} على هذا، ~~ومن عمل بالحق وقبله فقد استطاعه، وقد ms126 قال الله تعالى: {وكانوا لا يستطيعون ~~سمعا} ، وقد أمروا أن يقبلوا الحق وقد كلفوه، وذلك أنهم لم يرزقوا استطاعة ~~التوفيق وقد خذلوا. # فإن قال: مما يدل على أن القوة قبل الفعل، قوله في قوم سبأ: {نحن أولوا ~~قوة وأولوا بأس شديد}؟ # قيل لهم: إنما ذلك خبر منهم، أنهم أخبروها عن كثرتهم، ولم تنفعهم تلك ~~الكثرة، وأخرجهم سليمان - عليه السلام - أذلة وهم صاغرون. # فإن قال في قوم عاد: {وقالوا من أشد منا قوة}، وقول هود: {ويزدكم قوة إلى ~~قوتكم}. # قيل له: ذلك ظنهم أن لهم قوة تغني عنهم من الله شيئا، فلم يستطيعوا ذلك وبطلت. # وقوله: {يزدكم قوة إلى قوتكم} أخبرهم هود إن آمنوا زادهم صحة في أجسامهم، ~~وكثرة في أموالهم؛ لأن المال من القوة وهم، فلم يكونوا مستطيعين للإيمان إذ ~~لم يقبلوه. PageV01P161 # ألا ترى إلى قوله: {ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون}، وقد ~~كلفوا ذلك فلم يفعلوه. # فأما القوة التي يقع بها العمل فلا خلاف بأنها صفة عرض، وذلك لا يقوم ~~بنفسه ولا يثبت وقتين، فليس ما اعتلوا به بشيء، وقد أكمل الله عقولهم ~~وأجسامهم وكلفهم، فلم يستطيعوا أن يعملوا بالإيمان إذا لم يعطوا القدرة ~~عليه؛ لأنهم لم يكونوا مرضى ولا فقراء. # فإن قال: فقوله: {يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله}، وقال: {قد خسر ~~الذين كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما ~~فرطنا فيها}، فلا يقع التفريط إلا مع الإمكان؟ # قيل له: إنما تحسروا على ترك الحق وعدم قبوله، ولم يستطيعوا العمل به ~~لركونهم إلى غيره من عمل المعاصي؛ لأنهم لا زمناء ولا مرضى، وقد جعل الله ~~لهم عقولا وأجساما محتملة للكلفة، ولم يستطيعوا القبول إذ لم يرزقوا ~~التوفيق، /117/ وإنما تحسروا على ترك ما أمروا به، ولركوبهم ما نهوا عنه، ~~لا على الاستطاعة. # ولو كان الله لم يجعل لهم حركات محدثة، وإنما كان ذلك منهم؛ لكان إذا طمس ~~على أعينهم قدروا أن يبصروا، فلما لم يقدروا على ردها، وكان الله تعالى ms127 هو ~~المحدث لها، والسمع والأبصار والأفئدة كلها أعراض وهو غير الجسم، وإنما ~~حدثت بعد إذ لم تكن في حال. # ولما كان تقع الأعراض حركات في حال الأفعال علمنا أن الله يحدثها في كل ~~حال مما يشاء، وقد قال في الكفار: {لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا ~~يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها}، وقد كانوا يبصرون الطريق ويسمعون ~~الكلام، ولكن ذلك أنهم لم يقبلوا الحق، وقد كلفوا ذلك وقبلوه فلم يستطيعوا سمعا. PageV01P162 # وقد قال للمتخلفين أيضا: {كره الله انبعاثهم فثبطهم}، فذلك أن الاستطاعة ~~مع الفعل؛ لأنهم كانوا أصحاء، وقد مكنهم فيما يحتاجون إليه من الخروج فلم ~~يخرجوا، فقال الله: "إنه ثبطهم". # ولو كان أعطاهم استطاعة الخروج والقدرة عليه لم يقل: إنه ثبطهم عنه، ~~وقيل: اقعدوا مع الخالفين، وقال: {رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله ~~على قلوبهم فهم لا يعلمون}، وقد كلفهم وهو الذي طبع على قلوبهم بكفرهم إذ ~~لم يعملوا بالحق. # وأما ما ذكرت من أن الله رفع القلم عن المجنون والصبي والنائم حتى ~~يستيقظ، فأخبر أن هؤلاء رفع عنهم التكليف؟ # قيل له: إن التكليف لم يرفع عن النائم، وإنما رفع عنه العمل في وقت نومه ~~حتى يستيقظ، فإذا قام لزمه العمل، وهذا يدلك على أنه إنما يعمل بالقدرة ~~الحادثة فيه حين يقظته، ولو كانت القدرة فيه في اليقظة والنوم للزمه أن ~~يصلي وهو نائم، فلما سقط عنه العمل في النوم ولم يسقط عنه التكليف علمنا ~~أنه يعمل بقدرة يحدثها الله له بتوفيقه إياه في أداء ما أمره به، في حين ما ~~أقدره عليه من يقظته، ولم يلزمه في حال عجزه من النوم الذي به، وكذلك الصبي ~~والمجنون لا يلزمهم عمل في حال طفولية الصبي وجنون المعتوه. PageV01P163 # فإذا بلغ /118/ الصبي وحدث له حال يوجب العمل لزمه العمل بقدرة محدثة هي ~~مع فعله، ولو كانت قديمة كانت قبل بلوغه، كذلك المجنون إنما لزمه العمل حين ~~إفاقته بقدرة محدثة مع إفاقته، ولو كانت قبل ذلك لكان العمل يلزمه في ms128 حال ~~جنونه، فلما لم يجز ذلك دل الدليل أن العمل يقع باستطاعة محدثة مع الفعل ~~للفعل بتوفيق الله، وليس ذلك مما يوجب لك علينا أن الله كلف العباد ما لا ~~يطيقون، ولا أنه سألهم ما لا يجدون، ولا أنه أمرهم بما لا يقدرون، ولكن ~~كلفهم من الأمر ما يقدرون عليه باستطاعة محدثة، وحركة واقعة، وتوفيق من ~~الله في حال ما عملوا. # وكذلك قد كلف الله الكفار العمل بالإيمان، ولم يهب لهم استطاعة التوفيق، ~~لقوله: {ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون}، وقوله: {وكانوا لا ~~يستطيعون سمعا}. # فقد كررنا في أمر الاستطاعة ومعانيها بما نرجو توفيق الله له والرشاد منه ~~فيه، ولا قوة لنا إلا به في ذلك وفي غيره، له الحمد وبيده الخير وهو على كل ~~شيء قدير. # 12- باب # مسألة: في خلق الأفعال # يقال لهم: أرأيتم الذهب والفضة والثياب ونحو هذه الأشياء مما ليس في كتاب ~~الله فيه خبر نص أن ذلك مخلوق، ما دليلكم على أن ذلك مخلوق؟ # فإن قال: لأنهم أجمعوا على أن ذلك مخلوق؟ # فيقال لهم: أرأيتم اجتماعهم، هل كانت الألفة موجودة فيه؟ # فإن قالوا: لا، لأن ذلك محدث. # قيل لهم: وكذلك الفعل محدث. # فإن قال: لأن الشيء مبني. # قيل له: وكذلك فعلنا مبني، ولا نجد علة إلا وفي الفعل مثلها، فثبت أن ~~الفعل مخلوق. # ويقال لهم: أرأيتم رجلا زعم أن الله محدود ومحدث وضعيف، أليس يلزمه أنه ~~مخلوق؛ لأنه قد وصفه بصفة الخلق. # فإذا قال: بلى. # قيل له: فكذلك إن زعم أن الفعل محدث محدود ضعيف، فقد ثبت أنه محدود مخلوق. # مسألة: في خلق الأفعال PageV01P164 يقال لهم: أرأيتم الحركة في الشجر لم ~~زعمتم أنها مخلوقة ولم تزعموا أن ذلك في حركة الإنسان؟ فكل حركة مثل حركة ~~الشجر، ومثل المرض والفعل والنوم. # فإن قال: لو كانت أفعالنا مخلوقة لما عذبنا الله عليها؟ /119/ # فيقال لهم: فيلزمكم أن تقولوا: إن الإيمان مخلوق؛ لأنه لا يعذب عليه، ~~والكفر غير مخلوق؛ لأنه يعذب عليه، وكلاهما فعلكم، فتناقض قولكم. # وإن قلتم: إن ms129 الإيمان غير مخلوق؛ لأنه لا يعذب عليه انتقض قولكم، ولو ~~كانت أفعالكم مخلوقة لم يعذبكم عليها. # ويقال لمن زعم أن الفعل غير مخلوق: هل يقدر الله أن ينفع خلقه إذا كانوا ~~أصحاء بالغين أكثر مما يقدر العباد أن ينفعوا به أنفسهم. # فإن قالوا: يقدر. # قيل لهم: وما ذلك الشيء الذي يقدر أن ينفعهم به، فلا نعرف شيئا أنفع من ~~الطاعة، والله لا يقدر بزعمكم أنه يخلقها لعبده، وإنما العبد هو الذي ~~يخلقها لنفسه. # فإن قالوا: يقدر. # قيل لهم: وما ذلك الشيء الذي يقدر أن ينفعهم به، هو الذي يخلقها لنفسه، ~~فهو يقدر أن ينفع نفسه بمنفعة لا يقدر الله أن ينفعه بها. # وأي قول أقبح ممن زعم أن المنفعة التي يقدر العبد أن ينفع بها نفسه لا ~~يقدر الله أن ينفع بها عبده، ولأن في زعمه ما يحدثه لنفسه من الإيمان ~~والطاعة فينفع به نفسه لا يقدر الله في قياسهم أن يحدث له ذلك، فهو أنفع ~~لنفسه من ربه؛ لأنه زعم أن يقدر أن ينفع نفسه بمنفعة هي أفضل المنافع، وهي ~~التي يفوز بها يوم القيامة، ويزعم أن الله لا يقدر أن ينفعه بتلك المنفعة. # فإن قال: لا يحدث له الصحة في جسمه؟ PageV01P165 # قيل له: فهل تنفعه صحة جسم إذا لم يحدث هو لنفسه طاعة ينجو بها؛ لأنه ~~عندهم لا يقدر أن يخلق إيمانه ولا طاعة، ولا يقدر الله في قياس قولهم أن ~~ينفعهم في أمر آخرتهم، وهذا خلاف لقول المسلمين؛ لأن الله يقدر [أن] ينفع ~~في أمر الدين والدنيا، والله تعالى ينفعنا في أمر ديننا ويخلق إيماننا ~~وطاعتنا، ومن خالفنا يزعم أن الله لا ينفع أحدا في أمر دينه بشيء. # فإن قال: فإن الله أمره بالطاعة ودله عليها فقد نفعه الله في أمر دينه، ~~إذ هو أمره بالطاعة ودله عليها. # قيل له: أرأيت إذا أمره الله فلم يحدث لنفسه قبول ما أمره به، هل ينفعه؟ ~~ذلك أن المنفعة في قياسكم من قبل أنفسكم، وقد قال الله خلافا لقولكم: {إن ms130 ~~الله على كل شيء قدير}، فهو على كل /120/ شيء من الأشياء قدير، لا يعجزه شيء. # ويقال لمن خالف: أرأيتم قول المسلمين: "ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم ~~يكن"، أهو صواب أم خطأ؟ # فإن زعموا أنه صواب، قيل لهم: فهل يكون يلزم ما شاء الله. # فإن قالوا: نعم، لزمهم أن الله قد شاء الكفر؛ لأنه كان. # وإن زعم أنه لم يشأ الكفر فقد زعم أنه لم يشأ ما كان، وهذا خلاف لقول ~~المسلمين. # وإن زعم أن ذلك خطأ فكفى بهذا حجة عليهم، ونقضا لقولهم، وبالله التوفيق، ~~وعليه نتوكل. # ويقال لهم: أرأيتم قوله: {يعذب من يشاء ويغفر لمن يشاء} دليل على أنه هو ~~يشاء المغفرة والعذاب. # فإن قالوا: نعم. # قيل لهم: فلم لا تقولون: إن قوله: {يضل من يشاء ويهدي من يشاء} دليل على ~~أنه يشاء الهدى والضلالة، كما قد قال: {وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن ~~يشاء الله ربنا} يدل على أنه هو شاء الهدى والضلالة. PageV01P166 # ومن الدلالة على أن الله يشاء المعصية قوله: {وما يكون لنا أن نعود فيها ~~إلا أن يشاء الله}، دليل على أن الله يشاء أن يعودوا في ملتهم. # وقوله: {ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا} فثبت أن الله قد ~~شاء أن يخاف أولياؤه من الكفار. # وقد قال الله: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} فهذا يدل على أن ~~الله شاء المعاصي. # ومن احتج بقوله: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}. # قيل له: لم يكن العسر الذي لم يرده الله؛ لأنه لا يكون إلا ما أراد الله ~~من التخفيف في الصوم؛ لأن هذه الآية في الصوم. # فإن قال: قد كان العسر الذي لم يرده. # قيل له: ما دل على ذلك كتاب ولا سنة، فمن أين جاز ذلك أن تزعم أن العسر ~~الذي لم يرده الله قد كان؟ # فإن قال: فإنهم قد كانوا يلقون الشدة والمضرة والضرر وذلك عسر. # قيل له: فذلك عسر هو فعل الله ms131 قد أراد؛ لأنه لما فعله علمنا أنه قد أراده. # فإن قال: أرأيتم العسر الذي لم يرده لهم، ما هو؟ # قيل له: لم يرد أن يعسر عليهم في الفرائض أن يكلفهم فوق جهدهم. # ومن ذلك قوله في الصوم: {يريد الله بكم اليسر...} خفف على المريض ~~والمسافر ورخص لهم في الإفطار، وذلك قوله: {يريد الله أن يخفف عنكم}، ~~وقوله: /121/ {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} يعني: من ضيق. فهذا دليل ~~على أنه لم يفعل بهم ما لم يرد أن يفعل بهم من العسر الذي لم يرده بهم. # فإن قال قائل من أهل القدر: لم سميتمونا قدرية؟ # قيل لهم: لأنكم تزعمون في اكتسابكم أنكم تقدرونها وتفعلونها مقدورة دون ~~خالقكم، فالقدري: الذي يدعي ذلك لنفسه، كما أن الصائغ: هو الذي يصوغ دون من ~~زعم أنه يصاغ له، وبالله التوفيق. PageV01P167 # مسألة: [في الجبر] # - وسأل فقال: هل جبر الله عباده على طاعة أو معصية؟ # قيل له: لا، لأن الجبر استكراه المجبور على الفعل، والله تعالى قد عذر من ~~أكره، وإنما أثابهم وعاقبهم على ما كسبوا، وذلك قوله: {من عمل صالحا فلنفسه ~~ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد}، فنفى عن نفسه أن يظلم عبيده، وقال: ~~{ذوقوا ما كنتم تكسبون}. # فإن قال: إن الله إنما عذب العباد على فعله لا أفعالهم؟ # قيل له: إن قائل هذا خارج مما نطق به القرآن، قال الله: {ذلك بما قدمت ~~يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد}، وإنما يعذبهم على ما خالفوا أمره، وركبوا ~~نهيه، وعبدوا غيره، وانتهكوا محارمه، وبالله التوفيق. # مسألة: [في معنى قوله: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا}] # - وسأل عن قول الله: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا}. # قيل له: كذلك نقول: إن الله لم يخلق ذلك باطلا كما قال، إنما خلقهما ~~بالحق، وقد قال: {وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق}. # وقال: {خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام}، ولم يكن خلقه ذلك ~~لهما باطلا {ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من ms132 النار}. PageV01P168 # وقد قيل: إن معنى ذلك: ما خلقتهما وما بينهما إلا بالحق، وأنا الإله أثيب ~~من أطاعني، وأعاقب من عصاني، ويؤيد ذلك قول الله: {أفحسبتم أنما خلقناكم ~~عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون}، فلم يخلق الله ذلك ولم يخلقهم عبثا، وإنما ~~خلق ذلك بالحق، وأنهم إليه راجعون، فيثيب من أطاعه ويعاقب من عصاه؛ لأن ~~الكافرين ظنوا أنهم لا يعذبون ولا يعادون، ولا لهم رجعة إليه، فأكذبهم الله ~~بقوله: /122/ {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا}، وقال: {ما ~~خلقناهما إلا بالحق}؛ أي لم أخلقهما إلا بالحق، وليس في ذلك معنى؛ لأنه ~~قال: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون}. # باب: # مسألة: في الرزق # - وسأل عن الرزق: أهو من الله؟ # قيل له: نعم، كذلك نقول، وقد قال الله في كتابه ما يدل على أنه هو ~~الرازق، قوله تعالى: {يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير ~~الله يرزقكم من السماء والأرض} فهو الخالق الرازق. # وقال: {قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار}؛ فلا ~~رازق إلا الله الذي يملك السمع والأبصار، {ومن يخرج الحي من الميت ويخرج ~~الميت من الحي ومن يدبر الأمر}. PageV01P169 # وقد قال تعالى: {أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في عتو ~~ونفور}، وقال: {ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ~~ما يشاء}، فإنما الرزق ما أنزل الله كما يشاء، فهذا دليل على أنه رازق ~~الخلق كما أنه خالقهم، وكما أنه يملك سمعهم وأبصارهم، وكما أنعم عليهم به، ~~وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة. # فمن كفر برزق الله أنه لم يرزق الخلق فقد خالف كتاب الله، وقد قال الله: ~~{وفي السماء رزقكم وما توعدون} يعني: المطر. # وقد قال الله: {أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به ~~زرعا مختلفا ألوانه}. # وقال: {أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه ~~أنعامهم وأنفسهم}، وأمثال هذا في القرآن كثير. # وقال: {وفي السماء رزقكم وما ms133 توعدون}، وأقسم ربنا: {إنه لحق مثل ما أنكم ~~تنطقون} وهو الماء، وقد بين أنه لو بسط الرزق لعباده لبغوا في الأرض. # وقال: {والله فضل بعضكم على بعض في الرزق}، وقال: {ورفعنا بعضهم فوق بعض ~~درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا}. # فثبت بما تلونا من كتاب الله ما يدل على أنه الرازق لا غيره، ولو جهد ~~العبد ما زاد في رزقه حتى يزيد في أركانه؛ لأن الله تعالى خلق الخلق ~~والرزق، وقدر ذلك كيف شاء، وفضل عباده في ذلك بعضهم على بعض، فواحد عجلت له ~~طيباته، وآخر أخرت له طيباته. # فإن قال: فيرزق الله الحرام؟ PageV01P170 # قيل له: إن الله تعالى قد أنزل الرزق لعباده /123/ وأمرهم بالابتغاء من ~~فضله، وكما قال: {وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله}. # وأنزل من ذلك ما يشاء، ولم يبسط الرزق لعباده كيف يشاء؛ لأنه قال: {ولو ~~بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض}، وذلك كما قال: {ولكن ينزل بقدر ما ~~يشاء إنه بعباده خبير بصير}. # وقال: {وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته}، وأمر ~~بالابتغاء من فضله من الحلال، ونهى عن الحرام، فكل من كسب الحلال الذي أمر ~~الله به، فقد كسب رزق الله الذي رزقه حلالا طيبا. # كما قال: {كلوا مما في الأرض حلالا طيبا ولا تتبعوا خطوات الشيطان} من ~~كسب الحرام. # ومن أكل حلالا أثابه عليه؛ لأنه ابتغى ما أمره به، ومن كسب الحرام واتبع ~~خطوات الشيطان وأكل ما حرمه الله عليه أكل رزق الله حراما مما غذى به جسده، ~~وأكل الحرام الذي نهاه الله عنه، وعاقبه على ما نهاه، لا على ما خلق الله ~~له من الرزق؛ لأنه خالق الأرزاق كلها، ثم نهى عن شيء وأمر بشيء، ونهى عن ~~الظلم وأحل الحلال. # فمن كسب الحرام وأكل الحرام فقد كسب ما نهاه الله عنه من الحرام، ومن أكل ~~الحرام فقد غذى به جسده من رزق الله حراما، وليس أنه رزق هو ذلك نفسه، ولا ~~غذى جسده بما لم يرزقه من غذاء ms134 جسده؛ لأنه خلق الأرزاق، وملك الأموال، وحرم ~~الحرام، وأمر بالحلال والابتغاء من فضله. # فمن تعدى حدوده فقد كسب حراما مما نهاه عنه، وليس ذلك ملكا لمن كسبه، ومن ~~غذى جسده بالحرام فقد أكل مال غيره مما غذى به جسده حراما، رزق الغذاء لا ~~رزق ملك ولا مباح، وبالله التوفيق. # مسألة: [في الإيمان] # - وسأل عن: الإيمان؟ PageV01P171 # قيل له: الإيمان: التصديق بالله - عز وجل - والإيمان بما أمر به في ~~كتابه، والتصديق بالطاعة له كما أمر في كتابه، ويدل على أنه التصديق ما ذكر ~~تعالى في قول إخوة يوسف لأبيهم: {وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين}، ~~يعنون: ما أنت بمصدق لنا. وقول عاد لهود: {وما نحن لك بمؤمنين} يعنون: ما ~~نحن لك بمصدقين. # فالمصدق بالشيء مؤمن به أنه حق كذلك، فمن صدق بقلبه ما أقر به لسانه سمي ~~به مؤمنا. وقد قال /124/ الله ما يدل على ذلك قوله: {قالت الأعراب آمنا}، ~~قال الله تعالى: {قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا} لم تصدقوا بقلوبكم ~~بالإيمان الذي تستكملون به الثواب، {ولكن قولوا أسلمنا}؛ معنى: استسلمنا ~~خشية على دمائنا، ولم يجعلهم مؤمنين حتى يصدقوا بقلوبهم الطاعة التي أمر ~~الله بها. # [مسألة: في زيادة الإيمان ونقصانه] # فإن قال: الإيمان يزيد وينقص؟ # قيل له: قد اختلف الناس في زيادته، فأما نقصانه فلا نقص فيه؛ لأنه لو نقص ~~من تصديقه شيء مما أمر به وأقر به من الجملة لانتقض إيمانه ولم يسم مؤمنا؛ ~~لأن أصل ذلك التصديق، فمن لم يصدق بشيء مما جاء به عن الله لم يؤمن حتى ~~يصدق بالجملة التي أقر بها. # فأما زيادته فقد قال بعضهم: إن الإيمان يزيد ولا ينقص. PageV01P172 # والذي أحب القول به أن الله تعالى - عز وجل - قد أكمل دينه وتنزيله على ~~لسان نبيه محمد ^، فلا نقصان فيه بعد تمامه، ومن قال بنقصان ذلك بعد كماله ~~فقد خالف كتاب الله، ولا يزاد في الإيمان بعد كمال التنزيل، ولا يجعل فيه ~~ما ليس منه؛ لأن الله قد أكمل دينه وأمره ونهيه، على لسان ms135 نبيه، فهو لا ~~ينزل فيه زيادة، ولا يجوز أن ينقص منه شيء، وقد رضيه الله دينا كما قال: ~~{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}، وهو ~~الإقرار بالجملة والتصديق بها. # فإن احتج بقول من قال: إنه يزداد بقوله تعالى: {ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم}. # قيل له: ذلك نزل في القوم الذين كانوا في يوم الحديبية حين صدهم المشركون ~~عن دخول مكة حتى صالحهم رسول الله ^، فاشتد ذلك على المسلمين، وأرادوا حرب ~~المشركين، وكرهوا الصلح، فلما صالحهم رسول الله ^ أنزل الله السكينة في ~~قلوب المؤمنين الاطمنانية بالصلح، ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم، وتصديقا مع ~~تصديقهم بما أوعدهم الله ورسوله من الفتح ولم يرتابوا. فهذا إنما زادهم ~~تصديقا للنبي، وما كان من فعله ووعده قبل كمال الدين. # ألا ترى إلى قوله: {إذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه ~~إيمانا} قال الله: {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا} يعني: تصديقا إلى ~~إيمانهم /125/ إلى تصديقهم، {وهم يستبشرون} بنزول غيرها، وذلك قبل كمال ~~الدين، فلما نزل: {اليوم أكملت لكم دينكم} لم ترجع فيه زيادة بعد نزولها ~~إلا ما قيل في الآيتين اللتين في المواريث في آخر النساء، وقد أكمل دينه. PageV01P173 # فأما المؤمنون فيزدادون تصديقا يقينا وإيمانا بما أنزل. وأما الإيمان فلا ~~يزداد، ألا ترى أن الإيمان غير المؤمن، فالمؤمن هو الذي يزداد والإيمان هو ~~ثابت لا زيادة فيه ولا نقصان، وبالله توفيقنا. # فإن قال من أوجب نقصانه: إن من ركب الكبيرة، وقذف المحصنات، فقد نقص من ~~الإيمان؟ # قيل له: إن الإيمان لا ينقص، ولكن الفاسق قد خرج من الإيمان الذي صدق به ~~بفسقه من الإيمان. # ألا ترى أن الفسق: هو الخروج من الشيء الذي كان فيه، كما يقال: فسقت ~~الرطبة: إذا خرجت من قشرتها. وخروج الفاسق بفسقه من الإيمان لا ينقص ~~الإيمان، وإنما أفسد الفاسق على نفسه إيمانه بخروجه من الإيمان. # وقد لعن الله الكافرين والظالمين والفاسقين ولم يلعن مؤمنا، ألا ترى إلى ~~قوله: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة ms136 شهداء فاجلدوهم ثمانين ~~جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون}. # وقال: {إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا ~~والآخرة ولهم عذاب عظيم}، ولم يلعن الله مؤمنا، فمن فسق خرج من الإيمان ~~بفسقه، ولم يثبت له ثواب المؤمنين. # ألا ترى إلى قول الله: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم}؛ ~~أي: خافت قلوبهم إذا ذكروا البعث والحساب، {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} أي: زادتهم تصديقا إلى يقينهم الذي يزدادون به ~~مع ذلك؛ لأن الإيمان: هو التصديق بجميع ما أمر الله به ونهى عنه، فهو كامل ~~لا ينقص. PageV01P174 # ثم قال: {الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * أولئك هم المؤمنون ~~حقا}، المصدقون حقا بما وعد على طاعته في إقام الصلاة وإنفاق المال كما ~~أمر، جعلهم في ذلك مؤمنين حقا {لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم}. # وقال /126/ أيضا: {ألم * ذلك الكتاب لا ريب فيه} لا شك فيه، {هدى ~~للمتقين} بيان للمتقين الذين يتقون الكفر، {الذين يؤمنون بالغيب} ويصدقون ~~بغيب القرآن، {ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون}، {والذين يؤمنون بما ~~أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون} يصدقون بما أنزل إليك في ~~الكتاب من الحلال والحرام، {وما أنزل من قبلك ||وبالآخرة هم يوقنون||} ~~يصدقون بالكتب كلها وبالبعث هم يوقنون، {أولئك على هدى من ربهم} بيان من ~~ربهم، {وأولئك هم المفلحون} أفلحوا: ظفروا وسعدوا. # وقال -أيضا- لنبيه والمؤمنين: {قولوا آمنا بالله ومآ أنزل إلينا وما أنزل ~~إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي ~~النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون} مقرون مصدقون. # { PageV01P175 فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم ~~في شقاق} فذلك من الهدى تمام الإيمان بجميع ما أمر الله وأنزل على جميع ~~أنبيائه من الكتب كلها، والتصديق بما جاءوا به، وبما جاء به محمد ^ في ~~شريعة الإسلام، فلا يزاد في الإسلام ولا ينقص منه بعد كماله، والإسلام غير ~~المسلم، والإيمان غير ms137 المؤمن، والذي ينقص من ذلك شيئا لا يؤمن به، ولا يصدق ~~به، ومن يتعد حدود الله فقد خرج مما أقر به وصدق به فلا يكون مؤمنا. # وقد ذم الله من جعل ذلك مؤمنا بقوله: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا ~~يستوون * أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا ~~يعملون * وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها ~~أعيدوا فيها} فهم لا يريدون الخروج إلا وهم معادون. # ففي هذا تكذيب لمن قال: إن الفاسق مؤمن بكبيرته، وأنه يخرج من النار، ~~وأنه يعذب ثم يخرج؛ فقد أكذبهم ||الله تعالى|| بقوله في كتابه، ولا خلف ~~لوعده ووعيده. # وأما من قال: إن الفاسق لا مؤمن ولا كافر. # فذلك يقال له: هذا لا يكون موحدا، ولا مؤمنا، ولا ملحدا، ولا كافرا، ولا ~~سعيدا ولا شقيا؛ وهذا القول صاحبه /127/ خارج من المعقول. PageV01P176 # ومما قال الله في كتابه: {النار وعدها الله الذين كفروا}. وقال: {وهل ~~نجازي إلا الكفور}. وقال: {وأما الذين فسقوا فمأواهم النار}. وقال: {فسجدوا ~~إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه}؛ وقد عرف هذا القول أولو الألباب ~~أن الفاسق كافر معذب مع الكافر، والكافر فاسق معذب مع الفاسق، وكلهم في ~~النار إذا ماتوا على الكفر والفسق ولم يتوبوا، ولا فرق في ذلك، والله قد ~~سوى بينهم في الاسم، وقال: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} بالتسوية بينهم. # وقال: {أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل ~~المتقين كالفجار}. فميز بينهم، وفرق بين أحكامهم. # وقد قال تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، ~~و{الظالمون} و{الفاسقون}، فسوى بينهم في ترك الحكم بما أنزل الله، ولا مخرج ~~في هذا لهم، وقد بينا في غير هذا الموضع فساد قول من قال: إن الفاسق لا ~~مؤمن ولا كافر. # وقد كان الناس قبل حدوث المعتزلة يقولون: إن الفاسق مع قوم مؤمن، وقال ~~قوم: كافر، ولم ms138 يخل معهم من إحدى هاتين المنزلتين حتى حدث الاعتزال من ~~المعتزلة، ففارقوا ما عليه الناس من قولهم في الفاسق، من قولهم: إنه لا ~~مؤمن ولا كافر، فخرج هذا القول من الإجماع والكتاب؛ لأن الكتاب نطق بفسق ~~إبليس وأنه من الكافرين، وكل من كسب ذنبا وفسق فيه، فهو كافر كإبليس؛ إذ هو ~~إمام المصرين. # مسألة: [في معنى الإسلام] # - وسأل عن الإسلام ما هو؟ PageV01P177 # قيل له: هو الاستسلام لله، والانقياد له بالطاعة، والإقرار بها، والمسلم ~~هو المستسلم لأمر الله وطاعته. وقوله: {إن الدين عند الله الإسلام} وهو ~~الاستسلام لأمر الله، والإخلاص له بالطاعة، كقوله: {ووصى بها إبراهيم بنيه ~~ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون}. وقال: ~~{إلا من أتى الله بقلب سليم} هو سليم من الذنوب، ومسلمون مخلصون لله بطاعته ~~كما أمر، /128/والمقر لله بدينه مسلم، والمسلم هو الصالح. # فإن قال: فالإسلام والإيمان واحد؟ # قيل له: نعم؛ وقد قال الله في كتابه ما يدل على ذلك: {قولوا آمنا بالله ~~ومآ أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحق ويعقوب والأسباط وما ~~أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له ~~مسلمون}، فقال في أول الآية {قولوا آمنا بالله}، وتمام الكلام {ونحن له ~~مسلمون}. # وقال: {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من ~~الخاسرين}، فجعل الإيمان بالأنبياء، وما أنزل إليهم إسلاما. وقال أيضا: ~~{فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق}. # وقال: {فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين ~~أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير ~~بالعباد}، فجعلهم في إيمانهم وإسلامهم مهتدين، وقد اهتدوا وجعله هدى لهم. PageV01P178 # وقال: {يمنون عليك أن أسلموا قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم ~~أن هداكم للإيمان}. فجعل إسلامهم إيمانا، والإيمان هو الإسلام، فقد صح أن ~~الإيمان هو الإسلام، والإسلام هو الإيمان، والمؤمن هو المصدق، ms139 والمقر مسلم، ~~فإذا أقر وصدق بما أمر الله به من طاعته وطاعة رسوله فقد أسلم. # وقوله: {فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها غير بيت من ~~المسلمين}. # وإن أقر وخادع بالعمل، وكذب بالقلب لم يكن مؤمنا وكان منافقا. وكذلك إن ~~عمل بما نهي عنه من المعاصي التي توجب تسمية الفسق فقد خرج من الإيمان. وقد ~~تقدم لنا الحجة في ذلك قوله: {أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات ~~المأوى نزلا بما كانوا يعملون * وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما ~~أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها}. وقال: {وأما الذين كفروا أفلم تكن ~~آياتي تتلى عليكم فاستكبرتم...} الآية. وقال: {النار وعدها الله الذين ~~كفروا}، فقد استوت /129/منازلهم. # مسألة:[في الإقرار بالجملة] # - وسأل عن: دعوة النبي ^، وجملة الإسلام التي من أقر بها كان مسلما ~~مؤمنا، ومن أنكرها كان مشركا؟ PageV01P179 # قيل له: الدعوة التي لا يختلف فيها وهي دعوة النبي ^ في الجملة: هي شهادة ~~أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن ما جاء به ~~محمد ^ عن الله فهو الحق، وخلع الأصنام والأنداد والأوثان والنيران، وأن ~~يعبدوا الله وحده لا شريك له ولا إله إلا هو، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ~~وصيام شهر رمضان، وحج البيت الحرام من استطاع إليه سبيلا، وبر الوالدين، ~~وصلة الأرحام، وإيتاء ذي القربى حقوقهم، والأمر بالمعروف، والنهي عن ~~المنكر، والجهاد في سبيل الله، والولاية لأولياء الله، والبراءة من أعداء ~~الله في الجملة، مع ما دعا إليه من الفرائض، والعمل باللازم، والانتهاء عن ~~المحارم. # فكان الناس منكرين لدعوته وولايته إلا من أجابه من خواص الناس، فجاهد من ~~عصاه من الناس بمن أطاعه حتى أكمل الله دينه، وظهرت دعوته، وتمت كلمته، ~~وكان يحارب من حاربه من عبدة الأوثان حتى يدخلوا في الإسلام، ولم يقبل من ~~العرب غير الإسلام، ولم يقرهم على عبادة الأوثان إلا من كان له أمان حتى ~~يبلغ مأمنه، وكان يغنم أموالهم، ورد سباهم، ولم يسب بعد ذلك أحدا من العرب، ~~وقاتل أهل ms140 الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، واستحل غنيمة ~~أموالهم، وسبي ذراريهم ونسائهم حتى يسلموا أو يقروا بالجزية، وقسم الغنائم، ~~وميز السهام، وأخرج الخمس على قسم الله لأهله، وقسم الصدقة على ما أمر ~~الله، وأجرى الفيء على ما رآه لأهله، وقسم الغنائم على أهلها، ولم يعذر ~~متخلفا يقدر على الجهاد معه، وعذر من لم يقدر، وحرم الغلول والكذب ونقض ~~العهد والخيانة، وحرم الدماء والأموال، وبين ذلك كله، وذلك في كتاب الله، ~~والحجة له قائمة ولم يكن داعيا غيره. # وكان قول لا إله إلا الله علما للدين، والدعوة واحدة، وقد كان رسول الله ~~^ يدعو إلى الجملة، وبيان ما اختلف فيه المختلفون. PageV01P180 # وفي بيان /130/ ما دعا إليه صفة العدل، وبيان ما اختلف فيه المختلفون من ~~دين محمد ^، فإذا اجتمع الناس على إمام كان دعوتهم دعوة رسول الله ^، فإذا ~~ما اختلف المختلفون واختلف الدعاة وكلهم يدعون إلى الجملة وأن الحق في يده ~~دون من خالفه، فإن على الداعي تفسير الجملة لمن دعاه حتى يعلم المستجيب ~~دعوة المسلمين من دعوة المضلين؛ لأن الاختلاف إنما وقع في التفسير؛ لأن في ~~جملة تفسير دعوة النبي ^ تفسير ما دان به المسلمون. # فلو أن داعيا دعا إلى مثل ما دعا إليه النبي ^ من الجملة لم يزد ولم ينقص ~~كان قد دعا إلى ما دان به المسلمون، وإلى عدل ما اختلف فيه المختلفون، إلا ~~أن المستجيب لم يكن ليسلم، و لكان خليقا ألا يأتي عليه إلا قليل حتى ينقض ~~ما أقر به. # فعلى الداعي إلى الجملة أن ينصح لله ولدينه بتفسير ما اختلف فيه ~~المختلفون بصفة العدل وبيانه، وفيما وقع فيه الاختلاف، وأن ينصح للمستجيب ~~ويدعوه إلى ما يسع جهل معرفته، وما لا يسعه إذا سئل عنه أو خطر على باله من ~~تفسير التوحيد، إلا أن يكون الداعي قد علم أن المدعى قد علم ذلك فلا عليه ~~أن يدعوه إلى ما يعلم أنه يعلمه، وإنما يدعوه إلى ما خالفه فيه من اليهود ~~والنصارى، وغيرهم من أهل القبلة إذا ms141 علم الداعي أن المستجيب يعلم مثل ذلك ~~ويقر به جاز له ألا يدعوه إلا إلى ما يلزمه الدعاء إليه إلى ما خالفه فيه ~~من أمر الدين الذي وقعت فيه الفرية. # وإن هو دعا هؤلاء كلهم جميعا دعوة واحدة كما يدعو من لم يقر بكتاب الله ~~ولا برسوله وسعه ذلك بعد أن يدعو إلى ولاية أهل الطاعة، وعداوة أهل المعصية ~~كان واسعا؛ غير أنه إن هو شك في المستجيب فعليه ألا يتقدم على شيء أشبه ~~عليه، وأن يقف حتى يسأل عنه بالحقيقة. PageV01P181 # وعلى الداعي اليوم أن يدعو إلى تفسير ما دعا إليه النبي ^ في الجملة ~~وبينه لمن خالف الحق من أهل القبلة، وإن سمى /131/الرجال الذين جاءت البدعة ~~والاختلاف من قبلهم، ودعا إلى البراءة منهم فله ذلك، وإن شاء لم يسمهم ولم ~~يدع إلى البراءة منهم، بعد أن تبين الاختلاف الذي اختلفوا فيه، ويدعو إلى ~~ولاية أهل الطاعة، وعداوة أهل المعصية؛ والذين خالفوا الحق، ويبين ما ~~أحدثوا حتى يكون المستجيب من أمره على بيان. # فإن قال: فبين لي تفسير الجملة. # قيل له: قد تقدم بيان تفسير بعض ذلك، وسوف نبين ما عرفنا وذكرنا مما لم ~~نفسره إن شاء الله بحول الله وقوته وتوفيقه. # وقد قلنا: إن الحق وبيان ذلك في كتاب الله، وسنة نبيه محمد ^، والحجة فيه ~~قائمة والدعوة له لازمة. # فإن قال: أخبرني عن تفسير الجملة، والمدعى إلى التفسير؟ # فالمدعى يدعى أن يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنه الله ~~الواحد الأحد، الفرد الصمد لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد، حي قيوم، ~~لا تأخذه سنة ولا نوم، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير، العالم القادر، ~~الغني الجبار المتكبر، الرحمن الرحيم، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار، ~~ولا تحيط به الأوهام، ولا يبلغه علمهم، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما ~~شاء، وسع كرسيه السموات والأرض، ولا يؤوده حفظهما، وهو العلي العظيم. وأن ~~ينفي عنه الأضداد، والأشباه، والأنداد، والأمثال، يطعم ولا يطعم وهو اللطيف ms142 ~~الخبير. # ويشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأنه صادق في كل ما قال، وأن ما جاء به محمد ~~^ هو الحق من عند الله. PageV01P182 # والإيمان بالله وملائكته وأنبيائه وجميع رسله وكتبه التي جاءت بها الرسل، ~~وجميع ما أنزل الله من كتاب، وبما أرسل من رسول، والجنة والنار، والثواب ~~والعقاب، والوعد والوعيد، ومعرفة حق الله، ومعرفة فرائضه، وأداؤها كما ~~افترض، واجتناب المحارم كلها، والإقرار بما جاء من الله، والولاية ~~للمؤمنين، وتحريم دمائهم وأموالهم وسبائهم، والعداوة لأهل الضلال والبراءة ~~منهم، والخلع لهم حتى يرجعوا إلى الحق عن ظلمهم، ويفيئوا إلى أمر الله، ~~ومعرفة الثواب على الإيمان، والعقاب على الكفر والضلال، وهذا ما تقدم ~~بيانه. /132/ # والوقوف عن الشبهات، والبراءة لمن أثبت الإيمان لمن لم يجتنب محارم الله، ~~وانتهكها وعمل بمعاصيه، أو شك في وعد الله ووعيده، أو قال: لا أدري لعل ~~الله يغفر لمن قال: إنه يعذبه من غير توبة، أو قال: لعل الله يعذب من قال: ~~يدخله الجنة بغير ركوب معصية. # ومن زعم أن الله إنما يعذبهم أياما معدودة، ثم يخرجهم ويتولاهم بعد ~~||البراءة|| والعداوة والغضب عليهم، وإدخالهم النار، وهم المرجئة وأشباههم. ~~وقد تقدمت الحجة عليهم في كتابنا هذا. # والبراءة ممن زعم أن الله فرض عليهم معرفة الأوصياء والطاعة لهم والولاية ~~لهم، وإن كانوا أهل ضلال ومعصية، وأن من تولاهم وأطاعهم فهو مغفور له ما ~~سوى ذلك من الذنوب، وزعموا أن للقرآن ظاهرا وباطنا؛ فعلم ظاهره عند الناس، ~~وعلم باطنه عند الأوصياء. # وقال بعضهم: إن الأوصياء يوحى إليهم، ولم تخل الدنيا من نبي يوحى إليه، ~~وأنهم قد اهتدوا بوحي قد ضل الناس عنه، مع براءتهم من أبي بكر وعمر، وزعموا ~~أنهما ضلا بمنعهما إياهم الإمامة. # وزعموا أن قبل يوم القيامة بعثا، يقتل بعدها من قد مات من الدنيا، ويموت ~~من قد قتل، وأن نحلتهم ودولتهم وظهور أمرهم وبيان تصديق قولهم بعد ذلك ~~البعث، وهم الرافضة والحربية والشيعة، وبيان ذلك في كتاب الله، وسوف نفسره ~~-إن شاء الله-. PageV01P183 # والبراءة ممن زعم أن كل دار يحكم ms143 فيها بغير ما أنزل الله، فإن الله لا ~~يقبل من أحد فيها حسنة، ولا يستوجب فيها أحد ثوابا، ولا يغفر فيها لأحد ~~خطيئة، وأن الله لا يعذر أحدا بالمقام فيها حتى يهاجروا، وأن الميت والقتيل ~~في غير هجرتهم مشرك كافر، وأن القاتل والزاني والقاذف والسارق وصاحب ~~الموبقات في دار هجرتهم مسلمون، وأن لهم الثواب عند الله، وأن دار الهجرة ~~زعموا أن ليس فيها منافق ولا فاسق، وأن ليس فيها ما كان في دار رسول الله ~~^، مع إنكارهم الرجم، وجلد شارب الخمر، وقتلهم من أخطأ محبتهم، وهم ~~الأزارقة، وصنوف الخوارج. وهذا خروج من الحق، وخلاف/133/ لما جاء عن الرسول ~~والمسلمين، وسنبينه -إن شاء الله-. # والبراءة ممن زعم أن أهل الكبائر لا مؤمنون ولا كافرون، وأن الله يعذب ~~غير الكافرين، مع قولهم: إن الله لم يخلق أعمالهم، وإنهم هم خلقوها، وإن ~~الله لا يهدي المؤمنين ولا يخصهم منه برحمة، وإن الهدى إليهم والضلال، ~~فأيهما شاءوا أخذوا، وأن ليس لله في أعمال العباد مشيئة، وأنهم عملوا خلاف ~~ما شاء الله، مع ولايتهم أهل الأحداث من أهل رأيهم وغيرهم، وهم القدرية ~~وصنوفها، وقد بينا الحجة عليهم فيما تقدم من ذلك لأهل القدر في كتابنا. # والبراءة ممن زعم أن الله جبر العباد على الطاعة والمعصية، وأن الله لم ~~يكن عالما بالأشياء قبل أن تكون، وهم الجهمية وأشياعهم، وقد بينا الحجة في ~~مثل هذا في الرد والعلم والجبر فيما تقدم من ذلك. # والبراءة ممن برئ من المسلمين، وطعن في دينهم. # والبراءة ممن وقف عن المسلمين ولم يتولهم، والرضى بدين المسلمين، ~~والشهادة لهم، والولاية والتسليم لأمرهم، والقناعة بهم دون سواهم. # هذا من تفسير بعض الجملة التي دعا إليها رسول الله ^. # فإن قال: أخبروني عن الحجة في الولاية للمسلمين؟ PageV01P184 # قيل له: قد تقدم ذلك، والولاية للمسلمين؛ غير أنه من الحجة قول الله ~~تعالى: {محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم}، وقد ~~كانوا في ذلك يتولى بعضهم بعضا، ويرحم بعضهم بعضا، ويعين بعضهم بعضا، ويصوب ~~بعضهم ms144 بعضا، ويسلم بعضهم على بعض، ولا يظلم بعضهم بعضا. كذلك كان رسول الله ~~^ يتولى من اتبعه؛ ويفارق من خالفه، فلا حجة أقوى من الاتفاق في ذلك، وما ~~فعل رسول الله ^. # كذلك قال الله: {ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم ~~الغالبون}.، وغير هذا، وفي هذا كفاية. # وأما البراءة من الكافرين فقد تقدم البيان -أيضا- في ذلك، غير أن الله قد ~~قال: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين}، وقال: ~~{لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم ~~سلطانا مبينا}، /134/ {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ~~تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق}. # وقال: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله}؛ يقول: لا تجد مؤمنا يواد كافرا أبدا. # وأما ما ذكرت من الحجة في الوقوف عن الشبهات؛ فذلك قوله: {ولا تقف ما ليس ~~لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا}. من قفا من ~~الأشياء ما ليس له به علم سئل عنه. # فإن قال: فالدنيا مباحة أو محجورة؟ PageV01P185 # قيل له: بل هي محجورة إلا ما أبيح لنا منها؛ لأنها مملوكة لمالك، وقد حرم ~~الأشياء وأباح لنا مثل ذلك من الأشياء المعلومة، فإذا أباح الأشياء ~~المعلومة وحرم أضدادها مما هو معروف في الكتاب والسنة، فمن علم ذلك عمل به، ~~ومن لم يعلمه لم يكن له أن يرتكب ما لا يعلمه فيقع في الحرام، ويأثم ويركب ~~بجهله ما حرمه الله. # وكذلك روي عن رسول الله ^ أنه قال: «حلال وحرام وشبهات فدع ما يريبك إلى ~~ما لا يريبك». وقول آخر: «الحلال بين والحرام بين وبين ذلك شبهات لا يعلمها ~~كثير من الناس، فمن ركب بغير علم كان كالراعي إلى جانب الحمى يوشك أن يقع ~~فيه، ولكل ملك حمى، وحمى الله محارمه» . # فالوقوف عن الشبهات واجب، وهو على ما قيل: أحد ما تعبد الله به عباده؛ ~~لأنه تعالى حرم أشياء، ولم ms145 ينزل في أشياء تحريما ولا تحليلا، وأباح من ذلك ~~ما شاء ليبتلي عباده فيما شاء من ذلك. # فإن قال قائل: ما بال الناس كانوا يسلمون عند رسول الله ^ بالإقرار ~~بالجملة، ولا يسلم الناس عندكم اليوم إلا بهذا التفسير؟ # قيل له: هم يسلمون بها اليوم، وقبل اليوم وبعد اليوم، ما لم ينقضوا ذلك ~~بحدث، وذلك أن رسول الله ^ كان هو الحجة على العباد، فمن وحد الله، وأقر ~~بنبوة محمد ^، وأقر بما جاء به محمد ^، وعرف ذلك، خرج من الشرك وحكمه، ودخل ~~في حكم الإسلام والإيمان، وقد أقر بجميع ما حرم الله وما أحل؛ لأن ما جاء ~~به محمد ^ هو الحق من عند الله، وما جاء به من الله هو جميع ما حرم الله ~~وما أحل وما افترض؛ فقد أقر بذلك أجمع، وجرى عليه حكمه ما لم ينقض ذلك ~~/135/ بحدث، وذلك أن دعوتهم واحدة وحكمهم واحد، وإمامهم نبيهم ^. PageV01P186 # فلما اختلفت الأمة بعد نبيها لم يعصم أهل الخلاف لدين الله ما أقروا به ~~من التوحيد بمعصيتهم له، وما استحقوه من الكفر، كان العلم بمعرفة كفر أهل ~~الخلاف، مع الإقرار بالتوحيد والنبي ^، والإقرار بما جاء من الله، ولو كان ~~الناس في زمانه يقرون بتوحيد الله، ويقرون بأنه رسول الله، ويقرون بما جاء ~~به عن الله، ثم نقضوا هذا الإقرار، واستحلوا بعض ما حرم الله، أو يحرموا ~~بعض ما أحل الله، ثم نصبوا الحرب لرسول الله، وهم يقرون في ذلك بنبوته، لم ~~تكن عنده وعند المسلمين هذه الشهادة وحدها، حتى يضموا مع هذه الشهادة ~~الإقرار بحدث المستحلين، ومعرفة كفرهم وبراءتهم من الإيمان. ألا ترى إلى ~~قول الله تعالى: {إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من ~~قبلهم}، وقال: {لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على ~~الإيمان ومن يتولهم منكم فأولئك هم الظالمون}، وقال: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم}. # وقال في المنافقين الذين قالوا: {نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك ~~لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون * اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن ms146 ~~سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون * ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على ~~قلوبهم فهم لا يفقهون}، فسماهم كفرة. PageV01P187 # وقال: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك ~~فليس من الله في شيء}. وقال: {لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض ~~والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا ~~||ملعونين||}، ونهاه عن الصلاة عليهم. # وما قد جاء في الثلاثة المتخلفين الذين خلفوا ||حتى إذا ضاقت عليهم الأرض ~~بما رحبت||. وما قد جاء من الحدود فيمن ركب ما حرم الله وتعدى نهيه. # وما جاء في الوليد بن عقبة إذ ادعى أن القوم صدوه وأرادوا قتله، فسماه ~~الله: فاسقا. # وما جاء في حاطب وكتابه إلى أهل مكة، وأراد عمر قتله حتى قال: "يا رسول ~~الله؛ إني لمؤمن وإنما أنا صانعتهم"، فأنزل الله: {لا تتخذوا عدوي وعدوكم ~~أولياء تلقون إليهم بالمودة...} حتى أتم القصة. وقال: {ومن يفعله منكم فقد ~~ضل سواء السبيل}. # فذلك /136/ كله؛ وما في القرآن أكثر مما وصفنا في تكفير من ركب الكبائر ~~من المستحلين والمحرمين ما لا يحمله كتابي هذا لو أحصيته. ومما يدل على ~~تكفير المستحلين لما حرم الله عليهم قوله: {فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء ~~أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين}. # وما جاء في العرنيين اللذين أسلما، ثم استاقا إبل الصدقة، وارتدا عن ~~الإسلام، وفي المحارب والباغي أن يقاتل حتى يفيء إلى أمر الله مما فيه ~~كفاية عن الإطالة، وقد بينا ذلك فيما قد تقدم، ويطول به الخطاب. PageV01P188 # وقد قال الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تتولوا قوما غضب الله عليهم}. ~~وقال: {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى}؛ من يبرأ ~~من الطاغوت ويؤمن بالله، فالبراءة من أهل البدع والمستحلين والراكبين ~~لمعصية الله واجب ذلك. # مسألة: [في الإسلام والجملة] # - وسأل: عمن أقر بالجملة التي دعا إليها رسول الله ^ ثم ركب الكبائر، هل ~~يعصمه إقراره من الكفر؟ # قيل له: لا يعصمه ذلك من الكفر، وقد سمى الله ms147 المنافقين كفرة، فقال: ~~{[إن] الذين آمنوا ثم كفروا...}. وسمى القذفة فسقة. # وقال: {وجوه يومئذ مسفرة * ضاحكة مستبشرة * ووجوه يومئذ عليها غبرة * ~~ترهقها قترة * أولئك هم الكفرة الفجرة}؛ وكل من كان من أهل الفجور والفجرة ~~فهم كفرة، وفي هذا نقض لقول المعتزلة الذين قالوا: إن الفاسق ليس بكافر، ~~وهو معاقب ومعذب، وكل معذب ترهقه الغبرة والقترة فهو من الكفرة الفجرة. ~~وينتقض -أيضا- قول الحشوية الذين قالوا: هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، ~~وليس بكافر. PageV01P189 # وقد قال الله: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون * أما الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون * وأما ~~الذين فسقوا فمأواهم النار}. فقد خرجوا من الإيمان ولم يسو بينهم؛ لأنه ~~قال: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون}، فمن ساوى بينهم فقد خرج مما ~~قال الله، وحكم بغير ما أنزل الله، وقال: {ومن لم يحكم بما أنزل الله ~~فأولئك هم الكافرون}، و{الظالمون} و{الفاسقون}. # وقال: {لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة}./137/ وقال: ~~{ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون}. وقال: {لا يتخذ المؤمنون ~~الكافرين أولياء من دون المؤمنين}. # وقد ذكرنا في كتابنا في غير موضع، ما يدل على ضلال أهل الأهواء وأهل ~~الإرجاء، والحشوية والقدرية وغيرهم. # مسألة: [في فناء الجنة والنار] # وسأل عمن قال من الجهمية: إن الجنة والنار تفنيان في الآخرة؟ # قيل له: هذا القائل قد نقض كتاب الله، وقد قال الله في أهل الجنة: {أولئك ~~أصحاب الجنة هم فيها خالدون}، و{... أصحاب النار هم فيها خالدون}، فلو ~~كانتا تفنيان لم يكونوا خالدين فيها وهي تفنى. # وقال: {ما عندكم ينفد وما عند الله باق}، وقد أوجب البقاء لما عنده من ~~الخير وهي الجنة، ومن لم يؤمن بالجنة والنار، وأنهما باقيتان لبقاء الآخرة، ~~وأن أهلها لا يخرجون منها فقد كفر. PageV01P190 # وقد قال الله تعالى: {كل شيء هالك إلا وجهه}؛ وقال قوم: كل شيء هالك إلا ~~هو. وقال آخرون: إن معنى الوجه: إلا ms148 ما عنده من الجزاء والجنة فلا يبيد أبدا. # وقال: {وجنات لهم فيها نعيم مقيم}، فهذا ما يؤيد أنها لا تفنى. # والنار أهلها فيها خالدون، والجنة فيها الولدان المخلدون، وأهلها فيها ~~خالدون، وقد أجمع المسلمون على الإيمان بهما، ومن لم يؤمن بالجنة والنار ~~وببقائهما فليس بمؤمن، وقد قال قائل هذا بغير الحق. # فأما اختلاف الناس فيهما في الدنيا: # فقال قوم: إنهما بعد لم تخلقا. # وقال آخرون: قد خلقتا وتفنيان في القيامة، وتعادان عند البعث، وهذا فيه ~~نظر، والله أعلم. # مسألة: [علم الله بما يكون وما لا يكون] # وسأل عما يلزم الجهمية في قولهم: إن الله يعذب العباد على فعله، وأنه لم ~~يعلم ما يكون حتى كان؟ # قيل له: القائل لهذا قد كفر؛ لأن الله بالاتفاق لم يزل عالما بما يكون ~~وما لا يكون، كما قال: {عالم الغيب والشهادة}، وقال: {لا يعزب عنه مثقال ~~ذرة في السماوات ولا في الأرض}، وقال: {وعنده علم الساعة}، وقال: {وما تسقط ~~من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين}. # ففي هذا ما يدل على خطإ من قال: إنه لا يعلم ما يكون، وقد قال في أهل ~~النار: {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون}،/138/ فقد علم منهم ~~ما يكون قبل كونه. PageV01P191 # وأما قولهم في أن الله يعذب على فعله، فهذا رد لكتابه، قال الله: {ذوقوا ~~ما كنتم تعملون}، و {[ذوقوا] ما كنتم تكسبون}، وقال: {[ثم] توفى كل نفس ما ~~كسبت}، ولم يقل ما عملنا ولا جبرنا، فلا يجوز قولهم ذلك، وقد ضلوا به. # مسألة:[الحجة على من أثبت الإيمان لمن انتهك المحارم] # وسأل عمن أثبت الإيمان لمن انتهك محارم الله، ما الحجة عليه؟ # قيل له: الحجة قد قلناها فأكثرنا؛ غير أن الله قد ذم من ساوى بين ذلك، ~~وأثبت الإيمان لأهل الكبائر، قال الله للمؤمنين: {لا ترفعوا أصواتكم فوق ~~صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم}. وقال: ~~{لئن أشركت ليحبطن عملك}، فأحبط ms149 العمل بالشرك، وبالجهر للنبي، وإحباط العمل ~~يوجب النار، ولا خلاف بين أحد أن المشرك ليس بمؤمن، وقد حبط عمله، وكل قول ~~يحبط العمل فهو كذلك، وصاحبه خارج من الإيمان، وقد قال الله: {أم حسب الذين ~~اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ~~ومماتهم ساء ما يحكمون}. # فإذا لم يجعلهم الله كذلك، ولم يسو بينهم؛ فمن ساوى بينهم خرج من ~~الإيمان، ومن تولاهم أو أثبت لهم الإيمان فقد قال: {أفمن كان مؤمنا كمن كان ~~فاسقا لا يستوون}، فمن ساوى بين ذلك فقد خرج من قول المسلمين، وحكم بغير ~~كتاب رب العالمين، {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}. # فإن قال قائل منهم: لعل الله يعذب من قال: "أدخله الجنة"، أو قال: "يغفر ~~لمن قال: إني أعذبه". # قيل له: وهذا شاك في وعد الله ووعيده، وشاك في قول الله، غير مصدق به، ~~والشاك في ذلك هالك غير سالم. PageV01P192 # وقال الله: {وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم ~~فأخلفتكم}، فوعد الله حق لا خلف فيه. # وقال الله: {إن الله لا يخلف الميعاد}، وقال الله: {ومن أصدق من الله ~~قيلا}، فكل ما قال الله حق، فمن شك في قول الله، ولم يصدق بكتاب الله لم ~~يثبت له اسم الإيمان، وقد قال: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون}. # فإن قال: فما يلزم من قال: /139/ إن الله إنما يعذبهم أياما معدودة ثم ~~يخرجهم منها؟ # قيل له: وهذا قد ضاهى بقوله قول اليهود الذين قالوا: {لن تمسنا النار إلا ~~أياما معدودة}، قال الله وهو الصادق: {قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف ~~الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون * بلى من كسب سيئة وأحاطت به ~~خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون}، فجمع بذلك بين كل من كسب سيئة ~~وأصر عليها ولم يتب، وقال: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل ~~سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا ms150 نصيرا}، وقال: {وقد خاب من ~~حمل ظلما} فهذا يدل على التخليد في النار، فمن قال بخلاف هذا فقد كفر، وخرج ~~مما قال الله. # مسألة: [في الولاية] # - وسأل فقال: ما الحجة على من قال: إن الله فرض معرفة الأوصياء، والولاية ~~لهم فرض وإن كانوا أهل ضلالة ومعصية، وأن من أطاعهم وتولاهم مغفور له؟ PageV01P193 # قيل له: إن الله لم ينزل في كتابه بيان شيء من ذلك، وقد قال: {لا تتخذوا ~~آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان}، وقال: {ومن يتولهم ~~منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين}، فحرم ولاية أهل المعصية. # وقد قال النبي ^ على ما روي عنه: «يا بني هاشم: إني لا أغني عنكم من الله ~~شيئا، فإن لكل امرئ ما اكتسب». # ولم نجد في التلاوة أوصياء للنبي ^، ولا اتفق الناس على أوصياء منصوص ~~عليهم، وإنما وصف أصحاب النبي والذين اتبعوهم بإحسان، فثبت الاتباع لهم، ~~ولمن عمل بمثل عملهم من الإحسان، ولم يقل: وصي بعد وصي، ولا أوصياء. # وقال: {ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين ~~من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار ~~مع الداخلين} على ما خانتا زوجيهما، فمن خان الله وخان رسوله ^ أوجب الله ~~له النار. # وقال: {وإبراهيم الذي وفى * ألا تزر وازرة وزر أخرى}، وقال: {لا يجزي ~~والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق}، فمن قال ~~بخلاف ذلك فقد خرج من الحق، وولاه الله ما تولى. /140/ # وقال في ولاية الظالمين: {لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء}، وقال: {لا ~~يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين}، وقال: {ومن يتولهم منكم ~~فإنه منهم} فحرم بهذا ولاية الكافرين. # مسألة: [في ظاهر القرآن وباطنه] PageV01P194 وسأل عمن زعم أن للقرآن ~~ظاهرا وباطنا، فعلم ظاهره عند الناس وعلم باطنه عند الأوصياء، ما الحجة عليه؟ # قيل له: كتاب الله يكذب قول هذا القائل، ||وقول هذا القائل|| كذب منه؛ ~~لأن الله أنزل كتابه وقال فيه: {تبيانا ms151 لكل شيء}، وقال: {اتبعوا ما أنزل ~~إليكم من ربكم} ، وقال: {كتاب عربي مبين}، وقال: {إن هذا القرآن يهدي للتي ~~هي أقوم}، وقال: {وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل}؛ وهي ~~الأهواء الضالة. # فالقرآن اتباعه واجب، وهذا القائل خارج مما نطق به القرآن، متبع الأهواء، ~~ولم تحكم الأمة ولا جاء عن رسول الله شيء من ذلك، وقائل هذا خارج من كتاب ~~الله، متبع ضلالته، قد عمي عن الحق. # مسألة: [في الأوصياء] # وسأل عمن قال: إن الأوصياء يوحى إليهم، ولم تخل الدنيا من نبي يوحى إليه، ~~وأنهم قد اهتدوا بوحي قد ضل الناس عنه. # قيل له: قائل هذا كافر؛ لأن الله تعالى قد قال: {وما محمد إلا رسول قد ~~خلت من قبله الرسل}، ولم يقل: إن رسولا [يأتي] من بعده. # وقال: {ولكن رسول الله وخاتم النبيين}، فجعله خاتم النبيين، ولا نبي بعده. # قال: {وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ} وقد اجتمعت الأمة إلى ~~أنه حجة الله إلى يوم القيامة. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «يا أيها الناس؛ إنه لا نبي بعدي، ولا أمة ~~بعدكم، والحلال ما أحله الله على لساني إلى يوم القيامة، والحرام ما حرمه ~~الله على لساني إلى يوم القيامة، بي ختم الله النبوة، وبي احتج الله على ~~الخلق». PageV01P195 # فدل من الكتاب والسنة والإجماع من الأمة على خروج من قال: إنه يوحى ~~إليهم، وأن الأرض لم تخل من نبي يوحى إليه، وهذا كافر بالله وبرسوله ~~وبكتابه. # مسألة: [في البعث قبل يوم القيامة] # وسأل عمن زعم أن قبل يوم القيامة بعثا يقتل بعده من قد مات من الدنيا، ~~ويموت من قد قتل، وأن دولتهم وظهور أمرهم، وبيان /141/ تصديق قولهم بعد ذلك ~~البعث، ما الحجة عليه؟ # قيل له: كاذب مخالف لكتاب الله، والإجماع على خلاف قوله، وقد قال الله ما ~~يدل على تكذيبه: {الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب}، ~~وقال: {الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم القيامة}، وقال: {ولئن متم ~~أو ms152 قتلتم لإلى الله تحشرون}. # وقد قيل عن رسول ^ أنه قال: «بعثت أنا والساعة، وإن كادت لتسبقني»، ولم ~~يقل مثل ما قال صاحب هذه المقالة ولا عن الصحابة -الذين هم الحجة على ~~الناس- شيء مما ذكره هذا، وهذا كله كذب ودعوى، ولا يصح لمن قال ذلك، وقوله ~~زور ومخالف للقرآن. # مسألة: [الحجة على من برئ من أبي بكر وعمر] # - وسأل عن الحجة على من برئ من أبي بكر وعمر، وادعى أنهما ضلا بمنعهما ~~الأوصياء الإمامة. # فمن الحجة عليهم: أن لو كانوا كما وصفوا لكانوا هم قد كفروا بولايتهم ~~الأوصياء الذين جعل لهم الوصاية في الإمامة فتركوا الطلب، ولكانوا قد كفروا ~~أيضا، ولكفر الأوصياء أيضا بتركهم ما وجب عليهم من القيام بحق الوصاية ~~والإمامة؛ لأنهم -كما زعموا- قد قلدهم النبي ذلك فتركوه، فقد كفروا وكفر من ~~تولاهم على تركهم. PageV01P196 # كيف وقد سلم الجميع من المهاجرين والأنصار وانقادوا لإمامتهما، ودانوا ~~بولايتهما، واجتمعوا عليهما، وهم الحجة على الناس، والشهداء عليهم، والأمة ~~لا تجتمع على ضلالة، ومن خطأ المهاجرين والأنصار فيما اجتمعوا عليه من ~~إمامة أبي بكر وعمر كان هو المخطئ. # ولو كان ما يدعي هذا حقا أن أبا بكر وعمر ظلما الأوصياء لكان على ~~المهاجرين والأنصار الإنكار والمعونة للأوصياء، وإن تركوا ذلك كفروا؛ فلما ~~كان الأمر على خلاف هذا علمنا أن من قال هذا مبطل. # ومن برئ من أبي بكر وعمر كان أحق بالبراءة والضلال منهما، وإن ادعى أحد ~~ممن زعم هذا أنه وصي، وأنه قد أنكر فعليه إقامة البينة، ولعجزهم عن إقامة ~~البينة من غير أهل مذهبهم بذلك خرجوا من الإجماع؛ لأن شهادة هؤلاء لا تجوز ~~لأنفسهم على المسلمين فيما يدعونه. # فإن قائل قال: فما الدلالة /142/ على أن إمامة أبي بكر الصديق صواب؟ # قيل له: الإجماع على ذلك من السلف من المهاجرين والأنصار، وقد وجدنا ~~الناس على ثلاثة أصناف: فقائلون يقولون بإمامة علي بعد النبي ^، وقائلون ~~يقولون بإمامة العباس، وقائلون يقولون بإمامة أبي بكر، ووجدنا عليا والعباس ~~قد بايعاه، وانقادا لأمره مع كافة الناس، وإن ms153 كان قد توقف عن البيعة ~~متوقفون وقتا، وقد أطبقوا على البيعة والانقياد لإمامته ومعونته، والكون ~~تحت رايته، والاتباع لأمره، ولا يجوز أن تجتمع الأمة على خطإ. # ولا يجوز لمدع أن يدعي أن باطن علي والعباس على خلاف ما أظهراه، ولو جاز ~~ذلك لجاز أن يقضي على صحة الإجماع، ولا يأمن أن يكون باطن بعض الأمة خلاف ~~ما ظهر بالاتفاق. # وقد ثبتت إمامة أبي بكر ولم يلتفت إلى الدعوى من الباطن، فلما كان هذا ~~القول إبطالا للإجماع فسد، ووجب القضاء على الإمامة لأبي بكر بعقد من حضرها ~~وعقدها له من المسلمين. PageV01P197 # وإذا كان علي والعباس مقرين له بالإمامة والخلافة ثبتت، وإذا كانت ~~الإمامة لا تخرج من هؤلاء الثلاثة وقد كانا في كافة المسلمين وجب أن يكون ~~إماما مفترض الطاعة، وقد نطق القرآن بإمامة الصديق، ودلت على إمامة ~~الفاروق، وذلك قوله الله - عز وجل - في سورة التوبة للقاعدين عن نصرة نبيه ~~والمتخلفين عن الجهاد معه: {فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا ~~إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين}، وقال في سورة الفتح: ~~{سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن ~~يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا} يعني بقوله: {فقل لن تخرجوا معي أبدا}، ثم ~~قال: {كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا ~~قليلا}، ثم قال: {قل للمخلفين من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد ~~تقاتلونهم أو يسلمون فإن تطيعوا يؤتكم الله أجرا حسنا وإن تتولوا كما ~~توليتم من قبل يعذبكم عذابا أليما}. /143/ # وقد علمنا أن الداعي لهم غير النبي ^، لقوله: {فقل لن تخرجوا معي أبدا ~~ولن تقاتلوا معي عدوا}، وقال في سورة الفتح: {يريدون أن يبدلوا كلام الله}، ~~فمنعهم الله من الخروج مع نبيه، وجعل خروجهم تبديلا لكلامه. # ويجب أن الداعي الذي أمر باتباعه يدعوهم بعد رسول الله، وقد دعاهم أبو ~~بكر وعمر إلى قتال أهل الردة، وقتال أهل اليمامة، والروم، ومن منع الصدقة. # وقد قال الناس في ms154 القوم الذين أولو بأس شديد: - فارس والروم. PageV01P198 # - وقال آخرون: أهل اليمامة، وأبو بكر - رضي الله عنه - قد قاتل أهل الروم ~~وأهل اليمامة. # - وقول ثالث: ||قوتلت|| فارس في أيامه، وظفر بهم [عمر] بعد ذلك. # فإن كان أهل اليمامة والروم قد قاتلهم أبو بكر وفي ذلك إيجاب إمامته. وإن ~~كان أهل فارس فقد قوتلوا في أيامه، وقد فتحها عمر - رضي الله عنه - من بعد ~~ما قاتلهم، فقد وجبت إمامة عمر؛ لأن أبا بكر - رضي الله عنه - عقدها له، ~~وإن كان المعنى من قاتل فارس وفرغ منهم: عمر، وجبت إمامة أبي بكر؛ لأنه هو ~~العاقد لإمامته. فدل ما قلنا من القرآن على إمامة الصديق والفاروق. # وإذ وجبت إمامة أبي بكر بظاهر القرآن، وبإجماع المسلمين فسد قول من قال ~~بالوصية، وقد فسد -أيضا- قول من قال: إن النبي ^ نص على علي ونصبه إماما. # ومما يبطل أيضا قول من قال بالنص على أبي بكر أن أبا بكر قال لعمر: "ابسط ~~يدك أبايعك" يوم السقيفة، فلو كان رسول الله ^ نص على إمامته لم يجز أن ~~يقول لعمر: "ابسط يدك أبايعك"، وقد قيل: إن عمر قال لأبي عبيدة: "ابسط يدك ~~أبايعك"، فقال: "أتبايعني وفيكم الصديق؟!". # وقال أبو بكر للأنصار: "أنا أرضى بأحد هذين الرجلين"؛ يعني: عمر بن ~~الخطاب وأبا عبيدة بن الجراح، فبايعوا أيهما شئتم"؛ فقال عمر: "ما ينبغي ~~لأحد أن يكون فوقك، وأنت ثاني اثنين، وصاحب رسول الله في الغار". فلو كان ~~نصا ما كان ما قد ذكرنا. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «إن وليكم حبشي مجدع، فأقام فيكم كتاب الله ~~وسنتي فاسمعوا له وأطيعوا». /144/ وقد قال رسول الله ^: «أطيعوا ولاة ~~أموركم». وقد قال لمعاذ: «ولا تعص إماما عادلا». PageV01P199 # وقد روي أن عليا قال: «والله لو ولاني رسول الله هذا الأمر لقاتلت عليه، ~~وما أسلمته إلى غيري». وقد روي أنه قال: "يا رسول الله، من خليفتك علينا، ~~وإلى من نأوي، وبه نشكو أحزاننا"؟!، قال: «الله خليفتي عليك وعلى أصحابي ~~أجمعين، وعلى أمتي إلى يوم القيامة»، ولم ms155 ينص لإمام بعينه، فقد فسد بهذا ~~قول من ادعى الوصايا والنص بما تلونا، وبالله التوفيق. # مسألة: [ في الإمامة] # - وسأل عن الإمامة: هل تكون بغير تراض من المسلمين؟ # قيل له: لا، إنما تثبت الإمامة بالرضى من المسلمين، وإنما تكون البيعة مع ~~الرضى والمشورة. # قال الله تعالى: {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى ~~بينهم ومما رزقناهم ينفقون * والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون}، فأمر ~~بالمشورة ومدح أهلها، وأثنى عليهم في التناصر عند البغي، ولا تكون المشورة ~~إلا في الأفضل، وتقديم من يكون أجمع للكلمة، وأقوى على إقامة الأمر، وأنكى ~~للعدو، وإن كان غيره أفضل منه في العلم. # ألا ترى أن عمر - رضي الله عنه - أقام الشورى في الإمامة بعده، وقد كان ~~في الصحابة من هو أفضل منهم في العلم، وإنما قصد أنها تصلح فيهم ممن يرجو ~~فيه نكاية العدو، وأجمع للأمر من أهل الفضل، ولا يجوز غير أهل الفضل، قال ~~الله تعالى لإبراهيم: {إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال ~~عهدي الظالمين}، فمنع الظالم أن ينال ذلك، أو يتحلى بالإمامة عات، وإنما هي ~~لأهل الحق من المسلمين، فمن قال: إنها لغير من ذكرنا من العدل المرضي وأهل ~~الفضل فقد أخطأ. PageV01P200 # وقال رسول الله ^ لمعاذ: «فلا تعص إماما عادلا»، ولم يكن النبي ^ يولي ~~إلا عدلا مرضيا معه، واحتذى المسلمون مثاله. # فأما ما رووا من قوله: «إن الإمامة في قريش»، فذلك إنما هو أنها تصلح ~~فيهم مع قوله: «ما حكمت فعدلت، وقسمت فأقسطت». # وأما أهل الجور فلا تصلح لهم الإمامة، ولا لأهل المعاصي، ومن قال بغير ~~ذلك غير مصيب. /145/ # ألا ترى إلى قوله ^: «إن وليكم حبشي مجدع، فأقام فيكم كتاب الله وسنتي، ~~فاسمعوا له وأطيعوا». # فهذا يدلك على أن الإمامة لا تصلح إلا في الأفضل من المسلمين من قريش ~~وغيرهم؛ لأنه قال: «في قريش»، ولم يقل لا تجوز في غيرهم؛ لأن حلفاءهم ~~ومواليهم منهم -أيضا-. # وقد وقع الإجماع على الأفضل ممن يصلح للإمامة، ولم يتفق لغير الأفضل، ~~والاتفاق هو الحجة، ms156 والاختلاف مردود إلى حكم المتفق عليه، وبالله التوفيق. # مسألة: [في الخوارج] # وسأل عما انتحل الخوارج من الهجرة، واستحلوا من قتل أهل القبلة من غير ~~حدث، وسبائهم وتسميتهم بالشرك. # قيل له: القائل بذلك من الخوارج ضال عن سواء السبيل؛ فأما الهجرة ~~بالاتفاق من السلف أن النبي ^ بعد فتح مكة قال: «لا هجرة بعد الفتح»، أو ~~قال: «بعد اليوم»، وقد كان بعد ذلك يدخلون في دين الله أفواجا، ويرجعون إلى ~~بلادهم، ويسمون مسلمين، ولهم الولاية والمودة، وعليهم النصر. # وقد كان يقبل الإسلام ممن يأتيه، وممن خرج إليه فأسلم، أو صالح أو أعطى ~~جزية من أهل ذمة قبل منه وأقر ه في بلاده وعلى دينه. فذلك ما يبطل قولهم في ~~الهجرة بعد الفتح. PageV01P201 # وقد كانت الهجرة قبل الفتح، وقد عذر الله المستضعفين الذين قال الله: {لا ~~يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا}. وقد كان النبي ^ يقبل ممن أراد الإسلام ~~وقال له: «إنه مهاجر حيث ما كان»، مثل خزاعة وغيرهم. # وقد كان العباس بمكة قبل استفتاحها مسلما، وغزا رسول الله ^ خيبر، وأتى ~~حجاج بن علاط مكة، وأخبر العباس في مكة بذلك، فلم يلزمه كفرا، ولا هؤلاء ~~الذين وصفت؛ وهذا ما يدحض من خبرهم وانتحالهم الهجرة، وفي تخلف العباس ~~بمكة. وقد قبل الله ورسوله منه ذلك، وممن أقره الله فيها من الضعفاء الذين ~~لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا دليل على بطلان قولهم: "إن كل دار يحكم ~~فيها بغير ما أنزل الله، لا يقبل فيها من أحد حسنة". # وقد كان أصحاب النبي في أرض الحبشة، والحكم فيها بغير ما أنزل الله، ~~وحسناتهم مقبولة، والذين كانوا من المسلمين من بعد وقوع الفتنة في الآفاق ~~مع حكام الجور، بالاتفاق /146/ أن الله يقبل إحسانهم، فهذا خطأ من الخوارج. # وأما تسميتهم إياهم بالشرك والكفر من غير ذنب، ولا ارتداد، فذلك خطأ ~~عظيم، وقد قال رسول الله ^ خلافا لذلك: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا ~~إله إلا الله، فإذا قالوها حرم علي دماؤهم وأموالهم إلا بحقها». فهذا ما ~~يبطل قولهم ms157 في الهجرة، وفي تحليل أموال أهل القبلة. وقد قال رسول الله ^ ~~لأسامة بن زيد حين طعن الرجل فقتله، بعد ما قال: أنا مسلم، فقال: إنما يعبر ~~عن قلبه لسانه. وقال ^: «وكيف تصنع بقول: لا إله إلا الله». PageV01P202 # وفعل مثل ذلك غيره لحال متبع كان في يده، وأنزل الله: {ولا تقولوا لمن ~~ألقى إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم ~~كثيرة كذلك كنتم من قبل} يعني: مشركين، {فمن الله عليكم} يعني: بالإسلام، ~~{فتبينوا} يعني: تبينوا ولا تقتلوا المسلمين، فدل بهذا ما يبطل قول الخوارج ~~في ذلك. # وأما قولهم: إن القاتل والسارق والقاذف والزاني وشارب الخمر في دار ~~هجرتهم مسلمون؛ فهذا قول الزور ممن قاله؛ لأن الله حرم قتل الأنفس التي ~~حرمها، وأوجب النار لقاتل المؤمن متعمدا، وأوجب الحدود على الزاني والقاذف ~~في الدنيا، والعقوبة في الآخرة لمن لم يتب. وكذلك في السارق الحد والعقوبة ~~إن لم يتب، فخرجوا من كتاب الله، وإجماع الأمة على تحريم ذلك. # وقد كان في عهد رسول الله ^ من يفعل ذلك ويقيم عليه الحد، ولم يسمه مؤمنا ~~ولا مسلما إلا من تاب منهم، وسماهم الله بقذفهم فاسقين، والزانين فاسقين ~~أيضا، والسارق ظالم، وكذلك القاتل، وقد غضب الله عليهم، ولم يعذرهم رسول ~~الله ^ في ذلك مع هجرتهم، وحرم الله ورسوله ذلك، فكفر من أحل ما حرم الله. # وأما إنكارهم الرجم، فذلك خروج من السنة، فلهم بهذا من الخطأ ما فيه ~~كفاية، وقد ضلوا فيما فعلوه وأخطأوا فيما انتحلوه. # مسألة: [نفي الإيمان لمرتكب المحارم] # - وسأل عن الإيمان: من أين لم يثبت لمن انتهك المحارم، وركب الكبائر، ~~وترك الفرائض، ولم يحكم بما أنزل الله؟ PageV01P203 # قيل له: إنا قد بينا ذلك فيما قد تقدم من كتابنا. /147/وذلك أنه نقض ~~إيمانه بركوب ما حرم الله عليه، مما دان بتحريمه في الإقرار بالجملة، وترك ~~ما صدق به من العمل، واستحل ما حرم الله عليه في كتابه من المحارم، وسواء ~~كان راكبا معصية واحدة أو أكثر. وقد قال الله: {ومن ms158 يعص الله ورسوله ويتعد ~~حدوده يدخله نارا خالدا فيها}. ولم يلعن الله مؤمنا، وقد لعن الكافرين، ~~وأعد لهم سعيرا. # وفي القرآن مما تلونا في الفاسق والمنافق، ومن ركب الموبقات ما فيه ~~كفاية، وما سار به رسول الله ^ في المتخلفين عنه، وفي الفار من الزحف، ومن ~~يغلل، ومن يأخذ مال اليتيم، وأموال الناس بالظلم ||ما|| في كتاب الله ما ~~فيه كفاية لمن تدبر ذلك. # وإن كان المستحل لحرام الله لا تحل ولايته، ولا يسع جهل كفره ولم يجز لمن ~~أثبت له الإيمان. ألا ترى أن المسلمين قد قالوا: إن مما لا يسع جهله من نصب ~~الحرام دينا بالادعاء على الله في تحريم ما أحل، واستحلال ما حرم، وإن كل ~~متول لمحدث على حدث مكفر محدث، وإن الشاك في ضلالتهما على استحلال المحدث ~~لركوب الحدث محدث. # فإذا كان ذلك، وكان المتولي لأهل الحدث كذلك محدثا، ولا يسعه جهل كفر من ~~علم منه ركوب الحرام لم يثبت له الإيمان. # مسألة: [في إيمان المقر بالجملة] # وسأل عمن أقر بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وصدق به، هل يثبت له ~~الإيمان بهذا وحده؟ # قيل له: لا. # فإن قال: ما الدليل؟ PageV01P204 # قيل له: قول الله: {ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين ~~سعيرا}. فله ما قال الله إذا لم يؤمن بالله ورسوله، حتى يقر بالجملة بأن لا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن ما جاء به محمد ~~عن الله فهو الحق، وكذلك قال الله: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل ~~من قبلك وبالآخرة هم يوقنون * أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون}؛ ~~وإنما أفلحوا إذا آمنوا بالله ورسوله، وما جاء به محمد من التنزيل من الله ~~والأنبياء، وما أنزل إليهم، لا نفرق بين أحد منهم، ونحن له مسلمون. وهذا هو ~~الدين، والدين عند الله الإسلام. # فإن قال: فمن سمع /148/ في عصر رسول الله ^ من يقول: لا إله إلا الله، ~~وأن عيسى رسول الله ^، هل ms159 يثبت له الإيمان؟ # قيل له: لا؛ حتى يقر بالجملة كما وصفنا. # فإن قال: فيحكم عليه بالكفر؟ # قيل له: لا. # فإن قال: ولم ذلك؟ # قيل له: لم نسمع منه إيمانا تجب به ولايته، ولا كفرا تجب به عداوته ~~ومفارقته، فالوقوف عنه حتى يعلم إسلامه، ويقر بالجملة من دين محمد، وأن ~~محمدا رسول الله، وأن ما جاء به فهو الحق مع التصديق بعيسى. ولا يجزيه ~~التصديق بعيسى حتى يصدق بمحمد، وبما جاء به، وأنه هو الدعوة. # وقد كان في زمان رسول الله ^ من علم منه الإيمان بعيسى لم يثبت له ~~الإيمان حتى يؤمن بمحمد، فإن علم منه الإيمان بمحمد رسول الله، فإذا صدق ~~بمحمد، وبما أنزل إليه مع الإيمان بعيسى، فقد أقر بالنبي وحكمه. # وكذلك اليوم عندنا لما أحدث أهل القبلة، واختلفوا وابتدعوا، واستحلوا ~~الحرام والفراء على الله، وعلى رسوله ^ لم تثبت الولاية لمن علم منه ~~الإقرار بالجملة، حتى يعلم منه معرفة كفر المستحلين، والولاية لأهل طاعة ~~الله، مع الشهادة الأولى. PageV01P205 # وكذلك -أيضا- كان رسول الله ^ وأصحابه لم يكونوا يتولون من ركب ما حرم ~~الله عليه، ألا ترى أن الله قد أنزل في كتابه في: {الذين يلمزون المطوعين ~~من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله ~~منهم ولهم عذاب أليم}. ثم قال: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم ~~سبعين مرة فلن يغفر الله لهم}، وقال: {سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر ~~لهم لن يغفر الله لهم}، وإنما هم لمزوا المطوعين من المؤمنين. # وأمثال هذا، مما يدل فيمن ركب معاصي الله، أو طعن على المسلمين في دينهم، ~~وفي الذين سماهم الله بالفسق، وقال: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا ~~يستوون}. وقد أوجب عليهم ما قد قدمنا تلاوته. # هذه سيرته فيمن أحدث في عصره ^، وسار المسلمون في أهل الأحداث من بعده ~~سيرة معروفة. # فإذا كان الإمام إمام هدى وليس معه /149/ محدث يظهر حدثه كما كان أبو بكر ~~وعمر كانت الدعوة دعوة النبي ^، ومن أظهر حدثه ms160 أقيم عليه حد ما أتى. # فأما إذا كان الإمام إمام ضلال والكفر ظاهر يدان به على المنابر، ويدعى ~~إليه في المساجد، وينصب دينا ويبرأ ممن خالفه، ويستحل دمه لم يتول أحد، ولم ~~يثبت له اسم الإيمان حتى يعلم منه إيمانا يتولى عليه، أو كفرا يبرأ منه عليه. # ولولا ما وسع الله من التقية لكان العدل بتكفير من أقر للمستحلين، وسلم ~~لحكمهم، وأمن بين ظهرانيهم حتى يظهر الخلاف لهم، ويخرج من بين أظهرهم، ولكن ~~الله وسع في التقية، فقال: {إلا أن تتقوا منهم تقاة}. PageV01P206 # وقد نهى عن اتباع أهل الضلال، فقال: {ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من ~~قبل وأضلوا كثيرا}، وقال لنبيه ^: {ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون * إنهم ~~لن يغنوا عنك من الله شيئا وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض والله ولي ~~المتقين}. # وقال: {وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث ~~غيره وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين}، وقال: ~~{أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا ~~في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم ~~جميعا}. # فلولا التقية والرخصة من الله لكان الحكم فيمن قعد بين أظهر المستحلين ~~للكفر كحكمهم، ولكن جاءت الرخصة بالتقية في ذلك، فالذي يأمن بين أظهر ~~المحدثين ولم يسمع منه كفر يبرأ منه عليه، ولا إيمان يتولى به فحاله ~~الوقوف. # ولولا ما وسع الله من التقية لبرئ منه؛ لأنه لا يأمن بين أظهر المحدثين ~~إلا من أظهر الرضى بدعوتهم، ولكن التقية كان العذر فيها. # وإذا كان الإمام إمام هدى، ورأينا من أمن بين ظهرانيهم يظهر الرضا ~~بحكمهم، ويحضر أعيادهم، ورئي منه الصلاح، كان الحق ولايته وسمي مؤمنا ~~مسلما؛ لأن الإيمان يدان به علانية، كذلك سار المسلمون قبلنا ونحن لهم تبع. # فإن قال: فإلى ما يدعى اليهود والنصارى؟ PageV01P207 # قيل له: إن كان الإمام إمام هدى، والإسلام /150/ ظاهر يدعى إليه في ~~المساجد، ويخطب به على المنابر، ويبرأ ممن ms161 خالفه، ولا يأمن أحد من الناس ~~على إظهار خلافه، فيدعو إلى الدعوة الأولى التي لم يكن عندها حدث ظاهر. # وأما إذا كان الكفر ظاهرا يدان به علانية، ويدعى إليه في المساجد وعلى ~~المنابر، فالدعوة لهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ~~والإقرار بما جاء من الله، ومعرفة كفر المستحلين المظهرين لدعوة الكافرين، ~~والولاية للمسلمين على ذلك. # فإن قال قائل: فهذا جميع ما لا يسع جهله؟ # قيل له: لا، ولكن نتولى جميع من سمعنا منه ذلك، ما لم نسمع منه جهلا لما ~~لا يسع جهله، كما كان النبي ^ يتولى من سمع منه ذلك ما لم يسمع منه غير ~~ذلك، مما لا يسع جهله على كل حال. # ولو كان الناس لا يسلمون عند النبي ^ حتى يظهر منهم فعل كل خصلة لا يسع ~~جهلها لكان النبي ^ يوقف الناس على دعوته في جميع صفات الله، وجميع ذلك مما ~~لا يسع جهله. # فمن عاب علينا ما قد وصفنا سألناه عن الإمام إذا أحدث واستحل ما حرم ~~الله، وحرم ما أحل الله بالتأويل، واستحل نكاح الأمهات والأخوات لقول الله ~~تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء}، واستحل نكاح البهائم والغلمان ~~والرجال من العبيد لقول الله: {إلا ما ملكت أيمانكم}، واستحل الميتة والدم ~~ولحم الخنزير، وأكل أموال الناس ظلما لقول الله: {ليس على الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات}، ~~واستقبل غير القبلة لقول الله: {فأينما تولوا فثم وجه الله}، وترك الصلوات ~~الخمس؛ لأنها ليست في كتاب الله، وكذب بالرجم وقطع اليد والرجل. PageV01P208 # وتأول: {إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون}، وزعم أن ~~عيسى ابن مريم وأمه والملائكة يعذبون؛ لأنهم عبدوا من دون الله لقوله: ~~{إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون}. # ودان بالشك في البعث لقول الله: {لكل أجل كتاب * يمحو الله ما يشاء ~~ويثبت}، وقال: والله ما أدري أيبعث الله من في القبور أم لا؟! /151/ # ودان ms162 أن في الأرض إلها غير الله، لقوله: {وهو الذي في السماء إله وفي ~~الأرض إله}، ثم دعا الناس إلى ذلك، واستحل دم من لم يستجب له، وسبى ذريته، ~~وغنم ماله، وقتله حيث لقيه، ولم يأمن أحد عنده بإظهار خلاف ذلك. ما الحكم ~~علينا إن دخلنا هذه القرية التي فيها هذا الإمام، وقد أعطى جميعهم الرضى، ~~ولم يأمنوا عنده إلا بذلك، والإمام ومن معه جميعا يقرون بالتوحيد، وبالنبي ~~والكتاب، أنسميهم مؤمنين، وقد عرفنا وانتهى إلينا ما ذكرنا من الأحداث، مع ~~أنا لم نسمع لهم قولا؟ # فإن قال: نعم، قد علم منهم الاستحلال كما وصفنا، فقد دخل بأشنع قول، ورد ~~كتاب الله، والمستحل لما حرم الله لا يسع جهل كفره لمن عاينه أو بلغه عنه ~~ذلك بخبر. # وإن قالوا: نبرأ من هذا الإمام، وممن تولاه على ذلك، أو قال بقوله هذا ~~واستحله، فذلك هو القول في كل مستحل متأول مرتكب لما حرم الله. # فإن قال: ما تقول في الرعية التي بين ظهراني هذا الإمام، ولم نسمع منهم ~~قولا، ولا ولاية له، ولا مفارقة منهم له في سر ولا علانية؛ في حكمهم؟ # قيل له: نمسك عنهم ولا نتولى أحدا منهم حتى يعلم منهم الاستحلال لذلك، أو ~~ولايتهم للإمام على ذلك، فعند ذلك يبرأ منهم. PageV01P209 # وأما الإمام نفسه الذي استحل ذلك فالبراءة منه، وممن تابعه على ذلك ودان ~~بطاعته، وإنما لم تجب البراءة ممن في الدار لحال التقية وما وسع الله في ~~ذلك، وأما المستحل لذلك فلا يسع جهل كفره، ولا تحل ولايته، ولا ولاية من ~~تولاه، ولا الشك فيه، ولا في ولاية من تولاه على استحلاله. # وأما حال الداخلين في ذلك البلد -عندنا- فلهم كتمان دينهم، ولا يحل لهم ~~الرضى بذلك صدرا، وبالله التوفيق. # فهذا ما يدلك على أن كل متأول كتاب الله على غير الحق مستحل لما حرم ~~بتحريف التأويل، كافر، وإن قال أحد: إنه مسلم، فقد أباح الحرام. # مسألة: [في الجهل] # - وسأل فقال: ما تقول فيمن قال: إن الأشياء كلها مباحة، وإن ms163 الراكب لما ~~لا يعلم سالم، ولو ركب لما حرمه الله عليه بجهل مثل /152/ تزويج الأمهات، ~~وأكل الميتة، وسفك الدماء، وأكل الربا، ولم يعلم أن الله حرم هذا أنه سالم، ~~ولا شيء عليه في ذلك؟ # قيل له: هذا قائله قد أباح ما حرم الله بالجهل، والله تعالى لم يعذر أحدا ~~بالجهل، وقد قال الله تعالى: {ولا تقف ما ليس لك به علم}، وقال: {ولا تطع ~~من أغفلنا قلبه عن ذكرنا}، وقال: {ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون}، ففي كل ~~هذا لا يجوز قول هذا القائل. # وقال الله تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}، فلو كان أباح ~~الأشياء وركوبها على الجهل لم يقل: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}، ~~ولكان قد أهملهم. فلما أمرهم بالسؤال، ونهى أن يقفوا ما ليس لهم به علم، دل ~~ذلك أن الأشياء غير مباحة، وأنها محجورة، ولا يجوز ركوب شيء مما حرم الله ~~بجهل ولا علم ولا تعمد، ولا يحل إلا ما أحله الله بعلم ومعرفة مع السؤال عن ذلك. PageV01P210 # ولو كان ما يقول من قال هذا شيئا يلتفت إليه لكان الجهل أنفع للعباد من ~~العلم؛ إذ الجهل معه لا يضر أهله، والعلم ضار لمن علم ثم ركب بعد ما علمه. # وهذا المستحل لهذا والدائن به قائل غير الجميل، ضال عن سواء السبيل، فأين ~~هو من قولهم: حلال وحرام وشبهات؟!، وقد روي عن النبي ^ وعن ابن مسعود: «إن ~~الحرام بين والحلال بين، وبين ذلك شبهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك». # مسألة: [الأمر الذي لا يسع جهله] # - وسأل عن: الأمر الذي لايسع جهله عند مواقعته لمن ركب ذلك، أو عاين من ركبه؟ # قيل له: هو نصب الحرام دينا في تحريم ما أحل، وتحليل ما حرم، فمن استحل ~~حراما، أو دان به بجهل أو علم لم يسعه ذلك، ولم يسع من علم منه ذلك ولايته ~~عليه، ولم تسعه إلا البراءة منه؛ لأن راكب ذلك قد كفر وفسق وظلم، والله قد ~~نهى عن ولاية الظالمين، ms164 ونهى أن تنتهك محارمه، أو تتعدى حدوده، أو تترك ~~فرائضه. # وقد قال أيضا: {ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار... ~~ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين}، ~~وقال: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين}، {ومن يتولهم ~~منكم فإنه منهم}. # فإن قال: فما يسع جهله؟ # قيل له: هو ما دان المسلمون /153/ بتحريمه مما افترضه الله في كتابه أو ~~رسوله ^ في سنته، فواسع جهله لمن أقر بجملته ما لم يركبوا حراما، أو يحلوا ~~حراما، أو يحرموا حلالا، أو يتركوا فرضا واجبا، أو يتولوا من ركب، أو ~~يبرؤوا من المسلمين على براءتهم ممن ركب فواسع ذلك لهم. PageV01P211 # وقد قيل: إن مما لا يعذر الله العباد بجهله ولا الشك فيه بأن ينتهك ~~المحارم التي حرمها الله على استحلال من أهلها لها، ودينونة فيها بها. # فذلك الذي لا يعذر الله العباد بجهله ولا الشك فيه، إذا علم أن الراكب ~~لذلك مستحل دائن، لم يسع أحد أن يشك في هلاكه، والحجة في هذا قد قلناها مع ~~ما بينه الله في كتابه مما حرمه من المحارم. # مسألة: [ما لا يسع جهله من الإسلام] # - وسأل عن: الإسلام الذي لا يسع الناس جهله على حال من الأحوال؟ # قيل له: هو شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ^ عبده ~~ورسوله، وأن ما جاء به محمد من عند الله هو الحق؛ فهذا هو الذي لا يسع جهله ~~على كل حال. # والحجة به قائمة على كل بالغ عاقل، ولا يعذر أحد بالشك في هذه الجملة، ~~ولا التكذيب بها، فقد قال الله: {وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم ~~فإن أسلموا فقد اهتدوا}، وقال: {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن ~~تولوا فإنما هم في شقاق}. # وهي الجملة التي من أقر بها كان مسلما، ومن أنكر شيئا منها كان مشركا، ~~وهي الجملة التي كان رسول الله ^ يدعو إليها. # وقد قال الله تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة ms165 الحسنة وجادلهم ~~بالتي هي أحسن}، وقال: {ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال ~~إنني من المسلمين}، وقال: {إن الدين عند الله الإسلام}، والتي هي أحسن: ~~كلمة الإخلاص "لا إله إلا الله"، والإخلاص أن تخلص الدعوة لله وحده. PageV01P212 # وقد قال الله تعالى: {وما أرسلنا [من قبلك] من رسول إلا نوحي إليه أنه لا ~~إله إلا أنا فاعبدون}، وقال: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده}، وقال: ~~{اتبع ملة إبراهيم حنيفا} يعني: مستقيما بالإسلام، وهي الجملة التي من أقر ~~بها وصدق بجملة الإسلام حرم ماله ودمه، وصار موحدا، وإن أنكر شيئا منها كان ~~مشركا، وقوتل على ذلك، واستحل ماله ودمه، وعلى ذلك قاتلهم رسول الله /154/ ~~^ حتى دخلوا في الإسلام. # وفي هذه الجملة التي وصفت لك أنه لا يسع جهلها جميع من تعبد الله بها من ~~عباده، وذلك له تفسير؛ لأن جملة ما تعبد الله به عباده في كتابه، وفي سنة ~~نبيه، ومن القياس عليهما، والإجماع على ذلك؛ فمن أقر بما جاء به محمد ^ فقد ~~أقر بجملة الإسلام، وقد قال الله: {وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي ~~يوحى}، وقال: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}. # فهذا من الجملة التي من لم يقر بها لم يكن مسلما، ومن أنكر شيئا منها كان ~~مشركا، وقد يدخل في هذه الجملة أشياء لا يسع جهلها إذا ذكرت، ويسع جهلها ما ~~لم تذكر، وذلك معرفة تفسير التوحيد يسع جهله ما لم يذكر ولا يسع إذا ذكر ~~إلا الإيمان به، والقيامة والبعث والحساب والجنة والنار والثواب والعقاب، ~~إذا ذكر لم يسع إلا الإيمان به والتصديق به، وذلك يسع ما لم يذكر أو يخطر ~~بالبال، وتقوم الحجة بذلك، فإذا قامت الحجة به لن يسع إلا الإيمان والتصديق ~~به. وكذلك الوعد الوعيد يسع جهل ذلك ما لم تقم الحجة، ولا يسع بعد قيام الحجة. PageV01P213 # وكذلك يسعهم جهل المحارم التي حرم الله ما لم يركبوا شيئا منها، أو يحلوا ~~حراما أو يحرموا حلالا، أو يقعوا بالحرمة، ms166 ولا يصدقوا الحجة، أو تقوم عليهم ~~الحجة فيردوها، فإن ردوا الحجة أو ركبوا الحرمة أوتولوا راكبها، أو برؤوا ~~من العلماء على براءتهم ممن ركبها، لم يسعهم ذلك. # ويسعهم جهل الفرائض ما لم يبتلوا بشيء من ذلك، أو يحضر وقت العمل، مثل ~~الصلاة ما لم يحضر الوقت، فإذا حضر وقت الصلاة التي أقروا بها في الجملة لم ~~يسعهم جهل معرفتها والعمل بها، وعليهم العمل بها في أوقاتها بكمال طهارتها ~~وحدودها، والخشوع فيها، واستقبال القبلة فيها، وآدابها من تحريمها إلى ~~تحليلها؛ فإن تركها أو شيئا من فرائضها التي لا تقوم إلا بها لم يسعه ذلك ~~ولم يعذر. # وكذلك عليه استقبال القبلة فيها، والدينونة بها في حين أوقات الصلاة، ~~والإقرار بذلك، ويسعه جهل معرفة الوضوء والطهارة وغسل الأنجاس والجنابة ~~والحيض الذي أمر الله به. # والتيمم /155/ عند عدم الماء ما لم تحضر الصلاة واسع جهله، فإذا حضرت ~~الصلاة لم يسعه إلا العمل به والعلم بذلك، وأداؤه على ما يجب كما أمر الله ~~به في أوقاته وعلى وجه السنة. # وكذلك صلاة السفر يسع جهلها ما لم يسافر، فإذا كان مسافرا فعليه أن يعلم ~~فرض ذلك ويؤديه على ما يجب عليه. # ويسعه جهل معرفة الأنجاس والطهارات، وما يفسد الطهارات ويقطع الصلاة ما ~~لم يبتل بالعمل ويحضر وقته، فإذا حضر وقت ذلك لزمه العمل بالطهارات للصلوات ~~لم يسعه أن يركب ما يفسد عليه وضوءه، ولا ما يقطع صلاته، وأن يؤدي ذلك على ~~وجهه، وإن علم ذلك وأحكمه قبل لزومه كان أفضل له، وإنما قلنا: يسعه ما لم ~~يبتل بالعمل ويحضر الوقت ما كان أحد قائما بنقل الشريعة. PageV01P214 # وكذلك لبس الثياب الطاهرة، والصلاة على البقعة الطاهرة، والنية للصلاة، ~~واستقبال القبلة، كل ذلك واسع ما لم يحضر وقت الصلاة، فإذا حضر وقتها لم ~~يسعه إلا العمل بما يجب من ذلك في وقته. # وكذلك يسعه جهل معرفة فرائض الصلاة وسننها ما لم يحضر العمل، فإذا حضر ~~العمل فعليه أن يعلم ذلك، ويجتنب ما يفسد عليه صلاته، ولا عذر له في ms167 تركه، ~~وعليه العمل، ويسعه ما لم يلزمه العمل بذلك، فافهم إن شاء الله، وبه ~~التوفيق. # وقد روي عن رسول الله ^ أنه قال: «تعليم العلم فيما تعبد الله به عباده ~~فريضة على كل حالم - أو قال: - على كل مسلم»، وقال: «اطلبوا العلم ولو ~~بالصين». # وإنما قلنا: إنه يسع ما لم يسمع، أو تقوم عليه الحجة أو يحضر وقت العمل، ~~وعند حضور العمل ينقطع العذر، ولا يسع الترك لمن أقر بالإسلام؛ لأن الله ~~فرض الفرائض، وأثبت حقوقها وبين حدودها من الصلاة وغيرها، وأوجب العمل بها ~~في كتابه، وبين ذلك رسول الله ^ لأمته، فعلى الناس طلبه وتعليمه ومعرفته ~~والعمل به، ولا ينقطع عذرهم في الوقت قبل أن يحضر وقته، وإن لم يعلمه هلك. # وإنما قلنا: يسعه من ذلك حتى يعلم أو يحضر الوقت، كذلك جميع الفرائض التي ~~اتفق /156/ الناس عليها. # وكذلك الزكاة يسعه جهلها لمن أقر بالجملة ما لم يملك مالا تجب فيه ~~الزكاة، فإذا ملك مالا تجب فيه الزكاة لم يسعه جهلها، وكان عليه إخراج ~~الزكاة على ما أوجبها الله، أو سنها رسول الله ^، ودفعها إلى أهلها ~~المستحقين لها، وإخراجها من صنوف الأموال. فإن تركها ولم يزك، أو ترك شيئا ~~منها ولم يدن به ولم يخرجه حتى يحضره الموت، ولم يزكه ولم يوص به هلك ولم ~~يعذر بذلك. PageV01P215 # وكذلك صيام شهر رمضان واسع جهل معرفته لمن أقر بالإسلام ما لم يحضر وقت ~~الشهر، فإذا حضر هلال شهر رمضان وجب عليه معرفته وصومه على كل بالغ عاقل ~~مقيم، حاضر غير مسافر ولا مريض، فإن جهل أحد ولم يصمه أو لم يصم منه يوما ~~واحدا هلك ولم يعذر بذلك ولم يسعه. # وقد أوجب الله شريعة الصوم والزكاة في كتابه، وإنما قلنا: يسع جهل ذلك ~~لمن جهله ما لم يلزمه، فأما إذا وجب لم يعذر أحد في ذلك، وذلك إذا قام به ~~بعض المسلمين؛ لأن نقل الشريعة فرض على الكفاية، ولم يسع أن يترك ذلك ~~الجميع ولا يعذرون، وإنما يعذرون في ذلك بعذر، والمتعلم لذلك ms168 قبل وقته أفضل. # ومن لزمه الصوم لزمه أن يجتنب فيه ما يفسد عليه صومه، فإن جهل ذلك وأفسد ~~صومه لم يعذر بذلك، وإنما يسعه ما لم يركب ما يفسد عليه صومه. # ومن ترك شيئا من فرائض الصيام لم يسعه ولم يعذر، وإنما قلنا: يعذر ما لم ~~يعلم أو تقم عليه الحجة، أو يحضر وقت ذلك ولزومه، وصومه، وكذلك الزكاة. # وكذلك يسع جهل معرفة الكفارات التي في كتاب الله، التي يكفر من تركها ما ~~لم يحلف ويحنث، وتجب عليه الكفارة؛ فإذا وجبت عليه الكفارة لحنثه أو لصومه، ~~أو في القتل لزمه علمه والعمل به، والكفارة كما أوجبها الله وسنها رسوله، ~~فإن جهل ذلك بعد لزومه وتركه لم يعذر بذلك ولم يسعه تركه، ولا يسعه ركوب ما ~~يفسد عليه صومه بجهل ولا علم، وإنما يسعه ما لم يلزمه شيء من ذلك. # وكذلك من أفطر في سفره /157/ أو في مرضه فعليه البدل، فإن صح وجهل ذلك ~~ولم يبدله لم يعذر بذلك، وإن هو نسيه حتى مات بعذر من الله فهو معذور في ~~النسيان، وإنما عليه عدة من أيام أخر غير محدودة، فإنما التارك لذلك بالعمد ~~أو الجهل فغير معذور، وكل هذا حجته في كتاب الله، وسوف نفسره في موضعه إن ~~شاء الله. PageV01P216 # وكذلك الحج يسعه جهل معرفته وفرائضه ومناسكه ما لم يستطع الحج، وإنما ~~قلنا: يعذر ما قام بذلك غيره من المسلمين، فإذا وجب عليه الحج ولزمه فرضه ~~فعليه الخروج منه كما أمر الله، فإن هو تركه بعد وجوبه لم يحج ولم يوص به ~~حتى مات لم يعذر بذلك ولم يسعه. # وقد أوجب الله الحج على من استطاع إليه سبيلا، وإن هو دخل في الحج لزمه ~~علم فرائضه والعمل بها، واجتناب ما يفسد عليه حجه من الرفث والفسوق والجدال ~~في الحج، فإن ركب شيئا مما يفسد عليه حجه، أو ترك شيئا من فرائضه لم يعذر ~~بركوب شيء من ذلك بجهل ولا علم. # وكذلك عليه أن يجتنب قتل الصيد، وقطع الشجر، وما يوجب الجزاء ms169 لمن ركب ~~ذلك، فإن هو ركب شيئا من ذلك بجهل أو علم لزمه الجزاء بما يحكم به الحكمان، ~~ولم يعذر بترك ذلك. # ويسعه جهل معرفة بر الوالدين والأرحام، وحق الجار والزوجات والأولاد ~~والمماليك، والصاحب بالجنب وابن السبيل ما لم يبتل بذلك. # فإذا لزمه شيء من ذلك فعليه القيام به والخروج منه كما أوجبه الله وعمل ~~به رسول الله ^، وسار به المسلمون من بعده، ولا يعذر بترك ما يلزمه بعد ~~علمه، وإنما يسعه إذا أقر بالجملة ما لم يبتل بشيء من ذلك، أو تقم عليه ~~الحجة بعلم ذلك. # وقد أوجب الله بر الوالدين، وقال: {وبالوالدين إحسانا وبذي القربى ~~واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن ~~السبيل وما ملكت أيمانكم}، فأوجب ذلك على من لزمه، ولا يعذر بتركه، ولا ~~العمل به عند لزوم عمله له، أو قيام الحجة به عليه، فيدين به، ومتى وجب ~~عليه قام به، وقد أوصى الله بالزوجات فقال: /158/ {وعاشروهن بالمعروف}. PageV01P217 # وقال في المماليك: {عبدا مملوكا لا يقدر على شيء}، {وهو كل على مولاه}، ~~وأوصى النبي ^ بالإحسان إليه. # وقال الله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين}، فساوى ~~بينهم في المحيا والممات، وقال: {قوا أنفسكم وأهليكم نارا}. وقد وصى بذلك ~~ويجب اتباعه. وإنما قلنا: يسع جهله لمن لا يبتلى به، أو تقوم به الحجة عليه. # وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يسع جهل معرفة ذلك إذا أقر ~~بالجملة ما لم يترك معروفا أو يركب منكرا. وإنما قلنا: يسعه ما لم يلزمه ~~ذلك أو يقع فيه، فإذا لزمه أمر بمعروف أو نهي عن منكر لم يعذر بترك ذلك ~~بجهل ولا علم. # وكذلك إن ركب منكرا، أو ترك الإنكار على ما يوجب عليه من الفعل والقول ~~والقلب، فترك ذلك بعد لزومه له لم يعذر بذلك. # وقد أوجب الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: {كنتم خير أمة ~~أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}، فجعلهم على ذلك خير أمة، ~~وقال: {الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون ms170 لحدود الله وبشر ~~المؤمنين}، فأوجب ذلك في الكتاب والسنة، وإنما قلنا: يسع ما لم يلزمه ذلك ~~في حال يجب. PageV01P218 # والجهاد في سبيل الله واسع جهله ما لم يلزمه ذلك، ما قام به البعض* من ~~المسلمين، فإن هو لزمه الجهاد في سبيل الله، أو الدفع كما أمر الله، لم ~~يسعه إلا عمله والعمل به على ما يجب عليه فيه، وألا يتعدى إلى غير المأمور ~~به فيه، ولا يركب ما نهي عنه. فإن لزمه فتركه بعد القدرة له، ولم يكن أحد ~~قائما بذلك، وركب نهي الله فيه ونهي رسوله لم يعذر بذلك، وإنما يسعه ما قام ~~بذلك أحد؛ لأنه فرض على الكفاية، وقد قال الله: {قاتلوا في سبيل الله أو ~~ادفعوا} فهما هما، ومن تعدى إلى غير ذلك فقد أخطأ. # وكذلك الزنا وشرب الخمر وقذف المحصنات، واسع جهل ذلك لمن لم يعلمه ما لم ~~يركب زنا، أو يقذف المحصنات، أو يشرب الخمر، فإن هو فعل شيئا من ذلك لم ~~يسعه ولم يعذر بذلك بجهل ولا عمد. # وكذلك الكذب المتعمد عليه، وغيبة المسلمين وشتمهم، والأذى لهم بغير ما ~~اكتسبوا، /159/ وقول الزور، كل ذلك واسع جهله ما لم يركب شيئا مما وصفنا. # فإن ركب شيئا من ذلك بجهل أو عمد فكذب أو قذف أو شتم المسلمين أو ~~اغتابهم، أو شهد بزور لم يعذر بذلك، ركب ذلك جاهلا لحرمته أو عالما بحرمته، ~~فلا يحل ركوبه لما حرم الله عليه من ذلك؛ لأن هذا كله قد حرمه الله وذمه ~~وتوعد فاعله عليه، وحذر عنه وشدد فيه، ونهى عنه رسول الله، ولم يرخص الله ~~في ركوب شيء مما نهى عنه. PageV01P219 # كذلك نظر الحرام وغض الأبصار عما لا يحل النظر إليه، وحفظ الفروج عما لا ~~يسع ركوبه وفعله، والسمع والبصر والفؤاد والكلام بما لا يجوز التقول فيه ~~بغير الحق، كل هذا واسع جهل معرفته، إذا أقر به في الجملة فإن هو نظر محرما ~~أو فعل شيئا مما وصفنا مما لا يجوز له أو وقع به، لم يسعه ولم ms171 يعذر بذلك ~~بعلم ولا بجهل؛ لأن الله حرم ذلك في كتابه، فقال في كتابه: {ولا تقولوا على ~~الله إلا الحق}، {وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون}، وقال: {إن السمع ~~والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا}، وقال: {ولا تقف ما ليس لك به ~~علم}، وقال: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن ~~الله خبير بما يصنعون * وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن} ذلك ~~أزكى لهن، وكل هذا مما لا يحل، فمن لم يعلمه ولم يركب شيئا من ذلك لم يأثم، ~~فأما إن ركب لم يعذر بجهله ولا علمه إذا ركبه. # وكذلك الربا والتطفيف في الكيل، والبخس في الميزان، والغش في البيع، كل ~~ذلك واسع لمن لم يعلم ذلك، لمن لم يركب في ذلك ما حرم الله عليه، فيأكل ~~الربا أو يعامل بالربا أو يأكل السحت، ويبخس الناس أشياءهم، ويطفف في الكيل ~~والوزن. # فإن فعل شيئا من ذلك، فأربى أو طفف أو بخس لم يعذر بركوب ذلك، ولم يسعه، ~~وليس له أن يركب ما حرم الله عليه ورسوله في البيع، وقد حرم الله التطفيف ~~في الكيل والبخس في الميزان. PageV01P220 # وحرم ||الله|| الربا لقوله: {لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله ~~لعلكم تفلحون * واتقوا النار التي أعدت للكافرين}، وقال: {ولا تبخسوا الناس ~~أشياءهم}، وقال: /160/ {ويل للمطففين * الذين إذا اكتالوا على الناس ~~يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون}، وغير ذلك في الربا وتخبطهم في ~~المحشر، وقد حرم الله ذلك أجمع. # وإنما قلنا: يسع ما لم يركب فعل ذلك، ولا يعذر في ركوب ذلك بجهل ولا علم، ~~وقد يسعه جهل معرفة حرمة الميتة والدم ولحم الخنزير، وما أهل لغير الله به ~~مما حرمه الله ورسوله، من أكل أموال الناس بالباطل، وأكل أموال اليتامى ~~ظلما، وقتل النفس التي حرم الله، وقتل المؤمنين على العمد، ما لم يركب شيئا ~~من ذلك. فإن هو ركب شيئا من ذلك فأكل الميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو ما ~~أهل لغير الله به، ms172 أو سرق أو ظلم أو غصب أموال الناس، أو أكل أموال ~~اليتامى، أو أموال الناس بالباطل، أو قتل نفسا مؤمنة بغير حق، أو قتل نفسا ~~محرمة بغير حق، أو ركب ما حرمه الله، أو استحل ما حرمه الله، لم يعذر بركوب ~~شيء من ذلك، ولم يسعه جهل ركوب شيء من ذلك بجهل أو عمد؛ لأن الله ~~||ورسوله|| قد حرما ذلك، فلا يحل ذلك لمن ركبه، وإنما يسعه ما لم يركب ذلك. PageV01P221 # قال الله تعالى: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير}، وقال: {ولا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل}، {ولا تقتلوا أنفسكم}، {ومن يقتل مؤمنا ~~متعمدا فجزآؤه جهنم}، وقال: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق}، ~~وقال: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن}، وقال: {الذين يأكلون ~~أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا}، فلا يحل ركوب ما حرم ~~الله، ولا ارتكاب شيء مما نهى الله عنه ورسوله ^ تحريما. # وكذلك نكاح ما حرم الله ورسوله من نكاح الأمهات والبنات والأخوات والعمات ~~والخالات، {وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من ~~الرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسآئكم اللاتي دخلتم ~~بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من ~~أصلابكم}، {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء}، {كتاب الله عليكم}: فريضة ~~الله عليكم. # وحرم النبي من الرضاع ما حرم الله من النسب، وكل هذا واسع جهل معرفته لمن ~~لم يعلمه، ما لم يركبه أو تقم به الحجة. # فإن هو ركب شيئا مما وصفنا /161/ من هذا، ونكح ما لا يحل له من ذلك لم ~~يعذر بذلك، ولم يسعه جهل ركوب ذلك، كان جاهلا أو متعمدا، فلا جهل في ~~الإسلام لمن ركب ذلك. PageV01P222 # كذلك يسع جهل المحارم التي حرم الله من الدماء والفروج والأموال والحدود ~~التي حدها الله ما لم يركب شيئا من ذلك، أو يقل على الله فيها بغير الحق، ~~فيحل حراما أو يحرم حلالا، أو يقع في الحرمة، ولا يصدق الحجة. فإن ركب شيئا ms173 ~~من ذلك، أو قال على الله في حال جهله بالخطأ والكذب فأحل حراما أو حرم ~~حلالا لم يعذر بذلك، ولم يسعه ذلك، ولا ركوبه بجهل ولا علم؛ لأن ما حرم ~~الله لا يحل ركوبه، وما أحل فلا يجوز لأحد أن يحرمه. # وما افترض الله في كتابه فلا يجوز تركه، فإن هو أحل حراما أو حرم حلالا ~~أو ترك فرضا، أو تعدى حدود الله بجهل أو علم لم يسعه ذلك، ولم يعذر بما فعل ~~من ذلك. # وكذلك كل ما دانوا بتحريمه يسعهم جهله ما لم يركبوا، ولا يسعهم ركوبه. # وكذلك كل ما دانوا بتحريمه يسعهم جهله ما لم يركبوا، أو يتولوا من ركب، ~~أو يبرؤوا من العلماء على براءتهم ممن ركب. # ويسع جهل معرفة قسم المواريث والأحكام أبدا ما لم يحكموا بغير ما أنزل ~~الله، ويتعدوا حدود الله في المواريث ما قام بذلك الخاصة من المسلمين، ونقل ~~الشريعة إلى من بعدهم. # وإن تعدى فركب شيئا من ذلك على غير علم لم يعذر بركوبه الخطأ، فيحل حراما ~~أو يحرم حلالا، أو يحكم بغير ما أنزل الله. # وإنما قلنا ذلك يسع ما قام بالفقه ونقل الشريعة بعض المسلمين، قال الله ~~تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم ~~إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون}، فأجاز التفقه لبعض إذا قام بالجهاد بعض، ~~وإذا قام به طائفة سقط عمن لم يقم به. # وقال تعالى: {فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون}، فأوجب على من لم ~~يعلم أن يسأل حتى يعلم ما يجب عليه. PageV01P223 # وقال: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا ~~تكتمونه}، فلما قال ذلك دل أن على الناس سؤال من أوتي الكتاب، وهم أهل ~~الذكر، وعلى الناس سؤالهم فيما تعبدهم الله به، ويسألون أهل الذكر، وعلى ~~أهل الذكر أن يخبروهم بما يحل لهم وما يحرم عليهم، وعلى العوام ألا يقفوا ~~ما ليس لهم به علم؛ فيقعوا في المحرم حتى يسألوا عن /162/ ذلك، فقد بينا ما ~~يسع جهله ms174 ما لم يركب، ولا يسع ركوبه على الجهل ولا العلم، وما يسع جهله ما ~~لم يحضر وقته، وما لا يسع إذا حضر وقت العمل به، وما لا يسع جهله ولا ~~ركوبه، فتبين ذلك وتدبره إن شاء الله. # مسألة: [في ما لا يجوز فيه الشك] # - وسأل عن: الذي لا يجوز الشك فيه؟ # قيل له: هو أن ينتهك المحارم على الاستحلال من أهلها لها، ودينونة فيها ~~بها، فذلك الذي لا يعذر الله العباد بجهله ولا ركوبه ولا ولاية أهله عليه، ~~إذا علم أن الراكب لذلك مستحل له دائن به لم يسع أحدا أن يشك في هلاكه. # فإن هو شك فيه أو تولاه على استحلاله لم يعذر بالشك في ذلك؛ لأن المستحل ~~لما حرم الله قد ركب ما حرمه الله عليه، ثم ادعى أن الله أحل له ذلك، ~~فازداد كفرا إلى كفره في ادعائه على الله واستحلاله ما لا يحل له؛ لأن الله ~~قد حرم المحارم وبينها في كتابه وعلى لسان رسوله، وحد الحدود وأوجبها على ~~أهلها، وحرم الخبائث كلها في كتابه، كما قال: {ويحرم عليهم الخبآئث}. # وقد حرمها رسول الله ^، وحرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وحرم الإثم ~~والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا، وأن تقولوا على ~~الله ما لا تعلمون. PageV01P224 # فمن ركب شيئا مما حرمه الله ورسوله لا عذر له، وهو هالك بمعصيته إلا أن ~~يتوب، فإن هو - مع ركوبه - قال: إن الله أحل له ذلك أو شيئا منه مع ركوبه ~~ودان به ازداد معصية إلى معصيته، وادعى على الله كذبا يجزيه الله به، فمن ~~علم بركوبه واستحلاله فعليه البراءة منه، وإن هو شك فيه وفيما يجب عليه بعد ~~قيام الحجة عليه لم يسعه الشك في ذلك، ولم يعذر بذلك، والحجة أن يعلم هو أن ~~الراكب لذلك مستحل دائن بما حرمه الله؛ لأن الراكب لذلك هالك مقطوع العذر. ~~وإن قامت عليه الحجة من المسلمين فليس له رد قولهم عليهم بعد قيام الحجة ~~عليه، فإن رد ms175 قولهم عليهم هلك بذلك. # ومن ذلك قيل: إنه لا يسع الشك في كفر أهل الأحداث المستحلين لها، ولا ~~تجوز الولاية لأهلها عليها، وبالله التوفيق. # وقد حرم الله البغي في الأرض بغير الحق، فمن بغى على المسلمين، ودان ~~بتحليل ذلك، وادعى ذلك طاعة أمر الله بها لم يسع جهل كفره، ولا ولاية عليه، ~~ولا الشك فيه لمن علم بحدثه /163/ وبغيه. قال الله: {ويبغون في الأرض بغير ~~الحق أولئك لهم عذاب أليم}. فأوجب العذاب على الباغي. # وقال الله تعالى: {ثم بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور}. فإذا ~~كان الله ناصره وجب على المسلمين نصر من ينصره الله. # وقد قال الله: {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله}، فأوجب مقاتلة ~~الباغي حتى يفيء إلى أمر الله إلى الحق، وعلى ذلك قاتل المسلمون أهل البغي، ~~وبه ساروا، وحرموا البغي وولاية أهل البغي، وفارقوا الشكاك على شكهم، ولم ~~يتولوهم في تخلفهم عن قتال الفئة الباغية، ولم يصوبوا -أيضا- من تولى الفئة ~~الباغية والمبغي عليها. PageV01P225 # وهذا الذي يتولى الفريقين قد جمع بين الأضداد، فلا يحل له ولاية من حرم ~~الله حدثه، وأوجب عليه البغي بحدثه، وأمر بقتاله، والذي ساوى بين ذلك ضال ~~عن الحق، والذين شكوا في ذلك قد شكوا فيما أمر الله، ولم ينصروا من قال ~~الله: إنه ينصره. # وقد قاتل أبو بكر بالسلف من المهاجرين والأنصار من منع الصدقة، واتفقوا ~~على تصويبه في ذلك، وقاتل من ارتد حتى دخل فيما خرج منه، وقاتل مانع الصدقة ~~حتى أعطى ذلك، ولم يستحل منهم غير ما وجب عليهم، وقال: "لو منعوني عقالا ~~لقاتلتهم عليه". # ألا ترى أنه لم يقبل قول من شك في قتالهم حين قالوا له: "اصبر حتى يقوى ~~جمعك، ويكثر أعوانك"، وقالوا: "أتقاتل قوما آمنوا بنبينا وصلوا معنا -أو ~~قالوا: صلوا إلى قبلتنا- إذ منعونا الشاة والبعير؟!"، فقال: "لو منعوني ~~عقالا مما أعطوه رسول الله ^ لقاتلتهم عليه أو ألحق بالله"، وقال: "حتى آخذ ~~منهم، ولا أفرق بين شيء جمعه رسول الله ^". والله أعلم بلفظ ms176 هذه الأخبار ~~كيف كانت؛ إلا أن هذا يدل على معانيها، ولم يعذر أحدا في ذلك. # فمن قال من بعده اليوم: لا يحل قتال البغاة، ولا قتال الجبابرة ممن أقر ~~بالتوحيد، فقد خرج مما سار به المهاجرون والأنصار، والخلفاء الراشدون، ~~وخالفوا كتاب رب العالمين فيما قد تلونا في أمر البغاة، والمقاتلة لهم، ~~وتكفيرهم، وقتلهم حتى يفيئوا إلى أمر الله. # ألا ترى أن الذين قاتلوا مع أبي بكر من منع الصدقة، ولم يشكوا في قتال ~~أهل البغي مع علي، مثل طلحة والزبير ومعاوية،/164/ ولم يعذروا من شك في ذلك ~~ولم يتولوهم، فإنما وقف من وقف منهم عمن شك في قتال معاوية إذ لم يعلم لم ~~كان تخلفهم عن الحرب. # مسألة: [في ماهية الشرك] # - وسأل عن الشرك: ما هو؟ # قيل له: هو الإشراك في الشيء غيره، والمشاركة فيه هو اسم الشرك والإشراك. # فإن قال: فيما يلحق العبد اسم الشرك بالله؟ PageV01P226 # قيل له: هو كل ما أشرك به مما لم ينزل به سلطانا فهو مشرك، كما قال: {وأن ~~تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا}. فهو مشرك، وقد حرمه الله تعالى، وهو ~~أن يجعل معه شريكا في ملكه، أو يجعل معه إلها غيره، أو يعبد غيره ممن يعبد ~~الأوثان والأصنام والنيران والشمس والقمر والملائكة والرسل. # فكل من عبد غير الله فقد أشرك به ما لم ينزل به سلطانا، ومن أشرك بالله ~~ما لم ينزل به سلطانا {فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح ~~في مكان سحيق}؛ يعني: بعيدا. فالمشرك بعيد من الله، خارج من رحمة الله. # ومن لم يؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وأنبيائه، وما جاءوا به عن الله ~~كان مشركا، ومن لم يؤمن بالله، ويقر بجملة الإسلام التي دعا إليها رسول ~~الله ^ كان مشركا، ومن صدق بالله وشك في محمد ^، ولم يؤمن به أنه رسول الله ~~^ ولم يؤمن بالقرآن الذي جاء به محمد ^ من عند الله كان مشركا وليس بمسلم، ~~وهي الدعوة التي من أقر بها كان مسلما، ومن أنكرها ms177 أو شيئا منها كان مشركا، ~~حتى يقر بالله وبرسوله وما جاء به ويصدق به أنه الحق. # وفي ذلك إيمان بجميع الأنبياء والمرسلين وكتب رب العالمين، وقد قال ~~تعالى: {ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنا أعتدنا للكافرين سعيرا}. وقال: {فلا ~~وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما ~~قضيت ويسلموا تسليما}، فمن لم يسلم لحكم رسول الله فليس بمؤمن، ومن لم يكن ~~مؤمنا كان مشركا وكافرا، ومن آمن ببعض الأنبياء وكفر ببعضهم كان مشركا؛ ~~لأنه رد ما جاء في القرآن من الإيمان بجميعهم، ونقض ما أقر به من الجملة. PageV01P227 # ومن أنكر شيئا من كتاب الله أشرك؛ لأنه نقض ما أقر به أنه جاء من الله. ~~ومن لم يصدق بجملة القرآن أشرك، ومن لم يؤمن بالآخرة كان مشركا. وقد قال ~~الله: /165/{وأن الذين لا يؤمنون بالآخرة أعتدنا لهم عذابا أليما}، وقد ~~قال: {ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا ~~بعيدا}. # ومن لم يؤمن بالمعاد وأنكر البعث أشرك؛ لأن ذلك في كتاب الله، وقد نقض ما ~~أقر به، ومن رد شيئا من كتاب الله ولو حرفا واحدا فقد أشرك حتى يؤمن بكل ما ~~جاء من الله على لسان محمد ^ وهي الدعوة، وعلى إنكارها قاتلهم رسول الله ^ ~~حتى دخلوا في الإسلام. وقتل من امتنع من اليهود، واستحل سباهم وأموالهم، ~~وقاتل عبدة الأوثان حتى أقروا بالإسلام، فمن أنكر وحدانية الله أشرك، ومن ~~أنكر البعث وكذب بالجنة والنار أشرك؛ لأن ذلك في القرآن. # ومن جحد الصلاة وأنكر أنها ليست في كتاب الله، وخطأ من أوجبها كان مشركا ~~يقتل إن لم يتب، فأما من لم يصل وهو مقر بها لم يشرك. # ومن جحد الصلاة والزكاة ومنع ذلك أشرك بذلك، وقوتل حتى يقر بذلك، وعلى ~~ذلك كان قتال أبي بكر لمن ارتد ومنع الزكاة. # ومن جحد الحج والصيام والفرائض التي في كتاب الله، ولم يؤمن بذلك أشرك. PageV01P228 # ومن قال: إن نبيا بعد محمد ^ وأنه ليس بخاتم النبيين، ms178 أو قال: إنه كاذب ~~أو ساحر، ولم يصدق به أشرك. ومن ذلك لحق اليهود اسم الشرك؛ لأنهم سموا ~~النبي كاذبا وساحرا، ولم يؤمنوا به، ولا بما جاء به فأشركوا، وعلى ذلك ~~قاتلهم النبي ^، واستحل دماءهم وأموالهم بما أحلها الله له من ذلك، وقد ~~سماهم الله مشركين لقوله: {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى ~~المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم ~~الله أنى يؤفكون * اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن ~~مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون}، ~~فسماهم الله في كتابه مشركين، وفي هذا لهم كفاية. # وقد سماهم الله الذين كفروا، فقال: {لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على ~~لسان داوود وعيسى ابن مريم}. وقال: {النار وعدها الله الذين كفروا وبئس ~~المصير}، ولم يلعن الله مؤمنا وقد لعن الكافرين. وقال: {وهل نجازي إلا ~~الكفور}. # فكل من استحق بعصيانه مجازاة من الله وعقوبة فهو كافر كما سماه الله. # وقال: {وكان الشيطان لربه كفورا}./166/ فمن لم يكن شكورا كان كفورا، ولا ~~فرق في ذلك، كما قال تعالى: {إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه ~~فجعلناه سميعا بصيرا * إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا}. فمن لم ~~يكن شاكرا كان كفورا، ولا منزلة ثالثة غير هاتين. # مسألة: [في الشك] # - وسأل عن: الشك؟ PageV01P229 # قيل له: من شك في الله أنه ليس بخالق ولا رازق كفر، ومن شك في تفسير ~~أسماء الله بعد قيام الحجة عليه كفر. ومن شك في تفسير التوحيد، بعد علمه ~~وقيام الحجة عليه كفر. ومن شك في النبي ^ أنه ليس بنبي ولا رسول ^ كفر بذلك. # ومن شك في القرآن، بعد أن سمعه يتلى ويقرأ؛ فقد قامت عليه الحجة، فإن شك ~~فيه كفر، فأما من آمن بالله ورسوله، وآمن بالقرآن، ثم سمع بآية لم يكن علم ~~أنها من القرآن، فشك فيها لم يكفر، حتى تقوم عليه الحجة بأنها من القرآن، ~~فإن شك فيها بعد قيام الحجة ms179 عليه كفر، وإن شك في سورة من القرآن، أو ثلاث ~~آيات لم يعذر في ذلك وقد كفر. # وقد قيل: إن القرآن حجة الله؛ لأن نظمه معجز من كلام البشر، فمن شك في ~~شيء منه كفر. وقال آخرون: حتى يشك في ثلاث آيات؛ لأن أقل سورة ثلاث آيات. # ومن شك في الثواب والعقاب والجنة والنار، والبعث والحساب، والوعد والوعيد ~~بعد قيام الحجة عليه من كتاب الله أو حجة المسلمين كفر. # ومن شك في فرائض الله التي افترضها بعد قيام الحجة عليه كفر. ومن شك في ~~محارم الله التي حرمها بعد علمه، وقيام الحجة عليه كفر. # ومن شك في أنبياء الله وكتبه ورسله بعد قيام الحجة عليه كفر، وكذلك من شك ~~في ملائكة الله بعد علمه وقيام الحجة عليه كفر. # وأما من شك في أحد من أنبياء الله، أو أحد من ملائكة الله لم يسمع بهم لم ~~يكفر ||بذلك|| حتى تقوم الحجة عليه، فإذا قامت عليه الحجة فشك بعد قيام ~~الحجة عليه كفر. # ومن شك في ولاية المسلمين والبراءة ومن الكافرين بعد علمه وقيام الحجة ~~عليه كفر، وأما من شك في ولاية واحد من المسلمين لم تقم عليه الحجة لم ~~يكفر. وكذلك في البراءة. # إن من شك في البراءة من رجل لم تقم عليه فيه الحجة أنه من أهل البراءة لم ~~يكفر إلا بالشك بعد علمه، وقيام الحجة عليه. /167/ PageV01P230 ومن لم يتول ~~الله ورسوله والذين آمنوا بعد علمه كفر، ومن لم يبرأ من الكافرين من ~~الأولين والآخرين بعد علمه في الجملة وعند التسمية كفر، ولا يسع الشك بعد العلم. # ومن شك في جهاد المشركين بعد علمه كفر، ومن شك في قتال أهل البغي بعد ~~علمه وقيام الحجة عليه كفر، ومن شك في قتال المحارب وإقامة الحدود عليه بعد ~~علمه وقيام الحجة عليه كفر، ومن شك في إقامة الحدود على المقرين بها بعد ~~علمه وقيام الحجة عليه كفر، ومن شك في كفر شارب الخمر بعد علمه وقيام الحجة ~~عليه كفر، ومن شك في ms180 كفر من سرق أو زنى أو قذف محصنا بعد علمه وقيام الحجة ~~عليه كفر. ومن شك في كفر من ترك الفرائض ولم يدن بها بعد علمه وقيام الحجة ~~عليه كفر. # ومن شك في كفر من ركب المحارم التي حرمها الله وتعدى حدود الله التي حدها ~~بعد علمه وقيام الحجة عليه بما ركب كفر. ومن شك في ثواب الله على طاعته، ~~والعقاب من الله لأهل معصيته بعد علمه وقيام الحجة عليه في ذلك كفر. ومن شك ~~في كفر المستحلين لما حرم الله بعد علمه وقيام الحجة عليه كفر. ومن شك في ~~ولاية المسلمين على براءتهم ممن ركب ما حرم الله بعد علمه وقيام الحجة عليه ~~كفر. ومن لم يتول المسلمين، ويبرأ من الكافرين بعد علمه وقيام الحجة عليه ~~في ذلك كفر. وما كان مثل هذا مما لم أذكره ولم يخطر في قلبي فاكتبه فهو مثله. # ولا يسع الشك في كفر من ركب ما نهى الله، أو ترك أمره، أو تعدى حدوده، أو ~~تعاطى ما ليس له مما لم يأذن الله له به، أو أصر على معاصيه أو ركب ~~الكبائر؛ لأن المحدث بعينه هالك بحدثه، مقطوع العذر، لا يحل الشك فيه بعد ~~قيام الحجة عليه، وعلم الشاك في ذلك، وبالله التوفيق للصواب. PageV01P231 # والشاك حيران مستهوى، قد التبس عليه أمره، وقد قال الله في ذم الشاك: إنه ~~{حيران له أصحاب يدعونه إلى الهدى} ويخبرونه بالطريق، وهو مستهوى لا يعلم ~~الحق فيتبعه، ولا الباطل فيجتنبه. # وقد قال الله: {ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا}، {ولا تتبع أهواء الذين لا ~~يعلمون * إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا}. وقال: {ولا تطع من أغفلنا قلبه ~~عن ذكرنا واتبع هواه}، /168/ وقال: {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا ~~يسمعون}، وقال: {إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون * ولو ~~علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون}. # كل هذا يذم من لم يقبل الحق، وهو مستهوى عن الحق، لا يعرف حلال الله ~~حلالا ms181 ولا حرامه حراما، ولو كان يعرف الحق لاتبع الحق، ولضلل الناس بترك هذا. # مسألة: [في ما يقع عليه اسم الكفر] # - وسأل فقال عمن يقع عليه اسم الكفر فيما ركب أو ترك؟ PageV01P232 # قيل له: الكفر لاحق كل من ترك أمر الله، أو ركب نهيه، أو شك في دينه. ومن ~~ذلك أن من لم يؤمن بالله كفر، ومن لم يؤمن برسوله محمد ^ كفر، ومن لم يؤمن ~~بالقرآن كفر، ومن لم يؤمن بالبعث والحساب كفر، ومن لم يؤمن بيوم القيامة ~~كفر، ومن لم يؤمن بالجنة والنار والثواب والعقاب كفر، ومن لم يؤمن بملائكة ~~الله كفر، ومن لم يؤمن بأنبياء الله، ومن لم يؤمن برسل الله وجميع كتبه ~~كفر، ومن لم يصدق بوعد الله ووعيده كفر، ومن لم يؤمن بما أمر الله من ~~فرائضه وشرائعه كفر، ومن لم يعمل بما فرض الله عليه كفر، ومن لم يؤمن ~~بمحارم الله كفر، ومن ركب محارم الله وتعدى حدوده كفر، ومن ترك الواجبات ~~كفر، ومن ركب الكبائر كفر، ومن أصر على صغائر المعاصي كفر، ومن استخف بحق ~~الله وحق رسوله محمد كفر، ومن اغتاب المسلمين أو شتمهم أو برئ منهم كفر، ~~ومن لا يتولهم كفر، ومن لم يبرأ من الكافرين كفر، ومن صوب أهل البغي ~~وتولاهم كفر، ومن تولى الكافرين والباغين كفر، ومن تولى أهل الكبائر كفر. # وكذلك كل من ترك ما أمر الله به من الواجبات، أو ركب ما نهاه الله عنه من ~~المحرمات كفر، ومن قذف المحصنات كفر، ومن سرق أو زنى كفر، ومن حارب ~~المسلمين أو بغى عليهم كفر، ومن ارتد عن الإسلام كفر، ومن شبه الله بخلقه ~~كفر، ومن أكل الربا والميتة والدم ولحم الخنزير من غير اضطرار إليه كفر، ~~ومن ظلم الناس أشياءهم كفر، ومن أكل أموال الناس ظلما كفر، ومن أكل مال ~~اليتيم ظلما كفر، ومن قتل المسلمين بغير حق كفر، ومن قتل النفس التي حرم ~~الله كفر، ومن شرب /169/ الخمر كفر، كل هذا بعد العلم. PageV01P233 # من ركب ما حرم الله ms182 عليه ورسوله ^ كفر، وهو أكثر من هذا، وما كان مثله ~~مما حرمه الله أو أمر الله به أو نهى عنه فركب المنهي عنه، أو ترك المأمور ~~به كفر، كل هذا بعد العلم، وذلك بعد وجوبه عليه ولزومه له في أوقاته؛ لأن ~~الله أحل أشياء وحرم أشياء، وأمر بالإيمان بأشياء، ووعد على العمل بذلك ~~الثواب، وعلى ترك ذلك العقاب؛ فمن لم يعمل بما أمر الله، وركب ما نهى عنه ~~ولم يؤمن كان عليه العقاب والسخط من الله والعذاب، والله لعن الكافرين وأعد ~~لهم سعيرا، ولم يلعن مؤمنا، وقال: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون ~~* أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون ~~* وأما الذين فسقوا فمأواهم النار}، وقال: {وهل نجازي إلا الكفور}، وقال: ~~{إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا * إنا أعتدنا للكافرين سلاسلا ~~وأغلالا وسعيرا}. # فقد بين الله ذلك في كتابه على لسان نبيه محمد ^ لأمته، ولم يتركهم في ~~عمى، وقال: {لا يصلاها إلا الأشقى * الذي كذب وتولى}، وقال: {وقد خاب من ~~حمل ظلما}. # مسألة: [في الالتزام بتعريفات القرآن] # - وسأل عن الأمر الذي إذا أصلحته الأمة كان على الله تمام دينها وهو ~~الأصل، وسائر الدين فرع؟ # قال: هو ألا يسمى أهل ملة إلا بما سمى الكتاب، ولا يعاقبوا إلا بما عاقب ~~الكتاب، ولا يستحلوا إلا ما أحل الكتاب، ولا ينكحوا فرجا إلا ما أحله ~~الكتاب، ولا يستحلوا دما إلا ما أحله الكتاب. # فإن قال: فكيف ذلك؟ PageV01P234 # فقال: هو ألا يسمى أهل ملة إلا بما سمى الكتاب كما سماه الله في كتابه، ~~فعلى ما سماه الله من جميع الملل؛ فيسمى المؤمن مؤمنا، والمسلم مسلما، ~~والمشرك مشركا، والكافر كافرا، والفاسق فاسقا وكافرا، والمنافق منافقا، ~~والظالم ظالما، والباغي باغيا، وكل مسمى كما سماه الله في كتابه، فعلى ما ~~سماه الله، وثبت منازل الناس، وتجري الأحكام عليهم على ما يعرف من منازلهم، ~~وتعرف منازلهم من قبل قولهم وفعلهم. # فعلى القول والفعل تثبت المنازل، وعلى ما يثبت من المنازل ms183 ثبتت للناس ~~منازلهم من الأسماء والأحكام، فمن أجرى على الناس /170/ حكما قبل أن يعرف ~~منازلهم جار وتعدى، فإنه لم يكن أحد مسلما إلا بقول المسلمين وفعلهم، ولا ~~مؤمنا إلا بقول المؤمنين وفعلهم، ولا يكون منافقا إلا بقول المنافقين ~~وفعلهم، ولا يكون يهوديا إلا بقول اليهود وفعلهم، ولا نصرانيا إلا بقول ~~النصارى وفعلهم، ولا مشركا إلا بقول المشركين وفعلهم، ولا مجوسيا إلا بقول ~~المجوس وفعلهم. # وكذلك سماهم الله في كتابه، وأثبت لهم وعليهم الأحكام على كل ملة من ملل ~~أهل الشرك، وأهل الأحداث من أهل الإقرار، فليس لنا أن نجمعهم في اسم ولا في ~~حكم من حيث تفرقوا، ولا نفرقهم من حيث اجتمعوا، ولا نقصرهم من حيث بلغوا. # ولا ينبغي لنا أن نلحق بهم من الأسماء والأحكام ما لم يلحقوا، ولا أن ~~نجعل الكفر بالتأويل والمعرفة بالتنزيل والتصديق كالكفر بالتنزيل والتكذيب، ~~ولا أن نجعل التضييع للفرائض في الإقرار بها كترك العمل بها والإنكار لها، ~~ولا نجعل ركوب المعاصي في الإقرار بحرمتها، والمعرفة لما ركب منها، ~~والإقرار بحد ما كان فيه حد منها، كمثل ركوبها في استحلالها، والكفر بما ~~أنزل الله من تحريمها. PageV01P235 # فهذه الأسماء والأحكام أجراها الله ورسوله ^ على أهلها، وسماهم على قدر ~~منازلهم؛ فالحكم فيهم على ما استحق كل منهم، وكان الحكم والسيرة في عبدة ~~الأوثان من العرب أن يقاتلوا {حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله}؛ ~~يعني: لا يكون شرك ويكون الدين كله لله، وأن يستحل مع ذلك في قتالهم غنيمة ~~أموالهم، ورد سباهم، ورد سبا خيبر، وهو أن رسول الله ^ لم يسب بعد ذلك أحدا ~~من العرب، وفتح مكة وردها إلى أيدي أهلها ولم يسبهم. وقيل: إنه قال: «لا رق ~~على عربي». # ولم يغز بعد الفتح، وينزل براءة أحد من المشركين على دينه من العرب، إلا ~~من كان له مدة في الأربعة الأشهر حتى يبلغ حد مأمنه، وقد أنزل في ذلك: ~~{براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من المشركين}، فبرئ إليهم من ~~عهدهم، ولم يقبل منهم ms184 إلا الإسلام أو قتلهم. # وذلك معروف في السيرة معهم، ومضى عليه السلف، وكانت السيرة في أهل الكتاب ~~أن يقاتلوا /171/ حتى يقروا بالإسلام، وإن امتنعوا من الإسلام قوتلوا، حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، واستحل في قتالهم سباهم، وغنيمة أموالهم، ~~وأجلى بني النضير، وأخذ أموالهم. # وقاتل بني قريظة وسبى ذراريهم ونساءهم، وغنم خيبر وجعلها بين من قاتل ~~عليها على قسم الغنيمة، وأخرج الخمس على من سمى الله، وقسمه وقسم الباقي ~~بين من قاتل عليها، وبين السهام في ذلك لمن يستحقه، قسم بنفسه أو هو ومن ~~كان معه وسنه، كما قد قسم من ذلك، وأعطى العبيد والنساء شيئا غير سهام بلا ~~قسمة، وأخذ الجزية والصلح ممن ألقى بيده ولم يقاتل، وأقره على دينه. # وقد أقر يهود خيبر بعد القتال على دينهم، وعاملهم على الأموال بالنصف من ~~ثمارها، ورفع عنهم الجزية، وصالح أهل فدك على نصف ثمرتها والنصف منها، وحقن ~~دماءهم، وأقرهم على دينهم، وقيل: إنهم نصارى. PageV01P236 # وصالح الوفد الذين أتوه من نجران على ما وقع بينهم من ذلك، وأقرهم على دينهم. # وقد أمر الله بأخذ الجزية من أهل الكتاب عن يد وهم صاغرون. وقد قيل: إن ~~رسول الله ^ أمر أن يؤخذ من كل حالم دينار، ولم يجعل على النساء والصبيان ~~والعبيد شيئا، وكان يصالح من صالحه في مغازيه من أهل الكتاب، ويقبل منهم ~~ذلك، ويقرهم على دينهم، وقد سماهم الله كفرة، كما قال: {لم يكن الذين كفروا ~~من أهل الكتاب}، فهؤلاء كفروا بالتنزيل. # وقد قال تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا ~~يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى ~~يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}، وقد سماهم الله غير مؤمنين به ولا باليوم ~~الآخر، ولا دائنين بدين الحق، فهذا هو الشرك، وعليه قوتلوا واستحل دماءهم ~~وأموالهم، وقد أقرهم رسول الله ^ على دينهم، وقد روي أنه سئل عن المجوس، ~~فقال ^: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب». # فهذه أسماء أهل الشرك، والأحكام فيهم كما ms185 حكم الله ورسوله، وقد أخذ ~~الجزية المسلمون من أهل الأمصار من اليهود وأهل الذمة على أحكام مختلفة. /172/ # وقد جعل بعضهم على الدهقان في الشهر أربعة دراهم، والوسط درهمين، ودون ~~ذلك درهما، وهذا على قياس السنة أن على كل حالم في السنة دينارا، (والدينار ~~قيمته اثنا عشر درهما في ذلك الوقت)، في السنة على الدون اثنا عشر درهما، ~~ولا تؤخذ الجزية من المسكين ولا من الرهبان. PageV01P237 # وسار أبو بكر في أهل الردة كما قال رسول الله ^: «من بدل دينه فاقتلوه»، ~~فقاتل أهل الردة حتى دخلوا فيما خرجوا منه، وقاتل من منع الصدقة حتى أخذ ~~منهم، وقاتل من قاتله من أهل الأمصار، وصالح من صالح من أهل الذمة، واحتذى ~~مثال رسول الله ^. # وقاتل عمر ~ أهل فارس والسواد، وغير ذلك من أهل الأمصار، وصالح من صالحه ~~من العجم، وافتتح الأمصار، واصطفى الأموال فجعلها فيئا وصوافي للمسلمين، ~~يأكلها الأول والآخر والذين جاءوا من بعدهم، ولم يقسمهما بين المقاتلة. # وقسم رسول الله ^ الفيء، وأعطى عطايا من ذلك المؤلفة في الإسلام، فقسم ~~الخمس على السهام التي أمر بها الله، وبين قسم ذلك، ونهى عن غلول الغنائم، ~~وحرم قليل ذلك وكثيره، وقد قال الله: {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة}، ~~وقد قال: {وما كان لنبي أن يغل}، فمن قرأ: {أن يغل} يقول: ما كان لنبي أن ~~يخان، {ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة}، ومن قرأ: {ما كان لنبي أن يغل} ~~يقول: أن يأخذ ذلك لنفسه، ويخون الغنيمة، والله أعلم. # فهذه السيرة في أهل الشرك، ومعاني بعض ما كان منهم، ولم يصل على من غل، ~~ولم يصل على المنافقين. # والصلح والجزية ليس فيهما خمس، ولا للفقراء في ذلك سهم معلوم، وقسم الخمس ~~من ستين سهما، فصح خمسها اثنا عشر سهما، فلله وللرسول ولذي القربى ثلاثة ~~أسهم، ولليتامى ثلاثة أسهم، وللمساكين ثلاثة أسهم، ولابن السبيل ثلاثة ~~أسهم، والخمس في كل غنيمة للمسلمين من مال أهل الشرك. # وفي كنوز الجاهلية الخمس، وقد رووا أن رسول الله ^ قال: «في ms186 الركاز ~~الخمس». واختلفوا في المعنى: # فقال قوم: كنوز أهل الجاهلية، وأقل الخمس يخرج /173/ من خمسة دوانيق. # وقال قوم: الركاز كنوز الجاهلية والمعادن، ولم يتفق في المعادن أيضا. PageV01P238 # فهذه الأسماء والأحكام والفروج وما ساروا به في ملل أهل الشرك مع ما ~~يلحقهم من اسم الشرك والكفر والفسق والظلم والجحود، وهذا يعم أهل الشرك، ~~إلا اسم النفاق فإنه لا يلحق الشرك؛ لأن النفاق هو من دخل في الإسلام وخادع ~~في العمل، وخالف في السريرة والعلانية. # والمنافق: مأخوذ اسمه من النفق في الأرض، كسرب اليربوع وجحر الضب، يكون ~~له في الأرض بابان إذا أخذ عليه من واحد خرج من الآخر، كذلك المنافق يخرج ~~حكمه من الشرك والإيمان. # وكذلك قوله: {ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من ~~أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم ~~لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون}. وقال: {الذين يتربصون بكم فإن كان لكم ~~فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ ~~عليكم ونمنعكم من المؤمنين}، فجعل حكم النفاق عدلا؛ لأنه يظهر الإسلام ~~ويخادع في السريرة والعمل. ولا يسمى مشركا كما قال رسول الله ^: «من قال: ~~لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ^ حقن ماله ودمه»، فإذا أقر بأن لا ~~إله الله وأن محمدا رسول ^ وأن ما جاء به فهو الحق من عند الله خرج من اسم الشرك. PageV01P239 # ولم يسم المشرك منافقا؛ لأنه مصرح بالكفر والإنكار والتكذيب لله ورسوله؛ ~~فمن حيث افترقت هذه الأسماء فرقنا بين من فسق من أهل القبلة، وبين ملل أهل ~~الشرك بما افترق من قولهم وفعلهم، وبما اختلف من قبلتهم وشهادتهم، فإن كان ~~ذلك لا يبرئ أهل القبلة من إثم قد استحقوا فيه عداوتهم، وانخلعوا فيه من ~~ولايتهم؛ لأنا سمعنا الله يقول: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله ~~شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ~~واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون}. # ومن العدل أنك ms187 لا تزعم أن من فسق من أهل القبلة كفروا من حيث أطاعوا الله ~~فيه، ولا تقولوا: إنهم قد /174/ أطاعوا الله فيما قد انخلعوا به من اسم ~~الإيمان، واستحقوا به اسم الكفر من المعصية التي بها انتقضت ولايتهم، كما ~~لا ينبغي لنا أن نسمي سارقا زانيا، وإن كان قد واقع من الظلم ما يكفره، ~~ويجعل عليه قطع يده، وما كان مثل ذلك من الحدود. # وليس لنا أن نحكم عليهم بحكم غيرهم من أجل كفرهم فيها. وكذلك لا ينبغي ~~لنا أن نجمعهم ||هم|| وأهل الشرك في الاسم إلا من حيث اجتمعوا. # فالأسماء والأحكام جارية على أهل القبلة لإقرارهم بها، وبما أنزل الله ~~منها، فمن أقر بالأحكام ثم لم ينقض الإقرار بإنكار ثبت له وعليه، وإن عصى ~~الله ما لم يخرج من الإقرار إلى الإنكار، فإن ذلك يقتل وله حكم آخر، وقال ~~رسول الله ^: «من بدل دينه فاقتلوه». # وقيل: إن معاذا قتل رجلا ارتد باليمن، وقال: قد قضى الله ورسوله فقتله ~~بعد أن استتيب فلم يتب، فلما قدم معاذ أخبر به فقتله. PageV01P240 # فأما من أقر بالإسلام ثبت له وعليه حكمه فيما أقر به، قال الله تعالى: ~~{قالت الأعراب آمنا}، قال الله لمحمد ^: {قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا}، ~~فذكر إسلامهم بالإقرار الذي به جرت الأحكام، ولو كان إنما هو ذكر إسلامهم ~~الذي هو عند الله لم ينفعهم من الإيمان؛ لأن الإيمان هو الإسلام، فأخبر أن ~~إقرارهم لاحق لهم اسم الإيمان إلا بالصدق، فلو كانت الأحكام لا تجري على ~~أهل الإقرار إلا لمن ثبت له اسم الإيمان، ووصلت له ولاية المسلمين لم يجز ~~لهما، ولا المقرين بغير صدق فيرد إقرارهم، ولا من نافق بعد ذلك، إذ نفاهم ~~الله من اسم الإيمان، وخلعهم من ولايته لتركهم ما أمروا به، ولركوبهم ما ~~نهوا عنه. # ألا ترى أن الذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين، والذين ~~قالوا: إلا تنفروا فلم يسمهم الله مشركين، ولم يثبت لهم الإيمان ولا ~~الولاية. # أولا ترى إلى الذين تخلفوا عن نبي ms188 الله ورغبوا بأنفسهم عن نفسه، ولم ~~يعلموا بكفرهم حتى جاءت نسبتهم من الله {وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ~~ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله ~~إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا}. /175/ ولم يسمهم مشركين فأوجب عليهم ~~الأحكام، وقد نهى الله نبيه عن الصلاة عليهم، وقال لنبيه: {ولا تصل على أحد ~~منهم مات أبدا ولا تقم على قبره}، وقال لنبيه: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد ~~إيمانكم}، فسماهم الله كفرة ومنافقين، ولم ينسبهم إلى الشرك، ولم يثبت لهم ~~الإيمان والولاية إلا بعد التوبة. # فمن أثبت الولاية للمنافقين ضل، ومن سماهم مشركين أخطأ -أيضا- الحكم، وقد ~~كان هذا ظاهرا يعلم علانية. PageV01P241 # وفيما فعل أبو لبانة حين قال لليهود: "إنه الذبح"، وربط نفسه بالسارية ~~حتى أنزل الله: {خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا}، قد أساء في قوله ذلك، {عسى ~~الله أن يتوب عليهم}. # وفي الثلاثة الذين تخلفوا عن رسول الله ^ ولم يقبل منهم رسول الله ^ حتى ~~أنزل الله توبتهم. # وقال: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا * إلا ~~الذين تابوا...}. # وأنزل الله في القوم الذين خاضوا فيما تكلموا به من الإفك حتى أخبر الله ~~رسوله وذكر لهم، فقال رجل منهم: "يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب"، قال ~~الله: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب}، قال الله: {قل أبالله ~~وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم إن نعف عن ~~طآئفة منكم نعذب طآئفة بأنهم كانوا مجرمين}، وهم كان أمرهم ظاهرا، ويعفى عن ~~الذي تاب، ويعذب من لم يتب، وقد سماهم كفرة، وقد نهى عن ولاية الكافرين، ~~فليس أن الأسماء والولاية تثبت لأهل المعاصي، وفي هذا ما يدل على أن اسم ~~النفاق يلحق به اسم الكفر والظلم والفسق، ولا يلحق به اسم الشرك، وفي كتاب ~~الله أكثر مما وصفنا في ذلك. PageV01P242 # وقد أوجب الله على الفاسق حد ما أتى بقوله: {والذين يرمون المحصنات ثم لم ~~يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة}، ms189 فأوجب الجلد على قاذف المحصنات، ~~وقال: {وأولئك هم الفاسقون}، ثم استثنى الذين تابوا وقد قال: {إن الذين ~~يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب ~~عظيم}، /176/ وقد قال: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون} تمام ~~الآية كلها. وأوجب عليه حد القاذف لإقراره ، وبالاتفاق أن المنكر لا حد ~~عليه؛ فدل أن المقر غير مشرك وليس هو مؤمنا؛ لأن الله قد نفاه من الإيمان ~~بقوله: {أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون}، وقد لعن الكافرين ولم ~~يلعن مؤمنا. # وقال أيضا في المنافقين: {مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ~~ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا}، وأخرجهم من اسم الشرك، وأخرجهم من ~~الإيمان وأثبت لهم اسم النفاق والضلال بقوله: {ومن يضلل الله فلن تجد له ~~سبيلا}، وقال: {إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار} فلم يكن مشركا ولا ~~مؤمنا، فلا يجوز لهذا أن يلحق المنافق اسم الإيمان، ولا يحكم بأنه مشرك ~~لإقراره، ثم صار مذبذبا. PageV01P243 # وقد قال الله: {وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم ~~جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم ~~إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين * فمن تولى بعد ذلك ~~فأولئك هم الفاسقون}، يقول: {أأقررتم}، قالوا: {أقررنا}، فمن تولى عن ~~الطاعة والعمل بها {فأولئك هم الفاسقون} خرج من الإيمان، كما يقال: فسقت ~~الرطبة: إذا خرجت من قشرتها، وفسق المغزل. # وقال: {واذكروا نعمة الله عليكم [وميثاقه الذي واثقكم به] إذ قلتم سمعنا ~~وأطعنا واتقوا الله إن الله عليم بذات الصدور}. # وقال: {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون} فأجرى نبي الله ^ ~~عليهم الأحكام في أموالهم وأنفسهم، فمن أحدث من أهل الإقرار حدثا من أهل ~~هذه القبلة أخذ بحدثه على قدر منزلته، فإنه يؤخذ بما وجب عليه في حدثه، فإن ~~امتنع طلب ذلك إليه بالمعروف وإن أعطى قبل منه، وكانت تلك حاجة المسلمين ~~فيه، وإن امتنع صار باغيا كافرا بالبغي؛ فامتناعه ms190 بما وجب /177/ عليه، ~~وقوتل عليه حتى يرجع إليه، ولا يستحل منه شيء غير ذلك، إذ لم يعلم الله ~~عباده حلالا في قتاله شيء غير ذلك. PageV01P244 # قال الله: ||{وقاتلوا في سبيل الله}||، {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى ~~أمر الله} بالعدل والصلح أن يعطي ما وجب عليه أو يرجع إلى حكم المسلمين، ~~فإن رجع وفاء أخذ بما به امتنع ولا يهدر عنه ذلك، ولا يؤخذ بما أصاب من ~~المسلمين في حال ما حاربهم وحاربوه؛ إذ لم يعلم الله ذلك في كتابه، وإنما ~~قال: {حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا}، أمر ~~بالقسط والصلح بينهما، وإنما يطلب من الطائفتين أن يعطوا العدل من أنفسهم ~~إذا أصابوه في القرآن لحرمة ما أصابوا والإقرار بحق القصاص؛ فتكون النفس ~~بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح ~~قصاص، فمن تصدق به من صاحب حق بحقه فهو كفارة له. # قال بعضهم: كفارة للمتصدقين به. وقال قوم: كفارة سترة للمعفى عنه من القتل. # {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، وهي عامة من الله لكل ~~ما قال من طاعة أو معصية أو إيمان أو كفر فيطلب إلى طائفتين حق ما يقرون ~~به، فإن أعطوه قبل منهم، وكانت فيه سلامتهم من البراءة منهم، والتكفير لهم، ~~واستحلال دمائهم. # فإن امتنع أحد الطائفتين صار باغيا كافرا حلالا ببغيه دمه، ولا قصاص له؛ ~~لأنه لم يفئ إلى الإيمان، ولا إيمان للبغاة، ولا قصاص لمن حل دمه عند ~~المسلمين في المنزلة التي أحل الله فيها دمه، ولا يحل في محاربتهم شيء من ~~سباهم ولا غنيمة أموالهم، ولا يؤخذون بشيء مما أصابوا في حال المحاربة، ~~ويهدر عنهم إذا فاءوا إلى أمر الله، ولكن يؤخذون بما قوتلوا عليه حين طلب ~~إليهم فامتنعوا، وقاتلوا عليه، يؤخذون به رغما لهم. PageV01P245 # وقد سار أبو بكر - رضي الله عنه - وقاتل من امتنع بما وجب عليه، وقاتل ~~أهل الردة حتى دخلوا فيما خرجوا منه من الإسلام الذي خرجوا منه، وحتى يقروا ms191 بحكمه. # وقاتل الذين منعوا الزكاة حتى أخذها منهم على حكم الكتاب، ولم يسبهم سباء ~~أهل دبا، ورد عمر سباء أهل دبا، ولم يستحل /178/ أحد من السلف سباء أهل ~~القبلة. # ويدل على ذلك أنهم يوم الدار أنهم لم يسبوهم، ويوم صفين، ويوم الجمل ولم ~~يستحلوا سباء أحد من أهل القبلة، ولا سموهم مشركين. # وقد قاتل علي طلحة والزبير يوم الجمل، وقاتل علي معاوية على البغي ولم ~~يستحل في قتالهم غير محاربتهم حتى يفيئوا إلى أمر الله، وقال في يوم الجمل: ~~"ألا لا نتبع موليا، ولا يجاز على جريح، ولا غنيمة في أموال أهل القبلة". # وقد أحل الله قتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله، فمن أحل سباء ~~أهل القبلة وغنم أموالهم ضل وخرج من إجماع المسلمين، ومما ساروا به في حرب ~~البغاة من أهل الإقرار، وإنما يقاتل كل من امتنع بحق يجب عليه حتى يعطيه أو ~~يؤخذ بحد ما لزمه وامتنع به، وبه صار باغيا. # ألا ترى أن الذين تخلفوا عن بيعة علي ولم يحاربوا معه، وشكوا فيه وفي من ~~قاتله لم يقبل ذلك منهم وصاروا شكاكا. # فإن احتج لهم محتج بأن رسول الله ^ نهى عن قتال أهل القبلة؟ # قيل له: فلم قاتلوا مع أبي بكر من منع الزكاة واستحلوا ذلك، ولم يقاتلوا ~~مع علي من بغى على المسلمين وطلب ما لم يكن له، والله تعالى قد أوجب قتال ~~أهل البغي من أهل الإقرار حتى يفيئوا إلى أمر الله. PageV01P246 # ألا ترى أن عليا لما شك في قتال معاوية هو و أصحابه حين رفعت المصاحف ~~وذكر الحكمان لم يجز ذلك لهم ولم يصوبوه، واختلفوا بينهم؛ لأنه إن كان علي ~~على صواب ومعاوية هو الباغي فليس له الشك فيه، ولا ترك محاربته حتى يفيء ~~إلى أمر الله، وإن كان عنده أنه هو المخطئ ولم يظهر ذلك فلا يجوز أن يكون ~~باطن الصحابة غير ما ظهر، ولم يجز الشك لهم ولا له فيما قد عملوا عليه. # ألا ترى أنه لما حكم أبا موسى ms192 الأشعري وهو رجل من الشكاك لم يجز له ذلك. # ولما حكم معاوية عمرو بن العاص رجلا باغيا سافكا لدماء المسلمين لم يثبت ~~ذلك الحكم؛ لأن الله لم يرض بالشك في دينه، ولم يأمر بقبول شهادة غير ~~العدول، ولم يرض في الحكم أن يحكم في دين الله الرجال. # وقد حكم الله أن تقاتل الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله، وفي المحارب ~~حتى ينفى من الأرض، /179/ وأوجب الحدود على أهلها المقرين بها وأهدرها عن ~~المنكرين لها. # ويدل على فساد ذلك أن الخائن لا يكون حاكما كما أن الخائن لا يكون ~~مؤتمنا، ولا الكذاب مصدقا؛ قال الله تعالى: {لا ينال عهدي الظالمين}، فلا ~~يكون الظالم حاكما، وقد قال الله: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا}، وإن كان ~~لا يجوز بالاتفاق شهادة غير العدول لم يجز غير العدول حكاما، وهذان الحكمان ~~ليسا برشيدين، وقد حكما بضلال، وقد ضلا وضل من اتبعهما، وخلعا من قد خلع ~~نفسه، وقدما باغيا لا تجوز إمامته. # وقد اختلفوا في الوقت ولم يرشدهما الله، وكذب بعضهم بعضا، وافترقوا على ~~غيررضا، ومن أجل هذا لم يثبت تصويب الأول فيما رجع إليه ولا الثاني الباغي ~~فيما صنع، فمن جمع بينهم وقد فرق الله شملهم لم يرشد، وبالله التوفيق. # مسألة: [في دماء أهل القبلة] # - وسأل عن: دماء أهل القبلة ما يحل من ذلك وما يحرم؟ PageV01P247 # قيل له: لا يحل من دماء أهل القبلة شيء بعد إقرارهم بالإسلام، إلا ما أحل ~~الله ورسوله، قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم ~~بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم}، فلا يحل شيء من ذلك إلا عن ~~التراضي منهم. وقال النبي ^: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه»، ثم ~~قال: ||{ولا تقتلوا أولادكم من إملاق}||، {ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان ~~بكم رحيما * ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله ~~يسيرا} يعني: لا يقتل بعضكم بعضا بغير حق بالظلم والعدوان، فمن فعل ذلك ~~يصلى نارا إن ms193 لم يتب، كما قال الله. # وقال النبي ^: «دماؤكم وأموالكم عليكم حرام» فجمع ذلك وقرن حرمة الدماء ~~والأموال. # وقد حرم الله قتل النفس التي حرمها إلا بالحق، فقال: {ولا تقتلوا النفس ~~التي حرم الله إلا بالحق}، فدماء المسلمين والمعاهدين وأهل الذمة ومن دخل ~~بأمان حرام، إلا من أحدث حدثا أخذ به، وحكم عليه بحكمه. # وقال النبي ^: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا ~~قالوها حرم علي دماؤهم وأموالهم إلا بحقها»، قيل: وما حقها /180/ يا رسول ~~الله؟ قال: «كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس تعمدا ~~وظلما وعدوانا». فمن ارتد عن الإسلام قتل، ومن زنى وهو محصن رجم، والرجم ~~قتله، ومن قتل نفسا ظلما قتل بالقصاص. PageV01P248 # وقد أمر الله بقتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله وأوجب على ~~المسلمين ذلك، وإذا بغت الفئة ثم امتنعت عن الرجوع إلى الحق والفيئة إلى ~~أمر الله قوتلت قتالا لا قصاص فيه بينهم وبين المسلمين في حال القتال، فمن ~~فاء من بغيه قبل منه، ولا يحل منه غير ذلك كما أحل الله، ولا تسبى ذريته ~~ولا نساؤه، ولا يؤخذ ماله، ولا تحرق منازله، ولا تقطع نخله وشجره، ولا تقطع ~~مثمرة، ولا تخرب عمارة. # وكذلك المرتد يقاتل إن قاتل، ويقتل إن قدر عليه ولم يتب، وقاتل النفس ~~يقتل بالقصاص، وإن امتنع بما يجب عليه صار باغيا يقاتل حتى يفيء إلى أمر ~~الله لا يستحل منه غير ذلك، وكل من امتنع بحق يجب عليه فطلب منه أن يعطيه ~~وامتنع وقاتل عليه صار باغيا يقاتل حتى يفيء إلى أمر الله، ويعطي ما وجب ~~عليه من حق الله الذي أوجب فيه قتاله، لا نهاية لذلك إلا: إما الفيئة إلى ~~الحق من بغيه -كما قال الله- والدخول في الحق، وإعطاء ما وجب عليه من ذلك، ~~أو ضرب رقبته، وعلى ذلك قاتل علي طلحة والزبير ومعاوية، ومن قاتل معهم، ~~واستحل دماءهم على البغي، ولم يستحل منهم غير ذلك، ولا يقاتلوا حتى يدعوا ~~إلى ms194 الفيئة من بغيهم، والدخول فيما خرجوا منه، والخروج مما وجب عليهم من ~~الحق، فإن فاءوا قبل منهم وأقيم عليهم حكم ما أصابوا، وإن امتنعوا صدا عن ~~الحق قوتلوا بإذن الله قتالا لا قصاص فيه بينهم وبين المسلمين، ولا ولاية لهم. PageV01P249 # ولا يقيم عليهم هذه الحدود من القتل والرجم، وأخذ الباغي بالحق الذي ~~امتنع به إلا الأئمة أو من يقوم في ذلك من المسلمين مقامهم، إذا كانت يدهم ~~العالية على أهل الباطل، كما فعل رسول الله ^ والخلفاء الراشدون من بعد، ~~وأئمة المسلمين، ومما جعل الله فيه للمسلمين فرجا من تلبيس الفتن، وأحل لهم ~~في ذلك قتال من حاربهم قوله: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون ~~في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم /181/ وأرجلهم من خلاف ~~أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم * إلا ~~الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم}. PageV01P250 # وذلك أن الرهط من البغاة يكونون بالمراصد من طرق المسلمين فيصيبون ~~الأموال منهم والدماء، وهم مستترون بذلك، وهم يظهرون تحريمه، ويقرون بحد ما ~~أصابوا، فإن اطلع عليهم طلبوا، وإن وجدوا أقيم عليهم حد ما أصابوا، فإن ~~أخذوا الأموال قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، إن لم يكونوا أراقوا الدماء. ~~وإن كانوا قد أراقوا الدماء قتلوا لا يستحل منهم غير ذلك. وإن كانوا أهل ~~شرك وقد أراقوا الدماء قتلوا وصلبوا، وإن هربوا فلم يقدر عليهم كان ذلك ~~نفيهم الذي ذكر الله: {أن ينفوا من الأرض} فيهربون حيث لا يقدر عليهم، وإن ~~رجعوا بعد ذلك وتابوا قبل منهم، وكانت فيه سلامتهم، وقبلت توبتهم، ولكن ~~يأخذهم المسلمون بما كانوا أخذوهم به من قبل، حيث طلبوا بما قد استوجبوا من ~~الحدود في ذلك، ولا يهدر عنهم، وإن امتنعوا حين يطلبون بها صاروا محاربين، ~~ثم قتلوا على المحاربة قتالا لا يؤخذون فيه بحد ما أصابوا من الدماء ~~والأموال، وإن هم رجعوا إلى حكم المسلمين وتابوا لم يؤخذوا به إلا أن يعرف ms195 ~~مال بعينه فيرد إلى أربابه. # والذي ذكر الله من توبتهم {قبل أن تقدروا عليهم} إنما هو ما كان بعد ~~المحاربة، حين نسبهم الله محاربين، وامتنعوا بالذي كانوا أصابوا من قبل ~~المحاربة، وأما ما أصابوا بعدها وفيها فذلك الذي يهدر عنهم، وأما ما كان قد ~~وجب عليهم بالامتناع وصاروا محاربين فإنهم يؤخذوا به على قدر منازلهم قتلا ~~وصلبا وقطعا؛ لأنهم أصابوا ذلك وهم مستحقون به، مقرون بالظاهر منهم بحد ما ~~أصابوا. # وقد قيل: إنها عامة في أهل الشرك وأهل الإقرار. # وقال آخرون: نزلت في العرنيين اللذين استاقا إبل رسول الله ^ من المدينة ~~من إبل الصدقة، وارتدا عن الإسلام. وقيل: إنه أخذهم وسمل أعينهم، فالله أعلم. # فهذا ما يحل من دماء أهل الإقرار. # 14- باب: في القصاص والدية # [مسألة: في القصاص] PageV01P251 وقد أوجب الله القصاص بين المقرين، /182/ ~~فقال: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف ~~والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص}. # والقصاص بين أهل الإسلام في النفوس والجراح فيما أدرك ذلك منه القصاص إلا ~~الزوجين، فقيل: لا قصاص بينهما إلا في النفوس، فبينهما القصاص. # ولا يقتل الوالد بولده، وفي ذلك الدية. # ولا قصاص بين المسلمين وأهل الذمة؛ لأنه «لا يقتل مسلم بمشرك»، وفي ذلك ~~الدية إذا كانوا سلما، ولا قصاص في الخطأ، وفي ذلك الدية على العاقلة. # ولا يقتل حر بعبد، ولا طفل ببالغ، ولا مجنون بصحيح، وفي كل هذه الدية. # وقد حرم الله دماء المسلمين، وقال: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا ~~خطئا}؛ معناه: أن يبتلى بقتله خطأ، {ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ~~ودية مسلمة إلى [أهله]}: أهل المقتول، {إلا أن يصدقوا}، يقول: إلا أن يتصدق ~~عليه بالدية، وعليه تحرير رقبة مؤمنة قد صلت الخمس وأقرت بالإسلام؛ فأما ~~العتق ففي ماله، وأما الدية فعلى عاقلة الجاني. # {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خالدا فيها} فحرم قتل المؤمن عمدا، ~~وأوجب على قاتله العقوبة والعذاب، ولم يرخص الله في شيء من الدماء والأموال ~~إلا ما وقع العبد فيه ms196 بخطإ من غير عمد، فذلك لا إثم فيه، وفيه الضمان ~~والدية في الجروح والنفس، ومن تعدى في دماء المسلمين على غير ما قد شرحنا ~~فهو مخطئ، ومن قتل مؤمنا متعمدا فله جهنم كما قال الله. # 15- باب: مسألة: في أهل العهد # وسأل فقال: من قتل أحدا من أهل العهد، هل عليه كفارة؟ أو قتل عبدا هل ~~عليه كفارة؟ أو قتل ذميا؟ PageV01P252 # قيل له: قد أوجب الله كفارة العتق والصوم على من قتل مؤمنا خطأ، وذلك ~~قوله: {ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة}، {وإن كان} المقتول {من قوم ~~بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة}؛ لأنهم كانوا ~~يؤدون دية من قتل من قوم ولهم عندهم عهد وذمة في الخطإ، وقد أوجب الله ~~العتق على قاتل المؤمن في الخطأ ممن لا يحل له قتله. # والدية في قتل أهل العهد وأهل الذمة، ألا ترى أن الدية في أهل الكتاب ثلث ~~دية المسلم، ودية المجوسي مثل ذلك. /183/ # وقال آخرون: دية المجوسي ثمانمائة درهم، وأما العبد فديته في قيمته يوم ~~قتل، وفي ذلك ما يكون ثمنه، والعتق على من قتله إذا كان موحدا. # ومن قتل عبده أعتق رقبة، ومن قتل عبد غيره أعتق وأعطى قيمته. # وأما دية أهل العهد والمواعدة من غير أهل الكتاب؛ فقيل: إنها منسوخة ~~نسختها: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}. # وفي قول الله: {وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا}، قيل: إنها نزلت ~~في رجل يقال له: عياش بن أبي ربيعة كان خلف على رجل من بني عامر يقال له: ~~الحارث بن يزيد، وكان الحارث يومئذ مشركا، فأسلم الحارث بن أبي يزيد فقتله ~~العياش ولم يكن علم بإسلامه، وكان قتله إياه خطأ، فبين الله على من قتل خطأ ~~فقال: {ومن قتل مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله}؛ أنه ~~تسلمها عاقلة القاتل إلى أولياء المقتول، ثم قال: {إلا أن يصدقوا}؛ يعني: ~~أولياء المقتول يصدقوا بالدية على القاتل فهو أعظم لأجرهم، فأعتق عن قتله، ~~وذلك واجب على كل ms197 قاتل. PageV01P253 # ثم قال -أيضا-: {فإن كان من قوم عدو لكم}؛ يعني: من أهل الحرب {وهو مؤمن} ~~والمقتول مؤمن. نزلت على ما قيل: في مرداس بن عمرو وكان أسلم وقومه كفار من ~~أهل الحرب، فقتله أسامة بن زيد خطأ. {فتحرير رقبة مؤمنة} ولا دية لهم. # {وإن كان} المقتول {من قوم بينكم وبينهم ميثاق}، وذلك أن النبي ^ كان ~~يعاهد حيا من أحياء العرب، فما قتل المسلمون أدوا ديته في ذلك الأجل إلى ~~أهل العهد، فذلك قوله: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى ~~أهله} إلى أهل المقتول من مشركي العرب. {وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد ~~فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما} يعني: حكم ~~الكفارة لمن قتل خطأ، ثم صارت دية العمد منسوخة لقوله: {فاقتلوا المشركين ~~حيث وجدتموهم} وقد قال النبي ^: «لا يتوارث أهل ملتين». # مسألة: في الدية # - وسأل عن الدية: كم هي من دية في الإنسان؟ # قيل له: في النفس الدية كاملة، وفي الرأس الدية كاملة، وفي العينين الدية ~~/184/ كاملة، ولكل واحدة نصف الدية. وفي الأذنين الدية كاملة، ولكل واحدة ~~نصف الدية. # وفي ذهاب البصر الدية كاملة، وفي ذهاب السمع الدية كاملة، وفي ذهاب ~~اللسان الدية كاملة، وفي ذهاب العقل الدية كاملة، وفي ذهاب الكلام الدية كاملة. # وفي الحاجبين الدية كاملة، ولكل واحدة نصف الدية. وفي الأنف الدية كاملة، ~~وإن قطع مارن الأنف فالدية كاملة. وفي الأجفان الدية كاملة، ولكل شفر منها ~~ربع الدية. وفي شعر الرأس إذا لم ينبت الدية كاملة، وإن نبت فسوم عدلين. # وفي اللحية الدية كاملة، وإن نبت فسوم عدلين، والمدة في ||هذا|| النبت سنة. PageV01P254 # وفي الضروس الدية كاملة، وفي كل سن قلعت خمس من الإبل، وإن قلعت كلها ~~فالدية كاملة. # وفي اليدين الدية كاملة، ولكل واحدة نصف الدية، ولكل أصبع عشر من الإبل. # وللرجلين الدية كاملة، ولكل واحدة نصف الدية، ولكل أصبع عشر من الإبل، ~~ولكل ظفر من اليدين أو الرجلين بعير إذا لم ينبت، وإن اسود أو اعرنجم ms198 ~~فالدية كاملة. # وفي الذكر الدية كاملة، وفي الأنثيين الدية كاملة، ولكل واحدة نصف الدية. ~~وفي ذهاب الجماع الدية كاملة، وفي منع الحمل للولد الدية كاملة، وفي انحداب ~~الصلب الدية كاملة. # وفي كل عضو ليس في الإنسان منه إلا واحد الدية كاملة، وإن كانا اثنين ~~فلكل واحد منهما نصف الدية. # وإن ذهب البصر فلما بقي من العينين ثلث الدية. وإن ذهب السمع فلما بقي ~~ثلث الدية. ولكل يد عسمت ديتها، وإن قطعت فديتها، ولما بقي منها ثلث ديتها، ~~وكذلك الرجلان. # وكل نافذة في عضو فلها ثلث دية ذلك العضو، كائنا ما كان من الأعضاء. # وجزم الأذنين وشترهما سواء وفي ذلك ثلث الدية، ونافذها ثلث الدية. ~~والنافذ في اليدين والرجلين سواء وله ثلث الدية دية ذلك العضو، والنافذة في ~~الحلقوم ثلث الدية، والنافذة في الجبين ثلث ديته، والنافذة في البطن ثلث دية. # والدامية في مقدم /185/ الرأس لها بعير، وهي عشر عشر الدية. والباضعة ~~بعيران وهما خمس عشر الدية. # والملحمة فيه ثلاثة أبعرة. # والسمحاق فيه أربعة أبعرة، وهي أربعة أخماس عشر الدية. # والموضحة خمسة أبعرة، وهي نصف عشر الدية. # والهاشمة عشرة أبعرة، وهي عشر الدية. # والمنقلة خمسة عشر بعيرا على ما بلغني عن النبي ^ وهي عشر ونصف عشر الدية. # والمأمومة ثلاثون بعيرا ضعف المنقلة. # ولا قصاص في كسر العظام وفيها الدية، ولا قصاص ولا أرش في جرح حتى يبرأ ~~ويعلم ما هو. # والدية في القفا والبدن له من الدية نصف ما لمقدم الرأس لا زيادة ولا ~~نقصان إلا فقار الظهر، ومحارة الصدر فهو مثل جراحة مقدم الرأس. PageV01P255 # وجرح الذكر كجرح مقدم ا لرأس، ودية الوجه مضاعفة على دية مقدم الرأس في ~~كل شيء، ولكل عظم كسر أربعة أبعرة. # وفي كسر الترقوة أربعة أبعرة، وفي كل جنب كسر مثل ذلك. # ونافذة البطن ثلث الدية. # واللطمة في الوجه إذا أثرت بعير، عشر عشر الدية، وإن لم تؤثر فنصف بعير. ~~وكل ضربة بعصا أو وجية أو رمية أو قفدة أثرت في الوجه فسوم عدلين. # (والسوم: قد ms199 رفع إلى أنه خمس دية العضو، وقد قيل: عشرون درهما). # وفي جميع البدن غير الوجه نصف ذلك. وإذا أثرت عشرة وإذا لم تؤثر خمسة. # وحلمة ثدي الرجل خمسة أبعرة، وحلمة ثدي المرأة عشرة أبعرة، وإذا كسر ~~الأنف فأدمى بعير. وإن نحر فالدية إذا لم يبرأ. # وإذا أصيب فرج المرأة فمنع الجماع فالدية كاملة، وإذا لم تحمل الولد ~~فالدية كاملة. # ومدة أجل تسليم الدية في ثلاث سنين، والحكام هم القوام بذلك على أهله، ~~«ودية المرأة كنصف دية الرجل» كما قال الرسول #. # والذمي ثلث الدية، والعبد ديته في ثمنه، لا يزاد على ذلك ولا ينقص. # والدية في الخطأ مائة من الإبل أسنانها عشرون بنات مخاض، وعشرون بنات ~~لبون، وعشرون بنو لبون، وعشرون حقة، وعشرون جذعة، فهذه دية الخطأ في ~~الأسنان، لكل سن من الإبل يقوم بقيمته، وقد قوموا ذلك وفرضوا قيمته مائة ~~وعشرين درهما. # وقد روي عن عمر بن الخطاب ~ /186/ أنه جعل دية الحر المسلم على أهل الإبل ~~مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الغنم ألفي شاة، وعلى ~~أهل الدنانير ألف دينار، وعلى أهل الدراهم اثني عشر ألف درهم، والله أعلم. # إلا أن الدية والقصاص قد جعله الله، وجعل القصاص حياة، كما قال تعالى: ~~{ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون}. PageV01P256 # وأوجب الدية في الخطأ، فالمقر به سالم، والمنكر له هالك، والممتنع مما ~~يجب عليه ظالم، وعلى أولي الأمر من المسلمين القيام به على كل ممتنع ومطيع، ~~وبالله التوفيق. # مسألة: [في القصاص والجراحات] # - وسأل عن القصاص والجراحات؟ # قيل له: قد قال الله -تعالى- في كتابه: {أن النفس بالنفس والعين بالعين ~~والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص} وقد قال: {ولكم في ~~القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون} فأوجب القصاص بين المسلمين. # وقد قال تعالى: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل ~~مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا} لا يقتل ~~غير قاتل حميمه، وهو مسلط على قاتل ms200 وليه، فإن شاء قتله، وإن شاء عفا عنه، ~~وإن شاء أخذ الدية. قال النبي ^: «من قتل له قتيل فوليه يأخذ بين النظرين ~~-أو قال: بين الخيرين-: إن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية». PageV01P257 # وقد قال الله: {فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين}، فإن ~~عفا ولي المقتول عن القتل فأجره على الله، وإن قتل فله ذلك لقوله: {ولكم في ~~القصاص حياة}، وقال: {إنه كان منصورا} فإن شاء عفا عنه، وإن شاء أخذ الدية، ~~فهذا التخفيف عليهم من الله الذي ذكره في كتابه أن خفف عنهم ورحمهم، فجعل ~~لهم الخيار في ذلك، وقال في القصاص: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ~~والعين بالعين}، وقال الله تعالى: {كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر ~~والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} فبين ذلك كله في كتابه، وقد قيل: إن ذلك ~~نزل في حيين من الأنصار كان بينهم قتل وجراحات، حتى قتلوا النساء والعبيد، ~~فحلف بعضهم: إنا لا نرضى حتى نأخذ بالعبد منا الحر منهم، وبالمرأة /187/ ~~منا الرجل منهم؛ فأنزل الله القصاص وبينه لهم، وساوى بينهم في الدماء فرضوا بذلك. # وقد قيل: إن {الأنثى بالأنثى} منسوخة، نسختها {النفس بالنفس}، وقال قوم: ~~ليست بمنسوخة، وذلك مخصوص، فنفس المسلم الحر بنفس المسلم الحر، والجراحة ~~إذا كانت عمدا. # ويقتص للرجل من المرأة، وللمرأة من الرجل، وترد المرأة فضل الدية -في بعض ~~قولهم-، وساوى في القصاص بين المسلمين مثلا بمثل في الجراحات والنفوس. # والمرأة إذا اقتصت من الرجل ردت نصف دية ا لجرح، وقد روي عن النبي ^ أنه ~~قال: «لا يقتل مؤمن بكافر»، وعن أبي بكر وعمر أنهما قالا: "لا يقتل حر ~~بعبد"، "ولا يقتل طفل ببالغ، ولا مجنون بصحيح". PageV01P258 # ومن قتل فتكا قتل به كل من قتله، وكل من اشترك في قتله. وقد ذكروا -أيضا- ~~أن عمر بن الخطاب > "قتل ثلاثة نفر اشتركوا في قتل امرأة"، وقد قيل -غير ~~ذلك-: إن الذين اشتركوا في قتله رجل، وهو ابن الصنعانية، وقد قال الله: ~~{فمن عفي له من أخيه ms201 شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان}، يقول: إن عفا ~~ولي المقتول، فلم يقتل ورضي بالدية ففي رفق واتباع بالمعروف، ثم قال: ~~{وأداء إليه بإحسان} يؤدي الذي عليه الدية بإحسان غير مشقة ولا أذى، {ذلك} ~~العفو والدية {تخفيف من ربكم [ورحمة]}، ثم قال: {فمن اعتدى بعد ذلك فله ~~عذاب أليم} يقتل ولا يعفى عنه إذا قتل بعد أخذه الدية. قال النبي ^: «لا ~~عفو لمن قتل بعدما أخذ الدية»، وقد جعل الله له عذابا أليما. # وقوله: {ولكم في القصاص حياة}؛ يعني: يحجر بعضكم عن قتل بعض، وخوف عن ~~القتل، ولا قصاص إلا بحضرة الحاكم أو الإمام، أو بأمر الذين قاموا بالأمر ~~فإليهم ذلك؛ لأنه حق في حد، ولا يقيم الحدود غير أولي الأمر من القوام ~~بذلك، والذي يقتص إنما يقتص بعدما يبرأ جرحه، وقال النبي ^: «لا قصاص في ~~جرح حتى يبرأ ويعلم ما هو». # ولا قصاص بين الزوجين في الجروح، وقد قيل: إن رجلا أرادت امرأته أن تقتص ~~منه فأنزل الله تعالى: {الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على ~~بعض} يقول: مسلطون، {وبما أنفقوا من أموالهم}، /188/ فروي أن النبي ^ قال: ~~«لا قصاص بينهما في الجروح وبينهما في النفوس». PageV01P259 # وطريقة القصاص: أن يقاس الجرح ويعلم ما هو في القياس من الطول والعرض، ~~وما هو ملحم أو باضع أو موضح، أو غير ذلك من الجروح، ثم يخط على من يقتص ~~منه في الموضع الذي يقتص منه خطا، ثم يأخذ الذي يقتص المبضع ويضع الذي ~~يأمره الحاكم يده على يد الذي يريد أن يقتص ويأخذ بجرحه فيقتص ويقيس حتى ~~يستوفي مثلا بمثل لا زيادة ولا نقصان. # وكذلك العين: تحمى المرآة بالنار وتشد العين الأخرى، ثم تدنى المرآة من ~~العين التي يقتص منها حتى يذهب بصرها، وهي: أن يسيل ماؤها ويذهب ابن العين ~~إذا كانت لم تقلع، فإن قلعت قلع مثلها. # ولا قصاص في الكسر من غير المفاصل من العظام، وفي ذلك الأرش، ولا قصاص في ~~اللطمة، ولا الوجه، ولا في ضربة العصا، ولا ms202 الرمية إلا ما كان فيه جرح يدرك ~~بقياس فيقتص مثل بمثل. # والقصاص في كل ما يدرك فيه القياس. # ولا قصاص في الركضة، وفيها ثلاثة أبعرة، وأقول: سوم عدلين. # ولا قصاص في كل جرح يخاف منه ذهاب النفس، وقد قال الله في سورة «حم عسق»: ~~{وجزاء سيئة سيئة مثلها} يعني: جراحة جراحة مثلها، فلا يجوز إلا مثل بمثل ~~على ما يراه الحاكم، وقد قال : {فمن عفا وأصلح فأجره على الله}، فإن ترك ~~المجروح الجارح فلم يقتص منه وأصلح العمل وعفا؛ فالعفو من الأعمال الصالحة، ~~{فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين * ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما ~~عليهم من سبيل} يقول: ما على المجروح من عدوان إن أخذ حقه، ثم قال: {ولمن ~~صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور}؛ يعني: الصبر والتجاوز في العفو من حق ~~الأمور. PageV01P260 # قيل -والله أعلم-: «إنه إذا كان يوم القيامة نادى مناد: ألا من كان له ~~على الله أجر فليقم، فيقال: من هذا الذي له على الله أجر، فيقول: من عفا ~~وأصلح العمل الذي أوجب الله عليه فأجره على الله، فيقومون فيأخذون أجورهم ~~بالكرامة، ونورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم». # وقد عظم الله أمر الدماء في كتابه، وتواعد عليها وشدد فيها في غير موضع ~~من كتابه، فقال في سورة /189/ الأنعام: {قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ~~ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق}؛ يعني: ~~خشية الفقر، فحرم الشرك به، وقتل الأولاد. # وقال في سورة بني إسرائيل: {إن قتلهم كان خطئا كبيرا}، فحرم قتلهم، وحرم ~~الزنا، وحرم الشرك، وتوعد في ذلك، ثم قال: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله ~~إلا بالحق}؛ يعني: بالقصاص. # ومن وجب عليه القتل في أمر يلزمه فيه القتل الذي أوجب الله حيث جعله ~~عليهم، وسار به رسوله، وسوى ذلك لا يحل. وقد قال: {ذلكم وصاكم به لعلكم ~~تعقلون}. # وقال: {والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله ~~إلا بالحق} يعني: نفس المؤمن التي حرم ms203 الله قتلها إلا بالحق، {ولا يزنون ~~ومن يفعل ذلك يلق أثاما}، ومن فعل الثلاث الخصال: من يدع مع الله إلها آخر، ~~ويقتل النفس التي حرم الله، ويزني {يلق أثاما}، يعني: جزاؤه أثاما، قيل: ~~إنه واد في النار. {يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا} يهان فيه. PageV01P261 # وقد قيل: نزلت في كفار مكة، فلما هاجر نبي الله ^ إلى المدينة كتب إليه ~~وحشي*: "إني قد أشركت وزنيت وقتلت"، وكان قتل حمزة بن عبد المطلب يوم أحد، ~~فقال: "فهل لي من توبة؟" فنزلت: {إلا من تاب} يعني: من الشرك، [{وآمن}]: ~~وصدق بتوحيد الله، {وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ||وكان ~~الله غفورا رحيما||}، يبدلهم بعد الرجوع من الشر ك إلى الإيمان مكان القتل ~~الكفاف، ومكان الزنا العفاف والتوبة، {وكان الله غفورا رحيما}. فأسلم وحشي ~~-على ما قيل- وهاجر إلى المدينة، فقال -على ما بلغنا - كفار مكة: كلنا قد ~~عملنا عمل وحشي ولم ينزل فينا شيء، فنزلت في كفار مكة: {قل يا عبادي الذين ~~أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله}؛ يعني بالإسراف: الذنوب العظام ~~من الشرك والزنا والقتل، {إن الله يغفر الذنوب جميعا} يعني: الخصال الثلاث ~~لمن تاب منها، {إنه هو الغفور الرحيم} الغفور للذنوب العظام: الشرك والزنا ~~والقتل، {إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم} في الإسلام. # فمن أشرك أو زنا أو قتل قبل أن يسلم ثم أسلم وتاب لم يؤاخذه الله بشيء من ~~تلك المعاصي في الشرك إذا تاب توبة نصوحا، وإن مات على شركه دخل النار. # 16- باب: # في العرنيين ومحاربيتهم # - وسأل عن الذين نزل فيهم /190/ أمر المحاربة؟ PageV01P262 # فقد قلنا: إنهم العرنيون، وذلك أن أناسا من عرينة كانوا أسلموا وهاجروا ~~إلى المدينة فأصابهم بها مرض فاستأذنوا النبي ^ أن يخرجوا يشربوا من إبل ~~الصدقة فأذن لهم النبي ^، فلما صحوا ارتدوا عن الإسلام وقتلوا الراعي، ~~واستاقوا ||الإبل|| إبل الصدقة، فنزلت فيهم: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ~~ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم ms204 وأرجلهم ~~من خلاف أو ينفوا من الأرض}، يعني: {يحاربون الله ورسوله} بعد الإسلام، ~~يعني: الكفر بعد الإسلام، {ويسعون في الأرض فسادا} يعملون فيها بالمعاصي: ~~القتل وأخذ الأموال، {أو ينفوا من الأرض}، يطلبون حتى يهربوا من أرض ~~المسلمين، هذا الجزاء {لهم خزي في الدنيا} من تقطيع أيديهم وأرجلهم ||من ~~خلاف|| وقتلهم وصلبهم، ولهم في الآخرة عذاب النار. # فقيل: إن النبي ^ بعث في طلبهم فأخذ منهم ناسا فأقام فيهم الحد، ثم ~~استثنى {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} فيقام فيهم الحد {فاعلموا ~~أن الله غفور رحيم} لما كان منهم في الشرك، {رحيم} بهم بعد التوبة في ~~الإسلام، هدم الإسلام ما كان فعل في الشرك؛ لأن الشرك كان أعظم منه. # وهذا قول من يقول: إن المحاربين هم هؤلاء أهل الشرك وإنما هذا فيهم، فأما ~~من أقر بالإسلام ثم أخذ المال وسفك الدماء فإنه يؤخذ بحد ما أتى في ذلك ~~وصار محاربا. # فأما المشرك فإنه يؤخذ بحد ما يلزمه إن قدر عليه ما لم يجئ تائبا، فإن ~~تاب قبل أن يقدر عليه هدم الإسلام ما كان عمل في حال شركه. PageV01P263 # وفي حكم اليوم فيمن ارتد عن الإسلام ثم قتل وأخذ الأموال ثم قدر عليه من ~~قبل أن يسلم ويتوب إلى الله أن يقتل أو يصلب؛ لأن الصلب إنما هو في أهل ~~الشرك، وإن قتل ولم يأخذ المال قتل، وإن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله ~~من خلاف، يده اليمنى ورجله اليسرى؛ فهذا معنى من يسلم ثم يشرك ثم يقتل في شركه. # فأما من قتل وأخذ الأموال وهو مقر بالإسلام، فإن رجع تائبا أخذ بحد ما ~~أتى وأقر به، ولا يهدر عنه /191/إلا ما أصاب في المحاربة، فأما ما أصاب ~~قبلها فلا يهدر عنه. ألا ترى أن المرتدين في أيام أبي بكر والذين حاربوا مع ~~طلحة وغيره وقتلوا المسلمين، وقتل طلحة عكاشة في ذلك ولحق بالشام، ثم رجع ~~تائبا في أيام عمر فأسلم؛ لم يأخذه عمر بما كان من فعله في ارتداده. ms205 # فمن أشرك ثم قتل أو سلب ثم قدر عليه قبل أن يتوب قتل وصلب، وإن تاب هدر ~~عنه، وأما المقر فلا يهدر عنه ما طلب به، وبه صار محاربا. # وأما من قتل وهو مقر بالإسلام ثم ارتد ولحق بالمشركين ثم تاب ورجع إلى ~~المسلمين؛ فإنه تقبل توبته، وعليه القصاص ويقتل به، ويقبل الله توبته إذا ~~كان مخلصا، وإن أقام مع المشركين حتى يدركه المسلمون فعليه القتل بارتداده، ~~يقتل إن لم يتب. قال النبي ^: «من بدل دينه فاقتلوه»، فعليه حد ما أتى من ~~القتل الذي جناه في إسلامه. # فأما من أسلم وقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها كما قال الله: ~~{ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم}، وقال النبي ^: «لا عفو لمن قتل بعدما ~~أخذ الدية»، وقد جعل الله له عذابا عظيما. PageV01P264 # قيل: إنها نزلت في مقيس بن صبابة الكناني، وذلك أنه أسلم هو وأخوه هشام ~~بن صبابة، وكانا بالمدينة، فوجد مقيس أخاه قتيلا في بني عدي من الأنصار، ~~فأتى النبي ^ فأخبره، فقال النبي ^: «هل تعلم له قاتلا؟» قال: لا، فبعث ~~النبي ^ رجلا من قريش مع مقيس إلى بني عدي، ومنازلهم يومئذ بقباء «أن ~~ادفعوا إلى مقيس قاتل أخيه إن علمتم ذلك، وإلا فادفعوا الدية إليه»، فجاءهم ~~الرسول فقالوا: "السمع والطاعة لله ولرسوله، والله ما قتلنا ولا نعلم له ~~قاتلا، ولكن نؤدي ديته، فدفعوا إلى مقيس دية أخيه، فلما انصرف من قباء إلى ~~المدينة -وبينهما ساعة- عمد مقيس إلى رسول رسول الله ^ فقتله وارتد عن ~~الإسلام بعد قتله، وركب جملا منها، وساق معه البقية، فنزلت فيه: {ومن يقتل ~~مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه}، فجعل له خلودا ~~في النار كما جعل /192/ لمن كفر بقسمة المواريث، حيث يقول تعالى: {ومن يعص ~~الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها} يعني: يخلد فيها بكفره ~~بقسمة المواريث، {وله عذاب مهين}. # ونزلت في سورة الحج: {ومن يرد فيه بالحاد بظلم} يعني: يدخل الحرم بالشرك ~~بعد الإسلام {نذقه من عذاب أليم}، أي: وجيع، ms206 يعني: يدخل الحرم، وهو القتل، ~~نزلت في عبد الله بن أنس القرشي، وذلك أن النبي ^ بعثه مع رجلين أحدهما ~~مهاجري والآخر أنصاري، فافتخروا بالأنساب، فغضب عبد الله بن أنس فقتل ~~الأنصاري وارتد عن الإسلام وهرب إلى مكة، فأمر النبي ^ يوم فتح مكة بقتل ~~عبد الله بن أنس ومقيس بن صبابة، فقتلا جميعا على الشرك. فهذا أمر من يسلم ~~ثم يقتل ثم يشرك فيقيم مع المشركين. # مسألة: [في فضل الجهاد] # - وسأل عن فضل الجهاد في سبيل الله؟ PageV01P265 # فقد قيل: إن فضل الجهاد في سبيل الله أفضل الأعمال، وإن سائر أعمال البر ~~كلها مع الجهاد في سبيل الله كتفلة في بحر لجي، والجهاد هو أفضل أعمال البر ~~لمن رزقه. # وجهاد العدو وهو فرض على الكفاية، وذلك إذا قام به البعض أجزى عمن لم يقم ~~به، وذلك قوله: {وما كان المؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم ~~طآئفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون}، ~~فلما أذن بالتخلف للطائفة، ونفر طائفة، وأمر بالتفقه في الدين، وجب أن يكون ~~قد خفف عنهم إذا قام بالغزو البعض في سبيل الله والجهاد، أجزأ عمن لم يقم ~~به ما كان أحد من المسلمين قائما بذلك، وإن تركه الجميع لم يجز لهم وكفروا. # وقد قيل: إن ثلاثا مكفرات إذا تركهن الجميع فإن قام بذلك بعض لم يكفروا، ~~فالجهاد في سبيل الله إذا تركه الجميع كفروا، وإذا قام به البعض لم يكفروا، ~~وصلاة الجماعة إذا تركها الجميع كفروا، وإن قام بها بعض لم يكفروا، وصلاة ~~الجنازة مثل ذلك إذا تركها الجميع كفروا، وإن قام بها بعض لم يكفروا. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «بعثت بالسيف» وقال: «الجنة تحت ظلال ~~السيوف». # فإن /193/ قال قائل: فأين فرض الجهاد في كتاب الله؟ # قيل له: قوله: {كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو ~~خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون}. PageV01P266 # وقوله: {كتب} أي: فرض بعد أن ms207 لم يكن مفروضا، وذلك أنه تعالى أمر نبيه في ~~أول أمره أن يدعو إلى الإسلام ولم يفرض عليه القتال ولم يأمره به، فلما ~~أخرجه المشركون من مكة وهاجر إلى المدينة فرض الله عليه وعلى المؤمنين معه ~~الجهاد، وأمرهم به، فقال: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على ~~نصرهم لقدير} فأذن لهم فيه بعد أن كان نهاهم عنه في بدو الإسلام، وذلك ~~قوله: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ~~وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا ~~قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا * أينما تكونوا يدرككم الموت ~~ولو كنتم في بروج مشيدة}. {لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم}، ~~أخبرهم عن كراهيتهم القتال، [و]أن الموت يدركهم في القتال وفي بيوتهم. # {ولو كنتم في بروج مشيدة} قالوا: هي بيوت من حديد أو حصون من حديد، ~~فالموت يدركهم فيها، فهذا يدل |أيضا| أن الله يميتهم بآجالهم في القتال، ~~وبطل قول من قال: إن الذي قتلهم قتلهم قبل انقضاء أيامهم. PageV01P267 # ففرض |الله| عليهم القتال بقوله: {كتب عليكم القتال} أي: فرض عليكم ~~القتال، وجعل فيما كرهوا خيرا لهم ما أصابوا من الفتح والغنيمة والشهادة، ~~وأمر بالهجرة إلى المدينة، وشدد في التخلف عن نبي الله ^، وقال: {والذين ~~آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا} قطع موالاتهم ~~وتبرأ منهم إذ لم يهاجروا. # وقال: {والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله [والذين آووا ونصروا] ~~أولئك هم المؤمنون حقا}، وقال: {إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم ~~وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض}، وقال: ~~{أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر ~~وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين * ~~الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند ~~الله وأولئك ms208 هم الفائزون * يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها ~~نعيم مقيم * خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم}. /194/ PageV01P268 ~~وقال للمتخلفين: {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله}، وقال: {فيم كنتم قالوا ~~كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك ~~مأواهم جهنم وساءت مصيرا * إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا ~~يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا * فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم}، فعذر أهل ~~العذر ولم يعذر أهل الحيلة، فشدد [الله] عليهم في القتال بعد أن لم يكونوا ~~مأمورين بالجهاد والهجرة، فصار ذلك كذلك من لم يهاجر كفر. # ومن خرج إلى الهجرة ومات في الطريق عذره الله بقوله: {ومن يخرج من بيته ~~مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله}. فحضض الله ~~المسلمين على الجهاد في سبيل الله ورغبهم فيه، وأنزل: {إن الله يحب الذين ~~يقاتلون في سبيله صفا} في قتال المشركين في الحرب {كأنهم بنيان مرصوص}. PageV01P269 # وقد قيل: إن النبي ^ لم يكن يقاتل العدو إلا أن يصاففهم، و|قد| قال الله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم} فقال ~~منهم من قال: "لو نعلم ما هذه التجارة لبذلنا فيها الأموال والأنفس، فبين ~~لهم تعالى فقال: {تؤمنون بالله ورسوله}، يعني: تصدقون بتوحيد الله وبجميع ~~ما أمر الله، وتصدقون بمحمد أنه رسول الله، {وتجاهدون في سبيل الله ~~بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون * يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار [ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم] * ~~وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين} يعني: بالنصر العاجل. # فرغب في الجهاد وقال: {لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ~~والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين}. /195/ # يقول: {لا يستوي} في الفضل {القاعدون} عن الغزو وغير أولي الزمانة، ~~والمجاهد في سبيل الله، {فضل الله المجاهدين [بأموالهم وأنفسهم] على ~~القاعدين درجة} يعني: فضيلة، {وكلا وعد الله الحسنى} من ms209 المجاهد والقاعد ~~الذي عذره عن الجهاد. {وفضل الله المجاهدين على القاعدين} الذين لا يعذرهم ~~عن الجهاد {أجرا عظيما * درجات منه ومغفرة ورحمة}، يعني: مغفرة لذنوبهم، ~~{وكان الله غفورا رحيما}. PageV01P270 # وقال: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون ~~في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن}، ~~فوعدهم على ذلك الجنة، وقال: {ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم ~~الذي بايعتم به | وذلك هو الفوز العظيم|}، وقال: {ومن يقاتل في سبيل الله ~~فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما} فجعل القاتل والمقتول في سبيل الله ~~شريكين في الجنة. # وقال في سورة آل عمران: {ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل ~~أحياء عند ربهم} يعني: أرواح الشهداء أحياء عند ربهم {يرزقون}. # فقد قيل: «إن أرواح الشهداء في حواصل طير يرعين بهم في الجنة، ويأكلون من ~~ثمارها، وهم في كرامة الله والخير». # وقال: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون}، وقيل: «من رابط العدو أربعين يوما فهو عظيم الأجر»، وقيل: «من مات ~~مرابطا في سبيل الله أخر الله له أجرة رباطه إلى يوم يلقاه» وقال قائل: ~~"لأن أقوم مقاما حيث أخاف العدو ويخافني أحب إلي من عبادة الله ستين سنة ~~بعد الفرائض"، وذلك إذا كان موافقا للسنة. # وقال عمر بن الخطاب ~: "حجة الإسلام أفضل من عشر غزوات في سبيل الله، ~~وغزوة في سبيل الله بعد حجة الإسلام أفضل من عشرين حجة"؛ لأن الله أوجب ~~الفرائض على المسلمين، فمن ضيع الفريضة لم يقبل الله منه نافلة، وهذا مما ~~يدل على فضل الجهاد في سبيل الله ويرغب فيه ويترك ضده. PageV01P271 # وذكروا رواية عن أبي ذر الغفاري ~** أنه قال: "أحب المرض تكفيرا لخطيئتي، ~~/196/ وأحب الموت اشتياقا لربي، وأحب الفقر تواضعا لربي". # وعن عمر بن الخطاب ~ أنه قال: "كفى بالمرء سرفا أن يأكل ما اشتهى"، وقال ~~الله تعالى: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون ~~عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض ms210 بغير الحق وبما كنتم تفسقون}". ~~ومعنى ذلك: أذهبتم طيباتكم من نعيم الجنة { بما كنتم تستكبرون} عن الطاعة ~~{وبما كنتم تفسقون}: تعملون بالمعاصي، وتأكلون الحرام، فأما الأكل من ~~الحلال فلا فسق فيه. # مسألة: [نقل المسلمين من تثقيل إلى تخفيف] # - وسأل: هل ينقل الله المسلمين من تثقيل إلى تخفيف؟ PageV01P272 # قيل له: نعم، قد نقل الله المسلمين من تثقيل إلى تخفيف، من بعد أن شدد ~~عليهم وتوعدهم بأليم العذاب، والغضب والنار، ثم رخص لهم في ذلك وخفف عليهم، ~~وذلك قوله في التشديد: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا ~~فلا تولوهم الأدبار * ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى ~~فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} يريد: متحرفا إلى ~~أصحابه يريد الكرة على المشركين، {أو متحيزا} إلى أصحابه من غير هزيمة، ~~وكان ذلك يوم بدر، فمن انهزم يومئذ حتى تجاوز صف النبي ^ فقد استوجب الغضب ~~من الله، وكان يوم بدر خاصة شدد على المسلمين يومئذ ليقطع دابر الكافرين، ~~إذ فرض أن يقاتل الرجل من المسلمين عشرة من عدوهم، فقال في ذلك: {إن يكن ~~منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين وإن يكن منكم مئة يغلبوا ألفا من الذين ~~كفروا بأنهم قوم لا يفقهون}، كل ذلك ليقطع دابر المشركين. PageV01P273 # فلما انهزم المشركون يوم بدر وقطع الله دابرهم خفف عن المسلمين بعد ~~تثقيله عليهم، فقال: {الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم ~~مئة صابرة يغلبوا مئتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع ~~الصابرين} |يعني: تقاتل مئة مئتين|، فقد خفف عنهم بعد أن شدد عليهم، ورخص ~~لهم بعد أن توعدهم، وعفا عنهم، فقال في يوم أحد: /197/ {إن الذين تولوا ~~منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله ~~عنهم}، وأوجب العقوبة والغضب على من ولى دبره يوم أحد، فأنزل الله الرخصة ~~بعد التشديد، وعفا عنهم بعد التوعيد إذ ولوا الأدبار. # وقال في يوم حنين: {ثم وليتم مدبرين * ثم ms211 أنزل الله سكينته على رسوله ~~وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا} بالقتل والهزيمة ~~والغنيمة والسباء، وقال {وذلك جزاء الكافرين}، ثم قال: {ثم يتوب الله من ~~بعد ذلك على من يشاء} فأنزل التوبة وعرفهم أنه يتوب عليهم من انهزامهم، ولم ~~يوجب عليهم ما أوجب على من ولى دبره يوم بدر، فقد خفف عنهم بعد تشديده ~~عليهم في ذلك. # وأنزل في يوم أحد: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل ~~هو من عند أنفسكم}، {فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين}، يعني: حين ~~تركوا المركز وعصوا أمر النبي ^ حين قال للرماة يوم أحد: «لا تتركوا ~~أمكنتكم» فترك بعضهم المركز وأخذوا في موضع الحرب والنهب، ودخلت الخيل ~~عليهم في تلك الحالة وانهزموا. PageV01P274 # قال الله: {وتنازعتم في الأمر وعصيتم} الرسول {من بعد ما أراكم ما تحبون ~~منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا ~~عنكم} فعفا عنهم ورخص لهم في ذلك بعد أن توعدهم بالعذاب قبل ذلك، فخفف عنهم ~~وعفا عنهم، {والله ذو فضل على المؤمنين}، لم يعاقبهم فيستأصلهم جميعا. # فلم يجعل من انهزم يوم أحد كمن انهزم يوم بدر، ويوم بدر قبل يوم أحد فدل ~~ذلك على التخفيف عليهم، وأوجب عليهم في التخفيف من فرض الجهاد أن يقاتل ~~الرجل رجلين، فثبت ذلك في قتال العدو، فمن قتل في الجهاد في سبيل الله بعد ~~يوم بدر مقبلا أو مدبرا فهو شهيد إذا كان موافقا للسنة، ولكن سبق المقبل ~~المدبر إلى رحمة الله. # ألا ترى أن زيدا وجعفرا حين مرا على سنتهما في الحرب /198/ ولم يترددا ~~سبقا عبد الله بن رواحة على ما روي في الحديث عن رسول الله ^، فكلهم قتلوا ~~شهداء، وانهزم جيشهم فقال المسلمون لهم: "يا فرار، فررتم في سبيل الله؟!"، ~~فقال رسول الله ^: «ليسوا بالفرار، ولكن الكرار إن شاء الله». # وأن بعضهم قال للنبي ^: "|يا رسول الله|، هممنا بكذا وكذا"، فقال: «لا، ~~أنا فئة للمسلمين» ولم يوجب عليهم الغضب وأنزل ms212 الله عذرهم. # وقيل: انهزم جيش على عهد عمر بن الخطاب ~ فقتل عامتهم وعمر يومئذ ~~بالمدينة، فقال عمر ~: "يا ليتني كنت معهم". # فهذا ما هو من التخفيف بعد التشديد في الجهاد، وإن المنهزم إذا انهزم إلى ~~فئة أو يريد الكرة لم يفسق في ذلك، فإذا كان المسلمون كنصف العدو فعليهم أن ~~يقاتلوا الضعف من العدو |ومن المشركين| إلى يوم القيامة. PageV01P275 # فمن أعطى من المسلمين بيده إلى المشركين من غير عذر لم يفد من بيت مال ~~المسلمين، وإن أخذ عنوة قهرا فأرجو أن يفادى، وإن كان العدو أكثر من الضعف ~~فأرجو أنه يفادى من بيت المال. # وعن أبي قتادة أن رجلا أتى إلى رسول الله ^ فقال: "يا رسول الله، إن أنا ~~جاهدت بسيفي |هذا| في سبيل الله صابرا محتسبا، وقتلت مقبلا غير مدبر، كفر ~~الله به خطاياي؟" فقال |له| رسول الله ^: «نعم، إلا الدين، كذلك قال لي ~~جبريل #»، وفي حديث آخر: «إن لم يكن عليك دين»، فمحنة الدين شديدة. # وقد قيل: إن رسول الله كان يباشر العدو بنفسه ويقول: «اللهم أنت مولانا ~~ولا مولى لهم، اللهم أيدنا بنصرك، وأمددنا بملائكتك يضربون وجوههم ~~وأدبارهم، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين». # وقد كان رسول الله ^ يباشر الحرب بنفسه، وربما يرسل جيوشه ويؤمر عليهم ~~الأمراء المرضيين، ويوصيهم بتقوى الله، ويأمرهم بطاعة الله وطاعة أمرائه ~~معهم ما أطاعوا الله، وينهاهم عن المثلة في البلاد، والغلول في الغنيمة ~~والفساد، وعن قتل الشيخ الفاني، والنساء والصبيان، وقد «نهى عن قتل ~~العسيف»، وقتل الناغية من النساء، ولا يقتل من النساء /199/ إلا امرأة قتلت ~~فتلك تقتل، أو امرأة أحدثت حدثا استحقت به القتل. # وقد كان ^ يقاتل من قاتله، ويسالم من سالمه، ويكف عمن كف عنه، ويعاهد من ~~عاهده، قال الله تعالى: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا ~~تعتدوا}، يقول: ولا تقاتلوا من لم يقاتلكم، ولا تقتلوا الولدان والنساء، ~~وقال: {قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله ~~مع المتقين} في النصر لهم. PageV01P276 # وقال: {يسألونك عن الشهر ms213 الحرام قتال فيه قل قتال فيه كبير} يعني: كبيرا ~~من الذنوب، ثم قال: {وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله ~~منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل}، يقول: إخراج المسلمين من مكة ~~والشرك بالله أكبر من القتال في الشهر الحرام. # وقال: {وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله}. وقد سالم أهل مكة قبل الفتح. # وقال: {ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردوا إلى ~~الفتنة أركسوا فيها فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم ~~فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا}، كل ~~هذا ومثله قد كان فيما بينهم حتى نزلت: {قاتلوا المشركين كآفة} يعني: ~~جميعا، وقال: {قاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} يعني: حتى لا ~~يكون شرك. # وقال: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل ~~مرصد} فهذه الآية نقضت ما كان من صلح ومواعدة، وعهد ومسالمة، وبرئ إليهم ~~رسول الله ^ من عهدهم. # قال الله: {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن الله بريء ~~من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم} فإن أسلمتم فهو خير لكم، {وإن ~~توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله}. PageV01P277 # وقال: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام ~~بعد عامهم هذا}، فهناك قاتل النبي ^ جميع أهل الشرك حيثما وجدهم، ولم يقر ~~أحدا من عبدة الأوثان على دينهم إلا من كان له عهد إلى مدة أربعة أشهر فحتى ~~يبلغ مأمنه. # ونسخت آية السيف /200/ جميع المواعدة والصلح في جميع المشركين من العرب ~~خاصة وجميع المشركين منهم، وقاتل العرب من المشركين جميعا حتى يقروا ~~بالإسلام طوعا وكرها، ولم يقرهم على دينهم وغنم أموالهم ورد سباهم، وقاتل ~~أهل الكتاب حتى أقروا بالجزية، وقاتل بني قريظة وسباهم، وقاتل أهل خيبر ~~وغنم أموالهم، وسبى من قاتل معهم، وأقر من شاء منهم، وفتح مكة عنوة وأخذها ~~بالسيف، ودخل الناس في دين الله أفواجا. # ونسخت الهجرة بعد ذلك، وقال ^: «لا هجرة بعد الفتح»، ms214 أو قال: «بعد ~~اليوم»، ففي هذا إفساد قول من قال بالهجرة. # وأنزل الله بعد إسلام العرب وإعطاء أهل الكتاب الجزية {لا إكراه في الدين ~~قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة ~~الوثقى}، من يبرأ من الطاغوت ويؤمن بالله يصدق بتوحيد الله، والطاغوت هاهنا ~~-على ما قيل-: حيي بن أخطب النضيري، أو كنانة بن أبي الحقيق. والطواغيت: ~~الشياطين، وقال الله تعالى: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى ~~النور والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات} من ~~الإيمان إلى الكفر. والطاغوت قد سميناه، والطواغيت: العصاة. # فقبل رسول الله ^ بعد ذلك الجزية من أهل الكتاب، ولم يكرههم على الإسلام ~~إلا من شاء أن يسلم. PageV01P278 # وقيل: إن المجوس بمنزلة أهل الكتاب، وقد روي أنه قال: «سنوا بهم سنة أهل ~~الكتاب»، واستحل سباء أهل الكتاب من الذراري والنساء وغنم الأموال، ونهى عن ~~قتل الأطفال، وأمر بالعدل بين الناس بحكم الله، ولم يكن يعذر من تخلف عنه ~~إلا من عذر بين، وقد تخلف قوم بغير عذر وحلفوا لرسول ^ وقبل منهم، فأنزل ~~الله تكذيبهم بقوله: {وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم ~~والله يعلم إنهم لكاذبون}. # وقد قص الله أخبار الثلاثة الذين تخلفوا بلا عذر، حتى ضاقت عليهم الأرض ~~بما رحبت، وضاقت عليهم أنفسهم. PageV01P279 # وأنزل الله في الذين تخلفوا عن نصرة رسول الله ^: {فقل لن تخرجوا معي ~~أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع ~~الخالفين}، /201/ونهى عن الصلاة عليهم فقال: {ولا تصل على أحد منهم مات ~~أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون}، فجعلهم ~~كفرة وفسقة، وغير هذا في براءة كثير، مما يدل على قطع عذر من تخلف عن ~~الجهاد بغير عذر، فلما كان بعد غزوة تبوك، وهي آخر غزوات النبي ^ أنزل الله ~~تعالى: {ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ~~ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ms215 ظمأ ولا نصب ولا مخمصة} ~~|مجاعة|، قال: {ولا يطؤون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا} يعني: ~~ظفرا -والله أعلم-، {إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ~~* ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم ليجزيهم ~~الله أحسن ما كانوا يعملون}، فلم يكونوا معذورين في التخلف حتى أنزل الله ~~تعالى: {وما كان المؤمنون لينفروا كآفة فلولا نفر من كل فرقة منهم طآئفة ~~ليتفقهوا في الدين}، فأجاز تخلف بعضهم، ونفر طائفة من كل فرقة، فمن هاهنا ~~قالوا: إذا خرج بعض أجزأ عن الباقين. PageV01P280 # وإذا كان المسلمون كنصف عدوهم وجب فرض الجهاد عليهم، وإن ترك ذلك الجميع ~~منهم كفروا ولم يجز لهم، وإن قام بعضهم سقط عمن لم يقم به، فقد نقلهم الله ~~من التثقيل إلى التخفيف في هذا المعنى |كله|، والله أعلم. # واحتذى المسلمون مثاله، وغزا بهم العدو أبو بكر وعمر، وتخلف من تخلف عنهم ~~[و]لم يكفر، وقالا: "لا نكفر متخلفا عنا، ولا نجبر الناس على القتال"، وذلك ~~إذا قام به البعض، وأما إذا ترك ذلك جميع الناس لم يجز، وذلك إذا كان ~~المسلمون كنصف عدوهم في العدة والعدد والأوقية والسلاح والكراع والحمولة ~~والطعام والمادة لزمهم فرض الجهاد، وإذا كانوا أقل كان خروجهم فضيلة. # فقد أتينا في حكم الجهاد من كتاب الله بدلائل نرجو فيها الصواب. # ولا يبارز العدو أحد من الجيش إلا برأي الإمام أو من يوليه ذلك، ولم ~~يبارز الزبير العدو يوم خيبر إلا برأي النبي ^، وكذلك /202/ حمزة يوم بدر، ~~وعلي بن أبي طالب لم يكن يبارز العدو إلا برأي النبي ^. # ولا يقاتل أحد من أهل الشرك حتى يدعى إلى الإسلام، فمتى قامت عليه الحجة ~~وعلم ما يدعى إليه فجائز قتاله بعد ذلك بلا دعوة، كما قاتل النبي ^ أهل مكة ~~وبني المصطلق. قيل: إن النبي ^ أمر بالإغارة على بني صباح عند رفعة الراية، ~~وأغار على بني المصطلق وأنعامهم تسقي على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى ~~ذراريهم، ونسأل الله التوفيق. # مسألة: ms216 [في القسامة والضمان] # - وسأل عن القتيل إذا وجد بين القريتين أو بين الحيين، أو في القرية، ولا ~~يدرى من قتله؟ ما يجب فيه على أهل القريتين أو الحيين ؟ # قيل له: قد قيل: إن فيه القسامة على أهل القريتين أو الحيين، فيقسمون ~~بالله يحلف منهم خمسون رجلا: ما قتلنا ولا علمنا له قاتلا، ثم يؤدون ديته. PageV01P281 # وإن كان في قرية حلف منهم أيضا خمسون رجلا. وإن كان بين القريتين حلف ~~منهم خمسون رجلا. وإن كان إلى واحدة أقرب أخذ به من أقرب، فيحلف منهم خمسون ~~رجلا: ما قتلنا ولا علمنا له قاتلا، ثم تقسم الدية عليهم. # وليس على النساء قسامة، ولا على الصبيان والعبيد والمسافرين والغرباء، ~~وإنما القسامة على المقيمين الأحرار. # وإن وجد القتيل في دار قوم فعلى أهل الدار. # وإن وجد قتيل في فلاة فلا قسامة فيه. # وإن وجد قتيل في منزله أو على دابته تسير به فلا قسامة فيه، ولكن فيه ~~القسامة إذا كانت الدابة واقفة. # وإنما القسامة في الأحرار وليس في العبيد قسامة. # والأصل فيما عمل به في القسامة أن عبد الله بن سهل خرج يمتار (تمرا) من ~~خيبر فوجد قتيلا في عين من خيبر، فذكر شأنه لرسول الله ^ فكتب إليهم: «أن ~~أدوا ديته، أو آذنوا بالحرب»، فكتبوا إليه يحلفون بالله: ما قتلناه ولا ~~علمنا له قاتلا، فأدى رسول الله ^ ديته مائة من الإبل. # وقد قيل: إن أولياء دمه جاؤوا إلى رسول الله ^ فذكروا شأنه، فقال: ~~«تحلفون على قتل صاحبكم؟» /203/ قالوا: "ما كنا نحلف على ما لا نعلم"، قال: ~~«فتحلفون يهودا؟» قالوا: "ما كنا نحلف يهودا، ما هم فيه من الشرك أعظم من ~~أن يحلفوا"، فأدى ديته رسول الله ^ مائة من الإبل. # وقد عمل المسلمون بالقسامة بعد رسول الله ^. # وكذلك في قتل هاشم بن صبابة لما وجد قتيلا في الأنصار بقباء، كتب إليهم ~~رسول الله ^: «أن ادفعوا إلى مقيس قاتل أخيه، وإلا فادفعوا إليه ديته مائة ~~من الإبل»، فقالوا: السمع والطاعة لله ولرسوله، والله ما قتلناه ولا علمنا ms217 ~~له قاتلا، فدفعوا إليه ديته مائة من الإبل بعد أن حلفوا، فصارت القسامة ~~واجبة، وقد عملت به الأئمة من بعده. PageV01P282 # فإذا اتهم أولياء المقتول بالقتل أحدا من الناس، فإن ذلك لا قسامة فيه، ~~ويؤخذ لهم من اتهموه ويحبس |لهم| على التهمة، فإذا انتهى حبسه؛ فإن قامت ~~عليه بينة وإلا خلي سبيل المتهم. # ولا قسامة في العبيد ولا في الأموال ولا في الحيوان، وإنما يضمن ذلك لربه ~~على من جناه إذا علم ذلك. # فأما حدث الدواب من أكل أو قتل أو عقر فلا يلزم أربابهن شيء من ذلك، وقد ~~جاء عن النبي ^ أنه قال: «حدث العجماء جبار» معناه: هدر، إلا ما قالوا: إنه ~~إذا كان معروفا بذلك فتقدم فيه على ربه فأطلقه بعد التقدمة فأصاب أحدا بعقر ~~أو قتل، من نفس، أو مال فيما يعرف به من ذلك؛ فإنه يضمن ربه دية ذلك ولا ~~قود فيه، وفيه الدية. # ومن أحدث حدثا في طريق المسلمين أو في غير حقه فعطب فيه أحد من نفس أو ~~مال، فإنه يضمن ذلك، كان دية أو غير ذلك من النفس والمال. # فإن ألقى حجرا، أو أشرع جناحا، أو حفر حفرة، أو بنى بناء، أو كبس كبسا في ~~الطريق، فأصاب بذلك أحدا فعطب به فإنه يضمن، قل ذلك أو كثر ما كان من دية ~~أو أرش أو قيمة مال؛ لأن ذلك حدث لا يحل له، وقد جاء الوعيد من رسول الله ^ ~~أنه قال: «من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله»، وقال ^: «ملعون من ~~آذى المسلمين في طرقاتهم»، ففي ذلك كله صاحبه ضامن، آثم بما أحدث /204/ فيه. # فأما إذا كان له مال قد خيف على الطريق، من جدار يقع أو نخلة مائلة؛ فلا ~~يضمن إذا أصاب بذلك أحدا حتى يتقدم عليه في صرفه، فإن صرفه وإلا ضمن ذلك ~~كله على قول. # ولا تعقل العاقلة إلا ما كان من جناية يده وحدثه بيده. ولو أنه رمى طيرا ~~فأصاب إنسانا فمات ففيه الدية، وكذلك لو رمى إنسانا فأصاب ms218 أحدا ففيه الدية ~~-وهي خطأ- على العاقلة. # فأما إذا حفر في حقه ثم يصيب أحدا فلا ضمان عليه ولا إثم. PageV01P283 # وأما ما أكلت الدواب في النهار فلا ضمان فيه على أربابها، ويضمنون ما ~~أكلت بالليل؛ للرواية عن النبي ^ أنه قال: «على أهل الدواب حفظ دوابهم في ~~الليل، وعلى أهل الحروث حفظ حروثهم بالنهار»، فالضمان على أهل الدواب فيما ~~أكلت دوابهم بالليل، وأما ما أكلت بالنهار فلا ضمان عليهم، وعلى المسلمين ~~إصلاح ذات بينهم، وصرف الضرر عنهم، قال رسول الله ^: «لا ضرر ولا إضرار في ~~الإسلام». # وأما أحداث العمد فمضمونة على من أحدثها، وجنايتها مأخوذ بها من أتاها، ~~والأموال مضمونة في الخطأ والعمد. # وقتل العمد فيه القود إذا لم يكن فتكا، فجائز أخذ الدية إذا اختارها ~~أولياء المقتول، وجائز الصلح بينهم فيما تصالحوا عليه، والعفو خير. # فإن اختار أولياء المقتول الدية فهي في الحكم مائة من الإبل، أسنانها ~~ثلاثون بنات لبون وثلاثون حقة وأربعون جذعة إلى بازل عامها كلها في بطونها ~~أولادها إناث لا ذكور فيها، والأربعون على خمسة أجزاء، ثمان من الجذع، ~~وثمان من الثني، وثمان من الربع، وثمان من السدس، وثمان من البزل. # وإن اقتاد ولي الدم فله، والقود بالسيف، والصلح جائز في ذلك. # فأما حدث الأموال فقيمة ذلك على من جناه مأخوذ به من أتاه. # وأما جناية الصبيان والمجانين وهي خطأ فهي على عاقلة الجاني؛ لأن القلم ~~عنهم مرفوع بسنة النبي ^، وإنما تعقل العاقلة ما كان نصف عشر الدية على حكم ~~من حكم بذلك من المسلمين. # 17- باب: # مسألة: في نقض العهد # - وسأل عن أمر العهد، ما هو؟ # قيل له: /205/ إن العهد على معان؛ فمنها: عهد عقد وبيعة في الدين؛ فذلك ~~واجب الوفاء به. # ومنه: عهد ميثاق، وهو عهد الله وميثاقه الذي واثقكم به في أمر الدين. # ومنه: عهد رؤية، كما يقول القائل: "عهدت فلانا في موضع كذا وكذا" أي: رأيته. # ومنه: عهد الكتب الذي يكتب في العهود. # ومنه: عهد خبر، تقول: عهدي به قريب. PageV01P284 # فأما عهد الله الذي أخذه ms219 على عباده في أمر الدين فذلك ناقضه يكفر به، وقد ~~قال: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه}، ~~فعليهم التبيين للناس. # وقوله: {واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا ~~وأطعنا واتقوا الله} في نقض العهد {إن الله عليم بذات الصدور}. # وقوله: {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم}، {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم} فيما ~~بينكم وبين الناس، وفي أمر الدين أيضا. # وقد روي عن رسول الله ^ أنه قال: «حسن العهد من الدين»، فما كان من عهد ~~من أمر الدين فلا يحل نقضه لهذا، وما كان من عهد بين المرء وبين إمام عدل ~~فعليه الوفاء به، وما كان من عهد ومواعدة ومعاقدة بين المسلمين وبين أحد من ~~ملل أهل الشرك وغيرهم فيجب عليهم التمام والوفاء بذلك، ومن ذلك قوله الله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود} يعني: أوفوا بالعهود التي ~~بينكم وبين الناس، وقوله: {وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا} يسأل الله ~~ناقض العهد عن نقضه. PageV01P285 # وقال في سورة النحل: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان ~~بعد توكيدها} يعني: فيما بينكم وبين جميع الناس من أهل الشرك وأهل الحرب ~~وغيرهم؛ لأنها عامة، {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها} يعني: تغليظها {وقد ~~جعلتم الله عليكم كفيلا} في أمر العهد، يعني: شهيدا، {إن الله يعلم ما ~~تفعلون} في أمر العهد، {ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا} ~~فكان من نقض العهد بمنزلة التي نقضت غزلها من بعد ما أبرمته، {تتخذون ~~أيمانكم دخلا بينكم} في نقض العهد، يعني: مكرا وخديعة في استحلال نقض ~~العهد، {أن تكون أمة هي أربى من أمة} أن يكون قوم أكثر من قوم فيستحلون نقض ~~العهد {إنما يبلوكم الله به} يعني: الكثرة والقلة، /206/ {وليبينن لكم يوم ~~القيامة ما كنتم فيه تختلفون}. # وقال: {ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها}، يقول: ناقض ~~العهد يزل في دينه كما تزل قدم الرجل بعد استقامتها، {وتذوقوا السوء بما ~~صددتم عن سبيل الله} يعني: ms220 العقوبة بما صددتم عن طاعة الله، {ولكم عذاب عظيم}. # فمن أعطى من المسلمين عهد الله وميثاقه أحدا من أهل الحرب وغيرهم، ثم نقض ~~العهد فإنه «ينصب له يوم القيامة لواء بحرابة عند ظهره، يقال |له|: هذه ~~غدرة فلان». PageV01P286 # والله يسأل ناقض العهد عن العهود ونقضها، وقد ذم الله ناقض العهد ~~وتوعدهم، وقال: {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون مآ أمر الله ~~به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار}، ففي هذا ما ~~يؤكد على الوفاء في العهد وشدد في نقضه. # فمن أعطى من المسلمين العهد فهو جائز إذا كان العهد عدلا، ولا يجوز إذا ~~لم يكن العهد عدلا؛ ولأن «المسلمين يد على من سواهم، تتكافأ دماؤهم، يسعى ~~بذمتهم أدناهم»، أولا ترى أن النبي ^ لما أمنت زينب زوجها أبا العاص بن ~~الربيع أجاز النبي أمنها له. # وكذلك لما أجار أبا سفيان العباس أجاز ذلك له النبي ^، وكانوا لقوه في ~~الطريق في غزوة الفتح، وقد وقع ذلك مواقع الوفاء إذا عاهد أحد من المسلمين ~~أحدا ثبت ما أعطى |من| ذلك. # ألا ترى أن رسول الله ^ لما صالح زمان الحديبية أهل مكة لم يغدر بهم ووفى ~~لهم بشرطهم، ورد إليهم من خرج من عندهم كما شرطوا عليه، ورد أبا جندل، ~~وقالوا له: «لا يصلح لنا الغدر في ديننا». # وقال لأبي بصير: «ارجع فإنه قد أعطينا هؤلاء القوم عهدا، فلا يصلح لنا ~~الغدر»، فلما قتل أبو بصير الرسول الذي مر معه، ورجع إلى رسول الله ^، قال ~~|رسول الله| ^: «ويحه مسعر حرب لو كان معه رجال»، ولم يؤمنه حتى خرج من ~~عنده، فالغدر غير جائز. # وقد ذم الله المشركين على نقض العهد، فقال: {لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ~~ذمة}، والإل: هو العهد، /207/ {وأولئك هم المعتدون}. PageV01P287 # وقال: {وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة ~~الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون}، قال ذلك للمسلمين والمشركين. # فأما المشركون فإن الله برئ إليهم من عهدهم، وأذن لهم ms221 ألا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا، ونزلت: {براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم من ~~المشركين} ثم قال: {وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر أن ~~الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم}، فبرئ إليهم من عهدهم ~~ولم يغدر بهم، وإنما نبذ إليهم عهدهم على سواء، {إن الله لا يحب الخائنين} ~~في دينهم. وأتم لمن عاهدوا عند المسجد الحرام فقال: {فما استقاموا لكم ~~فاستقيموا لهم} إلى مدتهم {إن الله يحب المتقين} # وقد قيل: إنه قال ^: «وفاء لا غدر». فمن أعطى من المسلمين عهد الله ~~وميثاقه في بيعة وعهد فليس له عذر في نقض ذلك إلا أن ينقض ممن خالف الحق. ~~ألا ترى أنه لما عاقد بين المهاجرين والأنصار ومن دخل في عهدهم من يهود لم ~~ينقض عليهم حتى نقضوهم وغدروا. # وكذلك قريش لما صالحوه لم ينقض عليهم حتى غدروا، فأعانوا على قتل خزاعة، ~~وكانت خزاعة في عهد [مع] النبي ^، فلما نقضوا أغاثهم رسول الله ^، وفتح ~~الله على نبيه مكة، ونسخت الهجرة، ولم يقر عربيا على الشرك، ودخل الناس في ~~دين الله أفواجا، فتراجع الناس إلى بلادهم، وصارت الدور كلها دور إسلام ~~يقبل فيها الإيمان. PageV01P288 # وقد قيل: إن رجلا من اليمن أتى رسول الله ^ فقال: يا رسول الله، هاجرت، ~~فقال ^: «هجرت الشرك، لكن بايعني على الإسلام»، وقال: «ألك والدة؟» قال: ~~نعم. قال: «الزمها، فإن الجنة تحت قدم الوالدة»، ففي هذا ما يدل على خطإ ~~الخوارج في الهجرة، |ولا يجوز الغدر|. # وقد ذكر الله إسماعيل ومدحه بصدق الوعد، فقال: {واذكر في الكتاب إسماعيل ~~إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا}، فأثنى عليه بوفاء العهد وصدق الوعد. # وإنما جاز للمسلمين قتال من صالحوه وعاهدوه إذا نقض العهد، /208/ فقال في ~~كتابه: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله ~~واعلموا أن الله مع المتقين} في النصر لهم، ومدحهم على الوفاء بعهودهم ~~بذلك. ألا ترى أن الله قد مدح إسماعيل في صدق الوعد، وذم الذين عاهدوا ms222 ثم ~~أخلفوا فقال: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من ~~الصالحين * فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون * فأعقبهم نفاقا ~~في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون}. # فالعهد في أمر الدين لا يجوز نقضه، ولا وفاء بعهد في معصية الله، كما أنه ~~لا يجوز نذر في معصية الله. فأما ما كان من العهد في شيء من طاعة الله، أو ~~ما يدخل على أحد من المسلمين فيه ضرر في دينه إن لم يف به من عاهده؛ فذلك ~~لا يجوز نقضه. وأما من وعد أحدا وعدا لا يدخل عليه في نقضه كثير ضرر؛ فذلك ~~أرجو أنه في خلفه يأثم، ولا نقول: إنه يكفر بذلك، والله أعلم. PageV01P289 # فأما من باع لله نفسه، أو بايع إمام عدل؛ فعليه الوفاء بذلك حتى يحكم ~~الله، كما قال إخوة يوسف: {ألم تعلموا أن أباكم قد أخذ عليكم موثقا من الله ~~ومن قبل ما فرطتم في يوسف فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي ~~وهو خير الحاكمين}. # مسألة: [العهد اليوم] # - وسأل عمن أعطى اليوم أحدا من المؤمنين العهد: أيجوز ذلك وإن لم يكن إمام؟ # قيل له: من أعطى من المؤمنين العهد على نفسه ثبت عليه. ومن أعطى من ~~المؤمنين العهد فيما هو جائز جاز ذلك إذا كان عدلا؛ لأن المؤمنين تتكافأ ~~دماؤهم كلها سواء في القصاص والدية، ولا يجوز إذا لم يكن ذلك العهد عدلا ~~عند المسلمين. # والإيمان على وجهين: إيمان تصديق بلا عمل، وإيمان تصديق وعمل. # وللتقوى حقيقة، وحقيقة ذلك العمل، قال الله تعالى: {والذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم}، ~~وكان إيمانهم بما نزل على محمد مع العمل بطاعة الله وطاعة رسوله، والوفاء ~~بما عاهد عليه الله، قال الله لهم: {فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى ~~بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما}، فجعل لهم الأجر على الوفاء، ~~وألزمهم ms223 على النكث والغدر /209/ أن ذلك راجع عليهم. # وقد قال الله: {الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور} من ~~الكفر إلى النور إلى الإيمان، ينصرهم على ذلك، {والذين كفروا أوليآؤهم ~~الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات} من الإيمان إلى الكفر، {أولئك ~~أصحاب النار هم فيها خالدون}. PageV01P290 # والإيمان: اسم لحق بأسماء الله، والإسلام كذلك، والمؤمن: هو المسلم، قال ~~الله: {السلام المؤمن}. # قال الله: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا ~~والله ولي المؤمنين}. وقال: {يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه ~~نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك ~~على كل شيء قدير}، وقال: {إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين}، وقال: {إنا ~~لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد * يوم لا ~~ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار}، كل هذا يحث على الوفاء ~~بالطاعة وتمام العهد. # 18- باب: # في تسويد الوجوه والحجة فيه # - وسأل عمن زعم أن الله يسود وجوه المؤمنين يوم القيامة، أو ترهقهم قترة؟ # قيل له: قائل هذا قد سفه القرآن، قال الله تعالى: {يوم تبيض وجوه وتسود ~~وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم فذوقوا العذاب بما كنتم ~~تكفرون}، وهذا كفر غير شرك، وكفر شرك، وكل كافر هذا حكمه، {وأما الذين ~~ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون}، وقال: {وجوه يومئذ مسفرة * ~~ضاحكة مستبشرة * ووجوه يومئذ عليها غبرة * ترهقها قترة * أولئك هم الكفرة ~~الفجرة}. PageV01P291 # فسل من خاصمك من أهل البدع: أرأيتم هذا المؤمن الذي تزعمون أن الله يدخله ~~النار، ما لونه في النار؟ وما طعامه؟ وما شرابه؟ وما لباسه؟ وما فراشه؟ فإن ~~الله قد بين صفة أهل النار فقال: {فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب ~~من فوق رؤوسهم الحميم * يصهر به ما في بطونهم والجلود * ولهم مقامع من حديد ~~* كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق}، ~~فاسألهم عن هذا الذي يدخل النار من أهل القبلة، هل ms224 تقطع له ثياب من نار، ~~ويصب من فوق رؤوسهم الحميم، يصهر به ما في بطونهم /210/ والجلود، ولهم ~~مقامع من حديد؟، أم إذا أدخلوا النار أطعموا من الطعام الذي يطعمه الله أهل ~~الجنة، ويسقيهم من الشراب الذي يسقيه الله أهل الجنة، ويعطيهم من الطعام ~~الذي يطعمه الله أهل الجنة، ويلبسهم من اللباس والفرش والأزواج والآنية من ~~الذهب والفضة، والكرامة التي أعدها الله لأهل الجنة، فليس بين الجنة والنار ~~منزلة، وقد قال |الله| في الجنة: {تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى الكافرين ~~النار}، وقال: {وإن جهنم لمحيطة بالكافرين}، وأنها لا تحيط بمؤمن، فلا ~~تفتروا على الله الكذب فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى. PageV01P292 # وقال: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا ~~الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون}، وقال: {وإن طائفتان من ~~المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي ~~تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن ~~الله يحب المقسطين}. # واسألهم عن الفئة التي أبت أن تفيء إلى أمر الله حين خرجت من أمر الله، ~~أهي من حزب الشيطان؟ فإن قالوا: نعم، صدقوا. وإن قالوا: هي في أمر الله ~~كذبوا، وإنما في أمر الله الذين يقاتلون في طاعة الله، والباغية في طاعة ~~الشيطان، قال الله: {فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا}، ~~وقال: {أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون}، فكيف تكون لهم ~~الجنة؟. # قال الله: {لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ~~ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم} يقول: لا يكون ~~مؤمن يواد كافرا أبدا. PageV01P293 # وقال: {فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا}، والفئة ~~الباغية في حزب الشيطان، وقال: {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا ~~تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين}، ومن لا يحبه الله فليس في ولايته، ~~{فقاتلوا أولياء الشيطان}، وقال: {الله ولي الذين آمنوا}، وقال: {قل من حرم ~~زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من ms225 الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة ~~الدنيا خالصة يوم القيامة} /211/، فالباغي خارج من ولاية الله وداخل في ~~ولاية الشيطان، قال الله: {إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في ~~الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم}. # وسئل ابن مسعود: عن السحت، قال: ما هي؟ قال: "هي الرشوة في الحكم". وقال: ~~"النفاق كفر بعينه". PageV01P294 # وقال الله تعالى: {يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة ~~والإنجيل}، وأنتم وأهل الكتاب سواء. وقد كان نبي الله يحكم بين من تحاكم ~~إليه من اليهود، فكيف يجعل الكافر حاكما فيزداد كفرا إلى ما هو عليه من ~~الكفر، ولقد جمعهم الله وأهل الكتاب في الوصية، فقال: {ولقد وصينا الذين ~~أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا...}، وقال: {إنا ~~عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} الذي لم يحمل الأمانة: "ظلوما جهولا"، ~~{ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على ~~المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما}. # 19- باب: # مسألة: في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر # - وسأل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أواجب ذلك؟ # قيل له: نعم. # فإن قال: ففي ماذا يجب؟ # قيل له: يجب ذلك في كل طاعة أمر الله بها، فواجب الأمر بها، والنهي عن كل ~~معصية نهى الله عنها، فواجب النهي عنها على مقدار ما أمكن. # فإن قال: لم صار المعروف معروفا والمنكر منكرا؟ # قيل له: لأن ذلك لا يشتبه، فأما المعروف فهو الذي تعرفه القلوب، وتألفه ~~النفوس وتطمئن إليه، فهو معروف؛ لأنه يعرف في النفس بحقيقته وصدق فاعله. ~~وأما المنكر فهو الذي تنكره القلوب وترده وتأبى أن تقبله النفوس، فمن ذلك ~~يسمى المعروف معروفا والمنكر منكرا. # فإن قال: فما المعروف؟ # قيل له: هو جميع طاعة الله مما أمر من معروف لا يختلف فيه، والمنكر جميع ~~ما حرمه الله ونهى عنه فهو منكر. # فإن قال: فما يجب من الاعتقاد في ذلك؟ PageV01P295 # قيل له: الاعتقاد أنه يدين لله بجميع ما ms226 أمر به من العمل بطاعته والأمر ~~بها، وولاية /212/ أهلها عليها؛ لأن الواجب الأمر بالمعروف والعمل به، ~~وولاية أهله عليه، والنهي عن المنكر وترك العمل به، ومفارقة أهله عليه؛ ~~فهذا ما يجب من الاعتقاد في ذلك. # فإن قال: فذلك يسع جهله؟ # قيل له: ذلك تختلف معانيه. فأما من أقر بالإسلام، واعتقد الطاعة، وترك ~~المعصية فقد خرج مما يسع جهله، وما وراء ذلك موسع له ما لم يبتل بشيء من ~~ذلك من أمر بطاعة، أو نهي عن معصية، أو عمل بطاعة، أو ترك معصية، أو ولاية ~~على طاعة، أو براءة على معصية، أو إنكار على من أتى المعصية أو ترك الطاعة؛ ~~فإنه إذا ابتلي بشيء من هذا فإنه غير موسع له، وقد يسعه ما لم يبتل بشيء من ~~ذلك ولا سمع به ولا عاينه ولا لزمه ولا عمل بطاعته، ولا ترك معصية، ولا رأى ~~معطلا لعمل واجب أو راكب نهي، وقد جعل الله من المعروف القليل معروفا، ~~فقال: {إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا} يعني: إحسانا. وقال: {فإمساك ~~بمعروف أو تسريح بإحسان} وهو معروف كله، وذلك للزوجات. وقال: {وأتمروا ~~بينكم بمعروف}؛ يعني: في المراضع. # وقد سمى الله الصدقة معروفا والحق معروفا كله، وقال: {فلا تعضلوهن أن ~~ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف}، وقال: {وللمطلقات متاع ~~بالمعروف}، وقال: {ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف}. فالإحسان كله معروف ولا ~~تنكره القلوب. # فإن قال: فعمل النوافل والوسائل معروف؟ # قيل له: نعم، هو من المعروف والقربة إلى الله، وليس ذلك من الواجب ولكن ~~مرغب فيه. # فإن قال: فمن أمر بالمعروف فقد نهى عن المنكر؟ PageV01P296 # قيل له: نعم؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن جميع أضداده، والنهي عن الشيء أمر ~~بضده. ألا ترى أن رسول الله ^ قال: «تصدقوا»، فقد يجب أنه قال: "لا تتركوا ~~الصدقة"، كما قال الله: {وكلوا واشربوا ولا تسرفوا}، فأمر بالأكل ونهى عن ~~الإسراف فيه. # ومن أمر بالصلاة فقد نهى عن تركها، ومن نهى عن الفحشاء فقد أمر بتركها، ~~وقد ذم الله |تبارك و|تعالى قوما ms227 على ذلك فقال: {كانوا لا يتناهون عن منكر ~~فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون * ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما ~~قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون} /213/ وخلدهم في ~~العذاب بترك النهي عن المنكر. # وقد يلزم أن ينكرالمنكر بثلاث: بالقول وبالفعل إن قدر، وإن عجز عن الفعل ~~فالقول باللسان، فإن لم يقدر على ذلك واتقى منه تقية فقد عذر في التقية، ~~وعليه الإنكار بالقلب، وعليه الانتهاء عن إتيان المنكر، وولاية راكبيه عليه. # ألا ترى إلى قوله في الذين اعتدوا في السبت: {وإذ قالت أمة منهم لم تعظون ~~قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون ~~* فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا ~~بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون}، وفي هذا عبرة أن الذين نهوا عن المنكر نجوا ~~والذين ظلموا هلكوا، ولو لم يتناهوا عن السوء لأصابهم كلهم كما أصاب الذين ~~لا يتناهون عن المنكر. # ألا ترى إلى ما روي عن النبي ^ أنه قال: «ما ترك قوم الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر إلا أعمهم الله بعقاب من عنده»، ولا يعاقبون إلا على ترك ~~الواجب. PageV01P297 # وفي بعض القول: «لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكرأو ليسلطن الله عليكم ~~شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم»، فلا تقع العقوبة في مثل هذا بغير واجب. # ألا ترى إلى قول لقمان لابنه وهو يعظه: {يا بني لا تشرك بالله إن الشرك ~~لظلم عظيم} فنهاه عن الشرك. وقال: {يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه ~~عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} أمره بالصلاة، وقال: ~~{وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور}؛ ~~يعني: من حق الأمور إن أمرت بالمعروف أو نهيت عن المنكر فأصابك في ذلك شيء ~~يسوؤك فاصبر على ذلك، والآخر تبع للأول. # ألا ترى الناس إنما كانت معاداتهم للأنبياء والرسل عل نصيحة الرسل لهم في ~~الدين، وإنما حاربوا رسول الله ms228 ^ وعادوه وقاتلوه حين /214/ نصح لهم في ~~الدين، وأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر، وكذلك الأنبياء إنما قتلوهم من ~~أرسلوا إليه، وآذوهم، وأرادوا حرق إبراهيم وألقوه في النار، وأراد فرعون أن ~~يستفز موسى وقومه |من أجل| إذ نصحوهم في الدين لا غير ذلك. إنما قال لهم: ~~{استغفروا ربكم ثم توبوا إليه}، وقال نوح: {استغفروا ربكم إنه كان غفارا}، ~~فأنجى الله المؤمنين من الخزي وأهلك المسرفين. # وقد مدح الله المؤمنين على العمل بطاعته فقال: {التائبون العابدون ~~الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ~~والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين} بشرهم بالجنة. PageV01P298 # وفي بعض الحديث: «إن أعمال البر كلها عند الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر كتفلة في بحر لجي». وذلك كله مع طلب العلم كتفلة في بحر لجي، ~~والعلماء ورثة الأنبياء وملح الأرض، بهم يهتدى إلى الحق. وقد روي أن رجلا ~~قال لابن مسعود: "هلك من لم ينكر المنكر ولم يأمر بالمعروف"، قال له: "هلك ~~من لم يعرف المعروف معروفا ويتولى أهله عليه، ولم يعرف المنكر منكرا وينهى ~~عنه، ويبرأ من أهله عليه"؛ معنى ذلك أنه إذا تولى المسلمين العاملين ~~بالطاعة مع ما يلزمه هو من العمل سلم، وكذلك إن برئ من أهل المعصية، فقد ~~أنكر عليهم بقلبه؛ لأن اليد واللسان قد تكون معهما العقوبة على الناهي بذلك. # فإن قال: فمن لم يعرف المعروف لم يعرف المنكر؟ # قيل له: نعم، من لم يعرف المعروف لم يعرف المنكر، ولا يعرف المعروف حتى ~~يعرف المنكر، فيشتت بينه وبين المنكر ويعرف منازل أهله. # ألا ترى أن من لم يعرف حلال الله لم يعرف حرامه؛ لأنه لا يعرف طاعة من ~~معصية، وكيف يعرف ذلك من لا يعلمه لا يعرفه إلا من يعلمه، وعرفه وعمل ~~بالطاعة وتولى أهلها عليها، ونهى عن المعصية وبرئ من أهلها، فذلك |هو| الذي ~~يعرف ما عرف من ذلك، وشتت بين منازل أهله. # وقد قال الله ما يدل على ما قلنا |من الكتاب وغيره| قوله: {كنتم خير أمة ~~أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن ms229 المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل ~~الكتاب لكان خيرا لهم}، فجعل الله أمة محمد ^ خير أمة على الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر،/215/ ولا تكون خير أمة إلا بالأفضل من العمل. PageV01P299 # وقال:{وكذلك جعلناكم أمة وسطا} يعني: أمة محمد |^| خيارا {لتكونوا شهداء ~~على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا}، وإنما جعلهم وسطا؛ أي خيارا، على ~~الأمر بالطاعة والنهي عن المعصية، وعلى ذلك قاتلهم الناس وأخرجوهم من ~~منازلهم، وصبروا على أذاهم حتى جاء أمر الله وهو كارهون. # وقال: {ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قآئمة يتلون آيات الله آناء الليل ~~وهم يسجدون * يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ~~ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين} فلم يسو بينهم وبين من لم يفعل ~~ذلك وجعلهم من الصالحين على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع الإيمان ~~بالله والصلاة في آناء الليل، فسوى بين ذلك والعمل بالطاعة والنهي عن ~~المنكر. # وفي وصية لقمان لابنه وهو يعظه: «يا بني، أطف الشر، وأفش الخير، وأمر ~~بالمعروف، وانه عن المنكر، ولا تحلف بالكذب، ولا تشهد بالزور، ولا تكن ذا ~~لسانين وذا وجهين». # وقد نهى الله ورسوله عن الأيمان الكاذبة قال: {لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم}؛ يعني: من الاعتماد على اليمين ~~الكاذبة. # وعن النبي ^ أنه قال: «من حلف على يمين كاذبة فاجرة ليقطع بها مال امرئ ~~مسلم لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان». # وقال: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم ~~في الآخرة}. PageV01P300 # وقد نهى الله ورسوله عن اليمين الكاذبة، وعن الكذب، وعن شهادة الزور، وهو ~~-على ما قيل- قاتل الثلاثة: قاتل الذي أطعمه الحرام بشهادته، وقاتل الذي ~~نزع ماله بشهادته لمن شهد له بغير حق، وقاتل نفسه بشهادة الزور، وقد قال ~~الله: {وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا} فجعل كل منكر من القول زورا، ~~والكذب زور والفحشاء زور، وقال |الله| تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ~~ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}؛ يعني: تعاونوا على الطاعة لله، ولا ~~تعاونوا ms230 على المعصية والظلم، {واتقوا الله إن الله شديد العقاب}. /216/ # فالواجب على المسلمين موالاة بعضهم لبعض، ومؤازرة بعضهم بعضا، والمعونة ~~منهم بعضهم لبعض، وعليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد روي عن ابن ~~مسعود أنه قال: "هلك من لم يعرف المنكر منكرا فينكره بقلبه"، وقد قال الله ~~تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا ~~براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم}، معناه: برئنا منكم، أنكروا ~~عليهم أعمالهم ومعاصيهم. # وعلى ذلك أنكر النبي ^ وأصحابه على أهل الكفر والمعاصي حتى دخلوا في ~~الإسلام طوعا وكرها، وأنكر أبو بكر ~ على من منع الصدقة، وقاتل من ارتد عن ~~الإسلام حتى دخلوا فيما خرجوا منه. وأنكر علي على طلحة والزبير ومن كان ~~معهم، وقاتلهم بالعراق حتى قتلهم وهزمهم الله. وأنكر على معاوية بغيه ولم ~~يعذرهم في البغي، وقاتلهم حتى كان من أمرهم ما كان. # فلما تولى علي عن قتال أهل البغي بعد أن عمل عليه، وخرج بعد إذ دخل فيه، ~~وقتل من أصحابه على ذلك خلق كثير، ثم شك وأجاب إلى التحكيم، أنكر المسلمون ~~عليه، ولم يعذروا من جهل الحق في ذلك، ولم يزالوا كذلك حتى قتلوا. PageV01P301 # واستولى معاوية وأهل البغي على الحق، ووهن الإسلام وقل أهله، وافترقت ~~الأمة واتبعوا الأهواء وابتدعوا، وقالوا ما لم يأذن الله لهم به، ودانوا ~~بطاعة معاوية والجبابرة من بعده إلى يومنا هذا. # فأهل الحق في الفتن والمحن وصاروا مستضعفين في الأرض، وقد قال رسول الله ~~^: «بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى لغربائه». وقد روي أنه ~~قال: «يكون عليكم أمراء يعذبونكم ويعذبهم الله». وقد وجدنا أنه قال: «إني ~~لا أحل لكم إلا ما أحل كتاب الله، ولا تفتروا على الله الكذب ولا على ~~رسوله»، فإن الرواية أنه قال: «من كذب علي تبوأ مقعده من النار» والمعنى: ~~متعمدا. وقال: «من كان ذا وجهين ولسانين في الدنيا جعل الله له وجهين ~~ولسانين في النار». # وقال الله تعالى: {الذين إن مكناهم في الأرض ms231 أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور}؛ /217/ يعني: في ~~الآخرة. # وقد أنكر المسلمون أمر الحكمين؛ لأن الله تعالى أمر بقتال الفئة الباغية ~~حتى تفيء إلى أمر الله، وقد قال تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}، فالأئمة إذا أمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر كانوا خير أمة، فأما إذا أجابوا إلى المنكر أهله، وشكوا فيما كانوا ~~فيه من الحق، وتركوا الإنكار وطلب دماء المسلمين، وأجابوا البغاة والفسقة ~~إلى الحكم في دين الله لم يكونوا خير أمة. PageV01P302 # أولا ترى أن غير أهل العدالة لا تجوز بالاتفاق شهادتهم في الحقوق، وإنما ~~تجوز شهادة العدول، فإذا لم تجز شهادة الفاسق لم يجز حكمه. أولا ترى إلى ~~قول الله في جزاء الصيد أنه قال: {يحكم به ذوا عدل منكم}، ولم يجعل الحكم ~~فيه إلى غير العدول. وكذلك لا يجوز حكم غير العدول في دين الله ودماء ~~المسلمين وأموالهم. # ومن ذلك ضل أهل التحكيم وأهل الرضى بالحكومة التي كانت بين علي ومعاوية، ~~ثم اتفقوا على المنكرين عليهم أن يقتلوهم حيث وجدوهم، وسموهم بما لم يأذن ~~الله لهم به، فقتل أهل النهروان وأهل النخيلة وغيرهم حيثما سمعوا بهم ~~فقتلوهم، ودعوا الناس إلى طاعتهم فأجابوهم ودانوا لهم، واستخفي الحق، والله ~~سائل الفريقين عما كانوا يعملون. # مسألة: [في حرمة الأموال] # - وسأل عن الأموال، ما يحل منها وما يحرم؟ # قيل له: إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، وقد جعل الله الأموال ~~مقسمة على خلقه، وملك كلا من ذلك ما شاء، وحرم ما شاء منها على عباده وأحل ~~ما شاء، وقد قال |الله| تعالى في كتابه: {لا تظلمون ولا تظلمون}، فحرم ~~الظلم كله والأموال كلها إلا من وجه ما اتفق عليه أنه حلال. # وحرم في كتابه أموال المسلمين فقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم ~~إن الله كان بكم رحيما * ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف ms232 نصليه نارا وكان ~~ذلك على الله يسيرا}، فحرم في كتابه أموال المسلمين إلا في التجارة عن ~~التراضي. PageV01P303 # ثم حرم الربا في التجارة، فقال: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ~~ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ~~ورسوله}، /218/وقال: {وأحل الله البيع وحرم الربا}، وقال: {لا تأكلوا الربا ~~أضعافا مضاعفة}، وقال: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي ~~يتخبطه الشيطان من المس} وهو: الجنون، فحرم الأموال بالربا وغير التراضي في ~~البيع، وجعل ذلك كله حراما على آكله من غير حله، وحرم التطفيف في البيع، ~~والبخس في الكيل والوزن، وأوضح لهم الدليل، ولم يرخص في قليل ذلك ولا في ~~كثيره، وحرم الغلول في كتابه، فقال تعالى: {ومن يغلل يأت بما غل يوم ~~القيامة}، والغلول من الخيانة. # وحرم سرقة الأموال في كتابه، وأوجب على ذلك قطع يد السارق، فقال: ~~{والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما}، وقال في الربا: {وإن تبتم فلكم رؤوس ~~أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون}، فحرم في ذلك الظلم كله، وحرم السحت فقال: ~~{أكالون للسحت}، وهي على ما قالوا: الرشوة في الحكم، ونهى عن الميسر وهو ~~القمار، وبين ذلك كله في كتابه. # وحرم التعدي وأخذ أموال الناس، فقال: {إنما جزاء الذين يحاربون الله ~~ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم ~~من خلاف أو ينفوا من الأرض}. PageV01P304 # وحرم رسول الله ^ الخيانة للمسلمين، والغش في البيع، ونهى عن الغدر ~~والخديعة والإبهام، وقال: «خديعة المسلم محرمة»، و«نهى عن بيع ما ليس معك»، ~~و«عن ربح ما لم تضمن»، و«أن تتلقى الجلوبات»، و«نهى عن شرطين في بيع»، ~~وكذلك «أفسد البيع في الدار التي اشترط سكناها». وقال ^: «دماؤكم وأموالكم ~~عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا». # وقال الله تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن}، وقال: {إن ~~الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون ~~سعيرا}، وقال النبي ^: «لا يحل مال امرئ مسلم إلا ms233 بطيب قلبه»، فقد حرم الله ~~ورسوله أكل جميع الأموال، قليل ذلك وكثيره بغير حق، وبغير حل وبالباطل ~~وبالظلم، وقال الله تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها ~~إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون}، فحرم جميع ~~ذلك وقال: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة |وإن تك حسنة يضاعفها|}، وقال: {وإن ~~كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين} /219/ وقال: {فمن يعمل ~~مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}، وفيما تلونا تحريم قليل ~~الأموال وكثيرها، لا يحل منها شيء إلا ما أحله الله في كتابه، أو رسوله في ~~سنته، أو قامت دلالة على تحليل ذلك من كتاب أو سنة، ولا رخصة في ذلك بحال، ~~غير ما أحل الله ورسوله ^، فتبين ذلك وتدبره إن شاء الله. PageV01P305 # فأما ما أحل الله منها فهو الحلال الذي أحله في كتابه قوله تعالى: {كلوا ~~مما في الأرض حلالا طيبا} يعني: كسب الحلال، {ولا تتبعوا خطوات الشيطان} ~~يعني: الحرام، وقال: {أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ~~ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون}، وقال: {كلوا من ثمره إذا أثمر} يعني: ~~النخيل، والأعناب من الحلال. # وقد أحل الله تعالى من الأموال ما ملك ابن آدم منها، وما كان من البيع عن ~~التراضي، ما لم يكن فيه ما تلونا من النهي عنه. # والتجارة حلال إذا كانت عن التراضي بوفاء الكيل والوزن، والخروج مما نهى ~~عنه الرسول #، وقد أحل الله المال وملكه بحله في الميراث على قسم القرآن ~~لمن ورث من ذلك، كما جعل الله له في قسمة الميراث، والوصية لمن أوصى له ~~بشيء مما تجوز فيه الوصية حلال من الله، وقد أحل الله للمسلمين الغنائم من ~~أموال المشركين إذا كانوا حربا بعد الهزيمة. # وحرم السرقة في الأمان والصلح، وأحل الخمس في ذلك لنبيه ولمن سماه لهم من ~~جميع أموال المشركين مما غنموه، وكذلك الجزية والصلح، وأوجب الله الحل في ~~الأموال من جميع الحقوق. # ومن وجب له حق بصداق ms234 أو أجرة من جميع الإجارات والصدقات، وقد أحل الله ~~لنبيه ^ الهدية والهبة، وحرم عليه الصدقة، وقال ^: «تهادوا تحابوا»، ~~فالهدية له ولأمته حلال، وأحل الله الصدقة للمستحقين لها، الذين سماه الله ~~لهم ذلك في كتابه من الفقراء ومن سمى. # والرفد، وإقراء الضيف، والمعونة في ذلك فيما بين المسلمين، كما فعل ~~المهاجرون والأنصار واسوهم بأموالهم وأنفسهم، وقد أثنى الله عليهم، فقال: ~~{ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون}. /220/ PageV01P306 وأحل رسول الله ^ المال مع طيب القلب، فقال: ~~«لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب قلبه»، فإذا كان المال بطيب القلب فهو ~~حلال، وأما الدلالة ففيها اختلاف. # فهذه الوجوه ومثلها من المعاملات والأموال والأملاك فما كان بحله فهو ~~حلال، وما أشبه ذلك مع طيب النفس، وبالله التوفيق. # 20- باب: # مسألة: في أكل مال اليتيم # - وسأل عن مال اليتيم، ما يحل منه وما يحرم؟ # وقال له: إن الله حرم أكل مال اليتامى ظلما، قوله: {إن الذين يأكلون ~~أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا}. # فحرم أكل أموالهم بالظلم، وقال: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح ~~فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن ~~يكبروا}، وقال: {ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف}، ~~وخاطب أولياء اليتامى وأوصياءهم ألا يأكلوا ذلك إلا بالثمن أو بالقرض، فإذا ~~أيسر فليؤد إليه. # وقال للأوصياء: {وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب} ~~الخبيث من أكل أموال اليتامى ظلما بالطيب من أموالكم، وقال: {ولا تأكلوا ~~أموالهم إلى أموالكم} يعني: مع أموالكم {إنه كان حوبا كبيرا}، والحوب: ~~الإثم الكبير، فحرم أكل أموال اليتامى بغير حق، وأجاز لوصي اليتيم المقتر ~~أن يأكل بالمعروف، والمعروف: هو الثمن، إلا من فرض له أجرة في القيام بمال ~~اليتيم فله ذلك. PageV01P307 # وفي بعض الحديث: "أن رجلا [من غطفان] كان معه مال لابن أخ له يتيم، فلما ~~بلغ طلب ماله فامتنعه العم، فخاصمه إلى النبي ^ فنزلت: {وآتوا اليتامى ~~أموالهم...} الآية كلها، ثم قال: {ولا ms235 تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان ~~حوبا كبيرا}، فأمر النبي ^ عم اليتيم أن يرد على ابن أخيه ماله، وقرأ عليه ~~هذه الآية: {وآتوا اليتامى أموالهم} يعني: الأوصياء، {ولا تتبدلوا} الحرام ~~من مال اليتامي بالحلال من أموالكم، وقال: {ولا تأكلوا أموالهم إلى ~~أموالكم} فتخلطوها، فلما قرأ النبي ^ هذه الآية على الرجل قال: "أطعنا الله ~~ورسوله، ونعوذ بالله من الحوب الكبير"، ورد على اليتيم ماله، فعمد اليتيم ~~فأنفق ماله في سبيل الله. /221/ فعلم النبي ^ بذلك، فقال: «ثبت الأجر وبقي ~~الوزر»، قالوا: يا رسول الله، قد عرفنا الأجر فكيف بقي الوزر؟ فقال: «ثبت ~~الأجر للغلام، وبقي الوزر على الأب» على والد اليتيم. # وقوله: {وابتلوا اليتامى}: اختبروا عقول اليتامى {حتى إذا بلغوا النكاح} ~~يعني: الحلم، {فإن آنستم منهم رشدا} يعني: صلاحا في دينهم وحفظا لأموالهم، ~~{فادفعوا إليهم أموالهم}، وقال: ولا تبذروا مال اليتيم خشية أن يكبر ويبلغ ~~الحلم فيأخذ ماله، ثم قال: {فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم وكفى ~~بالله حسيبا} يعني: شهيدا، يعني: يسألكم عن أموال اليتامى وغيرها، يقول: ~~ولا شهيد أفضل من الله فيما بينكم وبينهم. PageV01P308 # ولا يجوز أن يدفع إلى اليتيم ماله حتى يبلغ الحلم ويؤنس رشده، قوله في ~~سورة الأنعام: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن} حتى يبلغ أشده، ~~يعني: يثمر ماله، حتى يبلغ أشده ثماني عشرة سنة أو ما شاء الله. # وقيل: لما نزلت: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في ~~بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} اعتزل المسلمون بيوت اليتامى وما كان لهم، فشق ~~ذلك عليهم وعلى اليتامى، وقالوا للنبي ^: "اعتزلنا بيوت اليتامى وليس كلنا ~~يجد سعة أن يعتزل لليتيم بيتا، فهل يصلح لنا السكن معهم والطعام، وخدمة ~~الخادم وركوب الدابة، وشرب الألبان ونحو ذلك، ولا نرزؤهم بشيء من ذلك الذي ~~لهم إلا نعود عليهم بأفضل منه، أو مثله"؛ فنزلت: {وإن تخالطوهم فإخوانكم ~~والله يعلم المفسد} في أموال اليتامى {من المصلح ولو شاء الله لأعنتكم} ~~يعني: لآثمكم، فرخص لهم في الخلطة والقرض والثمن، ولم يرخص في ms236 غير ذلك. # وقد قيل: إنه إن أكل الوصي بالمعروف وهو فقير ثم أيسر أنه يرد، وإن لم ~~يجد لم يلزمه، والله أعلم. # مسألة: [في الحلف لقطع مال مسلم] # - وسأل عمن يحلف بيمين كاذبة ليقطع بها مال امرئ مسلم ما يلزمه؟ # قيل له: لا يجوز له ذلك، ويلزمه رد المال، وكفارة اليمين مع التوبة. PageV01P309 # وقد قيل: إن رجلين اختصما إلى النبي ^ في أرض، فأمر المطلوب إليه أن ~~يحلف، فقرأ عليه النبي ^ هذه الآية: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ~~ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله} فلما سمع الرجل ~~كره أن يحلف ولم يخاصم الرجل وحكمه في أرضه، فأنزل الله: {ولا تأكلوا ~~أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس ~~بالإثم وأنتم تعلمون}، يعني: وأنتم تعلمون أنكم تدعون بالباطل. # قال النبي ^: «إنما أنا كأحدكم، ولعل أحدكم أعلم بحجته من أخيه فأقضي له ~~هو وهو مبطل فلا يأكله»، وقد روي: «أيما رجل قضيت له بمال امرئ مسلم، فإنما ~~أقطع له قطعة من النار فلا يأكلها». وقد قيل: إنه قال: «أيما رجل أخذ مال ~~امرئ بشهود زورا، أو بحجة يمين فجور، فإنما يأخذ قطعة من النار»، وغير هذا ~~من الأخبار. # قال الله تعالى: {ولا تشتروا بعهد الله ثمنا قليلا} يعني: عرضا من الدنيا ~~يسيرا، {إنما عند الله هو خير لكم إن كنتم تعلمون} يعني: ما عنده من الثواب ~~في الآخرة أفضل من العاجل إن كنتم تعلمون. # {ما عندكم ينفد} يعني: من الأموال، {وما عند الله باق} يعني: من الثواب ~~في الآخرة دائما لا يزول. وقال: {ولنجزين الذين صبروا} على أمر الله وطاعته ~~{أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «من حلف على يمين كاذبة فاجرة ليقطع بها مال ~~امرئ مسلم لقي الله يوم القيامة وهو عليه غضبان». PageV01P310 # قال: «يأبى الله أن يقبل العمل إلا بالإيمان، ولا يقبل الإيمان إلا ~~بالإحسان»، والعمل الصالح حقيقة الإيمان، ولا يقبل الإيمان إلا بالإحسان، ~~والإيمان والإحسان ms237 كالروح والجسد، إذا فرق بينهما هلكا، وإذا اجتمعا عاشا. # [مسألة] # - وسئل عن قول الله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}؟ # قيل له: إن الله قد بين الذي شاء لهم، قال: {إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون ~~عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما}، {وعد الله لا يخلف الله ~~الميعاد}، وقال: {إنه كان وعده مأتيا}، وقال: {ما يبدل القول لدي وما أنا ~~بظلام للعبيد}، فمن تاب إلى الله توبة نصوحا تاب الله عليه، وقال: {ومن ~~أصدق من الله قيلا}، وقال {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا ~~يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا} /223/وقال: {ومن يعمل من ~~الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا}. # وقد سئل بعض أصحاب رسول الله ^ ما النفاق؟ فقال: "هو أن يتكلم المرء ~~بالإسلام ثم لا يعمل به"، فاحذروا منزلة النفاق. # مسألة: [في التطفيف] # - وسأل عن قليل التطفيف في الكيل والوزن؟ PageV01P311 # قيل له: ذلك على فاعله جزاؤه قليله وكثيره، وقد جعل الله له الويل، فقال: ~~{ويل للمطففين}، يعني: لمن طفف في الكيل |وبخسهم في الكيل| والوزن، وقد ~~نعتهم فقال: {الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم ~~يخسرون} يعني: ينقصون إذا وزنوا وكالوا لغيرهم، فجعل لهم الويل على قليل ~~التطفيف وكثيره، ولم يرخص في شيء من التطفيف ولو قل، والويل: هو العقوبة في ~~الآخرة، كما قال: {وويل للكافرين من عذاب شديد}، وقال: {فويل للذين كفروا ~~من مشهد يوم عظيم}. # وأمر تعالى بالوفاء، فقال: {وأوفوا الكيل والميزان بالقسط} يعني: بالعدل، ~~{لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} إلا ما أطاقت، وقد قيل غير ذلك: دينها. # وقال تعالى: {وأوفوا الكيل إذا كلتم} يعني: لغيركم، {وزنوا بالقسطاس ~~المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا}: أحسن عاقبة، وقال: {ولا تخسروا الميزان} ~~ونهى عن الخسران، وقال: {ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين}. وقال: {ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون * ليوم عظيم * يوم ms238 يقوم الناس ~~لرب العالمين} قيل: يقومون مقدار ثلاثمائة سنة، أو ما شاء الله، ويهون الله ~~على المؤمنين، ثم قال: {فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم}، فلم يرخص الله ~~في شيء من أموال الناس في غير حل فيما بينهم. # باب: # |مسألة| في الأعمى والأعرج # - وسأل عن قول الله: {ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على ~~المريض حرج}؟ PageV01P312 # قيل له: ليس على هؤلاء حرج في الأكل مع هؤلاء الذين استثناهم الله في ~~كتابه، إذا كان المال من وجه الحلال والإباحة من طيب النفس، لم يكن حرج على ~~من أكل مع هؤلاء، ولا على من سافر أيضا مع الأعرج. # وهؤلاء قد حط الله عنهم أيضا فرض الجهاد، وأما الأكل معهم فجائز والخلطة، ~~/224/ كما أحل الله من ذلك. # وأما قوله: {ولا على أنفسكم} يعني: بعضكم من بيوت بعض بطيبة النفس بالحل، ~~{ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو ~~بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت ~~أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن ~~تأكلوا جميعا أو أشتاتا}، معناه: ليس عليكم في الأكل مع هؤلاء في بيوتهم أو ~~من بيوتهم حرج، إذا كان المال بحله وبطيب نفس صاحبه لا بالظلم والغصب في ذلك. # وأما قوله: {ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا} يقول: إن أكلتم ~~جميعا أو أشتاتا متفرقين فلا حلاج في ذلك ولا ضيق، وكذلك المسافرون إذا ~~خلطوا طعامهم جازت الخلطة فيما بينهم، أكلوا جميعا أو أشتاتا؛ لأنه إذا غاب ~~أحدهم فليأكل إذا حضر، ولا خلاف في هذا، والإجماع عليه. # والأكل مع من ذكر اسم الله جائز، ولم يرخص في شيء من ذلك على غير حله، ~~فمحنة الأموال شديدة فيما لا يحل، وقد وعد الله الذين أساءوا ليجزيهم بما ~~عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى، فمن رخص فأحل شيئا حرمه الله، أو استحل ~~ما حرم الله فقد خسر خسرانا مبينا. # باب: ms239 # مسألة: في الاستئذان في البيوت وتحريم الدخول فيها بغير إذن أهلها # - وسأل عن الاستئذان في البيوت هل يجوز الدخول فيها بغير إذن أربابها؟ PageV01P313 # قيل له: |لا يجوز|، قد نهى الله عن الدخول فيها بغير إذن أهلها، ونهيه ~~واجب، وذلك قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى ~~تستأنسوا وتسلموا على أهلها}، فيها تقديم وتأخير؛ لأن الاستئناس بعد ~~التسليم، يعني: حتى تسلموا ثم تستأذنوا؛ لأن السلام قبل الاستئذان، {ذلكم ~~خير لكم} يعني: التسليم والاستئذان خير لكم إن كنتم تعلمون، فتفعلون كما ~~أمر الله. # ثم قال: {فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم} في الدخول، ~~{وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم} يعني: لا تقوموا ولا تقعدوا على ~~أبواب الناس هو أزكى لكم وأطهر لكم. # وقد روي /225/ عن النبي ^ «أنه كان إذا أراد أن يدخل دارا من دور ~~المسلمين سلم ثلاثا من خارج الباب، فإذا ردوا السلام استأذن، فإن أذن له ~~دخل، وإن لم يؤذن له رجع مكانه ولم يدخل، بثلاث تسليمات». # فلا يجوز الدخول في البيوت التي فيها ساكن بغير إذن أهلها. # فإن قال: فهل يجوز الدخول في البيوت التي ليس فيها ساكن؟ # قيل له: نعم، قد رخص في دخول البيوت التي غير مسكونة، وهي البيوت ~~والخانات التي على الطريق وليس فيها ساكن، قد أجازوا الدخول فيها لقول ~~الله: {ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم}، يعني: ~~من البرد والحر، {والله يعلم ما تبدون وما تكتمون}. # وقد أجاز بعضهم الدخول بغير إذن في البيوت المباحة للدخول فيها بالتعارف، ~~مثل: خانات التجار، حيث مباح الدخول فيها للبيع والشراء. # وكذلك بيت المآتم والعرس في وقت ذلك بالعادة الجارية بين الناس أن المأتم ~~يدخل إليه بغير إذن. وكذلك العرس في وقت الدعوة والإطعام والدعوة في ذلك. PageV01P314 # وكذلك مجالس الحكام للحكم، وإنما ذلك في النهار ليس في الليل؛ لأن الليل ~~لا تعارف فيه ولا عادة، وقد عمل المسلمون بذلك. # وكذلك كل بيت أبيح الدخول ms240 فيه فجائز دخوله بالإباحة، وسكون القلب ~~والعادة، وهذا إنما جاز حيث لا يقع فيه تمانع. كما أن البيت الذي غير مسكون ~~جائز، إذ لا مانع فيه ولا حرمة فيه ولا إظهار محرم. |كذلك المواضع المباح ~~الدخول فيها وليس فيها إظهار محرم| وإنما هي للبيع والشراء وللحكم، أو لأكل ~~أو حزن لمن يأتي إلى ذلك، فيه متاع لمن يريد، كمثل المتاع الذي له في البيت ~~الذي ليس بمسكون. # وعن جابر قال عن النبي ^ أنه قال: «يسلم القليل على الكثير، والصغير على ~~الكبير، والراكب على الماشي، والماشي على القاعد»، والماشيان أيهما بدأ ~~بالتسليم كان أفضل له. # وعن جابر: وإن سلم واحد على الجماعة فرد أحدهم فقد أجزأ عنهم. وإذا كانوا ~~جماعة فسلم واحد منهم فقد أجزأ عنهم، والله أعلم وأحكم وبه التوفيق. # وعن ابن عباس أنه قال: "انتهوا بالتسليم إلى حيث انتهت الملائكة، إلى: ~~"ورحمة الله وبركاته"". /226/ # وقيل: إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم، ولا تسلم على قوم وهم يصلون. وقد ~~روي «أن رجلا سلم على النبي ^ وهو في حال حاجة الإنسان فلم يرد». # فينبغي الاقتداء به ألا يسلم على من كان في الصلاة، ولا في حال بول ولا ~~غائط، ولا أمر مشتغل به مما لا يتفق له أن يرد. # وقد قال أصحابنا: إن من سلم عليه وهو يصلي فإذا قضى الصلاة رد على من سلم ~~عليه. وبعض لم يوجب عليه ذلك على ما عرفت إذا مضى من سلم. # ولا يسلم على المشركين، فإن سلموا فرد: "وعليك". # وإن دخل ولم يسلم على أهله؛ فعن جابر: أن ذلك ليس يضللهم إن لم يفعل. وإن ~~دخل فسلم على أهله؛ فعن جابر: أن ذلك ليس بطلاق إن فعل ذلك. PageV01P315 # وقد قال الله: {فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم}، قد قيل: يسلم الرجل ~~على نفسه إذا دخل بيته، يقول: "السلام علينا من ربنا". # وقد قيل: "إن المساجد بيوت"، {فسلموا على أنفسكم} إذا دخلتم المسجد، ~~فسلموا على إخوانكم المسلمين، سماهم الله أنفسهم كما قال: {ولا تلمزوا ~~أنفسكم}. ms241 # وقال: سلموا على صالحيكم وطالحيكم، وأكثروا لصالحيكم الاستغفار، ولا ~~تستغفروا لطالحيكم؛ لأن الله نهى النبي ^ وأصحابه عن الاستغفار لهم، فقال: ~~{ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من ~~بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم}، ومنعه عن الصلاة عليهم، فقال: {ولا ~~تصل على أحد منهم مات أبدا} يعني المنافقين، {ولا تقم على قبره}. # وعن النبي ^ أنه قال: «من لم يسلم فلا تأذنوا له»، ومن دخل ولم يسلم فقد ~~عصى ربه ويخاف على نفسه ويتوب من ذلك. # ومن قال: "السلام عليكم" فهو مأجور، فإن قال: "السلام عليكم ورحمة الله" ~~فقد زاد خيرا، فإن قال: "ورحمة الله وبركاته" فهو عظيم الأجر إن شاء الله، ~~كذلك لمن رد السلام فطوبى للمؤمنين. PageV01P316 # وقال: وأمر الله المؤمنين أن يستأذن عليهم في بيوتهم عبيدهم، والذين لم ~~يبلغوا الحلم منهم، يعني: الأحرار، {ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين ~~تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء} ذلك وقت خلوة وعورة، /227/ ~~وخلوة الرجل بأهله، فأمر ألا يدخل عليهم من وصف في هذه الأوقات إلا بإذن، ~~فقال: {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا ~~الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة} ~~يعني: نصف النهار، {ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم}. # فلا ينبغي للمسلمين أن يدخل عليهم في هذه الثلاث الساعات أحد من أولادهم ~~البالغين والصغار، والمملوكين الكبار إلا بإذن، وقد رخص لهم في الدخول بعد ~~هذه الثلاث العورات، قال: {ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم ~~بعضكم على بعض} يعني: داخلين عليكم غدوة وعشية بعد الثلاث بغير إذن، {كذلك ~~يبين الله لكم الآيات} هكذا يبين الله لكم ما ذكر في الاستئذان للصبيان ~~والمماليك في العورات الثلاث، {والله عليم حكيم} يعني: حكيما فيما ذكر من ~~هذه الآية. PageV01P317 # ثم قال أيضا: {وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين ~~من قبلهم} يعني: الأطفال من الأحرار إذا احتلموا: إذا بلغوا، فليستأذنوا في ~~الساعات ms242 وغيرها بالليل والنهار، وكلما دخلوا على آبائهم وأمهاتهم سلموا ~~عليهم كما استأذن الذين من قبلهم {كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم ~~حكيم} يعني: حكم الاستئذان، {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الظالمون}. # فلا ينبغي أن يدخل على الرجل أحد من أولاده إذا احتلموا، والجواري إذا ~~حضن ليلا أو نهارا إلا بإذن. # ولا ينبغي أن يدخل عليه أولاده وأقرباؤه الصغار، ولا مماليكه، أن يدخلوا ~~عليه في هذه العورات الثلاث إلا بإذنه. # وعن ابن عباس قال: "ترك الناس ثلاثا من كتاب الله لا يعملون بها، هذه ~~الآية: {يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم ~~يبلغوا الحلم منكم...} إلى آخر الآية، [والآية التي في سورة النساء: {وإذا ~~حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه }] والآية التي في ~~الحجرات: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}". # وفي بعض الحديث قال: «وإياكم والفخر والخيلاء فإن الله لا يحب كل مختال ~~فخور». ولا يحب شيئا فيه فخر وخيلاء، وكن متواضعا لله، وعليك وقار الإيمان ~~وسكينته وهديه، وكن لينا بأهلك، ورحيما بهم، لطيفا /228/ بمحسنهم، شديدا ~~على مسيئهم، فإنك متى تفعل ذلك يكن الخير والبر في أهلك، فإن الله ذكر عبدا ~~رضي عنه فقال: {وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا}. PageV01P318 # وإن استطعت ألا يكون في بيتك شيء مسخط لله -نص عليه- فافعل، وإن كنت ترى ~~أنك ولي الله فقد قيل: إنه «من تشبه بقوم فهو منهم». # فلا يكن شكلك شكل الجاهل السفيه، ولا تواتيه في شيء من أمرك، ولا قوة إلا ~~بالله. واقصد في مشيك، واغضض من صوتك، واقصد في هيئتك وأمرك ومنطقك. # وعن رسول الله ^ أنه قال: «إن التواضع لا يزيد العبد إلا رفعة، فتواضعوا ~~يرفعكم الله، وإن العفو لا يزيد العبد إلا عزا فاعفوا يعزكم الله، وإن ~~الصدقة لا تزيد المال إلا كثرة فتصدقوا يرحمكم الله». # وقال: وإن من التواضع أن يبدأ بالسلام على كل مسلم، والرضا بدون المجالس ~~عن شرفها، ولا يحب الرياء ولا السمعة ولا المدحة في ms243 شيء من عمل الله، فإذا ~~كنت كذلك لزمت التواضع. وعن رسول الله ^ أنه قال: «لا تمادحوا واحثوا في ~~وجوه المادحين التراب». # وقال: قال رسول الله ^: «الكيس من أدب نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز ~~من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله المغفرة». PageV01P319 # وروي عن النبي ^ أنه قال: «كان من حكمة داود النبي ^ أنه قال: لا ينبغي ~~للعاقل أن يشغله عن أربع ساعات من النهار شيء: ساعة يناجي فيها ربه، وساعة ~~يحاسب فيها نفسه، وساعة يفضي فيها إلى إخوانه الذين يخبرونه بأمر دينه ~~ويصدقونه عن نفسه، وساعة يخلو فيها بين نفسه ولذتها بما يحل ويحمل، فإن هذه ~~الساعة عون على تلك الساعات، وجمام القلب. وعلى العاقل أن يكون عارفا ~~لزمانه، حافظا للسانه، مقبلا على شأنه. وعلى العاقل ألا يظعن إلا في ثلاث: ~~تزود لمعاده، أو مرمة لمعاشه، أو لذة في غير محرم». # عن عمر بن الخطاب ~: "إن المؤمن قوام على نفسه، يحاسب نفسه في الدنيا ~~لله، وإنما خف الحساب يوم القيامة على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما ~~شق الحساب على قوم أخذوا /229/ هذا الأمر من غير محاسبة، وإن المؤمنين قوم ~~أوثقهم الله بالقرآن فحال بينهم وبين شهواتهم، -أو قال: بين هلكتهم-. إن ~~المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته لا يأمن شيئا حتى يلقى الله، ~~يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وبصره ولسانه وجوارحه، يعلم أنه مأخوذ في كل ذلك". # وقال الربيع: "إذا فارق ذكر الموت قلبي ساعة أفسد علي قلبي". وقال: "أفضل ~~الذكر ذكر الموت، ويكثر ذكر الموت ساعة ساعة"، وقال: "أفضل الأعمال الورع ~~والتفكر إذا كان موافقا للسنة". # عن ابن عباس قال: "ركعتان مقتصدتان في تفكر وورع أفضل من قيام ليلة ~~والقلب ساه"، وقال: "ما عند الله أفضل من الحزن، والتفكر على قدر البصيرة". PageV01P320 # قال قال النبي ^: «إن أصحاب الكهف كانوا يظهرون الكفر لقومهم فيؤجرون ~~عليه، وكانوا يضمرون الإيمان فيما بينهم وبين الله فيؤجرون على ذلك فيؤتون ~~أجرهم مرتين»، وقال: «التقية جنة المؤمن، ولا دين لمن لا ms244 تقية له». # 23- باب: # مسألة: في التحية # - وسأل عن قول الله تعالى: {فسلموا على أنفسكم}؟ # قيل له: يعني: يسلم بعضكم على بعض من أهل دينكم {تحية} يعني: السلام، ~~{تحية من عند الله مباركة طيبة} مباركة تجلب البركة، و{طيبة} حسنة، {كذلك ~~يبين الله لكم الآيات} يعني: ما ذكر من أمر التحية، {لعلكم تعقلون}. # وقد أمر برد السلام فقال: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها}، ~~إذا قال لك أخوك المسلم: "السلام عليكم"، فرد عليه: "وعليكم السلام ورحمة ~~الله". فإن قال: "ورحمة الله"، فرد عليه: "ورحمة الله وبركاته"، [فإذا ~~زادوا] فردوا كما قالوا لكم. {إن الله كان على كل شيء} من أمر التحية ~~وغيرها {حسيبا}. # وقال: ومن التواضع أن تبدأ بالسلام على أخيك. # مسألة: [فيما يحل من نظر الفروج] # - وسأل عما يحل من نظر الفروج وإبدائها؟ # قيل له: نظر الفروج وإبداؤها من المؤمنين حرام من بعضهم على بعض، وقد ~~قيل: إن النبي ^ أنه قيل له: العورات ما نبدي منها وما نذر؟ فقال: «إن ~~استطعت ألا يراها أحد فلا يراها». قيل له: فإذا كان أحدنا خاليا؟ قال: ~~«الله أحق أن يستحيا منه». /230/ PageV01P321 وقد قيل: استر عورتك إلا من ~~زوجتك أو سريتك، فإن الإنسان لا يحرم عليه نظره إلى فرج نفسه ولا زوجته ولا ~~سريته، وما وراء ذلك فلا يحل للمؤمنين من إبداء فروجهم، قال الله تعالى: ~~{قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم} عما لا يحل لهم، {ويحفظوا ~~فروجهم} عن الحرام، وعما لا يحل لهم، وعن الفواحش، {ذلك أزكى لهم} يعني: ~~خيرا لهم {إن الله خبير بما يصنعون}. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «ملعون من نظر إلى فرج أخيه»، ففي هذا ما ~~يجب حفظ نظره عن الفروج على العمد. وقد قيل: «عورة أخيه»، وهذا الخبر في ~~العورة غير متفق عليه. # فأما الفروج فمحرم في الكتاب والسنة، والاختلاف بينهم في العورة. وقد ~~قيل: إن السرة والركبة من العورة، وهما حدان داخلان في العورة، واختلفوا في ~~نظرهما وإبدائهما؛ فبعض: نقض طهر من نظرهما. وبعض: ms245 لم ينقض الطهر من ذلك. ~~وقال قوم: العورة المحرمة من منابت الشعر إلى مستغلظ الفخذين. # وهذا الاختلاف بينهم في العورة. ولا خلاف في نظر الفرج، فمن نظره من أحد ~~متعمدا لحقه الوعيد من الله ورسوله لركوبه ما نهي عنه. # وقد قيل: إن رسول الله ^ «لعن الناظر والمنظور إليه»، فمن أظهر عورته ~~متعمدا ركب نهي الله ورسوله، ولحقه الوعيد، وكان عاصيا لله فيما فعل ما لا ~~يحل له، فنظر المحارم كلها حرام على من نظر من ذلك، وقد نهى الله عن ذلك. # فإن قال: فما على من نظر أبدان النساء، وما يحل من ذلك وما يحرم؟ PageV01P322 # قيل له: حكم أبدان النساء وفروجهن حكم الرجال، وأشد من ذلك؛ لأن رسول ~~الله ^ قال: «المرأة كلها عورة -أو قال: زينة- إلا الوجه والكفين»، فلا يحل ~~أن ينظر الرجل من امرأة ليست له بمحرم غير الوجه والكفين. ألا ترى أن الله ~~أمر نبيه أن يضرب على نسائه الحجاب، وألا يكلموهن إلا من وراء حجاب. # وقال رسول الله ^: «لا يخلو أحدكم مع امرأة ليست منه بمحرم إلا والشيطان ~~ثالثهما»، أو قال «أحدهما». PageV01P323 # وقد نهى الله ورسوله عن ذلك، قال الله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من ~~أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون * /231/ وقل ~~للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر ~~منها}، وقد نهى الله عن إبداء الزينة، وقال رسول الله ^: «المرأة كلها عورة ~~إلا الوجه والكفين» أو قال: «زينة»، ولم يبح الله لهما من النظر ولا إبداء ~~العورة، وأوجب عليهن حفظ فروجهن عن الزنا، وعما لا يحل لهن من إبداء الزينة ~~إلا ما ظهر منها، فكل ذلك عليهن حرام، وعلى من نظر منهن بالكتاب والسنة؛ ~~إلا أن الله قد استثنى لهن فقال: {ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن ~~أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو ~~بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولي الإربة من ~~الرجال}: ms246 وهو الأبله الذي لا يدري ما حال النساء، {أو الطفل الذين لم ~~يظهروا على عورات النساء}، وقال: {ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من ~~زينتهن}، وقيل: هو الخلخال في رجل المرأة، فلا تضرب برجلها ليعلم أن فيها ~~خلخالا وزينة لغير ما استثنى الله، فهؤلاء الذين استثنى الله لهم من الذين ~~رخص لهن أن يبدين زينتهن عندهم. # وقد اختلفوا في الزينة التي يبدينها: # فقال قوم: الخاتم في اليدين، والخلخال في الرجلين، والوجه، والكحل في ~~العينين مما لا يمكن الستر من الزينة؛ لأن المرأة كلها زينة عندهم. # وقال قوم: لا يبدين الخلخال والقرط والعقد في الحلق وما أشبه ذلك. PageV01P324 # كذلك النظر إليهن في غير الفرج مختلف فيه، وأما إبداء الفرج أو النظر ~~إليه فلا يحل ذلك، وهو محرم على الكل غير الزوج والزوجة والسرية. # ألا ترى إلى قوله: {ولا يضربن بأرجلهن}، وقال لنساء النبي: {ولا تبرجن ~~تبرج الجاهلية الأولى}، فنهى عن ذلك أجمع، فقال الله لنبيه: {يا أيها النبي ~~إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا ولا يسرقن ولا يزنين ~~ولا يقتلن أولادهن ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن ولا يعصينك ~~في معروف فبايعهن واستغفر لهن الله إن الله غفور رحيم}، غفور من بعد ~~التوبة، فإذا بايعن على ألا يشركن ولا يزنين ولا يقتلن أولادهن، ولا يأتين ~~ببهتان بولد من غير الزوج، ولا يعصينك /232/ في معروف، في طاعة مع مبايعتهن ~~على ما شرطه الله عليهن. # وقد بين الله لعباده ولم يتركهم في عمى، وقد بلغ رسوله رسالاته كما أرسل، ~~وهو المبين لأمته. وانظر في هذا فإن فيه نظرا وفكرة لمن اعتبر، إن الله ~~تعالى لم يخلق خلقا أكرم عليه من آدم، فلما وقع فيما وقع وأكل من الشجرة ~~التي نهاه عنها ربه، واعترف بذنبه وندم على ما كان منه، وقال: "يا رب، ~~خلقتني بيدك، وعلمتني الأسماء كلها، وأدخلتني الجنة، فاغفر لنا يا رب، وتب ~~علينا، ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن -اللهم- من ~~الخاسرين". # وانظر أي موضع ms247 وضع آدم نفسه، فعرف أنه لولا رحمة من الله لكان من ~~الخاسرين. ولو لم يعترف آدم بخطيئته ولم يتب من ذنبه لكان بمنزلة إبليس، ~~ولكن رجع وتاب واعترف ولم يصر على ذنبه فقبل الله توبته، كما قال: {فتلقى ~~آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم}. PageV01P325 # وقد قال الله فيما يعظ به المؤمنين: {وما نؤخره إلا لأجل معدود}، وكأن ~~بذلك الأجل قد جاء وحل ونحن وأنتم نقف بين يدي الله في ذلك الموقف العظيم ~~الذي قال: {اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون}، وقد ذكر الله المؤمنين ~~فقال: {يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون}، {وهم من الساعة ~~مشفقون}، يوم يجمع الله فيه الأولين والآخرين فيسألهم عن أعمالهم، وقد قال: ~~{وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين}. # وقد نهى الله المؤمنات عن الزنا والسرقة والبهتان، وقد قال رسول الله ^: ~~«صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: صوت مزمار عند نعمة، وصوت مرنة عند ~~مصيبة»، ولم يلعن الله مؤمنا، وقد لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا، وقال: {ومن ~~أصدق من الله قيلا}، فمن حدثكم بحديث يخالف القرآن فلا تصدقوه واتهموه إلا ~~ما صح عن الرسول # مما يؤيد القرآن مثله. # مسألة: # - وسأل عن قول الله تعالى: {وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله ~~وأحباؤه}؟ # قيل له: إنهم قالوا: نحن عند الله بمنزلة الولدان، إن عذبنا /233/ الله ~~فبقدر أعمالنا فكذبهم الله، وقال لنبيه: {قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم ~~بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء} من اليهود والنصارى على ترك اليهودية ~~والنصرانية، ولمن يشاء من أهل القبلة بترك الموبقات، لا يعمل بها، فإن عمل ~~بها وتاب إلى الله ولم يصر كما قال الله: {ثم يتوبون من قريب} قبل أن ينزل ~~بهم ملك الموت {فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما} بعد التوبة. PageV01P326 # قال: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ~~ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء}، فذلك الإيمان بالله ورسله واجتناب ~~معصيته، والعمل ms248 بطاعته، وولاية أهلها عليها، ومفارقة معصيته وعداوة أهلها ~~عليها، ومعرفة ما أمر الله به وما نهى عنه، فمن ذلك يهديهم ويموتون على ذلك ~~ويبعثون عليه، قال الله: {ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء}. # فمن مات مؤمنا أدخله الله قبره مؤمنا، وبعثه مؤمنا، وأدخله الجنة، ويقال: ~~"المؤمن إذا حضره الموت شهدته الملائكة ويسلمون عليه ويبشرونه بالجنة، ~~ومشوا على جنازته، وصلوا عليه مع الناس"، والله أعلم. # وقد ذكر بعضهم: أنه إذا دخل قبره أجلس فسئل: من ربك؟ فيقول: الله ربي. ~~ويقولون: من رسولك؟ فيقول: محمد. ويقولون: ما شهادتك ودينك؟ فيقول: شهادتي ~~لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والعبودية والإسلام، والاستسلام ~~لأمره، يكون ذلك خالصا لله، فيوسع له |في| قبره مد نظره. # والكافر يبسط عليه عند الموت بألوان العذاب، فيضرب وجهه ودبره، وذلك أنه ~~يجحده عند الموت، فإذا أدخل قبره، قال: من ربك؟ فلم يرجع إليهم شيئا. وإذا ~~قيل له: ما شهادتك؟ عميت عليه الأنباء. وإذا قيل له: من الرسول الذي بعث؟ ~~لم يهتد له ولم يرجع شيئا، فيضيق عليه قبره، وتملأ عليه الأرض ضيقا. كذلك ~~المنافق {في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا * إلا الذين تابوا} ~~من ذنوبهم في الدنيا، {وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله ~~المؤمنين أجرا عظيما}. # مسألة: [في النساء والحجاب] # - وسأل عن النساء كيف يدنين الجلابيب؟ PageV01P327 # قيل له: تدني الجلباب على الخمار فوق رأسها حتى لا يظهر من رأسها شيء، ~~وعلى جبينها حتى لا يظهر من حلقها ولا من زينتها شيء، وذلك قوله: {وقل ~~للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر ~~منها}: الخاتم والكحل، {وليضربن بخمرهن على جيوبهن}، فعليها أن تضرب الخمار ~~على الجيب من فوق الرأس والمفرق إلى الجيب من القميص، ولا يبدو منها شيء ~~إلا ما ظهر منها مما وصفنا. # وقال الله تعالى لنبيه: {يا أيها النبي قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين ~~يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين}، تدني الجلباب ms249 من ~~فوق الخمار على الرأس إلى الجيب والظهر والصدر، تلقيه على ذلك حتى لا يظهر ~~من بدنها ولا من زينتها شيء فتؤذى بذلك، فهذا عليهن واجب إلا من استثنى ~~الله ممن قد وصفنا. # وقد رخص الله للمرأة الكبيرة التي لا ترجو نكاحا أن تضع الجلباب قوله: ~~{والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا} يعني: القواعد في البيوت، {لا ~~يرجون نكاحا} يعني: تزويجا، {فليس عليهن جناح} يعني: حرجا، {أن يضعن ~~ثيابهن} مع ذلك. وقد قيل: في قراءة ابن مسعود «أن يضعن ثيابهن»، وهو ~~الجلباب وحده، وهو القناع الذي يكون فوق الخمار، فلا بأس أن تضعه عند ~~الغريب وغيره بعد أن يكون عليها خمار ضيق، ثم قال {غير متبرجات بزينة وأن ~~يستعففن خير لهن} يعني: لا يضعن الجلباب أن يرى ما عليهن من الزينة، ثم ~~قال: {وأن يستعففن خير لهن} تعني: لا يضعن الجلباب خير لهن عند غير ذي محرم ~~لهن، {والله سميع عليم}. PageV01P328 # وأما عند ذي محرم: فقد أحل الله وضع الثياب وإبداء الزينة عندهم لجميع ~~النساء، حتى الإخوة من الرضاعة. وقد روي عن عائشة أنها كانت إذا أرادت أن ~~يدخل عليها من تحب أمرت أحدا من بني إخوانها أو بني أخواتها أن يرضعن لها ~~ليدخل عليها، وقد كانت تجيز رضاع الكبير /235/ فأما سائر نساء رسول الله ^ ~~فلم يجزن رضاع الكبير، وإنما الرضاع قبل الفصال. # مسألة: فيما أمر الله به المؤمنين أن لا يسخر بعضهم من بعض؟ # - وسأل هل يجوز للرجل أن يقول لأخيه المسلم: لئيم الحسب، أو يقول: بخيل، ~~ويلمزه بلقبه يستنقصه بها؟ # قيل له: لا يجوز له ذلك أن يقول للمسلم، فأما المنافق فلا بأس. # نهى الله عن ذلك، وقد روي عن النبي ^ أنه سأل قوما من الأنصار: من سيدكم؟ ~~فقالوا: الجد بن قيس، إلا أن به بخلا، فقال: «فلا أذى»، ولم ينكر عليهم؛ ~~لأن الجد بن قيس كان منافقا. والبخل داء، والحسد داء، والنميمة داء. # وقد روي: أنه قال له رجل: يا رسول الله، فلان ما أعجزه، لا ms250 يرجل حتى يرجل ~~له"، أو شبها من ذلك، فقال له رسول الله ^: «أغزوت الروم؟» قال: لا. قال: ~~«أغزوت كذا؟» قال: لا. فقال له: «كل هؤلاء سلموا منك ولم يسلم منك أخوك ~~المسلم»، فأنكر عليه. PageV01P329 # فلا يحل أن يسخر من المؤمن ولا يستعاب، ولا يحسد بالسنة والاتفاق ~~والكتاب، ولا بأس بذلك للمنافق، قال الله: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر ~~قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا ~~منهن} ولا يسخر الرجل من أخيه المسلم، فيقول له: لئيم الحسب، ولا رديء ~~المعيشة، ولا ما يكون له فيه نقصه من أمر دينه، ثم قال: {عسى أن يكونوا ~~خيرا منهم} يعني: عند الله، {ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن}، ثم ~~قال: {ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب} يقول: لا يطعن بعضكم على ~~بعض، واللمز من النميمة، يقول: لا يدعو المسلم أخاه المسلم باسمه الذي كان ~~عليه قبل الإسلام، فيقول:يا يهودي، يا نصراني، أو نحو هذا من الكلام، ثم ~~قال: {بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان}، ثم قال: {ومن لم يتب فأولئك هم ~~الظالمون}، من لم يتب من قوله ذلك فأولئك هم الظالمون لأنفسهم. PageV01P330 # وقال: {ألا لعنة الله على الظالمين}، {الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا ~~وغرتهم الحياة الدنيا}، وقد لعن الله الظالمين ولم يلعن مؤمنا، ولعن ~~الكافرين وأعد لهم سعيرا، وقد نهى الله تعالى عن سوء الظن والغيبة، فقال: ~~{يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم}، وهو الرجل ~~يسمع أخاه /236/ يتكلم بكلام لا يريد به سوءا، أو يدخل مدخلا لا يريد به ~~سوءا، فيظن به إذا رآه سوءا، فإذا لم يتكلم به فلا بأس ولكنه هو آثم. وإن ~~تكلم به كتب له ذنب، ثم قال: {ولا تجسسوا} يقول: لا يبحث الرجل عن عيب أخيه ~~فإن ذلك معصية، ولكن يستر عليه ويأمره بالتوبة في السر إن رآه على معصية. # وقد قيل: يستعين عليه بآخر، فإن أبى استعان عليه باثنين، فأما ms251 إن ستر ~~عليه واستتابه وحده كان أفضل له، كما قال الله |تعالى|: {ولا يغتب بعضكم بعضا}. # وفي قوله: {ولا يغتب بعضكم بعضا} |أن| يقول الرجل لأخيه المسلم ما فيه من ~~العيب، فإن اغتابه بما فيه كان آثما لنهي الله، فإن قال فيه ما ليس فيه ~~فذلك البهتان العظيم، كما قال الله في الذين بهتوا عائشة بالكذب، فقال ~~الأنصاري: "سبحانك هذا بهتان عظيم"، فقال الله: هلا قلتم مثل ما قال: ~~{سبحانك هذا بهتان عظيم}، وقد قال الله تعالى: {يعظكم الله أن تعودوا لمثله ~~أبدا إن كنتم مؤمنين}، والبهتان: هو الكذب، وقد قال الله: {والله يشهد إن ~~المنافقين لكاذبون}. والغيبة: أن تقول لأخيك ما فيه من العيب، فنهى الله عن ذلك. PageV01P331 # ثم قال: {أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه}، يقول: كرهتم أكل ~~لحم الميتة، فالذي يستغيب أخاه كأكل لحم الميتة، فليكره غيبة أخيه كما يكره ~~أكل لحم الميتة، {واتقوا الله} في أمر الغيبة ولا تغتابوا، ولكن اؤمروا ~~بالمعروف، وقال: {ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم ~~فإخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت ~~قلوبكم وكان الله غفورا رحيما}. # والهماز والغماز والنمام كل هذا من النميمة، وتحمل الكلام بين الناس، وقد ~~وعظ الله المؤمنين فقال: {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم ~~مؤمنين}. # 24- باب # مسألة في الإيمان # - وسأل عن الإيمان في القرآن؟ # فقد بينا ذلك فيما تقدم من كتابنا، وقد قال الله تعالى: {ألم * ذلك ~~الكتاب لا ريب فيه}: لا شك فيه، {هدى للمتقين} يعني: بيانا من الضلالة، ~~{الذين يؤمنون بالغيب} بغيب القرآن من الحلال والحرام، {ويقيمون الصلاة} في ~~مواقيتها، ويؤتون /237/ الزكاة المفروضة، {ومما رزقناهم ينفقون} يعني: ~~يتصدقون، وينفقون في طاعة الله، {أولئك على هدى من ربهم}: بيان من ربهم، ~~{وأولئك هم المفلحون}: أفلحوا سعدوا وظفروا. # قال: {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر} صدق بتوحيد الله واليوم ~~الآخر الذي فيه جزاء الأعمال، وآمن ب{الملآئكة} وصدق بالملائكة، {والكتاب} ~~يعني: صدق بالكتاب، ms252 {والنبيين} وصدق بالنبيين أنهم حق، {وآتى المال على ~~حبه...} يعني: أنفق على حبه -تمام الآية- فهذا أصل الإيمان. PageV01P332 # مسألة: في الإسلام [والإحسان] # - وسأل عن الإسلام؟ # قيل له: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله ^، والإقرار ~~بالطاعة وما جاء من الله. # فإن قال: فما الإحسان؟ # قيل له: العمل لله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. # ومما جاء في الحديث: أن رسول الله ^ قال: «إن الله أوحى إلى يحيى بن ~~زكريا بخمس كلمات أن يعمل بهن، ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن، فكأنه ~~أبطأ، فأوحى الله إلى عيسى ابن مريم؛ إما أن يبلغهن أو تبلغهن أنت، فأتاه ~~عيسى فقال له: إن الله أمرك بخمس كلمات أن تعمل بهن، وتأمر بني إسرائيل أن ~~يعملوا بهن، فإما أن تخبرهم بهن أو أخبرهم أنا، فقال: يا روح الله لا تفعل، ~~فإني أخاف إن سبقتني بهن أن يخسف الله بي أو أعذب. قال: فجمع بني إسرائيل ~~في بيت المقدس، وقعد على شرفاته فخطبهم، ثم قال: إن الله أوحى إلي بخمس ~~كلمات أن أعمل بهن، وآمر بني إسرائيل أن يعملوا بهن: # أولهن: أن لا تشركوا بالله شيئا، فإن مثل من أشرك بالله كمثل من اشترى ~~عبدا من خالص ماله، فقال له: اعمل وارفع إلي، فجعل العبد يعمل ويرفع إلى ~~غير سيده، فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك. # وإذا قمتم إلى الصلاة فلا تلتفتوا فإن الله يقبل إلى عبده ما لم يلتفت. # وآمركم بالصيام، ومثل الصيام كمثل رجل في عصابة؛ ومعه صرة مسك، وكلهم ~~يحبون ريحها، وفم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك. # وآمركم بالصدقة، ومثل الصدقة كمثل رجل أسره العدو فجعل يقول لهم: هل لكم ~~أن أفدي نفسي منكم، فجعل يعطي القليل والكثير حتى فدى نفسه. PageV01P333 # وآمركم /238/ بذكر الله كثيرا، ومثل ذلك كمثل رجل طلب بثأر فسار مسرعا ~~|في أثره| حتى أتى حصنا حصينا فأحرز نفسه فيه، كذلك العبد لا يحترز من ~~الشيطان إلا بذكر الله». وقال رسول الله ^ -على ما بلغنا-: ms253 «وأنا آمركم ~~بخمس أمرني الله بهن: الجماعة، والسمع والطاعة، والجهاد في سبيل الله، فمن ~~فارق الجماعة فقد خلع ربقة الإسلام والإيمان من عنقه، ومن دعا بدعوى ~~الجاهلية فهو من جثاء جهنم». # وقد روي عن رجلين من أهل الكتاب سألا النبي عن تسع آيات بينات، فقال ~~النبي ^: «لا تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله، ولا ~~تسرفوا، ولا تزنوا، ولا تسخروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا المحصنة، ولا ~~تفروا من الزحف، ولا تمشوا ببريء إلى السلطان فيقتله، وعليكم يا يهود خاصة ~~ألا تعتدوا في السبت». # [الجزء الثاني في الصلاة والطهارة] # [كتاب الصلاة] # 25- باب: # مسألة: في الصلاة ومواقيتها # عن ابن عباس عن النبي ^ قال: «إن الصلاة عماد الدين، ومن ترك الصلاة فقد ~~هدم الدين». وقال أيضا: «استعينوا بالصبر والصلا ة على طلب الآخرة، وبالصبر ~~على أداء الفرائض، والصلوات الخمس حافظوا عليها». # وقد قيل: بالصبر: الفرض، والصلاة: النافلة، والله أعلم. # وقال:{حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين}؛ أي: ~~مطيعين، فأما الصلاة الوسطى فقد اختلف الناس في أي صلاة هي؟ PageV01P334 # وهو: فقد قال: حافظوا على الصلوات، وأمر بالمحافظة على كل الصلوات، وأكد ~~في الصلاة الوسطى، وقد جاء في الحديث عن النبي ^ أن الصلاة الوسطى صلاة ~~العصر؛ لقوله: «شغلونا عن الصلاة الوسطى، ملأ الله عيونهم وقبورهم نارا»، ~~أو قال: «وأجوافهم نارا». وقد قيل فيها بغير هذا، والله أعلم أي ذلك. إلا ~~أنه قد أمر بالمحافظة على الصلوات كلها، وقال: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى ~~غسق الليل} يعني: ظلمة الليل، ودلوك الشمس: زوال الشمس. عن النبي ^ أنه ~~قال: «هي صلاة الأولى والعصر». # {إلى غسق الليل} يعني: ظلمة الليل، صلاة المغرب والعشاء الآخرة. # {وقرآن الفجر} يعني: صلا ة الغداة /239/ {إن قرآن الفجر كان مشهودا}. # وقال تعالى: {وأقم الصلاة طرفي النهار} يعني: صلاة الفجر، وصلاة الظهر ~~والعصر، {وزلفا من الليل} يعني: المغرب والعشاء. # وفي موضع آخر: {فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون} يعني: فصلوا لله {حين ~~تمسون} يعني: صلاة المغرب وصلاة العشاء الآخرة. {وحين تصبحون} ms254 يعني: صلاة ~~الغداة، {وعشيا} يعني: صلاة العصر، {وحين تظهرون} يعني: الصلاة الأولى، وهي الظهر. # وقال: {وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل} فطرفي النهار: أول وقت ~~النهار، وهو طلوع الفجر، وصلاة العصر ما كانت الشمس بيضاء لم تغب. PageV01P335 # وقد روي أن النبي ^ صلى الظهر حين زالت الشمس، وذلك أشبه لقول الله: {أقم ~~الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل}. وقد روي عن النبي ^ «أن جبرائيل جاءه ~~حين زالت الشمس، وصلى به الظهر، ثم جاءه حين مضى وقت الظهر فصلى به العصر، ~~ثم جاءه حين غربت الشمس فصلى به المغرب، ثم جاءه حين غاب الشفق فصلى به ~~العشاء الآخرة، ثم جاءه حين انفجر الصبح فصلى به صلاة الغداة». # وقد روي أنه جاءه رجل فسأله عن أوقات الصلاة فقال للسائل: «صل معنا»، ~~فصلى به صلاة الظهر في أول يوم حين زالت الشمس، وفي العصر حين ذهب وقت ~~الظهر، وفي المغرب حين غربت الشمس، وفي العتمة حين غاب الشفق، والفجر حين ~~انفجر الصبح. وفي اليوم الثاني أبرد حتى كاد أن يفوت وقت الظهر، وفي العصر ~~قبل أن تغيب الشمس، والمغرب قبل إياب الشفق، وفي العتمة قبل ثلث الليل أو ~~نصفه، وفي الفجر قبل أن تطلع الشمس، ثم قال للسائل: الصلاة بين هذين ~~الوقتين». # وروي أنه قال: «أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله». # وقد روي أنه أمر بتعجيل وقت الظهر في وقت الشتاء، وتأخيرها في الحر ~~الشديد وتبريدها، وأوسط الوقت أفضل -إن شاء الله-. # وقد قيل: إن وقت الظهر إلى وقت العصر، ووقت العصر إلى وقت المغرب، ~~والمغرب إلى أن يغيب الشفق، وصلاة العشاء إلى ثلث الليل، وقد قيل: إلى نصف ~~الليل، وانقضاء وقت صلاة الظهر في وقت انتهاء /240/الحر الشديد إلى سبعة ~~أقدام، وفي الشتاء على الضعف من ذلك، فإذا انقضى وقت الظهر دخل وقت العصر، ~~وإذا انقضى وقت العصر دخل وقت المغرب، وإذا غاب الشفق دخل وقت العشاء. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «إنما التفريط أن يؤخر وقت صلاة حتى يجيء ms255 ~~وقت صلاة أخرى». PageV01P336 # وقد روي أنه قال في صلاة العصر: «ما لم تصفر الشمس». # 26- باب: # مسألة: في ذكر صلاة التطوع مع المكتوبة # - وسأل عن ذكر صلاة التطوع مع المكتوبة؟ # قيل له: قوله: {واذكر اسم ربك بكرة وأصيلا}؛ يعني: بكرة: صلاة الغداة، ~~وأصيلا؛ يعني: الصلاة الأولى والعصر، {ومن الليل فاسجد له}؛ يعني: صلاة ~~المغرب وصلاة العشاء، ثم ذكر التطوع فقال: {وسبحه ليلا طويلا} يقول: صل ~~بليل طويل. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «ثلاث هن علي فريضة، وهن لكم تطوع: قيام ~~الليل، والوتر، والسواك»، فأما قيام الليل فهو تطوع لغير النبي ^، وأما ~~الوتر فقد صار واجبا وليس بتطوع، والسواك فقد صار سنة بأمر النبي ^، ~~وترغيبه في ذلك، وتعليمه بقوله: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند ~~كل صلاة». وهو من الكلمات التي ابتلى إبراهيم ربه بهن -على ما قيل وروي-، ~~والله أعلم. # وقوله: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس}؛ يعني: فصل بأمر ربك قبل طلوع ~~الشمس يعني: صلاة الفجر، {وقبل الغروب}؛ يعني: صلاة العصر، مثلها في سورة ~~الطور، ثم قال: {فسبحه وأدبار السجود} يعني {السجود}: ركعتي صلاة المغرب، ~~ووقتها ما لم يغب الشفق. وقال: {وسبح بحمد ربك حين تقوم}، يعني: الصلاة ~~المكتوبة، {ومن الليل فسبحه} يعني: صلاة المغرب والعشاء الآخرة، ثم ذكر ~~التطوع فقال: {وإدبار النجوم} يعني: ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يكره الكلام ~~والصلاة حتى يصلي المكتوبة. PageV01P337 # وقيل: أفضل صلاة التطوع في الليل، من نصف الليل إلى آخره، وأفضل صلاة ~~التطوع بالنهار بين الصلاة الأولى والعصر، قال الله تعالى: {وهو الذي جعل ~~الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا}. # من /241/اشتغل بالنهار فليعبد بالليل، ومن نام بالليل فليعبد بالنهار، ~~يعني: الذكر لله والصلاة. # ومن صلى التطوع وبجنبه من يصلي الفريضة فلا يجهر بالقراءة ليغلط على الذي بجنبه. # ومن صلى تطوعا وهو قاعد فلا بأس، أو على دابة وهو يسير حيث كان وجهه. وقد ~~قيل عن النبي ^: «إنه كان يصلي التطوع على الراحلة، ولم يصل المكتوبة على ms256 ~~الراحلة حتى ينزل». # واختلفوا فيه أنه أوتر على الراحلة، وقالوا: «إنه نزل وصلى الوتر، فلم ~~يوتر على الراحلة»، والله أعلم بذلك. وهذان الحديثان لا يؤخذ بهما حتى يصح ~~أنه أوتر على الراحلة. # وروي عنه ^ أنه قال: «لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها». # وقد أجمعوا على تقديم صلاة العصر إذا صار الظل قامتين، وذلك وقت الشتاء، ~~ففوت الظهر عند أول وقت العصر. وأول وقت الظهر مذ تزول الشمس إلى أن يصير ~~ظل كل شيء مثله غير الزوال، فإذا صار ظل كل شيء مثله بعد الزوال ذهب وقت ~~الظهر ودخل وقت العصر، ووقتها مذ يصير ظل كل شيء مثله بعد الزوال إلى غروب الشمس. # ووقت الظهر في انتهاء الحر الشديد إذا زالت الشمس عن حد قامة الإنسان ~~بشسع نعل، فإذا صار بعد ذلك سبعة أقدام ذهب وقت الظهر ودخل وقت العصر إلى ~~الغروب. # فأما وقت العصر في منتهى الشتاء هو إذا صار الظل قامتين، وذلك أنه إذا ~~صار ظل كل شيء مثليه في منتهى الشتاء. PageV01P338 # وأما وقت المغرب: فروي عن النبي ^ «أنه صلى في اليوم الأول حين غربت ~~الشمس، وصلاها في اليوم الثاني حين كاد الشفق أن يغيب»، وعلى هذا وقتها مذ ~~تغيب الشمس إلى أن يغيب الشفق. # وقد روي أنه قال: «المغرب ما لم يغب الشفق»، والشفق: هو البياض المعترض ~~في الأفق، ومن ذلك ما روى ابن مسعود أن صلاة العشاء حين يسود الأفق، وروي ~~عن النبي ^ «أن صلاة العشاء مذ يغيب الشفق إلى ثلث الليل»، وروي عنه ^ أنه ~~قال: «صلاة المغرب ما لم تذهب حمرة الشفق». # وأما العشاء فوقتها: قيل: إلى ثلث الليل، وفي قول: إلى نصف /242/ الليل. # ووقت الفجر: حتى يطلع الفجر الثاني، وقد قال الله تعالى: {وأقم الصلاة ~~طرفي النهار}، فذلك مذ طلوع الفجر إلى طلوع الشمس؛ إذ لا يجوز في ذلك الوقت ~~الصلاة، وصلاة العصر إلى أن تصفر الشمس. # باب: # مسألة: في الأوقات التي لا تجوز الصلاة فيها # يقال: إنه مذ يصلي الفجر ms257 إلى طلوع الشمس، وعند طلوعها وغروبها، ونصف ~~النهار في الحر الشديد، ويكره بعد طلوعها حتى تستقل، وبعد غروبها حتى تصلى ~~المغرب، لما روي عن النبي ^ «أنه نهى عن الصلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع ~~الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، ونصف النهار في الحر الشديد». وقال ~~النبي ^: «بين كل أذانين صلاة إلا صلاة المغرب»، فدل أنه لا تصلى بعد ~~الغروب صلاة قبل صلاة المغرب. # ويستحب تأخير صلاة العشاء الآخرة، لما جاء عن النبي ^ أنه قال: «إنكم لفي ~~صلاة مذ انتظرتموها»، وقوله أيضا: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بتأخير ~~العشاء إلى ثلث الليل أو إلى نصفه». PageV01P339 # وعن النبي ^ أنه قال: «أول الوقت رضوان الله، وآخره عفو الله». # وروي عنه ^ أنه قال: «إذا صليت المغرب فالصلاة متقبلة مشهودة» يدل على أن ~~صلاة التطوع جائزة مذ يصلي المغرب إلى الفجر. # وقال الله تعالى: {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا}، قيل: تشهده ~~ملائكة الليل وملائكة النهار. وقد قيل: إنه قال ^: «يجتمع الملائكة في ~~صلاتين: صلاة العصر وصلاة الفجر». # وروي عنه أنه قال ^: «من أدرك من صلاة العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد ~~أدرك»، وذلك أنه قد أدرك ويتم ما بقي بعد الغروب. # وقد روي عنه ^ أنه قال: «صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس، فإذا طلعت فلا ~~صلاة حتى ترتفع». # وروي عنه أنه قال: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها». وقد ~~قيل: إنه قال: «إن ذلك وقتها». فالصلاة جائزة إلا في الأوقات التي حرم ~~الصلاة فيها: عند طلوع الشمس، وعند غروبها، ونصف النهار في الحر الشديد. # وقد روي: /243/أنه ^ نام هو وأصحابه في بعض غزواته، فذهب بهم النوم حتى ~~طلعت الشمس فاقتاد غير بعيد، ثم نزل فتوضأ وصلى بهم، وقال: «من نام عن صلاة ~~أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها»، ولم يصل حتى ارتفعت الشمس قليلا. # فلا يجوز صلاة فريضة ولا نافلة عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ لأن نهي رسول ~~الله ^ على الوجوب. # فأما بدل الفائتة قبل ms258 الشروق والغروب من الفرائض؛ فبعض: أجاز ما لم يطلع ~~قرن من الشمس، أو يغيب قرن منها، فإن في ذلك الوقت لا يجوز فرض ولا نفل. # ولا يصلى على جنازة عند الشروق والغروب؛ لنهي النبي ^ عن ذلك. PageV01P340 # وكذلك الجنائز لا يصلى عليها في وقت نصف النهار في الحر الشديد ولا ~~النوافل، وروي أن ذلك لا يجوز، وأن رسول الله ^ «نهى عن الصلاة في ذلك ~~الوقت، وأن يدفن فيها الموتى». # فأما قضاء الصلاة الفائتة بنوم أو نسيان قالوا: لا بأس أن يصلي بعد صلاة ~~الفجر وبعد صلاة العصر، وجائز صلاة الجنازة -أيضا- ما لم يغب قرن من الشمس، ~~أو يطلع منها قرن بالاتفاق. ولا يجوز في ذلك الوقت فريضة ولا تطوع. # وقد قيل: من صلى بعض صلاته ثم طلعت الشمس استقبل صلاته بعد طلوعها؛ لأن ~~صلاته لا تجوز في ذلك الوقت. ويمكن أن يكون قوله: «من أدرك من العصر ركعة ~~فقد أدرك» أن يكون ذلك قبل تحريم الصلاة عند غروب الشمس، والله أعلم بذلك. # [كتاب الطهارات] # 28- باب: # مسألة: في الوضوء # - وسأل عن الفرض في الوضوء بعد العلم بالوقت، إذا قام المصلي إلى الصلاة ~~والسنن من ذلك؟ # قيل له: الفرض من ذلك في الوضوء ست خصال مجتمعة في شريعة الوضوء للصلاة؛ ~~لأنها لا تكمل بغير ذلك. # أوله: النية للطهارة التي لا تكمل الطهارة إلا بها؛ لقول النبي ^: ~~«الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى». # - والماء الطاهر، لقول الله - عز وجل - : {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} ~~يعني: مطهرا، وقوله أيضا: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به}. # - وقال تعالى في ترتيب الوضوء: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة ~~فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين}، ~~/244/ فهذا الفرض من كتاب الله تعالى. # ومن السنة عن الرسول ^ ست خصال في الوضوء: # أولها: ذكر اسم الله على الوضوء. # - وغسل اليدين قبل أن يشرعهما في الماء. # - والمضمضة. # - والاستنشاق. # - ومسح الأذنين. PageV01P341 # - والاستنجاء من البول والغائط. # فهذا ما جاء من السنة عن الرسول # في الوضوء. # فإذا أراد ms259 الإنسان الوضوء للصلاة بدأ بذكر اسم الله على وضوئه، ويقول: ~~"باسم الله"، قبل أن يشرع يده في الإناء؛ لقول النبي ^: «لا وضوء لمن لم ~~يذكر اسم الله على وضوئه». وغسلهما ثلاثا؛ لقول النبي ^: «إذا قام أحدكم من ~~نومه فلا يشرع يديه في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت ~~يداه منه». # وفي الحديث: «إن من سمى الله عند وضوئه طهر جسده كله، ومن لم يسم لم يطهر ~~منه إلا ما مر عليه الماء». # ثم ينوي بوضوئه ذلك أي صلاة أرادها فرضا أو تطوعا. # ثم تمضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا، وغسل الوجه ثلاثا من الأذن إلى الأذن. # وغسل يديه إلى المرفقين كل عضو منهما ثلاثا. # ويخلل أصابع يديه ورجليه، لقول النبي ^: «خللوا أصابعكم قبل أن تخلل ~~بمسامير من نار»، أو قال: «قبل أن تخللها النار». وقال ^: «أشربوا أعينكم ~~الماء لعلها لا ترى نارا حامية». # ويستحب تخليل اللحية، ويرطب ظاهر اللحي الأسفل، على ما روي عنه ^ في ذلك، ~~ومسح رأسه ثلاثا. وقد روي أنه يجزئه مسحة واحدة للرأس. # ويغسل أذنيه ثلاثا ظاهرهما وباطنهما. وقد قيل: إنهما من الرأس. وقيل: ~~إنهما من الوجه، وأكثر القول يمسحان على الانفراد بماء جديد، وهذا إجماع من الأمة. # ويغسل رجليه إلى الكعبين ثلاثا، ويخلل أصابع قدميه وعقبه وباطن رجليه، ~~وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «ويل لعراقيب الأقدام وبطونها من النار»، ~~فيبالغ في غسل ذلك، وذلك لمن ترك غسل عرقوبيه وباطن قدميه. PageV01P342 # وقد اختلفوا في مسح القدمين وغسلهما، وقد أخذ أصحابنا بالغسل؛ لأنه يأتي ~~على الغسل والمسح؛ لأن من غسل فقد مسح. /245/ # وقد روي عن النبي ^ أنه توضأ واحدة وقال: «هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة ~~بأقل منه»، أو قال: «إلا به»، ثم ثنى، فقال: «من ضعف ضعف الله له»، ثم مسح ~~الثالثة وقال: «هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي». # فواحدة تجزئ، وثلاث عليهن الوضوء بالسنة واتباع الرسول ^. # وقيل: إنه كان عامة زمانه لا يتوضأ إلا في مقام واحد وضوءه كله، وكذلك ~~مضى على ذلك السلف ms260 من الأمة، فليس لأحد أن يتوضأ إلا في مقام واحد، إلا أن ~~يكون ذلك لطلب الماء. # ومن توضأ بعض وضوئه ثم جف وضوؤه أعاد وضوءه، وإن لم يجف غسل ما بقي عليه. # وقد قيل: إن تخليل اللحية سنة ليس بواجب؛ ولأن الوجه من المواجهة. # والمرفقان والكعبان داخلان في الغسل والوضوء؛ لأن ذكر اليد والرجل يشتمل ~~عليهما. # والأذنان داخلتان في الرأس، غير أنهما قد صارتا تمسحان على الانفراد ~~بالإجماع من الأمة. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «من مسح برأسه خرجت خطاياه من أطراف أذنيه». # وسنة المضمضة والاستنشاق مؤكدة؛ لقول النبي ^ للقيط بن صبرة: «إذا ~~استنشقت فأبلغ إلا أن تكون صائما»، فذلك في الوضوء مؤكد، وهما في غسل ~~الجنابة فرض، ولو لم يكن فرضا ما نقلته الأمة. # ويبدأ في الوضوء بما بدأ الله به على ترتيب الآية، وقد روي عن النبي ^ ~~أنه قال: «ابدؤوا بالوضوء بما بدأ الله به»، وهذا تأديب، ويستحب ذلك. # فأما لو غسل الشمال قبل اليمين، أو الرجل قبل الرأس، أو قدم جارحة على ~~الأخرى لم يكن وضوؤه فاسدا، ولا يؤمر بذلك. PageV01P343 # ومن توضأ لنسك أو طهارة أو لنية معروفة صلى به الفريضة؛ لأنه يتوضأ ~~بنيته، وعقدها على طاعة الله، قال الله: {إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا}. # ومن توضأ لصلاة الفريضة فهو على طهارة، يصلي بها ما شاء، ما لم يحدث حدثا ~~أو يعلم أن وضوءه قد انتقض، كذلك قال المسلمون. وقد روى بعض أهل الخلاف ~~/246/ في هذا الإجماع. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى» من ~~الخير في كل أمر له ما نوى. ألا ترى أن محدثا لو ظن أنه طاهر لم يكن له ما ~~نوى، وإنما أراد بذلك الفعل مع القصد، ولا يقال: إنه خاص ولا عام، إنما ~~يراد به الفعل. ألا ترى «أن النبي ^ مسح بناصيته»، ولولا ذلك لكان الواجب ~~مسح جميعه، والمبالغة في الوضوء سنة؛ لأن القرآن يشتمل على الأمرين جميعا. # والسواك: سنة لقول الرسول #: «لولا أن ms261 أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند ~~كل صلاة». ولقوله: «السواك فيه مطهرة للفم، مرضاة للرب». # وليس للماء في الوضوء حد محدود، إلا أنه يستحب أنه لا يتوضأ بدون مد، ولا ~~يغسل بدون صاع. وقد روي عن عائشة أنها قالت: «غسلت أنا ورسول الله ^ بصاعين ~~ونصف من ماء، وكل واحد منا يقول لصاحبه: أبق لي»، يدل على أن أخذهما من ~~الماء مختلف، فلا معنى بتحديد الماء. # وقد روي عن عمر بن الخطاب -رحمة الله عليه- عن النبي ^ أنه قال: «لا بأس ~~أن يغسل اثنان من إناء واحد»، كذلك روت عائشة «أنها كانت هي ورسول الله ^ ~~يغسلان من إناء واحد». PageV01P344 # ولا بأس بفضل ماء المرأة من الوضوء والغسل؛ لما روي أن رسول الله ^ أراد ~~أن يتوضأ من إناء، فقال له بعض أزواجه: يا رسول الله، إني غسلت منه، فقال ~~^: «الماء لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه». # فعلى هذا قالوا: لا بأس بفضل ماء المرأة، وكذلك أجازوا فضل شربها، وإنما ~~يجوز الوضوء بالماء الطاهر المطلق غير المضاف إلى صفة. # ولا يتوضأ الإنسان إلا بماء مطلق طاهر بعد غسل كل نجاسة وأذى في بدنه؛ ~~للإجماع على أن النجاسة إذا كانت في بدن الإنسان لم يجز له الوضوء، فلا ~~يجوز الوضوء إلا بعد غسل كل نجاسة. # ولا يتوضأ المتوضئ وهو عريان. # ومن الأدب أن لا يتوضأ وهو قائم، إلا أن لا يمكنه إلا ذلك. # والعريان حيث يراه الناس لا يتم وضوؤه إذا توضأ، غير أن الوعيد /247/ ~~يتوجه إلى العريان، وقال النبي ^: «إن استطعت أن لا يراها أحد فلا يراها». ~~«وكان ^ لا يكشف لحاجة الإنسان حتى يقرب من الأرض»، فالواجب أن يقتدى به ^. # وقد أوجب الله على المؤمنين أن يحفظوا فروجهم، فإذا لم يحفظوها وأبدوها ~~عند الوضوء لم تتم طهارتهم. فأما في الليل أو في المواضع التي لم يرهم أحد ~~فقد اختلفوا في نقض الوضوء. # وكذلك من توضأ عريانا في الماء حيث لا يراه أحد، فقد اختلف فيه، فأما من ~~توضأ بالعراء حيث يراه ms262 الناس لا يتم وضوؤه. PageV01P345 # ولا يجوز الوضوء بماء مضاف إلى صفة غير الماء المطلق، فقد قال الله ~~تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا}، يعني: مطهرا، وقال: {أنزل من السماء ~~ماء فسلكه ينابيع في الأرض}، وقال: {وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم ~~به}، وقال: {وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}، فكل ماء على وجه الأرض ~~مما أنزل الله فالوضوء به جائز، إلا ما كان نجسا أو مضافا إلى صفة، كماء ~~الباقلاء والورد والزعفران والشوران؛ لأنه بمنزلة المرقة، فلا يتوضأ به ~~للصلاة. # وإنما يجوز الوضوء بالماء المطلق؛ لقوله: {ماء طهورا}، وقوله: {ليطهركم ~~به}، فالتطهر بما ذكر الله طاهر كما ذكر الله وأوجب، وغير ذلك لا يجوز ~~التطهر به. # وأما الماء المستعمل: فإن الناس قد اختلفوا في الوضوء منه، وأكثر قولهم: ~~لا يتوضأ به، وتأولوا قول النبي ^ أنه قال: «لا يتوضأ بفضل ماء المرأة»، ~~وذلك الفضل معنا هو ما قطر من فضل وضوئها، وليس ذلك ما فضل في الوعاء، وقد ~~جاء الحديث «أنه اغتسل ^ هو وعائشة من إناء واحد». # ولا أحب الوضوء بالماء المستعمل إلا بالماء المطلق للاتفاق عليه. # ولا يتوضأ بالنبيذ ولا بالخل ولا باللبن ولا بالدهن؛ لأن ذلك ليس بماء مطلق. # وجائز الوضوء بماء البحر؛ لقول النبي ^: «هو الطهور ماؤه، والحل ميتته». # فأما من أجاز الوضوء بالنبيذ، وتأول فيه «أن النبي ^ توضأ به ليلة الجن ~~من الإداوة من عند ابن مسعود»، فذلك -إن صح- خبر مكي، وقد كان النبيذ لهم ~~قبل تحريمه /248/ وتحريم السكر حلالا، وذلك قبل نزول الوضوء بالماء، وذلك ~~مكي وسورة المائدة مدنية، وفي المدينة نزل فرض الوضوء بالماء، فذلك منسوخ الخبر. PageV01P346 # ومما يفسد قوله أنه قال: "توضأ ثم تيمم"، وقد قال الله تعالى: {فلم تجدوا ~~ماء فتيمموا} فليس إلا إحدى الطهارتين، بالماء وعند عدمه التيمم. # ولما كان الاتفاق أن الخل لا يجوز به الوضوء لم يجز بالنبيذ. # وجائز الوضوء بالماء الساخن، والماء المالح والحار والبارد، وما خالطه ~~الكدر من التراب، و الماء الجاري على السبخة. # فأما الماء الذي ms263 قد تطهر به واغتسل به لا يجوز الوضوء منه؛ لأنه ماء ~~مستعمل. # وقد روي عن النبي ^ أنه «نهى أن يغتسل الجنب من الماء الدائم»، وفي ~~الحديث: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم، ثم يتوضأ منه»؛ لأن غسله فيه من ~~الجنابة يفسده على غيره وعلى نفسه؛ لأنه لا يدفع بعضه بعضا، والنجاسة ~~بحالها في موضعها، ولكن يتناول منه ويغتسل أو بوعاء. وقد روي عن ابن عباس ~~أنه قال: إنما يفسد الماء أن تقع فيه وأنت جنب، وأما إذا غرفت منه فلا بأس. # ومما يدل على أن الماء المستعمل لا يتوضأ به للصلاة، لو كنت عند رفقاء في ~~السفر ولم تجد ماء لم يقل أحد لك: خذ غسالتهم فتوضأ منها، ولكن تيمم. كذلك ~~لو غسلت يدك بغرفة ماء، ثم رددت يدك إلى المرافق ثانيا لم يعد ذلك إلا مرة واحدة. # فالماء المستعمل لا يتوضأ به، وهو ما فارق البدن، فأما ما لم يفارق البدن ~~فجائز الوضوء منه. ألا ترى أنه يعيد به يده على جانب يده، فيكون قد عم به ~~يده، ولو بقي في قدمه لمعة وفي يده ماء وأخذ منه ماء ورطب ذلك الموضع أجزأه. # وقد روي عن النبي ^ «أنه رأى لمعة من حدود الوضوء فعصر عليها من جمته». # فدل ذلك على أن الماء المستعمل على ضربين: ضرب باين الجسد لا يتوضأ منه، ~~وضرب لم يباين الجسد فجائز استعماله. PageV01P347 # فأما ما فضل من الإناء من الماء فليس ذلك بماء مستعمل. ألا ترى أن ما غسل ~~به الوجه لا يغسل به اليد. # وقد أجازوا استعمال الماء المستعمل لغير الوضوء، إذا /249/ كان طاهرا، ~~مثل غسل الثياب والأنجاس. ألا ترى أن الماء الواحد يغسل به الثوب بعد الثوب ~~في الإناء ما لم تكن نجاسة، وأجازوا ذلك، ولم يجيزوا مثل ذلك في الوضوء، ~~وكذلك حلابة العجين يغسل به الإناء، ولا يجوز ذلك في المسح. # 29- باب: في الاستنجاء # - وسأل عن الاستنجاء: أسنة بالماء والجمار، والاستطابة في ذلك؟ # قيل له: قد قيل: إنهم كانوا يستجمرون بالأحجار بثلاثة ms264 أحجار قبل نزول فرض ~~الوضوء بالماء، فأنزل الله تعالى بالمدينة على نبيه محمد ^: {فيه رجال ~~يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين}، فهم أهل قباء، فأتاهم النبي ^ فقال: ~~«إن الله تعالى قد أثنى عليكم في أمر الطهور، فما هذا الطهور؟» قالوا: "نمر ~~الماء على أثر البول والغائط"، فقرأ عليهم النبي ^: {فيه رجال يحبون أن ~~يتطهروا والله يحب المطهرين}»، يعني: الاستنجاء، فعمله النبي ^ والمسلمون. ~~وقد لحق بالوجوب، فلا يجوز وضوء الصلاة بغير الماء، ولا لمن كان به نجاسة ~~حتى يغسلها. PageV01P348 # وقد نزلت الآية التي في المائدة بما يدل على ذلك، قوله تعالى: {يا أيها ~~الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ~~وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا}، فعلمهم ~~الوضوء، فقال: {وإن كنتم مرضى} جرحى أو من جدري والقروح من الجروح، أو علة، ~~{أو على سفر} أو كنتم مسافرين، {أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم ~~النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا}، فدل أن الوضوء بالماء واجب، ولا ~~يجوز مع وجوده العدول إلى غيره، إلا أن يكون الإنسان به ما ذكر الله من ~~العلل، أو لم يجد الماء فالعدول إلى ما ذكر الله من التيمم. # فأما مع الوجود فالوضوء بالماء الطاهر واجب بعد غسل كل نجاسة؛ لأنه قال: ~~{أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء}، فإنما رخص مع ~~العدم، وأوجب الوضوء مع الوجود للماء. # فأما الماء النجس فلا يتوضأ به، ولا يغسل به من جنابة ولا نجاسة. # وإذا وقعت نجاسة في ماء فظهر منه طعم أو ريح أو لون فقد تنجس وحكم ~~بنجاسته، كان الماء /250/ قليلا أو كثيرا. كذلك في بعض الرواية عن النبي ^: ~~«أن الماء الطاهر لا ينجسه شيء، إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه»، فعلى ~~هذه الصفة يفسد وإن كان جاريا، إلا أن يدفع النجاسة ويغلب الماء الطاهر على ~~ذلك، وأما الراكد فلا يدفع النجاسة. PageV01P349 # وقد ذهب من ذهب إلى أن الله تعالى حرم النجاسة؛ ms265 فما علم كونها فيه أفسدته ~~واستعماله حرام. ألا ترى أن السمن واللبن والخل والعسل وما كان مثله إذا ~~وقعت فيه نجاسة وهو مائع أفسدته، ولم يفترق مع قلته وكثرته؛ لما روي عن ~~النبي ^: أنه سئل عن سمن وقعت فيه فأرة وماتت فيه فقال: «إن كان مائعا ~~فأريقوه، وإن كان جامدا فألقوها وما حولها»، فأفسد المائع ما كان من ذلك. # فأما ما روي عن النبي ^: «الماء الطاهر لا ينجسه شيء، إلا ما غير لونه أو ~~طعمه أو ريحه» فإن معنى ذلك أن المتبقى منه كالطاهر. # وقد روي عنه ^ أنه قال: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يشرع يده في ~~الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده منه»، فاحتاط من كل ~~نجاسة وقعت أن لو أصابت يده وإن كانت غير مرئية، ولولا أنها تفسد ما وقعت ~~فيه لم يكن لهذا الاحتياط وجه. # والماء في كل الأواني والأوعية ما وقع فيه من نجاسة نجسة، فلا تشبه ~~الأواني بالآبار والعيون والماء الجاري؛ لأن الجاري يدفع النجاسة. # ولا يشبه الجاري بالراكد؛ لأن الراكد لا يدفع النجاسة من موضعها حتى يعلم ~~مكانها، فلما لم ير لها أثر ولم يعلم موضع النجاسة جاز الوضوء بالماء حتى ~~ترى النجاسة فيه أو يغلب ذلك له، ولا يشبه الماء الجاري إذا وقعت فيه ~~نجاسة، والماء الجاري في جوف جيفة لامتزاج النجاسة بكل جزء من الجاري منه، ~~وما هو أكثر جيفة منه. # وإن ماتت النجاسة في بئر نزع ماؤها كله. ألا ترى أن ابن عباس أمر بنزح ~~زمزم من زنجي مات فيها. # وقد اختلف في مقدار الماء الذي إذا حلته النجاسة كم هو؟ اختلافا كثيرا، ~~وتأولوا الأخبار، والاحتياط أولى بالأخذ من ذلك. PageV01P350 # وقد روي عن النبي ^ «أن الماء /251/ إذا زاد على قلتين لم يحمل خبيثا»، ~~وقد روي أنه قال: «الماء لا ينجسه شيء»، وخبر آخر: «أنه لا ينجسه شيء إلا ~~ما غلب عليه». # وقد روي أنه سئل عن البئر إذا وقعت فيها النجاسة فقال: «إذا كانت مثل ~~البحيرة ms266 لم تنجس»، يصف لهم بئرا في المدينة -معنى الخبر-. # فأما الآبار من ذلك؛ فقال قوم: إذا كانت البئر قدر أربعين قلة. وقال قوم: ~~في الماء إذا حرك طرفه لم يتحرك الطرف الآخر. # فهذه آراء، والأصول أولى في الاحتياط؛ لأن الطاهر طاهر حتى يعلم أنه نجس، ~~والنجس نجس على حكمه. # وقال الله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} فهو طهور، والخبر «أنه ~~لا ينجسه شيء»، ويجب أن يكون لكثرته لا ينجسه شيء، إلا أن يتغير لونه أو ~~طعمه أو ريحه لكثرته. # وأما الماء القليل إذا وقعت فيه النجاسة نجسته، والمقادير في ذلك إلى الله. # وأصحابنا قد قالوا في البئر القليلة الماء التي تنزحها الدلاء: إذا وقعت ~~فيها النجاسة أفسدتها، وما كان لا ينزحها الدلاء لم يفسد. # وفي الحديث عن رسول الله ^: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ ~~منه» دليل على أن النجاسة تفسد الماء إذا حلته؛ لأن الدائم لا يدفع ~~النجاسة، كما قال: «إذا قام أحدكم من نومه فلا يشرع يده في الإناء حتى ~~يغسلها ثلاثا»، فالواجب اعتبار قلة النجاسة وكثرتها في الماء. PageV01P351 # والبئر إذا وقعت فيها النجاسة أخرج منها ما وقع فيها، واجتهد في إخراجه ~~ونزحت؛ فإن كانت نجاسة كثيرة نزح ماؤها كله، وإن كانت خفيفة نزح منها -على ~~غالب الرأي- ما يرى أنه قد نزح منها من الماء قدر النجس الذي كان فيها. ~~ويفور من عيونها ماء طاهر ويغلب النجس؛ فيكون الغالب حكم الطهارة فيه وفي ~~الجوانب. # وقد قال أصحابنا: بالأربعين والخمسين دلوا. وأمر بعضهم بغسل الدلو. # ولا يجب غسل البئر بعد نزح مائها للإجماع فيه؛ لأن الماء الذي يلاقي ~~جوانب البئر من الماء النجس يزيله عنها ما ينبع من جوانب البئر من الماء ~~الطاهر؛ لأنه جار فيرده إلى الماء الراكد فيها، فلا يبقى على جوانبها ~~نجاسة؛ لأن الدلو يحمل الماء ويصب ماء جاريا مما ينبع من العيون فيزيل ~~النجاسة، فلا تشبه الآبار بالأواني؛ لأن ما لاقى جوانب الأواني /252/ من ~~النجاسة لا يزيله عنها إلا الغسل منها، إذ ms267 لا ينبع من جوانبها ماء غير ما ~~غسلت به. # وقد اختلفوا فيما ينزع من البئر، |و|مع اختلافهم أجمعوا أن نزح بعضها ~~يطهر الباقي؛ وذلك أن من شأن الميتة عندهم أول ذلك أجزاء عندهم خفيفة ظاهرة ~~ليس من شأنها الاختلاط بالماء بل يعلوه، وما كان هكذا فسريع الانحدار إلى ~~الدلو، وما ينبع من جوانبها من الماء يرد ما لزق بها إلى حيث يشرع انحدار ~~الدلو، فإذا كانت أخرى يسيرة لم تحتج إلى كثرة نزح لقلتها. ولكن مقدار ما ~~يغلب من الرأي على الطهارة في الماء، مثل العقرب والزنبور والنحل وغيره لم ~~يفسد؛ لما روي عن النبي ^ في الذباب أنه قال: «إذا وقع الذباب في إناء ~~أحدكم فامقلوه ثم أخرجوه ثم امقلوه». ومعلوم أنه يموت، ولم يفرق # بين ~~الحالين، ولم يعرض الطعام للفساد. # ودود الخل إذا مات في الخل فهو طاهر. # فأما ما كان له دم فإذا مات في الماء أو وقع في الطعام أفسده. PageV01P352 # والجراد والسمك وما كان مثله لا يفسد ما مات فيه؛ لأن رسول الله ^ قال: ~~«أحل لكم الميتتان ميتة السمك و|ميتة| الجراد». وقد سئل # عن ماء البحر ~~فقال: «الطهور ماؤه والحل ميتته»، فقد أحل ميتته. # ولا يفسد الماء ما يعيش فيه إذا مات فيه، كما يفسده ما لا يعيش فيه إذا ~~مات فيه. # وكل دابة لها دم قلت أو كثرت إذا ماتت في الماء القليل أو الطعام أو من ~~الأصبغة وغير ذلك أفسدت ما وقعت فيه؛ لأن ميتة البر حرام. # وقد حرم الله الميتة والدم، فقليل ذلك وكثيره حرام، إلا ما اتفق الفقهاء ~~أن دمه لا يفسد. فأما ما وقع فيه الاختلاف فتركه من الاحتياط والتنزيه عنه، ~~مثل دم الضمج والقراد والحلم، وما كان يجتلب دمه مختلف فيه، ونجاسته وما ~~أشبه ذلك. # 30- باب: # مسألة: في سؤر السباع # وسأل عن: سؤر السباع من الماء والطعام؟ # قيل له: سؤر السباع وكل ما لا يؤكل لحمه من السباع حرام نجس؛ لأن رسول ~~الله ^ «نهى عن كل ذي ناب من ms268 السباع ومخلب من الطير»، وما حرمه رسول الله ^ ~~فهو حرام عن الله؛ لأنه تعالى قال: /253/ {وما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا}. # فسؤر السباع وأرواثها وبولها ولحومها وإهابها وشعورها نجس حرام. # وقد اختلف أيضا فيه، وهذا هو الاحتياط، إلا سؤر السنور وما شاركه في ~~علته؛ لقول النبي ^: «إنه ليس من النجاسات، هو من الطوافين عليكم ~~والطوافات»، و«أنه ^ جاءه هر وهو يتوضأ فأصغى للهر الإناء حتى يشرب، ثم قضى ~~رسول الله ^ حاجته». # وقد سئل ^ عن الماء يكون في الفلاة وتأويه السباع والدواب فروي أنه قال: ~~«ما زاد على القلتين لم يحمل الخبيث». PageV01P353 # فلو لم تكن السباع تنجس شيئا من الماء لم يكن تفريق ما زاد على القلتين ~~معنى، فدل ذلك على نجاسة سؤر السباع؛ لأن الخنزير لحمه ولبنه حرام فسؤره حرام. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «طهور إناء أحدكم إذا ولغ بها الكلب أن ~~يغسلها سبعا، والثامنة التراب» أو قال: «وإحداهن بالتراب». اختلاف الرواية. # ومعلوم أن البئر لا يختلف حكمها في سؤر الكلب وبول الإنسان. # وقد اختلفوا في سؤر الطير المنهي عن أكل لحمه؛ فحرمه قوم، ولم ير به قوم ~~بأسا، ومن أخذ بالإجازة فلا بأس إن شاء الله. # وأما لحم الطير المنهي عن أكل لحمه فحرام نجس. وطرح السباع نجس. # وقد اختلف -أيضا- في أكل لحم الطير المنهي عن أكل لحمه. # وقد استحسن من حيث لا منع منه بإجازة سؤر السنور والفأر ونحوهما مما يأخذ ~~بمنقاره، ولا يخلط لعابه بالماء. # فأما ما يؤكل لحمه ولبنه فسؤره حلال. # وكذلك الطير جميعا الذي هو صيد حلال، إلا الميتة منه، وطرحه وسؤره جائز. # والصيد من الوحوش سؤرها وطرحها ولحمها حلال ولا يفسد. # والأنعام سؤرها كلها وبعرها حلال فلا يفسد منها إذا كانت حية إلا بولها ~~وقيؤها، ودم المذبحة منها إذا ذبحت وما في كروشها. # والدم حرام كله نجس إلا ما اختلفوا فيه، إذا كان غير مسفوح، حتى يكون ~~كالظفر والدرهم. # فأما الأبوال كلها نجسة؛ لأن الله تعالى حرم الخبائث كلها، و«سمى رسول ms269 ~~الله ^ البول من ابن آدم خبيثا»، فإذا صح بالكتاب والسنة تحريم بعض البول ~~/254/ وجب تحريم البول كله؛ لأنه خبيث، حتى يجيء بتحليل شيء منه نص أو سنة. # فأما الدواب مثل الخيل والبغال والحمير والفيل؛ فإن هؤلاء طاهر سؤرها ~~وروثها إذا كانت حية، فأما البول منها والدم فنجس، ولحومها لا يجوز أكلها. # وقد اختلف في لحم الفرس والفيل، والاحتياط تركه. PageV01P354 # وأما الهوام التي لها النفس والدم ما ماتت فيه من الماء وغيره أفسدته، ~~مثل الحية والغول والإمحاة، والخناز والضب وما كان مثلها، ودمها مفسد لما ~~وقع فيه. ومختلف في طرحها وسؤرها. # ومختلف -أيضا- في سؤر الأجدل والعقاب وطرحه وطرح الفأر؛ فأما طرح السنور ~~وبوله فنجس. # فأما من ادعى تنجيس سؤر الحمار فإن طرحه طاهر بالسنة؛ لأن رسول الله ^ ~~«نهى أن يستنجى بروث أو عظم»، فصح أن روثه طاهر؛ لأنه نهى أن ينجس، فما في ~~سؤره من بأس إن شاء الله، وليس يقاس بالسباع؛ لأنه يعتلف الشجر، وإنما ~~النهي ألا يعنو كراعهم فحرمه لذلك. # ألا ترى أن حمر الوحش لا بأس بأكل لحومها وكلها حمر، فدل أن التحريم فيها ~~لمعنى لا لنجاسة. والسباع جاء التحريم فيها بنجاسة؛ لأنها تأكل الخبائث ~~والميتة وغير ذلك من الأنجاس. # ومن كان معه إناءان أحدهما طاهر والآخر نجس ولا يعلمه، ثم يتحرى فيهما ~~ويخلطهما ثم يتيمم. # فإن كانت أواني أحدهما نجس ولا يعلمه تحرى الطاهر في غالب ظنه وتوضأ به، ~~وهذا قول من يرى الحكم على الأغلب، فأما من يرى الاحتياط فإنه يحب أن ~~يخلطها حتى لا يشك أنها نجسة ثم يتيمم. فأما أن يتوضأ من واحد بعد واحد ~~فهذا فيه تعب. # وإذا توضأ بالنجاسة تنجس ما طار بيديه، فيجب أن يغسل يده في كل مرة توضأ. ~~ولا يحتمل استعمال ما لا يقدر عليه، والله أعلم. # باب: # مسألة: في أواني الطين # فأواني الطين إن تنجست أخرج منها ما وقع فيها واجتهد في عرك الإناء ~~وغسله، كما «أمر النبي ^ أن يغسل الإناء من ولغ الكلب سبعا»، و«أمر بغسل ~~اليد ms270 من النوم في الليل»، وإن لم يقدر على عركه خضخض بالماء واجتهد في ~~المبالغة فيه. PageV01P355 # وإن كان من الآنية التي تنشف الماء مثل: /255/ الخشب والخزف وما ينشف ~~الماء؛ فإنه يجعل فيه الماء حتى يدخل مداخل الأول النجس ثم يغسل. # وقد اختلفوا في هذا المعنى؛ فقال قوم: ثلاثة أمواه. وقال قوم: ماء واحد، ~~يجعل فيه الماء يوما وليلة، ثم يكفأ ويغسل. وأما الثلاثة الأمواه في أيام ~~ثلاثة، وأنه يجعل الماء في الإناء بالليل ويجفف بالنهار ثلاثة أمواه كذلك، ~~ثم يغسل. # وقد قال الله: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} يعني: مطهرا، فهو مطهر لكل ~~نجاسة لاقت الأبدان والثياب والأواني لإجماع الأمة، والسنة دالة على ذلك ~~بالاتفاق، وناطق الكتاب، وقد «أمر رسول الله ^ بغسل بول الأعرابي في ~~المسجد»، و«أمر بغسل آنية أهل الذمة من أهل الكتاب» إذا اضطر إليها، فالماء ~~مطهر لكل نجس كان، وقد ينجسه ما يغلب عليه من النجاسة. # وقد أمر الله بغسل الثياب لقوله: {يا أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر ~~* وثيابك فطهر}، ولا يطهر الثياب غير الماء، إلا أن يكون شيئا خفيفا مما ~~يزيله غير الماء -فعسى كما قال بعضهم:- بالريق واللبن وماء الورد والخل ~~وغيره مما كان من الطاهر مما يزيل النجس مثل الماء المضاف والمستعمل. # فأما الفرائض فلا تؤدى إلا بالماء الطاهر غير النجس ولا المضاف ولا ~~المستعمل. # وغسل النجاسة على ضربين: فضرب منها: أن يغسل ثلاثا إذا لم تكن عين مرئية، ~~وإن كانت عين مرئية فحتى تزول، وإن زالت غسلت ثلاثا لا أقل من ذلك، فإن ~~رسول الله ^ «أمر بغسل اليد من نوم الليل ثلاثا»، فإن لم تزل النجاسة ~~بالثلاث فحتى تخرج النجاسة من كل ما يصيبه نجس من البدن والآنية والثياب. # والنجس ضربان: ضرب نجس عينه، ونجس لعلة. PageV01P356 # فأما نجس العلة: فإذا زالت عنه تلك العلة مع الغسل زال حكم النجاسة، وإذا ~~كانت النجاسة قائمة بعينها فإنها لا تطهر أبدا، مثل العذرة والدم والبول، ~~وما كان مثله فهو نجاسة بعينه. # وغسل الآنية: تقبل بيد الصبيان والخدم، ms271 ومن علم بغسل النجاسة. # كذلك الثياب: يقبل غسلها ممن قد عرف بغسل الثياب من يد العبيد والإماء ~~إذا علم غسل النجاسة ورأى عليها أثر الغسالة، إذا قيل له: اغسله من النجس ~~فرأى عليه علامة الغسالة قبل منه، /256/ إذا كان الخادم مصليا مسلما. # وأما المشرك ومن لا يتقي النجس فلا أرى ذلك. # وأما غسالة أهل الكتاب قد اختلف فيها، ولا نقول بذلك. # وأما الذبيحة فإذا غسل المذبحة والأوداج فقد طهر لحمها، إلا الفرث وما ~~أصاب من اللحم نجسه. وقد قال بعضهم: إن دم العروق نجس. # وما أصاب الثياب من الدم نجسها إلا ما كان من دم الكبد، ووخاضة اللحم من ~~غير العروق؛ فقد قيل: لا بأس به بعد غسل المذبحة، وقد «أحل رسول الله ^ ~~الدمين: دم الكبد ودم السمك»، فعلى هذا طاهر بالقياس. # فأما لحم الميتة فنجس، وما مسه وما وقع فيه، وإن طبخ في قدر أفسدها، وإن ~~شوي في تنور نجسه. كذلك الحطب النجس لا ينتفع به والنار لا تطهره، وإن كان ~~قد اختلف فيه. # فنار المشركين قيل: لا يصطلى بها. ولا ينتفع بلهب ولا دخان شيء نجس، ولا ~~بجمر شيء نجس، ولا بنجاسة. # وقد حرم الله الخبائث، وقال ^: «إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه»، وقال: ~~«ما جعل الله شفاء أمتي فيما حرم عليهم» فهذا حرام، ولا يحل أن يطعم ~~الصبيان شيئا من النجاسة ولا الميتة ولا طعام نجس. وكذلك البهائم لا تطعم ~~التمر النجس ولا النجاسة. # وقد اختلف في دخان العود النجس والدهن النجس، وإذا زاك النجس بشيء نجس ما ~~علق به. وأجاز بعضهم: أن تدهن السفن بالدهن النجس |خالية من السواد|. PageV01P357 # مسألة: في الأرض إذا تنجست # - وسأل عن الأرض تقع فيها النجاسة، متى يقع عليها حكم الطهارة؟ # قيل له: إن رسول الله ^ قد «أمر بغسل المسجد من بول الأعرابي»، فعلى هذا ~~يجب تطهير الأرض من المساجد والمنازل وغيرها بالماء. # وأما ما روي أن وفد ثقيف لما أتوا النبي ^ نزلوا في المسجد، فقيل له: ~~ينزل هؤلاء الأنجاس في ms272 المساجد؟ فقال: «إن الأرض لا تحتمل خبيث بني آدم». # وعلى هذا فما لم ير في الأرض عين النجاسة فحكمها الطهارة، ولعل رسول الله ~~^ لم يرهم أحدثوا في المسجد حدثا ينجسه، فالأرض على هذا حكمها الطهارة، فإن ~~وقع فيها نجاسة لها عين مرئية، ثم لا ترى العين وزالت من الأرض فقد طهرت. ~~وقد قال /257/ بعضهم: إذا ضربتها الشمس والريح، وزالت عين النجاسة من الأرض ~~فقد طهرت. # كذلك البول والعذرة والدم في الأرض، يكون حكم ذلك إذا ضربتها الشمس ~~والريح وزالت عين النجاسة، فعند بعض يقع عليها حكم الطهارة على هذا المعنى. # فأما الشمس عندنا فلا تطهر، ولا الرياح، ولو كان ذلك يطهر به لكان يطهر ~~به كل ما كان به نجاسة يبست وذهبت بشمس أو ريح. # وأما الجدر إذا عملت بماء نجس، أو غميت البيوت بذلك؛ فقد قيل في ذلك ~~باختلاف: قال قوم: تطهر إذا يبست. وقال قوم: يطهر ظاهره، ولا يطهر والجه. # فأما أثر الكلب في الأرض؛ فقال قوم: إذا يبست طهرت. وقال قوم: ما دامت ~~عينها قائمة فهي نجسة. # وأما التنور إذا شويت فيه ميتة ولصق به دسم؛ فقال قوم: يكسر. وقال آخرون: ~~يغسل. وقال آخرون: يحمم بنار حتى يذهب ذلك، ولو عددنا الاختلاف لطال به ~~الكتاب. # فأما ما أنبتت الأرض فحكمه كان يجب أن يكون حكمها إلا أن الاحتياط غير ذلك. PageV01P358 # فأما الأرض إذا تنجست فجرى عليها الماء مرة واحدة لم تطهر حتى يجري عليها ~~الماء ثلاث مرات، إلا أن يكون ماء منفصل من نجاسة فجرى عليها مرة أخرى، وما ~~كان فيها من خشب لم يطهر بمرة إلا حتى يجري عليه الماء ثلاث مرات أو يغسل ثلاثا. # فأما ما كان واقعا في الأرض فحكمه حكمها، مثل اللغظ والحصا والحطب، وأما ~~الخشب والجندل فحتى يغسل بالماء. # وأما الشجر الذي يزرع ويسقى بالماء النجس فإنه ما مس من الثمرة لم يؤكل ~~حتى يغسل. # وأما إذا كان مثل البقل فحتى يغسل إذا مسه الماء النجس. وقال قوم: حتى ~~يشرب بماء طاهر. ms273 وقال آخرون: يجز ويرمى به. كذلك جميع الشجر ما مسه من النجس. # فأما ما كان يشرب بالماء النجس ولا يمس الثمرة؛ فقال قوم: يؤكل. ومنع ~~آخرون من أكله حتى يغسل، ومن رأى أكله أحب إلي. وقال الله تعالى: {من بين ~~فرث ودم لبنا خالصا سآئغا للشاربين}، وذلك خارج من بين نجاستين. # كذلك التمر من النخلة، والعنب والشجر التي لا تصل النجاسة /258/ إلى ~~ثمره، وإنما يصل النفع؛ فالنجاسة إذا لم تصل إليه ولا تمسه فلا بأس بأكله ~~على هذا المعنى. # والشاة والدابة إذا أكل أحدهما نجاسة فقد اختلف في أكل لحمها؛ فقال قوم: ~~تحبس بقدر ما يذهب ذلك. وقال آخرون: تذبح من حينها، وتؤكل ويلقى ما في ~~بطنها. ومن رأى أكل لحمها أحب إلينا. وقال بعض: تحبس الشاة ثلاثة أيام، ~~والجمل والبقرة سبعة أيام، والدجاجة يوما وليلة. # وأما الجلالة: فقد «نهى النبي ^ عن أكل لحمها وألبانها وأن يحج عليها» ~~وهي التي تعلف العذرة، ولا تخلط معها شيئا من الشجر، فأما إذا خلطت الشجر ~~فليس بجلالة. # والشجر الذي يسمد بالنجاسة ويعلو ورقه فإنه يغسل بالماء ويؤكل. PageV01P359 # والجرب إذا أصابها نجاسة فإنها تغسل. والسح يصب عليه الماء صبا. والجرب ~~يغسل ظاهرها، فأما إذا عجنت بالرجلين وكنزت بماء نجس فإنه يلقى ولا يؤكل. ~~وكذلك العجين إذا تنجس يلقى ولا يؤكل، إلا أن تصيب النجاسة منه موضعا، فإنه ~~يلقى ما لاقته النجاسة كالسمن الجامد. # والحب إذا أصابه النجس يغسل، والدعون والعريش والحصر والسميم وغير ذلك ~~يغسل كل ذلك إذا تنجس. # وأما اللحم والباقلاء إذا طبخ بشيء من ذلك بالنجس أو وقع فيه ومازجه فإني ~~أحب طرحه، وقد اختلف فيه وفي معانيه؛ فقال قوم: يغسل. وقال آخرون: غير ذلك. # وأما خبز أهل الكتاب فقد اختلف فيه أيضا: فبعض: أجازه. وبعض: نجسه. فمن ~~أجازه يحتج بأن الله تعالى أحل طعام أهل الكتاب في كتابه. # وأما ما مسوه من الماء فهو نجس، فأما اليابس فلا بأس به. # وأما ذبائحهم فلا بأس بها، وقد أحل الله طعام أهل الكتاب ms274 (يعني: ~~ذبائحهم)، وأما ما حرموه على أنفسهم فلا يحل ذلك لمسلم؛ لأن الله إنما أحل ~~من طعامهم ما أحل لهم منه، وما حرم عليهم فليس بطعام لهم، ولا يحل لغيرهم ~~أكله ولا شراؤه منهم. # |ولا يشترى منهم| ما كان من الرطوبات. # وقد أجاز بعضهم شراء الجرب المكنوزة من عندهم ما لم يعلم أنهم مسوها ~~برطوبة. # ودهنهم فشراؤه جائز ما لم يعلم أنهم مسوه. PageV01P360 # ولا أرى رطوباتهم يجوز شيء منها؛ لأن الله جعل المشركين نجسا، /259/ وأهل ~~الكتاب مشركون؛ لأن الله تعالى سماهم بذلك، وقال: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم ~~أربابا من دون الله و المسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا ~~إله إلا هو سبحانه عما يشركون}. وقال: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا ~~باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين ~~أوتوا الكتاب}. # وهم فلم يؤمنوا بالله والنبي ولا بالكتاب، ولا شك في شركهم؛ لأن الدعوة ~~هي التي دعا إليها رسول الله ^، فمن لم يؤمن بها أشرك. # ألا ترى أن رسول الله ^ حاربهم وغنم أموالهم، وسبى ذراريهم، ولم يفعل هذا ~~إلا بأهل الشرك، ولم يجز ذلك في مسلم غير محدث في دينه، فقد صح شركهم -فيما ~~بلغنا- مع أن المشركين نجس بالاتفاق، والله تعالى قد سماهم كفارا فقال: {لم ~~يكن الذين كفروا من أهل الكتاب}، وقال: إن الكافر مثله كمثل الكلب، والكلب ~~نجس، وقد نطق الحكم عليهم من كل ناحية بما لا يبرئهم من الكفر والشرك. # وأما بعر الفأر فقد تقدم ذكره بالرخصة العارضة في سؤره، وكذلك الهوام ~~وجلود المسك؛ فبعض: أجازها، وبعض: كره ذلك، إذا لم تكن تصح منه الذكاة، ولا ~~يجوز أكله. وما كان كالفأر فحرام جلده وميتته، والله أعلم بالحق. # 32- باب: # مسألة: في جلود الدواب # - وسأل عن جلود الأنعام؟ PageV01P361 # قيل له: جلود الأنعام المذكاة حلال، ما لم يعلم بها نجاسة، فإذا دبغت فقد ~~طهرت؛ لسنة الرسول # قوله: «أيما إهاب دبغ فقد طهر»، وقال: «دباغ الأديم ~~طهارته»، أو قال: «طهارة الأديم ذكاته»، ms275 فلا شك في طهارته، ولا خلاف. # وقد حرم الله الميتة كلها، ولم يرخص في شيء منها، وكما حرم الدم كله، ~~وكما حرم الخنزير كله في مواضع، ولم يختلف، فإذا صح هذا الخبر ولم يكن ~~منسوخا فقول رسول ^ حق كما قال، فإذا كان كذلك فكل جلد دبغ فقد طهر بهذه ~~العلة من الميتة وغيرها، إلا جلد الإنسان والخنزير فلا يحل ذلك أبدا. # وجلود السباع فمختلف فيها؛ وقد حرم الله أكل الميتة إلا لمن اضطر إليها، ~~وسئل رسول الله ^ عن جلد الميتة /260/ فقال: «إنما حرم أكل لحومها» أو قال: ~~«المأكول منها حرام دون غيره». # فالدباغ يسقط تحريم جلد الميتة. وقال آخرون: لا يجوز جلد الميتة، وأن ~~رسول الله ^ قال: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» -أو قال:- «ولا ~~بعصبة». # والخنزير فقد ورد التفسير وبين ذلك أنه لا ينتفع به قبل الدباغ ولا بعده. # والميتة فقد كانت حلالا جائزة فلو كانت حلالا وذكيت. # فأما من يقول: إن الله تعالى حرم الميتة ولحم الخنزير، ولم يحرم من ~~الميتة إهاب، كما لا يجوز لحم الخنزير وإهابه، ولما لم يجز شيء من الخنزير ~~لم يجز شيء من الميتة. # فأما من أجاز الانتفاع بجلد الميتة فإنه يحتج بأن الخنزير لا تصح منه ~~الذكاة وهو محرم العين، والأنعام محللة العين، والذكاة تصح منها إذا ذبحت، ~~وإنما حرمت لعلة الموت، ففرق بينهما. PageV01P362 # فأما إذا كان ذلك على هذه العلة، وكل لحم دابة لا تصح منها الذكاة فلا ~~يجوز أكل لحومها بالكتاب والسنة، وإهابها حرام دبغ أو لم يدبغ، فحرم بذلك ~~جلود السباع. وقد روي عن النبي ^ «أنه حرم جلود السباع»، وأنه «نهى أن تتخذ ~~جلود النمور للسروج»، فلو جاز الانتفاع بجلود السباع لقال: "ادبغوه ~~وانتفعوا به"، فلما لم يقل ذلك وجاء النهي عنه عن أكل لحومها، وعن الانتفاع ~~بجلودها قلنا: بتحريم ذلك. # ولما كان الخنزير لا تصح منه ولا من القرد الذكاة قلنا: لا يجوز الانتفاع ~~بجلودهما ولا شيء منهما. # فأما شعر الأنعام وصوفها فلا بأس بهما، كانت ميتة ms276 أو حية؛ لأن الشعر ~~والصوف لا بأس بهما. ألا ترى أن القرد والخنزير لا يجوز أن ينتفع منهما ~~بشعر ولا غيره. # وأما الصلاة في الفراء فجائزة في المذكى منهما والمدبوغ. وقد جاء الحديث ~~أن النبي ^ أنه قال: «لا بأس بجلد الميتة». # وأما الشراب بآنية الذهب والفضة فلا يجوز؛ لقول النبي ^: «الذي يشرب ~~بآنية الذهب والفضة يتجرجر في جوفه نار جهنم»، فإن كان إناء وعليه فضة فشرب ~~في موضع ليس فيه ذهب ولا فضة فأرجو ألا يلحقه إثم، وبالله التوفيق. # باب: # مسألة: في أديم الأنعام /261/ # - وسأل عن جلد الميتة؟ # قيل له: قد تقدم ذكرها، غير أن الناس مختلفون فيها؛ فقال قوم: دباغه ~~ذكاته، لقول النبي ^: «أيما إهاب دبغ فقد طهر». # فأما جلود الأنعام والصيد المذكى فذلك طاهر. # وشعر الميتة وصوفها طاهر، إذا لم يلحقه عند جزازه شيء من اللحم أو شيء من ~~الجلد. فأما ما قطع من البهيمة وهي حية فذلك ميتة، لا يحل إلا ما اتفقوا ~~عليه من الريش والشعر والصوف. PageV01P363 # ونعال الغيلم المذكى، وجلود الطائفي المدبوغ فذلك طاهر. وكذلك الشحري إلا ~~أن يكون غير مذكى ولا مدبوغ فليس بطاهر. # وأما النعل إذا أصابها شيء من النجاسة فما دامت عين النجاسة قائمة فهي ~~نجسة. وإذا ذهبت عين النجاسة بالأرض والمشي ويبست فقد طهرت عندهم. وبعض ~~قال: إنما تطهر إذا ما ضربتها الريح وكستها الأرض. # وقال آخرون: إن ذلك إنما هو لقوله: «أيما إهاب دبغ فقد طهر». وقال: «إن ~~الشمس والملح دباغ». فهذه علة لمن قال: إن النعل يطهر بغير غسل إذا كانت ~~الشمس والملح دباغا. وإذا يبست بالشمس طهرت، كما قالوا في الأنعام: إن ~~الشاة يقع ضرعها في البول، فإذا ربضت به، وتقلبت في التراب ويبست وذهب ذلك ~~فقد طهر. وكذلك إذا تنجست ويبس ولدها ولمظته طهر، وكذلك فمها إذا أكلت به ~~نجاسة وذهب ذلك بأكل، أو شربت أو غابت بقدر ما تأكل أو تشرب فقد وقع عليها ~~حكم الطهارة. وكذلك إذا ذهب الدم من حيائها ويبس من بولها طهر، ms277 وإذا ربضت ~~في التراب فذهب الدم والنجس من ضرعها أو من النتاج طهر. وإذا وقع عليها ~~نجاسة وتقلبت عليها وربضت في التراب طهرت. # وكذلك الحمار إذا أكل النجاسة ثم أكل وشرب طهر فمه. وكذلك إن ربض على ~~نجاسة وتمرغ بها، فإذا يبس ذلك وتقلب به في التراب طهر. فكذلك ظهر الدواب ~~كله عند بعضهم. وهذا كله قد جاء في الأنعام، وهذا رخصة وتخفيف للمحنة في ~~الأنعام والدواب. # وبول الغنم: قالوا فصب الماء عليه مجزئ. وبول الصبي الذي لم يأكل الطعام ~~يجزئه صب الماء عليه عندهم. واعتلوا «بأن امرأة أتت رسول الله ^ بابن لها ~~صغير لم يأكل الطعام، فأجلسه رسول الله ^ في حجره، فبال في ثوبه، فدعا بماء ~~فنضحه». قالوا: لم يغسله، فبهذه العلة احتجوا بالصب فيه. # وأما بول الجارية وبول الصبي الذي يأكل الطعام فإنه يعرك. PageV01P364 # فأما من قال بالتفرقة بين بول الجارية وبول الصبي فإنه قال إن النبي ^ ~~قال: «إن بول الجارية يعرك». # وقد قال بعضهم: إن البول كله يعرك؛ لأن مجرى البول مجرى الدم، ودم ~~الجارية والغلام سواء في النجاسة. # وأما ما في بطون الأنعام وكروشها نجسة وفيها نجس. # والجرة مختلف فيها، وأعراقها مختلف فيها. # وأما ما يصان من الدواب ويحبس فلا بأس بعرقه، والاختلاف فيما لا يصان ولا ~~يحبس، فأحب قول من لا ينجس ذلك؛ لأنه إذا كان طاهرا ظهره بعرقه لا ينجس، ~~كما أن لعابه ومخاطه لا ينجس. # وفي الجمال نجس، وأما سلحها فلا بأس به إلا ما ضربته بأذنابها فإنه قيل: ~~إنه ينجس؛ لما يعلم من مداومته لرطوبة البول فيه، حيث يبول بالذنب، وقد رخص ~~بعض فيما ضربت بأذنابها وفي الشرب من بولها وقيئها في السفر، والله أعلم. # مسألة: الاستنجاء والشك فيه # - وسأل عن من شك في وضوئه بعد أن خرج منه؟ # قيل له: من شك في وضوئه بعد أن خرج منه فلا نقض عليه، ولا يرجع إلى الشك، ~~وإن شك في عضو أنه لم يغسله بعد أن خرج منه لم يرجع إلى ذلك، ولولا ms278 ذلك ~~لكان الإنسان لا يبرح يتوضأ. # ولو شك في وضوئه كله بعد أن خرج منه لم يرجع إلى الشك. ومن شك أنه لم ~~يحكم الاستنجاء أو لم يغسل عضوا لم يرجع إلى الشك، وإن شك وهو بعد ذلك لم ~~يخرج حتى يحكمه، وإنما يرجع إذا خرج من الحد وأدى الفرض ثم شك فيه، وكذلك ~~لو شك في الغسل بعد أن خرج منه لم يرجع إلى الشك. # ومن أراق البول ولم يفض بوله على سمة ذكره فلا استنجاء عليه؛ لأنه ليس ~~عليه تطهير إلا ما ظهر. وكذلك الغائط ما خرج منه ولم يفض فلا استنجاء عليه. ~~وإنما أثنى الله على أهل قباء إذ كانوا يمرون /261/الماء على أثر البول ~~والغائط، فإذا لم يظهر للبول والغائط أثر لم يلزم الاستنجاء. PageV01P365 # وأما الاستنجاء من البول والغائط فيعرك حتى تطيب النفس ولا يشك في ذلك؛ ~~لأنه لا يوقف على تحديد ذلك لكثرته وقلته ورقته وغلظه. # وقد قال بعض: إذا ذهب اللين وجاء القشح من استنجاء الغائط علم أنه قد ~~طهر، وأما ما يبقى من العرف في اليد فبعض لم ير به بأسا؛ لأنه عرض ليس ~~بنجاسة بعينها. # فأما أن يحد في العرك حدا؛ فقد قيل: بعشر في الغائط وخمس في البول، وذلك ~~لا يصح في كل الأحوال لما قد قلنا. # ومن قعد في نهر وعرك ثلاث مرات؛ فعن بعض: أنه قد طهر. # وأما من قعد في البحر لغسل جنابة أو نجاسة أو وضوء فضربه الموج حتى ينظفه ~~أجزأه ذلك، وكذلك النهر الذي له حركة. # وقد قيل: من قعد في غيث للغسل من الجنابة فضربه ونظفه فقد طهر، وذلك إذا ~~قصد بنيته لذلك. # وأما غسل الثياب فلا يجزئ إلا العرك لها. # كذلك غسل النجاسة من البول والغائط فلا يجزئ إلا بالعرك، والله أعلم. # وقد اختلفوا فيمن نسي المضمضة والاستنشاق وصلى؛ فقال قوم: يعيد. وقال ~~آخرون: لا إعادة عليه. # وكذلك الذي أخذ له من شعره فقد اختلفوا فيه: قال قوم: يعيد الوضوء. وقال ~~آخرون: يعيد يمسح ms279 ما أخذ له من ذلك. وإن أخد شعر رأسه مسحه وإن نتف شعرة بل ~~مكانها، كذلك الجلدة. وقد قال قوم: لا شيء عليه في ذلك، ولا يبل ذلك؛ لأنه ~~قد مسح من قبل. # وأما الجنب إذا نسي المضمضة والاستنشاق أعادهما؛ لأنهما فرض وأعاد الصلاة ~~إن كان صلى. # ومن كان به نجاسة في بدنه لم يجزه وضوؤه حتى يغسل ذلك، ثم يبتدئ الوضوء. # وليس على من يتوضأ من بول أو غائط أن يدخل يده في دبره وإنما عليه أن ~~يغسل ما ظهر. # وكذلك من غسل منخريه من رعاف، أو فمه من قيء فليس عليه إدخال يده. # وأما ما طار في الاستنجاء من الثلاث نجس، فلا بأس بعد الثلاث ما طار به. PageV01P366 # وقيل: لسان الماء السائل من الاستنجاء نجس، ولا بأس بالباقي بعد ذلك. # وأما من توضأ في نهر جار فطار به الماء لم ينجسه حتى يعلم أن ذلك مما ~~لاقى النجاسة؛ لأن حكم ذلك على الطهارة. # وقد قيل: ثلاثة لا يطهرهم الماء: المقرن، والحائض، والأقلف، /262/ هذا اتفاق. # والمقرن: هو الذي يتبعه البول والغائط، وبه سلس البول الذي لا ينقطع منه. # ومن كان في بدنه دم أو في ثوبه نجاسة لم يعلم متى وقعت فيه -وذلك مما ~~يحدث- فقد اختلف فيه: قال قوم: في الجنابة يبدل صلاة يوم وليلة. ومنهم: من ~~لم ير ذلك حتى يعلم؛ لأنه يحدث بعد الصلاة. وقال آخرون: في الجنابة من آخر ~~نومة نام، والغائط من آخر قعدة قعد، والدم يحدث حتى يعلم أنه أصابه قبل ~~الصلاة، فإذا علم به بعد الصلاة أنه كان في ثوبه قبل الصلاة فإنه يبدل. # 35- باب: # مسألة: في الجنابة # - وسأل عن الغسل من الجنابة أهو فريضة؟ # قيل له: نعم، غسل الجنابة فريضة في كتابه، وإنما يجب في شيئين: في الجماع ~~وإن لم ينزل الماء إذا التقى الختانان، أو جاز في ذلك وجب الغسل. ومن ~~الجنابة يجب الغسل وإن لم يجامع، ولو كان باحتلام أو غيره، كما قال الله: ~~{وإن كنتم جنبا فاطهروا}. يعني: إذا ms280 أصابتكم الجنابة فاغتسلوا بالماء، ~~وقال: {ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا}، وقال: {أو لامستم النساء فلم ~~تجدوا ماء}، فدل بأول الآية على أنه أمر بالغسل مع الوجود للماء، وفي آخر ~~الآية التيمم مع العدم. وقد روي أن النبي ^ «نهى أن يغتسل الجنب في الماء ~~الدائم»، فلولا أن غسله فيه من الجنابة يفسده لم يكن ينهى عنه. وقد روي عن ~~ابن عباس أنه قال: إنما يفسد الماء أن تقع فيه وأنت جنب، وذلك إذا كان ~~الماء غير جار. PageV01P367 # وقد روي أن النبي ^ «كان يصلي في الثوب الذي يجامع فيه النساء»، وكانت ~~عائشة تصلي في الثوب الذي تحيض فيه من غير أن تغسل الثوب، فإن رأت في الثوب ~~دما أو بولا غسلت ذلك الموضع. # وعن عائشة عن النبي ^ «كان إذا رأى أثر الجنابة حكها، ثم غسلها بالماء». ~~وقد روي عن عائشة أنها قالت: «اغتسلت أنا ورسول الله ^ بصاعين ونصف، كل ~~واحد يقول: أبق لي». فذلك ما يدل على أنه جائز أن يغتسل اثنان من إناء واحد. # وإذا التقى الختانان وتوارت الحشفة فقد وجب عليهما الغسل، لرواية عائشة ~~وغيرها عن النبي ^، فإن الأحكام مضمنة بالتقاء الختانين /263/ دون الإنزال، ~~كما يجب كمال المهر، وفي الحل للزوج الأول، وفساد الحج، ووجوب الكفارة في ~~فساد الصوم، وكذلك الغسل. # ومن جامع فيما دون الفرج فأنزل فإن عليه الغسل، وإن جامع في الفرج فإن ~~عليه الغسل وإن لم ينزل. # فأما ما روي عن النبي ^: «أن الماء من الماء» يجب أن يكون في غير الجماع ~~في غير الفرج، فيكون الخبر في كل من خرج منه الماء جامع أو لم يجامع، فإن ~~عليه الغسل كما ذكرنا، والله أعلم. # وأما من عبث فيما دون الفرج فإن أنزل لزمه الغسل، وإن لم ينزل فلا غسل عليه. # ومن احتلم فأنزل الماء من امرأة أو رجل فعليه الغسل، كذلك روي أن رسول ~~الله ^ قال لأم سليم حين سألت النبي ^ فقال: «إن كان منها ما يكون من الرجل ~~فلتغتسل». وقد قيل: إنه قال لها: ms281 «نعم، إذا رأيت الماء». وفي بعض الحديث: ~~يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا رأت كما ~~يرى الرجل؟ قال: «نعم، إذا رأت الماء». # وإن عبثت المرأة بنفسها أو عبث بها زوجها فأنزلت الماء فإن الغسل يلزمها ~~كذلك. وكذلك الرجل إذا عبث بنفسه فأنزل لزمه الغسل. PageV01P368 # مسألة: [في كيفية الغسل من الجنابة] # - وسأل عن كيفية الغسل من الجنابة؟ # فإنه يبتدئ فينوي الغسل من الجنابة، ثم يذكر اسم الله، ويغسل يده ثلاثا ~~احتياطا من كل نجاسة في يده، ثم يستنجي، ويغسل كل ذي نجاسة عليه علمها؛ ~~لقول رسول الله ^: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى ~~يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده منه». وقد قيل: إنه قال: «لا يدري ~~أين باتت يده». وقد قيل: إنه قال: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله على ~~وضوئه»، ثم يتوضأ وضوء الصلاة غير قدميه، هكذا رواية عمر بن الخطاب. # ثم يفيض الماء على رأسه وسائر جسده، مع إمرار يده على موضع الغسل، وإن لم ~~تصب اليد كل موضع منه فإن الماء يجزئه؛ لأن الله تعالى جعل الماء طهورا، ~~فهو مطهر لما أصاب منه. # كذلك ما روي عن النبي ^ «أنه أفاض الماء على رأسه وسائر جسده». وقوله #: ~~«إذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك»، والمأمور به لمن أراد الغسل الاقتداء برسول ~~الله ^ /264/ إذا أراد الغسل أن يبدأ بذكر اسم الله، ثم يغسل يده ثلاثا قبل ~~أن يشرعهما في الماء، ثم يستنجي ويغسل كل نجاسة فيه، وما يتخوف أنه أصابته ~~نجاسة، ثم يتوضأ وضوء الصلاة كأحسن ما يتوضأ للصلاة، وإن كان في موضع قذر ~~لم يغسل قدميه. # فإذا توضأ للصلاة ثم بدأ وأفاض على رأسه، وغسل عنقه وحلقه، وخلل لحيته، ~~ثم أفاض الماء على جسده يمينا ثم شمالا يبدأ بيده اليمين، وما يلي ذلك من ~~جنبه وظهره وصدره، ثم الشمال كذلك، ويعرك بدنه؛ لما جاء في الحديث: «إن تحت ~~كل شعرة جنابة»، ثم تنحى فغسل ms282 قدميه إذا كان في موضع قذر ولم يكن غسلهما. PageV01P369 # وإن بدأ بالغسل قبل الوضوء أجزأه ولا نقض عليه، وقد جاز غسله؛ لأن الله ~~قال: {ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا} ولم يأمر بأكثر منه. وقال ~~النبي ^: «إذا وجدت الماء فأمسسه بشرتك»، ولم يأمر بغيره. # ومن قدم جارحة قبل الأخرى فلا بأس. # وغسل المرأة من الحيض مثل غسلها من الجنابة سواء. فإن لم تنقض ضفائر ~~شعرها أجزأها، إذا بلغ الماء أصول الشعر؛ لما روي عن أم سلمة زوج النبي ^ ~~أنها قالت: يا رسول الله -صلى الله عليك-، إني امرأة أشد ظفائر رأسي ~~أفأنقضه عند الغسل من الجنابة، فروي أنه قال: «يجزيك تصبين الماء عليه صبا، ~~حتى يبلغ الماء أصول الشعر»، ولم يأمرها بنقض شعرها. # وإن علق ببدن الجنب شيء يحول بينه وبين الماء من بدنه خلع ذلك وغسله، إلا ~~أن يكون رقيقا لا يحول بينه وبين الماء فلا بأس به. # وقد يجزئ الماء القليل؛ لما روي عن النبي ^ «كان يتوضأ بمد من ماء -وهو ~~ربع الصاع- ويغسل بصاع» والله أعلم. وعلى هذا الحساب أن المد رطلان، والصاع ~~ثمانية أرطال، والله أعلم. # وروي عن عائشة أنها أخذت عسا يسع قدر ثمانية أرطال فقالت: «كان رسول الله ~~^ يغتسل بمثل هذا». # والذي أقول: إن تحديد الماء للغسل والوضوء غير لازم؛ لأنه يختلف لاختلاف ~~دراية الناس، ومعرفة من يحسن الغسل ومن لا يحسنه. وقد يجزئ الماء القليل ~~بلا سرف. # والمأمور به الجنب /265/ أن لا يغسل حتى يستبرئ، فإن غسل ولم يرق البول ~~ولم يستبرئ فخرج منه شيء من جنابة فعليه إعادة الغسل، وإن لم تخرج جنابة ~~فلا إعادة عليه. # ومن رأى في نومه أنه جامع ولا يقذف، ولا رأى بللا فلا غسل عليه إلا أن ~~يرى الجماع ويرى بللا، أو شيئا من جنابة في ثوبه من منامه، فعند ذلك يجب الغسل. PageV01P370 # واختلفوا فيمن تخرج منه النطفة الميتة، فأوجب قوم الغسل، ولم يوجب آخرون. # والذي غسل بدنه وهو جنب ولا يعلم بجنابته، فإذا هو جنب فلا ms283 يجزئه ذلك، ~~وعليه إعادة الغسل بقصد ونية، لقول النبي ^: «الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما ~~نوى»، وقد قيل: إنه يجزئه. # وإن غسل الجنب بدنه ولم يتوضأ وصلى أجزأه ذلك إذا نوى ذلك للصلاة، وإذا ~~لم ينوه لمعروف ولا لصلاة لم يجزه. وإذا غسل الجنب من الجنابة ونواه للغسل ~~والصلاة أجزأه إن شاء الله. # ومن وجد ماء قليلا لا يستطيع أن يغرف منه، وإن وقع فيه أفسده فإنه يتيمم؛ ~~لأنه بمنزلة المعدوم، ولا يقع فيه فيفسده على نفسه وعلى غيره؛ لأن النهي ~~جاء عن الغسل في الماء الدائم. وقد قيل: الماء الراكد، والله أعلم. # كذلك من جاء إلى ماء ولم يمكنه أن يتطهر منه ولا يتناول منه بثوب ولا ~~غيره فإنه يتيمم؛ لأنه بمنزلة المعدوم. # وإن غسل الجنب جارحة من جوارحه ومضى لأمر عناه فليس عليه إلا غسل ما بقي؛ ~~لأن المعنى في ذلك غسله، فقد غسل منه شيئا فييمم ما لم يغسل؛ لقول النبي ^: ~~«إذا وجدت الماء فأمسسه جلدك»، وقول الله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا} ~~فقد تطهر كما أمر الله في مرتين. # ومن وقف في غيث لجنابة حتى ينظفه أجزأه؛ لأن الماء قد مس بشرته كما جاءت السنة. # فإن أكل الجنب أو شرب قبل أن يغتسل فلا بأس. وقد روي أن عمر سأل النبي ^: ~~الجنب ينام قبل أن يغسل؟ فقال له: «اغسل رأس ذكرك ونم». PageV01P371 # والذي يأمره بالوضوء قبل الأكل والنعاس والبروز إلى الناس استحبابا؛ لأنه ~~أعقب ذلك بقوله: وإن فعل أو أكل أو نام فلا بأس عليه. ويستحب له أن يتوضأ، ~~فإن لم يتوضأ وغسل فاه وحده فأكل أو نام فلا بأس عليه؛ /266/ لأنه إذا غسل ~~فاه ثم |أكل| لم يلزمه خلاله، وإن أكل قبل أن يغسل فاه لزمه أن يخلل فاه. # ولا ينبغي لأحد أن يجامع أهله بحضرة الناس؛ لأن الستر مأمور به. # فأما إن كان صبيا مرضعا في البيت في الليل وهم نيام لا يدرون فلا بأس، ~~وقد روي عن النبي ^ «أنه كان إذا أراد أهله تغمر ms284 هو وهم في الملحفة»، وقد ~~روي عن عائشة أنها قالت: "ما رأيت فرج رسول الله ^ وما نظرته قط". وهذا ليس ~~بواجب إنما هو يستحب؛ لأن من نظر فرج زوجته أو نظرته فلا بأس بناطق الكتاب ~~والإجماع على ذلك. # والغسل من المني واجب، ولا غسل من المذي والودي، وفيهما الوضوء. # ومن وجد بللا في ذكره أو شيئا فظن أنه قد أفسد ثوبه، وكان إذا عناه ذلك ~~فنظر فرأى شيئا وربما لم ير شيئا ولم يعلم خرج أم لم يخرج فلا بأس حتى يعلم ~~أنه قد خرج منه ما قد أفسد عليه ثوبه. # ومن كانت به رطوبة من وضوء أو غسل أو استنجاء ووجد رطوبة ولم يعلم ما هي، ~~وشك أنها خرجت منه؛ فهي من الرطوبة الأولى حتى يعلم أنها خرجت منه؛ لأن ~~الشك متروك، والطاهر على طهارته حتى يصح فساده. # ومن كان يحتشي في ذكره بقطن أو غيره فخرج منه رطوبة حتى رطب القطنة من ~~داخل فلا بأس عليه حتى يظهر شيء مما يخرج منه. وإن كان شيء من القطنة من ~~ظاهرها ليس يرطب وترطب من داخلها فلا بأس حتى يعلم أن تلك الرطوبة قد ظهر ~~منها شيء؛ لأن الإنسان إنما يغسل ما ظهر، وليس عليه غسل ما في جوفه وجوف ذكره. PageV01P372 # ولا بأس بعرق الجنب والحائض وما مساه من رطب أو يابس، إذا لم يكن في ~~أيديهما شيء من الأذى، ولا بأس بسؤرهما من الوضوء والشراب. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال لعائشة: «ناوليني الخمرة» (يعني: حصير ~~المصلي)، فقالت: إني حائض، فقال: «ليست الحيضة في كفك»، وكان يناوم الحائض ~~من غير جماع، ورخص ما فوق الإزار يقول: «غير الفرج». # ومن غسل ميتا وكان متوضئا أعاد طهره لحال مسه إياه ذلك /267/ على قول من ~~رأى أن مس الميت ينقض الوضوء. # ومن قعد في ماء وتوضأ فيه ولم يره أحد فلا بأس، وبعض: شدد في ذلك. # وقد روي عن النبي ^ «أنه نهى أن تستقبل القبلة ببول أو غائط». # ولا بأس على الجنب ms285 أن يعرك بدنه بيده ويردها إلى الماء. ولا بأس بما طار ~~به من غسل يده إذا كان قد نقى الأذى قبل أن يغسل. # ولا بأس فيما وقع في إنائه من الماء الذي قد غسل به وتوضأ منه، وهذا ما ~~لا يختلف فيه إلا ما قيل به من الماء المستعمل المنفرد: لا يجوز أن يتوضأ ~~منه مرة أخرى. فأما إن وقع في ماء آخر لم يفسده ولم يغيره من أحكام طهارته، ~~وبالله نستعين، وبه التوفيق للحق والصواب. # 36- باب # مسألة: في التيمم والغسل والوضوء # - وسأل عن التيمم بالتراب أهو فرض؟ PageV01P373 # قيل له: نعم، التيمم فرض في كتاب الله تعالى عند عدم الماء، ولا عذر لمن ~~جهله عند لزومه له ووجوبه عليه، وهو رحمة من الله لعباده، ورخصة لهم في ~~دينهم، إذ أمرهم بالتيمم إذا لم يجدوا الماء أن يتيمموا صعيدا طيبا، وذلك ~~قوله تعالى: {وإن كنتم مرضى} يعني: جرحى، من كان مجروحا، والجدري والقروح ~~بمنزلة الجروح، وأصابته جنابة، وبه ذلك فخشي على نفسه من مس الماء وهو يجده ~~فيتيمم بالتراب ويدع الماء، ثم قال: {أو على سفر} وهم أصحاء، {أو جاء أحد ~~منكم من الغائط أو لامستم النساء} يعني: جامعتموهن {فلم تجدوا ماء فتيمموا ~~صعيدا طيبا}، يقول: فتعمدوا، والتيمم: التعمد، {صعيدا طيبا} |يعني|: حلالا ~~طاهرا، والطاهر حلال، والصعيد: ما صعد على وجه الأرض. ولا يجوز التيمم ~~بالحرام ولا النجس. ثم قال: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ما يريد الله ~~ليجعل عليكم من حرج} يعني: من ضيق. # وذلك: أنه يضع يديه على الأرض فيضرب بكفيه على الأرض ضربة واحدة، ويمسح ~~بها وجهه بتلك الضربة الواحدة الوجه كله، ثم يضرب بهما الأرض مرة أخرى ~~فيمسح بهما يديه إلى الكوع (وهما الرسغان)، فإن خالف في ذلك بعض وقال: إلى ~~المرفقين، فلسنا نأخذ بذلك؛ لأن حكم اليد يقع على الكف إلى الرسغ، فهذا ~~التيمم للغسل والوضوء جميعا. # ثم قال: {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج} يعني: من ضيق حين رخص لهم في ~~التيمم وجعله /268/ واسعا، {ولكن ms286 يريد ليطهركم به} يعني: من الأحداث من ~~الجنابة والحيض وغير ذلك. {وليتم نعمته عليكم} فكانت الرخصة في التيمم من ~~النعم، {لعلكم تشكرون} ربكم على هذه النعمة. PageV01P374 # وقيل: إن النبي ^ قال لأبي ذر الغفاري: «الصعيد الطيب كاف ما لم تجد ~~الماء». وقيل: إنه قال: «الصعيد الطيب ما لم تجد الماء ولو إلى عشر سنين». ~~وقد روي عن أبي ذر > أيضا أن رجلا من ربيعة جاء إلى النبي ^ فقال: "يا نبي ~~الله إنا لا نجد الماء شهرا، ومعنا الأهلون"، فقال: «الصعيد الطيب ولو إلى سنين». # ولا بأس أن يجامع الرجل امرأته في السفر وغيره ثم يتيمم، ويصلي إذا لم ~~يجد الماء، بهذا الخبر وناطق الكتاب. # وقد اختلف في الحائض إذا طهرت من الحيض؛ فقال قوم: إذا تيممت جاز لزوجها ~~مجامعتها بعد الطهر والتطهر بالتراب. وقال آخرون: حتى تغتسل بالماء. # والأول عليه أكثر القول؛ لأنه قال: "ومعنا الأهلون". فقال: «الصعيد الطيب ~~ولو إلى سنين»، أو قال: «إلى عشر». # ومعلوم أن تكون النساء يصيبهن الحيض ولا يجدن الماء، والتيمم طهارة لهن، ~~فإذا تطهرن بالتراب عند العدم جاز مجامعتهن؛ لأنهن طاهرات من الحيض، وقد ~~طهرن بالصعيد الذي أمر الله به. # وإن تيمم المتيمم وعلق بيديه شيء فيه وعوثه حك ذلك حتى يخرج، ثم يمسح ~~وجهه وكفيه اليمين ثم الشمال. وقد قيل: يمسح الكف إلى الرسغ ظاهره وباطنه. ~~وقد قيل: الظاهر منهما. # وإن بقي من كفيه شيء لم يصبه التراب فلا بأس ما لم يتعمد. # ومن كان به مرض وخاف على نفسه من الماء لم يجز له أن يهلك نفسه، إذا أجنب ~~ويخاطر بها فيتيمم. # وكذلك إن كان به جرح أو جدري؛ للرواية التي وردت أن قوما غسلوا مجدورا ~~لهم بالماء فمات، فقال النبي ^: «قتلوه قتلهم الله، إنما كان يجزئه ~~التيمم». PageV01P375 # وقد روي أن قوما استفتوا في مجروح لهم أجنب فأمروا بالغسل فغسلوه، ~~فاندملت أصابعه فمات، فقال: «قتلوه، إنما كان يجزئه التيمم». فعلى هذا يجب ~~إحياء النفس، وألا يلقى بها إلى التهلكة، كما قال الله /269/: {ولا ms287 تلقوا ~~بأيديكم إلى التهلكة}. # وقد روي في الصحيح أيضا: إذا خاف على نفسه من برودة الماء أن يهلك أو ~~يصيبه مرض أنه يتصعد، وذلك أن عمرو بن العاص كان في سرية وأصابته جنابة فلم ~~يغسل وتصعد بالتراب، فلما وصلوا إلى النبي ^ أخبره أصحابه، فقال: «من أين ~~علمت يا عمرو، ومن أين لك؟» فقال: "يا رسول الله، إني وجدت الله يقول: {ولا ~~تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما}"، فتبسم رسول الله ^ ولم ينكر عليه». # فبهذه الرخصة من الله ورسوله ^ في التيمم رحمة للمؤمنين، ونعمة من الله ~~عليهم يشكرونه عليها. إذ رخص للمريض و المسافر، ومن به جراحة، والجنب إذا ~~خاف من برد الماء يتصعد بالتراب. # وقد كثر الاختلاف ومعنى التيمم في خبر عمار وغيره. وأنه لما نزلت آية ~~التيمم فعمد إلى التراب ومسح إلى الإبطين، فقال رسول الله ^: «إنما يكفيك ~~هكذا، ومسح وجهه ويديه [إلى الرسغين]». وفي خبر آخر أنه قال له: «إنما ~~يكفيك هكذا، ومسح وجهه وكفيه». # فأخذ أصحابنا في أن التيمم إلى الكفين؛ لأن اسم اليد يقع إلى الكف، ومن ~~قطعت كفه قيل: قطعت يده، ومن تناول بكفه قيل: تناول بيده، ومن غسل كفه قيل: ~~غسل يده، وإذا قطع الكف فله الدية كاملة. ومن غسل كفه فقد قيل: غسل يده؛ ~~فهذه حجة لهم في التيمم إلى الرسغ. وأما من ذهب في القياس إلى المرفقين ~~فإنه يقول به أيضا، وهو اختلاف في معنى التيمم، والله أعلم بالصواب. PageV01P376 # وإنما التيمم بالتراب وما كان مثله من الأرض حلالا طيبا لا نعلم به بأس؛ ~~لقول النبي ^: «جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا»، ولا يتيمم إلا بالتراب ~~الطاهر، ولا يتيمم بتراب نجس، ولا بتراب قد تيمم به مرة أخرى. # فأما إن وضع رجل يده على الأرض وتيمم به فلا بأس أن يضع غيره على ذلك ~~الموضع من الأرض ويتيمم به. # وقد اختلف في التيمم بالجص. فأما الرماد فلا يتيمم به؛ لأنه من الحطب، ~~وأما الجص فإنه من الأرض /270/ ما لم يحرق بالنار، والله ms288 أعلم. # والتيمم للغسل والوضوء واحد في كيفية ذلك. # ومن كان راكبا فرفع إليه تراب فتيمم به أجزأه، وفي الخبر أن النبي ^ قال: ~~«جعلت لي الأرض مسجدا، وترابها طهورا»، فما صح أن يكون مسجدا يؤيد إجازة ~~التيمم، إلا ما منع منه خبر أو كتاب، مثل الموضع النجس، والتراب الذي قد ~~تيمم به، وما كان من غير الأرض؛ ولأن المساجد هي الأرض، وقد جعلت مسجدا؛ ~~ولأن الله تعالى جعل الماء طهورا، فلما عدم جعل قراره من الأرض بدلا منه. # وليس على المتيمم أن ينوي التيمم لفريضة ولا تطوع إلا لما أمر به من ~~الصلاة لا لغير ذلك. ألا ترى أن النية إنما هي مقصودة على ما نواه دون غيره. # وإذا تيمم ثم وجد الماء أعاد الحكم الذي قبل التيمم بالماء؛ لما روي عن ~~النبي ^ أنه قال: «التراب طهور المسلم ولو إلى عشر سنين»، ثم قال: «وإذا ~~وجدت الماء فأمسسه بشرتك»، فمتى وجد الماء نقض تيممه؛ لقوله «فإذا وجدت ~~الماء فأمسسه بشرتك». # وقال الله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا}، فإنما جعل التيمم ~~بدلا، والأبدال حكمها ينتقض عند وجود المبدل منه. PageV01P377 # وفي بعض الروايات عن النبي ^ أنه قال لعمار: «هكذا يجزيك ويكفيك إلا أن ~~تجد الماء»، وعلى هذا إذا وجد الماء انتقض تيممه. # ومن لم يجد ماء ولا ترابا فلا عذر له في ترك الصلاة، وعليه أن ينوي ~~الطهارة ويصلي، وإذا وجد الماء أعاد الصلاة بالوضوء، وإن مضى وقتها. # وكذلك الذي يكون في البحر ثم يصيبه الخب ولم يقدر على ماء ولا تراب. # وكذلك الذي يكون في الطين ولا يقدر على ماء ولا تراب، ولا إذا وضع الطين ~~على رأسه يبس، نوى الطهارة وصلى. وإن جف الطين تيمم وصلى. # ومن صلى بالتيمم ثم وجد الماء فإنه لا تلزمه إعادة الوضوء والصلاة، ولو ~~وجد الماء في وقت الصلاة. فأما إن وجد الماء وهو بعد في الصلاة فإنه ينتقض ~~تيممه وليتوضأ وليصلي. وإذا لم يطلب الماء ثم وجده فإنه يعيد /271/ الصلاة؛ ~~لأنه كان واجدا ms289 للماء ولم يطلبه. # وإذا رأى ماء يمكنه أن يتوضأ منه وهو متيمم انتقض تيممه، وإن كان لا ~~يمكنه الوضوء منه فتيممه تام. # والذي مضى على الماء ونسي أن يتوضأ منه حتى جاوزه، أو نسي أن يتوضأ من ~~ماء كان عنده حتى أراقه فقد انتقض تيممه الأول إن كان متيمما، وليتيمم ~~وليصلي. # وقد اختلف في التيمم للفريضة أن يصلي بها غيرها، فلا يصلى به. # وقد قيل: إن لمن يتيمم لصلاة الفريضة أن له أن يركع به في مقامه ذلك ما ~~شاء أو قريبا منه. وإن أراد أن يقرأ إذا ركب وسار فعندهم أن يحدث تيمما ~~آخر. والحجة أنه لا يحدث تيمما؛ لأن النبي ^ قال: «الصعيد كافيك ما لم تجد ~~الماء». فما لم يجد الماء فهو على طهارة التيمم لذلك، ولا أحب مخالفة الأثر ~~من أصحابنا. # والذي يتيمم للفريضة ثم أراد أن يبدل: فعند أصحابنا أنه يحدث تيمما آخر للبدل. PageV01P378 # والتيمم الواحد مجزي لجمع الصلاتين والوتر. والتيمم الواحد مجزي لمن أراد ~~أن يبدل في مقامه لما عليه من الصلوات. # ومن تيمم للصلاة والجنابة تيمما واحدا أجزأه إذا نوى ذلك لها. ومن كان ~~عنده ماء قليل بقدر الاستنجاء استنجى به وتيمم لبقية وضوئه؛ لأن كلاهما واجب. # ومن خاف على نفسه من البرد فتيمم وصلى أجزأه ذلك. فإذا أمن فلا بدل عليه. # والمبطون الذي لا يستمسك بطنه: قيل: يتيمم ويصلي؛ لأنه مريض. # والذي يتيمم للطهارة فإنه عند أصحابنا لا يقرأ ولا يصلي نافلة ولا فريضة ~~حتى يتيمم لها. # وفي قول أصحابنا: والمسافر إذا كان معه ماء لطعامه وشرابه هو وأصحابه ~~فإنهم يتيممون ويتركون الماء لطعامهم وشرابهم، إلا ما قد علم أنهم قد ~~استغنوا عنه. # ومن تعمد لترك التيمم لم يعذر ولم يسعه ذلك، وإن كان صلى بغير طهارة لزمه ~~البدل والكفارة ولم يعذر. # وكل من تيمم بالصعيد ويعلم أن الماء قريب منه لم يعذر بذلك، وعليه أن ~~يتوضأ إذا رأى الماء، وإن لم يعرف مكان الماء وصلى /272/ فلا نقض عليه. # وليس على المسافر أن ms290 يشق على أصحابه في الذهاب إلى الماء إذا لم يكن على ~~طريق بقدر ما يعوقه ويتيمم ويصلي. وإن كان قريبا مضى إليه. # والمسافر إذا علم بماء زال عن الطريق فإنه يتيمم ويصلي. # وكل مسافر لم يجد الماء فله الصعيد جائز. # وكل من خرج في أمر عناه إلى غير سفر في جوانب البلد فإنه يتوضأ، فإن لم ~~يفعل وحضرت الصلاة وهو في غير سفر فإنه يؤمر أن يمر إلى الماء ويتوضأ. وإن ~~خاف فوت الصلاة تيمم وصلى. PageV01P379 # ومن تيمم ووجد الماء قبل أن يصلي انتقض تيممه، فأما ما لم يجد الماء فهو ~~على تيممه أحب إلي؛ لأنه طهارة عند العدم. وقد أجاز بعضهم: التيمم لصلاة ~~الجنازة لمن انتقض وضوؤه وهو فيها. وبعض: لم يجز ذلك للمقيم؛ ولأن صلاة ~~الجنازة على الكفاية، وبالله التوفيق. PageV01P380 ### | CHECK جامع البسيوي ج2 # 37- باب: # مسألة: فيما ينقض الطهارة # - وسأل عما ينقض الطهارة؟ # قيل له: ينقضها أشياء كثيرة، منها: # أن الشرك بالله ينقض الطهارة، وكل متطهر مس مشركا ينقض وضوؤه؛ لأن الله ~~سمى المشركين نجسا، وكل نجس ينقض وضوء من مسه. ومن تغير عقله بجنون أو غيره ~~أو أغمي عليه فتغير عقله انتقض وضوؤه. ومن نام مضطجعا أو نعس أو تغير عقله ~~انتقض وضوؤه. # وقد ذكر أن رسول ^ اتكأ على يده حتى غط (أي: نخر)، ثم قام إلى الصلاة، ~~فقيل له: "إنك نعست؟" قال: «لا نقض على من فعل ذلك حتى يضع جنبه على الأرض ~~وينعس». # وقد اختلفوا في الناعس قاعدا مستندا إلى شيء: فبعض: نقض وضوءه. وبعض: لم ينقض. # والذي يستند إلى شيء مما يمكن النوم عليه وينعس فأحب نقض وضوئه. # - وسأل عما ينقض الوضوء من الكلام؟ # قيل له: من تكلم بالشرك والكفر، أو بشيء من الفحشاء والغيبة والمنكر، أو ~~بشيء مما نهى الله عنه ورسوله ^ نقض ذلك وضوءه. # والكذب والغيبة ينقضان الوضوء، لما روي عن رسول الله ^ أنه قال: «الكذب ~~والغيبة يفطران الصائم وينقضان الوضوء». # فإذا كان من اغتاب المسلمين بما فيهم مما هو منقصة /273/ لهم ms291 ينقض وضوؤه، ~~فمن بهتهم بما ليس فيهم انتقض وضوؤه؛ لأن البهت أشد؛ لأن الله تعالى جعل ~~البهتان عظيما. # ومن قذف المسلمين والمسلمات، والمحصنين من الرجال والنساء فقد أتى ببهتان ~~عظيم وينقض وضوؤه. # ومن كذب متعمدا انتقض وضوؤه، ومن تكلم بالزور انتقض وضوؤه. كذلك من شهد ~~بالزور، قال تعالى: {وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا}. وكل من شهد ~~بالزور أو تكلم بالفجور انتقض وضوؤه. # وكل ما ينقض الإيمان فهو ينقض الوضوء. PageV02P001 # ومن تجسس لعورات المسلمين أو اغتابهم انتقض وضوؤه، وقد نهى الله عن ~~التجسس والاغتياب فقال: {ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا}. فهذا مما ينقض ~~الوضوء. # وإذا كان هذا ينقض الوضوء بالسنة وهو من المعاصي، فكل معصية مثله تنقض ~~الوضوء، مثل: من شتم المسلمين أو لعنهم أو قبحهم أو أحدا منهم، أو قذفهم أو ~~برئ منهم فقد انتقض وضوؤه. ومن زنا أو سرق أو شرب خمرا أو مسكرا مما كان من ~~الشراب، أو شرب دما، أو أكل نجسا، أو خرج من فيه [شيء] من قيء أو دم انتقض وضوؤه. # ومن خرج منه عذرة أو بول أو دابة أو ريح بادية بعرف أو صوت انتقض وضوؤه. # قال الله تعالى لنبيه محمد ^: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما ~~بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن ~~تقولوا على الله ما لا تعلمون}. وكل من فعل هذا فقد دخل فيما حرم الله ~~عليه، وينقض وضوؤه. # وقد حرم الله السرقة والخمر، وقال رسول الله ^: «كل مسكر حرام». # ومن أكل أموال الناس بالباطل والإثم والبغي، أو أكل الميتة أو الدم أو ~~لحم الخنزير، أو شيئا مما حرم الله ورسوله، أو مما جاء النهي عنه. وأكل ما ~~ذبح لغير الله، أو أكل المنخنقة أو الموقوذة أو المتردية أو النطيحة.. إلى ~~آخر الآية، أو أكل لحم ذي ناب من السباع، أو مخلب من الطير المنهي عن أكل ~~لحومها، أو أكل لحم الحمر الأهلية انتقض وضوؤه؛ لأن كل ما حرم ms292 الله ورسوله ~~فهو نجس خبيث، والخبيث ينقض الوضوء. # وقد حرم الله الدم في كتابه، واتفق على تحريم دم الاستحاضة، وأمر رسول ~~الله ^ حفصة أن تغسل الثوب /274/ من دم الاستحاضة، قال: «إنه دم عرق»، وكل ~~دم فهو دم عرق ينقض الوضوء. PageV02P002 # وقد حرم الله الخبائث؛ والدم من الخبائث، وإنما أحل الله من الطيبات وحرم ~~الخبائث، وكل طيب حلال، وكل خبيث حرام نجس، وما لم يكن من الطيبات فهو من ~~جنس الخبائث، وكل ذلك ينقض الطهارة والوضوء، وبالله التوفيق. # - وسأل عما ينقض الوضوء من النظر؟ # قيل له: نظر جميع المحارم ينقض الوضوء، ونظر الفروج على العمد ينقض ~~الوضوء، إلا من نظر فرج نفسه أو زوجته أو سريته فإن ذلك لا ينقض وضوءه. ~~وجميع الفروج على العمد ينقض الوضوء إلا من الدواب أو صبي صغير. # فأما نظر الصبية على العمد فإنه ينقض |الوضوء|، وهو من نظر فرجها؛ لأنها ~~محرم، وقد قال الله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ~~ذلك أزكى لهم}، {وقل للمؤمنات} مثل ذلك {يغضضن}، فعلى المؤمنين والمؤمنات ~~أن يغضوا من أبصارهم مما لا يحل لهم النظر إليه، وحفظ فروجهم عما لا يحل ~~لهم. وقد جاء في الحديث عن النبي ^ أنه قال: «ملعون من نظر إلى فرج أخيه»، ~~أو قال: «عورة أخيه». # وأما نظر الفروج على العمد فقد وقع الاتفاق على تحريم ذلك بالكتاب ~~والسنة. # والاختلاف بينهم في نظر العورة دون الفرج؛ فقال قوم: إن نظر العورة ينقص ~~الوضوء، ولا يحل إبداؤها. # وقال آخرون: لا نقض على من نظر غير الفرج منهم على العمد، فأما الخطأ فلا بأس. # وقال أصحابنا: فيمن نظر من أبدان النساء المحرمات عليه، ممن ليست منه ~~بمحرم مثل وجهها وكفيها فلا بأس بذلك. ومن نظر غير ذلك من أبدانهن على ~~العمد انتقض وضوؤه، وأما ذوات المحرم منه فلا نقض معهم على من نظر شيئا من ~~أبدانهن إلا الفرج وحده فإنه ينقض وضوء من نظر إليه. # والإماء لا نقض على من نظر من أبدانهن إلا الفرج فإنه ms293 ينقض وحده. PageV02P003 # وأما من نظر امرأة على أن ينظرها حراما فإذا هي زوجته، أو نظر على أنه ~~ينظر زوجته فإذا هي امرأة أخرى؛ فهذا: قد أخطأ. وقيل: لا ينقض وضوءه، والله أعلم. # ومن نظر في جوف منزل قوم ونظر ما فيه: فإنه ينتقض وضوؤه. وقال آخرون: ~~/275/ لا ينقض وضوءه حتى ينظر حرمة في المنزل. # وأما نظره دفاتر الحكم وحوانيت التجارة وما أبيح الدخول فيه؛ فلا نقض على ~~من نظر إلى ذلك. # وأما من دخل منازل الناس قهرا أو جبرا فإنه ينتقض وضوؤه، ولا ينتقض على ~~غير الجبر وضوء من فعله. # ومن استاخ إلى سر بين اثنين أو إلى سر قوم في منزلهم فوضوؤه منتقض، قال ~~الله تعالى: {إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا}، وقال: {لا ~~تدخلوا بيوتا غير بيوتكم}، فإذا فعل ما حرم الله عليه انتقض وضوؤه. # ومن ذكر الأدبار والفروج بأقبح أسمائها انتقض وضوؤه. وكذلك إن ذكر ما ~~يخرج من الدبر وشتم به أحدا من المسلمين انتقض وضوؤه. فأما إذا لم يشتم به ~~أحدا ولم يأثم فلا بأس عليه ولا ينتقض وضوؤه، وكل هذا على العمد. # - وسأل عما ينقض الوضوء من المس؟ # قيل له: مس الفروج كلها من القبل والدبر غير الدواب، والطفل على العمد ~~والخطإ ينقض وضوء من مسها. # واختلفوا في مسه فرجه خطأ؛ فقال قوم: ينتقض وضوؤه. وقال آخرون: لا ينتقض ~~وضوؤه حتى يتعمد لذلك. # واختلفوا في مس الفرج؛ فقال قوم: مس الفرج كله من القبل والدبر ينقض ~~الوضوء. وقال آخرون: لا ينقض إلا مس الكوين من القبل والدبر. # و[في مس] الذكر: قال قوم: ما مس منه انتقض وضوؤه. وقال آخرون: الثقب. وقد ~~روي عن النبي ^ «أنه سئل عن امرأة مست فرجها فأمرها بإعادة وضوئها». PageV02P004 # واختلفوا في خبر مس الذكر؛ فقال قوم: إنه قال: «مس الذكر ينقض». وقال ~~آخرون: إنه قال: «هو بضعة منه». # فمن مس فرجه أو فرج زوجته أو غير ذلك من جميع بني آدم انتقض وضوؤه. وأما ~~الدواب فلا نقض في ms294 ذلك، والصبي في المهد. # ومن مس متعمدا نفس فرج الجارية -ولو كانت صغيرة- انتقض وضوؤه على العمد ~~والخطإ؛ لأن مس الفروج ينقض الوضوء بالسنة، ليس أنه نجس. # ومن مس نجاسة رطبة، أو وقعت عليه ما كانت من النجاسات انتقض وضوؤه. # ومس الميتة والدم ولحم الخنزير والفروج، ولحوم السباع المحرم أكلها، ولحم ~~الطير المنهي عن أكله، وسؤر السباع وطرحها، وطرح الطير المنهي عن أكل لحمه، ~~/276/ وطرح الدجاج والحقم الأهلي والسنور، وطرح كل دابة تسمى سبعا، مشت على ~~رجلين أو على أربع، فكل ذلك ينقض الوضوء. # ومس كل دم ينقض الوضوء إلا الدم الذي جاءت به السنة بتحليله، من دم السمك ~~والكبد وما كان مثله. # وقد اختلفوا في الدم المجتلب كدم الضمج والحلم والقراد، فأفسده قوم، ولم ~~ير قوم به بأسا. # ومس الخمر والمسكر ينقض. # ولا بأس بالقيح والبوس من ابن آدم ، وما كان من الأنعام مثل ذلك. # ومس العذرة والبول والجنابة والمذي والودي ينقض الوضوء. # والدابة التي تخرج من الدبر والقبل تنقض الوضوء. # والقيء ينقض وضوء من خرج منه. # فمن مس شيئا من هذه نقض وضوءه. # ومن مس شيئا من الخبائث نقض وضوءه، وهذا خبيث؛ قد حرم الله الخبائث مجملا. # وقد سمى رسول الله ^ البول والغائط خبيثين، وسمى هذا حراما، وحرم الخبيث. ~~فكل ما حرم خبيث ينقض الوضوء، خرج من الإنسان أو مسه، ومس البول كله من كل ~~أحد ينقض الوضوء. # وقد اختلفوا في مس الميت الولي؛ فقال قوم: ينقض الوضوء. وقال آخرون: لا ينقض. # والحجة لمن قال: ينقض مسه؛ لأن السنة جاءت بأن «مس الميت ينقض الوضوء». PageV02P005 # في الحديث عن النبي ^ أنه قال: «المؤمن لا يكون نجسا»، وقول آخر: «إن ~~المؤمن لا ينجس حيا ولا ميتا»، واحتج من لم ير نقضه بهذا الخبر أنه قال: ~~إذا لم يكن نجسا لم ينقض مسه. # وقال آخرون: إن لم يكن نجسا فإنه ينقض بالسنة، والله أعلم بذلك. # ومن مس عظام المشرك اليابسة لا ينقض الوضوء. # كذلك الميتة عظامها اليابسة مسها لا ينقض الوضوء. والعذرة ms295 اليابسة إذا لم ~~تعلق الماس لها؛ لأن اليابس لا يأخذ من اليابس شيئا. # - وسأل عما ينقض الطهارة؟ # قيل له: من جامع انتقض وضوؤه إذا مس الفرج أو مسه أحدهما، أو غيبوبة ~~الذكر عند الجماع ولو لم ينزل الماء فإنه ينقض الوضوء. # والهوام التي لا دم لها فإن مسها لا ينقض |الوضوء| حية ولا ميتة. فأما ~~الهوام التي لها دم فإن مسها ميتة ينقض الوضوء. # وكذلك الضفدع بولها إذا جاءت من البر يفسد الوضوء، ولا يفسد إن جاءت ~~/277/ من النهر، وبعرها وبعر الفأر ينقض الوضوء. وبعر الخناز وسؤر الغول ~~والحية والإمحاة والضب وبعره، كل هذا وما كان مثله مختلف في نجاسته وطهارته ~~في الوضوء، ونقضه لمن مس ذلك أو أصاب الماء أو غيره. # ودم البعوض والبراغيث لا يفسد، و|لا| دم الذباب. # وليس على من نظر في الليل بأس؛ لأن الليل لباس، إلا أن يكون نظر بنار فإن ~~ذلك مثل النهار. # ومن نظر محرما بعد أن غربت الشمس، ولم يختلط ظلام الليل وضوء النهار غالب ~~فذلك كما نظر في النهار، حتى يستولي ذلك ظلام الليل. # فإذا انفجر الصبح فمن نظر واستبان فكذلك كمن نظر في النهار. وإن كان ظلام ~~يحول بينه وبين النظر فلا نقض ولو كان الفجر قد طلع، ولا بأس بالنظر في القمر. # - وسأل عما يحل من المجوس؟ # قيل له: لا يحل منهم شيء إلا ما كان أصله يابسا أو يدفعونه يابسا، وأما ~~الرطوبات فلا تحل من عندهم، ولا يعرض لها من أيديهم. PageV02P006 # وقد قيل: لا بأس بالأدهان المختمة والفاكهة اليابسة إذا لم يعلم أنهم ~~مسوا الأدهان. # وإن مس الذمي ثوب المسلم أو طواه لم يصل به. # وإن حمل مجوسي لحما لمسلم لم يأكله، وما باع المجوسي من الثياب المقموطة؛ ~~فقد قيل: لا بأس بذلك. وما نشروه لم يصل به. # وأما أهل الكتاب فقد اختلفوا في طعامهم، وقد أحله الله في كتابه بلفظ ~~عام. وقال قوم: هو كل طعام. وقال آخرون: إنما ذلك في ذبائحهم، وقد أحل الله ~~تزويج ms296 نسائهم. # 38- باب: # مسألة: في غسل الميت # - وسأل عن غسل الميت، كيف يكون؟ # قيل له: قد اختلف في ذلك؛ فقال قوم: غسل الميت كالغسل من الجنابة، يوضأ ~~ثم يغسل يمينا ثم شمالا. # وقال قوم: إذا أردت غسل الميت نزعت ثيابه، وألقيت عليه ثوبا سترت به ~~عورته، ثم تغسل كفيه، ثم توضه وضوء الصلاة، ثم تغسله بسدر أو نحوه إن حضر ~~ذلك، وتغسله في موضع مستتر، ثم تبدأ بشق رأسه الأيمن على لحيته وما يلي ذلك ~~ثم الأيسر وما يلي ذلك، وتجعل في يدك خرقة وتدخلها تحت إزار الميت فتغسل ~~فرجه ثم يده اليمين ثم الشمال. ويستحب أن تقعد ذلك فتعصر بطنه، ثم تصب ~~الماء عليه حتى ينقى. ويستحب أن يكون في آخر /278/ ما يفاض عليه شيء من كافور. PageV02P007 # وقال قوم: إذا أرت غسل الميت أدرجته في ثوب تستر به عورته، ثم تبدأ فتعصر ~~بطنه عصرا رفيقا، ثم تغسل كفيه، ثم تنجيه قبله ودبره، بعد أن تجعل على يدك ~~خرقة وثيرة، لئلا تحس بها فرج الميت، وكلما نجيته بها مرة غسلتها مرة مع ~~يدك، ثم ترجع ثلاث مرات، فإذا أحكمت الاستنجاء ووضيته وضوء الصلاة، وتجري ~~يدك على أسنان الميت عند الوضوء. فإذا فرغت من وضوئه غسلته بماء فرد، وتبدأ ~~بشق رأسه الأيمن على لحيته ويده وجنبه، وما يلي ذلك من ظهره وصدره، ثم ~~الشمال وما يلي ذلك من جنبه وصدره وظهره، ثم رجله اليمين ثم الشمال، تصب ~~عليه كذلك كل جانب ثلاثة أمواه. # فإذا غسلته ثلاثا |ثلاثا| ألبسته الغسل، وأجريت يدك عليه ثلاثا ثلاثا، ~~وتبدأ باليمين ثم الأيسر على ما وصفت لك. # فإذا أتممت الغسل صببت عليه الماء حتى ينقى ذلك، يصب الماء عليه كل جانب ~~ثلاث مرات، وإذا غسلته ثلاثا صب الماء عليه حتى ينقى. ويستحب أن يكون في ~~آخر الماء الذي يفاض عليه شيء من الطيب. # ثم تلبسه ثوبا تجففه به غير ثيابه التي يكفن فيها، فإذا جف ألبسته ~~المخيوط وأدرجته في أكفانه، فتوزره بثوب، وتلبسه قميصا وتلف عليه لفافة، ms297 ~~فإن لم يكن قميص فإزار ولفافة، فإن لم يكن إلا ثوب واحد اجتزئ |فيه| به يلف ~~به على بدنه ورأسه. # وقد قيل: إن خرج من الميت شيء بعد ما فرغ من غسله: أعيد غسله، وقال من ~~قال: إلى خمس مرات. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال لهم حين ماتت ابنته: «إن خرج منها شيء ~~فأعيدوا غسلها إلى خمس مرات» فيجب اتباع السنة. # فأما إذا كفن، فما خرج بعد ذلك فإنما يغسل الموضع وحده. وقال قوم: لا يعاد. # وقيل: الرجل يغسل امرأته وتغسله، وقد قيل: إن أبا بكر غسلته امرأته. # وقيل: إن تزوج الرجل بأخت امرأته فماتت من يومها فلا يطهرها. PageV02P008 # وبعد الزوجين فأولى بالغسل من النساء النساء، والرجال الرجال، وإن كن ذات ~~محرم فالرجل أولى إلا ألا يكون رجال فالنساء، ولا يمسسن الفرج ولا ينظرن إليه. # والمرأة إذا ماتت مع الرجال /279/صب عليها الماء صبا من فوق الثياب، ولا ~~يمسوها ولا ينظروا إلى بدنها، ويصلون عليها. والنساء لا يصلين على الرجال. # ويجوز لهن أن يغسلن الطفل الذي لا يستتر. والصبية لا يغسلها إلا النساء، ~~وقد قيل: غير ذلك، وهذا أحب إلينا. # والمرأة تكفن في أربعة أثواب: قميص، ورداء وإزار ضيق، ولفافة. # والمحرم يغسل ويكفن في ثوبيه اللذين أحرم فيهما، ولا يلف على رأسه ووجهه الثوب. # والشهيد إذا قتل في المعركة لا يغسل، وإن أدرك وفيه رمق من حياة فإنه ~~يغسل. وقد قيل: إن عمر بن الخطاب ~ غسل وكان شهيدا. # والسقط التام الخلق يغسل ويحنط ويكفن ولا يصلى عليه عند بعض أصحابنا، وإن ~~استبانت حياته صلي عليه. # وقيل: «إن النبي ^ غسل وعليه قميصه، وكفن في ثلاثة أثواب بياض»، وقد قيل ~~غير ذلك. # وقد روي عنه ^ أنه قال: «البياض من خير لباسكم، فألبسوه أحياءكم، وكفنوا ~~به موتاكم». وقد قيل: «إن رسول الله ^ غسل وعليه قميصه، وغسل ثلاثا، وأدرج ~~في ثوب غير كفنه». وقد قيل: «إنه كفن في ثلاثة أثواب: إزار، وقميص، ~~ولفافة». وقد قيل: «إنه كفن في حلة ليس فيها قميص ولا ms298 عمامة»، والحلة ~~يمانية -على ما قيل-، وذلك ثلاثة أثواب بيض. # وقيل: «إن النبي ^ فرش له في قبره قطيفة». وروي أنه: لحد له وأدخل رجلاه ~~أولا في قبره، ونصب عليه اللبن نصبا، وأقبل إلى القبلة بوجهه ^، ورفع قبره ~~من الأرض قدر شبر. # وروت عائشة أن النبي ^ قال: «لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مسجدا». PageV02P009 # وروي عنه ^ أنه يقول: «أيها الناس، سعرت النار، وأقبلت الفتن كقطع الليل ~~المظلم، وإني والله ما تتعلقون على شيء، لم أحل لكم إلا ما أحله القرآن، ~~ولم أحرم عليكم إلا ما حرمه القرآن». ثم دخل بيته وقال: «مروا أبا بكر ~~فليصل بالناس ثلاث مرات»، فقالت عائشة: "يا نبي الله، إن أبا بكر رقيق ~~القلب، إذا قام مقامك غلبه البكاء". قال: «إنكن لصويحبات يوسف، مروا أبا ~~بكر فليصل بالناس»، فصلى بهم أبو بكر. /280/ # 39- باب: # مسألة في القملة وغيرها # - وسأل عن القملة إذا ماتت في شيء أو كانت حية، هل تنجس؟ # قيل له: إن القملة ماؤها ودمها وذرقها نجس مفسد عند أصحابنا. # وغيرهم قال: إن ذلك دمها نجس، غير أنه قال: قليل ليس له حكم. # ورأي أصحابنا أقوى حجة؛ لأن من خالفهم يقول: إن خرجت دابة من الدبر أفسدت ~~ولو قل ذلك، ولا فرق بين القملة والدابة وفي قلة النجاسة. # فإن ماتت القملة في طعام رطب أو ماء أفسدته. وإن ماتت في بئر قليلة الماء ~~نزحت. وإن وقعت في بئر ولم تمت فلا بأس بها حتى يعلم أنها ماتت فيها. # وإن ماتت في الثياب أو البدن لم تفسد وتخرج من ذلك. # وأما الصوب فقيل: إنه لا يفسد. # مسألة: [في نجاسة الدم] # فأما من قال بأن الدم حرام ليس بنجس ولا ينقض الوضوء؛ فإن الله حرم ~~الخبائث وحرم الدم، والدم خبيث كما قال رسول الله ^: «إن البول والعذرة من ~~ابن آدم خبيثان». ومن خالفنا يوافقنا في البول والعذرة أنهما ينقضان الوضوء ~~فلا حجة له فيما يخالف فيه. # مسألة: [في المسح على الخفين] # - وسأل عمن قال بالمسح على الخفين وأن ذلك ms299 رخصة من رسول الله ^؟ PageV02P010 # قيل له: كل ما قال رسول الله ^ فهو حق، وما رخص فيه فجائز، غير أن الذين ~~قالوا برخصة المسح على الخفين فمختلفون؛ منهم من قال: كان قبل نزول الآية ~~التي في المائدة، وفرض الوضوء بالماء. ومنهم من قال: كان بعدها. # ومن توضأ بالماء ولم يأت بغيره فقد أدى ما افترض الله عليه، وإن لم يعمل ~~بتلك الرخصة فلا إثم عليه، وكان أحوط له، ووافق القرآن في الوضوء. فنحن على ~~الاحتياط في الوضوء وخروج من الاختلاف حتى يتفقوا فيما بينهم، والحمد لله ~~رب العالمين على كل حال. # 40- باب: # مسألة: في طهارة المستحاضة # - وسأل عن غسل الحائض والمستحاضة؟ # قيل له: غسل ذلك كغسل الجنابة، إلا أن الحائض تؤمر بحمل الغسل، كما جاء ~~في الحديث، فتغسل بالغسل من الحيض. وقد قال الله |تعالى| في كتابه: ~~{ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن}، معناه: فاعتزلوا مجامعة النساء في المحيض فإنه حرام، /281/ {ولا ~~تقربوهن}: ولا تجامعوهن {حتى يطهرن}، فحجر عليهم بالنهي جماع الحائض، ثم ~~قال: {فإذا تطهرن} يعني: فإذا غسلن من الحيض وتطهرن بالغسل منه {فأتوهن من ~~حيث أمركم الله} يعني: في الفرج الذي نهيتكم عنه. أطلق لهم في جماعهن بعد ~~النهي لهم عن ذلك في حال حيضهن، {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين} من ~~الأحداث والحيض. PageV02P011 # قيل: لما نزلت هذه الآية اعتزل المسلمون نساءهم في بيوت غير بيوتهن، فبلغ ~~ذلك النبي ^ فقال: «إنما أمرتم أن تعتزلوا الفروج». ثم قال تعالى: {نسآؤكم ~~حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم} أي: كيف شئتم مستلقية، وإن شئتم من ورائها، ~~أو قائما أو قاعدا، أو باركا بعد أن يكون الجماع في الفرج، {وقدموا ~~لأنفسكم} يعني: ثمر الولد، {واتقوا الله} ولا تأتوهن حيضا، ثم خوفهم فقال: ~~{واعلموا أنكم ملاقوه} فيجزيكم بأعمالكم، {وبشر المؤمنين} بأمر الله ونهيه ~~بالجنة. فوجب بظاهر الآية اجتناب الحائض حتى تغسل غسلا يقطع به حكم الحيض، ~~لأن الغسل الذي يبقى معه الحيض وحكمه. فمن وطئ في ms300 الحيض بعد نهي الله فقد ~~ركب ما حرم الله عليه. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «من وطئ امرأته في الحيض فقد ركب ذنبا ~~عظيما». # وقد قيل: إن لزوم الصلاة لها يقطع حكم الحيض، كما أن حكم الحيض يقطع لزوم ~~الصلاة لها لزوما صحيحا. # يقطع حكم الحيض بطهر بين لا شبهة فيه، أو مرور الأيام التي اتفقوا أنها ~~لا تكون بعدها حيض، فمتى انقطع حكم الحيض قبل الاغتسال لزمها الغسل مع لزوم ~~الصلاة، فتغسل وتصلي بعد ارتفاع حكم الحيض. # ودلت السنة أن للزوج ما فوق الإزار من الحائض، ليس له منها ما تحته، كما ~~روي عن عمر بن الخطاب > عن النبي ^ أنه سأل النبي ^: ما يحل له من امرأته ~~وهي حائض؟ فقال له: «ما فوق الإزار»، وبهذا يدل على أن جماع الحائض في ~~الفرج حرام، وجائز في غير الفرج. # وقد جاء الحديث عن جابر بن عبد الله عن النبي ^ أنه «نهى عن موضع الدم». ~~وفي قول الله: {حتى يطهرن} دلالة على أن الصفرة والكدرة في آخر الحيض من ~~الحيض حتى يقع الطهر /282/ البين. PageV02P012 # وقد اختلفوا في الصفرة والكدرة تتقدم الحيض، أو تجيء من غير أن يجيء دم؛ ~~فقال قوم: إنه حيض. ومنع آخرون. # وقد روي عن بعض أزاوج النبي ^ أنها قالت: "لم نكن نعد الصفرة والكدرة من ~~الحيض"، أي: لم نكن نعد ذلك حيضا، والله أعلم. # وقد روي في الحديث عن عائشة: أن امرأة سألت رسول الله ^ فقالت: "إني ~~امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟!"، فقال لها: «لا، ذلك دم عرق، ولكن ~~دعي الصلاة مقدار الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي». وهذا ~~الحديث حجة. # وقد اختلف الفقهاء لاختلاف الأخبار في ذلك، والذي قال من أصحابنا من هذا ~~القول: إنها تدع الصلاة بقدر أيام أقرائها. # واختلفوا في ذلك أيضا: # قال قوم: تترك أيام أقرائها الصلاة، ثم تغتسل وتصلي عشرا إذا مد بها الدم. # وقال آخرون: تغتسل وتصلي إلى أن يعود إليها مثل أيامها. # وقال قوم: تترك الصلاة عشرة أيام ms301 وتغتسل وتصلي خمسة عشر يوما. # ومنهم من قال: تترك الصلاة خمسة عشر يوما، وتغتسل وتصلي خمسة عشر يوما. # ومنهم من قال: تغتسل وتصلي عشرين يوما، وتترك الصلاة عشرا؛ لأن معهم أن ~~في كل شهر حيضة. # ومنهم من قال: تغتسل وتصلي إلى أن يفرج الله ما بها. PageV02P013 # والذي ذهب إلى أنها لا تدع الصلاة المفروضة بيقين على شبهة عرضت لها حتى ~~يفرج الله ما بها يقول: إن أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوما، ~~فإذا دام الدم بالمرأة إلى بعد هذا اغتسلت وصلت وكانت مستحاضة، لا تدع ~~الصلاة إلا أن تتيقن على دم الحيض بعد مدة أيام طهرها الذي قالوا به أنه ~~أكثر الطهر. وأخذ بقول من روى عن النبي ^ أنه قال: «إن دم الحيض دم أسود ~~أسس ثخين له رائحة ولون يعرف به، وإن دم المستحاضة دم أحمر رقيق». فعلى ~~المرأة معرفة دم الحيض من دم الاستحاضة وغيرهما، ولا تعذر بجهل معرفة ذلك ~~إذا جاءها. # فالذي قال: إنها لا تدع الصلاة أخذ بقول من روى أن امرأة استحيضت سبع ~~سنين [و]أنها شكت ذلك إلى النبي ^ فقال لها: «إنه دم عرق»، وأمرها أن تغتسل ~~وتصلي، ولم يأمرها بترك /283/ الصلاة وقتا وتصلي وقتا، وقال: «إنه دم عرق ~~واغتسلي وصلي». وروي «أنه أمرها بالغسل عند كل صلاة، فلما تطاول ذلك بها ~~أمرها أن تجمع الصلاتين بغسل واحد، وأمرها أن تغسل لصلاة الفجر غسلا ~~وتصليها بالتمام». # فأما من قال من أصحابنا وغيرهم: إن أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة ~~أيام، فإنهم يذهبون إلى أن عدد الأيام لا يقطع إلا ثلاثة أيام إلى عشر، ففي ~~هذا حجة. # وفي الحديث عن عائشة < أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي ^ فقالت: "يا ~~رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ قال: «لا، ذلك دم عرق، ~~فدعي الصلاة مقدار الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي». PageV02P014 # وفي الحديث أن حمنة بنت جحش سألت النبي ^ فقال لها: «اتركي الصلاة بقدر ~~أيامك التي كنت تحيضين فيها، ثم ms302 اغتسلي وصلي». وقيل: إنها شكت ما بها إلى ~~رسول الله ^ فقال لها: «سآمرك بأمرين أيهما فعلت أجزأ عنك من الثاني؛ ~~تحيضين ستة أيام أو سبعة أيام، وإذا رأيت أنك طهرت فاغتسلي وصلي ثلاثة ~~وعشرين يوما أو أربعا وعشرين ليلة، كذلك فاصنعي كل شهر كما النساء وكما ~~يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن، وإن شئت أخري الظهر وعجلي العصر، واغتسلي غسلا ~~واحدا، وأخري المغرب وعجلي العشاء، فاغتسلي لهما غسلا وصليهما جميعا، ~~وللصبح غسلا واحدا». # وإلى هذا ذهب الأكثر من أصحابنا ممن قال بالثلاث والعشر، وأمروها بعد ~~العشر بالغسل والصلاة. # فإن مد بها الدم اغتسلت لكل صلاتين غسلا وجمعتهما بالتمام، وتغتسل للفجر ~~غسلا إلى أن يرجع إليها وقت حيضها من الثلاث والعشر، أو وقت من قال: إن ~~أكثر ذلك عشرا. # ومن قال: إن أكثر الطهر عشرون أمروا بالصلاة في العشرين والاغتسال، فإن ~~مد بها الدم بعد ذلك تركت الصلاة، ولم يوقتوا للدم شيئا معروفا به، ولا ~~لونا يوصف به عند أكثرهم. # وفي قول بعضهم: إنه دم أسس له رائحة لا يكاد يخرج من الثوب، ألا ترى أنه ~~أمر المستحاضة بالغسل والصلاة إذا انقضى أجل الأيام التي كانت تحيض فيها، ~~هذا حكم من جعل له أياما معلومة. ومن لم يجعل له أياما معلومة فقد /284/ ~~اختلفوا في عدد ما تكون فيه مستحاضة في الأيام ثم تغتسل، وتكون حائضا على ~~حكم الحائض. PageV02P015 # وقال قوم: تغتسل وتصلي تمام العشر على حكم المستحاضة؛ لأن الله تعالى جعل ~~عند الإياس منهن للحيض عدة ثلاثة أشهر، فجعل مكان كل حيضة شهرا. # ويحتجون بقول النبي ^ لحمنة بنت جحش: «اصنعي في كل ذلك كما تصنع النساء ~~إذا طهرن»، وذلك على الأغلب من أحوال النساء، وذلك أن عندهم أن الحيض أقله ~~ثلاثة أيام بليالهن، وأكثره عشرة أيام بليالهن. ولأن الحيض مأخوذ من غالب ~~عادة النساء وغالب أحوالهن خمس وست وسبع وثمان وتسع وعشر أكثره عند الأكثر ~~من قولهم. # والحجة لهم ما روت حمنة بنت جحش حين قال لها: «تحيضين ستا وسبعا وعشرا من ~~كل ms303 شهر كما تحيض النساء»، فأبان مقدار حيضهن، فلن تجوز الزيادة عليها ولا ~~النقص، فهذه الحجة لمن ذهب أن الحيض من الثلاث إلى العشر، وعلى هذا خبر ~~فاطمة بنت أبي حبيش حين قال لها: «دعي الصلاة مقدار الأيام التي كنت تحيضين فيها». # ومن ذلك ما روي عن رسول الله ^ أنه قال: «إنهن ناقصات العقول والدين»، ~~فقيل يا رسول الله -صلى الله عليك-: "ما نقصان عقولهن ودينهن؟" قال: «إنهن ~~يجلسن الأيام لا يصلين ولا يصمن». أخبر عن جملة النساء، وأنهن لابد لهن من ~~ترك الصلاة، فهذه حجة لمن ذهب إلى العشر والثلاث. # فأما من ذهب إلى أن الحيض أكثر من العشر، والطهر إلى العشرين: أن الله ~~تعالى جعل في كل شهر حيضة وطهرا، وأن المستحاضة عليها الغسل والصلاة ~~بالتمام ما دامت في حال الاستحاضة، وأنها مباحة للزوجة، وإنما حرم الله ~~ورسوله وطء الحائض في حال حيضها. PageV02P016 # فأما المرأة التي لا تعرف أيام طهرها ولا حيضها فعدتها إلى أكثر ~~الاختلاف. وقال قوم: تعقد في الحيض كمقدار حيض أمها، وكل امرأة تحيض مثلها ~~عندهم، فإذا ظهر منها دم فهو حيض حتى تعلم أنه داء؛ لأن الله طبع النساء ~~على أن يحضن ولم يطبعهن على أن يستحضن، فهي على الابتداء على حكم الحائض ~~حتى تعلم أنه داء حدث بها. # وأما التي عودت تحيض: فبعض: ألزمها معرفة الحيض، وإن لم تعرف ذلك /285/ ~~أرته النساء المتعبدات بمعرفة الحيض. # فأما من قال بالوضوء دون الغسل للمستحاضة، وتأول الحديث في الوضوء: فقول ~~من قال بالغسل أحوط؛ لأن الغسل قد يأتي على الأمرين جميعا من الغسل ~~والوضوء، فهم قد أخذوا بالأمرين. # فأما من قال: إن الطهر أقله خمسة عشر يوما؛ حجته: أن الله قد جعل كل شهر ~~مكان حيضة وطهر، وبين رسول الله ^ أن الطهر ثلاثة وعشرون يوما، وأربع ~~وعشرون ليلة، فلا يجوز النقص إلا بحجة عندهم. # وعند بعضهم: إذا رأت المرأة الدم يوما والطهر يوما فهو حيض؛ لأن الحيض ~~كان أكثر من الطهر؛ لأن رسول الله ^ قال: «إذا أقبلت ms304 الحيضة فدعي الصلاة، ~~وإذا أدبرت فاغتسلي وصلي». فهذه لم يدبر حيضها إلا بتمام يوم الثالث، ولو ~~لم يكن كذلك لكان في كل ستة أيام مضت لها ثلاث حيض وثلاث طهر، فهذا من قول ~~أصحابنا وغيرهم في حكم الأكثر أنه حيض، وإذا استوى أيضا كان كله حيضا. # وقد نهى الله ورسوله عن الوطء في الحيض، وحرم ذلك رسوله وعظم ذنبه، ~~وتحريم ما حرمه رسول الله ^ واجب، والإجماع على أن ذلك حرام. # وقد وقع الاختلاف بينهم بعد إجماعهم أنه حرام في تحريم الزوجة على من وطئ ~~في الحيض متعمدا. والذي أباحها قد رخص ما حرم الله، والذي شك في ذلك ولم ~~يقطع أهون. PageV02P017 # وأما من رأى الفرقة لمن ركب ما حرمه الله فقد أخذنا به، وهو أوثق الأمرين ~~للزوجين على سبيل النظر لهما. # والحجة لهم أن الله حرم الزنا، وحرم الوطء في الدبر، فمن أتى ذلك من ~~امرأته حرمت عليه، وحرم الزنا، فإذا زنت امرأة رجل وعاين ذلك منها ورفع إلى ~~الحاكم فرق بينهما. وكذلك إذا وطئ في الحيض المحرم عليه فرق بينهما، ولا ~~فرق بين ما حرم الله ورسوله، وقد قال الله: {وحرم ذلك على المؤمنين}. # ألا ترى في القياس أن من قتل والده حرم الله عليه ميراثه بتعديه لتحريم ~~الله ذلك عليه؛ لأنه عجل فركب المحرم فحرم الميراث، وهذا قد نهي عن الوطء ~~في الحيض، فلما عجل ووطئ في الحيض حرمها على نفسه لنهي الله عن ذلك. أولا ~~ترى أن المرأة إذا زنت حرمت بالسنة، كذلك [الوطء في] المحيض. # مسألة: [في الدم الذي تراه الحامل والنفاس] # - وسأل عن المرأة ترى /286/ الدم وهي حامل، هل تدع الصلاة لذلك؟ وهل ذلك حيض؟ # قيل له: قد اختلف في ذلك، وقد قال الله تعالى: {يعلم ما تحمل كل أنثى وما ~~تغيض الأرحام وما تزداد}. وقال بعضهم: إن ذلك من غيض الأرحام وليس بحيض، ~~وأنه ما جعل الله حيضا مع حمل، وأوجبوا عليها في الدم الغسل للصلاة، لكل ~~صلاتين غسل وللفجر غسل. وقال آخرون: إنه ms305 دم حيض. # والذي يحتاط في قوله أوجب في ذلك أن تغتسل وتصلي وتصوم إذا طهرت، وتبدل ~~الصوم، وتمنع الزوج من الوطء لحال الاختلاف في ذلك. # وأما إذا رأت المرأة الدم عند الميلاد؛ فقال قوم: تدع الصلاة. وقال ~~آخرون: لا تدع الصلاة حتى تركز للميلاد. وقال آخرون: حتى ينفقئ الهادي. ~~وقال آخرون: حتى ترى الدم على رأس الولد. PageV02P018 # وقال بعضهم: حتى تلد ولا تترك الصلاة، وهذا تشديد، وألزموها أن تغتسل ~~وتصلي كما أمكن، إلا قول من قال: تترك الصلاة ولا غسل عليها ولا صلاة عليها ~~في الحال الذي قال: إنها تترك الصلاة فيما اختلفوا، والله لطيف بعباده، وقد ~~سمى الله ورسوله الدم من الحيض نفسا، والعرب تسمي الدم نفسا لما يعرف منها، ~~والقياس مثله. # وقد قال الأكثر: تترك الصلاة إذا رأت الدم على الولد؛ لأن ذلك وقت لا ~~يمكن فيه لها صلاة، والله أعلم. # وأما الوطء في وقت النفاس: فحرام ذلك، ومجرى ذلك مجرى الحيض، والمعنى ~~واحد في تركها الصلاة فيهما جميعا. # وإن طهرت قبل تمام أيام النفاس؛ فلا يقربها زوجها حتى تنقضي الأربعون ~~يوما، لما روي عن طلحة أنه تعرضت له امرأته في حال النفاس فقال: إنا نهينا ~~أن نقرب النساء إلا بعد أربعين يوما. وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «أقصى ~~وقت النفاس أربعين يوما». أو قال: «النفاس أربعون يوما» والمعنى واحد، ~~فأخذنا بالأكثر من ذلك مع النهي عن الوطء في الأربعين. # فأما أقل النفاس فلا مدة له، ومتى طهرت وجب عليها الغسل والصلاة، ولا ~~تعذر بترك ذلك. # ومن وطئ امرأته في الأربعين لم تحرم عليه حتى يطأ في الدم، وأما هو فآثم ~~في ركوبه النهي. فأما من وطئ متعمدا فحكمه حكم الحائض. # وأكثر النفاس أربعون /287/ يوما فيما قلنا. # وإذا دام بالنفساء الدم بعد الأربعين كانت بمنزلة المستحاضة تغتسل وتصلي، ~~فإذا انقطع قبل الأربعين ثم رجع إلى الأربعين فهي في حكم النفساء، وتغتسل ~~إذا طهرت. # وإن راجعها الدم: قال قوم: هي نفساء. وقال آخرون: حائض. # وإذا رجع الدم في ms306 أيام النفاس أو أيام الحيض وقد صامت: قال قوم: هي نفساء ~~وتبدل. وقال آخرون: إذا خلا عشر ثم جاءها الدم ثبت لها ما صامت، وتترك ~~الصلاة. # [الوطء في الدبر] PageV02P019 فأما الوطء في الدبر فذلك هو اللوطية، وقد ~~ذم الله قوم لوط على ذلك، وذلك قوله: {أتأتون الذكران من العالمين * وتذرون ~~ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون} أي: معتدون. {إنكم لتأتون ~~الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين}، وقال: {نسآؤكم حرث لكم فأتوا ~~حرثكم أنى شئتم}، وقال: {فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله} يعني: في ~~الفروج، {وابتغوا ما كتب الله لكم} من الولد، وإنما الولد يجيء من جماع ~~القبل وليس من الدبر، ولا هو مزرعة للولد. # وقال النبي ^: «إتيان النساء في الدبر هي اللوطية، وهي فعل قوم لوط». وقد ~~ذمهم الله وقال: إنهم لقوم عادون، وإن الله لا يحب المعتدين. # وقال: {والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ~~فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون}، وإنما عنى ~~السراري مما ملكت أيمانهم ليس من الرجال. # وقد حرم المحارم وحد الحدود، فقال: {ومن يتعد حدود الله فأولئك هم ~~الظالمون}، ثم قال: {فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي ~~القوم الكافرين}، وقد أحل الله الطيبات وهي الحلال، فقال في نبيه: {ويحل ~~لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبآئث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت ~~عليهم}، فمن ركب نهيه وأحل حرامه فقد ركب ذنبا عظيما. # [كتاب الصلاة] # |باب| مسألة: في الصلاة # - وسأل عن ابتداء الصلاة والقيام فيها واجب؟ PageV02P020 # قيل له: نعم، ذلك واجب؛ لقول الله تعالى: {وقوموا لله قانتين} يعني: ~~مطيعين. # والقيام في الصلاة واجب على من قدر القيام من المخاطبين والأصحاء، ولا ~~يسقط وجوب القيام بالصلاة إلا بالعجز عنه. # وقوله: /288/ {اتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن ~~الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر} يعني: مادام المصلي يصلي فهو منته عن ~~الفحشاء والمنكر، {ولذكر الله أكبر}، ms307 يقول: إذا ذكرت ربك في الصلاة فذكره ~~لك أكبر من ذكرك إياه في الصلاة. وقد قيل: "المصلي كأنه قائم على باب الجنة ~~يستفتح ويناديه مناد: لو تدري من تناجي ما انقلبت". # - وسأل عن الخشوع في الصلاة؟ # قيل له: هو التواضع لله في الصلاة. # ولا يلتفت المصلي في الصلاة عن يمينه وشماله من الخشوع لله، وقد أثنى ~~الله على الخاشعين في الصلاة فقال: {والخاشعين والخاشعات}، وقال: {الذين هم ~~في صلاتهم خاشعون}، يعني: متواضعين لله ولا يلتفتون من الخشوع في شيء، وهذا ~~واجب على العبد أن يخشع في الصلاة. # مسألة: [في أول صلاة فرضت] # - وسأل عن أول صلاة فرضت؟ # قيل له: هي الصلاة الأولى؛ صلاة الظهر ثم العصر ثم المغرب ثم العشاء ثم ~~الفجر، وكذلك قال الله: {أقم الصلاة لدلوك الشمس} يعني: زوال الشمس؛ وهي ~~صلاة الظهر ثم العصر، {إلى غسق الليل} يعني: ظلمة الليل؛ وهي صلاة المغرب ~~والعشاء، ثم قال: {وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا} يعني: صلاة ~~الفجر. قيل: يشهدها ملائكة الليل وملائكة النهار. # وقال: {وأقم الصلاة طرفي النهار} وهي الصلاة الأولى والعصر والفجر، ~~{وزلفا من الليل} يعني: صلاة المغرب والعشاء، فهذه مواضع الخمس الصلوات. PageV02P021 # وقد اتفق الناس على أن الله فرض على نبيه وأمته خمس صلوات، وبين فرضها في ~~القرآن، فقال: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة}، وقال: {و المقيمين الصلاة ~~والمؤتون الزكاة}، وقال: {ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة}، وقال: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة}، وغير هذا في القرآن في غير موضع، أنزل فرض الصلاة ~~والزكاة وقرنهما في غير موضع، وفسر ذلك رسول الله ^ لأمته؛ لأنه هو المبين ~~عن الله لأمته، وهو المكلف بالبيان، ولولا تبيينه لما عرف كيفية تلك ~~الجملة، وإنما أخذت اقتداء بالرسول ^، فبين ^ الصلوات الخمس وأوقاتها وعدد ~~ركوعها وسجودها من تحريمها إلى تحليلها، /289/ وما يقال ويقرأ فيها، وبين ~~مواضعها، وبين ما يقرأ في الصلاة وبين مواضعها، وبين صلاة السفر من صلاة ~~الحضر، وصلاة الحرب، ms308 وصلاة المريض، والجمعة، وصلاة الجماعة والمنفرد، وبين ~~الفرض منها والسنة. # وبين السنن: من صلاة الوتر ثلاث ركعات بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة ~~الفجر، وركعتين بعد صلاة الظهر، وركعتين بعد المغرب، وصلاة التهجد، وركوع ~~الضحى، وصلاة العيدين والجنازة، وبين ذلك كله وعمل به، وأخذت الأمة ذلك ~~عنه، ولم يترك أمته في عمى ^. PageV02P022 # وعن ابن عباس: «أن أول صلاة فرضت صلاة الظهر، وأن جبرائيل جاء إلى النبي ~~^ بمكة حين زالت الشمس، فصلى به الصلاة الأولى، والنبي ^ خلف جبرائيل، ~~والمسلمون خلف النبي ^، ثم جاءه حين ذهب وقت الظهر فصلى به العصر، ووقتها ~~منذ يصير ظل كل شيء مثله بعد الزوال إلى أن يغيب قرن من الشمس، ثم جاءه حين ~~غربت الشمس فصلى به المغرب، ثم جاءه حين غاب الشفق فصلى به العتمة، ووقتها ~~إلى ثلث الليل أو إلى نصفه، ثم جاءه حين انفجر الصبح فصلى به صلاة الفجر، ~~ووقتها مذ يطلع الفجر إلى أن يطلع قرن من الشمس». # فأما صلاة الوتر فقيل عن النبي ^ أنه قال: «ختم الله لكم بصلاة سادسة هي ~~خير لكم من حمر النعم». وقيل: هي صلاة الوتر، وهي على ما قيل: من صلاة ~~العشاء إلى طلوع الفجر. # وقد بينا فرض الصلاة، والتارك لهن كافر حتى يتوب، والكفارة تلزمه، إلا ما ~~قيل بالاختلاف في كفارة صلاة الوتر. # مسألة [في شروط الصلاة] # - وسأل عما لا تقوم الصلاة إلا به من شروطها التي هي فرض فيها، ولا تصلح ~~إلا بها، فإن لم يؤت بها فيها لم تكمل؟ # قيل له: هو العلم بوقت الصلاة، والطهارة لها، ولبس الثياب الطاهرة، ~~والصلاة على البقعة الطاهرة، والانتصاب لفعل الصلاة، والنية لها، واستقبال ~~القبلة، فهذا الذي لا تقوم الصلاة إلا به، وسوف نبين كل شيء منه في موضعه، ~~والحجة لنا فيه من الكتاب والسنة إن شاء الله. # مسألة: [في فرائض الصلاة وحدودها وسننها] # - وسأل عن فرائض الصلاة وحدودها وسننها من تحريمها إلى تحليلها، وغير ذلك ~~منها؟ /290/ # قيل له: فرض الصلاة تكبيرة الإحرام، والقراءة فيها حال القيام، والركوع ms309 ~~والسجود والقعود. هذا فرض الصلاة الذي فيها، الذي من ترك شيئا من هذه ~~الفرائض على العمد والنسيان حتى يجاوزها إلى حد ثالث فسدت صلاته واستأنفها عندنا. PageV02P023 # فأما ما كان يقال به في هذه الحدود فهو سنة، فمن ترك ذلك متعمدا فسدت ~~صلاته، ومن نسي فلا فساد عليه حتى ينسى الأكثر من ذلك، ثم تفسد صلاته إذا ~~لم يرجع، ومن ذكره بعد أن نسيه قاله في الصلاة حيث ذكره. # وأما ما وقع فيه الاختلاف في الفرض: # فقال قوم: قراءة الحمد حد، والسورة حد. # وقال آخرون: الحمد والسورة حد واحد، والسجود حد واحد. # وقال قوم: السجدتان حدان، والقعود بينهما حد. وقال آخرون: حد واحد. # والتحيات: قال قوم: فرض. وقال آخرون: سنة. # والصلاة على النبي ^ في الصلاة: قال قوم: فرض. وقال آخرون: سنة. # والاستعاذة: منهم من قال: سنة. ومنهم من قال: فرض. وأكثر القول أنها سنة. # والتوجيه: قال قوم: فرض. وقال آخرون: سنة. # فهذا ما فيه الاختلاف مما يؤتى به في الصلاة ويقال فيها، وسوف نبين كل ~~شيء من ذلك في موضعه، ونبينه في حده بحجة إن شاء الله تعالى. # 41- باب: # مسألة: في القبلة والسترة # - وسأل عن استقبال القبلة وما نسخ من قبلة بيت المقدس؟ # قيل له: قد بلغنا أن النبي ^ صلى لما هاجر إلى المدينة نحو بيت المقدس ~~سبعة عشر شهرا سنة الإقران، فخرج ناس من قوم رسول الله ^ في سفر، فحضرت ~~الصلاة في يوم غيم، فتحيروا عن القبلة عند حضور الصلاة وذلك يوم غيم، فمنهم ~~من صلى قبل المشرق، ومنهم من صلى قبل المغرب، ثم استبان لهم القبلة، فسألوا ~~النبي ^ فنزلت فيهم: {ولله المشرق و المغرب فأينما تولوا فثم وجه الله} ~~يعني: أينما تولوا وجوهكم في الصلاة فثم وجه الله {إن الله واسع عليم}. PageV02P024 # وقال النبي ^ لجبرائيل #: «وددت لو أن ربي صرفني عن قبلة اليهود» فقال له ~~جبرائيل: «إنما أنا عبد مثلك فاسأل ربك»، فصعد جبرائيل إلى السماء، فجعل ~~النبي ^ /291/ يديم نظره إلى السماء رجاء أن يأتيه جبرائيل بما سأل، فأتاه ms310 ~~بما سأل، فصارت قبلة بيت المقدس منسوخة، فنسختها هذه الآية، وقال الله ~~تعالى: {قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر ~~المسجد الحرام} يعني: فول وجهك في الصلاة تلقاء المسجد الحرام، {وحيث ما ~~كنتم فولوا وجوهكم} في الصلاة {شطره} تلقاءه، فصارت قبلة بيت المقدس منسوخة ~~نسختها هذه الآية فعيرهم اليهود بذلك، وقالوا: {ما ولاهم عن قبلتهم التي ~~كانوا عليها}؟ فأنزل الله: {قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط ~~مستقيم}، وقال: {إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين} ~~يعني: أول مسجد وضع للمسلمين {للذي ببكة}، وإنما سماه بكة؛ لأن الناس يبك ~~بعضهم بعضا في الطواف، وبكة ما بين الجبلين، ومكة والحرم كل ذلك بكة. # ثم قال: {مباركا} فيه البركة والمغفرة من الذنوب لمن تاب، ولمن حجه ~~واعتمره وصلى فيه {هدى للعالمين}، ثم قال: {فيه آيات بينات مقام إبراهيم ~~ومن دخله كان آمنا}. # وقال: {واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى}، يقول: صلوا خلفه، والإمام يقوم ~~خلف مقام إبراهيم مستقبلا القبلة والناس خلفه. PageV02P025 # وعن النبي ^ قال: «صلاة في مسجدي هذا -يعني: بالمدينة- أفضل من ألف صلاة ~~فيما سواه من المساجد، إلا ما فضل الله به المسجد الحرام». # وقد قال الله تعالى: {قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد} ~~يعني: في الصلاة نحو الكعبة، {عند كل مسجد} يعني: عند كل مسجد وبيعة وكنيسة ~~وغيرها، فصلوا قبل الكعبة فيها، {وادعوه مخلصين له الدين}، فأمرهم بالصلاة ~~والسنة. # وقيل: الكعبة قبلة لأهل المسجد، و المسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم كله ~~قبلة لأهل الأرض. # وقيل: إذا صليت فاجعل سترة بين يديك إن استطعت، وإذا لم تجد فخط خطا بين ~~يديك، ثم لا يضرك ما مر أمامك. # وقيل: إن آية القبلة نزلت والنبي ^ يصلي بالمسلمين، واستداروا على ~~هيئتهم، وبنوا على صلاتهم. فكذلك كل من صلى إلى غير القبلة ثم استبانت له ~~وقد صلى /292/ بعض صلاته فليتحول إلى القبلة وليبن على صلاته. # وكل من لم يعرف القبلة تحراها ونواها وصلى، وقد ms311 تمت صلاته. # ويستدل على القبلة بالشمس والقمر والنجوم في مغاربها، فمن تحرى القبلة ~~جعلها بين عينيه، وصلى بالتحري إليها وصلاته جائزة. # والقبلة (الكعبة، البيت الحرام) فرض في الصلاة، فإن لم يستقبلها فصلاته ~~غير تامة. # ويؤمر أن يستقبل الكعبة عند كل معروف، بمثل الذبيحة، وحلق الرأس عند ~~العمرة والحج، وبما استطاع إليه السبيل مما هو نفل. ولا يستقبلها ببول ولا ~~غائط؛ لما روي عن النبي ^ «أنه نهى أن تستقبل القبلة ببول أو غائط». PageV02P026 # وقد روي «أنه من صلى إلى سترة فليدن منها؛ لا يمر الشيطان بينه وبينها»، ~~وقال: «لا يضره ما مر أمامه»، وقيل: «إنه غرز غريزة وصلى إليها»، وقد روي ~~عنه ^ «جعل طلحة قبلته وصلى إليها -وكان مدبرا-»، والإنسان إذا كان مدبرا ~~كان سترة، وإذا كان مقبلا نقض؛ لأنه صورة. ومن ذلك قالوا: إن السترة تكون ~~كمؤخرة الرحل. # فالسترة تجزئ ما كانت من خشبة أو عود أو جدار أو حظار، وما جعله المصلي ~~قبلته ونوى به أنه سترة له وصلى إليه فقد أجزأ. وقد قيل: إن السترة تكون في ~~الأرض ثلاثة أشبار، والله أعلم، وبه التوفيق. # 42- باب: # مسألة: في البقعة الطاهرة # - وسأل عن الصلاة على البقعة الطاهرة، أو ما كان من الأرض وما أنبتت؟ # قيل له: الصلاة جائزة في كل بقعة من البقاع طاهرة، وما أنبتت الأرض إذا ~~كان طاهرا فحكمه حكم الأرض، قال النبي ^: «جعلت لي الأرض مسجدا وترابها ~~طهورا»، فالأرض مسجد للمصلي، والصلاة له جائزة عليها، وعلى ما أنبتت الأرض ~~به، وعلى ما يتمكن عليه المصلي، بلا خلاف في ذلك بين أحد. # وقد اختلفوا في الصلاة على غير الأرض وما أنبتت؛ فقال أصحابنا: لا يصلى ~~إلا على الأرض وما أنبتت كما جاءت السنة. # فأما الجبال فالصلاة عليها جائزة. وكذلك الحصى في المساجد. # وقد اختلفوا في الصلاة على الصفا: أجاز ذلك قوم. ولم يجزه آخرون. وقال ~~قوم: الصفا الثابت /293/ جائز أن يصلى عليه. وقال بعضهم: إن كان متصلا جاز، ~~وإن كان منقطعا لم يجز أن يصلى عليه، ومن لم ms312 يجز ذلك قال: إنما تجوز الصلاة ~~على الأرض وما أنبتت حكمه حكمها بسنة النبي ^. # واختلفوا في الجص. PageV02P027 # ولا تجوز الصلاة على الرماد والهك، ولا الحرير، ولا الإبريسم والجلد ~~والصوف والشعر والملح والطين والوحل والماء والحديد والشبه والرصاص ~~والنحاس، ولا الصفر والذهب والفضة، ولا على شيء من غير الأرض وما أنبتت؛ ~~لقوله ^: «جعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا»، وقال: «حيث ما أدركتك ~~الصلاة فصل»، إلا في المواضع التي لا تجوز الصلاة فيها من النجاسة، مثل: ~~الكنيف والأرواث ومعاطن الإبل والكنائس، والحمام والمجزرة والمزبلة، قال ~~النبي ^: «لا يصلى في المنحرة، ولا المقبرة، ولا المزبلة، ولا المجزرة، ولا ~~الحمام، ولا معاطن الإبل، ولا قارعة الطريق». # وأجاز بعض: مرابض الغنم، ونهى عن الصلاة في معاطن الإبل، فدل أن الصلاة ~~لا تجوز في غير المواضع الطاهرة. # ويدلك أن فرض الصلاة لا يؤدى ولا يجوز إلا على بقعة طاهرة وقرار طاهر، ~~وقد أمر الله بالذكر في البيوت والصلاة، وذلك قوله: {في بيوت أذن الله أن ~~ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال}، يعني: يصلى فيها ~~بالغدو والعشي، فأمر برفعها وعمارتها. # ثم نعت من يفعل ذلك، فقال: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ~~وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة} عن الصلاة المفروضة، ولا تلهيهم تجارة عن ~~إيتاء الزكاة لوقتها. PageV02P028 # والمساجد هي بيوت الله في أرضه، وزوارها هم زواره، وقال النبي ^ للأعرابي ~~حين بال في المسجد: «إنما جعلت هذه المساجد لذكر الله والصلاة»، والمساجد ~~إنما هي الأرض الطاهرة، ألا ترى أنه «أمر ^ أن يصب على بول الأعرابي ذنوب ~~من ماء»، فهذا يدلك على أن النجس لا تجوز فيه الصلاة إلا المضطر إلى ذلك. # وعند أصحابنا: أن الصلاة لا تجوز على الكعبة؛ لأنها كلها قبلة، فإن صلى ~~عليها استقبل شيئا منها وأدبر بشيء. وقد أجاز من أجاز له ذلك؛ /294/ لأن ~~المستقبل منها قبلة. # فأما التطوع في الكعبة جائز، وقد قيل: «إن النبي ^ صلى في الكعبة»، وقيل: ~~"إن المساجد والذكر فيها في الأرض بمنزلة الكواكب في السماء، ms313 وطوبى ~~للمؤمنين". قال الله: {الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ~~ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين ~~تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم}. # وقد سئلت عائشة عن صلاة رسول الله ^ فقالت: "كان يصلي ليلا طويلا قائما، ~~وليلا طويلا قاعدا"، وذلك أنه فرض عليه قيام الليل، وهو لأمته تطوع. # 43- باب: # مسألة: في لبس الثياب الطاهرة # - وسأل عن لبس الثياب الطاهرة عند المساجد في الصلاة؟ PageV02P029 # قيل له: لبس الثياب الطاهرة واجب، ذلك عند الصلاة في المساجد وغير ~~المساجد عند كل صلاة. وقد قال الله لنبيه ^: {يا أيها المدثر * قم فأنذر * ~~وربك فكبر * وثيابك فطهر} يعني: طهر ثيابك. فلا تجوز في الصلاة لبس غير ~~الثياب الطاهرة من الأنجاس، وقد قال الله تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم ~~عند كل مسجد} في الصلاة وغيرها، يعني: البسوا ثيابكم عند كل مسجد. والزينة ~~لا تكون مستقذرة. # وأمر بتطهير الثياب ولبسها عند كل مسجد في الصلاة وغيرها. وقد روي عن ~~النبي ^ أنه قال: «يجزئ الثوب الواحد إذا لم يكن غيره»، وقد قيل: جائز أن ~~يصلي المصلي بثوب واحد وقد خالف بين طرفيه، والثياب على المشجب، وقد روي عن ~~النبي ^ أنه قال: «لا يصلي أحدكم بالثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء»، ~~وقد قيل: «إنه صلى بأصحابه وعليه شملة صوف وقد خالف بين طرفيها». وقد قيل: ~~«إنه صلى بجبة ليس عليه غيرها». # ومن صلى بثوب فليشتمل به ويخالف بين طرفيه على عاتقه، فإن لم يبلغه ~~فليوصله ولو بحبل، وإن لم يمكن اتزر به. وإن صلى بثوبين إزار ورداء فأفضل. ~~ويكره أن يشتمل بثوبين إلا من خوف برد أو حر. # ويصلي بما شاء من الثياب الطاهرة من أي لباس كانت، إلا ثياب الحرير ~~والإبريسم، /295/ فلا يجوز للرجال ذلك إلا في حال الحرب. # وجائز الحرير للنساء؛ لقول النبي ^ في الحرير: «هو محرم على رجال أمتي ~~محلل لنسائهم»، وكذلك «من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة». فعلى هذا لا ~~يجوز للرجل أن ms314 يصلي بثوب محرم عليه لباسه، ولا يصلي بثوب نجس حتى يغسله، ~~وإن لم يمكنه إلا نجس صلى به من الضرورة. PageV02P030 # ولا يصلي المصلي وهو عريان، إلا أن لا يجد. # وكذلك لا يصلي بثوب الحرير، وهو أولى من الثوب النجس. # والشعر والجلد والصوف يصلى به، ولا يصلى عليه. # ولا يصلى بثياب المشركين، ولا بما عملوا قبل أن يطهر. # ولا بأس أن يصلي بما عمله المسلمون من الثياب قبل أن تطهر حتى يعلم ~~نجاسته. # فأما المجوس فلا يصلى بالثياب من عندهم على كل حال حتى تطهر. # وإن كان ثوب نجس وكانت معه عمامة تستره فليصل بالعمامة، وإن لم تكن تستره ~~فليصل بالثوب النجس إذا لم يجد الماء لغسله. وإن كانت العمامة تستر الظهر ~~والصدر إلى الركبتين صلى بالعمامة ولا يكون كالحبل. # واختلفوا في الرجل يصلي بثوب المرأة، وقد روي عن عائشة أنها قالت: «صلى ~~رسول الله ^ و[إن] عليه طائفة من ثوبي وأنا حائض». فدل على أنه قد صلى بما ~~قد صلى فيه من ثوبها وهو طاهر. فعلى هذا جائز الصلاة بثوب المرأة إذا كان طاهرا. # فأما قولهم: «إنه نهى عن الصلاة بشعار المرأة» فالله أعلم بذلك. # فأما من احتج أنها لا تستبرئ كالرجل فإنها متعبدة مثل الرجل في الطهارة، ~~وشعارها طاهر حتى يعلم به نجاسة، وكل طاهر أصله فهو على طهارته، وذلك من ~~المرأة طاهر حتى يعلم به نجاسة ثم يجتنب حينئذ. # وثياب الصبيان طاهرة حتى يعلم بها نجاسة، وكل طاهر أصله فهو على طهارته ~~حتى يعلم فساده، والله أعلم. # 44 - باب: # مسألة: في النية # - وسأل عن النية في الصلاة، متى تكون؟ وكيف تكون؟ # قيل له: ينوي أداء الفرض عند فعل الصلاة والذكر لها، والإرادة لفعلها، ~~والقصد لذلك قال الله تعالى: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا ~~يشرك بعبادة ربه أحدا} /296/ولا يخلط في عمله الذي يعمل به لله رياء أحد من خلقه. PageV02P031 # وقال النبي ^: «الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى»، وقال: «نية المؤمن ~~خير من عمله»، -أو قال- «المرء». ms315 ومعناه: أن عملا بنية خير من عمل بلا نية. # وقيل: "من عمل وأهمل كان بمنزلة من لم يعمل"، فلا تذهبون أعمالكم فيما ~~بينكم بلا نية هباء. وقال: بل زكوا فيها نياتكم وأحكموها بقلوبكم بالإخلاص ~~لله منكم النية بما يرضيه، واتقوا الله بحقه الواجب عليكم، الذي أقررتم ~~بالسمع والطاعة منكم، وأدوا لله ما افترض عليكم تطوعا منكم، ولتحضرنكم ~~نياتكم باتقاء عذاب الله، والتعظيم لسخطه في تضييع حقه، فإذا أراد العبد ~~الصلاة أخلص لها نية، وقصد إلى فعل ذلك بجوارحه، واستقبل القبلة بوجهه ~~المأمور به إليها في الصلاة. # فإن كان معاينا للكعبة وجب عليه استقبالها في جميع الصلوات، ومن لم يكن ~~لها معاينا اجتهد في طلب جهتها واستقبلها، ولا يعذر بغير ذلك، وإن لم يكن ~~عنده من يسأله صلى إلى الجهة التي عنده أنها جهة الكعبة في غالب رأيه. # فأما الخائف الممنوع فإنه يصلي حيثما توجهت به دابته، قال الله تعالى: ~~{فأينما تولوا فثم وجه الله}. # كذلك الممنوع من الصلاة يصلي كما أمكنه ولو بالإيماء. وقد قيل: الممنوع ~~يصلي على دابته حيثما توجهت به. # والمسافر يصلي على دابته التطوع حيثما توجهت. # وقد اختلفوا في الإحرام: وأحب قول من قال: يحرم إلى القبلة ثم يصلي حيث ~~سارت به دابته. وإن كان في سفينة فإنه إذا أحرم إلى القبلة لم يضره حيث ~~توجهت به السفينة ودارت به في البحر عن القبلة، إذا اعتقد النية إلى القبلة ~~وأحرم إليها. # و[أما] التطوع: فحيثما توجهت به السفينة صلى فلا بأس بذلك. PageV02P032 # وقد قالوا أيضا في صلاة البحر في الفريضة: أنه إذا نوى القبلة واستقبلها ~~صلى إليها، ثم دار المركب عن القبلة أتم صلاته على ما هو عليه من جهته ولم يتحول. # وكذلك المطلوب بدمه الخائف على نفسه، الذي يصلي على دابته خمس تكبيرات، ~~يصلي حيث توجهت به راحلته، /297/ وكيف استقبل وجهه. # وصلاة الطعان والضراب في الحرب خمس تكبيرات، يصلي حيث كان وجهه فثم وجه ~~الله، وقد قال الله تعالى: {فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا أمنتم فاذكروا ms316 ~~الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون}. وقال: {فأينما تولوا فثم وجه الله}. # فهذا إنما هو لمن وصفنا، فأما المطمئن والمسافر والآمن والحاضر لا يعذرون ~~بترك استقبال القبلة والنية لذلك والاستدلال على ذلك، والنية للعمل في أداء ~~المفترض من الصلوات الخمس، وبالله التوفيق. # [في قبول خبر الثقة] # وقد اختلفوا في خبر الواحد الثقة؛ فقال قوم: إنه حجة. وقال قوم: حجة عليك ~~وليس بحجة لك، وأنا أحب قول من قال بقبول خبر العدل في كل شيء مما يجوز فيه الخبر. # 45 - باب: # مسألة: في الأذان # - وسأل عن الأذان والإقامة، أهما واجبان أو يستحبان؟ # قيل له: قد اختلف في ذلك، والذي عليه أصحابنا أن الأذان سنة على الكفاية، ~~إذا قام به البعض سقط عمن لم يقم به. PageV02P033 # فأما الإقامة فهي على كل مصل أن يقيم إذا صلى منفردا، وهي سنة، وعلى ~~الكفاية في صلاة الجماعة. ألا ترى أن صلاة الإمام إذا صلى بالناس وأقام ~~أجزأ من صلى خلفه عن الإقامة، ولا يجزئ من أتى من بعده، و المؤذن يجزئ ~~أذانه من أتى من بعده، قال الله تعالى: {وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها ~~هزوا ولعبا}، وقال:{يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة ~~فاسعوا إلى ذكر الله}. قال قوم: هو استماع الخطبة. وقال آخرون: السعي هو ~~العمل. وقال آخرون: السعي هو الذهاب إلى الصلاة. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال لرجلين: «أذنا وأقيما وليؤمكما أفضلكما» أو ~~قال: «أسنكما». # وقد روي أن عبد الله بن زيد الأنصاري رأى في المنام أن رجلا عليه ثوبان ~~أخضران، قام على حائط المسجد، وقال: "الله أكبر الله أكبر" مرتين، "أشهد أن ~~لا إله إلا الله" مرتين، "أشهد أن محمدا رسول الله" مرتين، ثم قال: "حي على ~~الصلاة" مرتين، ثم قال: "حي على الفلاح" مرتين، "الله أكبر الله أكبر"، "لا ~~إله إلا الله" مرة واحدة. # وقد روي أنه قعد هنيهة ثم قال مثل ذلك، وزاد فيه: "قد قامت الصلاة" ~~مرتين،/298/ فأخبر النبي ^، فقال له النبي #: «رأيت خيرا، ms317 علمه بلالا»، ~~فعلمه بلالا، فأذن به بعد ذلك. # وقد قيل: لا يقيم الصلاة غير الذين أذن، إلا من عذر، ويؤمر أن لا يتكلم ~~في الأذان والإقامة. # وقول الله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة} نص على النداء ليعلم ~~أنه من شعائر الصلاة، والله أعلم. # وقد روي: "أن بلالا كان يؤذن مستقبلا القبلة، حتى إذا بلغ الصلاة والفلاح ~~ألوى عنقه"، وذلك أنه أبلغ في الإعلام. PageV02P034 # والأذان تكبير فيه أربع مرات كل مرتين في صوت واحد، ثم يشهد أن لا إله ~~إلا الله مرتين، كل مرة في صوت واحد، ثم يشهد أن محمدا رسول الله مرتين، كل ~~مرة في صوت واحد، ثم يقول: حي على الصلاة مرتين، كل مرة في صوت واحد، ثم ~~يقول: حي على الفلاح مرتين، كل مرة في صوت واحد، ثم يقول: الله أكبر الله ~~أكبر في صوت واحد، بعد ذلك التكبير مثنى مثنى، كل كلمتين في صوت، ثم يقول: ~~لا إله إلا الله، في صوت، هكذا روي. # وعن أبي محذورة قال: "أمرنا بالترجيع". وروي في بعض الأخبار: «ثم ارجع ~~فامدد من صوتك». # فأما الإقامة فهي كالأذان لا زيادة ولا نقصان، غير: «قد قامت الصلاة» ~~مرتين، وقد روي عن أبي محذورة عن النبي ^ أنه قال: «علمه الإقامة سبع عشرة كلمة». # وقد روي أن بلالا كان يؤذن مثنى مثنى، وإقامته مثنى مثنى، وكذلك بعد رسول ~~الله ^، فلم يكن ليختار بعد رسول الله ^ ما لم يكن مختارا، ولا عهدا منه ~~معهودا. # وقد قيل: إن المؤذن يجعل إصبعه في أذنه، لما روي عن النبي ^ أنه قال: ~~«كذلك إبداء الصوت». ولا يؤذن المؤذن إلا وهو طاهر، ولا يجوز أن يؤذن ~~المؤذن جنبا، وقد قيل: جائز إذا أذن غير جنب، ويؤمر ألا يؤذن إلا طاهرا، ~~ولا يتكلم في أذانه؛ لأنه اشتغال بغيره، والله أعلم. # ويكره دخول الجنب المسجد وقراءة القرآن، وقد اختلفوا في الأذان لصلاة إذا ~~فات وقتها، فإن أذن لها وصلى فلا بأس، وذلك لمن نسيها أو نام عنها، لما روي ~~عن ms318 النبي ^: «حين ناموا /299/ عن صلاة الفجر في مسيرهم حتى شرقت الشمس أنه ~~أمر بلالا أذن وأقام، وصلى بهم رسول الله ^ جماعة»، فإن صح ذلك فقد وافق ما قلنا. PageV02P035 # والمرأة لا تؤذن و[لا] تؤمر بالإقامة. وقال قوم: تقيم إلى أن: "أشهد أن ~~محمدا رسول الله". وقد قلنا: إنها لا تؤذن؛ لأن رسول الله ^ إنما جعل لها ~~التصفيق، ولم يجز لها التسبيح لئلا يسمع صوتها. # والمنفرد يؤذن ويقيم، والمسافر والمقيم في ذلك سواء، غير أن المسافر ~~استرحال من المقيم. # [والمقيم إن] كان في بيته واختص على أذان الحي وأذان الإمام في المسجد ~~أجزأه، وأما الإقامة فلا تجزئه، ولا يصلي إلا بإقامة، إلا لمن يصلي بصلاة ~~الإمام فإنه إذا حضر اجتزأ بإقامته، قال الله تعالى: {إذا نودي للصلاة من ~~يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله}. # والتثويب جائز في الفجر، ويكره في العشاء، لما روى بلال عن النبي ^ أنه ~~قال: «أجاز لي رسول الله ^ التثويب في الفجر، ونهاني عن التثويب في ~~العشاء». # وروي عن النبي ^ أنه قال: «إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان، وإذا سكت أقبل»، ~~ولا يؤذن المؤذن لشيء من الصلاة قبل وقتها. # وقد روي عن النبي ^ أنه سئل عن وقت صلاة الفجر فسكت حتى انفجر الصبح ثم ~~أمر بلالا أن يؤذن، وإن بلالا أذن بليل، وأمره أن يعيد. # وروي عنه ^ أنه قال: «بلال يؤذن بليل ليوقظ نائمكم ويرد غائبكم، فإذا ~~سمعتم أذان ابن أم مكتوم فصلوا». # وقد روي عن عائشة أنها قالت: «لم يكن بينهما إلا مقدرا ما ينحدر هذا، ~~ويصعد هذا». # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «إذا صليت المغرب فالصلاة متقبلة مشهودة»، ~~يدل على أن الصلاة إذا كانت قبل صلاة المغرب غير مشهودة. PageV02P036 # ويستحب إذا قال المقيم: "حي على الصلاة"، أن يقول: "لا حول ولا قوة إلا ~~بالله". وإذا قال: "حي على الفلاح"، يقول: "ما شاء الله كان". # ولا ينبغي للمؤذن أن يأخذ على أذانه أجرة، وقد روي عن النبي ^ /300/أمر ~~بعض عماله وأصحابه ألا يأخذ على أذانه أجرا، والله أعلم. ms319 # ويستحب أن يكون بين الأذان والإقامة قعدة. وقيل: «إن المؤذنين أطول ~~أعناقا يوم القيامة»، والله أعلم ||وأحكم||، وبه التوفيق للحق والصواب. # [مسألة: الإقامة] # - وسأل عن الإقامة؟ فقد قلنا فيما تقدم مع الأذان ما فيه كفاية. وقد قيل: ~~"||إن|| الإقامة مثنى مثنى" وتحرم. # الإقامة هي سبع عشرة كلمة؛ أولها أربع تكبيرات، كل تكبيرتين في صوت واحد. ~~وقد قيل: إن إفراد الإقامة حدث من معاوية. # وليس للمقيم أن يترك شيئا من الإقامة، وإن نسي من الإقامة وصلى فصلاته ~~تامة، وإن ذكر ما نسي قبل أن يصلي أعاد ما نسيه وحده. # وأحب أن لا يتكلم في الإقامة، وإن تكلم فلا نقض عليه، وإن أعاد إذا تكلم ~~كان أحوط، وإن جاء والقوم قد صلوا أقام لنفسه، وإن دخل في صلاة القوم اجتزأ ~~بإقامتهم. # وقد اختلفوا فيمن ترك الإقامة متعمدا: قال قوم: لا نقض عليه. وقال آخرون: ~~يعيد تلك الصلاة. # والذي ينسى الإقامة كلها حتى صلى وأحرم، فبعض لم يلزمه الإعادة، فلا نقض ~~لصلاته. ويكره الكلام بعد الإقامة إلا بذكر الله، وإن تكلم فلا بأس. # ومن أقيمت الصلاة وهو قائم، يستحب أن يكون قائما حتى يدخل في الصلاة، ~~ويستقبل القبلة عند الإقامة، وإن أدبر فلا ينبغي له، ولا يؤمر بذلك، ولا ~~نقض عليه إن فعل غير ذلك. # وإن قال المقيم: "حي على الصلاة" فأحب أن يقوم القوم، وإذا قال: "قد قامت ~~الصلاة" وهم في حال القيام إذا كان الإمام حاضرا. وقد روي أن بلالا كان ~~يشترط على النبي ^ أن لا يحرم حتى يتم هو الإقامة، والله أعلم. # 46 - باب: # مسألة: في التوجيه PageV02P037 - وسأل عن توجيه الصلاة كيف هو؟ وما معنى ~~الاختلاف؛ أهو فرض أم سنة؟ # قيل له: إن التوجيه هو أول الدخول في الصلاة بعد الإقامة. وقد قال قوم: ~~إنه فرض. وقال قوم: سنة. # وقد اختلفوا فيها -أيضا-؛ فقال قوم: هي بعد الإحرام. وقال آخرون: قبله، ~~وقد عملوا بهذا. وقد بلغنا عن رسول الله ^ أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: ~~«سبحانك اللهم وبحمدك تبارك ms320 اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك». /301/ # فالذي عليه العمل اليوم عند أهل عمان أن التوجيه معهم سنة قبل الإحرام، ~~هو أن يقول إذا قام إلى الصلاة: "سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى ~~جدك ولا إله غيرك، وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من ~~المشركين". # وذكروا أن التوجيه من: «وجهت وجهي...» إلى آخره توجيه إبراهيم، ومن ~~«سبحانك اللهم» إلى «ولا إله غيرك» توجيه غيره. ولا نقض على من ترك توجيه ~~إبراهيم، والمأمور أن يوجه به كله. # وقد اختلفوا في التوجيه من ترك الموجه توجيه إبراهيم فلا نقض على من ترك ~~توجيه إبراهيم، و المأمور به أن يوجه بهذا كله. # وقد اختلفوا في ترك التوجيه كله متعمدا، وأكثر القول: أن النقض على من ~~ترك التوجيه متعمدا؛ لأنه إن كان فرضا فعليه النقض، وإن كان سنة فتارك ~~السنة عمدا يلزمه النقض. وأما الناسي فلا نقض عليه عند الأكثر منهم، فأما ~~إن ترك منه كلمة أو كلمتين ناسيا فلا نقض عليه. # ومن خاف فوت الجماعة؛ فقد قيل: يبدأ التوجيه إذا دخل المسجد. وقال قوم: ~~إذا عرف مكانه في الصف وجه، وأحب إذا وقف في الصف وجه وأحرم، وصلى ما أدرك، ~~وأبدل ما سبق به، أو قال: ما فاته. PageV02P038 # وأصل التوجيه: أن الله تعالى قال في كتابه: {وسبح بحمد ربك حين تقوم}، ~~وقد سمى الله الصلاة تسبيحا، والتسبيح أولى بها، وقال: {سبح اسم ربك ~~الأعلى}. وكان فيما بلغنا يفتتح بقول: «سبحانك اللهم وبحمدك» إلى تمام ~~التوجيه. وإن خالفنا في ذلك مخالف فلا يلتفت إليه، وتوجيه إبراهيم بعد هذا، ~~وهو: «وجهت وجهي» إلى تمام التوجيه، وقد قدم قوم توجيه إبراهيم واختلفوا في ~~معاني ذلك، ونحن على ما وصفت لك أول المسألة. # مسألة: [في الاستعاذة] # - وسأل عن الاستعاذة أهي قبل تكبيرة الإحرام أم بعدها؟ # قيل له: قد اختلفوا فيها؛ فقال قوم: قبل الإحرام، وهي سنة في الصلاة. ~~وقال آخرون: بعد الإحرام عند القراءة؛ لقول الله تعالى: {فإذا قرأت القرآن ~~فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم}، ms321 فهي عند القراءة بعد الإحرام، وأيما فعل ~~لم يلزموه نقضا. وقد روي عن بعض أن الاستعاذة فرض في الصلاة، ومن نسي ~~الاستعاذة فصلى فصلاته تامة، ويستعيذ حيث ذكر./302/ # وقال آخرون: يستعيذ عند القراءة، ولو كانت فرضا لانتقضت صلاة من نسيها. # ويقول: الاستعاذة سرا في كل الصلوات. # ومن ترك الاستعاذة متعمدا فصلاته فاسدة. ومن جهر بها متعمدا فصلاته ~~فاسدة، وصلاة من صلى خلفه إن كان إماما. # وليقل إذا أحرم وأراد القراءة كما قال الله، لا يزيد على ذلك شيئا ولا ~~ينقص، كما قال تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم}. # 47 - باب # مسألة: في افتتاح الصلاة # - وسأل عن افتتاح الصلاة وتحريمها؟ # قيل له: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير؛ وهي تكبيرة الإحرام، لما ~~روي عن النبي ^ أنه قال: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها ~~التسليم». PageV02P039 # فإذا قام المصلي ووجه وأحرم كبر تكبيرة الإحرام، وقال: "الله أكبر"، وقد ~~دخل في الصلاة، وقد ذكر الله في ذلك لنبيه ^ في سورة المدثر، فقال: {يا ~~أيها المدثر * قم فأنذر * وربك فكبر}، وقال: {وكبره تكبيرا}. وقوله: {وربك ~~فكبر} وهي: تكبيرة الإحرام. وقد قيل: إن النبي ^ كان يفتتح الصلاة ~~بالتكبير، والله أعلم. # فمن ترك تكبيرة الإحرام فليس في الصلاة. كذلك من ترك التكبير الأول فليس ~~في الصلاة. # وإن نسي تكبيرة الإحرام حتى يجاوزها إلى حد القراءة رجع فأحرم ثم ابتدأ ~~القراءة، وإن جاوزها إلى حد الركوع فسدت صلاته. # وإن صار في القراءة ثم لم يدر أحرم أم لم يحرم ثم شك فيه؛ فقد قال قوم: ~~يحرم ثم يبتدئ القراءة. وقال آخرون: إذا جاوزها لم يرجع إلى الشك. # والذي أحب الرجعة؛ لأن الإحرام هو الدخول في الصلاة، فإذا لم يصح معه أنه ~~أحرم لم يجاوزه حتى يحكمه. # ومن كان يصلي خلف الإمام فكبر تكبيرة الإحرام قبله فسدت صلاته إلا أن ~~يرجع يحرم بعده. # وإن كان خلف الإمام ولم يسمع تكبيرة الإحرام تهجس أصحابه، فإن لم يصح لهم ~~أنهم أحرموا أحرم هو إذا ركع الإمام. # ومن جاء والإمام ms322 قد صلى بعض صلاته فيوجه ويحرم ويدخل في الصلاة. # وقد اختلفوا فيمن قال في موضع تكبيرة الإحرام: الله أجل، الله أعظم، الله ~~أكبر، والله الكبير؛ فمنهم: من نقض الصلاة. /303/ ومنهم: من لم ينقض. # ولم يختلف أحد إذا قال المحرم: الله أكبر. ومن قال: الله أكبر فقد قصد ~~إلى فعل رسول الله ^، واقتدى به بقول: "الله أكبر". PageV02P040 # فأما من خالفنا: فقال: إنه كان يرفع يديه عند تكبيرة الإحرام فإنه ~~يوافقنا أن رسول الله ^ نهى عن رفع اليدين في الصلاة، وقال: «ما لي أرى ~~قوما يرفعون أيديهم في صلاتهم كأنها آذان خيل شمس، اسكنوا في صلاتكم»، فقد ~~نهى عن رفع اليدين في الصلاة، ولم يصح أنه مات ^ على حكم رفع اليدين في ~~الصلاة. وقد صح الأمر من الله في الخشوع والتواضع لله في الصلاة. # وأما قولهم: إن رفع اليدين للتفرقة بين تكبيرة الافتتاح وغيرها؛ فالتفرقة ~~في ذلك معروفة، ومواضعها معلومة بالقول وبالنية لا برفع الأيدي؛ لأن حدود ~~الصلاة معروفة، منها ما هو قول، ومنها ما هو فعل، معروف ذلك بالاتفاق، ~~وبالله التوفيق للحق والصواب. # 48 - باب: # مسألة: في القراءة # - وسأل عن القراءة، أهي فرض في الصلاة؟ # قيل له: نعم، قد قال في كتابه: {فاقرؤوا ما تيسر من القرآن}، يعني: في ~~الصلاة، وقال: {فاقرؤوا ما تيسر منه وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} ففرض ذلك ~~وأمر بالقراءة، ولم يؤقت شيئا محدودا إلا ما تيسر. # فمن صلى وحده قرأ سرا في نفسه فاتحة الكتاب، وما تيسر معها من القرآن. # وإن كان إماما قرأ جهرا فاتحة الكتاب وسورة، أو ما تيسر ليس شيء محدود، ~~وقرأ من خلفه فاتحة الكتاب وحدها. # ولا يجوز أن يقرأ في الصلاة غير فاتحة الكاتب خلف الإمام، وقال الله ~~تعالى: {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة}، يعني: تذكر ربك بالقراءة في ~~الصلاة مستكينا خوفا من عذابه، {ودون الجهر من القول} واقرأ دون الجهر من ~~القراءة في الصلاة. # وقال الله تعالى: {ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم} قيل: هي ~~فاتحة الكتاب، تثنى في ms323 كل ركعة من الصلاة بالإجماع على ذلك من الأمة. PageV02P041 # ومن صلى وحده أسر قراءتها في نفسه، وإن كان إماما جهر بها مع سورة و{بسم ~~الله الرحمن الرحيم} من سورة الحمد، وقد روي عن النبي ^ «أنه كان يجهر بها ~~في خفض صوته، ثم يقرأ السورة»، وقد روي عن أبي سعيد الخدري /304/ قال: ~~«أمرنا نبي الله أن نقرأ في صلاتنا فاتحة الكتاب وما تيسر من القرآن». # وعن أبي هريرة قال: «أمرني رسول الله ^ أن أنادي: لا صلاة إلا ب[قراءة] ~~فاتحة الكتاب». وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب». ~~وقد روي عنه أنه قال: «كل صلاة لم تقرأ فيها فاتحة الكتاب فهي خداج»، ~~والخداج: غير التام. ولا تتم الصلاة إلا بفاتحة الكتاب. وقد روي عنه أنه ~~قال: «فما تيسر معها». وقد روي أنه قال للأعرابي: «وما نقصت من ذلك فإنما ~~تنقصه من صلاتك». # وقد قيل: لا يجوز أن يقرأ مع فاتحة الكتاب أقل من ثلاث آيات؛ لأن أقل ~~سورة ثلاث آيات. وقال بعضهم: إن النظم لا يتبين بأقل من ثلاث آيات، أو بآية ~~طويلة منتظمة. # وينبغي أن يسمع نفسه إن كانت صلاة يخافت بها. وإن كانت صلاة يجهر فيها ~~بالقراءة جهر بها إن كان إماما. وإن كان وحده أسمع نفسه. وقد روي أنه كان ~~إذا افتتح القراءة بالحمد. # وعمن قرأ {بسم الله الرحمن الرحيم}، فقد روي عن النبي ^ أنه قرأها حتى ~~مات، ثم كذلك أبو بكر وعمر حتى ماتا وهم على قراءتها، ثم يقرأ فاتحة ~~الكتاب. PageV02P042 # وقد اختلف الناس في قراءة {بسم الله الرحمن الرحيم}؛ فقال قوم: تقرأ سرا. ~~وقال آخرون: جهرا. وقد أخذنا بقول من أثبت القراءة بالجهر؛ لأنه قد قرأ ما ~~أمر به، ولا نقض عليه في صلاته بالاتفاق، وكان ذلك أوثق الأمرين عندنا. # وقد اجتمعت الأمة أن {بسم الله الرحمن الرحيم} من القرآن. وقد قال الله: ~~{فاقرؤوا ما تيسر من القرآن} فنحن في قراءتها جهرا مع الجهر، وسرا مع السر. # ومن نسي قراءة {بسم الله الرحمن ms324 الرحيم} فلا نقض عليه، ولا نحب أن ~~يتركها. # ولا يجوز أن يجهر بالقراءة فيما تسر فيه القراءة، ومن تعمد لذلك انتقضت ~~صلاته وصلاة من صلى خلفه. # ومن نسي حتى جهر بالقراءة فيما يسر فيه في الصلاة كلها فأخاف عليه النقض. ~~وإن نسي فجهر بالقراءة في ركعة فلا بأس. # وإن نسي الإمام حتى أسر القراءة فيما فيه الجهر، فإن ذكر قبل أن يركع رجع ~~فقرأ جهرا الحمد مع السورة وإن نسي رجع إلى حده وقرأ. # وإن لم يذكر ولا رجع حتى سجد فسدت صلاته وصلاة من صلى خلفه. # ومن تعمد فقرأ في الركعة الآخرة من المغرب الحمد وسورة، وفي الركعتين ~~الآخرتين من صلاة الظهر والعصر، وفي الركعتين /305/ الآخرتين من صلاة ~~العشاء الآخرة فسدت صلاته، ولا فساد عليه في النسيان، ويسجد لسهوه. # وقد اختلف في القراءة في هؤلاء الركعات؛ فقال قوم: إنه يسبح ولا يقرأ فلا ~~بأس. وقال آخرون -وهم الأكثر-: يقرأ الحمد وحدها، وقد أجمعوا ألا يقرأ فيهن ~~إلا فاتحة الكتاب وحدها. # وقد اختلفوا في قراءة السورة في الركعتين الأولتين في الظهر والعصر؛ فقال ~~قوم: يقرأ مع فاتحة الكتاب سورة. وقال آخرون: الحمد وحدها، وهو قول أصحابنا ~~وبه أخذنا. PageV02P043 # واتفق الجميع أن صلاة الظهر والعصر لا جهر فيهما، وهي الحجة لمن لم يقرأ ~~فيهما إلا الحمد وحدها، وذلك أنا وجدنا كل صلاة كان يقرأ فيها الإمام سورة ~~مع الحمد، فيقرأ في الصلاة جهرا بمن خلفه، وكل صلاة لا يقرأ فيها مع الحمد ~~سورة قرأ الحمد وحدها سرا في نفسه، وكان على ذلك الاتفاق. # ألا ترى أن الركعتين المؤخرتين في صلاة العتمة لا يجهر فيها ويجهر في ~~الأولتين، أولا ترى أن في صلاة الجمعة يقرأ الحمد وسورة يجهر فيها القراءة، ~~كذلك صلاة الأعياد. # والظهر والعصر إذا لم يجهر فيهما بالقراءة فليس إلا الحمد وحدها. وقد روي ~~عن النبي ^ «أنه لم يكن يقرأ في الركعتين الآخرتين من صلاة العشاء إلا ~~الحمد وحدها»، وعلى ذلك اتفق الكثير من الأمة. # ومن صلى خلف الإمام لم ms325 يقرأ خلفه إلا فاتحة الكتاب؛ لقوله ^: «كل صلاة لم ~~يقرأ فيها فاتحة الكتاب فهي خداج». وروي عنه ^ أنه قال: «من كان له إمام ~~فقراءة الإمام له قراءة». وعندنا أن ذلك في قراءة السورة دون الحمد، وبها ~~يحتج من لم ير القراءة خلف الإمام، وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «إنما جعل ~~الإمام ليؤتم به، فإذا قرأ فأنصتوا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا». # ولا تجوز القراءة خلف الإمام إلا بفاتحة الكتاب. والذي يحتج بقراءة فاتحة ~~الكتاب خلف الإمام؛ لما روي عن النبي ^ أنه قال: «لا تقرؤوا خلفي إلا فاتحة ~~الكتاب». وقد أخذنا بقول من رأى قراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام، وقد روي ~~أنه قرأ ^ فقرأ رجل من خلفه، فقال: «ما لي أنازع القراءة» «لا تقرؤوا خلفي ~~إلا فاتحة الكتاب». PageV02P044 # والذين قالوا بقراءة فاتحة الكتاب خلف الإمام أخذوا بأحوط الأمرين، وقد ~~أجمعوا أنه لا قراءة خلف الإمام إلا بفاتحة الكتاب. # [قول آمين] # وقد اختلف /306/ الناس في قول «آمين» في الصلاة، وقد روى ذلك بعض عن ~~النبي ^، ولو كان ذلك مؤكدا لكان شهرتها كشهرة «سمع الله لمن حمده»، فلما ~~لم يتفق عليها كذلك رأينا قولها غير لازم لمن تركها؛ لأن روايتهم: «أنه من ~~قال "آمين" فوافق تأمينه تأمين الملائكة»، فإنما هو عندهم كالترغيب ولم يكن ~~تأكيدا. # وقد جاء الحديث مختلفا عنهم: منهم من قال: يجهر بها. ومنهم من قال: يسر ~~بها. ولو كان ثابتا لاتفقوا عليه. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «إن صلاتنا هذه لا تصلح أن يتكلم فيها بشيء ~~من كلام الآدميين»، وقول «آمين» من كلام الآدميين وليس ذلك نصا ولا سنة ~~مجتمعا عليها. وقد جاء النهي عن الكلام في الصلاة. وقد أخذنا بترك قول ~~«آمين» في الصلاة إذ لم ينقص شيئا من شروطها، ولم يدخل في شبهة، وبالله ~~التوفيق. # وأما حجة من يحتج «أن النبي ^ لم يقرأ {بسم الله الرحمن الرحيم} إلا سرا ~~في نفسه»، فقد قال أيضا: من قال ممن صلى خلفه أنه قرأها حتى مات، ولا فرق ms326 ~~بين الجهر والسر. # وقد روي عن عمر بن الخطاب ~ أنه كان يستحب القراءة بفاتحة الكتاب خلف ~~الإمام في كل الصلوات، وفي الصلاة الأولى والعصر، فقرأ كما كان وحده. # واختلفوا فيمن نسي قراءتها خلف الإمام؛ فبعض: لم يلزموه إعادة، وقالوا: ~~أجزأه قراءة الإمام. وبعض: ألزمه الإعادة. يبدل إذا سلم الإمام في أول ركعة ~~يستحب. وقال الله تعالى: {وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ~~ترحمون}. يعني: استمعوا له في الصلاة خلف الإمام وغيرها إن شاء الله. PageV02P045 # وقد روي عن النبي ^ «أنه قرأ في صلاة الغداة: {إذا وقعت الواقعة} فقرأها ~~رجل خلفه، فنزلت: {وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون}». ~~وذلك في قراءة السورة. # واختلفوا فيمن قرأ بعض الحمد ثم ركع الإمام: فمنهم: من أوجب بدل الصلاة. ~~ولم ير ذلك آخرون. ومن لم يدرك القراءة خلف الإمام أبدل تلك القراءة، كما ~~قال: «يبدل ما فاته» كذلك في الرواية. # 49- باب: # مسألة: في الركوع والسجود # - وسأل عن الركوع والسجود، أفرض في الصلاة؟ # قيل له: نعم، كذلك قال الله: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا}، فأمر ~~بذلك واجتمعت الأمة عليه، وفعل ذلك النبي ^ /307/ وأمره بذلك في الصلاة. # وقد قيل: «إنه إذا ركع لو وضع على ظهره قدح من ماء لم يتحرك من اعتداله ~~في ركوعه، وكان إذا ركع وضع يديه على ركبتيه، وسوى ظهره معتدلا، وإذا رفع ~~رأسه من الركوع استقام حتى يرجع كل عضو إلى مفصله، وإذا ركع قال: "الله ~~أكبر"». # وقد روي أنه قال للأعرابي: «تركع حتى تطمئن تكون راكعا، ثم ارفع رأسك حتى ~~تعتدل، فيكون ذلك تاما من غير تقصير فيه، وما نقص من ذلك فإنه ينقص من ~~صلاتك». # وقد روي عن النبي ^: «كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول: "سمع الله لمن ~~حمده، ربنا لك الحمد"»، . وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «إذا قال الإمام: ~~"سمع الله لمن حمده" فقولوا: "ربنا لك والحمد"». # وعن بعض أصحابنا: إن قال المأموم: "سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد" جاز له. # وإذا ركع ms327 قال في ركوعه: «سبحان ربي العظيم» ثلاثا. PageV02P046 # كذلك روي عن النبي ^: «أنه لما نزلت: {فسبح باسم ربك العظيم} قال: ~~اجعلوها في ركوعكم». # ويستحب الإفراد في الركوع، وأقل ذلك ثلاثا، فمن سبح واحدة فلا نقض عليه. # والتكبير في الركوع والسجود، وقول "سمع الله لمن حمده" و"ربنا لك الحمد" ~~سنة. ومن ترك شيئا من ذلك متعمدا فسدت صلاته، ومن نسيه قاله حيث ذكره، ومن ~~نسي شيئا منه حتى قضى صلاته فلا نقض عليه حتى ينسى الكثير من ذلك، ثم يسجد ~~بتكبيرة حين يهوي ويمد التكبير، ويضع ركبتيه على الأرض قبل يديه إن أمكنه، ~~ويضع يديه حذاء أذنيه كذلك روي عن النبي ^، ويمد تكبيره في حال الركوع ~~والسجود، ويضع أولا ركبتيه ثم يديه، ثم يضع وجهه ويسبح ثلاثا، يقول: "سبحان ~~ربي الأعلى"، قيل عن النبي ^: «أنه لما نزلت {سبح اسم ربك الأعلى} قال: ~~اجعلوها في سجودكم». وقد قيل: إنه فعل ذلك ثلاثا، ويستحب. وإن سبح واحدة ~~فلا نقض. # ويرفع يديه أولا بعد وجهه ثم ركبتيه؛ لأن آخر ما يضع على الأرض وجهه. وإن ~~سبح في سجوده واحدة فلا نقض عليه، ولا نقض على من زاد غير متعمد. ولا يفترش ~~ذراعيه في سجوده، ويتعمد على يديه، ولا يجعل على جبهته الاعتماد، ولكن على ~~رسغيه وراحتيه. وقد روي عن النبي ^ /308/ أنه قال: «أمرت أن أسجد على سبعة ~~أعضاء، ولا أكف شعرا ولا ثوبا». # وفي بعض الأخبار: إذا سجد الإنسان فليسجد على كل عضو منه، ثم يرفع رأسه ~~ويقول: "الله أكبر"، ويمهل حتى يطمئن جالسا على رجله اليسرى، واضعا ظاهرهما ~~مما يلي الأرض، وناصبا رجله اليمنى على باطنها، وجاعلا أصابع رجله اليمين ~~مما يلي الأرض، وظاهرها على أخمص رجله اليسرى، ثم يسجد السجدة الثانية ~~كالأولى. PageV02P047 # وقيل: يتشاجى في سجوده حتى يرى بياض إبطه، ويقعد بين السجدتين ولا يكثر ~~من ذلك -وكذلك القيام من الركوع والسجود-. ثم يرفع رأسه من السجدة الثانية ~~بتكبيرة، ناهضا على صدر قدميه حتى يستوي قائما. # وقد روي عن النبي ^ حين علم الأعرابي ms328 الصلاة قال ||له||: «لتسجد حتى ~~تطمئن ساجدا». وقد روي عن النبي ^: «أنه كان يفتتح القراءة إذا استوى ~~قائما». # والتسبيح في السجود سنة، من تركها متعمدا فسدت صلاته. ومن نسي التسبيح ~~كله حتى قضى الصلاة فسدت صلاته. وكذلك إن نسي في أكثر ركوعه أو سجوده فسدت ~~صلاته. وأما إن نسي أقل من نصف التسبيح والتكبير فلا فساد عليه. وإن ذكر ~~ذلك وهو في الصلاة قاله حيث ذكره. وقد قيل: إنه من قال: "ربنا لك والحمد"، ~~وقد ذكر أنه من قالها مرة أخرى متعمدا أن صلاته تنتقض. # ومن سجد وركع مع الإمام فإنما يكون تابعا له، على ما روي عن النبي ^ أنه ~~قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا»، فمن ~~سابق الإمام فركع قبله أو سجد قبله فلا صلاة له، ومن ركع معه وسجد معه فقد ~~قيل: إن صلاته ناقصة. وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «الإمام يركع قبلكم ~~ويسجد قبلكم». وقيل: إنه كان يصل إلى الأرض ومن يؤمه قيام. وقد قيل: لا ~~يسجد حتى ينقطع صوت الإمام. # 50 - باب: # مسألة: في التحيات # - وسأل عن التحيات والقعود فيها، أفرض أم سنة؟ # قيل له: قد اختلف في ذلك؛ فقال قوم: إن التحيات فرض. وقال آخرون: سنة. PageV02P048 # وأما القعود في الصلاة ففرض واجب بالاتفاق، وقد قال الله تعالى: {الذين ~~يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} في المضاجع. /309/ وقد روي عن النبي ~~^ أنه أمر أصحابه وفعله، وأنه كان يعلمهم التحيات في القعود كما يعلمهم ~~القرآن، فيدلك أن فرض القعود في الصلاة واجب. # ومن لم يقعد في الصلاة للتحيات لم تتم صلاته. كذلك التحيات التارك لها ~~متعمدا تفسد صلاته وإن لم تكن فريضة. # وإن نسيها كلها فسدت صلاته؛ فيدلك على وجوبها وتأكيدها. # والتحيات: يعني: الملك لله، والمباركات: هي أسماء الله، والصلوات ~~والطيبات: الأعمال الصالحة. فينبغي للمصلي أن يصلي بكل ذلك. # وقد روي عن النبي ^ «أنه نهى عن الإقعاء في الصلاة»، ولكن ينصب أثره ~~اليمين ويفترش اليسرى، ويجعل قدمه اليسرى تحت أخمص ms329 قدمه اليمين، ويجعل ~~أصابع قدمه اليمين مما يلي الأرض. # وقد قيل: قفا الأصابع وينصبها ويتورك على اليسرى، ويجعل يديه على فخذيه، ~~فإذا استوى المصلي قاعدا كما وصفنا للتحيات، قال: "التحيات المباركات لله، ~~والصلوات والطيبات، السلام على النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا ~~وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد ~~أن محمدا عبده ورسوله"، وتمت التحيات والتشهد، ثم يصلي على النبي ^، ~~ويستخير من الدعاء ما أعجبه. وإن قال في آخر الدعاء: "أرسله الله بالهدى ~~ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون"، ثم يصلي على النبي ^، ~~ودعا لنفسه لأمر آخرته بما فتح الله. # وقد قيل إنه يقول: "وأشهد لله بما شهد به لنفسه وشهدت له ملائكته، وأشهد ~~أن محمدا عبده ورسوله ^"، واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات، واسأله ~~النجاة من النار والدخول في رحمته. PageV02P049 # واختلفوا في نقض الصلاة إذا أحدث حدثا قبل إتمامه التحيات؛ فقال قوم: إذا ~~بلغ إلى: "والطيبات" لم تفسد صلاته. # 41 - باب: # مسألة: في التسليم # - وسأل عن التسليم، أهو واجب؟ # قيل له: نعم، هو سنة، وهو تحليل الصلاة؛ لقول النبي ^ في الصلاة: ~~«تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم» فهو تحليل الصلاة. # وقد اختلفوا في التسليم مرة أو مرتين، وإذا سلم مرة عن يمين وشمال /310/ ~~فقد أتى بما أمر به، فقد سلم، ولو سلم مرتين أو مرة لم يضره ذلك. # وعن ابن مسعود أن رسول ^ علمه التشهد، ثم قال له: «ادع لنفسك»، أو قال: ~~«فإن شئت فقم»، والقعود فيها أحب إلينا. # ومن ترك التسليم لم تفسد صلاته؛ لأنه لو أحدث قبل أن يسلم تمت صلاته. # وأما المأمور به ألا يترك التسليم بعد التشهد لأمر آخرته ويدعو بعد ~~التسليم لأمر آخرته ودنياه، وقد قال الله: {فإذا فرغت فانصب} بالدعاء {وإلى ~~ربك فارغب}. قيل: يدعو قبل أن يسلم لأمر الآخرة. # فأما رفع الأيدي فقد روي عن النبي ^ قال: «ما بالي أراكم رافعي أيديكم ~~كأنها آذان خيل شمس، اسكنوا في الصلاة». ومن كان خلف الإمام فيسلم. # وأما ms330 سجدتا السهو فقد اختلف في ذلك؛ فقال قوم: قبل التسليم. وقال آخرون: ~~بعد التسليم. وقد أخذنا بقول من قال بعد التسليم حتى يصح غير ذلك. # 52 - باب: # مسألة: في الصلاة وما يكره فيها من ذلك # - وسأل عن الصلاة والخشوع فيها؟ PageV02P050 # قيل له: قد قال الله تعالى مادحا به فاعليه: {قد أفلح المؤمنون * الذين ~~هم في صلاتهم خاشعون}، فالخشوع فيها واجب على كل مصل. وروي عن عائشة أنها ~~قالت: «كان رسول الله ^ إذا دخل في الصلاة لا يجاوز بنظره غير موضع سجوده ~~تخشعا وتضرعا إلى الله فيها، وإذا فرغ من قيامه خر راكعا». # فينبغي للعبد أن يخشع في صلاته، ويكون نظره نحو موضع سجوده، ويرسل يديه ~~إرسالا في قيامه، ويخضع لله فيها بقلبه، ثم يسوي قدميه، ويجعل بينهما قدر ~~مسقط نعل، ثم يقيم الصلاة ويوجه ويحرم بعد [أن تكون] جهته القبلة، ثم ~~يستعيذ بقول "أعوذ بالله من الشيطان الرجيم" سرا في نفسه ثم يقرأ، فإذا فرغ ~~من قراءته خر راكعا بتكبيرة، ثم يسبح ويديه على ركبتيه ثلاثا يقول: "سبحان ~~ربي العظيم"، ويسوي ظهره معتدلا، فإذا فرغ من التسبيح رفع رأسه وقال: "سمع ~~الله لمن حمده ربنا لك الحمد"، ثم أمهل قليلا حتى يرجع كل عضو إلى مفصله؛ ~~لأن الرواية عن رسول الله ^ «أنه كان إذا رفع رأسه قال: ربنا لك الحمد». ~~وخر /311/ ساجدا على أطراف قدميه، ووضع ركبتيه على الأرض قبل يديه، ثم انحط ~~بتكبيرة إلى الأرض واضعا يديه على ركبتيه، وقدم ركبتيه قبل يديه، واعتمد ~~على يديه وقد وضعهما في سجوده حذاء أذنيه، وبسطهما نحو القبلة، وسبح ثلاثا، ~~وينيل طرف أنفه الأرض، ويضم أصابعه ويفتح بين مرفقيه. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء، ولا أكف شعرا ~~ولا ثوبا»، معنى السبعة الأعضاء: الجبهة، واليدان، والرجلان، والركبتان. # ولا يكف ثوبه من خلفه إن وقع في التراب، ولا شعره من الأرض، ولا يسجد على ~~عود ولا فراش ولا مسواك ولا وسادة، ولكن على ما يتمكن عليه المصلي ms331 في ~~سجوده، ولا ينقر صلاته في سجوده. PageV02P051 # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «لا تنقر صلاتك نقر الديك، ولا تقع فيها ~~إقعاء القرد، ولا تلتفت فيها التفات الثعلب، ولا تفترش ذراعيك افتراش ~~الكلب»، كل ذلك في الصلاة ولا يجوز فعله. # ومن التفت حتى يرى ما خلفه انتقضت صلاته. ولا ينظر في صلاته إلى السماء ~~أمام رأسه، ومن فعل ذلك انتقضت صلاته، لرواية عن النبي ^ أنه قال: «مالي ~~أرى قوما يرفعون أبصارهم في صلاتهم لينتهن أو لتخطفن أبصارهم» أو نحو هذا ~~من الحديث. وإنما يكون نظر المصلي موضع سجوده. # و«نهى عن عقب الشيطان في الصلاة»، وقال الله: {الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون}، ولا يجعل يده كالمغلولة إلى عنقه، فأرجو أن النهي في ذلك عن النبي ~~^. وقد قيل: «أقرب ما يكون العبد من ربه في حال سجوده»، وقال الله تعالى: ~~{واسجد واقترب}. # ثم يقعد بعد أن يركع ركعتين لقراءة التحيات، فيقرأها كما وصفت له فيما ~~تقدم، فإن كان صلاة الفجر أتم التحيات وانتصب في الدعاء، وقد قال الله: ~~{فإذا فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب}، ثم يسلم فقد تمت صلاته، وبالله ~~التوفيق. # 53- باب: # مسألة: في ما ينقض الصلاة # - وسأل عما ينقض الصلاة، وعما يكره فيها ولا ينقضها؟ # قيل له: من أقعى في صلاته انتقضت صلاته، إذا كان من غير عذر. # ومن قعد على يمينه متعمدا من غير عذر ولم يمس أنفه الأرض، ولم يسجد على ~~السبعة الأعضاء التي قال رسول الله ^: «أمرت أن أسجد عليها». /312/ وقال ~~الله تعالى: {وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا}، قيل: هي السبعة ~~الأعضاء التي أمر رسول الله ^ أن يسجد عليها، وقد فسرناها فيما تقدم. PageV02P052 # ومن نفض كفيه من التراب في الصلاة، أو مسح وجهه بثوبه من تراب أو عرق ~~متعمدا فلا آمن عليه من النقض، ولعل فيه اختلافا، إلا أني قلت: بالاختلاف ~~في ذلك. # ومن نظر كتابا أو استبان منه على شيء حتى أشغله عن صلاته لم آمن عليه من النقض. # والنقض على من قلب الحصى، ms332 أو تمطى أو تربع أو نقع أصابعه، أو تزايد في ~~التثاؤب، أو غطى فاه. والتمطي فيه اختلاف. # ويكره أن يعتم أو يحل عمامته في الصلاة، فمن فعل ذلك من غير عذر لم آمن ~~عليه النقض، فإن استرخت عمامته فشدها فلا بأس عليه. # وأما إن أخرج ثوبه من على رأسه أو رفعه التحف به وسوى ثوبه فلا بأس عليه. # والعبث كله يفسد الصلاة، وإن عبث بثيابه أو جسده. # ومن اشتم رائحة أو استنشقها خفت عليه النقض إذا تعمد لذلك. # ومما يكره للمصلي أن يستقبل النار الموقدة أو قوما يتحدثون، أو ميتة من ~~دابة أو بشر أو نائما، فكل هذا مكروه، إلا الميتة فإنها تقطع إذا لم يكن ~~بينها وبينه سترة، وكانت أقرب من خمسة عشر ذراعا. # ومما يكره للمصلي أن ينقر أنفه حتى يخرج منه شيء، أو لا يخرج منه، أو ~~يدخل يده في فيه أو أذنه من غير عذر، وقال من قال: بالنقض. # ولا بأس بإخراج اللغظة والذرة من أذنيه أو عينيه أو أنفه، أو ما يخاف أن ~~يشغله عن صلاته ويؤذيه، والدبى وغيره من الداوب، ولا يقتله، فإن قتله فعليه ~~النقض على قول. # وكذلك الناخي يصرفه عن نفسه، ولا نقض في ذلك. # وقيل: يقتل الحية والعقرب إن أجحفتا به وهو يصلي. # واختلفوا في صلاته؛ فقال قوم: يبني على صلاته. وقال قوم: يبتدئ الصلاة، ~~وفي الرواية عن النبي ^ أنه قال: «يقتل الأسودان» وقال: «اقتلوا العقرب ~~والحية، وإن كنتم في صلاتكم». ويقتل المصلي كل دابة خافها على نفسه، ويبتدئ ~~الصلاة. # مسألة: [ما يقطع الصلاة] # - وسأل عما يقطع المصلي منه صلاته؟ PageV02P053 # قيل له: من المطر الشديد الذي يخاف منه الضرر على نفسه، أو لدابته تنفر ~~عنه وهو في /313/ حال السفر، أو لصرف دابة تأكل طعامه، أو لشيء وقع يخاف أن ~~يهلك، ثم يستأنف من بعد صلاته. وأما غير ذلك فلا يجوز قطع الصلاة، وقال ~~الله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم }، {إن الله كان بكم رحيما}. # ومن ألقى سمعه إلى شيء حتى يتبينه انتقضت ms333 صلاته. # وإن تقدم المصلي قدر خطوة أو تأخر فلا نقض عليه. # والذي تجيئه نخاعة في الصلاة أو مخاط فيكبس فيبصق في نعله أو في الأرض. ~~ويكره أن يبصق في نعله أن يضعها على الأخرى حتى يقضي صلاته إلا أن يردها ~~كما كانت. فإن بصق تحت قدمه اليسرى أو في ثوبه فلا بأس، وأما المخاط فإنما ~~يمث المصلي منه ما يخرج، ولا يتعمد لقلع ما لم يخرج فيزل نعليه عن موضع ~~سجوده إذا كربتاه، وينحيهما عن الذي بجنبه؛ لأن الرواية عن النبي ^ أنه ~~«نهى أن يؤذي المصلي أحدا بنعليه في الصلاة». # ويرفع المصلي ثوبه إن وقع على أحد، أو وقع ثوب أحد عليه أخرجه، ويخرجه عن ~~موضع سجوده. # ومن تنشج أو بكا خوفا من الله فلا نقض عليه، وإن بكى لغير ذلك نقض. # وإن أساغ المصلي طعاما في فيه أو نخاعه بعد أن ظهرت على لسانه، وصار على ~~مقدرة من لفظها فعليه النقض. # وإن كان في فيه طعام أو لغظة فحالها في فمه وأخرجها بلسانه على شفته فلا ~~نقض عليه. # وإن تزايد في التثاؤب انتقضت صلاته، وإن لم يسمعه من خلفه. وإن لم يتزايد ~~فيه ولم يسمعه من خلفه فلا نقض عليه. وقد قيل: لا تنتقض صلاته إلا أن ~~يتزايد. # ومن خرجت منه دموع فخاف أن تدخل فمه وتشغله فمثها بثوبه فلا بأس عليه. PageV02P054 # وقد أجازوا العمل للصلاة في الصلاة، ولم يجيزوا العمل فيها لغيرها ولو ~~قل، وذلك مثل أن يقع رداء فيأخذه، أو يخطو خطوة أو خطوتين ليسد فرجة أو صفا ~~في الصلاة، ويكون يسحب قدمه، وإن رفعها فسدت صلاته، /314/ وإن جعل يده على ~~رأسه من غير عذر فسدت صلاته، ومكروه ذلك لغير معنى. # وتجوز الصلاة في الخز الخالص، ولا تجوز في القز ولا الحرير. وقد قال بعض ~~في الحرير: «أن النبي ^ أجاز موضع الإصبعين»، وأما من الضرورة فما صلى ~~فجائز، أين صلى. ولا يصلي على غير الأرض وما أنبتت باختيار ما كان. # وتكره الصلاة على الحديد والصفر والشبه والرصاص ms334 وغير ذلك. # ولا تجوز للرجال الصلاة بالذهب، وجائز به للنساء. # وإن حمل رجل ذهبا وفضة وصلى فلا بأس، وفي اللبس فلا يجوز. # وكذلك ثياب الحرير والقز والإبريسم إذا حمل من ذلك شيئا وصلى فلا بأس، ~~وإن لبسه فلا تجوز صلاته. # ولا يصلى بثوب نجس ولا حامل نجاسة. # وإن حمل بيضا قبل أن يطبخ أو يغسل لم يصل به. # 54- باب: # مسألة: فيما يقطع على المصلي صلاته إذا مر بين يديه # - وسأل عما يقطع على المصلي صلاته إذا مر بين يديه؟ # قيل له: ممر الكلب يقطع، والجنب والحائض والمشرك والأقلف البالغ، والقرد ~~والخنزير وجميع السباع، إذا مر شيء من هذا أو مثله في أقل من خمسة عشر ~~ذراعا، ولم تكن سترة قطع على المصلي صلاته، فإن مر في أكثر من ذلك لم ينقض ~~الصلاة. # وقد قيل: الثوب الجنب لا يقطع الصلاة، والدم اليابس في الثوب، ولا البول. ~~وإذا كانت عذرة رطبة في ثوب قطع الصلاة. # وإن كان قدام المصلي عذرة رطبة وليس بينه وبينها سترة قطع عليه صلاته. PageV02P055 # والحائض والجنب لا يدخلون المسجد -كذلك المشرك- ولا يحملون المصحف، وإن ~~حملوه بسيره الذي يعلق به فلا بأس؛ لما روي عن عائشة وقد تقدم بيان ذلك، ~~فعلى هذا جائز أن يحمل المصحف بسيره وحصير المصلي. # والجنب لا يقرأ القرآن؛ لما روي عن النبي ^ «أنه لم يكن يمتنع من قراءة ~~القرآن إلا إذا كان جنبا»، وكذلك الحائض؛ لأنها ممنوعة من الصلاة. # والكنيف إذا كان قدام المصلي في أقل من خمسة عشر ذراعا لم تجز عنه إلا ~~سترتان ما كانا من الستور. فأما الحظار فلا أرى أنه مجز. ولا خشبة بعد خشبة ~~للكنيف. /315/ وكذلك غماءان. # والكنيف إذا كان قدام المصلي وهو يصلي على ظهر بيت فلا بأس. # والإمام سترة لمن كان خلفه. وإن مضى شيء مما يقطع الصلاة بين الإمام وبين ~~السترة انتقضت صلاة الإمام وصلاة من صلى خلفه. وإن مضى بين الإمام وبين ~~الصف من ورائه نقض على من مر بين يديه صلاته، ولم ينقض على ms335 الآخرين. # وإن لم يجاوز قفا الإمام فلا نقض؛ لأن الإمام سترة لمن خلفه. # وإن خرج من الصف من خرج تقرب بعضهم إلى بعض زحفا في سد تلك الفرجة، وقيل: ~~«أفضل الخطى خطوة تسد بها فرجة في الصلاة، وخطوة في سبيل الله». # وإن انقطع اثنان في طرف الصف؛ فقد اختلف في نقض صلاتهم، وإن انقطع واحد ~~من الفرجة وبينه وبين الصف مقام رجل فسدت صلاته. # واختلفوا فيمن يصلي خلف الإمام وحده عن قفاه خلف الصفوف: فقيل: لا نقض. ~~وقيل: بالنقض. # وإن مر شيء بين يدي المصلي مما يقطع عليه، وخاف أن يقطع عليه صلاته؛ ~~فقيل: إن كان قائما فليتقدم ويسحب رجليه، وإن كان جالسا أومأ إليه. ويكره ~~أن يشير إليه بيده، وإن لم يعالج ذلك فلا نقض عليه. # وإذا مر الكلب بين يدي المصلي فأومأ إليه بثوبه أو بيده فلا نقض عليه ما ~~لم يرمه، وبالله التوفيق. # 55- باب: PageV02P056 # مسألة: في الصلاة ومعرفتها # - وسأل عن كل صلاة، كم هي؟ # قيل له: صلاة الظهر أربع ركعات في الحضر وركعتان في السفر. وصلاة العصر ~~أربع ركعات في الحضر وركعتان في السفر، ولا يقرأ فيهما غير الحمد شيء من ~~القرآن في قول أهل عمان وما عملوا به معهم. # وصلاة العشاء/ ثلاث ركعات في الحضر والسفر، يقرأ في الركعتين الأوليتين ~~الحمد وسورة. وفي الركعة المؤخرة الحمد وحدها بالاتفاق على ذلك. # وصلاة العتمة أربع ركعات في الحضر، وركعتان في السفر، يقرأ في الركعتين ~~الأولتين الحمد وسورة، وفي الآخرتين الحمد وحدها. # وصلاة الفجر ركعتان للمقيم والمسافر، يقرأ فيهما الحمد وسورة، ولا بأس أن ~~يقرأ السورتين أو أكثر في ركعة واحدة، والسورة في الركعتين وأكثر، إذا كان ~~يحصل منها في كل ركعة ثلاث آيات. # ويستحب أن يقرأ في الفجر من كبار سور المفصل، وفي العتمة دون ذلك، وفي ~~المغرب دون ما يقرأ في صلاة العتمة بلا حد محدود. # وكل ما يقرأ في الصلاة /316/ من القرآن فجائز، وقد الله تعالى: {فاقرؤوا ~~ما تيسر من القرآن} لم يوقت شيئا. # وقال النبي ms336 ^: «من صلى بقوم فليصل بهم صلاة أضعفهم، فإن فيهم الضعيف وذا ~~الحاجة». وقد قيل: إنه كان أخف الناس صلاة إذا أم الناس مع إكماله لحدود ~~الصلاة، من غير شيء ينقصها، وأثبت الناس صلاة إذا صلى وحده. # ومن لم يقرأ خلف الإمام في الركعتين الأولتين من صلاة الظهر والعصر ~~والعشاء الآخرة الحمد، وقرأ في المؤخرتين منهن فصلاته منتقضة؛ لأن الحديث ~~جاء عن النبي ^ أنه قال: «كل صلاة لم يقرأ فيها فاتحة الكتاب فهي خداج» ~~والخداج: غير تام. PageV02P057 # وإن قرأ الحمد في الأولتين ولم يقرأها في الآخرتين؛ فأكثر القول أنها لا ~~تنقض صلاته، ولا يؤمر بذلك إلا أن يسبح، ولا يقرأ إذا ترك القراءة في ~~الركعتين الآخرتين، وقد أجاز بعضهم ذلك. # ومن وجه وأحرم وركع الإمام فليركع معه، ويبدل قراءة الحمد. وقال آخرون: ~~لا بدل عليه، والبدل أحب إلي. # والذي لم يوجب البدل الحجة له قول النبي ^: «من أدرك الركوع فقد أدرك ~~الصلاة». وذلك يتوجه أنه أدرك الصلاة، ولا يسقط فرض القراءة. # ومن لم يقرأ فاتحة الكتاب في صلاته فلا صلاة له؛ لقول النبي ^: «لا صلاة ~~إلا بفاتحة الكتاب». وقال ^: «كل صلاة لم يقرأ فيها فاتحة الكتاب فهي ~~خداج»، أو قال: «ليست أزكى من خداج». # 56- باب: # مسألة: في الدخول في الصلاة مع الإمام # - وسأل عمن دخل في صلاة قوم مع الإمام فاستأنف القراءة وركع القوم، وهو ~~بعد لم يتم القراءة، ورفعوا رؤوسهم من الركوع، وفرغ هو من القراءة وركع وحده؟ # فعلى قول: إذا أدرك الإمام قائما فسجد في سجوده لم تنتقض صلاته، وفيها ~~اختلاف. وبعض: رأى النقض إن لم يدركهم في حال الركوع، ولكن يؤمر إذا دخل في ~~صلاة قوم وجه وأحرم واتبع الإمام على ما كان فيه، وأبدل ما فاته من ~~القراءة. # فأما إن كان قرأ بعض القراءة من الحمد، ثم ركع الإمام: فعلى قول: يركع ~~وقد تمت صلاته، ولا بدل عليه في القراءة. وبعض قال: يبدل في الركعة الأولى. # وإذا تشاغل المصلي بنعاس أو غيره خلف الإمام: فما لم يكن ms337 بينه وبين ~~الإمام حد ليس أحدهما فيه فلا /317/ نقض عليه. وإن كان بينهما حد ليس ~~أحدهما فيه انتقضت صلاته. PageV02P058 # وذلك مثل أن يكون الإمام في الركوع و المأموم في القعود، وبينهما حد ~~القيام والقراءة فصلاته نقض. وأما إذا كان الإمام قائما وهو قاعد ثم قام ~~فأدرك في القيام، أو قرأ فأدركه في الركوع فلا نقض عليه في صلاته. # وأما الذي ينعس في الصلاة قائما أو قاعدا أو ساجدا فلا نقض عليه في صلاته ~~ووضوئه. # ومن ضحك في صلاته انتقضت صلاته، وإن قهقه انتقضت صلاته و||انتقض|| وضوؤه. # وروي أن أعمى دخل المسجد ورسول الله ^ يصلي بأصحابه فوقع في بئر، فضحك ~~بعض من ضحك من أصحاب رسول الله ^ في الصلاة - وقد قيل: إنه عمار- فقال ~~النبي ^: «من ضحك فليعد الوضوء والصلاة». # ومن بكى في الصلاة على ميت انتقضت صلاته. ومن بكى من خوف الله فلا نقض عليه. # ومن أغمي عليه قبل دخول الصلاة فلم يفق حتى ذهب وقتها فلا بدل عليه، ~~وأرجو أن في ذلك اختلافا. # فأما من أصابه الجنون قبل دخول وقت الصلاة فلا بدل عليه. # ومن نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك وقتها، كذلك روي عن ~~النبي ^، وقال الله تعالى: {وأقم الصلاة لذكري}. # وقد بينا خبر النبي ^ وأصحابه حين ناموا في مسيرهم حتى شرقت الشمس، ~~فقالوا: يا رسول الله، هلكنا، وفاتتنا الصلاة، فقال: «لم تهلكوا ولم تفتكم ~~الصلاة، إنما تفوت اليقظان، ولا تفوت النائم» فيما تقدم من كتابنا هذا. # ومن صلى وحياله امرأته وهي حائض أو جنب عن يمينه أو شماله، فما لم تمسه ~~فلا نقض عليه. وإن مسته فعليه النقض؛ لأن الحائض تقطع. وأما إن كانت غير ~~حائض لم تنقض عليه. # فأما إن مسه ثوب الحائض والثوب طاهر فلا فساد عليه في صلاته، لما روي عن ~~عائشة أنها قالت: «كان رسول الله ^ يصلي وعليه طائفة من ثوبي وأنا حائض، ~~ولم تنقض». PageV02P059 # ومن سها في صلاة الفريضة فظن أنها نافلة فمضى حتى قضى صلاته وهو في ms338 سهوه ~~فعليه النقض، وإن ذكر فرجع قبل أن يقضي صلاته إلى ذكر الفريضة /318/ فلا ~~نقض عليه، والله أعلم. وقد قيل: إن ذكر وهو بعد في القراءة فلا نقض في صلاته. # ومن قاء أو رعف فعند أصحابنا وغيرهم يبني على صلاته بعد أن يتوضأ، ولم ~~يقيسوا عليها غيرها من النجاسات. # والذين يقولون: إنه يبني على صلاته لهم الحجة أن النبي ^ قال: «من قاء أو ~~رعف فلينصرف يتوضأ، ثم يبني على صلاته ما لم يتكلم». فرووا هذا جوازا ~~للبناء على الصلاة، ومضى على ذلك جماعة من الصحابة، والقياس معنا ~~استئنافها، وإنما البناء استحبابا؛ لأن الإمام إذا فسدت صلاته فسدت صلاة من ~~خلفه، وإذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة المؤتم به، ولم يجز للمؤتم أن يبني ~~على صلاته، وإذا جاز بناؤه عليها دل على أن صلاة الإمام لم تفسده. # والدليل على فساد صلاة المأموم بفساد صلاة الإمام وجوب اتباع الإمام، ~~[و]على المأموم أن ينوي لصلاته مع الإمام كما أن عليه أن ينوي لصلاة نفسه، ~~ألا ترى ما روي عن النبي ^ أنه قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فلا ~~تختلفوا عليه». فالواجب اتباع الإمام. ولا يصح اتباع الإمام حتى ينوي ~~اتباعه في صلاته. أولا ترى أن المأموم إذا افتتح القراءة قبل الإمام لم تجز ~~صلاته، أو كبر محرما قبله. # وإذا لم تكن للإمام صلاة إلا بنية فصلاة المأموم أولى ألا تجوز إلا بها. ~~أولا ترى إلى قول النبي ^: «صل ما أدركت منها وأبدل ما فاتك»، وكيف يصلي ما ~~أدرك وهو ينويها؟!. # وهذا القياس يوجب أن من كان جنبا أو صلى بغير وضوء فلا صلاة لمن خلفه ولا له. PageV02P060 # ومن انتقض طهره أو صلى بثوب نجس، ولم يعلم أن له البناء، على قول: إن ~~الإمام إذا أحدث وقد صلى بعض صلاته أن له أن يأمر من يتم بهم الصلاة، ويقوم ~~الثاني على الهيئة التي كان عليها الأول. # وأما من صلى وهو جنب ولم يعلم، ثم علم وهو في الصلاة لم يجز بناؤهم ~~عليها؛ لأن صلاتهم ms339 في الأصل فاسدة. # وكذلك لو صلى بلا طهارة متعمدا أو ناسيا، ثم ذكر أنه كان على غير وضوء لم ~~يجز ما صلى منه، ولم يجز له أن يقدم لهم من يتم بهم تلك الصلاة، وكان على ~~المأمومين والإمام ابتداء الصلاة. # فأما من انتقض /319/ وضوؤه بحدث أفسد عليه صلاته لم تفسد صلاة من صلى ~~خلفه، ويقدم غيره يتم بهم الصلاة؛ فهذا الفرق بين هذه الآراء فتدبر ذلك، ~~وبالله نستعين. # ومن نام عن صلاة داخل فيها مع الإمام حتى فرغ الإمام بنى على صلاته ولا ~~تنتقض، كما أنه لو صلى بعضها ثم نام عنها، ثم انتبه بنى عليها ولم ينقضها، ~~إذا كان قائما أو ساجدا أو قاعدا. # فأما إن وضع جنبه ونام انتقضت صلاته. ووضوؤه ينتقض أيضا؛ لأن المضطجع ~~ينتقض وضوؤه. # فإذا انتقض وضوؤه فأحب أن يبتدئ الصلاة. وكذلك معنا لما روي عن النبي ^: ~~«أنه نعس حتى غط (أي نخر) ثم قام إلى الصلاة، فقيل له: "يا رسول الله إنك ~~نعست"، قال: «لا نقض على من فعل ذلك حتى يضع جنبه إلى الأرض»». # ومن أدرك من صلاة الإمام شيئا فيصلي معه ما أدرك ويبدل ما فاته. PageV02P061 # وإن انتبه الناعس في صلاة الجماعة، وقد بقي منها شيء ولم يتم الإمام بدأ ~~بما أدرك منها، ويبدل ما فاته عند فراغه. وقد اختلف في ذلك؛ فقال قوم: إذا ~~سبقه الإمام بحد ثالث انتقضت صلاته. وقال آخرون: يبني على ما كان بقي عليه، ~~والله أعلم بذلك. ألا ترى «أن معاذا أدرك من صلاة النبي ^ بعضها وصلى معه ~~ما أدرك، وأبدل ما فاته»، فصارت سنة متبعة. # 57- باب: # مسألة: في صلاة الإمام # - وسأل عن المسافر، هل يكون إماما للمقيمين؟ # قيل له: لا، وفي ذلك اختلاف؛ لأن فرض المسافر غير فرض المقيم، والمسافر ~~أنقص فرضا من المقيم؛ ولأن النبي ^ قال: «يؤمكم أفضلكم، وأقرؤكم لكتاب ~~الله، فإن استووا فأعلمهم بالسنة، فإن استووا فأكبرهم سنا، فإن استووا ~~فأقدمهم هجرة»، فعلى هذا الأفضل أولى بالتقديم، وقد روي حديث آخر أنه قال ~~لرجلين: ms340 «أذنا وأقيما، ويؤمكما أفضلكما -أو قال:- أسنكما». # فالأفضل أولى بالتقديم، والمقيم أفضل صلاة من المسافر، وأتم حدودا، فهو ~~أولى بالتقديم. # وقد أجاز بعضهم إذا كان إماما لفضله وعلمه، وأما الإمام نفسه فهو أولى ~~بالتقديم كان حاضرا أو مسافرا، فإذا قضى صلاة السفر أتم المقيمون ما بقي ~~/320/ من صلاتهم بلا إمام؛ لما روي عن عمر بن الخطاب ~ أنه كان بمكة يصلي ~~بناس منها صلاة السفر ويقول: "يا أهل مكة أتموا أنتم صلاتكم فإنا قوم ~~مسافرون". PageV02P062 # وقد قيل: «إن النبي ^ قعد بمكة نحو سبعة عشر يوما -أو ما شاء الله- وهو ~~يصلي صلاة السفر»، فعلى هذا القول تجوز صلاة الإمام المسافر بالمقيم بلا ~~خلاف لفضله وعلمه في صلاة الجماعة، قدر ما صلى المقيم بالمسافر فجائز بلا ~~خلاف، وقد قال الله لنبيه في صلاة الجماعة: {الذي يراك حين تقوم * وتقلبك ~~في الساجدين}. # ومن السنة: أن جبرائيل صلى بالنبي ^، والنبي صلى بأصحابه، ولم يزل ^ يصلي ~~الجماعة حتى مات على ذلك -صلوات الله-، وكذلك الخلفاء من بعده. # وقد قيل: «إنه وجد إفاقة في مرضه الذي مات فيه، فأتى المسجد وأبو بكر ~~يصلي بهم، فصف عن يمين أبي بكر قاعدا، وأتم بهم الصلاة». وقد قيل: إنه صلى ~~بصلاة أبي بكر. وقد روي في بعض الأسفار: أنهم سبقوه بالصلاة فأدركهم وهم ~~يصلون، فدخل في صلاتهم فصلى خلف أبي عبيدة -أو عبد الرحمن (الشك مني)-. وقد ~~قيل: «إنه صلى بأصحابه وعليه شملة صوف». # ففي هذا ما يدل على تقديم الأفضل في الصلاة، يصلي بمن هو دونه، ويدل على ~~أن يصلي الأفضل خلف من هو دونه، ويدل على إمامين في صلاة واحدة، إذا أحدث ~~الأول حدثا ينقض صلاته أمر من يتم الصلاة بهم، وتأخر هو. ويدل على صلاة ~~المشتمل بالمرتدي أنه لابس، وبالله التوفيق. # وعلى هذا أولى بالإمامة من القوم أقرؤهم للقرآن، فإن استووا فأعلمهم ~~بالسنة، فإن استووا فأفضلهم ورعا، فإن استووا فأكبرهما سنا، وفي حديث: «إن ~~سركم أن تزكوا صلاتكم فقدموا خياركم، فإنهم وفدكم إلى ربكم». PageV02P063 # وإذا كان العبد لا ms341 يقلد في دين الله، ولا يصدق إلا بشهادة أهل العدالة ~~كان أولى به أن [لا] يقلد في صلاته إلا أهل الثقة. وإن لم يجد واضطر صلى ~~خلف من كان من أهل القبلة، وإن كان من غير أهل القبلة ولم يكن عدلا لم يصل خلفه. # وقد قيل: /321/ إن الرجل أولى بالصلاة في بيته. وكذلك روي عن فاطمة بنت ~~رسول الله ^ وغيرها أن رسول الله ^ قال: «المرء أولى بصدر دابته، والصلاة ~~في بيته» إلا أن يأذن لمن يتقدم فجائز. وفي الحديث أنه قال: «من سمع النداء ~~من جيران المسجد -أو قال:- من سمع أذاننا فلم يجب فلا صلاة له»، أي: لا ~~تضعيف له. # وفي الحديث أن رسول الله ^ أنه قال: «رهباني أمتي عمار المساجد -أو قال: ~~رهباني أمتي الجلاس في المساجد- والمساجد هي بيوت الله في أرضه وزوارها ~~زواره». وفي الحديث: «إن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الرجل وحده، وإن صلاة ~~الجماعة تفضل على صلاة المنفرد بضعا وعشرين درجة في الفضل». # وقد قيل: في رجلين بات أحدهما يصلي حتى أصبح ولم يصل العتمة ولم يصل ~~الفجر جماعة، وأحدهما صلى الفجر والعتمة جماعة مع الإمام، ولم يبت يصلي؟ ~~قيل: إن الذي صلى الفجر والعتمة جماعة أفضل من الآخر. # وقد روي في بعض الحديث على ما وجدنا أن النبي ^ فقد عليا من صلاة الفجر ~~فأتى ابنته فاطمة فقال لها: «ما شغل ابن عمك عن صلاة الفجر معنا؟» فقالت: ~~"يا رسول الله بات يصلي، فلما طلع الفجر صلى واضطجع"، قال: «لو صلى في ~~الجماعة كان أفضل له». # قيل: وكان بعضهم يقصر الخطى إذا أراد المسجد للصلاة. PageV02P064 # وقد اختلفوا في الإمام إذا لم يحضره أحد وأراد الصلاة: أنه إذا نوى أن ~~يكون إماما لمن يأتي يصلي بصلاته أنه يجهر بالقراءة وبالتكبير. وإذا لم ينو ~~أن يكون إماما لمن يأتي يصلي بصلاته قرأ سرا ولم يجهر. وقال آخرون: لا يجهر ~~إذا لم يحضر معه أحد. # وإذا لم ينو أنه يكون إماما لمن يأتي، ودخل معه أحد وصلى بصلاته انتقضت ms342 ~~صلاة الداخل. # وقال آخرون: إن أعلمه أنه يدخل معه في صلاته فلا نقض عليه. # وقد قال قوم: ذلك في غير المسجد. فأما إمام المسجد الذي قد علم أنه ~~إمامه، فمن دخل معه في الصلاة ولم يعلمه فلا نقض عليه. وإذا دخل معه ونوى ~~أن يصلي بصلاته، فقد روي عن النبي ^: «صلى بأصحابه صلاة الفجر، وقرأ في ~~الركعة الأولى بسورة {كهيعص}، وفي الركعة الثانية ب{قل هو الله أحد * الله ~~الصمد}، /322/فسئل عن ذلك فقال: «سمعت صبيا صاح فظننت أن أمه تصلي خلفي ~~فرحمتها ورحمته». وقد روي أنه قال: «إنما أقوم إلى الصلاة فأوجز». وقد روي ~~أنه قال: «من صلى بقوم فليصل بهم صلاة أضعفهم». # ومن صلى خلف الإمام فإنما يكون تابعا له، إلا فيما يخفيه الإمام من ~~القراءة في الصلاة. # وقد يروى عن النبي ^ أنه قال: «من جمع بين القراءة والعلم كان أفضل في ~~التقديم وأولى به». والإجماع من الأمة على تقديم الأفضل في الصلاة. # واختلفوا في الصلاة خلف المنافق والفاسق، ومن في يده الحرام، فمن أخذ ~~بالثقة والإجماع فقد استوثق بالعروة الوثقى. ومن صلى خلف الفاسق ومن في يده ~~الحرام لم تنتقض صلاته على قول، وهي صلاة واحدة. # وأجاز قوم لمن اضطر إلى ذلك أن يصلي خلف المنافق وينوي لعمارة المسجد ~~أفضل من صلاة الرجل وحده. # وقد قيل: إن الصلاة خلف من لا ولاية له صلاة واحدة. PageV02P065 # وكرهت الصلاة خلف المقيد والمجنون إلا أن يكون بمثلهم؛ لأن المطلق أتم ~~صلاة. وكذلك الذي ليس بمجبوب ولا خصي. # ولا يصلى خلف المولى إذا كان ينتحي إلى غير مواليه، ولا خلف من يدعي إلى ~~غير عشيرته؛ لأن الحديث عن النبي ^ أنه قال: «من انتحى إلى غير عشيرته أو ~~تولى إلى غير مواليه، رغبة منه إليهم فعليه لعنة الله». ومن ذلك لم يصل ~~خلفه، وهذا لمن لم يجز الصلاة خلف المنافق. # والصبي لا يؤم في الفريضة ولا العبد. وقد أجاز بعضهم الصلاة خلف العبد. # واختلفوا في الصلاة خلف الأعمى: فقد أجاز الأكثر منهم ذلك؛ ms343 «لأن رسول ~~الله ^ قدم ابن أم مكتوم في الصلاة وكان أعمى». # وقد قيل: «إن المؤذنين أمناء، والأئمة ضمناء»، وقد روي عن النبي أنه قال: ~~«الإمام ضامن». وهذا حكم عام، فلولا أنه يؤدي فيما يؤدي به عن نفسه وغيره ~~لم يكن ضامنا. # وإذا كان الإمام ممن يومئ لم تجز صلاة من سجد خلفه. # وكذلك لا يصلي القاعد بالقائم، بما قد روي عن النبي ^: «أن صلاة القاعد ~~نصف صلاة القائم»، فإذا كان كذلك فالأتم أولى بالتقديم من القاعد. /323/ # والاختلاف في صلاة المتوضئ خلف المتيمم. # ولا يصلي المتوضئ من غير الجنابة خلف المتيمم من الجنابة. وكذلك المتيمم ~~من غير الجنابة خلف المتيمم من الجنابة استحبابا في ذلك. # فأما من أجاز ذلك اعتل بأن النبي ^ «صلى بالقوم قاعدا وهم كانوا قياما»، ~~وكان آخر الأمرين منه. وبعض: جعل ذلك خاصا للنبي ^. # ومن صلى برأي وديانة ثم رجع إلى رأي المسلمين فلا بدل عليه. # وفي الحديث: «إن من سمع النداء من جيران المسجد فلا صلاة له ولا تضعيف له». PageV02P066 # والصف المقدم من الرجال أفضل، ومن النساء الصف المؤخر أفضل. # والأمة إذا صلت وهي مكشوفة الرأس، ثم عتقت وقد بقي عليها شيء من صلاتها ~~غطت رأسها وبنت على ما بقي من صلاتها، نظير ذلك ما بلغنا عن رسول الله ^ ~~«أنه كان يصلي بأصحابه نحو بيت المقدس، فنزل عليه جبرائيل باستقبال الكعبة ~~إلى المسجد الحرام، فاستداروا في الصلاة، وبنوا على صلاتهم». # والصبي إذا بلغ وهو يصلي استأنف صلاته؛ لأنه كان يصلي غير فرض لازم له، ~~والله أعلم. # والذي يصلي قاعدا إذا قدر على القيام وهو في حالته تلك فإنه يبتدئ ~~الصلاة، كالمتيمم إذا وجد الماء وهو في الصلاة انتقضت طهارته وتوضأ وابتدأ ~~الصلاة. # والعريان إذا صلى بعض صلاته ثم وجد ثوبا لبسه وبنى على صلاته. # والذي يصلي بثوب نجس فإذا وجد ثوبا طاهرا فلينقض صلاته ويبتدئها. وكذلك ~~إن صلى بثوب نجس بعض صلاته ولم يعلم ثم علم فإنه يبتدئ الصلاة. # والذي يصلي بالإيماء من الضعف، ثم يجد القيام ms344 فإنه يبتدئ الصلاة إذا كان ~~يقدر على القيام والسجود. فأما من كان يصلي قائما ثم وجد ضعفا فإنه يبني ~~على صلاته. # ولا يؤم المصلي لفريضة من يصلي النافلة. وقد قيل: جائز ذلك. # وجائز لرجل أن يصلي مع رجل يصلي خلف الإمام وقد صلى تلك الصلاة. # ولا يصلي الرجل خلف الإمام وغلام لم يلزمه فرض الصلاة إلا أن يصف الرجل ~~عن يمين الإمام، ويصف الغلام حيث شاء، وقد أجاز قوم ذلك إذا راهق الغلام ~~وعقل الصلاة أن يصف معه. # وإذا كان إمام ورجل صف /324/ الرجل عن يمين الإمام، وإن كان رجل وامرأة ~~صف الرجل خلف الإمام، والمرأة خلف الرجل كعرف الديك. وقد قيل: يصف الرجل عن ~~يمين الإمام، و تصف المرأة خلف الإمام. # وإن كان رجل وامرأتان صف الرجل عن يمين الإمام والمرأتان خلف ذلك. PageV02P067 # ومن جاء يصف مع الإمام فلا يتأخر الإمام. # وإن كان رجل عن يمين الإمام يصلي، وجاء رجل آخر فيصف خلف الإمام ويوجه، ~~ويجر إليه الذي على يمين الإمام فيصليان خلف الإمام. # ومن صلى مع الإمام في ظلام أو غيره، فإذا هو ||قد|| صلى حذاء الإمام ~~فبعض: أفسد صلاته، ولم ير ذلك آخرون حتى يتقدم هو الإمام، فلا تجوز صلاة من ~~تقدم الإمام في بر ولا بحر، وإن صلى رجل عن يسار الإمام فصلاته فاسدة. # وإن جاء إلى الإمام ورجل يصلي معه على يمينه، وصف على يمين المأموم أو ~~خلفهما فإن صلاته فاسدة؛ لأنه قد خالف السنة، واختلفوا فيه إذا كان جاهلا. # وإن صلى رجل عن يمين الإمام وجاء قوم فصلوا خلفهم، فقد قيل: إن صلاتهم ~~جميعا تامة، إن كان الرجل الذي صف عن يمين الإمام جاهلا، وإن تعمد فسد على ~~قول صلاته. # والداخل في صلاة إمام برجل لا يجر إليه المأموم إلا حتى يوجه ثم يجره ~~إليه، ثم يحرم وقد صار معه، فليصليا خلف الإمام. # وإن كان الإمام يصلي برجل في موضع ضيق فأحب أن يكون سجود الذي خلف الإمام ~~حذاء منكبي الإمام، وإن سبقه بمنكبه ms345 ورأسه فلا نقض عليهما. وفيها قول آخر: ~~إن الذي يصلي حذاء الإمام أن يسجد مقاصدا له، ولا نقض عليه. # وأما تأويل من قال: إن معاذا «صلى مع رسول الله ^ العشاء»، ثم رجع إلى ~~قومه فصلاها بهم فقد عارض ذلك إن صح «نهي النبي ^ أن يصلي صلاة في يوم ~~جماعة مرتين»، فهذا فيجب أن يكون هذا نسخ ذلك. # ولا تجوز الصلاة بقراءة الفارسية؛ لأن الله تعالى جعل القرآن عربيا مبينا. # وقد قيل: لا تصلي المرأة خلف الرجل وحدها، إذا كانت أجنبية، لقول النبي ~~^: «لا يخلو أحدكم مع امرأة ليست منه بمحرم إلا والشيطان ثالثهما أو ~~أحدهما». /325/وقد روي أن أم سليم صلت خلف النبي ^ وحدها. PageV02P068 # والخنثى لا تصف مع الرجال، وتصف وحدها قاعدة قدام النساء، ولا تتبرج في ~~الرجال والنساء، ولا تؤم بالرجال ولا الرجل به، ولا يؤم الرجل بمشكل. # ومن صلى خلف الإمام وحده أعاد صلاته، أو صلى عن يساره؛ لأن في بعض الحديث ~~«أن رسول الله ^ أمر ابن عباس وقد صف عن يساره ^ أن يصف عن يمينه». # وإذا كان الرجال أكثر من واحد صلوا خلف الإمام، ولا ينبغي للإمام أن يكون ~~أرفع ممن يؤم به؛ لأن في الحديث أن حذيفة صلى بقوم وهو على دكان، فجذبه ~~سلمان الفارسي وقال: أما تعلم «أن رسول الله ^ نهى عن ذلك». # ولا بأس أن يصلي الإمام داخل المسجد والقوم خارجه من ضرورة، إذا كان ~~الاقتداء بالإمام إذا اتصلت الصفوف. فإن كان بينهم طريق أو لم تتصل الصفوف ~~لم تجز صلاتهم. وإن كان بينهم أكثر من خمسة عشر ذراعا لم تجز صلاتهم، حتى ~~تتصل الصفوف في أقل من ذلك، ولا يكون طريق يقطع بينهم، وبالله التوفيق. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «من صلى خلف الإمام فقراءة الإمام له ~~قراءة»، وقال أيضا: «من أم قوما فليخف بهم»، و«ليس على النساء جماعة». وقد ~~روي عن النبي ^ أنه قال: «صلاة النساء فرادى في بيوتهن»؛ لأنه قال: «صلاتها ~~في مخدعها أفضل من صلاتها في صحن دارها، وصلاتها ms346 في دارها أفضل من صلاتها ~~في المسجد». # وقد قيل: إنه كان يأمر النساء إذا سمعن تسليم الإمام أن يخرجن من المسجد. ~~وقد روي أنه قال: «التسبيح للرجال والتصفيق للنساء». وقد روي أنه قال: «لا ~~تمنع إماء الله مساجد الله»، فلا أذان عليهن ولا إقامة لما ذكرنا. PageV02P069 # فإن أمت بهن امرأة النافلة قامت وسط النساء، كما روي عن أم سلمة أو ~~عائشة، قد روي عن النبي ^ قال لأم سلمة: «هلا أميتيهن؟» قالت: "يصلح ذلك؟!" ~~قال: «نعم، يكن عن يمينك وشمالك»، والله أعلم. # والنساء يسمعن أنفسهن القراءة، ويضعن أيديهن في /326/ السجود قبل ~~الرجلين، وفي القعود يجعلن أرجلهن في وسط ثيابهن، واحدة على الأخرى، وفي ~~السجود تنضم وتلزم الأرض ما استطاعت، ولا فرض عليها في صلاة الجماعة. # وإذا صلت المرأة حذاء الرجل كانت صلاتها منتقضة، وقد قيل: إذا صلت المرأة ~~مع زوجها فلا يجاوز سجودها منكبيه، وإن جاوزت فسدت صلاتها، وسل عن ذلك. # والإمام يجوز لمن خلفه أن يفتحوا عليه إذا تعايا وسكت، ولا يفتحوا عليه ~~قبل ذلك. وإذا تنحنح له أحد إذا تعايا فسدت صلاة من تنحنح، وإن تنحنح ~~الإمام فسدت صلاته أيضا، وإن تنحنح لشيء وقع في حلقه فلا بأس، وإن فسدت ~~صلاة الإمام أمر من يتم الصلاة بهم، وإن قرأ آية بعد فساد صلاته فسدت ~~صلاتهم. # ومن صلى بقوم وهو يعلم أنه على غير وضوء أو ثوبه نجس، أو كان هو جنبا ~~فصلاته وصلاتهم فاسدة، وكذلك إن كان جنبا. # ومن بدأ يصلي في المسجد ثم أقام الإمام الصلاة، فإن رجا أن يتم ركعة قبل ~~أن يحرم الإمام فعل، وإلا قطع صلاته، ودخل مع الإمام في الصلاة، وقد روي عن ~~النبي ^ أنه قال: «إذا أقام الإمام الصلاة في المسجد فلا صلاة لمن حضر إلا ~~بصلاة الإمام». # فعلى هذا لا تجوز الصلاة لمن يصلي في المسجد بعد أن يحرم الإمام، ولكن ~~يدخل في الصلاة، وذلك هو إقامة الصلاة. # وإذا قام الإمام بعد أن قرأ التحيات الآخرة، وقد سبح له ولم يقعد فإن ms347 ~~المأمومين يسلمون، ويقولون له: قد تمت صلاتك. # ومن دخل في صلاة قوم وهو يريد الظهر، وهم يصلون العصر فصلاته تلك منتقضة؛ ~~لأن الصلاة للإمام. PageV02P070 # ولا يؤم الإمام بالقباء، وقيل: جائز أن يؤم بالجبة، لما روي «أن رسول ~~الله ^ أم بالجبة»، فجاز لذلك. # وإذا دخل الرجل في صلاة قوم قد سبقوه بشيء منها صلى معهم، فإذا سلم ~~الإمام قام هو مبتدئا لما سبقه به فأبدله إلى أن يصل إلى الحد الذي دخل فيه ~~مع الإمام، ويأتي بكل ما سبقه به الإمام من قراءة، وتسبيح، وتكبير، وركوع، ~~وسجود وقعود إلى أن ينتهي الحد الذي دخل الصف فيه، على أي /327/حال دخل ~~كذلك يبتدئ. # وقد روي أن معاذا دخل في الصلاة مع النبي ^ وقد سبقه بشيء منها فأتم معه ~~ما أدرك، فلما سلم النبي ^ قام فأتم ما سبقه به، إلى أن انتهى إلى الحد ~~الذي دخل مع رسول الله فيه، قال النبي ^ لأصحابه: «قد سن لكم معاذ سنة، ~~فاصنعوا كما صنع». وفي الحديث أنه قال: «فليصل ما أدرك ويبدل ما فاته»، ففي ~~هذا بيان لمن أراد الله إرشاده في أن يبدل ما فاته بعد الإمام، ويحكم ذلك ~~في دخوله في الصلاة، وبالله التوفيق. # وقد اختلفوا في البدل إذا دخل المقيم في صلاة المسافر، والقول عندنا كله ~~في البدل واحد، وليصل ما أدرك ويبدل ما فاته، أي: يقضي ما سبقه به، كان ~~مسافرا أو مقيما. # وقد اختلفوا في صلاة المقيم خلف المسافر، وقد أجيز ذلك، يقول: إذا انتقضت ~~صلاة الإمام المقيم وقدم مسافرا، فإذا صلى صلاة السفر سلم وأتم المقيمون ~~صلاتهم فرادى. وإن قدم مقيما أتم بهم الصلاة، وإن كان المأمومون مسافرين ~~فانتقضت صلاة إمامهم وقدم بهم مقيما صلى بهم صلوا معه صلاة السفر وسلموا، ~~وإن انتظروا حتى يسلم بهم كان ذلك. # وإن لم يكن الإمام يقرأ، وكانت امرأة تقرأ أمت بهم في وسط الصف، وكذلك ~~الصبي وذلك في النافلة. و المريض يصلي كما أمكن له، والمريض يصلي بمريض ~~مثله بالإيماء. PageV02P071 # وإن نسي الإمام ms348 السجدة الأخيرة أو القعدة ثم سلم وانصرف أتم المأمومون ~~صلاتهم. وإن كان نسي شيئا في وسط الصلاة وقام، وصار بينهم حد ثالث فسدت ~~صلاتهم وصلاته. وإن سبحوا له فترك؛ فقيل: يتمون صلاتهم، وقد خرج من ~~إمامتهم. وقد قيل: تفسد صلاتهم؛ لأن صلاتهم متعلقة بصلاته؛ لأن قوله ^: ~~«إنما جعل الإمام ليؤتم به». وينوي الصلاة بصلاته. # وإن سجد الإمام سجدة فأبطأ، فسجد من خلفه، ثم كبر وسجد هو من بعد، فإن ~~الذين سجدوا ثلاثا لا نقض عليهم إذا لم يتعمدوا لخلافه، وإن كانوا ظنوا أنه ~~كبر بهم وظنوا أنه ترك ذلك. وأما المتعمد /328/ للزيادة فأحب أن يبدل ~~الصلاة، والله أعلم. # وصلاة الجماعة قد اختلفوا في معناها: # فقال قوم: فرض، وليس بفرض على كل نفس، ولكن على الكفاية. وقال آخرون: سنة ~~على الكفاية. # وقد اتفقوا أنها سنة على الكفاية، ولو ترك ذلك الجميع كفروا. وقد قال ~~رسول الله ^: «إن الصلاة في الجماعة تزيد على صلاة المنفرد»، فلو كان ~~المنفرد لا صلاة له لم يقل تزيد عليها صلاة الجماعة فلما لم يبطلها ولم ~~يلزمها النساء والمسافر والمريض والعبد وجب أن ذلك سنة على كفاية البعض. # وقد قيل: «إذا حضر العشاء والعشاء فابدؤوا بالعشاء قبل العشاء»، فهذه حجة ~~لمن يرى ذلك إلا على الكفاية. PageV02P072 # فأما الحجة لمن قال: من سمع النداء من جيران المسجد فلم يجب وصلى فلا ~~صلاة له إلا من عذر ما روى أبو هريرة أن الأعمى -وهو ابن أم مكتوم- سأل ~~النبي ^ الرخصة ليصلي في بيته فقال له: «أتسمع النداء؟» قال: نعم، قال: ~~«فأجب». فإن هذا الخبر يحتمل في الجمعة، لما روي أن النبي ^ قال: «هممت أن ~~آمر رجلا ينادي بالناس أو يصلي ثم أحرق على كل قوم يتخلفون عن الجمعة ~~بيوتهم». وصلاة الجمعة من فضائل الأعمال، والله أعلم وبه التوفيق. # 58 - باب: # مسألة: في الشك # وسأل عمن شك في حد من حدود الصلاة بعد أن جاوزه أو نسي أو ترك ما يقال في ~~الحدود؟ # قيل له: من شك في حد من حدود ms349 الصلاة بعد أن جاوزه إلى غيره لم يرجع إلى ~~الشك حتى يستيقن أنه لم يأت ذلك. وذلك مثل: إن شك في الإقامة وقد صار في ~~التوجيه، فلا يرجع ويمضي في صلاته. أو شك في التوجيه وقد أحرم، فلا يرجع ~~إلى الشك، ويمضي في صلاته. # وإن كان لم يحرم وهو بعد في التوجيه فلا يخرج منه حتى يحكمه. وإن شك في ~~تكبيرة الإحرام وقد جاوزها إلى القراءة؛ فقال قوم: يمضي في صلاته. # ومنهم من قال: إن تكبيرة الإحرام هي أول الدخول في الصلاة، فلا يخرج منها ~~حتى يحكمها، ويرجع يحرم ثم يبتدئ القراءة. # ومن شك في الاستعاذة بعد أن خرج منها فلا يرجع إلى الشك وليمض في صلاته. ~~ومن شك في القراءة وقد صار في حد /329/ الركوع فلا يرجع إلى الشك، وليمض في ~~صلاته حتى يستيقن أنه نسي ذلك. # وكذلك التكبيرة للركوع والسجود والتسبيح فيهما، وقول "سمع الله لمن حمده، ~~ربنا لك الحمد"، إذا شك في ذلك وقد خرج من حد الركوع إلى حد السجود، أو من ~~حد إلى حد فلا يرجع إلى الشك. # وكذلك السجود إن شك فيه بعد أن جاوزه إلى القعود فلا يرجع إلى الشك، ~~ويمضي في صلاته. PageV02P073 # وإن شك في التحيات بعد أن سلم فلا يرجع وقد تمت صلاته. # وإن نسي شيئا مما يقال في هذه الحدود ثم ذكره أتى به حيث ذكره، وإن لم ~~يذكره حتى أتم الصلاة فلا نقض عليه حتى ينسى الأكثر. وإن نسي شيئا مما يقال ~~به في هذه الحدود ثم ذكره قاله من نصف ذلك. # وإن ترك شيئا من هذه السنن متعمدا انتقضت صلاته. وأما الحدود المفروضة ~~فمن نسيها أو شيئا منها حتى جاوزها إلى غيره رجع إلى حده حتى يحكم ذلك، وإن ~~جاوز ذلك إلى حد ثالث انتقضت صلاته وابتدأها، وإن ترك شيئا من ذلك فلا صلاة له. # مسألة: [في السهو والشك في الصلاة] # - وسأل عمن زاد في صلاته ركعة، من بعد أن قضى التحيات الآخرة، وظن أنه لم ~~يكمل صلاته؟ ms350 # فعن بعض الفقهاء: أن صلاته تامة، ولا بأس عليه. # وإن زاد ركعة في موضع من صلاته ولم يكن أكملها فإن صلاته تفسد، مثل رجل ~~يصلي حتى كان في موضع القعدة الآخرة فقام ولم يقعد فزاد ركعة تامة فتلك ~~تفسد عليه صلاته. # وأما من كان في القعدة الآخرة، ثم شك أنها الرابعة أم الثالثة فإنه يأخذ ~~بالاحتياط، وبما شك فيه حتى يكمل صلاته؛ لما قد روي عن النبي ^ أنه قال: ~~«من شك في الزيادة فلا يرجع حتى يعلم، ومن شك في النقصان فيأتي بما بقي ~~عليه حتى يتم النقصان»، والله أعلم بصحة الخبر وإسناد الرواية؛ لأني لم ~~أحسن ضبطها ولم يصح ذلك، والله أعلم. # والذي يشك في صلاته فجائز أن يجهر بجميع صلاته وما فيها من قراءة وتكبير ~~وتسبيح وتحيات، حتى يسمع ذلك الذي يحفظ عليه، ويعلمه أنه تمت صلاته لحال ~~حاجته إلى ذلك. ويجوز أن يحفظ على المصلي الثقة الواحد، ولو حفظ عليه أمة ~~مملوكة ثقة قبل قولها وأخذ به. /330/ # ومن سجد سجدة ثم شك أنه لم يسجد فإنه يسجد حتى يستيقن. PageV02P074 # ومن ركع قبل أن يقرأ، ويسجد قبل أن يركع فإنه يرجع إلى الحد الذي تركه ~~فيأتي به، وإن تعدى إلى الحد الثالث فسدت صلاته، وقد روي عن النبي ^ أنه ~~كان في بعض غزواته فنام حتى شرقت الشمس فقالوا: هلكنا وفاتتنا الصلاة، ~~فقال: «لم تهلكوا ولم تفتكم الصلاة» وقد بينا هذا فيما تقدم. # ولا يسجد المصلي على وسادة؛ لنهي النبي ^ عن ذلك، وقال: «للمريض أن يومئ». # فأما الفراش فإن كان من نبات الأرض فلا بأس أن يصلي عليه، ومن الضرورة أن ~~يسجد المصلي على ما يمكن السجود مما لم ينه عن الصلاة عليه. ومن الضرورة أن ~~يسجد على الأديم والبسط والحرير، ولا يسجد على ذلك مختارا. # وقيل: تصفيق المرأة بيديها عند المعنى، والرجل يسبح؛ لما روي عن النبي ^ ~~أنه قال ذلك، ولا يجوز ذلك في الصلاة لغير معنى. # وقيل: التسبيح قول: "سبحان الله"؛ لأن الله قد سمى الصلاة تسبيحا، ms351 ~~والتسبيح لا يقطع الصلاة، ومختلف في القول من ذلك مثل: الحمد لله، والله ~~أكبر، ولا إله إلا الله. # واختلف الناس في صلاة المشتمل بالمرتدي، والذي عليه قميص بمن عليه قميص ~~ورداء، والمتيمم بالمتوضئ، والأعمى بالبصير، والأمي بالقارئ، والأعرابي ~~بالقروي، والمسافر بالمقيم، فأجاز ذلك قوم، ولم يجز آخرون. # وعن بعض الفقهاء أنه إن صلى رجل بقوم ليس عليه إلا قميص واحدة أو مشتمل ~~وصلى خلفه مرتدون، أو من ليس عليه من الثياب إلا مثله، ومنهم من عليه رداء ~~وإزار وقميص وسراويل؛ فقال: صلاة الذين عليهم من اللباس مثله جائزة، وصلاة ~~الذين عليهم إزار ورداء وقميص وسراويل ورداء منتقضة. وبعض: أجاز ذلك. # والعراة يصلون قعودا، ويردون على أنفسهم ما قدروا عليه من رمل أو شجر، ~~ويؤمهم أحدهم في وسط صفهم. وقد قال بعض: إن العراة يصلون قياما. وقد يوجد ~~عن ابن عباس أن العراة يصلون قعودا. PageV02P075 # ومن صلى بثوب لا يمكنه أن يشتمل به، فإن وصله ولو بحبل ألواه على /331/ ~~عنقه، وإن كان سراويلا ألوى التكة وعقدها على رقبته، وإن لم يجد وضع شجرا ~~على متنه وصلى، وإن لم يجد فهو معذور وصلى قائما. # ولا بأس عليه في الصلاة بالثوب الرطب. ويكره الثوب الذي يصف وهو الرطب. # ولا تجوز الصلاة بالثوب الذي يشف، ولا تجوز الصلاة به في الليل ولا ~~النهار إذا كان متزرا به، وإذا كان متزرا ومرتديا بغيره فلا بأس. # وكذلك لا يجوز للنساء أن يصلين بثوب يشف. # وإن لم يمكنه إلا ثوب نجس صلى به. وقد قيل: إذا كان فيه جنابة تربت ~~الرطبة وكست اليابسة. # ومن وجد ثوبا يشف وثوبا فيه نجاسة صلى بالثوب الذي يشف. # ومن كان عنده ثوب فيه دم أو جنابة وثوب حرير صلى بالثوب الحرير. # وإن كان معه ثوب فيه جنابة وثوب فيه دم صلى بثوب الدم، وإن كان مسفوحا ~~صلى بثوب الجنابة. # والصلاة في الحرب جائزة في الحرير. # ومن كان لاويا على جرحه خرقة حرير فلا بأس حتى يفضل عن الجرح أكثر من عرض ms352 ~~أصبعين ثم ينقض صلاته. # ومن صلى بثوب فيه شعر مشرك، أو أقلف أو جنب أو حائض انتقضت صلاته. # ولا بأس بالثوب السوجي أن يصلي به إلا أن يعمله من لا يتقي النجس فلا ~~يصلي فيه. # ويجوز أن يؤم بالعمامة إذا سترت الظهر والصدر، ولا تكون كالحبل. # وجائز للمرأة أن تصلي بقميص إذا كانت صفيقة، وجلباب بإزارها وحده، وتدخل ~~فيه ولا تمس بيديها فخديها، وإن مستهما لم تنتقض صلاتها. # ولا تصلي المرأة ورأسها مكشوف، وقد روي عن النبي ^ «أنه لم يجز لمن بلغ ~~المحيض من النساء أن تصلي بغير خمار». # 59- باب: # مسألة: في السجدة والوهم # - وسأل عمن قرأ السجدة أو سمعها، أعليه يجب السجود؟ PageV02P076 # قيل له: نعم، من قرأ السجدة أو قرئت عليه سجد، وقد قال الله |تعالى| ذاما ~~لمن لم يسجد فقال: {وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون}، وقال: {إنما يؤمن ~~بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون}، ~~فدل على ما وصفنا على وجوب السجدة عند التلاوة، وحكم الله بذلك على التالي ~~/332/ والسامع إذ هما بمنزلة واحدة. # وسجود القرآن: إحدى عشرة سجدة، وقد قال بعض: أكثر من ذلك. # عن ابن عباس «أن النبي ^ سجد سجدة في {ص}»، وسجد في النجم سجدة، روي أنه ~~أمر بها، وسجد معه الجن والإنس، والمتفق عليه غير هذا. # فمن قرأ السجدة سجد، ومن قرئت عليه أيضا سجد. والقارئ للسجدة في الصلاة ~~يسجد لها في ذلك من أنصت لاستماعها وهو في الصلاة سجد. ويخر الساجد لها ~~بتكبيرة ويسبح فيها كتسبيح الصلاة. وإن سبح فقال: "سبحان الله"، فذلك قول ~~الله: {وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون}. # ومن قرأ السجدة وهو راكب أومأ لها ولا يسلم لها؛ لأنها لا تحريم لها. # ومن قرأ السجدة وحده وهو في مجلس مرارا فعليه سجدة واحدة. ومن قرأ من ~~سجدة بعضها فلا سجود عليه. ومن تعمد لترك قراءتها في الصلاة لحال السجود ~~فلا نقض عليه، ويكره له أن يتقحمها. # ومن قرأها وهو في الصلاة سجد لها، ms353 فإن أعاد قراءتها في صلاة أخرى سجد ~~لها. ومن قرأها في مجلسين فعليه سجدتان. وكذلك من قرأها في يومين أو في ~~صلاتين. # والقارئ لها إذا كان يصلي أو على دابة تسير فإنما يسجد لها سجدة واحدة في ~~المجلس الواحد. # ومن كان خلف الإمام وسجد الإمام وجب عليه اتباعه. # وليس على الجنب والحائض سجود عند قراءة السجدة. # وإن كانت الحائض قد طهرت؛ فقد قيل: تسجد، ولم ير ذلك آخرون. PageV02P077 # وقد قيل: إن المصلي إذا نسي أن يسجد للسجدة عند قراءتها، ومضى في صلاته ~~حتى ذكر فقد مضى في الصلاة أنه يسجد حيث ذكر، ويسجد سجدتي السهو والله أعلم. # ومن كان حاملا حمالا وأنصت لها فليسجد إذا وضع حماله. # وإن تفرغ في الصلاة لاستماعها فأخاف عليه النقض، ويسجد لها بتكبيرة إلى ~~الأرض ويقوم بتكبيرة. # ومن سمع قراءة السجدة سجد ولو كان غير طاهر، وإنما يسجد لها من قرأها ~~وأنصت لاستماعها. # ومن يتهجى السجدة فلا سجود عليه. # وعلى المرأة السجدة إن قرأتها، أو أنصتت لاستماعها. # ومن قرأ السجدة في الصلاة وأراد أن يسجد لها فنسيها حتى سجد سجدتين، ثم ~~قام ناسيا فلا نقض عليه في صلاته، ومن ترك سجودها فمنزلته خسيسة، ~~/333/وبالله التوفيق. # 60- باب: # مسألة: في سجدتي السهو # - وسأل عن سجدتي السهو؟ # قيل له: قد اختلف فيهما؛ فقال قوم: إنهما بعد التسليم. وقال قوم: قبله. # والذي نحن عليه أنهما بعد التسليم؛ لما روي عن النبي ^ أنه قال: «إذا شك ~~أحدكم في صلاته فليتم صلاته، ويسلم ثم يسجد سجدتي السهو»، وروي عنه أيضا ~~أنه قال: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر صلى ثلاثا أو أربعا فليقم فليأت ~~بركعة أخرى، ويسجد سجدتي السهو»، فإن كانت صلاته تامة كانت الرابعة أو ~~الركعة الزائدة والسجدتان له نافلة، والله أعلم. وقد روي عن النبي ^ أنه ~~قال: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». وإن لم يقعد في الرابعة من صلاته حتى ~~صلى الخامسة فسدت صلاته. PageV02P078 # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «لكل سهو سجدتان بعد التسليم»، وقد ms354 قال الله ~~تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير ~~لعلكم تفلحون}. فالنبي ^ هو المبين لأمته ما جاء عن الله مما أمر به كان ~~أولى أن يعمل به. # ومن لزمه سهوان في صلاة واحدة فليس عليه إلا السجدتان لجميع سهوه ذلك. # ومن سها أن يسجد سجدتي السهو على أثر الصلاة التي سها فيهما سجدهما على ~~أثر صلاة أخرى مثلها. # وروي عن النبي ^ أنه قال: «أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء، ولا أكف شعرا ~~ولا ثوبا» على الرجلين واليدين والركبتين، والجبهة والأنف عضو واحد. ولا ~~يجزئ السجود على الأنف وحده، ومن لم يضع يديه على ركبتيه من الركوع لم ~~تنتقض صلاته. # وقد اختلفوا في السجود على كور العمامة، والذي أجازه تأول ذلك عن النبي ~~^، وكره الكثير من ذلك، وبالله التوفيق. # 61- باب: # مسألة: في صلاة الوتر # - وسأل عن صلاة الوتر أفريضة أم سنة؟ # قيل له: قد اختلفوا فيها؛ فمنهم من قال: فريضة. ومنهم من قال: سنة. # ونحن فنحب قول من قال: إنها سنة واجبة من توابع الصلوات. وقد روي عن ~~النبي ^ /334/ «أنه كان يصلي حيثما توجهت به راحلته»، وإذا أراد أن يصلي ~~المكتوبة والوتر نزل عنها وصلى في الأرض. # وقد روي عنه # أنه كان يقول: «ختم الله لكم صلاتكم بصلاة سادسة زيادة لكم ~~على أعمالكم»، وقال: «زادكم الله صلاة سادسة هي خير لكم من حمر النعم، وهي ~~صلاة الوتر»، وأمر بقيامها وإجرائها مجرى المكتوبة في النزول من على دابته؛ ~~ليعلم أنها مفارقة للتطوع، وأنه من الواجبات. PageV02P079 # ووضع ركعاته عن نظائر الفرض لا على منازل النفل، وأفرد له من الوقت ما ~~ذكره من بعد صلاة العشاء الآخرة، وقد أضيفت إلى العشاء كإضافة فرض الوتر ~~لاحق به في الحكم. وقد قيل: إن وقتها من بعد العشاء الآخرة إلى طلوع الفجر، ~~ولا تصلى جماعة إلا في شهر رمضان، ويقرأ فيها الحمد وسورة في كل ركعاتها. # وهي ثلاث ركعات للرواية عن النبي ^ «أنه كان يوتر بثلاث ركعات لا يسلم ~~إلا في أخراهن»، وكذلك ms355 روت عائشة «أن النبي ^ لم يكن يسلم في الوتر إلا ~~تسليمة»، وروت أيضا: «أنه كان يوتر بثلاث»، فالوتر لا نظائر له في النوافل، ~~وله النظائر في الواجبات. # ولا أذان له ولا إقامة ولا جماعة فيه، والتارك له كافر. # ومن انتقضت عليه صلاة العتمة فإنه يبدل الوتر إذا كان في وقت العتمة، وإن ~~انقضى الوقت فإنما عليه بدل تلك العتمة وحدها. # وقد قيل: إن من ترك صلاة الوتر والختان استتيب، فإن تاب واختتن وصلى ~~الوتر وإلا قتل. وقد قيل: لا قتل على ترك الصلاة. # وقد اختلفوا في الكفارة على تارك الوتر: فأوجبها عليه بعضهم، وأسقطها آخرون. # وما قرئ في الوتر من القرآن جاز، وفي الرواية «أن النبي ^ صلى الوتر ثلاث ~~ركعات، قرأ في الأولى {سبح اسم ربك الأعلى}، وفي الثانية: {قل يا أيها ~~الكافرون}، وفي الثالثة {قل هو الله أحد}». # وقد روي «أنه أوتر بواحدة»، وقد روي أنه قال: «صلاة المغرب وتر صلاة ~~النهار، فأوتروا صلاة الليل». وقيل: إنه قال: «زادكم الله صلاة هي خير لكم ~~من حمر النعم، وهي الوتر». /335/ # وقد بلغنا أن معاوية كان يوتر بركعة، فقال ابن عباس: "ويحه، من أين عرف ~~هذا لا أم له، أما إذا عرف ذلك فلا يزيد على ركعة". PageV02P080 # ومن صلى الوتر ثلاثا ثم شك فيه فيوتر بثلاث، وإن أوتر بواحدة أجزأه على ~~بعض القول، وثلاث ركعات أفضل الوتر. وهو ثلاث في الحضر والسفر، وبعض قال ~~بواحدة في السفر، والله أعلم. # ولا يصلى الوتر جماعة إلا في شهر رمضان عند أصحابنا. # وقد اختلف الناس: في القنوت في الصلاة. ونحن على تركه. # وقد روي عن عبد الله بن مسعود قال: «لم يقنت رسول الله ^ في شيء من ~~الصلوات، وكان إذا حارب قنت في الصلاة»، وقال بعض: «قنت رسول الله ^ في ~~صلاة الفجر ثلاثين غداة، يدعو الله على حي من بني سليم ثم تركه». وقد روى ~~أنس بن مالك «أن رسول الله ^ لم يقنت إلا لأمر يكون». وقد قيل: «كان يقنت ~~حتى نزلت: {ليس لك ms356 من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم}، فترك رسول الله ~~^ القنوت». # وروى أنس بن مالك عن أبيه قال: صليت مع رسول الله ^ خلف أبي بكر وعمر ~~وعلي، فما قنت منهم أحد. # وقد روي عن النبي ^ «أنه لم يقنت بعد قتل أهل بيت معاوية». . # وهذه الأحاديث تدل على أن القنوت كان دعاء منه على القوم الذين قتلوا ~~الأنصار ثم تركه -إن صح ذلك-، ولم يمت ^ على القنوت، والقنوت كلام. # وقد قال ^: «إن صلاتنا هذه لا تصلح أن يتكلم فيها بشيء من كلام ~~الآدميين»، والقنوت هو من كلامهم، ونحن على ترك ذلك. # وقد قيل عن بعض المسلمين أنه قال: لا يصلى خلف من تعلم أنه يقنت، ولا ~~تتولى من يقنت في الصلاة، والله نسأله العصمة والتوفيق. PageV02P081 # وأما من زعم أن القنوت في الوتر، وتأول «أن رسول الله ^ كان يوتر بثلاث ~~ويقنت في الثالثة منهن قبل الركوع»، وكذلك روي عن ابن مسعود «أن رسول الله ~~قنت قبل الركوع في الوتر»، /336/ والله أعلم. ولعله كان في تلك الأيام التي ~~كان يدعو فيهن على الحي من بني سليم حتى نزلت {ليس لك من الأمر شيء أو يتوب ~~عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون}. # وإذا كان القنوت مختلفا فيه في الوتر، وأنه لا يجوز في غيره فلا فساد على ~~من ترك القنوت، وتركه أحوط من الشبهة، ونحن فنرى {قل هو الله أحد * الله ~~الصمد * لم يلد ولم يولد} في آخر ركعة من الوتر كأن القنوت ثناء، ف{قل هو ~~الله} أفضل. # 62- باب: # مسألة: في صلاة التطوع والسنن والفضائل # - وسأل عن صلاة التطوع التي على أثر الصلاة وقبلها؟ # قيل له: ذلك على وجه؛ فمنها: # - صلاة التراويح في شهر رمضان، وتصلى جماعة أحب إلينا، وأن تصلى عشرين ~~ركعة أحب إلينا، وقد أجمع أصحاب النبي ^ على صلاة القيام، وأمر بذلك عمر بن ~~الخطاب، وجعلهم يصلون قياما جماعة، وما صلى من ذلك ثلاث تراويح أو خمسا فله ~~الفضل، ويسلم في كل ركعتين تسليمة. # ومن لم يصل التراويح فقد ترك فضلا عظيما. ms357 # ويقرأ في صلاة التراويح الحمد وسورة، أو ما فتح الله، وإن لم يحسن إلا ~~سورة أو اثنتين رددهما في الصلاة. وإن لم يحسن الإمام أن يقرأ فقرأ صبي من ~~خلفه جاز، ويتلو الإمام بقية الصلاة من الركوع والسجود وغير ذلك، والله أعلم. # - وأما ركعتي الفجر: فمن أوكد فضائل سنن الصلاة، ألا ترى إلى ما روي عن ~~النبي ^ أنه قال: «لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر»، فلم يستحب ~~شيئا من التطوع في هذا الوقت غير ركعتي الفجر، فلولا تأكيدهما لم يكن ذلك ~~وقتا لهما. PageV02P082 # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها»، ولأن ~~صلاة الفجر إذا فاتت صلى معهما ركعتي الفجر، وليس كذلك سنن الصلاة؛ ولأن ~~السنن إذا زال وقتها فإن تأكيدها قد زال. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «من فاتته ركعتا الفجر فيصلهما إذا طلعت ~~الشمس». وقد روي عنه ^ «أنه ما تركهما في حضر ولا سفر». # ويستحب لمن صلاهما إذا انفجر الصبح ألا يكون بعدهما كلام إلا بذكر الله. # وكذلك لا صلاة حتى يصلي الفجر، ومن تكلم فلا نقض عليه. # وقد روي «أن النبي ^ كان /337/ يصلي إذا طلع الفجر ركعتين، ويقرأ في ~~الأولى فاتحة الكتاب و{قل يا أيها الكافرون}، وفي الثانية {قل هو الله أحد ~~* الله الصمد}»، ولا يصليهما حتى يطلع الفجر؛ لأنهما ركعتا الفجر، فلا ~~يكونان قبل وقتهما. # ومن جاء إلى صلاة الجماعة دخل فيها، وأخرهما إلى طلوع الشمس ثم صلاهما، ~~وإن مر بحاجة له ركعهما حيث كان بعد طلوع الشمس. # - وأربع ركعات قبل صلاة الظهر: لما روي «أن النبي ^ كان يصلي قبل الظهر ~~أربع ركعات، ويصلي بعدها ركعتين»، ويقرأ في جميع النوافل الحمد وسورة. # وقد روي عن النبي ^ صلى حين زالت الشمس أربع ركعات، وقال: «ليرفع عملي في ~~عمل العابدين»، وقد روي عنه النبي ^ أنه قال: «بعد كل صلاة ركعتان إلا ~~الفجر والعصر». PageV02P083 # - وبعد المغرب ركعتان: عن علي بن أبي طالب قال: سألت النبي ^ عن قول الله ~~تعالى: {فسبحه وأدبار ms358 السجود} قال: «ركعتان بعد المغرب، {وإدبار النجوم} ~~قال: ركعتا الفجر». عن عائشة: «أن النبي ^ كان يصلي في رمضان وغيره إحدى ~~عشرة ركعة أربعا أربعا، ثم يوتر بثلاث»، وهذا أفضل. # وقد روي عن النبي ^: «كان يوتر بخمس وسبع وثلاث»، وقد روي أن النبي ^ أنه ~~قال: «بعد صلاة المغرب ركعتان». # - وصلاة الليل: كذلك كلها مثنى مثنى، يحتمل الجلوس بين كل ركعتين ليفصل ~~بينهما. # - وأما صلاة النهار: فإن شئت فصل ركعتين، وإن شئت فصل أربعا، ونحن نسلم ~~في كل ركعتين. # والرجل يصلي التطوع على دابته حيث توجهت به؛ لما روي عن النبي ^ أنه: ~~«كان يصلي التطوع على راحلته»، وقد «نهى ^ عن الصلاة بعد صلاة العصر حتى ~~تغرب الشمس، وبعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس». # وقد روي عنه أنه قال لرجلين: «إذا صليتما في رحالكما ثم أدركتما الجماعة ~~فصليا معهم؛ لأنها لكما نافلة». # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة ~~التي أقيم لها»، يعني: في ذلك المسجد. # ويستحب لمن يصلي ركعتي الفجر في منزله ثم يأتي المسجد أفضل له. # ومن /338/ صلى التطوع عند من يصلي الفريضة فلا يجهر بالقراءة فيها ليغلط ~~على من يصلي الفريضة. # ومن صلى التطوع قاعدا فلا بأس. PageV02P084 # - وصلاة الضحى: من فضائل السنن، وقد روي عن النبي ^ «صلى الضحى يوم فتح ~~مكة». قال قوم: ركعتين. وقال قوم: أربعا. وفي بعض الكتب عن أم هانئ «أنه ~~صلاها ثماني ركعات»، وقد روي «أنه لم يصل الضحى إلا مرة ثم لم يعد». وكانت ~~عائشة تسمى تسبيحات الضحى. # وقد روي عن ابن عباس قال: ما ظننت لصلاة الضحى هذه الفضيلة حتى أتيت على ~~هذه الآية: {إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق}. # وقد قيل: إن أفضل صلاة الضحى إذا رمضت الفصال. # وقد قيل: إن من صلى الضحى بقدر ما تكون الشمس من المشرق كما تكون من ~~المغرب عند العصر، فهو عظيم الأجر إن شاء الله. وما صلى أجزأ. وكلما صلى ~~المصلي أكثر كان أفضل له. ولا يحافظ على صلاة ms359 الضحى إلا كل من يطلب الخير، ~~وهي صلاة الأوابين. # [في صلاة الجماعة] # ومن خاف فوت الجماعة صلى صلاة الفجر جماعة، وأخر الركعتين إلى طلوع الشمس. # وكل مسجد يؤذن فيه ويصلي فيه إمامه فلا تصلي فيه جماعة أخرى تلك الصلاة، ~~بعدما صلاها الإمام جماعة. # وأما الموضع الذي ليس فيه إمام فعلى قول: جائز لمن جاء من بعد أن يصلي ~~تلك الصلاة جماعة، وذلك أن يصلي الإمام مؤخر المسجد أو كان في الحجرة، ~~ويبقى شيء يقطع بينه وبين الإمام. # وركعتا الفجر: لا يجوز أن تصليا في المسجد والإمام يصلي الجماعة. # وإن جاء قوم إلى المسجد قبل أن يصلي فيه إمامه صلوا فيه جماعة؛ فعلى قول: ~~على الإمام أن يصلي بهم تلك الصلاة جماعة؛ لأنه أولى بذلك منه، وفيه نظر. # وإن صلى الإمام وحده وجهر بالقراءة ولم يحضره أحد؛ فقد قيل: يجوز لمن جاء ~~من بعده أن يصلي تلك الصلاة جماعة في ذلك المكان؛ لأن تلك الصلاة لم تكن ~~جماعة؛ لأنه صلى وحده. PageV02P085 # وفيمن يركع مع الإمام فيمنعه الزحام عن السجود؛ فإنه يسجد ولو على ظهر ~~رجل. وقيل: ينتظر فإذا رفعوا رؤوسهم سجد. # وسئل: عن العذرة إذا كانت بين يدي المصلي، أو ميتة وبينه وبينها أقل من ~~ثلاثة أذرع رطبة كانت أو يابسة: قيل له: تقطع على من كانت بين يديه أو ~~أمامه صلاته، إذا كان بينه /339/ وبينها أقل من ثلاثة أذرع، وإن كان بينه ~~وبينها ثلاثة أذرع لم تقطع الصلاة. # وقد قيل: في اليابسة باختلاف. وقالوا: إن اليابسة مثل الرطبة. وقيل: لا ~~تضره اليابسة ما لم تمسه أو تكون بينه وبين سجوده. # وإن كانت عن يمين وشمال لم تضره ما لم تمسه أو يعرض بوجهه عنها. # وإن كانت يابسة وضع عليها حصيرا وصلى، ولا بأس ما لم تلصق بالحصير. # ومن دخل في صلاة الجماعة وقد كانوا سبقوه بشيء منها، فإذا قعد الإمام ~~لقراءة التحيات الآخرة قعد وقرأ معهم التحيات، وأمسك عن الدعاء، فإذا سلم ~~الإمام قام فابتدأ بما سبقه به. # [فيمن قاء ms360 أو رعف في الصلاة] # وقد اختلفوا فيمن قاء أو رعف وهو يصلي؛ فقال قوم: يتوضأ ثم يبتدئ الصلاة. ~~وقال آخرون: يبني على صلاته. # وإن كان إماما؛ فقال قوم: ينظرونه. وقال آخرون: لا ينظرونه. # وإن تكلم صاحب القيء والرعاف بشيء مما ينقض الصلاة انتقضت صلاته، وإن ~~أحدث حدثا أو مسته النجاسة نقض صلاته، وكذلك في الطهارة. # [فيما يقطع الصلاة] # وقد اختلفوا في قطع الطريق بين الصفوف في الصلاة: # فقال قوم: يقطع. وقال آخرون: لا يقطع. وكذلك إذا كانت أمام المصلي. # واختلفوا إذا كان بين المصلي وبين من يقطع عليه نهر جار، والطريق لا تقطع ~~الصلاة من مر فيها، وإذا مر فيها ما يقطع على المصلي صلاته قطع عليه. # واختلفوا في قطع صلاة من يصلي خلف الطريق والنهر الجاري؛ فمنهم: من لم ~~ينقض صلاته. ومنهم: من نقض صلاته. # والصلاة في الطريق لا تجوز. PageV02P086 # ومن صلى وعليه رداء وقميص وإزار فسقط الرداء تركه وصلى بما بقي عليه، إلا ~~أن يخاف عليه، أخذه واستأنف صلاته، وإن كان لم يتباعد عنه إلا قدر خطوة أو ~~خطوتين سحب رجليه إليه سحبا وأخذه وبنى على صلاته. # ويكره للمصلي أن يراوح بين قدميه في الفريضة إلا من عذر، ولا بأس في ~~النافلة. # ومن شبك بين أصابعه في الصلاة أو رفع قدميه انتقضت صلاته. # وكذلك من نقع أصابعه. وإن أكله الناخي برجليه فحكه بيديه. # ومن عطس في الصلاة قال: "الحمد لله" سرا في نفسه. # وإن تكلم بكلمة في صلاته، ثم حمد الله نقض صلاته. # ومن عض على شفتيه في الصلاة /340/ يكره له، ولا نقض عليه في صلاته. والذي ~~يتكلم بالكلمة للتحيات مرتين مكررا يكره له ولا نقض عليه. # واختلفوا فيمن يسمع أذنيه القراءة في صلاة النهار، وأنا أحب قول من أجاز ~~ذلك؛ لأن القراءة لا تعرف و[لا] تبين إلا بذلك، وجائز له أن يسمع أذنيه ~~القراءة في صلاة الليل. # 63- باب: # مسألة: في التشاغل في غير الصلاة وتركها # - وسأل عن تارك الصلاة، ما يجب عليه؟ # فقد قيل: إن تارك الصلاة ms361 متعمدا يكفر بذلك، وعليه التوبة، وبدل الصلاة، ~~والكفارة. # وقد اختلفوا فيمن ترك صلوات كثيرة؛ فقال قوم: كفارة واحدة تجزئه عن جميع ~~الصلوات مع التوبة والبدل. وقال آخرون: لكل صلاة كفارة. # ومن تشاغل عن الصلاة بشيء غيرها حتى تفوت وهو ذاكر لها فلا عذر له، وعليه ~~البدل والكفارة. # ولا يجوز ترك الصلاة لذهاب مال وعمل من أعمال الدنيا والآخرة إلا لعذر. # ومن يشرب من الشراب حتى يسكر ويترك الصلاة فلا عذر له وعليه الكفارة. PageV02P087 # ومن ترك الصلاة بديانة متأولا أنها ليست عليه ثم تاب: فقد قالوا: لا ~~كفارة عليه. وإن تركها بتحريم متجاهلا فلا عذر له، وتلزمه الكفارة والبدل ~~والتوبة، ويبدل مذ ترك الصلاة إلى يومه الذي يصلي فيه؛ لأن في الحديث أنه: ~~«لا صلاة لمن عليه صلاة». # وقد قيل: من أنكر الصلاة مستحلا لها وجاحدا لفرضها قتل، ولا كفارة عليه. # وإن تركها متهاونا وهو مقر بها فلا يقتل، ولكن يحبس ويشدد عليه حتى يصلي. # وقد قيل: يضرب ويؤمر بالصلاة، ويقال له: صل. # وفي بعض القول: من تشاغل عن صلاة الظهر حتى يدخل وقت صلاة العصر أنه لا ~~كفارة عليه؛ لأنه زعم أن وقت الظهر داخل في وقت صلاة العصر. # ومن أغمي عليه حتى يذهب وقت الصلاة فلا كفارة عليه ويصلي إذا أفاق. # والمجنون لا كفارة عليه ولا بدل، إلا من كان يعقل في وقت الصلاة ثم جن، ~~فإن أفاق فعليه البدل. # والمغمى عليه قالوا: إن دخل عليه وقت الصلاة وهو لا يعقل فلم يفق حتى ذهب ~~وقت الصلاة أنه لا بدل عليه. # والمرأة إذا طهرت من الحيض أو وطئها /341/ زوجها وكانت في معالجة الغسل ~~حتى فات وقت الصلاة: قد قيل: لا كفارة عليها إذا لم تفرط في ذلك. # وأما أهل الوسواس إذا قعدوا في الماء في وسواسهم حتى تفوت الصلاة لزمهم ~~الكفارة. # ومن لزمه الصلاة بالماء فلم يصل، أو كان معدما لزمه التيمم، فإن لم يفعل ~~وترك التيمم والوضوء لم يعذر بذلك ولزمه الكفارة والبدل. # ومن لزمه صلاة التكبير وتركها ms362 فلا عذر له في ذلك. وقد قيل: لا كفارة عليه. # ومن صلى بالصعيد وهو واجد للماء أبدل، ولا كفارة عليه، والله أعلم ~~بالصواب. # 64- باب: # مسألة: في صلاة السفر # - وسأل عن صلاة السفر، من أين جاز أن تصلى ركعتين دون أربع؟ PageV02P088 # قيل له: ذلك سنة الرسول # وإجماع المسلمين على ذلك، وقد نزل القرآن ببيان ~~ذلك على محمد ^ قوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن ~~تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا}، إلا صلاة المغرب فليس ~~فيها نقصان، وصلاة الفجر. # وقد قيل: إن عمر بن الخطاب ~ أنه سأله رجل فقال: يا أمير المؤمنين، لم ~~جاز قصر الصلاة في الأمن، والله تعالى يقول: {إن خفتم أن يفتنكم الذين ~~كفروا}؟ فقال له عمر: قد عجبت مما عجبت، فسألت رسول الله ^ عن ذلك فقال: ~~«صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته». # وقد روي عن ابن عباس أن نبي الله أقام بمكة ثمانية عشر يوما يقصر الصلاة، ~~ويقول لأهل مكة: «أتموا أنتم صلاتكم». وقد قيل: فعل ذلك عمر بن الخطاب ~ ~~بعد النبي ^، وكان يقول لأهل مكة: "أتموا أنتم صلاتكم فإنا قوم مسافرون". # وقد روي عن عمر أنه قال: صلاة السفر قصرا ركعتان تمام غير قصر على لسان ~~نبيكم ^. وقد روي عن عائشة أنها قالت: «أول ما فرض الله الصلاة ركعتين، ~~فزيد في كل الصلوات ركعتان في الحضر»، إلا صلاة المغرب فإنها وتر النهار ~~وتركت بحالها، والفجر بحالها لطول القراءة فيها. # وروى أنس بن مالك أن رسول الله ^ كان من أخف الناس صلاة تماما؛ لأن رسول ~~الله ^ /342/ سمى ركعتين تماما. وروى ابن مسعود «أن النبي ^ كان يصوم في ~~السفر ويفطر ولا يزيد على ركعتين». # وقد اختلفوا في مدة السفر الذي تقصر الصلاة فيه؛ فقال قوم: إن صلاة السفر ~~قصر لقول النبي ^: «صدقة تصدق الله بها على المؤمنين فاقبلوا صدقته». PageV02P089 # وقال آخرون: ركعتان تمام في السفر؛ لما روي عن النبي ^ أنه قال: «صلاة ~~السفر ركعتان تمام». # وقد اتفقوا أن صلاة السفر ركعتان إلا ms363 المغرب. ونحن نقول بذلك لسنة رسول ~~الله ^؛ لأنه هو المبين لأمته، وقد عرفهم صلاة الحضر وصلاة السفر، ولولا ~~ذلك لما عقلوه. # والسفر الذي يجوز فيه صلاة السفر فرسخان معنا؛ لما روي عن النبي ^ «أنه ~~كان إذا خرج من يثرب حاجا أو غازيا صلى صلاة السفر في الحليفة»، وبينهما ~~فرسخان من المدينة. # وقد روى بعض: أن النبي ^ خرج من المدينة بأصحابه حتى إذا صار في الحليفة ~~صلى فيها صلاة السفر ركعتين ثم رجع، فسئل عن ذلك فقال: «أردت أن أعرفكم ~~صلاة السفر»، أو قال: «حد السفر»، فبهذا تعلقنا، ولم نأخذ بقول من قال ~~بمسيرة ثلاثة أيام. # والاتفاق من أصحابنا وبعض مخالفيهم أن المسافر ما لم يدخل بلده وعمرانه ~~لم يصر مقيما. # وكذلك إذا خرج منه يريد سفرا يتعدى فيه الفرسخين صلى صلاة السفر حتى ~~يرجع. (والفرسخ قيل: اثنا عشر ألف ذراع). # وما كان المسافر في حد السفر فهو يصلي صلاة السفر حتى يرجع إلى بلده أو ~~ينوي المقام في موضع. ألا ترى أن رسول الله ^ كان إذا سافر صلى صلاة السفر ~~حتى يرجع، كذلك الأئمة من بعده. # ومن نوى المقام في سفره فقد لزمه صلاة المقيم، فإن عزم على الخروج فهو ~~على تمام الصلاة حتى يخرج ويصلي صلاة السفر. # والصبي تبع لوالديه في الصلاة حتى يبلغ، فإذا بلغ لم يكن تبعا لهما. # والعبد تبع لمولاه في الصلاة. # والمرأة تبع لزوجها أيضا، إلا أن يكون لها شرط سكن في موضع معلوم. PageV02P090 # والمرأة فهي تتم الصلاة لحال شرطها. وحيث خرجت مع زوجها فهي تقصر الصلاة، ~~إلا أن تدع شرطها وتنوي المقام. وإن كان زوجها في بلدها ولم يكن /343/ لها ~~شرط فإنها تتم الصلاة حتى يخرج بها. فإذا سافرت معه ثم رجعت فهي تبع له. # واتصال العمار: النخل والمنازل والأودية التي بين القرى لا تقطع العمار, ~~إلا أن يكون الوادي يقطع على شيء قليل من النخل والبيوت. # ومن خرج مسافرا سفرا يتعدى فيه الفرسخين، وصلى صلاة السفر، ثم لقي حاجته ~~دون الفرسخين؛ فإذا كان ms364 على نية السفر صلى صلاة السفر. وإن نوى الرجعة أتم ~~الصلاة ما لم يصل حد الفرسخين. وإذا عاد إلى نية السفر فهو على تمام الصلاة ~~حتى يخرج مسافرا. # ومن ائتم من المقيمين بمسافر صلى معه أربعا؛ لأنه دخل في صلاته في أولها ~~وآخرها؛ لأن رسول الله ^ قال: «صل ما أدركت واقض ما سبقك»، فوجب عليه تمام ~~الصلاة لاتباعه إياه ودخوله معه، كالمرأة إذا دخلت في صلاة الجمعة لزمتها ~~بدخولها فيها، وسقط عنها فرض الظهر. # ومن نسي صلاته في سفر فذكرها في الحضر: صلاها صلاة السفر. وقال آخرون: ~~يصليها تماما؛ لأن ذلك وقتها. كما قال رسول الله ^: «من نام عن صلاة أو ~~نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها»، فأمر بقضائها على أي حال ذكرها فيه. # كذلك إذا نسي في حال صحته ثم ذكرها في مرضه صلاها صلاة المريض، فإن فاتته ~~وهو مريض فذكرها وهو صحيح صلاها صلاة الصحيح. # كذلك من نسي صلاته في الحضر فذكرها في السفر صلاها صلاة السفر، وقد قال ~~الله تعالى: {وأقم الصلاة لذكري}. # وإن صلى مسافر بمسافرين ومقيمين صلاة السفر وصلى معهم المقيمون فإذا قضى ~~المسافرون صلاتهم سلموا، وأقام المقيمون قبل أن يسلموا فأتموا ما بقي عليهم ~~من صلاتهم فرادى بلا إمام. كذلك روي عن النبي ^. PageV02P091 # مسألة: [في الجمع في السفر] # وسأل عن الجمع بين الصلاتين في السفر؟ # قيل له: قد قالوا بذلك، وأن رسول الله ^ قد جمع في السفر وفرق. وقد أجاز ~~الجمع للمريض وفي اليوم المطير، وللمستحاضة، وذلك كله رخصة للمشقة ويسر من ~~الله. فمن سار جمع، ومن كان لابثا صلى كل صلاة في وقتها صلاة سفر. وقد ~~أجازوا له أن يجمع. # وقد روي «أن النبي ^ جمع في غزوة تبوك وغيرها، وكان إذا حضرت الصلاة في ~~المنزلة وهو نازل لم يرحل /344/ حتى يصلي، ويجمع ويجر الآخرة إلى الأولى. ~~وإذا حضرت الصلاة وهو سائر أخرها إلى الآخرة، وإذا نزل صلاهما جميعا» فهذه ~~سنة تؤيد صلاة الجمع للمسافر. # ويجوز أن تجمع في أول الوقت وآخره بعد ms365 أن ينوي، وقد روي عن النبي ^ أنه ~~كان يجمع بين الصلاتين الأولى والعصر، ويجمع بين المغرب والعشاء في السفر، ~~كان يؤخر صلاة المغرب ويقدم صلاة العشاء، ويؤخر صلاة الأولى ويقدم صلاة ~~العصر ويصليهما جميعا، ويخفف في الركوع والسجود، ويدعو لأمر الآخرة، وإن ~~كان في صلاة التطوع دعا لأمر الدنيا والآخرة. # وقد روي عن بعض أصحاب رسول الله ^ قال رأيت رسول الله ^ «صلى صلاة الآخرة ~~لميقاتها الأصلي في عرفة وجمع، وأنه جمع بعرفة ومزدلفة، أخر هذه وعجل هذه». ~~وفي حديث: أن عمر أخر المغرب حتى إذا كاد الشفق أن يغيب فنزل فصلى المغرب، ~~ثم غاب الشفق وصلى العشاء. # وعن معاذ أن النبي ^ «أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء». # وأما الجمع بعرفات فإن ذلك يجب أن يكون مخصوصا لاتصال الدعاء. فهذه ~~الأخبار مختلف فيها، وأنه صلى في أول الوقت وآخره، وأجاز ذلك فواجب اتباعه. # وقد بلغنا عن النبي ^ «أنه جمع في السفر وفرق». PageV02P092 # فالجمع يجوز في أول الوقت إلى آخره منذ تزول الشمس إلى أن يغيب منها قرن، ~~جمع الظهر والعصر جائز. ومنذ تغرب الشمس إلى أن يخلو ثلث الليل يجوز جمع ~~العشاء والمغرب، وإن كان رستاق يرى بعضه بعضا أو نخل متصلة لم يجمع حتى ~~يخرج من العمار. وإذا دخل العمار لزمه التمام. # وإن كانت قرى متفرقة بائن بعضها من بعض فإنه يجمع ما لم يدخل عمار بلده. # ومن سها عن نية الصلاة ولم ينو أن يجمع ولم يفرق حتى فات الوقت ثم يصلي ~~جمعا؛ فإنه إن صلى جمعا في وقت الآخرة فلا كفارة عليه، وفي ذلك اختلاف. # والذي يجمع إذا أراد أن يدخل بلده فله أن يجمع الصلاتين ويدخل بلده. # ومن خرج من بلده وقد دخل وقت الصلاة؛ فقال قوم: يصليها تماما ويؤخر ~~الآخرة إلى وقتها. وقال آخرون: يصلي الحاضرة تماما ويجر إليها /345/ الآخرة ~~قصرا. وقال قوم: يصليها صلاة السفر جمعا. # ومن أخر صلاة السفر حتى دخل بلده ولم يصلها؛ فإن كان دخل بلده وقد فاتت ~~الصلاة؛ فعليه ms366 البدل والكفارة. # ومن كان يجمع فصلى الأولى ونسي الآخرة وظن أنه قد جمع ثم ذكر أنه لم يصل ~~الآخرة؛ فإن كان في وقت الأولى أخر الآخرة إلى وقتها وصلاها صلاة السفر، ~~وإن كان في وقت الآخرة أعاد الأولى ثم جر إليها الآخرة. # وإن وجد المريض خفا من مرضه بعد أن صلى واحدة؛ فإن كان في وقت الأولى أخر ~~الآخرة إلى وقتها. وإن كان في وقت الآخرة صلاهما جميعا. # وإذا كان شرط المرأة في غير سكن معروف انتقض، وإن كان معروفا فلها شرطها ~~وتتم في بلدها، وحيث خرجت مع زوجها صلت صلاة السفر. # وعن رجل له زوجة وعبيد وأولاد صغار، وأنه خرج إلى بلده وأقام فيه وخرجوا ~~إليه؛ فأما عبيده: فإن خرجوا إليه برأيه صلوا بصلاته، وإن كان بلا رأيه ~~صلوا صلاة السفر حتى يرجعوا إلى مواضعهم، أو يأذن لهم سيدهم في الإقامة ~~فيتموا الصلاة. PageV02P093 # وأما الزوجة: تصلي صلاة السفر حتى يأمرها بالمقام معه، وأولاده الصغار ~~تبع له، وإن أمرهم وأمر الزوجة بالمقام في بلدهم قصروا حتى خرجوا. # والبادي الذي يكون في البلد إذا سار صلى صلاة السفر، وإذا ضرب عموده أتم ~~الصلاة، إلا أن يكون له بيت أو مقيل وهو سائر. ويصلي صلاة السفر مذ يخرج من ~~بلده قدر ما لا يسمع الأصوات. # والإمام إذا عقد له في موضع الإمامة ونوى المقام أتم الصلاة ولو لم يكن ~~بلده ذلك، فإن سافر فعليه صلاة السفر. # ومن وصل إليه من الشراة والمدافعة ممن يلزمهم طاعته فلا يخرجون إلا ~~برأيه؛ فإنهم يتمون الصلاة، وإن لم يعزموا على المقام قصروا الصلاة. # والوالي يتم الصلاة في موضع ولايته، وإذا سافر صلى صلاة السفر وأصحابه ~~تبع له في الصلاة . # مسألة: [الصلاة في السفينة] # - وسأل عن الصلاة في السفينة؟ # قيل له: الصلاة في السفينة كمثل الصلاة على الأرض إلا أن السفينة هي على ~~الماء. وقد اختلفوا في الصلاة فيها، فأما القيام والقعود والسجود والركوع ~~فمختلف فيه. # والإنسان يصلي كما أمكن له، ولا يسقط فرق القيام منه إلا ms367 بالعجز عنه، ~~والسجود /346/ مثل القيام. # والمسافر في البحر يصلي صلاة السفر إذا ركب السفينة وخرج من عمران بلده، ~~فهو سافر ولو أقام ما أقام في المكلا. والجمع جائز له في السفر في ذلك. # واختلافهم فيما يسجد عليه: قال قوم: لا يسجد على ما يرفع ويوضع، ولا يسجد ~~على المتاع، ويسجد على ما هو موثوق بالمسامير في السفينة، وما هو ثابت فيها. # وقال قوم: لا بأس أن يسجد على كل ما أنبتت الأرض، ومما هو موثوق وغير موثوق. # وقال قوم: يجعل حصيرا مصلى ويصلي ويسجد عليه. # وقال قوم: يصلي بالإيماء في البحر والوحل و الماء، ولا يقوم في السفينة ~~إذا كانت واقفة، وإلا فهو يصلي قاعدا بالإيماء. PageV02P094 # والذي يصلي قائما يسجد، والاختلاف كثير في ذلك، وبالله التوفيق. # وقال قوم: إن سجد على ما أنبتت الأرض فلا بأس. # ومنهم من قال: يتخذ حصيرا يصلي عليه ويسجد. وإن اشتد موج البحر فاستند ~~إلى خشبة، أو أمسك بحبل من السفينة فلا بأس. # وجائز لأهل السفينة أن يصلوا جماعة، ولا يتقدموا الإمام، ولكن يكونون ~~خلفه وعن يمينه وشماله، وإن تقدمه أحد منهم فسدت صلاته. وإن لم يمكنهم أن ~~يصلوا جماعة صفوفا صلى كل واحد منهم في موضعه بصلاة الإمام جماعة. # والصراري وغيرهم جائز لهم أن يصلوا بصلاة الإمام حيث كانوا، ولا يقوم ~~الذين يصلون خلف الإمام وهو قاعد، ولا يسجدوا وهو يومئ. # فإن صلى إمام بعد إمام في السفينة جماعة فلا بأس، وإن صلى على شيء مرتفع ~~جاز أن يومئ لبقية الصلاة. # وإذا كان الإمام على غير نبات الأرض، والذين خلفه على نبات الأرض لم تجز ~~صلاتهم بصلاته. # 65- باب: # مسألة: في صلاة المريض # - وسأل عن صلاة المريض؟ # قيل له: المريض يصلي كما أمكن له، فإن قدر المريض أن يصلي قائما صلى، وإن ~~لم يقدر صلى قاعدا، وإن قدر أن يصل إلى المصلى أو المسجد سجد، وإن لم يقدر ~~صلى على فراشه، وإن لم يقدر أن يسجد أومأ للسجود، وكذلك الركوع، ويكون ~~سجوده أخفض من ركوعه. ms368 وإن لم يقدر أن يصلي قاعدا صلى على جنبه نائما، ~~واستقبل بوجهه القبلة. وإن لم يقدر أن يصلي على جنبه /347/ صلى مستلقيا على ~~قفاه، وتكون رجلاه نحو القبلة ويقبل بوجهه إليها. # وإن قدر يقرأ قرأ، وإن لم يقدر كبر خمس تكبيرات، وإن لم يقدر كبر له مكبر ~~وهو يتبعه، وإن لم يقدر فلا يكلف الله نفسا إلا وسعها. # فأما إن لم يمكنه التحول عن فراشه صلى عليه، وإن كان غير طاهر إذا حول ~~اشتد عليه ترك بحاله وصلى بالإيماء. وإن كان ثوبه غير طاهر وإن لم يمكنه أن ~~يخرج من عليه صلى به، فإن طرح عليه ثوب طاهر وصلى على حاله. PageV02P095 # فإن لم يقدر يصلي كل صلاة في وقتها جمع، وإن لم يقدر أن يحفظ وضوءه جمع ~~الصلاتين. فقد أجاز بعضهم أن يجمع بالتكبير، وإن اشتد عليه الحركة والوضوء ~~وزادت العلة تيمم بالتراب، ولا يسجد على عود ولا فراش ولا وسادة. # وإن كان المريض مسترسلا بطنه لا يرقأ فإنه يتوقى بثوب لثيابه التي يصلي ~~بها ثم يصلي وإن لم يمكنه ذلك. وإن لم يمكنه أن يصلي قائما صلى قاعدا، وإن ~~لم يمكنه حفر حفرة، وتشاجى عليها وصلى قاعدا. # والمستحاضة إذا لم يرق دمها تغسل وتستثفر بثوب وتصلي جمعا. # ومن به سلس البول والغائط إذا لم يرق فله الجمع جائز إن كان مريضا. ~~والمبطون يجمع الصلاتين. # والذي به الرعاف والمستحاضة، وكل من كان به دم لا يقرأ، فإنه يصلي كما ~~أمكن له، ولا يترك الصلاة. والذي به دم لا يرقأ من فيه أو منخريه، فإنه ~~يجعل رمادا أو رملا يصلي بالإيماء كما أمكن له. # والطهارة بالماء لازمة لكل من وصفنا، إلا لمن تزداد به علة، فالتيمم مجزئ له. # والمريض إذا لم يقدر أن يصلي قائما صلى قاعدا، فإن وجد قوة ابتدأ الصلاة، ~~وإن صلى قائما ثم وجد ضعفا قعد وبنى على صلاته. # وفي الحديث «أن النبي ^ جمع في المطر في المسجد الحرام»، وفي بعض الحديث: ~~«إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال». ms369 # والمريض إذا لم يقدر على النزول وهو على الدابة صلى عليها للعذر، وإن شق ~~على المريض أن يستقبل القبلة فحيث كان وجهه يصلي، وقد أجازوا للمريض الذي ~~لا يستمسك بطنه أن يتيمم ويكبر خمسا. # 96- باب: # مسألة: في صلاة الخوف/348/ # - وسأل عن صلاة الخوف؟ PageV02P096 # قيل له: الخائف على دمه يصلي كما أمكن له، قال الله تعالى: {فإن خفتم ~~فرجالا أو ركبانا}؛ يقول: صلوا على أرجلكم وعلى دوابكم حيث كانت وجوهكم، ~~فمن لم يستطع السجود في الأرض صلى بالإيماء. قال الله تعالى: {فإذا ~~اطمأننتم فأقيموا الصلاة} كما علمكم الله الصلاة عند الخوف، جائزة على ~~الدواب والرحال. # وصلاة الطعان والمسايفة والضراب خمس تكبيرات حيث كان وجهه، وصلاة المطلوب ~~بدمه الهارب خمس تكبيرات، فأما الطالب فصلاته تامة، |والله أعلم|. # 97- باب: # مسألة: في صلاة الحرب # - وسأل عن صلاة الحرب عند مواقعة العدو؟ # قيل له: قد بلغنا «أن رسول الله ^ صلى صلاة الحرب عند مواقعة العدو مرة ~~واحدة -أو مرتين- جماعة»، ثم لم يصلها بعد ذلك، ولا صلاها أحد من الأئمة بعده. # وهي: عند أصحابنا ركعتان للإمام، لكل طائفة ركعة. فإذا قام الإمام للصلاة ~~قامت معه طائفة، وكانت طائفة منهم نحو العدو وجوههم، ووجهوا وأحرموا جميعا، ~~وإذا رفع الإمام رأسه من السجدتين انصرفت الطائفة التي صلت معه إلى مقام ~~الطائفة التي لم تكن صلت معه، فتصلي مع الإمام الركعة الثانية، وليس على ~~الذين في وجهة العدو تحيات ولا تشهد، ولكن يسلمون إذا سلم الإمام. قال الله ~~- عز وجل - : {فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة}؛ يعني أتموا الصلاة، {إن ~~الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا}. # ولم نسمع لجمع الصلاتين عند الضراب بالتكبير، وأما التكبير للخائف على دمه. # 68- باب: # مسألة: في صلاة الجمعة # - وسأل عن صلاة الجمعة، أفرض أم سنة؟ PageV02P097 # قيل له: فريضة متفق عليها في الأمصار السبعة، ومختلف فيما سوى ذلك من ~~الأمصار، وقد صلاها رسول الله ^ وأوجبها، وصلاها الصحابة من بعده، ومصر عمر ~~أمصار الجمعة، وهي سبعة أمصار كما ذكروا: المدينة، ومكة، والكوفة، والبصرة، ~~والشام، واليمن، والبحرين وعمان مصر ms370 واحد. # وقد روي أن رسول الله ^ أنه أنزل عليه فرض الجمعة بالمدينة /349/ وصلاها ~~في أربعين رجلا. وقد قال الله:{يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم ~~الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله}؛ يعني: امضوا إلى صلاة الجمعة، إلى الركعتين ~~مع الإمام. {وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون}؛ أي: الصلاة خير لكم ~~من البيع. ثم قال: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل ~~الله} يعني: من رزق الله. وقد قال قوم: السعي هاهنا هو العمل. قال الله: ~~{فاسعوا}؛ أي: اعملوا إذا نودي لها. # فإذا زالت الشمس يوم الجمعة حرم |الله| البيع والشراء ووجبت الجمعة، وقد ~~قيل: يجلس الإمام على المنبر، ويؤذن المؤذن بين يديه، ولزم السعي إلى ذكر ~~الله وترك البيع. # فإذا فرغ المؤذن قام الإمام فخطب خطبتين بينهما جلسة؛ لأن الله قال: {إذا ~~نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله}، فليس ذكر بعد الأذان يجب ~~السعي إليه إلا الخطبة. # عن ابن عباس |>| «أن النبي ^ خطب خطبتين، وجلس جلستين». فإذا فرغ الإمام ~~من خطبته أقام المؤذن، وصلى الإمام بهم ركعتين، هكذا روي عن النبي ^، ~~والإجماع عليه. ويقرأ جهرا، ويستحب أن يقرأ في الركعة الأولى فاتحة الكتاب ~~وسورة الجمعة، والركعة الثانية فاتحة الكتاب و{إذا جاءك المنافقون}، وما ~~قرأ جازت به الصلاة، ويجهر بالقراءة. PageV02P098 # وقد روي عن بعض الصحابة أنه قال: «أمرنا أن نقرأ في صلاتنا بفاتحة الكتاب ~~وما تيسر». # ويستحب الغسل يوم الجمعة، وقد روي عن النبي ^ أمر بذلك. وقد قيل: من سنة ~~الجمعة: الغسل والطيب والبخور للجمعة، والإنصات واستماع الخطبة، «ومن لغا ~~فلا جمعة له»، وقد روي ذلك عن النبي ^، وقد روي أنه: «إن قال الرجل لصاحبه: ~~"أنصت" فقد لغا، وإن قال: "صه" فقد لغا». # وقد قيل: إن رجلا قال: "متى نزلت هذه الآية؟"، أراد أن يعرف بنزول آية ~~قرأها النبي ^ في الخطبة، قال: «لا جمعة له». وقد قيل: إنه يبرز من باب ~~المسجد ثم يرجع يدخل، ثم له الجمعة، وفاته ما تقدم من الأجر، ms371 وكان ~~كالمبتدئ. # وقيل: /350/لا تجوز الصلاة في الحر الشديد نصف النهار إلا يوم الجمعة. # وإذا لم يخطب الإمام لم تكن جمعة وصلوا أربعا، ولابد من الخطبة يوم ~~الجمعة، وحيث تلزم الجمعة. # وأقل الخطبة أن يحمد الله، ويصلي على النبي ^، ويستغفر لذنبه وللمؤمنين ~~وللمؤمنات. وإن ذهب الناس عن الإمام وبقي وحده قبل أن يحرم صلى أربعا. وإن ~~أحرم وقد ذهب الناس عنه وقد دخل في الصلاة صلى صلاة الجمعة. وإن صلى معه ~~واحد أو أكثر صلى ركعتين. # وأقل من تجب به الجمعة اثنان غير الإمام؛ لأن الله قال: {فاسعوا إلى ذكر ~~الله}، فإذا سعى إليه اثنان فصاعدا غير المنادي وجبت بهم الجمعة. وقد قيل: ~~بأكثر من ذلك. # وإذا لم يحضر المنادي للجمعة إلا سفار أو نساء أو عبيد أو صبيان لم تكن ~~جمعة وصلى أربعا؛ لأن هؤلاء لا جمعة عليهم. # وقد اختلف أصحابنا في صلاة الجمعة بغير الأمصار؛ فقال بعضهم: ليس جمعة في ~~شيء من أرض الأعاجم. وقال قوم: تجب حيث تقام الحدود عند أئمة العدل. وقد ~~فعلوا ذلك بعمان. ومصر الجمعة من عمان: صحار، ولا جمعة بنزوى إلا مع أئمة ~~العدل على قول، إذا حمى البلاد وأقام العدل. PageV02P099 # ومن ترك الجمعة ثلاثا فهو هالك إذا كان حيث تلزم الجمعة. # وقد روي عن رجل سأل ابن عباس عن رجل لا يصلي جمعة ولا جماعة شهرا؟ قال: ~~"صاحبكم في النار". # وقد أجازوا صلاة الجمعة خلف أئمة الكفر في الأمصار الممصرة؛ لأنهم لا ~~يجدونها في غير ذلك. وقد عملوا بذلك وصلوا خلف الحجاج. # ومن دخل في صلاة الجمعة صلى ركعتين وإن أدرك التشهد؛ لأن النبي ^ قال: ~~«صل ما أدركت» يعني: من صلاة الإمام، «وتقضي ما سبقك به». # وقد قيل: من راح إلى الجمعة فليغتسل. # ومن راح إلى الجمعة في الساعة الأولى فكأنه يهدي بدنة، ولم يعلم أن رسول ~~الله ^ صلى الجمعة في سفر من أسفاره، ولا صلاها في مصر إلا في مصره، ولا ~~تجوز إلا في مصر. # وكذلك روي أنه لم يصل الجمعة ms372 يوم الجمعة بعرفات، وإنما صلى صلاة السفر؛ ~~لأنه لم يجهر بالقراءة، فلا تقام الجمعة إلا في الأمصار، ولا يقيمها إلا ~~سلطان، أو بأمر السلطان /351/ العادل؛ لأنه لا خلاف في الصلاة خلفه، ~~والاختلاف بينهم خلف الجبابرة. # وروى ابن مسعود عن النبي ^ يذكر أن النبي ^ قال: «هممت أن آمر رجلا ينادي ~~بالناس أو يصلي ثم أحرق على رجال يتخلفون عن الجمعة بيوتهم». # ومن تكلم والخطيب يخطب فقد لغا. # وقد قيل: |إن| من قال عند تسوية الصفوف بعد الخطبة لرجل تقدم فلا بأس، ~~ويكره مع الخطبة ذلك. # وقد قيل: إن الجمعة يحضرها ثلاثة رجال: رجل يحضرها بسكوت وإنصات فذلك ~~حقها، ورجل يحضرها بدعاء فذلك رجل سأل ربه إن شاء أعطاء وإن شاء منعه، ورجل ~~يحضرها بلغو فذلك حظه منها. PageV02P100 # ويستحب للخطيب أن لا يلهو، ولا يعارض الناس في خطبته إلا كنحو ما يكون في ~~القرآن من المخاطبة والموعظة الحسنة، ويقول في خطبته: {إن الله يأمر بالعدل ~~والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم ~~تذكرون}، وما يكون مثله من ذكر الله. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «الإمام يركع قبلكم ويسجد قبلكم فمن سابق ~~الإمام لم تتم صلاته». # وروي عن النبي ^ أنه قال: «إذا قال الرجل لصاحبه والإمام يخطب: أنصت، فقد ~~لغا». وإذا كان ممنوعا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع وجهه ووجوبه ~~فالتطوع أشد منعا. # ولا تجوز الجمعة في المصر إلا في موضع واحد؛ لأن ذلك يوجب جماعة المصر، ~~وقول الله: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله} يوجب أن ~~كلا عليه السعي إلى ذلك النداء لاستماع الخطبة والعمل للصلاة. # وقد قيل: عن النبي ^ أنه قال: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل ~~فالغسل كان أفضل». # وقد روي أن عمر قال لعثمان: أي ساعة هذه؟ قال: يا أمير المؤمنين، ما زدت ~~على الوضوء، فقال: "الوضوء أيضا؟! وقد عرفت أيضا أن رسول الله ^ أمر ~~بالغسل"، وذلك بحضرة المهاجرين /352/ والأنصار. # وقالت عائشة: إن الناس كانوا عمال ms373 أنفسهم فيروحون إلى الجمعة بهيئتهم، ~~فقيل لهم: لو غسلتم؟!. يدل على أن الغسل يقطع الرائحة المؤذية. # ولا تجب الجمعة على مسافر ولا صبي ولا عبد ولا امرأة، ومن حضر من هؤلاء جاز. # وقد روي ذلك عن النبي ^ أنه قال: «صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها ~~في حجرتها، وصلاتها في حجرتها أفضل من صلاتها في مسجد جماعة». PageV02P101 # ولأن الجمعة لا تجب إلا على أهل الأمصار، فليس المماليك من أهلها. ألا ~~ترى إلى قول الله: {وذروا البيع} والمملوك لا بيع له إلا ما أذن له مولاه. # ومن كان مصليا بعد الجمعة صلى أربعا، وهكذا روى أبو هريرة عن النبي ^. ~~وأمر ابن مسعود أن يصلي أربعا، وأمر عليا بركعتين. # ومن سمع الخطبة فيؤمر أن يكون مقبلا بوجهه إليها على إمامه؛ لأن الأمر ~~بالإنصات فيها واجب، كما أن الأمر بالصلاة واجب، والجمعة على كل مقيم من ~~الأحرار البالغين ممن لم يكن في حد السفر؛ لأن المسافر لا تلزمه الجمعة، ~~فمن كان مسافرا سفرا يتعدى فيه الفرسخين إلى ما أكثر فلا جمعة عليه. # ويكره أن يخرج المسافر يوم الجمعة حتى يصلي الجمعة. # وقد اختلف الناس فيمن صلى في بيته ثم أدرك الجمعة؛ فقال قوم: إن الجمعة ~~هي صلاته. وقال آخرون: الأولى هي صلاته. # ومن انتقضت عليه صلاة الجمعة؛ فقد قيل: إن عليه صلاة الجمعة في الوقت ~~وصلاها أربعا. وإن كان علم بنقضها بعد الوقت لزمه بدل صلاة الجمعة. وقد ~~قيل: يصلي أربعا في الوقت وغيره. # أبو ذر الغفاري قال: إن رسول الله ^ قال له: «يا أبا ذر، كيف أنت إذا ~~بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها»؟!، قال: فما تأمرني؟ قال له: «صل ~~الصلاة لوقتها، ثم اذهب إلى حاجتك»، فأباح له الصلاة وحده، ولا بأس له أن ~~يخرج من المسجد، هذا دليل على إجازة صلاة المنفرد. # وإن أخذ المؤذن في الإقامة فليس له أن يخرج حتى يصلي معهم؛ لقوله: «إذا ~~أقيمت الصلاة وأنت في المسجد فصل ما لم تخرج من المسجد». # والإمام لا يتكلم ms374 إذا مضى إلى المنبر يوم الجمعة. # وقد أجاز بعض للمسافر البيع في يوم الجمعة. /353/ # 69- باب: # مسألة: في صلاة العيدين # - وسأل عن صلاة العيدين، أفرض أم سنة؟ PageV02P102 # قيل له: صلاة العيدين سنة من فضائل سنن الصلاة، وهما ركعتان، وقد قال ~~الله: {قد أفلح من تزكى * وذكر اسم ربه فصلى} فقد قالوا في {تزكى}: أنها ~~صدقة الفطر. {فصلى}: صلاة الفطر، وقوله: {فصل لربك وانحر * إن شانئك هو ~~الأبتر} قيل: إنها نزلت في صلاة النحر، والله أعلم. وعن النبي ^ «أنها نزلت ~~في صدقة الفطر». # وقد قيل: إن النبي ^ صلى العيد وحرض وأمر بها حتى أمر النساء بالخروج ~~إليها. عن أم عطية: «أمرنا رسول الله ^ أن نخرج في العيدين الغواني من ~~الخدور، وأمر الحائض أن تعتزل مصلى المسلمين». فعلى هذا لابد للنساء من أن ~~يخرجن إلى العيدين. # ويستحب تأخير صلاة الفطر انتظارا لصدقة الفطر، ويستحب تعجيلها يوم النحر ~~لما فيه من ذبح الأضاحي بعدها، والأكل والترغيب والتصدق بها ليؤكل منها. ~~فأوجب على هذا تأخير صلاة الفطر لإخراج الفطرة |و|لاشتغال الناس بإخراجها. # وأن يأكل الناس قبل الخروج، ولا أحب أن يأكل يوم النحر حتى يصلي ثم ينحر؛ ~~لأن الله قد جمع بين ذلك، فقال: {فصل لربك وانحر}، ثم قال: {فإذا وجبت ~~جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر} فأوجب الأكل والطعم بعد ذلك. # وقد روي «أن رسول الله ^ أمر بالاغتسال فيهما ويوم الجمعة»، وكذلك يلبس ~~في العيد من أفضل ثيابه التي عنده إن شاء الله، ويغدو إلى المصلى طاهرا ~~جاهرا بالتكبير؛ لأن الرواية عن النبي ^ كذلك، ثم يقطع التكبير إذا بلغ ~~المصلى. # وصلاة العيدين: ركعتان، هكذا نقلت الأمة عنه ^ قولا وفعلا بغير أذان وبلا إقامة. PageV02P103 # قبل الخطبة يبدأ يوجه المصلي إذا قام بعد اعتقاد النية واستقبال القبلة، ~~ثم يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك». # قال الله: {وسبح بحمد ربك حين تقوم}، ويقيم إلى هذا التوجيه توجيه ~~إبراهيم # /354/ {وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من ~~المشركين}، ثم يكبر ms375 تكبيرة الإحرام. # وقد قيل: إن تكبير العيد بعد الإحرام سبع وتسع وإحدى عشرة تكبيرة، وثلاث ~~عشرة تكبيرة، وكل ذلك صواب. # فإن صلى ثلاث عشرة تكبيرة كبر بعد تكبيرة الإحرام خمسا، ثم استعاذ بالله ~~من الشيطان الرجيم، وقرأ فاتحة الكتاب وسورة، يجهر بالتكبير والقراءة، ثم ~~يركع ويسجد ثم يقوم فيقرأ. # وقد روي ذلك عن النبي ^ أنه فعل كذلك، وأنه قام في الركعة الثانية ~~فاستفتح القراءة بالحمد وسورة، ثم كبر خمسا، ثم ركع فإذا رفع رأسه قال: ~~"سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد"، ثم كبر ثلاثا، ثم يسجد بتكبيرة فأتم ~~صلاته. فهذا لمن يكبر ثلاث عشرة تكبيرة في قول أصحابنا. # وإن أراد إحدى عشرة تكبيرة كبر بعد تكبيرة الإحرام ستا، وقرأ كما وصفنا ~~وسجد، وقام وقرأ، فإذا فرغ من القراءة كبر خمسا وقضى صلاته. # وإن أراد أن يكبر تسعا كبر بعد تكبيرة الإحرام خمسا، ثم قرأ وسجد وقام في ~~الركعة الثانية وقرأ، فإذا فرغ من القراءة كبر أربعا وأتم صلاته. # وإن أراد أن يكبر سبعا كبر بعد تكبيرة الإحرام أربعا، وقرأ وسجد وقام في ~~الركعة الثانية فقرأ، فإذا فرغ من القراءة كبر ثلاثا وأتم صلاته. # فهذه الوجوه كلها في التكبير جائزة في صلاة العيدين. وقد اختلف الناس في ~~ذلك. وقد قيل: إن ذلك كله سنة. PageV02P104 # ومع الاختلاف اختلفوا في الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها؛ فروى قوم: أن ~~النبي ^ لم يصل قبل صلاة العيد ولا بعدها. وروى قوم: أنه صلى بعدها. # وأصحابنا يصلون قبل صلاة العيد ما يشاءون، ولا يصلون بعدها. # وأجاز منهم من أجاز بعد إخراج الفطرة، ولم يصل بعد النحر، والله أعلم بذلك. # وصدقة الفطر قبل الخروج تستحب، فمن لم يفعل فليخرجها بعد ذلك، فإنه واجب ~~عليه إذا كان غنيا، لسنة الرسول #، ومن قدم ذلك فجائز، وقد سقط عنه على ~~قول. وقول آخر: لا يقدمها. # وهي عن كل طفل وبالغ وحر وعبد، يعطيها الغني عمن يعول ممن سمينا من ~~أولاده وخدمه وبنيه /355/ ونسائه، وإن لم يعط عن زوجته لم يلزمه ms376 على قول. ~~وبعض قال: يعطي عنها. ولا يلزم الفقير شيء منها. # والصدقة صاع من تمر أو شعير أو لبن أو بر، وبعض: خالف في البر. وأصحابنا ~~على صاع من بر أو صاع مما كان من الطعام. # وإن اجتمع ثلاثة رجال صلوا صلاة العيد جماعة. وقد قيل: بأقل. وقالوا: ~~بخمسة. وقالوا: بأكثر. ويؤمرون بالخطبة، وإن لم يحسنوا الخطبة قرؤوا ~~القرآن. # وإن لم يحضر إلا نساء وعبيد صلى بهم العبد. ويكون بروزهم إلى موضع ~~مجتمعهم في مخرجهم. # وإن كان مطر صلي في المسجد، وإن لم يتفق فالصلاة في الرحال. ويكره ~~الكلام. # وإن لم يصح خبر العيد إلا بعد الزوال؛ فقال قوم: يبرزون ويصلون. وقال ~~آخرون: يؤخرون الصلاة إلى الغد. # ومن فاتته صلاة العيد مع الإمام صلى ركعتين بلا تكبير، على قول بعض ~~الفقهاء. # ومن لم يسمع ممن حضر مع الإمام تكبير العيد فكبر ما سمع ولم يكبر ما لم ~~يسمع أنه لا نقض عليه على قول بعض المسلمين المروي عنه ذلك. # وأما الأصم الذي لا يسمع التكبير فإنه يكبر بعدما يركع الإمام. PageV02P105 # وقد اختلفوا فيمن زاد في العيد تكبيرة أو نقص تكبيرة: فأوجب النقض بعضهم. ~~ولم ير ذلك آخرون. ولم نر عليه نقضا؛ لأن ذلك سنة، فمن نسي شيئا من السنة ~~فلا نقض عليه. # وقد قيل في الذين يغمى عليهم: أنهم يخرجون من الغد، وقد روي ذلك عن النبي ~~^ «أنه أمر أناسا من الأنصار أن يخرجوا من الغد» وهذا يوافق أن صلاة العيد ~~مثل صلاة الضحى، ووقتها ذلك. # فأما من يقول ببدل ما فاته فإنما ذلك في الوقت حين علم. # وقد اختلفوا في تكبير التشريق بعد النحر: فقال قوم: من يوم عرفة بعد صلاة ~~العصر. وقال أصحابنا: من يوم النحر على أثر صلاة الظهر؛ لأن الصلاة جمع ~~بمنى إلى آخر صلاة يوم الثالث من أيام التشريق من صلاة العصر غير يوم النحر. # وقد اختلفوا في تكبير التشريق: وهو عندنا إذا ذكر الله فقد كبره. فإن ~~قال: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ms377 لا إله إلا الله، والله أكبر ولله ~~الحمد"، فحسن إن شاء الله. # مسألة: [في صلاة الخوف] # - وسأل أيضا عن صلاة الحرب، أهي سفر؟ # قيل له: لا، صلاة السفر ركعتان تمام؛ لما روي عن النبي ^. فأما قول الله: ~~/356/ {أن تقصروا من الصلاة} فذلك صلاة الحرب. # وفي الحديث: «أن رسول الله ^ صلى بأصحابه في الحرب بكل طائفة ركعة، ثم ~~سلم وسلم من صلى معه الركعة الأولى، وسلم الذين يصلون خلفه الركعة الأخرى ~~من غير ذكر قضاء شيء منها». وكذلك قال الله تعالى: {وإذا كنت فيهم فأقمت ~~لهم الصلاة فلتقم طآئفة...} إلى آخر القصة، فعلمهم الله وعلمهم رسوله ^، ~~فالواجب الاقتداء به، كما فعل في صلاة الحرب وصلاة الخوف، فهذا يوافق ~~القرآن عليه والأخبار من السنة. # قال النبي ^: «إذا ركع الإمام فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا». وقال: «الإمام ~~يركع قبلكم ويسجد قبلكم». PageV02P106 # فمن أباح ممن خالف للطائفة أن تصلي قبل الإمام الركعة الثانية فقد خالف ~~الكتاب والسنة. ومن قال: إنهم يصلون إذا قضى الإمام وسلم بعد أن ينصرفوا، ~~وأذن الله لهم أن يكونوا من ورائهم في نحو العدو فقد جعلهم أنهم يصلون صلاة ~~واحدة على مرتين، كل ركعة مرة دون الأخرى، فلا إلى قول من خالف في صلاة ~~الخوف يستقيم. وقول أصحابنا أوفق لكتاب الله. وإن كان صلاة الخوف لم تصل ~~بعد رسول الله ^. # وقد قيل: إنه لم يصلها ^ إلا مرة واحدة. ويدل على ذلك أن رسول الله ^ لم ~~يصل يوم الخندق أربع صلوات للقتال، وقال: «شغلونا عن الصلاة الوسطى؛ صلاة ~~العصر حتى غربت الشمس»، ولو جازت مع القتال ما أخرها رسول الله ^ ولكن كان ~~ذلك فيه ضره، وذلك حين رأى العدو. # وقيل: القتال في وقت الخوف، وهي صلاة الخوف. فأما صلاة القتال فقد قال ~~الله: {فإن خفتم فرجالا أو ركبانا}، ولعل هذا قبل الخندق، وبالله التوفيق. # 70- باب: # مسألة: في صلاة الكسوف # - وسأل عن صلاة الكسوف، أهي سنة؟ # قيل له: نعم، سنة، وقد عمل بها رسول الله ^ على ما بلغنا، واتبع ذلك ~~المسلمون. وفي الرواية ms378 أنه قيل: «انكسفت الشمس يوم موت إبراهيم ولد رسول ~~الله ^، فقال الناس: انكسفت الشمس لموت إبراهيم، فقام رسول الله ^ فصلى ~~قائما طويلا ثم ركع فأطال». # وقد روي أنه صلى /357/ ركعتين ثم قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات ~~الله لا تنكسفان لأحد من خلقه، ولكن يذكر بذلك عباده، فإذا رأيتم شيئا من ~~ذلك فصلوا». # وقد روي أن نبي الله ^ قال: «إذا انكسفت الشمس والقمر فصلوا كأحد صلاة ~~صليتموها»، فكل ما روي عنه في هذا الباب أنه أمر به أمته # فواجب ذلك عليهم. PageV02P107 # وقد روي أنه كان يجهر بالقراءة فيها؛ لأنها صلاة تطوع جماعة في وقت خاص، ~~جعل حلالا وقتها كصلاة العيدين وصلاة كسوف القمر تطوعا في وقت أحوال القمر، ~~فهذه الصلاة كسائر التطوع. # فإن كان آخر الليل أخر الوتر عنها. ألا ترى إلى قول النبي ^: «إذا دخل ~~أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين»، فلو صلى الفريضة إذا دخل المسجد ~~أجزأ عن الركعتين، ولا يصلي في الأوقات التي نهى النبي ^ عن الصلاة فيها. # وقد روى بعض أهل الخلاف «أنه صلى ست ركعات ثم أربع سجدات، وجهر فيها يوم ~~موت ولده إبراهيم بالقراءة». # [مسألة فيما ينقض الصلاة من النجاسات] # ومن صلى وفي ثوبه دم مسفوح نقض صلاته قل ذلك أو كثر، وهو دم المذبحة ~~والعروق والأوداج، ودم كل جرح طري وغير المسفوح، قال بعض: حتى يكون كالظفر. ~~فإذا كان إذا جمع مثل ذلك فعليه بدل تلك الصلاة. وإن أبصره وهو في الصلاة ~~قليلا أو كثيرا قطع الصلاة. # وإن أبصره في ثوب الإمام انتقضت صلاته. # وكل من كان به جرح لم ينقطع دمه، وخاف صاحبه فوت الصلاة، فليصل ويتقي ~~الدم، وإن وقع في ثوبه نقض صلاته. وإن كان إنما يخرج من منخريه وفيه فليكب ~~على الأرض ويومئ للصلاة. فإن كان في مكان يريد أن يحشوه حشاه، وإن كان لا ~~يقدر أن يحشوه فيوضئ ما بقي من حدود الوضوء إذا كان في الوجه أو في عضو من ~~حدود الوضوء، ويتيمم أيضا لما بقي ms379 من جوارح حدود الوضوء، وإن كان في موضع ~~لابد أن يغسله فليشد عليه بثوب ويصلي كما أمكن له. # والذي به الدم الذي لا ينقطع: قد قيل: إنه يجمع الصلاتين. # ومن رأى في ثوبه شبه الدم فلا شيء عليه، حتى يعلم أنه دم. وإن أدمى جرح ~~منه وهو في تلك الصلاة /358/ أو وقع في ثوبه قبل تلك الصلاة أفسد عليه صلاته. # وأما الجنابة إذا رآها فيبدل من آخر نومة نامها. PageV02P108 # وأما دم البعوض عند بعض لا بأس به. وإذا رأى علامة ذلك فهو بعوض حتى يعلم ~~غير ذلك. # والعذرة: قيل: يبدل من آخر قعدة قعد. وفي بعض القول: إن من رأى في ثوبه ~~نجاسة بعد أن صلى فيبدل صلاة يوم وليلة. # مسألة: [في الوهم] # - وسأل عن الوهم، ومن خاف أن يكون قد خرج منه شيء فلما نظر لم ير شيئا، ~~ثم خرج وهو ينظر إليه من بعد؟ قال: لا نقض عليه. # ومن أحس في صلاته أنه قد خرج منه شيء قعد ينظر، ويضع رأس ذكره على فخذه، ~~وإلا مضى في صلاته. # ومن قرأ الحمد في صلاته وهو قاعد فإنه يترك قراءتها ويقرأ التحيات، وإن ~~هو قرأ التحيات في قيامه فإنه يتركها ويقرأ الحمد، وما يلزمه من القراءة فيه. # كذلك جميع الحدود في الصلاة إذا أتى بحد في موضع حد آخر ناسيا فإنه يرجع ~~إلى الحد الذي تركه ويسجد سجدتي السهو إذا سلم، ويسلم لهما كما يسلم ~~للصلاة. وقد قيل: يسلم على رسول الله ^. # ومن وهم في مرتين أو أكثر في صلاته فإنما عليه سجدتان. # وإن نسي المصلي أن يسجد لوهمه ومضى من صلاته سجد على إثر صلاة فريضة ~~مثلها، وللنافلة على أثر النافلة، وإن لم تكن مثلها فلا بأس. # وإن وهم الإمام لم يلزم من خلفه وهم، وإنما الوهم على من وهم. # مسألة: [في ما يقال من الفضائل] # - وسأل عن فضيلة الصلاة في مسح الجبهة؟ # قيل له: قد قيل: إن النبي ^ كان إذا صلى مسح بباطن كفه الأيمن جبهته، ~~ويقول: «اللهم ms380 عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، أسألك أن تذهب عني الغم ~~والحزن، وجميع الفتن ما ظهر منها وما بطن». # وقد قيل: إن ترك مسح الجبهة بعد الصلاة من الجفاء. وفي الصلاة مسح الجبهة ~~من الجفاء. PageV02P109 # ومن الفضائل عند الوضوء إذا مسح وجهه قال: «اللهم بيض وجهي يوم تسود ~~الوجوه»، وإذا غسل يمينه قال: «اللهم أعطني كتابي بيميني»، فإذا مسح الشمال ~~قال: «اللهم لا تعطني كتابي بشمالي ولا من وراء ظهري»، وإذا مسح رأسه قال: ~~«اللهم جللني رحمتك»، وإذا مسح أذنيه قال: «اللهم سمعني فتح أبواب الجنة»، ~~وإذا مسح قدميه قال: «اللهم /359/ ثبت قدمي على الصراط المستقيم»، وإذا مسح ~~رقبته قال: «اللهم فك رقبتي من النار يوم القيامة». # وإذا أذن المؤذن فقل مثل قوله ففي ذلك الفضل. # وإن قرأ آية الكرسي و{قل هو الله أحد} بعد التسليم إذا فرغ من صلاته ففي ~~ذلك الفضل العظيم. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «اجعلوا لبيوتكم نصيبا من صلاتكم تبتغوا ~~بذلك البركة من الله». # وصلاة الجماعة أفضل. ونحب أن تكون الصلاة في البيوت النافلة، وما قد قال ~~من قال: إن صلاة النافلة في البيت أفضل. # ومختلف فيمن سرق ثوبا فصلى فيه: فأجاز بعضهم صلاته، ولم يجزها آخرون. # ومن تجشأ في الصلاة ففتح فاه ونفخ نقض صلاته، وإن لم ينفخ فلا نقض، ~~وبالله التوفيق. # 71- باب: # مسألة: في الاستسقاء # - وسأل عن الاستسقاء، أسنة؟ # قيل له: سنة، وفي ذلك المطلب إلى الله، فأما واجب فلا، قال الله: {فقلت ~~استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا * ويمددكم بأموال ~~وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا}، وقال مؤكدا لذلك: {ولو أن أهل ~~القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض}، وعند تتابع ~~المطر ودوام النعم بشرط التوبة والتقوى. PageV02P110 # وقال: {ادعوني أستجب لكم}، ووعد الإجابة بشرط الدعاء والتقوى. # وروي في هذا المعنى أن رجلا أتى رسول الله ^ وهو يخطب على المنبر، وسأله ~~الاستسقاء، فقال النبي ^: «اللهم اسقنا من غير صلاة». # وعلى هذا المثال قيل: مضى عمر بن الخطاب ms381 لما قيل له: استسق لنا فقال: ~~"لقد سألت الله". # وقد روي أن النبي ^ «خرج إلى المصلى بالناس، فاستسقى لهم فدعا قائما، ثم ~~توجه إلى القبلة، وحول رداءه فأسقوا». وروي |عنه|: «أنه خرج بالناس وحول ~~ظهره إلى الناس وحول رداءه ثم صلى ركعتين». وذكر أنه استسقى فقيل: إنهم ~~استقوا. # وروي عن ||ابن عباس|| «أن النبي ^ خرج في الاستسقاء متخشعا، فصنع كما صنع ~~في الفطر والأضحى»، وقيل: «إنه صلى ركعتين فيهما القراءة». # 72- باب: # مسألة: في الصلاة على الميت # - وسأل عن الصلاة على الميت، أفرض أم سنة؟ # قيل له: اختلفوا في ذلك: /360/ فقال قوم: فرض على الكفاية؛ لقول النبي ^: ~~«صلوا على موتاكم». # وقد قيل: إن ترك الجميع صلاة الجنازة كفروا، وإن قام بذلك البعض لم ~~يكفروا. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «لما قبض آدم # أتته الملائكة فغسلوه بالسدر ~~والماء، وكفنوه في وتر من الثياب، ثم لحدوا له ودفنوه، ثم قالوا: هذه سنة ~~ولد آدم من بعده». وعن ابن عباس أنه قال: «لما حضرت آدم الوفاة أتته ~~الملائكة بحنوط من الجنة وكفن من الجنة، فغسلوه ثلاث غسلات، أولهن بالماء ~~القراح، والثانية بماء فيه سدر، والثالثة بماء فيه كافور، وكفنوه في ثلاثة ~~أثواب، وصلوا عليه، وقالوا: يا بني آدم، هذه سنتكم من بعده». PageV02P111 # وقد روي: «أن النبي ^ أمر بغسل ابنته ثلاثا». # وقد روي: «أن النبي ^ كفن في ثلاثة أثواب». # وقد روي: «أن الميت يبعث في أثوابه التي كفن فيها». # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «إذا استهل الصبي صلي عليه». # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «إذا مات الميت انقطع عمله». # ومن قتل شهيدا في المعركة لم يغسل ولكن يصلى عليه. وقد صلى النبي ^ على ~~شهداء بدر وغيرهم من شهداء الصحابة. وقيل: إن أعرابيا آمن بالنبي ^ فاتبعه ~~في بعض غزواته فأصابه سهم فقتله، فكفن في جبة، ثم أتي به إلى رسول الله ^ ~~فصلى عليه. وقد قيل: إنه قال: «اللهم إن هذا عبدك خرج مهاجرا في سبيلك، أنا ~~عليه شهيد»، والشهيد لا يغسل؛ لأن الشهادة ms382 طهارة إلا أن يكون جنبا. # «وقد صلى النبي ^ على النجاشي وكبر أربعا»، «وكبر على ولده إبراهيم ~~أربعا»، «وعلى شهداء أحد أربعا». # والمحرم لا يغطى رأسه. # والجنازة متبوعة لا يمشي أحد قدامها، ويكون المشي خلفها، ولا يركب وهي ~~محمولة، ويركب إذا رجع من عندها؛ لما روي عن النبي ^ «أنه خرج على جنازة ~~ماشيا ورجع راكبا». # ويكره الكلام خلف الجنازة، ويكره أن تتبع النساء الجنائز، لما روي «أن ~~النبي ^ رأى امرأة تابعة للجنازة فأمر بردها». وعن أم عطية قالت: «نهينا عن ~~اتباع الجنائز [ولم يعزم علينا]». # وفي /361/ بعض الحديث: «أن النبي ^ صلى على امرأة فقام عند وسطها»، وكذلك ~~الرجل. وعند بعض أصحابنا أنه يستحب أن يقام على جنازة الرجل مما يلي الصدر، ~~وعلى المرأة مما يلي الرأس. PageV02P112 # ولا يصلى على الجنازة بغير طهارة؛ لقول النبي ^: «لا تقبل صدقة من غلول، ~~ولا صلاة بغير طهور». # وقد قيل: «إن النبي ^ كبر على غير شهداء بدر أربعا»، وقد اتفق الصحابة ~~أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ~ على أربع تكبيرات. # وقد روي عن النبي ^: «أنه صلى على النجاشي وكبر أربعا»، ومات النجاشي في ~~أرض الحبشة وصلى عليه وهو في المدينة. # وقد روي أنه ^ صلي على قبره بعدما دفن، فإن صح ذلك فهو حجة لمن أجاز ~~الصلاة على القبر. وأكثر أصحابنا لا يجوزون الصلاة على القبر، ولو جاز ذلك ~~لكان النبي ^ كل من وصل إلى قبره صلى عليه. # وعند أصحابنا أن الصلاة على الجنازة لا يقطعها ما يقطع على المصلي على ~~غير الجنازة، ولا يقطعها ما مر أمام المصلي، وعندنا لا يصلى على القبر. # ألا ترى أن ابن مسعود لما دفن، أراد عثمان أن يخرجه ويصلي عليه، فلو كانت ~~الصلاة تجوز على القبر لم يكن لنبشه معنى. أولا ترى أن النبي ^ كان إذا صلى ~~على جنازة لم يعد يصلي عليها ولا يصلي على القبور. # وأولى بالصلاة على الميت إذا حضر الإمام أو أمير الجيوش، فإن لم يحضر ~~فالأب ثم الزوج ثم الابن ثم الأخ ثم الأقرب فالأقرب؛ ms383 فالرواية عن النبي ^ ~~أنه قال: «يصلى على الجنازة بإذن أهلها»، ومن ذلك أن أصحابنا يستأذنون ~~الأولياء، فإذا لم يكن رجال استأذنوا النساء. وبعض أصحابنا: رأى الصلاة إلى ~~القوم، يقدمون من رضوا به يصلي بهم كغيرها من الصلوات. # ومن انتقض وضوؤه خلف الجنازة فقد أجازوا له التيمم، وبعض: لم ير ذلك. # ولا يصلى على الميت بثوب نجس. وبعض قال: إن تنجس في الطريق، أو لم يعلم ~~بنجاسته حتى حضرت الصلاة ثم ذكر صلى به عليه. PageV02P113 # والإمام في صلاة الجنازة إذا انتقضت صلاته تأخر وقدم غيره يتم بهم ~~الصلاة، وإذا اتفقت الجنائز من الرجال /362/ والنساء قدم بهم أقرؤهم ~~وأفضلهم نحو القبلة، وكذلك في القبر. # وإن كان صبيان ذكران كان الرجال ثم الصبيان ثم النساء. # وإن كان عبيد وإماء؛ كان الرجال الأحرار ثم الصبيان ثم العبيد الذكران ثم ~~النساء الحرائر ثم الإماء بعد ذلك، ويقدم الأفضل ويصلى عليهم صلاة واحدة. # وجائز أن يقبر عدة في قبر واحد، إذا لم يكن إلا ذلك. وقد روي أن يوم أحد ~~كانوا يقبرونهم واحدا واثنين وأكثر في قبر واحد، والله أعلم بذلك. # والتوجيه لصلاة الجنازة كتوجيه الصلاة، وقد قيل يقول: "سبحان الله، ~~والحمد لله، ولا إله إلا الله"، ثم يكبر تكبيرة الإحرام، ثم يستعيذ ويقرأ ~~الحمد، ويكبر أخرى، ثم يقرأ الحمد ثانية، ثم يكبر الثالثة، ويقول بعدها: ~~"||الحمد لله الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم. الحمد لله ~~الذي يميت الأحياء ويحيي الموتى ويبعث من في القبور||. الحمد لله الذي منه ~~المبدأ وإليه الرجعى، وله الحمد في الآخرة والأولى"، ثم يصلي على النبي ^، ~~ويستغفر لذنبه وللمؤمنين وللمؤمنات. # وقد قال قوم: يدعو بالآية: {ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين ~~تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم * ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ~~ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم}. PageV02P114 # وإن شئت قلت: "اللهم إن فلانا عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، توفيته وأبقيتنا ~~بعده، والبقاء بعده قليل. اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضللنا بعده. ms384 اللهم ~~افسح له في قبره، وأبدله دارا خيرا من داره، وقرارا خيرا من قراره، وأهلا ~~خيرا من أهله، وألحق روحه في أرواح الصالحين، واجمع بيننا وبينهم في دار ~~يذهب عنا فيها التعب والنصب". ثم تدعو لنفسك بما أردت وتكبر الرابعة، وتسلم ~~على رسول الله ^ وعلى من سلم الله عليه، ثم تسلم على من خلفك تسليمة خفيفة، ~~تصفح بها وجهك يمينا وشمالا. # وإن كان الميت ممن لا يتولى فالصلاة واحدة، ولا يدعو له، ويدعو للمؤمنين ~~والمؤمنات ولنفسه. # وإن كان الميت طفلا من أطفال المسلمين ترحم عليه، وقال: "اللهم لا تحرمنا أجره". # والمرجوم إذا جاء تائبا صلي عليه. # والصلاة على الجنازة بالليل مثل الصلاة بالنهار. ويكره أن ينظر في القبر ~~إذا ستر بالثياب، والباب من ناحية الرجلين، /363/ ولا يعمم الرجل ولا تخمر ~~المرأة. # وقد قيل: «إن رسول الله ^ نهى عن تجصيص القبور والبناء والترفيع عليها». ~~وقد قيل: «إن قبره ^ رفع عن الأرض قدر شبر»، وقد روي عنه ^ أنه قال: «خير ~~القبور ما درس». # وقد قيل: لا بأس بالبكاء على الميت، وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «لكن ~~غاب عن حمزة اليوم بواكيه»، حتى مر بنساء الأنصار يبكين عم رسول الله ^. # واختلف الناس في الذي يقدم إذا اجتمع الجنائز؛ فقال قوم: يكون الرجال مما ~~يلي الإمام، والنساء خلف ذلك. وقال قوم: يكون الرجال نحو القبلة، والنساء ~~مما يلي الإمام، ويستقبلون بهم القبلة. PageV02P115 # وقد جعل حمزة عم النبي ^ وحنظلة بن الراهب في قبر، فبلغنا أن قبرهما كان ~~على شفير واد، فأضر بقبريهما الماء، وكتب صاحب المدينة إلى معاوية بذلك ~~فأمر معاوية أن ينشر عنهما ويحولا من ذلك الموضع، فنشر عنهما بعد أربعين ~~سنة فأخرجا كأنهما قبرا بالأمس، فأصاب الناشر أصبع حمزة أو حنظلة فدميت، ~~والله أعلم. # مسألة: في الذين لا تلهيهم أموالهم # - وسأل عن قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا ~~أولادكم عن ذكر الله}؟ # قيل له: عن الصلاة المكتوبة، {ومن يفعل ذلك} من ترك الصلاة {فأولئك هم ~~الخاسرون}. # وأخبر ms385 عن المنافقين فقال: {وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى} متثاقلين ~~عنها حتى يذهب وقتها، وقال: {يرآؤون الناس} بأعمالهم في الصلاة وغيرها، ~~{ويمنعون الماعون} يعني: الزكاة وغيرها. {ولا يذكرون الله إلا قليلا}. ~~وقال: {فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون} لاهون عنها حتى يذهب وقتها. # [كتاب الزكاة] # 73- باب: # مسألة: في الزكاة # بسم الله الرحمن الرحيم # - وسأل عن الزكاة، أهي فريضة؟ # قيل له: نعم، هي فريضة في كتاب الله - عز وجل - في مواضع كثيرة: فمنها: ~~ترغيب، ومنها: واجب، ومنها: صدقة نفل وفرض. # فالفريضة: قد قيل: إنها نسخت كل نفل إلا من أراد أن يتصدق ويفعل معروفا، ~~فإن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا. # وقد /364/ روي عن النبي ^ أنه قال: «أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة ~~الإيمان ثم الصلاة ثم الزكاة ثم سائر الأعمال». PageV02P116 # وقال الله تعالى: {فوربك لنسألنهم أجمعين * عما كانوا يعملون}، وقال: {كل ~~أولئك كان عنه مسؤولا} يسأل عن حق القرابة والجيران والوالدين والمملوكين. # وقد قال الله تعالى في الزكاة: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم ~~وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون ~~الناس كخشية الله أو أشد خشية}، وقال: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~وأقرضوا الله قرضا حسنا} طيبة بها نفوسكم. # وقد قيل: إن هذا كان بمكة، فلما هاجر النبي ^ نزل فرض الزكاة عليه في ~~سورة البقرة وغيرها، وأنزل الله عليه بالمدينة: {وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة} المفروضة، {وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله إن الله بما ~~تعملون بصير}. # وقوله: {فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة [وأطيعوا الله ورسوله] والله خبير ~~بما تعملون}، وقوله: {فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله} ~~وقال: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب ~~أليم...} الآية كلها. وقال: {ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون} # وقد قيل: إن النبي ^ لما حضرته الوفاة قال: «الصلاة والزكاة وما ملكت ~~اليمين». PageV02P117 # وقال الله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم} ~~الآية، فالآية تدل على فرض الصلاة والزكاة. ms386 ألا ترى أنهم دانوا وقبلوا ~~الشرائع فقد آمنوا وخلى سبيلهم، وهذا ما روي أن رسول الله ^ قال: «أمرت أن ~~أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة». # ألا ترى أن أبا بكر حين منع الزكاة قال: "لا أفرق بين الصلاة والزكاة"، ~~وقال: "لو منعوني عقالا لقاتلتهم عليه". # وقد روي عن النبي ^ قال: «ما من صاحب ذهب وفضة لا يؤدي زكاتها، إذا كان ~~يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فتحمى عليه في نار جهنم فتكوى بها جبهته ~~وجنبه وظهره» يدل على هذا المعنى. # وعن النبي ^ قال: «الذي لا يؤدي زكاة ماله يمثل له يوم القيامة شجاع ~~/365/ فيطوق في عنقه يوم القيامة، ويقول: أنا كنزك الذي بخلت به». # فجميع الذي ذكرنا يدل على وجوب الزكاة، وتأكيد حكمها في صنوف الأموال كلها. # وقد سمى الله أهل الصدقات وهم الفقراء و المساكين، وكلهم فقراء. # و{المساكين}: الذي ينبت لحمه على الفقر، وهم أشد حاجة. # {والعاملين عليها}: وهم جباتها. # {والمؤلفة قلوبهم}: وهم قوم من قادة العرب دخلوا في الإسلام كرها، فأمر ~~الله أن يعطوا ليتألفوا ويكونوا دعاة إلى الإسلام. # {وفي الرقاب}: وهم المكاتبون في فكاك رقابهم. # {والغارمين}: الذين يصيبهم غرم في مالهم من غير فساد. # {وفي سبيل الله}: في الجهاد في سبيل الله. # {وابن السبيل}: وهم المسافرون. # {فريضة من الله} فرض الله على أهل الصدقات. PageV02P118 # وقد روي أن النبي ^ قال: «إن الله لم يول قسم الصدقات إلى أحد حتى قسمها ~~في كتابه». # ولا تعطى الصدقة في بناء مسجد، ولا في حج، ولا في دين عن ميت، ولا كفن ~~ميت، ولا في شراء مصحف، ولا لغني، ولا لمن يعوله غني، ولا مملوك. # ولا يستأجر من الصدقة في إنفاذها، وإنما تدفع كما أمر الله. # وقد كانت تدفع إلى النبي ^ وإلى عماله، وكذلك إلى أبي بكر وعمر وعمالهما، ~~وفي الاستقامة قبل الأحداث في الأئمة كلهم، فلما وقع الاختلاف جعلها ~~المسلمون إلى من جعلها الله في كتابه. «ولا تعطى في غني ولا ذي مرة سوي». ms387 # وقد قيل: إنه لا يعطى صاحب خمسين إذا لم يكن عليه دين ولا عيال، ولا من ~~يصيب ما يكفيه من تجارته أو صناعته قوته لسنة. # وقد قيل: تدفع إلى المستحقين من الفقراء. # وأحب بعضهم أن الثمار تدفع في البلد، ومن حملها إلى غيرها فلا بأس على ~~قول. فأما غير الثمار من الصدقات فلا بأس بحمله، وقد روي عنه ذلك، مثل ~~الدراهم والذهب والفضة. والصدقة على أهل الأموال اللازمة لهم فيها واجبة ~~عليهم فيها، ومتعبدون بإخراجها، وضامنون لهما في أموالهم وذمتهم حتى يؤدوها ~~إلى أهلها. # وقال: الثمار في الأموال والذهب والفضة واجب في الذمة، وكله قد أمر الله ~~ورسوله بإخراجه. # وفي الحديث: «إن الصدقة لا تحل لمحمد، ولا آل محمد»، «ولا لغني، ولا لمن ~~يعوله غني، ولا لذي مرة سوي»، وهو: القوي /366/ الذي يصلح أن يعيش. # فأما الفقير فله الصدقة جائزة إذا لم يجد ما يكفيه لسنته. وقد قيل: من ~~ثمرة إلى ثمرة أخرى. وقد قيل: ما لم تفضل معه خمسة عشر درهما. وقد قيل غير ذلك. # وفي بعض الحديث أن النبي ^ أنه قال: «خير الصدقة ما أبقت غنى»، وهذا إذا ~~كان أكثر كان أفضل. PageV02P119 # ومن تصدق ولو بكف وحسبه من الصدقة أجزأ عنه. # وقد قيل: «إن الصدقة مخشعة للقلب، مرضية للرب، مكفرة للذنب»، فأسرها ما ~~استطعت وضعها حيث أمر الله. # وقال في الذي يبخل: {ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه} بالخير والفضل عن ~~نفسه، ويبخل بالجنة عن نفسه، {والله الغني وأنتم الفقراء} الله الغني عنكم ~~وعما عندكم من الأموال، وأنتم الفقراء إلى ما عنده من الخير والرحمة. # وقيل: الإمام يقسم صدقة كل قرية على فقراء أهلها، ولا يخرج منها إلى ~~غيرها شيئا إلا ما فضل عنهم. # ويفضل العجوز والضعيف والأفضل في الإسلام، وذو العيال الفقراء. # وقد قيل: إنه يفرق الثلث ويأخذ الثلثين فيجعله حيث ذكر الله. # وقال قوم: النصف. ومنهم من قال: لا يأخذ إلا سهم العاملين وفي سبيل الله، ~~ويعطي العاملون كل واحد بقدر عنائه. # وإن احتاج الإمام إلى ms388 الصدقة كلها أخذها وأنفذها في إعزاز الدولة؛ لأن ~~الاتفاق أنها إنما جعلت في أهل السهام، ولم تجعل بينهم بالقسمة على ~~الأنصباء. ||و||العاملين بعض من سمى الله ذلك. # وقد دفع رسول الله ^ إلى المؤلفة أكثر من غيرهم، وكانت عطايا تتفاضل بين ~~من أعطاه، لم يقسم ذلك بينهم ||سهما||، وإنما كانت السهمان في الغنائم في ~~الأموال. # وإن قدم الصدقة أحد إلى الإمام جائز. وإن قدم الإمام أحدا من الغارمين أو ~~المكاتبين أو في الرقاب أو ابن السبيل أعطاهم كما يرى. # والصدقة من الثمار في التمر والزبيب، والحبوب من الحنطة والشعير، والسلت ~~والذرة، كذلك في الحديث عن النبي ^ أنه جعل الصدقة في ستة أشياء من الثمار، ~~وهي التي وصفنا، غير أن السلت قد اختلف فيه؛ فقال قوم: هو الشعير الأقشر. ~~وقال قوم: إن السلت جميع الحبوب المأكولة غير حب البذور، فإن جميع الحبوب ~~/367/ سلت وفيها الزكاة. PageV02P120 # وقال آخرون: الزكاة في ||كل|| ذي سنبلة خاصة، فأما ذوات القرون فلا زكاة ~~فيها، فهذا اختلافهم فيه. ومنهم من قال: في الستة خاصة بالاتفاق. # والصدقة في الرز كالبر. # وإن بلغت الثمرة ثلاثمائة صاع بالصاع الأول صاع النبي ^ ففيه الصدقة. # مما سقاه النهر والمطر ففيه العشر تام. وما سقي بالزجر والغرب ففيه نصف ~~العشر، وما كان لا يشرب بنهر ولا زجر ففيه العشر. ونخل البعل ففيها العشر. # وفي الرواية عن النبي ^ أنه قال: «ليس فيما دون الخمسة أوسق صدقة». ~~والوسق: ستون صاعا، فذلك ثلاثمائة صاع. # فإذا بلغت الثمرة خمسة أوسق ففيها العشر، من كل عشرة واحد من الأنهار، ~~ومن الزجر من كل عشرة نصف واحد. # وقال قوم: حتى يتم عشرون، ثم فيه واحد. # وقال قوم: ما زادت على الثلاثمائة أخرج منها بالحساب ولو قل. # وقال آخرون: حتى تتم عشرة بعد ثلاثمائة. # واختلفوا فيما سقي بالزجر والنهر؛ فقال قوم: تخرج زكاته على ما أدركت. ~~وقال قوم: على ما أسست. وقال بعضهم: بالمقاسمة. # وفي هذه الآراء منهم لكل واحد منهم حجة فيما اعتل به، وبالله التوفيق. # وقد روي عن ms389 النبي ^ أنه قال: «فيما سقت السماء والأنهار العشر، وفيما سقي ~~بالدلاء نصف العشر». فهذا عموم فيما ذكرنا من آرائهم، وفي المقاسمة، وفيما ~~قالوا به. PageV02P121 # فأما قول من يحتج أن هذا الحديث يوجب العشر في القليل والكثير فإن ذلك قد ~~فسر في الحديث عن النبي ^ أنه قال: «ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة»، فلا ~~يوجب فيما دون خمسة أوسق صدقة حتى تتم خمسة أوسق، ثم فيه الصدقة على ~~الحديث؛ لأن العشر ونصف العشر بجملة ما ذكرنا؛ لما روي عن النبي ^ أنه قال: ~~«ليس في حب ولا تمر صدقة حتى يبلغ خمسة أوسق» فعم كل حب قوت أو غير قوت، ~~وكذلك كل تمر. ولا تخص شيئا لم يخص في القرآن والسنة، ولا في الصدقة لم يجب ~~في شيء من القليل من البيوع. # ولا يضم شيء من الثمار بعضها إلى بعض. # والعشر ونصف العشر يخرج من الثمار، وهي على من تجب عليه لازمة له، كان ~~على صاحبه /368/ دين أو لم يكن دينا، صغيرا أو كبيرا، عاقلا أو مجنونا، حرا ~~أو عبدا، أو امرأة أو رجلا، حيا أو ميتا؛ لأن رسول الله ^ قال: «فيما سقت ~~السماء والأنهار العشر». والعشر جزء من ثمرتها. # ولا زكاة في الثمار قبل إدراكها؛ لما روي عن رسول الله ^ أنه قال: «ليس ~~في الحبة حتى تشتد، والعنبة حتى تسود صدقة». # وإن نقصت عن الثلاثمائة صاع لم يكن فيها شيء، ويعطي صاحبها ما يشاء. # والزكاة لا تعطى في أجرة الذين يحصدون الثمرة، وتخرج الزكاة قبل ~~الإجارات. # فأما ما روي عن النبي ^ أنه مر على امرأة في حديقة لها، فقال لها رسول ~~الله ^: «اخرصوا»، وخرص رسول الله ^، وقال رسول الله ^: «أحصي ما يخرج ~~منها»، فلما رجع إليها قال لها: «كم جاءت حديقتك؟» قالت: عشرة أقسط يا رسول ~~الله -صلى الله عليك- . فهذا هو تقدير. وليس مما يوجب شيئا؛ لأن رسول الله ~~^ جعل الأمر إليها، وأنها أمينة فيما قالت. ألا ترى أنه جعل الإحصاء إليها، ~~والقول قولها؛ لأنها أمينة في الزكاة. PageV02P122 # فعلى هذا الحديث ms390 كل مؤتمن في زكاة ماله ومبلغ ثمرته، فإن قال صاحب الثمرة ~~إنها سرقت أو أتت عليها جائحة فالقول قوله، ولصحاب الثمرة قطعها وبيعها، ~~ويؤدي العشر منها. ألا ترى أن بعض أئمة أهل عمان قد كان يأخذ الزكاة من ~~طناء النخل. وإن أكل المطني نخله رطبا وبسرا، وعملوا بذلك. # وقال قوم: لا صدقة فيها إذا أكلت رطبا أو بسرا؛ لأنها بيعت قبل إدراكها ~~الثمرة، فهنالك اختلفوا. # وما أكل الناس من نخيلهم رطبا وبسرا فلا زكاة عليهم فيه؛ لما روي عن ~~النبي ^ أنه أجاز لأرباب الأصول أن يأكلوا الرطب والبسر، ولا زكاة فيه ~~عليهم، وذلك إن صح رخصة منه. وبعض أصحابنا: قد أوجب في ذلك. # ولا صدقة فيما أطعم الفقراء من البسر والرطب، ولا زكاة على من أعطى ذلك؛ ~~لأن ليس في الصدقة صدقة، ولا على رب المال؛ لأنه تصدق به أيضا لله، إلا أن ~~يكون أعطى لمكافأة فإن فيها الصدقة. # وقد قال بعض: إذا لم تتم الصدقة إلا به حسب مع الثمرة، ثم أخرج الزكاة ~~مما في يده وطرح عنه ما أطعم الفقراء. # والصدقة فيما يبس وصرم وصار تمرا. # ومنهم من قال: /369/إنما الصدقة فيما جمع المصطاح. وقال آخرون: فيما كيل ~~وعرف. ||و||بالاتفاق أن الصدقة في التمر. # وقال من قال: حتى يجمعه الجرين؛ لأن في الحديث عن النبي ^ مثل ذلك. # وحجة الآخر: أنه ما لم يكل لم يلزمه فيه صدقة، فلا صدقة فيه حتى يكال أو ~~يوزن ويعرف مبلغ الصدقة منه. # والعامل تبع مع أكثرهم في الصدقة لصاحب المال ما لم يكن أجيرا، فإن ~~الأجير لا زكاة عليه. # وإذا لم يبلغ في المشترك زكاة فلا زكاة على أصحاب الشرك إلا من كان له ~~مال. وإذا حمله على حصته من الشركة وجبت فيها الزكاة عليه. PageV02P123 # والعامل: فقد قيل: تبع لصاحب المال في الصدقة، وإن قسم المال عذوقا فإن ~~الزكاة في الجملة؛ لأن ذلك قسم غير ثابت في الأصل. وإن قسم المال بعد أن ~~أدركت الثمرة فالزكاة في جميع ذلك كله إذا ms391 وجبت فيه. # والزوجان: على بعض القول يحمل مال بعضهما على بعض في الزكاة إذا كانا ~~متفاوضين، فإن لم يتفاوضا لم يحمل أحدهما على الآخر. # ويحمل على الرجل أولاده في الزكاة إذا كانوا في حجره، وزرع هو ذلك، وقد ~~قيل: ولو كانوا بالغين. # 74- باب: # مسألة: في طناء النخل # - وسأل عن طناء النخل وبيع ذلك، هل تجب فيه الصدقة ويثبت بيعه؟ # قيل له: طناء النخل جائز إذا اصفرت أو احمرت وعرفت بألوانها. وجاء الحديث ~~عن النبي ^ «أنه نهى عن بيع الثمرة حتى تزهو»، والزهو: انقلاب اللون، ويكون ~~الغالب عليها زهو الحمرة أو الصفرة. # وفيها قول آخر: إذا احمرت وأمن منها العاهة؛ لحديث روي: «لو أتت عليها ~~عاهة أو جائحة، بم يستحل أحدكم مال أخيه». فعلى هذا القول أيضا حتى يغلب ~~الزهو، وينكسر العذق فيثمر. # والاختلاف بينهم لهذا المعنى، فمن أطنى من ماله قليلا أو كثيرا وله مال ~~غير ذلك مما تجب فيه الصدقة أخرج من الطناء وحمله عليه، و المصدق عليه ~~بالخيار، إن شاء أخذ من الدراهم، وإن شاء أخذ من التمر. # وإن كان لا تجب عليه زكاة إذا حمل بعضه على بعض فلا زكاة عليه. # وإن أطنى ماله كله وهو ما تجب فيه الصدقة أخذت منه، والمصدق عليه بالخيار ~~أيضا، إنما يحمل ما أطنى من ماله على ماله بعد ما أكل من الرطب والبسر؛ لأن ~~ذلك لا صدقة فيه حتى يصير تمرا. # وقد قيل: «إن النبي ^ /370/ أجاز لأرباب النخل أن يأكلوا الرطب والبسر، ~~ولا زكاة عليهم فيه، وإنما ترجع إلى أصل الثمرة. PageV02P124 # وإن أطنى بدراهم تجب فيها الزكاة أخرج ذلك. وإن أطنى من ماله ولم يكن ~~لصاحب المال ما يتم به ثلاثمائة صاع لم يؤخذ منه شيء. وإن أطنى من ماله بما ~~يتم به الصدقة أخرجها منه، ولو أطنى بشيء قليل من الثمرة؛ لأن الزكاة في ~~أصل الثمرة. # وقد اختلف الفقهاء إذا أكل المطني ما أطنى رطبا وبسرا وباعه كذلك؛ فقال ~~قوم: فيه الصدقة. ومنهم: من لم ير فيه الصدقة؛ لأنه ms392 لم يصر تمرا. # ومن أطنى نخلا ولم يكن لصاحبها غيرها، وغاب عنها وأكلها المطني رطبا ~~وبسرا؛ فعلى قول من أوجب الصدقة: ينظر الذي أطنيت به، وثمن التمر وما أطنيت ~~به تلك. فإن كان غيرها يبلغ ثلاثمائة صاع من التمر، ويكون ثمنها يبلغ ~~ثلاثمائة صاع أخذت الصدقة من ذلك، وإن لم تبلغ لم يؤخذ. # وإن أطنى صاحب المال ماله، وحبس العامل حصته فأكلها بسرا ورطبا فلا زكاة ~~على العامل في ذلك، ولا على رب المال في حصة العامل. وإن حبس ذلك حتى صار ~~تمرا فهو محمول في الزكاة عليه. # وكذلك الشركاء في الأصل، إن أطنى واحد وحبس واحد فأكل حصته رطبا فلا زكاة ~~عليه، والزكاة على الآخر. # وإذا وجبت الصدقة على شركاء في مال، وبعض الشركاء غائب أخذ المصدق الصدقة ~~من الجملة. وإن لم يكن مصدق وكان أرباب المال يخرجون الصدقة لم يخرج أحدهم ~~زكاة مال الآخر إلا بأمره، أو بحضرته، أو بحضرة وكيل له. # ومن أطنى ماله وهو مما تجب فيه الصدقة فأتت عليه عاهة فأذهبته قبل أن ~~يصير تمرا فلا زكاة في تلك الدراهم. وإن ذهبت بعد أن صارت تمرا ففيها ~~الصدقة إن بقي من المال ما يبلغ ثلاثمائة صاع، أخرج منه أو من الدراهم ~~الصدقة. # ومن أطنى ماله كله وأطنى هو من غيره فأكله رطبا وبسرا فإنه تؤخذ منه ~~الصدقة؛ لأنه أطنى ماله ولم يأكل منه، وأكل من غيره، والله أعلم بذلك. # والعنب فسبيل زكاته سبيل زكاة النخل. # وإن كان زبيب يبلغ ثلاثمائة صاع ففيه الصدقة، وإن نقص لم يجب شيء. PageV02P125 # فأما ما أكل من رطب العنب قبل أن يصير زبيبا فلا أرى فيه الزكاة، كمثل ~~الرطب حتى يصير زبيبا. # 75- باب: # مسألة: في زكاة الحبوب # - وسأل /371/ عن زكاة الحبوب؟ # قيل له: قد قدمنا ذكر ذلك فيما تجب وفيما لا تجب فيه. # والزكاة: واجبة في جميع الحبوب: من البر والشعير والذرة والسلت، وما كان ~~من ذوي السنبلة مثله، كالأرز والدخن وغيره، إذا بلغ ثلاثمائة صاع. واختلف ~~في ذوات القرون. ms393 # والصدقة واجبة في جميع الحبوب؛ لقول النبي ^: «ليس فيما دون الخمسة أوسق ~~صدقة». وإنما تجب الصدقة إذا أتم الخمسة أوسق، وهو ثلاثمائة صاع، بصاع رسول ~~الله ^، ولا يحمل شيء من الثمار بعضه على بعض، إلا ما قد اختلفوا فيه من ~~البر والشعير، فقد قال بعض: إنهما يحملان بعضهما على بعض، ولا تحمل ثمرة ~~ذرة على ثمرة ذرة أخرى. # فأما القدمة والآخرة فقد اختلفوا في أوقاتهما؛ فقال قوم: إن تداركتا في ~~الأرض حمل بعضهما على بعض. وقال آخرون: إن كان بينهما أقل من ثلاثة أشهر ~~حملت، وإن كان ثلاثة إلى ما أكثر لم تحمل بعضها على بعض. # وقد اختلفوا في النضار من الذرة: قال قوم: لا يحمل عليها؛ لأنها ثمرة ~~أخرى. وقال قوم: يحمل عليها. ونحن لا نرى ذلك؛ لأنه لم يتدارك في الأرض، ~~ولأنه يدرك على أكثر من ثلاثة أشهر. # فأما الثمار فما شربت بالنهر ففيها العشر تام، وما كان يشرب بالدلاء ففيه ~~نصف العشر. # وما كان يشرب بالنهر والزجر وبالمطر فقد اختلف فيه؛ فقال قوم: على ما ~~أنبتت. وأوجب قوم على ما أدركت. وقال قوم: بالمقاسمة، ورأيت الأعدل على ما ~~أدركت؛ لأن به تجب الثمرة، والله أعلم. # وكل أرض شركة جاءت ثمرتها ثلاثمائة صاع؛ ففيها الصدقة على جميع الشركاء. ~~وإن زرع واحد منهم فعليه الصدقة. PageV02P126 # وإن أكرى واحد منهم أرضه فزرعت؛ ففيها الصدقة على رب الزرع، ولا يحمل ذلك ~~على رب الأرض، ولا تلزمه صدقة، والعامل تبع لصاحب الزرع أيضا. # ومن كان شريكه ذميا فجاءت زراعتهما ثلاثمائة صاع، فعلى المسلم صدقته في ~~نصيبه، ولا شيء على الذمي. # وقال قوم: لا شيء عليه حتى تتم حصته ثلاثمائة صاع، ثم عليه الزكاة. # وإن كان شريكا له في صافية فهي مثل الأولى. وقال قوم: لا شيء عليه حتى ~~تتم في حصته الصدقة، والله أعلم بذلك. # وقد قيل: في رجلين لكل منهما قطعة أرض فأصاب كل /372/ واحد منهما مائتين ~~وخمسين مكوكا، ولكل واحد منهما مع صاحبه خمس في العمل؛ فقد قيل: لا زكاة ms394 في ~~ذلك. وأوجب بعض في ذلك الزكاة. ألا ترى أن العامل تبع لأرباب الأموال، ~~والمال لم تبلغ فيه الزكاة إلا بحصة العامل، وإذا حمل ففيه الزكاة، فالزكاة ~~في ذلك. # واختلفوا فيمن زرع في الرم بلا رأي أهله؛ فأوجب بعضهم عليه الزكاة ولو لم ~~تبلغ. وقال قوم: لا يؤخذ منه شيء؛ لأن الزرع لهم، وليس له شيء. # فأما الزارع في الرم وغيره بالسبب؛ فالزكاة تلزمه في ذلك إذا تمت فيه ~~الزكاة. # فأما تقديم الصدقة فقد اختلف فيها في الثمار؛ فقال قوم: إذا أدركت زروعهم ~~جاز لهم أن يقدموا الصدقة إذا رأوا من الفقراء حاجة، ويحسبونها من زكاة زرعهم. # ومن كان زرعه تجب فيه الصدقة ثم غصب، أو حمله سيل، أو أتت عليه جائحة؛ ~~فقال قوم: عليه الزكاة؛ لأنه ضمن ذلك حين كاله وعرف مبلغه، وهو متعبد في ~~إنفاذ الزكاة. وقال قوم: إذا لم يفرط في إنفاذها فلا زكاة عليه، وهو شبه ~~الأمين. # وإن كال الزكاة وميزها فعطبت، أو حملها سيل؛ فقال قوم: يخرج زكاة ما في ~~يده غير ما غصب. وقال قوم: الكل. وقال آخرون: لا زكاة عليه. # فأما إذا لم يكله ولم يعرف مبلغه، ثم تلف بغصب، أو جائحة من سيل، أو ~~حريق؛ فلا زكاة عليه. # 76- باب: PageV02P127 # مسألة: في زكاة الدراهم والتجارة # - وسأل عن زكاة الذهب والفضة والتجارة؟ # قيل له: إذا بلغت الدراهم والحلي أو الدراهم المكسورة مائتي درهم وبقيت ~~عند صاحبها سنة؛ ففيها: خمسة دراهم. وإن نقصت عن مائتي درهم واحد فليس فيها شيء. # وإن زادت على المائتين؛ ففي كل أربعين درهما درهم. وقال آخرون: يؤخذ مما ~~زاد بالحساب ولو قل. # والذهب والدنانير من كل عشرين مثقالا نصف مثقال، إذا بقي في يد صاحبه ~~سنة. وإن نقص الذهب عن عشرين فليس فيه زكاة. # والسنة دالة بالاتفاق من الأمة بأن الزكاة في ذلك ربع العشر. ألا ترى ما ~~روي عن علي أنه قال: «في الرقة من الذهب ربع العشر»، وقد قال الله تعالى: ~~{والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في ms395 سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم ~~* يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها /373/ جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ~~ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون}. # و|قد| روي عن النبي ^ أنه قال: «ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله إلا أتي به ~~يوم القيامة، فيحمى عليه في نار جهنم، فيكوى به جنبه وجبهته وظهره»، وفي ~~الحديث عن النبي ^ أنه قال: «في الأربعين درهما درهم»، وروي عنه أيضا أنه ~~قال: «ليس فيما دون خمس أواق صدقة». PageV02P128 # والكتاب والسنة دالان على وجوب الزكاة في جميع الأموال، وقد عرفها الرسول ~~^ من كم تجب؟ وكيف تؤخذ؟ وفي الرواية عنه ^ أنه قال: «ما زاد على المائتين ~~ففي كل أربعين درهما درهم»، فإذا كان ليس فيما دون خمس أواق صدقة والبقية ~~أربعون درهما فذلك مائتا درهم. وفي الزيادة قوله #: «ما زاد على المائتين ~~ففي كل أربعين درهما درهم» بالسنة والاتفاق، وهو ربع العشر في الذهب والفضة ~~والدنانير؛ لأن لا زكاة فيها حتى تبلغ عشرين دينارا. # وروي عن النبي ^ قال: «ليس فيما دون العشرين دينارا صدقة»، وعلى ذلك ~~إجماع الصحابة، وهو نصف مثقال، فاستوى ربع العشر في ذلك، فعلى هذا يقوم كل ~~دينار مقام عشرة دراهم. # ومن كان له دراهم جيدة ورديئة حمل بعضها على بعض وأخرج من كل واحد ما يجب ~~فيها، أو أخرج من أحدهما بالصرف في الزيادة. # ومن كان معه عشرة دنانير ومائة درهم ضمها كلها جميعا، وأخرج من العشرة ~~ربع دينار، ومن المائة درهمين ونصفا. وإن حملها على الصرف أخرج من أيهما ~~شاء بالقيمة على رأي بعضهم. # وقال الله: {والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله ~~فبشرهم بعذاب أليم}، فجمع الله بين الذهب والفضة في معنى الإنفاق في سبيل ~~الله، وجمع بينهما في الكنز. والكنوز: الزكاة. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله -وفي بعض ~~الألفاظ-: ما من صاحب ذهب وفضة لا يؤدي منها حقها...»، فعلمنا أن زكاتهما واحدة. # والمثقال المعروف بعمان، وكذلك الدراهم المعروفة بعمان. ms396 # والمسلمون استحبوا أن يكون لصاحب الصدقة شهر معروف /374/ إذا بلغه لم ~~يتعداه. PageV02P129 # وكذلك صاحب الذهب والفضة والحلي، وصاحب الحلي يصدق في وزنه، وليس عليه أن ~~يكسره بين يدي المصدق، و المصدق بالخيار، إن شاء أخذ من الذهب ذهبا، وإن ~~شاء أخذ من أيهما شاء بالقيمة. وإن أخرج من الذهب ذهبا ومن الفضة فضة كمثل ~~ذلك لم يلزمه غير ذلك. # وإذا كان الحلي ذهبا وفضة -ولو كان القليل من أحدهما- حمل قيمتهما بعضهما ~~على بعض وأخرج الصدقة منه، وكله سواء، يحسب الذهب بقيمة الفضة، ثم تؤخذ منه ~~فضة إذا بلغ الصدقة فيه. وكذلك تحسب الفضة ذهبا ثم تؤخذ منه إذا بلغت مائتي ~~درهم، وإذا بلغ عشرين مثقالا فأيما حسب فبلغ في القيمة أخرج منه، أو من كل ~~نوع ما يجب فيه بعدما تبلغ الزكاة، ويحسب ذلك على الأوفر. # فإذا كان المثقال إنما يسوى خمسة دراهم حسب المائة ذهبا ثلاثمائة درهم ~~على المثقال بخمسة وعشرين مثقالا، وعنده عشرة مثاقيل ذهب تمت الصدقة، وأخرج ~~من الفضة ما يجب فيها، ومن الذهب ما يجب فيه؛ فمن عشرة مثاقيل ربع مثقال، ~~ومن المائة درهمان ونصف. # وأما إذا كانت فضة خالصة تبلغ مائتي درهم أخرج منها خمسة دراهم. وكذلك ~~الذهب إذا بلغ عشرين مثقالا ففيه نصف مثقال. # والزكاة في الفضة والمزيفة وغيرها حتى تخرج إلى حد الصفر. # ومن لم يعرف وزن الحلي فأخبره ثقة |واحد| فصدقه وأخذ بقوله، وإن لم يأخذ ~~بقوله واستحاط على أن يقدره على الأكثر اكتفى بذلك إن شاء الله. # وفي الرواية أن النبي ^ أنه دخل عليه امرأتان فرأى في أيديهما سوارين من ~~ذهب، فقال لهما: «أتحبا أن يسوركما الله بسوارين من نار؟»قالتا: لا، قال: ~~«فأديا زكاتهما». # وقد روي أن امرأة أتته وفي يدها سوار من ذهب فيه سبعون مثقالا، فقال: ~~«أخرجي الفريضة منه»، فأخرجت الفريضة منه مثقالين غير ربع، ومن مائة درهمين ونصفا. PageV02P130 # وأما إذا كانت فضة خالصة تبلغ مائتي درهم ففيه خمسة دراهم، فهذا ما يدل ~~على ربع العشر في الذهب والفضة. ms397 ويدل على أن الذهب يؤخذ منه إذا كان حليا ~~الزكاة، وقد وقع الاتفاق على /375/ حمل بعضه على بعض. # [زكاة التجارة] # وأما زكاة التجارة من الذهب والفضة. وإذا كان ذهب وفضة وسلعة في متاع ضم ~~ذلك إلى بعضه بعض وأخرج منها الزكاة. أولا ترى أن الذي يكمل به مقدار ~~الدنانير من السلع يكمل به مقدار الدراهم. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «في الرقة من الذهب والفضة ربع العشر». ولا ~~يشبه إلى حكم الثمار وحكم السوائم. وتأويل قول النبي ^: «ليس فيما دون خمس ~~أواق صدقة» إذا لم يكن سواها. ألا ترى كيف حكمها مع السلع والتجارة ومع ~~العروض. # فإذا حال الحول ومعه مائتا درهم وعشرون دينارا فعليه الزكاة، وإن نقصت ~~فيما بين ذلك؛ لأن السلعة للتجارة إذا كانت قيمتها فيما بينهما. ألا ترى أن ~~من ملك مائتي درهم وكان يكسب كل يوم درهما ضمه إليها. # [في زكاة الحلي] # ومن كانت له خواتم ومناطق ومصاحف مفضضة أو مذهبة أخرج زكاة ذلك؛ لأن الله ~~تعالى قال: {والذين يكنزون الذهب والفضة}. # عن عائشة أنها قالت: دخلت على رسول الله ^ وفي يدي فتخات من ورق -أو قالت ~~من ذهب-، فقال رسول الله ^: «ما هذا؟» فقلت: أتزين لك بهن، قال: «أتؤدين ~~زكاتهن؟» فقلت: لا، قال: «حسبك من النار، اعلمي أن فيهن الزكاة، حيث ما ~~يمكن فيهن». فهذا يدل على من كان فيه حلي من ذهب وفضة أو أحدهما أن الزكاة فيه. # ومن كان معه متاع للتجارة قومه وأخرج زكاته إذا حال عليه الحول، وقيمته ~~تبلغ مائتي درهم أو عشرين مثقالا، فلا تكون الزكاة في أقل من ذلك. PageV02P131 # ومن استفاد دراهم وعنده دراهم قد حال عليها الحول وتجب فيها الزكاة ولم ~~يكن أخرجها حمل على ما استفاد على دراهمه التي كانت عنده، وأخرج زكاة ~~الجميع. ألا ترى أن أهل التجارة يربح كل واحد منهم في كل سنة شيئا ولو قل، ~~ولو كلفوا إخراجها قبل حولها ضاقت أحلامهم وبطلت أسواقهم، ولكن عادة ~~المسلمين على خلافه. # ولو احتاج إلى ms398 إخراج كل شيء يستفيده قبل الحول فإن ذلك له، ولم يلزمه شيء ~~حتى يحول الحول. ألا ترى إلى قول رسول الله ^: «ليس فيما دون خمس أواق ~~صدقة». وقد قال عمر: هذا شهركم الذي تزكون فيه، فمن كان عليه زكاة /376/ ~~مال فليؤدها، ويزكي ما فضل من بعد قضاء دينه إذا كان تجب فيه الزكاة. # فمن كان عنده مال من الورق تبلغ فيها الصدقة، وكان عليه دين: فليؤد ويزك ~~ما بقي بعد دينه، وإن كان قد قيل فيه باختلاف. # ومنهم: من لم ير عليه زكاة إلا فيما فضل من المال عن دينه. # وهذا الذي قلنا موافق لقول المسلمين الذي ذكرنا. # ومنهم من قال: إن كان يريد أن يقضي دينه في سنته تلك فلا زكاة عليه إلا ~~فيما بقي له بعد دينه. وإن كان لا يريد أن يقضيه في سنته تلك أخرج زكاته. ~~وقال آخرون: عليه أن يخرج الزكاة من هذا المال الذي في يده، ولا يرفع الدين ~~إلا أن يريد أن يقضي دينه، فإنه يرفع للدين ويخرج زكاة ما بقي. وهذا الرأي ~~يؤدي إلى الرأي الذي قلناه: إن الدين أولى والزكاة فيما بقي من ذلك. # والعروض من التجارة: ففيها الزكاة إذا حال عليها الحول في يد صاحبها، مثل ~~الدراهم والدنانير، والزكاة فيهما مثلها. # فإن كان معه دراهم ودنانير فإنه يضم قيمتها إلى ذلك. وإن لم يكن له سواها ~~وقيمتها أقل من مائتي درهم فلا زكاة فيها؛ لأن زكاة التجارة كالدراهم ~~والدنانير. # وإن باعها بسلعة أخرى ونوى بها التجارة فهي للتجارة. PageV02P132 # وإن باعها بدراهم ودنانير إلى أجل لم يحل فلا زكاة عليه فيها حتى تحل، ~~فإن حلت مع زكاته أخرج زكاة ذلك. # وإن قبض دراهمه التي إلى أجل أخرج زكاتها في يوم ملك الدراهم والدنانير. # وقد اختلف في ذلك؛ فقال قائلون: يخرج زكاة ما في يده عنه وعن دينه الآجل. ~~وقال آخرون: يخرج عن رأس ماله ودينه زكاته. وقال قوم: لا زكاة عليه في دينه ~~حتى يحل، فإذا حل أخرج زكاته. ومنهم: من ms399 قال حتى يقضبه. # وإن كان دينه على مفلس أو على من لا يرجوه فلا زكاة عليه فيه حتى يقبضه، ~~وإن كان على من يرجوه أخرج زكاته. # والسلف فلا زكاة فيه حتى يقبضه صاحبه. # ويقوم كل ما كان للتجارة من عبيد وعروض ودواب قيمة يومه. وإن باعه قبل ~~محل زكاته فإنما عليه زكاة ما بقي في يده. # وإن حبس شيئا من ذلك لخدمته أو لطعامه، أو حبس ثيابا لكسوته أو دواب ~~لضيعته؛ فذلك له ولا زكاة عليه. فإن أدخله من بعد في التجارة فلا شيء عليه ~~فيه حتى /377/ يدخل شهره، ثم يزكي كل ما كان في يده. # وأما ما كان عنده من طعام من زراعته، وما كان من خدم ودواب وعروض غير ~~التجارة؛ فلا زكاة عليه فيه. # ومن كان له مال على مفلس أو على من لا يرجوه، فإذا قبضه: أخرج زكاته لما ~~مضى. وقال قوم: لسنته. # ومن كان له دين على إنسان قد حال عليه الحول أو أحوال، ثم قبضه؛ أخرج ~~زكاته لما مضى. وقال من قال: لسنته. # ومن ذهب ماله في بر أو بحر ولم يدر ما حاله، وكان عنده أقل من مائتي درهم ~~فلم يزكه لما ذهب الآخر، ثم وجده؛ فإنه يخرج زكاته لما مضى من تلك السنين. # وإذا مات الميت وخلف مالا تجب فيه الصدقة فلا صدقة فيه حتى يقع لكل واحد ~~من الورثة ما تجب فيه الزكاة، ثم يحول عليه الحول عنده. وقال قوم: إن بقي ~~المال مجتمعا لم يقسم أخرج زكاته إذا حل وقتها. PageV02P133 # وقيل: يترك للتاجر ما يكفيه ويكفي عياله لسنته ويزكي ما بقي، وإن كان ~~التاجر هو الذي يخرج عن نفسه لم يخرج لمؤنته شيئا. # وإن اختصم قوم في مال فلا يخرج منه زكاة حتى يصح لمن هو، ثم تؤخذ منه ~~الزكاة لما مضى من ذلك. # وقد قيل: في رجل له مال كانت الزكاة تجري فيه، فاشترى به متاعا، وباعه ~~بزيادة إلى أجل، أنه لا زكاة فيه حتى يحل، فإذا حل أخرج زكاته. ms400 # فإن حل له في كل سنة شيء أخرج زكاة ما حل من ذلك. وقد قيل: يخرج زكاة رأس ~~مال دينه. وإن لم يخرجه ولم يقبضه، فإذا قبضه أخرج زكاته لما مضى، وإن أخرج ~~زكاته وقد حل فقد استحاط، وبالله التوفيق. # ومن كان معه مال يزكيه فذهب حتى بقي معه شيء قليل، ثم أصاب مالا تجب فيه ~~الصدقة قبل محل زكاة ماله الذي كان باقيا في يده، أو في شهره الذي كان يزكي ~~فيه؛ فإن كان في شهره الذي كان يزكي فيه أخرج زكاة ما بقي في يده، وزكاة ما ~~استفاد مع ذلك. وقال قوم: حتى يبقى من الأولة أربعون درهما مع ما استفاد ~~معها ما تتم به الصدقة، ويخرج زكاته. وإن بقي أقل فلا زكاة عليه حتى يستفيد ~~ما تتم به الصدقة، ويحول عليها حول مذ صارت له. # ومن وجبت عليه زكاة الورق فلم يخرجها؛ فكل شيء استفاده من ورق أو غلة أو ~~هبة فهو محمول عليها. وإن كان أدى زكاته فلا زكاة عليه فيما استفاده. وقد ~~قيل: إنه لا زكاة في الفائدة حتى يحول عليها الحول، والحجة له قول النبي ^: ~~/378/ «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول ». # وإذا كان على الإنسان دين وله مال عين فلا زكاة عليه إلا فيما بقي بعد دينه. # وإن كان له مال غائب فلا زكاة عليه فيه حتى يصل إليه ويعرف سلامته. وكل ~~مال غائب فلا زكاة فيه حتى يصل إلى صاحبه فيزكيه عن نفسه، ولعل عليه دينا ~~أو حدث له أمر. PageV02P134 # ووصي اليتيم يخرج زكاة مال اليتيم من الذهب والفضة، ومما وجب فيه الزكاة. ~~وإن لم يخرجها وأعلم الصبي، فإذا بلغ أخرجها عن نفسه لما مضى. # وأما الثمار: فعلى وصي اليتيم ووكيل الغائب أن يخرجا من مال اليتيم ~~والغائب الزكاة. # وكذلك وكيل الأعجم والمعتوه يخرج الزكاة إذا أقامه الحاكم من مالهما. # وأما الورق: ففيها اختلاف؛ فبعض: أوجب الإخراج على الوصي. وبعض: وقف. # وأما الوالي فإنه يأخذ الوصي بذلك حتى يخرج الزكاة من ms401 مال اليتيم. # وكل مال لا رب له فلا زكاة فيه. وكل مال للفقراء أو للشذاة أو للحج إذا ~~ميز ذلك الهالك فلا زكاة فيه. # وقد اختلف في المال الذي للحج إذا ميز ذلك الوصي والورثة؛ فقال قوم: فيه ~~الزكاة. وقال قوم: لا زكاة فيه؛ لأنه في الحجة. # فلو لم يبق ثلث يؤدى منه الذي أخرج منه الزكاة لم تكن تخرج منه زكاة غير ~~الثلث الذي فيه الحجة لم تكن تخرج منه الزكاة. # ولو أخرج من الحجة زكاة ونقصت عن إنفاذ الحجة كما أوصى، ولم يكن ثلث؛ كان ~~على الوصي ضمان ذلك. # وإذا قبض الحجة رجل ليحج بها فلا زكاة على الورثة، ولا على الذي أخذ ~~الحجة حتى يستحق ذلك، ويحول عليه حول مذ صارت إليه، إذا كانت مما تجب فيه ~~الزكاة. # ولا زكاة في الجوهر واللؤلؤ والعنبر، وما أخرج من غوص البحر، إلا أن تباع ~~بدراهم ويحول عليها حول معه، أو تكون للتجارة فتخرج الزكاة منها مع التجارة ~~بالقيمة. # ولا زكاة في الخيل والبغال والحمير والعبيد، وقد جاء الحديث عن النبي ^ ~~أنه قال: «عفي لأمتي عن زكاة الخيل والحمير والرقيق». # وقد قال بعض: إن الرقيق عليهم زكاة الفطرة، إلا ما كان للتجارة فإنه يقوم ~~للتجارة. PageV02P135 # وقد جاء الحديث عن النبي ^ أنه قال: «في الركاز الخمس». فقال قوم: إن ~~الركاز كنوز الجاهلية، وفيه الخمس، يقسم الخمس على قسم الغنيمة، /379/ وأقل ~~ما يجب فيه الخمس خمسة دوانيق. وكنوز الجاهلية تعرف بعلامتها. # وقال بعض أصحابنا: ما أصبت من التراب مما يعالج بالنار من الذهب والفضة ~~ففيه الزكاة من أربعين دهما درهم، إذا حال عليها الحول عند صاحبها. وهي مما ~~تجب فيها الزكاة مقدار المائتي درهم. فأما إن كان ذلك من كنوز الجاهلية فإن ~~فيه الخمس، والله أعلم. # فأما المعادن: فقد وقع الاختلاف فيها؛ فقال قوم: هي مثل الركاز وفيها ~~الخمس. وقال قوم: لا شيء فيها، وهو قول أصحابنا. # والركاز: ما أركز في الأرض من الذهب والفضة. ولا خمس ولا زكاة في قول ~~أصحابنا ms402 فيما يخرج من المعادن من الصفر والحديد ولا غيره. وهي في الذهب ~~والفضة حين يحول عليها الحول عند صاحبها، وتكون مما تجب فيه الزكاة، ثم ~~فيها الزكاة من المائتي درهم خمسة دراهم، ومن عشرين مثقالا نصف مثقال، ولم ~~يجعلوا ما يخرج من المعادن ركازا؛ لأن الركاز فيه الخمس. # ولا زكاة في الدين الآجل حتى يحل، ولا في الصداق الآجل حتى يحل، وإن كان ~~على من لا يرجوه لم تلزمه زكاة حتى يقبضه، وإن كان على من يرجوه أخرج زكاته. # ومن ميز زكاته فتلفت قبل أن تقبض منه لم ينتفع بذلك، وعليه أن يخرج ~~الزكاة كما لزمته. PageV02P136 # ويجوز للمرأة أن تعطي زوجها من صدقتها للحديث الذي روي أن امرأة عبد الله ~~بن مسعود أتت النبي ^ بحلي لها لتتقرب بها إلى الله، وأن تضعه حيث أمر ~~الله، وقالت له: إن عبد الله قال لي: ضعيه في وفي بني، فإنا له موضع. فقال ~~لها رسول الله ^: «ضعيه فيه وفي بنيه، فإنهم له موضع»، فجائز للمرأة أن ~~تعطي زوجها من الصدقة. وجائز للمرء أن يعطي زكاته كل فقير من قرابته ممن لا ~~يعول من ولد بائن عنه أو غير ذلك. # فأما الوالدان: فقد اختلف فيهما إذا لم يكن يعولهما؛ فقال قوم: يعطيان ~~إذا لم يكن يعولهما. وقال آخرون: لا يعطي المرء من حكم عليه بعوله من ~~والدين أو ولد. وفي بعض الحديث «أن تدفع الصدقة إلى الوالدين»، والله أعلم. # والذي يأخذ الصدقة جائز أن يعطى ما يكفيه ويكفي عياله لنفقتهم وكسوتهم، ~~وما يحتاجون إليه في سنتهم. # والذي يكون في بلاد الشرك /380/ ولا يجد مسلما يعطيه زكاته فإنه يبعث بها ~~إلى فقراء المسلمين، وليس له أن يعطي فقراء المشركين شيئا؛ لقول النبي ^: ~~«أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأضعها في فقرائكم»، وأهل الشرك ليس من ~~فقراء المسلمين. # وقد اختلفوا فيمن يبعث زكاته مع ثقة من المسلمين ليدفعها إلى المسلمين ثم ~~تتلف؛ فقال قوم: لا غرم على أحدهما. وقال آخرون: على رب المال أن يخرجها ~~ثانية؛ ms403 لأنها فرض عليه، لا تسقط عنه إلا بأدائها إلى أهلها، وهو كمن ذهبت ~~من يده زكاته فعليه بدلها، فانظر في ذلك. # واختلفوا أيضا: فيمن يبعث بزكاة دراهمه من أرض الحرب إلى أرض الإسلام ثم ~~تتلف؛ فقال كثير منهم: لا غرم عليه، ولم يسووا بينه وبين من يبعث بماله مع ~~ثقة إلى الفقراء من بلد الإسلام إلى بلد الإسلام، والله أعلم بذلك. PageV02P137 # ومن بعث بزكاته مع ثقة أجزأه ذلك، وإن لم يرجع يعلمه حتى يعلم أنها تلفت، ~~وإن رجع وأعلمه كان أوثق لأمره. ومن بعث مع غير ثقة لم يبرأ حتى يعلم أنها وصلت. # وكل شيء من الربا والخمر والحرام باعه أحد، واشترى به فلا زكاة فيه، ~~وإنما الزكاة في الحلال في رأس المال، وذلك الذي أربى لأهله. # والورس والزعفران فلا زكاة فيه، ولا فيما ليس بطعام زكاة. # ومن أقر بالإسلام وأنكر الزكاة أنها ليست عليه، ودان بذلك فإن الزكاة ~~واجبة عليه؛ لأنه مقر بالجملة ويحتج عليه. فإن تاب من إصراره ودان بها ~~بإقراره وأعطاها وإلا قتل. ألا ترى أن أبا بكر > قاتل أهل الردة واستحل ~~دماءهم على منعهم الزكاة. # ومن ضيع الزكاة حتى حضره الموت، ثم أوصى بها كانت في وصاياه من ثلث ماله. # وحد الغني: الذي لا يأخذ الصدقة عندي الذي يكون له مال يكفيه ويكفي عياله ~~ومؤنتهم وكسوتهم إلى الحول، ومن كان دون ذلك فهو فقير. # ومن ذهبت غالته في دين فهو فقير. # وقد قال بعضهم: من ملك مائتي درهم ناضة فهو غني ولا يأخذ من الصدقة شيئا؛ ~~لقول النبي ^: «أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأضعها في فقرائكم». # وقد أوجبوا الصدقة للصغير والكبير من فقراء المسلمين؛ لقول النبي ^: ~~«أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم وأضعها في فقرائكم». /381/ فجعهلم قسمين: ~~تؤخذ من الغني وتوضع في الفقير. # واتفقوا على أخذ الصدقة من مال الصغير واليتيم. وكذلك إذا كان فقيرا أعطي ~~الزكاة. وقد قال بعض: يعطى له من يعوله من أبويه أو غيرهما، وذلك فيما أحسب ~~إذا كان إمام عدل، ms404 كان القابض للصدقة هو الذي يقوم بذلك. PageV02P138 # ويعطي كلا حقه بعد أن يبرأ منها الذي وجبت عليه؛ لأن الذي تجب عليه ~~الزكاة لا يبرأ منها إلا بدفعها إلى من له قبض ممن يستحق قبض الصدقة. ~~والصبي لا قبض له. ومن دفع إليه ماله لم يبرأ منه؛ فعلى هذا القول دفعها ~~إلى البالغ إذا لم يكن قوام يقبض الصدقة أزكى وأسلم من الدخول فيما لا تقع ~~به براءة. # ولو كان الصبي مستحقا الدفع للوصية إليه ماله قبل أن يؤنس رشده لم يشترط ~~الله تعالى ذلك على وكلائهم وأوليائهم. ولكن تدفع الصدقة إلى وكيله -إن ~~كان- أو وليه للأخذ بالثقة. # ومن أعطى الصبي -بالاتفاق- أفضل ممن أعطى الجاهل والخائن والفاسق، إلا ~~أنهم لم يضمنوا من أعطى غير ثقة. # ومن طحن من زكاته وأطعم الفقراء لم يبرأ منها؛ لأنه حين طحن أتلف الحب، ~~وإنما يجب عليه حب، وإعطاؤه خبزا خلاف الحب. # وإن أطعم الزكاة ضيفه كان ذلك تقية لماله، فلا أحب له ذلك. # فأما إن أطعم فقيرا مستحقا وحسبه من الزكاة تمرا، أو أطعمه يتيما أو صبيا ~~فقيرا تمرا وأكله بحضرته؛ فرأيي أنه يبرأ؛ لأنه أطعم زكاة التمر الذي لزمه ~~من قد يستحق ذلك، وذلك إذا لم يكن قواما يؤمر بقبض الصدقة. # ومن كان يسرته حاضرة من مال أو تجارة أو صناعة لم يعط من الزكاة شيئا. # ومن أصاب من الزراعة ما يكفيه ويكفي عياله لسنة لم يعط من الزكاة؛ وقد ~~جاء الحديث في الصدقة: |إن| «خير الصدقة ما أبقت غنى»، فمن أعطى أكثر كان ~~أفضل لأجل هذا المعنى. وإن أعطى قليلا فهو مأجور؛ للحديث الذي جاء عن النبي ~~^ أنه قال: «تصدقوا ولو بشق تمرة تكنوا بها وجوهكم عن النار». PageV02P139 # وهذا لعله متوجه إلى صدقة التطوع غير الزكاة؛ لأن الله تعالى قد ذكر في ~~كتابه إيتاء المال، وهو شيء غير الزكاة؛ لقوله: {وآتوا حقه يوم حصاده}، ~~وقال: {وآتى المال على حبه ذوي القربى} أعطى المال ذوي القربى، ثم قال ~~/382/: {واليتامى والمساكين وابن السبيل والسآئلين وفي ms405 الرقاب} أعطاهم، ثم ~~قال: {وأقام الصلاة وآتى الزكاة}، فدل في آخر القول أن الأول شيء غير ~~الزكاة. وقد جاء الحديث عن النبي ^ أنه «نهى عن الحصاد والجداذ في الليل»، ~~لحال ما يحضر من الفقراء. # وقد قال المسلمون: لا تجعلوا الزكاة تقية للمال، وإنما يراد بها وجه الله ~~وأداء ما افترض. # وقد أمر الله تعالى أن يعطى من حضر عند الدوس والحصاد شيئا غير الزكاة. # وفي قول أئمة أهل عمان: أن ليس لهم أن يأخذوا صدقة من لم يحموه، وذلك وقت ~~دولتهم، فإذا حموهم وحموا ثمارهم أخذوا الزكاة من الثمار. # فأما زكاة الذهب والفضة والمواشي فحتى يحموهم ويملكوا المصر سنة، وذلك ~~بالسنة. وقد قال أبو بكر >: "لو منعوني عقالا". فقال بعضهم: العقال: زكاة السنة. # فأما السنة فقول النبي ^ لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: «انتظر بأرباب ~~الأموال حولا ثم خذ منهم ما أمرتك به». فهذا الحديث يدل على أنهم ليس يؤخذ ~~منهم الصدقة قبل حول السنة، إلا من أعطى برأيه وأراد معونة لأهل الحق. # فأما أهل الجور والجبابرة فلا يبرأ من أعطاهم؛ لأنهم لا طاعة لهم على ~~أحد، وقد قال الله تعالى: {ولا تطع منهم آثما أو كفورا}. فمن لم تجب له ~~طاعة من الظالمين لم يبرأ من أعطاهم. # فأما من أعطى للإمام الجائر ممن يدين بطاعته فلا غرم عليه إذا تاب. PageV02P140 # ولوالي المسلمين أن يقبض الصدقة من أهل ولايته، ومن دفع إليه زكاته برئ منها. # وليس للوالي أن يقبض الصدقة وقد عزل عن الولاية. وقد قيل: إن من دفع إليه ~~فقد برئ إن كان ثقة. فأما ما كان قد قبضه هو وولايته فإنه يقبضه ولو عزل. # وإذا أحدث الإمام حدثا لم يعط الزكاة، ولم يبرأ من أعطاه لتقية ولا غير ذلك. # وجائز للرجل أن يشتري صدقته إذا صارت إلى من يلي قبضها. وإن خالطه جاز له ~~الأكل معه. وإن مات وكان وارثه ورثه. # وقد اتفقوا على أن من رد إليه صدقته ميراثه أن له أخذها. # وقيل: إن رجلا تصدق ms406 على أمه بجارية فماتت أمه، فأتى الرجل النبي ^ فسأله ~~عنها، فقال له النبي ^: /383/ «قد وقع أجرك على الله، ورد عليك جاريتك». # وقد قيل: إن رجلا -أيضا- من الأنصار تصدق بأرض له على أمه أو غيرها ممن ~~يرثه، فمات المتصدق عليه، فأتى المتصدق النبي ^ فسأله عن ذلك، فقال له: «قد ~~وقع أجرك على الله، ورد عليك أرضك، فاصنع بما شئت» فهذا يدل على ما قلنا. # وقد قال بعضهم: لا يرجع يشتري زكاته وكره له أكلها. والأول أحب إلي وذلك ~~أن عمر بن الخطاب > تصدق بفرس في سبيل الله فوجدها تباع في السوق فأراد ~~أخذها، فقال له النبي ^: «لا تعد في صدقتك» وهذا خلاف ذلك. # ومن كان غنيا أو كان من يعوله غنيا لم يعط من الزكاة. # والمرأة إذا كانت متزوجة وكان زوجها قائما بنفقتها وهو غني لم تعط من ~~الزكاة. وإن كانت فقيرة أو زوجها رافضا بها أعطيت الزكاة. # ومن كان يعول قرابة له فقراء من غير أن يحكم عليه بعولهم جاز له أن ~~يعطيهم من الصدقة؛ لأن كل ما عالهم به فهو تطوع، ولا يعطي من حكم عليه بعوله. # ومن تجر بمال المسلمين فالربح لهم، وإن تلف فعليه الضمان. وقد قال بعض: ~~لا ضمان عليه. PageV02P141 # ولا يعطي من زكاة الدراهم شيء من الطعام، ولا عن الطعام من الدراهم. ~~ويخرج من كل نوع ما يجب فيه، وفيه حديث عن بعض ولم يصح ذلك، إلا أنه يوافق السنة. # فأما ما روي عن معاذ فإنه كان يبيع في اليمن ويأخذ الثمن، ويقول لهم: ~~"هاتوا الخميس من الثياب، ويقول: أخفف عليكم وأنفع المهاجرين. أو قال: أنفع ~~المسلمين بالمدينة". فهذا خبر يوجب بالمدينة في الماشية، إذا قبض الصدقة ~~باعها وأخذ الثمن، والله أعلم. وأصحابنا لم أرهم عملوا بذلك. # وقد قال بعضهم: إنه جائز أن يشتري الرجل ثوبا بزكاته ويعطيه الفقراء، ~~والله أعلم. فعلى هذا الخبر جائز حمل الصدقة من بلد إلى آخر، وهو الحجة ~~||في ذلك||. # ومن اقترض من الوالي أو الإمام شيئا من مال المسلمين ms407 وتجر به وربح فالربح ~~له، وعليه الضمان إن كان تلف، ويعطي زكاة المزيفة منها والورق، والذهب ~~والدنانير، ومن كل نوع ما يجب فيه، إلا ألا تتم الصدقة في نوع منها، فيحمل ~~في الصرف والقيمة على النوع الآخر، ويخرج من كل نوع ما يجب فيه. وقال ~~بعضهم: من أيها شاء أخرج، /384/ إذا وجب في جميعها بالصرف، والله أعلم. # ولا يعطي عن الذهب فضة، ولا عن الفضة ذهبا. # ومن وجبت عليه الزكاة ثم أزال المال من يده بعد وجوبها عليه فعليه ~~الزكاة. ولا يبرأ من الزكاة من أتلفها بغير حق، وإن قضى الثمرة لزمته ~~الزكاة. # والاختلاف في حمل الذهب على الفضة. # 77- باب: # ||مسألة|| في نصارى العرب # - وسأل عن نصارى العرب، ما يؤخذ منهم؟ # قيل له: قد قيل: إن عليهم في أموالهم الضعف مما يؤخذ من المسلمين، ولا ~~جزية عليهم، ولا يؤخذ من أموالهم حتى يصيروا في حد يجب عليهم. PageV02P142 # وتؤخذ من الصغير والكبير والرجل والمرأة من أموالهم كأموال المسلمين، ~~وذلك أن نصارى تغلب قدموا على عمر بن الخطاب ~ فأمر بقص نواصيهم، وقلب شرك ~~نعالهم، وأن يركبوا الأكف، ويجعلوا في أوساطهم علامة يعرفون بها من زي ~~المسلمين من الهمايين. وجعل في أموالهم الخمس، وقال: "ذلوا أذلكم الله"، ~~ولا جزية عليهم. # وعلى عمالهم في حصصهم العشر، وهم عليهم الخمس إذا كان عاملهم مسلما. # وكل ما يصير إليهم في أموال المسلمين أو غيره فعليهم فيه الخمس من الحروث ~~والمواشي. وما تجب فيه الصدقة فعليهم الخمس، وما لا صدقة فيه فلا شيء عليهم فيه. # وليس لهم أن يخرجوا بأموالهم من الماشية إلى أرض الشرك إذا كانت تجري ~~فيها الصدقة، وما اشترى المسلم من أموالهم فإنما على المسلم فيه العشر. # وقد «كان نصارى فدك صالحوا النبي ^ على النصف من أرض فدك»، وكذلك أبو بكر ~~من بعده وعمر، وقد كانوا جعلوا على أهل نجران من النصارى شيئا جعلوه في ~~الصلح عليهم. # مسألة: [في زكاة البحر] # - وسأل عن زكاة البحر؟ # قيل له: زكاة المسلمين من البحر كزكاة البر، وكل ms408 من وجبت عليه زكاة في ~~ماله بعد حول السنة في بر أو بحر أخذت منه الزكاة إن كان من المسلمين، وإن ~~كان سلع قومت بسعر يومها وأخذ منهم الزكاة. ولا تنقص عما فرض الله فيها. # فأما من يقدم من البحر من أهل الحرب فلا صدقة عليهم. وقد أخذ المسلمون من ~~أموالهم مثل ما يؤخذ من المسلمين. # وقد روي عن عمر بن الخطاب ~ أنه سئل عن مثل هذه الأموال؟ فقال: "خذوا ~~منهم مثل ما يأخذ ملوكهم". PageV02P143 # وقد رأيت بعض من ينكر ذلك /385/ من أصحابنا قال: ما يأخذ ملوك الشرك من ~~المسلمين إنما يكون على وجه التعدي والغصب، وليس للمسلمين عندي أن يعاقبوهم ~~بغيرهم، وقد قال الله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}. وقال بعضهم أيضا: ~~ما أخذ من المسلمين في بلاد الحرب على حد السرق والتعدي لا يؤخذ منهم مثل ~~ذلك، إنما يؤخذ كما أخذ ملوكهم وأمراؤهم. # وأما المسلمون إذا قدموا بتجارتهم في البحر إلى عمان ثم خرجوا إلى بلادهم ~~من العراق أو غيرها من المدن فلم ير المسلمون الأخذ منهم. # وأما أهل عمان إذا وجبت عليهم زكاة أموالهم في سنتهم أخذت منهم في البر ~~والبحر. # ومن جاء تاجرا من غير أهل عمان فأقام بماله يبيع ويشتري حتى يحول عليه ~~الحول عندهم؛ فإنهم يأخذون منه زكاة ما بقي في يده؛ لأنهم قد حموه سنة من ~~الجور. وما لم يحموه حولا لم يأخذوا زكاته؛ للخبر الوارد عن معاذ أن النبي ~~^ قال له: «انتظر بأرباب الأموال حولا ثم خذ منهم ما أمرتك به». # وإن قدموا إلى عمان وأقروا أن أموالهم قد خلا لها سنون لم يؤخذ منهم إلا ~~أن يعطوهم ذلك بطيبة أنفسهم؛ لأنهم لم يحموهم في بلادهم التي جاؤوا منها ~~ولا إلى حيث انتهوا. # وأما أهل عمان فمن خرج بتجارته سنين ثم قدم إلى عمان بماله فإنه تؤخذ منه ~~الزكاة إذا لم يكن أدى زكاته لما خلا من السنين جميعا. ولا يؤخذ منهم إلا ~~في كل سنة مرة، مثل أموالهم التي في ms409 البر. # وأما من قدم بماله من أهل عمان أو غيرهم إلى عمان من أرض الإسلام فطلبت ~~منه الزكاة فاحتج أن زكاته في شهر معروف، أو أنه قد أدى زكاته في ذلك الشهر ~~في الشحر أو اليمن أو غيرهما لم تؤخذ منه الزكاة. PageV02P144 # وأما من احتج أنه أدى زكاته في عمان حيث يصل العلم ولاة أهل عمان لم يقبل ~~ذلك منه، وأخذت منه الزكاة؛ لأن أصل الزكاة في البحر في مكلا صحار. # وإن قدم قادم من أهل عمان وغيرهم من بلاد الشرك أو بلاد الإسلام بمال ~~عظيم وطلبت منه الزكاة، فاحتج أن هذا المال لم يملكه إلا في شهر سماه، ولم ~~تجب فيه الصدقة لم تؤخذ منه الزكاة. # ولو أن رجلا قدم بمتاع له كثير من البحر، فلما طلبت منه الزكاة احتج بأنه ~~يهودي لم تؤخذ منه زكاة، أو قال: إن المال الذي في يده ليهودي لم تؤخذ منه ~~الزكاة؛ لأن أرباب الأموال /386/ أمناء على ما في أيديهم من الزكاة. ألا ~~ترى أن النبي ^ جعل المرأة مصدقة فيما وصلت حديقتها. # ولو أن شريكين اتجرا بمائتي درهم، فصارت ثلاثمائة درهم، وحال عليها حول ~~لم تؤخذ منهما الزكاة حتى يصير لكل واحد منهما مائتا درهم، ويحول عليها حول ~~مذ صارت إليه. # ولو أن رجلا قدم بمال يبيعه بعمان، فلما طلبت منه الزكاة احتج بأن المال ~~لرجل من العراق أو عدن لم تؤخذ منه الصدقة؛ لأنه لعل عليه دينا، ولا زكاة ~~في مال الغائب. # وإن قدم بمال عظيم من بلاد الشرك، فلما طلبت منه الزكاة احتج أن العبيد ~~حبسهم لخدمته، وأن الثياب التي حبسها لكسوته، والآنية لبيته، والطعام ~~لمؤنته لم تؤخذ منه الزكاة. # وإن احتج أن اللؤلؤ أخرج منه صدفه، ولقط العنبر من البحر، وأخرج البقم ~~واللبان من شجره لم تؤخذ منه زكاة حتى يبيع ذلك بدراهم، ثم يحول عليها ~~الحول وهي ناضة في يده. # وإن قدم بنارجيل ، واحتج أنه من نخله، والشجر من زراعته لم تؤخذ منه ~~الزكاة، ولا يجوز تؤخذ منه من ms410 أقل من عشرين درهما درهم على قول. PageV02P145 # وإذا أخذ من الحربي أو أحد من أهل الذمة أحد من أهل الإسلام لم يرجع يؤخذ ~~منهم في تلك السنة؛ لأن الذمة واحدة، يسعى بذمتهم أدناهم إذا كان عدلا، وهم ~~يد على من سواهم تتكافأ دماؤهم، فمن قام بالذمة منهم ففعله ماض. # 78- باب: # مسألة: في صدقة الماشية من الغنم والإبل والبقر # - وسأل عن صدقة الغنم؟ # إذا بلغت أربعين شاة، وحال عليها الحول عند صاحبها ففيها شاة، والموجود ~~عن عبد الله بن عمر قال: "أعيد إلى عمر كتاب رسول الله ^ في الصدقات، قال: ~~«ليس فيما دون الأربعين من الشاء صدقة، فإذا بلغت الأربعين ففيها شاة إلى ~~عشرين ومائة، فإذا زادت على عشرين ومائة شاة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا ~~زادت على المائتين شاة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة شاة، ثم في كل مائة ~~شاة شاة». فهذا ما جاء به الأثر، وقال به أهل البصر: إنه ليس فيما دون ~~الأربعين من الغنم صدقة حتى تبلغ الأربعين ثم فيها شاة، ثم فيها على ما ذكرنا. # وعن أبي بكر أنه قال: «في سائمة من الغنم إذا كانت أربعين إلى مائة ~~وعشرين شاة، فإذا زادت على العشرين والمائة شاة ففيها شاتان إلى ~~أن/387/تبلغ المائتين إلى الثلاثمائة ففيها ثلاث شياه، في كل مائة شاة» . # وإذا نقص من الأربعين شاة فلا شيء فيها، وإذا لم تزد على المائة والعشرين ~~فليس فيها إلا واحدة، وإذا لم تزد على المائتين فليس فيها إلا شاتان، فإن ~~زادت واحدة ففيها ثلاث شياه، ثم قال: «في كل مائة شاة ففيها شاة»، والحديث ~~المروي عن النبي ^ أنه قال: «ليس فيما دون الأربعين من الغنم شيء». # فإذا بلغت الغنم الأربعين ففيها شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادن واحدة ~~ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، ~~فإذا كثرت ففي كل مائة شاة شاة. PageV02P146 # ولا تؤخذ هرمة ولا سخلة، ولا ذات عوار، وتعد صغارها وكبارها وليس في هذا ~~الخبر ذكر السائمة. # وقال أصحابنا: تعد ms411 السخال إذا خطت الوادي راعية، وذلك بعد أن تتم ~~الأربعون ويحول عليها حول. وقد روي عن عمر أنه قال: «تعد ولا تؤخذ الصغار، ~~ولا تؤخذ الأكولة -وهي التي يسمنها الراعي-، ولا التيمة، ولا الماخض، ولا ~~فحل الغنم»، والماخض: هو الحامل. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال لمعاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن: «إياك ~~وكرائم الأموال». وقد قيل: لا يأخذ المصدق فحل الغنم من الذكور والإناث، ~~فهي بمنزلة واحدة؛ لأن رسول الله ^ قال: «في الأربعين شاة شاة»، وهذا اسم ~~يشتمل على الذكور والإناث؛ لأن الذكر منه في الغائب هي قيمة الأنثى. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «لا تؤخذ هرمة ولا ذات عوار». وفي قول أبي ~~بكر: «لا تؤخذ هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا أن يشاء المصدق». وقد قيل عن ~~رسول الله ^ والخلفاء من بعده. وتعد السخلة والعجاجيل مع غنمه وبقره وقد ~~لحق حكمها بعد الحول، ألا ترى أنه قال: «يعد صغيرها وكبيرها». # وفي قول أصحابنا: لا يؤخذ ذكر ولا ماخض، ولا كرائم الأموال إلا أن يشاء ~~رب المال، ولا ذات عوار، ولا تؤخذ جذعة، ولا هرمة. # ومن حال على ماشيته أحوال أدى زكاة الحول الأول منها، وإن بقي من المال ~~ما تجب فيه الصدقة زكى للحول الثاني، وهذا /388/حكم كل مال يستحق الزكاة، ~~فلا زكاة فيه بعد ما تخرج زكاته. # وإذا وجبت عليه الزكاة ولم يخرجها فكل ما استفاد محمول عليها حتى تقطع ~~الزكاة. فأما إذا وجبت عليه حتى هلك المال ونقص عن الزكاة فإننا نرى أن ~~يخرج زكاة ما لزمه، ولا يعذر به، وثم يخرجه. PageV02P147 # فأما إن لم يفرط ولم يضيع وهلك المال فلا زكاة عليه. وقد اختلف في ذلك: ~~والذي يقول بذلك يقول: إنه أمين، لا يوجب عليه عند التلف زكاة. # فأما من قال: هي في ذمته فلا يبرأ إذا لم يؤدها حتى هلكت. # فإن قال رب المال: هذه وديعة ولم يحل عليها حول، أو قال: علي دين صدق في ~~جميع ذلك. ولو غصبت أو ms412 منع منها بذهاب لم تلزمه زكاتها، فإن رجعت إليه أخرج ~~زكاتها. # وقال قوم: يقوم مرة واحدة. وقال آخرون: لما مضى إلا أن تنقص عن بلوغ الحد ~~الذي تجب فيه الزكاة بعد إخراجها أولا. # وقد روي عن النبي ^ قال: «لا صدقة في سائمة الرجل حتى تتم الأربعون». ~~وروى علي فيما روى عن النبي ^ أنه قال: «ليس فيما دون الأربعين من الشاء ~~صدقة، وفي الأربعين شاة». # وقد قيل: إن الغنم تصدع بنصفين فيختار رب الغنم أحدهما، ثم يختار من ~~النصف الباقي شاة، ويختار المصدق شاة حتى يستوفي حقه. # وقد قيل: لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق، وقد روي في الحديث عن ~~النبي ^ أنه قال: «لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق من خشية الصدقة»، ~~فعم بهذا الخلطاء وغيرهم. # ألا ترى إلى قوله: «وما كان من خليطين» دلالة على إمضاء الحكم في ~~الخليطين والمنفرد، ومعنى قوله: «لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع»، ~~لا يصح في المفرد إلا في الملك. ألا ترى أن رجلا لو كان له أربعون شاة في ~~أربعين بلدا لكان فيها شاة لاجتماعها في ملك صاحبها. # وقد اختلف الناس في معنى هذا، فقال قائلون: اجتماع الملك. وقال آخرون: ~~اجتماع الخليط في المرعى والحلب و المربط، إذا اجتمعت سنة وجبت فيها ~~الصدقة، وبه أخذ أصحابنا، وبعض منهم: لم ير ذلك إلا في الملك. PageV02P148 # والذي قال بالخليط أن المجتمع إذا جمعه أهله في المربط والحلب والرعي وهم ~~رجال ونساء، فاجتمع سنة. وما لم يكن يحلب /389/ وهو من الذكران فحتى يجتمع ~~في المرعى والمربط سنة. والذي لا يرى الصدقة في الاجتماع إلا في الملك، ~~قال: هم الأقل. # ولهم الحجة أن الاجتماع هو اجتماع الملك، ولخبر النبي ^ عند كل قوم تأويل ~~في قوله: «لا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع»، «وما كان من خليطين ~~فهما يتراجعان بالسوية»، وظاهر القول على كل خليط ومجتمع. # وقال بعضهم: في رجل له أربعون شاة غير شاة، وعنده شاة تتم بها الأربعون ~~لرجل له ms413 أربعون شاة بتلك الشاة: فيها شاتان، ويطرح عن صاحب التسع والثلاثين ~~بقدر الشاة التي ليس له فتتم بها الأربعون. # وعن رجل له خمسة أبعرة فباع واحدا منها قبل صدقته، وبقي معه في إبله حتى ~~جاءت صدقته: أنه لا يؤخذ منه، إلا أن يكون الذي اشتراه تركه حولا. # فأما إن كان لهما ثمانون، فيتم حول أحدهما في المحرم وحول أحدهما في صفر ~~لم أره مجتمعا يحمل حتى يجتمعا سنة كاملة. # فأما إذا كان تجري فيه الصدقة فإن كل واحد يخرج صدقته في وقته، وليس هذا ~~مما يوجب أن يخرج قبل الحول، ولا يجوز الاجتماع في أقل من الحول. # والذي له أربعة أبعرة، ولزوجته بعير، فإن كانا متفاوضين فعليهما الصدقة. # والذي له غنم ولم يخرج صدقتها، ووهب له غنم قد أخرج صدقتها قبل أن توهب ~~له بشهر؛ فإن على قول: أن عليه أن يخرج صدقتها مع غنمه. وإن كانت لم تحل في ~~غنمه الصدقة لم يكن عليه أن يخرج صدقتها، ولا مما وهب له حتى يحول عليها ~~الحول عنده إذا كانت مما فيه الصدقة. # ومن ذهبت بعض ماشيته التي كانت تخرج صدقتها، ثم استفاد ماشيته قبل محل ~~صدقته فيما يتم عليه أخرج صدقتها في وقت محل صدقته. PageV02P149 # وإن انقطعت صدقة الماشية عنه واستفاد أخرى فلا صدقة عليه. ولو بقي من ~~الأولى شيء حتى يحول عليها سنة، ومتى حال عليها حول الماشية فهو صدقتها. # وقد وجدت قولا: أنه لا زكاة في الماشية على طفل ولا مجنون؛ لأنها عبادة ~~مثل التوحيد، والمخاطب بها من خوطب بالصلاة، والنبي ^ نهى عن [...]. # وأما زكاة [...] نسختين فالتي هي على أثرهما. # وأما زكاة الزرع فليس يقاس بهذا. وقد احتج /390/ من احتج بقول الرسول #: ~~«إن العبد إذا مات فقد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية». # وأما زكاة الفطرة؛ فقد اختلف فيها؛ فرأى بعضهم: أنها على الطفل وهو قول ~~ابن مسعود. # وقال النبي ^: «ابتغوا أموال اليتامى كي لا تأكلها الصدقة»، فإن «كل ~~معروف صدقة»، فلو كان لا صدقة في مال ms414 اليتيم ما قال هذه الرواية، ومع قوله: ~~«تؤخذ من أغنيائكم». والاجتماع على إخراج زكاة الزرع من مال الطفل واليتيم ~~والغائب. # والمكاتب إذا كان له مال تجب فيه الزكاة، فليس عليه زكاة إلا ما فضل عن ~~مكاتبته التي كوتب عليها؛ لأنها دين عليه، فيرفع لدينه ويزكي ما فضل إذا ~~كانت الصدقة تتم فيه بعد قضاء مكاتبته. # فأما الزرع فإن كان له ثمرة فإن الصدقة فيها ولا ترفع للدين. # فأما إذا كان المكاتب فقيرا فإنه يعطى من الصدقة في قول أصحابنا؛ لأن ~~الله أوجب الزكاة في الرقاب وهم المكاتبون، وقال الله تعالى: {خذ من ~~أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} إنما هم البالغون. وقد قيل: إن هذه خاصة ~~في أبي لبانة؛ لقوله: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر ~~سيئا}، وذلك أنه أشار بيده ليهود [بني] قريظة: الذبح. PageV02P150 # وليس هذا مما يبطل به قول من أوجب الزكاة في مال اليتيم والمجنون وغيرهم، ~~ولو كان ذلك لم يقل بذلك أحد ممن أوجب الزكاة. # وروي حديث عن النبي ^ بعث عمر على الصدقة يقبضها من أهلها، فأتى العباس ~~عم النبي ^ يطلبها منه، فقال له: إن عمك منع الصدقة من ماله. فقال النبي ^: ~~«يا أبا حفص، إن عمي لم يمنع صدقة ماله، ولكنا احتجنا فعجلنا صدقة عامين في ~~عام». وقد روي أن العباس عم النبي ^ عجل صدقة ماله قبل أن تحل. # ففي هذه الأخبار ما قد قالوا به، وأجازوا تعجيلها للعام والعامين وأكثر ~~من ذلك. # ومن عجل صدقة دراهمه قبل أن تحل، ثم حال الحول وليس عنده ما تجب فيه ~~الزكاة فلا رجوع عليه في الصدقة. وكذلك إن مات المعطي قبل الحول. # وعمن عجل صدقته عما يستقبل، وليس له مال تجب فيه الزكاة لم يجزه تعجيلها؛ ~~لأن /391/ تعجيلها عن شيء غير واجد له ولم يلزمه. # وإذا عجل شاتين من مائتين، وحال الحول، وعنده مائة وتسعون شاة جاز تعجيله ~~ولا شيء عليه. وإن حال الحول وهي أكثر من مائتين فعليه زيادة شاة أخرى؛ لأن ~~الحول قد حال عليه ms415 ثلاث شياه، ولا يجزئه إلا إخراجها بالنية التي تميز من ~~كل فعل. # وقبض الزكاة إلى العاملين: وقد قال الله تعالى: {خذ من أموالهم صدقة ~~تطهرهم وتزكيهم بها}، وقال النبي ^ لمعاذ: «خذ من أغنيائهم ورد في فقرائهم» ~~وللعاملين قبضها، وتعطى في أهلها؛ لأن الزكاة عبادة، وحق للفقراء، فلا يجوز ~~إسقاط العبادة، وقد قال الله: {وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم ~~الموت}، وقد روي عن النبي ^ أنه قال في الصدقة: «من يسألها على وجهها ~~فيعطاها، ومن يسألها على غير وجهها فلا يعطاها». PageV02P151 # ومن بادل بماشيته ماشية من نوعها استقبل حولها؛ لأن زكاة السوائم باعتبار ~~أعيانها. # ومن باع ماشيته بعد وجوب الصدقة عليه فيها جاز بيعه لها وعليه زكاتها. # وفي الرواية عن النبي ^ أنه قال: «إذا أتاكم المصدق فلينصرف عنكم وهو ~~عنكم راض». فدل أنه يحب أن يخرجها عن طيب نفس، ويتصدق بها لله تعالى ~~وابتغاء وجهه؛ لأنها طاهرة. # وإذا فرض المصدق الفريضة باعها إن شاء من ربها أو غيره، وأخرج حصته ~~للفقراء من ذلك، وفرقه على فقراء ذلك الموضع، أو قومها وأخرج لهم على بعض ~~القول الثلث. وإن لم يكن فقراء هنالك فأقرب القرى إليها. # وإن باع الفريضة فقال المشتري: إنه يعطي الفقراء الثلث لم يقبل منه؛ لأنه ~~يدعي براءة ذمته. # وقد اختلف في ذلك إذا اشتراها ربها فقال: إنه أعطاها الفقراء. فقال قوم: ~~إنه يقبل منه. ومنهم من قال: إنه مدع أيضا. وهذا شيء لا يقبل إلا من ثقة. ~~فأما غير رب الصدقة فليس للوالي قبول ذلك. # وإذا بلغ غنم أحد الخليطين أربعون شاة، وعند الآخر عشرون؛ فعلى صاحب ~~الأربعين شاة، على قول من لم يوجب الزكاة في الخليط. # وفي الذي له عشرون ومائة شاة ونتجت سخلة ليلة أوى المصدق؛ فعلى قول: إن ~~ذلك لا تتم به الصدقة، وعندهم أن السخال لا تدخل في العدد حتى تقطع الوادي ~~راعية. وأما بعض فلعل يوجب /392/ أن تعد السخال في الصدقة. # وفي رجلين لكل واحد منهما أربع بقرات، وبينهما بقرة لكل ms416 واحد منهما ~~نصفها؛ فعلى بعض القول: إن على كل واحد شاة، وسقط عن كل واحد منهما بقدر ~~نصف بقرة. PageV02P152 # ومن باع من ماشيته جزءا منها قبل محل الصدقة فلا صدقة عليه فيما باع، وهي ~~فيما بقي إن كان تتم فيها الصدقة، وقال الله تعالى: {ومن الأنعام حمولة ~~وفرشا}، وهي الثمانية الأزواج: من المعز اثنين، ومن الضأن اثنين، ومن الإبل ~~اثنين، ومن البقر اثنين، وهي التي أوجب الله ورسوله فيها الصدقة دون غيرها ~~من الدواب، وهي التي تكون جزاء لقتل الصيد لا غيرها. # 79- باب: # مسألة: في صدقة الإبل # - وسأل عن صدقة الإبل، من كم تجب؟ ومتى تجب؟ وعلى من تجب؟. # قيل له: تجب على كل من ملك من الإبل خمسا فما فوقها، ولا تجب في دون ذلك. ~~فإذا كملت السنة وجبت فيها الصدقة. وتجب على كل مسلم ملك المقدار الذي ~~وصفناه، وهي في اتفاق الآثار، وما روت به الأخبار مبنية سنتها عن الرسول ^ ~~والتابعين. # فأما ما روى عبد الله بن عمر عن النبي ^ قال: في كتاب رسول الله ^ قال: ~~«ليس فيما دون الخمس صدقة، فإذا بلغت الإبل خمسا ففيها شاة، وفي عشر شاتان، ~~وفي خمس عشرة ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين ابنة مخاض ~~إلى خمس وثلاثين، فإذا زادت واحدة ففيها ابنة لبون إلى خمس وأربعين، فإذا ~~زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين، وإذا زادت واحدة ففيها جذعة إلى خمس ~~وسبعين، فإذا زادت ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا زادت واحدة ففيها ~~حقتان إلى مائة وعشرين، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين ابنة ~~لبون، وفي خمسين حقة». # وهذا يوافق قول موسى بن علي وهو سنة متبعة؛ لأن جميع الأخبار -وإن اختلف ~~اللفظ- على هذا المعنى وهي السنة. PageV02P153 # وعن أبي عبد الله محمد بن محبوب -فيما وجدنا عنه- في خمس وعشرين من الإبل ~~ابنة مخاض أو ابن لبون ذكر، وفي ست وثلاثين ابنة لبون، وفي ست وأربعين حقة، ~~وفي إحدى وستين جذعة، وفي ست وسبعين ابنتا لبون، وفي إحدى ms417 وتسعين حقتان، ~~وفي إحدى وعشرين ومائة ثلاث بنات لبون، /393/ ثم في كل أربعين ابنة لبون، ~~وفي كل خمسين حقة على هذا النحو. # والوجه أنها إذا بلغت ثلاثين ومائة ففيها ابنة لبون وحقة، وفي أربعين ~~ومائة حقتان وابنة لبون، وفي خمسين ومائة ثلاث حقائق، وفي ستين ومائة أربع ~~بنات لبون، وفي سبعين ومائة حقة وثلاث بنات لبون، وفي ثمانين ومائة حقتان ~~وابنتا لبون، وفي تسعين ومائة ثلاث حقائق وابنة لبون، وفي مائتين أربع ~~حقائق أو خمس بنات لبون. # وفي قول محمد بن محبوب هذا، ما وافق الأثر عن ابن جعفر، وكل هذا معناه واحد. # فأما ما وجدناه ينسب إلى أبي بكر الصديق في كتاب الصدقة: «بسم الله ~~الرحمن الرحيم، هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ^ على المسلمين، ~~التي أمر الله ورسوله بها، فمن يسألها عن وجهها فيعطاها، ومن يسألها فوقها ~~فلا يعطاها.. قال: في أربعة وعشرين فيما دونه من الإبل في كل خمس شاة، فإذا ~~بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها ابنة مخاض، فإن لم تكن ابنة مخاض ~~فابن لبون ذكر، فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها ابنة لبون، ~~فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقة للفحل، فإذا بلغت إحدى ~~وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين ففيها ~~ابنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة ففيها حقتان طروقتان ~~للفحل، فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين ابنة لبون، وفي كل خمسين ~~حقة». فهذه رواية عبد الله بن عمر عن نافع، أخبره أن هذه نسخة عمر بن ~~الخطاب ~. PageV02P154 # فهذه الأخبار قالوا: في كل خمس من الإبل شاة، فإذا بلغت خمس وعشرين ففيها ~~ابن مخاض، وهو على ما وجدنا قول أبي بكر وعمر وابن مسعود. # قال: فهذه الأخبار مؤيدة، وكلها سنن، وأصحابنا عليها متفقون في الصدقة ~~على ما رسمناها. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «ما من صاحب إبل لا يؤدي حقها»، علم بذلك ~~وجوب أداء حقها. # وقد خالف ms418 من جعل في زيادة الخمس بعد المائة والعشرين شاة شاة، وقد تأول ~~ذلك /394/ خبرا عن رسول الله ^، ولو كان كذلك كان في الأوقاص التي يحقها ~~عنها إلا في الخمس شاة، فلهذا قالوا خلاف ذلك، وكان النبي ^ قد عفا عن ~~العشر التي بين خمس وعشرين إلى ست وثلاثين، ومن تسعين إلى مائة وعشرين، ولم ~~يوجب شيئا، دل ذلك ما عفا عنه في الوقص. # وقد أجاز رسول الله ^ أخذ ابن لبون عن ابنة مخاض على ما جاء في الحديث ~~الموجود. # وإن شاء باع الفريضة من ربها إذا علمها أو غيره. # وإن كان له جذعة فلم يجد جدعة أخذ حقة، وزاد رب الإبل بفضل قيمة ذلك. # وإن كان له حقة ولم يجد إلا جذعة رد على صاحب الإبل ما فضل بالقيمة. # وروي عن رسول الله ^: استعمل رجلا على عمل فلما قدم على رسول الله ^ قال: ~~هذا لكم وهذا أهدي إلي، فقام رسول الله ^ على المنبر فقال: «إنا نستعمل ~~الرجل فإذا قدم قال: هذا لكم وهذا أهدي إلي. من استعملناه بعمل فليأتنا ~~بقليله وكثيره». # وهذا مما تقول به الأئمة على أن يقبلوا من الولاة ما اتهموهم به مما ~~ادعوه لأنفسهم. ويوجب أيضا أن من يولى أن يأتي بكل ما يسلم إليه من الصدقة، ~~وقد كره لهم أخذ الهدية ولم يجز لهم الرشوة، والتوفيق بالله. # 85 - باب: # مسألة: في صدقة البقر # - وسأل عن زكاة البقر؟ PageV02P155 # قيل له: قد اختلف في معانيها، وصدقة البقر عند أصحابنا هي مثل صدقة ~~الإبل، حذو النعل بالنعل. ووجدنا في جامع ابن جعفر: أنها مثل الإبل. # وفي تفسير الخمس المائة: «ليس فيما دون الخمس شيء، فإذا بلغت خمسا ففيها ~~شاة، وفي العشر شاتان، وفي الخمس عشرة ثلاث شياه، وفي العشرين أربع شياه، ~~وفي خمس وعشرين حولية». # وعن محمد بن محبوب: أن في الخمس وعشرين بقرة بقرة جذعة، وفي ست وثلاثين ~~بقرة ثنية، وفي ست وأربعين بقرة رباعية، وفي إحدى وستين بقرة سدسة من ~~البقر، وفي ست وسبعين ثنيتان من البقر، وفي ms419 إحدى وتسعين رباعيتان من البقر، ~~وفي إحدى وعشرين ومائة ثلاث ثنيات من البقر، وفي ثلاثين ومائة ثنيتان من ~~البقر ورباعية، وفي أربعين ومائة رباعيتان وثنية من البقر، وفي خمسين /395/ ~~ومائة ثلاث رباعيات، وفي ستين ومائة أربع ثنيات من البقر، وفي سبعين ومائة ~~ثلاث ثنيات ورباعية، وفي ثمانين ومائة رباعيتان وثنيتان، وفي تسعين ومائة ~~ثلاث رباعيات وثنية، وفي مائتين أربع رباعيات أو خمس ثنيات. # فعلى هذا يجري الحساب في أربعين ثنية سن ابنة لبون، وفي خمسين رباعية سن ~~الحقة من الإبل ما بلغ البقر؛ لأن في الست والثلاثين ثنية، وفي ست وأربعين ~~رباعية، ولا شيء في الزيادة حتى تكمل إحدى وستون. # ومختلف في البقر العوامل والإبل؛ فقال قوم: فيهن الصدقة. ولم يوجب ذلك ~~آخرون، وقالوا: ليس فيهن صدقة [لما] في الحديث الذي جاء: «ليس في القتوبة ~~صدقة، وليس في الجارة صدقة». # والحديث المروي عن غير أصحابنا عن رسول الله ^ قال: «في الثلاثين من ~~البقر تدفع جذعة أو جذع، وفي الأربعين بقرة مسنة». PageV02P156 # فهذا خلاف؛ فأما إن كان في الثلاثين تدفع جذعة فقد وافق؛ لأن في خمس ~~وعشرين من الإبل إلى خمس وثلاثين ابنة مخاض، وهي سنها جذعة من البقر، فهذا ~~داخل في هذا الحساب. # فأما الخبر الآخر فلا يوافق قول أصحابنا، وغيرهم يأخذ به، وقد رووه عن ~~النبي ^، والله أعلم. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «ليس في العوامل شيء». وعن ابن عباس قال: ~~"كل ما عمل على ظهره وانتفع به فلا يصاب من نتاجه، فلا صدقة فيه". # [في زكاة الخيل والحمير والجواميس] # وقد خالف مخالف في صدقة الخيل والحمير: وقد جاء الحديث عن النبي ^ أنه ~~قال: «قد عفوت لكم عن زكاة الخيل»، وقد روي أنه قال: «عفي لأمتي عن زكاة ~~الخيل»، وقال: «الخيل معقود في نواصيها الخير» ولم يتفق الناس على وجوب ذلك. # وقد قيل: إنه سئل عن زكاة الحمير؟ فقال: لم ينزل علي فيها شيء إلا هذه ~~[الآية الفاذة]: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة ms420 شرا يره}. # وزكاة الخيل: فقال: ساق الخبر في الزكاة ولم يبين حق الله في ظهورها ولا ~~في رقابها، والله أعلم بذلك. # فأما الجواميس: فهي من جنس البقر، وفيها الزكاة على ما تجري فيها زكاة البقر. # [فضائل الزكاة] PageV02P157 وقد ذكر الله فضائل الزكاة في كتابه، فقال: ~~{الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون * أولئك على هدى ~~من ربهم وأولئك هم المفلحون}، وقال: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له ~~الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة}، وقال: {إنما ~~المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم ~~إيمانا وعلى ربهم يتوكلون * الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون * ~~أولئك هم المؤمنون حقا}. # وقال في الذي يبخل: {هاأنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من ~~يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه} بالخير والجنة عن نفسه. وقال: {وأنفقوا ~~من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل ~~قريب فأصدق وأكن من الصالحين * ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله ~~خبير بما تعملون}، فوعد من ينفق، وأوعد من يبخل. PageV02P158 # وقال: {كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله ~~كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما ~~كسبوا...}. وقال: {ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من ~~أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين}. وقال: {من ذا الذي ~~يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم}. وقال: {وأنفقوا في سبيل ~~الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة}، وقال: {من ذا الذي يقرض الله قرضا ~~حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة} فجعل الإمساك عن النفقة إلى الممات تهلكة، ~~ثم قال: {وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} من أحسن في أمر النفقة. # وروي عن النبي ^ أنه قال: «تصدقوا ولو بشق تمرة، تكنوا بها وجوهكم عن ~~النار». # وقال الله تعالى: /397/{مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة ~~أنبتت سبع سنابل في كل ms421 سنبلة مئة حبة والله يضاعف لمن يشاء}، وقال: {الذين ~~ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم ~~عند ربهم} ولو زدنا على هذا من كتاب الله تعالى لكثر وطال. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «ما نقص مال من صدقة». PageV02P159 # وقال تعالى: {لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى}، يقول: إذا من بها كان أذى ~~لصاحبها. وقال: {إنما يتقبل الله من المتقين}. وقال: {إن الله لا يحب ~~المفسدين}. وقال: {والله لا يحب الفساد}، وقال: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا ~~الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}. وقال: {فاتقوا الله ما استطعتم ~~واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لأنفسكم ومن يوق شح نفسه فأولئك هم ~~المفلحون}. # فأبى الله أن يقبل الإيمان إلا بالعمل، ولا العمل إلا بالإيمان، وقد بين ~~الله أحكامه وشرائعه في كتابه العزيز الذي {لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد}. # وقال: {أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا ~~الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه...} يعني: الربا، وقال: ~~{كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب ~~المسرفين}، وقال تعالى لنبيه: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل ~~البسط}، يقول: لا تعط مالك كله ولكن أبق منه على نفسك، والله أعلم. # 81 - باب: # مسألة: في زكاة الفطرة # - وسأل عن زكاة الفطرة في شهر رمضان، أفرض أم سنة؟ # قيل له: هي زكاة الأبدان. # وقد اختلفوا فيها؛ فقال قوم: هي سنة واجبة. وقال قوم: فريضة واجبة. PageV02P160 # فهي واجبة على كل غني أن يخرجها عن نفسه وعمن يعوله؛ لقول رسول الله ^ ~~وما أوجبه. وروي عن رسول الله ^ أنه قال: «ليس على المسلم صدقة في عبده ولا ~~في فرسه إلا صدقة الفطرة من رمضان». فاعلم أنها على المسلم من أجل عبده. # وقد روي «أن رسول الله ^ فرض زكاة الفطرة من شهر رمضان على كل نفس من ~~المسلمين: حر ms422 أو عبد، رجل أو امرأة، صغير أو كبير، وهي صاع من شعير»، وهي ~~الصدقة المأمور بأدائها. # وقيل: يستحب إخراج ذلك غداة الفطر؛ لأنها زكاة الأبدان، وهي / 398/ تخرج ~~قبل الخروج إلى المصلى، وإنما تخرج عند أصحابنا مما يأكل المرء. # وقد اتفق أصحابنا أنها لا تكون أقل من صاع، ولا يؤخذ بقول من قال: في ~~البر نصف صاع؛ لأن النبي ^ قال: «صاع». والقياس لا يدفع النص في ذلك. # ويخرج المرء عمن يعول. ولو كان الولد بالغا أو صغيرا، أو عبدا، أو امرأة ~~أو أمة، أو معتوها، والخطاب يتوجه إلى المولى دون العبد، والغني. قال: على ~~الرجل الغني دون الفقير؛ لأن الغني يعطي الفقير. # وإنما يجب على من لا يتحملها بدين ولا يضر فيها بعياله؛ لأن الرواية عن ~~النبي ^ أنه قال: «لا صدقة إلا عن ظهر غنى»، فلذلك قلنا: إنما تلزم الغني ~~ويعطيها الفقير، والذي يلزمه إعطاؤها لا يجوز له أخذها؛ لأنه غني عند وجود ذلك. # وصدقة العبيد على مواليهم، إلا عبيد التجارة فلا صدقة فيهم. # والمرأة مختلف فيها؛ فقال قوم: إن على زوجها أن يعطي عنها. وقال قوم: ليس ~~عليه زكاة فطرتها؛ لأن نفقتها بسبب. وأوجب آخرون؛ لقوله: «ممن تمونون». ~~وصدقة المال لها حق في غير المال من أجل العبيد التي للتجارة وهي طهارة ~~للمولى. # ولا يزكي عن عبده المغصوب ولا الآبق. # واختلفوا في فطرة العبد المرتهن، وأحب أن يعطى عنه إذا كان غنيا. PageV02P161 # واختلف في عبيد التجارة، ولا أرى عليه زكاة الفطر وزكاة القيمة. # وروي عن النبي ^ أنه قال: «ألا إن صدقة الفطرة على كل مسلم غني، مد من ~~قمح، وصاع مما سوى ذلك»، وإذا كان كذلك لم يجز أقل من صاع طعام. وقد قيل: ~~بصاع من لبن لذوي اللبن. # والروايات كلها متفقة على صدقة الفطرة صاع من طعام، إلا ما قال به بعضهم ~~في البر: إنه نصف صاع -والله أعلم- ونحن نأخذ بالاحتياط في البر أنه صاع. # وقد روي عن النبي ^ «أنه أمر بصدقة الفطرة من رمضان قبل أن تفرض الزكاة ms423 ~~على الصغير والكبير، والحر والعبد، صاع من تمر أو شعير، فلما فرضت الزكاة ~~لم يأمرنا ولم ينهنا». # ووجدنا في بعض قول أهل الخلاف أنه قال: الخلفاء الأربعة وابن مسعود وابن ~~عباس وابن عمر وأبو هريرة وعائشة وابن الزبير وأبو سعيد الخدري، وفي بعض ~~الحديث قال: «كنا /399/ نخرج على عهد رسول الله ^ صدقة الفطر من ثلاثة ~~أصناف: صاعا من تمر أو شعير أو أقط أو ذرة». فمن أداها مما خيره رسول الله ~~^ فقد أدى ما أمره رسول الله ^ به، ومن منع التخيير فقد خالف السنة ~~والأخبار التي جاءت عن رسول الله ^ فقد اتفقوا على التخيير فيها. # واختلفوا في البر؛ فقال قوم: نصف صاع. وقال قوم: صاع. # واختلفوا في الدقيق؛ ولم يره قوم. # واللبن: قال قوم: أقط. وقال آخرون: لبن. # ومنهم: من لم ير القمح، وإنما يجوز الطعام. # وقد جاء الخبر في صاع من زبيب. # ونحن نقول بثلاثة أصناف: من التمر والحب واللبن. فمن أعطى برا أوذرة فصاعا. # وقد روي عن النبي ^ «أنه أمر بإخراجها قبل الخروج إلى المصلى». PageV02P162 # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «ما من عبد لا يؤدي زكاة ماله إلا جعل له ~~يوم القيامة شجاعا يطوق في عنقه». وقد قال الله: {سيطوقون ما بخلوا به يوم ~~القيامة}. # وقد قال النبي ^: «إن ترك العبد كنزا جعل له شجاعا أقرع فيقول له: ويلك! ~~ما أنت؟ فيقول: أنا كنزك الذي تركته». أخبر النبي ^ أن من لم يؤد زكاته ~~فهذا سبيله، وحكم من لم يؤد زكاته، ولم يخص رسول الله ^ أحدا، وليس هذا ~~كالدين؛ لأن هذا عبادة. # والدين يؤدى عنه في حياته وبعد وفاته وبغير أمره، وهذا لابد من نية له ~~وقصد، وقد قال الله تعالى: {وأنفقوا من ما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم ~~الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين * ولن ~~يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون}. # والعبد لا يتحسر إلا على الواجب إذا فاته. إلا أن أصحابنا قد قالوا: إنه ~~إن ms424 أوصى بالصدقة وبما فرط في صحته فيؤدى عنه بعد موته أجزأ عنه؛ لقول ~~الرسول #: «اقضوا عنهم النذور والصيام والصدقة»، فإن قضي عنه أجزأ عنه على ~~هذا القول. وقد اختلفوا في هذه المعاني. # ومن ولد له مولود ليلة الفطر فعليه أن يخرج عنه. # ومن أوصي له بعبد فمات الموصي قبل طلوع الفجر فعليه صدقته. وإن لم يقبل ~~الوصية من أوصي له فعلى ورثة الموصي إخراج صدقته. /400/ وكذلك إن اشترى ~~عبدا. وإن كان في البيع خيار للبائع والمشتري، فزكاة الفطرة على من يصير ~~العبد إليه. # ومن لم يملك عبدا إلا أياما لم تلزمه زكاة الفطرة. وقد قيل: يعطي الرجل ~~بقدر الحصة التي تكون له في العبد. PageV02P163 # ولا تجزئ صدقة الفطرة عندنا إلا صاع، ولسنا نقول بربع صاع ولا نصف صاع. ~~وفي الحديث المروي عن النبي ^: «أنه أمر بزكاة الفطرة قبل الخروج إلى ~~المصلى يوم الفطر». # وقد قال الله تعالى: {إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها ~~الفقراء فهو خير لكم}. وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «أمرت أن آخذ الصدقة من ~~أغنيائكم وأضعها في فقرائكم». # وروي عنه ^ أنه بعث إليه علي ذهبا من اليمن، فقسمه رسول الله ^ على أربعة ~~نفر: الأقرع بن حابس، وعيينة، وعلقمة، وزيد الخير، فغضبت قريش وقالت: يعطي ~~صناديد نجد ويدعنا؟! فقال رسول الله ^: «أعطيهم لأتألفهم»، وأنه صرفها ~~بكمالها إلى المؤلفة. # وفي الحديث عن سلمة بن صخر قال: تظاهرت أنا وامرأتي، فذكر الحديث لرسول ~~الله ^ فقال لي: «اذهب إلى عامل بني زرق مره أن يدفع إليك صدقاتهم، فأطعم ~~منها ستين مسكينا، واستعن بسائرها على نفسك وعلى أهلك»، فأعطى سلمة بن صخر ~~صدقات نجد كلها، فأعطاها صنفا واحدا. # وأما الفقير: فهو الخارج من حد الغنى؛ لأن الفقر حادث الغني، والفقر العدم. # والضعيف والسائل إذا لم يكن لهما مال يخرجهما من حد الفقر فهما فقيران. ~~وقد قال الله تعالى: {للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا ~~في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف}، فهو فقير وإن كان الجاهل ms425 يحسبه ~~أنه غني. # والمسكين: هو اللازق بالتراب من الفقر، وقد يكون له شيء، قال الله تعالى: ~~{أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر}، وقد سمى من لا شيء له يتيما ~~وفقيرا، وهو الفقر المدقع، الذي قيل: إن رسول الله ^ استعاذ منه. PageV02P164 # وقد روي عن رسول الله ^ أنه قال: «ليس المسكين من ترده اللقمة واللقمتان، ~~ولكن المسكين الضعيف، اقرؤوا /401/ إن شئتم: {لا يسألون الناس إلحافا}». # و المؤلفة قلوبهم: كانوا قوما من قادة العرب، أعطاهم رسول الله ^ ~~ليتألفهم. # وفي الرواية: أن عبد الله بن الحارث بن عبد الله أخبره أن أبا ربيعة ~~والعباس بن عبد المطلب بن ربيعة قالا لعبد المطلب بن ربيعة والفضل بن ~~العباس: آتيا رسول الله ^ فقولا له: يا رسول الله |-صلى الله عليك-|، قد ~~بلغنا من السن ما ترى، وأحببنا أن نتزوج، فولنا من الصدقة، فقال رسول الله ~~^: «إنما هي أوساخ الناس، ولا تحل لمحمد وآله». # أبو رافع قال: قال رسول الله ^: «لا تحل لنا الصدقة، ومولى القوم منهم». # وفي الحديث: لما أعطى رسول الله ^ تلك العطايا في قريش وقبائل العرب، ولم ~~يكن في الأنصار منها شيء، وجد الحي من الأنصار، فبلغ ذلك رسول الله ^ فقام ~~خطيبا فقال: «أوجدتم -يا معاشر الأنصار- من لعاعة أعطيتها أقواما، إني ~~أعطيتهم إياها لأتألف بها قلوبهم إلى الإسلام، وإني وكلتكم إلى إسلامكم». ~~وإنما أعطى النبي ^ أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، ~~والأقرع بن حابس، وعباس بن مرداس، وكانوا كفارا ليتألفهم. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «لا تحل الصدقة [لغنى] إلا لخمسة: لعامل ~~عليها، أو لمن اشتراها، أو لمسكين تصدق بها عليه فأهداها لغني، أو غارم، أو ~~غاز في سبيل الله». والعامل عليها يستحق بخدمته وليست بصدقة عليه. # وهذا الحديث يدل على أن هدية الفقير للغني جائزة له، وللغني أخذها منه ~~ولو كانت صدقة. PageV02P165 # وجائز شراء الصدقة من عند الفقير لمن اشتراها، وكذلك الغارم؛ لأن الغارم ~~استحقاق ماله بالدين أخرجه إلى حد الصدقة. # ولا تعطى الصدقة غير المسلم؛ لقول النبي ms426 ^: «أمرت أن آخذ الصدقة من ~~أغنيائكم، وأن أضعها في فقرائكم». # وقد اختلفوا في الكفارات؛ فقال قوم: تدفع إلى فقراء أهل الذمة، والذي نحن ~~عليه ألا تدفع إلا إلى فقراء المسلمين، وليس تدفع إلى غير المسلم. ولا تعطى ~~في الوالدين. # فأما الزوج والولد؛ فقد أجاز أن تدفع إليهم. وبعضهم: لعله يجيز بخبر زينب ~~امرأة ابن مسعود. # وأبو هريرة عن النبي ^ /402/ أنه قال: "لأتصدقن الليلة بصدقة"، فخرج ~~بصدقته فوضعها في غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على غني، فقال: «إن ~~صدقتك مقبولة إذا لم تعلم»، وليس الغني والفقير يعرفان من طريق الاجتهاد. # ومن دفع صدقته في قرابته كان أفضل له إذا كانوا فقراء؛ لأنه يصل بها فرضا ~~وقرابة ورحما، ألا ترى أن النبي ^ أمر امرأة ابن مسعود أن تضع صدقتها في ~~زوجها وفي أولاده. وجائز توجيه الصدقة إليهم لعموم الكتاب. # ويدلك على إجازة حملها أن النبي ^ كان يوجه إلى اليمن وتحمل إليه الصدقة. ~~وكذلك إن حمل للقرابة والفقراء. # وأما المسألة: فقد قيل: «لا تحل إلا لرجل تحمل حمالة فحلت المسألة، ومن ~~أصابته جائحة فاجتاحت ماله حلت له المسألة حتى يصيب قوتا عن عسر وسداد ثم ~~يمسك، وما سوى ذلك من المسألة سحت». # 82 - باب: # مسألة: في قسم الغنيمة # - وسأل عن قسمة الغنيمة؟ PageV02P166 # قيل له: هي على ما قسمها الله تعالى في كتابه، وبينها رسوله في سنته ^، ~~وذلك أن الخمس يخرج من رأس الغنيمة، ويقسم الباقي بين من قاتل عليها، ~~للراجل سهم، وللفارس سهمان، والمرأة والعبد لا سهام لهم، ولكن يعطون من غير ~~سهم، كما كان يعطيهم رسول الله ^ غير شيء موقوف. # الخمس تصح قسمته من ستين سهما في الغنيمة، فيكون الخمس اثني عشر سهما، ~~فلله وللرسول ولذي القربى ثلاثة أسهم، ولليتامى ثلاثة أسهم، وللمساكين ~~ثلاثة أسهم، ولابن السبيل ثلاثة أسهم، فهذا قسمها. فلما مات رسول الله ^ ~~رجع سهمه وسهم الله وسهم ذوي القربى إلى المسلمين، فأخذه أبو بكر فجعله في ~~عز الإسلام، ويشتري به الخيل والسلاح في قول المسلمين من أصحابنا، وقد ~~قدمنا ms427 في كتابنا كيف قسم رسول الله ^ الغنيمة في خيبر وغير ذلك. # والركاز: فيه الخمس وخمسه زكاته، وقد قيل: إنه كنز الجاهلية. # |باب|: # مسألة: [في الصوافي] # - وسأل عن الصوافي؟ فقد تقدم ذكر شيء من ذلك. فأما رسول الله ^ فلم ~~يبلغنا أنه جعل شيئا من ذلك وقفا على أحد، وغنم خيبر وقسمها وغير ذلك، وما ~~لم يوجف /403/ عليه له خاصة. # فأما من بعده فإن في الحديث: أن عمر استفتح فارس والسواد وغير ذلك، ~~وجعلها صوافي يأكلها الأول والذين جاؤوا من بعدهم. ||وتأول فيها الآية التي ~~في سورة الحشر فلم يقسمها وهي في المسلمين يأكلها الأول والذين جاؤوا من ~~بعدهم||، وللغني والفقير الأكل منها؛ لأنها تجمعهم في الآية، والرأي فيها ~~إلى الإمام القائم بالأمر، ليس لأحد أن يأخذ منها شيئا في أيامه من غير رأيه. # فأما إذا كانت الدولة في يد الجبابرة فلمن قدر أن يزرع فيها ويأكل منها. ~~وليس لأحد أن يأكل زرع غيره؛ لأنها لجميع المسلمين، فمن زرع منها شيئا كان ~~أولى به. PageV02P167 # فأما ثمار النخل والشجر فمن قدر على الأكل منها فليأكل، وليس للغاصب فيها حق. # ومن زرع بجواز فالزراعة له. # وليس لأحد أن يتخذ الصوافي أصلا لنفسه ويمنعها المسلمين، وإنما له ~~الانتفاع منها كما يجوز له، فأما أن يزرع فجائز. # فإن أتى إمام عدل فإن له أخذ ذلك، ويجعله في أهله كما يرى، فإن احتاج إلى ~~ثمنها في الدولة ونكاية العدو فعل ذلك. وكذلك الزكاة إن احتاج إلى جملتها ~~في عز الدولة فعل ذلك. # ومن احتاج إلى تراب منها أخذ بلا مضرة، وإن لم يكن يأمر بأخذه. # والصوافي لا تباع ولا تبنى فيها المنازل ولا تتخذ ملك يد. # وإن باع إمام غير عدل شيئا من الصوافى فبيعه مردود، وإن قدم إمام عدل ~~أخذها ممن هي في يده. # فأما صوافي عمان فأرجو أنها من الفيء. وقد قيل: إنها |كانت| من أموال ~~المجوس، فلما ظهر الإسلام خيروا بين أن يسلموا أو يخرجوا ويدعوها، فخرجوا ~~وتركوها. # وقال قوم: هي أموال وجدت في ms428 يد السلطان. # وقام قوم: إنها كانت أموالا لأقوام جار عليهم السلطان فخرجوا وتركوها. # وقد قيل: إنها كانت لأقوام من أهل الكتاب، فامتنعوا أن يعطوا الجزية ~~وجبنوا عن الحرب، ولم يدخلوا في الإسلام فخرجوا وتركوها. # فأما الإمام فلا يشتري من الصافية أصلا، إلا أن يكون منزلا يسكن فيه ~~القوام بالأمر -على قول- وفرسانه وعسكره. # والصوافي إنما سميت صوافي؛ لأنها صفت للمسلمين من الشبهة والكدر، ولأن ~~الصوافي: هو ما صفا وطاب. والفيء هو ما رجع إليهم من هذه الصوافي وغيرها ~~مما أفاء الله عليهم. والفيء: هو الرجوع، والغنيمة: هي الغنم والربح، كما ~~يقال: "له غنمه وعليه غرمه". # ومما يؤخذ من نصارى العرب وأموال أهل الحرب /404/ في الصلح بينهم وبين ~~المسلمين من الجزية ليس فيها شيء للفقراء، ولا لهم سهم معروف إلا أن يعطيهم ~~الإمام برأيه. PageV02P168 # فأما صوافي عمان؛ فقال بعض: هي لأصحاب السيوف تجعل في عمارة البلاد، ~~والقوام بالدولة، وحماة المصر. # مسألة: [في الجزية] # - وسأل عن الجزية؟ # قيل له: هي على أهل الكتاب من اليهود والنصارى. وقد قيل أيضا: في المجوس. # والجزية: على كل من أعطى شيئا عن غلبة وصغار. فقد أعطى الجزية عن يد وهو ~~صاغرون. # وقد روي عن النبي ^ «أنه أمر أن تؤخذ الجزية منهم من كل حالم منهم ~~دينارا»، وقيمته في ذلك اليوم اثنا عشر درهما، وعلى الدون منهم كل شهر ~~درهما، وفي السنة اثنا عشر درهما في قول أصحابنا، على غالب الظن أنهم لا ~~يعملون خلافا للسنة. # وقد أخذوا الجزية على أحوال مختلفة، ومن كل مصر على خلاف أهل المصر ~~الآخر، وصالحوا من صالحوا، ولم يتفق على تحديد ذلك إلا ما رأوه صالحا. # وقد أخذ أصحابنا من الدهقان في كل شهر أربع دراهم، ومن الوسط درهمين، ~~والدون درهما. ولا تؤخذ الجزية للمقاتلة دون غيرهم. ألا ترى أنهم لم يأخذوا ~~من صبي ولا امرأة ولا عبد ولا مسكين ولا من الرهبان، فأما الشماسون فعليهم ~~الجزية، وأما يهود خيبر فتؤخذ منهم. # إنما لم يؤخذ من القوم الذين «عاملهم رسول الله ^ خاصة ms429 على النصف من ~~ثمارها»، ورفع عنهم الجزية، وأما غيرهم من أهل الكتاب فإن الجزية عليهم ~~واجبة، وقد قال: «الجزية على يهود خيبر». # فأما الذمي إذا كان له مال وعيال بعمان، ثم غاب سنين إلى بلاد الشرك ثم ~~قدم؛ فقيل: إن الجزية تؤخذ منه. فأما إذا كان غائبا إلى بلاد الإسلام لم ~~تؤخذ منه؛ لأن الذمة واحدة بين أهل الإسلام. فأما من قدم من أهل الذمة إلى ~~عمان فأقام بها ثلاثة أشهر أخذت منه الجزية. وقال قوم: شهر. # [كتاب الحقوق] # |باب|: # مسألة: |حق الوالدين والأرحام| # - وسأل عن حق الوالدين والأرحام؟ PageV02P169 # قيل له: ذلك حق واجب، وهو مما تعبد الله به عباده، وافترضه في كتابه، ~~فقال: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ~~وبث منهما رجالا كثيرا ونساء}، يعني: آدم وحواء، /405/ {واتقوا الله الذي ~~تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا}. قوله: {الذي خلقكم من نفس ~~واحدة} وهو: آدم، وخلق منه حواء، {وبث منهما رجالا كثيرا ونساء}، قيل ~~-والله وأعلم-: ألف أمة أو ما شاء الله، ثم قال: {واتقوا الله الذي تساءلون ~~به والأرحام}، واتقوا الله بحقه والأرحام بحقها، فصلوها ولا تقطعوها. PageV02P170 # وقيل: إن أعظم ذي حق الأرحام حق الوالدين، وقال: {وقضى ربك ألا تعبدوا ~~إلا إياه وبالوالدين إحسانا}، يعني: برهما، ثم قال: {وبذي القربى}، وقال: ~~{قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا}. ~~فقرن عبادته إلى البر للوالدين والقرابة والإحسان إليهم، وقال: {إما يبلغن ~~عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا ~~كريما}، فأف كلمة بغيضة، كقول إبراهيم: {أف لكم ولما تعبدون من دون الله}، ~~فهي من الذنب، فنهى الله أن تقال للوالدين، وأمر بالقيام بحقهما، وبصلة ~~القرابة، ونهى عن قطعهم، وذم من فعل ذلك، فقال: {فهل عسيتم إن توليتم أن ~~تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى ~~أبصارهم}، فأوجب عليهم هذا كله على قطيعة أرحامهم، فصلة أرحامهم وبر ms430 آبائهم ~~واجبة عليهم. وقال: {يسألونك ماذا ينفقون قل ما أنفقتم من خير فللوالدين ~~والأقربين}، فجعل نفقة الوالدين من أفضل النفقة، ثم الأقربين. # وفي الحديث المروي: «أنه إذا كان معك درهم فأعطه والدتك، فإن كان اثنان ~~فأعطه أباك، والثالث عيالك»، فجعل في الحديث أن الأبوين أولى من العيال في ~~فضل النفقة، وأفضل من تصدق على حميمه وذي رحمه. # إن الله عظم حق النفقة وأمر بها في الوالدين والأقربين، {وإذا حضر القسمة ~~أولوا القربى واليتامى و المساكين فارزقوهم منه}. PageV02P171 # وقد أمر المسلمون بالنفقة للوالدين في مال الولد إذا لم يكن لهما مال، ~~وقد أجازوا لهما الأكل من مال الولد إذا احتاجا إليه. وفي بعض الحديث أن ~~رسول الله ^ قال للولد: «أنت ومالك لأبيك». وفي حديث آخر أنه قال: «أما ~~علمت أنك |أنت| ومالك لوالدك». وفي حديث آخر: /406/ أنه قال: «أنا والعصباء ~~للعباس»، إذ سأل عنها وقد أخذها العباس. والأب إذا باع مال ولده فقد جاز بيعه. # وقال الله تعالى: {وقل لهما قولا كريما * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة ~~وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا}، يترحم لهما عند معالجته إياهما عند ~~الكبر، فأما بعد الممات فالولاية لهما، ولا يكن ذلك إلا للمتقين والمؤمنين؛ ~~لأن الله تعالى نهى عن موادة الكافر ولو كان أبا أو ابنا أو أخا، [ل]قوله: ~~{لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو ~~كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم}، فلم يجز لهم موادة ~~الكافرين. # وأما في الدنيا فعليه برهما وطاعتهما إلا في معصية الله، قال الله: {وإن ~~جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما} في الشرك، ولا في ~~معصية الله، {وصاحبهما في الدنيا معروفا}، البر والصلة. # وقد ذكر عن النبي ^ أنه قال: «من أسخط والديه فقد أسخط الله، ومن أغضبهما ~~فقد أغضب الله». وقال: وإن أمراك أن تخرج من أهلك ومالك بحق الله وطاعته فاخرج. PageV02P172 # ومن أعتق والديه من الرق فهو عظيم الأجر إن شاء الله، قال ms431 النبي ^: «لا ~~يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيعتقه» -أو قال: يشتريه فيعتقه-، وقال: ~~«إن كان لك درهم فأعطه أمك، فإن كان ثان فأعطه أباك، والثالث أنفقه على ~~عيالك، والرابع فأعطه قرابتك، والخامس في سبيل الله»، فمن تصدق على والديه ~~وأنفق عليهما من حق يجب لهما من غير الزكاة فهو محسن، قال الله تعالى: ~~{والله يحب المحسنين}. # وعن النبي ^ أن جبرائيل # قال له: «من أدرك والديه [أو أحدهما] ودخل ~~النار فأبعده الله، قال النبي ^: آمين». # وأفضل صلة الأرحام أن تصله معروفك وهديتك. وإن كان الرحم فقيرا فأعطه من زكاتك. # وإذا لم يكن لك والد فصل إليه وسلم عليه، ويكون ذلك لله في أوقات فرحك ~~وحزنك، وليس لذلك حد، غير أنه كلما كان أكثر كان أفضل. وليس له قطيعة رحمه، ~~وقال النبي ^: «صلوا أرحامكم ولو بالسلام». PageV02P173 # وقد قيل: إن معاذا /407/ قال: "يا رسول الله -صلى الله عليك-، إن والدتي ~~كان لها مما أعطى نصيب تصدق به وتقدمه لنفسها، وكنت إذا أعرف البركة فيما ~~أعطى، وأنها ماتت؟" فقال رسول الله ^: «أتحب أن تؤجر أمك في قبرها؟»، قال ~~معاذ: "نعم، يا رسول الله |صلى الله عليك|". قال رسول الله ^: «فانظر إلى ~~الذي كانت أمك تعطيه في حياتها، فتصدق به عنها بعد وفاتها، وقل: اللهم تقبل ~~من أم معاذ»، فقال من حوله: يا رسول الله، لمعاذ خاصة أو لجميع المسلمين؟ ~~فقال النبي ^: «لمعاذ وحده ولجميع المسلمين كافة»، قالوا: "فمن لم يكن له ~~منا ورق يتصدق به عن أبويه أيحج عنهما؟"، قال: «نعم، إذا كان مؤمنا فيه ~~خير، فإذا كان عند الإحرام قال: "لبيك عن فلان، وفي سائر المواقف يقول: ~~"اللهم تقبل من فلان"»، واقضوا عنه النذور والصيام والصدقة والدين، وحق من ~~قضى عن رحمه إن كان مؤمنا. # مسألة: [في حق القرابة والجار] # - وسأل عن حق القرابة والجار؟ # قيل له: ذلك واجب على من لزمه، قال الله تعالى: {والجار ذي القربى والجار ~~الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل} فوصى بذلك كله، وأمر بالقيام بحق ~~القرابة ms432 والجار والصاحب والمملوك، وقال: {وبالوالدين إحسانا} يعني: برهما. # وقيل الجيران ثلاثة: جار بينك وبينه قرابة، فله ثلاثة حقوق: حق القرابة، ~~وحق الجوار، وحق الإسلام. # {والجار الجنب}، وهو من قوم آخرين فله حقان: حق الجوار وحق الإسلام. # وجار من غير دينك ومن غير قرابتك، فله عليك حق واحد؛ حق الجوار. # قال الله تعالى: {والصاحب بالجنب} يعني: الرفيق. # { PageV02P174 وابن السبيل} يعني: الضيف إذا نزل عليك فتحسن إليه فتعرف حقه. # {وما ملكت أيمانكم} يعني: الخدم، وما ملكت يمينه، فأمر الله بالإحسان إلى ~~جميع هؤلاء، وأداء حقوقهم إليهم. وقيل: «الراعي يسأل عن رعيته يوم ~~القيامة». # وعن جابر عن النبي ^ أنه قال: «ما زال جبرائيل # يوصي بالجار حتى ظننت ~~أنه يورثه كالولد». وقيل: من حق الجوار أن تفرشه معروفك وتكف عنه أذاك. # وقد روي عن النبي ^ لما حضرته الوفاة قال: «الصلاة والزكاة وما ملكت ~~اليمين. قال: رفيع ذو العرش، هل بلغت؟». /408/ فلم يتكلم بعدها على ما ~~قالوا حتى خرج من الدنيا -صلوات الله عليه-. # وقد قيل: من حق القرابة أن تصله إذا قطعك، وتعطيه إذا حرمك. # ولا ينفق الرجل في غير حق، فإن الإنفاق في غير حق الله تبذير، والمبذرون ~~إخوان الشياطين، وكان الشيطان لربه كفورا. # و||قد|| قيل: إن أصحاب الصفة كانوا يسألون النبي ^ فلا يجد ما يعطيهم، ~~فعلمه الله كيف يصنع، فقال: {وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها} ~~يعني: انتظار رزق من ربك أن يأتيك، {فقل لهم} لمن يسألك {قولا معروفا}، ~~واردد عليهم معروفا: أنه سيكون فأعطيكم، وقال: {فأما اليتيم فلا تقهر * ~~وأما السائل فلا تنهر} كل هذا تأديب من الله، وترغيب في الإحسان والصدقات، ~~وهي مخشعة للقلب. # 83 - باب: # مسألة: فيمن يعطي ليعطى أكثر # - وسأل عمن يعطي ليكافأ، وليعطى أكثر من ذلك، ولا يعطي لله؟ PageV02P175 # قيل له: العطايا تختلف، فمن أعطى لوجه الله فله الأجر عند الله، ومن أعطى ~~ليكافأ فهي التي قالوا: لا تضاعف له فيها الحسنات، وقوله تعالى في سورة ~~المدثر: {ولا تمنن تستكثر} يقول: لا تمن بعطيتك ms433 لتعطى أكثر من ذلك. وقوله ~~تعالى: {وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله} وما ~~أعطيتم من عطية لتزدادوا بذلك من أموال الناس، لتلتمسوا به الزيادة من ~~أموال الناس، {فلا يربو عند الله} ولا يضاعف عند الله ولا يزكو، فأما الإثم ~~فالله أعلم. # ثم قال: {وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون}. ووجدت ~~على النبي ^ أنه قال: «لأن أطعم أخا في الله لقمة أحب إلي من أن أتصدق ~~بدرهم، وأعطيه درهما أحب إلي من أن أتصدق بعشرين درهما»، كذلك النفقة في ~~الأقرب الأقرب. وقال: «من أهدى إلى أخيه هدية فوصل بها إليه فهو مأجور إذا ~~لم يرد ثوابه منها». # وقال النبي ^: «تهادوا تحابوا عباد الله، فإن الهدية تذهب السخيمة وتنبت ~~المودة». وقال ^: «تهادوا -وقال:- لو أهدي إلي كراع لقبلت، ولو دعيت إلى ~~ذراع لأجبت» أو قال: «كراع». فالهدية /409/ من العطية، والهدية عطية، وكانت ~~الهدية جائزة للنبي ^ ولم تجز له الصدقة، وقبل الهدية ممن أهدى إليه من ~~المسلمين وغيرهم من سائر الناس من ملوك الأمصار، وقد أهدى إليه بعض الملوك ~~جارية فقبلها. و«أهدى ^ إلى النجاشي هدية ومات، وردت الهدية إلى النبي ^ ~~فأخذها». PageV02P176 # والهدية ما كانت في يد المهدي فهي له ما لم تقبض؛ لأن العطية لا تثبت إلا ~~بالإحراز. لذلك الهدية إذا فصلت من عند المهدي لها فهي لمن أهديت إليه، إلا ~~إن مات من أهديت إليه. فأما إن لم تفصل من يده فهي له، وإن فصلت والمهدى ~~إليه قد مات فهي رد إلى من أهداها. ألا ترى أن النبي ^ أهدى إلى النجاشي، ~~ومات النجاشي فردت إلى النبي ^، وذلك أنها لم تفصل، وقد اختلف الناس في ~~معنى فصولها. # فأما العطية والهبة فلا يثبتان إلا بالإحراز. وقد قال قوم: العطية لمن ~~أعطي حتى يرجع من أعطى قبل أن يحرز. وقال آخرون: هي لمن أعطى حتى يحرز ~~المعطى. # وكل العطايا إذا أحرزت جائزة، فأما من أعطى من لا إحراز عليه؛ فالعطية له ~~جائزة، ولو لم يحرز. والصبي ms434 لا إحراز عليه، ومن أعطاه شيئا ثبت له، إلا ما ~~قال أصحابنا في عطية الوالد لولده الصغير فإنها عندهم لا تجوز، والنحل له ~~عطية من والده لا يجوز. والعطية من غير والده جائزة، وعطية الوالد لولده ~~البالغ جائزة إذا أحرز، وما لم يحرز فهي للأب. وأما الوالدة فهي كغيرها من ~~الناس، إذا أعطت الولد شيئا ثبت له. # وقد قالوا: للوالد أن يرجع فيما أعطى أولاده ولو أحرزوا، وفي ذلك الحديث ~~المروي عن النعمان بن بشير أنه نحل ابنه نحلا، وأراد أن يشهد النبي ^ فقال ~~له: «أكل ولدك نحلت؟» قال: "لا"، قال: «فأرجعه» -أو قال:- «فاردده». وفي ~~حديث آخر قال: «أشهد غيري». وفي خبر آخر: «أليس يسرك أن يكون أولادك في ~~البر كلهم سواء؟»، قال: "بلى"، قال: «فاردده» -أو قال:- «فأرجعه». PageV02P177 # فلذلك لم يجز إلا أن يساوي بينهم، قال الله تعالى: {يوصيكم الله في ~~أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين}، قيل: يساوي بينهم في المحيا و الممات، ~~والنحل عطية، والعطية إذا كانت لله ضعفت، وإذا كانت لغيره لم تضاعف. # وجائز يهدي الفقير للغني،/410/ والغني للفقير، لقول النبي ^: «تهادوا ~~تحابوا». وجائز الهدية والعطية إذا كانت معروفة، وقبضها من أعطي أو وهبت له. # ولا تثبت العطية في المشترك ولا المجهول ولا المشاع. والعطية تجوز في ~~المشاع والهبة للشريك في المال المعروف، فأما المجهول فلا تجوز. # والعطية بين الزوجين جائزة، والقبول منهما مجزئ، وليس لأحدهما رجعة إذا ~~قبل الآخر، إلا ما قالوا: إذا طلب الزوج إلى زوجته وأعطته أن لها الرجعة؛ ~~لأنه سلطان. # ومن أعطى السلطان عطية على حد التقية فلا تثبت. وعطية المجنون لا تثبت. ~~ولا تثبت الرشوة وهي السحت. # والزوجة إذا لم ترجع فيما أعطت زوجها ثبت له، ولو كان طلب إليها. # وأما القرض فإن فيه الثواب إذا جاء الرجل محتاجا فأقرضه الرجل فله أجر ~~عظيم. قال الله تعالى: {لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو ~~معروف أو إصلاح} يعني: الصدقة، والمعروف أمر بالقرض، {أو إصلاح بين الناس ~~ومن يفعل ذلك} ms435 يعني: الصدقة والقرض والصلح {ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه ~~أجرا عظيما} وافرا في الجنة. # وقد روي عن ابن مسعود -فيما وجدنا- أنه قال: "لأن أقرض ألف درهم مرتين، ~~ثم أقبضها أنتفع بها أحب إلي من أن أتصدق بها، -أو قال:- بمثلها". PageV02P178 # وروي عن النبي ^ أنه قال: «ينطلق بالرجل إلى باب الجنة فإذا هو مغلق، ~~فنادى خازن الجنة فأجابه آخر قال: ليس هنا مالك، هنا خليفته، فنظر الرجل ~~إلى باب الجنة، فإذا على باب الجنة مكتوب: "القرض ثماني عشرة حسنة، والصدقة ~~عشر أمثالها"، فقال الرجل: "لم هذا" فقيل: الصدقة دفعت في غني، والقرض لا ~~يأت صاحبه إلا وهو محتاج» . # [كتاب الصوم] # 84 - باب: # مسألة: في الصيام # - وسأل عن صيام فرض شهر رمضان وما يفسده؟ # قيل له: الفرض من ذلك العلم بالشهر، والنية للصوم، والإمساك عن الشراب ~~والطعام، واستكمال طرفي الشهر المفترض صومه، فمن ضيع شيئا من هذا لم يتم ~~صومه. وقد قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على ~~الذين من قبلكم لعلكم تتقون}؛ فمعناه: {كتب عليكم} فرض عليكم، {كما كتب } ~~كما فرض، {على الذين من قبلكم} وهم أهل الإنجيل أمة عيسى -صلوات الله ~~عليه-، /411/ {لعلكم تتقون } الطعام والشراب والجماع. {أياما معدودات} أيام ~~شهر رمضان. # فكان من صلى العشاء أو نام قبل أن يصليها حرم عليه ما يحرم على الصائم ~~إلى القابلة، فهذا كان في الصوم الأول إذا غربت الشمس حل للصائم ما يحل ~~للمفطر، فمن صلى العشاء ونام قبل أن يصلي العتمة صلاة العشاء الآخرة حرم ~~عليه ما يحرم على الصائم بالنهار إلى الليل، كما كان الصوم مفروضا على أمة ~~عيسى #، فامتثل ذلك المسلمون. PageV02P179 # ورأى النبي من أصحابه من قد أجهده الصيام، وقد قيل: إن بعض أصحاب النبي ^ ~~واقع أهله في الليل في شهر رمضان، فلما أجهدهم الصوم أنزل الله تعالى ~~الرخصة منه، فقال تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم هن لباس ~~لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا ~~عنكم ms436 فالآن باشروهن} أي: جامعوهن، {وابتغوا ما كتب الله لكم} من الولد، ~~{وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم ~~أتموا الصيام إلى الليل}، فأباح لهم الأكل والشرب والجماع في الليل إلى ~~طلوع الفجر، ورخص لهم بعد أن شدد عليهم، وتاب عليهم وعفا عنهم في المواقعة ~~لأهليهم، فأوجب عليهم صيام النهار مذ يتبين لهم الفجر. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «إذا سقط القرص - يعني الشمس- وجب الإفطار». # وقد قيل: لما نزلت {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود} وضع من ~~وضع عقالين وجاء إلى النبي ^ فعرفه ذلك، فقال له النبي ^: «إنما معنى ~~{الخيط الأبيض} ضوء الصبح وهو بياضه، {من الخيط الأسود} من الليل بياض ~~النهار من سواد الليل الضوء المعترض من قبل الأفق». # وقال الله تعالى: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين}. قيل: كانوا في ~~الصوم الأول من شاء صام ومن شاء أطعم وأفطر، وهو صحيح يطيق الصوم، يفدي صوم ~~كل يوم بطعام مسكين، وهو نصف صاع حنطة، {فمن تطوع خيرا فهو خير له}، فمن ~~زاد على طعام مسكين /412/ فأطعم اثنين فهو خير له من طعم واحد. PageV02P180 # وقال: {وأن تصوموا خير لكم} من الإطعام، {إن كنتم تعلمون}، فقيل: إن هذا ~~منسوخ، نسخه {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن} يعني: أنزل فيه القرآن في ~~اللوح المحفوظ في ليلة القدر. # ثم قال: {أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد ~~منكم الشهر فليصمه} يعني: شهر رمضان، فأوجب فيه صومه على من شهده وأطاق ~~صومه من جميع المؤمنين. # ثم قال: {ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} فأباح الإفطار ~~للمريض |في شدة مرضه والحائض| والمسافر، وأوجب عليهم القضاء بعد أيام فطره. # ثم قال: {يريد الله بكم اليسر} في الدين، {ولا يريد بكم العسر} في ~~التضييق عليكم. # وقد قال رسول الله ^: «صوموا لرؤية الهلال وأفطروا لرؤيته، فإن غمي عليكم ~~فأتموا ثلاثين يوما». وقد يكون الشهر ثلاثين يوما وتسعة وعشرين يوما. # وقد روي عن ms437 النبي ^ أنه قال: «يكون الشهر ثلاثين يوما وتسعة وعشرين يوما، ~~فإذا رأيتم الهلال فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا». وإذا انتشر الخبر ~~انتشارا لا يكون غلط في مثله وجب الصوم. وإن كان في السماء غيم أو غبرة ~~وشهد على رؤيته ثقة جازت شهادته في قول المسلمين، إذا قال: إنه رأى هلال ~~رمضان وكان عدلا. # وقد روي أن أعرابيا جاء إلى النبي ^ فقال: يا رسول الله، أبصرت هلال شهر ~~رمضان، فقال له النبي ^: «أتشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول ~~الله؟»، قال الأعرابي: نعم، فقال النبي ^: «قم يا بلال، فأذن في الناس ~~فليصوموا غدا»، فأجاز النبي ^ شهادة واحد على الهلال. PageV02P181 # وقد قيل: إنه ^ أجاز شهادة اثنين على الصوم والإفطار، والله أعلم. # ففي هذا من قوله ما يدل على كراهية [صوم] يوم الشك، وقد قلنا: إن يوم ~~الشك يكره صومه للعلل التي رويناها، أن الصوم لرؤية الهلال وأن الفطر ~~لرؤيته، ولم ير بعضهم: في صوم يوم الشك بأسا. # ومن رأى الهلال فعليه أن يصوم وإن لم يره غيره. ومن رأى هلال شوال فله أن ~~يفطر ولا يظهر ذلك /413/ إلى غيره فيقتدي به إلا أن يصح الهلال بغيره. # وإن صام الناس بشهادة واحد لم يفطروا إلا بشهادة عدلين. # ومن لم يصم بقول واحد فقد خالف الأثر وما الناس عليه ولم يعمل بما جاءت ~~به الأحاديث عن رسول الله ^، إلا أن الاختلاف بينهم في شهادة واحد، فمن ذلك ~~سقط عمن لم يصم بقوله الكفارة. # وأما إن صام الناس بقول واحد، ثم لم يروا الهلال أتموا ثلاثين يوما غير ~~اليوم الذي شهد به الواحد على رؤية الهلال؛ لأن السنة جاءت بالإفطار بشاهدي عدل. PageV02P182 # وأما من قال: إن صوم يوم الشك أحب إليه من إفطاره فإنه قد يرى قول النبي ~~^ وفعله أنه كان يصوم لرؤية الهلال، وإن لم يكن لرؤيته أتم ثلاثين يوما، ~~وقد قال: «صوموا لرؤية الهلال، وأفطروا لرؤيته»، فيجب الاقتداء برسول الله ~~^ في أفعاله وأقواله، واتباع أوامره، والانتهاء عن مناهيه، قال الله تعالى: ~~{وما ms438 آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}، وقال: {الذين يتبعون ~~الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم ~~بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات} الحلال، {ويحرم عليهم ~~الخبآئث} الحرام، {ويضع عنهم إصرهم} ذنوبهم، {والأغلال التي كانت عليهم ~~فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم ~~المفلحون }، فمن خالف أوامره وزاغ عن سنته لم يتبع الحق الذي أنزل معه. # وقد قيل: بالإمساك عن الإفطار في يوم الشك إلى وقت الضحى، وقد قيل: حتى ~~يقدم مسافرو المصر وترمض الفصال، فإن صح لهم الخبر بالهلال أتموا الصوم، ~~وإن لم يصح أكلوا، وإن صح الخبر بعد أن أكل منهم من أكل، فإنما على من أكل ~~أن يمسك عن الأكل بقية يومه، ويبدل ذلك اليوم؛ لأنه صامه على الشك؛ لأن ~~الصوم لا يثبت إلا بنية وعلم بالشهر، وليس له أن يجعل صوم يوم الشك من ~~رمضان على الشك وبغير علم، ولا يزيد في رمضان ما ليس فيه، ففي هذا قلت: ~~يبدله؛ لأنه صام على الشك، وإن كان فيه قول غير هذا، /414/ فهذا قد قلت به ~~على قول من قال به. PageV02P183 # والذي صام يوم الشك أو أكله، ثم صح الهلال بعد انقضاء الشهر؛ فقد قال ~~قوم: يبدل. وقال آخرون: لا بدل عليه؛ لأنه إنما جاءت الشهادة بعد انقضاء ~~الفريضة. # ولا صوم لمن لم ينو الصوم من الليل؛ لقول النبي ^: «لا صوم لمن لم يثبت ~~الصوم من الليل»، فهذا يوجب إثبات ذلك بالنية والقصد له في الصوم. # وقال الله تعالى: {وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط ~~الأسود من الفجر}، فالأكل والشرب مباح في الليل حتى يتبين الفجر كما قال ~~الله تعالى. # وقد قال رسول الله ^ «بتعجيل الفطور وتأخير السحور»، فيجب اتباع السنة، ~~فمن أكل على أنه في الليل فإذا هو قد أصبح فإنما عليه بدل يومه. # كذلك إن أكل على أن الشمس قد غربت لظلام وغمي عليه، فإذا الشمس لم تغرب ~~ولم يتعمد فإنما عليه بدل ms439 يومه ذلك. # وقد قيل عن ابن عباس: أن قائلا قال له: آكل حتى أشك؟!، قال له: كل حتى لا ~~تشك، وقال الله تعالى: {حتى يتبين لكم}. # وقد قال أعرابي: يا رسول الله، جعلت عقالين، فقال له النبي ^: «إنما ذلك ~~بياض الفجر من سواده». وفي حديث آخر قال: «كل حتى [لا] تشك». # فأما من تأول قول النبي ^: «لا صيام لمن لا يثبت الصيام من الليل» على ~~وجه الفضيلة، فإن في تأويله نظر؛ لأن الفضيلة غير الفريضة. فصوم رمضان من ~~طلوع الفجر إلى الليل فريضة، فمن لم ينو الصوم في وقت العلم بالوقت في ~~الليل، ويستكمل طرفي المفترض صومه لم يتم له صومه، ولقوله: «لا صيام لمن لا ~~يثبت الصيام من الليل». PageV02P184 # فهذا يدل على ما قلنا: إنه تأكيد. ألا ترى أنه قال: «لا صيام لمن لم يثبت ~~الصيام من الليل» |ومن لم ينو الصيام من الليل| لم يثبت له صياما، نفى أن ~~يكون له صيام إذا لم يثبته من الليل، فإنه يلزم كل صائم، فإن الصوم إلا لمن ~~يثبت الصيام من الليل. # ومن نوى الصيام من الليل ثم أغمي عليه قبل طلوع الفجر إلى أن غربت الشمس ~~فأرجو أن يجزئه صومه. وإن كان قد قال بعض: إن طلع عليه الفجر وهو يعقل تم ~~له صومه، فأما أنا فقد قلت: إنه يتم له صومه؛ لأنه نواه في وقت ما أمر به ~~من الليل، فهو على اعتقاده وإن لم يعقل في يومه ولم يحدث في نيته حدثا يبطل صومه. # وكذلك /415/ من نوى الصيام من الليل ثم ذهب به النوم حتى أصبح تم صومه له ~~ولا بدل عليه. # ومن أهمل نيته ولو ينو الصيام من الليل لم يثبت له، إلا أن يكون نوى ~~الصيام أول يوم أنه يصوم الشهر، فعلى قول: يثبت له الصوم بتلك النية وليس غيرها. # وقال قوم: لكل يوم فرض ونية من الليل. # وأما من جن قبل رمضان ولم يفق حتى انقضى فلا شيء عليه؛ لأنه مرفوع عنه ~~القلم. وأما من ms440 جن في بعض الأيام منه فإنه يبدل ما بقي منه، ويتم له ما صام ~~منه بعد إفاقته. # وإن صح الهلال قبل الزوال فعلى الناس الإمساك عن الأكل، ولسنا نأخذ بقول ~~من لم يوجب الإمساك عليه. فإن اعتمد معتمد على الأكل بعد الصحة فهو كمن ~~أفطر في شهر رمضان متعمدا، وفي الكفارة عليه اختلاف، وأما البدل فلابد له ~~منه في قولنا. # والحائض التي يأتيها الحيض فلها أن تأكل بقية يومها، وتمسك إن طهرت عن ~~الأكل في بقية يومها، ولا شيء عليها إن أكلت على قول. # والمسافر إذا قدم من سفره يؤمر بالإمساك عن الأكل بقية يومه، وإن أكل فلا ~~بأس عليه. PageV02P185 # وإن نسي الصائم حتى أكل ثم اعتمد على الأكل لم يعذر بذلك، وعليه ما على ~~من أفطر متعمدا في شهر رمضان. # والذي أفطر لأمر عناه وخاف منه على نفسه، فأكل أو شرب بقدر ما أحياه، ثم ~~اعتمد على الإفطار في ذلك اليوم من غير أمر يخاف منه لم يعذر بذلك، وهذا ~~أمر مختلف في الكفارة فيه. # والذي يسلم من شركه في يوم من شهر رمضان، والذي بلغ الحلم فليس له أن ~~يأكل بقية يومه، وإن أكل فلا كفارة عليه. # واختلفوا فيما يلزمه من بدل ما مضى من الشهر؛ فقال قوم: يبدل ما مضى من ~~الشهر. وقال آخرون: لا بدل عليه. # وأما من جعل الشهر فرضا واحدا فهو الذي يلزم من أسلم من شركه، أو بلغ في ~~بقية من شهره البدل لما مضى من الشهر. فأما صوم الذي يستقبله من أسلم، ~~والذي بلغ |الحلم| فإن عليهما صوم بقية الشهر، لا يعذران بذلك في قول من ~~جعله فرضا، ولا في قول من جعل لكل يوم منه فرضا. # فأما من جامع في شهر رمضان نهارا؛ فعليه البدل والكفارة، ولا عذر له؛ ~~لأنه جامع في غير حله وهدم صومه. وقد روي /416/ عن النبي ^ أنه قال: «على ~~من جامع نهارا في شهر رمضان عتق رقبة». وقد وجدت عن النبي ^ في رجل جامع ~~أهله في شهر ms441 رمضان متعمدا «أن يصوم شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ~~ستين مسكينا»، فهذا كله يلزم المجامع في شهر رمضان. # وكذلك من أكل متعمدا لم يعذر بالكفارة، وقد قال الله تعالى: {أحل لكم ~~ليلة الصيام الرفث إلى نسآئكم}، دليل على تحريمه بالنهار، ومن ذلك وجب على ~~من جامع بالنهار الكفارة. وكذلك قال: {أتموا الصيام إلى الليل}، فمن لم يتم ~~الصيام وأكل لم يثبت له صومه، ولزمه ما لزم المفطر في شهر رمضان من ~~الكفارة. # ومن جامع ناسيا نهارا في شهر رمضان فعليه بدل يومه. PageV02P186 # وإن أكل أو شرب ناسيا فقد قيل: لا بدل عليه؛ لأن الله أطعمه وسقاه، وفي ~~ذلك حديث آخر على نحو هذا. وقال قوم: يبدل يومه. # ومن عبث بذكره حتى أمنى متعمدا نهارا في شهر رمضان؛ فعليه البدل والكفارة ~~إذا تعمد لإنزال النطفة، وإن أمذى ولم ينزل فلا شيء عليه. # ومن تعمد إلى نظر فرج حرام نهارا في شهر رمضان؛ فقال قوم: عليه بدل يومه. ~~وقال آخرون: لا نقض على صومه. # ومن نظر فرج امرأة فأمنى، فإن كان لم يزل ينظر إليها ويتشهى حتى أمنى؛ ~~فعليه بدل ما مضى من صومه والكفارة. وكذلك إن مسها. فأما إن نظر خطفة ~~فأمنى؛ فعليه بدل يوم على قول أصحابنا إذا لم يرد إنزال النطفة. وقال قوم: ~~في نظره إلى امرأته بدل يومه، وفي غيرها بدل ما مضى من صومه، وهذا إذا لم ~~يرد إنزال النطفة. فأما إذا تعمد فهو كمن جامع. # ومن أصابته جنابة ليلا في شهر رمضان، فنام حتى أصبح؛ فعليه بدل ما مضى من ~~صومه إذا نام متعمدا. # وإن نام على أنه يقوم في الليل للغسل فلم ينتبه حتى أصبح فإنما عليه بدل ~~يومه في قول أصحابنا، وجعلوا له العذر إذا كان مغلوبا، ولم يعذروه في إهمال ذلك. # ومن جامع ونام على أنه يقوم في الليل، فلم ينتبه حتى أصبح فإنما عليه بدل ~~يومه. والحجة لهم في ذلك ما روى أبو هريرة عن النبي ^ أنه قال: «من أصبح ~~جنبا ms442 أصبح مفطرا» /417/ أو قال: «قد أفطر». # ومن لم يكن عنده ماء وكان جنبا فليتيمم قبل الصبح، وإن جهل؛ فعن بعضهم: ~~|أنه| يبدل يومه لحال جهالته. وبعض: أفسد صومه. # والذي يصيبه التبع بعد الجنابة ينبغي له أن يغتسل في الليل، وإن ترك ~~الغسل حتى أصبح فقد أفسد عليه ما مضى من صومه. # وإذا غسل صاحب الجنابة رأسه وفرجه وأدركه الصبح؛ فعلى قول بعضهم: إنه لا ~~فساد عليه. وإن أدركه الصبح قبل أن يغسل رأسه وفرجه أبدل يومه إذا لم يفرط. PageV02P187 # ومن لم يعلم بجنابته حتى أصبح، فلما علم غسل من حينه فلا بدل عليه. # وإن أصابته الجنابة في شهر رمضان نهارا فغسل من حينه فلا شيء عليه. # وإن رجع نام أو قعد أو توانى بشيء غير الغسل فسد عليه ما مضى من صومه، ~~إلا أن يكون تشاغل لثوب يأخذه، أو وعاء لغسله، أو غسل يدق له، أو ماء يسخن ~~له فلا بأس عليه. # وإن مضى إلى مورد ثم تخطى إلى مورد آخر هو أسخن أو أستر فلا بأس. # ولا يتوانى بالكلام ولا غيره، ولا لشيء غير أمر غسله، إلا أن يسلم عليه ~~أحد فيرد عليه السلام، وهو مار لا يعرج عليه. # وقد أنزلوا العذر لمن لم يتعمد، وأفسدوا صوم من تعمد؛ للحديث الذي جاء: ~~«من أصبح جنبا أصبح مفطرا». # ولم نأخذ بقول من احتج أنه لا شيء عليه، وتأول بأن الله أباح الجماع في ~~الليل للصائم، وقد تأول قول عائشة في أن النبي ^ «كان يغتسل من جنابة ~~الجماع بالليل في النهار» ولعله كان ناسيا لجنابته. # ورأينا قول من أوجب الاغتسال بالليل أحوط. # ومن أراد سفرا يفطر في مثله نوى الإفطار من الليل، قال الله: {فمن كان ~~منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر}. # وإن سافر بعد طلوع الفجر لم يفطر يومه؛ لأن ذلك يوم قد وجب عليه صومه قبل ~~سفره، وليس له أن يسقطه عن نفسه. وإن أفطر بعد أن سافر فلا كفارة عليه، ~~ويبدل عند أصحابنا ما مضى ms443 من صومه. وقد اختلف أصحابنا في ذلك. PageV02P188 # وقد وجدنا الاختلاف فيمن جامع امرأته في شهر رمضان متعمدا نهارا؛ فقال ~~أصحابنا: عليه عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين /418/ ~~مسكينا، وهذا يوافق قول من روى عن النبي ^ أنه أتاه رجل فقال له: هلكت يا ~~رسول الله، وواقعت امرأتي في شهر رمضان نهارا، فقال له رسول الله ^: «هل ~~تجد ما تعتق رقبة؟» قال: لا. [قال: «فصم شهرين متتابعين» قال: لا أستطيع] ~~قال: «فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟» قال: لا، قال: «اجلس»، فأتي بعذق ~~فيه تمر فقال له النبي ^: «اذهب فتصدق به». والعذق: فلا يبلغ إطعام ستين ~~مسكينا، والله أعلم. # عن عائشة أن رسول الله ^ قال للسائل: «اعتق رقبة» قال: لا أجد. قال: ~~«أطعم ستين مسكينا» قال: ليس عندي شيء. فأتي رسول الله ^ بعذق فيه عشرون ~~صاعا، قال: «تصدق به». # وعذق لا يجزئ. وقد قال: في الكفارة إطعام ستين مسكينا. وفي الكفارة في ~~حلق الرأس كل مسكين نصف صاع من الحنطة، فهذا مثله في الكفارة. فأما العذق؛ ~~فالله أعلم بذلك. # وقد جاء الاختلاف فيمن أفطر شهر رمضان متعمدا؛ فقال قوم: لكل يوم عليه ~~الكفارة، ويبدل الشهر مع التوبة والندم. وقال قوم: كفارة واحدة عليه ويبدل ~~الشهر، وقد قلنا ما قلنا مما رجونا به موافقة السنة، وبالله التوفيق ~~للصواب. # والمرأة والرجل في الكفارة سواء، والكفارة حق الله، ولا تجب إلا مع عظم ~~المأثم؛ ولأن الكفارة إنما وجبت لإفساد الصوم. PageV02P189 # فأما ما روي عن النبي ^ في سكوت النبي عن الكفارة [للمرأة]؛ فإن ||من|| ~~جوابنا ||إياه|| يدل على جوابه، ومع جواز هذا فيجوز أن تكون المرأة غير ~~بالغة أو نائمة أو مجنونة أو كتابية. ألا ترى أن أصحابنا قد قالوا في امرأة ~~حاضت في شهر رمضان فلم تغتسل حتى ذهب شهر رمضان؛ فألزمها بعضهم -لتركها ~~الصلاة- كفارة شهرين، ولتركها الصيام الكفارة شهرين، والتي وطئها زوجها ~~فتركت الغسل. # وقال بعضهم في الذي أكل شهر رمضان: إن عليه صيام ثلاثين شهرا، والكفارة ~~شهرين، ولكل يوم شهر، ms444 والكفارة لذلك شهران. # فأما القبلة تنقض صيام يوم. وقال بعضهم: لا تنقض. روي عن عائشة أنها قالت ~~كان رسول الله ^ /419/ «يقبل وهو صائم، -وقالت-: ولكنه كان أملككم لإربه». # وقد روي عن عمر أنه قال: قبلت يوما وأنا صائم، فسألت النبي ^ عن ذلك، ~~فقال: «أرأيت لو مضمضت فاك وأنت صائم أكان لا بأس عليك؟» فقلت: نعم، فثم ~~قال: «فذاك ذاك». # ومن يبتلع ريقه فلا شيء عليه، وما ينحدر من رأسه فلا نقض عليه فيه. # وكذلك من كال حنطة أو دقيقا، أو سفى ترابا فدخل الغبار في حلقه فلا شيء ~~عليه. وكذلك الكحل والسواك لا بأس بهما. ويكره السواك بالعشي للصائم. # ومن أنزعه القيء فلا شيء عليه. # ومن قاء عامدا فعليه القضاء. وروى أبو هريرة عن النبي ^ وأبو الدرداء: ~~«أنه أفطر». وقال أصحابنا: يبدل يومه. وقال من قال من أصحابنا: بالكفارة. # فأما من استنقع في الماء فإنه يكره له. # وقد قيل: من احتقن في دبره في مجرى الطعام فسد عليه ما مضى من صومه. # ومن أجاز في حلقه شيئا على سبيل الغلبة كالحصاة وغيرها والدانق فلا نقض عليه. # قال بعض: إنه من ابتلع ذبابا على العمد، فإنه قال: ما نبرئه من الكفارة. PageV02P190 # وقد أجازوا للطباخات والعجانات يذقن باللسان الشيء، ولا شيء عليهن. وكذلك ~~يمضغن الشيء للصبي ولا يغرقن الريق، وتفرك بالريق ولا شيء عليهما. # ومن أكره فأدخل في حلقه شيء من ماء أو غيره فلا شيء عليه. # ولا بأس أن يقلع الصائم ضرسه ويبصق الدم، وما طلع من صدره فما لم يصر ~~بمقدرة من لفظه فلا بأس عليه في إساغته. فأما إذا صار على مقدرة من لفظه ~~فأجازه متعمدا فعليه بدل يومه. # ومن سبقه الماء في حلقه وهو يتوضأ لصلاة الفريضة فلا بدل عليه، ولو توضأ ~~لها قبل وقتها. وإن كان وضوؤه لنافلة؛ فقيل: يبدل يومه. وقال بعضهم: حتى ~~يكون ذاكرا لصيامه. # وقد قيل: للحامل إذا خافت على ولدها أن تطرحه فلها أن تفطر وتقضي شهر ~~رمضان، وكذلك المرضع. فإن جاء الشهر ms445 الثاني ولم تفطم المرأة ولدها، وخافت ~~عليه فلها أن تفطر الثاني، ثم تقضي كل ما كان عليها، ولا كفارة عليها ~~كالمريض والمسافر. ألا ترى في بعض القول من اشتغل فلا كفارة /420/ عليه. # ومن أفطر في يوم من شهر رمضان فلم يكفر حتى يفطر يوما آخر فعليه كفارة ~~واحدة. وإن كفر ثم عاد وأفطر فعليه كفارة أخرى، وإن كان ذلك في رمضانين ~~فعليه كفارتان، كفر الأولى أو لم يكفر؛ لأنها تجب مع عظم المأثم، وتزول ~~بزوال حرمة شهر رمضان؛ لأن حرمة شهر رمضان عظيمة. ألا ترى إلى ما روي عن ~~النبي ^ قال: «إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النيران». PageV02P191 # ومن كبر عن الصوم أطعم كل يوم مسكينا نصف صاع كما يطعم عن الكفارة؛ لأن ~~الآية نزلت: {وأن تصوموا خير لكم}. قال: عن سلمة بن الأكوع لما نزلت هذه ~~الآية {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين}، وكان من يريد أن يفطر أفطر ~~وفدى حتى نزلت هذه الآية التي نسختها: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه}، فالفرض ~~في الآية الأولى على الجميع لا يختلف فيه القوي والضعيف، فلما نسخ ذلك ~~الآية الأخرى وأبطل التخيير بقوله: {فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان ~~مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر} أباح الفطر للمريض والمسافر، وقال: ~~{يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} أباح للشيخ والعجوز اللذين لا ~~يطيقان الصوم الإفطار ويطعم عنهما. # وقد روي عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ^: «من مات وعليه صوم ~~رمضان لم يقضه -قال:- يطعم عنه كل يوم مسكينا نصف صاع من بر». وقد روي ~~أيضا: «فكل من كبر فليطعم عنه» لهذا الحديث، من ماله في حياته وبعد وفاته. ~~وقد قيل: يصام عنه، وهذا أشبه بالسنة. # فأما الميت فجائز الصوم عنه، وأما الحي فالطعم أو الصوم. # فإذا سافر الرجل أو المرأة أو مرضا فإنهما يفطران ويقضيان ما أفطرا ~~متتابعا، ويؤمران بالتعجيل؛ لأن الله قال: {فعدة من أيام أخر}، وصيام شهر ~~رمضان متتابعا لتتابع أيامه، ms446 فأما من قال بالبدل متفرقا فإنا لم نأخذ بذلك، ~~ورأينا أحوط؛ لأنه لو كان يجزئه لم يكن متتابعا، فمن صام متتابعا فقد أجزأ ~~عنه، ومن قدر على الصيام فصام فهو أفضل، وقال الله: {وأن تصوموا خير لكم}، ~~فالفطر في السفر رخصة لمن قبلها، والصوم أفضل. PageV02P192 # والمرض /421/ الذي يفطر فيه عندنا: المرض المضعف عن الصوم، ويحتاج فيه ~~صاحبه إلى الإفطار، ولا يقدر أن يأكل ما يوصله إلى الليل. # والمسافر الذي يتعدى الفرسخين جائز له الإفطار إذا خرج لحاجة عرضت له في ~~قول أصحابنا. وأما من قال بالثلاثة الأيام فهذا أرخص. ومن رأي أهل عمان: أن ~~المسافر جائز له الإفطار غنيا أو فقيرا. # ومن مات في مرضه أو في سفره ولم يقض فإني أحب أن يطعم عنه للحديث الذي ~~جاء به «يطعم عنه». وعند أصحابنا أنه لا شيء عليه إذا مات في مرضه أو في ~~سفره، وقالوا: إن رجع أو صح فعليه أن يقضي، وإن لم يقض أو لم يوص لم يلزم ~~الورثة. وإن أوصى لزمه في ماله. ورأيهم في الصوم والطعم أحب إلي لاتباع السنة. # والمريض على الإفطار حتى يقوى على الصيام. # وإن أراد المسافر أو المريض الإفطار في شهر رمضان نوياه من الليل. وإن ~~أفطرا في النهار من غير أمر يخافان منه على أنفسهما ولم ينويا الإفطار من ~~الليل انتقض عليهما ما مضى من صومهما. وإن خافا على أنفسهما فأكلا أو شربا ~~بقدر ما يحييان به فعليهما بدل يومهما. # وإن نوى المريض أو المسافر الإفطار من الليل فأصبحا مفطرين جاز لهما، ~~ويقضيان ذلك إذا رجع المسافر وصح المريض، فإن ماتا أطعم عنهما. # وإن لم يوصيا؛ فعند أصحابنا: لا إطعام على ورثتهما ولا صوم. # ومن صام في السفر ثم رجع فأفطر في السفر انتقض عليه ما صام في السفر ~~بالإفطار الذي أعقبه في قول أصحابنا؛ لأنه مخير في الصوم والإفطار في ~~السفر، فإن أفطر فعدة من أيام أخر، وإن صام ولم يفطر جاز له. # فأما إن رجع المسافر ثم عاد فسافر ms447 وأفطر فلا نقض عليه في صومه في السفر ~~الثاني. PageV02P193 # ومن أفطر في مرضه شهر رمضان، ثم بقي مريضا إلى الشهر الثاني والثالث فإنه ~~إذا صح صام الأخير الحاضر، ويطعم عن الأول ثم يبدله من بعد في قول أصحابنا، ~~وهذا قد أخذنا بالاحتياط في الاثنين كليهما. # ومن صام يريد البدل فاعترض الأيام؛ فإنه يصوم ثلاثين يوما، وإن كان الناس ~~صاموا تسعة وعشرين يوما. ولو صام من الهلال لم يلزمه إلا صوم إلى الهلال، ~~ولو كان تسعة وعشرين يوما. # وكذلك الحائض والنفساء وكل من لزمه صوم فمن الهلال إلى الهلال، وإن اعترض ~~الأيام فعدة من أيام أخر. # وإن /422/ صاموا بعد الصحة والطهر جاز الصوم، وإن ماتوا ولم يدركوا وقت ~~القضاء وقبل لزومه فلا شيء عليهم. وإن لم يصم أحد منهم بعد الصحة والطهر ~~حتى جاء شهر رمضان الثاني فعليه قضاء الأول بعد صيام الشهر الذي حضر؛ لأن ~~الله لم يخص لقضاء رمضان وقتا دون وقت، ولا كفارة عليه. # وقد روي عن عائشة أنها كانت تقضي رمضان في شهر شعبان. # وفي بعض الحديث أن النبي ^ «أباح للحامل والمرضع الفطر لخوف الضرر». # والمجنون إذا لم يفق حتى ينقضي الشهر فلا شيء عليه؛ لأن الله قال: {فمن ~~شهد منكم الشهر فليصمه} وهذا لم يشهد الشهر ولا شيئا منه. # وأما المغمى عليه فإنه يلزمه عدة أيامه التي أغمي عليه فيها؛ لأن الله ~~قال: {فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر}، والمغمى عليه هو ~~صحيح العقل كالنائم وآفته في جسمه. فأما المجنون فإن أفاق وقد بقي من الشهر ~~شيء فعليه قضاؤه؛ لأنه قد شهد الشهر، والله تعالى يقول: {فمن شهد منكم ~~الشهر فليصمه}، ولأن الشهر قد قالوا إنه فرض واحد، فلزمه صومه كما يلزم من ~~يسلم ويبلغ في بقية من الشهر، واختلفوا في بدل ما مضى. PageV02P194 # ولا يقضي يوم النحر ويوم الفطر وأيام التشريق؛ لأن رسول الله ^ نهى عن ~~صيام هذه الأيام، وقد قال: «إنهن أيام أكل وشرب وبعال». # فأما من لم ينو ms448 صيام شهر رمضان ونواه تطوعا؛ فإنا نقول: إنه لا يجزئه؛ ~~لأنه قال: «الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى»، ولو كان ذلك يجزئه لم يكن ~~معنى لقوله: «لا صوم لمن لم يثبت الصيام من الليل»، ولما أمر بالنية وأكد ~~في إثباتها في الليل، فعلى هذا لا يجزئ صوم تطوع عن فرض ولو نوى. # وقد روي أن رجلا سأل النبي ^ فقال: يا رسول الله، أجد قوة على الصوم في ~~السفر، فهل علي جناح؟ فقال: «هي رخصة من الله، فمن أخذ بها فحسن، وإن أحب ~~أن يصوم فلا جناح عليه». وفي حديث آخر عن النبي ^ أنه مر على رجل صائم في ~~السفر وهو مسجى عليه بثوب، فقال: «الفطر في السفر رخصة من الله فاقبلوا ~~رخصته»، وقد قال الله |تعالى|: {وأن تصوموا خير لكم}. # ولا نحب للصائم أن يستعط أو يقطر في أذنه، ولا /423/ أنفه ولا حلقه؛ لأن ~~ذلك يؤدي إلى الحلق. ولا يجعل شيئا من الدهن ولا من الماء في المجرى الذي ~~يؤدي إلى الحلق. # وقد جاء أن الصوم: هو الإمساك عن الطعام والشراب؛ فيجب الإمساك عن القليل ~~من الطعام والشراب والكثير، وإن كان أحد قد أجاز ذلك فلم نأخذ به. # ومن أكره وأدخل في حلقه شيء من طعام أو ماء فلا شيء عليه. PageV02P195 # وقد قيل: «إن للصائم عند إفطاره دعوة مستجابة». وفي بعض الحديث قال: ~~سافرنا مع رسول الله ^ إلى مكة ونحن صائمون فنزلنا منزلا فقال رسول الله ^: ~~«إنكم صرتم في عدوكم والفطر أقوى لكم» فكانت رخصة، فمنا من صام ومنا من ~~أفطر، ثم نزلنا منزلا آخر، فقال: «إنكم مصبحون عدوكم والفطر أقوى لكم ~~فأفطروا»، ثم قال: لقد رأينا الصوم. # وقد روى بعض قال: «كنا مع رسول الله ^ فمنا الصائم والمفطر، ولا يعيب ~~الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم»، ولأن الصوم للمسافر أفضل من ~~قضائه للمقيم بعد ما أقام. # ومن احتقن أو استعط فعليه القضاء. # ولا يستنشق الصائم إبلاغا؛ لقول النبي ^: «إذا استنشقت فأبلغ إلا أن تكون ~~صائما»، فلولا أنه يفسده ms449 لم ينه عنه. # ومن أكل أو شرب أو جامع ناسيا ثم تعمد فعليه القضاء، ولا كفارة عليه لحال ~~جهالته الشبهة؛ لأن صومه قد هدمه ||في أكله|| أولا على قول بعض أهل العلم، ~~وفيه اختلاف. # ولا بأس بالحجامة للصائم، وقد قيل: «إن رسول الله ^ احتجم وهو صائم»، وقد ~~روي «أنه رخص في الحجامة للصائم»، وقد |قيل|: رخص أيضا في القبلة للصائم ~~على ما روي عنه في حديث عمر. # والكذب والغيبة يفطران الصائم، وقد قيل: إن رسول الله ^ قال: «الكذب ~~والغيبة يفطران الصائم وينقضان الوضوء»، فإذا كان كذلك كان كل ما كان من ~~عمل المعاصي ينقض الصيام قياسا على ذلك. ألا ترى إلى قول المسلمين: إذا صمت ~~فليصم سمعك وبصرك وجوارحك عن الخطايا. وفي الحديث: «أن من لم يمسك عن فعل ~~المعاصي -أو قال: لم يترك -الشك مني في أصل الحديث- فليس لله حاجة أن يدع ~~له طعامه وشرابه». PageV02P196 # ومن كان /424/ في بلاد الشرك والتبست عليه الشهور، ولم يدر شهر رمضان ~~منها فإنه يتحرى شهرا يصومه، فإن وافق شعبان أو قبله لم يجزئ عنه، وإن وافق ~~شوالا أجزأ عنه. # وقيل: من أصبح على أنه يفطر في السفر ثم بدا له أن يتم صيامه ولا يفطر؛ ~~قال: ينتقض عليه ما مضى من صومه في السفر حيث أصبح على نية الإفطار. وأما ~~من أصبح على أنه صائم ثم نوى أن يفطر ولم يأكل شيئا إلى الليل؛ فقد قيل: لا ~~شيء عليه. وقيل: يبدل يومه. # وقد قيل: إنه إذا حضر الطعام والصلاة فابدأ بالطعام؛ لقول رسول الله ^: ~~«إذا حضر العشاء والعشاء فابدؤوا بالعشاء قبل العشاء»، وقد قيل: «إنه ^ أمر ~~بتعجيل الفطور وتأخير السحور»، وكل ذلك في الليل. # وقد قيل: في امرأة أصبحت مفطرة على أنها قد أكملت، ثم تبين لها أنها لم ~~تكمل، فإن صامت حينما علمت لم يلزمها إلا بدل يوم. # وقد روي عن حفصة وعائشة أنهما كانتا صائمتين ثم أفطرتا، فقال النبي ^: ~~«أبدلا يوما مكانه». وفي الحديث عن عائشة أنها كانت صائمة، فرأتها حفصة ms450 في ~~آخر النهار شرقة الوجه، فقالت لها: ألست كنت صائمة، قالت: بلى، ولكني ~~أصابني الجهد فأفطرت، فأخبرت بذلك رسول الله ^ فأمرها أن تقضي يوما مكانه، ~~وذلك في التطوع. # وعن أم هانئ قالت: «دخلت على رسول الله ^ بإناء من لبن فشرب ثم ناولني ~~فشربت، ثم قلت: يا رسول الله، كنت صائمة لكني كرهت أن أرد سؤرك، قال: «إن ~~كان من قضاء رمضان فاقضي يوما مكانه، وإن كان من غير قضاء رمضان فإن شئت ~~فاقضيه، وإن شئت لا تقضيه». فأما الذي نقول به فإن ذلك في التطوع، ~~والاختلاف فيه لهذا الخبر، وأوجب عليه القضاء على قول، فأوجب فيه لحال ~~الخبر، وبعض: لم يلزمه فيه بقضاء. PageV02P197 # فأما رمضان فإن الذي يأكل ويشرب متعمدا في النهار فعندنا أنه يفسد جميع ~~البدل، ولزمه قضاؤه، ولا ينتقض رمضان. # ولا كفارة في البدل مما يجب قضاؤه، كالنذر، وصوم المتعة، والكفارات. # وفي خبر آخر: عن أم هانئ أن رسول الله ^ قال: «المتطوع أمين نفسه، إن شاء ~~صام وإن شاء أفطر»، فدل هذا [على] ما قلناه: إن ذلك في التطوع /425/ دون ~~غيره. ألا ترى أن الله تعالى أوجب الصوم في الكفارة متتابعا، فقال: {شهرين ~~متتابعين}، وفي القتل قال: {شهرين متتابعين}، وفي الأيمان: {ثلاثة أيام} في ~~قول ابن مسعود «متتابعات»، فذلك متتابع، وقضاؤه متتابع، إلا ما كان من سبب ~~غير عمد لا يوجب غير بدل يوم. # قال: دخلت أنا ومسروق على عائشة فقالت: «رجلان من أصحاب محمد ^ أحدهما ~~يعجل الإفطار والصلاة، وأحدهما يؤخر الإفطار والصلاة. قالت: أيهما؟ قلنا: ~~عبد الله بن مسعود. قالت: هكذا كان رسول الله ^ يفعل، فيعجل الفطور ويؤخر ~~السحور إلى وقت الشكاك». وقد قال الله تعالى: {حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ~~من الخيط الأسود من الفجر}، ويأكل حتى لا يشك؛ لأن من وقع حول الحمى يوشك ~~أن يقع فيه. # وفي بعض الحديث عن النبي ^ أنه قال: «إذا أقبل الليل وأدبر النهار وغابت ~~الشمس فقد وجب الإفطار -أو قد أفطر الصائم-». وفي حديث آخر قال: «إذا غابت ~~الشمس ms451 من هاهنا أفطر الصائم» معناه: خرج من فرض الصوم وحل له الفطر، كما ~~قيل: في الليل أكل أو لم يأكل فهو مفطر، والله أعلم بذلك وأحكم. # وعن النبي ^ قال: «من صام رمضان محتسبا صابرا غفر الله له ما تقدم من ذنبه». PageV02P198 # وفي الحديث أن رسول الله ^ «نهى عن وصال الصوم»، فقيل له: يا رسول الله، ~~تنهانا عن وصال الصوم وأنت تواصل، فقال |النبي| ^: «إني في هذا لست كمثلكم، ~~ربي يطعمني ويسقيني»، وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «من صام الدهر لا صام ~~ولا أفطر». وقد قيل إنه قال: «لا صوم لمن صام الدهر». # وفي الحديث عن الشعبي قال: قال النبي ^: «إن الله يقول: الصوم لي وأنا ~~أجزي به»، وإن في الجنة لنهرا يقال له: الريان للصائمين ، وإذا كان يوم ~~القيامة توضع لهم موائد يجلسون عليها، والناس في الحساب لا يعلمون ما الناس ~~عليه. وقد قال الله تعالى: {والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم ~~والحافظات [والذاكرين الله كثيرا والذاكرات] أعد الله لهم مغفرة وأجرا ~~عظيما}. # [كتاب الحج] # بسم الله الرحمن الرحيم # ||باب||: # مسألة: في الحج مختصرة مجموعة # - وسأل عن دلالة الحج، وما يقال فيه /426/ من مناسكه؟ # قيل له: الدلالة في ذلك لمن أراد الحج أن يبدأ بالخلاص من تبائعه، ويقضي ~~دينه، ويكفر أيمانه، ويوفي نذره، ويصل أرحامه، ويعتب من وجد عليه من أرحامه ~~وجيرانه، ويوسع من زاده ليتسع خلقه. # وإذا أراد الخروج إلى الحج فلا يماكس في الكراء، ولكنه يساومه، فإن أغلى ~~عليه تركه. # فإذا أحضر راحلته وتهيأ للرحلة صلى ركعتين في منزله، ثم قال: "اللهم إنك ~~افترضت الحج وأمرت به، فاجعلني ممن استجاب لك، واجعلني من وفدك الذين رضيت ~~وكنيت وسميت". # فإذا أردت أن تركب راحلتك فودع أهلك، وأظهر لهم الشفقة والرحمة. PageV02P199 # فإذا ركبت راحلتك فاذكر الله، وإذا استوت بك راحلتك، فقل: "الحمد لله ~~الذي هدانا للإسلام، وعلمنا القرآن، ومن علينا بنبينا محمد #، الحمد لله ~~الذي جعلنا من خير أمة أخرجت للناس، الحمد لله الذي حملنا في البر والبحر ~~ورزقنا من الطيبات، ms452 وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا، الحمد لله الذي سخر ~~لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، والحمد لله رب ~~العالمين". # فإذا سارت بك راحلتك فقل: "اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في المال ~~والأهل والولد، اللهم اصحبني في سفري، واخلفني في أهلي بحسن صنعك". فقد روي ~~أن رسول الله ^ كان يقول: «اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل ~~والمال». # فإذا سرت وأنت متواضع لربك، فإذا علوت شرفا فكبر الله، وإذا هبطت فسبح ~~الله، وإن شئت إذا هبطت فاحمد الله، وإذا نزلت منزلا فقل: "الحمد لله الذي ~~بلغنا سالمين، ربنا أنزلنا منزلا مباركا وأنت خير المنزلين، اللهم ارزقنا ~~بركة منزلنا هذا، واصرف عنا شره وبأسه". # وإن استطعت أن تودع المنزل بركعتين فافعل. # ولتحسن خلقك لرفيقك فإن حسن الخلق من خير الأعمال، وقد روي عن النبي ^ ~~أنه قال: «حسن الخلق ذهب بخير الدنيا والآخرة». فعليك بحسن الخلق، وكظم ~~الغيظ، والعفو عن الناس، قال الله تعالى: {والكاظمين الغيظ والعافين عن ~~الناس والله يحب المحسنين}. # وإذا أتيت المواقيت التي وقتها رسول الله ^ وأردت أن تحرم فادهن إن شئت ~~بدهن لا طيب فيه من حل أو زيت، ثم اغسل رأسك بسدر أو خطمي إن أمكنك ~~||ذلك||، /427/ وإلا أجزأك الوضوء. # ثم البس ثوبي إحرامك اللذين تريد أن تحرم فيهما، ثوبين جديدين لم يلبسا، ~~أو غسيلين مذ غسلا لم يلبسا، يستحب ذلك. PageV02P200 # فإذا أردت أن تحرم فصل الفريضة إن حضرت، وإن لم تحضر فصل ركعتين. وقد ~~قيل: إن رسول ^ أحرم على إثر صلاة مكتوبة، فإذا قضيت صلاتك وسلمت فأهل ~~بالتلبية بالإحرام. # ويستحب أن يحرم بعمرة من الميقات، فإن أحرمت لعمرة فقل على إثر صلاتك: ~~"لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك ~~لك، لبيك بعمرة تمامها وبلاغها عليك". وتقول ذلك ثلاث مرات في مجلسك، ثم ~~تقوم وتركب راحلتك. # فإذا ركبت حمدت الله -كما وصفت لك في أول الكتاب-، ثم لبيت وتقول: "لبيك ~~اللهم لبيك لا شريك ms453 لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، أنا ~~عبدك وبين يدك"، فلا تذكر عمرة في التلبية غير الأول. وتلبي كلما سارت بك ~~راحلتك، وكلما علوت شرفا أو هبطت واديا، أو سمعت ملبيا، وكلما أكثرت من ~~التلبية كان أفضل لك، وتلبي وأنت جنب، وتلبي بالأسحار، وتلبي إذا طلع ~~الفجر، وتكثر من التلبية حتى تقدم مكة. # وروي عن عائشة أنها قالت: "خرجنا مع رسول الله ^ لا نذكر إلا الحج"، ~~ويستحب أن يشتغل بذكر الحج عن غيره. # وذكر «أنه [^] خرج وساق الهدي وأمر الناس أن يدخلوا بعمرة. ومن أهل بالحج ~~ولم يكن معه هدي فأمر أن يجعلها عمرة». وخرج في خمس بقين من ذي القعدة، ~~فيجب الاقتداء برسول الله ^. # فإذا أحرمت بعمرة فاجتنب غشيان النساء والفسوق والجدال، {فمن فرض فيهن ~~الحج}، فمن أحرم في أشهر الحج {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج}. واجتنب ~~الطيب والحلي والزينة والثياب المصبوغة بالشوران والزعفران، وثياب الحرير. ~~ولا تلبس سراويلا ولا قميصا ولا عمامة، ولا تغط رأسك، ولا تقطع شجر الحرم. ~~وتكن متواضعا لله جهدك متضرعا. PageV02P201 # فإذا قدمت مكة ونظرت موضعا لنزولك، فإذا أردت أن تأتي البيت فاغسل إن ~~أمكنك وإلا أجزأك الوضوء، وأنت في كل ذلك تلبي، ولا تقطع /428/ التلبية حتى ~~تقف على الباب باب المسجد. # فإذا وقفت على الباب وقابلت الكعبة أمسكت عن التلبية، وقلت: "الله أكبر ~~الله أكبر، اللهم أنت ربي وأنا عبدك، والبلد بلدك، والبيت بيتك، جئت أطلب ~~رضاك وإتمام طاعتك، متبعا لأمرك، راضيا بقدرك، أسألك يا رب مسألة البائس ~~الفقير، وأدعوك دعاء الخائف المستجير، دعاء المضطر إليك، المشفق من عذابك، ~~الخائف من عقوبتك، أن تستقبلني بعفوك، وأن تجود لي بمغفرتك، وأن تعينني على ~~أداء فرائضك". # فإن أحرمت من ذات عرق فادخل من باب العراق، ويستحب أن تدخل من الباب الذي ~~دخل منه رسول الله ^ ، وقيل: هو بني شيبة. فإذا دخلت من الباب فقل: "اللهم ~~أنت السلام، ومنك السلام، وإليك يرجع [الأمر] بالسلام، فحينا بالسلام، ~~وأدخلنا دار السلام". # فإذا ms454 رأيت البيت فقل: «اللهم زد بيتك هذا تشريفا وتعظيما وتكريما ~~ومهابة»، وزد من عظمه وكرمه وشرفه ممن حجه واعتمره من أوليائك وأهل طاعتك ~~شرفا وتعظيما وتكريما. # وتمشي إلى البيت وأنت تحمد الله، وتستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات، ~~متواضعا مجتهدا متضرعا إلى ربك. # وفي الحديث أن النبي ^ كان إذا رأى البيت قال: «اللهم زد بيتك هذا تعظيما ~~وتشريفا وتكريما...» تمام الكلام. # ويستحب إذا دنوت من البيت أن تقول: "اللهم كثرت ذنوبي، وضعف علمي، فأسألك ~~في مقامي هذا أن ترحمني، وتقبل توبتي، وتجاوز عن خطيئتي، وتقيلني عثرتي، ~~وتغفر ذنوبي، وتحط عني وزري". PageV02P202 # ثم تمد يدك إلى الحجر تمسه بيمينك، وتقول: "الله أكبر الله أكبر الله ~~أكبر، اللهم إليك بسطت يدي، وفيما عندك عظمت رغبتي، فاجعل جائزتي فكاك ~~رقبتي، وأسعدني في دنياي وآخرتي". ثم قم حيال الحجر فاحمد الله، واثن عليه، ~~وادع لنفسك وللمؤمنين والمؤمنات، وتصلي على النبي ^. # فإذا أردت الطواف فلذ بركن الحجر قليلا قدر ما لا تقابل الباب، ثم خذ في ~~الطواف على يمينك، وتقول عند ركن الحجر: "الله أكبر الله أكبر، اللهم أسألك ~~إيمانا بك، وتصديقا /429/ بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعا لسنتك وسنة نبيك ~~محمد ^". وتمسح الحجر إن أمكنك، وإلا كبرت حياله وأخذت في الطواف، وأنت ~~تقول: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما". وقد ~~قيل: إن ذلك كان يقوله النبي ^، وأنها سنة في الطواف والتسبيح. # وإذا قصدت الباب فقل: "الله أكبر الله أكبر، اللهم اغنني بما رزقتني، ~~وقني شح نفسي، واجعلني من المفلحين"، وأنت تسبح الله وتحمده كما وصفت لك. # فإذا بلغت الميزاب فقل: "الله أكبر الله أكبر، اللهم أسألك الراحة عند ~~الموت، والعفو عند الحساب، والنجاة من العذاب". وأنت تمشي وتقول: "سبحان ~~الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم، وصلى الله على محمد النبي وعليه السلام". # فإذا بلغت الركن اليماني فقل: "الله ms455 أكبر الله أكبر، اللهم إني أعوذ بك ~~من الكفر والفقر وعذاب القبر، وموقف الخزي في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في ~~الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار". PageV02P203 # وتستلمه إن قدرت على ذلك، ثم تمشي متواضعا، وتسبح الله على ما وصفت لك من ~~التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والصلاة على النبي ^ حتى تبلغ ركن الحجر. # فإذا بلغت ركن الحجر فقل: "اللهم إني أسألك إيمانا بك، وتصديقا بكتابك، ~~ووفاء بعهدك، واتباعا لسنتك وسنة نبيك محمد ^". وتأخذ في الطواف في الشوط ~~الثاني، وتقول من التسبيح والتهليل ما قلت لك. # وتقول عند كل موضع كما وصفت لك من الدعاء عند الأركان والميزاب والباب، ~~وتقول فيما بين الأركان: "سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله ~~أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على محمد النبي ~~وآله وسلم تسليما كثيرا"، تقول ذلك في كل تطويفة حتى تتم سبعة أشواط، من ~~الحجر إلى الحجر شوط. فإذا أتممت سبعة تامة تكمل بالسابع جملة الركن من ~~الحجر لئلا يبقى عليك شيء من الطواف يتقدم في آخر شوط. /430/ # فإذا تمت سبعة أشواط، وتمس الحجر عند كل شوط إن أمكنك ذلك ولم يمنعك ~~الزحام، وإلا كبرت حياله. # فإذا طفت سبعة أشواط لا زيادة فيها ولا نقصان خرجت من الطواف، ولا تدخل ~~في الحطيم (وهو الحجر) في شيء من طوافك. # وصل ركعتين خلف مقام إبراهيم إن أمكنك ذلك، وإلا حيث صليت. # ثم ائت زمزم فاشرب من مائها، وصب منه على رأسك، وقل: "اللهم إني أسألك ~~إيمانا تاما، ويقينا ثابتا، ودينا قيما، وعلما نافعا، وعملا صالحا، ورزقا ~~حلالا واسعا، وشفاء من كل داء". ثم ائت ركن الحجر فتدعو حياله بما فتح ~~الله، ولا تطل. PageV02P204 # ثم تبرز من باب الصفا إلى الصفا، وتقول: "اللهم أدخلني مدخل صدق وأخرجني ~~مخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا". فتخرج من بين الأسطوانتين ~~المذهبتين. فإذا أتيت الصفا فلا تعلون عليه، ولكن بقدر ما تستقبل البيت، ~~وقد قيل: إلى خمس درجات، ثم ms456 تقول وأنت مستقبل القبلة: "الله أكبر الله ~~أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر، لا إله إلا الله والله أكبر كبيرا، لا ~~إله إلا الله والله أكبر تكبيرا، لا إله إلا الله والله أكبر على ما هدانا، ~~والله أكبر على ما آتانا وأولانا، والحمد لله على ما أعطانا، لا إله إلا ~~الله، والله أكبر تكبيرا، والله أكبر كبيرا، وله الحمد كثيرا، وسبحان الله ~~بكرة وأصيلا، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ~~ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله ~~إلها واحدا ونحن له مسلمون، لا إله إلا الله إلها واحدا ونحن له عابدون، لا ~~إله إلا الله إلها واحدا ونحن له مخلصون، لا إله إلا الله إلها واحدا فردا ~~صمدا لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، لا إله إلا الله أهل التكبير والتهليل ~~والثناء الحسن الجميل، لا إله إلا الله لا نعبد إلا إياه، لا إله إلا الله ~~إلهنا وإله آبائنا الأولين، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره ~~الكافرون، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو كره المشركون، لا إله إلا ~~الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده". ثم تصلي على نبيك ~~محمد ^، وتدعو بما فتح الله لك من الدعاء. # وقل في دعائك: "اللهم استعملنا بسنة نبينا محمد ^، /431/ وتوفنا على ~~ملته، وأعذنا من الفتن كلها ما ظهر منها وما بطن"، تفعل ذلك ثلاث مرات في ~~مقامك، ثم تنحدر من الصفا وأنت متواضع، وتمشي وتقول في مشيك: "اللهم اجعل ~~هذا الممشى كفارة لكل ممشى كرهته مني". PageV02P205 # فإذا بلغت المسيل فارمل من العلم إلى العلم. وقد قيل: لا تقطع واديا إلا ~~وأنت تمشي بين العلمين، وأنت تقول: "رب اغفر وارحم واعف عما تعلم، واهدني ~~السبيل الأقوم، إنك أنت الأعز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم، اللهم نجنا من ~~النار". # فإذا جاوزت العلم إلى المروة ومشيت حتى تأتي المروة فتصعدها حتى ترى ~~الكعبة، ثم ms457 تقول كما قلت على الصفا ثلاثا، ثم تنحدر منها وأنت تمشي. # فإذا بلغت المسيل سعيت، فإذا أتيت العلم أمسكت عن الهرولة، فإذا سعيت ~~سبعا تبدأ بالصفا وتختم بالمروة انحدرت من المروة، وحلقت رأسك أو قصرت منه، ~~وأخذت من شاربك، وقلمت أظفارك، وقد حل لك الحلال كله. # وقد قيل: إن أفضل ذلك الحلق؛ وقد روي عن النبي ^ قال في عمرته التي صده ~~المشركون عنها: «اللهم ارحم المحلقين» ثلاثا، فقالوا: والمقصرين، قال: ~~«والمقصرين» مرة واحدة؛ فسئل عن ذلك فقال: «لم تشكوا؟ وقد قال الله: ~~{محلقين رؤوسكم ومقصرين لا تخافون}. فالتقصير بالمحلقين، والحلق: الرأس كله. # وإذا أحل المتمتع حل له الحلال كله إلا الصيد في الحرم حتى يقضي الحج، ~~ويكثر الطواف بالبيت. وقد روي «أن النبي ^ أمر الناس أن يدخلوا بعمرة من لم ~~يكن معه هدي، ومن ساق الهدي أن يثبت على إحرامه»، ثم مضى إلى البيت فطاف به ~~وطاف بالصفا والمروة، ويحل ما لم يكن معه هدي، ثم يثبت من كان معه هدي على ~~إحرامه. فكان الرجل يقول: يا رسول الله، إنما أهللت بالحج، فيقول: «إنما هي ~~عمرة»، فكان ابن عباس يقول: ما طاف بالبيت طائف إلا دخل بعمرة، ومن لم يكن ~~معه هدي وجب عليه دم أو صيام. # وأكثر الطواف بالبيت، واركع مع كل أسبوع ركعتين. PageV02P206 # فإذا كانت عشية التروية وأردت أن تحرم بالحج فادهن إن شئت بدهن لا طيب ~~فيه، ثم اغتسل بالماء، ثم ائت البيت وقد لبست ثوبي إحرامك، فطف أسبوعا وصل ~~/432/ ركعتين، وإن أردت أن تحرم فصل ركعتين لإحرامك، ثم جهرت بالتلبية فقل: ~~"لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، ~~لبيك بحجة تمامها وبلاغها عليك"، تقول ذلك ثلاث مرات ثم تقوم. وقد قال قوم: ~~تحرم من مسجد الجن، وكل ذلك جائز. # ولا تطف بالبيت بعد التلبية بالحج، وليكن وجهك إلى منى، فإذا ركبت راحلتك ~~إلى منى فقل: "اللهم إياك رجوت، وإليك دعوت، فبلغني صالح أملي، وأصلح لي عملي". # فإذا أتيت ms458 منى فقل: "اللهم هذه منى، وهي مما دللت عليه من المناسك، فامنن ~~علي فيها وفي غيرها بما مننت فيه على أوليائك وأهل طاعتك، فها أنا عبدك ~~وبين يديك وفي قبضتك. # وتنزل بمنى وتصلي بها خمس صلوات الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ~~وتبيت بها مع الناسذ، وتكثر من ذكر الله. بلغنا أن النبي ^ «صلى بمنى خمس ~~صلوات». # فإذا صليت صلاة الفجر غدوت إلى عرفات، وتقول: "إليك صمدت، وإياك قصدت، ~~وما عندك أردت، فأسألك أن تبارك لي في وجهتي، وأن تكفيني في عرفات حاجتي، ~~وأن تباهي بي من هو أفضل مني". # فإذا أتيت عرفات فقل: "اللهم اجمع لي في هذه المنازل جوامع الخير كله، ~~واصرف عني جوامع الشر كله، وعرفني فيه ما عرفت أولياءك وأهل طاعتك، واجعلني ~~متبعا لسنتك وسنة نبيك محمد ^". # وقد بلغنا أن رسول الله ^ خرج إلى منى يوم التروية وصلى بها خمس صلوات، ~~ونزل بها، وبات فيها، حتى إذا صلى فيها الفجر يوم عرفة غدا إلى عرفات، ~~وكذلك فعل الناس بعده. PageV02P207 # ونزل بعرفات حتى إذا زالت الشمس قام ^ فخطب الناس ورغبهم، ثم أتى مصلاه ~~فصلى الظهر والعصر ووقف. وقد كان أمر من لم يكن معه هدي أن يصوم، ومن وجد ~~هديا أن يهدي. # فإذا وقف عشية عرفة اجتهد بالدعاء والتسبيح والتحميد والتكبير، والثناء ~~على الله، والصلاة على النبي ^، وأكثر من الدعاء. # وادع بحوائجك كلها في الدنيا والآخرة، وادع مثل دعائك على الصفا والمروة، ~~وأكثر من قول: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ~~ويميت وهو حي دائم لا يموت، بيده الخير وهو على /433/ كل شيء قدير". وتقول: ~~"الحمد لله رب السماوات ورب الأرض رب العالمين، وله الكبرياء في السماوات ~~والأرض وهو العزيز الحكيم"، وتدعو بما فتح الله لك. # وقد روي عن النبي ^ أنه وقف فدعا ورغب الناس بما رغبهم، وقد روي أنه قال: ~~«إن هذا مقام قد قمته وقامته الأنبياء من قبلي ^، فأفضل ما قلته وقالته ~~الأنبياء من قبلي -صلوات الله عليهم-: لا ms459 إله إلا الله، فأكثروا منها فإنه ~~يغفر لقائلها». فالواجب علينا الاقتداء بالنبي ^ في أفعاله. # وتدعو وترغب إلى الله، وتقرأ القرآن وتسبح الله، وتكثر من التسبيح ~~والتحميد والطلب إلى الله والرغبة إليه حتى تغرب الشمس ويحل الإفطار. وقد ~~قيل: «إن النبي ^ دفع من عرفات حين وجبت الشمس». # فإذا أفضت من عرفات فقل: "اللهم إليك قصدت، ومن عذابك أشفقت، وإليك رغبت، ~~وبك رضيت، فاقبل نسكي، وقو ضعفي، وارحم تضرعي وقلة حيلتي وبعد سفري، وسلم ~~لي ديني". PageV02P208 # وأكثر من ذكر الله حتى تقدم جمع، وقل: "اللهم ارزقني في هذا المنزل جوامع ~~الخير كله، واصرف عني جوامع الشر كله". واجتهد في تلك الليلة بما قدرت ~~عليه، فإنه قيل: أبواب السماء تفتح في تلك الليلة لا تغلق، وصل المغرب ~~والعشاء، فإنه بلغنا أن النبي ^ «صلى بجمع كذلك»، وقال لأسامة: «الصلاة ~~أمامك، فصل بجمع المغرب والعشاء وبت بها». # فإذا وصلت جمع وقد هيأت منها سبعين حصاة مثل حصى الخذف وتكون بغسله، فإنه ~~بلغنا «أن النبي ^ غسل الحصى»، والله أعلم. # فإذا صليت صلاة الفجر ووقفت مع الإمام بجمع فاجتهد، وقل كما قلت على ~~الصفا والمروة، ثم أفض إذا أسفرت، وأكثر من الاستغفار قبل طلوع الشمس، فإنه ~~اليوم الذي قال الله |تعالى| فيه: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا ~~الله إن الله غفور رحيم}. # وتقول في دعائك بجمع: "اللهم إنك خير مطلوب إليه، ومعول عليه، وخير ~~مسؤول، وخير من كان عليه النزول، ولكل وفد جائزة، فاجعل جائزتي فكاك رقبتي ~~في هذا الموقف، وأن تقبل توبتي، وتقيل عثرتي، وتجاوز عن خطيئتي، وتجعل ~~التقوى /434/ من الدنيا زادي"، ولا تدع حاجة للدنيا والآخرة إلا سألتها، ~~فإنك كلما أكثرت من الطلب كنت إلى الله أقرب. # والإفاضة قبل طلوع الشمس من جمع سنة خالف بها النبي ^ المشركين، وذلك من ~~عرفات بعد غروب الشمس -على ما قيل-. ثم أفاض من جمع قبل طلوع الشمس، فتلك ~~سنة رسول الله ^ بعد ذكر الله، قال الله تعالى: {فاذكروا الله عند المشعر ~~الحرام... ثم أفيضوا من حيث ms460 أفاض الناس}. PageV02P209 # فإذا وصلت جمرة العقبة فقل: "اللهم اهدني بالهدى، ووفقني للتقوى، وعافني ~~في الآخرة والأولى". ثم ارمها من بطن الوادي بسبع حصيات، وكبر مع كل حصاة ~~تكبيرة، تقول: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر"، وتقول في آخر تكبيرة حصاة: ~~"ولله الحمد". # فإذا رميت جمرة العقبة فقل: "اللهم هذه حصياتي فتقبلهن مني، واجعلهن في ~~الآخرة ذخرا لي، وأثبني عليهن، غفرانك ورضوانك". وتقول: "اللهم اجعله حجا ~~مبرورا، وسعيا مشكورا، وارزقنا نضرة وسرورا". # ويوجد عن ابن مسعود: أنه رمى جمرة العقبة سبع حصيات، وقال: "هكذا رأيت ~~الذي أنزلت عليه سورة البقرة يفعل". # ويقول عند الذبح بعد رمي العقبة: "اللهم هذا نسكي فاقبله واشكره لي، ~~واجعله فدائي من النار". فإذا حلقت رأسك فقل: "اللهم بارك لي في تفثي، ~~واغفر لي ذنبي، واشكر لي حلقي". وأكثر من قول: "الحمد لله رب العالمين، ورب ~~السماوات السبع ورب العرش العظيم، وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو ~~العزيز الحكيم"، في كل موقفك. # وفي بعض الحديث أن نبي الله ^ انصرف إلى بدنة فنحرها، ثم حلق رأسه حين ~~نحر، وقال: «هذا المنحر وكل منى منحر»، فالنحر قبل الحلق لهذا الحديث. # ثم امض لزيارة البيت، قال الله تعالى: {ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم ~~وليطوفوا بالبيت العتيق}. فإذا أتيت البيت للزيارة فقل: "اللهم قد أعنتني ~~على نسكي فتقبله مني وسلمه لي". وقل: "اللهم إني أسألك مسألة العبد الذليل ~~المعترف بذنبه أن تغفر لي ذنبي، وتحسن جائزتي، وتردني مفلحا منجحا، قد قضيت ~~حاجتي، وأعطيتني سؤلي، وقني سخطك بقية عمري حتى ألقاك على ما تحب وترضى". PageV02P210 # فإذا أتيت البيت للزيارة فقل كما قلت في العمرة، وافعل كما تفعل /435/ في ~~عمرتك مما وصفت لك من الدخول، فالقول عند دخول المسجد والدعاء والطواف ~~والتكبير والتسبيح والدعاء عند الأركان وبين الصفا والمروة، وغير ذلك تفعل ~~كما فعلت في عمرتك. # فإذا فرغت من الزيارة رجعت إلى منى فأقمت بها أيام التشريق ترمي الجمار. ~~وقد قيل: إن الرسول ^ رجع إلى منى وأقام بها أيام التشريق لرمي الجمار حتى ~~تزول ms461 الشمس. كل جمرة سبع حصيات، وتكبر مع كل حصاة تكبيرة، تقف عند الأولى ~~وعند الوسطى ببطن الوادي فتطيل القيام، وينصرف إذا رمى الكبرى، ولا يقف ~~عندها، فيجب الاقتداء برسول الله ^. # وترمي الجمار ثلاثة أيام التشريق، كل جمرة سبع حصيات، وتكبر عند كل حصاة ~~تكبيرة، تبدأ بالأولى التي تلي السوق فترميها من بطن الوادي عن يساره بسبع ~~حصيات، ثم يجاوزها وجهك إلى الكعبة فتدعو بمثل ما دعوت به على الصفا ~~والمروة، واحفظ. # ثم تأتي الجمرة الوسطى فترميها من بطن الوادي وتدعو مثل الأولى عن يمينك، ~~وتقف طويلا وتدعو، وتثني على الله، وتصلي على محمد ^، وتدعو لنفسك ~~وللمؤمنين والمؤمنات، ثم تقدم إلى جمرة العقبة وترميها من بطن الوادي، ولا ~~تقف عندها، فتصنع ذلك أيام التشريق في يومين أو ثلاث، قال الله تعالى: {فمن ~~تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى}. فمن لم ينفر ~~في اليوم الثالث حتى تغرب الشمس لزمه أن يقعد إلى اليوم الرابع، ويرمي حين ~~تزول الشمس. PageV02P211 # فإذا رميت ونفرت منصرفا إلى مكة فاذكر الله |تعالى|، قال الله تعالى: ~~{فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا}، واقعد في ~~مكة ما بدا لك، وأكثر من الطواف بالبيت، وافعل كما وصفت لك في العمرة، ~~وكذلك في الحج والزيارة، وغير ذلك من الدعاء والتكبير والتسبيح، قال رسول ~~الله ^ في أيام منى: «فإنها أيام أكل وشرب ولا صوم بها». # ومن نحر قبل أن يرمي جمرة العقبة فإنه يرمي ولا كفارة عليه، إنما عليه ~~الرمي في يومه، وقد وجدت أن رجلا أتى رسول الله ^ وقال: يا رسول الله، نحرت ~~قبل أن أرمي، فقال: «لا بأس عليك في ذلك»، ولم يوجب جزاء. # وأما من /436/ حلق قبل أن ينحر فإنه يعيد ذبيحته. # فإذا أردت الخروج إلى أهلك وبلدك فلا تخرج حتى يكون آخر عهدك بالبيت، ~~وتطوف أسبوعا، وتصلي ركعتين خلف المقام، ثم تدنو من البيت فتدعو الله بعد ~~الطواف بالبيت، ثم تصلي ركعتين وتقول: "اللهم كما قضيت عني ms462 نسكي وقويت ضعفي ~~فأتمم لي قضاء حاجتي، وأنجز جائزتي، وأعطني كما أعطيت أولياءك". PageV02P212 # وطف بالبيت أسبوعا للوداع، ثم تصلي ركعتين، ثم ائت زمزم فاشرب من مائها، ~~ثم ائت الملتزم فالتزمه، وادع بما قدرت عليه من الدعاء، بعد أن تحمد الله ~~وتصلي على النبي محمد ^، ثم تقول: "اللهم لا تجعل هذا آخر العهد مني ببيتك ~~الحرام، اللهم أتمم لي أجري، وانظر إلي نظرة تنفعني بها في الدنيا والآخرة، ~~فإني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على دابتك، وسيرتني في بلادك حتى ~~أدخلتني حرمك وأمنك، فهذا بيتك.. اللهم قد رجوت بحسن ظني أن تكون قد غفرت ~~لي ذنوبي، فإن كنت قد غفرت لي فازدد عني رضا، وقربني إليك زلفى، وإن كنت لم ~~تغفر لي فامنن الآن علي قبل أن أبتعد عن بيتك، فهذا أوان انصرافي، غير راغب ~~عنك ولا عن بيتك، ولا مستبدل بك ولا ببيتك. اللهم احفظني عن يميني وعن ~~شمالي، ومن ورائي ومن أمامي، ومن فوق رأسي ومن تحت قدمي، فإذا أقدمتني يا ~~رب إلى أهلي فاكفني مؤنتي ومؤنة أهلي وعيالي، فإنك أولى بذلك من خلقك مني". # وتقول: "اللهم اقلبنا منقلب المدركين رجاءهم، المحطوطة سيئاتهم، والمطهرة ~~قلوبهم، منقلب من لا يعصي لك أمرا، ولا يحمل لك وزرا، منقلب من عمرت بذكرك ~~لسانه، وزكيت بزكاتك نفسه، وأدمعت من مخافتك عينه.. اللهم اغفر لنا وارحمنا ~~وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. اللهم لا تجعل هذا ~~آخر العهد مني ببيتك الحرام، واعف عني واغفر لي وارحمني، أنت مولاي، فنعم ~~المولى ونعم النصير، دائنون حامدون عابدون وإلى ربنا راغبون، وإلى ربنا ~~منقلبون، والحمد لله رب العالمين". PageV02P213 # ولا تبع ولا تشتر بعد الوداع، ولا تعرج، وامض وأنت محزون على فراق البيت، ~~فإذا ركبت راحلتك قلت كما وصفت لك -في صدر الكلام- من التحميد والثناء على ~~الله، وتقول: "اللهم ||إني|| أعوذ بك من وعث السفر، /437/ وكآبة المنقلب، ~~وسوء المنظر في المال والأهل والولد". # الحمد لله رب العالمين، هذه الدلالة في الحج إن شاء ms463 الله، والحمد لله على ~~كل حال، بالغدو والآصال. ||وتتبع وراء ذلك بما وفق الله من المسائل مما ~~يلزم إن شاء الله||. # 85 - باب: # مسألة: في مناسك الحج # قال الله تعالى: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت}، وهي: أساس البيت ~~وبناؤه. وقوله: {وأرنا مناسكنا}، وقوله: {ربنا تقبل منا} تقبل حجنا. # وقد قيل: لما بنى إبراهيم البيت أمره الله أن يؤذن في الناس بالحج، وقال: ~~{وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق}، ~~{رجالا}: مشاة، {وعلى كل ضامر}: ركبانا من مكان بعيد. # فصعد إبراهيم على جبل أبي قبيس كما قيل، ونادى: "إن الله يأمركم أن تحجوا ~~بيته"، فسمع نداء إبراهيم كل مؤمن فأجابوه بالتلبية لله من نداء إبراهيم ~~خليل الرحمن، وقيل: إن جبرائيل دل إبراهيم على الحجر الأسود فاستخرجه من ~~جبل أبي قبيس وجعله علما لأهل الطواف. # وفي الحديث: «أنه يشهد لأهله بالوفاء ولمن يستلمه مخلصا». عن ابن عباس ~~أنه قال: «الجنة لكل تائب، والمغفرة لكل واقف بعرفة من المسلمين»، كذلك روي ~~عن النبي ^. PageV02P214 # وعن ابن عباس عن النبي ^ أنه قال: «مكة حرام حرمها الله إلى يوم القيامة، ~~وإنما أحلت لي ساعة |من نهار، و لم تحل لأحد قبلى ، ولا تحل لأحد بعدي، لا ~~يختلى خلاؤها، ولا يعضد عضاؤها، ولا يخضد شوكها، ولا ينفر صيدها، ولا تحل ~~لقطتها إلا لمن ينشدها». # فأما قوله: {وأرنا مناسكنا} علمنا مناسكنا. قيل: إن جبرائيل انطلق ~~بإبراهيم إلى عرفات يوم عرفة عرفه بها، ورده إلى منى فتصدى له إبليس -عليه ~~لعنة الله- عند موضع الجمار، فأمر جبرائيل إبراهيم # أن يرميه بسبع حصيات، ~~ويكبر مع كل حصاة تكبيرة، فجاء بدو رمي الجمار من ذلك. # 86- باب: # مسألة: فيمن يجب عليه الحج # - وسأل عمن يجب عليه الحج؟ # قيل له: الحج يجب على من يجد بلاغا إلى ذلك، ووجد سبيلا، وقد قال الله ~~تعالى: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا}. ففرض حج البيت على ~~من استطاع إليه سبيلا، وقال: {ومن كفر فإن الله ms464 غني عن العالمين}، يقول: من ~~قدر على الحج فلم يحج فقد كفر، والله غني عن عمله وعن العالمين. /438/ # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «من وجد سبيلا إلى الحج فلم يحج فإن شاء ~~فليمت يهوديا أو نصرانيا، أو يمت موتة جاهلية». يقول: قد وجبت له النار كما ~~وجبت لليهود والنصارى والكفار، والله أعلم. # وقد قيل للنبي ^: ما الاستطاعة؟ قال: «زاد وراحلة». # وقد اختلف الناس في الاستطاعة؛ فقال قوم: من وجد زادا وراحلة من فضلة ~~المال وجب عليه الحج، ولا يبيع الأصل. # وقال آخرون: يبيع من الأصل إذا ترك من المال ما يكفي عياله إلى أن يحج. # وقال آخرون: الاستطاعة مال واحتيال. # وقال قوم: صحة البدن، وذلك مع الوجد، والله أعلم. PageV02P215 # ونحن نقول بالسنة: إنه إذا قدر على زاد وراحلة وجب ولزمه الحج. # وقد روي عن فضل الحج ما فيه كفاية. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «من حج من مكة ماشيا إلى أن يرجع إليها كان ~~له من الأجر بكل خطوة مائة حسنة من حسنات الحرم»، وقيل: إنه قال: «من وقف ~~في هذا الموقف -يعني عرفات- [...]». # ... لم يعرض للعبيد والصبيان فلا حج عليهم. # وإن حج الصبي فجائز. وقد روي أن امرأة رفعت إلى النبي ^ صبيا فقالت: يا ~~رسول الله، ألهذا حج؟ قال: «نعم، ولك أجر»، أو قال: «فضل». # فجائز أن يحج الصبي. واختلف في ذلك إذا بلغ أتلزمه حجة الإسلام إذا كان ~~حج وهو صبي؟ # فقال قوم: قد أجزأ عنه. وقال آخرون: لا يجزئه ويحج إذا بلغ. # فأما إن أحرم بالحج وبلغ قبل وقوفه بعرفات وأدرك الوقوف وقد بلغ؛ أجزأ ~~عنه حجة الإسلام. # وكذلك العبد إذا حج برأي مولاه ثم أعتق قبل الوقوف أو يوم عرفة، وأدرك ~~الوقوف وهو حر أجزأ عنه حجة الإسلام. # فأما إن حج بلا رأي مولاه ثم عتق من بعد؛ فقال قوم: يجزئه. وقال قوم: لا يجزئه. # وعن جابر قال: "خرجنا مع النبي ^ مهلين بالحج ومعنا الصبيان والنساء، ~~وأهللنا عنهم ولبينا عنهم، حتى قدمنا مكة، فطفنا بالبيت ms465 وسعينا بالصفا ~~والمروة، وطفنا للصبيان والنساء وسعينا لهم"، فهذا يدل على أن الحج للصبي ~~جائز، وله الأجر كما أن له الصلاة والصوم إذا قدر. # ومن وجد الحج ولم يحج فهو دين عليه في حياته، فإن لم يحج /439/ حتى حضرته ~~الوفاة فليوص به أن يحج عنه، وإن لم يوص به ومات على ذلك غير تائب مات، كما ~~قال الله تعالى: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين}، وقال النبي ^: «فليمت ~~موتة جاهلية». PageV02P216 # وقد شدد الفقهاء في الذي يلزمه الحج فلا يحج ولا يدين به؛ فمنهم: من لم ~~ير الوصية تنفعه. # واختلف الناس في معنى وجوب ذلك؛ فقال قوم: موسع له إلى الموت. وقال ~~آخرون: غير موسع له. # ومن حج عن ميت بعدما حج عن نفسه جاز. # وإن حج عن ميت قبل نفسه فقد وقع الاختلاف؛ وعن عمر: أنه جائز أن يحج عن ~~الميت وإن لم يكن حج عن نفسه من الضرورة على وجه الأجرة. # وقد روي عن النبي ^ أنه سمع رجلا يلبي عن آخر فقال له: «إن كنت قد حججت ~~عن نفسك، وإلا فحج عن نفسك ثم حج عن غيرك». # فقال قوم: لهذا الحديث لا يجوز أن يحج [عن غيره] إلا أن يحج عن نفسه أولا ~~ثم عن غيره. # ومن حج عن ميت بعدما حج عن نفسه فهو مأجور. وقد روي عن ابن عباس عن النبي ~~^: «إن الله يدخل الجنة بالحجة الواحدة؛ الحاج والمحجوج عنه، والمنفذ لذلك ~~عن الميت»، إذا كانوا مسلمين إذا أوصى الميت. # والناس مختلفون في معنى ذلك أيضا: قال قوم: كما جاء الحديث عن النبي ^. ~~وقال آخرون: الحجة للحاج، وللموصى عوض الدراهم. وقال آخرون: للموصي الحجة، ~~وللحاج الأجرة التي أخذ بعنائه. ولعل حديث النبي ^ يتوجه إلى من حج متطوعا ~~عن غيره، ولكن الأصل أنه قال: «والمنفذ لذلك». وذلك الإنفاذ لا يكون إلا ~~مالا أوصى به الميت، وهو القول: إنه يدخلهم الجنة إذا كانوا مسلمين أحب إلي ~~ولو حج بأجرة. # ومن لزمه الحج ولم يحج حتى تلف المال فهو ms466 مفرط، وعليه الحج ويجتهد في أدائه. # ومن لزمه الحج ثم أدركه الموت وهو في الطريق قبل أن يحج فيوصي بتمام ~~الحج؛ لأن ذلك قد لزمه. # وإن كان حينما وقع في يده خرج ولم يفرط ومات في الطريق فأرجو ألا يلزمه، ~~وإن أوصى بتمامه فهو أفضل. PageV02P217 # وإن كان في يده ما يكفيه للحج وهو محتاج إلى التزويج، فإن كان في أشهر ~~الحج فأحب أن يحج؛ لأنه صار في يده شيء لزمه فيه الحج، وقد قال الله: {ومن ~~كفر فإن الله غني عن العالمين}، وإذا وقع في يده قبل أشهر الحج /440/ ~~فليتزوج؛ لأنه لم يلزمه ذلك حتى يكون في يده في أشهر الحج ما يحج. وإن خاف ~~العنت فأحب أن يتزوج بأقل الصداق الذي قالوا: يجوز به النكاح ويحج. # ومن أوصى بحجج كثيرة ففي كل سنة حجة أفضل. وإن دفعها في سنة فعسى أن يجوز. # ومن كان مريضا لا يستطيع الحج أنه يوصي، فإن مات حج عنه، وإن صح حج عن ~~نفسه، إلا أن يكون مرضا لا يبرأ منه، أو كبيرا لا يقدر أن يحج ولا يستمسك ~~على الراحلة؛ فإنه يعطي من يحج عنه، كما روي عن الخثعمية أنها قالت للنبي ~~^: يا رسول الله، إن أبي شيخ كبير، وقد أدركته فريضة الحج، ولا يستمسك على ~~الراحلة، فهل يقضى عنه، فقال لها رسول الله ^: «نعم». وفي حديث آخر: قال: ~~«أرأيت لو كان على أبيك دين أكنت قاضية عنه؟» قالت: نعم، قال: «فدين الله ~~أحق أن يقضى». وفي بعض الحديث، قال: «فحج عنه». # وقد روي ذلك أيضا عن رجل عقيلي أنه قال لرسول الله ^: يا رسول الله، إن ~~أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج، فقال له رسول الله ^: «حج عن أبيك [واعتمر]». ~~ففي هذا الحديث [دلالة] على أن الحج على من لا يطيق الحج من الكبر والمرض. # والحج عن الميت جائز بالسنة، وقول المسلمين لرسول الله ^: أنحج عن ~~أبوينا؟ قال: «نعم، حجوا عنهما». # ومن حج عن حميمه، فإذا أحرم فليقل: لبيك عن فلان مرة ms467 واحدة فإنها تجزئه. ~~وفي سائر المواقيت يقول: اللهم تقبل من فلان إذا علمت أنه من الصالحين. PageV02P218 # ومن خرج بحجة عن غيره فمرض، فإن كان شرط عليه أن يحج من عامه؛ فعلى قول: ~~يعطي الحجة من يحج عنه. وإن لم يكن شرط، فإن أراد أن يحبسها حتى يصح ويحج ~~من بعد من قابل. # وقد اختلف الناس فيمن يحج عمن لا يتولاه؛ فأجاز قوم. ولم يجز آخرون. ~~فالذي أجاز قال: لا يدعو له. وأما الولي فلا اختلاف في جواز الحجة عنه. # وقد اختلفوا في أمر الحجة؛ فقال قوم: إن أخذها بالأجرة إلى مدة فأراد ~~الحجة أجزأ، ووجب له الأجر. وإن لم يؤد له فلا أجرة له إلا بتمام ذلك. وإن ~~لم يحج وأراد الوصي أن يأخذ الحجة فله ذلك. # فأما من أخذ الحجة بضمان فقد لزمه في نفسه وماله، وإن أدركه الموت أوصى ~~بها، وهي عليه في المحيا والممات. وإن أخذها بأنه محتسب أمين فذلك جائز، ~~وعليه رد ما فضل من الدراهم. # وقد اختلفوا /441/ فيمن يعطى الحجة؛ فقال قوم: لا تعطى إلا الثقة الأمين ~~المصدق، أو عدل مصدق؛ إذ لا يجوز أن يؤتمن على الأمانة غير الأمين، وإذا ~~بلغ ورجع وقال: قد حججت قبل منه وصدق وأعطي الأجرة. وأجاز قوم غير ذلك، ~~وقال: يشهد عند الإحرام والوقوف والزيارة. # ولا أحب أن تحج المرأة عن الرجل، وجائز أن تحج المرأة عن المرأة. # والمحرم إذا مات أتم عنه ما بقي من مناسك الحج، وقضي عنه من حيث مات. # وقد قيل: إن حجة كفارة المشي لمن حج بها تجزئ عن الحجة الواجبة، لأنه ~~إنما حلف بالمشي. # وأما حجة الحنث التي ليس فيها مشي؛ فالحجة عن المخروج عنه. # وفيمن خرج حاجا فلما كان في بعض الطريق هلك فإنه لا يلزمه. # فإن دخل في حدود الحج ولم يوص أنه يتم عنه حجه؛ لأنه قد دخل فيه ولزمه تمامه. PageV02P219 # ومن أوصى بحجة فليخرج بها من بلده الذي مات فيه. أو الذي أوصى يحج بها ~~عنه. فإن أعطى أو ms468 خرج من بلد أقرب من ذلك فإنه يعطي مثل كراء رجل من الموضع ~~الذي مات فيه الموصي، أو حيث أوصى أن يخرج بها. # وإن كان في بلده، فمن بلده ينظر بقدر كرائه ومؤنته إلى ذلك الموضع الذي ~~خرج منه، ويجعل الكراء في دم إن بلغ دما، فإن كان أقل فرقه على الفقراء ~~فيكون ذلك جميعا بمكة، ويتم الحج. # كذلك إن لزمه أداء الحج من بلده فخرج من موضع أقرب، فعليه بقدر الكراء ~~والمؤنة ينفذه في سبيل الحج، إما دم، أو يعطيه فقيرا حاجا قد نقصت عليه ~~حجته، ولا يعطي حاجا بأجرة ولا الفقراء بمكة. # وأما إذا أعطى الوصي بغير أمر القاضي، ثم تبين عليه دين يحيط بماله، فإن ~~احتج على الحاج من قبل أن يدخل في التلبية؛ فإنه يرجع ويأخذ ما فضل في يده ~~من النفقة، وإذا خرج بأمر القاضي والوصي ثم وجد على الرجل دينا كثيرا لم ~~يوجد له شيء فلا ضمان عليه ولا على الموصي، وليس للغرماء إلا ما فضل. # وإن جنى الصبي المحرم فعلى من أخرجه كفارة. # وإن أسلم الذمي يوم عرفة ووقف بعد أن أحرم فقد أجزأه عن حجة الإسلام. # 87- باب: # مسألة: في الإحرام و المواقيت والعمرة # - وسأل عن الحجة والعمرة، أهما فريضتان؟ # قيل له: نعم. فأما الحج ففريضة، واختلف في العمرة؛ فقال قوم: فريضة. وقال ~~قوم: سنة وليست بفريضة، والله تعالى قد قال: {ولله على الناس حج البيت من ~~استطاع إليه سبيلا}، ثم قال: {وأتموا الحج والعمرة لله}، فأوجب /442/ ~~إتمامها خالصة لله، فلا يخلط فيها ما لا ينبغي، ولا يستحل فيهما شيئا فهما ~~مقرونتان، وإتمامها واجب، والإخلاص لله فيهما لازم. PageV02P220 # وقد قال الله: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان}: عبادة الأصنام، وقال: ~~{واجتنبوا قول الزور} يعني: الكذب، {حنفاء لله غير مشركين به} من العبادة ~~والتوحيد. # 88 - باب: # مسألة: في المواقيت والتلبية # - وسأل عن المواقيت؟ # قيل: المواقيت لا يجاوزها إلا محرم بحج أو عمرة؟ # وقد بلغنا أن النبي ^ «وقت لأهل المدينة [ذا] الحليفة، ولأهل الشام ~~الجحفة، ولأهل الطائف، ms469 و|لأهل| نجد قرنا، ولأهل اليمن يلملم»، ووقت عمر ~~لأهل العراق ذات عرق. # وقيل: إنه ليس يجاوز أحد هذه المواقيت إلا محرم بالحج، ويبدأ بالعمرة إذا ~~كان في أشهر الحج. وإن كان إنما أراد جدة فليقم بها ما بدا له ثم يكون ~~إحرامه منها. وإن أحرم من الميقات ثم بدا له أن يقيم بجدة أياما فلا بأس. # وعن ابن عباس قال: كان تلبية النبي ^ في الحج: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا ~~شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك لبيك». # وكانت التلبية عن النبي ^ في الإحرام للعمرة، والقارن أيضا. # فمن أراد العمرة قال في آخر كلامه: "||لبيك|| بعمرة تمامها وبلاغها ~~عليك"، وإن أراد الحج قال: "لبيك بحجة تمامها وبلاغها عليك"، وإن قرن قال: ~~"لبيك بعمرة وحجة تمامها وبلاغها عليك". وإن حج لغيره قال: "لبيك عن فلان ~~بحجة وعمرة تمامها وبلاغها عليك". # والرواية ||أنه|| قال: «قرن النبي ^ بالحج والعمرة جميعا، وسعى بين الصفا ~~والمروة أسبوعا واحدا للحج والعمرة، ولم يحلق رأسه ولم يقصر، وأقام على ~~إحرامه ^ حتى نحر الهدي وأحل يوم النحر»، وهكذا يفعل القارن. # وليس المتعة إلا في شوال وذي القعدة وعشر من ذي الحجة، فأما غير أشهر ~~الحج فهي تامة، وأما في أشهر الحج فهي متعة، كذلك جاءت السنة. PageV02P221 # وأن رسول الله ^ أمر أصحابه وقد أحرموا بالحج في ذي القعدة ثم خرجوا معه ~~في حجة الوداع، وأمرهم أن يجعلوها عمرة، فجعلوها عمرة، وأحلوا وتمتعوا، ~~وأمر من كان معه شيء أن يهدي، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام بالحج وسبعة إذا ~~رجع، قال الله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي فمن ~~لم يجد فصيام ثلاثة /443/ أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك ~~لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام}. # وقد قيل: «إنه أقام على إحرامه»، وإن عليا لما قدم من اليمن وقد أحرم على ~~ما أحرم عليه النبي ^ أجاز له وأشركهم في هديه. # فمن أحرم على ما أحرم عليه أصحابه ms470 فجائز له ذلك بالسنة، وقد قال الله ~~تعالى: {الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في ~~الحج}، وأشهر الحج: شوال وذو العقدة وعشر من ذي الحجة، فمن أحرم فيهن بالحج ~~فليجعلها عمرة ثم يحرم بالحج في أيام الحج. قوله: {فمن فرض فيهن الحج} ~~يعني: من أحرم فيهن بالحج أو بالعمرة. # فإذا أراد أن يحرم وبلغ المواقيت التي يحرم فيها فليغسل ثم يلبس ثيابه ~~ويلبي على دبر صلاة مكتوبة أو تطوع، وحين تستوي به راحلته نحو القبلة. # فإذا أحرم {فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج} يعني: جماع في الحج. فمن ~~جامع في الحج فقد أبطل حجه، وعليه الهدي والحج من قابل. PageV02P222 # ثم قال: {ولا فسوق} يعني: ولا معصية لله، {ولا جدال في الحج} يعني: لا ~~مراء ولا خصام حتى تغضب صاحبك، ومن فعل ذلك فقد وجدنا أنه يطعم مسكينا. ~~وقال الله: {وما تفعلوا من خير يعلمه الله} يعني: من ترك ما نهى الله عنه ~~من الرفث والفسوق والجدال في الحج، وقتل الصيد وغيره يعلمه الله. # ثم قال: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب}، يعني: ~~التقوى خير زاد. وبعض: كره الشراء والبيع حتى يقضي نسكه. وبعض: أرجو أنه قد ~~أجاز له؛ لقوله تعالى: {لا تحلوا شعآئر الله [ولا الشهر الحرام] ولا الهدي ~~ولا القلآئد ولا آمين البيت الحرام}، يقول: لا تستحلوا قتل الصيد في ~~الإحرام، ومن قتله فعليه جزاء ما قتل من النعم. # ولا يحل للمحرم أن يقطع شجر الحرم، أو يطيب بورس أو زعفران، أو يلبس ثوبا ~~فيه ريح طيب، ولا يمس طيبا أو ينتف شعرا. فمن نتف ثلاث شعرات فصاعدا أو حلق ~~رأسه فعليه بدلهن صيام أو صدقة أو نسك شاة ينحرها في المساكين فيتصدق ~~بلحمها وجلدها. # ومن أحرم بثوب أجزأه. وإن انكسر ظفره قطعه. وإن أصابه شق دهنه بما لا طيب ~~فيه. ويكحل /444/ عينه إذا اشتكاها بما لا طيب فيه بصير، أو انزورت، ويداوي ~~جرحه بما لا طيب ms471 فيه، ويعصر قرحته حتى تخرج مدتها. # وجائز يلبس الثوب المغسول من الورس والزعفران إذا ذهب عرفه، والثوب ~~الملون غير المشبع. ويحتجم، فقد روي أن النبي ^ «احتجم وهو محرم»، ويضع ~~خاتمه في يده، وبعض رأى في الخاتم دما. ولا يلبس الثوب إلا أن يخاف. # وقد قال بعض: الأدهان الفارسية ليست بطيب، والريحان ليس بطيب، والورد ~~والياسمين طيب كهيئة الأفواه. # ولا بأس أن ينظر المحرم في المرآة إلا لزينة. PageV02P223 # وللمحرم أن يعقد ثوبه، ويعقد خيطا على هيميانه في حقويه فلا بأس، فأما هو ~~فلا يعقد على نفسه عقدا. # وإن أصاب المحرم كسر جبره، وإن آذاه ضرسه قلعه، وإن أهريق عليه طيب طرح ~~تلك الثياب التي فيها الطيب، وإن أصاب بدنه غسله. وإن وجد ريحا طيبا فلم ~~يستنشقه فلا بأس، وإن تعمد فعليه دم، وقد روي «أن رسول الله ^ رأى رجلا ~~محرما عليه قميص ملتخ بالزعفران فأمره أن يطرحه من عليه». # فأما إن أكل المحرم طعاما فيه عرف طيب فلا بأس. # وإن أصابته جنابة غسل منها، وإن أبطأ عن الغسل فلا بأس. # ومن دخل مكة من غير المواقيت بغير إحرام فلا بأس، وأما من وراء المواقيت ~~فلا يدخل إلا بإحرام. # ومن دخل من دون المواقيت يريد حجا أو عمرة فلا يدخل إلا بإحرام. ومن دخل ~~من الميقات فعليه أن يحرم، فإن لم يفعل فعليه أن يرجع يحرم منه، وإن لم ~~يحرم من الميقات فعليه دم. # وإحرام الرجل في رأسه، وإن غطاه يوما وليلة خطأ أو عمدا فعليه دم، وإن ~~قنعه ساعة كشف القناع ولبى. وقال بعضهم: إذا قنعه ساعة خطأ كشف القناع، وإن ~~قنعه عمدا فعليه دم قل أو كثر. وبعض قال: إن قنعه ساعة عمدا أطعم مسكينا ~~وكشف القناع. # ومن أحرم ولم يلب حتى جاوز ميقاته فإنه يرجع يلبي من ميقاته، ومن غطى ~~رأسه مرارا فعليه كفارة واحدة ما لم يكفر، ومن نزع من رأسه شعرة فليطعم ~~مسكينا، وللشعرتين مسكينين، وفي الثلاث شعرات إلى ما أكثر دم، ومن نزع شعرا ~~ميتا فلا ms472 بأس. # والمرأة المحرمة تسمع نفسها التلبية، /445/ وليس عليها أن ترفع صوتها؛ ~~لأنها مستورة. وتلبس الدرع والسراويل والخمار والمقنعة والخفين. # والحائض إذا بلغت الميقات أحرمت، وإحرام المرأة في وجهها، وإحرام الرجل ~~في رأسه. وفي الحديث عن النبي ^ «أمر الحائض أن تعمل أعمال الحج كلها إلا ~~الطواف بالبيت فحتى تطهر». PageV02P224 # وإن غطى الرجل رأسه خطأ فأرجو ألا كفارة عليه. # قد قيل: للمرأة المحرمة أن ترخي ثوبها من رأسها أمام وجهها فترفعه بيدها ~~حتى لا يصيب وجهها، وقد روي عن عائشة أنها قالت: "كان يمر بنا الراكب ونحن ~~محرمات فتسبل إحدانا الثوب على وجهها من غير أن يمس الثوب وجهها". # ولا تلبس المحرمة الخز ولا القز ولا الإبريسم والذهب والفضة، ولا الحزاق ~~والنقاب والبرقع والثوب المصبوغ بالورس والزعفران ولا مشبع الشوران، إلا ما ~~غسل وذهب عرفه، ولا الحلي ولا الحرير. # وإن حك المحرم جسده حتى أدماه فعليه دم، كان متعمدا أو ناسيا. وقد قيل: ~~في الدم دم. وفي القول الآخر: لا شيء في الدم ما لم يقطع الشعر، ألا ترى أن ~~رسول الله ^ «احتجم ولم يقطع الشعر»، فلم يلزمه في ذلك جزاء. ومن قطع لحما ~~لزمه دم. # ومن مات حاجا وقد دخل فيه أتم عنه. ومن مات وقد وقف بعرفات فقد أدرك وقضي ~~ما بقي عنه من نسكه في الفريضة والتطوع. # ومن حلف بثلاثين حجة إلى بيت الله أو ثلاثين مرة ماشيا، فيحج ماشيا أو ~~يركب ويحج آخر معه، وبذلك جاءت السنة أنه يحج عن يمين المشي براكبين، أو ~~يحج مرتين على قول بعض إذا ركب. # والذي يحج مع صاحب يمين المشي قالوا: يجزئه عن حجة الفريضة؛ لأن الحج له. ~~وقد قيل: في كفارة ذلك إذا لم يقدر أن يحج فإنه يصوم لكل حجة شهرين، وبعض: ~~لا يرى عليه إلا ما حلف به. # وقد قيل: من خرج حاجا عن رجل فله أن يبيع ويشتري للتجارة من مكة. وليس له ~~أن يخرج من وراء الميقات. ومن خرج وهو محرم فعليه بدنة والقصاص. ومن خرج ms473 ~~عبده فعليه دم. # وإن غطى رجل رأس رجل فليس على المغطى شيء؛ لأنه ليس من فعله. # والمحرم يأكل من الميتة ولا يأكل من الصيد. # والحائض والجنب إذا لم يجدا ماء تيمما وأحرما، ومن قعد بمكة أياما ولم ~~يركع ولم يسع فقد أخطأ ولا كفارة عليه. PageV02P225 # ومن مس فرج /446/ امرأة أو نظر إليه وهو محرم ولم ينزل؛ فقد أساء ولا ~~كفارة عليه. ومن خاف على نفسه البرد غطى رأسه وعليه دم. # ومن لبس سراويلا أو قميصا أو خفا، أو عقد على نفسه خيطا وهو محرم فعليه ~~دم، لكل فعل من ذلك دم. والمرأة إذا لبست القز والحرير والحلي فعليها دم. # ومن قلد لم يلزمه الإحرام حتى يحرم هو. وإذا لبس المحرم القميص شقه ~~وأخرجه من أسفل. وقد وجدت في بعض الآثار: أن النبي ^ فعل ذلك حتى سعى، ~~والله أعلم بذلك. # - باب: # مسألة: في الطواف والعمرة # - وسأل عن الطواف بالبيت، أهو واجب؟ # قيل له: نعم. قال الله |تعالى|: {وأتموا الحج والعمرة لله}. فإذا كانت ~~العمرة في غير أشهر الحج فهي تامة، وإذا كانت في أشهر الحج فهي متعة. # فمن أفرد بعمرة وخاف أن تفوته عرفة فإنه يهل بالحج ويقضي حجة، ثم يطوف من ~~بعد طوافا واحدا وسعيا واحدا لحجته وعمرته، كذلك بلغنا أن النبي ^ قال ~~لعائشة حين نفست: «إن طوافا واحدا يجزئك لحجتك وعمرتك»، وكذلك الحائض إذا ~~طهرت على ما أمر النبي ^ عائشة. وقد قيل: طوافين وسعيين. # ومن جاء من خلف عرفة من الحل وخاف أن يفوته الموقف فإنه يحرم من حيث جاء، ~~فإذا أدرك الموقف فقد أدرك ولا يدخل إلا بالإحرام، وليس له متعة. وأهل مكة ~~ومن أقام معهم مثلهم وليس عليهم متعة. PageV02P226 # قال الله تعالى: {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي} شاة، ~~{فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج} قبل يوم النحر، {وسبعة إذا رجعتم}؛ ~~فقال قوم: يصوم في الطريق. وقال آخرون: يصوم في منزله. وقال بعض: إن وصل ~~إلى بلده ووجد هديا أهدى. ثم قال ms474 تعالى: {تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن ~~أهله حاضري المسجد الحرام}، فإنما المتعة لمن لم يكن أهله حاضري المسجد ~~الحرام، فأما أهل مكة فلا متعة عليهم. # ومن اعتمر في غير أشهر الحج فلا دم عليه، ولو قعد بمكة حتى يحج فلا دم ~~عليه. وإن اعتمر في غير أشهر الحج ثم خرج إلى أهله ورجع في سنته فحج فلا دم ~~عليه، وإنما الدم على المتمتع الذي اعتمر في أشهر الحج ثم أقام حتى يحج. # ومن أفرد بالحج فلا ذبح عليه. # ومن دخل مكة مهلا بالحج فإنه يهل من مكانه بعمرة، وعليه الحج من قابل ودم*/. # ومن أحرم بعمرة فأراد /447/ أن يجعل ذلك حجة ويحرم بالحج فليس له أن يفعل ~~ذلك حتى يتم العمرة، إلا من خاف الفوت أحرم بالحج ووقف ثم أتم الحج والعمرة ~~جميعا. وقال قوم: طواف واحد وسعي يجزئه. وقال آخرون: طوافان وسعيان لحجه ~~وعمرته. # ومن دخل بعمرة فلم يفرغ منها أو لم يركع ولم يتم السعي حتى دخل شوال فإنه متمتع. # ومن اعتمر في أشهر الحج فليس له أن يخرج حتى يتم. # ومن اعتمر في أشهر الحج فليس له أن يعتمر عمرة أخرى حتى يقضي الحج. وقيل: ~~ليس له في كل سنة إلا عمرة واحدة، وأرجو أن ذلك عن النبي ^. # - باب: # مسألة: في الطواف # - وسأل عمن زاد في طواف العمرة قبل أن يسعى؟ # قيل له: قد أخطأ. وكذلك إن رجع طاف بالبيت بعد أن طاف وأحرم بالحج فقد أخطأ. PageV02P227 # ومن طاف تطوعا بعد طواف الزيارة فقد أخطأ ولا شيء عليه. # قال الله تعالى: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا}، يثوبون إليه في كل ~~عام، فلا يقضون منه وطرا، {وأمنا} يعني: لمن دخله في الجاهلية وعاذ به، فمن ~~أصاب اليوم ذنبا يجب فيه الحد ثم لجأ إلى الحرم أمن فيه، ولكن يقدم على أهل ~~مكة ألا يؤووه ولا يطعموه ولا يبايعوه، فإذا خرج من أرض الحرم أقيم عليه حد ~~ما أحل بنفسه. # وقال النبي ^: «مكة حرام حرمها الله ms475 إلى يوم القيامة لم تحل لأحد من قبلي ~~، وإنما حلت لي ساعة من نهار يوم فتح مكة ثم حرمت». قال الله تعالى: ~~{واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى} يعني: صلوا عند مقام إبراهيم. # فإذا قدم الحاج البيت بدأ بالحجر الأسود فاستلمه بيده اليمين وكبر ثلاثا ~~ثم طاف عن يمينه أسبوعا. وإن استطاع أن يمسح الحجر في كل تطويفة فعل، وإلا ~~كبر حياله فختم به طوافه في السابع. وأكثر من ذكر الله في الطواف والتسبيح ~~والتهليل، وإنما جعل الطواف بالبيت لإقامة ذكر الله، فمن طاف بالبيت فقد ~~اقتدى بالملائكة الذين هم من حول العرش. # فإذا فرغ من الطواف بالبيت فليصل ركعتين خلف مقام إبراهيم، ومن طاف ~~الفريضة ثم سعى ولم يركع لطوافه ورجع إلى منى فإنه يركع بمنى، وليس عليه ~~شيء. ومن طاف بعد العصر فإنه يركع بعد غروب الشمس بعد صلاة المغرب. وقد ~~قيل: قبلها. ومن حضرته الصلاة وقد فرغ من طوافه فإن صلاة الفريضة تجزئه عن ~~ركعتين، والنافلة لا تجزئ طواف ركعتي الفريضة. /448/ # ومن كان له مال ولم يحضره هدي فإنه يقترض ويهدي. وإن تمتع بالعمرة إلى ~~الحج وله مال ولم يجد هديا بعث به من قابل، ومن بعث بهديه فلا يلزمه إحرام ~~إذا لم يحج هو. PageV02P228 # والناس في العمرة مختلفون؛ فقال قوم: واجبة، ومن تركها كفر. ومنهم: من لم ~~يوجبها. # والمنفرد بالحج إذا دخل في ذي القعدة فإنه يطوف بالبيت. وقد قيل: إذا دخل ~~في السعي فلا يهجرن البيت. # ومن كان مقيما بمكة ودخل المسجد فركع ركعتين ثم أحرم قبل أن يطوف فقد ~~أساء، ويمضي إلى منى ولا يطوف بعد الإحرام، ولم نر عليه دما. # وقد قيل: إن من ترك طواف الصدر يوم التروية عليه دم لكفارة ترك طواف ~~الإحرام. # ومن نسي أن يحرم بالحج حتى صار في طريق منى فليصل ركعتين ويحرم، فإن لم ~~تكن صلاة فريضة ولم يصل فليحرم ولا بأس. ومن طاف لذلك بالليل ثم رجع إلى ~~رحله حتى أصبح أحرم وغدا فلا بأس عليه. ومنهم ms476 من قال: عليه أن يعيد الطواف. # ومن استيقن أنه قد طاف سبعة أو ثمانية؛ فعلى قول: لا شيء عليه. ونحن ~~نقول: أن يأتي بها لا زيادة فيه. # ومن خرج من الطواف ثم شك؟ قال: إذا خرج من الطواف على اليقين فلا يرجع ~~إلى الشك. # وأما من استيقن أنه قد طاف ستة، فإذا كان قد خرج من الطواف فإنه يركع ~~ركعتين ثم يرجع يطوف ثمانية ثم يركع، ثم يعود يطوف سبعة طواف الفريضة صحيحا ~~لا زيادة فيه ولا نقصان ثم يركع. # ومن شك في طواف الفريضة وهو فيه فلم يدر كم طاف فيأخذ بالأقل، ويبني على ~~طوافه حتى يتم السبعة ثم يركع، ثم يرجع يطوف سبعة تامة، وقال من قال: يتم ~~أربعة عشر ثم يركع، ثم يبتدئ طوافا تاما. # ومن طاف ستة ثم أدركته الصلاة صلى وبنى على طوافه. ومن حضرته الصلاة بعد ~~أن طاف أجزأته صلاة الفريضة عن [ركعتي] طواف التطوع. وأما طواف الفريضة فلا ~~يجزئه، ويصلي الفريضة إذا حضرت ثم يركع ركعتي الطواف. # ومن انتقض وضوؤه خرج توضأ ثم بنى على طوافه. # وقد أجاز ابن عباس صلاة الفريضة لطواف الفريضة. PageV02P229 # ومن دخل الطواف فيكبر حيال الركن، ثم لم يكبر بعد ذلك حتى فرغ، فليس عليه ~~شيء. ومن لم يكبر حيال الركن حتى دخل الطواف فليرجع يكبر، ثم يستأنف طوافه. ~~ومن طاف وسعى ووطئ قبل أن يركع فإنه يرجع يركع ويسعى وعليه دم. # ومن طاف خلف زمزم أو في ظلة المسجد من غير زحام /449/ فإنه يجزئه، ومن ~~طاف خلف حيطان المسجد فلا يجزئه. # ومن مر في الحجر في طوافه فعليه دم، ويتم ما نقص من طوافه. # ومن أحرم بعمرة ثم أصاب امرأته فعليه دم، ويرجع إلى الحد فيحرم. # وأما في الحج فعليه دم وعليه الحج من قابل. # وكذلك من عبث بذكره حتى أنزل في أشهر الحج؛ فإن كان في غير أشهر الحج رجع ~~إلى حده فأحرم وأهدى. وقال من قال: عليه الحج في الوجهين جميعا من قابل. # ومن دخل مهلا ms477 في أشهر الحج فإنه يجعلها عمرة، وقد قيل: إن النبي ^ أمر ~~أصحابه أن يجعلوها عمرة. # وكذلك إذا دخل في غير أشهر الحج فإنه يجعلها عمرة. # ومن دخل في أشهر الحج بعمرة ثم رجع إلى أهله وبلده ثم رجع وحج في عامه ~~فهو متمتع، وعليه هدي ضحية. # ومن طاف بثوب متزر به فلا يجزئه. # ومن كان قد أحل وجامع فسد حجه. # وإن اشتمل بالثوب الواحد فطاف فذلك جائز. # وقيل: إن الطواف بالبيت صلاة، والكلام بغير ذكر الله مكروه. وقد قيل: إن ~~النبي ^ قال: «الطواف بالبيت صلاة، وقد أحل الله في الطواف المقال»، فعلى ~~هذا لا يضر الكلام. # ومن أجهده العطش شرب في الطواف في ذلك. # ومن طاف وركع وأحرم بالحج يوم التروية ثم رجع إلى بيته فجلس إلى الليل ~~فقد أساء. وقال من قال: [عليه] دم. فأما إن رجع إلى بيته فجلس إلى الليل ثم ~~أحرم وخرج فعلى الاختلاف لا بأس عليه. وإن هو نام في منزله بعد أن طاف ~~فعليه أن يرجع يطوف بالبيت ويركع ويجعله لوداعه، فإن لم يفعل فعليه دم. PageV02P230 # وقد قيل: لا تجوز الصلاة بين البيت والمقام؛ لأن ثم قبور الأنبياء -صلوات ~~الله عليهم-. # ومن سقطه شيء عند الحجر في الطواف وقد توسط فله أن يرجع يأخذه ولا بأس ~~عليه. ويكره أن يقرن في الطواف. # باب: # مسألة: في السعي بين الصفا والمروة # - وسأل عن السعي بين الصفا والمروة، وما هو واجب؟ # قيل له: الطواف سنة واجبة معمول بها. وقد قيل: فريضة أيضا. # وقد قال الله تعالى: {إن الصفا والمروة من شعآئر الله فمن حج البيت أو ~~اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما}. وقد قيل: إن المسلمين قد عملوا بذلك ~~ولم يزالوا على ذلك، وطاف بهم إبراهيم #. # قال: {ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم} يعني: لأعمالكم، /450/ فمن تطوع ~~بعد الفريضة فهو خير له، والله شاكر عليم لعمله. # وقال: {لا تحلوا شعآئر الله} لا تحلوا ترك شيء من المناسك، عن النبي ^ ~~قال: «من طاف سبوعا وصلى ركعتين ms478 فله من الأجر كثير». # وقال: الحاج إذا خرج من الصفا يصعد إليه حيث يرى البيت، ثم يكبر سبع ~~تكبيرات، ويثني على الله، ويصلي على النبي ^، ويستغفر لنفسه وللمؤمنين ~~والمؤمنات، ويسأل الله حاجته لأمر دنياه وآخرته، وينحدر من الصفا إلى ~~المروة، فإذا بلغ المسيل سعى فيه ويقول: "رب اغفر وارحم وتجاوز عما تعلم، ~~واهدني الطريق الأقوم، إنك أنت الأعز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم". # فإذا بلغ العلم الأخضر مشى رويدا، فإذا بلغ المروة صعد عليها حيث يرى ~~البيت، واستقبله فيكبر سبع تكبيرات، ثم يذكر الله كما فعل على الصفا، ويبدأ ~~بالصفا ويختم بالمروة، ويطوف بهما سبوعا ثم يحل من إحرامه، فيحلق أو يقصر. PageV02P231 # وقيل: إن النبي ^ قال: «اللهم ارحم المحلقين» ثلاثا، ثم قال: ~~«والمقصرين»، وقال الله: {محلقين رؤوسكم ومقصرين}. # وقال: كان إذا حلق رأسه من الإحرام استقبل القبلة، وأعطى الحلاق شق رأسه ~~الأيمن ثم الأيسر، وأعطى شعره أبا طلحة فقسمه بين الناس. # ومن دخل بعمرة وسعى وختم بالصفا وقصر، فإن كان انصرف من الصفا على ستة ~~فعليه أن يتم ما بقي من سعيه، ويذبح شاة لتقصيره إن كان قد أحل وحلق، ولا ~~يأكل منها. وإن ذكر قبل أن يحل ويحلق فيتم سعيه ولا شيء عليه، ويختم ~~بالمروة. (والتقصير: أن يقصر الشعر من أصله بالمقص). # وإن ذكر عند الصفا أنه قد سعى ثمانية فيرجع إلى المروة فينصرف عنها ولا ~~يقصر، ولا شيء عليه فيما زاد. # ومن لم يرمل في سعيه حتى قصر فعليه دم ويعيد سعيه، وإن لم يقصر فليعد ~~سعيه ولا دم عليه. وإن ترك الرمل في شوط أو شوطين فليعد ما ترك. وإن قصر ~~قبل أن يعيد فعليه لكل واحد طعام مسكين. فإن ترك الأكثر من الهرولة فعليه ~~دم. ومن نسي حتى جاوز فعليه أن يرجع إلى موضع الرمل إلا أن يكون جاوزه قدر ~~خطوة أو خطوتين فليمر ولا يرجع وليس عليه شيء. # والذي /451/ بدأ بالمروة وختم بالصفا وقصر فعليه دم، ويعيد سعيه. وإن لم ~~يقصر أعاد السعي ولا دم ms479 عليه. ويعيد سعيا واحدا، يبدأ بالصفا ويختم ~~بالمروة. # ومن زار ثم رجع إلى منى قبل أن يسعى رجع سعى ثم رجع إلى منى. وإن زار ثم ~~نسي أن يصلي الركعتين حتى فرغ من سعيه فإنه يصليهما وليس عليه شيء، وإن ~~ذكرهما في سعيه قطع السعي وصلى، ثم أتم ما بقي من سعيه. وإن لم يذكر حتى ~~وصل منى فلا يصليهما بمنى، ولا شيء عليه. # ومن انتقض وضوؤه في السعي أتم سعيه، وكذلك الجمار. # ومن زاد على سعيه ثم ذكر ذلك على الصفا رجع إلى المروة وختم بها، وليس ~~عليه سعي. PageV02P232 # وإن جاوز العلم الأخضر ورمل وبلغ الصفا ثم رجع إلى المروة ولم يكن رمل ~~فلينصرف من حيث بلغ. ومن رمل في سعيه كله فقد أخطأ ولا يلزمه شيء. # وليس على المرأة أن ترمل بين الصفا والمروة، إلا أنها تسرع في مشيها في ~~موضع الرمل. # ومن لم يقدر أن يصعد على الصفا والمروة أقام في أصلها. # ومن غلب بين الصفا والمروة استراح وذهب إلى منزله ثم رجع يبني على سعيه. # ومن سعى ثم غطى رأسه قبل أن يحلق فليصنع معروفا. # ولا بأس أن يقصر المحرم للمحرم إذ أجاز لهما جميعا أن يقصرا. # ومن وطئ ولم يقصر عند إحلاله من العمرة فعليه دم. # ويستحب للمحل أن يأخذ من لحيته وشاربه إذا قصر أظفار يديه ورجليه قبل أن ~~يجامع، وليس عليه في تركه كفارة. # وإن أخذ من لحيته وشاربه ولم يأخذ من شعر رأسه وجامع فإنه يأخذ من شعر ~~رأسه، وقد خالف السنة، ولو ذبح كان ذلك أوثق في نفسه. # والمرأة لا تحلق رأسها، ولكن تأخذ منه ما لا يشينها، وقد قيل: طول راجبة. # ومن أحرم في قميص أو جبة فلينزعها ولا يشقها، وفي ذلك اختلاف. # والذي حلق رأسه للعمرة ولم يكن به شعر فإنه يجري الموسى على رأسه للحج، ~~والذي لبد رأسه فعليه الحلق. ومن حلق رأسه بالنورة أجزأه، والحلق أفضل. # وقد قيل: من ترك السعي بين الصفا والمروة وخرج إلى بلده ms480 ووطئ النساء أن ~~حجه تام، وعليه أن يهدي بدنة. وقال من قال: عليه دم. # ومن طاف ولم يركع للعمرة ولطواف الزيارة ووطئ النساء فعليه دم، وعليه ~~إعادة الركعتين. وإذا سعى من الصفا إلى المروة فذلك واحد، فإذا رجع إلى ~~/452/الصفا فذلك اثنان حتى يتم على ذلك سبعة. # ولا يذهب الساعي إلا لحاجة لابد له منها، فإذا ذهب ورجع بنى على سعيه. PageV02P233 # ومن الطواف: عن جابر بن زيد ~ قال: دخل المسجد الحرام والناس وقوف والبيت ~~مهدوم، فقال: {إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء}، ~~وطاف بالبيت، فلما رآه الناس طاف طافوا. # والمرأة إذا لم تقدر أن تصعد على الصفا والمروة تقوم في أصلهما، والرجل ~~يصعد حيث يقابل الكعبة. ولا أحب أن يدخل المحرم الكعبة وينتكب الطيب، فأما ~~إذا أحل فأنا أحب أن يدخلها مرة واحدة اقتداء برسول الله ^، فإنه قيل: «دخل ~~الكعبة في عمره مرة واحدة». # ومن أقام بمكة ثم نوى الخروج وقد كان نوى الحج فلا شيء عليه، وأحب أن يتم ~~ما نوى فهو أفضل له. # ومن مر إلى الصفا من غير باب الصفا فلا شيء عليه، ويستحب أن يخرج منه. # وقد قيل: إن الملتزم بين الباب والحجر. # ومن استأنف طوافه وختم بالصفا وقصر فعليه ذبيحة، ويرجع يختم بالمروة، ~~فيكون قد ختم حينئذ بالمروة، ولا يعتد بالذي بدأ به. وبعض قال: ولو لم يرمل ~~بين الصفا والمروة لكان مسيئا؛ لأنه من السنة ولا شيء عليه، وإن كان مريضا ~~فلا بأس. # باب: # مسألة: في جمع وعرفة والزيارة # - وسأل عن عرفة، متى يخرج إليها، في أي الأيام؟ وماذا يفعل فيها؟ # قيل له: الخروج إليها والإحرام لها يكون يوم التروية، ويؤمر الخارج لها ~~أن يغتسل بالماء إن أمكنه ذلك، ثم يلبس ثوبي إحرامه، ويطوف بالبيت ويركع، ~~فإن أراد أن يحرم من المسجد ركع لإحرامه، فركع عند الميزاب ركعتين أو حيث ~~أمكن أجزأه، ولبى للحج وخرج إلى منى. PageV02P234 # وقال قوم: يستحب أن يحرم من مسجد الجن، ويخرج عند صلاة ms481 الأولى يجمع بمنى، ~~ويصلي بها خمس صلوات ويبيت بها، فإذا أصبح صلى صلاة الصبح وسار إلى عرفات ~~يوم عرفة اقتداء بالرسول ^، قيل: إنه خرج إلى منى يوم التروية مهجرا بها هو ~~وأصحابه الذين كانوا معه حين وجهوا صدور الرواحل إلى منى مهلا بالحج، وأمر ~~من لم يكن معه هدي أن يصوم، ثم صلى النبي ^ الظهر والعصر والمغرب والعشاء ~~والفجر، ثم غدا إلى عرفات فنزل بها حين زالت الشمس، ثم خطب الناس ورغبهم، ~~ثم جمع بين الظهر والعصر في صلاة، ثم /453/ ركب حتى وقف على عرفة فأرى ~~الناس مناسكهم، وقال: «هذا موقف عرفة»، ودعا ورغب المسلمين ^. فينبغي ~~الاقتداء به. # وأن يصلى بها خمس صلوات، فإذا كانوا غداة عرفة غدا بعد الصلاة من منى إلى ~~عرفات، ولا يجاوز حدود منى حتى تطلع الشمس ويراها على رؤوس الجبال، فإذا ~~وصل عرفات وزالت الشمس جمع الأولى والعصر في وقت واحد، ثم وقف مع الناس، ~~فيكثر من ذكر الله والاستغفار، والصلاة على النبي ^، ويدعو حتى تغرب الشمس، ~~كذلك فعل رسول الله ^. # قد يؤمر بالغسل من وقف بعرفة عند المشعر الحرام أو رمي الجمار، أو حيث ~~يريد أن يحرم من الميقات، أو إذا مضى إلى البيت ليحل فيستحب له عند فعل هذه ~~المواقيت أن يغتسل. وإن توضأ ولم يغتسل فلا بأس. ولو وقف بعرفة وهو على غير ~~وضوء أو عند المشعر الحرام أو رمي الجمار فلا بأس عليه، ويؤمر بذلك. # ومن نام بمكة ليلة عرفة ثم غدا حتى مر بمنى ثم وقف مع الناس بعرفة فقد ~~أساء ولا بأس عليه، ومن قدم منى ولم يحرم بالحج فإنه يؤمر أن يحرم من منى. # ومن تعجل ليلة منى إلى عرفة فقد أخطأ السنة، وإن غدا من عرفات إلى منى ~~قبل طلوع الشمس فلا كفارة عليه. # والذي تعجل ليلة عرفة إلى عرفة من منى فأدنى ما يلزمه دم. PageV02P235 # ومن قدم منى ليلة جمع فعليه أن يرجع ويقف بجمع، فإن أصبح بمنى فعليه دم. # ومن أحرم بحجة ثم فاتته فإنه ms482 يصنع كما يصنع الحاج بمنى ويحل، ويرجع إلى ~~بلده ولا يصيب النساء ولا الصيد حتى يحج من قابل. # وقال تعالى في سورة البقرة: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} من عرفات، ~~{واستغفروا الله}، فأمرهم بالوقوف بعرفات والإفاضة والإقامة حيث المشعر ~~الحرام والاستغفار، وقال رسول الله ^: «إن قولي وقول الأنبياء من قبلي عشية ~~عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت ~~وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير». # وكان أهل الجاهلية يفيضون من عرفات قبل غروب الشمس، فخالفهم النبي ^ ~~فأفاض منها بعد غروب الشمس، فينبغي للإمام إذا غربت الشمس أن يفيض من عرفات ~~إلى منى، ولا يؤذون أحدا، ويلبون حتى ينزلوا /454/ جمع. # ومن خرج إلى مكة أيام منى في حاجة فلا بأس عليه ولا يطوف، فإن طاف فلا ~~شيء عليه. PageV02P236 # ولا بأس على الخائف أن يتطهر بالمزدلفة حين يدبر الناس عنه، ومن أخر ~~الزيارة فلا بأس عليه، ومن تعجل أفضل، قال الله تعالى: {فإذا أفضتم من ~~عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام}، يعني: جمع، اجتمع فيها حواء وآدم ^ ~~حين أهبطا من الجنة، وهي المزدلفة يزدلف إليها إذا قاموا من عرفات، يصلون ~~بها صلاة المغرب والعشاء، ومن أفاض من عرفات قبل غروب الشمس فلا حج له. ومن ~~بات بجمع نصف الليل أجزأه، وإن خرج الحاج قبل أن يزور فعليه أن يرجع حيث ~~كان في سنته أو بعدها، ولو كان بلغ مصره حتى يزور البيت، فإن رجع فزار وسعى ~~ولم يكن أصاب أهله فلا شيء عليه إلا دم وقد تم حجه. وإن كان أصاب أهله ~~فعليه الحج من قابل وعليه دم، ولا يرجع يطأ أهله حتى يزور البيت. # ومن لم يجمع مع الناس بعدما وقف بعرفات فعليه دم، قال الله تعالى: ~~{فاذكروا الله عند المشعر الحرام}. # ومن أدرك جمع فوقف ساعة فلا كفارة عليه. # وإذا أصبح الإمام بجمع صلى صلاة الفجر ووقف ساعة يذكرون الله ويسألونه ~~حاجاتهم، ثم يفيضون قبل طلوع الشمس، ms483 وهم يلبون ويذكرون الله حتى يأتوا منى ~~وجمرة العقبة. # ومن أغمي عليه وهو يريد البيت؛ فقد قيل: يهل عنه أصحابه. وقال قوم: لا ~~يجزئه حتى يفعل هو ذلك. # ومن حلف بالمشي فمشى حتى أفاض من عرفات ثم عجز فليهرق دما، وإن عجز قبل ~~أن يفيض من عرفات فليركب وليحج من قابل. # ومن وضع جنبه على الأرض ونام بمكة ليالي منى أو على محمل فعليه دم. # وقد قيل: في من نام منتظرا لأصحابه في مكة من غير عمد أنه لا بأس عليه. # وحد مكة مفترق طريق العراق وطريق منى. PageV02P237 # والمحرم إذا سرق فإن الإمام يأمره أن يطوف ويسعى ثم يحد، وكذلك كل من أتى ~~حدا من الحدود أقيم عليه، ويخرج من الحرم، ثم يقام عليه الحد؛ لأن الله ~~قال: {ومن دخله كان آمنا}، وقال: {وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا}، فمن ~~ذلك لا تقام فيه الحدود. # ومن ترك المزدلفة ولم يقف بها فعليه دم، وقد أساء حيث لم يبت بها، قال ~~الله: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام}، /455/ فمن لم ~~يذكر الله فعليه دم. ومن لم يفض حتى شرقت الشمس من منى فعليه دم. # ومن ذهب به النوم أو أغمي عليه في منى حتى طلعت الشمس فلا بأس عليه؛ لأنه ~~مغلوب. وقال قوم: عليه دم. # وفي من وقف بعرفة ثم أحصر وبقي عليه الطواف والزيارة: قال قوم: يلزمه ~~لترك الطواف بالمزدلفة دم، ولتأخير الحلق دم، ولكل جمرة تركها دم، وأما ~~تأخير الزيارة فلا بأس عليه إذا قضاه، إلا أن يحدث حدثا، وأحب إلى الفقهاء ~~تعجيل الزيارة، وإن مات قضي عنه الزيارة. # وقد قيل: في المحرم يقف بعرفة ثم يقع بهم العدو فيهرب أو يحصر أو يغمى ~~عليه حتى تذهب أيام المناسك فحجه تام. ولا يخرجون به من مكة حتى يزور البيت. # وفي موضع آخر: فيمن يغمى عليه حتى تذهب أيام المناسك وقد وقف بعرفة؟ قال: ~~عليه الحج. وذلك عندي فيمن لم يقف بعرفة. # ومن دخل مكة محرما بعمرة ms484 فأقام على إحرامه ولم يطف لعمرته حتى أهل بالحج ~~يوم التروية، وخرج إلى عرفات فقد أساء ولا شيء عليه إلا دم المتعة، ويجزئه ~~طواف وزيارة لحجه وعمرته. ومن وقف عند المشعر الحرام ولم يذكر الله فعليه دم. # باب: # مسألة: في الطواف الواجب والذبح ورمي الجمار والوداع # - وسأل عمن وقف بجمع، ثم أفاض من جمع، ما يفعل؟ PageV02P238 # قيل له: يفيض إلى منى وهو يلبي، ولا يقطع التلبية، ويذكر الله حتى يقف ~~عند جمرة العقبة، ثم يمسك عن التلبية ويكبر ويرمي جمرة العقبة بسبع حصيات، ~~ويكبر مع كل حصاة تكبيرة، ثم ينصرف فيذبح ثم يحلق رأسه، ثم يأخذ من رأسه ~~ويعفي لحيته ويقلم أظافره، ويفرق من ذبيحته ويأكل منها، ثم يطوف بالبيت ~~للزيارة، قال الله تعالى: {ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم} والتفث: رمي ~~الجمار والحلق، {وليوفوا نذورهم} وهو الذبح، {وليطوفوا بالبيت العتيق} وهو ~~كما ذكر الله فيه. # وقوله: {ليشهدوا منافع لهم}، يعني: الأجر من مناسكهم، {ويذكروا اسم الله ~~في أيام معلومات}، يعني: ثلاثة أيام: يوم النحر ويومين من بعده، الذي يصلح ~~فيه الذبح، {على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} على الذبائح من الأنعام، وإنما ~~المعنى من ذلك والمطلوب به ذبح الأنعام، وقد قيل غير ذلك. # قوله: {فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير} الضرير الذي ليس له /456/شيء، ~~ثم قال: {ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق}، وهو على ما ~~قدمنا ذكره من ذلك. # فالحاج إذا قدم يوم النحر أمسك عن التلبية إذا قدم جمرة العقبة، ويرمي ~~الجمار كما وصفنا، فإذا فرغ من رميها فلا يقف عندها وينصرف، ويقول: "اللهم ~~اجعله حجا مبرورا، وسعيا مشكورا، وذنبا مغفورا، وارزقنا نضرة وسرورا". # ويرجع إلى منزله ويذبح ويحلق، فإذا ذبح وحلق يوم النحر حل له كل شيء إلا ~~النساء والصيد، حتى يزور البيت ويطوف الطواف الواجب بعد النحر، ثم يحل له ~~النساء والصيد إذا كان في الحل. وأما صيد الحرم فحرام. PageV02P239 # فإذا طاف بالبيت فلا يبيت بمكة حتى يرجع إلى منى ويرمي الجمار ثلاثة أيام ~~بعد يوم النحر، ms485 ويكبر مع كل حصاة تكبيرة، ويبيع ويشتري إن شاء، وذلك قوله: ~~{ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم}، يعني: الرزق والتجارة في مواسم ~~الحج كلها. # وروي عن النبي ^ أنه «أمر أن يشترك سبعة حجاج معتمرين في بعير مسن أو ~~بقرة مسنة». وقد قيل: إن البقرة عن خمسة، والنساء والرجال في ذلك سواء، ولو ~~كانوا من قبائل شتى، ولو دخل معهم رجل بغير ثمن فلا بأس. وقد روي عن النبي ~~^ «أنه أشرك عليا في هديه». # وقد قيل: «إن جبرائيل # انطلق بالنبي [إبراهيم] ^ إلى عرفات يوم عرفة ~~فعرفه بها، ثم رده إلى منى فتصدى له إبليس في موضع الجمار، فأمره جبرائيل # ~~أن يرميه بسبع حصيات ويكبر مع كل حصاة تكبيرة، وكان بدو رمي الجمار من قبل ذلك». # ومن رمى جمرة العقبة من فوقها فليعد الرمي من بطن الوادي، وإن ذبح قبل أن ~~يرمي فليعد الرمي. ألا ترى أن عليه دما إذا كان ذلك يوم النحر، وأما في غير ~~يوم النحر فلا دم عليه. وقد روي أن رجلا أتى رسول الله ^ فقال: يا رسول ~~الله، -صلى الله عليك- نحرت قبل أن أرمي، فقال: «ارم ولا حرج»، فعلى هذا ~~الحديث لا يلزم من ذبح قبل الرمي شيء. # ومن ترك التكبير كله يوم النحر عند رمي العقبة فليعد رميه وليكبر. وإن ~~نسي حتى مضى ذلك اليوم؛ فقال قوم: يستحب أن يهدي شاة. # ومن نسي تكبيرة أو تكبيرتين فليعد مثل ذلك /457/ ويكبر إن كان من ساعته، ~~وإلا فليصنع معروفا لترك التكبيرة أو التكبيرتين، وليس عليه في زيادة الرمي شيء. # ومن لم يرم حتى صلى العصر فليرم وقد أساء. والمريض يرمي عنه امرأة أو رجل ~~إذا رمى كل منهما عن نفسه، ثم يقف لهما جميعا. PageV02P240 # ومن رمى الجمار ثم نسي جمرة العقبة حتى غربت الشمس؛ قال: يبدل رميها من ~~الغد، ثم يرمي الجمار كلها، وإن صار إلى مكة قبل أن يرميها فعليه دم. # ومن رمى جمرة العقبة ثم الوسطى ثم الأولى فقد أخطأ ولا شيء عليه. # ومن ms486 ذبح قبل أن يرمي، أو حلق قبل أن يذبح بطلت تلك الذبيحة، ويرجع فيبدأ ~~بالرمي، ثم يذبح نسكه، ويذبح لخطئه ثم يحلق. وقد قيل: لا شيء في تقديم ذلك. # فأما إن حلق قبل أن يذبح فعليه دم لحلقه قبل أن يحل، قال الله: {ولا ~~تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله}، وقد قيل: فيمن قدم شيئا من الهدي قبل ~~الزيارة وغيرها، وقبل أن يحلق وقبل وقت ذلك فإن عليه أن يرجع فيأتي بكل ذلك ~~على وجهه، ولا دم عليه في الخطأ. # ومن لم يرم الجمار في اليوم الأول ولا الثاني رماها في اليوم الثالث بحصى ~~الأيام كلها. وقد قيل: يرمي الأول ثم الثاني ثم الثالث حتى يتم، وإن خلت ~~الأيام الثلاث كلها ولم يرم لزمه لرمي كل جمرة شاة. # ومن ازدار قبل أن يرمي جمرة العقبة فإنه يرجع يرمي ثم يذبح ثم يحلق ثم ~~يعود فيطوف ويسعى أولا فأولا على ما ذكر الله ولا شيء عليه. # فإن رمى وازدار قبل الذبح والحلق فليذبح ثم يحلق ثم يطوف ويسعى، فإن لم ~~يفعل فعليه دم. وإن حلق قبل أن يرمي فعليه دم. وقد قيل: لا شيء عليه. # وكل شيء من هذا أخطأ الناس فيه من التقديم والتأخير ثم رجعوا فيه أجزأهم ~~ما لم يقصروا، فإذا قصروا أو حلقوا وجب عليهم الهدي. # والمريض الذي يرمي عنه وليه إن أفاق اليوم ورمى فلا بأس، وأما ما مضى فقد أجزأه. # ويرمي الجمار من حيث شاء وينصرف من حيث شاء، إلا جمرة العقبة فلا يرميها ~~إلا من بطن الوادي ويرميها وينصرف. وقد روي عن النبي ^ «أنه حلق رأسه حين نحر». PageV02P241 # عن عائشة ||أنها|| قالت: "أوتيت بلحم كثير، قلت: ما هذا؟ قالوا: نحر رسول ~~الله ^ عن نسائه بقرة، ثم أفاض نبي الله ^ حتى صلى، ثم رجع إلى منى فأقام ~~/458/ فيها أيام التشريق، فرمى الجمار حين زالت الشمس، وكبر عند كل حصاة ~~تكبيرة؛ سبع حصيات يقف عند الأولى والوسطى، ولا يقف عند رمي جمرة العقبة، ~~ونادى على ما بلغنا: ms487 «إنها أيام أكل وشرب»". و«نهى ^ عن الصوم أيام ~~التشريق». # ومن خرج من منى في النفر الأول بالعشي فجائز. وإن لم يخرج حتى يدركه ~~الليل قعد إلى اليوم الثالث حتى يرمي الجمار بعدما تزول الشمس. # ومن ترك رمي الجمار كلها حتى انقضت أيام منى فعليه لكل جمرة في كل يوم ~~دم، فذلك عشرة دماء. لكل حصاة لم يرمها إطعام مسكين، ولكل سبع حصيات لم ~~يرمها في كل يوم دم، ولا يجوز شيء من ذلك في الليل، وإنما يقضي ما ترك في ~~النهار. وقال قوم: إذا فات ذلك فإنما هو قضاء جاز في الليل والنهار. وإنما ~~يرمي الجمار بحصى الحرم، فإن رمى بحصى الحل أعاد الرمي بحصى الحرم، وإن فات ~~ذلك وأحل فعليه دم. # وأجمع الفقهاء أن الحصى مثل الجوز والبندقة التي يرمى بها. # ومن رمى فطرح رميه أبعد منها فإنه يعيد، وإن لم يعد أطعم مسكينا. وإن ~~وقعت رميته في المحمل فإن استقرت في المحمل فليعد بالسنة، وإن صدفت المحمل ~~ثم وقعت على الجمرة أجزت عنه. # ومن رمى أول النهار فإنه يعيد. # وإن حلق قبل أن يذبح فعليه دم. # ومن ودع ثم باع ونام متعمدا فعليه شاة. # ومن لم يطف بعمرة حتى خرج إلى عرفات أجزأه طوافه لحجته وعمرته وليس عليه ~~دم؛ لقول النبي ^: «طوافك يجزئك عن حجتك وعمرتك». PageV02P242 # ومن ودع في غير وقت صلاة فلا يخرج من المسجد حتى يصلي، وإن خرج فعليه دم. ~~وإن احتاج إلى ما يشرب أو يتوضأ فليشتري ويقضي ما كان عليه من ذلك وهو مار ~~فلا بأس أن يوصي بعض أصحابه بحوائجه وما يشترى له. # وإن هو بات بمكة فعليه دم إلا أن يرجع يودع. والنوم بمكة بعد الوداع وبعد ~~الزيارة سواء. # ومن خرج من مكة بعد المواقيت فلابد أن يودع. ومن دخل خلف المواقيت فلا ~~يدخل إلا بإحرام؛ لقول النبي ^: «لا تجاوز الميقات إلا محرما». # ومن خرج إلى خلف المواقيت فلا يخرج إلا بوداع، إلا الحطابون فإنهم يخرجون ~~بغير إحرام رخصة لهم، ولا يدخلون ms488 من خلف المواقيت إلا بإحرام، ولا يرمون ~~الجمار مما يرمي الناس، ولا بأس على من فعل. /459/ # ومن رمى الحصى برمي واحد فلا يجزئه؛ لأن رسول الله ^ كان يرمي بكل حصاة ~~مرة ويكبر مع كل حصاة تكبيرة. وإن وضع الحصى وضعا لم يجزه، وإن طرحه أجزأه، ~~والقيام عند الجمرتين والدعاء غير شيء موقت إلا ما فتح الله، ويستحب أن ~~يدعو بما دعا به على الصفا والمروة، ويستحب رفع الأيدي وبطن الكفين إلى الأرض. # ومن تعمد لرمي حصاة واحدة يوم النحر بعد أن ذبح؛ فقيل: عليه دم. وقد قيل: ~~إن رجلا قال: ذبحت قبل أن أرمي، وروري أنه قال: «لا بأس». والخائف يرمي ~~بالليل. # - باب: # مسألة: في الهدي وتعظيم شعائر الله # - وسأل عما يجزئ من الهدي؟ PageV02P243 # قيل له: شاة أو بقرة أو بعير، والبقرة أفضل من الشاة، والبعير أفضل من ~~البقرة، والبدن من البقر والإبل، قال الله تعالى: {ومن يعظم شعائر الله ~~فإنها من تقوى القلوب}، يعني: من حفظ القلوب، وقوله: {من شعآئر الله} يعني: ~~من أمر المناسك. وقوله: {لكم فيها منافع}، يقول لكم في نحرها أجر في الآخرة ~~ومنفعة في الدنيا، وإنما سميت بدنا؛ لأنها تقاد وتساق إلى مكة، فهي البدنة. # والهدي ينحر بمكة ولا يشعر ويقلد. # وقال: {فاذكروا اسم الله عليها صواف}، يعني: إذا نحرتم فاذكروا اسم الله ~~صواف معقولة اليسرى، قائمة على ثلاث قوائم مستقبلات القبلة، هذا تعليم من ~~الله، ومن شاء نحرها على جنبها. # قوله: {فإذا وجبت جنوبها} يعني: إذا خرت على الأرض بعد الذبح، {فكلوا ~~منها وأطعموا القانع والمعتر}، القانع: الذي يقنع بما يعطى ويرضى به، وهو ~~السائل. والمعتر: الذي يتعرض للمسألة. وقد قيل: إن المعتر هو الذي يعتر ~~بيديه. فمن شاء أكل ومن شاء لم يأكل. إنما ذلك أدب وليس بلازم الأكل أيضا. # وأما الطعم فإنه مختلف في مقدار ذلك، وما أطعم منها أجزأ. وقد قيل في بعض ~~الحديث، قال: "كنا لا نأكل من الضحايا إلا ثلاثا حتى قال رسول الله ^: ~~«كلوا وتزودوا وادخروا» فادخرنا وتزودنا"، ms489 فهذا يدل على أن الطعم غير محدود. PageV02P244 # وقوله: {كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون}، تشكرون ربكم على هذه النعمة، ~~قوله: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها}، وذلك أن المشركين كانوا إذا نحروا ~~البدن عند زمزم أخذوا دمائها فنضحوها قبل الكعبة، وقالوا: "اللهم تقبل ~~منا"، وأراد المسلمون فعل ذلك فنزلت: /460/ {لن ينال الله لحومها ولا ~~دماؤها ولكن يناله التقوى منكم}، يقول: إذا نحرتموها لي فهو التقوى منكم، ~~هو الذي يرفعه الله لكم، {كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم} لأمر ~~دينه، {وبشر المحسنين} من فعل هذه الآية يبشرهم بالجنة. # وقوله: {لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه}: ذابحوه ، {فلا ينازعنك في ~~الأمر}. وقوله: {فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين}، المخلصين، ثم ~~نعتهم فقال: {الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} خافت قلوبهم، {والصابرين على ~~ما أصابهم و المقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} يعني: من الأموال ينفقون ~~في طاعة الله. # ||باب||: # مسألة: فيمن تعجل في يومين # - وسأل عمن تعجل في يومين؟ # قيل له: جائز. ويدفن بقية الحصى في أصل العقبة، قال الله تعالى: {واذكروا ~~الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه}، يقول: لا ذنب عليه، ~~{ومن تأخر فلا إثم عليه} لا ذنب عليه {لمن اتقى} قتل الصيد في الحرم. # وقوله: {في أيام معدودات}: في أيام التشريق، إذا رميت الجمار وغيرها ~~اذكروا الله في دبر الصلوات. # قيل: كان عمر بن الخطاب ~ يكبر في قبته بمنى فيرفع صوته فيسمع أهل منى ~~تكبيره فيكبرون حتى ترتج منى بالتكبير. PageV02P245 # قال: {فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه}، يقول: من نفر في يومين قبل اليوم ~~الثالث فلا إثم عليه لمن اتقى قتل الصيد، ومن تأخر إلى اليوم الثالث فلا ~~إثم عليه. # - باب: # مسألة: في ما يفسد الحج وقتل الصيد وغيره من الشجر # - وسأل عما يفسد الحج؟ # قيل له: من ترك الفرائض لم يتم حجه، ومن جامع بعد أن أحرم بالحج فسد حجه، ~~وعليه الحج من قابل وعليه دم. وقال قوم: يهدي بدنة إلى الحج ms490 للحج والعمرة، ~~فأما العمرة فإنه إن أهدى ورجع إلى الحد وأحرم تمت له عمرة مكانها إن شاء الله. # وإذا عبث المحرم بذكره فأمنى، فإن كان في غير أشهر الحج رجع إلى حده ~~وأحرم وأهدى وتم حجه. وإن كان في أشهر الحج رجع فأحرم وأهدى وعليه الحج من قابل. # ومن نظر إلى زوجته فأعجبته فسبقه الماء وقذف، فإن تعمد لذلك لم يتم حجه، ~~ويهدي بدنة ويحج من قابل. # وأما القبلة فقد قيل: فيها دم. وقال قوم: : لا شيء فيها. # ويوجد أنه لا بأس فيما أخرج المحرم من الحطب اليابس الميت من الحرم. ولا ~~بأس فيما سقط من الشجر من الورق والثمرة وما ينبت مما يأكل الناس من الشجر ~~في الحرم، فقد رخص فيه. وبعض: كرهه إلا ما زرعت فلك /461/ أن تزرع وتنزع. # وعن النبي ^ أنه قال: «مكة حرام لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، لا ~~ينفر صيدها ولا يعضد شوكها، ولا يحل شيء من شجرها»، إلا ما قيل: إنه أحل ~~الإذخر لهم حين طلب إليه ذلك. فقد رخص في الضغابيس والحماض. # وقيل: من قطع شيئا من الشجر فعليه حكومة. # ومن حكم عليه في شجرة قطعها فلا ينتفع بها ولا يبيعها. # وعن ابن عباس: في الدوحة (وهي الشجرة الكبيرة) أن فيها بقرة، وفي الجزلة ~~(وهي الشجرة الوسطى) شاة، وفي القضيب درهم. PageV02P246 # وعن ابن محبوب: في عود صغير من الحرم أن فيه إطعام مسكين، وذلك على ما ~~يرى الحكمان العدلان، وقد قال الله: {يحكم به ذوا عدل منكم}، وما قتلت سوى ~~الصيد فليس فيه شيء إلا أن تطعم عنه ما شئت. # ومن قطع ||من|| شجر الحرم غصنا أو مسواكا أطعم مسكينا. # وما نبت على غير مائك فلا تقطعه. والاختلاف فيما نبت من مائك. # وقد حكم على من قطع ورقة صغيرة أن فيها نصف درهم، وفي الورقتين درهم. ~~وحكم على من قطع مسواكا بدرهم، وقد قيل: إن أقل الحكم في شجر الحرم بمسكين، ~~وأكثره بقرة. وهو على ما يرى الحكمان ويحكمان، وقد ms491 اختلفت أحكامهم. # ومن حكم عليه بدرهم فإنه يشتري به طعاما ويفرقه على الفقراء. وقد قيل: إن ~~رجلا حاس عودا فحكم عليه بدرهم. # والشجرة يكون أصلها في الحرم وأغصانها في الحل، فإن قطع منها الأغصان ~~ففيها الجزاء، وإن رمى طيرا على الأغصان وهو في الحل فله أكله. فإن كان ~~أصلها في الحل وأغصانها في الحرم فقطعت الأغصان فلا شيء عليه. وإن قتل صيدا ~~من على أغصانها أن فيه الجزاء. # وإن أرسل الرجل بعيره أو دابته فأكلت فلا شيء عليه. وإن أوقفها على شجر ~~الحرم وأهداها إليه فعليه الجزاء. ||وعلى قول: إلى أرسله وكأنه هو أهداه ~~فيلزمه ما يحكم به العدلان. ومن رعى شجر الحرم محلا كان أو محرما فليصنع ~~معروفا||، وليس ذلك بشيء مؤقت. # - باب: # مسألة: في قتل الصيد # - وسأل عمن قتل الصيد في الحرم وهو محرم؟ PageV02P247 # قيل له: عليه الجزاء حكومة، كما قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا ~~تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم ~~يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك ~~صياما ليذوق وبال أمره}، والنعم: هي الغنم والضأن والإبل والبقر. # وقد قيل: إن رسول الله ^ «نحر في الحرم حين صده أهل مكة، وكان نازلا في ~~الحل»، فمكة /462/ كلها منحر، {أو كفارة طعام مساكين} من أرض الحرم، يشتري ~~بقيمة الصيد طعاما بسعر مكة، ويتصدق به على فقرائها، لكل مسكين نصف صاع ~~طعام حنطة، {أو عدل ذلك صياما}، أو يصوم لكل نصف صاع يوما بعدد المساكين أو ~~يطعم. جعلوه مخيرا، وإن صام بمكة أو غيرها. {ليذوق وبال أمره}، يعني جزاء ~~ذنبه، {عفا الله عما سلف} قبل التحريم، كان لا كفارة عليه فيما مضى من قتل ~~الصيد، ثم قال: {ومن عاد فينتقم الله منه}، من عاد إلى قتل الصيد بعد ~~التحريم، يعني: العقوبة من الكفارة، {والله عزيز ذو انتقام} من أهل ~~المعصية. # والهدي إذا بلغ مكة وفرق على الفقراء فقد أجزأه، والإطعام لا يكون ms492 إلا ~~بمكة إلا هدي المتعة فلا يكون إلا بمنى. # وقال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة ~~الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم}، فلم يحل من صيد البر ~~شيئا، فأما صيد البحر فحلال، قال الله تعالى: {أحل لكم صيد البحر وطعامه ~~[متاعا لكم وللسيارة] وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما}. PageV02P248 # وقال النبي ^ في البحر: «الحل ميتته الطهور ماؤه»، وحرم صيد البر على كل ~~محرم أو في الحرم. وقال: {واتقوا الله}، يخوفهم قتل صيد البر وهم محرمون. # فأما قوله: {وإذا حللتم فاصطادوا}، ورخص لهم إذا أحلوا من إحرامهم بعد ~~الحظر عليهم لمن كان محلا أو في الحل حلال له صيد البر والبحر، وهي رخصة من ~~الله، ومن شاء لم يصد. # وعن ابن عباس: في رجل قتل حمارا وحشيا أو نعامة؛ فعليه بعير ينحره بمكة ~~للمساكين. # ومن قتل من ذوات القرون مثل: الوعل فعليه بقرة، وفي الظبي شاة، وفي ~~الحمامة شاة، وفي ولد الحمار أو فرخ النعامة ولد بعير مثله، وفي ولد الإبل ~~والوعل ولد بقرة مثله، وفي ولد الظبي وفرخ الحمامة ولد شاة مثله. وقد روي ~~في الضبع كبش، وأن النبي ^ «جعل في الضبع كبشا». وكذلك حكم فيها عمر بن ~~الخطاب ~ شاة مسنة. وعن جابر يرفع عن النبي ^ أنه قال: «الضبع صيد»، وعن ~~النبي ^ أنه قال: «في بيض النعامة صيام يوم أو إطعام مسكين». # وقيل عن ابن عباس: أنه قال في بيض الحمامة أو النعامة إذا كان فيها فرخ ~~درهم. وإذا لم يكن فيها فرخ فنصف درهم، يتصدق به على فقراء المسلمين. /463/ # ومن كان من هذا فكفارته من جزاء أو فدية أو صدقة أو صيام، وكل ذلك لفقراء ~~المسلمين. وما مات منها أو ضل قبل أن يصل فعلى صاحبه بدله. وإن عطب في ~~الطريق فنحره قبل أن يصل فيأكل منه ويطعم، وعليه بدل ذلك. وإن نحره في ~~الحرم قبل أن يبلغ البيت فقد أجزأ عنه، ويطعمه الفقراء. والحرم كله مكة. # وإن قدم ms493 في شوال أو في ذي القعدة فلينحره بمكة قبل يوم النحر إن شاء، ثم ~~يتصدق به على المساكين ولا يأكل منه شيئا، وإن قدم الهدي في ذي الحجة فلا ~~ينحره حتى يكون يوم النحر فينحره بمنى، ثم يتصدق به على الفقراء والمساكين. PageV02P249 # وما كان من هدي نذره -والله أعلم- ولم يسم للمساكين فهو تطوع. # «وكل هدي تطوع ضل أو عطب في الطريق قبل أن يصل الحرم فلينحره وليغمس خفه ~~في دمه أو نعله، ثم يضرب بها صفحة جنبه اليمنى، ليعلم أنه هدي، ولا يأكل هو ~~منه ولا أحد من رفقته »، ولا يأمر بأكله ولا يأكله من جاء من بعدهم، وليس ~~عليه بدله، فإن أكل فعليه بدله. # ومن دل على الصيد أو أشار إليه فعليه الجزاء. # واللذان يقتلان الصيد فعليهما جزاء واحد، وإن افترقا كان على كل واحد ~~منهما جزاء. # ومن جرح الصيد نظر في ذلك ذوا عدل، وإنما يكون هذا كله يحكم به ذوا عدل ~~جزاء مثل ما قتل. وقد قيل: إن النبي ^ وعمر من بعده حكما في الضبع بكبش. ~~وقيل: في الضب جزاء. وقال قوم: صاع من طعام. وقيل: في كل كبش شاة. # ومن قتل جرادة أو ما هو أصغر فليتصدق بتمرة. وقد قيل: إن في الجرادة ~~حكومة. وفي الذبابة والحلمة قبضة من طعام. وفي القملة تمرة. وقد قيل: لم ~~يخرجها من بدنه، وإذا أخرجها من بدنه جعلها في ثوبه. # والقراد إن شاء نبذه. وفي الذرة قبضة من طعام إن قتلها. وقد قيل: إن عمر ~~كان يقرد بعيره وهو محرم، فمن فعل لم يلزمه شيء. # ومن قتل ذرة ففيها لقمة. # ومن قتل البازي المعلم فإنما عليه كفارة إذا كان معلما. PageV02P250 # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «يقتل المحرم الحية والعقرب [والسبع العادي] ~~والكلب العقور والفأرة [الفويسقة]»، ومن قتل كلبا غير عقور فأرجو أن لا ~~يلزمه شيء. وما لم يعرض لك فدعه. 3208 - حدثنا أبو كريب حدثنا محمد بن فضيل ~~عن يزيد بن أبى زياد عن ابن أبى نعم عن أبى ms494 سعيد عن النبى -صلى الله عليه ~~وسلم- أنه قال « يقتل المحرم الحية والعقرب والسبع العادى والكلب العقور ~~والفأرة الفويسقة ». فقيل له لم قيل لها الفويسقة قال لأن رسول الله -صلى ~~الله عليه وسلم- استيقظ لها وقد أخذت الفتيلة لتحرق بها البيت. # وقد قيل: في الرخمة جزاء. وكذلك الصقر. وقد حكم في الرخمة بدانقين. ~~والنسر خير منها. # ويكره أن يأخذ صيدا ويدخله الحرم؛ /464/ لأنه يصير من صيد الحرم. # ومن أخذ صيدا فذبحه وهو محرم فعليه الجزاء. وفي بعض القول: من قتل صيدا ~~في الحل فلا شيء عليه، وإن تعمد لزمه الجزاء. وإن قتل الصيد في الحرم خطأ ~~أو عمدا فعليه الجزاء، قال الله تعالى: {ومن عاد فينتقم الله منه}. # وإن أشار المحل للمحرم في صيد فقتله المحرم في الحل فلا شيء على المحل، ~~ولا يأكل ما قتل المحرم. وإن أشار المحرم إلى المحل في صيد فقتله المحل ~~فعلى المحرم الجزاء. # وإذا دخل المحرم بصيد أو بلحم صيد من الحل فيدفن اللحم ويرسل الصيد. فإن ~~أطعمه محرما كان على المطعم جزاء ما يحكم به الحكمان. # وأما الرخمة فقد حكم فيها بدانقين. والغراب فلا شيء فيه. وقد قيل: يقتل ~~في الحرم. وكذلك الحدأة، وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «يقتل كل مؤذ في الحل ~~والحرم». PageV02P251 # مسألة: في الهدي # - وسأل عن الهدي متى ينحر؟ # قيل: إن الهدي كله الذي يساق إلى مكة ويهدى إليها من البدن ينحر بمكة ما ~~لم تدخل العشر من ذي الحجة، فإذا دخلت العشر فالهدي موقوف حتى ينحر بمنى ~~يوم النحر، قال الله تعالى: {هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام ~~والهدي معكوفا أن يبلغ محله} ومحله: أرض الحرم، إلا هديا قد عطب فإنه ينحر ~~بمكة أو في الحرم فإنه يجزئ. # - باب: # مسألة: في الضحايا # - وسأل عن الضحايا ما يجوز منها؟ # قيل له: قد يوجد أنها تجوز من ابنة مخاض وابنة لبون وحقة من الإبل عن ~~واحد، والجذعة من الإبل عن خمسة، والثنية عن سبعة، ومن فوق الثنية عن سبعة، ~~ولا يجزئ ms495 ما دون ابنة مخاض، وجذعة البقر عن ثلاثة، والثنية عن خمسة، ~~والمسنة عن سبعة. ويجوز الجذع من الضأن، والثني من الماعز في الضحايا. ولا ~~يجوز الضأن من الماعز إلا أن يكون حدلا، فإن حدل فقد أجاز بعضهم ذلك. # والذبائح يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة إلى يوم النفر الأول إلى أن تزول ~~الشمس، فإذا زالت الشمس يوم النفر لم يجز نسك. # ولا يجوز في الضحايا والهدي بالبتراء أو العرجاء والعوراء، ولا مقطوعة ~~الأذن إلى الثلث، ولا الجرباء ولا العجفاء، ولا مكسورة القرن. # وقد روي عن النبي ^ أنه «نهى أن يضحى بالأعضب» /465/ وهو: مقطوع القرن ~~والأذن، فذلك يسمى أعضب. # فأما المكسورة إذا جبرت وبلغت المرعى جازت ضحية. وإذا كسر القرن وبقي ما ~~يلوى به الحبل والأصبع فقد قيل: تجوز ضحية، وإذا كسرت ضروسها وبقي منها ما ~~تعتلف بها جازت ضحية. # وقد :قيل إن الجداء لا تدخل في الأضاحي، وإن خلقت جذاء لا ضرع لها فقد ~~قيل: تجوز ضحية. وإذا يبس ضرعها من علة فإن بقي فيه شيء من اللبن ولو قل ~~جازت ضحية. PageV02P252 # ومن أطعم نسكه إنسانا واحدا؛ فقد قيل: إنه أخطأ، وقد أجزأ عنه ويطعم ~~ويأكل ما شاء. # وقد أجيز الانتفاع بإهاب الأضحية وكره بيعها. # ولا يجوز أن يأكل لحم أضحيته كله، ولا يطعم منه، فإن فعل فعليه هدي آخر. ~~وقد قيل: يطعم الثلث، وقد قيل: بالثلثين. # ولا يأكل إلا من هدي المتعة والتطوع، وأما غير ذلك فلا يأكل منه صاحبه. # وهدي المتعة لا يجوز حتى ينحر يوم النحر. وهدي التطوع إذا بلغ الحرم نحر ~~كما نحر رسول الله ^ الهدي في الحرم زمان الحديبية. وقد روي أنه بعث بالهدي ~~عند علي بن أبي طالب وقال له: «إن عطب عليك منها شيء فانحره في الطريق ~~واضرب بخفه في دمه ثم اضرب به صفحته ليعلم أنه هدي، ولا تأكل منه ولا أحد ~~من رفقتك». # ومن اشترى بدنة لنفسه فقد قيل: لا يشرك فيها أحدا، ولم أر في ذلك بأسا؛ ~~لأن الحديث عن ms496 النبي ^ أنه أشرك عليا في هديه حين قال له: «إنه أحرم على ما ~~أحرم عليه رسول الله ^ وأحل الشركة»، فعلى هذا يجوز. # فإن قال أحد الشركاء: إنه يأخذ ضحيته لحما لغير الهدي لم يجز ذلك عنهم. # ومن ذبح للمتعة قبل طلوع الفجر لم يجزه وتصدق بحلاله وخطامه. # ومن ذهب هديه فاشترى واحدا مكانه ثم وجد الأول فأحب أن يذبح الأول، وإن ~~ذبحهما كليهما كان أفضل. وإن ذبح الأفضل جاز. وإن باع أحدهما جاز له. وإن ~~كان هديه تطوعا ثم ذهب فلا بدل عليه، وكل جزور من إحصار أو جزاء أو كفارة ~~فليس عليه أن يقلد ذلك. # مسألة: فيما يلزم # ومن جعل ثوبه هديا أهدى قيمته. وإن أذن لعبده بالحج فأصاب صيدا وهو محرم ~~قوم الصيد على المولى، وعلى العبد الصيام. # وإن جامع العبد أتم حجه وعليه إذا عتق /466/ حجة مكان الأولى. # وإن تطيب العبد كان جزاء ذلك في ماله إذا عتق. PageV02P253 # وإن حلق رأسه وتداوى بدواء فعليه الصيام إذا كان من أذى، وإن أطعم عنه ~~مولاه فلا يجزئه. وإن أحصر فعلى مولاه أن يهدي عنه. وعلى العبد حجة مكانها ~~إذا عتق. # ومن أمر عبده بالإحرام بالعمرة، وإن أمره بالصيام أجزأ عنه وإلا ذبح عنه. # ومن تعمد لقطع رأس ذبيحة فلا يأكلها، ولا بأس عليه في أكلها إن سبقته ~~شفرته ولم يتعمد. ومن ذبح من القفا لم تؤكل. # قال الله تعالى في البدن: {لكم فيها منافع إلى أجل مسمى}، يعني: ذكاتها ~~وشرب ألبانها إلى أن تقلد وتشعر، فإذا فعل فلا يحمل عليها إلا المضطر، {ثم ~~محلها إلى البيت العتيق} أرض الحرم. # ولا يؤكل لحم ما كان من جزاء أو كفارة قتل صيد أو غيره. # وإن رمى المحرم صيدا لم يأكل منه محل ولا محرم، وعلى المحرم الفداء إذا ~~قتله أو رماه فأثبته. ومن قال: هذا الثوب وهذه الدراهم هدي، فليس عليه شيء ~~حتى يقول: علي هدي إلى بيت الله الحرام أو في أستار الكعبة، فإن بلغ دما ~~وإلا جعل في طيب ms497 الكعبة، أو فرق في فقراء الحرم. # ومن جعل نفسه أو ولده بحيرة؛ فقيل: يعتق نسمة ويهدي بدنة. # وإن قال لما لا يملك: هو هدي، لم يلزمه شيء. وإن قال: هو هدي إلى بيت ~~الله فإنه على قول يهدي بدنة. وإن قال ذلك فيما يمكله أهدى قيمته، إلا أن ~~يبلغ أكثر من ثلث ماله فإنه يرجع إلى العشر. # ومن ذبح نسكه ثم سرقت أجزأ عنه. وقد قيل: إن سرقت قبل أن تموت لم تجز ~~عنه، ولا ينزع صوفها. ومن أيسر في صومه فعليه الذبح إذا كان بعد في منى. ~~فأما إذا قضى صوم الثلاث لم يلزمه هدي. وقد قيل: يلزمه ما كان بمنى. ومنهم ~~من قال: إن لم يصم حتى يرجع إلى بلده -وإن كان موسرا- أهداه. # ولا يتصدق في جزاء الصيد على أحد يعوله. PageV02P254 # وإن أطعم في الجزاء بعضا ثم عجز صام ما بقي على قول: كل مسكين يوما. وقد ~~قيل إن النبي ^ قال لعلي حين بعث معه الهدي: «لا تعط من لحمها جزارا شيئا»، ~~فعلى هذا لا يعطي منها أجرة في نحرها شيء من لحمها. # ومن ضلت بدنته ثم اشترى سواها ووجد الأخرى نحرهما جميعا. وقد قيل: لا ~~ينحر إلا الأولى. # ومن أكل مما أطعم الفقراء فإنه إن أكل عن جزاء فإنه يعطي بدله. وقد قيل: ~~قيمة ما أكل. # ومن لم يطعم الفقراء /467/ شيئا منها لم تجز عنه. وقال قوم: تجزئ عنه إذا ~~أطعم عنه. وقال آخرون: تجزئ عنه وقد أساء. ألا ترى أنه إذا لم يأكل لم يأثم ~~والخطاب مقرون، ويستحب أن يأكل ويطعم كما أمر الله تعالى. # ومن حكم عليه بشاة في شيء قد جاء الحكم فيه ببدنة لم يجز ذلك وعليه ~~البدنة، ولم ترفع منها الشاة. ولا بأس بما سقط من ثمار شجر الحرم أن يأخذه ~~ويأكله من السدر وغيره، وإن قطع من الخوص أو سقط من ورق السدر فعليه في ذلك ~~حكومة عدلين. # والمحرم إذا أتاه عدوه لبس القباء والسراويل والعمامة، وعليه في ذلك دم ~~واحد ms498 إلا أن يحل ذلك ثم يعود يلبسه فعليه لكل نسك دم. والعمامة إن لبسها ~~فانفتت فشدها فعليه دم واحد ما لم يضعها ثم يعود يلبسها. # وإذا مسته المظلة التي تكون على المحمل فعليه دم. ولا بأس بالقبة وغيرها ~~من السقوف إذا دخلها المحرم. # وإذا كان الدم من قبل ثلاثة أظفار أو ثلاث شعرات فله أن يطعم منه ~~الأغنياء والفقراء. وإن أطعم فقيرا واحدا أجزأه. وإن أطعمها كلها غنيا ~~واحدا لم تجزه. ولا يأكل منها شيئا، فإن أكل فعليه قيمة ما أكل، وقد قيل: ~~يلزمه دم آخر. # فإن كان الدم من قبل صيد لم يطعم منه غنيا. # ومن غطى رأسه متعمدا فعليه دم قل ذلك أو كثر. # 97 - باب: # مسألة: في الحج والمناسك # - وسأل عن فرائض الحج التي لا يتم الحج إلا بها، ومن لم يفعل ذلك فلا حج له؟ PageV02P255 # قيل له: الإحرام بالحج، والوقوف بعرفات، والزيارة؛ فهذا كله فرض في الحج، ~~ومن ترك شيئا منه فلا حج له. ومن لبى وأحرم ووقف وزار البيت تم حجه، وإن ~~أحدث فعليه الجزاء وحجه تام، ما لم يترك الفرض أو يطأ النساء فيفسد حجه لذلك. # والإحرام: هو الذي يخرج منه مسائل المناسك الذي يلزم فيه الجزاء والهدي ~~وغير ذلك من الكفارات. # وقد قال الله |تعالى|: {ولله على الناس حج البيت}، فألزم فرض ذلك من ~~استطاع، ثم قال: {ومن كفر} فلم يحج بعد القدرة فقد كفر. # وأما العمرة: فهي سنة. وقال قوم: فريضة. ومنهم من قال: هي من شروط الحج، ~~وقال الله: {وأتموا الحج والعمرة لله}، وأمر بإتمامهما جميعا، فيجب أن تكون ~~واجبة، ولأن المحرم بها يلزمه ما يلزم الحاج ويجتنب ما يجتنب الحاج، ويحل ~~ما يحل به الحاج إلا الوقوف والرمي والأضحية. /468/ # ومن اعتمر في غير أشهر الحج فالعمرة تامة، ومن اعتمر في أشهر الحج فهو ~~متمتع وعليه الهدي لإحلاله، قال الله: {فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في ~~الحج وسبعة إذا رجعتم} كما قال الله: {تلك عشرة كاملة}. # والتلبية للإحرام: سنة. ومن ms499 لم يلب بالحج لم يدخل فيه ولم يحرم؛ لأن ~~التلبية افتتاح الإحرام بالحج، كما أن تكبيرة الإحرام افتتاح الصلاة، فمن ~~كبر أحرم. # كذلك من لبى للحج فقد أحرم، ومن لم يلب لم يحرم حتى يلبي بالحج والعمرة ~~ويقرنهما. # والطواف بالبيت: فرض. والتكبير والتهليل والتسبيح في ذلك: سنة. والدعاء ~~عند الأركان والباب: يستحب. والوقوف بعرفات: فريضة. والدعاء: سنة. ويؤمر به ~~ويرغب إلى الله في عرفات، وليس بشيء محدود. # والإفاضة من عرفات بعد غروب الشمس: سنة. والوقوف: فرض إلى غروب الشمس، ~~فمن أفاض قبل دخول الليل لم يتم حجه. PageV02P256 # والإفاضة عند المشعر الحرام والوقوف والذكر لله: سنة. وقال قوم: ذلك فرض، ~~ويدل على أنه غير فرض إن لم يقف ويذكر الله فقد أساء، وعليه دم ولا يفسد حجه. # والإفاضة عند المشعر الحرام قبل طلوع الشمس: سنة، ومن طلعت عليه الشمس ~~لزمه دم. ورمي الجمار: سنة. والحلق: سنة. والأضحية: سنة. والمتعة: واجبة. ~~والجماع: يفسد الحج. والجدال والفسوق: فيه الجزاء، وقد نهى الله عنه. # والزيارة: فرض. والتكبير والتسبيح: سنة. والركعتان: سنة. # والسعي بين الصفا والمروة: سنة، وقد قيل: فرض؛ ولو كان فرضا لفسد حج من ~~لم يطف، فلما لم يفسد لم يكن فرضا. # والدعاء: يستحب. والتكبير بين الصفا والمروة: سنة. # والمحرم لا يقص أظفاره، ومن قص ظفرا أطعم مسكينا، وفي الاثنين مسكينان، ~~وفي الأكثر من الثلاثة دم. وكذلك في الشعرة مسكين، وفي الشعرتين مسكينان، ~~وفي ثلاث دم إلى ما أكثر. # ومن أخذ حجة لغيره ثم واقع أهله فسد حجه، وليرد الدراهم كلها، وعليه جزاء ~~من واقع أهله محرما. # ومن أخذ من رجلين حجتين فأهل بهما جميعا، فعن بعض الفقهاء يرد عليهما ~~مالهما وحجه له. # وفي رجل أوفى المواسم كلها ولم يقل في شيء منها بكلام ولا غيره ولا ~~تكبير، وقد طاف وسعى أنه لا كفارة عليه. وبعض: رأى عليه بدله. # ومن لبس قميصا أو خلعه ثم عاد لبسه /469/ فعليه جزاء واحد إن كان ذلك في ~~يوم واحد. وإن كان في يومين فعليه في كل ms500 يوم كفارة، والله أعلم. # ومن لبس ثوبا مصبوغا أو حليا أو ثوب حرير؛ فإن كان في وقت واحد فعليه ~~كفارة واحدة، وإن كان في أوقات كثيرة كان عليه لكل وقت كفارة. # ومن جاوز الميقات ولم يحرم فعليه أن يرجع إلى الميقات ويحرم منه، وليس ~~عليه شيء. وإن خاف أن يفوته الحج أحرم من حيث ذكر وعليه دم. PageV02P257 # وإن كان نيته على ما أحرم أصحابه؛ فاختلفوا ولم تكن له نية. فإن كان في ~~أشهر الحج فهو مهل بالحج، وفي غير أشهر الحج معتمر. # والقارن إذا أصاب الصيد فإنما عليه جزاء واحد. # ومن قتل صيدا خطأ ثم قتل آخر عمدا فعليه لكل صيد جزاء {مثل ما قتل من ~~النعم}، إلا ما قتل في الحل خطأ ففيه الاختلاف. # ومن وضع ثيابه في شيء فيه ريح مسك فلا شيء عليه. وإن كان أراد أن يعلق ~~ثيابه ريح المسك فعليه دم. وقد قيل: لا شيء عليه. وأما إن أحرم فيها فعليه دم. # ومن دخل مكة مرة بعد مرة بغير إحرام من خلف الحدود فعليه لكل مرة دم. وقد ~~قيل: دم واحد إلا أن يرجع إلى الميقات فيحرم. # ومن دخل مكة بغير إحرام رجع فأحرم من قبل دخول السنة ولا دم عليه. وإن ~~تحولت السنة وجب عليه لدخولها في الحائلة دم. # ومن خضب رأسه فذلك من الزينة وعليه دم. # ومن أحرم بالعمرة ولم يلب فعليه دم لحجه ودم لعمرته، وسل عن ذلك. # وفي رجل لازم امرأته وهما عريانان ورأى مذيا ولم ينزل الماء أنه يكره ~~لهما ولا شيء عليهما. وقال بعض: عليه دم. واختلفوا في القبلة؛ ولم يجزها ~~قوم وأوجبوا فيها دما، ولم يجز ذلك آخرون. # 98- باب: # مسألة: في العمرة # والمكي ليس عليه متعة، قال الله تعالى: {ذلك لمن لم يكن أهله حاضري ~~المسجد الحرام}. ومن أقام بمكة سنة فهو عند بعض من أهل مكة. وإن خرج في ~~حاجة فأحرم ||معتمرا في أشهر الحج أن عليه المتعة إذا كان مسافرا. وإن خرج ~~إلى مكة يريد العمرة ms501 لا غير فأحرم|| بعمرة في أشهر الحج وقد كان داخلا ~~بعمرة في غير أشهر الحج فعلى هذا المتعة. # ومن دخل مكة بعمرة في غير أشهر الحج، ثم أحرم بعمرة في أشهر الحج من مسجد ~~عائشة فليست تلك عمرة، وقد لزمه الإحرام فيطوف ويسعى ويحل. PageV02P258 # وإن جامع في العمرة أو فعل ما لا يحل فقد لزمه الجزاء. # ومن جلس بمكة بعد طلوع الشمس للزيارة حين أصبح فعليه الجزاء دم. # ومن كان منزله بمكة أيام التشريق ورجع إلى منى /470/ ويرمي الجمار وبات ~~بمنى فلا بأس. ومن بات تلك الليالي بمكة فقال من قال: عليه لكل ليلة دم، ~~وقال من قال: يصنع معروفا كدرهم ونحوه ويتصدق به عن كل ليلة. # ومن أخذ حجة لقوم واشترط عليهم أن يعطيها من يحج بها لهم أن ذلك له إذا ~~اشترط أن يعطيها إذا بلغ الميقات، ويحج هو لنفسه والحجة له. وقال بعض: يعطي ~~الذي أعطى عنه ما بقي من الدراهم غير ما أذهب هو إلى أن وصل إلى ذلك ~~الموضع، ويغرمه لصاحب الحجة ما كان أذهب. # ويكره حمل تراب الحرم، ولا كفارة على من حمل منه. # ومن أحرم ومعه لحم صيد فلا يأكله ولا يطعمه، وإن خلاه معه حتى أحل. وإن ~~أطعمه الفقراء لم يلزمه شيء، ولا بأس بدفنه. # ولا بأس بجلد الصيد -إن كان مع المحرم- والسير وأن يتخذ منه سقاء. # وكذلك القرون ما لم يضر ذلك إحرامه، وينتفع بالكيران التي تعمل بمكة ولا ~~يخرج بها منها. وإن كان من غير طين الحرم فلا بأس. # ومن عقد على نفسه طرف إزاره فعليه -على قول- دم. # ومن ودع ثم رجع إلى بيته فنام وجامع انتقض وداعه. # وإن ودع بالغداة وقعد إلى العشاء أعاد الوداع إلا أن يكون أخلفه الجمال. # وإن كان في طلب كراء أو لهية فلا إعادة عليه. # والوداع على من يخرج حيث يتعدى الحرم. # ومن أصبح بمكة ثم لحق الناس بعرفة فعليه دم. # ولا يلبس المحرم شيئا ينزع عنه إذا مات من الحلي ولا غيرها. # ومن ms502 أحرم لزمه الإحرام من حيث أحرم. والحائض والجنب كذلك. # وأحب أن لا يحرم أحد إلا من الميقات. # ومن بدأ بالطواف من الركن اليماني وسأل فيتم طوافه إلى الحجر، ثم يستأنف ~~الطواف، فإن لم يذكر خطأه حتى أكمل فعليه دم، ويبدل ما نقض من الطواف ~~بالبيت. PageV02P259 # ومن طاف ولم يركع حتى دخل شوال فإنه متمتع على قول. وقال قوم: ليس ~~بمتمتع. # ويستحب لمن أراد أن يدخل البيت أن لا يرجع حتى يغتسل؛ لأن حرمته أعظم. # ومن دخل البيت فلا ينصرف حتى يطوف سبوعا. # ويكره أن يغتسل أحد بالماء الذي يطرح من ميزاب الكعبة، وأما زمزم فلا ~~بأس. وقد روي أن النبي ^ «أنه كان يهل في مصلاه»، وربما أهل إذا استوت به ~~راحلته. /471/ # ويكره أن يدخل البيت قبل السعي بين الصفا والمروة. # وقد روي عن النبي ^ أنه طاف بالبيت وسعى بالصفا والمروة راكبا، وكان ذلك ~~على ما وجدنا لشكوى كانت به، وقد قيل: «إنه طاف على بغلته». # وقد قيل: إن رسول الله ^ خطب الناس بعرفة قال: «وكان أهل الشرك والأوثان ~~يدفعون قبل غروب الشمس، وأنا أدفع بعد غروب الشمس فلا تعجلونا، وكانوا ~~يدفعون من عند المشعر الحرام بعد طلوعها، وأنا أدفع من جمع قبل طلوعها». # وقد قيل: إن النبي ^ لما دفع من عرفة تقدم الناس بعيره، فشق على النبي ^ ~~وقال للناس: «على رسلكم». # وقد قيل: إن رسول الله ^ «غسل الحصى»، وغسله ليس بواجب. # وعن جابر عن النبي ^: «||أنه|| رمى جمرة العقبة يومئذ على راحلته»، وقد ~~روي «أنه كان يمشي إلى الجمار». و|قد| قيل: إنه رمى يوم النحر على راحلته، ~~وقال: «لتأخذوا مناسككم، فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه». # ولا بأس بالكحل ما لم يكن فيه طيب. وكره بعض الإثمد أن يكتحل به المحرم. # وقيل: إن النبي ^ ساق هديه إلى عرفة وعرف بها، وقال: «من كان معه هدي ~~فليحمله على هديه». قيل: كان عمر لا يبالي من التشعير أشعرها، ثم يقول: بسم ~~الله موجهين إلى الكعبة. PageV02P260 # والبقر تقلد وتشعر ms503 في أسنمتها. وقد قيل: إن أصحاب النبي ^ كانوا ينحرون ~~البدن معقولة اليسرى، قائمة على ما بقي من قوائمها. وقال آخرون: تنحر باركة ~~لئلا تؤذي أحدا بدمها. وقد قيل: إن النبي ^ قال لهم في الضحايا: «كلوا ~~وتزودوا»، ومضمون هدي المتعة. # والقانع: هو الطامع. وقال آخرون: هو السائل. و المعتر -على قول-: الذي ~~يعتر بيديه من غني أو فقير. والبائس: هو الباسط يده. # ومن ساق معه هديا ولم يفرضها ولم يقلدها فله أن يبدل بها ويعود فيها ما ~~لم يتكلم بلسانه يفرضها أو يعلمها علامة الحج، وذلك مثل [أن] يعتق عن نفسه ~~فلا يلزمه حتى يتكلم بلسانه. وقد روي عن النبي ^ أنه أمر أصحابه أن يجعلوها ~~عمرة ويحل إلا من كان معه هدي ثبت على إحرامه ويحمله على هديه. # وإن ساق معتمر هديا /472/ وهو لا يريد أن يمكث حتى يحج فإنه ينحره، ولا ~~يحبسه وينصرف إلى أهله. وقد قيل: عن ابن عمر أنه قال: ما أنفق الناس نفقة ~~أعظم من دم مسفوح في هذا اليوم. # وقيل: فيمن طاف وسعى وأحل وجامع امرأته ولم يركع للطواف فإنه يركع ويسعى ~~بين الصفا والمروة وعليه دم. وفي قول: يركع وعليه دم. وقال قوم: يركع ولا ~~شيء عليه، وهو قول أبي حنيفة هذا المؤخر. # ومن خاف على نفسه من البرد غطى رأسه وعليه دم. # ومن رأى هلال ذي الحجة ولم تقبل شهادته فإنه يقف يوم عرفة وإلا فلا حج ~~له. وإن شهد قوم عند الإمام وقف الناس بعرفة ثم رجعوا عن شهادتهم، وقالوا: ~~شبه علينا فلا شيء عليهم. # ومن وقف بعرفة وهو سكران فلا إعادة عليه. وأما المجنون والمعتوه فإن وقفا ~~على تلك الحال فلا حج لهما. وإذا أفاق المجنون ووقف فله الحج. # ومن نتف ريش طير، فإن مات فعليه الجزاء. PageV02P261 # والمرأة الحائض والرجل الجنب إن طافا لعمرتهما وسعيا بين الصفا والمروة، ~~فإن قصرا قبل الحج فعلى كل واحد منهما دم. وإن لم يقصرا حتى لبيا بالحج ثم ~~رميا جمرة العقبة بعد الرجوع من عرفة ذبحا ms504 وقصرا ثم رجعا إلى الزيارة، فإن ~~على كل واحد منهما طوافا بالبيت وسعيا بين الصفا والمروة، وكذلك الزيارة ~~أوجبنا عليهما إذا كانا قد فعلا أن يعيدا، وإن لم يكونا قد فعلا أجزأهما ~~طواف وسعي واحد لحجهما وعمرتهما، ولا دم عليهما؛ لأنا أبطلنا فعلهما الأول. # ومن طاف لعمرته في شهر رمضان وهو جنب وأحل، فلما دخل شوال علم فإنه يعيد ~~في شوال، وعليه دم التمتع، وعليه عمرة مكانها. # وقد قيل: في رجل طاف ثلاثة أشواط منكوسة، فلما رأى الناس كيف يطوفون فطاف ~~أربعة |أشواط| كما يطوفون، فهذا في طواف واحد، ثم رجع إلى بلده؛ فقد قيل: ~~يهدي شاة وينظر في هذا الذي طاف منكوسا، أو على غير وضوء بجهالة فإنه إن ~~أعاد كان أولى به؛ لأن الطواف صلاة ولا تجزئ على غير وضوء. # ومن حلف بالمشي ولم يقدر فحج عنه امرأتان أجزأه، أو رجلان، والحج لهما ~~ليس للحالف، ويدعو له إن كان يستحق ذلك. # ولا يلبس المحرم ثوبا فيه أعلام حرير. # وإن واقع امرأته بعدما يزور في يوم النحر قبل السعي لم يفسد حجه ذلك في ~~قول العلماء، وعليه دم يهريقه. # ومن دخل قارنا فطاف /473/ وحلق بجهالة فعليه دم وهو على إحرامه، وإن تعمد ~~فيرجع إلى حده فيحرم منه. PageV02P262 # وقد روي: أن الملائكة قالت لآدم: "حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام". ~~فقال: ما كنتم تقولون؟ قالوا: كنا نقول: "سبحان الله، والحمد لله، ولا إله ~~إلا الله، والله أكبر"، قال آدم: "ولا حول ولا قوة إلا بالله"، فلما طاف ~~إبراهيم أخبرته الملائكة بقولهم وقول آدم، فزاد إبراهيم: "العلي العظيم"، ~~فلما طاف النبي زاد في ذلك: «وصلى الله على محمد النبي وعليه السلام». # ومن طاف واحترف الحجر في طواف واجب، فإن كان أحل فعليه دم، ويرجع يطوف من ~~حيث لم يطف ويركع، ثم يستأنف طوافا جديدا، وعليه دم لخطئه. وإن كان لم يحل ~~فإنه يتم طوافه الذي نقصه من ذلك الموضع الذي دخل فيه من الحجر، حتى يلاقي ~~من حيث يخرج، ثم يركع ms505 ثم يستأنف فريضة. # وفي من طاف ستة ثم ركع وسعى وأحل من عمرته ثم ذكر؛ فقد قيل: يطوف شوطه ~~الذي بقي عليه، ويركع ويسعى، وعليه دم لإحلاله. وإن ذكر بعدما ركع فإنه ~~يطوف طوافا ويركع ويستأنف طواف الزيارة. وإن انصرف إلى بلده ثم ذكر فعليه ~~بدنة، وإن طاف للزيارة ثمانية ثم نفر إلى أهله فعليه دم. # ومن خرج إلى أهله وبلاده ولم يودع فعليه دم يبعث به إلى مكة، وإن علم أنه ~~طاف ستة للفريضة ثم خرج إلى بلده، وأصاب النساء والصيد فقد فسد حجه وعليه ~~ما أفسد أن يقضي في الحج، وعليه هدي وجزاء في الصيد، وتركنا قول من يثبت ~~||له|| الحج في ذلك. # مسألة: في الحائض و المستحاضة # - وسأل عن المستحاضة في الحج؟ # قيل له: إن المستحاضة في الحج بمنزلة الطاهر في الحج، تغتسل وتحرم وتفعل ~~ما يفعل الحاج، وإذا أرادت الطواف غسلت وطافت وصلت الركعتين وعملت أعمال ~~الحج كلها حتى تقضي. PageV02P263 # فأما الحائض فإنها إن لم تطهر فإنها تحرم وتقيم على إحرامها، وتفعل ما ~~يفعل الحاج إلا الطواف بالبيت فلا تطوف حتى تطهر. فإذا طهرت غسلت وطافت ~~طوافا واحدا لحجتها وعمرتها، كذلك قال النبي ^ لعائشة: «إن طوافا واحدا ~~يجزئك لحجتك وعمرتك». # وقد تؤمر الحائض والنفساء أن تغسلا إذا وصلتا الميقات، وإذا أرادت أن ~~تحرم غسلت، كما روي أن رسول الله ^ «أمر أسماء بنت أبي عميس لما نفست بمحمد ~~بن أبي بكر بذي الحليفة /474/ أن تغتسل وتستثفر بثوب وتحرم من الميقات لأول ~~حجها، وتحرم بالحج أيضا». ويجزئها طواف أيضا. وقد قيل: تطوف طوافين. والسنة ~~قد جاءت بأن طوافا يجزئها. # ولا تدخل المسجد، وإن وقفت بباب المسجد ودعت الله فحسن، وتفعل جميع ما ~~يفعل الحاج من مناسك الحج كلها. # وإن حلت ولم تطهر فلا تخرج حتى تطوف لحجتها وعمرتها ثم تخرج. وكذلك لا ~~تخرج إن لم تطهر -وقد حجت- حتى تودع البيت؛ لأنه قد جاء الحديث «أن النبي ^ ~~أمر الحائض بأن لا تخرج حتى يكون آخر عهدها بالبيت». # والحائض إذا ms506 طهرت وهي محرمة غسلت بالماء دون غيره لئلا تقطع الشعر، ولا ~~تترك طواف الصدر ولا طواف الوداع. فإن خرجت إلى بلادها ولم تطف طواف الصدر ~~للوداع فعليها دم تبعث به إلى مكة. # والمرأة إذا طافت للزيارة ثم حاضت قبل أن تركع فلترجع إلى منى وتفعل ما ~~يفعل الناس، فإذا طهرت فلتركع. وإن نفر الناس فلا تخرج إلى بلادها حتى تسعى ~~بين الصفا والمروة. # فأما الحبلى فإذا رأت الدم فإنها تصنع كما تصنع المستحاضة، وإن حاضت بعد ~~طوافين فإنها تقعد حتى إذا طهرت بنت على ما طافت، ولا تحرم حتى تتم ما بقي. PageV02P264 # وإن قرنت بعمرة ثم حاضت وقد طافت بالبيت قبل أن تركع فإنها تسعى بين ~~الصفا والمروة وترجع إلى بلادها، فإذا طهرت صلت الركعتين، وبعض يستحب أن ~~تركع في الحرم، وإن لم تفعل فلتركع حيث شاءت وتهريق دما. # 99- باب: # مسألة: في المحصور # - وسأل عن المحصور ما هو؟ # قيل له: هو المحتبس بعد الإحرام، إما يحبسه مرض أو عدو ولا يستطيع الوصول ~~إلى الحج، قال الله تعالى: {فإن أحصرتم} فإن حبسكم كسر أو مرض أو عدو في ~~إحرامكم {فما استيسر من الهدي}. # فإذا أحصر المحرم فليقم محرما مكانه، وليبعث إلى مكة ما استيسر من الهدي، ~~ويقيم على إحرامه، ويجعل بينه وبين الذي يبعث معه الهدي أجلا في ساعة ~~معروفة في يوم معروف، فإذا انقضى الأجل وغلب على ظنه أنه قد ذبح عنه الهدي ~~حلق المحصور رأسه في مكانه وأحل من إحرامه، وعليه عمرة وحجة مكانها. # قال الله: {ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله}، يعني: منحره بمكة، ~~فإذا أحل بعدما ينحر عنه فليذهب حيث شاء، وعليه حجة وعمرة مكانها. # وإن فاته الحج فعليه الحج من قابل. ولا يقرب النساء والصيد إذا نحر عنه ~~الهدي حتى يحج /475/ من قابل. # وإن أحرم بالحج والعمرة قارنا ثم أحصر ذهب حيث أراد. # وإن أفرد بالحج بعث هديا وإن كان قارنا. وقال قوم: عليه هديان. وقال قوم: ~~|عليه| هدي واحد. وإذا انقضى الأجل ونحر عنه ms507 حلق وأحل، ولا يقرب النساء ~~والصيد، وعليه الحج من قابل، والحج والعمرة إن كان قارنا. # ومن أصابه مرض فنرى له أن يرجع قبل أن يحرم، وليس عليه شيء. # 100 - باب: # مسألة: في الأذى PageV02P265 قال الله تعالى: {فمن كان منكم مريضا أو به ~~أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك}، فقد قيل: إن الصيام ثلاثة أيام ~~إلى ستة أيام. والصدقة طعم ستة مساكين إلى عشرة، والنسك: شاة لمساكين مكة. ~~وكل هذا في مكة. # وقد روي أن هذه الآية نزلت في كعب بن عجرة، وأن رسول الله ^ مر عليه ~~والهوام تتناثر من على رأسه، فقال له: «أيؤذيك هذا بأكله؟»قال: نعم، قال: ~~«فاحلق وافتد بنسك شاة أو أطعم ستة مساكين ثلاثة أصواع حنطة أو صيام ثلاثة أيام». # والأخبار في معنى هذا الحديث تختلف ألفاظها، فمن أصابه وجع في رأسه وهو ~~محرم، أو به أذى من هوام أو قمل فحلق وفدى كما ذكر الله تعالى وأمر رسوله. # ويستحب للمحصور أن يمسك عن الحلق بعد قضاء الأجل؛ لأن الذبح قبل الحلق ~~حتى لا يشك في ذلك أنه قد ذبح عنه. # وإن أحصر الحاج ومعه هدي فلا يجزىء عنه، وينحر آخر معه؛ لأن الأول قد وجب لله. # والمحصور إن بعث بهديه فهلك ولم يعلم ثم حلق للوعد؛ قال: هو حلال، ويبعث ~~بهدي معه. والذي لا يجد هديا فإنه يصوم وهو بمنزلة من لم يجد. وإن كان غنيا ~~ويهدي بعد ذلك ما شاء. # والمتمتع يصوم الثلاث في الحج وسبعة إذا رجع. وقال قوم: يصومهن في ~~الطريق. وقيل: البدنة واجبة على الذي فاته الحج. والشاة مجزئة عن المحصور، ~~والصوم حيث يشاء، والطعم لا يكون إلا بمكة. # والمحصور الذي لا يجد الهدي ولا ثمنه فإنه يصوم ثلاثة أيام متتابعات في ~~عشر الأضحى وإن شاء قبل، ويحل مكانه من إحرام، وسبعة أيام بعد أيام ~~التشريق، وعليه الهدي والحج من قابل. # مسألة: [في قضاء المناسك] # - وسألته عن قول الله: {فإذا قضيتم مناسككم}؟ PageV02P266 # يقول: إذا فرغتم من المناسك {فاذكروا ms508 الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا}، ~~قيل: إن المشركين كانوا إذا قضوا مناسكهم بعد التشريق وقفوا بين /476/ ~~المسجد والجبل، وذكر كل واحد منهم أباه، وذكر منافعه ولم يذكر الله، فأمر ~~الله المسلمين أن يذكروا الله عند فراغهم من مناسكهم كذكر المشركين آباءهم ~~أو أشد ذكرا. # فينبغي للمسلم أن يذكر الله ويقول في دعائه: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة ~~وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار}. قال الله: {أولئك لهم نصيب مما كسبوا} ~~من أعمالهم الحسنة {والله سريع الحساب}. # فمن حج واعتمر ثم أراد الانصراف إلى أهله وبلده فيكون آخر عهده بالبيت، ~~ويقول في دعائه: "تائبون آيبون عابدون ولربنا حامدون وإنا إلى ربنا ~~لمنقلبون". # قال أبو هريرة: حججنا مع رسول الله ^ حتى إذا كنا بمنى أو عرفات قال: «يا ~~أيها الناس، هذا المقام قد قمته وقامته الأنبياء من قبلي، فأفضل ما قلت ~~وقالوه -صلوات الله عليهم- قول: لا إله إلا الله، فأكثروا منها فإنها يغفر ~~لقائلها». PageV02P267 # وفي رواية: "إذا وقفت في عرفات فسبح الله مائة مرة، واحمده مائة مرة، ~~وقل: لا إله إلا الله مائة مرة، ولا حول ولا قوة إلا بالله مائة مرة، وكبره ~~مائة مرة، وقل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ~~ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير مائة مرة"، ثم تقرأ ~~عشر آيات من البقرة من آخرها، و{قل هو الله أحد * الله الصمد}، وآية ~~الكرسي، وآخر سورة الحشر، و{إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة ~~أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر ~~والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين}، و{قل ~~أعوذ برب الفلق}، و{قل أعوذ برب الناس}. ويحمد الله على نعمه، ويحمد الله ~~بكل آية حمد الله فيها نفسه أو ذكر الحمد فيها، ويسبحه بكل آية ذكر فيها ~~التسبيح لنفسه. # وتثني على الله ما استطعت، وتقول: "لك الحمد على نعمتك التي لا تحصى ~~بعدد، ولا تكافأ ms509 بعمل"، وتصلي على النبي محمد ^ وعلى النبيين والمرسلين، ~~وتسأل الله حاجاتك لأمر دنياك وآخرتك، وتسأله الحج والعمرة بالعام المقبل. ~~وألح في المسألة والتضرع إلى الله فإنه يوم دعاء ومسألة. # وتسأله الجنة، وتستعيذ من النار سبعين مرة، تقول في دعائك: "رب المشعر ~~الحرام أفضل لي، وافعل لي"، وتقول: "اللهم أطلب إليك حاجة إن أعطيتنيها لم ~~يضرني ما منعتني سواها بعدها، وإن منعتنيها لم تنفعني بشيء تعطينيه سواها: ~~/477/ فكاك رقبتي من النار، ووسع علي من رزقك الطيب، واردد عني فسقة الجن ~~والإنس، وفسقة العجم والعرب". # 101- باب: # مسألة: في زيارة قبر النبي ^ PageV02P268 إذا قدمت المدينة فقل: "اللهم ~~أنت السلام ومنك السلام وإليك يرجع السلام، |فحينا بالسلام|، وأدخلنا دار ~~السلام". # واغتسل بالماء إن قدرت وآت المسجد فادخله واذكر الله، ثم تبدأ بقبر رسول ~~الله ^، وتسلم على النبي ^، ويكون مقامك عند زاوية القبر وأنت مستقبل ~~القبلة، ومنكبك عند الأسطوانة التي عند رأس النبي ^، وتقول: "أشهد أن لا ~~إله إلا الله، وأنك محمد رسول الله، صلى الله عليك وسلم، وأشهد أنك رسول ~~الله، وأشهد أنك محمد بن عبد الله، وأشهد أنك قد بلغت رسالات ربك، ونصحت ~~لأمتك، وجاهدت في سبيل ربك، وصدعت بأمر ربك وعبدته حتى أتاك اليقين، وأديت ~~الذي عليك من الحق فجزاك الله خير الجزاء". # ثم تثني على الله بما استطعت من الدعاء، وتقول: "اللهم صل على محمد عبدك ~~ورسولك، وصفيك وأمينك على وحيك، وخيرتك من خلقك، كأفضل وأكمل وأحسن ما صليت ~~على أنبيائك ورسلك وأهل الكرامة عليك، إنك حميد مجيد، وسلم على محمد وعلى ~~آل محمد كما سلمت على نوح في العالمين، وبارك على محمد كما باركت على ~~إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد". # واجتهد في الصلاة على محمد، ثم اختر لنفسك من الدعاء والمسألة، وتقول: ~~"اللهم إني أسألك كل حاجة لي سألتكها أو لم أسألكها، علمتها أو لم أعلم ~~بها، أسألك أن تولى بنجح قضاء حوائجي كلها صغيرها وكبيرها". PageV02P269 # ثم تقدم إلى مقام النبي ^ فتصلي ما فتح الله وأنت خلف الأسطوانة المحلقة ms510 ~~فتجعلها بين يديك، وقم قدام التي تليها من خلفها وبجانبها حين تسجد في ~~الصلاة، وليكن أسفلها بين كتفيك، ويكون منكبك الأيسر مما يلي قبر النبي ^، ~~فإذا فرغت من صلاتك في مقام الرسول ^ فقم إلى القبر واستقبل القبلة، وخذ ~~الرمانة الداخلة بيدك اليمين، ثم اثن على ربك، واجتهد وصل على نبيك، وسل ~~حاجاتك، فإذا أردت أن تخرج فسلم على النبي ^، وإن وافقت في المدينة ~~الأربعاء والخميس والجمعة فصمهن، وصل كل يوم عند أسطوانة، وكبر وأكثر من ~~الصلاة في مسجد رسول الله /478/^. # فإذا أردت أن تخرج من المدينة فاغتسل إن أمكنك، ثم ائت القبر فسلم على ~~النبي ^، وسلم على أبي بكر وعمر -رحمهما الله-، واصنع كما صنعت حين دخلت ~~المسجد. # وقد روي أن النبي ^ قال: «من زارني ميتا كمن زارني حيا»، «والصلاة في ~~مسجدي هذا تعدل ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا ما فضل الله به البيت ~~الحرام، والصلاة في المسجد الحرام تعدل مائة صلاة في مسجدي هذا» ^. # [كتاب الاعتكاف] # 102- باب: # مسألة في الاعتكاف # وسأل عن الاعتكاف أهو سنة؟ # قيل له: نعم، هو سنة فضيلة. وقد اعتكف النبي ^ والمسلمون. # والاعتكاف: هو الوقوف على الشيء والإقامة عليه، ولزوم المكان، قال الله ~~تعالى حاكيا عن إبراهيم #: {إذ قال [لأبيه] وقومه ما هذه التماثيل التي ~~أنتم لها عاكفون} مقيمون. وقال حاكيا عن موسى إذ قال للسامري: {وانظر إلى ~~إلهك الذي ظلت عليه عاكفا}، وقال تعالى ناهيا للمؤمنين عن مقاربة النساء في ~~عكوفهم، فقال: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} فنهى من كان معتكفا ~~أن يجامع امرأته في حال عكوفه. PageV02P270 # والمساجد التي يجوز فيها الاعتكاف هي التي تصلى فيها الخمس الصلوات ~~جماعات؛ لأنه قال: {عاكفون في المساجد} فعم بذلك جميع المساجد. # ولما نهى الله عن المباشرة في الاعتكاف دل ذلك على فساد الاعتكاف ~~بالمباشرة فيه، ولم يخص الله به توابعها دون متبوعها، فإذا كان من توابعها ~~نزل حكمها حكم الجماع كما قد قالوا بفساد الصوم، وكما عم جميع الأوقات ~~الاعتكاف، وعم أحوال توابعه، فاشتبه الإحرام، ms511 والنهي فيه يعم التابع ~~والمتبوع. # ولا اعتكاف إلا بصوم، هكذا روي عن عائشة وابن عباس. # واعتكاف المرأة في بيتها أفضل لصلاتها. وإن اعتكفت في المسجد وضرب لها ~~خباء فجائز؛ لأن الرسول ^ قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»، وبيوتهن ~~خير لهن. # والمستحب منه الاعتكاف، وشهر رمضان يجزئ بالموافقة ليلة القدر. وفي ~~الرواية أن رسول الله ^ /479/ «اعتكف العشر الأوائل من رمضان، ثم اعتكف ~~العشر الأواخر، وقال: «إني أعتكف العشر الأوائل ألتمس هذه الليلة، ثم أعتكف ~~العشر الأواسط، ثم أنبئت فقيل لي: إنها في العشر الأواخر، فمن أحب منكم أن ~~يعتكف فإني أريتها ليلة وإني أسجد صبيحتها في ماء وطين»، فأصبح من ليلة ~~إحدى وعشرين، وقد قام إلى الصبح فمطرت السماء فوكف المسجد، وخرج حين فرغ من ~~صلاته وجبهته وأنفه في الماء والطين بأثارته ^. وهذا يدل على أن ليلة القدر ~~تكون في أوله وأوسطه وآخره، وتلك السنة كانت ليلة إحدى وعشرين. # وفي بعض الحديث قال: «ومن يطلبها فلا يطلبهاإلا في العشر الأواخر». وقد ~~قيل: إنه قال: «التمسوها من العشر الأواخر في تسع يبقين، أو سبع يبقين، أو ~~ثلاث يبقين»، وهذا الحديث يدل على أنها في العشر الأواخر في وتر بقي منها. PageV02P271 # وقد روي «أن رسول الله ^ كان يعتكف في شهر رمضان عشرة أيام، فلما كان في ~~العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين يوما». # ولا يخرج المعتكف إلا لجمعة أو لحاجة الإنسان؛ لما روي أن رسول الله ^ ~~«لم يكن يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان»، وقد قيل: إن عائشة (ضا)* كانت إذا ~~اعتكفت لا تدخل البيت إلا لحاجتها، ولا تعود مريضا إلا مريضا على طريقها، ~~فهذه أنها لا تعود مريضا، ولا تشهد جنازة؛ فإن فعل انتقض اعتكافه. # ولا بأس أن يدخل على المعتكف ويتحدث معه بما لا إثم فيه؛ لأن الرواية عن ~~صفية زوج النبي ^ «أنها جاءت إلى النبي ^ تزوره في اعتكافه في المسجد في ~~العشر الأواخر من رمضان فتحدثت معه ساعة، ثم قامت تنقلب، وقام النبي ^ ~~معها، حتى إذا بلغت باب المسجد»؛ لأن ms512 الحديث لا يمنع شيئا من العبادات ~~كالحج والصوم، وكذلك الاعتكاف. # ولا بأس بخروجه إلى الجمعة؛ لأنها فريضة على كل نفس من أهلها، فإن خرج ~~لغيرها، أو لغير البول والغائط انتقض اعتكافه. ألا ترى أن رسول الله ^ لم ~~يكن خرج إلا لحاجة الإنسان. # وإن تجاوز المعتكف إلى مورد غير المورد الذي هو أقرب إليه فقد حفظت أنه ~~ينتقض اعتكافه. /480/ # ولا بأس برطوبة المضمضمة والغبار إذا دخل حلقه. فإذا جاوز حد الضرورة ~~انتقض صومه. وكذلك خروج المعتكف إذا تجاوز حد الضرورة انتقض. # والمعتكف لا يبيع ولا يشتري، ولا يكون همه إلا للآخرة، ولا يدخل بيتا ~~مسقفا، ولا يستأنس لحديث. ولا بأس لمن دخل معه وتحدث معه. # والمعتكف قيل: إنه يغسل رأسه ويدهن، ولا بأس لمن يتحدث عنده. # ولا تعتكف المرأة إلا بأمر زوجها. # ومن اعتكف ثم مرض رجع، فإن صح من حينه أتم اعتكافه. # والحائض إذا حاضت في الاعتكاف خرجت منه، فإذا طهرت رجعت فأتمت اعتكافها. # ولا بأس أن يخرج للأذان. # والاعتكاف لا يكون أقل من يوم. PageV02P272 # ومن نذر أن يعتكف أياما دخل المسجد قبل طلوع الفجر ليستوفي كمال أيامه في ~~المسجد، كمثل من أوجب على نفسه صوم يوم. وإن أوجب على نفسه اعتكاف أيام ~~بلياليها دخل المسجد قبل غروب الشمس، لقوله: ثلاث ليال وثلاثة أيام، وقوله: ~~في أياما معدودات. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «كنت قد أريت هذه الليلة فأنسيتها فالتمسوها ~~من العشر الأواخر»، وقد روي أن رسول الله ^ لما أراد أن يعتكف العشر ~~الأواخر، قال: «من اعتكف [معي] فليلبث في معتكفه». فإذا كان أحد وعشرون ~~فليرجع إلى مسكنه، ثم قام في شهر جاوز تلك الليلة التي كان يراها فيها حين ~~أراد أن يعتكف العشر الأواخر. وفيه ما دل على خروجه بعد غروب الشمس. # ومن أوجب على نفسه اعتكاف ليلة؛ فليس عليه؛ لأنه لا يكون إلا بصوم ولا ~~صوم في الليل. # ولا يعتكف أحد عن أحد؛ لأن الله قال: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}، ~~وقال: {لتجزى كل نفس بما ms513 تسعى}. # وإن وطئ النساء في اعتكافه فسد اعتكافه وعليه الكفارة. وإن كانت هي ~~معتكفة فوطئها فعليه الكفارة وفسد اعتكافها، وإن استكرهها فعليه كفارتها. # ومن نذر أن يعتكف شهرا فإنه يكون في المسجد مذ تغرب الشمس من أول ليلة من ~~الشهر، إلى أن يتم الشهر من الأوقات التي نذر إلى هلال الشهر. # وإن طول القيام والصدقة والصلاة مخشعة للقلب، ما لم تر في نفسك أنك خير ~~من أخ لك كان لا يجتهد مثل الذي تجتهد. # وإن الاقتصاد في المركب والملبس والمطعم والهيئة كلها والتواضع /481/ حسن ~~في عمل الآخرة، ما لم تر أنك خير من أخ لك كان يصيب بعض ما لا يصيب. # وإنك لن تجد أحدا [إلا] وأنه يزعم أنه يحب الله، وإنما يحب الله من أحب ~~طاعته ثم عمل بها، وأبغض سخطه ثم اجتنبه. PageV02P273 # ولن تجد أحدا إلا أنه يحب الجنة، وإنما يحب الجنة من أحب سبيلها ثم سلكه، ~~وسبيلها التقوى والأعمال الصالحة، وكيف يحب الجنة من ترك سبيلها. # ولن تجد أحدا إلا وأنه يقول: إنه يبغض النار ويكرهها، وإنما يبغض النار ~~من يبغض سبيلها، وسبيلها الخطايا والمعاصي والسيئات. # [كتاب الأيمان والنذور] # 103- باب: # مسألة: في الأيمان # - وسأل عن الأيمان التي تجب لها الكفارة؟ # قيل له: هو كل ما حلف بالله على شيء وأقسم به ثم حنث أو حلف كاذبا، فهي ~~التي تلزم فيها الكفارة. # ولا كفارة في يمين أقسم فيها بغير الله. وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «إن ~~أحب إلى الله أن لا يحلف إلا به، وإذا حلفتم فاصدقوا»، وقد قيل: «من حلف ~~فليحلف بالله أو ليصمت»، وقد قال الله تعالى: {ولا تجعلوا الله عرضة ~~لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم}. # وقد قيل: من حلف على ألا يفعل شيئا مما له فيه الثواب فليفعل ولا يعتل ~~باليمين، ويكفر يمينه ويأتي ذلك، مثل صلة الرحم والإصلاح والخير. قال النبي ~~^: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر يمينه وليأت الذي هو خير» ~~فعلى هذا لا ms514 يعتل باليمين، قال الله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو في ~~أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان}. PageV02P274 # وعقد اليمين: من حلف بالله ويعقد يمينه على شيء أن يفعله فيفوت فعله أو ~~على ألا يفعل شيئا ثم رأى فعله أصلح له، أو يحلف على أنه صادق فإذا هو كاذب ~~في يمينه؛ فقد حنث، أو يتعمد على يمينه كاذبا؛ فهذه الأيمان فيها الكفارة، ~~وهي القسم بالله، مثل قوله: والله، وبالله، وأيم الله، ولعمر الله، وأقسمت ~~بالله، ورب الكعبة، وربي وربك، وإي وربي، وإي والله، ومعاذ الله، وما كان ~~مثله قسم بالله. # فإذا حلف بالله وعقد اليمين ثم حنث فعليه كفارة، كما قال الله: {ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان}. وكفارتها: إطعام عشرة مساكين من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم كما قال الله، {أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ~~ثلاثة أيام}. # فالعبد مخير بين الثلاث من: الطعم والكساء /482/ والعتق والصوم. فإن أعتق ~~كان أفضل. وإن كسا فلكل مسكين ثوب يكفيه للصلاة. وإن أطعم فلكل مسكين نصف ~~صاع برا أو ثلاثة أرباع ذرة. وإن كان إطعام أطعم أوسط ما يطعم أهله، ~~ويطعمهم أكلتين غداء وعشاء، ويطعمهم حتى يقولوا: إنهم قد شبعوا. # وإن أطعم أكلة بعد أكلة في يومين فذلك جائز. # وإن أطعم بعضا في وقت والباقين في وقت آخر جاز إذا أكمل ما لزمه. # وإن أعطى شيئا بعد شيء أجزأه، ويطعم من يأخذ حوزته من الطعام. # وإن أعطى حبا أعطى من الفطيم فصاعدا. وبعض قال: أن يعطى للصبي أبوه. ~~وبعض: لم ير ذلك جائزا. # ومن أعتق صبيا عاله حتى يبلغ، وإن مات جعل نفقته في عتق أجزأ، وعال به ~~صبيا آخر أجزأ، والبالغ أزكى. # وقد أجاز بعض عتق أعور بعين. وقال قوم: يعتق رقبة مؤمنة تقدر على ~~المكسبة، قد صلت الخمس، وإن أقرت بالإسلام فجائز. ولا نقول بعتق يهودي. PageV02P275 # فهذه كفارة يمين مرسلة، وهي كفارة لكل يمين، قال الله تعالى: {ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم}، فعم بذلك جميع الأيمان. # فهي كل يمين حلف بها ms515 العبد إلا ما كان مخصوصا من الأيمان مثل: الظهار ~~والصدقة والحج والعتق ومثله. قال الله تعالى: {واحفظوا أيمانكم} إذا حلفتم، ~~فعليه حفظ يمينه حتى يكفرها. # ومن حرم زوجته على نفسه بيمين حلفها فهذه كفارتها. وقد قيل: إن النبي ^ ~~حرم جاريته مارية على نفسه، فأنزل الله تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم ما ~~أحل الله لك}، وقال: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} التي في سورة المائدة. ~~فأعتق النبي ^ وجامع جاريته بعد ذلك. # ومن حلف فقال: وربي وربك، ورب المصحف، ورب الكعبة، ورب المسجد الحرام، ~~ورب الحلال والحرام، ورب الحق؛ فكل هذا يمين إذا ذكر الله وحنث لزمته ~~كفارة. ومن حلف بغير الله فلا كفارة عليه. # ومن قال هو: مشرك بالله، أو مقته الله، أو أخزاه الله، أو غضب عليه، أو ~~لعنه الله، أو قبح الله وجهه، أو أدخله الله نار جهنم، أو عذبه الله في ~~الآخرة، أو لا أدخله الله في الجنة، أو لا رحمه الله في الدنيا والآخرة، أو ~~هو يهودي أو نصراني، أو بريء من الله، أو الله بريء منه، أو بريء من محمد، ~~أو من دين محمد، أو يعبد الشمس أو القمر، ويريد بذلك الخروج من الإسلام ~~فهذا كله فيه الكفارة مثل اليمين المرسلة. /483/ واختلفوا في ذلك. # وقال آخرون: هي يمين مغلظة: صوم شهرين، أو إطعام ستين مسكينا إن لم يجد ~~عتقا، وجعلوه مخيرا في هذين (الطعم والصوم). وإن قدر على العتق وقد صام ~~أجزأ عنه. PageV02P276 # وأما الذي يقول هو: ملعون، أو مشرك، أو يصلي إلى المشرق، أو مقبوح، أو ~~نحو هذا؛ فلا كفارة عليه حتى يريد الخروج من الإسلام، أو يذكر الله، فإن ~~قال: تالله، أو من الله كان عليه كفارة. # وإن قال: وحق محمد، وحق الكعبة، وحق رأسه، وحق أبويه، وحق شيء مما لا ~~يذكر الله فيه؛ فليس في هذا يمين. # فأما إن قال: أقسمت عليك؛ فقد قيل: يمين. وقيل: ليست بيمين حتى يقول: ~~أقسمت بالله، كما قال الله: {وأقسموا بالله جهد أيمانهم}. # فإن احتج ms516 بقوله: {إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين} فإن ذلك أخبر عنهم أنهم ~~أقسموا بالله، وكنى عن ذكر الله لعلهم إنما أقسموا بالله، ولم نر ذلك يمينا ~~حتى يقسم بالله. # وقد اختلفوا فيمن يقدم الكفارة قبل الحنث؛ فقال قوم: يجزئه؛ لقول النبي ~~^: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو ~~خير». وقال قوم: لا يجزئه أن يقدم؛ لأن الحنث به تجب الكفارة. # فمن حل عقدة عقدها على نفسه وجبت كفارتها عليه. قوله: «يكفر عن يمينه» في ~~التقديم للكلام والتأخير مكانه، يقول: «يأت الذي هو خير ويكفر عن يمينه»، ~~إلا الظهار فإنه لا تجزئه الكفارة إلا بعد الحنث. # وليس له أن يجامع قبل أن يكفر إذا لزمه الظهار. # ومن حلف بالصدقة والعتق والحج والصوم والطلاق والظهار فهذا كله يلزمه إذا حنث. # ومن حرم على نفسه الحلال كفر يمينا مرسلة. # ومن حلف بعهد الله ثم حنث كفر. قال الأكثر: مغلظة. وقال قوم: مرسلة. # ومن جعل على نفسه صوم شيء ثم لزمه حنث لزمه ذلك. PageV02P277 # وكذلك من جعل شيئا من ماله صدقة لزمه ذلك كله إذا كان أقل من الثلث. وإن ~~زاد على الثلث رجع إلى العشر إذا قال: للفقراء. واختلفوا إذا قال: ماله ~~صدقة ولم يذكر الفقراء. فقال قوم: يمين. وقال آخرون: يخرج العشر؛ لأن ~~الصدقة معروف أهلها. # ومن أوجب على نفسه مائة حجة وحنث لزمه ذلك، وإن لم يقدر فعن بعض: أنه ~~يصوم لكل حجة شهرين، وإن قدر حجة. # وإن حلف بالحج ماشيا ولم يقدر أحج آخر معه راكبين. # وإن حلف /484/ بثلاثين حجة على معنى واحد أو على معان ثم حنث فعليه ما ~~جعل على نفسه من الحج على ما عرفت. # وإن حلف بثلاثين عهدا فلا شيء عليه حتى يحلف بعهد الله. وإن حلف بثلاثين ~~عهدا لله ثم حنث فعليه ثلاثون كفارة. وقد قيل: كفارة واحدة. # وأما من حلف على معنى واحد بثلاثين مرة أو ثلاثين يمينا في مقعد أو ~~مقاعد؛ فقال الأكثر: يمين واحد إذا كان على ms517 معنى واحد، وإن اختلفت الأيمان ~~فكل يمين كفارة، ولو كان على معنى واحد. وقال قوم: لكل يمين كفارة، وإن ~~اختلفت المعاني فلكل يمين كفارة. # وإذا حلف بعهد الله أو بالله، أو لعنه الله؛ فقال قوم: لكل يمين كفارة ~~إذا كان على معنى. وقال قوم: عليه الحج وكفارة اللعنة لكل يمين كفارة. # وأما من يستحق أن يعطى الكفارة فهو على كل فقير من المسلمين. # والفقير: من يملك أقل من مائتي درهم فليأخذ من الصدقة. وقال قوم: إذا لم ~~يكن معه ما يكفيه ويكفي عياله من ثمرة إلى ثمرة ولمؤونتهم ولكسوتهم، ويفضل ~~معه شيء نحو خمسة عشر درهما فهو فقير ويأخذ من الصدقة والكفارة، والله أعلم. PageV02P278 # والمسكين جائز أن يعطى من كفارة الأيمان ولمن يعول، على قول من أجاز أن ~~يعطي لمن يعول من أولاده. وإن كانت الكفارة غير مميزة لكل يمين لم يعط إلا ~~مرة واحدة كفارة يمين. وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «لا تحلفوا بآبائكم ولا ~~بالطواغيت ولا بالكعبة». وقد أجازوا في الكسوة عمامة وخمارا للمرأة. # ومن قال: معاذ الله، أو لعمر الله، أو أشهد بالله، أو والله علي شاهد؛ ~~فهذا على ما وجدنا يمين. وأرجو أن في قوله: معاذ الله اختلافا. # ومن قال لشيء قبيح: بالله ما أحسنه، وهو ليس بحسن؛ قال قوم: هي يمين، ~~فانظر في ذلك. # ومن قال: لا إله إلا الله ما أحسن هذا؛ فقد قيل: يمين، إذا لم يكن حسنا ~~مثل الأولى. # ويكفر يمينه إذا حنث حيث أراد من البلاد، ولا يذهب يطلب رخص السفر. # ومن حلف واستثنى في يمينه "إن شاء الله" متصلا باليمين نفعه استثناؤه. ~~وإن قطع بين اليمين والاستثناء بكلام أو سكوت لم ينفعه الاستثناء. # ومن قدم الاستثناء قبل اليمين أو أخره بعدها فكله سواء، وقد قال الله: ~~{سنقرئك فلا تنسى * إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى}، وقال: {وما ~~يذكرون إلا أن يشاء الله}، وقال: {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله}، وقال: ~~{خالدين فيها إلا ما شاء الله}، ms518 /485/ وقال: {لتدخلن المسجد الحرام إن شاء ~~الله آمنين محلقين رؤوسكم ومقصرين}، فهذا في الاستثناء، وهو يهدم الأيمان ~~كلها إلا أيمان الطلاق والعتاق والظهار والنكاح فلا ينفع في هذه الخصال ~~الاستثناء، ويثبت ولا ينهدم به، كقوله: امرأته طالق إن شاء الله، أو عبده ~~حر إن شاء الله، أو امرأته عليه كظهر أمه إن شاء الله؛ فهذا لا ينفع فيه ~~الاستثناء وقد شاء الله. PageV02P279 # فأما من قال: إن امرأته طالق إن شاء الله، فهذا لا ينفعه الاستثناء في ~~مثل هذا. # ومن حرم حلالا فإنه يحنث حيث ما قال. # وإن قال لطعام حلال: هو عليه حرام إن أكله، وبيته هذا حرام عليه إن دخله. ~~فلا يحنث حتى يدخل ويأكل. # واختلفوا فيمن قال: علي يمين لا أفعل كذا وكذا، ولم يكن حلف بشيء؛ فقال ~~قوم: هي يمين. # وإن قال: حلفت لا أفعل كذا وكذا وهو كاذب فعليه يمين. ومن قال: هو من ~~الظالمين، أو من المشركين ، أو من الملعونين، أو من المنافقين، وما كان ~~مثله فعليه الكفارة إذا حنث؛ قال قوم: كفارة يمين مغلظة. وقال آخرون: يمين ~~مرسلة. وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «من استعاذ بالله فأعيذوه، ومن سأل ~~بوجه الله فأعطوه» إلا أن يسأل ما لا يستطاع. # ومن قال: لا أدخله الله الجنة، أو لا زوجه من الحور العين، أو لا أراه ~~الله في الآخرة وجه محمد ^، أو لا أراه الله الملائكة إن فعل كذا وكذا، ثم ~~حنث؛ فقد قيل: إن عليه الكفارة، وهي مثل اليمين. # والذي يقول: هو كافر بالقرآن أو بالصلاة أو بالصيام لشهر رمضان، ثم حنث ~~فعليه كفارة في هذا أو أشباهه؛ فقال قوم: مغلظة. وقال من قال: مرسلة. # ومن حلف أن يصلي اليوم كله فصلى اليوم كله إلا الأوقات التي لا تجوز فيها ~~الصلاة من اليوم فإنه يحنث؛ لأنه لم يصل اليوم كله. وإن صلى اليوم كله لم ~~يحنث وعليه التوبة إذا صلى في وقت لا تجوز له الصلاة فيه. # ومن حلف أن يضرب غلامه، وأن يعطي فلانا ms519 فلم يعطه ولم يضرب حتى مات العبد ~~حنث، ولم ينفعه ضربه بعد موته. # ومن حلف لا يأكل لحم هذه الشاة، فأكل منها بعد أن ماتت حنث. ولعل بعضا ~~يقول: حتى يأكله كله. وأقول: إن ذلك حكمها قد زال بالموت، واسأل عن ذلك ~~وانظر فيه. PageV02P280 # ومن حلف أنه يعطي فلانا فمات قبل أن يعطيه؛ فقد قيل: يعطي الورثة. وقد ~~قيل: إنه يحنث. # ومن حلف لقد /486/ صلى الهاجرة، أو قد تزوج، أو قد أوفى فلانا درهما، ~~وكان قد صلى صلاة فاسدة، أو تزوج المرأة وهي أخته من الرضاعة، وكان الدرهم ~~الذي أعطاه فلانا زيفا؛ فإنه يحنث في هذا كله. # ومن حلف لا يذهب إلى النهر أو إلى السوق، فخرج على جنازة ومر على النهر ~~ومر على السوق؛ فلا يحنث حتى يذهب إلى حال. # ومن حلف لا يأتي باب فلان ولا يأتي السوق، فمر عليهما وهو متبع جنازة؛ ~~فقد حنث. # وإن حلف لا يخرج إلى بلد فلانة، ولا يذهب إلى بلد، أو لا يمضي إلى بلد ~~فلانة، فخرج إلى بعض الطريق ثم رجع؛ فإنه يحنث؛ لأنه قد خرج. وقد قيل: إذا ~~خرج من باب داره خارجا إلى بلد فلانة حنث، وإذا انقلب ذاهبا أيضا حنث في ~~يمين الذهاب والمضي إذا خطا خطوة حنث، ولو لم يصل. # ومن حلف أنه يأتي الكعبة أو يأتي فلانا، أو يأتي البحر؛ فإذا أتى الكعبة ~~أو فلانا أو البحر ونظر إلى ذلك فقد بر وإن لم يمسه. # ومن حلف لا يأوي إلى فلان فأتاه نهارا حنث؛ لأن الإيواء يكون ليلا ~~ونهارا، قال الله تعالى: {أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت}، ~~و{آوى إليه أخاه}، فقد يكون ليلا ونهارا. # ومن حلف لا يكتم فلانا درهما ولا دينارا فكتمه أحدهما حنث. # وإن حلف لا يكتمه درهما ودينارا فكتمه أحدهما لم يحنث. # ومن حلف لا يكلم فلانا وفلانا فكلم أحدهما لم يحنث حتى يكلمهما جميعا. # وإن حلف لا يكلم فلانا أو فلانا فكلم أحدهما حنث، فكلما كلم واحدا حنث ~~بإدخال ms520 الألف في إفراد بعضهم عن بعض. # ومن حلف لا يفعل شيئا مما يمكنه أن يفعله مرة بعد مرة، وقد كان فعل ذلك؛ ~~فلا يحنث حتى يفعل بعد اليمين. وإن حلف لا يفعل مرة واحدة وقد كان فعل، حنث. PageV02P281 # ومن حلف لا يدخل هذا البيت وقد كان دخله فلا يحنث حتى يدخله مرة أخرى، ~~كقوله: لا يذبح هذه الشاة وقد كان ذبحها وماتت. # وإن حلف لا يدخل هذا البيت فأدخل رأسه حنث. وقد قيل: ما دخل منه، ولا ~~يحنث حتى يدخل منه شيء. # وإن حلف أنه يدخله فاليمين معلقة عليه ما زال حيا. وإن مات ولم يدخله ~~حنث، إلا أن يحلف على زوجته أو شيء يلزمه فيه الإيلاء. # وإن حلف لا يدخل هذا البيت وهو فيه، فإنه إن لم يخرج مع فراغه من اليمين ~~حنث. وكذلك إن حلف لا يلبس هذا الثوب /487/ وهو عليه فإنه إن لم يلقه مع ~~فراغه من اليمين حنث. وإن كان قد فعل شيئا من ذلك فلا يضره. # وإن حلف لا يلبس غزل امرأته فما لبس منه حنث. وإن حلف لا يلبس ثوبا من ~~غزل امرأته فلبس ثوبا فيه من غزل امرأته شيء لم يحنث حتى يلبس ثوبا من غزل ~~امرأته. # وإن أعطت من غزل فذلك من غزلها، إلا أن يعني ما غزلت بيدها. # وإن حلف لا يأكل خبز امرأته، فصنجت وطرح الخبز غيرها حنث إن أكله؛ لأنها ~~خبزت. وإن عجنت وخبز غيرها لم يحنث. وإن أعطت غيرها وأمرته أن يخبز لها ~~وأكل حنث؛ لأن أمرها فعلها إلا أن ينوي خبز يدها دون غيره. # وإن حلف أن لا يصلي خلف فلان فإذا دخل في الصلاة معه حنث. # وإذا حلف لا يأكل من مال فلان من موضع قد حده فزال ذلك الموضع عن فلان ~~فلا يأكله، فإن أكله أو أكل منه حنث؛ لأن هذا من المحدود. # وإذا حلف لا يأكل من مال فلان فأهدى إليه هدية وقبضها فقد زال من مال ~~فلان وصارت له فلا يحنث. # فإن حلف ms521 لا يأكل من مال فلان مرسلا، فلا يأكل منه، ولا من بديله، ولا من ~~ثمنه؛ لأن ذلك من مال فلان. # وإن حلف لا يأكل من مال فلان من شيء محدود جاز له أن يأكل من بديله، فأكل ~~منه لم يحنث على قول. وقول آخر: إن بديله منه ويحنث. PageV02P282 # وأما إن حلف على شيء محدود ألا يأكله فأكل منه لم يحنث حتى يأكله كله، ~~وإن بادل به أكل من بديله. فأما غير المحدود إذا حلف ألا يأكله فأكل منه ~~شيئا حنث. # والذي يحلف ويقول: عليه المشي إلى بيت الله الحرام، أو إلى قبر النبي ^، ~~أو إلى بيت المقدس فقد يلزمه ذلك. وأيمان الغيب كلها حنث. # ومن حلف لا يذوق، فإذا ذاق فقد حنث. # ومن حلف لا يأكل العيش فأكل وشرب حنث؛ لأن ما يعاش به عيش. # وإن حلف لا يأكل الطعام فأكل الإدام لم يحنث على قول. وقول: يحنث. # فإن حلف لا يأكل الإدام فأكل الخل حنث؛ لأن الخل إدام، قال النبي ^: «نعم ~~الإدام الخل». # وإن حلف بالحج وقال: كلما عطش يرجع يشرب من عمان، فيهدي بدنة ويحج. # ومن حلف بالمشي ولم يقدر يمش حج راكبا وحج آخر معه. # ومن حلف لا يأكل اللحم أكل /488/ الشحم، وقال قوم: لا يأكله. # ومن حلف لا يأكل الشحم أكل اللحم الخالص من الشحم. وقال آخرون: لا يأكله؛ ~~لأن الشحم لا يخلص من اللحم. # وإن حلف لا يأكل من لحم شاة محدودة فلا يأكل شحمها؛ لأن الشحم من اللحم ~~يخرج. وأحب أن يأكل الشحم الخالص من اللحم؛ لأن الله تعالى حرم على اليهود ~~الشحم وأحل لهم اللحم، وجعل هذا غير هذا، واللحم اسمه لحم، والشحم اسمه ~~شحم، فمن ذهب إلى الأسماء لم يلزمه حنث في ذلك. # وإن حلف لا يأكل اللبن أكل السمن والزبد. وقال قوم: لا يأكله. ومن حلف لا ~~يأكل السمن أكل اللبن. وقال قوم: لا يأكله، وقال قوم: يأكل اللبن حليبا. ~~وقد اختلفوا في ذلك. واللبن اسمه لبن، والسمن اسمه سمن، وكل ms522 واحد منهما ~~بائن بالتسمية عن الآخر. # وإن حلف لا يأكل لبن هذه الشاة لم يأكل سمنها. وإن حلف عن سمنها لم يأكل ~~لبنها. وقال قوم: يأكله؛ لأن هذا اسمه لبن، وهذا اسمه سمن. PageV02P283 # وإن حلف لا يأكل التمر أكل العسل والخل. وقال قوم: لا يأكله؛ لأنه منه. ~~والتمر غير الخل والعسل، وفيه اختلاف. # وإن حلف لا يأكل تمر نخلة قد حدها لم يأكل خلها ولا دبسها. # وإن حلف لا يأكل دبس نخلة أكل تمرها. وقال قوم: لا يأكله؛ لأن الدبس لا ~~يخلو من التمر. # وإن حلف لا يأكل تمر نخلة أكل بسرها ورطبها. # وإن حلف عن بسر نخلة لم يأكل رطبها ولا تمرها؛ لأنه من بسرها. # وإن حلف لا يأكل بسر نخلة وليس فيها بسر فلا يأكل بسرها ما حملت. # وإن حلف لا يأكل بسرها وفيها بسر؛ فإنما يحنث في هذا البسر الذي حلف عليه وحده. # وإن حلف على تمر محدود لم يأكل خله ولا دبسه، والاختلاف في غير هذا ~~المحدود. # ومن حلف على شيء محدود لا يأكله أكل بديله. # وإن حلف لا يأكل شيئا حده، فأكل منه لم يحنث حتى يأكله كله. # وإن حلف لا يأكل منه فمهما أكل منه حنث. وإن أكل من بديله حنث، وقال قوم: ~~لا يحنث. # وإن حلف لا يفعل شيئا أو لا يأتي شيئا فأكره ووقع فيه على الغلبة لم ~~يحنث؛ لأنه مغلوب. وفي الكره اختلاف. وإن دخله أو فعله ناسيا حنث؛ لأنه لم ~~يقصد إلى العمد دون النسيان، ولعل بعضا لا يراه حانثا. # واختلفوا فيمن قال: ماله صدقة على الشياطين والأغنياء: قال قوم: لا شيء ~~عليه. وقال قوم: عشره للفقراء. # وإن قال: ماله صدقة على الجن؛ فعشره عند أصحابنا للفقراء من الإنس. وإن ~~قال: /489/ على ما لا يحصى من الكثرة فهو للفقراء. وإن قال: على العصاة ~~والفاسقين وشراب الخمر؛ فعشره للفقراء، وفي العصاة اختلاف. # وإن قال: ماله صدقة على المماليك فيعطي عشره للفقراء. وإن قال: على ~~الصبيان فهو للفقراء من الصبيان. وإن قال: ms523 ماله صدقة على فقراء مكة فعشره ~~يهدى إليهم. وإن قال: ماله صدقة لفقراء مكة فهو كذلك لهم خصوصا. PageV02P284 # وإن قال: ماله صدقة على الفقراء بالبصرة؛ فهو كذلك. وإن قال: صدقة على ~~البصرة؛ فيفرقه في البصرة. وسل عن ذلك. # ومن حلف بصدقة ماله ثم حنث قوم العدول ماله قيمة وسطا، ويخرج عشره فيفرقه ~~على الفقراء. وقد قيل: يرفع دينه العاجل والآجل؛ لأن ماله لدينه، وإنما ~~الصدقة فيما يبقى، ويقوم ماله غير ثيابه التي عليه يلبسها. وإن كان له دين ~~آجل أخرج عشره إذا قبضه. وإنما يقوم ماله يوم حلف. فإن لم يعرف قوم ماله ~~يوم حنث. ويخرج عشره وليس عليه عشر الغلة إلا غالة في يده يوم الحنث؛ لأن ~~اليمين إنما تجب يوم حنث. ألا ترى أنه لو حلف ولا مال له ثم حنث وله مال، ~~كان عليه أن يخرج عشره. ولو حلف وله مال ثم حنث ولا مال له فلا صدقة عليه. # وإن تصدق بثلث ماله أو أقل أخرج ذلك، فإن تصدق بأكثر من ثلثه رجع إلى ~~عشره عند أصحابنا؛ لأن الصدقة عندهم عشر. # وإن تصدق بعبد أو ثوب أو أرض معروفة، وكان ذلك يخرج من الثلث من ماله ~~أخرج قيمة ذلك كله. # وإن جعل ماله في السبيل فذلك مجهول. وقال قوم: ثابت يخرج عشره. # وإن قال: ماله في سبيل الله، أخرج عشره إذا حنث لمن جعله له. # وإن قال: جميع ما يملكه صدقة، فالعشر يخرجه ولا يرفع له شيء. # وإن حلف عن حب لا يأكل منه، فبذر ونبت فأكل من ثمره فلا حنث عليه؛ لأن ~~هذا غير ذلك. وإن كان فيها رأي آخر. # وإن حلف لا يشرب لبنا فأكل خبزا مثرودا بلبن حنث، أو موضوعا فيه إلا أن ~~يعني الشرب بعينه إذا كان اللبن محدودا. # ومن حلف لا يضحي في بلده فخرج في ليلة الأضحى ويومها فقد بر. # ومن حلف لا يشتري شعيرا فاشترى برا فيه شعير لم يحنث إذا كان قصده البر. # ومن حلف لا يشتري حديدا فاشترى ms524 بابا فيه حديد، أو حلف /490/ لا يشتري ~~خشبا فاشترى دارا فيها خشب، فإنه لا يحنث. # ومن حلف لا يأكل الشعير فأكل خبز بر فيه شعير حنث. PageV02P285 # ومن حلف لا يأكل خبز شعير فأكل خبز بر فيه شعير لم يحنث. # وعن امرأة حلفت: لأتزوج رجلا له امرأة، فطلق الرجل زوجته واحدة ثم تزوج ~~بها، ثم راجع امرأته أنها لا تحنث. # ومن حلف ليتزوجن فتزوج امرأة حرة أو أمة أو ذمية، فقد بر ولو لم يجز بها. ~~فأما إن تزوج يتيمة صبية فإنه لا يبر حتى تبلغ وترضى به. # ومن حلف وقال: هو محرم بالحج فعليه يمين، إلا إن كان في أشهر الحج فعليه الحج. # والصبي إذا حلف وهو صبي، وحنث وقد بلغ فبعض: ألزمه اليمين، وقال قوم: لا ~~يلزمه. فأما إن حنث وهو صبي فلا كفارة عليه. # وإن حلف لا يشارك زيدا فأصبح المال مشتركا من قبل إرث أو غير ذلك؛ فإنه ~~لا يحنث؛ لأنه ليس من فعله، إلا أن يرضى بمشاركته. # والذي حلف لا يحضر لأخيه فرحا ولا ترحا فمات أبوه وحضر جنازته فلا حنث ~~عليه؛ لأنه لم يحضر لأخيه إنما حضر لنفسه، فانظر في ذلك. # وإن حلفت امرأة أن لا تدخل بيتا فيه مأتم، فزارت أمها فدخلت البيت وفيه ~~مأتم فإنها تحنث. وإن حلفت لا تأتي مأتما فأتت البيت وفيه مأتم حنثت. وإن ~~حلفت لا تذهب إلى مأتم فأتت بيت أمها وفيه مأتم فلا تحنث؛ لأنها لم تذهب ~~إلى المأتم إنما ذهبت إلى أمها. # 104- باب: # مسألة: في النذور # - وسأل عن النذر الواجب؟ PageV02P286 # قيل له: النذر الواجب هو كل ما كان طاعة لله في جميع ما نذر به أن يفعله ~~مما كان فيه مطيعا لله، فهو النذر الواجب الذي قال الله: {يوفون بالنذر ~~ويخافون يوما كان شره مستطيرا}، فهو النذر الذي يجب الوفاء به بناطق ~~الكتاب، وهو أن يقول: ولئن رزقني الله مالا لأحجن العام، ولئن ولد لي غلام ~~لأصومن كذا وكذا ولأصلين، ولئن قدم فلان من سفره أو صح ms525 فلان من مرضه لأطعمن ~~كذا وكذا أو لأتصدقن أو لأعطين فلانا؛ فهذا هو النذر الواجب إذا فعل له ما ~~قال من ذلك، فقد ذكر الله: لئن فعل الله لي لأفعلن كذا وكذا. وكذلك لو قال: ~~اللهم افعل لي كذا وأنا أفعل كذا وكذا فهو نذر. # وإن قال: يا رب، أو يا مولاي، افعل لي كذا وكذا، وأنا أفعل كذا وكذا. # وإن قال: علي لله نذر لئن قدم فلان لأتصدقن /491/ بكذا وكذا فهكذا ومثله ~~من النذر الواجب. # وأما إن قال: علي نذر ولم يقل: لله، ولا من الله، فيستحب له الوفاء، وإن ~~فات الوقت تصدق بما شاء. # وإذا فات الوقت لزمه الكفارة. # وأما قوله: اللهم، فقد قال قوم: كفارتها صوم عشرة أيام، أو إطعام عشرة ~~مساكين، وقال قوم: هي مثل اليمين. # وأما قوله: علي لله نذر أو يا رب أو يا مولاي ولئن رزقني الله وأشباه ~~ذلك، فكفارته إذا حنث إطعام عشرة مساكين، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. # فأما من نذر في شيء لا يملكه أو لا يستطاع، أو في شيء يكون فيه معصية لله ~~فلا وفاء فيه، ولا يلزمه الوفاء بذلك، وقال النبي ^: «لا نذر في معصية ~~الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم، ولا في قطيعة رحم، ولا فيما لا يطيق». ~~فعلى هذا لا يلزم من نذر الوفاء، وعليه ألا يفي به. واختلفوا في كفارة ~~نذره: فقال قوم: عليه الكفارة. وقال آخرون: لا كفارة عليه، وليس عليه إلا ~~ترك ذلك. PageV02P287 # وقد نذرت المرأة الغفارية التي تحث على ناقة النبي ^ لتنحرنها، قال: ~~«بئسما جزيتيها، إنه لا نذر على العبد فيما لا يملكه، ارجعي إلى أهلك على ~~بركة الله»، ولم يلزمها كفارة. # واختلفوا فيمن نذر أن يصوم أياما بلياليها، فرأى بعضهم أن صوم الليل ~~معصية، ويصوم عددها أياما. واختلفوا في معنى الليل، فقال قوم: يصوم مكان كل ~~ليلة يوما. وقال آخرون: لا يلزمه، ومنهم من قال: يطعم عن ذلك. # فأما من نذر أن يصلي في مساجد مسماة ولا يقدر على ms526 ذلك، فإنه يصلي في مكان ~~عدد ما نذر أن يصلي في تلك المساجد. وقد قيل: يخط خطا ويصلي فيه عدد ما نذر. # وقد روي عن النبي ^ أن امرأة سألته أنها نذرت أن تصلي في مائة مسجد فقال ~~لها: «يجزيها أن تصلي في مسجد واحد مائتي ركعة»، وقد قيل: تخط مائة مسجد ~~وتصلي في كل مسجد ركعتين. # وأما من نذر أن يخرج إلى قرية قد سماها في صلة رحم، أو صلاة في مسجد، ثم ~~لم يقدر على ذلك، فإنه على قول: عليه كفارة ما حلف عليه، والكراء والمؤونة ~~يفرقه على الفقراء ويصلي في مسجد بلده. وقال من قال: عليه الكراء لذهوبه ~~يفرقه على الفقراء، وليس عليه المؤنة؛ لأنه كان يستنفق في موضعه، وليس عليه ~~كراء الرجعة؛ لأنه إن شاء أقام هنالك. ومنهم من قال: /492/ إن كان كفارة ~~نذره أكثر أخرج ذلك، وإن كان كراؤه أكثر أخرج ذلك. # وأما إن نذر أن يخرج إلى بلد في أمر لا يكون طاعة، فإنه لا يخرج ويكفر ~~نذره، وإن كان معصية فأجدر ألا يخرج، وفي الكفارة اختلاف. # وقد روي عن النبي ^ أنه مر على رجل وهو قائم بالشمس، فسأل عنه، فقيل له: ~~"إنه نذر أن يقوم بالشمس، ولا يستظل، ولا يتكلم"، فقال النبي ^: «ليصم ~~ويجلس ويستظل، فإنما عليه ما كان طاعة من الصيام». PageV02P288 # والذي نذر صيام سنة، فإنه يصوم سنة ويبدل شهر رمضان، ويوما مكان يوم ~~الفطر ويوم النحر؛ لأن ذلك تتم به السنة. # وأما إن نذر أن يصوم هذه السنة فلا بدل عليه في ذلك ولا بدل رمضان. # وإن نذر أن يصوم كل خميس أو اثنين ثم حنث فعليه أن يصوم ذلك اليوم أبدا، ~~فإن وافق ذلك اليوم يوم عيد أو عناه فيه مرض أو سفر فأفطر فعليه بدل يوم ~~مكانه، ولا كفارة عليه. وإن أفطر متعمدا فعليه الكفارة لنذره وعليه بدل ذلك ~~اليوم، ويصوم ذلك أبدا. فإن عاد وأفطر فإنما عليه بدل ذلك اليوم ولا كفارة ~~عليه؛ لأن الحنث إنما يقع مرة واحدة. ms527 # ومن نذر أن يعتكف في مسجد غير بلده قريب أو بعيد ثم لم يقدر، فإنه يعتكف ~~في مسجد بلده، وينظر بقدر كرائه ذاهبا إلى ذلك البلد فيفرقه على الفقراء ~~على قول من قال بذلك. # وقد روي عن عقبة بن عامر أن أختا له نذرت أن تحج إلى بيت الله الحرام ~~حاسرة ماشية، فسأل النبي ^ لها عن ذلك، فقال النبي ^: «مر أختك أن تركب ~~وتختمر، وتصوم ثلاثة أيام وتمشي ما أطاقت، ولا يكلف الله نفسا إلا ما ~~أطاقت». وفي موضع آخر أنه قال: «تركب، فإن عجزت أحجت أخرى معها». # وعند أصحابنا: أن من نذر بالمشي ولم يقدر يمشي أحج آخر معه، ويكونان ~~راكبين. وهذا أنه إسقاط الكفارة عن المرأة في إظهار رأسها، وأمرها أن تختمر ~~وتمشي ما أطاقت، فإن عجزت كفرت بثلاثة أيام، وتركب. والقول بالراكبين أكثر ~~في الحجة. # ومن قال: اللهم يا رب، ثم حنث فعليه كفارة واحدة، كفارة اللهم. # ومن نذر أن يسلم غائب له وهو يعطي فلانا الفقير كذا وكذا، فسلم فلان وقدم ~~من سفره، وذلك الفقير قد مات فإنه إن أتم ذلك للفقير لحال نذره كان أحب ~~إلي./493/ واختلفوا في كفارة نذره حيث لم يعطه. PageV02P289 # وإن نذر أن يعطي فلانا وهو غير فقير ومات كفر نذره؛ لأنه لا نذر على غني. # ومن نذر إن عافى الله فلانا فله كذا وكذا في مالي، فصح ثم مات وقد وجب له ~~النذر فأحب أن يعطي ورثته ذلك. # وفي بعض الكتب: أن من نذر ألا يتكلم ولا يقعد ولا يستظل أنه يطعم للكلام ~~مسكينا ويتكلم ويمضي صومه، ويطعم للقيام مسكينا، ويفعل كالمرأة التي نذرت ~~أن تحج ماشية ناشرة شعرها أن عليها المشي وتغطي رأسها وتطعم عن ذلك مسكينا ~~أو مسكينين. # وقد قيل في الذي نذر أن يصوم شهرين متتابعين ولم يستطع الصوم: إن له أن ~~يطعم عن كل يوم مسكينا، وقد وجدت في الأثر كذلك إذا لم يقدر على الصوم. # والاستثناء أرجو أنه جائز في النذر، مثل ما يجوز في الأيمان، ms528 والاستثناء ~~غير ما وصفنا في الطلاق والظهار والعتاق والنكاح. # وقد قال الله: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا * إلا أن يشاء الله}، ~~فمن استثنى نفعه إذا كان متصلا بما أراده من اليمين وغير ذلك. وإذا كان ~~الاستثناء متصلا على اليمين كان الإجماع باطلا. # وقد وجدنا الاستثناء على ضربين: استثناء البعض من الجملة، واستثناء الكل ~~إبطال الكل. فأما إذا استثنى البعض، فهو أن يقول: علي لفلان مائتا درهم إلا ~~خمسة دراهم، وأجمعوا أن هذا لا يصح إلا أن يكون موصولا بالإقرار فيصح، وقد ~~قال الله: {فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما}. # وكذلك إذا استثنى بقوله: إن شاء الله؛ فإن استثناءه لا يصح حتى يكون ~~موصولا باليمين في النفس. # وقد قلنا: إن الإطعام عشرة مساكين عددا كما قال الله، ولا يجزئ إطعام ~~واحد عشرة، وتركنا قول من خالفنا في هذه المسألة. # والاختلاف في قولهم: أقسمت وحلفت. PageV02P290 # ومن حرم على نفسه الحلال فذلك يمين، كما قال الله: {يا أيها النبي لم ~~تحرم ما أحل الله لك}، وقال: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم}، فجعل اليمين ~~على من حرم على نفسه الحلال وفرض لهم تحلتها، فأعتق النبي ^ لهذه اليمين. # فأما قول الرجل لطعام حلال: هو علي مثل الخمر والخنزير والميتة فذلك -على ~~قول- لا يكون يمينا؛ لأنه لا يحل له ذلك إلا في حالة الاضطرار إليه. وإنما ~~تجب اليمين على من حرم على نفسه الحلال تحريما على الأبد. /494/ # وكذلك من قال: الحرام له حلال على الأبد، فذلك يكون بمنزلة اليمين. ألا ~~ترى أن من قال لزوجته: هي عليه كمجوسية أنه يكون ظهارا. ومن قال: كهذه ~~المجوسية أنه لا يكون ظهارا؛ لأنها يمكن أن تسلم ويتزوج بها، وإنما وقع ~~التحريم على الأبد في كل شيء. # وأما من جعل ماله صدقة؛ فإنه يتصدق بعشره في قول أصحابنا، ولم نأخذ بقول ~~من قال بخلاف ذلك. وإنما تجب الصدقة في الذي تجب فيه الصدقة دون غيره. # وإذا حلف بالحج أو الصيام أو الصلاة فحنث لزمه ما حلف ms529 عليه؛ لأنه حلف على ~~ما يقدر عليه، ولا تجزئه الكفارة. # وكذلك ما أجمعوا أنه لو أوجب الحج على نفسه من غير واجب أو صيام أو صدقة ~~أو صلاة فعليه الوفاء بذلك، قال الله: {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم}، وقال: ~~{وليوفوا نذورهم}. ومن ذلك: من حلف بالطلاق أو العتاق لزمه إذا حنث، ولم ~~تجزه الكفارة. وكذلك الحج وما سواه من القرب. والدليل على ذلك لو أرسل ~~الطلاق ولم يقيده يعني أن امرأته تطلق. وكذلك العتق. وكذلك إذا علقه بمعنى ~~أو علاقة، فوجدت العلاقة عند وجود الطلاق والعتاق وجب ذلك، والله أعلم وبه ~~التوفيق للصواب. # [كتاب الفرائض ] # 105- باب: # مسألة: في الفرائض وقسم المواريث لمن أراد النظر فيه PageV02P291 - وسأل ~~عن الميراث على كم يجرى قسمه من الرجال والنساء؟ # قيل له: يرث من الرجال: الولد، وولد الولد، والأب، والجد، والأخ، وابن ~~الأخ، والعم، وابن العم، والزوج. فإن عدم هؤلاء فما صح من النسب. # ويرث من النساء: الأم، والجدة، والبنت، والزوجة، والأخت، وبنت الابن، فإن ~~عدم هؤلاء فمن استحق الميراث بالفرض. # وسوف نفسر ذلك من كتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد ^ ما يستدل عليه إن شاء الله. # وميراث الأولاد: في كتاب الله تعالى قوله: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر ~~مثل حظ الأنثيين} فجمعهم في هذه الآية، فإذا اجتمع الأولاد رجالا ونساء كان ~~للرجل سهمان وللمرأة سهم ما كانوا، ثم قال: {فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ~~ثلثا ما ترك} يعني: إذا كان نساء من اثنتين فصاعدا ولم يكن ذكرا كان لهن ~~الثلثان لا يزدن البنات عليه شيئا ما لم تكن عصبة معهن، ثم قال: {وإن كانت ~~واحدة فلها النصف}، فللواحدة النصف لا تزاد عليه وما بقي للعصبة. {فإن ~~كانتا اثنتين فلهما الثلثان}، /495/ وإن كن البنات أكثر فليس لهن إلا ~~الثلثان، {وإن كانوا [إخوة] رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين}. فهذا ~~ميراث الأولاد وهو فرض في القرآن. # وإن كانت ابنة واحدة ومعها ابنة ابن كان للبنت النصف ولابنة الابن السدس ~~تمام الثلثين لا يزدن على ذلك. وإن ms530 كن بنات الابن أكثر فليس لهن إلا السدس ~~مع البنت، وما بقي للعصبة. ولأن بنات الابن يرثن مع البنت السدس بالسنة؛ ~~لأنهن بنات، ولا يزدن البنات على الثلثين شيئا. # وإن كان مع البنت وبنت الابن أخت من أب، أو أخت من أب وأم كان ما بقي من ~~ميراث البنت وبنت الابن للأخت؛ لأنها عصبة مع البنات إذا لم يكن رجال ~~بالسنة. PageV02P292 # ولا ترث الأخت للأب مع الأخت للأب والأم في هذا الموضع؛ لأن التي من الأب ~~والأم أولى بالميراث، والله أعلم. # ||باب||: # مسألة: في ميراث الأبوين # فأما ميراث الأبوين: فقد قال الله تعالى: {ولأبويه لكل واحد منهما السدس ~~مما ترك إن كان له ولد}، فجعل لهما مع الأولاد السدسين لكل واحد منهما ~~السدس، قل الأولاد أو كثروا. # ثم قال: {فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث}، فجعل لأمه الثلث ~~إذا لم يكن له ولد ذكر ولا أنثى. # ثم قال: {فإن كان له إخوة فلأمه السدس}، فجعل للأم السدس مع الإخوة إذا ~~كانوا أكثر من واحد. ولها الثلث مع الأخ الواحد حتى يكون أكثر من واحد، ~~فهذا ميراث الأبوين في القرآن الكريم. # فللأم مع الولد السدس ومع الأخوين فصاعدا السدس، لا تزاد ولا تنقص، ولا ~~يحجبها أحد من الميراث، وميراثها فرضان: ثلث، وسدس، لا تزاد ولا تنقص إلا ~~في العول. # وميراث الأب مع الولد: السدس لا يزاد عليه. وإذا لم يكن ولد ذكر كان له ~~مع البنات السدس، وما أبقت الفرائض له بالعصبة. ولا يحجبه أحد من الميراث. ~~وله فرضان: السدس مع الولد، وما أبقت الفرائض له بالعصبة، ليس له غير ذلك. ~~ولا يرث معه الإخوة ولا الجد شيئا، وهم يحجبون الأم عن الثلث ولا يرثون شيئا. # [ميراث الزوجين] # وميراث الزوج من امرأته: # قال الله تعالى: {ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد} منه ولا من ~~غيره، {فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن}، فميراث الزوج النصف من زوجته ~~إذا لم يكن لها ولد منه ms531 ولا من غيره. وإن كان لها ولد منه أو من غيره فله ~~الربع لا يزاد /496/ على ذلك ولا ينقص، ولا يحجبه أحد من الميراث {من بعد ~~وصية يوصين بها أو دين}. PageV02P293 # وميراث الزوجة: قال الله تعالى في الزوجات: {ولهن الربع مما تركتم} ~~للزوجة الربع مما ترك الزوج إذا لم يكن له ولد منها ولا من غيرها، {فإن كان ~~لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم}، فميراث الزوجة إذا لم يكن ولد من الزوج ~~منها ولا من غيرها الربع. فإذا كان له ولد منها أو من غيرها فلها الثمن. ~~وإن كن أربع زوجات أو أقل فليس لهن إلا الثمن أو الربع إذا لم يكن ولد، ولا ~~يزدن عليه ولا ينقصن فهذا ميراثهن. # وميراث الإخوة من الأم: # قال الله: {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت} من قبل أمه ~~{فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث}، فميراث ~~الأخ من الأم للواحد السدس. فإن كانوا اثنين فكل واحد منهما السدس. وإن ~~كانوا أكثر من ذلك فليس لهم إلا الثلث. والذكر والأنثى منهم في الميراث ~~سواء، لا يفضل الرجل منهم على المرأة بشيء، ويرث مع كل وارث إلا الأب ~~والولد وولد الولد والجد، فإن الإخوة من الأم لا يرثون مع هؤلاء شيئا. # وميراث الإخوة والأخوات من الأب والأم: PageV02P294 # قال الله تعالى: {يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة}، يعني: الإخوة من ~~الأب والأم، {إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثهآ إن ~~لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا إخوة ~~رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا}، فللأخت ~~الواحدة النصف وللاثنتين الثلثان، وإن كن أكثر فليس لهن إلا الثلثان، وما ~~بقي للعصبة، {وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين}، ولا يرث ~~الإخوة للأب مع الإخوة للأب والأم شيئا. # فأما إن كانت أخت واحدة لأب وأم وأخت من الأب ms532 كان للأخت التي من الأب ~~والأم النصف، وللأخت من الأب السدس بالسنة تمام الثلثين. وإن كان مع الأخت ~~من الأب والأم أخ لم ترث الأخت للأب معها شيئا. # وإن كانتا أختين لأب وأم لم يرثن الأخوات للأب معهن شيئا؛ إلا أن يكون مع ~~الأخوات للأب أخ لأب فيرثن معه بالعصبة ما بقي بعد ميراث الأخوات من الأب ~~والأم، يرد على أخواته؛ للذكر مثل حظ الأنثيين. # وإن كانت أخت لأب /497/ وأم وأخوات لأب؛ فلهن السدس مع الأخت للأب والأم ~~تمام الثلثين، وما بقي للعصبة. # ميراث الجد والجدة # ميراثهما: السدس بالسنة، طعمة من الرسول ^ أعطاها السدس، وقد عمل السلف ~~بذلك واتفقوا عليه. وإن كن الجدات أكثر من واحدة فليس لهن إلا السدس إذا ~~اجتمعن. وإن كانت واحدة أقرب منهن فهي الأولى بالميراث. # فأما الجد: فميراثه عند الأولاد السدس، وله فرض آخر ما أبقت الفريضة في ~~العصبة. ولا يرث مع الأب شيئا. PageV02P295 # والاختلاف بينهم في معنى الجد، وأخذنا بقول من جعله أبا ولم يرث معه ~~الإخوة شيئا. ألا ترى أن الإخوة لا يرثون مع الولد شيئا بالاتفاق من ذلك، ~~والجد يرث كما يرث الأب مع الأولاد السدس إذا عدم الأب قام مقامه، ولم يقم ~~الإخوة مع الولد مقام الأب ولا الجد، فصح القياس. # فأما ميراث العصبة: بالكتاب والسنة جميعا، قال الله تعالى: {ولكل جعلنا ~~موالي مما ترك الوالدان والأقربون}؛ فقال قوم: الموالي بنو العم. وقال قوم: ~~العصبة. والمعنى يتقارب. # فالابن أولى من ابن الابن، وابن الابن أولى من الأب في العصبة. والأب ~~أولى من الجد، والجد أولى من الأخ، والأخ للأب والأم أولى من الأخ للأب، ~~وابن الأخ للأب والأم أولى من ابن الأخ للأب. والعم للأب والأم أولى من ~~العم للأب. وابن العم للأب والأم أولى من ابن العم للأب؛ فعلى هذا ما صح ~~النسب يرث الأقرب فالأقرب. ومن كان أقرب برحمين كان أولى من رحم واحد، فهذا ~~أصول ما جاء في الكتاب والسنة مختصرا لمن أراد النظر فيه، فقد بينا في ms533 ~~كتابنا ما وفق الله. # ميراث ما يحجب # والأب يحجب الجد ولا يرث معه، ويحجب الإخوة من الأب والأم فلا يرثون معه ~~شيئا. والأم تحجب الجدات فلا يرثن معها شيئا. والإخوة للأم لا يرثون مع ~~الأب، ولا مع الجد، ولا ولد، ولا ولد ولد، يحجبهم هؤلاء عن الميراث، فافهم ~~ذلك وتدبره إن شاء الله. # والإخوة من الأب والأم يحجبون الإخوة من الأب. والأخوات من الأب والأم ~~يحجبن الأخوات من الأب، إلا إذا كانت أخت واحدة من الأب والأم يرثن الأخوات ~~من قبل الأب معها /498/ السدس. وإذا عدم الأخوات من الأب والأم قمن الأخوات ~~من الأب مقامهن في باب الميراث. PageV02P296 # والبنات يحجبن بنات الابن عن الميراث. فأما إذا كانت بنت واحدة فلبنات ~~الابن معها السدس، وإذا عدمن البنات قمن بنات الابن في الميراث مقامهن. ~~والأخوات مع البنات عصبة. # والأم يحجبها الأخوان فصاعدا عن الثلث ويردانها إلى السدس. وكذلك الولد ~~يحجب الأم عن الثلث ويردها إلى السدس. والأب يحجبه الأولاد عن الثلثين ~~ويردونه إلى السدس. # مسألة: من لا يرث # ولا يرث على كل حال: قاتل عمد، ولا قاتل خطإ ممن قتل. ولا يرث عبد من حر، ~~ولا يتوارث أهل ملتين. # ولا يرث مسلم مشركا، ولا مشرك مسلما على حال، إلا أن يسلم المشرك قبل أن ~~يقسم المال، أو يعتق العبد قبل أن يقسم المال؛ فإنه يأخذ سهمه مع الورثة ~~إلا الزوجين فلا يرث بعضهما بعضا، ولو عتق قبل أن يقسم وأسلمت الذمية. # وأما الأبوان فيوقف عليهما الميراث إذا كانا مملوكين، فإن عتقا ورثا، وإن ~~ماتا كان لمن بقي من الورثة الأحرار، أو يباعان فيشتريان به؛ لقول النبي ^: ~~«لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيشتريه ويعتقه»، أو قال: «إلا أن ~~يجده مملوكا يعتقه». # ||باب||: # مسألة: فيما يحجب الزوجين # واعلم أن الزوجين لا يحجبهما أحد إلا الولد. فإذا كان ولد حجب الزوج عن ~~النصف ورده إلى الربع، ويحجب الزوجة عن الربع ويردها إلى الثمن. والأم تحجب ~~الجدات، وإذا اجتمعت أربع جدات؛ فقال قوم: ms534 الميراث بينهن. وقال آخرون: بين ~~ثلاث، ولا ترث الرابعة (وهي أم أبي الأم). # مسألة: فيما يستحق من كل واحد إذا اجتمعوا # اعلم أنه إذا مات الرجل وترك: # - بنتا واحدة فلها النصف، وما بقي للعصبة. # - وإن ترك ابنتين أو أكثر فلهن الثلثان، فإن كن أكثر فليس لهن إلا ~~الثلثان، وما بقي للعصبة. وإن كانوا رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين. # وإن كان معهم أب كان له السدس. PageV02P297 # وإن كان أب وأم فلكل واحد منهما السدس. # وإن كانت أم فليس لها إلا السدس. # وإن كان أب وبنت كان للبنت النصف وللأب ما بقي. # وإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك، وللأب /499/ ما يبقى بالعصبة. # وإن كن البنات أكثر من اثنتين فليس لهن إلا الثلثان، وللأب ما بقي. وأما ~~الأم فليس لها إلا السدس. # وإن كان أبوان وزوجة وابنان: كان للزوجة الثمن، وللأبوين السدسان، ~~||وللابنين ما بقي. وإن كانتا ابنتين فللزوجة الثمن، وللأبوين السدسان||، ~~وللبنتين الثلثان. وإن كانت واحدة: كان للبنت النصف، وللزوجة الثمن، ~~وللأبوين السدسان، وما بقي فللأب. # وإن كان مع الأب جد قام مقام الأب وأخذ السدس. وإن كانت جدة فلها مع ~~الأولاد السدس، ومع الزوجة، فإن بقي شيء كان للجد بالعصبة. # وإن ترك: أبوين، وزوجة؛ كان للزوجة الربع، وللأم ثلث ما بقي، وما بقي فللأب. # وإن ترك: زوجة، وجدة وجدا؛ كان للزوجة الربع، وللجدة السدس، وما بقي ~~للجد، كذلك الأب في هذا المكان. # وإن ترك: ابنتين، وجدتين، وزوجة؛ كان للبنتين الثلثان، وللزوجة الثمن، ~~وللجدتين السدس. # فإن كانت: زوجة، وبنت، وبنت ابن، [وجد وجدة] ؛ كان للبنت النصف، ولابنة ~~الابن السدس، وللجدة السدس، وللجد السدس، [وللزوجة الثمن]. # وإن: كانتا ابنتين وبنت ابن لم ترث بنت الابن معهما شيئا. # وإن ترك: ابنتين، وجدة، وجدا، وابنة ابن؛ كان للابنتين الثلثان، وللجد ~~السدس، وللجدة السدس، ولا شيء لابنة الابن بعد تكملة الثلثين. # وإن ترك: ابنتي ابن، وابن ابن ابن أسفل؛ فلابنتي الابن الثلثان؛ ولابن ~~ابن الابن الأسفل ما بقي من الفريضة. # وإن كانت: بنت، وابنة ms535 ابن وأخ معهما؛ كان للابنة النصف، وما بقي لابنة ~~الابن وأخيها، للذكر مثل حظ الأنثيين. PageV02P298 # فإن عدمن البنات قمن بنات الابن مقامهن، وكن على ما فسرت لك مثلهن: ~~للواحدة النصف، وللابنتين الثلثان، وإن كانوا رجالا ونساء فللذكر مثل حظ ~~الأنثيين، وللجدين معهم لكل واحد سدس. وكذلك إن كان أبوان كان لهما مع ابني ~~الابن السدسان لكل واحد سدس. # فإن كانت: بنت، وابنة ابن أسفل منها؛ كان للبنت النصف، والتي أسفل منها ~~السدس تمام الثلثين، /500/ ولا شيء للتي أسفل منها. وإن كان معها أخ لها أو ~~ابن أخ؛ كان ما بقي بعد الثلثين له ولأخته ولعمته للذكر مثل حظ الأنثيين. # وإن كانت: ابنتان، وابن، وزوج، وأبوان؛ كان للزوج الربع، وللأبوين ~~السدسان، وما بقي للابنتين وللابن للذكر مثل حظ الأنثيين. # وإن كانت: بنتا فلها النصف، وإن كانتا ابنتين فلهما الثلثان، وللزوج ~~الربع، وللأبوين السدسان؛ فإن بقي من الميراث بعد الثلث شيء كان للأب. ~~وكذلك يقوم الجد والجدة مقام الأب والأم مع الزوج. # وإن كان: جد، وجدة، وزوج؛ كان للجدة السدس، وللزوج النصف، وما بقي للجد. # وإن كان: زوج، وأم، وأب؛ كان للزوج النصف، وللأم ثلث ما بقي، والباقي للأب. # وإن كان مكان الأب جد؛ كان للزوج النصف وللأم الثلث وما بقي للجد. # وإن كان: إخوة، وأم، وأب، وزوج؛ كان للزوج النصف، وللأم السدس، وما بقي للأب. # وإن كان: أخ، وزوج، وأم، وأب، كان للزوج النصف، وللأم ثلث ما بقي، وما ~~بقي للأب، ولا يرث الأخ مع الأب شيئا. وإن كانت أخت فكذلك لا ترث مع الأب شيئا. # وإن كانت: أم، وجد، وإخوة؛ كان للأم السدس، وللجد ما بقي، ولا يرث الإخوة شيئا. # وإن كان: جد، وجدة، وزوج، وإخوة؛ فللزوج النصف، وللجدة السدس، وما بقي ~~فللجد. وكذلك الأب. # وإن كانت: بنت، وابنة ابن، وأخت لأب؛ فللبنت النصف، ولبنت الابن السدس، ~~ولأخته ما بقي. PageV02P299 # وإن كانتا: ابنتين، وأخت، وابنة ابن؛ كان للابنتين الثلثان، وللأخت ما ~~يبقى. وإن كانت: ابنتان، وأخت، وابنتا ابن؛ كان للابنتين ms536 الثلثان، وللأخت ~~ما يبقى، ولا ترث ابنتا الابن شيئا بعد ذهاب الثلثين. # وإن كانتا: ابنتين، وأختا لأب وأم، وأخا لأب؛ كان ما بقي بعد ميراث ~~الثلثين للأخت من الأب والأم، ولا يرث الأخ للأب شيئا في هذا الموضع. # وإن كانت: ابنة ابن، وابن ابن أسفل منها، وأخت لأب وأم؛ كان للبنت النصف ~~وما بقي لابن الابن، ولا ترث الأخت معه شيئا. # وإن كانتا: ابنتي ابن، وابن ابن أسفل، وأخت لأب وأم؛ لم ترث الأخت هاهنا شيئا. # وإن كان: ابن ابن، وأخ؛ كان الميراث /501/ لابن الابن دون الأخ. # وإن كان: ابن ابن، وجد، وأخ؛ كان للجد السدس، وما بقي لابن الابن. # وإن كان جد، وأخ، لم يرث الأخ شيئا. # [مسألة]: في أصول الفرائض وقسمها، وكيف تصح # كل فريضة كان فيها نصف فهي من اثنين، وإن كان فيها ثلث وما بقي فهي من ~~ثلاثة، وإن كان فيها ربع وما بقي فهي من أربع، وإن كان فيها ربع ونصف وما ~~بقي فهي من أربعة أسهم، وإن كان فيها سدس وما بقي على أربعة، انظر في هذه ~~المسألة وسل عنها فهي من أربعة، وإن كان فيها سدس وما بقي فهي من خمسة. # وذلك مثل: أم، وابنتين؛ فإن فيها ثمنا، وما بقي رد على أربعة، فهي من ~~اثنين وثلاثين سهما. وإن كان ثمن وما بقي رد على خمسة فهو من أربعين سهما، ~~وذلك مثل: بنتين، وجدة، وزوجة. # مسألة: فيما يعول # إذا كانت المسألة من ستة فإن فيها سدسا وثلثا؛ وذلك مثل: أم، وأختين لأم، ~~وعصبة. وإذا كان فيها: سدس ونصف وثلث؛ فهي من ستة وثلاثين. فإن كان فيها: ~~أم وأختان لأم، وأختان لأب؛ كانت من سبعة أسهم أقصى ما تعول إليه الستة. PageV02P300 # وإن كانت: أخت لأب وأم، وأخت لأب، وأختان لأم، وأم، وزوج؛ كان من اثني ~~عشر. فإن كانت: أخت لأب، وأخت لأم، وزوج؛ فهي من ستة. فإن اجتمعوا كان من ~~عشرة، وذلك أن يكون للأخت من الأب والأم النصف ثلاثة، وللأخت للأب سهم، ~~وللأختين ms537 من الأم سهمان، وللأم سهم، وللزوج ثلاثة أسهم، فذلك عشرة لا يزيد ~~ولا ينقص من هذه الفريضة في جميع حسابها. # 106- باب: # ما يعول إلى اثني عشر # وإذا كانت المسألة فيها سدس وربع فهي من اثني عشر سهما، وربما تعول إلى ~~سبعة عشر سهما. # امرأة ماتت: وتركت زوجها، وأمها، وأباها، وابنها؛ أصلها من اثني عشر ~~سهما، للزوج الربع ثلاثة، وللأبوين السدسان أربعة، ولابنها ما بقي. # وإن كان: زوج، وأب، وأم، وثلاث بنات؛ كان للزوج الربع ثلاثة، وللأبوين ~~السدسان أربعة، وللبنات الثلثان ثمانية، فذلك خمسة عشر سهما. # وإن كان: زوج، وابنة، وأبوان؛ كان للبنت النصف ستة، وللزوج الربع ثلاثة، ~~وللأبوين السدسان أربعة، فذلك ثلاثة عشر سهما. # فإن كان: زوج، وابنة، وأب؛ كان للبنت النصف ستة، وللزوج الربع /502/ ~~ثلاثة، وللأب السدس سهمان، وله ما بقي بالعصبة. فهذا ما يعول مع الزوج ~~والأبوين والأولاد. # وإن كان: زوج، وجد، وجدة، وابنتان؛ فهي من اثني عشر، وتعول إلى خمسة عشر؛ ~~للزوج الربع ثلاثة، وللبنتين الثلثان ثمانية، وللجدة السدس سهمان، وللجد ~~السدس سهمان. # رجل مات وترك: زوجته، وأمه، وأختيه لأمه، وأختيه لأمه وأبيه؛ أصلها من ~~اثني عشر، وتعول إلى سبعة عشر؛ فللزوجة الربع ثلاثة، وللأم السدس سهمان، ~~ولأختيه لأمه الثلث أربعة، ولأختيه لأبيه وأمه الثلثان ثمانية أسهم، فذلك ~~سبعة عشر سهما. # فإن ترك: زوجته، وأختيه لأبيه، وأختيه لأمه، وجدته؛ كان للزوج الربع ~~ثلاثة أسهم، ولأختيه لأبيه الثلثان ثمانية أسهم، ولأختيه لأمه السدسان ~~أربعة أسهم، ولجدته السدس سهمان، فذلك سبعة عشر سهما. # مسألة : فيما فيه سدس وثمن PageV02P301 الفريضة إذا كان فيها ثمن وسدس ~~فأصلها من أربعة وعشرين سهما، لا تزيد ولا تنقص، ولا تعول إلا في فريضة ~~واحدة إلى سبعة وعشرين. # وذلك إذا ترك: ابنتيه، وجدا، وجدة، وزوجة؛ فإن لابنتيه الثلثين ستة عشر ~~سهما، وللجدين لكل واحد منهما السدس أربعة أسهم، وللزوجة الثمن ثلاثة أسهم ~~فذلك سبعة وعشرون. # وإن ترك: زوجته، وأبويه، وابنته، وابنة ابنه؛ كان كذلك للزوجة الثمن ~~ثلاثة، ولأبويه السدسان ثمانية، ولابنته النصف اثنا عشر، ولابنة ms538 ابنه السدس ~~أربعة؛ فذلك سبعة وعشرون سهما؛ فافهم ذلك إن شاء الله وبه التوفيق. # أصول الفرائض # واعلم أن كل فريضة فيها سدس فهي من ستة وتعول إلى عشرة. # وإن كانت الفريضة فيها ربع وسدس فهي من اثني عشر وتعول إلى سبعة عشر. # وإذا كانت الفريضة فيها ربع وسدس وثمن فأصلها من أربعة وعشرين وتعول إلى ~~سبعة وعشرين. # فإذا وقعت مسألة من الفرائض فانظر فيها من أي الأصول؛ فإن صحت قسمتها على ~~أهلها عرفت ذلك، وإن انكسر منها شيء لم يصح ضربت ما انكسر في أصل الفريضة، ~~وأنها تخرج من ذلك، فإن لم يوافق بعضها بعضا ولا وافقت السهام ضربت رؤوسهم ~~بعضا ببعض، ثم ضربت ذلك في أصل الفريضة فإنها تخرج صحيحة إن شاء الله. /503/ # [في المناسخات] # وإن كانت الفريضة متناسخة صححت المسألة الأولى، ثم قسمتها على أهلها ثم ~~صححت الثانية على أهلها في أصلها، ثم الثالثة فإذا صح ذلك ضربت الأولى في ~~الثانية ثم ضربتها في الثالثة، فإنها تصح من ذلك إن شاء الله. وسنبين ذلك ~~فتدبره تجده على ما وصفت لك إن شاء الله. # [الذين لا يرثون] PageV02P302 واعلم أنه لا يرث أحد من بني البنات ذكر ~~ولا أنثى، ولا أحد من بني الأخوات ولا بنات الإخوة، ولا يرث ابن أخ لأم، ~~ولا العم أخو الأب لأمه، ولا العمات، ولا الخال ولا الخالات، ولا الجد أبو ~~الأم، ولا الجدة أم أب الأم، وبعض ورثها، ولا يتوارث المسلم والمشرك، ولا ~~الحر والعبد. # واعلم أن مع أصحابنا أن المولى إذا أعتق لا يرث من أعتقه، ولا يتوارث ~~الموالي شيئا، ولا يرث المعتق ممن أعتق، ولا العتيق ممن أعتقه. # ومال العبد الذي عتق بين ورثته على كتاب الله تعالى وسنة نبيه محمد ^. ~~فإن لم يكن له وارث من زوج ولا عصبة ولا فريضة فميراثه لرحمه، فإن لم يكن ~~له رحم فلزوجته، فإن لم تكن له زوجة فلجنسه إن كان ممن يرث بالجنس، فإن لم ~~يقدر له على جنس فماله صدقة عنه للفقراء. # وكذلك ms539 كل ميت مات ولم تكن له عصبة ولا رحم فماله صدقة على الفقراء، إلا ~~من يتوارث بالجنس فميراثه لجنسه. # [ميراث ذوي الأرحام] # فأما من لم يكن له وارث من فرض ولا عصبة فميراثه لرحمه، وقال الله تعالى: ~~{وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله}، ولم ينص ذلك لشيء مقسوم. # وقد اختلف الفقهاء في ميراث الأرحام؛ فورثهم قوم الأقرب فالأقرب ~~كالعصبات. ونزلهم قوم درجات. وورثهم قوم كميراث آباءهم. وقال قوم: أرحام ~~كلهم، وهم في ||كل|| ذلك بالسوية. ومن تلا ذلك فلينظر فيه إن شاء الله. # والفرائض أكثر من أن نحصيها في كتابنا هذا، وإنما أخذنا منها طرفا بلا ~~حساب ولا ضرب. # [كتاب الوصايا] # 107- باب: # مسألة: في وصية الميت # - وسأل عن وصية الميت، من كم تجب؟ وعلى من تجب؟ وكم تكون من المال؟ PageV02P303 # قيل له: أما وجوبها، فقد قال الله تعالى: {كتب عليكم} فرض عليكم {إذا حضر ~~أحدكم الموت} إذا مرض مرض الموت، {إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين ~~بالمعروف حقا على المتقين}. وقد اختلف في الخير، وأقله عندهم مائتا درهم. # فإن ترك الميت مائتي درهم فما فوقها؛ فأحب أن يوصي لأقاربه بما فتح الله، ~~وليس بشيء /504/ مؤقت، إلا أنه كلما أوصى بأكثر كان أفضل. # وقد قيل في الخير بأقاويل؛ قال من قال: أربعمائة. وقالوا: أكثر من ذلك. ~~ويجب على من ترك خيرا كما قال الله {حقا على المتقين}. وقد وجدنا عن ابن ~~عباس أنه قال: "من كان له مال ولم يوص لأقاربه عند الموت بشيء، فقد ختم ~~عمله بمعصية الله". # والأقارب: هم الذين لا يرثون من ماله شيئا، وقد ضيع من فرائض الله حقا ~~لله عليه إن كان من المتقين، فأما الوالدان الوارثان فلا وصية لهما؛ لقول ~~الرسول ^ «لا وصية لوارث»، وقد قيل: إن نصيبهما من الميراث نسخ ما لهما من ~~الوصية. # فأما ما عليه النسخ قال: إن ذلك مخصوص بالسنة؛ لأن من لم يكن وارثا من ~~الوالدين جائز له الوصية، وإنها لم تثبت الوصية للوارث بقول الرسول #. # فأما الوصية ms540 فلا يجاوزها أكثر من الثلث إلى ما أقل. وقد قيل: عن أبي بكر ~~أنه قال: "إن الله رضي من الغنائم بالخمس، فأنا أوصي بخمس مالي". # فأما الثلث فجائز في الوصية في أبواب البر لغير وارث. روي عن النبي ^ أنه ~~قال له سعد: أوصي بمالي كله، قال: «لا». قال: فالنصف، قال: «لا»، قال: ~~فالثلث؛ قال: « الثلث والثلث كثير؛ لأنك [أن] تدع عيالك أغنياء خير من أن ~~تدعهم عالة يتكففون الناس». PageV02P304 # وقد قيل: إنه قال: «جعل الله لكم ثلث أموالكم عند الموت زيادة لكم في ~~أعمالكم وزادا لكم». وقد قيل: "من عدل عند الموت في وصيته فكأنما وجه ماله ~~في سبيل الله". # فإن لم يجوزها الوارث ولم ينفذها أحد عنه غيره كان ذلك عليه. قال الله ~~تعالى: {فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع ~~عليم}، فمن بدل وصية الميت بعد ما سمعها فإنما إثمها عليه. وإن جاوز الموصي ~~الثلث في وصيته لم يجز ما زاد على الثلث وردت على الورثة، قال الله: {فمن ~~خاف من موص جنفا أو إثما فأصلح بينهم فلا إثم عليه}؛ لأنه عدل في ذلك. # ويقسم الميراث على كتاب الله تعالى، وقد نهى الله من حضر وصية الميت أن ~~يأمره إلا بتقوى الله والعدل. فقال: {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ~~ضعافا خافوا عليهم} خافوا على أنفسهم الفاقة، {فليتقوا الله} في أمر ~~الوصية، {وليقولوا قولا سديدا}، يوصي بالعدل والحق، وأن /505/ يعدل بين ~~ورثته لا يجاوز الثلث ولا يلجئ ماله إلى غير وارثه ولا يتعمد للجور. # وأما الخطأ والنسيان فقد رفعه الله لقوله: {لا تؤاخذنا إن نسينا أو ~~أخطأنا}، وقال النبي ^: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان». فمن أخطأ أو نسي على ~~غير عمد في الوصية، فأرجو أن لا يؤاخذه الله. فأما ما كان فيه خطأ فمردود ~~إلى الثلث، ولا يجوز ويرد إلى الوارث؛ وقد أجاز النبي ^ الوصية في الثلث ~~عموما، ولم يفرق بين ذلك في وصية بواجب أو غير واجب إذا قصد الموصي بذلك ms541 في ~~سبيل الله والفقراء جاز من الثلث، وكذلك الأقربون. PageV02P305 # فأما الوارث فلا تجوز له الوصية، ولا المملوك. ومن خرج من هذا الحد جاز ~~له الوصية. # وتجوز وصية الرجل البالغ العاقل. فأما الطفل والمجنون والمماليك فلا يثبت ~~ذلك، وقد أجاز بعضهم وصية الغلام بالمعروف في أبواب البر إذا عقل ولم ~~يحتلم. فقد قيل: إن عمر بن الخطاب ~ أجاز ذلك. وأجاز بعضهم وصية الجارية ~~بنت تسع سنين، والغلام ابن عشر سنين. # فأما إقرار الغلام بالحقوق والوصايا فلا يجوز ذلك عليه إلا ببينة عادلة، ~~ولا على الوارث. فأما البالغ إذا أقر بحق فهو جائز عليه. # وقد قيل: إن أحق ما صدق الناس عند الموت، فمن أقر بحق لوارث أو دين فهو ~~جائز، كان الإقرار لأقربي أو أجنبي؛ لأن ذلك أخبر عن وجوب حق متقدم وهو غير ~~متهم في إقراره وإخباره، وإذا لم يكن متهما في إخباره وإقراره كان ذلك ~~مقبولا منه. # ومن أوصى بوصايا في مرضه ثم صح، انتقضت تلك الوصية إلا أن يكون ثبتها في ~~صحته، فأما من أوصى في صحته فتلك ثابتة لا تنتقض إلا ما نقض هو منها أو رجع فيها. # وقد جعل أصحابنا الوصية في السفر مثل الوصية في المرض، فإذا صح المريض ~~وقدم المسافر انتقضت الوصية منهما. فأما إذا أوصى في صحته ثم مرض أو سافر ~~فتلك ثابتة لا تنتقض إلا ما نقض منها أو رجع فيها. # فأما الحقوق: فمن أقر في وصيته بحق أو دين أو أرش أو صداق أو ما كان من ~~الحقوق؛ فإن ذلك ثابت عليه في الحكم وعلى ورثته لا ينتقض ذلك، ولو نقض ~~الوصية فمتى طلب ذلك المقر له وطلبه وحاكمه حكم عليه له في حياته وما صح ~~/506/ بعد موته؛ فافهم ذلك، وبالله التوفيق للصواب. # ومن جعل رجلا وصيه، فقال: فلان وصيي؛ فقيل: إنه وصيه بتلك اللفظة في كل ~~شيء. وإن قال: جعلته وصيي في كذا وكذا، لم يكن وصيه إلا في الذي جعله. PageV02P306 # وجائز للوصي أن يوكل في حياته من يعينه على ms542 القيام بما هو فيه، وليس له ~~أن يوصي في ذلك بعد موته إلا أن يجعل له ذلك من أوصى إليه فيه، فله أن يوصي ~~إلى منتهى ما جعل له. # وقد قيل: إذا دخل الوصي في الوصية وأنفذ شيئا منها فله أن يوصي بما بقي ~~عليه أن ينفذ عنه؛ لأن ذلك باق عليه هو، ويقول: قد جعلت فلانا وصيا لي في ~~إنفاذ ما بقي علي من وصية فلان، وإذا لم يدخل فيها فإنما يوصي إلى الوصي أن ~~ينفذ عن فلان وصيته التي جعل له أن يوصي إلى غيره. فإن جعل الميت وصيين جاز ~~ذلك؛ وليس لأحدهما أن ينفذ شيئا دون صاحبه إلا كما جعلهما جميعا، فإن ادعيا ~~أنه قد جعل وصيا غيرهما فلا ينبغي للحاكم أن يجيز وصيته بشهادتهما. # ومن أوصى لرجل بشيء من ماله ولآخر بثمرته جاز ذلك. # وإن أوصى لرجل بقطعة له بعد أن يستغلها أولاده عشر سنين فذلك جائز. # فإن أقر في الغلة لأحد أولاده لم يجز؛ لأنه وارث، والغلة بين الورثة. # ومن أوصى لرجل بثلث ماله، ثم حدث له مال لم يكن علم به فإنما للموصى له ~~ثلث الذي أوصى له فيه أولا. # ومن أوصى بوصايا في ثلث ماله، وأوصى لواحد بوصية مفردة فتلفت تلك الوصية ~~لم يرجع على أهل الوصايا بشيء. وإن تلف المال كله وبقي الشيء الذي أوصى به ~~لذلك الإنسان، فإن كان تلف بعد موت الموصي، فذلك الشيء لمن أوصي له به. # وإن تلف المال قبل موت الموصي رجع الورثة على الذي أوصي له بثلثي تلك ~~الوصية، وذلك أن الوصية تجب بموت الموصي؛ لأنه لو رجع في وصيته قبل موته ~~كانت له الرجعة. # وإذا زادت الوصية على الثلث ردت على الثلث، وكان الوصايا من الثلثين ~~بالحصة. PageV02P307 # ومن أوصى لأجنبيين أو فقراء بوصية ولم يوص للأقربين، فإن الأقربين في قول ~~أصحابنا يدخلون في ثلثي تلك الوصية، والذي أوصي لهم ثلث من الوصية. والحجة ~~أنهم أولى بالوصية من الأجنبيين، وكالوارث يرجع بالثلثين. # وإذا أوصى للأقربين أو ms543 لواحد بوصية ولو قلت وأوصى للأجنبيين؛ /507/ فعند ~~بعض: لكل قوم ما أوصي لهم به، ولا يرجع الأقربون عليهم بشيء. # وقال آخرون: يجمع فيكون للأقربين الثلثان، وللفقراء الثلث ولمن أوصي به ~~غيرهم، إلا أن يكون ما أوصى به للأقربين أكثر من الثلثين فلهم ما كان أوفر. ~~وأما أنا فأحب أن يكون لكل منهم ما أوصى لهم به. # وإن أوصى للأقربين بوصية وخص أحدا منهم بشيء منها، كان ما أوصى به لهم. ~~وفي بعض القول: له الخيار، إن شاء أخذ ما أوصي له به، وإن شاء جمع ذلك وأخذ ~~سهمه من جميع الوصية وخلط معهم وصيته. # ومن أوصى بعتق وحج وزكاة وكفارة أيمان كانت عليه؛ فإن هذا من ثلث ماله، ~~ولا يدخل الأقربون في هذا بشيء. واختلفوا في حجة الفريضة والزكاة والأيمان؛ ~~فقال قوم: من الثلث. وقال آخرون: من رأس ماله. وهي من الثلث أوجب؛ لأنه لو ~~أقر بذلك ولم يوص بإنفاذه لم يلزم الورثة. # ومن أوصى بوصية للفقراء والأقربين ولأيمان مرسلة؛ كان للأيمان ثلث ذلك، ~~والباقي: للأقربين ثلثاه، وللفقراء ثلث ما يبقى. # والوصية جائزة للحمل، ولا يجوز له الإقرار والعطية. # ومن أوصى لرجل بربع ماله فله ربع ماله. وإن قال بموضع كذا وكذا فوجد أكثر ~~من ربع ماله فهو له إلا أن يزيد على الثلث، فإنه يرجع إلى الربع ربع ماله ~~كما أوصى له. # ومن أوصى أن عليه نذورا وأيمانا وحجا ولم يقل: أدوه عني، لم يلزم الورثة ~~ذلك إلا أن يوصي بإنفاذه ويقول أدوه. # وإن أوصى بحجة، وقال: قد أوصيت بحجة ونذور في مالي، فإن ذلك ينفذ عنه. PageV02P308 # وكفن الميت من رأس ماله، ووصيته التي تطعم على مأتمه من ثلث ماله، وإن لم ~~ينفذ ذلك حتى ينقضي المأتم رجع على الورثة. # ومن أوصى لرجل بسهم من ماله، فقد اختلف في ذلك؛ فقال قوم: له السدس. وقال ~~قوم: له مثل أقل السهام. وقد قيل: له سهم من اثني عشر سهما، والله أعلم ~~بذلك وأحكم. # ومن أوصي له بوصية يوصل إلى معرفتها ms544 والحكم فيها، فهي وصية ثابتة من ~~الثلث. فأما إن كان لا يوصل إلى معرفتها ولا إنفاذ الحكم فيها فإنها وصية ~~باطلة، والله أعلم وأحكم وبه التوفيق. # ومن أقر في مرضه: أني كنت قد بعت مالي على فلان واستوفيت منه الثمن، ثم ~~مات الموصي في مرضه؛ فإن شاء الورثة /508/ نقضوا البيع وردوا على المقر له ~~بالبيع قيمة المال، وإن لم يكن الثمن معروفا فإن شاؤوا أتموا ذلك. # ومن أوصى لفلان بنخلة ولم يقل: من مالي؛ فهي من ماله. فإن أوصى بنخلة؛ ~~فهي من نخله. وإن أوصى له بثوب في بيته فهو له جائز. وإن أوصى له بسيف من ~~سيوفه فله سيف أدون سيوفه. وقال قوم: بالقيمة. وإن أوصى له بسيف في سيوفه ~~فله بالقيمة سيف من سيوفه، والله أعلم. # ومن أوصى لفلان بشيء من ماله، وقال بقيامه فذلك في الحكم ثابت. # ومن أوصى للفقراء أو لفقراء أقربيه بثلاثين درهما ولم يوص للأقربين من ~~غيرهم؛ فإن للفقراء عشرة وللأقربين عشرين. فإن كان أقرباؤه كلهم يدخلون في ~~حال الفقراء، فإن الوصية لهم كلهم. # والاختلاف إذا كان فيهم أغنياء؛ فقال قوم: ليس لهم شيء. وقال قوم: إذا ~~كانت تنال من أوصي له به من الفقراء لم يدخل معهم شيء دخلوا فأخذوا ثلثي ~~تلك الوصية. # وكذلك إن أوصى لبعض قرابته وترك بعضا؛ فقال قوم: هي لمن أوصي له بها. ~~وقال قوم: بينهم. وقال قوم: إن نالت من أوصي له بها لم تدخل عليه، وإن لم ~~تنلهم إذا حسبت دخلوا فيها من لم يوص له بها. PageV02P309 # واختلفوا فيمن يقول: قد أوصيت للأقربين؛ فقال قوم: تثبت. وقال آخرون: لا ~~تثبت حتى يقول: قد أوصيت لقرابتي ولأقربي. # ومن أوصى إلى وصي وجعل له مائة درهم أو خمسمائة درهم كراءه، أنه يرجع إلى ~~جعل مثله. وأما إن أوصى له بوصية تخرج من الثلث فذلك جائز. # ومن أوصي له بوصية وهو من الأقربين وجحد الورثة؛ فإنه يأخذ مع الأقربين، ~~وإن رجعت إليه وصيته رد ما أخذه إليهم. # وإن ترك الميت ms545 دينا يحيط بماله وأوصى لقرابته، فإن أجاز ذلك ديانه فإن ~~للورثة ثلثي ذلك، وللأقربين الثلث. وإن كان الديان إنما تركوا ذلك للأقربين ~~من عندهم؛ فقال قوم: يدخل الورثة عليهم؛ لأنهم لم يرثوا شيئا. وقال قوم: لا ~~يدخلون فيها بشيء. # ولو أوصى رجل لرجل بمائة درهم بعينها، وله ديون على الناس والوصايا لا ~~تجاوز الثلث، فإن خرجت هذه المائة من الثلث في المال والوصايا /409/ ~~والديون رجعت إليه. وإن كان ذلك أكثر من الثلث كانت الوصايا والمال بالحصة، ~~ويدفع إليه ثلث المائة. وإن استخرج من الديون ما تكون المائة تخرج من ~~الثلث، كانت لمن أوصي له بها فهو أحق بها. # ومن أوصى لأمته بوصية، فالوصية للورثة؛ لأن المملوك لا وصية له من مولاه. # وكفن الميت من رأس ماله، فإذا كان عليه دين وله كفن فإنه بثوب أقل الكفن، ~~وللدين بقية الكفن. # ومن قال في وصيته: قد أوصيت لفلان بمائة درهم، وقال: أعطوا فلانا حتى ~~مائة درهم من مالي وصية له؛ أعطي مائة إلا شيئا يسيرا، قال الله: {حتى مطلع ~~الفجر}. # ومن قال: جعلت من مال الله وللفقراء كذا وكذا في مرضه لم يثبت ذلك؛ لأنه ~~لم يوص به، وإن أوصى به ثبت؛ لأنه ليس للعبد عند موته إلا صدقة من ماله، أو ~~وصية يتقرب بها إلى الله، أو قضاء دين عليه. PageV02P310 # ومن مات وأوصى للفقراء أو أيمانه بوصية؛ فرقت في بلده. وقد قيل: إن فرقت ~~في غير بلده أجزت عنه. # وإذا قال: قد أوصيت وصية لفلان بكذا وكذا، ولفلان بكذا، ولفلان فلان؛ فكل ~~ذلك وصية. # وإذا قال: علي لفلان كذا، ولفلان كذا، ولفلان؛ فكل ذلك دين عليه ينفذ عنه ~~على نسق الوصية، والكلام متصل بعضه ببعض فذلك ثابت، ولو قطعه بنسم وأشهد ~~به، ما لم يقطع ذلك بسكوت أو كلام في غير ذلك، فإذا قطع ذلك بكلام أو سكوت ~~فالأول ثابت والثاني لا يثبت. # ومن أوصى لأولاد فلان بوصية، وامرأة الموصى لأولاده حامل فإن ولدت لستة ~~أشهر أو أقل دخل معهم. وإن ms546 ولدت لأكثر لم يدخل معهم في الوصية. # وإن أوصى لأولاد رجل قد مات وزوجته حامل، فإن وضعت لأقل من سنتين مذ يوم ~~مات أبوه فهو يدخل معهم؛ لأن النسب يثبت في السنتين. # ومن أوصى لأقاربه وفيهم ذمي دخل معهم. وكذلك لو أوصى الذمي لأقاربه وفيهم ~~مسلم دخل معهم في الوصية؛ لأن الوصية لغير وارث، وهي تجب بالرحم وليس ~~بميراث. # وإن قال في وصيته: قد أوصيت بثلث مالي لبني أخي، وهم ثلاثة فوجدوا خمسة؛ ~~فالوصية /510/ لهم كلهم. وإن قال: هم خمسة فوجدوا ثلاثة، أعطي الثلاثة ~~ثلاثة أخماس الوصية، ويرجع الباقي إلى الورثة. # وإن قال: قد أوصيت لبني أخي وهم بمكة فوجدوا بالشام أو لم يوجدوا بمكة ~~فالوصية لهم. # وإذا أوصى لبني أخيه وكانوا ذكورا وإناثا؛ فالوصية لهم كلهم. وإذا كانوا ~~إناثا ولم يكن معهم ذكر، فالوصية راجعة إلى الورثة. # ومن أوصى لبني أخيه بوصية وله أخوان ولم يسم لأي بني أخيه، فإن الوصية ~~لبني أخويه، كان أوصى بثلث أو أقل، على كل واحد يمين إذا طلب ذلك. # ومن أوصى بثلث ماله لبني فلان ولفلان؛ كان لفلان النصف ولبني فلان النصف؛ ~~لأن هاهنا اسم مفرد. PageV02P311 # وإن أوصى لبني فلان وبني فلان، وكان بعضهم أكثر عددا فهي بينهم على عددهم. # وإن أوصى لفقراء قريتين فلكل فقراء قرية النصف. # ومن أوصى لرجل بجميع ماله، ولآخر بنصف ماله، ولآخر بثلث ماله، ولآخر بسدس ~~ماله؛ فإنما يجب لهم جميعا ثلث ماله، والثلث بينهم؛ وللذي أوصى له بكل ماله ~~سهمان، وللذي أوصى له بالنصف سهمان، وللذي أوصى له بالثلث سهمان، وللذي ~~أوصى له بالسدس سهم؛ لأنه أبطل ما زاد على الثلث وردهم إلى الثلث. # ومن أوصي له بنخلة وفيها ثمرة مدركة؛ فقال قوم: هي للورثة. ومنهم: من ~~أوجبها لمن أوصي له بها. وإن كانت الثمرة غير مدركة فهي وثمرتها لمن أوصي ~~له بها. # ومن أوصي له بثمرة نخلة وليس فيها ثمر؛ فثمرتها ما دامت تحمل له وليس له ~~في جذعها شيء. # وإن أوصي له بثمرتها وفيها ثمرة، ms547 فإنما له تلك الثمرة وحدها. # وإن أوصى رجل لرجل بنخلة، ولآخر بثمرتها فالنخلة وثمرتها لمن أوصي له بها. # وإن أوصي لرجل بعبد ولآخر بخدمته، فإن العبد لمن أوصي له به، ولصاحب ~~الخدمة خدمته. فإن مات صاحب الخدمة رجع العبد إلى صاحب الرقبة، ونفقة العبد ~~على من أوصي له بالخدمة والغلة له. # وصدقة الحي عن الميت جائزة؛ لما جاء في الحديث: «أن رسول الله ^ أمر سعدا ~~أن يتصدق عن أمه، فتصدق عنها»، وقد قيل: إن معاذا سأله ^ أن يتصدق عن أمه؛ ~~فأمره بذلك. # وصدقة الحي عن الحي جائزة، والحي عن الميت جائزة. /511/ # والصيام: وقد روي عن النبي ^ «أنه أمر امرأة أن تصوم عن أختها، وقد توفيت ~~وعليها صيام»، وفي الحديث أنه قال ^: «أدوا عنهم النذور والصيام والصدقة». # ومن أوصى لوصي وأمره أن يضع الوصية حيث أراد، فلا يضعها في نفسه ولا عبده. # وإن أمره أن يضع الوصية على نفسه وعلى من أراد؛ فذلك جائز. وإن لم يضعه ~~حتى مات ولم تكن الوصية للفقراء رجعت إلى ورثة الموصي. PageV02P312 # وإن أوصى بثلث ماله إلى صبي يضعه حيث أراد؛ فإنه يحبس إلى بلوغ الصبي، ~~فإذا بلغ فعل ما أراد. فإن مات رجع إلى ورثة الموصي. # وإذا لم يبلغ الصبي فلا تجوز الوصية إليه؛ لأن الوصية إنما تكون إلى ثقة. # ومن أوصى إلى عبده جاز ذلك. وإن أوصى إلى عبد غيره؛ فبعض: أجاز، وبعض: لم ~~يجز ذلك. # ومن أوصى برقيقه إلى فلان فمات وقد حدث له رقيق بعد الوصية، لم يكن لمن ~~أوصي له إلا رقيقه يوم أوصي له. وكذلك إن قال: إن حدث به حدث الموت ~~فمماليكه أحرار، ومات وقد حدث له رقيق؛ فإنما يعتق ما أوصى فيه يوم أوصى. ~~فإذا ادعى الورثة أنه استفاد شيئا بعد الوصية فعليهم البينة. # ومن أعتق عبيده كلهم وليس له مال غيرهم عند موته، فإنما يثبت لهم من ذلك ~~الثلث. وقد اختلف الناس في معنى ذلك، ونحن نأخذ بقول من قال: يعتقون من ~~الثلث، ويستسعى كل واحد بثلثي ms548 ثمنه للورثة، ولا يرجعون إلى الرق بعد ~~الحرية. # وأما الحديث الذي جاء عن الرجل الذي كان له ستة أعبد أعتقهم عند موته ~~[ولم يكن له مال غيرهم]، فأعلم ورثته النبي ^ «فأعتق اثنين وأرق أربعة»، ~~فإن الناس لم يتفقوا على هذا الخبر. وذلك إن كان الرجل أوصى أن يعتقوا عنه ~~فعسى، وأما إذا أعتقهم سيدهم عتقوا، ولا يجوز على رسول الله ^ الغلط، وأن ~~يرد إلى الرق من قد عتق، ويرد من وجب له الحرية إلى حد العبودية، وهو ^ ~~الموكل بالبيان لأمته، وهم به يقتدون، ولآثاره يطؤون. # ومن أوصى بثلث ماله لفلان، ولم يوص لأحد منهم بشيء؛ فالثلث للموصى له كله. # ومن أوصى بجاريته لفلان، وأوصى بما في بطنها من حمل لفلان /512/ فذلك ~~جائز، كما أوصى إذا كانت الجارية حاملا. # ومن أوصى لرجل بحائطه هذا، ولآخر بنخل حائطه ذلك؛ فذلك جائز، ولصاحب ~~الحائط الحائط، والنخل للذي أوصي له بالنخل إذا خرج من ثلث ماله. PageV02P313 # ومن أوصى لرجل بسيفه ولآخر بنصله، كان النصل بينهما والجفن وما بقي لصاحب ~~الوصية بالسيف أولا. # ومن أوصى لرجل بنفقة خمسة دراهم كل شهر ما عاش، ولآخر بثلث ماله كله؛ ~~وكله في الثلث، ويكون الثلث بينهما نصفين، لصاحب الثلث نصف الثلث، ويوقف ~~نصف الثلث لصاحب النفقة، ينفق عليه كل شهر خمسة دراهم. فإن مات قبل أن ~~يستفرغ نصف الثلث رد ما بقي منه إلى الذي أوصي له بالثلث. # وكذلك لو أوصى لرجل برقبة غلامه، ولآخر بنفقة درهمين كل شهر، ولآخر ~~بخدمته؛ كانت الرقبة لصاحب الرقبة، والخدمة بين صاحب الخدمة والدرهمين، ~~ويوقف لصاحب الدرهمين كل شهر، يدفع النصف إلى صاحب الخدمة، فإن مات صاحب ~~الدرهمين رد ذلك إلى صاحب الخدمة، فإذا مات صاحب الخدمة رد جميع ذلك إلى ~~صاحب الرقبة، والله أعلم. # وإن قال: ثلث مالي لفلان ولفلان وللفقراء؛ كان بينهم أثلاثا للفقراء ثلث، ~~وللآخرين كل واحد منهما الثلث. وإن قال: لفلان ولفلان وفلان، فإن للأولين ~~النصف بينهما، والثالث النصف؛ لأنه أفرده عنهما، وقال الله تعالى: {فأن لله ~~خمسه ms549 وللرسول ولذي القربى} سهم واحد، {واليتامى والمساكين} لكل واحد منهما ~~سهم، {وابن السبيل} سهم واحد. # وإن أوصى لفلان ببيت في داره فله ذلك البيت وطرقه إلى أن يخرج من باب ~~الدار، ولا يعطي بيتا لا ينتفع به. # وإن أوصى لإنسان بعبد مرهون أو ثوب مرهون ففداؤه في مال الموصي إذا كان ~~مرهونا بالحق. # وإن أوصى لرجل بدابة غائبة؛ فذلك جائز إذا خرج من ثلث المال، وعلى الذي ~~أوصي له أن يقبل الوصية من حيث كانت، وليس على الورثة أن يأتوا بها إليه، ~~ولكن يوكلون من يسلم ذلك إليه. PageV02P314 # وإن أو صت امرأة لامرأة بثياب جسدها ولها ثياب مقطعة وثياب لم تقطع ولم ~~تلبس؛ فإن لها ما قطع ولبس، وما لم يقطع فليس لها، /513/ ولا هي من ثياب ~~البدن إلا أن تكون أردية؛ فهو من ثياب البدن لبست أو لم تلبس، فانظر في ذلك. # 108- باب: # مسألة: في الرجوع في الوصية # - وسأل عن الرجوع في الوصية كيف يكون؟ # قيل له: الرجوع: هو من أوصى لإنسان بوصية ثم رجع فيها فله الرجعة. إن ~~أوصى بوصية لواحد ثم أوصى بها لآخر فقد رجع عن الأول. وقد قيل: ليس ذلك برجوع. # ولو أوصى لرجل بألف درهم ثم أوصى لآخر بنصفها، كان رجوعا مما قد رجع فيه، ~~ولم يكن رجوعا فيما رجع فيه. # وقد اختلف في الرجوع؛ فذهب بعض: إلى أن الزيادة في الوصية رجوع. وقال ~~آخرون: ليس برجوع، والنقص رجوع. وقال قوم: النقص ليس برجوع إلا فيما انتقض. # فأما إذا أوصى بوصية ثم استهلك ذلك بأمر أو فعل فيه فإنه رجوع في وصيته؛ ~~لأن الموصي له أن يزيد في وصيته وينقص منها، وله أن يشرك فيها. # ومن أوصى لرجل بثوب ثم أمر به أن يغسل، فليس ذلك برجوع؛ لأن العين قائمة ~~ولم يكن ذلك إزالة من ملكه. # وإن أمر به أن يصبغ فقد أحدث فيه تغييرا، واختلفوا فيه؛ فقال قوم: رجوع. ~~وقال آخرون: ليس برجوع إذا كان ذلك لا ينقص الثوب. # وإن أوصى لرجل بثوب ms550 ثم أمر به أن يقطع نصفين، فأذهب نصفه وبقي نصفه؛ فإن ~~ذلك رجوع فيما أذهب، ولم يكن رجوعا فيما بقي. ألا ترى أنه لو أوصى لرجل ~~بدرهم بعينه ثم أذهب منه دانقين، لم يكن رجوعا فيما لم يذهب منه. PageV02P315 # ومن أوصى لرجل بثلث ماله، ثم أوصى لآخر من بعده بنصف الثلث، كان قد رجع ~~فيما أدخل عليه من الوصية، ولم يكن رجوعا في جميع الوصية، والثلث بينهما ~~إذا كان أوصى له بنصف ذلك الثلث. وأما إن أوصى له بثلث ولآخر بنصف الثلث ~~فلهما الثلث وبطل ما زاد على الثلث، وكان للذي أوصى له بالثلث سهمان، ~~وللآخر سهم، وسل عن ذلك. # وإن أوصى لرجل بثوب ثم قطعه قباء، فهو رجوع منه. # وإن أوصى لرجل بمكوك حب ثم أمر |به| فطحن، فذلك رجوع؛ لأنه استهلاك. # وإن استأذن الرجل ورثته في الوصية فأذنوا له، فأوصى ثم زاد على الثلث، ثم ~~رجعوا بعد موته؛ فلهم الرجعة؛ لأنهم أذنوا له فيما لا يملكون. # ومن أوصى لبني أخيه ولبني فلان؛ فالوصية لهم يوم يموت وتجب الوصية؛ /514/ ~~لأنه لم يسم بأسمائهم، ولو سمى بأسمائهم كانت لمن سمى. ومن مات منهم قبل ~~الموصي رجعت الوصية إلى ورثة الموصي الأول. # ومن أوصى لبني فلان فهي أعيان بني فلان، ولا يدخل بنوهم في الوصية بشيء. ~~وإن قال: لآل فلان؛ فهو بينهم، وإن كانوا لا يحصون فالوصية باطلة، والله ~~أعلم وأحكم، وبه التوفيق للحق والصواب. # - باب: # مسألة: في الإقرار للوارث وغيره -إن شاء الله- # - وسأل عن الإقرار للوارث، هل يجوز ذلك؟ # قيل له: حق ما صدق الناس عند الموت، فمن أقر بحق في مرضه ثبت عليه؛ كان ~~للوارث أو غيره؛ لأن إقراره إخبار عن واجب، وحق متقدم وهو غير متهم في ~~إقراره. PageV02P316 # وفي رجل مات أبوه وليس له وارث غيره، فأقر بابن أن أباه أوصى بثلث ماله ~~لفلان، ثم يقول: نسيت، بل إنما أوصى به لفلان، فإنه يدفع الثلث للذي أقر له ~~به أولا، ويدفع إلى الثاني الثلث الآخر؛ لأنه استهلك بإقراره، ms551 فعليه أن ~~يضمنه للثاني. ولو قال: أوصى لهذا بثلثه ثم سكت، ثم قال: بل أوصى لهذا ~~بثلثيه؛ فإن الثلث يدفع إلى الأول كاملا، وإلى الثاني نصف الثلث، فانظر في ~~ذلك. ولو أقر بهذا الإقرار وله ورثة لم يجز قوله على الورثة ولزمه هو في نفسه. # ومن كان له حق على رجل؛ فقال: إن لم أكتبه عليك فهو وصية لك من مالي، ثم ~~مات ولم يكتبه عليه فهو وصية له كما أشهد له، وعلى الورثة البينة أنه كتبه عليه. # ومن أوصى لرجل بثلث ماله ثم قتل الموصي، فإن قتل خطأ فإن الوصية ثابتة ~~لمن أوصي له بالثلث. وقال قوم: ثلث الدية. وإن قتل عمدا فلا حق له في الدم. ~~فإن رجع الورثة إلى الدية، فقد قال بعض: له ثلث الدية، وسل عن ذلك فإني لم ~~أعزم فيها. # ورجل أقر فقال: لك عندنا يا فلان مائة درهم، فقال: ما عندك لي شيء؟ ثم ~~قال: بلى لي عندك مائة درهم فأنكره؛ فليس عليه شيء؛ لأنه قد أبرأه، إلا أن ~~يعيد له المقر كلامه بإقراره: إن لك عندي مائة درهم، فيقول المقر له: صدقت، ~~أو يقول: نعم. # ومن أقر فقال: عندي مائة دينار لأحد هذين الرجلين، ولم أدر أيهما هو!، ~~فإنه يقال له: لابد أن تبين لأيهما هي ثم تدفع إليه، ويحلف للآخر، فإن أبى ~~أن يحلف حبس حتى يدفع إليه مائة دينار. وإذا قال: عندي لأحد /514/ هذين ~~مائة دينار، فإنه يؤمر أن يدفعهما إليهما جميعا حتى يتحالفا عليها. وإذا ~~جاءا يستبقان إليها ولم يعلم لمن هي، أمر أن يبرئ ذمته ويعطي كل واحد منهما ~~مائة دينار. PageV02P317 # ومن أقر وقال: كل شيء في يدي من دينار إلى درهم ومتاع فهو لفلان، ليس لي ~~فيه شيء، فلا يجوز إذا لم يعلم ذلك الشيء؛ لأن الإقرار المجهول لا يثبت في الحكم. # ومن قال في صحته: قد جعلت أو أعطيت أو تصدقت أو وهبت شيئا من مالي في ~~سبيل الله، أو الفقراء، أو لأرحامه فأحرز عليه أو ms552 لم يقع إحراز، ولم يرجع ~~حتى مات، فليس لورثته رجعة، وهو كما جعله؛ لأنه إنما جعله في باب البر. # وقد قيل مثل ذلك في المرض، فانظر في المرض فإنه إن لم يوص به وصية لم تثبت. # فأما إن جعله لرجل بعينه - فقيرا أو غير فقير- في المرض؛ فهذا لا يجوز ~~حتى يوصي به. # فأما في # صحته فإنه مختلف فيه؛ فقال قوم: إذا أحرز عليه ثبت، وإذا لم يحرز لم ~~يثبت. وقال قوم: يثبت إذا لم يرجع حتى يموت. # ومن أعطى في صحته من لا إحراز عليه عطية ثبتت عليه مثل الشذاة في سبيل ~~الله أو الفقراء أو المساجد، فإنه لا رجعة له؛ لأنهم لا إحراز عليهم. كذلك ~~الصبي لا إحراز عليه. # فأما من أعطى من عليه الإحراز فله الرجعة إن رجع. # فأما المريض فلا تثبت منه إلا الوصية، وله أن يرجع فيها ما لم يمت، إلا ~~ما قالوا فيمن رقب عبده عليه. أو قال في مرضه: إذا مت فغلامي حر، ثم مات ~~فهو حر. وإن صح ورجع فلا رجعة له. وأما إذا مات عتق العبد. # وإذا قال رجل لرجل: أنفق على عيالي وخادمي ألف درهم من مالك، فادعى أنه ~~أنفق كما أمره؛ فعليه البينة، إلا أن تقول الزوجة والخادم: إنه أنفق عليهم ذلك. # ولو قال رجل لرجل: أنفق على عيالي أو غلامي أو زوجتي من دراهمي هذه، فدفع ~~إليه ذلك فغاب، فلما قدم سأله فقال: إنه قد أنفق عليهم كما أمره، فإن قوله ~~مقبول وهو مصدق في ذلك أمين. PageV02P318 # ولو أنكرت الزوجة أو الغلام؛ فأما الأول فمدع لنفسه لا تقبل شهادته وحده ~~فيما يجر إلى لنفسه، وأما هذا فأمين. # وإن قال: ادفع إلى هذا الرجل، أو أعطه ألف درهم ففعل؛ فلما طلبها قال: ~~ليس علي لك شيء، وإنما أردت أن تعطيه من مالك؛ فعلى الآمر للدافع يمين ~~/515/ ما سلمه بأمره، ولا يغره إلا أن يقول: هب لي من عندك أو من مالك. # ومن أوصى للفقراء أو لأقاربه بمائة درهم فشهد منهم ms553 بها عدلان؛ فشهادتهما ~~جائزة، ويطرح نصيبهما من تلك الوصية. # وكذلك لو أوصى للشراة؛ فشهد منهم عدلان فلا نصيب لهما. # وكذلك إن قال للفقراء؛ فشهد شاهدان من الفقراء جاز. # وإذا شهد شاهدان على أرض أنها رم وهما من أهل الرم لم تجز شهادتهما. # وإن شهد شاهدان على أرض أنها رم، وشهد شاهدان أنها أصل؛ فقال قوم: شهادة ~~الرم أولى. وقال آخرون: شهادة الأصل أولى. # وكذلك لو شهد شاهدان على أرض أنها صافية، وشهد شاهدان أنها لإنسان؛ فشهود ~~الإنسان أحب إلي. # وعن رجل وجد في أرض رجل كنزا من كنوز الجاهلية، فهو لمن وجده، وفيه ~~الخمس، كان ظاهر أو باطنا. # والذي يقول في صحته: إذا مت فلفلان من مالي كذا وكذا، ولا يقول عطية ولا ~~وصية؛ فهي وصية. # وإذا شهد شاهد على ميت بمائة درهم للفقراء، وشهد شاهد بمائة درهم ~~للمساكين، فهي شهادة متفقة. # ومن قال: علي حق لفلان، فإن مت فله قطعة كذا وكذا من مالي؛ فقد قيل: إنها ~~وصية؛ لأنه قال: علي حق ولم يبين كم، إلا أن يقول: هي له بذلك الحق فذلك قضاء. # ومن وقف شيئا للمساجد في صحته وبعد موته فهو جائز. وإن قال: فما فضل فهو ~~للفقراء؛ فذلك جائز كما جعله. # ومن وقف دارا له لمسجد ثم رجع فله الرجعة، على قول في ذلك. # والنحل عطية ومن الوالد لا تجوز. وإذا مات الوالد رجع إلى الورثة. وإن ~~نحله وأحرز لما بلغ؛ فعلى قول: جائز. PageV02P319 # وإن أوصي له بوصية أو دين فلم يطلب حتى قسم المال؛ فإنه يدرك متى ما طلب ~~ولو قسم المال. وإن باع ذلك بعض الورثة رجع الموصى له في المال وأخذه، ورجع ~~المشتري على البائع بقدر ما أدركه فيه منه. # والوصي إذا قبل الوصية فيما أوصي إليه؛ فليس له رجعة. ولو أوصي إليه وهو ~~غائب، وقبل الوصية لم تكن له رجعة بعد موت الموصي إليه. # وأما إذا قبل في مرض الموصي ثم أراد أن يبرأ إليه في ذلك المرض؛ فقال ~~قوم: لا يبرأ، ms554 وليس للموصي أن يبرئه إذا صار في حال لا يجد غيره. فأما إن ~~كان في حال /517/ يجد غيره فله أن يبرئه ويبرأ. وليس للموصي أن يتبرأ في ~~ذلك الوقت، فأما في الصحة فله أن يبرأ إليه من وصيته، ولمن أوصى إليه أن ~~يبرئه. فأما في الصحة فجائز لهما أن يبرئه وله إن شاء أن يبرأ من الوصية. # وإذا صار المريض في حال فطلب إلى رجل ثقة يتوصى له فامتنع، فإن كان لا ~~يجد غيره لم يجز له الامتناع. وإن كان عنده أو يرجو أن الموصي يجد غيره ~~فامتنع فلا ||شيء|| عليه. فأما إذا كان في حال لا يجد غيره فليس له أن ~~يمتنع، فإن امتنع كان آثما. قال الله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ~~ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}، ومن البر والقربة إلى الله تعالى القيام ~~بمعونة المسلمين على أداء حقوقهم ومنافعهم في المحيا والممات. # والذي أوصى لبني ابنته مثل ميراث أمهم من مالي، فلا شيء لهم؛ لأنها غير ~~وارثة. وقد قيل: بالاختلاف في ذلك، إذا قال: مثل ميراث أمهم فهو لهم، وإذا ~~قال: ميراث أمهم فهو وصية، فانظر في ذلك إن شاء الله. # وقيل: عن امرأة أوصت في ثوبين بأرض بعيدة، وخاف الوصي التلف على الثوبين، ~~فإنه يبيع الثوبين. وقال قوم: يضمن الثمن. وقوم: لم يلزموه ضمانا. PageV02P320 # وإذا مات رجل ولم يعلم له بوارث؛ جعل ماله في سبيل الله أو الفقراء، ~~وفرقه الوصي على من أوصي له به، ثم صح له وارث فجاء يطلب؛ فأما الوصي فلا ~~ضمان عليه، ولكن إن شاء هذا الوارث أن يتبع مال صاحبه فيأخذ من يد كل واحد ~~ثلثي ما في يده مما خلف الهالك. # والوصي إذا باع رقيق الهالك في الوصية ففرق ذلك في الوصايا، ثم رد شيء من ~~العبيد بعيب، فإن الوصي يغرم ما أخذ من الثمن ويأخذ العبد، إلا أن يكون ~~قال: فإني أبيع هذا العبد في وصية فلان ولا أعلم بعيبه، فلا أضمن لكم بشيء، ~~فإن شئتم فاشتروا وإن شئتم ms555 فدعوا، فإذا اشتروا على هذا الوجه فلا ضمان عليه. # وكذلك أحب أن يقول في المال: أبيع هذا المال في وصية فلان الهالك، ولا ~~ضمان علي فيما يدرك في هذا المال، فإن شئتم فاشتروا وإن شئتم فدعوا، فعلى ~~هذا لا ضمان على الوصي إن شاء الله. وبعض: أوجب رد الغلام بالعيب ويرجع في ~~مال الهالك. # والذي يوصي لامرأته بمتاع البيت فالوصية لا تثبت. وإن قال /518/ في ~~وصيته: إن لامرأته متاع البيت، أو قال: ما سده الباب؛ فما علم من ذلك في ~~وقت الوصية فهو لها، (والمتاع: ما يتمتع به الناس من الأمتعة في بيوتهم، ~~ولا أرى الحلي والثياب من متاع البيت، ولا الذهب ولا الفضة ولا الأموال، ~~وإنما يرجع في هذا إلى العدول). # فإن قال: هذا البيت وما فيه هو لزيد، فكل ما كان فيه يوم أوصى فهو لزيد. ~~وإن مات وادعى الورثة أنه أحدث فيه شيئا بعد الإقرار فعليهم البينة، فإن لم ~~تكن بينة وأرادوا يمين من أقر له فذلك لهم. # وإن مات أحد الزوجين وخلف أحدهما في المنزل، فما قال: إنه له؛ فالقول ~~قوله مع يمينه، أن كل ما كان في يده فهو له، وعلى من ادعى من ذلك شيئا أن ~~الوارث خلفه البينة. PageV02P321 # وإن كان أحد الزوجين عبدا أو ذميا أو مسلما أو كانوا حرين، فعلى من ادعى ~~البينة إذا أنكر من هو في يده. وفي هذا رأى آخر: أن الزوجة إنما تصدق فيما ~~يكون يعرف بها، كذلك الزوج. وما كان من آلة المرأة صدقت فيه. ولا تصدق في ~~الدواب، وأردية الرجال والسيف ومثله، والأول هو القول [الأصح]؛ لأن كل من ~~في يده شيء فالقول فيه قوله. # والذي يوصي لابنه ويقول له مثل ما أعطى ابنه الآخر فذلك جائز. وإن قال ~~ابنه الأول: إنه لم يعطه أبوه شيئا؛ فعلى من أوصي له البينة، وإن عجز فيمين الابن. # فأما إن صح وقد أوصى لرجل بثلث ماله وعليه دين، فإن الدين يخرج من رأس ~~ماله، ثم يأخذ الموصى له ثلث ms556 بقية ماله، ثم يأخذ الولد مثلما أعطى أخاه، ~~وهذا يجوز على الأخ وحده، ولا يجوز على بقية الورثة؛ لأنهم لم يعطوا شيئا. # وإذا قال: قد جعلت فلانا وصيي فهو وصيه. # وإن قال: قد جعلت فلانا وكيلي بعد موتي في مالي وولدي فهو بمنزلة الوصي، ~~وإن لم يقل: بعد موتي لم يقم مقام الوصي ولا يثبت. وإذا مات انتقض ذلك. # ومن أوصى للفقراء بجزء من ماله؛ فللورثة قسم المال، ويتبع الفقراء كل ~~واحد من الجزء الذي في يده مما أوصى لهم به، وليس لهم أن يبيعوا هذا المال، ~~ولكن يقيم الحاكم وكيلا يقبض حصة الفقراء ويقسمها بينهم. وقد قيل: يباع ~~ويقسم الثمن. # وإذا قال: قد أوصيت لفلان بغلام من غلماني وفلان /519/ يعرفه؛ فإنه لا ~~يكون مصدقا إلا أن يجعله مصدقا فيما ادعى إليه من ذلك. وإذا لم يجعل له ~~التصديق فهو شاهد، وإن جعل له التصديق؛ ففي ذلك اختلاف أيضا. وقد يكون ~~مصدقا على قول آخر حتى يجد له حدا. وقال قوم: في الوصية مصدقا إلى الثلث. PageV02P322 # فإن لم يوص للأقربين؛ فبعض قال: إنهم يدخلون في كل ما أوصى به من القرب ~~والنوافل مثل الشذا، ونوافل الحج والفقراء والأجنبيين. فأما الحجة الفريضة ~~وحجة كفارة الأيمان والنذور والزكاة؛ فإن الأقربين لا يدخلون في ذلك. # وإن كان المريض يكتب وكتب وصيته بيده ودفعها إلى الشهود، وقال: اشهدوا ~~علي بما في هذا الكتاب فإنها وصيتي وقد كتبتها وعرفت ما فيها، فشهدوا عليه ~~فذلك جائز، ويشهدون عليه بما في الكتاب ولو لم يقرأه عليهم إذا كان يكتب أو ~~يقرأ، وإن كان لا يكتب ولا يقرأ فلا يشهدوا عليه حتى يقرؤوا الكتاب عليه، ~~ويشهدهم بذلك على نفسه، ويكون الكتاب في أيديهم ويعرفونه كل ما كان فيه. # والذي أعجم على لسانه فدعا بدواة وقرطاس وكتب: علي من الدين كذا وكذا، ~~وللأقربين بكذا وكذا، فاشهد يا فلان ويا فلان علي بهذا؛ لأنه قد أمسك علي ~~لساني، وأنا ثابت العقل، عارف ما كتبته بيدي؛ فبعض: لم يجز ذلك، وجبن ms557 عن ~~إمضاء الشهادة. والذي حلف بصدقة ماله وحنث ولم يعشره حتى مات وأوصى به؛ فإن ~~ذلك يكون من الثلث مع وصاياه، والله أعلم. # وقد اختلفوا فيمن أوصى إلى إنسان بعد موته وجعله مصدقا فيما أوصى إليه؛ ~~فقال قوم: لا يصدق إلا بالبينة. وقال آخرون: في الدين هو مصدق إلى أن يحيط ~~بماله، وفي الوصايا مصدق إلى ثلث ماله. وقال قوم: إن حد له حدا صدق إلى ذلك ~~الحد ولو لم يفسر لمن ذلك. # ومن أوصى إلى اثنين ثم مات؛ فإن جعل لكل واحد منهما ما جعل لهما من ~~الوصية فذلك ثابت، وكل واحد حضر فهو وصي، وإن لم يجعل لهما ذلك لم يجز ~~للثاني أن يقبض ولا ينفذ شيئا. وقال آخرون : يقبض النصف، والأول أحب إلي. ~~وإن جعل لهما التصديق فمات أحدهما بطل التصديق /520/ على قول. PageV02P323 # وعن رجلين أقرا بوطء جارية وولدها فمات أحدهما وجعل وصيا في ولده؛ فإنه ~~لا يكون له وصيا عند أبيه، فإن مات الأب الثاني فوصية الأب الأول جائزة. ~~وإن أوصى الأب الثاني فوصيته جائزة ويكونان وصيين جميعا. # 109- باب: # مسألة: في قسمة وصية الأقربين # - وسأل عن قسمة وصية الأقربين، أهي درجات، أم كلهم فيها سواء؟ # قيل له: فالأكثر من قول أهل عمان وفقهائهم أن قسمة الأقربين درجات، وعلى ~~ذلك مضى أولهم وآخرهم، والحجة لهم من كتاب الله تعالى: {وأولوا الأرحام ~~بعضهم أولى ببعض في كتاب الله}، وقد قسموها على أحوال ودرجات، واختلفوا ~~فيها اختلافا يطول تعدده ويكثر وصفه، ولم يكن في الدرجات كتاب ناطق غير ما ~~ذكرنا لك في أول المسألة، ولا سنة أسندوها عن الرسول #، فقسمها بعضهم درجات ~~إلى أن يصل إلى آخرهم درهم. وبعض: إلى أربعة دوانيق. وقال من قال: إلى ~~دانقين. وقد قسموها: إلى دانق ونصف. وقد وجدنا أن بعضا: قسمها إلى أقل من ~~دانق ونصف. وذلك أنه افتتح له بطن كثير العدد فلم يحب أن يطرحهم؛ وأن ~~الدراهم لم تصلهم إلا كذلك. # وأما من أوصى بشيء لقوم معروفين فذلك يقسم بينهم قليل ms558 ذلك وكثيره على ~~عددهم بالسوية. ومن هذا حجة من قال: إن قسمة الأقربين بالسوية؛ وهي أسهل، ~~وهي عندهم أعدل من الدرجات، وأهل الدرجات مختلفون، وهذا باب منتظم لا يختلف ~~فيه، فأما ما اختلفوا فيه من ذلك فسوف أبين لك بعضه دون جميعه إن شاء الله. # والذي قال بالدرجات: قال: إذا اجتمع الأقربون بدأ منهم بالأقرب فالأقرب، ~~وإن عدم بطن منهم فالبطن الذي يليه يقوم مقامه على قول: يأخذ سهم من قام ~~مقامه. وفي قول: يقوم مقام نفسه ويأخذ سهمه. PageV02P324 # وأقرب الأقربين -عندهم-: ولد الولد فيهم يبدأ ويعطى كل واحد منهم سهما، ~~ويعطى كل واحد من أولادهم نصف ما أعطي أبوه، ثم كذلك كل واحد سفل منهم يعطى ~~نصف ما أعطي أبوه، إلى أن تفرغ الوصية، أو تصل إلى آخرهم، والذكر والأنثى ~~في ذلك سواء. ولا يعدوهم ما كان منهم واحد، وإذا بلغت إلى آخرهم فوقع لكل ~~واحد منهم أكثر من دانق ونصف /521/ على قول من قال: بدانق ونصف. فإن بقي من ~~الوصية عندهم شيء فيبدأ بجد الميت أبي أبيه. # وقال قوم: الأجداد الأربعة؛ فيعطى الجد كنصف ما يأخذ آخر واحد من ولد ~~الولد، وكذلك الأجداد يأخذ كل واحد كنصف ما يأخذ آخر واحد من ولد الولد. ~~فإن بقي من الوصية عنده شيء فإنما يعلم إذا وقع لآخر واحد أكثر من دانق ~~ونصف، فإذا علم ذلك أخذ الإخوة إخوة الميت من بعد الأجداد، والذكر والأنثى ~~في ذلك سواء، فيعطى الأخ كنصف ما يأخذ الجد، كذلك يعطى كل واحد من أولادهم ~~كنصف ما يأخذ أبوه، ولا تعدوهم الوصية وإن سفلوا. # فإن فرغوا وبقي من الوصية شيء، فعلى ما وصفت لك، فإنها ترجع إلى الأخوال ~~والأعمام وهم درجة واحدة، وإن بلغتهم الوصية دخلوا فيها جميعا، وإن لم ~~تبلغهم لم يعطوا جميعا. # وللعم سهم وهو كنصف ما يأخذ آخر واحد من ولد الإخوة، وللخال نصف سهم كنصف ~~ما يأخذ العم، ويأخذ ولد العم كنصف ما يأخذ أبوه، وكذلك يأخذ ولد الخال ~~كنصف ما يأخذ ms559 أبوه، والذكر منهم والأنثى سواء. # وإن بلغت الوصية آخرهم وبقي من الدراهم شيء رجعت الوصية إلى أعمام الأب ~~وأخواله وأعمام الأم وأخوالها، فأعمام الأب وأخواله أعمام، وأعمام الأم ~~وأخوالها أخوال، وكذلك ما بقيت الدراهم فارتفع النسب، فإنه يأخذ أبو كل ~~واحد من الأجداد كنصف ما أخذ أبوه وهم آخر الأرحام، فانظر في مسألة الأجداد ~~وسل عنها. PageV02P325 # ومن استحق الوصية بوجهين له إلى الميت، فأخذ لهم جميعا، وقال قوم: يأخذ ~~بأي رحميه أقرب. وكل مولود ولد ولم تقسم الوصية فإنه يدخل معهم فيها. وقد ~~قال قوم: لا يأخذ. # وكل ميت مات بعد ما وجبت الوصية له، فإن الذي له لورثته؛ لأنه قد استحقه ~~المولود، إلا مولودا ولد بعد موت الموصي ومات قبل أن تقسم الوصية، فإنه ليس ~~يدخل معهم بشيء في الوصية مع الورثة. واختلفوا؛ فمنهم من يقول: إن الأخوال ~~لا يحسبون مع أخوال الميت. ومنهم من يقول: إنهم مع الأعمام، وقد كثر ~~الاختلاف وهو أكثر من هذا. # مسألة: فيما يقع فيه الاختلاف # اختلفوا في الأجداد؛ فقال قوم: هم قبل الإخوة. وقال قوم: الإخوة قبل ~~الأجداد. /522/ ومنهم من قال: الأجداد الأربعة قبل الإخوة، ثم الإخوة ~~والأجداد من بعدهم ([أي] الأجداد آخر). # واختلفوا في الأخوال والأعمام؛ فقال قوم: للأعمام الثلثان، وللأخوال ~~الثلث. وقال آخرون: للعم سهم وللخال نصف سهم. # واختلفوا إذا عدم من عدم منهم؛ فقال قوم: إذا عدم العم وكان ابن العم أخذ ~~ابن العم سهم أبيه. # واختلفوا من وجه آخر؛ إن كان الأعمام قليلا أو كثيرا؛ قال: يعطى الأعمام ~~الثلثين، والأخوال الثلث. وإن كثر الأعمام وقل الأخوال كان للعم سهم، ولابن ~~الخال نصف سهم. وقال قوم: ينظر القاسم فإن اعتدلوا أعطى بني العم سهامهم في ~~مواضعهم، فإن أخذوا ثلثي الوصية أعطوا سهامهم في مواضعهم، ولا يعطون سهام ~~آباءهم. وقال قوم: يكون للعم وإن سفل سهمان، وللخال وإن علا سهم. # واختلفوا في بني الإخوة وبني الأخوات؛ فقال قوم: لبني الإخوة سهم وبني ~~الأخوات نصف سهم إذا كان أبوهم أجنبيا. وكذلك بنو ms560 الأعمام والعمات. وقال ~~قوم: إن كل من دخل تحت الوصية ونالته من الأعمام والأخوال وبنيهم؛ فالذكر ~~والأنثى فيه سواء إذا استوت أرحامهم. PageV02P326 # وقال قوم: يعطى الإخوة قبل الأجداد. وقال قوم: يعطى الجد أبو الأب وجده ~~قبل الإخوة، ثم يأخذ الأخ كنصف ما يأخذ الجد، ثم يرجع إلى الأعمام ~~والأخوال. وقال قوم: الأجداد الأربعة قبل الإخوة. وقال قوم: ثلاثة أجداد. ~~وقال قوم: إن أخذ الأجداد يأخذون بعد الأعمام والأخوال. ومنهم من قال: يأخذ ~~الأجداد الأربعة ثم يرجع إلى الإخوة، ثم يأخذ بعد الإخوة وبنيهم هؤلاء ~~الأجداد، وإن ارتفعت فيهم ما صح النسب. وقال قوم: يعطى كل من وقع عليه اسم ~~القريب. وقال قوم: إلى أربعة آباء. # وقال قوم: إنها لا تعطى إلا ما كان أرحامه بعمان، ولا ينتظر بها غائب من ~~عمان. ومنهم من قال: إن كان حيث ترجى أوبته، أو وجد من يخرج إليه، أو بعث ~~|إليه| ما كان له أو حبس له. وقال آخرون: يحبس له. وقال قوم: إن من ترجى له ~~أوبة لا يحبس له من الوصية شيء، وتقسم على من حضر. # واختلفوا فيما يفضل من الوصية ولا ينقسم؛ فقال قوم: يصيره القاسم إلى ~~ضعيف من الأرحام ممن تناله، /523/ أو أحد ممن لا تناله فلا بأس. وقال قوم: ~~يرجح به الميزان. ومنهم من قال: يقسم على جميعهم، وأكثر ما هو عليه أنها لا ~~يعدى بها أكثر من أربعة آباء، وأربع درجات. واحتج بقول الله تعالى: {وأنذر ~~عشيرتك الأقربين}، أنذرهم إلى أربعة آباء إلى هاشم. # فلما كان هذا الاختلاف بين من قال: تقسم درجات؛ فأحببنا الأخذ بقول من ~~قال: أن تقسم وصية الأقربين على السوية؛ لأن الموصي قد أشركهم فيها بوصيته ~~لقرابته ولم يكن ميراثا فيجري مجراه على الفرائض، فكان الاتفاق منهم أن ~~الموصي إذا أوصى لقوم أن ذلك يكون بينهم بالسوية. # ورأينا من قال بذلك أقرب إلى الصواب، وأعدل في باب الحجة وبالله التوفيق. ~~وذكر الوصية أكثر من هذا وأطول اختلافا. # [كتاب العتق] # 110- باب: # مسألة: في العتق PageV02P327 - وسأل ms561 عن العتق، ما أفضل: أن يباع ويتصدق ~~بثمنه، أو يعتق؟ # قيل له: يعتق أفضل من أن يباع ويتصدق بثمنه، وذلك أن الله رغب في العتق ~~والصدقة وجعلهم أهل الميمنة، فقال: {فلا اقتحم العقبة * وما أدراك ما ~~العقبة * فك رقبة} عتق رقبة. فقد روي عن النبي ^ في ذلك ما يدل على فضل ~~العتق قوله #: «من أعتق رقبة لوجه الله فهي فداؤه من النار كل عضو منها ~~بعضو منه». # ومن أعتق عبدا فليس له أن يستعمله بقليل ولا كثير، إلا أن يعمل العبد ~~لأحد عن رأيه من غير أن يستعمله ولا يأمره، فإن ذلك لا بأس به أن يكون ~~العبد ممن يعمل بالأجرة، فيعمل له كما يعمل لغيره، ويوفيه أجرته فلا بأس بذلك. # وإن أهدى العبد إلى مولاه هدية فلا بأس عليه في أخذها وقبولها منه. ألا ~~ترى إلى ما روي عن النبي ^ أنه دخل على عائشة وسألها عن شيء، فقالت: ما ~~عندنا شيء. فقال: «فما في هذه القدر؟» قالت: لحم من شاة تصدق بها على ~~بريرة. قال: «هو لها صدقة ولنا من عندها هدية»، فأكل منه، وكانت الصدقة ~~محرمة عليه ^. # وإنما يعتق العبد إذا قصد مولاه إلى عتقه، وإن أراد ذلك فأخطأ لم يعتق؛ ~~لأنه قيل: «لا غلت على مسلم»، أي: لا غلط، ولا يؤخذ العبد بالخطإ، فأما ~~الحكم فإذا تكلم بعتقه وحاكمه العبد وصح ذلك حكم له بالعتق عليه. # ولو أنه قال لغلامه: أنت اليوم حر أم لا تخدم؛ يعني: أنت صلف؛ /524/ ~~فقالوا: ذلك إلى نيته. وإن قال: هو حر؛ يعني: من العفة، وليس فيه فساد ~~الفرج، فلا يعتق بذلك. وإن وقع بينهما حكم وأقر بلفظ العتق عتق. # فأما إن سأله سلطان عن عبيده وخاف أخذهم؛ فقال: هم أحرار في أنفسهم من ~~العفة لم يعتقوا، وإن أرسل القول في ذلك عتقوا. PageV02P328 # ومن عتق غلامه إن لم يفعل كذا وكذا، فهو عبده ما كان للمولى سبيل إلى فعل ~~ذلك حتى تجيء منزلة لا يقدر على ذلك فيما أعتق العبد فيه، فإنه ms562 يعتق إذا ~~فات ذلك. # ومن أعتق مملوكه عند موته وعليه دين يحيط بماله؛ فقال قوم: إنه لا يجوز ~~عتقه وهو في دينه ذلك. وقال قوم: يعتق ويرد ثلثي ثمنه. وقال آخرون: يعتق ~~ويسعى بثمنه كله. # وعن عبد بين اثنين، شهد كل واحد منهما على الآخر أنه أعتق نصيبه، ففي ~~الأثر: أنه يعتق كل واحد منهما النصف ويسعى لهما بالنصف. # ونحن نقول يعتق كله ولا يسعى لهما بشيء؛ لأنه لم يجز على نفسه، وهما ~~اللذان أعتقا. وفي الرواية: أنه «من أعتق حصة له في عبد قوم عليه»، معناه: ~~يقوم على من أعتق ويضمن لشريكه. وهذا يلزم الشريك المعتق لشريكه وليس على ~~العبد. وفي الحديث: «من أعتق حصة له في مملوك أو عبد فعليه خلاصه»، وهذا ~~أيضا لا يضمن العبد. # ومن شهد على شريكه أنه أعتق نصيبه من عبد بينهما شركة، وأنكر الآخر؛ فإن ~~شهادته لا تجوز على شريكه، إلا أنه هو إذا أقر على شريكه بالعتق عتق العبد، ~~ولزمه ضمان حصة شريكه، ويعتق العبد كله. وقال قوم: يستسعي الشريك العبد، ~~فأما أنا فأحب أن لا يلزم العبد شيء؛ لأن العتق لم يجئ من تلقائه فيلزمه، ~~ولا جنى جناية في ذلك، قال الله تعالى: {ولا تكسب كل نفس إلا عليها}. # والذي يعتق من عبده حصة له فليس له أن يستسعيه بشيء. ومن قال يوم يشتري ~~فلانا فهو حر؛ فإنه عندهم لا يعتق؛ لأنه لا عتق على ما لا يملك. # ومن قال: إذا باعه فهو حر؛ فإنه يعتق من حين يجب البيع قبل أن يقبل ~~المشتري. PageV02P329 # ومن أعتق عبد ابنه عتق. وإن نزعه من ابنه ثم أعتقه الابن أيضا عتق. وكل ~~من ملك من الأرحام من يحرم عليه نكاحه عتق عليه؛ للحديث الذي جاء: «من ملك ~~ذا رحم منه عتق». ومعناه: من ملك ذا رحم محرم عتق، مثل: الأب /525/ والابن ~~والأخ والعم والعمة والخال والخالة، فأما بنو العم وبنو الخال لا يعتقون، ~~وأما بنو الإخوة فيعتقون، وبنو العم فيستخدمون ويكره أن يباعوا. # وإن ms563 ملك أخاه من الرضاعة لم يعتق. وإن كان معه فيه شركاء فلهم قسمه بلا ~~قيمة؛ لأن القيمة بيع وكره ذلك. # وإن وقع العبد الذي من الرضاعة لأحد من الشركاء الذين بينه وبينهم ~~الرضاعة لم يجز بيعه. وقد قيل: يجوز بيع الأخ من الرضاعة في الدين، ولا ~~يجوز في غير الدين. فهذا يدل على أنه مكروه. # فأما لو كان محرما ولم يكن ملكا لم يجز في الدين ولا غيره. # وإن وقع لمن ليس بينه وبينه رضاع جاز له بيعه. # ومن ترك جارية له من بعد موته ولها ولد منه؛ فإنها تعتق إذا ملكها ولدها. # وإن ورثها غيره معه عتقت من حصة ولدها. فإن كان له ميراث من غيرها كان ~~عليه في ميراثه فيما بقي من حصته للورثة. وإن لم يرث شيئا غيرها استسعاها ~~بقية الورثة بحصصهم غيره. # وإنما ذلك على الولد للأم وحدها، وليس ذلك عليه للأب ولا غيره. # وأنا أحب أن يكون الأب والأم في ذلك سواء؛ لما روي عن النبي ^ أنه قال: ~~«لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيعتقه»، ورواية أخرى: توجب الأم ~~وحدها: «إن أم الولد تعتق بموت سيدها»، وذلك إذا ورثها ولدها. فأما لو مات ~~ولدها ومات السيد وبقيت بلا ولد لها منه لم تعتق. # والذي قال لغريمه: إن لم أقضك إلى شهر فغلماني أحرار؛ فمات قبل الشهر ~~فغلمانه أحرار؛ لأنه لم يعطه. PageV02P330 # والذي قال لجاريته: يوم تفصلين ولدك فأنت حرة؛ فمات الولد قبل الفصال فلا ~~يجوز ولا تعتق. # والذي قال لغلامه: إذا خدمتني سنة فأنت حر، فمات قبل أن يخدمه سنة أنه لا ~~يعتق. وقال قوم: يخدم الورثة تمام السنة ثم هو حر. وفيها قول آخر: إذا مات ~~السيد فهو حر. # وإذا قال لغلامه: إذا حفرت هذه البئر فأنت حر, وإذا بلغت هذا الكتاب إلى ~~فلان فأنت حر، ثم مات السيد قبل ذلك؛ فإنه إذا حفر البئر وبلغ الكتاب عتق. ~~وإذا باعه قبل ذلك؛ فعلى قول: جائز له بيعه. وإن فعل ذلك وهو في ms564 ملك غيره ~~لم يعتق؛ فانظر في /526/ ذلك فإني أخاف أن يعتق؛ لأنه جعل عتقه على شيء، ~~كالذي يقول لغلامه: إذا جاء القيظ فأنت حر، فلا يبيعه. # والذي يعتق جاريته ويستثني ما في بطنها وقد تحرك؛ فعند بعضهم: أن له ~~مثنويته، وأنا أحب قول من لم ير له مثنويته؛ لأن الولد بضعة منها يعتق ~~بعتقها. ألا ترى أنه لو أعتقها ولم يستثن ما في بطنها وقد تحرك الولد وهي ~~في حال ضربان الطلق ولم تلد أنه حر؛ فاستثناؤه الابن وهو في البطن لا يدري ~~أهو حي أو ميت لم أره ثابتا. # والذي يقول لغلامه: أنت حر وعليك لي ألف درهم؛ فهو حر ولا شيء عليه. # وإن قال: أنت حر على أن تعطيني ألف درهم؛ فهذا مختلف فيه. # وإذا قال: إذا أعطيتني ألف درهم فأنت حر؛ فهذا له شرطه، ويعتق إذا أعطاه ~~قبل المولى ذلك أو لم يقبله. # ومن قال لعبد غيره: أنت حر من مالي، فإنه يشتريه ويعتقه، وإن كره مولاه ~~في بيعه تربص بالثمن أن يباع ويشتريه، أو يموت العبد فقيمته يوم يموت يشتري ~~بها رقبة ويعتقها. # فإن مات الرجل أوصى في ماله إن بيع اشتري وأعتق |عنه|. وبعض قال: عليه ~~قيمته يوم قال. فإن قال ذلك في صحته أخذوه ولو بجملة ماله. وإن أوصى بذلك ~~في مرضه كان في ثلث ماله مع وصاياه. PageV02P331 # وإن قال: كل ولد تلده أمته فهو حر ثم باعها؛ فعلى قول: كل ولد تلده فهو ~~حر، وإن لم يعلم المشتري بذلك. وإن علم وأراد ردها فله ذلك، وفي نفسي من ~~ذلك؛ لأنه أعتق ما لا يملك، أليس أن الولد بعد لم يكن، ولا في بطن الأمة ~~شيء، ولا عتق على ما لا يملك. ولو قال لعبد غيره: أنت حر لم يعتق، فكيف يصح ~~العتق في معدوم، فالله أعلم، سل عن ذلك. # وإذا قال لأمته: إذا ولدت فأنت حرة؛ فولدت ولدا فهي حرة، والولد مملوك؛ ~~لأنها عتقت بعد أن ولدت. ولو ولدت آخر في ذلك البطن ms565 فهو حر؛ لأنه قال: إذا ~~ولدت فأنت حرة. # وإذا قال: إذا وضعت ما في بطنك فأنت حرة؛ فحتى تضع ما في بطنها ثم تعتق ~~ويكون ما وضعت مماليكا. # وإن قال: إذا ولدت فولدك حر، فإن أرسل القول عتق -على قول - كل ما ولدت. ~~ورأي: أنها تعتق ما ولدت في الوقت. # والذي يقول: إذا فعلت كذا وكذا /527/ فعبدي حر وله عبيد، فإن أوقع نيته ~~عند اليمين على واحد؛ وإلا عتق عبيده كلهم؛ لأنه لم يوقع على عبد بعينه. # وإن قال: نويت أن أختار، لم تنفعه. وإذا شهد عدلان، شهد أحدهما على رجل ~~أنه أعتق عبده، وشهد الآخر أنه دبر فإن العبد يكون مدبرا إذا مات السيد ~~عتق، وانظر في هذه المسألة. # ومن قال في صحته: إن مت فغلامي حر، فإن ذلك يكون من رأس ماله. وإن قال ~~ذلك في مرضه: إني كنت دبرت غلامي في صحتي؛ فإنه يكون من ثلث ماله. PageV02P332 # ومن دبر عبده فليس له بيعه؛ لقول الله: {أوفوا بالعقود}، وقال: {وأوفوا ~~بعهد الله إذا عاهدتم}، وقال: {يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ~~* كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون}، وقال: {وإذا قلتم فاعدلوا ~~ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا}، وقال: {ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ~~وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون * ولا تكونوا كالتي ~~نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا}، فهذا يدل على أنه لا يجوز بيع المدبر وعليه ~~الوفاء. # وأيضا: فإن المدبر مدته مجهولة لا يعلم متى يموت من دبره، ولا ما يتوصل ~~المشتري من الخدمة؛ لأن الرقبة لا يجوز بيعها، وقد جعل فيها لله حقا أوجبه ~~على نفسه في التدبير بعتقه بعد موته. # فإن باعه لمن يعتقه في الوقت أو باعه لنفسه؛ فأرجو أنه يجوز ذلك، ولكن لم ~~يف لله بما عاهد. فانظر في ذلك وسل عنه؛ لأني قلت في ذلك: قد حصل له ~~الحرية. # ومن دبر نصيبا له في عبد ضمن لشركائه قيمة حصصهم ما بين ms566 قيمته عبدا ~~ومدبرا، كان الشركاء أيتامى أو بالغين وينادى عليه، فما نقص التدبير من ~~قيمته كان على من دبره. # ومن أقر بتدبير جاريته بعدما باعها وصارت في ملك غيره؛ فإنه لا يثبت ~~إقراره على المشتري، وعليه هو خلاص ذلك في ماله، وقد لزمته. فإن أدرك فهو ~~أولى بالتدبير، وإن حضره الموت أوصى في ماله. # وعن عبد بين شريكين دبر أحدهما حصته، فلما بلغ شريكه أعتق نصيبه، فإن ~~الذي أعتق يرد على الذي دبر قيمة حصته من العبد مدبرا، ويرجع المعتق على من ~~دبر بقيمة ماله ودبره ما أنقص من ذلك بين القيمتين. قال قوم: الولاء لمن ~~دبر. /528/ PageV02P333 وقال آخرون: الولاء لمن أعتق، والولاء لمن أعتق، ~~وكل من أعتق عبدا فولاؤه لمن أعتقه. ألا ترى ما روي عن النبي ^ أنه قال: ~~«الولاء لمن أعتق» وذلك أن بريرة اشترتها عائشة لتعتقها فاشترط البائع ~~ولاءها، فقال النبي ^: «الولاء لمن أعتق». واتفاق الناس -إلا من شاء الله - ~~أن الولاء لمن أعتق, وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «لحمة الولاء كلحمة النسب ~~لا تباع ولا توهب». # ومن دبر نصيبا له في عبد كان كله مدبرا. وإن أعتق نصيبا له في عبد صار ~~العبد كله حرا؛ لأن الحديث عن بعض الصحابة -وأظنه ابن عباس- قال: "ليس لله شريك". # ومن أعتق نصيبا له من عبد عتق العبد كله من مال من أعتقه عندنا؛ لأن ~~النبي ^ قال: «من أعتق حصة له في عبد قوم عليه». # ومن قال: كل جارية له اشتراها فهي حرة؛ فكل جارية اشتراها مما يملك فهي ~~حرة، وما اشتراها من بعد لم تعتق. وإن قال: كل مملوكة له حرة إلا أمهات ~~أولاده عتقن كلهن إلا أمهات أولاده. # فإن قال: هذه أم ولدي لم يصدق في ذلك. # وإن كان عند كل واحدة ولد، فقال: ولد هذه مني، وولد هذه مني؛ فإن الجواري ~~يعتقن ولا يصدق في قوله، ولا يعدن إماء بعد أن صح عتقهن، ويثبت أولاده منهن ~~ويعتقن هن حتى يعلم أنه كان ادعى أولادهن قبل يمينه. ms567 # وإن قال: كل مملوكة له حرة إلا جارية خراسانية، ثم قال لاثنتين منهن أو ~~أكثر: خراسانيات، فهي مثل الأولى عندنا ولا يصدق في قوله. وقد قيل: إن ~~القول في هذا قوله. # ولو قال: كل جارية له حرة إلا جارية بكرا، ثم قال: كلهن أبكار، فالقول ~~قوله؛ لأن الجواري على ذلك حتى يعلم غير ذلك. # وإن قال: كل جارية لم تلد مني فهي حرة، ثم قال: هذه ولدت مني لم يصدق ~~وعليه البينة. PageV02P334 # ولو قال: كل جارية لم أطأها البارحة فهي حرة، ثم قال: قد وطئت هذه لم ~~يصدق إلا بالصحة، والقول قولهن. # ومن أعتق صبيا أو زمنا عال الصبي حتى يبلغ، والزمن حتى يبرأ ويقدر على ~~المكسبة لنفسه. فإن مات جعل ما يلزمه للفقراء ويعول به صبيا. وقد قيل: إن ~~أعتق لله لم يلزمه، وإن أعتق عن كفارة لزمه عوله. /529/ # وأما المكاتب فحر حين كاتبه سيده والثمن عليه، ولو كان البيع ضعيفا، قال ~~الله تعالى: {والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم ~~فيهم خيرا} يعني: وفاء بما كوتب عليه وصلاحا في دينه، قال الله: {وآتوهم من ~~مال الله الذي آتاكم}، يعني: من الصدقة، وأن يتصدق عليه ويعان في مكاتبته. # {وفي الرقاب}، يعني: يعطى من الصدقة في الرقاب. وقد قيل: هم المكاتبون؛ ~~فدل بهذا أن المكاتب حر يوم كاتبه. ألا ترى أن المملوك بالإجماع لا يعطى من ~~الصدقة، وقد وجبت للمكاتب، ولو كان مملوكا حتى يؤدي مكاتبته ما جاز أن يعطى ~~من الصدقة، والله تعالى قد أوجبها له، وجنايته جناية الأحرار. # ألا ترى أن ابنة أبي ضرار وقعت في السهم لثابت بن قيس فكاتبها ومرت ~~تستعين في مكاتبتها، فأتت رسول الله ^ تستعينه فقال لها: «أؤدي مكاتبتك ~~وأتزوجك؟» قالت: نعم، فتزوجها رسول الله ^، فلو كانت مملوكة قبل أن تؤدي لم ~~يتزوجها بلا رأي مولاها، ولكن هذا يدلك على أن المكاتب حر يوم كاتبه سيده، ~~وجنايته جناية الأحرار وولاؤه لنفسه، إنما الولاء لمن أعتق. # ومن كاتب عبده أو أعتقه وله مال ms568 ظاهر؛ فقال قوم: هو للعبد. وقال آخرون: ~~هو لسيده؛ فأما ما كان باطنا فذلك للسيد. PageV02P335 # وقال آخرون: إن ما كان بيد العبد يوم العتق أو قبل العتق من مال ظاهر أو ~~باطن فهو للمولى؛ لأنه عبد مملوك لا يقدر على شيء. كما قال الله تعالى: ~~{عبدا مملوكا لا يقدر على شيء}، إلا ما كان ترك له مولاه بعد العتق عند ~~المكاتبة فهو له. وكذلك لو باعه فإن ما كان في يده من مال ظاهر أو باطن فهو ~~لمولاه عند الأكثر من الناس إلا أن يستثنيه المشتري. # وإذا قال للعبد: اخدمني سنة وأنت حر، فإنه إذا خدمه سنة عتق. # وإن قال له: أنت حر واخدمني سنة؛ فإنه يعتق ولا خدمة عليه. # وإن قال: إن حدث بي حدث الموت فغلامي حر، وله من مالي مائة درهم، فصح من ~~ذلك ورجع فله الرجعة في المائة، ولا رجعة له في التدبير، وغلامه حر يوم ~~يموت. إلا أن يقول: إن حدث بي حدث الموت في مرضي هذا فصح فله الرجعة. # وعن رجل عليه عتق عن واجب، هل يجوز له أن يشتري رقبة /530/ يشترط فيها ~~العتق فما نحب ذلك. # وقد اختلفوا في العبد إذا أعتق وله أولاد من حرة؛ فقال قوم: يجر ولاءهم. ~~وقال آخرون: لا يجر ولاءهم. # وقد اختلفوا فيمن يعتق أمته ويستثني ما في بطنها، فأجاز قوم المثنوية، ~~ولم يجزها آخرون، ووقف واقفون عن ذلك. # والذي يقول لجاريته: إن ولدت غلاما فأنت حرة، فولدت غلاما وجارية؛ فإن ~~ولدت الغلام أولا فهي والجارية حرتان والغلام مملوك. وإن ولدت الجارية أولا ~~ثم الغلام عتقت وحدها والولدان مملوكان. # ومن اشترى مملوكا على أنه يعتقه؛ فإن أعتقه وإلا فليرده؛ لأن البيع لا ~~يصح إلا بالشرط الذي علق به. # ومن دبر أمته على نفسه فله أن يطأها إذا دبرها على نفسه، ولا يطؤها إذا ~~دبرها على غيره. PageV02P336 # والذي يقول: يوم يقدم فلان؛ فجاريته حرة فلا يطؤها. والذي يقول: يوم ~~يموت؛ فجاريته حرة، فلا يطؤها؛ إلا أنه لعله أن يموت ms569 في ذلك اليوم. وإن وطئ ~~وسلم لم يمت فلعل بعضا لا يحرم. # والذي يقول لجاريته: إذا مت فأنت حرة، فلا بأس عليه في الوطء. # والذي يقول لجاريته: إن لم أخرج إلى مكة فأنت حرة، فإنه يستخدمها وليس له ~~وطؤها، فإن مات ولم يخرج عتقت. # والذي قال لغلامه: إن لم تفعل كذا وكذا فأنت حر، فقال الغلام: لا أفعل؛ ~~فإنه يستخدمه حتى يموت أو يفوت ذلك الشيء ولا يقدر على رده ولا فعله فيعتق. # والحرة تموت وتترك والدها مملوكا وإخوتها مملوكين، أن الوالد يشترى وما ~~بقي دفع إليه، ولا يشترى الإخوة، بذلك جاءت الآثار؛ لقول النبي ^: «لا يجزي ~~ولد والده إلا أن يجده مملوكا فيعتقه». # ومن مر على عبيد وله فيهم مملوك، فقال: أحدكم حر؛ فإنه يعتق عبده، علم ~~بذلك أو لم يعلم. فإن قال: أنتم أحرار عتق مملوكه، والولاء لمن أعتق. ويكون ~~مولاهم يعقل عنهم ويعقلون عنه؛ لقول النبي ^: «لحمة الولاء كلحمة النسب لا ~~تباع ولا توهب»، ويعقل عنهم في جناية الخطإ، ولا ميراث بينهم عند أصحابنا، ~~والميراث لذوي الأرحام. # وإن كان رجل أعتق عبدا وله ولد عند /531/ قوم ولولده ولدان مملوكان عند ~~آخرين وأعتقوا كلهم؛ فإن ولاء كل واحد منهم لمن أعتقه. وقد قيل: إن الأب ~~الأكبر يجر ولاءهم، وذلك فيه نظر فانظر فيه. # وأما الأم فلا تجر الولاء من أولادها إلى مواليها، وولاؤهم لمواليهم ولمن ~~أعتقهم، وبالله التوفيق. # فإن أعتق العبد اثنان أو ثلاثة فولاؤه لهم جميعا. # فأما إن كانت الأمة معتوقة وولدت أولادا وتناسلوا ولم يعلم لهم أب ولا ~~أحد أعتقهم. وقد قيل: إنهم موالي لمن أعتق أمهم. PageV02P337 # وعن رجل قال: غلامه حر قبل أن يقدم فلان بشهر. قيل: يتوقف عن خدمته وعن ~~بيعه، فإن مات فلان في غيبته فلا يعتق؛ لأنه مات ولم يقدم. وإن قدم فلان ~~وقد عتق قبل أن يقدم بشهر، فإن كان استخدمه فعليه رد غلته مذ أعتق قبل أن ~~يقدم فلان بشهر، ثم يرد خدمة شهر. # ورجلان بينهما عبد فقال أحدهما لصاحبه: ms570 إن استخدمته أو ضربته فهو حر، فإن ~~استخدمه أو ضربه بما هو جائز فالحالف هو المعتق. وإن ضربه بما ليس له فهو ~~الذي أدخل الحرية، ولا يرد عليه شيئا، وأما إذا استعمله بما هو له جاز. # ومن أوصى أن يشترى له فلان ويعتق عنه؛ فالثلث يوقف عليه ما دام حيا ~~مملوكا. فإن بيع اشتري له به، وإن مات أو عتق رد الثلث إلى الورثة. # ومن قال: يباع غلامي على فلان؛ فإن اشتراه بما يشبه الثمن من ساعته فهو ~~له، وإن لم يشتره صار حرا. # ومن أعتق نصيبا له في مملوك أعتق العبد كله، وقد وجدت في آثار أصحابنا أن ~~رسول الله ^ قال: «يعتق ويجعل خلاصه في ماله». وقال: «ليس لله شريك». فأما ~~الخبر الذي [هو] مستفيض فإنه قال: «من أعتق نصيبا له في عبد قوم عليه». # ومن أعتق غلامه وعليه دين؛ فإن كان في صحته لم يحجر عليه ماله، ويعتق ~~العبد، والدين على مولاه، ولا شيء على العبد. # وكذلك إن كان الدين على العبد وأعتقه؛ عتق العبد، والدين على مولاه إذا ~~أذن له في التجارة. وإن لم يكن أذن له ولا الدين من قبل المولى؛ فإن الدين ~~على العبد في ذمته فإن أعتق أداه. # وأما إقرار العبد أن عليه دينا فيما يلزم مولاه؛ فلا يجوز إقراره بذلك ~~على المولى إلا مما يصح بشاهدي عدل. PageV02P338 # والذي يعتق نصيبا له في /532/ عبد عند موته فإنه يضمن حصة شريكه في رأس ~~المال، فأما حصته من العبد فهي من ثلث ماله. وقال من قال: يتبع الورثة ~~العبد بما زاد على الثلث مما ضمنه لشركائه. فأما الذي يقول: لا يتبع بشيء؛ ~~لأن ذلك لم يكن من جناية يده. # والذي له ثلاثة أعبد فدخل عليه منهم اثنان، فقال: أحدكم حر ثم دخل عليه ~~الثالث وأحد العبدين الداخلين عليه أولا، فقال: أحدكما حر؛ فإنهم يعتقون ~~على قول، ويسعون بنصف أثمانهم. وإن كان في المرض سعوا بالثلثين؛ لأنه أعتق ~~من كل واحد ثلثا هذا قول. وقول: لا شيء ms571 عليه؛ لأنه من أعتق حصة له في مملوك ~~فعليه خلاصه في ماله، فليس لله شريك. # وعن رجلين بينهما عبد، فقال أحدهما: إن لم يدخل إبراهيم غدا هذا البيت ~~فعبدي حر. وقال آخر: إن لم يدخل إبراهيم غدا فعبدي حر، فمضى غد ولم يدر دخل ~~أو لم يدخل؛ فهو أنه لم يدخل حتى يعلم أنه دخل. والقول قول من قال: إنه لم ~~يدخل. وإن ادعى العبد أنه دخل فعليه البينة. # وإذا قال لجاريته: أول ولد تلدينه غلاما فهو حر، فولدت غلاما وجارية لم ~~يدر أيهما أولا؛ فادعت الجارية أنها ولدت الغلام أولا فعليها البينة؛ لأنها ~~هي المدعية. # وإذا قال لغلامه: إن لم أضربك الليلة فأنت حر، فقال المولى: إنه ضربه، ~~وأنكر الغلام أنه لم يضربه؛ فالقول قول الغلام، والبينة على المولى أنه ضربه. # وإذا قال: إن ضربتك فأنت حر، فقال الغلام: إنه ضربه، وقال المولى: إنه لم ~~يضربه؛ فعلى العبد البينة أنه ضربه. # ومن قال: كل غلام لي ذكر فهو حر فولدت جاريته ذكرا؛ فعلى قول: إ ن ولدته ~~بقدر ما يمكن أن تكون تنفخ فيه الروح من وقت قال السيد فهو حر. (والروح ~~تنفخ فيه على أربعة أشهر)، والله أعلم. PageV02P339 # والذي يشتري عبدا على أنه يعتقه؛ فإن كان علم أنه ابنه ضمن الثمن، وإن لم ~~يعلم أنه ابنه سعى الغلام للبائع، وفيه نظر. # وإذا كان عبد في يد رجل فادعى أنه عبده ولد في ملكه، وأقام على ذلك بينة، ~~وأقام رجل آخر البينة أنه عبده ولد في ملكه؛ فعلى قول: يقضى به للذي هو في ~~يده عند أصحابنا. وعلى قول: إن البينة بينة المدعي والقضاء له واجب. وإن ~~أعتقه /533/ أحدهما فإنه يقضى به للذي أعتقه، فهذا يدل على أن والدته لا ~~تثبت له شيئا. # وإن كان عبد في يد رجل فادعى رجل أنه عبده، وأقر العبد أنه عبد المدعي؛ ~~فعلى الذي في يده العبد البينة، والقول قول من أقر له العبد. وإنما يثبت ~~بإقرار العبد. ألا ترى أنه لو لم ms572 يقر لأحدهما لكان عليهما البينة فيما ~~ادعيا؛ لأن أصل بني آدم الحرية حتى يصح الرق. وأما الصبي فلا إقرار له وهو ~~للذي في يده، وعلى المدعي البينة. # وإن قال رجل لعبده: خدمتك لي سنتين فأنت حر؛ فإنه إن مات قبل السنتين ~~فإنه يخدم الورثة تمام السنتين. فإن لم يمت السيد فإذا أتم السنتين عتق. ~~وأما إذا قال: إذا خدمتني سنتين فأنت حر، ومات السيد قبل السنتين فإنه لا ~~يعتق ولا يغني عنه لسبب خدمة الورثة ولا يعتق. # والذي قال: أول ولد تلده أمتي فهو حر، فولدت ولدين لا يدري أيهما ولد ~~أولا، فإنهما يعتقان، وعلى قول: يسعيان بنصف أثمانهما. # وإذا كان عبد بين رجلين فادعى أحدهما أن أباه أعتقه وهو صحيح، وادعى ~~الآخر أنه حرره وهو مريض؛ فهو من رأس المال حتى يصح بينة عادلة أن أباه ~~أعتقه في المرض، فيكون حينئذ من الثلث. # وصبي في يد رجلين، فادعى رجل مسلم أنه عبده، وادعى نصراني أنه ابنه؛ فقال ~~بعض الفقهاء: هو حر مسلم، ويسعى للمسلم في نصف ثمنه. PageV02P340 # وإن مات النصراني مسلما ورثه إن صح ذلك؛ فإنه يكون عبدا للمسلم وولد ~~النصراني. # ومن أوصى: أن غلامي هذا لفلان يخدمه سنة؛ فهو له ولورثته من بعده، إن شاء ~~باعه وإن شاء استخدمه أبدا. وأما إن أوصى بخدمته سنة فإنما له خدمة سنة. # وإذا قال: غلامي هذا لفلانة ما لم تزوج، فهو لها ولورثتها تزوجت أو لم ~~تزوج؛ لأنه أقر لها به وملكها إياه. # ومن قال: إذا مت فعبيدي أحرار، ومات وقد حدث له عبيد؛ فإنه يعتق عبيده ~~يوم يموت؛ لأن الموت به وجبت الوصية والعتق، ما لم يعتق رقيقا بعينهم ~~وأسمائهم. # ومن مات وخلف ثلاثة أعبد، وأقر ابنه فقال: أعتق أبي هذا، ثم قال: لا، بل ~~هذا، ثم قال: لا، بل هذا؛ فإنهم يعتقون جميعا، ولا يسعون له بشيء. وقال ~~قوم: يعتق من كل واحد ثلثه، ويسعى بثلثي قيمته. وقال من قال: /534/ يعتق ~~الأول ونصف الثاني وثلث الثالث، وانظر في ذلك ms573 وتدبره. # والذي يقول: إن تزوجت امرأة فغلامي حر، فتزوج أمة؛ فإن غلامه يعتق، إلا ~~على قول من لا يجيز إذا تزوج الأمة من لا يجد طولا، أو يتزوج الحرة. وعلى ~~قول من يقول: إن تزويج الأمة لا يثبت على تزويج الحرة؛ فإن هؤلاء لا يرون ~~عليه عتقا. # وأما العبيد فهم بنو آدم وأصلهم الحرية إلا ما صح من الرق. # فأما من أقر من البالغين بالملكة ثبت عليه إقراره ما لم يقر صحيح النسب ~~والحرية بالرق. # وأما الصبيان الصغار فإن إقرارهم ليس بشيء، ولا إنكارهم، وهم لمن يدعيهم ~~وهم في يده، وإن بلغوا وأنكروا فلهم ذلك، وإن أقروا ثبتت العبودية عليهم. # فأما شراؤهم فجائز عند من يقرون له. أو شراء الصبي ممن هو في يده ويدعيه ~~مملوكا، فإن قال: إنه حر لم يشتر وكان على من ادعى رقه البينة حتى يصح الرق. PageV02P341 # وقد يصح الرق من السباء في العجم، والأرحام في المياريث وبالإقرار، فمن ~~هذا يصح الرق. ألا ترى أن رسول الله ^ أهدى إليه بعض الملوك جارية وهي ~~مارية، وكان من أهداها إليه النجاشي في الشرك وقبلها، ولم يكن معه من ~~السباء، وإنما أخذها هدية وبالإقرار. وقد سبى يهودا وأخذ ريحانة وملكها ~~ومات وهي في ملكته. # وقد أجاز سباء أهل الكتاب، ورد سباء العرب، «فلا رق على عربي»، فأما ~~العبيد فإنهم في الجاهلية كانوا يملكون، وجاء الإسلام وثبت رقهم، إلا من ~~أسلم ومولاه مشرك فإنه يعتق. ألا ترى أنه قال في محاربة ثقيف وأهل الطائف: ~~«من خرج إلينا [من العبيد] فهو حر »، وقد خرج منهم عبيد فأعتقهم، فلما أسلم ~~أهل الطائف تكلموا في أولئك العبيد، فقال ^: «أولئك عتقاء الله»، فلم يردهم ~~إلى الرق. # فقد أنبأتك من أين تجوز العبودية لبني آدم. # فأما من باع حرا فإنه لا ثمن له ولا يجوز له وعليه خلاصه، وقد كانوا لا ~~يعذرون في مثل هذا. والتوبة أن يخرج من باعه في فكاكه وطلبه ولو بجملة ~~ماله، وإن مات أعتق مثله. وقد روي أن النبي ^ أنه ms574 قال: «ثلاثة أنا لهم خصم ~~يوم القيامة؛ -منهم:- من باع حرا فأكل ثمنه»، فمن كان خصمه رسول الله ^ أو ~~الله؛ فقد /535/ خصم. # ومن قال لأمته: إذا ولدت ولدا فهو حر؛ فإن ولدت ولدا فهو حر ويعتق. فأما ~~إن قال لها: ولدك حر وهو في بطنها؛ فجاءت به لأكثر من ستة أشهر لم يعتق. ~~وفي بعض القول: إنه قال: لا عتق على ما لا يملك ابن آدم. # فأما إذا قال لأمته: إذا ولدت ولدا فهو حر، فولدت ولدا فهو حر. ولم يكن ~~هذا داخلا فيما نفاه #، إذا كان ذلك على المعتق وقع، وثبت أن نفي رسول الله ~~^ على إرسال العتق قبل الملك، والله أعلم. # [كتاب أحكام الأسرة] PageV02P342 111- باب: # مسألة فيما يحرم من التزويج # - وسأل عما يحرم من التزويج، وما يحل من ذلك؟ # قيل له: يحرم من النكاح كل ما حرمه الله تعالى في كتابه، ورسوله ^ في ~~سنته، وبالقياس عليهما. # فما حرم بالكتاب قال الله تعالى: {حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم ~~وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم ~~من الرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسآئكم اللاتي ~~دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من ~~أصلابكم}، فحرام تزويج هؤلاء كلهم، وحرام تزويج امرأة الابن؛ لقوله: ~~{وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم}، {وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد ~~سلف} قبل التحريم. {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله ~~عليكم}: فريضة الله عليكم في تحريم تزويج هؤلاء، {إلا ما ملكت أيمانكم} من ~~الإماء، وما كان بالنكاح. {ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد ~~سلف} يعني: قبل التحريم؛ فهذا كله في كتاب الله حرام تزويجهن. # وقال: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة}، وقال النبي ^: ~~«يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب»، وحرام المرأة على عمتها وخالتها. PageV02P343 # فهذا ما وقع تحريمه من الكتاب والسنة، فحرام تزويج الأمهات وما ولدن، ~~وبنات الابن وبنات البنات والأخوات وما ولدن، وأمهات الأمهات وإن علون، ~~والأخوات ms575 وبناتهن وإن سفلن، والعمات والخالات وبنات الإخوة وما ولدن، وبني ~~الإخوة وما ولدوا، وامراة الأب، وامرأة الابن فلا تحل، والربيبة التي جاز ~~بأمها، /536/ وما لم يجز بأمها فحلال تزويجها، وبنات ربائبكم اللاتي دخلتم ~~بأمهاتهن، وامرأة الأب على الابن فحرام، والجمع بين الأختين من النسب ~~والرضاع فحرام، والأم من الرضاعة والأخت من الرضاعة وما ولدن، ويحرم من ~~الرضاع ما يحرم من النسب، وحلائل أبنائكم فحرام زوجة الابن من النسب ~~والرضاعة. فأما الذي تبنينا فلا يحرم، وقد كان النبي ^ تزوج زينب بعد أن ~~طلقها زيد بن حارثة. # وحرم تزويج النساء كرها، ولا يرثن بتزويج الأول بقول الله: {لا يحل لكم ~~أن ترثوا النساء كرها}. # وحرام التزويج فوق الأربع، بقوله تعالى: {وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ~~فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ~~أو ما ملكت أيمانكم} من الحرائر الأربع بالتزويج وما ملكت اليمين؛ فما ملكت ~~اليمين من النساء جائز؛ وحرم رسول الله ^ من الرضاع ما يحرم من النسب، ~~والمرأة على عمتها وخالتها. وحرم الجمع بين الأختين. # وحرم نساء المشركين والمشركات، حرام لقول الله تعالى: {ولا تنكحوا ~~المشركات حتى يؤمن... ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا}، فحرام نكاح ~~المشركات وأمهاتهن. # وحرام التزويج في العدة؛ لقول الله: {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ ~~الكتاب أجله}. PageV02P344 # وحرام تزويج نساء النبي ^؛ بقوله الله تعالى: {وما كان لكم أن تؤذوا رسول ~~الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا}. # وحرام عوام النساء إلا بالتزويج؛ لقوله: {أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير ~~مسافحين}، {ولا متخذي أخدان} أخلاء من غير تزويج بالسفاح، وقال النبي ^: ~~«فرق بين النكاح والسفاح بضرب الدف» يعني: شهرة النكاح، ولهذا يحجر تزويج ~~المتعة الذي روي أنه حرمها. ويكره تزويج السريرة، إذا كان التفريق بين ~~السفاح والنكاح للشهرة لذلك. # وحرم الله نكاح الزاني؛ لقوله: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة ~~والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين}، الزاني ~~المحدود لا ينكح إلا زانية محدودة، أو ms576 مشركة من نساء أهل الكتاب، ولا تحل ~~له مشركة من غير أهل الكتاب، بقوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن} ~~/537/ ولا تتزوج المرأة بزان ولا مشرك إذا لم تكن زانية، {وحرم ذلك على ~~المؤمنين}، فهذا حرام على الأبد إلا أن تسلم المشركة. # وحرام تزويج الإماء والمماليك بغير إذن مواليهم؛ لأنهم مال، قال الله ~~تعالى: {فانكحوهن بإذن أهلهن}، فلا يجوز بغير إذن مواليهم أبدا. # وقد اختلفوا بكره أن يتزوج الرجل أو يطأ ما وطئ زوج أمه ولم يحرموا. # ويكره أن يجمع الرجل بين المرأة وامرأة أبيها، ولم يروا على من فعل ذلك حراما. # وأما تزويج تريكة جده فحرام. وقد قالوا: مكروه. ورأيته حراما؛ لأنه أب، ~~ونساء الآباء حرام، وأبنائهم حرام وإن علوا. PageV02P345 # وكذلك من زنى بامرأة لم يجز له أن يتزوجها ولا أمها ولا بناتها؛ لقول ~~الرسول ^: «ملعون من نظر فرج امرأة وابنتها» فهذا حرام. # وحرام الأمهات من الرضاعة وبناتهن، والأخوات من الرضاعة وبناتهن وإن ~~سفلن، وأمهات الأمهات من الرضاعة وإن علون، وبنات الآباء من الرضاعة، ولو ~~رضع غلام ولو مصة واحدة فإنه رضاع؛ لأن الرضاع يوجب الحرمة قليلا أو كثيرا، ~~كما وجب النسب؛ فافهم ذلك إن شاء الله. # والذي قال به أصحابنا على القياس وبنوا عليه من التحريم؛ لأنه عندهم من ~~دواعي الوطء؛ أن من نظر فرج امرأة عمدا، لم يحل له تزويجها ولا بأس بالخطإ. # وإن مس فرج امرأة عمدا فلا يحل له تزويجها أبدا. واختلفوا في مسه خطأ؛ ~~فحرمها بعض، ولم يحرمها آخرون. # ومن مس فرج امرأة عمدا أو نظر إليه؛ فلا يتزوج أمها ولا ابنتها، ولا ~~يتزوجها هي. ولا بأس بالخطإ عند بعضهم في المس، وقد جاء في الحديث: «ملعون ~~من نظر فرج امرأة وابنتها». فأما أصحابنا فإنما هذا معهم قياس. # فأما إن مس أو نظر ثم لا يدري كان خطأ أو عمدا، فقد اختلفوا في المس، ولا ~~بأس بتزويجها في النظر حتى يعلم أنه تعمد لذلك، ولا تحرم على الشبهة. # ومن نظر فرج ابنته أو ربيبته ms577 وهي صغيرة عمدا فلا تحرم عليه أمها حتى يكون ~~نظرا مع شهوة. فإن نظر لشهوة حرمت عليه. # فأما ابنته البالغة وربيبته البالغة؛ فإذا نظر فرج إحداهما عمدا حرمت ~~عليه أمها. وقد /538/ قيل: في البنت بلا اختلاف. # وإن نظر إلى فرج ابنته الصغيرة عامدا ثم عارضته الشهوة؛ فإن أمها لا تفسد ~~عليه حتى تكون الشهوة مع العمد جميعا. PageV02P346 # فأما من كان صبيا فنظر أو مس فرج صبية أو تناوله بذكره، فلما بلغ أراد أن ~~يتزوجها؛ فقد أجاز له بعض الفقهاء تزويجها، ولا تحرم عليه ما كانا صبيين. ~~وقال قوم: لو جاز بها فإن ذكره مثل أصبعه، وحد الصبي حتى يبلغ النكاح. # وقد اختلفوا في البالغ إذا إذا نظر فرج صبية عمدا؛ فمنهم: من شدد في ~~تزويجها. ومنهم: من لم يحرم نكاحها إلا أن تكون دعته نفسه إلى تزويجها لما ~~نظر منها؛ فإنه لا يتزوجها عندهم. # ومن مس فرج أم امرأته عمدا أو خطأ حرمت عليه امرأته. وأما النظر فحتى ~~ينظر عمدا، ولا بأس بالخطأ، ولا تحرم |عليه| بذلك. # وليس والد امرأته مثل أمها، فلا تحرم عليه امرأته بنظره إلى فرج والدها ~~ولا مسه. فإن جامعه فسدت عليه امرأته، وإن وطئه من قبل فلا يحل له تزويج ~~ابنته أبدا. # ولا تحرم عليه امرأته بنظره إلى دبر أم امرأته. # ومن نظر فرج امرأة لم يحل لابنه أن يتزوجها ولا لأبيه. فأما الوالد إذا ~~نظر فرج امرأة ابنه لم تحرم على ابنه؛ لأنها ذات محرم منه. # وكذلك من نظر إلى فرج أمه متعمدا لم يضر ذلك أباه. # ومن نظر فرج امرأة في الليل فلا بأس عليه في تزويجها. وإن نظر فرج أمها ~~لم تحرم عليه تزويج ابنتها؛ لأن الليل لباس ولو كان في القمر؛ لأن الله قد ~~جعل الليل لباسا، وقد علم أن فيه الظلام والقمر. # فأما من نظر بالنار أو بالنهار في الماء فلا يتزوجها. وإن نظر الفرج في ~~ظل الماء فلا بأس. ومن نظر فرج امرأة في المرآة فلا يتزوجها، وأرجو أن ms578 فيها ~~اختلافا، ولا بأس بتزويجها. # ومن نظر فرج البنات حرمن هن وبناتهن وإن سفلن، وأمهاتهن وإن علون، كذلك ~~في الرضاع لا يتزوج البنات وما ولدن، والأمهات وإن علون بالغ ما بلغ. PageV02P347 # ومن نكح غلاما فلا يجوز له تزويج أمه ولا ابنته. وأما أخته فلا بأس عليه. ~~وقد أجاز بعضهم أن يتزوج المنكوح بابنة الناكح. # ومن تزوج امرأة خطأ في العدة وجاز بها وهما جاهلان ثم علم، يفرق بينهما. # وإن ردها الأول في بقية من /539/ عدتها منه ردها، وإن لم يردها الآخر ~~فإذا انقضت عدة الأول اعتدت من الآخر وتزوجت إن شاءت، إلا أن تكون حاملا ~~فحتى تضع حملها ثم تعتد من الأول بقية عدتها ثم تعتد للآخر. وليس تدخل عدة ~~الأول في عدة الآخر من قبل أن عليها أن تتربص. ولا تدخل عدة الأول في عدة ~~الآخر في الحمل، ولا في الحيض والشهور، وتبدأ بعدة الأول في كل حال، إلا أن ~~تكون حاملا من الآخر فتعتد عدة الحمل. وقد قال بعضهم: من وطئ فرجا خطأ في ~~العدة بالتزويج أنه يفرق بينهما، ولا تعود إليه بنكاح ولا غيره. # وليس للعبد أن يتسرى بجارية ولو أذن له سيده؛ لأنه ليس للعبد ملك يمين. # ومن تزوج امرأة على أنها حرة ، فصح أنها أمة فاشتراها؛ فيكره له وطؤها ~~لحال الوطء الأول. وقد قيل: له وطؤها. # ومن وطئت زوجته بكره أو خطإ فلا تحرم عليه. ولا يطأ حتى تنقضي عدتها، ولم ~~يحرموها إن وطئ الزوج، فانظر في ذلك. # ومن تزوج أمة ثم اشتراها فله وطؤها بملك اليمين. # وإنما يحرم النظر إذا نظر الرجل نفس الفرج، فأما نظره إلى جوانبه وإلى ~~الشعر فلا يحرم تزويجها. وإن مست امرأة فرج زوج ابنتها خطأ وهو ناعس، لم ~~تحرم عليه زوجته. # وإن مست امرأة فرج رجل فلا يتزوجها. وقد قيل: لا بأس عليه في تزويجها؛ ~~لأن مسها ليس كمسه. # ومن غسل فرج ابنته وهي صبية فلا فساد عليه في أمها عند بعضهم. # ومن ضم أم امرأته ليمس منها غير ms579 الفرج لم تحرم عليه امرأته. # ولا تحل هبة امرأة إن وهبت له جارية أن يطأها. PageV02P348 # ولا يحل فرج امرأة إلا بتزويج أو ملك يمين، إنما كانت الهبة خاصة للنبي ^ ~~دون المؤمنين. PageV02P349 ### | CHECK جامع البسيوي ج3 # 102- باب: # مسألة: فيما يحل من النكاح # - وسأل: عما يحل من النساء في التزويج؟ # قيل له: بنات العمات، وبنات الخالات، وبنات الأعمام، وبنات الأخوال وما ~~ولدن، وما وراء ذلك من عوام نساء المسلمين. قال الله: {وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين} محصنين بالتزويج غير مسافحين ~~بالزنا. # وقال: {قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم} من نكاح الأربع الحرائر. ثم ~~قال: {وما ملكت أيمانهم}، /540/ فجائز للرجل ما ملكت يمينه أن يتسرى من ~~الولائد بما شاء من ملك اليمين ومن النساء في حال الغنائم من المشركين ~~فحلال له بعد الاستبراء، ولا يحل له من قبل الاستبراء. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «ما أحل الله حلالا أحب إليه من النكاح، ولا ~~أكره في المؤمنين من الطلاق بغير عذر». وقد قيل: «إن النكاح من سنن ~~المرسلين». وقال النبي ^: «تزوجوا فإني أكاثر بكم الأمم». وقال: «شرار ~~أحياء أمتي عزابها، والمتزوجون هم المطهرون» وهذا ترغيب منه في التزويج. ~~وقال الله: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا ~~تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم}. # وقال النبي ^ لامرأة عثمان قولي لزوجك: «إني آكل وأشرب وأصوم وأفطر وآتي ~~النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني»، فردوا ما كره رسول الله ^. وعنه ^: ~~«حبب إلي النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة». PageV03P001 # ولا تنكح المرأة إلا بإذن أهلها ووليها. وليس لوليها أن ينكحها إلا بمن ~~ترضاه وبرأيها. وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «لا نكاح إلا بولي» يعني: ~~القرابة من قبل الأب. وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «لا نكاح حتى يكون ~~أربعة: الناكح، والمنكح، والشاهدان، ورضا المرأة». # وقيل: «إن رجلا زوج ابنته [الثيب] وهي كارهة، فأقامت البينة أن أباها ~~زوجها وهي كارهة، ففرق النبي ^ بينهما». ms580 وقد قيل: في التزويج بثلاثة: الولي ~~والشاهدين إن زوج نفسه، وبالأربعة أكثر القول. # ولا يجوز التزويج إلا بشاهدين حرين مسلمين، أو برجل وامرأتين من أهل ~~الصلاة. وإن لم يكونا شاهدين حرين مسلمين، فالنكاح عند أصحابنا فاسد، ولم ~~نأخذ بقول من أثبته بغير بينة؛ لأن السنة والكتاب ينقضان ذلك. وقال الله ~~تعالى: {فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا ~~الشهادة لله}، وقال النبي ^: «[لا نكاح إلا] بولي وشاهدين». # ولا تجوز شهادة غير أهل الإسلام الأحرار. /541/ # والولي إن أشهد على نفسه جاز على قول، وأحب إلينا أن يوكل من يزوجه. # ولابد من رضا المرأة بعد التزويج، ولو رضيت من قبل ثم أنكرت التزويج كان ~~لها ذلك على قول بعض المسلمين. وبعضهم: يثبت عليها ما أمرت به أولا من ~~التزويج. # والثيب تستأمر والبكر تعلم. قيل: إن هذا عن النبي ^ أنه قال: «استأمروا ~~النساء في أمورهن ذوات الأبناء وغير ذوات الآباء، فإن الثيب لا تنكح حتى ~~تستأمر، والبكر تستأذن وإذنها سكوتها»، وأما الثيب يعرف رضاها بلسانها، وإن ~~أجازته على نفسها ولم تقل شيئا لم يفرق بينهما؛ لأنها قد رضيت. PageV03P002 # والبكر يقال لها: سكوتك رضاك، فإن لم تنكره فقد أجاز المسلمون ذلك عليها، ~~وأول ما تقول ذلك يتم عليها. وإن قالت: لا أرضى بالنكاح لم ينتفع برضاها من ~~بعد وانتقض النكاح. وإن قالت: رضيت؛ فهو تام. وان أرادت أن ترضى من بعد ~~إنكارها جدد النكاح حتى لا تكون فيه شبهة. # وقد قيل: في امرأة زوجها ابن عمها وعمها قريب في قرية، فلما قدم العم غير ~~ذلك. فإذا كان ذلك برضا المرأة فهو جائز؛ لأنهم قد قالوا: تزويج كل ولي دون ~~ولي جائز. وذلك ولي بعد ولي جائز إذا كان برضا المرأة، وجاز الزوج أو لم يجز. # واختلفوا في تزويج الأخ والأب حاضر؛ فبعض: جبن عن الفراق، والأب أولى ~~بتزويج ابنته. ولا يجوز إذا حضر يزوج غيره إلا برأيه، ثم الابن بعد الأب ~~والأخ أيهما زوج جاز. وقد قيل: الابن أولى والأخ أكرم. ms581 وقال قوم: الأخ؛ ~~لأنه عصبة. # وإن كان الولي صغيرا فلا تزويج له، ويزوج الولي من بعده. # واختلفوا في الصبي إذا كان سداسيا يعقل: قال قوم: إذا عرف الغبن من ~~الربح، ويمينه من شماله، وما عدد جاز تزويجه. وقال آخرون: لا يجوز تزويج ~~الولي البالغ من بعده، من عصبة الأخ والعم ومن كان أقرب. # وكل من حضر إذا عدم الولي جاز تزويج الولي من بعده. وكل ولي امتنع جاز ~~للولي من بعده أن يزوج. وإن امتنع الأب أن يزوج ابنته جبر على ذلك، فإن لم ~~يفعل زوج الولي من بعده، أو ولي دونه أن يزوج؛ لأنه حق للمرأة على الولي أن ~~يزوجها بكفؤ لها. # وإن امتنع ولم يجد من يجبره جاز لها أن /542/ تولي أمرها من يزوجها فإنه ~~حق لها عليهم فظلموها إياه، فلها أخذه كما لها أخذ النفقة من مال من تجب ~~عليه لها إذا ظلمها. PageV03P003 # و||أما|| إذا لم يكن لها ولي وصح ذلك فعلى السلطان أن يزوجها؛ لأنه جاء: ~~«أن السلطان ولي من لا ولي له من النساء»، ولم يجئ الحديث بذكر عادل ولا ~~جائر، ومخرج ذلك مخرج السلطان العادل؛ لأنه لا حكم لجائر على مسلم، ولا ~~ولاية له في حرم المسلمين ودمائهم. # وإن لم يكن سلطان فجماعة المسلمين يقيمون لها وكيلا لمن رضيت به من ~~الأكفاء بعد صحة ذلك معهم، وتأمر هي الوكيل بعد إقامة المسلمين له، وإن عدم ~~ذلك كله ولت أمرها رجلا من المسلمين زوجها، فقد أجاز ذلك بعضهم. # وإذا كان جماعة وكلوا واحدا كان أولى للحديث الذي جاء «إن جماعة المسلمين ~~محرم للمرأة». # وإن أمرت المرأة من يزوجها من الناس برجل، والولي حاضر وأجاز الولي ~~التزويج فذلك جائز. وإن لم يعلم الولي حتى جاز الزوج بالمرأة فأجاز ذلك ~~ورضي به؛ فقال قوم: جائز. ولم يجز آخرون أيضا. # وفي الذي يزوج والولي حاضر ويزوجها أجنبي ويجوز الزوج: قال قوم: يفرق ~~بينهما ويعزر الناكح والمنكوح والشهود أيضا جلد التعزير. وقال قوم: إذا لم ~~يجز الزوج أمر ms582 الولي أن يجدد النكاح. وإن لم يجدد النكاح وجاز بها الزوج مع ~~رضاها؛ قال بعضهم: لا أقدم على الفراق، وغير هذا النكاح أحب إلي منه. # وقال بعضهم: أنه حلال جائز ولا يفرق بينهما، إلا أنه مما يشدد فيه ~~السلطان حتى يؤتى الأمر على وجهه، ولم نره حراما؛ لأن الأصل في ذلك رضا ~~المرأة، ولأن الولي كالوكيل. ألا ترى أن المرأة التي زوجها أبوها وكرهت، أن ~~النبي ^ فرق بينهما ولم يجز ذلك. # وقد روي أنه رفعت إليه امرأة زوجت على نعلين؛ فقال: «أرضيت من نفسك ومالك ~~بنعلين؟». قالت: نعم، فلم يفرق بينهما ^. فهذا يدل على أن الأمر والاختيار ~~إلى المرأة. PageV03P004 # وقد جاء في الحديث أنه قال ^: «الثيب أولى بنفسها من وليها»، واختلفوا في ~~هذا؛ فقال قوم: هي أولى أن تأمر من يزوجها بمن رضيت به. وقال آخرون: هي ~~أولى بنفسها؛ لأن الخيار إليها، من اختارته زوجت به وزوجها /543/ الولي. ~~أولا ترى أنها تستأمر، فإذا أمرت زوجت، وإن لم تأمر لم تزوج. # وقد أجازوا تزويج كل ولي دون ولي، وشددوا في الأب، ولم يجز بعضهم عليه ~~تزويج ولي غيره، إلا أن يكون الأب خارجا من المصر من عمان؛ فيجوز تزويج غيره. # وقد قال بعضهم: إذا كان الأب بعمان وزوج غيره فرق بينهما، ولو جاز الزوج، ~~هذا قول. وإن بلغ الأب فأتم النكاح فالنكاح تام. ولو جاز الزوج قبل إتمام ~~الأب فعلى الاختلاف، التزويج تام فيما قدمنا ذكره. # وقد يوجد عن بعض الفقهاء: في امرأة سافرت في جماعة من المسلمين فمرضت أنه ~~يزوجها أفضلهم وأصلحهم. # وإذا كره الأب تزويج ابنته جبر على ذلك، [و]إن لم يفعل زوج الولي من دونه. # وإذا بلغ أتراب الجارية وقالت: إنها قد بلغت وكانت في حد ذلك قبل قولها ~~وزوجت، وجائز تزويجها. # وإذا طلبت المرأة أن تتزوج بعبد مملوك لم تزوج به إلا أن تكون من جنسه. ~~فإن كانت من جنسه جبر على ذلك حتى يزوجها. وإذا طلبت المرأة التزويج بكفئها ~~أخذ وليها بذلك. فإن امتنع زوج الولي ms583 من بعده. # وإن زوج ولي دون ولي، والولي الذي هو أولى منه حاضر، أو زوج أجنبي والولي ~~حاضر وجاز الزوج؛ فقال قوم: يفرق بينهما جاز الزوج أو لم يجز. وقال قوم: لا ~~يفرق بينهما إذا جاز الزوج ولم ينقض النكاح، وقد قدمنا ذكر ذلك. # والمرأة لا تعقد لنفسها عقدة النكاح، ولا لأحد من بناتها ونسائها، ولو ~~كانت هي الوصية بذلك، وقد روي أن النبي ^ قال: «المرأة لا تعقد لنفسها عقدة ~~النكاح». PageV03P005 # وقد روي أن عائشة < كانت تخطب وتأمر من يزوج إذا كانت هي الولية لذلك. # فأما الولي إذا قال: قد زوجت، أو أملكت، أو أنكحت، أو أخطبت؛ فذلك عندنا ~~جائز. وقد قال الله: {فانكحوهن بإذن أهلهن}، وقال: {يا أيها الذين آمنوا ~~إذا نكحتم المؤمنات} وقال: {وأنكحوا الأيامى منكم}، فصحت الحجة بهذا اللفظ. ~~وقال: {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله}، فهي من الحجة. # وأما الملك: فقوله تعالى: {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} ~~بالتزويج وملك اليمين. # وأما أخطبت: فقوله تعالى: /544/ {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة ~~النساء}، فصح بهذا اللفظ. # وأما زوجت: فالاتفاق على ذلك بقوله تعالى: {هم وأزواجهم في ظلال} وقوله: ~~{أمسك عليك زوجك} وقوله: {زوجناكها}، وقوله: {اسكن أنت وزوجك الجنة} فصح ~~بهذا اللفظ، فكل ذلك جائز. # والعبد إذا كانت ابنته حرة فسيده أولى بتزويجها، وإن كانت معتوقة فولاؤها ~~لمن أعتقها. وإن كان لها إخوة أحرارا فهم أولى بها من مولى العبد. # والذمي إذا كانت ابنته مسلمة تؤمر أن يأمر مسلما أن يزوجها وولاؤها ~~للمسلمين. # ولا يجوز تزويج العبيد بلا رأي مواليهم. وإن تزوج عبد بغير أمر سيده ثم ~~علم المولى فأتم النكاح فالنكاح تام، وإن علم ولم يرض ولم يغير فالنكاح لا ~~يتم حتى يتممه سيد العبد. # وإن عتق العبد قبل أن يتم سيده النكاح، فإن أتم العبد ورضي بذلك التزويج ~~فهو تام عليه. # وأما الأمة إذا عتقت وهي مع العبد، فلها الاختيار إن شاءت أقامت معه، وإن ~~شاءت خرجت منه. وإن لم تختر ms584 نفسها حتى وطئها زوجها فلا خيار لها. PageV03P006 # وكذلك إن عتقت وهي مع الحر؛ فقال قوم: لها الخيار. وقال قوم: لا خيار ~~لها. وقد روي أن بريرة عتقت ولها زوج، فجعل رسول الله ^ الخيار مع الإقامة ~~معه أو الخروج، فاختارت نفسها. واختلفوا في زوجها؛ فقال قوم: كان مملوكا. ~~وقال آخرون: كان حرا وزوجها كان اسمه مغيثا، وأنه أرسل إليها رسول الله ^ ~~ليكلمها أن ترجع إليه فأبت الرجعة، وأنه جعل لها الخيار. # وكذلك كل مملوكة زوجت فإذا رجع الأمر إليها فلها الخيار. والمعتقة أولى ~~بتزويجها من أعتقها. # وإذا ملكت المرأة زوجها أو شيئا منه حرم عليها نكاحه إلا أن تعتقه فتتزوج ~~به مرة أخرى. وإن وطئها قبل تجديد النكاح حرمت عليه أبدا. # والأب جائز له أن يوصي في تزويج بناته، ولوصيه أن يوصي إلى منتهى ما جعل ~~له. وقد اختلفوا؛ فقال قوم: الوصي أولى من الولي. وقال آخرون: التزويج إلى ~~الأولياء. # وقد قيل: إن زوج الجد والوصي حاضر فذلك جائز، ولا يجيزون وصاية أحد في ~~تزويج حرمته إلا الأب، فأما الوكالة فجائزة في /545/ الحياة. # والمأمور به كثرة الشهود في شهرة النكاح؛ للحديث الذي جاء عن النبي ^: ~~«أشهروا النكاح» معناه: أشهدوا بذكره وشهرته. وقال ^: «فرق بين السفاح ~~والنكاح ضرب الدف»، أن يريد بذلك شهرة التزويج، والله أعلم. # ومن تزوج أمة ثم اشتراها فله أن يطأها بملك اليمين، ولا استبراء عليه. # ومما يرد به في التزويج عند أصحابنا: # قال: لا تزوج المرأة العربية بالمولى ولا الحجام ولا البقال ولا النساج ~~ولا العبد إلا بمن هو مثلهم. وكذلك عندهم مردود، ولو جاز الزوج إذا كان هو ~~الذي فعل ذلك بيده، ولو كان يعمله من قبل. وأما إذا كان يعمله والده ولم ~~يكن يعمله من قبل لجاز ولم ينتقض النكاح. PageV03P007 # وقال بعض: إن تزويج هؤلاء جائز إذا رضيت المرأة وكان الرجل مسلما، ولا ~~يرد إلا تزويج العبد والكافر، وتزويج العبد مردود إذا لم يكن من جنسه ولا ~~مملوكة. ومن يرد نكاح هؤلاء فهو يرده، ولو طلبت ms585 المرأة تمامه إذا طلب ذلك ~~أحد من العشيرة. # فأما تزويج الصبيان الصغار بعضهم من بعض فهو غير ثابت حتى يتموه بعد ~~بلوغهم. فأما إن كان أحدهما بالغا ثبت عليه ما ألزم نفسه، وكان الخيار ~~للصبي منهما إذا بلغ. ولا ينبغي أن تزوج اليتيمة. # فأما الحجة لمن لم يجز تزويج العبد والمولى والبقال وما كان مما يثبت ~~تزويجه، قول عمر بن الخطاب: "لا تزال العرب عربا ما منعت نساءها"، معناه: ~~لا تزوج إلا بالأكفاء. وأنه أمر أصحاب رسول الله ^ أن يطلقوا اليهوديات ~~اللاتي كن عندهم؛ لحال انحطاط أقدارهن، وأنهن يدعون إلى النار، كما قال ~~الله تعالى في الكافر؛ لأنه ربما يكون في محبة الكافر الميلولة إلى ما لا ~~يجوز من ذلك. # فأما من قال: لا يرد تزويج أحد غير الكافر، فإنه يتأول قول رسول الله ^ ~~قال: «أهل الإسلام أكفاء لبعضهم بعض» وقال: «إذا أتاكم من ترضون دينه ~~وأمانته فزوجوه». # فأما تزويج الصغار فإنما يرد؛ لأنهم لا عقد لهم على أنفسهم في بيع مال ~~ولا غيره. وكذلك لا يجوز تزويجهم ولا يثبت عليهم إلا أن يبلغوا فيتموا ذلك. ~~فعلى قول: إنه يثبت. وقول: إن ذلك الأول لا يثبت /546/ فيجدد النكاح. # ومن زوج صبيا بحرمته؛ فبعض: أجاز. وبعض: وقف. وبعض: نقض ذلك. # فأما إذا كان الصبي زوجه وليه بامرأة بالغة فقد ثبت عليها على قول. ~~وتزويجه موقوف على قول من أوقف ذلك إلى بلوغه، فأما من نقضه فلا يتم ذلك. PageV03P008 # وأما تزويج الرجل الصبية التي لها أب فقد أجازوه. وبعض: ثبته، ولم ير لها ~~رجعة؛ واحتج بفعل النبي ^ في تزويجه عائشة ابنة أبي بكر { «تزوجها وهي بنت ~~ست سنين». # فأما من قال: إنه جائز؛ فإن بلغت وأتمت جاز، فهو كذلك. وإن غيرت فلها ~~التغيير. فإن حجته أن تزويج المرأة إذا ملكت نفسها لا يجوز إلا برضاها، ~~وإذا كرهت لم يثبت عليها، وهي مثل من لم يكن له رأي في نفسه، فلما ملكت ~~رأيها ولم ترض فلها الخيار، كما جعل النبي ^ الخيار لبريرة حين ms586 عتقت وملكت ~~رأيها وخرجت من زوجها، كما جعل للمرأة التي زوجها أبوها فلم ترض ولم يثبت عليها. # وكذلك الصبية إذا زوجها وليها وعقد عليها عقدة النكاح كان التزويج موقوفا ~~إلى وقت بلوغها، ويؤمر الزوج بالإمساك عن وطئها إلى أن تبلغ وترضى أو ~~تنقضه، فإن أتمت تم عليها، وإن ماتت لم يكن لها عليه شيء. وإن غيرت فلا ~~يثبت لها ولا عليها. وإن مات هو قبل الجواز بها وبلغت هي، وقالت: إنها كانت ~~راضية به لو حيي لرضيت به زوجا، فعند أصحابنا أنها تحلف وتعطى الميراث ~~والصداق وعليها العدة. فأما إن جاز بها في حال الصبا ثم بلغت فغيرت خرجت ~~منه بلا طلاق، وعليه الصداق بما نال منها. # وإذا تزوج الصبي امرأة ثم ماتت المرأة وهي راضية به وهو صبي فإذا بلغ ~~فعلى قول من أوقف ذلك إلى بلوغه؛ فإن رضي فله الميراث وعليه الصداق، ~~واليمين أن لو كانت حية لرضي بها. # وإذا تزوج الرجل صبية لم تبلغ فلا نفقة عليه حتى تبلغ فترضى به. PageV03P009 # وكذلك اليتيمة، فإن كان قد جاز بها ثم عزل عنها فلا نفقة عليه، وذلك ~~موقوف إلى بلوغها. وإن بلغت وغيرت أخذت صداقها. وإن أتمت فهي زوجته. وإن ~~غيرت وقد جاز بها وقد أنفق عليها حسب ذلك عليها من صداقها. وكذلك إن جاز ~~بها ثم عزل عنها ثم طلبت النفقة وقد تزوج عليها /547/ فلا نفقة عليه إلا أن ~~تكون ليس لها مال فينفق عليها ويحسب ذلك من الحق، فإن بلغت ورضيت به زوجا ~~فقد كان ينفق على زوجته، وإن غيرت حسب ذلك من صداقها. فأما إذا لم يجز بها ~~فلا نفقة عليه ولا صداق إذا غيرت. # ومن تزوج صبية ثم نظر إلى فرجها أو مسه ثم فارقها وبلغت فرضيت به زوجا؛ ~~فلها صداقها إذا بلغت وغيرت، فالله أعلم. ولعل بعضا: لم يوجب في النظر ~~والمس صداقا. وبعض: يوجبه. # وإن لم يكن نظر ولا مس وفارقها وهي صبية ثم بلغت فرضيت به حلفت أن لو لم ~~يفارقها لرضيت ms587 به تم لها عليه نصف الصداق. # وكذلك من ملك امرأة بالغا ثم فارقها قبل الجواز فلها نصف الصداق. قال ~~الله تعالى: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما ~~فرضتم إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح} وهو: الزوج. # ومن زوج ابنه صبيا فلما بلغ غير النكاح كان على الأب نصف الصداق على قول، ~~وإن أمضاه مضى وجاز على قول. وإن كان ابنه بالغا أو غائبا فلما قدم أمضى ~~النكاح مضى. وإن لم يكن برأيه غرم الأب - على قول - نصف الصداق. # ومن تزوج امرأة ثم مس فرجها أو نظر إليه ثم علم أنها أخته من الرضاعة؛ ~~فلا صداق عليه إلا بالوطء. PageV03P010 # وأما إن تزوج امرأة بالغة ثم نظر إلى فرجها أو مس أو خلا بها خلوة، أنه ~~إذا أغلق عليها بابا أو أرخى عليها سترا فلها عليه الصداق كاملا، هذا إذا ~~طلقها بعد ذلك، ولا يصدق؛ لما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "إذا أغلق ~~عليها بابا أو أرخى عليها سترا ثم طلقها وجب عليه الصداق". # وإذا تزوج الصبي امرأة فمس فرجها أو نظر إليه ثم كرهها لما بلغ؛ فلا يجوز ~~لابنه تزويجها؛ لقول الله تعالى: {وحلائل أبنائكم} مبهمة. وأما الصبي فلا ~~صداق عليه إذا كرهها؛ لأنها هي أمكنته من نفسها ولم يكرهها. # وإذا دخل الزوج بالصبية ثم بلغت فرضيت ثم أنكرت أو غيرت؛ فلا كراهية لها ~~بعد الجواز عليها. وإن لم يكن دخل بها ولا رضيت به، فمتى غيرت جاز تغييرها. ~~وإن كرهته بعد البلوغ وقبل الجواز ثم تزوجها من بعد كانت معه على ثلاث ~~تطليقات. /548/ # فإن تزوج صبية وجاز بها فماتت من وطئه؛ فعليه ديتها في ماله إذا علم أنها ~~صبية. وإن لم يعلم أنها صبية فديتها على عاقلته. وإن كانت بالغا وماتت من ~~وطئه فالصداق على العاقلة. # والصبي إذا تزوج امرأة ثم لم يرض بها لما بلغ، وادعت هي أنه وطئها بعد ~~بلوغه فلا يقبل قولها عليه، وإنما يقبل ms588 دعواها في الرجل الذي تجري عليه ~~الأحكام إذا خلا بها وأغلق عليها بابا، أو أرخى عليها سترا؛ فقد وجب الصداق عليه. # وإذا تزوج الرجل المرأة وقبلت والدته بالصداق إلى موتها، فماتت والدته؛ ~~فالصداق واجب لها في المال. وإذا طلقها قبل موت والدته، فلا صداق عليه في ~~مال والدته إلى حال موتها كما كان الشرط على قول. # وإذا طلب الرجل إلى زوجته صداقها فتركته له، ثم رجعت عليه فيه؛ فقد قال ~~أصحابنا: إن لها الرجعة، ولا يحل له إلا أن يعطيها. وإن لم ترجع فيه جاز له. PageV03P011 # وإن أعطته أيضا من رأيها من غير مطلب منه لها فلا رجعة لها، وقد جاز له، ~~قال الله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ~~فكلوه هنيئا مريئا}، فلا يحل مالها إلا عن طيبة نفسها، وبحق قد وجب لها، ~~قال الله تعالى: {فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن}، يعني: مهورهن. # فالحق واجب على الزوج إذا فرض للمرأة فريضة ثم طلقها قبل الجواز فعليه ~~نصف الصداق، وبعد الدخول الحق كله. # فإن تزوج بغير صداق ثم طلق قبل الدخول فعليه المتعة، قال الله تعالى: {ثم ~~طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن ~~سراحا جميلا}. # وقد اختلف الناس في أقل ما يعقد به النكاح من الصداق؛ فقال قوم: أربعة ~~دراهم. وقال قوم: عشرة دراهم. وقال قوم: لو تزوج على درهمين ورضيت لم نقدم ~~على الفراق. # وإنما القياس معهم فيما اختلفوا فيه على معنى ما اختلفوا في يد السارق؛ ~~لأنها بضع، ويستحل قطعها على ربع دينار، وكذلك المرأة أقل ما تستحل به ما ~~يجب به القطع؛ لأنه استهلاك بضع. # واتفقوا أنه لا يجوز استباحة فرج بغير عوض، قال الله: {وآتوا النساء ~~صدقاتهن نحلة}، وقد روي عن النبي ^ /459/ «أنه أجاز نكاح امرأة على نعلين»، ~~فالله أعلم. وقد روي: «بإجازة صداق على خاتم حديد». وقد روي عن النبي ^ أنه ~~سئل عن الصداق قال: «ما تراضى عليه الأهلون». PageV03P012 # وقد روي عن ms589 عمر بن الخطاب ~ أنه قال: "يا أيها الناس، لو كان غلاء المهور ~~مكرمة لخص الله به نبيه ^، وإنا ما نعلم أن النبي ^ زوج أحدا من بناته ~~بأكثر من ثنتي عشرة أوقية" (وهي: أربعمائة وثمانون [درهما]). وقد بلغنا أن ~~امرأة أتته فقالت: يأبى الله أن يجعل إليك ذلك ولا إلى الخطاب، تعني: أباه، ~~قال الله تعالى: {وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه ~~بهتانا وإثما مبينا}، وقد قيل: إن عمر قال: "أصابت المرأة وأخطأ الأمير". # وفي اختلاف الصدقات ما يكثر وصفه، وأقله عندنا أربعة دراهم. والصداق ما ~~اتفق عليه مما هو أكثر من ذلك. # وكل امرأة لم يفرض لها صداق وجاز بها الزوج رجعت إلى صداق مثلها من ~~نسائها ومن عماتها وأخواتها. وقال قوم: صدقات المثل من أقاربها. # وإن اختلف الزوج والزوجة في الصداق وقد جاز بها؛ فالقول قول الزوج فيما ~~أقر به، وعلى المرأة البينة فيما تدعي من الزيادة في ذلك. # فأما إن كانت المرأة مع أبيها واختلفوا في الصداق؛ فعلى قول: إن القول ~~قول الزوج. وقال آخرون: القول قول المرأة، فإن شاء صدقها وأعطاها ما تدعي ~~وجاز بها، وإن شاء طلقها وأعطاها نصف ما أقر به، وذلك إذا لم تكن بينة. # مسألة:[في تزوج الأمة على أنها حرة] PageV03P013 وإذا تزوج الرجل المرأة ~~على أنها حرة وولدت منه أولادا ثم صح أنها أمة؛ فعليه صداق مثلها من ~~الإماء، ولا يلزمه الصداق الذي تزوج عليه، وينفسخ النكاح، ويأخذ منه المولى ~~صداق أمة، وقيمة أولادها قيمة عبيد، ويأخذهم والدهم، ويرجع هو على من غره ~~بها على أنها حرة بمثل ما غرم من قيمة أولاده، والصداق الذي غرمه وقيمة ~~أولاده منها. وقال قوم: لا يرجع بالصداق؛ لأن ذلك استمتاع منه هو بها، فلا ~~يرجع بذلك على من غره باستهلاك البضع، ويرجع في قيمة أولاده على من غره. # وإن كان سيدها هو الذي زوجه بها على أنها حرة؛ فهي حرة وصداقها لها ~~والنكاح جائز. /550/ # وإن باع رجل أمة لرجل ووطئها وولدت منه أولادا ثم ms590 استحقت عليه؛ فإنه يرجع ~~على من اشتراها منه بذلك الثمن، فله أن يأخذ أولاده منها بقيمتهم قيمة عبيد ~~وهم أحرار، وليس عليه أن يرد على سيدها الذي استحقها عقرها، والله أعلم بذلك. # مسألة: [في أحكام الأمة] # وأما السارق للأمة والغاصب ثم يطؤها وتلد منه أولادا؛ فإن سيدها يأخذ ~~أولادها منه وهم عبيد، وله أن يأخذ عقرها من السارق والغاصب. # فأما إذا باعها الغاصب لرجل واستحقها سيدها، فإنه يرجع المشتري لها على ~~الغاصب البائع لها بما أخذ منه سيدها من قيمة أولادها، وقيمتهم قيمة عبيد، ~~وليس لسيدها أن يأخذهم من أبيهم. وقد قيل: إن هكذا جاء الأثر. ولا يرجع ~~المشتري على غاصب الأمة بعقرها؛ لأن ذلك قضاء نهمته واستمتاع منه، والله أعلم. # وإذا تزوج العبد الأمة بإذن سيدها أو الحرة؛ فإن صداقها يكون على السيد، ~~فإن لم يضمن به فقد اختلفوا؛ فقال قوم: يكون على سيده. وقال آخرون: لا يلزم السيد. PageV03P014 # فأما إن أمر أن يزوج على صداق فذلك على المولى فيما أمر به. وإن زاد ~~العبد على غير ما أمر المولى من الصداق لم يلزم المولى غير ما أمر به من ~~الصداق. # وإن حد له حدا ثم تزوج عليه ثم باعه المولى؛ فالصداق على المولى في ثمن ~~العبد، كانت الزوجة أمة أو حرة. فإن أعتقه كان الصداق على السيد، وليس على ~~العبد المعتق؛ لأنه ضمن لذلك. # فأما إن أمره أن يتزوج ولم يأمره بصداق فتزوج العبد؛ فالصداق إذا عتق على ~~المعتق في نفسه بوطئه المرأة. وإن اشترط صداق المرأة البائع العبد على ~~المشتري كان على المشتري إذا ضمن به. فأما إن لم يعلم المشتري ذلك ثم علم ~~هو؛ فله رده إن شاء. وأما النفقة فعلى من كان العبد في يده إلا أن يطلق فله ذلك. # والوصي لا يزوج عبد اليتيم؛ لأنه يكون عليه الصداق. وأما أمة اليتيم فله ~~أن يزوجها؛ لأنها تكسب لليتيم في ذلك منفعة ولا يلحقه ضرر. # ومن تزوج على صداق معروف ولم يشترط عاجلا ولا آجلا؛ فالنكاح ms591 جائز، ~~والصداق عاجل. وفيها قول: إنها ترجع إلى سنة بلادها. وإن اختلف /551/ في ~~ذلك فهو عاجل. # وإنما جاز التأخير في الصداق عند أصحابنا للحجة في ذلك: أن رجلا تزوج ~~امرأة وجاز بها ولم يأت لها شيئا وأخرت عليه، فأجاز النبي ^ ذلك، وزوج رجلا ~~على ما قيل، وقال له: «قد زوجتك على ما عندك من القرآن»، فهذا مجهول، وعوض ~~آجل؛ فجاز في الصداق أن يكون مجهولا، وإن خالف في ذلك مخالف لم نأخذ بقوله. # ومن تزوج امرأة ثم طلقها قبل الجواز ولم يفرض لها صداقا فلها المتعة. قال ~~الله تعالى: {ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم عليهن من عدة تعتدونها ~~فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا}. PageV03P015 # فأما إن دخل بها الزوج ولم يفرض لها مهرا، فإن لها كأوسط صدقات نسائها. ~~وإن كانت هي قد تزوجت زوجا قبل ذلك على صداق فلها مثله، (ونسائها: هن ~~عماتها وأخواتها). # فإن تزوج امرأة فجاءت وهو ناعس ولم يكن دخل بها فأخذت ذكره بيدها، فوضعته ~~في فرجها من تحت الثوب، ثم انتبه فدفعها عن نفسه ثم طلقها قبل الدخول؛ فليس ~~يلزمه إلا نصف الصداق. وكذلك إن جاءت أمها وهو ناعس فوضعت يده على فرجها ~~||من تحت الثوب|| فانتبه فدفعها عن نفسه؛ فلا تحرم عليه امرأته بذلك. # وكذلك إن طلبت امرأة التزويج ووليها في بلد غير بلدها؛ فعلى الطالب أن ~~يخرج إلى الولي حتى يزوجه. # وإذا تزوج المريض جاز تزويجه. وإن زاد على صداقها فليس لها إلا كأوسط ~~صدقات نسائها. # وإذا تزوج الرجل امرأة وضمنت أمه أن صداقها في ماله؛ فما عجز فعلى الأم ~~تمام ما عجز ||كان|| ذلك عليها. # فإن تزوج امرأة أخرى؛ فالمال للذي تزوج بينهما، وما بقي من حق الأولى فهو ~~على الأم، إلا أن يقول: ما بقي من ماله هذا فهو علي؛ فعند ذلك يكون عليها ~~بعد ذلك المال يوم يتزوج. # وإذا تزوج الرجل امرأة على عطية من والدها ثم رجع الوالد على عطيته؛ فليس ~~له رجعة. وإن كانت الزوجة هي التي ردت ms592 على الوالد فذلك جائز. ولا حجة للزوج ~~في ذلك، ولا نقصان عليها في صداقها. # وإن قبض الأخ الذي زوج أخته صداقها العاجل من زوجها ولم يوصله إلى أخته، ~~وطلبت حقها إلى الزوج ورجع الأخ يقول: أتاني بالعاجل ولم أطلبه فذهب عني، ~~فذلك /552/ له لازم إلا أن يقيم بينة أن الزوج دفع إليه العاجل وأتى به ~~ليدفعه إلى أخته؛ فهو ضامن للزوج، وحق المرأة على زوجها. # ومن أعتق أمته على شرط أن يتزوجها؛ فالعتق ماض، والشرط باطل، إلا أن تشاء ~~هي فتتزوج به إن طلبت ذلك وقد أعتقها. PageV03P016 # ومن تزوج امرأة على رضا فلان فرجع الزوج قبل أن يبلغ فلانا فيرضى أو ~~يكره؛ فليس له رجعة. وإذا بلغ فلانا فرضي فالنكاح تام. وإن مات فلان أو غاب ~~فلم يعلم رضاه؛ فذلك النكاح ضعيف لا يعلم تمامه. # ومن تزوج امرأة على شرط أنه يعزل عنها، وقبلت بذلك؛ فالشرط منتقض إن طلبت نقضه. # وإن كانت زوجته أمه فليس له أن يعزل عن زوجته؛ لما روي عن النبي ^ «أنه ~~سئل عن العزل فنهى عن ذلك». # وقد سئل أيضا: عن العزل عن الأمة، فقال: «اعزلوا إن شئتم فما من نفس ~~كاتبة إلا وهي كائنة»، فأجاز في الإماء ونهى عن العزل. وقد قال الله: ~~{وابتغوا ما كتب الله لكم}، معنى ذلك: طلب الولد. # ومن تزوج امرأة على أنه لا نكاح فيه، فلما جاز أراد النكاح؛ فإن ذلك له ~~والشرط باطل. فإن كان أنقصها شيئا من صداقها فعليه تمامه. # وإن تزوج امرأة فدخل بها فوجدها على خلاف ما شرط له؛ لزمه الصداق ولا شيء ~~له، على أحد من قبل أن الصداق عوض من الوطء وقد استمتع. # ومثال ذلك: لو شرط له أحد على أن يجد المرأة بكرا، فجاز بها فإذا هي غير ~~بكر، فإن الصداق لازم للزوج، والتزويج ثابت، ولا شيء له على من شرط. # فأما هي لو شرطت على نفسها؛ فالشرط لا ينقض النكاح وقد تم التزويج، وعليه ~~صداقها، إلا أن يكون صداق البكر أكثر من ms593 صداق الثيب؛ فعلى قول: يرجع إلى ~~صداق الثيب، وينحط عنه ما بين صداق الثيب والبكر. فأما إن كان كله سواء فله ~~لازم جميع صداقها. # 113- باب: # مسألة: في العنين # ومن تزوج امرأة على أنه لا نكاح فيه ثم أراد، فله ذلك وعليه الصداق. فإن ~~جاز بها مرة واحدة ثم ذهب ذلك عنه فليس لها منه خروج، إلا أن يفارقها برأيه ~~أو تختلع منه، ولا مدة في ذلك. PageV03P017 # ومن جاز بامرأة تزوجها ولم يقدر على نكاحها لعلة فيه أو لسبب أذهب ذلك ~~عنه، أجل سنة، فإن قدر على نكاحها فله ذلك وهي زوجته. وإن انقضت /553/ ~~السنة ولم يقدر على نكاحها، فلها الخروج منه بهذه العلة، ولها حقها عليه ~~كاملا بما مس من فرجها أو نظر إليه؛ لأن العجز جاء منه. # وقد روي عن بعض الصحابة -الشك مني- أو بعض الخلفاء أو غيرهم أنه حكم ~~بذلك، وقال: إنما جاء العجز منك؛ فأوجب الصداق لما مس أو نظر، واتفق ~~أصحابنا على أنه يحكم عليه بفراقها إذا كانت [كذلك] ويفارقها وتأخذ صداقها ~~بما نال منها من النظر والمس. # والنكاح ينفسخ بالعنة، والخصي والمجبوب ومن لا نكاح فيه إذا طلب ذلك بعد ~~المدة -والله أعلم بذلك وأحكم وبه التوفيق-؛ لأن الآفة في ذهاب النكاح هي العنة. # والعنين إذا صح ذلك منه ولم يكن فيه جماع؛ فإنه يفرق بينهما بعد المدة ~~التي يمددها. وقالوا: سنة. # وإذا زوج الوصي أو العم أو الأخ وأنكرت المرأة التزويج لم يثبت ذلك إلا ~~أن تصح بينة عادلة برضا المرأة بالتزويج والزوج. # وتزويج العم -ولو زوج- ولها وصي حي فرضيت به؛ فإنه لا يفرق بينهما، وإن ~~أنكرت بعد الرضا فلا كراهية لها. ولو أنكرت الأخ والوصي وقد زوج العم أن ~~ذلك ثابت مع رضا المرأة، ولا يفرق بينهما؛ لأن التزويج إنما هو إلى رضا ~~المرأة؛ لقول الرسول ^: «استأمروا النساء في أبضاعهن». # 114- باب: # مسألة: في الرتقاء PageV03P018 وإن تزوج الرجل امرأة فوجدها رتقاء، ولم ~~يقدر على جماعها؛ فإنها تؤجل سنة، (وهي: التي يلتحم فرجها مثل الصفاة ms594 ولا ~~يكون فيها جماع)، فتلك تؤجل سنة في علاج نفسها، أو يعالجها من ينظر ذلك من ~~النساء بموسى أو غيره، فإن برئت من ذلك إلى الأجل فهي زوجته، وإن لم تبرأ ~~فله تركها. وقد روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: "إن شاء طلق، وإن شاء ~~أمسك"، ولم يجعل له أن يفسخ النكاح. # وقد قال أصحابنا: إن له أن يتركها. # وقال بعضهم: نحب أن يكون طلاقا، ولا صداق عليه بما مس أو نظر عندهم؛ لأن ~~العيب جاء منها. وإذا كان يملك الخلاص منها بغير الفسخ فله أن يطلق إن شاء. ~~ولو أنه أمسكها على ذلك ورضي لم تحرم عليه، فدل بهذا أنها زوجته. # والزوجة لا تخرج بغير طلاق بعد صحة العقد والرضا بها. # وقال بعض أصحابنا: ليس عليه صداق ولو نظر أو مس فرجها، وإنما أسقطه ~~بالمنع من الداء الذي منعه عن جماعها، كمنع الارتداد /554/ والزنى الذي ~~يوجب الحرمة بالمنع للوطء الذي جاء من الزوجة، والله أعلم. # وقد أوجب الله في الزوجات نصف الصداق إذا طلق قبل الجواز. فأما هذه فلم ~~يوجبوا لها صداقا لمعنى المنع الذي جاء منها. والعلة التي غرته بها. # ولو كان بالزوج ما بها من العلة كالعنين، وقد مس فرجها ونظر إليه، وأرادت ~~الخروج كان عليه الصداق؛ لأن العلة والعجز جاء منه. ألا ترى إلى ثبوت ~~الزوجية أنها لو ماتت في الأجل، أو مات الزوج في تلك المدة كانت هي رتقاء ~~أو الزوج عنينا أن الميراث بينهما، وعليها عدة المتوفى عنها زوجها إن مات ~~هو قبلها. # وقالوا أيضا: لو طلقها قبل أن تعالج نفسها في المدة التي أجلت لها أن لها ~~نصف الصداق. وإن كان نظر فرجها أو مسه فله صداقها عليه؛ لأنه عجل، فدل على ~~أنها زوجته. ونحب أن لا تخرج إلا بطلاق كما روي عن علي بن أبي طالب. PageV03P019 # وإذا أنكرت هي أنها ليست برتقاء فعليه البينة. وإن عجز فعليها اليمين ~~أنها ليست برتقاء، والبينة ممن قد عرف ذلك منها من الرجال، أو ms595 رجل وامرأتان ~~ممن قد تزوجها. # فأما من يرد من النساء ممن به علة تمنع الجماع قياسا على الرتقاء. ويرد ~~في النكاح عند أصحابنا مثل: المجذومة، والمجنونة، والنخسة، والعفلاء، ~~والبرصاء إذا كان البرص كثيرا فاحشا. # فإن تزوج ولم يعلم ثم علم قبل الجواز فله أن يخرجها ولا شيء عليه عندهم. # وإن جاز بها لزمه الصداق كاملا. وإن لم يجز بها خرجت منه بلا طلاق عندهم، ~~وهي مثل: الرتقاء أيضا، إن شاء طلق وإن شاء أمسك. ألا ترى أنها إذا أنكرت ~~ذلك فعليه البينة. وإن كان ظاهرا بها فعليه أن يصح ذلك أن ذلك كان بها قبل ~~تزويجه إياها، فإنما ترد بالعذر إذا غر بها. فأما إذا وقع ذلك بها بعد ~~تزويجه فليس له رد ذلك، إن شاء أمسك وإن شاء طلق وأعطى نصف الصداق. # فإن جاز فالصداق يلزمه كاملا، ألا ترى أنه لو تمسك بها على ذلك لكانت ~~زوجته على ذلك. # وكذلك للمرأة أن ترد الزوج إذا كان به شيء مما لا يقدر على جماعه مما ترد ~~به المرأة من: الجذام والجنون والنخس والعنن، فذلك يرد عن المرأة، ولها فسخ ~~ذلك؛ لأنها لا تقدر على /555/ ذلك، ولا خلاص لها من ظلم الرجل إلا بالفسخ. ~~وأحب أن يجبر على الطلاق. # وإن جاز بها بلا رأيها بعد أن كرهته فإن عليه الصداق، ولها أن تخرج منه. ~~وقال قوم: ينفسح النكاح، وأحب أن يكون ذلك بطلاق. # وإن كرهته بعد أن وطئها ولم تكن علمت بالداء الذي فيه؛ فإنها إن شاءت ~~خرجت منه بلا طلاق، كالرجل إذا وطئ المرأة مرة واحدة ثم لم يقدر على جماعها ~~لزمه، فإن شاءت خرجت منه بلا طلاق، ولا يحكم عليه بعد الجماع بالفراق إذا ~~قام بما يلزمه، والذي أصابه من قبل الله تعالى. PageV03P020 # وإذا تزوج الرجل امرأة مجنونة أو بها داء ولم يعلم؛ فلما دخل بها اطلع ~~على الداء فطلب ذلك إلى وليها؛ فقال الولي: لم تسأني فأخبرك وإنما طلبت أن ~~أزوجك؛ فإن أراد أن يقيم معها فذلك إليه، ms596 وإن شاء طلق وأعطى الصداق، وإذا ~~سأل الولي فكتمه فقد غره يلزمه له ما يلزمه لها. # وأما العبد فإنه مردود، ولا تزويج له إلا بإذن سيده. وإن تزوج بغير بينة ~~بإذن مولاه ورد ذلك أحد من العشيرة فهو مردود. # ولا يجوز تزويج مشرك ولا كافر من أهل الكتاب ولا غيره من جميع أهل الملل ~~بالمسلمات. وكل تزويج وقع على شرط غير معروف مثل: ألف درهم، أو ألفي درهم، ~~أو مائة درهم، أو مائة نخلة، أو عشرة وصفاء، فإن اطلع على ذلك قبل الجواز ~~جدد النكاح. وإن جاز الزوج بها فلها صداق المثل. # وكذلك إن قال: قد زوجته فلانة، فإن كرهت قد زوجته فلانة؛ فإذا كان هذا ~~ولم يكن جواز فقد ينبغي أن يجدد النكاح. وإن جاز فعلى قول: لها صداق المثل، ~~ولا يفرق بينهما على قول من قال به، وفي نفسي من ذلك. # وأما قوله قد زوجته فلانة على ألف أو ألفين فإنه مختلف فيه؛ فأقول: لها ~~صداق المثل. # فأما زوجته فلانة فإن لم ترض فقد زوجته فلانة؛ فلا أحب تمام ذلك، وأنا ~~واقف عنه، وبالله التوفيق. # ومن طلب إلى قوم حرمتهم، وقال: أنا فلان بن فلان لرجل شريف، وهو ليس ذلك ~~الرجل؛ فزوجوه بحرمتهم، ثم علموا بعد ذلك. فإن لم يدخل بالمرأة فإنها تخرج ~~منه بلا صداق؛ لأنهم لم يزوجوه وإنما زوجوا فلان /556/ بن فلان الشريف. وإن ~~جاز بها فلها الصداق، وقد قيل: لها نصف الصداق إن لم يجز بها. PageV03P021 # فأما إن زوجوه باسمه واسم أبيه فإن التزويج ثابت إن كان مسلما، كنحو ~~قوله: إنه من ربيعة أو مضر، ونسب نفسه إلى قبيلة غير قبيلته، فزوجه القوم ~~على ذلك وهو من غير تلك القبيلة؛ فإن التزويج جائز ولا يفرق بينهما. # وإن تزوج رجل امرأة ولم يفرض عليه المهر، فلما أراد الدخول قبل الجواز ~~قال لها: إن وليك زوجني ولم يفرض علي صداقا، والآن قد فرضت لك على نفسي ~~عشرة دراهم فرضيت أن ذلك جائز، وليس لها إلا عشرة دراهم. ms597 # وإن كان الشرط بينهما على عشرة، وزوجه الولي على مائة درهم؛ فعليه لها ما ~~عقد النكاح عليه. وقال قوم: ليس لها إلا عشرة كما كان بينهما. وقال آخرون: ~~إن قالت: أسمع لي جميع الناس وأقبل ما زوجك عليه الولي وكان بينهما أقل من ~~ذلك؛ فزوجها على ذلك فلها إذا رجعت إليه ما زوجها الولي عليه، وهي منافقة ~~في الخلف. وقال قوم: ليس لها إلا ما كان بينهما. فأما إن قال لها قبل ~~الجواز: قد زوجني الولي بألف درهم وقد كان بيني وبينك مائة درهم، فإن رضيت ~~بالمائة فليس لها إلا المائة، والله أعلم بذلك. # وإذا كان التزويج على أقل من أربعة، أو على غير صداق وجاز الزوج؛ ~~فالتزويج جائز ولها صداق مثلها. # وإن تزوج الرجل امرأة ومات عنها ولم يكن فرض لها صداقا؛ فلها الميراث ولا ~~صداق لها في بعض القول. وقيل: لها كأوسط صدقات نسائها لا وكس ولا شطط. PageV03P022 # ورفعوا ذلك عن ابن مسعود: أن قوما ترافعوا إليه في تزويج امرأة لم يدخل ~~بها زوجها ومات عنها ولم يكن فرض للمرأة صداقا؛ فوقف عنها وردهم، فاختلفوا ~~إليه فيها، حتى بعد حين فرض لها كأوسط الصدقات لا وكس ولا شطط. فرفع إليه ~~رجل أيضا خبرا عن النبي ^ «أن امرأة مات زوجها ولم يكن فرض لها صداق، فسئل ~~عنها فحكم لها رسول الله ^ بصداق كأوسط صدقات نسائها»، ففرح ابن مسعود ~~بموافقته حكم رسول الله ^، فالله أعلم. # وفي آثار أصحابنا: إن مات قبل الجواز ولم يفرض لها صداقا فلا صداق لها ~~ولها الميراث، /557/ ولم يروا لها صداقا وهذا رأيهم. إنما رفعت رأي ابن ~~مسعود استحبابا مني ألحقته في الأثر لحال هذا الخبر، والله أعلم به. # وإن طلقها قبل الجواز فلها المتعة، وإن كان لها صداق مفروض فطلق فلها نصف ~~الصداق، وإن مات فلها الصداق تام إذا كان التزويج على صداق. # وإن طلقها قبل الجواز فلا عدة عليها ولا ميراث لها؛ لأنها بائنة. وإن كان ~~في الأثر عن أصحابنا: أنها إن حبست نفسها ms598 عن التزويج أن لها الميراث ونصف ~~الصداق. وقال قوم: الصداق كله، ولم آخذ بذلك؛ لأن كل بائن لا ميراث لها، ~~والمطلقة قبل الدخول لا عدة عليها بالكتاب والسنة والاتفاق، ورأيت أن هذه ~~بائنة فلا ميراث لها، ولا عدة عليها، ولا صداق لها غير ما وجب لها مع ~~الطلاق. # وعن رجل تزوج امرأة ثم ظهرت له امرأة أخرى، فطلبت هذه صداقها؛ فاحتج أن ~~هذه تزوجها قبل الأخرى؛ فإن كل واحدة تدعى بشاهدين، فمن أصح منهما أخذ لها ~~بالصداق الآجل. # وإذا تزوج الرجل امرأة وطلبت صداقها، وقالت: إنه عاجل، وقال الزوج: إنه ~~آجل؛ فعليه البينة أنه آجل؛ لأنه أقر بالصداق ثم ادعى تأخيره. فأما إن كان ~~صداق نسائها آجلا فعليها هي البينة أنه عاجل على قول، والله أعلم. PageV03P023 # وقد جاء «النهي عن نكاح الشغار»، وهو قول الرجل لرجل: زوجني أختك بأختي ~~كالبدال. # ويكره أن يتزوج الرجل عمة والده، وخالة والده، وهذا عندي أنه حرام. # وعن رجل تزوج أخت امرأته في بقية عدتها منه؛ فعن بعض الفقهاء: أنه يفرق ~~بينه وبين الأخيرة منهما إن لم يكن جاز بها، فإن كان قد جاز بها حرمتا عليه ~~جميعا إذا تعمد تزويجها. فإن لم يدخل بالأخيرة فرق بينه وبينها. فإذا أكملت ~~التي طلق عدتها منه فله أن يرجع يتزوج الأخيرة بنكاح جديد إذا كان تزويجه ~~الأول غلطا منهما. # واختلفوا فيه إذا واعد الأخت في عدة أختها؛ فحرم قوم، ولم يحرم آخرون. ~~وأما هو فقد كره له أن يواعدها في العدة عند من لم يحرم. # ومن تزوج بامرأة ثم تزوج بأختها؛ فإن كان لا يعلم بذلك خرجت الأخيرة ~~منهما، وكانت الأولى زوجته. وإن لم يكن وطىء الأخيرة منهما ولا الأولى وهو ~~جاهل أو غلط؛ فإن الأولى /558/ زوجته وتحرم عليه الأخيرة منهما، وفيها قول ~~أنهمايحرمان. وقال قوم: لا تحرم بالغلط. # وإن تعمد تزويج الأخت ومعه أختها ثم وطئها؛ فإنهما يحرمان جميعا. وإن لم ~~يطأ الأخيرة حرمت وحدها على قول والأولى زوجته. # وقال قوم: لا يكلم الأخت في التزويج ms599 حتى تنقضي عدة أختها المطلقة منهما. ~~وقد رخص قوم: أنه إن فعل لم يبلغ به ذلك إلى فساد. # وإن ملك امرأتين ولم يعلم أنهما أختان، ثم مات وصح أنهما أختان؛ فإن كان ~~جاز بهما فلهما الصداق في ماله، وإن لم يكن جاز بهما فالصداق والميراث ~~للأولى منهما. فأما المؤخرة فلا أقول: إن لها شيئا، والله أعلم. وأوجب ~~بعضهم للأولى نصف الصداق. # وإن ارتشى الولي من الزوج على التزويج حتى زوجه، فذلك للمرأة. PageV03P024 # فمن طلب إلى رجل أن يطلق امرأته أن يتزوجها هو؛ ففعل الزوج فطلقها فلا ~~بأس عليه في تزويجها. وعند أصحابنا أن الرجل إذا قال لامرأة رجل: إنه يحب ~~أن يتزوجها أو عرض لها في التزويج ثم مات زوجها أو فارقها فلا يتزوجها. وقد ~~تقدم ذلك منه. # وقد عرفت أن الله تعالى نهى عن المواعدة في العدة لا غير ذلك؛ فمن واعد ~~امرأة في عدتها حرم عليه تزوجها أبدا. فأما إن طلبها إلى بعض أوليائها ولم ~~يكلمها فلا تحرم عليه، وأكره له ذلك. # فأما إن طلبها ولم يعلم أنها في العدة فلم تعده وقالت: إنها في عدة ورجع ~~لم تحرم عليه. وإن طلبها في العدة ثم ندم وتاب، وقال: إن الذي صنعنا لا يحل ~~لنا فلا رغبة لي في تزويجك، فخذي من شئت، ثم طلبها بعد انقضاء العدة؛ فإن ~~هذا عند الأكثر لا بأس به إذا جهل، وبعض شدد في ذلك. # وإن جهل ولم يعلم أنها في عدة فوعدته، فلما رجع إليها -وذلك على الجهالة- ~~فقال: إنه قد رجع عن ذلك الذي كان منه، وأن ليس له رغبة في تزويجها فتزوجت، ~~ثم مات زوجها أو فارقها، فعسى على رأي بعضهم يجوز له تزويجها. وأما العمد ~~فلا تحل له أبدا. # ومن طلق امرأته ثلاثا فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره حرا مسلما بالغا غير ~~عبد ولا مجنون، ولا صبي ويجوز بها، وعلى غير هذا فلا تجوز له، ولا يرجع ~~إليها. ألا ترى أن المرأة التي طلقها رفاعة فتزوجها عبد الرحمن ms600 فأمسك عنها ~~ولم يجز بها /559/ ثم طلقها فأرادت أن ترجع إلى رفاعة، فسألت رسول الله ^ ~~فقال لها: «لا ترجعي إلى رفاعة إن لم يكن عبد الرحمن جامعك»، فقالت: لم ~~يجامعها؛ فمنعها أن ترجع، ثم رجعت إليه فقالت: إنه قد جامعها، فاتهمها رسول ~~الله ^ فلم يصدقها، فمات النبي ^ فجاءت إلى أبي بكر فمنعها، ثم جاءت إلى ~~عمر فمنعها، على ما بلغنا. PageV03P025 # وقد روي أن رسول الله ^ قال لها -أو لغيرها الشك مني-: «حتى يذوق من ~~عسيلتك وتذوقي من عسيلته»، يريد بذلك الجماع دون الإنزال؛ فإنه متى جاز بها ~~وأولج الفرج في الفرج وإن لم ينزل فقد ذاق، وهو الذي يجب به الغسل لالتقاء ~~الختانين. # فأما العبد ففيه اختلاف. # والمشرك إذا كان له أكثر من أربع زوجات ثم أسلم فله أن يختار الأربع ~~الأوائل. # والمجوسي إذا أسلم وعنده أختان وأسلمتا؛ فقال بعض: يختار الأولى منهما. ~~ومنهم من قال: حرمتا عليه. # والمجوسي إذا طلق امرأته ثلاثا ثم أسلم وأسلمت؛ فقال قوم: ترجع إليه ~~بتزويج جديد. وقال قوم: ليس له إليها رجعة إذا كان ذلك جائزا في دينهم. # 115- باب: # مسألة: في العقر # وقيل: إن من أكره امرأة حتى مس فرجها أن عليه صداقها. وقال آخرون: لا ~~صداق عليه حتى يطأها. فأما العقوبة فإنها تلزمه إن رفع ذلك إلى الحاكم، ~~وأما الحد فلا حد عليه إلا بالوطء. # وأما المرأة المطاوعة فلا عقر لها إذا طاوعته حتى يجامعها، وإن جامعها ~~مستكرها فعليه الصداق والعقوبة. # ومن وطىء ناعسة أو مجنونة؛ فعليه الصداق حتى تعقل وتطاوع. # ومن وطئ امرأة غلطا فعليه الصداق. وإن استكرهها فأدخل أصبعه في فرجها؛ ~~فإن كانت ثيبا فقد اختلف في الصداق. فأما البكر فإن افتضها فالعقر والعقوبة عليه. # وأما الصبي والمجنون إذا استكرها امرأة حتى وطئاها فالعقر عليهما في ~~أموالهما. وقال قوم: يكون عقرهما على عشيرتهما. وإنما ذلك إذا بلغ ما يلزم ~~العشيرة من قيمة خمس من الإبل. # والذمي إذا استكره المصلية قتل بنقض العهد، وتأخذ من ماله عقرها. # وإن كانت جارية بين رجلين ms601 فوطئها أحدهما فعليه لشريكه نصف عقرها ونصف ~~/560/ ثمن الولد. PageV03P026 # ومن وطئ جارية قوم بكرا أو ثيبا فالعقر عليه للبكر عشر ثمنها، وللثيب نصف ~~العشر، مطاوعة كانت أو مكرهة؛ فهي مال وتلزم من وطئها في كل حال. # ومن زنى بامراة طائعة ثم استكرهها مرة أخرى على العادة، فإن المطاوعة لا ~~عقر فيها، وعليه العقر في حال ما استكرهها. # ومن حرمت عليه امرأته بطلاق أو ما يشبهه وهو لا يعلم ثم وطىء بجهالة؛ ~~فليس عليه إلا الصداق الأول. وإن تعمد بعد العلم؛ فعليه صداق ثان بالوطء. # وامرأة افتضت امرأة بأصبعها؛ فعليها للبكر العقر في ذلك ولا تعذر. # ومن وجد امرأة على فراشه ناعسة فجامعها، فإن لم تعقل حتى فرغ من وطئها؛ ~~فعليه الصداق. وإن انتبهت حتى أمكنته فلا شيء عليه، ولو كانت أخت امرأته أو غيرها. # وإن زنا ولم تره زوجته لم تحرم عليه. فإن رأته يزني بأختها أو غيرها حرمت ~~عليه. فأما الغلط فلا تحرم امرأته عليه. وأما أم امرأته أو ابنتها فإذا زنى ~~بالأم أو الربيبة عمدا أو خطأ حرمت عليه. # ومن تزوج على غائب، وقال: فلان أرسلني فزوجوه وجعلوا الصداق على الآمر ~~فذلك جائز. وإن أنكر الزوج ولم تقم عليه بينة أنه أمره فإنه يجبر على ~~طلاقها ولا يلزمه شيء ولا يلزم الرسول. وإن لم يقل: أرسلني؛ وإنما تزوج هو ~~عليه، فإن على الطالب المتزوج لها نصف الصداق فيما قال به أصحابنا في ~~الآثار، ويجبر الآخر على طلاقها خوفا أن يكون أمره. # والذي يتزوج على غيره، يقول الولي: قد زوجت فلان بن فلان بفلانة ابنة ~~فلان على صداق كذا وكذا، والمتزوج له فلان بن فلان، فإن ضمن بالصداق أشهد ~~بذلك أنه قد ضمن. PageV03P027 # وإذا أرسل رجل رجلا يتزوج عليه ثم مات المرسل، فإن مات قبل أن تقع عقدة ~~النكاح لم يلزمه شيء. وإن مات بعد عقدة التزويج كان صداقها وميراثها في ~~ماله إذا صح أنه أمره بذلك. وإن تزوج الرسول على المرسل بأكثر مما أمره به؛ ~~كان الرسول ضامنا ms602 لتلك الزيادة. ومنهم من قال: على من بيده عقدة النكاح وهو ~~الزوج. وقال من قال: المرأة؛ فأيهما عفا كان أفضل. # والمرأة إذا زوجها /561/ وليان برجلين؛ فالتزويج للذي رضيت به. وإن كانت ~~رضيت بهما جميعا؛ فالتزويج للمتزوج قبل صاحبه أولى من نكاح الآخر، إلا أن ~~يكون الأب هو الذي زوج الآخر، أو يكون أمر الوليين فزوجاها؛ فالذي رضيت به ~~له التزويج أيضا، كان الأول أو الآخر منهما. وإن رضيت بهما جميعا أو جاز ~~بها أحدهما كان الصداق عليه ويفرق بينهما، أو ينتظر بقدر العدة، وترجع إلى ~~الأول إن كان لها عذر في إجازة الأخير على نفسها. وإن لم يكن لها عذر حرمت ~~عليهما جميعا؛ لأنها خانت الأول، والآخر وطىء غير زوجته. وإن كان لها عذر ~~أو كرهها الأول ووطئها الآخر جبر على طلاقها ويعطيها نصف الصداق. # وإن دفعت امرأة إلى رجل دراهم يتزوجها بها فلا بأس. # وإن أعطته ليتزوجها بها؛ فإذا وهبتها له فتزوجها بها فقد تزوجها على ~~مالها، وهي كمن تزوج بغير صداق. وإذا جاز بها كان لها صداق مثلها من ~~نسائها. # وفي عبد تزوج بحرة ولم تعلم، ثم علمت بعدما دخل بها؛ فإن كان بإذن سيده ~~فرق بينهما على قول، ولها الصداق على المولى في رقبة العبد. وإن شاءت أقامت ~~معه وهي زوجته. وإن كان بغير إذن سيده فرق بينهما. واختلفوا في الصداق؛ ~~فقال قوم: لا صداق لها. وقال قوم منهم: لها الخمسان من الصداق. ولم أر ذلك، ~~[بل] رأيت أن صداقها في ذمته يعطيه إذا أعتق ولا يلزم المولى شيء. PageV03P028 # ومن تزوج امرأة فأغلق عليها بابا أو أرخى عليها سترا لزمه لها الصداق، ~~وعليها العدة. وإن قالت: لم يمسني صدقت في ما لها، ولا تصدق فيما عليها لله ~~من العدة. وإن تزوجها ثم نظر فرجها أو مسه ثم فارقها؛ فلها الصداق كامل بذلك. # وإن كان العبد بين شركاء فتزوج بلا رأيهم كلهم؛ فالتزويج فاسد. وإن كان ~~برأي بعضهم لم يتم التزويج إلا أن يتموه جميعا. # ومن تزوج ذمية ms603 على حرة؛ فجائز، وسوى بينهما في القسم، ولا خيار للمسلمة، ~~وإنما الخيار لها إذا تزوج عليها أمة على قول بعضهم. فأما الجماع فهو شيء ~~لايملكه، ولكن القسم في نفسه وماله بين الزوجتين. # وقد اختلفوا في تزويج الأمة /562/ على الحرة؛ فقال قوم: لا يجوز؛ لأنه ~~مستطيع الطول للحرة، ولم يجيزوا لمن يستطيع الطول إلى تزويج الحرة أن يتزوج ~~الأمة؛ لقول الله: {ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ~~ما ملكت أيمانكم}. # وقال قوم: إن تزويج الأمة على الحرة جائز، ولها الخيار إن شاءت أقامت ~~معه، وإن شاءت اختارت نفسها، وخرجت منه ولها الصداق. # وقال قوم: تخرج بلا طلاق. # وقال آخرون: بتطليقة رجعية كما أجاز النبي ^ لزوج بريرة أن يرجع إليها ~~فأبت، فكلمها النبي ^. PageV03P029 # ومنهم: من أجاز تزويج الأمة على الحرة، وإن كان مستطيعا؛ لأن الله قال: ~~{وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم}، يعني: من عبيدكم ~~المسلمين. وقال: {فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات [والله أعلم ~~بإيمانكم بعضكم من بعض] فانكحوهن بإذن أهلهن}، وقال: {فإن خفتم ألا تعدلوا ~~فواحدة أو ما ملكت أيمانكم}، فهذا يجيز تزويج الأمة على الحرة، ويكون للحرة ~~يومان وللأمة يوم. # فأما إن تزوج الحرة على الأمة؛ فلا خيار للأمة ولا للحرة. # وإن جاز بالحرة بعد تزويج الأمة وقد علمت؛ فلا خيار لها بعد ذلك عندهم. # وإذا تزوج المسلم الذمية فلا يتزوجها حتى يشترط عليها أربع خصال: لا تشرب ~~الخمر، ولا تأكل لحم الخنزير، ولا تعلق صليبا، وأن تغتسل من الجنابة والحيض ~~وأن تحلق العانة، فإن لم تضمن ذلك فلا يتزوجها. # وأما من أخذ أمة من السباء فلا يطؤها حتى تقر بالإسلام ويعلمها الغسل من ~~الجنابة والصلاة وحلق العانة، ويستبرئها بحيضة، وقالوا: بحيضتين. وإن لم ~~تكن تحيض فخمس وأربعون يوما. # فأما الاستبراء فسنة الرسول ^ أنه «نهى أن توطأ النساء من السبايا حتى ~~تستبرأ بحيضة»، وقال: «لا يسقي أحدكم زرع غيره»، ونهى عن وطء الحبالى حتى ~~يحضن، والحوامل حتى يضعن. فلا يجوز وطء الأمة إلا ms604 بعد الاستبراء من الملك، ~~فإما أن تقر بالإسلام وتعلمها الصلاة، كفعل النبي ^ بريحانة لما أخذها من ~~سباء بني قريظة لم تسلم، فلم يقربها حتى جاءت وأسلمت على ما قيل، ومات وهي ~~في ملكه. PageV03P030 # فأما من اشترى أمة؛ فقد قيل: على البائع حيضة وعلى المشتري حيضة. وقيل: ~~على المشتري حيضتان. وقد اختلفوا إذا قال البائع: إنه استبرأها؛ فأجاز قوم ~~قبول /563/ قوله إذا كان ثقة. ولم يوجب ذلك آخرون، وقالوا: المشتري متعبد ~~باستبرائها في ذلك. # وقد اختلفوا في استبراء الأمة إذا اشتراها من امرأة أو من عند من لا يطأ؛ ~~فأوجب قوم استبراءها. ورخص فيه بعضهم؛ فأما إذا رباها فلا استبراء عليه. # ومن وطئ جاريته ثم أمسك عن وطئها وجاءت بولد؛ فإنه يلحقه. ولو جاءت به ~~بعد سنين كثيرة ما لم تخرج من ملكه أو يزوجها. # وإذا وطئ الرجل أمته ثم أراد أن يزوجها، فلا يزوجها حتى يستبرئها ~~بحيضتين. وليس على الزوج استبراء. # وعدة الأمة من الزوج نصف عدة الحرة في الأيام، وفي الحيض حيضتان. # وأما التي يموت عنها سيدها وقد كان يطؤها وتعتق من بعده؛ فعدتها من بعده ~~ثلاث حيض، عدة الحرة التي يدبرها، فتعتق من بعد التدبير، أو تعتق بسبب ~~ولدها فعدتها عدة المميتة الحرة أربعة أشهر وعشرا. # وأما إن لم تعتق وبقيت أمة فعدتها عدة الأمة، ويستبرئها الذي يملكها إن ~~أراد وطأها بحيضتين. وإن كانت ممن لا تحيض فأربعون يوما أو خمسة وأربعون يوما. # وعند أصحابنا أن من وطئ أمته التي اشتراها، أو نظر إلى فرجها أو مسه عمدا ~~قبل أن يستبرئها حرم عليه وطؤها، وليس له أن يتجرد عندها، أو تنظر إلى ~~عورته، ولا ينظر ذلك منها. وأما إن نظر أو مس غير الفرج فلا يحرم عليه ~~وطؤها بذلك ويكره له. PageV03P031 # ومن تزوج امرأة على ما تراضيا عليه؛ فذلك جائز له. وإن لم يتراضيا على ~~شيء؛ فقد قيل: إن النكاح ينتقض. فإن جاز بها ولم يتراضيا على شيء؛ فلها ~~كأوسط صدقات نسائها. وإن ادعى هو أنهما تراضيا على ms605 شيء فعليه البينة بما ~~ادعى. وأنا أحب إن كان أقر بشيء فعليها هي البينة، وعليه هو اليمين؛ لأنها ~~هي المدعية عليه بالزيادة. # ومن تزوج امرأة على إن ولدت منه فصداقها كذا وكذا، وإن لم تلد فصداقها ~~كذا؛ فقال قوم: ذلك شرط جائز، ولها ذلك. وقال قوم: لا يثبت وترجع إلى صداق ~~مثلها. وقال آخرون: لها الأكثر مما شرط إلا أن يكون أكثر من صدقات نسائها؛ ~~فإنها ترد إلى صدقات نسائها. وإن شرط عند الترويج أن نفقتها عليها وكسوتها؛ ~~فذلك شرط لا يثبت. # واختلفوا في الذي تزوج بامرأة ولم يعلم /564/ كم صداقها، ويجوز بها الزوج ~~فتقول: لا أرضى إلا بصداق نسائي؛ فرأى بعضهم: لها كأوسط صدقات نسائها. ورأى ~~لها بعضهم: ما تزوجت عليه؛ لأنها لو سألت لعرفت قبل أن تبيح نفسها. وأبو ~~عثمان قال: لو شاءت لما أجازت النكاح. # وإن تزوج رجل امرأة على رجل بغير رأيه، ثم أرادوا فسخ النكاح فذلك لهم. # وإن قال الذي ملك عليه: كل امرأة له فهي طالق، من قبل أن يعلم له بالملك؛ ~~فإنها لا تطلق إلا أن يكون أرسله ليتزوج عليه، وقال: ذلك بعد التزويج لزمه ذلك. # وإن ماتت المرأة قبل أن يبلغه، ثم بلغه فرضي بالتزويج؛ فإنه يرثها وعليه ~~الصداق، وعليه اليمين أن لو بلغه الملك لرضي. وإن مات هو قبل أن يبلغه؛ فلا ترثه. # والذي تزوج بامرأة ثم سجن في السجن، وطلبت أن يؤدي إليها: قال: يؤجل وهو ~~في السجن، ثم ينفق ويكسو بعد الأجل، والمريض الذي لا يقدر على العمل ولا ~~مال له يؤجل، فإن لم يقدر على شيء طلق. PageV03P032 # قلت: أرأيت إن كان قد أعطى النقد ومرض هذا وسجن هذا وطلبت المرأة أن يدخل ~~أو يطلق؟ # فأما المريض فإنه يجاز عليها فإن لم يستطع فهي امرأته، وينفق عليها ~~ويكسو. وكذلك المسجون إذا كسا وأنفق لم يحكم عليه أن يطلق، فإن لم ينفق ~~أمره الإمام أن يطلق. # وتزويج المريض جائز وإذا زادها في صداقها رجعت إلى صداق نسائها. # وتزويج السكران الذي ms606 لا يعقل لا يجوز عليه. فإن جاز بالمرأة فقد ثبت ~~عليه، ولها كأوسط صداق نسائها. # والمرأة السكرى ليس رضاها بشيء، والنكاح منتقض ولو جاز بها الزوج، إلا أن ~~تكون رضيت بعد أن صحت من السكر. # وأما من استرقى امرأة فذلك ليس بشيء إذا كانت ثابتة العقل. فأما إن كان ~~تغير عقلها برقاه وعلم ذلك فلها صداقها، ولا أحب المقام عندها. # ومن تزوج امرأة مريضة؛ فإنها ترثه ويرثها. # وإقرار الزوج بالزوجة جائز، وإقرارها به في المرض إذا كان تزويجهما ~~مشهورا عند جيرانهما أو قام بذلك شاهدا عدل. # فأما إن كان امرأة لا تعرف إلا بإقراره في المرض؛ فإن أقر بصداق ثبت ~~عليه، فأما الميراث فلا يتوارثان إذا كان لهما عصبة أو رحم تدفع ذلك عنه لم يثبت. # وإذا ادعت امرأة على رجل أنه زوجها فأنكر ذلك؛ فإن الحاكم /565/ يجبره ~~على طلاقها، أو يقر فيأخذه بحقها. وأما التي أنكرت لم ترض بالذي يدعي أنه ~~زوجها فهي أملك بنفسها، وليس عليه أن يطلقها. فإن علم أنها رضيت فلا يحل ~~لها أن تتزوج. # وأما اليهودية والنصرانية: إذا كان زوجها يهوديا أو نصرانيا ثم إنها ~~أسلمت فلا يحل لها أن تقيم معه، فإن انقضت عدتها قبل أن يسلم هو فلها أن ~~تزوج، فإن أسلم فلها أن ترد إليه إذا أسلم قبل أن تتزوج، فإن تزوجت فلا ~~سبيل له إليها. # فأما إذا أسلم الزوج وزوجته يهودية أو نصرانية فلا تحرم عليه. PageV03P033 # فإن كان الرجل من غير أهل الكتاب وأسلمت زوجته وتزوجت ثم أسلم فقد فاتته. # وكذلك إن أسلم هو وتزوج أختها ثم أسلمت فالزوجة الأخيرة زوجته، ويتم ~~نكاحه ولو أسلمت قبل أن تزوج ثم تزوج ولم يعلم بإسلامها. # ولا تحل الأمة الذمية من أهل اليهود لأهل الإسلام، وإنما تحل المحصنات من ~~نسائهم بالتزويج. # فإن سبى المسلمون امرأة من أهل الحرب وسبي زوجها وصارت لمولاها؛ فالأمر ~~في ذلك إلى سيد الأمة، إن أراد أن يتم لهما نكاحهما أتمه، وإن كرهه فالأمر إليه. # فأما من سبى المشركون زوجته ms607 ثم سبوه هو؛ فيكره له وطؤها مخافة أن يشركوه ~~في الولد. وإذا ارتدت المرأة وتزوجت من أهل الحرب ثم أسلما؛ فهما على ~~نكاحهما. وأيهما أسلم قبل الآخر وأدرك الزوج زوجته لم تزوج فهما على ~~نكاحهما، ترد إليه إن شاء. # وإن تزوج مشرك بمشركة ثم أسلمت؛ فإنها لا تزوج بابنه ولا بأبيه في ~~الإسلام. وإن أسلم الزوج لم يتزوج أمها في الإسلام. # والذمي إذا وطئ الأمة المصلية أو مس فرجها أو نظر إليه في ملكه ثم أسلم، ~~فلا يطؤها بملك اليمين. فأما إن لم يمس فرجها ثم أسلم؛ فإنه إن اشتراها أو ~~تزوجها فله وطؤها بالتزويج أو بملك اليمين. # والمرتد إذا تزوج أخت امرأته في الشرك، ثم رجع إلى الإسلام ولم تزوج ~~امرأته فقد انقضت عصمة النكاح، ولا تحل له حيث تزوج بأختها إلا أن يفارقها، ~~أو يتزوج الأخت بنكاح جديد إذا انقضت عدة الأخت التي تزوجها في الشرك. # وللرجل أن يزوج جاريته ولو كرهت وليس هي مثل الحرة. # ومن زوج جاريته ولم يفرض لها صداقا، وجاز الزوج بها فلها صداق عليه كأوسط ~~صداق /566/ مثلها من الإماء؛ لأنه لا يحل فرج امرأة إلا بعوض كما قالوا. # 116- باب: # مسألة: فيمن يجمع بين الأختين PageV03P034 - وسأل عمن تزوج بأختين كل ~~واحدة على صداق، ولم يعلم ودخل بهما أو بأحدهما أو لم يدخل بهما؟ # فالجواب: أنه إن تزوج بأختين ولم يعلم ثم علم، إن كان لم يدخل بهما ~~فالأولى زوجته والأخيرة ليست بزوجته، إذا صح بشاهدي عدل أنهما أختان. # وإن كان دخل بهما حرمتا عليه أبدا. فإن دخل بواحدة ولم يدخل بالأخرى ~~فالأولى زوجته والأخيرة ليست بزوجته، دخل بها أو لم يدخل؛ لأن العقدة ليست ~~بجائزة، ولها الصداق إن كان جاز بها. # وإن تزوجهما في عقدة واحدة؛ فلا صداق عليه، ولا ميراث لهما إذا مات ولا ~~صداق عليه. وإن كان دخل بهما فلكل واحدة صداق. وإن مات فلا ميراث لهما؛ ~~لأنهما لم يكونا زوجتين. # وأما العدة فعدة الحامل أن تضع حملها، والحائل أن تحيض ثلاث ms608 حيض. والتي ~~أيست من الحيض ثلاثة أشهر؛ لأنهما لم تكونا زوجتين. # فإن كان دخل بواحدة فالتي دخل بها لها صداقها، ولا صداق للأخرى. # وإن مات وقد كان تزوج بواحدة بعد واحدة؛ فالتي دخل بها لها صداقها ولا ~~صداق للأخرى. # وإن مات وقد كان تزوج بواحدة بعد واحدة، فإن كان بعد لم يدخل بهما؛ ~~فالأولى هي زوجته ولها الصداق والميراث، ولا صداق للأخرى؛ لأنها لم تكن ~~زوجة جائزة. # وإن دخل بهما جميعا فلهما الصداق؛ فأما الميراث فيزول بالحرمة التي وجبت ~~بالإجماع بينهما في الوطء، والله أعلم، وسل عن ذلك. # 117- باب: # مسألة: في الرضاع # - وسأل عن الرضاع، ما يحرم منه؟ PageV03P035 # قيل له: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، من الأخت والعمة والخالة ~~وأمهات الأم وبنات البنت وبنات الابن وإن سلفن. وقد قال الله في التحريم: ~~{وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم}، فالأمهات يحرمن بالكتاب، {وأخواتكم من الرضاعة} ~~يحرمن بالكتاب والسنة، وقال رسول الله ^: « يحرم من الرضاع ما يحرم من ~~النسب»، فأوجب هذا الخبر ما وجب تحريمه بالنسب من الأمهات، وأمهاتهن ~~وبناتهن وإن سفلن، والأخوات وبناتهن وإن بعدن، وكذلك الخالات والعمات، ~~وعمات الأم وخالاتها وعمات الأب من الرضاع /567/ وخالاته وأمهاته، وأخواته ~~وبناته وبنات ابنه، وبنات الجد وهن العمات، وما وجب تحريمه من النسب وجب ~~تحريمه من الرضاع. # ودل هذا الخبر أن النسب يحرم منه النكاح قليل ذلك وكثيره. وكذلك يحرم ~~بالرضاع قليل ذلك وكثيره، ولو بمصة واحدة. # وإذا صار اللبن في حلقه وجب حكم الرضاع، ولا رضاع بعد الفصال؛ لقول الله ~~تعالى: {والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة}، ~~فتمام الرضاع تمام الحولين، {فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا ~~جناح عليهما} قبل الحولين جاز ذلك لهما، ولا يحرم ما زاد عن الحولين، وتمام ~~الرضاع إذا فصل الصبي. # وقد اختلف ||الناس||؛ فقال قوم: لا رضاع بعد الفصال. وقال قوم: لا رضاع ~~بعد الحولين. وقال بعض: حولين وأربعة أشهر. وقال بعض أهل الخلاف: وستة أشهر ~~بعد الحولين. ومنهم من قال: إلى أربع ms609 سنين. ومنهم من قال: رضاع الكبير مما ~~يحرم، وذلك قول بعض أهل الخلاف. # والرضاع الذي يحرم به وهو ما كان غذاء مما ينشئ اللحم وينبت العظم في ~~الحولين، وتمام الرضاعة كما قال الله في كتابه ورسوله في سنته، فإذا خلا ~~للصبي حولان كاملان فقد فصل، وما رضع بعد ذلك فليس برضاع. PageV03P036 # وما قطر من لبن المرأة في قدر أو في طعام أو في شراب وأكله الصبي أو شربه ~~فليس ذلك برضاع، إذا كان الطعام غالبا للبن وأذهبه، وكان الماء أو الطعام ~~هو الغالب. فإن كان اللبن هو الغالب على الشيء الذي فيه وظاهر فيه ثم أكله ~~الصبي أو شربه؛ فإنه يكون رضاعا. # ولما كان النسب يوجب قليله الحرمة أوجب قليل الرضاع. وكذلك الحرمة قد تجب ~~بالشيء القليل، ألا ترى أن الرجل لو جاز بالمرأة طعنة واحدة، قدر ما يلتقي ~~الختان حرمت عليه ابنتها، ووقعت الحرمة بالقليل من ذلك مثل النسب. كذلك ~~عندنا في قليل الزنا توجب الحرمة والحد، وكذلك قليل الرضاع. # ولا رضاع فيما رضع من البكر من ماء حتى تعلم أنه قد خرج منها لبن ورضعته، ~~ثم يكون رضاعا، فأما الثيب فما رضع منها فهو رضاع. # وإذا لقم الصبي ثدي الثيب وجذب الثدي؛ فقد وقع الشبهة إذا مص ولم يدر رضع ~~أو لم يرضع، والرضاع أولى به؛ لأن /568/ الشبهة متروكة؛ لأن النبي ^ قال: ~~«دع ما يريبك إلى ما لا يريبك»، وقال ^: «يا وابصة، استفت نفسك». # فأما إذا كانت لا تعلم أن فيها لبنا فألقمته الثدي لتلهيه به، ولم تعلم ~~أنه رضع فلا رضاع حتى تعلم أنه رضع منها شيئا. # فأما إن جذب الصبي الثدي ومص وانحدر اللبن والماء من ذلك فهو رضاع. # فأما من قال من أهل الخلاف: بخمس رضعات، -وإن كان في القرآن ورفعوه عن ~~عائشة عن النبي ^- فلم نجد ذلك في القرآن، وهذا خبر لا يصح إلا أن يكون ~~منسوخا بقوله ^: « يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب». PageV03P037 # ويجوز في الرضاع شهادة المرأة ما كانت، ولو كانت ms610 ذمية إذا قالت لرجل: ~~إنها أرضعت؛ قبل قولها ما لم تكن متهمة. فقد وجدنا أن امرأة سوداء قالت ~~لرجل وامرأته: أرضعتكما في أيام النبي ^ فسألوا رسول الله ^ فأعرض عنه. ~~وقال: إنها امرأة سوداء؛ فقال رسول الله ^: «فكيف وقد قالت؟!»، والذي عليه ~~أصحابنا أن قولها يقبل ما كانت. # وكذلك جاء الأثر: أن قول المرضعة يقبل ما لم تكن متهمة، ثم كان من رأي ~~فقهاء أهل عمان: من بعد أن يقع الجواز أنه لا يقبل إلا قول امرأة عدلة. ~~وأقول: يقبل قولها ما لم يقع الملك، وما لم يقع العقد؛ فيقبل قول المرضعة ~~إلا المتهة أن تجمع على حرام وتفرق على حلال. # ولا يجوز في الرضاع شهادة امرأة عن امرأة، ولا يجوز في ذلك إلا شاهدا عدل ~~من رجل وامرأتين من العدول عن المرأة المرضعة. # وإن شهد عليه عدلان برضاع، وإنما رأيا الصبي يجذب الثدي، وظهور اللبن على ~~شفتيه فإن شهادتهما تقبل عندنا. وإنما جاء الأثر بقبول قول المرضعة عن ~~نفسها إنها أرضعت. # وإذا طلق الرجل امرأته وتزوجت برجل آخر ثم أرضعت صبيا؛ فإن اللبن في قول ~~أصحابنا للأول، وإنما اللبن إنما هو له لحال الولد إن كانت ولدت مع الأول؛ ~~فإذا حملت اشترك اللبن بينهما. فإذا وضعت من الآخر؛ فإن اللبن للآخر ~~والرضاع له، فإن لم تلد من الأول فاللبن للآخر، وبالله التوفيق. # وإن شهدت امرأة برضاع بين رجل وامرأته، فإن كانت /569/ غائبة عن التزويج ~~حتى علمت فقالت صدقت، وإن كانت محاضرة عالمة بتزويج ذلك الرجل والمرأة ولم ~~تقل شيئا، ثم قالت من بعد لم تصدق. PageV03P038 # وقد قيل في امرأة عمدت إلى جارية زوجها فوجرتها من لبنها على عهد عمر، ~~فسأل عمر فقال له عمر: "عزمت عليك لتوجعن رأس امرأتك، ولتكن أول من وقعت ~~على جاريتك؛ لأنه لا رضاع بعد فصال". وقال ابن مسعود: "لا يحرم من الرضاع ~~إلا ما أنشأ العظم وأنبت اللحم"، يعني: ما كان الرضاع غذاء. # وأما من احتج برضاع سالم حين قال [^] لامرأة أبي حذيفة: «أرضعي له»، ms611 فإن ~~ذلك قد قيل به، وإنه كان مخصوصا به لسالم، وقد روي ذلك عن جميع أزواج رسول ~~الله ^ أن ذلك كان مخصوصا به سالم عن عائشة. # وإن سقت امرأة صبيا من لبنها في دواء، فإن كان اللبن لم يستهلكه الدواء ~~ويوجد طعم اللبن فهو رضاع إذا كان ظاهرا بينا، أو يوجد طعمه فهو محرم. # وامرأة أرضعت صبية ثم تزوجها رجل ثم فارقها وتزوج الصبية التي أرضعتها؛ ~~فإن كان الرجل جاز بالمرأة لم تجز له الصبية التي أرضعتها المرأة؛ لأنها من ~~ربائبه اللاتي أرضعتها، وقد جاز بأمها. # وإن لم يكن دخل بالمرأة جاز له أن يتزوج الصبية التي أرضعتها؛ لأنه لم ~~يدخل بأمها من الرضاع. # وقيل: لا بأس أن يتزوج بنو المرأة المرضوعة أخوات الغلام التي أرضعت ~~أمهم؛ لأنهم ليس بينهم نسب ولا رضاع إلا ذلك الذي رضع سواء؛ فإنه لا يحل له ~~أن يتزوج من بنات المرأة التي أرضعته؛ لأنهم إخوته من الرضاعة. # وكذلك لا يتزوج أحد من بنات الرجل التي أرضعته امرأته؛ لأنه ابنه من ~~الرضاعة؛ لأن اللبن للرجل كما قد قال أصحابنا. # ولا رضاع بين الرجال إذا خرج منهم اللبن، وإنما اللبن الذي يخرج من ~~المرأة. # وكل رضاع في الحولين فهو محرم ولو فصل قبل الحولين. PageV03P039 # وإذا تزوج الرجل امرأة فقالت امرأته: إنها أرضعتها، فإن كان قولها قبل ~~الجواز فلا يتزوجها، وإن كان بعد الجواز وكانت عدلة فرق بينهما، وإن لم تكن ~~عدلة فعلى ما عمل عليه أهل عمان أيام دولتهم أن قولها لا يقبل حتى تكون عدلة. # وقيل: إذا كان الأب معدما أو فقيرا، فعلى الأم رضاع ولدها، ولو كانت فقيرة. # وكذلك لو كان الأب ميتا إذا لم يكن له مال، فعلى الأم رضاع ولدها إذا ~~كانت /570/ فقيرة. وقال بعضهم: إذا كانت الأم موسرة والأب معدما لا شيء له ~~أو ميتا ولم يكن بالأم لبن؛ فإن عليها أن تستأجر له من يرضعه، إلا أن يكون ~~له ورثة غيرها، فيجبر الورثة على رضاعه عند أصحابنا، وعلى الأم بقدر ms612 نصيبها ~~من ذلك. فأما إن كان للولد مال، ولم يكن لأمه لبن، فإن أجرة رضاعه في ماله ~~في مال أبيه، قال الله: {وعلى الوارث مثل ذلك}، والابن وارث لمال الأب حين ~~مات، والله أعلم. # وقد اختلفوا فيمن زنى بامرأة في بلد ولم يعرفها، أو له أخت من الرضاع في ~~بلد لا يعرفها: قال بعض: لا يتزوج من ذلك البلد. وقال آخرون: بل له أن ~~يتزوج حتى يعلم الأخت والتي زنى بها؛ لأن التزويج مباح، والحكم على الأغلب. # ولا يجوز تزويج إماء أهل الكتاب ولا وليدة نكح أمها، ولا ما تناسلوا من ~~رضاع ولا نسب. # ولا يجوز تزويج أخت المطلقة حتى تنقضي عدة التي طلق. ولا أخت جارته التي ~~كان يطؤها حتى يزيل فرج التي وطئ ببيع أو تزويج. وإن باع وغاب أمرها فحتى ~~يصح لها استبراؤها من السيد، أو يزوجها المولى. # والمأمور أن لا يبيع الجارية التي كان يطؤها حتى يستبرئها لحال الولد، ~~والله أعلم. PageV03P040 # وقد أحل الله تزويج المحصنات من نساء أهل الكتاب، {محصنين غير مسافحين} ~~محصنين: بالتزويج، مسافحين: معلنين بالزنا، {ولا متخذي أخدان}: أخلاء في ~~السريرة يزنون بها سرا، فحرم الزنا كله، وتزويج الزناة، قال الله تعالى في ~~عقب ذلك: {ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين}. # ولا بأس أن يتزوج اليهودية مع المسلمة. ولا بأس أن يتسرى ولا يطأ حتى ~~يسلم منهن. # ولا يتزوج العبد أمة من إماء أهل الكتاب إذا كان مسلما وكانت مشركة؛ لأن ~~الله حرم نساء المشركات إلا ما استثنى من نساء أهل الكتاب، الإماء هن ليس ~~من أهل الكتاب. # ولا يجوز للمسلم الحر أن يتزوج الأمة من أهل الكتاب؛ لأن الله قال: {من ~~فتياتكم المؤمنات... فانكحوهن بإذن أهلهن}، يقول: تزوجوا الولائد بإذن ~~أربابهن. وقد اختلفوا في ذلك؛ وقال قوم: حتى لا يجد طولا إلى الحرة، قال ~~الله: {محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان}، فحرم من ذلك السفاح والخدن. # فإن علم منها الزنا فلا يحل له نكاحها، وقال الله: {ذلك ms613 لمن خشي العنت ~~منكم} على نفسه، وهو: الزنا، ثم قال: {وأن تصبروا} عن تزويج /571/ الأمة ~~{خير لكم} من تزويجهن، {والله غفور رحيم} حين رخص لكم في تزويج الإماء. # وقد اختلفوا فيمن يجد سعة أن يتزوج حرة؛ فقال قوم: لا يجوز أن يتزوج ~~الإماء. وأجاز آخرون. # 118- باب: # مسألة: في تحريم وطء النساء في الحيض والدم # - وسأل عن وطء النساء في الحيض، أهو محرم أو مكروه؟ PageV03P041 # قيل له: وطء الحائض في المحيض حرام؛ لنهي الله عن ذلك. قوله تعالى: ~~{ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى ~~يطهرن}، فحجر عليهم مجامعة النساء في المحيض، فهو حرام بالنهي حتى يطهرن؛ ~~فهو بهذا حرام مع الإجماع من المسلمين والأمة على [أن] من وطئ في الحيض فقد ~~ركب ذنبا عظيما وحراما محرما عليه. وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «إنما ~~أمرتم أن تعتزلوا الفروج»، ثم رخص لهم الله. # قوله: {فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله} يعني: الفرج الذي نهيتم عنه ~~في الحيض، فلم يرخص الله لهم إلا بعد الطهر والتطهر ولم يجز قبل ذلك. # ثم قال: {نسآؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم}، يقول: فروج النساء مزرعة ~~للولد، {أنى شئتم}: كيف شئتم ما لم يكن حيض، وقال: {وقدموا لأنفسكم واتقوا ~~الله} ولا تعصوه فتجامعوهن في الحيض. ثم قال: {واعلموا أنكم ملاقوه وبشر ~~المؤمنين}، ملاقوه فيجزيكم بأعمالكم، فهذا وقع عليه نهي الله وإجماع الأمة ~~على تحريمه. # وقال النبي ^: «من جامع امرأته في الحيض -، أو قال: وهي حائض- فقد ركب ~~ذنبا عظيما» فلا يحل ذلك. وقال النبي ^: «إتيان النساء في الدبر هي ~~اللوطية»، وقد ذكر الله قوم لوط أنهم كانوا قوما عادين، والله لا يحب ~~المعتدين. # فإذا ركب الراكب نهي الله ووطئ في الحيض فقد ركب ما حرم الله ورسوله، ~~وأجمع المسلمون على تحريمه. وكذلك الوطء في الدبر؛ لما روي عن رسول الله ^ ~~أنه قال: «أدبار النساء عليكم حرام». PageV03P042 # وقد اختلفوا بعد هذا في تحريم الزوجة على زوجها؛ فحرم قوم. ووقف آخرون. ms614 ~~ولم يحرمها آخرون، وأوجبوا عليه الكفارة، وهم قوم من أهل الخلاف. وأما ~~أصحابنا فقد عملوا بتحريم ذلك، والأكثر منهم على تحريم ذلك. # وإذا ركب الراكب نهي الله فقد حرمت عليه وأفسد ما هو مباح له. ألا ترى أن ~~الله قد /572/ أباح التزويج للمطلقة بعد العدة، فإذا عقد تزويجا على مطلقة ~~في عدتها؛ فقد حرمت عليه إذا تعمد لذلك، ولا تحل له أبدا ولو لم يجز بها؛ ~~لنهي الله عن ذلك؛ فكذلك الحائض، لما نهى الله ورسوله عن ذلك قد ركب ما حرم ~~الله ورسوله ^ وأفسد على نفسه ما كان محللا له. ألا ترى أن القياس مطرد في ~~الفرج، والبعض لا يحل استهلاكه إلا من حيث أباح الله التزويج من غير نهي. # وكذلك حرم الدماء كلها وارتكابها من غير حلها. فلو أن رجلا قتل من يرثه، ~~أليس قد حرم عليه ميراثه؛ لنهي الله عن الفعل وتحريم النبي له بذلك، ولم ~~يحل له إرثه، ولو لم يقتله حتى مات ورثه، فلما عجل حرم ميراثه عليه؛ لنهي ~~الله عن ذلك. # وكذلك الحيض حرام بالنهي، والبضع بالبضع، والدم بالدم، والمال بالمال، ~~والقياس شائع، والفروج بالفروج؛ فكان في هذا حجة لمن قال بتحريم الموطأة في ~~الحيض بما تلونا من الحجة والقياس. # ألا ترى أن من وطئ في الاعتكاف أو الصوم فقد أفسد الاعتكاف والصوم؛ لنهي ~~الله عن ذلك. # وكذلك من جامع في الحج فسد حجه؛ لنهي الله عن ذلك. وكذلك الفروج لما نهى ~~الله ورسوله عن الوطء في الحيض؛ فمن وطئ فيه فقد أفسد عليه امرأته مثل ما ~~قد قدمنا ذكره على تحريم راكب النهي. # أولا ترى أن من سبى جارية أو اشتراها ثم وطئها قبل أن يستبرئها أنه لا ~~يحل له وطؤها؛ لنهي رسول الله ^ عن ذلك. فكان هذا ومثله في النهي حجة ~~وقياسا على جميع المنهي عنه. PageV03P043 # ألا ترى أن الله نهى عن تزويج الأخت من الرضاعة، فمن تزوج بها لم تحل له ~~ولم يكن في الإسلام. # وقد وجدنا الله تعالى حرم فروجا ms615 على الأبد بنهيه، وحرم منها أشياء إلى ~~مدة؛ فمن تعدى قبل المدة أو فيها قبل الإطلاق له حرم ذلك الشيء عليه، وكذلك ~~الأموال والدماء، وكل حرام حرمه الله ونهى عنه لم يحل في ذلك الحال حتى ~~يزول حكم ذلك، وتقع الإباحة له لمن تدبر ذلك وعلمه. # والمحيض هو أذى كما قال الله تعالى، وهو: خروج الدم من فرج المرأة حيضا ~~لا غير ذلك، ودم الحيض هو: دم أسود ثخين آسن له رائحة، لا يكاد يخرج من ~~الثوب على ما قالوا به. # وقد روي أن النبي ^ بين لهن دم الحيض /573/ من دم الاستحاضة، وقال ~~لسائلة: «ذلك دم عرق ليس بالحيضة». # وأما دم الاستحاضة فهو -على ما قالوا-: دم أحمر رقيق ليس له رائحة. # والكدرة والصفرة فليس بحيض ولا استحاضة. كذلك روي عن أم سلمة زوجة النبي ~~^ أنها قالت: «لم نكن نعد الصفرة والكدرة حيضا» فهذا معناه. والناس مختلفون ~~في ذلك؛ فقال قوم: إن الصفرة والكدرة ليس بحيض. وقال آخرون: هو حيض. وأوجب ~~آخرون أنها استحاضة. وقال قوم: إن جاءت في أيام الحيض فهي حيض. وقال قوم: ~~إن تقدم الدم واتصل به الحيض فهو حيض. وقال آخرون: ليس بحيض حتى يقدمها ~~الدم. وقال آخرون: إذا انقطع الدم وبقيت الصفرة والكدرة في أيام الحيض فهو ~~من الحيض حتى ينقى النقاء البين، وتطهر طهرا بينا مثل الفضة فضة الفجر. ~~وقال أصحابنا مثل الفضة البيضاء من الورق. # فأما إن انقطعت أيام الحيض وبقيت الصفرة والكدرة فليس بحيض تلك الصفرة ~~والكدرة، ولا تنتظر في أيام الحيض. PageV03P044 # وقد اختلفوا أيضا في مجيء الدم؛ فقال قوم: إن دم الحيض له لون وصفة. ولم ~~يميز ذلك آخرون، وقالوا: كل دم جاء بعد طهر عشرة أيام فهو حيض. وقال آخرون: ~~بعد طهر خمسة عشر يوما ما جاء من دم فهو حيض، وإن أكثر الحيض عشر، وأقل ~~الطهر عشر. وقال آخرون: الحيض عشر والطهر خمسة عشر يوما. وقال آخرون: الحيض ~~خمسة عشر يوما والطهر خمسة عشر يوما. # وأكثر قول أصحابنا: أن ms616 أقل الحيض معهم ثلاثة أيام؛ لأن معهم الثلاث جمع ~~أيام، كما يقال: يوم ويومان وثلاثة أيام؛ فالأيام لا تقع إلا على الثلاث، ~~ولا تقع على أقل من ذلك. وأكثر الأيام عشر؛ لأن معهم أكثر الأيام في العدد ~~عشر، ويقال بعد ذلك: أحد عشر يوما. وقال بعض: إن الحيض أقله يوم وليلة. # والذي نقول به: إن أقله يوم وليلة إذا جاء يوما وليلة ثم انقطع عن المرأة ~~غسلت وصلت وذلك حيض، ولا بدل عليها فيما تركت من صلاة اليوم والليلة. # وإن مد بها الدم ولا تعرف أيامها فهي حائض إلى مدة خمسة عشر يوما، ثم لا ~~تترك بعد الخمسة عشر يوما الصلاة اتفاق من الناس على ما قالوا به: إنه ~~إجماع. /574/ # وأما من قال: إن أقله ثلاث، وإنها إذا رأت الدم تركت له الصلاة، فإن مد ~~بها إلى ثلاثة أيام فهو حيض، ولا بدل عليها في صلاة الثلاث. # وإن انقطع قبل الثلاث فإنها تغتسل وتصلي، وعليها بدل ما تركت من الصلاة ~~في أقل من الثلاث، كان يوما أو يومين فتبدل وليس ذلك بحيض. # وإذا دام الدم بها كانت حائضا إلى أن تنقضي أيامها، فإن انقطع مع تمام ~~الأيام غسلت وصلت. فإن دام بها ||الدم|| نظرت يوما أو يومين فإن انقطع غسلت ~~وصلت ولا بدل عليها، وذلك من حيضها. PageV03P045 # وإن دام بها أكثر من عشرة أيام فإنها لا تنتظر بعد العشر وتغسل وتصلي، ~~وتكون مستحاضة على هذا القول، وعليها بدل اليوم واليومين اللذين تركت فيهما ~~الصلاة انتظارا أن ينقطع الدم؛ لأنه حين مد بها علم أنه داء فتبدل. # والذي يقول: إن أقله يوم وليلة يلزمها بدل الأيام التي انتظرت فيها الدم، ~~ودام بها على حيضها فتبدلهن إلا صلاة يوم وليلة، وهذا قول فيه عسورة، ~~والآخر أرفق بهن. # وقال قوم: إن التي ترى الدم يوما أو يومين وكان ذلك عادة لها فهو حيض. # وإن انقطع الدم عن الحائض في أيام قرئها قبل أن تتم الأيام غسلت وصلت، ~~ولا تترك الصلاة بعد أن ترى ms617 الطهر البين. # ومنهم من قال: تنتظر يوما وليلة. فإن رجعها الدم بعد أن تنتظر في أيام ~~حيضها؛ فإنها تترك الصلاة حتى تتم حيضها، ولا تأخذ بقول من قال: لا تترك ~~الصلاة وهي طاهر في أيام حيضها حتى تتم الأيام، ولكن إذا رأت الطهر غسلت، ~~وإذا جاء الدم تركت الصلاة حتى تنقضي الأيام. كذلك على قول: إذا كانت ~~عادتها أن يجيء يوما وتطهر يوما حتى تمضي أيامها. وإذا رأت الطهر غسلت وصلت ~~فإذا جاء الدم تركت الصلاة. # وكذلك قيل: امرأة ترى الطهر بالنهار ويجيئها الحيض بالليل، أو يجيئها ~~الحيض بالنهار فتطهر بالليل، وكان ذلك عادة؛ فإنها إن طهرت غسلت وصلت، فإذا ~~جاءها الحيض تركت الصلاة حتى تتم أيامها. # وكذلك التي تحيض يومين وتطهر يومين، كذلك تغتسل وتصلي إذا طهرت وتترك ~~الصلاة إذا جاءها الدم حتى تتم أيامها. # وكذلك قالوا في التي تحيض يوما وتطهر يوما: إنه حيض. PageV03P046 # وإن حاضت يومين وطهرت يوما /575/ فليس بحيض حتى يكون الحيض أقل من الطهر، ~~أو يكون الحيض والطهر سواء. وهذا قول من قال: إن الحيض لا يكون أقل من ~~ثلاثة أيام، وأما من قال باليوم والليلة؛ فإنه يكون حيضا إذا تم ذلك. # وقد اختلفوا في التي لا تعرف أيام حيضها ولا أيام طهرها: قال قوم: تنتظر ~~في الدم مثل أيام أمهاتها. وقال قوم: تنتظر عشرا وتغتسل، وتصلي عشرا. وقال ~~قوم: خمسة عشر يوما. ومنهم من قال: عشرين يوما. وقال قوم: تترك الصلاة أقل ~~الحيض ثلاثة أيام، وتغتسل وتصلي سبعة أيام، وتكون السبعة الأيام مع الثلاثة ~~الأيام عشرة أيام، كأنها تكون حائضا عشرا وطاهرا عشرا، وتجمع الصلاتين بغسل ~~واحد، والفجر غسلا، فإذا أتمت على ذلك عشرة أيام بلياليها تركت الصلاة ~~ثلاثا، فتكون على ذلك، وقد استحاط لها في هذا الموضع في حال الاختلاف. # فأما من لم ير لها إلا ترك أيامها فإذا مد بها الدم بعد ذلك، فإنها تكون ~~مستحاضة تغسل وتصلي ما دام بها الدم حتى يفرج الله ما بها، وليس لها ترك ~~الصلاة المفترضة ms618 لشبهة عرضت لها، واحتج بقول النبي ^ للسائلة: «إنها ليست ~~بحيضة، فاغتسلي وصلي»، وأنها استحيضت سبع سنين، ولم يأمرها بترك الصلاة، ~~وفي هذا الحديث اختلاف. وقد قيل: إنه قال: «إلى أن يعود إليك مثل ذلك». # وأما الاستحاضة فلا تحسب من العدة. # والتي مد بها الدم فلا ينقطع، قد قيل: إنها تعتد ثلاثة أشهر ثم تزوج، ~~والتي تحيض حيضا غير تام لا تزوج حتى تحيض ثلاث حيض تامة، أقل كل حيضة ~~عندهم ثلاثة أيام. وقال قوم: هي التي تحيض حيضتين تامتين والثالثة ناقصة؛ ~~أنها تنتظر حتى تتم لها حيضة تامة أقله ثلاثة أيام. PageV03P047 # والمطلقة التي كانت تعتد بالحيض ثم ينقطع عنها؛ فمنهم من قال: تقعد تسعة ~~أشهر ثم تعتد بالشهور. وقال آخرون: لا تزوج حتى تحيض ثلاث حيض، أو تيأس من ~~المحيض. وقال قوم: حتى تبلغ في الكبر ستون سنة ثم لا تحيض فتعتد بالشهور. # والمرأة إذا رأت الصفرة غسلت وصلت. # وإذا رأت صفرة أو كدرة أو دما كامنا /576/ في الفرج؛ فإنها تتوضأ وتصلي ~~حتى ترى دما سائلا أو قاطرا ثم تغسل وتصلي إن كان استحاضة، فإن كان حيض ~~تركت الصلاة، وما لم يظهر الدم ويقطر ويسيل فلا تترك الصلاة. # والتي يضربها الطلق وترى صفرة أو كدرة أو حمرة؛ فإنها تتوضأ وتصلي. وإن ~~كان دما سائلا فإنها تغسل وتصلي. # واختلفوا فيها إذا رأت الدم على رأس الولد؛ فقال قوم: تترك الصلاة. وقال ~~آخرون: إذا رأت المخاض ورأت الدم للولد. ومنهم من قال: حتى ينفقئ الهادي. ~~وقال آخرون: حتى ترى الدم على رأس الولد وتركز للميلاد. وقال آخرون: حتى ~~تلد ولو كان في بطنها ولدان فولدت واحدا ولم تلد الثاني؛ فإنها لا تترك ~~الصلاة حتى تضع كل ما كان في بطنها، وهذا أيضا احتياط وهو ضيق، ولكن تصلي ~~كما أمكن. # وأما الحامل إذا رأت الدم لم تترك الصلاة، تغسل وتصلي كما أمكن، وتصنع ~~كما تصنع المستحاضة، وما جعل الله حيضا مع حمل، قال الله تعالى: {ما تحمل ~~كل أنثى وما تغيض الأرحام وما ms619 تزداد وكل شيء عنده بمقدار}، فذلك من غيض ~~الأرحام، وقد قيل: إنها بمنزلة الحائض، ولا يطؤها زوجها في الدم السائل. ~~وقد أوجب عليها قوم بدل الصوم وإن صامت. وقد اختلفوا فيها؛ وبعض: أوجب ~~التنزه عن إتيان المستحاضة. وقال قوم: لا بأس بمجامعة المستحاضة، وإنما حرم ~~الله مجامعة الحائض، وليست الاستحاضة مثل الحائض. PageV03P048 # والمستحاضة إذا غسلت للصلاة لفت على الفرج بثوب أو خرقة لحال الدم، وصلت ~~بالثوب الطاهر من الدم إن كان الدم سائلا أو قاطرا تخاف أن يقع في الثياب. ~~وقيل: تحفر حفرة يسيل فيها وتصلي، وتشاجي ثيابها عن الدم، كما روي عن عائشة ~~"أن أخت زينب استحيضت فكانت تغتسل وتقعد في مركز لأختها زينب حتى تعلو حمرة ~~الدم الماء لشدة ما كان يأتيها من ذلك". # وإن غسلت المستحاضة من الدم وهي ترى الطهر ثم لم تر دما بعد ذلك فلا ~~يلزمها غير ||ذلك|| الغسل. # وإن غسلت وفيها الدم فإنها إن طهرت اغتسلت غسل التعبد إذا طهرت، أو رأت ~~الطهر بعد ذلك. # واختلفوا في المستحاضة إذا اغتسلت للصلاتين /577/ ثم أرادت أن تبدل ~~صلوات؛ فقال قوم: تغسل للبدل وإن جاء وقت الفريضة غسلت لها أيضا. وقال ~~آخرون: ما كانت في موضعها ذلك صلت بذلك الغسل، وإن تحولت منه غسلت للنافلة. # وإن كان صفرة أو كدرة توضأت وصلت. # وقال قوم: إذا كان وقت الحيض أقل من عشرة أيام، ووقت النفاس أقل من ~~أربعين يوما ثم مد بها الدم بعد وقتها؛ فإنها تنتظر في الحيض يوما أو ~~يومين، وفي النفاس يومين أو ثلاثا؛ ثم تغسل وتصلي. وإن كان الحيض عشرا ~~والنفاس أربعين فإنها لا تنتظر ولا تزيد شيئا. # واختلفوا في النفاس؛ فقال قوم: هو ستون يوما. وقال قوم: تسعون يوما. وقال ~~قوم: أربعون يوما. وكذلك روي عن النبي ^ أنه قال: «النفاس أربعون يوما» ولا ~~تنتظر بعد الأربعين. # وأما أقل النفاس متى ما انقطع عليها الدم فعليها الغسل والصلوات، وأكثره ~~أربعون يوما، ولا يطؤها زوجها حتى تتم الأربعون. وقد قيل: إن طلحة تعرضت له ms620 ~~امرأته فقال: "نهينا أن نقرب النساء حتى تتم الأربعون يوما". PageV03P049 # وأما الحيض إذا طهرت المرأة من الدم الطهر البين فلا بأس بمجامعتها بعد ~~أن تغتسل ولا حرمة عليه إلا أن يطأ في الحيض متعمدا، ولا تحرم عليه في ~~الخطأ ولا في الغلط. وكذلك النفساء لا تحرم عليه إذا وطئها وهي طاهر، إلا ~~أنه إن وطئ في الأربعين وهي طاهر فقد خالف السنة، وركب النهي وقد أساء. # وعلى النفساء الصيام والصلاة مذ طهرت. وقال قوم: إذا راجعها الدم في أيام ~~النفاس والحيض تركت الصلاة والصيام. وقال قوم: إذا راجعها الدم في أيام ~~النفاس والحيض انتقض ما صامت في الحيض والنفاس. وقال آخرون: إن قعدت عشرة ~~أيام طاهرا من دم النفاس، فما جاء بعد ذلك فهو حيض، وقد تم لها ما صامت. ~~وقال آخرون: إذا انقضى الشهر ثم رجع الدم في أيام النفاس فلا بدل عليها في صومها. # والحائض لا تنتظر الطهر بالليل، ولا يلزمها أن تنظر الطهر بالليل؛ لأن ~~الطهر بين لا شبهة فيه. # وكل امرأة ابتدأها الدم فذلك حيض حتى تعلم أنه داء؛ لأن عادة النساء على ~~ذلك، ولم يضيعهن الله على أن يستحضن، إنما الاستحاضة علة، ويمنعهن الحيض. # فإذا /578/ جاء المبتدئة الدم فهو حيض، وإذا انقطع ذلك الحيض في أيام كان ~~ذلك وقتا لها. وإن دام بها الدم ثلاثة قروء أو ثلاث حيض على حال واحد؛ فإن ~~تحول في الثاني على ذلك والثالث مثله؛ فقد قيل: إن وقتها يكون في الرابع، ~~وهو الوقت الذي تحولت إليه ويكون وقتا لها، وما لم تستقم فهو الوقت الأول. ~~وقد اختلف في معنى ذلك أيضا. # وقد قيل: إن امرأة ترى سبعة أيام دما وسبعة أيام صفرة أنها تدع الصلاة في ~~أيام الدم وتتوضأ وتصلي في أيام الصفرة، ولا تدع الصلاة في الصفرة والكدرة، ~~ولا فساد عليه في زوجته حتى يطأ في دم الحيض. PageV03P050 # والتي ترى الدم بعد طهر الحيض ثلاثة أيام أنها لا تدع الصلاة وهي مستحاضة ~~تغسل وتصلي إلا أن يكون ذلك ms621 إثابة وعادة يرجع إليها الدم في ذلك الوقت وهو ~~في أقل من عشرة أيام قبل العشر، فهو من حيضها. # ولو حاضت خمسا وطهرت ثلاثة أيام فراجعها يومين وكانت عادة تركت الصلاة. ~~وإن راجعها بعد العشر فهو استحاضة. فافهم ذلك إن شاء الله، وبه التوفيق ~~للحق والصواب. # والحائض إذا طهرت من الحيض ولها إثابة قد عودتها؛ فلا يطؤها زوجها فيما ~~بين دم الحيض ودم الإثابة. والتي كان يأتيها حيضها بالنهار وينقطع عنها ~~بالليل ووطئها زوجها أنها لا تحرم عليه حتى يطأها في الدم والعمد معا، ~~ويؤمر ألا يطأها -على ما قلنا- حتى تنقضي أيام حيضها، وتؤمر أيضا هذه ~~بالغسل والصلاة إذا طهرت بالنهار أو بالليل، ولا تترك الصلاة إذا رأت الطهر. # والذي جامع امرأته فيما دون الفرج وهي حائض ثم تدخل النطفة في الفرج؛ فقد ~~قيل: إنه كمن وطئ في الحيض، والله أعلم. وأما إن سالت النطفة في الفرج من ~~غير عمد فلا فساد عليه، وقد رخص لهم النبي ^ فيما دون الفرج، وعلى ما روي ~~أنه قال: «لكم منها ما علا الإزار أو ما دونه». # ولا بأس بمناومة الحائض ما لم يجامع في الفرج، وإن أخطأ في الدم فلا فساد عليه. # والذي يجامع في الدبر متعمدا؛ فعند أكثرهم: تفسد عليه امرأته بذلك. وأما ~~التي مكنت زوجها من نفسها وهي حائض؛ فأما هو فإذا لم يعلم فلا فساد عليه. ~~وأما هي فقد قالوا: /579/ ينبغي أن تطلب الخروج ولتفتدي منه. وإن امتنع من ~~ذلك؛ فقال بعض: يسعها المقام معه. وقال قوم: لا يسعها وتفتدي منه. PageV03P051 # والذي وطئ زوجته وقد أخبرته أنها حائض فتعمد لذلك؛ فلا نأمن عليه الفساد. ~~وإن كانت كذبته فأخبرته فظن أنها كاذبة فكذبها ووطئها؛ فقال قوم: إن كانت ~~تكذبه فقد صدقته الآن، وهو كمثل من وطئ في الحيض. وبعض: لم يحرمها عليه. # والذي وطئ زوجته بعد أن طهرت من الحيض قبل أن تغسل؛ فقال قوم: هي بمنزلة ~~الحائض، وهو كمن وطئ في الحيض. وبعض: لم يحرم. وبعض: وقف، وقال: ليس من ms622 ~~تطهره ركوة من ماء كمن لا تطهره الوحلة. # وكل امرأة طهرت في وقت صلاة؛ فعليها أن تصلي تلك الصلاة، وإن طهرت في نصف ~~الليل الأخير فتصلي الوتر. # وإن جاءها الحيض في وقت صلاة قبل أن تصلي فعليها قضاؤها. وإن جاءها قبل ~~دخول الصلاة فلا قضاء عليها. # فأما قضاء الصلوات في الحيض فلا يلزم لسنة الرسول ^، وذلك يسر من الله، ~~وقال النبي ^: «تلبث إحداكن أياما لا تصلي ولا تصوم من نقصان عقولكن»، ولم ~~يقل ^ تبدل الصلاة باتفاق على ذلك. فأما الصوم {فعدة من أيام أخر} كما قال ~~الله تبارك وتعالى. # والتي تحيض يومين تحيض على ذلك حيضتين تامتين؛ فقد قيل: لا يدركها زوجها ~~ولا تزوج حتى تحيض ثلاث حيض، أقل كل حيضة ثلاثة أيام على قول. # والتي أسقطت سقطا ثم أسقطت آخر بعد ثلاثة أيام؛ فإن عدتها من السقط الأول ~~عند بعض، ولا تتزوج حتى تتم الأربعين يوما من السقط الآخر، وانظر في ذلك ~~فإني لم أر ذلك إذا كانت بعد حاملا، فإنها لا تنقضي العدة حتى تضع كل ما في ~~بطنها من حمل، ويدركها زوجها ما لم تضع، ولا تنقضي عدتها حتى تضع سقطا يعلم ~~أنها حمل. # فأما إن وضعت سقطا ولم يبن؛ فقال قوم: تنقضي العدة من الأول، ولا تزوج ~~حتى تحيض ثلاث حيض. وقال قوم: إنما تنقضي العدة وتحل للأزواج إذا أسقطت ~~سقطا بينا، والله أعلم بذلك. PageV03P052 # وقد قيل في مطلقة رأت الدم في الحيضة الثالثة يومين، ثم طهرت وصلت؛ فليس ~~لزوجها الأول أن يراجعها، وقد انقضت /580/ عدتها منه، وليس لها أن تتزوج ~~حتى تحيض الثالثة حيضة تامة. وقال قوم: تتم عشرة أيام لتلك الثلاث، وليس ~~لها أن تنتظر حيضة أخرى وقد حاضت ثلاثة أيام. # والتي تكون في سفر وتطهر من حيضها؛ فإنها تتيمم وتصلي ولزوجها مجامعتها، ~~وقد طهرت بذلك من حيضها. # وإن كانت مطلقة فقد فاتت مطلقها إذا تيممت من الحيضة الثالثة، ولها أن ~~تزوج، فإن لم تتيمم فلزوجها مراجعتها ما لم ينقض وقت الصلاة. # وكذلك لو ms623 كان عليها الغسل فتركته انتظار الرجعة حتى يفوت وقت الصلاة لم ~~يدركها. فأما إن غسلت وردها قبل أن تغسل رأسها وفرجها فإنه يدركها. وأما إن ~~غسلت بماء نجس ولم تعلم ثم علمت فإنها تفوت الأول، ولا تزوج حتى تغسل بماء ~~طاهر، ||والله أعلم||. # والتيمم طهارة، قال الله تعالى: {فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا}، ~~وقال النبي ^: «الصعيد كافيك ما لم تجد الماء» . # والمرأة إن عالجت نفسها حتى قطعت الحيض بعد إذ جاءها في شهر رمضان لئلا ~~يلزمها البدل؛ فقالوا: تبدل إن جاءها بعد رمضان، وما أحب ذلك؛ لأنه شيء من ~~الله ليس للعباد صرفه ولا وضعه، والله أعلم. # وأما التي تبدل شهر رمضان إن أفطرت في البدل من عذر؛ فإنما تنتقض تلك ~~الأيام التي صامت في البدل. # والحائض تأكل في اليوم الذي تحيض فيه، وتؤمر بالإمساك في اليوم الذي تطهر ~~فيه عن الأكل. وأما البدل فكلا اليومين تبدل. وإن أكلت في بقية اليوم الذي ~~طهرت فيه فلا بأس. # وإذا رأت المرأة الدم يوما واحدا ثم انقطع عنها، ثم لم تر دما حتى انقضت ~~أيام حيضها، ثم رأت دما سائلا؛ فهي مستحاضة على قول. PageV03P053 # فأما إن جاءها الدم أيام حيضها وقد رأت في أول الحيض؛ فقال قوم: كله من ~~أيام الحيض، وهو حيض. وقال قوم: إذا كان الطهر أكثر من الحيض فليس ذلك بحيض. # والمستحاضة إذا غسلت للصلاة ثم أحدثت قبل أن تصلي؛ فإنما عليها أن تتوضأ ~~ولا غسل عليها من ذلك. # والسقط إذا كان قطعة لحم أو دم فإن عليها عدة النفاس، وإن استبان أنه ~~ولد. وقال قوم: حتى يتبين خلقه. وكذلك الذي ينقضي به الولد هو الذي يتبين ~~خلقه. وقال قوم: /581/ حتى يتبين أنه ذكر أو أنثى. # والنفساء إذا تم بها النفاس إلى وقت معروف ثلاثة مواليد فذلك وقتها، ولو ~~طهرت على عشرين يوما كان كذلك، ولو أن نفساء لم تر الدم أن عليها الغسل ~~والصلاة. # وكذلك كل امرأة رأت الطهر البين من الحيض والنفاس في وقت صلاة، ولم ms624 يعقب ~~ذلك دم فعليها أن تصليها انتظارا للرجعة فعليها بدلها وإن لم يراجعها الدم ~~وتم لها الطهر، فتبدل كل صلاة تركتها مذ طهرت إلى أن غسلت. # والتي ترى الطهر فلا تغسل ولا تصلي حتى تفوت الصلاة انتظارا للرجعة، أو ~~لسبب غير ذلك؛ فعليها البدل والكفارة على قول، إلا أن يكون عود يراجعها، ~~ولا كفارة عليها. # والتي يأتيها الحيض بعد أن صلت العتمة؛ فأحب أن تبدل الوتر إذا طهرت. # والتي يدوم بها الدم ولا تعرف أيام حيضها من أيام طهرها؛ فأحب ألا يطأها ~~زوجها في الدم مخافة أن يوافق الحيض. # والتي يدوم بها الدم فقد اختلفوا في عدتها؛ فقال قوم: تقعد خمسة عشر يوما ~~لطهرها، وخمسة عشر يوما لحيضها، وعشرا لطهرها. وقال آخرون: تقعد خمسة عشر ~~يوم لطهرها، وخمسة عشر يوما لحيضها، ثلاث حيض على ذلك حتى تكملها. وقال ~~آخرون: ثلاثة أشهر ثم تنقضي العدة، وقال الله تعالى: {إن ارتبتم فعدتهن ~~ثلاثة أشهر}. PageV03P054 # وأما قضاء الصوم إذا مد بها الدم؛ فإن كان عليها قضاء أكثر الحيض عشرة ~~أيام، فإنها تقضي عشرين يوما، فتكون قد وافقت العشرة الأيام من العشرين في ~~أولها أو في آخرها؛ فانظر في ذلك وسل عنه وتدبره إن شاء الله. # 119- باب: # ||مسألة|| في حسن الصحبة للنساء وما يجب لهن وعليهن # - وسأل عن معاشرة النساء، وما يجب من ذلك؟ # قيل له: إن عليه الإحسان إلى زوجته، وحسن الصحبة، ولا يضارها، ويوفيها كل ~~حق لها، ولا يمنعها الواجب عليه من ماله ونفسه، ولا يمنعها الداخل عليها ~~للصلة من رحمها أو جيرانها، وقد قال الله تعالى: {وعاشروهن بالمعروف} ~~ومعناه: بالإحسان. والإحسان: أن يسكنها مسكنا رفيقا، ويكسوها كسوة مثلها، ~~وينفق عليها نفقة مثلها، ويعاشرها ولا يضارها في نفسها ولا في مالها، ~~ويعطيها الواجب عليه لها، قال الله تعالى: {فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا ~~شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا}، /583/ يعني: الولد إن رزقها الله منه، ~~وعطفه عليها جعل الله في ذلك خيرا كثيرا، أو يطلقها فتزوج زوجا فيجعل الله ~~في تزويجها خيرا ms625 كثيرا. # عن ابن عباس أنه قال: "أكثر النساء أشبه بالسفهاء"، قال الله تعالى: {ولا ~~تؤتوا السفهاء أموالكم}. إن كانت لك زوجة، أو كان لك ولد أو لك خادم، فلا ~~تملكهم مالك فيبذروه، ولكن أمسك عليك خزائنك وأنفق عليهم منه، قال الله: ~~{أموالكم التي جعل الله لكم قياما}. # وقد روي في بعض الحديث، أنه قال: «مالكم والذي لكم فاحفظوه ولا تبذروه، ~~ولا تؤتوا السفهاء أموالكم فيتلفوه، ولكن ارزقوهم منه، وأنفقوا عليهم ~~واكسوهم كسوة مثلهم ونفقة مثلهم». PageV03P055 # وأما في الشقاق: فعليه نفقة مثلها وكسوة مثلها من نسائها، وعليه أن ~~يحضرها كل ما تحتاج إليه مما يلزمه لها، والماء لطعامها وشرابها وغسلها ~~وغسل ثيابها، وما تأكل فيه، وما تخبز فيه، وما تجعل فيه طعامها ويحضرها ~~الحطب والتنور، ويسكنها مسكنا رفيقا بها لا مضرة عليها فيه، ويعاشرها ~~بالمعروف، ولا يضارها في نفس ولا ||في|| مال، قال الله تعالى: {واعلموا أن ~~الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه}، ولا يمنعها الواصل إليها من رحمها. # وأما حق الرجل على المرأة: ألا تخونه في نفس ولا مال، ولا تعصيه في معروف ~~في شيء مما يجب عليها له من حق، ولا ما يجب عليها له من طاعة، ولا تمنعه ~~نفسها، ولا تصوم تطوعا إلا بإذنه، ولا تخرج من بيته إلا بإذنه؛ فقد قيل: ~~«تلعنها الملائكة حتى ترجع»، قال الله تعالى: {الرجال قوامون على النساء ~~بما فضل الله بعضهم على بعض} يقول: فضل الله الرجل على المرأة، وقال: {وبما ~~أنفقوا من أموالهم}، فالرجل قوام على المرأة من الأدب بما فضله الله عليها، ~~وبما أنفق من المهر وساق إليها. # قال الله تعالى: {واللاتي تخافون نشوزهن} هو عصيانهن لأزواجهن، {فعظوهن ~~واهجروهن في المضاجع واضربوهن}، فعظوهن بالقول المعروف أن تتقي الله وترجع ~~إلى طاعته عن نشوزها ومعصيتها، فإن لم ترجع هجرها في الجماع حتى ترجع إلى ~~طاعته، ولا يناومها في المضاجع، فإن لم ترجع ضربها ضربا غير شائن. PageV03P056 # وقد اختلفوا في معنى الضرب؛ فقال قوم: ضرب باللسان والكلام الغليظ. وقال ~~قوم: غير ذلك. ms626 وقد قيل: إن آية الضرب منسوخة؛ /583/ لأن من ضرب زوجته ضربا ~~يؤثر لزمه الدية، وإن أتلف النفس لزمه القصاص والقود. وأكثر القول: إنه ليس ~~بينهما قصاص إلا في النفس. وقد قيل: إن رجلا لكم امرأته، فأتوا النبي ^ ~~فقال: لتقتص من زوجها، ثم قال ^ «ارجعوا، هذا جبرائيل # أتاني فنزلت: ~~{الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من ~~أموالهم}»، يقول مسلطون على نسائهم في الأدب فرفع القصاص، فقال النبي ^: ~~«أردنا أمرا وأراد الله أمرا، فلا قصاص بينهما، والذي أراد الله خير». # قال الله: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن ~~يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما} رجل عدل من أهل المرأة ورجل من أهل الزوج، ~~إن يرد الحكمان إصلاحا يوفق الله بينهما، فيلتقي الرجلان ويتعاقدان على ~~بعضهما بعضا أن تصدقني وأصدقك، ثم يعلمان الظالم منهما فيأتيانه فيأمرانه ~~بالمعروف، ويخلو حكم الزوج بالزوج؛ فيقول له: أخبرني ما في نفسك، فإني لا ~~أستطيع أجمع ولا أفرق إلا بأمرك؛ فإن كان الزوج هو الناشز قال: فرق بيني ~~وبينها، ولولا المهر لطلقتها فأرضها من مالي بشيء. فإن لم يكن من الناشز ~~قال: أرضها من مالي بما أحببت ولا تفرق بيني وبينهما. PageV03P057 # ويقول حكم المرأة: أخبريني ما في نفسك، فإن كانت ||هي|| الناشزة العاصية ~~قالت: أعطه من مالي ما شئت وفرق بيني وبينه. فإن لم تكن هي الناشزة قالت: ~~لا تفرق بيني وبينه ولكن استزد لي في نفقتي، وأمره يحسن إلي، ثم يخلو ~~الحكمان فيلتقيان، وقد علم كل منهما ما قيل له؛ فإن أرادا إصلاحا يوفق الله ~~بينهما، وقد عرف النشوز ممن. # فإن كان من قبل الرجل قالا له: اتق الله، فإنك الناشز الظالم، فارجع إلى ~~امرأتك، ويأمرانه بالعدل. وإن كانت هي الناشزة قالا لها: اتقي الله وارجعي ~~إلى زوجك فأنت الناشزة الظالمة له، وليس لك عليه نفقة ولا كسوة حتى ترجعي ~~إلى طاعته، ويأمرانها بالعدل. قال الله: {إن يريدا إصلاحا} يعني: الحكمين، ~~{يوفق الله بينهما} في الصلح ms627 إذا صدق كل واحد منهما صاحبه. وإن رأيا أن ~~الفرقة خير لهما فرق بينهما برضا منهما. # فأما نشوز الرجل عن امرأته، فقد قال الله تعالى: {وإن امرأة خافت من ~~بعلها نشوزا أو إعراضا} أثرة يؤثر عليها غيرها من النساء ممن هي أشب /584/ ~~منها فلا ترضى، قال الله تعالى: {فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا} ~~يعني: بالمال؛ فتطيب نفس الكبيرة أن يكون مع الشابة أكثر مما يكون عندها، ~~ثم قال: {والصلح خير} من أن تكون الفرقة والإثم، ثم قال: {وأحضرت الأنفس ~~الشح} يعني: الحرص على المال الكثير، يحرص على المال فلا ترضى إلا أن تعطى ~~نصيبها من الزوج، قال الله: {وإن تحسنوا} يعني: بالعدل، {وتتقوا} الميل ~~والجور، {فإن الله كان بما تعملون خبيرا}، في أمر النساء والإحسان والمودة. PageV03P058 # وقال: {ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل ~~فتذروها كالمعلقة}، يقول: لا تستطيعوا أن تسووا بين النساء في الحب في ~~قلوبكم، أي: لا تقدروا؛ فلا تميلوا كل الميل إلى التي تحبون في النفقة ~~والقسمة، فتؤثروا الشابة وتذروا الأخرى كالمعلقة لا أيم ولا ذات بعل. # فهذه الأشياء مما أدب الله بها المؤمنين، وأمرهم بالإحسان إلى الزوجات ~~والعدل بينهن في القسمة، والتسوية فيما بينهن، وعليه الاجتهاد، وهذا موضع ~~يؤدي إليه الاجتهاد في القسمة، وإن كان لا يستطيع العدل ولو حرص، وإن ~~الاجتهاد إذا قصده العبد وعلم الله ما في نفسه أعانه الله على ما ابتلاه به. # وقد قيل: «إن النبي ^ كان يسوي بين نسائه في السكن والقسمة»، كذلك روي عن ~~عائشة أنها قالت: «مات رسول الله ^ بين شجري ونحري وفي بيتي ودولتي، لم ~~يظلم في ذلك أحدا»، تعني: لم يكن حيفا ولا جورا على أحد من نسائه من قبلي، ~~والله أعلم. # وفي الحديث: «إن من لم يسو بين نسائه في القسمة، وفضل بعضهن على بعض جاء ~~يوم القيامة مائلا شق رأسه، بما فضل بعضهن على بعض في الدنيا»، فنسأل الله ~~الستر والتوبة من ذلك. # وأما السكن فقد عرفت في ms628 بعض القول أن الليل يكون عند كل واحدة ليلة. # وأما النهار فقد قال بعضهم: ليس فيه معاشرة؛ لأن النهار فيه ضياع الرجال. ~~وقال آخرون: التسوية في جميع ذلك. # وأما المال: فإذا أعطى هذه وهذه كل واحدة ما يجب لها من نفقة وكسوة وحق؛ ~~فقد قيل: لا يضره إن زاد إحداهن شيئا من غير الواجب. # فأما يحسن إلى واحدة ويؤثرها ويضر بواحدة ويسيء إليها فلا يسعه ذلك. # فأما الجماع فذلك ما لا يملك. فإن كان /485/ لا يجيئه نشاط عند واحدة، ~~ويجيئه عند واحدة فذلك ما لا يملك. PageV03P059 # فأما إن كان يقدر ويضر بواحدة ويرغب إلى غيرها لم يجز له ذلك. # قال الله تعالى في الزوجات القائمات بحقوق أزواجهن: {فالصالحات قانتات ~~حافظات للغيب بما حفظ الله}، قانتات: مطيعات أزواجهن، حافظات لغيبة أزواجهن ~~لا يخنهم في مال ولا نفس. قال رسول الله ^: « كل راع مسؤول عن رعيته، ~~والرجل راع على أهله وبنيه، وهو مسؤول عنهم، والمرأة راعية على زوجها وبنيه ~~وهي مسؤولة عنهما، وعبد الرجل مسؤول عن مال سيده وهو مسؤول عنه، وولد الرجل ~~راع على مال والده وحقه وهو مسؤول عنه، وكل راع مسؤول عن رعيته، وكلهم راع». # وقد جاء الحديث: «إن الراعي يسأل عن رعيته يوم القيامة؛ فالإمام يسأل عن ~~رعيته، والرعية تسأل عن إمامها، والزوجة تسأل عن القيام بحق زوجها، والرجل ~~يسأل عن حق زوجته، والعبد يسأل عن القيام بحق سيده وما ضيع من حقه، والمولى ~~يسأل ما ضيع من حق عبده، والجار يسأل عن حق جاره». وفي بعض الكتب قال: ~~«يجيء الرجل يوم القيامة متعلقا بجاره، فيقول: يا رب، هذا خانني، فيقول: ~~وعزتك وجلالك ما خنته في أهل ولا مال، فيقول: يا رب، صدق، ولكن رآني أعمل ~~معصية فلم ينهني». PageV03P060 # وقد قال الحكم العدل: {فوربك لنسألنهم أجمعين * عما كانوا يعملون * فاصدع ~~بما تؤمر}، وقال: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا}، وذلك مما ~~أدبهم الله به، وأمرهم أن يعلموا أهليهم وأولادهم وأزواجهم وحرمهم وعبيدهم، ~~ومن هو من أهليهم، ms629 حيث بلغ طولهم ويعرفونهم، ويحذرونهم الحرام وارتكاب ~~الآثام، ويأمرونهم بطاعة ذي الجلال والإكرام. # وقد أمر الرسول ^ بحفظ الأموال، وقال الله: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ~~التي جعل الله لكم قياما}، فيجب أن كل من كان معه أحد من الأولاد والزوجات ~~والخدم أن لا يوليه ماله فيبذره، ولكن يمسك عليهم خزانته وينفق عليهم منه، ~~كما قال الله: {فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا}، والقول المعروف: هو ~~القول الحسن والعظة، والأمر بالمعروف، ويتقوا الله ويحذرهم المعاصي ~~والمحارم، إلا ما كان /586/ من قبل التقية، فإنهم إذا لم يقبلوا واتقى منهم ~~تقية أنكر بقلبه وولى أمرهم إلى الله من بعد أن يخرج من الواجب عليه، ~~وبالله التوفيق. # 120- باب: # مسألة: في الطلاق # - وسأل عن طلاق السنة؟ # قيل له: طلاق السنة كما قال الله تعالى: {يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ~~فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم}، فمعنى قوله: {فطلقوهن ~~لعدتهن} أي: لطهرهن من الحيض من غير جماع. فإذا أراد الرجل أن يطلق زوجته ~~للسنة أمسك عن وطئها، فإذا طهرت من الحيض طلق واحدة من قبل أن يجامع، وأشهد ~~على ذلك شاهدين، وكانت في بيته ونفقته. PageV03P061 # قال الله تعالى: {وأحصوا العدة} تحصي عدتها، ثم قال: {واتقوا الله ربكم ~~لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة}، فلا يحل له ~~إذا طلق زوجته واحدة أن يخرجها من بيتها، ولا يحل لها هي أن تخرج ما دامت ~~في العدة، وتكون في بيته ونفقته. # فإن أراد مراجعتها في العدة راجعها وأشهد على ذلك شاهدي عدل قبل أن ~~يجامع. فإن جامع قبل أن يراجعها حرمت عليه في قول أصحابنا. # وإن لم يراجعها حتى تنقضي عدتها بانت منه، وحلت للأزواج، وخرجت بعد ~~انقضاء العدة. # قال الله تعالى: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة ~~مبينة}، والفاحشة: هي الزنا والقذف، فإن قذفته أو أتت بفاحشة من ذلك أو زنا ~~أو قذف، وقد قيل: أو شتمته؛ فله أن يخرجها، وقال الله: {تلك حدود الله [فلا ~~تعتدوها] ومن ms630 يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون}. وقال: {فقد ظلم نفسه} ~~يقول: تلك سنة الله. ومن يطلق لغير العدة فقد ظلم نفسه وهو عاص، وهي تطلق ~~بذلك. وروي عن النبي ^ أنه قال: «[ يا معاذ] من طلق للبدعة ألزمناه بدعته». # قال الله: {لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا} بعد التطليقة والتطليقتين، يعني: ~~الرجعة، فإن أراد مراجعتها في العدة راجعها في التطليقة والتطليقتين قبل أن ~~تغتسل من الحيضة الثالثة. # قوله: {فأمسكوهن بمعروف} هو إن راجعتم في العدة فأمسكوهن بطاعة الله وهو ~~الإحسان، قال: {أو فارقوهن بمعروف} يقول: ردوهن قبل انقضاء /587/ العدة أو ~~ردوهن من غير ضرار. PageV03P062 # ولو أن رجلا طلق امرأته واحدة للسنة، ثم لم يراجعها حتى تنقضي عدتها ~~بالحيض الثلاث، أو بالولد إن كانت حاملا، أو بالشهور إذا أيست من الحيض، ثم ~~إنه بعد انقضاء العدة بدا له مراجعتها، لم يكن له ذلك إلا عن تراض منهما، ~~كما قال الله تعالى. فإن رضيت الزوجة بذلك كان خاطبا في الخطاب وجاز له أن ~~يتزوجها بنكاح جديد ومهر جديد وولي وشاهدين ورضاها مع ذلك، وإن كرهته لم ~~تحل له. فأما إن طلقها ثلاثا لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره ويجامعها. # قال الله تعالى: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف}، يعني: المراجعة مع وفاء ~~المهر والمتعة، {أو تسريح بإحسان}، أو يسرحها الثالثة بإحسان ولا يضارها في ~~نفسها فيطلقها فإذا انقضت العدة راجعها ثم طلقها، وهذا ضرار لا يحل له كما ~~قال الله تعالى: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن}، يقول: يضارها ~~لتفتدي، فإن بانت بالثلاث لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره. # قال الله تعالى: {فإن طلقها} يعني: الثالثة {فلا تحل له من بعد حتى تنكح ~~زوجا غيره. فإن طلقها} الثاني {فلا جناح عليهما أن يتراجعا} يراجعها الأول ~~إذا جامعها الزوج الأخير. # وإن لم يجامعها لم تحل له؛ للرواية التي وردت عن النبي ^ في المرأة التي ~~سألته أن ترجع إلى زوجها الأول ولم يكن الأخير جامعها، وقال لها: «لا، حتى ~~تذوقي من عسيلته ويذوق من عسيلتك»، ms631 وقول ختانة قال: «لا ترجعي إلى الأول إن ~~لم يكن الأخير جامعك»، وإن جامع الأخير ولم يقذف فقد جامع وحلت للأول؛ لأن ~~الذوق يكون بالجماع وإن لم ينزل، وبه الحد يجب والحرمة. وقال تعالى: {حتى ~~تنكح}، يعني: تجامع؛ لأن النكاح مأخوذ اسمه من الجماع، والله أعلم. PageV03P063 # وقال الله تعالى: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو ~~سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا}، فمن أمسك ضرارا فقد اعتدى، وقال ~~الله: {ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون}. # وقال: {وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا ~~تراضوا بينهم بالمعروف}، /588/ يقول للأولياء: إذا طلق الرجل المرأة واحدة ~~وانقضت عدتها وأراد أن يراجعها بتزويج جديد {فلا تعضلوهن}: لا يمنعها الولي ~~أن ترجع إلى زوجها الأول، قال الله تعالى: {ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن ~~بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون}. # وأفضل الطلاق أن يطلق الرجل امرأته إذا غسلت من الحيض قبل أن يجامعها ~~تطليقة واحدة، فإن شاء راجعها في العدة وأشهد رجلين من المسلمين. وإن جامع ~~قبل أن يشهد على رجعتها بانت منه. وإن لم يجامعها فيكف عنها وهي في بيته ~~ونفقته. # فأما إن طلقها ثلاثا وبانت منه بفدية؛ فلا سكنى لها ولا نفقة، كما روي عن ~~فاطمة بنت قيس أنها جاءت إلى النبي ^ فقالت: "إن زوجي طلقني ولم يجعل لي ~~سكنى ولا نفقة"، فقال رسول الله ^: «إنما السكن والنفقة لمن كان له على ~~امرأته الرجعة». # وإذا طلق الرجل امرأته واحدة في الحمل فوضعت انقضت عدتها، وإن شاء راجعها ~~قبل أن تضع، ولو قال: هي طالق بالسنة وهي حامل، فإنها تطلق من حينها ~~باتفاق. # وإن قال لزوجته التي لا تحيض من كبر أو صغر هي طالق للسنة، فإذا أهل ~~الهلال طلقت. وقال آخرون: حتى يخلو شهر ثم تطلق. PageV03P064 # وأما التي تحيض، فإذا قال لها: أنت طالق للسنة، فإنها إذا غسلت من الحيض ~~طلقت. وإن قال: أنت طالق، ولم يقل: للسنة؛ طلقت من ms632 حينها. # وإن قال لها: أنت طالق واحدة؛ فإنها واحدة. وإن طلق أكثر كان ما سمى من ~~ذلك واحدة أو ثلاث. وإن قال: أنت طالق، وهي حائض، فبعض: كره ذلك. وقد روي ~~أن النبي ^ قال لعبد الله بن عمر حين طلق زوجته وهي حائض: «أن يراجعها ثم ~~يطلق من بعد أن تغتسل من الحيض من غير جماع»، وبعض قال: ذلك ضرار، ولا يجوز ~~هذا على رسول الله ^. # وإن قال: أنت طالق ثلاثا، فقد طلقت ثلاثا كما قال، وهو قد عصى ربه إذا ~~طلق لغير السنة. # وإن قال: أنت طالق أكثر الطلاق؛ فقال قوم: اثنتان. وقال آخرون: ثلاثا. # فإن قال: أنت طالق أكبر الطلاق؛ فهي واحدة. وإن قال: أنت طالق أعظم ~~الطلاق؛ فهي واحدة. وإن قال أشد الطلاق؛ فهي واحدة. /589/ # وإن قال: أنت طالق ملء بيت أو ملء الدنيا؛ فهي واحدة. وإن قال: أنت طالق ~~أبدا؛ فهي واحدة. وإن قال: أنت طالق عدد النجوم؛ بانت منه بالثلاث. # وما زاد على ذلك كان عليه أوزاره. عن النبي ^ أن رجلا جاءه فقال: يا رسول ~~الله، إني طلقت امرأتي ألفا، فقال له ^: «بانت منك امرأتك بثلاث، وتسعمائة ~~وسبع وتسعون عليك معصية، وأنت ظالم لها وظلمت نفسك». # وقد كره الطلاق في المؤمنين لغير عذر، وقد روي في الحديث: «أن ليس شيء ~~أحسن من العتاق، ولا أكره من الطلاق»، فهذا إنما يخرج معناه في طلاق ~~البدعة، وأما طلاق السنة فإن الله لم يحرمه، وقد علمهم كيف يصنعون. # عن ابن عباس قال: "إن من طلق امرأته ثلاثا وقد دخل بها وكانت حبلى؛ فقد ~~بانت منه امرأته، وقد عصى ربه". PageV03P065 # قال غيره: "ومن طلق امرأته ثلاثا ولم يجز بها بانت منه بأول تطليقة"، ~~وكانت التطليقات فيما لا يملك، وله عليها الرجعة بنكاح جديد. وقد قالوا: إن ~~الواحدة تبينها منه ولا يراجعها إلا بنكاح جديد. فإن طلقها ثانية ثلاثا ~~طلقت واحدة أخرى وله رجعة، وإن عاد طلقها الثالثة بعد مراجعتها بالتزويج ~~الثالث بانت منه، ولا تحل له من بعد حتى ms633 تنكح زوجا غيره. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «من طلق امرأته ثلاثا قبل أن يجوز بها، أن ~~الواحدة تبينها»؛ لأن ذلك عند بعضهم قال: إنه إذا قال: أنت طالق؛ طلقت ~~وبانت قبل أن يقول: ثلاثا. # ومن طلق امرأته ثلاثا في مرضه؛ فذلك ضرار وترثه. وأما في الصحة فلا ميراث لها. # وكل بائن فلا ميراث لها: المطلقة ثلاثا، والمطلقة قبل الجواز، والمختلعة، ~~فلا ميراث لهن إلا أن يكون ذلك في المرض، فهو ضرار وهن يرثن. وإن مات أحد ~~منهن فلا ميراث للزوج، وفي هذا اختلاف في ميراث الزوج من المختلعة. # وأما إن جعل طلاقها بيدها فطلقت نفسها في المرض فلا ميراث لها. # وإن طلبت الخلع منه مختارة لذلك وهو مريض فخالعها؛ فإنها لا ترثه؛ لأن ~~هذا منها، إنما ورثت البائنة في المرض عند الضرار، فأما عند الاختيار فلا. # ومن قال: يوم أتزوج فلانة فهي طالق، ثم تزوجها؛ /590/ فقال قوم: إنها ~~تطلق؛ لأن اليمين إنما وقعت وقت أن تزوج، وأن يصدق الرجل نفسه فهو أقرب ~~للتقوى. وقال آخرون: لا طلاق؛ لأنه لا طلاق إلا بعد نكاح. فهذا يحتمل لو ~~أنه طلق امرأة لا يملكها؛ فقال: فلانة طالق لم تطلق بالاتفاق والسنة. فأما ~~قوله: يوم أتزوج فلانة فهي طالق، فإن اليمين معلقة بالفعل، والله أعلم. PageV03P066 # ومن طلق امرأته قبل أن يجوز بها فليس له ردها إلا بنكاح جديد. كذلك إن ~~بانت منه بانقضاء العدة من طلاق رجعي لم يكن له ردها إلا بنكاح جديد. # كذلك إن بانت منه بفدية وخلع لم يكن له ردها إلا بنكاح جديد. وقال آخرون: ~~ترد هذه برضاها ورأيها بلا نكاح جديد. # وأما البائن منه بالإيلاء والظهار فليس له أيضا ردها إلا بنكاح جديد؛ فكل ~~بائن لا ترد إلا بنكاح جديد. # وأما المطلقة واحدة فإنها ترد وإن كرهت. وأما قول الله تعالى: {وبعولتهن ~~أحق بردهن في ذلك} قيل: هذه كانت في أول الإسلام، إذا طلق الرجل زوجته ~~ثلاثا وهي حبلى كان أحق بردها، نسختها {الطلاق مرتان}، فمن طلق ms634 أكثر من ~~الثنتين فلا ترجع إليه حتى تنكح زوجا غيره، كما قال الله تعالى وهو أحكم ~~الحاكمين. # وإن كانت زوجته أمة فطلقها اثنتين بانت؛ لأن تطليق الأمة اثنتان، وله ~~ردها بالتطليقة إذا كان حرا. # والمطلقة واحدة أو اثنتين لا تعتكف ولا تحج إلا التي عليها حجة الفريضة؛ ~~فقد قيل: تحج. # وإذا خرجت المطلقة الطلاق الرجعي من بيتها؛ فقد عصت الله، ولا نفقة لها ~~على زوجها، وليس له إخراجها، فإن أخرجها فعليه نفقتها؛ لأنه هو الظالم لها. # والميراث بين الزوجين في الطلاق الرجعي وفي طلاق السنة في العدة. # فإذا أراد الرجل طلاق زوجته الكبيرة، التي قد آيست من المحيض، والصغيرة ~~التي لم تحض للسنة أمسك عن وطئها، فإذا أهل الهلال طلقها واحدة لتستأنف ~~العدة بالشهور، وينفق عليها وهي في بيته حتى تنقضي العدة ما كانت بينهما ~~مراجعة. PageV03P067 # فأما البائن فلا سكنى لها ولا نفقة. والمختلعة والملاعنة زوجها والمختارة ~~نفسها فإنهن يخرجن من بيوتهن، ولا نفقة لهن إلا الحامل. وكل حامل لها على ~~زوجها النفقة الذي حملت منه، /591/ إلا المميتة وحدها لا نفقة لها؛ لأن ~~المال قد زال عنه. وكذلك الأمة المطلقة لا نفقة لها على الزوج؛ لأن نفقتها ~~على مولاها والولد له. # [أحكام المعتدة]: والمميتة جائز لها أن تخرج من بيتها وتبيت حيث شاءت، ~~وعليها أن تجتنب الطيب والزينة قدر العدة. وجائز التعريض للمميتة بالقول ~~المعروف بلا مواعدة. ولا يجوز مع أصحابنا التعريض للمطلقة، وبعض: كرهه. ~~والمطلقة تلبس ما شاءت من الثياب، وتطيب ما شاءت من الطيب. # وإذا قال الرجل لزوجته: أنت طالق، ولا نية له طلقت واحدة، وإذا قال: قد ~~طلقتك طلقت. وإذا قال: أنا منك طالق؛ لم تتطلق. وإذا قال: يا مطلقة، ولم ~~تكن مطلقة؛ طلقت. # وإذا جعل طلاقها بيدها فطلقت نفسها، فقالت: قد طلقت نفسي؛ طلقت. وإن ~~قالت: أنا منك طالق؛ طلقت. وإن طلقت بعد أن يفترقا من المجلس لم تطلق وخرج ~~الطلاق من يدها -في قول أكثر أصحابنا- وهي تخرج من بيتها. # وإذا قيل للرجل: ألك امرأة؟ فقال: ms635 لا، فهي كذبة منه إذا لم يرد طلاقا. # وإذا كلم الرجل امرأته فغلط فقال: أنت طالق؛ لم تطلق؛ لأنه «لا غلت على ~~مسلم»، فإذا صدقته وسعها المقام معه، فأما إن حاكمته حكم عليه بالطلاق. وقد ~~قيل: لا تصدقه، وقال قوم: حتى يكون ثقة ثم لها التصديق إن شاءت. # وقد اختلفوا في التي يجعل في يدها الطلاق، فتطلق هي زوجها؛ فقال قوم: لا ~~طلاق. وأوجب آخرون الطلاق. # وإذا قال الرجل لنساء: إحداكن طالق، وله فيهن امرأة طلقت امرأته إذا أرسل ~~القول. كذلك إن كانتا اثنتين، فقال: إحداكما طالق طلقتا. PageV03P068 # وإذا قال الرجل لامرأته: إن دخلت دار فلان فأنت طالق؛ فدخل رأسها طلقت. ~~وقال قوم: حتى تدخل كلها. وقال آخرون: ما دخل منها فقد طلقت؛ لأن الطلاق لا يتجزأ. # وإذا قال: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق، ثم قال: أنت طالق طلقت واحدة، ~~وإن دخلت الدار طلقت أخرى؛ لأن الطلاق يتبع الطلاق. # وإن لم تدخل الدار حتى يردها، ثم دخلت الدار بعد أن يراجعها طلقت. وإن لم ~~يراجعها حتى تنقضي العدة ثم دخلت انهدمت اليمين. فإن تزوجها بعد ذلك ثم ~~دخلت لم يلحقها الطلاق. وإن لم تدخل الدار وقد طلقها بعد ذلك واحدة، ثم لم ~~يردها حتى تزوجت، ولم تدخل الدار حتى طلقها /592/ الثاني، ثم تزوجها الأول ~~فدخلت الدار في ملك الأول الذي كان حلف بطلاقها إن دخلت الدار؛ فإنها تطلق ~~على قول بعضهم. # وإن كان حلف بطلاقها ثلاثا إن دخلت الدار ثم طلقها ثلاثا وبانت، وتزوجت ~~بزوج آخر ثم طلقها، وراجعها الأول، ثم دخلت الدار في ملك الذي حلف بطلاقها؛ ~~فقال قوم: إنها تطلق، وعن أبي علي: أنها لا تطلق؛ لأن ملك الطلاق الأول كله ~~قد انقضى. # وأما إن دخلت الدار وهي مطلقة بعد أن بانت منه، أو دخلت في ملك غيره فقد ~~بر ولا حنث عليه، ولا يقع الطلاق بها لذلك؛ لأن ذلك وقع وهي مطلقة. # وكذلك لو خالعها ثم دخلت الدار؛ حنث. ثم راجعها فدخلت مرة أخرى؛ لم ~~يلحقها ms636 شيء من الطلاق. # وإذا قال الرجل لزوجته: إذا طلقتك فأنت طالق، فطلقها واحدة؛ فهي طالق ~~أخرى. وإذا قال: متى طلقتك فأنت طالق؛ فإذا طلقها واحدة طلقت أخرى. # وإذا قال: كلما طلقتك فأنت طالق؛ فإذا طلقها واحدة طلقت أخرى. وقال قوم: ~~تطلق ثلاثا يتبع بعضها بعضا. PageV03P069 # وإذا قال: كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق، فإنها تطلق إذا طلقها ثلاثا ~~يتبع بعضها بعضا. وإذا قال: متى وقع عليك طلاقي فأنت طالق، فإذا طلقها ~~واحدة طلقت أخرى. وقد قيل: تطلق ثلاثا فانظر في ذلك. # وإذا قال الرجل لزوجته: أنت طالق ثلاثا للسنة وليس له نية، فكلما حاضت ~~حيضة وطهرت فهي طالق، حتى تستكمل ثلاث تطليقات، ولا تحسب الحيضة الأولى من ~~العدة. وإذا كانت لا تحيض، وقد قال: أنت طالق للسنة فإنها تطلق مع كل شهر واحدة. # وإذا قال لزوجته: إذا حضت فأنت طالق وفلانة معك، فقالت: قد حضت؛ فإنها ~~تطلق وتصدق في نفسها، ولا تصدق على صاحبتها فلانة. # وإذا قال الرجل لزوجته: كلما حضت فأنت طالق؛ فإنها كلما حاضت حيضة طلقت ~~واحدة، ولا تحسب الحيضة الأولى من العدة. فإذا حاضت أخرى طلقت وتحسبها من العدة. # وإذا قال لها: كلما ولدت فأنت طالق، وولدت ثلاثة أولاد في بطن واحدة؛ ~~فإنه يقع عليها تطليقتان على قول، وتنقضي العدة بالولد الثالث، ولا يقع به ~~الطلاق. والقياس يجب أن تنقضي العدة بالولد الثاني. # وأما /593/ إن ولدتهم في بطون؛ فإنها تطلق بالولد الأول، فإذا حاضت ثلاثا ~~بانت بانقضاء العدة ما لم يراجعها. وكذلك إن راجعها ثم ولدت الثالث. # وإن قال: إن ولدت غلاما فأنت طالق واحدة، وإن ولدت غلاما وجارية فأنت ~~طالق اثنتين؛ فولدت غلاما وجارية لا يعلم الأول منهما؛ فإنها تطلق ~~بالاحتياط اثنتين، وتنقضي العدة بالولد الأخير، ولا يقع به الطلاق. # وإن كان الغلام ولدته أولا طلقت واحدة، وانقضت العدة بالجارية، فلما لم ~~يعلم كان بالاحتياط تطلق اثنتين بالأول، وتنقضي العدة بالأخير. # وإذا قال: إذا ولدت غلاما فأنت طالق، وإن ولدت ولدا فأنت طالق؛ فإن ولدت ~~غلاما ms637 فقد طلقت اثنتين. PageV03P070 # وكذلك إن قال: إن كلمت إنسانا فأنت طالق، وإن كلمت فلانا فأنت طالق؛ ~~فكلمت فلانا طلقت اثنتين من قبل أنه فلان وإنسان. # وكذلك إن قال: إن دخلت دار فلان، ثم قال: إن دخلت دارا فأنت طالق؛ طلقت ~~اثنتين. # وإن قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق؛ فإنها على قول تطلق؛ لأن الطلاق إنما ~~وقع بها بعد الفعل، وكانت اليمين معلقة بالفعل. وقال قوم: لا تطلق؛ لقول ~~النبي ^: «لا طلاق ولا عتاق على ما لا يملك العبد»، صدق رسول الله ^، ولكن ~~هذا غير ذلك. هذا واقع طلاقه على ما قد ملك، وانظر فيه. # وإذا قال لزوجته: إذا ولدت غلاما فأنت طالق، فولدت غلاما وجارية لم يدر ~~أيهما ولد أولا؛ فإنها تطلق واحدة، وعليها بالاحتياط ثلاث حيض للعدة، ولا ~~يملك الزوج الرجعة ولا يتوارثان؛ لأنها إن كانت ولدت الغلام أولا طلقت ~~وانقضت العدة بالجارية. # وإذا قال: إن ولدت غلاما فأنت طالق، فولدت غلامين، فإنها تطلق بالأول ~~وتنقضي العدة بالولد الثاني. # وإذا قال: إن ولدت فأنت طالق، فأسقطت سقطا بينا؛ فإنها تطلق، وإن لم يبن ~~خلقه فإنها لا تطلق؛ لأنه لا يعلم أنه ولد ولا تنقضي به العدة. # وإذا قال: إن كان أول ولد تلدينه غلاما فأنت طالق واحدة، فولدت غلاما ~~وجارية لم يدر أيهما الأول؛ فإنها تطلق بالغلام، ولا يملك الرجعة، وانقضت ~~/594/ العدة، لعلها ولدت الجارية آخرا فتنقضي بها العدة، ولا يحل لها أن ~~تزوج، إلا أن يتزوجها هو إن كان باقيا بينهما شيء من الطلاق؛ لأنها إن كانت ~~ولدت الجارية أولا فتكون هي امرأته، ولا تبين إلا بطلاق مستأنف، وإن كان في ~~القياس لا يقع عليها شيء حتى يعلم أنها ولدت الغلام أولا، والتنزه أحب إلى ~~الفقهاء. PageV03P071 # وإذا قال لامرأته: إن أكلت هذا الرغيف فأنت طالق، فأكلت بعض الرغيف في ~~غير ملكه، ثم أكلت بقية الرغيف في ملكه؛ أنها تطلق. # ولو قال: أنت طالق ثلاث تطليقات إن أكلت هذا الرغيف، فأكلت نصفه ثم ~~خالعها، وأكلت بقيته وهي في غير ms638 ملكه لم يلحقها الطلاق؛ لأنها لم تأكله وهي ~~زوجته، ولا تطلق حتى تأكله كله في ملكه. # وإذا قال: إن أكلت هذا الخبز فأنت طالق، فأكلت منه، لم تطلق حتى تأكله ~~كله؛ لأنه محدود. وكذلك كل ما كان محدودا؛ فحتى تأكل كل ما حده، أو تعمل ~~جميع ما حده، كقوله: إن أكلت هذا الطعام، أو غزلت هذا القطن، أو طحنت هذا ~~الحب، أو شربت هذا الماء، فحتى تتم ذلك |كله|، ولا تطلق في فعل البعض. # وإذا قال: إن أكلت فأنت طالق؛ فكل ما وقع عليه اسم أكل طلقت. وكذلك إن ~~قال لها: إن شربت، فكذلك كل ما وقع عليه اسم شراب. فكذلك إن قال: إن ذقت أو ~~طعمت أو عشت، فما وقع عليه اسم ذلك فقد وقع به الطلاق ما لم يكن محدودا. # وكذلك إن قال: إن أكلت الخبز أو الطعام وما كان مثله مما ليس بمحدود؛ فإن ~~الطلاق يقع بأقل القليل منه. # وإن قال: أنت طالق إن أكلت الطعام فأكلت اللبن، فإنها تطلق؛ لأن اللبن طعام. # وكذلك إن قال: أنت طالق إن أكلت هذا الإدام، فأكلت الخل أو السمن أو ~~اللبن أو ما كان يتأدم به؛ فإنها تطلق في أقل القليل منه، إذا لم يكن شيء ~~غير محدود. واللبن إدام وطعام، والخل إدام؛ لقول النبي ^: «نعم الإدام الخل». # وأما فيما يقع في فعله الحنث؛ فقوله: إن لبست هذا الثوب فأنت طالق؛ فإن ~~لبسته قليلا أو كثيرا طلقت. وكذلك الغزل. # ولو قال لها: أنت طالق إن لبست هذا الثوب وهو عليها؛ فإنها إن لم تلق ~~الثوب مع فراغه من اليمين /595/ طلقت من حين ما قال. وقال قوم: حتى تلبسه ~~مرة أخرى. PageV03P072 # وكذلك قوله: إن دخلت البيت وهي فيه؛ فإنها تطلق إن لم تبرز مع فراغه من ~~الكلام، فإن فرغ وهي فيه طلقت. وقال آخرون: حتى تدخل مرة أخرى. # وكذلك قوله: إن أكلت اللحم، فإنها تطلق في أقل القليل من اللحم، إذا لم ~~يكن محدودا، ولو اصطبغت بمرقه فإن الحنث يقع بالقليل ms639 منه وتطلق. # فأما إن كان محدودا؛ فإنها لا تطلق إلا أن تأكله كله، ولو شربت من مرقه ~~لم تطلق. وكل ما لم يكن محدودا فإنه يحنث في أقل القليل من ذلك، وما كان ~~محدودا فإنها لا تطلق إلا إن أكلت ذلك كله. # وكذلك كقوله: إن شربت اللبن فأنت طالق، فما شربت منه طلقت. وإن قال: إن ~~شربت هذا اللبن وهو محدود لم يحنث حتى تشربه كله، وكذلك الطعام مثله. # وما دخل في الأيمان في الحنث إذا حلف به في الطلاق لزم الطلاق في جميع ~~ذلك الأيمان بالطلاق وغيره معنى واحدا. # وإذا قال الرجل لزوجته: إن حملت فأنت طالق، فإنه يطؤها مرة ثم يدعها حتى ~~تحيض ثلاث حيض، ثم يطؤها مرة ثم يدعها حتى تحيض كذلك ما دامت عنده حتى ~~تحمل، فإذا حملت طلقت، كان طلاقه واحدة أو ثلاثا. # فإن ولدت لأقل من ستة أشهر مذ حلف لم تطلق؛ لأن الولد كان قبل أن يحلف. ~~وإن ولدت لستة أشهر إلى ما أكثر، فقد وقع الطلاق؛ لأن الولد إنما حملت به ~~بعد اليمين. # وإذا قال الرجل لامرأته: إن كان حملك هذا جارية فأنت طالق واحدة، وإن كان ~~غلاما فأنت طالق اثنتين؛ فكان غلاما وجارية لم تطلق، من قبل أنه لم يكن كما ~~حلف، [و]كان خلاف ذلك. # وإن قال: إن كان في بطنك غلام فأنت طالق واحدة، وإن كانت جارية فأنت طالق ~~اثتين؛ فكان غلام وجارية، فإنها تطلق كما قال؛ إن كان غلام طلقت واحدة، وإن ~~كان جارية طلقت اثنتين. وإن كان غلام وجارية طلقت بالغلام واحدة وبالجارية ~~اثنتين. PageV03P073 # وإن قال: إن كان ما في بطنك ذكرا فأنت طالق ثلاثا، وإن كان أنثى فأنت ~~طالق واحدة، فولدت ذكرا وأنثى، لم تطلق من قبل أنه لم يكن كما قال، [بل] ~~كان غلاما /596/ وجارية، وذلك مثل قوله: إن كان ما في هذه الجواليق بر ~~فغلامي حر، وإن كان ذرة فأنت طالق، فوجد فيه برا وذرة لم تطلق. فأما قوله: ~~إن كان فيها بر فأنت طالق؛ ms640 فوجد فيه برا وذرة طلقت. # وإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق إن كلمت زيدا وعمرا، فكلمت أحدهما؛ لم ~~تطلق حتى تكلمهما جميعا. # وإذا قال: أنت طالق إن كلمت زيدا أو عمرا، فكلمت أحدهما طلقت. وإن ~~كلمتهما جميعا طلقت اثنتين، وإن كلمت واحدا بعد واحد فكله سواء. # وإن قال: أنت طالق إن حدثت بهذا الحديث أحدا، فحدثت ببعضه، لم تطلق حتى ~~تحدث به كله أحدا. # وإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق ما لم تلدي؛ فإنها تطلق حين سكت، إلا ~~أن تلد مع سكوته من الطلاق. # [في الطلاق يؤول الإيلاء] # وإذا قال: أنت طالق ثلاثا إن لم أطلقك، ثم مات أو ماتت من قبل أن تنقضي ~~عدتها، أو قبل أن تمضي أربعة أشهر فلا ميراث بينهما؛ لأنها قد بانت منه ~~ساعة ما تكلم. # وأما إن قال: أنت طالق إن لم أطلقك واحدة، فمات قبل أن تنقضي الأربعة ~~الأشهر؛ فإنها ترثه في العدة. وإن مات بعد الأربعة بانت منه بالإيلاء، ولا ~~ترثه ولا يطؤها. # وإذا قال لها: أنت طالق قبل موتي بشهر؛ فهذا فيه الإيلاء ولا يطأ. وإن ~~مات في عدة الإيلاء ورثته؛ لأنها إنما طلقت قبل موته بشهر، إلا أن تكون ~~ثلاث تطليقات فإنها لا ترثه؛ لأنها طلقت حين تكلم قبل موته بشهر. PageV03P074 # فأما إن قال: أنت طالق قبل موتي بسنة، فإنه لا يطأ، وإن مضت أربعة أشهر ~~بانت منه بالإيلاء وإن مات لم يتوارثا -والله أعلم-؛ لأنها قد علمت أنها ~~طلقت حين تكلم. وسل عن الميراث في طلاق الواحدة إذا مات قبل الأربعة أشهر. # وإذا قال لزوجته: متى لم أطلقك فأنت طالق، فإنه يقع عليها الطلاق حين ~~سكت. وقال قوم: يكون إيلاء. # وإذا قال: أنت طالق إذا لم أطلقك؛ فإنه إذا لم يطلقها حتى تمضي أربعة ~~أشهر بانت منه بالإيلاء ولا يطأ. وقوله: "إذا لم" و"ما لم" فهو إيلاء، ~~وبالله التوفيق للحق والصواب. # وإذا قال لزوجته: كلما لم أطلقك فأنت طالق، فإنها تطلق ثلاثا يتبع بعضها ~~بعضا ولا يقعن جميعا. # وإذا ms641 قال لزوجته: /597/ كلما وقع عليك طلاقي فأنت طالق، فهي إذا طلقها ~~واحدة طلقت أخرى، حتى تبين بالثلاث. # وإذا قال: أنت طالق واحدة إلا أن تشائي ثلاثا؛ فقد قيل: إنها إن قالت: قد ~~شئت ثلاثا؛ أنها تطلق ثلاثا. وقال الشيخ: لا نراها تطلق؛ لأن ذلك استثناء ~~في المشيئة. واحتج أنه لو قال لها: أنت طالق واحدة إلا أن تدخلي الدار، ~~فدخلت الدار لم تطلق. وكذلك قال في هذه فانظر في ذلك. # وفي قولهم: "متى لم"؟ اختلاف؛ فقال قوم: إيلاء. وقال آخرون: يكون في ~~القياس أن يقع الطلاق في الوقت، كقوله: متى لم أطلقك واحدة فأنت طالق ~~ثلاثا، ثم قال: أنت طالق واحدة؛ أنها لا يقع عليها الثلاث وإنما تطلق ~~بالآخرة. # وإذا قال لزوجته: أنت طالق حينا أو زمانا، فإنها تطلق من حينها. # وإذا قال: أنت طالق حين لا أطلقك؛ فقال من قال: الحين: ستة أشهر، فإذا ~~خلت الستة الأشهر طلقت. وقال من قال: تطلق من وقتها. PageV03P075 # وإذا قال: أنت طالق إلى حين؛ فإنها تطلق من حينها في وقتها أيضا. والحين: ~~قد قيل: مجهول الوقت أيضا. وقال قوم: أربعة أشهر في الزمان، وستة في الحين. ~~وقد قيل في الحين: ثلاثة أيام؛ لقول الله تعالى: {تمتعوا حتى حين} وقوله ~~تعالى: {تمتعوا [في داركم] ثلاثة أيام}. # وقول آخر في الحين: تسعة أشهر؛ لقول الله تعالى: {هل أتى على الإنسان حين ~~من الدهر لم يكن شيئا مذكورا}، وهي: تسعة أشهر، وقوله: {تؤتي أكلها كل حين ~~بإذن ربها}. وقد قيل: في كل سنة مرة، وهذا مجهول والطلاق به واقع. فأما ~~الدهر فإنه مرور السنين والأيام. # وإن قال: أنت طالق إذا خلا دهر وزمان أو حين؛ فقد وقع الطلاق. وقد ~~اختلفوا فيه؛ فمنهم من قال: مجهول والطلاق به واقع. ومنهم من قال: حتى تمضي ~~مدة ذلك. فانظر في ذلك فإن فيه نظرا. # وإذا قال الرجل: يوم أدخل دار فلان فأنت طالق؛ فإن دخل ليلا أو نهارا ~~طلقت. وكذلك القياس قوله: {ومن يولهم يومئذ دبره}، فمن ولى دبره ms642 ||منهم|| ~~ليلا أو نهارا فهو سواء، فإذا نوى النهار دون الليل فهو مصدق. وذلك مثل ~~قوله: إن فعلت كذا وكذا فأنت طالق، فقال: لم أفعل فهو مصدق في ذلك على فعل نفسه. # وإن قال لها: إن فعلت هي كذا وكذا فهي طالق؛ فقالت: إنها قد فعلت فهي ~~مصدقة، وإن قالت له: /598/ لم أفعل فالقول قولها. # وإن قال لها: إن دخلت دار فلان إلى شهر فلم تقل شيئا، فلما خلا الشهر ~~قالت: إنها قد دخلت لم تصدق بعد انقضاء الوقت إلا ببينة تصح في ذلك، وإن ~~قالت في الوقت صدقت. PageV03P076 # وإن قال لها: إن فعلت كذا وكذا فأنت طالق، فقالت: قد فعلت؛ ففي بعض ~~القول: يقبل منها. وإن قالت: لم أكن فعلت إنه يقبل منها. وإن قالت: قد كنت ~~فعلت؛ إنها كاذبة ولا تصدق. فانظر في هذه؛ لأنهم قالوا: إنها تصدق إذا جعل ~~الطلاق على فعلها ثم قالت: قد فعلت. # وإذا قال لها: أنت طالق غدا ولا نية له؛ فهي طالق غدا حين يطلع الفجر. ~~وكذلك إن قال: في غد. # وإن قال: أنت طالق في رمضان، فإنها تطلق في أول يوم منه حين يطلع الفجر. # وإذا قال: أنت طالق الساعة وغدا؛ فهي طالق الساعة، وغدا حشو من الكلام. # وإذا قال: أنت طالق اليوم وغدا؛ فهي طالق اليوم |كما قال|، وغدا ليس بشيء. # وإذا قال: أنت طالق اليوم؛ فهي طالق كما قال. # وإذا قال: أنت طالق اليوم أو غدا، فهي طالق اليوم، وذلك تخيير، وغدا ليس ~~بشيء فلا ينفع. # وإذا قال: أنت طالق اليوم إذا جاء غد، طلقت غدا من حين يطلع الفجر. ألا ~~ترى إلى قوله: أنت طالق اليوم إذا كلمت أمك، أنها تطلق إذا كلمت أمها. وإن ~~قال: أنت طالق اليوم إن كلمت فلانا، فمضى اليوم لم تكلمه لم تطلق. وإن قال: ~~أنت طالق اليوم إن كلمت زيدا أو فلانا، فإنها إذا كلمته طلقت، ولا تطلق ~~اليوم عندهم. # وإذا قال: أنت طالق اليوم وغدا؛ فهي طالق اليوم، وغدا حشو. # وإذا ms643 قال: أنت طالق إذا قدم زيد اليوم؛ فإن قدم طلقت، وإن لم يقدم لم تطلق. # وإن قال: أنت طالق إن قدم زيد؛ فإنها تطلق متى قدم زيد. # وإن قال: أنت طالق يوم يقدم زيد؛ فإن هذا يمسك عن الوطء، فيوم يقدم زيد ~~طلقت. وهذا أرجو أنه يوجب الإيلاء. # وإذا قال: أنت طالق يوم يموت عمرو، فهذا أيضا لا يطأ. وإذا قال: هي طالق ~~يوم يموت هو؛ فإنه لا يطأ، ولعله يطأ في أول اليوم ويموت في آخره، فيكون قد ~~وطئ حراما. PageV03P077 # وإن قال: إن سكنت هذه الدار فأنت طالق؛ فإن أكل فيها أو جامع أو نام فقد ~~سكن، /599/ وقد طلقت على قول بعضهم. وقال قوم: إن كان له نية السكن المعروف ~~لم تطلق حتى يسكن السكن المعروف مع الناس، ومن حجة قول الأول: قول الله ~~تعالى: {هن لباس لكم وأنتم لباس لهن}، وقال: {لتسكنوا إليها}، وقال: {جعل ~~لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا}، وقال: {ومن آياته منامكم بالليل ~~والنهار وابتغاؤكم من فضله}، فهذه حجة من أوجب الطلاق. # [تفويض المرأة بطلاق نفسها] # ومن جعل طلاق امرأته بيدها فطلقت نفسها؛ فالإرسال منها كالثلاث منه عند ~~بعض أصحابنا. وإن قالت: نويت واحدة فلا نية لها، وليس لها إلا ما تكلمت به ~~واحدة أو أكثر. # وإن قال: طلقي نفسك واحدة فطلقت نفسها أكثر لم يكن لها إلا ما جعل لها. ~~وقد قيل: غير ذلك أنها لا تطلق؛ لأنها جعلت خلاف ما جعل لها. # وإن طلقت واحدة طلقت واحدة، وإنما تطلق بالثلاث إذا أرسل الطلاق في يدها، ~~وأرسلت هي الطلاق؛ فهي عندهم بائنة، والواحدة تبينها عندهم، وذلك قياسا على ~~المختارة. # والمختارة مختلف فيها: قال قوم: بائنة بالواحدة ولها الرجعة، وهم فلم ~~يروا لهذه المطلقة نفسها رجعة. # فأما إن جعل طلاقها بيد رجل فطلق فليس إلا ما طلق الوكيل، ولا نية له ~~أيضا إلا ما جعل له. # [التوكيل في الطلاق] # وإذا جعل الرجل طلاق امرأته في يد وكيل، فطلق الوكيل طلقت. وإن لم يطلق ~~الوكيل حتى ms644 يرجع الموكل خرج الطلاق من يده. # ولا يخرج الطلاق من يد الوكيل إلا بانتزاعه منه، إلا أن يكون جعله إلى ~~أجل أو بحق فهو إلى ذلك الأجل. وإن انتزعه قبل الأجل ولم يكن بحق فله ذلك. ~~وإن جامعها لم يخرج ذلك من يد الوكيل. PageV03P078 # فأما الزوجة إذا جعل طلاقها بيدها فافترقا من مجلسهما، خرج الطلاق من ~~يدها، فإن جامعها خرج الطلاق من يدها، وإن انتزعته خرج، إلا أن يكون جعله ~~بحق أو إلى أجل؛ فهو في يدها إلى الأجل الذي أجله. # وإن جعل لها أن تطلق ثلاثا فطلقت واحدة، أو قال: طلقي واحدة فطلقت ثلاثا؛ ~~فقد قيل: إنه خلاف ما جعل، ولا يجوز ما قضت به. وقد قيل: تكون واحدة؛ لأنه ~~جعل واحدة. # وقال أصحابنا: إن بيع الطلاق جائز للمرأة وغيرها. # وإن طلق الزوج أو المشتري جاز طلاقه. وإن طلق الزوج /600/ رجع عليه ~~المشتري بالثمن؛ فانظر في هذا البيع أيضا. # وإن كانت المرأة هي المشترية للطلاق بانت بذلك حينما صار في يدها وهو ~~خلع. وقال آخرون: حتى تطلق هي نفسها. # وكل من طلق امرأته في نفسه، فليس ذلك بطلاق حتى يتكلم به. ومن حدث نفسه ~~أن زوجته طالق، لم تطلق حتى يتكلم به كلاما يبينه. # ومن قرأ كتابا فيه ذكر الطلاق فنوى ذلك طلاقا، لم يقع حتى يتكلم بالطلاق. # وإن كان الخاطر في نفسه أنك إن قمت أو قعدت أو أكلت أو شربت أو قرأت ~~الطلاق، أو صليت أو أشعرت أو نمت لزمك الطلاق، عند ذلك لم يكن ذلك بطلاق ~~حتى يتكلم به بتمام حروف الطلاق. # ومن قال: "طا" لم تطلق امرأته حتى يتم الحروف. # فأما من تكلم بكلام غير الطلاق ثم أراد به الطلاق؛ فقال قوم: يقع الطلاق. ~~وقال آخرون: لا يقع الطلاق إلا بلفظه. # فالأول أكثر أنه إذا تكلم بشيء يريد به الطلاق طلقت إذا نوى ذلك لها ~~طلاقا، حتى قالوا: ولو قال "سبحان الله" أو كلمة غيرها يريد به الطلاق، ~~ونوى بقوله: "سبحان الله" طلاقا طلقت. وقال ms645 قوم: "سبحان الله" طاعة، ولا ~~يقع بها طلاق؛ لأن الطلاق مكروه وليس بطاعة. PageV03P079 # ومن حلف بطلاق امرأته ألا يبيع بيعا، فأقال في بيع فإنها تطلق؛ لأن ~~الإقالة بيع، والقياض بيع، والبدل بيع، وفي هذا يقع الطلاق. وكذلك التولية بيع. # والذي جعل طلاق امرأته في يدها، فطلقت نفسها وهو مريض ومات، فإنها لا ~~ترثه؛ لأن ذلك جاء منها. # والذي له زوجتان وقد جاز بواحدة ولم يدخل بالأخرى فطلق واحدة تطليقة، ولم ~~يعلم أيهما طلق. فأما التي دخل بها فلها الصداق تام، والميراث بينهما في ~~العدة. وأما التي لم يدخل بها فعليها يمين ما تعلم أنها هي المطلقة، ثم لها ~~الميراث والصداق. وإن أقرت أنها هي المطلقة فلها نصف الصداق، ولا ميراث ~~لها؛ لأنها بانت منه حين طلقها. فإن كان طلقها في المرض ضرارا فإنهما يرثان ~~في ذلك. # فأما إن كان طلق ثلاثا ولم يعلم أيتهما طلق فإن الصداق للتي دخل بها تام، ~~والميراث في العدة إن كان ضرارا في المرض، وورثتا أيضا. وإن لم يكن في ~~المرض /601/ كان الميراث بينهما إذا لم يعلم أيتهن المطلقة، مع يمين كل ~~واحدة منهن للأخرى ما لم تعلم أنها هي المطلقة. # والتي لم يدخل بها أيضا الصداق تام حيث لم تعلم أنها هي المطلقة، ولهما ~~الميراث والصداق حيث لم تعلم أيتهما طلق، وعليهما اليمين لبعضهما بعض في ~~الميراث. # ومن حلف بطلاق امرأته أنه لا يلبس ثوبا من غزلها، فلبس ثوبا فيه من ~~غزلها؛ لم تطلق حتى يلبس ثوبا كاملا من غزل امرأته. # ومن حلف لا يلبس غزل امرأته، فلبس ثوبا فيه من غزلها طلقت. ولو انخرق ~~وخيط بشيء من غزلها طلقت. وإن أعطت من غزل لها فهو من غزلها أيضا. # ومن حلف لا يأكل خبز امرأته، فأعطت من خبز لها فهو خبزها أيضا. ولو أعطت ~~من طرح لها بعدما عجنت وصفحت فهو خبزها أيضا. وإن عجنت وصفح غيرها وطرح ~~فأكل لم يحنث. PageV03P080 # وإن حلف لا يأكل مالها فوهبت له فأكل لم يحنث. وإن حلف بطلاقها ms646 على شيء ~~محدود لا يأكله من مالها فوهبته له فأكل طلقت. وإن حلف لا يأكل من مالها ~~فوهبته له فأكل؛ فقال قوم: حنث. وقال آخرون: لا يحنث، وهذا أحب إلي. # وإن حلف لا يأكل مالها فبادلت به فأكل بديله أو أكل ثمنه لم يحنث. وإن ~~حلف بطلاقها على شيء محدود من مالها لا يأكل منه فبادلت به غيره أو باعته ~~وأخذت ثمنه؛ فأكل منه؛ فقال قوم: يحنث. وقال آخرون: لا يحنث، وذلك منه ~~وبديله منه. فانظر في ذلك. # ومن طلق زوجته وماتت في العدة فإنه يرثها. وإن قال الورثة: إن العدة قد ~~انقضت واحتج الزوج أنها لم تنقض؛ فالقول قوله وعليهم البينة. وقد روي عن ~~ابن مسعود ~ أنه ورث علقمة من امرأته بعد تسعة عشر شهرا، إذا لم تحض ثلاث حيض. # وإن طلقها وهي حامل فماتت في ميلادها؛ فإنه يرثها ما لم تضع ما في بطنها، ~~ولو خرج بعضه حتى تضعه. وكذلك هي ترثه في العدة. # وأما الطلاق البائن فلا ميراث فيه بينهما، ولا المختلعة ولا المختارة نفسها. # والذي يقول لزوجته: أنت طالق واحدة إلى واحدة، أو تطليقة في تطليقة؛ ~~فإنها تطليقة واحدة ما لم ينو أكثر. وإن قال: واحدة في اثنتين، أو إلى ~~اثنتين فهما اثنتان. # وإن قال: أنت طالق إن دخلت دار فلان أو /602/ فلان، فإن دخلت دار أحدهما ~~طلقت. وإن قال: بيت فلان وفلان؛ فلا تطلق حتى تدخلهما جميعا. # وإن دخلت بيت أحدهما ثم طلقها قبل أن تدخل الثاني ثم ردها في العدة أو ~~تزوجها من بعد ودخلت بيت فلان الثاني؛ فإن الطلاق يقع؛ لأن الحنث لم يكن ~~وقع. وإن هي دخلت الثاني وليس هي بزوجة له، ثم تزوجها ودخلت لم تطلق؛ لأن ~~الحنث وقع وليس هي بزوجة. # فإن قال لزوجته: أنت طالق أمس طلقت كما قال. PageV03P081 # ومن قال لزوجته: أنت طالق ثلاثة أنصاف تطليقة؛ فإنها تطلق تطليقتين. وإن ~~قال: ثلاثة أنصاف تطليقتين؛ طلقت ثلاثا. وإن قال: ثلث تطليقة أو جزء ~~تطليقة؛ فهي تطليقة واحدة. وإن قال: ms647 أنت طالق ثلث الطلاق، طلقت ثلاثا؛ لأن ~~الطلاق لا يتجزأ. وقال قوم: واحدة. # ولا طلاق لصبي حتى يبلغ، ولا العبد إلا بإذن مولاه؛ لأن الصبي لا تجري ~~عليه الأحكام. # وكذلك لا طلاق لأعجم ولا معتوه؛ فإن المعتوه لا تجري عليه الأحكام؛ فأما ~~الأعجم فإن أفصح بكلام الطلاق طلقت. فأما إذا لم يعرف ما يقول لم يحكم عليه بذلك. # وقد أجازوا طلاق السكران عليه، وعتاقه ولا يأخذ بحد ما أتاه. وإن قال: إن ~~لم أفعل كذا وكذا فأنت طالق؛ فقال: قد فعلت، فالقول قوله. وإن قال: لم ~~أفعل، فالقول قوله؛ لأنه إنما أوجب الطلاق على فعل نفسه، ولا يعلم ذلك إلا عنه. # وإذا ادعت المرأة أنه لم يفعل أو قد فعل؛ فهي مدعية عليه. وإن قال لها: ~~إن لم تفعلي كذا وكذا فهي طالق؛ فقالت: قد فعلت، فالقول قولها؛ لأن ذلك ~~حكمه إلى فعلها. وإن قال: إن لم تفعلي كذا وكذا في هذه الليلة فهي طالق؛ ~~فقالت: قد فعلت؛ قبل قولها إذا قالت ذلك في تلك الليلة. وإن قالت: قد فعلت ~~ذلك بعد أن أصبحت، أو بعد المدة، لم تصدق إلا بالصحة في ذلك. # ومن طلق امرأته على أن يفعل شيئا قد فات فعله، ولا يمكنه أن يفعله مرة ~~أخرى؛ فإنها تطلق، مثل قوله: أنت طالق إن ذبحت هذه الشاة، والشاة قد ذبحت، ~~فلا ترجع تذبح مرة أخرى. PageV03P082 # وكذلك إن قال: أنت طالق إن صليت اليوم صلاة الهاجرة، وإن لم تصليها، وقد ~~كانت صلت الهاجرة، /603/ فإنها تطلق؛ لأن هذا لا يفعل إلا مرة ولا يمكن ~~فعله بعد، إذ قد فعل في ذلك الوقت من الصلاة. فأما إن قال: أنت طالق إن ~~دخلت بيت فلان، وقد كانت دخلت قبل اليمين، فإنها لا تطلق حتى تدخل ثانية؛ ~~لأن هذا يمكن فعله مرارا في اليوم وغير ذلك. # فإن قال لامرأته: أنت طالق وأشار بإصبعه إليها ثلاثا، ولم تكن له نية؛ ~~فهي واحدة حتى يسمي ثلاثا. وإن قال: نويت واحدة ولم يتكلم إلا بواحدة فهي ms648 ~~واحدة، وإشارته بإصبعه لا يحكم له بها دون مراده. # وقد قيل: إن من كتب طلاق امرأته في الأرض وغير ذلك؛ فإنها تطلق ولو محاه ~~إذا عرف ما كتب؛ لأن الكتاب عندهم كلام. وقال آخرون: حتى يقرأه. # ومن كتب إلى امرأته بالطلاق؛ طلقت إذا كتب. وإن كتب: إذا وصل إليك كتابي ~~فأنت طالق؛ فحتى يصل إليها الكتاب. وإن قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله؛ ~~فقد طلقت. وإن قال: إن شئت أنا؛ فقد شاء وطلقت. # وإن قال: أنت طالق إن شاء جبرائيل، فإنها تطلق؛ لأنه لا يأتيه من خبره. # وإن قال: أنت طالق إن شاءت الدابة أو من لا يتكلم؛ فقد طلقت. # وإن قال: أنت طالق إن شئت؛ فقالت: قد شئت طلقت. وإن قالت: لا أشاء؛ لم تطلق. # وإن قال: أنت طالق شئت؛ طلقت؛ لأنه لم يبين الاستثناء. # وإن قال: أنت طالق إن دخلت بيت فلان إلا أن يشاء الله؛ فلا تطلق إن دخلت؛ ~~لأن هذا إن شاء الله دخلت البيت، وقد نفع استثناؤه فيه. # ومن قال لامرأته: أنت طالق إن لم تصعدي إلى السماء أو تنقلي الجبل، أو ~~على فعل لا تقدر عليه، أو على معدوم لا يوجد، أو على غائب؛ فإنها تطلق من حينها. PageV03P083 # وقد وقع الاختلاف فيمن قال لامرأته: طلقك الله؛ فقال قوم: تطلق. وقال ~~آخرون: لا تطلق، وهو كالدعاء، حتى يقول: قد طلقك الله؛ فإذا قال: "قد" طلقت. # وكذلك إذا قال لغريمه: أبرأك الله؛ فلا يبرأ حتى يقول له: قد أبرأك الله. ~~وقد قيل: إن هذا لا تقع به براءة ولا طلاق حتى يفعل هو ذلك. # والذي قالت له امرأته: يا ابن الزانية، فقال: إن كانت أمه زانية؛ فهي ~~طالق. فلا تطلق حتى يعلم أن أمه زانية، ويعرف ذلك مع الناس. ومنهم من قال: ~~إنه حلف على غيب وتطلق؛ لأن أيمان الغيب كلها حنث. وفيها قول آخر: ||حتى|| ~~يعلم ذلك. # وامرأة ضربت /604/ شاة لزوجها فقال: إن ماتت فأنت طالق؛ فلما خاف عليها ~~الموت ذبحها، فإنها لا تطلق؛ ms649 لأنه ذبحها ولم تمت من غير ذبح. # 121- باب: # مسألة في الفراق والسراح والبراءة # ومن قال لزوجته: قد فارقتك أو سرحتك أو أبرأتك أنها تطلق؛ لأن الفراق اسم ~~من أسماء الطلاق، وكذلك السراح؛ لقول الله تعالى: {أو فارقوهن}، وقال: ~~{وسرحوهن سراحا جميلا}. # وقال قوم: ليس ذلك بطلاق، حتى يطلق أو ينوي به الطلاق. # وطلاق الكناية: مثل قوله: اذهبي وسيري وتباعدي واعتدي وتزوجي والحقي ~~بأهلك، وحبلك على غاربك، على نحو هذا مما كانوا يطلقون في الجاهلية. وقال ~~من قال: يقع به الطلاق. وقال من قال: لا يقع به الطلاق حتى يريد بذلك لها ~~طلاقا. فإذا قال ذلك فأراد به الطلاق طلقت عند الأكثر. # والذي يطلق واحدة وينوي بها ثلاثا؛ فقال قوم: ثلاث. وقال آخرون: واحدة. # والذي أراد أن يطلق واحدة فغلط فقال: أنت طالق ثلاثا؛ فقد قيل: إن ذلك ~~إلى نيته. وقال قوم: يحكم عليه بما لفظ به. # ومن قال لزوجته: أنت طالق واحدة إلا اثنتين؛ فهي واحدة؛ لأنه استثناء. # وإن قال: أنت طالق ثلاثا إلا ثلاثا، طلقت بالثلاث ولم ينفعه استثناء الكل. PageV03P084 # ومن قال لزوجته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق؛ طلقت ثلاثا، وقد قيل: ~~إنها واحدة إذا نوى ذلك. وكذلك إن قال: أنت طالق طالق طالق؛ فقد طلقت ~~ثلاثا. وقد قيل: واحدة إذا نوى ذلك. # والذي يقول لزوجته: أنت طالق تطليقة بعد تطليقة؛ فهي تطليقة واحدة. أو ~~تطليقة قبل تطليقة؛ فهي واحدة. وإن قال: أنت طالق تطليقة قبلها تطليقة أو ~~بعدها تطليقة؛ فهي اثنتان. وإن قال: أنت طالق كل الطلاق؛ فهي ثلاث. وإن ~~قال: أنت طالق كله أو كلهن لم يسم إلا كلا؛ فهي واحدة حتى ينوي أكثر. # ومن قال: كنت طلقت ولم يكن طلق امرأته فهي كذبة منه ولا شيء في ذلك، وإن ~~حاكمته المرأة أخذ بإقراره. # وإذا قال الرجل لرجل: إن فعلت كذا وكذا فامرأته طالق؛ فقال الرجل: قد ~~فعلت، فلا تطلق امرأته حتى يصح ذلك بشاهدي عدل /605/ إذا لم يصدقه الزوج ~~أنه فعل. # وإذا شهد شاهدان على ms650 الرجل أنه طلق امرأته ثلاثا، وفرق الحاكم بينهما، ثم ~~رجع الشاهدان أو أحدهما عن شهادته من قبل أن تزوج المرأة، فإن كانت هي ادعت ~~أن زوجها طلقها وسمعت الطلاق وحكم الحاكم عليه بذلك فقد مضى الحكم في ذلك، ~~ولو رجعا أو رجع أحدهما، فيلزم الصداق الشاهدين بشهادة الزور التي رجعا ~~عنها للزوج أو كان غرم لها. # وإن كانت هي لم تدعي الطلاق وإنما شهد الشاهدان بذلك، ثم رجعا أو أحدهما ~~ولم تكن تزوجت فأراد الزوج الرجعة فله ذلك عليها، وتجبر على الرجعة. وإن ~~كانت تزوجت مضى الحكم ولا سبيل إليها. # وإن علمت المرأة أن زوجها لم يطلقها فلا يحل لها أن تزوج، ولو حكم لها ~~الحاكم بالفراق. # وإذا علمت أن الشاهدين شهدا زورا وأراد زوجها أن يطأها سرا إذا لم يكن ~~طلقها وحكم عليه بزور؛ فله وطؤها. PageV03P085 # فإن قام عليه شاهدان بحق لأحد فحلف الزوج بطلاق امرأته أنهما شهدا عليه ~~زورا؛ فقد قيل: إنه لا يحنث ولا يقع عليه طلاق؛ لأنه حلف على علمه، وهذا ~~حلف على فعل ماض، ولعل يختلف فيه. # [طلاق الحكاية] # وقد اختلفوا في طلاق الحكاية، وهو: الرجل يقول لزوجته: ما تقولين يا ~~فلانة لو أني طلقتك ثلاثا؟ فقال من قال: تطلق. وقال من قال: لا تطلق؛ لأنه ~~قال: ما تقولين؟ ولم يطلق. # ومن قال: ماذا علي لو ذهبت إلى الوالي فقلت: إني طلقتك ثلاثا ولم يطلق؟ ~~فلا تطلق. # وقوله: لو قلت لأهلك: إني طلقتك ولم يكن طلق؛ فلا تطلق. # وقوله: لو قلت: أم عمرو طالق، لكان ذلك إلي؛ فلا تطلق. # وقوله: لقد أغضبتني بالأمس حتى أردت أن أقول: أنت طالق، ثم دفع الله ذلك؛ ~~فلا تطلق، وكل هذا فيه اختلاف ورأينا ما قلنا فيه. # وقوله: فلان طلق امرأته، فقالت له زوجته: كيف قال لها؟ قال: أنت طالق؛ ~~فقالت: أنت طلقتني؟ فقال: لا؛ فلا تطلق بالحكاية في ذلك حتى يعزم على ~~الطلاق، قال الله: {وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم}. # ومن جعل طلاق زوجته في يد ms651 رجل؛ فليس له أن يؤلي ولا يظاهر، وإن مات الذي ~~جعل في يده الطلاق ولم يعلم الزوج أنه طلق؛ فلا طلاق حتى يعلم. # ومن جعل طلاق امرأته في يدها، فقالت: لا، ولا كرامة له، ثم طلقت نفسها في ~~/606/ مجلسها؛ فقد قيل: إن ذلك ليس بشيء؛ لأنها لم تقبل الطلاق. # وإن طلق الوكيل وقال: نويت ثلاثا فليس له نية. وإذا طلق ثلاثا وقال ~~الزوج: أردت واحدة، فإذا جعل الطلاق بيده بانت منه. وإن جعل طلاقها بيدها ~~ثم نعسا في مجلسهما ثم انتبهت فطلقت نفسها، إن النعاس افتراق ولا يقع طلاق. # وإن قالت من بعد أن افترقا من مجلسهما: إني كنت طلقت نفسي في ذلك المجلس؛ ~~فقال من قال: القول قولها وعليها يمين. وقال قوم: لا تصدق بعد الوقت. PageV03P086 # ومن طلبت إليه امرأته ||عليه|| الطلاق؛ فقال: قد طلقتك، ثم قال: عنيت ~~الطلاق الأول، وقد كان طلقها وردها؛ فأما الحاكم إذا رفعوا إليه حكم عليه. ~~وإن لم يرفع إلى الحاكم وصدقته امرأته [لا تطلق]؛ وقال قوم: حتى يكون ثقة. # وإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق ثلاثا إن خرجت، قال ذلك مرارا، ثم قال ~~في آخر الكلام: إلا بإذني؛ فإن كان الكلام متصلا فله استثناؤه. وإن كان ~~إنما حضرته النية في آخر قوله في الاستثناء لم ينفعه لما مضى من الطلاق قبل ~~نيته، حتى تكون النية في الاستثناء قبل ذكر الطلاق. # وإذا قال: إن خرجت من منزلي إلا بإذني فأنت طالق؛ فإن خرجت بلا إذنه من ~~باب المنزل طلقت. وإن أذن لها مرة واحدة ثم خرجت بعد ذلك فقد بر، ولا يضرها ~~ما عادت خرجت؛ لأنه قد أذن لها. وإن قال: إلا بأمري فقد بر إن شاء الله. ~~وإن قال: إلا بعلمي، فإن خرجت وهو يعلم بذلك ويراها؛ فقد خرجت بعلمه ولا ~~يحنث، ولها الخروج بعد ذلك، وسل عنه إن شاء الله. # وإن قال: أنت طالق إن خرجت إلى أمك، فخرجت من الدار ذاهبة إلى أمها طلقت. ~~وإن قال: إن ذهبت فإذا انقلبت ذاهبة ms652 طلقت. وإن قال: إن مضيت إلى أمك فأنت ~~طالق؛ فحطت خطوات ماضية إلى أمها طلقت. # وإن حلف بطلاقها لا يخرج إلى بلد فلانة؛ فخرج إلى بعض الطريق ثم رجع ~~فإنها تطلق؛ لأنه قد خرج. # والذي طلق زوجته إن خرجت إلى بيت فلان إلا بإذنه، وأراد سفرا وطلبت إليه ~~فأبى، ثم قال: اللهم إني قد أذنت لها، ولم تسمع هي قوله، وخرج هو وذهبت إلى ~~بيت فلان؛ فقد وقع الطلاق ولا ينفع ذلك الكلام. # وإذا كانت المخاطبة بين الرجل والمرأة ثم طلق ولم /607/ يسم باسمها، ~~واحتج أنه لم يردها لم يقبل منه ذلك. وإن لم تكن بينهما مخاطبة قبل قوله. PageV03P087 # وإن طلق فقال: أردت النخلة أو الدابة؛ فقد قيل: لا يقبل قوله حتى يسمي، ~~ويقول: يا دابة، أنت طالق، أو يا نخلة. # وقد قيل: إن المرأة إذا صدقت زوجها فيما قال إنه نواه من الطلاق؛ وسعها ~~المقام معه. وقال بعضهم: لا يجوز لها تصديق، وقد سمعت الطلاق، ولا تحل لها ~~الإقامة معه مع ذكر الطلاق لها. وقال آخرون: إن كان ثقة صدق إذا كان معروفا ~~بالصدق. # ومن رأى في النوم أنه طلق زوجته لم تطلق، ولو قص ذلك عليها إذا أحال ذلك ~~إلى الرؤيا. # ومن حلف لا يمسي؛ فالمساء الليل، وإن خرج قبل الليل لم يحنث. وأما العشي ~~فمنذ الزوال يدخل العشي. # وإن قال: لأفعلن العشية؛ فمنذ تزول الشمس، إلا أن تكون له نية في وقت فله نيته. # وإن قال: إن لم تعطني اليوم كذا وكذا فأنت طالق، فلم تفعل، ثم ذهبت إلى ~~من ذهبت فأشهدتهم في اليوم الذي حلف فيه أنها قد أعطته، ثم لم يعلمه الشهود ~~حتى خلا الوقت؛ فإن كان الشهود عدولا وأعلموه فهي عطية ويقبل ذلك، وهي عطية ~~إذا كانت العطية قبل الأربعة أشهر إلا أن يعني في اليوم؛ فإذا انقضى اليوم ~~ولم تكن أعطته حنث. # وإذا قال الرجل لامرأته: إن بت الليلة في هذا البيت فأنت طالق؛ فباتت بعض ~~الليلة وخرجت لم يقع الطلاق حتى تبيت ms653 الليلة كلها. # وإن قال: إن نمت هذه الليلة في هذا البيت فأنت طالق، فنامت بعض الليلة ~~وخرجت؛ فإنا نخاف أن يقع الطلاق. وإن قال: إن بت في هذا البيت ولم يقل: هذه ~~الليلة؛ فباتت بعض الليل إلى أكثر من نصفه وقع الطلاق. # وإن حلف بطلاقها إن دخلت دار فلان، فذهبت تلك الدار ثم مرت المرأة في ~~أرضها؛ فإن كان إنما قصد إلى موضع الدار نفسه ودخلت ذلك الموضع وقع الحنث، ~~وإن لم يقصد إلى ذلك الموضع لم يحنث. # ومن حلف لا يدخل بيتا فأدخل فيه كرها لم يحنث، وفيه اختلاف. # ومن حلف لا يدخل بيتا فدخله ناسيا حنث، وفيه اختلاف. PageV03P088 # ومن حلفه سلطان يخاف منه الظلم أن يفعل أو لا يفعل أو ما فعل؛ فحلف لما ~~خاف منه الطلاق أو غيره ما فعل /608/ وقد كان فعل؛ فقد جاءت الآثار: أن ذلك ~~لا يلزمه. وفي الحديث «أنه لا حنث على مغتصب»، «وليس على مقهور عقد ولا عهد». # وكذلك لو أوثق عبد سيده وقال: اعتقني وإلا قتلتك، فأعتقه لم يعتق. # وكذلك لو دلته امرأته بحبل في طوي، وقالت: طلقني وإلا أرسلت بك الحبل؛ ~~فطلق أنه لا يلزمه.وقد قيل: إن طلق ثلاثا طلقت اثنتين وتبقى عنده بواحدة ~~إلا أن تطلب ثلاثا. وكذلك السلطان، والله أعلم. # وفي رجل قال لزوجته: إن دخلت موضع كذا وكذا فأنت طالق، فقالت: قد دخلت، ~~قال: طلقت. وإن قالت بعد ذلك: لم أدخل أو لم أفعل، قال: هي امرأته، ثم قالت ~~بعد ذلك: قد فعلت، قال: هي كاذبة، ولا يقبل قولها بعد ذلك. # وإن حد لها في وقت؛ فقالت: قد فعلت فيه صدقت، ولا تصدق بعده، ولا يقبل ~~قولها بعد ذلك. # وأما إن حلف بطلاقها إن نامت ليلة حدها عريانة، فقالت: قد نعست عريانة؛ ~~فالقول قولها، والله أعلم، وسل عن ذلك. # وإن قال: ليبيتن عريانا، فقالت: قد بات عريانا؛ لم يقبل قولها، والله أعلم. # ورجل حلف على امرأته بالطلاق إن ذهبت إلى مأتم، فذهبت إلى أختها، فإذا ~~عندهم ميت ms654 فلا تطلق. # وإن حلف إن أتت مأتما فذهبت إلى أختها وعندهم مأتم؛ فإنها تطلق. # وإن حلف بطلاقها إن دخلت بيت أختها، وإن المرأة مرضت فحملتها حتى وضعتها ~~على ظهر البيت الذي حلف، ولم تدخل المنزل؛ فلا نراها تطلق حتى تدخل ما حلف ~~على دخوله ولم تدخل، وإن دخلت شيئا من المنزل أو شيئا من أبوابه حنث. # وإن قال: إن خرجت من الدار فأنت طالق، فصعدت فوق البيت؛ فإنها لا تطلق ~~على بعض القول. PageV03P089 # ورجل يقول لامرأته: إن لم أنقلك من هذا البيت أو لم أنتقل فأنت طالق؛ فإن ~~لم ينقلها حتى تمضي أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء، وإن نقلها ومتاعه وأهله ~~حتى يتحول من ذلك البيت ويبيت في غيره فقد بر. # ومن قال لامرأته: طالق، وله أربع نسوة؛ فإن أرسل القول طلقن. وإن أوقع ~~على واحدة طلقت وحدها، وهو مصدق في نيته. # والذي طلق زوجته إن لم تخبره كم أكلت /609/ من رطبة، وكانت تلقي النوى في ~~البحر، فعلى قول: تعد من الواحدة إلى أن تنتهي في العدد إلى أكثر ما أكلت، ~~وتكون قد أخبرته فلا تطلق عند صاحب الجواب. # والذي قال لامرأته: أنت طالق إن لم تعطيني كذا وكذا، فقالت مجيبة له: قد ~~أعطيتك إياه، ثم قالت: قد رجعت به، فقد أعطته ولا تطلق، ولو لم يحرز؛ لأنها ~~قد أجابت قوله. # وإذا قال الرجل لزوجاته: قسمت بينكن ثلاث تطليقات، وقع على كل واحدة منهن ~~ثلاث تطليقات إن كن ثلاثا أو أكثر؛ لأن الطلاق لا يتجزأ، وإن قال لهن وهن ~~ثلاث: قسمت بينكن ثلاث تطليقات، كل واحدة تطليقة، طلقت كل واحدة تطليقة ~~واحدة فذلك كما قال. # واختلفوا في الذي يقول: كنت طلقت امرأتي ولم يكن طلق، فأوجب الطلاق قوم ~~ولم يوجب آخرون. # ومن حلف على إنسان بطلاق امرأته إن لم يأكل هذا الطعام، فخرج الرجل به، ~~ثم قال: إنه قد أكله، فإنها تطلق ولا يصدق إلا بصحة بينة عدل أنه أكله. # ومن وكل في طلاق زوجته اثنين أو ثلاثة فطلق واحد، ms655 فإنها لا تطلق حتى ~~يطلقوا جميعا كما جعل. # وإن قال الوكيل الذي جعل له أن يطلق إلى أجل، فطلق الوكيل قبل الأجل إلى ~~محله لم تطلق. وإن بارأ الوكيل لم يقع طلاق؛ لأنه إنما يفعل ما رسم له. # فأما مولى الأمة المتزوجة فليس له في طلاقها شيء، فإذا طلق أحد الشركاء ~~امرأة العبد المشترك، فقد قيل: تطلق إذا طلق أحد الشركاء. PageV03P090 # والذي حلف لا يشتري لامرأته صنعا فاشترى من دين لها عليه، فإن كان أرسل ~~القول حنث، وإن نوى ألا يشتري من عنده لم يحنث. # والذي طلق زوجته إن لم يخرج حاجا، فإنه إن لم يخرج حتى تمضي أربعة أشهر ~~بانت منه بالإيلاء، ويمسك عن الوطء من حينه، والمدة في ترك الوطء لحال ~~اليمين أربعة أشهر في الألية. # والذي يحلف إن لم يخرج إلى موضع كذا وكذا، فإذا خرج فقد بر وإن لم يصل. # والذي يقول: يوم يقدم فلان فامرأته طالق، فهذا لا يطأ وهو مؤل ويدخل عليه ~~الإيلاء. # وإذا قال: إذا قدم فلان فهي طالق، فهذا لا يطأ وهي زوجته حتى يقدم فلان، ~~فإذا قدم طلقت، وإذا قدم ولم يعلم /610/ بقدومه فإنها تطلق إذا قدم؛ لأنه ~~لم يحلف على علمه، [بل] حلف على قدومه. فأما إن قال قبل قدومه بيوم أو نحو ~~ذلك، فهذا -أيضا- لا يطأ ويدخل عليه الإيلاء. # ومن حلف لا يدخل بيته هذا التمر لتمر محدود فذهب بعضه ثم دخل منه ما دخل، ~~ولم يدخل الباقي أنه لا يحنث حتى يدخل التمر كله. # وكذلك لو طبخ خلا ثم أدخل بيته منه لم يحنث؛ لأنه قد ذهب بعضه أو ما ذهب منه. # وكذلك لو حلف بالطلاق لا يأكله، فمتى أكله كله إذا كان محدودا، وكذلك كل ~~طعام محدود فأكل منه؛ فعند الأكثر لا حنث عليه ولا طلاق حتى يأكله كله. # وإن حلف لا يدخل بيته صوف، فدخل بيته كبش وعليه صوف لم يحنث؛ لأن الصوف ~~لم يدخل. # وإن حلف لا يدخل بيته صوف هذا الكبش فدخل الكبش وعليه ms656 صوف حنث. # والذي قال لزوجته -وهي أمة-: أنت طالق مع عتقك، فقال مولاها: هي حرة إلى ~~سنة، فإنها تطلق مع العتق إذا خرجت من حد الرق. فإن طلق بواحدة خرجت بواحدة ~~وله ردها ولها الخيار منه إن أحبت ردها، وكانت معه بتطليقتين؛ لأنها حرة، ~~فإن كان طلق باثنتين خرجت باثنتين وبقيت بواحدة؛ لأنها حرة، وتبقى عنده ~~بواحدة. PageV03P091 # وهما يتوارثان إن مات أحدهما في العدة، إلا أن تختار نفسها قبل موته، فإن ~~لم تختر نفسها ومات قبل أن يردها فعليها يمين بالله أن لو كان حيا ~~لاختارته، وأما قبل التحرير فلا يقع عليها الطلاق، والزوج يطأ في ذلك، وإن ~~مات أحدهما لم يتوارثا؛ لأنها مملوكة. # ومن ادعت زوجته عليه الطلاق، فقال: إن قالت: إني طلقتها فقد صدقت، فقالت ~~طلقني، فقال: كذبت، فقال بعضهم: لا نرى طلاقا؛ لأنه صدقها وهو لا يدري ما ~~تقول، وفي هذه نظر. # فأما إن قالت وهي بين يديه: طلقني ثلاثا، فقال هو: صدقت، فقد أقر وثبت ~~عليه إقراره. فأما إن قال: هي صادقة، واحتج أنه عنى في غير ذلك فله حجته. # ومن حلف بطلاق امرأته إن لم تأكل طعاما قد حده، فأكلته دابة ثم ذبحت هذه ~~الدابة فأكلتها، فإنها تطلق ولا ينفع ذلك. # وإن طلب رجل إلى رجل حقا، وحلف بطلاق امرأته /611/ أن هذا لا يطلب إلا ~~باطلا، وقامت البينة عليه بالحق فلا يحنث؛ لأنه حلف على علمه؛ لأنه يمكن أن ~~يكون قد برئ من حيث لا يعلم الشاهدان وحلف على علمه. # وإن طلبت زوجته يمينه فعليه يمين بالله: لقد صدق فيما حلف عليه بطلاقها ~~في دعوى هذا المدعي عليه هذا الحق. # وإن حلف لقد شهد علي هذان الشاهدان بالزور؛ فإن امرأته تطلق على قول من ~~يقول إن شهادة الشاهدين أولى من قوله. # والذي قال لامرأته: أنت طالق غدا أو بعد غد، أو غدا بعد غد فإنها تطلق في ~~الأقرب في ذلك الوقت. # والذي قال لامرأته: أنت طالق إن لبست هذا الثوب إلا بأمري أو بإذني أو ms657 ~~إلا بعلمي أو إلا أن آمرك، ثم أذن لها أن تلبس أو أمرها أو أذن لها، ثم عاد ~~نهاها فإذا أمرها أو أذن لها فلا تطلق في الوجهين جميعا. فأما قوله: "إلا ~~بعلمي" فحتى يعلم، وإن لبست ولا يعلم حنث. وإن لبست وهو يراها فقد علم ولا ~~يحنث، وليس عليها أن تستأذنه مرة أخرى، وكلما شاءت لبست ثوبها إن شاء الله. PageV03P092 # وبيع الطلاق للمرأة وغيرها جائز، وإن باع الرجل لامرأته طلاقها بأكثر من ~~صداقها فجائز عندهم. وإن اشترت المرأة طلاقها فهو خلع، وقال قوم: حتى تطلق. # وأما رهن الطلاق ففيه اختلاف، فبعض ثبته وبعض أبطله، وإذا لم يكن الرهن ~~إلا مقبوضا فليس ذلك بشيء يثبت، والذي أجازه إذا جعله في يده رهنا بحق، ~~وكذلك إن جعله في يد زوجته بحق، فقد ثبتوا ذلك في يدها بالحق إلى أجل. # فأما هبة الطلاق فلا تثبت؛ لأن الهبة لا تكون إلا بقبض. # وأما إذا جعله في يد وكيل جاز، وإذا طلق الوكيل وطلق هو ثبت ذلك، فإن ~~جعله مرسلا فهو في يد الوكيل حتى ينتزعه، وإن كان إلى أجل فهو إلى ذلك الأجل. # وإن قال: إذا خلا وقت كذا وكذا فطلق، فإنما تطلق في ذلك الوقت لا غيره. # ومن حلف بطلاق زوجته لا يطلب إليها نفسها، فركضها برجليه فأتته فجامعها، ~~فإذا ركضها لتجيئه وجامعها؛ فقد طلب إليها نفسها إلا أن تكون له نية أن ~~يطلب بلسانه، وإن أتته هي من غير مطلب منه لم تطلق. # وقد اختلفوا في طلاق الولي /612/لامرأة المعتوه والمغلوب على عقله؛ فقال ~~قوم: له أن يطلق. وقال آخرون: ليس له أن يطلق. وكذلك امرأة الأعجم فلا طلاق لوليه. # ومن طلبت إليه امرأته طلاق امرأته الأخرى، وكلاهما اسمها واحد، فقال: ~~فلانة طالق، وهي تسمع؛ فقد قيل: إنه إذا قال إنه عنى الأخرى أنه يقبل منه، ~~وأظن في هذا اختلافا؛ لأنه لو قال: امرأته طالق وزوجته الواحدة تسمع، ~~وقالت: طلقني فقال: لا؛ إنما طلقت مريم لزوجة له أخرى أنهما يطلقان، تطلق ms658 ~~هذه إذا سمعت الطلاق، وهو يقول: زوجته، وتطلق الأخرى بإقراره بطلاقها، فأما ~~من يرى له التصديق فعسى يوجب عليه يمينا. PageV03P093 # وإذا قال رجل لامرأته أنت طالق إن دخلت هذا البيت اليوم، وإن لم تدخليه ~~فأنت طالق ثلاثا، فإن الحيلة أن تختلع إليه، ثم تدخل، وهي ليست زوجة له، ~~وله أن يراجعها برأيها وقد دخلت، فلا يضره دخولها من بعد، وإن لم تدخله وإن ~~انقضى اليوم وقد بارأها قبل انقضاء اليوم بر في يمينه، وله مراجعتها. # والذي طلق امرأته إن لم ترد الجرة، فذهبت لتردها فوجدتها مكسورة طلقت، ~~وإن أتته بكسرها كلها، فعلى قول: قد ردتها ولا شيء عليها. # والذي حلف بطلاق امرأته إن باع في هذه القرية بيعا، ثم قال: نويت إلى ~~شهر، فله نيته على قول. # وكذلك إن قال لامرأته: أنت طالق إن دخلت دار بني فلان، ثم قال: نويت إلى ~~شهر؛ فله نيته ويصدق في الوجهين جميعا. وقال قوم: إذا حاكمته حكم عليه ~~بطلاقها ويسعها أن تصدقه. # والذي ادعت عليه امرأته أنه طلقها فقال: طلقتها واستثنيت كذا وكذا، فإن ~~صدقته وسعها المقام معه، وإلا فعليه البينة بالاستثناء، ولعل هذه مختلف فيها. # وإن قال: إن أكلت من ثمرة هذه النخلة فكل امرأة تزوجها فهي طالق، فتزوج ~~ثم أكل من ثمرة النخلة أن امرأته تطلق؛ لأن الحنث وقع بعد التزويج. ولعل ~~بعضهم لا يوجب حنثا في ذلك ولا طلاقا. # وإن حلف بطلاق امرأته إن طحنت وخبزت لفلان، وطحنت وخبزت في بيتها لنفسها، ~~ثم دخل الرجل فأكل أو أهدت إليه منه؛ فلا حنث على الزوج في ذلك؛ لأنها لم ~~تطحن ولم تخبز له. # والذي أخذت له امرأته دراهم /613/ من حيث لا يعلم، فقال: إن لم تردي ~~الدراهم فأنت طالق، ثم نظر خرقة في الجدار فوجد فيها الدراهم فردها مكانها، ~~ثم قال لها: رديها علي فأخذتها فردتها عليه، فقد خرج من يمينه. # وإن قالت له: هذه الدراهم التي أخذتها منك، فقد أخرجتها من الجدار فخذها، ~~فقد قيل: إن أخذها فلا يحنث، وفيها ms659 نظر، فسل عن ذلك. PageV03P094 # والذي قال لزوجته: أنت طالق إن لم تردي الكبة فردتها سداة؛ فبعض قال: ~~إنها تطلق. # والذي قال لزوجته: إن لم تتركيني وتدعيني أو تعطيني حتى أبيع كذا وكذا، ~~فأنت طالق، فقالت: قد تركتك وقد ودعتك وأعطيتك تبيع كذا وكذا جوابا لما ~~قال، ثم وطئها قبل أن يبيع فقد أجابته لما طلب وقد بر، فلا يقع في ذلك طلاق. # والذي يقول لامرأته: إن لم تردي الدراهم التي أخذتيها فأنت طالق، ولم تكن ~~أخذت دراهم؛ فعلى قول: لا تطلق. ورأيت أن هذا حلف على معدوم وغيب فأخاف ~~أنها تطلق، وإن كانت أخذتها وردتها فقد بر، وإن أخذتها وردتها مع دراهم ~~غيرها مخلوطة بها فردتها كلها فلا حنث في ذلك على قول، وإن ذهبت وقع الحنث ~~إذا لم تردها. وإن ردتها قبل أربعة أشهر فقد بر، وإن خلا أربعة أشهر ولم ~~تردها بانت منه بالإيلاء، وإن وطئ قبل أن ترد الدراهم حرمت عليه. # والذي لعن امرأته وقال: إن رديتي علي هذه اللعنة فأنت طالق، فلم ترد عليه ~~في الوقت ولعنته بعد أيام؛ فلا تطلق حتى ترد عليه لعنته، وتقول: قد رددت ~~عليك أو قد لعنتك -والله أعلم-، أو تقول له: اللعنة التي لعنتني هي عليك. # وإن قال: إن قتل فلان يوم الجمعة فامرأته طالق، فضرب يوم الخميس ومات يوم ~~الجمعة فإن امرأته تطلق إن كان ضربا هوى فيه حتى مات. # والذي قال لامرأته: أنت طالق إلا أن يقدم فلان، فإن قدم فلان قبل أن تخلو ~~أربعة أشهر لم تطلق، وإن لم يقدم حتى تمضي أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء. # وإن قال لامرأته: أنت طالق إلا أن يرى فلان غير ذلك، فبلغه فلم ير شيئا؛ ~~طلقت، وإن بلغه ورأى طلقت ما رأى، وانظر في ذلك فإنه استثناء. وكان يعجبني ~~إذا لم ير الطلاق/614/ لم يقع طلاق. PageV03P095 # وإن قال: إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، إن حلفت بطلاقك فأنت طالق، فإن قوله ~~الأول يمين عقدها على نفسه، والقول الثاني يمين ويقع بها ms660 تطليقة، فإن قال: ~~ثلاث كرات وقع بها تطليقتان، والله أعلم بذلك. # والذي يقول لامرأته: أنت طالق اليوم وغدا، فهي طالق اليوم، وغدا حشو. وإن ~~قال: أنت طالق غدا، لا بل اليوم فهي طالق تطليقتان، اليوم واحدة وغدا ~~واحدة. فإذا قال: طالق اليوم وغدا فهي واحدة، وإن قال: طالق غدا أو اليوم ~~فهي اثنتان. # والذي يقول: علي الطلاق إن حلفت كذا وكذا فحنث فعليه الطلاق. وقال من ~~قال: لا طلاق عليه. # والذي يقول له الطلاق لازم إن فعل كذا وكذا، ثم فعل فقد قيل: إنه يلزمه، ~~وأرجو أنها كالأولى من الاختلاف. # والذي يقول: فلانة طالق، لا، بل فلانة فإنهن يطلقن جميعا. # وإن قال: إن فعل كذا وكذا فامرأته أو ماله صدقة على المسلمين، ثم فعل فإن ~~امرأته تطلق، وماله انظر فيه، ولعل يلزمه كلاهما. ولعل بعضا يجعله مخيرا. # وإن حلف لا يحضر لأخيه فرحا ولا حزنا، فمات أبوه وحضر جنازته، فلا حنث ~~عليه إذا كان إنما حضر لنفسه، وسل عن ذلك. # وإن حلف لا يحضر لأخيه فرحا ولا حزنا فمات أخوه وحضر جنازته، فلا حنث ~~عليه؛ لأن الميت لا فرح له ولا حزن. # والذي يقول: امرأته طالق ليدفعن إلى فلان حقه في أيامه هذه، فهو فيما ~~بينه وبين عشرة أيام على قول، فإن لم يدفع حنث. # والزمان عندهم: سنة، وقال قوم: أربعة أشهر. وأقل الحين: غدوة، وقال قوم: ~~ثلاثة أيام. وقال: ستة أشهر، واختلافهم في الحين كثير. # والذي قال لامرأته: أنت طالق إن دخلت موضع كذا وكذا إلا لأمر شديد، وكان ~~أمر شديد فدخلت، فإن دخلت من بعد لغير أمر شديد طلقت، وليس لها أن تدخل إلا ~~لأمر شديد. PageV03P096 # والذي يقول لامرأته: إن بدأتك بكلام فأنت طالق، فقالت هي: إن بدأتك بكلام ~~فعبيدي أحرار. فيبتدئها بالكلام بعد كلامها فلا تعتق العبيد ولا تطلق ~~المرأة؛ لأنه حين حلف عقد يمينا، وحلفت هي فابتدأته بكلام، فبر من اليمين ~~وخرج منها /615/وكلمها فقد ابتدأها بعد يمينها، فخرجت هي -أيضا- من اليمين. # والذي يقول لامرأته: أنت ms661 طالق إن دخلت دار فلان إلا في وقت كذا وكذا، فإن ~~دخلت في غير ذلك الوقت طلقت، ولا تطلق إن دخلت في ذلك الوقت، وبالله ~~التوفيق. # وعن رجل طلق زوجته واحدة فقالت طلقتني قال: نعم مائة، ثم قال: نويت بنعم ~~تلك الواحدة، وقوله: نعم مائة لم ينو بها طلاقا؛ فعلى قول: له نيته ولا يقع ~~عليها إلا واحدة، وإن أرادت يمينه فعليه يمين ما نوى -بقوله لها: مائة- طلاقا. # وإن قال الرجل لامرأته: إن دخلت اليوم منزل فلان، أو فعلت كذا وكذا فأنت ~~طالق، فإن دخلت في اليوم منزل فلان طلقت، وإن فعلت طلقت أيضا. # والذي حلف لا يساكن زوجته، فوطئها في الطريق في السفر أو في موضع غير ~~البيت، لم تطلق على قول حتى يجامعها في بيت أو ينام وينعس. وأما أبو علي لم ~~يوجب ذلك حتى يسكن السكن المعروف. # وإذا وصل الذي حلف لا يساكنه على وجه الزيارة لم يحنث على هذا القول، ولو ~~أكل ونام. # وإذا حلف بطلاقها لا تكلم فلانا ولا فلانا، فأي واحد كلمته حنث. وإن قال: ~~فلانا وفلانا لم يحنث حتى تكلمهما جميعا. # وإن حلف بطلاق امرأته ما كتم فلان درهما ودينارا فكتمه أحدهما لم يحنث، ~~حتى يكتمه جميع ذلك. # وإن قال: ما كتمت فلانا دينارا ولا درهما فكتمه أحدهما حنث، فكل شيء على ~~هذا المجرى فمثله. # وإن قال لامرأته: أنت طالق إن كلمت فلانا ثم فلانا ثم كلمتك فلم تكلميني ~~فلا تطلق حتى تكلمهما جميعا، ثم يكلمها فلا تكلمه على ما شرط، يبدأ بالأول، ~~وإن خالفت التلاوة في القول لم يحنث، فكل ما كان مثله فمثله. PageV03P097 # وإن قال: أنت طالق إن لم تعطيني مالك أبيعه أو طعامك هذا فآكله، فإن ~~أعطته المال فلم يبعه والطعام فلم يأكله، فإنه يحنث في ذلك حتى يأكل الطعام ~~ويبيع المال. # وإن حلف بطلاقها لا تكلم فلانا وفلانا ثم فلانا ولا فلانا، فإذا كلمت أحد ~~الأوليين لا يحنث حتى تكلمهما جميعا، ثم تكلم فلانا وفلانا ثم فلانا ولا فلانا. ms662 # فإن قال: أنت طالق إن دخلت دار فلان اليوم أو غدا، فإن دخلت في ~~اليومين/616/ كلاهما طلقت، وإن لم تدخل في اليومين جميعا لم تطلق. وأقول: ~~إن دخلت في أحد اليومين طلقت. # وكذلك إن قال: إن لم تدخلي الدار اليوم أو غدا فأنت طالق، فدخلتها اليوم ~~أو غدا لم تطلق. فإن لم تدخلها في اليومين جميعا طلقت. # وإن قال: أنت طالق إن لم أطأك اليوم أو غدا، فلم يطأها اليوم ووطئها غدا ~~لم تطلق. # وإن قال: أنت طالق إن لم تكلمي فلانا اليوم أو غدا أو بعد غد، فلم تكلمه ~~في الأيام جميعا طلقت، ولا تطلق حتى تمضي الأيام ولم تكلمه، وفي هذا ~~اختلاف، وقد قال بعض خلاف ذلك. # وفي رجل قال لرجل طلب إليه قرضا، فقال له: إنه حلف بطلاق امرأته أنه لا ~~يقرض أحدا قرضا، ثم إنه بعد ذلك أقرض رجلا آخر. وقال الأول: مطول، وقال: ~~إنه لم يكن حلف، فبعض قال: إن حاكمته حكم عليه لها بالطلاق، وإن صدقته ~~وسعها المقام معه، وقال آخرون: ليس لها تصديقه. # وإذا قال الرجل لامرأته: قد طلقتك، وقد عنيت الطلاق الأول، وقد كان طلقها ~~من قبل فإنها تطلق، ولا يصدق حتى يقول: قد كنت طلقتك. # فأما قول الرجل: لو ذهبت إلى الوالي فقلت: إني طلقتك، فهذا فيه اختلاف. PageV03P098 # ورأينا أن ما كان مثل هذا من طلاق الحكايات والأخبار لا يقع به طلاق حتى ~~يطلق هو بقصد، كما قال الله تعالى: {وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم}. ~~ولا يقع الطلاق إلا بالعزم عليه مع العقد وتصريح الكلام بالطلاق، ما لم يكن ~~غلط في القول، والله أعلم. # وعن امرأة قالت لزوجها: إن أمي خير من أمك، فقال: إن كانت أمك خير من أمي ~~فأنت طالق، فقد قيل: إنه مقلد لما قال حتى يعلم كذبه، فأما أنا فلا أقول ~~كذلك؛ لأن هذا حلف على غيب لا يعلم، والله أعلم. # والذي يقول لزوجته: أنت طالق ثلاثا، ثم قال: أردت واحدة فغلطت؛ فقد قيل: ~~إن ms663 قال غلط وصدقته وسعها المقام معه، وإن لم تصدقه فهي ثلاث. ولعل بعضا: لا ~~يرى تصديقه. # والذي يقول لزوجته: أنت طالق إن لم تفعلي كذا وكذا في هذه الساعة، فإن ~~كان لا يعرف الساعات طلقت من حين ما قال؛ لأنه حلف على غيب. # والتي قالت لزوجها: /617/أنت أهون علي من التراب وشر من الكلب؛ فقال: إن ~~كنت عندك كذلك فأنت طالق. فقالت: ليس هو عندي كذلك إنما أرسلت القول؛ فقد ~~قيل: إن القول قولها في ذلك، ولا يكون طلاقا. # والذي يقول لزوجته: هي طالق ما شرقت الشمس وما غربت؛ فإنها تبين منه، ~~والله أعلم. # مسألة: فيها حجة عن بعض مخالفينا في الطلاق # وقال: إن طلاق المكره وعتقه ونذره ويمينه واقع، قال: وإنما ذلك لما روي ~~عن النبي ^: «إن ثلاثا جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق، والعتاق، والنكاح». وروي ~~أنه قال ^: «ثلاث لا رد فيهن: الطلاق، والعتاق، واليمين»، وهذه الأشياء ~~يستوي فيها الجد والهزل. PageV03P099 # قال: فدل أن ذلك يستوي فيه الطوع والكره؛ لأنه قال: إن كان الهازل غير ~~مريد له ولا قاصد إليه، والكره غير مريد له ولا قاصد إليه، فلما كان الهازل ~~بالطلاق يقع طلاقه بوجود لفظه، وإن لم يكن مريدا له، قال: والدليل على ذلك ~~أن المكره على الطلاق لا يخلو من أن يكون مجيبا للمكره أو غير مجيب، فإن ~~كان مجيبا له فإن المكره أكرهه على إيقاع الطلاق، وإن كان غير مجيب للمكره ~~فهو مبتدئ لإيقاع الطلاق، والمبتدئ لإيقاع الطلاق طلاقه واقع. # فأما حجة أصحابنا أن المكره على الطلاق لا يلزمه: قال النبي ^ : «ليس على ~~مقهور عقد ولا عهد»، وقول آخر عنه #: «لا حنث على مغتصب»، كما عذر عمارا في ~~التقية في القول، ولم يلزمه حكم في قوله، وإنما أعطاهم الرضا بالقول الذي ~~طلبوه حتى تركوه أن يعذبوه. # وكذلك من أكره اليوم على شيء إن لم يفعله عذب أو قتل ففدى نفسه من القتل ~~بالقول الذي أعطاهم إياه، فأما الفعل فلا تجوز فيه التقية، وقول أصحابنا ~~أحب إلي، وبالله ms664 التوفيق. # مسألة أخرى: في الطلاق # ومن قالت له زوجته: يا خسيس، فقال: إن كنت خسيسا فهي طالق، فذلك إلى نيته ~~وهو أعلم بها، (غير أن الخسة: هو انحطاط /618/ المقدار عمن هو أعلى منه ~~درجة في الإسلام وأفضل. والخسة: انحطاط القدر مع الدناءة، والمعصية من ~~الخساسة). فإن كان فيه ذلك فالحنث يقع عليه؛ لقول النبي ^: «كسب الحجام ~~خسيس»، معناه: أنه أراد به الدناءة من كسب الحلال؛ لأن من الحلال في سائر ~~الإجارات أفضل منه وأطيب. # وإن قالت: يا سفلة، فقال: إن كان سفلة فهي طالق، فذلك من تسافل الفعل ~~القبيح، والكافر سفلة، وقد قال الله: {ثم رددناه أسفل سافلين}، يعني: ~~الكافر، والكفر: من تسافل الفعل القبيح، وإن كان كافرا طلقت. PageV03P100 # ومن طلق زوجته وهو يطؤها فإن نزع مع فراغ الكلام، وإلا إن أمضى بعد ~~فراغه: طلقت. # وعمن لفظ في الغيظ بالطلاق فلم يدر كم، فأخبره الثقة أنه طلق واحدة، أو ~~قالت المرأة أنه طلق واحدة وهي ثقة؛ فعلى بعض القول يقبل ذلك، ويأخذ بقول ~~الثقة، وغير الثقة لا يقبل قوله، والله أعلم وأحكم. # ومن حلف لا يأكل رطبا فأكل سحا لم يحنث. وكذلك من حلف لا يأكل السح أكل ~~الرطب. ومن حلف لا يأكل رطب نخلة محدودة لم يأكل سحها، فإن حلف عن سحها أكل ~~رطبها وبسرها. # ورجل حلف بطلاق زوجته إن لم يطأها هذه الليلة وهي حائض؛ فإن وطئها في تلك ~~الليلة حرمت عليه. وإن لم يطأها طلقت إلا أن تطهر في تلك الليلة فلا يقع طلاق. # ومن حلف بطلاق زوجته لا تصل فلانا، فخرجت إليه ثم رجعت من قبل أن تصل؛ ~~فلا تطلق. وإن وصلت فلم تجده فلم أرها وصلت إليه حتى تصل إليه وتراه؛ فإن ~~وصلت إليه ورأته فقد وقع الطلاق، ولو لم تمسه. وإن أرسلت إليه سلاما أو ~~هدية فقد وصلته إلا أن يريد صلة القدم دون جميع الصلات، فلا تطلق حتى تصل ~~بالقدم. # ومن حلف بطلاق امرأته أنه أحسن من فلان، فإن كان يعرف بذلك مع ms665 الناس، ~~وإلا طلقت؛ لأنه حلف على غير ما هو. وإن قال: خير منه؛ فإن كان الحالف ~~مؤمنا والآخر كافرا لم يحنث، وإلا فالحنث واقع. # ومن حلف بالطلاق مجبورا فأزال النية والتسمية إلى غير زوجته؛ فالنية له. ~~فأما /619/ إن حلف بحق فالنية لمن حلفه بذلك. # والذي أوعده جبار ليقتله فجاء رجل فقال له: هذا ليس الرجل الذي تريد ~~قتله؛ فحلفه بالطلاق ما هو الرجل الذي يريد قتله وإن ذلك رجل آخر؛ فإن فداه ~~من القتل بذلك فمأجور، وأنا واقف عن حكم الطلاق. PageV03P101 # ومن بعث بطلاق زوجته إليها مع شاهدين، طلقت إذ أعلمها الشاهدان. وإن ~~أعلمها أحدهما طلقت. وإن أنكر الزوج الطلاق فعليها إحضار الشاهدين. وأما ~~الرجعة فلا تجزئ إلا بشاهدين، فإن أعلمها أحدهما لم يجز. # ومن طلق زوجته وزوجة جاره فبلغ جاره؛ فأجاز ذلك طلقتا جميعا. # والذي طلق زوجته وردها مع شاهدين، فلم يعلماها حتى تزوجت برجل ثم أعلماها ~~لم ينتفع بذلك. وإن أعلماها قبل التزويج في العدة أدركها. وإن أعلماها بعد ~~العدة فحتى يكونا عدلين. وإذا أرخا الرد متى كان؛ فالله أعلم بذلك. # والذي قال لزوجته: أنت طالق إن دخلت دار فلان، ثم قال: أنت طالق، فدخلت ~~الدار بعد طلاقه الواحدة؛ فإنها تطلق إذا كان الطلاق يتبع بعضه بعضا. # فأما إن خالعها ثم دخلت الدار، فإن اليمين تنحل بالحنث وقد دخلت، وليست ~~له بامرأة ولا يتبعها طلاق. # فأما إن قال: أنت طالق إن دخلت دار فلان ثم بارأها ولم تدخل حتى تزوجت ~~بآخر وطلقها، ثم تزوجها هو من بعده، ثم دخلت الدار التي حلف بطلاقها على ~~دخولها وهي زوجته؛ فإن الطلاق يتبعها؛ لأن اليمين متعلقة على دخولها الدار. # 122- باب: # مسألة في الخلع # - وسأل عن الخلع ما هو؟ أهو البرآن أم البرآن غير الخلع؟ أم المعنى واحد ~~واللفظ مختلف؟ # قيل له: معنى الخلع والبرآن هو: الفدية بشيء. وإذا قال: قد خالعتك أو قد ~~بارأتك على كذا وكذا؛ فقد وقع البرآن. إذا أبرأته من ذلك وخالعته وقع الخلع ~~والبرآن. # فأما براءة الزوج ms666 في الحكم فيقع ذلك بينهما وتخرج منه. فأما إن كان مسيئا ~~واختلعت من الإساءة لم يبرأ عند الله. وأما إن اختلعت من غير إساءة كانت ~~عاصية وبرئ /620/ الزوج من الحق. PageV03P102 # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «إن المختلعات هن المنافقات»، وذلك إذا ~~اختلعت مع الإحسان، فأما إذا افتدت مع الإساءة لم تكن منافقة. قال الله ~~تعالى: {وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا ~~منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا}. # فأما إن كانت مبغضة له ولداره ولجماعه فطلبت الخروج منه من غير إساءة؛ ~~فإن الفدية له حلال؛ لقول الله تعالى: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن ~~شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا ~~جناح عليهما فيما افتدت به}، فاستثنى بعد التحريم أخذ الفدية، إذا اختلعت ~~المرأة من زوجها وهو كاره من غير إساءة أن يخالعها، ويأخذ الفدية. PageV03P103 # وإذا خافت المرأة على نفسها الفتنة من بغضها لزوجها فاختلعت إليه، حلت له ~~الفدية. وقد روي أن هذه نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري وامرأته ~~حبيبة بنت عبد الله بن أبي، وقد قيل: ابنة سهل، وقد قيل: إنها كانت مبغضة ~~له، وكانت كلما شكته إلى أبيها لم يقبل شكواها، وقال لها: اتقي الله وارجعي ~~إلى زوجك، فلما رأته لا يشكيها شكته إلى رسول الله ^ فأرسل إليه فقال: «يا ~~ثابت، ما لك ولأهلك؟» فقال: "يا رسول الله ما أحد أحب إلي منها غيرك، وإني ~~لمحسن إليها جهدي" -على ما وجدنا-، فقال لها رسول الله ^: «ما تقولين فيما ~~قال؟» فقالت: "صدق، ولكني أخاف أن أعصي الله في الإسلام"، فأنزل الله هذه ~~الآية: {إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله ~~فلا جناح عليهما فيما افتدت به}، وكان قد أنقدها حديقة نخل، فقال: «أتريدين ~~عليه حديقته؟» قالت: "نعم، وأزيده". فقال رسول الله ^: «أما الزيادة فلا»، ~~فاختعت إليه، وكان أول خلع في الإسلام، فأنزل الله الآية التي قدمنا ms667 ذكرها. # والفدية تقع بما تراضى الزوجان عليه ولو قل؛ لأنه لا جناح عليهما فيما ~~افتدت به، لا حرج بعد أن تكون على ما /621/ وقع عليه الشرط في كتاب الله من ~~غير إساءة ولا ضرار. PageV03P104 # وإذا أراد الرجل الخلع، تقول المرأة: قد خالعته على ما تزوجني عليه، أو ~~خالعته على كذا وكذا، ويقول الزوج: قد قبلت وخالعتها على ذلك. أو تقول ~~المرأة: قد أبرأته من صداقي ومن حقي، أو علي كذا وكذا ما أبرئ لي نفسي، ~~ويقول الرجل: قد قبلت وقد أبرأت لها نفسها بتطليقة؛ فهذا هو الخلع الذي قال ~~الله: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به} بعد أن يكون منها العصيان والنشوز، ~~أو مبغضة له، أو تقع البراءة منها عن تراض من الجميعين. وغير هذا من البرآن ~~يكون في لفظه خلاف في القرآن. # وإذا أبرأها بتطليقة بانت منه بتطليقة، وله المراجعة إن شاءت هي بشاهدين ~~يحضرهما هو وتحضر المرأة؛ فيشهدهما أنه قد راجع فلانة بنت فلان، وقد ردها ~~وراجعها بحقها على ما بقى من طلاقها، فإذا رضيت وقبلت جاز ذلك عند الكثير. # وقال قوم: إنه يقول عند الرجعة: اشهدوا أني رددت عليها مالها الذي اختلعت ~~إلي منه، وقد رجعت إليها في نفسها بذلك، وتقول المرأة: اشهدوا أني قد قبلت ~~ما رده علي من الصداق، وقد رددت نفسي إليه على ذلك. # فهذا الوجهان بهما ترد المختلعة عند أصحابنا، وإن لم يحضرها الشاهدان ~~وأعلماها بالرجعة فرضيت وقبلت ذلك جاز. # وقال آخرون: لا تكون الرجعة بين الزوجين في الخلع إلا بنكاح وتزويج جديد، ~~وولي وشاهدين، وصداق، ورضا المرأة. وقال قوم: في الرد تزاد في حقها أو ترد ~~به، ولا تنقص شيئا مما اختلعت منه. فأما التزويج: فإذا تزوجها فيما بقي من ~~الطلاق على ما اتفقنا عليه عند المراجعة وتزوجها جائز ولو كان أقل من ~~الطلاق. # وإن تزوجها على غير صداق، أو ردها في الخلع على غير صداق ثم جاز بها على ~~ذلك، فلها صداقها عليه كامل، والله أعلم. # والمختلعة بائنة ولا نفقة لها، ms668 ولها أن تخرج من بيتها، وإذا رد المختلعة ~~كانت عنده على ما بقي من الطلاق. PageV03P105 # وإذا وقع بين الرجل والمرأة الشقاق والتنازع ثم أبرأته من حقها ثم رجعت ~~فيه لم يسعه فيما بينه وبين الله إلا أن يعطيها، وهو الذي قال الله: {فلا ~~تأخذوا منه شيئا... إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله}، /622/ فإن لم تقم ~~حدود الله حلت له الفدية. # فأما عند الشقاق فلا يسعه، وأما في الحكم فيحكم عليها إذا افتدت. # وقال بعضهم: إذا قعد الرجل والمرأة للخلع وأراداه وأشهدا بذلك؛ فقد قيل: ~~إنه خلع ولو قصرا عن الكلام، وإن قالت: قد أبرأتك من مالي على أن تبرئ لي ~~نفسي، فقال: قد قبلت ولا أبرئ لك نفسك؛ فالحق عليه ولا يقع البرآن. وإن ~~قال: قد قبلت وسكت وقدما على ذلك؛ فقال الأكثر: إنه برآن، ومنهم من قال: ~~ليس ذلك برآنا. وإن أبرأته من حقها على أن يبرئ لها نفسها أو يطلقها ثلاثا؛ ~~فقال: قد قبلت وقد طلقتها واحدة؛ فبعض قال: هو برآن، وإن قالت: زدني؛ فعليه ~~أن يزيدها. وإن قال: قبلت وقدما على ذلك؛ فقال قوم: ليس ذلك برآنا. وقال ~~قوم: برآن. وهو فلم يأت بالشرط. وإن قال: قد قبلت ولا أطلقك؛ فلا برآن ولا ~~طلاق في ذلك. # وقد كره بعض أن يكون البرآن على شرط من الشروط غير براءة نفسها، ولا يقول ~~هو: قد أبرأتها وربابة ولدها، وهذا مكروه. وأبرأت لها نفسها ما برئت من ~~مالها، فربما لم يبرأ من مالها الذي عليه لها، فهو راجع في نفسها لحال ~~الشرط، والوجه أنها إذا أبرأته على أن يبرئ لها نفسها بالطلاق أو بتطليقتين ~~فهذا لا اختلاف فيه، ويشهد على ذلك؛ لئلا يرجعا إلى إساءة ولا شقاق ولا ~~ارتياب. # وإذا قعدا للخلع وأراداه، ولفظا لفظا من براءته لها وبراءتها له وكان ذلك ~~فيه من قولهما نقصان؛ فلا يجب فيه برآن على من لم يره. فأما هما إن أوجباه ~~على أنفسهما، وأرادا بقولهما ذلك البرآن؛ فقد وجب عليهما بقولهما ذلك ms669 ~~الخلع، فالمأمور به أن يبينا ذلك ويشاورا فيه أهل النظر. PageV03P106 # فكل امرأة أصحت شاهدي عدل على زوجها؛ أنها إنما تبرأت من الإساءة، وأنه ~~كان مسيئا إليها؛ حكم عليه لها بحقها، ولا سبيل له إلى مراجعتها في نفسها ~~إلا برأيها، ولو كان إنما أبرأها ما برئ إليها من حقها فقد أبرأته ووقع ~~الخلع، وهذا صداقها الذي كان تزوجها عليه. فأما قولها: قد أبرأته من حقي ما ~~أبرئ لي نفسي، فقال: قد أبرأت لها نفسها ما برئت من حقها فقد برئ. وإن قال: ~~ما أبرأتني، فحتى تبرئه /623/ ثانية؛ لأن هذا شرط منه يقتضي منه جوابا. وإن ~~قال: إن برئت فقد برئ في الحكم. # وقال بعض الفقهاء: إذا قال الرجل لامرأته وقد كانا قعدا للخلع: إني كنت ~~مسيئا في أمرك، وأستغفر الله وراجع إلى الحق فيه؛ إنها لا تتبعه بشيء. قال ~~بعضهم: لا تتبعه إذا عرض عليها الإحسان بعد الإساءة. فأما إذا صح أنه كان ~~مسيئا إليها، ثم لم يعرض الإحسان إليها؛ فإنها تتبعه بحقها إذا أحضرت شاهدي ~~عدل على الإساءة إليها. # ومن اختلعت إليه امرأته وليس تطلبه بشيء؛ فقال قوم: هو خلع. وقال آخرون: ~~طلاق. وهو أملك برجعتها في العدة؛ لأن الخلع لا يكون إلا بفدية، فإذا لم ~~تكن فدية لم يكن خلع. والخلع يقع ولو بشيء قليل. # وقد قيل: في امرأة قالت لزوجها: أعفني هذه الليلة وأنا أترك لك حقي؛ ~~فقيل: إن ترك له حقها وأعفاها من الوطء تلك الليلة أنه قد وقع الخلع، ولعل ~~في هذا اختلافا، أنه لا يقع الخلع حتى تختلع هي بذلك. PageV03P107 # وإن كان البرآن والخلع عند موت أحدهما؛ فقد اختلفوا فيه؛ فقال قوم: هو ~~خلع ولا يتوارثان. وقال قوم: لا يقع خلع وهما يتوارثان؛ لأن براءتهما لا ~~تثبت في مرضهما. وقال قوم: إن كانت هي المريضة فذلك هو الذي فيه الاختلاف؛ ~~فقال قوم: يبرأ من الحق؛ لأنها أبرأته في المرض من ذلك وهو يرثها. وقال ~~آخرون: يبرأ من الحق ولا يرث؛ لأن ذلك فعله واختياره. وقال ms670 قوم: يبرأ من ~~الحق وله الميراث. # فأما إذا أبرأها هو وهو مريض؛ فإن كان هو من الإساءة فإنه ضرار وترثه، ~~وإن اختارت هي ذلك وطلبته من غير إساءة منه لم ترثه، وبرئ من الحق على قول ~~من يقول: إذا كانت هي الميتة فلا يبرأ الزوج من الحق وله الميراث. وإن كان ~~هو الميت على هذا القول؛ فإنه يبرأ من الحق ولها الميراث، وعليها العدة عدة ~~المميتة، وذلك إذا لم تكن هي المختارة للبرآن. فأما المختارة للبرآن فلا ~~ميراث لها؛ لأنها بائنة. # وإذا كان الصداق على ضمين به للمرأة غير الزوج ثم تبارآ؛ فقد برئ من ضمن به. # وإن ردها في العدة؛ فقد قالوا: يكون الصداق على من ضمن به أولا، وإن لم ~~يردها حتى انقضت العدة ثم تزوجها؛ فالصداق على الزوج دون من ضمن به. # وإن كان الضمين قد أدى الصداق إلى المرأة ثم /624/ اختلعت هي منه إلى ~~الزوج فقد قيل: إنه للزوج. # وإذا وكل الرجل رجلا في طلاق زوجته كلما أبرأته من ثلث صداقها طلقها ~~تطليقة واحدة، فأبرأته فطلقها واحدة؛ فذلك خلع، وهي أملك بنفسها، ولا ~~يلحقها الطلاق من بعد. PageV03P108 # وقد قيل في امرأة قالت لزوجها: قد أبرأتك مما أطلبك به، قال هو: قد أبرأت ~~لك نفسك إن كان معك دراهم تردينها علي، وكان أوفاها بعض الصداق، وقاما على ~~ذلك، ثم طلب الدراهم منها، فقالت: حتى أحتالها، فقال: إذا لم تكن معها ~~دراهم في ذلك الوقت حتى تحتالها فلا يقع برآن بينهما في ذلك؛ لأنه قال: إن ~~كان معك دراهم ولم تكن معها دراهم. وقد عرفت أنها إذا قالت: قد أبريته من ~~حقي ما أبرأ لي نفسي، فسكت ما شاء الله ثم قال: قد أبرأت لك نفسك، مجيبا ~~لها كما تبرأت فقد وقع البرآن، وذلك مثل الطلاق. # إذا قال: أنت طالق إن جئت بكذا وكذا فلم تجئ بذلك إلا بعد مدة؛ فإن ~~الطلاق يقع، والله أعلم بذلك، فسل عن ذلك. # ورجل خالع امرأته ثم ردها بغير محضر منها، وصدقته ms671 وأمكنته من نفسها؛ فقد ~~قيل: كان عليها ألا تمكنه من نفسها حتى يشهد على رجعتها بمحضر منها؛ لأنه ~~لا يجوز أن يردها إلا برضاها. فأما إذا فعل ذلك ووطئ، فإن أعلمها الشاهدان ~~أن الرد قبل الوطء وصدقته هي ورضيت بذلك، فلا فساد إن شاء الله. # ورجل قعد هو وزوجته للخلع، فقالت: قد أبرأتك من حقي، قال هو: قد أبرأت لك ~~نفسك ما برئت من حقك، فإن قالت هي إذا سئلت أنها قد أبرأته من مالها على أن ~~يبرئ لها نفسها؛ فقد وقع الخلع؛ لأن المرأة ليس لها نية، واتفقا على أنهما ~~أرادا الخلع. وإن قالت: لم أرد بقولي قد أبرأتك شيئا ولا أردت الخلع؛ فلا ~~يقع الخلع، وذلك عندي إذا لم يكن في الأصل قعدا لذلك. فأما إذا قعدا للخلع؛ ~~فقد قيل: إذا قالت: قد أبرأتك، وقال هو: قد أبرأتك مع إرادتهما؛ فقد قيل: ~~إن البرآن يقع بينهما في ذلك. PageV03P109 # وإذا أبرأت المرأة زوجها من حقها وربابة ولدها ونفقته عشر سنين، وأبرأ ~~لها نفسها فإن لها الرجعة في ربابة ولدها والنفقة التي للولد /625/ ولو ~~قبلت بذلك؛ لأن ذلك مجهول، وحق لا يجب عليها؛ لأن نفقة ولدها على أبيه، ولا ~~تدري حياته من مماته، وربابته هي شيء غير معلوم أيضا لا يثبت لحال الجهالة. ~~وأما قول أصحابنا: ليس له زيادة على الحق؛ ومن ذلك لا يجوز له، ولا يثبت له ~~عليها ذلك عندهم. # وإذا وقع الخلع بين الزوجين ثم اتفقا على العودة على أن طلاقها بيدها؛ ~~فذلك جائز لها، وليس له أن ينتزعه منها. # وإن طلق الزوج جائز. # وإذا قال لزوجته: إن أبرأتيني من حقك فأنت طالق. فقال: إن أبرأته من حقها ~~في الوقت؛ فإنه يبرأ وهو خلع. وإن لم تبرئه في مجلسهما ثم افترقا من ~~مجلسهما ثم أبرأته من بعد لم يبرأ. وقد نظرت في هذه فرأيت أنه علق الطلاق ~~بشرط فعل منها مستقبل؛ فإذا فعلت فإنه يقع الطلاق، ورأيته يبرأ، والله أعلم. # وإذا قالت المرأة لزوجها: قد أبرأتك من ms672 حقي على أن تبرئ لي نفسي، فقال: ~~أنت طالق ثلاثا؛ فقد قيل: إن الطلاق واقع والحق عليه. فأما إن قال: قد ~~أبرأت لك نفسك بالطلاق، أو قد قبلت وقد طلقتك، وقد أبرأتك بثلاث تطليقات؛ ~~فإن ذلك برآن بائن، وقد وقع الخلع. # ومن قالت له زوجته: أبرئ لي نفسي وعلي لك ألف درهم، فعند أصحابنا: لا ~~يتبعها بأكثر من صداقها، والله أعلم. PageV03P110 # وبرآن الصغيرة غير ثابت عليها، ولا يبرأ الزوج من الصداق. فإن كان أطلق ~~البرآن فهي تطليقة والحق عليه في إرسال البرآن. وإن قيده على براءته من ~~الحق لم يبرأ، ولم يقع برآن حتى يكون بفدية يصح بها ذلك. فأما إن أبرأ لها ~~نفسها وضمن لها ضامن بالحق؛ فعند أصحابنا: يقع البرآن. وإن غيرت رجعت عليه ~~ويتبع هو من ضمن له بذلك. وإن أبرأ لها نفسها كان ذلك موقوفا إلى بلوغها، ~~فإن أتمت التزويج وأتمت البرآن تم، وإن أتمت التزويج ولم تتم البرآن لم ~~يتم، وإن لم تتم التزويج خرجت ولم يكن برآنا وانتقض النكاح. وإن كان جاز ~~بها؛ فعليه الصداق. # والذي طلب لامرأته نفسها، فقالت: دعني هذه الليلة، وقد تركت لك نصف ~~صداقي؛ فإنه خلع، وقال قوم: ليس بخلع. # 123- باب: # مسألة في الإيلاء # - وسأل عن الإيلاء ما هو؟ # قيل له: الإيلاء /626/ هي اليمين التي يحلف بها الرجل عن جماع زوجته، وهو ~~الإيلاء، ومأخوذ اسم الإيلاء من ألية اليمين. قال الله تعالى: {ولا يأتل ~~أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا...}: لا يحلف، وقال: {لا يرقبون في مؤمن ~~إلا ولا ذمة}، والإيلاء: هي اليمين، وكذلك قال ||الله||: {للذين يؤلون من ~~نسآئهم تربص أربعة أشهر فإن فآؤوا فإن الله غفور رحيم}. PageV03P111 # والذي يحلف لا يقرب زوجته، أو يحلف عن جماعها، أو يحلف بطلاقها إن لم ~~يفعل كذا وكذا، أو يحلف بشيء مما يمنعه عن وطء زوجته فيتركها ولا يفيء ~~إليها حتى تمضي أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء؛ وهي تطليقة تبين بها وتحل ~~للأزواج من يومها، قال الله تعالى: {للذين يؤلون من نسآئهم ms673 تربص أربعة ~~أشهر} ينتظر أربعة أشهر، { فإن فآؤوا} فإن الرجل رجع إلى جماع زوجته، ~~والفيء: الرجوع، {فإن فآؤوا فإن الله غفور رحيم} لتلك اليمين التي حلف بها ~~عن جماع زوجته؛ لأن هذه نزلت على ما قيل: كفارة اليمين، ثم نزلت الكفارة. # فمن حلف عن وطئ زوجته ألا يطأها؛ فإن تركها حتى تمضي أربعة أشهر بانت منه ~~بالإيلاء. وإن فاء إليها ورجع إلى جماعها؛ فليكفر عن يمينه ويفئ إلى زوجته. # وكذلك إن حلف بطلاقها أن لا يطأها؛ فإن تركها حتى تمضي أربعة أشهر بانت ~~منه بالإيلاء. وإن وطئ قبل أربعة أشهر؛ فعليه الكفارة وهي زوجته. وإن قال: ~~هي طالق إن وطئها؛ فتركها أربعة أشهر بانت منه بتطليقة، حلت بها للأزواج من ~~حين انقضاء الأربعة، ولا عدة عليها غير ذلك. # وإن جامعها فأمضى الجماع حرمت أبدا. # وإن وطئها بقدر ما يلتقي الختانان ثم نزع طلقت واحدة، إن كان طلق في ~~اليمين اثنتين أو ثلاثا، وله في الواحدة والثنتين أن يراجعها. # وإن أمضى الجماع بعد أن يلتقي الختانان ولم ينزع من حينه حرمت عليه. وإن ~~تركها حتى تمضي أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء وحلت للأزواج. PageV03P112 # والفيء: على ما روي عن ابن عباس هو: الجماع، الرجوع إلى جماعها، وعزائمه ~~الطلاق، كما قال الله تعالى: {وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم}، وإن ~~عزموا على الإقامة على اليمين ولم /627/ يفئ حتى تمضي أربعة أشهر فعزائمه ~~الطلاق انقضاء الأربعة الأشهر فقد عزم، وهو عزم الطلاق مع انقضاء الأربعة ~~الأشهر التي ذكر الله، وهي تطليقة ما لم يطلق أكثر من ذلك. # وإن كان المؤلي عاجزا عن الفيء للجماع لحال مرض أو سجن، أو كان في سفر، ~~أو هربت عنه زوجته؛ فأما المريض فإنه يلمس فرجها -على ما قيل-. وقال بعض: ~~يقول قد فئت إليك، وذلك من قبل أنه عاجز عن الوطء. # فأما المسجون فإنه يشهد أنه قد فاء إلى زوجته ولم يمنعه عن جماعها إلا ما ~~هو فيه من السجن. # وكذلك إن هربت يشهد أنه قد فاء ms674 إليها، ويقول: اشهدوا أني قد فئت إليها، ~~ولم يمنعني عن جماعها إلا هربها. # والمسافر يفيء بالقول ويشهد ويقول: اشهدوا أني قد فئت إليها، ولم يمنعني ~~عن جماعها إلا ما أنا فيه، والله أعلم بذلك، وذلك أنه عاجز عن الوطئ بالمرض ~~أو الغيبة عنها. # وأما إذا لم يكن عاجزا عن الوطء فإنه يكون ظالما لها وهو يقدر على ~~الجماع، وقد جعل الله لها التخليص من ظلمه عدة أربعة أشهر؛ وإن فاء ورجع ~~إليها فهي زوجته، وإن امتنع بانت منه بالإيلاء. # والفيء للمريض والمسجون والمسافر بالقول والرجوع إمساكا عن ظلمها. PageV03P113 # والفيء للصحيح الحاضر الجماع؛ فقد جعل الله في اليمين الرخصة للمريض، ~~والغائب الإفاءة بالقول باللسان، وهي رخصة للمسلمين؛ لأن الله قال: { فإن ~~فآؤوا فإن الله غفور رحيم} ولم يبين الفيء بالقول دون الفعل. وكانت الرخصة ~~بالقول للعاجز عن الوطئ على لسان الفقهاء، والرجوع بالفعل القادر على ما ~~بين الفقهاء ذلك؛ لأن الفيء هو الرجوع، وقال الله: { فإن فآؤوا} فكل هذا ~~تفسير جعلوه، وبالله التوفيق. # والأصل في الفيء أنه لا يصل إلى قربها إلا بكفارة تلزمه. ألا ترى أنه لو ~~قال: والله لا أجامعك، أو قال: والله لا أقربنك، فإنه لا يصل إلى قربها إلا ~~بكفارة تلزمه. وإن امتنع أن يرجع ويفيء إليها لحال الكفارة لزمه؛ لقول ~~الله: { للذين يؤلون من نسآئهم تربص أربعة أشهر} والألية: هي اليمين، فتكون ~~المدة في التربص أربعة أشهر، كما قال الله، ولا يكون يصل إليها إلا بحكم يلزمه. # والإيلاء -أيضا- حكمان: حكم البر /628/ وحكم الحنث. # فأما حكم الحنث: فإنه إذا قال: والله لا أقربنك ثم قربها لزمه الحنث ولا ~~شيء عليه غير الكفارة. # وأما حكم البر: فإنه إذا قال: والله لا أقربنك ولا أجامعنك فتركها أربعة ~~أشهر بانت منه بالإيلاء، وهو حكم البر، وبانت بتطليقة، وإن قال: والله لا ~~أقربنك الليلة، وانقضت الليلة فقد بر ولا شيء عليه، ويقربها بعد ذلك. # وإن قال: أنت طالق إن لم أجامعك الليلة، فلم يجامعها تلك الليلة طلقت، ~~وإن قال مرسلا: أنت ms675 طالق إن لم أجامعك، فتركها أربعة أشهر بانت منه ~~بالإيلاء. وإن قال: أنت طالق إن جامعتك الليلة أو إلى شهر، فإن جامعها في ~~تلك الليلة أو المدة قدر ما يلتقي الختانان ثم نزع طلقت وبر يمينه، وإن ~~أمضى الجماع حرمت عليه أبدا. PageV03P114 # وإن قال: أنت طالق إن جامعتك إلى شهر، فتركها حتى انقضت المدة جاز له بعد ~~ذلك جماعها، ولا شيء عليه. وإن تركها حتى تمضي أربعة أشهر، فقال قوم: تبين ~~بالإيلاء. وقال آخرون: لا إيلاء عليه؛ لأنه قد انقضى عنه عقد الإيلاء. # وإن حلف لا يقربها ولا يجامعها فتركها حتى تمضي أربعة أشهر بانت ~~بالإيلاء، وهي تطليقة بانت بها، ولا موارثة بينهما. # فإن اتفقا على تزويج جديد فذلك لهما، وتكون معه بما بقي من الطلاق، وإن ~~لم يتزوجها وتزوجت زوجا غيره وفارقها ثم تزوجها هو من بعد ذلك، قال قوم: ~~تكون معه بثلاث تطليقات. وقال قوم: تكون معه بما بقي، والثلاث أحب إلي، ولا ~~يقع الحنث عليها إلا مرة ||واحدة||، والله أعلم. # وإذا قال: إن جامعتك فأنت طالق، فتركها حتى تمضي أربعة وبانت، ثم تزوجها ~~تزويجا من بعد ذلك، ثم جامعها طلقت؛ لأن اليمين معلقة بجماعها، فإن طعن ~~طلقت مرة واحدة أخرى، وله جماعها ولا تطلق. # وإذا آلى منها بثلاث تطليقات كقوله: إن جامعتك فأنت طالق ثلاثا، فهذا إن ~~طعن وقع الحنث بالثلاث وبانت، وإن أمضى الجماع حرمت عليه أبدا. وإن تركها ~~حتى تمضي أربعة أشهر بانت منه، قال قوم: تبين منه بالإيلاء بتطليقة واحدة. ~~وقال آخرون: تبين منه بثلاث تطليقات. # وإن حلف /629/ بطلاقها إن لم يخرج إلى موضع كذا وكذا، وإن لم يفعل كذا ~~وكذا، فإن خرج أو فعل قبل أربعة أشهر فقد بر، وإن لم يفعل ولم يخرج حتى ~~تمضي أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء. وإن وطئ قبل أن يفعل أو يخرج حرمت عليه ~~أبدا، وإن فات الفعل الذي حلف أن يفعله أو لا يقدر عليه فقد وقع الحنث وطلقت. # فأما إن حلف بطلاقها إن فعل كذا ms676 وكذا فهي زوجته، وله وطؤها ما لم يفعل، ~~فإذا فعل وقع الطلاق ولا يجب في هذا إيلاء. PageV03P115 # فأما إن حلف بطلاقها أن لا يطأها أو يمينا غير الطلاق أنه لا يطؤها، ~~واستثنى في يمينه، فقال: إن شاء الله، فإن الإستثناء ينفعه ولا يلزمه على ~~هذا القول الإيلاء إذا استثنى، في قول من أوجب ذلك. وإن وطئ لزمته الكفارة ~~ليمينه، والله أعلم. # وإذا آلى الرجل من امرأته ثم طلقها، وانقضى أجل الإيلاء قبل أجل الطلاق؛ ~~بانت منه، ولم يتوارثا، ولا يلحقها الطلاق، بعد أن تبين بالإيلاء. وإن ~~انقضى أجل الطلاق قبل أجل الإيلاء طلقت في الأجل، ولا ينهدم الإيلاء. وإذا ~~خلا أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء، إلا أن يكون طلق ثلاثا فلا يلحقها ~~إيلاء، وينهدم. # ومن قال لامرأته: هي طالق واحدة أو ثلاثا إن فعل كذا وكذا، فهذا ليس بمؤل ~~وهو مطلق، وهي زوجته أبدا ما لم يفعل. # فأما إن قال: هي طالق ثلاثا إن لم يفعل كذا وكذا، ثم قال: هي عليه كظهر ~~أمه؛ فإن انقضى أجل الإيلاء والظهار في وقت واحد، فعلى قول من يجعل للظهار ~~أجلا كأجل الإيلاء تبين بتطليقتين بالإيلاء واحدة، والظهار واحدة. وقال ~~قوم: تبين بالثلاث؛ لأنه آلى بالثلاث. وإن انقضى أجل الظهار قبل الإيلاء ~~بانت بالظهار، ولم أر ذلك إلا تطليقة، وانهدم الإيلاء بمضي أربعة أشهر، ~~وليس هي زوجته، فيلحقها إيلاء، والله أعلم. # وفي الأثر: أنها تبين بتطليقتين، وهو خاطب من الخطاب. # فأما إن انقضى أجل الإيلاءقبل الظهار، فإنها تبين بالثلاث على قول، ~~وينهدم الظهار. وقال قوم: تبين بالإيلاء ولا يلحقها ظهار؛ لأنها إذا بانت ~~فليست هي بزوجة يلحقها ظهار. # وإذا آلى الرجل وظاهر، ثم بانت عندهم بتطليقتين ثم خطبها فلا يطأ حتى ~~/630/ يكفر كفارة الظهار. فأما كفارة الإيلاء فأرجو أن فيها فسحة، وإن كان ~~ظاهر عن فعل يفعله فهي امرأته. PageV03P116 # والذي يؤلي من امرأته إلى سنة، كقوله: إن قربتها إلى سنة فهي طالق، فإن ~~قربها طلقت، وإن تركها حتى تبين بالإيلاء، ثم يتزوجها تزويجا ms677 جديدا. فإن ~~قربها في السنة فأمضى الجماع حرمت عليه وخرجت منه. والعمل عند بعضهم إذا ~~خلا أربعة أشهر وبانت بالإيلاء فيمسك عن تزويجها حتى يبقى من السنة أقل من ~~أربعة أشهر، ثم يراجعها بتزويج جديد، ويمسك عن وطئها، فإذا مضت السنة فله ~~وطؤها ولا حنث عليه. # وعن بعضهم: إذا تزوجها وقد بانت بالإيلاء ثم أمسك عن وطئها أربعة أشهر لم ~~تخرج بالإيلاء، وإنما تخرج بالإيلاء الأول، ولكن يكفر يمينه إذا وطئ في ~~السنة، وذلك عندي على هذا القول لمن حلف وآلى بغير طلاق. # فأما إذا حلف لا يقربها سنة بالطلاق، فقال: إن قربها إلى سنة فهي طالق؛ ~~فالطلاق معلق في مدة السنة، وبالأربعة الأشهر تبين منه بالإيلاء، فإن ~~تزوجها بعد الأربعة الأشهر ثم وطئها، فإن الطلاق يلزمه، والله أعلم. # وإذا حلف أنه لا يقرب امرأته إن لم يفعل كذا وكذا، قال: هي عليه كظهر أمه ~~إن لم يفعل كذا وكذا، وكل ذلك في يوم واحد على فعل واحد، فمضى أجل الظهار ~~والإيلاء في يوم واحد؛ فقد قيل: هي تطليقة واحدة، والكفارة كفارتان؛ لأن ~~الإيلاء يمين، والظهار يمين، وقد آلى وظاهر. # إن لم يفعل فلم يقربها أربعة أشهر فعليه كفارة الظهار وكفارة الإيلاء، ~~ولا يقربها حتى يكفر كفارة الظهار، وقال قوم: كفارة الإيلاء وكفارة الظهار ~~إذا آلى وظاهر، وإنما يجوز له عندهم وطؤها إذا آلى منها بالله، أو بتحريمها ~~ولم يظاهر ولم يؤل بالطلاق. # وإذا آلى من امرأته إن لم يدخل بيت فلان، وظاهر منها إن لم تدخل بيت ~~فلان، يعني: رجلا آخر بيمينين مفترقين؛ فإنها تخرج باليمين الأولى وتنهدم ~~الثانية. PageV03P117 # والذي آلى من زوجته قبل الجواز فلا يلزمه إيلاء، إذا كان في حال لا تقربه ~~إلى نفسها ولا تقدر على ذلك. وأما إن كان يقدر على أن يوفيها عاجلها أو على ~~مقدرة من الجواز إليها، ولا تمنعه نفسها، فتركها أربعة أشهر فإن الإيلاء يلزمه. # ومن طلق امرأته طلاقا /631/ يملك فيه الرجعة ثم آلى منها و ظاهر؛ فإن ذلك ~~يلحقها في ms678 العدة كما يلحقها الطلاق في العدة. # وإن حلف لا يأتي امرأته في أهلها، فإن كانت ذهبت إليهم وهو كاره، فلا ~~يلزمه حتى يحلف لا يأتيها في موضع له فيه كينونة عليها فيه. # ومن آلى بيمين من أربع نسوة فهي كفارة واحدة، وعليه أن يفيء إليهن جميعا. ~~فإن فرق أيمانه فلكل يمين كفارة، إذا آلى من كل واحدة بيمين غير الأخرى. # ولا طلاق للعبد ولا ظهار ولا إيلاء إلا بإذن مولاه. فإذا أذن له مولاه ~~فآلى من امرأته فأجلها من ذلك شهرين. وقال قوم: أربعة أشهر، كما قال الله. ~~وإذا آلى الرجل من أمته التي يطؤها، فله وطؤها ويكفر يمينه؛ وليس الأمة مثل ~~الزوجة في هذا، ويكفر يمينه إذا كان حلف عن وطئها، كما جاء عن رسول الله ^ ~~في كفارة يمين حلفها عن مارية جاريته حين حرمها على نفسه. # واختلفوا في الذي حلف: لا يقرب امرأته شهرا أو ليلة، فتركها حتى مضت ~~أربعة أشهر؛ فقال قوم: تبين منه بالإيلاء. وقال آخرون: إذا انقضى الأجل بر، ~~ولا يلزمه إيلاء. PageV03P118 # ومن قال: زوجته عليه حرام، ولم ينو بذلك طلاقا فهي يمين، وقد قيل في هذا ~~باختلاف، وله وطؤها قبل أن يكفر، وبعد ذلك على ما قال الله تعالى لنبيه ^: ~~{قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} يعني في سورة المائدة يقول: { ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم}. وقد قيل: إن هذه اليمين خصوصا فيمن حرم امرأته أو ~~جاريته على نفسه، {إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم ~~أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام}. ولما نزلت: {يا أيها النبي لم ~~تحرم ما أحل الله لك}، أعتق في تحريم مارية. # وإذا قال الرجل لزوجته: إن وطئتك سنة إلا مرة واحدة فأنت طالق، فإن لم ~~يطأها لم يدخل عليه إيلاء، ولو خلت السنة؛ لأن له وطؤها في كل وقت. وإن ~~وطئها في تلك المدة التي استثنى، ثم تركهالحال يمينها حتى تمضي أربعة أشهر ~~بانت منه بالإيلاء على قولهم، ولا حنث في يمينه ms679 بالطلاق. وإن وطئها ثانية ~~بقدر ما يلتقي الختانان ويجب الغسل؛ فقد وقع الحنث بالطلاق وخرج من ~~الإيلاء، وإن أمضى الجماع /632/فسدت عليه أبدا. # وهذا إنما هو عندي في تلك السنة، ولكن ينبغي له إذا حلف ألا يطأها في ~~السنة إلا مرة واحدة أن يمسك عن وطئها حتى يبقى من السنة أقل من أربعة ~~أشهر، ثم يطأ تلك المرأة التي استثناها، ثم يمسك عن وطئها حتى تتم السنة، ~~ولا يطؤها إلا مرة كما حلف. # ومن آلى من امرأته وخلت أربعة أشهر، وتزوجت، ثم جاء الأول يقول: قد فاء ~~إليها، وقالت هي: لم يفئ، فالقول قول الأول، وعليه يمين عند بعضهم. PageV03P119 # ورجل طلق امرأته وانقضت عدتها، وقالت: إنها قد تزوجت زوجا غيره، وجاز بها ~~وفارقها فهي مصدقة، ولزوجها الأول مراجعتها وتزويجها إذا كان مثل ما ينبغي ~~أن تنقضي عدتها من الأول، ويأخذها الثاني وتنقضي عدتها منه. # ومن حلف بطلاق زوجته ليتزوجن عليها، فقال: إنه قد تزوج فهو مصدق وعليه ~~يمين إن أرادت ذلك منه. # وكذلك المظاهر إذا قال: إنه قد كفر فهو مصدق. # ومن آلى من امرأته وهي حامل، فإذا مضت أربعة أشهر ولم تضع حملها فقد بانت ~~منه ولا تتزوج حتى تضع حملها، ولها النفقة حتى تضع. # ومن حلف بطلاق امرأته أنه إن لم يطأها هذه الليلة في هذا البيت، فوطئها ~~في الحائط ثم وطئها في البيت، فقد اختلف في ذلك؛ فقال بعضهم: حرمت عليه حيث ~~وطئ في الحائط قبل أن يطأ في البيت. # والذي آلى من امرأته ثم كلما أراد أن يفيء إليها قاتلته، فإنه يشهد أنه ~~قد فاء إليها، يقول: قد فئت إليك ويشهد. وإذا قال: إنه قد فاء فإنه فاء، ~~فالقول قوله مع يمينه. # وإذا قال: إنه قد وطئها، وأنكرت هي ذلك فالقول قوله مع يمينه. # وإن أشهد أنه قد فاء إليها شاهدا واحدا لم يجزه. وإن أشهد شاهدين غير ~~عدلين، فإن صدقتهما أدركها -على قول-، وإن حاكمته لم يدركها إلا بشاهدي عدل. # وهل تصدقه على الشهادة بالفيء؟ ms680 فليس لها أن تصدقه حتى يعلمها الشاهدان. ~~وإن أمكنته وأحضرها شاهدين فشهدا وأرخا وقتا قد فاء إليها فيه، أو ردها من ~~الطلاق إن كان طلقها، وإلا فإنها تحرم عليه. # ومن آلى من امرأته بطلاق على فعل، فليس له أن يردها ولا يطؤها /633/حتى ~~يفعل الذي حلف عليه، أو تمضي أربعة أشهر فتبين منه بالإيلاء. PageV03P120 # وعن رجل آلى من امرأته ثم كفر يمينه، ولم يباشرها حتى مضت أربعة أشهر فلا ~~يدركها إلا أن يكون غائبا بعيدا، أو محبوسا، أو مريضا لا يستطيع النكاح ~~فإنه يشهد ويفيء بالقول، وإن لم يشهد فلا يدركها ولو كفر. # وقد روي عن بعض: أن من خرجت منه امرأته بالإيلاء، ثم تزوجها بنكاح جديد، ~~ثم لم يطأها ولم يكفر ولم يدخل بها حتى مضت أربعة أشهر لم يقع في ذلك طلاق، ~~ولعل بعضا يجعله إيلاء. # والذي قال لامرأته: إن لم تجي تنامي معي فأنت طالق ثلاثا، ورأي أن معي ~~إلى شهرين فلم تنم معه -كما قال- حتى مضت أربعة أشهر من حين حلف أن الطلاق واقع. # وإن نامت معه قبل انقضاء الشهرين ولم يطأ جنة ليمينه حتى مضت أربعة أشهر ~~بانت منه بالإيلاء. وقال بعض: إذا لم يطأ حتى تمضي أربعة أشهر بانت منه ~~بثلاث تطليقات كما طلقها. وإذا وطئها قبل أن تجي تنام ||معه|| -كما قال- ~~فسدت عليه أبدا. وإذا لم تنم معه حتى ينقضي شهران -كما حلف- ولم تكن نامت ~~معه فإنها تطلق ولا يدخل عليها إيلاء على هذه الصفة، وقد طلقت. وإن نوى ~~بقوله: إن لم تنم معه ويطؤها فلم يكن كذلك حتى مضى شهران منذ حلف، فإنها ~~تطلق ثلاثا كما قال، والله أعلم. # 124- باب: # مسألة في الظهار # - وسأل عن الظهار، أهو طلاق؟ PageV03P121 # قيل له: الظهار هو طلاق الجاهلية، فنسخ الله الطلاق بلفظه، وبقي حكم ~~الظهار، وإنما سمي الظهار ظهارا؛ لأن الظهر مركوب والمرأة كذلك، فإذا حرمها ~~على نفسه بالظهار لزمته الكفارة، كما قال الله تعالى: {والذين يظاهرون من ~~نسائهم ثم يعودون لما قالوا}؛ معناه: ثم يعودون ms681 إلى جماع الزوجات بعد أن ~~يحرموهن بالظهار، { فتحرير رقبة} على كل مظاهر، { من قبل أن يتماسا} من قبل ~~أن يجامع؛ وإنما المس هاهنا هو الجماع، {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين ~~من قبل أن يتماسا}، من قبل أن يجامع، {فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك ~~لتؤمنوا بالله ورسوله وتلك حدود الله}؛ معناه: سنة الله /634/وأمره فيما ~~ذكر من كفارة الظهار، وإن الله لعفو غفور. # فمن ظاهر من امرأته لم يحل له جماعها حتى يعتق إن كان يقدر على العتق، ~~فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع الصيام أطعم ستين مسكينا ~~أكلتين غداء وعشاء، أو أعطاهم حبا، كل مسكين نصف صاع برا، أو ثلاثة أرباع ~~الصاع ذرة أو شعيرا، ولا يطعم مملوكا ولا ذميا في قولنا. # فمن قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي، فقد حرمها على نفسه بالظهار، ولزمته ~~الكفارة، ولا يجوز له جماعها حتى يكفر. فإن جامع قبل أن يكفر حرمت عليه أبدا. # وإذا قال: إن فعلت كذا وكذا فأنت علي حرام كظهر أمي، فلا يلزمه الظهار ~~حتى يفعل؛ فإذا فعل ما حلف عليه لزمه الظهار. # وإذا قال: إن لم أفعل كذا وكذا فأنت علي كظهر أمي فإنه لا يطؤها، فإن وطئ ~~قبل أن يفعل ما حلف حرمت عليه، ولو كفر ثم وطئ لم يجزه. # فإن مضت أربعة أشهر ولم يفعل بانت منه بالظهار في مدة الأربعة في قولنا. PageV03P122 # وإن فعل ما حلف عليه قبل أن تنقضي أربعة أشهر، فقد بر وهي زوجته، وله ~~وطؤها ولا كفارة عليه. # وإن تركها بعد أن فعل وبر حتى مضت أربعة أشهر بانت منه بالظهار على قول، ~~وقول: لا تبين؛ لأنه قد بر وهي مباحة له. # وإن تركها حتى فاتت بالظهار ثم أراد تزويجها فله ذلك، وليس له أن يجامعها ~~حتى يكفر كفارة الظهار؛ لأنه فر من شيء لزمه. # وإذا قال لامرأته: هي عليه كظهر أمه أو أخته أو ابنته أو عمته أو خالته، ~~أو ابنة ابنه أو ابنته، أو رجل، ms682 أو أزواج النبي ^، أو كظهر مجوسية، أو كل ~~من يحرم عليه نكاحه على الأبد، فهو مظاهر وعليه الكفارة. # وأما إن قال: هي عليه كظهر هذه المجوسية مجوسية بعينها، فلا يكون ظهارا؛ ~~لأنها لعلها تسلم ويتزوج بها. # وكذلك كل من يمكن تزويجه من بعد، ممن هو محرم عليه في الوقت، فلا يقع في ~~ذلك ظهار. # وإذا قال: هي عليه كأمه أو أخته أو عمته أو خالته أو كالرجل. أو قال: هي ~~عليه حرام مثل أمه وعمته وخالته وابنته، ومثل الحمار، فإن هذا مختلف فيه: ~~قال قوم: يكون ظهارا. وقال آخرون: لا يكون ظهارا، وعليه كفارة يمين. # فأما إن قال لزوجته: أنت مثل أمي أو أختي، فلا يكون ذلك ظهارا ولا يمينا ~~/635/ إلا أن يريد به تحريمها، فعلى قول: لم يحرموا عليه بالبينة، وأما ~~بالقول فلا؛ لأنه يمكن أن تكون مثل أمه في البر والكرامة، فلا تكون حرمة بذلك. # ومن ظاهر من أربع نسوة بمرة واحدة فعليه كفارة واحدة. وإن فرق بينهن فلكل ~~واحدة كفارة. وإن حلف مرارا على شيء واحد فإنها كفارة، وليس الظهار ~~كالطلاق. # وإن صام المظاهر ثم عناه مرض أو أمر أفطره، فإذا رجع أو صح أتم صومه ~~متصلا، وقال قوم: يصوم متتابعا ولا يفطر؛ فإن أفطر انتقض صومه. PageV03P123 # ويجوز العتق في الظهار على قول: رقبة يهودية، أو صبي إذا عاله حتى يبلغ، ~~وقد أجازوا عتق أعور بعين إذا كان سليم الجوارح، يقدر على المكسبة على ~~نفسه. وقال قوم: لا تجزئه إلا رقبة مؤمنة، كما قال الله تعالى. # فمن لم يجد العتق فيصوم، فإن وجد العتق وهو صائم فعليه العتق ما لم يقض ~~الصيام، فإن وجد العتق من بعد قضاء الشهرين لم يلزمه عتق. # ومن أعتق صبيا عاله حتى يبلغ. فإن مات قبل بلوغه كان الذي بقي من نفقته ~~يجعله في رقبة أخرى تعتق، أو يعول بها صبيا إلى بلوغه، أو يفرقه على ~~الفقراء، ولا يجوز عتق المدبر عن الظهار. # ومن ظاهر من أمته ولم يكن معه عتق أعتقها، ms683 ولا يجزئه الصيام، ومن أعتق ~~عبد ولده عن ظهار أجزئ عنه؛ لأنه قد أتلفه على قول. # ومن ظاهر وله عبيد فلم يكفر حتى مات عبيده لم يجزه الصيام. # ومن لم يقدر على الصوم فمضى شهران ولم يصم، ثم مرض في الشهرين الآخرين من ~~الأجل، لم يجزه أيضا الإطعام. # ومن أعتق عن ظهار عبدا له فيه شريك أجزأه؛ وينوي في عتقه لشريكه ضمان ~~حصته، ومن لم يجد عتقا، وكان عليه الصوم فلم يصم حتى مضت ثلاثة أشهر أو ~~أكثر من شهرين، ثم أراد أن يطعم فإنه لا يجزئه الإطعام، وهو مفرط غير معذور ~~إلا أن يكون له عذر من مرض أو أمر خاف أن لا يقدر على الصوم لضعف في بدنه ~~وهو صحيح فلا يجزئه على قول الإطعام ، حتى يصوم ويجهده الصوم ويخاف على ~~نفسه منه؛ أطعم. # ومن صام لكفارته شهرا ثم مرض؛ فليطعم ستين مسكينا. فإن مرض شهرا أو أقل ~~أو أكثر ثم صح فأدرك أن صام الشهر فليصم الشهر الثاني من حين ما صح في ~~الأربعة أشهر فقد /636/ أدرك وقد اكتفى بذلك، وإن مضت أربعة أشهر وهو مريض، ~~وقد أطعم ستين مسكينا أجزأه؛ لأنه لم يستطع الصوم، وإن بقي في مرضه فلم يصم ~~ولم يطعم بانت منه امرأته. PageV03P124 # وفي الحديث: أن أنصاريا ظاهر من امرأته في عهد رسول الله ^ فاشتكت امرأته ~~إلى النبي ^ فنزلت فيها آية الظهار، وأن رسول الله ^ أمره بتقديم ما قدم ~~الله، فقال له الرجل: لا أجد، فأمره بالطعم، فقال له: لا أجد، واعتذر من ~~جميع ذلك. فقيل: إن رسول الله ^ أمر له بصدقة بني زرق كلها أن يأخذها، ~~وأمره أن يطعم عن يمينه ستين مسكينا عن كفارة ظهاره، ويستعين بالباقي منها ~~على زمانه، وقد حد له ^ شيئا غاب عني. # واختلفوا في الذي يصوم شهرا ثم يمرض؛ فقال قوم: يطعم ستين مسكينا، فإذا ~~صح فليصم شهرا. وبعض: أوجب أن الطعم قد أجزأه لذلك. وبعض قال: إن أفطر في ~~الشهر لأمر عناه بقدر ما يجيء، فإنه إن ms684 أوصل صوم البدل وإلا انتقض عليه ~~ذلك. وقال قوم: ليس الظهار بأشد من شهر رمضان، وإذا أكمل الشهرين فمتى أبدل ~~أجزأه. وقال بعضهم: من كان تمام صومه يوم النحر فلا عذر له إذا كان ذلك عن ~~الظهار؛ وتبين منه امرأته إذا انقضت أربعة أشهر. # وإن صام شعبان عن كفارته ثم دخل رمضان فصامه، وأفطر يوم الفطر، ثم صام من ~~حينه شهرا إلى شعبان، وكان ذلك كله في أربعة أشهر فقد أجزأ ذلك عنه. # وإن لم يكن بقي من أجل الظهار ما يكون صومه بعد شهرين داخل فيه، بانت منه ~~امرأته إذا لم تتم كفارته في الأربعة أشهر أيضا؛ فإذا أفطر يوم الفطر ولم ~~يتم صومه فرأي أنه إذا أفطر يوم الفطر انتقض عليه ما كان صام لكفارة الظهار ~~على قول، ما لم يوصل صومه في الأربعة الأشهر عندنا. # فإن صام بعد يوم الفطر تمام الكفارة في الأربعة تم صومه. # وإذا صام المظاهر شهرا من كفارته ثم طلق امرأته وأتم صيام الكفارة وهي ~~بائنة عنه، ثم ردها أجزأته تلك الكفارة. # وكذلك لو كفر الكفارة كلها من بعد أن طلق ثم رجع فردها أجزأته تلك ~~الكفارة. /637/ وإن كفر وهي بائنة عنه ثم تزوجها أو ردها أجزأته تلك ~~الكفارة. PageV03P125 # وإن ترك المظاهر صوم الشهرين الأولين، وصام الشهرين الباقيين أجزأه ذلك، ~~فإن تسحر في الشهرين مصبحا أو كان عليه بدل يوم من الشهرين لبعض الأسباب ~~التي له فيها العذر؛ أبدله في الشهر الخامس، ولا بأس عليه؛ لأنه قد كان ~~صومه إلا أنه قد انتقض بسبب له فيه عذر، فلا بأس أن يبدله في الخامس، وأما ~~المتعمد فلا عذر له. # و الذي ظاهر من امرأته ثم ترك شهرا لم يصم ثم صام الشهر الثاني ثم مرض ~~حتى بقي أقل من شهرين ما يخاف الفوت عند الصوم، فقالوا: فاتته امرأته، وليس ~~له أن يطعم؛ لأنه فرط ولم يصم من حين ما ظاهر. # وقد قيل: إن المظاهر إذا ضيع يوما واحدا من أول الأجل فقد ضيع، وإن ms685 عاقه ~~أمر عن تمام الصيام لم يجتز بالإطعام عندهم. # ولو ضيع الصيام وفرط فيه ثم وجد العتق فأعتق أجزأه ذلك، إذا كان ذلك في ~~الأجل الذي أجل له فيه. # ولو أنه صام من أول الأجل شهرا، ثم مرض ثم خاف الفوت ولم يطق الصوم، وقد ~~صام شهرا؛ أجزأه أن يطعم ستين مسكينا، وقد قيل: ثلاثين. # وقد اختلفوا في الذي لا يقدر أن يصوم إلا شهرا، ولا يقدر يطعم ستين ~~مسكينا؛ فقال قوم: يصوم شهرا |واحدا|، ويطعم ثلاثين مسكينا، ويجزئ عنه، ~~وبعض لم ير ذلك. # وقد قيل: إن صام شهرا ثم مرض؛ فقال قوم: يطعم عن كل يوم مسكينا؛ لأنه لم ~~يفرط، وهذا لم يتفق عليه؛ وإنما المفرط هو الذي يتوانى في الكفارة حتى يبقى ~~أقل من شهرين، ثم يبدو له أن يصوم؛ فإنه إن لم يقدم فاتته امرأته، ولم يجزه ~~الإطعام. # والإطعام إنما هو لمن لم يستطع الصوم، فإنه يطعم ستين مسكينا أكلتين غداء ~~وعشاء، أو أكلة بعد أكلة، أو يطعم أكلة ثم إن تركهم أياما ثم أطعمهم ~~بأعيانهم أجزأه إذا لم يغب منهم أحد، فإن غاب منهم أحد أطعم مسكينا أكلتين. PageV03P126 # فإن جهل وظن أنه يجزئه إذا أطعم ستين مسكينا أكلة واحدة ووطئ امرأته؛ فقد ~~اختلفوا في ذلك: فقال قوم: تفسد عليه. وقال آخرون: لا تفسد عليه إذا أطعم ~~الأكلة الثانية، وإن ماتوا أو غابوا ولم يقدر على أحد منهم حتى تمضي أربعة ~~أشهر بانت منه امرأته. # وكذلك إن ارتد أحد ممن أطعم أو استغنى /638/ فلا نأمن أن تفوته امرأته ~~إذا كان وطئ، فأما إن لم يكن وطئ فليطعم غير أولئك. وقد قيل: إن غابوا أو ~~ماتوا، أطعم ستين مسكينا أكلتين. # وقد روي عن النبي ^ أن رجلا ظاهر من امرأته فلم يجد عتقا، وأطعم ستين ~~مسكينا غداءهم، ثم وطئ زوجته، ثم جاء إلى النبي ^ فقال: "إني ظاهرت من ~~امرأتي فغديت ستين مسكينا، ثم عجلت فوطئت امرأتي". فقال له النبي ^ : «فما ~~أنت جدير أن تصنع؛ اذهب فعشهم ولا بأس عليك ms686 في أهلك»، وإنما ذلك لمن أطعم ~~ستين مسكينا، كما قال الله. # فأما من أطعم ثلاثين ولو أكلتين ثم وطئ فسدت عليه. # ويطعم في الكفارة من أخذ جوزته من الطعام، وليس لذلك حد ولكن بالنظر، ~~فإذا قالوا: إنهم قد شبعوا أجزأ، وأحب أن يسألهم. # فأما البالغ فهو مجزئ ولو كان قليل المرزأة. وأما المريض فلا يجزئ أن ~~يطعم، ولكن جائز أن يعطى بالكيل. # واختلفوا في الصبي أن يعطى أو يعطي له أبوه أو من يعوله؛ فأجازه قوم، ولم ~~يجزه آخرون، وأجازه الأكثر. # وأما الصبي الذي قد أكل الطعام إذا كان لم يأخذ جوزته من الطعام إن أعطى ~~له من يعوله فأطعمه ذلك ورده عليه؛ أجزأه على قول، إذا رده عليه فإذا ~~استفرغه أجزأه. # ومن أطعم عن كفارة ظهاره ثلاثين وأعطى ثلاثين، فقد قيل: يجزئه. والإطعام ~~يطعمهم ما يشبعهم ولا ينقص عنهم، فإذا قالوا: إنهم قد شبعوا فهم المصدقون. PageV03P127 # وإذا أطعم المظاهر المساكين ثم قدر على الصوم فقد اكتفى بالإطعام، وإن ~~بقي شيء من المساكين، فقد قيل: إنه يجزئ عنه. # وإذا أعطى المظاهر من البر أعطى منه نصف صاع أو ثلاثة أرباع ذرة، ومن ~~الشعير ثلاثة أرباع. وقال قوم: من ذرة الباطنة مكوك لكل مسكين، وبعض جعل ~~الشعير مثل البر. # ومن أطعم المساكين ثم علم أن فيهم غنيا أو مملوكا ثم وطئ، وإنما علم بعد ~~أن وطئ؛ فسدت عليه امرأته، وإن علم قبل أن يطأ أطعم مكانهم فقيرين ولا فساد ~~عليه، وإن أطعمهما قبل أن تمضي أربعة أشهر ويدرك زوجته. # وقد اختلفوا فيمن أطعم أهل الذمة. ونحن فلا نأخذ بقول من قال: بإطعام غير ~~أهل الإسلام في الكفارة. # والذي ظاهر ولم يطق الصوم ولم /639/ يجد العتق وأطعم ستين مسكينا، كل ~~مسكين ربع حب؛ أنه عند بعض الفقهاء كمن أطعم ستين مسكينا أكلة واحدة. # ومن لزمه كفارة عن ظهار فأعطى رجلا ثقة يطعم عنه، فقال إنه أطعم عنه ستين ~~مسكينا؛ فإنه يقبل منه إذا قال له: إنه قد أطعم عنه. # ومن لم يجد ms687 في قريته ستين مسكينا أطعم من وجد، وأطعم الباقي في أقرب ~~القرى إليه من الفقراء. # وقد قيل: إن المظاهر إذا كان صائما فلا يسفر المظاهر إلا أن يتم صومه، ~~إلا أن يكون ظاهر وهو مسافر، وليس له أن يفطر؛ لأن الله قد أوجب صوم ذلك ~~متتابعا. PageV03P128 # وقد قيل في رجل ظاهر فمرض شهرا، ثم صام شهرا، ثم مرض فلم يقدر أن يصوم؛ ~~فإنه يطعم ثلاثين مسكينا قبل أن تمضي أربعة أشهر، ولا يقرب امرأته حتى يصوم ~~شهرا إلى الشهر الذي قد كان صام من حين ما صح، ثم يجامع فإنه عسى إن لم ~~يدرك بالصوم أدرك بالإطعام. وأقول: إن ذلك في الأربعة أشهر. فأما إن ترك ~~الوطء حتى تنقضي أربعة أشهر، ثم يصوم الشهر فأخاف أن تفوت امرأته، قال ~~الله: {من قبل أن يتماسا}، يعني: الوطء؛ لأنه لو عبث بها دون الفرج لم تفسد ~~عليه، ولو قذف لم تفسد عليه ما لم يجامع الجماع الذي يجب عليه به الغسل أو ~~الحد في الفرج. # وقالوا: إن مس فرجها أو نظر إليه قبل أن يكفر؛ فلا فساد عليه. # وإن عبث بها -عندهم- في غير الفرج فسالت النطفة حتى دخلت في الفرج بلا أن ~~يدخلها فليس ذلك مثل الوطء. وإن تعمد لإدخال النطفة في الفرج فهو عندهم كمن ~~جامع ووطئ في الفرج، ولا بأس بنومه عندها ما لم يجامع في الأربعة. # والظهار هو أن يقول الرجل: هي علي كظهر من يحرم علي نكاحه أبدا، ممن كان ~~مثل أمه أو أخته أو عمته أو خالته، أو رجل، أو دابة، أو غير ذلك مما لا يحل ~~له نكاحه أبدا فهو ظاهر, ولو ظاهر منها يوما واحدا أو ساعة لزمه الظهار ~~وحرم وطؤها حتى يكفر. # وكذلك لو قال: هي عليه كظهر رجل أو أخته فهو ظهار. وأما اليهودية فإذا ~~قال: هي عليه كظهر يهودية فلا ظهار، ولو قال: كزوجة أخيه لم يكن ظهارا. # وقد وجدت في الأثر: أن المحدودة أو الملاعنة والتي وطئت حراما أنه ليس ~~ظهار ms688 فيهن، فإن كان ملاعنة عنده /640/ أو محدودة في قذف، أو واطئ بغلط، فلا ~~يكون ظهارا. # فأما المحدودة في الزنا والتي لاعنها هو، أو زنى بها في غير غلط، الله ~~أعلم في ذلك. PageV03P129 # وفي الظهار فيه وهي عند أصحابنا تحرم عليه على الأبد بعد لعانه وزناه، ~~والمحدودة على الزنا، ولا يحل لمسلم أن يتزوج بها في قول أصحابنا؛ فنحب أن ~~تكون عندهم في الظهار كالمحرمة على الأبد لمن لاعنها، والله أعلم بذلك فسل ~~عنه وتدبره وشاور فيه. # وإذا قال: امرأته عليه كأمه أو كيدها أو عضو منها، أو كشعرها مما هو غير ~~بائن منها، وأراد به الظهار؛ فهو على قول ظهار.وإن أرسل القول لم يكن ذلك ~~ظهارا، وقال قوم: ظهار. # وإن قال فلان: فلانة عليه كظهر أمه إن تزوجها؛ فقال قوم: عليه الكفارة، ~~وقال قوم: عليه الظهار والكفارة إذا تزوجها، ولا وقت عليه، ولا يجوز له أن ~~يلامسها حتى يكفر كفارة الظهار، وفي ذلك اختلاف، والله أعلم. # ومن قال: امرأته عليه كظهر أمه إن دخل إلى فلان، أو كلم فلانا، أو أعطى ~~فلانا كذا وكذا، أو فعل كذا وكذا؛ فلا ظهار حتى يفعل، وكلما فعل واحدا من ~~هذا حنث، ولزمه كفارة الظهار. وإن فعل ذلك جميعا فعلى قول: يلزمه في كل ~~واحد كفارة. وإن تركها حتى تبين بانت بالأول. وإن مضى الأجل الثاني وهي ليس ~~له بزوجة وهي بائنة منه لم يلزمه، وإن مضى الثاني وهي معه، أو قد ردها ~~بتزويج جديد لزمه الكفارة. فإن مضى الأجل ولم يكفر بانت منه بالظهار. # وإن قال: هي عليه كظهر أمه إن فعل كذا وكذا، ثم قال: هي عليه كظهر أمه إن ~~فعل كذا وكذا بشيء غير ذلك في مجلس واحد، أو في مجالس شتى؛ فلكل واحد ~~كفارة، وإن لم يكفر حتى تبين منه بالأول انهدم الثاني إذا فعل وهي بائنة ~~منه. وأما إذا تركها حتى تبين منه ويتزوجها غيره ولم يفعل ثم طلقها وتزوجها ~~هو أيضا ثم فعل؛ لزمته الكفارة الذي حلف عليه؛ ms689 لأنه لم يكن وقع بعد. PageV03P130 # فأما إن ظاهر ثم طلق فسبق أجل الطلاق أجل الظهار انهدم الظهار. فإذا وقع ~~كله في وقت واحد، فقد قيل: تبين بتطليقتين، وإن بانت بالظهار والطلاق ثم لم ~~يردها، ثم فعل وهي ليس بزوجة له انهدم الظهار، ولو تزوجها من بعد انقضاء ~~/641/ الطلاق. # فأما إن تزوجها ومضى أجل الظهار الذي حلف به وهي معه بانت بالظهار، وعلى ~~قول: تلزمه في كل هذا كفارة الظهار، ولا يطأ حتى يكفر ولا وقت عليه. ولو ~~كفر بعد أن مضى الأجل وبانت بالطلاق ثم تزوجها أجزت عنه تلك الكفارة. # وإذا قال لامرأته ليست بزوجة له: هي عليه كظهر أمه لم يكن عليه ظهار في ذلك. # فإذا قال: هي عليه كظهر أمه إن تزوجها؛ فعليه الكفارة ولا وقت عليه. وقال ~~قوم: هو ظهار ووقته كوقت الظهار. وقد قيل: لا ظهار في ذلك. وقد قلت: إنه إن ~~ظاهر منها إن تزوجها، ثم تزوجها أن الكفارة عليه ولا وقت عليه. وقلت: لا ~~يطأ حتى يكفر، وقد كثر الاختلاف. # والظهار من الزوجة الأمة كالظهار من الحرة، وفي الأجل اختلاف. # ومن ظاهر من أمته التي يطؤها، فلا يطؤها حتى يكفر، ولا يجزئه فيها غير ~~العتق. وإن لم تكن إلا هي فإنه يعتقها؛ لأنه يملك رقبتها. # ولا ظهار لعبد إلا بإذن مولاه. وإن أمره فظاهر كان ظهارا، والكفارة في ~~مال مولاه، ولا يطأ حتى يكفر عنه كفارة الظهار بإذن مولاه. وقال قوم: لا ~~يلزمه. ورأى: أنه إذا ظاهر بإذن مولاه؛ أن الظهار يلزمه، ويكفر بإذن مولاه. # فإذا آلى الرجل من امرأته وظاهر منها، فإذا خلا أربعة أشهر وبانت ~~بالظهار؛ انهدم الإيلاء إذا مضى أجله وهي بائنة. PageV03P131 # ومن لزمه كفارة الظهار ومات قبل أن يكفر؛ فقد قيل: لا شيء عليه؛ فإن ~~الكفارة إنما هي تحلة للزوجة، وقد مات ولم يصل إليها. وقد قيل: إن لامرأته ~~منه الميراث في الأربعة أشهر، فلعله إن انقضى أجل الظهار والإيلاء في يوم ~~واحد؛ فهما كفارتان. # والذي ظاهر من امرأته ثم ms690 خرج من قبل أن ينقضي أجل الظهار ولم يعلم أين ~~خرج، أو انقضى الأجل، قال: لا تبين؛ لأن القول في الكفارة قول الزوج، ولا ~~تزوج حتى يصح موته وإقراره أنه لم يكفر حتى انقضى الأجل. # والذي ظاهر من امرأته المفقود كان زوجها وكفر، فلما ردها علم بحياة ~~المفقود اعتزلها حتى مضت الأربعة أشهر؛ فإنها تفوته؛ لأنه لم يطأ في المدة. /642/ # ومن قال: امرأته عليه كظهر أمه يريد الطلاق؛ فهو طلاق. وقد قيل: لا ظهار ~~عليه. وقال قوم: هو ظهار وطلاق. # ومن قال لامرأته: إن دخلت دار فلان فهي طالق، وإن وقفت على بابه فهي عليه ~~كظهر أمه، وإن قضت من عنده حاجة فوالله لا أقربها، ففعلت ذلك كله؛ فقد طلقت ~~بدخول الدار، وعليه كفارة الظهار وكفارة اليمين. # فإن لم يردها من بعد الطلاق، حتى تمضي عدة الطلاق بانت بواحدة، وإن انقضت ~~عدة الطلاق انهدم الظهار، وإن لم تنقض عدة الطلاق حتى تمضي أربعة أشهر؛ ~~بانت بتطليقتين. # فإن وطئها وقد كفر من الظهار قبل انقضاء الأربعة أشهر، وقد ردها من ~~الطلاق؛ فعليه كفارة اليمين. # والذي يقول: إن لم يفعل كذا وكذا فامرأته عليه كظهر أمه، فإن لم يفعل حتى ~~تنقضي أربعة أشهر؛ بانت منه بالإيلاء، وإن وطئ فسدت عليه. # وإن مضت أربعة أشهر وتزوجها بعد أن بانت، فلا وقت ولا يطؤها حتى يكفر ~~كفارة الظهار. واختلفوا في الأجل. وإن وطئ فأخاف الفساد عليه. PageV03P132 # فأما قول مخالفينا أو بعضهم: إنه إذا قال: هي عليه كظهر أمه، ثم لم يكفر؛ ~~أن الظهار بحاله فلا يطأ حتى يكفر، وليس وقته كوقت الإيلاء؛ لأن معهم أن ~~هذا أصل وذلك أصل آخر. وإذا ظاهر لزمه كفارة الظهار، كما أنه لا ينقل كفارة ~~الإيلاء إلى حكم الظهار. قال: ودليل ذلك أن الظهار لا ينتقل إلى حكم الطلاق ~~بإجماعهم، وهو إلى الطلاق أقرب من الإيلاء، وقولنا قول أسلافنا. # وإذا آلى الرجل من امرأته ثم طلقها واحدة، فإنه ينظر إلى مدة الإيلاء، ~~وتلزمه مدة العدة. فإذا انقضت عدتها قبل ms691 مضي أربعة أشهر لم يقع عليها ~~إيلاء، وإن مضت الأربعة أشهر قبل أن تنقضي عدة الطلاق؛ وقع عليها الإيلاء ~~بتطليقة بائنة؛ لأن الطلاق البائن يقع على الرجعي ما دامت في العدة، ~~والطلاق كله يتبع الطلاق في العدة. # ولو قال رجل لامرأته: أنت طالق إن فعلت كذا وكذا، ثم طلقها قبل أن تفعل، ~~ثم انقضت العدة ثم فعلت لم يقع بها إيلاء، وانهدم بانقضاء العدة من الطلاق. # وفي بعض القول: إذا بانت المرأة المؤلى عنها بتطليقة بائنة ثم تزوجها ~~بنكاح /643/ مستأنف؛ فإنه يعود حكم الإيلاء. ومتى مضى عليها أربعة أشهر من ~~وقت ما تزوجها الزوج بانت منه بتطليقة بائنة، وذلك عندي إذا لم يف الزوج ~~على قول. فإن تزوجها فإن حكم الإيلاء باق، فمتى مضت أربعة أشهر مذ تزوجها ~~وقعت عليها تطليقة ثالثة، وسقط حكم الإيلاء بوقوع الثالثة. # فإن تزوجت زوجا آخر ودخل بها وفارقها، ثم تزوجها هذا الزوج الأول لم يعد ~~حكم الإيلاء. # وكذلك إنما يملك من طلاقها بالمراجعة فوقع الإيلاء على تطليق الملك، فما ~~دام شيء من تطليق الملك باقيا فالإيلاء باق، فإذا نفد طلاق الملك سقط ~~الإيلاء؛ لأنه انعقد على تطليق ذلك الملك. PageV03P133 # فإن تزوجها بعده زوج آخر فقد تجدد عليه الملك ولا يعود الإيلاء. فأما إذا ~~بانت بالإيلاء بواحدة ثم تزوجت زوجا غيره ثم فارقها فتزوجته ثانية، فقد ~~اختلفوا في مثل ذلك في الإيلاء، إن يكن باقيا أو زائلا. والله أعلم. # 125- باب: # مسألة: في الخيار # - وسأل عن الخيار، ما هو؟ # قيل له: أن يخير الرجل زوجته أن تختاره أو تختار الطلاق أو نفسها. فإن ~~قال لها: اختاريني أو اختاري نفسك -يريد الطلاق- فاختارت نفسها؛ كان طلاقا. ~~وإن اختارته لم يكن طلاقا. # فإن قال لها: اختاريني أو اختاري أمك أو أباك؛ فاختارت أمها وأباها لم ~~يكن طلاقا حتى تريد به الطلاق. # وأما إذا خيرها بينه وبين نفسها فاختارت نفسها؛ فعلى قول: إنه يكون ~~طلاقا، وإن لم يرد به الطلاق. وقال آخرون: لا يكون طلاقا حتى يريد به ~~الطلاق. # وقد ms692 روي أن رسول الله ^ خير نساءه فاخترنه فلم يكن طلاقا. وقد روي عن ~~عائشة أنها قالت: "خيرنا رسول الله ^ فاخترناه فلم ير به طلاقا". وقد روي ~~عن رسول الله ^ أنه قال لعائشة: «ولا عليك أن [لا] تعجلي حتى تستأمري ~~أباك»، وقد وجدت أنها قالت: "ما أريد أن أستأمر أو أشاور، بل أختار الله ~~ورسوله ^ والدار الآخرة"، وتابعها نساء النبي ^ على ذلك، فلم ير ذلك طلاقا. ~~وذلك قول الله تعالى لنبيه: {قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا ~~وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن /644/ سراحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ~~ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما}، فخيرهن ^ ~~فاخترنه، ولو اخترن الدنيا لسرحهن كما سرح التي اختارت منهن الدنيا على ما قيل. PageV03P134 # فإذا خير الرجل امرأته فاختارت نفسها؛ فهي تطليقة واحدة. قال قوم: رجعية. ~~وقال آخرون: بائنة. وقال قوم: غير ذلك. فإن اختارته ولم تختر نفسها فليس ~~بشيء، كما روي عن عائشة <. # وإن خيرها بينه وبين فلان، ولا يريد بذلك طلاقا؛ فليس بشيء حتى يريد به ~~الطلاق. # وقد قيل: إن لم تختر نفسها في المجلس حتى ينفرقا أو يجامعها أو يرجع ~~عليها خرج ذلك الخيار من يدها؛ ولأن الخيار تمليك، والتمليك يقتضي جوابا، ~~وذلك مثل أن لو قال: قد بعتك مالي هذا؛ اقتضى من المشتري جوابا، فإن تم في ~~المجلس تم، وإن لم يجبه بطل الاختيار في البيع وغيره؛ فإن رد الجواب في ~~المجلس وقع، وإن لم يوجد بطل. # فأما قول النبي ^ لعائشة: «لا عليك أن تعجلي حتى تستشيري أباك»؛ فإنه ~~يمكن بأن أباها كان حاضرا ولم يعلم أنه جعل لذلك مدة ولا غير ذلك. # وقول أصحابنا: إن الخيار لها ما داما في مجلسهما؛ فإذا تفرقا خرج الخيار ~~من يدها، وإن ارتجعه أو جامعها خرج ذلك من يدها. وإن قال قائل: إذا كان ~~الاستشارة اشتغالا خرج من يدها. # قيل له: إن شغل الاختيار لا يبطل الخيار، فأما الاستشارة بغير الاختيار ~~فذلك اشتغال لغيره، ويبطل اختياره؛ لأنه ليس من أجناس الخيار، ms693 والاشتغال ~~بعمل الاختيار ليس باشتغال. # ولو خيرها وهما في سفينة يسيران أو على دابة فنزلا من عليها فهو في يدها ~~ما لم يفترقا أو يطأها أو يرجع فيه عليها. وقال بعض أصحابنا: هو في يدها ما ~~كان في مجلسهما، ولو صلت أو أكلت فهو في يدها، وليس ذلك مما يخرجه من يدها. # ولو خيرها وهي قائمة فقعدت أو متكئة فاستوت، أو مستلقية فقعدت؛ أن ذلك لا ~~يبطل خيارها؛ لأن ذلك من عمل الخيار. # وإن اشتغلت بعمل ليس من أجناس الخيار في شيء لبطل الخيار. PageV03P135 # وقال بعض مخالفينا: لو أكلت أو كانت قاعدة فقامت /645/أنه يبطل خيارها؛ ~~فهذا عند أصحابنا لا يبطل خيارها ما لم يفترقا من المجلس، أو يجامعها أو ~~يرتجعه منها. # فأما إذا قال لها: اختاريني أو اختاري الطلاق، فاختارت الطلاق طلقت، وإن ~~اختارته لم تطلق. فأما إذا قال لها: اختاريني أو اختاري نفسك، فقالت: قد ~~طلقت نفسي، فإن عنى الطلاق طلقت، وإن لم يعن الطلاق فليس قولها بشيء. وإن ~~قال: أمرك بيدك فقالت: قد طلقت نفسي ثلاثا فذلك طلاق ما جعل الزوج، والله ~~أعلم. وفي هذا نظر، ولم أره يلزمه. # وإن قال: أمرك بيدك، فقالت: قد طلقت نفسي، فإن عنى الطلاق طلقت، وإن لم ~~يعن الطلاق، فليس قولها بشيء. # وإن قال: أمرك بيدك، فقالت: قد طلقت ثلاثا فذلك إلى الزوج، فإن قال: إنما ~~عنى واحدة فليس إلا واحدة. وإن لم يرد واحدة وأرسل القول جاز ما طلقت؛ لأنه ~~جعل أمر طلاقها إليها. # وإن قال: أمرك بيدك إذا هل الهلال، فإن لم يرجع عليها أو يطأها حتى يهل ~~الهلال؛ فلها أن تطلق نفسها ساعة ترى الهلال، وإلا فلا شيء في يدها. # وإذا قال: أمرك بيدك، يريد الطلاق فطلقت نفسها مرسلة قبل أن يفترقا فهي ~~ثلاث تطليقات، إلا أن تسمي واحدة أو اثنتين فهو كما سمت، وإن سمى فهو كما ~~جعل في يدها وليس لها في ذلك نية. # وإن جعل طلاقها في يد رجل ولم يسم له، فطلق الرجل ثلاثا، ms694 واحتج هو إنما ~~جعل واحدة لم يقبل منه ذلك، وقد طلقت ثلاثا. # ومن خير جاريته التي تسراها فاختارت نفسها؛ فقد قال بعض: إنه يجري مجرى ~~الطلاق، وأما أنا فرأيته كالعتاق. # وإذا قال لأمته أنت طالق؛ فقال قوم: إنها تعتق. فقال من قال: لا تعتق. ~~وقال آخرون: لا تعتق ولا يطأ ولكن تخدمه حتى يموت ثم هي حرة. PageV03P136 # ومن خير زوجته وهي أمة فاختارت نفسها، فذلك قد قيل: إلى سيدها. فإن أمضى ~~ذلك بانت منه. وعلى قول: إذا جعل الزوج طلاق زوجته وهي أمة في يدها، أو ~~خيرها بينه وبين نفسها يريد الطلاق، فاختارت نفسها أو طلقت؛ فقد وقع ~~الطلاق، ولو كره السيد. والأمة إذا أعتقت فلها الخيار. /646/ # وقد اختلفوا إذا كانت مع الزوج الحر؛ فقال قوم: لها الخيار أيضا، وقد خير ~~النبي ^ بريرة حين عتقت، فاختارت نفسها، وأجاز النبي ^ خيارها، وأوجب عليها ~~عدة الحرة. وقالوا: إن زوجها كان مملوكا. وقال قوم: إنه كان حرا. # وإذا اختارت نفسها خرجت بتطليقة بائنة، وهي أملك بنفسها، وليس له ردها ~~إلا أن يتفقا على الرجعة فبنكاح جديد، وتكون معه على تطليقتين. وقد قيل: إن ~~رسول الله ^ قال لبريرة: «ترجعين إلى زوجك مغيث؟» فقالت: بأمرك؟ قال: «إنما ~~أنا شفيع»، فأبت أن ترجع إليه. # وإن تزوج المختارة زوج غير زوجها ثم تزوجها هو من بعده إنما تكون معه ~~بثلاث؛ فقال قوم: بما بقي. # واختلفوا أيضا في المختارة نفسها: قال قوم: تخرج بطلاق. وقال قوم: تخرج ~~بلا طلاق. وإن لم تختر المعتقة نفسها حتى يطأها زوجها؛ فلا خيار لها إلا أن ~~تكون لم تعلم بالعتق، فلا يزول الخيار منها حتى تعلم بالعتق، وما يطؤها ~~زوجها بعد أن علمت بالخيار، ثم لا خيار لها بعد الوطء. # وإن قالت: علمت بالعتق ولم أعلم أن لي الخيار؛ لم تكن ذلك حجة لها. # والحرة إذا كانت عند مملوك فعتق؛ فقال قوم: لا خيار لها. وقال آخرون: لها ~~الخيار. وأنا أقول: لا خيار لها؛ إنما الخيار يكون لمن كان لا يملك خياره ms695 ~~ثم عتق، أو لصبي إذا بلغ. فأما امرأة بالغة راضية بتزويج عبد ثم عتق؛ فقد ~~صار حرا أشرف لها فلا خيار لها. # والحرة إذا تزوج عليها الزوج الأمة؛ فعلى قول: لها الخيار، وإن لم تختر ~~حتى يطأ فلا خيار لها. PageV03P137 # وإذا ملكت المرأة زوجها أو شيئا منه فقد انفسخ النكاح. فإن عتق أو أعتقته ~~ورضيت بتزويجه؛ تزوجها بنكاح جديد، ولم تكن منه عليها عدة. وإن وطئها قبل ~~تجديد النكاح حرمت عليه أبدا. # 127- باب: # مسألة: في المفقود # - وسأل عن المفقود، من هو؟ وكيف يكون؟ وكم أكثر مدته؟ # قيل له: المفقود عند أصحابنا هو: الذي تكسر به السفينة ثم لا يدرى أمات ~~أم نجا. وكذلك الذي يحمله السبع والسيل ولا يدرى ما حاله؟ والذي يكون في ~~الدار فتحرق وهو فيها، أو تنهدم /647/ عليه ولا يدرى أمات أم حيي، ولا يدرى ~~ما حاله. والذي يكون في الحرب؛ فهذا حكم المفقود عندهم. # والذي يكون في الحرب فذلك حكمه عندهم مفقود. والذي يكون في صف العدو ثم ~~تنجلي الحرب ولا يدرى أنجا أم قتل؛ فذلك مفقود. # ومدة المفقود عند أصحابنا: أربع سنين؛ لأن الاختلاف في مثل هذا. # [أحكام المفقود]: # وإذا جاوز أربع سنين مذ يوم فقد أماته أهله، وقسموا ماله، وطلق الولي ~~زوجته، واعتدت أربعة أشهر وعشرا ثم تزوج، وإن لم يكن له ولي أو كره أن ~~يطلقها طلقها الحاكم، واعتدت عدة المميتة، وتأخذ صداقها من مال المفقود ~~وميراثها، ولا تتزوج حتى يطلقها وليه، وتنقضي العدة، وما لم تنقضي عدة ~~الفقد فمال المفقود له، ودينه ووصاياه تؤدى، ولا تزكى دراهمه حتى يعلم ~~موته، ونفقة بنيه وزوجته في ماله. # وإن مات أحد ممن يرثه المفقود ورثه مع ورثته حتى تنقضي أربع سنين، فإذا ~~تمت الأربع السنين أماته ورثته وجاز قضاء الوصية، وطلقت زوجته، وقسم ما بقي ~~من المال بعد الوصايا. PageV03P138 # وإن علم للمفقود بعدما تزوجت زوجته زوجا غيره، اعتزلها زوجها الأخير حتى ~~يقدم زوجها الأول، فإذا قدم خير بين زوجته وبين أقل الصداق من الصداق الذي ms696 ~~عليه والصداق الذي على الزوج الأخير؛ فإن اختار أقل الصداقين أخذه، وكانت ~~المرأة مع زوجها الأخير على نكاحهما الأول منه، وإن اختار زوجته فهي زوجته، ~~ولا يطؤها حتى تعتد من الزوج الأخير ثلاث حيض إذا كان الأخير قد جاز بها. ~~وإن كانت ممن لا تحيض فعدتها ثلاثة أشهر. وإن كانت حاملا فحتى تضع حملها. # وإن كانت زوجته أمة فهي والحرة في انتظار الفقد سواء، فإذا تربصت أربع ~~سنين منذ فقد زوجها ثم يطلقها وليه ثم تعتد بعد أن تطلق شهرين وخمسة أيام ~~عدة المميتة، وتأخذ صداقها، وتزوج إن شاء مولاها. # وإن كان المفقود عبدا فالعدة فيه والحر سواء، ويطلق زوجته سيده. فإن قدم ~~وقد تزوجت زوجته وكانت أمة فوطئها سيدها؛ فالخيار له مثل ما للحرة؛ سل فإن ~~ذلك للمولى، وقد طلق المولى فانظر فيه. /648/ واليهودية والنصرانية مثل ~~الحرة في هذا. # وإن توفي المفقود بعد أن صحت حياته، وبعد أن طلق الولي؛ فإن العدة منذ ~~يوم مات. # فإن كانت تزوجت فرق بينهما واعتدت بقية عدتها من المفقود، ثم يتزوجها إن ~~شاء بنكاح جديد، ولا عدة له عليها منه من بعد انقضاء عدة المفقود عدة ~~المميتة من الأول. # وإن لم يتزوجها الأخير وقد دخل بها وأرادت تزوج، فلا تزوج حتى تعتد من ~~الأخير بعد عدتها من الأول ثلاثة قروء إن كان الأخير قد جاز بها. وإن تكن ~~ممن لا تحيض فثلاثة أشهر. وإن كانت حاملا فحتى تضع حملها، وإن اختار ~~المفقود زوجته وقد تزوجت أزواجا وماتوا ردت الميراث. وقد قيل: إن الميراث ~~لها؛ لأنها تزوجت بالسنة. PageV03P139 # وأما إن كانت حاملا من الأخير انتظرت حتى تضع حملها ثم تعتد من الأول ~~بقية عدتها، ثم تزوج وتنقضي عدتها بالحمل من الأخير قبل أن تنقضي عدتها من الأول. # وإن فقد رجل زوجته فأراد أن يتزوج أختها أو رابعة إن كانت له أربع نسوة؛ ~~فإنه ينتظر أربع سنين وتعتد تسعة أشهر للحمل، وثلاثة أشهر للعدة ثم يتزوج ~~أختها أو رابعة غيرها. وإن كانت المفقودة لم يجز ms697 بها طلقها وتزوج من حينه. # والذي يطلق زوجة المفقود هو ولي الدم، أولى بذلك أبوه، ثم الأقرب ~~فالأقرب، ومن يلي الميراث، وإن لم يكن فالحاكم. # ولا تأكل زوجة المفقود من مال المفقود إلا في الأربع سنين. فإن أكلت في ~~الأربع وقد كان مات من قبل ذلك، أو أكلت من بعد عدة الفقد؛ ردت ما أكلت من ~~ماله بعد أن يصح موته على ورثته. # واختلفوا في المرأة إذا فقد زوجها ثم تزوجت من بعد الأربع السنين ولم ~~يطلق الولي، ففرق بعض. وبعض: لم ير الفراق. # وقد ذكر بعض: أن نساء فقدن أزواجهن في وقت واحد، فاعتد بعضهن برأي ~~المسلمين وطلقهن الأولياء، وبعضهن تزوجن ولم يرفعن أمرهن إلى المسلمين، ثم ~~رفع ذلك إليهم، فلم يروا فسادا على من تزوج على تلك الحال، وذلك في زمان ~~كان الأشياخ فيه كثيرا، وأكثر علما. # وإذا شهدا على لقاء الرجل بعدوه في الحرب المشهور /649/ عدول ولا علم لهم ~~به، فيكون بذلك مفقودا، والله أعلم، وبه التوفيق. # مسألة: في تحريم الرجل زوجته وجاريته بخبر رسول الله ^ PageV03P140 قال ~~الله تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك ~~والله غفور رحيم}، وذلك أن حفصة زوج النبي ^ أبصرت النبي مع جاريته مارية ~~-وهي أم ولده إبراهيم-، فلم تدخل البيت حتى خرجت مارية، ثم دخلت فقالت ~~لرسول الله ^: "قد رأيت من كان معك"، فقال لها النبي ^ «اكتمي علي ولا ~~تخبري عائشة، ولك علي أن لا أقربها»؛ فأخبرت حفصة عائشة، فلم تزل عائشة ~~بالنبي ^ حتى حلف لا يقرب مارية، فحرمها على نفسه فأنزل الله تعالى: {يا ~~أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك...} إلى آخر الآية، يعني: اليمين التي ~~حلف بها رسول الله ^ فجعل له فيها الكفارة. # فقال تعالى: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم}، يعني: كفارة أيمانكم في ~~سورة المائدة، وهي: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد ~~فصيام ثلاثة أيام، فأعتق النبي ^ رقبة عن تحريم مارية، وجامعها بعد ذلك ~~فولدت ms698 إبراهيم. # فمن قال لجاريته أو لزوجته: أنت علي حرام؛ فليكفر يمينه. وإن نوى طلاقها ~~فله ما نوى. # مسألة: في تفسير الخيار # قال الله تعالى: {يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا ~~وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله ~~والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما}، أمر الله تعالى ~~نبيه ^ أن يخير نساءه في هذه الآية، قيل: فخيرهن ^ فقالت عائشة: "بل نختار ~~الله ورسوله والدار الآخرة"، ثم تابعها نساء النبي ^، قالت عائشة: "خيرنا ~~رسول الله ^ فاخترناه فلم ير ^ طلاقا". PageV03P141 # وعن ابن مسعود وعمر بن الخطاب وعائشة: أن من خير امرأته فاختارت نفسها ~~فهي تطليقة، وله مراجعتها في العدة بالمهر الأول. # وإن اختارت زوجها /650/ فليس بطلاق. وإن جعل أمرها بيدها فإن قامت المرأة ~~من مقامها الذي خيرها فيه وافترقا فلم تختر، أو وطئها من قبل أن تختار؛ رجع ~~الأمر إلى الزوج ولم يكن لها بعد ذلك خيار. # وكذلك الأمة إذا عتقت ولها زوج حر أو مملوك؛ فقد قيل: لها الخيار، إن ~~شاءت أقامت معه وإن شاءت خرجت منه. وإن رضيت فليس لها بعد ذلك رجعة ولا خيار. # وفي الحديث: أن النبي ^ جعل لبريرة الخيار حين عتقت ||من زوجها مغيث||. ~~وقد روي أنه ^ قضى في بريرة أربع قضيات: # - إحداهن: أن عائشة < اشترتها لتعتقها، واشترط البائع الولاء؛ فقال النبي ~~^: «الولاء لمن أعتق». # - ومنهن: أنها حين عتقت جعل لها النبي ^ الخيار من زوجها، فاختارت نفسها ~~وخرجت منه. # - وأنه أمرها ^ أن تعتد عدة الحرة ثلاث حيض. # - وأنه دخل ^ على عائشة وسألها عن شيء يأكله، فقالت: "ما عندنا شيء إلا ~~لحم تصدق به على بريرة"، فقال ^: «هو عليها صدقة ولنا من عندها هدية» فأكل ~~منه، وقد كانت الصدقة محرمة عليه، وحلال له الهدية صلى الله عليه وسلم ~~تسليما. # 129- باب: # مسألة: في العدة # - وسأل عن العدة في الطلاق الرجعي والبائن والخلع والفدية والخيار؟ PageV03P142 # قيل له: عدة النساء ما ذكره الله في كتابه لكل مطلقة رجعية أو بائنة أو ~~مختارة ms699 أو مختلعة، قال الله تعالى: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء} ~~يعني: ثلاث حيض؛ فهذه عدة كل مطلقة وبائن من الزوج بحرمة أو خلع، ثم استثنى ~~من هذه العدة، عدة من لا تحيض من كبر أو صغر أو آيست من المحيض؛ لقول الله ~~تعالى: {واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ~~واللائي لم يحضن} فجعل عدة من يئسن من المحيض من الكبر والتي لم تحض من ~~الصغر ثلاثة أشهر؛ فهذه عدة لكل مطلقة كبيرة لا تحيض، أو صغيرة لم تحض بعد. # ثم استثنى تعالى من هذه العدة عدة الحامل؛ فقال تعالى: {وأولات الأحمال ~~أجلهن أن يضعن حملهن}، فجعل عدتها أن تضع حملها، فقال: {وأولات الأحمال ~~أجلهن} /651/فجعل وضع الحمل للمطلقة الحامل انقضاء العدة بها، كانت ممن ~~تحيض أو ممن لا تحيض، وقال تعالى في التي لم يدخل بها زوجها، فقال: {يا ~~أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فما لكم ~~عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا}، فجعل التي لم يدخل ~~بها أن تزوج إن شاءت من يومها ولا عدة عليها، وثبت عدة الحيض على التي تحيض. # والصبية التي لا تحيض من صغر: إن طلقها زوجها فعدتها ثلاثة أشهر. فإن ~~حاضت قبل تمام الثلاثة أشهر رجعت إلى عدة الحيض؛ فاعتدت ثلاث حيض. وإن ~~انقضى ثلاثة أشهر ثم حاضت من بعد فلا عدة عليها غير ذلك. # وإن حملت هذه الصبية قبل أن تحيض فعدتها وضع حملها كما قال الله تعالى. PageV03P143 # وعدة الإيلاء: أربعة أشهر، قال الله تعالى: {للذين يؤلون من نسآئهم تربص ~~أربعة أشهر}، فهذه عدة في الإيلاء، وقال أصحابنا في الظهار مثل الإيلاء ~~أربعة أشهر. # وعدة المميتة: أربعة أشهر وعشرة أيام، كما قال الله تعالى: {والذين ~~يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا}، فهذه كل ~~مميتة مات زوجها دخل بها الزوج أو لم يدخل ||بها||؛ فعدتها أربعة أشهر ~~وعشرة أيام كما قال الله عدة المرأة من زوجها الحر والعبد ms700 إذا مات عنها. # وإن كانت المميتة حاملا فلا تزوج حتى تضع حملها، ولو مضت لها أربعة أشهر ~~وعشرة أيام؛ لأن الله تعالى قال: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}، ~~فعم بهذه الآية كل حامل مميتة أو غير مميتة من المطلقات، وجعل عدة المميتة ~~أربعة أشهر وعشرة أيام؛ فوجب التربص بهذه في الأجل أبعد الأجلين، إن خلا ~~أربعة أشهر وعشر ولم تضع الحامل حملها؛ فلا تنقضي العدة عند أصحابنا حتى ~~تضع حملها. فإن وضعت قبل الأربعة أشهر وعشر لم تنقض حتى تتم أربعة أشهر ~~وعشرا منذ مات زوجها بعد وضع الحمل، ولو لم تضع إلى سنتين؛ فليس لها أن ~~تزوج حتى تضع كل ما كان في بطنها من ولد. # والمطلقة التي يملك الزوج رجعتها، إذا مات زوجها وهي في العدة؛ رجعت ~~/652/ إلى عدة المميتة؛ لأن قد كان فيها له تعديد وترثه. وأما إذا طلقها ~~قبل الجواز فلا ترجع إلى عدة المميتة. # وكذلك المطلقة ثلاثا والملاعنة لا ترجعان إلى عدة المميتة، ولكن تعتدان ~~بالحيض إن كانتا ممن تحيض، وإن كانتا ممن لا تحيض فثلاثة أشهر عدة كل واحدة ~~منهن. وإن كن حاملات فحتى تضع حملها. PageV03P144 # وأما المختلعة إن كان بينهما رجعة فإنها ترجع إلى عدة المميتة ولا ميراث ~~لها؛ لأنها بائنة، إنما الرجعة برأيها. # وكذلك التي لم يجز بها لا ميراث لها ولا ترجع إلى عدة المميتة. وقال بعض ~~أصحابنا: إن حبست نفسها قدر العدة فإنها ترثه، ولم نر نحن ذلك فانظر فيه ~~فإن فيه نظرا. # فأما التي يؤلي عنها زوجها ولم يفئ إليها حتى تمضي أربعة أشهر بانت منه، ~~ولا تزوج إذا كانت حاملا حتى تضع؛ لقول الله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن ~~أن يضعن حملهن}، وهي: عامة غير خاصة لشيء منهن. # وقد روي أيضا عن النبي ^ أنه قال: «لا يسقي أحدكم زرع غيره »، وهو في ~~الحوامل من السبايا، ويخرج معناه لكل حامل بناطق القرآن، قال الله تعالى في ~~المطلقات: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن ms701 يؤمن بالله ~~واليوم الآخر}، لا يكتمن انقضاء العدة، وعلى هذا كانت المرأة مصدقة في ~~انقضاء عدتها. # ومن تزوج امرأة ثم خلا بها، أو أغلق عليها بابا، أو أرخى عليها سترا؛ ~~فعليها العدة. # وإن قالت هي: إنه لم يطأها صدقت فيما لها من الصداق، ولا تصدق فيما لله ~~عليها من العدة. وقد قال قوم: تصدق. وقد عرفت عن بعض أنها لا تصدق في الحكم ~~، فأما هي عند نفسها فلا عدة عليها، والأحوط أن لا يقبل قولها، وعليها في ~~الحكم التربص في العدة. # والمطلقة الحامل: إذا خرج بعض الحمل وبقي بعضه لم تنقض عدتها حتى تضعه ~~كله، ولو خرج بعض الولد. # وعدة الذمية من أهل الكتاب إذا كانت عند مسلم مثل عدة الحرة. وقال قوم: ~~طلاقها واحد، وعدتها حيضة ثلث عدة الحرة. PageV03P145 # وإذا كان الزوج غائبا عن المرأة، ثم طلق أو مات عنها؛ فإن التربص عليها ~~في العدة مذ يوم صح لها ذلك وبلغها الخبر. وقال قوم: مذ يوم مات. والأول ~~/653/ أحوط؛ لأن عليها التربص في العدة بنص الكتاب، فلابد من عدة تقصدها، ~~وتربص بنية، والله أعلم بذلك وأحكم. # وإذا طلقت المرأة وهي حائض فلا تعد تلك الحيضة من عدتها، فإن طلقها أخرى ~~من بعد ذلك؛ فإن عدتها مذ الطلاق الأول، وعليها ثلاث حيض غير الحيضة التي ~~طلقها فيها. # وإذا طلقت المرأة الصغيرة فاعتدت بالشهور فحاضت قبل ثلاثة أشهر؛ رجعت إلى ~~عدة الحيض. # وإن كانت المرأة تعتد بالحيض فلما حاضت حيضة أو حيضتين انقطع الحيض عنها؛ ~~فهذه لا تعتد بالشهور حتى تصير في حد من يئس من الحيض، كما قال الله تعالى: ~~{واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم ~~يحضن}. وقد قيل: إن إياسها أن تبلغ السن الذي من بلغ إليه من النساء لم ~~يحض. وقال قوم: حتى تبلغ ستين سنة، فإن عاودها من بعد ذلك حيض اعتدت بما ~~حاضت من قبل، وتعتد ثلاث حيض، ولو جاءها الدم في وقت تعتد به بعض النساء ~~بالحيض، وبعض ms702 بالشهور فعدتها بالحيض. # فأما إن حكم عليها بالإياس من الحيض فاعتدت ثلاثة أشهر وتزوجت، ثم جاءها ~~الدم؛ فإنها لا ترجع إلى عدة الحيض وقد انقضت العدة. # والمرأة التي لا تحيض قط: فقد قال بعض أصحابنا: تعتد سنة. وقد وجدت عن ~~ابن عباس: إذا حاضت المرأة حيضة واحدة حين بلغت ثم طلقها زوجها ولم يرجع ~~إليها الحيض، وانتظرت أشهرا ولم يأتها الحيض؛ فهذه ترجع تعتد تسعة أشهر ~~الحمل، وثلاثة أشهر للعدة مكان ثلاث حيض. PageV03P146 # والتي لم تحض قط وقد عرفت نفسها بذلك؛ فإذا طلقها زوجها اعتدت ثلاثة ~~أشهر؛ لقول الله تعالى: {إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر}. # وأما المرأة التي يطلقها زوجها ويستمر بها الدم؛ فقد اختلف فيها؛ فقال ~~قوم: تعتد ثلاثة أشهر. وقال آخرون: تعتد أكثر الحيض وأكثر الطهر. # وإذا اختلف حيض المرأة؛ فلا تزوج حتى تحيض ثلاث حيض كوامل، أقل كل حيضة ~~ثلاثة أيام، فإذا حاضت ثلاثا على معنى واحد تزوجت إن شاءت. # وإن كان للرجل امرأتان، فطلق واحدة ولم يدر التي طلق ومات؛ فإن كان طلق ~~ثلاثا فإنهما يأخذان /654/ جميعا في العدة بالاحتياط، فتعتد كل واحدة ثلاث ~~حيض، ويستكملان أربعة أشهر وعشرا. # ومن طلق امرأته ثلاثا في المرض، فإنها ترثه؛ لأنه طلقها ضرارا، وعدتها ~~عدة المطلقة. # وإن جعل طلاقها بيدها فطلقت نفسها في المرض أو في الصحة؛ فإنها [لا] ترث، ~~وهذا غير ضرار؛ لأنها مختارة لذلك. # وكذلك لو طلبت الخلع منه فأجابها إلى ذلك فاختلعت مختارة؛ لم ترث. # وإن طلقها في المرض ثلاثا ثم صح ثم مات في العدة بعد ذلك؛ فقد قيل في ذلك ~~باختلاف. وبعض: لم يورثوها شيئا. # والمرأة مصدقة في انقضاء العدة إذا قالت: قد انقضت عدتها بسقط أسقطته قبل ~~ذلك، وانقضت عدتها صدقت ولا يمين عليها في ذلك؛ لأن الله تعالى قال: {ولا ~~يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن}، فلذلك صدقت في العدة. # وأقل ما يصدقن في انقضاء العدة بالحيض: قال قوم: تسعة وعشرون يوما. وقال ~~قوم: تسعة وثلاثون يوما، على أنها ms703 تكون طاهرا عشرا وحائضا ثلاثا حتى تتم ~~ثلاث حيض، فذلك تسعة وثلاثون يوما. PageV03P147 # ولو طلقها زوجها ثلاثا ثم قالت من بعد: إنها تزوجت بزوج وطلقها وانقضت ~~عدتها قبل ذلك منها، إذا كان قد خلا لها ما يمكن أن تنقضي عدتها من الأول ~~وتزوج بالآخر وتنقضي عدتها منه. # وما لم تغسل المطلقة رأسها وفرجها من الحيضة الثالثة؛ فلمطلقها أن يردها، ~~فإن غسلت ذلك فقد فاتته. # وإن غسلت بماء نجس فقد فاتت الأول ولم تزوج حتى تغسل بماء طاهر. # وإن لم تغسل المطلقة من الحيضة الثالثة انتظارا للرجعة من زوجها حتى فاتت ~~الصلاة، فقد فاتته ولا ينتفع بذلك. # [مسائل في الرجعة] # ومن وطئ امرأته بعد أن طلقها قبل أن يشهد على رجعتها؛ حرمت عليه عند ~~أصحابنا. # وإذا علمت المرأة بالطلاق لم يجز ردها إلا بعلمها، أو بمحضر منها مع ~~شاهدين عدلين، أو يشهد في مغيبها شاهدي عدل على رجعتها، ويعلمها الشاهدان ~~بالرد قبل الوطء، ولا يجزئ بخبر واحد. وإن طلقها بلا علمها وردها بلا علمها جاز. # والمختلعة ليس له ردها إلا برأيها ورضاها. وقال آخرون: /655/ لا يجوز رد ~~المختلعة إلا بنكاح جديد وولي وشاهدين ورضا المرأة. # ومن قال بإجازة المراجعة؛ قال: حتى تحضر المرأة. وقال آخرون: ترد ويعلمها ~~الشاهدان بعد أن يكون الرد برأيها، فإذا رضيت جاز. وقال قوم: رد المختلعة ~~ورد المطلقة سواء، ورد المختلعة بحقها على ما بقي من طلاقها فإذا رضيت جاز. ~~وقال قوم: غير ذلك. وأنه يقول: قد رددت إليها مالها الذي اختلعت إلي منه، ~~وقد رجعت عليها في نفسها في ذلك، وتقول هي مجيبة له: قد قبلت ما رده علي من ~~الصداق، وقد رددت نفسي إليه على ذلك. # فأما المطلقة فيقول: اشهدوا أني قد رددتها أو قد راجعتها بحقها بما بقي ~~من طلاقها. وإن شاء قال: قد راجعتها بما بقي من طلاقها. وإن شاء قال: بما ~~كنا عليه من الزوجية. PageV03P148 # والمأمور به يقول: اشهدوا أني قد رددت وراجعت زوجتي فلانة بنت فلان بما ~~بقي من طلاقها، وإن ms704 ذكر الحق لزمه. # والمختلعة يقول: قد رددت فلانة بنت فلان، ولا يقول زوجتي؛ لأنها بائن منه. # وإذا قال الرجل بعد انقضاء عدة امرأته: قد كنت راجعتك في العدة، لم يصدق ~~إلا بالصحة. وإن قال: قد راجعتك، فقالت مجيبة له: قد انقضت عدتي؛ فقد قيل: ~~إن قوله ذلك رجعة إذا كانت ببينة، ولا تصدق المرأة بعد ردها، فأما إن قالت ~~قبل الرد: قبل قولها. # وعن عمر بن الخطاب ~ أنه قال: "إذا أراد الرجل أن يرد زوجته المطلقة لم ~~يدخل عليها حتى يشهد على رجعتها أو على ردها". # وقد روي عن النبي ^ «أنه طلق زوجته حفصة وأشهد بردها»، قال الله تعالى: ~~{فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم ~~وأقيموا الشهادة لله} فأمر بالإشهاد على ذلك. ومن قال بالرد بغير إشهاد؛ ~~فقد قال بغير ما أنزل الله وأمر به من الإشهاد على المراجعة. # ولا تجوز المراجعة إلا بشاهدي عدل حرين مسلمين، أو رجل وامرأتين. ولا ~~تجوز شهادة الصبيان وأهل الذمة والعبيد. # وإن كانت المرأة حاضرة أشهد أنه قد رد زوجته هذه، وإن لم تكن حاضرة أشهد ~~أنه قد رد زوجته فلانة بنت فلان، بما بقي من الطلاق؛ ثم يعلمها /656/ ~~الشاهدان. # وإن كان الطلاق بلا علمها كان الرد مع الشاهدين بلا علمها، فلا بأس بذلك. PageV03P149 # وإن طلق بعلمها أشهد الشاهدين على ردها بعلمها، وإن صدقته ووطئها ثم ~~أعلمها الشاهدان وهي في العدة فلا تحرم عليه إذا كان الشاهدان أرخا الرد ~~قبل الوطء، وإن عجزا فرق بينهما. وأما إذا أعلمها الشاهدان بعد انقضاء ~~العدة وأرخا أمرا يكون الرد فيه قبل الوطء؛ فإنه يدركها ولا تحرم عليه، إذا ~~كان الشاهدان عدلين قبل شهادتهما. # وأما الرد في البرآن فلا يجزئ إلا حتى ترضى بعد الرد. وقال قوم: إذا كان ~~ردها بعلمها؛ فهو رد وإن لم تقل شيئا، وإن قالت: قد رضيت وأتمته فهو أوكد. # ومن طلق زوجته وانقضت عدتها، ثم قال: إنه قد ردها وأنكرت هي ذلك، فإذا ~~أحضر بينة بالرد في ms705 العدة وأرخا ذلك وإلا فاتته ولا أيمان في هذا هاهنا. # فأما من طلق امرأته ثم ردها في العدة بالرد وأعلماها في العدة بالرد، ثم ~~أحضر شاهدين بعد انقضاء العدة؛ ||بالرد؛ فقد قيل: إنه لا يدركها في العدة. ~~فأما من ادعى أن الشاهدين بالرد ماتا أو غابا لم يقبل منه، وعلى قول إن ~~علمت بالطلاق ولم تعلم بالرد حتى تنقضي العدة، ثم أحضرها شاهدين فأعلماها ~~بالرد، فإنه قد قيل: إنه لا يدركها ولو أتى بالشاهدين بعد انقضاء العدة||، ~~وأنه قد ردها في العدة. # فأما إن جاءها خبر الطلاق والمراجعة معا بعد انقضاء العدة؛ فإنه يدركها ~~عندهم إذا لم تعلم بالطلاق. فأما إذا قال: إنه قد أعلمها بالرد في العدة ~~وأنكرت هي، فالأيمان بينهما أن تحلف هي أنه ما أعلمها بالرد في العدة، وقد ~~بانت منه، أو يحلف هو: لقد أعلمتها بالرد في العدة وهي امرأته. # فأما إذا تزوجت ثم أتى بالشاهدين أنه قد كان ردها وأرخ الشاهدان الرد، ~~فلا ينتفع بذلك وهي امرأة الأخير. PageV03P150 # وإن تزوجت امرأة في العدة خطأ، فإن أخطأت في الأيام والحيض، فتزوجت وظنت ~~أنها قد أكملت ثلاث حيض، أو أنها قد أكملت ثلاثة أشهر فنظرت فإذا باق من ~~الثلاثة أشهر يوم، أو باق من الحيض حيضة؛ فإنه يفرق بينها وبين الأخير، ~~ويردها الأول إن شاء متى علم بذلك، ولا يطؤها حتى تعتد من الأخير إن كان ~~جاز بها. # وإن لم يردها الأول فأتمت عدتها منه وأرادها الأخير تزوجها بنكاح جديد، ~~ولا عدة عليها منه. # وإن لم يردها ||الأخير|| فإذا انقضت عدتها من الأول اعتدت من الآخر، إلا ~~أن تكون حاملا من الأخير؛ /657/ فحتى تضع حملها منه، ثم تتم بعد أن تضع ما ~~بقي من عدة الأول. # فأما إذا كان عدتها بالحيض ورأت أنه بالشهور، أو اعتدت ثلاثة أشهر ثم ~~تزوجت، أو بحيضتين فظنت أن ذلك عدتها و كانت مميتة، فاعتدت أقرب الأجلين ~~وهي حامل؛ ففي كل هذا لا عذر لها، وإن تزوجت على ذلك وجاز بها الزوج ms706 حرمت عليه. # وأما المطلقة فإذا طلقت ثم حاضت ولم تكن تحيض، فحاضت يوما أو ليلة أو ~~يوما واحدا؛ فإن عدتها تنقضي بثلاث حيض في ثلاثة أشهر. # وإن حاضت ثلاثا في أقل من ثلاثة أشهر لم تنقض العدة ولم يدركها زوجها عند ~~بعض أصحابنا بعد انقضاء ثلاث حيض. وإن كانت تحيض حيضا كاملا فحاضت حيضة غير ~~تامة أقل من ثلاثة أيام فإنها تبين من مطلقها، ولا تحل للأزواج حتى تحيض ~~ثلاث حيض كوامل إلا أن تبلغ ثلاث حيض ناقصة مثل ما ذكرنا، فإنه يكون حيضها ~~وتعتد به؛ لأنه صار وقتا لها. # والجارية إذا طلقت ولم تحض فعدتها ثلاثة أشهر، فإن حاضت يوم طلقها أو بعد ~~ذلك بأيام حيضة، ثم لم يعد إليها ذلك إلى سنين، فإنها تعتد بالحيض. PageV03P151 # وعن رجل تزوج بامرأة وكان يلابسها، ولا يفضي إليها، ويقذف على جانب ~~الفرج، ويلج الماء أو لا يلج، ثم طلقها هل له أن يردها من غير نكاح جديد؟ ~~قال: لا، إلا بنكاح جديد، وإن حملت منه جاز له أن يردها. # 127- باب: # مسألة: في عدة الأمة # - وسأل عن عدة الأمة؟ # قيل له: عدة الأمة التي يطؤها سيدها، ثم يتركها عدتها حيضتان، فإن مات ~~فعدتها بالحيض؛ قال قوم: حيضتان. وقال آخرون: عدتها حيضة. # فأما عدة التي تستبرئ للوطء من سباء أو شراء؛ فقد قيل: إن حيضة تجزئ. ~~وقال آخرون: عدتها حيضتان. وقال قوم: على البائع حيضة وعلى المشتري حيضة، ~~وفي السنة عن النبي ^ ما يوجب استبراء الأمة، قوله ^: «لا توطأ الحوامل حتى ~~يضعن، ولا الحوائل حتى يحضن». # ومن اشترى جارية فلا /658/ يقع عليها حتى يستبرئها، وقد روي باستبراء ~~حيضة تجزئ. # وأما الأمة التي يعتقها سيدها في حياته، وقد كان يطؤها؛ فعدتها ثلاث حيض ~~عدة الحرة. # والأمة المختارة نفسها تعتد من الزوج إذا اختارت نفسها ثلاث حيض، ولو مات ~~وهي في العدة. # وأما التي يدبرها سيدها فتعتق منه بسبب التدبير إذا مات، أو تعتق بسبب ~~ولدها إذا ملكها بعد موت والده؛ فهذه عدتها عدة المميتة الحرة ms707 أربعة أشهر وعشرا. # فأما إذا طلقها زوجها وهي أمة، فعدتها نصف عدة الحرة حيضتان؛ لأن الحيض ~~لا ينقسم، وفي الشهور: شهر ونصف، والحامل حتى تضع، وعدة الأمة من زوجها ~~الحر والعبد سواء حيضتان، وطلاقها تطليقتان. # والتي تستبرئ من سباء أو شراء بالأيام؛ فقد قيل: أربعين يوما. وقيل: ~~بخمسة وأربعين يوما، وقد جعلوا ذلك في الصغيرة والكبيرة، وقد قال بعض ~~المسلمين: إن في استبراء الصغيرة نظرا؛ لأنها لا حائل ولا حامل، وإنما ~~الاستبراء استكشاف الأمر. # وعدتها في الإيلاء: قيل: أربعة أشهر، وقيل: شهران. PageV03P152 # وعدة الأمة المميتة شهران وخمسة أيام، وإن كانت حاملا فلا تزوج حتى تضع ~~حملها، وقال قوم: عدتها أبعد الأجلين إن خلا شهران وخمسة أيام ولم تضع لم ~~تنقض العدة حتى تضع، وإن طلق رجل زوجته وهي أمة تطليقتين، ثم مات وهي في ~~العدة؛ فعدتها عدة الأمة. وإن عتقت في العدة فعدتها ثلاث حيض؛ لأنها بائنة ~~بتطليقتين منه، فإن طلق واحدة ثم مات وهي في العدة، فقد قيل: ترجع إلى عدة ~~المميتة؛ لأنه يملك الرجعة. وإن عتقت في العدة فعدة الحرة المميتة، والله أعلم. # وعدة الأمة من الحر والعبد سواء، وعدة الحرة من الحر والعبد سواء. # وإذا قال زوج الأمة المطلقة: إني كنت قد راجعتها في العدة، وقال مولاها: ~~صدق، وقالت هي: لم يراجعني؛ فالقول قول سيدها إذا كان ذلك ببينة. # فأما إن لم يقل سيدها: إنه راجعها، فأرى أن على الزوج الصحة في ذلك. ~~وإنما جاز قول سيدها؛ لأنه لو زوجها لجاز عليها ولو كرهت؛ لأنه أملك بها من نفسها. # وإن مات سيد الأمة/659/ وهي حامل منه؛ فإنها تعتق بولدها إذا ولدته، ~~فعدتها أبعد الأجلين عدة الحرة إن خرج الولد حيا، فأما إن ولدته ميتا، ولم ~~يكن لها منه ولد غيره يرثها لم تعتق، وهي أمة، فإذا طهرت من نفاسها حلت ~~للأزواج. # مسألة: فيما يجوز للمطلقة والمميتة # - و سأل عما يجوز للمطلقة والمميتة من اللباس والسكن والبروز في حال العدة؟ # قيل له: إن المطلقة الطلاق البائن لا سكن ms708 لها ولا نفقة، وجائز لها ~~البروز. PageV03P153 # فأما المطلقة واحدة أو اثنتين فإنها جائز لها أن تلبس من الثياب ما شاءت ~~وتطيب بما شاءت وأرادت، وليس لها أن تخرج من بيتها، ولا لزوجها أن يخرجها، ~~قال الله تعالى: {واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن ~~يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه}، فليس ~~له أن يخرجها، ولا لها هي أن تخرج إلا أن تأتي بفاحشة مبينة، والفاحشة: أن ~~تقذفه أو تأتي بزنا. # وقد روي عن فاطمة بنت قيس أنها طلقها زوجها، فأتت النبي ^ فقالت له: "إن ~~زوجي طلقني، ولم يجعل لي سكنا ولا نفقة"، فقال لها: «إنما النفقة لمن كان ~~له على امرأته الرجعة». # وأما المميتة في حال العدة [ف]مولية ولا تلبس حليا ولا ثيابا مصبوغة بورس ~~ولا زعفران، ولا تطيب، ولا تلبس الحرير، ولا تكتحل إلا لعلة في عينيها. ~~فأما إن لم يمكنها من الثياب إلا ما وصفت لبست لغير زينة، وليس ذلك على ~~صبية لم تبلغ ولا على أمة، إنما ذلك على الحرة البالغة المسلمة. # وللمتوفى عنها زوجها أن تخرج حيث شاءت، وتبيت حيث شاءت. والأمة المطلقة ~~لها أن تخرج. # والمرأة المطلقة والمتوفى عنها زوجها إذا جاءت بولد وادعت أنه من زوجها ~~فإنه يلحقه ما جاءت به ولو إلى سنتين، ما لم تكن تزوجت، ولو أنكر الزوج ذلك ~~إذا كانت مطلقة، أو الورثة إذا كانت متوفى عنها زوجها. وقد اختلفوا في ~~المطلقة وكلاهما سواء في ذلك، غير أن الزوج إن أنكر أنها لم تلد وهي مطلقة، ~~فعلى بعض القول: إن عليها أن تأتي بقابلة تشهد أنها ولدته وهي مطلقة. PageV03P154 # فأما إن كانت زوجته وأتت بولد فإنه يلحقه والقول قولها فيه، ولو قالت: ~~/660/ قد انقضت عدتي ثم رجعت عن ذلك، أن قولها يقبل على قول ولو إلى سنتين، ~~وقد قيل غير ذلك. # وإن ادعت المطلقة أنها حبلى، وأخذت النفقة، ثم جاءت بالولد لأكثر من ~~سنتين، فإنها ترد النفقة؛ لأن الولد ms709 لم يلحق الزوج إذا كانت في طلاق بائن، ~~وقال بعض: ترد النفقة إلا نفقة تسعة أشهر للحمل. # فأما المطلقة الطلاق الرجعي فإن أخذت النفقة للحمل، ثم ولدت لأكثر من ~~سنتين فإن لها النفقة؛ لأنها كانت في العدة منه حتى وضعت على قول، ولا ~~يلحقه الولد لأكثر من سنتين. وقد قال بعض: في المطلقة ثلاثا بإجازة النفقة ~~لها. وقد قلنا: إذا ولدت لأكثر من سنتين لم يلحقه الولد وترد النفقة على قول. # وإذا كانت المطلقة تعتد بالحيض كان على زوجها نفقتها ما لم تنقض عدتها، ~~وهي التي يملك الزوج رجعتها، وهي مصدقة في ذلك؛ لقول الله تعالى: {ولا يحل ~~لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} لا يكتمن انقضاء العدة، فهي مصدقة ~~إلى منتهى ما قالت: إن عدتها قد انقضت. وقد قال بعض: إن عليها يمينا في كل ~~انقضاء ثلاثة أشهر أنها ما حاضت ثلاث حيض، ثم إن عليه النفقة حتى تصير في ~~حد من يئس من الحيض. # وإن ادعت أنها حامل فلها النفقة إلى منتهى سنتين، ثم لا نفقة لها. # وإذا مات رجل فقالت مطلقته من بعد موته: إني لم تكن عدتي قد انقضت؛ فإنها ~~تصدق في ذلك وترثه. وكذلك إن ماتت هي قبله، وطلب ميراثها صدق إلا أن تصح ~~بينة عدل أن عدتها قد انقضت. # وإن ادعت هي أنه طلقها وأنكرها هو، وكانت تطلب الخروج منه، ثم مات فأكذبت ~~نفسها في ذلك الذي كانت تدعي ورثته. PageV03P155 # ومن طلق امرأته وكتمها الطلاق حتى مات، فإن كانت معه ولم يفارقها حتى مات ~~ورثته إذا كانت البينة حاضرة. والرجل معه المرأة فقد قيل: لاشهادة لهم. # 128- باب: # مسألة: في التعريض # - وسأل عن التعريض للمتوفى عنها زوجها والمطلقة؟ # قيل له: التعريض للمطلقة لا يجوز عند أصحابنا في العدة للتزويج. # فأما المتوفى عنها زوجها فقد أجاز من أجاز لها التعريض في العدة للتزويج ~~بلا مواعدة؛ لقول الله تعالى: {ولا جناح عليكم فيما عرضتم به /661/ من خطبة ~~النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ms710 ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا} ~~في التزويج، فحرم المواعدة في العدة ونهى عنها، وأجاز التعريض بالقول ~~المعروف، قال الله تعالى: {إلا أن تقولوا قولا معروفا} يعني: عدة حسنة. ولا ~~تواعدوهن في العدة. وفي بعض الكتب: يقول الزوج: إني أحب أن يقضي الله بيننا ~~معروفا، وتقول المرأة: ذلك إلى الله، ما شاء الله أن يكون كان. وقول آخر: ~~أن يقول: كم راغب فيك، وكم منتظر لانقضاء عدتك، فهذا من التعريض. # فأما إن طلبها في العدة، ولم يعلم أنها في عدة؛ فقالت له: إنها في العدة ~~ولم تعده ورجع، فإن طلبها بعد انقضاء عدتها فلا نقول: إنها تحرم عليه. # وأما إن واعدته فإنه لا يجوز له أن يتزوجها. # وحرم الله التزويج في العدة بقوله تعالى: {ولا تعزموا عقدة النكاح حتى ~~يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه}، فمن عزم على ~~النكاح وتزوج في العدة فحرام ذلك يفرق بينهما، ولا يتزوجها أبدا؛ لأنه ركب ~~نهي الله. # [في نكاح المحلل] PageV03P156 وحرام التزويج تحلة للمطلق؛ لقول الرسول ^: ~~«ولا تحل مطلقة أحلت لمطلقها، ولا تحل لمن أحلها له». # وقالوا: إن علم بالتزويج أحد الثلاثة حرمت على الأول، هذا قول. وأما أنا ~~فأقول: إن تزوجها رجل ليحلها ولم يعلم الزوج بذلك، ولا المرأة فلا يضر ذلك ~~الزوج، وليس عليه أن يصدقه أنه أراد أن يحلها له، وإنما ذلك إلى علمه. # فأما المتزوج ليحل ذلك فحرام عليه ما فعل، وأما المرأة فلا يحل لها أن ~~تزوج على شرط تحلة للأول، ولا يحل لها الآخر، ولا ترجع إلى الأول بذلك. # فأما رجل يطلب إلى رجل يطلق زوجته ليتزوجها هو؛ فلا بأس بذلك. # وأما الرجل إذا واعد المرأة أن تفارق زوجها ليتزوجها؛ فعند أصحابنا: لا ~~يجوز له أن يتزوجها، ولو مات الزوج؛ قالوا: لعلها قتلته، وهذا عندهم مثل ~~المواعدة في العدة. # فأما الذي حرمه الله تعالى من المواعدة فما كان في العدة؛ فهو الذي لا ~~يحل بناطق الكتاب، وهذا الذي سأل المرأة لتخرج من زوجها ليتزوجها ms711 فيه نظر، ~~وانظر فيه إن شاء الله. # 129- باب: # مسألة: فيما حرم الله من لحوم البهائم وما أحل من ذلك # [انظر: الجزء الرابع والأخير من هذا الكتاب] PageV03P157 في غير (ت) وجدت ~~هذه المسائل: "مسألة من غير الكتاب وجدتها في الحاشية: سألني أحمد بن غسان ~~أن أخاه تزوج امرأة بالغا، زوجها أبوها وإن بعضا من العمومة وغيرهم سار إلى ~~الجبار وأعوانه وقالوا: نحن أحق بهذه المرأة من الزوج الذي أخذها لأن ~~أموالها مشاعة في أموالنا، فجاءت أعوان الجبابرة إلى الزوج، وطلبوا منه إما ~~أن يفارق هذه المرأة، وإما أن يقع به الهوان والقبض، فسأل أخو الزوج إن ~~فارق أخوه هذه المرأة، أيحل لها أن تتزوج أم لا؟ الجواب: إذا فارق أو طلق ~~على هذه الصفة؛ فهي امرأته لا يحق لها أن تتزوج، وإن تزوجت آخر فهي زوجة ~~الأول، لقوله ^: «لا طلاق ولا عتاق ولا عناق في إغلاق» يعني: أن المكره ~~والمجبر والمقبر لا طلاق عليهم ولا عتاق، والله أعلم. وعنه أيضا: وجدته في ~~الحاشية: ورد كتاب الأخ الثقة الولي سلمه الله، وفهم الخادم مما ذكره ~~المخدوم من زواج فاطمة بنت جامع بن خاف بوكالة من ولي لها قد مات، وهو سلم ~~بن خلف الثاني بن الولي ثاني بن خلف ~. فاعلم: أن وكالة سالم الثاني بن ورد ~~هي قديمة، وقد زوجها ثاني بن ورد قبل هذا ولا تجوز له وكالة ثانية، والثاني ~~أن الموكل قد مات وبطلت الوكالة منها، وأم التزويج بعد الله بن خلف ففيه ~~الضعف لأنه قد أسس بوكالة من الولي قد مات فقد طلب الوكالة ليحبط عملك ~~بذلك، وتبقى في أمان الله وحفظه والسلام، من الوالد محمد بن عبد الله بن ~~مداد تم". # والزمان عندهم: سنة، وقال قوم: أربعة أشهر. وأقل الحين: غدوة، وقال قوم: ~~ثلاثة أيام. وقال: ستة أشهر، واختلافهم في الحين كثير. # (غير أن الخسة: هو انحطاط /618/ المقدار عمن هو أعلى منه درجة في الإسلام ~~وأفضل. والخسة: انحطاط القدر مع الدناءة، والمعصية من الخساسة) PageV03P158 ~~قيل له: معنى الخلع ms712 والبرآن هو: الفدية بشيء. وإذا قال: قد خالعتك أو قد ~~بارأتك على كذا وكذا؛ فقد وقع البرآن. إذا أبرأته من ذلك وخالعته وقع الخلع ~~والبرآن. # والفدية تقع بما تراضى الزوجان عليه ولو قل؛ لأنه لا جناح عليهما فيما ~~افتدت به، لا حرج بعد أن يكون على ما /621/ وقع عليه الشرط في كتاب الله من ~~غير إساءة ولا ضرار. # قيل له: الإيلاء /626/ هي اليمين التي يحلف بها الرجل عن جماع زوجته، وهو ~~الإيلاء، ومأخوذ اسم الإيلاء من ألية اليمين. قال الله تعالى: {ولا يأتل ~~أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا...}: لا يحلف، وقال: {لا يرقبون في مؤمن ~~إلا ولا ذمة}، والإيلاء: هي اليمين، وكذلك قال ||الله||: {للذين يؤلون من ~~نسآئهم تربص أربعة أشهر فإن فآؤوا فإن الله غفور رحيم}. # - وسأل عن الخيار، ما هو؟ قيل له: أن يخير الرجل زوجته أن تختاره أو ~~تختار الطلاق أو نفسها. فإن قال لها: اختاريني أو اختاري نفسك -يريد ~~الطلاق- فاختارت نفسها؛ كان طلاقا. وإن اختارته لم يكن طلاقا حتى تريد ~~الطلاق. # قيل له: المفقود عند أصحابنا هو: الذي تكسر به السفينة ثم لا يدرى أمات ~~أم نجا. وكذلك الذي يحمله السبع والسيل ولا يدرى ما حاله؟ والذي يكون في ~~الدار فتحرق وهو فيها، أو تنهدم /647/ عليه ولا يدرى أمات أم حيي، ولا يدرى ~~ما حاله. والذي يكون في الحرب؛ فهذا حكم المفقود عندهم. # والذي يكون في الحرب فذلك حكمه عندهم مفقود. والذي يكون في صف العدو ثم ~~تنجلي الحرب ولا يدرى أنجا أم قتل؛ فذلك مفقود. PageV03P159 # الرقبى: من المراقبة، والانتظار. وهو أن يعطي أحدهما لآخر شيئا فيقول له: ~~إن مت قبلك فهي لك وإن مت قبلي رجعت إلي، كأن كل واحد منهما يراقب موت ~~الآخر وينتظره. (قال في: اللسان:) الرقبى أن يعطي الإنسان لإنسان دارا أو ~~أرضا فأيهما مات رجع ذلك المال إلى ورثته وهي من المراقبة سميت بذلك لأن كل ~~واحد منهما يراقب موت صاحبه وقيل الرقبى أن تجعل المنزل لفلان يسكنه فإن ~~مات ms713 سكنه فلان فكل واحد منهما يرقب موت صاحبه وقد أرقبه الرقبى وقال ~~اللحياني أرقبه الدار جعلها له رقبى ولعقبه بعده بمنزلة الوقف وفي الصحاح ~~أرقبته دارا أو أرضا إذا أعطيته إياها فكانت للباقي منكما وقلت إن مت قبلك ~~فهي لك وإن مت قبلي فهي لي. انظر: الجرجاني: التعريفات؛ قلعه جي: معجم لغة ~~الفقهاء، (الرقبى). # }~{<>&$^#@>@#$^ # انتهينا من مقارنته للمرة الثانية ليلة الأحد 8/7/2007 # انتهى تخريجه صباح سبت 2007-12-08 # [ كتاب الذبائح ] # 129- باب: # مسألة: فيما حرم الله من لحوم البهائم وما أحل من ذلك # - وسأل عما حرم الله من الدواب /662/من ذوات الأرواح وما أحل من ذلك؟ # قيل له: قد حرم الله شيئا، وأحل أشياء، ووقف عن أشياء ليختبر عباده بما ~~شاء من ذلك، وله الحمد في جميع قضاياه. # وحرم في كتابه الميتة والدم ولحم الخنزير، بحيث وقع ذلك في القرآن، وأنزل ~~تحريم ذلك مجملا مقرونا تحريمه في غير موضع من القرآن. PageV03P160 # وقد جاءت السنة بتحريم ذلك، والإجماع بلا تنازع فيه، وحرام أكله إلا لمن ~~اضطر إلى ذلك، قال الله تعالى: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما ~~أهل لغير الله به}، ما ذبح لغير الله، والميتة كلها مما يموت. {والموقوذة ~~والمتردية والنطيحة وما أكل السبع [إلا ما ذكيتم] وما ذبح على النصب} ~~والمنخنقة وجميع ما حرم الله، كل هذا الذي ذكره ميتة إذا مات حرام، ثم ~~استثنى فقال: {إلا ما ذكيتم} ما أدركتم حياته وذبحتموه فهو حلال من ~~الأنعام. # فأما الخنزير: فحرام حي وميت، ولا تصح فيه الذكاة، ولا يحل أكله لمسلم ~~إلا لمن اضطر إليه غير باغ ولا عاد متعد في أكله من غير اضطرار إليه؛ فقد ~~أجاز للمضطر أن يأكل قدر ما يحيي به نفسه. # وما أكل السبع: من المعز وغيره فأدركت حياته وذكيته أكلته. # وأما ما ذبح لغير الله: فهو أنهم كانوا ينصبون الأصنام ويذبحون لها، فقال ~~الله: {وما ذبح على النصب}، وقال: {ومآ أهل لغير الله به} فحرام ذلك؛ لأنه ~~ذبح لآلهتهم فذلك حرام. # وقد ورد نهي رسول ms714 الله ^ بالأخبار الشاهرة والمستفيضة وكثر نقلها، أن ~~رسول الله ^ «نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير»، «وأكل لحوم ~~الحمر الأهلية». PageV03P161 # وكل ما نهى رسول الله ^ عن أكله فهو حرام بناطق الكتاب، قال الله تعالى: ~~{وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد ~~العقاب}، وقال: {من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم ~~حفيظا}، وقال: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم ~~في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ~~ويحرم عليهم الخبآئث /663/ ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ~~فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم ~~المفلحون}. # فلحم الحمر الأهلية حرام بنهي رسول الله ^، ولا بأس بأكل لحوم الحمر ~~الوحشية بلا خلاف، ولا قول لقائل فيها. # فأما لحم البغال: فهي فيها من الحمار أصل وأبوها حمار، فلا يجوز أكل لحوم ~~البغال. # وأما الخيل: فقد اختلف في أكل لحومها، ولم ينطق القرآن فيها بتحليل ولا ~~تحريم، وقد اختلف في الحديث فيها، وإذا كان كذلك وهي دواب ولم تكن من ~~الأنعام الثمانية التي ذكر الله، فترك أكلها أولى بالقياس للشبهة في أكلها؛ ~~لأنها جنس من الدواب الأهلية، مثل الحمر تركب ولا يؤكل لحمها، وتلحق بما لا ~~يجوز أكل لحمه. قال الله تعالى: {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة}، ~~فجمعها للركوب في هذه الآية، و||قد|| نهى النبي ^ عن أكل البعض وسكت عما ~~سوى ذلك؛ فهي مثل الحمير في القياس لا يؤكل لحمها. ألا ترى أنها لا زكاة ~~فيها ولا في الحمير، وإنما تجري في الركوب مجرى الحمير والبغال. PageV03P162 # فأما الفيل: فلم يرد فيه نهي من الكتاب ولا من السنة، وهو من الدواب وليس ~~||هو|| من السباع، وهو متخذ للركوب، ولم ينطق الكتاب أنه من الأنعام، ولا ~~زكاة فيه؛ فيجب بالقياس ترك أكل لحمه؛ لأنه من الدواب. # فأما السباع: فحرام أكل لحومها ، وقد نهى الرسول ^ «عن أكل كل ذي ناب من ~~السباع ms715 ومخلب من الطير»، فما كان من السباع من ذوات الناب فحرام أكل لحمه. # وكذلك حرم رسول الله ^ أكل كل ذي مخلب من الطير، وهو سبع الطير الذي يأكل ~~الميتة والجيف، كالسباع التي تأكل الميتة والجيف ولا ترعى الشجر. # كذلك الطير التي تأكل الميتة والجيف ولا ترعى الشجر، وهي من ذوات ~~المخالب؛ فلا يجوز أكل لحمه بالسنة والقياس. ألا ترى أن رسول الله ^ «نهى ~~عن أكل لحم الجلالة» التي تأكل الكنف ولا ترعى الشجر، ولا تأكل إلا العذرة، ~~ولا تخلط معها الشجر. # وكذلك الطير والسبع، والذي رخص في الطير والسبع يقول: إن الجلالة لا ~~تؤكل، والله أعلم. PageV03P163 # فإن احتج محتج بقول الله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي /664/ إلي محرما ~~على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير}، فإن ذلك ~~قبله تقدمه في الخطاب، فدل أن ذلك في الأنعام مخصوص قوله: {ومن الأنعام ~~حمولة وفرشا كلوا مما رزقكم الله ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو ~~مبين}، فذكر الأنعام لا غيرها، ثم قال: {ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن ~~المعز اثنين}، حتى أتم القصة وقال: {قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت ~~عليه أرحام الأنثيين نبؤوني بعلم إن كنتم صادقين * ومن الإبل اثنين ومن ~~البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين أم ~~كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا ليضل ~~الناس بغير علم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * قل لا أجد في ما أوحي ~~إلي} من هذه الأنعام التي قدم ذكرها {محرما} منها {على طاعم يطعمه إلا أن ~~يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به ~~فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم}. PageV03P164 # ثم قال تعالى صلة قوله في الأنعام وتحريم ما حرم: {وعلى الذين هادوا ~~حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما ~~أو الحوايا ms716 أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون}. # وقد «نهى النبي ^ عن أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير»، وهو ^ ~~أعلم بتأويل كتاب الله، والموكل بالبيان لأمته، وليس خبره ناسخا للآية كما ~~ذكر من قال: إن السنة لا تنسخ القرآن الكريم؛ لأن الله يحرم ما شاء في ~~كتابه وما شاء على لسان نبيه ^، وهذه الآية زيادة فيما نهى الله عنه على ~~لسان نبيه ^، والله أعلم وأحكم وبه التوفيق. # ولم يأت في الهوام ذكر حلال ولا حرام، فما كان من جنس السباع فمثلها، وما ~~كان من جنس الوحوش من الصيد فحكمه مثلها، فقد حرم الله الخبائث كلها من هذا ~~و غيره، فما كان معقولا من الخبيث مع المسلمين لم يحل أكله. # وأما صيد الطير والوحوش: فحلال أكله بعد التذكية، وقوله تعالى: {وحرم ~~عليكم صيد البر ما دمتم حرما}، ثم قال تعالى: {وإذا حللتم فاصطادوا}، فأطلق ~~لهم بعد الحجر عليهم. /665/ # فصيد البر حلال لكل محل، ومحرم على كل محرم. # وكل طير يرعى الشجر ولا مخلب له؛ فحلال أكله بعد تذكية. # وكل صيد يأكل الشجر ويجتر من الدواب من الوحوش والأنعام؛ فحلال بعد تذكية أكله. # وصيد البحر كله حلال ذكي إلا ما قالوا في الغيلم لا يؤكل حتى يذبح. # وكذلك طير البحر إنما يعيش في البحر؛ فحلال أكل لحمه بعد التذكية ||له||. PageV03P165 # فأما القرد: فهو حرام مثل الخنزير، وقد قال الله تعالى: {وجعل منهم ~~القردة والخنازير}، والخنزير حرام بناطق الكتاب، وقال النبي ^: «بعثت بقتل ~~الخنزير وإراقة الخمر وكسر الأصنام»، والله أعلم. # فأما من رأى دابة لا يعرف ما هي، خنزير أو غيره؛ فليس له أن يأكلها حتى ~~يعلم أنها من الأنعام أو الصيد المحلل أكل لحمه؛ لأن الله حرم الخنزير على ~~لسان نبيه ^، وأحل بهيمة الأنعام؛ فمن عرف هذا من هذا أكل ما أحل الله له ~~وترك ما نهى الله عنه، ومن لم يعرف ذلك فليس له جائز أن يقدم على دابة لا ~~يدري ما هي من الحلال أم من ms717 الحرام؛ فإن أقدم على ما لا يعلم فوافق خنزيرا ~~هلك بارتكابه لما لا يعلم. # فأما اللحوم كلها شراؤها جائز من عند أهل الإسلام إذا وجدته في السوق، أو ~~مجلوبا يباع، أو ذبيحة؛ فشراء ذلك حلال حتى تعلم أنه لحم خنزير أ وميتة أو ~~مغصوب؛ لأن الله قال: {إلا ما ذكيتم}، والتذكية هي الحلال. وقال الله ~~تعالى: {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين}. # وكل من لم يذكر اسم الله على ذبيحته عند تذكيتها لم يجز أكل لحمها، وذلك ~~على ما قيل: إن المشركين قالوا للمسلمين: ما قتلتم أنتم تأكلونه، وما قتله ~~الله لكم لم تأكلوه؛ أفأنتم أفضل صنعا أم الله؟ فأنزل الله: {فكلوا مما ذكر ~~اسم الله عليه}, وأنزل: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه}. # 130- باب: # مسألة: في الذبائح # - وسأل عن الذبائح، كيف هي؟وأين موضع الذكاة؟ # قيل له: الذبح هو التذكية، وموضع التذكية هو في اللبة والمنحر، ويكون ~~بذبح من المنحر بشفرة حادة مع ذكر اسم الله على الذبيحة ورفق ورحمة. PageV03P166 # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «إذا ذبحتم فأحسنوا، وإذا قتلتم فأجيدوا», ~~وقد روي عنه أيضا ^ أنه قال: «إن الله يحب الرفق، /666/ إذا ذبحتم فأحسنوا ~~وارفقوا, وليكن بشفرة حادة». # قال الله تعالى: {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين * ~~وما لكم ألا تأكلوا مما ذكر اسم الله عليه وقد فصل لكم ما حرم عليكم}، ~~وقال: {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق}، وذلك أن مشركي ~~العرب قالوا للمسلمين: تزعمون أنكم تعبدون الله وأنكم على دينه، فما قتل ~~الله لكم لم تأكلوا، وما قتلتم أنتم أكلتموه -يعنون الذبائح-، أفأنتم أفضل ~~صنعا أم الله؟ يعنون ما قتل من الميتة وما ذبح المسلمون؛ فأنزل الله هذه ~~الآية: {فكلوا مما ذكر اسم الله عليه إن كنتم بآياته مؤمنين}، يعني: ~~الذبائح، {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق}، يعني: الميتة، ~~فالميتة فسق حرام كما ذكر الله، وقال: {وإن أطعتموهم} في ms718 أكل الميتة {إنكم ~~لمشركون} مثلهم. # وأنزل الله: {لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه}، يعني: بالمناسك الذبح. # عن ابن عباس أنه قال: "من نسي أن يذكر الله على ذبيحته فهي حرام". ومن لم ~~يذكر اسم الله عليه؛ فهو آثم إذا ذبح ولم يذكر اسم الله. # فكل ذبيحة لم يذكر اسم الله عليها فهي حرام. # فإن ذبح ذابح ممن يدين بالتسمية ثم شك بعد أن ذبح في التسمية لم تفسد ~~ذبيحته بالشك؛ لأنه ممن يدين بالتسمية، وإذا جاوز وقت الذبح لم يرجع إلى ~~الشك حتى يعلم ويستيقن أنه لم يذكر اسم الله على ذبيحته ثم لا يأكلها. PageV03P167 # وإنما يتولى الذبح من يحسنه برأفة ورحمة، ويستقبل القبلة، ثم يذكر اسم ~~الله ويذبح، وقد اكتفى بذلك. # والذي يؤمر ||به|| أن يقول عند الذبح والتسمية: "باسم الله، لا إله إلا ~~الله، والله أكبر"، وبما ذكر الله وسماه عند الذبح أجزأه، ولو قال: إن شاء ~~الله، أو سبحان الله، أو أستغفر الله، وصلى الله على رسوله؛ فإذا ذكر اسم ~~الله اكتفى بذكره إذا أراد يذكر الله على الذبيحة، كما قال تعالى: {فاذكروا ~~اسم الله عليها}، فإذا ذكر الله بلسانه أجزأه وإن لم يجهر بذكره. وإن لم ~~يسم الله بلسانه وأسرها في نفسه لم تكن تسمية. ألا ترى أن ذبيحة الأعجم لا تؤكل. # وأما الأخرس الذي يبين التسمية فجائزة ذبيحته، وإن لم يبين التسمية فلا تؤكل. # وذبيحة الصبي؛ فمختلف فيها؛ فقال قوم: لا بأس /667/ بذبيحة الصبي وإن لم ~~يحتلم إذا علم كيف يذبح وأحسن الذبح. وقال قوم: لا تصح منه الذكاة؛ لأنه لم ~~تجر عليه الأحكام. # ولا بأس بذبيحة المرأة والأمة إذا أحسنتا الذبح. # ولا يذبح بالسن والعظم والظفر، روي عن النبي ^ أنه قال |له قائل|: ذبحت ~~بطر يا رسول الله، قال له: «أهرق الدم بما شئت وسم»؛ فجائز الذبح بالحجر ~~والحديد وكل ما كان له حد يفري إلا ما خص بالسنة من تحريم الذبح به، مثل: ~~القرن والسن والعظم؛ لأن ذلك عظم كله. # وكره المسلمون أن ms719 يذبح بما جرى مجراه مثل: الخشب والذهب والفضة والزجاج ~~والرصاص؛ فأجازوا الذبح بالحديد بما كان له حد، وبالمروة والقصبة، وإنما ~~يذبح بالقصبة العصفور ونحوه، وهو قصب الذرة والسكر والروغ عند أصحابنا. ولا ~~يذبح بالخشب والقناة. PageV03P168 # وقيل: إن جارية لكعب بن مالك كانت ترعى غنما له فخشيت على شاة منها، ~~فذبحتها بمروة وأتت به مولاها كعبا، فكره كعب أكلها فسأل رسول الله ^ ~~«فأجاز له - على ما وجدنا - أكلها»، وعلى هذا جائز الذبح بالحديد كله ~~وبالحجر، لا فرق في ذلك؛ قال #: «أهرق الدم بما شئت» بالحديد كله، إلا ما ~~قالوا يترك من السيف قدر شبر من بادرته ثم يذبح بباقيه، والله أعلم. # ولا بأس بذبيحة الحائض والعريان إذا اضطرا إلى ذلك. # ولا بأس بذبيحة أهل الكتاب من اليهود والنصارى، إلا نصارى العرب فلا تؤكل ~~ذبائحهم. وقد قيل: إن من قرأ الإنجيل منهم أكلت ذبيحته. والناس مختلفون في ~~ذلك؛ قال قوم: إنها جائزة قولا مرسلا. وقال قوم: حتى تسمعه يذكر اسم الله ~~على الذبيحة. وقال آخرون: إن لعب باللحم لم يؤكل. وقال آخرون: يذبح ويلي ~~ذلك المسلم. # وذبيحة المرأة منهم جائزة، والاختلاف أيضا في ذبيحة الصبي منهم. # ولا تجوز ذبيحة المجوسي، ولا أحد من أهل الشرك، ولو ذكر اسم الله على ~~ذبيحته؛ لقول الله تعالى: {إنما المشركون نجس}. # وما ذبح المشركون لأصنامهم أيضا لم يؤكل ذلك أيضا؛ لأنه ذبح لغير الله. ~~ألا ترى أن التذكية هي الحلال، وما ذبح لصنم فليس بحلال. # وذبيحة السارق /668/ لا تؤكل؛ لأنه ذبح مالا لغيره، والتذكية هي الحلال، ~~وذلك ذبح حراما؛ واختلفوا فيه إذا ذبح وسمعه رب الشاة يذكر اسم الله عليها ~~أو أعلمه بذلك ثقة؛ فقال قوم: تؤكل، ولم يجز آخرون أكلها. ولا أحب أكلها. # وكذلك الغاصب لا تؤكل ذبيحته لمال غيره؛ لأنه معتد، وكل معتد لا تؤكل ~~ذبيحته عند بعض أصحابنا؛ لأن التذكية طاعة، والغاصب والسارق عاصيان؛ فلا ~~تقوم طاعة بمعصية الله. # واختلفوا في الذبيحة بالمدية المغصوبة؛ وأجاز ذلك قوم. ولم يجز آخرون. PageV03P169 # وكذلك المدية النجسة، ms720 أو التي ذبح بها ولم تغسل: قال قوم: لا يذبح بها ~~حتى يغسل منها الدم أو النجاسة ثم يذبح بها. وإن ذبح بها ولم يغسلها: قال ~~قوم: تؤكل، ولم ير ذلك آخرون. # وكذلك مدية المجوسي إذا ذبح بها وفيها الدم، ثم ذبح بها مسلم وفيها الدم؛ ~~إذا كان المجوسي قد مس الدم بيده: قال قوم: لا تؤكل، وأرجو أن فيها قولا آخر. # فأما إذا ذبح المجوسي وأخذها مسلم وغسلها من الدم أو من نجاسة المجوسي ~~فذبح بها؛ فلا بأس بذلك إن شاء الله. # ومن ذبح شاة وهي مريضة فإن تحركت بعد الذبح أكلت، وإن لم تتحرك لم تؤكل. # ومن ذبح ولم يقطع الكربة والوريد، وقد سمى الله، وقطع من الأوداج ما لا ~~تعيش منه أكلت. # وإن قطع الأوداج ولم يذكر الله واستفرغ ذبحها لم تؤكل؛ لأنه لم يذكر اسم الله. # وإن ذبحها وشق ذنبها وعنده أنها ماتت ولم تكن ماتت فلا تؤكل؛ لأنه أعان ~~على قتلها. وقال قوم: إنه إذا ذبح من أسفل من ذلك وذكر اسم الله وتحركت بعد ~~الذبح أكلت. فأما إن لم تتحرك لم تؤكل، ولم أر ذلك؛ لأنه أيضا إعانة على ~~قتلها بذبح آخر، كما أن الشق في ذنبها إعانة على قتلها. # وإذا لم يكن الذبح الثاني في اللبة والمنحر لم يجز. # فأما إن ذبح شاة صحيحة وذكر اسم الله عليها ولم تتحرك بعد الذبح؛ فإنها تؤكل. # ومن ذبح شاة فوقعت في الماء فماتت لم تؤكل. وإن خرجت حية وماتت من بعد؛ ~~فلا أقدم على تحريم أكلها، ولم أر أن تذبح ثانية، وأرجو أنها إن تحركت بعد ~~خروجها أنها تؤكل؛ لأن الماء لم يقتلها. PageV03P170 # ومن ذبح شاة فأبان رأسها بلا أن يتعمد لذلك؛ فلا بأس يأكلها إذا كان إنما ~~ذلك /669/ لسبق المدية عند الذبح. فإن تعمد لقطع رأسها لم تؤكل؛ لأن ذلك ~~قتل، وليس ذلك بتذكية، وذلك بخع، والفرس والبخع لا يجوز، قال الله تعالى ~~لنبيه ^: {لعلك باخع نفسك} أي: قاتل نفسك. # ومن ذبح من القفا ms721 لم تؤكل، فأما إن زلت المدية من القفا و||قد|| ذبح من ~~اللبة أكلت, ولا يقطع رأس الذبيحة حتى تموت، ومن فعل ذلك لم تؤكل. # ومن ذبح شاة وفي بطنها ولد، فإن تحركت من بعد الذبح؛ فقد قيل: إنه يؤكل. ~~فإن لم يتحرك بعد الذبح: لم يؤكل. وقال قوم: هو بضعة منها وذكاتها ذكاته. ~~ولعل بعضا لا يجيز أكل لحمه، وأنا فلا أحب أكل لحمه، وبالله التوفيق. # ومن ذبح طيرا ووقع في الماء فمات؛ أنه يؤكل إن كان من طير الماء. فأما إن ~~كان من طير البر فوقع في الماء وقد ذبح فمات لم يؤكل. # ومن ذبح ذبيحة وتوارت عنه بليل أو ظلام لم تؤكل. # ومن ذبح ذبيحة فغابت عنه، فوجدها وقد غابت عنه لم تؤكل؛ لعل شيئا قد أعان ~~على قتلها. # ومن ذبح طيرا فطار منه حتى غاب عنه، ثم وجده وقد توارى من خلف جدار لم ~~يؤكل. ومن ذبح طيرا فطار عنه ثم وقع وهو ينظر إليه لم يغب عنه، فإن وقع ~~فارشا جناحه أكله، وإن وقع من طيرانه ميتا؛ فقد قيل: لا يؤكل. # وإن شربت الشاة نجاسة أو أكلت نجاسة أو ميتة؛ فقد اختلف في ذلك؛ فقال ~~قوم: لا تؤكل. وقال قوم: تحبس ثلاثة أيام ثم تذبح وتؤكل. وقال قوم: تذبح ~~ويرمى ما في بطنها، ويؤكل سائر لحمها. وقال بعضهم: تذبح من حينها ولا بأس ~~بأكلها. # وقد عرفت عمن قال: إنه لا بأس بذبحها ولم يشترط شيئا في الوقت، وقال: إن ~~أكلت النجاسة فإنما يؤدي ذلك إلى نجاسة في البطن. PageV03P171 # والذي قال: تحبس الشاة ثلاثة أيام يقول في البقرة والجمل: إذا أكل أحدهما ~~النجاسة يحبس ويذبح بعد سبعة أيام، وقد قيل بأكثر من ذلك. # والدجاجة تحبس يوما وليلة عندهم، إلا الجلالة فلا يؤكل لحمها. وقال قوم: ~~تحبس أربعين يوما، والله أعلم. # ومن ذبح شاة ثم شق بطنها وهي حية فوقعت من على شرف، أو من على بيت فماتت ~~لم تؤكل؛ لأنها متردية. # ومن ذبح شاة ثم شق ms722 ذنبها وهي حية، فقد أعان على قتلها فلا تؤكل. ولا يجوز ~~الذبح بالظفر. # والجمل /670/ ينحر، والنحر يجزئه عن الذبح وهو تذكية له. وقال قوم: ينحر ~~قائما صافنا. وقال آخرون: ينحر باركا؛ لئلا يؤذي أحدا بدمه، قال الله ~~تعالى: {فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا ~~القانع والمعتر}. وإن نحرت قائمة معقولة اليسرى قائمة على ما بقي من ~~قوائمها جاز. # وإن نحرت ثم ذبحت؛ فقد اختلفوا في تحريمها؛ فبعض: حرم ذلك، وقال: إنه قد ~~أعان على قتلها فلا تؤكل. # ومن ذبح شاة قائمة لم تحرم ولا يؤمر بذلك. # وإن ذبح لغير القبلة لم تحرم ولا يؤمر بذلك. # ومن ذبح بشماله وسمى لم تحرم ولا يؤمر إلا كما فعل المسلمون، وأمر النبي ~~^ وقال: «إن الشمال للأسفل». # ومن ذبح شاتين فسمى على الأولى وترك التسمية على الثانية لم تؤكل التي لم ~~يذكر اسم الله عليها. # وإن أضجع شاة ليذبحها وسمى وألقى تلك السكين وأخذ الأخرى لم تحرم إذا ~~ذبح، وإن أعاد التسمية كان أحب إلي. # وإن سمى ليذبح وكلمه إنسان وشغله فذبح ولم يعد التسمية لم تحرم عليه إذا ~~لم يقم ويدعها ثم يرجع، ولم يتباعد عنها أو يتباعد ما بين التسمية والذبح. # ويستحب للرجل أن يذبح الضحية بيده، ويكره أن يذبح الذمي لنسك المسلم. PageV03P172 # ولو ذبح ذابح وسمى فكلمه إنسان وهو يفري الذبيحة بالمدية لم تحرم، والله ~~أعلم وأحكم وبه التوفيق. # - باب: # مسألة : في الأضاحي # - وسأل عن الأضحية؛ هل تجوز من غير الأنعام مثل الصيد؟ # قيل له: إنما الأضاحي ما الناس عليه مما سار به الرسول ^ واتبع ملة ~~إبراهيم #. # وقيل: إنه سئل عن الأضاحي، فقال ^: «سنة أبيكم إبراهيم»، قالوا: يا رسول ~~الله، ما لنا منها؟ قال: «بكل شعرة حسنة»، وكذلك الصوف، قال: «بكل شعرة من ~~الصوف حسنة». # قال عبد الله بن عمر -فيما وجدنا-: "ما أنفق الناس نفقة أعظم أجرا من دم ~~مسفوح في هذا اليوم" يعني: يوم النحر، قال الله تعالى: {فصل لربك وانحر} ~~يعني: الضحايا، فصل ms723 وانحر؛ فصل صلاة العيد وقد ضحى رسول الله ^ وعمل بذلك ~~الأمة من بعده. وقد روي: «أنه ضحى بتيسين موجبين». # وإنما يكون الذبح بعد الصلاة والخطبة يوم النحر؛ لأن الله تعالى /671/ ~~بدأ بالصلاة ثم النحر فيما خاطب نبيه ^، فقال: {فصل لربك وانحر}. # ولا يجوز ذبح الأضحية قبل الصلاة يوم النحر ولا قبل يوم النحر ولا بعده ~~إلا في منى؛ فجائز أيام التشريق بمنى، قال الله: {ولكل أمة جعلنا منسكا ~~ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام}، فاذكروا اسم الله عند ~~الذبح, ثم قال: {فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير}، وقال: {والبدن جعلناها ~~لكم من شعائر الله}، من أمر المناسك، {فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا ~~وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر}، فأمر بالأكل منها والطعم ~~للقانع والمعتر من الفقراء، والبائس الفقير. PageV03P173 # وقد اتفقوا أنه إن لم يأكل منها وفرقها أنه غير آثم، ويستحب أن يأكل منها ~~ما شاء ويطعم ما شاء بغير حد؛ لأن الخطاب في الأكل مع الطعم، ولم يلزموه ~~شيئا من الأكل. # والطعم غير محدود، وفيه الاختلاف بين الأمة فيما يطعم منها؛ فقال قوم: ~~يطعم الثلث منها. وقال آخرون: ثلث هدايا، وثلث للفقراء، وثلث له. وقال ~~آخرون: يطعم ما شاء ويأكل ما شاء. وعند بعضهم: لو أطعمها عياله ولم يفرق ~~منها؛ لأجزأته. # وكل من نوى بضحيته يريد بها قربة إلى الله؛ فليس له أن يبيعها ولا يتلفها ~~إلا أن تتلف هي. وقال قوم: إنما يلزمه إذا سمى في العشر. # ومن سمى بضحيته ثم أتلفها؛ فعليه بدلها مثلها أو أفضل، وليس له أن يجعل أنقص. # وإن نوى شاة ضحيته فذهبت عنه فاشترى بدلها ثم وجدها؛ فليذبح الأفضل ~~منهما، وإن شاء الأولى. وأما إن غابت فلم يدر أين هي، ثم وجدها بعد النحر ~~في غير منى؛ فلا يذبحها ويحبسها إلى يوم النحر من قابل. وإن أوتيت ضحيته من ~~قبله؛ فعليه بدلها. وأما إن أوتيت من قبل غيره فلا بدل عليه ولا ضمان. # فإن ذبحها ثم سرقت؛ فقد قيل: إنها ms724 تجزئ عنه. وقال قوم: إذا ذبحت الذبح ~~الذي لا تحيى منه أجزأت عنه. # ولو ذبحت أضحيته ثم سلمها إلى الفقراء كما هي قبل أن يقبضها؛ لأجزأت عنه، ~~وجاز له إن شاء الله. # وله أن يأكل من أضحيته ويطعم الفقير والغني، ويهدي لأرحامه وإخوانه، ~~ويكرم بذلك من شاء من جيرانه وأوليائه إذا قصد بذلك /672/ لله وابتغاء ~~مرضاته. # ولا يضحى من المعز والغنم حتى تكون ثنية، ولا تجوز الجذعة. # وجائز الجذعة من الضأن، ومن الإبل ابنة مخاض وابن لبون وابنة لبون وحقة ~~عن واحد. PageV03P174 # فأما الجذعة من الإبل فعن خمسة، كما روي عن النبي ^ «أجاز أن يشترك نفر ~~في بعير أو بقرة، والثنية عن سبعة»، ولا تجزئ ما دون ابنة مخاض في الأضحية، ~~وجذعة البقر عن ثلاثة، والثنية من البقر عن خمسة، والمسنة عن سبعة، ويجوز ~~جذع الضأن، وأما المعز فلا يجوز حتى يثني. # ولا تجوز في الضحايا: البتراء والعرجاء والعوراء، ولا مقطوعة الأذن إلى ~~ثلث، ولا الجرباء، ولا مكسورة القرن إلى الأصل. # وقد روي عن النبي ^ «أنه لم يجز أن يضحى بالعضباء ولا الأعضب»، والأعضب ~~في قول العرب: مكسور القرن ومقطوع الأذن، وقد قيل: مستشرف الأذن. وقال ~~أصحابنا: إذا بقي من القرن ما يلوى به الحبل أنها تجوز أضحية. وكذلك ~~الأصبع. وكذلك إذا بقي من ضروسها ما تعتلف به جازت أضحية. # ولا يضحى عندهم بمقطوعة الذنب إلا أن يبقى منه ما تذب به عن نفسها. # والجداء لا تجوز أضحية إلا أن يبقى من ضرعها ما يخرج منه شيء من اللبن. ~~فأما إن يبس من العلة لم يصح بها. وأما إن خلقت جداء؛ فقد اختلفوا في ~~إجازتها. وعن بعض: أنها تجوز أضحية. # ولا بأس أن ينتفع بجلود الضحايا. وقد أجاز بعضهم: بيع الجلود من الأضاحي. ~~وقد قيل: إن النبي ^ نحر الهدي، وكان أصحابه ينحرون البدن قياما صواف. وقال ~~بعضهم: باركة. # فأما نحر البقر ففيه اختلاف؛ فقال بعض: تنحر وتذبح، وما فعل جاز. وأما ~~الحديث فإن الذكاة في اللبة والمنحر، وأما غير ذلك ms725 فلا يجوز. # وأما الإبل فلابد من نحرها، وقال الأكثر: إن النحر مجزئ عن ذبحها. # ووجدت أن بعضا كان يذبح البدن بعدما تنحر، ولم أر ذلك؛ لأنه معين على ~~قتلها؛ لأن النحر كاف لها. وكذلك البقر الذبح كاف لها، فإن جاز النحر لها ~~فهو كاف. # وتنحر مستقبلة للقبلة، وقال ابن عباس وأبو الشعثاء: جميعا تنحر قياما صواف. PageV03P175 # والمخصي إذا لم يصح خصاه لم تجز ضحية /673/ عن بعضهم. # والشاة إذا ذبحت فاضطربت فانخرق بطنها؛ فإنها تؤكل. # والتيس إذا اضطرب فانقلب فإنه يؤكل لحمه؛ لأنه أوتي من قبل نفسه ما لم ~~يترد من على شرف. # وجائز الانتفاع بجلد الأضحية وصوفها وشعرها، وبيع المسك بعد ما تذبح؛ ~~لأنها ذكية. # وأما الميتة: فقد أجازوا الانتفاع بشعرها وصوفها، وذلك عندي أنه يقص قصا، ~~وإن نتفه فلحقه شيء من جلد الميتة؛ فلا يجوز. وأما إن لم يلحقه شيء فلا بأس. # وفي الأثر: إجازة الانتفاع بعظام الميتة وإهابها. وأما أنا فلم أر ذلك ~~إلا أن يكون قد بلي من ا للحم والدسم، وبقي لا دسم فيه؛ فعسى يجوز ذلك. # وأما من احتج من أصحابنا بإجازة الانتفاع بشعر الخنزير؛ فإنه عنده مثل ~~شعر الميتة؛ فالقياس ليس كذلك لمن زعمه؛ لأن الخنزير حرام بكليته في الأصل ~~حيا وميتا، قال الله تعالى: {أو لحم خنزير فإنه رجس}، فجعل الخنزير رجسا ~~حيا وميتا، والرجس لا يكون إلا رجسا. وقد رجع بالذكر إلى الخنزير كله أنه ~~رجس، والهاء راجعة عليه، فهو حرام كله شعر وكل شيء منه، ولا يجوز أن ينتفع ~~منه بعظم ولا غيره، وإنما أجاز للمضطر إحياء نفسه من الموت به؛ لأن عليه أن ~~يحيي نفسه بكل ما قدر عليه، وقد رخص الله له ذلك كله من العدم عند الاضطرار ~~إليه، رحمة منه لعباده تعالى. PageV03P176 # وشعر الميت غير شعر الخنزير؛ لأن الأنعام جائزة وحلال منها ما كان من شعر ~~ووبر ولبن، وهي حية بناطق الكتاب؛ بقوله تعالى: {ومن أصوافها وأوبارها ~~وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين}، وقال: {يخرج من بطونها شراب مختلف ms726 ~~ألوانه}، وقال تعالى: {ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون}، فهي حلال في ~~الحياة وبعد الممات؛ لأنه قال: {حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير}. ~~والشعر لو نتف وهي حية فهو ميت. # وقد أجمع أصحابنا على طهارة الشعر من بهيمة الأنعام وهي حية ولم يسموه ~~ميتة، وقال النبي ^ في ميتة الأنعام: «إنما حرم عليكم أكلها»، فلما كان ذلك ~~جاز الانتفاع بشعرها في المحيا والممات /674/. # ولم يجئ في الخنزير خبر من السنة، ولا أجمعت الأمة على إباحة شيء منه، ~~ولا نطق القرآن بخبر عنه؛ وإنما نطق كتاب الله تعالى بتنجيسه بكليته، ووردت ~~السنة عن نبيه ^ بقتله، وأجمعت الأمة على تحريمه، فليس القياس بينهما واحدا ~~لمن تعلق به ومال إليه. # ومسح الأضحية عند الذبح إن فعل فحسن، وإن لم يفعل وذبح جاز -إن شاء الله- ~~إذا نوى ذلك. # ومن سبقته شفرته فأبان رأس أضحيته فلا بأس. # ويستحب للمسلم أن يذبح نسكه بنفسه، ولو ذبح رجلان جميعا شاة واحدة ~~وأحدهما ممسك المدية وذبحا وسميا جاز ذلك. # وإذا وقع الجمل أو الدابة في موضع لا يمكن نحره فطعن في موضع المنحر جاز ~~أكله بعد التسمية. وإن طعن في غير المنحر لم يؤكل إلا أن يدرك ذكاته ~~فيذكيه، وقد جاء الحديث في الرخصة «أنه إذا بدا فاصنعوا به هكذا فطعنه أو ~~رماه»، فالله أعلم بذلك. # وقد أباح الله ذبائح أهل الكتاب والأكل لذبائحهم؛ فأما ما حرموه على ~~أنفسهم من قبل أكل الذبيحة فلا أحب ذلك. PageV03P177 # 131- باب: # مسألة: في الصيد والكلاب المعلمة # - وسأل عن الصيد وما يحل منه وما يحرم؟ # قيل له: أما صيد البحر: فإنه كله حلال ما أخذ منه، وميتته حلال إلا ~~الغيلم حتى يذبح، قال رسول الله ^: «الطهور ماؤه والحل ميتته»، فصيده حلال ~~كله أجمع. # وأما صيد البر الذي أحله الله ورسوله ^ مما لم ينه عنه، مثل: الظباء ~~والبقر وما كان مثله مما لم ينه عنه؛ فحلال أخذه وأكله، وغير ذلك مما يؤخذ ~~بعد التذكية كيفما أخذ ذكي. # وأكل لحم الصيد بالخطاطيف والشباك وغير ذلك مما ms727 يؤخذ به من الصيد؛ فلا ~~يجوز أكله إلا مذكى، إلا ما ذكر اسم الله عليه مما تأخذه الجوارح من الكلاب ~~المعلمة، والصقور والبازي وما أشبه ذلك ما يكون جوارح وبالسهام؛ فإذا ذكر ~~اسم الله على الصيد فأرسل الجارحة فحلال ما أمسكت وقتلت. # وإذا أكلت منه الجارحة لم يؤكل؛ لأنه أخذه لنفسه، /675/ وإنما يحل ما ~~أمسك من الصيد، وإن أدركت حية فلا تؤكل حتى تذبح. # وإن أدركت وقد ماتت أكلت إذا أمسك وكان قد سمى، وقد قال الله تعالى: ~~{يسألونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين ~~تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم}. # فإذا أمسك الكلب المعلم والجارحة المعلمان أخذ الصيد وأدركه قد مات، وقد ~~كان ذكر اسم الله أكله. # والجارحة: هي التي تعلم أخذ الصيد وتربط مثل الكلاب، والفهود والبازي ~~والصقر وما أشبه ذلك من الدواب التي تعلم أخذ الصيد، وتسمى جارحة. ~~والجوارح: هي الكواسب. PageV03P178 # فإن كان في الكلاب المعلمة كلب غير معلم فقتلن جميعا الصيد لم يؤكل حتى ~~يكون معلما، كما قال الله تعالى. وقد وجدنا عن النبي ^ «أن الكلب المعلم ~~إذا أكل من الصيد فلا يؤكل إلا أن تدرك ذكاته فتذكى فيؤكل حينئذ». # ومن رمى صيدا ولم يذكر اسم الله عليه فقتله فلا يحل أكله له إلا أن تدرك ~~ذكاته. وروي عن النبي ^ أن أبا ثعلبة سأل النبي ^ أن يكتب له بأرضه، فقال ~~له أيضا: «إن أرضنا أرض صيد فما يحل لنا منه وما يحرم؟» فقال نبي الله - ~~عليه السلام - : «إذا أرسلت كلبك الذي ليس بمعلم فما أدركت ذكاته فكله، وما ~~لم تدرك ذكاته فلا تأكله، وإذا أرسلت كلبك المعلم أو المكلب وذكرت اسم الله ~~فأخذ أو قتل فكله، وما رد سهمك عليك فكل، وأدركت ذكاة الصيد حيا فكله بعد ~~أن تذكيه، وإن أكل الكلب منه شيئا لم تأكله». # وإن وجد الصيد ميتا وقد غيبه عنه ليل أو ظلام فلا تأكله؛ لأنك لا تدري من ~~قتله، كلب أو غيره. # وإذا وجد ms728 الرجل صيدا مع كلبه ومعه كلب غير كلبه لم يأكله إذا كان الصيد ~~بينهما. وكذلك إن وجد فيه سهما مع سهمه. # وإن أرسل الكلب ولم يسم فزجره فازدجر لزجره، وسمى عليه أكله، وإن لم ~~يزدجر لزجره لم يأكل الصيد. PageV03P179 # وأما قول من يحتج بقول أبي عبيدة ليتأول قول الله تعالى: {قل لا أجد في ~~ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه...} إلى تمام الآية، وقال هذا /676/ ~~المتأول كذلك عنه إنما يحرم علينا ما أعلمنا الله أنه حرام، فقد قلنا في ~~ذلك ما قدمنا ذكره قبل هذا، وقد قال الله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه ~~وما نهاكم عنه فانتهوا}، وهو إعلام من الله تعالى أن ما حرمه رسول الله ^ ~~حرام، وقد قال الله تعالى: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة ~~أو يصيبهم عذاب أليم}. # وقد «نهى رسول الله ^ عن أكل كل ذي ناب من السباع، ومخلب من الطير» وهو ~~خبر مستفيض. # وما يؤخذ بالمعارض والشباك ويرمى بالبندق والحجارة والخشب فيموت فلا يؤكل ~~إلا ما أدركت ذكاته من ذلك. وقد قيل فيما يؤخذ بالمعاريض حديث عن النبي ^: ~~«أنه إن قتل بحده أكل»، والله أعلم بصحة ذلك. # وأما إذا رمى بسهم وسمى فقتل أكل ذلك إذا وجده ولم يغب عنه، فأما إن غاب ~~أو توارى لم يأكله. # وإن أصاب بالسهم صيدا غير الصيد الذي ذكر اسم الله عليه لم يأكله إلا أن ~~يكون سمى على المكلب؛ فأرجو إن سمى على المكلب وأرسله أكل مما أمسك من جميع ~~الصيد قل أو كثر، وكذلك السهم. # وإن نسي أن يسمي على السهم أو الكلب لم يؤكل ما قتل. # وقد قيل: من رمى صيدا فغاب عنه ثم وجده؛ فعلى قول: يأكله ما لم يغب عنه ~~في ليل أو في ماء أو يجد فيه أثرا. وعلى قول: إذا غاب عنه لم يأكله. # وإن تردى الصيد من جبل أو شرف بعد الرمية لم يؤكل. # ولا يؤكل ما صاد كلب المجوسي ولا صقره. # ومن رمى بسهم المجوسي وفيه ms729 الدم من رميته؛ فعن بعض الفقهاء: لا يؤكل لحال ~~الدم الذي من رمية المجوسي. PageV03P180 # ومن رمى طيرا ||من|| على شجرة فأصابته الرمية فوقع فمات لم يؤكل؛ لأنه مترد. # ومن رمى صيدا بسهم أو حجر فوجد في السهم الدم أكله، إذا كان قد سمى الله. ~~وإن لم يجد فيه دما وقد مات الصيد لم يأكله. فأما الحجر فقد يكون مختلفا ~~فيه على ما وجدنا. # ومن أرسل كلبه فقتل الصيد ووجده عنده لم يأكل منه شيئا، وإن كان ممسكا ~~للصيد أكله. وإن كان مرسلا للصيد ولم يمسكه لم يأكله، وإن أكل منه شيئا فلا ~~يأكله. وإن وجده قد وقع إلى الأرض فلا يأكله /677/ إذا لم يكن ممسكا له. ~~فإن وجده حيا فذبحه وذكر اسم الله عليه أكل إذا تحرك بعد الذبح. # وأما السمك كله فهو ذكي، وكذلك الجراد ذكي؛ لقول النبي ^: «أحلت لكم ~~الميتتان: ميتة الجراد، وميتة السمك»، ولو طرح الجراد في النار وهو حي [فهو ~~ذكي]؛ وقد كره بعضهم: أن يطرح في النار وهو حي؛ لحال الرحمة أن يرحم ولا ~~يعذب بالنار. وقد كره بعضهم: السمك الميت الذي يليته البحر استقذارا لنتنه ~~فتركوه بغير تحريم؛ لأنه كله ذكي. # وإن ضرب القنص فقطع يدا أو رجلا فلا يأكل ذلك المنقطع ويأكل الباقي. ولو ~~بقيت تلك الجارحة متعلقة بجلدة لم تؤكل ويؤكل ما بقي. # وكل شاة أكل الذئب بعضها وأدركت ذكاتها أكلت إذا تحركت بعد الذبح. # فأما الحمر الوحشية التي لا يقدر على ذبحها؛ فلهم أن يأكلوا ما نالوا ~~قتله برماحهم وسيوفهم، والله أعلم. # وقد وجدنا في الحديث «أن ما بدا فاصنعوا به هكذا» والله أعلم بذلك. # وإن سمى وقطعه نصفين أكلهما كليهما. فإن كان الذي يلي العجز أكبر فكلهما ~~جميعا أيضا، وإن كان الذي يلي الرأس أكبر فكل ذلك واترك الباقي، والله ~~أعلم، وسل عن ذلك. # [ كتاب الربا والبيوع ] # 132- باب: # مسألة: في الربا # - وسأل عن الربا ما هو؟ PageV03P181 # قيل له: الربا ما حرمه الله في كتابه بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ms730 ~~لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون * واتقوا النار ~~التي أعدت للكافرين}، وذلك على ما وجدنا أن الرجل في الجاهلية كان يكون له ~~الدين على الرجل من قبل قرض أو غيره من المعاملات، فإذا جاء الأجل طلبه ~~صاحبه، فيقول المطلوب: أخر عني وأزيدك على مالك، ويقول له الذي له الحق: ~~أرب لي وأؤاخرك، فيربي له بالزيادة على ماله ويؤخره إلى أجل؛ فهذا أمر ~~الربا الذي ذكره الله وعظم فيه وقد ذم فيه. # وقال الله تعالى: {وأحل الله البيع وحرم الربا}، وقال: {لا تأكلوا الربا ~~أضعافا مضاعفة}، وقال: {الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي ~~يتخبطه الشيطان من المس} يعني: الجنون. فذلك علامة آكل الربا يوم القيامة ~~الذين نزل فيهم، قال الله: /678/ {ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا ~~وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره ~~إلى الله} قبل التحريم، فمن انتهى عن أكل الربا بعد التحريم {فله ما سلف} ~~قبل التحريم من أكل الربا، قال الله تعالى: {ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون} ، من عاد إلى أكل الربا بعد التحريم {فأولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون}، خوفهم بتخليد النار على أكل الربا. PageV03P182 # قال الله تعالى: {ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا} قال الله: {وأحل ~~الله البيع وحرم الربا} فأكذبهم الله تعالى وخوفهم بالتخليد في النار؛ ~~فقال: {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم ~~مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله}، فجعلهم حربا على أكل ~~الربا والإقامة إن لم ينتهوا. # وقال الله تعالى: {وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون}، ~~فأمر أهل الربا بالرجعة عنه، ولهم رؤوس أموالهم؛ فمن أخذ بعد التحريم من ~~الربا غير رأس ماله كان ظالما، كما قال الله. # وقال الأكثر من أصحابنا: إنه ليس فيه حل، وإنما التوبة من الربا أخذ رأس ~~المال ويرد الباقي عليه وعليه الرد. وقد رخص بعض في ms731 الحل والبراءة، وناطق ~~القرآن يوجب الرد على أهل الأموال ألا يربو عليهم، وقد أوجب الله التخليد ~~في النار لآكل الربا من غير شرك، ولا شك فيما جاء به النبي ^ وهو من أهل ~~الإقرار، وقد أوعد الله الكافرين النار ولم يعدها المؤمنين، وقد قال الله: ~~{يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم} فجعلهم كفارا ~~على أكل الربا. # وعن النبي ^ أنه «لعن آكل الربا، وموكله، وشاهده، وكاتبه» إذا علموا ~~بذلك، ونهى الله تعالى عن التعاون على المعصية، وقال: {ولا تعاونوا على ~~الإثم والعدوان}. # وقد حرم الله تعالى الربا في كتابه، وعلى لسان نبيه ^، وإنما نزل تحريم ~~الربا الذي ذكره الله -وقد وصفناه- في تأجيل الحق وتضعيفه عليه إلى أجل، ~~ولم يختلف العلماء في ذلك. /679/ PageV03P183 وقد حرم الرسول ^ الربا، وهو ~~^ الموكل بالبيان لأمته، وكل بيع حرمه رسول الله ^ فهو حرام عن الله تعالى، ~~قال الله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}. وقد ~~أجمعت الأمة على تحريم الربا، وقد قال النبي ^: «لا تجتمع أمتي على ضلال»، ~~فما أجمعوا عليه أو جاء عن الله أو عن الرسول ^ أنه حرام فهو حرام. # ومما سماه رسول الله ^ أنه حرام وربا، قوله: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة ~~والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر -حتى قال:- والملح بالملح مثلا ~~بمثل، ويدا بيد، لا فضل بينهما، فمن زاد أو ازداد فقد أربى». # وقد ذكر # أدنى شيء وأغلى شيء، ووصف كل شيء من الموزون والمكيل، واجتمع ~~على ذلك فقهاؤنا على أنه ربا إذا كان نسيئة، ولا يكون ربا إذا كان يدا بيد. ~~ألا ترى أن الآية نزلت في الربا وتحريمه مما أجمع على تحريمه، وقد كان ~~المعاملة به في الجاهلية وهو النساء والتأجيل، وكان يقول: إرب لي وأؤخرك، ~~إذا حل أجله أربى وأجل عليه أجلا آخر؛ فحرم الله ذلك، ورسوله ^، وهذا مثله. # ألا ترى ما روي عن أسامة بن زيد وزيد بن أرقم على ما وجدت عنهما أنهما ~~كانا يأتيان وادي القرى، فيشتريان الذهب منه والمكسر بالورق ms732 يزدادان به؛ ~~فعاب عليهما أناس من أصحاب رسول الله ^، فأتى أسامة النبي ^ فقال له: «يد ~~بيد؟!»، قال: نعم، فلم ير به بأسا. وأخذ ذلك عن ابن عباس على ما بلغنا من ~~قول أسامة، وأن الربا عنده في النسيئة. PageV03P184 # وفي بعض الحديث أن أبا سعيد سمعه ابن عباس يذكر في أمر الربا وهو يقول: ~~«الذهب بالذهب...» وهو يعدد ذلك؛ فرد عليه قوله ابن عباس وقال: "نحن أعرف ~~بهذا منك، وفينا نزلت آية الربا"، وعند فقهائنا «أن الربا في النسيئة». ~~فأما ما كان من ذلك يدا بيد فلا بأس به معهم. # فأما قول من خالفنا إنه ربا في النقد والنسيئة، وأن الزيادة بالنقد حرام؛ ~~فعليهم دليل يأتون به؛ لأن رسول الله ^ قد أجاز لأسامة /680/ ذلك، وقد عمل ~~به بعض الصحابة. # وأصل الربا -فيما ذكرنا- فيما وقع عليه الإجماع من الربا في عمل الجاهلية ~~حتى حرمه الله وبينه رسول الله ^، وما بينه فحق، وقد قال لأسامة: «لا بأس ~~بذلك، يد بيد»، ونحن لفقهائنا تبع، وقد وجدت أيضا عن بعض من يقال: إنه من ~~قومنا في قوله: "وسن رسول الله ^ أنه قال: «لا بأس بالفضة بالذهب يدا بيد»، ~~وأخذ بأضعافه، وأنه نسيئة ربا. # كذلك البر بالشعير وبالتمر، فقد وقع الاتفاق من أصحابنا وغيرهم أنه إذا ~~كان الجنسان مختلفين إن بيع واحد بأضعافه يد بيد، وقد روي عن النبي ^ أنه ~~قال: «إذا اختلف الجنسان فبع كيف شئت»، واتفقوا في اختلاف الجنسين يد بيد، ~~واختلفوا فيه بالنسيئة وفي المكيل بالمكيل، والموزون بالموزون. PageV03P185 # وأصحابنا مختلفون في هذه الأشياء اختلافا كثيرا، وقد وجدنا عن عبادة بن ~~الصامت -صاحب النبي ^ وكان بدريا، وأحد نقباء الأنصار على ما وجدنا- أنه ~~قام خطيبا بالشام، فقال: "يا أيها الناس، إنكم أحدثتم بيوعا لا أدري ما هي، ~~ألا إن الفضة بالفضة وزنا بوزن، ألا إن الذهب بالذهب وزنا بوزن، ولا بأس ~~ببيع الفضة بالذهب يدا بيد، ولا يصلح نسيئة، وكذلك الذهب بالفضة، والحنطة ~~بالشعير، والشعير بالشعير يدا بيد، لا بأس به، ولا يصلح نسيئة، وإن ms733 استأخر ~~أحدهما فسد، ولا يكون الربا إلا في النسيئة، وإن لم يكن يد هذا مع يد هذا ~~فسد إذا استأخر أحد النوعين". # وقول فقهائنا: إنه لا بأس به يدا بيد، ولو كان واحد باثنين وأكثر وأقل، ~~واختلف الجنسان أو اتفقا، لا بأس به يد بيد، وأخد بأضعافه، وأما النسيئة ~~فهو ربا، كما قال الله. # والصرف عند أصحابنا وفقهائنا من أهل عمان: يد بيد، الفضة بالفضة، والذهب ~~بالذهب، وبالفضة جائز يد بيد. وإذا استأخر أحدهما فسد، وإن كان إلى أجل كان ~~ربا، كما حرم رسول الله ^. # كذلك التمر بالتمر، والبر بالبر، والشعير بالشعير، كل ذلك /681/ يد بيد ~~جائز. وإن كان بيع أحدهما إلى أجل كان ربا، وإن تأخر ولم يكن يدا بيد لم ~~يثبت عندهم ذلك. # من منثورة قديمة: يوجد عن محمد بن محبو ب ~ أنه قال: لا يجوز بيع اللحم ~~بالسمك نسيئة، ولا بأس بالنقد، والملح بالملح، والطعام إلى أجل لا يصلح، ~~لنهي النبي ^، وجائز يدا بيد أن يبيع ما شاء من الملح بالطعام يد بيد. # وبعض أصحابنا إنما لم يجز الملح إلى أجل بالبر وحده من أجل أنه لا يصلح ~~إلا به. PageV03P186 # ولا يجوز بيع ما يوزن من الطعام بما يوزن، ولا ما يكال بما يكال من ~~الطعام إلى أجل، ولا بأس به أن يبيع بعضه ببعض يد بيد موزون بموزون ومكيل ~~بمكيل، أو موزون إذا كان يدا بيد، ولا يصلح نسيئة ولم يجر بعضهم الموزون ~~بالموزون إلا يدا بيد. ولا يصلح معهم إذا كان إلى أجل، وبعض قال ذلك في ~~الطعام دون غيره، وكذلك ما يكال بما يكال أجازوه يدا بيد، ولم يجز ذلك ~~عندهم إلى أجل. # واختلفوا فيما أنبتت الأرض بما أنبتت؛ فقال قوم: ما أنبتت الأرض بما ~~أنبتت لا يجوز إلا يدا بيد، ولا يجوز نسيئة؛ لأن ما حرمه الله ورسوله ^ من ~~المكيل والموزون هو ما أنبتت الأرض بما أنبتت الأرض لا يصلح إلا يدا بيد، ~~ولا يصلح نسيئة. # وقد أجاز بعض التأجيل في بعض الأجناس، ms734 ولم يجز بعضهم الأدهان بعضها ببعض ~~إلى أجل، ولا بأس يد بيد على ما اتفقوا عليه. # وقد أجازوا السمن والعسل في الحنطة والسمن والزبد في العنب؛ لأن هذا ~~عندهم من الأدهان، وهذا عندهم من الفاكهة، وخالفهم من لم يحرم ما أنبتت ~~الأرض بما أنبتت إلى أجل، فأما يد بيد فجائز ذلك، وإنما الاختلاف بالنسيئة، ~~وأكثرهم على الإجازة، والله أعلم. # فإن جاز فهذا موزون، وهذا مكيل، ولا يجوز موزون بموزون إلى أجل. # وأجاز بعضهم اللحم بالحب والتمر إلى أجل نسيئة؛ لما جاء عن النبي ^ «أنه ~~اشترى من أعرابي جزورا بتمر»، ويرى أن التمر عنده فنظر فلم يكن عنده، فقال: ~~«هل لك أن تؤخرنا إلى الجذاذ»، فقال الأعرابي: "واغدراه". فأرسل /682/ ~~النبي ^ إلى خولة بنت حكيم فأسلفته تمرا -أي: أقرضته- واستوفى الأعرابي». # فإن صح الخبر أنه كان شراء اللحم بالتمر فطلب الانتظار فيه، وفي ثمنه، ~~فجائز بيع السمك واللحم أيضا بالتمر إلى أجل، وأصحابنا -أيضا- في هذا ~~مختلفون. PageV03P187 # وأجاز قوم الصفر بالحديد والصفر، بالرصاص بعضه ببعض إلى أجل. وفيه قول ~~آخر: لا يجوز ما يوزن بما يوزن إلا يدا بيد من ذلك وغيره. # وأما بالذهب والفضة فجائز نسيئتهما؛ لأنهما أثمان للأشياء. # وكره بعضهم بيع النبق بالطعام نظرة؛ لأنه مما يكال، والتمر بالنوى نسيئة ~~جائز على قول، وفيها قول آخر: إنه لا يصلح؛ لأنه كله مما يكا ل، وأنه مما ~~أنبتت الأرض. # واختلفوا فيما خيف فساده من الأشجار مثل: القثاء والبقل وورق البصل، وما ~~خيف فساده فأجاز بعضهم بيعه بالطعام إلى أجل، ولم ير ذلك آخرون؛ لأنه مما ~~أنبتت الأرض. # فأما الدراهم فلا أقول في ذلك. # وقد أجاز بعضهم بيع البقول كلها بالطعام إلى أجل، ولم يجز آخرون حتى يخاف ~~فساده، وقال آخرون: ولو خيف فساده، فأما رؤوس البصل والثوم فلا يصلح ~~بالطعام بيعه إلى أجل، وجائز يد بيد. # وقد اختلف في بيع الثياب بعضها ببعض إلى أجل مثل: ثوب حرير بثوبي قطن، ~~فأجاز قوم ولم يجز آخرون؛ لأن ا لثياب بعضها من بعض. # وقد أجاز ms735 بعضهم منوين من قطن بمن كتان إلى أجل لاختلاف الجنسين، ولم يجز ~~ذلك قوم؛ لأنه مما أنبتت الأرض إلا يدا بيد، وهو -أيضا- مما يوزن بما يوزن، ~~واختلافهم في مثل هذا، وكذلك العزل معنا واحد. # وأجاز قوم الشوران بالزعفران نظرة، ولم يجز ذلك آخرون؛ لأنه أيضا مما ~~أنبتت الأرض، وموزون بموزون. # والبوت بالتمر جائز عندهم، وذلك -أيضا- مكيل بمكيل وهو مما أنبتت الأرض، ~~فلا أراه يصلح إلا يدا بيد، فأما إلى أجل ففيه اختلاف؛ لأن من أجازه يقول: ~~إن البوت حب وأجاز ذلك. PageV03P188 # وعن أبي علي في حب الرمان رطب أو يابس لا يصلح بالطعام إلى أجل. والجوز ~~واللوز والفاكهة اليابسة معه جائز بالطعام إلى أجل؛ وذلك أن هذا عندهم ~~-لعل- بيعه عددا، وليس موزونا بموزون، ولعل من لا يرى ما /683/أنبتت الأرض ~~لا يجوز بما أنبتت ||الأرض|| إلا يدا بيد، وانظر في ذلك. # وأجازوا الزيت بالخل، وهذا موزون بموزون؛ فعلى قول: لا يثبت ذلك البيع فيه. # وأجاز بعضهم بيع الشوع بالقطن، والرمان اليابس والرطب بالقطن، وحب ~~الشوران وفراخه بالقطن، والبوت واللبن بالقطن، والصوف والنبق والبصل بالقطن ~~والثياب والشعر؛ فإن ذلك جائز. # وكره بعضهم بيع فراخ الشوران بالقطن، وهذا مما أنبتت الأرض، والاختلاف لا ~~يخرج منه. # والصوف أيضا موزون، والقطن موزون، عند بعضهم لا يجوز؛ لأن من كره الرمان ~~وزنا بوزن لا يثبت ذلك. # ولا يثبت الشحم بالسمن واللبن نسيئة؛ لأنه موزون بموزون، وكله ودك. # وقد أجاز بعض اللبن بالشحم على أن اللبن مكيل والشحم موزون إلى أجل. فأما ~~يد بيد فجميع ذلك عندهم جائز. # والزعفران والورس بالشوران وبالفوة إلى أجل لا يثبت عند بعض، وقال بعض: ~~من الربا. # والسمن باللبن نظرة، والخل بالعسل، والعسل بالتمر، والزيت بالسمن، وأما ~~الزيت بالخل والعسل جائز، وهذا لا يخرج من الاختلاف، والسمن بالخل والسمن ~~باللحم لا يثبت نظرة. PageV03P189 ### | CHECK جامع البسيوي ج4 # مسألة: في النهي عن رسول الله ^ في البيوع # قد جاء الحديث عن رسول الله ^ أنه «نهى عن بيع الغرر كله»، وهو: بيع ~~الأشجار قبل ms736 إبانها. وقد وجدنا عنه ^ «أنه نهى عن بيع جمل بجملين، وحمار ~~بحمارين، وثوب بثوبين، وشاة بشاتين، ودينار بدينارين، ودرهم بدرهمين نسيئة ~~إلا يدا بيد، فما كان يدا بيد فلا بأس به». # وقد وجدنا عنه أنه ^ سن في الحيوان كله على خلافه، ولا بأس به واحد ~~بأضعافه يد بيد. وذكر عنه أنه «نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة». # وذكر عن بعض فقهائنا أنه يجوز الواحد بالاثنين إذا اختلف الجنسان، أو ~~أكثر نسيئة، مثل: جمل بحمار، أو بغنم، أو بقر. فأما من نوع واحد فلا يجوز ~~إلا يدا بيد. # وإن كان عند أحد النوعين فضل دراهم معجلة أو نسيئة فلا بأس بذلك. # وإن عجلت الدراهم واستأخر شيء من الحيوان فلا يجوز إذا كان من نوع واحد. ~~والاختلاف /684/ عندهم، إذا اختلف النوعان عندهم فقد كره بعضهم ذلك. # «ونهى رسول الله ^ عن بيع الملاقيح والمضامين، وحبل الحبلة»؛ فالمضامين: ~~ما ضمنت بطون الأنعام. والملاقيح: أن يشتري الرجل ولد الناقة في بطنها، وما ~~في بطن هذا الفحل من اللقاح. # «ونهى رسول الله ^ عن الملامسة والمنابذة»؛ فالملامسة: أن يقول الرجل: ~~إذا لمست كذا وكذا لك بيعا بكذا وكذا. والمنابذة: أن يقول الرجل: انبذ إلي ~~وأنبذ إليك في البيع. # «ونهى رسول الله ^ عن بيع المعاومة و[هو] بيع السنين»؛ وهو أن يشتري ~~الرجل ثمرة نخل الرجل وثمرة بستانه إلى أعوام وسنين. # «ونهى رسول الله ^ عن بيع المزابنة» وحرم ذلك؛ وهو أن يشتري الرجل ما في ~~رؤوس النخل من الثمرة بمكيله من التمر، أو زبينا بزبينين إلى أجل؛ لأنه حرم ~~بيع التمر إلا مثلا بمثل إلى أجل. # « PageV04P001 ونهى ^ عن المحاقلة»؛ وهو: أن يشتري الرجل ما في الأرض من ~~الحقل، وهو الزرع من البر والشعير المستحصد بمكيله من الثمرة أو بمجازفة. ~~وقد اختلفوا في الحقل أيضا [فقيل]: إنه كراء الأرض، وقال قوم: بيع الزرع ~~قبل إدراكه. # «ونهى ^ عن بيع الثمرة حتى تزهو ويبدو صلاحها»؛ والأثر المنقول: «أن تحمر ~~وتصفر وتعرف بألوانها». وقال آخرون: حتى تؤمن منها العاهة. وللفقهاء في ذلك ~~أقاويل: ms737 قائل يقول: حتى تزهو، والزهو هو الأغلب عليها. وقائل يقول: حتى ~~تعرف بألوانها. وقال آخرون: حتى تؤمن منها العاهة. # «ونهى ^ عن بيع الغرر كله» على خلافه، وهو كالسمك في البحر، واللؤلؤ في ~~صدفه قبل أن يشق أو في البحر، والحب في الجواليق قبل أن ينظر، والتمر في ~~الظروف لا يعرف ما هو، والبصل والجزر في الأرض داخل. وكل ما لا يعرف عند ~~البائع والمشتري وهو غائب في الأرض. # «ونهى ^ عن بيع ما ليس معك من كل بيع»، «ومما ليس يسلم»، و«عن ربح ما لم يضمن». # «ونهى ^ عن شرطين في بيع»، وهو أن يبيع الرجل السلعة بدراهم على أن يأخذ ~~المشتري بها دنانير، أو يبيع بها دنانير على أن يأخذ بها حبا، أو دراهم ~~بشرط، أو يأخذ منه بها بصرف يتفقان /485/ عليه، أو يقول: بعتك هذا العبد ~~بكذا وكذا دينارا على أن تعطيني عبدك بكذا وكذا درهما. # وقد روي أن تميما الداري اشترى دارا واشترط البائع سكناها، أو باع دارا ~~واشترط سكناها، «فأبطل النبي ^ البيع والشرط». PageV04P002 # و«إنه [^] اشترى جملا من جابر بن عبد الله واشترط ركوبه إلى المدينة، ~~فأجاز الشرط والبيع»، ولعل الشرط لم يكن في نفس البيع، أو لمعنى غير البيع؛ ~~لأن الحديث في ذلك كان على سبيل السخرية والمزاح، أو جد في البيع، فقد ثبت ~~ذلك بينهما. وفي بعض الكتب: أنه أعطاه الثمن وقال له: «خذ بعيرك يا ابن أخي». # وأجاز بيع بريرة لعائشة، وأبطل شرط الولاء من بائعها فيها؛ بقوله ^: ~~«الولاء لمن أعتق» فثبت البيع وأبطل الشرط. والناس مختلفون في هذه الشروط. # «ونهى رسول الله ^ عن بيع ما ليس عندك من كل بيع إذا لم يكن سلفا»؛ وهو: ~~أن يطلب الرجل من الرجل سلعة فيصف له ذلك ويبايعه عليه، وليس ذلك عند ~~البائع، ثم البائع يمر فيشتريه ثم يدفعه إلى المشتري. وكذلك يبايعه على حب ~~وليس عنده، ويعطيه دراهم على غير سلف؛ لأن السلف جائز، وهو ما ليس معك. # و«نهى رسول الله ^ عن ربح ما لم تضمن»؛ وهو: ms738 أن يأخذ الرجل من الرجل سلعة ~~على أن يبيعها له بما قد اتفقا عليه، على أن ما فضل من الثمن فهو له؛ فهذا ~~ربح ما لم يضمن. وكذلك يشتري السلعة ثم يبيعها ويأخذ الربح قبل أن يقبض من ~~البائع ما كان اشتراه منه؛ لأنه متى ما لم يقبض لم يضمن الثمن. # و«نهى ^ عن بيع الكالئ بالكالئ»؛ وهو: الدين بالدين. # و«نهى ^ عن بيع الغنيمة قبل أن تقسم ويعرف ما له». # وقد روي أنه «نهى ^ عن بيع فضل الماء»، فسل عنه. و«نهى أن يمنع فضل ~~الماء»؛ وذلك لعله أن يبيع فضل ماء الآبار من الاستقاء، ولا يدع أحدا يستقي ~~من الطوي إلا بثمن، ويمنع من ذلك، والله أعلم بذلك وأحكم. # ونهى عن الغش في البيوع، والغش: هو تغيير الصورة على خلاف ما هي عليه، ~~والغش كله حرام؛ لقوله ^: «من غشنا فليس منا». PageV04P003 # وقد روي أنه مر على طعام، فقال:/486/ ما أطيب هذا الطعام، فقال جبرائيل ~~له -عليهما السلام-: "أدخل يدك في جوفه"، فأدخل يده ^ فوجده متغيرا، فقال ^ ~~لصاحبه: «أما إنك قد حملت خطيئتين: خيانة في دينك، وغشا للمسلمين»؛ فعلى ~~هذا لا يجوز الغش في شيء من الأمور لأحد، ومن غش المسلمين فليس منهم. # و«نهى ^ عن النجش» في البيوع، و«عن الخلابة» وهي: الخداع. والنجش: هو أن ~~يزيد على ثمن السلعة ولا يريد شراءها ليغر المشتري ويزيد في الثمن. # وأمر ^ بالتناصح وأن يكون بيع المسلم لا شرط فيه ولا خيانة ولا غائلة. # وقد روي أنه قال ^: «البيعان بالخيار ما لم يفترقا»، والناس في تأويل هذا ~~الحديث مختلفون: # وقول علمائنا: إنه ما لم يفترقا بالقول وتجب الصفقة، فأما إذا وجبت ~~الصفقة فلا خيار؛ لأن الافتراق قد يكون بالقول دون ا لبدن، قال الله تعالى: ~~{وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته}، وليس الخيار بافتراق الأبدان، والله أعلم. # و«نهى رسول الله ^ أن تلقى الأجلاب، وأن يبيع حاضر لباد»؛ وهو: أن يلقى ~~الرجل الجلوبة فيحرفها، ويتحكم في بيعها على الناس. أو يلتقي الجلوبة ~~فيأخذها من البادي فيبيعها ms739 له. وقد قال: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من ~~بعض»، والفاعل لهذا قد قيل: إنه آثم، والبيع ثابت غير منتقض. # و«نهى ^ عن الاحتكار» في البيع، وقد قيل: «إن التاجر ينتظر الربح، ~~والمحتكر ينتظر اللعنة» ؛ والمحتكر: قيل: إنه الذي يتلقى الجلوبة من ~~الطعام، فيحرف ذلك ثم يحتكر ويحبسه ولا يبيعه، وينتظر به الغلاء، والله ~~أعلم وأحكم. # 133- باب: # مسألة: في السلف والتجارة وغير ذلك # - وسأل عن السلف، أهو من التجارة؟ PageV04P004 # قيل له: نعم، هو من التجارة، وهو بالدراهم والدنانير، ويعرف سلفه من أي ~~جنس هو بكيل أو وزن بوزن الدراهم إلى أجل معلوم، وقد وجدنا الرواية عن رسول ~~الله ^ «أنه قدم المدينة وهم يسلمون في الثمار، فبين لهم أن من أسلم فليسلم ~~في كيل معلوم ووزن معلوم من جنس معلوم إلى أجل معلوم ونقد حاضر». # والسلم: هو تسليم الدراهم /487/ في السلف والدنانير، وهو السلف. # وقيل: «من أسلم فليسلم في كيل معلوم ووزن معلوم من جنس معلوم إلى أجل ~~معلوم ونقد حاضر»، وإذا وقع السلف في كيل معلوم أو وزن معلوم جاز إذا شرط ~~كيلا معلوما، وضربا معلوما، كذلك في الوزن إلى أجل معلوم، فذلك جائز في ~~الإجماع على ما وجدت. # وأجمعت العلماء -فيما وجدت- أنه لا يكون سلما حتى يكون النقد حاضرا عينا، ~~والسلم فيه غائب بالصفة التي حدثت المحيطة بالسلف فيه بوزنه وبكيله وبأجله. # وقد روي عن النبي ^ «أنه نهى عن الكالئ بالكالئ» وهو الدين بالدين. ~~والسلف إذا لم يكن نقده حاضرا فدين بدين ونهى عنه ^. # و«نهى رسول الله ^ عن سلف وبيع» ؛ وهو: أن يقرضه قرضا على أن يبيع كذا ~~وكذا، أو سلفه سلفا فيما يجوز فيه السلف فيبتاعه منه قبل محله أو من غيره، ~~فلا يجوز بيع السلف قبل محله، ولا قبل قبضه. # وقد «نهى ^ عن بيع ما ليس معك»، والسلف ليس عندك، ولا يثبت بيع السلف ولا ~~توليته قبل قبضه ولا الحوالة فيه. # وإذا رجع صاحب السلف إلى رأس ماله، فلا يأخذ إلا رأس ماله، ولا يأخذ شيئا ~~من العروض؛ ms740 لأنه إن باع بأكثر من رأس ماله أخذ زيادة على حقه. وقد أجاز بعض ~~أخذ العروض برأس ماله. PageV04P005 # وإذا سلف دراهم بكذا وكذا من الطعام من جنس معلوم إلى أجل جاز، فإن قال: ~~مثقال بكذا وكذا درهما، وكل درهم بكذا وكذا من كذا وكذا لم يجز ذلك في ~~السلف؛ ولا يثبت السلف إذا كان فيه خيار إلى أجل وقت معروف ولا مجهول؛ لأنه ~~إنما هو وصفه بشيء متفق عليه في كيله ووزنه أو صفة إلى أجل يتفقان عليه. # ودفع المسلف وقته من السلف أو غير ذلك مما يكون فيه السلف. # وقد أجازوا ثوبا بشيء معلوم إلى أجل معلوم سلفا يتفقان عليه، وأما بيع ~~الثوب بشيء معلوم غائب من العروض أو الحب أو الحيوان، فبعض: لم يجز ذلك؛ ~~لأنه بيع ما ليس معك. وقد أجاز ذلك بعضهم في البيع. # والاتفاق في السلف أن يسلف شيئا من /688/ الذهب أو الفضة بشيء معلوم في ~~جنس معلوم من وزن معلوم أو كيل، أو صفة معروفة إلى أجل معلوم مما يتفقان عليه. # وجائز أن يسلف الدراهم في جنس من الطعام أو الحب أو التمر من جنس معلوم ~~أو كيل معلوم إلى أجل معلوم. # وجائز السلف في جميع الحبوب كلها، والتمور كلها في اختلاف أجناسها ~~وأدقالها إذا سمى شيئا معلوما بكيل أو وزن معلوم إلى أجل معلوم. # وكذلك السلف جائز في جميع الأطعمة الموجودة إذا سمى شيئا معلوما من وزن ~~أو كيل معلوم إلى أجل معلوم. # وكذلك السلف في العنب وزنا وفي الزبيب كيلا معلوما وصفة معروفة إلى أجل معلوم. # والسلف جائز في ||جميع|| ما يوجد في أيدي الناس من جميع الأشياء مما لا ~~ينقطع ولا يعدم على الصفة والجنس المعروف، من الضرب المعلوم في الكيل ~~والوزن المعلوم إلى أجل معلوم. ولا خير في السلف فيما ينقطع ولا يوجد. # واختلف في السلف في اللحم والسمك ولم يره قوم. وأجازه قوم؛ إذا كان اللحم ~~من جنس من الدواب يسمى به ووزن معلوم إلى أجل معلوم ولا عظام ms741 فيه. وكذلك ~~السمك إذا كان شيئا معلوما ولا عظام فيه، ويسمى اللحم من ضأن أو معز أو غير ~~ذلك، وكذلك السمك. PageV04P006 # وقد أجاز بعضهم السلف في النبق إلى أجل معلوم. ولم يجز بعضهم السلف في ~~الحناء. وجائز السلف في اللبن محضا أو أقطا أو ما اتفقا عليه، إلى أجل معلوم. # وأقل |أجل| السلف ثلاثة أيام. # وجائز السلف في الشوران والزعفران والورس بصفة ووزن إلى أجل معلوم، وإن ~~سمى السلف من أرض فإن ذلك لا يثبت؛ لأنه قد يعدم من ذلك الموضع وينقطع. # وإن سمى وشرط السلف بمكيال بعينه لم يثبت السلف؛ لأنه قد يعدم ولا يوجد، ~~وإنما يثبت السلف إذا لم يكن شرط يبطله مما هو موجود ومعلوم مع الناس إلى ~~أجل معلوم، كما جاءت السنة: «إلى أجل معلوم، من جنس معلوم، وصفة معروفة». # وإن شرط القبض في موضع معلوم لا يثبت؛ لأنه لم تجئ السنة بذلك، وإنما ~~جاءت: «من أسلم فليسلم في شيء معلوم من ضرب معلوم، إلى أجل معلوم، ونقد حاضر». # وقد اختلف أيضا في شرط /689/القبض في موضع وفي شروط السلف من أرض معروفة. # والسلف في الصفر والحديد والرصاص جائز بوزن معلوم إلى أجل معلوم. # وإن سلف في طست أو قمقم بصفة ووزن معلوم إلى أجل معلوم فجائز. # والسلف في الجلود؛ فجائز إذا كان في شيء معروف وصفة معروفة من جنس معروف ~~إلى أجل معلوم. # والسلف جائز في الأدهان كلها على صفة معروفة ووزن معروف وأجل معلوم. # وكذلك السلف في الخل جائز إذا سماه من تمر أو عنب بكيل معلوم إلى أجل معلوم. # وإذا كان السلف لاثنين فرجع أحدهما إلى رأس ماله، وأتى الآخر فلا يثبت ~~الصلح إلا أن يرضى صاحبه، ويكون ما أخذه بينهما من الصلح ورأس المال ~~والسلف؛ لأنه مشترك وجائز السلف. PageV04P007 # وجائز السلف في جميع الثياب على صفة وذرع وجنس معلوم وأجل معلوم. فإن وجد ~~ما سلف فيه ناقصا من الذرع فأخذ ذلك بحقه وطلب أن يرد عليه من رأس المال ~~لحال نقصانها؛ فإن ms742 ذلك لا يجوز. وأما إن أخذه بحقه ولم يطلب زيادة فأرجو ~~أنه جائز. وإن كان الثوب أطول أو أفضل فأخذه بحقه ورد قيمة الفضل؛ فقد أجاز ~~بعضهم ذلك. # والسلف في أجناس الدواب كلها جائز بصفة معروفة وسن معلوم إلى أجل معلوم. # وكذلك السلف في الرقيق والحيوان والعبيد كل ذلك جائز بصفة معروفة في ~~الرقيق، وذرع معلوم، وسن من الدواب، وصفة إلى أجل معلوم جائز ذلك. # فإن جاء المتسلف بأفضل منه فأخذه المسلف ورد فضل القيمة على صاحبه؛ فقد ~~أجاز من أجاز ذلك. وإن كان كما شرط فذلك أولى وأحق. وأما إن وجده أنقص فطلب ~~أن يأخذه ويأخذ فضل رأس ماله لم يجز له ذلك. وإن أخذه على نقصانه بحقه رجوت ~~أنه جائز إن شاء الله. # ومن سلف دراهم في ثوبين من جنس واحد، ولم يجعل لكل ثوب رأس مال معروف ~~فذلك جائز؛ لأنه من جنس. فأما إن سلف دراهم في ثوبين كل ثوب من جنس واحد ~~ولم يجعل لكل ثوب رأس مال معروف على حده فذلك فاسد؛ لأنه من جنس. # وإن سلف دراهم /690/ في ثياب، وكل ثوب من جنس، وجعل لكل ثوب رأس مال ~~معروف فذلك جائز؛ لأنه قد بين رأس مال كل واحد عن الآخر. # وإن سلف دراهم بتمر وحب ولم يجعل لكل جنس رأس مال معروف؛ لم يثبت. # وإن سلف دراهم معلومة في تمر وحب وسمى لكل صنف من ذلك رأس مال من دراهم ~~معلومة؛ فذلك جائز إذا قال: عشرة دراهم ببر، وعشرة دراهم بتمر. وكذلك ~~الثياب. PageV04P008 # فإن كان في السلف درهم ردي؛ فقد اختلف في ذلك؛ فقال قوم: يفسد السلف؛ ~~لأنه يفسد من كل درهم قسطه. وقال قوم: يفسد من كل جنس درهم. وقال آخرون: إن ~~كانت فضة ردية تجوز عند قوم، ولا تجوز عند آخرين؛ فيبدله. # وإن كان دراهم كلها صفر فسد السلف كله. # وإن سمى لكل درهم؛ قال قوم: يفسد من ذلك درهم. وقال آخرون: يفسد كله من ~~كل درهم بقسطه، إذا كانت الدراهم مخلوطة. ms743 وهذا ومثله فيه اختلافهم في معنى ~~السلف فيه. # وإن سلفه وشرط على المسلف حمله إليه فالسلف فاسد؛ لأن ذلك زيادة على ~~الحق، ولا يجوز إذا كان الشرط في نفس السلف. # وإن سلفه وشرط القبض من بلده الذي سلف فيه؛ فإن الشرط يختلف فيه السلف. # ومن كان له في رجل سلف، فقال: قد كلت كذا وكذا صاعا فصدقه وقبضه؛ فعلى ~~قول: إنه جائز. وإن رجع يطلب وقال: إنه لم يقبضه؛ فليس له ذلك بعد القبض ~~إلا أن يكون صدقه ولم يقبض بعد فرجع يطلب كيله فذلك له، وعلى المتسلف أن ~~يكيل له، والقبض من بلد المتسلف، وعليه أن يكيل له ويدفع إليه، فالمكيال ~~أيضا على المتسلف حتى يسلم ما يلزمه. # ومن كان عليه سلف ولم يمكنه ودفع إلى المسلف دراهم وقال: قد وكلت فلانا ~~يشتري ويدفع إليك حقك؛ فذلك جائز إذا قضاه الوكيل واشترى له. فأما إن قال: ~~اشتره أنت واستوف لم يجز؛ لأنه لابد له ممن يقضيه حقه. PageV04P009 # وقد عرفت عن بعض أنه لا يشتري له من عنده ليوفيه حقه، ولا يعينه على ~~مساومة البيع، ولا يدله عليه، هذا قول. /691/ وقال آخرون: لا بأس أن يشتري ~~له من عنده إذا لم يكن تم شرط الشراء ليوفيه فإن الشرط لا يجوز إن اشترى من ~~عنده ليوفيه، وإذا لم يشترط وأخذ بكيل وأعطى بكيل جاز ذلك. وإن أوفاه حقه ~~ثم باعه منه نسيئة وقد كان هنالك شرط بينهما؛ فهذا لا يجوز، ولا يبعد من ~~معنى الربا. فأما إن كال له حقه وأخذه ولا شرط ثم سأله من بعد أن يبايعه ~~حبا فبايعه بلا شرط إلى أجل؛ فأرجو أنه جائز. # وإن اشترى المتسلف من رجل حبا، وقال: للمتسلف قد اكتال الحب وأذهبه، فعن ~~حيان أنه كتب إلى أبي جابر: "ما سبق وذهب فاتركوه وأصلحوا فيما استقبلتم"، ~~وإن سلف بذرة وسمى من جنس في جابري أو غيره فجائز. # وكذلك البر إن سمى من جنس من البر مثل: البتيري أو بسر تعة فلا ينقص، وله ms744 ~~ما شرط لا غير ذلك على قول. وإن سلف بذرة أو ببر؛ فجائز أن يأخذ ما يقع ~~عليه الاسم ما لم يكن رديا، وقد قال الله: {إلا أن تغمضوا فيه} بترك بعض ~~حقه؛ لأنه قال: {ولا تيمموا الخبيث منه}. # وكذلك التمر إن سلفه بتمر فله أن يأخذ تمرا. فأما إن اشترط بلعقا أو ~~صرفانا فله ما شرط. # وقد اختلفوا في ذلك إذا اشترط من الأدون؛ فلا يأخذ إلا من الأفضل، فيأخذ ~~أكثر من حقه. # وقد اختلفوا إذا اشترط من قطعة بعينها؛ فتذهب الثمرة: قال قوم: يأخذ من ~~غيرها. وقال آخرون: ينتظر إلى ثمرة أخرى. وقال قوم: يرجع إلى رأس ماله. ~~ورأينا ما قدمنا في أول الكتاب. PageV04P010 # وإذا سلف الرجل رجلا بطعام وفرضه عليه وأجله ولم يقبض الدراهم فالسلف ~~باطل؛ لأن السنة خلاف لذلك، وقد بينا في أول الكتاب معنى ذلك؛ لأن السلم ~~تسليم الدراهم، فإذا لم يقبض كان دينا بدين، ولا يجوز ذلك بالسنة. # ومن سلف وشرط الكراء في حمله فسد. # ومن لم يجعل للسلف أجلا معلوما فلا يثبت السلف. # وقد اختلفوا فيمن سلم إلى الصيف؛ فأجاز قوم. ولم يجز آخرون. # ومن سلف سلفا وأحب أن يولي سلفه ويأخذ دراهم؛ فلا يجوز ذلك، إذ لا تجوز ~~الحوالة في السلف قبل قبضه ومحله. وبعض: أجاز التولية بعد أن يحل الحق. ولم ~~نر ذلك. فإذا سلف دراهم /692/ عددا فذلك لا يجوز. # وإن سلف دراهم ولم يزنها بين يديه وقال: وزنها كذا وكذا وصدقه؛ فذلك عند ~~بعضهم ضعيف ولا ينتقض. # وكل سلف كان ولم تكن دراهم حاضرة عند عقد السلف لم يجز؛ لأنه كالدين ~~بالدين. # وإن أرسل رسولا يتسلف له فتسلف الرسول فذلك جائز؛ لأن فعل الوكيل جائز ~~على من وكله ويثبت عليه. # وإن اتفقا على السلف فأرسل إليه رسولا يقبضه الدراهم فلم يزنها بين يدي ~~الرسول ولا مع المتسلف لم يثبت ذلك إذا نقض ذلك؛ لأنه لم يسم شيئا معلوما. # وعن رجل كتب إلى رجل كتابا أن يسلفه دراهم فأرسل إليه الدراهم ms745 وكتب إليه ~~كتابا: إني قد سلفتك كل درهم منها بمكوكين إلى وقت كذا وكذا؛ فأجاز ذلك بعض ~~الفقهاء. # وذلك على قول من يرى الكتاب كلاما قد كلمه وسلفه في الكتاب وقد قبض. # وإن أرسل رسولا إلى رجل يسلفه، فدفع إلى الرسول الدراهم وقال للرسول: قل ~~له إني قد سلفته كل درهم منها بكذا وكذا؛ فقد أجاز ذلك من أجازه. # ومن كان معه لرجل دراهم يسلفها فأخذها هو وحبسها على نفسه كما سلف؛ فأجاز ~~ذلك قوم إذا علم صاحب الدراهم فأجازه. وقال قوم: لا يثبت؛ لأنه لا يكون ~~متسلف إلا من مسلف. PageV04P011 # وعن رجل عليه دين، فطلب حقه وقال له: تسلف علي فتسلف عليه من رجل آخر، ~~ولم يعلمه حتى بلغ السلف الأجل ثم جمع بينهما؛ فأجاز قوم، وذلك أنه أمره أن ~~يتسلف عليه وأمره فعله. # ومن أمر رجلا أن يتسلف له فتسلف له من عند شريك له لم يثبت ذلك؛ لأنه مثل ~~ما سلف من مال نفسه لغيره فلا يثبت. وبعض: أجاز |ذلك| إذا أعلمه ولم ينقض. # وإن أمر رجلا أن يتسلف له فتسلف من عنده؛ فذلك لا يجوز، وكذلك في الشركة. # ومن أسلف ببر فأخذ شعيرا بطيبة نفسه جاز؛ لأنه أخذ أقل من حقه، وذلك عندي ~~يجري الشعير مجرى البر. فأما من لم ير ذلك فليس له إلا من الجنس. # ومن قال: ادفع إلى فلان مائة درهم وهي علي لك سلف، فلا يثبت السلف بهذا ~~القول. فأما إن قال: ادفع إليه مائة درهم وهي علي؛ فإنه يلزمه المائة كما أمره. # ومن سلف في جراب تمر وصدقه المسلف وأخذه فقد أجاز ذلك قوم /693/ إذا صدقه ~~وهو جراب أهل البلد. وقال قوم: حتى يكيله له. # ومن سلف بتمر ولم يسم من أي دقل؛ فقال قوم: لا يجوز. وقال قوم: ذلك جائز؛ ~~لأن التمر جنس واحد معلوم. # وإن سلفه بحب ولم يسم الحب ما هو فذلك لا يجوز؛ لأن الحبوب أجناس مختلفة. # ومن لم يجز الحب والتمر إلا أن يسمي عند السلف ms746 من أي دقل أو أي جنس؛ فقد ~~استحاط، وهو أوكد إن شاء الله. # ومن كان يطلب رجلا بسلف تمر، فقال: كل لي وأكثر لي، فإن تتامما وإلا ~~انتقض. واختلفوا فيه؛ فقال قوم: إن صدقه جائز. وقال قوم: ينكله ويكيله له. ~~وإذا قال: قد كلت هذا التمر أو هذا الحب؛ فإن كان إنما كاله له؛ فعلى قول ~~جائز. فإن كان لا يريد به له؛ فقال قوم: ينكله ويكيله له. وقال قوم: يكال ~~من المكنوز ثلاثة أجربة وخمسة أقفزة مكان خمسة أجربة. PageV04P012 # وقيل: إن من كان له تمر فأراد الذي عليه الحق أن يعطيه مكنوزا فإنه ينكله ~~ويكيله له. وفي بعض القول: إن من سلف بتمر بلعق؛ فليس له أن يأخذ إلا بلعقا ~~ولا يأخذ غيره، وفيه اختلاف، والبر في مثل هذا كالبلعق. # ومن أسلف بنوع من الحب لم يأخذ إلا من ذلك النوع. وقد قيل: فيه اختلاف ~~وإن أخذ من أدون ذلك من البر. # ومن سلف بجراب فأراد أن يعطيه مكنوزا؛ فعلى قول: إن وثق به جائز. ومن سلف ~~بالوزن فلا يأخذ إلا وزنا. وكذلك الكيل؛ لأنه ربما زاد الكيل. # وإن كان رجل يطلب رجلا بسلف فبعث به إليه فقال: كله لنفسك؛ فقال قوم: لا ~~بأس. وقال قوم: يأمر من يكيله له. # وفي قبض السلف من بلد المتسلف أو حيث أعطاه إن كان من أهل البلاد أن يقبض ~~من بلاد المتسلف. # فأما من قال: إن لم يجعل للسلف مكانا فسد؛ ففي قوله نظر؛ لأن السنة لم ~~تجئ أن تكون لقبضه شرط موضع، إنما قال: «فليسلم في شيء معلوم من ضرب معلوم ~~إلى أجل معلوم» ولم يشترط مكانا. # ولا يحل الرهن في السلف؛ فقال قوم: يكون ربا. # فأما إن أعطاه رهنا على أن يسلفه؛ فقال قوم: ينتقض. وقال آخرون: يرد ~~الرهن ولا ينتقض. # فإن كان الرهن في نفس السلف انتقض. وكذلك عندي إذا كان السلف على شرط ~~الرهن. وإن تقدم الرهن /694/ فلا يثبت. فأما إن أسلفه بلا شرط ثم طلب منه ~~بعد ms747 ذلك رهنا فأرهن في يده؛ فليرد الرهن ولا ينتقض السلف. وفيه قول: أنه ينتقض. # فأما إن حل الأجل ولم يقبضه فأخذ بحقه رهنا كيلا يذهب؛ فلا أرى بأسا، ولا ~~نقض في ذلك. # فأما الضمين في السلف بالحق فجائز. وإن ارتهن من ضمن بالحق من المتسلف؛ ~~فلا بأس ولا ينتقض. # ومن كفل على رجل بحق سلفا، فلما حل السلف أعطاه الكفيل الحق من عنده، فله ~~السلف يأخذه مثل ما أعطى من عند من ضمن عليه. PageV04P013 # وإن أخذ عروضا منه فذلك جائز؛ لأنه ليس على هذا سلف، ولا يأخذ أكثر من ~~حقه، وأنا فلا أحب أن يأخذ إلا مثل ما أعطى. # ومن مات وعليه حق إلى أجل؛ فلصاحب الحق أن يأخذ حقه. وإن لم يحل إلا ~~السلف؛ فإنه على قول: إلى أجله، ويقيمون للرجل كفيلا بحقه إلى أجله. وإلا ~~فلا يقسم المال حتى يبلغ الأجل ويعطى الطالب. # وإن كفل رجل على رجل بطعام إلى أجل، فلما حل الأجل دفع المتسلف إلى ~~الكفيل الطعام الذي كفل به عليه، فباع الكفيل الطعام وكان رأيه أن يدفع إلى ~~صاحب السلم من عنده إذا طلب إليه، فلما طلب إليه المسلم اشترى له الكفيل ~~حقه من ثمن الطعام الذي كان قد سلمه إليه من كفل به عليه وفضل من ثمنه؛ ~~فقال قوم: إن الفضل للمتسلف ولا شيء للكفيل، ولا للمسلف فيه شيء، هذا قول، ~~وفيه اختلاف. وقد قيل: هو للضامن. وقال قوم: لرب المال الأول. # وكذلك لو دفع إليه غنما فهي للضامن فتناتجت، وقد كان الكفيل قضى المكفول ~~من عنده غنما، وهي للضامن على قول. وإن دفع إليه المكفول عنه غنما ليقضيها ~~عنه المكفول؛ فلم يدفعها إليه الكفيل حتى تناتجت؛ قيل: إن الأنتجة للمتسلف. ~~وقال آخرون: للمسلف. وقال آخرون: للضامن بالحق، والله أعلم بالأعدل. # فأما أبو عبد الله ~ فكان يقول: إذا دفع الكفيل الحق من عنده ثم قبض؛ ~~فالربح له. فأما إن لم يدفع فلا ربح للضامن. # وإذا أخذ الكفيل رهنا من المكفول عنه؛ فهلك عنده الرهن ms748 ذهب بقدر الحق. ~~وقد قيل: إن الحق لا يذهب، والله أعلم. # وإذا أمر الرجل رجلا أن يتسلف له فتسلف /695/ له ثم تلفت دراهم السلف من ~~عند الرسول قبل أن تصل إلى الآمر؛ فالسلف على الآمر ولا ضمان على الرسول في ~~الدراهم إلا أن يكون ضيعها. PageV04P014 # وإن قبض الرسول السلف من عند متسلفه فضاع في الطريق؛ فلا شيء على الرسول ~~ولا على المتسلف أن يقضي، من قبل أن الرسول أمين. # وإن كان الرسول إنما تسلف على نفسه، وكان قد قضى الجراب من عنده ثم قبض ~~من هذا لنفسه فتلف من عنده؛ فقد برئ الأول بدفعه إليه. # ومن كان عليه سلف من رجل فأعطاه عروضا أو شيئا من الأصول غير السلف؛ فذلك ~~لا يجوز. وإن باع له شيئا من ماله بلا شرط، مثل حقه كان حبا أو تمرا؛ فذلك ~~جائز. ويكيلان لبعضهما بعضا. # فأما إن باع له النخلة ليقضيه ذلك لم يجز. وإن باع له نخلة بدراهم من ثمن ~~الحب أو التمر وقضاه؛ فذلك لا يجوز. ويأخذ دراهمه ثمن النخلة ويشتري للرجل ~~سلفه ويقتضيه، ولا ينتقض البيع إن لم يكن هنالك شرط. # وإن سلفه بشقة على ذرع معلوم فأتاه بشقة أقصر ذرعا على تلك الصفة؛ فأخذها ~~جاز ذلك له. وإن كانت أطول وأعطاه عن طيب نفسه جاز ذلك على قول. وإن أخذ ~~المتسلف منه ثمن الفضل؛ فقد أجاز ذلك من أجازه. # وإن قال المسلف: قد كان للسلف وقت، وقال المتسلف: لم نجعل له أجلا؛ ~~فالسلف منتقض؛ لأن السلف لا يثبت إلا بالأجل، ولم يقر المتسلف بالأجل؛ فلا ~~يثبت إلا بالصحة. # وإن قال المتسلف: لم يوفني الدراهم، وقال المسلف: افترقنا عن وفاء؛ ~~فالسلف ثابت وعلى المتسلف البينة أنه لم يوفه؛ لأنهما اتفقا على السلف، ~~وادعى المتسلف أنه لم يوفه؛ فلا ينتقض السلف على قول، والبينة على المدعي ~~والأيمان بينهما إذا تناكرا. # ومن سلف سلفا ثم ظن أنه منتقض، فرجع إلى رأس ماله وأخذه؛ فقد انتقض السلف. # ومن سلف ثم رجع يطلب رأس ماله ms749 فأفلس الذي عليه السلف؛ فإن كانا نقضا ~~السلف فليس له إلا رأس ماله. وإن لم ينقضا السلف فله سلفه إلى محله ولا ~~ينتقض حتى يتفقا على نقضه. PageV04P015 # ومن سلف دينارا ثم رجع إلى رأس ماله فأخذ بصرفه دراهم؛ فلا بأس بذلك ~~/696/ على قول. وذلك عندهم يجوز في الذهب والفضة؛ لأنهما جميعا عين، وهما ~~أثمان الأشياء. وقد كره من كره من لم ير أن يأخذ بالدينار دراهم. # ولا يثبت السلف في القثاء ولا الخيار والباذنجان والأترج والجوز واللوز ~~والبيض وما كان مثله؛ لأن ذلك يختلف عندهم، وهو مستتر لا يعرف جوده من ~~رديئه وبيعه فجائز على المنتظر. وإن كسر المشتري شيئا منه فبان عيب من ~~داخله فله رده، وعليه غرم ما نقص من قيمته وهو مكسور عن قيمته قبل أن يكسر، ~~يقوم سالما معيوبا وذلك ينتفع به إذا كان عائبا وسالما. # فأما ما لم ينتفع بقشره فلا قيمة فيه، ولا شيء عليه. فإن غاب عنه ثم كسره ~~لم يلزمه ذلك؛ لأن العيب فيه يحدث. # وإن باعه شيئا من ذلك عددا فحمله ومضى فعده فوجده زائدا؛ فإنه يرده حتى ~~يعطيه الذي له؛ لأن الزيادة لا تعرف من الذي اشترى من ذلك بعينه، فصار ~~شريكا في ذلك الجوز والبيض وما كان مثله. وإن أتلفه على ذلك ضمن له قيمة ما ~~زاد عنده. # ومن أسلف رجلا سلفا، فقال المتسلف من بعد: حط لي من كل درهم سدسا؛ فقد ~~قيل: ينتقض السلف إذا قال له: نعم قد وضعت لك. وقال آخرون: لا ينتقض إذا حط ~~له من حقه الذي عليه حتى يبطل السلف. # ومن أسلف رجلا سلفا ولم يأخذ المتسلف الدراهم حتى حل السلف؛ انتقض السلف؛ ~~لأن السلف لا يثبت عندنا إلا بقبض الدراهم. # فإن قبض بعضا ثبت ما قبض إذا كان لكل درهم شيء معلوم. وإن لم يميز انتقض ~~السلف كله. وإن كان حين أسلفه قبض الدراهم واتفقا على ذلك الأجل، ثم ردها ~~إليه وائتمنه عليها؛ فهي له، وعليه السلف. # وإن أسلفه بتمر فرض ms750 وبلعق؛ فإن اتفقا جاز ذلك. وإن اختلفا انتقض السلم ~~حتى يسمي لكل شيء شيئا معلوما. # 134- باب: # مسألة: في المضاربة # - وسأل عن المضاربة؟ PageV04P016 # قيل له: هي عندنا جائزة بالدراهم والدنانير. وذلك: أن يدفع الرجل إلى ~~الرجل مالا يتجر به، ويرابح فيه، وللمضارب جزء منه يتفقان عليه. # وإذا دفع رجل إلى رجل دراهم على أن لرب المال /697/ نصف ربح المال، أو ~~ربح مائة درهم في رأس المال؛ فهي مضاربة جائزة. # وإن قال المضارب: ربح هذه المائة بعينها، وهذا النصف بعينه؛ فقد قيل: إن ~~هذه المضاربة فاسدة، وللمضارب أجر مثله. # وإن شرط المضارب الربح كله؛ فهو للمال ضامن وهذا دين. وإن شرط الربح كله ~~لرب المال؛ فهذه بضاعة لرب المال ولا ضمان على المضارب. # وإن دفع إليه مالا مضاربة على ما رزق الله في ذلك من شيء؛ فإن للمضارب من ~~ذلك مائة درهم، أو أقل أو أكثر؛ فقد قيل: إنها مضاربة فاسدة. فإن ربح أو ~~وضع فللمضارب أجر مثله، وليس له من الربح شيء، ولا ضمان عليه إن ضاع المال؛ ~~لأنه أمين. # وإن دفع المضارب المال إلى آخر فهو له ضامن؛ فإن كان ربح فللمضاربين، ~~ولرب المال رأس ماله وربحه. فإن تلف المال فالأول ضامن، وليس على الأخير شيء. # والمضارب له أن يحط في البيع ويبيع كما يرى، وما حط من ذلك فهو من رأس ~~المال؛ لأنه ناظر لنفسه ولصاحبه. # وإن حجر عليه صاحب المال لا يأخذ نسيئة وأخذ نسيئة؛ فإن ربح فالربح ~~بينهما إذا أخذ على المال، وإن خسر فالوضيعة على المضارب. وإن أمره أن يأخذ ~~على ماله؛ فالوضيعة على المال والربح بينهما. وإن لم يأمره؛ فالربح بينهما، ~~والوضيعة على المضارب. # ولا يجوز أن يحول القرض مضاربة، ولا المضاربة قرضا، وهما على الأمر الأول. # وقد قيل: لا ربح للمضارب إلا بعد أن يرد رأس المال. # وقد قيل: نفقة المضارب وكسوته على نفسه، وأما ما يعني المال من الكراء ~~والأجر وجميع مؤنته؛ فذلك من رأس المال. PageV04P017 # وإن شرط المضارب على صاحب رأس المال ms751 أن نفقته منه فذلك له. وكذلك ما طلب ~~من كسوة وغيرها. وقد قيل: إنه إن كان شيئا معلوما من نفقة وكسوة ثبت، ~~والمجهول لا يثبت من ذلك. # والمضارب لا يأخذ كراء يده، فأما كراء الدابة إذا كانت تعمل بالكراء، ~~وكذا الدكان إذا كان يؤاجر فأخذ كراء ذلك كما كان لغيره. # وإذا أخذ المضارب نفقة من مال من يضارب له لم يجز له أن يعمل لغير رب ~~المال، ولا يضارب لغير من أخذ منه نفقة، ولا يأخذ بضاعة. # والمضارب لا يشتري /698/ من نفسه لنفسه إذا كان له فيها حصة، ولا يبيع ~~لرب المضاربة؛ لأنه يشتري ماله بماله. وإذا أخذ أجرا من البضاعة ورد عروضا ~~كانت المضاربة قد دخل فيها من ماله عروض؛ فأخاف أن ينتقض. # وإن اشترط صاحب المال على المضارب الضمان؛ انتقضت المضاربة. وعلى قول: إن ~~الربح له وعليه الضمان. # وإذا كانت المضاربة منتقضة فإن المال وربحه لربه، وللمضارب عناؤه من ذلك ~~وأجر مثله ولا ضمان عليه. وبعض: يوجب الربح للمضارب، ولرب المال رأس ماله، ~~وأرجو أن فيها قولا ثالثا: إن الربح بينهما، ولم أعزم فيه؛ ولكن هو أمين، ~~وله أجر مثله، والمال لربه. # وإذا دفع الرجل إلى رجل مالا مضاربة، فضاع بعض المال، ولم يخبر صاحب ~~المال بضياعه حتى تجر بالباقي وربح؛ فليس له ربح حتى يكمل رأس مال الرجل. ~~وأما إن أخبره أنه ضاع فأجاز له أن يضارب بما بقي في يده وهو شيء معلوم، ~~فله حصته من ا لربح، ولا ضمان عليه فيما ضاع. وإن ضاع كله فلا ضمان على ~~المضارب ولا ربح له حتى يتعدى ما رسم له صاحب المال. فإن تعدى ضمن. ولا ~~يلحق رب المال بعد ذهاب ماله شيء. # وإن أمره أن يأخذ نسيئة وما كان من دين فعليه لزمه ما أمر به. وإن قال: ~~علي وعليك فما شرط فثابت. PageV04P018 # وإن قسما شيئا من الربح وضاع رأس المال لم يكن على المضارب شيء حتى يتم ~~رأس المال، إلا أن يقول له: إن رأس المال ms752 كذا، وقد ربحنا كذا؛ فيقسمان ~~الربح، ويدع معه رأس المال ليضارب به فضاع؛ فلا رد على المضارب على هذه الصفة. # وإن أعطاه مضاربة ولم يحد له شيئا، فزرع المضارب وعطبت الزراعة؛ لم يضمن. ~~وكذلك لو خرج بها من المصر فضاعت لم يلزمه ضمان غير ذلك. # فأما إن حد له أن يتجر في شيء معلوم؛ فتعدى المرسوم ضمن. # وكذلك إن حجر عليه أن لا يخرج من البلد بماله؛ فخرج به وتلف ضمن. # فأما إن دفع رجل إلى رجل مالا فضارب به فأخذه السلطان، أو وقع به سارق؛ ~~فلا ضمان على المضارب، ولا ربح له، وما ذهب فهو ظلم من المال. # وإن أراد أن يتفاصلا قسما ما حضر، وما /699/ كان على الناس يقسمانه إذا ~~حضر بعد رأس المال. # وقد اختلفوا فيمن يعطي منافقا رأس مال يتجر فيه؛ فلم يجز قوم مخافة أن ~~يطعمه الربا. فأما من أجاز ذلك فإنه يقول: حتى يعلم ذلك منه، ولو كان ذلك ~~لا يجوز لم يجز معاملة المنافق والخائن لما يعلم مما يدخل في ماله ومعاملته ~~من الحرام والاستحلال. وكذلك الذمي يستحل الربا؛ فلما جازت المعاملة لهم ~~حتى يعلم أنه حرام بعينه، جاز مشاركة الفاسق وإعطاؤه مضاربة حتى يعلم أنه ~~يعمل بالربا، فإن عمل بالربا فلا يعطه بعد العلم. وقد اختلفوا في مشاركة ~~الذمي أيضا. # ومن اشترى سلعة فأشرك فيها، وأن الشريك جحده فباع فربح فله الربح. قال ~~قوم: لصاحبه حصته من الربح، وعليه حصته من الوضيعة حتى يتبرأ إليه، ويقول: ~~حصتي من ذلك هي لك؛ فهنالك لا يكون له شيء. # وإذا اشترى المضارب بدين أو حمل بكراء فتلف المال؛ فالكراء على المكتري. ~~وإذا قال رب المال: لم آمرك أن تأخذ بدين لم يلزمه حتى يأمره أن يأخذ بدين. ~~ولا يجوز قرض جر منفعة. PageV04P019 # وللمضارب أن يحط عن من باع له؛ لأنه ناظر في ذلك لنفسه ولصاحبه. # 135- باب: # مسألة: في التجارة وغيرها من البيوع # - وسأل عن التجارة: فيما تجوز، وفيما لا تجوز، وبين من لا تجوز؟ # قيل ms753 له: التجارة في كل شيء ما هو معلوم من الأصول والعروض والمعاملات ~~والشراء والبيع، في جميع ما أحل الله من ذلك جائز، قال الله تعالى: {وأحل ~~الله البيع وحرم الربا}، فالربا حرام والبيع حلال. وقد قدمنا في باب الربا ~~معنى الربا. والبيع حلال بناطق القرآن، قال الله تعالى: {إلا أن تكون تجارة ~~[حاضرة] تديرونها بينكم}، وقال: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم}، فقد ~~أباح في الكتاب من جميع الأملاك من الأموال الحلال إلا فيما حرم الله ~~ورسوله، أو بيع حرمه الله في كتابه، أو نهى عنه رسوله ^، قال الله تعالى: ~~{وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله} قالوا: التجارة. وقال: ~~{يبتغون فضلا من ربهم ورضوانا} يعني: ابتغاء الرزق في تجارتهم، ورضوانا ~~لحجهم. فقد أباح الله التجارة في كل ما أحل. # - وأما الحرام فهو الذي /700/ لا يجوز يتبايع به، ولا يحل ذلك، وكذلك ~~الربا الذي اتفقوا على تحريمه حرام البيع به. # - فأما بين من لا يجوز؟ فذلك جائز بين كل من كان بالغا عاقلا مميزا، يعرف ~~البيع، من ذكر وأنثى من جميع الأحرار، لا خلاف في إجازة البيع بين البالغين ~~فيما تبايعوا عليه من جميع الأصول والعروض والأمتعة، إذا كان المشتري ~~والبائع عارفين بما تبايعا عليه، كان المباع غائبا أو حاضرا، كان جزافا أو ~~كيلا أو وزنا إذا عرفا ذلك، إلا ما قالوا في الحيوان والرقيق، فحتى يحضر ~~عند البيع. PageV04P020 # وأما العبد فلا تجوز مبايعته إلا بأمر سيده، قال الله تعالى: {عبدا ~~مملوكا لا يقدر على شيء} لا يملك شيئا؛ فلا يجوز بيعه؛ لأن بالإجماع لا ~~يجوز لأحد أن يشتري من عند أحد ما لا يملكه؛ فلا يثبت البيع فيه لتعدي ~~البائع فيه، إلا أن يكون أمره سيده، وأذن له في التجارة. وفي الإجازة بعد ~~البيع اختلاف: قال قوم: يثبت. ولم يجز آخرون ذلك. # فأما الصبي فلا يثبت بيعه؛ لأنه لا قبض له في ماله ولا دفع، ولا يجوز ~~أمره ولا نهيه، ومن أخذ له شيئا ضمن له، وكذلك ms754 عقده باطل ولا يحكم به عليه. ~~فأما على التعارف فقد أجاز بعضهم مبايعة الصبي والعبد من طريق الرسالة، ~~يرسل العبد مولاه، ويرسل الصبي أهله يشتريان لهم من عند التاجر حاجاتهم؛ ~~فقد أجازوا ذلك من وجه الرسالة في غالب الظن، والتعارف في ذلك بين الناس. # وقد قدمنا فيما لا يثبت فيه البيع من الغرر والمجهولات في البيوع التي لا ~~يعرف البائع والمشتري أو أحدهما، وكل ما وقع النهي عليه من الرسول ^ وحرمه ~~بسنته، وكذلك ما جاء تحريمه في الربا. # والبيع بيعان: بيع بنقد، وبيع بنسيئة؛ وكله جائز، قال الله تعالى مؤدبا ~~للمسلمين: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه}، ~~فأجاز الدين إلى الأجل، وأمر بكتابه لئلا ينسى، ثم قال: {إلا أن تكون تجارة ~~حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها}، فأباح لهم البيع في ~~التجارة بالنقد وإلى أجل؛ فأجاز البيع والنقد والدين. # وقد روي عن النبي ^ أنه أمر بلالا أن يستدين، وأن بلالا قال: إن القوم ~~يشددون عليه في الدين؛ فقال له: /701/ «توار حتى تجد ما تقضي به». PageV04P021 # وقد روي أنه ^ «استدان من اليهودي ورهن درعه»؛ فأجاز في الدين أخذ الرهن ~~إلا ما خصه بالاتفاق من المسلمين أن الرهن لا يجوز في السلف، وقد قال الله ~~تعالى: {ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة}، وأجاز تعالى أخذ الرهن في البيع ~~إلى أجل، إلا أنهم قالوا: إن الرهن في السلف زيادة على الحق. # وأجازوا الكفيل في البيوع إلى أجل، وأن الضمان في ذلك لازم من ضمن به. ~~وأجازوا الكفيل في السلف أيضا. # وأما الرهون فإنها غير لازمة في قوله تعالى: {فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد ~~الذي اؤتمن أمانته}، فقد أخبر أن من ائتمن ولم يرتهن فقد جاز؛ لقوله: ~~{فليؤد الذي اؤتمن أمانته}، فقد أمر الله بالكتاب في الدين إلى أجل. وقال ~~قوم: لازم. وقال قوم: أدب. ولو كان فرضا لم يقل: {فليؤد الذي اؤتمن ~~أمانته}، فقد ذكر الرهن كما ذكر الكتاب، والرهن إن لم تجدوا كاتبا؛ لئلا ~~يذهب الحق. ms755 # وقوله تعالى: {ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله} هو على الندب على قول ~~من لم يجعل الكتاب فرضا فينبغي لمن دعي أن يكتب بين المتداينين أن يكتب كما ~~علمه الله الكتاب، وإن رجا أنهم يجدون غيره فلم يكتب؛ فأرجو ألا يأثم. # وقوله: {وليملل الذي عليه الحق} أمر به تعليم من الله لهم إن تداينوا أن ~~يكتبوا، ويملل الذي عليه الحق، وإن كان جاهلا {سفيها أو ضعيفا}، كما قال ~~الله تعالى: {فليملل وليه بالعدل}، وليه هو الذي له الحق. وقد اختلفوا في ~~ذلك: قال قوم: وليه هو ولي الذي عليه الدين. وقال آخرون: هو الذي له الدين؛ ~~لأن الهاء راجعة إليه، والله أعلم. PageV04P022 # وأقول: هو الذي له الحق أن يمل ما الذي له إذا {كان الذي عليه الحق سفيها ~~أو ضعيفا} يقول: جاهلا أو ضعيفا أو صغيرا، أو امرأة و{لا يستطيع أن يمل} ~~يكون عيا بالإملاء. # فأما قوله: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} فإنه أمر بالإشهاد كما قال ~~الله: {وأشهدوا إذا تبايعتم} فحثهم على الشهادة في البيع، ثم قال: {ولا ~~يضآر كاتب ولا شهيد}، فنهى عن المضارة لهم، وأمرهم بالكتاب والشهادة لحفظ ~~الأموال، قال الله تعالى: {وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم}، فجعل من يضار الكاتب ~~والشهيد من أهل الفسوق، ولا تحل مضارة كاتب /702/ ولا شهيد في بيع ولا غيره. # فينبغي المسارعة إلى ما حث الله عليه من ا لكتاب والشهادة في الدين ~~والبيوع إلى أجل، ويجيب الكاتب والشاهد كما قال الله تعالى، وقد سماهم ~~شهداء، فقال: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا}. وقد اختلفوا في معنى الشهداء؛ ~~فقال قوم: يشهد إذا دعي ليحمل الشهادة، وإذا شهد ودعي ليشهد. وقال آخرون: ~~إنما ذلك لا يأبى إذا دعي إلى أداء الشهادة، حيث تجوز له أن يؤديها كما حمل ذلك. # فأما الحامل فعليه أن يؤدي الشهادة حيث يجوز له أن يؤديها كما شهد بها. ~~وأحب أن من دعي إلى الشهادة ليشهد أن يجيب كما قال الله تعالى. وأجاز في ~~ذلك شهادة ms756 رجلين، {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان}، وقال: {ممن ترضون من ~~الشهداء}، فحث في ذلك إلى الرضى في الدين، والثقة في الأداء. PageV04P023 # ولا تجوز شهادة غير أهل العدل من الرجال والنساء؛ لقوله: {ممن ترضون}، ~~وقوله: {أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى} يعني: المرأتين والرجل؛ فقال ~~قوم ممن ينسب إلى الخلاف بذكرهما يقومان مقام رجل. وقال الأكثر: أن تذكرها ~~تعرفها بما حملتا من الشهادة؛ لقوله: {أن تضل} معناه: أن تنسى فتعرفها ~~صاحبتها. # وكل بيع إلى أجل معلوم يثبت، وأما إلى غير أجل فلا يثبت، إلا أن يكون ~~حالا فليكتب؛ لقوله: {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى}، والأجل في البيوع ~~فيما أحب من ذلك، ويكون كما قال الله في الأهلة: {هي مواقيت للناس} فهي ~~مواقيت لهم في أجل بيوعهم، وعدة نسائهم وحجهم؛ فأما بيع إلى غير أجل وليس ~~بحال فهو منتقض؛ لأن الله لم يجعل الدين إلا إلى أجل. # وقد قالوا: من قدم دراهم بحب أو بتمر أو بحيوان أو غير ذلك ولم يجعله ~~سلفا إلى أجل لم يثبت، وصار مرتكبا نهي النبي ^ «أنه نهى عن بيع ما ليس معك». # والبائع باع من ذلك الطعام أو غيره مما ليس معه، فذلك إذا لم يتتامما في ~~بيع عند قبض ذلك ونقضاه انتقض. وقد قيل: إنه منتقض في الأصل. PageV04P024 # فأما البيع بالنقد فذلك جائز كله. وإن أخره بالدراهم وانتظره جاز بعد أن ~~تقع الصفقة على البيع من الطعام والأمتعة والعروض، فإذا عرف /703/ ذلك ~~البائع والمشتري وكلاهما عالمان بالبيع، عاقلان، عارفان بما يتبايعان عليه ~~ووجب صفقته جائز البيع به ولا ينتقض. وإن أخر الثمن (ولأن الثمن هو الدراهم ~~والدنانير وهي أثمان للأشياء بالاتفاق من الأمة)؛ فالبيع بها جائز حضرت أو ~~غابت، إذا كان المباع بها حاضرا، مما لا يجوز إلا بحضرته، وكان المباع لا ~~يجوز حتى ينظر بالعين، أو كان المباع قد تقدم المعرفة فيه والعلم به ~~فتبايعا على ذلك الشيء بعينه بالدراهم أو الدنانير؛ جاز ذلك البيع كان بنقد ~~أو أخره إلى أجل أيضا ms757 جائز، ويكتبها إلى أجل كما وصفنا. # فأما أن يبيع الدراهم والدنانير بالحب أو بالتمر أو بالثوب أو غير ذلك؛ ~~فلا يجوز إذا لم يكن الأجر المباع به عند البيع وقد علماه، إلا أن يسلفه ~~ذلك سلفا إلى أجل فجائز؛ لأنه إن باع دراهم بنوع غير حاضر ولا معلوم فسد من ~~طريقين: طريق بيع ما ليس معك، وطريق أنه مجهول، وقد جاء النهي من جميع ذلك ~~إلا في السلف. # فأما بيع العروض كلها إذا علمت بالدراهم جائز. وإن وجدها ناقصة أو زائدة ~~أو فاسدة أو متغيرة عما كانا عرفاها؛ فلهما أن ينقضا ذلك إذا كان بيع ذلك ~~بالدراهم، حضرت أو تأخرت حالة أو إلى أجل. فأما ما باع من العروض بالعروض ~~وكان ذلك حاضرا يدا بيد؛ جاز ذلك. # فأما بيع العروض بعضها ببعض إلى أجل؛ فأما إن كان من جنس واحد لم يجز؛ ~~لدخول النهي فيه بالسنة، و«نهى النبي ^ عن الذي نهى من الطعام وغيره من ~~الموزون والمكيل إلا سواء بسواء، أو مثلا بمثل»، فيما قدمنا ذكره في باب الربا. PageV04P025 # وقد اختلف الناس في مثل ذلك إذا اختلف الجنسان، واختلف أصحابنا أيضا فيما ~~يكال ويوزن بما يكال ويوزن بيعه إلى أجل بعضه ببعض لم يجزه كثير منهم، وإن ~~اختلف جنساه إلى أجل بزيادة. # واختلفوا فيما خيف فساده؛ أجازه بعض. ولم يجزه آخرون. فكل هذا قد تقدم ~~ذكره في باب الربا. # فأما ما كان منه يدا بيد كائنا ما كان جائز عند أصحابنا، كان مثلا بمثل ~~أو بزيادة. # وأما بيع شيء من البيوع كلها حاضرة إذا تبايعا وكان مع أحد النوعين فضل ~~دراهم نقد أو إلى أجل؛ فإن ذلك جائز /704/ عندهم. # وجائز عندهم البيع بالدراهم بكيل أو وزن أو جزاف، كل ذلك جائز إذا عرفا. ~~وجائز جزاف بجزاف في العروض الحاضرة. # فأما بيع الأصول من النخل وغير ذلك من الأموال؛ فجائز بيعه بنقد ونسيئة ~~بعد أن يعرفه البائع والمشتري. # وجائز أن يبيع النخل والأرض والدواب بالحب والطعام أو الثياب أو العبيد ~~أو ms758 الحيوان بالدراهم والدنانير، جائز ذلك إذا كان النوع المباع به المال ~~حاضرا عند البيع. وبيع المال ذلك بعينه أو بصفة أو قبضه إياه في الوقت جائز. # فأما بيع المال بحيوان أو رقيق غائب لا يجوز. وكذلك بحب أو بتمر ليس مع ~~المشتري فذلك لا يثبت؛ لأنه بيع ما ليس معك حتى يكون حاضرا ذلك المباع من المال. # فأما الدراهم؛ فجائز بيع الأصول بذلك، كانت ذلك نقدا أو إلى أجل. # وكل ما بيع بالدراهم من جميع البيوع كلها جائز بالنقد أو أخره إلى أجل أو سلف. # والغش في البيوع كلها لا يجوز؛ لنهي النبي ^ عن ذلك؛ لقوله #: «من غشنا ~~فليس منا». PageV04P026 # وقد وجدنا أن جبرائيل والنبي -صلى الله عليهما- مرا بطعام فقال النبي ^: ~~«ما أطيب هذا الطعام» فقال جبرائيل للنبي -صلى الله عليهما-: "أدخل يدك في ~~جوفه"، فأدخل يده في جوفه فوجده متغيرا؛ فقال النبي ^ لصاحب الطعام: «أما ~~أنت فقد جمعت خصلتين، خيانة في دينك، وغشا للمسلمين»، والغش لا يجوز ~~بالسنة. وفي قول المسلمين: الغاش آثم في فعله، والغش: هو تغيير الصورة عما ~~هي عليه من حالها الأول حتى تنظر أنها جيدة وهي مغشوشة. واختلاط الرديء ~~بالجيد من الغش، وخلط الخمل بالرطب لينفق من الغش. وخلط السباس والقمر ~~بالحب، والقديم بالحديث لينفق به، كذلك جميع الأشياء التي تغير لونها لترى ~~أنها حسنة. # ولا يجوز الغش في شيء من الطعام، ولا الأمتعة، ولا الثياب. ولا يجوز غش ~~الدراهم، وكل غاش يلحقه قول الرسول #: «من غشنا فليس منا». فالغش حرام على ~~من فعله، ومن أخذ ثمنه تاما رد ما فضل من قيمة الرديء فيه، والله أعلم. # وقد جاء «النهي أن يبيع حاضر لبادي»، والفاعل لذلك عاص لارتكابه النهي؛ ~~فأما البيع نفسه فليس بحرام /705/ على بعض القول. # وقد جاء النهي: «لا يبيع أحدكم على بيع أخيه، ولا يخطب على خطبة أخيه»، ~~والفاعل مرتكب للنهي الذي لا يجوز له أن يفعله، والبيع والتزويج غير منتقض. ~~وبعض: نقض البيع. ومعنى ذلك إذا كان أخوه قد ساوم على ms759 شيء ليشتريه فلا ~~يزايد عليه حتى يباع له أو يدع ذلك. كذلك التزويج لا يخطب على خطبة أخيه ~~حتى يتزوج أو يترك. PageV04P027 # فأما بيع النداء؛ فجائز ذلك عند المسلمين. وقد روي عن النبي ^ «أنه أجاز ~~بيع النداء في قدح وحلس لرجل جاء إليه وشكا إليه الحاجة، فأمر النبي ^ ~~ببيعه فيمن يزيد». وذلك لا يدخل في هذا الذي قلنا، إلا لمن يبيع على بيعة أخيه. # ولا يجوز بيع الثمرة حتى تزهو؛ لما روي عن النبي ^ «أنه نهى عن بيع ~~الثمرة حتى تزهو»، ومعنى ذلك: هو الفضح. # ولم يجز بيع البصل في الأرض والجزر، وما كان مثله مما هو داخل مستتر، ~~مثل: الحب في الجواليق أو في سنبله، واللؤلؤ في صدفه، والسمك في البحر، وما ~~كان مثله مما هو داخل مستتر لا يعلم ما هو؛ «لنهي النبي ^ عن بيع الغرر»، ~~وهو أيضا مجهول لا يجوز؛ فذلك لا يثبت ولا يحل، وما كان مثل ذلك. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «يد الله على الشريكين ما لم يخن أحدهما ~~صاحبه، فإذا خان أحدهما صاحبه رفع الله يده عنهما». والخيانة كلها في ~~البيوع حرام، أو غير البيوع. والبخس والخلابة والخديعة حرام. # وأمر بالتناصح والانتظار، قال الله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ~~ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون}، فمن نظر معسرا كان أفضل له، وإن ~~تصدق كان أعظم لأجره. PageV04P028 # ولا يجوز البخس في الكيل والوزن، قال الله تعالى: {ولا تبخسوا الناس ~~أشياءهم}، وقال: {ولا تخسروا الميزان}، وقال: {وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا ~~بالقسطاس المستقيم}، فأمر بالحق والعدل ونهى عن البخس، وأمر بالوفاء ونهى ~~عن النقصان، وأوعد الويل في التطفيف؛ فقال تعالى: {ويل للمطففين * الذين ~~إذا اكتالوا على الناس يستوفون * وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون} أي: ينقصون ~~إذا وزنوا لغيرهم؛ فجعل لهم الويل ولو على /706/ أصغر الصغيرة من التطفيف؛ ~~فالمطفف خاسر. # وقد جاء الحديث: «إن التاجر الصدوق مع النبيين والشهداء والصالحين»، وذلك ~~إذا أخذ الحق وأعطى الحق، ولم يبخس ولم يكذب في ms760 تجارته؛ لأن الكذب مذموم في ~~البيوع. وقد جاء الحديث في الوعيد أنه: «ملعون من إذا باع مدح بالكذب، وإذا ~~اشترى ذم بالكذب»؛ فهذا لا يحل لمن فعله في البيوع كلها من التجارة ~~والأموال والحيوان والرقيق، وغير ذلك من الأمتعة والأصول، وقد روي «أن ~~النبي ^ أمر التاجر بالصدقة»، وقال ^: «مطل الغني ظلم»، فمن طلب إليه حقا ~~عليه وهو تناله يده ويقدر على أدائه فلم يؤده فهو ظلم كما قال النبي ^، ~~وأما إذا لم يطالبه فلا يأثم. PageV04P029 # وقد أمر الله الذي عليه الحق أن يؤدي بإحسان، فقال: {وأداء إليه بإحسان} ~~في غير مشقة ولا مطل. فأما المعدم فإذا كان ينوي قضاءه وكان دينه في قصد ~~||من|| غير إسراف فإنه أجر وحسنات، وقد أباح الله الدين ولم يحرم ذلك، إلا ~~أن المأمور في تعجيل قضاء الدين؛ لما روي: «أن العبد روحه معلقة بين السماء ~~والأرض حتى يقضى دينه». وأن رجلا سأل النبي ^ فقال: "إن جاهدت بسيفي هذا ~~صابرا محتسبا كفر الله بها خطاياي؟ قال: «نعم»، ثم قال: «هذا جبرائيل أتاني ~~فقال: إن لم يكن عليك دين». وفي بعض الحديث: «إلا الدين»، فمحنة الدين ~~عظيمة في هذا. # والغني فظالم إذا طلب إليه. # وقد روي عن بعض من كان من السلف أنه إذا كان له دين أطال تأخيره ثم تركه ~~طلب الثواب. # وقد جاء النهي في «كل قرض جر منفعة»، وهو أن يقرضه كذا وكذا على أن يبيعه ~~كذا وكذا، أو على أن يسكنه داره. أو يقرضه كذا على أن يسلفه كذا، وما كان ~~من نحوه. # وقد أجاز بعضهم: أن من كان له قرض على رجل أن يأخذ ثمنه أو دونه باتفاق ~~منهما، وإن أعطاه أفضل جاز له أن يأخذ أفضل؛ لما روي عن النبي ^ أنه اقترض ~~من رجل بكرا، فلما جاءت إبل الصدقة أمر أبا رافع أن يقضيه بكرا، فلم يجد في ~~الصدقة بكرا ووجد رباعيا، فأخبر النبي ^ /707/ فقال: «اقضه إياه فإن خيركم ~~أفضلكم قضاء»، فقد قضى رباعيا عن بكر في القرض؛ فجائز في ms761 القرض عن التراضي ~~مثل ذلك وأدون بطيبة النفس، وأخذ الثمن أيضا. # ولو أقرض برا وأخذ ذرة أو شعيرا جاز ذلك. وأما تكون القيمة على المقضى من ~~قيمة ذلك دراهم ثم يقضيه عروضا بذلك، فما أحب ذلك. وقد اختلفوا فيه فأجازه ~~قوم. وكرهه آخرون، على ما عندي في ذلك. PageV04P030 # ومن كان عليه شيء من العروض والأمتعة والطعام بقرض، أو من طريق أنه يأخذ ~~من التاجر شيئا لا يقطعان له ثمنا ثم يريد أن يقضيه؛ فإنه جائز أن يقوماه ~~في وقت يريدان القضاء ثم يقضيه. وإن لم يقضه في الوقت فالشيء عليه كما كان ~~أولا، وليس عليه تلك القيمة وقد حسبت؛ لأن الاختلاف في ذلك إن قضاه عروضا ~~في الوقت بتلك القيمة. # والذي يبيع طعاما إلى أجل بدراهم؛ فإذا حل الأجل -على قول- اعترض ما شاء ~~في الأموال من المسألة على مثال هذا. وقال قوم: يعترض من أي نوع شاء، إلا ~~من ذلك النوع الذي باع به من الطعام، فانظر في ذلك إن شاء الله. # وفي القرض اختلاف: قال قوم: لا يأخذ إلا ما أقرض، وقد قدمنا خبر السنة في ~~الذكر، وما جاز في القرض. # وأما الأجير بحب أو تمر؛ فليس له أن يأخذ ثمنه، إنما له الذي استؤجر به؛ ~~لأنه لم يكن بعد قبضه فلا يأخذ ثمنه. # وكذلك السلف، لا يأخذ ثمنه ولا يبيعه حتى يقبضه. فإذا قبض الأجير أجرته، ~~فله أن يبيع ذلك ويأخذ به ما شاء. # وقد جاء الحديث: أنه «لا يستعمل الأجير حتى تقطع له أجرته»، وأن «يعطى ~~الأجير أجرته قبل أن يجف عرقه». # والأجرة بغير دراهم وبالحب جائز، وبالدراهم جائز ما اتفقا على ذلك. # ولا يستوجب الأجير أجرته قبل أن يتم عمله، وإن ضاع ضمنه حتى يصح ضياعه؛ ~~فكل عامل بيده إذا كان بأجرة ضامن. # فأما المتطوع لا يضمن إذا لم يتعمد على التلف لذلك، إلا الراعي والشائف ~~والوكيل. وإن كان إنما استؤجر للحفظ ولم يعمل بيده؛ فلا ضمان حتى يضيع، ~~فإذا ضاع لم يلزمه. # 136- باب: # مسألة: في ms762 بيع الدراهم بالدنانير PageV04P031 - ومن يشتري دراهم بدنانير ~~ثم يرد منها شيئا؛ فقد قيل: يرد عليه ما لم يحز ويبدل /708/ له مثله. وقال ~~آخرون: ما لم يكن يحوز يبدله. ومنهم من قال: لا يبدل له ويكون شريكا في ~~الدنانير، ولا ينقض الصرف. # [مسائل متفرقة في البيوع] # وقد جاء «النهي عن بيع ما ليس معك»، وكل بيع شيء ليس عندك في وقت بيعه ~~ولا في ملكك لم يجز بيعه، إلا السلف فإن السنة أجازته. # ومن اشترى سلعة فعلى البائع التسليم. وإن كان يكال أو يوزن؛ فعلى البائع ~~دفع ذلك إلى المشتري، وعلى المشتري قبض ذلك. وإن لم يقبض أمر بقبض ذلك ودفع ~~ثمنه، إلا أن يتفقا على الإقالة، وإن امتنع حبس حتى يقبض، وإنما يلزم الثمن ~~بالقبض. # والبيع يجب بالعقد، ولا يبيع ما لم يقبض، ولا يأخذ ربح ما لم يضمن، وقد ~~روي عن النبي ^ «أنه نهى عن ربح ما لم يضمن»، قالوا: ما لم يقبض ويضمن الثمن. # وأما من اشترى فقال البائع: لا أدفع حتى تنقدني الثمن؛ فذلك على قول: له ~~ولا ضمان حتى يقبض وينقد الثمن. فإن تلف فمن مال البائع؛ لأنه في يده لم ~~يدفعه. وإن امتنع المشتري أن يقبض ما اشتراه جبر حتى يقبض ويعطي، فإن قبض ~~ولم يعط جبر حتى يدفع الثمن. # والمسترسل يباع له كما يباع للمماكس ولا يبخس شيئا؛ لأن غبنه عند الفقهاء حرام. # وإن قال رجل لتاجر: بع لي من طعامك أو من متاعك بسعر ما تبيع، فيرسل إليه ~~بذلك، ولا يقول له فيه شيئا؛ فقد أجاز بعض ذلك. وأحب أن يقول له: إذا أرسل ~~به إليه: قد بعتك كذا وكذا، والله أعلم بذلك. # وإن لم يقطع له ثمنا ولم يتفقا على القول الأول إذا عرفه الثمن فالبيع ~~منتقض؛ لأنه لم يبايعه في الوقت على شيء عرفاه ويتفقا على ثمنه؛ فله عليه ~~قيمة ذلك الشيء، إلا ما كان يعرف بالكيل والوزن فله مثله. PageV04P032 # فأما إن جاء إلى التاجر فقال: أعطني كذا وكذا، فأعطاه ولم ms763 يقطعا الثمن، ~~ولم يثمن له في الوقت ثم أراد أن يعطيه بعد؛ فإنما له مثل ما أعطاه، إلا أن ~~يتفقا في الوقت على قيمة ذلك ويعطيه ولا يؤخر الثمن. فإن أخره فالأول ~~بحاله، ولا أحب أن يولي ما اشتراه قبل قبضه ولا بيعه حتى يقبضه؛ لأنه ليس ~~له ربح ما لم يضمن. فأما التولية فاختياري. # وأما السلف فلا يبيعه حتى يقبضه، ولا يقول: اشتر كذا وكذا حتى أشتريه ~~منك؛ /709/ لأن بعضا قد كره ذلك. فأما إن قال: إن وقع في يدك فهو من حاجتي ~~فلا بأس. # ومن باع شيئا عددا فلا يأخذ كيلا، ومن اشترى كيلا فلا يأخذ عددا ولا وزنا ~~ولا جزافا، إنما له كيل أو وزن على ما تبايعا عليه. # ومن باع شاة فاستثنى ما في بطنها من شحم، أو استثنى منها شيئا من اللحم، ~~أو المسك أو الرأس لم يجز ذلك البيع؛ لأن ذلك يمنع المشتري من التصرف فيها، ~~وفيها أيضا شرط ينقض البيع؛ لأن الشحم شيء لا يعرف. وكذلك شيء من اللحم ~~والمسك والرأس أيضا، لعل صاحبها لا يذبحها؛ فهذا لا يثبت به البيع، وإن كان ~~بعض: قد أجاز مثنوية الرأس والمسك. وأما إن استثنى ما في بطنها من ولد، فما ~~أحب ذلك. وقد قيل: بإجازة ذلك؛ لأنه غيرها، والله أعلم. # ومن باع سلعة وقال: بكذا نقدا، وكذا نسيئة، وأخذ السلعة ومر ولم يقطعا ~~لذلك ثمنا، وأشهد عليه بأحد البيعين أو أحد الأجلين؛ فإن ذلك عندنا لا ~~يثبت؛ لأنهما لم يقطعا له بيعا معلوما، وفيه شرطان، وقد «نهى النبي ^ عن ~~شرطين في بيعة»، أو «بيعتين في بيعة» وهذا بيع فيه شرطان؛ فقد روي عن ~~أصحابنا إجازة ذلك، واختلفوا في الشهادة فيه وثبتوه، فالله أعلم بذلك. PageV04P033 # وإن باع رجل سلعة لرجل فلما استوجب المشتري طلب إليه البائع أن يشركه ~~فيها فأشركه جاز، وعلى كل واحد ما يلزمه من ضمان السلعة. وإن أشرك بعد أن ~~اشترى جاز ذلك أيضا، وبالله التوفيق. # ومن اشترى طعاما وقبضه ثم أشرك فيه، ms764 فإن عرفه وأشركه جاز. فأما إن لم ~~يعرفه فلا يثبت عليه الشرك فيما يجهل. وقد قيل عن بعض المسلمين: الشركة ~~بيع، وتجري مجرى البيع في المعرفة والتسليم. # فإن هلكت البضاعة قبل أن يسلم المشتري إلى الشريك حصته فهي من مال ~~المشتري، وإن أشركه المشتري قبل البيع فالشركة فاسدة؛ «لنهي النبي ^ عن بيع ~~ما ليس معك»؛ لأن الشرك بيع، إلا أن يكون أمره أن يشتري ذلك بينه وبينه؛ ~~فالشرك ثابت بينهما على أصله الأول من الشراء. # [في المرابحة] ومن أشرك في سلعة فوجد فيها عيبا فله أن يردها بذلك العيب. ~~ومن اشترى شيئا نسيئة؛ فلا يبيعه مرابحة حتى /710/ يبين للمشتري أنه أخذه ~~نسيئة. وأما إن عنته مضرة من السوق أو آفة من المطر أو غيره لم يضره، وإن ~~لم يعرفه؛ لأن المشتري أخذ ما ينظره. # وإن كان عبدا أو دابة فمرض، أو ذهبت عينه، أو عنته جائحة فله أن يبيعها ~~مرابحة، ويعرفه إن أخذ ذلك صحيحا؛ فإن شاء المشتري أخذ، وإن شاء ترك. # وكل ثوب لبسه أو خادم استعمله لم يبعه مرابحة حتى يعرف المشتري؛ فأما إن ~~لم ينقصه استعماله فله أن يبيع ذلك مرابحة. # وإن كانت جارية فولدت ومات ولدها؛ فله أن يبيعها مرابحة إن لم ينقضها. ~~وإن كان الولد حيا وأراد حبس الولد؛ فلا يبيعها مرابحة حتى يعرف المشتري ~~بذلك. وكذلك الشاة في نتاجها؛ فأما شرب لبنها وجز شعرها فيعرفه، إلا أن ~~يكون أنفق عليها نفقة بقدر ذلك لم يعرفه. PageV04P034 # وكذلك المال الذي يثمر منه ثمرة؛ فإنه يعرف المشتري. وإن ذهبت بآفة لم ~~يلزمه أن يعرفه. وكل شيء أنفقه من كراء أو غيره؛ فهو محسوب من ثمنه، ويقول: ~~قام علي بكذا وكذا، ولا يقول: اشتريت بكذا وكذا. فأما نفقة نفسه فإنه لا ~~يحسب ذلك. # ولا يجوز أن يقول للرجل: عجل لي وأحط عنك. # ولا يثبت عندنا بيع الزراعة والحروث قبل دراكها؛ «لنهي النبي ^ عن بيع ~~الخضرة»، و«عن المحاقلة»، وهو بيع الزراعة في الأرض، والحب في سنبله وإن ~~أدرك أيضا؛ ms765 لأن ذلك من المجهول. وفي بعض الحديث أنه «نهى عن بيع الحب في ~~سنبله». # فأما من اشترى بقلا أو علفا ليقطعه في وقته؛ فقد قيل: إنه جائز، فإن تركه ~~صاحب الأرض في أرضه؛ فقد أجاز قوم ذلك إن أتمه له. وإن نقضه انتقض إذا زاد ~~في الأرض. # وفي ذلك قول: إن الثمرة لا للبائع ولا للمشتري، وذلك إذا باع له شجرة ~~لتقطع فتركها حتى أثمرت، كان الاختلاف في إتمام ذلك ونقضه، وهو الذي فيه ~~على قول: إن الشجرة تكون للمشتري، والثمرة تكون للفقراء. وقال قوم: إن لم ~~يتم البائع البيع فالشجرة وثمرتها له؛ لأن كل بيع مما يزيد في الأرض فاسد. # والذي يبيع الطعام وقد عرف كيله؛ فلا يبيعه إلا كيلا. # فأما إن باع ما لا يعرف كيله مجازفة فذلك جائز إذا أبصرا جملة ما تبايعا ~~عليه من ذلك. # وإن اشترى كيلا فقال: لا أدري زاد أو نقص وباعه /711/ جزافا؛ فعلى قول: ~~جائز إذا عرفه كم كان. # ومن اشترى حبا قد عرفه، أو طعاما قد عرفه بكيل أو وزن فأعطاه بذلك، وبقي ~~بقية وطلب أن ينظره؛ فإنما يثبت ما كان عنده، ولا يثبت بيع ما ليس عنده؛ ~~لنهي النبي ^ عن ذلك. # ومن اشترى ثيابا بثمن واحد فوجد في أحدهن عوارا؛ فإنه يرده بقيمته وحده. PageV04P035 # والشريكان في التجارة إن افترقا وعلى الناس شيء من ذلك؛ فما بقي بينهما. ~~وإن أخذ أحدهما شيئا فهو بينهما وما نوى بينهما على شركته. وإن كان نقصان ~~فعليهما. # ومن أعطى رجلا سلعته وقال له: بع بكذا وكذا وما زاد فهو لك؛ فلا يثبت وله ~~أجر مثله. وإن قال: بعه ولم يحد له حدا؛ فباع بنقد وأخذ الثمن جاز بلا ~~اختلاف. # وأما إن باع بتأخير؛ فقد اختلف في ذلك؛ فقال قوم: جائز. ولم يجز آخرون. # وحجة من أجاز البيع يقول: البيع بيعان؛ بيع بنقد، وبيع إلى أجل بإجازة ~~الله ذلك في البيع والدين إلى أجل. وقال قوم: لو باع إلى مائة سنة كان ~~يجوز، ويذهب حق صاحب ms766 السلعة؛ فليس له أن يبيع إلا بنقد. فإن أعطاه ببيع ~~فباع، فقال صاحب السلعة: أمرتك أن تبيع بكذا وكذا، وقال البائع: بل أمرتني ~~بكذا وكذا أقل مما قال رب السلعة؛ فعلى البائع البينة. # فأما إن قال رب السلعة: أمرتك بكذا وكذا، وقال البائع: لم تأمرني بحد ولم ~~تحد لي شيئا؛ فالقول قول البائع، وعلى صاحب السلعة البينة أنه حد له حدا في ~~ذلك؛ لأن البينة على المدعي. # وإن قال صاحب السلعة: أمرتك أن تبيع بكذا وكذا، وقال البائع: بكذا وكذا ~~أقل مما قال رب السلعة؛ فالقول قول رب السلعة، وعلى البائع البينة. # وإن باع وقال: ضاع، وهو يبيع بالأجرة ضمن، إلا أن يصح أنه ضاع. فأما إن ~~باع بلا كرا ء فقال: إنه ضاع، لم يضمن، وإن استخانه حلفه. # وإن قال أحد الشريكين لصاحبه: لا تبع نسيئة فباع بها وضاع الثمن؛ فإنه ~~يضمن، والشركة على حالها ولا تنتقض، وذلك على البائع، والربح بينهما. # وإن اشترط أحد الشريكين: أن لي من الربح كذا وكذا، والباقي من الربح بيني ~~وبينك؛ فذلك جائز. # وإن كان رأس مال أحدهما أكثر وشرط الربح بينهما والوضيعة؛ /712/ فذلك ~~بينهما، وهما على ما اشتركا عليه. وإن لم يقع الشرط؛ فالربح على رأس المال ~~والوضيعة. PageV04P036 # ومن اشترى وشرط الخيار أياما، فباع ذلك؛ فإنه قد ثبت ذلك عليه، والربح له ~~والضمان عليه؛ لأنه لم يبعه إلا وقد رضيه، ولا ينبغي أن يبيع ما لم يرض به. # وكل بيع لم يره المشتري فلا يثبت؛ لأن الجهالة تفسد البيع. # وإن رآه فرضيه فأتم له البائع؛ فعلى قول: قد ثبت حين رآه ورضيه، ولا رجعة ~~للبائع العالم به. وقال قوم: بل إذا كان أحدهما جاهلا فلهما النقض. # ومن اشترى ما قد رأى وعرف وثبت عليه، ولا نقض له إلا أن يكون فيه عوار أو ~~عيب لم يكن علم به، فله رده بذلك إذا كان مما لم يحدث معه. # ومن اشترى جارية فوطئها ثم ظهر فيها عيب؛ فقد لزمه وله أرش العيب. وقال ~~قوم: ms767 يردها ويعطي أرش الوطء وعقر ذلك إلا أن يكون وطئ وقد علم بالعيب؛ فقد ~~لزمه، وليس له أرش العيب. # ومن تقاضاه غرماؤه وله جارية، فقال: قد أعتقتها؛ فالعتق ماض ما لم يحجر ~~عليه الحاكم ماله ألا يزيله؛ لأن له التصرف في ماله ما لم يرفع عليه ~~غرماؤه، ويحجر عليه الحاكم بيع ماله أن يزيله. # فأما إذا طالبوه ولم يرفعوا عليه؛ فله التصرف في ماله. وقال قوم: إذا ~~رفعوا عليه لم يجز عتقه إذا لم يكن في ماله وفاء. # ومن أخذ مال قوم ثم أفلس؛ فهو بين الغرماء، ودين رب المال بالحصة عليه. ~~وإن أخذه بعد أن أفلس؛ فعلى قول: ذلك خلابة، والمال لربه أحق به إذا أدركه بعينه. # ومن كان له دين على رجل فأحاله على مفلس؛ فليس يذهب حقه، ويرجع به على ~~الأول، إلا أن تكون أصل مبايعته على أن يحيله عليه، فلا يرجع عليه. # وإن كان البائع هو الطالب إلى الذي عليه له الدين أن يحيله على المفلس؛ ~~فأحاله عليه لم يرجع على غريمه الأول بشيء. PageV04P037 # فأما إن أحاله على ملي فله ذلك جائز، وليس له أن يرجع بحقه على المحيل؛ ~~لأن الحديث: «من أحيل بحقه على مليء فليحتل»، واسم الإحالة مأخوذ من إحالة ~~الشيء؛ فكأنه حول الحق عليه فلا يرجع ولو أفلس من بعده. # فأما إن أحاله عليه وهو مفلس، لا يعلم بإفلاسه ولم يخبره بذلك، وظن أنه ~~على ملي فإذا هو /713/ مفلس؛ فإنه يرجع بحقه على من كان عليه أولا؛ ||لأنه ~~ليس له أن يغره ويحيله على مفلس، وإنما جاء الحديث «من أحيل بحقه على ملي ~~فليحتل» ويخرج من المفلس من الخبر بإفلاسه. # فأما إن ضمن له بحقه ضامن ثم مات الضامن أو أفلس فله أن يرجع بحقه على من ~~كان عليه أولا||. # فأما إن ضمن له فقبل وأبرأ هو صاحب الحق الأول؛ فإنه لا يرجع عليه بعد أن ~~أبرأه ويتبع من ضمن له. وإن كان أصل مبايعته على أن الحق على الضامن؛ فهو ~~عليه، وليس ms768 على المشتري شيء من ذلك. # ومن ضمن لرجل بحق إلى أجل فحل الأجل ولم يوفه الحق؛ فالحق على الضامن. ~~فإن ضمن على أن يحضره الحق إلى الأجل فلم يحضره؛ فقال قوم: الحق على ~~الضامن. # وكذلك إن ضمن عليه أن يوافي به فلم يواف فالحق على الضامن. # فأما إن ضمن بنفسه فلم يواف؛ فقال قوم: ليس عليه إلا أن يحضر نفسه. وقال ~~قوم: إن لم يأت بالنفس فالحق عليه. # وإن مات الضمين أو أفلس؛ فالحق على الأول ما لم يبره الغريم من الحق. وإن ~~ضمن بالنفس فمات المضمون عليه؛ فعلى قول: إن الضامن يبرأ ولا شيء عليه، ~~والله أعلم. # [في الإجارات] # ولا يجوز كراء الميزان والمكيال والقفان ولا ||كراء|| القيان، ولا كراء ~~الفحل، ولا عسب التيس؛ لأن النهي جاء عن ذلك. ولا أحب أن تأخذ الباكية ~~والمغنية كراء، وإن لم يشترطا فلا يجب عليهما رد ذلك. PageV04P038 # وأما مهر البغي فحرام. وترد النائحة؛ لأن النهي عن النائحة فلا يجوز ذلك. # فأما من يكيل ويزن ويحسب ويعلم ويعمل بيده فأخذ كراء عنائه؛ فلا بأس بذلك. # ولا أحب أن يأخذ الراقي جعلا، ولا الذي يخرج السرقة كراء. # ولا أحب أن يرقي الراقي بكلام لا يعرفه، ولا يعزم بكلام لا يعرفه. وبعض ~~أيضا: لم ير الرقى جائزا. # ولا بأس بكراء الحجام؛ لأنه يعمل بيده. # فإن عارض معارض في ذلك، وقال: قال النبي ^: «كسب الحجام خسيس»، أو قال: ~~«خبيث». قيل له: الخسة قد يكون منها ما هو غير محرم، وقد «احتجم النبي ^ ~~وأعطى الحجام كراءه»، فإذا ثبت ذلك لم يكن محرما. # وقد روي أن رجلا سأل النبي ^ عن كراء الحجام له، فقال: «اعلفه أضحيتك أو ~~أطعمه رقيقك» فدل على إجازته؛ لأن الحرام لا يجوز أن يطعم به الدواب ~~والرقيق. # ومن أبصر طعاما وعرفه ثم اشتراه، كل جري بكذا وكذا درهما، فإن أعطاه جاز، ~~وإن تناقضا ثبت جري واحد، وإن قال: قد بعت لك من /714/ هذا الحب عشرة أقفرة ~~بكذا وكذا درهما، ثبت ذلك على قول بعضهم. ms769 # وإن قال: بعت لك على حساب الجري بكذا وكذا درهما؛ لم يثبت إلا أن يعطيه ~~ويبايعه إياه مع المقابضة. # ومن اشترى كذا وكذا جريا بكذا وكذا درهما إلى أجل وعرف الحب وأمر البائع ~~أن يقبض الحب ويكيله، فأقبضه البعض ولم يقبض الباقي حتى حل الأجل؛ فإنما ~~يثبت عليه ما قبض، وينتقض ما لم يقبض، إذا كان ذلك شيئا معلوما. # وأما إن كان معدوما أو مجهولا لم يثبت من ذلك شيء. فإن باع ذلك بثمن مجمل ~~ولم يكن مفصلا لكل درهم انتقض ذلك كله. PageV04P039 # ومن اشترى متاعا إلى أجل بثمن معلوم، فلم يقبضه إلى أن حل الأجل؛ فليس له ~~أن يأخذه بالثمن حتى يقبضه، فإن قبض ذلك المتاع فعلى بعض القول: ينتظره ~~بقدر الأيام التي كان الأجل فيها. # ولا بأس بشراء الجبن من عمل المسلمين. فأما إذا لم يعلم من عمله؛ فحتى ~~يكون مضمونا مخافة أن يدخل المشركون فيه إنفحة الميتة. وقد أجازوا شراءه من ~~عند أهل الكتابين إذا قال: إنه عمله، ولا أحب ذلك. # ومن اشترى طعاما بثمن مسمى، واشترط على البائع حملانه؛ فذلك لا يثبت إلا ~~أن يكون يحمله بكراء معلوم، وقد اختلف في ذلك. # ومن اشترى حبا مكوكا بدرهم إلى أجل، ثم إن المشتري بعد أن مضى ما مضى، ~~قال للبائع: اجعله نصف المكوك بدرهم إلى ذلك الأجل، أو مكوكا ونصف إلى أقرب ~~من ذلك الأجل الأول؛ فلا أحب ذلك، وأخاف فساد البيع. # ومن اشترى ثوبا على أن يقطعه له قباء أو قميصا، أو طعاما على أن يحمله ~~إلى موضع كذا وكذا؛ أن ذلك لا يثبت؛ «لنهي النبي ^ عن شرطين في بيع». # ومن باع جرابا بثمن معلوم وأجل بعض الثمن؛ فذلك جائز. # وإن باع الجراب نصفه إلى أجل ونصفه بنقد؛ فقد اختلف في ذلك؛ فقال قوم: ~~ينتقض البيع. ومنهم: من لم ير بأسا. وكره ذلك آخرون. # و«لا يجوز ربح ما لم يضمن» معناه: ما لم تقبض وتضمن الثمن. # ولا يجوز أن يخلط البر بالشعير للبيع، ولا بر فاسد ms770 ببر جيد. # وفي الأثر: يكره أن يؤخذ للأرض أجر. وكذلك الماء بالأجرة. وفي ذلك تشديد ~~عند الفقهاء. وقد رخص في ذلك من رخص منهم، قال: /715/وقعادة الأرض جائزة، ~~وقد عملوا بذلك. وأحب لمن عنى بذلك أن يكون على وجه الشركة. PageV04P040 # وشراء الخصيان من المشركين قد أجاز من أجاز ذلك. وأما من عند أهل الصلاة؛ ~~فلا يجوز إذا كان البائع ||له|| هو الذي خصاه. وإذا لم يعرف من خصاه لم ~~يشتر؛ لأنه إذا خصاه سيده خرج من ملكه بالتحرير. وأما الإباق في العبد ~~والسرق فهو من العيوب، وكذلك الزنا وأثر النار. # وإذا اشتراه وبه عيب فكتمه، فإن شاء أخذه إذا علم بعيبه، وإن شاء رده ~~بالعيب. وإن استعمله بعد علمه بالعيب؛ فقد لزمه، ولو أمره أن يسقيه أو يخبز لنفسه. # وإن باعه وهو آبق ولم يعلمه؛ فعلى قول: يرد على المشتري دراهمه إذا أبق ~~العبد؛ لأنه ليس له أن يغره. # وأكثر قول المسلمين: إن المشركين لا يقربون إلى شراء عبيد أهل الصلاة. ~~وما اشتروا من أموال أهل الإسلام أخذ منهم بشفعة أهل الإسلام. وقد رخص ~~بعضهم: في الذكران. وكذلك في الشفعة لا تؤخذ إلا أن يكون شفيعا. # ومن اشترى سمكة فوجد فيها لؤلؤة؛ فعلى قول: هي للمشتري، وقد عرفت عن ~~بعضهم: إنها للبائع؛ لأن البيع إنما وقع على السمكة. # ولو اشترى شاة فوجد فيها دينارا أن ذلك لقطة. # وإن وجد درهما في حب اشتراه، أن ذلك للبائع. وعلى قول: إن ذلك لقطة حتى ~~يعلم أنه للبائع. # وكذلك لو اشترى أرضا فوجد فيها دفينا فهو لقطة. وقال بعض: هو لآخر من سكن ~~المنزل. # وبيع الجوز واللوز والرمان والنارجيل والبيض جائز، ولو كان فيه ما فيه. # وإن كسره فوجد فيه عيبا بحضرة البائع؛ فإنه مردود، ويقوم سالما معيوبا. # وإن غاب عنه ثم كسره فوجده عائبا؛ فأنكره البائع لم يلزمه إلا بالصحة. ~~وإذا أراد يمين البائع؛ فله عليه يمين ما باعه هذا وهو يعلم أن به فسادا ~~فكتمه إياه، أو يحلف: ما يعلم أن ms771 هذا هو الذي باعه إياه. PageV04P041 # وأما البيض وما كان لا ينفع كسره ولا لبه إذا كان به فساد؛ فلا يلزم ~~[شيئا] من كسره بحضرة البائع فوجده فاسدا. فأما إن اشتراه وما هو مثله ~~فوجده زائدا في يده؛ فإنه يكون شريكا للبائع في الذي في يده بتلك الزيادة؛ ~~لأنه لايعرف الذي اشترى من الذي للبائع، وعليه رده إليه حتى يعطيه /716/ ~~الذي كان له. وإن أتلفه لزمه ضمان حصة البائع. # ولا تجوز مبايعة المعتوه والأبله الناقص العقل. واختلفوا في بيع الأعجم ~~في الشيء الخفيف. # واختلفوا في بيع الأعمى، وقد قيل: إنه لا يجوز؛ لأنه لايعرف ما يبيع ولا ~~ما يشتري ولا ما يهب. وجائز وكالته في جميع ذلك. # ولا يجوز بيع الأعجم ولا عطيته، والله أعلم بذلك. # [بيع الخيار] # والخيار في البيع إلى مدة معلومة جائز. # وإن ركب الدابة أو اشترى شفعة بتلك الأرض، أو عرضها للبيع أو باع شيئا من ~~ذلك؛ فقد ثبت عليه ذلك وقد رضيه. # وإن كانت جارية فوطئها فقد لزمه الخيار، وإذا انقضت المدة ثبت عليه؛ لأن ~~الحديث: «أن المسلمين على شروطهم» وأقول: إنه كذلك، «إلا شرطا أحل حراما أو ~~حرم حلالا»، أو كان خلاف الحق مما جاء النهي فيه عن النبي ^: أنه «نهى عن ~~شرطين في بيع أو بيعتين في بيعة»، وقد قيل: إنه قال: «المسلمون على شروطهم، ~~والإصلاح جائز، إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا»، وقد قال الله: {لا خير ~~في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ~~ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما}. # وقد روي «أن النبي ^ نقض بيع الدار التي كان فيها شرط السكن» وقد تقدم ~~ذكر ذلك فيما تقدم في باب البيوع. PageV04P042 # وإن أتلف المباع الذي فيه الخيار وهو في يد المشتري لزمه الثمن. وإن تلف ~~في يد البائع لم يلزم المشتري ثمنه؛ لأنه لم يقبضه منه وحبسه عليه. # وكل من كان له الخيار في البيع فجائز، كان الخيار للبائع أو للمشتري. ms772 ومن ~~تلف في يده لزمه الثمن، وإن حبسه حتى يستوفي حقه. # ومن باع سلعة وشرط على المشتري أن حقه فيما باع حتى يوفيه حقه؛ فذلك على ~~قول: جائز للبائع، وله الوفاء عليه دون غرمائه في المحيا والممات من ذلك ~~الشيء الذي جعله فيه على قول. وإن تلف ذلك الشيء الذي جعل حقه فيه كان ~~للبائع أن يحاصص الغرماء في مال المشتري بقدر حقه، ولعل فيه رأيا آخر. # فأما من باع بيعا وجعله ثقة في شيء من مال المشتري؛ فإن الغرماء كلهم ~~يشرعون فيه البائع وجميع الغرماء. # وأما العيوب: فكل عيب كان في الحيوان /717/ حدث مع المشتري ثم ظهر فيه ~~عيب كان مع البائع، فليس للمشتري رده حتى يخلصه من ذلك العيب الذي حدث فيه ~~معه، وسواء أحدثه هو أو حدث معه بلا فعله، وله أرش العيب على البائع إن لم ~~يرده إن شاء الله. وإن رضي به لم يكن عليه له شيء. # وإن علم بالعيب فلم يرده حتى خلا أيام؛ فلا بأس ما لم يستعمله. وإن تطاول ~~به؛ فقد قيل: إن ذلك أيضا رضى به. # وإن ادعى المشتري العيب وأنكر البائع؛ فعلى المشتري البينة أن العيب كان ~~به قبل أن يشتريه المشتري مع البائع. وإن عجز؛ فعلى البائع اليمين: لقد ~~باعه هذا العبد وما يعلم هذا العيب فيه، إلا أن يكون مما يعلم الناس أنه لا ~~يحدث في قدر ذلك الوقت في يد المشتري؛ فذلك إذا ظهر به رده، حتى يصح أن ~~البائع أراه المشتري عند البيع وأعلمه به. وإن أشهد أنه عارف بعيوبه كلها ~~ثبت عليه. PageV04P043 # وإذا مات العبد أو الحيوان بعد أن ظهر به العيب لزمه وليس له رده. وإن ~~كان يتخلص منه؛ فإن على البائع أن يرد على المشتري أرش ذلك العيب. وإن ~~استعمله بعد أن رأى العيب؛ لزمه وليس له رده. # وإن كانت جارية فوطئها ثم ظهر بها عيب؛ فقال قوم: لزمته حيث وطئ وله أرش ~~العيب. وقال آخرون: بل له أن يردها ويعطي أرش الوطء ms773 وما نقصهما الافتضاض إن ~~كانت بكرا. وأما الثيب؛ فعلى قول: إن الوطء لا ينقصها، فإن شاء أمسكها وأخذ ~~أرش العيب، وإن شاء ردها بالعيب. # وإن اشترى غلاما فاستعمله سنين، ثم ظهر به عيب أن له أن يرده إذا صح أن ~~ذلك كان به مع البائع ويأخذ الثمن، وليس عليه رد الغلة؛ لأن البيع كان ~~صحيحا، وإنما النقض بعيب، ولو لم ينتقض كان ثابتا ولا يرد الغلة؛ لأن الغلة ~~بالضمان. وقد روي عن النبي ^: أن «الخراج بالضمان»، والخراج: هو ما استخرج ~~من غلل الأموال والعبيد، والضمان: ما ضمن من سلامة الشيء إن تلف في يده ~~لزمه ضمانه. # ومن باع جارية لمجنون فوطئها المجنون فولدت؛ فالولد ابن المجنون، وترد ~~الجارية إلى مولاها الأول الذي باعها، ولا شيء له ولا ولد؛ لأنه ضيع ماله. ~~ولا مهر أيضا على المجنون على قول. # والجارية إذا كانت حاملا فهو عيب. # والحمل عيب في الرقيق، وليس بعيب في الحيوان؛ /718/ لأنه زيادة فيه. # وإذا لم تكن الجارية تحيض فهو من العيوب. والخصي والجنون عيب. # وإذا قال البائع: إنما بعتك الحبل أو القميص؛ فذلك لا يجوز حتى يتفقا على العيب. # ومن اشترى شيئا فيه عيب كان قد وقف عليه وعرفه، لم يكن له رد ذلك؛ لأنه ~~اشتراه بعلم. # وإذا عرفت الدابة بالعثار والركاض، والذعار، والعضاض، والقماص؛ فكل ذلك ~~عيب ترد به. # ومن اشترى عبدين بثمن وظهر في أحدهما عيب؛ فله أن يرده بقيمته. PageV04P044 # وإن اشترى رجلان عبدا فوجدا فيه عيبا كان مع البائع، فأراد أحدهما رده ~~ولم يرد الآخر؛ فليس له رده حتى يتفقا على رده، وله هو أن يرد حصته. وإن ~~رداه جميعا فلا بأس. وكذلك إن غاب أحد الشريكين لم يكن للآخر رده حتى يحضر ~~الغائب منهما، وله الحجة عليه. # وإن اشترى رجل عبدين بثمن واحد، فمات أحدهما فظهر في الثاني عيب؛ فله أن ~~يرده بقيمته. # والجارية إذا كان لها زوج فهو عيب. وقد قيل: في العبد باختلاف إذا كان له ~~زوجة. ورأي من قال: برد العبد ms774 بذلك أحب إلي. فأما الرمد فلا يكون عيبا. # 137- باب: # مسألة: في الوكالة في البيع، والأمر في البيع هل يثبت؟ # وإن وكل رجل رجلا في بيع ماله ثم غاب عنه، ثم انتزع الوكالة من يد الوكيل ~~في وقت معروف، فباع الوكيل ولم يعلم بانتزاع الوكالة؛ أن بيعه جائز؛ لأنه ~~مكنه وأقامه لذلك. وكذلك الطلاق. # ومن قال: فلان وكيلي في مالي، ولم يقل غير ذلك؛ فإنه يكون وكيلا في ~~القيام وفي الطلب بلا قبض ثمن حتى يجعل له ذلك. # وإن باع شيئا من الأصول لم يدفع إليه الثمن حتى تصح وكالته في القبض. # وأما إن باع شيئا في يده من العروض فهو أولى بقبض الثمن، وإن لم تصح ~~وكالته في القبض وكان ثقة فباع شيئا من الأصول، فأرسل المشتري االثمن عنده ~~لصاحب المال؛ جاز له على وجه الرسالة يدفع ذلك إلى ربه وهو ضامن للثمن حتى ~~يصل إلى ربه، وإن تلف فعلى المشتري رد الثمن ثانية. # ولا يجوز للوكيل أن يوكل غيره. ولا يجوز على الموكل إقرار الوكيل. # وأما إن قال صاحب الحق: إنه استوفى؛ فلا قبض /719/ للوكيل. وإن قال ~~الوكيل: إنه استوفى؛ فذلك إقراره على نفسه، ويبرأ الذي عليه الحق. # ومن وكل رجلا في قبض دراهم له على رجل فقبضها وادعى أنه صيرها إلى الموكل ~~وأنكر الموكل؛ فإن كان قبضها ببينة فعلى الوكيل شاهدان أنه دفعها إلى ~~صاحبها. # [ PageV04P045 في الغبن والجهالة] # ومن أمر رجلا ||أن|| يبيع له دارا؛ فباعها بنصف ثمنها فغير الموكل؛ فقد ~~قيل: إن البيع جائز إلا أن يصح أنه باع بهذا الثمن محاباة. وفيها قول: إن ~~الموكل والمأمور إذا باعا بغبن فاحش انتقض البيع، ولأن نصف الثمن غبن فاحش. ~~فأما إن حد له فباع لغيره انتقض البيع. # وإذا باع المأمور بغبن لا يتغابن الناس بمثله؛ فلا يجوز. # وإن باع بعروض؛ فبعض: نقض البيع حتى يبيع بالدراهم والدنانير. وإن نسيئة؛ ~~ففي ذلك اختلاف. # وإن أمره أن يبيع عبده فباع نصفه لم يجز. # وإن أمره أن يشتري له عبدا فاشترى ms775 له نصفه؛ فلا يجوز على الأمر من ذلك ~~حتى يتمه. # وإن دفع إليه دراهم وقال له: خذ لي بها عبدا، فقال: أخذته ومات؛ أنه ~~مصدق. وإن كان الثمن عليه وطلب المشتري أن يسلم الثمن وادعى أن العبد مات؛ ~~لم يصدق إلا بالصحة. # وكذلك لو قال: بع وأعط الثمن من عندك، فقال: اشتريت وتلف؛ لم يلزم الآمر ~~له شيء حتى يصح. # وإن قال له: بع كذا بألف درهم، فباع بألفين؛ لم يثبت ذلك إذا غير الآمر ~~إلا أن يجيز له. فإن لم يجز له فباع بمائة وآخر يدعوه إلى مائتين وصح ذلك؛ ~~فعلى البائع أن يغرم تلك المائة، والبيع تام على بعض القول. وعلى قول: إن ~~البيع يفسد إذا باع بكسران وغبن فاحش. # ومن اشترى مالا ولم يعرف شيئا من حدوده أو بعض ذلك؛ فله الرجعة؛ لأنه مجهول. # فإن أشهد أنه عارف بحدود ما اشترى ثبت في الحكم. فإن ادعى أنه عارف؛ فلا ~~دعوى له إلا أن يقول البائع: إنه أقر وهو غير عارف، فإن أقر البائع نقض ~~البيع، وإن أنكر فعليه اليمين. # ومن أقر بماله من الأرض أو بماله كله لفلان، ثم احتج أنه غير عارف به؛ ~~فلا حجة له. وفي ذلك اختلاف. # ومن اشترى موضعين بثمن معلوم وهو غير عارف /720/ بأحدهما؛ فالبيع منتقض ~~إذا لم يبين ثمن كل واحد عن صاحبه. PageV04P046 # ولو طلب المشتري يأخذ العارف به بجملة الثمن؛ لأن الأصل فاسد لدخول ~~الجهالة. وفي هذا اختلاف: قال قوم: النقض للجاهل دون العارف. ومنهم: من ~~أوجب النقض لجميعهما. # ومن باع أرضا بشربها من الماء؛ فذلك مجهول. ولا يجوز بيعه إلا أن يقول: ~~بشربها من فلج معروف بدور يوم معروف، وهو: كذا وكذا أثرا، من دور ليل أو ~~نهار؛ فإذا حد ذلك ثبت. # ومن باع نخلة أو غيرها بإقرار وبينة، فقال المشتري: بمائة درهم، وقال ~~البائع: بأكثر، وصح الشراء ولم يصح الثمن؛ ففي هذا اختلاف؛ فقال قوم: القول ~~قول من كانت النخلة في يده وعلى الآخر البينة. وقال آخرون: القول ms776 قول ~~المشتري فيما أقر به من الثمن، وعلى البائع البينة بالزيادة. وقال قوم: إذا ~~كانت النخلة في يد البائع؛ فالقول قوله وينتقض البيع إلا أن يشاء أن يأخذ ~~بما قال البائع. # وقد روي عن ابن مسعود يرفع ||الحديث|| عن النبي ^ أنه قال: «إذا اختلف ~~البيعان والمبيوع قائم فيترادان البيع» معنى الحديث. # ومن باع أرضا فيها زرع أو نخلا فيها صرم، فإن كان الصرم مدركا للقلع، ~~والزرع مدركا؛ فذلك للبائع. وإن كان الصرم صغيرا والزرع غير مدرك؛ كان تبعا ~~للبيع. وكذلك الثمرة في النخل إذا لم تكن مدركة فهي تبع للبيع، وإن كانت ~~مدركة فهي للبائع، إلا أن يشترطها المشتري فتكون من الشراء. # ومن باع ميراثه لرجل وأعطاه إياه، أو قضاه إياه، وهما عارفان به، وميراثه ~~مشاع؛ فذلك عند بعضهم جائز إذا سميا كم هو من المال، ثلث أو ربع أو نحو ~~ذلك. وقيل: إن عطية المشاع وهبته لا تثبت في المشاع. وبعض: أجاز ذلك ~~للشريك. فأما إن باع أو قضى حصته فجائز. # ومن اشترط الشروى في الدرك في البيع فله الشروى. وقال قوم: لا شروى له، ~~وإنما له الثمن. و||أما|| إن لم يشترط فإنما له الثمن الذي أعطى إذا أدرك ~~في البيع. PageV04P047 # وإن باع المأمور وشرط الشروى فلا يلزمه، إلا أن يكون ادعى الوكالة في ذلك ~~ثبت عليه في قول. وفي قول: لا يثبت عليه؛ /721/ لأن الناس مختلفون في ثبوت ~~الشروى. # ومن باع شيئا فأدرك المشتري فيه؛ فالبيع لمن صح له، ويرجع المشتري على ~~البائع بما أخذ منه. وإن كان البائع ميتا رجع في ماله، إلا أن يكون المشتري ~~سلم البيع بلا حكم؛ فلا يرجع بشيء. # وإن أدرك في شيء من البيع بحق ثبت في يد المشتري ما بقي منه بقيمة ~~العدول، ولم ينتقض البيع. وقال قوم: إلا أن يكون فيما أدرك طريق أو ساقية؛ ~~فإنه ينتقض فيما أدرك. وكذلك إن كان فيما أدرك ضرر فسد الجميع؛ لأن الضرر ~~مصروف؛ لقول النبي ^: «لا ضرر ولا إضرار» في الإسلام. # وإن ms777 أدرك في بيع وقد أنفق عليه نفقة واستغل غلة؛ فإن نفقته تطرح له من ~~الغلة. فإن كان في الغلة فضل؛ فعلى قول: يرد الفضل. وعلى قول: لا يرد غير ~~الغاصب. قال بعضهم: إذا كان البيع مجهولا رد الغلة. فأما إن كان البيع رد ~~بعيب لم يرد الغلة. وقد روي عن النبي ^ خبر أنه قال: «الخراج بالضمان»، ~~والخراج: هو ما استخرج من غلل الأموال، والضمان: هو ما ضمن من سلامة ~~المتاع، كان عبدا أو مالا؛ فعلى هذا لا يرد الغلة إلا الغاصب. # مسألة: [في المزارعة والمساقاة] # - وسأل عن الزراعة في الأرض ||على جزء|| مما يخرج منها، أو غير ذلك من ~~الزارعة؟ PageV04P048 # قيل له: قد اختلف في ذلك اختلافا كثيرا؛ لاختلاف الأخبار والأحاديث عن ~~النبي ^، وأكثر فقهاء عمان على: إجازة أخذ الأرض بجزء مما يخرج منها. ولعل ~~الحجة لهم أن هذا مثل المضاربة والمساقاة في النخل عوض مجهول جائز باتفاق. ~~وكذلك الأرض عندهم إن كان على هذا قياسهم، وإن كنت لم أجد ذلك عندهم، ولعل ~~حجة أخرى: «أن النبي ^ دفع خيبر إلى يهودها وعاملهم على النصف من ثمارها» ~~ومعلوم أن فيها نخلا وأرضا. # وأظن أن محمد بن محبوب يحتج بهذا؛ فأما خيبر فقد جاء «أن النبي ^ أنه ~~أعطاهم إياها، وعاملهم عليها بالنصف من ثمارها»، والاتفاق الذي لا يختلف ~~فيه أنه أعطاهم النخل والشجر مساقاة بجزء من ثمارها؛ فالنخل مساقاتها جائزة ~~بلا خلاف لهذا المعنى، وإذا دخل أحدهما فيها لم تكن له رجعة، /722/ لا ~~للعامل ولا لرب النخل والشجر حتى تنقضي تلك الثمرة. وإن أتى العامل بعامل ~~مثله في الجزاء والأمانة؛ فليس عليه غير ذلك، فإن تركه احتج عليه أن يقيم ~~عمله أو يبرأ منه. # وإن كان مساقاة على نخل معلومة بجزء من ثمرتها معلوم، ثم اختار الترك لم ~~يكن له عناء، وإنما له الحصة، وعليه القيام إلى الحصاد وسقيها. # وإن لم تحمل النخل؛ فإما يدعها في يده حتى تحمل ويأكل قدر عنائه، أو ~~يوفيه عناءه. فأما إن كان في ذلك شيء مجهول ms778 ونصيب مجهول. قال قوم: إن رجع ~~فله العناء؛ فأما النصيب المجهول؛ فقال قوم: له بسنة البلد. وقال آخرون: ~~يرجع إلى العناء. # وهكذا القول في الأرض فيمن يجيز المعاملة فيها. PageV04P049 # فأما الاختلاف في الأرض فالذي لا يجيز ذلك القول «أن النبي ^ نهى عن ~~المخابرة»، وهي: الزراعة، وقد تسمى في اللغة: الخبورة، فقد قيل: أخذ اسمها ~~من خيبر، وفي بعض الأحاديث عن بعض الصحابة، قال: «كنا نخابر حتى نهانا رسول ~~الله ^»، يعني: خيبر. # وحجة أخرى: ثبت قول من لا يجيز ذلك في الزراعة أن النصيب مجهول لا يعرف ~~العامل كم له. # وعلى هذين القولين إنما للعامل عناؤه متى رجع العامل أو صاحب المال. وقال ~~بعضهم: لهم الرجعة ما لم تقع الخضرة. فإذا اخضر فلا رجعة. وهذا قول من أجاز ~~المزارعة بالنصيب. # والذي جعل المزارعة مثل أجرة الأرض، لا يجيز ذلك إلا على وجه الإجارة، ~~يكون العامل أجيرا. فأما المشاركة بالأجرة المتساوية فجائز. والاختلاف ~~بينهم في المزارعة وما يجب للعامل في ذلك. # وأما كراء الأرض بالأجرة أو جزء منها؛ ففيه أيضا اختلاف لاختلاف الأخبار. ~~وفي بعض الحديث «أن النبي ^ نهى عن كراء الأرض» التي تحرث، وعلى هذا لا ~~يجوز أن يعطى بجزء وبإجارة وقعادة. وفي حديث آخر أنه قال: «من كان له أرض ~~فليزرعها أو ليمنحها أخاه»، فعلى هذا لا تؤخذ بجزء وقعادة، وأخبار غير هذا ~~كثيرة. وفي هذا لا يثبت كراء الأرض بحال نصيب ولا أجرة. # فأما من يجيز الأجرة بالدراهم أو غير ذلك؛ فالحجة له ما روي عن النبي ^ ~~أنه قال: «الزراع ثلاثة: بملك يمين، أو بمنحة، أو بأجر /723/ من ذهب أو ~~فضة»، فهذا يجيز الأجرة عند من أخذ به. # وأجاز بعضهم مع ذلك بالحب، وقال: سواء إن قال بالدراهم أو حب. PageV04P050 # وقد قال بعض: لا تجوز الأجرة بالحب والدراهم أيضا، فإن ذلك قال: نهى عنه ~~رسول الله ^؛ فلم يجز ذلك عندنا الكراء بالحب والدراهم، وأجاز صاحب هذا ~~القول هذين القولين بالسدس أو الربع مما يخرج منها. ولم يجز ذلك قوم ms779 كثير. ~~وقال بعضهم: ذلك مجهول. والأجرة لا تجوز في الجهالة. # ولا تثبت الشركة إلا بأجزاء متساوية فيما تشاركا عليه، فأما عناء بذر ~~وأرض من الغير فليس بمشاركة. # وقد جاء «النهي عن المحاقلة». وقال بعض: الحقل: هو الزرع، والمحاقلة: هي ~~المزارعة في الأرض بالنصيب. وقال قوم: الحقل: بيع الزرع. # والذي لا يجيز بالنصيب أجاز بالحب والدراهم، والذي لا يجيز بالدراهم ~~والحب أجاز بالنصيب، ولم يختلفوا في المشاركة بالأجزاء، ولا اختلفوا في ~~العامل بأجرة، ولم يختلفوا في مساقاة النخل فيما يخرج من الثمرة. وكل من ~~زرع بالسبب في ذلك فله العناء إذا لم تكن أجرة معلومة. # وإن زرع متعد على غيره فلا عناء له؛ لأنه لا عرق له ولا عرق. # [ كتاب الغصب ] # وهذه مسألة في الغصب # روي عن النبي ^ أنه قال: «لا عرق ولا عرق لغاصب»، وعلى هذا لا حق له فيما ~~زرع في مال غيره، ولا عرق له. وفي حديث آخر: «ليس لعرق الظالم حق». وفي بعض ~~القول: ليس لعرق الظالم حق، ليس له حق في الزراعة، وهو المعتدي فيها بالظلم ~~على أربابها إذا زرع في أرض غيره ليس له فيها حق. # وقد قيل: إن ثمرة الزراعة كلها لصاحب الأرض، وليس لصاحب الغصب عناء، ~~وبذره قد أكلته الأرض. وقد قيل: له بذره، وأما العناء فلا. # ووجدت في الأثر شيئا يروى عن النبي ^ فكتبته واستحسنته لما رأيت فيه من ~~الحجة وصواب الرأي، وهو يروى عن جعفر بن مبشر. # مسألة: [في أحكام الغصب] PageV04P051 قال: "وسن رسول الله ^ أنه من اغتصب ~~شيئا من الحيوان كائنا ما كان من البهائم أو من ولد آدم فزاد في يد الغاصب ~~ونما في يده ثم جاء /724/ المغصوب فاستحق ذلك؛ فهو له بزيادته ونمائه، لا ~~عناء للغاصب ولا مؤونة". وقد وافق في هذا؛ لأنه لا عرق لغاصب وماله أتلفه؛ ~~فلا يلزم له شيء، والمغصوب لربه؛ لأن الغاصب عليه في كل حال رده، فصح ما ~~رواه في معناه عند فقهائنا. # "قال: وسن أنه إن جاء المغصوب وقد نقص المغتصب في ms780 يد الغاصب وهو من خيانة ~~يده، أن المغصوب يأخذه ويأخذ من الغاصب ما أنقصه". وقد صح هذا أنه يوافق ~~قول كثير من أصحابنا. # قال: "وسن أنه إن تلف شيء من ذلك في يده بموت أو خيانة فهو سواء، وهو ~~ضامن لقيمته". وهذا قول عليه كثير من الفقهاء، وأعدل القول فيما اختلفوا ~~فيه أن لربه على الغاصب أفضل قيمته يوم غصبه أو يوم استهلكه. # قال: "وسن أنه ما كان في يدك من الحيوان من نماء أو زيادة في النتاج ~~والأولاد أن ذلك كله للمغصوب منه بزيادته ونمائه، ولا شيء للغاصب من نفقة ~~ولا مؤونة". فقد وافق هذا القول أن المغصوب لربه وزيادته له، وعلى الغاصب ~~في كل حال رده بزيادته، ولا عرق له بالسنة؛ فوافق ما رواه أنه سنة. # قال: "وإن تلف من ذلك شيء بعد نمائه وزيادته؛ فالغاصب ضامن لقيمته على ما ~~وصفت". وهذا القول منه صواب يوافق الحجة؛ لأنه لربه بزيادته، فإن أتلفه أو ~~تلف في يده ضمنه وقيمته يوم تلف في يده؛ لأن تلك الأولاد للمغصوب منه، ولم ~~يحدث للغاصب فيها حق يبرئه من الضمان الذي ضمنه. # فأما إن تلف المغصوب الأول؛ فإن لربه أفضل قيمته يوم اغتصبه أو يوم ~~أتلفه. وفي بعض قول أصحابنا: إن الزيادة والأولاد إن تلف في يد الغاصب، ثم ~~استحق الحيوان المغتصب؛ أنه لا ضمان على الغاصب في تلك الزيادة. وقال ~~آخرون: عليه ضمان ذلك لربه. PageV04P052 # قال: "وسن أنه من اغتصب أرضا فيها نخل وشجر فأثمرت النخل والشجر فاستهلكه ~~أو استهلك في يده؛ فهو ضامن لتلك الثمرة فيما يمكن المثل، والقيمة فيه فيما ~~لا يمكن المثل فيه". وهذا موافق فيما قال ما كان يكال /725/ أو يوزن عند ~~أصحابنا فيه قولان: قال قوم: يرد مثله. وقال آخرون: له الخيار إن شاء المثل ~~فله، وإن شاء قيمة ذلك يوم استهلكه، والذي لا يمكن فيه المثل فالقيمة عليه. # وقال: "وكذلك إن استهلك النخل والشجر بخيانة منه عليه بقلع أو قطع، أو ~~استهلك ذلك في يده بغير ms781 خيانة؛ أنه ضامن لقيمة ذلك والأرض لربها". فقد وافق ~~هذا القول؛ لأنه من هلك في يده مال لغيره بتعمد ضمن بلا خلاف بين المسلمين. # وقال: "وسن أنه من اغتصب أرضا فغرس فيها غرسا من نخل أو شجر، ثم جاء رب ~~الأرض فاستحق أرضه أن له أن يأخذ أرضه ويقول للغاصب: اقلع ما لك فيها، وليس ~~لعرق الظالم حق"، وهو هذا عرق الظالم، "وكذلك البناء في الأرض" قال. وهذا ~~يوافق قول بعض المسلمين، "وعلى الغاصب قيمة ما نقص من الأرض إن كانت نقصت"، ~~فأما قول أكثر أصحابنا من أهل عمان: إن الزرع لرب الأرض، وكذلك النخل ~~والشجر هو لرب الأرض؛ لأنه لا عرق ولا عرق لغاصب. # وفي قوله: "هو ليس لعرق الظالم حق" يدل على ما قلنا: إنه لا حق له فيما ~~غرس وبنى في أرض غيره، إلا أن بعض أصحابنا قال: يعطى الغاصب قيمة النخل يوم ~~فسلها في الأرض، وكذلك قيمة الشجر يوم غرسه، يعطى قيمة ذلك ليس فيما زاد في ~~أرض من اغتصب منه؛ لأنه لا عرق ولا عرق لمغتصب بالسنة، ولا لعرق الظالم حق؛ ~~فوجب الأخذ بذلك، إنما له قيمة ما وضع يوم وضعه في الأرض وغرسه وذلك لصاحب الأرض. PageV04P053 # وكذلك للزارع بذره لا غير ذلك. وكذلك البناء إنما له قيمة طينه إن كان من ~~غير الأرض المغتصبة منه؛ فأما إن كان من الأرض المغتصبة فلا شيء للغاصب، ~~إلا أن يختار رب الأرض أن يقلع الغاصب ما غرس وبنى وفسل؛ فذلك إلى صاحب ~~الأرض إذا كانت النخل والشجر والطين ليس من مال المغتصب منه وأمره بقلعه ~~فذلك إليه. # فأما من غرس وبنى وفسل بأمر صاحب المال؛ فله الخيار، إن شاء أخذ قيمة ما ~~غرس في مال الرجل بأمره، وإن شاء قلعه يوم الحكم والقضاء. وقال آخرون: إن ~~اختار القلع له لزمه، /726/ والأول أحب إلي؛ لأنه زرع بالسبب وفسل وغرس؛ ~~فله القيمة إن شاء أو قلعه في وقته. # قال: "وسن أنه من اغتصب أرضا وزرع فيها زرعا ثم استحقها ms782 ربها أنه يأخذها، ~~والزرع ونماؤه للغاصب، وعليه ما نقص الأرض إن كانت نقصت من زراعته للمغصوب ~~منه قيمة ذلك، وإن زاد مثل ذلك فلا شيء له". وقال وهذا قوله هو، وقد قال ~~بمثله بعض أصحابنا، فأما أكثر قولهم وعليه موافقة الخبر ومعناه: أنه لا عرق ~~ولا عرق لغاصب. # فأما الزرع لصاحب الأرض في قول كثير من المسلمين ولا شيء للغاصب في ذلك ~~من العناء؛ لأنه لا عرق ولا عرق ولا شيء له. # فأما ما بذر؛ فقد قال قوم: له قيمة بذره. ولم يوجب له قوم شيئا من البذر. # وأما إذا غرم غرامة في الزرع لغير العرق؛ فإنه يرده عليه، ذلك على قول ~~بعضهم. وعندهم أن من تعدى وزرع أرض غيره بغير أمره أن الزرع أيضا لرب ~~الأرض، والمعنى واحد؛ لأنه متعد في فعله على مال غيره بغير حق، ولا سبب ولا ~~إجازة منه. # وأما الزارع بالسبب فعند بعض المسلمين: الزرع للزارع، وعليه كراء الأرض ~~على ما يكون ذلك بينهما من الأجرة المعلومة، وإن اختلفا كان قيمة العدول. PageV04P054 # وقال: "وقد اختلف العلماء في تضمين الغاصب مع نقصان الأرض؛ فقال قوم: لا ~~يجتمع عليه نقصان وضمان وأجرة. وقال آخرون: النقصان وأجر مثلها"، وهذا ~~القول قد قيل به، غير أن أكثر ما عندهم غير هذا: أن الزرع لصاحب الأرض، ولا ~~شيء للغاصب ولا أجرة عليه، ولا قيمة للأرض؛ لأن الزرع الذي نقصت منه ليس هو ~~للغاصب؛ فيلزمه ضمان، فلا يجب عليه أجر؛ لأن الزرع ليس له، والزرع لصاحب الأرض. # فإن كان الغاصب قد حصد الزرع وثمر الأرض فإن عليه رد تلك الزراعة كلها ~~وغلة المال جميعا ما استغل مضمونا عليه. # كذلك إن استغل النخل؛ فعليه رد الثمرة، وعليه يرد ثمرة الشجر أو قيمة ~~ذلك، ولا حق له في جميع ذلك ولا عرق له ولا عرق. # ومن اغتصب حبا فبذره فعليه الحب يرد مثله إن شاء رب المال المغصوب حبه، ~~وإن شاء أخذ القيمة يوم أتلفه. وقد قيل: أفضل /727/ القيمتين يوم غصبه أو ~~يوم ms783 أتلفه. # وإن غصب سقب ذرة أو شجر وثمر منه ثمرا؛ فذلك الثمر عند بعض أصحابنا: لرب ~~التحويل من الذرة والشجر. وقال قوم: قيمته يوم غصب. # وكذلك لو سرق صرما ففسله في أرضه، أو غصبه وغرسه في أرضه؛ فهو عند ~~أصحابنا لربه المغتصب منه يأخذه يوم يستحقه، وإن شاء أخذ قيمته يوم الحكم ~~نخلا بلا أرض، وإن شاء قلعه بترابه ويرد ترابا مثل ما حمل، وفيها قول: له ~~قيمة الصرم. وقال آخرون: مثل صرمه. والأول هو القول: إن النخل والشجر له؛ ~~لأنه قائم العين، ولا عرق للغاصب فيه، ولا عرق لتعديه. # وإن قلع الغاصب نخلة من ماله وجعلها في أرض غيره؛ فعند بعض أصحابنا: هي ~~لرب الأرض، ويرد على الغاصب قيمتها يوم قلعها من أرض الرجل بتعديه، وعلى ~~بعض القول: يأمره رب الأرض بقلعها من ماله، وعليه نقصان قيمة الأرض إن نقصت ~~من ذلك. PageV04P055 # قال: "وسن أنه من غصب شيئا مما يكال أو يوزن، مثل: الورق والذهب والطعام ~~وغير ذلك مما يقع في المكيال والميزان ويبقى في أيدي الناس؛ فاغتصب رجل من ~~ذلك شيئا فاستهلكه، أن عليه مثل ما اغتصب من ذلك من جنسه ووزنه ومكيله". ~~فهذا قول كثير من فقهائنا: إن ما أتلف الغاصب وغيره مما يكال ويوزن، فإن ~~شاء صاحبه أخذ مثلا، وإن شاء أخذ قيمته يوم أتلفه. وأما الذهب والفضة فله ~~مثل ذلك؛ لأنه هو القيمة، ولا قيمة له غيره، فيعطيه مثل الذي له. # قال: "وسن أنه من اغتصب ما لا يكال ولا يوزن من الثياب والأثاث والفرش ~~وغير ذلك فاستهلك ذلك؛ أن عليه قيمته". وقد وافق هذا؛ لأن ما لا يعرف له ~~مثل فقيمته يوم التلف، وأفضل قيمته له. # قال: "وأجمعت العلماء أن من غصب حنطة أو شعيرا أو نحوهما من الطعام، مما ~~يقع في المكيال والميزان فلم يستهلكه الغاصب ولا أتلفه ولكن أفسده وهو ~~قائم، فصب في الحنطة ماء ففسدت، أو في التمر ففسد؛ أنه ليس للمغصوب أن ~~يأخذه، ويأخذ نقصانه إن شاء أن يأخذ بعينه، ms784 ولا شيء له غيره. وإن شاء /728/ ~~أخذ مثله من الغاصب وسلم له ذلك الفاسد فعل؛ فهذا قول. وقول: إن شاء أخذه، ~~وإن شاء أخذ قيمته لحال ما أحدث فيه الغاصب من الفساد. وإن لم يكن فاسدا ~~فله أن يأخذه وليس له قيمة ولا مثل؛ لأن ذلك قائم بنفسه لم يحدث فيه شيء. # قال: "واختلف العلماء فيمن غصب شيئا من الثياب واللباس والفراش؛ فأفسده ~~أو أبلاه أو شقه. قال قائلون: صاحبه بالخيار، إن شاء ضمنه إياه وأخذ قيمته ~~وسلمه إليه، وإن شاء أخذه وأخذ ما أنقصه. وقال من قال: الخيار في ذلك إلى ~~الغاصب إن شاء أخذ الثوب وضمن قيمته، وإن شاء ألزمه صاحبه وضمن له نقصانه". ~~والرأي أن الخيار لرب الثوب؛ لأنه لا يكون لأحد حكم في مال غيره إذا كان ~~قائما بغير رضى صاحبه، والقول قول رب المال. PageV04P056 # فأما إن أتلف الغاصب الثوب؛ فقالوا: القول في القيمة قوله فيما يقر به أن ~~ذلك قيمته مع يمينه. # قال: "وأجمعت العلماء أن الغاصب والمغصوب منه إذا اختلفا في القيمة ~~والشيء المعدوم بالتلف، فادعى المغصوب منه قيمة أكثر مما يقول الغاصب؛ أن ~~القول قول الغاصب في القيمة مع يمينه، إلا أن يكون ذلك مغصوبا منه ببينة، ~~أن الغاصب غصبه صحيحا؛ فإن القول قول المغصوب منه ببينة". # وقد وافق في هذا أن القول قول المغصوب منه مع يمينه؛ فلا يكون قوله في ~~القيمة مقبولا إلا أن يشهد البينة على قيمة بعينها، وإلا فالقول قول ~~الغاصب، والمتلف فيما يقر به عند أصحابنا، وعلى المدعي أوفر القيمة البينة. # قال: "وأجمعت العلماء أن من اغتصب شيئا كائنا ما كان من الحيوان أو غيره، ~~فلم يجر عليه نقصان في عينه ولم ينقصه في يده، غير أنه نقص من بعض الأسعار ~~فرخص بعد أن كان غاليا، أو كسد بعد أن كان نافقا؛ أن صاحبه يأخذه ولا ضمان ~~على الغاصب، ولا شيء للمغصوب إلا سلعته أو دابته بعينها". فقد وافق هذا قول ~~بعض أصحابنا. # "فأما إن نقصت القيمة من ms785 استعماله فإن عليه له أفضل قيمة ما أنقصه". وقد ~~قال بعض أصحابنا مثل قوله. وفيها قول: إنه إن نقص من قيمته بهزال أو مرض أو ~~غيره؛ أن عليه له /729/ أفضل قيمته، ويأخذه ربه، والله أعلم. # واختلفوا أيضا إذا تناتج الحيوان ثم هلكت الأنتجة مع الغاصب؛ فقال قوم: ~~يضمن قيمة ذلك. وقال آخرون: لا يضمن إلا ما غصب ولا ضمان في الأنتجة عليه، ~~وأما ما استغل فعليه الغلة. # قال: "وأجمعت العلماء أن العبيد والإماء إذا غصب أحد منهم شيئا فاستهلكه، ~~أو جنى عليه جناية ينقصه؛ أن ذلك دين في عنق العبد، وأما ما يباع فيه أو ~~يفديه مولاه يغرم الشيء الذي اغتصب، إن كان يمكن فيه المثل أو القيمة فيما ~~لا يمكن المثل فيه بالعدل". PageV04P057 # قال هذا، قد وافق في قوله: "إن جناية العبد والإماء في رقابهم"، كذلك عند ~~أصحابنا، وخطأ العبيد وعمدهم في الضمان سواء، هو في رقابهم. # "وإن كانت جناية العبيد قتلا في الدماء على العمد في ذلك، فإن شاء المجني ~~عليه أخذ العبد، وإن شاء أخذ قيمة ذلك من سيده، وإن امتنع سيده إلا أن ~~يسلمه؛ فليس عليه غير ذلك. وأما الخطأ فإن الخيار فيه إلى مولى العبد إن ~~شاء أعطى ذلك، وإن شاء سلم العبد. # واختلفوا في جنابة الصبيان (الغلام قبل أن يحتلم، والجارية قبل أن تحيض ~~ولم تجر عليهم الأحكام) إذا غصب أحدهما شيئا فاستهلكه؛ فقال قائلون: لا ~~ضمان عليه اليوم ولا بعد اليوم؛ بسنة رسول الله ^ أنه قال: «رفع القلم عن ~~ثلاثة: -أحدهم-: الطفل حتى يدرك». # وقال آخرون: أيهما غصب شيئا واستهلكه، وكان له مال؛ فهو في ماله يؤخذ منه ~~مثل ما اغتصب إن كان يمكن فيه ا لمثل. وإن لم يكن له مال فهو عليه حتى ~~يؤديه إذا بلغ ويؤخذ منه. فإنما وضع رسول الله ^ عن الغلام حتى يدرك الحدود ~~في بدنه، والمأثم والوعيد في معاده". # وقد وافق هذا من قوله على بعض القول، غير أن بعضهم قال: هو في ماله. # "وإن بلغ وذكر ms786 ذلك تخلص منه، وإن لم يتخلص منه لم يسلم، وإنما رفع عنه ~~الإثم. وقال آخرون: إن الصبي إذا جنى جناية بفرجه، أو أكل في بطنه، أو لبس ~~على جنبه؛ فهو في ماله دون غيره، وذلك من الجنايات لا يلزمه إلا في /730/ ~~الديات؛ فهي على عاقلته ما يلزم فيه العاقلة، والعاقلة تؤديه، وفي ماله مثل ~~ذلك كأحدهم. # واختلفوا فيما تعقل العاقلة من جناية الصبي؛ فقال قوم: يعقلون الدية كلها ~~خطأ على العاقلة. وقال آخرون: لا تعقل العاقلة ما لا يبلغ خمسا من الإبل، ~~وما كان ||الدية|| خمسا فهو على العاقلة أيضا. PageV04P058 # وإن قتل الصبي شيئا من الحيوان أو العروض؛ ففيه قول: إن العاقلة لا تعقل ~~الأموال. وقال آخرون: إن العاقلة لا تعقل عبدا. فإذا قتل الصبي العبد لم ~~تعقل العاقلة". # وقد فسرنا بيان ما عرفنا عن أصحابنا عما قال جعفر بن مبشر في ذلك أنه سنن ~~عن النبي ^، وزدنا فيه من قولهم في أمر المغصوبات ما رجونا فيه كفاية لمن نظره. # ومن قتل لرجل غلاما أو جملا أو شيئا من الحيوان، أو أحرق زرعا أو تمرا، ~~أو قلع له شجرا أو نخلا، أو هدم له دارا، أو استهلك له متاعا؛ فعليه لربه ~~قيمة ذلك يوم أحدثه برأي العدول. # فأما إن اغتصب شيئا من ذلك ثم حبسه في يده إلى وقت آخر ثم استهلكه؛ كان ~~لصاحبه أفضل قيمة على الغاصب له يوم غصبه أو يوم استهلكه. # ومن غصب رجلا مالا من ماله أو دينا كان له عليه فجحده إياه؛ فإن ظفر له ~~بمال استوفى منه حقه فذلك له. وإن كان من جنس ما أخذ فذلك جائز له. # والاختلاف بينهم إذا أخذ من غير الجنس الذي له عليه؛ قال قوم: جائز له ~~ويبيع ذلك ويستوفي بالاجتهاد. # وقال آخرون: يقومها عليه عدلان ثم يبيع ويستوفي. # وقال قوم: إن أخذ من غير الجنس الذي له كان ضامنا لما أخذ. # وقال قوم: يأخذ من أمانته إذا ظلمه المؤتمن. # وقال آخرون: لا يأخذ من أمانته؛ لقول النبي ms787 ^: «رد الأمانة إلى من ~~ائتمنك، ولا تخن من خانك»، وفي كتاب الله تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها} يدل على ذلك، فلا يأخذ من أمانته لهذا الخبر. # وأما غير ذلك؛ فعلى قول: يأخذ. والحجة له: أن هندا بنت عتبة شكت إلى ~~النبي ^ وقالت: "إن أبا سفيان رجل لئيم لا ينفق علي ولا على أولادي -أو ~~عيالي-" فقال لها: «خذي من ماله ما يكفيك /731/ ويكفي عيالك بالمعروف -أو ~~قال- بالقصد». PageV04P059 # والذي يجيز لهذا الخبر أن يأخذ من الجنس وغيره؛ لأن هندا أمرها النبي ^ ~~أن تأخذ، ولم يحد لها أن تأخذ شيئا بعينه. # فأما من لم يجز الأخذ إلا من الجنس، فإن الحجة له أن هندا حكم لها بذلك ~~في مال زوجها، ومن حكم له حاكم بشيء، جاز له أن يأخذ بالحكم مما حكم به. # وكذلك قال: فإن لها عليه حقوقا من نفقة وكسوة وصداق، وما أخذت من ذلك ~~حسبت من حقها الذي يجب لها من ذلك. # فأما من أقر له بحقه فإنه لا يأخذ بيده، وليتقاضى غريمه حتى يعطيه. فأما ~~إن جحده فله أن يأخذ حقه، وقد قيل: يعرفه بينه وبينه أنه قد استوفى حقه ~~لعله يتوب، فيعلم براءة ذمته أو يحضره الموت فيوصي له، فإذا عرفه لم يلزمه ~~غير ذلك. # وقال بعض: فإن خافه أو اتقاه فيشهد أنه قد استوفى من فلان ما كان له ~~عليه، ولا يطلبه بحق. وإن حضره الموت أوصى أنه قد استوفى، لعل الظالم يتوب ~~فلا يأخذ ورثته منه شيئا، والله أعلم. # فأما إن عرفه فحاكمه فأقر أخذه الحاكم له بإقراره، وعليه البينة بدعواه ~~على الغاصب إذا أنكره. فأما إن لم يقر له أنه أخذ منه شيئا مع الحاكم، فعلى ~~المدعي لذلك البينة، وإن لم تكن بينة وأراد يمينه حلف: ما عليه حق من قبل ~~ما يدعي أنه أخذ له من ماله، ويحرك لسانه ظالما له، فقد بر ذلك في أمر ~~المغصوب إن شاء الله، وبه التوفيق. # [ كتاب الأشربة ] # باب: # مسألة: في الأشربة وتحريم ms788 الخمر # - وسأل عن الخمر وتحريمها، ومن أي شيء هي، وعن الشراب، وما أسكر من ~~الشراب، وما لم يسكر؟ # قيل له: نزل تحريمها بالمدينة -على ما روي- وهو يومئذ من الفضح (البسر ~~الحلو من النخل). وقد ذكروا أن الخمر من البسر من النخل، ومن العنب الرطب ~~ومن الزبيب فذلك حرام في كتاب الله تعالى، قليله وكثيره. PageV04P060 # قال الله تعالى: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل ~~الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون}. وقال: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم ~~العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم ~~منتهون}/732/ فأمرهم باجتنابه والانتهاء عنه وحرمه وجعله رجسا كما جعل لحم ~~الخنزير رجسا. وقال: {فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور}فجعل ~~الخمر رجسا كرجس الخنزير والأوثان، وأمر باجتنابه والانتهاء عنه وعن الميسر ~~وهو القمار كله ميسر، والأزلام عبادة الأصنام، والخمر كل هذا رجس كما قال الله. # فأما الميسر: فالنفر من الجاهلية كانوا يشترون الناقة والبعير ثم يجعلون ~~سهما سهما على عدد رؤوسهم، ويجعلون لحم الجزور على عددهم إلا واحدا ينقصونه ~~ثم يطرحون السهام، فمن وقع سهمه على شيء أخذه حتى يبقى واحد منهم ويفرغ ~~اللحم فلا يبقى له شيء، ويكون الثمن كله عليه دونهم. # والأزلام: هي القداح التي كانوا يقسمون بها في أمورهم؛ فجعل الله الخمر ~~والميسر والأزلام كله رجسا حراما محرما كحرمة عبادة الأصنام وكحرمة ~~الخنزير، وجعله رجسا بعد أن كان حلالا. PageV04P061 # وكل آية في القرآن تحل الخمرة وترخص فيه فهي منسوخة بهذه الآية، قوله في ~~تحليلها: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا}. وقال: ~~{يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون}، ~~كل هذا قبل نزول {فاجتنبوه} {فهل أنتم منتهون}، فإن هذه الآية ناسخة تحليل ~~ذلك، وقد حرم في الكتاب والسنة واجتمعت عليه الأمة، فلا يحل لأحد من ذلك ~~قليل ولا كثير، والحد لازم لمن شرب منه قليلا أو كثيرا، بسنة الرسول - عليه ~~السلام - أنه حد في الخمر أربعين جلدة، وحد عمر ms789 بن الخطاب ~ في الخمر ~~ثمانين جلدة، فصار عند أصحابنا فعل عمر أثرا متبعا في حد شارب الخمر ~~ثمانين. # وقال النبي ^: «بعثت بكسر الصليب، وإراقة الخمر، وقتل الخنزير». فقد حرم ~~ذلك -أيضا- بالسنة المتفق عليها، وقد قال الله تعالى: {فإن توليتم فإنما ~~على رسولنا البلاغ المبين} وقد بين تحريم ذلك. # وقد روي عن عمر بن الخطاب ~ أنه قال: "يا أيها الناس، إنما الخمر نزل ~~تحريمها يوم نزل، وهي من خمسة أشياء: وهي من العنب والتمر والعسل والحنطة ~~والشعير، وما /733/ خامر العقل فهو خمر". # فإن كان هذا من عمر ~ فكل ما خامر العقل أو خالطه من الشراب فقد جعله ~~خمرا محرما على شاربه، شرب منه قليلا أو كثيرا. # وقد روي أنه لما نزل تحريم الخمر قال ابن أخطب اليهودي: فما حال من مات ~~منكم يشرب الخمر، فأنزل الله: {ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح ~~فيما طعموا} قبل التحريم {إذا ما اتقوا وآمنوا} إذا ما اتقوا شرب الخمر بعد ~~التحريم تمام المعنى. PageV04P062 # فأما النبيذ الذي يعمل من التمر والعنب، ويجعل في الأوعية حتى تحدث فيه ~~الشدة ويسكر أو لا يسكر؛ فقد وقع بين الأمة في ذلك اختلاف كثير لاختلاف ~~الرواية في الأحاديث والأخبار. # فأجاز أكثر أصحابنا شرب النبيذ في الأديم من المشاعل والأسقية ما لم ~~يسكر، وترك ذلك بعض تنزيها بلا تحريم، وحرم بعضهم إذا كان ذلك يسكر من شرب ~~منه. وأجاز بعضهم شربه من ذلك وإن كان يسكر منه، وتأول أنه حرام على كل من ~~سكر، وأن السكر نفسه هو حرام على السكران، وليس بحرام على من لم يسكره. # واتفقوا على أن من شرب من النبيذ الذي لا يسكر في الأوعية من الأديم أنه ~~غير حرام؛ لأنه لا يسكر. # واتفقوا على تحريم قليل الخمر وكثيره، ولم يجز أصحابنا شرب النبيذ من ~~وعاء غير الأديم، وإن كان غير مسكر. # واتفق أصحابنا في تحريم شراب نبيذ الجر إذا عمل للنبيذ وإن لم يسكر. # ولم يجيزوا الشرب في الحنتم والنقير والمزفت والدباء؛ لخبر روي عن ms790 النبي ~~^ أنه «نهى وفد عبد القيس أن يشربوا في ذلك، وأنه أجاز لهم ^ أن يشربوا في ~~الأديم ما لم يسكر». # وقد وجدت في بعض الكتب من غير أصحابنا أنه قال: «كنت نهيتكم أن تشربوا من ~~الأديم، فاشربوا في كل وعاء، غير أنكم لا تشربوا مسكرا». # وفي حديث آخر أنه قال رسول الله ^: «ما أسكر كثيره فقليله حرام»، وقال: ~~«ملء الكف حرام»وقال: «القطرة حرام». وعن جابر يرفع عن النبي ^ أنه قال: ~~«ما أسكر كثيره فقليله حرام». PageV04P063 # وقد كثرت الروايات في ذلك لاختلاف الرواية عن النبي ^ وعن الصحابة في أمر ~~الشراب، وأجمعوا /734/ جميعا على أن كل مسكر حرام، والأخبار المتواترة عن ~~النبي ^ مع اختلاف الرواة لها، وتفاوت ما بينهم، واختلاف معانيهم أنه حرام ~~للسكر، وقد قال: «كل مسكر حرام»، وقد جاء في الحديث أنه قال: « ما أسكر ~~كثيره فقليله حرام»، وفي حديث آخر: «ما أسكر الفرق منه فقليله حرام»، وقد ~~روي أنه قال: «ملء الكف حرام»، -أوقال:- «القطرة منه حرام». # وعن جابر يرفع عن النبي ^ أنه قال: «ما أسكر كثيره فقليله حرام». # وعن الربيع أن عمر بن عبد العزيز «نهى عن نبيذ الجر»، ويخبر أن النبي ^ ~~نهى عنه. # وفي الحديث: أن السقاية كان يتولاها ولد العباس لأنفسهم قبل أن يتولوا ~~الخلافة، فكانوا يسقون الناس نبيذا حلوا، فلما شغلوا بالخلافة وكلوا ذلك ~~إلى مواليهم وعبيدهم، فأخروا النبيذ حتى اشتد وصار مسكرا فجاء الفساد من ذلك. # وعن الربيع يروي عن الثقات أنه قال: «أنهاكم عن المسكر قليله وكثيره، وعن ~~نبيذ الجر»، وقد يروى عن عائشة عن النبي ^ أنه قال: «ما أسكر الفرق منه ~~فملء الكف منه حرام، والقطرة حرام»، «والجرعة منه حرام». # وفي هذا الحديث كله والأخبار ما يفسد قول من أجاز شرب النبيذ المنهي عنه ~~لمن شربه ولم يسكر، ويفسد قول من قال: على السكران نفسه ولم يكن ذلك حرام ~~على من لم يسكر. # وإنما جاءت الأحاديث والروايات [أن] الشرب من غير الخمر إذا لم يكن ~~مسكرا، وما لم يكن في الأصل مسكرا، ولم ms791 يكن خمرا، ولا اتفق على أن النبي ^ ~~نهى عن الشرب فيه؛ فذلك لا بأس على من شرب منه ما لم يجعل عليه جماعة ولهوا ودهرا. PageV04P064 # فأما المسكر وما أسكر فحرام بسنة النبي ^ المتفق عليها في أي وعاء عمل ~~هذا النبيذ المسكر، وحدثت فيه الشدة التي من أجلها وقع التحريم، وحدث ~~الفساد، ويصلب على من شربه حتى يسكر فذلك حرام؛ لأن رسول الله ^ «نهى عن كل ~~مسكر» في الرواية والأحاديث كلها لما أجاز له شرب النبيذ؛ فقد نهى عن شراب ~~المسكر ولم يجز لهم. فنحن على أن كل مسكر حرام كما حرمه الله ورسوله /735/ ~~لا يجيز من ذلك قليلا ولا كثيرا في أي وعاء، كان هذا أحوط لمن أخذ به. # ألا ترى أن الله نهى عن الخمر، وقال: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم ~~العداوة والبغضاء في الخمر والميسر} حين ضرب الأنصاري رأس سعد في وقت سكره. ~~ونهى أن يقرب الصلاة من هو سكران، فإنما جاء التحريم لحدوث السكر، ونهي ~~رسول الله ^ عن كل مسكر بالقياس مضطرب، والكتاب والسنة دالة على تحريم ~~المسكر فلا يحل منه قليل ولا كثير بعد أن يصير مسكرا. # وقد وجدنا عن عمر بن الخطاب ~ أنه بعث عمران بن الحطيم الخزاعي إلى ~~الكوفة أن يصلح لهم -أو قال: أن يطبخ لهم- عصير العنب حتى يذهب الثلثان ~~ويبقى الثلث، فهذا هو الطلاء الذي قد أجازه المسلمون إذا عمل وطبخ حتى يذهب ~~الثلثان ويبقى الثلث، أو ترجع العشرة إلى ثلاثة، ويصير إلى الأرض فلا ~~تشربه، وليس فيه جرم ولا شدة ولا سكر؛ لأن السكر والمسكر حرام. # وقد قيل: «إنه كان ينبذ له فى سقاء الزبيب غدوة فيشربه من الليل، وينبذ ~~له عشية فيشربه غدوة، ولا يجعل فيه درنا». # وقد قيل: من شرب من الخمر قليلا أو كثيرا فعليه الحد، وإن لم يسكر. وقيل: ~~من شرب من النبيذ المنهي ||عنه|| فسكر فعليه الحد، وإن لم يسكر فلا حد عليه. # وقد حد عمر بن الخطاب > -على ما وجدنا عنه- في المسكر ثمانين جلدة. ms792 PageV04P065 # فأما المسكر فقد تختلف أحواله، فمنه التخليط، ومنه ما يذهب العقل، ومنه ~~ما دون ذلك. # فالذين قالوا: يحد على السكر أنه يؤمر به، فيؤخذ ثوبه ويوضع في ثياب ~~غيره، ويقال له أن يأخذ ثوبه فلا يعرفه، وقالوا: لا يعرف الدينار من ~~الدرهم. وقد قال أصحابنا: لا يحد السكران حتى يصحو، والحدود لا توجب في ~~المسجد مخافة الحدث. # والله أعلم ما المعنى في تأخير الحد عن السكر إن كان من الشراب، مسكرا ~~كان أو خمرا. وقد جعل الحد في المسكر والخمر واحدا، ولم يفرق بين ذلك بعد ~~السكر، فأما الخمر [فيكون] في القليل والكثير. # وقد نهى المسلمون عن بيع الأنبذة في الأسواق، وعن بيع الخمر، وأن تجلب ~~إلى بلاد المسلمين. # ونهى عن الاجتماع على الشراب، وعاقبوا بالأدب والحبس على ذلك، وأدبوا ~~/736/بالحبس والتعزير لمن وجد فيه رائحة الشراب، فلو كان ذلك حلالا لم ~~يعاقب على فعله فاعله. وقد قال بعض: إنه ينهى عنه وعن الاجتماع عليه، وعن ~~بيعه وإن كان حلالا، وله في ذلك احتجاج. # ولا يصلح نبيذ البسر ولو طبخ. # وقد جاء عن عمر وابن عباس أنهما قالا في نبيذ الجر «أن رسول الله ^ ~~حرمه»، وعن عمر ~ أنه قال: "للأسنة تختلف في بطني أحب إلي من أن أشرب نبيذ الجر". # فأما من قال: إن من عمل نبيذا في السقاء حتى يدرك، ثم تحول في الجرة ~~لنبيذ أو خل لا بأس به. فأما إن كان حول النبيذ ولم تحدث فيه شدة وشرب ولم ~~يغل في الجرة وهو حلو، فعسى يجوز؛ لقوله: «اشربوا ولا تشربوا مسكرا [ولا ~~تسكروا]»، فأما إن صار نبيذا مسكرا فلا خير فيه. وإن تحرك في الجرة غاليا ~~فإنه حرام، على الأحاديث التي جاءت في تحريم نبيذ الجر ||عند أصحابنا فيما ~~يرفعونه عن النبي ^ والصحابة في تحريم نبيذ الجر||. PageV04P066 # وقد نهى النبي ^ عن شرب الخمر وعن ما يشبه الخمر على ما قيل، والمسكر ~~يشبه الخمر، والجر عند أصحابنا نبيذهما حرام. # وأما من أجاز شرب نبيذ الجر إذا كان عمل ms793 خلا، فلما صار في حد النبيذ ~~يشرب، فإن قال قائل: ذلك قد أجاز له الدخول في الشبهة؛ لأنه هو قد صار في ~~حد النبيذ، من حين ما يلقى؛ لأن الإنباذ هو الإلقاء. # وإن شرب حلوا فلا بأس به؛ لأنه خل. فأما إن غلى في الجرة، وحدثت فيه ~~الشدة التي من أجلها يكون مسكرا وقد حرم النبي ^ المسكر ونبيذ الجرة، وهذا ~~قد أحل له ما حرم عليه؛ لأن التحريم إنما جاء من قبل حدوث الشدة فيه، التي ~~من أجلها يكون مسكرا. # وإذا غلى في الجرة فقد صار نبيذا ||فلا|| يشرب منه في حال ذلك، فيدخل ~~فيما حرم الله عليه؛ لأن النبي ^ حرم المسكر من كل شراب. # فإذا صار في حد النبيذ الذي يسكر فشرب منه شرب حراما، وشرب نبيذ الجرة ~~الذي نهى عنه رسول الله ^. # إلا أن الاختلاف من أصحابنا في الخل والنبيذ في الجرة، فقال قوم: إنما ~~حرم لحدوث الشدة فيه. وقال آخرون: إنما حرم لما أسس عليه. وقد تأول ذلك من ~~تأول بالأساس بالتسمية أو تغيير الحال، وقال: لو كان ذلك لكان إذا شرب منه ~~ولم تحدث فيه /737/شدة وهو حلو شرب حراما، ولكن الاحتياط في التعبد ترك ~~الشبهة للسنة، ولا شبهة أشد من شرب نبيذ الجر إذا صار في حد النبيذ؛ لأن ~~رسول الله ^ حرم نبيذ الجر، وكل مسكر. # فإن احتج أنه شرب خلا ولم يشرب نبيذ الجر، فالخل معقول أنه إذا رق وحمض ~~يسمى خلا، والحلو يسمى مديدا، وإذا كان بينهما فنظره إنسان قال: هذا نبيذ، ~~فهو مع الناس في الأسماء في ذلك، والتحريم في حدوث الشدة لا في النية، وإن ~~كنت أحب ألا يتعرض لشيء من نبيذ الجر لحال. PageV04P067 # وأما من قال: إن كان ثقة فسقاك فاشرب، فما أحب هذا إلا أن يجده حلوا كما ~~||قد|| قالوا في حال ما عملوا به، ورووه عن السلف. # فأما المسكر فحرام وإن لم يسكر شاربه، وقد كنت ذكرت في بعض السؤال في ~~الدن من عند الثقة، فأجابني بعض من ms794 أجاب: لا بلانا الله بثقة له مشعل، وإن ~~كان ذلك موجودا عند بعضهم. # والذي أجاز هذه الأشربة إذا سكن غليانه يحتج بالخبر: «أن النبي ^ أمر وفد ~~عبد القيس أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا، وأن يقيموا الصلاة، ويؤتوا ~~الزكاة ويصوموا رمضان، وأن يعطوا خمس الغنائم، ونهاهم أن يشربوا في الحنتم، ~~-وقد نهى عن نبيذ الجر وما كان في حال النبيذ مما يسكر مثله؛ لأن النهي هو ~~ذلك الذي يسكر منه- والنقير والمزفت، قالوا: يا رسول الله، وما النقير؟ ~~قال: جذوع ينقرونها ويفضحون فيها الفضح حتى إذا سكن غليانه، مع أن أحدكم ~~ليضرب ابن عمه بالسيف»، فهذا بذلك إنما حرم ذلك لحال حدوث السكر من الشراب ~~فيه؛ لأن معنى ذلك: أن أحدكم يضرب ابن عمه بالسيف، كقول الله تعالى: {إنما ~~يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر}، فكان معنى ذلك: هو ~~السكر الذي يحدث في الشراب من الشدة وسكون غليانه حرام. # وقالوا: أمرهم أن يشربوا في الأديم من الأسقية التي تلاث على أفواهها، ~~فذلك ما لم يصر مسكرا؛ لأنه قال: «كل مسكر حرام» يعقب ذلك بعد أن أجاز ~~الشرب في الأسقية. فلو كان أجاز ما يسكر في الأسقية، لقال: ما يسكر حرام ~~إلا في الأديم، فدل ذلك أن كل مسكر حرام في أي وعاء كان مع /738/ أنهم لا ~~يجيزون الشراب في جلود الإبل والبقر، وإنما يجوز عندهم في جلود المعز ~~والضأن إذا كانا طاقا واحدا ويوكى. PageV04P068 # وحرموا ما لم يوك ولم يجيزوا منه ما لم يتغير به العقل، فلما كان كذلك لم ~~يجيزوا منه القليل ولا الكثير إذا صار في حال ما يغير العقل حتى يعلم أنه ~~نبيذ لا يغير العقل؛ لأن الخبر جاء ب« ما أسكر كثيره فقليله حرام». # وقد أجازوا شرب النارجيل إذا لم يخمر ويشرب من حينه، وإن الكوز الذي يجلب ~~فيه لا يرد إليه ذلك؛ لأنه غير مسكر، وهذه الأشياء كلها تدل على تحريم شرب ~~ما أسكر من كل شراب بالسنة. # وقد حرم الله ورسوله ms795 الخمر وما يشبه الخمر على ما بلغنا. # و«لعن رسول الله ^ شارب الخمر وساقيها وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومشتريها ~~وحاملها والمحمولة إليه، والدال عليها وآكل ثمنها»، وقد روى ابن مسعود على ~~ما وجدنا عن النبي ^ أنه قال: « الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك شبهات من ~~الأمور، فمن لم يعرف الشبهات توقف كالراعي إلى جانب الحمى يوشك أن يقع فيه، ~~ولكل ملك حمى، وحمى الله محارمه»، فمن رعى في محارم الله حق غضبه عليه، ومن ~~ترك الشبهات فبالحري أنه ترك الحرام البين. # والمعاصي حمى الله فمن رعى حماه وقع فيه، وليتق الله عبد نظر فيما يلزمه، ~~ولم يتقدم إلى ما حرمه الله عليه، ولا يدخل في شبهة من الشراب ولا غيره مما ~~يسكر ويخاف أنه مما يسكر مثله، فإن السكر والمسكر حرام، قال الله: {فمن يرد ~~الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا}. PageV04P069 # فالإسلام في صدور المسلمين ضوؤه من ضوء الشمس والقمر، ومثل المنافق ~~المنزلة الأخرى صدره ضيق حرج، لا يعرف حرام الله حراما، ولا حلاله حلالا ~~ولا وليا ولا عدوا، فإذا قيل له: هذه طاعة الله، قال: لا أدري، قد أعمى ~~الله عليه قلبه وليس عليه نور الإسلام، قال الله: {فأما الذين في قلوبهم ~~زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله}. # فأعاذنا الله وإياكم من الضلالة والعمى، والشك والشبهة، والبدعة /739/ ~~والحيرة، ورزقنا وإياكم التعليم لحقه ولدينه، ولمعرفة أوليائه والقيام ~~بحقه، والقيام إلى الله، والدعاء إلى الله وإلى دينه، وجعلنا وإياكم فيه ~~نصحاء بعضنا لبعض، فتعلموا القرآن وتفهموه وتدبروا معانيه، وابتغوا ما فيه، ~~فإن فيه نورا وشفاء، قال الله: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها}، ~~وقال: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا ~~خسارا}. # فاتبعوا القرآن، واعملوا بما فيه من الحلال والحرام، فإن الله قد بين في ~~القرآن أن تضلوا، قال الله تعالى: {وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم ~~حتى يبين لهم ما يتقون}، كيف يكون ms796 من المتقين من شرب ما نهى الله ورسوله عنه؟! # إن الله أمرنا بالتقوى فمن اتقى ما نهى الله عنه ولزم طاعته فلزوم طاعة ~~الله مما أمر الله به، فمن لزم جميع طاعة الله ومات عليها فهو سالم، قال ~~الله تعالى: {إنما يتقبل الله من المتقين}. # وقد روي عن عمر أنه قال: "الصبر صبران، أحدهما أفضل من الآخر، فالصبر في ~~المصائب حسن، وأفضل منه الصبر عما حرم الله عليك"، فتدبر ذلك وخذ بأحسنه، ~~ودع ما ارتبت فيه إن شاء الله، والتوفيق بالله رب العالمين. # [ كتاب الكبائر والحدود] # 138- باب: PageV04P070 # ||مسألة|| في الذنوب والكبائر والمواعظ # - وسأل عن الكبائر وما أعد الله لمن ركبها؟ وما أعد لمن اجتنب الكبائر؟ # قيل له: إن الكبائر قد قدمنا ذكرها في أول كتابنا هذا، وهي: كل ما أوجب ~~الله فيه حدا في الدنيا أو عذابا في الآخرة هو من الكبائر. # والكبائر كلها مكفرة لمن ركبها، وقد أعد الله النار للكافرين والمصرين ~~على لسان نبيه محمد ^، وفي كتابه. قال النبي ^: «هلك المصرون». قال الله ~~تعالى: {ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون}. وقال: {النار وعدها الله ~~الذين كفروا وبئس المصير}. # وأما ما وعد لمن اجتنب الكبائر فقال تعالى: {إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون ~~عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما}. وقد بين الله لعباده في كتابه ~~على لسان نبيه محمد ^، وما أعد لمن ارتكب الكبائر، وما أعد لمن اجتنب ~~الكبائر، ولم يصروا على /740/ الصغائر، وهذا مجمل من القول. # وعن بعض الصحابة: أن الكبائر ما ذكر الله في سورة النساء من أولها إلى ~~قوله: {إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه}. فمن ركب شيئا مما نهى الله عنه في ~~هذه السورة إلى قوله: {إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم ~~وندخلكم مدخلا كريما}. # وقد روي أيضا عن بعض الصحابة أن من الكبائر ما ذكر الله تعالى في سورة ~~النور من أول السورة إلى قوله: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم ~~تفلحون}، فما كان في سورة النور إلى هذا ms797 الموضع من الكبائر فقد بين الله ~~لعباده بترك اللازم في جميع ما أمر الله وافترضه، فمن تركه فقد ركب كبيرة. PageV04P071 # ومن ركب نهي الله ورسوله ^ فقد ركب كبيرة، وقد قال المسلمون: إن كل ما ~~أوجب الله الحد فيه في الدنيا والعذاب في الآخرة فهو من الكبائر. قال الله: ~~{الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم}، وقد قال بعض: إن اللمم: ~~هو الذنب الذي بين الذنبين ما لم يوجب عليه حدا في الدنيا ولا عذابا في ~~الآخرة. {إن ربك واسع المغفرة} لهذه الذنوب التي بين الحد على من عملها ~~بغير علم ثم تاب منها، كما قال الله: {...يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من ~~قريب} قبل أن ينزل بأحدهم الموت قال الله: {ولم يصروا على ما فعلوا وهم ~~يعلمون}. # وكل ذنب عمله المؤمن جاهلا به وتاب قبل الموت، كما قال الله: {ثم يتوبون ~~من قريب فأولئك يتوب الله عليهم} يتجاوز عنهم، قيل: إنها نزلت في المؤمنين. # قوله: {إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه} من أول السورة إلى هذه الآية ~~{نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما} في الجنة إذا تبتم من جميع ~~الذنوب. PageV04P072 # قال الله: {ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} فالإصرار مهلك، قال ابن ~~مسعود: الكبائر ما أوعد الله في سورة النساء إلى هذه الآية: {إن تجتنبوا ~~كبآئر ما تنهون عنه}. وابن عباس قال: الكبائر ما ذكر الله في سورة النور من ~~أولها إلى هذه الآية: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون}، ~~فأوجب لهم الفلاح مع التوبة من جميع الذنوب، كقوله: {قد أفلح المؤمنون} ~~تمام القصة. /741/ وقوله: {قد أفلح من تزكى}، الفلاح: هو الظفر والسعادة؛ ~~فمن تاب من الذنوب من الكبائر والشبهات قبل الموت، وعمل بما أمره الله دخل ~~الجنة، ومن لم يتب دخل النار فنعوذ بالله من النار. PageV04P073 # وقد حرم الله جميع الدماء والأموال كلها ظلما، وقتل النفس التي حرم الله ~~ظلما وعدوانا، وهما كبيرتان؛ لأن كبائر الذنوب تجري فيها أبواب شتى، فكل ~~الدماء قليلها وكثيرها حرام، وكذلك ms798 الأموال أكلها ظلما إلا ما أحل الله، ~~وحرم أموال الناس بالإثم والباطل، وأكل أموال اليتامى، وأكل الربا، ~~والتطفيف والخيانة وجميع ما جرى فيه الظلم من ارتكاب نهي الله ونهي رسوله ~~الله ^، وانتهاك محارمه من الدماء والأموال والفروج والفواحش من الزنا ~~والقذف، وشرب الخمر والمسكر وقذف المحصنات، وانتهاك المحارم في السمع ~~والبصر والكلام والفروج، والفواحش ما ظهر منها وما بطن، وظلم المواريث ~~والحقوق، والسرق والخيانة والغلول، والشرك والفرار من الزحف في الجهاد في ~~سبيل الله، والخيانة وأكل الأمانة، ونقض العهود التي في الدين وبين العباد ~~وبين ربهم، وقول الزور والشهادات بالزور، والأيمان الكاذبة، وأكل الحرام من ~~الميتة والدم، والمطاعم والمشارب المحرمة، والمناكح المحرمة في النكاح ~~والسفاح، وكل ما نهى الله عنه في كتابه وحذر انتهاكه، والكذب المتعمد عليه، ~~وغيبة المسلمين والبهتان لهم والإشراك بالله والتشبيه له بخلقه، ولم يأذن ~~الله بشيء من ارتكاب محارمه؛ فكل هذه ذنوب تجب التوبة منها والندم عليها، ~~والإقلاع عنها قبل نزول الموت. PageV04P074 # وكذلك من الذنوب: ترك الفرائض وجميع ما أمر الله به أن يعمل به من ~~الإيمان به والتوحيد له، والإيمان بالأنبياء والرسل والكتاب والنبيين، وما ~~جاء به محمد ^، وأداء الصلاة بكمالها وحدودها وجميع طهاراتها، وما أمر الله ~~ورسوله فيها والقبلة، وإيتاء الزكاة في صنوف الأموال وأدائها إلى أهلها، ~~والصيام لرمضان وما أوجب الله صومه عليه، وكفارات الأيمان، وكفارة القتل، ~~وكفارة الظهار، وكفارة النذر الواجب، وحج /742/ البيت بما أوجب الله من ~~الاستطاعة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام وترك عقوقهم، وغض الأبصار وحفظ ~~الفروج، وأداء الأمانة وترك الخيانة، والجهاد في سبيل الله، والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر. # وكل هذا مما أوجب الله تعالى أن يعمل به؛ فمن ترك ذلك أو شيئا منه على ~~الاستخفاف بحق الله والمعصية لله وأصر على ذلك أو شيء منه على الاستخفاف ~~ولقي الله غير تائب عاقبه. # ومن عمل بما أمره الله به أثابه، ومن كسب ذنبا ثم تاب منه تاب الله عليه؛ ~~لقوله تعالى: {وإني لغفار لمن تاب}. # وكذلك أداء الأمانة والعارية والوديعة ms799 وحفظ الفروج، وغض الأبصار، وضرب ~~الخمر على الجيوب، والعمل بكل ما أمر الله، والانتهاء عن نكاح ما حرم الله، ~~واستحلال ما أحل الله، والولاية لأولياء الله، والمفارقة لأعدائه، فكل من ~~عمل بما أمر الله به من ذلك فإن الله لا يضيع أجر المحسنين. # فأما من استخف بحق الله وحق رسوله وحقوق المسلمين واستغابهم وبهتهم وشهد ~~بالزور، وغل الأمانة، وخان العارية، وأبدى العورة، وقبح الكلمة والفحش ~~والقول بالزور، وشتم المؤمنين والأذى لهم بغير ما اكتسبوا، وركب ما نهى ~~الله عنه من ذلك ورسوله، استخفافا بحق الله، وتهاونا بنهي الله، واستخفافا ~~بأدبه، وإصرارا على معصية الله، فإن الله يعاقبه إن لم يتب. PageV04P075 # ألا ترى أن الله قد رغب في القليل من الخير، وحذر من اليسير من الشر؛ ~~فقال: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}. # وقد قيل: إنهم كانوا لا يرون أنهم يؤجرون على العمل القليل، ولا يأثمون ~~في أخذ القليل من المعاصي والإثم؛ فأنزل الله: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} يجد الخير مثبتا فيسره والشر محبطا وذلك ~~للمؤمنين، والكافر يجد الخير محبطا والشر مثبتا فيسوؤه ذلك ولو كان مثل ~~الذرة، وذلك قوله كما قال الله: {ويقولون يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا ~~يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا}. /743/ # فرغب في القليل من الخير فإنه يوشك أن يكثر، وحذر في القليل من الشر فإنه ~~يوشك أن يكثر، إذا أصر العبد عليه واستحقره ولم يتب؛ لأنه يقال له: انظر ~~إلى عظم ما عصيت، ولا تنظر إلى صغر المعصية، فإن الله عزيز ذو انتقام. # قيل: يكتب لكل بار وفاجر بالحسنة عشر أمثالها إذا خرج من الدنيا تائبا، ~~وتكتب السيئة واحدة. # وقوله: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة} يضاعف للمؤمنين، ويجازي المسيء المصر ~~إن لم يتب، فنعوذ بالله من شرور أنفسنا. PageV04P076 # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «تصدقوا ولو بشق تمرة تكنوا بها وجوهكم عن ~~النار». قيل: لما نزلت ms800 -على ما وجدنا-: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ~~ما دون ذلك لمن يشاء}، قيل: إن هذه نزلت في [ابن] أبيرق سارق الدرع، أو ~~بشير بن إبريق، وهو أبو طعمة سارق الدرع، ثم خرج إلى مكة وارتد، فأنزل ~~الله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء}، وهي أيضا ~~عامة، نزلت هذه الآية دون الشرك والسيئات. # {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره}، {إن كان ~~مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين}، فهؤلاء الآيات أشد من ~~الأولى، ويصدق كتاب الله بعضه بعضا، قال: {واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه ~~الذي واثقكم به إذ قلتم سمعنا وأطعنا}، فنحن وأنتم ممن أقر لله بالسمع ~~والطاعة ولزمته الحجة، فإن الله تعالى سائلكم عن هذه النعمة، وطالب إليكم ~~شكرها. وقد قال الله تعالى: {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين * ~~فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غآئبين}، وقال: {ونضع الموازين القسط}، وقال: ~~{لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء}، وقال: {فوربك لنسألنهم أجمعين ~~* عما كانوا يعملون}، وقال: {وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم وإياي فارهبون}، ~~فأمرنا بالوفاء فيما عاهد عليه الله في أمر الدين. PageV04P077 # ولا يتقرب إلى الله تعالى بأفضل من الصبر على الطاعة /744/ والورع عن ~~الحرمات وهما سهما الإسلام الذي يغفر الله بهما الذنوب، وينجي من النار؛ ~~فانظروا إلى السبيل الذي أمر الله به نبيه فإنه قد قال له: {قل هذه سبيلي ~~أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} تمام الآية؛ فإنه سبيل واضح قد ~~أثنى الله على أهله، فقال: {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ~~والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين ~~والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم ~~والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا ~~عظيما}، فهذه صفة جامعة لكل خير، وسبيل بين، ومنهج لمن سلكه؛ فمن عمل به ~~سعد، ومن جمعه رشد وظفر بما أعد الله له من المغفرة والأجر. # وقد ذم الله العمى؛ فقال: {وما ms801 يستوي الأعمى والبصير}، وقال: {أفمن يعلم ~~أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب} فلم يسو ~~بينهما. PageV04P078 # ومدح أهل العقل من أولي الألباب، ومدح من أوفى بعهده، فقال: {الذين يوفون ~~بعهد الله ولا ينقضون الميثاق * والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ~~ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب * والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا ~~الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرؤون بالحسنة السيئة أولئك لهم ~~عقبى الدار * جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم ~~والملائكة يدخلون عليهم من كل باب * سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار} ~~وهي الجنة على الصبر بالوفاء على الطاعة. # وقد قيل: "لا صغيرة مع إصرار، ولا كبيرة مع التوبة والاستغفار"، وقد ~~قدمنا ذكر التوبة. # وهذه الأشياء قد ذكرنا معانيها ليفهمها من وقف عليها لمن أراد الله ~~سعادته، وعمل بما أمر الله به. # وقد قال: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من ~~قريب} قبل أن ينزل بأحدهم الموت، ثم قال: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل ~~صالحا ثم اهتدى} باتباع أهل الحق والولاية لهم، والمفارقة لأهل البدع ~~والضلالة والكفر من أهل المعاصي. PageV04P079 # فأما من احتج بقول الله: {إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك ~~لمن يشاء}، فقد قيل: نزلت في سارق الدرع الذي ارتد وأشرك، وليست لهم بحجة؛ ~~لأن كل آية نزلت في موضعها. ألا ترى أن الله أمر نبيه أن يدعو أهل الشرك ~~وقال: {إن الله يغفر الذنوب جميعا}، وأما قوله تعالى: /745/ {ويغفر ما دون ~~ذلك لمن يشاء} هم أهل التوبة، الذين يشاء لهم المغفرة، {يغفر الذنوب جميعا} ~~لأهل التوبة؛ لقوله: {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له}: وأخلصوا له بالطاعة، ~~وقد قال: {من يعمل سوءا يجز به} إن لم يتب. # وقد أوجب الله النار لأهل الفواحش والزنا والقتل، ثم قال: {إلا من تاب}. ~~وقال أيضا في القذفة: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء ~~فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم ms802 شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون}، ثم ~~استثنى منهم {إلا الذين تابوا [من بعد ذلك] وأصلحوا}. # فأوجب المغفرة لأهل التوبة قوله: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا}، ~~وقال: {توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار}، وعسى من الله واجب، وقال: {جزآؤهم مغفرة من ~~ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين} يعني: ~~جزاء التائبين، وقال: {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}. PageV04P080 # وقد قيل: باب التوبة مفتوح حتى يموت ابن آدم، وهو مفتوح للتائبين ما دامت ~~الروح في جسده وهو يتكلم، وهذا رحمة من الله لعباده، وجعل لهم التوبة؛ ~~فانظر -رحمك الله- في ذنوبك، وتب منها جميعا إلى ربك، ولا تصر على صغيرها؛ ~~فإنه لا يغفر الله إلا بالتوبة. # ومما يدل على أن الله يغفر الذنوب مع التوبة، أن الله أمر رسوله أن يدعو ~~إلى توحيده والإيمان به، فمن تاب من شركه قبل توبته إذا أقر بما دعاه الله ~~كقوله: {قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن ~~الله يغفر الذنوب جميعا}، ثم قال: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون ~~لعلكم تفلحون}، وقال: {وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له} الآية، ثم قال: {أن ~~الله بريء من المشركين ورسوله فإن تبتم فهو خير لكم}، وصحة التوبة من ~~الشرك. كذلك المرتد يستتاب فإن تاب قبل منه ولم يقتل، وقد ارتد من ارتد ثم ~~تاب يوم فتح مكة، ولجأ إلى عثمان فأتى به النبي ^ «فقبل منه ولم يقتله»، ~~والتوبة مقبولة. PageV04P081 # وقد أوجب الله ورسوله الفرائض بالإجماع أن التارك لها كافر عندهم في قول ~~المسلمين. وقد قال: /746/ {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم ~~في الدين}، وقد قاتلهم أبو بكر حتى أقروا بذلك، ودل قوله في التوبة، وإنما ~~أوجب الله العذاب على المصر قوله: {وقد خاب من حمل ظلما} أي: من مات مصرا، ~~وقد حرم الله المحارم كلها، وأوعد في ذلك العقوبة لمن لم يتب، فمن أطاع ~~الله وأدى ms803 الفرائض وصدق المواريث وقسمها كما أمر الله {يدخله جنات تجري من ~~تحتها الأنهار} {ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها} ~~إن لم يتب، وأوجب الوصية على من ترك خيرا. # قال ابن عباس: "من ترك خيرا ولم يوص لأقاربه فقد ختم عمله بمعصية الله". ~~وقال الله تعالى: {ومن يعص الله ورسوله [ويتعد حدوده] يدخله نارا خالدا ~~فيها}، ثم قال في الوصية: {فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين ~~يبدلونه}. # وقد حرم الله الإثم، فمن لقي الله بمعصية وبارتكاب إثم مصرا كان له ما ~~أعد الله للمصرين، وقال النبي ^: « هلك المصرون»، وقد قال الله: {ولم يصروا ~~على ما فعلوا وهم يعلمون}، {وقد خاب من حمل ظلما}، قال المسلمون: من مات مصرا. # وقد حرم الله الدماء والربا وأموال اليتامى وأموال الناس بالباطل، وقتل ~~المؤمنين، والفرار من الزحف، وقول الزور، وشرب الخمور، والزنا، وأكل ~~الحرام، وأوجب النار لمن ركبه وأصر عليه، وقد قدمنا ذكر التوبة وما أعد ~~الله للتائبين. # وقد أوجب الله الحدود على الزاني والقاذف والسارق وهي كبائر عندهم. وقد ~~ذكر فيها التوبة وبين ذلك، وقد ذكرناه في الكتاب. PageV04P082 # و قد حرم الله قطع السبيل والفساد في الأرض والبغي وذلك كبير من الذنوب ~~وجعل معه التوبة؛ فالتوبة لكل تائب والعقوبة لكل مصر ولا فرق بين ذلك. وقال ~~لنبيه ^: {قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير ~~الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا ~~تعلمون}، فأجمل كبير ذلك وصغيره وأنه محرم، والاتفاق في بعضه أن التوبة ~~منصوصة في غير موضع، والتوبة فيه كله ما لم يصر العبد. # وقد أوجب الله تعالى التوبة في الخطإ، وإن كان صاحبه لم يأثم، وإن كان قد ~~رفع /747/ الخطأ والنسيان، فقد أوجب الله التوبة في قتل الخطأ وجزاء الصيد ~~غلطا. ولو ترك ذلك بعد وجوبه على التهاون، ولم يكفر في القتل، ولم يكفر في ~~الجزاء على العمد. # وكذلك إن حنث في يمين ms804 كان يرى أنه محق وإذ هو حانث، أو على أن لا يحنث ثم ~~حنث لم يكفر، أنه لا يسلم وكفر بالله، وإن كان الأصل غير آثم. # وإنما رفع الله الخطأ والإثم ما لم يلزمه فيه حق فيصر عليه أو توبة فيترك ~~ذلك. ألا ترى أن المخطئ في الأموال عليه الضمان ولا إثم عليه. # فإن ترك المضمون لم يدن بالخلاص، ولم يتخلص مما يلزمه -على ما قال به ~~المسلمون- لم يسلم إذا لقي الله على الإصرار. ألا ترى أن الله أوجب على ~~أصغر الصغير الويل، وهو العقاب في التطفيف، ولم يرخص في قليل ذلك ولا كثير ~~من المعاصي. PageV04P083 # ألا ترى أن الله أوجب على المؤمنين أن يغضوا أبصارهم ويحفظوا فروجهم، وأن ~~لا يدخلوا بيوتا غير بيوتهم، وأن لا يسخر بعضهم من بعض، ولا يغتب بعضهم ~~بعضا. ولم يرخص في شيء من ذلك لهم، وقال النبي ^: «ملعون من نظر فرج أخيه»، ~~وقال: «الكذب والغيبة ينقضان الوضوء»، ولا ينقض الوضوء من ذلك إلا محرم. ~~فإن من أصر عليه كان له ما قال رسول الله ^، أن له اللعنة في النظر أن ~~جميعه ينقض الوضوء. فإن تاب فإن الله يتوب عليه؛ لأنه قال: {وتوبوا إلى ~~الله جميعا أيها المؤمنون} بعد قوله: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ~~ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن}، {فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه ~~مرض}، وأن يضربن بخمرهن على جيوبهن، وأن يدنين عليهن من جلابيبهن. # وقال النبي ^: «لا يحل لامرأة أن تسافر إلا مع محرم لها»، وقال: «لا ~~يخلون أحدكم مع امرأة غير ذي محرم»، وقال: «لا يحل لمن بلغ المحيض من ~~النساء أن تصلي بغير خمار»، فكل هذا شيء محرم لا يحل إلا بالوفاء به، فإن ~~أصررن فقد خالفن الله ورسوله وعصين الله ورسوله، قال: {ومن يعص الله ورسوله ~~[ويتعد حدوده] يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين}، إلا أن يتبن توبة ~~نصوحا. وقال: {من يطع الرسول فقد أطاع الله} ، {ومن يطع الله ورسوله يدخله ~~جنات تجري من تحتها الأنهار}، فلم ms805 يرخص في شيء من معاصيه، ولا /748/ رخص رسوله. PageV04P084 # وقد روي أن رسول الله ^ قال: «أراكم تخافتون في الكذب كما يتهافت الفراش ~~-أو غيره قد وجدت- في النار»، وقال: «إن الكذب لا يحل إلا في ثلاث»، وأوجب ~~نقض الطهارة من الكذب، والكذب مذموم أهله معاقب عليه. ألم تر أن الوليد بن ~~عقبة سماه الله: فاسقا، إذ قال للنبي ^: "إن القوم أرادوا قتله بلا صحة ~~كانت معه"؛ فأنزل الله فيه: {إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا}، فسماه الله ~~فاسقا، فلا يحل ذلك؛ لأن الله أوجب العقوبة على الفاسق كما أوجب على الكافر ~~إلا أن يتوب. # وقد قال المسلمون إن شاهد الزور لا تجوز شهادته أبدا؛ لأنه شهد كاذبا. ~~وكذلك القاذف كاذب؛ فكل ذلك محرم على فاعله، والكذب قبيح. وكل هذا منهي عنه ~~وعن فعله والتكلم به. ألا ترى أن رسول الله ^ في وصيته لمعاذ وأومأ إلى ~~لسانه، فقال معاذ: "وإنا لنؤاخذ بما نقول؟" فقال له: «وهل يكب الناس في ~~النار إلا حصائد ألسنتهم»، وقد حرم الله ذلك بقوله: {ولا تقف ما ليس لك به ~~علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا}، فقد نهى الله أن ~~يقفو الإنسان ما ليس له به علم في ذلك، وأنه يسأل عنه، وهذا نهي راكبه عاص ~~حتى يتوب منه، وإن أصر لم يسلم بما قدمنا ذكره في المصر. # وقال: {ولا تمش في الأرض مرحا} معنى ذلك: بالخيلاء والعظمة. وقد قيل: إن ~~قارون اختال فخسف الله به الأرض. وقد قيل: إن الذي يختال في ثوبه لا تقبل صلاته. PageV04P085 # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «ما جاوز العقبين في النار»، فهذا ذنب عظيم، ~~فإن أصر وركب ما نهى الله عنه ورسوله لم يسلم، وإن تاب فإن الله غفور رحيم. ~~وقد قال الله: {إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها}، فانظر إلى ~~الذي قال في الخبر، فما أوجب في الظلم، وقال: {لا تظلمون ولا تظلمون}، ~~وقال: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم}، ms806 ثم قال: ~~{أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم}، فأوجب اللعنة على من أفسد ~~في الأرض وعمل فيها بالفساد وعلى من قطع رحمه، /749/ وهذا شديد إلا أن يتوب. # وقال: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم ~~في الآخرة}.وقال النبي ^: «من حلف على يمين فاجرة ليقطع بها مال امرئ مسلم، ~~لقي الله وهو عليه غضبان». # وقد اختلفوا في توبته، وقولنا: إن الله يتوب عليه إن تاب توبة نصوحا، ~~وقال: {وتوبوا إلى الله جميعا}. قيل: من جميع الذنوب، وقال: {ولم يصروا على ~~ما فعلوا}، وقال: {وإني لغفار لمن تاب}. وقال النبي ^: «التائب من الذنب ~~كمن لا ذنب له»؛ ففي هذا ما يدل على توبة كل تائب أنها مقبولة ما لم يصر. PageV04P086 # كذلك قاتل المؤمن؛ قد قيل: لا توبة له. وقد قيل: إن له توبة. وقد أوجب ~~الله في توبة القاتل في سورة الفرقان، ||قال||: {ولا يقتلون النفس التي حرم ~~الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما...} الآية، ثم قال: {إلا ~~من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله ~~غفورا رحيما}. # وروي عن ابن مسعود: "ما يشترى بهذه الآية حمر النعم"، وقد قال: {ولمن خاف ~~مقام ربه جنتان}. قيل: إنه من قدر على شهوة من الحرام فيتركها من مخافة ~~الله فله جنتان. والجنتان في اللغة: بستانان من رياض الجنة. والذي لا يهم ~~بالمعصية قيل: إنه أفضل. وقال في النازعات: {وأما من خاف مقام ربه ونهى ~~النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى}، نهى نفسه عما هويت من الحرام مخافة ~~الله، فالجنة مأواه كما قال الله. # وقد قيل: إن الهوى قال الله: {أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على ~~علم}، فلا يجوز اتباع شيء من الهوى في المعاصي. # والذنوب منها ما يكون ذنبا يصيبه العبد وهو يعلم به، ثم يتوب منه من قريب ~~ويعقب بأحسن منه؛ فذلك ذنب المؤمن، وذلك الذنب الذي يغفره الله. قال الله: ~~{ولم يصروا على ما ms807 فعلوا وهم يعلمون}، فمدحهم على ترك الإصرار وأوجب لهم ~~المغفرة بالتوبة. # وذنب يصيبه العبد ثم يصر عليه، والإصرار: هو الإقامة على الذنب ولا يتوب ~~منه؛ فذلك يكون صاحبه فاسقا، ويمنع العمل أن يقبل منه، قال الله تعالى: ~~/750/ {إنما يتقبل الله من المتقين}، فلا يقبل العمل منه حتى يتوب. PageV04P087 # وذنب يصيبه العبد ثم يشهد أنه طاعة لله، وأن الله أذن له به؛ فذلك يصير ~~صاحبه إلى الضلالة والعمى، وهو الزينة التي قال الله: {أفمن زين له سوء ~~عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء}. # وذنب يصيبه المؤمن وهو لا يفطن له ولا يأبه إليه، وهو الخطأ والنسيان ~~الذي قال النبي ^: «عفي لأمتي الخطأ والنسيان»، وأرجو أن يتجاوز الله عن ~~ذلك؛ لأنه أصابه بخطأ، ما لم يكن فيه حق يجب عليه فيه ضمان لمخلوق، أو عمل ~~مفروض؛ فعليه الخلاص من ذلك والعمل به إذا علمه، كقوله: {لا يؤاخذكم الله ~~باللغو في أيمانكم}. # وإذا حلف على شيء لا يريد أن يحنث ثم حنث فلا إثم عليه، ولكن يكفر؛ فإن ~~ترك الكفارة لم يسلم. و[إذا] حلف على أنه صادق وإذا هو حانث؛ فعليه أن ~~يكفر، وإن لم يكفر لم يسلم. وقد قيل: إن اللغو في هذا أن يتحدث فيقول في ~~حديثه: لا والله، ولا يعقد على يمين، وليس ذلك يحنث. # فأما الكذب فلا يسلم صاحبه إذا تعمد له، وعقب ذلك يدل عليه، قال الله: ~~{لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم}، فإن ~~حلف كاذبا هذا مما يكتب ومما كسب فعليه. # ومن الذنوب أعمال لا يقبل معها عمل ما دام العبد مقيما عليها، إلا أن ~~يتوب منها، مثل الزنا والسرقة والخيانة وشرب الخمر وأكل الربا، وقذف ~~المحصنات، والفرار من الزحف، والسرق وعقوق الوالدين، وقطيعة الأرحام، ~~وارتكاب ما حرم الله في كتابه وأوجب الله فيه حدا في الدنيا أو عذابا في ~~الآخرة؛ فإن مع الإقامة والإصرار لا يقبل، قال الله تعالى: {إنما يتقبل ~~الله من المتقين}. PageV04P088 # وإن تاب توبة نصوحا تزكى ms808 وتقبل منه، وذلك قوله: {قد أفلح من تزكى * وذكر ~~اسم ربه فصلى}، قال: قد قيل: إن هذه الصلاة صلاة الفطر وزكاة الفطر، وأرجو ~~أنها تخرج على معنى تزكى من الذنوب وطاب له العمل وصلى. # {قد أفلح} كقوله: {ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون}، وقال: {ويل ~~للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون} /751/لاهون عنها حتى يذهب وقتها، ~~{الذين هم يراؤون} في صلاتهم {ويمنعون الماعون} قد قيل: الزكاة. وقد قيل: ~~غير ذلك من العارية، وبما تطوع به ||على|| الجيران، مثل: المسحاة والفأس ~~والمنجل والإبرة، والحاجة في مثل ذلك، وهو يحتمل ذلك كله. # وقد جعل الله الويل في تارك ذلك كله إذا احتيج إليه وهو يقدر عليه، وقد ~~أمر الله بالجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ~~ملكت اليمين، والعامل بما أمر الله به يثاب، والتارك لذلك لا يرشد. # وقد أمر الله بحسن المعاشرة للزوجة والنفقة للمرضعة والحامل والنفقة في ~~العدة وطلاق السنة؛ فمن فعل ذلك سلم، واتبع أمر الله فغنم، ومن ضيع ذلك ~~ندم. ومن الذنوب إذا أصر عليها حرم، وإن تاب وأصلح فإن الله يتوب عليه. # وقد أمر الله بالإشهاد عند المراجعة وعند التزويج وغيره؛ فمن فعل ذلك ~~نجا، ومن سافح خسر؛ لأن رسول الله ^ قال: «أحل الله النكاح وحرم السفاح»، ~~وقد قال الله: {فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم ~~وأقيموا الشهادة لله}، فمن أقامها أثابه، ومن ركب نهي الله سخط عليه إلا أن يتوب. PageV04P089 # وقد حرم الله التزويج من ذوات المحارم في النسب، ومن الصهر والرضاعة ~~والأمهات والأخوات والعمات والخالات والربائب، وأمهات الزوجات وبناتهن إذا ~~دخلوا بهن، |وبنات الأبناء| وحلائل الأبناء، وحرم السفاح، وأن يجمع بين ~~الأختين؛ فمن صدق وعمل أثابه، ومن تعمد سخط عليه، ولا حظ له في الإسلام إلا ~~أن يتوب. # وحرم التزويج في العدة، ||وحرم التزويج|| تحلة للمطلق، والتزويج فوق ~~الأربع، وتزويج المشركات غير الكتابيات؛ فمن ركب نهي الله وتجرأ على محارمه ~~عاقبه، ومن اتقى المحارم أثابه. # وقد نهى أن ms809 تقرب الحائض، وعن نكاح الزانية إلا بزان محدود مثلها؛ فمن ~~تعدى نهي الله عاقبه، ومن تاب أسعده. # وقد نهى عن وطء الذكران. وقد قيل: "إن وطء الدبر هو اللوطية"، وقد روي أن ~~رسول الله ^ قال: «أدبار النساء عليكم حرام », فمن اتقى وسمع وأطاع فله ~~/752/ ما للمسلمين، ومن سفه نفسه وركب ما نهي عنه جازاه بعمله كما قال: ~~{وهل نجازي إلا الكفور}. # وقد حرم الله الميتة والدم ولحم الخنزير ||في|| غير اضطرار؛ فمن أكل من ~~ذلك باختياره عاقبه الله، ومن اتقى الله أكرمه كما قال: {ولمن خاف مقام ربه ~~جنتان}، وهذا من خاف مقام ربه في جميع محارمه له جنتان. # وقد «نهى رسول الله ^ عن أكل الحمر الأهلية، وعن أكل كل ذي ناب من ~~السباع، ومخلب من الطير». وقال الله تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا}، فما نهى عنه رسول الله ^ فهو حرام حتى يصح غير ذلك أنه ~~نهي أدب أو ترغيب؛ لأن عقب قوله: {واتقوا الله إن الله شديد العقاب} في ~~معصيته ومعصية رسول الله ^. PageV04P090 # ونهى رسول الله ^ عن الشغار، وعن الجمع بين الأختين، وعن الغش والخديعة ~~والخيانة، وذلك معقول، فمن تعدى نهي رسول الله ^ فقد تعدى ما أمر الله به ~~من اتباع رسوله. # وقد نهى عن بيع الغرر، والثمرة قبل إبانها، والملامسة، وحبل الحبلة، وعن ~~المزابنة والمحاقلة، وبيع السنين، والمخابرة، وبيع الثمرة قبل أن تزهو؛ ~~فالواجب اتباع ما أمر وترك ما نهى عنه من هذه. # ونهى عن الغلول والخيانة؛ لنهي الله عن ذلك. وقد نهى رسول الله ^ عن ~~الاحتكار، وعن تلقي الأجلاب، وأن يبيع حاضر لبادي، وعن بيع ما ليس معك، ~~وربح ما لم تضمن، وعن الكالئ بالكالئ، وعن كل قرض جر منفعة. وقد قال الله: ~~{وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب}. # وقد نهى أن يبيع الرجل على بيعة أخيه، وأن يخطب على خطبة أخيه، فمن تعدى ~~لم يجز له ما فعل. # وقد أحل الله البيع وحرم الربا، وحث على حفظ الأموال ms810 بقوله: {وأشهدوا إذا ~~تبايعتم...}، و{إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه...} {ولم تجدوا ~~كاتبا فرهان مقبوضة}؛ فيجب ألا يستخف بأدب الله، وأن يمتثل أمره، وقد قال ~~أصحابنا: الكتاب والرهن إنه ليس بواجب؛ لقوله تعالى: {فإن أمن بعضكم بعضا ~~فليؤد الذي اؤتمن أمانته}، وقال: /753/ {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم}، وقال: ~~{ولا تبذر تبذيرا} يقول: لا تبذر مالك في غير حق، {إن المبذرين كانوا إخوان ~~الشياطين}، فحث في هذا على الأموال والحفظ لها. PageV04P091 # وأمر بالصدقة بقوله: {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له ~~أضعافا}، وقال: {إن تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم}، وقال ~~النبي ^: «تصدقوا ولو بشق تمرة تكنوا بها وجوهكم عن النار»، قال الله: ~~{ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا}، {وما تفعلوا من خير يعلمه ~~الله}، {وما تنفقوا من خير يوف إليكم وأنتم لا تظلمون}، وقال: «ما نقص مال ~~من صدقة». # فرغب في الصدقات لطلب الثواب والنجاة عند إخراج الزكاة، وقال: {ولكن البر ~~من آمن بالله واليوم الآخر والملآئكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ~~ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسآئلين وفي الرقاب وأقام ~~الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء ~~والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون}، ثم قال: {وجنة ~~عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين * الذين ينفقون في السراء والضراء ~~والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين}، فأوجب |الله| ~~محبته للمحسنين الذين ذكرهم في كتابه. PageV04P092 # وقد أمر الله بالعدل في القول بقوله: {وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا ~~قربى} ولو كان على قريب في الشهادة بالحق، وألا يضار كاتب ولا شهيد، وقال: ~~{وبعهد الله أوفوا}، فمن قال بغير العدل والحق في القول والشهادة ولم يوف ~~الله بما عاهد عليه لم يسلم، وقد بشر من أوفى بما عاهد عليه الله، قال: ~~{ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما}، وكل عهد أخذ الله على ~~عباده وميثاق واثقهم به الواجب عليهم القيام به والطاعة له في جميع ذلك، ~~ولهم على ms811 ذلك أجر عظيم كما قال |الله|. # وحذر في المخالفة فقال: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع ~~غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا}، وسبيل /754/ ~~المؤمنين الذي دعا إليه رسوله من الوفاء بالعمل بالطاعة، فمن عمل بالطاعة ~~فله الجنة كما قال الله: {ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار ومن يتول يعذبه عذابا أليما}، {ونصله جهنم} في مخالفة الطاعة. # وقد لعن رسول الله النائحة وقال: «صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: صوت ~~مرنة عند مصيبة، والهيض عند النعمة»، ونهى النساء أن يتبرجن تبرج الجاهلية، ~~و«لعن الواشمة والموشومة، والواصلة والمستوصلة»، والنابضة والمستنبضة، ووصل ~~الشعر بالشعر، كل فعل هذا معصية لله ولرسوله، ومخالفته فيه مشاققة له، كما ~~قال الله: {ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب}، فنعوذ بالله من ~~عمل يؤدي إلى النار. PageV04P093 # وقد نهى رسول الله ^ عن الشغار، والجمع بين المرأة وعمتها وخالتها، وعن ~~مواعدة العدة، وألا يخطب الرجل على خطبة أخيه، وكل من خالف نهي الله ورسوله ~~فقد شاققه، وقد قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ~~شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين}، وهذا واجب فيه القيام ~~بالقسط شهداء لله، ولو كان عليك لأحد حق أن تقر به، وما عليك من واجب أن ~~تقوم به، فعلى العبد القيام بالحق كله حيث بلغ طوله، وألا يرى مقاما لله ~~فيه قيام بالقسط يقدر عليه إلا قام به ولو على الوالدين والأقربين في أمر ~~الشهادة وأحكام الدين. # ثم قال: {فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا} فأوجب عليهم العدل في كل شيء، ~~ونهاهم عن اتباع الهوى في ترك العدل، ثم قال: {وإن تلووا أو تعرضوا فإن ~~الله كان بما تعملون خبيرا}، وقال: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا ~~بالعدل}. # وقال لداوود: {فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى}، وقال لنبيه ^: ~~{فاحكم بينهم بما أنزل الله}، فأوجب على الأنبياء وأتباعهم الحكم بالحق، ~~وقال النبي ^ «البينة على المدعي واليمين على من أنكر»، أو ms812 قال: «إن المدعي ~~عليه اليمين»، فمن خالف وحكم بغير الحق أو بغير ما أمر الرسول وقد قال الله ~~لهم: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} /755/ فمن خالف فقد عصى الله ~~ورسوله وشاق الله، {ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب}. # { PageV04P094 وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا ~~تكتمونه}، فالتبيين على كل من كان تحت هذا الاسم أن يبين للناس الحق إذا ~~سئل عنه واحتيج إليه من ذلك، وليس يجوز له كتمانه، ومن لم يبين ذلك دخل تحت ~~الآية كلها إلى تمامها، قال: {فبئس ما يشترون}. # وقد قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم} ~~فهذه الآية تحجر الدخول بغير أمر أرباب البيوت، ثم قال: {حتى تستأنسوا ~~وتسلموا على أهلها}، فأمرهم بالاستئناس والاستئذان، {فإن لم تجدوا فيها ~~أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم}. # وقد قيل: «إن رسول الله ^ كان إذا أراد أن يدخل بيتا من دور المسلمين ~~يستأذن ثلاث مرات، فإن أذن له دخل، وإن لم يؤذن له رجع مكانه»؛ فمن خالف ما ~~قال الله وفعل رسوله ^ وأمر به من الاستئذان عاقبه الله؛ لأنه اتبع غير ~~سبيل المؤمنين. # وقد قال الله: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها}، فأوجب الرد ~~في ذلك على من يسلم على المؤمنين أن يردوا عليه مثل تحيته أو أحسن منها، ~~فإن لم يفعل فقد أخطأ إلا ما يكره أن يسلم على مصل أو في ||حال|| حاجة ~~الإنسان، فإن ذلك ومثله لا يسلم عليه. وإذا كان في السنة الكراهية أن يسلم ~~عليه لم يلزم الرد في ذلك، وقد قال المسلمون: يرد إذا قضى حاجته، وفرغ من ~~صلاته، ولو مضى من يسلم. # وأدب المسلمين أن يسلم عليهم أقرباؤهم وأولادهم وبلغ الأطفال منهم، وفي ~~العورات الثلاث لا يدخل عليهم مملوكهم ولا الصغار من أولادهم إلا بإذن، بعد ~~الثلاث يدخل العبد والصبي بغير إذن. PageV04P095 # وأما القرابات والبالغون فلا يجوز لهم الدخول عليهم في أي وقت دخلوا بغير ~~إذن. فأما الصغار ms813 فيوشك أن الناس اليوم قد تركوا ذلك، وهو خطأ ينبغي الأدب ~~فيه كما أدب الله. # وقد أمرهم إذا دخلوا بيوتا أن يسلموا على أنفسهم، وفي بعض القول: في ~~المساجد، وأن يسلموا على إخوانهم /756/المسلمين، فأمر بالتسليم وجعلهم ~~كأنفسهم وهذا واجب. وقد قيل: يسلمون على أنفسهم إذا دخلوا بيوتهم. # وقد رخص لهم في الدخول في بيوت غير مسكونة فيها متاع لهم. قيل: متاع من ~~البرد والحر، وهي: المساجد والخانات على الطرق التي لا ساكن لها، ولم يترك ~~الله عباده في عمى من دينهم، ولا لبس في أمرهم وبين لهم ما يتقون. # وقد رغبهم النبي وأدبهم في التسليم، وأنه يسلم القليل على الكثير، ~~والصغير على الكبير، والراكب على الماشي -ومن بدأ بالسلام من الماشين كان ~~أفضل- والماشي على القاعد، وهذا تأديب مرغب فيه وفيه الفضيلة. # وقد روي أن النبي ^ قال: «من لم يسلم فلا تأذنوا له»، ومن دخل ولم يسلم ~~فقد عصى ربه. # وقال الله: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا}، فينبغي للعبد ~~أن يؤدب أهله وأولاده وأن يعلمهم، وإن قدر أن لا يكون في بيته شيء يسخط ~~الله فليفعل، فإن الله يسأل العبد عن أهله وعن جيرانه، قال الله: {فوربك ~~لنسألنهم أجمعين * عما كانوا يعملون}. PageV04P096 # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «الرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عنهم، ~~والراعي مسؤول عن رعيته، وأمير القوم راع وهو مسؤول عنهم، والرجل راع على ~~أهله وهو مسؤول عنهم، وامرأة الرجل راعية على بيت زوجها وهي مسؤولة عنه، ~~وعبد الرجل راع على مال سيده وهو مسؤول عنه، وكلكم راع ومسؤول عن رعيته»، ~~وهل يسأل العبد إلا عما أوجب عليه من القيام به واتباع الحق فيه؛ لأنه قد ~~قال: {فوربك لنسألنهم أجمعين * عما كانوا يعملون}. # وقد روي في الحديث: «أنه ينبغي للعاقل أن يكون عارفا لزمانه، حافظا ~~للسانه، مقبلا على شأنه، وأن لا يظعن إلا في ثلاث: تزود لمعاده، ومرمة ~~لمعاشه، أو لذة في غير محرم». # ولا يبرز في غير معنى، ألا ترى أن ms814 بعض المسلمين قال: إن ذلك كان معصية ~~إذا برز لغير حاجة. # وفي الأدب قال: إياك واللجاجة، والمشي في غير حاجة؛ فيدل على ما قلنا؛ ~~فأما غير الحاجة فإنما ذلك في الخطإ إذا لج في غير طاعة كان معصية. /757/ ~~ألا ترى إلى قول عمر بن الخطاب ~: "إن المؤمن قوام على نفسه لله، فإنما خف ~~الحساب على قوم حاسبوا أنفسهم في الدنيا، وإنما شق الحساب على قوم أخذوا ~~هذا الأمر من غير محاسبة". # وقيل: إن المؤمنين قوم أوثقهم الله القرآن فحال بينهم وبين شهواتهم، إن ~~المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته لا يأمن شيئا حتى يلقى الله، ~~يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وبصره وفي لسانه وفي جوارحه. # وقد قيل: إن ذكر الموت حياة القلب، وترك التفكر، وترك ذكر الموت يقسي ~~القلب. ألا ترى قول الربيع قال: "ما فارق ذكر الموت قلبي ساعة إلا أفسد علي ~~قلبي، فأكثر ذكر الموت". PageV04P097 # ومن أفضل العمل: الورع عن المحارم، والتفكر إذا كان موافقا للسنة. # وقد قيل: ما عبد الله بمثل طول الحزن والتفكر على قدر البصيرة. قال الله ~~تعالى: {ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك ~~فقنا عذاب النار}. # وقد قيل: التقية جنة المؤمن، فلا دين لمن لا تقية له. # وقد روي: «إنكم لا تمادحون، واحثوا في وجوه المادحين التراب». # عن النبي #: «إياك والرياء، وحب المدحة والسمعة في شيء من عمل الله». قال ~~الله: {فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا}. # وقد روي أنه قال: « أنا خير شريك فمن أشرك بي في شيء من عمله أحدا من ~~خلقي تركت العمل [له] كله». إن الله غني عن عمل عباده، فإنما يعملون طاعة ~~له لينفعهم ويجزيهم على طاعتهم، فمن أطاعه أثابه ومن عصاه عاقبه، والله لا ~~يحب كل مختال فخور، ولا خير في شيء فيه فخر ولا رياء ولا خيلاء. # وقد قيل: إن العفو لا يزيد العبد إلا عزا، والتواضع لا يزداد العبد به ~~إلا ms815 رفعة، والصدقة لا تزيد المال إلا كثرة؛ فاعفوا يعزكم الله، وتواضعوا ~~يرفعكم الله، وتصدقوا يرحمكم وتثرى أموالكم. # وقال النبي ^: «صوتان ملعونان في الدنيا والآخرة: صوت مزمار عند نعمة، ~~وصوت مرنة عند مصيبة»، فلا تكون لعنة الله إلا على أهل معصيته، قال الله ~~تعالى: {ومن يعص الله ورسوله [ويتعد حدوده] يدخله نارا خالدا فيها}، وقال: ~~{ألا لعنة الله على الظالمين}، /758/ ولم يلعن الله مؤمنا، وقد لعن ~~الكافرين. PageV04P098 # ألا ترى أن الله تعالى أمر بغض البصر، وفيه عبرة لمن اعتبر، وتوعد عليه ~~ولم يرخص فيه، ولا رخص رسول الله ^ في ذلك. # وكذلك معصية آدم أن الله لم يخلق خلقا أكرم عليه من آدم، فلما أكل من ~~الشجرة المنهي عنها بدت له عورته، وأخرجه الله من الجنة التي ||كان|| أكرمه ~~بها، ولم ينفعه عند المعصية ما كان تقدم من عبادته، فلولا أنه تاب واعترف ~~لعاقبه؛ فلما تاب تاب الله عليه. # وإبليس اللعين لما أمره الله أن يسجد لآدم فامتنع وأصر لعنه ||الله|| ~~وجعله شيطانا مريدا من الجن، ولعنه على الإصرار، ولم ينتفع بما كان من ~~عبادته على إصراره، وهما الأصل، هذا إمام التائبين، والآخر إمام المصرين، ~~وإمام من اتبعه وأطاعه وعمل بمعصية الله، والله تعالى لم يجعل له سلطانا ~~على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون، وفيهما كفاية، ولو ذكرنا جميع من أخطأ ~~ومن ذكر الله في كتابه خطيئته لطال به الكتاب. PageV04P099 # قال الله: {وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة}، قال الله تكذيبا ~~لقولهم: {قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ~~ما لا تعلمون * بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم ~~فيها خالدون}، ومعنى الإحاطة:إذا مات على الخطيئته غير تائب، وقد قال لهذه ~~الأمة: {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له ~~من دون الله وليا ولا نصيرا}، وهذا كله إنما أساؤوا سيئة واحدة لمن أصر لا ~~للتائبين؛ لأن التائب قد خرج بتوبته، قال الله: {وإني لغفار ms816 لمن تاب} ~~الآية. وقال النبي ^: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له»، قال الله: {ثم ~~يتوبون من قريب}، قال: إن التوبة تمحو السيئة، والإصرار قد تثبت به ~~المجازاة؛ لأن عليه أن يتوب إلى الله من كل ذنب. # وقد ذكر الله المؤمنين، قال: {يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم ~~راجعون}، وإنهم {من الساعة مشفقون} /759/ يوم يجمع الله الأولين والآخرين ~~فيسألهم عن أعمالهم، قال الله: {وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى ~~بنا حاسبين} {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى}، وقال: {لا تظلم نفس شيئا} وقال: ~~{ومن أصدق من الله قيلا}، وقال: {ومن أصدق من الله حديثا}. PageV04P100 # فمن أتاكم بحديث يخالف القرآن فلا تصدقوه واتهموه على دينكم، قال الله: ~~{اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء}، وقال: {وأنزلنا ~~إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم} وقد بين الله. # ويدل على ما قلنا ما روي عن النبي ^ أنه قال: «يا أيها الناس، سعرت النار ~~وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، إني والله لا تعقلون علي بشيء، إني لم أحل ~~إلا ما أحل الله، ولم أحرم إلا ما حرم القرآن»، ثم دخل بيته وقال: «مروا ~~أبا بكر فليصل بالناس»، فهذا من آخر عهده. # ويقال: إن المؤمن إذا حضره الموت شهدته الملائكة فسلموا عليه ومشوا على ~~جنازته، والكافر يبسط عليه عند الموت العذاب فيضرب وجهه ودبره، وذلك أنه ~~يجحدهم عند الموت حين يناطقونه. # وقد أدب الله المؤمنين وأمرهم أن لا يسخر قوم من قوم، ولا نساء من نساء، ~~وأن لا تلمزوا أنفسكم، ولا تنابزوا بالألقاب، ولا يغتب بعضكم بعضا، ونهاهم ~~عن كثير من الظن {إن بعض الظن إثم، ولا تجسسوا} عن عورات المسلمين، ولا ~~تقذفوهم، والواجب اتباع ما أمر، وترك ما حذر. # وهذا من تكلم في المسلمين بما فيهم من الغيبة، ولو قال فيه ما ليس فيه ~~كان بهتانا، وقد نهى الله عن البهتان وعظمه. # وقد ذكر أن رجلا من أصحاب رسول الله ^ ذكر رجلا بما فيه، وذكر ms817 أنه قال: ~~"ما أعجزه"، فقال له النبي ^: «غزوت الروم؟ غزوت كذا؟» قال: لا. قال: «كل ~~أولئك سلموا منك ولم يسلم منك أخوك المسلم؟!»، وأنكر عليه. # واستغاب رجل بحضرته الجد بن قيس وكان منافقا، فلم ينكر عليه. قال ذلك مع ~~الاتفاق. فلا بأس بغيبة المنافق والفاسق، وقد لعن الله الكافرين ولم يلعن مؤمنا. PageV04P101 # وقد حرم الله البغي، وأمر بقتال الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله. # والإنكار على أهل المنكرات أجمع، قال الله: {الآمرون بالمعروف والناهون ~~عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين}، /760/ وقال لقمان لابنه: ~~{يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ~~ذلك من عزم الأمور}، وقال: {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف ~~وتنهون عن المنكر}، فجعلهم الله خير أمة، ولم يكونوا خير أمة إلا بالأفضل ~~من العمل. # وقد ذم من ترك الإنكار، فقال: {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما ~~كانوا يفعلون}، فذمهم في ترك الإنكار. # وأوجب العذاب والتخليد في النار لمن تولى الذين كفروا بقوله: {ترى كثيرا ~~منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي ~~العذاب هم خالدون}، وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «ما ترك قوم الأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر إلا أعمهم الله بعقاب»، ولا يعاقب إلا أهل ~~معصيته، قال الله: {وهل نجازي إلا الكفور}، فلا يعذر في ترك الإنكار ولا في ~~ارتكاب المنكر كائنا ما كان. PageV04P102 # ولا تجوز ولاية عامل الكفر والمناكر، والواجب مفارقة الكافر، وقد قال ~~الله: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم}، والواجب ولاية المؤمنين بقوله: {ومن ~~يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون}، فالواجب على ~~العبد أن يبدأ بنفسه، وأن يأمر بالمعروف، ويعمل به ويتولى أهله عليه، كذلك ~~المنكر يتجنبه، وينهى عنه ويفارق أهله عليه، قال الله تعالى: {وتعاونوا على ~~البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان}؛ فأوجب التعاون على الطاعة ~~ونهى عن التعاون على المعصية، فأوجب اتباع أمره وترك نهيه؛ ولئلا يكون ~~العبد كالسراج ms818 يضيء للناس ويحرق نفسه، فيأمر ولا يأتمر، وينهى ولا يزدجر؛ ~~أولئك هم وقود النار. # ومما أمر الله به الصلاة على رسوله، وأنزله في كتابه فقال: {إن الله ~~وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما}؛ ~~فقال قوم: إنه فرض عند كل صلاة، ولم أجده من قول أصحابنا. # وقال بعض أصحابنا: إنما فرض ذلك مرة واحدة مع إقراره، ثم بعد ذلك ما صلى ~~كان تطوعا، وكلما صلى عليه كان أفضل. وقد قيل: إنه سئل كيف نصلي عليك؟ ~~فقال: «قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل ~~إبراهيم، إنك حميد مجيد، /761/ وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ~~إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد». PageV04P103 # أبو بكر الصديق عن النبي ^ قال: «جاءه جبرائيل # فقال: يا محمد، من أدرك ~~شهر رمضان فلم يغفر له دخل النار فأبعده الله، فقال النبي ^: آمين. ومن ~~أدرك والديه أو أحدهما فدخل النار فأبعده الله؛ قال النبي ^: آمين. ومن ذكر ~~عنده اسمك فلم يصل عليك فدخل النار فأبعده الله، قال النبي ^: آمين». وعن ~~النبي ^ أنه قال: «حسب العبد البخل إذا ذكرت عنده فلم يصل علي»، صلى الله ~~على رسوله محمد وسلم. # وكذلك الوالدان ورمضان، يجب عليه بر والديه، والتخشع في صومه، والتواضع ~~لله بطاعته, وليصم سمعه وجوارحه كلها عن الخطايا. # وإن لم يعرف فضل والديه وبرهما لم يسلم؛ إن الله أمر بالوالدين وأوصى ~~بهما، فقال: {ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا}، فمن أحسن إلى والديه ~~نجا، ومن لم يحسن إلى والديه خالف كتاب الله الذي هو حجة عليه، ولم يتبع ما ~~أمره الله، وترك ما افترض الله عليه من بر والديه. # وقد أمر الله أن يذكره ويكثر ذكره، فقال: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا ~~الله ذكرا كثيرا * وسبحوه بكرة وأصيلا}، فأمر بتسبيحه وذكره بالبكرة ~~والأصيل، وذلك في الصلوات وغير ذلك صلوا له بكرة وأصيلا، وقال عقب ذلك: {هو ~~الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور}، ms819 هو الذي يغفر لكم ~~وتستغفر لكم ملائكته؛ ليخرجكم من الكفر إلى الإيمان {وكان بالمؤمنين رحيما ~~* تحيتهم يوم يلقونه سلام} في الجنة. PageV04P104 # وقال: {والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا}، وقيل: إن ~~الباقيات هن: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، هن ~~الباقيات الصالحات، وهن يعدلن الذهب والفضة، وعتق الرقاب، وإنفاق الجياد؛ ~~لأن الله جعلهن خيرا ثوابا وخيرا مردا في الآخرة. # والتسبيح والتهليل والتحميد والتكبير من ذكر الله، وقراءة القرآن من ذكر ~~الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من ذكر الله، وتعليم الحلال ~~والحرام من ذكر الله. # قال: /762/ {واستعينوا بالصبر والصلاة}، فاستعينوا بالصبر على الفرائض ~~للصلاة، وقال: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر}، ويقول: إذا كنت في ~~الصلاة فأنت منته عن ذلك، وقال: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ~~ذكر الله}، قيل: الخطبة، وقال قوم: هو العمل، كما قال الله: {وأن سعيه سوف ~~يرى}، وقال قوم: {فاسعوا} فامضوا إلى الصلاة. # فيجب على العبد أن يصبر نفسه عن المعصية ويذكر ذنوبه، وأفضل الصبر أن ~~تصبر عما حرم الله عليك. # وعن معاذ بن جبل أنه قال: "لأن أسبح الله، وأهلل وأحمد الله، وأقرأ ~~القرآن، وأعلم الحلال والحرام، وآمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، لأحب إلي من ~~أن أحمل بعددهن على أفراس في سبيل الله بغير علم وبغير ذكر". # وقد روي أن النبي ^ قال: «تعلموا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها ~~حسرة لمن لم يعمل بما فيها، وسورة آل عمران فإنهما تجيئان يوم القيامة ~~تحاجان عن صاحبهما المؤمن». # وعن النبي ^ أنه قال: «أعظم ما في القرآن: قل هو الله أحد، وآية الكرسي». # وقال: {وادعوه خوفا وطمعا} طمعا لثوابه وخوفا من عقابه. PageV04P105 # وقال: «إن أحسن الرجاء عند الله رجل يبكي من خشية الله لم يطلع عليه أحد ~~إلا الله». # وقيل عن النبي ^ أنه قال: «سبعة في ظل العرش يوم القيامة ضاحكة مستبشرة: ~~مؤمن ذو سلطان مقسط، ورجل تصدق بيمينه وأخفى عن شماله، ورجل دعته امرأة ذات ~~جمال فذكر مقامه بين ms820 يدي ربه، -ونهى النفس عن الهوى، قال الله: {وأما من ~~خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى * فإن الجنة هي المأوى}-، ورجل نشأ في ~~عبادة الله لم يكفر ساعة ولم يصر على ذنب في معصية الله، ورجل كان قلبه في ~~المساجد يحب الله في جماعة ذكر الله مع المؤمنين، ورجل فاضت عيناه من خشية ~~الله بعد التوبة، ورجل مؤمن لقي رجلا مؤمنا فهما يذكران الله ويحب بعضهما ~~بعضا في الله فتصادقا على ذلك وهما صادقان في حب الله». # ويروى عن أبي بكر الصديق: "إن من أفضل الذكر التوبة والندامة، فمن استطاع ~~منكم فليبك قبل التوبة وبعد التوبة فليبك على نفسه فإن أهل النار يبكون ~~/763/ كثيرا ولا ينفعهم ذلك جزاء بما كانوا يكسبون". # عن ابن مسعود قال: "ما حدث رجل نفسه ساعة من الليل يقومها إلا انتبه ~~بمغفرة، فقال: قم فاذكر ربك فصل ما قدر لك، فيقول الشيطان: نم فإن عليك ~~ليلا، هل تسمع صوتا أو ترى أحدا؟ قال: فيقول الملك: فاتح خير، ويقول ~~الشيطان: فاتح شر، فإن قام وصلى أصاب خيرا، وإن نام فرح به الشيطان. فإذا ~~أصبح نادى الشيطان بالفرح". PageV04P106 # وعن النبي ^ أنه قال: «أفضل التطوع قيام الليل»، ويخفف الله على العبد ~~يوم القيامة، فأكثر من الصلاة فإنك تسلم من الخطايا ما دمت في الصلاة، ~~وإنما المصلي كالقائم على باب الجنة يستفتح ويسأل الدخول، وكل الأعمال لها ~~تبع، فاخشع فيها ولا تلتفت، وكل الأعمال لها تبع. # فإذا فرغت من صلاتك فانصب في الدعاء واذكر الله كثيرا، قال الله: {فإذا ~~فرغت فانصب * وإلى ربك فارغب} في الدعاء إلى الله، وقوله: {واذكر ربك في ~~نفسك تضرعا وخيفة}، قيل: مستكينا في خفض وسكون في الصلاة، واسألوا الله في ~~حاجاتكم، قال الله: {ولا تعتدوا} ولا تدعو على مؤمن فإن ذلك عدوان. وقيل: ~~ما من مؤمن دعا الله بخير إلا استجاب له. # ومن مفاتيح الدعاء قال الله: {ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن ~~عبادتي سيدخلون جهنم داخرين}، قال الله: {فاستجبنا له ونجيناه من ms821 الغم}، ~~فاشكر نعمة الله عليك، فإنه يثيب على الشكر أحسن الثواب، وقال: {وسيجزي ~~الله الشاكرين}. وقال: {فاذكروني أذكركم} وقال الله: {واشكروا لي ولا ~~تكفرون}، وقال: {لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد}. والعبد ~~إما شاكرا وإما كفورا، لا يخرج من أحد هذين المعنيين، يصدق ذلك قول الله في ~~هذه الآية. # وأفضل الشكر أن تجتنب ما حرم الله عليك معصية من أنعم عليك؛ لأن حقيقة ~~الشكر أن تجتنب سخط من أنعم عليك، وإن كان الشكر باللسان أن يقول: "الحمد ~~لله على ما أنعم علينا" فحسن؛ لأن الشكر هو الاعتراف بحق المنعم والعمل بما أمر. PageV04P107 # وأما قوله تعالى: {ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد ~~العقاب}، فإن الاجتراء على /764/ معصية الله والإصرار عليها يكون إنكارا ~~لنعمته، ولو قال بلسانه: الحمد لله، وهو كافر لنعمة الله، قال الله: ~~{وسيجزي الله الشاكرين}، فهو من اجتنب الخطايا وعمل بالطاعة، فهو الشكر ~~الذي يجزي الله به أهله، والمطيع شاكر، والعاصي كافر لنعمة الله معاقب. # وقد قيل: الصالحون رجلان أحدهما أفضل من الآخر: الذي امتحن الله قلبه حتى ~~أبغض ما نهى الله عنه ثم اجتنبه أفضل ممن يحبه ثم يتركه؛ لأن حب الخطيئة ~~خالط قلبه، وحب الخطيئة مرض في القلب. والآخر لم يخالط له قلبا ولا عملا. # وكلاهما محسن، ولكن التفاضل، وهما في الأعمال الصالحة. # وكذلك رجلان: رجل يعمل الخير، وهو ألذ عنده وأشهى إليه مما سواه، ورجل ~~يعمل الخير ويصير عليه نفسه وغيره ألذ عنده وأشهى إليه. PageV04P108 # وكلاهما محسن، ولكن التفاضل من امتحن الله قلبه فيحب طاعته وذكر الله ~~كثيرا، واستكثر من الدعاء، وعمل أفضل من الآخر الذي إنما يكره نفسه عليها ~~إكراها، ولو كان لك خادمان لكان أحبهما إليك الذي يحب طاعتك، والذي يحب غير ~~عملك إنما ذلك من شر في صدره، وقد وصف الله المؤمنين فقال: {رحماء بينهم ~~تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر ~~السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل}، ms822 قال الله: { يا أيها ~~الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة} يعني: في ~~الأدب الصالح، والمسارعة في الخير. قال الله: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم} ~~سارعوا بالأعمال الصالحة إلى مغفرة من ربكم {وجنة عرضها السماوات والأرض ~~أعدت للمتقين} الذين يتقون الكفر والمعصية، ثم نعتهم فقال: {الذين ينفقون ~~في السراء والضراء} في الرخاء والشدة، {والكاظمين الغيظ} هو الرجل يعفو ~~ويكظم الغيظ ما لو فعله لوقع في معصية، {والعافين عن الناس} يعفو عمن ظلمه، ~~{والله يحب المحسنين}، فمن فعل ذلك فهو من المحسنين. # قال: {ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور} صبر على أمر الله وعفا عمن ~~ظلمه، /765/، وروي عن النبي ^ أنه قال: «هؤلاء في أمتي قليل، وكانوا كثيرا ~~في الأمم الخالية»، وعنه قال: «الإياس عما في أيدي الناس غنى حاضر، والطلب ~~مما في أيدي الناس يوشك أن يكون فقرا فاقرا»، وقد قال: «إياك وكل كلام ~~تعتذر منه، وإذا صليت فصل صلاة مودع». PageV04P109 # وفي بعض الكتب يرفع إلى عيسى بن مريم: "لا يطيق عبد أن يكون له ربان، ~~كذلك لا يطيق أن يكون خادما للدنيا ويعمل عمل الآخرة. واعتبروا فإن الله ~~قدر الخلق والرزق، فلا يستطيع عبد أن يزيد في رزقه درهما حتى يزيد في ~~أركانه. عليكم ما كلفتم به من العمل -أو قال: وكلتم به من العمل- ، ودعوا ~~ما كفيتم من الرزق". # وعن النبي ^: «آيسوا أنفسكم من طلب ما في أيدي الناس، وكونوا أغنياء، فمن ~~استغنى أغناه الله، ومن استعف أعفه الله»، وقال أيضا: «قد أفلح من اهتدى ~~للإسلام، وكان رزقه كفافا، وقنع برزقه». وقد قال الله: {ولو بسط الله الرزق ~~لعباده لبغوا في الأرض ولكن ينزل بقدر ما يشاء إنه بعباده خبير بصير}، وعن ~~النبي ^ قال: «من سره أن يكون معي في الجنة فليكثر من الذكر مع قراءة ~~القرآن، ويعمل بما في القرآن وسنة نبيه ^». # قيل في رجلين: أحدهما طلب الدنيا بحلالها فوصل منها رحمه وقدم منها ~~لنفسه، وجانب الآخر الدنيا. قيل: قال الربيع: أحبهما إلي الذي جانب ms823 الدنيا ~~فأعاد عليها مثلها. # وفي بعض الحديث: أن رجلا قال: "يا رسول الله، كيف أعلم كيف أنا؟" قال: ~~«إذا رأيت كلما طلبت شيئا من أمر الآخرة وابتغيته يسر عليك فأنت على حالة ~~حسنة، وإن رأيت أنك كلما طلبت شيئا من أمر الآخرة عسر عليك؛ فإذا أردت شيئا ~~من أمر الدنيا تيسر لك فإنك على حالة قبيحة؛ فخف على نفسك، وادع إلى الله ~~وارغب إليه». PageV04P110 # وروي عن النبي ^ قال على المنبر يخطب الناس: «إني بين أيديكم، فرضي عليكم ~~فرض، وأنا عليكم شهيد، وإني مودعكم وأوعدكم وأنا في مقامي هذا، وليس أخشى ~~عليكم أن تشركوا، ولكن أخشى عليكم الدنيا فتنافسوا فيها». وقد روي عن النبي ~~^ أنه قال: «من أقام هذا المقام ولم يعرض» /766/ يعني: الحج. وقال: «الصلاة ~~خير موضوع، فمن شاء فليقلل، ومن شاء فليكثر». # [صفات المؤمنين] # وقد صف الله المؤمنين فقال: {قد أفلح المؤمنون * الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون * والذين هم عن اللغو معرضون}، يعني: الباطل، {والذين هم للزكاة ~~فاعلون} كقوله: {قد أفلح من تزكى}، {والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك ~~هم العادون} المعتدون في دينهم، {والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون}، يؤدون ~~الأمانة ويوفون بالعهد، {والذين هم على صلواتهم يحافظون * أولئك هم ~~الوارثون * الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون *}، الفردوس: الجنة، نظيرها ~~في: {سأل سائل} من أول الخطاب إلى قوله: {في جنات مكرمون}، وقال: {والذين ~~هم بشهاداتهم قائمون} لا يكتمون الشهادة، كقوله: {ولا تكتموا الشهادة ومن ~~يكتمها فإنه آثم قلبه}. # ثم نعتهم فقال: {كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون ~~* وفي أموالهم حق للسائل والمحروم}، ويتصدقون عليهم. PageV04P111 # وقد قال: {وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون ~~قالوا سلاما}، ردوا عليهم معروفا بالحق من أنفسهم، {والذين يبيتون لربهم ~~سجدا وقياما} تمام الآية، ثم قال: {أولئك يجزون الغرفة بما صبروا} وهي ~~الجنة، نظيرها في القرآن كثير، كقوله: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم ~~وأموالهم بأن ms824 لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون} مدحهم ~~بالجهاد في سبيل الله وأوجب لهم الجنة التي قال: {عرضها السماوات والأرض ~~أعدت للمتقين} الآية، ليس بينهما منزلة. قال: {تلك عقبى الذين اتقوا وعقبى ~~الكافرين النار}. # 139- باب: # مسألة: في المرتد عن الإسلام # - وسأل عن المرتد عن الإسلام، ما حكمه؟ # قال: من ارتد عن الإسلام بعد الإقرار به يقتل إن لم يتب ويرجع إلى ~~الإسلام، وإنما يقتل بأمر الإمام أو من يوليه ذلك والقوام؛ للرواية عن ~~النبي ^ أنه قال: «من بدل دينه فاقتلوه»، معنى ذلك: من رجع عن الإسلام إلى ~~الشرك فاقتلوه. وقد روي: "أن رجلا رأى رجلا ارتد /767/ في اليمن، فاستتابه ~~أبو موسى فلم يتب، وقدم معاذ فأخبره فقتله". # وإذا قتل المرتد فماله لأهل دينه من أهل حرب المسلمين. # وإن كان له في أرض الإسلام ولد؟ فقد قيل: ماله لولده من أرض الإسلام. # وما كان له من مال في أرض الشرك فذلك لولده من ولد في أرض الشرك، والله أعلم. # ولم تجئ السنة في المرتد إلا بقتله، وسكت عن الحكم في ماله، وقولنا فيه ~~قول المسلمين، ولا نرى أنه يغنم وقد قيل بذلك. # وأما زوجته فعدتها عدة المطلقة؛ لأنه حين ارتد حرمت عليه. PageV04P112 # وأما إن رجع المرتد وتاب، فماله له مردود، وترد إليه زوجته إن لم تتزوج ~~بعد العدة وهو مرتد. # وقد قيل: «إن النبي ^ استتاب نبهان أربع مرات وكان [نبهان] ارتد». # وقد قيل: إن عثمان كتب إلى عامله في رجل تنصر: "استتبه ثلاثا؛ فإن أبى ~~التوبة فاقتله". # وقيل: في الرجل الذي تهود في اليمن، فاستتابه أبو موسى فلم يتب، وقدم ~~معاذ إلى أبي موسى، فقال: لا، والله لا أجلس حتى أقتله، قضى الله ورسوله بقتله. # فمن ارتد عن الإسلام ودخل في الشرك والإنكار من الزنادقة وغيرهم استتيب ~~فإن أبى التوبة قتل. # وأما المرأة فقد اختلف فيها: قال قوم: تستتاب. وقال قوم: تقتل. # فأما العبيد فإنهم مال ليس هم مثل الأحرار؛ من ارتد منهم شد عليه، فإن ~~رجع إلى الإسلام قبل ms825 منه، وإن أبى الرجعة فإن شاء استخدمه، وإن شاء باعه في ~~الأعراب، وينبغي أن لا يحبس مثل هذا في ملكه. # ومن شتم النبي ^ من مسلم أو ذمي؛ فقد قيل: إنه يقتل. # ومن دان بترك الصلاة ممن أقر بالجملة؛ فقد قيل: يقتل. # وقد اختلفوا في تارك الصلاة وهو مقر بها؛ قال قوم: يعاقب بالحبس ويضرب ~~ويشد عليه. وقال قوم: يضرب ويقال له: صل؛ فإما يصلي أو يموت تحت الضرب. # وأما شهر رمضان فمن أنكره قبل وقته فلا قتل عليه حتى يحضر؛ فإن حضر ثم ~~أنكره فلم يصمه ولم يصم منه شيئا؛ قيل: إنه يقتل. # وأما الحج فمن أنكره؛ فوقته قيل: ليس كوقت الصلاة، وقد رأوا له السعة، ~~وأقول: من دان بإنكار الحج أشرك بعد قيام /768/ الحجة، وكان ينبغي أن يقتل. ~~وإن لم يحج وهو مقر فلا يقتل؛ فذلك هو الموسع له، وفيه اختلاف. PageV04P113 # ومن دان بترك الزكاة عند وقتها، فإنه يقاتل على ذلك، فإن امتنع وحارب ~~قتل. ألا ترى أن أبا بكر قاتل من منع الزكاة حتى أعطوا ما منعوا، وحارب من ~~ارتد عن الإسلام حتى رجع إلى الإسلام، ولو لم يرجعوا لقتلهم، وقد قتل من ~~حارب ولم يرجع إلى الإسلام. # ومن دان باستحلال الميتة؛ فقد أشرك، ويقتل إذا لم يكن مضطرا. # ومن أنكر القرآن أو شيئا منه؛ فقد أشرك ويقتل. # والختان من تركه بلا عذر وهو رجل بالغ من أهل القبلة؛ فإنه يقتل عند ~~الجميع بعد إقامة الحجة عليه. # ومن تداعى بدعوى الجاهلية عند الثائرة: يال فلان ويال فلان وبالعشائر ~~والقبائل؛ قالوا: يقتل. وقد قيل: قالوا إن رجلا ضرب رجلا بعصا، فصاح ~~المضروب: يا بني فلان، فضربه الرجل بالسيف فقتله، فطلب أولياؤه بدمه؛ فقال ~~بعض: إن أراد أولياؤه ||أن يأخذوه|| بالضرب فلهم ذلك، وأهدر دمه من بعد. # فأما قوله: يا أهل قرية كذا وكذا؛ فلا يحل ذلك دمه. والأول فيه نظر. # ألا ترى من تداعى بالعشائر والقبائل فاضربوا أنفه بالسيف حتى تكون الدعوة ~~خالصة لله. # ألا ترى أن الحيين من ms826 الأنصار اللذين تداعوا يال فلا ن وقالوا: الظاهرة ~~الظاهرة، وبرزوا للقتال، أتاهم النبي ^ فقال: «بدعوى الجاهلية تدعون وأنا ~~بين أظهركم، وترجعون كفارا وقد هداكم الله للإسلام» أو قال: «بي»، فرجع ~~القوم وقد قال: «ترجعون كفارا» فسمى من قال بذلك كافرا إن لم يرجع ويتب عن ذلك. # فأما الباغي إذا رجع فلا شيء له؛ لأنه جرحه من بغى عليه. ألا ترى إلى قول ~~الله: {ثم بغي عليه لينصرنه الله}، فلو أن رجلا بغى على رجل فجرحه جرحا، ~~فجرحه المبغي عليه جرحا مثل جرحه فإن جرح الباغي هدر. وفي الأثر: إن للمبغي ~~عليه مثل جرحه، ويبطل جرح المتعدي، والله أعلم. PageV04P114 # فأما المحاربة في حال البغي فلا شيء على أحد الفريقين إذا تاب، وليس ~~للمبغي عليه أن يتعدى ويأخذ جرحا منه باعتداء، إلا في الوقت الذي فعل به ~~وقاتله عليه بلا حق، فأما /769/ بعد ذلك فإنه يطلب حقه إلى المسلمين على ~~وجه الحكم. # ومن قال إن النبي ^ من العجم أو ساحر أو شاعر استتيب من ذلك، فإن تاب ~~وإلا قتل. # وأقول: إن هذا إذا قاله عربي مسلم أو مشرك من العرب، فأما من صالح وأقر ~~بالجزية، وقد ترك على دينه وشركه فلم أر ذلك أن يقتل؛ لأنهم هم لا يقرون به. # وقد جاء الأثر: إن قال ذلك أحد من أهل الذمة يعاقب ولا يقتل، وأما إن ~~قال: إن النبي ^ ليس من قريش؛ فإنه لا يقتل إذا قال: إنه من العرب. # ومن وطئ ذات محرم منه ممن لا يحل له نكاحها أبدا؛ فإن حده في ذلك القتل. ~~وإن طاوعت هي قتلت. وقد قال بعض: غير ذلك. # فأما نحن فنقول: إن من وقع على أحد ممن حرم الله نكاحه في كتابه عليه ~~أبدا؛ فإنه يقتل. فأما ما وراء ذلك فعليه ما على الزاني من الحد، سواء إن ~~كان محصنا أو غير محصن فيما يلزمه فيه القتل. # ومن ارتد ثم أسلم من حينه فرجع يتوضأ، وإن غسل لعل بعضا يقول بذلك: إنه أحوط. # فأما إن لم ms827 يظهر الارتداد بلسانه ثم رجع من حينه؛ فقد قيل: لا ينتقض وضوؤه. # والمرتد إذا قتل إنسانا فقتل به فلا يلحق ماله شيء بعد قتله مثل الذمي. # فأما إن أحب ورثة المسلم أن يأخذوا من ماله فلهم ذلك، إذ هو يقتل على ~~الارتداد ولم يقتل بالقصاص؛ لأنه يقتص من مشرك، والمرتد يقتل بالارتداد. ~~والمرتد يؤخذ بما جنى في حال ارتداده ويؤخذ به. # فأما إن جرحه أحد وهو مرتد ثم أسلم؛ فلا قصاص له ولا دية وهو مرتد، ولا ~~حد على من قذفه. PageV04P115 # وإن جرحه وهو مسلم ثم ارتد ثم أسلم؛ فإن له الحق إن شاء اقتص وإن شاء ~~الدية، وفي ذلك اختلاف. وقيل: له دية مشرك، ويقتل حين ارتد، هذا في أهل ~~الديات ممن له دية من أهل الذمة. فأما العرب فلا. وأبطل بعض: إقراره ~~بالحقوق في حال ارتداده إذا رجع فأسلم ثم أنكر لم تلزمه تلك الحقوق في ~~إقراره في ارتداده. # وبعض قال: إن باع أو اشترى أو أعتق ثم أسلم جاز ذلك عليه، فأما إن مات في ~~ارتداده لم يجز عليه ذلك فيما ترك من مال في دار الإسلام. # وإذا أسلم المرتد فماله وزوجته يردان إليه، وقد جاء الحديث: /770/ «أن ~~زينب أسلمت قبل زوجها أبي العاص بن الربيع فردها إليه رسول الله ^ حين أسلم ~~على النكاح الأول ولم يحدث شيئا». # وقيل: لا يقتل المرتد دون الإمام، وقد رخص بعض إن قتله أحد لم يلزمه. # وإن قال المرتد: أنظروني حتى أنظر؛ فإنه ينظر رجاء توبته، كما فعل النبي ~~^ بصفوان بن أمية، طلب النظر شهرين؛ فقال رسول الله ^: «نعم، أربعة أشهر». ~~وقد قال في المشركين: {فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم ~~قوم لا يعلمون}. # والمرتد لا تؤكل ذبيحته إن ارتد إلى النصرانية واليهودية ولا يسبى ما في ~~دار الإسلام من ولده. # وإن ظاهر المرتد من امرأته وهو مسلم ثم ارتد، ثم رجع إلى الإسلام فإنه ~~يلزمه أن يكفر، ولا يقربها حتى يكفر كفارة الظهار ولو تزوجت غيره؛ ms828 لأن ~~الكفارة عليه. # وإن آلى من امرأته ثم ارتد قبل أربعة أشهر، وقعت الفرقة وانهدم الإيلاء، ~~كرجل آلى ثم طلق فانقضت عدة الطلاق قبل عدة الإيلاء، أو خالعها فإن الإيلاء ينهدم. PageV04P116 # وما أصاب المرتد في حال إسلامه قبل أن يرتد من حق أو حد أو بيع أو عتق أو ~~دين أو مال أو نفس، فإنه مأخوذ بجميع ذلك، ولا يهدر الشرك عنه شيئا من ذلك. ~~فأما ما أصاب من ذلك بعد ارتداده؛ فإنه لايؤخذ به. # فأما من ارتد وقاتل المسلمين وأهل الذمة، وأصاب شيئا من أموالهم ثم أسلم؛ ~~فعلى قول: إن ذلك مردود عليهم. # ومن قاتل مع المسلمين ثم ارتد فلا سهم له إلا أن يتوب قبل أن تقسم ~~الغنائم؛ فله سهمه. وفيه الاختلاف. # وفي ذمي لحق بأهل الشرك أرض الحرب، أنه يقسم ماله بين ورثته كما يقسم مال ~~المسلم إذا ارتد عن دينه ولحق بأهل الحرب. وإن رجع أخذ ماله. قال بعض: إن ~~مال المرتد له، ووقف عن الدخول فيه. قال قوم: إذا ارتد كان ماله لأهل دينه ~~من أهل الذمة. # والذي ارتد عن الإسلام في بلاد المسلمين وهو مقيم في داره وله بنون؛ ~~فميراثه لبنيه الصغار الذين لم يبلغوا الحلم. وإن كانوا محتلمين فإن ميراثه ~~لأهل ملته. و|في| هذا اختلاف كثير. # والذي قال به بعض: إن المرتد إذا مات أو قتل فماله لأهل دينه من أهل ملته ~~من أهل عهد المسلمين. /771/ وإن مات وخلف مالا في أرض الحرب ومالا في أرض ~~الإسلام؛ فماله من أهل الحرب لولده الذين في أرض الحرب، وماله في أرض ~~الإسلام لولده الصغار من أهل الإسلام، والله أعلم. # ومن كان له أربع نسوة ثم ارتد وتزوج بخامسة؛ فقد حرمن عليه، وانقطعت ~~عصمتهن، ولا سبيل له إليهن إذا انقضت العدة. # فإذا رجع؛ فقد قيل: إنه يخطبهن في الخطاب ويكن معه على الطلاق كله. ومن ~~ارتد ولحق بدار الحرب فسباه المسلمون؛ فإنه يقتل ولا يسترق؛ لأن الحكم عليه القتل. # 140- باب: # مسألة: في الحدود التي أوجبها ms829 الله على العباد في الدنيا # - وسأل عن الحدود التي تلزم في الدنيا؟ PageV04P117 # قيل له: قد أوجب الله الحدود على المقرين بها ممن أتى ما يوجب عليه حدا ~~في الدنيا، عقوبة من الله له ونكالا، وأن يرتدع العباد عن ذلك، كالقاتل ~~والزاني والسارق والقاذف، وشارب الخمر بالسنة لا اختلاف في ذلك. # وقد حرم الله الفواحش وأوجب فيها الحدود، فقال في كتابه في تحريم ذلك: ~~{قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن}، وهي: الزنا، فجعل الزنا ~~حراما كله، ما ظهر على العباد وما استتر عن العباد حرام كله، وذلك أن أهل ~~الجاهلية كانوا يستحلونه في السريرة، ويكرهون العلانية فحرم الله ذلك. # وحرم الإثم كله وهو الخمر، وحرم البغي، وحرم الشرك، وحرم القول عليه بغير ~~علم، وكل ذلك حرام. وقال في الحدود: {الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد ~~منهما مئة جلدة}، فأوجب الله على من أتى الفاحشة في الزنا والقول بالقذف ~~الحدود، وكذلك الإثم وهو الخمر فيه الحد بالسنة، وكان جملة ذلك حرام ~~الفواحش كلها والإثم؛ فأوجب في الزنا مائة جلدة، وقد قال الله: {واللاتي ~~يأتين الفاحشة من نسآئكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم}، فأوجب الحكم في ذلك ~~بأربعة شهداء، فإن زنت امرأة أو رجل وصح عليهم بينة أربعة شهداء عدول، ~~بأنهم عاينوا العورتين تختلفان، وأنه يجيء فيها ويذهب؛ أقيم عليه الحد حد ~~الزاني، وإن اعترف بالزنا أربع مرات أقيم عليه ما أوجب على نفسه بإقراره من ~~الحد. /772/ PageV04P118 وقد مضت السنة من رسول الله ^ «في حد البكر مائة ~~جلدة من الرجال والنساء»، «والرجم على من أحصن» ما روي عن النبي ^ أنه روي ~~عنه في بعض القول: إنه أقبل علينا رسول الله ^ ووجهه متغير ينفض عرقا وهو ~~يقول: «خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، من أحصن فالرجم، ومن لم يحصن فجلد ~~مائة جلدة». وفي بعض الحديث أنه قال: «جاء الله بالسبيل، البكر بالبكر جلد ~~مائة جلدة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة». # والله أعلم بالنفي مع الجلد، وبالجلد مع الرجم، ms830 لم نجد أصحابنا يقولون ~~بالنفي في الزنا، ولا جمعوا جلدا ورجما على زان في قولهم ولا فعلهم؛ فإنما ~~أوجبوا الجلد على الزاني البكر، كما قال الله تعالى: {الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله} لا ~~تأخذكم بهما رأفة رحمة في تعطيل الحد في دين الله، {إن كنتم تؤمنون بالله ~~واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين}، والطائفة قد تكون جماعة ~~وتكون واحدا، إلا أن في هذا لا تكون الطائفة واحدا، ولا بد أن يحضر غير ~~الحاكم؛ لأنه الاتفاق أن الشهود يكونون حضورا للحد والحاكم فيحكم بشهادتهم، ~~والذي يأمر الحاكم أن يجلدوا الزاني فأقل ذلك اثنان إلى ما أكثر. # وقد قيل: إن النبي ^ أمر عشرين رجلا أن يجلدوا الزاني، والله أعلم. # ولم يجلد النبي ^ ولم يرجم إلا بحضرة جماعة، أو يأمر جماعة في إقامة ذلك، ~~كما قال الله: {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين} فهذا في البكر كما قال الله. # وقال رسول الله ^ «فمن أحصن فالرجم»، هذا حديث عملوا به. PageV04P119 # ومن لم يحصن فجلد مائة، وبذلك عمل أصحابنا، وكذلك قد أمر رسول الله ^ ~~برجم المحصن، وأحضر عند ذلك جماعة من المسلمين، والرجم بالسنة بلا خلاف. # وقد قال الله: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها ~~إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين} قال: الزاني المحدود لا ينكح إلا ~~زانية محدودة، أو مشركة من أهل الكتاب، والزانية المحدودة من أهل الإسلام ~~لا تنكح إلا زانيا محدودا من أهل الإسلام؛ لأن المشرك لا يحل أن ينكح /773/ ~~المسلمة. # وقد وجدت أيضا عن أبي عبد الله قال: المشركة منسوخة، إنما ذلك إذا زنوا ~~في الإسلام، وأما إذا زنوا في الشرك قال: لا بأس. قال الله في الزناة: ~~{وحرم ذلك على المؤمنين}، فحرم الزنا ونكاح الزناة على المؤمنين. # ومن أقيم عليه حد الزنا حرمت عليه امرأته؛ لأن الله يحرم ذلك ولا يحل، ~~وقد أمر الله بإقامة الحدود على الزاني والقاذف والسارق والقاتل، وفي السنة ~~على ms831 شارب الخمر، وقد حدوا السكران وأوجبوا عليه كشارب الخمر، والتعزير ~~عندهم على من تعدى على ا لمسلمين، وفسقهم ورماهم بما لا يحل له، وسماهم ~~بالأسماء القبيحة؛ التعزير والنكال على ما يرى الإمام. # وأما أهل الذمة فليس بينهم وبين أهل القبلة حدود في القذف. وكذلك ~~المماليك، ولكن ينكل بهم في الأدب حتى ينتهوا. # وأما المحصن فعليه الرجم من ذكر أو أنثى من الأحرار المسلمين، إذا شهد ~~عليه أربعة شهود في الزنا، ويشهدون أنا رأينا فلانا ينكح فلانة، وإن قالوا: ~~فلانا زنى بفلانة لم يكن في ذلك حدود حتى يوقفهم الإمام على صفة الزنا، ~~ويسموه باسمه، وأنهم رأوه كالمرود في المكحلة، وأن الرجل صحيح ليس بمجنون، ~~حر ليس بمملوك، وإن لم يصح شيء من ذلك لم يعجل الإمام في إقامة الحدود. PageV04P120 # وإن كان محصنا رجم. والمرجوم تحفر له حفرة يدخل فيها إلا وجهه ورأسه ~~وعنقه ومنكبيه، وتدخل يداه مع جسده، ثم يبدأ الشهود فيرمونه، كل واحد منهم ~~بحجر، ثم يرمي الإمام، ثم يرمي المسلمون من بعد حتى يقتل ثم يقبر. # والذي يعترف فيبدأ يرمي الإمام ثم يرمي المسلمون من بعد حتى يقتل وذلك ~~إذا كان محصنا. # وقد قيل: يستقبل بالحجارة حتى يموت، وإنما يرميه الرجال دون النساء ~~والعبيد والصبيان أولئك لا يقربون إلى رميه. ولا يرمى بخشب ولا غير ذلك إلا ~~بالحجارة. والمرجومان لا يتوارثان. # والإحصان: أن يتزوج الرجل المسلم بالمرأة المسلمة فإنه تحصنه ويحصنها، ~~ولو مات أحدهما أو تفارقا. فإن أنكر الزوج الجواز فهو غير محصن، ولو أغلق ~~بابا أو أرخى سترا فلا يقام عليه حد الرجم، ولو أقامت عنده كثيرا، إلا أن ~~يكون قد ولد منها ولدا يقر به؛ فليس له أن ينكر الجواز. # والأمة لا تحصن الحر وهو يحصنها، ويلزمها نصف /774/ الحد فيما يلزم فيه ~~الحدود، والحر لا تحصنه الأمة ولا المغلوبة على عقلها ولا الصبية ولو جاز بها. # كذلك الحرة المسلمة لا يحصنها المملوك ولا الصبي الحر ولا المغلوب على عقله. # وإن شهد ثلاثة على رجل بالزنا والرابع ms832 غائب، فإن الثلاثة يجلدون إذا لم ~~تشهد الأربعة جميعا، وإن جلد الثلاثة ثمانين جلدة، وجاء الرابع فشهد بعد ~~جلد أيضا مع الثلاثة. # فإن جلد أحد الثلاثة ثمانين غير سوط أو سوطين، ثم جاء الرابع فشهد على ~~قول أصحابنا: أجيزت شهادتهم. فإن جلد اثنان ثم جاءا شهدا مع الذي لم يجلد ~~فصاروا أربعة شهداء قبلت شهادتهم. # وإذا رماه الشهود يرمي ويقول: أشهد بالله أنك زان، ثم الثالث كذلك. # فإن اعترفت امرأة حرة بالزنا وهي حبلى؛ فعليها الرجم إذا كانت محصنة. ~~وإنما ترجم الحبلى إذا وضعت ولدها ثم أرضعته حولين رجمت بعد ذلك. PageV04P121 # فإن كان لها زوج غائب أو مفقود فإنها لا ترجم؛ لما جاء في الحديث: أن ~~امرأة رفعت إلى عمر بن الخطاب حبلى لم يقربها الزوج قبل ذلك بسنتين، فأراد ~~عمر بن الخطاب أن يرجمها، فقال له معاذ: "يا أمير المؤمنين، إن كان لك ~~عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها سبيل"، فتركها حتى ولدت، فإذا ولدها قد ~~نبتت أسنانه في بطنها وهو ابن سنتين من زوج لها؛ فقال عمر بن الخطاب: "عجزت ~~النساء أن يلدن مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر". # والذي تزوج امرأة ولم يدخل بها ثم يزني؛ أنه يجلد ولا يرجم على قول. ~~وفيها اختلاف. # قال: والحر إذا تزوج يهودية أو نصرانية أو مملوكة فيجامعهن فليس بمحصن. # وإن أحصن الحر ثم زنا بأمة وليدة أو ذمية فإنه يرجم ولا يصلى عليه؛ لأن ~~ذلك خلع عن الإيمان، وذهب عنه اسم الإسلام وصار فاسقا، كما قال رسول الله ~~^: «لا يزني الزاني [حين يزني] وهو مؤمن». # ولا ترجم الوليدة. # وقد روي عن النبي ^ قال: «من أتى منكم شيئا من هذه القاذورات فليستتر ~~بستر الله، فإن أظهر إلينا صفحته أقمنا عليه حد الله». # وإن تزوج امرأة في عدتها، أو تزوج من لا تحل له من النسب أو الصهر، ودخل ~~بهن؛ فليس بمحصن بذلك التزويج؛ /775/ لأن الله قد حرمها عليه، ويفرق بينهما ~~ولا يجتمعان أبدا. # وعن ابن مسعود قال: «ادرؤوا الحدود ms833 بالشبهات ما استطعتم» وأرجوا أني قد ~~لقيت مثل ذلك عن النبي ^ أنه قال: «ادرؤوا الحدود بالشبهات»، والحدود عند ~~المسلمين تدرأ بالشبهات، وقد كانوا يتعافون بينهم في الحدود ما لم يترافعوا ~~إلى الحاكم، فإذا رفع إلى الحاكم لم تعطل الحدود. PageV04P122 # وقد قيل: يجلد الرجل في الزنا على بشره وهو قائم. وتجلد المرأة وهي جالسة ~~عليها درع وخمار ضربا شديدا، فإن تابا وأونس رشدهما من بعد قبلت توبتهما ~~وجازت شهادتهما. # وإن أسلمت امرأة الذمي وقد دخل بها؛ فإن ذلك يحصنها. # فإذا عتقت الأمة وقد دخل بها زوجها وهو عبد؛ فإنه لا يحصنها، وهي تحصنه. # وإن أعتق الزوج وهي أمة ثم دخل بها؛ فإن تلك لا تحصنه وهو يحصنها. # ولا يحصن الخصي إذا كان لا يجامع؛ فإن جامع أحصن. # ولا يحصن المجبوب ولا العنين. # وقد وجدت في الذمية اختلافا؛ في موضع: أنها تحصنه، وموضع: لا تحصن ~~المسلم. وأما المسلم فإنه يحصنها. فإذا كان النكاح فاسدا لم تحصنه ولو دخل ~~بها الزوج. # ولا يحصن الرجل الرتقاء إذا كان لا يجامعها. # وإن تزوج خنثى بخنثى فإن ذلك يحصنهما إذا كان يجامعها، وإن لم يجامع؛ ~~فليس بمحصن. ولا أرى ذلك يجوز أن تزوج خنثى بخنثى. # فأما إن تزوج خنثى بامرأة فعلى قول: يجوز. # ولو تزوج رجل بمسلمة ثم ارتد عن الإسلام ثم رجعا إليه؛ كان دخوله الأول ~~إحصانا. # وإن ادعى الزوج وأنكرت المرأة لم يحصنها ذلك، وعليه المهر، وعليها العدة. ~~والإحصان ليس يؤخذ فيه بقول واحد منهما على صاحبه، فإن أقرا جميعا بالدخول ~~أحصنا، ويلزمها ما يلزم المحصن من الزنا. # فإذا ولدت المرأة الحرة من الرجل الحر فهما محصنان، ولا ينظر في ذلك إلى ~~إنكار أحدهما. والولادة أصدق من قولهما. ولو شهد عليهما شهداء عدل بالإحصان ~~كانا محصنين. # ولو دخلت امرأة على رجل ولم يكن بينهما ولد، ثم مات عنها أو غاب أو طلق ~~ولم يقر بالجماع لم يكن محصنا إلا أن تقر المرأة بالجماع على نفسها؛ وإن ~~أقرا بالجماع فأيهما مات /776/ فالباقي منهما محصن. وإن ms834 رجع أحدهما عن ~~إقراره بالإحصان قبلت رجعته. وإن صح عليه الزنا جلد مائة جلدة. PageV04P123 # وقيل: يقام وتخلع ثيابه ويضرب ضربا شديدا أقل ما يكون، لا تأخذه به رأفة ~~في دين الله، يضرب على ظهره، ولا يفرق الضرب على جسده، ويضربه عشرة رجال، ~~كل واحد منهم عشرا، ويمسك بين رجلين، ويضربه واحد بعد واحد في مقام واحد. # والمرأة البكر فإنها تقعد إذا لزمها الحد، وترفع ثيابها التي فوق الدرع ~~عن ظهرها، وتشد خمارها على رأسها، وتشد كمي درعها على كعبها، وتشد أسفل ~~درعها فتجلد. وقال قوم: تشد عليها ثيابها في قفير ثم تجلد. # وإذا شهد أربعة شهود على رجل أنه زنا بامرأة لا يعرفونها؛ فإنه لا يحد، ~~فلعلها امرأته أو جاريته، فإن عرفوها واحتج أنها جاريته أو امرأته فيدرأ ~~عنه الحد. وكذلك لو ادعت هي أيضا ولو كان وليها ينكر. # وإن زنى بجارية رجل وادعى أنها جاريته وأن سيدها باعها له، وأنكر السيد؛ ~~أن الحد يدرأ عنه؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات بالسنة. # وإن ادعى أن المرأة التي زنى بها زوجته ولها زوج؛ لم يصدق وعليه الحد. # والأعمى إذا زنى بامرأة ولم تكن له زوجة ولا جارية؛ فإنه يقام عليه الحد. ~~وإن كان له زوجة أو جارية وقال: ظننت أنها جاريتي أو زوجتي درئ عنه الحد. # ومن شهد عليه أربعة أنه زنى بفلانة، وشهد شاهدان أنه استكرهها؛ فإن عليه ~~الحد بالزنا، والصداق بالاستكراه، ويدرأ عنها هي الحد بذلك. # ومن زنى بامرأة من فوق الثوب؛ فعليه في الاستكراه على قول الصداق، ولا حد ~~عليه في المطاوعة؛ لأن الحد يدرأ بالشبهات. # ومن زنى برجل في دبره فعليهما الحد، والرجم في الإحصان، والجلد على ~~البكر، ولا يتزوج أحدهما بأم الآخر ولا بابنته. # وإذا أتى الرجل امرأته في دبرها عمدا حرمت عليه أبدا ولا يحد. # وإذا زنى الرجل بالصبية أو الصبي فعليه الحد. وإذا زنت المرأة بالصبي فلا ~~حد على أحدهما. PageV04P124 # وإذا شهد أربعة بالزنا على محصن فرجم ثم /777/ رجعوا عن شهادتهم، أو رجع ~~أحد منهم ms835 بعد أن حكم ا لحاكم بشهادتهم على المشهود عليه؛ فإن رجع أحد منهم، ~~وقال: غلطت أو سهوت في شهادتي؛ فعليه الحصة من الدية وحد القاذف، ولا شيء ~~على الثلاثة. وقد قيل: عليه الدية في المرجوم كاملة. وكذلك إن رجع أكثر من واحد. # وإذا قال: قد تعمدت عليه زورا؛ فعليه الحد، ثم القود، الحد بالقذف، إلا ~~أن يرضى أولياء المرجوم بالدية. وإن رجعوا كلهم وقالوا: تعمدنا عليه زورا؛ ~~فعلى قول: لأوليائه يختارون واحدا يقتلونه، ويرجع أولياء المقتول على ~~الآخرين بحصصهم من الدية. # وإن شهد قوم على رجل بالزنا، وشهد شاهدان بالإحصان؛ فرجم ثم رجعوا عن ~~الشهادة جميعا: قال بعض: الدية عليهم جميعا نصفان، الذين شهدوا بالإحصان ~~النصف. وقال آخرون: لا شيء على من شهد بالإحصان، والدية على الذين شهدوا ~~بالزنا. وقال آخرون: ليس عليهم كلهم قود، والدية عليهم جميعا، كل واحد سدس ~~الدية والكفارة. فإن قالوا: اشتبه علينا فالدية على عاقلتهم، وقد قيل: إن ~~الدية في أموالهم. وقد قيل أيضا: إن قالوا: تعمدنا؛ فالقود يلزم في ذلك. # وقد قيل: إن الشهود يأتون الإمام فيقولون: عندنا شهادة على فلان في حد، ~~ثم لا يتكلمون حتى يستنطقهم الإمام ويسألهم، وإن شهدوا قبل أن يأمرهم ~~الإمام فهم على قول قذفه. قال أبو عبد الله: ليسوا بقذفة إذا شهدوا جميعا، ~~إن شهد واحد بعد واحد فتموا أربعة قبل أن يقيم الحد على الأول. # وليس لأئمة المسلمين أن يفتشوا الناس في منازلهم، وإنما أمرهم الله أن ~~يحكموا بالظاهر وما قامت به الشهادة. # وإذا شهد أربعة على رجل بالزنا، ولم يدر محصن أم لا؛ أقيم عليه حد البكر، ~~ولا يفتش الشهود أهو محصن أو غير محصن، والستر أفضل، وقد ينبغي الستر. PageV04P125 # قال النبي ^: «من أتى منكم شيئا من هذه القاذورات فليستتر بستر الله، فإن ~~أظهر علينا عورته أقمنا عليه حد الله». # ومن تزوج امرأة في عدتها فرق بينهما ولا حد عليهما في قولنا، إلا الأدب ~~والضرب في ذلك. # ومن جلده الإمام أقل من الحد بغلط ثم علم ms836 بعد سنين، أقيم عليه تمام الحد. ~~ومن زنا ثم تزوج /778/ثم علم بذلك فإنما عليه الجلد. # وإن زنا العبد ثم عتق ثم علم بذلك؛ فإنما عليه حد العبد خمسون جلدة. # وإن زنى رجل بجارية امرأته فعليه الجلد. # والذي يطأ جارية ابنه قبل أن ينتزعها؛ فإنه يكره له، ولا حد عليه، [و] ~~يدرأ بالشبهة. وقد أجاز له بعضهم وطأها فيما يستأنف إن كان ابنه لم يطأها. # ومن وطئ جارية له فيها شريك فأوجب بعض: عليه الحد. ولم يوجب آخرون. ~~ودرؤوا الحد لحال الشركة، وجعلوا ذلك شبهة، وهو أكثر قول أصحابنا. # ومن أذن لرجل أن يطأ جاريته؛ فعلى الواطئ الحد، ولا يسع هذا. # وقالوا في الذي تزوج بخامسة وجاز بها: إن عليه الرجم، إذا كان معه أربع ~~ووطئ الخامسة وهو يعلم أن ذلك لا يجوز له، ولا يقام الحد بالملك بها؛ لأن ~~ذلك ليس بتزويج. # والمرأة إذا وطئها غلامها؛ فعليها الحد ولا تعذر بالجهالة في ذلك. وقد ~~قيل: بغير هذا. # وقد اختلفوا فيمن رأى رجلا زنى؛ فقال قوم: لا يزوجه ولا يشهد بتزويجه ولا ~~يزوجه بحرمته. وقال قوم: إذا رآه يزني ثم تاب وأصلح تولاه وزوجه بحرمته، ~~وصلى على جنازته؛ قال: لأن توبته تأتي على ذلك. وقول هذا يدل على أن التائب ~~جائز له أن يتزوج بالمسلمة الحرة غير المحدودة. فأما الحر فلا يتزوج بعده ~~عند أصحابنا إلا بمحدودة، ولو تاب عندهم في ذلك. PageV04P126 # ومن شهد عليه بالزنا أربعة؛ فإنه يحبس حتى ينشد عن عدالتهم، ||فإن لم تصح ~~عدالتهم|| خلي سبيله، وإن صحت عدالتهم أقيم عليه الحد، ولا حد عليهم إذا ~~كانوا أربعة ولم يعدلوا. # ومن طلق امرأته ثلاثا ثم جحد فرق بينهما بشهادة اثنين. # وإن وطئ بعد الطلاق وجحد؛ فعلى قول: يحد بشهادة أربعة إذا كان غشيها. وقد ~~قيل: إنه باغ ولها قتله أيضا. # وإذا رجمت المرأة فلا ميراث لزوجها منها، ويأخذ ماله عاجله وآجله، ومالها ~~لورثتها غيره. وإن رجم هو أخذت صداقها من ماله ولم ترثه؛ لأن المرجومين لا ~~يتوارثان، ms837 وعدتها عدة المطلقة. # ومن زنى بامرأة لم يجز له أن يقر أن ولدها منه. # ومن صح |منه| أنه أتى بهيمة فهو زان وعليه الحد. # والمرأة إذا أوطأت نفسها شيئا من الدواب حمارا أو تيسا؛ فعليها الحد. # ومن وطئ جارية لغائب؛ فلا حد عليه ولو طلب وكيله. وإن كانت ليتيم أقيم ~~عليه الحد؛ يرجم المحصن ويجلد البكر برأي وصيه أو وكيله من المسلمين. # ومن قال: زنى أمس الأدنى بمكة، أو قال: زنيت بامرأة من قوم عاد؛ فلا حد ~~عليه؛ لأنه أقر بشيء يعلم أنه فيه كاذب. # وإذا شهد أربعة على امرأة بالزنا أحدهم زوجها؛ فإنها ترجم. # والذي يقر بالزنا يكتفي مرة واحدة. وقد قيل: حتى يقر أربعا ويفصحه الإمام ~~حتى يتبين كيف الزنا، فإن جاء بصفة غير الزنا درئ عنه. # وكذلك قيل: إن النبي لم يقم الحد على ماعز بن مالك حتى رده، فقال: «لعلك ~~ظننت أو سهوت»، فلما لم يرجع أمر برجمه. وقيل: إنه قال: «ما بصاحبكم من ~~جنة؟!». # ومن قال: زنيت بفلانة فعليه الحد، حد الزنا وحد القذف، إلا أن يكون ممن ~~لا يكون في قذفه حد مثل مملوكة أو ذمية؛ فإنه يحد بالزنى ولا يحد بالقذف. # وامرأة شهد عليها بالزنا فنظرتها نساء فوجدناها عذراء؛ فلا حد عليها. PageV04P127 # وفي محصن زنى فوجب عليه حد الرجم فقتله الإمام بالسيف. فقال: قد أخطأ ~~الإمام السنة، ولا شيء على الإمام غير التوبة. فإن فعل ذلك والي الإمام أو ~~قاض؛ فإنه لا يلزمه غير التوبة، ويفند بما فعل. وإن فعل ذلك رجل بلا رأي ~~الإمام من سائر الناس؛ فعليه القصاص. # وإن كان بكرا زنى فأمر برجمه فرجم لم يجز للإمام ذلك؛ لأنه خالف نص ~~الكتاب، وعليه القصاص. # وإن كان رجل زنى فجلده الإمام ثم صح أنه قد أحصن؛ فإن عليه الرجم والأرش ~~لجلده، إلا أن يكون الإمام لم يسأله وجلده، ثم صح أنه قد أحصن؛ فإن عليه ~~الرجم، وعلى الإمام أرش جلده في بيت المال. # وإن أقر بالزنا أو بالزنا والإحصان ثم رجع؛ ms838 فله الرجعة ما لم يقع عليه ~~أول الحد وأول رمية. # وإن رمى رجل قبل الإمام فأصابته؛ فله الرجعة حتى يرميه الإمام؛ لأنه هو ~~الذي يبدأ بالرمي للمقر، والله أعلم. # وقد قيل: «إن النبي ^ أمر برجم ماعز ولم يجئ أنه رماه». # ومن نكح غلامه في دبره فعليه حد الزاني، ولا يسع امرأته المقام معه إذا ~~رأته. /780/ # والأعجم إذا زنى فلا حد عليه، والعبد إذا زنى ولم يحصن فلا حد عليه، ~~وعليه التعزير. # وإن تزوج العبد بحرة وجاز بها فقد أحصن، وإن شهد عليه أربعة أقيم عليه ~~الحد، وهن خمسون جلدة نصف ما على البكر، ويكون بحضرة سيده، وإن كان سيده ~~غائبا فإن الحاكم يجلده. فإن صح أنه عتق من قبل أن يأتي بالفاحشة وقد جلده ~~الحاكم؛ فإنه يرجم، ويرد عليه أرش ضربه من بيت المال. # والذي عليه أصحابنا أن إقرار العبد لا يجوز على مولاه؛ لأنه مال. # ولا يجوز إقراره بالحقوق ولا الحدود عندهم إلا ما صح. # فأما غير أصحابنا فقد أجازوا إقرار العبد بالحدود، ولم يجيزوا إقراره ~~بالحقوق. # ومن نكح امرأة ميتة فعليه الحد، وصداقها إن كانت ميتة. وإن كانت امرأته ~~فلا حد عليه. PageV04P128 # ومن مس فرج امرأة طوعا أو غصبا فلا حد عليه، وعليه العقوبة والأدب، وإن ~~طاوعت فعليها العقوبة أيضا. وأوجب بعض الصداق في مس الإكراه ولمس فرج ~~المرأة كرها ولم يلزمه آخرون. # وإن افتضت امرأة امرأة بأصبعها فعليها العقر ولا حد عليها، وأما الثيب ~~فلم أر يلزمها سوى الأدب والعقوبة والتوبة. # واليهودي أو النصراني إذا استكره امرأة مسلمة على نفسها حتى وطئها قتل ~~بالنقص، وأخذ من ماله عقرها، وإن طاوعته فلا عقر لها وعليها الحد. وإن ~~استكرهها ثم أسلم؛ فعليه عقرها وعليه الحد. # ومن وطئ جارية أبيه فظن أن ذلك جائز له جهلا منه وقد كان أبوه وطئها؛ ففي ~~الأثر: أنه لا يقبل على ما اعتذر به، وفي نفسي من ذلك؛ لأن هذا لا يسع جهله. # وإن شهد شهود على رجل أنهم رأوه فوق امرأة ولا يدرون ms839 أولج أم لا؛ فلا حد ~~عليه. ورأي الإمام في تعزيره. # ومن قال لرجل: يا زان ابن الزانية؛ فعليه حدان. # والمرأة إذا زنت ثم قتلت ولدها فإنها تجلد الحد مائة جلدة، وإن كانت بكرا ~~لم تقتل بولدها -وذلك عندي والله أعلم- إن كان له ولي وطلب القصاص، وسل عن ذلك. # وإنما يجب الحد إذا التقى الختانان وتغيب الحشفة، وأما دون ذلك فلا حد عليه. # باب: في حد القاذف # - وسأل عن حد القاذف كم هو؟ # فقيل له: هو كما قال الله: /781/ {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة}، فكل من رمى محصنة بالزنا فعليه الحد ~~ثمانون جلدة إذا كان القاذف حرا بالغ الحلم، ومضت السنة في قاذف المحصن. # وقد حد رسول الله ^ الذين كانوا قذفوا عائشة وصفوان. PageV04P129 # وكل رجل مسلم من أهل القبلة إذا قذف رجلا أو امرأة من أهل القبلة ثم لم ~~يأت على قوله بأربعة شهداء يشهدون على تصديق ما قال لزمه الحد، حد القاذف، ~~قال الله تعالى: {لكل امرئ منهم ما اكتسب من الإثم}، ومن عرض ذلك أو أعجبه ~~أو رضي به فهم شركاء في المأثم على قدر ما كان منهم، {والذي تولى كبره منهم ~~له عذاب عظيم}، هو الذي تولى الخطيئة. # وكذلك كل خطيئة بين المسلمين، فمن شهد وكره فهو مثل الغائب، ومن غاب ورضي ~~فهو مثل الشاهد، لا يحل الرضا بالقذف ولا بالمعصية، والحد على الذي تولى ~~كبره، كما قال الله: { له عذاب عظيم} في الدنيا والآخرة الحد في الدنيا ~~والعذاب في الآخرة. # وإذا قذف الرجل أباه والأب ابنه؛ فعليهما الحد؛ لأن الله أبهم الحكم ولم ~~يخص فيه. # فأما بعض فقالوا: لا حد على الوالدين للولد، فأما الولد فعليه الحد. كما ~~أن الوالد لا يقاد بابنه، والابن يقتل بأبيه، وبذلك جاءت السنة: «لا يقاد ~~والد بولده»، أو قال: «لا يقتل والد بولده». # ومن أقيم عليه حد الزنا ثم قذفه قاذف؛ فلا حد على من قذفه، ولكن يزجر ~~عنه، ويؤدب إذا تاب الزاني. # والذي يقول ms840 لرجل: يا زانية، أو لامرأة: يا زان؛ فقد قيل: لا حد عليه، وفي ~~المرأة نظر؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، ولكن عليه التعزير. وقد قيل: إنه ~~يحد أيضا. # وفي رجل قذف رجلا فجلده الحاكم، ثم صدقه المقذوف؛ فإنه يحد بإقراره، ~~وعليه أرش ضرب المحدود في قذفه. # ومن قال لرجل: يا زان، وكان عند المقذوف أنه كذلك؛ فلا يحل له أن يرفع ~~عليه، فإن فعل فعليه التوبة، وعليه أرش الضرب. # وقد قيل: إنه ليس على من قذف المجنون والصبي حد، وذلك أنهم لا يسمون ~~زناة، ولكن يؤدب في ذلك حتى ينتهي، والله أعلم. وقد أوجب بعضهم: عليه الحد. PageV04P130 # واختلفوا في الذي يقول لرجل: أنت لست ابن فلان ولافلانة، إنما أنت لقطة: ~~قال قوم: لا حد عليه. /782/ وقال آخرون: هو قاذف لهما. # فإن قال: ليس أنت ابن فلان؛ فقد قيل: إنه قذفها. # وإذا قال رجل لرجل: إن أمه يهودية وقذفها بالزنا، فإن قال المقذوف: إن ~~أمه مسلمة فعليه البينة؛ فإن صح أن أمه مسلمة حد القاذف لها. # وقالوا: إن قاذف المجنون يحد. # وإن قذفه وقال: زنيت بامرأة من قوم لوط؛ فإنه يحد. فإن شهد عليه شهود أنه ~~زنا بامرأة من قوم لوط أو عاد فإنهم كذبة قذفة. # وإن قال: زنيت بفلانة فعليه حدان. وإن قال: أنا زان ابن الزانية فعليه حدان. # وإن قال لجماعة: يا بني زوان فعليه الحد لهم بعددهم. وقد قيل: حد واحد. # وإن شهد أربعة على رجل بالزنا فحد، ثم علم أن فيهم عبدا أو ذميا، فإن على ~~الباقين الحد؛ لأنهم صاروا قذفة، وإن كان فيهم محدود أيضا فلا قصاص عليهم، ~~ولكن عليهم دية الحد. # وإن قذف رجل امرأة أو رجلا ثم أتى بثلاثة يشهدون على تصديق ما قال؛ فهم ~~أيضا قذفة، حتى يأتي أربعة يشهدون على تصديق ما قال، أو يجيء بثلاثة من قبل ~~قذفه فيشهد هو وهم. # وإذا قذف ناسا بكلمة واحدة أقيم عليه لهم الحد. # وإذا ضرب ما أمكن أمسك عنه حتى يبرأ، ثم يضرب حتى تقام ms841 عليه الحدود التي لزمته. # وإن كان قذف واحدا بعد واحد؛ فإنه يحد للأول ثم الأول. # وأهل الذمة يحدون بما أحدثوا في أهل القبلة وهم مشركون، وتقام عليهم ~~الحدود غير القذف ولو أسلموا. # فأما أهل الشرك من أهل الحرب؛ فإنهم لا يحدون بشيء من سرق ولا زنا ولا ~~قذف ولا غيره. وكل ذلك موضوع عنهم، إلا إذا أسلم ووجد مال المسلم بعينه قد ~~كان غصبه أو سرقه منه فإن صاحبه يدركه؛ لقول النبي ^: «ليس على مال المسلم توى». PageV04P131 # وليس للمقذوف عفو إذا صار أمرهم إلى الحاكم، ولو تاب وعفى عنه المقذوف. # وقد قيل: لا يحد القاذف لغائب. وفيه اختلاف؛ فقد قيل: يحد أيضا. فأما من ~~لا يرى أنه يحد؛ فإنه لعله المقذوف أن يصدقه. # والحد على من قذف الأعجم ولا أصم إلا أن يأتي بمخرج. وأما الصبي فلا حد. # وإذا رجع الرابع من الشهود عن شهادته؛ فليس على من لم يرجع عن شهادته ~~شيء، وذلك على /783/ الراجع. # ولا يقيم الإمام الحد بعلمه إذا علم به حتى يصح بالبينة. فإن كان هو أحد ~~الشهود شهد بذلك مع حاكم غيره، ويقام الحد على المشهود عليه. # ومن قذف رجلا بالزنا فحد ثم عاد فقذفه فلا يحد إلا مرة واحدة، ويعزره ~~الإمام كما يرى من جهله ويزجره عنه حتى ينتهي. # وإن قال رجل لامرأته: زنى بك فلان، فإن عليه حدين. # ومن قذف رجلا أو امرأة ميتة أو غائبا؛ فأما الغائب فلا يحد له، وأما ~~الميتة فإن طلب ذلك أحد من الورثة لا من غيرهم، فإن صح ذلك حد له، والغائب ~~حتى يحضر أو وكيله. # ومن قذف رجلا بالفارسية؛ فعليه الحد إذا علم ذلك أن ذلك قذف. # ومن وجد مع امرأته امرأة أخرى؛ فقال: لقد رأيت إحداكما تزني، فإنه يحد، ~~ويفرق بينه وبين امرأته؛ لأنه قذف إحداهما عامدا. # وعن رجل له أربع نسوة فقذف واحدة منهن بالزنا، ثم قال: لا أدري أيتهن ~~عنيت، فإن لم يوقع على واحدة منهن وتم على قوله، شهد على قوله، شهد ms842 عند ~~الحاكم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين في قوله: إن إحداهن زانية، ~~والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ويفرق بينه وبينهن ولا حد عليه. # وإن قال: عنيت فلانة لاعنها وفرق بينه وبينها. وإن أكذب نفسه ولم يكن ~~أوقعه على واحدة منهن جلد الحد وفرق بينه وبينهن. PageV04P132 # وامرأة قالت لزوجها: إني زنيت، قال: إن أكذبت نفسها فلا أرى عليه بأسا، ~~وإن لم تكذب نفسها ولم يصدقها؛ فلا بأس عليه ما لم يقذفها أو يعاين ذلك منها. # وعن رجل رأى رجلا ينكح امرأته، ثم دخل بيتا فيه نفر فلا يدري أيهم؛ فقال ~~الرجل: والله إن أحدكم زان، قال: يجلد أو يأتي ببينة. # وعن رجل أقر بولد من امرأته ثم أنكره بعد ذلك؛ قال: يلزمه الولد ويلاعن ~~امرأته إن قالت: إنها زنت به. # وعن رجل قالت له امرأته: زنيت؛ قلت: فإن قال ذلك الرجل: إني قد زنيت؛ ~~قال: لا تقيم معه حتى يكذب نفسه. وإن رأته يزني فلتفتدي منه ولو بمالها ~~كله، فإن لم تفعل ذلك فلتهرب منه حيث لا يراها إن استطاعت أبدا. # وقد قيل: إن الإمام لا يترك الذي يقيم عليه الحد حتى يستتيبه إذا أقام ~~/784/ عليه الحد، وليس في الحدود أيمان إلا في السرقة التي يجب فيها قطع؛ ~~ففيها اليمين وغرم المال. # وقد قيل: «سباب المسلم فسق، وقتاله كفر»، وغيبته تنقض الوضوء، ومن كذب ~~كذبة متعمدا فهو منافق حتى يتوب». # ومن قال لرجل عربي: يا مولى، أو يا ابن الأسود، أو دعاه بلقبه مثلبة له، ~~أو قال: يا كلب أو يا حمار أو يا خنزير أو يا منافق أو يا فاجر أو يا عدو ~~الله، أو لعنه الله وأخزاه الله؛ ففي كل هذا التعزير، يعزره الإمام على ما ~~يرى من جهل القائل وتعديه، وإن كان ذلك القول من رجل من المسلمين، قاله ~~لبعض الجهال الذين ينكر عليهم لم يعرض له. # ومن قال لرجل: يا كلب، أو يا حمار، أو نحو هذا؛ فإنه يعزر خمسة أسواط، ~~وذلك ms843 إلى القائم بالأمر. # والتعزير: أقل الحدود. وأقل الحدود حد العبد في الخمر أربعين جلدة. # وإن عزر الإمام رجلا فمات؛ قيل: إن عليه الدية في بيت المال، وعليه العتق ~~في ماله، ||وقد قيل: في بيت المال||. PageV04P133 # وقد قال الله تعالى في القاذف: {والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا ~~بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا}، فمنع من ~~قبول شهادتهم ثم استثنى {الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور ~~رحيم}. فقد قيل: القاذف إذا تاب قبلت شهادته. وقال آخرون: لا تقبل. # وقد قيل: لا تجوز شهادة الغلام الحر ما لم يحتلم. ولا تجوز شهادة العبد ~~المحتلم الفقيه المسلم. # عن عمر بن الخطاب قال: لا تجوز شهادة أهل الذمة على المسلمين، وشهادة ~~المسلمين جائزة على جميع الأمم. # قال النبي ^: «المسلمون يد على من سواهم، وهم يد على عدوهم»، فهذه الحجة ~~أن شهادتهم تجوز على غيرهم. # 141- باب: # مسألة: في شار ب الخمر # - وسأل عن حد شارب الخمر؟ # فقد قيل له: إنه يحد بشرب قليل الخمر وكثيره، وقد روي: «أن النبي ^ حد ~~شارب الخمر أربعين جلدة»، وقد حد عمر شارب الخمر ثمانين، وقد «لعن رسول ~~الله ^ عشرة في شارب الخمر»، فمن شرب جرعة خمر فما فوقها فقد عصى الله، ~~وعليه الحد ثمانون جلدة. وقد بينا الخمر ما هو فيما تقدم قبل هذه المسألة. # وجلد شارب الخمر دون جلد الزاني والقاذف. وقد قيل: يجلد على ثيابه التى ~~عليه، ويفرق الجلد على جسده، وإنما الحد على من صح /785/ ذلك عليه، أو يقر ~~ولا يرجع، أو يشهد عليه شاهدا عدل. # فمن شرب خمرا وقال: ظننت أنه من الحلال؛ فهذا ما لا يعذر بجهله. # وكذلك إن أكل خنزيرا ولم يعرفه، أو دابة لا يعرفها؛ فلا يأكل ولايشرب حتى يعلم. # ولو احتج محتج أنه لم يعرفه لم يعذر، فأما الحد مع اعتذار الجهالة، فالله أعلم. PageV04P134 # وفي بعض القول: إن الخمر إذا جعل فيه الملح حتى يرقه ويصير خلا، إنه جائز ~~أن ينتفع به، فلو كان ms844 هذا كان النبيذ من الجر مثله قياسا عليه. والعبد إذا ~~شرب الخمر جلده نصف جلد الحر أربعين جلدة، والله أعلم. # ||باب|| # مسألة: في السكران # وكل من شرب من الأنبذة ولو على جواز ذلك؛ فعليه الحد ولو لم يسكره. فقد ~~قال: لا يحد في ذلك حتى يسكر، وكل مسكر حرام بالاتفاق والسنة. # فالحد في السكر ثمانون جلدة، وما كان دون ذلك فلا حد فيه وفيه التعزير. ~~ونبيذ الجر حرام، وفيه إن لم يسكر التعزير. # وقال بعض أصحابنا: لا يجلد السكران حتى يصحو. # وجلد السكران دون جلد القاذف. # والسكران يجلد على ثيابه، ولا ينزع عنه شيء، ويفرق الضرب على جسده، ويضرب ~~ضربا على رأسه ويديه ورجليه وظهره وبدنه وبطنه وتتقى مواضع المقاتل، ويضرب ~~ضربا لا يرى بياض يد الذي يضربه. # وإن شهد عليه شاهدا عدل أنهما رأياه سكران من النبيذ، أو أقر بذلك فإنه ~~يجلد. ولا يجلد السكران حتى يصحو. # وقال بعض: إن السكران هو الذي لا يعرف السواد من البياض، والدرهم من ~~الدينار، والرجل من المرأة، ومنهم من قال: والأرض من السماء، وثيابه من ~~ثياب غيره. وعندنا: أن السكران تختلف معانيه، منه ما يكون فيه التخليط حتى ~~يضرب أخاه بالسيف ولا يعقل بشيء منه كما وصف، والله أعلم. # وقالوا: إذا لم يعرف السكران شيئا من هذا أو أحدا منه، أقيم عليه الحد، ~~وإن كان مغمورا إذا سألوه، وقالوا: يسأل إذا صحا، فإن قال: إن ذلك من ~~النبيذ وأقر بما يكون منه حد، ولا يحد على رائحة النبيذ الذي يشتم منه، ولا ~~في ذهاب عقله حتى يقر هو أن ذلك الذي به من النبيذ إذا صحا. # 142- باب: # مسألة: في السرقة # - وسأل عن السارق، ما سرق قليلا /786/ أو كثيرا قطع، وفي ذلك تمييز بين ~~السارب؟ PageV04P135 # قيل له: فيه تمييز عند الفقهاء بين السراق، وما جاءت به السنة في ذلك. ~~فأما ما نطق به كتاب الله تبارك وتعالى: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما ~~جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم * فمن تاب من ms845 بعد ظلمه وأصلح ~~فإن الله يتوب عليه إن الله غفور رحيم}. # قال بعض المسلمين: إن الآية خاصة لبعض السراق دون بعض، والرسول ^ هو ~~المبين لأمته لمعنى الآية في السارق. «وقد قطع سارقا سرق مجنا»، وقد قيل: ~~قيمة ذلك ربع دينار. # قال الله: {فاقطعوا أيديهما} معنى ذلك: للحاكم اقطعوا {جزاء بما كسبا ~~نكالا} بما عملا عقوبة من الله، قطع يد السارق والسارقة بما عملا، {فمن تاب ~~من بعد ظلمه وأصلح} العمل {فإن الله يتوب عليه} يتجاوز عنه لما كان قبل ~~التوبة، رحيم لمن تاب إليه وندم. # والذي يسرق من حرز مرة ما يجب به القطع وهو ربع دينار أو قيمته، وقدر ~~عليه تقطع يده اليمنى، فإن سرق الثانية تقطع رجله اليسرى، فإن سرق الثالثة ~~لم يقطع، ولكن يحبس في السجن حتى يموت. # وقد قيل: لا يقطع يد السارق إلا في شيء قد حازه أهله وأحرزوه. وقد قيل: ~~إن الفريضة فيما يجب فيه قطع يد السارق. # وإن سرق من حرز المقدار الذي يجب به القطع وهو ربع الدينار، وأخرج السرقة ~~من الحرز، والرفع إلى الإمام، كما كان الرفع فيها إلى النبي ^. # فمن سرق من حرز ما قيمته ربع دينار أخذه وأخرجه من المنزل، ورفع به إلى ~~الحاكم فأقر بذلك أو قامت عليه بينة قطع. # وقال النبي ^: «لا يسرق السارق [حين يسرق] وهو مؤمن»، ومن لم يؤد سرقته ~~أو أمانته كان منافقا عاصيا. PageV04P136 # وقد روي «أن النبي ^ قطع يد السارق سرق مجنا، وقالوا: قيمته ربع دينار». ~~واختلف الناس في هذه القيمة أيضا، فمن الناس من قال: لا يقطع في أقل من ~~عشرة دراهم. وقال قوم: خمسة. ومن أصحابنا من قال: أربعة دراهم. ومن الناس ~~من قال: ثلاثة. وقال قوم: /787/ لو سرق درهما فما فوقه قطع، ورأي أصحابنا: ~~أنه يقطع في ربع دينار أو قيمته، وذلك عندهم أربعة دراهم. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «لا قطع في الثمر إذا كان في الشجر حتى ~~تواريه البيوت». وقد قيل: إنه قال: «لا قطع في ثمر ms846 ولا كثر» وهو الجذب من ~~الأقباب والحجب وغيره. # وقد روي أنه قال: «لا قطع في ماشية حتى يواريها المراح»، وقد روي أنه ~~قال: «لا قطع في طائر ولا طير طائر لإنسان»، فإذا كان هذا هكذا فإنه إنما ~~هي خاصة على بعض السراق دون بعض. # ولا قطع على من سرق من مال الكعبة وإن كان سارقا، ولا على من سرق من بيت ~~المال، ولا قطع على من سرق من الغنيمة إذا كان له فيها نصيب، وإن كان الله ~~قد حرم الغلول في الغنيمة؛ فلم يلزموه قطعا وهو سارق. وقد أوجب الله له ~~العذاب. ولم يقطع رسول الله ^ يد الغال من الغنيمة، وقد قال: «ردوا الخيط ~~والمخاط فإنه عار وشنار ونار يوم القيامة». # فالقطع على بعض السراق، ولا قطع على من سرق من مال له فيه نصيب، ولا بين ~~المتساكنين في البيت الذي يسكنانه، ولا على من دخل بإذن، ولا على مختلس، ~~ولا طرار ولا سلال، وكل هذه أسماء تقع على سارق، وإنما يثبت القطع للسارق، ~~ولم يقطع الخائن بخيانته. # وقد قيل: على من سرق الغنيمة القطع، ولم أرهم عملوا بذلك. # وقال قوم: لا قطع على من سرق خمرا من المسلمين، ولا من أهل الذمة. وقد ~~قيل: يقطع من سرق الخمر من أهل الذمة. PageV04P137 # وإنما القطع على من سرق من الأحرار البالغين والعبيد المعاهدين وأهل ~~الذمة، إذا سرق من حصن ما يجب فيه القطع، نحو قيمة المجن الذي أوجب رسول ~~الله ^ فيه القطع. # ونباش القبور يقطع على كل حال، قل أو كثر ما نبش. وقال آخرون: حتى يأخذ ~~ما يجب في مثله القطع؛ لأن من سرق الموتى كمن سرق الأحياء. قال النبي ^: ~~«حرمة أمواتنا كحرمة أحيائنا». # ومن سرق من الصبيان فلا قطع عليه. # ولا قطع على العبد في مال سيده، ولا على أب من مال ولده، والأم مثل /788/ ~~الأب، وهذا يدل على أن القطع على بعض السارق دون بعض. # ومن نبش امرأة فوطئها، قتل صاغرا إن كان محصنا وعليه عقرها، وإن كان ms847 بكرا ~~جلد حد الزاني وعليه عقرها، ويقطع صاغرا حيث نبش. # وإذا سرق الصبي وأنكر البلوغ فلا حد عليه حتى يقر أو تخرج لحيته. ومنهم ~~من قال: إذا نبت شاربه وإبطه وعانته فقد بلغ. والمرأة إنما يعرف بلوغها ~~بالحيض، وإن أنكرت الحيض أو كانت ممن لا تحيض؛ فإذا صارت في الحد الذي لا ~~يرتاب في بلوغها وهي نحو ثلاثين سنة إلى ما أكثر؛ فهي امرأة، وعليها الحدود ~~التي تلزمها. وإن ولدت فهي امرأة، فهذا احتياط لحال الحدود، فأما في غير ~~الحدود فإذا بلغت خمس عشرة سنة أو ثماني عشرة سنة؛ فهي في حد النساء. # ولا قطع على الزوجين ولا المتساكنين، وإنما القطع بالسنة على من سرق في ~~الحصون المحصنة بالجدر أو بغير الجدر، ما لوى عليه جدر أو سد عليه باب فهو ~~حصن. وقد قيل: الجدار الذي يكون حصنا هو الذي لا يقدر السارق أن يخطوه ~~برجليه إلا أن يتسوره بيديه. # ومن تعاطى ثمرة من بستان وأخذ منها ما شرف على الطريق فلا قطع عليه، وإن ~~استخرج شيئا من داخل البستان وأخذ منه ما يجب فيه القطع قطع، وإن جر العود ~~الذي قد برز إليه أوله حتى يخرجه إلى الطريق كله ثم يأخذ منه ولم يدخل؛ فلا ~~قطع عليه. PageV04P138 # ومن أدخل يده في حصن فسرق منه ولم يدخل؛ فإن عليه القطع إذا سرق ما يجب ~~فيه القطع. وقياس هذا قد قيل: من أتى إلى منزل فهدمه كله ثم أخذ ما فيه فلا ~~قطع عليه، وكذلك الحصن. # ومن احتمل جواليق أو عبية من غير حصن، فإن فتح ذلك وأخذ ما يجب فيه القطع قطع. # ولا قطع على من سرق جملا من الطريق أو غير ذلك، إلا أن يحله من وثاقه أو ~~يحل عنه قيده ويأخذه؛ فيكون عليه القطع. وبعض قال: لا قطع على من أخذ دابة ~~من رباطها من غير حصن. # ومن سرق دابة من دار ثم ذبحها في الدار ثم أخرجها؛ فعن بعض: لا قطع عليه؛ ~~لأنه حين ذبحها ضمنها. وقال ms848 قوم: القطع عليه. # ومن سرق طعاما فأكله كله في الحصن الذي سرقه منه؛ فإنا لا نرى عليه قطعا؛ ~~لأنه لم يبرز به من الحرز وقد ضمنه. وبعض: أوجب القطع عليه. # ولا قطع على من سرق من أبواب المسجد؛ فأما إن سرق بابا مركبا /789/ على ~~دار قوم؛ فعليه القطع، إذا كان يجب في مثله القطع. وقال قوم: إن لم يدخل ~~وأخذ من خارج فلا قطع. # ومن سرق من دار درهما أو قيمته، ثم رجع فسرق، ثم رجع حتى يسرق ما يجب به ~~القطع قطع. وقال آخرون: حتى يسرق من مال واحد مرة واحدة. # وكذلك لو سرق من صرة لقوم، لم يجب عليه القطع حتى يسرق لأحدهم مما سرق ~~أربعة دراهم إلى ما أكثر. # ومن سرق وأخذت منه السرقة في ذلك المنزل؛ فلا قطع عليه، وإنما القطع إذا ~~خرج بالسرقة من الحصن. # وإن كان السارق تناول من الحصن سرقته إنسان غير داخل؛ فإنما القطع على ~~السارق الداخل. # ومن سرق سرقة ثم انتزعت منه أو ردها وتاب ثم رفع عليه المسروق؛ فقد قيل: ~~إنه يقطع. وقال قوم: لا يقطع إذا أقر المسروق أن بضاعته ردت إليه، ورفع بعد ذلك. PageV04P139 # وقد روي عن النبي ^ أن صفوان رفع على رجل سرق له ثوبا، فلما جيء به ~~ليقطع؛ فقال: "يا رسول الله، يده خير من ثوبي"، فقال له النبي ^: «هلا كان ~~ذلك قبل أن تأتي به؟!»، ففي هذا فلا عفو بعد أن يصير أمره إلى السلطان، ولو ~~عفي عنه ولم يرفع عليه لجاز؛ لأن الحدود لا تعطل إذا صحت على الجاني لها. ~~ومن صحت عليه أو أقر بسرقة عند الحاكم حكم بقطعه ولو تطاول ذلك وخلا لذلك ~~عنده مدة سنين، ولو كان قبل قيام ذلك الحاكم. # وفي قوم سرقوا دابة ثم أراد أحدهم التوبة؛ فإنه يعطي ثمنها كلها ويتبع هو ~~أصحابه. ومن الفقهاء من قال: يعطي قدر حصته سواء، ويقول: هذا لكم، وليس ~~عليه أن يجبر غير ذلك. # ومن سرق دراهم واتجر بها فهي والربح لربها ms849 المسروقة منه. وإن تلفت ~~الدراهم من عند السارق كلها؛ فقال قوم: إنما يضمن ما سرق، ولا يضمن الربح. ~~ومنهم من قال: يضمن الجميع. # ومن سرق عبدا صبيا فصار عنده شيخا؛ فقال من قال: عليه قيمته يوم سرق. ~~وقال قوم: عليه أن يرده وما استغل. # وإن هلك في يد السارق فله عليه أفضل قيمته يوم سرقه أو يوم أتلفه. وقال ~~قوم: إن تلف فيرده وما نقص من قيمته، ويرده عليه وعالته، وكذلك جميع الدواب ~~والحيوان. /790/ # ورجل له على رجل دراهم، وسرق من منزله مثلها، أو سرق منه متاعا بقيمة ~~ذلك؛ فقد قيل: على السارق في ذلك القطع. وقال قوم: لا قطع على الشبهة. # ورجل وضع متاعه ونام عليه فسرق من تحته؛ فقد قيل: إن على السارق القطع. # [صفة القطع] وإذا أراد الإمام قطع يد السارق، جذب كفه اليمنى من الساعد ~~حتى تنفك من المفصل ثم تقطع من الرسغ بشفرة حادة والمسروق حاضر. # ولا يقطع السارق لغائب ولو حضر وكيله. ويقطع السارق لليتيم برأي وصيه، ~~ولا يقطع برأي وليه. PageV04P140 # فإن لم تقطع يد السارق وقد سرق سرقات؛ فإنما يقطع مرة واحدة لجماعتهم. ~~ومن قطع على السرقة لم يؤخذ برد السرقة، وإن تاب هو ورد السرقة فهو أفضل له. # ومن ثبت عليه الحد ثم مات قبل أن يقام عليه الحد؛ فقال من قال: يؤخذ من ~~ماله مثل ذلك. # ومن أقر أنه أخذ متاعا لفلان ثم أنكر فلا قطع عليه، ويؤخذ برد المتاع إذا ~~أقر من غير حبس؛ لأن الإقرار في الحبس، وغير ذلك من الأخذ ضعيف. # ومتى رجع المقر بالسرقة فله الرجعة، ما لم يقع عليه أول الحد بفك يده، أو ~~يحد حد الشفرة؛ فعند ذلك لا رجعة له. # وإذا سرق قوم ففروا إلا واحدا قطع. # والمستودع قد قيل: يقطع يد السارق، والذي سرق وديعته يرفع عليه. # ولا يجوز إقرار العبد بالسرقة على مولاه، ولا يقطع إلا بصحة البينة، ولو ~~وجدت السرقة قائمة. ومنهم من قال: إن وجدت معه وأقر بها قطع. # والسارق ms850 إذا احتج أن المال الذي سرق له والمتاع لم يقطع. # وإن ذهبت يمين السارق فلا تقطع اليسار ويترك بلا يدين، ولكن تقطع رجله ~~اليسرى. وكذلك إن كانت رجله اليسرى ذاهبة، وقد وجب قطعها لم تقطع اليمين ~~مكانها. وإن كانت رجله اليسرى شلاء؛ فقد قيل: لا تقطع اليمين. # والطرار إن طر طرة وهي خارج لم تقطع. # وإن أدخل يده في كم القنان وطرها قطع، وإن حل الصرة وأخذ ما فيها قطع. # وإن دخل على قوم فسرق المتاع وشهر السلاح، فلا يلزمه أكثر من قطع يده؛ ~~لأنه ليس بمحارب. # وإن أشهر السلاح ودخل عليك منزلك فقاتله. # وإن شهد شاهدان على رجل، فقال أحدهما: رجل من البصرة، وقال الآخر: من ~~عمان، /791/ وشهد على أنه سرق من رجل بعينه؛ فإنه يغرم المتاع ولا يقطع. PageV04P141 # ومن رفع على السارق فلما قدم ليقطع، قال: لي في المتاع شريك، أو في الثوب ~~شريك فلم يقطع؛ لأن على الحاكم أن يسأل صاحب المتاع ألك فيه شريك؟ فإن سأل ~~الحاكم الذي له المتاع فقال: ليس لي فيه شريك فلما قطع يد السارق أقر أن له ~~في المتاع شريكا؛ فإن على صاحب المتاع القصاص. وإن لم يسأله وقطع يد السارق ~~بغير مسألة منه، ثم أقر صاحب المتاع بشريك؛ فإن على الحاكم دية في بعض ~~القول: في بيت المال، وعلى السارق ضمان المتاع. وإن أقر بشريك والشفرة على ~~يد السارق؛ فإنه يرفع القطع، ويلزمه الجرح. # وإن جبر المولى عبده فسرق فلا قطع على أحد؛ فأما إن سرق العبد بلا جبر من ~~المولى ولا بأمره؛ فإنه إن صح عليه قطع العبد. # وإن أمر رجل رجلا أن يسرق فسرق؛ فعلى السارق القطع وعلى الآمر الوزر. # وإن أمر عبده بقتل إنسان؛ فالقتل على المولى. وإن أمر عبد غيره لم يلزم ~~الآمر قود، وذلك في رقبة العبد. # ومن سرق كلبا من حصن وهو حارس أو صائد يسوى أربعة دراهم؛ فعلى السارق القطع. # ولا قطع على من سرق ثوبا من بيت الحمام؛ لأنه قد أذن للناس ms851 أن يدخلوه؛ ~~لأن من دخل بإذن لا قطع عليه. # وكل بيت أذن للناس الدخول فيه مثل عرس أو غيره لا قطع على من دخل وسرق، ~~وهو خائن وعليه الضمان. # والنباش يقطع ولو نبش وجاء آخر أخذ الثياب؛ قطع النباش، ولم يقطع الآخر. # وسارق السارق القطع على الأول دون الآخر. # ومن سرق صبيا قطع، كان سرقه من بيت أو غيره عبدا أو حرا. وقد قيل: لا قطع ~~في الحر. # وإذا سرق جماعة دابة؛ فلا قطع عليهم حتى يقع قيمة ذلك على كل واحد ما يجب ~~عليه القطع، أقل من ذلك أربعة دراهم، ثم يكون عليهم القطع. # ولا يقطع المختلس وقيمة السرقة التي يجب فيها القطع بقيمة عدلين من ~~||أهل|| ذلك المكان الذي تكون فيه السرقة، فإن لم يكن فيه عدول فمن أقرب ~~ذلك إلى المكان. PageV04P142 # ومن نقب بيتا فأدخل رأسه فضربه صاحب البيت فقتله؛ فقد قيل: جائز له قتله. ~~قال بعض: ويحلف ما قتله، ويحرك لسانه سرا ما قتله ظالما له -بينه وبين نفسه-. # [في القصاص] # والذي منعته زوجته نفسها فضربها فقتلها، فإن كان ضربها على مقتل؛ فعليه ~~القود. وإن ضربها في البدن والظهر فماتت من حينها؛ فعليه الدية. # ومن أمر المعلم بضرب ولده يؤدبه فضربه فمات؛ فإن على المعلم الدية، ويتبع ~~المعلم والد الغلام بالدية، وسل عن ذلك. # ومن نظر في جوف بيت قوم من كوة، فرماه صاحب البيت ففقأ عينه؛ فلا شيء على ~~صاحب البيت؛ لما روي عن النبي ^: أنه رمى رجلا بمشقص، وقد رآه ينظر إليه من ~~كوة فأخطأه وقال: «لو أصابك لأهدرت دمك». # وعن جبار استكره رجلا على وطء امرأة حتى وطئها؟ قال: عليه عقرها ولا حد ~~عليه. فإن استكرهه على أخذ شيء من أموال الناس؟ قال: عليه ضمان ما جنى بيده ~~من أموال الناس، ويهدر عنه ما كان من حق الله فيما قد رأى الجبار يقتل ~~عليه، ويقوم عليه بسيف مخترط. # [في حكم السارق] # وقد روي عن النبي ^ قال: «لا يسرق السارق [حين يسرق] وهو مؤمن»، ms852 فإن تاب ~~فإن الله يتوب عليه، فإن لم يؤد السرقة التي سرق كان منافقا وكان كافرا، ~~والله لا يحب كل خوان كفور ولا يهدي كيد الخائنين، ولا يرضى عمن اتبع سخطه، ~~وإنما يرضى عمن اتبع رضوانه. # ومن لم يتب توبة صادقة استغنى الله عنه، ومن خان أمانته وأكل مال اليتيم ~~فلم يؤد الذي سرق كان من الخائنين، ولم يسم الله السارق مؤمنا ولا الزاني ~~ولا الزانية مؤمنة. # وعن النبي ^: «لا يسرق السارق [حين يسرق] وهو مؤمن» ولكنه ظالم، فقال: ~~{ألا لعنة الله على الظالمين}، {فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب ~~عليه إن الله غفور رحيم}. PageV04P143 # 143- باب: # مسألة: في المتلاعنين # - وسأل عن المتلاعنين؟ # قيل له: هو الرجل يقذف امرأته بالزنا ولا بينة له، ويرفع إلى الحاكم ~~فيلزمه أن يلاعنها، قال الله تعالى: {والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم ~~شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين * ~~والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين * ويدرأ عنها العذاب أن ~~تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين * والخامسة أن غضب الله عليها إن ~~كان من الصادقين}. # وقيل: إن هذه الآية نزلت في رجل يقال له: هلال بن أمية من بني عجلان، جاء ~~إلى النبي ^، ذكر له أنه وجد رجلا يغشى امرأته؛ فوقف النبي ^ و||كب|| ~~أصحابه فظنوا أن صاحبهم يحد؛ فقال الرجل: "لقد رأت عيناي، وسمعت أذناي، ~~ووعى قلبي، وعلمت أن الله لا يظلمني، وأن رسول الله ^ لا يجور علي"، فبينما ~~هم كذلك، إذ نزلت آية التلاعن؛ فلاعن النبي بينهما، وفرق بينهما. فقال ~~الرجل: يا رسول الله، مالي، فقال: «لا مال لك إن كنت صدقت فيما أصبت منها، ~~وإن كنت كذبت فذلك أبعد لك، أما إن أحدكما كاذب وحسابكما على الله»، فمضت ~~السنة والكتاب في الملاعنة، فيمن قذف امرأته ولا تكون معه بينة. # [صفة الملاعنة] PageV04P144 قال: إنهم إذا رفعوا إلى الحاكم وأرادوا ~~الملاعنة، يقوم الرجل بين يدي الحاكم بعد العصر في المسجد فيحلف أربعة ~~أيمان بالله، ms853 يقول: أشهد بالله الذي لا إله إلا هو إني لصادق فيما قذفت به ~~فلانة ابنة فلان من الزنا أربع مرات، وفي الخامسة يقول: {لعنت الله عليه} ~~يعني: نفسه {إن كان من الكاذبين} في قوله. {ويدرأ عنها العذاب} لا حد عليها ~~بعد أن تشهد. # ثم تقوم المرأة مقام زوجها تقول أربع مرات: أشهد بالله الذي لا إله إلا ~~هو أني لست بزانية، وإن زوجي لمن الكاذبين علي في قوله، وتقول الخامسة: {أن ~~غضب الله عليها} تعني: نفسها {إن كان} زوجها {من الصادقين} في قوله. ثم ~~يفرق الحاكم بينهما. # قال الله: {ولولا فضل الله عليكم ورحمته} لأظهر على المذنب، {وأن الله ~~تواب حكيم}، ثم يفرق الحاكم بينهما ولا يجتمعان أبدا، وتأخذ المرأة المهر ~~من زوجها. والولد الذي تبرأ منه الزوج ترثه أمه، ولا يرثه الذي لاعن أمه. # وإن أكذب نفسه بعد أن فرغا من الملاعنة؛ جلد الحد، والولد ولده يرثه ولا ~~يجتمع هو وامرأته أبدا. # فإن أكذب نفسه قبل أن يفرغا من الملاعنة يجلد ثمانين جلدة، والمرأة ~~امرأته، والولد ولده. فإن صدقته امرأته قبل الملاعنة أو بعد ذلك ترجم ~~امرأته. وليس بين المرجومين ميراث. # فإذا قال الذي يلعن نفسه: لعنة الله علي، قال الحاكم: لعنة الله عليك. # قيل: "أربعة ليس /794/ بينهم وبين نسائهم لعان: الحر المسلم تكون تحته ~~يهودية أو نصرانية أو أمة؛ فليس بينهما لعان. والمرأة الحرة المسلمة تكون ~~تحت مملوك فليس بينهما لعان". PageV04P145 # قال: الرجل إذا علم من امرأته زنا فلم يرفع إلى الحاكم كان أفضل، ويفرق ~~بينهما ولا يجتمعان أبدا إذا عاين الزنا، وذلك في الحر والمملوك والأمة ~~والحرة، ولا يجتمعان أبدا في الزنا. # وإذا قذف الرجل امرأته بالزنا من غير أن يراها، ولم يرفع ذلك وسترا على ~~أنفسهما كان أفضل. # فإن أكذب نفسه فهي امرأته، وإن تم على قذفه حتى يصير أمرها إلى السلطان ~~فإن كان معه أربعة من الشهود يشهدون على ما قال فقد برئ الزوج، وعلى المرأة ~~الحد وهو الرجم إذا كان قد جاز بها. # وإن ms854 لم تكن بينة فاللعان بينهما، ولا يكون إلا بين يدي الإمام أو القاضي. # فإن التعنا كل واحد ثلاث مرات بأمر الحاكم؛ فقد أخطأ فليردهما حتى ~~يستأنفا اللعان، ولا يعتد بما مضى. وإن لم يقدر عليهما فليس بينهما رجعة ~~ولا ميراث بعد أن يصير أمرهما إلى الحاكم. # فإذا قال الرجل لولد ولدته امرأته: إنها استكرهت على نفسها، وليس الولد ~~منه؛ فالولد للفراش ولا لعان بينهما، ولا حد وهو زوجها. # وعن رجل رمى امرأته بالزنا، وزعم أن ولدها ليس منه، ثم إنه مات من قبل ~~الملاعنة؛ فقيل عن ابن عباس: "تلاعن المرأة نفسها وترثه، والولد ولده ~~ويرثه". # وإذا تزوج رجل امرأة فولدت لستة أشهر؛ فإن الولد للزوج، وإن رماها وانتفى ~~منه لاعنها، والولد ولده طائعا أو كارها، ولها مهر كامل. وإن ولدت لخمسة ~~أشهر مذ يوم تزوجها؛ فإن الولد لها ولا يلاعنها ويفرق بينهما. # وشهادة الزوج جائزة إذا شهد معه ثلاثة نفر بزنا امرأته. # وإن شهدا اثنان والزوج الثالث وقعت الملاعنة بينهما. # وإذا حلفت المرأة جلد الشاهدان، وصارا بمنزلة من رماها. وإن لم تحلف أقيم ~~عليها الحد، ولا حد على الشاهدين. # فأما إن شهد عليها اثنان أو ثلاثة، وليس فيهم الزوج فليس عليها أن تلتعن، ~~وعليهم الحد بالقذف. PageV04P146 # في رجل طلق امرأته فادعت أنها حبلى بعد الطلاق وأنكر هو ذلك؛ فليس بين ~~المطلقين لعان. # قلت: فإن ادعت /795/ أنه باشرها، وإنما أرادت الصداق كاملا؛ فإن أقامت ~~شاهدي عدل أنه أغلق عليها بابا، أو أرخى عليها سترا سرا أو علانية؛ فالقول ~~قولها في المباشرة، والولد ولده إذا جاءت به لستة أشهر مذ دخل بها من قبل ~~أن يطلقها. فإن قذفها بالزنا ورفع ذلك إلى الحاكم؛ فاللعان بينهما ما لم ~~يفارقها، وإن لم يصح دخوله بها؛ فالقول قوله، والولد ولدها. # وإذا طلقها وقد صح دخوله بها، ثم جاءت بولد فأنكره؛ فالولد ولده، ولا ~~لعان بينهما. وإن قذفها بعد ذلك فعليه الحد لها. # قال بعض الفقهاء في رجل قذف امرأته ثم ارتدت عن الإسلام ثم أسلمت، ms855 قال: ~~إن صار أمرهما إلى الحاكم لزمه في ذلك الحد إن أكذب نفسه، وإن تم على قذفها ~~لاعنها وحرمت عليه أبدا. # في رجل قذف امرأته ثم طلقها ثلاثا؛ قال: عليه الملاعنة. قال غيره: خلاف ~~في ذلك إذا قذفها ثم طلقها طلاقا رجعيا؛ فإنه يلاعنها. وإن طلقها طلاقا ~~بائنا لا يملك فيه الرجعة؛ فعليه الحد. وإن طلقها ثم قذفها فعليه الحد ولا ~~تكون ملاعنة. # وعن محمد بن محبوب: إن قذفها بالزنا ثم طلقها ثلاثا لم يكن بينهما لعان، ~~ويدرأ عنه الحد، قال: لأنه قذفها لشيء قبل أن يتزوجها. # وإن أقر رجل أنه قذف امرأته قبل أن يتزوجها؛ فعليه الحد. وإن قالت: زنيت ~~بك قبل أن أتزوجك؛ فقد قيل: يلاعنها. # ولا اختلاف بينهم فيمن قذف امرأته أنه رآها تزني قبل أن يتزوج بها؛ فأوجب ~~قوم: بينهما الملاعنة.ولم ير ذلك آخرون، ورأوا عليه الحد. # وعن الربيع: أن الملاعنة لها السكنى والنفقة ما دامت في العدة. ولا أقول: ~~لها نفقة. PageV04P147 # ورجل قال لزوجته: يا زانية، قالت: زنيت بك؛ قال: عليها حدان. فإن رجعت عن ~~إقرارها عن نفسها؛ فلا عليها إلا حد واحد لقذفه. # وامرأة رمت زوجها بالزنا؛ فإن أقامت عليه بينة رجم ولها صداقها، وتعتد ~~عدة المتوفى عنها زوجها، والله أعلم بالميراث. # ومن قال: زنيت بفلانة ثم أنكر؛ فعليه حد القذف، ويدرأ عنه حد الزنا. # والأعمى إذا قذف إنسانا ينازعه؛ فقيل: إنه لا حد عليه إذا ظن أنه فلان ~~الذمي أو المملوك. وإن تسمى باسم رجل مسلم معروف؛ فعليه الحد إذا وصفه، ~~قال: فلان ابن فلان وقذفه. فأما إن قال: فلان ابن فلان فاحتج أنه لم يرد ~~هذا، /796/ وإنما قذف ذميا يواطئ اسمه فله بذلك حجته. # وإن جاءت امرأة رجل بولد فأنكره؛ فلا لعان بينهما حتى يقول: ليس هذا ~~ولدي، هذا ولدك من زنا؛ فبينهما الملاعنة. # والمتلاعنان يفرق بينهما بلا طلاق، ويشهد على ذلك شهود ليجوز بذلك ~~التزويج إذا انقضت عدتها؛ لأنه قذفها عند الحاكم، فحرمت عليه، ويفرق الحاكم ~~بينهما، ويجوز التزويج، وينبغي للحاكم ms856 أن يشهد بالفراق بينهما. # واللعان بين الذمي والذمية. # في أربعة من النصارى شهدوا على نصراني أنه زنى بمسلمة استكرهها أو ~~طاوعته؛ فإن شهادتهم عليه جائزة إذا كانوا عدولا. وإن شهدوا أنه استكرهها ~~لزمه عقر مثلها. وإن شهدوا أنها طاوعته لم تقبل شهادتهم. وعلى كل واحد منهم ~~التعزير بقذفهم إياها، ولا يلزمها هي حد ولا تعزير بشهادتهم. والنصارى في ~~مثل هذا الموضع لا تجوز شهادتهم ويعزرون، وتسقط شهادتهم عن النصراني أو عن ~~المسلمة. # [ كتاب الجهاد ] # 144- باب: # مسألة: في الجهاد أيضا غير ما تقدم في الكتاب # - وسأل عن فضل الجهاد، وقيل ما هو؟ PageV04P148 # قال الله: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص}، ~~ومحبة الله جنته؛ فهذا أفضل الجهاد. وقال: {يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم ~~على تجارة تنجيكم من عذاب أليم * تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل ~~الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون}، وهذا من أفضل الجهاد. # فالجهاد في سبيل الله فريضة من فرائض الله، لو تركها أهل الإسلام جميعا ~~كفروا، وقد قيل: في قيام من قام بذلك من المسلمين عذر المتخلفين: «ولا يبلغ ~~العبد حقيقة الإيمان حتى يوالي في الله، ويعادي في الله»، فمن أمكنه وكان ~~في الموضع الذي ينكر فيه بيده أو بلسانه فعل، ومن لم يمكنه ذلك فبقلبه، ~~وذلك أضعف الإنكار. # وقد قيل: في قول الله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} أن نقيم في ~~أموالنا وندع الجهاد. وقد قيل: عن أبي بكر قال: سمعت رسول الله ^ في القيظ ~~في العام الأول في هذا الشهر على هذا المنبر يقول: /797/ «ما ترك قوم ~~الجهاد في سبيل الله إلا أذلهم الله، وما ترك قوم الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر إلا أعمهم الله بعقاب». # عن النبي ^ قال: «بعثت بالسيف، والجنة تحت ظلال السيوف»، وقد قيل إنه ~~قال: «وجعل رزقي تحت ظل رمحي فويل لمن خالفني». # وكان إذا بعث السرية قال: «بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله، ~~ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان»، ms857 وكان لا يلتثم في الغبار، وقال: ~~«لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد مؤمن أبدا». PageV04P149 # وقد قال: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم ~~الأدبار}، وقد قيل: ذلك يوم بدر خاصة. وقد رخص لهم يوم أحد وعفا عنهم، ~~قوله: {إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة} مستطردا يريد الكرة إلا من ~~عذر، ومن رجع قبل ذلك فلا لوم عليه، ومن رجع منهزما بعد بدر؛ فقد قيل: إن ~~النبي ^ عذرهم وقال: «أنا فئة للمسلمين»وقد ||قيل||: قالوا: "نحن الفرار"، ~~فقال: «بل أنتم الكرار إن شاء الله». # ومن بغته عدو لا طاقة له به؛ فله أن يهرب عنه، ومن بارز العدو الكثير ~~بنفسه طلب الفضل فله الثواب ولا يؤمر بذلك. # وقد قيل: لا يحمل الرجل على القوم إلا بإذن الإمام، ولم يبارز حمزة وعلي ~~يوم بدر إلا بإذن النبي ^، وأبو عبيدة أيضا. # وقد قيل: يكره أن يباشر الإمام القتال بنفسه؛ لأن في قتله فشلا على الجيش. # ومن دهمه قتال في بلده وموضعه فله أن يقاتل ويدفع مع العادلين والجائرين ~~ولو كان عليه دين، أو كره عليه والده القتال. فأما إن أراد أن يخرج إلى ~~الجهاد في غير بلده فلا يخرج إلا مع أهل العدل وبعد الخلاص، وبإذن والديه ~~إن كان قد علم منهما كراهية لخروجه. # وقد قيل: إن رجلا قال للنبي ^: "أردت الغزو وأردت أن أستشيرك"، قال له: ~~«ألك والدة؟» قال: نعم. قال: «الزمها فإن الجنة تحت رجلها». # ولا يخرج حتى يخلف لعياله ما يصلحهم ويقوم بشأنهم، فإن لم يفعل فإن سعيه ~~عليهم أفضل. /798/ # وإذا غزا المسلمون المشركين في بلادهم، والمجتمع في رأي المسلمين أنهم لا ~~يقاتلونهم إلا بعد الدعوة إلى الإسلام، فإن دخلوا في الإسلام قبل منهم، ~~وكان لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم. وإن امتنعوا من الدخول في الإسلام ~~حل قتالهم، وغنيمة أموالهم، وسباء ذراريهم ونسائهم. PageV04P150 # فأما إذا لقيهم المسلمون في البر والبحر من غير بلادهم؛ فقال بعض: ~~يقاتلونهم بغير دعوة. ومنهم من ms858 قال: لا يقاتلون إلا بعد الدعوة. # وإن بهتهم العدو وقدر عليهم بعد ذلك؛ فلا دعوة لهم غير الأول. # ومن قدر عليه منهم بالغا قتل، إلا أن يدخل في الإسلام فلا يحل قتله. وإن ~~كان غير بالغ فهو غنيمة. # ويستخدمون ويجبرون على الإسلام، ولا يتركون على دين آبائهم؛ لأنهم قد ~~صاروا للمسلمين، ويجاز منهم على الجريح؛ لأنهم خلاف أهل الصلاة. # ومن أسلم من البالغين من قبل أن يظفر به فلا سبيل عليه، قال الله: {ولا ~~تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا}، فمن أسلم من الأسرى استخدم، ومن ~~لم يسلم قتل، ولم يتبع إذا كان بالغا. # والحكم في عبدة الأوثان ألا يقبل منهم إلا الإسلام أو القتل، إذا كانوا ~~من العرب، فهم أحرار إذا أسلموا. فأما أهل الكتاب فإنهم يسترقون وتقبل منهم ~~الجزية. # والسيرة في مشركي العرب أن الله أحل دماءهم وأموالهم واستعراضهم، وصدهم ~~عن المسجد الحرام، بقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم}، وقوله: {فلا ~~يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا}، وحرم مناكحتهم وموارثتهم وأكل ~~ذبائحهم، ولا يقروا على دينهم، وقال: إنهم نجس، وقال: {ولا تنكحوا ~~المشركين}، ولا يقبل منهم إلا الإسلام أو ضرب أعناقهم. # فأما من كان يهوديا أو نصرانيا أو صابئا وأقر بالجزية؛ قبل ذلك منه وأقر ~~على دينه، وحرم على المسلمين دماؤهم وأموالهم وسباؤهم، وأحل للمسلمين ~~طعامهم والمحصنات من نسائهم الحرائر. # وأما إن كانوا أهل حرب للمسلمين غنمت أموالهم وحل سباء ذراريهم ونسائهم ~~وقتالهم، وحرمت مناكحتهم؛ لأنه لا يحل نكاح امرأة وسباؤها للمسلمين. PageV04P151 # ومن كان مجوسيا فأدى الجزية قبل ذلك منه؛ لما روي /799/ عن النبي ^ أنه ~~قال: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب»، وحرمت مناكحتهم ودماؤهم بعد الجزية، ولا ~~تحل مناكحتهم ولا أكل ذبائحهم إذا كانوا سلما. # ولا تحل الموارثة بين المسلمين وأهل الملل، حربا كانوا أو سلما، والسباء ~~على الذين نقضوا العهود، وحاربوا من أهل الذمة، على النساء والذراري الذين ~~ولدوا بعد نقض عهدهم وإن لم يحاربوا، وبذلك جاءت السنة عن رسول الله ^؛ فكل ~~من نقض عهد المسلمين ولم ms859 يرجع إلى تمام عهدهم، فأولئك الذين حلال دماؤهم ~~وسباء نسائهم، وذراريهم الذين ولدوا بعد نقض عهدهم وغنيمة أموالهم ممن ~~كانوا في ذلك الموضع الذي فيه الناقضون العهد المحاربون المسلمين. # وفي السنة أن رسول الله ^ حكم بذلك مجملا، وأحله منهم، ولو كان لهؤلاء ~~المحاربين أرحام ونساء وذرار في بلد غير البلد الذي نقضوا العهد فيه، ~~وحاربوا فيه لم يحل للمسلمين سباؤهم وهم في البلد الآخر، إلا من هرب من ~~النساء والذراري من ذلك البلد الذي وقعت فيه المحاربة من بعد أن وقعت بينهم ~~وبين المسلمين أولئك عليهم السباء. # وأما من هرب منهم من بعد وقوع الحرب إلى بلد آخر، فأولئك لا سباء عليهم. ~~وإن ألقوا بأيديهم ورجعوا إلى تمام عهدهم قبل منهم، وأهدر عنهم ما أصابوا ~~في حال نقضهم من الدماء وغير ذلك من الأموال في حال المحاربة وقبل المحاربة ~~إذا فاؤوا إلى الرجعة، ليس هم في هذا مثل أهل البغي من أهل القبلة؛ لأن ~~أولئك إنما يهدر عنهم ما أصابوا في حال المحاربة. # مسألة # وأما البوارج، فقد قيل في الدعوة لهم باختلاف. فأما إذا غزاهم المسلمون ~~إلى بلادهم، فلا بد من الدعوة لهم إلى الإسلام، فإن قبلوا قبل منهم، وإن ~~حاربوا قوتلوا. PageV04P152 # فأما إن لقيهم المسلمون في البحر أو في غير بلادهم قوتلوا بلا دعوة، أو ~~كمن لهم فلا بأس. وأحب إلي الدعوة لهم ويعرض عليهم الإسلام، فإن دخلوا فيه ~~وإلا قوتلوا، وإن أقروا قبل ذلك منهم، وأخذوا حتى يقدموا على الإمام، ويعلم ~~صدق دخولهم وحتى يؤمنوا. # وقد قيل: /800/ يجوز الوقوع بهم وهم نيام في البحر، وأحب إلينا -أيضا- أن ~~يدعوا إلى الإسلام، إن لم يكن بينهم وبين المسلمين قتال. # وإن كان بينهم وبين المسلمين قتال أو على يقين أنهم هم الذين يغزون ~~المسلمين لم نر ذلك حراما. # وقد أجاز بعضهم تحريق العدو من البوارج بالنار، وكره ذلك قوم، ولا نحب ~~ذلك؛ لقول النبي ^: «لا ينبغي لأحد أن يعذب أحدا بعذاب الله»، وإن كان أحد ~~معهم مسبا، فيقال لهم: من كان ms860 مسبا فليعرفنا مكانه لئلا يقتل. # فإن كان بوارج عدة، فقالوا: إنا تجار، فإنهم لا يقتلون ولا يخلى سبيلهم، ~~ولكن يوصلون إلى الإمام، ولا يعرض لهم بسوء حتى يعلم صدقهم. # وإن وجد المسلمون سفن البوارج معلاة فلهم أخذها، وإذا ظفروا بعدوهم فلهم ~~أن يسبوا من الذرية، ويأخذوا من الأموال ما قدروا عليه، وما أمكنهم من ~~المنازل والقرى، فقد غنم رسول الله ^ وسبى ما قدر عليه في وقعة حنين، إلا ~~أنه رد السباء؛ لأنهم عرب. # وقد غنم عمر الأموال وجازها رسول الله ^ غنم خيبر، وجازها وسبى أيضا ~~وقاتلهم بعد الدعوة. # وإن حارب قرية أخرى فلا بد لهم من الدعوة، ولا يقاتلوا إلا من بعد دعوة ~~الإسلام، إلا أن يبدؤوا القتال، ومن قال من المشركين: لا إله إلا الله فقد ~~حقن دمه. وإن قال: أنا مسلم لم يقتل. وقد كان ذلك في أيام النبي ^ فقتل، ~~فأنزل الله: {ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا}، فأمر بالتبيين ~~فقال: {إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا}. PageV04P153 # ومن قتل بعدما قد علم فعليه دية يؤديها إلى ورثته أو جنسه من المسلمين ~~إذا لم تكن له ورثة في الإسلام، ومن قتل منهم وقد أسلم ولم يعلم بإسلامهم ~~فذلك خطأ في بيت المال؛ لأن رسول الله ^ كان يؤدي دية من قتل خطأ في مثل ~~ذلك، وعليه عتق رقبة في ماله. # ومن قال: أشهد أن محمدا رسول الله ^ فلا يقتل، ويعرض عليه الإسلام. # ومن أومأ أنه مسلم من العجم ويتكلم بكلام ما يتوهم فيه، فلا يعجل في قتله ~~حتى يعلم ما هو، فإن أسلم قبل منه؛ لأن الله حرم دماء المسلمين وأمر ~~بالتبيين، فقال رسول الله ^:/801/«لأن تأتوني برجل قد أسلم لأحب إلي من أن ~~تأتوني بماله ونسائه» أو قال: «بسباء ذريته»، نحوا من هذا وجدنا. # وكل من أمنه أحد من المسلمين من الأحرار البالغين والنساء، أو طمأنه ~~بكلمة مثل قوله: لا بأس عليك، فأمانه أمان ولا يقتل؛ لأن ذمة المسلمين ~~واحدة؛ لأن رسول الله ^ أجاز أمان زينب لابن ms861 أبي العاص، وقد قال: « ~~المسلمون يد على من سواهم، يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على عدوهم»، فمن ~~أعطى العهد والأمان من المسلمين فأمانهم أمان إذا كان الأمان عدلا. # وكل من دخل في الأمان فهو غنيمة، فإذا كان ممن يكون غنيمة تغنم ولو ~~أسلموا بعد الأمان في قول أصحابنا من البوارج. وأما المماليك فلا أمان لهم. # وأقل الغنيمة فلا يكون يخرج منها الخمس في أقل من خمسة دوانيق فضة أو ~~قيمتها. # وكذلك في كنوز الجاهلية الخمس؛ لأن رسول الله ^ قال: «في الركاز الخمس». # وقد أوجب الله الخمس في الغنائم كلها؛ فما غنمته ففيه الخمس من خمسة ~~دوانيق إلى ما أكثر، وقد يصح خمس الغنيمة من ستين سهما يخرج الخمس اثنا عشر ~~سهما فسهم الله، وسهم الرسول #، وسهم ذوي القربى يجعله الإمام فيما يراه ~~||اليوم|| صلاحا للدولة، ويشتري به الخيل والسلاح، كما كان أبو بكر يفعل به. PageV04P154 # وليس بقي أحد اليوم من ذوي القربى عندنا، فلله وللرسول ولذي القربى جميعا ~~لهم ثلاثة أسهم، ولليتامى ثلاثة أسهم، والمساكين ثلاثة أسهم، وابن السبيل ~~ثلاثة أسهم؛ فيفرق سهم اليتامى والمساكين حيث كانت الغنيمة أو حيث جهز ~~المسلمون، وأما سهم ابن السبيل فيدفع إلى الإمام فيرى فيه رأيه -إن شاء ~~الله-، ويفرقه الإمام على أبناء السبيل، كل واحد ما يراه ويستحقه لكل منهم. # وإن حضر أحد من قرابة الرسول أعطاهم الإمام، كل واحد قدر ما يراه الإمام. # وللإمام أن يعطي النساء قدر ما يرى، والعبيد الذين قاتلوا قدر ما يرى. # وقد قيل: يرضخ لهم، كل واحد منهم قدر ربع سهم الحر، وكذلك أهل الذمة يرضخ ~~لهم، وما بقي من المسلمين كلهم سواء، للفارس سهمان على قول أصحابنا، ~~وللراجل سهم، وإن لم يكن فارس فكلهم سواء. # وما أهدى المشركون إلى المسلمين من الهدايا في وقت الحرب فذلك /802/لأهل ~~العسكر خاصة الذين أهدي إليهم، وقد روي أن بعض المشركين أهدى إلى النبي ^ ~~جارية، فجعلها له ولم يجعلها غنيمة. # وإن صالح المشركون المسلمين على صلح يؤدونه إليهم كل عام، ms862 فذلك جزية وليس ~~بغنيمة. وإن صالحوهم على صلح يدفعونهم عن قتالهم سواء، فأحب أن يكون غنيمة. # وما غنموا من الأرض والأصول تكون صوافي، كما فعل عمر بفارس، جعلها صوافي، ~~ولو قسمت غنائم لكان ذلك لهم، قد قسم رسول الله ^ خيبر بين من قاتل، ولم ~~يجعلها صوافي. # ومن وقع في الغنيمة والداه، فأما الأم فإنها تعتق بحصة ولدها من الغنيمة. ~~وأما الوالد فإن الحكم فيه بالقتل، ويتولى قتله غير ولده إلا أن يسلم، فإن ~~أسلم فأحب أن يعتق -أيضا- من حصة ولده. # والإمام هو الذي يتولى قتل الأسارى، وإن لم يأمرهم ولم ينههم فقتلهم أهل ~~العسكر أو القائد فجائز. # والخيل والبراذين مثل الحمر لا سهم لهم. PageV04P155 # ومن تخلف عن الحرب، وعن السرية، وقد كان خرج عندهم فلا سهم له عندهم إلا ~~من أمره القائد أن يتخلف في بعض معانيهم فله سهمه، وإن تخلف في القرية ولم ~~يخرج فلا سهم له. # وإن تخلف مركب من المراكب برأي القائد، وهو من أصحابه، ثم خرج فسار قليلا ~~ووقعت الغنيمة، فهم شركاء فيها. # وإن كان تخلفهم بلا رأي القائد فلا سهم لهم. وإن قال لهم القائد: من لم ~~يخرج يوم كذا وكذا فلا سهم له عندنا. فمن تخلف فلا سهم له، وإن خرجوا أو ~~لحقوا الحرب فلهم سهامهم إذا خالطهم وقاتل معهم. # ومن مات أو قتل بعد الهزيمة فله حصته من الغنيمة، ولو كانت الغنيمة لم ~~تجمع. وأما إذا مات قبل هزيمة المشركين فلا سهم له. # وفي بعض الآثار عن أبي بكر: إذا أقام أحد من المسلمين شاهدين على مال ~~غنمه المسلمون من المشركين أنه له، ويدركه قسمت الغنيمة أو لم تقسم، وليس ~~على مال مسلم تلف، ويرجع الذي أخذ منه المال على أهل الغنيمة. # عن عمر قال: إذا أدركه بالبينة قبل أن تقسم الغنيمة أخذه، وإن أدركه بعد ~~ما قسمت لم يدركه، وقد قيل: إنهم أخذوا في هذا بقول أبي بكر. # وعلى قول: من غنم أبويه فإنهما /803/ يعتقان من حصته من الغنيمة، فإن كان ~~أكثر ms863 من حصته أتبعه أهل السهام في ماله. وإن لم يكن له مال استسعاهما أهل ~~السهام بما بقي لهم من قيمتهما. # وقد أجاز بعضهم أن يأكل الرجل في بطنه، ويعلف دابته من حصته، وما لم تضع ~~الحرب أوزارها، فإن شاء الإمام من على الأسارى وإن شاء قتلهم. # وإن وضعت الحرب أوزارها، فإن شاء قتلهم، وإن شاء فاداهم، وإن شاء ~~استعبدهم. # وعن أبي عبد الله قال: ليس للإمام أن يفاديهم ولكن يقتلهم، ولا يرسلهم ~~فيردهم إلى الشرك ولكن يستعبدهم. فإن دخلوا في الإسلام استعبدهم، ومن أسلم ~~قبل أن يظفر به فهو حر، ولا سبيل عليه. PageV04P156 # ومضت السنة في الغال من الغنيمة أن تحرق رجله ويحرم سهمه. وقال قوم: لا ~~يحرم سهمه ويحاسب بما سرق من الغنيمة، ولا حد عليه. # وقيل: إن رجلا سأل النبي ^ زماما من شعر فقال: «ويلك، تسألني زماما من ~~نار، والله ما كان لك [أن] تسألنيه، وما كان لي [أن] أعطيكه». # وفي الحديث أن النبي ^ قال: «من الكبائر خروجك من أمتك، وتبديلك سنتك، ~~وقتالك أهل صفقتك». فأما قوله: «خروجك من أمتك»: فالارتداد إلى الكفر، ~~«وتبديلك سنتك»: التعرب بعد الهجرة، «وقتالك أهل صفقتك»: هو أن تبايع قوما ~~على حق ثم تقاتلهم مع قوم أكثر منهم، {أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما ~~يبلوكم الله به}. # وقد قيل: لا يحل لمسلم في يد العدو إن قدر على الهرب من أسر العدو أن ~~يقيم معهم. وإن خرج بأمان على أن يأتيهم بفداء، فقد اختلفوا في ذلك: ولا ~~أرى أن يفيء لهم. # ومن أسره العدو وأخذوا زوجته فلا أحب له أن يطأها إن قدر على ذلك مخافة ~~أن يشركوه في الولد، ولا يفدى المسلم بالخمر، ولا بغير ذلك من الخمر. # وإن كان مع المشركين أسير، فلا يقتل المسلمون أسيرهم مخافة أن يقتل ~~المسلم. وإن كان في حبسه فساد في العسكر فإنه يقتل. # وجائز أن يشترى من المشركين ما سبى بعضهم من بعض في حال حربهم، وإن نقض ~~المشركون العهد، وقتلوا ثم رجعوا ms864 إلى تمام العهد قبل منهم، ولم يؤخذوا بما ~~قتلوا، ولا يؤخذ من الأموال إلا ما وجد في /804/ أيديهم. # وما أتى المشرك من قتل أو زنا أو سرق ثم أسلم، فقد محا الإسلام عنه ذلك، ~~إلا أن يكون أتى ذلك بين ظهراني المسلمين من حيث يجري عليه حكمهم، فإنه ~~يقام عليه حد السارق والمرتد. # ولا ينبغي لمن أسلم من المشركين في الشرك أن يقطع شيئا من أموالهم بجناية ~~ولا مكابرة وهو في أمانهم حتى ينابذهم وينابذوه الحرب. PageV04P157 # ولا يحمل المسلم السلاح إلى بلد الحرب، ولا ما يكون لهم فيه قوة على ~~المحاربة إلا أن تكون بلاد لا ينالها حرب المسلمين، مثل: الصين وغيره. # وإذا أسلم المملوك من أهل الحرب فهو حر. وإن أسلم مولاه؛ فقال أصحابنا: ~~يرد عليه، وإن أسلم مع سيده فهو عبده. # وقد أسلم أبو بكر وعنده عبيد من الطائف قبل مواليهم فلم يردهم رسول الله ~~^ وقال: «أولئك عتقاء الله»، ولا أدري ما حكم أصحابنا هذا. # قال النبي ^ على ما بلغنا يوم الطائف: «من خرج إلينا [من العبيد] فهو ~~حر»، فقد خرج من خرج وأسلم ولم يرده، والحر لا يرجع عبدا بعد إسلامه. # ولا يشتري المسلم العبيد من أهل الحرب إذا دخل إليهم بأمان إلا ما سبى ~~بعضهم من بعض في حال حربهم، في حال قدومه إلى بلادهم. # وإن قالوا: إنهم سبوا ذلك بعد قدومه، ورأى في ذلك أثرا يجوز له الأخذ ~~منهم، قبل في ذلك قولهم. ولا يجوز له أن يأخذ سباء الذين يأمن ويؤمن معهم. # وقد قيل: في نصارى سقطرى والصلح الذي كان عليهم: إنه ليس لهم نقضه، ولا ~~للمسلمين أن ينقضوا ذلك عليهم؛ فهم على أمرهم الأول على جميعهم، على عدد ~~رؤوسهم، على من كان موسرا منهم، ليس على الفقراء ولا على الزمناء ولا على ~~الصبيان ولا على النساء شيء من ذلك، ويؤخذ من قتل منهم، وإن هلك الذي قتلوه ~~به كان على جماعة الناس من أهل اليسار منهم، ليس على ما وصفت لك. # وعن امرأة ms865 من أهل الحرب تزوجها أسير من المسلمين فأظهر النصرانية ثم وجد ~~سبيلا فهرب؛ فإنها لا تحل له أبدا وإن أسلمت؛ لأنها حربية. وإن أبت أن تسلم ~~وأرادت الرجوع إلى بلادها فليس للمسلمين أن يمنعوها؛ لأن زوجها قد أمنها. ~~وإن كان في بطنها ولد، فإن أحكامه أحكام /805/ المسلمين. وإن أدرك وكفر قتل. PageV04P158 # وقد اختلف في فداء الأسارى من بيت المال؛ وقال آخرون: لا يفدون. وقال ~~آخرون: يفدون تطوعا. وقال قوم: إن كان عدو السرية أكثر من ثلث السرية فإنهم ~~يفدون، وإن كان مثلها أو أقل لم يفدوا من بيت المال. # وقد قيل: مضت السنة أنه لا يحل بيع العبد المسلم من أهل الحرب، ولا من ~~أهل العهد. # والإمام هو الذي يقيم الحد، حد الزنا على العبد وغيره، ولا يقيمه مولاه؛ ~~فهذا أحب إلي. # إنما الحديث الذي جاء أن يقيم الحد على أمته أن يمر بها إلى الحاكم فيقيم ~~الحاكم ذلك عليها. # وقد نهى النبي ^ عن التحريق، وبعث أبو بكر سرية فنهى عن التحريق. وقال ~~ابن عباس لما أمر علي بتحريق المرتدين: لو كنت أنا لقتلتهم؛ لقول النبي ^: ~~«لا يحل لأحد أن يعذب بعذاب الله». # وفي ملكين من أهل الشرك يقاتل أحدهما الآخر وهما صلح للمسلمين؛ فلا ينبغي ~~لأحد من المسلمين أن يعين أحد الفئتين. # فإن أعان أحد الملكين على الآخر وعلى من في مدينته من المسلمين؛ فقد نقض ~~الصلح، وجائز للمسلمين قتالهم، وأن يغنموا أموالهم. وقد قيل: لا يسبوا لهم ~~طفلا ولا امرأة، إلا امرأة أعانت على القتال. # والحربي إذا دخل في دار الإسلام بأمان واشترى عبدا مسلما فخرج به إلى دار ~~الحرب؛ فإن العبد يعتق؛ لأنه إذا وصل به إلى دار الحرب كان له أن يملك ~~مولاه، وأن يسبيه ويقتله. فلما كان له أن يفعل ذلك به من هذه الأشياء؛ عتق ~~من هذه الجهة. # وإذا زنى المسلم في دار الحرب بمسلمة؛ فإنه يحد إذا رجع إلى دار الإسلام. # وإذا زنى بحربية؛ فإنه يدرأ عنه الحد بالشبهة؛ لأنه يقول: لي أن ms866 أسبيها ~~وأملكها. وقد «نهى النبي ^ عن وطء الحبالى من السبايا»، وقال أيضا: «لا ~~يسقي أحدكم زرع غيره»: وقال: «لا توطأ الحوامل حتى يضعن ولا الحوائل حتى ~~يحضن» فهذه السنن تمنع من ذلك. PageV04P159 # وقد قيل: إن عمر قال لابنه: "لا تزن، ولا تطأ شيئا من الغنائم"، فلا يجوز ~~للرجل أن يطأ امرأة حتى تقع في سهمه، وحتى يستبرئ رحمها ويعلمها الغسل من ~~/806/ الجنابة، ويعلمها الصلاة وحلق العانة بعد إقرارها. # وفي أسير دعي إلى ا لنصرانية، وقيل له: إن لم تتنصر قتلتك، فتنصر وأكل ~~الخنزير وشرب الخمر؛ فإنه لا يحل له؛ لأن التقية تجوز في القول لا في ~~الفعل. وإنما قال الله: {إلا من أكره} إنما ذلك في القول لعمار حين أعطى ~~المشركين الرضى بالقول بلسانه، وقلبه مطمئن بالإيمان؛ فأنزل الله عذره. # وقد قيل: إن مسيلمة أخذ رجلين من أصحاب رسول الله ^، فقال لأحدهما: أتشهد ~~أن محمدا رسول الله؟ قال له: نعم. قال أفتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم. ~~فخلى سبيله. وكان يقبل ذلك من الناس. # وقال للآخر: أتشهد أن محمدا رسول الله، قال له: نعم. قال: أفتشهد أني ~~رسول الله؟ فقال: إني أصم، فضرب عنقه. # فبلغ ذلك رسول الله ^ قال: «أما المقتول فمضى على صدقه ويقينه وأخذ ~~بفضيلة فهنيئا له، وأما الآخر فقبل رخصة ربه فلا تبعة عليه». # وقيل: في رجل طعن برمح فمشى فيه حتى قتل صاحبه؟ قال: إن لم يعن نفسه بشيء ~~وقدر أن يقتل عدوه وهو في الرمح؛ فليقتل. # والشهداء إذا خرجوا من معرك الحرب |و|فيهم رمق حياة؛ غسلوا وكفنوا. وإذا ~~قتلوا في معركهم كفنوا في ثيابهم التي كانت عليهم بعد الصلاة، ولم يغسلوا، ~~ولم ينزع منهم شيء إلا الخفان والكمة، قيل: إن لم تكن عليها عمامة. # وإذا وجد بعض جسد الشهيد، وبعضه قد أكل وذهب، غسل ما وجد منه، وكفن وصلي ~~عليه. وإن وجد الباقي من جسده بعدما صلى على ما دفن غسل وحنط وكفن ولم يصل ~~عليه. وذلك أنه إذا عرف أنه بدن مسلم في ms867 موضع قتلى المسلمين. PageV04P160 # وقد قيل: إنه لا بأس بالقرعة في سهام الغنيمة ولا تقع القسمة حتى يخرج ~~الجيش من دار الحرب. وإذا مات أمير الجيش فأصابت كل طائفة غنائم وأقاموا ~~أميرا فهم فيه شركاء في ذلك على الأصل، إلا أن يعرفهم الإمام. # وقد قيل: إن النبي ^ قال في بعض غزواته: «من قتل قتيلا [له عليه بينة] ~~فله سلبه»، وقال بعض أصحابنا: لا ندري /807/ هذا صحيح أم لا!، فنحن عندنا ~~أن هذا خبر مستفيض أن النبي ^ يوم خيبر قال: «من قتل قتيلا فله سلبه»، وأن ~~أبا طلحة استلب ذلك اليوم خمسة وعشرين رجلا. # وقد قيل: إن البراء بن مالك قتل مرزبان الزارة فأخذ سلبه، وخمسه عمر، ولم ~~يقل: إنهم حدوه في الغنيمة. # وإن الزبير قتل من قتل في حنين -أو غيرها-، فأعطاه رسول الله ^ سلبه وغير ~~ذلك مما بلغنا. # وعن أم سليم قالت: غزوت مع رسول الله ^ سبع غزوات أداوي الجرحى وأسقيهم الماء. # وقد قيل: إن كل مال لم يقسم حتى يسلم صاحبه رد إليه. # وقد قيل: إن رجلا لقيه أصحاب النبي ^ فاجتاحوا ماله؛ فجاء إلى رسول الله ~~^ فأسلم؛ فقال النبي ^: «انظر مالك فما وجدت منه لم يقسم فأنت أحق به». # وإذا أسلم قوم ولهم دين على بعضهم لبعض ومطالب في حال شركهم، فإنهم ~~يؤخذون به، إلا ما كانوا يستحلونه في دينهم؛ فإنه موضوع عنهم. وما كان في ~~أيديهم للمسلمين فإنه يرد إلى أهله. # وإذا سالم أهل الحرب وأعطوا الجزية وقد كان في أيديهم مال للمسلمين ~~ورقيق؛ فإن للمسلمين أن يأخذوا من ذلك مالهم إلا أن يتركوه برأيهم. وأما ~~الرقيق فلا يتركوه في أيديهم. # وعن رجل دخل بأمان دار الحرب، فقتله رجل من أهل الحرب، وأخذ ماله عمدا ~~غصبا، ثم إن أهل الحرب أسلموا؛ فقال بعض: ليس عليه شيء. وقال قوم: يرد ~~المسلمون ماله ورقيقه وليس عليه قود. PageV04P161 # وإن دخل الحربي بأمان دار المسلمين، فقتله مسلم أو غصبه ثم لحق بدار ~~الشرك ثم أسلم: قال من قال: إن قتله عمدا فعليه ms868 القود، وعليه أن يرد عليه ~~ماله، وليس للإمام أن يؤمنه على ما أصاب. # وكذلك فعل رسول الله ^ في مقيس بن صبابة في قتله الأنصاري. وكذلك في ~~الرجل الذي قتل الأنصاري أو القرشي ولحق بمكة مشركا، فأمر النبي ^ بقتلهما، ~~ولم يؤمنهما /808/ وقتلهما كليهما على الشرك. # وإذا أسلم العبد قبل أن يسلم مولاه؛ فهو على قول أصحابنا: حر، إن خرج من ~~دار الشرك إلى دار المسلمين. وإذا أسلم في دار الحرب وهو مملوك فأسلم مولاه ~~بعده قبل أن يخرج المملوك إلى دار الإسلام؛ فهو مردود على مولاه. # فإن أسلم ومولاه مشرك ثم خرج من دار الحرب إلى دار الإسلام؛ فعن بعض قال: ~~يترك في بلاد المسلمين لا يرد إليه، فإن طلب سيده أمر ببيعه، وإن أسلم فهو ~~أولى به، وهذا خلاف للأول. والسنة جاءت أن «من خرج إلينا فهو حر». وقال ~~النبي ^ لأهل الطائف: «أولئك عتقاء الله». # وإذا أسلم الذمي ودخل إلى دار الإسلام، فترك في دار الشرك ماله وزوجته ~~وولده ثم ظهر عليهم المسلمون؛ فما كان له من مال فهو له، وولده الصغار تبع ~~له، وأما أولاده الكبار وزوجته فإن لم يسلموا فهم فيء للمسلمين. # وأهل الحرب: كل بلدان الشرك الذين هم ليس في طاعة أهل الإسلام، نحو بلاد ~~الهند والزنج ونحوهما. # فأما دخولهم إلى المسلمين ودخول المسلمين إليهم؛ فبجواز ولا محاربة فيمن ~~أجازه المسلمون فدخل بلادهم وصار آمنا عندهم. وكذلك من أجازه المسلمون ~~منهم، ومن أهل السفينة والبلاد الذين قدم إليهم؛ فذلك صلح ويكتفى بأمانه. PageV04P162 # وقد يوجد في بعض الآثار: أنه لم يفرض القتال على النبي وأصحابه حتى يكثر ~~عددهم، وقووا على عدوهم وأيدهم بالملائكة ينصرونهم بالرعب، وكل أهل الإسلام ~~بعد النبي ^ يقاتلون ويظهرون الفراق لمن عصى الله إذا بلغوا أربعين رجلا ~~أظهروا الحق، ودعوا إلى الحق والعدل، وخطبوا بالولاية والبراءة، وقاتلوا ~~أهل المعاصي الذين تركوا الحق وانتهكوا الحرمات؛ فقاتلوا على إنكارهم ~~المنكر حتى قتلوا &. # وقد قيل: إن يهوديا أذعر بامرأة حمارا فصرعت فانكشفت عورتها، فأمر عمر بن ~~الخطاب أن ms869 تقطع يده، وقال: "ليس على هذا صالحناهم". # وفي الأثر: أن الذي يريد أن يدخل في الإسلام من أحد من المشركين أن يغتسل ~~ويتطهر، ثم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا ^ عبده ورسوله، وأن ما جاء ~~به محمد عن الله هو /809/ الحق، وقد دخل في الإسلام، ثم يؤمر بالختان ~~وتعليم الفرائض. # باب: # مسألة: في قتال أهل البغي # وقد قدمنا قبل هذا في الكتاب قتال أهل المحاربة وأهل البغي، وسنزيد من ~~ذلك ما يكون فيه بيان -إن شاء الله-. # ومن أقر للمسلمين بما نسبوه من دينهم وأقر بجملة الإسلام، وجبت ولايته ~~ومودته وحقه, وكان له ما للمسلمين وعليه ما عليهم. # ومن أحدث حدثا في الإسلام نظر المسلمون في حدثه؛ فإن كان في حدثه إنكار ~~لله ولرسوله ولكتابه، خرج من الملة التي كان أقر بها وصار مشركا، حلال دمه ~~وماله إن لم يتب، حرام موارثته ومناكحته، ويسمى بالملة التي دخل فيها ولزمه ~~حكمها، وقد جاء الحديث: «أن من بدل دينه فاقتلوه». # وإن كان حدثه معصية توجب النار وهو مقر بالنبي وبالقرآن, ومقر بحكمهما ~~ويدين بتحكيمهما, جرى عليه الحكم بتلك المعصية، وسقطت ولايته، وإن تاب قبلت ~~توبته، وإن هلك قبل توبته برئ منه المسلمون. PageV04P163 # وإن كان حدثه في سهو وتأول شبهة برئ منه, وأخذ بحدثه، فإن امتنع بحدثه ~~فإنه يقاتل حتى يفيء إلى أمر الله، ولا يغنم له مال، ولا تسبى له ذرية، ولا ~~تنكح له زوجة ما دامت في عصمته، ما أقر بالنبي ^ وبالقرآن, وليس المقر ~~بالتنزيل كالمنكر للتنزيل، والسيرة في المقرين والمنكرين كما أمر الله وسار ~~به رسول الله ^ والخلفاء من بعده. # وفي الآثار: إن من سيرة المسلمين في قومهم أن لا يسبوا ذراريهم, ولا ~~يغنموا أموالهم، ولا يقتلوا أحدا منهم بغيلة, ولا يأخذوهم بمحنة، ولا ~~يسموهم مشركين ما ثبتوا على الشهادتين, ولكنهم بغاة بامتناعهم عن الحق، ~~يقاتلون على ما نقضوا من دين الله وامتنعوا به، فإن أقروا به وأعطوه وفاؤوا ~~إلى أمر الله حرم دماؤهم. # والمسلمون لا يعترضون الناس, ms870 ولا يقتلونهم بغير حق, ولا يلعنونهم ولا ~~يبرؤون منهم وهم يقرون بالحكم ويرضون به, ولا يقاتلون قوما حتى يدعوهم إلى ~~الإسلام, ولا يأخذون بشبهة, ولا ميلولة في هوى، ولا حد في شبهة، ولا يخيفون ~~آمنا، ولا يقطعون سبيلا، ولا يقطع رحما، ولا ينقضون عهدا، ولا يقاتلون ~~الناس إلا بعد البغي والامتناع، ولا يعترضون الناس بالقتل من غير دعوة، ولا ~~/810/ يغتنمون العثرة، ولا يأخذون بحنة ولا بظن ولا بشبهة، ولا يتجسسون ~~العورة، ولا يبيتون الناس في منازلهم، ولا ينبهون نائما، ولا يقتلون موليا، ~~ولا يجبرون الناس على القتال. # ولا نسير بسيرة نعتذر عنها، ولا ندين بالشك والارتياب، ولا نغنم مال أهل ~~القبلة، ولا نسبي عيالهم، ولا نهدم أموالهم، ولا نقطع نخلهم، ولا نخرب ~~عامرا، ولا نقطع مثمرا، ولا نرد التوبة على أهلها، ولا ندخل البيوت بغير ~~إذن أهلها، ولا نخيف الناس بعد الأمان، ولا نضرب الناس على التهم والظنون، ~~ولا نلقى الناس بوجوه كدرة، ولا بنيات مختلفة، ولا بقلوب فاسدة، ولا نطعن ~~بعضا على بعض، ولا يقذف بعضنا بعضا بالمكفرات. PageV04P164 # ولا نأمن عدونا مع طائفة ونخاف مع الأخرى، ولا نجبي صافية ولا جزية حتى ~~نكون حكاما. # ونمنع من جنبنا من الظلم والعدوان، ونملك بلادنا وأمصارنا وبرنا وبحرنا، ~~ولا نسأل الناس من أموالهم ونحن الحكام عليهم، ولا نأخذ عشر من لم نمنع من ~~السيارة الذين يمرون بنا من الأمصار، ولا نجبي جباية من لم يجر فيه حكمنا، ~~ولا نتبع مدبرا نقتله ممن لم يقتل لنا قتيلا ولا ينصب لنا حربا؛ فهذه ~~آراؤنا، وهذه سيرتنا التي مضى عليها العلماء ثابتة من أئمتنا وأسلافنا. # إلا أن اتباع المولي والإجازة على جريح فيها قولان؛ فالذي نخاف معاودته ~~قالوا: يجاز عليه. والذي يولي إلى فئة يريد الكرة إلى قتال المسلمين جائز ~~أن يتبع. # وقد قيل: إن رجلا سأل النبي ^ ؟: أي الجهاد أفضل؟ فقال: «كلمة عدل عند ~~سلطان جائر يقتل عليها». وقيل: «ليس عمل أفضل من القيام بالقسط يقتل عليه، ~~وأحسن الله الثناء على قوم قاموا بالقسط ms871 فقتلوا». PageV04P165 # وقد قيل: إن رجلا من المسلمين انتهى إلى رجل من المشركين في سرية، فلما ~~ذهب ليطعنه برمحه، قال: إني مسلم، فطعنه فقتله، وإنما رغب في متبع كان؛ ~~فبلغنا أن ذلك بلغ النبي ^ فقال: «أتقتله بعد أن زعم أنه مسلم؟» فقال: ~~"والذي بعثك بالحق |نبيا| يا رسول الله ما قالها إلا متعوذا حين وجد حر ~~السنان"، فأعاد النبي ^ ذلك القول ثلاث مرات، والرجل يقول ذلك القول؛ فقال ~~النبي ^: /811/ «هلا شققت على قلبه فنظرت إلى قلبه؟» قال: أو كنت أعلمه يا ~~رسول الله؟ قال: «فإنك لم تكن تعلمه وإنما كان يعبر عن قلبه لسانه»، فبلغنا ~~أن ذلك الرجل لم يلبث إلا يسيرا حتى مات فدفنوه فأصبح منبوذا، ثم عادوا ~~فأصبح منبوذا، فأمرهم أن يطرحوه بين جبلين من تلك الجبال. وأنزل الله: {يا ~~أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى ~~إليكم السلام لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة ~~كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا}، يعني: كنتم مشركين، وأنزل الله: ~~{ومن يقتل مؤمنا متعمدا}. # وقد قيل: إن الذي نزلت فيه هذه الآية هو محلم بن جثامة اسمه، وكان النبي ~~^ قد أدى دية الرجل المقتول، وكان هو قد تهيأ للقود، وأنهم قبلوا الدية من ~~النبي، والله أعلم بذلك. PageV04P166 # وقد قيل: في مثل ذلك أن أسامة بن زيد طعن رجلا، وقد قال: إني مسلم، فردد ~~النبي ^ الكلام، وهو يقول مثل مقالة الرجل، فقال أسامة: "ما زال يردد ذلك ~~علي حتى وددت أني أسلمت يومي ذلك، وما مضى من إسلامي كان باطلا"، وقال له: ~~«هلا شققت عن قلبه، إنما يبين عن قلبه لسانه». وقد قيل: إنه استغفر لأسامة ~~فاطمأن بعد ذلك. # وقد قيل: إن النبي ^ قال: إذ أراد الله أن يجعل في ذلك عبرة وموعظة يعظكم ~~بها، فحرمة دماء المسلمين عظيمة. # وقد قيل: قتال أهل القبلة على تجويز الأفضل منهما أن يتبعوا إماما عادلا ~~مرضيا، ويسمون بالشراء بعد وفاء الحقوق التي عليهم للناس، ويبرون ms872 أنفسهم من ~~التبايع، وثم يخرجون يدعون إلى الله حتى يقتلوا. # وإذا لقي الإمام عدوه دعا إلى كتاب الله وسنة نبيه، وإعطاء الحق وإقامة ~~العدل، فإن قبلوا ذلك قبل منهم، وإن ردوه عليه وزعموا أنه مخطئ ضال فيما ~~دعاهم إليه من الحق، وأن الحق فيما إليه دعوا من الباطل، استعان بالله ~~عليهم وقاتلهم بعد البيان والإعذار، ولا يبتدئهم بقتال حتى يبدؤوه. # والنحو الآخر أن يدخل عليهم عدوهم ويسير إليهم بالباطل والجور والغشم؛ ~~فيدفعون عن أنفسهم وحرمهم، قال الله في كتابه: {قاتلوا في سبيل الله أو ~~ادفعوا}، فهما هما، ومن دعا إلى غير ذلك /812/ فقد أخطأ. # فهذه سيرة المسلمين في عدوهم من أهل القبلة ومن البغي، قال الله: {وإن ~~طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى ~~فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله}، لا غاية لقتالهم إلا الفيئة إلى ~~أمر الله كما قال. PageV04P167 # وقد حرم الله البغي بغير الحق، وقال: {ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك ~~لهم عذاب أليم}. # وقد أوعد الله العذاب، وحرم البغي، وأمر بقتال البغاة حتى الفيئة، وبذلك ~~سار السلف واتبعهم من خلف. وعلى مثل ذلك وقعت الفتن بين السلف في الأحداث ~~الأولة. # وإن تنازع أحد من الناس حتى يرتفع أمرهم إلى القتال، قال الله: {فأصلحوا ~~بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر ~~الله}، فإن أصلح بينهما فقبلوا ذلك كانت فيه سلامة الفريقين من القتل ~~والبغي. وإن امتنعت إحدى الطائفتين ولم تفئ إلى أمر الله قوتلت قتالا لا ~~قصاص فيه بينهم وبين المسلمين، ولا ولاية لهم فيه حتى يعطوا العدل من ~~أنفسهم، ولا يهدر عنهم إن هم فاؤوا إلى أمر الله ما قوتلوا عليه، وإنما ~~يهدر عنهم ذلك أجمع عن أهل الشرك. # فأما أهل البغي فإنما يهدر عنهم ما أصابوا في حال محاربة وقت محاربتهم، ~~وبعدها حتى يفيئوا إلى أمر الله ولا يهدر عنهم ما أصابوا قبلها، وفيه صاروا ~~بغاة يقاتلون عليه حتى يفيئوا إليه، ويعطوه ويلقوا بأيديهم ms873 ويفيئوا إلى أمر ~~الله وحكمه كما قال. # والباغي إذا قتل أحدا من المسلمين، فإن الإمام أولى بطلب دمه من ~~الأولياء، وقد وجدت غير ذلك؛ فانظر فيه، فإن ذلك هو أن المسلمين أولى بطلب ~~من قتله البغاة على دينه من أولياء الدم؛ لأن للمسلمين يد على عدوهم، ولو ~~عفا الأولياء لم يبطل ذلك عنه، وهو مأخوذ ببغيه. # وأما من أراد سلب إنسان فإن له قتاله أخذ قليلا أو كثيرا ولو شسع نعله. # وقد قيل عن النبي ^ أنه قال: «المقتول دون ماله شهيد». PageV04P168 # والسارق إذا أشار عليك السلاح في منزلك فلك أن تقاتله، وليس هو بمنزلة ~~المحارب. وقد قيل: لك أن تضرب السارق إذا سرقك ولا تعمد لقتله، /813/ وإن ~~قتلته على هذه الحالة بلا عمد فلا بأس. # وإذا أراد رجل ضربك فرمى فلم يصبك أو أشار عليك بسلاحه؛ فقد حل لك قتاله ~~ولا تعمد لقتله، وإن قتلته على هذه الحالة فلا بأس. # وقال بعض الفقهاء: إذا هزم أهل البغي وكان لهم مسند قائم قتل موليهم، ولا ~~يجاز على جريحهم الصريع الذي لا قتال فيه. ويجاز على الجريح الذي يخاف منه ~~القتال. # وإذا قتل سيدهم لم يقتل موليهم، ولم يجز على جريحهم. وقال آخرون: هذا من ~~جهة التكرم. وقال آخرون: هذا فيه الأثر، وقد روي عن علي في يوم الجمل قال: ~~"لا يقتل مول، ولا يجاز على جريح، ولا سباء في أهل القبلة، ولا غنيمة في ~~أموالهم"، فمن أتى عليه المسلمون صريعا مستسلما، أو جريحا متشحطا؛ فلا يقتل ~~حتى يعلم أنه قتل أحدا من المسلمين، فإن علم ذلك منه فإنه يقتل، ولا يقتل ~~إلا برأي الإمام. # فمن تبع موليا فقتله، أو أجاز على جريح متعمدا بغير رأي الإمام؛ فقد خالف ~~المسلمين، ومن خالفهم متعمدا لخلافهم لم يتولوه. # ومن قدر عليه بعد يوم أو يومين أو أكثر واستسلم ولم يمتنع من حكم ~~المسلمين؛ فدمه حرام ولا يحل إلا أن يكون قتل أحدا من المسلمين، ولا يقتل ~~إلا برأي الإمام أيضا. # ولا يحل قتل رجل ms874 أمنه رجل من المسلمين. ألا ترى أن العباس أجار أبا سفيان ~~فلم يقتله عمر، وقد كان سعى في أثره ليقتله فسبقه إلى النبي ^ وقال العباس: ~~"قد أجرته"، فلم يقتل وأصبح، وعرض عليه الإسلام فأسلم. PageV04P169 # فإن أمن رجل رجلا قد لزمه شيء من الحكم لم يجز ذلك الأمان لأحد، ليس لأحد ~~أن يحكم بخلاف حكم الله، إنما يجوز أن يجير آخرهم على أولهم إذا كان عدلا، ~~ولا يجوز إذا لم يكن عدلا. ولا يؤمن أحد على ترك حدود الله الواجبة. # وإذا ظفر المسلمون بعدوهم فأذعنوا لهم حرمت دمائهم، إلا من قد قتل فإنه يقتل. # وإمام الظالمين: قائد الكفر الذي دعاهم وحملهم على الكفر والمعاصي، وقتل ~~ببغيه، وشاركهم في كل دم ومال وشاركوه؛ فإنه يقتل ولا يهدر عنه. # وما كان من معاصي الله وطاعة الشيطان وهو حلال الدم لقتاله المسلمين، لم ~~يرجع عن ذلك حتى ظفر به، ولم تكن له توبة؛ فإذا قدر عليه المسلمون أقاموا ~~عليه الحكم، ولا يسأل عنه البينات بأحكامه، وقد قتل المسلمون قاتل أبي ~~بلال، /814/ ولم يسأل عنه البينة؛ لأنه قائد القوم. # وعن جبار ممن يظلم ويقتل، هل يجوز لمن ظفر به أن يختلسه فيقتله؟ فليس له ~~ذلك في الجبار ولا غيره، إلا أن يكون هذا الجبار دعاه أحد من المسلمين إلى ~~الحق وأمره بالمعروف فقتله على ذلك؛ فإنه يسع المسلمين أن يختلسوه ويقتلوه. # وعن رجل مر بعسكر من عساكر العدو من أهل القبلة فاغتال رجلا فقتله، وليس ~~ذلك في حين القتال من الفريقين؟ فليس له ذلك وهو قود به، ولو كان المسلمون ~~قد دعوهم إلى الحق فكرهوا، إلا أن يكون المقتول إمامهم أو قائدا؛ فإن دمه ~~هدر، ولا دية ولا قود على من اغتاله. # وقال بعض: القائد نفسه لكل أحد من المسلمين أن يقتله إذا قدر على ذلك، ~~كان ولي الدم أو لم يكن وليا، وأما أتباعه فلا إلا برأي الإمام والحكم ~~بالبينة. PageV04P170 # وقد أجاز بعض: قتل الجبابرة غيلة، ولم يجز ذلك بعض إلا بعد الحجة. وبعض: ms875 ~~أجاز بيات العدو من أهل البغي إذا كانوا مستحلين لقتال المسلمين، ويهدر ~~عنهم ما كان من أحداثهم في وقت الحرب في السر والعلانية إذ هم مستحلون لذلك. # فأما الذين يحرمون ذلك ويأتونه على وجه التلصص فلا يهدر عنهم إلا ما كان ~~في الوقعة، ويؤخذون بما سوى ذلك في الحكم. ومن أخذ غير طائع منهم؛ فالإمام ~~فيهم بالخيار إن شاء قتلهم أو تركهم، إلا من قد قتل منهم؛ فإنه يقتل إذا ~~كان إمامهم قائما. # ومن أحرق بيتا لرجل فيه متاع؛ فإن أكلت النار ما يجب فيه القطع قطع، وهو محارب. # وإن أحرق أحد رجلا في النار فالقصاص بالسيف؛ لما روي عن النبي ^ أنه قال: ~~«لا قصاص إلا بالسيف»، وإن كان فيه خلاف. # والذي نصب حربا ولم يقتل؛ فإنه لا يقتل، ويؤمن إن طلب الأمان. # ومن قتل المسلمين ببيعته أو ببغيه أو بدلالته قتل. وقال بعض: من قتل ~~المسلمين ببيعته، فإن أخذ لقفاه قتل، وإن ألقى بيده وسع الإمام العفو عنه ~~على قول، وقبل منه ولم يقتل. # وإذا صح مع الإمام أن قوما تبايعوا على سفك دماء المسلمين؛ فلا يحل قتلهم ~~اغتيالا ولا جهرا، ولكن يرسل إليهم من يأتيه بهم، ويحضر عليهم البينة، فإن ~~/815/ تابوا قبل منهم ما لم يقتلوا أحدا من المسلمين. وإن كانوا قد قتلوا ~~أو قتل أحد ببيعتهم أحدا في دينه قتلوا بمن قتلوا من المسلمين. وإن لم ~~يكونوا هم قتلوا أحدا من المسلمين بأيديهم فتابوا وألقوا بأيديهم من قبل أن ~~يقدر عليهم عفي عنهم، قال الله: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم ~~فاعلموا أن الله غفور رحيم}. PageV04P171 # فإن قامت البينة عليهم وهم أغياب بأسمائهم وإحداثهم وبيعتهم أنهم قاتلوا ~~المسلمين وقتلوهم، ثم ماتت البينة من قبل أن يقدر عليهم، ثم قدر عليهم؛ فلا ~~يقتلون بتلك الشهادة حتى تشهد البينة على أعيانهم. # ولا تقبل شهادة عن شهادة إلا في البيعة حتى ينسبهم بأعيانهم وحضرتهم، وإن ~~لم يقتل أحد من المسلمين ببيعتهم ولم يتوبوا استودعهم الإمام الحبس، ولا ~~أقدم ms876 على قتلهم. # والخائف المطلوب في قتل أو جراحة لا تؤويه ولا تطعمه؛ لقول الرسول ^: « ~~من أحدث في الإسلام حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله»، وإن لم تصح عليه ~~إلا تهمة، فلا بأس على من أطعمه حتى يصح. # وإن خيف عليه الموت فقد قيل: يطعم ويسقى، إلا أن يكون قائدا أو جيشا ~~يسيرون إلى المسلمين فلا يطعمون ولو ماتوا جوعا وعطشا. # وإن كانوا قد قتلوا المسلمين وتولوا فلا يطعمون ولا يسقون حتى يموتوا، ~~والله تعالى حرم دماء المؤمنين مجملا. # فمن قتل مؤمنا قتل به صاغرا إذا كان متعمدا وجزاؤه جهنم. وإن قتل في بغيه ~~المسلمين قتل. وقد أمر الله بقتال الفئة الباغية حتى تفيء. وقتال المحارب ~~وقتله إلا أن يتوب قبل أن يقدر عليه. # وجاءت السنة بقتل المرتد ورجم الزاني، وما سوى هذا من قتل أهل القبلة ~~حرام، قال النبي ^: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، وأني ~~محمد رسول الله |^|، فإذا قالوها حرم علي دماؤهم وأموالهم إلا بحقها»، قيل: ~~وما حقها؟ قال: «قتل النفس بالنفس، والمحصن الزاني، والمرتد عن الإسلام». ~~وغير هذا محرم، لا يحل لفاعله بتحليل ولا بتحريم، وهو مأخوذ به. PageV04P172 # والمحارب والباغي إنما أخذ بحد ما ركب من تحريم الدماء التي حرم الله ~~والأموال، وبغى في الأرض /816/ بغير الحق. قال الله: {ويبغون في الأرض بغير ~~الحق أولئك لهم عذاب أليم}، وقال: {فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر ~~الله}، فإنما أنكر المسلمون المنكر على الباغي وعلى من ترك الإنكار، وعلى ~~ذلك قتلوا، أو على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # وإن أحرق أحد من المسلمين أموال أحد من أعدائهم من أهل الصلاة في حرب؛ ~~فعليهم قيمة ما أحرقوا، وإن لم يعلم ذلك؛ فالصلح بينهم جائز على التراضي، ~~ويطلبون إلى من فعل ذلك في ماله الحل، وليتقوا الله ويطلبوا المخرج ~~لأنفسهم. # والتحريق في أموال أهل الصلاة ليس من سيرة المسلمين، فلا ينبغي أن يسيروا ~~بسيرة أهل الجور فيكونوا جائرين، وإن ||ماتوا|| طلبوا ذلك إلى ورثتهم ~~وتخلصوا ms877 مما فعلوا، ولا يجوز أيضا تحريق أموال غير أهل الصلاة؛ لأنها غنيمة. # ولا يجوز لأهل العدل أن يعطوا أهل البغي رهونا ويأخذوا رهائن منهم، إنما ~~على المسلمين قتال الفئة الباغية كما قال الله: {حتى تفيء إلى أمر الله}. # ولا نقتل صبيا ولا امرأة ولا شيخا ||كبيرا|| إلا امرأة أعانت على القتال؛ ~~وقد جاء الحديث أن رسول الله ^ «نهى عن قتل النساء والصبيان والشيخ الفاني، ~~إلا من قاتل من النساء». وقد قيل: «إنه نهى عن أن يخرب عمار أو يقطع ثمر». # وقد أجاز بعض المسلمين أن يستعان على أهل البغي مما كان من خيل وكراع ~~لعدوهم وسلاح. واختلفوا إن تلف شيء من ذلك في أيديهم؛ فقال قوم: لا ضمان ~~عليهم فيما تلف في حالة الحرب. وقال آخرون: الضمان. فأما ما أتلفوا على ~~العمد فلا نأمن الضمان. PageV04P173 # والذي ألزم الضمان لا يجيز لهم أن يردوه والحرب قائمة. فأما إن انجلت ~~الحرب فوجد شيئا بعينه لرجل معروف يرد عليه، فإن مات فلورثته. وإن لم يعرف ~~له أهل اختلف فيه: قال قوم: يباع ويتصدق به. وقال آخرون: يجعل في بيت ~~المال، وإن كانت دار أهل الحرب قاصية بعيدة؛ فليس عليهم أن يخرجوا حتى ~~يعرفوا أصحاب الشيء الذي في أيديهم، والله أعلم. # وإن كانت مواضعهم قريبة عرفوا ذلك وردوا كل شيء إلى أهله. # وإن استودع بيت المال حتى يعرف أهله كالأمانة حتى يعرف أهلها كان أحب ~~إلي. ولا يستعان عليهم بعبيدهم، ولكن بالسلاح والكراع على قول /817/ بعض. # ومن كان معه سيف ورأى سيفا واقعا فلا يأخذه إلا أن لا يقطع سيفه فله أن ~~يأخذه ويقاتل به، فإن انكسر فهو فله غارم على قول من أوجب الضمان. وإن سلم ~~فهو في يده مثل اللقطة يفعل به ما يفعل في اللقطة. # ومن سمع خروج عدوه على المسلمين، فإن خاف أن يقع بأحد من المسلمين قاتله ~~بغير رأي الإمام. وإن كان مأمونا من قتله لم يقاتله إلا برأي الإمام. # والذي أحرق بدور قوم وزرايعهم فأكلت النار المتاع والزراعة، ms878 وأكلت عبدا ~~أو دارا؛ فإنه على قول: تقطع يده ورجله من خلاف؛ لأنه محارب ما لم يقتل ~~أحدا، ولا غرم عليه إذا قطعت يده ورجله في بعض القول فيما هلك بتحريقه. # ومن قاتل فئة وهو يرى أن قتالهم حرام فقتل واحدا ثم ولى حتى أخذ من بعد ~~الوقعة؛ فإنه يقتل بمن قتل. # وللمسلمين أن يستعينوا بمن أعانهم من أهل العهد إذا كان لهم القوة والحكم عليهم. # وقد كره قوم للمسلمين الغزو مع أهل الخلاف مخافة أن يعطوا عهدا لا يوفى ~~به، ويأخذوا غنائم تقويهم، وإمام المسلمين أولى منهم. PageV04P174 # وقال قوم: جائز الغزو للمشركين مع من قاتلهم؛ لأن ذمتهم واحدة والجهاد ~~على جميعهم للمشركين. وإذا كان العدو هم الداخلين إليهم في بلادهم ليقتلوهم ~~ويأخذوا أموالهم ويسبوا ذراريهم؛ فللمسلمين أن يقاتلوهم مع من قاتلهم ~~ويدفعوا عن أنفسهم وعن الناس إن كانوا ممن يقاتلهم. # وعمن كان في بلاد الجور -وهي بلاده- دخل قوم يريدون استباحتها؛ فإنه ~~ينبغي للمسلم أن يقاتل مع راية الفاسقين ويدفع عن الحريم بالسلاح وغيره. # قلت: أرأيت مصرا مثل عمان وغيره الجور غالب عليها، فنزل قوم ظلمة، هل ~~للمسلمين أن يخرجوا إليهم إلى جرفار؟ قال: حتى يغشوهم في بلادهم، وليس لهم ~~أن يخرجوا إليهم مع الفاسقين وأهل الضلال. # ولا يجوز الدخول في بيت ||على|| أهل الريبة والزور، فإن وجد علامة ذلك ~~استأذنوا ثم يدخلون، وإن لم يؤذن لهم وقد صح أنهم أهل ريبة؛ فعلى قول: ~~يدخلون. فإن شهر عليهم السلاح فلا يحاربوه في منزله إلا أن يقصد إليهم ~~بالسلاح فلهم أن يحاربوه، فإن أمكنهم أخذه لم يحاربوه وليفعلوا. # وعمن لقيه رجلان أو ثلاثة /818/ هل له أن يقاتلهم؟ قال: إن كان يرى أن ~~يطيق قتالهم قاتلهم وامتنع منهم. وإن خاف أن يظفروه ولا يطيقهم؛ فلا يبتذل ~~نفسه للقتل إلا أن يعلم أنهم يريدون قتله؛ فله أن يقاتل. # فأما المديون؛ فقيل: إنهم إن كانوا إنما يريدون منه المال ولا يريدون ~~قتله لم يقاتل وأحيى النفس لقضاء الدين. # وعن رجل غصبه رجل مالا فلم ms879 يقدر عليه إلا بشهادة زور؛ فلا يحل له أن يأكل ~~هذا المال بشهادتهما ولو حكم له بذلك الحاكم، فإن فعل فليرد ذلك إلى ~~المحكوم عليه، أو إلى ورثته إن كان قد مات. # فأما إن حكم له حاكم جور ولم يدعه بالبينة، وهو يعلم أن ذلك له؛ فهو حلال ~~أن يأخذه ويأكله، وعلى الحاكم أن يغرم مثل ذلك للمحكوم عليه. PageV04P175 # قلت: فإن استعان هذا المغصوب على الغاصب بقوم وصدقوه على قوله وهم لا ~~يعلمون، فقاتلوه معه حتى استخرجوا من يده هذا المال بعد أن أخرجوه؟ قال: ~~على هذه الصفة يحل له أن يأخذ ماله هذا إذا وجده بعينه. وأما القتال فعلى ~~هؤلاء القصاص للجروح وسواء كانوا في قرية أو في سبيل. # ولو علموا أن هذا الرجل اغتصب وهم في قرية يتأولون فيه العدل، فلا يحل ~~لهم قتاله، ويرفعون أمرهم إلى أولي الأمر حتى ينصفه. فإن قاتلوه على هذا ~~المال حتى قتلوه أو جرحوه؛ فعليهم القود والقصاص، ولو أقر بعد ذلك أنه غصبه. # فإن كانوا في سبيل ليس في قرية فوقع رجل على مال رجل فغصبه إياه ومعه قوم ~~فلهم أن يعينوه على من قطع السبيل، فإن قدروا على هذا المال بغير قتال ~~فيأخذونه ولا يقاتلونه، وإن امتنع بالمال ونازعهم عليه؛ فدمه حلال. # كذلك في الأثر: من كان في سفر ومعه أصحاب فوقع عليهم قوم يقاتلونهم ولم ~~يعلم لهم عليهم حقا؛ فله أن يقاتل مع أصحابه ويدفع عنهم بسلاحه، ولهم في ~~ذلك الفضل. # ومن قطع الطريق فقتل أو سلب فلما ظفر به المسلمون، قال: أستغفر الله كنت ~~أحسب هذا حلالا؟ قال: لا يقبل منه. # وقطع الطريق ليس مما يدان به في شيء من الأديان من أهل الخلاف. # وما كان من جور الحاكم وعدوانه على رعيته، فإذا بلغ ذلك ما يستحق به ~~القتل فذلك إلى الإمام ليس إلى من أصابهم. # والذين عليهم حق لمن /819/ قتلوه بتأويل أو غير تأويل فهم الجبابرة ~~والمضلون للعلماء بسوء أحكامهم وجورهم وبغيهم على ملتهم يبدون لصوصا ~~ومحاربين منهم ms880 لم يظهروا بدين يزعمون لترك الناس لطاعهتم فيستحلون القتل ~~على معصيتهم في طاعة الله؛ فأولئك حق قتلهم بمن قتلوه. # ومن غصبه الجبار دابة ودفعها إلى رجل؛ فعلى من قبضها من الجبار -وقد علم ~~أن الجبار غصبها عليه- الضمان. PageV04P176 # والذي تاب ومعه ثمن الخمر والخنازير يرده إلى أهله، وليس للمسلمين أن ~~يقيموا الحدود حتى يستولوا على المصر الذي قاموا فيه، ولا يقيمون الحد وهم ~~سائرون . # مسألة: من غير هذا الكتاب # وعن أهل القبلة كيف يكونون بغاة؟ وما الذي إذا فعلوه يكونون بغاة، ويلزم ~~المسلمين محاربتهم؟ وما يحل للمسلمين من محاربتهم؟ # قال: هو أن يمتنعوا بحق يجب عليهم إعطاؤه، أو حدا يلزمهم التسليم ~~للمسلمين في إقامته عليهم، أو يدعون ما ليس لهم من الإمامة والولاية على ~~المسلمين، أو يمتنعون من طاعة أئمة المسلمين، أو يظهرون دعوة كفر؛ فإن ~~فعلوا شيئا من هذا دعوا إلى التوبة منه وإعطاء الحقوق فيه، فإن تابوا قبل ~~منهم، ويحكم عليهم بما أوجب عليهم من العدل، فأخذ منهم ما لزمهم من الحقوق. # فإن ألقوا بأيديهم إلى المسلمين حكموا فيهم بما وجب عليهم من العدل ~~والحق، فإن امتنعوا من التوبة والتسليم صاروا بغاة كفارا حلالا دماؤهم، ~~يقاتلون حتى يفيئوا إلى أمر الله، وفيأتهم عند المسلمين أن يسلموا لما وجب ~~عليهم من الحقوق، ويتوبون مما أصابوه من الكفر؛ فهذا هو البغي الذي به تحل ~~دماؤهم. # والفيئة: الرجوع إلى الحق والعدل في التسليم لما يلزمهم من ذلك. # - وسألت: عما يحل منهم من محاربتهم؟ # فإنه لا يحل منهم شيء إلا محاربتهم، ودماؤهم ||في محاربتهم|| حتى يفيئوا ~~إلى أمر الله. # لا تحل منهم غنيمة مال، ولا سباء ذرية، ولا قتل طفل، ولا سباء امرأة، ولا ~~نكاح ذات بعل منهم، ولا يحل منهم أكثر من دمائهم، إلا أن سلاحهم وخيلهم ~~وكراعهم الذي يقاتلون به المسلمين ويستعينون به على حربهم؛ فإن للمسلمين أن ~~يحاربوهم به ويركبوه ويستعينوا به عليهم في حال محاربتهم. PageV04P177 # وإن تلف في حال محاربتهم لم يكن على المسلمين ضمان. وإن تلف /820/ بعد ~~انقضاء ms881 الحرب ووضع الحرب بينهم فإنهم يضمنونه على قول. ولعل بعضا يجعله شبه ~~الأمانة ولا ضمان. وإن بقي في أيديهم من بعد الظفر ووضع الحرب أوزارها؛ ~~فعلى المسلمين حفظها لأهلها أو لورثتهم إن كانوا ماتوا. فهذا الذي يحل من ~~أهل البغي. # - وعن المسلمين إذا استولوا على مصر؛ هل لهم أن يأخذوا الزكاة من الماشية ~~أو الورق والعشر ونصف العشر من الثمار؟ # قال: أما الثمار فإذا حموهم وحموا ثمارهم وملكوهم قبل حصادها. وأما ~~الماشية والورق فحتى تحول السنة منذ ظهروا عليهم وملكوهم وحموهم؛ لأنهم ليس ~~لهم أن يأخذوا صدقة من لم يحموه. قال النبي ^ لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: ~~«انتظر بأرباب الأموال حولا ثم خذ منهم ما أمرتك به»، فأما من أعطاهم عن ~~طيب نفسه؛ فلهم أن يأخذوا ذلك. # فأما الجباية فحتى تحول السنة. وإنما يأخذون زكاة المصر إذا استولوا عليه ~~وجرت أحكامهم فيه. # [ كتاب الإمامة ] # 145- باب: # مسألة: في الإمامة # واعلم أن الحدود لا يقيمها إلا الأئمة. # وعن موسى بن علي في الإمامة: أنه قال: "لا يجهز جيش ولا تعقد راية، ولا ~~يؤمن خائف، ولا يقام حد، ولا يحكم حكم غير مجتمع عليه إلا بإمام". # والإمامة فريضة، ويدل على فرضها الإجماع من الأئمة والمهاجرين والأنصار. ~~وقد اختلفوا فيها، وقد بينا ما وقع فيه اختلافهم فيما تقدم من الإمامة. # ولا تكون إلا في الأفضل ممن يرجى لإقامة الحق وإنكاء العدو وأقوى على ~~إقامة الأمر، وإن كان في القوم ممن هو أكثر علما وأفضل فلا بأس. وقد قدم ~~أهل الشورى في الصحابة، وقد كان في القوم من هو أفضل منهم، وأكثر علما على ~~ما بلغنا. PageV04P178 # والإمامة جائزة في قريش وغيرهم ممن يقوم بالحق؛ لأن خبر النبي ^: «إن ~~الإمامة في قريش» إنما معناه تصلح فيهم، وقال: «قدموهم ما حكموا فعدلوا ~~وقسموا فأقسطوا». فأما الجائرون من قريش وغيرهم فلا يصلح للإمامة، قال الله ~~لإبراهيم: {إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي ~~الظالمين} فمنع الظالم أن يتحلى بالإمامة /821/ أو يتسمى بها. # قال النبي ms882 ^: «لا تطيعوا من أمركم بمعصية خالقكم»، وقال الله: {ولا تطع ~~منهم آثما أو كفورا}، وقال النبي ^ في الإمامة لأصحابه: «لعلكم ستلون هذه ~~الأمة من بعدي، فمن وليها منكم فحكم فلم يعدل، وقسم فلم يقسط فعليه لعنة ~~الله ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين» على ما بلغنا؛ لأن الله قال: ~~{ألا لعنة الله على الظالمين * الذين يصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجا وهم ~~بالآخرة هم كافرون}. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: «إن وليكم عبد حبشي مجدع فأقام فيكم كتاب ~~الله وسنتي فاسمعوا له وأطيعوا»، فهذا الحديث يدل على أن الإمامة في قريش ~~وغيرها من الأفضل، وليس أن قريشا أولى بها من غيرهم. # وأيضا: فأما إن كان من خلفاء قريش ومواليها فهو منهم، ولأن النبي ^ قال: ~~«مولى القوم منهم». وقال: «لحمة الولاء كلحمة النسب لا تباع ولا توهب»، ~~وقال النبي #: «منا خير فارس عكاشة بن محصن»، فجعله منهم لحال الحلف، وهو ~~ليس قرشي الصميم، فدل بما تلونا ما يدل على أن الإمامة هي في الأفضل ممن ~~وقع عليه التراضي. PageV04P179 # ألا ترى إلى قول علي لما بويع ونكث طلحة والزبير، قام علي في الناس فحمد ~~الله وأثنى عليه فقال: "يا أيها الناس، إن أحق عباد الله بهذا الأمر أقواهم ~~عليه، وأتقاهم لله فيه، ولا يكون ذلك إلا برضى المهاجرين والأنصار، فإذا ~~رضوا لم يكن لهم الخيار بعد الرضى، فإن شغب عليهم شاغب استتيب؛ فإن أبى ~~قوتل حتى يفيء إلى أمر الله". قال: "ولعمري لئن كانت الإمارة لا تجوز حتى ~~يحضرها جميع المسلمين ما إلى ذلك من سبيل، ولكن أهلها يحكمون بها على من ~~غاب عنهم، ثم ليس للشاهد أن يرجع، ولا للغائب أن يختار. ألا وإني مقاتل ~~رجلين: رجل ادعى ما ليس له، ورجل منع ما قبله". # فهذا من قول علي دحضا لحجة من أوجب الإمامة في غير الأفضل، وفسادا لمن ~~قال: إن الأئمة منصوص عليهم، وهذا قول علي في نفسه. # ألا ترى إلى قوله: "إن أحق /822/ عباد الله لهذا الأمر أقواهم عليه، ms883 ~~وأتقاهم لله فيه"؛ فكان في الأول أقواهم عليه وأتقاهم لله فيه أبو بكر ~~وعمر، وأجمعوا عليهما بعد اختلافهم. # أولا ترى إلى قوله: "ولا يكون ذلك إلا برضى المهاجرين والأنصار"، ولم ~~يقل: إن ذلك كان نصا، وعن النبي ^ وصاية، وإنما هو برضى المهاجرين ~~والأنصار، جعلهم الله شركاء وبذلك كان رضاهم، وبايعوا أبا بكر وعمر وعثمان ~~وعلي عن التراضي والمشورة. # وكذلك وصفهم الله، قال: {والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم ~~شورى بينهم} فجعل الشورى مثل الإجابة وإقامة الصلاة، ثم قال: {والذين إذا ~~أصابهم البغي هم ينتصرون}، فأثنى عليهم في التناصر مع البغي، والشورى واجبة ~~والتراضي في عقد الإمام. # وكذلك اتفق المسلمون أن الإمامة لا تكون إلا عن تراض ومشورة، ولا تكون ~~إلا في الأفضل لمن يقوى على إقامة العدل ونكاية العدو. PageV04P180 # ألا ترى إلى قول علي: "فإذا رضوا لم يكن لهم الخيار بعد الرضى". أولا ترى ~~أنه لما وقع الرضى على أبي بكر لم يكن له هو ولا لغيره الخيار في ذلك، ~~وسلموا له ودانوا بطاعته، وكذلك عمر وعثمان حتى قدموه بعد أولئك عن المشورة ~~والتراضي، ولم يجز لطلحة خروجه بعد الرضى، وأوجبوا بغيهما وقاتلوهما. # أولا ترى أن الأمة قد اتفقت على تصويب علي في مقاتلتهما، وأنهما كانا ~~باغيين في رجوعهما عن بيعته، وادعائهما ما ليس لهما بعد الاتفاق على بيعته. # أولا ترى أن عمر قال: إن بيعة أبي بكر كانت قبله، فأعطى الله خيرها ووقى ~~شرها، وقد وقع التسليم له والتراضي عليه والبيعة له، وكذلك تراضيهم على عمر ~~والشورى على عثمان. أولا ترى أنه لا يكون ذلك للإمام إلا عن تراض ومشورة من ~~المسلمين. # أولا ترى أن الشورى كانوا ستة نفر الذين جعلهم عمر شورى في عقدة الإمامة. ~~أولا ترى إلى الذين قدموا أبا بكر وكانوا كلهم ستة نفر. # فبالستة تقوم الإمامة مع المشورة والتراضي، وإن اجتمعوا جميعا كان أفضل، ~~فهذا الاختلاف فيه إلا من أهل البدع وأهل الضلال. إلا أن بعض أصحابنا قد ~~أجاز عقد الاثنين إذا كانا ممن يقوم ms884 بهما ||العقد||، وهما أولى بالأمر ~~وقدما رجلا /823/ يصلح للإمامة ووضعا الأمر في بعض أهله، ومن يصلح له وكان ~~صلاحا ولم يكن يقع فساد، فأما لغير ذلك فلا يكون، ولهم أن يجعلوا ذلك في ~~الأفضل، فإن كان غيره أفضل إذا كانوا لا يصيرون إلا إلى فضل وخير، ولا ~~يصيرون إلى تقصير. # أولا ترى إلى قول علي، حيث يقول: "والله لو كان رسول الله ^ ولاني هذا ~~الأمر لقاتلت عليه ولا سلمته إلى غيري". PageV04P181 # ألا ترى إلى قول الله: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} عام للنبي ^ وأصحابه، وإنما يقيمون ~~من رجوه أقوى في عز الدولة وهيبة العدو، ومن أهل الفقه والورع. # والذي أستحب أن يكون الإمام شاريا قد قطع الشراء، وإن لم يكن قد قطع ~~الشراء قبل الإمامة بويع على الشراء، ويبايعه رجل قد قطع الشراء، ثم يبايعه ~~المسلمون بيعة الإمامة. # وإذا كان شاريا ثم بويع على طاعة الله وطاعة رسوله والأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله، وإقامة الحق في القريب والبعيد، ~~والشريف والوضيع، والقوي والضعيف، والحبيب والبغيض، وإقامة حقوق الإسلام، ~~وإنكار المنكر واجب، وأقل ذلك بالقلب. # وقال أصحابنا: إن التقية لا تسع الإمام إلا إذا خاف على نفسه، والله قال: ~~{إلا أن تتقوا منهم تقاة}، فجعل التقية ولم يخص، وقال: {ولا تقتلوا ~~أنفسكم}، فهذا ما يوجب أن لا يلقي العبد نفسه في الموت والتهلكة إذا خاف ~~عليها القتل، وأبقى نفسه حتى يقدر أولا. وبعض قال: التقية في الأئمة ~~بالكلام بالحق براءة منهم. # والإمام لا تزول إمامته بعد ثبوتها إلا بحدث يكفر به ويصر عليه، أو بحد ~~يوجب الحكم عليه، ولا يقوم به إلا إمام غيره، أو ينزل به عجز عن أخذ فروض ~~الإمامة. ومنهم من قال: لا يعزل بالعجز، وإنما يعزل إذا وجبت البراءة منه. ~~فأما إذا لم يقدر على إقامة الحق، فإنه يجمع إخوانه ويستعفي إليهم. # مسألة: [في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والولاية والبراءة] # - وسأل عن الأمر بالمعروف ms885 وولاية أهله عليه، والنهي عن المنكر ومفارقة ~~أهله عليه؛ واجب على المسلمين ومما يدان به لله؟ PageV04P182 # وهو واجب على المسلمين، /824/ الولاية لأولياء الله والحب لهم، والمفارقة ~~لأعداء الله والبراءة منهم، ومن أحب عبدا مؤمنا في الله فكأنما أحب الله، ~~وهو أشرف أعمال البر وأعظمها درجة في الجنة. # وإنما تعبد الله عباده في ولاية بعضهم لبعض في ذلك لما يظهر إليهم من ~~أعمالهم وقولهم وفعلهم، ولم يكلفهم علم ما غاب عنهم ولا علم سرهم، وإنما ~~أجرى الأحكام بينهم في علمهم بحكم الظاهر عندهم، وتعبدهم بعلمهم ولم يكلفهم ~~ما غاب عنهم مما لم يصح لهم. # فمن أظهر للمسلمين الموافقة في دينهم والصلاح ورأوا منه خيرا أحبوه عليه ~~وثبتت عندهم ولايته، ولو كان في سريرته على خلاف ذلك من أعمال قبيحة مكفرة، ~~ومن ظهر منه الأعمال القبيحة أبغضوه وفارقوه بما ظهر من ذلك، ولم تكن له ~~عندهم ولاية، ولم ينتفع عندهم بما غاب من أمره. # وإذا علم من الإنسان الإقرار بجملة الإسلام، وأداء فرائض الله، والانتهاء ~~عما حرم الله، وعرف بالورع عن الحرام، والولاية لأولياء الله، والعداوة ~~لأعداء الله مع موافقته المسلمين، استحق بذلك الولاية، وهو: العدل الولي ~~الجائز الشهادة عندهم. # وإن عرف بتضييع فرائض الله، أو ركوب المحرم، أو مكفر، أو ما دونه من ~~الذنوب؛ فاستتيب فأصر فلم يتب استحق البراءة. # والناس على ثلاثة منازل: من أظهر موافقته للحق تولوه على ما وصفنا، ومن ~~أظهر مخالفته للحق وانتهاك الحرام أو تحريم الحلال، أو دان بضلال فارقوه ~~ولم يتولوه، ومن لم تعرفه فقف عنه حتى يتبين لك أمره والصواب فيه. فمن ثبتت ~~ولايته فهو على ولايته، ولا يزول عنها إلا بحدث يستحق به ذلك. PageV04P183 # وقد اختلفوا في الولاية بقول واحد؛ فقال قوم: يقبل قول واحد. وقال ~~الآخرون: الولاية باثنين والبراءة باثنين. وقال قوم: الولاية بواحد، ~~والبراءة بواحد. وقال قوم: الولاية بواحد والبراءة باثنين. وقال: الولاية ~~بواحد مخير، وبالاثنين لازم ولا يخير في ذلك. فالولاية بالشهرة لازمة فافهم. # وقد قيل: تقبل الولاية بقول امرأة ms886 ثقة، والعبد إذا كان يبصر الولاية ~~والبراءة، ولا تبطل الولاية إلا بقول عدلين، أو رجل وامرأتين يشهدون عليه ~~بما تبطل به ولايته من ركوب معصية، وإذا /825/ شهد عليه العدلان بركوب ~~مكفرة وفسرا الحرمة قبل قولهما، وإن كانا ممن يبصر حكم الولاية والبراءة لم ~~يكلفا تفسيرا. # ومن ثبتت ولايته ثم عمل من المعاصي بمكفرة يجب بها حد في الدنيا أو عذاب ~~في الآخرة سقطت ولايته حينما أتاها واستحق البراءة، وعلى المسلمين أن ~~يستتيبوه، فإن أدى ما لزمه وتاب رجع إلى ولايته. وإن تاب وقال: إنه يؤدي ما ~~لزمه، إن كان شيء يلزمه منه الخلاص، وإن لم يتب تمت عليه البراءة. # وإن كانت صغيرة؛ فقد قيل: يوقف عنه ثم يستتاب، فإن تاب رجع إلى منزلته، ~~وإن أصر خلع وبرئ منه. # وقالوا: الإصرار مكفر، من ظلم حبة فما فوقها أو كذب كذبة، |و| إذا دعي ~~إلى التوبة فأبى وأصر أكفره ذلك الإصرار، وانخلع من ولاية المسلمين، وقذف ~~المسلمين من الكبائر وجراحتهم. # ومن تكلم بكلام أهل الإرجاء والقدر ودان به، وبرئ من المسلمين أو تولى من ~~برئ منهم وضللهم وعلم ببراءته منهم؛ ففي كل هذا يبرأ منه ثم يستتاب. # وكل من تاب من صغيرة أو كبيرة قبلت توبته. # وإذا وقف واقف فيما يختلف الناس فيه وهو ملتمس للصواب ويقول: رأيي فيه ~~رأي المسلمين؛ فعلى قول: إن ذلك يقبل منه إذا كان من الضعفاء الذين لا ~~يبصرون الحكم حتى يلقى الحجة. PageV04P184 # واللذان كانا في الولاية وقتل كل واحد منهما صاحبه، واشتكل أمرهما؛ فقد ~~اختلف في أمرهما، وعندنا الوقوف أولى بهما؛ لأنهما بمنزلة المتلاعنين. وقال ~~النبي ^ للمتلاعنين: «إن أحدكما كاذب فهل منكما تائب»، وقال: «وحسابكما على الله». # والمجنون إذا كانت له ولاية ثم ذهب عقله؛ فهو على ولايته. وأولاد ~~المسلمين بالاتفاق تبع لآبائهم. واختلفوا إذا كانت أمه في الولاية، ونقول: ~~هو تبع لها أيضا. # وكل من لا يتولى فلا يدعى له برضا الله؛ لأن ذلك هو الجنة فلا يدعى له ~~بالرضى. وقد قالوا: لا يدعى له ms887 بالمغفرة. وذلك عندنا ينصرف إذا صرفه؛ لأن ~~المغفرة سترة. # وقد نهوا أن يقال: حياك الله، ورحب الله بك. فأما الدعاء فلا نحب ذلك، ~~ولكن يصرف ذلك المعنى رحب السلامة مني ورحب الأرض. # وقد رخصوا في التقية أن يدعو /826/ لمن لا يتولى بما يدعو به لأهل ~~الولاية، ويصرف المعنى لغيره؛ لأنا نقول: يخبره خيرا ويصرف المعنى. # فأما [أن] يقصد له بالدعاء فلا يصلح أن يدعى لأعداء الله، وجائز أن يعزى ~~من لا يتولى، ويقول: عظم الله أجرك، وجبر مصيبتك، ويصرف المعنى لغيره. # ومن كان في ولاية المسلمين ثم عمل عملا أخرجه من الولاية، فشهد رجل من ~~المسلمين أنه قد تاب؛ فقد قيل: إنه تقبل توبته بقول واحد ويرجع إلى ولايته. ~~ولأن عند بعضهم: أن التوبة بقول الواحد مقبولة إذا مات. وكذلك في الحي تقبل ~~بواحدة ويستتيبه المسلمون من ذلك، فإن تاب وإلا برئ منه. PageV04P185 # ومن وقف عن ولي المسلمين؛ فقيل: إنه يوقف عنه. وقال قوم: إن تولاهم على ~~ولايتهم لمن تولوه لم يوقف عنه. وقد قيل: لا يشهد لأحد بالجنة إلا الأنبياء ~~الذين ذكرهم الله بأن لهم الجنة، ولكن يشهد لأهل الإيمان في الجملة ~~بالإيمان، ولا يشهد بالنار إلا لمن قال الله: إنه من أهل النار، ولمن مات ~~على الكفر فهو من أهل النار في الجملة، حتى يعلم أحد بعينه مات على الكفر. # ومن وجب عليه الحج فلم يحج ومات فلم ينفعه، وأمره عندنا إلى الله. # ومن ترك خيرا ولم يوص لقرابته الذين لا يرثون، فإن تعمد فقد مات لغير ~~السنة ولا يتولى. وإن كان نسي وله ولاية فهو على ولايته. # ومن ترك صلاة الفطر والنحر والجنازة ولم يصل الوتر إلا ركعة، ولم يتطوع ~~شيئا من الصلوات، وترك ركعتي الفجر وركعتي المغرب؛ ففي كل هذا منزلته ~~خسيسة، وقد رغب عن الفضل، وينصح له ولا تترك ولايته إلا أن يخطئ من قال ~~بذلك أو عمل به. # فأما الجنائز فإذا قام بذلك غيره فهو كذلك، فأما إن ترك ذلك ولم يقم به ~~غيره ms888 ودفن الميت ولم يصل عليه لم يتول. # وأما إن ترك صلاة الجماعة بلا عذر؛ فهو أيضا خسيس المنزلة ولا يبرأ منه. ~~وقد قيل: يستتاب فإن تاب وإلا برئ منه. فأما إن صلى بعد صلاة العصر إلى ~~الغروب، وبعد صلاة الفجر إلى الشروق؛ فإنه يستتاب من ذلك فإن تاب وإلا برئ منه. # فإن ترك الصلوات الخمس أو شيئا من الطهارات لها على العمد، أو ترك الزكاة ~~حتى مات، وترك الصوم على العمد بعد دخول الشهر، وترك الحج ولم يدن به ولم ~~يوص فإن هذا كافر. /827/ # وكذلك الختان والاستنجاء من تركه كفر. # ومن أحل الحرام على غير اضطرار كفر. # ومن استحل ما حرم الله أو حرم ما أحل الله كفر واستحق البراءة. # والتوفيق بالله، والحمد لله، ولا حول، ولا قوة إلا بالله. # 149- باب: # مسألة: في الجبابرة PageV04P186 ومن بلي بحق الجبابرة؛ فإن قدر على أن لا ~~يدنو منهم فليفعل؛ لأنه قيل: إن الفتن على أبواب الجبابرة كقطع الليل ~~المظلم. # فأما من بلي بجورهم ولم يعذروه وخاف على ماله وأهله، فدافعهم بماله ولطف ~~مقاله يتقي بذلك شرهم من غير أن يكون في ذلك محبا لهم، ولا شادا على ~~أعضادهم؛ فلا شيء عليه إذا كان في حد تقية، وفي بعض الحديث: "أن أصحاب ~~الكهف كانوا يظهرون الكفر لقومهم، ويسرون الإيمان فيما بينهم فيؤجرون على ~~ذلك، فيؤتون أجرهم مرتين". # وقد قيل: «إن أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر يقتل عليها صاحبها»، ~~وقد أمر الله تعالى بالقيام بالقسط كله، وقال: {كونوا قوامين بالقسط} معنى ~~قوامين: قوالين، {شهداء لله ولو على أنفسكم} فلا يجوز قول ولا عمل غير الحق ~~والقيام بالقسط، ولا طاعة لآثم كفور كما قال الله: {ولا تطع منهم آثما أو ~~كفورا}، {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا}، إلا أن الله تعالى قد وسع في ~~التقية فقال: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان}، فقد أجاز التقية في ~~القول، ولم يجز في الفعل. # ولم تخل الأرض من إمام عادل أمر الله بطاعته، أو سلطان ظالم ms889 أمر الله ~~بمعصيته، أو أرض لا سلطان فيها، وأي ذلك كان فأحكام الله جارية في خلقه على ~~ما أمر الله بها، والمؤمنون هم القوام بعدل ذلك وقسطه، وأولى الناس بذلك ~~أئمة العدل الذين أمر الله بطاعتهم، وقال: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ~~وأولي الأمر منكم} وهم الأئمة. # ولا تجوز الأحكام والقضاء لأحد حتى يوليهم ذلك الإمام، ولا يكون الإمام ~~إماما إلا عن تراضي أعلام المسلمين ومشورتهم، بذلك وقع اتفاقهم، وفي غير ~~ذلك وقع اختلافهم. PageV04P187 # وما وقع عليه الإجماع كان حجة، فإذا ثبتت عقدة الإمام فله الطاعة ما أطاع ~~الله، قال النبي ^: « لا تطيعوا من أمركم بمعصية خالقكم». # فإذا لم يكن إمام عدل رجع الناس إلى الصالحين وخيار المسلمين الذين هم ~~أعلام /828/ الدين الذين قال لهم الله: {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله}، ~~وقال: {ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض}، وهذا الموضع الذي ~~فيه رد أمر إلى المسلمين ليحيا به الدين، وذلك أنهم كانوا قد استغنوا بأئمة ~~العدل في جميع أحكامهم، فلما اضمحلوا وصاروا في أرض ليس فيها إمام عدل، ~~واحتاج الناس إلى وصايا الموتى في إنفاذها، والقيام للأغياب واليتامى ~~والفرائض للأولاد وغير ذلك، وإقسام ما بينهم، وإنصاف الناس في حقوقهم. # فلما لم يكن حاكم عدل رأينا أن يجتمع في ذلك عدول المسلمين من أهل العلم ~~والفضل، وإن لم يكن جماعة فأربعة رجال عدول. وقد قيل: خمسة وفيهم عالم. فإن ~~لم يكن فأقله عدلان، وهما لله حجة، وبهما تنفذ الحقوق والأحكام، وقام بهما ~~ما يقوم به الإمام العدل في إقامة الوكلاء للأغياب والأيتام وفرائض النساء ~~والقسم، وفي الحق حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون. # فإذا مات رجل في مصر وليس في تلك البلاد إمام عدل ولا حاكم بحق، وليس ~~فيها سلطان، أو فيها سلطان جور، وخلف هذا الميت أولادا يتامى وخلف مالا من ~~رثة وحيوان وأصول، وخلف زوجة لها عليه حق من نخل وغير ذلك وديون للناس، ولم ~~يجعل وصيا في ماله ولا أولاده ولا في قضاء دينه، واحتاج أموال اليتامى ms890 إلى ~~من يحفظهن، واحتاج الديان إلى قضاء حقوقهم، واحتاج أولاده اليتامى إلى ~~نفقتهم وكسوتهم؛ فالقول في جميع ذلك: PageV04P188 # فأما فريضة اليتامى فإنه يحضر ولي اليتيم إن كان له ولي إلى جماعة ~~المسلمين بحضرة عدلين من المسلمين، وإن كان في البلاد عالم كان ذلك بحضرته، ~~ثم يفرضون لليتامى لكل واحد منهم فريضة لنفقته وإدامه لكل واحد ما يرون، ~~ولكسوته ما يحتاجون إليه على ما يرون ويستحق ذلك، ثم يشهد والدتهم أو من ~~يكون عنده أنه قد أخذهم بتلك الفريضة، وأنه يجريها عليهم من عنده ويأخذها ~~من أموالهم. وقد قيل: يؤمر أن يستدين عليهم ثم يأخذ ذلك بعدما تجمع عليهم ~~ويطعمهم. # وأما الوجه في حفظ أموالهم فإن حفظته لهم والدتهم أو من يقوم بأمرهم أو ~~ثقة يتطوع عليهم؛ فله أجر ذلك، والله يعلم /829/ المفسد من المصلح. # وقد أمر ||الله|| بالقيام لليتامى بالقسط، {وما تفعلوا من خير فإن الله ~~كان به عليما}، وإن لم يكن ذلك أقام المسلمون لهم وكيلا ثقة وقام لهم وهو ~~وكيل لهم في مالهم، وجميع ما أقيم له مما يحتاجون إليه وما يحتاج إليه من ~~القيام في مالهم. # فأما قضاء الديون فإن قضى الورثة أو كان في البلد سلطان فقضاهم حقوقهم ~~برأي العدول، فلهم أخذ حقوقهم بحكمه على قول بعد الصحة برأي العدول وشهادة ~~البينة العادلة. # فإن كان سلطان جائر لا يأمنه أن يرفع إليه أو يتعدى على الرافع والمرفوع ~~عليه لم يجز له الرفعان إليه. ولمن قدر أن يأخذ حقه في السر فله أخذه أو دونه. # فإن كان للمرأة نخل قضيت حقها برأي العدول، وإن كان لها ولغيرها حق ~~تحاصوا من مال الميت برأي العدول، وإن كان لها ولغيرها دراهم وخلف الهالك ~~حيوانا بيع وتحاصوا حقوقهم. PageV04P189 # فأما أن يتبع صاحب الحق ويأخذ لربه من مال الهالك فإن ذلك مختلف فيه، ~~ولكن إذا كان وكيل باع أو وصي باع ودفع الحق، على قول: إن كان في يده ~~للهالك مال وصح لأحد عليه دين ولم يكن وصيا؛ أن الذي في ms891 يده ذلك يقضيه ~~الدين، ولا يدفع ذلك إلى الورثة، ومنهم: من لم يجز دفع ذلك برأيه في الدين. # ومن أخذ حقه أشهد العدول أنه قد استوفى حقه في هذا. وإن استتر ولم يأخذ ~~علانية بنصفه ولم يصح له حقه؛ فإن كان وجد جماعة يقومون بذلك فهو أحب ~~إلينا. فأما إن تراضى أحد بأحد من المسلمين وجعله الخصمان حاكما بينهما قام ~~بذلك وسمع البينة، فإن لم تكن بينة وتنازلا إلى اليمين حلفهما، أو من حلف ~~منهما ثم يقضونه إياها على ما يفعل الحاكم. وإن كره العدول الدخول في ذلك ~~فلصاحب الحق أخذ حقه على وجه ما يجوز له. # وإن كان لليتامى وصي من أبيهم أو وكيل من الحاكم أو المسلمين؛ فهو يقوم ~~بذلك كله حتى ينفذه على وجه الحق إن شاء الله. # وكذلك من كان له حق على رجل فجحده فله أن يستوفي حقه من ماله. وقد ~~اختلفوا في معنى ذلك: وقال قوم: يبيع ويستوفي بالاجتهاد. وقال آخرون: يأخذ ~~بالقيمة ثم يبيع ويستوفي. وقال /830/آخرون: لا يأخذ إلا من جنس حقه. # وهذا مثله من مات وعليه حق، وهذا كله لا يكون إلا بالصحة أو بسريرة أو ~~بحكم، فأما العلانية فلا، ويشهد أنه قد استوفى؛ ولأن أموال الهالك لدينه. # وكذلك من ظلمه إنسان أخذ حقه؛ لما روي أن النبي ^ قال لهند بنت عتبة أن ~~تأخذ من مال زوجها أبي سفيان ما تحتاج إليه من نفقتها وعيالها بالمعروف. # والعدول فلا يدفعون مال الهالك إلى ديانه؛ لأنهم ليسوا حكاما في الأصل. ~~وقد قال قوم: لا يدفعون إلا بصحة، وكيف يدفعون ما ليس في أيديهم إلى غيرهم ~~إذا صح له، وليس له خصم يجوز عليه الحكم. PageV04P190 # وإن مات رجل وعليه لزوجته ألف درهم، وخلف عندها مثل ذلك، وخلف ورثة ~~بالغين أو يتامى ولم تكن عندها بينة؛ فلها أن تأخذ حقها سريرة وهي سالمة إن ~~شاء الله. # فأما إن كان الورثة يعلمون المال والحق فلهم أن يقضوها، وإن علموا المال ~~ولم يعلموا الحق فحاكموها فعليها الصحة. ms892 # وعن يتيم لا وكيل له ولا وصي من قبل أبيه، هل تجوز إقامة السلطان وكيلا ~~ثقة يقوم به وبماله ومصالحه؟ # قال: في ذلك اختلاف؛ قال قوم: لا يقيم له وكيلا؛ لأنه لا ولاية له على ~~المسلمين. وقال قوم: إن أقام المسلمون وكيلا ثم أقامه السلطان جاز. وقال ~~قوم: إقامة السلطان جائزة بعد إقامة المسلمين. # وقيل: الذي أجاز إقامة السلطان بعد إقامة المسلمين؛ لئلا يصيبهم من قبله ~~معنى، وذلك إن كان سلطان يقدر أن يتوصل إليه؛ فعلى قول من يقول: إذا أقام ~~المسلمون ثم أقام ذلك الوكيل السلطان فكان ذلك الوكيل ثقة عدلا، فقبض ماله ~~وحفظه له وباع ما رأى بيعه وأنفق عليه؛ فلا ضمان في ذلك عليه فيما فعل إذا ~~قام بالحق. وإن ضاع ولم يضيع فلم يضمن أيضا؛ لأن الله أمر بالقيام بالقسط ~~لليتامى، فمن قام بالقسط لم يضمن، قال الله: {والله يعلم المفسد من المصلح} ~~في مال اليتيم. # وإن لم يكن وكيل ولا سلطان يقيم له وكيلا ولا مسلمون، وقام بذلك رجل من ~~الصالحين متطوعا؛ فقام مقام الوكيل وباع من ماله ما يجوز بيعه لوصي اليتيم ~~/831/ وقبض ثمنه فضاع أو نازعه اليتيم، أو من تطوع عليه إلى إمام عدل، هل ~~هو ضامن؟ # فأقول: إنه لا يجوز له في الحكم بيع شيء على غير حكم ولا وكالة، وإذا ~~نازعه اليتيم أو من يقوم له أدركه الضمان فيما تلف، ولا تقبل دعواه في ~~الحكم. وإن كنت قد وجدت أنه لا يضمن شيئا من ذلك. PageV04P191 # وأما من باع مما لم يعلم وأطعم اليتيم ذلك، ولم ينازعه أحد في ذلك اليتيم ~~ولا غيره، وقد قام محتسبا فإنه لا تبعة عليه. فأما إن أنفق عليه برأي ~~المسلمين أو بوكالة فلا يتبعه شيء، ولو أنفق عليه من غلة ماله أو من حق ~~عليه له، وأذهبه عليه لم يلحقه فيما بينه وبين الله بشيء إذا قصد به ~~الإنفاق عليه من ماله أو مما يلزمه له، فقد أكل ماله. # فأما الحاكم إن حاكمه في غلة ماله؛ ms893 فأخاف أن يلحقه إذا لم يكن ذلك بحكم ~~حاكم ولا مسلمين. # فأما إن كان عنده متاع أو ثمرة مال اليتيم وخاف فساده فباع ثم تلف الثمن؛ ~~فقال قوم: يضمن. وقال قوم: لا ضمان، والله يعلم المفسد من المصلح. # ولا نحب أن يبيع مال اليتيم ولا من رثته شيئا لا يخاف فساده. # وإن كان الذي أقامه السلطان لليتيم، أو أقام نفسه غير ثقة أو عرف بخيانة؛ ~~فإنه يكون ضامنا في جميع ذلك حتى يسلمه لليتيم. ألا ترى أنه لو كان وصيا ~~لهذا اليتيم خائنا لعزله السلطان والإمام. وإن كان غير ثقة جعل عنده غيره ~~وكيلا ثقة، فلم ير أنه يجوز له بنفسه ما لم يجز له مع المسلمين. # وعن يتيم مع أمه ويحتاج إلى النفقة؛ فإنه يجوز لها أن تبيع من ماله وتنفق ~~عليه. فأما في الحكم فالذي عرفت أنه لا يجوز للمشتري أن يشتري. ألا ترى أنه ~~إذا بلغ فنازع في ماله أنه يدركه من عند من هو في يده حتى يكون البيع بأمر ~~وكالة أو وصاية. # وما كان من جميع ما ذكرت في أمر اليتيم في بيع شيء من ماله من الأصول ~~بغير وكالة ولا وصاية لم يثبت في الحكم، وبالله التوفيق للصواب والحق. # باب: # مسألة في الجبابرة PageV04P192 قال الله: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا ~~فتمسكم النار}، وأعظم من ذلك أن يعينه على بعض أمره فيشركه في معصية الله، ~~فأسلم الأمور لك وأولاها بك البعد إن قدرت على ذلك، ولا قوة إلا بالله. # وإن كنت في مملكة هذا الجبار وخفت أن لا يغفل عنك، وأن /832/ تدهيك منه ~~داهية في نفسك ومالك وأهلك وجيرانك، فداريته وصانعته وصافيته بمالك ورفق ~~مقالك بما ترجو أن تدفع به جوره وظلمه ما لا قوة لك عليه إلا به، وأنت مبغض ~~له في الله؛ فكل ذلك حرام عليه، وأرجو أن تكون سالما، وكن مجتنبا عند مقالك ~~وفعالك؛ لئلا تنزلق في بعض المهالك التي تهلك بها عند الله الذي لا ينجيك ~~منه سواه. # وأما صلاة الجمعة ms894 وغيرها خلفهم فقد اختلف فيها؛ فأكثر أصحابنا: أجازوها ~~إذا أتوا بالصلاة في وقتها، وقد كان بعض علماء المسلمين يصلي خلفهم -على ما ~~بلغنا- الجمعة. # وقد قال بعض: لا بأس بأخذ جائزتهم، وقبول هديتهم، وأكل طعامهم، ولبس ~~ثيابهم، وركوب دوابهم ما لم يعلم أن ذلك حرام. # وقد أجاز بعضهم من اشترى من عند جبار أو من عند أصحابه طعاما أو ثيابا أو ~~دواب أو غير ذلك، وقد علم أنهم يسلبون الناس، وإن تنزه فهو أحب إلينا. # وإن اشترى وهو لا يعلم فلا نبصر عليه حراما ذلك؛ لأنه قد تكون في أيديهم ~~أموال غير السلب. وإن علم المشتري والمعطى أن ذلك حرام؛ فهو حرام عليه، إذا ~~كان مما سلبوا أحدا من الناس، وعليه أن يرده إلى أهله، وإن لم يعرف أهله ~~عرفه، فإن لم يقدر على صاحبه تصدق به على الفقراء، وإن جاء صاحبه من بعد ~~خيره بين الأجر أو يغرمه له، والله أعلم. # وكذلك من جبره الجبار حتى اشترى شيئا مما في يده، فإن لم يعلم أنه حرام ~~فقد أخذه، وإن علم أنه لأحد فليرده إليه، فإن علم حرامه ولم يعلم أهله تصدق ~~به، ولا يرد على الجبار ما غصب. PageV04P193 # وإن جبره على شراء شيء من عنده وهو غير راض بذلك الشراء ولا متمم له؛ ~~فذلك للجبار، والثمن الذي قبض منه هو على الجبار له. وإن لم يقدر على ~~الجبار؛ فقد قيل: يبيع ذلك ويستوفي من ثمنه على قول. وقول: لا يأخذ إلا من ~~جنس ما أخذ منه ذلك، إنما ذلك ببيع إذا لم يعلم أنه حرام. # وإن كان الجبار حربا للمسلمين فلا يجوز لأحد أن يبيع لهم شيئا من سلاح ~~ولا كراع. وإذا كانوا سائرين على المسلمين لم يجز لأحد أن يبيع لهم طعاما ~~ولا غيره يقوون به على المسلمين، ولا يدلهم ولا يعينهم على شراء ذلك، ولا ~~يشتري لهم، وما لم تكن له فيهم معونة فلا يضره بيعه لهم فيه شيء. # وإن لم يكونوا حربا /833/ وكانوا قد ملكوا البلاد واستولوا ms895 عليها لم تضر ~~مبايعتهم شيئا. # وإن ظلم مظلوم فطلب الإنصاف إلى الجبار فأوصله إلى حقه؛ فأرجو أنه لا بأس ~~عليه إذا لم يتعد على المرفوع عليه. وإن تعدى ضمن الرافع ما تعدى به الجبار ~~على المتعدي عليه. # ومن كانت معه شهادة فطلب إليه أداؤها إلى الجبار فقد اختلف في مثل ذلك؛ ~~فقال بعض: إن على كل شاهد أن يشهد بما علم من الحق حيث طلب منه صاحب الحق ~~أن يشهد له به. وقال آخرون: لا يشهد عند الجبار، ويقول للذي له الحق: اطلب ~~حقك إلى من يحكم لك بالحق حتى أشهد لك به. PageV04P194 # وكل من أجبره السلطان الذي يعرف بالظلم ويسفك الدماء أن يبرأ من أحد من ~~المسلمين أو يتولى أحدا من الظالمين، أو يقول قولا مما يكفر به أو قول ~~الشرك مخافة على نفسه إن لم يعطهم؛ جاز له أن يعطيهم بلسانه، وقلبه كاره ~~لذلك. وإنما تجوز له التقية بالقول إذا خاف على نفسه، وخاف العقوبة، كما ~~فعل عمار حين أكره على الكفر أعطى بلسانه وأنزل الله عذره، ورسوله قال له: ~~«إن عادوا فعد»، وكالذي قال له مسيلمة: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: ~~نعم. قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم، فخلى سبيله. قال النبي ^: «هذا ~~اتبع رخصة الله». والتقية بالقول تجوز مع الخوف. # ومن شرح بالكفر صدرا لم يجز له ذلك في تقية ولا غير ذلك. # وأما إن جبره الجبار على أن يقتل نفسا أو يزني بامرأة أو نحو ذلك؛ لم يجز ~~له ذلك في تقية ولا في غيرها. # وقد اختلفوا إن جبره على شرب خمر أو أكل لحم ميتة أو خنزير؛ فقال قوم: لا ~~يسعه ذلك؛ لأن هذا فعل لا تحل فيه التقية. ولعل بعضا: يجيز ذلك إذا جبره ~~وخاف على نفسه التلف أو القتل أحيا نفسه بذلك عن القتل والضرب الذي يؤدي ~~إلى التلف، كالمضطر إلى ذلك؛ لأنه مكره على ذلك، قال النبي ^: «رفع لأمتي ~~ما أكرهوا عليه»، وذلك مما يجوز فيه إحياء النفس، إلا ms896 ما يكون به ظلم لأحد ~~من الخلق، فإن الظلم والفعل الذي يؤدي إلى الظلم لا تحل في ذلك تقية، ولا ~~يحل لأحد أن يحيي نفسه بظلم غيره. وقد روي عن ابن مسعود في إجازة التقية في ~~القول /834/ قال: "ما من كلمة ترفع عني سوءا ظني تسألونيه إلا تكلمت بها". # وقد قيل فيما بلغنا عن رجل من أصحاب النبي ^ سئل عن مثل ذلك، فقال: "ما ~~أبالي مسحت هذه الأسطوانة بيدي أو بيده، إنما التقية بالقلب وليست ~~باللسان". PageV04P195 # وفي الحديث أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب النبي ^ قال لأحدهما: ~~أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم. ~~فخلى سبيله. وقال للآخر: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. قال: أتشهد ~~أني رسول الله؟ قال: إني أصم، فأعاد عليه ذلك، فقال كمقالته في النبي: نعم. ~~وقال هو: إني أصم. فضرب عنقه. فبلغ ذلك النبي ^ فقال: «أما المقتول فمضى ~~على يقينه وصدقه وأخذ بفضله فهنيئا له، وأما الآخر فقبل رخصة ربه ولا تبعة عليه». # وقد قال الله: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن ~~يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة}، فأجاز ذلك في ~~التقية. # وأما أحكام الجبابرة وأهل الجور فإن كل حكم من أحكامهم كان مخالفا للحق ~~فلا يجوز، وما كان موافقا للحق فلا يدخل في نقضه من جاء من بعده. # وأما إذا كتب الجبار إلى الإمام بحكم قد حكم به فلا ينفذه له حتى يعلم أن ~~الجور لا يجوز عند أهل الحق. # وأما الرعية فإذا أشرف عليهم هذا الجبار وأهل الجور وخافوهم على أنفسهم ~~وأموالهم صانعوهم وأعطوهم السمع والطاعة بألسنتهم، ودفعوهم عن أنفسهم بما ~~يدفعون به عنهم من قولهم وأموالهم، وذلك على الجبار حرام، وجائز لهم هم إن ~~علم الله منهم البغض له ولفعله، وكان ذلك حد التقية. # فأما الزكاة فلا يجوز أن يعطوه إياها، فإن أخذها لم تغن عنهم، وإن أخذها ~~هو؛ فعلى قول: ليس عليهم زكاة ms897 ما أخذ ويزكون ما بقي. وقال آخرون: عليهم ~~زكاة ما كالوا مما أخذوا وما لم يأخذ. PageV04P196 # وأما الإمام؛ فقيل: إنه لا تسعه التقية على قول بعضهم، إن أراد الإمام ~~اعتزاله، وأن لا يدفع أمانة الله، وما ألزم نفسه من عهده، ويصبر لأمر الله ~~حتى يحيا على الحق أو يموت عليه، إلا أن يكون /835/ في ضعف ويرجو أعوانا ~~يأتونه. # وإن رضي هذا الجبار أن يدفع عنه بقول معروف إلى أجل أن يقوى أمره؛ فنرجو ~~أن لا يكون عليه في ذلك بأس. # وليس لأحد أن يعينهم بمعونة إلا أن يخاف على البلاد والرعية والناس؛ فلا ~~بأس من طلب الاستبقاء على البلاد وأهلها، وطلب للأجر إلا من أعطى عن طيب ~~نفسه وبرأيه، ولا يتعرض من قام بذلك بمال غائب ولا يتيم؛ فعسى يجوز له. # وأما أن يجبى لهم الخراج فهذا حرام. # وإن أخذ الجبار مال يتيم وكان له وصي أو وكيل خاف على مال اليتيم أن ~~يذهب، فصانع على ماله بأقل مما خاف أن يذهب منه واجتهد في ذلك؛ فأرجو أن ~~يكون له جائزا على قول إن شاء الله. # وإن كان الجبار محاربا لأحد من المسلمين ظالما لهم؛ فلا نرى لأحد أن ~~يعينه بمال ولا بمقال، ولا بشيء يقوى به على محاربة المسلمين. # 147- باب: # مسألة: في أيمان الجبابرة # فنظرنا فيما يبتلى الناس به من جور الجبابرة، ويظلمونهم مما لم يجعل الله ~~لهم عليهم، ثم لا يرضون أن لا يجبروهم أن يظلموا الناس لهم، أو يدلوهم ~~عليهم حتى يظلموهم، ويطلبون من آخرين أموالهم ظلما، فإن أنكروا ذلك أنهم لا ~~يعرفونه ولا يقدرون عليه؛ حلفوهم بالعتق والطلاق وغير ذلك من الأيمان ~~الغلاظ ما عندهم ذلك، فأمرهم بين الظلم والإخطار؛ فسود الله وجوههم وأحل ~~بهم العذاب. PageV04P197 # وقد علم الله أن ذلك سيكون، فقدر الله له فرجا وجعل للمسلمين عندهم عذرا ~~ومخرجا، قال الله في كتابه: {إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان}، فأنزل ~~الله عذرهم. وذلك عمار عذبه المشركون حتى أعطاهم الكفر بالله وقلبه مطئن ~~بالإيمان؛ فأنزل ms898 الله عذره، وقد قال الله: {لا يتخذ المؤمنون الكافرين ~~أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا ~~منهم تقاة}، وفي الحديث عن النبي ^ أنه قال: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ~~وما أكرهوا عليه». # فنظرنا فلم نر شيئا أعظم من الكفر بالله، فإذا عذره الله أن يكفر بلسانه ~~إذا اتقى من الظالمين تقية، ولم يلزمه الله في ذلك تبعة؛ فأرجو أن لا يلزمه ~~من العباد إذا اتقى منهم تقية، ولا في شيء مما حلفوه به من الظلم /836/ ~~الذي لم يجعل الله لهم عليه، وهي رحمة من الله على عباده، أجاز لهم ذلك في ~~القرآن، وروي عن النبي ^ أنه قال: «لا حنث على مغتصب»، فمن غصب نفسه وقهر ~~على يمين؛ فلا حنث عليه في قول أصحابنا. # غير أن أيمان الجبابرة تتصرف على وجوه كثيرة؛ فإن حلفه على حق للجبار ~~عليه أو لغيره أو لله عليه، فحلفوه أن يصوم رمضان أو يصلي، أو يؤدي حقا ~~للناس عليه، أو لا يشرب الخمر، أو لا يأكل الخنازير، أو لا يجحد حقا عليه؛ ~~فحلف بهذه الأيمان جميعا ثم حنث؛ فهذه الأيمان تلزمه؛ لأنه وإن كان ظالما ~~فلم يظلمه في ذلك. وكذلك في كل شيء حلف به مما هو لله عليه أو للعباد فلم ~~يظلمه؛ فإذا حنث فيه لزمه الحنث. # فأما ما يظلمه فيه فإنه على وجهين: PageV04P198 # فما كان من الفعل والعمل؛ فإنه قال: غيره معذور فيه، وذلك أنه لو قال: ~~اقتل هذا الرجل وهو له ظالم، أو ازن بهذه المرأة وهو كاره، أو يشرب الخمر ~~أو يأكل الخنزير وإلا قتلتك؛ فهذه الأيمان ونحوها هي العمل؛ فقال: لا عذر ~~له أن يفعلها، فإن فعل شيئا من ذلك فقد أخطأ، وتكفيه التوبة، إلا حقوق ~~العباد؛ فإنه يضمنها، وعليه في ذلك الأرش والصداق. # وأما في الخمر والخنزير فإن كان ذلك يعصمه عن القتل كالمضطر؛ فعلى قول: ~~يحيي نفسه عن القتل بذلك ويستغفر ربه. # وإذا أمره الجبار أن يزني بامرأة فزنى بها؛ فعليه ms899 عقرها، ولا حد عليه؛ ~~لأن الحد حق الله، وقد رفعوه عنه، ويؤخذ بالعقر؛ لأنه من حقوق العباد. # والوجه الثاني: القول دون الفعل، وهو: الذي فيه العذر. وهو: أن يقول له: ~~بلغني عنك كذا وكذا شيئا هو له جائز بالحق أن يقوله أو يفعله، وهو مما يغضب ~~الجبار، فإن أقر به ضربه، وإن أنكره حلفه بالأيمان الغلاظ ما قال كذا وكذا ~~ولا فعله، وقد كان فعله وقاله، فحلف تقية مخافة الضرب؛ فقد رأى بعض: لا حنث ~~عليه؛ لأنه لا يقدر أن يرد ما قد كان، وليس عليه أن يقر فيعاقبه، وإنما فعل ~~ما هو له، وقد ظلمه في يمينه، ولا حنث عليه، وقد جاء في الحديث عن النبي ^: ~~«ليس على مقهور عقد ولا عهد». # وكذلك إن حلفه لا يفعل كذا وكذا، ولا يقول كذا وكذا مما هو طاعة لله ~~العمل به، وعليه فيه /837/ مضرة في نفسه وماله فاتقاه وحلف، ثم فعل ذلك؛ ~~فلا نرى عليه حنثا في ذلك؛ لأنه ظلمه، وإنما حلف تقية. PageV04P199 # ووجه آخر: إن حلفه ما يعلم أين فلان ولا يعلم لفلان مالا؛ فإنه إن عرفهم ~~أين فلان خاف أن يقتلوه ويأخذوا ماله ظلما؛ فلا يحل له هو أن يطلع بهم ~~ويأخذ لهم أموالهم، فحلف أنه لا يعلم أين فلان ولا يعرف لفلان مالا، وحلف ~~أن لم يقتل لهم فلانا ويأخذ لهم ماله؛ فحلف في هذا جميعا أنه لا يعرف أين ~~فلان ولا مال فلان، فكره أن يقتل لهم فلانا؛ فنقول طاعة لله أولى من طاعة ~~هذا الجبار، ولم يجعل الله لأحد أن يعينهم على الظلم ولا يدله عليه. فلا ~~نرى عليه حنثا إذا ألجأه الأمر من الجبار بين ظلم الناس والعقوبة واليمين. # قال بعض: لا يدل على مسلم ولا على ماله، ولكن يحلف ويحنث. ولم نبصر عليه ~~حنثا؛ لأنه جبر أن يحلف، فإن لم يحلف لزمه العقوبة. # وفي الأثر: قال: فنظرنا قول من قال: إنه لا يعذر في هذا الذي يجعله ~~الجبار إلا حتى يخاف أن يقتله أو ms900 يضربه ضربا شديدا أو يخلده الحبس. وقال من ~~قال: حتى يشار عليه بالسيف أو السياط. # فنظرنا في ذلك فإذا أشير عليه السيف لم يمسك يد الجبار ووقع عليه الفوت، ~~وليس بعد القول إلا الفعل، وعن النبي ^: «ليس لمسلط على مقهور عقد ولا ~~عهد». وقال الله تبارك وتعالى: {قال لا ينال عهدي الظالمين}، وقال: {إلا أن ~~تتقوا منهم تقاة}. PageV04P200 # والتقية: إنما هي خوف يخاف منه العذاب من قبل أن يقع به؛ فنقول: إذا كان ~~هذا الجبار يظلم الناس في أموالهم وأبدانهم، ولا يتقي الله فيهم، وقد أخذ ~~هذا الرجل فامتحنه، فإن خالفه وهو يعلم أنه لا يتقي الله، ومن خالفه عاقبه، ~~ومن عقوباته أن يقتل ويضرب ويحبس، فلا يدري هذا بأي العقوبات يعاقبه؛ ~~فنقول: إن هذه هي التقية والمخافة. وإنما يرجى دفاعها عمن ابتلي بها أن ~~يعطي من نفسه ما طلب إليه من قبل أن يقع به العذاب. وإذا كان هذا الجبار ~~يظلم الناس فهذا معنى الخوف، ولا نرى أنه يحنث من حلفه إذا خافوه. # وقد نظرنا في قول من قال: إن أخذه فجاءة من طريق أو سوق فحلفه عذروه. ~~وأما إذا دعا الناس إلى البيعة وذهب فحلفه فإنه يحنث. # فالذي /838/ نراه له من ذلك إن كان هذا الرجل يمتنع من السلطان فدعاه ~~ليظلمه، أو يحلفه بهذه الأيمان وقد علم ذلك من ذهب إليه برأي نفسه فحلف ثم ~~حنث؛ فلا نبعده أن يلزمه حنث ما حلف عليه. # فأما إن كان في مملكة هذا السلطان فأرسل إليه فلا يقدر أن يمتنع منه، أو ~~ذهب لحاجة له أو لغيره، أو ذهب بلا حاجة، إلا أنه لا يعلم أنه يريد به ~~ظلما، فلما رآه السلطان أخذه ثم جعل عليه هذه الأيمان فلا نرى عليه حنثا؛ ~~لأن تلك الساعة التي أخذه فيها إنما أخذه عنده فجاءة، والله أعلم. # وقد نظرنا في قول من قال: إنه يعذر في القول ولا يعذر في الفعل؛ فنظرنا ~~في هذا الفعل فإذا هو يتصرف على وجوه، فمن ذلك أنه يحلف ms901 بالطلاق أنه لا ~~يشرب الخمر، ولا يأكل الميتة والخنزير، ولا شيئا مما حرم الله، ولا يقتل ~~فلانا ظلما؛ فحلف بهذه الأيمان جميعا ثم جبره الجبار على شرب الخمر وأكل ~~الخنزير وقتل فلان؛ فهذا ينبغي أن يلزمه الحنث؛ لأن هذا هو الفعل ففعله ~~وحنث فيه وهو محرم عليه. PageV04P201 # ورأي: إن كان حلف مختارا أو مجبورا ثم أخذه السلطان ثم جبره على شرب ~~الخمر، وأكل الميتة وإلا قتله، وكان ذلك يعصمه من القتل؛ فهو مثل المضطر، ~~ولا أرى عليه حنثا، والله أعلم. فأما عقوبته بغير ذلك؛ فعليه اليمين. # ووجه آخر: أن يحلف بطلاق زوجته لا يشرب الماء في ذلك اليوم، ولا يدخل ~~منزله هذا اليوم مما هو له حلال؛ فجبره الجبار حتى يشرب الماء في ذلك ~~اليوم، ودخل منزله؟ قال: فرجونا أن يكون هذا من الفعل الذي لا يلزمه فيه ~~الحنث. ونحن سائلون عن ذلك. # ووجه آخر: أنه يطلب إليه أن يعطيه دراهم وعلفا لدوابه؛ فقال: ليس عندي ~~علف ولا دراهم؛ فحلفه بالطلاق والعتاق ما عنده ولا علف يملكه؛ فحلف له على ~~ذلك جميعا، وهو عنده الدراهم والعلف وفي ملكه. وكذلك إن حلف بهذه إن لم ~~يذهب إلى موضع قريب قد ذكره فلم يذهب حتى انقضى الوقت ولم تكن الدراهم ~~والعلف ولا الذهوب إلى ذلك الموضع يعجزه فلا إثم عليه فيه /839/ إن فعله. ~~غير أنه ظالم يظلمه به الجبار وهو يقدر عليه ويحتمله فلا إثم عليه فيه، ~~فلما حنث عند هذا جميعا توقفنا عن هذه المسألة وأحببنا أن لو فعل ذلك ولم ~~يحلف. فلما فعل نظرنا فإذا القليل والكثير سواء حلفوه على دراهم أو درهمين ~~أو ألف أو ألفين حتى يقر له بماله جميعا فيأخذه ظلما. # وكذلك أن يذهب معه إلى موضع قريب أو مسير شهر أو أكثر؛ فرأينا أنه لم ~~يجعل له الله شيئا من ماله، أو يعينه ظلما، وقد صار إن أقر له به أخذه، وإن ~~أنكره حلفه، وإن لم يحلف ضربه أو قتله. فلم ير بعض أهل الرأي عليه ms902 في ذلك ~~حنثا، ولم يبصر على الناس حنثا في أيمان الجبابرة الذين يحلفون الناس بها ~~ظلما وقهرا، وقد حرم الله دماءهم و||قد|| عذرهم عند التقية. PageV04P202 # وإن كان مما لا يقدر عليه؛ فإن حلف فلا حنث عليه فيما يطلبه به الجبار. ~~وقد كان لهذا الرجل الذي حلفه الجبار أن لا يعطيه شيئا من ماله ظلما ~~فأنكره، فإنكاره واسع عند الله ومعذور فيه، ولم يكن الجبر وقع عند المال ~~الذي طلبه، فيقول: إما أعطني إياه وإلا قتلتك عند ذلك. # ففي آثار المسلمين: أنه بالخيار، إن شاء أعطاه ماله وفدى به نفسه، وإن ~~شاء قاتل عن ماله حتى يقتل وهو على ذلك شهيد. # والذي قاتله على ماله ظالم كافر فلم يؤمن هذا الرجل أن يعطي الكافر ماله ~~ويجعله تقية له أن ينكره إياه وأن يجاهد عليه، فلما لم يقر له به لم يقل: ~~إني أقتلك، ولكنه رجع إلى اليمين ظلما، فظلمه بظلم آخر فجبره أن يحلف وإلا ~~قتله، فوقع الجبر الثاني. فإما أن يحلف وإلا قتله، وأخذ برأي من رأى أنه لا يحنث. # وعن رجل حلفه السطان بالطلاق فقال: امرأته طالق إن لم يواف يوم كذا وكذا ~~أرض كذا وكذا، فانطلق ليوافي ثم رجع؟ /840/ # قال أبو عبد الله: إن كان مجبورا لم تطلق امرأته. # وعنه: في رجل حلف بطلاق امرأته ألا يشرب نبيذا ثم دخل على جبار فحلف عليه ~~إن لم يشرب، فأخبره بيمينه فلم يسمع له قولا، غير أنه يخافه على دمه فشرب؟ ~~قال: قد حنث، وإنما تجوز التقية في الكلام. # وعنه أيضا: في رجل يأخذه السلطان الجائر فيقول له: اقتل هذا الرجل وإلا ~~قتلتك، أو ازن بهذه المرأة وإلا قتلتك؟ قال: فهذا غير معذور، وعليه ما أصاب ~~من ذلك. # وأما إذا قال له: بلغني أن في منزلك فلانا فأظهرني عليه، وهو يعلم أنه إن ~~ظفر به قتله؛ فحلف بالطلاق ما هو في بيته، فإنه لا تطلق امرأته إذا كان ~~يخاف على نفسه منه. PageV04P203 # وكذلك في غير هذا من الأيمان لا ms903 كفارة عليه وهو معذور؛ لأن الله قال: ~~{إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان}، فهذا في القول، وأما في الفعل فلا عذر ~~له، وقال رسول الله ^: «لا حنث على مغتصب». # وعنه أيضا: في سلطان جائر أراد أن يستحلف رجلا بالطلاق: أنه ما كان منه ~~كذا وكذا؟ قال: إن كان فعله مما يحل له، وإنما حلفه ظالما له إذا خاف منه ~~الضرب، أو قد رآه فعل في غيره هذا أو أخذه ليفعل ذلك به؛ فإنه لا يحنث. # وعن رجل حلفه السلطان بالطلاق؟ قال: إن خاف القتل فلا يلزمه، وإن لم يخف ~~القتل لزمه. ومنهم من قال: إذا اشتهر بالعذاب جاز له ما جاز لعمار. # وقال الربيع: إذا حلف الرجل وأكره بالطلاق وأن يقتل أو يضرب بالسوط فلا ~~تطلق امرأته إذا أخذ مفاجأة، وليس له أن يأتيهم. # وفي عبيد أخذوا مولاهم فطرحوه في البحر ليقتلوه إلا أن يعتقهم فأعتقهم، ~~فلم نر ذلك عتقا. # وكذلك من أوثق سيده من العبيد ثم قال له: أعتقني وإلا قتلتك فأعتقه؛ فإنه ~~لا يعتق. وإن حلفه الحاكم حلف أنه عبده ما خرج منه بعتق. # وفي رجل هو وامرأته على جبل فدلته لينحدر، فلما صار في بعض المنحدر قالت ~~له: طلقني وإلا أرسلت بك الحبل حتى تسقط فطلقها؛ فقالوا: لا تطلق. # وإن طلقها ثلاثا: قال أبو عبد الله: تبقى عنده بتطليقة؛ لأنا أبطلنا عنه ~~واحدة؛ لقولها: طلقني ولزمه تطليقتان. /841/ قال أبو زياد: يطلقها واحدة، ~~فإن قبلت ذلك فسبيل ذلك، وإن قالت: زدني زادها واحدة. # وفي رجل: كان في يده جرح فعقره رجل فأوجعه، وقال: لا تتركه حتى يطلق ~~امرأته فطلقها وهو يقدر على الامتناع من الرجل. قال: طلقت امرأته. PageV04P204 # ولو أن جبارا أمر رجلا أن يعتق عبده أو يطلق امرأته، أو يبيع ماله، أو ~~يعطيه من يأمره، فإن لم يفعل خاف منه الضرب والقتل؟ قال: لا يلزمه على هذا ~~طلاق ولا عتاق ولا فوت مال. # ومن أخذه جبار ليحلفه ظلما، ولم يعلم أنه ظلم أحدا من قبله، ولا ما ms904 يستتر ~~به، فإذا لم يعلم ذلك نظر إلى الذي يحكم به عليه الجبار ويطلبه إليه من ~~الأيمان وغيرها، فإن يكن طلب إليه حقا فليعط الحق من نفسه، وإن كان يحمل ~~عليه ظلما وباطلا فقد بان له أنه ظالم فيما يحكم عليه، ويطلبه إليه من ~~الظلم فيكفيه ذلك. # وعن عون من أعوان الجبار أخذ رجلا يحلفه بهذه الأيمان التي يعذر فيها إذا ~~حلفه بها الجبار؛ فإذا كان هذا الجبار وأعوانه قد ملكوا البلاد وقهروا ~~الناس ولم يقدر هذا الرجل أن يمتنع من هذا العون والجندي، وخاف منه العقوبة ~~فلا حنث عليه في يمينه. # وقد قيل: إن من سأله السلطان ما ليس له أن يسأله إياه، وحمل عليه ما ليس ~~له أن يحمله عليه فأكرهه ذلك فاستحلفه بالطلاق والعتاق وغير ذلك من ~~الأيمان؛ فحلف أنه لا يقدر عليه وهو يقدر عليه؛ أنه لا حنث عليه إذا عرف ~~هذا بالعقوبة، وقد رأى من عوقب على مثل ذلك من الضرب والقتل، فأما الحبس فلا. # وقال بعض: ليس بعد قول السلطان إلا الفعل، ومثل ذلك أن يقول: أعطني كذا ~~وكذا من مالك، ويقول له: ليس ذلك عندي وهو عنده، إلا أنه كره أن يعطيه ~~ماله. أو يقول له: دلني على فلان أو على مال فلان؛ فيقول: لا أعرف فلانا ~~ولا مال فلان، وهو يعرف أين فلان ويعرف مال فلان إلا أنه لا يستحل أن يدلهم ~~عليه، فحلف بالطلاق: ما عنده مال فلان ولا يعرف أين فلان، وهو عنده فلان ~~ويعرف مال فلان وأين فلان؛ فإنه لا يحنث في يمينه هذه، ولا تطلق زوجته. # 148- باب: # مسألة: في دلالة الجبابرة وغير ذلك PageV04P205 ولا يجوز لأحد أن يدل ~~الظلمة على المسلمين ولا على أموالهم، /842/ ومن فعل ذلك فهو شريك لهم في ظلمهم. # وإن طلب الجبار الدلالة إلى قرية فدله؛ فقتل أهل القرية وأخذ أموالهم. ~~فإن كان هذا الرجل الدليل قد علم أن الجبار يريد أن يقتل أهل هذه القرية ~~ويأخذ أموالهم ظلما، ثم دلهم عليهم وعلى أموالهم؛ فهو ms905 شريك هذا الجبار فيما ~~أحدث فيهم، والله أعلم. # وإن دله عليهم وهو لا يعلم أنه يريد ظلمهم؛ فقد أساء، ويستغفر ربه، ولا ~~يؤاخذه الله بما فعل الجبار، ومما لم يكن عنده هو علمه. # ونحن فلا نرى لأحد أن يدل الجبار على أحد لا يعلم ما يريد منه، ولا على ~~قرية لا يعلم ما يريد بها، إذا كانت عادة الجبار استباحة الحريم، وأخذ ~~الظلم، وطلب الحرام معروف بذلك. # قلت: فهل لدليل الجبار المقهور أن يزلهم عن الطريق حتى يهلكوا أو تهلك ~~دوابهم؟ وهل يجوز أن يغتالهم أشتاتا ومجتمعين بالسيف، أو ببعض الآفات أو ~~دوابهم؟ فأقول: إنهم لا يبدؤون. # وهل يجوز للمسلمين أن يغتالوهم بالسيف والقتل أشتاتا أو مجتمعين أو ببعض ~~الآفات، وكذلك دوابهم؟ # فقد قيل: إنهم لا يبدؤون بشيء من ذلك حتى يدعوا إلى الحق، فإذا امتنعوا ~~وحاربوا استحل ذلك منهم جميعا في محاربتهم. # فإذا لم تكن محاربة كما ذكرت فلا نحب أن يقتل أتباعهم إلا بعد الحجة ~~والصحة. فأما أميرهم فإن كان ||قد|| دعاه أحد من المسلمين فقتله فقد أحل ~~المسلمون أن يقتل. # وعن الجبار إذا أراد أن يتزوج امرأة فطلبها فكرهت وقال: إن لم تزوجه ~~نفسها قتلها أو وقع بها حراما؛ فتزوجت به وهي كارهة. # فإن كانت هذه المرأة حين عزم الجبار على أخذها اختارت الحلال ورضيت به ~~زوجا على كراهية من نفسها؛ فلها مهرها وميراثها، وأرجو ألا يكون وطؤه حراما ~~عليها وهو آثم. PageV04P206 # وإن كانت لم ترض به زوجا إلا أنه جبرها حتى قالت: إني قد رضيت وهي غير ~~راضية؛ فلا أبصر أنها له زوجة. فإن جبرها على الوطء؛ فلها صداقها، وهي عليه ~~حرام، ولا ميراث لها. # وقد اختلف في السلطان الجائر إذا كان زوج امرأة لا ولي لها برأيها؛ فقال ~~قوم: تزويجه جائز، وكره ذلك قوم. # وإن وكلت رجلا من المسلمين فزوجها؛ فعلى قول: جائز، وهو أحق من السلطان ~~الظالم. وقال قوم: السلطان ولي من لا ولي له ما كان عادلا أو جائرا. وقال ~~آخرون: إنما ذلك ms906 لسلطان الحق لا لسلطان /843/ الفسق. # وإن أراد رجل سفرا وخاف اللصوص والطريق ممن يظلم الناس، وخرج الأجناد، ~~فخرج معهم ليأنس بهم في الطريق، ويكون في أنسهم، ولا يدخل فيما يدخلون من ~~الظلم؛ فلا بأس عليه إذا اعتزل عنهم في وقت ظلمهم، وأنكر عليهم بقلبه، وإن ~~أمكنه ألا يكون معهم كان أسلم له. # 149- باب: # مسألة في أمر الصوافي # وجدت في الأثر في الصوافي: أنها مختلف في أمرها، وكان الرأي الذي أخذ به ~~أئمة أهل عمان أنها: أموال وجدت في أيدي السلطان العدل وسلطان الجور، كلما ~~ذهب سلطان أخذها السلطان الذي من بعده، فأخذوها وجعلوها فيئا. # وروي عن موسى بن أبي جابر: أنه قال: "ما جاء من الصوافي فهو لأصحاب ~~السيوف". كأنه يقول: لحماية البلاد. # قال هاشم: إذا كانت الصوافي في أيدي الجبابرة واحتجت إليها كل منها برخا ~~فإنها مال المسلمين، وروي ذلك عن بشير بن المنذر الشيخ. # وقال بعض: نحب أن يأخذ منها ولا يأخذ من الصدقة. وقد عرفنا أنها إن لم ~~يكن إمام عدل؛ لأنه لا يحل لغني أن يأخذ منها وهي للفقير. وإن كانت في يد ~~إمام عدل فإنه يجعلها في عز الإسلام، وما أعطى منها بالمعروف فهو واسع له. PageV04P207 # وإن كانت في أيدي الجبابرة فأعطوا منها أحدا شيئا، أو قدر أن يأخذ منها ~~بلا علمهم، وكان محتاجا إلى ذلك؛ فرجوا أن يسعه أن يأخذ بقدر حاجته، وذلك ~~جائز للفقير دون الغني إن شاء الله. # وقد اختلف في الصوافي إذا كانت في أيدي الجبابرة؛ قال قوم: لا يأخذ أحد ~~من زراعة أحد، وله أن يزرع ويأكل. # وقال آخرون: الجبابرة متعدون ضمناء. ولمن أخذ منها من الفقراء جائز. # وقال قوم: إن احتال عليها وأخذها وزرع جاز ولو بدراهم يعطيهم أو بحيلة. # وقال آخرون: لا يتوصل إليها من يد الجبابرة، فيكون معذر نفسه ويعرضها ~~للبراءة. وبعض: لم يجز للغني فيها حقا ولا زراعة. # وإن كانت في بلاد ليس فيها سلطان؛ فأحب أن يتولى أمرها ويقيمون لها من ~~يحفظها، وتكون ثمرتها لفقراء ms907 المسلمين، أو جماعة أهل البلد، ولمن احتاج ~~إليه من المسلمين أن يأخذ بالمعروف، ولا يجوز أن يشترى من يد الجبابرة ~~||شيء|| ولا من عمالهم من ثمرة الصوافي وغير ذلك. # ولا تكترى منهم على وجه الأجرة تكون لهم، إلا من دفع إليهم من عنده ما ~~يرضيهم من الإبهام أنها أجرة؛ فعلى قول: يجوز ذلك. /844/ # ومن كانت في يده الصوافي في أيام العدل، ثم جاء أهل جور فلا يسلمها إليهم ~~إلا أن يأخذوها هم بأيديهم، فلا يعينهم عليها، ولا يتركها قبل أن يتعرضوا ~~لها ويأخذوها؛ لأنها أمانة في يده ولا يدفعها إلا أن يغلب عليها. # وعندنا أن صوافي الجاهلية وما صفاه الخلفاء فهو من الفيء، وهي لمن سماه ~~الله من الفقراء المهاجرين والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم والذين ~~جاؤوا من بعدهم، وكذلك جعلها عمر. ولا يعتدى فيها إلى غير ذلك. وجعل الله ~~فيها للفقراء والمساكين وابن السبيل، وللإمام أن يضعها حيث أراه الله، ~~والله أعلم. # وقد قال بعض: إذا كان إمام عدل؛ فهو وليها، وإذا كان إمام جور أخذ منها ~~بلا رأيه، وبالله التوفيق. PageV04P208 # فأما المحاربة فليس للمسلمين أن يخرجوا يحاربون جائرا مع جائر، ولا ~~يخرجوا مع الفاسقين وأهل الضلال. فأما إن غشوهم في بلادهم فلهم أن يدفعوا ~~عن حريمهم كل من أراد أن يستبيح بلدهم بمن قاتل معهم. # ولا تجوز معاونة الظالمين في استخراج الخراج، ولا في معونة عليه، ولا ~~يضمن لهم البلاد، ولا يدلهم على مال مسلم، ولا على مسلم يطالب، ولا تجوز ~~إعانتهم على شيء، ولا يصفوا عند من أعلى منهم بغير ما هم فيه وعليه، ولا ~~ينبش بمال أحد، ولا يقال: اكتب مال أحد على أحد. # وأما السلام والمداراة في الكلام وطلب الإحسان ونفع الضعفاء؛ فحسن ذلك جائز. # وأما الشهادة عند الجبار؛ فأجاز قوم أن يشهد إذا لم يعلم أنه يتعدى في ~~الحكم. وقال آخرون: لا يشهد، ويقول لمن له الحق أن ينظر من يحكم له بالحق ~~حتى يشهد له. # وأما الرفعان إليهم؛ فالذين عادتهم الجور فظلموا ms908 المرفوع عليه والرافع ~~والأخذ بغير ما يلزم لا يجوز أن يرفع إليهم. فأما إذا لم يعرفوا بذلك؛ فقال ~~قوم: جائز أن يرفع إليهم فيما قد لزم خصمك الحجة، وعليه لك حق تعلمه، أو ~~غصبك ما ظلمه، فترفع إليه كالمعونة في أخذ حقك كما تستعين بهم على اللصوص. # فأما ما كان الحكم فيه بالرأي واختلاف الفقهاء فيه، وما يكون من الدعوى ~~من المرء من قبل غيره من ميراث أو غير ذلك؛ فلا يرفع إليهم، ولا يجوز ~~حكمهم؛ لأن لخصمك أن يأخذ بغير ذلك الرأي، وليس رأيهم ذلك حجة على الخصم، ~~وبالله التوفيق. # [ كتاب التوبة ] # باب: # مسألة: في التوبة # - وسأل عن التوبة /843/ ووجوبها؟ وما معنى التوبة؟ PageV04P209 # قيل له: التوبة: هو الرجوع عن المعصية. تاب: أي رجع، كما يقال: "تائبون ~~آيبون راجعون". وأصل التوبة: الندم على ما كان من العبد من فعل المعصية، ~~وترك العمل بالمعصية، والاعتقاد أن لا يرجع إلى فعل المعاصي، والاستغفار من ~~ذلك بلسانه، وإن كان ذنبه حقا للعباد خرج إليهم منه، قال الله تعالى: { ~~غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب}، غافر الذنب لمن تاب، شديد العقاب لمن ~~لم يتب، كما قال: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى}، وقال: ~~{وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون}، فأوجب الفلاح لمن تاب ~~من جميع الذنوب. # وقال النبي ^: « هلك المصرون»، فمن عمل بالمعصية ثم تاب تاب الله عليه، ~~ومن أصر عاقبه عليه؛ لأن الله -وله الحمد- ابتلى العباد بالأمر بطاعته ~~والنهي عن معصيته، وقال: {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول}، وقال: {من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله}، وقال: {ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم * ومن يعص الله ورسوله ويتعد ~~حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين}. PageV04P210 # ومن ذلك أن الله تعالى أمر إبليس بالسجود لآدم فعصى وامتنع، ثم عرض عليه ~~التوبة، وكفر بإصراره؛ فجعله شيطانا مريدا، ولعنه وأعد له عذابا مهينا ومن ~~اتبعه، قال: { لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين}، فصار ms909 إمام المصرين ~~حين أصر ولم يتب، وعصى الله ولم يرجع إلى طاعته، ثم وسوس لآدم حتى أكل ~~الشجرة التي نهاه الله عن أكلها، وقال الله له: { ألم أنهكما عن تلكما ~~الشجرة وأقل لكما إن الشيطان لكما عدو مبين * قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن ~~لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين}، فتابا وتاب الله عليهما، فصار ~~آدم إمام التائبين، وإبليس إمام المصرين وهما فريقان. # فمن عصى وأصر كفر، ومن آمن وتاب تاب الله عليه، وخرج من الكفر بالتوبة ~~ورجع إلى الحق، قال الله تعالى: { إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء ~~بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم}، {من قريب}: من قبل أن ~~ينزل بأحدهم الموت. PageV04P211 # وقال: /846/ {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت ~~قال إني تبت الآن} فلا تقبل منه عند ذلك التوبة، {ولا الذين يموتون وهم ~~كفار}، ولم يقبل من فرعون حين أدركه الغرق، فالمصرون الذين يموتون وهم كفار ~~كما قال الله: {وهل نجازي إلا الكفور} { أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما}، ~~فألحق الله أهل الإصرار من أهل الإقرار بالكفر، وقد قال الله: { يوم يأتي ~~بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها ~~خيرا}، يعني: المصرة في إقرارها. # أولا ترى كيف ألحق المصرة في إقرارها بالإيمان بمن لا إيمان له، وقال: { ~~إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} يعني: أهل ~~التوبة، ثم قال: { وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون} يعني: بذلك أهل ~~الإقرار، وأضمر ذكرهم في أول الخطاب. # والإصرار معناه: فعل ثان وهو المقام على الذنب، وهو كفر، وليس في الكفر ~~إيمان، ولا في الإيمان كفر ولا بغي. # والإيمان: قول وعمل مجتمع عليه، ونية واتباع السنة؛ فمن بلي بشيء من ~~الكفر أخرجه من الإيمان، لا يسمى مؤمنا إلا بالرجعة والتوبة، والرضى بحكم ~~كتاب الله عليه، وليس بين الكفر والتقوى منزلة، كذلك قال الله ||تبارك|| ~~وتعالى: {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من ms910 قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن ~~تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا}، فمن لم ~~يكن مؤمنا كان كافرا. وما أشبه الكبير من الذنوب أو قاربه فالكبير أولى به ~~وأنزلوه بمنزلته. PageV04P212 # وإذا عذب الله قوما على شيء عذب من ركب ما هو أعظم منه جرما، ولو لم يأت ~~فيه بوعيد، كيف والوعيد قد أتى على كل كبيرة، فمن عمل بالكبائر فهو في حال ~~عملها كافر منافق، بريء من الإيمان وثوابه، بريء من الشرك وأحكامه ما لم ~~يكن في معصيته إنكار لله وشرك به. # ومن عمل بالصغائر -وهي من دون الكبائر- فعلى صاحبها التوبة والرجعة ~~والندامة، فإن تاب فهو مسلم، وإن تمادى وأقام هلك وضل عندهم فهو الإصرار ~~||والمقام على الذنب بلا توبة||. والمقام على الذنب من غير استغفار ولا ~~توبة هو الإصرار. وقد قالوا: كل مصر كافر. # فمن ركب كبيرا من الذنوب وما أشبه الكبير الذي جاء من الله فيه الوعيد ~~كفر في وقت ركوبه، ومن ركب ما دون الكبائر فإنما يكفر صاحبه بالإصرار عليه ~~/847/ وترك التوبة منه لا بركوبه، وقد قال الله تعالى: {والذين إذا فعلوا ~~فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا ~~الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون}، وقال النبي ^: « هلك المصرون». # وقد روي عن ابن عباس أنه قال: "لا صغير مع إصرار، ولا كبير مع توبة ~~واستغفار". وعن عائشة أنها قالت: "ما من عبد أصاب ذنبا صغيرا صغره واستخف ~~به إلا عظم ذلك الذنب عند الله حتى يكبه الله به في النار، وما من عبد أصاب ~~ذنبا كبيرا فندم عليه وصبر لحكم الله فيه وأدى الواجب عليه فيما يلزمه إلا ~~صغر ذلك الذنب حتى يغفره الله له". # وقد قال النبي ^: «التائب من الذنب كمن لا ذنب له». # وروي عن أبي عبيدة أنه قيل له: هل من ذنب لا يغفر؟ فقال: نعم، ما لا يتاب منه. PageV04P213 # قال الله: { الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم}، من ms911 قول ~~بعضهم: هو ما لم بالقلب من ذكر المعصية والهم بها والنية للعمل بها بما نهى ~~الله، {إن ربك واسع المغفرة} لمن تاب من ذلك اللمم، ومن العمل بما نهى الله عنه. # وأما الفواحش فهي الزنا وقذف المحصنات ظلما. # وأما الكبائر فهي كبائر الذنوب التي حرمها الله، وأوعدهم عليها العقاب ~~والنار، والحدود في الدنيا. # وروي عن الحب والبغض الذي يكون في القلوب أنه عمل وليس ذلك بنية، والله أعلم. # وقد أجاز بعضهم: محبة غير الولي، ولا تكون محبة لله ولكن لما بينهما. # وأما الحب في الله فهو عمل، كذلك البغض في الله، والمفارقة للظالمين فهو عمل. # فقد قيل: إن حب المؤمنين فريضة وبغضهم معصية إذا كان ذلك في الله، وبغض ~~الكافرين والمنافقين فريضة وحبهم معصية، قال الله: {لا تجد قوما يؤمنون ~~بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم ~~أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه}، ~~فمدحهم على ترك موادة الكافرين، ولا يكون مؤمنا من يواد الكافر، وموادة ~~الكافرين من الكبائر. # ومن الفواحش لمس النساء حراما، والقذف /848/ والزنا، وهذا كان نظر ومس ~~على ما قيل على عهد رسول الله ^. # والسيئات: كل ما عصي الله به من قليل أو كثير، فهو من السيئات كان صغيرا ~~أو كبيرا. PageV04P214 # والكبائر التي أوعد الله عليها النار موجودة في كتاب الله، من ترك ~~الفرائض التي أوجبها الله على العباد، أو سبى أو ركب ما حرم الله أو شيئا ~~منه، مثل: الربا وأكل أموال اليتامى ظلما، وأكل أموال الناس ظلما، ولو قل ~~ذلك على العمد فيه والتهاون بالظلم فيه، وعقوق الوالدين، وقطع الأرحام، ~~وأكل الحرام، وشرب الحرام. وما أعد الله فيه العقوبة وحرمه وأوجب فيه حدا ~~فهو كبير. # وقد قيل: إن المقام على الكبائر والإصرار على الصغائر يصير الأعمال هباء ~~وتحبط، ويغضب الله على أهلها ويسخط. # وبالتوبة من الذنوب والإقلاع عنها يتجاوز الله لأهلها عنها؛ فعلى هذا ~~يكون الثواب لأهله، ليس كما قال أهل الشك: إن ms912 من أقر بالله وبالنبي ^، ثم ~~صلى وصام وحج وغزا، وعمل ما أشبه ذلك من الطاعة، وسرق خلال ذلك، وزنى وكذب ~~وأربى وركب نحو ذلك من المعاصي، قالوا: خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا، وغلبت ~~حسناته سيئاته؛ فالسيئة واحدة والحسنة عشر أمثالها، والحسنات يذهبن ~~السيئات، ونحو ذلك من القرآن. # فبلغ ذلك بهم إلى أن الله لا يعذب أحدا من أهل المعاصي بسيئة عملها وهو ~~مقيم عليها، وأن الله عندهم يعذب التائب من المعصية والمقلع عنها؛ لأن هذا ~~القول غلبت حسناته سيئاته، يوجب أن مؤمنا عصى الله ثم تاب في آخر يوم بقي ~~من عمره من جميع ذنوبه، وأقلع عنها أن ذلك مستحق لعذاب الله، وقد قال الله ~~خلافا لذلك: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى}، وقال: {وتوبوا ~~إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون}، أي من جميع الذنوب. # وقد قال أيضا: {وقد خاب من حمل ظلما}، وقال: {ومن يعص الله ورسوله ويتعد ~~حدوده يدخله نارا خالدا فيها}. PageV04P215 # وقد قال بعض أهل العدل: إن كل من عصى الله بما أكفره، أو بصغير من الذنوب ~~احتقره، وهو بالغ صحيح العقل عالم بتحريم ما أتاه، أو حمله عليه جهله، ثم ~~أصر على شيء من ذلك وهو يعلم ولو على /849/ حبة مما ظلم؛ فوجب له عليه ~~النار خالدا فيها بما قدمت يداه واعتدى، وبطل عنه جميع حسناته، ولم ينتفع ~~بسالف إيمانه ما دام مقيما أو مصرا، ولو أذاب بدنه في طاعة الله وأتعبه، ~~وأنفق ماله في سبيل الله وأذهبه؛ لم يقبل من ذلك العمل مثقال حبة حتى يقلع ~~عن تلك الذنوب والمعاصي السالفة ويتوب منها، ثم عند التوبة يقبل الله ~~حسناته ويشكره، ويتجاوز عن سالف ذنبه ويغفره؛ لأن الله قال: { إنما يتقبل ~~الله من المتقين}؛ لأنه يحب التوابين. # وأما الذين حقت عليهم كلمة العذاب ووجبت بما قدمت أيديهم وكسبت أولئك لا ~~يتقبل الله منهم؛ لأنه إنما يتقبل الله من المتقين. # ومن يعمل رئاء الناس {فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا ms913 ~~لا يقدرون على شيء مما كسبوا}. # وأما قوله: {خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا} ||قالوا||: فأولئك قوم أساؤوا ~~ثم تابوا إلى الله من ذنوبهم واعترفوا. وقيل: إن هذه الآية نزلت في أبي ~~لبابة حين قال لبني قريظة: "إنه الذبح"، ورأى في قوله أنه قد خان الله ~~ورسوله وندم وتاب وربط نفسه بسارية المسجد حتى تاب إلى الله، وتاب الله ~~عليه، وتاب على الثلاثة الذين خلفوا. PageV04P216 # وقد حرم الله الذنوب فقال: { والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما * ~~يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب} فاستثنى أهل ~~التوبة وقال: {إن الله يغفر الذنوب جميعا}. # وقال: {وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا}، فدل أنه قد بين أن المغفرة ~~لمن تاب، وقال: {ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزآؤه جهنم خالدا فيها}، فقد أوجب ~~الله الموجبات على الزاني والقاتل والغال والقاذف والسارق والعاق، والفار ~~من الزحف والمشرك، وآكل مال اليتيم وأموال الناس بالباطل، وقاطع الأرحام ~~والظالم، ومن يتعدى حدود الله، ومن لا يطع الله في قسم المواريث، ومن يعص ~~الله ورسوله؛ فمن تاب تاب الله عليه، ومن أصر كان غضبه عليه. # وقد روي عن النبي ^ أنه قال: « إن الله يقبل توبة عبده ما لم يغرغر ~~بنفسه» /850/. وقيل: "التوبة مقبولة ما لم يؤخذ بكضمه". # وقال أبو عبد الله محمد بن محبوب: إن التوبة مقبولة ما لم يتغرغر العبد ~~بالموت، وقد قال الله: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر ~~أحدهم الموت قال إني تبت الآن}، فلا تقبل عند ذلك، وهي مقبولة قبل الموت. PageV04P217 # وقال أبو المؤثر: وما دخل أهل الجنة الجنة إلا بفضل الله ورحمته ومغفرته ~~وتوفيقه وإرشاده وعصمته وهدايته وعفوه أن هداهم إلى التوبة والاستغفار، ثم ~~بأعمالهم الصالحة التي علم الله أنهم سيعملونها، ولا محالة عما علم الله، ~~ولا يبطل علم الله. وما دخل أهل النار النار إلا بأعمالهم الخبيثة التي علم ~~الله أنهم سيعملونها، ms914 ولا محالة عما علم الله، ولا يبطل علم الله، ولا ~~يظلمهم ولا يجور عليهم، { وما ربك بظلام للعبيد}. # وما زالت أقدام أهل الجنة من موقف يوم القيامة إلى الجنة حتى علموا فضل ~~الله عليهم، ولم يحابهم ولم يخف عليهم؛ لأن نعمته سبقت كل نعمة وإحسان. # وما زالت أقدام أهل النار من عرصة يوم القيامة إلى النار حتى علموا عدل ~~الله عليهم، لم يجر عليهم ولم يظلمهم؛ لأنه ليس بظلام للعبيد. # وأما قوله: { إن الحسنات يذهبن السيئات}، فإن ذلك مكان الكفر الإيمان، ~~ومكان الإصرار التوبة، وهي تمحو السيئات، وقوله: { يبدل الله سيئاتهم ~~حسنات}، يبدلهم مكان الكفر والشرك الإسلام، فذلك تبديل السيئات الحسنات. # وأما الكبائر فقتل المؤمن ظلما وأكل ماله بالباطل، وجحدان المواريث، ~~وتعدي الحدود، وارتكاب ما حرم الله من القول والفعل، ومما يوجب فيه حد في ~~الدنيا وعذاب في الآخر؛ فهو من الكبائر. # ومما ذكر الله في سورة النور إلى قوله: {وتوبوا إلى الله جميعا أيها ~~المؤمنون}، وفي سورة النساء إلى قوله: {إن تجتنبوا كبآئر ما تنهون عنه نكفر ~~عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما}، ولم يرخص الله في شيء من الذنوب. PageV04P218 # ألا ترى إلى قوله لأصحاب النبي ^: { لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا ~~تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم}، فأحبط أعمالهم بذلك، ~~وقال: { ولم يصروا على ما فعلوا}، وفي أبي لبابة /851/ وغيره. # من الكبائر من ابتدع بدعة ضلال ودعا إليها. # من كبائر الذنوب: غلول الغنائم، وشهادة الزور، وقطع مال بيمين فاجرة، أو ~~طالبه أحد بحق وهو يعلم أنه عليه فأنكره وجحده، أو طفف في الكيل، أو غصب ~~مالا بغير حق؛ فتوبة من فعل شيئا من ذلك الاعتراف مما كان فيه حق مخلوق، ~~والإقرار به لأهله والخروج إليهم منه على ما يلزمه، والاستغفار والندم على ~~ما كان منه، وما كان من فعل فيه قود، أو جروح فيها قصاص، أو أداء أرش، ~~والتوبة من ذلك الإقرار لأهله به، وإعطاء الحق من نفسه على ما يلزمه، ~~والتوبة إلى الله والندم ms915 بقلبه، والاستغفار بلسانه. وقيل: قاتل المؤمن أن ~~يقيد نفسه إذا كان عمدا، وفي الخطإ الدية والعتق، فإن قبل أولياء المقتول ~~الدية؛ فعليه ذلك مع العتق. # ومن لزمه حق لأحد بمعصية ركبها، ولم يكن معه ما يؤدي؛ فليعترف ويجتهد في ~~أدائه. فإن مات ولم يؤده فهو على قول: معذور إن شاء الله ويوصي به، وإن لم ~~يتب كما وصفنا لم يسلم. # وإن ترك التوبة حتى نسي وكان يلزمه في ذلك الذنب حق لله يجب عليه قضاؤه ~~وللعباد ثم تاب واستغفر في الجملة؛ فقد قيل: إنه معذور، وأرجو أن الله قد ~~عفا عن النسيان.وهذا قد قيل: إنه لا يعذر؛ لأنه سوف حتى نسي. # وتوبة من دعا إلى الضلالة الرجوع عن ذلك، والندم عليه، ويعرف من دعا بأن ~~ذلك ضلالة ويتوب عنده من ذلك، ويأمره بترك ذلك. PageV04P219 # ونوع آخر من الذنوب: مثل من زنى أو ناح أو فلج أسنانه، أو وصل بشعره ~~غيره، أو لعب بالملاهي، والوشام، أو شرب المسكر وما حرم الله، وكل من أخذ ~~كراء على شيء من هذه التوبة من ذلك رد ما أخذ على من أخذ منه، والاستغفار ~~منه والندم منه. وإن كان لم يأخذ منه كراء فالتوبة تجزئه على ما كان. # ومن لعب بالشطرنج والنرد والجوز وكسب من ذلك؛ فتوبة من فعل ذلك رد ما كسب ~~على من أخذ منه والاستغفار. وإن لم يأخذ فالتوبة تجزئه. # وكذلك من باع خمرا أو خنزيرا، أو شهد زورا، أو أخذ عليه شيئا، أو دل على ~~بيع الخمر والخنزير وأخذ على دلالته؛ فتوبة ذلك الرد والاستغفار والندم. /852/ # ومن غصب امرأة حرة ووطئها؛ فتوبة ذلك أداء ما لزمه من ذلك والندم والتوبة ~~والاستغفار. كذلك كل ما فعل شيئا لزمه فيه حق للمخلوق؛ الخروج إليه منهم، ~~والندم على ما كان منه والاستغفار. # وكل ما كان من هذه الأشياء فهي مثله، وما لم يكن فيه حق لمخلوق فالتوبة ~~تجزئه، وما كان فيه حق لله يلزمه فيه قضاؤه والبدل والكفارة. والتوبة من ~~ذلك البدل وأداؤه على ms916 ما يجب، والاستغفار والندم على ما ضيع من حقوق الله ~~أو حقوق العباد، والله أعلم وبه التوفيق. PageV04P220 # تم الجامع المبارك وهو «جامع الشيخ أبي الحسن علي بن محمد البسيوي -رحمه ~~الله وغفر له-»، وكان تمام هذا الجامع في يوم الثلاثاء وست عشرة ليلة خلت ~~من شهر جمادى الآخرة الذي هو من شهور سنة سنتين وثمانين سنة وألف سنة ~~[16/6/1082ه] من الهجرة النبوية على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام، على يدي ~~العبد الفقير المعترف على نفسه بالخطإ والزلل والتقصير، الراجي العفو ~~والرحمة والمغفرة من ربه القدير، في اليوم العسير، محبوب بن بشير بن ربيع ~~بن خلف بن راشد الجحدري الرستاقي وهو يستغفر الله من الزيادة والنقصان، ~~ويسأل الله المغفرة لذنوبه، ولوالديه، ولجميع المؤمنين والمؤمنات، ~~والمسلمين والمسلمات، إنه مجيب الدعوات، فعال لما يريد، نسخه للشيخ المعظم، ~~والبحر الخطم، والطود الأشم، والدعام الأتم، والركن الأقوم، فصيح العرب ~~والعجم، طاهر العرض والشتم، صاحب المجد والكرم، والمورد العذب المزدحم، ~~والي المسلمين، وسراج المهتدين، وقدوة من تمسك بالدين، الشيخ المؤيد: بلعرب ~~بن سلطان بن سيف بن مالك بن أبي العرب اليعربي، أعزه الله ونصره ووفقه ~~وهداه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.تم الجامع المبارك وهو «جامع الشيخ أبي ~~الحسن علي بن محمد البسيوي -رحمه الله وغفر له-»، وكان تمام هذا الجامع ~~في يوم الثلاثاء وست عشرة ليلة خلت من شهر جمادى الآخرة الذي هو من شهور ~~سنة سنتين وثمانين سنة وألف سنة [16/6/1082ه] من الهجرة النبوية على ~~مهاجرها أفضل الصلاة والسلام، على يدي العبد الفقير المعترف على نفسه ~~بالخطإ والزلل والتقصير، الراجي العفو والرحمة والمغفرة من ربه القدير، في ~~اليوم العسير، محبوب بن بشير بن ربيع بن خلف بن راشد الجحدري الرستاقي وهو ~~يستغفر الله من الزيادة والنقصان، ويسأل الله المغفرة لذنوبه، ولوالديه، ~~ولجميع المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، إنه مجيب الدعوات، ~~فعال لما يريد، نسخه للشيخ المعظم، والبحر الخطم، والطود الأشم، والدعام ~~الأتم، والركن الأقوم، فصيح العرب والعجم، طاهر العرض والشتم، صاحب المجد ~~والكرم، والمورد العذب المزدحم، والي ms917 المسلمين، وسراج المهتدين، وقدوة من ~~تمسك بالدين، الشيخ المؤيد: بلعرب بن سلطان بن سيف بن مالك بن أبي العرب ~~اليعربي، أعزه الله ونصره ووفقه وهداه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. # ----NO PAGE NO------ ms918