######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010617 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: أبو القاسم الآمدي #META# 010.AuthorNAME :: أبو القاسم الحسن بن بشر الآمدي (المتوفى : 370هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 370 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الموازنة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب الأدب :: من عيون الشعر العربي وكتبه #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: الموازنة #META# 030.LibURI :: JK_010617 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # المقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم # أحمدك اللهم على جزيل نعمائك، وأسألك المزيد من صلاتك وسلامك على خاتم ~~أنبيائك، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين. # وأما بعد: فإني ألفيت أشق ما يضطلع به أهل العلم من عمل أن يوكل إليهم ~~تحقيق كتاب صنف وكتب قبل زمانهم، وقد رأيت أنه على قدر بعد العهد بالتصنيف ~~والكتابة يكون الجهد، وتثقل التبعة، وأن العمل يكون أكثر تعقدا وأثقل تبعة ~~إذا لم يتيسر من نسخ الأصل سوى نسخة فريدة أو ما هو بمنزلة ذلك من النسخ ~~التي أخذ بعضها عن بعض، وما من شك في أنه لا يقدر هذا الجهد الجاهد إلا من ~~عرف ما يكابده العالم الحريص على بلوغ الغاية التي يصبو إليها من الدقة ~~والإتقان، وهذا وحده عناء ليس من فوقه عناء. # وهذا كتاب " الموازنة بين الطائيين أبي تمام والبحتري " أحد تصانيف ~~الإمام النقادة أبي القاسم الحسن بن بشر بن يحيى، الآمدي، البصري، المتفوي ~~في عام 370 من الهجرة، أقدمه لقراء العربية بعد الذي كابدت في تحقيقه، وأنا ~~مطمئن - أو قريب من الطمأنينة - إلى أنهم سيجدون فيه طلبة طالما تاقت إلها ~~نفوسهم، وأنهم سيقءون نسخة صحيحة من كتاب نشره الوراقون قبل اليوم ثلاث ~~مرات وكأنه لم ينشر؛ لكثرة ما شاع فيه من تحريف، ونقص، وسوء ترتيب. # وقد كانت النية على أن أنشر - مع هذه الكلمة - بحثا أتعرض فيه لتأريخ فن ~~النقد الأدبي، ثم أرسم لك طريقة أب يالقاسم الآمدي في كتابه، وأذكر لك ما ~~تجمع لدي من الملاحظات عليه بعد أن صحبته أمدا ليس بالقصير، وأحدثك - على ~~الأخص - عن تحامله على أبي تمام وإغضائه الإغضاء البالغ عن البحتري. كما ~~كانت النية منعقدة على أن أنشر مع الكتاب أنواعا من الفهارس الأبجدية ~~أعددتها له؛ ولكن ظروفا قاهرة عاقتني عن كل ذلك، وأهونها ظروف الحرب ~~القائمة التي جعلت الحصول على الورق من أعقد الأمور، وإنه ليهون على نفسي ~~فوات هذه الأغراض، ويهونها على نفسك معي، أنك لن تجد بدا من استيعاب الكتاب ~~قراءة وتدبرا، وأنك حين ms001 تنتهي من قرائته ستكون قد أدركت من ذلك الشيء ~~الكثير. # والله المسئول أن ينفع بهذا العمل على قدر الإخلاص فيه، وأن يهيئ له فرصة ~~أخرى يخرج فيها للناس على وجه أقرب إلى الكمال . # عن منيل الروضة في سعبان 1363 يوليه 1944 كتبه المعتز بالله تعالى - محمد ~~محي الدين عبد الحميد # ؟أبو تمام # 1 - هو حبيب بن أوس بن الحارس بن قيس بن الأشج بن يحيى بن مروان ابن مر ~~بن سعد بن كاهل بن عمرو بن عدي بن عمرو بن الغوث بن جلهمة، وجلهمة هو طيء ~~بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن يشجب بن ~~يعرب بن قحطان. # 2 - ولد بقرية جاسم، وهي إحدى قرى الجيدرو، من أعمال دمشق، وأثبت الأقوال ~~المأثورة أن مولده كان في سنة تسعين ومائة من الهجرة. # 3 - كان أبو تمام أسمر الون، طويلا، حلو الكلام، غير أن في لسانه حبسة، ~~وفي كلامه تمتمة يسيرة، حتى قيل فيه: # يا نبي الله في الشعر، ويا عيسى بن مريم # أنت من أشعر خلق الله ما لم تتكلم # وكان فطنا شديد الفطنة، قوي العارضة، حاضر البديهة. وقد واتته هذه الخلال ~~ومكنت له من الغوص على المعاني؛ فكان لا يزال يجد في أثرها حتى يصل إلى ما ~~يعسر على غيره متناوله. # 4 - كان لأبي تمام مذهب في المطابق والمجانس اشتهر به، ونسب إليه. وهذا ~~المذهب لم ينسب لأبي تمام لأنه اخترعه؛ فقد طرقه الشعراء من قبله، وقالوا ~~منه، ولكنه نسب إليه وعرف هو به لأنه فضل الشعراء جميعا فيه، وأكثر منن ~~وسلك جميع شعبه، بل إنه كان مثار ما دار حوله من الجدل، ومن جهته انطلقت ~~ألسنة الناقدين عليه، بحق أحيانا، وبغير حق أحيانا أخرى؛ ذلك بأنه بالغ في ~~سلوك هذه السبيل وأولع بها، حتى ليندر أن يخلو بيت له منه، فأوقعه هذا ~~الولوع في التعسف وارتكاب متن الشطط، ولكن الذي لا شك فيه أن الجيد من شعره ~~كثير، وأنه ms002 لا يلحق غباره في جيده. PageV01P001 5 - اتصل أبو تمام برجال ~~الدولة في عصره، ومدح وهجا ورثى، وقال في كل أغراض الشعر، وقد أحصيت عدة من ~~مدحهم فألفيتهم ثمانية وأربعين ما بين خليفة وابن خليفة ووزير وكاتب وقاض ~~وسري: مدح أمير المؤمنين المعتصم بالله محمد بن هارون الرشيد، ورثاه بعد ~~موته، ومدح أمير المؤمنين الواثق بالله ابن المعتصم، ومدح محمد بن عبد ~~الملك الزيات، وأبا عبد الله بن أبي دؤاد، والحسن بن وهب، وأخاه سليمان بن ~~وهب، ومالك بن طوق، وأبا دلف القاسم ابن عيسى العجلي، وأبا المغيث موسى بن ~~إبراهيم الرافقي، وأبا الحسن محمد بن الهيثم بن شبابة، وإسحاق بن إبراهيم ~~المصعبي، وإسحاق بن أبي ربعى كاتب أبي دلف، ومحمد بن حسان الضبي، وخالد ن ~~يزيد بن مزيد الشيباني، وكان أكثر إنسان مدحه أبو تمام هو أبو سعيد محمد بن ~~يوسف الثغري؛ فقد أحصينا له فيه سبعا وعشرين كلمة. ونريد أن نسجل ههنا أن ~~أبا تمام الطائي كان كثيرا ما يمدح الطائيين؛ فأبو سعيد الطائي، وأحمد بن ~~عبد الكريم طائي، وعمر بن عبد العزيز طائي، وغير هؤلاء من ممدوحيه طائيون؛ ~~فهل كان يمدح على العصبية أو الرغبة في الجائزة؟ ذلك بحث لم يستقم لنا وجه ~~الرأي فيه، ولا هو مما تحتمله هذه العجالة في هذه الظروف. وعسى أن يتهيأ ~~لنا من بعد أن نفيض فيه. # 6 - وتوفي أبو تمام بالموصل سنة إحدى وثلاثين ومائتين، وبني عليه أحد بني ~~حميد الطوسي قبة خارج الميدان، وقبره الآن في حديقة البلدية بالموصل. # البحتري # 1 - هو أبو عبادة الوليد بن عبيد بن يحيى، البحتري: الطائي، أحد بني بحتر ~~بن عتود، ثم من طيء . # 2 - ولد بمنبج في عام 206 من الهجرة، ونشأ في البادية بين قومه بني طيء ~~وغيرهم، وروى عن كثير من العلماء، كأبي العباس المبرد، ثم اتصل بأبي تمام ~~ولزمه، وما زال يترسم خطاه، ويحذو حذوه، ويردد صداه، ويقتفي قفوه، حتى طار ~~في الآفاق ذكره، وعلا كعبه. # 3 - كان - على فضله، ونصاعة ms003 بيانه، ورقة كلامه، وبديع أسلوبه، وجزيل شعره ~~- من أبخل خلق الله؛ فقد كان له أخ وغلام معه في داره، فكان يقتلهما جوعا، ~~حتى إذا بلغ منهما الجهد أتياه يبكيان، فيرمي إليهما بثمن أقواتهما مضيقا ~~مقترا، ويقول لهما مع ذلك: كلا، أجاع الله أكبادكما وأطال إجهادكما! وكان - ~~فوق ذلك - من أوسخ خلق الله ثوبا وآلة، وأبغضهم إنشاا، وأكثرهم افتخارا ~~بشعره، حتى ليروى عنه أنه كان إذا أنشد شعرا قال لمستمعيه: لم لا تقولون ~~أحسنت؟ هذا والله مالا يقدر أحد أن يقول مثله!. # 4 - قال أبو الفرج عنه: شاعر، فاضل، حسن المذهب، نقي الكلام، مطبوع، كان ~~مشايخنا رحمة الله عليهم يختمون به الشعراء، وله تصرف حسن في ضروب الشعر، ~~سوى الهجاء؛ فإن بضاعته فيه نزرة، وجيده منه قليل. # 5 - اتصل بكثير من رجالات الدولة، ومدح الكثيرين، وأكثر مدائحه في أمير ~~المؤمنين المتوكل على الله، ووزيره الفتح بن خاقان، وما زال متصلا منهما ~~بسبب: يختلف إليهما، ويمدحهما، إلى أن قتلا على مشهد منه، فرجع إلى منبج، ~~وبقي يختلف إلى الؤساء والعية في بغداد وسر من رأى، ويمدحهم. # 6 - سئل أبو العلاء المعري: أي الثلاثة أشعر؟ أبو تمام أم البحتري أم ~~المتنبي؟ فأجاب: المتنبي وأبو تمام حكيمان، والشاعر البحتري. وسئل البحتري: ~~أيكما أشعر؟ أنت أم أبو تمام؟ فأجاب: جيد أبي تمام خير من جيدي، ورديئي خير ~~من رديئه. وقيل للبحتري يوما: إن الناس يزعمون أنك أشعر من أبي تمام، فقال: ~~والله ما ينفعني هذا القول، ولا يضر أبا تمام، والله ما أكلت الخبز إلا به! ~~ولوددت أن الأمر كما قالوا، ولكني والله تابع له، آخذ منه، لائذ به، نسيمي ~~يركد عند هوائه، وأرضي تنخفض عند سمائه. # 7 - أنشد البحتري أبا تمام يوما شيئا من شعره، فلما انتهى تمثل أبو تمام ~~بقول أوس بن حجر: # إذا مقرم منا ذرا حد نابه ... تخمط فينا ناب آخر مقرم # ثم قال له: نعيت إلي والله نفسي، فقال: أعيذك بالله من هذا القول! فقال: ~~إن عمري لن يطول وقد ms004 نشأ في طيء مثلك. أما علمت أن خالد بن صفوان رأى شبيب ~~بن شبة - وهو من رهطه - يتكلم فقال: يا بني، لقد نعى إلي نفسي إحسانك في ~~كلامك؛ لأنا أهل بيت ما نشأ فينا خطيب إلا مات من قبله، فقال: بل يبقيك ~~الله ويجعلني فداك. ومات أبو تمام بعد سنة. # 8 - وتوفي البحتري في عام 284 من الهجرة. PageV01P002 الآمدي # 1 - هو أبو القاسم الحسن بن بشر بن يحيى، الآمدي الأصل، البصري المولد ~~والمنشأ. # 2 - كان حسن الفهم، جيد الدراية والرواية، أخذ العلم عن الأخفش، والزجاج، ~~وابن السراج، والحامض، وابن دريد، ونفطويه، ومن في طبقة هؤلاء، وله شعر ~~حسن، وتآليف جيدة تدل على صر صحيح واطلاع واسع، وكان يتعاطى مذهب الجاحظ ~~فيما يصنعه من التآليف. # 3 - كتب في بغداد لأبي جعفر هارون بن محمد الضبي. وكتب في البصرة لأبي ~~الحسن أحمد بن الحسن بن المثنى ولأخيه أبي أحمد طلحة بن الحسن بن المثنى، ~~ثم كتب بعدهما للقاضي أبي جعفر بن عبد الواحد الهاشمي على الوقوف التي ~~يليها القضاة، وكان يكتب له بحضرته في مجلس حكمه، ثم من بعده كتب لأخيه ~~القاضي أبي الحسن محمد بن عبد الواحد حين ولى قضاء البصرة، واشتهر بهما حتى ~~لقبوه " كاتب بني عبد الواحد الهاشميين " ثم لزم بيته. # 4 - له تصانيف كثيرة، نذكر منها ههنا: 1) تفضيل امرئ القيس على شعر ~~الجاهليين، وهو يشير إليه في الموازنة أحيانا. # 2) - تبيين غلط قدامة في كتابه " نقد الشعر " . وقد أشار إليه في ~~الموازنة أيضا. # 3) - المؤتلف والمختلف من أسماء الشعراء، وقد طبع في مصر. # 4) - معاني شعر البحتري. # 5) - الرد على ابن عمار فيما خطأ فيه أبا تمام. # 6) - فرق ما بين الخاص والمشترك من معاني الشعر. # 7) - كتاب فعلت وأفعلت. # 8) - الموازنة بين أبي تمام والبحتري، وهو هذا الكتاب. # 5 - وتوفي أبو القاسم الآمدي في عام سبعين وثلثمائة 370 من الهجرة. # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله، والصلاة والسلام على رسل الله قال أبو القاسم الحسن بن بشر بن ~~يحيى الآمدي: هذا ما حثثت - أدام ms005 الله لك العز والتأييد، والتوفيق والتسديد ~~- على تقديمه من الموازنة بين أبي تمام حبيب أوس الطائي وأبي عبادة الوليد ~~بن عبيد البحتري في شعريهما، وقد رسمت من ذلك ما أرجو أن يكون الله عز وجل ~~قد وهب فيه السلامة، وأحسن في اعتماد الحق وتجنب الهوى المعونة منه برحمته. # ووجدت - أطال الله عمرك - أكثر من شاهدته ورأيته من رواة الأشعار ~~المتأخرين يزعمون أن شعر أب يتمام حبيب بن أوس الطائي لا يتعلق بجيده جيد ~~أمثاله، ورديه مطروح ومرذول؛ فلهذا كان مختلفا لا يتشابه، وأن شعر الوليد ~~ابن عبيد البحتري صحيح السبك، حسن الديباجة، وليس فيه سفساف ولا ردي ولا ~~مطروح، ولهذا صار مستويا يشبه بعضه بعضا. ووجدتهم فاضلوا بينهما لغزارة ~~شعريهما وكثرة جيدهما وبدائعهما، ولم يتفقوا على أيهما أشعر، كما لم يتفقوا ~~على أحد ممن وقع التفضيل بينهم من شعراء الجاهلية والإسلام والمتأخرين، ~~وذلك كمن فضل البحتري، ونسبه إلى حلاوة اللفظ، وحسن التخلص، ووضع الكلام في ~~مواضعه، وصحة العبارة، وقرب المآتي، وانكشاف المعاني، وهم الكتاب والأعراب ~~والشعراء المطبوعون وأهل البلاغة، ومثل من فضل أبا تمام، ونسبه إلى غموض ~~المعاني ودقتها، وكثرة ما يورد مما يحتاج إلى استنباط وشرح واستخراج، ~~وهؤلاء أهل المعاني والشعراء أصحاب الصنعة ومن يميل إلى التدقيق وفلسفي ~~الكلام. وإن كان كثير من الناس قد جعلهما طبقة، وذهب إلى المساواة بينهما. ~~وإنهما لأن البحتري أعرابي الشعر، مطبوع، وعلى مذهب الأوائل، وما فارق عمود ~~الشعر المعروف، وكان يتجنب التعقيد ومستكره الألفاظ ووحشي الكلام؛ فهو بأن ~~يقاس بأشجع السلمي ومنصور وأبي يعقوب المكفوف وأمثالهم من المطبوعين أولى، ~~ولأن أبا تمام شديد التكلف، صاحب صنعة، ومستكره الألفاظ والمعانين وشعره لا ~~يشبه أشعار الأوائل، ولا على طريقتهم؛ لما فيه من الاستعارات البعيدة، ~~والمعاني المولدة، فهو بأن يكون في حيز مسلم بن الوليد ومن حذا حذوه أحق ~~وأشبه، وعلى أنى لا أجد سبكة وصحة معانيه، ويرتفع عن سائر من ذهب هذا ~~المذهب وسلك هذا الأسلوب؛ لكثرة محاسنه وبدائعه واختراعاته. # ولست أحب أن أطلق القول ms006 بأيهما أشعر عندي؛ لتباين الناس في العلم، ~~واختلاف مذاهبهم في الشعر، ولا أرى لأحد أن يفعل ذلك فيستهدف لذم أحد ~~الفريقين؛ لأن الناس لم يتفقوا على أي الأربعة أشعر في امرئ القيس والنابغة ~~وزهير والأعشى، ولا في جرير والفرزدق والأخطل، ولا في بشار ومروان والسيد، ~~ولا في أبي نواس وأبي العتاهية ومسلم؛ لاختلاف آراء الناس في الشعر، وتباين ~~مذاهبهم فيه. PageV01P003 فإن كنت - أدام الله سلامتك - ممن يفضل سهل ~~الكلام وقريبه، ويؤثر صحة السبك وحسن العبارة وحلو اللفظ وكثرة الماء ~~والرونق فالبحتري أشعر عندك ضروة. وإن كنت تميل إلى الصنعة، والمعاني ~~الغامضة التي تستخرج بالغوص والفكرة، ولا تلوى على غير ذلك فأبو تمام عندك ~~أشعر لا محالة. # فأما أنا فلست أفصح بتفضيل أحدهما على الآخر، ولكني أوازن بين قصيدتين من ~~شعرهما إذا اتفقتا في الوزن والقافية وإعراب القافية، وبين معنى ومعنى، ~~فأقول: أيهما أشعر في تلك القصيدة، وفي ذلك المعنى، ثم أحكم أنت حينئذ على ~~جملة ما لكل واحد منهما إذا أحطت علما بالجيد والردئ. # وأنا أبتدئ بما سمعته من احتجاج كل فرقة من أصحاب هذين الشاعرين على ~~الفرقة الأخرى، عند تخاصمهم في تفضيل أحدهما على الآخر، وما ينعاه بعض على ~~بعض؛ لتتأمل ذلك، وتزداد بصيرة وقوة في حكمك إن شئت أن تحكم، أو اعتقادك ~~فيما لعلك تعتقده مع احتجاج الخصمين به: 1 - قال صاحب أبي تمام: كيف يجوز ~~لقائل أن يقول إن البحتري أشعر من أبي تمام وعن أبي تمام أخذ، وعلى حذوه ~~احتذى، ومن معانيه استقى؟ وباراه حتى قيل: الطائي الأكبر، والطائي الأصغر، ~~واعترف البحتري بأن جيد أب يتمام خير من جيده، على كثرة جيد أبي تمام؛ فهو ~~بهذه الخصال أن يكون أشعر من البحتري أولى من أن يكون البحتري أشعر منه. # 2 - قال صاحب البحتري: أما الصحبة فما صحبه ولا تلمذ له، ولا روى ذلك أحد ~~عنه، ولا نقله، ولا رأى قط أنه محتاج إليه، ودليل هذا الخبر المستفيض من ~~اجتماعهما وتعارفهما عند أبي سعيد محمد بن يوسف ms007 الثغري وقد دخل إليه ~~البحتري بقصيدته التي أولها: # أأفاق صب من هوى فأفيقا؟ # وأبو تمام حاضر، فلما أنشدها علق أبو تمام أبياتا كثيرة منها، فلما فرغ ~~من الإنشاد أقبل أبو تمام على محمد بن يوسف فقال: أيها الأمير، ما ظننت ~~أحدا يقدم على أن يسرق شعري وينشده بحضرتي حتى اليوم، ثم اندفع ينشد ما ~~حفظه. حتى أتى على أبيات كثيرة من القصيدة، فبهت البحتري، ورأى أبو تمام ~~الإنكار في وجه أبي سعيد محمد بن يوسف، فحينئذ قال له أبو تمام: أيها ~~الأمير، والله ما الشعر إلا له، وإنه أحسن فيه الإحسان كله، وأقبل يقرظه ~~ويصف معانيه، ويذكر محاسنه، ثم جعل يفخر باليمن، وأنهم ينبوع الشعر، ولم ~~يقنع من محمد بن يوسف حتى أضعف للبحتري الجائزة. # فهذا الخبر الشائع يبطل ما ادعيتم؛ إذ كان من يقول هذه القصيدة التي هي ~~من عين شعره وفاخر كلامه، وهو لا يعرف أبا تمام إلا أن يكون بالخبر، يستغنى ~~عن أن يصحيه أو يتلمذ له أو لغيره في الشعر. # وقد أخبرني أنا رجل من أهل الجزيرة - ويكنى أبا الوضاح، وكان عالما بشعر ~~أبي تمام والبحتري وأخبارهما - أن القصيدة التي سمعها أبو تمام من البحتري ~~عند محمد ابن يوسف وكان أول اجتماعهما وتعارفهما القصيدة التي أولها: # فيم ابتدار كما الملام ولوءا؟ # وأنه لما بلغ إلى قوله فيها: # في منزل ضنك به القنا ... بين الضلوع إذا انحنين ضلوعا # نهض إليه أبو تمام فقبل بين عينيه: سرورا به، وتحفيا بالطائية، ثم قال: ~~أبى الله إلا أن يكون الشعر يمنيا. # 3 - قال صاحب أبي تمام: إلا أنه - مع هذا - لا ينكر أن يكون قد استعار ~~بعض معاني أب يتمام؛ لقرب البلدين، وكثرة ما كان يطرق سمع البحتري من شعر ~~أبي تمام فيعلق شيئا من معانيه، معتمدا للأخذ أو غير معتمد. # 4 - قال صاحب البحتري: ليس ذلك بمانع من أن يكون البحتري أشعر منه؛ فهذا ~~كثير قد أخذ من جميل، وتلمذ له، واستقى من معانيه، فما رأينا أحدا أطلق على ms008 ~~كثير أن جميلا أشعر منه، بل هو - عند أهل العلم بالشعر والرواية - أشعر من ~~جميل. وهذا ابن سلام الجمحي ذكره في كتاب الطبقات في الطبقة الثانية من ~~شعراء الإسلام، وجعله مع البعيث والقطامى، وذكر أنه عند أهل الحجاز خاصة ~~أشعر من جرير والفرزدق والأخطل، وجعل جميلا في الطبقة السادسة مع عبد الله ~~بن قيس الرقيات والأحوص ونصيب، إلا أنه قال: إن جميلا يتقدمه في النسيب. ~~وهذا غير مقبول منه؛ لأنه إنما يحكيه عن نفسه، وأهل الحجاز إنما قدموا ~~كثيرا من أجل نسيبه، وحسن تصرفه فيه. وقد حكى عن جرير أنه قال في بعض ~~الروايات: كثير أنسبنا. ويدل على تقدمه في النسيب قول أبي تمام في قصيدة ~~يمدح بها أبا سعي الكاتبي أولها: PageV01P004 من سجايا الطلول أن لا تجيبا # لو يفاجى ركن المديح كثيرا ... بمعانيه خالهن نسيبا # طاب فيه المديح والتذ، حتى ... فاق وصف الديار والتشبيبا # أراد أن كثيرا لو فاجأه هذا المديح - على حسن نسيبه - لخاله نسيبا، وخص ~~كثيرا لشهرته بالنسيب وبراعته، واحتمل ضرورة الشعر، ورد كثيرا إلى التكبير ~~فقال كثيرا ولم يقل جميلا ولا جريرا ولا غيرهما، مما لا ضرورة في اسمه. ~~وعلى أن كثيرا قد ذكر اسمه في شعره مكبرا: إما ضرورة، وإما اعتمادا لتفخيم ~~اسمه وأن لا يأتي به محقرا، فقال: # وقال لي الواشون: ويحك؟ إنهابغيرك حقا يا كثير تهيم # وقد ذكر أبو تمام كثيرا في مواضع أخر فجاء به مكبرا في قصيدة يمدح بها ~~الحسن بن وهب ويصفه بالبلاغة، وهو قوله: # فكأن قسا في عكاظ يخطب ... وكثير عزة يوم بين ينسب # وذلك لعلم أبي تمام بتقدم كثير في النسيب على غيره، وشهرته بالتجويد فيه، ~~على أن جميلا لا شعر له مما يعتد به إلا في النسيب والغزل. # فقد علمتم الآن أن هذه خلة لا توجب لكم تفضيل أب يتمام على البحتري من ~~أجل أنه أخذ شيئا من معانيه. # وأما قول البحتري " جيده خير من جيدي، ورديئي خير من رديئه " فهذا الخبر ~~- إن كان صحيحا - فهو للبحتري، ms009 لا عليه؛ لأن قوله هذا يدل على أن شعر أبي ~~تمام شديد الاختلاف، وشعره شديد الاستواء، والمستوى الشعر أولى بالتقدمة من ~~المختلف الشعر، وقد اجتمعا - نحن وأنتم على أن أبا تمام يعلو علوا حسنا ~~وينحط انحطاطا قبيحا، وأن البحتري يعلو بتوسط، ولا يسقط، ومن لا يسقط ولا ~~يسفسف أفضل ممن يسقط ويسفسف. # والذي نرويه عن أبي علي محمد بن العلاء السجستاني - وكان صديق البحتري - ~~أنه قال: سئل البحتري عن نفسه وعن أبي تمام، فقال: هو أغوص على المعاني مني ~~وأنا أقوم بعمود الشعر منه وهذا هو الذي يعرفه الشاميون، دونن غيره. # وسمعت أبا علي محمد بن العلاء أيضا يقول: كان البحتري عند نفسه أشعر من ~~أبي تمام ومن سائر الشعراء المحدثين. # وقد ذكر أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح في كتابه الذي ذكر فيه ~~أخبار الشعراء نحوا من ذلك . # قال أبو علي محمد بن العلاء: كان البحتري إذا شرب وأنس أنشد شعره، وقال: ~~ألا تسمعون؟ ألا تعجبون؟ قال: وكان - مع هذا - أحسن الناس أدب نفس، لا يذكر ~~شاعر محسن أوغير محسن إلا قرظه، ومدحه، وذكر أحسن ما فيه. # قال أبو علي: ولم لا يفعل ذلك؟ وقد أسقط في أيامه أكثر من خمسمائة شاعر، ~~وذهب بخيرهم، وانفرد بأخذ جوائز الخلفاء والملوك دونهم؟. فلو لم يفعل ذلك ~~إلا استكفافا وحذرا من بيت واحد يندر فيبقى على الزمان لكان من الحظ له أن ~~يفعله. # قال: وكذلك كان أبو علي دعبل بن علي الخزاعي يهجو الملوك والخلفاء ولا ~~يكاد يعرض لشاعر إلا ضرورة، وقد حذر في أول كتابه الذي ألفه في الشعر من ~~التعرض للشاعر، ولو كان من أدون الناس صنعة في الشعر، وقال: رب بيت جرى على ~~لسان مفحم قيل فيه " رب رمية من غير رام " فسارت به الركبا، ولذلك يقول في ~~بعض شعره: # لا تعرضن بمزح لامرئ طبن ... ما راضه قلبه أجراه في الشفة # فرب قافية بالمزح جارية ... مشئومة لم يرد إنماؤها نمت # ثم نرجع إلى قول الخصمين: 5 - قال ms010 صاخب أب يتمام: فأبو تمام انفرد بمذهب ~~اخترعه، وصار فيه أولا وإماما متبوعا، وشهر به حتى قيل: هذا مذهب أب يتمام، ~~وطريقة أب يتمام، وسلك الناس نهجه، واقتفوا أثره، وهذه فضيلة عرى عن مثلها ~~البحتري. PageV01P005 6 - قال صاحب البحتري: ليس الأمر لاختراعه لهذا ~~المذهب على ما وصفته، ولا هو بأول فيه، ولا سابق إليه، بل سلك في ذلك سبيل ~~مسلم، واحتذى حذوه وأفرط وأسرف، وزال عن النهج المعروف، والسنن المألوف، ~~وعلى أن مسلما أيضا غير مبتدع لهذا المذهب، ولا هو أول فيه، ولكنه رأى هذه ~~الأنواع التي وقع عليها اسم البديع - وهي: الاستعارة، والطباق، والتجنيس - ~~منشورة متفرقة في أشعار المتقدمين، فقصدها، وأكثر في شعره منها، وهي في ~~كتاب الله عز وجل أيضا موجودة، قال الله تعالى: " واشتعل الرأس شيبا " وقال ~~تبارك وتعالى: " وآية لهم الليل نسلخ منه النهار " وقال: " واخفض لهما جناح ~~الذل من الرحمة " ؛ فهذه من الاستعارة التي هي مجاز في القرآن. وقال امرؤ ~~القيس: # فقلت له لما تمطى بجوزه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل # فجعل الليل يتمطى، وجعل له إردافا وكلكلا. وقال زهير: # صحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعرى أفراس الصبا ورواحله # فجعل للهوى أفراسا ورواحل. وقال طفيل الغنوى: # وجعلت كورى فوق ناجية ... يقتات شحم سنامها الرحل # فجعل الرحل يقتات السنام وقال لبيد الجعفي: # وغداة ريح قد كشفت وقرة ... إذ أصبحت بيد الشمال زمامها # فجعل للشمال يدا، وللغداة زماما؛ فهذه كلها استعارات. # وقال الله جل وعز في التجنيس: " وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين " ، " ~~فأقم وجهك للدين القيم " وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " عصية عصت الله ~~ورسوله، وغفار غفر الله لها، وأسلم سالمها الله " . وقال القطامى: # ولما ردها في الشول شالت ... بذيال يكون لها لفاعا # وقال أيضا: # كنية الحي من ذى القيظ فاحتملوا ... مستحقبين فؤادا ما له فاد # وقال جرير: # وما زال معقولا عقال عن الندى ... وما زال محبوسا عن المجد حابس # وقال ذو الرمة: # كأن البرى والعاج عيجت متونه ... على عشر يؤمى به السيل أبطح # وقال ms011 ارمؤ القيس: # لقد طمح الطماح من بعد أرضه ... ليلبسنى من دائه ما تلبسا # وقال الفرزدق: # خفاف أخف الله عنه سحابه ... وأوسعه من كل ساف وحاصب # ذكر ذلك كله أبو العباس عبد الله بن المعتز في كتاب البديع. قال: ومن ~~الطباق قول الله تعالى: " ولكم في القصاص حياة " وقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم : " إنكم لتكثرون عند الفزع، وتقلون عند الطمع " . وقال زهير: # ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما كذب الليث عن أقرانه صدقا # فطابق بين الصدق والكذب. وقال طفيل الغنوى: # بساهم الوجه لم تقطع أباجله ... يصان وهو ليوم الروع مبذول # فطابق بين قوله " يصان " وبين قوله " مبذول " . # فتتبع مسلم بن الوليد هذه الأنواع، واعتدها، ووشح شعره بها، ووضعها في ~~موضعها، ثم لم يسلم مع ذلك من الطعن، حتى قيل: إنه أول من أفسد الشعر، روى ~~ذلك أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح، قال: وحدثني محمد بن قاسم بن ~~مهرويه، قال: سمعت أبي يقول: أول من أفسد الشعر مسلم بن الوليد، ثم اتبعه ~~أبوتمام، واستحسن مذهبه، وأحب أن يجعل كل بيت من شعره غير خال من بعض هذه ~~الأصناف، فسك طريقا وعرا واستكره الألفاظ والمعاني، ففسد شعره، وذهبت ~~طلاوته، ونشف ماؤه؛ وقد حكى عبد الله بن المعتز في هذا الكتاب الذي لقبه ~~بكتاب البديع أن بشارا وأبا نواس ومسلم بن الوليد ومن تقيلهم لم يسبقوا إلى ~~هذا الفن، ولكنه كثر في أشعارهم فعرف في زمانهم. ثم إن الطائي تفرع فيه، ~~وأكثر منه، وأحسن في بعض ذلك، وأساء في بعض، وتلك عقبى الإفراط، وثمرة ~~الإسراف . # قال: وإنما كان الشاعر يقول من هذا الفن البيت والبتين في القصيدة، وربما ~~فرئ في شعر أحدهم قصائد من غير أن يوجد فيها بيت واحد بديع، وكان يستحسن ~~ذلك منهم إذا أتى قدرا، ويزداد حظوة بين الكلام المرسل. وقد كان بعضهم يشبه ~~الطائي في البديع بصالح بن عبد القدوس في الأمثال، ويقول: لو كان صالح نثر ~~أمثاله في تضاعيف شعره وجعل منها فصولا في أبياته ms012 لسبق أهل زمانه، وغلب على ~~ميدانه. قال ابن المعتز: وهذا أعدل كلام سمعته. PageV01P006 قال صاحب ~~البحتري: فقد سقط الآن احتجاجكم باختراع أبي تمام لهذا المذهب وسبقه إليه، ~~وصار استكثاره منه وإفراطه فيه من أعظم ذنوبه، وأكبر عيوبه، وحصل للبحتري ~~أنه ما فارق عمود الشعر وطريقته المعهودة، مع ما بحده كثيرا في شعره من ~~الاستعارة والتجنيس والمطابقة، وانفرد بحسن العبارة، وحلاوة الألفاظ، وصحة ~~المعاني، حتى وقع الإجماع على استحسان شعره واستجادته، وروى شعره واستحسنه ~~سائر الرواة على طبقاتهم واحتلاف مذاهبم؛ فمن نفق على الناس جميعا أولى ~~بالفضيلة، وأحق بالتقدمة. # 7 - قال صاحب أبي تمام: إنما أعرض عن شعر أبي تمام من لم يفهمه؛ لدقة ~~معانيه، وقصور فهمه عنه، وفهمه العلماء والنقاد في علم الشعر، وإذا عرفت ~~هذه الطبقة فضيلته لم يضره طعن من طعن بعدها عليه. # 8 - قال صاحب البحتري: إن ابن الأعرابي وأحمد بن يحيى الشيباني - وقبلهما ~~دعبل بن علي الخزاعي - قد كانوا علماء بالشعر وكلام العرب، وقد علمتم ~~مذاهبهم في أبي تمام، وازدراءهم بشعره، وطعن دعبل عليه، وقوله: إن ثلث شعره ~~محالن وثلثه مسروق، وثلثه صالح. وروى أبو عبد الله محمد بن داةد بن الجراح ~~في كتاب الشعراء عن محمد بن القاسم بن مهرويه عن الهيثم بن داود عن دعبل ~~أنه قال: ما جعله الله من الشعراء، بل شعره بالخطب والكلام المنثور أشبه ~~منه بالشعر، ولم يدخله في كتابه المؤلف في الشعراء. وقال ابن الأعرابي في ~~شعر أب يتمام: إن كان هذا شعرا فكلام العرب باطل، روى ذلك أبو عبد الله ~~محمد ابن داود عن البحتري عن ابن الأعرابي. وحكى محمد بن داود أيضا عن محمد ~~بن القاسم بن مهرويه عن حذيفة بن محمد - وكان عالما بالشعر - أنه قال: أبو ~~تمام يريد البديع فيخرج إلى المحال. وروى عنه أنه قال: دخل إسحاق بن ~~إبراهيم الموصلي على الحسن بن وهب وأبو تمام ينشده، فقال له إسحاق: يا هذا ~~لقد شددت على نفسك. وذكره أيضا أبو العباس عبد الله بن المعتز ms013 في كتاب ~~البديع. وغير هؤلاء العلماء ممن أسقط شعره كثير: منهم أبو سعيد الضرير، ~~وأبو العميثل الأعرابي صاحبا عبد الله بن طاهر " القيمان بأمر خزانة الحكمة ~~" بخراسان، وكانا من أعلم الناس بالشعر، وكان عبد الله بن طاهر لا يسمع من ~~شاعر إلا إذا امتحناه وأنشدهما شعره ورضياه، فقصدهما أبو تمام بقصيدته التي ~~يممدح فيها عبد الله بن طاهر وأولها: # هن عوادي يوسف وصواحبه ... فعزما فقدما أدرك النجح طالبه # فلما سمعا هذا الابتداء أعرضا عنه، وأسقطا القصيدة، حتى عاتبهما أبو ~~تمام، وسألهما النظر فيها، فلولا أنهما ظفرا ببيتين مسروقين فيها ~~استحسناهما فعرضا القصيدة على عبد الله بن طاهر وأخذا له الجائزة لكان قد ~~افتضح، وخابت سفرته، وخسرت صفقته، والبيتان: # وركب كأطراف الأسنة عرسوا ... على مثلها والليل تسطو غياهبه # لأمر عليهم أن تتم صدوره ... وليس عليهم أن تتم عواقبه # أخذ معنى البيت الأول من قول البعيث: # أطافت بعث كالأسنة هجد ... بخاشعة الأصواء غبر صحونها # وأخذ معنى البيت الثاني من قول الآخر: # غلام وغى تتحمها فأبلى ... فخان بلاءه الدهر الخؤون # وكان على الفتى الإقدام فيها ... وليس عليه ما جنت المنون # ولما أوصلا إليه الجائزة قالا له: لم تقول مالا يفهم؟ فقال لهما: لم لا ~~تفهمان ما يقال؟ فكان هذا مما استحسن من جوابه. # وهذا أبو العباس محمد بن يزيد المبرد، ما علمناه دون له كبير شيء، وهذه ~~كتبه وأماليه وإنشاداته تدل على ذلك، وكان يفضل البحتري، ويستجيد شعره، ~~ويكثر إنشاده، ولا يميله؛ لأن البحتري كان باقيا في زمانه، أخبرنا أبو ~~الحسن الأخفش قال: سمعت أبا العباس محمد بن يزيد المبرد يقول: ما رأيت أشعر ~~من هذا الرجل، يعني البحتري، لولا أنه ينشدني لما أنشدكم لملأت كتبي وأمالي ~~من شعره. # قال صاحب البحتري: فقد بطل احتجاجكم بالعلماء، وتفضيلكم شعره. ~~PageV01P007 9 - قال صاحب أب يتمام: أما احتجاجكم بدعبل فغير مقبول ولا ~~معول عليه؛ لأن دعبلا كان يشنأ أبا تمام ويحسده، وذلك مشهور معلوم منه؛ فلا ~~يقبل قول شاعر في شاعر، وأما ابن الأعرابي فكان شديد ms014 التعصب عليه؛ لغرابة ~~مذهبه، ولأنه كان يرد عليه من معانيه ما لايفهمه ولا يعلمه، فكان إذا سئل ~~عن شيء منها يأنف أن يقول لا أدري فيعدل إلى الطعن عليه، والدليل على ذلك ~~أنه أنشد يوما أبياتا من شعره، وهو لا يعلم قائلها، فاستحسنها وأمر بكتبها، ~~فلما عرف أنه قائلها قال: خرقوه، والأبيات من أرجوزته التي أولها: # وعاذل عذلته في عذله ... فظن أنى جاهل من جهله # وكان أبن الأعرابي - على علمه وتقدمه - قد حمل نفسه على هذا الظلم القبيح ~~والتعصب الظاهر، فما تنكرون أيضا أن تكون سائر من ذكرتموه مثل حاله؟ 10 - ~~قال صاحب البحتري: لا يلزم ابن الأعرابي من الظلم والتعصب ما ادعيتم، ولا ~~يلحقه نقص في قصور فهمه عن معاني شاعر عدل في شعره عن مذاهب العرب المألوفة ~~إلى الاستعرات البعيدة المخرجة للكلام إلى الخطأ أو الإحالة، بل العيب ~~والنقص في ذلك يلحقان أبا تمام؛ إذ عدل عن المحجة إلى طريقة يجهلها ابن ~~الأعرابي وأمثاله، وأما ما استحسنه ابن الأعرابي من شعر أب يتمام على أنه ~~لأعرابي فأمر بكتبه، ثم أمر بتخريقه لما علم أنه قائله، فذلك غير منكر، ولا ~~يدخل ابن الأعرابي في التعصب والظلم؛ لأن الذي يورده الأعرابي - وهو محتذ ~~على غير مثال - أحلى في النفوس، وأشهى إلى الأسماع، وأحق بالزيادة ~~والاستجادة مما يورده المحتذى على الأمثلة، وعذر ابن الأعرابي في هذا واضح، ~~وقد سبقه الأصمعي، وذلك أن لإسحاق بن إبراهيم الموصلي أنشد الأصمعي: # هل إلى نظرة إليك سبيل ... فيروى الصدى ويسفى الغليل؟ # إن ما قل منك يكثر عندي ... وكثير ممن تحب القليل # فقال الأصمعي: لمن تنشدني؟ فقال: لبعض الأعراب، فقال: هذا والله هو ~~الديباج الخسرواني، قال: إنهما لليلتهما، فقال: لا جرم والله إن أثر الصنعة ~~والتكلف بين عليهما. حدثنا بهذا الحديث أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش ~~النحوي، قال: حدثنا أبو الحسن المهراني، قال: حدثني أبو خالد يزيد بن محمد ~~المهلبي، قال: حدثني إسحاق بن إبراهيم الموصلي، قال: أنشدت الأصمعي، إلا ~~أنه ذكر عن إسحاق أنه ms015 قال له: إنهما لليلتهما، فقال الأصمعي: أفسدتهما؛ ~~فالأصمعي في هذا غير ظالم؛ لأن إسحاق - مع علمه بالشعر، وكثرة روايته - لا ~~ينكر له أن يورد مثل هذا؛ لأنه يقوم في النفس أنه قد احتذاه على مثال، ~~وأخذه عن متقدم، وإنما يستطرف مثله من الأعرابي الذي لا يعول إلا على طبعه ~~وسليقته، وابن الأعرابي في أبي تمام أعذر من الأصمعي في إسحاق؛ لأن أبا ~~تمام كان مغرما مشغوفا بالشعر، وانفرد به، وجعله وكده، وألف كتبا فيه، ~~واقتصر من كل علم عليه، فإذا أورد المعنى المستغرب لم يكن ذلك ببدع له؛ ~~لأنه يأخذ المعاني ويحتذيها، فليس لها في النفوس حلاوة ما يورده الأعرابي ~~القح. # 11 - قال صاحب أبي تمام: فقد أررتم لأبي تمام بالعلم والشعر والرواية، ~~ولا محالة أن العلم في شعره أظهر منه في شعر البحتري، والشاعر العالم أفضل ~~من الشاعر غير العالم. # 12 - قال صاحب البحتري: فقد كان الخليل بن أحمد عالما شاعرا، وكان ~~الأصمعي عالما شاعرا، وكان الكسائي كذلك، وكان خلف بن حيان الأحمر أشعر ~~العلماء، وما بلغ بهم العلم طبقة من كان في زمانهم من الشعراء غير العلماء؛ ~~فقد كان التجويد في الشعر ليست علته العلم، ولو كانت علته العلم لكان من ~~يتعاطاه من العلماء أشعر ممن ليس بعالم؛ فقد سقط فضل أب يتمام من هذا الوجه ~~على البحتري، وصار البحتري أفضل وأولى بالسبق؛ إذ كان معلوما شائعا أن شعر ~~العلماء دون شعر الشعراء، ومع ذلك فإن أبا تمام تعمد أن يدل في شعره على ~~علمه باللغة وبكلام العرب؛ فيعمد لادخال ألفاظ غريبة في مواضع كثيرة من ~~شعره، وذلك نحو قوله: # هن البجارى يا بجير ... أهدى لها الأبؤس الغوير # وقوله: # قدك اتئب أر بيت في الغلواء # وقوله: # أقرم بكر تبارى أيها الحفض PageV01P008 وهذا في شعره كثير موجود، ~~والبحتري لم يقصد هذا، ولا اعتمده، ولا كان له عنده فضيلة، ولا رأى أنه ~~علم؛ لأنه نشأ ببادية منبج، وكان يتعمد حذف الغريب والوحشي من شعره؛ ليقربه ~~من فهم من يمتدحه، إلا ms016 أن يأتيه طبعه باللفظة بعد اللفظة في موضعها من غير ~~طلب لها، ويرى أن ذلك أنفق له؛ فنفق، وبلغ المراد والغرض؛ ويدلك على ذلك ~~أنه كان يكنى أبا عبادة، ولما دخل العراق تكنى أبا الحسن؛ ليزيل العنجهية ~~والأعرابية، ويساوي ف يمذاهبه أهل الحاضرة، ويتقرب بهذه الكنية إلى أهل ~~النباهة والكتاب من الشيعة، وقد ذكر بعضهم أنه كان يكنى أبا الحسن، وأنه ~~لما اتصل بالمتوكل وعرف مذهبه عد لإلى أب يعبادة، والأول أثبت، وقد حكى ~~أبوعبد الله محمد بن داود بن الجراح في كتاب الشعراء أن أبا عبادة كنية ~~البحتري القديمة؛ فشتان ما هما، من حضري تشبه بأهل البدو فلم ينفق ~~بالبادية، ولا عند أكثر الحاضرة، وبدوي تحضر فنفق في البدو والحضر. # 13 - قال صاحب أب يتمام: فقد عرفناكم أن أبا تمام أتى في شعره بمعان ~~فلسفية، وألفاظ غريبة، فإذا سمع بعض شعره الأعرابي لم يفهمه، فإذا فسر له ~~فهمه واستحسنه. # 14 - قال صاحب البحتري: هذه دعاو منكم على الأعراب في استحسان شعر صاحبكم ~~إذا فهموه، ولا يصح ذلك إلا بالامتحان، ولكنكم معترفون ومجمعون مع من هو ~~معكم وعليكم أن لصاحبكم إحسانات وإساءات، وأن الإحسان للبحتري دون الإساءة، ~~ومن أحسن ولم يسء أفضل ممن أحسن وأساء. # 15 - قال صاحب أبي تمام: ما أجمعنا معكم أن صاحبكم لم يسء، بل هو قد أساء ~~في قوله: # يخفى الزجاجة لونها فكأنها ... في الكف قائمة بغير إناء # وهذا وصف للإناء لا للشلااب؛ لأنه لو ملأ الإناء دبسا لكان هذا صفته. ~~وقال: # صحكات في إثر مقام الضحك، والرعد مقام العطايا، وإنما كان يجب أن يقيم ~~الغيث مقام العطايا، لا الرعد، وله لحون في شعره معروفة نحو قوله: # ونصبته علما بسامراء # وقوله: # نبرات معبد في الثقيل الأول # وقوله: # عرج بذي سلم فثم المنزل ... ليقول صب ما يشاء ويفعل # وأشباه لهذا كثيرة؛ فقد تساويا في الغلط. # 16 - قال صاحب البحتري: ما نعينا على أبي تمام اللحن - وهو في شعره كثير ~~لو تتبع - فتنعوا مثله على البحتري؛ لأن اللحن ms017 لا يكاد يعرى منه أحد من ~~الشعراء المحدثين، ولا يسلم منه شاعر من الشعراء الإسلاميين؛ وقد جاء في ~~أشعار المتقدمين ما علمتم من الإقواء وغير الإقواء مما لا يقوم العذر فيه ~~إلا بالتأويلات البعيدة، وعلى أنه ليس شيء مما عبتم به البحتري من اللحن ~~خارجا عن مقاييس العربية، ولا بعيدا من الصواب، بل قد جاء مثله كثير في ~~أشعار القدماء والأعراب والفصحاء، ولو كان هذا موضع ذكره لذكرناه، ونحن لو ~~رمنا أن نخرج ما في شعر أبي تمام من اللحن لكثر ذلك واتسع، ولوجدنا منه ما ~~يضيق العذر فيه، ولا يجد المتأول له مخرجا منه إلا بالطلب والحيلة والتمحل ~~الشديد، وذلك مثل قوله: # ثانيه في كبد السماء، ولم يكن ... لأثنين ثان إذ هما في الغار # معنى هذا البيت أن بابك صار جارا في الصلب لمازيار، وهو ثانية في كبد ~~السماء، ولم يكن ثانيا لاثنين إذ هما في الغار: أي هو ثاني اثنين في الصلب ~~لمازيار الذي هو رذيلة، وليس هو ثانيا في الغار؛ لأن هذه فضيلة؛ فكان يجب ~~أن يقول في البيت " ولم يكن لاثنين ثانيا " ؛ لأنه خبر يكن، واسمها هو اسم ~~بابك مضمر فيها؛ فليس إلى غير النصب سبيل في البيت، وإلا بطل المعنى وفسد، ~~وفساده أنك إذا أخليت " يكن " من ضمير بابك وجعلت قوله " ثاني " اسمها كان ~~ذلك خطأ ظاهرا قبيحا؛ لأنك إذا قلت: كان زيد وعمرو اثنين ولم يكن لهما ثان، ~~كنت مخطئا؛ لأن كل اثنين أحدهما ثان للآخر، وكذلك إذا قلت: كانوا ثلاثة ولم ~~يكن لهم ثالث، كنت مخطئا؛ لأن أحد الثلاثة هو ثالثهم، وإنما تكون مصيبا إذا ~~قلت: كانا اثنين ولم يكن لهما ثالث، وثلاثة ولم يكن لهم رابع، وأيضا فإنه ~~لو أراد هذا المعنى لم يكن في البيت فائدة البتة؛ لأنه كان يكون المعنى ~~حينئذ أن بابك ثاني مازيار، فأي فائدة في هذا مع ما فيه من الخطأ الفاحش؟ ~~وأي تعلق لهذا المعنى بما قبله في البيت؟ وقال في آخر قصيدة: PageV01P009 ~~شامت بروقك آمالي ms018 بمصر، ولو ... أضحت على الطوس لم تستبعد الطوسا # فأدخل في طوس الألف واللام، وهي اسم بلدة معروفة، وقال: # إحدى بني بكر بن عبد مناه # وإنما هي مناة في الإدراج، كما قال الله وتبارك وتعالى " ومناة الثالثة ~~الأخرى " وإنما تكون بالهاء في الوقف، لا في الحركة والدرج. # وقال في هذه القصيدة: # لولا صفات في كتاب الباه # وإنما هي الباءة بالمد في تقدير الباعة، وإن كان قد حكى الباه في بعض ~~اللغات الرديئة، والردى لا يعتد به. # وقال: # فكم لي من هواء فيك صاف ... غذى جوه، وهوى وبي # فقال غذى وهو غذ بالتخفيف. # وقال في قصيدة: # على الأعادي ميكال وجبريل # فأوقع الإعراب على الياء من الأعادي، وذلك غير جائز لمتأخر. وقال: # ستين ألفا وسبعينا ومثلهما ... كتائب الخيل تحميها الأراجيل # فنون النون من " سبعين " وهذا لا يسوغه محدث، ونحو هذا مما ليست بنا حاجة ~~إلى ذكره؛ لأنا لم نتتبعه ولا عبناه به؛ لما وصفناه في باب اللحن وكثرته في ~~أشعاره المتأخرين، وإنما عبناه بخطائه في معانيه، وإحالته في استعارته، ~~وكثرة ما بورده من الساقط والغث البارد، مع سوء سبكه، ورداءة طبعه، وسخافة ~~لفظه، مما سنذكره في باب آخر من الاحتجاج عليكم. # فأما ما عبتم به البحتري من قوله: # يخفى الزجاجة لونها فكأنها ... في الكف قائمة بغير إناء # فما زالت الرواة وشيوخ أهل الأدب والعلم يستحسنون هذا البيت ويستجيدونه ~~له، وذكره عبد الله بن المعتز بالله - وقد علمتم فضله وعلمه بالشعر - في ~~باب ما اختاره من التشبيه في كتابه الذي نسبه إلى البديع، ولكنكم أبيتم إلا ~~إفساده، ثم أجلبتم وأكثرتم أن تنعوا على شاعر محسن بيتا واحدا، فما زلتم ~~تبحثون وتتحملون حتى وجدتم أبياتأ تحتمل من التأويل ما يحتمله الأول، وهو ~~قوله: # ضحكات في إثرهن العطايا ... وبروق السحاب قبل رعوده # وكلا البيتين إلى الصواب أقرب، ومن الخطأ أبعد، فأما قوله: # يخفي الزجاجة لونها فكأنها ... في الكف قائمة بغير إناء # فإنما قصد إلى وصف هيئة الشراب في الإناء، ولم يقصد إلى وصف الشراب خاصة، ~~ولا ms019 إلى الإناء، كما ادعيتي، ولو أراد وصف الإناء لكان مصيبا؛ لأن الزجاجة ~~أيضا يوصف ما فيها، وتقع المبالغة في نعتها، وقد جاء في وصف أواني الشراب ~~ما جاء، ومن أحسن ما قيل في ذلك قول علي بن العباس بن جريج الرومي يصف ~~قدحا: # تنفذ العين فيه حتى تراها ... أخطأته من رقة المستشف # كهواء بلا هباء مشوب ... بضياء، أرقق بذاك وأصف # وسط القدر: لم يكبر لجرع ... متوال، ولم يصغر لرشف # لا عجول على العقول جهول ... بل حليم عنهن من غير ضعف # فالزجاجة إذا رقت وصفت وسلمت من الكدر اشتد صفاؤها وبريقها، فإذا وقع ~~فيها الشراب الرقيق اتصل الشعاعان، وامتزج الضوءان، فلم تكد الزجاجة تتبين ~~للناظر، ولو صببنا دبسا أو عسلا أو لبنا وماء كدرا في إناء هذه صفته في ~~الرقة لما خفى الإناء على الناظر؛ لأن هذه الأشياء لا شعاع لها ولا ضياء ~~يتصل بشعاع الإناء وضوئه، وقد سبقه إلى هذا المعنى علي بن جبلة فقال: # كأن يد النديم تدير منها ... شعاعا لا تحيط عليه كاس # وقال الآخر، أنشده أبو الحسن علي بن سليمان الأخفش: # وإذا ما مزجت في كأسها ... فهي والكأس معا شيء أحد # فأنتم في هذه المعارضة بالخطأ أجدر، وبالعيب أحرى. # فأما قوله: # وبروق السحاب قبل رعوده # فإنه أقام الرعد مقام الغيث؛ لأنه مقدمة له، وعلم من أعلامه، ودليل من ~~أقوى دلائله، ألا ترى أن برق الخلب لا رعد له، وقد قال الأعشى: # والشعر يستنزل الكريم كما اس ... تنزل رعد السحابة السبلا # فجعل الرعد هو الذي يستنزل المطر، وقال الكميت: # وأنت في الشتوة الجماد إذا ... أخلف من أنجم رواعدها PageV01P010 وإذا ~~كان البرق ذا رعد فقلما يخلف. ومثل هذا في كلام العرب - مما ينوب فيه الشيء ~~عن الشيء، إذا كان متصلا به، أو سببا من أسبابه، أو مجاورا له - كثير؛ فمن ~~ذلك قولهم للمطر: سماء، ومنه قولهم: ما زلنا نطأ السماء حتى أتيناكم، قال ~~الشاعر: # إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا # يريد إذا سقط المطر رعيناه، يريد ms020 رعينا النبت الذي يكون عنه، ولهذا سمى ~~النبت ندى؛ لأنه عن الندى يكون، وقالوا: ما به طرق، أي ما به قوة، والطرق: ~~الشحم، فوضعوه موضع القوة؛ لأن القوة عنه تكون، وقولهم للمزادة: راوية، ~~وإنما الرواية البعير الذي يسقي عليه الماء، فسمى الوعاء الذي يحمله باسمه، ~~ومن ذلك الحفض متاع البيت، فسمى البعير الذي يحمله حفضا. # ومن ذلك قول المسيب بن علس: # وتمد ثنى جديلها بشراع # أراد بدقل، فقال: بشراع؛ لأن الشراع عليه يكون. # وهذا باب واسع، وأيسر من أن يحتاج إلى استقصائه. # وبعد؛ فلو كان هذان البيتان خطأ - كما ادعيتم وأخذتم على هذا الشاعر ~~المجتمع على إحسانه غلطا من غيرهما في شعره - لما كان بذلك داخلا في جملة ~~المسبوقين، ولا الخطاطئين في الشعر؛ لجودة نظمع، واستواء نسجه، ووقوع لفظه ~~في مواقعه، ولأن معانيه تصح بالنقد، وتخلص على السبك. أبو تمام يتبهرج شعره ~~عند التفتيش والبحث، ولا تصح معانيه على التفسير والشرح. # 17 - قال صاحب أب يتمام: لئن أسرفتم في الذم، وبالغتم على صاحبنا في ~~الطعن، وتجاوزتم الحد الذي يقف عنده المحتج المناظر، إلى مذهب المسقط ~~المغالط، والمتعصب المتحامل - فلسنا نمنع أن يكون صاحبنا قد وهم في بعض ~~شعره، وعدل عن الوجه الأوضح في كثير من معانيه، وغير منكر لفكر نتج من ~~المحاسن ما نتج، وولد من البدائع ما ولد، أن يلحقه الكلال في الأوقات، ~~والزلل في الأحيان. بل من الواجب لمن أحسن إحسانه أن يسامح في سهوه، ~~ويتجاوز له عن زلله، فما رأينا أحدا من شعراء الجاهلية سلم من الطعن، ولا ~~من أخذ الرواة عليه الغلط والعيب. # هذا الأصمعي قد عاب امرأ القيس بقوله: # وأركب في الروع خيفاتة ... كسا وجهها صعف منتشر # وقال: شبه شعر الناصية بسعف النخلة، والشعر إذا غطى العين لم يكن الفرس ~~كريما، وذلك هو الغمم، والذي يحمد من الناصية الجثلة، وهي التي لم تفرط في ~~الكثرة فتكون الفرس غماء، والغمم مكروه، ولم تفرط في الخفة فتكون الفرس ~~سفواء، والسفا أيضا مكروه في الخيل، والجيد ما قال ms021 عبيد: # مضبر خلقها تضبيرا ... ينشق عن وجهها السبيب # وروى ذلك عنه أبو حاتم سهل بن محمد السجستاني. # وقال أيضا: سمعت الأصمعي يقول: أخطأ امرؤ القيس في قوله: # لها متنتان خظايا كما ... أكب على ساعديه النمر # لأن المتن لا يوصف بكثرة اللحم، ويستحب منه التعريف، وكذلك الوجه كما قال ~~طفيل: # معرقة الألحى تلوح متونها # وأخذ عليه في قوله وصف الفرس: # فللسوط ألهوب، وللساق درة ... وللزجر منه وقع أخرج مهذب # وقال: هذه الفرس بطيئة؛ لأنها تحوج إلى السوط، وإلى أن تركض بالرجل ~~وتزجر؛ ويقال: إن أول من عابه بهذا البيت زوجته لما اجتكم إليها هو وعلقمة ~~الفحل، فغلبت علقمة، فطلقها. وقد أخذ أيضا عليه قوله: # أغرك مني أن حبك قاتلي # وقال: إذا لم يغر هذا فأي شيء يغر؟ وعيب زهير بن أبي سلمى بقوله: # يخرجن من شربات ماؤها طحل ... على الجذوع يخفن الغمر والغرقا # وقالوا: ليس خروج الضفادع من الماء خوف الغمر والغرق، وإنما ذلك لأنها ~~تبيض في الشطوط. # وعيب على كعب ابنه قوله: # ضخم مقلدها فعم مقيدها # وقالوا: إنما توصف النجائب برقة المذبح وأخذ على النابغة قوله يصف عنق ~~المرأة بالطول: # إذا ارتعثت خاف الجبان رعثها ... ومن يتعلق حيث علق يفرق # وهذا قريب من قول أبي نواس: # وأخفت أهل الشرك حتى إنه ... لتخافك النطف التي لم تخلق # بل أبو نواس أعذر؛ لقوله " لتخافك " يريد لتكاد تخافك، والشعراء تسقط " ~~تكاد " في الشعر وهي تريدها. # وجاء في القرآن مثل ذلك، قال الله عز وجل: " وإن كان مكرهم لتزول منه ~~الجبال " ، وقال لاشاعر: PageV01P011 يتقارضون إذا التقوا في موطن ... نظرا ~~يزيل مواطئ الأقدام # أي: نظرا يكاد يزيل، فأضمر " يكاد " واللام إذا جاءت كانت أدل عليها، ~~وقال الله عز وجل: " وبلغت القلوب الحناجر " أي: كادت. # وأخذ على النابغة قوله: # ألكنى يا عيين إليك قولا ... ستحمله الرواة إليك عني # وقالوا: فاعتذر له الأصمعي، وقال: هذا مما حملته الرواة علىالنابغة! كأنه ~~يدفع أن يكون قوله. # وأخذ على المسيب قوله: # وقد أتناسى الهم عند احتضاره ... بناج عليه الصيعرية مكدم ms022 # قال: الصيعرية صفة للنوق، لا للفحول، فسمعة طرفة بن العبد - وهو صبي - ~~فقال: استنوق الجمل، وضحك منه، ويقال: إن المسيب قال: أخرج لسانك يا فتى، ~~فأخرجه، فقال: ويل لهذا من هذا، يعني رأسه من لسانه. # وأخذ على المرقش قوله: # صحا قلبه عنها سوى أن ذكرة ... إذا خطرت دارت به الأرض قائما # قالوا: من إذا ذكر دارت به الأرض ليس بصاح. # وأخذ على عدي بن ويد قوله: # يبذ الجياد فارها متتابعا # وقالوا: لا يقال للفرس فاره، وإنما يقال له: جواد، وكريم، والفاره: البغل ~~والحمار. # وأخذ عليه أيضا قوله في صفة الخمر: # والمشرف الهيدب يسعى به ... أخضر مطموثا بماء الحريص # الحريص: سحابة تحرص وجه الأرض: أي تقشره لشدتها، ويقال: الحريص اسم نهر ~~بناحية الحيرة، فوصف الخمر بالخضرة، وما وصفها بذلك أحد غيره. # وأخذ على الأعشى قوله: # وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني ... شاو شلول مشل شلشل شول # وقالوا: هذه الألفاظ كلها التي بعد " شاو " متقاربة في المعنى. # وقرئ على الأصمعي قول أبي ذؤيب الهذلي: # قصر الصبوح لها فشرج لحمها ... بالنى فهى تثوخ فيها الإصبع # تأبى بدرتها إذا ما استكرهت ... إلا الحميم فإنه يتبضع # فقال: هذه الفرس تساوى درهمين؛ لأنه جعلها كثيرة اللحم، رخوة، يدخل فيها ~~الإصبع، حرونا، إذا حركت قامت، إلا العرق فإنه يسيل. # وقرئ على الأصمعي قول أبي النجم: # يسبح أولاه ويطفو آخره # فقال: حمار الكساح إذا أفره منه. # وعاب الأصمعي ذا الرمة في قوله: # حتى إذا دومت في الأرض أدركها ... كبر ولو شاء نجى نفسه الهرب # وقال: الفصحاء لا يقولون دوم في الرض، وإنما يقولون: دوم في الهواء، إذا ~~حلق، ودوى في الأرض، إذا ذهب. # وكان الأصمعي أيضا يعيبه في قوله: # ونقرى عبيط الشحم والماء جامس # وقال: إنما يقال للجامد من السمن وما أشبهه جامس، وروى ذلك عنه أبو حاتم. # وحكى أبو نصر عن الأصمعي قال: كنا نظن الطرماح شيئا حتى قال: # وأكره أن يعيب على قومي ... هجائي الأرذلين ذوى الحنات # لأنها إحنة وإحن، ولا يقال حنات. # وأخذ على الآخر قوله: ms023 # فما رقد الولدان حتى رأيته ... على البكر يمريه بساق وحافر # فسمى رجل الإنسان حافرا، وهذه استعارة في نهاية القبح. وكذلك قول الآخر: # قد أفنى أنامله عضه ... فأضحى يعض على الوظيفة # فجعل له وظيفا مكان الرجل. وكذلك قول الآخر: # سأمنعها أو سوف أجعل أمرها ... إلى ملك أظلافه لم تشقق # وقال الحطيئة: # قروا جارك العيمان لما جفوته ... وقلص عن برد الشراب مشافره # وعيب على أيمن بن خريم قوله يمدح بشر بن مروان: # فإنا قد وجدنا أم بشر ... كأم الأسد مذ كارا ولودا # وقالوا: أخطأ في أن جعل أم الأسد ولودا؛ لأن الحيوانات الكريمة عسرة نزرة ~~النتاج، والصواب قول كثير: # يغاث الطير أكثرها فراخا ... وأم الصقر مقلات نزور # وقال جرير: # صارت حنيفة أثلاثا؛ فثلثهم ... من العبيد، وثلث من مواليها # فقيل لرجل من بني حنيفة: من أي الأثلاث أنت؟ فقال: من الثلث الملغى. # وسمع إسحاق بن إبراهيم الموصلي عمارة بن عقيل ينشد لجرير: # لما تذكرت بالديرين أرقتني ... صوت الدجاج وقرع بالنواقيس # فقال: أخطأ والله أبوك، التأذين لا يكون في أول الليل، وقال من طلب العذر ~~لجرير: أرقني انتظار صوت الدجاج. # وعاب الأخطل الفرزدق في قوله: PageV01P012 أبنى غذانة إنني حررتكم ... ~~فوهبتكم لعطية بن جعال # لولا عطية لاجتدعت أنوفكم ... من بين ألام أعين وسبال # قال: وكيف وهبهم له وهو يهجوهم بمثل هذا الهجاء؟ وقال عطية حين بلغه ~~الشعر: ما أسرع ما رجع أخي في هبته؟ ومدح الفرزدق الحجاج وقد دخل عليه ببيت ~~واحد، فقال: # ومن يأمن الحجاج والطير تتقيعقوبته إلا ضعيف العزائم؟ # فقال له الحجاج: الطير تتقى الثوب، وتتقي الصبى، ما جئت بشيء؟ وإنما أراد ~~الفرزدق الطائر الذي يطير في السماء فليست تناله يد. # وأخذ على الأخطل قوله في عبد الملك بن مروان: # وقد جعل الله الخلافة منهم ... لأبيض لا عاري الخوان ولا جدب # وهذا لا يمدح به خليفة.. وأراد أن يمدح رجلا من بني أسد كان أجاره، ~~فهجاه؛ وكان يقال لقوم الرجل: القيون، يعيرون بذلك، فقال: # قد كنت أحسبه قينا وأنبؤه ... فاليوم طير عن أثوابه ms024 الشرر # أي: فاليوم نفى ذلك عن نفسه، فما زاد على أن نبه عليه، وقد كان له في ~~الممادح متسع. وأراد أن يهجو سويد بن منحوف فمدحه، وذلك قوله: # فما جذع سوء خرب السوس وسطه ... لما حملته وائل بمطيق # وأخذ على الفرزدق قوله يمدح وكيع بن أبي سويد: # إذا التقت الأبطال أبصرت وجهه ... مضيئا، وأعناق الكماة خضوع # فقالوا: أساء القسمة، وأخطأ الترتيب؛ وإنما كان يجب أن يقول: أبصرته ~~ساميا وأعناق الملوك خضوع، أو أبصرت لونه مضيئا وألوان الكماة كاسفة. # ومن خطأ الشعر قول عدي بن الرقاع يذكر الباري تبارك وتعالى: # وكفك بسطة ونداك سح ... وأنت المرء تفعل ما تقول # فجعل ربه مرءا، وعابه الأصمعي في قوله: # لهم راية تهدى الجموع كأنها ... إذا خطرت في ثعلب الرمح طائر # وقال: الراية لا تخطر، إنما الخطران للرمح. # ومن فاسد اللفظ وقبيحه قول ذي الرمة: # فأضحت مباديها قفارا رسومهاكأن لم سوى أهل من الوحش تؤهل # أراد: كأن لم تؤهل سوى أهل من الوحش. # ومن خطأ المديح قول الكميت يمدح النبي صلى الله عليه وسلم : # إلى السراج المنير أحمد لا ... تعدل بي رغبة ولا رهب # عنه إلى غيره، ولو رفع الن ... اس إلى العيون وارتقبوا # وقيل أفرطت، بل قصدت، ولو ... عنفني القائلون أو ثلبوا # لج بتفضيلك اللسان، ولو أكثر فيك الضجاج واللجب # فمن يعنفه ويؤنبه على مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يكثر عليه ~~فيه الضجاج واللجب؟ وهذا لو كان قاله بين المشركين وفي صدر الإسلام لعل ~~العذر كان يتسع له فيه، وقد اعتذر له معتذر واحتج بأن قال: لم يرد النبي ~~عليه الصلاة والسلام خاصة بهذا الخطاب، وإنما أراد أهل بيته؛ لأنه قد قال ~~فيهم من الشعر ما قال، ولأن بني أمية كانت تعنف من يمدحهم، وتنكر أشد ~~الإنكار على من يتخونهم، ويغرق في الثناء عليهم والوصف لهم. # وعيب أيضا الكميت بأن جمع كلمتين لا تشبه إحداهما الأخرى، وذلك قوله: # وقد رأينا بها حورا منعمة ... رودا تكامل فيها الدل والشنب # وقال: الدل إنما ms025 يكون مع الغنج أو نحوه، والشنب إنما يكون مع اللعس أو ما ~~يجري مجراه من أوصاف الثغر والفم؛ والجيد ما قاله ذو الرمة: # لمياء في شفتيها حوة لعس ... وفي اللثات وفي أنيابها شنب # ولو استقصينا هذا الباب لطال جدا، وإنما أوردنا ههنا منه مثالا لتعلموا ~~أن فحول الشعراء - الذين غلبوا عليه، وافتتحوا معانيه، وصاروا قدوة، ~~واتبعهم اشعراء، واحتذوا على حذوهم، وبنوا على أصولهم - ما عصموا من الزلل، ~~ولا سلموا من الغلط. # هذا في المعاني التي هي المقصد والمرمى والغرض، فأما ما بوبه النحويون من ~~عيوب الشعر في الإقواء والإكفاء والسناد، وغي رذلك مما هو عيب في اللفظ دون ~~المعنى، فليست PageV01P013 بنا حاجة إلى ذكره، لكثرته وشهرته. وكذلك ما ~~أخذته الرواة على المحدثين المتأخرين - من الغلط والخطأ واللحن - فاش أيضا ~~وأشهر أيضا من أن يحتاج إلى أن تبرهنه أو ندل على ذلك؛ فلم يك أحد من متقدم ~~ولا متأخر في خطئه ولا سهوه وغلطه مجهول الحق، ولا بمجحود الفضل، بل عفى ~~عندكم إحسانه على إساءته، وعلا تجويده على تقصيره، فكيف خصصتم أبا تمام دون ~~غيره بالطعن، وعبتموه دون من سواه بالزلل والوهن؟ ولم يك بذلك بدعا، ولا ~~منفردا، ولا إليه سابقا؛ فبخستم حق الإحسان الذي انتشر في الآفاق، وسارت به ~~الركبان، وتمثل به المتمثل، وتأدب بحفظه وإنشاده المتأدب، مما إن ذكرناه لم ~~تنكروه، وأقررتم بفضله، وأجمعتم على استجادته واستحسانه، فهل الظلم ~~المستقبح والتعصب المستهجن إلا ما أنتم مرتكبوه وخابطون فيه؟ 18 - قال صاحب ~~البحتري: أما أخذ السهو والغلط على من أخذ عليه من المتقدمين والمتأخرين؛ ~~ففي البيت الواحد، والبيتين، والثلاثة؛ وربما سلم الشاعر المكنر من ذلك ~~بنة، وتعرى منه، حتى لا تؤخذ عليه لفظة؛ وأبو تمام لا تكاد تخلو له قصيدة ~~واحدة من عدة أبيات يكون فيها مخطئا، أو محيلا، أو عن الغرض عادلا، أو ~~مستعيرا استعارة قبيحة، أو مفسدا للمعنى الذي يقصده بطلب الطباق والتجنيس، ~~أو مبهما بسوء العبارة والتعقيد حتى لا يفهم، ولا يوجد له مخرج، مما لو ~~عددناه ms026 لكان كثيرا فاحشا، فكيف يكون ما أخذ على الشعراء من الوهم وقليل ~~الغلط عذرا لمن لا تحصى معايبه ومواقع الخطأ في شعره؟... وعلى أن أكثر ما ~~عددتموه - مما أخذته الرواة على الشعراء - صحيح، والسهو فيه إنما دخل على ~~الرواة، ولو كان هذا موضع ذكره لذكرناه. # 19 - قال صاحب أبي تمام الطائي: فبم تدفعون قول البحتري يرثى أبا تمام ~~ودعبلا، ويذم من بقي بعدهما من الشعراء: # قد زاد في حزني، وأوقد لوعتيمثوى حبيب يوم مات ودعبل # وبقاء ضرب الخثعمي وشبهه ... من كل مضطرب القريحة مجبل # أهل المعاني المستحيلة إن هم ... طلبوا البراعة بالكلام المقفل # أخوى لا تزل السماء مخيلة ... تغشا كما بحيا السحاب المسبل # جدث لدى الأهواز يبعد دونه ... مسرى النعى ورمة بالموصل # فمحال أن يرثى البحتري أبا تمام ويذكر من بعده من الشعراء بأن قرائحهم ~~مضطربة ومعانيهم مستحيلة، وعنده أن أبا تمام تلك صفته، فلم تنكرون فضل من ~~يعترف البحتري بفضله، ويشهد في الشعر له، وتنسبون العيب إليه وهذه صفته ~~عنده، وتلحقونه به وهو يبرئه منه؟ 20 - قال صاحب البحتري: ولم لا يفعل ~~البحتري ذلك وقد كان هو وأبو تمام - بعد اجتماعهما وتعارفهما - متصافيين ~~على القرب والبعد، متحابين متلائمين على الدنو والشحط، يجمعهما الطلب ~~والنسب والمكتسب، ولم يكن في زمانهما شاعر مشهور يفد على الملوك ويجتدي ~~بالشعر وينتسب إلى طيء سواهما، فليس بمنكر أن يشهد أحدهما لصاحبه بالفضل، ~~ويصفه بأحسن ما فيه، وينحله ما ليس فيه، وخاصة في الشعر؛ ثم في تأبين الميت ~~فإن العادة جرت بأن يعطى من التقريظ، والوصف، وجميل الذكر، أضعاف ما كان ~~يستحقه، فلا تدفعوا العيان؛ فلن يمحق وصف البحتري أبا تمام في حياته ~~وتأبينه إياه بعد وفاته ما ظهر من مقابحة وفضائح شعره. # 21 - قال صاحب أب يتمام: فقد علمتم وسمعتم الرواة وكثيرا من العلماء ~~بالشعر يقولون: جيد أبي تمام لا يتعلق به جيد أمثاله، وإذا كان جيد دون ~~جيده لم يضر ما يؤثر من رديئه. # 22 - قال صاحب البحتري: إنما صار جيد أب يتمام ms027 موصوفا لأنه يأتي في ~~تضاعيف الردئ الساقط؛ فيجئ رائقا لشدة مباينته ما يليه، فيظهر فضله ~~بالإضافة، ولهذا قال له أبو هفان: إذا طرحت درة في بحر خرء فمن الذي يغوص ~~عليها ويخرجها غيرك؟ والمطبوع الذي هو مستوى الشعر قليل السقط لا يبين جيده ~~من سائر شعره بينونة شديدة، ومن أجل ذلك صار جيد أب يتمام معلوما وعدده ~~محصورا. # وهذا عندي - أنا - هو الصحيح؛ لأني نظرت في شعر أبي تمام والبحتري وتلقطت ~~محاسنهما، ثم تصفحت شعريهما بعد ذلك على مر الأوقات؛ فما من مرة إلا وأنا ~~الحق في اختيار شعر البحتري ما لم أكن اخترته من قبلن وما أعلم أني زدت في ~~اختيار شعر أبي تمام ثلاثين بيتا على ما كنت اخترته قديما. PageV01P014 23 ~~- قال صاحب أبي تمام: أفتنكرون كثرة ما أخذه البحتري من أب يتمام، وإغراقه ~~في الاستعارة من معانيه؟ فأيهما أولى بالتقدمة: المستعير، أو المستعار منه؟ ~~24 - قال صاحب البحتري: قد ابتدأنا بالجواب عن هذا في صدر كلامنا، ونحن ~~نتمه في هذا الموضع إن شاء الله تعالى: أما ادعاؤكم كثرة الأخذ منه فقد ~~قلنا إنه غير منكر أن يكون أخذ منه من كثرة ما كان يرد على سمع البحتري من ~~شعر أب يتمام؛ فيعتلق معناه: قاصدا الأخذ، أو غير قاصد، لكن ليس كما ادعيتم ~~وادعاه أبو الضياء بشر بن يحيى ف يكتابه؛ لأنا وجدناه قد ذكر ما يشترك ~~الناس فيه، وتجري طباع الشعراء عليه، فجعله مسروقا، وإنما السرق يكون في ~~البديع الذي ليس للناس فيه اشتراك، فما كان من هذا الباب فهو الذي أخذه ~~البحتري من أبي تمام، لا ما ذكره أبو الضياء وحشا به كتابه، وأنا أذكر هذين ~~الشيئين في موضعهما من الكتاب، وأبين ما أخذه البحتري من أبي تمام على ~~الصحة، دون ما اشتركا فيه؛ إذ كان غير منكر لشاعرين متناسبين من أهل بلدين ~~متقاربين أن يتفقا في كثير من المعاني، لا سيما ما تقدم الناس فيه، وتردد ~~في الأشعار ذكره، وجرى في الطباع والاعتياد من الشاعر ms028 وغير الشاعر ~~استعماله. # وبعد؛ فينبغي أن تتأملوا محاسن البحتري، ومختار شعره، والبارع من معانيه ~~والفاخر من كلامه؛ فإنكم لا تجدون فيه على غزره وكثرته حرفا واحدا مما أخذه ~~من أبي تمام، وإذا كان ذلك إنما يوجد في المتوسط من شعره فقد قام الدليل ~~على أنه لم يعتمد أخذه، وأنه إنما كان يطرق سمعه فيلتبس بخاطره فيورده. # تم احتجاج الخصمين بحمد الله. # مساوئ الشاعرين # وأنا أبتدئ بذكر مساوى هذين الشاعرين؛ لأختم بذكر محاسنهما، وأذكر طرفا ~~من سرقات أبي تمام، وإحالاته، وغلطه، وساقط شعره، ومساوى البحتري في أخذ ما ~~أخذه من معاني أب يتمام، وغير ذلك من غلط في بعض معانيه، ثم أوزان من ~~شعريهما بين قصيدتين إذا اتفقتا في الوزن ولاقافية وإعراب القافية، ثم بين ~~معنى ومعنى؛ فإن محاسنهما تظهر في تضاعيف ذلك، ثم أذكر ما انفرد به كل واحد ~~منهما فجوده من معنى سلكه ولم يسلكه صاحبه، وأفرد بابا لما وقع في شعريهما ~~من الشبيه، وبابا للأمثال، أختم بهما الرسالة، وأتبع ذلك بالاختيار المجرد ~~من شعريهما، وأجعله مؤلفا على حروف المعجم؛ ليقرب متناوله، ويسهل حفظه، ~~ةتقع الإحاطة به، إن شاء الله تعالى. # سرقات أبي تمام # كان أبو تمام مشتهرا بالشعر، مشغوفا به، مشغولا مدة عمره بتخيره ودراسته، ~~وله كتب اختيارات فيه مشهورة معروفة؛ فمنها: الاختيار القبائلي الأكبر ~~اختار فيه من كل قبيل قصيدة، وقد مر على يدى هذا الاختيار، ومنها اختيار ~~آخر ترجمته القبائلى، اختار فيه قطعا من محاسن أشعار القبائل، ولم يورد فيه ~~كبير شيء للمشهورين؛ ومنها: الاختيار، الذي تلقط فيه محاسن شعر الجاهلية ~~والإسلام، وأخذ من كل قصيدة شيئا حتى انتهى إلى إبراهيم بن هرمة، وهو ~~اختيار مشهور معروف باختيار شعراء الفحول، ومنها اختيار تلقط فيه أشياء من ~~الشعراء المقلين ولا شعراء المغمورين غير المشهورين، وبوبه أبوابا، وصدره ~~بما قيل في الشجاعة، وهو أشهر اختياراته، وأكثرها في أيدي الناس، ويلقب ~~بالحماسة، ومنها اختيار المقطعات، وهو مبوب على ترتيب الحماسة، إلا أنه ~~يذكر فيه أشعار المشهورين وغيرهم والقدماء والمتأخرين، ms029 وصدره بذكر الغزل، ~~وقد قرأت هذا الاختيار، وتلقطت منه نتفا وأبياتا كثيرة، وليس بمشهور شهرة ~~غيره، ومنها اختيار مجرد في أشعار المحدثين، وهو موجود في أيدي الناس؛ وهذه ~~الاختيارات تدل على عنايته بالشعر، وأنه اشتغل به، وجعله وكده، واقتصر من ~~كل الآداب والعلوم عليه؛ فإنه ما شيء كبير من شعر جاهلي ولا إسلامي ولا ~~محدث إلا قرأه واطلع عليه، ولهذا أقول: إن الذي خفى سرقاته أكثر مما قام ~~منها، على كثرتها. # وأنا أذكر ما وقع إلي في كتب الناس من سرقاته، وما استنبطته أنا منها ~~واستخرجته؛ فإن ظهرت بعد ذلك منها على شيء ألحقته بها، إن شاء الله. # 1 - قال الكميت الأكبر، وهو الكميت بن ثعلبة: # ولا تكثروا فيه اللجاج؛ فإنه ... محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا # أخذه الطائي فقال: # السيف أصدق أنباء من الكتب PageV01P015 وذلك أن أهل التنجيم كانوا حكموا ~~بأن المعتصم لا يفتح عمورية، وراسلته الروم: إنا نجد في كتبنا أن مدينتنا ~~هذه لا تفتح إلا في وقت إدراك التين والعنب، وبيننا وبين ذلك الوقت شهور ~~يمنعك من المقام فيها البرد والثلج، فأبى أن ينصرف، وأكب عليها حتى فتحها ~~وأبطل ما قالوه؛ فلذلك قال الطائي: # السيف أصدق أنباء من الكتب # هو أحسن ابتداءاته. # 2 - وقال النابغة يصف يوم الحرب: # تبدو كواكبه والشمس طالعة ... لا النور نور ولا الإظلام إظلام # أخذه الطائي، فقال وذكر ضوء النهار وظلمة الدخان في الحريق الذي وصفه: # ضوء من الناء والظلماء عاكفة ... وظلمة من دخان في ضحى شحب # فالشمس طالعة من ذا، وقد أفلت ... والشمس واجبة من ذا، ولم تجب # 3 - وقال الأعشى: # وإن صدور العيس سوف يزوركم ... ثناء على أعجازهن معلق # أخذه الطائي فقال: # من القلاص اللواتي في حقائبها ... بضاعة غير مزجاة من الكلم # 4 - وقال مسلم بن الوليد في صفة الخمر: # قتلت وعاجلها المدير ولم يقد ... فإذا به قد صيرته قتيلا # أخذه الطائي وأحسن الأخذ فقال: # إذا اليد نالتها بوتر توفرت ... على ضغنها ثم استقادت من الرجل # فإن كان أخذها من ms030 ديك الجن فلا إحسان له؛ لأنه أتى بالمعنى بعينه، قال ~~ديك الجن: # تظل بأيدينا تقعقع روحها ... وتأخذ من أقدامنا الراح ثارها # كذا وجدته فيما نقلته، وليس ينبغي أن يقطع على أيهما أخذ من صاحبه؛ ~~لأنهما كانا في عصر واحد. # 5 - وقال الأعشى: # وأرى الغواني لا يواصلن ارمأ ... فقد الشباب، وقد يصلن الأمردا # أخذ الطائي المعنى والصفة فقال: # أحلى الرجال من النساء مواقعا ... من كان أشههم بهن خدودا # 6 - وقال البعيث: # وإنا لنعطى المشرفية حقها ... فتقطع في أيماننا وتقطع # فقال الطائي: # فما كنت إلا السيف لا قى ضريبة ... فقطعها ثم انثنى فتقطعا # 7 - وقال الطائي: # وركب كأطراف الأسنة عرسوا ... على مثلها والليل تسطو غياهبه # لأمر عليهم أن تتم صدوره ... وليس عليهم أن تتم عواقبه # أخذ صدر البيت الأول من قول كثير: # وركب كأطراف الأسنة عرجوا ... قلائص في أصلابهن نحول # ويشبه قول البعيث: # أطافت كالأسنة هجد ... بخاشعة الأصواء غبر صحونها # وأخذ معنى البيت الثاني من قول الآخر. # غلام وغى تقحمها فأبلى ... فخان بلاءه الدهر الخؤون # فكان على الفتى الإقدام فيها ... وليس عليه ما جنت المنون # 8 - وقال جران العود العود يصف الخيال: # سقيا لزورك من زور أتاك به ... حديث نفسك عنه وهو مشغول # فذكر العلة في طروق الخيال، وهو السابق إلى هذا المعنى، فأخذه العباس ابن ~~الأحنف فقال: # خيالك حين أرقد نصب عيني ... إلى وقت أنتباهى ما يزول # وليس يزورني صلة، ولكن ... حديث النفس عنك هو الوصول # فتبعه الطائي فقال: # زار الخيال لها، لا، بل أزاركه ... فكر إذا نام فكر الخلو لم ينم # وقال في هذا المعنى أيضا: # نم فما زارك الخيال، ولكن ... ك بالفكر زرت طيف الخيال # 9 - وقال أبو تمام الطائي: # أما الهجاء فدق عرضك دونه ... والمدح فيك، كما علمت، جليل # فاذهب فأنت طليق عرضك؛ إنه ... عرض عززت به وأنت ذليل # أخذه من قول هشام المعروف بالحلو أحد الشعراء البصريين يهجو بشار ابن ~~برد: # بذلة والديك كسبت عزا ... وباللوم اجترأت على الجواب # فأخذه إبراهيم بن العباس فقال وأجاد وأحسن: # نجا ms031 بك عرضك منجى الذباب ... حمته مقاذره أن ينالا # 10 - وقال الطائي: # والشيب إن طرد الشباب بياضه ... كالصبح أحدث للظلام أفولا # أراد قول الفرزدق: # والشيب ينهض في الشباب كأنه ... ليل يصيح بجانبيه نار # فقصر عنه. # 11 - وقال قيس بن ذريح: PageV01P016 بليع إذا يشكو إلى غيرها الهوى ... ~~وإن هو لاقاها فغير بليغ # أخذه الطائي فقال: # لم تنكرين مع الفراق تبلدي ... وبراعة المشتاق أن يتبلد؟! # 12 - وقال الحطيئة: # إذا هم بالأعداء لم يثن همه ... حصان عليها لؤلؤ وزبرجد # فأخذه كثير فقال: # إذا هم بالأعداء لم يثن همه ... حصان عليها عقد در يزينها # أخذه الطائي فخلط؛ لقصده إلى مجانسة اللفظ، فقال: # عداك حر الثغور المستضامة عن ... برد الثغور، وعن سلسالها الخصب # 13 - وقال مسلم بن الوليد: # قد عود الطير عادات وثقن بها ... فهن يتبعته في كل مرتحل # أخذه الطائي فقال: # وقد ظللت عقبان أعلامه ضحى ... بعقبان طير في الدماء نواهل # أقامت مع الرايات حتى كأنها ... من الجيش، إلا أنها لم تقاتل # فأتى في المعنى زيادة، وهي قوله " إلا أنها لم تقاتل " وجاء به فيبتين. # وقد ذكر المتقدمون هذا المعنى؛ فأول من سبق إليه الأفوه الأودى، وذلك ~~قوله: # وترى الطير على آثارنا ... رأى عين ثقة أن ستمار # فتبعه النابغة فقال: # إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب # جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب # فأخذه حميد بن ثور فقال يصف الذئب : # إذا ما غدا يوما رأيت غمامة ... من الطير ينظران الذي هو صانع # وقال أبو نواس: # تتأيا الطير غزوته ... ثقة بالشبع من جزره # أي: تتعمد وتقصد. # 14 - وقال منصور النمري يمدح الرشيد: # وعين محيط بالبرية طرفها ... سواء عليه قربها وبعيدها # أخذه أبو تمام فقال: # أطل على كلى الآفاق حتى ... كأن الأرض في عينيه دار # عجز هذا البيت حسن جدا، وبيت النمري أحب إلى؛ لأن معناه أشرح 15 - وقال ~~مسلم بن الوليد: # فلما انتضى الليل الصباح وصلته ... بحاشية من لونه المتورد # أخذه أبو تمام فقال: # حطت على قبة الإسلام ms032 أرحله ... والشمس قد نفضت ورسا على الأصل # هذا ما ذكره ابن المنجم، والذي أظنه أنه أخذه من قول الآخر: # والشمس صفراء ... كلون الورس # 16 - وقال مرار الفقعسي في وصف الأثافي: # أثر الوقود على جوانبها ... بخدودهن كأنه لطم # أخذه أبوتمام فقال: # أثاف كالخدود لطمن حزنا ... ونؤي مثملا انقصم السوار # أورد المعنى في مصراع، وأتى بالمصراع الثاني بمعنى آخر يليق به فأجاد، ~~إلا أن بيت المرار أشرج وأوضح معنى، لقوله " أثر الورود على جوانبها " ~~فأبان المعنى الذي من أجله أشبه الخدود الملطومة. # 17 - وقال أبو نواس: # فالخمر ياقوتة والكأس لؤلؤة ... من كف لؤلؤة ممشوقة القد # أخذه أبو تمام فقال وأساء: # أوردة بيضاء بكر أطبقت ... حبلا على ياقوتة حمراء # لأن قوله " أطبقت حبلا " كلام قبيح مستكره جدا. # 18 - وقال أبو تمام: # نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول # أخذه من قول كثير: # إذا وصلتنا خلة كي تزيلها ... أبينا، وقلنا: الحاجبية أول # وذكر محمد بن داود بن الجراح في كتابه أنه أخذ المعنى من قول ابن الطثرية ~~إذ يقول: # أتاني هوها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا فارغا فتمكنا # وهذا أجود ما قيل في هذا المعنى؛ لأنه ذكر الصلة. # 19 - وقال أبو تمام: # وما سافرت في الآفاق إلا ... ومن جدوالك راحلتي وزادي # مقيم الظن عندك والأماني ... وإن قلقت ركابي في البلاد # أخذه من قول أبي نواس: # وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة ... لغيرك إنسانا فأنت الذي نعني # وقد كان ابن أبي دؤاد سأله عن هذا المعنى أنشده القصيدة، فقال: أهو مما ~~اخترعته؟ فقال: أخذته من قول ابن هاني: # وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة # 20 - وقال ابن الخياط في قصيدة يمدح بها المهدي، فأجازه بجائزة ففرقها في ~~الدار، فبلغه فأضعف له الجائزة، فقال: PageV01P017 لمست بكفي كفه أبتغي ~~الغنى ... ولم أدر أن الجود من كفه يعدى # أخذه أبوتمام فقال: # علمني جودك السماح؛ فما ... أبقيت شيئا لدى من صلتك # وبيت ابن الخياط أبلغ وأجود. # 21 - وقال دعبل بن علي: # وإن امرأ أسدى إلى بشافع ms033 ... إليه ويرجو الشكر مني لأحمق # شفيعك فاشكر في الحوائج؛ إنه ... يصونك عن مكروهها وهو يخلق # فأخذه أبو تمام فقال وألطف المعنى وأحسن اللفظ: # فلقيت بين يديك حلو عطائه ... ولقيت بين يدي مر سؤاله # وإذا امرء أهدى إليك صنيعة ... من جاهه فكأنها من ماله # 22 - وقال مسلم بن الوليد ف يالحجاب، وأخطأ ف يالمعنى: # كذلك الغيث يرجى في تحجبه ... حتى يرى مسفرا عن وابل المطر # أخذه أبو تمام فقال: # ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إن السماء ترجى حين تحتجب # إلا أن لبيت أبي تمام وجها من الثواب، وقد ذكرته في باب ف يهذا الكتاب مع ~~ما أخذ على مسلم بن الوليد في بيته من العيب. # 23 - وقال النابغة الجعدي: # وتستلب الدهم التي كان ربها ... ضنينا بها، والحرب فيها الحرائب # فأخذه أبو تمام فقال وقصر عنه: # لما رأى الحرب رأى العين نوفلس ... والحرب مشتقة المعنى من الحرب # أو أخذه من قول إبراهيم بن المهدي: # وسعروا الحرب واسم الحرب قد علموالو ينفع العلم مشتق من الحرب # 24 - وقالت مريم بنت طارق ترثى أخاها، في أبيات أنشدها ابن الأنباري في ~~أماليه: # كنا كأنجم ليل بينها قمر ... يجلو الدجى، فهوى من بينها القمر # أخذ أبو تمام اللفظ والمعنى، فقال: # كأن بني نبهان يوم وفاته ... نجوم سماء من بينها البدر # أو أخذه من قول جرير يرثي الوليد بن عبد الملك: # أمسى بنوه وقد جلت مصيبتهم ... مثل النجوم هوى من بينها القمر # ولست أدري أيهما أخذ من صاحبه؟ أمريم أخذت من جرير، أم جرير أخذ منها؟ ~~وروى دعبل بن علي الخزاعي لأبي سلمى المونى، من ولد زهير، واسمه مكنف وهو ~~الذي كان يهجو بني القعقاع آل ذفافة العبسي فيقول: # إن الضراط به تعاظم مجدكم ... فتعاظموا ضرطا بني القعقاع # قال دعبل: فلما مات ذفافة رثاه أبو سلمى فقال: # أبعد أبي العباس يستعتب الدهر ... وما بعده للدهر عتبي ولا عذر؟ # ألا أيها الناعي ذفافة ذا الندى ... تعست وشلت من أناملك العشر # ولا مطرت أرضا سماء، ولا جرت ... نجوم، ms034 ولا لذت لشاربها الخمر # كأن بني القعقاع بعد وفاته ... نجوم سماء خر من بينها البدر # توفيت الآمال بعد ذفافة ... فأصبح في شغل عن السفر السفر # يعزون عن ثاو تعزى به العلا ... ويبكى عليه البأس والمجد والشعر # وما كان إلا مال من قل ماله ... وذخرا لمن أمسى وليس له ذخر # قال أبوعبد الله محمد بن داود بن الجراح: قال أبو محمد اليزيدي: أنشدني ~~دعبل هذه القصيدة، وجعل يعجبني من الطائي في ادعئه إياها، وتغييره بعض ~~أبياتها. # 25 - وقال مسلم بن الوليد يرثي: # فاذهب كما ذهبت غوادي مزنة ... أثنى عليها السهل والأوعار # أخذ أبو تمام المعنى وقصر ف يالعبارة، فقال: # وقفنا فقلنا بعد أن أفرد الثرى ... به ما يقال في السحابة تقلع # وتقصيره عن مسلم أن مسلما قال " أثنى عليها السهل والأوعار " فأراد أن ~~هذه السحابة عمت بنفعها، وفي قول أبي تمام " ما يقال في السحابة تقلع " ~~إبهام؛ لأنه لم يفصح بالثناء عليها وأنها نفعت، وقد يقال في السحابة إذا ~~أقلعت ما هو غير المدح والثناء، إذا نزلت في غير حينها، وف يغير وقت الحاجة ~~إليها، وكثيرا ما يضر المطر إذا كانت هذه حاله، وإن كان أبو تمام لم يرد ~~هذا القسم، وإنما أراد القسم الآخر فقط؛ فقصر في العبارة والشرح، ألا ترى ~~إلى قول الشاعر الأول ما أحسن ما شرط، وهو طرفة: # فسقى ديارك غير مفسدها ... صوب الربيع وديمة تهمى # قال " غير مفسدها " لما دعا لها بالسقيا التي تدوم، وقال البحتري: ~~PageV01P018 ألح جودا فلم تضرر سحائبه ... وربما ضر عند الحاجة المطر # وقول أبي تمام " ما يقال في السحابة تقلع " يحتاج إلى تفسير مع سرقته ~~المعنى. # 26 - وقال العباس بن الأحنف: # سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا # أخذه الطائي فقال: # أآلفة النحيب، كم افتراق ... أظل فكان داعية اجتماع؟ # وبيت الأعرابي وهو عروة بن الورد - أجود من بيتهما، وهو قوله: # تقول سليمى لو أقمت بأرضنا ... ولم تدر أنى للمقام أطوف # 27 - وقال أبو تمام: # أسربل هجر القول من لو هجوته ms035 ... إذا لهجاني عنه معروفه عندي # أخذ المعنى من قول بعض الخوارج وسامه قطري بن الفجاءة قتال الحجاج ، لأن ~~الحجاج كان من عليه، فقال: # أأقاتل الحجاج عن سلطانه ... بيد تقر بأنها مولاته # إني إذا لأخو الدناءة، والذي ... غطت على إحسانه جهلاته # ماذا أقول إذا وقفت إزاءه ... في الصف فاحتجت له فعلاته # أأقول جار علي؟ لا، إني إذا ... لأحق من جارت عليه ولاته # وتحدث الأقوام أن صنائعا ... غرست لدي فحنظلت نخلاته # 28 - وقال قيس بن الخطيم: # قضى لها الله حين صورها الخ ... الق أن لا يكنها سدف # أخذه أبو تمام فقال: # فعجبت من شمس إذا حجبت بدت ... من نورها، فكأنها لم تحجب # أو أخذه من قول أبي نواس: # ترى ضوءها من ظاهر الكأس ظاهرا ... عليك، ولو غطيتها بغطاء # 29 - وقال مسلم بن الوليد: # يصيب منك مع الآمال طالبها ... حلما وعلما ومعروفا وإسلاما # أخذه أبو تمام فقال وبرز عليه وإن كان بيت مسلم أجمع للمعنى: # نرمي بأشباحنا إلى ملك ... نأخذ من ماله ومن أدبه # 30 - وقال أبو نواس: # تبكي البدور لضحكه ... والسيق يضحك إن عبس # أراد ههنا بالبدور حمع بدرة، فأخذه أبو تمام فقال وقصر عنه: # كل يوم له وكل أوان ... خل ضاحك ومال كئيب # فبإزاء هذا البيت قول أبي نواس " تبكي البدور لضحكه " وقوله " والسيف ~~يضحك إن عبس " فضل. # 31 - وقال جرير: # وهن أضعف خلق الله أركانا # أخذه أبو تمام فجعله في الخمر، فقال: # وضعيفة فإذا أصابت فرصة ... قتلت، كذلك قدرة الضعفاء # 32 - وقال رجل من بني أسد، وكان أبو عبد الله الجرشي - أحد شعراء ~~الشاميين - أنشدنيه لبعض شعراء بني أسد: # تغيبت كي لا تجتويني دياركم ... ولو لم تغب شمس النهار لملت # وظننته مصنوعا حتى وجدت عبد الله بن المعتز بالله ذكر في كتابه المؤلف في ~~سرقات الشعر عجز هذا البيت: # ولو لم تغب شمس النهار لملت # للكميت بن زيد فأخذه الطائي فقال: # فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الناس إذ ليست عليهم بسرمد # فأما قول الإيادي: # فإني رأيت القطر يسأم دائبا ms036 ... ويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا # فمن أبي تمام أخذه؛ لأنه متأخر بعده. # 33 - وقال مسلم بن الوليد: # موف على مهج واليوم ذو رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل # فأخذه الطائي فقال وقصر: # رآه الملج مقتحما عليه ... كما اقتحم الفناء على الخلود # 34 - وقال قطري بن الفجاءة: # ثم انثنيت وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الاقدام # أخذه أبو تمام فقال وكأنه عكس المعنى وكلاهما جيد حسن: # ومجربون سقاهم من بأسه ... فاذا لقوا فكأنهم أغمار # وقد كرر هذا المعنى في بيت آخر فقال: # كهل الأناة فتى الشذاة إذا غدا ... للحرب كان الاجد الغطريفا # 35 - وقال آخر: # يبيع ويشتري لهم سواهم ... ولكن بالطعان هم تجار # ويروى بالرماح أخذه الطائي فقال وقصر وغير المعنى وجاء بغرض آخر # لفظ لأخلاق التجار وإنهم ... لغدا بما ادخروا له لتجار # 36 - وقال أبو نواس بمدح الخصيب: # فما جازه جود، ولا حل دونه ... ولكن يسير الجود حيث يسير # أخذه أبو تمام فقال بمدح ابن أبي داود، وقصر عنه: PageV01P019 إليك تناهى ~~المجد من كل وجهة ... يصير فما يعدوك حيث تصير # 37 - وقال جرير يهجو الأخطل: # ما زلت تحسب كل شيء بعدهم ... خيلا تكر عليكم ورجالا # أخذه أبو تمام فقال: # حيران يحسب سجف النقع من دهش ... نقى يحاذر أن ينقض أو جرفا # وأخذ جرير المعنى من قول الله تعالى: " يحسبون كل صيحة عليهم " . # 38 - وقال مسلم يرثي: # سلكت بك العرب السبيل إلى العلى ... حتى إذا سبق الردى بك داروا # نفضت بك الآمال أحلاس المنى ... واسترجعت نزاعها الأمصار # أخذه أبو تمام فقال: # توفيت الآمال بعد محمد ... فأصبح مشغولا عن السفر السفر # أو أخذ ذلك من أبي سلمى يرثى ذقاقة العبسى كما حكى دعبل. # 39 - وقال توبة بن الحمير: # يقول أناس: لا يضرك نأيها ... بلى كل ماشف النفوس يضيرها # أخذه أبو تمام فقال وزاد فيه: # لا شيء ضائر عاشق، فإذا نأى ... عنه الحبيب فكل شيء ضائره # 40 - وقال عنترة: # فشككت بالرمح الطويل ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم # أخذه أبو تمام فقال: ms037 # يحملن كل مدجج، سمر القنا ... بإهابه أولى من السربال # قال ذلك لأنه ظن أن عنترة أراد الثياب نفسها، وإنما أراد عنترة بقوله " ~~ثيابه " نفسه. # 41 - وقال مسلم بن الوليد: # يكسو السيوف نفوس الناكثين به ... ةيجعل الهام تيجان القنا الذبل # أخذه أبو تمام وأساء الأخذ وتعسف اللفظ فقال: # أبدلت أرؤسهم يوم الكريهة من ... قنا الظهور قنا الخطى مدعما # أو أخذا المعنى جميعا من قول جرير: # كأن رؤوس القوم فوق رماحنا ... غداة الوغى تيجان كسرى وقيصرا # 42 - وقال امرؤ القيس: # سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالا على حال # أخذه أبو تمام وعدل به إلى وجه المديح فقال: # سما للعلا من جانبيها كليهما ... سمو حباب الماء جاشت غواربه # وما قيل في إخفاء الحركة والدبيب أبلغ ولا أبرع من بيت امرئ القيس هذا. # 43 - وقال الفرزدق يهجو جريرا: # أنتم قرارة كل مدفع سوأة ... ولل سائلة تسيل قرار # أخذ أبو تمام اللفظ والمعنى جميعا فقال: # وكانت لوعة ثم اطمأنت ... كذاك لكل سائلة قرار # 44 - وقال محمد بن بشير الخارجي من خارجة عدوان: # وإذا رأيت صديقه وشقيقه ... لم تدر أيهما أخو الأرحام # أخذه أبو تمام فقال: # فلو أبصرتهم والزائريهم ... لما مزت الحميم من البعيد # فقصر عن الأول. # 45 - وقال بعض الأعراب يصف المصلوب، أنشده ثعلب: # قام ولما يستعن بساقه ... آلف مثواه على فراقه # كأنما يضحك في إشراقه # أخذ أبو تمام قوله " آلف مثواه على فراقه " فقال: # لايبرحون ومن رآهم خالهم ... أبدا على سفر من الأسفار # 46 - وقال مسلم بن الوليد وهو معنى سبق إليه: # لا يستطيع يزيد من طبيعته ... عن المروءة والمعروف إحجاما # أخذ أبو تمام المعنى فكشفه وأحسن اللفظ وأجاد فقال: # تعود بسط الكف حتى لوانه ... دعاها لقبض لم تجبه أنامله # 47 - وقال ذو الرمة: # وليل كجلباب العروس أدرعته ... بأربعة والشخص في العين واحد # أحم علافي، وأبيض صارم ... وأعيس مهرى، وأروع ماجد # أخذه أبو تمام فقصر وليس هو المعنى بعينه، فقال: # البيد والعيس والليل التمام معا ... ثلاثة أبدا يقرن في قرن ms038 # والذي اتبع ذا الرمة فأحسن الاتباع البحتري في قوله: # يا خليلي بالسواجير من أد ... بن معن وبحتر بن عتود # اطلبا ثالثا سواي؛ فإني ... رابع العيس والدجى والبيد # 48 - وقال النابغة الذبياني، وكان الأصمعى يتعجب من جودته: # وعيرتني بنو ذبيان خشيته ... وهل على بأن أخشاك من عار # اخذه أبو تمام فقال وزاد ذكر الموت: # خضعوا اصولتك التي هي عندهم ... كالموت يأتي ليس فيه عار # 49 - وقال كعب بن زهير يمدح قريشا: PageV01P020 لا يقع الطعن إلا في ~~نحورهم ... وما لهم عن حياض الموت تهليل # أخذه أبو تمام كما قال لي بعض الرواة فقال يرثي بني حميد: # لو خر سيف من العيوق منصلتا ... ما كان إلا على هامتهم يقع # روى الشاميون أن أبا تمام سئل عن هذا المعنى فقال أخذته من قول نادبه: لو ~~سقط حجر من السماء على رأس يتيم ما أخطأ فأما قول كعب لا يقع الطعن إلا في ~~نحورهم فإنما أراد أنهم لا يولون الدبر وليس من معنى أبي تمام في شيىء 50 - ~~وقال يصف الراية: # تخفق أثناؤها على ملك ... يرى طراد الأبطال من طراده # أخذه من قول أبي نواس: # تعد عين الوحش من أقواتها # وأخذهأبو النواس من قول أبي النجم: # تعد عانات اللوى من مالها # 51 - وقال أبو تمام يستهدي نبيذا: وهي نزر لو أنها من دموع الصب لم تشف ~~منه حر الغليل أخذه من قول الآخر أو أخذه الآخر منه والمعنيان متشابهان: # لو كان ما أهديته إثمدا ... لم يكفإلامقلة واحدة # 52 - وقال يصف مغنية تغني بالفارسية: # ولم أفهم معانيها ولكن ... شجت كبدي فلم أجهل شجاها # أخذه من قول الحسين بن الضحاك على مافي قول الخليع من المناقضة: # وما أفهم ما يعني ... مغنيا إذا غنى # سوى أني من حبي ... له أستحسن المعنى # لأنه قال:ماأفهم ما يعني ثم قال:استحسن المعنى وإنما أراد بالمعنىاللحن ~~لامعنى القول0 وأجود من ذلك كله قول حميد بن ثور يصف الحمامة : # ولم أر مثلى شاقة صوت مثلها ... ولا عربيا شاقه صوت أعجما # 53 - وقال الفرزدق يرثى ms039 امرأ له ماتت حاملا : # وجفن سلاح قد رزئت فلم أنح ... عليه ولم أبعث عليه البواكيا # وفي بطنه من درام ذو حفيظة ... لوان المنايا أمهلته لياليا # فقال أبو تمام وأجاد اللفظ وأحسن الأخذ أصاب التمثيل ، فقال يرثى ابنين ~~صغيرين ماتا لعبد الله بن طاهر : # لهفى على تلك المخايل فيما ... لو أمهلت حتى تكون شمائلا # إن الهلال إذا رأيت نموه ... أيقنت أن سيكون بدرا كاملا # 54 - وقال أبو تمام : # صلتان أعداؤه حيث حلوا في حديث من ذكره مستفاض # فأخطأ في قوله ((مستفاض)) وإنما هو مستفيض ، وقد احتج له محتج بأ، قال : ~~أراد مستفاض فيه ، وإنما جعلهم يفيضون في ذكره لأنهم أبدا على حال وجل ~~واحتراس من شدة الخوف منه ، ألا تراه قال ((حيث حلوا))أى هم بهذه الحال ~~قريبا كانت دراهم منه أو بعيدا . # وأخذ هذا المعنى من قول أعشى باهلة يرثى أخاه لأمه المنتشرة : # لا يأمن القوم ممساه ومصبحه ... في كل فج وإن لم يغز ينتظر # أو من قول عروة الصعاليك : # وأن بعدوا لا يأمنون اقترابه ... تشؤف أهل الغائب المنتظر # وهذان البيتان جميعا أوضح وأشرح وأجود من بيت أبي تمام ، وقد قيل : أنه ~~أراد أن أعداه يقرون بفضله ، وفيضون في ذكر مناقبه ، وذلك محتمل ، والمعنى ~~الأول أقوى وأفشى في كلامهم . # 55 - وقال بشار بن برد : # شربنا من فؤاد الدن حتى ... تركنا الدن ليس له فؤاد # أخذه أبو تمام فقص عنه فقال : # غدت وهي أولى من فؤاد بعزمتى ... ورحت بما في الدن أولى من الدن # 56 - وقال الأخطل : # تدب دبيبا في العظام كأنها ... دبيب نمال في نقا يتهيل # أخذه أبو تمام فأسد المعنى فقال : # إذا الراح دبت فيه تحسب جسمه ... لما دب فيه قرية من قرى النمل # 57 - وقال أبو دواد الإيادي : # لا أعد الإقلال عدما ، ولكن ... فقد من قد فقده الإعدام # أخذ أبو تمام صدر البيت فقال : # يحسب الإقلال عدما ، بل يرى ... أن المقل من المروءة معدم # 58 - وقال أبو الهدى : # وترى سهيلا في السماء كأنه ... ثور يعارضه هجان الربب # أخذه أبو ms040 تمام فقال : # أراعى من كواكبه هجانا " ... سواما " لا تريع إلى المسيم # 59 - وقال أبو نواس : # شققت من الصبا واشتق منى ... كما اشتقت من الكرم الكروم # أخذه أبو تمام فقال : # ألذ مصافاة من الظل فى الضحى ... وأكرم فى اللأواء عودا " من الكرم ~~PageV01P021 60 - وقال مسلم بن الوليد : # نمضى المنايا كما تمضى أسنته ... كأن فى سرجه بدرا " وضرغاما " # أخذه أبو تمام فقال : # فتى من يديه البأس يضحك والندى ... وفى سرجه بدر وليث غضنفر # 61 - وقال ابن هرمة : # استبق عينيك لا يود البكا بهما ... واكفف بوادر من عينيك تستبق # ليس الشؤون وان جادت بباقية ... ولاالجفون على هذا ولا الحدق # أخذه أبو تمام فقال : # ولا تبقى على ادمان هذا ... ولا هذا العيون ولا القلوب # 62 - وقال أبو تمام يهجو السراج : # يا ابن الخبيثة لم تعرض صخرة ... صماء من مجدى لعرض زجاج؟ # أخذه من قول الآخر وأظنه بشارا : # ارفق بعمرو اذا حركت نسبته ... فانه عربى من قوارير # 63 - وقال الشاعر (العديل بن الفرخ) : # مها مه أشباه كأن سرابها ... ملاء بأيدى الغاسلات رحيض # أخذه أبو تمام فقال : # وبساط كأنما الآل فيه ... وعليه سحق الملاء الرحيض # 64 - وقال أبو تمام : # فا شمالوا يلجلجون دؤوبا " ... مضغا " للكلال فيها أنيض # أخذه من قول زهير : # تلجلج مضغة فيها أنيض ... أصلت فهى تحت الكشح داء # 65 - وقال أبو نواس : # سن للناس الندى فندا ... فكأن البخل لم يكن # أخذه أبو تمام فقال : # مضوا وكأن المكرمات لديهم ... لكثرة ما أوصوا بهن شرائع # 66 - وقال فى الغزل : # مستحيل أن تحتويك الظنون ... كيف يحوى مالا تراه العيون # غير أنا نقول:أنك خلق ... حركات مخلوقة وسكون # أخذه من قول أبى نواس وقصر عنه : # سبحان من خلق الخلق من ضعيف مهين # يسوقه من قرار الى قرار مكين # حتى بدت حركات مخلوقة من سكون # 67 - وقال أبو العتاهية : # كم نعمةلايستقل بشكرها ... لله فىطى المكاره كامنه # اخذه الطائى فقال وأحسن لأنه جاء بالزيادة التى هى عكس الشىء الأول : # قد ينعم الله بالبلوى وان عظمت ... ويبتلى الله بعض القوم بالنعم # 68 ms041 - وقال آخر ، ولست أدرى أهو قبل الطائي أو في أيامه : # ما كنت أحسب أن بحرا زاخرا ... عم البرية كلها . إرواء # أضحى دفينا في ذراع واحد ... من بعد ما ملك الفضاء فضاء # فقال الطائي ، وأبر عليه وعلى كل من ذكر هذا المعنى : # وكيف احتمالي للسحاب صليعة ... بإسقائها قبرا وفي لحده البحر # 69 - وقال آخر: # نؤى كما نقص الهلال محاقة ... أو مثل ما فصم السوار المعصم # أخذه أبو تمام فقال : # ونؤى مثلما انفصم السوار # 70 - وقال أخر في السحاب : # كأن عينين باتا طول ليلهما ... يستمطران على غدرانه المقلا # فقال الطائي ، وحول المعنى ، وأجاد : # كأن الغمام الغر غيبن تحتها ... حبيبا ؛ فما ترقى لهن مدامع # 71 - وقال الطائي : # وليست بالعون العنس عندي ... ولا هي منك بالبكر الكعاب # أخذه من قول الفرزدق : # وعند زياد لو يريد عطاءهم ... رجال كثير قد ترى بهم فقرا # قعود لدى الأبواب طالب حاجة ... عوان من الحاجات أو حاجة بكرا # 72 - وقال الآخر ، وهو معبد الهذلى : # أي عيش عيشي إذا كنت منه ... بين حل وبين وشك الرحيل ؟ # كل فج من البلاد كأنى ... طالب بعض أهله بذحول # فقال الطائي : # كان له دينا على كل مشرق ... من الأرض ، أو ثأرا لدى كل مغرب # 73 - وقال آخر ، وأنشده ابن أبي طاهر والأخفش للأرقط بن دعبل : # نهنه دموعك من سح وتسجام ... البين أكثر من شوقي وأسقامى # وما أظن دموع العين راضية ... حتى تسح دما هطلا بتسجام # أخذ الطائى معنى البيتين ولفظهما فقال : # ما اليوم الأول توديعى ولا الثاني ... البين أكثر من شوقى وأحزاني # وما أظن النوى ترضى بما صنعت ... حتى تبلغنى أقصى خراسان # 74 - وأنشدنى ابن أبي طاهر لدعبل : PageV01P022 إن جاء مر تغبا سائل ... ~~آلت إليه رغبة السائل # أخذه أبو تمام فقال : # وأني أرجو عاجلا أن تردنى ... مواهبه بحرا مواهبي # 75 - وقال دعبل بن على : # وأسمر في رأسه أزرق ... مثل لسان الحية الصادى # أخذه الطائي فقال : # مثقفات سلبن الروم زرقتها ... والعرب أدمتها ، والعشاق القضفا # فزاد المعنى بأن شبه زرقتها بزرقة الروم ، وسمرتها بسمرة العرب ، ولكن ms042 ~~قول دعبل ((مثل لسان الحية الصادى)) ليس لحسنة نهاية . # 76 - وقال أبو نواس : # وأطعم حتى ما بمكة آكل ... وأعطى عطاء لم يكن بضمار # أخذ الطائى معنى صدر البيت فقال : # فنول حتى لم يجد من ينيله ... وحارب حت ىمن يحاربه # 77 - وقال أبو نواس في أرجوزة يصف فيها الحمام ويمدح فيها قوما : # بشرهم قلب النوال اللاحق ... كالبرق يبدو قبل جود دافق # والغيث يخفى وقعه للرامق ... إن لم يجده بدليل البارق # أخذ المعنى أبو تمام فقال : # يستنزل الأمل البعيد ببشره ... بشر الخيمة بالربيع المغدق # وكذا السحائب قلما تدعو إلى ... معروفها الرواد ما لم تبرق # 78 - وقال أبو العتاهية : # وإن إذا ما تركنا السؤا ... ل منه فلم نبغه يبتدينا # وإن نحن لم نبغ معروفه ... فمعروفه أبدا يبتغينا # وقال مسلم بن الوليد في معنى بيت العتاهية الأول : # أخ لي يعطيني إذا ما سألته ... ولو لم أعرض بالسؤال ابتدا نيا # أخذ أبو تمام معنى هذا البيت ومعنى بيت أبى العتاهية الأول فقال : # ورأيتنى فسألت نفسك سيبها ... لى ثم جدت وما نظرت سؤالى # أو لعله أخذ من قول منصور النمري : # رأيت المصطفى هارون يعطى ... عطاء ليس ينتظر السؤالا # وأجود من هذا كله قول سلم الخاسر : # أعطاك قبل سؤاله ... فكفاك مكروه السؤال # وأخذ أبو تمام معنى بيت أبي العتاهية الثاني فقال: # كالغيث إن جئته وافاك ريقه ... وإن تحملت عنه كان في الطلب # 79 - وقال مسلم : # وما كان مثلي يعتريك رجاؤه ... ولكن أسءت شيمة من قتى محض # أخذه أبو تمام وزاد زيادة حسنة ، فقال : # فإن كان ذنبي أن أحسن مطلبي ... ففي سوء القضاء لى العذر # 80 - وأنشد أبو تمام في الحماسة : # ترد السباع معى فالفى كالمدل السباع # أخذ المعنى من فيه فقال : # أبن مع السباعي الماء حتى ... لخالته السباع من السباع # 81 - وقال النظار بن هشام الأزدى : # يعف المرء ما استحيا ويبقى ... نبات العود ما بقيى اللحاء # وما في أن يعيش المرء خير ... إذا ما المرء زايله الحياء # أخذ أبو تمام معنى البيتين وأكثر لفظهما ، فقال : # يعيش المرء ms043 ما استحيا بخير ... ويبقى العود ما بقى اللحاء # فلا والله ما في العيش خير ... ولا الدنيا إذا ذهب الحياء # 82 - وقال أبو نواس : # أبن لى كيف صرت إلى حريمى ... ونجم الليل مكتحل بقار # أخذه الطائي فقال : # إليك هتكنا جنح ليل كأنه ... قد اكتحلت منه البلاد بإثمد # 83 - وسمع أبا نواس يقول : # تبكى فتذرى الدر من نرجس ... وتلطم الورد بعناب # فقال وأساء كل الإساءة وقصر وقبح صدر البيت : # ملطومة بالورد أطلق طرفها ... في الخلق ؛ فهو مع المنون محكم # 84 - وقال أبو تمام: # ومما كانت الحكماء قالت : ... لسان المرء من خدم الفؤاد # أخذه من الجعد بن ضمام أحد بني عامر بن شيبان، ذكره أبو تمام في اختبارات ~~القبائل: # إن البيان مع الفؤاد، وإنما ... جعل اللسان بما يقول رسولا # 85 - وقال طريح الثقفي يرثي قوما: # فلله عينا من رأى قط حادثا ... كفرس الكلاب الأسد يوم المشلل # أخذه أبو تمام فأجاد في الأخذ فقال: # من لم يعاين أبا نصر وقاتله ... فما رأى ضبعا في شدقها سبع # وهذا معنى متداول، وقد يجوز أن يكون أخذه الطائي من غير هذا الموضع. ~~PageV01P023 86 - وقال مروان بن أبي حفصة: # ما ضرني حسد اللئام، ولم يزل ... ذو الفضل يحسده ذوو التقصير # أخذه أبو تمام، فقال: # وذو النقص في الدنيا بذي الفضل مولع # 87 - وقال أبو دهبل الجمحي: # ما زلت في العفو للذنوب وإط ... لاق لعان بجرمه غلق # حتى تمنى البراة أنهم ... عندك أمسوا في القد والحلق # أخذه أبو تمام فقال: # وتكفل الأيتام عن آبائهم ... حتى وددنا أننا أيتام # 88 - وقال زيد الخيل الطائي: # وأسمر مربوع يرى ما رأيتهبصير إذا صةبته بالمقاتل # أخذه أبو تمام فقال: # من كل أسمر نظار بلا نظر ... إلى المقاتل ما في متنه أود # 89 - وقال أبو نخيلة في مسلمة بن عبد الملك: # ونوهت من ذكرى، وما كان خاملا ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض # أخذه أبو تمام فقال: # لقد زدت أوضاحي امتدادا، ولم أكن ... بهيمان ولا أرضى من الأرض مجهلا # ولكن أياد صادفتني جسامها ... أغر ms044 فوافت بي أغر محجلا # 90 - وقال المسيب بن علس: # هم الربيع على من كان حلمهم ... وفي العدو مناكيد مشائيم # وقال علاقة بن عركي التيمي يرثي قوما: # وكنتم قديما في الحروب وغيرها ... ميامين للأدنى لأعدائكم نكدا # ومثله قول كعب بن الأجذم: # بنو رافع قوم مشائيم للعدى ... ميامين للمولى وللمتحرم # أخذ الطائي هذا المعنى فقال في مدح أبي سعيد: # إذا ما دعوناه بأجلح أيمن ... دعاه ولم يظلم بأصلع أنكد # 91 - وقال دكين الراجز: # عارى الحصى يدرس ما لم يلبس # أخذه أبو تمام فقال: # تجدد كلمات لبست، وتبقى ... إذا ابتذلت، وتخلق في الحجاب # أو أخذه من قول الراجز: # عود على عود من القدم الأول ... يميته الترك ويحييه العمل # يعني طريقا. # 92 - وقال تميم بن أبي بن مقبل: # قد كنت راعي أبكار منعمة ... فاليوم أصبحت أرعى جلة شرفا # يريد عجائز، أخذه الطائي فقال وعدل بشطر البيت إلى وجه آخر فأحسن: # كنت أرعى الخدود، حتى إذا ما ... فارقوني بقيت أرعى النجوما # 93 - وقال حسان بن ثابت الأنصاري: # والمال يغشى رجالا لا طباخ بهم ... كالسيل يغشى أصول الدندن البالي # أخذه الطائي فقال: # لا تنكري عطل الكريم من الغنى ... فالسيل حرب للمكان العالي # 94 - وقال أبو تمام في وصف الشعر: # ولكنه صوب العقول: إذا انجلت ... سحائب منه أعقبت بسحائب # أخذه من قول أوس: # أقول بما صبت على غمامتي ... ودهري، وفي حبل العشيرة أحطب # 95 - وقال أمية بن أبي الصلت: # عطاؤك زين لامرئ إن حبوته ... بخير، وما كل العطاء يزين # أخذه الطائي فقال: # ما زلت منتظرا أعجوبة زمنا ... حتى رأيت سؤالا يجتنى شرفا # 96 - وقال كثير: # ونازعني إلى مدح ابن ليلى ... قوافيها منازعة الغراب # أخذه الطائي فقال: # تغاير الشعر فيه إذ سهرت له ... حتى ظننت قوافيه ستقتتل # 97 - وقالت محياة بنت طليق من بني تيم الله بن ثعلبة: # نعى ابنى مجل صوت ناع أصمني ... فلا آب محمودا بريد نعاهما # وقال سفيان بن عبد يغوث النصرى: # صمت له أذناي حين نعيته ... ووجدت حزنا دائما لم يذهب # أخذه الطائي فقال: ms045 # أصم بك الناعي وإن كان أسمعا ... وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا # ونحوه قول الحارث بن نهيك الدارمي: # ففقأ عيني تبكاؤه ... وأورث في السمع مني صمم # 98 - وقال شقران بن عرباض القشيري: # فما السائل المحروم يرجع خائبا ولكن بخيل الأغنياء يخيب # وقال آخر - وهو الشجاع الهاتف - في خبر عن ابن الكلبي، ورواه ابن دريد: # لاتزهدن في اصطناع العرف من أحد ... إن الذي يحرم المعروف محروم # أخذه أبو تمام فقال: # وإني ما حورفت في طلب الغنى ... ولكنما حورفتم في المكارم # 99 - وقال عنترة: PageV01P024 والطعن مني سابق الآجال # وإنما أراد الآجال سابقة طعني؛ لشدة خوفه إذا سدد سنانه للطعن. # أخذه الطائي فغيره تغييرا حسنا فقال: # يكاد حين يلاقي القرن من حنق ... قبل السنان على حوبائه يرد # 100 - وقال عدي بن الرقاع بمدح بعض بني مروان: # وإذا رأيت جماعة هو فيهم ... نبئت سؤدده وإن لم تسأل # أخذه الطائي فقال: # يحميه لألاؤه ولوذعيته ... عن أن يذال بمن أو ممن الرجل # فقصر عدي بالممدوح؛ إذ جعله إذا كان في جماعة لم يعرف حتى تنبئ عنه ~~شمائله، وتبعه أبو تمام في التقصير. # 101 - وقال: # طلب المجد يورث المرء خبلا ... وهموما تقضقض الحيزوما # فتراه، وهو الخلى، شجيا ... وتراه، وهو الصحيح، سقيما # أخذ قوله " وهموما تقضقض الحيزما " من قول لقيط الإيادي: # لا يطعم النوم إلا ريث يبعثه ... هم يكاد حشاه يحطم الضلعا # 102 - وأخذ معنى قوله: # ولهته العى فليس يعد ال ... بؤس بؤسا ولا النعيم نعيما # من قول لقيط أيضا: # لامترفا إن رخاء العيش ساعده ... ولا إذا عض مكروه به خشعا # 103 - وقال أبو العارم الطائي: # غبي العي، أو فهم تغابى ... عن الشذان والفكر القواصي # أخذه أبو تمام، فقال وزاد عليه وأحسن: # ليس الغبي بسيد في قومه ... لكن سيد قومه المتغابي # أو أخذه من قول دعبل: # تخال أحيانا به غفلة ... من كرم النفس، وما أعلمه! # 104 - وتمثلت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم عند وفاته عليه ~~السلام فيما روى عنها، ولا أعلم صحته: # صبت على مصائب لو ms046 أنها ... صبت على أليام عدن لياليا # ومثله قول الطائي: # عادت له أيامه مسودة ... حتى توهم أنهن ليالي # 105 - وقال ابن أذينة: # أسعى له فيعنيني تطلبه ... ولو قعدت أتاني لا يعنيني # أخذه الطائي فقال: # الرزق لا تكمد عليه؛ فإنه ... يأتي ولم تبعث إليه رسولا # 106 - وقال الطائي: # وجه العيس وهي عيس إلى الل ... ه فآضت من الهواجر شيما # أخذه من قول ابن هرمة: # بدأت عليها وهي عيس فأصبحت ... من السير جونا لاحقات الغوارب # 107 - وأنشد الأشنا نداني ف يالمعاني يذكر الإبل: # ردت عواري غيطان الفلا، ونجت ... بمثل إيبالة من حائل العشر # أخذه أبو تمام فقال: # فكم جزع واد جب ذروة غارب ... وبالأمس كانت أتمكته مذانبه # 108 - وقال أبو تمام: # لو أضخنا من بعدها لسمعنا ... لقلوب الأيام منك وجيبا # أخذه من قول أبي النواس: # حتى الذي في الرحم لم يك نطفة ... لفؤاده من خوفه خفقان # 109 - وقال آخر: # يا حبذا ريح الجنوب إذا غدت ... بالفجر وهي ضعيفة الأنفاس # قد حملت برد الثرى، وتحملت ... عبقا من الجثجاث والبسباس # أخذه الطائي فقال: # أرسى بناديك الندى، وتنفست ... نفسا بعقوتك الرياح ضعيفا # 110 - وقال نصيب: # وقد عاد ماء الأرض ملحا؛ فزادني ... على ظمئي أن أبحر المشرب العذب # أخذه أبو تمام فقال: # كانت مجاورة الطلول وأهلها ... زمنا عذاب الورد فهي بحار # 111 - وقال غيلان بن سلمة الثقفي يصف فرسا: # نهد كتيس أقب معتدل ... كأنما في صهيله جرس # أخذه أبو تمام فقال: # صهصلق في الصهيل تحسبه ... أشرج حلقومه على جرس # 112 - وقال الفرذدق: # قيام ينظرون إلى سعيد ... كأنهم يرون به هلالا # أخذه أبو تمام فقال: # رمقوا أعالي جذعه فكأنما ... رمقوا الهلال عشية الإفطار # 113 - وقال ابن مناذر في البرامكة: # إذا وردوا بطحاء مكة أشرقت ... بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر # لهم رحلة في كل يوم إلى العدى ... وأخرى إلى البيت العتيق المستر # أخذه أبو تمام فقال: # حين عفى مقام إبليس سامى ... بالمطايا مقام إبراهيما # 114 - وقال أبو تمام: PageV01P025 فحيوا بالأسنة ثم ثنوا ... مصافحة ~~بأطراف الرماح # أخذ قوله " فحيوا بالأسنة ms047 " من قول مسلم بن الوليد: # فحيوا بأطراف القنا، وتعانقوا ... معانقة البغضاء غير التودد # وأخذ قوله " مصافحة بأطراف الرماح " من قول أب يإسحاق التغلبي: # دنوت له بأبيض مشرقي ... كما يدنو المصافح للسلام # 115 - وقال جرير في يزيد بن معاوية: # الحزم والجود والإيمان قد نزلوا ... على يزيد أمين الله فاختلفوا # ألم به أبو تمام فقال: # من البأس والمعروف والجود والتقى ... عيال عليه، رزقهن شمائله # فقال " عيال عليه " وهو نحو قول جرير " نزلوا على يزيد " ولعل أبا تمام ~~أخذه من قول دعبل: # تنافس فيه الحزم والبأس والتقى ... وبذل الهى حتى اصطحبن ضرائرا # 116 - وقال الكميت يصف الخيل: # يفقهن عنهم إذا قالوا، ويفقههم ... مستطعم صاهل منهم ومنتحم # أخذه أبو تمام فقال: # وهو إذا ما ناجاه فارسه ... يفهم عنه ما تفهم الإنس # 117 - وقال الكميت أيضا: # وألقين البرود على خدود يزين الفداغم بالأسيل # يريد بالفداغم الوجوه اللحيمة؛ فقال أبو تمام: # وثنوا على وشى الخدود صيانة ... وشى البرود بمسجف وممهد # 118 - وقال الأبيرد الرياحي: # وكنت أرى هجرا فراقك ساعة ... ألا، لا، بل الموت التفرق والهجر # أخذه أبو تمام فقال: # الموت عندي والفرا ... ق كلاهما مالا يطاق # 119 - وأنشد أبو العباس المبرد للعتبى: # أضحت بخدى للدموع رسوم ... أسفا عليك، وفي الفؤاد كلوم # والصبر يحسن من المواطن كلها ... إلا عليك؛ فإنه مذموم # قال: وأخذه الطائي فقال في إدريس بن بدر السامي: # دموع أجابت داعي الحزن همع ... توصل منا عن قلوب تقطع # وقد كان يدعي لابس الصبر حازما ... فأصبح يدعى حازما حين يجزع # قال: وجاء به الطائي في موضع آخر. فقال: # الصبر أجمل غير أن تلذذي ... في الحب أحرى أن يكون جميلا # 120 - وقال الراجز، أنشده يعقوب بن السكيت: # قد أضحت العقدة صلعاء اللمم ... وأصبح الأسود مخضوبا بدم # العقدة: موضع ذو شجر لا يفنى فيذهب، وصلعاء اللمم: الجماجم، وهو جمع لمة، ~~فجعله مثلا لرؤوس النبت أكلته الإبل فصارت لممه صلعا، والأسود : الحية تطؤه ~~الإبل فتقتله ؛فظفر بهذا أبو تمام فقال:حتى تعمم هامات الربى من نوره وتأزر ~~الأهضام والأهضام : ما ms048 انخفض من الأرض . # ووجدت ابن طاهر خرج سرقات من المعاني بالمشترك بين الناس مما لا يكون ~~مثله مسروقا 1 - فمن السرق قول أبي تمام : # كما كاد ينسى عهد ظمياء باللوى ... ولكن أملته عليه الحمائم # أخذه من قول العتابي : # بكى واستمل الشوق من في حمامة ... أبت في غصون الأيك إلا الترنما # أظن قوله " في حمامة " أراد به من صوت حمامة ، دعته إليه الضرورة ، وليس ~~هذا موضع " في " وقوله " أملته " من قول العتابي " واشتمل " . # وقد جاء مثله في أشعارهم : 2 - وقال :أخذه وقوله : # لا تنشجن لها فإن بكاءها ... ضحك ، وإن بكاءك استغرام # من قوله الآخر : # فإن إن بكيت بكيت حقا ... وإنك في بكائك تكذبينا # 3 - وقال : # فنول حتى لم يجد من ينيله # أخذه من قول علي بن جبلة : # أعطيت حتى لم تجد لك سائلا ... وبدأت إذا قطع العفاة سؤالها # وقد ذكرت أخذه هذا المعنى فيما تقدم من غير ابن جبلة : 4 - وقال : # إني لأعجب ممن في حقيبته ... من المنى بحور كيف لا يلد # أخذه من مروان في قوله : # لو كان يحمل من هذا الورى ذكر ... لكنت أول خلق الله بالولد # ومن قوله أيضا : # لو كان يخلق في بطن امرئ ولد ... لأصبح البطن منه ضامنا ولدا # 5 - وقال : # يحميه لألاؤه ولو ذعيته ... عن أن يذال بمن أو ممن الرجل # أخذه من قول حسان : # إذا ما ترعرع فينا الغلام ... فما إن يقال له من هوه PageV01P026 وقد ~~ذكرت أخذه هذا المعنى فيما تقدم من غير حسان . # 6 - وقال : # فلا تطلبوا أسيافهم في جفونها ... فقد أسكنت بين الطلى والجماجم # أخذه من قول عنترة : # ولم يعلم جوية أن نبلى ... يكون جيرها البطل النجيد # 7 - وقال : # يتجنب الآثام ثم يخافها ... فكأنما حسناته آثام # أخذه من قول أبي العتاهية : # لم تنتقصني إذ أسأت وزدتني ... حتى كأن إساءتي إحسان # 8 - وقال الطائي : # أجل أيها الربع الذي خف آهله ... لقد أدركت فيك النوى ما تحاوله # أخذه من قول العرجي : # ألا أيها الربع الذي بان آهله ... لقد أدركت فيك النوى ما تحاوله ms049 # 9 - وقال : # لا تذيلن مصون همك وانظر ... كم بذي الأيك دوحة من قضيب # أخذه من قول الأشهب بن رميلة : # على بني يشد الله أزرهم ... والدوح ينبت عيدانا فيتكهل # 10 - وقال : # أظله البين حتى إنه رجل ... لو مات من شغله بالبين ما علما # أخذه من قول أبي الشيص : # وكم من ميتة قد مت فيه ... ولكن كان ذاك وما شعرت # 11 - وقال في وصف الرماح : # كأنها وهي في الأكباد والغة ... وفى الكلى تجد الغيظ الذى تجد # أخذه من قول النمري : # ومصلتات كأن حقدا ... منها على الهام والرقاب # 12 - وقال: # إذا ما أغاروا فاحتووا مال معشر ... أغارت عليهم فاحتوته الصنائع # أخذه من قول الآخر: # إذا أسلفتهن الملاحم مغنما ... دعاهن من كسب المكارم مغرم # 13 - وقال: # وركب كأطراف الأسنة عرسوا ... على مثلها والليل تسطو غياهبه # وقد ذكرت أخذ هذا المعنى فيما تقدم من كثير. # 14 - وقال: # توفيت الآمال بعد محمد ... فأصبح مشغولا عن السفر السفر # أخذه من قول عصام الجرجاني: # ألا في سبيل الله آمالك التي ... توفين لما اغتالك الحدثان # وقد تقدم ذكر هذا وأنه أخذه من موضع آخر. # 15 - وقال: # تعليفها الإسراج والإلجام # أخذه من قول جرير: # حراجيج يعلفن الذميل، كأنها ... معاطف ظبي أو حنى الشراجع # 16 - وقال: # ذاك الذي كان لو أن الأنام له ... نسل لما عليهم جبن ولا بخل # أخذه من قول أبي السمط: # لو كان جدكم شريك والدا ... لناس لم تلد النساء بخيلا # 17 - وقال: # حمراء من حلب العصير كسوتها ... بيضاء من حلب الغمام الرقرق # أخذه من قول مسلم: # صفراء من حلب العصير كسوتها ... بيضاء من حلب الغيوم البجس # 18 - وقال: أخذ قوله: # بياض العطايا في سواد المطالب # من قول بعض العرب: # همام عطاياه بدور طوالع ... على آمليه في سواد المطالب # ومن قول الأخطل: # رأين بياضا في سواد كأنه ... بياض العطايا في سواد المطالب # 19 - وأخذ قوله: # ناجيت ذكرك، والظلماء عاكفة ... فكان يا سيدي أحلى من الشهد # من قول ابن أبي أمية: # كم ليلة نادمني ذكره ... يسعدني المثلث والزير # 20 ms050 - وأخذ قوله: # والعيش غض والزمان غلام # من قول الأخطل: # سعيت شباب الدهر لم تستطعهم ... أفالآن لما أصبح الدهر فانيا؟ # 21 - وقال أخذ قوله: # ذاك الذي أحصى الشهور وعدها ... طمعا لينتج سقبة من حائل # من قول أعرابي: # إنا وجدنا طرد الحوامل ... خيرا من التاتان والمسابل # وعدة العام وعام قابل ... ملقوحة في بطن ناب حائل # 22 - وأخذ قوله: # يعلون حتى ما يشك عدوهم ... أن المنايا الحمر حي منهم # من قول مسلم بن الوليد: # لو أن قوما يخلقون منية ... من بأسهم كانوا بني جبريلا # 23 - وأخذ قوله: # لو كان في الدنيا قبيل آخر ... بإزائهم ما كان فيها معدم # من قول بشار بن برد: # لو كان مثلك آخر ... ما كان في الدنيا فقير # 24 - وقال في قوله: # ذقنا الصدود، فلما اقتاد أرسننا ... حنت حنين عجول بيننا الرحم ~~PageV01P027 من قول الأسود بن يعفر: # سما بصرى لما عرفت مكانه ... وأطت إلى الواشحات أطيطا # 25 - وأخذ قوله: # صفراء صفرة صحة قد ركبت ... جثمانه في ثوب سقم أصفر # من قول على بن رزين الكوفي: # بيضاء رعبوبة صفراء من غير # 26 - وقال في قوله: # لم تكمدي فظننت أن لم تكمدي # من قول بعضهم: # لا تنكري جزع المحب؛ فإنه ... يطوى على الزفرات غير حشاك # أو أخذه من قول مسلم بن الوليد: # قد أولعته بطول الهجر غرته ... لو كان يعرف طعم الهجر ما هجرا # 27 - وقال في قوله: # سقى الغيث غيثا وارت الأرض شخصه ... وإن لم يكن فيه سحاب ولا قطر # من قول عقيق بن سليك العامري: # سقاك الغيث إنك كنت غيثا # 28 - وقال في قوله: # أمن بعد طي الحادثات محمدا ... يكون لأثواب العلى أبدا نشر # من قول أبي نواس: # طوى الموت ما بيني وبين محمد ... وليس لما تطوى المنية ناشر # 29 - وقوله أيضا: # ومن العجائب ناصح لا يشفق # من قول المخبل: # ولا يعدم الغاوى على الغي لائما ... وإن هو لم يشفق عليه يلوم # 30 - وأخذ قوله: # من شرد الإعدام عن أوطانه ... بالبذل حتى استطرف الإعدام # من قول الأعشى: # هم يطردون ms051 الفقر عن جارهم ... حتى يرى كالغصن الناضر # وفي قول أبي تمام زيادة حسنة، وهي قوله: " حتى استطرف الإعدام " . # 31 - وأخذ قوله: # حلفت، إن لم تثبت، أن حافره ... من صخر تدمر، أو من وجه عثمان # من قول الآخر: # لو كان حافر برذوني كأوجهكم ... بني بديل، لما أنعلته أبدا # باب # ومما نسبه فيه ابن أبي طاهر إلى السرق ما ليس بمسروق؛ لأنه مما يشترك فيه ~~الناس من المعاني والجاري على ألسنتهم، ومنه ما نسبه إلى السرق والمعنيان ~~مختلفان. # 32 - فمن الأول قول أبي تمام: # ألم تمت يا شقيق الجود مذ زمن؟ ... فقال لي: لم يمت من لم يمت كرمه # وقال: أخذه من قول العتابي: # ردت صنائعه إليه حياته ... فكأنه من نشرها منشور # ومثل هذا لا يقال له مسروق؛ لأنه قد جرى في عادات الناس - إذا مات الرجل ~~من أهل الخير والفضل، وأثني عليه بالجميل - أن يقولوا: ما مات من خلف مثل ~~هذا الثناء، ولا من ذكر بهذا الذكر. وذلك شائع في كل أمة، وفي كل لسان. # 33 - وقال أبو تمام: # إذا عنيت بشيء خلت أنى قد ... أدركته أدركتني حرفة الأدب # وقال : أخذه من قول الخريمى : # أدركتني وذاك أول دائي ... بسجستان حرفة الآداب # و ((حرفة الآداب)) لفظة قد اشترك الناس فيها ، وكثرت على الأفواه ، حتى ~~سقط أن نظن أن واحدا يستملها من آخر ، هذا قول أبي طاهر . # ولم يقل أبو تمام ((أدركتنى حرفة الأدب)) إنما قال ((أدركتنى حرفة ~~العرب)) وقد ذكرت غلطه فى هذه اللفظة عند ذكر البيت فى الموازنة . # 34 - وقال في قوله : # لو العافون كم لك فى الندى ... من لذة أو فرحة لم تحمد # أخذه من قول بشار : # ليس يعطيك للرجاء ولا الخو ... ف، ولكن يلذ طعم العطاء # وما إخاله احتذى في هذا البيت على قول بشار ؛ لأن بشار قال : ليس يعطيك ~~رغبة في جزاء يرجوه ، ولا خوفا من مكروه ، ولكن لالتذاذه العطية ، وأراد ~~أبو تمام أن الطالبين لو علموا التذاذه الندى لم يحمدوه ، والمعنيان إنما ~~اتفقا في طريق التذاذ الممدوح ms052 بعطائه فقط ؛ وهذا ليس من بديع المعانى التى ~~يختص بها شاعر فيقال : إن واحد أخذه من الآخر ؛ لأن العادة جارية بأن يقال ~~: فلان لا يعطى متكارها ولا متكلفا ، بل يعطى عن نية صادقة ، ومحبة لبذل ~~المعروف تامة ، ونحو هذا من يقول . # 35 - وقال في قوله : # لو كان ينفخ قين الحى في فحم # من قو الأغلب : # قد قاتلوا لو ينفخون في فحم ... ما جبنوا ولا تولوا من الأمم # وهذا معنى شائع من معاني العرب ، وجار في الأمثل أن يقولوا : قد فعلت كذا ~~، واجتهدت في كذا لو كنت تنفخ في فحم ؛ لأن النفخ يحي النار ويشعلها ، ~~والنفخ في حطب ليس بفحم ولا أخذت النار فيه لا يورى نارا . # 36 - وقال في قوله : PageV01P028 والموت خير من سؤال سؤول # من قول محمود : # وارغب إلى ملك الملوك ، ولا تكن ... بادى الضراعة طالبا من طالب # ومثل هذا لا يكون مسروقا ؛ لأنه على الألسن أن يقال: وقع سائل على سائل، ~~ومجند على مجتد، ووقع البائس على الفقير، وأمثال هذا. # 37 - وقال في قوله: # همة تنطح النجوم، وجد ... آلف للحضيص فهو حضيض # من قول أعرابي: # همته قد علت وقدرته ... في اللحد بين الثرى مع الكفن # وهذا أيضا من المعاني المشتركة الجارية في العادة أن يقولوا: همته في ~~علاء، وجده في سفال، وهمته ناطقة وجده أخرس، وهمة ذات حراك وجد ساكن، وهمة ~~فلان ترفعه وجده يضعه؛ وما أشبه هذا. # 38 - وقال في قوله: # تقبل الركن ركن البيت نافلة ... وظهر كفك معمور من القبل # من قول عبد الله بن طاهر: # أعلت له ذكره فكافأها ... بأن توالى في ظهرها القبل # وليس بين المعنيين اتفاق إلا بذكر قبل الكف، وهذا ليس من المعاني ~~المبتدعة؛ لأن الناس أبدا يقولون: ما خلق وجهه إلا للتحية، وكفه إلا للقبل، ~~كما قال دعبل: # فباطنها للندى ... وظاهرها للقبل # ومثل هذا، مما نطقوا به كثيرا، فلا يكون عندي مسروقا. # 39 - وقال في قوله: # نظرت فالتفت منها إلى أح ... لى سواد رأيته في بياض # من قول كثير: # وعن نجلاء ms053 تدمع في بياض ... إذا دمعت وتنظر في سواد # وليس بين المعنيين اتفاق إلا بذكر البياض والسواد، والألفاظ غير محظورة، ~~وأبو تمام إنما قال " فالتفت منها إلى أحلى سواد " يعني حدقتها " في بياض " ~~يعنى شحمة عينها، وهذا هو الصحيح، وقد قيل: سواد عينها في بياض وجهها، ~~وكثير أراد أن عينها تدمع إذا دمعت، يريد خدها، وتنظر في سواد، يعني ~~حدقتها، وهذا المعنى غير ذاك. # 40 - وقال في قوله: # وكم لك لولا ما أخففها ... به من الشكر لم تحمل ولم تطق # بالله أدفع عني ثقل فادحها ... فإنني خائف منها على عنقى # من قول أبي نواس، والمعنيان مختلفان؛ لأن أبا نواس قال: # لا تسدين إلى عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا # أنت امرؤ جللتني نعما ... أوهت قوى شكرى فقد ضعفا # فذكر أن نعم الممدوح قد غلبت الشكر، فاستعفاه من نعمة أخرى حتى يقوم بشكر ~~نعمته السالفة، وأبو تمام قال: لولا ما أخففها به من الشكر لم أطق حملها، ~~ثم أحسن وألطف في قوله " فإنني خائف منها على عنقي " ومعنى أب ينواس أجود ~~وأبرع. # 41 - وقال في قوله: # أعمل النتف والطلا وقديما ... كان صعبا أن تشعب القاروره # من قول الأعشى: # كصدع الزجاجة ما تستطي ... ع كف الصناع لها أن تحيرا # قلت: ووقع في شعر الأعشى أيضا قوله: # فبانت وفي الصدر صدع لها ... كصدع الزجاجة لا يلتئم # وهذا معنى متداول مشهور مبذول من معانيهم في الزجاج، قد نطق به الناس، ~~وأكثروا فيه حتى سقط أن يقال: إن أبا تمام أخذه من الأعشى، وقد تقدم فيه ~~المسيب بن علس فقال: # بانت وصدع القلب كان لها ... صدع الزجاجة ليس يتفق # وقال آخر: # مثل صدع الزجاج أعيا الصناعا # وقال آخر: # وتفرقت نياتهم فتصدعوا ... صدع الزجاجة ما لها تيفاق # ومثله كثير. # 42 - وقال في قوله: # إذا سيفه أضحى على الهام حاكما ... إذا العفو منه وهو في السيف حاكم # من قول مسلم بن الوليد: # يغدو عدوك خائفا؛ فإذا رأى ... أن قد قدرت على العقاب رجاكا # والمعنيان مختلفان؛ لأن أبا تمام ms054 قال: إذا حكم سيف الممدوح على الهام حكم ~~عفوه على السيف، ومسلم قال: إن عدو الممدوح يخافه؛ فإذا رأى أن قد قدر على ~~العقاب رجاه؛ فليس هذا المعنى من ذلك في ئيء. # 43 - وقال في قوله: # فإن هزرئتم سللناها وقد غنيت ... دهرا وهام بني بكر لها غمد # من قول سعد بن ناشب: # فإن أسيافنا بيض مهندة ... عتق، وآثارها في هامهم جدد # والمعنيان مختلفان؛ لأن أبا تمام قال: " وهام بني بكر لها غمد " وهذا ~~قال: " وآثارها ف يهامهم جدد " فهذا غير ذلك. # 44 - وقال في قوله: PageV01P029 فلو كانت الأزراق تجري على الحجى ... ~~هلكن إذا من جهلهن البهائم # من قول أب يالعتاهية: # إنما الناس كالبهائم في الرز ... ق، سواء جهولهم والحليم # وبين المعنيين خلاف؛ فإن أبا العتاهية أراد أن رزق كل نفس يأتيها - جاهلة ~~كانت أو عالمة - كما يأتي البهائم، وهذا قائم في الفطرة والعقول؛ فتتفق ~~الحخواطر في مثله. وأبو تمام قال: إن الرزق لو جرى على قدر العقل لهلكت ~~البهائم، وهذه زيادة في المعنى حسنة، وإن كان إلى مذهب أبي العتاهية يؤول. # 45 - وقال في قوله: # وأشجيت أيامي بصبر حلون لي ... عواقبه، والصبر مثل اسمه صبر # من قول أبي الشيص: # يصبرني قوم براء من الهوى ... وللصبر تارات أمر من الصبر # فقول الناس: الصبر مر، والصبر كاسمه صبر، وقولهم: الصبر محمود العاقبة، ~~وإن كان مرا؛ لا يكون مسروقا فيقال: إن واحدا أخذه من آخر، وقول أبي الشيص: ~~إن للصبر تارات يكون فيها أمر من الصبر، أي: له تارات يكون فيها شديد ~~المرارة، وقول أبي تمام: أشجيت أيامي بصبر حلت لي عواقبه، ثم قال: والصبر ~~مر عواقبه، يريد في الحلق، أي لو جرعته لكان مقطعه شديد المرارة، وإنما قال ~~ه1ا ليجتمع له في البيت حلاوة عواقبه ومرارة عواقبه، هذا تفسيره على ما ~~رواه ابن أبي طاهر، ولم يقل أبو تمام والصبر مر عواقبه، وإنما قال: والصبر ~~مثل اسمه صبر. # 46 - وقال في قوله: # لئن ذمت الأعداء سوء صباحها ... فليس يؤدي شكرها الذئب والنسر ms055 # من قول مسلم: # لو حاكمتك فطالبتك بذحلها ... شهدت عليك ثعالب ونسور # وذكر وقوع الذئاب وغيرها والنسور وما سواها من الطير على القتلى معنى ~~متداول ومعروف، وهو في بيت أبي تمام غيره في بيت مسلم؛ لأن مسلما قال ~~لممدوحه: لو حاكمتك - يريد الفرقة والعصب التي لقيتك - في مطالبتك بثأر من ~~قتلت منها لشهدت عليك الثعالب والنسور، وأبو تمام قال على سبيل الاستهزاء: ~~لئن ذمت الأعداء سوء صباحها فليس يؤدي الذئب والنسر شكرها؛ لكثرة ما أكلا ~~منها، وهذا المعنى غير ذاك، والله أعلم. # تم الجزء الأول من الموازنة على ما جزأه مؤلفه، والحمد لله . # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم . # قال أبو القاسم الحسن بن بشر بن يحيى الآمدي عفا الله عنه: قد ذكرت في ~~الجزء الأول احتجاج كل فرقة من أصحاب أبي تمام حبيب ابن أوس الطائي وأبي ~~عبادة الوليد بن عبيد البحتري على الأخرى في تفضيل أحدهما على الآخر ، وقلت ~~: إني أبتدئ - بعد هذا الباب - بذكر معايبها ؛ لأختم الكتاب بوصف محاسنها ؛ ~~فأتبعت ذلك بما خرجته من سرقات أبي تمام وبيضت آخر الجزء لألحق به ما وجدته ~~منها في دواوين الشعراء فعلمت عليه ، وما أجده بعد ذلك ؛ فإنه كثير السرق ~~جدا . # وقد سمعت أبا علي محمد بن العلاء السجستاني يقول : إنه ليس له معنى انفرد ~~به فاخترعه إلا ثلاثة معان ، وهي قوله : # تأبى على التصريد إلا نائلا ... إلا يكن ماء قراحا يمذق # نزرا كما استكرهت عائر نفحة ... من فأرة المسك التي لم تفتق # وقوله : # بني مالك قد نبهت خامل الثرى ... قبور لكم مستشرفات المعالم # رواكد قيس الكف من متناول ... وفيها على لا ترتقى بالسلالم # وقوله : # وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها اسان حسود # لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود # ولست أرى الأمر على ما ذكره أبو علي ، بل أرى أن له - على كثرة مآخذه من ~~أشعا ر الناس ومعاينهم - مخترعات كثيرة ، وبدائع مشهورة ، وأنا أذكرها عند ~~ذكر محاسنه ms056 إن شاء الله تعالى. # ومع هذا فلم أر المنحرفين عن هذا الرجل يجعلون السرقات من كبير عيوبه؛ ~~لأنه باب ما يعرى منه أحد من الشعراء إلا القليلب، بل الذي وجدتهم ينعونه ~~عليه كثرة غلطة، وإحالته، وأغاليطه في المعاني والألفاظ. PageV01P030 ~~وتأملت الأسباب التي أدته إلى ذلك؛ فإذا هي ما رواه أبو عبد الله محمد بن ~~داود بن الجراح في كتاب الورقة عن محمد بن القاسم بن مهرويه عن حذيفة بن ~~أحمد أن أبا تمام يريد البديع إلى المحال، وهذا نحو ما قاله أبو العباس عبد ~~الله بن المعتز بالله في كتابه الذي ذكر فيه البديع، وكذلك ما رواه محمد بن ~~داود عن محمد بن القاسم بن مهرويه عن أبيه أن أول من أفسد الشعر مسلم بن ~~الوليد، وأن أبا تمام تبعه فسلك في البديع مذهبه فتحير فيه، كأنهم يريدون ~~إسرافه في طلب الطباق والتجنيس والاستعارات، وإسرافه في التماس هذه الأبواب ~~وتوشيح شعره بها، حتى صار كثير مما أتى به من المعاني لا يعرف ولا يعلم ~~غرضه فيها إلا مع الكد والفكر وطول التأمل، ومنه ما لا يعرف معناه إلا ~~بالظن والحدس، ولو كان أخذ عفو هذه الأشياء ولم يوغل فيها، ولم يجاذب ~~الألفاظ والمعاني مجاذبة ويقتسرها مكارهة، وتناول ما يسمح به خاطره وهو ~~بجمامه غير متعب ولا مكدود، وأورد من الاستعارات ما قرب في حسن، ولم يفحش، ~~واقتصر من القول على ما كان محذوا الشعراء المحسنين؛ ليسلم من هذه الأشياء ~~التي تهجن الشعر وتذهب ماءه ورونقه، ولعل ذلك أن يكون ثلث شعره أو أكثر منه ~~- لظننته كان يتقدم عند أهل العلم بالشعر أكثر الشعراء المتأخرين، وكان ~~قليله حينئذ يقوم مقام كثير غيره؛ لما فيه من لطيف المعاني ومستغرب ~~الألفاظ، ولكنه شره إلى إيراد كل ما جاش به خاطره ولجلجه فكره، فخلط الجيد ~~بالردئ، والعين النادر بالرذل الساقط، والصواب بالخطأ. وأفرط المتعصبون له ~~في تفضيله، وقدموه على من هو فوقه من أجل جيده، وسامحوه في رديئه، وتجاوزوا ~~له عن خطائه وتأولوا له ms057 التأول البعيد فيه، وقابل المنحرفون عنه إفراطا ~~بإفراط فبخسوه حقه، واطرحوا إحسانه، ونعوا سيئاته، وقدموا عليه من هو دونه. ~~وتجاوز ذلك بعضهم إلى القدح في الجيد من شعره، وطعن فيما لا يطعن عليه فيه، ~~واحتج بما لا تقوم حجة به، ولم يقنع بذلك مذاكرة وقولا حتى ألف في ذلك ~~كتابا، وهو أبو العباس أحمد بن عبيد الله بن محمد بن عمار القطر بلى ~~المعروف بالفريد، ثم ما علمته وضع يده من غلطه وخطئه إلا على أبيات يسيرة، ~~ولم يقم على ذلك الحجة، ولم يهتد لشرح العلة، ولم يتجاوز فيما نعاه بعدها ~~عليه الأبيات التي تتضمن بعيد الاستعارة وهجين اللفظ، وقد بينت خطأه فيما ~~أنكره عليه من الصواب في جزء مفرد إن أحب القارئ له أن يجعله من جملة هذا ~~الكتاب ويصله بأجزائه فعل ذلك إن شاء الله تعالى؛ فإن الذي تضمن يدخل ف ~~يمحاسن أبي تمام التي ذكرت أنى أختم كتابي هذا بها وبمحاسن البحتري. # وأنا أذكر ما غلط فيه أبو تمام من المعاني والألفاظ، مما أخذته من أفواه ~~الرجال وأهل العلم بالشعر عند المفاوضة والمذاكرة، وما استخرجته أنا من ذلك ~~واستنبطته، بعد أن أسقطت منه كل ما احتمل التأويل، ودخل تحت المجاز، ولاحت ~~له أدنى على. # وأنا أبتدئ بالأبيات التي ذكرت أن أبا العباس أنكرها، ولم يقم الحجة على ~~تبيين عيبها وإظهار الخطأ فيها، ثم أستقصى الاحتجاج في جميع ذلك؛ لعلمي ~~بكثرة المعارضين ومن لا يجوز على هذا الشاعر الغلط، ويوقع له التأول ~~البعيد، ويورد الشبه والتمويه. وبالله أستعين، وهو حسبي ونعم الوكيل. # 1 - أنكر أبو العباس أحمد بن عبيد الله على أبي تمام قوله: # هاديه جذع من الأراك، وما ... تحت الصلا منه صخرة جلس # قال: هذا من بعيد خطائه أن شبه عنق الفرس بالجذع، ثم قال " جذع من الأراك ~~" ومتى رأى عيدان الأراك تكون جذوعا؟ وتشبه بها أعناق الخيل!. # وأخطأ أبو العباس في إنكاره على أبي تمام أن شبه عنق الفرس بالجذع، وتلك ~~عادة العرب، وهو في أشعارها ms058 أكثر من أن يحصى، وقد بينت ذلك فيما غلط فيهأبو ~~العباس على أبي تمام. # وأصاب أبو العباس في إنكاره أن تكون عيدان الأراك جذوعا، وإن لم يلخص ~~المعنى؛ لأن عيدان الأراك لا تغلظ حتى تصير كالجذوع، ولا تقاربها. # فإن قيل: إن الشجرة من الأراك قد تعظم حتى تصير دوحة يستظل بها الجماعة ~~من الناس والسرب من الوحوش، وذلك معروف موجود، وقد قال الراعي: # غذاه وحولى الثرى فوق متنه ... مدب الأتى والأراك الدوائح # والدوائح: العظام منه، جمع دوحة. PageV01P031 قيل: إن الأمر وإن كان كذلك ~~في بعض شجر الأراك من علوها وتشعب أغصانها في الغلظ، ولو انتهت إلى هذه ~~الحالة - وذلك غير معولم - لما قيل لها أيضا " جذوع " ؛ لأن الجذع إنما هو ~~للنخلة فقط، وقد يقال على سبيل الاستعارة لما يشبه بالنخلة، قال الراجز: # بكل طرف أعوجي صهال ... يمشي إذا ما قيد مشى المختال # تحت هواد كجزوع الأوقال # فقال: " كجذوع الأوقال " والأوقال: جمع وقلة وهي شجرة المقل؛ لأن فيها ~~شبها من النخل من جهة الخوص والليف. # فإن قيل: فقد قال ذو الرمة: # وهاد كجذع الساج سام يقوده ... معرق أحناء الصبيين أشدق # قيل: ذو الرمة إنما قال ذلك على التشبيه؛ لأن العود من الساج يشبه الجذع ~~المنحوت في غلظه وهيئته، وعود الأراك من أبعد شيء من ذلك؛ لأنه لا يمتد ولا ~~يستوى استواء الجذع ولا غيره من أجناس الشجر التي تمتد أبدانها علوا ~~امتدادا مستويا، وذلك لرقته وشدة التووائه وتشعبه. # 2 - وأنكر أبو العباس قول أبي تمام: # رقيق حواشي الحلم لو أن حلمه ... بكفيك ما ماريت في أنه برد # وقال: هذا هو الذي أضحك الناس منذ سمعوه وإلى هذا الوقت، ولم يزد على هذا ~~شيئا، والخطأ في هذا البيت ظاهر؛ لأنى ما علمت أحدا من شعراء الجاهلية ~~والإسلام وصف الحلم بالقرة، وإنما يوصف الحلم بالعظم والرجحان والثقل ~~والرزانة، ونحو ذلك، كما قال النابغة: # وأعظم أحلاما وأكبر سيدا ... وأفضل مشفوعا إليه وشافعا # وكما قال الأخطل: # شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا ms059 قدروا # وكما قال أبو ذؤيب: # وصبر على حدث النائبات ... وحلم رزين وقلب ذكي # وكما قال عدي بن الرقاع في مثل ذلك: # في شدة العقد والحلم الرزين وفي ال ... قول الثبيت إذا ما استنصت الكلم # وقال أيضا: # أبت لكم مواطن طيبات ... وأحلام لكم تزن الجبالا # وكما قال عدي أيضا: # الجامع الأصيل وسؤددا ... غمرا يقاس به وحكمة حازم # وكما قال أيضا: # قرم له مع دينه وتمامه ... حلم إذا وزن الحلوم ثقيل # وقال الفرزدق: # أحلامنا تزن الجبال رزانة ... وتخالنا جنا إذا ما نجهل # وقال أيضا: # إنا لتوزن بالجبال حلومنا ... ويزيد جاهلنا على الجهال # وكما قال الآخر: # وعظيم الحلم لو وازنته ... بثبيرأو برضوى لرجح # ومثل هذا كثير في أشعارهم، ألا ترى أنهم إذا ذموا الحلم كيف يصفونه ~~بالخفة؛ فيقولون: خفيف الحلم، وقد خف حلمه؟ وقال عياض بن كثير الضبي: # تنابلة سود خفاف حلومهم ... ذوى نيرب في الحي يغدو ويطرق # وقال عقبة بن هبيرة الأسدي: # أبنى المغيرة قبل آل خويلد ... يا للرجال لخفة الأحلام # وقال قد بن مالك الأسدي: # كأن جرادة صفراء طارت ... بأحلام الغواضر أجمعينا # جعلها صفراء لأنها ذكر، وهو أسرع من الأنثى وأخف. # وقال ابن قيس الرقيات، ووجدتها في ديوانه، والصحيح أنها لأبي العباس ~~الأعمى: # بحلوم إذا الحلوم استخفت ... ووجوه مثل الدنانير ملس # وقال قيس بن عمير الكناني: # كمثل الحصى بكر، ولكن خيانة ... وغدر وأحلام خفاف عوازب # فهذه طريقة وصفهم الحلم، وإنما مدحوه بالثقل والرزانة، وذموه بالطيش ~~والخفة . # وأيضا فإن البرد لا يوصف بالرقة ، وإنما يوصف بالمتانة والصفاقة ، وأكثر ~~مايكون ألوانا مختلفة ، كما قال يزيد بن الطثرية: # أشافتك أطلال الديار كأنما ... معارفها بالأبرقين برود # والأبرق والبرقاء من الأرض : ما كان فيها حجارة ورمل ؛ فقيل ((برقاء)) ~~لاختلاف الألوان فيها ، ومن ذلك الجبل الأبرق الذي فتل من قوى مختلفة ~~الألوان ؛ فلذلك شبه الشاعر معارف الديار بالبرود لاختلاف ألوان البرود. # ولولا أنه قال ((رقيق حواشي الحلم)) ما ظننت أنه شبه بالبرد إلا لمتانته ~~، وهذا عندما أفحش الخطأ ، ثم قوله ((لو أن حلمه في بكفيك)) كلام في ms060 غاية ~~القبح والسخافة ، وأظن أبا العباس بن عمار إنما أنكر هذه اللفظة فقط . ~~PageV01P032 وإنى لأعجب من اتباع البحترى إياه في البرد - مع شدة تجنبه ~~الأشياء المنكرة عليه - حيث يقول : # وليال كسين من رقة الصيف ... فخلين لأنهن برود # وكيف لم يجد شيا يجعله في الرقة غير البرد ؟ ولكن الجيد في وصف الحلم ~~قوله متبعا للمذهب الصحيح المعروف : # خفت إلى السؤدد المجفو نهضته ... ولو يوازن رضوى حلمه رجحا # وقوله : # فلو وزنت أركان رضوى ويدبل وقيس بها في الحلم خف ثقيلها # وأبو تمام لا يجهل هذا من أمر الحلم ، ويعلم أن الشعراء إليه تقصد ، ~~وإياه تعتمد ، ولعله قد أورد مثله ، ولكنه يريد أن يبتدع فيقع في الخطأ . # 3 - وأنكر أبو العباس على أبى تمام قوله : # من الهيف لو أن الخلاخل صورت ... لها وشحا جالت عليها الخلاخل # ولم يذكر موضع العيب فيه ، ولا أراه علمه ، وأنا أذكره وألخصه فأقول : إن ~~هذا لذى وصفه أبو تمام ضد ما نطقت به العرب ، وهو أقبح ما وصف به النساء ؛ ~~لأن من شأن الخلاخيل والبرين أن توصف بأنها تعض في الأعضاد والسواعد وتضيق ~~في الأسواق ، فإذا جعل خلاخيلها وشحا تجول فقد أخطأ الوصف ؛ لأنه لا يجوز ~~أن يكون الخلخال - الذي من شأنه أن يعض بالساق - وشحا حائلا على جسدها ح ~~لأن الوشاح هو ما تقلده المرأة متشحة به ، فتطرحه على عاتقها ، فيستبطن ~~الصدر والبطن ، وينصب جانبه الآخر على الظهر حتى ينتهي إلى الحجز ، ويلتقى ~~طرفاه على الكشح الأيسر ؛ فيكون مها في موضع حمائل السيف من الرجال ، وإذا ~~كانت هذه صورة الوشاح فغير جائز يوسف بالسعة والطول، ليدل على تمام المرأة ~~وطولها ، وكون ذلك لائقا بتشبيه النساء في البيت الثاني بقنا الخط، وإنما ~~يوصف الوشاح بالقلق والحركة ليستدل بذلك على دقة الخصر ؛ لأنه يقلق هناك ~~إذا كان الخصر دقيقا، والبط اضمر ، بل حركته تدل على ضمر البطن أكثر ، وليس ~~طوله في نفسه مما يدل على امتلاء ولا خمص ، وإذا كان الخلخال - وهو الحلقة ~~المستديرة المعروف قدرها - وشاحا للمرأة فإن ms061 يأخذ أعلى جسده كله ، وإذا ~~كانت كذلك فقد مسخت إلى غاية القماءة والصغر، وصارت في هيئة الجعل ؛ وقد ~~تصف العرب الخصر بالدقة ، ولكن تعطى كل جزء من الجسد قسطه من الوصف ، كما ~~قال امرؤ القيس: # طوال المتون و العرانين كالقنا ... لطاف الخصور في تمام و إكمال # ألا تراه قال لطاف الخصور قال في تمام وإكمال ولو قال هذا الشاعر لو أن ~~الخلاخيل صيرت لها حقبا لصح له المعنى كما قال منصور النمرى : # فلو قست يوما حجلها بحقابها ... لكانا سواء، لا، بل الحجل أوسع # فجعل حجلها - وهو الخلخال - أوسع من حقابها، والحقاب: ما تديره المرأة ~~على خصرها؛ فهو يختص بالخصر، وكذلك النطاق، والوشاح لا يختص بالخصر، وإنما ~~يعلق حتى ينتهى إليه إذا كان الخصر دقيقا والبطن ضامرا، فاتبع أبو تمام ~~منصورا في المعنى فأخطأ. # ومن عادة العرب أنها لا تكاد تذكر الهيف وطي الكشح ودقة الخصر إلا إذا ~~ذكرت معه من الأعضاء ما يستحب فيه الامتلاء والرى، على ما عرفتك، كما قال ~~ذو الرمة: # عجزاء، ممكورة، خمصانة، قلق ... منها الوشاح وتم الجسم والقصب # وكما قال أيضا: # وفي العاج منها والد ماليج والبري ... قنا مالئ للعين ريان عبهر # أناة تلوث المرط منها بدعصة ... ركام، وتجتاب الوشاح فيقلق # وكما قال: # ترى خلفها نصفا قناة قويمة ... ونصفا نقا يرتج أو يتمرمر # وكما قال الشنفري: # فدقت، وجلت، واسبكرت، وأكملت ... فلوجن إنسان من الحسن جنت # أي: دق منها ما ينبغي أن يدق، وجل منها ما ينبغي أن يجل؛ فهذا هو تمام ~~الوصف. # وقال تميم بن أبي مقبل: # هيف المردى رداح في تأودها ... مخطوفة منتهى الحشاء عطبول # فقال " هيف المردى " ثم قال " رداح " والرداح: العظيمة العجز، وهذا مقول ~~ذي الرمة " خلفها نصفا قناة قويمة " وقوله " عطبول " قويمة العنق. # وقال تميم أيضا: # من الهيف مبدان ترى نطقاتها ... بمهلكة أخراصهن تذبذب # فجعلها هيفاء، وهي الخميصة البطن، ثم قال مبدان؛ فصار البدن لا يمنع من ~~الهيف، ولا يضاده. # وقال تميم أيضا: PageV01P033 وقد دق منها الخصر حتى وشاحها ... يجول، وقد ~~عم ms062 الخلاخيل والقلبا # وقال علي بن أبي هلقمة الجرمي: # ترى حجلها ملآن ليس بزائد ... يجول، ولم تملأ وشاحا ولا عقدا # فإن ذلك من شأن الوشاح؛ لأن من سبيله أن يكون جائلا إذا انتهى إلى خصرها ~~لدقته، ومن شأن العقد أن يجول أيضا على عنقها وترائقها؛ لقلة اللحم هناك، ~~وذاك هو المحمود من الوصف، وقال امرؤ القيس: # على هضيم الكشح ريا المخلخل # وقال طرفة بن العبد: # وملأى السوار مع الدملجين ... وأما الوشاح عليها فجالا # وقال علقمة بن عبدة: # صفر الوشاحين، ملأى المرط، خرعبة، ... كأنها رشأ في البيت ملزوم # وقال المرار: # بيض العوارض بدن أبدانها ... رجح الروادف ضمر الخصار # وقال كثير: # كسون الريط ذا الهدب اليماني ... خصورا فوق أعجاز ثقال # وقال كثير أيضا: # يجول الوشاح بأقرابها ... وتأبى خلاخلها أن تجولا # وقال آخر: # عقيلية، أما ملاث إزارها ... فدعص، وأما خصرها فبتيل # يريد كأنه لدقته مقطوع مما يليه. وهذا كله ضد ما قاله أبو تمام. # فإن حمل بعض من يريد إقامة العذر له نفسه على أن يقول: إنما ذهب في قوله ~~" جالت عليها الخلاخل " إلى قولهم: فلان يدخل في الخاتم لظرفه ولين أخلاقه، ~~لا لضيق مفاصله! قيل: هذا من كلام العامة، وقول أب يتمام: " من الهيف " ~~يمنع هذا التأول ويحجز عنه؛ لأن الهيف الخميصات البطون، الواحدة هيفاء، ~~وإلى هذا ذهب، لا إلى وصف الأخلاق ورقة الطباع. # فإن قال قائل: إنما قال " لو أن الخلاخيل صيرت لها وشحا " أي لو ساغ ذلك ~~وجاز، كما يقال: لو دخل أحد في سم الخياط لرقته وحسن أخلاقه لدخل زيد، وكما ~~قال الشاعر: # لو طار ذو حافر سرعة طارا # وكما قال الآخر: # لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم لسؤددهم أو مجدهم قعدوا # قيل: هذا مذهب حسن معروف من مذاهبهم، ولكن ليس بينه وبين قول أبي تمام ~~شبه، وإنما كان يشبهه لو قال: " لو أن الخلاخيل تكون مكان الوشاح لجال ~~عليها " ولو قال هذا أيضا لكان يعد مخطئا؛ لأنه سواء عليه قال هذا أو قال ~~قصر ظهرها أو بعض ms063 خلقها أو ضم بعض أعضائها إلى بعض، حتى لو يكون خلخالها ~~مكان وشاحها لجال عليها، ومثل هذا لا يقوله أحد إلا الكشحى وأبو العير، ~~ولفظ بيته أقبح من هذا، وأشنع؛ لأنه إنما أخرجه مخرج الحقيقة، أو ما يقارب ~~الحقيقة، نحو قول القائل: لو تغطت هند بشعرها لغطاها، ولو سترت وجهها ~~بذراعها لسترته، ولو مسستها لثاخت الإصبع فيها، أو لأدمتها، وهذا ضرب من ~~المبالغة، وهو إلى الحقيقة أقرب، وليس من الأبيات المذكورة في شيء ولا على ~~سياقة ذلك اللفظ، والإحالة فيما مخرجه الحقيقة أقبح من الإحالة فيما مخرجه ~~مخرج التوسع؛ وكان ينبغي لأبي تمام لما وصف النساء في البيت التالي بالطول ~~والتمام فقال: # قنا الخط إلا أن تلك ذوابل # أن يصف الوشح بالطول والتمام؛ لأن الوشاح من المرأة في موضع خمائل السيف، ~~فكيف يجعلها مثل الخلاخل ويجعل الخلاخل مثلها؟. # وقد يبالغ الشاعر في أشياء حتى يخرج منها إلى المحال، ويخرج بعضها مخرج ~~النادر، فيستحسن ولا يستقبح، نحو قول الشاعر: # من رأى مثل حبنى ... تشبه البدر إذ بدا # يدخل اليوم خصرها ... ثم أردافها غدا # ومثل هذا كثير، وقد بالغ النابغة في وصف عنق المرأة بالطول، فقال: # إذا ارتعثت خاف الجبان رعاثها ... ومن يتعلق حيث علق يفرق # فجعل القرط يخاف أن يسقط من هناك فيلك، وإنما أخرج هذا كالمثل: أي لو كان ~~مما يقع منه الخوف لخاف، وقال ذو الرمة: # والقرط في حرة الذفرى معلقه ... تباعد الحبل منه فهو يضطرب # فدل بقوله: " تباعد الحبل منه " على طول عنق المرأة؛ فهذه المبالغة لائقة ~~مستحسنة؛ لأنه دل على الوصف بالشيء الذي يخص الموصوف، لا بالشيء الذي يخص ~~غيره، ولو كان أبو تمام قال: " لو أن الخلاخيل صيرت لها نطقا " لكان أتى ~~بالصواب؛ لأن النطاق هو كل ما يدار على الخصر مثل المنطقة من سير كان أو ~~ثوب أو غيرهما، أو لو قال " حقبا " لأن الحقاب والنطاق بمنزلة واحدة، وأظنه ~~أراد أن يقول هذا فغلط فجعل مكانه الوشاح. PageV01P034 وقد بالغ أبو ~~العتاهية في وصف الخصور بالدقة، ms064 فقال: # ومخصرات زرننا ... بعد الهدو من الخدور # نفج روادفهن يل ... بسن الخواتم في الخصور # لم يرد أن خواتمهن في خصورهن؛ لأن هذا محال، وإنما ذهب إلى مثل قولهم: " ~~جفنة يقعد فيها خمسة " أي: لو قعدوا فيها لو سعتهم. # وقال الآخر: # لها حافر مثل قعب الولي ... د يتخذ الفأر فيه مغارا # أي: لو اتخذ فيه مغارا لوسعه، فكذلك قوله: " يلبسن الخواتم في الخصور " ~~أي: تصلح خصورهن أن تدخل في خواتمهن لدقتها، وكل ما دنا منم المعاني من ~~الحقائق كان ألوط بالنفس، وأحلى في السمع وأولى بالاستجادة. # فهذا ما أنكره أبو العباس مما أبو تمام فيه غالط، وهو ثلاثة أبيات. # 4 - ومما أخطأ فيه الطائي البيت الذي بعد قوله: # من الهيف لو أن الخلاخل صيرت ... لها وشحا جالت عليها الخلاخل # وهو قوله: # مها الوحش إلا أن هاتا أوانس ... قنا الخط إلا أن تلك ذوابل # وإنما قيل للقنا " ذوابل " للينها وتثنيها، فنفى ذلك عن قدود النساء التي ~~من أكمل صفاتها التثنى واللين والانعطاف، كما قال تميم بن أبي بن مقبل: # يهززن للمشي أوصالا ... هز الجنوب ضحى عيدان يبرينا # أو كاهتزاز ردينى تداوله ... أيدي التجار فزادوا متنه لينا # فشبه تميم قدودهن بالردينى للينه وتثنيه لا غير، هذا أجود من كل ما قاله ~~الناس في مشي النساء وحسن قدودهن، وقوله " مها الوحش " أراد كمها الوحش إلا ~~أن هاتا أوانس؛ فوضع المشبه به في مكان المشبه، وهذا في كلامهم شائع ~~مستفيض. # 5 - ومما أخطأ فيه الطائي أقبح خطأ قوله: # قسم الزمان ربوعها بين الصبا ... وقبولها ودبورها أثلاثا # لأن الصبا هي القبول، وليس بين أهل اللغة وغيرهم في ذلك خلاف. # فإن قيل: إنما سميت الصبا قبولا؛ لأنها تقابل الدبور؛ فلعله استعار هذا ~~الاسم للدبور، فقال " بين الصبا وقبولها " يريد الدبور لأنها تقابل الصبا ~~ومقابلتها أي الريح المقابلة لها. # قيل: هذا غلط من وجوه: منها: أنه قد ذكر الدبور في البيت مرة؛ فلا يجوز ~~أن يأتى بها مرة ثانية. # ومنها: أنه ما سمع من العرب " زيد قبولك " أي: ms065 مقابلك، ولا " دار زيد ~~قبول دار عمرو " بمعنى مقابلتها؛ فإنما خصت الصبا وحدها بهذا الاسم؛ لأنها ~~تأتي من الموضع الذي يقبل منه النهار، وهو مطلع الشمس، وقيل لها " دبور " ~~لأنها ضدها، أخذه من أقبل وأدبر، ولو جاز هذا في كلامهم وساغ في لغتهم أو ~~كان مثله مسموعا منهم لساغ أن تسمى الشمال أيضا قبولا؛ لأنها تقابل الجنوب، ~~وأن تسمى الجنوب قبولا؛ لأنها تقابل الشمال. وما أظن أحدا يدعى هذا، ولا ~~يستجيز أن يعارض بمثل هذه المعارضة، ولا أن يحد لغة غير معروفة، وينسب إلى ~~العرب ما لم تعلمه ولم تنطق به. # ومنها - وهي أولاها في فساد هذا التأويل - : أنه قال: " بين الصبا ~~وقبولها ودبورها أثلاثا " وقوله " أثلاثا " يدلك أنه أراد ثلاث رياح، وأنه ~~توهم أ، القبول ريح غير الصبا، وهذا واضح. # والجيد قول البحتري: # متروكة للريح بين شمالها ... وجنوبها ودبورها وقبولها # فجاء بالرياح الأربع. # وقال البحتري أيضا: # شنئت الصبا إذ قيل وجهن قصدها ... وعاديت من بين الرياح قبولها # فقوله " وجهن " يعني الحمول، والهاء في " قبولها " راجعة إلى الرياح. # وهذا مما يوهمك أنه أراد ريحين، وإنما أراد ريحا واحدة، وسماها باسميها، ~~فقال: شنئت الصبا، وعاديت القبول: أي أبغضت هذين الاسمين؛ لأن حمول ~~الظاعنين توجهت نحوها، ولم يقل إن الحمول توجهن إلى وجهتين مختلفين. # وحكى ابن الأعرابي - أو حكى عنه - أنه قال: القبول كل ريح طيبة المس ~~لينة، لا أذى فيها، سميت قبولا لأن النفس تقبلها، وأظن الأخطل - إن كانت ~~الرواية صحيحة - لهذا قال: # فإن تبخل سدوس بدرهميها ... فإن الريح طيبة قبول PageV01P035 أي: طيبة لا ~~تمنعنا الانصراف والسير، وهذه لبست من الريح التي ذكرها أبو تمام في شيء؛ ~~لأن هذه على هذا الوصف: قد تكون الشمال، وتكون الجنوب، وتكون الصبا، وذلك ~~إنما أراد ريحا بعينها؛ لأنه قال: " بين الصبا وقبولها " فجعلها مضافة ~~إليها، كما لو قال " بين الشمال وجنوبها " لأنهما ريحان معروفتان، وهما ~~أختان مختلفتان تعتقبان، وكذلك لو قال " بين الصبا ودبورها " وكذلك لو قال ~~" بين القبول ودبورها " أو " بين القبول وشمالها ms066 " فإذا ذكرت القبول مع هذه ~~الرياح المعروفة كانت هي الصبا، وليس هذا موضع القبول التي هي الريح اللينة ~~المس الطيبة على ما ذكر؛ لأنه وصف مجهول، ويجوز أن يكون لكل ريح ولا يقع في ~~هذا الموضع؛ لأنك إذا عنيتها بقولك " قد هبت الصبا وقبولها " لم يدر أي ريح ~~هي؛ فما معنى إضافتها إلى الريح المعروفة التي هي إذا لان مسها جاز أن تسمى ~~بذلك الاسم؟ خذا خلف من القول إذا قيل. # وأيضا إن أبا تمام إنما أراد أن هذه الرياح عفت هذه الديار، وذهبت بها؛ ~~فما وجه ذكره لريح طيبة لينة المس مع الدبور؟ هذا محال أن يكون أراده، كيف ~~والديار يدعى لها بهبوب الرياح اللينة الضعيفة لئلا تعفوها؟ ألا ترى قول ~~أبي تمام: # أرسى بناديك الندى وتنفست ... نفسا بعقوتك الرياح ضعيفا # وقال البحتري: # وإذا هبت الرياح نسيما ... فعلى ربع دارها والجناب # فشرط أن تكون الرياح نسيما، وقال: # راحت لأربعك الرياح مريضة ... وأصاب مغناك الغمام الصيب # فشرط أن تكون الرياح مريضة؛ لئلا تعفوها وتمحوها. # فإن قيل: فلعله أراد " بين الصبا وقبولها " أي: بين الصبا سهلها ولينها، ~~ولا يكون يريد بالقبول اسمها المعروف، وإنما يريد الاسم الذي يقع للريح ~~اللينة المس، فكأنه قال " بين القبول وقبولها " كما يقال: " جاءنا عباس ~~وعباسه " أي: ووجهه العباس، و " أتانا الضحاك وضحاكه " أي: ووجهه الضحاك؛ ~~لأن التعبيس والضحك في الوجه، و " فتنتنا حوراء بحوارئها " أي: بعينها ~~الحوراء. # قيل: هذا كله لفظ سائغ مستقيم، غير أنا ما سمعنا مثل هذا في الريح، ولا ~~علمناه في اللغة، ولا وجدنا في الشعراء أحدا قال: " الصبا وقبولها " ، ولا ~~" الجنوب وقبولها " ولا " الشمال وقبولها " أي: سهلها ولينها، ولو أراد ~~الطائي ذلك كان أيضا مخطئا؛ لأن الريح لينها وشديدها ريح واحدة، وقد قال ~~أبو تمام " أثلاثا " فدل على أنه أراد ثلاث رياح، وإن كان أراد ريحا أخرى ~~غير الصبا فقد قدمت القول في أن ذلك غير سائغ ولا مستقيم، وقد استقصى أصحاب ~~الأنواء في كتبهم ذكر الرياح وأصوافها ونعوتها، واستشهدوا بأكثر ms067 ما سمعوه ~~من أشعار العرب فيها، وبالغ أبو حنيفة الدينورى في ذلك؛ فما منهم أحد ذكر ~~أن القبول غير الصبا، وإنما قال ابن الأعرابي في نوادره: إن العرب تسمى كل ~~ريح طيبة لينة المس قبولا، قال الأخطل: # فإن تبخل سدوس بدرهميها ... فإن الريح طيبة قبول PageV01P036 فإنما أراد ~~الصبا؛ لأنها ريح محبوبة تنسب إلى الطيب، وهي دائمة الهبوب لينة المس ~~معتدلة في أكثر أوقاتها: أي فإن منعت سدوس نائلها فإن الريح طيبة قبول، أي: ~~هي صبا ما تمنعنا من الانصراف والرحيل؛ فإن كان ما ذكره ابن الأعرابي صحيحا ~~- وهو الصحيح إن شاؤ الله - فإنهم إنما قالوا لكل ريح طيبة لينة قبول ~~تشبيها لها بالصبا، كأنهم إن هبت شمال لينة، قالوا: هذه الصبا، أو هذه ~~القبول، أي: كالصبا أو كالقبول، فأسقطوا حرف التشبيه، وجعلوا المشبه في ~~مكان المشبه به، كما تقول إذا شممت أترجة طيبة العرف: هذه المسك، أو ~~كالمسك، وإذا رأيت وجها حميلا قلت: هذا هو البدر، وإن شئت كان المعنى: هذه ~~المسك حقا، وهذا هو البدر يقينا، ولوهبت شمال شديدة مزعجة حتى تقول: هذه هي ~~الدبور بعينها - لكان هذا من أسواغ كلام وأصحه، فإن كانت العرب سمت الشمال ~~والجنوب - إذا هبتا هبوبا سهلا لينا - قبولا فإنما شبهوها بالصبا وأعاروها ~~اسمها. وإنما قيل لها قبول لأنها تأتي من مطلع الشمس، وهو الموضع الذي يقبل ~~منه النهار، وقيل للدبور دبورا لأنها تهب من حيث يدبر، وقد قيل غير ذلك، ~~وهذا هو الصحيح. وحكى بعضهم عن النضر بن شميل أنه قال: القبول ريح تلى ~~الصبا ما بينها وبين الجنوب، وهذا غير معروف ولا معول عليه، وقد ذكر بعضهم ~~أن قوما شموا الشمال قبولا، قال: وليس ذلك بثبت، ولا معول عليه إلا أن يكون ~~قاله على هذا الوجه الذي ذكرته على التشبيه. والله أعلم. # وبيت أبي تمام لا يحتمل أن يتأول فيه هذه الريح؛ لأنه أراد محو الديار، ~~ولا تذكر في محو الديار القبول الخفيفة الهبوب الطيبة المس مع الدبور التي ~~لا تكاد تهب، ms068 فإن هبت لم تأت إلا شديدة مزعجة. # ولو قال آخر ممن لا تمييز معه: أراد بين الصبا وقبولها، أي: الريح التي ~~قبلتها، كأنها قابلتها فقبلتها فهي قبولها، يعني ريحا من الرياح، كما يقال: ~~فاخرته ففخرته، وخاصمته فخصمته. # قيل: هذا خطأ من وجوه : منها أن الريح التي تقابل الصبا مقابلة صحيحة هي ~~الدبور ، وقد ذكرت في البيت الأول ؛ فلا يجوز أن يرددها ؛ ومنها : أنك لا ~~تقول قابلت زيدا فقبلته ، مثل فاخرته ففخرته ؛ لأنك إذا قابلته فقد صرت ~~قابلته وصار قبالتك ؛ فليس أحدكما في هذا بأفضل من آخر ، وذلك مثل قولك : ~~واجهته، وآزيته، وساويته، وحاذيته؛ لأنك في هذه الأفعال مثله وهو مثلك ؛ ~~فلا يجوز أن تقول فيه : فعلته : أي غلبته؛ ومنها : أنك إذا قلت " زيد ضارب ~~عمرا، وضروب عمرو، وقاتل بكرا، وقتول بكر " لم تدل على أنه كانت هناك ~~مضاربة بينهما ومقاتلة؛ لأنه يجوز أن يكون الضرب وقع من أحدهما ولم يقع من ~~الآخر. ولذلك أصل؛ فلذلك لا يدل قوله " قبولها " على أنه كانت هناك مقابلة، ~~كما لا يدل قولك " زيد ضارب عمرو " على أنه كانت مضاربة بينهما حتى غلب زيد ~~عمرا بالضرب، وإذا لم يكن على الشيء دليل لم تقم به حجة. # 6 - ومن خطائه قوله: # وصنيعة لك ثيب أهديتها ... وهي الكعاب لعائذ بك مصرم # حلت محل البكر من معطى، وقد ... زفت من المعطى زفاف الأيم # غلطه وقع في البتين جميعان وقالوا: أراد بقوله " وصنيعة لك " أي: للممدوح ~~" ثيب " أي: قد افترعت " أهديتها وهي الكعاب لعائذ بك مصرم " أي: قليل ~~المال، وجاء بالكعاب على أنها تقوم مقام البكر ليجعلها في البيت ضد الثيب ~~فتصبح له القسمة: أي هذه الصنيعة ثيب عندك: أي قد اصطنعت مثلها مرارا، وهي ~~الكعاب - يريد البكر - عند هذا العائذ بك؛ لأنها أول ما اصطنعته إليه أو ~~لأنها أكبر صنيعة صنعتها عنده. # قالوا: والكعاب هي التي كعب ثديها، وقد تكون بكرا، وتكون ثيبا، فليست ضد ~~ا للثيب في البيت، ولا تصح بها قسمته؛ لأن اسم الكعاب لا يزول ms069 عنها إذا ~~افترعت حتى ينهد ثديها ويرتفع. # قالوا: واعتمد أن يشرح هذا المعنى في البيت الثاني فقال: # حلت محل البكر من معطى، وقد ... زفت من المعطى زفاف الأيم # وذلك معنى قوله: " وهي الكعاب لعائذ بك " ثم قال: " زفت من المعطى زفاف ~~الأيم " ، وهو يريد معنى قوله: " وصنيعة لك ثيب " على أن الأيم هي الثب. ~~PageV01P037 وقالوا: هذا خطأح لأن الأيم هي التي لا زوج لها، بكرا كانت أو ~~ثيبا، قال الله عز وجل: " وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم ~~وإمائكم " أفتراه قال أنكحوا الثيبات من النساء دون الأبكار؟ إنما أراد ~~تبارك اسمه أنكحوا النساء اللواتي لا أزواج لهن؛ فالثيب والبكر والصغيرة ~~والكبيرة ممن لا زوج لها تدخل في الآية، قال الشماخ: # يقر بعيني أن أحدث أنها ... وإن لم أنلها أيم لم تزوج # وهذا هو المعروف في كلامهم. # وهذا الذي ذكروه من غلطه في الأيم هو كما ذكروه، فأما ما ادعوه في البيت ~~الأول من الغلط في الكعاب بأن أقامها مقام البكر فليس ذلك بغلط، والمعنى ~~صحيح، وقد جاء مثله في أشعار العرب، قال قدامة بن ضرار الحنفى: # غداة خطبنا البيض بالبيض عنوة ... وأبن إلينا ثيبات وكعبا # أراد بالكعب الأبكار، وقال جرير يهجو امرأة: # وقد حملت ثمانية وتمت ... لتاسعة وتحسبها كعابا # فأقام الكعاب مقام البكر، وجعلها ضد الثيب، ومثله في كلامهم كثير موجود، ~~فعلوا ذلك - وإن كان الكاعب قد تكون بكرا وتكون ثيبا - لأن أول أحوال ~~الكواعب أن يكن قد ناهزن حد البلوغ، وبدت ثديهن بالتكعيب؛ فهن في هذه الحال ~~أكثر ما يكن أبكارا وغير ذات أزواج، قال عمرو ابن معد يكرب: # تركوا السوام لنا وكل خريدة ... بيضاء خرعبة وأخرى ثيب # فأقام الخريدة مقام البكر، وجعلها ضد الثيب في البيت، والخريدة الدرة، ~~والخريدة هي الحيية حكى اللحيانى قال: سمعنا أعرابيا من كلب يقول الخريدة ~~الدرة التي لم تثقب وهي من النساء البكر، والخرعبة: اللينة المفاصب ~~الطويلة، هذه قد تكون بكرا، وقد تكون ثيبا، إلا أنه جعلها بكرا؛ لأن الحياء ~~أكثر ما يكون ms070 في الأبكار. # فقد صح معنى بيت أبي تمام الأول ف يالكعاب، وبقى الغلط قائما في الأيم، ~~وجعلها في البيت الثاني ضد البكر. # فإن قيل: فلم لا يكون لأبي تمام إقامة الأيم في البيت الأول مقام الثيب؛ ~~إذ كانت الأيم قد تكون ثيبا، كما أقمت الكعاب في البيت الثاني مقام البكر؛ ~~إذ كانت الكعاب قد تكون بكرا، وتتجاوز له في هذا كما تجاوزت لبه في تلك؟ ~~قيل: لفظة كعاب تدل بصيغتها على صغر السن كما عرفتك؛ فهي في الأكثر تكون ~~بكرا غير مفترعة؛ فلذلك استحسنوا أن أقاموا الكعاب مقام البكر، ولفظة أيم ~~لا تدل على حد في السن: من صغر، ولا كبر، ولا على بكورة، ولا افترع؛ فلا ~~تجوز إقامتها مقام الثيب بحال، وقد غلط في الأيم بعض كبار الفهاء فجعلها ~~مكان الثيب، وذلك لحديث روى عن النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لحقه السهو ~~في تأويله فحمله على غير معناه؛ فلعل أبا تمام من هذا الوجه قد لحقه الغلط. # وقد ذكر أبو تمام معنى هذين البيتين في موضع آخر، فقال - وقد ذكر صنيعة ~~أيضا - : # وليست بالعوان العنس عندي ... ولا هي منك بالبكر الكعاب # والعوان: هي التي بين المسنة والصغيرة السن، وهي التي قد عرفت الأمور، ~~وجرت عليها التجربة؛ فلذلك قيل: العوان لا تعلم الخمرة، ومنه قيل: حرب عوا، ~~وهي التي قوتل فيها مرة بعد مرة، وإنما استعير لها اسم المرأة في هذه ~~الحال، كما قال الشاعر: # الحرب أول ما تكون فتية # فاستعار لها أول ما تبدأ وتنشأ اسم الفتاة، وأراد أبو تمام أن هذه ~~الصنيعة ليست بالعوان عندي: أي ليست صنيعة قد تقدمتها لك لدى صنائع تشبهها ~~لبعظمها وجلالها، ولا هي بالبكر منك: أي ليست مع ذلك بكر صنائعك، بل قد ~~أسديت كثيرا مثلها إلى غيري، وهذا هو المعنى الذي قصده في البيتين ~~المتقدمين، إلا أنه جعل " العنس " هنا في موضع العانس كأنه أراد أن يقول: ~~وليست بالعوان العانس عندي فغلط فقال العنس ولاعانس: هي التي حبسها أهلها ~~عن التزويج ms071 حتى جاوزت حد الفتاة، والعنس: اسم من اسماء الناقة، وهي التي قد ~~انتهت في شدتها وقوتها، فأين وصف الناقة من وصف المرأة؟ فإن قيل: إن أبا ~~تمام لم يرد غير العنس، ولم يرد العانس؛ لأنه لو أراد العانس لكان مخطئا من ~~وجه غير الذي ذكرته، وهو أن العوان - فيما ذكر بعض أهل اللغة - الثيب، ~~وقيل: إنها التي كان لها زوج، وجرير قد أفصح أنها ذات الزوج في قوله: # وأعطوا كما أعطت عوان حليها ... أقرت لبعل بعد بعل تراسله PageV01P038 ~~فكيف يكون العانس وصفا للعوان، ولاعانس هي التي حبست عن التزويج؟ قال عامر ~~بن جوين الطائي: # ووالله ما أحببت حبك عانسا ... ولا ثيبا لو أن ذاك أتاني # فجعلها ضد الثيب، والعنس أولى بأن تكون وصفا للعوان من العانس، ويكونان ~~جميعا من أوصاف العوان؛ لأن العوان إذا أريد بها الناقة، وهي دون المسنة ~~وفوق الفتية، فهي حينئذ الكاملة، والعنس : الناقة التي قد انتهت في قوتها، ~~فهما صفتان متفقتان استعارهما الشاعر للصنيعة من أوصاف النوق، كما استعار ~~البكر الكعاب من أوصاف النساء. # قيل: هذا غلط من الاحتجاج، وتعسف من التأويل، وإنما يستدل ببعض الألفاظ ~~على بعض، كما يستدل على المعنى بما يقترن ويتصل به، فيكون في ذلك بيان ~~وإيضاح، أما العوان والبكر - وإن كان قد وصف بهما غير المرأة من البهائم ~~وغير البهائم - فإن البكر في البيت لا تكون مستعارة إلا من أوصاف النساء، ~~من أجل ما اقترن بها من لفظ الكعاب التي هي مخصوصة بوصف الجارية التي قد ~~كعب ثديها، فلا تكون العوان في صدر البيت من أوصاف النوق، والبكر في آخره ~~من أوصاف النساء؛ فعلمنا أنه لم يرد بالعنس إلا العانس فغلط، كأنه أراد أن ~~هذه الصنيعة ليست في حال ما هي عندي بالعوان العانس، ولا ف يحال ما هي عندك ~~بالبكر الكعاب؛ لأن المرأة تكون كاعبا وبكرا في حال، وعوانا وعانسا ف يحال ~~أخرى، فتنتقل في هذه الأوصاف، والعنس لا موضع لها ههنا. # وأما قوله " إنه لو أراد العانس كان مخطئا؛ ms072 لأن العانس هي التي حبست عن ~~التزويج حتى جازت حد الفتاة؛ فلا تكون وصفا للعوان؛ لأن العوان عند أهل ~~اللغة الثيب " فيقال: إنه إنما كان يسوغ لك هذا التأويل لو زال اسم العنوس ~~عن المرأة إذا تزوجت، فأما وهو باق عليها بعد التزويج الذي صارت به ثيبا ~~فلم لا يكون وصفا للعوان التي هي أيضا ثيب عندك، ألا ترى إلى قول كثير : # فإن طلابي عانس أم ولدة ... لمما تمنيني النفوس الكواذب # فقال ((عانسا)) وجعلها أم ولدة . # فإن قال : فلعل أبا تمام لم يرد هذا وإنما أراد بالعنس مصدر عنست المرأة ~~تعنس عنسا وعنوسا ، فجعل المصدر - وهو عنوس - وصفا للعوان مكان العانس ، ~~والمصادر قد تجعل أوصافا في مكان أسماء الفعالين . # قيل له : المصدر المعروف في مصدر (( عنست المرأة )) وهو العنوس ، ولم ~~يسمع العنس ، وعلى أن الأصمعى قد أنكر عنست مخففا، وقال : إنما هو عنست ~~تعنس تعنيسا بالتشديد، حكى ذلك عنه يعقوب بن السكيت، وهب أن قد جاء العنس ~~مصدر عنست فليس في كل موضوع يسوغ أن تكون المصادر أو صافا ، وإنما تكون ~~أوصافا على وجه من الوجوه وطريقة من اللفظ ، وهي قولهم : إنما زيد دهره أكل ~~ونوم ، وإنما عمرو أبدا قيام وقعود ؛ فإن شئت كان المعنى إنما زيد ذوأ كل ~~ونوم ، وإنما عمرو ذو قيام وقعود فتقيم المضاف إليه مقام المضاف ؛ لأنه يدل ~~عليه ، أو تجعل زيدانفسه الأكل والنوم وعمرا القيام والقعود على المبالغة ؛ ~~لأن ذلك كثير منهما ، كما قالت الخنساء : # ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار PageV01P039 فجعلت ~~الناقة هي الإدبار والإقبال لأن ذلك كثر منها، وإن شئت كان المعنى ذات ~~إقبال و إدبار، فأقمت المضاف إليه مقام المضاف ؛ فهذه طريقة الوصف بالمصادر ~~، وإذا تأولت بالعنس المصدر في قوله " وليست بالعوان العنس " كان ذلك كقولك ~~: ليست هند بالصبية الصغر ، تريد الصغيرة ، ولا دعد بالهرمة الكبر ، تريد ~~الكبيرة ؛ فهذا لا يسوغ في منطق ولا يعرف في لغة ، ولكن قد تستعمل هذه ~~المصادر وصفا على نحو ماذكرته؛ فيقال هند ms073 الحسن كله ، ودعد الجمال أجمعه ، ~~وزيد الهرم أقصاه ، وعبد اله البغض نفسه ، والتينة عينه ، وإن شئت كان ~~المعنى هند صاحبة الحسن كله ، ودعد ذات الجمال أجمعه ، وزيد أخو الهرم ، ~~وعبد الله ذو التيه ؛ فأقمت المضاف إليه مقام المضاف : كما قال الله عز وجل ~~: (وسأل القرية التي كنا فيها) يريد أهل القرية ، وإن شئت جعلت هندا هي ~~الحسن ، هي الجمال ، على المبالغة ، لما كانتا غايتين فيهما ، وجعلت زيدا ~~هو الهرم ، وعبد الله هو التيه ، لما كانا متناهيين في هذين الوصفين .ولو ~~كان أبو تمام اقتصر على ذكر العوان والبكر - وهما اللفظتان اللتان ~~استعارتهما الشعراء في هذا المعنى ، ولم يخلط بهما العنس والكعاب والثيب ~~والأيم - لكان قد سلك الطريق المستقيم ، فأتى باللفظ المألوف المستعمل ، ~~وتخلص من فاحش الخطأ ، وإنما أراد معنى قول الفرزدق : # وعند زياد لو تريد عطاءه ... رجال كثير قد ترى بهم فقرا # قعود لدى الأبواب طالب حاجة ... عوان من الحاجات، أو حاجة بكرا # أي: منهم طالب حاجة عوان: أي حاجة قد عرفها وصارت عادة له ورسما يتطلبه ~~في كل حين، ومنهم طالب حاجة بكر: أي أول ما يلتمسه منه ويقترحه عنده، فأخب ~~أبو تمام أن يزيد على هذا المعنى ويغرب، فأخرجه ذلك إلى الخطأ. # وقد أحسن محمد بن حازم الباهلي في قوله: # أبا جعفر يا بن الجحاجحة الغر ... بدت حاجة، والحر يأوى إلى الحر # وقد لبتني منك بالأمس نعمة ... فهل لك في أخرى عوان إلى بكر # على أنها إن أمكنت أو تعذرت ... فإنك بين الشكر مني والعذر # فهذه طريقة الشعراء في العوان والبكر. # 7 - ومن خطائه قوله: # الود للقربى، ولكن عرفه ... للأبعد الأوطان دون الأقرب # لأنه نقص الممدوح مرتبة من الفضل، وجعل وده لذوى قرابته، ومنعهم عرفه، ~~وجعله في الأبعدين دونهم، ولا أعرف له ف يهذا عذرا يتوجه. # وقد عارضني في معنى هذا البيت غير واحد ممن ينتحل نصرة أبي تمام. # فقال بعضهم: إن العرف ما يتبرع به الإنسان؛ فلذلك جعله في الأباعد، فأما ~~الأقارب فإن برهم وصلتهم من الحقوق ms074 الواجبة اللازمة. # قلت: إن كنت تريد الحقوق التي تلزم وتجب من طريق الحكم فإن ذلك إنما هو ~~للآباء والأجداد، والأمهات والأولاد، والأعمام والأخوال، والإخوة والأخوات ~~إذا كانوا فقراء محتاجين؛ فيجب لهم من الإنفاق عليهم بقدر القوت والكفاية، ~~وهذا لا يخرج أن يسمى معروفا، ألا تراهم يقولون: أنل أباك من معروفك، أو ~~أنل أمك من معروفك؛ فلا يكون هذا قبيحا، بل حقا، وقال الله عز وجل فيما فرض ~~على الرجال للنساء: " وعلى المولد له رزقهن وكسوتهن بالمعروف " ، فقد صار ~~الفرض ههنا معروفا؛ لأن المعروف هو الحسن الجميل من القول والفعل الذي قد ~~عرفت المصلحة فيه؛ فصار معهودا معتادا إذاأورد لم تنفر النفوس منه فتنكره، ~~وهذا لا يكون الإنسان محمودا به إذا أعطاه هذه الطبقة من أهله حتى يمدح ~~بفعله ويفتخر له به، بل يكون مذموما إذا اقتصر عليه ولم يتجاوزه إلى ~~التوسعة عليهم، والإغناء لهم، إن كان من ذلك ممكنا وعليه مقتدرا، فما بال ~~غير هؤلاء من الأقارب ممن ليس له حق من طريق الحكم، وهم بنو الأعمام الذين ~~هم الأعضاد والعدة، وبهم تكون النصرة، وكذلك بنو الأخوات وبنو الأخوال لم ~~يجعل المعروف - الذي هو تبرع - في الأباعد دونهم ويخرجون منه. PageV01P040 ~~وإن أردت الحقوق التي يلزمها الإنسان نفسه تكرما وتفضلا فذلك حقيقة العرف ~~الذي يتبرع المرء به، ويحمد عليه، ويمدح بفعله إياه، وإعطتئه له، ويذم إذا ~~منعه. والأقارب على الاختلاف في طبقاتهم وأنسابهم أولى به من الأباعد؛ فمن ~~جعله في الأباعد دونهم فذلك منه غاية اللؤم، ونهاية العقوق، وعين الحمق، ~~وإن وصفه واصف به فقد بالغ في ذمه، وتناهى في هجائه. # وقال آخر: قوله " الو للقربى " قد جمع لهم الود والعرف وغيره؛ لأن الود ~~يشتمل على ذلك كله، والعرف الذي خص به الأبعدين لا يجمع الوداد؛ إذ ليس كل ~~من أسديت إليه معروفا فقد وددته، فقد أعطى ذوى القربى أكثر مما أعطى ~~الأبعدين. # فقلت له: وليس كل من وددته أيضا فقد أسديت إليه نائلا ولا معروفا، ولا ~~يتضمن لفظ الود غير ms075 المحبة فقط، وعلى أن قوله " دون الأقرب " توكيد يوجب ~~إخراج الأقارب عن العرف، وتخليصه للأبعدين، فما معنى هذا التأويل الذي ~~تأولته؟ فأقام على أن الود يجمع العرف والصلة، وهذا غير معروف، ولا موجود ~~في كلام الناس، وقد قال المقنع الكندي: # فإن الذي بيني وبين بني أبي ... وبين بني عمي لمختلف جدا # إذا جمعوا صرمى معا وقطيعتي ... جمعت لهم مني مع الصلة الودا # فأفصح هذا بأنه يجمع لهم بين الصلة والود وقال البحتري: # مودة وعطاء منك نلتهما ... ورب معطى نوال غير مودود # فقال " مودة وعطاء منك نلتهما " فلو كانت المودة لا تكون إلا ومعها عطاء ~~لم يكن لهذا القول معنى، وكذلك البيت قبله، وقال " رب معطى نوال غير مودود ~~" ورب مودود غير معطى نوال، ألا ترى إلى قول الأعشى: # بانت وقد أسأرت في النفس حاجتها ... بعد ائتلاف، وخير الود ما نفعا # فأراد أن الود قد يكون ولا نفع معه، وقال أبوتمام: # قراني اللهى والود حتى كأنما ... أفاد الغنى من نائلي وفوائدي # وعارض آخر بمثل هذه المعارضة سواء، فأجبته بمثل هذا الحواب، وقلت له: إن ~~كان الأمر على ما تزعم وتركناك على شهوتك في أن الود يجمع المحبة والصلة ~~فقد ناقض إذا هذا الشاعر نفسه في البيت، فإنه إن كان أراد بقوله " الود ~~للقربى " المحبة والمعروف جميعا فقد قال في عجز البيت " ولكن عرفه في ~~الأبعد الأوطان دون الأقرب " فأخرج الأقرب من العرف بقوله " دون " فلو كنت ~~تركته على ما يقتضيه ظاهر لفظه من حرمان الأقرب كان ذلك أقل قبحا من ~~المناقضة. # فقال: إنما أراد بقوله " ولكن عرفه في الأبعد الأوطان دون الأقرب " إفراد ~~العرف للأبعد، وألا يجمعه له مع الود كما جمعهما للأقرب. # فقلت: قوله " دون " يفسد عليك هذا التأويل، وما أراك إلا قد أوضحت فيه ~~الإحالة والمناقضة وبينتهما؛ لأنك في هذا كقائل قال: الود والمال جميعا ~~لزيد، والمال لعمرو مفردا دون زيد، فكيف يجمع المال مع الود لزيد أولا ~~ويفرد عمرا به دون زيد آخرا؟ وهذا أقبح ما يكون من ms076 المناقضة. وإنما كان يصح ~~هذا الكلام أن لو قال: الود والمال لزيد، والمال لعمرو دون الود؛ فيكون قد ~~أخرج عمرا من الود إخراجا مؤكدا بقوله " دون الود " ، فأما الكلام الأول ~~فمتناقض، كما عرفتك. # وكذلك بيت أبي تمام، كان يتأول على هذا أن لو قال " دون الود " لا دون ~~الأقرب، وما ظننت أن أحدا يدعى مثل هذه الدعوى، ولا أن له حاجة تدعو إلى ~~مثل هذا الاحتجاج. # ويجب أن ياقل لهذا المعارض: هل يجوز عندك أن تكون مودة لا معروف معها؛ إذ ~~ليس كل من وددته فقد أنلت معروفا؟ فإن قال " لا " كابر وسقط كلامه، وإن قال ~~" نعم " قيل: قد أخرجت لفظة الود عن أن تدل بمجردها على المعروف إلا بشيء ~~يقترن بها. # وقال آخر: إنما أخرج أقاربه من المعروف لأنم في غنى وسعة بغناه وسعة ~~حاله؛ فلذلك أفردهم بالود. # قلت له: فإن كانوا أغنياء بغناه فقد أوسعهم من معروفه، فما كان ينبغي ~~للشاعر أن يشرط للأباعد دونهم. # وقلت له: وكيف يعلم أنهم أغنياء، وليس في ظاهر البيت دليل عليه؟ قال: كذا ~~نوى وأراد، قلت: وليس العمل على نية المتكلم، وإنما العمل على توجيه معاني ~~ألفاظه، ولو حملت قول كل قائل وقعل كل فاعل على نيته لما نسب أحد إلى غلط ~~ولا خطأ في قول ولا فعل، ولكان من سدد سهما وهو يريد غرضا فأصاب به عين رجل ~~فذهبت، غير مخطئ؛ لأنه ما اعتمد إلا الغرض، ولا نوى غير القرطاس. ~~PageV01P041 وقال آخر: أراد بقوله " ولكن عرفه في الأبعد الأوطان دون ~~الأقرب " أي: بعد الأقرب، كما تقول: جائني الأمير فمن دونه، أي: فمن بعده. # قلت: فإنما معنى " فمن دون " أي: فمن هو أدون منه في الرتبة، بعده كان ~~مجيئه أو قبله. # وقال آخر: إنما أراد أبو تمام بقوله " دون الأقرب " أي: فضلا عن الأقرب ~~أو: فكيف الأقرب؛ لأن هذا مذهب للناس: أن يضعوا " دون " في هذا الموضع ~~فيقولوا: أنا أرضى بالقليل دون الكثير، أي: فضلا عن الكثير، وأنا أقنع بقرص ~~من شعير ms077 دون ما سواه، أي فضلا عما سواه، وهذا مذهب صحيح معروف. # قلت له: هذا توهم منك فاسد، وتأول لهذا الكلام على غير وجهه المقصود؛ لأن ~~معنى " دون " عند أهل اللغة التقصير عن الغاية؛ فمعنى قوله " أنا أرضى ~~بالقليل دون الكثير " أي أرضى بالقليل، ولا أنتهى إلى الكثير: أي لا أطمح ~~إليه، وأرضة بقرص من شعير ولا أنتهى إلى ما سواه؛ فهذه حقيقة معنى هذا ~~اللفظ، وأما ما تأولته فإنما هو بمعنى " بله " التي تأتي في الكلام وموضعها ~~دع، كقول كثير: # بسطت لباغي العرف كفا بسيطة ... تنال العدى، بله الصديق، فضولها # أى : تنال العدى فدع الصديق ،أى : لا تصل إلى العدى إلا بعد أن تصل إلى ~~الصديق ،و " دون " لا تتضمن هذا المعنى ولا تؤديه . # قال : فقد تأتى " دون " بمعنى فوق " كما تأتى فوق بمعنى دون فى قول الله ~~عز وجل : (إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا " ما بعوضة فما فوقها ) ذكر أن ~~معناه فما دونها لأن " فوق " قد تكون دون عند ما هو فوقها و " دون " قد ~~تكون فوق عندما هو تحتها فيجوز أن يكون أراد الشاعر بقوله " دون الأقرب " ~~أى :فوق الأقرب بمعنى زيادة على ما أعطاه الأقرب أو تكون " دون " ههنا ~~بمعنى أمام لأن بعض أهل اللغة جعلها من الأضداد وأنها تأتى بمعنى خلف ~~وبمعنى أمام لأن بعض أهل اللغة جعلها من الأضداد وأنها تأتى بمعنى خلف ~~وبمعنى أمام مثل وراء ، فيكون معنى قوله " دون الأقرب " أى :أمام عرفه فى ~~الأقرب أى : قبله . # قلت له : أما ما قيل فىقوله عز وجل (فما فوقها) معناه فما دونها فان أهل ~~العربية على خلاف ذلك وليس لهذه اللغة عندهم ألا وجهان : أحدهما : أن يكون ~~(فما فوقها ) بمعنى فما هو أكبرمنها لأن البعوضة غاية فى الصغر فيكون ~~المعنى أنه عز وجل لا يستحى أن يضرب مثلا " ما بين هذا الشىء الذى هو نهاية ~~الصغر الى ما هو فوقه أى :ما زاد عليه وتجاوز(ه) والوجه الآخر: (أن يكون ~~(فما فوقها) بمعنى) فما ms078 فوقها فى الصغر وهذا قول أبى العباس محمد بن يزيد ~~المبرد وأبى إسحاق الزجاج والكسائى من قبلهما وأبى عبيدة وما أظن غير هؤلاء ~~(من النحويين) يقول إلا مثل قولهم . # وأما ما ذكرت من أن دون تأتي بمعنى خلف وأمام، وأنها عند أهل العربية من ~~الأضداد نحو " وراء " فقد أخبرتك أن معناها عند أهل العربية التقصير عن ~~الغاية، وإذا كان الشيء وراء الشيء أو أمامه أو يمنة منه أو شأمة صلح في ~~ذلك كله أن تقول: هو دونه، ألا ترى أنك إذا قلت " بيوت بني فلان دون الحرة ~~" ، صلح أن تكون دونها إلى مهب الشمال، أو إلى مهب الجنوب، أو إلى غيرهما ~~من الجهات؛ فلا يعلم المخاطب أي الجهات التي تعنى، فليس هذا من الأضداد في ~~شيء، وإنما جعلها قوم من الأضداد لما رأوها تستعمل في هذه الوجوه لما فيها ~~من الإبهام، وكذلك " وراء " إنما هي من المواراة والاستتار؛ فما استتر عنك ~~فهو وراء: خلفك كان أو قدامك، هذا إذا لم تره ولم تشاهده، وأما إذا رأيته ~~فلا يكون أمامك ووراءك، وإنما قال لبيد: # أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصي تحنى عليها الأصابع # بمعنى أليس أمامي؛ لأنه قال ذلك قبل أن يرى ويشاهد نفسه وقد لزم العصاء ~~وقد قال الله عز وجل: " وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا " قالوا: إنه ~~كان أمامهم، وصلح ذلك لأنهم لم يعاينوه ولم يشاهدوه. # فقد وضح لك الآن معنى " دون " وأنها لا تخرج عن بابها الذي وضعت له، ألا ~~ترى أنك تقول: نزلت في القرية دون النخل؛ فيجوز أن تكون القرية أمام النخل، ~~وخلفه، وأن يكون المعنى أنك أفردت القرية بنزولك، ولم تعرج على النخل، ~~وكذلك " لقيت زيدا دون عمرو " و " أكلت السمك دون اللبن " أخرجت عمرا من ~~لقائك، واللبن من أكلك، وكذلك قول الطائي " دون الأقرب " قد أخرجهم من ~~العرف، وهذا لا شيء أوضح منه. PageV01P042 وقد حمل بعضهم نفسه على أن قال: ~~" إنما " أراد الطائي " لكن عرفه في الأبعد الأوطان دون عرفه في ms079 الأقرب " ~~وهذا من أفحش الخطأ؛ لأن قوله: " دون الأقرب " مثل قولك: " ودى لزيد دون ~~عمرو " ؛ فليس معناه كمعنى قولك: ودى لزيد دون ودى لعمرو؛ لأنك في الأول قد ~~أخرجت عمرا من الود وأفردت زيدا به، وفي الثاني جعلت الود لزيد دون الود ~~لعمرو، أي: أقل منه؛ فهذا معنى وذاك معنى آخر. # وأيضا فلو اعتمد أبو تمام هذا المعنى لكان قد أخرج " لكن " التي إنما ~~تدخل للأستدراك من أن يكون استدرك بها شيئا؛ فلا يكون لها في البيت معنى ~~البتة. # وقال آخر ممن يلتمس العذر لأبي تمام: إنما هذا على طريق الإيثار كما يؤثر ~~الإنسان على نفسه، فكذلك يؤثر على أقاربه. # قيل له: الإثار على النفس حسن جدا، وصاحبه ممدوح، كما قال الله عز وجل: " ~~ويؤثرون على أنفسهم، ولو كان بهم خصاصة " وكما قال أبو خراش الهذلي: # أرد شجاع الجوع قد تعلمينه ... وأوثر غيري من عيالك بالطعم # وكما قال عروة بن الورد: # أقسم جسمي في جسوم كثيرة ... وأحسو قراح الماء والماء بارد # والإيثار إنما يكون إيثارا ويقع الحمد به إذا آثر الإنسان غيره على نفسه ~~أو على ولده، وفي بعض الأحوال فأما إذا آثر بعض الطالبين على بعض بغير سبب ~~يعلم فهو بذلك مذموم وغير ممدوح، فكيف إذا آثر البعيد على القريب؟ وقد جاء ~~في أشعار العرب من الحث على بر الأقارب ومن حمد من وصلهم وذم من حرمهم ما ~~هو أشهر وأكثر من أن يخفى؛ قال زهير: # وليس مانع ذى قربى وذى رحم ... يوما، ولا معدما من خابط ورقا # وقال أبو دواد الإيادي: # إذا كنت مرتاد الرجال لنفعهم ... فرش واصطنع عند الذين بهم ترمى # وقال حاتم الطائي: # لا تعذليني على مال وصلت به ... رحما قريبا؛ فخير المال ما وصلا # وقال أوس بن حجر: # أليس بوهاب مفيد ومتلف ... وصول لذى قربى هضيم لمهتضم؟ # وقال زهير: # وذى نسب ناء بعيد وصلته ... بمال، وما يدري بأنك واصله # وقال كثير: # بسطت لباغي العرف كفا بسيطة ... تنال العدى بله الصديق فضولها # هذا المعنى أولى بالصواب ms080 من قول الطائي؛ لأنه أراد أن عرفه ينال العدى ~~فضلا عن الصديق؛ لأن قوله " بله الصديق " أي: فدع الصديق لأنه لا يصل إلى ~~العدى إلا بعد أن يصل إلى الصديق؛ قال كثير أيضا: # لأهل الود والقربى عليه ... صنائع بثها بر وصول # وللفقراء عائدة ورحم ... فلا يقصى الفقير ولا يعيل # ألا تراه بدأ بأهل وده وقرابته فجعل صنائعه فيهم، ثم ثنى بالفقراء فجعل ~~لهم عائدة ورحما: أي رحمة؟ وقال كثير أيضا: # ولم يبلغ الساعون في المجد سعيه ... ولم يفضلوا إفضاله في الأقارب # جزتك الجوازي عن صديقك نضرة ... وقربت من مأوى طريد وراغب # وصاحب قوم معصم بك حقه ... وجار ابن ذى قربى وآخر جانب # رأيتك والمعروف منك سجية ... تعم بخير كل جاد وغائب # جاد يقال: فلان يجدو ويجتدى، أي: تعم بالمعروف من هو بحضرتك ومن هو غائب ~~عنك؛ فجعل كثير كما ترى معروفه عموما في الأقارب وف يالأباعد إلى الحاضر ~~والغائب. وقال ابن هرمة: # كم نائل وصلات قد نفحت بها ... ونعمة منك لا تحصى أياديها # عند الأقارب والأقصين نفعهما ... بيض روائحها، تحدو غواديها # وقال كنانة بن عبد ياليل الثقفى: # صلاة وتسبيح وإعطاء نائل ... وذو رحم تناله منك إصبع # يريد بقول إصبع معروف ونائل. # وقال إسماعيل بن يسار النسائي: # وإذا أصبت من النوافل رغبة ... فامنح عشيرتك الأداني فضلها # وقال المسشيب بن علس في منع الأقارب: # من الناس من يصل الأبعدين ... ويشقى به الأقرب الأقرب # وقال الحارث بن كلدة الثقفي يذم فاعل ذلك: # من الناس من يغشى الأباعد نفعهويشقى به حتى الممات أقاربه # فإن يك خير، فالبعيد يناله ... وإن يك شر، فابن عمك صاحبه # فقد تراه كيف ذم على حرمان القريب. # وقال مسافر بن أبي عمرو بن أمية في نحو ذلك: PageV01P043 تمد إلى الأقصى ~~بذديك كله ... وأنت على الأدنى صرور مجدد # وإنك لو أصلحت من أنت مفسد ... توددك الأقصى الذي تتودد # الصرور: الضيق حلمة الثدي؛ والمجدد: الذي انقطع لبنه. # فهذه طريقة القوم في هذا، وهذا مذهب سائر الأمم. # وأما قول أبي تمام: # وربما عدلت ms081 كف الكريم عن ال ... قوم الحضور، ونالت معشرا غيبا # فليس هو من بيته الأول في شيء، وقد أدرك فيه الغرض، كأنه يعذر من فعل ~~هذا: أي ربما اتفق أن يفعله من غير قصد أيضا، وليس هذا بمحمود. # وقد ذهب البحتري إلى نحو ما ذهب إليه أبو تمام فقال: # بل كان أقربهم من سيبه نسبا ... من كان أبعدهم من جذمه رحما # إلا أنه لم يخرجهم من معروفه، وإن كان أيضا قد دخل تحت الإساءة. # ونحو هذا قول البحتري أيضا: # إذا قسمه عدلا: ففيكم نواله، ... وفي سر نبهان بن عمرو مآثره # وما عجب أن تشهدوا الطعن دونه ... وما عشرتكم في نداه عشائره # فأي قسمة عدل ههنا: أن يجعل نداه في غير قومه، ويقتصر بهم على أن يحوزوا ~~الفخر بمآثره؟ وإن كان قد دل بقوله " وما عشرتكم في نداه عشائره " على أنه ~~لم يحرمهم نواله البتة. # والأحسن في هذا قوله: # فإن تنفرد عنا قشير بمجده ... فلم تنفرد عنا بنائله الجزل # فأعطاهم المجد والنائل جميعا. # وشبيه بهذا أو قريب منه قوله: # عطاؤك ذا القربى جزيل، وفوقه ... عطاؤك في أهل الشناءة والبعد # فقال " عطاؤك ذا القربى جزيل " ثم قال " وفوقه عطاؤك في أهل الشناءة ~~والبعد " فقوله " وفوقه " أي: أجزل منه، وقد يكون " فوقه " بمعنى زيادة ~~عليه، والمعنى الأول بالبيت أليق. # والجيد في هذا البعيد من العيب قوله: # ظل فيها البعيد مثل القريب ال ... مجتبى والعدو مثل الصديق # يريد نعمته ولا أعرف لأبي تمام فيما قال عذرا يتوجه، ولا وجدت فيما ~~تصفحته من أشعار العرب ما يجانسه إلا قول عامر بن صعصعة بن ثور الفقعسي: # لمن يزورك من أشرافنا لطف ... وذى القرابة إدناء وتقريب # وأطن أبا تمام عثر به واستغر به فأخذ المعنى وزاد عليه زيادة أخرجته إلى ~~ذم الممدوح؛ لأن هذا الشاعر قال " لمن يزورك من أشارفنا لطف " أي: بر، " ~~ولذى القرابة إدناء وتقريب " ولم يقل إدناء وتقريب دون البر، كما قال أبو ~~تمام؛ لأن البر واللطف إذا كانا للغريب الزائر، وكان الإدناء والتقريب في ms082 ~~تلك الحال لذى القرابة - فقد يجوز أن يمنحه البر واللطف في حال أخرى ووقت ~~آخر، ولا يوصل البر إليه في وقت إيصاله إلى الغريب، وهذا إن كان يقع في ~~الأكثر فلا عيب على هذا الشاعر فيما قاله. # ولله در أبي عبادة الوليد بن عبيد البحتري إذ يقول في هذا المعنى: # ما إن يزال الندى يدنى إليه يدا ... ممتاحة من بعيد الدار والرحم # وقوله: # وما أضعت الحق في أجنب ... فكيف تنسى واجبا في شقيق؟ # 8 - ومن خطائه قوله: # يدي لمن شاء رهن لم يذق جرعا ... من راحتيك درى ما الصاب والعسل # لفظ هذا البيت مبني على فساد؛ لكثرة ما فيه من الحذف؛ فكأنه أراد بقوله " ~~يدي لمن شاء رهن " أي: أصافحه وأبايعه معاقدة أو مراهنة إن كان من لم يذق ~~جرعا من راحتيك درى ما الصاب والعسل، ومثل هذا لا يسوغ؛ لأنه حذف " إن " ~~التي تدخل للشرط، ولا يجوز حذفها؛ لأنها إذا حذفت سقط معنى الشرط، وحذف " ~~من " وهي الاسم الذي صلته " لم يذق " فاختل البيت، وأشكل معناه. # والحذف لعمري كثير في كلام العرب، إذا كان المحذوف مما تدل عليه جملة ~~الكلام، قال الله عز وجل: " أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات ~~والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى " ، أراد عز وجل أو لم يتفكروا ~~فيعلموا " أنه ما خلق ذلك إلا بالحق، أو لم يتفكروا فيقولوا " ، وأشياء هذا ~~كثير. # ومن باب الحذف والاختصار قوله تعالى: " فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم ~~بعد إيمانكم " . # قال أبو عبيدة: العرب تختصر الكلام لعلم المخاطب بما أريد، كأنه أراد ~~فيقال لهم: أكفرتم بعد إيمانكم، وقوله عز وجل: " إذا لأذقناك ضعف الحياة ~~وضعف الممات " يفسر ضعف عذاب الحياة وضعف عذاب الممات، وفي الشعر مثل هذا ~~موجود، قال الشاعر: PageV01P044 لو قلت ما في قومها لم تأثم ... يفضلها في ~~حسب وميسم # يريد أحد يفضلها، فخذف " أحد " ؛ لأن الكلام يدل عليه، ذكر ذلك سيبويه. ~~وأنشد في باب الحذف: # وما الهدر إلا تارتان فمنهما ... أموت، وأخرى أبتغي العيش ms083 أكدح # يريد فمنهما تارة أموت. # فإن تأول متأول هذا البيت على ألفاظ أخر محذوفة غير اللفظ الذي ذكرته ~~فالاختلال بعد قائم؛ لكثرة ما حذف منه، وسقوط الدليل عليه. # 9 - ومن خطائه قوله: # شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي ... ومحت كما محت وشائع من برد # جعل الوشائع حواشي البرد أو شيئا منها، وليس الأمر كذلك، إنما الوشائع ~~غزل من اللحمة ملفوف يجره الناسج بين طاقات السدى عند النساجة قال ذو ~~الرمة: # به ملعب من معصفات نسجنه ... كنسج اليمانى برده بالوشائع # فأما قول كثير : # ديار عفت من عزة الصيف بعدما ... تجد عليهن الوشيع المنمنما # فإنما أراد بالوشيع هنا سد به الخصائص بين الشيئين، وهو من وشائع الغزل ~~مأخوذ، والمنمنم : مأخوذ من النمام، أي بعد ما كانت هذه الديار تجد بالوشيع ~~، أي : يخصص به خيامها . # ومثل أبي تمام لا يسوغ له الغلط في مثل هذا؛ لأنه حضرى، إنما يسامح في ~~ذلك البدوى الذي يريد الشئ ويلم يعاينه فيذكر غيره؛ لقلة خبره بالأشياء ~~التي تكون بالأمصار . # وأما أبو تمام فليست هذه حاله، ما جهل هذا، ولكنه سامح نفسه فيه، ألا ترى ~~إلى قوله في موضوع آخر يصف قصيدة : # الجد والهزل في توشيع لحمتها ... والنبل والسحف والأشجان والطرب # فقال ((في توشي لحمتها)). # 10 - ومن خطائه قوله : # لو كان في عاجل من آجل بدل ... لكان في وعده من رفده بدل # ولم لا يكون في عاجل من آجل بدل؟ والناس كلهم على اختيار العاجل إيثاره ~~وتقديمه على الآجل، ألا ترى قول الذي قول القائل الذي قد صار مثلا : 3 ~~والنفس ملوعة بحب العاجل والعاجل أبدا هو المطلوب والمرغوب فيه، حتى إن ~~قليلة يؤثر على كثير الأجل، كام قال الآخر: # أعذل عاجل ما أشتهى ... أحب من الأكثر الرائث # كأنه يريد عاجل ما اشتهى مع القلة أحب من الأكثر المبطئ؛ فمن شأن العاجل ~~أبدا أن يكون أفضل الأعواض والأبدال من كل آجل إذا كان في خير، فعلجل الخير ~~من آجله، كما أن عاجل الشر شر من آجلهن لأن العاجل شئ ms084 قد وقع : إن كان خيرا ~~فقد حصل نفعه، أو شرا فقد تجعل ضرره، آجل الخير يخشى فؤته، وربما وقع ~~الإخفاق منه، كما أن آجل الشر يرجى زواله، وربما لم يقع، فكيف لا يكون ~~العجل بدلا أو خلفا من الآجل؟ فإن قال قائل : إن الذي أراد أبو تمام وقاله ~~صحيح، ومذهبه فيه مستقيم؛ لأن العاجل لا يكون أبدا بدلا ولا خلفا من الآجل؛ ~~لأن البدل لا يكون قبل المبدل منه، ولا الخلف يتقدم على ما هو الخلف له؛ ~~لأنه إنما قيل له خلف لإتانه خلف الذي هو قدامه؛ فأبو تمام إنما أنكر أن ~~يكون العاجل بدلا أو خلفا من الآجل على هذه السبيل . # قيل : هذا غلط من التأويل أو مغالطة؛ لأنه ليس على هذا الوجه منع أبو ~~تمام من أن يكون العاجل بدلا من الآجل؛ فيحتج بأن هذا أولى بالتقديم وهذا ~~أولى بالتأخير من طريق الترتيب، وإنما أراد أنه لا يقوم في الحاجة إليه، ~~فكيف يكون الأول مقام الثاني والمتقدم مقام المتأخر؟وكان وجه الكلام الذي ~~يصح به المعنى ويستقيم أن يقول: لو كان في عاجل قول بدل من آجل فعل لكان في ~~وعده من رفده بدل0 فإن قال: فهذا هو الذي أبو تمام0 قيل: ليس الأمر كذلك ~~لأن طريقة لفظه في البيت أن يكون معناه لوكان فيشيء عاجل من شىء آجل بدل. # وبعد؛ فلو أراد ما ظننته وذهبت إليه - وذلك ليس بمعلوم، ولا في البيت ~~عليه دليل - لم يلتفت إلى إرادته؛ لأنك إذا فصلت الإضافة من عاجل قول أو ~~آجل فعل ففرقت بين المضاف والمضاف إليه لم يدل أحدهما على الآخر؛ لأن لفظة ~~((عاجل)) لا تدل غير مضافة على ما تدل عليه لفظة " عاجل قول " كما أن لفظة ~~" آجل " لا تدل على " آجل فعل " ولا يدلان أيضا على شيء مضمر، كما أن قولك: ~~" زيد أول ناطق وآخر ساكت، وعمرو أول خارج وآخر قادم، وبكر أول آخذ وآخر ~~تارك " إذا أفردت " أول " و " آخر " لم يدلا على شيء مما أضيف إليه. ألا ms085 ~~ترى أن الأصمعي أنكر على ذى الرمة قوله يصف الوتر: PageV01P045 كأنه في ~~نياط القوس حلقوم # فقال: حلقوم ماذا؟ إذ كان يجب أن يقول: حلقوم طائر، أو حلقوم قطاة، أو ~~غيرهما مما يشبه الوتر في الدقة، وإلا فقد يكون الحلقوم حلقوم فيل، أو ~~حلقوم بعير، وهذا من الأصمعي إنكار صحيح، وإن كان لا يلزم ذا الرمة فيه ما ~~يلزم أبا تمام؛ لأن العرب لا تشبه الوتر إلا بحلقوم الطائر. # وذلك قول الراجز: # لأم ممر مثل حلقوم النغر # أخذه أبو نواس فقال: # لأم كحلقوم النغر # وقال الراجز: لأم كحلقوم القطاة تغترف وأبو تمام إنما أراد أن هذا ~~الممدوح يقيم وعده لصحته مقام عطيته، وأحب الإغراق على رسمه فأخطأ في تمثيل ~~ما مثل بذكر العاجل والآجل؛ لأنه أطلق القوم عموما لا يدل على الخصوص. # والجيد النادر في هذا قول البحتري: # لو قليل كفى امرأ من كثير ... لاكتفينا بقوله من فعاله # وأحسن الراعي في قوله: # ضافى العطية: راجيه وسائله ... سيان، أفلح من يعطى ومن يعد # 11 - ومن خطائه قوله: بيوم كطول الدهر في عرض مثله ووجدى من هذا وهذاك ~~أطول فجعل للدهر - وهو الزمان - عرضا، وذلك محض المحال، وعلى أنه ما كانت ~~به إليه حاجة؛ لأنه قد استوفى المعنى بقوله: " كطول الدهر " فأتى على العرض ~~في المبالغة. # فإن قيل: فلم لا يكون سعة ومجازا؟ قيل: هذه ألفاظ صنعتها صنعة الحقيقة، ~~وهي بعيدة من المجاز؛ لأن المجاز في هذا له صورة معروفة، وألفاظ مألوفة ~~معتادة، لا يتجاوز في النطق بها إلى ما سواها، وهي قول الناس: عشنا في خفض ~~ودعة زمانا طويلا عريضا، وما زلنا في رخاء ونعمة الدهر الطويل العريض. ~~وإنما أرادوا إتمامه وكماله واتساعه لهم بما أحبوه؛ لأنهم إذا وصفوا بالطول ~~والعرض ماله طول وعرض على الحقيقة فإنما يريدون تمامه وكماله وسعته، نحو ~~قولهم: ثوب طويل عريض، أي: تام واسع، وأرض طويلة عريضة، أي: تامة في الطول ~~والسعة، وكذلك إا وصفوا ما ليس له طول ولا عرض على الحقيقة فإنما يريدون ~~التمام والكمال، ms086 ألا ترى إلى قول الراعي: # أنت ابن فرعى قريش لو تقاسمها ... في المجد صار إليك العرض والطول # فاستعار للمجد ههنا الطول والعرض؛ لأنه أراد صار إليك المجد بتمامه ~~وكماله، وكذلك قول كثير: # بطاحي له نسب مصفى ... وأخلاق لها عرض وطول # أي: لها سعة وتمام وكمال في الفضائل والمحاسن، وكذلك قوله: # إذا ابتدر الناس المكارم بزهم ... عراضة أخلاق ابن ليلى وطولها # أي بزهم منه أخلاقه وتمامها وكمالها ف يالفضل؛ لأن الأخلاق تمدح بالسعة ~~وتذم بالضيق، إلا أن أكثر ما يأتي في كلامهم العرض المراد به السعة إذا جاء ~~مفردا عن الطول، نحو قولهم: فلان في نعمة عريضة، وله جاه عريض، وكما قال ~~الله عز وجل: " وجنة عرضها السموات والأرض " أي: سعتها، وكما قال الله عز ~~وجل في موضع آخر: " وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض " ، وكما قال تميم بن أبي ~~بن مقبل: # يقطعن عرض الأرض غير لواغب ... وكأن بحريها لهن صحار # أي: يقطعن سعة الأرض، وكما قال الآخر: # سأجعل عرض الأرض بيني وبينهم ... وأجعل بيتي في غنى وأعصر # وكما قال العجاج: # إذا تغشوا بعد أرص أرضا ... حسبتهم زادوا عليها عرضا # أي: سعة وكثرة، وكما قال تميم بن أبي بن مقبل أيضا: # حتى إذا الريح خبت بالسفا خببا ... عرض البلاد أشت الأمر واختلفا # أي: سعة البلاد؛ فهذا إذا جري على هذا اللفظ المستعمل حسن ولم يقبح، وإذا ~~عدلت به عن هذه الطريقة وهذه الألفاظ المألوفة إلى ما يشبه الحقائق أو ~~يقاربها كنت مخطئا؛ لأنك إذا قلت: " مضى لنا في الخفض والدعة دهر طويل كأن ~~طوله كعرضه " لم يجز ذلك؛ لأن هذا على هذا الترتيب كأنه وصف لأشياء مجسمة، ~~كما قال الطائي: # بيم كطول الدهر في عرض مثله # فكان بهذا اللفظ كأنه يذرع ثويا أو يمسح أرضا أو يصف بالاجتماع والتدوير ~~رجلا، كما قال تميم بن أبي بن مقبل: # وكل يمان طوله مثل عرضه ... فليس له أصل ولا طرفان # فإن قيل: فإذا جعلت للزمان العرض الذي هو سعة على المجاز فلم لا تجعل ms087 له ~~العرض الذي هو خلاف الطول على المجاز؟ PageV01P046 قيل له: العرض الذي هو ~~خلاف الطول حقيقة، والزمان لا عرض له على الحقيقة، فكيف تكون الحقيقة ~~مجازا؟ فإن قيل: فإن الزمان لا يوصف بالسعة، كما لا يوصف بالعرض، فلم ~~استعرت له العرض الذي هو السعة؟ قيل: العرض - وإن جاء وصفا وحلية للزمان في ~~قولهم: عاش فلان في نعمة زمنا طويلا عريضا - فإنما صلح لأنك وصلته بالطول، ~~وقرنته به، فكأن المعنى عاش في زمن تم له وكمل واتسع، كما أخبرتك، والزمان ~~قد يوصف بالسعة فيقال: قد اتسع لك الوقت والزمان في فعل كذا، ولا يقال عرض ~~لك في الوقت سعة، والعرض ههنا هو السعة، ولكن أجرى هذا على حسب ما ~~استعملوه، وإنما يراد في الوقت فسحة لك وامتداد يراد به معنى الطول، وقال ~~ضرار بن الخطاب: # ولولا هاجر وبنو قتال ... وما لاقيت في الزمن العريض # فذكر العرض مفردا عن الطول: أي الزمن الذي اتسع لك، وقد يجوز - إن قلت: ~~عاش في الخير دهرا عريضا - أن تريد بالعرض سعة الخير فيه، لا سعته في نفسه، ~~كما قالوا " ليل نائم " أي: ينام فيه، " ولمح باصر " أي: يبصر به. # وإنما تستعار اللفظة لغير ما هي له إذا احتملت معنى يصلح لذلك الشيء الذي ~~استعيرت له ويلييق به؛ لأن الكلام إنما هو مبني على الفائدة في حقيقته ~~ومجازه، وإذا لم تتعلق اللفظة المستعارة بفائدة في النطق فلا وجه ~~لاستعارتها، ولو كان الزمان يوصف بالعرض على الحقيقة - وهذا محال - لما كان ~~في بيت أبي تمام معنى؛ لأنه إنما أراد أن يبالغ في طول وجده؛ إذ كان الوجد ~~يوصف بالطول، كما يوصف به الشسوق والغرام ونحوهما؛ فيقال: طال وجدي، وطال ~~شوقي، وطال غرامي. # وكذلك الزمان إنما يوصف بالطول؛ فيقال: طال ليلي، وطال نهاري، فما كانت ~~حاجة إلى العرض؛ وإنما فضل وجده على الدر وعلى اليوم الذي جعله كالدهر من ~~جهة الطول لا من جهة العرض، ألا تراه قال: # ووجدي من هذا وهذاك أطول # وقد ذكر أبو تمام العرض ms088 في بيت آخر فقال: # إن الثناء يسير عرضا في الورى ... ومحله في الطول فوق الأنجم # وكيف يعقل سير الثناء عرضا في الورى وهو لم يحدد موضعا بعينه فيحسن فيه ~~ذكر الطول أو العرض، فيكون كما قال الراعي: # وجرى على حرب الصوى فطردته ... طرد الوسيقة في السماوة طولا # فحسن أن يقول " طولا " لأنه ذكر السماوة، ودكما قال النابغة، ويقال: إنه ~~محمول عليه: # جنيدبن مع الغطاط يقدن حتى ... قطعن الحزن عرضا والرمالا # فصلح لأنه ذكر أنهن قطعن أرض الحزن والرمال؛ ومثل قول أب يتمام قول ~~المرار: # فلو كانت تجوب الأرض عرضا ... ولكن جوبهن الأرض طولا # وله، ولبيت أب يتمام معنى غامض يصحان به، وأنا أذكره مع شرح المعاني ~~الغامضة من شعر أبي تمام. # ومما يشبه قول أب يتمام: # بيوم كطول الدهر في عرض مثله # أو يقاربه قول الكميت يصف عدة قوم بالكثرة: # كالليل، لا، بل يضعفو ... ن عليه من باد وحاضر # وكيف يتحصل مقدار الليل حتى يتحصل ضعفه؟؟ وهذا أيضا يصح على السبر ~~والتفتيش، إذا حصل معناه، وذلك أن الليل لا يغشى الأرض كلها بظلمته، وإنما ~~يغشى بعضها، فلعل الكميت أراد أنهم يأخذون من الأرض ضعف ما أخذه الليل منها ~~إذا غشيها، على سبيل المبالغة، وكما قال الأحمر بن شجاع الكلبي: # بجأواء تعشى الناظرين كأنها ... دجى الليل، بل هي من دجى الليل أكثر # 12 - وقال أبو تمام: # ورحب صدر لو أن الأرض واسعة ... كوسعه، لم يضق عن أهله بلد # وهذا أيضا غلط؛ من أجل أن كل بلد يضيق بأهله، وليس شيقه من جهة ضيق ~~الأرض؛ لأن الأرض لو كانت واسعة عشرة أشعافها في المقدار، أو ألف ضعف مثلها ~~لما كان ذلك بموجب أن يكون الحزن أو الصمان أو الغول أو نجد أو المدينة أو ~~مكة أو الكوفة أو البصرة، في قدر مساحة كل ناحية منها، أو أوسع وأزيد مما ~~هي علمه الآن، إذ لم يختط البصرة ولاكوفة من اختطهما، ولا أسس مكة والمدينة ~~من أسسهما على قدر سعة الأرض وضيقها، ولا صار ms089 قدر الحزن والصمان هذا القدر، ~~في ذرعهما ومساحتهما على قدر مساحة الأرض وذرعها بقسط أخذاه منها، وإنما ~~ذلك على حسب ما أدى إليه الاجتهاد والاختيار ممن أسس كل بلدة ومصر كل مصر. ~~PageV01P047 وكان ينبغي أن يقول: ورحب صدر لو أن الأرض واسعة كوسعه لم يسعا ~~الفلك ولضاقت عنها السماء، أو أن يقول: لو أن سعة كل بلد أو مصر كسعة صدره ~~لم يضق عن أهله بلد، وكان حينئذ يكون المعنى لائقا مستقيما. # والجيد الصحيح ف يهذا المعنى قول البحتري: # مفازة صدر لو تطرق لم تكن ... ليسلكها فردا سليك المقانب # أي: لم يكن ليسلكه إلا بدليل لسعته، وأيضا فإن الجزء من الأرض وهو ما ~~يكون فيه الحيوان والنبات، وإنما مقداره على ما يقوله أهل الهندسة الربع من ~~الأرض أو أقل من الربع، والمسكون من جملة ذلك لعله لا يكون جزءا من ألف جزء ~~من ذلك؛ فما معنى جعله ضيق البلدان الضيقة إنما هو من أجل ضيق الأرض؟ فإن ~~قيل: فإنما أراد بقوله " لو أن الأرض " أي لو أن البلدان واسعة. # قيل: لا يدل قوله " الأرض " وهو لفظ عموم على البلدان التي هي مخصوصة، ~~ولا يكون الغلط إلا هكذا: أن يريد القائل لفظة تدل على معنى فيأتي بأخرى ~~ليست فيها على ذلك المعنى دلالة. # 13 - ومن خطائه قوله: # وكلما أمست الأخطار بينهم ... هلكى تبين من أمسى له خطر # لو لم تصادف شيات البهم أكثر ما ... في الخيل لم تحمد الأوضاح والغرر # فالأوضاح: هي البياض في الأطراف، وقد يكون أيضا في البهم، وكذلك أيضا ~~الغرر قد توجد في البهم كثيرا، وهذا فساد في ترتيب البيت؛ لأنه ليس إذا ~~وجدت شيات البهم - وهي صغار الغنم - أكثر ما في الخيل، أو وجدت شيات الخيل ~~أكثر ما في البهم كان ذلك موجبا لحمد الأوضاح والغرر، وإنما كان يصح نظم ~~الكلام لو لم توجد الأوضاح والغرر في البهم، حتى تكون مخصوصة بالخيل؛ ~~فيقول: لو لم تعدم الأوضاح والغرر في البهم لما حمدت في الخيل، فأما أن ~~توجد ms090 شيات البهم في الخيل كثيرا، أو شيات الخيل في البهم دائما، فليس هذا ~~بموجب حمد الأوضاح والغرر في الخيل؛ لأن الأوضاح والغرر موجودة في الغنم ~~أيضا. # وقال طارق بن شهاب المازني يصف المعزى وتيس الغنم # وراحت أصيلانا كأن ضروعها ... دلاء، وفيها واتد القرن لبلب # له رعثات كالشنوف، وغرة ... شديخ، ولون كالوذيلة مذهب # فذكر أن له غرة. قال آخر ف يوصف عنز سوداء: # سوداء إلا وضحا في الشوى ... كأنما الجوزاء في الأكرع # فذكر بياض أكرعها، وذلك موضع التحجيل، بل لو قال: " لو لم تقل الأوضاح ~~والغرر في البهم، لما حمدت في الخيل " لكان أقرب إلى الصواب؛ لأنى أظنها ف ~~يالبهم أقل، وف يالخيل أكثر، وليس في هذا البيت دليل عل هذا ولا ذاك. # 14 - ومن خطأ المدح قوله: # سأحمد نصرا ما حييت، وإنني ... لأعلم أن قد جل نصر عن الحمد # فإنه رفع الممدوح عن الحمد الذي ندب الله عباده إليه بأن يذكروه به، ~~وينسبوه إليه، وافتتح فرقانه في أل سورة بذكره، وحث عليه، وللعرب في ذكر ~~الحمد ما هو كثير في كلامها وأشعارها، ما فيهم من رفع أحدا عن أن يحمد، ولا ~~من استقل الحمد للممدوح، قال زهير بن أبي سلمى: # متصرف للحمد، معترف ... للرزء، نهاض إلى الذكر # فقوله " متصرف للحمد " أي حيث ما رأى خلة تكسبه الحمد التمسها وطلبها. # وقال زهيرا أيضا: # أليس بفياض يداه غمامة ... ثمال اليتامى في السنين محمد؟ # فقوله " محمد " أي: يحمد كثيرا. وقال الأعشى: # ولكن على الحمد إنفاقه ... وقد يشتريه بأغلى ثمن # وقال أيضا: # يشتري الحمد بأغلى سعيه ... واشتراء الحمد أدنى للربح # وقال أيضا: # إليك أبيت اللعن كان كلالهاإلى الماجد الفرع الجواد محمد # فوصفه بأن جعله محمدا: أي يحمد كثيرا. وقال الآخر: # ومن يعط أثمان المحامد يحمد # فهذه هي الطريقة المعروفة في كلام العرب، ولو قال الطائي " لو جل أحد عن ~~المدح لجللت عنه " كان أعذر، كما قال البحتري: # لو جل خلق قط عن أكرومة ... تبنى جللت عن الندى والباس # أي: كنت تجل لعلو شأنك عن ms091 أن يقال: سخى، أو شجاع؛ إذ كان هذان الوصفان قد ~~يوصف بهما من هو دونك. # وقال البحتري أيضا: # واحمد أنفس ما تعوضه امرؤ ... رزئ التلاد إن المرزأ عوضا # فأما قول البحتري: PageV01P048 كيف نثنى على ابن يوسف؟ لا كي ... ف؟ سرى ~~مجده فعاب الثناء # فعيبه الثناء إنما معناه عظم أن يدركه ويبلغ حده، ألا تراه قال " كيف ~~نثنى على ابن يوسف؟ لا كيف؟ " أي: لا طريق إلى كيفية الثناء الذي يستحقه ~~ويليق به، ثم قال " سرى مجده فعاب الثناء " قطعا من الكلام الأول. # 15 - ومن خطائه قوله: # ظعنوا فكان بكاي حولا بعدهم ... ثم ارعوبت، وذاك حكم لبيد # أجدر بجمرة لوعة إطفاؤها ... بالدمع أن تزداد طول وقود # وهذا ما خلف عليه العرب، وضد ما يعرف من معانيها؛ لأن المعلوم من شأن ~~الدمع أن يطفئ الغليل، ويبرد حرارة الحزن، ويزيل شدة الوجه، ويعقب الحرارة، ~~وهو في أشعارهم كثير موجود ينحى به هذا النحو من المعنى؛ فمن ذلك قول أمرئ ~~قيس : # وإن شفائي عبرة مراهقة ... فهل عند الرسم دارس ن معول؟ # وقول ذي الرمة : # لعل انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد، أو يشفى نجى البلابل # وقال الفرزدق : # فقلت لها : إن البكاء لراحة ... به يشتفى من ظن أن لا تلاقيا # وهو كثير في أشعارهم، ما عدل به أحد منهم عن هذا المعنى، وكذلك ~~المتأخرون، هذا السبيل سلكوا، وأبو تمام من بينهم ركب هذا المعنى؛ وكرره في ~~شعره متبعا لمذاهب الناس؛ فمن ذلك قوله: # نثرت فريد مدامع لم تنظم ... والدمع يحمل بعض ثقل المغرم # وقال في موضوع آخر : # واقعا بالخدود، والحر منه ... واقع بالقلوب والأكباد # وقال أيضا: # فافزع إلى ذخر الشؤون وعذبها ... فالدمع يذهب بعض الجهد الجاهد # وقال أيضا: # فلعل عينك أن تجود بمائها ... والدمع منه خاذل ومواس # وقال أيضا : # فلعل عبرة ساعة أذريتها ... تشفيك من إرباب وجد محول # فلو كان اقتصر على هذا المعنى الذي جرت به العادة في وصف الدمع لكان ~~المذهب الصحيح المستقيم. ولكنه أحب الإغراب؛ فخرج إلى مالا يعرف في كلام ~~العرب، ms092 ولا مذاهب سائر الأمم. # وقد تبعه على الخطأ البحترى فقال: # فعلام فيض مدامع تدق الجوى ... وعذاب قلب في الحسان معذب # قوله : تدق الجوى من قولهم لم يدق الأرض منه شئ أي: لم يصل، وفي شعر امرئ ~~القيس ما فيه مودقى أي: على أثرى .وأصله من الدنو، فكأنه قال تدق الجوى، ~~يقال : أتان وديق ، أي: تدنو من الفحل، ومنه الوديقة الهاجرة؛ لدنو الحرن ~~وقيل لقطر المطر ود لا نحلا به من السحاب ودنوه من الأرض. # 16 - ومن خطائه قوله: # رضيت وهل أرضى إذا كان مسخطى ... من الأمر ما فيه رضا من له الأمر # فمعنى هل في هذا البيت التقرير، والتقرير على ضربين: تقرير للمخاطب على ~~فعل قد مضى ووقع، أو على فعل هو في الحال ليوجب المقرر ذلك ويحققه، ويقتضى ~~من المخاطب في الجواب الاعتراف به، نحو قوله: هل أكرمتك؟ هل أحسنت إليك؟ هل ~~أودك وأوترك، وهل أقضى حاجتك؟ وتقرير على فعل يدفعه المقرر وينبغي أن يكون ~~قد وقع، نحو قوله: هل كان قط إليك شيء كرهته؟ هل عرفت منى غير الجميل؟ ~~فقوله في البيت " وهل أرضى " تقرير لفعل ينفيه عن نفسه، وهو الرضا، كما ~~يقول القائل: وهل يمكنني المقام على هذه الحال؟ أي: لا يمكنني، وهل يصبر ~~الحر على الذل؟ وهل يروى زيد؟ أو هل يشبع عمرو؟ وهذه أفعال معناها النفي؛ ~~فقوله " وهل أرضى " إنما هو نفى للرضا، فصار المعنى ولست أرضي؛ إذ كان الذي ~~يسخطني ما فيه رضا من له الأمر: أي رضا الله تعالى، وهذا خطأ منه فاحش. # فإن قال قائل: فلم لا يكون قوله " وهل أرضى " تقريرا على فعل هو في الحال ~~ليؤكده من نفسه نحو قوله: هل أودك؟ هل أوثرك؟ ونحو قول الشاعر: # هل أكرم مثوى الضيف إن جاء طارقا ... وأبذل معروفي له دون منكري؟ # قيل له: ليس قول القائل لمن يخاطبه " هل أودك " " أهل أوثرك " وقوله " سل ~~عني هل أصلح للخير " أو " هل أكتم السر " أو " هل أقنع بالميسور " مثل قول ~~أبي تمام " هل رضيت، ms093 وهل أرضى " فإن صيغة هذا الكلام دالة على أنه قد نفى ~~الرضا عن نفسه؛ بإدخاله الواو على " هل " وإنما يشبه هذا قول القائل " وهل ~~أرضى إذا كانت أفعالك كذا " " وهل أصلح للخير عندك إذا كنت تعتقد غي رذلك " ~~" وهل ينفع في زيد العتاب " كقول الشاعر: PageV01P049 وهل يصلح العطار ما ~~أفسد الدهر؟ # وقول ذو الرمة: # وهل يرجع التسليم أو بكشف العمى ... ثلاث الأثافى والرسوم البلاقع # لأن الواو ههنا كأنها عطفت جوابا على قول قائل: إن فلانا سيصلح ويرجع إلى ~~الجميل، فقال آخر: # وهل يصلح العطار ماأفسد الدهر؟ # وكقول ذى الرمة: # أمنزلتي مى سلام عليكما ... هل الأزمن اللائي مين رواجع؟ # لما علم أن التسليم غير نافع عاد على نفسه فقال " وهل يرجع التسليم " ~~وكما قال امرؤ القيس: # وإن شفائي عبرة مهراقة # ثم قال: # وهل عند ربع دارس من معول؟ # وكذلك قول أب يتمام " رضيت " ثم قال " وهل أرضى إذا كان مسخطي " إنما ~~معناه ولست أرضى، فكان وجه الكلام أن يقول: رضيت وكيف لا أرضى إذا كان ~~مسخطي ما فيه رضا الله تعالى، وكذا أراد فأخطأ في اللفظ، وأحال المعنى عن ~~جهته إلى ضده. # فإن قيل: إن " هل " هنا بمعنى قد، وإنما أراد الطائي رضيت وقد أرضى، كما ~~قال الله تعالى: " هل أتى على الإنسان حين من الدهر " أي: قد أتى. # قيل: هذا إنما قاله قوم من أهل التفسير، وتبعهم قوم من النحويين. وأهل ~~اللغة جميعا على خلاف ذلك؛ إذ لم يأت في كلام العرب وأشعارها " هل قام زيد ~~" بمعنى قد قام زيد، وإذا كان ذلك معدوما في كلام العرب ولغاتها فكيف يجوز ~~أن يؤخذ به أو يعول عليه؟ وقد قال أبو إسحاق الزجاج وجماعة من أهل العربية ~~في قوله عز وجل " هل أتى على الإنسان " معناه ألم يأت، على سبيل التقرير. ~~وهب الأمر في هذا كما ذكروا، والخلاف ساقط فيه، فإن بيت أبي تمام لا يحتمل ~~من التأويل ما احتملته الآية؛ لأن " هل " إنما شبهها من شبهها بقد إذا وليت ~~لفظ الماضي ms094 خاصة، وأبو تمام إنما أوقعها على الفعل المستقبل؛ فسقط عنها أن ~~تضارع قد؛ لأن قد حينئذ قد تكون بمعنى ربما، و " هل " ليس فيها ذلك. # وبعد؛ فإن كان الرجل إنما أراد بهل معنى قد فلم لم يقل رضيت وقد ~~أرضى؛فيأتي بلفظة " قد " إذا كان يريد الخبر ،ولا يأتي بهل فيلتبس الخبر ~~الذي إياه قصد بالاستفهام؟فإن البيت كان يستقيم بقد ويغنينا عن الاحتجاج ~~الطويل . # وقد استقصيت القول في هذا البيت وما ذكره النحو يون وسيبويه وغيره في ~~معنى قد وهل، ولخصته في جزء مفرد ،وإنما فعلت ذلك لكثرة من عارضني فيه، ~~وادعى الدعاوي الباطلة في الاحتجاج لصحته. # 17 - ومن خطائه قوله في البكاء على الديار: # دار أجل الهوى عن أن ألم بها ... في الركب إلاوعيني من منائحها # وهذا لفظ محال عن وجهه؛لأن " إلا " ههنا تحقيق وإيجاب فكيف يجوز أن تكون ~~عينه من منائحها إذا لم يلم بها ؟ وإنما وجه الكلام أن يقول: " دار أجل ~~الهوى عن أن ألم بها وليس عينى من منائحها " وقد كنت أظن أن أبا تمام على ~~هذا نظم الشعر، وأن غلطا وقع عليه في نقل البيت، حتى رجعت إلى النسخ ~~العتيقة التي لم تقع في يد الصولى وأضرابه، فوجدت البيت في غير نسخة مثبتا ~~على هذا الخطأ. # 18 - ومن خطائه أيضا في وصف الربع وساكنه قوله: # قد كنت معهودا بأحسن ساكن ... ثاو وأحسن دمنة ورسوم # والربع لا يكون رسما إلا إذا فارقه ساكنوه؛ لأن الرسم هو الأثر الباقي ~~بعد سكانه، والواب قول البحتري: # يا مغاني الأحباب صرت رسوما ... وغدا الدهر فيك عندي ملوما # وقال ارمؤ القيس: # وهل عند رسم دارس من معول؟ # فقال ذلك لأن الرسم يكون دارسا وغير دارس، وقال: # قفا نبك من ذكرى حبيب وعرفان ... ورسم عفت آياته منذ أزمان # 19 - ومن خطائه أيضا قوله: # طلل الجميع لقد عفوت حميدا ... وكفى على رزئي بذاك شهيدا # أراد وكفى بأنه مضى حميدا شاهدا على أنى رزئت، وكان وجه الكلام أن يقول: ~~وكفى برزئي شاهدا على أن مضى ms095 حميدا؛ لأن حمد أمر الطلل قد مضى، ولس بمشاهد ~~ولا معلوم، فلان يكون الحاضر شاهدا على الغائب أولى من أن يكون الغائب ~~شاهدا على الحاضر. # فإن قيل: إنما أراد أن يستشهد على عظيم رزئه عند من لم يعلمه. # قيل: فمن لا يعلم قدر مرزأته التي بعضها ظاهر عليه كيف يعلم ما مضى من ~~حميد أمر الطلل؛ حتى يكون شاهدا على هذا؟ فإن قيل: هذا إنما جاء به على ~~القلب. PageV01P050 قيل له: المتأخر لا يرخص له في القلب؛ لأن القلب إنما ~~جاء في كلام العرب على السهو، والمتأخر إنما يحتذى على أمثلتهم، ويقتدى ~~بهم، وليس ينبغي له أن يتبعهم فيما سهوا فيه. # فإن قيل: فقد جاء القلب في القرآن، ولا يجوز أن يكون ذلك على سبيل السهو ~~والضرورة؛ لأن كلام الله عز وجل يتعالى عن ذلك، وهو قوله: " ما إن مفاتحه ~~لتنوء بالعصبة أولى القوة " وإنما العصبة تنوء بالمفاتيح، أي تنهض بثقلها، ~~وقال عز وجل: " ثم دنى فتدلى " وإنما هو تدلى فدنا، وقال: " وإنه لحب الخير ~~لشديد " أي: وإن حبه للخير لشديد، ولهذا أشباه كثيرة في القرآن. # قيل: هذا ليس بقلب، وإنما هو صحيح مستقيم، إنما أراد الله تعالى اسمه: ما ~~إن مفاتحه لتنوء بالعصبة، أي: نميلها من ثقلها، ذكر ذلك الفراء وغيره، ~~وقالوا: إنما المعنى لتنيء العصبة، وقوله " وإنه لحب الخير لشديد " قيل: ~~المعنى إنه لحب المال لشديد، والشدة: البخل، يقال " رجل شديد وتشدد " أي : ~~بخيل، يريد إنه لحب المال لبخيل متشدد، يريد إنه لحب المال: أي لأجل خبه ~~المال يبخل، وقالوا في قوله عز وجل: " ثم دنى فتدلى " : إنما كان تدليه عند ~~دنوه واقترابه، وكما قال أبو النجم: # قبل دنوا الأفق من جوزائه # والجوزاء إذا دنت من الأفق فقد دنا الأفق منها، وليس هذا من القلب ~~المستكره، ومثله في الشعر كثير، قال الشاعر: # ومهمه مغبرة أرجاؤه ... كأن لون أرضه سماؤه # قوله " كأن لون أرضه سماؤه " أي: كأن لون سمائه من غبرتها لون أرضه، وليس ~~الأمر في ذلك بواجب؛ لأن ms096 أرضه وسماءه مضافان جميعا إلى الهاء، وهي كناية عن ~~المهمة، فأيهما يشبه بصاحبه كانا فيه سواء، وإنما تغبر آفاق السماء من ~~الجدب واحتباس القطر، وقال الحطيئة: # فلما خشيت الهون والعير ممسك ... على رغمه ما أمسك الحبل حافره # قال: وكان الوجه أن يقول: ما أمسك الحافر حبله، وكلاهما متقاربان؛ لأن ~~الحبل إذا أمسك الحافر فإن الحافر أيضا قد شغل الحبل. # فهذا كله سائغ حسن، ولكن القلب القبيح لا يجوز في الشعر، ولا في القرآن، ~~وهو ما جاء في كلامهم على سبيل الغلط، نحو قول خداش بن زهير: # وتركب خيلا لا هوادة بينها ... وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر # وإنما الضياطرة هي التي تشقى بالرماح، وكقول الآخر: # كانت فريضة ما تقول كما ... كان الزناء فريضة الرجم # وإنما الرجم فريضة الزناء، وكقول الفرزدق يصف ذئبا: # وأطلس عسال وما كان صاحبا ... رفعت لناري موهنا فأتاني # وإنما النار رفعها للذئب، وأنشده المبرد، وقال: القلب جائز للأختصار، إذا ~~لم يدخل الكلام لبس، كأنه يجيز ذلك للمتقدمين دون المتأخرين، وما علمت أحدا ~~قال " للأختصار " غيره، فلو قال لإصلاح الوزن أو للضرورة كما قال غيره كان ~~ذلك أشبه، ويجوز أن يكون الفرزدق ف يهذا البيت سها أو اضطر لإصلاح الوزن، ~~وأبو تمام وغيره من المتأخرين لا يسوغون مثل هذا وإنما أراد أبو تمام وكفى ~~بما يظهر من تفجعي بهذا الرزء الذي رزئته شاهدا على أن الطلل مضى حميدا، ~~قلت: وليس له أن يقلب في مثل هذا؛ لأنه القلب المستكره. # فإن قيل: إنه لم يرد القلب، وإنما أراد وكفى على رزئي بمحمود أمر الطلل ~~شهيدا. # قيل: فبأي شيء أستشهد؟ وأين شهيده؟ 20 - ومن خطائه قوله في باب الفراق: # دعا شوقه يا ناصر الشوق دعوة ... فلباه طل الدمع يجري ووابله # أراد أن الشوق دعا ناصرا ينصره فلباه الدمع، بمعنى أنه يخفف لاعج الشوق، ~~ويطفئ حرارته. وهذا إنما هو نصرى للمشتاق على الشوق، والدمع إنما هو حرب ~~للشوق؛ لأنه يثلمه ويتخونه ويكسر منه حده، كما قال البحتري: # وبكاء الديار مما يرد الش ... وق ms097 ذكرا والحب نضوا ضئيلا # قوله " يرد الشوق ذكرا " أي: يخففه وثلمه حتى يصير ذكرا لا يقلق ولا يزعج ~~كإقلاق الشوق، وقوله " والحب نضوا " أي يصغره ويمحقه، كما قال جرير: # فلما التقى الحبان ألقيت العصى ... ومات الهوى لما أصيبت مقاتله # فلو كان الدمع ناصرا للشوق لكان يقويه ويزيد فيه، ألا ترى أنك تقول: قد ~~ذبحني الشوق إليك، فالشوق عدو المشتاق وحربه، والدمع سلم لتخفيفه عنه وهو ~~حرب للشوق، وليس بهذا الخطأ خفاء. PageV01P051 وقد تبعه البحتري ف يهذا ~~الخطأ فقال بنعى الديار التي وقف عليها: # نصرت لها الشوق اللجوج بأدمع ... تلاحقن في أعقاب وصل تصر ما # 21 - ومن خطائه ف يمعنى الشوق قوله: # يكفيك شوق بطيل ظماءه ... فإذا سقاه سم الأسود # فقوله شوق يطيل ظماءه غلط؛ لأن الشوق هو الظمأ نفسه، ألا ترى أنك تقول : ~~أنا عطشان إلى رؤيتك، وظمآن، ومشتاق، بمعنى واحد، فكيف يكون الشوق هو ~~المطيل للظمأ؟ وكيف يكون في الساقي،والمحبوب هو الذي يظمئ ويسقى، أو البعد ~~أو الهجرة! لا الشوق، فكيف يكون الشوق يطيل شوقه؟ 22 - ومن خطائه قوله : # أمر التجلد بالتلدد حرقة ... أمرت جمود دموعه بسجوم # جعل الحرقة آمرة التجلد بالتلدد، والحرقة التي يكون معها التلدد تسقط ~~التجلد ألبته وتذهب به، فأما أن يجعله متلددا فإن هذا من أحمق المعاني ~~أولاها بالاستحالة، وأيضا فأي لفظ أسخف من أن يجعل الحرقة آمرة وإن كان ليس ~~بخطأ، وإنما العادة في مثل هذا أن تكون باعثة أو جالبة أو نحو هذا، وأما ~~الأمر فليس هذا موضعه ولو قال بعث أو جلبت لكان له وجه. # 23 - ومن خطائه قوله : # من حرقة أطلقتها فرقة أسرت ... قلبا، ومن عذل في نحرة غزل # قوله أطلقتها فرقة أي ثورتخا وأظهرتها، وإنما قال أطلقطها من أجل قوله ~~أست قلبا ليطابق بين الإطلاق والأسر، وقوله أسرت قلبا يعنى الفرقة، وهو ~~معنى ردئ؛ لأن القلب إنما يأسره ويملكه شدة الحب، لا الفراق، فإن لم يكن ~~مأسورا قبل الفراق فما كان هناك حب، فلم حضر التوديع؟ وما كان وجه البكاء ms098 ~~والاستهلاك والوجل الذي ذكره قبل البيت، والقصة الفظيعة التي وصف الحان ~~فيها عند مفارقتهم؟ وماعلم أن للفراق لوعة صعبة ونار محرقة عند وروده ~~وفجأته؛ فلا يسمى ذلك أسرا ذلك أسرا ولا علاقة! وإنما محنة تطرأ على أسير ~~الحب، وربما قتلته كما يقتل الأسير، والفراق إنما له ثم تبرد وناره، وتخمد ~~وقتا فوقتا، حتى يدرس الحب . # فالفراق يفك أسر الحب، وينسى الخليل خليلة إذا امتد به زمان؛ ألا ترى إلى ~~قول ذهير بن جناب الكلبى : # إذا ما شئت أن تشلى حبيبا ... فأكثر دونه عدد اليالى # فما أنسى خليلك مثل نأى ... وما أبلى جديدك كابتذال # وقول آخر : # ينسى الخليلان طول الناى بينهما ... وتلتقى طرق شتى فيأتلف # هذا هو المعنى الصحيح المعروف، وإن كان قد تقدم أبا تمام في هذا المعنى ~~من تبعه، وحذا على حذوه، فالردئ لا يؤتم به. ولعله سمع معنى سائغا حسنا ~~فأفسده لسوء عبارته، وكثيرا ما يفعله هذا، زكلن ينبغي أن يقول: من حرقة ~~بعتها فرقة أو أظهرتها فرقة جرحت قلبا، حتى يكون أسير الهوى قتيل الفراق . # فإن قيل : فلم لا يكون قوله أسرت قلبا للحرقة للفرقة؟ قيل : لا يكون ذلك؛ ~~لأن الأسر إذا قبح أن يكون فعلا للفرقة قبح أيضا أن يكون فعلا للحرقة؛ لأن ~~الفرقة هي التي جلبت الحرقةن فشأنها كشأنها. # 24 - ومن خطائه قوله: # ما لامرئ خاص بحر الهوى عمر ... إلا وللبين فيه السهل والجلد # وهذا عندى خطأ إن كان أراد بالعمر مدة الحياة؛ لأنه اسم واحد للمدة ~~بأسرها فهو لا يتبعض فيقال لكل جزء منه : عمر، كما لا يقال : ما لزيد رأس ~~إلا وفيه شجة أو ضربة، وما له لسان إلا وهو ذرب أو فصيح، وكذلك لا يقال: ما ~~له عمر إلا وهو قصير، وإنما يسوغ هذا فيما فوق الواحد، مثل أن تقول: ما له ~~ضلع إلا مكسورة؛ وما له يد إلا وفيها أثر، ولا رجل إلا وفيها حنف. # وليس قولهم " ماله عيش إلا منغص، ولا حياة إلا كدرة " مثل قولك: ما له ~~عمر إلا ms099 قصير، ولو قتله؛ لأن عيش الإنسان ليس له مدة حياته بأسرها؛ لأنك قد ~~تقول: كان عيشي بالعراق طيبا، وكانت حياتي بمكة لذيذة، وكان عيشي بالحجاز ~~أطيب من عيشي باليمن، ولا تقول: كان عمري؛ لأن العمر هو المدة بأسرها، ~~والعيش والحياة ليسا كذلك؛ لأنهما يتبعضان. # فإن قيل: فأنت تقول " مالزيد رأس حسن، ولا أنف أشم، ولا لسان ذرب " . ~~PageV01P052 قيل: إنما يصلح هذا من أجل النفي؛ لأنك إنما تريد ليس له رأس ~~من الرؤوس الحسنة، ولا لسان من الألسن الذربة وإذا دخلت " إلا " ههنا فقد ~~جعلت المنفى موجبا، وحقيقة؛ فإذا قلت " ليس لزيد رأس إلا حسن " فقد أوجبت ~~له عدة رؤوس!! وهذا خطأ؛ وكذاك سبيل العمر. # وإن كان أراد بالعمر منزله الذي يتوطنه ويعمره، فذلك هو المعمر، وما علمت ~~أن أحدا سماه عمرا إلا أن يكون دير النصاري فإنهم يسمونه عمرا، وما كان ~~يمنعه أن يقول " وطن " مكان " عمر " لأن لفظهما ومعناما واحد، وقد يكون ~~للأنسان عدة أوطان توطنها. # وقد ذكر العمر في موضع آخر من شعره، وهو يريد مدة الحياة؛ فقال: # إذا مارق بالغدر جاوز عمره ... فذاك حري أن تئيم حلائله # أراد أنه إن جاور عمره - أي قاربه - بالغدر، فقد عرضه للزوال والنفاد، ~~وهذا من عويص ألفاظه، وما أراد بالبيت الأول إلا مدة الحياة؛ لأن ما قبل ~~البيت وما بعده عليه يدل. # 25 - وقال في علي بن الجهم: # هي فرقة من صاحب لك ماجد ... فغدا إذابة كل دمع جامد # فافرغ إلى ذخر الشؤون وعذبه ... فالدمع يذهب بعض جهد الجاهد # وإذا فقدت أخا فلم تفقد له ... دمعا ولا صبرا فلست بفاقد # قوله " يذهب بعض جهد الجاهد " أي: بعض جهد الحزن الجاهد، أي الحزن الذي ~~جهدك فهو الجاهد لك، ولو كان استقام له أن يقول " بعض جهد المجهود " لكان ~~أحسن وأليق، وهذا أغرب وأظرف. # وقد جاء أيضا فاعل بمعنى مفعول؛ قالوا " عيشة راضية " بمعنى مرضية، و " ~~لمح باصر " وإنما هو مبصر فيه، وأشباه هذا كثيرة معروفة، ولكن ليس في كل ~~حال يقال، وإنما ms100 ينبغي أن ينتهي في اللغة إلى حيث انتهوا، ولا يتعدى إلى ~~غيره؛ فإن اللغة لا يقاس عليها. # وقوله " فلم تفقد له دمعا ولا صبرا " من أفحش الخطأ؛ لأن الصابر لا يكون ~~باكيا، والباكي لا يكون صابرا، فقد نسق بلفظة على لفظة وهما نعتان متضادان، ~~ولا يجوز أن يكونا مجتمين، ومعناه أنك إذا فقدت أخا فأدام البكاء عليك فلست ~~بفاقد. ولم يرد بفاقد شخصه، وإنما أراد لست بفاقد وده ولا أخوته، وهو محصل ~~لك غير مفقود وإن كان غائبا عنك، وإلى هذا ذهب، إلا أنه أفسده بذكر الصبر ~~مع البكاء، وذلك خطأ ظاهر، ولو كان قال " فلم تفقد له دمعا ولا جزعا " أو " ~~دمعا ولا شوقا ولا قلقا " لكان المعنى مستقيما، وظننته قد قال غير هذا، وأن ~~غلطا وقع في كتابة البيت عند النقل، حتى رجعت إلى أصل أبي سعيد السكري ~~وغيره من الأصول القديمة فلم أجد إلا " دمعا ولا صبرا " وذلك غفلة منه ~~عجيبة. # وقد لاح لي معنى أظنه - والله أعلم - إليه قصد، وهو أن يكون أراد إذا ~~فقدت أخا فلم تفقد له دمعا - أي يواصل البكاء عليك - فلست بفاقده، على ما ~~قدمت ذكره: أي فقد حصل لك وصار ذخرا من ذخائرك، وإن غاب عنك وغبت عنه، وإن ~~لم تفقد له صبرا - أي وإن صبر عنك - فلست بفاقد؛ لأنه إن صبر وسلاك فليس ~~ذاك بأخ يعول عليه، فلست أيضا بفاقده؛ لأنك لا تعتد به موجودا ولا مفقودا، ~~ولكن ذهب على أبي تمام أن هذا غير جائز؛ لأنه وصف رجلا واحدا بالوصفين ~~جميعا، وهما متضادان، ولو كان جعلهما وصفين لرجلين فقال: # وإذا فقدت أخا لفقدك باكيا ... أو صابرا جلدا فلست بفاقد # أي: لست بفاقد هذا؛ لأنه محصل لك، أو لست بفاقد هذا؛ لأنه ناس مودتك - ~~لكان المعنى سائغا حسنا واضحا، أو لو جعله شخصا واحدا وجعل له أحد الوصفين ~~فقال: # وإذا فقدت أخا فأسبل دمعه ... أو ظل مصطبرا فلست بفاقد # لكان أيضا سائغا على هذا المذهب، أو لو كان استوى له ms101 في ذلك اللفظ بعينه ~~أن يقول " فلم تفقد له دمعا أو صبرا " حتى لا يجعل له إلا أحدهما لساغ ذلك، ~~لكنه نسق بالصبر على الدمع فجعلهما جميعا له، ففسد المعنى. # فهذا وأشباهه الذي قاله الشيوخ فيه، من إن يريد البديع فيخرج إلى المحال. # 26 - وقال أبو تمام: # لما استحر الوداع المحض وانصرمت ... أواخر الصبر إلا كاظما وجما # رأيت أحسن مرشي، وأقبحه ... مستجمعين لي التوديع والعنما # العنم: شجر له أغصان لطيفة غضة كأنها بنان جارية، الواحدة عنمة، كأنه ~~استحسن أصبعها واستقبح إشارتها إليه بالوداع، وهذا خطأ في المعنى، أتراه ما ~~سمع قول جرير: PageV01P053 أتنسى إذ تودعنا سليمى ... بفرع بشامة؟ سقى ~~البشام! # فدعا للبشام بالسقيا لأنها ودعنه به؛ فسر بتوديعها، وأبو تمام استحسن ~~أصبعها واستقبح إشارتها، ولعمري إن منظر الفراق منظر قبيح، ولكن إشارة ~~المحبوبة بالوداع لا يستقبحها إلا أجهل الناس بالحب، وأقلهم معرفة بالغزل، ~~وأغلظهم طبعا، وأبعدهم فهما. # 27 - ومن خطائه قوله: # فلويت بالمعروف أعناق المنى ... وحطمت بالإنجاز ظهر الموعد # حطم ظهر الوعد بالإنجاز: استعارة قبيحة جدا، والمعنى أيضا في غاية ~~الرداءة؛ لأن إنجاز الموعد هو تصحيحه وتحقيقه، وبذلك جرت العادة أن يقال: ~~قد صح وعد فلان، وتحقق ما قال، وذلك إذا أبحره، فجعل أبو تمام في موضع صحة ~~الوعد حطم ظهره، وهذا إنما يكون إذا أخلف الوعد وكذب، ألا تراهم يقولون: قد ~~مرض فلان وعده، وعلله، ووعد وعدا مريضا، وإذا أخلف وعده فقد أماته؛ ~~فالإخلاف هو الذي يحطم ظهر الموعد، لا الإنجاز، ولا خفاء بفساد ما ذهب ~~إليه، وكان ينبغي أن يقول: وحطمت بالانجاز ظهر المال، لا الموعد، وحينئذ ~~فالموعد كان يصح ويسلم، ويتلف المال. # 28 - وقال: # إذا وعد انهلت يداه فأهدتا ... لك النجح محمولا على كاهل الوعد # كاهل الوعد إذا حمل النجح فمن سبيله أن يكون صحيحا مسلما، لا أن يكون ~~محطوما كما قال في البيت الأول؛ فهذه استعارة صحيحة على هذا البيت. وإن كان ~~" كاهل الوعد " قبيحا. # 29 - ومثل البيت الأول في الفساد أو قريب منه قوله: # إذا ms102 ما رحى دارت سماحة ... رحى كل إنجاز على كل موعد # وهذا إتلاف الموعد، وإبطاله؛ لأنه جعله مطحونا بالرحى، وإنما ذهب إلى أن ~~الإنجاز إذا وقع بطل الوعد، وليس الأمر كذلك؛ لأن الموعد ليس بضد للإنجاز، ~~فإذا صح هذا بطل ذلك، بل الوعد الصادق طرف من الإنجاز، وسبب من أسبابه، ~~فإذا وقع الإنجاز فهو تمام الوعد، وتصحيح له، وتحقيق وتصديق، فهو في هذه ~~الاستعارة غالط، والمعنى الصحيح قوله: # أبلهم ريقا وكفا لسائل ... وأنضرهم وعدا إذا صوح الوعد # فتصويح الوعد هو أن يخلفه فيبطل، ولا يصح؛ لأنه من " صوح النبت " إذا جف، ~~ومثله في الصحة قوله: # تزكو مواعده، إذا وعد امرأ ... أنساك أحلام الكرى الأضغاثا # فهذا هو المعنى الصحيح: أن يكون الوعد يزكو، لا أن يبطل ويذهب. ولله در ~~أبي إسحاق إبراهيم بن هرمة إذ يقول: # يسبق بالفعل ظن سائله ... ويقتل الريث عنده العجل # فهذه الاستعارة الصحيحة: أن يقتل العجل الإبطاء، لا أن يقتل الإنجاز ~~الوعد، فأما قوله: # نؤم أبا الحسين، وكان قدما ... فتى أعمار موعده قصار # وقول البحتري: # وجعلت فعلك تلو قولك قاصرا ... عمر العدو به وعمر الموعد # فإن عمر الموعد مدة وقته؛ فإذا أنجز صار مالا؛ فنفاد وقته ليس بمبطل له، ~~بل ذلك نقله من حال إلى حال أخرى. ألا ترى إلى البحتري كيف كشف عن هذا ~~المعنى، وجاء بالأمر من فصه؟ فقال: # يوليك صدر اليوم ما فيه الغنى ... بمواهب قد كن أمس مواعدا # فبطلان الموعد هو بطلان الشيء الذي الموعد واقع به، وصحته هو صحة ذلك ~~الشيء. # ثم أتبع البحتري هذا البيت بأن قال: # شيم السحائب: ما بأن بوارقا ... في عارض إلا انثنين رواعدا # فجعل البوارق مثالا للمواعد، وجعل الرواعد التي هي البوارق على الحقيقة ~~وحالهما واحدة مثالا للغيث الذي هو العطايا؛ فالرواعد ليست بمبطلة للبوارق، ~~بل هي هي؛ لأن تلك نور يحدثه ازدحام السحاب، والرعد صوت ذلك الازدحام؛ ~~فالبرق يرى أولا، والرعد يسمع آخرا، وهو هو، وذلك أن العين أسبق إلى ~~الإبصار من الأذن للأستماع؛ لأن العين ترى ms103 الشيء في موضعه، والأذن لا تسمع ~~الصوت إلا إذا وصل إليها، فشبهها بالموعد التي تجر المواهب، وهذا أحسن ما ~~يكون من التمثيل وأصحه، وإنما أقام الرواعد مقام المواهب، لأنه قد يكون برق ~~ولا مطر فيه، ولا يكاد يكون رعد إلا ومعه مطر، ثم إن التشبيه صح بأن صار ~~الرعد بعد البرق. # وما أحسن ما قال خلف بن خليفة الأقطع: # مواعدهم فعل إذا ما تكلموا ... فتلك التي إن سميت وجب الفعل PageV01P054 ~~يعني قول " نعم " فجعل الوعد هو الفعل نفسه لصحته وصدقه، وقد مثل البحتري ~~أيضا الموعد وكيف تحول عطاء تمثيلا آخر حسنا، فقال: # وشكرت منك مواهبا مشكورة ... لو سرن في فلك لكن نجوما # ومواعدا لو كن شيئا ظاهرا ... تفضى إليه العين كن غيوما # وذلك لأن الغيم يصير مطرا، كما أن الموعد يصير عطاء، وأبو تمام - فيما ~~يذهب إليه - غالط؛ لأنه وضع الاستعارة في غير موضعها. # 30 - ومن خطائه قوله: # فلو ذهبت سنات الدهر عنه ... وألقى عن مناكبه الدثار # لعدل قسمة الأرزاق فينا ... ولكن دهرنا هذا حمار # قوله " وألقى عن مناكبه الدثار " لفظ ردئ، وليس من المعنى الذي قصده في ~~شيء، وصدر البيت لائق بالمعنى؛ فلو كان أتبعه بما يكون مثله في معناه، بأن ~~يقول: فلو ذهبت سنات الدهر عنه واستيقظ من رقدته أو انتبه من نومته أو ~~انكشف الغطاء عن وجهه؛ لكان المعنى يمضي مستقيما؛ لأن من كان في سنة أو نوم ~~أو مغطى على وجهه أو عينيه فإنه لا يبصر الرشد، ولا يكاد يهتدى لصواب، ~~وإنما هذه كلها استعارات، والمراد بها هداية القلب وإبصاره وفهمه، وقد جرت ~~العادة باستعارتها في هذا المعنى، فأما دثار المناكب فليس من هذا الباب في ~~شيء؛ إذ قد يبصر الإنسان رشده ويهتدي لصواب أمره وعلى مناكبه دثار وعلى ~~ظهره أيضا حمل، ولا يكون ذلك مع النوم والرقاد والغطاء على العين؛ لأنه ~~إنما يراد نوم القلب والتغطية عليه؛ لأن الإنسان إنما يقال له: " قد عمى ~~قلبك " و " قد عميت عن الصواب عينك " و " قد غطى على ms104 فهمك " ولا يقال: " قد ~~غطيت بالدثار عن الصواب مناكبك، ولا ظهرك " ، ولفظة الدثار أيضا إنما ~~تستعمل لمنع الهواء والبرد، لا لمنع الفهم والرشد. # 31 - ومن خطائه قوله: # وأرى الأمور المشكلات تمزقت ... ظلماتها عن رأيك المتوقد # عن مثل نصل السيف، إلا أنه ... مذ سل أول سلة لم يغمد # فبسطت أزهرها بوجه أزهر ... وقبضت أربدها بوجه أربد # فقال " الأمور المشكلات " وجعل لها ظلمات، فكيف يقول: فبسطت أزهرها، ~~والزهر هي النيرات، والمشكلات لا يكون شيء منها نيرا؟ وكأنه يريد أن الأمور ~~المشكلة منها جيد قد أشكل الطريق إليه، ومنها ردئ قد جهلت أيضا حاله؛ فهي ~~كلها مظلمة، فيمزق ظلماتها برأيه، ويكشف عن الجيد منها ويبسطه: أي ستعمله، ~~ويكشف عن رديئها ويقبضه: أي يكفه ويطرحه، ولكن ما كان ينبغي له أن يقول " ~~بوجه أزهر " و " بوجه أربد " ؛ لأنه لا صنع ههنا للوجه ولا تأثير؛ لأن ~~الصنع إنما هو للرأي وللعقل؛ فإذا رأى ذو الرأي أمرا استبان منه الأشياء ~~المظلمة، وانفتحت المغلقة، أو رأى أن يغلق أمرا مفتوحا إذا كان الصواب ~~موجبا ذاك عنده؛ فالرأي على الأحوال كلها أزهر مسفر، والوجه على الأحوال ~~كلها أبيض، وليس يريد أبيض في لونه. # والعاجز إذا ورد عليه الأمر يبهظه تبينت الكآبة في وجهه؛ ولله در منصور ~~النمري حيث يقول: # ترى ساكن الأوصال باسط وجهه ... يريك الهوينا، والأمور تطير # فقال " ساكن الأوصال باسط وجهه " فدل على قلة اكتراثه بالأمور التي ترد ~~عليه، وقول أبي تمام " بوجه أربد " لا معنى له؛ لأنه من صفات الغضبان أو ~~المكتئب من أمر ورد عليه، وو عندي في ذلك غالط، وفي ذلك مسيء. # 32 - ومن خطائه قوله يذكر سير الإبل: # كالأرحبى المذكى سيره المرطى ... والوخد والملع والتقريب والخبب # فالأرحبي من الإبل: منسوب إلى أرحب، حي من همدان تنسب إليهم النجائب، ~~والمذكى: الذي قد انتهى في سنه وقوته، والمرطى: من عدو الخيل فوق التقريب ~~ودون الإهذاب، والوخد: الاهتزاز في السير مثل وخد النعام، والملع: من سير ~~الإبل السريع، والتقريب: من عدو الخيل معروف، والخبب: دونه، ms105 وليس التقريب ~~من عدو الإبل، وهو في هذا الوصف مخطئ، وقد يكون التقريب لأجناس من الحيوان، ~~ولا يكون للإبل، وإنا ما رأينا بعيرا قط يقرب تقريب الفرس، والمرطى أيضا: ~~من عدو الخيل، ولم أره في اوصاف الإبل ولا سيرها. # 33 - ومن خطائه قوله: # ومشهد بين حكم الذل منقطع ... صاليه، أو بحبال الموت متصل # جليت والموت مبد حر صفحته ... وقد تفرعن في أفعاله الأجل PageV01P055 ~~وقوله " بين حكم الذل " لو كان حكم الذل أشياء متفرقة لصحت فيها " بين " ، ~~غير أن حكم الذل والذل بمنزلة واحدة، وكذلك حكم العز والعز؛ فكما لا يقال ~~بين العز فكذلك لا يقال بين حكم العز حتى يقال هذا؛ لأن " بين " إنما هي ~~وسط بين شيئين. # فإن قال: إن حكم الذل مشتمل على مشهد الحرب ومن يصلاها؛ فكأنه ذهب بقوله ~~" بين " إلى معنى وسط: أي ومشهد وسط حكم الذل. # قيل: وسط لا يحل محل بين، وبين لا يحل محل وسط؛ لأنك تقول: البئر وسط ~~الدار، ولا تقول: البئر بين الدار، وتقول: المال بيننا نصفين، ولا تقول: ~~المال وسطنا، والمعنى الذي بنى أبو تمام البيت عليه سياقة لفظه أن يقول: ~~ومشهد بين حكم الذل وحكم العز: أي ومشهد بين الذل والعز، محجم من يصلاه - ~~وهو الذليل - أو مقدم - وهو العزيز - جليته وكشفته، يعني الممدوح؛ فخذف أحد ~~القسمين الذي لا يصلح " بين " إلا به مع القسم الآخر، وجعل قوله " منقطع " ~~في موضع محجم، و " متصل " في موضع مقدم، وليس هذا من مواضع متصل ولا منقطع، ~~وقد أغراه الله بوضع الألفاظ في غير مواضعها من أجل الطباق والتجنيس اللذين ~~بهما فسد شعره وشعر كل من اقتدى به، وقوله " وقد تفرعن في أفعاله الأجل " ~~معنى في غاية الركاكة ولاسخافة، وهو من ألفاظ العامة. # وما زال الناس يعيبونه به، ويقولون: اشتق للأجل الذي هو مطل على كل ~~النفوس فعلا من اسم فرعون، وقد أتى الأجل على نفس فرعون وعلى نفس كل فرعون ~~كان في الدنيا. # 34 - ومن خطائه قوله: # سعى فاستنزل الشرف اقتسارا ms106 ... ولولا السعي لم تكن المساعي # قوله " سعى فاستنزل الشرف اقتسارا " ليس بالمعنى الجيد، بل هو عندي هجاء ~~مصرح؛ لأنه إذا استنزل الشرف فقد صار غير شريف، وذلك أنك إذا ذممت رجلا ~~شريفا شريف الآباء كان أبلغ ما تذمه به أن تقول: قد حططت شرفك، ووضعت من ~~شرفك، وقد وكده بقوله " اقتسارا " . # وقوله " ولولا السعي لم تكن المساعي " فبئس السعي والله سعى؛ لأن الشرف ~~لا يحط إلا بألأم ما يكون من الأفعال، وكأنه أراد سعى فحةى الشرف نفسه، ~~فأفسد المعنى بذكر استنزاله إياه، كأنه لو لم يستنزله ما كان يكون حاويا ~~له، فهلا قال: ترقى إلى الشرف الأعلى فحواه، أو بلغ النجم، أو علا على ~~الشمس، كما قال الآخر: # لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بسؤددهم أو مجدهم قعدوا # 35 - ومن خطائه قوله: # يقظ وهو أكثر الناس إغضا ... ء على نائل له مسروق # قوله " على نائل له مسروق " خطأ؛ لأن نائله هو ما ينيله، فكيف يكون ~~مسروقا منه؟ وهل يكون الهجو إلا هكذا: أن يجعل نائله مأخوذا منه على طريق ~~السرقة؟ وإنما اعتمد المطابقة لما وصفه بالتيقظ جعله ممن يسرق منه؛ إذ كان ~~من شأن المتيقظ أن لا غفل حتى يستتم عليه السرق، وقد كان يصح هذا المعنى لو ~~قال: علىمال له مسروق، حتى يكون يعطى ما له اختيارا لجوده ويغضى إذا سرق ~~منه لكرمه. # 36 - ومن خطائه قوله: # لو يعلم العافون كم لك في الندى ... من لذة وقريحة لم تحمد # ويروى " من لذة أو فرحة " أي من لذة وفرح؛ أي ابتداع واستخراج وهذا عندي ~~غلط؛ لأن هذا الوصف الذي وصفه داعية أن يتناهى الحامد له في الحمد، ويجتهد ~~في الثناء بأن لا يدع حمده، وإنما ذهب إلى أن الإنسان إنما يحمد على الشيء ~~الذي يتكلفه ويتجشمه ويتحمل المشقة فيه، لا على الشيء الذي له بواعث شهوة ~~من نفسه وشدة صبابة إليه ومحبة لفعله، ومن كان غرامه بالجود هذا الغرام ~~فعلى ذلك يجب أن يحمد ويمدح. # أما قول البحتري: ms107 # ولقد أبدت الحمد، حتى لو بنت ... كفاك مجدا ثانيا لم تحمد # فمذهب صحيح، يريد أنك قد أفنيت الأوصاف والمحامد؛ فإن جئت بنوع من ~~المكارم تبنى به مجدا آخر لم يقدر من يحمدك ويثنى عليك على أكثر مما تقدم. # 37 - ومن خطائه قوله: # تناول الفوت أيدي الموت قادرة ... إذا تناول سيفا منهم بطل # قوله " تناول الفوت أيدي الموت " عويض من عويصاته، وهذا أيضا محال وإنما ~~سمع قول سعد بن مالك: # هيهات حال الموت دو ... ن الفوت وانتضى السلاح PageV01P056 والفوت: هو ~~النجاة، أي حال الموت دون النجاة، وهذا صحيح مستقيم، فقال هو " تناول الفوت ~~أيدي الموت " وهذا محال؛ لأن النجاة لا تتناولها يد الموت، ولا تصل إليها، ~~وإلا لم تكن نجاة، وهذا من عقيده الذي يخرجه إلى الخطأ، وإنما قصد إلى ~~ازدواج الكلام في الفوت والموت، ولم يتأمل المعنى، والوجه الصحيح قول ~~البحتري: # تتدانى الآجال ضربا وطعنا ... حين يدنو فيشهد الهيجاء # 38 - ومن خطائه: # واكتست ضمر الجياد المذاكي ... من لباس الهيجا دما وحميما # في مكر تلوكها الحرب فيه ... وهي مقورة تلوك الشكيما # فهذا مغى قبيح جدا : أن جعل الحرب تكون الجيل من أجل قوله " تلوك الشكيما ~~" و " تلوك الشكيما " أيضا ههنا خطأ ؛ لأ ن الخيل لا تلوك الشكيم في المكر ~~وحومة الحرب ، وإنما تفعل ذلك و اقفة لا مكر لها. # فإن قيل: إنما أراد أن الحرب تلوكها كما تلوك هي الشكيم. # قيل: هذا تشبيه، وليس في لفظ البيت عليه دليل، وألفاظ التشبيه معروفة، ~~وإنما طرح أبا تمام في هذا قلة خبره بأمر الخيل، ألا ترى إلى قول النابغة: # خيل صيام، وخيل غير صائمة ... تحت العجاج، وخيل تعلك اللجما # والصيام ههنا القيام؛ أي خيل واقفة مستغنى عنها لكثرة خيلهم فهي وقافة، ~~وخيل تحت العجاج في الحرب، وخيل تعلك اللجما، قد أسرجت وألجمت، وأعدت ~~للحرب. # والشاعر الحصين كان أحذق من الطائي وأعلم بأمر الخيل قال: # وإذا احتبى قربوسه بعنانه ... علك الشكيم إلى انصراف الزائر # وإلا فمتى رأى يجري وهو يلوك شكيمه؟ فأما قول أنس ms108 بن الريان: # أقود الجياد إلى عامر ... عوالك لجم تمج الدماء # فإن القود قد يكون في خلاله تلبث وتوقف تلوك فيه الخيل لجمها، والمكر لا ~~يستقيم ذلك فيه؛ فأما قول أبي حزابة التميمي: # خاض الردى في العدى قدما بمنصله ... والخيل تعلك ثنى الموت باللجم # فإنما جعل ثنى الموت مثلا، والثنى: حطام النبات اليابس، ولم يرد أن الخيل ~~تعلك اللجم على الحقيقة. # 39 - ومن خطائه قوله: # والحرب تركب رأسها في مشهد ... عدل السفيه به بألف حليم # في ساعة لو أن لقمانا بها ... وهو الحكيم لكان غير حكيم # جثمت طيور الموت في أوكارها ... فتركن طير العقل غير جثوم # فالبيتان الأولان جيدان، وقوله جثت طيور الموت في أوكارها بيت ردئ في ~~القسمة، ردئ في المعنى؛ لأنه جعل طير الموت في أوكارها جاثمة: أي ساكنة لا ~~ينفرها شيء، وطير العقل غير جثوم، يعني أنها قد نفرت فطارت، يريد طيران ~~عقولهم من شدة الروع، وما كان ينبغي أن يجعل طير الموت جثوما في أوكارها، ~~وإنما كان الوجه أن يجعلها جاثمة على رؤوسهم، أو واقعة عليهم، فأما أن تكون ~~جائمة في أوكارها فإنها في السلم أو في الأمن جاثمة في أوكارها أيضا، وطير ~~العقل ليست بضد لطير الموت، وإنما هي ضد لطير الجهل، وطير الحياة هي الضد ~~لطير الموت، ولو كان قال: # جثمت طيور الموت فوق رؤوسهم ... فتركن أطيار الحياة تحوم # لكان أشبه وأليق، أو لو قال: # سقطت طيور الروع فوق رؤوسهم ... فتركن أطيار العقول تحوم # لكان أيضا قريبا من الصواب؛ لأنهم يقولون: طار عقله من الروع، فإذا ثاب ~~إليه عقله وسكن قيل: قد أفرخ روعه، وهذا مثل، وذلك أن الطائر إذا أفرخ لزم ~~عشه وفراخه، وقد يجوز أن يكون " أفرخ روعه " أي: ذهب؛ لأن الطائر إذا أفرخ ~~فطارت فراخه انتقل عن ذلك العش، وقولهم " جثم الطائر " إنما هو أن يلصق ~~جثمانه بالأرض، يذهب إلى أن طيور الموت ساكنة، وطيور العقل منزعجة طائرة، ~~وقوله " غير جثوم " لا ينوب مناب طائرة ولا منزعجة؛ لأن الطائر قد لا يكون ms109 ~~جاثما وقد يكون قائما على رجليه ساكنا مطمئنا، وهذه حاله في أكثر أوقاته؛ ~~فقد حمل المعنى على لفظ لا يليق به، ولا يؤدي التأدية الصحيحة عنه. # 40 - ومن خطائه قوله في وصف الفرس: # ما مقرب يختال في أشطانه ... ملآن من صلف به وتلهوق PageV01P057 قوله " ~~ملآن من صلف " يريد التيه والكبر، وهذا مذهب العامة في هذه اللفظة؛ فأما ~~العرب فإنها لا تستعملها على هذا المعنى، وإنما تقول: قد صلفت المرأة عند ~~زوجها، إذا لم تحظ عنده، وصلف الرجل كذلك؛ إذا كانت زوجته تكرهه، وقال ~~جرير: # إني أواصل من أردت وصاله ... بحبال لا صلف ولا لوام # والصلف: الذي لا خير عنده، ومثل يضرب " رب صلف تحت الراعدة " يعنون الرعد ~~بغير مطر: فهذا معنى الصلف في كلامهم، وعلى هذا قد ذم أبو تمام الفرس من ~~حيث أراد أن يمدحه، والتلهوق: هو لطف المداراة والحيلة بالقول وغيره حتى ~~يبلغ الحاجة، ومنه قول الأغلب العجلي يصف مداراة رجل له ارمأة نال منها: # فلم يزل بالحلف النجي ... لها وبالتلهوق الخفي # أن قد خلونا بفضاء قي ... وغاب كل نفس مخش # وقد ذكر أبو عبيدة القاسم بن سلام في الغريب المصنف في أول نوادر الأسماء ~~التلهوق، وقال: وهو مثل التملق، وما أرى أبا تمام في وضع هاتين اللفظتين ~~إلا غالطا. # 41 - وقال أبو تمام: # عطفوا الخدور على البدور، ووكلوا ... ظلم الستور بنور حور خرد # وثنوا على وشى الخدود صيانة ... وشى البرود بمسجف وممهد # والبيت الأول حسن حلو، وأخذ قوله " وثنوا على وشى الخدود صيانةوشى البرود ~~" من قول الكميت. # وأرخين البرود على خدود ... يزين الفداغم بالأسيل # وقوله " بمسجف وممهد " فالمسجف يريد ستر باب الحجلة، وكل باب مشقوق فكل ~~شق منها سجق، وكذلك سجف الخباء، والمسجف: المرخى، والتسجيف: إرخاء السجفين، ~~وقوله " بمسجف " أي من مسجف وممهد؛ فجعل الباء في موضع " من " كما قال ~~عنترة: # شربت بماء الدحرضين فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الديلم # أي: من ماء الدحرضين، والممهد: الوطاء الذي يوطأ تحت المرأة، فكيف يكون ~~ذلك منسوقا على المسجف الذي ms110 ذكر أنهم ثنوه على وشي الخدود؟ والممهد ليس هذه ~~حاله فيعطفه عليه. # فإن قيل: كيف لا يكون محمولا على قول الشاعر: # ورأيت زوجك في الوغى ... متقلدا سيفا ورمحا # والرمح لا يتقلد، وقول الآخر: # ورججن الحواجب والعيونا # والعيون لا تزجج، وإنما أراد ذلك متقلدا سيفا وحاملا رمحا، وأراد هذا ~~وزججن الحواجب وكحلن العيونا. # قيل: متقلد السيف هو حامله أيضا؛ فحسن أن يعطف الرمح على السيف؛ لأنهما ~~جميعا محمولان، وكذلك زججن وكحلن هما جميعا زينة؛ فحسن أن يعطف أحدهما على ~~الآخر، والممهد لا يشرك الستر في شيء من تغطية الوجه ولا صيانته، ولا بنيت ~~ألفاظ البيت إلا على ستر الخدود بالستور، ولا يتعلق الممهد بالمعنى بإضمار ~~لفظ ولا تأول. # 42 - ومن خطائه قوله: # بقاعية تجري علينا كؤوسها ... فتبدى الذي مخفي، وتخفى الذي نبدى # ذهب في هذا إلى أن الخمر تخفى الذي نبديه ف يحال الصحو من الحلم والوقار ~~والكف عن الهزل والللعب، وتبدى الذي نخفي أي: الذي نعتقده ونكتمه من ضد ذلك ~~كله؛ لأنه في الطبيعة والغريزة. # والذي كنا نظهره إنما هو تصنع وتكلف، ويدخل ف يهذا ما يبوح به المحب من ~~الحب الذي كان يكتمه في صحوه ويظهر ضده، أو ما يبوح به من بغض زيد وكان ~~يظهر في صحوه مودته وينافقه. # وكذلك ما يظهره السكر من بخل البخيل فيمنع ما كان يتحمله من بذله في ~~الصحو، أو ما يظهره من السماحة التي كان لا يسمح بمثلها في صحوه خوف ~~العاقبة، ونحو هذا. # وما سقط من قول الحكماء " إن الشراب يثير كل ما وجد " أي: يظهر كل ما في ~~النفس من خير وشر وحسن وقبيح؛ فكل شيء يظهره الإنسان وليس في اعتقاده ولا ~~نيته فإن الذي يضمره ويكتمه في نفسه فهو ضده، فإذا أظهر السكر اعتقاد ~~المعتقد الذي هو الصحيح فإن ضده مما كان يتجمل بإظهاره يبطل ويتلاشى؛ لأن ~~الشراب يخفيه ويطويه في الضمير حتى يكون مكتوما كما كانت الحقيقة مكتومة، ~~هذا محال؛ لأن القلب هو محل المعتقدات؛ فلا يجوز أن ms111 يجتمع فيها الشيء وضده، ~~والاعتقادات لا تكون باللسان؛ لأن اللسان يكذب، والقلب لا يتضمن إلا ~~الحقيقة. PageV01P058 وقول أب يتمام: " فتبدى الذي نخفي " قول صحيح، وقوله ~~" وتخفي الذي نبدي " اللفظ فاسد؛ لأن تخفي معناه تكتم وتستر، والذي قد ~~أبطلته وأزلته لا يجوز أن يعبر عنه بأنك أخفيته ولا كتمته. # فإن قيل: ولم لا يكون هذا توسعا ومجازا؟ قيل: المجاز في مثل هذا لا يكون؛ ~~لأن الشيء الذي تكتمه وتطويه إنما أنت خازن له وحافظ؛ فهو ضد للشيء الذي ~~تزيله وتبطله، والأضداد لا يتسعمل أحدها في موضع الآخر على سبيل المجاز. # 43 - ومن خطائه قوله في وصف فرس: # وبشعلة نبذ كأن فليلها ... في صهوتيه بدء شيب المفرق # قوله: " فليلها " يريد ما تفرق منها في صهوتيه، والصهوة: موضع اللبد، وهو ~~مقعد الفارس من الفرس، وذلك الموضع أبدا ينحت شعره لغمز السرج إياه فينبت ~~أبيض؛ لأن الجلد ههنا يرق، وأنت تراه في الخيل كلها على اختلاف شياتها، ~~وليس بالبياض المحمود ولا الحسن ولا الجميل؛ فهذا خطأ من هذا الوجه. # وهو خطأ من وجه آخر، وهو أن جعله شعلى، والشعلة لا تكون إلا في الناصية ~~أو الذنب، وهو أن يبيض عرضها وناحية منها، فيقال: فرس أشعل وشعلاء، وذلك ~~عيب من عيوب الخيل، فإن كان ظهر الفرس أبيض خلقة فهو أرحل، ولا يقال أشعل. # وقد أخذ البحتري قوله " بدء شيب المفرق " فجاء به حسنا جدا، ثم ما سلم ~~أيضا من العيب، فقال: # وبشعلة كالشيب مر بمفرقي ... غزل لها عن شيبه بغرامه # فقال " بشعلة " ولم ينص على موضعها، ومعلوم أنه أراد بياضا في الناصية، ~~وقال " مر بمفرقي غزل " فأوضح أنه ذلك الموضع أراد، وقال " لها عن شبيه ~~بغرامه " فأتى بشيء يفوق كل حسن، إلا أن البياض في الناصية من عيوب الخيل ~~وكذلك البياض في الذنب، ليس بين الناس في ذلك اختلاف، ويقال لبياض الناصية ~~أيضا السعف. # وأيضا؛فإن البحتري وصف فرسا أدهم فقال: # جذلان تلطمه جوانب غرة ... جاءت مجيء البدر عند تمامه # فأي حسن يكون لبياض ناصية على ms112 بياض غرة؟ ومن قبيح وصف شيات الخيل قول أبي ~~تمام ف يهذا الفرس أيضا: # مسود شطر مثل ما اسود الدجى ... مبيض شطر كابيضاض المهرق # شطر الشيء: جانبه وناحيته، قال الله عز وجل: " فول وجهك شطر المسجد ~~الحرام " أي ناحيته، وقد يراد بالشطر نصف الشيء، يقال: قد شاطرتك مالي، أي: ~~ناصفتك؛ فهذا هو الأكثر الأعم فيما يستعملون، وذلك من أقبح شيات الأبلق على ~~ظاهر هذا المعنى، ولم يرده أبو تمام، وإنما أراد بالشطر ههنا البعض أو ~~الجزء: أي مسود جزء مبيض جزء، فجاء بالشطر لأنها لفظة أحسن من الجزء ومن ~~البعض في هذا الموضع. # والجيد النادر قول البحتري: # أو أبلق يلقى العيون إذا بدا ... من كل لون معجب بنموذج # وقد جعله أبوتمام في أول الأبيات أشعل بقوله " بشعلة " ثم جعله هنا أبلق؛ ~~فهذا الفرس هو الأشعل الأبلق على مذهبه في هذا التشبيه، ولا ينكر مثل هذا ~~من ابتداعاته. # قال أبو القاسم الحسن بن بشر بن يحيى الآمدي: قد ذكرت في الجزء الثاني ~~الموازنة بين شعر أبي تمام حبيب بن أوس الطائي وشعر أبي عبادة الوليد بن ~~عبيد البحتري، وخطأ أبي تمام في الألفاظ ولامعانين وبيضت آخر الجزء لألحق ~~به ما يمر من ذلك في شعره، وأستدركه من بعد في قصائده. PageV01P059 وأنا ~~أذكر في هذا الجزء الرذل من ألفاظه، والساقط من معانيه، والقبيح من ~~استعاراته، والمستكره المتعقد من نسجه ونظمه، على ما رأيت المتأخرين ~~يتذاكرونه، وينعونه عليه ويعيبونه، وعلى أنى وجدت لبعض ذلك نظائر في أشعار ~~المتقدمين؛ فعلمت أنه بذلك اغتر، وعليه في العذر اعتمد؛ طلبا منه للاغراق ~~والإبداع، وميلا إلى وحشي المعاني والألفاظ، وإنما كان يندر من هذه الأنواع ~~المستكرهة على لسان الشاعر المحسن البيت أو البيتان يتجاوز له عن ذلك؛ لأن ~~الأعرابي لا يقول إلا على قريحته، ولا يعتصم إلا بخاطره، ولا يستقي إلا من ~~قلبه، وأما المتأخر الذي يطبع على قوالب، ويحذو على أمثلة، ويتعلم الشعر ~~تعلما، ويأخذه تلقنا؛ فمن شأنه أن يتجنب المذموم، ولا يتبع من تقدمه إلا ms113 ~~فيما استحسن منهم، واستجيد لهم، واختير من كلامهم، أو في المتوسط السالم ~~إذا لم يقدر على الجيد البارع، ولا يوقع الاحتطاب والاستكثار مما جاء عنهم ~~نادرا ومن معانيهم شاذا، ويجعله حجة له وعذرا؛ فإن الشاعر قد يعاب أشد ~~العيب إذا قصد بالصنعة سائر شعره، وبالإبداع جميع فنونه؛ فإن مجاهدة الطبع ~~ومغالبة القريحة مخرجة سهل التأليف إلى سوء التكلف وشدة النعمل، كما عيب ~~صالح بن عبد القدوس وغيره ممن سلك هذه الطريقة حتى سقط شعره؛ لأن لكل شيء ~~حدا: إذا تجتوزه سمى مفرطا، وما وقع الإفراط في شيء إلا شانه، وأعاد إلى ~~الفساد صحته، وإلى القبح حسنه وبهاءه، فكيف إذا تتبع الشاعر مالا طائل فيه: ~~من لفظة شنيعة لمتقدم، أو معنى وحشي فجعله إماما، واستكثر من أشباهه، ووشح ~~شعره بنظائره؟ إن هذا لعين الخطأ، وغاية في سوء الاختيار. # باب ما في شعر أبي تمام من قبيح الاستعارات # 1 - فمن ذول ألفاظه وقبيح استعاراته قوله: # يا دهر قوم من أخدعيك؛ فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك # 2 - وقال: # سأشكر فرجة الليت الرخى ... ولين أخادع الدهر الأبى # 3 - وقال: # فضربت الشتاء في أخدعيه ... ضربة غادرته عودا ركوبا # 4 - وقال: # تروح علينا كل يوم وتغتدي ... خطوب كأن الدهر منهن يصرع # 5 - وقال: # ألا لا يمد الدهر كفا بسيء ... إلى مجتدى نصر؛ فيقطع للزند # 6 - وقال: # والدهر ألأم من شرقت بلؤمه ... إلا إذا أشرقته بكريم # 7 - وقال: # تحملت ما لو حمل الدهر شطره ... لفكر دهرا أي عبأيه أثقل # 8 - وقوله يصف قصيدة: # تحل يفاع المجد حتى كأنها ... على كل رأس من يد المجد مغفر # لها بين أبواب الملوك مزامر ... من الذكر لم تنفخ ولا هي تزمر # 9 - وقوله: # به أسلم المعروف بالشام بعدما ... ثوى منذ أودى خالد وهو مرتد # أما وأبي أحداثه إن حادثا ... حدا بي عنك العيس للحادث الوغد # 10 - وقوله: # جذبت نداه غدوة السبت جذبة ... فخر صريعا بين أيدي القصائد # 11 - وقوله: # لو لم تفت مسن المجد مذ زمن ... بالجود ولابأس كان الجود ms114 قد خرفا # 12 - وقوله: # لدى ملك من أيكة الجود لم يزل ... على كبد المعروف من فعله برد # 13 - وقوله: # في غلة أوقدت على كبد ال ... نائل نارا أخنت على كبده # 14 - وقوله: # حتى إذا اسود الزمان توضحوا ... فيه؛ فغودر وهو منهم أبلق # 15 - وقوله: # إيثار شزر القوى رأى جسد ال ... معروف أولى بالطب من جسده # 16 - وقوله: # وما ذكر الدهر العبوس بأنه ... له ابن كيوم السبت إلا تبسما # 17 - وقوله: # وكم أحرزت منكم على قبح قدها ... صروف النوى من مرهف حسن القد # 18 - وقوله يصف الأرض: # إذا الغيث غادى نسجها خلت أنه ... مضت حقبة حرس له وهو حائك # 19 - وقوله: # ولا جتذبت فرش من الأمن تحتكم ... هي المثل في لين بها والأرائك # 20 - وقوله: # إذا للبستم عار دهر كأنما ... لياليه من بين الليالي عوارك # 21 - وقوله يرثي غالبا: # أنزلته الأيام عن ظهرها من ... بعد إثبات رجله في الركاب # 22 - وقوله: PageV01P060 كأنني حين جردت الرجاء له ... غضا صببت لها ماء ~~على الزمن # 23 - وقوله يصف فرسا: # فكأن فارسه يصرف إذ بدا ... في متنه ابنا للصباح الأبلق # وأشباه هذا مما إذا تتبعته في شعره وجدته؛ فجعل كما ترى - مع غثاثة هذه ~~الألفاظ - للدهر أخدعا، ويدا تقطع من الزند، وكأنه يصرع، ويحل، ويشرق ~~بالكرام، ويتبسم، وأن الأيام تنزله، والزمان أبلق، وجعل للمدح يدا، ~~ولقصائده مزامر إلا أنها لا تنفخ ولا تزمر، وجعل المعروف مسلما تارة ومرتدا ~~أخرى، والحادث وغدا، وجذب ندى الممدوح بزعمه جذبة حتى خر صريعا بين يدي ~~قصائده، وجعل المجد مما يحقد عليه الخوف، وأن له جسدا وكبدا، وجعل لصروف ~~النوى قدا، وللأمن فرشا، وظن أن الغيث كان دهرا حائكا، وجعل للأيام ظهرا ~~يركب، والليالي كأنها عوارك، والزمان كأنه صب عليه ماء، والفرس كأنه ابن ~~الزمان الأبلق؛ وهذه استعارات في غاية القباحة والهجانة والبعد من الصواب. # وإنما استعارت العرب المعنى لما ليس له إذا كان يقار به أو يدانيه، أو ~~يشبهه في بعض أحواله، أو كان سببا من أسبابه؛ فتكون اللفظة ms115 المستعارة حينئذ ~~لائقة بالشيء الذي استعيرت له وملائمة لمعناه، نحو قول امرئ القيس: # فقلت له لما تمطى بجوزه ... وأردف أعجازا وناء بكلكل # وقد عاب امرأ القيس بهذا المعنى من لم يعرف موضوعات المعاني ولا المجازات ~~وهو في غاية الحسن والجودة والصحة، وهو إنما قصد وصف أجزاء الليل الطويل ~~فذكر امتداد وسطه، وتثاقل صدره للذهاب والانبعاث، وترادف أعجازه وأواخره ~~شيئا فشيئا، وهذا عندي منتظم لجميع نعوت الليل الطويل على هيئته، وذلك أشد ~~ما يكون على من يثراعيه ويترقب تصرمه؛ فلما جعل له وسطا يمتد وأعجازا رادفة ~~للوسط وصدرا متثاقلا في نهوضه حسن أن يتسعير للوسط اسم الصلب، وجعله متمطيا ~~من أجل امتداده؛ لأن تمطى وتمدد بمنزلة واحدة، وصلح أن يتسعير للصدر اسم ~~الكلكل من أجل نهوضه، وهذه أقرب الاستعارات من الحقيقة، وأسد ملاءمة ~~لمعناها لما استعيرت له. # وكذلك قول زهير: وعرى أفراس الصبا ورواحله لما كان من شأن ذى الصبا أن ~~يوصف أبدا بأن يقال: ركب هواه، وجرى في ميدانه، وجمح في عنانه، ونحو هذا، ~~حسن أن يستعار للصبا اسم الأفراس، وأن يجعل النزوع أن تعرى أفراسه ورواحله، ~~وكانت هذه الاستعارة أيضا من أليق شيء لما استعيرت له. # ونحو ذلك قول طفيل الغنوى: # وجعلت كورى فوق ناجية ... يقتات شحم سنامها الرحل # لما كان شحم السنام من الأشياء التي تقتات، وكان الرحل أبدا يتخوفه ~~ويتنقص منه، ويذيبه - كان جعله إياه قوتا للرحل من أحسن الاستعارات، ~~وأليقها بالمعنى. # وكذلك قول عمرو بن كلثوم: # ألا أبلغ النعمان عني رسالة ... فمجدك حولي ولؤمك قارح # لما جعل مجده حديثا غير قديم حسن أن يقول " حولي " ؛ لأن العرب إذا نسبت ~~الشيء إلى الصغر وقصر المدة قالوا: حولي؛ لأن أقل عدد الأحوال - وهي السنون ~~- حول واحد، ولهذا قال حسان: # لو يدب الحولي من ولد ال ... ذر عليها لأندبتها الكلوم # لم يرد بالحولى من ولد الذر ما أتى عليه الحول، ولكنه أراد بالحولي أصغر ~~ما يكون من الذر، وإنما أخذ ذلك من قول امرئ القيس: # من القاصرات الطرف لو ms116 دب محول ... من الذر فوق الإتب منها لأثرا # ومما يدل على صحة المعنى وأن الحولي إنما يراد به الصغر دون معنى الحول ~~قول الراجز: # واستبقت تحذف حولي الحصى # فأراد بحولي الحصى أصغره، وقول الآخر أنشده ثعلب: # تلقط حولي الحصى في منازل ... من الحي أضحت باللحيين بلقعا # ولما جعل لؤمه قديما حسن أن يقول " قارح " . # ونحو ذلك قول أبي ذؤيب: # وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع # لما كانت المنية - إذا نزلت بالإنسان خالطته - صح أن يقال: نشبت فيه، وصح ~~أن يستعار لها اسم الأظفار؛ لأن النشوب قد يكون بالظفر. PageV01P061 وعلى ~~هذا جاءت الاستعارات في كتاب الله تعالى اسمه، نحو قوله عزة وجل : واشتعل ~~الرأس شيبا لما كان الشيب يأخذ في الرأس ويسعى فيه شيئا فشيئا حتى يحيله ~~إلى غير حالة الأولى كالنار التى تشتعل في الجسم من الأجسام فتحيله إلى ~~النقصان والاحتراق، وكذالك قوله تعالى: وآية لهم الليل نسلخ منه النهار لما ~~كان انسلاخ الشئ من الشيء وهو أن يتبرأ منه ويتزيل منه حالا فحالا كالجد من ~~الحم وما شا كلهم انفصال النهار عن الليل شيئا فشيئا حتى يتكامل الظلام ~~انسلاخ، وكذلك قوله عز وجل : فصب عليهم ربك سوط عذاب لما كان الضرب بالسقوط ~~من العذاب استعير للعذاب سوط. # فهذا مجرى الاستعارات في كلام العرب. # وأما قول أبي تمام ولين أخداع الزمان الأبى فأى حاجة إلى الأخداع حتى ~~يستعيرها للزمن؟ وكان يمكنه أن يقول : ولين معاطف الدهر الأبى ، أو لين ~~جوانب الدهر، أو خلائق الدهر، كما تقول: فلان سهل الخلائق، ولين الجوانب، ~~وموطأ الأكتاف، ولأن الدهر يكون سلا وحزينا ولينا وصعبا على قدر تصرف ~~الأحوال فيه؛ لأن هذه الألفاظ كانت أولى بالاستعمال في هذا الوضع، وطانت ~~تنوب عن المعنى الذى قصده، ويتخلص من قبح الأخداع؛ فإن الكلام متسعا، ألا ~~ترى إلى قوله ما أحسنه وما أو ضحه: # ليالى نحن في وسنلت عيش ... كأن الدهر عنا في وثاق # وأياما لنا وله لدانا ... غنينا في حواشيها الرقاق # فاستعار للأيام الحواشى، ms117 وقوله: # أيامنا مصقولة أطرافها ... بك، والليالى كلها أسحار # وأبلغ من هذا وأبعد من التكلف وأشبه بكلام العرب قوله: # سكن الزمان فلا يد مذمومة ... للحادثات ولا سوام تذعر # فقد تراه كيف يخلط الحسن بالقبيح، والجيد بالردى، وإنما قبح الأخداع لما ~~جاء به مستعارا للدهر، ولو جاء في غير هذا الموضع أو أتى به حقيقة ووضعه في ~~موضعه ما قبح، نحو قول البحترى: # وأعتقت من ذلك المطامع أخدعى # ونحو قوله: # ولا مالت بأخدعك الضياع # ومما يزيد على كل جيد قول الفرزدق: # وكنا إذا الجبار صعر خده ... ضربناه حتى تستقيم الأخادع # فأما قوله: " فضربت الشتاء في أخدعيه " فإن ذكر الأخدعين - على قبحهما - ~~أسوغ؛ لأنه قال " ضربة غادرته عودا كوبا " وذلك أن العود المسن من الإبل ~~يضرب على صفحتي عنقه فيذل؛ فقربت الاستعارة ههنا من الصواب قليلا، ومن ~~القبيح في هذا قوله: # يا دهر قوم من أخدعيك فقد ... أضججت هذا الأنام من خرقك # أي ضرورة دعته إلى الأخدعين؟ وكان يمكنه أن يقول " من اعوجاجك " أو " قوم ~~ما تعوج من صنعك " أي: يا دهر أحسن بنا الصنيع؛ لأن الأخرق هو الذي لا يحسن ~~العمل، وضده الصنع، وكذلك قوله: # تحملت ما لو حمل الدهر شطره ... لفكر دهرا أي عبأيه أثقل # فجعل للدهر عقلا، وجعله مفكرا في أي العبأين أثقل، وما معنى أبعد من ~~الصواب من هذه الاستعارة، وكان الأشبه والأليق بهذا المعنى لما قال " تحملت ~~ما لو حمل الدهر شطره " أن يقول: لتضعضع، أو لا نهد، أو لأمن الناس صروفه ~~ونوازله، ونحو هذا مما يعتمده أهل المعاني في البلاغة والإفراط. # وإنما رأى أبو تمام أشياء يسيرة من بعيد الاستعارات متفرقة في أشعار ~~القدماء كما عرفتك لا تنتهي في البعد إلى هذه المنزلة، فاحتذاها، وأحب ~~الإبداع، وأغرق في إيراد أمثالها، واحتطب، واستكثر منها: فمن ذلك قول ذى ~~الرمة: # تيممن يا فوخ الدجى فصدعنه ... وجوز الفلا صدع السيوف القواطع # فجعل للدجى يافوخا، وقول تأبط شرا: # نحز رقابهم حتى نزعنا ... وأنف الموت منخره رثيم # فجعل للموت أنفا، وقول ذى ms118 الرمة: # يعز ضعاف القوم عزة نفسه ... ويقطع أنف الكبرياء عن الكبر # فجعل للكبرياء أنفا، وقال معقل بن خويلد الهذلي، أو غيره: # تخاصم قوما لا تلقى جوابهم ... وقد أخذت من أنف لحيتك اليد # فجعل للحية أنفا: أي قبضت بيدك على طرف لحيتك كما يفعل النادم أو المموم، ~~وما أظن ذا الرمة أراد بالأنف إلا أول الشيء والمتقدم منه، كما قال يصف ~~الحمار: # إذا شم أنف الضيف ألحق بطنه ... مراس الأواصي وامتحان الكرائم ~~PageV01P062 وقال أبو العباس عبد الله بن المعتز في كتاب الشعراء: وهذا ~~البيت غر الطائي حتى أتى به وإنما أراد ذو الرمة بقوله (أنف الضيف) أول ~~الضيف كقولهم أنف النهار:أي أوله ورعينا أنف النهار أي أوله قال أمروء ~~القيس : # قد غدا يحملني في أنفه ... لاحق لاحق الإطلين محبوك ممر # وقوله في أنفه أي في أول جريه وأشده ويقال في أنفه في أنف الغيث الذي ~~ذكره، أي في أوله، يقول: لم يطأ هذا الغيث أحد قبلي، ولم يذهب هذا الشاعر ~~حيث ذهب أبو العباس، وكذلك قول أعرابي يصف البرق: # إذا شم أنف الليل أومض وسطه ... سنا كابتسام العامرية شاغف # إنما أراد إذا اشتم أول الليل، وقال آخر أنشدناه الأخفش عن ثعلب يذم ~~رجلا: # ما زال مجنوبا على است الدهر ... ذا جسد ينمى وعقل يحرى # فجعل للدهر استا، وقول شاتم الدهر أحد شعراء عبد القيس: # ولما رأيت الدهر وعرا سبيله ... وأبدى لنا ظهرا أجب مسلعا # ومعرفة حصاء غير مفاضة ... عليه ولونا ذا عثانين أجمعا # وجبهة قرد كالشراك ضئيلة ... وصعر خديه وأنفا مجدعا # فجعل للدهر ظهرا أجب، ومعرفة حصاء، ولونا ذا عثانين، وشبه جبهته بجبهة ~~قرد، وجعل أنفه أنفا مجدعا، وهذا الأعرابي إنما تملح بهذه الاستعارات في ~~هجائه للدهر، وجاء بها هازئا، ومثل هذا في كلامهم قليل جدا، وليس مما يعتمد ~~ويجعل أصلا يحتذى عليه ويستكثر منه. # 24 - ومن ردئ استعاراته وقبيحها وفاسدها قوله: # لم تسق بعد الهوى ماء أقل قذى ... من ماء قافية يسقيكه فهم # فجعل للقافية ماء على الاستعارة؛ فلو أراد ms119 الرونق لصلح، ولكنه قال " ~~يسقيكه " ففسد معنى الرونق؛ لأنك إذا قلت " هذا ثوب له ماء " لم تجعل الماء ~~مشروبا فتقول: ما شربت ماء أعذب من ماء أعذب من ماء ثوب شربته عند فلان، ~~أورأيته على فلان الملك؛ وكذلك لا تقول: ما شربت ماء أعذب من ماء " قفا نبك ~~" أو أعذب من ماء قصيدة كذا؛ لأن للستعارة حدا تصلح فيه، فإذا جاوزته فسدت ~~وقبحت. # فأما قولهم " فلان حلو الكلام " و " عذب المنطق " أو " كأن ألفاظه فتات ~~السكر " فهذا كلام الناس على هذه السياقة، وليس يريدون حلاوة على اللسان، ~~ولا عذوبة في الفم، وإنما يريدون عذبا في النفوس، وحلوا في القلوب، كما قال ~~هو، أعني أبا تمام: # يستنبط الروح اللطيف نسيمها ... أرجا، وتؤكل بالضمير وتشرب # وكذلك قولهم " حلو المنظر " إنما يريدون حلوا في العين، ولا تقول: ما ذقت ~~أحلى من كلام فلان، ولا ما شربت أعذب من ألفاظ عمرو؛ لأن هذا القول صيغة ~~الحقيقة، لا الاستعارة، ولا تقل : ما شر بت أعذب من عمرو ، ولا ما أكلت ~~أحلى من عبسد الله ،فاعلم هذا ؛فإن حدود الاستعارة معلومة . # فأما قوله : # لمكاسر الحسن بن وهب أطيب ... وأمر في حنك الحسود وأعذب # فالمكاسر: الأخلاق، وإنما أراد أمر في حنك العدو إذا نطق بها، أو أمر في ~~حنكه أن يذكرها، أو يخبر بها، وأعذب في حنك وليه ووديده إذا نشرها، وكما ~~قال زهير: # تلجلج مضغة فيها أنيض ... أصلت فهي تحت الكشح داء # لأنه أراد كلمة فصلح أن يقول أنيض: أي لم تنضج، وأصلت: تغيرت وأنتنت، ~~وذلك لما جعلها مضغة أي لقمة في فيه؛ فهذا طريق الاستعارة فيما يصلح وبفسد؛ ~~فتفهمه فإنه واضح. # وأما قوله: # لا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي # فقد عيب، وليس بعيب عندي؛ لأنه لما أراد أن يقول " قداستعذلت ماء بكائي " ~~جعل للملام ماء؛ ليقابل ماء بماء وإن لم يكن للملام ماء على الحقيقة، كما ~~قال الله عز وجل: " وجزاء سيئة سيئة مثلها " ومعلوم أن الثانية ليست بسيئة، ~~وإنما هي ms120 جزاء السيئة؛ وكذلك: " إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم " والفعل ~~الثاني ليس بسخرية، ومثل هذا في الشعر والكلام كثير مستعمل. # فلما كان مجرى العادة أن يقول القائل: أغلظت لفلان القول، وجرعته منه ~~كأسا مرة، وسقيته منه أمر من العلقم، وكان الملام مما يستعمل فيه التجرع ~~على الاستعارة - جعل له ماء على الاستعارة، ومثل هذا كثير موجود. # وقد احتج محتج لأبي تمام في هذا بقول ذى الرمة: # أدارا بحزوى هجت للعين عبرة ... فماء الهوى يرفض أو يترقرق PageV01P063 ~~وقول الآخر: # وكأس سباها التجر من أرض بابل ... كرقة ماء البين في الأعين النجل # وهذا لا يشبه ماء الملام؛ لأن ماء الملام استعارة، وماء الهوى ليس ~~باستعارة؛ لأن الهوى يبكى؛ فتلك الدموع هي ماء الهوى في الحقيقة، وكذلك ~~البين يبكي؛ فتلك الدموع هي ماء البين على الحقيقة. # فإن قيل: فإن أبا تمام أبكاه الملام، والملام قد يبكي على الحقيقة؛ فتلك ~~الدموع هي ماء الملام على الحقيقة. # قيل: لو أراد أبو تمام ذلك لما قال " قد استعذبت ماء بكائي " لأنه لو بكى ~~من الملام لكان ماء الملام هو ماء بكاء أيضا، ولم يكن يستعفى منه. # 25 - ومن ردئ استعارته وقبيحها قوله: # مقصر خطوات البث في بدني ... علما بأني ما قصرت في الطلب # فجعل للبث - وهو أشد الحزن - خطوات في بدنه، وأنه قد قصرها؛ لأنه ما قصر ~~في الطلب، وهذا من وساوسه المحكمة، وإنما أراد به قد سهل أمر الحزن عليه ~~أنه ما قصر في الطلب؛ لأنه لو قصر كان يأسف ويشتد حزنه، فجعل للحزن خطى في ~~بدنه قصيرة لما جعله سهلا خفيفا، وهذا ضد المعنى الذي أراد؛ لأن الخطى إذا ~~طالت أخذت من الشيء الذي تمر عليه أقل مما تأخذه الخطى القصيرة؛ فعلى هذا ~~يجوز أن يقع قلبه أو كبده بين تلك الخطى الطويلة فلا يمسها من البث - وهو ~~الحزن - قليل ولا كثير. # فإن قيل: إنما أراد أن الحزن هو في قلبه خاصة، وأن قوله " في بدني " أي ~~في قلبي؛ لأن قلبه في بدنه. # قيل: ms121 الأمر واحد في أن الخطى إذا طالت على الشيء - قلبه كان أو ما سواه - ~~أخذت منه أقل مما تأخذ إذا قصرت. # فإن قيل: أراد بطول الخطى الكثرة وبقصرها القلة. # قيل: هذا غلط من التأويل، وليس العمل على إرادته، وإنما العمل على توجيه ~~معاني ألفاظه. # وبعد، فإن من أعجب الوسواس خطوات البث في البدن. # 26 - ومن ردئ استعاراته وقبيحها قوله: # جارى إليه البين وصل خريدة ... ماشت إليه المطل مشى الأكبد # الهاء في " إليه " راجعة إلى المحب، يريد أن البين " ووصل الخريدة تجاريا ~~إليه، فكأنه أراد أن يقول: إن البين " حال بينه وبين وصلها، واقتطعها عن أن ~~تصله، وأشباه هذا من اللفظ المستعمل الجاري، فعدل إلى أن جعل البين والوصل ~~تجاريا إليه، وأن الوصل في تقديره جرى إليه يريده فجرى البين ليمنعه، ~~فجعلهما متجاريين، ثم أتى في المصراع الثاني بنحو من هذا التخليط، فقال: ~~ماشت إليه المطل مشى الأكبد، فالهاء هنا راجعة إلى الوصل: أي لما عزمت على ~~أن تصله عزمت عزم متثاقل مماطل فجعل عزمها مشيا، وجعل المطل مماشيا لها، ~~فيا معشر الشعراء والبلغاء ويا أهل اللغة العربية: خبرونا كيف يجاري البين ~~وصلها؟ وكيف تماشي هي مطلها؟ ألا تسمعون؟ ألا تضحكون؟ وأنشد أبو العباس ابن ~~المعتز في كتاب سرقات الشعراء لسلم الخاسر يعيبه بردئ الاستعارة في قوله ~~يري موسى الهادي: # لؤلا المقابر ما حط الزمان به ... لا، بل تولى بأنف كلمه دامي # وقال: هذا ردئ كأنه من شعر أبي تمام الطائي!وليت لم يكن لأبي تمام من ردئ ~~الاستعارة إلا مثل استعارة سلم هذه أو نحوها، ونعوذ بالله من حرمان ~~التوفيق. # ما جاء في شعر أبي تمام من قبيح التجنيس # ورأى أبو تمام أيضا المجانس من الألفاظ مفرقا في أشعار الأوائل، وهو ما ~~اشتق بعضه من بعض، نحو قول امرئ القيس: # لقد طمح الطماح من بعد أرضه ... ليلبسني من دائه ما تلبسا # وقوله أيضا: # ولكنني أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي # وقول القطامى: # ولما ردها في الشول شالت ... بذيال يكون ms122 لها لفاعا # وقول ذى الرمة: # كأن البرى والعاج عيجت متونه ... على عشر يرمى به السيل أبطح # وقول رجل من عبس: # وذلكم أن ذل الجار حالفكم ... وأن أنفكم لا يعرف الأنفا # وقول مسكين الدارمي: # وأقطع الخرق بالخرقاء لاهية ... إذا الكواكب كانت في الدجى سرجا # وقول حيان بن ربيعة الطائي: # لقد علم القبائل أن قومي ... لهم حد إذا لبس الحديد # وقول النعمان بن بشير لمعاوية: # ألم تبتدركم يوم بدر سيوفنا ... وليلك عما ناب قومك نائم # وقول جرير: PageV01P064 فما زال معقولا عقال عن الندى ... وما زال محبوسا ~~عن الخير حابس # وقول الفرزدق: # خفاف أخف الله عنه سحابه ... وأوسعه من كل ساف وحاصب # وكأن هذين الشاعرين في تجنيس ما جنسا من هذه الألفاظ وحاجتهما إليه يشبه ~~قول النبي صلى الله عليه وسلم: " عصية عصت الله، وغفار غفر الله لها، وأسلم ~~سالمها الله " . # ونحو هذا مما تعمد الشعراء لتجنيسه قول جندل بن الراعي: # فما عمرت عمرو وقد جد سعيها ... وما سعدت يوم التقينا بنو سعد # ومن ألطف ما جاء من التجنيس وأحسنه في كلام العرب قول القطامى: # كنية الحي من ذى القيظ فاحتملوا ... مستحقبين فؤادا ماله فادي # ومثل هذا في أشعار الأوائل موجود، لكنه إنما يأتي منه في القصيدة البيت ~~الواحد والبيتان، على حسب ما يتفق للشاعر، ويحضر في خاطره، وفي الأكثر لا ~~يعتمده، وربما خلا ديوان الشاعر المكثر منه؛ فلا ترى فيه لفظة واحدة. # فاعتمده الطائي، وجعله غرضه، وبنى أكثر شعره عليه، فلو كان قلل منه ~~واقتصر على مثل قوله: # يا ربع لو ربعوا على ابن هموم # وقوله: # أرامة كنت مألف كل ريم # وقوله: # يا بعد غاية دمع العين إن بعدوا # وأشباه هذا من الألفاظ المتجانسة المستعذبة اللائقة بالمعنى - لكان قد ~~أتى بالغرض، وتخلص من الهجنة والعيب، فأما أن يقول: # قرت بقران عين الدين وانشترت ... بالأشترين عيون الشرك فاصطلما # فانشتار عيون الشرك في غاية الغثانة والقباحة، وأيضا فإن انشتار العين ~~ليس بموجب للاصطلام، وقوله: # إن من عق والديه لملعو ... ن، ومن عق منزلا بالعقيق ms123 # وقوله: # ذهبت بمذهبه السماحة فالتوت ... فيه الظنون أمذهب أم مذهب # وقوله: # خشنت عليه أخت بني خشين # فهذا كله تجنيس في غاية الشناعة والركاكة والهجانة، ولا يزيد زيادة على ~~قبح قوله: # فاسلم سلمت من الآفات ما سلمت ... سلام سلمى، ومهما أورق السلم # فإن هذا من كلام المبرسمين، وقد عابه أبو العباس عبد الله بن المعتز ببعض ~~هذه الأبيات في كتاب البديع، جاء بها في قبح التجنيس. # وقد جاء من التجنيس في أشعار العرب ما يستكره، نحو قول امرئ القيس: # وسنا كسنيق سناء وسنما # ولم يعرف الأصمعي هذا، ولا أبو عمرو وقال أبوعمرو: وهو بيت مسجدى: أي من ~~عمل أهل المسجد، وقال الأصمعي: السن: الثور، ولم يعرف سنيقا، ولا سنما، ~~ويقال: سنيق جبل، ويقال: أكمة، وسم ههنا: البقرة الوحشية، سناء: أي ~~ارتفاعا، ويروى " سناما " أي ارتفاعا أيضا، من " تسنمت الجبل " علوته. # وقول الأعشى: # شاو شلول مشل شلشل شول # وهذا عند أهل العلم من جنون الشعراء، وقرأ هذه القصيدة على أبي الحسن علي ~~بن سليمان النحوي قارئ، فلما بلغ إلى هذا البيت قال أبو الحسن: صرع والله ~~الرجل. # وما زلت أراهم يستكرهون قول ذى الرمة: # عصاقس قوس لينها واعتدالها # ويروى " عصا عسطوس " وقد قيل:إنه الخيزران. # وهذا إنما جاء من هؤلاء مقللا نادرا؛ لأنك لو اجتهدت أن ترى لواحد منهم ~~حرفا واحدا ما وجدته، والطائي استفرغ وسعه في هذا الباب، وجد في طلبه، ~~واستكثر منه، وجعله غرضه؛ فكانت إساءته فيه أكثر من إحسانه، وصوابه أقل من ~~خطائه. # ما يستكره للطائي من المطابق # ورأى الطائي الطباق في أشعار العرب، وهو أكثر وأوجد في كلامها من ~~التجنيس، وهو: مقابلة الحرف بضده أو ما يقارب الضد، وإنما قيل " مطابق " ~~لمساواة أحد القسمين صاحبه، وإن تضادا أو اختلفا في المعنى، ألا ترى إلى ~~قولهم في أحد المعنيين - إذا لم يشاكل صاحبه - ليس هذا طبق هذا، وقولهم في ~~المثل " وافق شن طبقه " والطبق للشيء إنما قيل له طبق لمساواته إياه في ~~المقدار، إذا جعل عليه أو غطى به، وإن ms124 اختلف الجنسان. # قال الله عز وجل " لتركبن طبقا عن طبق " أي: حالا بعد حال، ولم يرد ~~تساويهما في تمثيل المعنى، وإنما أراد جل وعز - وهو أعلم - تساويهما فيكم، ~~وتغييرهما إياكم؛ بمرورهما عليكم، ومنه قول العباس بن عبد المطلب: # إذا انقضى عالم بدا طبق PageV01P065 أي: جاءت حال أخرى تتلو الحال ~~الأولى؛ ومنه طباق الخيل، يقال: طابق الفرس إذ1ا وقعت قوائم رجليه في موضع ~~قوائم يديه في المشي أو العدو؛ وكذلك مشي الكلاب، قال الجعدي: # طباق الكلاب يطأن الهراسا # فهذا حقيقة الطباق، إنما هو مقابلة الشيء لمثله الذي هو على قدره، فسموا ~~المتضادين - إذا تقابلا - مطابقين؛ ومنه قول زهير: # ليث بعثر يصطاد الرجال إذا ... ما الليث كذب عن أقرانه صدقا # فطابق بين قوله " كذب " وبين قوله " صدقا " ؛ وقول طفيل الغنوى يصف فرسا: # يصان وهو ليوم الروع مبذول # فطابق بين قوله " يصان " وبين قوله " مبذول " ، وقول طرفة بن العبد: # بطئ عن الجلى سريع إلى الخنا # فطابق بين " بطئ " و " سريع " : فلو اقتصر الطائي على ما اتفق له في هذا ~~الفن من حلو الألفاظ وصحيح المعنى نحو قوله: # نثرت فريد مدامع لم تنظم # ونحو قوله: # جفوف البلى أسرعت في الغصن الرطب # ونحو قوله: # قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلى الله بعض القوم بالنعم # وأشباه هذا من جيد أبياته، وتجنب مثل قوله: # قد لان أكثر ما تريد، وبعضه ... خشن، وإني بالنجاح لواثق # وقوله: # لعمري لقد حررت يوم لقيته ... لو أن القضاء وحده لم يبرد # وقوله: # وإن خفرت أموال قوم أكفهم ... من النيل والجودى فكفاه مقطع # ونحو هذا مما يكثر، إن ذكرته ذهب عظيم شعره وسقط، وأكثر ما عيب عليه منه. # وهذا باب - أعني المطابق - لقبه أبو الفرج قدامة بن جعفر في كتابه المؤلف ~~في نقد الشعر " المتكافئ " ، وسمى ضربا من المجانس المطابق، وهو: أن تأتي ~~الكلمة مثل الكلمة سواء في تأليفها واتفاق حروفها، ويكون معناها مخالفا، ~~نحو قول الأفوه الأودي: # وأقطع الهوجل مستأنسا ... بهوجل عيرانة عنتريس # والهوجل الأول: الأرض البعيدة، والهوجل الثاني: الناقة العظيمة ms125 الخلق ~~الموثقة، وقول أبي دواد الإيادي: # عهدت لها منزلا دارسا ... وآلا على الماء يحملن آلا # فالآل الأول: أعمدة الخيام، والآل الثاني: ما يرفع الشخوص. # وقول زياد الأعجم: # ونبئتهم يستنصرون بكاهل ... وللؤم فيه كاهل وسنام # وما علمت أن أحد فعل هذا غير أبي الفرج، فإنه وإن كان هذا اللقب يصح ~~لموافقته معنى الملقبات، وكانت الألفاظ غير محظورة، فإنى لم أكن أحب له أن ~~يخالف من تقدمه، مثل أبي العباس عبد الله بن المعتز وغيره ممن تكلم في هذه ~~الأنوع والألف فيها؛ أذا قد سبقوه إلى اللقب، وكفوه المؤونة. # وقد رأيت قوما من البغداديين يسمون هذا النوع المجانس الممائل، ويلحقون ~~به الكلمة إذا تكررت وترددت، نحو قول جرير: # تزود مثل زاد أبيك فينا ... فنعم الزاد زاد أبيك زادا # وهذا باب # في سوء نظمه # وتعقيد ألفاظ نسجه، ووحشي ألفاظه # وما أكثر ما تراه من ذلك، وتجده في شعره، وأظنه سمع ما روى عن عمر ابن ~~الخطاب رضى الله عنه في زهير بن أبي سلمى لما قال فيه: كان لا يعاظل بين ~~الكلا، ولا يتتبع حوشيه، ولا يمدح رجلا إلا بما في الرجال، فلم يرتضى هذا ~~لشعره، وأحب أن يثتكثر بما ذمه وعابه. # وقد فسر أهل العلم هذا من قول عمر، وذكروا معنى المعاظلة، وهي: مداخلة ~~الكلام بعضه في بعض، وركوب بعضه لبعض، من قولك: تعاظل الجراد، وتعاظلت ~~الكلاب، ونحوهما مما يتعلق بعضه ببعض عند السفاد، وأكثر ما يستعمل في هذين ~~النوعين، وكذلك فسروا حوشي الكلام، وهو الذي لا يتكرر في كلام العرب كثيرا؛ ~~فإذا ورد ورد مستهجنا. # وقالوا في معنى قوله " وكان لا يمدح الرجل إلا بما يكون في الرجال " أراد ~~أنه لا يمدح السوقة بما يمدح به الملوك، ولا يمدح التجار وأصحاب الصناعات ~~بما يمدح به الصعاليك والأبطال وحملة السلاح؛ فإن الشاعر إذا فعل ذلك فقد ~~وصف كل فريق بما ليس فيه، فذكروا هذه الجمل، ثم مثلوا لها أمثلة تزيد ما ~~قاله عمر رضي الله عنه وضوحا وبيانا، إلا أبو افرج قدامه ms126 بن جعفر فإنه ذكر ~~ذلك في كتابه المؤلف في نقد الشعر ومثل له أمثلة المعاظلة غلطا قبيحا، وقد ~~ذكرت ذلك في كتاب بينت فيه جميع ما وقفت عليه من سهوة وغلطه. PageV01P066 ~~وأنا أذكر ههنا ما إليه قصدت من سائر ما في شعر أبي تمام م هذه الأنواع ~~فإنها كثيرة، وأورد من كل نوع قليلا، فيستدل به على الكثير؛ فأقول: إن من ~~المعاظلة التي قد لخصت معناها في الكتاب على قدامة شدة تعليق الشاعر ألفاظ ~~البيت بعضها ببعض، وأن يداخل لفظة من أجل لفظة تشبهها أو تجانسها، وإن اختل ~~المعنى بعض الاختلال. # 1 - وذلك كقول أب يتمام: # خان الصفاء أخ خان الزمان أخا ... عنه فلم يتخون جسمه الكمد # فانظر إلى أكثر ألفاظ هذا البيت، وهي سبع كلمات آخرها قوله " عنه " ما ~~أشد تشبث بعضها ببعض، وما أقبح ما اعتمده من إدخال ألفاظ في البيت من أجل ~~ما يشبهها، وهو " خان " و " خان " و " يتخون " وقوله " أخ " و " اخا " فإذا ~~تأملت المعنى - مع ما أفسده من اللفظ - لم تجد له حلاوة، ولا فيه كبير ~~فائدة؛ لأنه يريد خان الصفاء أخ خان الزمان أخا من أجله إذا لم يتخون جسمه ~~الكمد. # 2 - وكذلك قوله: # يا يوم شرد يوم لهوى لهوه ... بصبابتي، وأذل عز تجلدي # فهذه الألفاظ إلى قوله " بصبابتي " كأنها سلسلة، من شدة تعلق بعضها ببعض، ~~وقد كان أيضا استغنى عن ذكر اليوم في قوله " يوم لهوى " ؛ لأن التشريد إنما ~~هو واقع بلهوه، فلو قال " يا يوم شرد لهوى " لكان أصح في المعنى من قوله: " ~~يا يوم شرد يوم لهوى " وأقرب في اللفظ؛ فجاء باليوم الثاني من أجل اليوم ~~الأول، وباللهو الثاني من أجل اللهو الذي قبله، ولهو اليوم أيضا بصبابته هو ~~أيضا من وساوسه وخطائه، ولا لفظ أولى بالمعاظلة من هذه الألفاظ. # 3 - ونحو قوله أيضا: # يوم أفاض جوى أغاض تعزيا ... خاض الهوى بحرى حجاه المزبد # فجعل اليوم أفاض جوى، والجوى أغاض تعزيا، والتعزى موصولا به " خاض الهوى ~~" إلى آخر البيت؛ وهذا ms127 غاية ما يكون من التعقيد والاستكراه، مع أن " أفاض " ~~و " أغاض " و " خاض " ألفاظ أوقعا في غير موضعها، وأفعال غير لائقة ~~بفاعلها، وإن كانت مستعارة؛ لأن المستعمل في هذا أن يقال: قد علم ما بفلان ~~من جوى، وظهر ما يكتمه من هوى، وبان عنه العزاء، وذهب عنه العظاء والتعزي، ~~فأما أن يقال: فاض الجوى، أو أفيض، أو غاض، أو غيض: فإنه - وإن احتمل ذلك ~~على سبيل الاستعارة - قبيح جدا، وكذلك خوض الهوى بحر التعزي معنى في غاية ~~البعد والهجانة، ثم اضطر إلى أن قال " بحري حجاه المزيد " فوحد المزبد، ~~وخفضه، وكان وجهه أن يقول " المزبدين " صفة للبحرين؛ فجعله صفة للحجى، ~~ويقال: إنه أراد ببحري حجاه المزيد قلبه ودماغه؛ لأنهما موطنان للعقل، وذلك ~~محتمل؛ إلا أنه جعل المزبد وصفا للحجى، ولا يوصف العقل بالإزباد، وإنما ~~يوصف به البحر، وهذا وإن كان يتجاوز في مثله فإنه إلى الوجه الأردأ عدل به، ~~وجنب الطريق عن الوجه الوضح. # فإذا تأملت شعره وجدت أكثره مبنيا على مثل هذا وأشباهه، وقد ذكرت من هذه ~~الأمثلة من شعره ما دل على سواها. # فإن قال قائل: إن هذا الذي أنكرته وذممته في البيات المتقدمة وفي هذا ~~البيت - من شدة تشبث الكلام بعضه ببعض، وتعلق كل لفظة بما يليها، وإدخال ~~كلمة من أجل أخرى تبهها وتجانسها - هو المحمود من الكلام، وليس من المعاظلة ~~في شيء، ألا ترى أن البلغاء والفصحاء لما وصفوا ما يستجاد ويستحب من النثر ~~والنظم قالوا: هذا كلام يدل بعضه على بعض، وآخذ بعضه برقاب بعض. # قيل: هذا صحيح من قولهم، ولم يريدوا هذا الجنس من النثر والنظم، ولا ~~قصدوا هذا النوع من التأليف، وإنما أرادوا المعاني إذا وقعت ألفاظها في ~~مواقعها، وجاءت الكلمة مع أختها المشاكلة لها التي تقتضي أن تجاورها ~~بمعناها: إما على الاتفاق، أو التضاد، حسما توجبه قسمة الكلام، وأكثر الشعر ~~الجيد هذه سبيله، ونحو ذلك قول زهير بن أبي سلمى: # سئمت تكاليف الحياة، ومن يعشثمانين حولا لا أبا لك يسأم # لما قال ms128 " ومن يعش ثمانين حولا " وقدم في أول البيت " سئمت " اقتضى أن ~~يكون في آخره " يسأم " وكذلك قوله أيضا: # الستر دون الفاحشات، وما ... يلقاك دون الخير من ستر # فالستر الأول اقتضى الستر الثاني، وكذلك قوله: # ومن لا يقدم رجله مطمئنة ... فيثبتها في مستوى الأرض تزلق # لما قال " ومن لا يقدم رجله مطمئنة " اقتضى أن يأتي في آخر البيت " تزلق ~~" وكذلك قول امرئ القيس: PageV01P067 ألا إن بعد العدم للمرء قنوة ... وبعد ~~المشيب طول عمر وملبسا # اقتضى " العدم " في البيت أن يأتي بعده " قنوة " وكذلك اقتضى قوله: " ~~وبعد المشيب " قوله " طول عمر وملبسا " وكذلك قوله: # فإن تكتموا الداء لا نخفه ... وإن تقصدوا لدم نقصد # كل لفظة تقتضي ما بعدها. # فهذا هو الكلام الذي يدل بعضه على بعض، وياخذ بعضه برقاب بعض؛ إذا أنشدت ~~صدر البيت علمت ما ياتي في عجزه؛ فالشعر الجيد - أو أكثره - على هذا مبني، ~~وليست بنا حاجة إلى الزيادة في التمثيل على هذه الأبيات. # وأما قول عمر رضي الله عنه في زهير: " إنه كان لا يتتبع حوشي الكلام " ~~فإن أبا تمام كان لعمري يتتبعه، ويتطلبه، ويتعمد إدخاله في شعره؛ فمن ذلك ~~قوله: # أهلس أليس لجاء إلى همم ... تغرق الأسد في آذيها الليسا # ويروى " أهيس أليس " الجاد، وهذه الرواية أجود، وهي مثل: # إحدى لياليك فهيسى هيسى # والهلاس: السلال من شدة الهزال؛ فكان قوله " أهلس " يريد خفيف اللحم، ~~والأليس: الشجاع البطل الغاية في الشجاعة، وو الذي لا يكاد يبرح موضعه في ~~الحرب حتى يظفر أو يهلك؛ فهاتان لفظتان مستكرهتان إذا اجتمعتا، لم يقنع ~~بأهلس أليس حتى قال في آخر البيت " الليسا " يريد جمع أليس، وقوله: # وإن بجيرية نابت جأرت لها ... إلى ذرى جلدي فاستؤهل الجلد # فقال " بجيرية " " جأرت لها " وهذه الألفاظ وإن كانت معروفة مستعملة ~~فإنها إذا اجتمعت استقبحت وثقلت، وكذلك قوله: # هن البجارى يا بجير # والبجارى: جمع بجرية، وهي الداهية، وقوله: # بنداك يوسى كل جرح يعتلى ... رأب الأساة بدردبيس قنطر # الدردبيس والقنطر: من أسماء الدواهي، وقوله: # قدك اتئب أربيت في الغلواء ms129 # وزاد هذه الألفاظ هجنة أنها ابتداء في ابتداء القصيدة، وقوله: # لقد طلعت في وجه مصر بوجهه ... بلا طائر سعد ولا طائر كهل # وإنما سمع قول بعض الهذليين: # فلو كان سلمى جاره أو أجاره ... رياح بن سعد رده طائر كهل # ووجدت في تفسير أشعار هذيل أن الأصمعي لم يعرف قوله " طائر كهل " وقال ~~بعضهم: كهل ضخم، وما أظن أحدا قال " طائر كهل " غير هذا الهذلي، فاستغرب ~~أبو تمم معنى الكلمة فأتى بها، وأحب أن لا تفوته؛ فمثل هذه الألفاظ لا ~~يستعملها شاعر متقدم إلا أن يأتي في جملة شعره منها اللفظة واللفظتان، وهي ~~في شعر أبي تمام كثيرة فاشية، وقد أنكر الرواة على زهير - مع ما قاله عمر ~~رضي الله عنه " إنه كان لا يتتبع حوشي الكلام " - قوله: # نقي تقي لم يكثر غنيمة ... بنهكة ذى قربى ولا بحقلد # واستشنعوا " بحقلد " وهي اليء الخلق، ولا يعرف في شعره لفظة هي أنكر ~~منها، وليس مجيئه بهذه اللفظة الواحدة قادحا فيما وصفه به عمر رضي الله ~~عنه، وأكثر ما ترى هذه الألفاظ الوحشية في أراجيز الأعراب، نحو قول بعضهم ~~أنشده أبو حاتم: # فشجا جحافله جراف هبلع # وقول آخر: # غربا حرورا وجلالا خرخره # وأنشد الأصمعي: # وآخذ طعم السقاء سامط ... وخائر عجالط عكالط # إذا ذهب عن اللبن حلاوة الحليب ولم يتغير فهو سامط، وإذا خثر اللبن جدا ~~حتى ثخن فهو عكالط، وقال آخر أنشده الأصمعي: # وربرب خماص ... يأكلن من قراص # وحمصيص ... وقاص # واس: نبت متصل بعضه ببعض. # وإذا كان هذا يستهجن من الأعرابي القح الذي لا يتعممل له ولا يطلبه، ~~وإنما يأتي به على عادته وطبعه؛ فهو من المحدث - الذي ليس هو من لغته ولا ~~من ألفاظه ولا من كلامه الذي تجري عادته به - أحرى أن يستهجن، ولهذا أنكر ~~الناس على رؤبة استعماله الغريب الوحشي، وذلك لتأخره وقرب عهده، حتى زهد ~~كثير من الرواة في رواية شعره إلا أصحاب اللغة والغريب. # وقد ذكر أبو العباس عبد الله بن المعتز في كتابه المؤلف في سرقات الشعراء ~~ومعانيهم، ms130 عن العنزى، قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن عبد الصمد السلمي ~~الزارع، قال: حدثني ابن عائشة، قال: قال أبو العتاهية لابن مناذر: إن كنت ~~أردت بشعرك شعر العجاج ورؤبة فما صنعت شيئا؛ وإن كنت أردت شعر أهل زمانك ~~فما أخذت مأخذنا، أرأيت قولك: # ومن عاداك يلقى المرمريسا # أي شيء في المرمريس أعجبك؟ PageV01P068 ووجدت أبا عبيدة ذكر في كتاب ~~الخيل في باب ما يستدل به على جودة الفرس وهو يحضر " وبيضة مرمريس، وهمة ~~مرمريس، وهي الضخمة " وأراد ابن مناذر الداهية. # وقد جاء أبوتمام بالدردبيس، وهي أخت المرمريس، فقال: # بنداك يوسى كل جرح يعتلى ... رأب الأساة بدردبيس قنطر # وهي الداهية أيضا، وكذا القنطر. # باب # ما كثر في شعره من الزحاف واضطراب الوزن # وذلك هو ما قاله دعبل بن علي الخزاعي وغيره من المطبوعين: إن شعر أب ~~يتمام بالخطب وبالكلام المنثور أشبه منه بالكلام المنظوم. # فمن ذلك قوله: # وأنت بمصر غايتي وقرابتي ... بها، وبنو أبيك فيها بنو أبي # وهذا من أبيات النوع الثاني من الطويل، ووزنه : " فعولن مفاعيلن " وعروضه ~~وضربه مفاعلن؛ فحذف نون فعولن من الأجزاء الثلاثة الأول، وحذف الياء من ~~مفاعيلن التي هي المصراع الثاني، وذلك كله يسمى مقبوضا؛ لأنه حذف خامسة. # وكذلك قوله من هذا النوع: # كساك من الأنوار أبيض ناصع ... وأصفر فاقع وأحمر ساطع # فحذف النون من آخر " فعولن " كلها، وهي أربعة، وحذف الياء من " مفاعيلن " ~~التي في المصراع الثاني أيضا، كما فعل في البيت قبله. # ومن ذلك قوله من هذا النوع أيضا: # يقول فيسمع، ويمشي فيسرع ... ويضرب في ذات الآله فيوجع # فحذف النون من " فعولن " الأول، والياء من " مفاعيلن " التي تليها، ومن " ~~فعولن " التي هي أول المصراع الثاني، وذلك كله يسمى مقبوضا، وهو من الزحاف ~~الحسن الجائز، إلا أنه إذا جاء علىالتوالي والكثرة في البيت الواحد قبح ~~جدا. # وقال: # لم تنتقض عروة منه ولا قوة ... لكن أمر بني الآمال ينتقض # وهذا من النوع الأول من البسيط، ووزنه مستفعلن فاعلن، وعروضه وضربه فعلن، ~~فزاد في عروضه حرفا فصار فاعلن؛ ms131 لأنه قال " قوة " فشدد، وذلك إنما يحسب له ~~في أصل الدائرة لا في هذا الموضع، فإن خففها حتى تصير على وزن فعلن فيتزن ~~البيت كان مخطئا من طريق اللغة، ثم نقص من فاعلن الأول من المصراع الثاني ~~الألف فصار فعلن، وهذا يسمى مخبونا لأنه حذف ثانيه. # وقال: # إلى المفدى أبي يزيد الذي ... يضل غمر الملوك في ثمده # وهذا من النوع الأول من المنسرح، ووزنه مستفعلن مفعولان مستفعلن مستفعلن ~~مفعولات مستفعلن، فحذف السين من مستفعلن الأولى ومن مستفعلن التي هي أول ~~المصراع الثاني فبقى متفعلن، وهذا ينقل إلى مفاعلن، ويسمى مخبونا؛ لأنه حذف ~~ثانية، وحذف الفاء من مستفعلن الأخيرة فبقى مستعلن فينقل إلى مفتعلن، ويقال ~~ل: مطوى؛ لأنه ذهب رابعه، وحذف الواو من مفعولات الأولى ولاثانية، فصار ~~فاعلات، ويقال له أيضا: مطوي؛ فأفسد بكثرة الزحاف، وتقطيعه: إللمفد دا أبى ~~ى زيد الذي يضللغم رلملوك فيثمده مفاعلن فاعلات مستفعلن مفاعلن فاعلات ~~مفتعلن ثم قال في هذه القصيدة: # جلة أنماره وهمدانه ... والشم من أزده ومن أدده # فحذف الفاء من مستفعلن الأولى، فعادت إلى مفتعلن، وحذف الواو من مفعولات ~~الأولى ومفعولات الثانية فصارت فاعلات، وحذف الفاء من مستفعلن الأخيرة ~~فصارت مفتعلن، وتقطيعه: جللتأن مارهيو همدانهى وششمممن أزدهىر منأدده ~~مفتعلن فاعلات مستفعلن مستفعلن فاعلات مفتعلن وهذه الزحافات جائزة في الشعر ~~غير منكرة إذا قلت، فأما إذا جاءت في بيت واحد في أكثر أجزائه فإن هذا ف ~~ينهاية القبح، ويكون بالكلام المنثور أشبه منه بالشعر الموزون. # ومن هذا النوع من المنسرح قوله: # ولم يغير وجهى عن الصبغة ال ... أولى بمسفوع اللون ملتمعه # وتقطيعه: ولم يغى ير وجهيع نصصبغتل أولى بمس فوعللون ملتمعه مفاعلن ~~مفعولات مستفعلن مستفعلن مفعولات مفتعلن فحذف السين من مستفعلن الأولى ~~فصارت مفاعلن وحذف الفاء من مستفعلن الأخيرة فصارت مفتعلن. # ومثل هذه الأبيات في شعره كثير إذا أنت تتبعته، ولا تكاد ترى في أشعار ~~الفصحاء والمطبوعين على الشعر من هذا الجنس شيئا تم السفر الثاني من ~~الموازنة على ما جزأه مؤلفه رحمه الله تعالى ms132 والحمد لله رب العالمين # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا وآله وصحبه أجمعين قال أبو القاسم الحسن بن بشر ~~الامدي: PageV01P069 لما كنت قد خرجت مساوى أبي تمام وابتدأت بسرقاته وجب ~~أن أبتدئ من مساوى البحتري بسرقاته؛ فإنه أخذ من معاني من تقدم من الشعراء ~~وممن تأخر أخذا كثيرا. # وحكى أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح في كتابه أن ابن أبي طاهر ~~أعلمه أنه أخرج للبحتري ستمائة بيت مسروق، ومنها ما أخذه من أبي تمام خاصة ~~مائة بيت . # وكان ينبغي أن لا أذكر السرقات فيما أخرجه من مساوى هذين الشاعرين؛ لأنني ~~قدمت القول في أن من أدركته من أهل العلم بالشعر لم يكونوا يرون سرقات ~~المعاني من كبير مساوى الشعراء، وخاصة المتأخرين؛ إذ كان هذا بابا ما تعرى ~~منه متقدم ولا متأخر، ولكن أصحاب أبي تمام ادرعوا أنه أول سابق، وأنه أصل ~~في الابتداع والاختراع؛ فوجب إخراج ما استعاره من معاني الناس؛ ووجب من أجل ~~ذلك إخراج ما أخذه البحتري أيضا من معاني الشعراء، ولم أستقص باب البحتري، ~~ولا قصدت الاهتمام إلى تتبعه؛ لأن أصحاب البحتري ما ادعوا ما ادعاه أصحاب ~~أبي تمام لأبي تمام، بل استقصيت ما أخذه من أبي تمام خاصة؛ إذ كان من أقبح ~~المساوى أن يتعمد الشاعر ديوان رجل واحد من الشعراء فيأخذ من معانيه ما ~~أخذه البحتري من معاني أبي تمام، ولو كان عشرة أبيات، فكيف والذي أخذه منه ~~يزيد على مائة بيت؟ فأما مساوى البحتري - من غير السرقات - فقد دققت ~~واجتهدت أن أظفر له بشيء يكون بإزاء ما أخرجته من مساوئ أبي تمام في سائر ~~الأنواع التي ذكرتها، فلم أجد في شعره - لشدة تحرزه، وجودة طبعه، وتهذيه ~~لألفاظه - من ذلك إلا أبياتا يسيرة أنا أذكرها عند الفراغ من سرقاته، فإن ~~مر بي شيء منها ألحقته به، إن شاء الله تعالى. # سرقات البحتري # 1 - قال: # يخفى الزجاجة لونها فكأنها ... في الكأس قائمة بغير إناء # أخذه من قول علي بن جبلة حيث يقول: ms133 # كأن يد النديم تدير منها ... شعاعا لا يحيط عليه كاس # 2 - وقال البحتري: # كالرمح فيه بضع عشرة فقرة ... منقادة تحت السنان الأصيد # أخذه من قول بشار: # خلقوا قادة فكانوا سواء ... ككعوب القناة تحت السنان # وأخذه أبو تمام فقال: # جمعت عرى أعماله بعد فرقة ... إليك كما ضم الأنابيب عامل # 3 - وقال البحتري: # أعطيتني حتى حسبت جزيل ما ... أعطيتنيه وديعة لم توهب # أخذه من قول الفرزدق: # أعطاني المال حتى قلت يودعني ... أو قلت أعطيت مالا قد رآه لنا # وبيت البحتري أجود. # 4 - وقال البحتري: # أرد دونك يقظانا ويأذن لي ... عليك سكر الكرى إن جئت وسنانا # أخذه من قول قيس بن الخطيم: # ما تمنعي يقظي فقد تؤتينه ... في النوم غير مصرد محسوب # 5 - وقال البحتري: # ملوك يعدون الرماح مخاصرا ... إذا زعزعوها والدروع غلائلا # وهذا مثل قول محمد بن عبد الملك الفقعسي، ولعله منه أخذه: # ولا لاقيا كعب بن عمرو يقودهم ... أبو دهشم نسج الحديد ثيابها # 6 - وقال البحتري: # كوعول الهضاب رحن وما يم ... لكن إلا صم الرماح قرونا # وهذا من نوادر المعاني، وما عرف مثله إلا قول نصر بن حجاج بن علاط ~~السلمى، ولعله منه أخذه: # ترى غاية الخطى فوق متونهم ... كما أشرفت فوق الصوار قرونها # 7 - وقال البحتري: # ينال الفتى ما لم يؤمل، وربما ... أتاحت له الأقدار ما لم يحاذر # أخذه من قول الآخر، وأنشده ثعلب: # وحذرت من أمر فمر بجانبي ... لم يلقني، ولقيت ما لم أحذر # 8 - وقال البحتري: # وإذا الأنفس اختلفن فما يغ ... نى اتفاق السماء والألقاب # أخذه من قول الفرزدق: # وقد تلتقي السماء في الناس والكنى ... كثيرا، ولكن فرقوا في الخلائق # 9 - وقال البحتري: # لم تخط باب الدهليز منصرفا ... إلا وخلخالها مع الشنف # أخذه من قول أب ينواس: # قد جمعوا آذانه وعقبه # 10 - وقال البحتري: # ولست أعجب من عصيان قلبك لي ... عمدا، إذا كان قلبي فيك يعصيني # أخذه من قول حسين بن الصحاك الخليع: # وتطمع أن يطيعك قلب سعدى ... وتزعم أن قلبك قد عصاكا! # وبيت البحتري أجود. PageV01P070 11 - وقال ms134 محمد بن وهيب: # هل الدهر إلاغمرة ثم تنجلي ... وشيكا، وإلا ضيقة فتفرج # أخذه البحتري فقال: # هل الدهر إلا غمرة وانجلاؤها ... وشيكا، وإلا ضيقة وانفراجها # 12 - وقال في وصف الذئب: # فأتبعتها أخرى وأضللت نصلها ... بحيث يكون اللب والرعب والحقد # وقال في هذا المعنى: # قوم ترى أرماحهم يوم الوغى ... مشغوفة بمواطن الكتمان # أخذه من قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي: # والضاربين بكل أبيض مرهف ... والطاعنين مجامع الأضغان # إلا أن قول عمرو " والطاعنين مجامع الأضغان " في غاية الجودة والإصابة؛ ~~لأنهم إنما يطاعنون الأعداء من أجل أضغانهم، فإذا وقع الطعن موضع الضغن ~~فذلك غاية كل مطلوب. # 13 - وقال البحتري: # إلى فتى يتبع النعمى نظائرها ... كالبحر يتبع أمواجا بأمواج # أخذه من قول أبي دهبل الجمحي: # وليلة ذات أجراس وأروقة ... كالبحر يتبع أمواجا بأمواج # وهذا إنما أراد قول امرئ القيس: # وليل كمج البحر أرخى سدوله ... علي بأنواع الهموم ليبتلى # 14 - وقال البحتري: # محركا رأسه توهمه ... من عطسة قائما على شرف # يشبه قول الآخر: # كأن أبا السمى إذا تغنى ... يحاكي عاطسا في عين شمس # 15 - وقال البحتري: # سقم دون أعين ذات سقم ... وعذاب دون الثنايا العذاب # أخذه من قول بشار: # ذات الثنايا العذاب ... من دونهن عذاب # 16 - وقال البحتري: # وكان في جسمي الذي ... في ناظريك من السقم # أخذه من قول منصور بن الفرج: # حل في جسمك ما كا ... ن بعينيك مقيما # 17 - وقال البحتري: # تجد بدر الدجى يدنو بشمس ... إلى من الرحيق الخسرواني # أخذه من قول الخليع: # قمر يحمل شمسا ... من رحيق الخسرواني # 18 - وقال البحتري: # كأن سهيلا شخص ظمآن جانح ... مع الأفق في نهى من الأرض يكرع # أخذه من قول محمد بن يزيد الحصني السلمي يصف النجوم: # حتى إذا ما الحوت في ... حوض من الدلو كرع # 19 - وقال البحتري: # قوم إذا شهدوا الكريهة صيروا ... كمم الرماح جماجم الأقران # أخذه من مسلم بن الوليد حيث يقول: # يكسو السيوف رؤوس الناكثين به ... ويجعل الهام تيجان القنا الذبل # وأخذه مسلم من قول جرير: # كان رؤوس القوم فوق رماحنا ... غداة ms135 الوغى تيجان كسرى وقيصرا # 20 - وقال البحتري: # ولم لا أغالي بالضياع وقد دنا ... على مداها واستقام اعوجاجها # إذا كان لي ترييعها واغتلالها ... وكان عليكم عشرها وخراجها # أظنه - والله أعلم - حذا على قول شبيب بن البرصاء: # ترى إبل الجار الغريب كأنما ... بمكة بين الأخشبين مرادها # يكون عليه نقصها وضمانها ... وللجار، إن كانت تزيد، ازديادها # 21 - وقال أبو صخر الهذلي: # أغر أسيدي تراه كأنه ... إذا جد يعطى ماله وهو لاعب # أخذه البحتري فقال: # وادع يلعب بالدهر إذا ... جد في أكرومة قلت هزل # 22 - وقال عبد الصمد بن المهذل: # ظبي كأن بخصره ... من رقة ظمأ وجوعا # إني علقت لشقوتي ... يا قوم ممنوعا منيعا # أخذه البحتري فقال: # من غادة منعت وتمنع نيلها ... ولو أنها بذلت لنا لم تبذل # فزاد على عبد الصمد بقوله لو بذلت لنا لم تبذل. # 23 - وقال البحتري: # سلبوا وأشرقت الدماء عليهم ... محمرة فكأنهم لم يسلبوا # وهذا مثل قول الحنتف بن السجف الضبي ويجوز أن يكون أخذه منه: # وفرقت بين أبني هميم بطعنة ... لها عاند يكسو السليب إزارا # قوله " لها عاند " يريد الدم. # 24 - وقال عبد الملك بن عبد الرحمن الحارثي: # وإنى ليدعونى لأن أستزيدها ... فؤادى وأخشى سخطها وأهابها # ونحوه قول البحترى ويجوز أن يكون أخذه منه : PageV01P071 وعتب من حبيك ~~حتى إننى ... أخشى ملامك أن أبثك ما بى # 25 - وقال أبو نواس : # بح صوت المال مما ... منك يشكو ويصيح # أخذه البحترى فقال : # فكم لك فى الأموال من يوم وقعة ... طويل من الأهوال فيه عويلها # 26 - وقال جابر بن السليك الهمدانى : # أرمى بها الليل قدامى فيغشم بى ... إذ الكواكب مثل الأعين الحول # أخذه البحترى فقال : # وخدان القلاص حولا " إذا قا ... بلن حولا " من أنجم الأسحار # 27 - وقال عروة بن الورد : # مطلا " على أعدائه يزجرونه ... بساحاتهم زجر المنيح المشهر # فإن بعدوا لا يأمنون اقترابه ... تشوف أهل الغائب المتنظر # ألم به البحترى فقال : # فترى الأعادى ما لهم شغل ... إلا توهم موقع يقعه # 28 - وقال البحترى : # على نحت القوافى من مقاطعها ... وما على إذا لم ms136 تفهم البقر # ذكر على بن يحيى المنجم أن البيت للمجثم الراسبى وكان شاعرا " اتصل بمحمد ~~بن منصور بن زياد فككسب معه ألف درهم فلما مات اتصل بمحمد بن يحيى بن خالد ~~البرمكى فأساء صحبته فهجاه فقال : # شتان بين محمد ومحمد ... حى أمات وميت أحيانى # فصحبت حيا فى عطايا ميت ... وبقيت مشتملا " على الخسران # فهذا ما مر بى من سرقة البحترى من أشعار الناس على غير تتبع فخرجتها ~~ولعلى لواستقصيتها لكانت نحو ماخرجته من سرقات أبى تمام وتزيد عليها وعلى ~~أننى قد بيضت فى آخر الكتاب فمهما مر بى شى ألحقته به إن شاء الله تعالى . # وهذا ما أخذه البحتري من معاني أبي تمام خاصة مما نقلته من صحيح ما خرجه ~~أبو الضياء بشر بن تميم الكاتب؛ لأنه استقصى ذلك استقصاء بالغ فيه حتى ~~تجاوز إلى ما ليس بمسروق، فكفانا مؤونة الطلب. # 1 - قال أبو تمام: # فسواء إجابتي غير داع ... ودعائي بالقفر غير مجيب # فقال البحتري: # وسألت مالا يستجيب، وكنت في اس ... تخباره كمجيب من لا يسأل # 2 - وقال أبو تمام: # فكادج بأن يرى للشرق شرقا ... وكاد بأن يرى للغرب غربا # فقال البحتري: # فأكون طورا مشرقا للمشرق ال ... أقصى، وطورا مغربا للمغرب # 3 - وقال أبو تمام: # وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود # فقال البحتري: # ولن تستبين الدهر موضع نعمة ... إذا أنت لم تدلل عليها بحاسد # 4 - وقال أبو تمام: # فإن تكن وعكة قاسيت سورتها ... فالورد حلف لليث الغابة الأضم # إن الرياح إذا ما أعصفت ... عيدان نجد ولم يعبأن بالرتم # فقال البحتري: # فلست ترى شوك القتادة خائفا ... سموم الرياح الآخذات من الرند # ولا الكلب محموما وإن طال عمره ... ألا إنما الحمى على الأسد الورد # 5 - وقال أبو تمام: # رأيت رجائي فيك وحدك همة ... ولكنه في سائر الناس مطمع # فقال البحتري: # ثنى أملى فاحتازه عن معاشر ... يبيتون والآمال فيهم مطامع # 6 - وقال أبو تمام: # بمحمد ومسود ومحسد ... ومكفر وممدح ومعذل # فقال البحتري: ذاك المحمد والمسو - د والمكرم والمحسد 7 ms137 - وقال أبو تمام: # وقد قرب المرمى البعيد رجاؤه ... وسلت الأرض العزاز ركائبه # فقال البحتري: # أدار رجاه فاغتدى جندل الفلا ... ترابا، وقد كان التراب جنادلا # 8 - وقال أبو تمام: # رافع كفه لسبرى فما أح ... سبه جاءني لغير اللطام # فقال البحتري: ووعد ليس يعرف من عبوس ان - قباضهم أوعد أم وعيد 9 - وقال ~~أبو تمام: # ونغمة معتف جدواه أحلى ... على أذنيه من نغم السماع # فقال البحتري: # نشوان من طرب السوال كأنما ... غناه مالك طيء أو معبد # 10 - وقال أبو تمام: # ومجربون سقاهم من بأسه ... فإذا لقوا فكأنهم أغمار # فقال البحتري: # ملك له في كل يوم كريهة ... إقدام غر واعتزام مجرب # 11 - وقال أبو تمام: PageV01P072 لا المنطق اللغو يزكو في مقامه ... ~~يوما، ولا حجة الملهوف تستلب # فقال البحتري: # إن أغفلوا حجة لم يلف مسترقا ... لها، وإن يهموا في القول لم يهم # 12 - وقال أبو تمام: # مجد رعى تلعات الدهر وو فتى ... حتى غدا الدهر يمشي مشية الهرم # فقال البحتري: # صحبوا الزمان الفرط، إلا أنه ... هرم الزمان وعزهم لم يهرم # 13 - وقال أبو تمام: # كريم متى أمدحه والورى ... معي، وإذا ما لمته لمته وحدي # فقال البحتري: # أأشكو نداه بعد أن وسع الورى ... ومن ذا يذم الغيث إلا مذمم # 14 - وقال أبو تمام: # البيد والعيس والليل التمام معا ... ثلاثة أبدا يقرن في قرن # فقال البحتري: # أطلبا ثاثا سواي فإني ... رابع العيس والدجى والبيد # 15 - وقال أبو تمام: # وما نفع من قد باي بالأمس صاديا ... إذا ما السماء اليوم طال انهمارها # فقال البحتري: # واعلم بأن الغيث ليس بنافع ... للناس ما لم يأت في إبانه # 16 - وقال أبوتمام : # تكاد مغانيه تهش عراصها ... فتركب من شوق إلى كل راكب # فقال البحتري: # ولو أن مشتاقا تكلف غير ما ... فيوسعه لمشى إليك المنبر # 17 - وقال أبو تمام: # وكيف احتمالىللسحاب صنيعة ... بإسقائها قبراوفي لحده البحر # فقال البحتري: # ملآن من كرم؛ فليس يضره ... مر السحاب عليه وهو جهام # 18 - وقال أبو تمام: # فليشكروا جنح الظلام ودروزا ... فهم لدروز والظلام موالى # فقال البحتري: ms138 # نجا وهو مولى الريح يشكر فضلها ... عليه، ومن يول الصنيعة يشكر # 19 - وقال أبو تمام: # أنت المقيم فما تعدو رواحله ... وعزمه أبدا منه على سفر # فقال البحتري: # مسافر ومطاياه محللة ... غروضها ،ومقيم وهو مر تحل # 20 - وقال أبو تمام: # وسرف العليا ،وهل بك مذهب ... عنهاوأنت علىالمكارم قيم؟ # فقال البحتري: # متقلقل العزمات في طلب العلا ... حتىيكون على المكارم قيما # 21 - وقال أبو تمام: # فلم يجتمع شرق وغرب لقاصد ... ولا المجد في كف امرئ والرام # فقال البحتري: # ليفر وفرك الموفى وإن أع ... وز أن يجمع الندى ووفوره # 22 - وقال أبو تمام: # فوفرت يافوخ الجبان على الردى ... وزدت غداة الروع في نجدة النجد # فقال البحتري: # ويغدو ونجدته في الوغى ... تدرب نجدات فرسانه # 23 - وقال أبو تمام: # ما زال وسواسي لعقلي خادعا ... حتى رجا مطرا وليس سحاب # فقال البحتري: # وعجيب أن الغيوم يرجي ... هن من لا يرى مكان الغيوم # 24 - وقال أبو تمام: # بكل صعب الذرى من مصب يقظ ... أقام متئدا أن سار معتزما # فقال البحتري: # لايبرح الحزم يستوفى صريمته ... أقام متئدا أم سار معتزما # 25 - وقال أبو تمام: # لرددت تحفته عليه وإن علت ... عن ذاك واستهديت بعض خصاله # وقال أبو تمام أيضا: # وانفح لنا من طيب خيمك نفحة ... إن كانت الأخلاق مما توهب # فقال البحتري: # لا تسل ربك الكثير وسله ... خصلة تستفيدها من خصاله # 26 - وقال أبو تمام: # غريبة تؤنس الآداب وحشتها ... فما تحل على قوم وترتحل # فقال البحتري: # ضوارب في ألافاق ليس بنازح ... بها من محل أوطنته ارتحالها # 27 - وقال أبو تمام: # كأنما خارمه أولق ... أو غازلت هامته الخندريس # فقال البحتري: # وتخال ريعان الشباب يروعه ... من جنة أو نشوة أو أفكل # 28 - وقال أبو تمام: # حمد حبيت به وأجر حلقت ... من دونه عنقاء ليل مغرب # فقال البحتري: # فأنت تصيب الحمد حيث تلألأت ... كواكبه إن أنت لم تصب الأجرا # 29 - وقال أبو تمام: PageV01P073 تدعي عطاياه وفرا وهي إن شهرت ... كانت ~~فخارا لمن يعفوه مؤتنفا # فقال البحتري: # وإذا اجتداه المجتدون فإنه ... يهب العلى في ms139 سيبه الموهوب # 30 - وقال أبو تمام: # وتلبس أخلاقا كراما كأنها ... على العرض من فرط الحصانة أدرع # فقال البحتري: # قوم إذا لبسوا الدروع لموقف ... لبسوا من الأحساب فيه دروعا # 31 - وقال أبو تمام: # لما أظلتني غمامك أصبحت ... تلك الشهود على وهي شهودي # فقال البحتري: # ومعترضون إن حاولت أمرا ... بهم شهدوا على وهم شهودي # 32 - وقال أبو تمام: # أنضرت أيكتي عطاياط جتى ... صار ساقا عودي وكان قضيبا # فقال البحتري: # حتى يعود الذئب ليثا ضيغما ... والغصن ساقا والقرارة نيقا # 33 - وقال أبو تمام: # فما تصطاد غير الصيد # فقال البحتري: # وتصطاد الفوارس صيدها # 34 - وقال أبو تمام: # الآن حين عرست في كرم الندى ... تلك المنى وبنيت فوق أساس # فقال البحتري: # غفل الرجال بنوا على جدد الثرى ... لما بنوا، وبنيت فوق أساس # 35 - وقال أبو تمام: # فعلام الصدود من غير جرم ... والصدود الفراق قبل الفراق # فقال البحتري: # على أن هجران الحبيب هو النوى ... لدى، وعرفان المشيب هو العذل # 36 - وقال أبو تمام: # وفتى إذا جنف الزمان فما يرى ... إلا إلى عزماته يتظلم # فقال البحتري: # ولو أنصفتني سر مراء لم أكن ... إلى العيس من قطانها أتظلم # من دوحة الكلم الذي لم ينفكك ... وقفا عليك رصينه محبوسا # فقال البحتري: # ولك السلامة والسلام؛ فإنني ... غاد، وهن على علاك حبائس # 38 - وقال أبو تمام: # وكذاك لم تفرط كآبة عاطل ... حتى يجاورها الزمان بحال # فقال البحتري: # وقد زادها إفراط حسن جوارها ... خلائق أصفار من المجد خيب # 39 - وقال أبو تمام: # وما العرف بالتسويف إلا كخلة ... تسليت عنها حين شط مزارها # فقال البحتري: # وكنت وقد أملت مرا لحاجتي ... كطالب جدوى خلة لا تواصل # 40 - وقال أبو تمام: # آساد موت مخدرات ما لها ... إلا الصوارم والقنا آجام # فقال البحتري: # حشدت حولها سباع الموالي ... والعواي غاب لتلك السباع # 41 - وقال أبو تمام: # ولاذت بحقويه الخلافة، والتقت ... على خدرها أرماحه ومناصله # فقال البحتري: # لاذت بحقويه الخلافة؛ إنها ... قسم لأفضل هاشم فالأفضل # 42 - وقال أبو تمام: # قد جاءنا الرشأ الذي أهديته ... خرقا، ولو شئنا لقلنا ms140 المركب # فقال البحتري: # حملت عليه في سبيل فتوة ... هي الثغر خلف المجدبل تفضل الثغرا # 43 - وقال أبو تمام: # وقد تألف العين الدجى وهو قيدها ... ويرجى شفاء السم والسم قاتل # فقال البحتري: # ويحسن دلها والموت فيه ... وقد يستحسن السيف الصقيل # 44 - وقال أبو تمام: # أورقت لي وعدا وثقت بنجحه ... بالأمس، إلا أنه لم يثمر # فقال البحتري: # والوعد كالورق الجنى تأودت ... منه الغصون ونجحه أن يثمرا # 45 - وقال أبو تمام: # إن الهلال إذارأيت نموه ... أيقنت أن سيكون بدرا كاملا # فقال البحتري: # مثل الهلال بدا ؛ فلم يبرح به ... صوغ الليالي فيه حتىأقمرا # 46 - وقال أبو تمام: # نرمى بأشباحنا إلى ملك ... نأخذ من ماله ومن أدبه # فقال البحتري: # نغدو فإما استمحنا من مواهبه ... فضلا، وإما استفدنا من آدابا # 47 - وقال أبو تمام: # وما خير برق لاح في غير وقته ... وواد غدات ملآن قبل أوانه # فقال البحتري: # واعلم بأن الغيث ليس بنافع ... للناس ما لم يأت في إبانه # 48 - وقال أبو تمام: # لا يكرم النائل المعطى وإن أخذت ... به الرغائب حتى يكرم الطلب # فقال البحتري: PageV01P074 علمتني الطلب الشريف، وإنما ... كنت الوضيع من ~~اتضاع مطالبي # 49 - وقال أبو تمام: # أرسى بناديك الندى، وتنفست ... نفسا بعقوتك الرياح ضعيفا # فقال البحتري: # راحت لأربعك الرياح ضعيفة ... وأصاب مغناك الغمام الصيب # 50 - وقال أبو تمام: # الود للقربى ولكن رفده ... للأبعد الأوطان دون الأقرب # فقال البحتري: # بل كان أقربهم من سيبه سيبا ... من كان أبعدهم من جذمه رحما # 51 - وقال أبو تمام: # شرخ من الشرف المنيف يهزه ... هز الصفيحة شرخ غمر مبقل # فقال البحتري: # أدركت ما فات الكهول من الحجى ... في عنفوان شبابك المستقبل # 52 - وقال أبو تمام: # بعثن الهوى في قلب من ليس هائما ... فقل في فؤاد رعنه وهو هائم # فقال البحتري: # فبعثن وجدا للخلى، وزدن في ... برحاء وجد الهائم المستهتر # 53 - وقال أبو تمام: # غرة بهمة، ألا إنما كن ... ت أغرا أيام كنت بهيما # فقال البحتري: # عجبت لتفويف القذال، وإنما ... تفويفه لء كان غير مفوف # 54 - وقال أبو تمام: ms141 # وما زالت تجد أسى وشوقا " ... له وعليه أخلاق الرسوم # فقال البحترى : # فهيج وجدى ربعها وهوساكن ... وجدد شوقى رسمها وهومخلق # 55 - وقال أبو تمام : # تراه يذب عن حرم المعالى ... فتحسبه يدافع عن حريم # فقال البحترى : # حامى عن المكرمات مجتهدا " ... ذب المحامى عن ماله ودمه # 56 - وقال أبو تمام : # تنصل ربها من غير جرم ... إليك سوى النصيحة والوداد # فقال البحترى : # أقر بما لم أجنه متنصلا " ... إليك على أنى إخا لك ألوما # 57 - وقال أبو تمام : # وتند عندهم العلى إلا على ... جعلت لها مرر القصيد قيودا # فقال البحترى : # والمجد قد يأبق عن أهله ... لولا عرى الشعر الذى قيده # 58 - وقال أبو تمام : # شك حشاها بخطبة عنن ... كأنها منه طعنة خلس # فقال البحترى : # فرجت جونتها بخطبة فيصل ... مثل لها فى الروع طعنة فيصل # 59 - وقال أبو تمام : # جم التواضع والدنيا بسودده ... تكاد تهتز من أقطارها صلفا # فقال البحترى : # أبدى التواضع لما نالها رعة ... عنها ،ونالته فاختالت به تيها # 60 - وقال أبو تمام : # إذا أطلقواعنه جوامح غله ... تيقن أن المن أيضا " جوامح # فقال البحترى : # وفى عفوه لو يعلمون عقوبة تقعقع فى الأعراض إن لم يعاقب # 61 - وقال أبو تمام : # قصر ببذلك عمر وعدك تجولى ... شكرا " يعمر عمر سبعة أنسر # فقال البحترى : # وجعلت نيلك تلو وعدك قاصرا " ... عمر العدو به وعمر الموعد # 62 - وقال أبو تمام : # دعا شوقه يا ناصر الشوق دعوة ... فلباه طل الدمع يجرى ووابله # فقال البحترى : # نصرت له الشوق اللجوج بعبرة ... تواصل فى أعقاب وصل تصرما # 63 - وقال أبوتمام : # من ليلة فى وبلها ليلاء ... فلو عصرت الصخر صار ماء # فقال اليحترى : # أشرقن حتى كاد يقتبس الدجى ... ورطبن حتى كاد يجرى الجندل # 64 - وقال أبو تمام : # بر بدأت به ودار بابها ... للخلق مفتوح ووجه مقفل # فقال البحترى : # إلام بابك معقود على خلق ... وراءه مثل مد النيل محلول # هذا ما أخذه البحترى من أبى تمام . # ولعل قالا يقول : قد تجاوزت فى هذا الباب ،وقصرت ، ولم تستقص جميع ما ~~خرجه أبو الضياء بشر بن تميم من ms142 المسروق ، وليس الأمر كذلك ، بل قد استوفيت ~~جميعه، فأوضحت، وسامحت بأن ذكرت مالعله لا يكون مسروقا " ،وإن اتفق ~~المعنيان أو تقاربا، غير أنى اطرحت سائر ماذكره أبو الضياء بعد ذلك لأنه لم ~~يقنع بالمسروق الذى يشهد التأمل الصحيح بصحته ،حتى تعدى ذلك إلى التكثير ، ~~وإلى أن أدخل فى الباب ما ليس منه ، بعد أن قدم مقدمة افتتح بها كلامه . ~~PageV01P075 وقال: ينبغي لمن نظر في هذا الكتاب أن لا يعجل بأن يقول: ما ~~هذا مأخوذ من هذا، حتى يتأمل المعنى دون اللفظ، ويعمل الفكر فيما خفى، ~~فإنما السرق في الشعر ما نقل معناه دون لفظه، وأبعد آخذه في أخذه. # قال: ومن الناس من يبعد هنه إلا عن مثل بيت ارمئ القيس وطرفة حين لم ~~يختلفا إلا في القافية، فقال أحدهما " وتحمل " وقال الآخر " وتجلد " . # قال: وفي الناس طبقة أخرى يحتاجون إلى دليل من اللفظ مع المعنى، وطبقة ~~يكون الغامض عندهم بمنزلة الظاهر، وهم قليل. # فجعل هذه المقدمة توطئة لما اعتمده من الإطالة والحشد، وأن يقبل منه كل ~~ما يورده، ولم يستعمل مما وصى به - من التأمل وإعمال الفكر - شيئا، ولو فعل ~~ذلك لرجوت أن يوفق لطريق الصواب؛ فيعلم أن السرق إنما هو في البديع المخترع ~~الذي يختص به الساعر، لا في المعاني المشتركة بين الناس التي هي جارية في ~~عاداتهم، ومستعملة في أمثالهم ومحاوراتهم، مما ترتفع الظنة فيه عن الذي ~~يورده أن يقال: أخذه من غيره. # غير أن أبا الضياء استكثر من هذا الباب، وخلط به ما ليس من السرق في شيء، ~~ولا بين المعنيين تناسب ولا تقارب، وأتى بضرب آخر ادعى فيه أيضا السرق ~~والمعاني مختلفة؛ وليس فيه إلا اتفاق ألفاظ ليس مثلها مما يحتاج واحد أن ~~يأخذه من آخر؛ إن كانت الألفاظ مباحة غير محظورة، فبلغ غرضه في توفير الورق ~~وتعظيم حجم الكتاب. # وأنا أذكر في كل باب من هذه الأبواب أمثلة تدل على صحة ما ذكرناه، ~~ونجعلها قياسا على ما لم نذكره؛ فإن في البعض غنى عن الإطالة ms143 بذكر الكل. # 1 - فمما أورده أبو الضباء من المعاني المستعملة الجارية مجاري الأمثال ~~وذكر أن البحتري أخذه من أبي تمام قول أبي تمام: # جرى الجود مجرى النوم منه؛ فلم يكن ... بغير سماح أو طعان بحالم # وقال البحتري: # ويبيت يحلم بالمكارم والعى ... حتى يكون المجد جل منامه # وهذا الكلام موجود في عادات الناس ، ومعروف في معاني كلامهم، وجاركالمثل ~~علىألسنتهم، بأن يقولوا لمن أحب شيئاأو استكثر منه: فلان لايحلم إلا ~~بالطعام، وفلان لايحلم إلا بفلانه من شدة وجده بها، وهذا الزنحبى ما حلمه ~~إلا بالتمر؛ ولا يقال لمن كانت هذه سبيله: سرق، وإنما يقال له: اتفاق؛ فإن ~~كان واحد سمع هذا المعنى أو مثله من آخر فاحتذاه فإنما ذكر معنى قد عرفه ~~واستعمله، لا أنه أخذه سرقة. # 2 - وأنشد لأبي تمام: # إذا القصائد كانت من مدائحهم ... يوما فأنت لعمري من مدائحها # فذكر أن البحتري أخذه فقال: # ومن يكن فاخرا بالشعر يذكر في ... أضعافه فبك الأشعار تفتخر # وهذا غلط على البحتري؛ لأن الناس لا يزالون يقولون: فلان يزين الثياب ولا ~~تزينه، ويجمل الولاية ولا تجمله، وفلانة تزيد في حسن الحلى ولا يزيد في ~~حسنها، وفلان تفتخر به الأنساب ولا يفخر بها، وهذا ليس من المعاني التي ~~يجوز أن يدعى أحد من الناس أنه ابتدعها واخترعها أو سبق إليها، ولا يجوز أن ~~يكون مثل هذا - إذا اتفق فيه خطيبان، أو شاعران - أن يقال: إن أحدهما أخذه ~~من الآخر. # 3 - وأنشد لأبي تمام: # ثم انقضت تلك السنون وأهلها ... فكأنها وكأنهم أحلام # وذكر أن البحتري أخذه فقال: # وأيامنا فيك اللواتي تصرمت ... مع الوصل أضغاث وأحلام نائم # وكأنه ما سمع الناس يقولون: ماكان الشباب إلا حلما، وما كانت أيامه إلا ~~نومة نائم، وما أشبه ذلك من اللفظ، فكيف يجوز أن يكون ذلك مسروقا؟ 4 - وذكر ~~أن من ذلك قول أب يتمام: # قد يقدم العير من دعر على الأسد # وقول البحتري: # فجاء مجيء العير قادته حيرة ... إلى أهرت الشدقين تدمى أظافره # أو لم يسمع ما هو كالمجمع عليه ms144 من أن العير إذا رأى السبع أقبل إليه من ~~شدة خوفه منه، حتى صار مثلا يتمثل به، كما يتمثل بالفراشة إذا تهافتت في ~~الناء، وفي ذلك أمثال وأشعار كثيرة، فما أظن علمها سقط عن البحتري. # 5 - ومن ذلك قول أبي تمام: # هيهات لم يعلم بأنك لو ثوى ... بالصين لم تبعد عليك الصين # وقول البحتري: # يضحى مطلا على الأعداء لو وقعوا ... في الصين في بدها ما استبعد الصينا ~~PageV01P076 وهذا جار على أفواه العامة والخاصة والنساء والصبيان أن يضربوا ~~المثل ف يالبعد بالصين، وأن يوقعوا التهديد به؛ فيقولوا: لو أنك بالصين لما ~~بعدت على، فكيف لا يهتدي البحتري إلى مثل هذا؟ 6 - ومن ذلك قول أب يتمام: # كأن بني نبهان يوم وفاته ... نجوم سماء خر من بينها البدر # وقول البحتري: # فإذا لقيتهم فموكب أنجم ... زهر وعبد الله بدر الموكب # وهذا معنى متقدم مبتذل: جاء به النابغة وغيره، وكثر على الألسن حتى صار ~~أشهر من كل مشتهر، وبيت أب يتمام خاصة فإنما سرقة على سياقه من مريم بنت ~~طارق ترثي أخاها: # كنا كأنجم ليل بينها قمر ... يجلو الدجى فهوى من بيننا القمر # أو من قول جرير يرثي الوليد بن عبد الملك: # أمسى بنوه وقد جلت مصيبتهم ... مثل النجوم هوى من بينها القمر # 7 - ومن ذلك قول أبي تمام: # همة تنطح النجوم وجد ... آلف للحضيض فهو حضيض # وقل البحتري: # متحير يغدو بعزم قائم ... في كل نائبة وجد قاعد # وهذان المعنيان جنسهما واحد، ولفظهما مختلف، وهما شائعان في الكلام، ~~وجاريان في الأمثال، يقال: فلان علي الهمة، وهمته في الثريا وحاله في ~~الحضيض، وفلان يسامي بهمته النجم ولكن قعد به حظه، ونحو هذا من اللفظ؛ فليس ~~يجوز أن يعتور هذا المعنى شاعران فيقال: أحدهما أخذه من الآخر. # 8 - ومن ذلك قول أب يتمام: # وليست فرحة الأوبات إلا ... لموقوف على ترح الوداع # وقول البحتري: # ما لشيء بشاشة بعد شيء ... كتلاق مواشك بعد بين # وهذا معنى مستفيض معروف، ومنه قول الحجاج بن يوسف: لولا فرحة الأوبات لما ~~عذبتهم ms145 إلا بالأسفار، وغرض كل واحد من هذين الشاعرين في هذين البيتين مخالف ~~لغرض صاحبه؛ لأن أبا تمام ذكر أنه لا يفرح بالقدوم إلا من شجاه وأحزنه ~~التوديع، وأراد البحتري أنه ليس شيء من المسرة والجذل إذا جاء في أثر شيء ~~ما كالتلاقي بعد التفرق؛ فليس - وإن كان جنس المعنيين واحدا - يصح أن يقال: ~~إن أحدهما أخذ من الآخر؛ لأن هذا قد صار جاريا في العادات وكثيرا على ~~الألسن؛ فالتهمة ترتفع عن أن يأخذ أحد عن آخر. # 9 - ومن ذلك قول أبي تمام: # لهم نشب، وليس لهم سماح ... وأجسام، وليس لهم قلوب # وقول البحتري: # خلق ممثلة بغير خلائق ... ترجى، وأجسام بلا أرواح # وهذا الكلام أيضا هو أعرف في كلامهم وأشهر من أن يحتاج شاعر أن يأخذه من ~~الآخر، وهم دائما يقولون: ما فلان إلا شبح من الأشباح، وما هو إلا صورة في ~~حائط، أو جسد فارغ؛ ونحو هذا من القول الشائع المشتهر. # 10 - ومن ذلك قول أبي تمام: # لا تدعون نوح بن عمرو دعوة ... للخطب إلا أن يكون جليلا # وقول البحتري: يا أبا جعفر! وما أنت بالمد - عو إلا لكل أمر كبار ونسى ~~قول الناس: اختر لعظيم الحوائج العظيم من الناس، ولكبير الأمور كبيرهم، ~~وقال رجل لابن عباس: إن لي إليك حاجة صغيرة، فقال: اطلب لها رجلا صغيرا. # 11 - ومن ذلك قول أبي تمام: # بيض فهن إذا رمقن سوافرا ... صور، وهن إذا رمقن صوار # وقول البحتري: # أنى لحظت فأنت جوذر رملة ... وإذا صددت فأنت ظبي كناس # وهذا تسبيه أعين النساء بأعين البقر، وتمثيلهن بالصوار، وبالظباء؛ وجل ~~كلام العرب عليه يجري، فلا تكون الشعراء فيه إلا متفقين. # 12 - ومن ذلك قول أبي تمام: # ولقد جهدتم أن تزيلوا عزه ... فإذا أبان قد رسا ويلملم # وقول البحتري: # ولن ينقل الحساد مجدك بعدما ... تمكن رضوى واطمأن متالع # وهذا المعنى أيضا شائع من معانيهم، وكثير من أشعارهم، ومنه قول الفرزدق: # فادفع بكفك إن أردت بناءنا ... ثهلان ذا الهضبات، هل يتحلحل # وقوله يخاطب جريرا أيضا: # فرم حضنا ms146 فانظر متى أنت ناقله # أفترى البحتري ما سمع هذا من قول الفرزدق ولا من قول غيره فنقله كما سمعه ~~أبو تمام فنقله؟ 13 - ومن ذلك قول أبي تمام: # وفي شرف الحديث دليل صدق ... لمختبر على شرف لاقديم # وقول البحتري: # على أنا نوكل بالأداني ... وتخبرنا الفروع عن الأصول PageV01P077 وهذا ~~معنى شائع في الكلام أيضا، مشهور كثير على الأفواه أن يقولوا: إن العروق ~~عليها ينبت الشجر، ومن أشبه أباه فما ظلم، والعصى من العصية، والغصن من ~~الشجرة، ودلت على الأم السخلة، ومثل هذا لا يكون مأخوذا مستعارا 14 - ومن ~~ذلك قول أبي تمام: # ولذاك قيل: من الظنون جلية ... صدق، وفي بعض القلوب عيون # وقول البحتري: # وإذا صحت الروية يوما ... فسواء ظن امرئ وعيانه # وهذا أيضا من الأمثال المشهورة المتداولة السائرة، وهو قولهم: ظن العاقل ~~كيقين غيره، ومن ذلك قول أوس بن حجر: # الألمفي الذي يظن بك الظ ... ن كأن قد رأى وقد سمعا # 15 - وقال أبوتمام: # لا نجم من معشر إلا وهمته ... عليك دائرة يأيها القطب # بقي بيت البحتري لم يذكره، وهو هذا: # ودارت بنو ساسان طرا عليهم ... مدار النجوم السائرات على القطب # وكأنه ما سمع قول الناس: فلان قطب هذا الأمر، وعلى فلان مدار القصة، ونحو ~~هذا من القول الذي يستغنى الإنسان بما جرى منه في عاداته أن يستعبره من ~~غيره. # 16 - ومن ذلك قول أبي تمام: # وأقل الأشياء محصول نفع ... صحة القول والفعال مريض # وقول البحتري: # وما لمثلي في القول منك رضا ... والقول في المجد غير محسوب # وأبو تمام زعم أن رونق القول بالمواعيد لا يتحصل منه نفع إذا لم يكن ~~فعال، وجعل الصحة ف يالقول والمرض في الأفعال مثلن في الاستعارة، والبحتري ~~إنما ذكر أنه لا يرضى بالقول؛ لأن القول لا يحتسب به للماجد بغير فعل؛ ~~فالغرضان مختلفان، والمعنى معنى واحد شائع جار في عادات الناس أن يقولوا: ~~إنما زيد كلام، وإنما عمرو قول بلا فعل، ومثل هذا - مع كثرته على الألسن - ~~لا يقال: إنه مسروق. # 17 - ومن ذلك ms147 قول أبي تمام: # ستر الصنيعة واستمر ملعنا ... يدعو عليه النائل المظلوم # وقول البحتري: # أكافر منك فضل نعمى ... وستر نعمى الكريم كفر # فذكر أبو تمام رجلا ذمه بستر الصنيعة، وجعله ملعنا يدعو عليه النائل ~~المظلوم، على الاستعارة، والبحتري ذكر أن ستر النعمى كفر، وكلا اللفظين ~~مستعملان شائعان على الألسن؛ فلا يقال لمن تكلم بأحد اللفظين: إنه استعاره ~~من الآخر. # 18 - ومن ذلك قول أبي تمام: # شهدت جسيمات العلى وهو غائب ... ولو كان أيضا شاهدا كان غائبا # وقول البحتري: # بشيرا لكم فيها، نذيرا لغيركم ... له شاهد عن موضع الفهم غائب # وهذا المعنى أيضا جار على الأفواه، ومستعمل في الكلام، تعرفه العامة كما ~~تعرفه الخاصة، وذلك قولهم: فلان شاهد كغائب، وحاضر كمن لم يحضر، وفلان سواء ~~والعدم. # 19 - ومن ذلك قول أبي تمام: # دعيني على أخلاقي الصم للتي ... هي الوفر أو سرب ترن نوادبه # وقول البحتري: # وخد القلاص يردني لك بالغنى ... في بعض ذا التطواف أو يرديني # وهذان المعنيان أصلهما واحد، وهو قول امرئ القيس: # نحاول ملكا أو نموت فنعذرا # وشهرته وكثرة استعمال الناس إياه يغنى البحتري عن أن يقال: إنه استعاره، ~~أو أخذه. # 20 - ومن ذلك قول أبي تمام: # كحلت بقبح صورته فأمسى ... لا إنسان عيني في السياق # وقول البحتري: # شكوت قذى بعينك بات يدمى ... كأنك قد نظرت إلى طماس # وهذا أيضا من المعاني التي تمنع شهرتها وابتذال العامة والخاصة لها من أن ~~يقال: إنها مسروقة، وإن واحدا ائتم فيها بآخر. # 21 - ومما جاء به أبو الضياء على أنه مسروق، والمعنيان مختلفان ليس ~~بينهما اتفاق ولا تناسب، قول أب يتمام: # فاقسم اللحظ بيننا؛ إن في اللحظ ... لعنوان ما يجن الضمير # وقال البحتري: # سلام وإن كان السلام تحية ... فوجهك دون الرد يكفي المسلما PageV01P078 ~~وأبو تمام سأل من يخاطبه أن يقبل عليه، ويجعل له قشطا من النظر؛ فإن إدامة ~~النظر تدل على المودة، كما أن الإعراض يدل على البغض. والبحتري إنما سلم ~~على الهيثم الغنوى، وذكر أن السلام تحية، وأن وجهه لجماله وطلاقته يكفي ms148 ~~المسلم قبل رده، والمعنيان مختلفان، وليس لواحد منهما من الرقة والغرابة ما ~~ينسب أحدهما إلى انه محذو على ألآخر أو مسروق منه. # 22 - ومن ذلك قول أبي تمام: # ورحب صدر لو أن الأرض واسعة ... كوسعه لم يضق عن أهله بلد # وقول البحتري: # مفازة صدر لو تطرق لم يكن ... ليسلكها فردا سليك المقانب # وأبو تمام ذكر أن رحب صدر الممدوح وسعته تزيد على سعة الأرض، فأسرف، ~~وأخطأ ف يالمعنى بما قد ذكرته في باب خطائه في المعاني، والبحتري ذكر سعة ~~صدر الممدوح، وجعل له مفازة على اللاستعارة، وذكر أنه لو تطرق لم يكن ~~ليسلكها سليك الذي لم يكن ليكبر عليه سلوك الأرض وإن عرضت وطالت، وإنما ~~أراد جميعا سعة صدر الممدوح، كما جرت العادة بهذا الضرب من المدح، فأفرطا، ~~ولكن سلك كل واحد منهما معنى غير معنى صاحبه كما ترى. # 23 - ومن ذلك قول أبي تمام: # إنما البشر روضة؛ فإذا ما ... كان بر فروضة وغدير # وقول البحتري: # فإن العطاء الجزل ما لم تحلهببشرك مثل الروض غير منور # فأراد أبو تمام البشر مع البر كالروضة والغدير، وأراد البحتري أ العطاء ~~ما لم يكن معه بشر كان كالروض غير منور؛ فليس بين المعنيين اتفاق إلا في ~~ذكر البشر والروض، والألفاظ غير محظورة على واحد. # 24 - ومن ذلك قول أبي تمام: # وغني ما حورفت في طلب الغنى ... ولكنما حورفتم في المكارم # فقال البحتري: # إذا ابتدا بخلاء الناس عارفة ... يتبعها المن فالمرزوق من حرما # فأراد أبو تمام أنه ليس بمحدود ولا محارف في ملتمساته ومكالبه، ولكن ~~الذين أملهم وطلب ما عندهم حورفوا ف يمكارمهم؛ فأحسن في المعنى واللفظ كل ~~الإحسان؛ وأراد البحتري أن البخيل إذا امتن بمعروفه فالمرزوق من حرم ذلك ~~المرعوف؛ فهذا المعنى غير معنى أب يتمام، وليس بينهما اتفاق ولا تقارب. # 25 - ومن ذلك قول أبي تمام: # إذا شب نارا أقعدت كل قائم ... وقام لها من خوفه كل قاعد # وقول البحتري: # ومبجل وسط الرجال، خفوفهم ... لقيامه، وقيامهم لقعوده # وليس أحد المعنيين من الآخر ms149 في شيء؛ لأن أبا تمام أراد أن الممدوح إذا شب ~~نار الحرب أقعدت كل قائم لقتاله ومنابذته: أي تزعج كل واحد خوفا وفرقا؛ ~~وذلك مأخوذ من قول الفرزدق: # أتاني ورحلي بالمدينة وقعة ... آل تميم أقعدت كل قائم # وقوله " وقام لها من خوفه كل قاعد " أي: زال عن الطمأنينة والهدو والقرار ~~فقام، وإنما يريد انزعاج الخائف؛ فجعل ذلك قياما له، والبحتري إنما ذكر أن ~~الرجال يخفون لقيام ممدوحه، أي: يسرعون بين يديه إذا قام، فإذا قعد قاموا ~~إجلالا وهيبة، وأن من شأنه أن لا يجلس أحد بجلوسه وأن يكون الناس كلهم ~~قياما إذا جلس، والمعنيان مختلفان، وليس بينهما اتفاق إلا في ذكر القيام ~~والقعود، والألفاظ مباحة. # 26 - ومن ذلك قول أبي تمام: # ورب يوم كأيام، تركت به ... متن القناة ومتن القرن منقصفا # وقول البحتري: # من معرك ضنك تخال به القنا ... بين الضلوع إذا انشنين ضلوعا # وليس بين المعنيين اتفاق إلا في أن الشاعرين وصفا حال الطعن بالقنا كيف ~~يقع؛ فذكر ذلك أن ممدوحه يقصف متن القرن ومتن القناة، وشبه هذا انطواء ~~الرماح واعوجاجها - إذا وقعت بضلوع القوم - باعوجاج ضلوعهم، وهذا من ~~التشبيهات الظريفة العجيبة، وهو المعنى الذي استغربه واستحسنه أبو تمام لما ~~أنشد البحتري محمد بن يوسف القصيدة، وذلك أول اجتماعهما وتعارفهما على ما ~~يرويه الشاميون. # 27 - ومن ذلك قول أبي تمام: # بين البين فقعدها، قلما يع ... رف فقد للشمس حتى تغيبا # وقول البحتري: # فاضل بين الإخوان عسرى في ... ظلماء ليل تفاضلت شهبه PageV01P079 وليس ~~بين المعنيين تناسب؛ لأن أبا تمام ذكر أن موضع فقدها بان، وأنه قلما يعرف ~~فقد الشمس إلا بعد غروبها، وهذا جار ف يعادات الناس واستعمالهم أن يقولوا: ~~لا يعرف فضل الإنسان حتى يفقد، ولا يعرف فضل العافية إلا عند البلية، ولا ~~قدر الدرهم إلا عند الحاجة إليه؛ والبحتري أراد أن عسره بين له عن مراتب ~~إخوانه، وفضل بعضهم على بعض في معونته وبره، كما يتفاضل الشهب في ظلمة ~~الليل، وأراد بالشهب الكواكب، وهذا المعنى لطيف جدا، وليس ms150 من معاني أب ~~يتمام في شيء. # هذا، ومما دعى أبو الضياء على البحتري فيه السرق، والاتفاق في أكثر ذلك ~~إنما هو في الألفاظ التي ليست محظورة على أحد، وقد مضى فيما قبل من هذا ~~الباب أبيات. # 28 - فمن ذلك قول أبي تمام: # إن الصفائح منك قد نضدت علىملقى عظام لو علمت عظام # وقول البحتري: # مساع عظام ليس يبلى جديدها ... وإن بليت منهم رمائم أعظم # فأراد أبو تمام أن عظام الرجل الذي رثاه عظام القدر، وأراد البحتري أن ~~مساعي القوم عظام لا يبلى جديدا وإن بليت عظامهم، وليس ههنا اتفاق إلا في ~~لفظ العظام لا غير. # 29 - ومن ذلك قول أبي تمام: # لا يدهمنك من دهمائهم عدد ... فإن أكثرهم أو جلهم بقر # وقول البحتري: # على نحت القوافي من مقاطعها ... وما على لهم أن تفهم البقر # فأراد أبو تمام أنه لا يجب أن ينظر إلى كثرة عددهم؛ فإن أكثرهم بقر، وذكر ~~البحتري أن عليه أن يجيد القول، وليس عليه أن تفهمه البقر، وما ههنا اتفاق ~~إلا في لفظة البقر. # 30 - ومن ذلك قول أبي تمام: # لهان علينا أن نقول وتفعلا # وقول البحتري: # إن الخليفة ليس يرقب في لاذي ... حاولت إلا أن نقول ويفعلا # والاتفاق ههنا إنما هو في القول والفعل. # 31 - ومن ذلك قول أبي تمام: # وما يوم زرت اللحد يومك وحده ... علينا، ولكن يوم زيد وحاتم # وقول البحتري: # بأبيض وضاح كأن قميصه ... يزر على الشيخين زيد وحاتم # أفترى البحتري ما سمع بذكر زيد الخيل ولا حاتم الطائي اللذين يفخر بهما ~~اليمن كلها فيشبه ممدوحه بهما إلا من بيت أبي تمام ؟ 32 - ومن ذلك قول أبي ~~تمام: # لعمرك ما كانوا ثلاثة إخوة ... ولكنهم كانوا ثلاث قبائل # وقول البحتري: # كانوا ثلاثة أبحر أفضى بهم ... ولع المنون إلى ثلاثة أقبر # فجعلهم أبو تمام ثلاث قبائل، وجعلهم البحتري ثلاثة أبحر؛ فليس ههنا اتفاق ~~إلا في ذكر ثلاثة. # 33 - ومن ذلك قول أبي تمام: # كساك من الأنوار أبيض ناصع ... وأحمر ساطع وأصفر فاقع # وقول البحتري: # من ms151 واضح يقق وأصفر فاقع ... ومضرج جسد وأحمر قاني # أفترى البحتري لم يكن ليهتدي إلى أصفر فاقع وأحمر قان لولا بيت أبي تمام؟ ~~34 - ومن ذلك قول أب يتمام: # لولا مناشدة القربى لغادركم ... فريسة المرهفين لاسيف والقلم # وقول البحتري: # زنت الخلافة إشرافا وقد حبطت ... وذدت عن حقها بالسيف والقلم # وكذلك أيضا لم يكن البحتري يهتدي إلى الجمع بين السيف والقلم لو لم ~~يجمعهما له أبو تمام! 35 - ومن ذلك قول أبي تمام: # أبي لي نجر الغوث أن أراأم التي ... أسب بها، والنجر يشبهه النجر # وقول البحتري: # سيد نجر المعالي نجره ... يملك الجود عليه ما ملك # وقد كان يبغي لأبي الضياء أن لا يخرج مثل هذا في السرق، ولا يفضح نفسه!! ~~36 - ومن ذلك قول أبي تمام: # متواطئو عقبيك في طلب العلى ... والمجد، ثمة تستوى الأقدام # وقول البحتري: # حزت العلى سبقا، وصلى ثانيا ... ثم استوت من بعده الأقدام # 37 - ومثله قول أبي تمام: # في غداة نهضوبة كان فيها ... ناضر الروض للسحاب نديما # وقول البحتري: # قد تعالت بك المروءة حتى ... قد حسبناك للسماك نديما # وما يجعل مثل هذا مسروقا إلا من لا معرفة له بحلي المعاني فضلا عن خفيها. # 38 - ومن ذلك قول أبي تمام يصف الفرس: # من نجل كل تليدة أعراقه ... طرف معم في السوابق مخول # وقول البحتري: PageV01P080 وافى الضلوع يشد عقد حزامه ... يوم اللقاء على ~~معم مخول # وما في " معم مخول " من الغرابة حتى يتلقنه البحتري من أبي تمام، على ~~كثرته على الألسن، وقول الناس في مدح الفرس: كريم الآباء والمهات، وشريف ~~الأنساب ونحو هذا؟ 39 - ومن ذلك قول أب يتمام: # فأذرت جمانا من دموع نظامها ... على الخد إلا أن صائغها الشعر # وقول البحتري: # جرى في نحرها من مقلتيها ... جمان يستهل على جمان # فالاتفاق ههنا إنما هو في لفظ " جمان " وقول ذلك " نظامها على الخد " ~~وقول هذا " جرى في نحرها " فلا يقتضى أن يكون أحدهما مأخوذا من الآخر؛ لأن ~~الدمع على الخد جريه، وإلى النحر يصل، وهذه حال لا يجهلها أحد ms152 ممن وصف ~~الدمع. # 40 - ومن ذلك قول أبي تمام: # وهل للقريض الغض أو من يحوكهعلى أحد إلا عليك معول # وقول البحتري: # وعليك سقياهم لنا إذ لم يكن ... في نوبة إلا عليك معول # فحظر على البحتري لفظة " معول " وحرمها عليه من أجل أن أبا تمام لفظ ~~بها!. # 41 - ومن ذلك قول أبي تمام: # وإذا امرؤ أهدى إليك صنيعة ... من جاهه فكأنها من ماله # وقول البحتري: # حاز حمدي، وللرياح اللواتي ... تجلب الغيث مثل حمد الغيوم # فمعنى أبي تمام مشترك بين الناس، وليس مخترعا؛ لأنك أبدا تسمع قول القائل ~~- إذا بلغ حاجته بشفاعة - أن يقول للشفيع: ما أعتد هذه إلا من الله ومنك؛ ~~فليس لأبي تمام فيه شيء أكثر من أن عبر فيه بعبارة حسنة مكشوفة؛ فالبحتري ~~لم يأخذ المعنى منه لأنه من العادات موجود، ولكنه أحسن في التمثيل، وأغرب ~~وأبدع. # وهذا الآن ما أخطأ فيه البحتري من المعاني # 1 - قال البحتري: # ذنب كما سحب الرداء يذب عن ... عرف، وعرف كالقناع المسبل # هذا خطأ من الوصف؛ لأن ذنب الفرس - إذا مس الأرض كان عيبا، فكيف إذا ~~سحبه، وإنما الممدوح من الأذناب ما قرب من الأرض ولم يسمها، كما قال امرؤ ~~القيس: # بضاف فويق الرض ليس بأعزل # فقال " فويق الأرض " أي: فوق الأرض بقليل. # وقد عيب على امرئ القيس قوله: # لها ذنب مثل ذيل العروس ... تسد به فرجها من دبر # وما أرى العيب لحق امرأ القيس في هذا؛ لأن العروس إذا كانت تسحب ذيلها، ~~وكان ذنب الفرس إذا مس الأرض فهو عيب؛ فليس ينكر أن يشبه الذنب به إن لم ~~يبلغ أن يمس الأرض؛ لأن الشيء إنما يشبه بالشيء إذا قرب منه، أو دنا من ~~معناه، فإذا أشبهه في أكثر أحواله فقد صح التشبيه، ولاق به، ولأن امرأ ~~القيس لم يقصد طول الذنب أن يشبهه بطول ذيل العروس فقط، وإنما أراد السبوغ ~~والكثرة والكقافة، أر تراه قال " تسد به فرجها من دبر " وقد يكون الذنب ~~طويلا يكاد يمس الأرض ولا يكون كثيفا، بل يكون ms153 رقيقا نزر الشعر خفيفا؛ فلا ~~يسد فرج الفرس، فلما قال " تسد به فرجها " علمنا أنه إنما أراد الكثافة ~~والسبوغ مع الطول، فإنما أشبه الذنب الطويل ذيل العروس من هذه الجهة، وكان ~~في الطول قريبا منه؛ فالتشبيه صحيح، وليس ذلك بموجب للعيب، ولا أن يكون ذنب ~~الفرس من أجل تشبيهه بلاذيل مما يحكم على الشاعر أيضا أنه قصد إلى أن الفرس ~~يسحبه على الأرض، وإنما العيب في قول البحتري " ذنب كما سحب الرداء " فأفصح ~~بأن الفرس يسحب ذنبه. # ومثل قول امرئ القيس قول خداش بن زهير: # لها ذنب مثل ذيل الهدى ... إلى جؤجؤ أيد الزافر # الهدى: العروس التي تهدى إلى زوجها، وأيد: شديد، والزافر: الصدر؛ لأنها ~~تزفر منه، فإنما أراد بذيل العروس طوله وسبوغه؛ فشبه الذنب الطويل السابغ ~~به، وإن لم يبلغ في الطول إلى أن يمس الأرض. # ومما يصحح ذلك قولهم: فرس ذيال؛ إذا كان طويلا طويل الذنب، فإذا كان ~~قصيرا طويل الذنب قالوا: ذائل، وإنما قالوا ذلك تسبيها للذنب بالذيل لا ~~غير، قال النابغة الذبياني: # بكل مدجج كالليث يسمو ... إلى أوصال ذيال رفن # رفن ورفل واحد، وهو الطويل الذنب وقد استقصيت الاحتجاج لبيت امرئ القيس ~~فيما بينته من سهو أبي العباس عبد الله بن المعتز فيما ادعاه على امرئ ~~القيس من الغلط في كتابه الذي جمع فيه سرقات الشعراء. # 2 - وقال البحتري: هجرتنا يقظى وكادت على عا - دتها في الصدود تهجر وسنى ~~PageV01P081 وهذا عندي غلط؛ لأن خيالها يتمثل له في كل أحوالها، يقظى كانت ~~أو وسنى، والجيد قوله: # أرد دونك يقظانا، وياذن لي ... عليك سكر الكرى إن جئت وسنانا # فصحح المعنى، وأتى به على حقيقته وكذلك قوله: # إذا ما تباذلنا النفائس خلتنا ... من الجد أيقاظا ونحن نيام # وقوله: # نعذب أيقاظا وننعم هجدا # جيد أيضا؛ لأنه حملها على أن حالها مع خياله إذا نامت كحاله مع خيالها ~~إذا نام، وأن واحد منهما ينعم مفردا مع خيال صاحبه؛ لا أنهما ينعمان معا في ~~حال واحدة إذا نام أحدهما فرأى خيال الآخر. ms154 وإنما أخذ معنى بيته الأول - ~~وعليه بنى أكثر أوصافه للخيال - من قول قيس بن الخطيم. # أنى سربت وكنت غير سروب ... وتقرب الأحلام غير قريب # ما تمنعي يقظى فقد تؤتينه ... في النوم غير مصرد محسوب # وما أظن أحدا سبق قيسا إلى هذا المعنى في وصف الخيال، وهو حسن جدا، ولكن ~~فيه أيضا مقال لمعترض، وذلك هو الذي أوقع البحتري في الغلط؛ لأن قيسا قال " ~~ما تمنعي يقظى فقد تؤتينه في النوم " فأراد أيضا أنها تؤتيه نائمة، وخيال ~~المحبوب يتمثل في حال نوم المحب ويقظته كما ذكرت، وكان الأجود لو قال: ما ~~تمنعي في اليقظة فقد تؤتينه في النوم: أي ما تمنعينه في يقظتي فقد تؤتينه ~~في حال نومي، حتى يكون النوم واليقظة معا منسوبين إليه، إلا أنه يتسع من ~~التأويل لقيس مالا يتسع للبحتري، لأن قيسا قال " فقد تؤتينه في النوم " ولم ~~يقل: فقد تؤتينه نائمة فقد يجوز أن يحمل على أنه أراد ما تمنعي يقظي وأنا ~~يقظان فقد تؤتينه في النوم: أي في نومي، ولا يسوغ مثل هذا في بيت البحتري؛ ~~لأن البحتري قال وسنى ولم يقل في الوسن. # 3 - وقال البحتري ف يمدح المعتز بالله: # لا العذل يردعه ولا ال ... تعنبف عن كرم يصده # وهذا عندي من أهجن ما مدح به خليفة وأقبحه، ومن ذا يعنف الخليفة على ~~الكرم أو يصده؟ إن هذا بالهجو أولى منه بالمدح. # 4 - وقال البحتري: # تشق عليه الريح كل عشية ... جيوب الغمام بين بكر وأيم # وهذا أيضا غلط؛ لأنه ظن أن الأيم هي الثيب، وقد غلط في مثله أبو تمام، ~~وذكرته في أغاليطه، وسها فيه أيضا بعض كبار الفهاء؛ فظن البحتري أن الأيم ~~هي الثيب، فجعلها في البيت ضد البكر، والأيم: هي التي لا زوج لها، بكرا ~~كانت أو ثيبا، قال الله تعالى: " وأنكحوا الأيامى منكم " أراد جل ثناؤه ~~اللواتي لا أزواج لهن؛ فالبكر والثيب جميعا داخلتان تحت الأيم؛ فتكون بكرا ~~وتكون ثيبا، وإنما أراد الثيب. # فإن قيل: إن الأيم قد تكون ثيبا، وإنما ms155 أراد الثيب. # قيل: أجل إنها تكون ثيبا وتكون بكرا ومعنسا وكعابا، إلا أن لفظة " أيم " ~~لا تدل على شيء من هذه الأوصاف، وليست عبارة إلا عن التي لا زوج لها لا ~~غير؛ وقد شرحت هذا المعنى شرحا شافيا في غلط أبي تمام. # 5 - وقال البحتري: # شرطي الإنصاف إن قيل اشترط ... وصديقي من إذا قال قسط # وكان يجب أن يقول " أقسط " أي: عدل، وقسط - بغير ألف - معناه جار، قال ~~الله تبارك وتعالى: " وأما الفاسطون فكانوا لجهنم حطبا " وقال: " إن الله ~~يحب المقسطين " . # 6 - وقال البحتري: # صبغة الأفق بين آخر ليل ... منقض شانه وأول فجر # يصف فرسا أشقر أو خلوقيا. والحمرة لا تكون بين آخر الليل وأول الفجر وهو ~~عندي في هذا غالط؛ لأن أول الفجر الرزقة، ثم البياض، ثم الحمرة عند بدو قرن ~~الشمس. كما أن آخر النهار عند غيبوبة الشمس الحمرة، ثم البياض، ثم الزرقة ~~وهي آخر الشفق؛ وقال البحتري: # وأزرق الفجر يبدو قبل أبيضه ... وأول الغيث رش ثم ينسكب # وقال آخر: # وأن يسجع القمرى فيها إذا غدا ... بركبانه قرن من الشمس أزرق # وكأن البحتري أراد أن يقول بين آخر ليل منقض شأنه وأول نهار؛ فيكون قد ~~قابل بين الليل والنهار، والحمرة قد تكون بين آخر الليل وأول النهار، كما ~~تكون بين آخر النهار وأول الليل، فقال " وأول الفجر " ، والجيد في مثل هذا ~~المعنى قول أب يتمام يصف فرسا أشقر: # كأن قد كسفت في أديمه الشمس # 7 - وقال البحتري: # قف العيس قد أدنى خطاها كلالها ... وسل دار سعدى إن شفاك سؤالها ~~PageV01P082 هذا لفظ حسن، ومعنى ليس بالجيد؛ لأنه قال " قد أدنى خطاها ~~كلالها " أي: قارب من خطوها الكلال، وهذا كأنه لم يقف لسؤال الدار التي ~~تعرض لأن يشفيه سؤالها، وإنما وقف لإعياء المطي. # والجيد قول عنترة؛ لأنه لما ذكر الوقوف على الدار احتاط بأن شبه ناقته ~~بالقصر، فقال: # فوقفت فيها ناقتي، وكأنها ... فدن؛ لأقضي حاجة المتلوم # قال ذلك ليعلم أنه لم يقف بها ليريحها. وقد كشف ذو الرمة عن هذا ms156 المعنى ~~وأحسن فيه وأجاد، فقال: # أنخت بها الوجناء لا من سآمة ... لثنتين بين اثنين جاء وذاهب # يقول: أنخت لأصلي، لا من سآمة بها، وقوله " لثنتين " يريد اللتين يقصرهما ~~المسافر " بين اثنين جاء " يريد اللتين يقصرهما المسافر " بين اثنين جاء " ~~يريد الليل " وذاهب " يريد النهار فإن قيل: فإنما قال " قد أدنى خطاها " ~~ليعلم أنه قصد الدار من شقة بعيدة. # قيل: العرب لا تقصد الديار للوقوف عليها، وإنما تجتاز بها، فيقول الرجل ~~لصاحبه أو صاحبيه: قف، وقفا، ولو كان هناك قصد إليها لكانوا إذا وصلوا لا ~~يقولون: قف، ولا قفا وإنما ذلك تعريج على الديار في مسيرها، وسأزيد في شرح ~~هذا المعنى فيما بعد عند ذكر الوقوف على الديار. # 8 - وقال البحتري: # غريب السجايا ما تزال عقولنا ... مدلهة في خلة من خلاله # إذا معشر صانوا السماح تعسفت ... به همة مجنونة في ابتذاله # قوله " إذا معشر صانوا السماح " معنى ردئ؛ لأن البخيل ليس من أهل السماح ~~فيكون له سماح يصونه، وسواء عليه قال: صانوا السماح، أو صانوا السخاء؛ أو ~~صانوا الجود، أو صانوا الكرم؛ فإن هذا كله لا يملك البخلاء منه شيئا، وهو ~~منهم بعيد، فكيف يصونونه؟ فإن قيل: إنما أقام السماح مقام الشيء الذي يسمح ~~به، وفي مجازات العرب ما هو أبعد من هذا. # قيل: البحتري لا يسوغ مثل هذا، ولا يجوز له؛ لأنه متأخر، ولا سيما أن ~~ليست ههنا ضرورة؛ لأنه قد كان يمكنه أن يقول " صانوا الثراء " مكان " صانو ~~السماح " . # وهذا ما عيب به البحتري وليس بعيب وإنما ذكرته لئلا يظن ظان أنه صحيح، ~~وأني تخطيته، فمن ذلك ما نعاه عليه أصحاب أبي تمام، وهما بيتان، وقد ذكرت ~~احتجاج أصحاب البحتري فيهما في الجزء الأول من هذا الكتاب، وأنا أعيد ~~ذكرهما ههنا لزيادة عندي في الاحتجاج يحتاج إليها. # 1 - أنكروا عليه قوله: # يخفى الزجاجة لونها فكأنها ... في الكف قائمة بغير إناء # وقالوا: لو ملئ الإناء دبسا لكانت هذه حاله، والمعنى عندي صحيح: لا عيب ~~فيه، ولا قدح، وذلك أن الرجل ms157 قد دل بهذا الوصف على أن شعاع الشراب في غاية ~~الغلبة، وأن الكأس غاية في الرقة؛ فاعتمد أن وصف الإناء وما فيه وصف الهيئة ~~على ماهي عليه، وإنما أخذ المعنى من قول علي بن جبلة: # كان يد النديم تدير منها ... شعاعا لا تحيط عليه كاس # ألا ترى أن هذا أيضا قد دل على أن الكاس في غاية الرقة، ومثله قول الآخر: # إنما نعجتنا موسومة ... ضمنت حمراء ترمى بالزبد # وإذا ما نزلت في كأسها ... فهي والكأس معا شيء أحد # وقد أنشد أبو العباس ثعلب بيت البحتري هذا في أماليه، وقال: إنه أخذ ~~المعنى من قول الأعشى: # تريك القذى من دونها وهي دونه ... إذا ذاقها من ذاقها يتمطق # قال أبو العباس: وهذا البيت أجود ما قيل في وصف الخمرة؛ لأنه جمع بين ~~اللون والطعم، ونحوه قول الآخر، وهو الأخطل: # ولقد تباكرنى على لذاتها ... صهباء عارية القذى خرطوم # يريد أنها صافية؛ فالقذى فيها لا يستتر، ولم يعب ثعلب البحتري، ولا طعن ~~في بيته، بل يدلك إنشاده وذكره في موضع السرق على استجادته له، واستحسانه ~~إياه. # 2 - وأنكروا قوله: # ضحكات في ثرهن العطايا ... وبروق السحاب قبل رعوده # وقالوا: أقام الرعود مقام العطايا، وإنما كان ينبغي له أن يقيم الغيوث ~~مقام العطايا، وهذا جهل ممن قاله بمعاني كلام العرب، ومعنى التمثيل في ~~البيت صحيح، لأن الرعد مقدمة الغيث، وقل رعد لا يتلوه المطر، وإذا كان هذا ~~هكذا فقد صار المعنى كأنه أول، وإنما أخذ البحتري المعنى من قول بشار: # وعد الجواد يحث نائله ... كالبرق ثم الرعد في أثره PageV01P083 فأقام ~~الرعد مقام الغيث، ونحوه قول بشار: # حلبت بشعري راحتيه فدرتا ... سماحا، كما در السحاب الرعد # وأظنهما جميعا أخذا المعنى من قول الأعشى: # والشعر يستنزل الكريم كما اس ... تنزل رعد السحابة السبلا # وأنشد ابن الأعرابي في نوادره: # فإن لم أصدق ظنهم بتيقني ... فلا سقت الأوصال مني الرواعد # فجعل التي تسقى هي الرواعد، وقال الكميت: # وأنت في الشتوة الجماد إذا ... أخلف من أنجم رواعدها # ومثل هذا كثير في ms158 كلامهم لا ينكره منكر، وقال أبو تمام: # وكذا السحائب، قلما تدعو إلى معروفها الرواد ما لم تبرق # فجعل البرق عند الرواد دليل الغيث، وقد يكون برق لا مطر معه كثيرا، وبرق ~~الخلب هذه حاله؛ فالبحتري في أن أقام الرعد مقام الغيث أعذر من أبي تمام ~~لأنه قد يرتفع سحاب ويبرق ولا يمطر، فإذا أرعد لا يكاد يخلف. # 3 - ومن ذلك قول البحتري: # يا هلالا أوفى بأعلى قضيب ... وقضيبا على كثيب مهيل # وقالوا: هذا خطأ؛ لأن الكثيب - إذا كان مهيلا - فإنه يذهب ولا يستمسك، ~~وذلك مذموم من الوصف، قالوا: والجيد قوله: # كالبدر غير مخيل والغصن غي ... ر مميلي والدعص غير مهيل # وقالوا: قد تراه هنا كيف شرط في الدعص - لما شبه العجز به - أن جعله غير ~~مهيل؛ لأن العرب إذا شبهت أعجاز النساء بكثبان الرمل شرطت فيها أن تكون ~~ندية، وأن تكون ممطورة، كما قال الراجز: # جبن بأعجاز لهن ناوية ... كأنها الكثبان غب ساريه # ناوية: سمان، من الني وهو الشحم، وكقول الآخر: # مثل الكثيب إذا ما بله المطر # وكما قال مرداس بن أبي عامر السلمي: # إذا هي قامت في النساء حسبت ما ... فويق نطاق العقد صعدة سأسم # وأسفل منه ظهر دعص أصابه ... نجاء السماء في الكثيب المخيم # وقال الأخضر بن جابر الفزاري: # تلوث أثناء الفاع الأتحمى ... بمثل دعص الرملة المديم # أراد الذي قد بلته الديمة، وهي السحابة؛ وقال جندل بن المثنى الطهوي: # لا بل كدعصاء نداها مثرى ... عفراء حفت برمال عفر # وقال امرؤ القيس: # كحقف النقا يمشي الوليدان فوقه ... بما احتبسا من لين مس وتسهال # والحقف: المستدير من الرمل؛ لأن الريح تنخله وتجمعه، وقال " يمشي ~~الوليدان فوقه " لأن الندى أصابه فهو صلب وفيه مع ذلك لين ونعومة، وقد شبه ~~امرؤ القيس أيضا كفل الفرس بالدعص الندي فقال: # له كفل كالدعص لبده الندى ... إلى كاهل مثل الرتاج المضبب # وقال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت: # وإن مال الضجيع بها فدعص ... من الكثبان ملتبد مطير # قالوا: هذا الوصف المجود، والمعنى الصحيح من معاني ms159 العرب، ولولا أن تشبيه ~~الردف بالكثيب المنهال خطأ لما قال البحتري في بيته الآخر: " والدعص غير ~~مهيل " . # وهذا المذهب الذي ذهبوا إليه لعمري صحيح من مذاهبهم، إلا أن الشعراء إذا ~~شبهت أعجاز النساء بكثبان الرمل ووصفتها بالانهيال فإنما تقصد إلى تحرك ~~أعجازهن عند المشي، كماقال رؤبة بن العجاج: # إذا وصلن العوم بالهركل ... رجرجن من أعجازهن الخزل # أولااك رمل والج في رمل # فقال " أوراك رمل والج في رمل " وولوجه تحركه ودخول بعضه في بعض، وكما ~~قال الأعشى: # روادفه تثنى الرداء تساندت ... إلى مثل دعص الرملة المتهيل # نياف كغصن البان ترتج إن مشت ... دبيب قطا البطحاء في كل منهل # فدل بقوله " ترتج إن مشت " على أن قوله " إلى مثل دعص الرملة المتهيل " ~~إنما أراد تحرك عجزها في حال مشيها، وكذلك قول رؤبة: # ميالة مثل الكثيب المنهال ... عزز منه وهو معطى الأسهال # ضرب السواري متنه بالتهتال # التهتال والتهتان واحد، فقال " مثل الكثيب المنهال " لما قال " ميالة " ~~أي: أنها تتثنى في مشيتها وتتحرك روادفها، ثم شرط أنه " عزز منه ضرب ~~السواري " أي شده ليمنع من سيلانه وذهابه، وإنما أراد حالا بين الحالين، ~~ألا تراه قال: " هو معطى الإسهال ضرب السواري " أي شده ضرب السواري وهو مع ~~ذلك يتيهل؛ وقال ابن أبي سفيان الغامدي: PageV01P084 ذات شوى عبل وخضر أبتل ~~... وكفل مثل الكثيب الأهيل # فأراد بالأهيل الذي يترجرج عند المشي، وقال المقنع الكندي: # إذا قامت تنوء بمرجحن ... كدعص الرمل ينهال انهيالا # فحسن ذكر الانهيال من أجل ذكره للقيام، ولو لم يذكره لكان غرضه فيه ~~معروفا. وقال عبد الرحمن بن الحكم: # كأن ما بين قصراها وخنصرها ... منها نقا دمث من عالج هار # فقصراها: آخر الأضلاع، وهي القصرى والقصيري؛ فدل بقوله " هار " على أنه ~~أراد تحرك روادفها، فكذلك قول البحتري: # وقضيب على كثيب مهيل # إنما أراد تحرك أردافه، وقد دل على المشي بقوله: # يا هلالا أوفى بأعلى قضيب # فالمعنيان لا يتناقضان؛ لأن الشاعر إن ذكر الانهيال فإنه أراد الحركة عند ~~المشي، وإن لم يذكر ذلك وشرط في الكثيب ms160 الندى وإصابة الغيث فإنما قصد أن ~~ينص على اجتماعه واستمساكه كما قال رؤبة: # ميالة مثل الكثيب المنهال # ثم قال: # عزز منه وهو معطى الأسهال ... ضرب السواري متنه بالتهتال # فانتظم الوجهين جميعا. والذي شرح هذين المعنيين أتم الشرح، وأبر في الوصف ~~على كل محسن، تميم بن أبي بن مقبل في قوله يصف مشي النساء: # يمشين هيل النقا مالت جوانبه ... ينهال حينا وينهاه الثرى حينا # إنما أراد بقوله " ينهال حينا " تحرك أعجازهن إذا مشين كما يتحرك جانب ~~الرملة للأنهيال فينهاه الثرى وهو ما تحته من التراب أو الرمل النندى، وهذا ~~لا شيء أوضح منه. # 4 - ومن ذلك قوله: # متى أردنا وجدنا من يقصر عن ... مسعاته أو فقدنا من يدانيه # وقالوا: ليس هذا بالجيد؛ لأنه وصف يشرك ممدوحه فيه البقال والحمال ~~والمراق وباعة الدواء ولقاط النوى؛ لأن هؤلاء أيضا متى شئنا وجدنا من يقصر ~~عن مسعاتهم، وهو الحجام والكناس والنباش. # والبيت عندي صحيح، وغرض البحتري فيه معروف، ومثله أو نحوه قول الأعشى: # وأخو النساء متى يشأ يصرمنه ... ويعدن أعداء بعيد وداد # وهو لا يشاء ذلك، إنما أراد أن ذلك سهل موجود في النساء، وكذلك قول ~~البحتري " متى أردنا وجدنا " أي: أن ذلك موجود سهل حاصل، وإن لم يكن هناك ~~إرادة ولا طلب؛ لأن تلك حال قد علمت منه، وقد صحح المعنى ووكد المدح بقوله ~~" أوفقدنا من يدانيه " والبقال والمراق وأمثالهما غير مفقود من يدانيهم؛ ~~فجعل البحتري أحد القسمين في البيت معلقا بالآخر: أي ذلك كله سهل موجود، ~~ولو اقتصر على النصف الأول كان لعمري فيه متعلق. # 5 - ومن ذلك قوله: # تهاجر أمم لا وصل يخلطه ... إلا تزاور طيفينا إذا هجدا # قالوا: والطيفان لا يهجدان، وإنما أراد إذا هجدنا، فقال " إذا هجدا " . # وقد سمعت من يحتج فيه بما لا يبعد عندي من الصواب، وهو أن قال: إنه أراد ~~إلا تزوار نفسينا إذا هجدا؛ فأقام الطيف مقام النفس وقال " هجدا " ولم يقل ~~" هجدتا " للفظ الطيف وهو مذكر، وقال: إن النفس تنام على الحقيقة كما قال ms161 ~~تعالى: " الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها " . # فقيل له: النفس لعمري يطلق عليها النوم، فإذا نامت رأت خيالات الأشياء ~~التي ترى حقائقها في اليقظة؛ فالنفس غير الخيال، وقد تتمثل للنفس في حال ~~يقظتها وإن لم ترها العين؛ فليس النفس من الخيال في شيء. # قال: فإذا كانت النفس والخيال يلتقيان في النوم، فلم لا أسميهما خيالين - ~~وإن كان أحدهما خيالا والآخر نفسا - على المجاز الذي تفعله العرب؟ وهذا ~~عندي احتجاج صحيح، ويصح عليه معنى البيت. # 6 - ومما نسبوا فيه البحتري إلى سوء التقسيم قوله: # فكأن مجلسه المحجب محفل ... وكأن خلوته الخفية مشهد # وقالوا: إنه ليس في المصراع الثاني من الفائدة إلا ما في الأول؛ لأن ~~مجلسه المحجب هي خلوته الخفية، وقوله " محفل " كقوله " مشهد " . # والمعنى عندي صحيح؛ لأن المجلس المحجب قد يكون فيه الجماعة الذين يخصهم، ~~وفي الأكثر الأعم لا يسمى مجلسا إلا وفيه قوم، ألا ترى إلى قول مهلهل: # واستب بعدك يا كليب المجلس PageV01P085 أي: أهل المجلس، على الاستعارى، ~~فجعل البحتري مجلسه الذي احتجب فيه مع ما يخصه كالمحفل، والمحفل: هو المجمع ~~الكثير، والخلوة الخفية قد يكون فيها منفردا، وقد يكون معه محبوب، فبنها ~~وبين المجلس والمحفل فرق؛ فكأنه إذا خلا خلوة خفية وفيها معه من يشاهده - ~~ومن يشاهده يجوز أن يكون واحدا أو اثنين - والمحفل لا يكون إلا عددا كثيرا، ~~فهذا أيضا فرق صحيح بين المحفل والمشهد، وإنما أراد البحتري أنه لا يفعل في ~~مجلسه المحجب إلا ما يفعله في المحفل، ولا يفعل في خلوته الخفية إلا ما ~~يفعله مع من يشاهده، ينسبه إلى شدة التصون وكرم السريرة. # 7 - ومثله قوله: # أمين الله، دمت لنا سليما ... ومليت السلامة والدواما # قالوا: وقوله " دمت لنا سليما " هو قوله " مليت السلامة والدواما " فإن ~~هذا قبيح جدا. # وليس الأمر عندي كذلك، بل القسمة صحيحة؛ لأنه لما تقدم ذكر السلامة ~~والدوام في أول البيت قال في عجزه " ومليت السلامة " أي: أديمت لك تلك ~~السلامة وذلك الدوام. # وأجود من هذا أن ms162 يكون لما قال دمت لنا سليما - وذلك بذكر السلامة وفيها ~~الألف واللام؛ لأنها اسم الجنس، وكذلك الدوام - فكأنه قال: مليت السلامة ~~كلها والدوام كله وليس بمنكر أن يقول القائل في الدعاء " دام لك الدوام " ~~كما يقول: طال طولك، وقر قرارك، وضل ضلالك، وزال زوالك، وذلك كلام مستعمل ~~حسن، ومعنى " مليت " أطيلت لك وأديمت، مثل تمليت، وهو مأخوذ من الملاوة ~~والملوة، وهما الدهر، والملوان: الليل والنهار. ومنه قولهم: وقفت مليا. # 8 - وقال البحتري: # اليوم أطلع للخلافة سعدها ... وأضاء فينا بدرها المتهلل # لبست جلالة جعفر؛ فكأنها ... سحر تجلله النهار المقبل # وقالوا: هذا معنى فاسد؛ لأن السحر طرة النهار وأوله وبدء ضيائه، والشيء ~~في مثل هذا لا يتجلل أوله؛ لأن التجلل هو أن يشتمل عليه ويغطيه، والسحر ~~أمام النهار أبدا؛ فلا يجوز أن يتغشاه؛ لأنه المتصل بالظلمة والمختلط بها ~~والطارد لها، فهو يدور حول كرة الأرض دائما على صورة واحدة لا يتغير. # وهذا عندي معارضة صحيحة، إلا ان هذا معنى يتجاوز في مثله؛ لأن البحتري ~~إنما أراد تجلله النهار في رأي أعيننا وما نشاهده؛ لأن زرقة السحر لما ~~استطار الضوء صار كأنه شيء غطى عليها، وإن كانت حقيقتها أنها اتقلبت إلى ~~قطر آخر من الأرض. # 9 - وقال البحتري: # لم أر كالهجر لم يرحم معذبه ... والوصل لم يعتمد معطاه بالحسد # وهذا كان بعضهم يراه سهوا، ويقول: إن المعذب بالهجر مرحوم، فأما الذي ~~يواصله حبيبه فمغبوط أبدا ومحسود، وقد قيل في ذلك من الأشعار ما هو أشهر ~~وأكثر؛ فمنها قول يزيد بن الطثرية: # أعوذ بخديك الكريمين أن يرى ... لنا حاسد في غبر الوصل مطمعا # وقول أب يصخر الهذلي: # فقد تركتني أحسد الطير أن أرى ... أليفين منها لم يروعهما النفر # وقول جرير: # ويحسد أن يزوركم، ويرضى ... بدون البذل لو علم الحسود # وقول جميل بن معمر: # لولا الوشاة لزرتكم ببلادكم ... لكن أخاف مقالة الحساد # وقول عتبة بن بجير الحارثي: # أيام تهجرني ليلى وأحسدها ... وأطيب العيش عندي مضغة الحسد # أي: هي تهجرني، وأنا أحسدها: أي أحسد عليها. # وليس ms163 الأمر عندي في هذا البيت على ما تأوله هذا المتأول وظنه، وذلك أن ~~البحتري لم يرد بقوله " لم أر كالهجر لم يرحم معذبه " جنس الهجر، ولا جنس ~~الوصل، فيخرج الكلام مخرج العموم لكل هجر وكل وصل، كما يقال: أهلك الناس ~~الدينار والدرهم، وإنما أراد " لم أر كالهجر لم يرحم معذبه " أي: كالهجر ~~الذي هذه حاله على طريق التعجب " والوصل لم يعتمد معطاه بالحسد " أي الوصل ~~الذي هذه حاله، وهذا كما تقول: " لم أر كالرجل يسئ فلا يذم، ويحسن فلا يشكر ~~" أي كالرجل الذي هذه حاله، ولم يرد كل الرجال، وكيف يظن مثل هذا بالبحتري ~~وهو يقول: # ونحسد أن يسرى إلينا من الهوى ... عقابيل يعتاد الهوى باعتيادها # فكم نافسوا في حرقة إثر فرقة ... تعجب من أنفاسنا وامتداها # فقد ترى كيف يزعم أنه يحسد على الجوى وعلى الحرق، فكيف على الوصل؟ 10 - ~~وقا لالبحتري: PageV01P086 أي ليل يبهى بغير نجوم ... وسحاب يندى بغير ~~بروق؟ # عابه بعضهم بهذا، وقالوا: قد يكون برق ولا غيث معه، وهو برق الخلب، ~~والرجل لم يقل لا برق إلا ومعه مطر، وإنما قال لا مطر إلا ومعه برق. # 11 - وسمعت من يعيب قوله: # كالروض مؤتلقا بحمرة نوره ... وبياض زهرته وخضرة عشبه # ويقول: النور هو الأبيض، والزهر هو الأصفر لا محالة، فإذا قلت " في هذا ~~الروض أنوار مختلفة " جاز ذلك، لأنك تضم إلى البياض غيره فيجري الأسم ~~علىالجميع، على سبيل المجاز، كما تقول " العمران " لأبي بكر وعمر رضي الله ~~عنهما، و " القمران " للشمس والقمر، وما أشبه ذلك، وكذلك إذ قلت " فيها ~~أزهار كثيرة " جاز ذلك وإن كان فيها أبيض وأحمر وما سواهما من الصفرة توسعا ~~ومجازا؛ فإذا فصلت معتمدا لأن تخص كل جنس باسم، كما فعل البحتري، ولم يجز ~~أن يعدل بكل جنس عن اسمه المخصوص؛ فتقول حينئذ: يعجبني من هذا الموضع صفرة ~~زهره، وبياض نوره، وحمرة شقائقه، ولا يجوز أن تقول: يعجبني حمرة نوره، ولا ~~بياض زهره، كما قال البحتري؛ لأن ذلك خطأ ف ياللغة على ما استعملته العرب. ms164 # ولعمري إن هذا هو الأشهر في كلامهم، والأغلب في المأثور عنهم، إلا أنهم ~~قد جعلوا الزهر نورا، والنور زهرا، وجاء ذلك ف يالشعر، قال عدي بن زيد: # حتى تعاون مستك له زهر ... من التناوير شكل العهن في اللؤم # اللؤم: جمع لأمة ولؤمة، وهي متاع الرحل من الأشلة والولايا تكون موشاة ~~بالعهن - وهو الصوف المصبوغ بالحمرة - وغير ذلك من الألوان؛ فقال " زهر " ~~ثم قال " من التناوير " وقال " شكل العهن " . وقال زهير ابن مسعود الضبي: # متنور غدق الندى قريانه ... مثل العهون من الخواطر مقمر # وقال أبو النجم: # فالروض قد نور في حوائه ... مختلف الألوان في أسمائه # نورا تحار الشمس في حمرائه ... مكللا بالنور من صفرائه # فقال " بالنور من صفرائه " . وقال حميد بن ثور: # كأن على أشداقه نور حنوة ... إذا هو مد الجيد منه ليطعما # يصف فرخ الحمامة وصفرة أشداقه، ويشبهها بصفرة الحنوة لا محالة؛ فقال نور ~~حنوة؛ ولم يقل زهر حنوة، وقال الأعشى: # وشمول تحسب العين إذاصفقت وردتها نور الذبح # والذبح: نبت، ونوره أحمر شديد الحمرة، ويقال له " الذبح " وهذا كله دليل ~~على أن هذه الأسماء تستعمل في هذه الألوان كما ترى على اختلافها. # 12 - وسمعت من يعيب قوله: # فمجدل ومرمل وموسد ... ومضرج ومضمخ ومخضب # ويوقولن: إن قوله " مضرج ومضمخ ومخضب " بمعنى واحد، وذكر أنه إن أراد ~~رجلا واحدا أنه مضرج ومضمخ ومخضب جاز؛ لأن كل لفظة تكون مؤكدة للأخرى، قال: ~~ولكنه أراد فمنهم مضرج ومنهم مضمخ ومنهم مخضب، كما قسم في صدر البيت. # ولعمري إن البحتري كذلك أراد، وليس بمنكر؛ لأن المضرج من التضريج وهي ~~الحمرة المشرقة التي ليست بقانية، والمضمخ يريد به غلظ الدم وأنه في متانة ~~الطيب الذي يتضمخ به، والمخضب أراد أن الدم قد خضبه كما يخضب بالحناء؛ ففي ~~كل لفظة ما ليس في الأخرى، وإن كانت الحمرة قد شملت الجميع؛ لأن المضرج ~~يجوز أن يكون أراد به طراوة الدم: أي منهم حديث عهد بالقتل، والمضمخ من قد ~~خثر عليه الدم كأن قتله قد تقدم قبل الآخر، والمخضب ms165 يجوز أن يكون مضى لقتله ~~يوم وأكثر فقد اسود عليه الدم، وهذه معان كلها محتملة، وقد يجوز أن يريد ~~بقوله " مضرج " سائر جسده، وبالمضمخ أن السيف أخذ عوارضه وتحت لحيته، وذلك ~~موضع من مواضع التضمخ بالطيب. وأراد بالمخضب أن السيف أخذ في رأسه وفي يديه ~~ورجليه. وذلك مواضع الخضاب. وقد يكون المضرج المقطع؛ يقال: " ضرجته " إذا ~~قطعته. وهذه معان لطيفة، وقد يجوز أن يعتد بها، والوجه القوي هو الأول. # 13 - وسمعت قوما ينكرون قوله في وصف الخمر: # وفواقع مثل الدموع ترددت ... في صحن خد الكاعب الحسناء # ويقولون: إن الدمع لا تتردد في الخد كما يتردد الحباب في الكأس، وإنما ~~الدمع يجري وتتابع. PageV01P087 والمعنى صحيح، ولا عيب فيه؛ لأن التردد قد ~~يكون الجولان، وقد يكون التتابع والتواتر، يقال: قد تتابعت كتبي إليك، ~~وترددت؛ بمعنى، وتواترت رسلي وتتابعت، والكتاب الأول هو غير الثاني. وكذلك ~~قد يكون الرسول الأول غير الرسول الثاني، وإنما حسن أن يقال تتابعت وترددت ~~لأن كل واحد من الكتب يقال له " كتاب " ويقال لكل واحد من الرسل رسول؛ فلما ~~ضمهم اسم واحد حسن استعمال التتابع والتردد. وإن كانت أشخاصا متباينة، وكل ~~واحد غير الآخر؛ فكذلك الدمع، حسن أن يقال: قد تتابعت دموعه على خده، ~~وترددت، وإن كانت دمعة غير الأخرى. والحباب وإن جال في القدح دائرا فيه ~~فإنه ربما جرى فيه على جهة واحدة؛ كما يجري الدمع على جهة واحدة، وهذا من ~~أحسن التسبيه وأليقه؛ لأن الخمر قد يكون منها ما هو أحمر إلى التوريد ~~الخفيف كحمرة الخد، وخاصة إذا أرقت بالماء؛ كما قال الشاعر: # كميت إذا فضت، وف يالكأس وردة ... لها في عظام الشاربين دبيب # فإذا شبهت الخمرة بالخد وذكر الحباب فمن أليق ما شبه به وأحسنه وأصحه ~~الدمع؛ لأن الدمع قد يقف في الخد كوقوف الحباب في صحن الكأس، وباب اختلاف ~~حركة الحباب وحركة الدمع فليس كل شيء يشبه بشيء يقع التشبيه فيه من جميع ~~الجهات حتى لا يغادر منها شيئا، وقد يكون إنما شبه به ببعض ms166 ما فيه لا بكله. # 14 - ورأيت من عاب قوله: # وصبغت أخلاقي برونق خلقه ... حتى عدلت أجاجهن بعذبه # وقالوا: إنما كان ينبغي لما ذكر الأجاج والعذب أن يقول " فمزجت " لا أن ~~يقول " وصبغت " أو لما قال " وصبغت " أن يقول " حتى عدلت ألوانهن بحسن لونه ~~" . # وليست هذه المعارضة بشيء، والمعنى صحيح، ولذلك أنه ليس هناك صبغ على ~~الحقيقة فيقابل بذكر لون حتى يتكافأ المعنيان، ولا مشروب عذب ولا أجاج على ~~الحقيقة فيستعمل بذكر المزاج، وهذه استعارات ينوب بعضها عن بعض، ويقوم ~~بعضها مقام بعض؛ لأنها ليست بحقائق فيما استعبرت له، ألا ترى أنك تقول: ~~فلان قد شارك فلانا، وخالطه، ومازجه، وانسبغ به، بمعنى واحد، وإن كان بعضها ~~أوكد من بعض، ولا يكون هناك مداخلة ولا ممازجة لجسم في جسم، ولا مخالطة على ~~الحقيقة. # 15 - ومما عيب عليه من التعسف والتعقيد في اللفظ قوله: # فتى لم يمل بالنفس منه عن العلى ... إلى غيرها شيء سواه مميلها # وكان بعض الناس يرى أنه لاحن، ويقول: إنه إنما أراد فتى لم يمل بنفسه عن ~~العلى شيء مميل نفس سواه، أي: ما يميل النفس عن المعالي من اللهو واللعب ~~والدعة وحب الراحة والضن بالمال، ونحو هذا من الأشياء الشاغلة عن السؤدد، ~~فقدم " سواه " وكنى عن النفس بقوله " مميلها " بعد أن حذفها، قال: وذلك غير ~~جائز؛ لأنك إذا قلت " لن يضرب هامة عمرو وأحد ضارب هامة غيره فقدمت " هامة ~~غيره " فقلت: لن يضرب هامة عمرو واحد هامة غيره ضاربها، وجعلت الهاء في " ~~ضاربها " كناية عن الهامة لتقدمها جاز؛ إلا أن البصريين من النحويين ~~يقولون: " هامة غيره ضاربها هو " كما أنه لو قال: " شيء نفس سواه مميلها هو ~~" جاز، فإن فككت الإضافة وأسقطت هامة وقدمت " غير " فقلت: " لن بضرب هامة ~~عمرو واحد غير ضاربها " لم يجز؛ لإسقاطك الهامة التي كنايتها الهاء في قولك ~~" ضاربها " ولا تجوز الكناية عن غير مذكور في مثل هذا، فكذلك لا يجوز في ~~البيت " شيء سواه مميلها " وهو يريد شيء نفس سواه مميلها؛ لأن الهاء ms167 في ~~قوله " مميلها " كناية عن النفس؛ فلا يجوز إسقاط النفس. # وهذا لعمري إن كان البحتري أراده فهو غالط، غير أنه - والله أعلم - إنما ~~أراد فتى لا يميل بالنفس منه عن العلي إلى غيرها شيء بخفض " شيء " على أن ~~الممدوح هو الذي لم يمل بنفسه عن العلي إلى شيء غيرها، ثم قال " سواه ~~مميلها " على الابتداء والخبر: أي لكن سواه من الناس مميلها، فأضمر " لكن " ~~وهذا سائغ؛ وأنشد سيبويه: # على الحكم المأتى يوما إذا قضى ... قضيته أن لا يجور، ويقصد # قال: أراد ولكنه يقصد، فأضمر " لكن " فلذلك رفع " يقصد " ، وعلى أنه ~~مستعمل كثير فاش في الكلام أن تقول: زيد لا يقعد عن المكارم وعمرو يقعد ~~عنها، وأنا لا أجفوك إنما بكر الجافي لك؛ فيكون الكلام مستغنيا بنفسه؛ فلا ~~يحتاج إلى إضمار. # فإن سلم البيت من عيب اللحن لم يسلم من عيب التعسف، ولست أعرف بيتا تعسف ~~في نظمه غير هذا. PageV01P088 16 - ومن ردئ التجنيس وقبيحه قوله: # أمنا أن تصرع عن سماح ... وللآمال في يدك اصطراع # يقول: أمنا أن يغلبك غالب يصرعك عن السماح ويمنعك منه، وللآمال في يدك ~~اصطراع: أي تنافس وتغالب وازدحام، وقوله " في يدك " لأن العطاء إليها ينسب، ~~وقد جاء بهذه اللفظة في موضع آخر فقال يصف أخلاق الممدوح: # يتصرعن ففرجاء دنو ال ... مزن، والودق خارج من خلاله # وهي ههنا أقل قبحا منها في البيت الأول، ولو قال " يتدانين للرجاء دنو ~~المزن " كان أحسن في اللفظ، وأوفق من أجل التجنيس، ولكن " يتصرعن " أوكد ف ~~يالمعنى؛ لأنه بمعنى يتساقطن ويتطرحن، يريد الإسراع إلى الرجاء من غير ترفق ~~ولا توق للأنحطاط والوقوع؛ ليدل على الحرص والشهوة. # وقد جاء بهذه اللفظة في موضع آخر، وأوقعها موقع الذم، فقال: # من يتصرع في إثر مكرمة ... فدأبه ف ياتباعها دأبه # يريد من يتساقط في أثر مكرمة إذا سعى لطلبها ولم يكن له نهوض فيها فدأب ~~الممدوح دأبه المعروف المشهور منه، أي: جده ولحاقه، وحرك الدأب الثاني وسكن ~~الأول، ومعناهما واحد، ويجوز أن يكون أراد فدأبه ms168 في اتباعها - أي عادته في ~~اتباعها - دأبه، أي: سعيه وحركته، وهو أجود. # 17 - ومن ردى التجنيس أيضا قوله: # حييت بل سقيت من معهودة ... عهدي غدت مهجورة ما تعهد # ويروى " سقيت من عمعمورة " يخاطب الدمن، أي: عهدي بها معمورة معهودة، ومن ~~روى " معهودة عهدي " أي: عهدي بها معهودة فغدت معهودة ما تعهد، وقد يكون ~~العهد من التعهد، ويكون قوله " ما تعهد " أي: قد نسيت، وهذا يشبه تجنيسات ~~أبي تمام. # باب في اضطراب الوزن # وما رأيت شيئا مما عيب به أبو تمام إلا وجدت في شعر البحتري مثله، إلا ~~أنه في شعر أبي تمام كثير وفي شعر البحتري قليل: من ذلك اضطراب الأوزان في ~~شعر أبي تمام. # 1 - وقد جاء في شعر البحتري بيت هو عندي أقبح من كل ما عيب به أبو تمام ف ~~يهذا الباب، وهو قوله: # ولماذا تتبع النفس شيئا ... جعل الله الفردوس منه بواء # وكذلك وجدته في أكثر النسخ وهذا خارج عن الوزن، والبيت من العروض هو ~~البيت الأول من الخفيف وهو سداسي وزنه: # فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن ... فاعلاتن مستفعلن فاعلاتن # وتقطيعه: # ولماذا تتببعن تفشيئا ... جعلللاهل فردوسمن هبواء # فعلاتن مفاعلن فاعلاتن ... فعلاتن مستفعلن فعلاتن # فحذف ألف " فاعلاتن " الأولى والثانية والأخيرة فصارت فعلاتن، وسين " ~~مستفعلن " الأولى فصارت مفاعلن، وذلك كله زحاف جائز، وزاد في البيت سببا، ~~وهو حرفان: الهاء من اسم الله عز وجل، واللام من لفظ الفردوس، وهو إكفاء، ~~ولا أعرف مثل هذا البيت، وقد رأيت في بعض النسخ " جعل الله الخلد منه بواء ~~" فإن يكن هكذا قال فقد تخلص من العيب ويكون تقطيع البيت: # جعلللا هلخلد من هبواء # 2 - وقال البحتري: # حلأتنا عن حاجة ممنوع ... مبتغاها وحاجيتن ممطولة # وهذا من العروض هو البيت الأول من الخفيف، وتقطيعه: # حلالأتنا عنحاجتن ممنوعن ... مبتغاها وحاجتن ممطوله # فاعلاتن مستفعلن مفعولن ... فاعلاتن مفاعلن مفعولن # وكان يجب أن تكون عروض البيت - وهي مفعولن الأولى - فاعلاتن، ولا يجوز ~~فيها مفعولن، بلى لو كان البيت مصرعا لجاز في عروضه مفعولن كما جاز في ضربه ~~- وهي القافية ms169 - وذلك قوله " ممطوله " فأما جعله مفاعلن في موضع مستفعلن ~~الثانية في البيت فذلك جائز من الزحاف، وقد غير قوم هذه اللفظة في البيت - ~~وهي ممنوع - فقالوا " بمنوع مبتغاها " أي: حلأتنا عن حاجة بمانع منع ~~مبتغاها من عائق أووال عليها، ويكون " بمتغاها " في موضع نصب بمنوع، وهو ~~محتمل. # قال أبو القاسم الحسن بن بشر بن يحيى الآمدي: PageV01P089 وأنا أذكر بإذن ~~الله الآن في هذا الجزء المعاني التي يتفق فيها الطائيان؛ فأوزان بين معنى ~~ومعنى، وأقول: أيهما أشعر في ذلك المعنى بعينه، فلا تطالبني أن أتعدى هذا ~~إلى أن أفصح لك بأيهما أشعر عندي على الإطلاق، فإني غير فاعل ذلك؛ لأنك إن ~~قلدتني لم تحصل لك الفائدة بالتقليد، وإن طالبت بالعلل والأسباب التي أوجبت ~~التفضيل، فقد أخبرتك فيما تقدم بما أحاط به علمي من نعت مذهبيهما، وذكر ~~مساويهما في سرقة معاني الناس وانتحالها، وغلطهما ف يالمعاني والألفاظ، ~~وإساءة من أساء منهما في الطباق والتجنيس والاستعارة، ورداءة النظم واضطراب ~~الوزن، وغي رذلك مما اوضحته في مواضعه وبينته، وما سيعود ذكره في الموازنة ~~من هذه الأنواع على ما يقوده القول وتقتضيه الحجة، وما سنراه من محاسنهما ~~وبدائعهما وعجيب اختراعهما؛ فإني أوقع الكلام على جميع ذلك وعلى سائر ~~أغراضهما ومعانيهما في الشعار التي أرتبها في الأبواب، وأنص على الجيد ~~وأفضله على الردئ، وأبين الرئ وأرذله، وأذكر من علل الجميع ما ينتهي إليه ~~التلخيص، وتحيط بع العبارة، ويبقى ما لا يمكن إخراجه إلى البيان، ولا ~~إظهاره إلى الاحتجاج، وهي علة ما يعرف إلا بالدربة ودائم التجربة وطول ~~الملابسة، وبهذا يفضل أهل الحذاقة بكل علم وصناعة من سواهم ممن نقصت ~~قريحته، وقلت دربته، بعد أن يكون هناك طبع فيه تقبل لتلك الطباع وامتزاج ~~بها، وإلا فلا يتم ذلك، ثم أكلك بعد ذلك إلى اختيارك، وما تقضى عليه فطنتك ~~وتمييزك، فينبغي أن تنعم النظر فيما يرد عليك، ولن ينتفع بالنظر إلا من ~~يحسن أن يتأمل، ومن إذا تأمل علم، ومن إذا علم أنصف. # ثم إن العلم بالشعر قد ms170 خص بأن يدعيه كل أحد، وأن يتعاطاه من ليس من أهله؛ ~~فلم لا يدعي أحد هؤلاء المعرفة بالعين والورق والخيل والسلامح والرقيق ~~والبز والطيب وأنواعه؟ ولعله قد لابس من أمر الخيل وركوبها والسلاح والعلم ~~بذلك أو الرقيق واقتنائه أو الثياب ولبسها أو الطيب واستعماله أكثر مما ~~دعاناه من أمر الشعر وروايته؛ فلا يتهم نفسه في المعرفة بالشعر تهمته إياها ~~بالمعرفة ببعض هذه الأشياء مما عاناه وتناوله، وما باله وقد ركب الخيل ~~كثيرا لما راقه من الفرس ملاحة سبيبه، واستدارة كفله، وبريق شعره، وحسن ~~إشراقه وجودة خصره - توقف عن ابتياعه حتى يشاور من يخبره عن عتقه، وموضع ~~نتاجه، وصحة قوائمه، وسلامة أعضائه، وبراءته من العيوب الظاهرة والباطنة، ~~وكذلك السيف لما بهره جلاؤه، وصقاله وصفاء حديدته - لم يمض فيه اختياره على ~~غيره من السيوف، حتى شاور من يعرف حسنه وطبعه وجوهره وفرينده ومضاءه، وكذلك ~~لم أهجبه من ثوب الوشى حسن طرزه، وكثرة صوره، وبديع نقوشه، واختلاط ألوانه ~~- لم يبادر إلى إعطاء ثمنه حتى رجع إلى أهل العلم بجوهره وكثرة مائه وجودة ~~رقعته وصحة نساجته وخلاص إبريسمه. فكيف لم يفعل مثل ذلك بالشعر لما راقه ~~حسن وزنه وقوافيه، ودقيق معانيه، وما يشتمل عليه من مواعظ وآداب وحكم ~~وأمثال؛ بم يتوقف عن الحكم له على ما سواه حتى يرجع إلى من هو أعلم منه ~~بألفاظه، واستواء نظمه، وصحة سبكه، ووضع الكلام منه في مواضعه، وكثرة مائه ~~ورونقه؛ إذ كان الشعر لا يحكم له بالجودة إلا بأن تجتمع هذه الخلال فيه. ~~ألا ترى أنه قد يكون فرسان سليمين من كل عيب، موجود فيهما سائر علامات ~~العتق والجودة والنجابة، ويكون أحدهما أفضل من الآخر بفرق لا يعلمه إلا أهل ~~الخبرة والدربة الطويلة، وكذلك الجاريتان البارعتان في الجمال، المتقاربتان ~~في الوصف، السليمتان من كل عيب، قد يفرق بينهما العالم بأمر الرقيق، حتى ~~يجعل بينهما في الثمن فضلا كبيرا، فإذا قيل له وللنخاس: من أين فضلت أنت ~~هذه الجارية على أختها؟ ومن أين فضلت أنت هذا الفرس على ms171 صاحبه؟ لم يقدر على ~~عبارة توضح الفرق بينهما، وإنما يعرفه كل واحد منهما بطبعه، وكثرة دربته، ~~وطول ملابسته. فكذلك الشعر: قد يتقارب البيتان الجيدان النادران، فيعلم أهل ~~العلم بصناعة الشعر أيهما أجود إن كان معناهما واحدا، أو أيهما أجود في ~~معناه إن كان معناهما مختلفا. # وقد ذكر هذا المعنى بعينه محمد بن سلام الجمحي وأبو علي دعبل بن علي ~~الخزاعي في كتابيهما . PageV01P090 وحكى إسحاق الموصلي قال: قال لي ~~المعتصم: أخبرني عن معرفة النغم وبينها لي، فقلت: إن من الأشياء أشياء تحيط ~~بها المعرفة، ولا تؤديها الصفة. # قال: وسألني محمد الأمين عن شعرين متقاربين، وقال: اختر أحدهما، فاخترت، ~~فقال: من أين فضلت هذا على هذا وهما متقاربان؟ فقلت: لو تفاوتا لأمكنني ~~التبيين، ولكنهما تقاربا وفضل هذا بشيء تشهد به الطبيعة ولا يعبر عنه ~~اللسان. # وقد قيل لخلف الأحمر: إنك لا تزال ترد الشيء من الشعر، وتقول: هو ردئ، ~~والناس يستحسنونه! فقال: إذا قال لك الصيرفي إن هذا الدرهم ظائف فاجهد جهدك ~~أن تنفقه فإنه لا ينفعك قول غيره: إنه جيد . # فمن سبيل من عرف بكثرة النظر في الشعر والارتياض فيه وطول الملابسة له أن ~~يقضي له بالعلم بالشعر والمعرفة بأغراضه، وأن يسلم له الحكم فيه، ويقبل منه ~~ما يقوله، ويعمل على ما يمثله. ولا ينازع في شيء من ذلك؛ إذ كان من الواجب ~~أن يسلم لأهل كل صناعة صناعتهم، ولا يخاصمهم فيها، ولا ينازعهم إلا من كان ~~مثلهم نظرا في الخبرة وطول الدربة والملابسة؛ فإنه ليس في وسع كل أحد أن ~~يجعلك - أيها السائل المتعنت والمسترشد المتعلم - في العلم بصناعته كنفسه، ~~ولا يجد إلى قذف ذلك في نفسك ولا في نفس ولده ومن هو أخص الناس به سبيلا، ~~ولا أن يأتيك بعلة قاطعة، ولا حجة باهرة، وإن كان ما اعترضت فيه اعتراضا ~~صحيحا وما سألت عنه سؤالا مستقيما؛ لأن مالا يدرك إلا على طول الزمان ومرور ~~الأيام لا يجوز أن تحيط به في ساعة من نهار. # نم إن العلم بالذي لا ms172 يعلم به في أكثر أحواله إلا بالرؤية والمشاهدة لا ~~يعرف حق المعرفة بالقول والصفة، وقد قيق: ليس الخبر كالمعاينة، وعلى ذلك ~~بينة واضحة، ومعلومة ظاهرة، وهي أنه لا يمكن أن يشاهد بك جميع المعلومات ~~التي احتواها وعلم علمه منها بملابستها في السنين الطويلة؛ فمن المحال أن ~~يقدر أن يصف لك عشرة آلاف فرس أو عشرة آلاف جارية أو عشرة آلاف سيف مختلفات ~~الأجناس والجواهر والأوصاف فيجعلك مشاهدا لذلك كله في لحظة واحدة ووقت ~~واحد، ومخبرا لك بكل علة وكل حجة وكل نعت وصفة في كل نوع من ذلك وكل جنس في ~~تلك الساعة، وهو إنما علم ذلك على مرور الأيام وطول الزمان. وهذا مجال لا ~~يمكن ولا يسوغ ولا يقدر عليه إلا خالق الخلق وبارئ النسم. # وبعد؛ فلم لا تصدق نفسك أيها المدعي، وتعرفنا من أين طرأ عليك العلم ~~بالشعر، أمن أجل أن عندك خزانة كتب تستمل على عدة من دواوين الشعراء وأنك ~~ربما قلبت ذلك أو تصفحته أو حفظت القصيدة أو الخمسين منه؟ فإن كان ذلك هو ~~الذي قوى ظنك، ومكن ثقتك بمعرفتك، فلم لا تدعي المعرفة بثياب بدنك ورحل ~~بيتك ونفقاتك؟ فإنك دأبا تستعمل ذلك وتستمتع به، ولا تخلو من ملابسته كما ~~تخلو في كثير من الأوقات من ملابسة الشعر ودراسته وإنشاده حتى إذا رمت ~~تصريف دينار بدراهم أو تصريف دراهم بدينار أو ابتياع ثوب أو شيء من الآلة ~~لم تثق بفهمك ولا علمك حتى ترجع إلى من يعرف ذلك دونك فتستعين به على ~~حاجتك؟ ولم لما خفت الغبينة في مالك فأذعنت وسلمت وأقررت بقلة المعرفة، ولم ~~تخش الغبينة والوكس في عقلك فتسلم العلم بالشعر إلى أهله؟ فإن الضرر في غبن ~~العقل أعظم من الضرر في غبن المال. # فإن قلت: وما العلم بالخيل والبز والرقيق ولاذهب والفضة التي لم يطبع ~~الإنسان على المعرفة بها والعلم بجيدها ورديئها كما طبع على الكلام؛ فكان ~~كل أحد يكون متكلما، وليس كل أحد صيرفيا ولا بزازا ولا نخاسا؟. # قيل: ولا كل أحد ms173 يكون شاعرا، ولا خطيبا، ولا منطيقا بليغا، ولا بارعا، ~~ولو كان ذلك كذلك لما رأيت أحدا يتكلم فيستحسن كلامه، وآخر يتكلم فيضحك ~~منه؛ فالإنسان المتكلم يعلم معاني ألفاظ لغته، ولا يعلم جيدها من رديئها، ~~ومتخيرها من مرذولها، كما أنه يعلم أيضا أنواع الثياب والجواهر والخيل ~~والرقيق، ويميز بين أجناسها، ولا يعلم جيد كل جنس من رديئه، وأرفعه من ~~أدونه، فكما أن المعرفة بكل جنس من هذه صناعة، فكذلك المعرفة بكل جنس من ~~أجناس الكلام والشعر والخطابة صناعة، فإذا رجعت ف يالمرعفة بتلك إلى أهلها ~~فارجع أيضا في المعرفة بهذه إلى أهلها. PageV01P091 وبعد؛ فإني أدلك على ما ~~ينتهي بك إلى البصيرة والعلم بأمر نفسك في معرفتك بأمر هذه الصناعة أو ~~الجهل بها، وهو أن تنظر ما أجمع عليه الأئمة في علم الشعر من تفضيل بعض ~~الشعراء على بعض، فإن عرفت علة ذلك فقد علمت، وإن لم تعرفها فقد جهلت، وذلك ~~بأن تتأمل شعري أوس بن حجر والنابغة الجعدي؛ فتنظر من أين فضلوا أوسا، ~~وتنظر في شعري بشر بن أبي خازم وتميم ابن أبي بن مقبل، فتنظر من أين فضلوا ~~بشرا. وأخبرني بعض الشيوخ عن أبي العباس ثعلب عن ابن الأعرابي عن المفضل أن ~~سائلا سأله عن الراعي وذى الرمة أيهما أشعر، فصاح عليه صيحة منكرة: أي لا ~~يقاس ذو الرمة بالراعي، وكذلك غير المفضل لا يقيسه به ولا يقارب بينهما، ~~فتأمل أيضا شعري هذين فانظر من أين وقع التفضيل؛ فهذا الباب أقرب الأشياء ~~لك إلى أن تعلم حالك في العلم بالشعر ونقده. فإن علمت من ذلك ما علموه، ~~ولاح لك الطريق التي بها قدموا من قدموه وأخروا من أخروه؛ فثق حينئذ بنفسك، ~~واحكم يستمع حكمك وإن لم ينته بك التأمل إلى علم ذلك فاعلم أنك بمعزل عن ~~الصناعة، ثم إن كنت شاعرا فلا تظهر شعرك، واكتمه كما تكتم سرك، فإن قلت إنك ~~قد انتهى بك التأمل إلى علم ما علموه لم يقبل ذلك منك حتى تذكر العلل ~~والسباب، فإن لم تقدر ms174 على تلخيص العبارة عن ذلك حتى تعلم شواهد ذلك من فهمك ~~ودلائله من اختياراتك وتمييزك بين الجيد والردئ. # ثم إني أقول بعد ذلك: لعلك - أكرمك الله - اغتررت بأن شارفت شيئا من ~~تقسيمات المنطق، وجملا من الكلام والجدال، أو علمت أبوابا من الحلال ~~والحرام، أو حفظت صدرا من اللغة، أو اطلعت على بعض مقاييس العربية، وأنك ~~لما أخذت بطرف نوع من هذه الأنواع معاناة ومزاولة ومتصل عناية فتوحدت فيه ~~وميزت - ظننت أن كل ما لم تلابسه من العلوم ولم تزاوله يجري ذلك المجرى، ~~وأنك متى تعرضت له وأمررت قريحتك عليه نفذت فيه، وكشفت لك عن معانيه، ~~وهيهات! لقد ظننت باطلا، ورمت عسيرا؛ لأن العلم - أي نوع كان - لا يدركه ~~طالبه إلا بالانقطاع إليه، والإكباب عليه، والجد فيه، والحرص على معرفة ~~أسراره وغوامضه، ثم قد يتأتى جنس من العلوم لطالبه وبتسهيل عليه، ويمتنع ~~عليه جنس آخر ويتعذر؛ لأن كل امرئ إنما يتيسر له ما في طبعه قبوله، وما في ~~طاقته تعلمه؛ فينبغي - أصلحك الله - أن تقف حيث وقف بك، وتقنع بما قسم لك، ~~ولا تتعدى إلى ما ليس من شأنك ولا من صناعتك. # باب في فضل أبي تمام # وجدت أهل النصفة من أصحاب البحتري ومن يقدم مطبوع الشعر دون متكلفه لا ~~يدفعون أبا تمام عن لطيف المعاني ودقيقها، والإبداع والإغراب فيها، ~~والاستنباط لها، ويقولون : إنه وإن اختل في بعض ما يورده منها فإن الذي ~~يوجد فيها من النادر المستحسن أكثر مما يوجد من السخيف المسترذل، وإن ~~اهمامه بمعانيه أكثر من اهتمامه بتقويم ألفاظه، على كثرة غرامه بالطباق ~~والتجنيس والمماثلة، وإنه إذا لاح له أخرجه بأي لفظ استوى من ضعيف أو قوي. # وهذا من أعدل كلام سمعته فيه، وإذا كان هذا هكذا فقد سلموا له لاشيء الذي ~~هو ضالة الشعراء وطلبتهم، وهو لطيف المعاني، وبهذه الخلة دون ما سواها فضل ~~امرؤ القيس؛ لأن الذي في شعره من دقيق المعاني وبديع الوصف ولطيف التشبيه ~~وبديع الحكمة فوق ما في أشعار سائر الشعراء من الجاهلية ms175 والاسلام، حتى إنه ~~لا تكاد تخلو له قصيدة واحدة من أن تشتمل من ذلك على نوع أو أنواع، ولولا ~~لطيف المعاني واجتهاد امرئ القيس فيها وإقباله عليها لما تقدم على غيره، ~~ولكان كسائر شعراء أهل زمانه؛ إذ ليست له فصاحة توصف بالزيادة على فصاحتهم ~~ولا لألفاظه من الجزالة والقوة ما ليس لألفاظهم، ألا ترى أن العلماء بالشعر ~~إنما احتجوا في تقديمه بأن قالوا: هو أول من شبه الخيل بالعصى، وذكر الوحش ~~والطير، وأول من قال " قيد الأوابد " وأول من قال كذا، فهل هذا التقديم له ~~إلا لأجل معانيه؟ PageV01P092 وقالوا: وإذا كان قد اضطرب لفظ أبي تمام ~~واختل في بعض المواضع، فهل خلا من ذلك شاعر قديم أو محدث؟ هذا الأعشى يختل ~~لفظه كثيرا، ويسفسف دائما، ويرق ويضعف، ولم يجهلوا حقه وفضله حتى جعلوه ~~نظير النابغة، وألفاظ النابغة في الغاية من البراعة والحسن، وعديلا لزهير ~~الذي صرف اهتمامه كله إلى تهذيب ألفاظه وتقويمها، وألحقوه بامرئ القيس الذي ~~جمع الفضيلتين؛ فجعلوهم طبقة، وصار فضل كل واحد من غير الوجه الذي فضل به ~~صاحبه، ولو أن أبا تمام حي يخلو من كل لفظ جيد البتة أو لو أنه قال ~~بالفارسية أو الهندية: # وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود # لولا اشتعال الناء فيما جاورت ... ما كان يعرف فضل عرف العود # أو قال: # هي البدر يغنيها تودد وجهها ... إلى كل من لاقت، وإن لم تودد # أو ما أشبه هذا من بدائعه حتى يفسره بكلام عربي منثور، أما كان هذا يكون ~~شاعرا محسنا باعثا شعراء زمانه من أهل اللغة العربية على طلب شعره وتفسيره ~~واستعارة معانيه؟ فكيف وبدائعه مشهورة، ومحاسنه متداولة، ولم يأت إلا بأبلغ ~~لفظ وأحسن سبك؟ # باب في فضل البحتري # ووجدت أكثر أصحاب أب يتمام لا يدفعون البحتري عن حلو اللفظ، وجودة الرصف، ~~وحسن الديباجة، وكثرة الماء؛ وأنه أقرب مأخذا، وأسلم طريقا من أبي تمام، ~~ويحكمون - مع هذا - بأن أبا تمام أشعر منه، وقد شاهدت وخاطبت منهم على ذلك ~~عددا ms176 كثيرا، وهذا مذهب جل من يراعى مما يراعيه من أمر الشعر دقيق المعاني، ~~ودقيق المعاني موجود في كل أمة، وفي كل لغة، وليس الشعر عند أهل العلم به ~~إلا حسن التأتى، وقرب المأخذ، واختيار الكلام، ووضع الألفاظ في مواضعها، ~~وأن يورد المعنى باللفظ المعتاد فيه المستعمل في مثله، وأن تمون الاستعارات ~~والتمثيلات لائقة بما استعيرت له وغير منافرة لمعناه؛ فإن الكلام لا يكتسى ~~البهاء والرونق إلا إذا كان بهذا الوصف، وتلك طريقة البحتري. # قالوا: وهذا أصل يحتاج إليه الشاعر والخطيب صاحب النثر؛ لأن الشعر أجوده ~~أبلغه، والبلاغة إنما هي إصابة المعنى وإدراك الغرض بألفاظ سهلة عذبة ~~مستعملة سليمة من التكلف، لا تبلغ الهذر الزائد على قدر الحاجة، ولا تنقص ~~نقصانا يقف دون الغاية، وذلك كما قال البحتري: # والشعر لمح تكفى إشاره ... وليس بالهذر طولت خطبه # وكما قال أيضا: # ومعان لو فصلتها القوافي ... هجنت شعر جرول ولبيد # حزن مستعمل الكلام اختيارا ... وتجنبن ظلمة التعقيد # وركبن اللفظ الغريب فأدرك ... ن به غاية المرام البعيد # فإن اتفق - مع هذا - معنى لطيف، أو حكمة غريبة، أو أدب حسن؛ فذلك زائد في ~~بهاء الكلام، وإن لم يتفق فقد قام الكلام بنفسه، واستغنى عما سواه. # قالوا: وإذا كانت طريقة الشاعر غير هذه الطريقة، وكانت عبارته مقصرة ~~عنها، ولسانه غير مدرك لها حتى يعتمد دقيق المعاني من فلسفة يونان أو حكمة ~~الهند أو أدب الفرس، ويكون أكثر ما يورده منها بألفاظ متعسفة ونسج مضطرب، ~~وإن اتفق في تضاعيف ذلك شيء من صحيح الوصف وسليم النظم قلنا له: قد جئت ~~بحكمة وفلسفة ومعان لطيفة حسنة، فإن شئت دعوناك حكيما، أو سميناك فيلسوفا، ~~ولكن لا نسميك شاعرا، ولا ندعوك بليغا؛ لأن طريقتك ليست على طريقة العرب، ~~ولا على مذاهبم، فإن سميناك بذلك لم نلحقك بدرجة البلغاء، ولا المحسنين ~~الفصحاء، وينبغي أن تعلم أن سوء التأليف وردئ اللفظ يذهب بطلاوة المعنى ~~الدقيق ويفسده ويعميه حتى يحتاج مستمعه إلى طول تأمل، وهذا مذهب أبي تمام ~~في عظم شعره، وحسن التأليف وبراعة ms177 اللفظ يزيد المعنى المكشوف بهاء وحسنا ~~ورونقا حتى كأنه قد أحدث فيه غرابه لم تكن، وزيادة لم تعهد، وذلك مذهب ~~البحتري، ولذلك قال الناس: لشعره ديباجة، ولم يقولوا ذلك في شعر أبي تمام، ~~وإذا جاء لطيف المعاني في غير بلاغة ولا سبك جيد ولا لفظ حسن كان ذلك مثل ~~الطراز الجيد على الثوب الخلق، أو نفث العبير على خد الجارية القبيحة ~~الوجه. PageV01P093 وأنا أجمع لك معاني هذا الباب في كلمات سمعتها من شيوخ ~~أهل العلم بالشعر: زعموا أن صناعة الشعر وغيرها من سائر الصناعات لا تجود ~~وتستحكم إلا بأربعة أشياء، وهي: جودة الآلة، وإصابة الغرض المقصود، وصحة ~~التأليف، والانتهاء إلى نهاية الصنعة من غير نقص منها ولا زيادة عليها. # وهذه الخلال الأربع ليست في الصناعات وحدها، بل هي موجودة ف يجميع ~~الحيوان والنبات. # ذكرت الأوائل أن كل محدث مصنوع محتاج إلى أرعبة أشياء: علة هيولانية وهي ~~الأصل، وعلة صورية، وعلة فاعلة، وعلة تمامية. # فأما الهيولى فإنهم يعنون الطينة التي يبتدعها الباري تبارك وتعالى ~~ويخترعها ليصور ما شاء تصويره من رجل أو فرس أو جمل أو غيرها من الحيوان، ~~أو برة أو كرمة أو نخلة أو سدرة أو غيرها من سائر أنواع النبات. # والعلة الفاعلة هي تأليف الباري جل جلاله لتلك الصورة. # والعلة التمامية هو أن يتمها تعالى ذكره ويفرغ من تصويرها من غير انتقاص ~~منها. # وكذلك الصانع المخلوق في مصنوعاته التي علمه الله عز وجل إياها: لا ~~تستقيم له وتجود إلا يهذه الأربعة، وهي: آلة يستجيدها ويتخيرها مثل خشب ~~النجار وفضة الصائغ وآجر البناء وألفاظ الشاعر والخطيب، وهذه هي العلة ~~الهيولانية التي قدموا ذكرها وجعلوها الأصل، ثم إصابة الغرض فيما يقصد ~~الصانع صنعته، وهي العلة الصورية التي ذكرتها، ثم صحة التأليف حتى لا يقع ~~فيه خلل ولا اضطراب، وهي العلة الفاعلة، ثم أن ينتهي الصانع إلى تمام صنعته ~~من غير نقص منها ولا زيادة عليها، وهي العلة التمامية. # فهذا قول جامع لكل الصناعات والمخلوقات، فإن اتفق الآن لكل صانع بعد ms178 هذه ~~الدعائم الأربع أن يحدث في صنعته معنى لطيفا مستغربا كما قلنا في الشعر من ~~حيث لا يخرج عن الغرض فذلك زائد في حسن صنعته وجودتها، وإلا فالصنعة قائمة ~~بنفسها مستغنية عما سواها. # وقد ذكر بزرجمهر فضائل الكلام ورذائله، وبعض ذلك دليل في الشعر، فقال: إن ~~فضائل الكلام خمس لو نقص منها فضيلة واحدة سقط فضل سائرها، وهي: أن يكون ~~الكلام صدقا، وأن يوقع موقع الانتفاع به، وأن يتكلم به في حينه، وأن يحسن ~~تأليفه، وأن يستعمل منه مقدار الحاجة. قال: ورذائله بالضد من ذلك؛ فإنه إن ~~كان صدقا ولم يوقع موقع الانتفاع به بطل فضل الصدق منهن وإن كان صدقا وأوقع ~~موقع الانتفاع به ولم يتكلم به في حينه لم يغنه الصدق ولم ينتفع به، وإن ~~كان صدقا وأوقع موقع الانتفاع به وتكلم به في حينه ولم يحسن تأليفه لم ~~يستقر في قلب مستمعه، وبطل فضل الخلال الثلاث منه، وإن كان صدقا وأوقع موقع ~~الانتفاع به وتكلم به في حينه وأحسن تأليفه، ثم استعمل منه فوق الحاجة خرج ~~إلى الهذر، أو نقص عن التمام صار مبتورا وسقط منه فضل الخلال كلها. # وهذا إنما أراد به بزرجمهر الكلام المنثور الذي يخاطب به الملوك، ويقدمه ~~المتكلم أمام حاجته، والشاعر لا يطالب بأن يكون قوله صدقا، ولا أن يوقعه ~~موقع الانتفاع به؛ لأنه قد يقصد إلى أنه يوقعه موقع الضرر، ولا أن يجعل له ~~وقتا دون وقت، وبقيت الخلتان الأخريان، وهما واجبتان في شعر كل شاعر، وذلك ~~أن يحسن تأليفه، ولا يزيد فيه شيئا على قدر حاجته؛ فصحة التأليف في لاشعر ~~وفي كل صناعة هي أقوى دعائمه بعد صحة المعنى، فكل من كان أصح تأليفا كان ~~أقوم بتلك الصناعة ممن اضطرب تأليفه. # وقد انتهيت الآن إلى الموازنة بينهما، ولله الحمد والمنة، وصلى الله على ~~سيدنا محمد وآله وسلم تسليما. # خاتمة # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلى الله على سيدنا حمد وآله وصحبه أجمعين # وقد انتهيت الآن إلى الموازنة، وكان الأحسن أن أوازن بين ms179 البتين أو ~~القطعتين، إذا اتفقتا في الوزن والقافية وإعراب القافية، ولكن هذا لا يكاد ~~يتفق مع اتفاق المعاني التي إليها المقصد، وهي المرمى والغرض. # وبالله أستعين على مجاهدة النفس، ومخالفة الهوى، وترك التحامل؛ فإنه جل ~~اسمه حسبي ونعم الوكيل. PageV01P094 وأنا ابتدئ بإذن الله من ذلك بما ~~افتتحا به القول: من ذكر الوقوف على الديار والآثار، ووصف الدمن والأطلال، ~~والسلام عليها، وتعفية الدهور والأزمان والرياح والأمطار إياها، والدعاء ~~بالسقيا لها، والبكاء فيها، وذكر استعجامها عن جواب سائلها، وما يخلف ~~قطينها الذي كانوا حلولا بها من الوحش، وف يتعنيف الأصحاب ولومهم على ~~الوقوف بها، ونحو هذا مما يتصل به من أوصافها ونعوتها. وأقدم من ذلك ذكر ~~ابتداءات قصائدهما في هذه المعانين إن شاء الله. # الابتداءات بذكر الوقوف على الديار # قال أبو تمام: # ما في وقوفك ساعة من باس ... نقضي حقوق الأربع الأدراس # وهذا ابتداء جيد صالح، وقوله " الأدراس " جمع دارس، وقلما يجمع فاعل على ~~أفعال، ومنه: شاهد وأشهاد، وماجد وأمجاد، وصاحب وأصحاب. # وقال أيضا: # قفوا جددوا من عهدكم بالمعاهد ... وإن هي لم تسمع لنشدان نائد # أراد لنشدان الناشد الذي يقول: أين أهلك يا دار؟ كما ينشد الناشد الضالة ~~إذا طلبها. # وقال أيضا: # قف بالطلول الدارسات علاثا ... أضحت حبال قطينهن رثاثا # علاثة: اسم صاحبه، أراد قف يا علاثة، وهذان ابتداءان صالحان وقال أيضا: # قف نؤبن كناس هذا الغزال ... إن فيه لمسرحا للمقال # التأبين: مدح الهالك، والكناس هنا: الربع، وإنما يريد الخيمة أو البيت من ~~بيوتهم، سماه كناسا لأنه جعل المرأة غزالا: أي قف بنا نندبه فإن المقال ~~يتسع فيه، وهذا أيضا بيت جيد ومعنى حسن مستقيم. # وقال: # ليس الوقوف يكف شوقك فانزل ... وابلل غليلك بالمدامع يبلل # وهذا معنى ظريف، وقد جاء مثله في الشعر، قال الأصم الباهلي - وسامه عبد ~~الله بن الحجاج - ولا أعرف غيره، وأظن أبا تمام عثر به واحتذى عليه؛ لأنه ~~كان مولعا بغرائب الألفاظ والمعاني: # أتنزل اليوم بالأطلال أم تقف؟ ... لا، بل قف العيس حتى يمضى السلف # السلف: المتقدمون، وإنما ms180 قال ذلك لأن الوقوف على الديار إنما هو وقوف ~~المطي، ولا يكادون يذكرون نزولا. # وأنشد منشد قول كثير وكثير يسمع: # وقضين ما قضين ثم تركنني ... بفيفا خريم قاعدا أتلدد # فقال كثير: أنا ما قلت كذا، أتراني قاعدا أصنع ماذا؟ قيل: فجالسا؟ قال: ~~ولا هذا! أجالسا كنت أبول، قيل: فما قلت؟ قال: واقفا؛ يريد واقفا على مطيته ~~فهذا هو المعروف من عاداتهم. # وقد قال كثير: # خليلي هذا ربع عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت # والقولص لا يعقلها راكبها إلا إذا نزل عنها، والعقل فوق الركبة. # وقال البحتري: # ما على الركب من وقوف الركاب ... في مغاني الصبا ورسم التصابي؟ # التصابي: التفاعل من صبا يصبو إذا اشتاق، وإذا فعل فعل الصبى. # وقال أيضا: # ذاك وادي الأراك فاحبس قليلا ... مقصرا من ملامتي أو مطيلا # وهذا ابتداءان في غاية الجودة. # وقال أيضا: # قف العيس قد أدنى خطاها كلاهما ... وسل دار سعدى إن شفاك سؤالها # وهذا لفظ حسن، ومعنى ليس بالجيد؛ لأنه قال " أدنى خطاها كلالها " أي: ~~قارب من خطوها الكلال، وهذا كأنه لم يقف لسؤال الديار التي تعرض لأن يشفيه، ~~وإنما وقف لإعياء المطى. # والجيد قول عنترة: # فوقفت فيها ناقتي وكأنها ... فدن لاقضى حاجة المتلوم # فإنه لما أراد ذكر الوقوف احتاط بأن شبه ناقته بالفدن، وهو القصر؛ ليعلم ~~أنه لم يقفها ليريحها. # وقد كشف ذو الرمة هذا المعنى وأحسن فيه وأجاد، فقال: # أنخت بها الوجناء لا من سآمة ... لثنتين بين اثنين جاء وذاهب # يقول: أنختها لأن أصلى، لا من سآمة، هكذا فسروه، وقوله " لثنتين " يعني ~~ركعتي العصر اللتين يقصرهما المسافر بين اثنين جاء يريد الليل وذاهب يريد ~~النهار. # فإن قيل: إنما قال " أدنى خطاها كلالها " ليعلم أنه قصد الدار من شقة ~~بعيدة فيكون أبلغ في المعنى. # قيل: العرب لا تقصد الديار للوقوف عليها، وإنما تجتاز بها، فإن كانت ~~واقعة على سنن الطريق قال الذي له أرب في الوقوف لصاحبه أو أصحابه: قف، ~~وقفا، وقفوا، وإن لم تكن على سنن الطريق قال: عوجا، وعرجا، وعوجوا، ms181 وعرجوا، ~~كما قال ارمؤ القيس: PageV01P095 عوجا على الطلل المحيل لعلنا ... نبكي ~~الديار كما بكى ابن حذام # في الوقوف حيث انتهت راحة، والترعيج فيه زيادة تعبها وكلالها، وإن قلت ~~المسافة، كما قال أبو تمام: # وما بك إركابي من الرشد مركبا ... ألا إنما حاولت رشد الركائب # لأن هذا القول منه دل على الترعيج والتردد في الرسوم، أو أن أصحابه ~~أرادوا أن يستمر في السير ولا يتعوق في الوقوف فيعود عليها ذلك بضرر في ~~العاقبة وإن أكسبها راحة ما في الوقوف، فقال له أبو تمام " إنما حاولت رشد ~~الركائب " لا رشدي، فأما الأصمعي فإنه يرى التعريج أيضا وقوفا لا عدولا، ~~قال أبو حاتم: قلت له: ما معنى عرج؟ قال: قف، فقلت: يقال: عرج إذا عدل؟ ~~فقال: لا، وأنشد بيت ذى الرمة: # يا حدايي بنت فضاض أما لكماحتى نكلمها هم بتعريج # أي هم بوقوف، وهذا لا يمنع أن يكون هم بعدول، ونفس الاشتقاق يدل على ~~العدولن والله أعلم. # وقال كثير يصف السيل: # فطورا يسيل على قصده ... وطورا يعرج ألا يسيلا # فلو كان هناك قصد إلى الدار من جماعتهم أو منه وحده لما لاموه، ولا عنفوه ~~على احتباسه وإطالته، ولا استعجلوه وهو دائبا يسألهم التلؤم عليه والتوقف ~~معه. # وهذه طريقة القوم في الوقوف على الديار، ولهم فيها من الأشعار ما هو أشهر ~~وأكثر من أن أحتاج إلى ذكره، وتلك سبيل سائر المحدثين، وطريقة الطائيين ما ~~عدلا عنها، ولا خرجا إلى غيرها، ألا ترى إلى قول أبي تمام: # ما في وقوفك ساعة من باس ... نقصي ذمام الأربع الأدراس # كيف سأل صاحبه أن يقف عليه ساعة؟ ثم قال بعد بيت آخر: # لا يسعد المشتاق وسنان الهوى ... يبس المدامع بارد الأنفاس # وقوله: # لا تمنعني وقفة أشفى بها ... داء الفراق فإنها ماعون # وقال البحتري: # يا وهب هب لأخيك وقفة مسعد ... يعطى الأسى من دمع المبذول # وقال أيضا: # قف بها وقفة ترد عليها ... أدمعا ردها الكرى أنضاء # وقال أيضا: # ماذا عليك من انتظار متيم ... بل ما تضرك وقفة في منزل ms182 # وقال أيضا: # خلياه ووقفة في الرسوم ... يخل من بعض بثه المكتوم # ثم إنا ما علمنا أحدا قصد دارا عفت من شقة بعيدة، واحدا كان أو في جماعة، ~~للتسليم عليها، والمسألة لها، ثم انصرفوا راجعين من حيث جاءوا، وإن هذا ما ~~سمح به، ولا هو من أغراضهم؛ إذ ليس فيه جدوى، ولا يؤدي إلى فائدة، لأن ~~المحبوب إن كان حيا موجودا فقصد رباعه ومواطنه التي هو قاطنها والإلمام به ~~فيها أولى وأحرى، وإن كان ميتا فالإلمام بناحية الأرض التي فيها حفرته أولى ~~وأحرى، وعلى أنهم لا يكادون يزورون القبور، وإنما وقفوا علىالديار، وعرجوا ~~عليها عند الاجتياز بها والاقتراب منها؛ لأنهم تذكروا عند مشارفتها أوطارهم ~~فيها، فنازعتهم نفوسهم إلى الوقوف عليها، والتلوم بها، ورأوا أن ذلك من كرم ~~العهد وحسن الوفاء، ألا ترى إلى قول أبي تمام: # أمواطن الفتيان نطوى لم نزر ... شوقا ولم نندب لهن صعيدا؟ # ويروى " لم نزر شعفا " أي: كيف نطوى الرسوم والدمن التي هي مواقف أهل ~~الفتوة، يريد الكرام، ولم نزر حزنا لها ولا سهلا، لأنه أراد بالعشف ما ~~ارتفع من الأرض وعلا، وأراد بالصعيد ما اطمأن من الأرض وسفل، والصعيد إنما ~~هو وجه الأرض الذي فيه التراب، وأكثر ما يكون فيما اطمأن من الأرض، لا فيما ~~علا، فكانوا يرون الوقوف على الديار من الفتوة والمروءة، وأن طيها عند ~~الاجتياز بها من النذالة وقبيح الرعاية وسوء العهد. # وما أحسن ما قال أبو نواس: # وإذا مررت على الديار مسلما ... فلغير دار أميمة الهجران # على طريقة القوم المعتادة. # وقال البحتري يخاطب نفسه أو صاحبا معه: # قف العيس قد أدنى خطاها كلالها ... وسل دار سعدى إن شفاك سؤالها # فمن زعم أن البحتري بهذا القول كان قاصدا للدار وغير مجتاز احتاج إلى ~~دليل من لفظ البيت يدل عليه، ولا سبيل له إلى ذلك. # فإن قيل: ولم لا يكون للمطية حق على من بلغته منازل الأحباب يوجب أن ~~يكرمها ويريحها كما قال أبو نواس: # وإذا المطى بنا بلغن محمدا ... فظهورهن على الرجال حرام ms183 PageV01P096 ~~قربننا من خير من وطئ الحصى ... فلها علينا حرمة وذمام # قيل: هذا أصل آخر طريقه غير طريق القوف على الديار، ولا يقاس أصل على ~~أصل، وإنما يقاس على الأصل فروعه التي تتفرع منه، وهذا الشرط في كل علم. ~~وقال أبو نواس ف يموضع آخر يخاطب ناقته أيضا: # فلم أجعلك للغربان نحلا ... ولم أقل اشرقي بدم الوتين # يريد قول الشماخ، والشماخ إنما قال: # إذا بلغتني وحملت رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين # لأنه رأى ناقته قد شفها السير وهزلها وأنضاها حتى دبرت، وذلك قوله: # إليك بعثت راحلتي تشكى ... كلوما بعد محفدها السمين # فيقول: إذا بلغتني عرابة فلا أبالي أن تهلكي، وهذا ليس بدعاء عليها، ~~وإنما أراد أنك إذا بلعتنيه فقد بلغت الغنى وأدركت العوض فهذا معنى وقول ~~أبي نواس له معنى آخر، وليس بضد لقول الشماخ، وإنما يضاده قول المرأة التي ~~قالت: يا رسول الله، إني نذرت إن بلغتني ناقتي هذه إليك أن أنحرها، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم " لبئس ما جزيتها " لأن هذه قصدت أن جعلت ~~جزاء التبليغ النحر؛ فهذان المعنيان يتضادان، وقول الشماخ خارج عنهما، فإنه ~~أصل ثالث، والوجه الذي جاء به البحتري في الوقوف على الديار وتحرز منه ~~عنترة وذو الرمة وجه غير هذه الوجوه، وطريقة غير هذه الطرق، ولم أقل إنه ~~خطأ، وإنما قلت: إن المعنى غير جيد، فغن التمست العذر للبحتري قلنا: إنه ~~وصف حقيقة أمر العيس عند الوصول إلى الدار، وهذا مذهب من مذاهب العرب عام ~~في أن يصفوا الشيء على ما هو، وعلى ما شوهد، من غير اعتماد لإغراب ولا ~~إبداع، وربما ورد هذا الوجه على ألسنتهم أحسن من كل معنى بديع مستغرب، ~~وربما وقع فيه مثل هذا الخلل لقلة التحرز، وسترى للبحتري وغيره في هذا ~~الكتاب من هذا النوع ف يمواضعه ما هو أجود من كل جيد، إن شاء الله. # وقال البحتري: # عرج بذى سلم فثم المنزل ... فيقول صب ما أراد ويفعل # وهذا ابتداء جيد، وقد رواه قوم " ليقول صب ما أراد ms184 ويفعل " والنصب أجود ~~في الروايتين، والرفع له وجه، والمتأخرون لا يكادون يسلمون من اللحن، وهو ~~في أشعارهم كثير جدا. # وقال: # كم من وقوف على الأطلال والدمن ... لم يشف من برحاء الشوق ذا شجن # وهذا أيضا ابتداء جيد. # وقال أيضا: # استوقف الركب في أطلالهم وقفا ... وإن أجد بلى مأثورها وعفا # يقال: أجد في أمره من الانكماش، وجد، وهذا ابتداء صالح. # وقال: # قفا في مغاني الدار نسأل طلولها ... عن النفر اللائين كانوا حلولها # وهذا الابتداء ليس بالجيد؛ من أجل قوله " اللائين " ؛ لأنها لفظة ليست ~~بالحلوة ولا مشتهاة، وليست مشهورة. # فهذا ما ابتدآ به من ذكر الوقوفن وأجعلهما فيه متكافئين؛ من أجل براعة ~~بيتي البحتري الأولين، وأنهما أجود من سائر أبيات أبي تمام، ولأن للبحتري ~~في الباب التقصير الذي ذكرته له، وليس لأبي تمام مثله. # التسليم على الديار # قال أبو تمام: # دمن ألم بها فقال: سلام ... كم حل عقدة صبره الإلمام # هذا المصراع الأول في غاية الجودة والبراعة والحسن والصحة والحلاوة، وعجز ~~البيت أيضا جيد بالغ. # وقال: # سلم على الربع من سلمى بذى سلم ... عليه وسم من الأيام والقدم # وهذا ابتداء ليس بالجيد؛ لأنه جاء بالتجنيس في ثلاثة ألفاظ، وإنما يحسن ~~إذا كان بلفظتين، وقد جاء مثله في أشعار الناس، والردئ لا يؤتم به. # وقال الأبيرد بن المعذل الرياحي: # جزعت ولم تجزع من البين مجزعا ... وكنت بذكر الجعفرية مولعا # وقد جعل بعض الرواة هذا البيت أول قصيدة لامرئ القيس على هذا الوزن، وذلك ~~باطل، وما ينبغي للمتأخر أن يحتذى الأخذ إلا للجيد المختار؛ لسعة مجاله، ~~وكثرة أمثلته. # وقال البحتري: # هذي المعاهد من سعاد فسلم ... واسأل وإن وجمت ولم تتكلم # وقال أيضا: # أمحلتى سلمى بكاظوة اسلما ... وتعلما أن الهوى ما هجتما # وهذا ابتداءان جيدان. # وقال أيضا: # حييتما من مربع ومصيف ... كانا محلى زينب وصدوف # وهذا ابتداء صالح. # وقال أيضا: # ميلوا إلى الدار من ليلى نحييها ... نعم، ونسالها عن بعض أهليها ~~PageV01P097 وهذا البيت ردئ؛ لقوله " نعم " وليس بالمعنى إليها حاجة، جاء ~~بها حشوا. ومن الحشو ms185 ما لا يقبح، و " نعم " ههنا قبيحة، وقد أولع بها كثير ~~بن عبد الرحمن في ابتداءاته فقال: # أمن أم عمرو بالحريق ديار ... نعم دارسات قد عفون قفار # وقال: # أمن آل سلمى الركب أم أنت سائل ... نعم، والمغاني قد درسن مواثل # وقال: # أهاجتك ليلى إذ أجد رحيلها ... نعم، وثنت لما احزألت حمولها # احزألت: انتصبت وارتفعت. # وقال: # أبائنة سعدى؟ نعم ستبين ... كما انبت من حبل القرين قرين # وهي في كل هذه البيات رديئة، وموضعها من هذا البيت الأخير أصلح؛ لأن ~~إسقاطها من الجميع يحسن، ولا يحتاج الاستفهام فيها إلى جواب، إلا هذا البيت ~~فإن الاستفهام فيه يقتضي أن يكون " نعم " جوابا له، ومع هذا فليس لها حلاوة ~~ولا حسن، ولكثير استفهامات لا جواب لها على عادات الشعراء المحسنين . # ومنها قوله: # من آل قيلة بالدخول رسوم ... وبحومل طلل يلوح قديم # وكل أبيات كثير أجود من بيت البحتري؛ لأن " نعم " فيها جواب، وهي في بيت ~~البحتري حشو، وقال البحتري في بيته " نحييها " والأجود " نحيها " جزم لأنه ~~جواب الأمرن وقد يكون " نحييها " رفعا على الحال، والجواب ههنا أجود من ~~الحال. # فهذا ما وجدته من تسليمهما على الديار، وأبو تمام عندي ف يقوله " دمن ألم ~~بها فقال سلام " أشعر من البحتري في سائر أبياته . # وما سمعت من التسليم على الديار أحسن من قول أبي نواس: # وإذا مررت على الديار مسلما ... فلغير دار أميمة الهجران # ما ابتدآ به من ذكر تعفية الدهور والأزمان للديار # قال أبو تمام: # لقد أخذت من دار ماوية الحقب ... أنحل المغاني للبلى هي أم نهب؟ # أراد أنحل المغاني للبلى، فحذف التنوين، والحقب: الدهر، وجمعه أحقاب، ~~والحقب: السنون، واحدتها حقبة، وقال " لقد أخذت " فأنث والحقب مذكر، وأظنه ~~أراد أيام الدهر ولياليه، ويقال: الحقب ثمانون سنة؛ فعلى هذا قال " أخذت " ~~. # وقال أيضا: # قد نابت الجزع من ماوية النوب ... واستحقبت جدة من ربعها الحقب # " واستحقبت " أي جعلت الحقب - وهي السنون - جدة الربع في حقيبتها، ~~والحقيبة: ما يحتقبه الراكب، وهو وعاء يجعله خلفه إذا ركب ويحرز فيه ms186 متاعه ~~وزاده، وهذه استعارة حسنة، وإنما يريد أن الحقب سلبت الربع جدته وذهبت بها. # وقال البحتري: # أرسوم دار أم سطور كتاب ... درست بشاشتها على الأحقاب # أي: على مر السنين، وهذا البيت أبرع من بيتي أبي تمام لفظا، وأجود سبكا ~~وأكثر ماء ورونقا، وهو من الابتداءات النادرة العجيبة، والمشبهة لكلام ~~الأوائل؛ فهو فيه أشعر من أبي تمام. # وفي إقواء الديار وتعفيها # قال أبو تمام: # طلل الجميع لقد عفوت جميدا ... وكفى على رزئي بذاك شهيدا # أراد " وكفى بأنه مضى جميدا شاهدا على أنى رزئت " وكان وجه الكلام أن ~~يقول: وكفى برزئي شاهدا على أنه مضى حميدا، وقد استقصيت الكلام في هذا فيما ~~تقدم في غلط أبي تمام وقال أيضا: # أجل أيها الربع الذي بان آهله ... لقد أدركت فيك النوى ما تحاوله # وهذا أيضا ابتداء جيد. # وقال أيضا: # شهدت لقد أقوت مغانيكم بعدي ... ومحت كما محت وشائع من برد # وهذا بيت ردئ معيب؛ لأن الوشيعة والوشائع هو الغزل الملفوف من اللحمة ~~التي يدخلها الناسج بين السدى، والبرد الذي قد تمت نساجته ليس فيه شيء يسمى ~~وشيعة ولا وشائع، وقد ذكرت هذا في أغاليطه. # وقال البحتري: # تلك الديار ودارسات طلولها ... طوع الخطوب دقيقها وجليلها # وقال أيضا: # يا مغاني الأحباب صرت رسوما ... وغذا الدهر فيك عندي ملوما # وقال أيضا: # لم يبق في تلك الرسوم بمنعج ... إما سألت معرج لمعرج # وقال أيضا " : # هلا سألت بجو ثمهد ... طللا " لمية قد تأبد # هذه كلها ابتداءات جياد بارعة اللفظ صحيحة المعنى وأبيات أبى تمام أيضا " ~~رائعة ولكن فيها ما ذكر ته . # تعفية الرياح للديار قال أبو تمام : # عفت أربع الحلات للأربع الملد ... لكل هضم الكشح مغربة القد PageV01P098 ~~الحلات : جمع حلة هو الموضع الذى يحلونه يقال : حلة ومحلة والأربع الملد : ~~يريد أربع نساء ملد من قولهم : غصن أملود وهو الناعم و " أملود " لا يجمع ~~على " ملد " وأنما هو جمع أملد ،و " هضيم الكشح " يريد ضامرة البطن وقوله " ~~مغربة القد " يريد أغرب قدها :أى لها قد غريب فى الحسن وإنما أراد ms187 عفت أربع ~~حلال : أى مواطنلأربع نسوة وهذا تكف شديد وقد جاءت بلفظ غير حسن ~~ولاجميل،وكذلك " مغربة القد " من قول الشعراء المتأخرين:غريب الحسن وغريب ~~القدوالكلمة إذا لم يؤت بها على لفظها المعتاد هجنت وقبحتوقوم يروونه " ~~أربع الحلات " جمع ربع وذلك غلط ،وأنما أراد الرجل العدد: أى عفت أربع ~~لأربع ولا أعلم لأبى تمام ابتداء ذكر فيه الرياح غير هذا البيت ،وهوردى ~~اللفظ قبيح النسج. وقال البحترى : # بين الشقيقة فاللوى والأجرع ... دمن جبسن على االرؤياح الأربع # وهذا من ابتداء أته العجيبة النادرة وإحسانه فيه الإحسان المشهور وقوله " ~~بين الشقيقة فاللوى " كقول امرىء القيس " بين الدخول فحومل " والأصمعى ~~يرويه بالواو،وأهل العربية يقولون: الدخول مواضع متفرقة وأكثر الشعراء ~~يستعملون الفاء هذا الموضع . وقال البحترى: # أصبا الأصائل إن برقة ثهمد ... تشكوا اختلافك بالهبوب السرمد # مازلت أسمع الشيوخ من أهل العلم بالشعر يقول : إنهم ما سمعوا لمتقدم ولا ~~متأخر فى هذا المعنى أحسن من هذا المعنى أحسن من هذا البيت ولا أبرع لفظا " ~~ولا أكثر ماء ولا رونقا " ولا ألطف معنى. # وقال البحترى: # لاأرى بالبراق رسما " يجيب ... أسكتت آيه الصبا والجنون # وهذا ابتداء صالح . # وفى البكاء على الديار قال أبو تمام: # على مثلها من أربع وملاعب ... أذيلت مصونات الدموع السواكب # قد أنكر " مصونات الدموع السواكب " بعضهم وقال :كيف من السواكب ماهو مصون ~~وإنما أراد أبو تمام أذيلت مصونات الدموع التى هى الآن سواكب، ولفظة يحتمل ~~ما أراده، والبت لفظا ومعنى ونظما. # وقال أيضا: # أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا ... فلا تكفن من شانيك أو يكفا # هذا ابتداء حسن. # وقال أيضا: # أزعمت أن الربع ليس يتيم ... والدمع في دمن عفت لا يسجم # وقال أيضا: # قرى دارهم منى الدموع السوافك ... وإن عاد صبحى بعدهم وهو حالك # وهذان ابتداءان جيدان. # وقال أيضا: تجرع أسى قد أقفر الجرع الفرد ودع حسى عين يحتلب ماءه الوجد ~~الجرع والأجرع والجرعاء: أرض ذات رمل وحجارة مختلطة خشنة، وقد قيل: رملة ~~سهلة، والحسى: ماء المطر يغيض في الرمل قليلا ثم يصير إلى الصلابة فيقف ms188 ~~فيحفر عنه ويشرب، وجمعه أحساء. # وقال البحتري: # متى لاح برق أو بدا طلل قفر ... جرى مستهل لا بكئ ولا نزر # وهذا بيت حسبك به جودة وحسنا وبراعة وفصاحة. # ونحوه قوله: # لها منزل بين الدخول فتوضح ... متى تره عين المتيم تسفح # هذا مثل قول امرئ القيس " بين الدخول فحومل " وهذا أيضا بيت جيد، وليس ~~كالأول. # وقال أيضا: # أفي كل دار منك عين ترقرق ... وقلب على طول التذكر يخفق # وهذا أيضا غاية في جودته وبراعته وكثرة مائه. # وقال أيضا: # ألما يكف في طللى زرود ... بكاؤك دارس الدمن الهمود # وقال أيضا: # أعن سفه يوم الأبيرق أم حلم ... وقوف بربع أو بكاء على رسم # هذه الأبيات الثلاثة كأنه منكر على نفسه البكاء، وقد أحسن فيما اعتمد من ~~ذلك وأجاد، وهو ضد ما ذهب إليه أبو تمام في أبياته. # وقال البحتري، وهو حسن جدا: # وقوفك في أطلالهم وسؤالها ... يريك غروب الدمع كيف انهمالها # وقال: # عند العقيق فماثلات دياره ... شجن يزيد الصب في استعباره # وقال: # يأبى الخلي بكاء المنزل الخالي ... والنوح في دمن أقوت وأطلال # وقال: # أبكاء في الدار بعد الدار ... وسلوا عن زينب بنوار # وهذا من البحتري تصرف في البكاء على الديار حسن، ومعان فيه مختلفة عجيبة، ~~كلها جيد نادر، وأبو تمام لزم طريقة واحدة لم يتجاوزها، والبحتري في هذا ~~الباب أشعر. # سؤال الديار واستعجامها عن الجواب PageV01P099 قال أبو تمام: # الدار ناطقة وليست تنطق ... لدثورها؛ إن الجديد سيخلق # وقال في مثل معناه: # وأبي المنازل إنها لشجون ... وعلى العجومة إنها لتبين # وهذا معنى شائع على ألسن العرب أن تقول لمن يعقل: وأبيك لقد أجملت، وكثرت ~~على الألسن حتى تعدوا بها إلى مالا يعقل، قسما وغير قسم، وكذلك قالوا: لأمك ~~الهبل، ولأمك الويل، ثم قالوا مثل ذلك لما لا أم له، وقال محرز بن المكعبر ~~يرثي بسطام بن قيس: # لأم الأرض ويل ما أجنت ... بحيث أضر بالحسن السبيل # فجعل للأرض أما. # وقد قال البحتري: # لعمر أبي الأيام ما جار حكمها ... علي، ولا أعطيتها ثنى مقودي # فجعل للأيام ms189 أبا، وقوله " شجون " جمع شجن، وما أفل ما يجمع فعل على فعول، ~~قالوا: أد وأسود، وليس هو بابه، والشجن: الحاجة، والشجن: الهم والحزن. # وقال أبو تمام: # من سجايا الطلول أن لا تجيبا ... فصواب من مقلتي أن تصوبا # هذا البيت صدره جيد، وقوله " فصواب " ليست بالجيدة في هذا الموضع، وإنما ~~أراد التجنيس. # وقال البحتري: # لا دمنة بلوى خبت ولا طلل ... ترد قولا على ذى لوعة بسل # وهذا بدأ جيد لفظه ومعناه. # وقال البحتري: # صب يخاطب مفحمات طول ... من سائل باك ومن مسئول # أراد أنه باك والطلول باكية، وهذا ابتداء صالح. # وقال: # عزمت على المنازل أن تبيما ... وإن دمن بلين كما بلينا # أي: عزمت عليها أن توضح لنا، ويكون ((تبين)) بمعنى تفصح هي في نفسها، ~~يقال: بأن الشيء وأبان، قوله((وإن دمن بلين كما بليان)) أي: عزمت عليها أن ~~تبين لنا القول وإن كانت قد بليت كما بلينا نحن، وهذا بيت ردئ العجز. # وقال البحتي: # أقم عليها أن ترجع القول أو على ... أخلف فيها بعض ما بي من الخبل # وهذا أيضا بيت ردئ الصدر لفظه ومعناه؛ لأنه أراد أن يقول:قف لعلها أن ~~ترجع القول أو على، فقال ((أقم)) مكان قف، وليس هذه اللفظة نائبة عن تلك؛ ~~لأن الإقامة ليست من الوقوف في شيء، والدليل إلى أنه أراد أن يقول قف قوله ~~بعد هذا: # فإن لم تقف من أجل نفسك ساعة ... فقفها على تلك المعالم من أجلي # وقال ((علها أو على)) وهما وإن كانتا لفظتين عربيتين فلعل أحسن من عل ~~وأبرع، وزاد في تهجينها أنه كررها في مصارع، وقوله ((أخلف بعض مابى من ~~الخبل)) عجز حسن، أي: أطرحه عني، أي: لعلي أبكي فأخفف بعض ما بي من البكاء، ~~وإلى هذا المعنى ذهب، وإن لم يكن البكاء في البيت فقد ذكره من بعد. # وقال: # بالله يا ربع لما زدت تبيانا ... فقلت لي الحي لما بان لم بانا # وقا لأيضا: # هب الدار ردت رجع ما أنت سائله ... وأبدى الجواب الربع عما تسائله # وهذا بيت غير جيد؛ ms190 لأن عجز البيت مثل صدره سواء ف يالمعنى، وكأنه بنى ~~الأمر على أن الدار غير الربع، وأن السؤال إن وقع وقع في محلين اثنين، ~~والبيت أيضا لا يقوم بنفسه؛ لأنه جعله معلقا بالبيت الثاني وهو قوله: # أفي ذاك برء من جوى الهب الحشا ... توقده واستغزر الدمع جائله # وقال أيضا: # هل الربع قد أمست خلاء منازله ... مجيب صداه أو يخبر سائله؟ # وهذا ابتداء صالح. # وقال أيضا: # عست دمن بالأبرقين خوالي ... ترد سلامي أو تجيب سؤالي # وهذا ابتداء حسن. # فهذا ما وجدته لهما من الابتداءات في الباب، وليس لهما فيه بيت بارع، ~~والجيد للبحتري قوله: # لا دمنة بلوى خبت ولا طلل # وقوله: # عست دمن بالأبرقين خوالي # والجيد لأبي تمام بيتاه الأولان، ومعناهما غي رمعنى هذين البتين، وبيتا ~~البحتري أجود لفظا، وأصح سبكا، وهما في هذا الباب متكافئان. # ما يخلف الظاعنين في الديار من الوحش وما يقارب معناه # قال أبو تمام: # أطلالهم سلبت دماها الهيفا ... واستبدلت وحشا بهن عكوفا # وهذا بيت جيد لفظه ومعناه. # وقال أيضا: # أأطلال هند ساء ما اعتضت من هند ... أقايضت حور العين بالعين والربد # العين: بقر الوحش والظباء، والربد: النعام، وقايضت: أبدلت، وهذا البيت ~~ليس بالجيد ولا بالردئ. # وقال أيضا: PageV01P100 أرامة كنت مألف كل ريم ... لو استمتعت بالأنس ~~القديم # وهذا بيت جيد. # وقال البحتري: # ربع خلا من بدره مغناه ... ورعت به عين المها الأشباه # وهذا بيت حسن حلو. # وقال البحتري أيضا: # عهدي بربعك مأنوسا ملاعبه ... أشباه آرامه حسنا كواعبه # وهذا بيت في غاية الجودة والبراعة لفظه ومعناه. # وقال أيضا: # عهدي بربعك مئلا آرامه ... يجلى بضوء خدودهن ظلام # وهذا بيت جيد اللفظ والمعنى، ولفظ الأول أحلى وأبرع، وقوله " يجلى بضوء ~~خدودهن ظلامه " حسن جدا. # وقال أيضا: # أرى بين ملتف الأراك منازلا ... مواثل لو كانت مهاها مواثلا # وهذا أيضا بيت من أبرع ابتداءاته. # فهذا ما وجدته لهما في هذا النحو، والبحتري في أبياته أشعر من أبي تمام ~~في أبياته. # فيما تهيجه الديار وتبعثه من جوى الواقفين بها # قال أبو تمام: # أقشيب ms191 ربعهم أراك دريسا ... تقرى ضيوفك لوعة ورسيسا # وهذا بيت من جيد الابتداءات وبارعها. # وقا لالبحتري: # مغاني سليمى بالعقيق ودورها ... أجد الشجى أخلاقها ودذورها # وهذا بيت في جودة بيت أبي تمام وبراعته. # وقال: # لعمر المغاني يوم صحراء أربد ... لقد هيجت وجدا على ذى توجد # وقال أيضا: # ما جو خبت وإن نأت ظعنه ... تاركنا أو تشوقنا دمنه # وقال أيضا: # كلما شاءت الرسوم المحيله ... هيجت من مشوق صدر غليله # وهذه كلها ابتداءات جياد، وهي مع بيت أبي تمام متكافئة. # الدعاء للدار بالسقيا # قال أبو تمام: # أسقى طلولهم أجش هزيم ... وغدت عليهم نضرة ونعيم # وقال أيضا: # سقى عهد الحمى صوب العهاد ... وروى حاضر منهم وبادي # وهذا ابتداءان جيدان. # وقال أيضا: # يا برق طالع منزلا بالأبرق ... واحد السحاب له حداء الأينق # قوله " طالع " لفظة رديئة ف يهذا الموضع قبيحة، وقوله " واحد السحاب له ~~حداء الأينق " لفظه ومعناه جيدان فصيحان، وإنما خص البرق لأنه دليل الغيث ~~وقال أيضا: # أيها البرق بت بأعلى البراق ... وأغد فيها بوابل غيداق # البرقا: جمع برقة، مثل برمة وبرام، وهي الأرض ذات الطين والحصى تكون ذات ~~ألوان مختلفة، وهذا بيت جيد، ووصله ببيت هو غاية في الحسن والحلاوة نأتي به ~~إن شاء الله تعالى في بابه. # وقال: # يا دار دار عليك أرهام الندى ... واهتز روضك في الثرى فترأدا # يقال: أرهمت السماء، إذا أتت بالرهمة، وهو المطر اللين، يقال: رهمة ~~وأرهام، كأكمة وآكام، فإن قلت " أرهام الندى " كان ذلك سائغا، فترأد: تثنى ~~لكثرة مائه وغضاضته، ومنه " امرأة رود الشباب " أي: غضته، وهذا بيت ليس ~~بجيد اللفظ ولا النسج. # وقال البحتري: # نشدتك الله من برق على أضم ... لما سقيت جنوب الحزن فالعلم # وهذا بيت بارع اللفظ، جيد المعنى، وزاد في جودته قوله " نشدتك الله " . # وقال أيضا: # سقيت الغوادي من طلول وأربع ... وحييت من دار لأسماء بلع # وهذا أيضا بيت جيد اللفظ والمعنى، ويدخل في باب التسليم على اديار لقوله ~~" وحييت من دار " . # وقال أيضا: # أناشد الغيث هل تهمى غواديه ... على العقيق وإن أقوت مغانيه ms192 # وهذا بيت جيد وقال أيضا: # أقام كل ملث الودق رجاس ... على ديار بعلو الشام أدراس # ملث: دائم كثير، ورجاس: مصوت، يريد الرعد، وهذا بيت كثير الماء والرونق. # وقال أيضا: # لا يرم ربعك السحاب يجوده ... تبتدى سوقه الصبا أو تقوده # وقال أيضا: # سقى دار ليلى حيث حلت رسومها ... عهاد من الوسمى وطف غيومها # وهذان ابتداءان جيدان، وليسا مثل ما تقدم. # وقال أيضا: # سقى ربعها سح السحاب وهاطله ... وإن لم يخبر آنفا من يسائله # وهذا البيت ردئ العجز من أجل قوله " آنفا " لأنه حشو لا حاجة للمعنى به؛ ~~فهذا ابتداء من الدعاء للديار بالسقيا، وهما عندي متكافئان. # في لوم الأصحاب في الوقوف على الديار # قال أبو تمام: PageV01P101 أراك أكبرت إدماني على الدمن ... وحملي الشوق ~~من باد ومكتمن # وهذا ابتداء صالح وقال أيضا: # ما عهدنا كذا نحيب المشوق ... كيف والدمع آية المعشوق # هذا بيت ردئ جدا، وقد ذكرت ما فيه في باب ما ذكرناه له في وسط الكلام في ~~تعنيف الأصحاب على الوقوف على الديار، وهذا البيت ابتداء، وإنما ذكرته هناك ~~لأن معناه يتضح بالأبيات التي بعده؛ فجعلته في ذلك الباب. # وليس لأبي تمام ابتداء صالح في لوم الأصحاب غير هذين البيتين. # فأما البحتري فإنه تصرف ف يابتداءات جياد حسان بارعة حلوة؛ فمن ذلك قوله: # فيم ابتداركما الملام ولوعا ... ابكيت إلا دمنة وربوعا # وهذا بيت حسن، وفيه سؤال، وهو أن يقال: إنما لاموه على بكائه على الدمنة ~~والربوع، فما وجه اعتذاره بأنه لم يبك إلا دمنة وربوعا؟ والجواب أنه أراد ~~أبكيت إلا ما مثله يبكي؟ وقد تقدمني الناس فيه ولم ينكر ذلك على أحد. # وقوله: # خذا من بكائي في المنازل أودعا ... وروحا على لومي بهن أو اربعا # وهذا بيت جيد. # وقوله أيضا: # ذاك وادي الأراك فاحبس قليلا ... مقصرا من ملامتي أو مطيلا # وهذا بيت جيد حسن، بارع اللفظ والمعنى، وقد ذكرته أيضا في باب الوقوف على ~~الديار. # وقوله: # أحرى الخطوب بأن يكون عظيما ... قول الجهول: ألا تكون حليما # وقوله: # ما أنت للكلف المشوق ms193 بصاحب ... فاذهب على مهل فليس بذاهب # وقوله: # في غير شأنك بكرتي وأصيلي ... وسوى سبيلك في السلو سبيلي # وقوله: # بعض هذا العتاب والتفنيد ... ليس ذم الوفاء بالمحمود # ولهما في تأنيب العذال في غير الوقوف علىالديار ابتداءات ليس بضائر ذكرها ~~ههنا. # فمن ذلك قول أب يتمام: # تقى جمحاتي لست طوع مؤنبي ... وليس حبيبي إن عذلت بمصحبي # وقوله أيضا: # دأب عيني البكاء، والحزن دابيفاتركيني وقيت ما بي لما بي # وقوله أيضا: # كفى وغاك؛ فإنني لك قالى ... ليست هوادي عزمتي بتوالي # وقوله أيضا: # لامته لام عشيرها وحميمها ... منها خلائق قد أبر ذميمها # وقوله أيضا: # متى كان سمعي خلسة للوائم ... وكيف صغت للعاذلين عزائمي # وقوله أيضا: # قدك اتئب أربيت في الغلواء ... كم تعذلون وأنتم سجرائي # وهذه كلها ابتداءات صالحة، إلا هذا البيت الأخير؛ فإن الناس عابوه، وذكر ~~أبو عبد الله محمد بن داود بن الجراح في كتابه أن مما عيب من ابتداءات ~~الطائي قوله: # كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر # وقوله: # خشنت عليه أخت بني خشين # فأما قوله " خشنت عليه " فهو لعمري من تجنيساته القبيحة، وعهدت مجان ~~البغداديين يقولون: قليل نورة يذهب بالخشونة، وأما قوله " كذا فليجل الخطب ~~وليفدح الأمر " فليس بمعيب عندي، وقد ذكرته في ابتداءات المراثي، وأخبرت ~~بمعناه، وأما قوله " قدك اتئب أربيت في الغلواء " فإنها ألفاظ صحيحة فصيحة ~~من ألفاظ العرب، مستعملة في نظمهم ونثرهم، وليست من متعسف ألفاظهم، ولا ~~وحشي كلامهم، ولكن العلماء بالشعر أنكروا عليه أن جمعها في مصراع واحد، ~~وجعلها ابتداء قصيدة، ولم يرفق بينها بفواصل فقال: " قدك اتئب أربيت في ~~الغلواء " ؛ فصار قوله " قدك اتئب " كانهما كلمة واحدة على وزن مستفعلن، ~~وضم إليه " أربيت في الغلواء " فاستهجنت ،ولو جاء هذا في شعر أعرابي لما ~~أنكروه؛ لأن الأعرابي إنما ينظم كلامه المنثورالذي يستعمله في مخاطباته ~~ومحاوراته ،ولو خاطب أبو تمام بهذا المعنى في كلامه المنثور لما قال لمن ~~يخطبه إلاحسبك استح زدت وغلوت، وهذا كلام حسن بارع. PageV01P102 قال: فمن ~~شأن الشاعر الحضري أن يأتي في شعره بالألفاظ العربية المستعملة في ms194 كلام ~~الحاضرة؛فإن اختارأن يأتي بما لايستعمله أهل الحضر فمن سبيله أن يجعله من ~~المستعمل في كلام أهل البدو دون الوحشى الذي يقل استعمالهم إياه ،وأن يجعله ~~متفرقا في تضاعيف ألفاظه ،ويضعه في مواضيعه ،فيكون قد اتسع مجاله ~~بالاستعانة به،ودل على فصاحته وعلمه ،وتخلص من الهجنة، كما أنالشاعر ~~الأعرابي إذا أتى في شعره بالوحشى الذي يقل استعماله إياه في منثور كلامه ~~وما يجري دائما في عادته هجنه وقبحه ،إلا أن يضطر إلى اللفظة واللفظتين، ~~ويقلل ،ولايستكثر؛ فإن الكلام أجناس إذا أتى منه شئ مع غير جنسه باينه ~~ونافره وأظهر قبحه . # وقد تصرف البحتري في هذا الباب أحسن تصرف وأبلغه وأعجبه؛ فمن ذلك قوله: # أتاركى أنت أم معرى بتعذيي ... ولائمى في هوى إن كان يرزىبي # وقوله أيضا: # يفندون وهم أدنى إلى الفند ... ويرشدون وما العذال في رشد # متى كان سمعى خلسة ... وكيف صنعت للعاذلين عزائمى # وقوله أيضا: # قدك اتئب أربيت في الغلواء ... كم تعذلون وأنتم سجرائى # وهذه كلها ابتداءات صالحة إلا هذا البيت الأخير؛فإن الناس عابوه ~~،وذكرأبوعبدالله محمد بن داود بن الجراح فى كتاب أن مما عيب من ابتداءات ~~الطائى قوله : # كذافليجل الخطب وليفدح الأمر # وقوله: # خشنت عليه أخت بنى خشين # فأما قوله " خشنت عليه " فهو لعمرىمن تجنيساته القبيحة وعهدت مجان ~~البغداديين يقول : قليل نورة يذهب بالخشونة، وأما قوله " كذا فليجل الخطب ~~وليفدح الأمر " فليس بمعيب عندى،وقدذكرته فىابتداءات المراثى ،وأخبرت ~~بمعناه ،وأما قوله " قدك اتئب أربيت فى الغلواء " فإنها ألفاظ صحيحة فصيحة ~~من ألفاظ العرب ، مستعملة فى نظمهم ونثرهم ، وليست من متعسف ألفاظهم ، ولا ~~وحشى كلامهم ، ولكن العلماء بالشعر أنكروا عليه أن جمعها فى مصراع واحد ، ~~وجعلها ابتداء قصيدة ، ولم يفرق بينها بفواصل فقال : " قدك اتئب أربيت فى ~~الغلواء " فصار قوله " قدك اتئب " كانهما كلمة واحدة على وزن مستفعلن ،وضم ~~إليه " أربيت فى الغلواء " فاستهجنت ،ولوجاء هذا فى شعر أعرابى لما أنكروه ~~لأن الأعرابى إنما ينظم كلامه المنثور الذى يستعمله فىمخاطباته ~~ومحاوراته،ولوخاطب أبوتمام بهذا المعنى فى كلامه المنثور لما قال لمن ~~يخاطبه ms195 إلا حسبك استح زدت وغلوت،وهذاكلام حسن بارع. # قال :فمن شأن الشاعر الحضرى أن يأتى فى شعره بالألفاظ(العربية) المستعملة ~~فىكلام الحاضرة ،فإن اختار أن يأتى بما لا يستعمله أهل الحضر فمن سبيله أن ~~يجعله من المستعمل في كلام أهل البدو دون الوحشى الذى يقل استعمالهم إياه ~~،وأن يجعله متفرقا فى تضاعيف ألفاظه،ويضعه في مواضعه،فيكون قداتسع مجاله ~~بالاستعانة به،ودل على فصاحته وعلمه ،وتخلص من الهجنة، كما أن الشاعر ~~الأعرابي إذا أتى فى شعره بالوحشى الذى يقل استعماله إياه فى منثور كلامه ~~وما يجرى دائما فى عادته هجنه وقبحه ،إلا أن يضطر إلى اللفظة واللفظتين ~~،ويقلل ،ولا يستكثر،فإن الكلام أجناس إذا أتى منه شىء مع غير جنسه باينه ~~ونافره وأظهر قبحه . # وقد تصرف البحتري في هذا الباب أحسن تصرف وأبلغه وأعجبه؛ فمن ذلك قوله: # أتاركى أنت أم معرى بتعذيي ... ولائمى في هوى إن كان يرزىبي # وقوله أيضا: # يفندون وهم أدنى إلى الفند ... ويرشدون وما العذال في رشد # وقوله أيضا: # إنما الغي أن يكون رشيدا ... فانقصا من ملامه أو فزيدا # وقوله أيضا: # ألم يك في وجدي وبرح تلددي ... نهاية نهى للعذول المفند # وقوله أيضا: # مرنت مسامعه على النفنيد ... فعصى الملام لاعين وخدود # وقوله أيضا: # شغلان من عذل ومن تفنيد ... ورسيس حب طارف وتليد # وقوله أيضا: # أقصرا ليس شأني الإكثار ... وأقلا لن يغني الإكثار # وقوله أيضا: # قلت للائم في الحب أفق ... لا تهون طعم شيء لم تذق # وقوله أيضا: # أما كان في تلك الدموع السوائل ... بيان لناء أو جواب لسائل # وقوله أيضا: PageV01P103 أكثرت في لوم المحب فأقلل ... وأمرت بالصبر ~~الجميل فأجمل # وقوله أيضا: # رويدك إن شأنك غير شاني ... وقصرك لست طاعة من نهاني # وقوله أيضا: # يكاد عاذلنا ف يالحب يغرينا ... فما لجاجك في لوم المحبينا # وقوله أيضا: # عذيري فيك من لاح إذا ما ... شكوت الحب قطعني ملاما # وقوله أيضا: # طفقت تلوم ولات حين ملامه ... لا عند كرته ولا إحجامه # ولا خفاء بفضل البحتري أيضا على أبي تمام في هذا الباب، وقد مضت الموازنة ~~بين الابتداءات ms196 بذكر الديار والآثار، وأنا الآن أذكر ما جاء عنهما من ذلك ~~في وسط الكلام. # ما قالاه في أوصاف الديار والبكاء عليها # قال أبو تمام: # طلل الجميع لقد عفوت حميدا ... وكفى على رزئي بذاك شهيدا # دمن كأن البين أصبح طالبا ... دينا لدى آرامها وحقودا # قربت نازحة القلوب من الجوى ... وتركت شأو الدمع فيك بعيدا # خضلا إذا العبرات لم تبرح لها ... وطنا سرى قلق المحل طريدا # وقوله " وكفى على رزئي بذاك شهيدا " ليس بالجيد، وقد ذكرت معناه فيما ~~تقدم من ذكر معانيه في باب الابتداءات عند ذكر البيت، وقوله قربت نازحة ~~القلوب من الجوى " يريد القلوب التي بعد عهدها بمرض الحب فأدنيتها من ذلك ~~عند الوقوف عليك، يخاطب الطلل والدمن، وقوله " وتركت شأو الدمع فيك بعيدا " ~~أي: دائما طويلا، وقوله " خضلا إذا العبرات لم تبرح لها وطنا سرى قلق المحل ~~طريدا " أي: من كان إنما يبكي في وطنه على الحوادث التي تحدث عليه فيه سرى ~~هذا الدمع قلق المحل طريدا، أي اعتسف المسير لطوله حتى يحل بهذه الدمن، ~~وهذا نحو من قوله: # فما وجدت على الأحشاء أبرد من ... دمع على وطن لي في سوى وطني # فقوله " على وطن " يعني الرسوم والطلول التي يقف عليها، وهذا من جيد ~~ألفاظه وصحيح معانيه، وغرضه فيما وصف من الدمع غرض حسن، وأحسن منه وألطف ~~وأغرب قوله: # أما الرسوم فقد أذكرن ما سلفا ... فلا تكفن عن شانيك أو يكفا # لا عذر للصب أن يقنى السلو ولا ... للدمع بعد مضى الحي أن يقفا # حتى يظل بماء سافح ودم ... في الربع يحسب من عينيه قدر عفا # وهذا المعنى ليس له، وإنما أخذه من قول أبي وجزة السعدي: # عيون ترامى بالرعاف كأنها ... من الشوق صردان تدب وتلمع # قيل في تفسيره: شبه الدمع وقد عصفره الدم بالرعاف، وشبه العيون - وهي ~~تفيض بالدمع تارة وتحبسه أخرى - بالصردان تنتفض تارة وتظهر قريبا من الأرض ~~تارة، وبيت أب يتمام أجود لفظا ونظما، ولا أظن البحتري ذهب إلى مثل هذا ~~المعنى، ولا للمعنى الذي قبله ms197 في وصف الدمع، ولكنه يعتذر مرة بقلة دمعه، ~~ومرة يذكر كثرته ويفتخر بغزره، وفي كل ذلك يحسن ويجيد؛ فمن اعتذاره قوله في ~~قصيدته التي أولها: # فيم ابتدار كما الملام ولوعا ... أبكيت إلا دمنة وربوعا # يا دار غيرها الزمان وفرقت ... أيدي الحوادث شملها المجموعا # لو كان لي دمع يحسن لوعتي ... خليته في عرصتيك خليعا # لاتخطبي دمعي إلى؛ فلم يدع ... في مقلتي جوى الفراق دموعا # قوله في ابتداء القصيدة " أبكيت إلا دمنة وربوعا " قد أخبر أنه بكى ثم ~~قال " لو كان لي دمع يحسن لوعتي " أي: لو كان ل يدمع غزير يليق بلوعتي ~~وينبئ عنها، وكذلك قوله " فلم يدع في مقلتي جوى الفراق دموعا " أي: دموعا ~~كافية أرضاها، أو دموعا تشفيني؛ لأنه استقل دمعه واستنزره، أو أن يكون ~~انقطع دمعه وفنى، ولله در كثير إذ يقول: # وقضين ما قضين ثم تركنني ... بفيفا خريم واقفا أتلدد # ولم أر مثل العين ضنت بمائها ... على، ولا مثلي على الدمع يحسد # وقال أبو تمام: # أقشيب ربعهم أراك دريسا ... تقرى ضيوفك لوعة ورسيسا # ولئن حبست علىالبلى لقد اغتدى ... دمعى عليك إلى الممات حبيسا # وأرى رسومك موحشات بعدما ... قد كنت مألوف المحل أنيسا PageV01P104 ~~وبلاقعا حتى كأن قطينها ... حلفوا يمينا أخلفتك غموسا # وهذا كلام رصين، وقوله " حلفوا يمينا أخلفتك " أي: كأنهم حلفوا يمينا ألا ~~يعودوا إليك، فأخلفتك هذه اليمين. # ومن حلو معانيه وجيد ألفاظه في البكاء على الديار قوله: # دمن لوت عزم الفؤاد ومزقت ... فيها دموع العين كل ممزق # وقال أيضا: # سقى عهد الحمى سبل العهاد ... وروض حاضر منه وبادي # نزحت به ركى العين إني ... رأيت الدمع من خير العتاد # وهذا البيت في غاية الجودة لفظه ومعناه، يريد فيا حسن الرسوم ولم يمش ~~إليها الدهر: أي لم يصبها الدهر ببعد أهلها عنها، فأخرجه هذا المخرج القبيح ~~المستهجن. # ومن إحسان أبي عبادة المشهور في هذا قوله: # أمحلتى سلمى بكاظمة اسلما ... وتعلما أن الهوى ما هجتما # هل ترويان من الأحبة هائما ... أو تسعدان على الصبابة مغرما # أبكيكما دمعا ولو أنى على ms198 ... قدر الجوى أبكى بكيتكما دما # ومن جيد شعر أبي تمام أيضا في هذا الباب قوله: # أرامة كنت مألف كل ريم ... لو استمتعت بالأنس القديم # أدار البؤس حسنك التصابي ... إلى فصرت جنات النعيم # لئن أصبحت ميدان السوافي ... لقد أصبحت ميدان الهموم # ومما ضرم البرحاء أنى ... شكوت وما شكوت إلى رحيم # أظن الدمع في خدي سيبقى ... رسوما من بكائي في الرسوم # وهذا من أسهل كلامه وأسلس نظمه، ومن أبعد قول من التكلف والتعسف، وأشبهه ~~بكلام المطبوعين وأهل البلاغة، وقوله " فصرت جنات النعيم " معنى حسن، ولكن ~~فيه إسراف أن يجعل دارا خلت من أهلها وسماها دار بؤس وهو باك فيها جنات ~~النعيم. # وقد أتى البحتري بهذا المعنى متبعا فيه أبا تمام، ولكنه جاء به على سبيل ~~اقتصاد واعتدال، واجتنب إفراطه، فقال: # يا مغاني الأحباب صرت رسوما ... وغدا الدهر فيك عندي ملوما # ألف البؤس عرصتيك وقد كن ... ت بعيني جنة ونعيما # فقال " ألف البؤس عرصتيك " ثم قال " وقد كنت بعيني جنة ونعيما " فجعلها ~~جنة ونعيما فيما مضى، ومع هذا فإني أقول: إن بيت أبي تمام أحسن، وهو في ~~سائر أبياته أشعر. # وقال البحتري: # لعمرك إن الدراسات لقد غدت ... بريا سعاد وهي طيبة العرف # بكينا فمن دمع يمازجه دم ... هناك، ومن دمع نجود به صرف # وهذا حسن جدا، وإنما أخذ قوله((بريا سعدا وهي طيبا العرف) من قول الآخر، ~~أنشده الأخفش عن المبرد: # وأستودعت نشرها الديار؛ فما ... تزداد إلا طيبا على القدم # وهذا أجود من بيت البحتري، لما فيه من الزيادة الحسنة، وهي قوله ((فما ~~تزداد إلا طيبا على القد)). # وقال البحتري: # ترى الليل يقضى عبقة من هزيعه ... أو الصبح يجلو غرة من صديعه # أو المنزل العافي يرد أنيسه ... بكاء على أطلاله وربوعه # إذا ارتفق المشتاق كان سهاده ... أحق بجفني عينه من هجوعه # وهذا لفظ فحل، ومعان في غاية الصحة والاستقامة. # وللبحتري في وصف الديار والبكاء عليها مذهب آخر، وهو حسن جدا، ومن ذلك ~~قوله: # أبكاء في الديار بعد الدار؟ ... وسلوا بزينب عن نوار؟ # لا هناك ms199 الشغل الجيد بحزوى ... عن رسوم برامتين قفار # ما ظننت الأهواء قبلت تحمى ... من صدور العشاق محو الديار # نظرة ردت الهواء الشرق غربا ... وأمالت نهج الدموع الجواري # وهذا غرض حلو، زمعنى لطيف، ومثله قوله، ولكن ليس فيه ذكر البكاء: # أبيت بأعلى الحزن والرمل دونه ... مغان لها ومجفوة وطلول # وقد كنت أرجو الريح غربا مهبها ... فقد صرت أهوى الريح وهي قبول # وذلك لأن القبول هي الصبا، ومهبها من مطلع الشمس، ونحوه قوله: # كلفتني أريحيات الصبا ... طلقا في الحب ممتد الرسن # نقلتني في هوى بعد هوى ... وابتغت لي سكنا بعد سكن # وقوله: PageV01P105 ما ظننت الأهواء بعدك تمحى ... من صدور العشاق محو ~~الديار # معنى حسن، وإنما أخذه من قول أبي تمام: # زعمت هواك عفا الغداة كما عفت ... منها طلول باللوى ورسوم # وبيت البحتري أحلى وأبرع وقال البحتري في وجه آخر، وهو أيضا حسن لطيف: # في كل يوم دمنة من حبهم ... تقوى، وربع بعدهم يتأبد # أوما كفانا أن بكينا غربا ... حتى شجتنا بالمنازل ثهمد # ومذله قوله: # هو الدمع موقوفا على كل دمنة ... تعرج فيها أو خليط تزايله # تراد فهم خفض الزمان ولينه ... وجادهم طل الربيع ووابله # وإنما حذا البحتري هذا المعنى على حذو قول كثير: # وكنت امرأ بالغور مني صريمة ... وأخرى بنجد، ما تعبد وما تبدى # فطورا أكر الطرف نحو نهامة ... وطورا أكر الطرف كرا إلى نجد # وأبكي إذا فارقت هندا صبابة ... وأبكي إذا فارقت دعدا على دعد # وهذا ما لا مزيد فيه على حسنه وطلاوته، ومثله قول جرير: # أخالد قد علقتك بعد هند ... فشيبني الخوالد والهنود # هوى بتهامة هوى بنجد ... فقتلني التهائم والنجود # وقال جرير في نحو هذا: # إلى الله أشكو أن بالغور حاجة ... وأخرى إذا أبصرت نجدا بداليا # ومثله قوله أيضا: # أحب ثرى نجد، وبالغور حاجة ... فغار الهوى يا عبد قيس وأنجدا # هذا باب في وصف أطلال الديار وآثارها # قال أبو تمام: # قفوا نعطي المنازل من عيون ... لها في الشوق أحساء غزار # عفت آياتهن، وأي ربع ... يكون له على الزمن الخيار؟ # أثاف كالخدود ms200 لطمن حزنا ... ونوي مثل ما انفصم السوار # قوله " أحساء " جمع حسي، وهو الماء يغيض في الرمل، فإذا وصل إلى الصلابة ~~وقف؛ فيحفر عنه ويشرب، وقد قال في موضع آخر: # ودع حسي عين يحتلب ماءه الوجد # وقوله " أثاف كالخدود لطمن حزنا " من قول المرار الفقعسي: # أثر الوقود على جوانبها ... بخدودهن كأنه لطم # وقال البحتري: # عوض منهم خسيس وقد حلوا اللوى منزل بوجرة عافي # لم تدع منه مبليات الليالي ... غير نؤي تسفى عليه السوافي # وأثاف أتت لها حجج دو ... ن لظى الناء مثل كالأثافي # وقوله " مثل " أي قائمة ثابتة " كالأثافي " يريد الكواكب التي عند ~~الفرقدين وهي ثلاثة، قيل لها أثاف لشبهها بالأثافي، فشبه البحتري الأثافي ~~بها لثبوتها وأنها مثل على مر الدهر؛ قال أبو حنيفة الدينوري في كتابه في ~~الأنواء: إن في تثليثها طولا، ولو شبهها البحتري بالنسر الواقع - لأنه أشهر ~~وأظهر وأقرب شبها - لكان ذلك أحسن وأليق وأكشف للمعنى من أن يشبهها بشيء ~~إنما استعير له اسمها، وليس يعرفه كل أحد، ولكنه جاء به من أجل القافية، ~~وقال البحتري: # لها منزل بين الدخول فتوضح ... متى تره عين المتيم تسفح # عفا غير نؤي دارس في فنائه ... ثلاث أثاف كالحمائم جنح # وهذا جيد حسن وعلى منهج الشعراء، وأظنه أخذه من قول عدي بن زيد: # وثلاث كالحمامات بها ... بين مجثاهن توشيع الحمم # قال ابن الأعرابي: لا يكون " مجثاهن " إنما هو " مجراهن " . # أو من قول أبي نواس: # كما اقترنت عند المبيت حمائم ... بعيدات ممسى ما لهن وكون # وهذا أجود من بيت عدي ومن بيت البحتري. # وقد شبه الأثافي بالحمائم غير واحد من الشعراء، والبديع النادر في وصف ~~الأثافي قول كثير: # أمن آل قيلة بالدخول رسوم ... وبحومل طلل يلوح قديم؟ # لعب الزمان برسمه فأجده ... حون عواكف في الرماد جثوم # سفع الخدود كأنهن وقد مضتحجج عوائد بينهن سقيم PageV01P106 قوله " فأجده ~~جون عواكف " يعني الأثافي؛ لأن الريح لما كشفت عنها فظهرت سوداء، شبهها ~~بالعوائد، والجون: الأسود، والجون: الأبيض، وهو من الأسماء المتضادة، قال ~~الأصمعي: يقال: غابت الجونة، وطلعت ms201 الغزالة، يعني مغيب الشمس وطلوعها، وهما ~~أسمان من أسماء الشمس، وإنما سميت الشمس جونة عند الغروب لما يعرض فيها من ~~تغير اللون إلىالسواد. # وقال حميد بن ثور: # على أن سجقا من رماد كأنه ... حصى إثمد بين الصلاء سحيق # وقال أبو سعيد المخزومي: # يبكي ثلاثا كالحمام ركدا ... تسفى بها الريح رمادا أرمدا # كأنما يطحن فيها إثمدا # وقال بشار بن برد: # ومسجد شيخ كنت في زمن الصبا ... أحييه أحيانا وفيه نكوب # غدا بثلاث ما ينام رقيبها ... وأبقى ثلاثا ما لهن رقيب # " غدا " يريد الشيخ " غدا بثلاث " أي بثلاث نسوة " ما ينام رقيبها " يعني ~~الشيخ أنه ما ينام عن رقبتها " وأبقى ثلاثا " يعني الأثافي. # وأخذ أبو تمام قوله " ونؤى مثل ما انفصم السوار " من قول آخر: # نؤى كما نقص الهلال محاقه ... أو مثل ما فصم السوار المعصم # وهذا العجز ما لحسنه نهاية. وقال كثير: # عرفت لسعدى بعد عشرين حجة ... بما درس نؤي في المحلة منحن # قديم كوقف العاج، ثبت حواؤه ... مغادر أوتاد برضم موضن # قوله " منحن " مستدير. والوقف: السوار من الذبل ومن العاج. والرضم: صخور ~~عظام. والرضم - أيضا - هضاب صغار. والموضن: هو الذي بعضه فوق بعض. يقول: ~~ضربت الأوتاد بحجارة الرضمة. # وما أحسن قول بشار: # ونؤي كخلخال الفتاة وصائم ... أشج على ريب الزمان رقوب # الصائم الأشج يعنى الوتد، والصائم القائم .... قال النابغة: # خيل صيام، وخيل غير صائمة ... تحت العجاج، وخيل تعلك اللجما # فجعله رقوبا لانفراده، على الاستعارة. والمرأة الرقوب ولاشيخ الرقوب: ~~الذي لا يعيش له ولد، والذي لا ولد له فهو ينتظره. والمستعمل في الرقبة أن ~~يقال: رقيب، وراقب. وأظنه ذهب إلى توكيد الفعل، مثل قولهم " ضارب " فإذا ~~وكدوا قالوا " ضروب " . وكذلك " شارب وشروب، وآكل وأكول " أي كثير الأكل ~~والشرب. وقال أبو تمام: # والنؤى أهمد شطره فكأنه ... تحت الحوادث حاجب مقرون # وهذا أيضا في وصف النؤى حسن، ولست أعرف للبحتري في مثل هذا شيئا إلا ما ~~لا يشتبه فيه، وهو قوله: # آثار نؤي بالفناء مثلم ... ورمام أشعث بالعراء مشجج # وهذا على مذاهب الناء. ms202 وقال النابغة: # رماد ككحل العين ما إن تبينه ... ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع # ووصل البحتري بيته بأن قال: # دمن كمثل طرائق الوشى انجلت ... لمعاتهن من الرداء المنهج # يضعفن عن إذ كارنا عهد الصبا ... أو أو يهجن صبابة لم تهتج # ولرب عيش قد تبسم ضاحكا ... عن طرق زمن بهن مدبج # وهذا كله على مذاهب الناس، ونحو قوله " كمثل طرائق الوشى " قول النابغة: # على الغصن الحالي كأن رسومها ... الركنين وشي مرجع # " مرجع " بعضه على بعض في النساجة، وقال كثير: # مغاني ديار لا تزال كأنها ... بأفنية الشطآن ريط مضلع # وقال كثير أيضا: # غشى الركب ربعها فعجبنا ... من بلاه، وما المدى بقديم # كحواشي الرداء قد مح منه ... بعد حسن عصائب التسهيم # وهذا حسن جدا. وقول البحتري " يضعفن عن إذكارنا عهد الصبى " يعني لطول ~~عهدهن ودروسهن. # وقد تصرف شعراء الجاهلية والإسلام في وصف آثار الديار أحسن تصرف، وأتوا ~~فيه بكل تشبيه مستحسن ومعنى مستغرب؛ فمنه قول طرفة: # تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد # الوشم: أثر الحناء. وخص ظاهر اليد لأن دروسه أسرع. وقال لبيد: # وجلا السيول عن الطلول كأنها ... زبر تجد متونها أقلامها # وهذا ما زلت أسمع العلماء تعجب من حسنه ولطافة معناه، وكان الفرزدق إذا ~~أنشده يسجد ويقول: إنا نعرف مكان السجود في الشعر كما تعرفونه في القرآن. ~~وقال آخر، وأنشده إسحاق بن إبراهيم: PageV01P107 تمتع بكر الطرف في رسم ~~منزل ... تحمل عنه قاطنوه فأقفرا # ترى فيه آثارا، وإن كان داثرا ... تذكرك الشوق القديم فتذكرا # قوله " فتذكرا " ليس بالجيد، ووجهه الرفع، ولكنه جاء به على إدارة ~~التوكيد، وقد جاء مثله في أشعارهم، قال جذيمة الأبرش: # ربما أوفيت في علم ... ترفعن ثوبي شمالات # وقال الجعدي: # وأقبل على مجدي ومجدك نبتحث ... مساعينا حتى نرى كيف نفعلا # ومثله قليل. وأحسن من هذا ومن كل حسن قول محمد بن عبيد الأزدي: # فلم تدع الأرواح والماء والبلى ... من الدار إلا ما يشوق ويشغف # وأنشد إسحاق، ووجدته في التعليقات ليعلى الطائي: # لبسن البلى حتى كأن رسومها ... طعمن الهوى أو ذقن هجر ms203 الحبائب # وقال ابن وهيب في مثله يذكر منزلين: # لبسا البلى فكأنما وجدا ... بعد الأحبة مثل ما أجد # وقال البحتري في مثل هذا: # صب يخاطب مفحمات طلول ... من سائل باك ومن مسئول # حملت معالمهن أعباء البلى ... حتى كأن نحولهن نحولي # وأنشدني غير واحد من الشيوخ: # ما غير الدار بعد بينهم ... ريح عفت آيها ولا مطر # كأنما جزعة يمانية ... قد نشرت في عراصها الحبر # وقال آخر، وأنشده حماد: # قد وقفنا ... بطلول وأرسم # لائحات كأنها ... برد وشى منمنم # وسألنا فألحمت ... عن جواب المكلم # وهذا كله أحلى وألطف معاني، وألوط بالنفس من كل ما قال الطائيان. # قد تم - بحمد الله تعالى - القسم الذي سبق نشره من كتاب " الموازنة " ~~للعلامة الآمدي، بعد ما روجع أدق مراجعة وأكملها وأوفاها، ونحن بصدد البحث ~~عن أصول خطية دقيقة تامة كاملة لهذا الكتاب واجتلابها من مواطنها، لننشره ~~تاما كاملا؛ نسأل الله تعالى أن يوفقنا لإدراك هذه البغية، ويسدد خطانا؛ ~~إنه مولانا ونعم النصير . PageV01P108 ms204